بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ                          {هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ}                          قال الله تعالى: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ() قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ() اللَّهُ الصَّمَدُ() لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ() وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}                          وقال الله تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}                          وقال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}                          وقال الله تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِّلْعَبِيدِ}                          وقال الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}                          وقال الله تعالى: {قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}                          وقال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}                          وقال الله جل جلاله: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}                          وقال الله سبحانه: {فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}                          وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً: كتابَ الله وعترتي أهلَ بيتي، إنَّ اللطيفَ الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علَيَّ الحوض))                          وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى))                          وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه، واخذل من خذله، وانصر من نصره))                          وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((عليٌّ مني بمنـزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي))                          وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((عليٌّ مع الحق والقرآن، والحق والقرآن مع علي))                          وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لفاطمة عليها السلام: ((إن الله يرضى لرضاك، ويغضب لغضبك))                          وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما))ـ
 

    1- عقيدة الإمام الهادي عليه السلام

    2- عهد الإمام الهادي عليه السلام لعمّاله

 

[عقيدة الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم عليهم السلام]

جواب لأهل صنعاء على كتاب كتبوه إليه عند قدومه البلد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

أمـا بعـد؛

فقد جاءني كتابكم تحذرون البدع المضلة، والأهواء المغوية، والآراء المحدثة، والميل إلى الخلاف والفرقة، وتحثون على لزوم الجماعة والأبرار الذين كانوا أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، وذلك عندما بلغكم من اجتماع الناس على عيبي وطعنهم عليَّ، وتنقصهم إياي، وشتمهم لي من غير حدث أَحدثتُ، ولا خلاف أظهرتُ، ولا رأيٍ قبيح ابتدعتُ.

زعموا أني تركت المنهاج الأكبر، وأني سلكت الطريق الأوعر. وتسألوني ما أنا عليه، وما أنا متمسك به، وإيضاح ذلك من لدن التوحيد إلى آخر فريضة من فرائض الله، وقد فسرت جميع ذلك في كتابي هذا حسب طاقتي، وبالله حولي وقوتي، وعليه أتوكل في جميع أموري.

الإيمان بالله

أما الذي أرجو به الفوز، وهو لي عدة من عذاب الله وحرز وجُنَّة: فإقراري لله عز وجل بالربوبية، وشهادتي له بالوحدانية، وإذعاني له بالعبودية، وأنه خالق كل شي مما يرى ومما لا يرى، في بطن الأرض وما تحت الثرى، وما في السموات العلى، بلا معين أعانه عليه، ولا دليل احتاج إليه، ولا مثال احتذى عليه. تفرد بخلق الأشياء لا من أصول أولية، ولا أوائل كانت قبله بدية، لكن مثلها بحكمته، وابتدعها بقدرته، من غير مثال سبق إليه، ولا لغوب دخل عليه.

لا تدركه الأبصار وهو يدرك الإبصار، ولا يوصف بتجسيد ولا أقطار. أزلي صمدي على غير كيفية، ولا وسوسة الصدور، بل ارتفع عن تحديد بصر البصير.

الإيمان باليوم الآخر

وأشهد أن الجنة حق دار بقاء ونعمة، خلقها وكونها من رضوانه، فجعلها للمطيعين ثواباً. وأن النار دار شقاء ونقمة، خلقها من سخطه، فجعلها للعاصين عقاباً. لا يفنى عذابه، ولا يبيد ألمه، ولا يخلف وعده ولا وعيده، ولا يظلم عبيده، وإليه نحشر يوم ينفخ في الصور، عند صيحة النشور، فنثور بعد البلاءِ من القبور، ويدعوا الكافر المغرور بالويل والثبور، ونعرض على الرحمن صفاً، ويعض الكافر من الندامة كفاً، فيفصل بيننا بعدل لا يجور، فريق في الجنة وفريق في السعير.

فسبحان من ملكه دائم لا يزول.

الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اختاره بعلمه، وبعثه إلى خلقه، وائتمنه على وحيه؛ فدعى الناس إلى الله بجد واجتهاد، رحيماً بالعباد، ونوراً للبلاد، فافتتح الدعوة بقومه، صلى الله عليه وآله وسلم، فأبوا له التسليم، وهموا به العظيم، ومنعوه الأسواق، وضيقوا عليه الآفاق، ونصبوا له الحبايل، وطلبوا له الغوايل، وشحذوا له السيوف ليذيقوه الحتوف، فعصمه الله منهم، ورد كيدهم بينهم في نحورهم، وأيده بنور ساطع، وحجج حق وسيف قاطع، وبراهين صدق في القلوب واقع، فأدخلهم في الملة بين مسلم مستسلم، وبين مستسلم متجشم، يكتمون النفاق مخافة ضرب الأعناق، فصلى الله على الناصح الشفيق، محمد بن عبدالله الطيب الرفيق، الدال على المنهاج الواضح، والطريق اللايح، صلوات الله عليه وعلى أهل بيته الأخيار وعلى ابن عمه علي بن أبي طالب أسبق السابقين سبقاً، وأولهم ايماناً وسلماً، أنقذنا الله به من شفا الحفرة، ومغاليط الكفرة، وسحقات الفجرة.

الإيمان بالقرآن

ثم إني أشهد أن القرآن وحي الله وكتابه وتنزيله، أنزله على نبيه عصمة لمن اعتصم به، ونجاة لمن تمسك به. من عمل به نجا، ومن خالفه غوى وفي النار غداً تردى، مفصل آياته، موصل محكماته، كثيرة عجايبة، سنية مذاهبه، نيِّر برهانه، واضحة حجته.

الاقرار بفرائض الإسلام ومنهياته

وأشهد أن الصلاة واجبة، وأن الزكاة لازمة، وشهر رمضان فرض صيامه، ولم توجب علينا النافلة قيامه. والحج على الناس دين من استطاع إليه سبيلاً، والاستطاعة الزاد والراحلة، وأمان الطريق. والجهاد قسراً يقسر النفوس على القيام بالجهاد قسراً، وفي الجهاد فضل الدرجات، والبعد من النقمات.

ودفع الصدقات إلى أهلها، مع اجتناب المحرمات، والاغتسال من الجنابات، مع الوضوء بالماء الطاهر، أو التيمم بالصعيد الطيب، والمحافطة لأوقات الصلوات.

والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعمارة المساجد بالذكر والصلوات، لا بالفواحش والزور من الشهادات، كفعل أهل زماننا الفاسقين منهم والفاسقات.

والحب في الله والبغض في الله، والموالاة فيها لأولياء الله، والمعاداة لأعداء الله مَن كانوا وأين كانوا. وكل من خالف كتاب الله في شي، من العتق، والطلاق، وغير ذلك مردود إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والتسليم لأمر الله، والرضا بما قضا الله.

واجتناب الكبائر، والآثام دِقها وجلها، وقتل النفس التي حرم الله بغير الحق، والفرار من الزحف، وأكل الربا، واجتناب الزنى، وأكل أموال اليتامى ظلماً، وترك التعرض لأموال المسلمين والمعاهدين، مع ترك الأياس من روح الله، ولا يؤمن مكر الله. وترك شرب المسكر، وتعليم السحر، ولا نصدق بالكهانة والطيرة.

مع العلم بأن محض الإيمان ترك النميمة، والغيبة والبهتان، والحسد، والبغي، والظلم، والجور، والفحش، من قول الزور والخنا، والخيانة، ونقض العهد، وخفر الأمانة، والعظمة في النفس، والإعجاب، والكبر، والجفاء بالحق وأهله، والقسوة، والغلظة، والفظاظه، والشحنا، والسمعة، والعصبية، والعداوة، والبغضاء، والمغالبة والمكابرة، واليمين الفاجرة، والكذب، والغدر، وسوء الخلق، والأياس من الرزق.

وعليكم بالعمل بتقوى الله، والحياء من الله، والتعظيم لأمر الله، وصدق الحديث، والمواساة في المال لذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وغض البصر، وعفة البطن، وحفظ الفرج، وأكل الحلال، والزهد في الحرام، وترك الدنيا، واستعمال الورع، والتضرع في الدعاء، والصيانة، والخشوع، والرحمة، والخضوع، والرأفة، والرقة، والرفق، وحسن الخلق، ومداراة الضعيف، والمسلم، وإغاثة الملهوف، والحياء، والكرم، والحلم، والصبر، وكظم الغيظ، وكف الأذى، والعفو عمن ظلمك، والكف عمن شتمك، والتفضل على من حرمك، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام.

ورأس الأمر وأوله، وآخره ووسطه، وتمامه النصيحة للولي والعدو، والبر والفاجر، وترك الغش لجميع الخلق.

