الكتاب : مروج الذهب
المؤلف : المسعودي
مصدر الكتاب : موقع الوراق
 

بسْم الله الرّحْمن الرّحيم
الحمد للهّ أهل الحمد، ومُسْتَوجب الثناء والمجد، وصلىِ اللّه على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين، وسَلَمَ تسليماً إلى يوم الدين.
باب ذكر جوامع أغراض هذا الكتاب
أما بعد، فإنا صَنّفنَا كتابنا في أخبار الزمان، وقَذَمْنَا القول فيه في هيئة الأرض، ومدُنها، وعجائبها، وبحارها، وأغْوَارها، وجبالها، وأنهارها، وبد ائع معادنها، وأصناف مَنَاهلها، وأخبار غِيَاضِها، وجزائر البحار، والبُحَيْرَات الصغار، وأخبار الأبنية المُعَظّمة، والمساكن المشرَّفة، وذكر شأن المبدأ، وأصل النّسْل، وتَبَاين الأوطان، وما كان نهراً فصار بحراً، وما كان بحراً فصار بَرًّا، وما كان بَرًّا فصار بحراً، على مرور الأيام، ومُرُور الدهور، وعلة ذلك، وسببه الفلكي والطبيعي، وانقسام الأقاليم بخواص الكواكب، ومعاطف الأوتاد، ومقادير النواحي والافاق، وتباين الناس في التاريخ القديم، واختلافهم في بَدْئِه وأوليته، من الهند.
وأصناف الملحدين، وما ورد في ذلك عن الشرعيين، وما نطقت به الكتب وورد على الدِّيَانِيينَ. ثم أتبعنا ذلك بأخبار الملوك الغابرة، والأمم الدَّاثِرَة، وَالْقُرُون الخالية، والظوائف البائحة على مَرّ سيرهم، في تغير أوقاتهم وتضيف أعصارهم، من الملوك والفراعنة العادية والأكاسرة واليونانية، وما ظهر من حكمهم ومقائل فلاسفتهم وأخبار ملوكهم، وأخبار العناصر، إلى ما في تَضَاعِيف ذلك من أخبار الأنبياء والرسل والأتقياء، إلى أن أفضَى اللهّ بكرامته وشَرّف برسالته محمداً نبيه صلى الله عليه وسلم، فذكَرْنَا مولده، ومنشأه، وبعثه، وهجرته، ومَغَازِيَه، وسَرَاياه، إلى أوَانِ وفاته، واتصال الخلافة، وَاتِّسَاق المملكة بزمن زمن، وَمَقَاتِل مَنْ ظهر من الطالبيينَ، إلى الوقت الذي شرعنا فيه في تصنيف كتابنا هذا من خلافة المتقي للّه أمير المؤمنين، وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
للمؤلف كتابان اختصرهما في هذا الكتاب
ثم أتبعناه بكتابنا الأوسط في الأخبار على التاريخ وما اندرج في السنين الماضية، من لدن البَدء إلى الوقت الذي عنده انتهى كتابنا الأعظم وما تلاه من الكتاب الأوسط. ورأينا إيجاز ما بسطناه واختصار ما وسطناه، في كتاب لطيف نُودِعُه لُمَع ما في ذَيْنِكَ الكتابين مما ضَمَّنَّاهُما، وغير ذلك من أنواع العلوم، وأخبار الأمم الماضية، والأعصار الخالية، مما لم يتقدم ذكره فيهما.
على أنا نعتنر من تقصيرٍ إنْ كان، وَنَتَنَصّل من إغفالٍ إنْ عَرَض لم! قد شَابَ خَوَاطِرَنَا، وَغَمَرَ قلوبنا، من تَقَاذُف الأسفار، وقَطْع الْقِفار، تارة على مَتْن البحر، وتارة على ظهر البر، مُسْتَعْمِلِينَ بدائع الأمم بالمشاهدة، عارفين خواصّ الأقاليم بالمُعَايَنَة، كقَطْعنا بِلَادَ السِّند والزنج والصنف والصين والزابج، وَتَقَحُّمنا الشَّرْقَ والغرب، فتارةً بأقصىِ خُرَاسان، وتارة بوسائط إرمينية وأذربيجان والران والبيلقان، وطوراَ بالعراق، وطوراً بالشام؟ فسَيرِي في الآفاق، سُرَى الشمس في الإشراق؟ كما قال بعضهم:
تَيَمَّمَ أَقْطَارَ الْبِلَادِة فتَارَةًلَدَى شَرْقِهَا الأقْصى وَطَوْراً إلَى الْغَرْبِ
سُرَى الشَّمْس، لَا يَنْفكُّ تَقْذِفهُ النَّوَى ... إلَى افقٍ نَاءٍ يُقَصِّرُ بِالرَّكب
قال المصنف: ثم مفاوضتنا أصناف الملوكِ على تغاير أخلاقهم

وتباين هممهم، وتباعد ديارهم، وأخْذُنَا بمسلك مسلك من مواقفهم، على أن العلم قد بادت آثاره، وطمس مناره، وكَثرَ فيه العناء، وقلّ الْفهماء ة فلا تُعَاين إلا مُمَوّهاً جاهلاً، ومتعاطياً ناقصاً، قد قنع بالظنون، وعَمِيَ عن اليقين، لم نَرَ الاشتغال بهذا الضَّرْب من العلوم والتفرغ لهذا الفن من الآداب، حتى صنفنا كتبنا من ضروب المقالات، وأنواع الديانات، ككتاب الإِبانة عن أصول الديانة وكتاب المقالات في أصول الديانات وكتاب سر الحياة وكتاب نظم الأدلة، في أصول الملة وما اشتمل عليه من أصول الفتْوَى وقوانين الأحكام: كتيقن القياس، والاجتهاد في الأحكام، وقع الرأي والاستحسان، ومعرفة الناسخ من المنسوخ، وكيفية الإجماع و ماهيته، ومعرفة الخاص والعام، والأوامر والنوا هي، والحَظْر والِإباحة، وما أتت به الأخبار من الاستفاضة والآحاد، وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، وما ألحق بذلك من أصول الفتْوَى، ومناظرة أنباء الخصوم فيما نازعونا فيه، موافقتهم في شيء منه، وكتاب الاستبصار في الإمامة ووصف قاويل الناس في ذلك من أصحاب النص والاختيار، وحِجاج كل فريق منهم، وكتاب الصفوة في الإمامة وما احتواه ذلك، مع سائر نتبنا في ضروب علم الظواهر والبواطن والجلي والخفي والدائر الوافر، وإيقاظنا على ما يرتقبه المرتقبون، ويتوقَّعه المحدثون، وما ذكروه من نور يلمع في الأرض وينبسط في الجدب والخصب، وما في عقب المَلاَحمَ الكائنة، الظاهر أنباؤها المتجلِّي أوائلُها، إلى سائر كتبنا في السياسة، كالسياسة المدنية وأجزاء المدينة، ومثلها الطبيعية، انقسام أجزاء الملة، والِإبانة عن المواد، وكيفية تركيب العوالم، الأجسام السماوية، وما هو محسوس وغير محسوس، من الكثيف اللطيف، وما قال أهل النِّحْلة في ذلك.
الباعث له على التأليف
وكان ما دعاني إلى تأليف كتابي هذا في التاريخ، وأخبار العالم، ما مضى في أكناف الزمان من أخبار الأنبياء والملوك وسيرها والأمم مساكنها مَحَبَّةَ احتذاء الشاكلة التي قَصَدَها العلماء، وَقَفاها الحكماء، أن يبقى للعالم ذكراً محموداً، وعلماً منظوماً عتيداً؛ فإنا وجدنا مُصَنَفي كتب في ذلك مُجيداً وَمُقَصِّراً، وَمُسْهِباً ومختصرا ووجدنا الأخبار زائدة مع زيادة الأيام، حادثةً مع حدوث الأزمان، وربما غاب البارع منها على فطِنِ الذكي، ولكل واحد قِسْطٌ يخصه بمقدار عنايته، ولكل إقليم عجائب يقتصر على علمها أهْله، وليس من لَزِمَ جهةَ وطنه وقنع بما نُمِيَ إليه من الأخبار عن إقليمه كمن قسّم عمره على قَطْع الأقطار، ووَزّعَ أيامه بين تَقَاذُف الأسفار، واستخراج كل دقيق من مَعْدِنه، وإثارة كل نفيس من مَكْمَنه.

وقد ألَّف النَّاسُ كُتباً في التاريخ والأخبار مِمِّنْ شلَف وَخلَف، فأصاب البعض وأخطأ البعض، وكل قد اجتهد بغاية إمكانه، وأظهر مكنون جوهر فطْنَته: كَوَهْب بن مُنَبه، وأبي مِخْنَف لوط بن يحمى العامري، ومحمد بن إسحاق، والواقدي، وابن الكلبي، وأبي عُبَيْدَة مَعْمر بن المثنى، وأبي العباس الهمداني، والْهَيْثَم بن عدي الطائي، والشّرْقيّ بن القُطَامي، وحَمَاد الراوية، والأصمعي، وسَهْل بن هارُون، وعبد اللّه بن المقفع، واليزيدي، ومحمد بن عبد اللّه الْعُتْبِي، والأموي، وأبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري، والنّضْر بن شُمَيل، وعبد الله بن عائشة، وأبي عُبَيدٍ القاسم بن مسَلأَم، وعلي بن محمد المدائني، ودمَاذ بن رفيع بن سلمة، ومحمد بن سلام الْجُمَحِي، وأبي عثمان عَمْرو بن بحر الجاحظ، وأبي زيد عمر بن شَبَّة النميري، والزّرَقيئَ الأنصاري، وأبي السائب المخزومي، وعلي بن محمد بن سليمان النوفلي، والزُبَير بن بَكَّار، الِإنجيلي، والرياشِي، وابن عابد، وعمارة بن وسيمة المصري، وأبي حسان الزيادي، ومحمد بن موسى الْخُوارَزْمي، وأبي جعفر محمد بن أبي لسري، ومحمد بن الهيثم بن شبابة الخراساني صاحب كتاب الدولة، إسحاق بن إبراهيم الْمَوْصِلي صاحب كتاب الأغاني وغيره من الكتب، والخليل بن الهيثم الهرتَمي صاحب كتاب الحيل والمكايد في الحروب غيره، ومحمد بن يزيد المبرِّدِ الأزدي، ومحمد بن سليمان المنقري الجوهري، ومحمد، بن زكريا الْغَلابيِّ المصري المصنف للكتاب المترجم كتاب الأجواد وغيره، وابن أبي الدنيا مؤدب المكتفي باللهّ، وأحمد بن محمد الخزاعي المعروف بالخاقاني الأنطاكي، وعبد اللهّ بن محمد بن حفوظ البَلَوِيّ الأنصاري صاحب أبي يزيد عمارة بن زيد المديني، أحمد بن محمد بن خالد البرقي الكاتب صاحب التبيان، وأحمد بن أبي طاهر صأحب الكتاب المعروف بأخبار بغداد وغيره، وابن الوَشَّاء، علي بن مجاهد صاحب الكتاب المعروف بأخبار الأمويين وغيره، ومحمد بن صالح بن النطاح صاحب كتاب الدولة العباسية وغيره، ويوسف بن إبراهيم صاحب أخبار إبراهيم بن المهدي وغيرها، ومحمد بن الحارث الثعلبي صاحب الكتاب المعروف بأخلاق الملوك المؤلف للفتح بن خَاقَان وغيره، وأبي سعيد السكري صاحب كتاب أبيات العرب، وعبيد اللّه بن عبد الله بن خرداذبة؛ فإنه كان إماماً في التأليف متبرعاً في مَلَاحة التصنيف، أتبَعَه من يُعْتَمد، وأخذ منه، ووطىء على عقبه، وقَفا أثره، وإذا أردت أن تعلم صحة ذلك فانظر إلى كتابه الكبير في التاريخ فإنه اجمع هذه الكتب جداً، وأبرعها نظماً، وأكثرها علماً، وأحْوَى لأخبار الأمم وملوكهم وسيرها من الأعاجم وغيرها، ومن كتبه النفيسة كتابه في المسالك والممالك وغير ذلك مما إذا طلبته وجدته، وإذا تفقدته حمدته، وكتاب التاريخ من المولد إلى الوفاة، ومن كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الخلفاء والملوك إلى خلافة المعتضد باللّه، وما كان من الأجداث والكوائن في أيامهم وأخبارهم، تأليف محمد بن علي الحسيني العلوي الدِّيَنَورِيِّ، وكتاب التارِيخ لأحمد بن يحمى الْبَلاَذُري، وكتابه أيضاً في البلدان وفتوحها صُلْحاَ وَعَنْوَةً من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وما فتح في أيامه وعلى يد الخلفاء بعده، وما كان من الأخبار في ذلك، ووصف البلدان في الشرق والغرب والشمال والجنوب، ولا نعلم في فتوح البلدان أحسن منه، وكتاب داود بن الجراح في التاريخ الجامع لكثير من أخبار الفرس وغيرها من الأمم، وهو جد الوزير علي بن عيسى بن داود بن الجراح، وكتاب التاريخ الجامع لفنون من الأخبار والكوائن في الأعصار قبل الِإسلام وبعده، تأليف أبي عبد اللّه محمد بن الحسين ابن سوار المعروف بابن أخت عيسى بن المنجم على ما أنبأت به التوراة وغير ذلك من أخبار الأنبياء والملوك وكُتَّاب التاريخ، وأخبار الأمويين ومناقبهم، وذكر فضائلهم، وما أتَوْا به عن غيرهم، وما أحدثوه من السير في أيامهم، تأليف أبي عبد الرحمن خالد بن هشام الأموي، وكتاب القاضي أبي بشر الدولابِيِّ في التاريخ، والكتاب الشريف تأليف أبي بكر محمد بن خلف بن وكيع القاضي في التاريخ وغيره من الأخبار، وكتاب السير والأخبار لمحمد بن خالد الهاشمي، وكتاب التاريخ والسير " لأبي إسحاق بن سليمان الهاشمي، وكتاب سير الخلفاء لأبي بكر

محمد بن زكريا الرازي صاحب كتاب المنصوري في الطب وغيره، فأما عبد اللهّ بن مسلم بن قتيبة الدينوري فممن كثرت كتبه واتسع تصنيفه، ككتابه المترجم بكتاب المعارف وغيره من مصنفاته.د بن زكريا الرازي صاحب كتاب المنصوري في الطب وغيره، فأما عبد اللهّ بن مسلم بن قتيبة الدينوري فممن كثرت كتبه واتسع تصنيفه، ككتابه المترجم بكتاب المعارف وغيره من مصنفاته.
ثناؤه على ابن جرير الطبري
وأما تاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري الزاهي على المؤلفات، والزائد على الكتب المصنفات، فقد جمع أنواع الأخبار، وحَوَى فنون الآثار، واشتمل على صنوف العلم، وهو كتاب تكثر فائدته، وتنفع عائدته، وكيف لا يكون كذلك.! ومؤلفه فقيه عصره، وناسِكُ دهره، إليه انتهت علوم فقهاء الأمصار، وحَمَلَة السنن والآثار، وكذلك تاريخ أبي عبد اللّه إبراهيم بن محمد بن عَرَفةَ الواسطي النحوي الملقب بنفطَوَيْهِ فمحشؤٌ من مَلاَحة كتب الخاصة، مملوء من فوائد السادة، وكان، أَحسن أهل عصره تأليفاً، وأملحهم تصنيفاً، وكذلك سلك محمد بن يحمى الصُّوليُّ في كتابه المترجم بكتاب الأوراق في أخبار الخلفاء من بني العباس وبني أمية، وشعرائهم، وَوزرائهم، فإنه ذكر غرائب لم تقع لغيره، وأشياء تفرد بها لأنه شاهدها بنفسه، وكان محظوظاً من العلم، ممحوداً من المعرفة مرزوقاً من التصنيف وحسن التأليف، وكذلك كتاب الوزراء وأخبارهم لأبي الحسن علي بن الحسن المعروف بابن الماشطة، فإنه بلغ في تصنيفه إلى آخر أيام الراضىِ باللهّ.
ثناؤه على قدامة بن جعفر
وكذلك أبو الفرج قُدَأمة بن جعفر الكاتب؛ فإنه كان حسن التأليف، بارع التصنيف، موجزاً للألفاظ، مُقرباً للمعاني، وإذا أردت علم ذلك فانظر في كتابه في الأخبار المعروف بكتاب زهر الربيع، وأشرف على كتابه المترجم بكتاب الخراج؛ فإنك تشاهد بهما حقيقة ما قد ذكرنا، وصِدْقَ ما وصفنا، وما صنفه أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي الفقيه في كتابه في الأخبار الذي يعارض فيه كتاب الروضة للمبرد ولقبه بالباهر، وكتاب إبراهيم بن ماهويه الفارسي الذي عارض فيه المبرد في كتابه الملقب بالكامل، وكتاب إبراهيم بن موسى الواسطي الكاتب في أخبار الوزراء الذي عارض فيه كتاب محمد بن داود بن الْجَراح في الوزراء، وكتاب علي بن الفتح الكاتب المعروف بالمطوق في أخبار عدة من وزراء المقتدر باللّه، وكتاب زهرة العيون وجلاء القلوب تأليف المصري، وكتاب التاريخ تأليف عبد الرحمن بن عبد الرازق المعروف بالْجَوْزَجَاني السعدي، وكتاب التاريخ وأخبار الموصل تأليف أبي ذكره الموصلي، وكتاب التاريخ تأليف أحمد بن يعقوب المصري في أخبار العباسيين وغيرهم، وكتاب التاريخ في أخبار الخلفاء من بني العباس وغيرهم لعبد اللهّ بن الحسين بن سعد الكاتب، وكتاب محمد بن مزيد بن أبي الأزهر في التاريخ وغيره، وكتابه المترجم بكتاب الهرج والأحداث.
نقد المؤلف لثابت بن قرة

ورأيت سِنَانَ بن ثابت بن قرة الْحَراني حين انتحل ما ليس من صناعته، واستنهج ما ليس من طريقته قد ألَّف كتاباً جعله رسالة إلى بعض إخوانه من الكتاب، واستفتحه بجوامع من الكلام في أخلاق النفس وأقسامها من الناطقة والغضبية والشهوانية، وذكر لُمَعاً من السياسات المدنية مما ذكره أفلاطون في كتابه في السياسة المدنية، وهو عشر مقالات، ولمعاً مما يجب على الملوك والوزراء، ثم خرج إلى أخبارٍ يزعم أنها صحت عنده ولم يشاهدها، ووصل ذلك بأخبار المعتضد باللّه، وذكر صحبته إياه، وأيامه السالفة معه ثم ترقى إلى خليفة خليفة في التصنيف، مضادة لرسم الإخبار والتواريخ وخروجاً عن جملة أهل التأليف، وهو وإن أحسن فيه، ولم يخرجه عن معانيه، فإنما عيبه أنه خرج عن مركز صناعته، وتكلف ما ليس من مهنته، ولو أقبل على علمه الذي انفرد به من علم إقليدس والمقطعات والمَجَسْطَى والمحورات، ولو استفتح آراء سقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس، فأخبر عن الأشياء الفلكية، والآثار العلوية، والمزاجات الطبيعية، والنسب والتأليفات، والنتائج والمقدمات، والصنائع المركبات، ومعرفة الطبيعيات: من الِإلهيات، والجواهر والهيآت، ومقادير الأشكال، وغير ذلك من أنواع الفلسفة لكان قد سلم مما تكلَّفه، وأتى بما هو أليق بصنعته، ولكن العارف بقدره مُعْوِز، والعالم بمواضع الخلة مفقود، وقد قال عبد اللّه بن المقفع: مَنْ وضع كتاباً فقد استهدف، فإن أجاد فقد استشرف، وإن أساء فقد استقذف .قال أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعوعي: ولم نذكر من كتبِ التواريخ والأخبار والسير والآثار إلا ما اشتهر مصنفوها، وعرف مؤلفوها ولم نتعرض لذكر كتب تواريخ أصحاب الأحاديث في معرفة أسماء الرجال وأعصارهم وطبقاتهم ؛ إذ كان ذلك كله أكثر من أن نأتي على ذكره في هذا الكتاب، إذ كنا قد أتينا على جميع تسمية أهل الأعصار من حمله الآثار، ونقلة السير والأخبار، وطبقات أهل العلم من عصر الصحابة، ثم مَنْ تلاهم من التابعين، وأهل كل عصر على اختلاف أنواعهم، وتنازعهم في آرائهم: من فقهاء الأمصار وغيرهم من أهل الآراء والنحل والمذاهب والجدل، إلى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، في كتابنا المترجم بكتاب أخبار الزمان، وفي الكتاب الأوسط.
المؤلف يذكر أنه أودع كتابه أجزل الفوائد
وقد وسمت كتابي هذا بكتاب مروج الذهب، ومعادن الجوهر؟ لنفاسة ما حَواه، وعظم خطر ما استولى عليه: من طوالع بوارع ما تضمنته كتبنا السالفة في معناه، وغرر مؤلفاتنا في مغزاه، وجعلته تحفة للأشراف من الملوك وأهل الدرايات لما قد ضمنته من جمل ما تدعو الحاجة إليه، وتُنَازع النفوس إلى علمه من دراية ما سلف وغَبرَ في الزمان، وجعلته مُنَبِّهاً على أغراض ما سلف من كتبنا، ومشتملاً على جوامِعِ يحسن بالأديب العاقل معرفتها، ولا يُعذر في التغافل عنها، ولم نترك نوعاَ من العلوم، ولا فناً من الأخبار، ولا طريقة من الآثار، إلا أوردناه في هذا الكتاب مفصلاً، أو ذكرناه مجملاً، أو أشرنا إليه بضرب من الِإشارات، أو لوّحنا إليه بفحوى من العبارات.
المؤلف ينهي عن التصرف في الكتاب ويخوف من ذلك
فمن حَرَّف شيئاً من معناه، أو أزال ركناً من مبناه، أو طمس واضحة من معالمه، أو لبَّسَ شاهدة من تراجمه، أو غيره، أو بَدَّله، أو بشأنه، أو اختصره، أو نسبه إلى غيرنا، أو أضافه إلى سوانا، فوافاه من غضب اللهّ وسرعة نقمه وفوادح بلاياه ما يَعْجَزُ عنه صبره، ويَحَار له فكره، وجعله اللّه مُثْلَةً للعالمين، وعبرة للمعتبرين، واية للمُتَوسِّمين، وسلبه اللهّ ما أعطاه، وحال بينه وبين ما أنعم به عليه: من قوةٍ ونعمةٍ مُبدعُ السماوات والأرض، من أي الملك كان والآراء، إنه على كل شيء قدير. وقد جعلت هذا التخويف في أول كتابي هذا وآخره، ليكون رادع المن ميله هوى، أو غلبه شقاء، فليراقب اللهّ ربه، وليحافر مُنْقلبهُ، فالمدة يسيرة، والمسافة قصيرة، وإلى اللهّ المصير. وهذا حين نبدأ بجمل ما استودعناه هذا الكتاب من الأبواب، وماحوى كل باب منها من أنواع الأخبار، وباللهّ التوفيق.
البَابُ الثاني
ذكر ما اشتمل عليه الكتاب من الأبواب
مباحث الكتاب

قد قدمْنَا فيما سلف من هذا الكتاب ذكرنا لأغراضه، فلنذكر الآن جُمَلاً من كمية أبوابه على حسب مراتبها فيه، واستحِقاقها منه، لكي يقرب تناولها على مريدها.
فأول ذلك ذكر المبدأ، وشأن الخليقة، وذَرْء البَرِيَّةِ من آدم إلى إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. ذكر قصة إبراهيم عليه السلام، ومن تَلاَ عصره من الأنبياء والملوك من بني إسرائيل.
ذكر ملك أرخبعم بن سليمان بن داود، ومن تَلا عصره من ملوك بني إسرائيل، وجمل من أخبار الأنبياء والملوك من بني إسرائيل.
ذكر أهل الفترَةِ ممن كان بين المسيح ومحمد صلى الله عليه وسلم ذكر جمل من أخبار الهند وأربابها، ومدد ممالكها، وسيرها وآرائها في عبادتها.
ذكر الأرض والبحار، ومبادئ الأنهار والجبال، والأقاليم السبعة وما والاها من الكواكب وغير ذلك.
ذكر جمل من الأخبار عن انتقال البحار، وجمل من أخبار الأنهار الكبار .ذكر الأخبار عن البحر الحبشي، وما قيل في مقداره وتشعبه وخُلْجَانه.
ذكر تنازع الناس في المَدِّ وَالْجَزر، وجوامع ما قيل في ذلك.
ذكر البحر الرومي، ووصف ما قيل في طوله وعرضه وابتدائه وانتهائه.
ذكر بحر نيطس، وبحر مايطس، وخليج القسطنطينية.
ذكر بحر الباب والأبواب والْخَزَرِ وخُرْجَان، وجملة من الأخبار عن ترتيب جميع البحار.
ذكر ملوك الصين والترك، وتفرق ولد عامور، وأخبار الصين وملوكهم، وجوامع من سيرهم وسياساتهم وغير ذلك.
ذكر جمل من الأخبار عن البحار، وما فيها وما حولها من العجائب والأمم، ومراتب الملوك، وغير ذلك.
ذكر جبل القبج، وأخبار الأمم من اللان والسرير والخزر، وأنواع من الترك والبَلْغر، وأخبار الباب والأبواب، ومن حولهم من الملوك والأمم.
ذكر ملوك السريانيين.
ذكر ملوك الموصل ويينَوَى، وهم الصوريون.
ذكر ملوك بابل من النَّبَطِ وغيرهم، وهم الكلدانيون.
ذكر ملوك الفرس الأولى وسيرها، وجوامح من أخبارها.
ذكر ملوك الطوائف الأشعانيين، وهم بين الفرس الأولى والثانية.
ذكر أنساب فارس، وما قاله الناس في ذلك.
ذكر ملوك الساسانية، وهم الفرس الثانية، وسيرهم، وجوامع من أ أخبارهم.
ذكر ملوك اليونانيين وأخبارهم، وما قال الناسُ في بَدء أنسابهم.
ذكر جوامع من أخبار حرب الإسكندر بأرض الهند.
ذكر ملوك اليونانيين بعد الِإسكندر.
ذكر الروم وما للناس في بَدْء أنسابهم، وأحد ملوكهم، وتاريخ سِنيهِمْ، وجوامع من سيرهم.
ذكر ملوك الروم المتنصرة، وهم ملوك القسطنطينية، ولمع مما كان في أعصارهم.
ذكر ملوك الروم بعد ظهور الِإسلام، إلى أرمينوس، وهو الملك في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
ذكر مصر، ونيلها، وأخبارها، وبنائها، وعجائبها، وأخبار ملوكها.
ذكر أخبار الِإسكندرية، وبنائها، وملوكها وعجائبها، وما لحق بهذا الباب.
ذكر السودان، وأنسابهم واختلاف أجناسهم وأنواعهم، وتباينهم في ديارهم، وأخبار ملوكهم.
ذكر الصَّقَالبة، ومساكنهم، وأخبار ملوكهم، وتفرق أجناسهم.
ذكر الِإفرنجة والجلالقة وملوكهما، وجوامع من أخبارهما وسيرهما وحروبهما مع أهل الأندلس.
ذكر النو كبرد وملوكها، والأخبار عن مساكنها ذكر عاد وملوكها، ولُمَع من أخبارها، وما قيل في طول أ عما رهم.
ذكر ثمود وملوكها، وصالح نبيها عليه السلام، ولمع من أخبارها.
ذكر مكة وأخبارها، وبناء البيت، ومن تداوله من جُرهُم وغيرهم، وما لحق بهذا الباب.
ذكر جوامع من الأخبار في وصف الأرض والبلدان، وحنين النفوس إلى الأوطان.
ذكر تنازع الناس في المعنى الذي من أجله سمي اليمن يمناً، والشام شاماً، العراق، والحجاز.
ذكر اليمن وأنسابها، وما قاله الناس في ذلك.
ذكر اليمن وملوكها من التَّبَابِعة وغيرها، وسيرها، ومقادير سنيها.
ذكر ملوك الحِيرَةِ من اليمن وغيرهم، وأخبارهم.
ذكر ملوك الشام من اليمن من غسان وغيرهِمْ، وما كان من أخبارهم.
ذكر البوادي من العرب، وغيرهم من الأمم، وعِلَةُ سُكناها البدو، وأكراد الجبال، وأنسابهم، وجُمَل من أخبارهم، وغير ذلك مما اتصل بهذا الباب.
ذكر ديانات العرب، وآرائها في الجاهلية، وتفرقها في البلاد، وأخبار أصحاب الذيل، وأمر الأحابيش، وغيرهم، وعبد المطلب، وغير ذلك مما يلحق بهذا الباب.

ذكر ما ذهب إليه العربُ في النفوس والهَام والصَّفر، وأخبارها في ذلك.
ذكر أقاويل العرب في التّغَؤُل والغيلان، وما قاله غيرهم من الناس في ذلك، وغير ذلك مما لحق بهذا الباب واتصل بهذه المعاني.
ذكر أقاويل الناس في الهَوَاتِف والجانَ، من العرب وغيرهم ممن أثبت ذلك ونفاه.
ذكر ما ذهب إليه العرب من القِيَافة والعِيَافة والزَّجْر والسانح والبارح، وغير ذلك.
ذكر الكَهَانة وصفتها، وما قاله الناس في ذلك من أخبارها، وحَدِّ الناطقة وغيرها من النفوس، وما قيل فيما يراه النائم، وما اتصل بهذا الباب.
ذكر جمل من أخبار الكهان، وسيل الْعَرِم بأرض سبأ ومأرب، وتفرق الأزْدِ في البلدان وسكناهم في البلاد.
ذكرسِنِي العرب والعجم، وشهورها، وما اتفق منها وما اختلف.
ذكر شهور القبط والسريانيين، والخلاف في أسمائها، وجمل من التاريخ، وغير ذلك مما اتصل بهذا المعنى.
ذكر شهور السريانيين، ووَصف موافقتها لشهور الروم، وعدد أيام السنة، ومعرفة الأنواء.
ذكر شهور الفرس، وما اتصل بذلك.
ذكر أيام الفرس، وما اتصل بذلك.
ذكر سِنِي العربِ وشهورها وتسمية أيامها ولَيَاليها.
ذكر قول العرب في ليالي الشهور القمرية، وغير ذلك مما اتصل بهذا المعنى.
ذكر القول في تأثير النيرين في هذا العالم، وجمل مما قيل في ذلك مما اتَصل بهذا الباب.
ذكر أرباع العالم والطبائع والأهْوِيَةِ، وما خص به كل جزء منه، منه الشرقي والغربي واليمني والجنوبي، وغير ذلك من سلطان الكواكب.
ذكر البيوت المعظمة، والهياكل المشرفة، وبيوت النِّيرانِ والأصنام، وعبادات الهند، وذكر الكواكب، وغير ذلك من عجائب العالم.
ذكر البيوت المعظمة عند اليونانيين، وَوصفها.
ذكر البيوت المعظمة عند الصَّقَالبة، وَوصفها.
ذكر البيوت المعظمة عند أوائل الروم، ووَصفها.
ذكر بيوت معظمة وهياكل مشرفة للصابئة من الحَرانيين، وغيرها،وما فيها من العجائب والأخبار وغيرها.
ذكر الأخبار عن بيوت النَيرانِ، وكيفية بنائها، وأخبار المجوس فيها،وما لحق ببنائها.
ذكر جامع تاريخ العالم من بدئه إلى مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وما اتصل بهذا الباب من العلوم.
ذكر مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ونسبه، وغيرذلك مما لحق بهذا الباب.
ذكر مبعثه عليه الصلاة والسلام، وما كان في ذلك إلى هجرته صلى الله عليه وسلم .
ذكر هجرته، وجوامع مما كان في أيامه إلى وفاته صلى الله عليه وسلم ذكر الأخبار عن أمورٍ وأحو الً كانت من مولده إلى حين وفاته صلى الله عليه وسلم ذكر ما بدىء به عليه الصلاة والسلام من الكلام، مما لم يحفظ قبله عن أحد من الأنام .
ذكر خلافة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه، ونسبه، ولمع من أخباره وسيره.
ذكر خلافة عمر بن الخطاب رضي اللهّ عنه، ونسبه، ولمع من أخباره وسيره.
ذكر خلافة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، ونسبه، ولمع من أخباره وسيره.
ذكر خلافة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، ونسبه، ولمع من أخباره وسيره. ونسب إخوته وأخواته.
ذكر الأخبار عن يوم الجمل وبدئه، وما كان فيه من الحروب، وغيرذلك.
ذكر جوامع مما كان بين أهل العراق وأهل الشام بِصِفينَ.
ذكر الحكمين، وبدء التحكيم.
ذكر حروبه رضي اللّه عنه مع أهل النَهرَوان، وهم الشّرَاة، ومالحق بهذا الباب.
ذكرمقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ذكر لمع من كلامه، وزهده، وما لحق بهذا المعنى من أخباره.
ذكرخلافة الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، ولمع من أخباره وسيره.
ذكر أيام معاوية بن أبي سفيان، ولمع من أخباره وسيره، وَنَوَادر من بعض أخباره.
ذكر جمل من أخلاق معاوية وسياسته، وطرف من عيون أخباره.
ذكر الصحابة ومَدْحهم، وعلي بن أبي طالب والعباس رضي الله كنهم، وَفضْلهم.
ذكر أيام يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.
ذكر مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وَمَنْ قتل من أهل بيته وشيعته. ذكر أسماء ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ذكر لمع من أخبار يزيد بن معاوية وسيره، ونوادر من بعض أفعاله، وما كان منه في الحَرَّة وغيرها.
ذكر أيام معاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، والمختار بن أبي عُبَيْدٍ، وعبد اللّه بن الزبير، ولمع من أخبارهم وسيرهم، وبعض ما كان في أيامهم.

ذكر أيام عبد الملك بن مروان 4 ولمع من أخباره وسيره، والحجاج بن يوسف، وأفعاله، ونوادر من أخباره.
ذكر لمع من أخبار الحجاج بن يوسف وخُطَبه، وما كان منه في بعض أفعاله.
ذكر أيام الوليد بن عبد الملك، ولمع من أخباره وسيره وما كان من الحجاج في أيامه.
ذكر أيام سليمان بن عبد الملك، ولمع من أخباره وسيره.
ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحَكَم رضي اللّه عنه.ولمع من أخباره وسيره زُهْدِ
فشسبَّ هابيلُ وشَبّ قاينُ ... ولم يكن بينهماتبايُنُ
وذكر أهل الكتاب أن آدم زَوَّج أخت هابيل لقاين، وأخصَ قاين لهابيل، وفرق في النكاح بين البطنين، وهن! كانت سُنّةَ آدم عليه السلام احتياطاً لأقصى ما يمكنه في في المحارم لموضع الاضطرار وعجز النسل عن التباين والاغتراب. وقد زعمت المجوس أن آدم لم يخالف في النكاح بين البطون ولم يتَحَرَّ المخالفة، ولهم في هذا المعنى سريدَّعون فيه الفضل في صلاح الحال بتزويج الأخ من أخته والأم من إبنها، وقد أتينا به في الفن الرابعَ عشر من كتابنا الموسوم بأخبار الزمان، ومَنْ أباده الحدثان، من الأمم الماضية، والأجيال الخالية، والمماليك الداثرة وإن هابيل وقاين قَرّبا قرباناً فَتَحَرى هابيل أجود غنمه وأجود طعامه فقربه، وتحرى قاين شر ماله وقربه، فكان من أمرهما ما قد حكاه الله تعالى في كتابه العزيز من قتل قاين هابيل، ويقال: إنه اغتاله في برية قاع، ويُقال: إن ذلك كان ببلاد دمشق من أرض الشام، وكان قتله شَدْخاً بحجر، فيقال: إن الوحوش هنالك استوحشت من الِإنسان، وذلك أنه بدأ فبلغ الغرض بالشر والقتل، فلما قتله تحير في تَوْرِيته، وحمله يطوف به الأرض، فبعث اللّه غراباً إلى غراب فقتله ودفنه، فأسف قاين ثم قال ما حكاه القرآن عنه: " " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي " فدفنه عند ذلك، فلما علم اثم بذلك حزن وجزع وارتاع وهلع.
قال المسعودي: وقد استفاض في الناس شعر يَعْزُونه إلى آدم، أنه قال حين حزن على ولده وأسف على فقده، وهو:
تَغَيَّرَتِ البلادُوَمَنْ عليها ... فجْهُ الأرْض مُغْبَرٌّ قبيح
تغيركل ذِي لون وطعْم ... وقل بشاشَة الوجهُ الصبيحُ
وبُدِّل أهْلُها خَمْطا وأثْل ... اً بجناتٍ مِنَ الفرعوس فِيح
وجاوَرَنَاعموليس يَنْسَى ... لَعِينٌ لايموت فنستريح
وقَتَلَ قاينٌ هابيلَ ظلما ... فا أسفاعلى الوجه المليح
فمالي لا أجودبسَكْب دمع ... وهابيل تضمنه الضريح
أرى طول الحياة عليَّ غما ... وما أنا من حياتي مستريح
ووجدت في عحة من كتب التواريخ والسير والأنساب أن آدم لما نطق بهذا الشعر أجابه إبليس من حيث يسمع صوته ولا يرى شخصه، وهو يقول:
تَنحَّ عَنِ البلَادِ وسَاكنيهَا ... فَقَد ْفي الأرْض ضَاق بِك الفَسِيحُ
وكنتَ وزَوْجكَ الْحَواءُ فيهَا ... أآدم مِنْ أذىَ الدُّنيَا مريحُ
فما زالَتْ مكايدتي ومكرِي ... إلي أنْ فَاتَكَ الثمنُ الربيح
فَلَوْلارَحْمَةُ الرَّحْمنِ أضْحَت ... بِكَفَك مِنْ جِنَانِ الْخُلدِرِيحُ
ووجدت أن آدم عليه السلام سمع صوتَاَ ولا يرى شخصاً وهو يقول بيتاً آخر مفرداً عون ما ذكرنا من هذا الشعر، وهو هذا البيت:
أبا هابِيلَ قَدْ قتلاَ جميعاً ... وصارَالْحَيُّ بالميْت الذبيح
حواء تحمل بشيث

فلما سمع آدم ذلك ازداد حزناً وجَزَعاً على الماضي والباقي، وعلم أن القاتل مقتول؟ فأوحى اللّه إليه إني مخرج منك نوري الذي به السلوك في القَنَوَات الطاهرة والأرومات الشريفة، وأباهي به الأنوار، وأجعله خاتم الأنبياء، وأجعل آله خيار الأئمة الخلفاء، وأختم الزمان بمدتهم، وأغص الأرض بدعوتهم، وأنشرها بشيعتهم، فشمِّز وتطهَر، وقَدِّس، وسبحْ، واغْشَ زَوجتكَ على طهارة منها، فإن وديعتى تنتقل منكما إلى الولد الكائن منكما، فاقع آدم حَوَّاءَ، فحملت لوقتها، وأشرق جبينها، وتلألأ النور في مَخَايلها، ولمع من محاجرها، حتىِ إذا انتهى حملها وضعت نَسَمَةً كأسر ما يكون من الذّكْرَان، وأتمهم وقاراَ، وأحسنهم صورة، وأكملهم هيئة، وأعْدَلهم خَلْقاً، مجلّلًا بالنور والهيبة، موشحاً بالجلالة والأبهة، فانتقل النور من حواء إليه حتى لمع في أساريرجبهته وبَسَق في غرَّة طلعته، فسما ه آدم شيثاً، وقيل شيث هبة اللهّ، حتى إذا ترعرع وأيفعَ وكمل واستبصر أوْعزَ إليه آدم وَصِيتَّه، وعرَّفه محل ما استودعه، وأعلمه أنه حجة اللّه بعده. وخليفته في الأرض، والمؤدِي حق اللّه إلى أوْصِيَائه، وأنه ثاني انتقالى النِّرِّ الطاهرة، والجُرْثومة الزاهرة.
وصية آدم لشيث ثم وفاته
ثم إن آدم حين أدى الوصية إلى شيث احْتَقَبَهَا، واحتفظ بمكنونها، وأتت وفاة آدم عليه السلام، وقرب انتقاله، فتوفي يوم الجمعة لست خَلَوْن من نيسان، في الساعة التي كان فيها خَلْقُه، وكان عمره عليه السلام تسعمائة سنة وثلاثين سنة، وكان قد وصى ابنه شيثاً عليه السلام على ولده، ويقال: إن آدم مات عن أربعين ألفاً من ولده وولد ولده.وتنازع الناس في قبره فمنهم من زعم أن قبره بِمنىً في مسجد الخيْفِ، ومنهم من رأى أنه في كهف في جبل أبي قُبَيْس، وقيل غيرذ لك، واللّه أعلم بحقيقة الحال.
حكم شيث بن آدم
وإن شيثاً حكم في الناس، واستشرع صحف أبيه وما أنزل عليه في خاصته من الأسفار والأشراع، وإن شيثاً واقع امرأته فحملت بأنوش فانتقل النور إليها، حتى إذا وضعته لاحَ النور عليه، فلما بلغ الوَصَاةَ أوعز إليه شيث في شأن الوديعة وعرفه شأنها وأنها شرفهم وكرمهم وأوعز إليه أن ينبِّه وللده على حقيقة هذا الشرف وكبر محله، وأن ينبهوا أولادهم عليه، ويجعل ذلك فيهم وصية منتقلة ما دام النسل.فكانت الوصية جارية تنتقل من قَرْن إلي قَرْن، إلى أن أدَى الله النور إلى عبد المطلب وولده عبد اللّه أبي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وهذا موضع تنازع بين الناس من أهل الملة، ممن قال بالنص وغيرهم من أصحاب الاختيار، س القائلون بالنص هم الِإباضية أهل الِإمأمة من شيعة علي بن أبي طالب رضتي اللهّ عنه والطاهرين من ولده الذين زعموا أن اللّه لم يُخْل عصراً ش الأعصار من قائم بحق اللّه: إما أنبياء وإما أوصياء منصوص على أسمائهم وأعيانهم من اللّه ورسوله، وأصحابُ الاختيار هم فقهاء الأمصار المعتزلة وفرق من الخوارج والمرجئة وكثير من أصحاب الحديث والعوام فرق من الزَّيدِية فزعم هؤلاء أن اللّه ورسوله فَؤَض إلى الأمة أن تختار جلًا منها فتنصبه لها إماماً، وأن بعض الأعصار قد يخلو من حجة اللّه، هو الِإمام المعصوم عند الشيعة، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب لُمعاً من يضاح ما وصفنا من أقاويل المتنازعين وتباين المختلفين.
انوش بن شيث ولود

وإن أنوش قد لبث في الأرض يعمرها، وقد قيل والله أعلم إن شيثَاَ أصل النسل من آدم عون سائر ولده، وقيل غير ذلك، وكانت وفاة شيث قد مضت له تسعمائة سنة واثنتا عشرة سنة وفي زمن أنوش قُتِلَ قاينُ ابنُ آدم قاتلُ أخيه هابيل، ولمقتله خبر عجيب قد أوردناه في أخبار الزمان في الكتاب الأوسط، وكانت وفاة أنوش لثلاث خلون من تشرين الأول، كانت مدته تسعمائة سنة وستيم.، سنة، وكان قد ولد له قينان،ولاح النور في جبينه، وأخذ عليه العهدَ، فعمر البلاد حتى مات، فكانت مدت تسعمائة سنة وعشرين سنة، وقد قيل: إن موته كان في تموز بعدما ولد لى مهلائيل، فكانت مدة مهلائيل ثمانمائة سنة، وقد ولد له لود، والنور متوارث، والعهد مأخوذ، والحق قائم، ويقال: إن كثيراً من الملاهي أحدثت في أيامه، أحدثها ولد قاين قاتل أخيه، ولولد قاين مع ولد لو حروب وقصص قد أتينا على ذكرها في كتابنا أخبار الزمان ووقع التحارب بين ولد شيث وبين غيرهم من ولد قاين، فنوع من الهند ممن يقر بآدم، ينتسوبن إلى هذا الشعب من ولد قاين وأكثر هذا النوع بأرض قمار مز أرض الهند، وإلى بلدهم أضيف العود القماري ة فكانت حياة لود سبعمائأ سنة واثنتين وثلاثين سنة، وكانت وفاته في آذار.
أخنوخ
وقام بعحه ولم! أخْنُوخُ، وهو إدريس النبي صلى اللّه عليه وسلم، والصابئة تزعم أنه هو هرمس، ومعنى هرمس عطارد، وهو الذي أخبر اللّه عزوجل في كتابه أنه رفعه مكاناً علياً وكانت حياته في الأرض ثلاثمائأ سنة، وقيل أكثر من ذلك، وهو أول من درَزَ الدروز، وخاط بالِإبرة، وأنزل عليه ثلاثون صحيفة، وكان قد نزل قبل ذلك على آدم إحدى وعشرون صحيفة، وأنزل على شيث تسع وعشرون صحيفة فيها تهليل وتسبيح.
متوشلح
وقام بعده مَتًّوشلح بن أخنوخ، فعمر البلاد والنورُ في جبينه، وولد لا أولاد، وقد تكلم الناس في كثير من ولده، وإق البلغر والروس والصقالبة من ولده، وكانت حياته تسعمائة سنة وستين سنة، ومات في أيلول.
لمك
وقام بعده لمك، وكان في أيامه كوائن واختلاط في النسل، وتوفي،وكانت حياته سبعمائة سنة وتسعين سنة.
نوح
وقام بعدهنوح بن لمك عليه السلام، وقد كثبر الفساد في الأرض ة فاشْتذَتْ دَيَاجِي الظلم، فقام في الأرض داعياً إلى اللّه، فأ بَوْا إلا طغياناً وكفرأ، فدعا اللّه عليهم، فأوحى اللّه إليه أن اصنع الفلك، فلما فرغ من السفينة أتاه جبرائيل عليه السلام بتابوت آدم فيه رمّته وكان ركوبهم في السفينة يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من آذار، فأقام نوح ومن معه في السفينة على ظهر الماء وقد غرق جميعُ الأرض خَمْسَةَ أشهرٍ، ثم أمر اللّه تعالى الأرض أن تبتلع الماء والسماء أن تُقْلِع، واستوت السفينة على الْجُوديِّ، والجودي: جبل ببلاد باسورى، وجزيرة ابن عمر ببلاد الموصل، وبينه وبين دجلة ثمانية فراسخ، وموضع جُنوح السفينة على رأس هذا الجبل إلى هذه الغاية.
وذكر أن بعض الأرض لم يُسْرِع إلىِ بَلْع الماء، ومنها ما أسرع إلىبَلْعِه عندما أمرت، فما أطاع كان ماؤه عذباَ إذا احتفر، وما تأخر عن القبول أعقبها اللّه بماء مِلْحٍ إذا احتفر، وسباخٍ ومَلاحات، ورمال، وما تخلف من الماء الذي امتنعت الأرض من بَلْعه انححر إلى قعور مواضع من الأرض، فمن ذلك البحار، وهي بقية الماء الذي عصت أرضُه أهلك به أمم، وسنذكر بعد هذا الموضع من كتابنا هذا أخبار البحار ووصفها.
أولاد نوح
ونزل نوح من السفيتة ومعه أولاده الثلاثة، وهم: سام، وحام، ويافث، وكًنّاته الثلاث أزواج أولاثه، وأربعون رجلَاَ، وأربعون امرأة، وصاروا إلى سفح الجبل فابتَنَوْا هنالك مدينة وسموها ثمانين، وهو اسمهاإلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ودَثر عقب هؤلاء الثمانين نفساً، وجعل اللّه نسل الخليقة من نوح من الثلاثة من ولم!، وقد أخبر اللّه عز وجل بذلك بقوله: " " وجعلنا ذريته هم الباقين " واللّه أعلم بهذا التأوبل.
والمتخلف عنه من ولمه الذي قال له: " يا بني اركب معنا هويام.
وقسم نوحٌ الأرض بين أولاثه أقساماً، وخص كل واحد بموضع،ودعا على ولده حام لأمر كان منه مع أبيه قد اشتهر، فقال ة ملعون حام، عبد عنيد يكون لإِخوته، ثم قال: مبارك سام، ويكثر اللّه يافث، ويحل يافث في مسكن سام.

ووجدت في التوراة أن نوحاً عاش بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، فجميع عمرنوح تسعمائة وخمسون سنة وقد قيل غيرذلك.
مساكن حام بن نوح
فانطلق حام وأتبعه ولده، فنزلوا مساكنهم في البر والبحر على حسب ما نذكره بعد هذا الموضع من هذا الكتاب، وسنذكر تفرق النسل في الأرض ومساكنهم فيها من ولد يافث وسام وحام.
مساكن سام
فأما سام فسكن وسط الأرض من بلاد الحرم إلى حضرموت إلى عمان إلى عالج، فمن ولده إرم بن سام، وإرفخشذ بن سام بن نوح.
إرم بن سام
ومن ولد إرم بن سام عاذ بن عوص بن إرم بن سام وكانوا ينزلون الأحقاف من الرمل، فأرسِلَ إليهم هوذ..
ثمود من ولد سام
وثمود بن عابر بن إرم بن سام، وكانوا ينزلون الحِجْرَ بين الشام والحجاز، فأرسل الله إليهم أخاهم صالحاً، وكان من أمرهم مع صالح ما قد اتضح أمره، واشتهر خبره، وسنذكر بغد هذا الوضع من هذا الكتاب لمعاً من أخباره وأخبار غيره من الأنبياء عليهم السلام.
طسم وجديسر وعمليق
وطَسْمٌ وجَديس ابنا لاوذ إرم، وكانوا ينزلون اليمأمة والبحرين، وأخوهما عمليق بن لاوذ بن إرم، نزل بعضهم الحرم، وبعضهم الشام، ومنهم العماليق، تفرقوا في البلاد، وأخوهم أميم بن لاوذ نزل أرض فارس، وسنذكر في باب تنازع الناس في أنساب الفرس من هذا الكتاب من ألحق كيومرت بأميم، وقيل: إن أميماً نزل أرض وَبَارِ وهي التي غلبت عليها الجن على ما زعم الأخباريون من العرب.
ونزل بنو عبيل بن عوص أخي عاد بن عوص مدينة الرسول عليه السلام.
ماش بن إرم وأولالده
وولد سام بن نوح ماش بن إرم بن سام، ونزل بابل على شاطىء الفرات فلد نمروذ بن ماش، وهو الذي بنى الضَرْحَ ببابل، وجَسَّرَ جِسْراً ببابل على شاطىء الفرات، وملك خمسمائة سنة، وهو ملك النَّبطِ، وفي زمانه فرق اللّه الألسن : فجعل في ولد سام تسعةَ عشرَ لساناً، وفي ولد حام سبعة عشر لساناً، وفي ولد يافث ستة وثلاثين لساناً، وتشعبت بعد ذلك اللغات وتفرقت الألسن، وسنذكر هذا في موضعه الذي يوجد في كتابنا هذا، وتفرق الناس في البلاد، وما قالوا في ذلك من الأشعار عند تفرقهم في البلاد بأرض بابل، ويقال: إن فالغ هو الذي قسم الأرض بين الأمم، ولذلك سمي فالغ، وهو فالح: أي قاسم.
فالغ بن سالخ وأولاده
وولد إرفخشذ بن سام بن نوح شالخ، فلد شالخ فالغ بن شالخ الذي قسم الأرض وهو جد إبراهيم عليه السلام، وعابر بن شالخ، وابنه قحطان بن عابر، وابنه يَعْرُب بن قحطان، وهو أول من حياه ولده تحية الملك آنْعِمْ صَباحاً وأبَيْتَ اللعْنَ وقيل: إن غيره حُيٍّ بهذه التحية من ملوك الجيرة، وتَحْطان أبو اليمن كلها على حسب ما نذكربن شاء اللّه تعالى في باب تنازع الناس في أنساب اليمن من هذا الكتاب، وهو أول من تكلم بالعربية لِإعرابه من المعاني وإبانته عنها، ويقطن بن عابر بن شالخ هو أبو جرهم وجرهم بنو عم يعرب، وكانت جُرْهُمُ ممن سكن اليمن وتكلموا بالعربية، ثم نزلوا بمكة فكانوا بها، على حسب ما نوردهُ من أخبارهم، وقَطُورَا بنو عم لهم، ثم أسكنها الله إسماعيل عليه السلام، ونكح في جرهم؛ فهم أخوال ولده.
وذكر أهل الكتاب أن لمك بن سام بن نوح حي، لأن اللّه عزوجل أوحى إلى سام: إن الذي وكلته بجسد اعم أبقيته إلى آخر الأبد، وذلك أن سام بن نوح دَفَنَ تابوت آدَمَ في وسط الأرض، وكَّل لمكاً بقبره، وكانت وفاة سام يوم الجمعة؛ وذلك في أيلول، وكان عمره إلى أن قبضه الله عزوجل ستماَئة سنة.
إرفخشذ بن سام
وكان القيم بعد سام في الأرض ولحه إرفخشذ، وكان عمره إلى أن قبضه اللّه عزوجلّ أربعمائة سنة وخمساً وستين سنة، وكانت وفاته في نيسان.
شالخ بن إرفخشذ
ولما قبض اللّه إرفخشذ قام بعده ولده شالخ بن إرفخشذ، وكان عمره إلى أن قبضه اللهّ عز وجل أربعمائة سنة وثلاثين سنة.
عابر بن شالخ
ولما قبض اللّه شالخ قام بعده ولده عابر؛ فعمر البلاد، وكانت في أيامه كوائن وتنازع في مواضع من الأرض، وكان عمره إلى أن قبضه اللّه عز وجل إليه ثلاثمائة سنة وأربعين سنة.
فالغ بن عابر

ولما قبض اللّه عابر قام بعده وللى فالغ علىنهج منْ سَلَفَ من آبائه، وكان عمره إلى أن قبضه اللّه عزوجل مائتي سنة وثلاثين سنة، وقد قدمنا ذكره في هذا الكتاب فيما سلف، وما كان بأرض بابل عند تَبَلْبُلى الألسن.
رعو بن فالغ
ولما قبض اللّه فالغ قام بعده ولده رعوبن فالغ، وقيل: إن في زمنه 0كان مولد خمروذ الجبار، وكان عمره إلى أن قبضه اللّه مائتي سنة، وكانت وفاته في نيسان.
ساروغ بن رعو
ولما قبض اللّه رعو قام بعدهساروغ بن رعو، وقيل: إنه في أيامه ظهرت عبادة الأصنام والصُّوَر، لضروب من العلل أحدثت في الأرض وشبه ذلك، وكان عمره إلى أن قبضه اللّه إليه مائتي سنة وثلاثين سنة.
ناحور بن ساروغ
ولما قبض اللّه ساروغ قام بعده ناحور بن ساروغ مقتدياً بمن سلف من آبائه، وحدث في أيامه رجْفٌ وزلازل لم تعهد فيما سلف من الأيام قبله، وأحدثت في أيامه ضروب من المهن والالات، وكانت في أيامه حروب وتحزيب الأحزاب من الهند وغيرها، وكان عمره إلى أن قبضه اللّه إليه مائة سنة وستاً وأربعين سنة.
تارح بن ناحور
ولما قبض اللّه ناحور قام بعده ولده تارح، وهو آزر أبو إبراهيم الخليل، وفي عصره كان نمروذ بن كنعان، وفي أيام نمروذ حدثت في الأرض عبادة النيران والأنوار، وجعل لها مراتب في العبادات، وكان في الأرض هرج عظيم من حروب وإحداث كور وممالك بالشرق والغرب،وغير ذلك، وظهر القول بأحكام نجوم وصورت الأفلاك، وعملت لها اللآلات، وقُرِّبَ فهم ذلك إلى قلوب الناس، فنظر أصحاب النجوم إلى طالع السنة التي ولد فيها إبراهيم عليه السلام وماذا يوجب، فأخبروا النمروذ أن مولوداً يولد يُسَفّه أحلامهم، ويزيل عبادتهم، فأمر النمروذ بقتل الوِلدان، وأخفي إبراهيم عليه السلام في مغارة، ومات آزر، وهو تارح، وكان عمره إلى أن قبضه اللّه عزوجل مائتين وستين سنة، واللّه الموفق للصواب.
ذكر قصة إبراهيم ومن تلأ عصره من الأنبياء
والملوك من بني إسرائيل وغيرهم
ولما نشأ إبراهيم عليه السلام، وخرج من المغارة التي كان بها، وتأمل آفاق الأرض والعالم، وما فيه دلائل الحدوث والتأثير، نظر إلى الزهرة وإشراقها فقال: هذا ربي، فلما رأى القمر أنور منها قال: هذا ربي، فلما رأى الشمس أبْهَرَ مما رأى قال: هذا ربي هذا أكبر، وقد تنازع الناس في قول إبراهيم هذا ربي، فمنهم مَنْ رأى أن ذلك كان منه على طريق الاستدلال والاستخبار، ومنهم مَنْ رأى أن ذلك منه كان قبل البلوغ وحال التكليف، ومنهمِ مَنْ رأى غير ذلك، فأتاه جبرائيل فعلمه دينه، واصطفاه الله نبيّاً وخليلاَ، وكان قد أوبي رُشْدَه من قبل، ومن أوتي رشده فقد عصم من الخطأ والزلل وعبادة غير الواحد الصمد، فعاب إبراهيم عليه السلام على قومه ما رأى من عبادتهم واتخاذهم المجَوّفَاتِ آلهة لهم، فلما كثر عليهم ذم إبراهيم لالهتهم، واستفاض ذلك فيهم اتخذ النمروذ النار وألقاه فيها، فجعلها اللّه بَرْداً وَلمسَلاَماً، وخمدت النار في سائر بقاع الأرض في ذلك اليوم.
مولد إسماعيل بن إبراهيم
وولد لإِبراهيم إسماعيلُ عليهما السلام، وذلك بعد أن مضى من عمره ست وثمانمون سنة أو سبع وثمانون سنة وقيل: تسعون سنة من هَاجَر جارية كانت لِسَارَةَ، وكانت سَارَةُ أول من آمن بإبراهيم عليه السلام، وهي ابنة بتوايل بن ناحور، وهي ابنة عم إبراهيم، وقد قيل غير هذا مما سنورور بعد هذا الموضع، وأمَنَ به لوط بن هاران بن تارح بن ناحور، وهو ابن أخي إبراهيم عليه السلام.
أصحاب المؤتفكة
وأرسل الله لوطاً إلى المدائن الخسمن، وهي: سدوم، وعمورا، وأدموتا، وصاعورا، وصابورا، وإن قوم لوط هم أصحاب المؤتفكة، وهذا الاسم مشتق من الِإفك، وهو الكذب على رأي من ذهب إلى الاشتقاق، وقد ذكرهم اللّه في كتابه بقوله: " وَالْمُؤْتَفكَةَ أهْوَى " وهذه بلاد بين تُخُوم الشام والحجاز مما يلي الأردن وبلاد فلسطين، إلا أن ذلك في حيز الشام، وهي مُبَقاة إلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة خراباً لا أحد بها، والحجارة المُسَومَة موجودة فيها يراها الناس السُّفَّار سَوداء برَّاقَةً، فأقام فيهم لوط بضعاً وعشرين سنة يدعوهم إلى اللّه فلم يؤمنوا، فأخذهم العذاب على حسب ما أخبر اللّه من شأنهم.

ولما ولد إسماعيل لِإبراهيم من هاجر غَارَتْ سارة فحمل إبراهيم إسماعيل وهَاجَرَ إلى مكة فأسكنها بها، وذلك قوله عز وجل يخبر عن إبراهيم: " " رب إني أسكنت من فريتي بوادٍ غير في زرع عند بيتك المحرم " فأجاب اللّه دعوته، وآنس وحشتهم، بجُرْهُمٍَ والعماليق، وجعل أفئِدةً من الناس تَهْوِي إليهم.
وأهلك الله قوم لوط في عهد إبراهيم لما كان من فعلهم واتضح من خبرهم ثم أمر اللّه إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، فبادر إلى طاعة ربه،وَتلَّهُ للجبين؟ فَفداه اللّه بِذبحٍ عظيم، ورفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل.
مولد إسحاق
ثم ولد لإِبراهيم من سارة " إسحاقُ عليه السلام، وذلك بعد مضي عشرين ومائة سنة من عمره.
الذبيح من ولد إبراهيم
وقد تنازع الناس في الذبيح، فمنهم من ذهب إلى أنه إسحاق، ومنهم من رأى أنه إسماعيل، فإن كان الأمر وقع بالذبح بالحجاز فالذبيح إسماعيل، لأن إسحاق لم يدخل الحجاز، هان كان الأمر بالذبح وقع بالشام فالذبيح إسحاق، لأن إسماعيل لم يدخل الشام بعد أن حمل منه. وتوفيت سارة وتزوج إبراهيم بعد ذلك بقنطوراء، فلد منها ستة ذكور، وهم: مرق، ونفس، ومدن، ومد ين، وسنان، وسرح، وتوفي إبراهيم بالشام، وكان عمره إلى أن قبضه اللّه عزوجل مائة سنة وخمساً وتسعين سنة، وأنزل اللهّ عليه عشراً من الصحف.
أولاد إسحاق بن إبراهيم الخليل
وتزوج إسحاق بعد إبراهيم برفقا ابنة بتوايل ؛ فلدت له العيص ويعقوب في بطن واحد، وكان البادىء منهما إلى الفَصل عيص، ثم يعقوب، وكان لِإسحاق في وقت مولدهما ستون سنة، وذهب بَصَرَ إسحاق، فدعا ليعقوب بالرياسة على إخوته والنبوة في ولده، ودعا لعيص يالملك في ولده، وكان عمر إسحاق إلى أن قبضه اللّه مائة وخمساً وثمانين سنة، ودفن مع أبيه الخليل، ومواضع قبورهم مشهورة، وذلك على ثمانية عشر ميلاً من بيت المقدس في مسجد هناك يعرف بمسجد إبراهيم ومراعيه.
يعقوب بن إسحاق وأخوه العيص
وقد كان إسحاق أمر ولده يعقوب بالمسير إلى أرض الشام وبَشَّره بالنبوة ونبوة أولاده الاثني عشر، وهم: لاوى، ويهوذا، ويساخر، وزبولون، ويوسف، وبنيامين، ودان، ونفتالى، وكان، وإشا ر، وشمعون، وروبيل، هؤلاء الأسباط الاثنا عشر، والنبوة والملك في عقب أربعة منهم: لاوى، ويهوذا، ويوسف، وبنيامين، وكثرجزع يعقوب من أخيه العيص و، فأمنه اللّه من ذلك، وكان ليعقوب خمسة آلاف وخمسمائة من الغنم؛ فأعطى يعقوث لأخيه العيص العشرمن غنمه استكفاء للشر وخوقاً من سَطْوَته، من بعد أن آمنه اللّه عزوجل من خوفه، وأن لا سبيل له عليلا، فعاقبه الله في وللى لمخالفته لوعده، فأوحى اللّه تعالى إليه: ألم تطمئن إلى قولي. فلأجعلن ولد العيص يملكون ولدك خمسمائة وخمسين عاماً، وكانت المدة منذ أخْرَبَتِ الروم بيت المقدس، واستعبدت بني إسراثيل إلى أن فتح عمر بن الخطاب رضي اللهّ عنه بيت المقدس.
وكان أحب ولد يعقوب إليه يوسف؛ فحسده إخوته على ذلك، وكان من أمره مع إخوته ما قَصَّ الله عزوجل في كتابه، وأخبر به على لسان نبيه، واشتهر ذلك في أمته.
وفاة يعقوب ويوسف
وقبض اللّه عز وجل يعقوب ببلاد مصر، وهو ابن مائة وأربعين سنة، فحمله يوسف فدفنه ببلاد فلسطين، عند تربة إبراهيم وإسحاق، وقبض اللّه يوسف بمصر وله مائة وعشرون سنة، وجعل في تابوت من الرخام، وسد بالرصاص، وطلى الأطلية الدافعة للهواء والماء، وطرح في نيل مصر نحو مدينة مَنْفَ، وهناك مسجده وقيل: إت يوسف أوْصى أن يحمل فيدفن عند قبر أبيه يعَقوب في مسجد إبراهيم عليه السلام
أيوب النبي