التمسك بأهل البيت دون من سواهم من الفرق

فهذا وفقكم الله دين المؤمنين وديني وما عليه اعتقادي، لست بزنديق ولا دهري، ولا ممن يقول بالطبع، ولا ثنوي، ولا مجبر قدري، ولا حشوي، ولا خارجي. وإلى الله أبرأ من كل رافضي غوي، ومن كل حروري ناصبي، ومن كل معتزلي غال، ومن جميع الفرق الشاذة، ونعوذ بالله من كل مقالة غالية، ولابد من فرقه ناجية عالية، وهذه الفرق كلها عندي حجتهم داحضة.

والحمد لله، وأنا متمسك بأهل بيت النبؤة، ومعدن الرسالة، ومهبط الوحي، ومعدن العلم وأهل الذكر، الذين بهم وُحِّد الرحمن، وفي بيتهم نزل القرآن، والفرقان، ولديهم التأويل والبيان، وبمفاتيح منطقهم نطق كل لسان، وبذلك حث عليهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: (( إني تارك فيكم الثقلين لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، مثلهم فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى.)) فقد أصبحوا عندي بحمد الله مفاتيح الهدى، ومصابيح الدجى، لو طلبنا شرق الأرض وغربها لم نجد في الشرف مثلهم. فأنا أقفوا آثارهم، وأتمثل مثالهم، وأقول بقولهم، وأدين بدينهم، وأحتذي بفعلهم.

من عناصر الإيمان

العمل من الإيمان والإيمان من العمل بمنزلة الروح من الجسد، يزيد وينقص: بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة، وبزيادته تفاضلوا في الدرجات عند الله، وبالنقصان منه دخل المقصرون النار. وأنا مؤمن بقضاء الله وقدره، ما كرهت نفسي من ذلك وما رضيت، ومقر بأن القرآن كلام الله ووحيه، وتنزيله وحجته على خلقه، أحكم تأليفه إحكاماً، وأنشأه بأحسن الإنشاء؛ فجعله برهاناً وتفصيلاً، سماه قرآناً عربياً لقوم يعقلون، وأدين بأن المقاييس والرأي في الدين دين إبليس اللعين.

وأشهد أن لله المشيئة في جميع أفعاله، من زيادة ذلك ونقصانه، ومحوه وإثباته.

وأشهد أن الله تبارك وتعالى لم يقطع وحيه، ولم يقبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، حتى أكمل دينه، وبين له جميع ما يحتاج إليه من الحلال والحرام، والفرائض والأحكام، والمواريث والأقسام، وجميع ما فيه النجاة من النيران، والوصول إلى دار السلام. وكذلك أشهد أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكتم شيئاً من الحق، بل أدّى عن الله الصدق، ونهى عن الكذب، والفسق، والكفر، والظلم، والجور، والبغي، وكل ما لا يجوز في الدين، هذه شهادتي عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

الترضية على الصحابة وأمهات المؤمنين

ولا أنتقص أحداً من الصحابة الصادقين والتابعين بإحسان، المؤمنات منهم والمؤمنين، أتولى جميع من هاجر، ومن آوى منهم ونصر، فمن سب مؤمناً عندي استحلالا فقد كفر، ومن سبه استحراما فقد ضل عندي وفسق، ولا أسب إلا من نقض العهد والعزيمة، وفي كل وقت له هزيمة، من الذين بالنفاق تفردوا وعلى الرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرة بعد مرة تمردوا، وعلى أهل بيته اجترءوا وطعنوا. وإني أستغفر الله لأمهات المؤمنين اللواتي خرجن من الدنيا وهن من الدين على يقين، وأجعل لعنة الله على من تناولهن بما لا يستحققن من ساير الناس أجمعين.

الحوض والشفاعة

ولا أنكر الحوض ولا الشفاعة، ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وإن اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[الأنفال: 42] ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾[فصلت: 46]

فهذا ديني واعتقادي، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على خير خلقه أجمعين محمد وعترته الطاهرين.