وكان في عصره أيوب النبي صلى اللّه عليه وسلم، وهوأيوب بن موص بن زراح بن رعوايل بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام،وذلك في بلاد الشام من أرض حُورَانَ والبثنية من بلاد الأردن من بين دمشق والجابية، وكان كثير المال والولد، فابتلاه اللّه في نفسه وماله وولده، فصَبَر، ورد اللّه عليه ذلك، وأقاله عَثرَته، واقتص ما اقتص من أخباره في كتابه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ومسجده والعينُ التي اغتسِل مئها في وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلائمائة، مشهوران ببلاد نوَى والجولان فيما بين لمحمشق وطبرية من بلاد الأردن، وهذا المسجد والعين على ثلاثة أميال من مدينة نَوَى، أو نحو ذلك، والْحَجَرُ الذي كان يأوي إليه في حال بَلائِه هو وزوجته واسمها رحمةفي ذلك المسجد إلى هذا الوقت.وذكر أهل التوراة والكتب الأولى أن موسى بن ميشاء بن يوسف بن يعقوب نبي قبل موسى بن عمران، وأنه هو الذي طلب الخضربن ملكان ابن فالغ بن عابوربن شالخ بن إرفخشد بن سام بن نوح، وذكر بعض أهل الكتاب أن الخضر هو خضرون بن عميائيل بن النفر بن العيص بن إسحاق ابن إبراهيم، وأنه أرسل إلى قومه فاستجابوا له.
موسى بن عمران
فكان موسى بن عمران بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بمصر في زمن فرعون الجبار، وهو الوليد بن مصعب بن معاوية بن أبي نمير بن أبي الهلواس بن ليث بن هران بن عمرو بن عملاق، وهو الرابع من فراعنة مصر، وقد كان طال عمره وعظم جسمه، وكان بنو إسرائيل قد استرقُوا بعد مضي يوسف، واشتد عليهم البلاء، وأخبر أهل الكَهَانة والنجومٍ والسحر فرعون أن مولودأ سيولد ويزيل ملكه ويحدث ببلاد مصر أموراً عظيمة، فجزع لذلك فرعون، وأمر بذبح الأطفال، وكان من أمر موسى ما أوحى اللّه عزوجل إلى أمِّهِ في أمره: أن اقذفيه في اليم، فقذفته، إلى آخر ما اقتص من خبره، وأوضحه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. وكان في ذلك الزمان شُعَيْب عليه السلام، وهو شعيب بن نويت بن رعوايل بن مر بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم، وكان لسانه عربيّاً، وكان مبعوثاً إلى أهل مَدْيَنَ، ولما خرج موسى عليه السلام هارباً من فرعون مر بشعيب النبي عليه السلام، وكان من أمره معه وتزويجه ابنته ما قد ذكره اللّه عزوجل.
هارون أخو موسى وبعثهما إلى فرعون

وكلم اللّه موسى تكليماً، وشدَ عَضُده بأخيه هارون، وبعثهما إلى فرعون، فخالفهما، فأغرق اللّه عز وجل فرعون، وأمره اللّه عز وجل بالخروج ببني إسرائيل إلى التَّيه، وكان عددهم ستمائة ألف بالغ دون من ليس ببالغ، وكانت الألواح التي أنزلها اللّه على موسى بن عمران على جبل طور سيناء من زمرد أخضر فيها كتابة بالذهب، فلما نزل من الجبل رأى قوماً من بني إسرائيل قد اعتكفا على عبادة عجل لهم، فارتعد، فسقطت الألواح من يده، فتكسرت، فجمعها وأودعها تابوت السكينة مع غيرها وجعله في الهيكل، وكان هارون كاهناً؛ وهو قيم الهيكل وأتم الله عزوجل نزول التوراة على موسى بن عمران وهو في التّيه، وقبض الله هارون في التّيه فدفن في جبل ومَوَاتٍ من نحو جبل الشراة مما يلي الطور، وقبره مشهور في مغارة عادية يسمع منها في بعض الليالي عوقيٌ عظيم يجزع منه كل فيى روح، وقيل: إنه غير مدفن، بل هو موضوع في تلك المغارة، ولهذا الموضع خبر عجيب قد ذكرناه في كتابنا أخبار الزمان عن الأمم الماضية والممالك الداثرة ومن وصل إلى هذا الموضع علم ما وصفنا، وكان ذلك قبل وفاة نوسى بسبعة أشهر، وقبض اللّه هارون وهو ابن مائة وثلاث وعشرين سنة، وقيل: إنه قبض وهو ابق مائة وعشرين، وقيل: إن موسى قبض بعد وفاة هارون بثلاث سنين، وإنه خرج إلى الشام وكان له بها حروب من سرايا كانوا يسرونها من البر إلى العماليق والقربانيين والمدنيين وغييرهمٍ ممن كانوا بالشام وغيرهم من الطوائف على حسب مافي التوراة، وأنزل اللّه عز وجل على موسى عشر صحف، فاستتم مائة صحيفة، ثم أنزل اللّه عليه التوراة بالعبرانية وفيها الأمر والنهي والتحريم والتحلْيل والسنن والأحكام، وذنك في خمسة أسفار، والسًفر يريدون به الصحيفة، وكان موسى قد ضرب التابوت الذي فيه السكينة من الذهب من ستماتة ألف مثقال وسبعمائة وخمسين مثقالاً، فصار الكاهن بعد هارون يوشعُ بن نون بن سبط يوسف، وقبض اللهّ موسى وهو ابن عشرين ومائة سنة، ولم يحدث لموسى ولا لهارون شيء من الشيب، ولا حالا عن صفة الشباب. ولما قبضَ اللّه عز وجل موسى بن عمران سار يوشع بن نون ببني إسرائيل إلى بلاد الشام، وقد كان غلب عليها الجبابرة من ملوك العماليق وغيرهم من ملوك الشام، فأسرى إليهم يوشع بن نون سرايا، وكانت له معهم وقائع، فافتتح بلاد أريحاء وزغر من أرض الغور، وهي أرض البحيرة المنتنة التي لا تقبل الغرقى، ولا يتكون فيها ف روح من سمك ولا عْيزه، وقد ذكرها صاحب المنطق وغيره من الفلاسفْة ومَنْ تقدم وتأخر من عصره، وإليها ينتهي ماء بحيرة طبرية، وهو الأردن، وبدء ماء بحيرة طبرية من بحيرة كفرلى والقرعون من أرض دمشق، فإذا انتهى مَصَب نهر الأردن إلى البحيرة المنتنة خَرَقَهَا وانتهى إلى وسطها متميزاً عن مائها فيغوص في وسطها، وهو نهر عظيم، فلا يدري أين غاص من غير أن يزيد في البحيرة ولا ينقص منها، ولهذه البحيرة أعني المنتنة أخبار عجيبة وأقاصيص طويلة، وقد أتينا على ذلك في كتابنا أخبار الزمان عن الأمم الماضية والملوك الداثرة وذكرنا أخبار الأحجار التي تخرج منها على صورة البطيخ على شكلين، ويعرف الواحد منها بالحجر اليهودي، وذكرته الفلاسفة، واستعمله أهل الطب لمن به وجع الحَصَاة في المَثَانة، وهو نوعان: ذكر، وأنثى، فالذكر للرجال، والأنثى للنساء، ومن هذه البحيرة يخرج الغبار المعروف بالحمرة، وليس في الدنيا واللّه أعلم بحيرة لا يتكون فيها ف روح من سمك وغيره إلا هذه البحيرة، وبحيرة ركِبْتُها ببلاد أفربيجان بين مدينة إرمينية والمراغة، وهي المعروفة هنا بكبودان، وقد ذكر الناس ممن تقدم عذر عدم تكون الحيوان في البحيرة المنتنة، ولم يتعرضوا لبحيرة كبودان، وينبغي على قياس قولهم أفي تكون علّتهما واحدة.
وسار ملك الشام وهو السميدع بن هوبر بن مالك إلى يوشع بن نون؛ فكانت بينهم حروب إلى أن قتله يوشع، واحتوى على جميع ملكه، وألحق به غيره من الجبابرة والعماليق، وشَنَّ الغارات بأرض الشامِ، وكانت مدة يوشع بن نون في بني إسرائيل بعد وفاة موسى بن عمران تسعاَ وعشرين سنة، وهو يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وقيل: إن يوشع بن نون كان بدء محاربته لملك العماليق وهو السميدع ببلاد أيْلَةَ نحو مدين، ففي ذلك يقول عوف بن سعد الجرهمي:

ألم ترأنَ الْعَمْلَقي ابن هوبرٍ ... بأيْلَةَ أمسى لَحْمُهُ قد تمزَّعا
تداعت عليه من يهود حَجافل ... ثمانين ألفاً حاسرين ودرًعا
فأمست عداداً للعماليق بعده ... على الأرض مشياً مصعدين وفُزَّعا
كأنْ لم يكونوا بين أجبال مكة ... ولم يَرَراء قبل ذاك السَّمَيْدعا
بلعم بن باعوراء
وكان بقرية من قرى البلقاء من بلاد الشام رجل يقال له بلعم بن باعوراء بن سنور بن وسيم بن ناب بن لوط بن هاران، وكان مستجاب الدعوة، فحمله قومه على الدعاء على يوشع بن نون، فلم يتأتَّ له ذلك، وعجز عنه، فأشار على بعض ملوك العماليق أن يبرزوا الحسان من النساء نحو عسكر يوشعع بن نون ففعلوا، فتسرعوا إلى النساء فقع فيهم الطاعون، فهلك منهم سبعون ألفاً، وقيل أكثر من ذلك وبلعم هو الذي أخبر الله عنه أنه آتاه الآيات فانسلخ منها وقيل: إن يوشمع بن نون قبض وهو ابن مائة وعشرين سنة.
كالب بن يوقنا
وقام في بني إسرائيل بعد يوشع بن نون كالبُ بن يوقنا بن بارض بن يهوذا، ويوشع وكالب الرجلان اللذان أنعم الله عليهما. قال المسعودي: ووجدت في نسخة أن القائم في بني إسرائيل بعد وفاة يوشع بن نون كوشان الكفري، وأنه أقام فيهم ثمانين سنة، وهلك، وملك عميائيل بن قابيل من سبط يهوذا أربعين سنة، وقيل: كوش جبار كان في آب من أرض البلقاء، وإن بني إسرائيل كفرت بعد ذلك فملًكَ الله عليهم كنعان عشرين سنة، وهلك، فكان على بني إسرائيل عملال الأحباري أربعين سنة، ثم قام شمويل إلى أن وليهم طالوت، وخرج عليهم جالوت الجبار ملك البربر من أرض فلسطين. قال المسعودي: فأما على الرواية الأولى التي قمنا ذكرها أن القيم بعد يوشع في بني إسرائيل كالب بن يوقنا وأن القائم بعده في بني إسرائيل والمدبر لهم فنحاص بن العازر بن هارون بن عمران ثلائين سنة، وكان عَمَدَ إلى مصاحف موسى بن عمران عليه السلام فجعلها في خابية نحاس ورصَصَ رأسَهَا، وأتى بها صخرة بيت المقدس، وذلك قبل بنائه فانفرجت، فإذا مغارة فيها صخرة ثانية، فضع الخابية فيها، وانضصت الصخرة على ذلك ككَوْنها أولاَ. ولما هلك فنحاص بن العازر دبر أمرهم كوشان الأثيم ملك الجزيرة فتعبد بني إسرائيل، وأخذهم البلاء ثمان سنين، ثم دبرهم عنيائيل بن يوقنا أخو كالب من سبط يهوذا أربعين سنة، ثم دبرهم أعلون ملك مواب بجهد شديد ثمان عشرة سنة، ثم دبرهم أهوذ من ولد إفرايم خمساً وخمسين سنة، ولخمس وثلاثين سنة خلت من أيامه ثم للعالم أربعة آلاف سنة وقيل غير ذلك من التاريخ، ثم دبرهم شاعان بن أهوذ خمساً وعشرين سنة، ثم دبرهم يابين الكنعاني ملك الشام عشرين سنة ثم دبرهم امرأة يقال لها دبورا، وقيل: إنها ابنته، وضمت إليها رجَلاَ من سبط نفتالي يقال له باراق أربعين سنة، ثم تداولتهم رؤوس من بني مدين وهم عريب وربيب وبرسونا ودراع وصلنا تسع سنين وثلاثة أشهر، ثم دبرهم كدعون من آل منشا أربعين سنة، وقتل ملوك مدين،.ثم ابنه أبيمالخ ثلاث سنين وثلاثة أشهر، ثم دبرهم تولع من آل إفراين ثلاثاً وعشرين سنة، ثم يامين من آل منشا اثنتين وعشرين سنة، ثم ملوك عمان ثماني عشرة سنة وثلاثة أشهر ثم نحشون من بيت لحم سبع سنين، ثم شنشون عشرين سنة، ثم أملج عشر سنين، ثم عجران ثماني سنين، ثم قهرهم ملوك فلسطين أربعين سنة، ثم عيلان الكاهن بعد ذلك أربعين سنة، وفي زمانه ظفر البابليُّون ببني إسرائيل وغنموا التابوت، وكان بنو إسرائيل يستفتحون به، فحملوه إلى بابل، وأخرجوهم من ديارهم وأبناءهم، وكان ما كان من أمرف حزقيل، وهم الذين أخرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حَنَرَ الموت، فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، وكان قد أصابهم الطاعون، فبقي منهم ثلثةز أسباط، فلحقت فرقة بالرمل، وفرقة بشواهق الجبال، وفرقة بجزيرة من جزائر البحر، وكان لهم خبر طويل حتى رجعوا إلى ديارهم، فقالوا لحزقيل: هل رأيت قوماً أصابهم ما أصابنا؟ قال: لا، ولا سمعت بقوم فروا من اللّه فراركم، فسلط اللّه عليهم الطاعون سبعة أيام، فماتوا عن آخرهم، ودبر بني إسرائيل بعد عيلان الكاهن شمويلُ بن بروحان ابن ناحورا، ونبىء فمكث فيهم عشرين سنة.
طالوت وجالوت

ووضع اللّه عز وجل عنهم القتال، وصلح أمرهم، فخلطوا بعد ذلك، فقالوا لشمويل: ابعث لنا ملكاً يقاتل معنا في سبيل اللّه، فأمر بتمليك طالوت، وهو ساود بن بشر بن إينال بن طرون بن بحرون بن أفيح بن سميداح بن فالح بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، فملكه اللّه عليهم، ولم يجمعهم قبل ذلك مثل طالوت، وكان بين خروج موسى عليه السلام ببني إسرائيل من مصر إلى أن ملك على بني إسرائيلِ طالوت خمسمائة سنة واثنتان وسبعون سنة وثلاثة أشهر، وكان طالوت دَبَّاغاَ يعمل الأدمَ فأخبرهم نبيهم شمويل أن اللهّ قد بدث لكم طالوت ملكاً، فقالوا فيه ما أخبر اللّه عزوجل في كتابه: " وأنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سَعَةً من المال؟ قال: إن اللّه اصطفاه عليكم، وزاعه بسطة في العلم والجسم " وأخبرهم نبيهم أن " وآية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة، من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة " وكان مدة ما مكث التابوت ببابل عشر سنين، فسمعوا عند الفجر حفيف الملائكة تحمل التابوت، واشتد سلطان جالوت، وكثرت عساكره وقُوَّاورُ، وبلغه انقياد بني إسرائيل إلى طالوت، فسار جالوت من فلسطين بأجناس من البربروهو جالوت بن بايول بن ريال بن حطان بن فارس فنزل بساحة بني إسرائيل، فأمر شمويل طالوت بالمسير ببني إلبمرائيل إلى حرب جالوت، فابتلاهم اللّه عز وجل بنهر بين الأردن وفنسطين، وسلط اللّه عليهم العطش، وقد قص اللهّ ذئك في كتابه، ومروا كيف يشربون من النهر، فلغه أهل الريبة ولوغ الكلاب، فقتلهم طالوت عن آخرهم، ثم فضَل من خيارهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً فيهم إخوة داود عليه السلام ولحق داود بإخوته، فتوافؤ الجيشان جميعاً، وكافت الحروب بينهما سِجَالاً، وندب طالؤت الناس، وجعل لمن يخرج إلى جالوت ثلث ملكه ويتزوج ابنته، فبرز داود فقتله بحجر كان في مِخلاَتِهِ، رماه بمقلاع فخر جالوت ميتاً، وقد أخبر اللّه عزوجل بذلك في كتاِبه بقوله: " وقتل داود جالوت " وقد ذكر أن الحجر الذي كان في مخلاة داود كان ثلاثة أحجار، فاجتمعت وصارت حجراً واحداً، ولها أخبار قدمت ذكرها فيما سلف من كتبنا، وهي التي قتل بها جالوت، وإن القوم الذين ولغوا في الماء وخالفا ما أمروا به كان القاتل لهم طالوت. وقد أتينا على خبر الدرع التي كان أخبرهم نبيهم أنه لا يقتل جالوت إلا من صلحت عليه تلك الدرع إذا لبسها، وأنها صلحت على داود، وما كان من هذه الحروب، وخبر النهر الذي نَشَّ على رأسه، وخبر تملك طالوت، وأخبار البربر وبدء شأنهم في كتابنا في أخبار الزمان، وسنورد بعد هذا جُمَلاً من أخبار البربروتفرقهم في البلاد في الموضع اللائق بها من هذا الكتاب.
داود
ورفع اللّه ذكر داود، وأخْمَل ذكر طالوت، وأبى طالوت أن يفي لداود بما تقدم من شرطه، فلما رأى ميل الناس إليه زَوَّجه ابنته، وسَلم إليه !ثلث الجباية، وثلث الحكم، وثلث الناس. ثم حس!ه بعد ذلك وأراد اغتياله، فمنعه الله عزوجل من ذلك، فأبى داود أن ينافسه في ملكه، ونما أمر داود، فبات طالوت على سرير ملكه فمات من ليلته كمداً، وانقاذث بنوإسرائيل إلى داود عليه السلام، وكانت مدة ملك طالوت عشرين سنة، وذكر أن الموضع الذي قتل فيه جالوت كان ببيسان من أرض الغور من بلاد الأردن، وَألَانَه اللهّ عز وجل لداود الحديد فعمل منه الحروع، وسَخرَ له الجبال والطير يُسَبِّحْنَ معه، وحارب داود أهل مواب من أرض البلقاء

وأنزل اللّه عز وجل عليه الزَّبُورَ بالعبرانية خمسين ومائة سورة، وجعله ثلاثة أثلاث: فثلث ما يلقون من بُخْت نضرَ. وما يكون من أمره في المستقبل، وثلث ما يلقون من أهل أثور، وثلث موعظة وترغيب وتمجيد وترهيب، وليس فيه أمر ولا نهي ولا تحليل ولا تحريم، واستقامت الأمور لداود، ولحقت الخوارج من الكفار بأطراف الأرض لهيبة داود، وبنى داود بيتاً للعبادة بأورشليم، وهو بيت المقدس، وهو البيت الباقي لوقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ويدعى بمحراب داود عليه السلام، وليس في بيت المقدس بناء هو أعلى منه في هذا الوقت، وقد يرى في أعلاه البحيرة المنتنة ونهر الأردن المقدم ذكره، وكان من أمر داود مع الخصمين ما قص اللّه عزوجل في كتابه من خبره، وقوله لأحدهما قبل استماعه من الاخر: " لَقَدْ ظَلَمَك " الآية، وقذ تنازع الناس في خطيئة داود: فمنهم من رأى ما وصفنا ونفى عن الأنبياء المعاصي وتعمد الفسق وأنهم معصومون فكانت الخطيئة ما ذكرنا، وذلك قوله عز وجل: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق " ومنهم من رأى أن ذلك كان من قصة أروياء بن حيان ومقتله على ما ذكرنا في كتاب المبتدأ وغيره، وتاب اللّه عزوجل على داود بعد أربعين يوماً كان فيها صائماً باكياً، وتزوج داود عليه السلام مائة امرأة.
نشأة سليمان بن داود
ونشأ سليمان بن داود عليه السلام، وبرع، ودَاخَلَ أباه في قَضَائه،فآتاه اللهّ فَصْلَ الخطاب والحكم، على ما أخبر اللهّ عزوجل عنهما بقوله: " وكلاآتينا حكماوعلما " ولما حضرت داود الوفاة أوصى إلى ولده سليمان، وقبض، فكان ملكه أربعين سنة على فلسطين والأردن، وكان عسكره ستين ألفاً أصحاب سيوف جُرْداً مُرْداً أصحاب بأس ونجدة.
لقمان الحكيم
وكان ببلاد مَدْين وأيْلَة في عصر داود عليه السلام لُقْمَان الحكيم،وهو لقمان بن عنقاء بن مربد بنم صاوون، وكان نوبيا مولى للقَيْن بن جسر، ولد على عشر سنين من ملك داود عليه السلام، وكان عبداَ صالحاً فَمَنَّ اللّه عزوجل عليه بالحكمة، ولم يزل باقياً في الأرض مُظهراً للحكمة والزهد في هذا العالم إلى أبام يونس بن مَتَّى حين أرسل إلى أرض نِينَوَى من بلاد الموصل.
ملك سليمان
ولما قبض اللّه داود عليه السلام قام بعده ولده سليمان بالنبوة والحكم، وغمر عدلُه رعيته، واستقامت له الأمور، وانقادت له الجيوش، وابتدأ سليمان ببنيان بيت المقدس، وهو المسجد الأقصى الذي بارك اللّه عزوجل حَوْلَه، فلما استتم بناءه بنى لنفسه بيتاً، وهو الموضع الذي يسمىفي وقتنا هذا كنيسة القيأمة، وهي الكنيسة العظمى ببيت المقدس عند النصارى، ولهم كنائس غيرها معظمة ببيت المقدس، منها كنيسة صَهْيُون، وقد ذكرها داود عليه السلام، والكنيسة المعروفة بالجسمانية ويزعمون أن فيها قبر داود عليه السلام، وأعطى اللّه عزوجل لسليمان عليه السلام من الملك ما لم يُعْطِهِ لأحد من خَلْقِه، وسَخَّر له الجن والِإنس والطيروالريح على. حسب ما ذكر اللّه عزوجل في كتابه، وكان ملك سليمان بن داود على بني إسرائيل أربعين سنة، وَقُبِضَ وهو ابن اثنتين وخمسين سنة، والله ولي التوفيق.
ذكر ملك أرخبم بن سليمان بن داود عليهما السلأم
ومن تلاه من ملوك بني إسرائيل، وجمل من أخبار الأنبياء
ملوك بني إسرائيل بعد وفاة سليمان

وملك على بني إسرائيل بعد وفاة سليمان بن داود عليهما السلام أرخبعم بن سليمان، واجتمعت عليه الأسباط، ثم افترقوا عنه، إلا سبط يهوذا وسبط بنيامين، وكان ملكه إلى أن هلك سبع عشرة سنة، وملك على العشرة الأسباط بوريعم، وكانت له كوائن وحروب، واتخذ له عِجْلاً من الذهب والجوهر، واعتكف على عبادته؟ فأهلكه اللّه عز وجل، فكان ملكه عشرين سنة، وملك بعدهأبيابن أرخبعم بن سليمان ثلاث سنين، ثم ملك بعده أحاب أربعين سنة وملك بعده يورام، فأظهر عباثة الأصنام والتماثيل والصور، وكان ملكه سنة، ثم ملكت بعده امرأة يقال لها عيلان؛ فضعت السيف في ولد داود عليه السلام، فلم يَنْجُ منهم إلا غلام، فأنكرت بنو إسرائيل ذلك من فعلها، فقتلوها، وكان ملكها سبع سنين، وقيل غير ذلك، وملكوا عليهم الغلام الذي بقي من نسل داود، فملك وله سبع سنين، فأقام ملكاً أربعين سنة، وقيل دون ذلك، وملك بعده مليصا، وكان ملكه اثنتين وخمسين سنة، وكان في عصره شعيب النبي، ولشعيب معه أخبار، وكانت له حروب قد أتينا على ذكرها في كتاب أخبار الزمان وملك بعده نوقا بن عدل عشرسنين، وقيل: ست عشرة سنة، وملَكَ بعده أجام، فأظهر عبادة الأصنام، وطغى وأظهر البَغْيَ، فصار إليه بعض ملوك بابل، وكان يقال له فلعيعس، وكان من عظماء ملوك بابل، وكان للإِسرائيليِّ معه حروب إلى أن أسره البابلي، وخَرّب مدن الأسباط ومساكنهم، وكان في أيامه تنازع بين اليهود في الديانة، فشذ منهم الأسامرة، وأنكروا نبوة داود عليه السلام ومن تلاه من الأنبياء، وأبوا أن يكون بعد موسى نبي، وجعلوا رؤساءهم من ولد هارون بن عمران، والأسامرة في وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ببلاد فلسطين والأردن، وفي قرى متفرقة مثل القرية المعروفة بعارا، وهي بين الرملة وطبرية، وغيرها من القرى إلى مدينة نابلس، وأكثرهم في هذه المدينة أعني نابلس ولهم جبل يقال له طوريك، وللأسامرة عليه صلوات في أوقاتها، ولهم بوقات من فضة يُنْفَخ فيها عند أوقات الصلاة، وهم الذين يقولون لا مِسَاسَ ويزعمون أن نابلس هي بيت المقدس، وهي مدينة يعقوب النبي عليه السلام، وهناك مَرْعَاه وهما صنفان متباينان كتباينهم لسائر اليهود، وأحد الصنفين يقال له الكوسان، والآخر الدروسان، أحد الصنفين يقول العالم ومعانٍ غير ذلك أعرضنا عن ذكرها مخافَةَ التطويل، وأن كتابنا هذا كتاب خبرلاكتاب آراء ونِحَلً.
وكان ملك أجام إلى أن أسره الملك البابليُّ سبع عشرة سنة، ولماأسر الملك أجام ملك ولد له يقال له حزقيل بن أجام، فأظهر عباثة الرحمن، وأمر بتكسير التماثيل والأصنام، وفي ملكه سار سنجارب ملك بابل إلى بيت المقدس، وكانت له حروب كثيرة مع بني إسرائيل، وقتل من أصحابه خلق كثيرون، وسبى من الأسباط عدداً كثيراً، وكان ملك حزقيل إلى أن هلك سبعاً وعشرين سنة.ثم ملك بعد حزقيل ولد له يقال له ميشا؛ فغمرشَرُّه سائرمملكته،وهو الذي قتل شعيباً النبي، فبعث اللّه قسطنطين ملك الروم فسار إليه في الجيوش فهزم جيشه وأسره فأقام في أرض الروم عشرين سنة، وأقلع عما كان عليه، وعاد إلى ملكه، فكان ملكه إلى أن هلك خمساً وعشرين سنة، وقيل: ثلاثين سنة.ثم ملك بعده ولد له يقال له أمور بن ميشا، فأظهر الطغيان، وكفر بالرحمن، وعبد التماثيل والأصنام، ولما اشتد بغيه سار إليه فرعون الأعرج من بلاد مصر في الجيوش، فأمعن في القتل، وأسره ومضئ به إلى مصر، فمات هناك، وكان ملكه خمس سنين، وقيل غيرذلك.
وملك بعده أخ له يقال له نوفين، وهو أبو دانيال عليه السلام، وفي عصر هذا الملك سار البخت نَصّر، وهو مَرْزُبان العراق والعرب من قبل ملك فارس، وكان يومئذ ببَلْخَ، وكانت قَصَبة الملك، فأمعن البخت نَضَرُ في القتل لبني إسرائيل والأسر، وحملهم إلى أرض العراق، وأخذ التوراة وما كان في هيكل بيت المقدس من كتب الملوك وطَرَحه في بئر، وعمد إلى تابوت السكينة فأودعه بعض المواضع من الأرض فيقال: إنه كان عِمّدةُ منْ سبى من بني إسرائيل ثمانية عشرألفاً.وفي هذا العصر كان أرميا النبي عليه السلام، وسار بخت نَصَّرُ إلى

مصر ة فقتل فرعون الأعرج، وكان يومئذ ملك مصر، وسار نحو المغرب فقتل بها ملوكاً، وافتتح مدائن .وكان ملك فارس تزوج جارية من سبايا بني إسرائيل، فأولدهاولداً، فرذَ بني إسرائيل إلى ديارهم، وكان ذلك بعد سنين.
ولما رجعت بنو إسرائيل إلى بلادهم ملكت عليها زريايل بن سلسان،فابتنى مدينة بيت المقدس، وعَمَّرَ ما كان خرب، وأخرجت بنو إسرائيل التوراة من البئر، واستقامت لهم الأمور، فأقام هذا الملك على عمارة أرضهم ستاً وأربعين سنة، وشرع لهم الصلوات وغيرها من الشرائع مما كان تلف منهم في حال السبي، والأسامرة تزعم أن التوراة التي في يد اليهود ليست التوراة التي أوردها موسى بن عمران عليه السلام، وأن تلك حرفت وبدلت وغيرت، وأن الْمُحْدِثَ لهذه التي بأيديهم هذا الملك المذكور؛ لأنه جمعها ممن كان يحفظها من بني إسرائيل، وأن التوراة الصحيحة هي التي في أيدي الأسامرة دون غيرهم، وكان ملك هذا الملك ستاً وأربعين سنة، ووجدت في نسخة أخرى أن المتزوج في بني إسرائيل هو بخت نصرنفسه، وهوالذي رَدهم، ومنَ عليهم وفيه نظر.
إسماعيل بن إبراهيم وأولاود
ودبَّرَ إسماعيل بن إبراهيم أمْرَ البيت بعد إبراهيم عليه السلام، ونَبأةالله عز وجل، وأرسله إلى العماليق وقبائل اليمن، فنهاهم عن عبادة الأوثان، قآمن طائفة منهم وكفر أكثرهم، وولد لإِسماعيل اثنا عشر ذكراً. وهم: فائث، وقيدار، وأربل، وميم، ومسمع، ودوما، ودوام، وميشا، وحداد، وحيم، وقطورا، وماس، وكانت وصية إبراهيم إلى ابنه إسماعيل عليه السلام، ووصًى إسماعيل إلى أخيه إسحاق عليهما السلام، وقد قيل: إلى ولده قيذار بن إسماعيل، وكان عمر إسماعيل إلى أن قَبَضَه الله مائة سنة وسبعاً وثلاثين سنة، ودفن بالمسجد الحرام في الموضع الذي كان فيه الحَجَرً الأسود.
أنبياء بين سليمان والمسيح
ودبر أمر البيت بعحه فائث بن إسماعيل عليه ال!سلام، على منهج إسماعيل وملًته، وقيل أيضأ: إنه كان وصيَّ أبيه إسماعيل عليه السلام.
وكان بين سليمان بن داود وبين المسيح عليهما السلام أنبياء وعباد وصالحون منهم: أرمينيا، ودانيال، وعُزَيْر، وقد تنازع الناس في نبوته، وأيوب، وأشعياء، وحزقيل، وا لياس، وا ليسع، ويونس، وفالكفل، والخضر، وروى عن ابن إسحاق أنه أرمينيا، وقيل: بل كان عبداًصالحآَ، وزكريا وهو زكريا بن أدق وهو من ولد داود من سبط يهوذا، وكان تزوج أشباع بنت عمران أخت مريم بنت عمران أم المسيحٍ عليهما السلام، وهو عمران بن ماتان بن يعاميم، من ولد داود أيضا، واسم أمّ أشباع ومريم حنة، وولدت لزكريا يحيى، وكان يحيى ابن خالة المسيح عليهم السلام، وكان زكريا نجاراً، فأشاعت اليهود أنه ركب من مريم الفاحشة فقتلوه، وكان لما أحس بهم جاء إلى شجرة فدخل في جوفها فدلَّهم عليه إبليس لعنه اللّه عزوجل، فنشروا الشجرة وهو فيها، فقطعوه وقطعوها، ولما ولدت أشباعُ ابنةُ عمران أختُ مريمَ أمِّ المسيح يحيى بن زكريا عليهما السلام هربت به من بعض الملوك إلى مصر، فلما صار رجلاً بعثه اللّه عزوجل إلى بني إسرائيل، فقام فيهم بأمر الله عزوجل ونهيه فقتلوه، وكثرت الأحداث في بني إسرائيل، فبعث اللّه عليهم ملكاً من ناحية المشرق يقال له حردوس، فقتل منهم على دم يحيى بن زكريا ألوفاً من الناس وهو يفر إلى أن هدأ الدم بعد خَطْب طويل.
مولد عيسى بن مريم عليه السلام