 

عهد الإمام الهادي عليه السلام لعمّاله

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلواته على النبي وعلى آله الطيبين، وسلم تسليماً، هذا عهد عهده الإمام الهادي إلى الحق أمير المؤمنين يحي بن الحسين ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمر بنسخته لجميع العمال الموجهين إلى جميع المخاليف نسخة واحدة، حجة عليهم بالغة، يتخلص بها من أقامها، ويهلك بها عند الله من خالفها، ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وإن اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[الأنفال: 42]:

أيها العمال قد استعملتكم على جباية أموال المسلمين، وما استعملتكم حتى سألت عنكم، وبحثت عن أموركم، فذكر لي منكم من الخير ما استجزت به الاستعانة بكم على ضم أموال الله تبارك وتعالى.

الأمر بتقوى الله وبالتواضع

فأول ما أوصي به نفسي وإياكم، وآمرها به وآمركم بتقوى الله عز وجل، والمخافة له في السر والعلانية. وآمركم أيها العمال بالتواضع لله، وترك الكبر على عباد الله، وأن تعرفوا أنفسكم وما مِنْه خُلِقتم، وما إليه تصيرون؛ وكل ما أراكم الله سبحانه محنة وخيراً ازددتم لله تواضعاً وشكراً، فإنكم إن فعلتم ذلك يحسن منقلبكم إلى خالقكم، وسلمتم غداً من عذاب ربكم.

الأمر بتعريف الرعية ما أوجب الله عليها

وآمركم من بعد ذلك بتعريف الرعية بحق الله، وتعليمها ما أوجب الله عليها من معرفته سبحانه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف الأكبر، والنهي عن المنكر والمظالم، وترك معاصي الله، والتعدي في أمر الله.

التحري في اختيار العمال

ثم آمركم أن لا تبعثوا خارصاً، ولاتستعينوا في أموركم مستعاناً، حتى تستحلفوه على كتاب الله: لَيَجتهدَنَّ وينصحن، ولا يحيفن على أحد من المسلمين ولا من المؤمنين، وعلى أنه إن التبس عليه أمر أو شك فيه جعل الميل في ذلك على أموال الله دون أموال عباده من بعد الاجتهاد لنفسه، والامتحان في ذلك لعقله.

أحكام العشور

ثم آمركم أن لا تأخذوا في طعام من الأطعمة كائناً ما كان من الأصناف المصنفة التي تكال بالمكاييل حتى تبلغ سبعة عشر ذهباً إلا ثلثاً. فإذا بلغ كل صنف من الطعام سبعة عشر ذهباً إلا ثلثاً بالمكوك، أُخذ مما يستقى منه بماء السماء، أو بالعيون عُشراً كاملاً، وما يسقى منه بالسواني نصف العشر، ولا يضم زبيب إلى ذرة، ولا ذرة إلى شعير ولا شعير إلى حنطة.

وآمركم أن تأخذوا من كل ما لا يدخله المكيال من فاكهة أو قصب أو غير ذلك العشر، إذا كان يؤدي كل صنف من صنوف الفاكهة مائتي درهم قفلة في السنة، وكذلك القصب وجميع الخضر العشر كاملاً إذا سقي بالعيون، أو بماء السماء، وما سقي من السواني من ذلك ففيه نصف العشر، وكذلك الحكم في الورس، وكل ما أنبتت الأرض، مما لا يكال.

فأما العسل فمن كان له من النحل ما يستغل في كل سنة قيمة مائتي درهم قفلة عده من الحول إلى الحول ففيه العشر كاملاً في قليله وكثيره، إذا كان يأتي في السنة بمائتي درهم قفلة.

أحكام زكاة الغنم

وآمركم أن تأخذوا ما أوجب الله في الغنم. وليس فيما دون أربعين شاة زكاة على مسلم، فإذا بلغت أربعين ففيها شاة فارهة، لا من خيار الغنم ولا من شرارها، ثم ليس في الغنم غير تلك الشاة حتى تزيد على العشرين ومائة واحدة، ففيها شاتان إلى المائتين. فإن زادت على المائتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاث مائة، فإن كثرت الغنم ففي كل مائة شاة، يعد من أولادها ما قد مشى وأكل من الأرض.

أحكام زكاة البقر

وكذلك في البقر؛ لا يجب فيما دون ثلاثين بقرة شيء فإذا وفت ثلاثين ففيها تبيع أو تبيعة. ثم ليس فيها شيء حتى تكون أربعين، فيكون في الأربعين مسنة. ثم لا شيء فيها حتى تكون ستين، فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان. ثم لا شيء فيها حتى تكون سبعين، فيكون فيها تبيع ومسنة؛ إلى ثمانين، فيكون في الثمانين مسنتان. ثم في كل أربعين مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع.