ولما بلغت مريم ابنة عمران سبع عشرة سنة بعث الله عزوجل إليها جبرائيل، فنفخ فيها الروح، فحملت بالسيد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، وولدت بقرية يقال لها بيت لحم على أميال من بيت المقدس، ولدته في يوم الأربعاء لأربع وعشرين ليلة خلت من كانون الأولى، وكان من أمره ما ذكره الله عزوجل في كتابه، واتضح على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقد زعمت النصارى أن أشيوع الناصري أقام على دين مَنْ سلف من قومه يقرأ التوراة والكتب السالفة في مدينة طبرية من بلاد الأردن في كنيسة يقال لها المِدْرَاسُ ثلاثين سنة، وقيل: تسعاً وعشرين سنة، وأنه في بعض الأيام كان يقرأ في سفرأشْعِيَاء إذ نظر في السفر إلى كتاب من نور فيه أنت نبي، وخالصتي، اصطفيتك لنفسي فأطبق السَفر ودفعه إلى. خادم الكنيسة، وخرج وهو يقول: الآن تمت المشيئة للّه في ابن البشر،. وقد قيل: إن المسيح عليه السلام كان بقربه يقال لها ناصرة من بلاد اللجون من أعمال الأرعن، وبذلك سميت النصرانية، ورأيت في هذه القرية كنيسة تعظمها النصارى وفيها توابيت من حجارة فيها عظام الموتى يسيل منهلا زيت ثخين كالرُّبِّ تتبرك به النصارى، وأن المسيح مر ببحيرة طبرية وعليها أناس من الصيادين وهم بنو زبدا، واثنا عشر من القصارين، فدعاهم إلى الله وقال: اتبعوني تصيدوا البشر، فاتبعه ثلاثة من الصيادين، وهم بنو زبدا واثنا عشر من القصارين، وقد ذكر أن ميروحنا وشمعون وبولس ولوقاهم الحواريون الأربعة الذين تلقوا الِإنجيل، فألفا خبر عيسى عليه السلام، وما كان من أمره، وخبرمولده، وكيف عَمدَهُ يحيى بن زكريا، وهو يحمى المعمداني، في بحيرة طبرية، وقيل: في بحر الأردن الذي يخرج من بحيرة طبرية ويجري إلى البحيرة المنتنة، وما فعل من الأعاجيب وأتى من المعجزات، وما قالت اليهود إلى أن رفعه اللّه عزوجل إليه، وهو ابن ثلالث وثلاثين سنة.وفي الِإنجيل خطب طويل في أمر المسيح ومريم عليها السلام ويوسف النجار، أعرضنا عن ذلك، لأن اللّه عزوجل لم يخبر بشيء من ذلك في كتابه، ولا أخبر به محمد نبيه صلى الله عليه وسلم .
ذكر أهل الفترة ممن كان بين المسيح ومحمد
صلى اللّه عليهما وسلم
وقد كان بين المسيح ومحمد صلى اللّه عليهما وسلم في الفترة جماعَةمن أهل التوحيد، ممن يُقِر بالبعث، وقد اختلف الناس فيهم: فمن الناس من رأى أنهم أنبياء، ومنهم من رأى غير ذلك.
حنظلة بن صفان
فممن ذكر أنه نبي حَنْظَلة بن صفان، وكان من ولد إسماعيل بن إبراهيم، صلّى اللهّ عليهما وسلم، وأرسل إلى أصحاب الرَّسِّ، وكانوا من يد إسماعيل بن إبراهيم وهم قبيلتان يقال لِإحداهما أدمان، وللأخرى يامن، وقيل: رعويل وذلك باليمن، فقام فيهم حنظلة بأمر اللهّ عزوجل فقتلوه، فأوحى اللّه إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل من سبط يهوذا أن يأمر بخت نَصَرَ بأن يسير إليهم، فسار إليهم، فأتى عليهمِ، فذلك قوله عز وجل: " فلما أحسوا بأسنا " إلى قوله: " حصيداَ خامدين " وقيل:إ ن القوم كانوا من حِمْير، وقد ذكر ذلك بعض شُعرائهم في مرثية له، فقال:
بكَتْ عيني لأهل الرَّس ... رَعْويل وقدمان
وَأسلَمَ من أبي زَرْع ... نكال الْحَيِّ قَحْطان
ذو القرنين
وقد حكي عن وهب بن منبه أن ذا القرنين وهو الِإسكندر كان بعد المسيح عليه السلام في الفَتْرة، وأنه كان حلم حلماً رأى فيه أنه دَنَا من الشمس حتى أخذ بقرنيها في شرقيها وغربيها، فقص رؤياه على قومه، سموه بني القرنين، وللناس في في القرنين تنازع كبيز وقد أتينا على ذلك في كتاب أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط، وسنذكر لمعاً من خبره عند ذكرنا لملوك اليونانيين الروم.
أهل الكهف
وكذلك تنازع الناس في أصحاب الكهف في أي الأعصار كانوا؛ فمنهم من زعم أنهم كانوا في زمن الفترة، ومنهم من رأى غيرذلك، وسنأتي بلمع من خبرِهم في ذكرنا ملوكَ الروم في هذا الكتاب، وإن كنا قد أتينا على ذلك في الكتاب الأوسط، فيما سلف قبله من كتاب أخبار ا لزمان.
جرجيس

وممن كان في الفترة بعد المسيح عليه السلام: جرجيس، وقد أدرك بعض الحواريين فأرسله إلى بعض ملوك الموصل، فدعاه إلى اللّه عز وجل، فقتله، فأحياه اللّه وبعثه إليه ثانية، فقتله، فأحياه اللّه، فأمر بنشره ثالثة وإحراقه وإذرائه في دجلة، فأهلك اللّه عز وجل ذلك الملكَ وجميعَ أهل مملكته ممن اتبعه، على حسب ما وردت به الأخبار عن أهل الكتاب ممن آمن، وذلك موجود في كتاب المبتدأ والسير لوهب بن مُنَبِّه وغيره.
حبيب النجار
وممن كان في الفترة: حبيب النجار، وكان يسكن أنطاكية من أرض الشام وكان بها ملك متجبر يعبد التماثيل والصُّوَر، فسار إليه إثنان من تلامذة المسيح، فدعوَاه إلى اللّه عز وجل، فحبسهما وضربهما، فعززهما اللّه بثالث، وقد تنوزع فيه؛فذهب كثير من الناس إلى أنه بطرس، وهذا اسمه بالرومية، واسمه بالعربية سمعان، وبالسريانية شمعون وهو شمعون الصفاء، وذكر كثير من الناس وإليه ذهب سائر فرق النصرانية أن الثالث المعزَّزَ به هو بولس، وأن الاثنين المتقَدمين اللذين أودعا الحبس توماوبطرس، فكان لهم مع ذلك الملك خطب عظيم طويل فيما أظهروا من الإعجاز والأعاجيب والبراهين: من إبراء الأكمة والأبرص، وإحياء الميت، وحيلة بولس عليه بمداخلته إياه وتلطفه له، واستنفاذ صاحبيه من الحبس، فجاء حبيب النجار فصدقهم، لما رأى من آيات الله عزوجل، وقد أخبر اللّه عزوجل بذلك في كتابه بقوله: " إذا أرسلنا إليهم اثنين فكنبوهما " إلى قوله: " وجاء من أقصى المدينة رجل يَسْعَى " وقتل بولس وبطرس بمدينة رومية، وصُلِبا منكسين، وكان لهما فيها خبرطويل مع الملك، ومع سيما الساحر، ثم جعلا بعد ذلك في خزانة من البلور، وذلك بعد ظهور دين النصرانية، وحرمهما في كنيسة هتاك قد ذكرناها في الكتاب الأوسط عند ذكرنا العجائب رومية، وأخبار تلاميذ المسيح عليه السلام، وتفرقهم في البلاد، وسنورد في هذا الكتاب لمعاً من أخبارهم، إِن شاء الله تعالى.
أصحاب الأخدود
فأما أصحاب الأخدود فإنهم كانوا في الفترة في مدينة نجران باليمن،في مُلْكِ ينُوَاس، وهو القاتل لذي شَنَاتر، وكان على دين اليهودية، فبلغ ذانُوَاس أن قوماً بنجْرَان على دين المسيح عليه السلام؟ فسار إليهم بنفسه، واحتفر لهم أخاديد في الأرض، وملأها جَمْراً، وأضْرَمها ناراً، ثم عرضهم على اليهودية؛ فمن تبعه تركه، ومن أبى قَذَفه في النار، فأتَى بامرأة معها طفلها ابن سبعة أشهر، فأبت أن تتخلى عن دينها، فأدنيتْ من النار، فجزعت، فأنطق الله عزوجل الطفل فقال: يا أمهْ امْض على دينك فلا نار بعد هذه، فألقاها في النار، وكانوا مؤمنين موحَدين، لا على رأي النصرانية في هذا الوقت، فمضى رجل منهم يقال له ف ثعلبان إلى قيصرملك الروم يستنجده، فكتب له إلى النجاشي لأنه كان أقرب إليهم داراً ا فكان من أمر الحبشة وعبورهم إلى أرض اليمن ؤتغلبهم عليها إلى أن كان من أمر سَيْفٍ في يزن واستنجاده الملوك إلى أن أنجده أنو شروان ما قد أتينا على ذكره في كتابنا أخبار الزمان، وفي الكتاب الأوسط، وسنذكر لُمعاً من ذلك فيما يرد من هذا الكتاب عند ذكرنا لأخبار الأفاء وملوك اليمن، وقد ذكر اللّه عزوجل في كتابه قصةَ أصحاب الأخدود بقوله عزوجل: " قتل أصحاب الأخدود إلى قوله: " وما نَقَمُوا مئهم إلا أن يؤمنوا باللّه العزج الحميد "
خالد بن سنان العبسي

وممن كان في الفترة: خالد بن سنان العبسي، وهو خالد بر سنان بن غيث بن عبس،، وقد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فقال:ذلك نبي أضَاعه قومه " وذلك أن ناراً ظهرت في العرب، فافتنوا بها، وكانت تنتقل، وكادت العرب تتمجَّسُ وتغلب عليها المجوسية، فأخذ خالد بن سنان هراوة وشد عليها وهو يقول: بدا بَدَا، كُلُّ هدى، مؤدٍّ إلى اللّه الأعلى، لأدخلتها وهي تتلظى، ولأخْرُجَنّ منها وثيابي تتنذَى، فأطفأها، فلما حضرت خالد بن سنان الوفاة قال لإِخوته: إذا أنا دفنت فإنه ستجيء عانة من حميريَقْدمُها عَيْرأبتر، فيضرب قبري بحافره ة فإذا رأيتم ذلك فانبشوا عني فإني سأخرج إليكم فأخبركم بجميع ما هو كائن، فلما مات ودفنوه رأوا ما قال فأرادُوا أن يخرجوه، فكره ذلك بعضهم وقالوا: نخاف أن تنسبنا العرب إلى نبْشنا عن ميت لنا، وأتت ابنته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته يقرأ: " قل هوالله أحد، اللّه الصمد " فقالت: كان أبي يقول هذا، وسنورد فيما يرد من هذا الكتاب لمعاً من أخباره مما تدعو الحاجة إلى ذكره، إن شاء الله تعالى.
رئاب الشني أحد بني عبد القيس
قال المسعودي: وممن كان في الفترة: رئاب الشَّنِّئُ، وكان من عبد القيس، ثم من شَن، وكان على دين المسيح عيسى بن مريم عليه سلام قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعوا مناديَاَ ينادِي من السماء قبل مبعث نبي: خير أهل الأرض ثلاثة: رئاب الشني، وبحيرةَ. الراهب، رجل آخر لم يأت بعد، يعني النبي عليه السلام وكان لا يموت أحد من ولد رئاب فيدفن إلا رأوا واسطاً على قبره.
أسعد أبوكرب الحميري
ومنهم أسعد أبو كرب الحميري، وكان مؤمناً، وأمن بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال:
شهحْتُ على أحمدٍ أنه ... رَسُولٌ من اللَّه بارِي النَسَمْ
فَلَوْمُدَّ عُمْرِي إلى عمره ... لكنْتً وزيراً له وابن عم
وألْزِمُ طاعَتَهُ كلً منْ ... على الأرض من غرُب أوعجم
و أول من كسا الكعبة الأنطاع والبُرُودَ، فلذلك يقول بعض حِمْيَر:
وكَسَوْنَا البيْتَ ائَنِي عظم اللَّهُ مُلاَءً مُقضَباً وَبُرُودا
قس بن ساعدة الِإيادي
ومنهم: قس بن ساعدة الإيادي من إياد بن أد بن معد، وكان حكيم العرب، وكان مقراً بالبعث، وهو الذي يقول: من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هوآت آت، وقد ضرب العرب بحكمته وعقله الأمثال، قال الأعشى:
وأحْكَمُ مِنْ قُسٍّ، وأجْرَا من الذِي ... بِذِي الغيل مِنْ خَفَّانَ أصْبَحَ خَادِرَا
وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم وَفد من إياد، فسألهم عنه، فقالوا: هلك، فقال: رحمه اللّه ة كأننىِ أنظر إليه بسوق عُكَاظ على جمل له أحمر، وهو يقول: أيها الناس، اجتمعوا واسمعوا وَعُوا، مَنْ عاش مات، ومَزن مات فات، وكل ما هوآت ات، أما بعد فإن في السماء لخبراً، وإن في الأرض لعبراً، نجوم تمور، وبحار تغور، وسَقْف مرفع، ومهاد موضوع، أقسم قس باللّه قسماً لا حانثاً فيه ولا آثماً، إن اللّه لدينا هو أرضى من دين أنتم عليه، مالي أراهم يذهبون ولا يرجعون، أرَضُوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا. سبيل مؤتلف، وعمل مختلف. وقال أبياتاً لا أحفظها، فقام أبو بكررضي اللهّ عنه فقالى: أنا أحفظها يا رسول الله، فقال :هاتها، فقال:
في الذَّاهِبِينَ الأوَّلي ... ن مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ
لما رَأيْتُ مَوَارِداً ... لْلمَوْتِ لَيْسَ لَها مَصَادرْ
ورَأيْتُ قَوْمي نَحْوَها ... تمْضِي الأوَائِلُ وَالأوَاخِرْ
لَا يَرْجِعُ الماضي، ولَا ... يَبْقَى مِنَ الْبَاقِينَ غَابِرْ
أيْقَنْتُ أني لَا محا ... لةحَيْثُ صَار الْقَوْمُ صائِرْ
فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : رحم اللّه قسا، إني لأرجو أن يبعثه الله أمة وحْده.قال المسعودي: ولقس أشعار كثيرة وحِكَمٌ، وأخبار تُبصِّر في الطب الزجر والفأل وأنواع الحكم، وقد ذكرنا ذلك في كتاب أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط.
زيد بن عمرو بن نفيل

وممن كان في الفترة: زيد بن عمرو بن نُفَيْل، أبو سعيد بن زيد أحد العَشَرَة، وهو ابن عم عمر بن الخطاب لَحّاً، وكان زيد يرغب عن عبادة الأصنام، وعابها فأولع به عَمُّه الخطابُ سفَهاء مكة، وسلطهم عليه، فآفهُ، فسكن كهفاً بحراء، وكان يدخل مكة سراً، وسار إلى الشام يبحث عن الدين، فسمته النصارى، ومات بالشام، وله خبر طويل مع الملك الترجمان، ومع بعض ملوك غسان بدمشق، وقد أتينا عليه فيما سلف من كتبنا.
أمية بن أبي الصلت الثقفي
ومنهم: أمية بن أبي الصَّلْتِ الثقفي، وكان شاعراً عاقلاً، وكان يتَّجِر إلى الشام، فتلقاه أهل الكنائسي من اليهود والنصارى، وقرأ الكتب، وكان قدعلم أن نبيّاً يبعث من العرب، وكان يقول أشعاراً على آراء أهل الديانة صف فيها السماوات والأرض والشمس والقمر والملائكة، وذكر الأنبياء البعث والنشور والجنة والنار، ويعظم اللّه عز وجل ويوحده، من ذلك قوله:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَاشَرِيكَ لَه ... منْ لَمْ يَقُلْها فَنَفْسَهُ ظَلَما
ووصف أهل الجنة في بعض كلماته فقال:
فَلا لَغْوٌ ولاَتأثيمَ فيها ... ومافَاهُوابِه لَهُمُ مُقيمُ
ولما بلغه ظهور النبي صلى الله عليه وسلم اغتاظ لذلك وتأسف، وجاء المدينة ليسلم فرده الحسد، فرجع إلى الطائف، فبينما هو ذات يوم في فتية يشرب إذ وقع غراب فنعَبَ ثلاثة أصواب وطار، فقال أمية: أتدرون ما قال؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول لكم: إن أمية لا يشرب الكأس الثالثة حتى يموت، فقال القوم: لتكَذِّبَنَّ قوله: ثم قال: أحْسُوا كأسكم، فَحَسَوْها، فلما انتهت النوبة إليه أغمي عليه، فسكت طويلًا ثم أفاق وهو يقول:
لًئيْكُما لًبّيْكُمَا ... ها أنا ذَالَديْكُما
أنا من حفت به النعمة، والحمد والشكر.
إنْ تَغْفِرِاللهُئم تَغْفِرْجَمّا ... وأيُّ عبْدٍ لَك لَا ألَمَّا
أو قال: أنا من حفت به النعمة والحمد ولم يجهد في الشكر، ثم أنشأ يقول:
إنَ يَوْمَ الْحسَاب يَوْم عظيمٌ ... شَابَ فيه الصًغير يَوْماً طَوِيلَا
لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَ ما قد بَدَالِي ... فِي رُؤوس الْجِبال أرْعَى الْوُعُولاَ
كُلّ عَيْشٍ وَإنْ تَطَاوَلَ حينا ... فَقُصَارَى أيامه أنْ يزُولاَ
ثم شَهق شهقة ة فكانت فيهانفسه.

قال المسعودي: وقد ذكر جماعة من أهل المعرفة بأيام الناس، وأخبار مَنْ سلف كابن دأب، والهيثم بن عدي، وأبي مِخْنَف لوط بن يحيى، ومحمد بن السائب الكلبي أن السبب في كتابة قريش، واستفتاحها في أوائل كتبها باسمك اللهم هو أن أمية بن أبي الصَّلْت الثقفي خرج إلى الشامٍ في نفر من ثقيف وقريش في عِيرٍ لهم، فلما قفلوا راجعين نزلوا منزلا، واجتمعوا لعشَائهم ؛ إذ أقبلت حية صغيرة حتى دَنَت منهم، فَحَصَبَهَا بعضهم بشيء في وجهها، فرجعت، فَشَدُواسفرتهم ثم قاموا فَشَدوا على إبلهم وارتحلوا من منزلهم، فلما برزوا عن المنزل أشرفت عليهم عجوزمن كثيب رمل متوكئة على عَصاً لها، فقالت: ما منعكم أن تطعموا رحيمة، الجارية اليتيمة، التي جاءتكم عشية؟ قالوا: ومن أنْتِ؟ قالت: أم العوام، أوتمْتُ منذ أعوام، أما ورب العباد، لتفترقُنَّ في البلاد، ثم ضربت بعصاها الأرض، فأثارت بها الرمل، وقالت: أطيلي إيابهمِ، وأنْفِرِي ركابهم، فثبت الِإبل فكأن على ذرْوَة كل بعير منها شيطاناَ، ما نملك منها شيئاً، حتى افترقت في البوادي، فجمعناها من آخر النهار إلى غد، ولم نكد، فلما أنخناها لنرحلها طلعت علينا العجوز فعادت بالعصا كفعلها أولاً، وعادت إلى مقالتها الأولى: ما منعكم أن تطعموا رحيمة، الجارية اليتيمة؟ أطيلي إيابهم وأنْفِرِي ركابهم، فخرجت الِإبل ما نملك منها شيئَاَ، فجمعناها من آخر النهار إلى غد، ولم نكد، فلما أنخناها لنرحلها طلعت علينا العجوز، ففعلت مثل فعلتها الأولى والثانية، فتفرقت الإبل وأمسينا في ليلة مُقْمِرَة، وقد يئسنا من ظهورنا، فقلنا لأمية بن أبي الصَّلْتِ: أين ما كنت تخبرنا به عن نفسك؟ فتوجَّهَ إلى ذلك الكثيب الذي كانت تأتي منه العجوز، حتى هَبَطَ من ناحية أخرى، ثم صعد كثيباً آخر حتى هبط منه، ثم رفعت له كنيسة فيها قناديل، وإذا رجل جالس أبيض الرأس واللحية، قال أمية: فلما وقفت عليه رفع رأسه إلي وقال: إنك لمتبوع، قلت: أجل، قال: فمن أين يأتيك صاحبك. قلت: من أذني اليسرى، قال: فبأي الثياب يأمرك. قلت: بالسواد، قال: هذا خَطْب الجن، كدت ولم تفعل، ولكن صاحب هذا الأمريكلمه في أذنه اليمنى، وأحَب الثياب إليه البياضُ، فما جاء بك. وما حاجتك.
فحدثته حديث العجوز، قال: صَدَقَتْ، وليست بصادقة، هي امرأة يهودية هلك زوجها منذ أعوام، وإنها لا تزال تصنع بكم ذلك حتى تهلككم إن استطاعَتْ، قال أمية: فما الحيلة؟ قال: اجمعوا ظُهُورَكم فإذا جاءتكم ففعلت ماكانت تفعل فقولوالها: سبعاً من فق، وسبعأمن أسفل، باسمك اللهم، فإنها لا تضركم، فرجع أمية إلى أصحابه، فأخبرهم بما قيل له، فجاءتهم، ففعلت كما كانت تفعل، فقالوا: سبعاً من فق، وسبعأ من أسفل، باسمك اللهم، فلم تضرهم، فلما رأت الإبل لم تتحرك قالت: عرفت صاحبكم، لَيَبْيَضن أعلاه، ويسودن أسفله، وسِرْنَا، فَلما أدركنا الصبح نظرنا إلى أمية قد بَرِصَ في عذارية ورقبته وصدره، واسودّ أسفله، فلما قدموا مكةذكروا هذا الحديث.وكان أمية أول من كتب باسمك اللهم إلى أن جاء الله عزوجل بالإسلام فرفع ذلك وكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم " ، وله أخبار غير هذه قد أتينا عليها وعلى ذكرها في أخبار الزمان وغيره مما سلف من كتبنا.
ورقة بن نوفل
ومنهم: ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة بنت خُويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم لَحًاً، وكان قد قرأ الكتب وطلب العلم، ورغب عنِ عبادة الأصنام، وبشر خديجة بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي هذه الأمة، وأنه سيؤذى ويكذبُ، ولقي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يابن أخي، اثْبُتْ على ما أنت عليه.، فالذي نفس ورقة بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولتؤذَيَن ولتكذبن ولتخرجن ولتقاتلن، ولئن أدركت يومك لأنصرن الله نصراً يعلمه، وقد اختلف فيه: فمنهم من زعم أنه مات نصرانياً، ولم يدرك ظهورَ النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتيسر له أمره، ومنهم من رأى أنه مات مسلماً وأنه مدخ النيي صلى الله عليه وسلم فقال:
يَعْفوَيَصْفَحُ لَا يَجْزِي بِسَيِّئةٍ ... وَيَكْظِمُ الْغَيْظَ عِنْدَالشتْم وَالْغَضَبِ
عداس مولى عتبة بن ربيعة

ومنهم: عَدَّاس مولى عُتْبَةَ بن ربيعة، وكان من أهل نِينَوَى، ولقي النبي صلى الله عليه وسلم بالطائف حين خرج يدعوهم إلى الله عزوجل، وكان له مع النبي صلى الله عليه وسلم خَطْب في الحديقة، وقتل يوم بدر على الئصرانية، وكان ممن يبشربالنبي صلى الله عليه وسلم.
أبو قيس صرمة بن أبي أنس
ومنهم: أبو قيس صِرْمَة بن أبي أنس من الأنصار من بني النجار،وكان ترهَّبَ، ولبس المسوح، وهجر الأوثان، ودخل بيتأ، واتخذهُ مسجداً لا تدخله طامث ولا جُنُب، وقال: أعبد رَب إبراهيم، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم أسلم وحسن إسلامه، وفيه نزلت آية السحور: " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " وهو القائل في رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ثَوَى في قُرَيْش بِضْعَ عَشْرَةَ حَجَّةً ... بِمَكَةَ لَا يَلْقَى صَدِيقأ مُؤَاتِيا
أبو عامر الأوسي
ومنهم: أبو عامر الأوسي واسمه عبد عمرو بن صَيْفِي بن النعمان،من بني عمروبن عوف، من الأوس وهوأبوحنظلة غَسِيل الملائكة، وكان سيدا قد ترهَّبَ في الجاهلية، ولبِس المسوح، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان له معه خطب طويل، فخرج في خمسين غلاماً، فمات علىالنصرانية بالشام.
؟؟؟؟؟؟؟عبد اللّه بن جحش الأسدي
ومنهم: عبد اللهّ بن جَحْش الأسدي من بني أسد بن خُزَيمة، وكانت عندهُ أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، قبل أن يتزوجها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وكان قد قرأ الكتب فمال إلى النصرانية، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر إلى أرض الحبشة فيمن هاجر من المسلمين ومعه زوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، ثم إنه ارتَدَّ عن الإِسلام هنالك وتنصر، ومات بأرض الحبشة، وكان يقول للمسلمين: إنا فَقَحْناَ وصأصاتم، يريد أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر، وهذا مَثَل ضربه لهم، وذلك أنه يقال للكلب إذا فتح عينيه بعدما يولد، وهو جَرْو: قد فَقحَ، وإذا كان يريد أن يفتحهما ولم يفتحهما بعدُ قيل: صأصأ، ولما مات عبد اللّه بن جَحْش تزوج رسور اللّه صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، زَوّجَها إياه النجاشي، وأمهرها عنه أربعمائة دينار.
؟؟بحيرا الراهب
ومنهم: بَحِيرَا الراهب، وكان مؤمناً على دين المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، واسم بَحِيرَا في النصارى سرجس، وكان من عبد القيس، ولما خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب إلى الشام في تجارة وهو ابن اثنَتيْ عشرَةَ سنة ومعهما أبو بكر وبلال، مروا ببَحِيرا وهو في صَوْمعته، فعرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بصفته ودلائله وما كان يجمه في كتابه ونظر إلى الغمام تظله حيث ما جلس، فأنزلهم بَحِيرَا، وأكرمهم، واصطنع لهم طعاماً، ونزل من صومعته حتى نظر إلى خاتم النبوة بين كتفي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ووضع يده على موضعه، وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأعلم أبا بكر وبلالاً بقصته، وما يكون من أمره، وسأل أبا طالب أن يرجع به من وجهه ذلك، وحَذَّرهم عليه من أهل الكتاب، وأخبر عمه أبا طالب بذلك، فرجع به، فلما رجع من سفره ذلك، كان بدْء قصته مع خديجة وما أظهر اللّه لها من دلائل نبوته، وما أخبرت به مما كان منه في طريقه.؟؟؟؟؟؟ قال المسعودي: فهذه جمل مبدأ الخليقة إلى حيث انتهينا من هذا الموضع ولم نشُبْهُ بشيء غيرما جاءت به الشرائع، ونطقت به الكتب، وأوضحت عنه الرسل عليهم الصلاة والسلام.ولنذكر الان بدء ممالك الهند، ولمعاً من آرائها، ونُتْبع ذلك بذكر سائر الممالك، إذ كنا قدمنا جملاً من ذكر ملوك الِإسرإئيليين على حسب ما وجدنا في كتب الشرعيين، واللّه أعلم.
ذكر جمل من أخبار الهند
وآرائها وبَدء ممالكها وملوكها

ذكَرَ جماعة من أهل العلم والنظر والبحث الذين وصلوا الغاية بتأمل شأن هذا العالم وبدئه أن الهند كانت في قديم الزمان الفرقة التي فيها الصلاح والحكمة؛ فإنه لما تجيلت الأجيال، وتحزبت الأحزاب، حاولت الهند أن تضم المملكة، وتستولي على الحَوْزة، وتكون الرياسة فيهم، فقال كبراؤهم: نحن كنا أهل البدء، وفينا التناهي، ولنا الغاية والصدر ولا انتهاء، ومنا سرى الأب إلى الأرض، فلا ندع أحداً شاققنا ولا عاندنا وأراد بنا الِإغماض إلا أتينا عليه وأبَدْنَاه أو يرجع إلى طاعتنا.
البرهمن
فأزْمَعَتْ على ذلك، ونصبت لها ملكاً، وهؤ البرهمن الأكبر، والملك الأعظم، الإمام فيها المقدم، وظهرت في أيامه الحكمة، وتقدمت العلماء، واستخرجوا الحديد من المعدن، وضُرِبَتْ في أيامه السيوف والخناجر، وكثير من أنواع المقاتل، وشيد الهياكل، ورصعها بالجواهر المشرقة المنيرة، وصوؤرَ فيها الأفلاك والبروج الاثنى عشر والكواكب، وبين بالصورة كيفية العالم، وأرى بالصورة أيضاً أفعال الكواكب في هذا العالم وأحداثها للأشخاص الحيوانية: من الناطقة وغيرها، وبين حال المدبر الأعظم الذي هو الشمس، وأثبت في كتابه براهين جميع ذلك، وقَرَّبَ إلى عقول العوام فَهْمَ ذلك، وغرس في نفس الخواص دراية ما هو أعلى من ذلك، وأشار إلى المبدأ الأول المعطى سائر الموجودات وجودَهَا الفائض عليها بجوده، وانقاد له الهند، وأخصبت بلادها، وأراهم وجه مصالح الدنيا، وجمع الحكماء فأحدثوا في أيامه كتاب السند هند وتفسيره دهر الدهور، ومنه فرغت الكتب ككتاب الأرجيهد والمجسطى، وفرع من الأرجيهد الأركند، ومن المجسطى كتاب بطليموس، ثم عمل منهما بعد ذلك الزيجات، وأحدثوا التسعة الأحرف المحيطة بالحساب الهندي، وكان أول من تكلم في أوج الشمس، وذكر أنه يقيم في كل برج ثلاثة آلاف سنة، ويقطع الفلك في ستة وثلاثين ألف سنة، والأوج الآن على رأي البرهمن في وقتنا هذاوهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة في برجِ الثور وأنه إذا انتقل إلى البروج الجنوبية انتقلت العمارة، فصار العامر خراباَ، والخارب عامراً، والشمال جنوباً، والجنوب شمألاً، ورتَّبَ في بيت الذهب حساب الدورالأول والتاريخ الأقدم الذي عليه عملت الهند في تواريخ البدءة، وظهورها في أرض الهند دون سائر الممالك، ولهم في البدء خَطْب طويل أعرضناعن ذكره إذ كان كتابنا كتاب خبر، لا كتاب بحث ونظر، وقد أتينا على جمل من ذلك في الكتاب الأوسط، ومن الهند من يذكر أن ابتداء العالم في كل سبعين ألف سنة هازروان، وأن العالم إذا قطع هذه المدة عاد الكون؛ فظهر النسل،ومرحت البهائم، وتغلغل الماء، ودبَّ الحيوان، وبَقَلَ الغشْبُ، وخرق النسيم الهواء، فأما أكثر أهل الهند فإنهم قالوا بكرور منصوبات على دوائر تبتدىء القوى متلاشية شبيهة الشخص، موجوعة القوة، منتصبة الذات، وحدوا لذلك أجلًا ضربوه، ووقتاً نصبوه، وجعلوا الدائرة العظمى والحادثة الكبرى، وسموا ذلك بعمر العالم، وجعلوا المسافة بين البدء والإِنتهاء مدة ست وثلاثين ألف سنة مكررة في اثني عشر ألف عام، وهذا عندهم الهازوران الضابط لقوى الأشياء والمدبر لها، وأن الحوائر تقبض وتبسط جميع المعاني التي تستودعها، وأن الأعمار تطول في أول الكر لانفساخ الدوائر، وتمكن القوى من المجال، وتَقْصُر الأعمار في آخر الكر لضيق الدوائر، وكثرة ما يعرض فيها من الأكدار الباترة للأعمار، وذلك أن قوى الأجسام وَصَفها في أول الكر تظهر وتسرح، وأن الصف سابق الكدر، والشافي يبادر الثفل، والأعمار تطول بحسب صفاء المزاج، وتكامل القوى المدبرة لعناصره أخلاط الكائنات الفاسدات المستحيلات البائدات، وأن آخر الكر الأعظم وغاية البَدء الأكبر تظهر الصورة متشوهة، والنفس ضعيفة، والأمزجة مختلطة، وتناقض القوى، وتبيد المواسك، وترد المواد في الحوائر منعكسة مزدحمة، فلا يحظى فو الأعصار بتمام الأعمار، وللهند فيما ذكرناه علل وبراهين في المبادى الأول، وفيما بسطناه من تفريعهم في الدوائر والهازروانات، ورموز وأسرار في النفس في اتصالها بما علا من العوالم وكيفية بَدْئها من أعلى إلى أسفل، وغير ذلك مما رتب لهم البرهمن في بدء الزمان، وكان ملك البرهمن إلى أن هلك ثلاثمائة سنة وستين سنة
البرا همة

وولده يعرفن بالبراهمة إلى وقتنا، والهند تعظمهم، وهم أعلى أجناسهم وأشرفهم، ولا يغتفن بشيء من الحيوان، وفي رقاب الرجل والنساء منهم خيوط ُصفْر يتقلدون بها كحمائل السيوف، فرقاً بينهم وبين غيرهم من أنواع الهند.
وقد كان اجتمع منهم في قديم الزمان في ملك البرهمن سبعة من حكمائهم المنظور إليهم في بيت الذهب فقال بعضهم لبعض: اجلسوا حتى نتناظر ة فننظر ما قصة العالم. وما سره؟ ومن أين أقبلنا. وإلى أين نمر؟ وهل خروجُنا من عدم إلى وجود حكمةٌ أو ضد ذلك. وهل خالقنا المخترع لنا والمنشىء لأجسامنا يجتلب بخلقنا منفعة، أم هل يدفع بفَنَائنا عن هذه الدار عن نفسه مضرة، أم هل يدخل عليه من الحاجة والنقص ما يدخل علينا. أم هل هو غني من كل وجه فما وجه إفنائه إيانا وإعدامنا بعد موجودنا وآلامنا وملاذنا؟ فقال الحكيم المنظور إليه منهم: أترى أحداً من الناس أدرك الأشياء الحاضرة والغائبة على حقيقة الِإدراك؛ فظفر بالبغية واستراح إلى الثقة؟ قال الحكيم الثاني: لو تناهت حكمة البارىء عزوجل في أحد العقول كان ذلك نقصاً من حكمته، وكَان الغرض غير مدرك، وكَان التقصير مانعاً من الإِدراك، قال الحكيم الثالث: الواجب علينا أن نبتدىء بمعرفة أنفسنا التي هي أقرب الأشياء منا ونحن أولى بها وهي أولى بنا، من قبل أن نتفرغ إلى علم ما بعد منا قال الحكيم الرابع: لقد ساء وقوع من وقع موقعاً احتاج فيه إلى معرفة نفسه، قال الحكيم الخامس: من ههنا وجب الاتصالُ بالعلماء الممدودين بالحكمة، قال انحكيم السادس: الواجب علر المرء المحب لسعادة نفسه أن لا يغفل عن ذلك، لاسيما إذا كان المقام في هذه الدنيا ممتنعاً، والخروج منها واجباً، قال الحكيم السابع: أنا لا أدري ما تقولون، غير أني أخْرِجْتُ إلىهذه الدنيا مضطراً، وعشت فيها حائرأ، وَأخْرج منها مكرهاً.
فاختلف الهند ممن سلف وخلف في آراء هؤلاء السبعة، وكل قد اقتدى بهم، ويمم مذهبهم، ثم تفرعوا بعد ذلك في مذاهبهم، وتنازعوا في آرائهم، والذي وقع عليه الحصرمن طوائفهم سبعون فرقة.
قال المسعودي: وقد رأيت أبا القاسم البَلْخيَّ ذكر في كتاب عيون المسائل والجوابات وكذلك الحسن بن موسى النوبَختِي في كتابه المترجم بكتاب الآراء والديانات مذاهِبَ الهند وآراءهم، والعلة التي من أجلها أحرقوا أنفسهم في النيران، وقطعوا أجسامهم بأنواع العذاب، فما تعرضا لشيءمماذكرنا، ولايَمما نحوما وصفنا.
حقيقة البرهمن
وقد تنوزع في البرهمن: فمنهم من زعم أنه أدم عليه السلام، وأنه رسول الله عزوجل إلى الهند، ومنهم من يقول: إنه كان ملكاً على حسب ما ذكرنا، وهذا أشهر.
الباهبود بن البرهمن
ولما هلك البرهمن جزعت عليه الهند جزعأ شديدأً، وفزعت إلى نَصْب ملك عليها من أكبرولده؛ فكان ولي عهده الموصى له من ولده ابنه الماهبود، فسار فيهم سيرة أبيه، وأحسن النظر إليهم،زاد في بناء الهياكل، وقَدم الحكماء، وزاد في مراتبهم، وحَثهم على تعليم الناس الحكمة، وبَعَثَهم على طلبها، فكان ملكه إلى أن هلك مائة سنة.
صنع النرد وحكمته
وفي أيامه عمل النرْدُ، وأحدث اللعب بها، وجعل ذلك مثالاً للمكاسب، وأنها لا تُنَال بالكَيسْ ولا بالخيل فى هذه الدنيا، وأن الرزق لا يتأتى فيها بالحذق، وقد ذكر أن أردشير ين بابك أول من صنع النرد، ولعب بها، وأرى تقلب الدنيا بأهلها، واختلاف أمورها، وجعل بيوتها اثني عشر بيتأ بعدد الشهور، وجعل كلابها ثلائين كلباً بعدد أيام الشهر، وجعل الفصين مثلاً للقَدرِ، وتقلُّبه بأهل الدنيا، وأن الإِنسان يلعب بها فيبلغ بإسعاد القحر إياه في مراده باللعب بها ما يريد، وأن الحازم الفطن لا يتأتى له ما تأتي لغيره، إلا إذا أسعده القدر، وأن الأرزاق والحظوظ في هذه الدنيا لا تُنَال إلا بالجدود.
زامان بعد الباهبود
ثم ملك زامان بعد الباهبود، فكان ملكه نحواً من خمسين ومائة سنة، ولزامان سيز وأخبار وحروب مع ملوك فارس وملوك الصين قد أتينا على الغُرَرِمنها فيما سلف من كتبنا.
ملك فر
ثم ملك فر، وهو الذي واقَعَهُ الإسكندر، فقتله الإسكندر مبارزة،وكان ملك فر إلى أن هلك أربعين ومائة سنة.
ملك دبشليم

ثم ملك بعده دَبْشَلِيمُ، وهو الواضع لكتاب كليلة ودمنة النى ينسب لابن المقفع، وقد صنف سهل بن هارون الكاتب لأمير المؤمنين المأمون كتاباَ ترجمه ثعلة وعفرة يعارض به كتاب كيلة ودمنة في أبوابه وأمْثَالِهِ، ويزيد عليه في حسن نظمه، وكان ملكه مائة وعشرين سنة، وقيل غيرذلك.
ملك بلهيت وصنع الشطرنج
ثم ملك بعمه بلهيت، وصنعت في أيامه الشطرنج؟ فقضى بلعبهاعلى النرد، وبَيَّنَ الظفر الذي يناله الحازم، والبلية التي تلحق الجاهل، وحسب حسابها، ورتَّبَ لذلك كتاباً للهند يعرف بطرق جنكا يتداولونه بينهم، ولعب بالشطرنج مع حكمائه،وجعلها مصورةً تماثيل مشكلة على صور الناطقين وغيرهم من الحيوان مما ليس بناطق، وجعلهم درجات ومراتب، ومثَّلَ الشاة بالمدبِّرِ الرئيس، وكذلك ما يليه من القطع، وأقام ذلك مثالاً للأجساد العلوية التي هي الأجسام السماوية من السبعة والاثني عشر، وأفرد كل قطعة منها بكوكب، وجعلها ضابطة للمملكة، وإذا كان عدو من أعدائه، فقعت منه حيلة في الحروب نظروا من أين يؤتَوْنَ، في عاجل وآجل، وللهند في لعب الشطرنج سريسرونه في تضاعيف حسابها، ويتغلغلون بذلك إلى ما عَلاَ من الأفلاك، وما إليه منتهى العلة الأولى، وأعداد أضعاف الشطرنج ثمانية عشر ألف ألف ألف ألف ألف ألف وأربهمائة ألف وستة وأربعون ألف ألف ألف ألف ألف وسبعمائة وأربعون ألف ألف ألف ألف، وثلاثة وسبعون ألف ألف ألف، وسبعمائة ألف ألف، وسبعة آلاف ألف وخمسمائة ألف وأحد وخمسون ألف وستمائة وخمسة عشر، ومراتب هذه الألوف الستة الأولى، ثم الخمسة التي هي ألف ألف خمس مرات، ثم الأربع، ثم الثلاث، ثم الاثنين، ثم الواحدة ة لها عندهم معانٍ، يذكرونها في الدهور والأعصار، وما تقتضيه سائر المؤثرات العلوية في هذا العالم؟ لارتباط نفس الناطقين بها، ولليونانيين والروم وغيرهم من الأمم في الشطرنج كلام ونوع من اللعب بهذه. وقد ذكر ذلك الشطرنجيون في كتبهم، ممن تقدم منهم إلى الصولي والعدلي، وإليهما كان انتهاء اللعب بالشطرنج في هذا العصر.وكان مًلْكُ بلهيت ملك الهند إلى أن هلك ثمانين سنة، وفي بعض النسخ أنه ملك ثلاثين ومائة سنة.
ملك كورش
ثم ملك بعده كورش، فاحمث للهند آراء في الديانات، على حسب مارأى من صلاخ الوقت، وما يحتمله من التكليف أهل العصرِ، وخرج عن مذاهب من سَلَفَ، وكان في مملكته وعصره سندباد، دونَ له كتاب الوزراء السبعة والمعلم والغلام وامرأة الملك، وهو الكتاب المترجم بالسندباد وعمل في خزانة هذا الملك الكتاب الأعظم في معرفة العلل والألدواء والعلاجات، وشكلت الحشائش، وصورت، وكان مدة ملك الهند هذا إلى أن مات عشرين ومائة سنة.
اختلاف أهل الهند وتعدد ملوكهم
ولما هلك هذا الملك اختلفت الهند في آرائها، فتحزبَتِ الأحزاب، وتجيلت الأجيال، وانفرد كل رئيس بناحية، فملك على أرض السند ملك، وملك على أرض القنوج ملك، وتملك على الأرض قشميرملك وتملك على مدينة المانكير وهي الحوزة الكبرىملك يسمى بالبلهري وهذا أول ملك سمي من ملوكهم بالبلهري. فصارت سِمَةً لمن طرأ بعد من الملوك لهذه الحَوْزَة إلى وقتنا هذا، وهوسنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
صفة أرض الهند
وأرض الهند أرض واسعة في البر والبحر والجبال، وملكهم متصل بملك الزابج، وهي دار مملكة المهراج ملك الجزائر، وهذه الممَلكة قدر بين مملكة الهند والصين، وتضاف إلى الهند، والهند متصلة مما يلي الجبال بأرض خراسان والسند إلى أرض التبت، وبين هذه الممالك تباين وحروب، ولغاتهم مختلفة، وآراؤهم غير متفقة والأكثر منهم يقول بالتناسخ، وَتَنَقُّل الأرواح على حسب ما قدمناه آنفاً، والهند في عقولهم وسياساتهم وحكمتهم وألوانهم وصفاتهم وصحة أمزجتهم وصفاء أذهانهم ودقة نظرهم بخلاف سائر السودان من الرنْج والدمادم وسائر الأجناس.
وقد ذكرجالينوسُ في الأسْوَدِ عشرخصال اجتمعت فيه، ولم توجد في غيره: تفلفل الشعر، وخفة الحاجبين، وانتشار المنخرين، وغلظ الشفتين، وتحديد الأسنان، ونتن الجلد، وسواد الحق، وتشقق اليدين والرجلين، وطول الذكر، وكثرة الطرب، قال جالينوس: وإنما غلب على الأسود الطرف لفَسَادِ دماغه، فضعف لذلك عقله.

وقد ذكر غيرجالينوس في طرب السودان، وغلبة الفرح عليهم، وماخص به الزنج من ذلك دون سائر السودان في أكثار من الطرب أموراً قد ذكرناها فيما سلف من كتبنا.ولقد كان طاوس اليماني صاحبُ عبد الله بن عباس لا يأكل من ذبيحة الزنجي، ويقول: إنه عبد مُشَوه الخلقة.
وبلغنا أن أبا العباس الراضي بالله ابن المقتدر بالله كان لا يتناول شيئامن أسود، ويقول: إنه عبد مشوه خلقه؟ فلست أدري أقلدَ طاوساً في مذهبه أم لضرب من الآراء والنحل.وقد صنف عمرو بن بحر الجاحظ كتاباً في فخر السودان ومناظرتهم مع البيضان .
من عادات الهنود
والهند لا تملكُ الملك عليها حتى يبلغ من عمره أربعين سنة، ولا تكاد ملوكهم تظهر لعوامهم إلا في كل برهة من الزمان معلومة، ويكون ظهورها للنظر في أمور الرعية؟ لأن في نظر العوام عندها إلى ملوكها خَرْقأ لهيبتها، واستخفافاً بحقها، والرياسات عند هؤلاء لا تجوز إلا بالتخير، ووضع الأشياء مواضعها من مراتب السياسة.قال المسعودي: ورأيت في بلاد سرنديب وهي جزيرة من جزائر البحر أن الملك من ملوكهم إذا مات صُيِّر على عجلة قريبة من الأرض صغيرة البكرة مُعدةٍ لهذا المعنى، وشَعْرُه ينجر على الأرض، وامرأة بيدها مكنسة تحثو التراب على رأسه: وتنادي: أيها الناس، هذا ملككم بالأمس قد ملككم وجاز فيكم حكمه، وقد صار أمره إلى ما تَرَون من ترك الدنيا، وقَبَضَ روحه مَلَكُ الموت، والحي القديم الذي لا يموت، فلا تَغْتَروا بالحياة بعده، وتقول كلاماً هذا معناه من الترهيب والتزهيد في هذا العالم، ويطاف به كذلك في جميع شوارع المدينة، ثم يفصل أربع قطع، وقد هيىء له الصندل والكافر وسائر أنواع الطيب، فيحرق بالنار، ويُنَرُّ رماده في الرياح، وكذا فِعْلُ أكثر أهل الهند بملوكهم وخواصهم لغرض يذكرونه، ونهج يتيممونه في المستقل من الزمان، والملك مقصور على أهل بيتٍ لا ينتقل عنهم إلى غيرهم، وكذلك بيت الوزراء والقضاة وسائر أهل المراتب لا تغير ولا تبدل.والهند تمنع من شرب الشرإب، ويعنَفن شاربه، لا على طريق التديُّنِ، ولكن تنزهاً عن أن يوردوا على عقولهم ما يغشيها، ويزيلها عما ضعت له فيهم، وإذا صح عندهم عن ملك من ملوكهم شربه استحق الخَلعَ عن ملكه؟ إذ كان لا يتأتى له التدبير والسياسة مع الاختلاط، وربما يسمعون السماع والملاهي، ولهم ضروب من الآلات مطربة تفعل في الناس أفعالاً مرتبة من ضحك وبكاء وربما يسقون الجواري فيطرَبْنَ بحضرتهم، فتطرب الرجال لطرب الجواري.وللهند سياسات كثيرة قد أتينا على ذكر كثير منها ومن أخبارهم وسيرهم في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً.
وأعظم ملوك الهند في وقتنا هذا البلهري صاحب مدينة المانكير، وأكثرملوك الهند تتوخهُ في صلواتها نحوه، وتصلي لرسله إذا وردوا عليهم، وتلي مملكة البلهري ممالك كثيرة للهند. ومنهم ملوك في الجبال لا بحر لهم مثل الراي صاحب القشمير وملك الطافن وغير ذلك من ملوكهم أعني ملوك الهند ومنهم من بملكه بر وبحر فأما البلهري فإن بين ديار ملكه وبين البحر مسيرة ثمانين فرسخَاَ سندية، والفرسخ ثمانية أميال، وله جيوش وفِيَلَة لا تمرك كثرتها، وأكثر جيوشه رَجَّالة؟ لأن دار ملكه بين الجبال، ويساويه من ملوك الهند ممن لا بحر له بؤورة صاحب مدينة القنوج، وهذا الاسم سمةٌ لكل ملك يلي هذه المملكة، وله جيوش مرتبة على الشمال والجنوب والصبَا والدَّبُور ؟ لأنه في كل وجه من هذه الوجوه يلقى ملكاً محاربأ له.
وسنذكر جملاً من أخبار ملوك السند والهند وغيرهم من ملوك الأرض فيما يرد من هذا الكتاب، عند ذكرنا البحار وما فيها وما حولها من العجائب والأمم ومراتب الملوك وغير ذلك، وإن كنا قد أسلفنا ذلك فيما تقدم من كتبنا، والله أعلم.
ذكر الأرض والبحار ومبادىء الأنهار والجبال
والأقاليم السبعة وما والاها من الكواكب وترتيب الأفلاك، وغير ذلك
وصف الأرض

قَسمت الحكماء الأرض جهة المشرق والمغرب والشمال والجنوب،وقَسمُوا ذلك إلى قسمين: مسكون، وغير مسكون، وعامر، وغير عامر، وذكروا أن الأرض مستديرة، ومركزها في وسط الفلك، والهواء محيط بها من كل الجهات، وأنها عند فلك البروج بمنزلة النقطة قلة، وأخفا عمرانها من حدود الجزائر الخالدات في بحر أوقيانوس الغربي، وهي ستة أجزاء عامرة إلى أقصى عمران الصين، فجدوا ذلك اثني عشر ساعة فعلموا أن الشمس إذا غابت في أقصى الصين كان طلوعها على الجزائر العامرة المذكورة التي في بحر أوقيانوس الغربي، واذا غابت في هذه الجزائر كان طلوعها في أقصى الصين، وذلك نصف دائرة الأرض، وهو طول العمران الذي ذكروا أنهم وقفا عليه ومقداره من الأميال ثلاثة عشر ألف ميل وخمسمائة ميل من الأميال التي عملوا عليها في مساحة دور الأرض، ثم نظروا إلى العروض؟ فجدوا العمران من موضع خط الاستواء إلى ناحية الشمال ينتهي إلى جزيرة تولى التي في بريطانيا حيث يكون النهار الأطول عشرين ساعة، وذكروا أن موضع خط الاستواء من الأرض يقطع فيما بين المشرق والمغرب في جزيرة بين الهند والحبش من ناحية الجنوب، فيعرض ما بين الشمال والجنوب في النصف مما بين الجزائر العامرة وأقصى عمران الصين وهو قبة الأرض المعروفة بما ذكرنا، ويكون العرض من خط الاستواء إلى جزيرة تولى قريبأ من ستين جزأ، وذلك سدس دائرة الأرض،وإذا ضرب هذا السدس الذي هو مقدار العرض في النصف الذي هو مقدار الطول كان مقدار ما يظهر من العمران من ناحية الشمال مقدار نصف سدس دائرة الأرض.
الأقاليم السبعة
وأما الأقاليم السبعة فأولها أرض بابل منه خراسان وفارس:الأهواز والموصل وأرض الجبال ة وله من البروج الحَمَلُ والقَوْس، ومن الأنجم السبعة المُشْتَرِي والاقليم الثاني الهند والسند والسودان، ولهَ من البروج الْجَديُ، ومن الأنجم السبعة زُحلُ، والِإقليم الثالث مكة والمدينة واليمن والطائف والحجاز وما بينها، وله من البروج العقرب، ومن الأنجم السبعة الزُهْرَة، وهي سعد الفلك، والِإقليم الرابع مصر وإفريقية والبربر والأندلس وما بينها، له من البروج الجوزاء، ومن الأنجم السبعة عُطَارد، والِإقليم الخامس الشام والروم والجزيرة، له من البروج الدَّلْو، ومن الأنجم السبعة القمر، والِإقليم السادس الترك والخزر والديلم والصقالبة، له من البروج السَّرَطَان، ومن الأنجم السبعة المَرِّيخُ، والِإقليم السابع الديبل والصين، له من البروج الميزان، ومن الأنجم السبعة الشمس.ذكر حسين المنجم صاحب كتاب الزِّيج في النجوم، عن خالد بن عبد الملك المروزي وغيره وقد كانوا رَصَدوا الشمس لأمير المؤمنين المأمون في بَرِّئة سنجار من بلاد ديار ربيعة أن مقدار درجة واحدة من وجه الأرض ستة وخمسون ميلاً؟ فضربوا مقدار درجة واحدة في ثلاثمائة وستين فجدوا دَوْرَ كرة الأرض المحيطة بالبر والبحَر عشرين ألف ميل ومائة وستين ميلَاَ، ثم ضربوا دور الأرض في سبعة فاجتمع مائة ألف ميل وأحد وأربعون ألف ميل ومائة وعشرون ميلاً؟ فقسموا ذلك على اثنين وعشرين ميلاً وخرج للقسم الذي هو مقدار قُطْر الأرض ستة آلاف وأربعمائة وأربعة عشرميلاً ونصفاً ونصف عشر ميل بالتقريب، ونصف قطر ثلاثة آلاف ميل ومائتا ميل وسبعة أميال وست عشرة دقيقة وثلثا ثانية، يكون ربع ميل ربع عشر ميل، والميل أربعة آلاف ذراع بالأسود، وهي الذراع التي وضعها أمير المؤمنين المأمون لذَرْع الثياب ومساحة البناء، وقسمة المنازل، والذراع مائة وعشرون إصبعاً.
جغرافية بطليموس

قال المسعودي: وقد ذكر بطليموس في الكتاب المعروف بجغرافياصِفَةَ الأرض ومُدُنَهَا وجبالها وما فيها من البحار والجزائر والأنهار والعيون ووَصَفَ المدن المسكونة والمواضع العامرة، وأن عددها أربعة آلاف مدينة وخمسمائة وثلائون مدينة في عصره، وسماها مدينة مدينة في إقليم إقليم، وذكر في هذا الكتاب ألوان جبال الدنيا منِ الحمرة والصفرة والخضرة وغير ذلك من الألوان، وأن عددها مائتا جبل ونيف، وذكر مقدارها وما فيها من المعادن والجواهر.وذكر هذا الفيلسوفأن عدد البحار المحيطة بالأرض خمسة أبحر،وذكر ما فيها من الجزائر، والعامر منها وغير العامر، وما اشتهر من الجزائر دون ما لم يشتهر، وذكر أن في البحر الحبشي جزائر متصلة نحواً من ألف جزيرة يقال لها الدبيحات عامرة كلها من الجزيرة إلى الجزيرة الميلان والثلاثة وأكثر من ذلك، دون ما في هذا البحر من الجزائر.وذكر بطليموس في جغرافيا أن ابتداء بحر مصر من الروم إلى بحر الأصنام النحاس، وأن جميع العيون الكبار التي تنبع من الأرض مائتا عين وثلاثون عيناً، دون ما عداها من الصغار، وأن عدد الأنهار الكبار الجارية في الأقاليم السبعة على دوام الأوقات مائتان وتسعون نهراً، وأن الأقاليم على حسب ما قدمناه فى عدة الأقاليم، وكل إقليم سعته تسعمائة فرسخ في مثلها، وفي البحارما هو معمور بالحيوان، ومنها ما ليس بمعمور، وهو أوقيانوس البحر المحيط، وسنأتي فيما يرد من هذا الكتاب على ذكر جمل في تفصيل البحار ووصفها، وهذه البحار كلها بصورة في كتاب جغرافياً بأنواع من الأصباغ مختلفة المقادير في الصورة، فمنها ما هو على صورة الطيلسان، ومنها ما هو على صورة الشابورة، ومنها مصراني الشكل ومنها محور ومنها مثلث، إلاّ أن أسماءها في هذا الكتاب باليونانية متعذر فهمها، وأن قطر الأرض ألفان ومائة فرسخ يكون ذلك على الصحيح ستة آلاف وستمائة فرسخ تقدير كل فرسخ ستة عشر ألف ذراع، والذي يحيط بأسفل دائرة النجوم وهو فلك القمرمائة ألف فرسخ وخمسة وعشرون ألفَاَ وستمائة وستون فرسخأ، وأن قطر الفلك من حد رأس الحمل إلى حد رأس الميزان أربعون ألف فرسخ بتقدير هنه الفراسخ، وعدد. هذه الأفلاك تسعة فأولها وهو أصغرها وأقربها إلى الأرض للقمر، والثاني لعُطَارِد، والثالث للزُّهْرة، والرا بع للشمس، والخامس للمريخ، والسادس للمشتري، والسابع لزُحَل، والثامن للكواكب الثابتة، والتاسع للبروج، وهيئة هذه الأفلاك هيئة الأكَر بعضها في جوف بعض ففلك البروج يسمى الفلك الكلي، وبه يكون الليل والنهار لأنه يدير الشمس والقمر وسائر الكواكب من المشرق إلى المغرب في كل يوم وليلةدوْرَة واحدة، على قطبين ثابتين: أحدهما مما يلي الشمال وهو قطب بنات نَعْش، والأخر مما يلي الجنوب وهو قطب سُهَيْل، وليس البروج غير الفلكَ، وإنما هي مواضع لقبت بهذه الأسماء لتعرف مواضع الكواكب من الفلك الكلي؟ فيجب أن تكون البروج تضيق من ناحية القُطْبين وتتسع في وسط الكرة، والخط القاطع للكرة نصفين الآخذ من المشرق إلى المغرب يسمى دائرة مُعَدل النهار، لأن الشمس إذا صارت عليها استوى الليل والنهار في جميعِ البلدان، فما كان من الفلك آخذاً من الجنوب إلى الشمال يسمى العَرْض، وما كان أخذاً من الشرق إلى الغرب يسمى الطول، والأفلاك مستديرة محيطة بالعالم، وهي تدور على مركز الأرض، والأرض في وسطها مثل النقطة في وسط الدائرة، وهي تسعة أفلاك ة فأقربها من الأرض فلك القمر، وفقه فلك عُطَارد، وفق ذلك فلك الزُّهْرة، ثم فلك الشمس، والشمس متوسطة الأفلاك السبعة، وفقها فلك المريخ وفقه فلك المُشْتَرِي، وفق ذلك فلك زُحَل، وفي كل فلك من هنه الأفلاك السبعة كوكب واحد فقط، وفق فلك زُحَل الفلك الثامن الذي فيه البروج الاثنا عشر، وسائر الكواكب في الفلك الثامن، والفلك التاسع وهو أرفع وأعظم جسماً، وهو الفلك الأعظم يحيط بالأفلاك التي دونه مما سمينا، وبالطبائع الأربع، وبجميع الخليقة، وليس فيه كوكب، ودوْرُه من المشرق إلى المغرب في كل يوم دورة واحدة تأمة، ويدير بدورانه ما تحته من الأفلاك المتقدم وَصْفُها، وأما الأفلاك السبعة التي قدمنا ذكرها فإنها تدور من المغرب إلى المشرق، وللأوائل فيما ذكرنا حجج يطول الخطب بها، والكواكب المرئية التي نشاهدها وساثر الكواكب في الفلك الثامن، وهو يدور

على قطبين غير قطبي الفلك الأعظم المتقدم ذكره، وزعموِا أن الدليل على أن حركة هذه البروج غير حركة الأفلاك هو أن البروج الاثنيْ عشَرَ يتلو بعضها بعضاً في مسيرها، ولا تنتقل عن أماكنها، ولا تتغير حركتها في طلوعها وغروبها، وأن الكواكب السبعة لكل واحد منها حركة خلاف حركة صاحبه، ولها تفاوت في حركاتهاث فربما أسرع الكوكب في حركته ومسيره، وربما أخذ في الجنوب، وربما أخذ في الشمال، وحَدُّ الفلك عندهم أنه نهاية لما تصير إليه الطبائع علواً وسفلاً، وَحده من جهة الطبائع أنه شكل مستدير، وهو أوسع الأشكال، وهو يحيط بالأشكال كلها، وأن مقادير حركة هذه الكواكب في أفلاكها مختلفة فمقام القمر في كل برج يومان ونصف، ويقطع الفلك في شهر، ومقام الشمس في كل برج شهر، ومقام عُطَارد في كل برج خمسة عشريوماً، ومقام الزُّهْرة في كل برج خمسة وعشرون يوماً، ومقام المريخ في كل برج خمسة وأربعون يوماً، ومقام المشتري في كل برج سنة، ومقام زُحَل في كل برج ثلاثون شهراً.وقد زعم بطليموس صاحب كتاب المجسطي أن استدارة الأرض كلها جبالها وبحارها أربعة وعشرون ألف ميل وأن قطرهاوهو عرضها وعمقها سبعة لآف وستمائة وستة وثلاثون ميلاً، وأنهم إنما استدركوا ذلك بأنهم أخنوا ارتفاع القطب انشمالي في مدينتين وهما على خط واحد من خط الاستواء، مثل مدينة تَدمُر التي في البرية بين العراق والشام، ومثلِ مدينة الرقة فجدوا ارتفاع القطب في مدينة الرقة خمسة وثلاثين جزءاَ وثلثَاَ ووجدوا ارتفاع القطب في مدينة تَدْمُر أربعة وثلاثين جزءاً، بينهما زيادة جزءوثلث جزء، ومَسَحُواما بين الرقة فجدوه سبعة وستين ميلاً؛ فالظاهر من الفلك سبعة وستون ميلاً من لأرض، والفلك ثلثمائة وستون جزءأ لعل ذكروها يبعد علينا إيرادها في هذا الموضع، وهذه قسمة صحيحة عندهم لأنهم وجدوا الفلك قد اقتسمته البروج الاثنا عشر، وأن الشمس تقطع كل برج في شهر، وتقطع البروج كلها في ثلثمائة وستين يومأ، وأن الفلك مستدير يدور بمحورين أو قطبين، وأنهما بمنزلة محوري النجار والخراط الذيِ يخرط الأكَرَ والقِصَاع وغيرها من الآلات الخشب، وأن من كل مسكنة وسط الأرض وعند خط الاستواء استوت ساعاتُ ليله ونهاره سائر الدهور، ورأى هذين المحورين أعني القطب الشمَالي والقطب الجنور جميعاً، فأما أهل البلدان التي مالت إلى ناحية السمال فإنهم يرون القطب الشمالي وبنات نَعْشٍ، ولا يرون القطب الجنوبي ولا الكواكب التي هي قريبة منه، وكذلك لا يرى الكوكب المعروف بسُهَيْلٍ بناحيةخراسان، ويرى في العراق في السنة أياماً، ولا تقع عين جمل من الجمال عليه إلا هلك، على حسب ما ذكرناه وما ذكر الناسُ من العلة في ذلك في موت هذا النوع من الحيوان خاصة، وأما البلدان الجنوبية فإنه يُرَى في السنة كلها.ى قطبين غير قطبي الفلك الأعظم المتقدم ذكره، وزعموِا أن الدليل على أن حركة هذه البروج غير حركة الأفلاك هو أن البروج الاثنيْ عشَرَ يتلو بعضها بعضاً في مسيرها، ولا تنتقل عن أماكنها، ولا تتغير حركتها في طلوعها وغروبها، وأن الكواكب السبعة لكل واحد منها حركة خلاف حركة صاحبه، ولها تفاوت في حركاتهاث فربما أسرع الكوكب في حركته ومسيره، وربما أخذ في الجنوب، وربما أخذ في الشمال، وحَدُّ الفلك عندهم أنه نهاية لما تصير إليه الطبائع علواً وسفلاً، وَحده من جهة الطبائع أنه شكل مستدير، وهو أوسع الأشكال، وهو يحيط بالأشكال كلها، وأن مقادير حركة هذه الكواكب في أفلاكها مختلفة فمقام القمر في كل برج يومان ونصف، ويقطع الفلك في شهر، ومقام الشمس في كل برج شهر، ومقام عُطَارد في كل برج خمسة عشريوماً، ومقام الزُّهْرة في كل برج خمسة وعشرون يوماً، ومقام المريخ في كل برج خمسة وأربعون يوماً، ومقام المشتري في كل برج سنة، ومقام زُحَل في كل برج ثلاثون شهراً.وقد زعم بطليموس صاحب كتاب المجسطي أن استدارة الأرض كلها جبالها وبحارها أربعة وعشرون ألف ميل وأن قطرهاوهو عرضها وعمقها سبعة لآف وستمائة وستة وثلاثون ميلاً، وأنهم إنما استدركوا ذلك بأنهم أخنوا ارتفاع القطب انشمالي في مدينتين وهما على خط واحد من خط الاستواء، مثل مدينة تَدمُر التي في البرية بين العراق والشام، ومثلِ مدينة الرقة فجدوا ارتفاع القطب في مدينة الرقة خمسة وثلاثين جزءاَ وثلثَاَ ووجدوا ارتفاع القطب في مدينة تَدْمُر أربعة وثلاثين جزءاً، بينهما زيادة جزءوثلث جزء، ومَسَحُواما بين الرقة فجدوه سبعة وستين ميلاً؛ فالظاهر من الفلك سبعة وستون ميلاً من لأرض، والفلك ثلثمائة وستون جزءأ لعل ذكروها يبعد علينا إيرادها في هذا الموضع، وهذه قسمة صحيحة عندهم لأنهم وجدوا الفلك قد اقتسمته البروج الاثنا عشر، وأن الشمس تقطع كل برج في شهر، وتقطع البروج كلها في ثلثمائة وستين يومأ، وأن الفلك مستدير يدور بمحورين أو قطبين، وأنهما بمنزلة محوري النجار والخراط الذيِ يخرط الأكَرَ والقِصَاع وغيرها من الآلات الخشب، وأن من كل مسكنة وسط الأرض وعند خط الاستواء استوت ساعاتُ ليله ونهاره سائر الدهور، ورأى هذين المحورين أعني القطب الشمَالي والقطب الجنور جميعاً، فأما أهل البلدان التي مالت إلى ناحية السمال فإنهم يرون القطب الشمالي وبنات نَعْشٍ، ولا يرون القطب الجنوبي ولا الكواكب التي هي قريبة منه، وكذلك لا يرى الكوكب المعروف بسُهَيْلٍ بناحيةخراسان، ويرى في العراق في السنة أياماً، ولا تقع عين جمل من الجمال عليه إلا هلك، على حسب ما ذكرناه وما ذكر الناسُ من العلة في ذلك في موت هذا النوع من الحيوان خاصة، وأما البلدان الجنوبية فإنه يُرَى في السنة كلها.