أحكام زكاة الذهب والفضة

ثم آمركم أن تقبضوا من كل من معه ذهب أوفضة من التجار وأصحاب الأموال ربع عشر ما معهم من ذلك، من ذهب أو فضة أو عروض للتجارة. ولا يجب على أحد منهم في فضة زكاة حتى تبلغ مائتي درهم قفلة؛ ولا تجب في ذهب زكاة حتى يبلغ عشرين مثقالاً، ثم يكون فيه ربع عشره، وما زاد على العشرين فبحساب ذلك.

أحكام توزيع الزكاة

وآمركم إذا قبضتم جميع الزكوات التي سميتُ لكم أن تُخرجوا ربع ما تجبون من كل مخلاف فتقسمونه على مساكين البلد وأهل فاقتهم وحاجتهم. ويخصون بذلك من لا حيلة له مجتداً ولا ملتداً، دون من له حيلة، ولا تعطوا من يجد متعداً حتى يكتفي من لا متعد له، وتنفقوا من ذلك مار الطريق وابن السبيل، ثم تضموا الثلاثة الأرباع الباقية حتى تصيروا بها إلينا إن شاء الله، فنصرفها حيث أمر الله.

الأمر بالنزاهة

وآمركم أن لا تنزلوا على أحد، ولاتقبلوا له هدية، ولاتكلفوهم مؤنة، وانزلوا في منازل بالكراء، واستنفقوا من أموال الله بالمعروف، فقد أخرجت ما في رقبتي، وأعذرت وأنذرت إليكم، والله الشاهد سبحانه عليكم.

أحكام أموال أهل الذمة وأراضيهم

وكذلك من وجدتم من أهل الذمة فخذوا منه ما أوجب الله في رؤسهم مما حقن به دماءهم في الجزية؛ وهي اثنا عشر درهماً على فقرائهم - وهم الذين يملكون أربعة دنانير فصاعدا، ومن لم يملك شيئاً فلا شيء عليه - وعلى أوساطهم أربعة وعشرون درهماً قفلة، وعلى ملوكهم - الذين يملكون ألف دينار فما فوقه ناضاً أوقيمة ثلاثة آلاف عرضاً - ثمانية وأربعون درهماً قفلة. ولا تأخذوا شيئاً مما أمرتكم بأخذه إلا بأحسن الأمر وأرفقه، ثم تجمعون مَن قِبَلكم من أهل الذمة فتخبرونهم أن الله تبارك وتعالى لم يجعل على ذمي في ماله صدقة؛ لأن الصدقة ممَّن أخذت منه تطهرة، وأنه ليس على ذمي في شيء من الزرع ولا الفواكه ولا الذهب ولا الفضة ولا المواشي، ولا شيء مما يؤخذ منه من المسلمين زكاة قليل ولاكثير. وأنهم قد شغلوا أرض الله وأمواله عن العشر، وأنه لا يجوز لنا ترك ذلك في أيديهم، فتخيرونهم: فإن أحبوا أن يبيعوا ما اشتروا من المسلمين هم وآباؤهم وأجدادهم حتى ترجع أموال الله إلى العشر الذي جعله الله على المسلمين معونة للإسلام وأهله فيفعلوا؛ وإن أحبوا أن يقيموا عليها ويتركوا فيها، على أنهم يصالحوننا عوضاً من العشر على التسع مما يكال بالمكاييل مما يسقى بالعيون أو بماء السماء، أو على نصف التسع مما يسقى بالسواني والدوالي ويؤخذ منهم ذلك في القليل والكثير والمد والذهب؛ فأي هذين المعنيين أحبوا فافعلوه لهم.

فإذا صاروا إلى أحدهما فذمة الله وذمة رسوله في رقاب المسلمين لأهل الذمة، ولايكلفون كلفة، ولا يغرمون غرامة، ولا يسآء إليهم بحيلة. فمن تعدى ما ذكرنا فنحن المغيرون عليه، ومن كان بعدنا من عباد الله قايماً بما قمنا به من دين الله، والله على ذلك شهيد، ونشهد لهم عليهم جماعة من المسلمين ومنهم على ما أحبوا ورضوا من أحد هذين المعنيين، والحمدلله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً.

 

عقيدة الإمام الهادي إلى الحق (ع) وعهده إلى عماله