وقد تنازع طوائف الفلكيين وأصحاب النجوم في هذين المحورين اللذين يعتمد عليهما الفلك في دوره: أساكنان هما أم متحركان؟ فذهب الأكثر منهم إلى أنهما غيرمتحركين وقد أتينا على ما يلزم كل فريق منهم في بيان هذين المحورين: أمن جنس الأفلاك هما أم من غير ذلك فيما سلف من كتبنا.
شكل البحار
وقد تنوزع في شكل البحار، فذهب الأكثر من الفلاسفة المتقدمين من الهند وحكماء اليونانيين إلا من خالفهم وذهب إلى قول الشرعيين أن البحر مستدير على مواضع الأرض، واستدلوا على صحة ذلك بدلائل كثيرة، منها أنك إذا لججت فيه غابت عنك الأرض والجبال شيئاً بعد شيء حتى تغيب ذلك كله، ولا ترى شيئأ من شَوَامخ الجبال، وإذا أقبلت أيضاً نحو الساحل ظهرت تلك الجبال شيئاً بعد شيء، وإذا قربت من الساحل ظهرت الأشجار والأرض.وهذا جبل دُنْبَاوَنْدَ بين بلاد الري وطبرستان يرى من مائة فرسخ لعلوه وذهابه في الجو، ويرتفع في أعاليه الدخان، والثلوج مترادفة عليه غير خالية من أعاليه، ويخرج من أسفله نهركثير الماء أصفركبريتي ذهبي اللون، مسافة الصعود إليه في نحو ثلاثة أيام بلياليها، وإن مَنْ عَلَاه وصار في قُلَّته وجد مساحة رأس نحوألف فراع في مثل ذلك، وهي ترى في رأي العين من أسفل نحو القبة المنخرطة، وإن في هذه المساحة في أعاليه رملًا أحمرتغوص فيه الأقدام، وإن هذه القبة لا يلحقها شيء من الوحش ولا من الطير،لشدة الرياح وسموها في الهواء، وشدة البرد، وإن في أعاليه نحواً من ثلاثين ثقباً يخرج منها الدخان الكبريتي العظيم، ويخرج مع ذلك من هذه المخارق مع الدخان دوي عظيم كأشد ما يكون من الرَّعْدِ، وذلك صوت تلهبِ النيران، وربما يحمل من غرَّر بنفسه وصعد إلى أعاليه من أفاه هذه الثقوب كبريتاً أصفر كأنه الذهب يقع في أنواع الصنعة والكيمياء وغير ذلك من الوجوه، وإن مَنْ عَلَاه يرى ما حوله من الجبال الشامخة كأنها رَوَاب وتلَال لعلوه عليها، وبين هذا الجبل وبحر طبرستان في المسافة نحو من عشرين فرسخاً، والمراكب إذا لَجَّت في هذا البحر غاب عنها جبل دُنْبَاوَنْدَ فلم يرهُ أحد، فإذا صاروا في هذا البحر على نحو من مائة فرسخ، ودَنَوْا من جبال طبرستان رأوا اليسير من أعالي هذا الجبل، فكلما قربوا من هذا الساحل ظهر لهم، وهذا دليل على ما ذهبوا إليه من كرية ماء البحر، وأنه مستدير الشكل.وكذلك مَن يكون في بحر الروم الذي هو بحر الشام ومصريرى الجبل الأقرع، وهو جبل عالٍ لا يحرك علوه، مُطِل على بلاد أنطاكية واللاذقية وطرابلس وجزيرة قبرص وغيرها في بلاد الروم، فيغيب عن أبصار مَنْ في المراكب لانخفاضهم في المسير في البحر عن المواضع التي يُرى منها.
وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب جبل دُنبَاوَنْدَ وما قال الفرس في ذلك، وأن الضحاك ذا الأفاه مُوثَق في أعاليه بالحديد، وهذه القبة التي في أعالي هذا الجبل أطُمٌ عظيمة من آطام الأرض وعجائبها.
مساحة الأرض والكواكب

وقد تكلم الناس في بعد الأرض فذكر الأكثر أن من مركز الأرض إلى ما ينتهي إليه الهواء والنار مائة ألف وثمانية عشر ألف ميل، وأما القمر فإن الأرض أعظم منه بتسع وثلاثين مرة، والأرض أعظم من عُطَارد بثلاث وعشرين ألف مرة، والأرض أعظم من الزهرة بأربع وعشرين ألف مرة، والشمس أعظيم من الأرض بمائة وسبعين مرة وربع وثمن، وأعظم من القمر بألف وستمائة وأربع وأربعين مرة، والأرض كلها نصف عشر ثمن جزء من الشمس، وقُطْر الشمس اثنان وأربعون ألف ميل، والمريخ مثل الأرض زيادة ثلاثة وستين مرة، وقطره ثمانية آلاف وسبعمائة ميل ونصف ميل، والمشتري مثل الأرض إحدى وثمانين مرة ونصف وربع، وقطره ثلاثة وثلاثون ألف ميل وستة عشر ميلاً، وزُحَلُ أعظم من الأرض تسعاً وتسعين مرة ونصفاً، وقطره اثنان وثلاثون ألف ميل وسبعمائة وستة وثلاثون ميلاً، وأما أجرام الكواكب الثابتة التي في المشرق الأول وهي خمسة عشر كوكباً فكل كوكب منها أعظم من الأرض بأربع وتسعين مرة ونصف مرة، وأما بعدها من الأرض فإن أقرب بعد القمر منها مائة ألف وثمانية وعشرون ألف ميل، وأبعد بعده من الأرض مائة ألف وأربعة وعشرون ألف ميل، وأبعد بعد عًطَارد من الأرض سبعمائة ألف ألف وسبعمائة وثلاثة وثلاثون ألف ميل، وأبعد بعد الزهرة من الأرض أربعة آلاف وتسعة عشر ألف ميل وستمائة ميل، وأبعد بعد الشمس من الأرض أربعة آلاف ألف ألف وثمانمائة ألف وعشرون ألفأ ونصف ميل، وأبعد بعد المريخ من الأرض ثلاثة وثلاثون ألف ألف ميل وستمائة ألف ميل وشيء، وأبعد بعد المشتري من الأرض أربعة وخمسون ألف ألف ومائة ألف وستة وستون ألف ميل إلا شيئَاَ، وأبعد بعد زُحَل من الأرض سبعة وسبعون ألف ألف ميل إلا شيئاً، وأبعد الكواكب الثابتة من مركز الأرض نحوذلك. وفيما ذكرنا من القسمة والأجزاء والمقاييس استدرك القوم علم الساعات والكسوفات وبها استخرجوا الآلات والِإسطرلابات، وعليها صنفا كتبهم كلها، وهذا باب إن شرعنا في إيراد البعض منه كثر، واتسع الكلام فيه، وإنما ذكرنا لمعاً من هذه الفنون لندل بها على ما لم نورده. وقد رتبت الصابئة من الحرانيين وهم عوام اليونانيين وحَشْوِية الفلاسفة المتقدمين الكهنة في هياكلها مراتب على ترتيب هذه الأفلاك السبعة، فأعلى كهانهم يسمى رأس كمرى، ثم وردت بعدهم النصارى فرتبت الكهنة في كَهَانتها، على ما تقدمت فيه الصابئة في مذهبها.وسمت النصارى هذه المراتب العظات: فأولها السلط، والثاني اعنسط، والثالث يودنا، والرا بع شماس، والخامس قسيس، والسادس يودوط، والسابع حور الغينطس، وهو الذي يخلف الأسقف، والثامن أسقف، والتاسع مُطْرَان، وتفسير مطران رئيس المدينة، والذي فق هؤلاء كلهم في المرتبه لبَطْرك، وتفسيره أبو الآباء، فمن تقدم ذكرهم من أصحاب المراتب وغيرهم من الأداني وعوامهم، هذا عند خواص النصارى،فأما العوام منهم فيذكرونَ في هذه المراتب غير ما ذكرنا، وهو أن مَلَكاً ظهر لهم، وأظهر أموراً يذكرونها لا حاجة بنا إلى وصفها، وهذا ترتيب الملكية،. وهم عُمُدُ النصراينة وقُطْبها؟ لأن ص المشارقة وهم العباد والملقبون بالنًسْطُورية واليعاقبة عن هؤلاء تفرعوا، ومنهم تبددوا، وإنما أخذت النصارى جملاً من هذه المراتب على ما ذكرنا من الصابئة، وأما القسيس والشماس وغير ذلك فعن المَانِية، إلا التصدوس والسماع، وإن كان ماني حَدَث بعد مضي السيد عيسى بن مريم عليه السلام، وكذلك ابن دَيْصَان ومرقيون، وإلى ماني أضيفت المانية، وإلى مرقيون أضيفت المرقيونية، وإلى ابن ديصان أضيفت الديصانية، ثم تفرعت بعد ذلك المزْدَقية وغيرها ممن سلك طريقة صاحب الأثنين.وقد أتينا في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط على جُمَل من نوادرهذه المذاهب، وما أورده من الخرافات المزخرفة، والشُبَه الموضوعة، وما ذكرناه من مذاهبهم في كتابنا في المقالات في أصول الديانات وما ذكرناه في كسر هذه الآراء وهدم هذه المذاهب في كتابنا المترجم بكتاب الإِبانة في أصول الديانة وإنما نذكر في هذه الأبواب ما يتشعب الكلام إليه، ويتغلغل الوصف نحوه، فنورد منه لمعاً على طريق الخبر والحكاية للمذهب، لا على طريق النظر والجدل. لئلا يخلو كتابنا هذا مما تدعو الحاجة إلى ذكره، واللّه أعلم.
ذكرالأخبارعن انتقال البحار

وجمل من أخبار الأنهار الكبار
ذكر صاحب المنطق أن البحار تنتقل على مرور السنين وطويل الدهر، حتى تصير في مواضع مختلفة، وأن جملة البحار متحركة، إلا أن تلك الحركة إذا أضيفت إلى جملة مياهها وسَعَة سطوحها وبُعْدِ قُعُورها صارت كأنها ساكنة، وليست مواضع الأرض الرطبة أبداً رطبة، ولا مواضع الأرض اليابسة أبداً يابسة، لكنها تتغير وتستحيل، لصبّ الأنهار إليها، وانقطاعها عنها، ولهذه العلة يستحيل موضِع البحر وموضع البر، فليس موضع البر أبداً براً، ولا موضعِ البحر أبداَ بحراً، بل قد يكون براً حيث كان مرة بحراً، ويكون بحراَ حيث كان مرة براً، وعلة ذلك الأنهار وبدؤها؛ فإن لمواضع الأنهار شباباً وهَرَماً، وحياة وموتاً، ونَشْئاً ونُشُوراً، كما يكون ذلك في الحيوان والنبات، غير أن الشباب والكبر في الحيوان والنبات لا يكون جزأ بعد جزء، لكنها تشب وتكبر أجزاؤها كلها معاً، وكذلك تهرم وتموت في وقت واحد، فأما الأرض فإنها تهرم وتكبرجزأ بعد جزء، وذلك بدوران الشمس.وقد اختلف الناس في الأنهار والأعين من أين بدؤها.فذهبت طائفة إلى أن مجراها كلها أعني البحار واحد، وهوالبحر الأعظم، وأن ذلك بحر عذب ليس هو بحر أقيانوس.زعمت طائفة أن البحار في الأرضين كالعروق في البدن.
وقال آخرون: حق الماء أن يكون على سطح، فلما اختلفت الأرض فكان منها العالي والهابط أنحاز الماء إلى أعماق الأرض، فإذا انحصرت المياه في أعماق الأرض وقُعُورها طلبت التنفُّسَ حينئذ، لغلظ الأرض وضغطتها إياها من أسفل، فتنبثق من ذلك العيون والأنهار، ربما تتولد في باطن الأرضين من الهواء الكائن هناك، وأن الماء ليى بأسطقس، وإنما هو متولد من عُفنات الأرض وبخارها، وقالوا في فلك كلاماً كثيراً أعرضنا ذكره طلباً للإيجاز وميلاً للاختصار، وقد بسطنا ذلك في غير هذا الكتاب من كتبنا.أما مبادىء الأنهار الكبار، ومطارحها، ومقادير جريانها على وجه الأرض كالنيل والفرات والدجلة ونهر بلخ، وهو جيحون، ومهران السند وجنجس، وهو نهر عظيم بأرض الهند، ونهر سابط وهو نهر عظيم، ونهر طنابس الذي يصب إلى بحر نيطس، وغيرها مما كبر من الأنهار فقد تكلم الناس في مقدار جريانها على وجه الأرض.
النيل
فرأيت في جغرافيا النيل مصوراً ظاهراً من تحت جبل القمر، ومنبعه ومبدأ ظهوره من اثنتي عشرة عيناً، فتصب تلك المياه إلى بحرين هناك كالبطائح، ثم يجتمع الماء جارياً فيمر برمال هناك وجبال، ويخترق أرض السودان مما يلي بلاد الزنج؟ فيتشعب منه خليج ينصب إلى بحر الزنج، و!و بحر جزيرة قنبلو، وهىِ جزيرة عامرة فيها قوم من المسلمين، إلا أن لغتهم زنجية: غلبوا على هذه الجزيرة، وسَبَوْا مَنْ كان فيها من الزنج، . كغلبة المسلمين على جزيرة إقريطش في البحر الرومي، وذلك في مبدأ الدولة العباسية وتَقَضِّي الأموية، ومنها إلىِ عمان في البحر نحو مز خمسمائة فرسخ على ما يقول البحريُّونَ حَزْراَ منهم لذلك، لا علر طريق التحصيل والمساحة، وذكر جماعة من نَوَاخذة هذا البحر مو السيرافيين والعمانيين وهم أرباب المراكب أنهم يشاهدون في هذا البحر في الوقت الذي تكثر فيه زيادة النيل بمصر، أو قبل الأوان بمدة يسيرةماء يخترق هذا البحر ويشقه من شدة جريانه، يخرج من جبال الزنج، عرضه كثر من ميل عذباً حلوا، يتكدر في إبان الزيادة بمصر وصعيدها، فيها الشوهمان، وهو التمساح الكائن في نيل مصر، ويسمى أيضاً الورل.
بعض أوهام الجاحظ

وقد زعم عمرو بن بحز الجاحظ أن نهر مهران الذي هو نهر السند من نيل مصر، ويستدل على أنه من النيل بوجود التماسيح فيه، فلست أدري كيف وقّع له هذا الدليل، وذكر ذلك في كتابه المترجم بكتاب الأمصاروعجائب البلدان، وهو كتاب في نهاية الغَثَاثة لأن الرجل لم يسلك البحار، ولا كثر الأسفار، ولا تَقَرى المسالك والأمصار وإنما كان حاطب ليل، ينقل من كتب الوراقين أولم يعلم أن نهر مهران السنديخرج من أعَين مشهورة من أعالي بلاد السند من أرض القنوج من مملكة بؤورة وأرض قشمير والقفندار والطافر حتى ينتهي إلى بلاد المولتان، وكل هناك يسمى مهران الذهب، وتفسير المولتان فرج الذهب، وصاحب مملكةَ بلد المولتان رجل من قريش من ولد سَأمة بن لؤي بن غالب، والقوافل من إلى خراسان متصلة، وكذلك صاحب مملكة المنصورة رجل من قريش من ولد هَبَّار بن الأسود، والملك في هؤلاء وملك صاحب المولتان متوارثان قديماً من صدرالِإسلام، ثم ينتهي نهر مهران إلى بلاد المنصورة وبصب نحو بلاد الديبل في بحر الهند، والتماسيح كثيرة في أجواف هذا البحر،. وفي خليج ميدايون من مملكة ياغر من أرض الهند وخلجان الزابج من بحر مملكة المهراج وكذلك في خلجان الأغياب، وهي أغياب تلي جزيرة سرنديب، والأغلب على التماسيح كونها في الماء العذب، وما ذكرنا من خلجانات الهند فالأغْلَبُ من أمواهها أن تكون عذبة لصب مياه الأمطار إليها.
عودة إلى ذكر النيل
فلنرجع الآن إلى الأخبار عن نيل مصر، فنقرل: إِن الذي ذكرته الحكماء أنه يجري على وجه الأرض تسعمائة فرسخ، وقيل: ألف فرسخ، في عامر وغير عامر، حتى يأتي أسوان من صعيد مصر، وإلى هذا الموضع تصعد المراكب من فُسْطَاط مصر، وعلى أميال من أسوان جبال وأحجار يجري النيل في وسطها، ولا سبيل إلى جريان السفن فيه هناك، وهذه الجبال والمواضع فارقة بين مواضع سفن الحبشة في النيل وبين سفن المسلمين، ويعرف هذا الموضع من النيل بالجنادل والصخور، ثم يأتي النيل الفسْطَاط وقد قطع الصعيد ومر بجبل الطيلمون وحجر اللاهون من بلاد الفيوم، وهو الموضع المعروف بالجزيرة التي أتخذها يوسف النبي صلى الله عليه وسلم وطناًفيقطعه، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب أخبار مصر والفيوم وضياعها وكيفية فعل يِوسف عليه الصلاة والسلام في مائها، ثم يمضي جاريأ فينقسم خلجاناتٍ لى بلاد تَنِّيسَ ودمياط ورشيد والِإسكندرية، كل يصب في البحر الرومي،وقدأحدث فيه بحيرات فى هذا المواضم، وقد كان النيل انقطع،عن بلادالإِسكندرية قبل هنه الزيادة التي زادها في هذه السنة وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلثماثة ونمي إلي وأنا بمدينة أنطاكية والثغر الشامي أن النيل زاد في هذه السنة ثمانية عشر ذراعاً فلست أدري أفي هذه الزيادة دخل خليجا الِإسكنرية أم لا، وقد كان الإِسكندر بن فيلبس المقْدُوني بنى الإِسكندرية على هذا الخليج من النيل، وكان يتفجر إليه معظم ماء النيل، ويسقي بلاد الإسكندرية وبلاد مَرْيُوط، وكان بلاد مريوط هذا في نهاية العمارة، والجنَان متصلة بأرض بَرْقَةَ من بلاد المغرب، وكانت السفن تجري في النيل فتتصل بأسواق الإِسكندرية، وقد بلط أرض نيلها في المدينة بالرخام والمرمر، فانقطع الماء عنها لعوارض سدت خُلْجَانها ومنعت الماء من دخوله، وقيل: لِعِلَل غيرذلك منعت من تنفسه وردت الماء إلى كنانه، لا يحملها كتابنا هذا لاستعمالنا فيه الاختصار، فصار شربهم من الابار، وصار النيل على نحو يوم منهم، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب في باب ذكرنا لأخبار الإِسكندرية جملاً من أخبارها وأخبار بنائها، وما ذكرت من الماء الجاري إلى بحر الزنج فإنما هوخليج آخذ من أعالي مصب الزنج، وفارق بين بلاد الزنج وبين أقاصي بلاد أجناس الأحابيش، ولولا ذلك الخليج ومفاوز من رمال ودهاس لم يكن للحبشة في ديارهم من أنواع الزنج لكثرتها وبطشها.
جيحون نهر بلخ

وأما نهر بَلْخَ الذي يسمى جَيْحُون فإنه يخرج من عيون تجري حتىتأتي بلاد خُوَارَزْمَ، وقد اجتاز قبل ذلك ببلاد الترمذ وإسفرائين وغيرها من بلاد خراسان فإذا ورد إلى بلاد خوارزم تفرق في مواضع هناك، ويمضي باقيه فيصب في البحيرة التي عليها القرية المعروفة بالجرْ جَانية أسفل خوارزم، وليس في ذلك الصقع أكبر من هذه البحيرة، ويُقال: إنه ليس في العمران بحيرة أكبرمنهالأن طولها مسيرة شهر في نحوذلك من العرض، تجري فيها السفن، وإليها يصب نهر فرْغَانة والشاش ويمر ببلاد الفاراب في مدينة جديس، وتجري فيه السفن إلى هذه البحيرة، وعليها لمدينة للترك يقال لها المدينة الجديدة، وفيها المسلمون، والأغلب من الأتراك في هذا الموضع الغُزية، وهم بَوَادٍ وحَضَر، وهذا الجنس من الأتراك هم أصناف ثلاثة: الأسافلِ، والأعالي، والأواسط، وهم أشد الترك بأساً وأقصرهم، وأصغرهم أعْيُناَ، وفي الترك مَنْ هو أصغر من هؤلاء على ما ذكر صاحبُ المنطق في كتاب الحيوان في المقالة الرابعة عشرة والثامنة عشرة حين ذكر الطير المعروف بالغَرَانيق، وسنذكر لمعاً من أخبار أجناس الترك فيما يرد من هذا الكتاب مجتمعاً ومفترقَاَ، وبمدينة بلخ رباط يقال له الأخشان على نحو من عشرين يوماً منها، وهوآخر أعمالها، وبإزائهم أنواع من الكفار يُقال لهم أوخان وتبت، وعلى اليمين من هؤلاء جنس آخر يقال لهم إيغان، ويخرج من هنالك نهر عظيم يعرف بنهر إيغان، وزعم قوم من أهل الخبرة أنه مبتدأ نهر جيحون، وهو نهر بَلْخَ، ومقدار جريانه على وجه الأرض نحو من خمسين ومائة فرسخ، من مبدأ نهر الترك، وهو إيغان، وقيل: أربعمائة فرسخ، وقد غلط قوم من مصنفي الكتب في هذا المعنى، وزعموا أن جيحون يصب إلى نهر مُهْرَان السند، يم يذكروا نهر رست الأسود، ولا نهر رست الأبيض الذي تكون عليه مملكة كيماك بيغور، وهم جنس من الترك وراء نهر بلخ، وهوجيحون، جملى هذين النهرين الغورية من الترك، ولهذين النهرين أخبار لم نحطْ مقدار مسافتهما على وجه الأرض فنذكر ذلك.
نهر جنجس بالهند
وكذلك جنجس نهر الهند، فمبدؤه في جبل من أقاصي أرض الهند مما يلي الصين من نحو بلاد الطغرغر من الترك، ومقدار جريانه إلى أن يصب في البحر الحبشي مما يلي ساحل الهند أربعمائة فرسخ.
نهر الفرات
وأما الفرات فمبدؤه من بلاد قَالِيقلا، ومقدار جريانه من بلاد الروم إلى أن يأتي بلاد ملطية مائة فرسخ، وأخبرني بعض إخواننا من المسلمين ممن كان أسيراً في أرض بلاد النصرانية أن الفرات إذا توسط أرض الروم تحلبت إليه مياه كثيرة منها نهريخرج مما يلي بحيرة الماذرمون، وليس في أرضي الروم بحيرة أكبر منها، وهي نحومن شهر، وقيل: أكثرمن ذلك طولَاَ وعرضاً، تجري فيها السفن، وينتهي الفرات إلى جسر مَنْبج، وقد اجتاز تحت قلعة سُمَيْساط، وهي قلعة الطين، ثم ينتهي إلى بالس ويمر بِصِفينَ موضع حرب أهل العراق وأهل الشام، ثم ينتهي إلى الرقة وإلى الرحبة وهَيْتَ الأنبار، ويأخذ منه هناك أنهار مثل نهر عيسى وغيره، مما ينتهي إلى مدينة السلام، فيصب في دجلة، وينتهي الفرات إلى بلاد سورى وقصر ابن هُبَيرة والكوفة والجامعين وأحمد أباد والفرس والطفف، ثم تنتهي غايته إلى البَطيحَة التي بين البصرة وواسط، فيكون مقدار جريانه على وجه الأرض نحواً من خمسمائة فرسخ، وقد قيل أكثر من ذلك، وقد كان الفراتُ الأكثر من مائة ينتهي إلى بلاد الحِيرةِ ونهرها بين إلى هذا الوقت وهويعرف بالعتيق، وعليه كانت وقعة المسلمين مع رُسْتم، وهي وقعة القادسية، فيصب في البحر الحبشي، وكان البحر حينئذ في الموضع المعروف بالنَّجَف في هذا الوقت، وكانت تقدم هناك سفن الصين والهند ترد إلى ملوك الحيرة، وقد ذكر ما قلنا عبد المسيح بن عمروبن بقيلة الغساني حين خاطب خالد بن الوليد في أيام أبي بكر بن أبي قحافة رضىِ اللّه عنه حين قال له: ما تذكر؟ قال: أذكر سفن الصين وراء هذه

الحصون، فلما انقطع الماء عن مصبه فى ذلك الموضع انتقل البحر براً؟ فصار بين الحيرة وبين البحر في هذا الوْقت مسيرة أيام كثيرة، ومَنْ رأى النَجفَ وأشرف عليه تبين له ما وصفنا، وكتنقل الدجلة العوراء فصار بينها وبين الدجلة في هذا الوقت مسافة بعيدة، وصارت تدعى ببطن جوخى، وذلك من جهة مدينة فارس من أعمال واسط إلى دنوقاء إلى نحو بلاد السوس، وكذلك ما حدث في الجانب الشرقي ببغداد من الموضع المعروف برقة الشماسية وما نقل الماء بتياره من الجانب الغربي من الضياع التي كانت بين قُطْرُبل ومدينة السلام، كالقرية المعروفة بالقب والموضع المعروف بالبشرى والموضع المعروف بالعين، وغير ذلك من ضياع قُطْرُبل، وقد كان لأهلها مطالبات مع أهل الجانب الشرقي ممن ملك رقة الشماسيةِ في أيام المقتدر، بحضرة الوزير أبي الحسن علي بن عيسى، وما أجاب به أهل العلم في ذلك، وما ذكرناه مشهور بمدينة السلام، فإذا كان الماء في نحومن ثلاثين سنة قد ذهب بنحو من سبع ميل، فإنه يسير ميلاً في قدر مائتي سنة، فإذا تباعد النهر أربعة آلاف ذراع من موضعه الأول خربت بذلك السبب مواضع وعمرت، وإذا وجد الماء سبيلاً منخفضَاَ وانصباباَ وسع بالحركة وشدة الْجَرْيَة لنفسه، فاقتلع المواضع من الأرض من أبعد غايتها، وكلما وجد موضعاً متسعاً من الوهاد ملأه في طريقه من شدة جَرْيته حتى يعمل بحيرات وبطائح ومستنقعات، وتخرب بذلك بلاد، وتعمر بذلك بلاد، ولا يغيب فهم ما وصفنا على مَنْ له أدنى فكر.ولنبدأ بذكر دجلة ومبدأ جريانها ومصبها، فنقول: دجلة تخرج من بلاد آمدَ من ديار بكر، وهي أعين ببلاد خلاط منأرمينية، ويصب إليها نهر اسريط وساتيد ما يخرج من بلاد أرزن ومَيَّفارقين وغيرهما من الأفهار كنهر دوشا والخابور الخارج من بلاد أرمينية، ومصبه في دجلة بين مدينة باسورين وقبر سابور، من بلاد بقردى وبازبدى وباهمداء من بلاد الموصل،وهذه الديار ديار بني حمداد، وفي بقردي وبازبدي يقول الشاعر:
بقردي وبازبدي مصيف ومربع ... وعَذْبٌ يحاكي السلسبيل بَرُود
وبغداد، ما بغداد أما ترابها ... فجمر، وأمَا حَرُّها فشديد
وليس هذا الخابور خابرو النهر الذي يخرج من مدينة رأس العين من أعينها ويصب في الفرات مدينة قَرْقِيسياء، ثم تمر دجلة بمدينة بلاد الموصل، ويصبُّ إليها نهر الزاب، وهو من بلاد أرمينية وهو الزاب الأكبر بعد الموصل، وفق الحديث مدينة الموصل، ثم يصب فيها زاب آخر فق مدينة السن يأتي من بلاد أرمينية وأذربيجان، ثم ينتهي إلى مدينة تَكْرِيت وسُرّ مَنْ رأى ومدينة السلام، فيصب إليها الخندق والصراة ونهر عيسى، وهي الأنهار التي ذكرنا أنها تأخذ من الفرات وتصب في دجلة، ثم تخرج دجلة من مدينة السلام فيصب فيها أنهار كثيرة، مثل النهر المعروف بدالي ونهر بين ونهر الروان مما يلي بلاد جَرْجَرَايا والسيب وتلي النعمانية، فإذا خرجت دجلة من مدينة واسط تفرقت في أنهار هناك أخر إلى بَطيحة البصرة، مثل بردود اليهودي ومسامي والمصب الذي ينتهي إلى القطر، وفيه تجري أكثر سفن البصرة وبغداد وواسط، فمقدار مسافة جريان دجلة على وجه الأرض نحو من ثلثمائة فرسخ، وقيل: أربعمائة.وقد أعرضنا عن ذكر كثير من الأنهار إلا ما كبر واشتهر؛ إذ كنا قد أتينا على ذكر ذلك الِإشباع في الكتاب المترجم بأخبار الزمان، وكذلك في الكتاب الأوسط، ونذكر في هذا الكتاب لمعاً مما سميناه من الأنهار، ومما. لم نُسَمَه.
وللبصرة أنها ركبار: مثل نهر شيرين، ونهر الرس، ونهر ابن عمر، وكذلك ببلاد الأهواز فيما بينها وبين بلاد البصرة، أعرضنا عن ذكر ذلك، إذ كنا قد تَقَصَّيْنَا الأخبار عنها وأخبار منتهى بحر فارس ألى بلاد البصرةوالأبلة وخبر الموضع المعروف بالجرارة وهي دجلة من البحر إلى البر تقرب من نحو بلاد الأبلة، ومن أجلها ملح الأكثر من أنهار البصرة ولهذه الجرارة اتخذت الخشبات في فم البحر مما يلي الأبلة وعَبَادَان، عليها اناس يوقدون النار بالليل على خشبات ثلاث كالكرسي في جوف الليل خوفاً على المراكب الواردة من عمان وسيراف وغيرها أن تقع في تلك الجرارة وغيرها، فتعطب، فلا يكون لها خلاص، وقد ذكرنا ذلك فيما سلف من كتبنا، وهذه الديار عجيبة في مصبات مياهها واتصال البحر بها، واللّه أعلم.

ذكر جمل من الأخبار عن البحر الحبشي
وما قيل في فلك من مقداره وسعة خلْجانه
قَدرُوا بحر الهند، وهو الحبشي،. وأنه يمتذُ طوله من المغرب إلى المشرق من أقصى الحبش إلى أقص الهند والصين، ثمانية آلاف ميل، وعرضه ألفان وسبعمائة ميل، وعرضه في موضع آخر ألف وتسعمائة ميل، وقد يتقارب في قلة العرض في موضع دون موضع، ويكثركذلك، وقد قيل في طوله وعرضه غير ماوصفنا من الكثرة، وأعرضنا عن ذكره لعدم قيام الدلالة على صحته عند أهل هذه الصناعة، وليس في المعمور أعظم من هذا البحر، وله خليج متصل بأرض الحبشةيمتد إلى ناحية بربري من بلاد الزنج والحبشة، ويسمى الخليج البربري، طوله خمسمائة ميل، وعرض طرفيه مائة ميل، وليست هذه بربرى التي ينسب إليها البرابرة الذي ببلاد المغرب من أرض إفريقية لأن هذا موضع اخر يدعى بهذا الاسم، وأهل. المراكب من العمانيين يقطعون هذا الخليج إلى جزيرة قنبلو من بحر الزنج، وفي هنه المدينة مسلمون بين الكفار من الزنج، والعمانيون الذين ذكرنا من أرباب المراكب يزعمون أن هذا الخليج المعروف بالبربري وهم يعرفنه ببحر بربري، وبلاد جفني أكثر مسافة مما ذكرنا، وموجه عظيم كالجبال الشواهق فإنه موج أعمى، يريدون بذلك أنه يرتفع كارتفاع الجبال، وينخفض كأخفض ما يكون من الأوْدِية، لا ينكسر موجه، ولا يظهر من ذلك زبَدٌ، كتكسر أمواج سائر البحار، ويزعمون أنه موج مجنون، وهؤلاء القوم الذين يركبون هذا البحر من أهل عمان عَرَبٌ من الأزد، فإذا توسطوا هذا البحر ودخلوا بين ما ذكرناه من الأمواج ترفعهم وتخفضهم فيرتجزون ويقولون:
بربري وجفني ... وَمَوْخكَ الْمَجْنُون
جفني وبربري ... وَمَوْجُهَاكماترى
وينتهي هؤلاء في بحر الزنج إلى جزيرة قنبلو على ما ذكرنا، وإلىبلاد سفالة والواق واق من أقاصي أرض الزنج، والأسافل من بحرهم، ويقطع هذا البحر السيرافيون، وقد ركبت أنا هذا البحر من مدينة سنجار، من بلاد عمان وسنجار قصبة بلاد عمان مع جماعة من نَوَاخذة السيرافيين، وهم أرباب المراكب، مثل محمد بن الريدوم السيرافي، وجوهربن أحمد، وهو المعروف بابن سيرة، وفي هذا البحر تَلِفَ ومن كان معه في مركبه، وآخر مرة ركبت فيه في سنة أربع وثلثمائة من جزيرة قنبلو إلى مدينة عمان، وذلك في مركب أحمد وعبد الصمد أخوي عبد الرحيم بن. جعفر السيرافي، بميكان وهي محلة من سيراف وفيه غرقا في مركبهم وجميع مَنْ كان معهما، وكان ركوبي فيه أخيراً والأميرُ على عمان أحمدُ بن هلال بن أخت القيتال، وقد ركبت عدة من البحار كبحر الصين والروم والخزر والقلزم واليمن، وأصابني فيها من الأهوال ما لا أحصيه كثرةً، فلم أشاهد أهول من بحر الزنج الذي قدمنا ذكره، وفيه السمك المعروف بافال طول السمكة نحو من أربعمائة ذراع إلى خمسمائة ذراع العمرية، وهي ذراع ذلك البحر، والأغلب من هذا السمك طوله مائة ذراع، وربما يهز البحر فيظهر شيئاً من جناحه، فيكون كالقلع العظيم، وهو الشَرَاع، وربمايظهررأسه، وينفخ الصُّعَدَاء بالماء فيذهب الماء في الجوأكثرمن ممر السهم، والمراكب تفزع منه في الليل والنهار، وتضرب له بالدبادب والخشب لينفر من ذلك، ويحشر بأجنحته وذنبه السمك إلى فمه، وقد فَغَرَفاهُ، وذلك السمك يهوي إلى جَوْفه جرياً.، فإذا بغت هذه السمكة بعث الله عليها سمكة نحو الذراع تدعى اللَشك فتلصق بأصل أذنها فلا يكون لها منها خلاص، فتطلب قعرالبحر، وتضرب بنفسها حتى تموت، فتطففق الماء، فتكون كالجبل العظيم، وربما تلتصق هذه السمكة المعروفة باللشك بالمركب فلا يدنو الأفال مع عظمتها من المركب، ويهرب إذا رأى السمكة الصغيرة، إذ كانت آفة له وقاتلته.
آفة التمساح

وكذلك التمساح يموت من دويبة تكون في ساحل النيلِ وجزائره، وذلك أن التمساح لا دبر له وما يأكله يتكون في بطنه دوداَ، وإذا آذاه ذلك الدود خرج إلى البر فاستلقى على قَفَاه فاغراً فاه، فيُقيِّصُ اللّه إليه طير الماء كالطيطوى والحصافي وغير ذلك من أنواع الطيور وقد اعتادوا ذلك منه، فيأكل ماظهرفي جوفه من ذلك الدود، وتكون تلك الدويبة قد كمنت في الرمل تراعيه، فتدب إلى حلقه، وتصير في جوفه، فيخبط بنفسه في الأرض فيطلب قعر النيل حتى تأتي الدويبة على خُشْوَة جوفه ثم تخرق جوفه وتخرج، وربما يقتل نفسه قبل أن تخرج فتخرج بعد موته، وهذه الدويبة تكون نحواً من ذراع على صورة ابن عُرْس، ولها قوائم شتى ومَخَالب.وفي بحر الزنج أنواع من السمك بصور شتى، ولولا أن النفس تنكر ما لم تعرفه وتدفع ما لم تألفه، لأخبرنا عن عجائب هذه البحار، وما فيهامن الحيتان والدواب، وغير ذلك من عجائب المياه والجماد.
عود إلى البحر الحبشي
فلنرجع الآن إلى ذكر تشعب مياه هذا البحر وخُلْجَانه، ودخوله في البحر ودخول البز فيه، فنقول: إن خليجاً آخر يمتذ من هذا البحر الحبشيِّ فينتهي إلى مدينة القُلْزُم من أعمال مصر، وبينها وبين فُسْطَاط مصر ثلاثة أيام، وعليه مدينة أيْلَةَ والحجاز وجُدَة واليمن، وطوله ألف وأربعمائة ميل، وعرض طرفيه مائتا ميل، وهو أقرب المواضع من عرضه، وعرضه في الوسط سبعمائة ميل، وهو أكثر العرض فيه، ويلاقي ما ذكرناه من الحجاز وبلاد أيْلَةَ من غربيه من الساحل الآخر من هذا الخليج بلاد العلاقي وبلاد العيذاب من أرض مصر وأرض البجة، ثم أرض الحبشة والأحابش والسودان إلى أن يتصل ذلك بأقاصي أرض الزنج وأسافلها، فيتصل إلى بلاد سفالة من أرض الزنج، ويتشعب من هذا البحر خليج آخر، وهو بحر فارس، وينتهي إلى بلاد الأبلة والخشبات وعبادان من أرض البصرة، وعرضه في الأصل خمسمائة ميل، وطول هذا الخليج ألف وأربعمائة ميل، وربما يصير عرض طرفيه مائة وخمسين ميلاً، وهذا الخليج مثلث الشكل ينتهي أحد زواياه إلى بلاد الأبلة، وعليه مما يلي المشرق ساحل فارس من بلاد دورق الفرس وماهر بان ومدينة حسان، وإليها تضاف الثياب الحسانية ومدينة نجيرهم ببلاد سيراف، ثم بلاد ابن عمارة، ثم ساحل كرمان، وهي بلاد هرموز، وهرموز مقابلة لمدينة سنجار من بلاد عمان، ثم يلي ساحل كرمان ويتصل به على ساحل هذا البحر بلاد مكران، وهي أرض الخوارج الشُرَاة، وهذه كلها أرض نخل، ثم ساحل السند، وفيه مصب نهر مهران، وهناك مدينة الديبل، ثم يكون ماراً متصلاً بساحل الهند إلى بلاد بروض، وإليها يضاف القَنَا البروضي، براً متصلاً إلى أرض الصين ساحلًا واحداً، ويقابل ما ذكرنا من مبدأ ساحل فارس ومكران والسند بلاد

البحرين وجزائر قطر وشط بني جذيمة وبلاد عمان وأرض مهرة إلى رأس الجمجمة إلى أرض الشِّحْر والأحقاف، وفيه جزائر كثيرة مثل جزيرة خارك، وهي بلاذ جنابة ةلأن خارك مضافة إلى جنابة، وبينها وبين البر فراسخ وفيها مَغَاصُ اللؤلؤ المعروف بالخاركي، وجزيرة أوال فيها بنو مَعْن وبنو مسمار وخلائق كثيرة من العرب بينها وبين مدن ساحل البحرين نحو يوم، بل أقل من ذلك، وفي ذلك الساحل مدينة الزارة والعقل والقطيف من ساحل هجر، ثم بعد جزيرة أوال جزائر كثيرة، منها جزيرة لافت، وتدعى جزيرة بني كاوان، وقد كان افتتحها عمرو بن العاص، وفيها فسجده إلى هذه الغاية، وفيها خلق من الناس وقرىً وعمارة متصلة، وتقرب هذه الجزيرة إلى جزيرة هنجام، ومنها يستسقي أرباب المراكب الماء، ثم الجبال المعروفة بكسير وعوير وثالث ليس فيه خير، ثم الدردور المعروف بدردور مسندم، ويكنيه البحريون بأبي جهرة، وهذه مواضع من البحر، وجبال سود ذاهبة في الهواء لا نبات عليها ولا حيوان، يحيط بها مياه من البحر عظيم قعرها وأمواج متلاطمة تجزع منها النفس إذا أشرفت عليها، وهذه المواضع من بلاد عمان وسيراف لا بد للمراكب من الجواز عليها والدخول في وسطها، فتخطىء وتصيب، وهذا البحر هو خليج فارس ويعرف بالبحر الفارسي، عليه ما وصفنا من البحرين وفارس والبصرة وكرمان وعمان إلى رأس الجمجمة، وبين هذا الخليج وخليج القلزم أيلة والحجاز واليمن، ويكون بين الخليجين من المسافة ألف وخمسمائة ميل، وهي داخلة من البر في البحر، والبحريطيف بها من أكثر جهاتها على ما وصفنا.فهذا بحر الصين والهند وفارس وعمان والبصرة والبحرين واليمن والحبشة والحجاز والقُلْزم والزنج والسند ومَنْ في جزائره ومَنْ قد أحاط به من الامم الكثيرة التي لا يعلم وصفهم ولا عددهم إلا مَنْ خلقهم سبحانه وتعالى، ولكل قطعة منه اسم يُفْرِدها من غيرها، والماء واحد متصل غير منفصل.
وفي هذا البحر مغاصات الدر واللؤلؤ، وفيه العقيق والبادبيج، وهونوع من البجادي، وأنواع الياقوت والماس والسنباذج، وفيه معادن ذهب وفضة نحو بلاد كلة وسريرة، وحوله معادن حديد مما يلي بلاد كرمان، ونحاس بأرض عمان، وفيه أنواع الطيب والأفاويه والعنبر وأنواع الأدوية والعقاقير والساج والخشب المعروف بالد ارزنجي والقنَا والخيزران، وسنذكر بعد هذا الوضع تفصيل مواضع فيه أدركناها، وكل ما ذكرنا من الجواهر والطيب والنيات ففيه وحَوْلَه، وسائر ما ذكرنا من هذا البحر يدعى بالبحر الحبشي، ورياح ما وصفنا من قطعه التي تدعى كل واحدة منها بحراً كقولنا: بحر فارس، وبحر اليمن، وبحر القلزم، وبحر الحبش، وبحر الزنج، وبحر السند، وبحر الهند، وبحر كلة، وبحر الزانج، وبحر الصين - فمختلفة، فمنها ماريحه من قعر البحر يظهر فتغليه ويعظم موجه كالقدر تفر مما يلحقها من مواد حرارة النار، ومنها ما ريحه والآفة فيه من قعره والنسيم، ومنها ما يكون مهبُّة من النسيم عون ما يظهرمن قعره، وما وصفناه مما يظهر من قعره من الرياح فذلك تنفسات من الأرض تظهر إلى قعره ثم تظهرفي سطحه، واللّه عزّوجلّ أعلم بكيفية ذلك، ولكل من يركب هذه البحار من الناس رياح يعرفنها في أوقات تكون منها مَهَابها، قد علم ذلك بالعادات وطول التجارب، يتوارثون علم ذلك قولاً وعملاً، ولهم فيها دلائل وعلامات يعملون بها إبَاّنَ هَيَجَانه وأحوال ركوده وثورانه، هذا فيما سمينا من البحر الحبشي والروم، والمسافرون في البحر الرومي سبيلُهم كذلك، وكذلك من يركب بحر الخزر إلى بلاد جرجان وطبرستان والديلم، وسنأتي بعد هذا الموضع على جُمَل وفصول من علم معرنة هنه البحار، وعجائب أوصافها وأخبارها، إن شاء اللّه تعالى.
ذكر تنازع الناس في المد والجزر
وجوامع مما قيل في ذلك
المد: مضيُّ الماء في فَيْحته وسَيْحته وسنن جريته، والجزر: رجوع الماء على ضد سنن مُصِيَّه وانكشاف ما مضى عليه في هَيْجه، وذلك كبحر الحبش الذي هو الصيني والهندي وبحر البصرة وفارس المقدم ذكره قبل هذا الباب وذلك أن البحار على ثلاثة أنواع: منها ما يتأتى فيه الجزر والمد ويظهرظهوراً بيناً، ومنها ما لا يتبين فيه الجزر والمد ويكون خفيفاً مستتراً، ومنها مالا يجزر ولا يمد.

فالبحار التي لا يكون فيها الجزر والمد امتنع منها الجزر والمد لعلل ثلاث، وهي على ثلاثة أصناف: فأولها ما يقف الماء فيه زماناً فيغلظ وتَقْوَى مُلوحته، وتتكيف فيه الأرياح، لأنه ربما صار الماء إلى بعض المواضع ببعض الأسباب فيصير كالبحيرة وينقص في الصيف ويزيد في الشتاء، ويتبين فيه زيادة ما ينصبُّ فيه من الأنهار والعيون، والصنف الثاني البحار التي تبعد عن مدار القمر ومسافاته بعداً كثيراً، فيمتنع منه المد والجزر، والصنف الثالث المياه التي يكون الغالب على أرضها التخلخل، لأنه إذا كانت أرضها مخلخلة نفذ الماء منها إلى غيرها من البحار وتخلخل؛ وأنشبت الرياح الكائنة في أرضها أولاً فأولاً، وغلبت الرياح عليها، وأكثر ما يكون هذا في ساحل البحار والجزائر.
وقد تنازع الناس في علة المد والجزر؛ فمنهم من ذهب إلى أن ذلك من القمر لأنه مجانس للماء، وهو يسخنه، فينبسط، وشبهوا ذلك بالنار إذا أسخنت ما في القدر وأغْلَتْه، وإن الماء يكون فيها على قمر النصف أو الثلثين، فإذا غلا الماء انبسط في القدر وارتفع وتدافع حتى يفر فتتضاعف كميته في الحس، وينقص في الوزن ة لأن من شرط الحرارة أن تبسط الأجسام، ومن شرط البرودة أن تضمها، وذلك أن قعور البحار تحمي فتتولّد في أرضها عفبة وتستحيل وتحمى كما يعرض ذلك في البلاليع والابار، فإذا حمي ذلك الماء انبسط، وإذا أنبسط زاد، وإذا زاد ارتفع، فدفع كل جزء منه صاحبه، فَطَفَا على سطحه وبان عن قعره، فاحتاج إلى أكثر من وهدته، وإن القمر إذا أمتلأ حمي الجو حمياً شديداً فظهرت زيادة الماء، فسمي ذلك المد الشهري، وإن هذا البحر تحت معدل النهارأخذاً من جهة المشرق إلى المغرب ودور الكواكب المتحيرة عليه مع ما يساميه من الكواكب الثابتة إذا كانت المتحيرة في القدر مثل الميل على تجاوزه، وإذا زالت عنه كانت منه قريبة فاعلة فيه من أوله إلى آخره في كل يوم وليلة، وهي مع ذلك في الموضع المقابل الحمي، فقليل مايعرض فيه من الزيادة ويكون في النهر الذي يعرض فيه المد بينا من أطرافه وما يصب إليه من سائر المياه.
وقالت طائفة اخرى: لو كان الجزر والمد بمنزلة النار إذا أسخنت الماء الذي في القِدْر وبسطته فيطلب أوسع منها فيفيض حتى إذا خلا قعره من الماء طلب الماء بعد خروجه منه عمق الأرض بطبعه فيرجع اضطراراً بمنزلة رجوع ما يغلي من الماء في المرج والقمقم إذا فاض وتتابعت أجزاء النار عليه بالحمي، لكان في الشمس أشد سخونة.، ولوكانت الشمس علة مَدةلكان يمدمع بدء طلوع الشمس، ويجزرمع غيبتها فزعم هؤلاء أن علة الجزر والمد في الأبحرتتولد من الأبخرة التي تتولد من بطن الأرض؛ فإنها لا تزال تتولد حتى تكثف وتكثر فتدفع حينئذ ماء هذا البحر لكثافتها فلا تزال كذلك حتى تنقص موادها من أسفل، فإذا انقطعت موادها تراجع الماء حينئذ إلى قعر البحر، وكان الجزر من أجل ذلك، والمد ليلاً ونهاراً، وشتاء وصيفاً، وفي غيبة القمروفي طلوعه، وكذلك في غيبة الشمس وطلوعها، قالوا: وهذا يُدرَك بالحس، لأنه ليس يستكمل الجزرآخره حتى يبدأ أول المد، ولا ينقضي آخر المد حتى يبتدىء أول الجزر لأنه لا يتغير توالد تلك البخارات، حتى إذا خرجت تولدَ غيرها مكانها، وذلك أن البحر إذا غارت مياهه ورجعت إلى قعره تولدت تلك الأبخرة لمكان ما يتصل منها من الأرض بمائة، وكلما عاد تولدت، وكلما فاض نقصت.وذهب آخرون من أهل الديانات أن كل ما لم يعرف له من الطبيعة مجرى ولا يوجد له فيها قياس فهو فعل الإِله، يدل على توحيد اللّه عزّ وجل وحكمته؛ فليس للمد والجزرعلة في الطبيعة البتة، ولا قياس .

وقال آخرون: ما هَيَجَان ماء البحر إلا كهيجان بعض الطبائع ة فإنك ترى صاحب الدم وصاحب الصفراء وغيرهما تهتاج طبيعته ثم تسكن، وكذلك مواد تمدها حالاً بعد حال، فإذا قويت هاجت،، ثم تسكن قليلَاَ قليلًاحتى تعود. وذهبت طائفة أخرى إلى إبطال سائر ما وصفنا من القول، وزعموا أن الهواء المطل على البحريستحيل دائماً، فإذا استحال عظم ماء البحر وفاض عند ذلك، وإذا فاض البحر فهو المد، فعند ذلك يستحيل ماؤه ويتنفس فيستحيل هواء فيعود إلى ما كان عليه، وهو الجزر، وهو دائم لا يَفْتر، متصل مترادف متعاقب؟ لأن الماء يستحيل هواء، والهواء يستحيل ماء، قالوا: وقد يجوز أن يكون ذلك عند امتلاء القمر أكثر؛لأن القمر إذا امئلأ استحال الهواء أكثر مما كان يستحيل، وإنما القمر علة لكثرة المد، لا للمد نفسه، لأنه قد يكون والقمر في محاقه، والمد والجزر في بحرفارس يكونان على مطالع الفجر في الأغلب من الأوقات.وقد ذهب كثير من نواخذة هذا البحر وهم أرباب المراكب، من السيرافيين والعمانيين ممن يقطعون هذا البحر ويختلفن إلى عمائره من الأمم التي في جزائره وحوله إلى أن المد والجزر لا يكون في معظم هذ البحر إلا مرتين في السنة: مرة يمد في شهور الصيف شرقاً بالشمال ستة أشهر، فإذا كان ذلك طغا الماء في مشارق الأرض وبالصين بالصين وما وراء ذلك الصقع وانحسر بالصين من مغارب البحر، ومرة يمد في شهور الشتاء غرباً بالجنوب ستة أشهر، فإذا كان الصيف طغا الماء في مغارب البحر وانحسر بالصين، وقد يتحرك البحر بتحرك الرياح، وإن الشمس إذ كانت في الجهة الشمالية تحرك الهواء إلى الجهة الجنوبية لعلل ذكروها فيسيل ماء البحر بحركة الهواء إلى الجهة الجنوبية، فكذلك تكون البحار في جهة الجنوب في الصيف لهبوب الشمال طامية عالية، وتقلُّ المياه في جهة البحار الشمالية، وكذلك إذا كانت الشمس في الجنوب وسال الهواء من الجنوب إلى جهة الشمال سال معه ماء البحر من الجهة الجنوبية إلى الجهة الشمالية، فقلَّتِ المياه في الجهة الجنوبية منه، وينتقل ماء البحر في هذين الميلين أعني في جهتي الشمال والجنوب فيسمى جزا ومداً، وذلك أن مَدّ الجنوب جَزْرُ الشمال ومد الشمال جزر الجنوب، فإن وافق القمر بعض الكواكب السيارة في أحد الميلين تزايد الفعلان وقوي الحمي واشتد لذلك سيلان الهواء فاشتد لذلك انقلاب ماء البحر إلى الجهة المخالفة للجهة التي ليس فيها الشمس.قال المسعودي: فهذا رأي يعقوب بن إسحاق الكندي وأحمد بن الطيب السرخْسِي فيما حكاه عنه: أن البحر يتحرك بالرياح، وَرأيت مثل ذلك ببلاد كنباية من أرض الهند، وهي المدينة التي تضاف إليها النعال الكنبائية الصرارة وفيها تعمل وَفيما يليها مثل مدينة سندارة وسريارة،وكان دخولي إليها في سنة ثلاث وثلثمائة، والملك يومئذ بانيا، وكان برهمانيا من قبل البلهري صاحب المانكير، وكان لبنيا هذا عناية بالمناظرة مع مَنْ يرد إلى بلاد من المسلمين وغيرهم من أهل الملل، وهذه المدينة على خور من أخوار البحر، وهو الخليج، أعرض من النيل أو دجلة أو الفرات، عليه المدن والضياع والعمائر والجنَانُ والنخل والنارجيل والطواويس والببغاء وغير ذلك من أنواع طيور الهند، بين تلك الجنان والمياه، وبين مدينة كنباية بين البحر الذي يأخذ منه هذا الخليج يومان، أو أقل من ذلك فيجزر الماء عن هذا الخليج حتى يبمو الرمل في قعر الخليج ويبقى في وسطه قليل من الماء فرأيت الكلب على هذا الرمل الذي ينصبُّ عنه الماء وقعر خليج قد صار كالصحراء، وقد أقبل المد من نهاية الخور كالخيل في الحَلْبَة، فربما أحس الكلب بذلك فأقبل يُحضِرُ ما استطاع خَوْفاً من الماء، طلب البر الذيى لا يصل إليه الماء، فيلحقه الماء بسرعته فيغرقه، وكذلك المد يَردُ بين البصرة والأهواز في الموضع المعروف بالباسيان وبلاد القندر، ويسمى هناك الذئب له ضجيج ودَوِي وغليان عظيم يَفْزَع منه أصحاب السفن وهذا الموضع يعرفه من يسلك هنالك إلى بلاد مورق من أرض فارس، والله أعلم.
ذكر بحر الروم
ووصف ما قيل في طوله وعرضه وابتدائه وانتهائه

أما بحر الروم وطرسوس وأذنة والمصيصة وأنطاكية واللاذقية وطرابلس صيدا وصور وغير ذلك من ساحل الشام ومصر وا لِإسكندرية وساحل مغرب، فذكَرَ جماعة من أصحاب الزيجات في كتبهم.، منهم محمد بن جابر النسائي وغيره، أن طوله خمسة آلاف ميل، وعرضه مختلف: فمنه ثمانمائة ميل، ومنه سبعمائة ميل، ومنه ستمائة ميل، وأقل من ذلك، على حسب مضايقة البر والبحر للبر، ومبدأ هذا البحر من خليج يخرج جاريأ من بحر أقيانوس، وأضيق موضع من هذا الخليج بين ساحل طنجة وسبتة من بلاد الغرب وبين ساحل الأندلس، وهذا الموضع المعروف بسيطاء، وعرضه فيما بين الساحلين نحو من عشرة أميال، وهذا الموضع هوا لْمَعْبَرُ لمن أراد العبور من الغرب إلى الأندلس ومن الأندلس إلى الغرب ويعرف بالزقاق، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب في أخبار مصر القنطرة التي كانت بين هذين الساحلين، وما ركبها من ماء هذا البحر، والطريق المتصل بين جزيرة قبرص وأرض العريش وسلوك القوافل إياه وعلى الحد بين البحرين أعني بحر الروم وبحر أوقيانوس المنارةُ النحاسُ، والحجارة التي بناها هِرَقْلُ الجبار، على أعلاها الكتابة والتماثيل مشيرة بأيديها أن لا طريق ورائي لجميع الداخلين إلى ذلك البحر بحر الروم؛ إذ كان بحر لا تجري فيه جارية ولا عمارة فيه، ولا حيوان ناطق يسكنه، ولا يحاط بمقداره، ولا تُحدرَى غايته، ولا يعلم منتهاه، وهو بحر الظلمات والأخضر والمحيط وقد قيل إن المنارة على غير هذا الزُقَاق، بل في جزير من جزائر بحر أوقيانوس المحيط وسواحله.وقد ذهب قوم إلى أن هذا البحر أصل ماء سائر البحار، وله أخبار عجيبة قد أتينا على ذكرها في كتابنا أخبار الزمان في أخبار من غَررَ وخاطر بنفسه في ركوبه، ومن نجا منهم، ومن تَلِفَ، وما شاهدوا منه، وما رَأوْا، وأن منهم رجلاً من أهل الأندلس يُقال له خشخاش، وكان من فتيان قرطبة وأحْدَاثها فجمع جماعة من أحد اثها، وركب بهم مرِاكب استعدها في هذا البحر المحيط، فغاب فيه محة ثم انثنى بغنائم واسعة، وخبَرُه مشهور عند أهل الأندلس وبين هذه المنارة المنصوبة، وبين موضع الأحجار مسافة طويلة في طول مصب هذا الخليج وجريانه، وذلك أن ماء يجري من بحر أوقيانوس إلى البحر الرومي يحس بجريانه ويعلم بحركته، ويتشعب من بحر الروم والشام ومصر، خليج من نحو خمسمائة ميل يتصل بمدينة رومية تسمى بالرومية أدرس وعلى هذا الخليج من جانب المغرب قرية يُقال لها سَبْتَة، وهي وطنجة من ساحل واحد، ويقابل سَبْتَة هذه من ناحية الأندلس الجبل المعروف بجبل طارق مَوْلَى موسى بن نُصَيْر، وَيَعْبُرُ الناس من سَبْتَة إلى ساحل الأندلس من غموة إلى الظهر، وفي هذا الخليج مَوْج عظيم، والماء من هناك يخرج من بحر أوقيانوس، ويصبُّ إلى البحر الرومي، وفي هذا الخليج مواضع تعلو أمواجها، ويعلو الماء من غيرريح، وهذا الخليج يسميه أهل المغرب وأهل الأندلس الزُقَاق ؛إذ كان على هيئة ذلك، وفي بحر الروم جزائر كثيرة منها جزيرة قبرص بين ساحل الشام والروم، وجزيرة رودس في مقابلة الِإسكندرية، وجزيرة إقريطش، وجزيرة صقلية، وسنذكر صقلية بعد هذا الموضع عند ذكرنا لجبل البركان الذي تظهر منه النار، وفيها أجسام وجثث وعظام.وقد ذكر يعقوب أن إسحاق الكندي، وتلميذه أحمد بن الطيب السرخسي في طول هذا البحر وعرضه غير ما ذكرنا.
وسنذكر بعد هذا الموضع فيما يرد من هذا الكتاب هذه البحار علىنظم من التأليف، وترتيب من التصنيف، إن شاء اللّه تعالى.
ذكر بحر نيطش وبحر مانطش
وخليج القسطنطينية

فأما نيطش فإنه يمتدّ من بلاد لاذقة إلى القسطنطينية وطوله ألف ومائةميل، وعرضه في الأصل ثلثمائة ميل، وفيه يصب النهر العظيم المعروف بأطنابس، وقد قدمنا ذكره، ومبدأ هذا البحر من الشمال، وعليه كثير من ولد يافث بن نوح، وخروجه من بحيرة عظيمة في الشمال من أعْيُنٍ وجبال، ويكون مقدار جريانه على وجه الأرض نحو ثلثمائة فرسخ عمائر متصلة لولد يافث، ويسير بحر مانطش فيما زعم قوم من أهل العناية بهذا الشأن حتى يصب في بحر نيطش، وهذا البحرعظيم فيه أنواع من الأحجار والحشائش والعقاقير، وقد ذكره جماعة ممن تقدم من الفلاسفة، ومن الناس من يسمى بحرمانطش بحيرة، ويجعل طوله ثلثمائة ميل،وعرضه مائة ميل، ومنه ينفجرخليج القسطنطينية الذي يصب إلى بحر الروم، وطوله ثلثمائة ميل، وعرضه نحو من خمسين ميلاً، وعليه القسطنطينية والعمائر من أوله إلى آخره، والقسطنطينية من الجانب الغربي من هذا الخليج، متصلة ببر رومية والأندلس وغيرهما فيجب واللّه أعلم على قول المنجمين من أصحاب الزيجات وغيرهم ممن تقدم، أن بحر البلغر والروس، وبجنى وبجناك وبغرد، وهم ثلاثة أنواع الترك هو بحر نيطش، وسيأتي ذكر هؤلاء الأمم فيما يرد من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى على حسب استحقاقهم في ذكرهم، واتصال عمائرهم، ومن يركب هذا البحر منهم ومن لا يركبه، واللّه أعلم.
ذكر بحر الباب والأبواب والخزر وجرجان
وجمل من الأخبارعلي ترتيب البحار
بحر الأعاجم
فأما بحر الأعاجبم الذي عليه دورُهَا ومساكنها فهو معمور بالناس من جميع جهاته، وهو المعروف ببحر الباب والأبواب والخزر والجيل والديلم وجرجان وطبرستان، وعليه أنواع من الترك، وينتهي في إحدى جهاته نحو بلاد خُوَارَزْم، وطوله ثمانمائة ميل، وعرضه ستمائة ميلِ، وهو مدور الشكل إلى الطول، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب جملاَ من ذكرالأمم المحيطة بهذه البحار المعمورة، وهذا البحر الذي هو بحر الأعاجم كثير التّنَانين، وكذلك بحر الروم فالتنان فيهما كثيرة، وكثيراً ما تكون مما يلي بلاد طرابلس واللاذقية والجبل الأقرع من أعمال أنطاكية، وتحت هذا الجبل معظم ماء البحر وأكثره، ويسمى عجز البحر، وغايته إلى ساحل أنطاكية ورشيد والِإسكندرية وحصن المثقب وذلك في سفح جبل اللكام وساحل المصيصة، وفيه مصب نهر جيحان، وساحل أذنة، وفيه مصب سيحان، وساحل طرسوس، وفيه مصب نهر بردان،وهو نهر طرسوس،ثم البلد الخالي من العمارات الخراب بين الروم والمسلمين مما يلي مدينة قلمية إلى قبرص وقريطس وقراسيا، ثم بلاد سلوقية وَنهرها العظيم الذي يصب في هذا البحر، ثم حصون الروم إلى خليج القسطنطينية. وقد أعرضنا عن ذكر أنهار كثيرة بأرض الروم ومما يصب إلى هذاالبحر كنهر البارد ونهر العسل وغيرهما من الأنهار.
وَالعمارةُ على هذا البحر من المضيق الذي قدمنا ذكره، وهو الخليج الذي عليه طنجة، متصلةٌ بساحل المغرب وبلاد إفريقية والسوس وطرابلس المغرب والقيروان وساحل بَرْقَة والرفادة وبلاد الِإسكندرية ورشيد وتنيس ودمياط وساحل الشام وساحل الثغور الشامية ثم ساحل الروم ماراً متصلاً إلى بلاد رومية إلى أن يتصل بساحل الأندلس، إلى أن ينتهي إلى ساحل الخليج الضيق المقابل لطَنْجَة طى ما ذكرنا لا تنقطع من هذا البركله ألعمائر التي وصفناها من الِإسلام والروم إلا الأنهار الجارية إلى البحر وخليج القسطنطينية، وعرضه نحو من ميل، وخلجانات اخر داخلة في البرلا منفذ لها؛ فجميع ما ذكرنا على شاطىء هذا البحر الرومي متصلو الديار غير منفصلين بما يقطعهم أو يمنعهم إلا ما ذكرنا من الأنهار وخليج القسطنطينية، ومثال هذا البحر الرومي، ومثال ما ذكرنا من العمائر عليه إلى أن ينتهي إلى مبدأ الخليج الضيق الآخذ من أوقيانوس الذي عليه المنارة النحاس، ويلي الأعلى من طَنْجَة، وساحل الأندلس: مثل الكرنيب، في قبضة الخليج، والكرنيب على ضفة البحر، إلا أنه ليس بمدور الشكل، لما ذكرنا من طوله.وليس تعرف التنانين في البحرالحبشي، ولا في شيء من خلجانه من حيث وصفنا في نهاياته، وأكثرها يظهر مما يلي بحر أوقيانوس.
التنين وآراء الناس فيه

وقد اختلف الناس في التنين: فمنهم من رأى أنه ريح سوداء تكون في قعر البحر فتظهر إلى النسيم، وهو الجو، فتحلق السحب كالزوبعة، فإذا صارت من الأرض واستدارت وأثارت معها الغبارِ ثم استطالت في الهواء ذاهبةً الصُّعَداء تَوَهَّم الناسُ أنها حيات سود قد ظهرت من البحر لسواد السحاب، وذهاب الضوء وترادف الرياح.ومنهم من رأى أنها دوَاب تتكون في قعر البحر، فتعظم وتؤذي دواب البحر، فيبعث اللّه عليها السحاب والملائكة فيخرجونها من بينها، وأنها على صورة الحية السوداء لها بريق وبصيص، لا تمر بمدينة إلا أتت على ما لا يقدر عليه من بناء عظيم أوشجرأوجبل، وربما تتنفس فتحرق الشجرة الكبيرة فيلقيه السحاب في بلد يأجوج ومأجوج، ويمطر السحاب عليهم، فيقتل التنين، فمنه يتغذى يأجوج ومأجوج، وهذا القول يُعْزَى إلى ابن عباس.وقد ذكر قوم في التنين غير ما ذكرنا، وكذلك حكى قوم من أهل السير وأصحاب القصص أمورأ في ما ذكرنا أعرضنا عن ذكرها، منها خبر عمران بن جابر الذي صعد في النيل، فألمحرك غايته، وعبر البحر على ظهردابة تعلق بشعرها وهي دابة ينجر منها على الأرض شبر من قوائمها تُغَادي قرن الشمس من مبدأ طلوعها إلى حال غروبها فاغرة فاها نحوها لتبتلع عند نفسها - الشمسَ فعَبَرَعلى وصفنا من تعلقه بشعرها البحر، ودار بدورانها طلباً لعين الشمس، حتى صار إلى ذلك الجانب، فرأى النيل منحدراً من قصور الذهب من، الجنة، وأعطاه المَلَكُ العنقود العنب، وأنه أتى الرجل الذي رآه في ذهابه، ووصف له كيف يفعل في وصُوله إلى مبدأ النيل، فجم! ميتاً، وخبر إبليس معه والعنقود العنب، وغير ذلك من خرافات حَشْوية عن أصحاب الحديث، ومنها ما روي أن قبة من الذهب وأنواع الجوهر فىِ وسط البحر الأخضر على أربعة أركان من الياقوت الأحمر ينحدر من كل ركن من هذه الأركان ماء عظيم من رشحه فقسم إلى جهات أربع في ذلك البحر الأخضر غير مخالط له، ولا متماسّ به، ثم ينتهي إلى جهات من البر من سواحل ذلك البحر، أحدها النيل، والثاني سيحان، والثالث جيحان، والرابع الفرات، ومنها أن الملك الموكك بالبحار يضع عقبه في أقصى بحر الصين فيفر منه البحر، فيكون منه المد، ثم يرفع عقبه من البحرفيرجع الماء إلى مركزه، ويطلب قعره، فيكون الجزر، ومثلوا ذلك بإناء فيه ماء في مقدار النصف منه، فيضع الإِنسان يده أورجله فيملأ الماء الِإناء، فإذا رفعها رجع الماء إل حده، وانتهى إلى غايته، ومنهم من رأىأن الملك يضع إبهامه من كفه اليمنى في البحر فيكون منه المد، ثم يرفعها فيكون الجزر وما ذكرنا فغير ممتنع كونُه، ولا واجب، وهو داخل فىِ حيز الممكن والجائزلأن طريقه في النقل طريق الأفراد والآحاد، ولم يرد مَورِد التواتر والاستفاضة كالأخبار الموجبة للعم، والعلل القاطعة للعذر في النقل، فإن قارنها دلائل توجب صحتها وجب التسليم لها، والانقياد إلى ما أوجب اللة عزّ وجلّ علينا من أخبار الشريعة والعمل بها؛ لقوله عزّ وجلّ " وما آتاكم الرسول فخنوه، وما نهاكم عنه فانتهوا " ، وإن لم يصح ما ذكرنا فقد وصفنا آنفاً ما قال الناس في ذلك، وإنما ذكرنا هذا ليعلم من قرأ هذا الكتاب أنا قد اجتهدنا فيما أوردناه في هذا الكتاب وغيره من كتبنا، ولم يَعْرُبْ عنا فهم ما قاله الناس في سائر ما ذكرنا، وباللّه التوفيق.
جملة البحار

فهذه جمل البحار، وعند أكثر الناس أنها أربعة في المعمور من الأرض، ومنهم من يعدها خمسة، ومنهم من يجعلها ستة، ومنهم من يرى أنها سبعة منفصلة غيرمتصلة، وعلى أنها ستة فأولها البحر الحبشي، ثم الرومي، ثم نيطش، ثم ما نطش، ثم الخزري، ثم أوقيانوس الذي لا يعلم أكثر نهاياته، وهو الأخضر المظلم المحيط، وبحر نيطش متصل ببحر ما نطش، ومنه خليج القسطنطينية الذي يصب إلى بحر الروم ويتصل به، على حسب ما ذكرنا، والرومي بدؤه من بحر أوقيانوس الأخضر؛ فيجب على هذا القياس أن يكون ما وصفنا بحراً واحداً لاتصال مياهها، وليست هذه المياه ولا شيء منها واللّه أعلم متصله بشيء من بحر الحبش، فبحر نيطش وبحر مانطش يجب أن يكونا أيضاً بحراً واحداً، وإن تضايق البحر في بعض المواضع يبنهما، أو صار بين الماءين كالخليج، وليست تسمية ما اتسع منه وكثرماؤه بمانطش، وما ضاق منه وقل ماؤه بنيطش، يمنع من أن تجمعهما في اسم مانطش أو نيطش، فإذا عبرنا بعد هذا الموضع في مبسوط هذا الكتاب فقلنا ما نطش أو نيطش، فإنما نريد به هذا المعنى فيما اتسع من البحر وضاق.قال المسعودي: وقد غلط قوم زعموا أن البحر الخزري يتصل ببحر ما يطس، ولم أر فيمن دخل بلاد الخزر من التجار ومن ركب منهم في بحر مايطس ونيطس إلى بلاد الروس والبلغر أحداً يزعم أن بحر الخزر يتصل ببحر من هذه البحار أو بشيء من مائها أومن خلجانها إلا من نهر الخزر، وسنذكر ذلك عند ذكرنا لجبل القبق ومدينة الباب والأبواب ومملكة الخزر وكيف دخل الروس في المراكب إلى بحر الخزر، وذلك بعد الثلثمائة، ورأيت أكثر من تعرض لوصف البحار ممن تقدم وتأخر يذكرون في كتبهم أن خليج القسطنطينية الآخذ من نيطش يتصل ببحر الخزر، ولست أدري كيف ذلك، ومن أين قالوه. أمن طريق الحدس أم من طريق الاستدلال والقياس. أو توهموا أن الروس ومن جاورهم على هذا البحر هو الخزر وقد ركبت فيه من أبسكون، وهو ساحل جرجان، إلى بلاد طبرستان، وغيرها، ولم أترك ممن شاهدت من التجار ممن له أدب وفهم ومن لا فهم عنده من أرباب المراكب إلا سألته عن ذلك، وكلٌّ يخبرني أن لا طريق له إليها إلا من بحر الخزر حيث دخلت إليه مراكب الروس، ونفَر من أهل أذر بيجان والباب والأبواب وبردعة والديلم والجبل وجرجان وطبرستان إليها لأنهم لم يعهدوا عدواً يطرأ عليهم، ولا عرف ذلك فيما سلف، وما ذكرنا فمشهور فيما سمينا من الأمصار والأمم والبلدان، سالك مسلك الاستفاضة فيهم.ورأيت في بعض الكتب المضافة إلى الكندي وتلميذه وهو أحمدابن الطيب السرخسي، صاحب المعتضد باللّه أن في طرف العمارة من الشمال بحيرة عظيمة بعضها تحت قطب الشمال، وأن بقربها مدينة ليس بعدها عمارة، يقال لها تولية، ولقد رأيت لبني المنجم في بعض رسائلهم ذكر هذه البحيرة، وقد ذكر أحمد بن الطيب في رسالته في البحار والمياه والجبال عن الكندي أن بحر الروم طوله ستة آلاف ميل من بلاد صور وطرابلس وأنطاكية واللاذقية والمثقب وساحل المصيصة وطرسوس وقلمية إلىمنار هرقل، وأنا أعْرَضَ موضع فيه أربعمائة ميل، هذا قول الكندي وابن الطيب.وقد أتينا عيى قول الفريقين جميعاً وما بينهما من الخلاف في ذلك من أصحاب الزيجات وما وجدناه في كتبهم وسمعناه من أتباعهم، ولم نذكر ما ذكروه من البراهين المؤيدة لما وصفا ة لاشتراطنا في هذا الكتاب على أنفسنا الاختصار والِإيجاز.
مبادىء تكوين البحار
وأما ما تنازع فيه المتقدمون من أوائل اليونانيين والحكماء المتقدمين في مبادىء كون البحار وعللها فقد أتينا على مبسوطه في كتابنا أخبار الزمان في الفن الثاني من جملة الثلاثين فناً، وقد ذكرنا قول كل فريق منهم وَعَزَوْنَا كل قول من ذلك إلى قائله، ولم نُخْل هذا الكتاب من إيراد لمع من قولهم.وذهب طائفة منهم إلى أن البحر بقية من الرطوبة الأولى التي جفَّفَ أكثرها جوهر النار، وما بقي منها إستحال لاحتراقه.ومنهم من قال: إن الرطوبة الأولى المجتمعة لما احترقت بدوران الشمس وانعصر الضَف منها إستحال الباقي إلى ملوحة ومرارة.
ومنهم من رأى أن البحار عَرَقٌ تعرقه الأرض لما ينالها من احتراق الشمس لاتصال دورها.

ومنهم من رأى أن البحر هو ما بقي مما صفَّتْهُ الأرض من الرطوبة المائية لغلظ جسمها، كما يعرض في الماء العذب إذا مزج بالرماد، فإنه إذا صفا من الرماد وجد مالحاً بعد أن كان عَذْباً.
وذهب آخرون أن الماء عذبه ومالحه كانا ممتزجين، فالشمس ترفع لطيفه وَعَذْبه لخفته.
وبعضهم قال: ترفعه الشمس لتغتذي به، وقال بعضهم: بل يعود بالاستحالة ماء إذا صار بارتفاعه إلى الموضع الذي يحصره البرد فيه، ويكيفه.ومنهم من ذكر أن الماء الذي هو أسطُقُس: ما كان منه عن الهواء وما يعرض منه من البرد يكون حلواً، وما كان منه في الأرض لما يناله من الاحتراق والحرارة يكون مراً.ومن أهل البحث من قال: إن جمع الماء الذي يفيض إلى البحرمن جميع ظهور الأرض وبطونها إذا صار إلى تلك الحفرة العظيمة فهو مُضَاض من مُضَاض، والأرض تقذف إليه ما فيها من الملوحة، والني في الماء من أجزاء النار التي تخرج إليه من بطون الأرض ومن أجزاء النيران المختلطة يرفعان لطائف الماء بارتفاعهما وتبخرهما 4 فإذا رفعا اللطائف صار منها ما يشبه المطر، وكان ذلك دأبهما وعادتهما، ثم يعود ذلك الماء مالحاًلأن الأرض إذا كانت تعطيه الملوحة، والنيران تخرج منها العفبة واللطافة، كان واجباً أن يعود إلى الملوحة وكذلك يكون ماء البحر على كيل واحد ووزن واحد ة لأن الحرير يرفع اللطيف فيصير طلّاً وماء، ثم تعود تلك الأندية سيولاً، وتطلب الحدور والقَرَار، وتجري في أعماق الأرض حتى يصير إلى ذلك الهور، فليس يضِيع من ذلك الماء شيء، ولا يبطل منه شيء، والأعيان قائمة كمنجنون غرَفَ من نهر وصب إلى حفرة تفيض إلى ذلك النهر، وقد شبه ذلك قوم بأعضاء الحيوان إذا اغتذت وعملت الحرارة في غذائه فاجتذبت منه ماء عذُبَ إلى الأعضاء المغتذية به،وخلفت ما ثقل منه، وهو المالح والمر، فمن ذلك البول والعرق، وهذا فضول الأغذية فيها، ولما كانت عن رطوبات عذبة أحالتها الحرارة إلىِ المرارة والملوحة، وإن الحرارة لو زادت أكثر من مقدارها لصار الفضل مراَ زائداً على ما يوجد من العرق والبول ث لوجودنا كل محترق مراً.هذا قول جماعة ممن تقدم، وأما ما يوجد بالعيان وإيقاع المحنة عند المباشرة فإن كل الرطوبات فات الطعوم إذا صعدت بالقرع والأنابيق بقيت روائحها وطعومها فيما يرتفع منها كالخل والنبيذ والورود والزعفران والقرنفل، إلا المالحة فإنها تختلف طعومها وروائحها، ولا سيما إن صعدت مرتين وأسخنت مرة بعد أخرى.وقد ذكر صاحب المنطق في هذا المعنى كلاماً كثيراً ا: من ذلك أن الماء المالح أثْقَلُ من الماء العذب، وجعل الدلالة على ذلك أن الماء المالح كَدر غليظ والماء العذب صَافٍ رقيق، وأنه إذا أخذ شيء من الشمع فعمل منه إناء ثم سد رأسه وصيرني ماء مالح وجد ذلك الماء الذي وصل إلى داخل الِإناء عذباً في الطعم خفيفاً في الوزن، ووجد الماء المحيط به على خلاف ذلك، وكل ماء يجري فهونهر، وحيث يَنبَع فهوعين، وحيث يكون معظم الماء فهوبحر.

قال المسعودي: وقد تكلم الناس في المياه وأسبابها، وأكثروا، وقد ذكرنا في كتابناأخبار الزمان في الفن الثاني من جملة الثلاثين فناً ما أوردوه من البراهين في مساحة البحار ومقاديرها، والمنفعة في ملوحة مائها، واتصال بعضها ببعض وانفصالها، وعدم بيان الزيادة فيهاوالنقصان، ولأية علة كان الجزر والمد في البحر الحبشي أظهر من لمحون سائر البحار، ووجدت نَوَاخذة بحر الصين والهند والسند والزنج واليمن والقلزم والحبشة من السيرافيين والعمانيين يخبرون عن البحر الحبشي في أغلب الأمور على خلاف ما ذكرته الفلاسفة وغيرهم ممن حكينا عنهم المقادير والمساحة، وإن ذلك لا غاية له، وفي مواضع منه شاهدت أربابالمراكب في البحر الرومي من الحربية والعمالة وهم النواتي وأصحاب الرحل والرؤساء ومن يلي تدبير المراكب والحرب فيهم، مثل لاوي المكنى بأبي الحرب غلام زراقة صاحب طرابلس الشام من ساحل دمشق، وذلك بعد الثلثمائة يُعَظِّمون طول البحر الرومي وعرضه، وكثرة خلجانه وتشعبه، وعلى هذا وجدت عبد اللهّ بن وزير صاحب مدينة جبلة من ساحل حمص من أرض الشام، ولم يبق في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة أبْصَرُ منه في البحر الرومي، ولا أسنُّ منه، وليس فيمن يركبه من أصحاب المراكب من الحربية والعمالة إلا وهو منقاد إلى قوله، ويُقِر له بالبصر والحِنْق، مع ما هو عليه من الديانة والجهاد القديم فيها، وقد ذكرنا عجائب هذه البحار وما سمعناه ممن ذكرنا من أخبارها وآفاتها، وما شاهدوا فيها فيما سلف من كتبنا، وسنورد بعد هذا الموضمع جملاً من أخبارها.
علامات لمعرفة وجود المياه
وقد ذهب قوم في علامات المياه ومستقرها من الأرض مذهباً، وسيم هوأن يرى في المواضع التي يكون فيها الماء منابتُ القَصَب والحَلفاء واللين من الحشيش؟ فذلك دلالة على قرب الماء لمن أراد الحفر، وأن ما عدا ذلك فعلى البعد.ووجدت في كتاب الفلاحة أن مَنْ أراد أن يعلم قرب الماء وبُعْده فليحفر في الأرض قدر ثلاثة أفرع أو أربعة، ثم يأخذ قِحدراً من نحاس أو إجانَةَ خزف، فيدهنها بالشحم من داخلها مستويَاَ، ولتكن القدر واسعة الفم، فإذا غابت الشمس فخذ صوفة بيضاء منفشة مغسولة، وخذ حجراً قدر بيضة، فلفَّ ذلك الصوف عليه مثل الكرة، ثم أطْل جانب الكرة بموم مذَاب وألصقها في أسفل ذلك القِدْر الذي قد دهنته بدهن أو شحم ثم ألقها في أسفل الحفيرة فإن الصوف يصير معلقاً والموم يمسكه، ويصير إلى مكان الحجر معلقاً، ثم احْثُ على الإِناء التراب قدر ذراعين أو ذراع، ودَعْه ليلتك كلها، فإذا كان الغد قبل طلوع الشمس فاكنس التراب عنه، وارفع الإِناء، فإن رأيت الماء ملزقاً بالإِناء من داخل قطراً كثيراً بعضه قريب من بعض والصوفة ممتلئة فإن في ذلك المكان ماء، وهو قريب، وإن كان القطر متفرقاً لا بالمجتمع ولا بالمتقارب والصوفة ماؤها وسط فإن الماء ليس بالبعيد ولا بالقريب، وإن كان القطر ملتزقاً متباعداً بعضه عن بعض والماء في الصوفة قليل، فإنّ الماءبعيد، وإن لم تَرَعلى الإِناء قطراً قليلًا ولا كثيراً ولا على الصوفة ماء فإنه ليس في ذلك الموضع ماء، فلا تَتَعَنّ في حَفْره.ووجدت في بعض النسخ من كتاب الفلاحة في هذا المعنى أن مَن أراد علم ذلك فلينظر إلى قرى النمل، فإن وجد النمل غلاظاً سي اً ثقيلة المشي فلينظر فعلى قدرثقل مشيهن الماءُ قريب منهن، وإن وجد النمل سريعِ المشي لا يكاد يلحَق فالماء على أربعين ذراعاً، والماء الأول يكون عذباَ طيباً والثاني يكون ثقيَلَا مالحاً.فهذه جملة علامات لمن يريد إستخراج الماء، وقد أتينا على مبسوط ما ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان لأ وإنما نذكر في هذا الكتاب ما تدعو الحاجة إلى ذكره بالإِشارة إليه دون بَسْطه وإيضاحه.وإذ قد ذكرنا جملًا من أخبار البحار وغيرها، فلنقل في أخبار ملوك الصين وغيرها وأهلها، وغيرذلك مما لحق به، إن شاء اللّه تعالى.
دكر ملوك الصين والترك وتفرق ولد عابور
وأخبار الصين وغير ذلك مما لحق بهذا الباب
القول في أنساب الصين

قد تنازع الناس في أنساب أهل الصين وبدئهم: فذكر كثير منهم أن ولد عابوربن سوبيل بن ياقث بن نوح لما قَسّمٍ فالغ بن عابربن إرفخشذ بن سام بن نوح الأرضَ بين ولد نوح ساروا يسرة في الشرق، فسار قوم منهم من ولد أرعو على سَمْت الشمال، وانتشروا في الأرض فصاروا عدة ممالك: منهم الدَيْلَم، والجيل، والطيلسان، والتتر، وفرغان فأهل جبل القبق من أنواع اللكز ثم اللان والخزر والأنجاد والسرير وكشك، وسائر تلك الأمم. المنتشرة في ذلك الصقع، إلى بلاد طوابريدة إلى بحر مانطش ونيطش وبحر الخزر إلى البرغو ومن اتصل بهم من الأمم، وعَبَر ولد عابور نهر بلخ، ويمّم بلاد الصين الأكثر منهم، وتفرقوا عدة ممالك في تلك البلاد وانتشروا في تلك الديار، فمنهم الجيل، وهم سكان جيلان، والأشر وسنة والصغد، وهم بين بخارى وسمرقند، ثم الفراغنة والشاش واستيجاب رأهل بلاد الفاراب؛ فبنوا المدن والضياع، وانفرد منهم أناس غير هؤلاء فسكنوا البوادي: فمنهم الترك والخزلج والطغرغر، ومنهم أصحاب مدينة كوشان، وهي مملكة بين خراسان وبلاد الصين، وليس في أجناس الترك وأنواعهم في وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة أشد منهم بأساً، ولا أكثر منهم شوكة، ولا أضبط ملكاً، وملكهم أيرخان، ومذهبهم مذهب المانية، وليس في الترك من يعتقد هذا المذهب غيرهم، ومن الترك الكيماكية والبرسخانية والبدية والجعرية، وأشدهم بأسأ الغزية، وأحسنهم صورة، وأطولهم قأمة، وأصبحهم وجوهاً: الخزلجية، وهم أهل بلاد فرغانة والشاش وما يلي ذلك الصقع، وفيهم كان المُلْكُ، ومنهم خاف الخواقين، وكان يجمع ملكه سائر ممالك الترك، وتنقاد إ.ليه ملوكها، ومن هؤلاء الخواقين كان فراسياب التركي الغالب على بلاد فارس، ومنهم سانة، ولخاقان الترك في وقتنا هذا تنقاد ملوك الترك كلهم منذ خربت المدينة المعروفة بعمات، وهي في مفاوز سمرقند، وقد ذكرنا انتقال الملك عن هذه المدينة، والسبب في ذلك في كتابنا المترجم بالكتاب الأوسط، ولحق فريق من ولد عابور بتخوم الهند، فأثرت فيهم تلك البقاع فصارت ألوانهم بخلاف ألوان الترك، ولحقوا بألوان الهند، ولهم حَضرَ وَبَوادٍ، وسكن فريق منهم ببلاد التبت، وملكوا عليهم ملكاً وكان ينقادإلى ملك خاقان، فلما زال ملك خاقان على ما قدمنا، وسَمى أهل التبت ملكهم بخاقان تشبيهأ بمن تقدم من ملوك الترك وخاقان الخواقين.وسار الجمهور من ولد عابور على ساحل البحر حتى انتهواإلى أقاصيه من بلاد الصين، فتفرقوا في تلك البقاع والبلاد، وقطنوا الديار وكًوروا الكُوَرَ، ومصَّروا الأمصار ومًذنوا المدن، واتخفا لمملكتهم مد عظيمة، وسمَّوّها انموا، وبينها وبين ساحل البحر الحبشي وهو بحر الصين مسافة ثلاثة أشهر مدن وعمائر متصلة.
ملك نسطرطاس
وكان أول ملك تملك عليهم في هذه الديار وهي انموا نسطرطاس بن باعوربن مدتج بن عابور بن يافث بن نوح، فكان ملكه ثلثمائة سنة ونيفاً، وفرق أهله في تلك الديار، وشَقًق الأنهار، وقت السباع، وغرس الأشجار وأطعم الثمار، وهلك.
ملك عوون
فملك ولد له يُقال له عوون فجعل جسد أبيه في تمثال من الذهب لأحمر جزعاً عليه، وتعظيماً له، وأجلسه على سرير من الذهب الأحمر مرَصَّع بالجواهر وجعل مجلسه دونه، وأقبل يسجد لأبيه وهو في جوف تلك الصورة، هو وأهل مملكته، في طرفي النهار إجلالاً له، وعاش بعد أبيه،مائتي سنة وخمسين سنة، وهلك.
ملك عيثدون
فملك ولد له يقال له عيثدون فجعل جسد أبيه مخزوناً في تمثال من الذهب الأحمر، وجعله دون مرتبة جده على سرير من الذهب وَرصَّعَهُ بأنواع الجواهر وكان يسجد له، ويبدأ بجده الأول ثم بأبيه، وأهل مملكته يسجدون له وأحْسَنَ السياسة للرعية، وسوَّاهم في جميع أمورهم، وشملهم، بالعدل، فكثر النسل وأخصبت الأرض فكان ملكه إلى أن هلك نحواً من مائتي سنة.
ملك غيثنان
ثم ملك بعدهولده غيثنان فجعل أباه في تمثال من الذهب الأحمر جرى فيه على ما سلف من أفعالهم من السجود والتعظيم، وطال ملكه واتصلت بلاده ببلاد الترك من بني عمه، فعاش أربعمائة سنة، واتخذ في أيامه كثيراً من المهن مما لطف في الدور من الصنائع.
ملك حراتان

وملك بعمه ولده حراتان فأحدث الفلك وحمل فيها الرجال، وحمل لطائف بلاد الصين، وصيرها نحو السند والهند إلى إقليم بابل وإلى سائر الممالك مما قرب منها وَبُعدَ في البحر، وأهدى الهدايا العجيبة والرغائب النفيسة إلى الملوك وأمرهم أن يجلبوا إليه ما في كل بلد من الطرائف والتحف من المآكل والمشارب والملابس وسائر الفُرُش، وأن يعرفا سياسة كل ملك وكل أمة وشريعتها ونَهْجها الذي هي عليه، وأن يرغِّبوا الناس فيما في بلدانهم من الجواهر والطيب واللآلات ة فتفرقت المراكب في البلاد، ووردوا الممالك لما أمروا به، فلم يردوا على أهل مملكة إلا وأعجبوا بهم، واستطرفا ما أوردوه من أرضهم، فبنت الملوك المطيفة بالبحار المراكِبَ، وجهزت نحوهم السفن، وحملوا إليهم ما ليس عندهم، وكاتبوا ملكهم، وكافأوه على ما كان من هداياه إليهم، فعمرت بلاد الصين، واستقامت له الأمور، فكان عمره نحواً من مائتي سنة فهلك، فجزع عليه أهل مملكته وأقاموا النياحة عليه شهراً.
ملك توتال
ثم فزعوا إلى الأكبر من أولاده فصيروه عليهم ملكاً، فجعل جسد أبيه في تمثال من الذهب، وسلك طريقَ مَنْ كان قبله في فعلهم مقتدياً بمن مضى من آبائه، وكان اسم هذا الملك توتال فاستقامت له الامور وأحدث من السنن المحمودة ما لم يحدثه أحد ممن سلف من ملوكهم وزعم أن الملك لا يثبت إلا بالعدل فإن العدل ميزان الرب، وإن من العدل الزيادة في الإِحسان مع الزيادة في العمل وحصن، وشرف، وتوج ورتب الناس في رتبهم ووقفهمِ على طرائقهم، وخرج يرتاد موضعاً ليبني فيه هيكلاً، فافى موضعاً عامراَ بالنبات حسن الاعتمام بالزهر تخترقه المياه فحط الهيكل، وجلبت له أنواع الأحجار المختلفة الألوان فشيد الهيكل وجعل على علوه قبة، وجعل لها مخارج للهواء متساوية، ونصب فيها بيوتاً لمن أراد التفرد بالعبادة فلما فرغ منها نصب في أعلاها تلك التماثيل التي فيها أجسام من سلف من آبائه، وأمر بتعظيمها، وجمع الخواص من أهل مملكته وأخبرهم أن من رأيه ضم الناس إلى ديانة يرجعون إليها لجمع

الشمل وتساوي النظام، فإنه متى عدم الملك الشريعة لم يؤمن عليه الخلل، ودخول الفساد والزلل، فرتب لهم سياسة شرعية، وفرائض عقلية، وجعلها لهم رِبَاطاً، ورتب لهم قِصَاصاً في الأنفس والأعضاء، ومستحلات مناكح يستباح بها النسوان، وتصح بها الأنساب، وجعلها مراتب فمنها لوازم موجبة يَحْرَجُون من تركها، ومنها نوافل يتنفلون بها، وأوجب عليهم صلواتِ لخالقهم تقرباً لمعبودهم: منها إيماء لا ركوع فيها ولا سجود في أوقات من الليل والنهار معلومة،ومنها بركوع وسجود في أوقات منِ السنة والشهور محدودة، ورسم لهم أعياداً، وجعل على الزنَاة منهم حداَ، وعلى من أراد من نسائهم البغاء جزية مفروضة، وأن لا يسجن النكاح إلا في وقت من الأوقات، وإن أقلعن عما كن عليه تكف الجزية عنهن، وما يكون من أولادهن ذكوراً يكون للملك عبيداً وجُنْداً، وما يكون محن أولادهن إناثاً، ملأمهاتهنّ، ويلحقن بصنعتهن، وأمرهمِ بقرابين للهياكل ودخن، وأبخرة للكواكب، وجعل لكل كوكب منها وقتاَ بتقرب إليه فيه بدخن معلوم من أنواع الطيب والعقاقير، وأحكم لهم جميع الأمور، فاستقامت أيامه، وكثر النسل، فكانت حياته نحواً من مائة وخمسين سنة، وهلك، فجزعوا عليه جزعاً شديداً، فجعلوه في تمثال من الذهب الأحمر ورَصَّعوه بأنواع الجواهر، وبنوا له هيكلاً عظيماً، وجعلوا سقفه سبعة ألوان من الجوهر على أنواع الكواكب السبعة من النيرين والخمسة بألوانها وأشكالها، وجعلوا يوم وفاته صلوات وعيداً يجتمعون فيه كلند ذلك الهيكل، وصوروا صورته على أبواب المدينة وعلى الدنانير الفلوس وعلى الثياب، وأكثر أموالهم الفلوسُ الصفر والنحاس، فاستقرت هذه المدينة بدار ملك الصين، وهي مدينة انموا، وبينها وبين البحر نحومن ثلاثة أشهر وأكثر من ذلك على حسب ما قدمنا آنفاً، ولهم مدينة عظيمة نحو ما يلي من أرضهم مغرب الشمس، يُقال لها مد، وتلي بلاد التبتَ، والحرب بين بلاد التبت وأهل المد سِجَالٌ.فلم تزل الملوك ممن طرأ بعد هذا الملك أمورهم منتظمة وأحوالهم مستقيمة، والخصب والعدل لهم شامل، والجور في بلادهم معدوم، يقتدون بما نصبه لهم من الشرع مَنْ قدمنا ذكرهم، وحروبهم على عدوهم قائمة، وثغورهم مشحونة، والرزق على الجنود دارُّ، والتجار يختلفن إليهم في البر والبحر من كل بلد بأنواع الجهاز، ودينهم دين مَنْ سلف، وهي ملة تدعى السمنية، عباداتهم نحو من عبادات قريش قبل مجيء الإِسلام: يعبدون الصور، ويتوجهون نحوها بالصلوات، واللّبيب منهم يقصد بصلاته الخالق، ويقيم التماثيل من الأصنام والصور مقام قِبْلَة، والجاهل منهم ومَنْ لا علم له يشرك الأصنام بإلهية الخالق، ويعتقدهما جميعاً، وأن عبادتهم الأصنام تقربهم إلى اللّه زُلْفَى، وأن منزلتهم في العبادة تنقص عن عبادة البارىء لجلالته وعظمته وسلطانه، وأن عبادتهم لهذه الأصنام طاعة له ووسيلة إليه، وهذا الدين كان بدء ظهوره في خواصهم من الهند لمجاورتهم إياهم، وهو رأي الهند في العالم والجاهل على حسب ما ذكرنا في أهل الصين، ولهم آراء ونحل حدثت عن مذاهب الثنوية وأهل الدهر، فتغيرت أحوالهم، وبحثوا، وتناظروا، إلا أنهم ينقادون في جميع أحكامهم إلى ما نصب لهم من الشرائع المقدمة، ومن حيث إن مُلْكهم متصل بملك الطغرغر على حسب ما تقدم صاروا على آرائهم من اعتقادهم مذاهب المانية والقول بالنور والظلمة، وقد كانوا جاهلية سبيلُهم في الاعتقاد سبيلُ الترك، إلى أن وقع لهم شيطان من شياطين المانية، فزخرف لهم كلاماً يريهم فيه تضاد ما في هذا العالم وتباينه: من موت وحياة، وصحة وسقم، وضياء وظلام، وغنى وفقر، واجتماع وافتراق، وإتصال وانفصال، وشروق وغروب، ووجود وعدم، وليل ونهار، وغير ذلك من سائر المتضادات، وذكر لهم أنواع الآلام المعترضة لأجناس الحيوان من الناطقين وغيرهم مما ليس بناطق من البهائم، وما يعرض للأطفال والبُلْه والمجانينِ، وأن البارىء جل وعزّ غني عن إيلامهم، وأراهم أن هناك ضداً شديداَ دَخَلَ على الخير الفاضل في فعله، وهو اللّه عزّوجلّ، فاجتذب بما وصفنا وغيره من الشّبَهِ عقولَهم، فدنوا بما وصفنا، فإن كان ملك الصين ينتمي لمذهب ذبح الحيوان كانت الحرب بينه وبين صاحب الترك أيرخان سِجَالاً، وإذا كان ملك الصين متنافي المذهب كان الأمر بينهم في الملك مُشَاعاً، وملوك الصين فو

آراء ونحل، إِلا أنهم مع اختلاف أديانهم غير خارجين عن قضية العقل والحق، في نَصْب القُضَاة والحكام، وانقياد الخواص والعوام إلى ذلك. ونحل، إِلا أنهم مع اختلاف أديانهم غير خارجين عن قضية العقل والحق، في نَصْب القُضَاة والحكام، وانقياد الخواص والعوام إلى ذلك.
بعض عادات الصين
وأهل الصين شُعُوب وقبائل، كقبائل العرب وأفخاذها وتشعبها في أنسابها، ولهم مراعاة لذلك، وحفظ له، وينسب الرجل منهم إلى خمسين أبَاَ إلى أن يتصل بعابور وأكثر من ذلك وأقل، ولا يتزوج أهل كل فخذ من فخذهبم مثال ذلك أن يكون الرجل من مُضَرَ فيتزوج في ربيعة، أو من ربيعة فيتزوج من مضر، أو من كَهْلاَن فيتزوج في حِمْيَر، أو من حمير فيتزوج من كهلان، ويزعمون أن في ذلك صحة النسل وقوام البنية، وأنه أصح للبقاء، وأتم للعمر، وأسبابَاَ يذكرونها نحو ما ذكرنا.فلم تزل أمور الصين مستقيمة في العدل على حسب ما جرى به الأمر

فيما سلف من ملوكهم إلى سنة أربع وستين ومائتين؛ فإنه حدث في الملك أمر زال به النظام، وانقضت به الأحكام والشرائع ومنِع من الجهاد إلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وهوأن نابغاَ نبغ فيهم من غير بيت الملك كان في بعض مدائن الصين يُقال له يانشو، وكان شريراً يطلب الفتنة، ويجتمع إليه أهل الدعارة والشر، فلحق الملِكَ وأربابَ التدبير غفلةٌ عنه، لخمول ذكره، وأنه ممن لا يُالى به، فاشتد أمره، ونما ذكره، وكثر عتوُّه، وقويت شوكته، وقطع أهل الشر المسافات نحوه، وعظم جيشه، فسار من موضعه، وَشَنَّ الغارات على العمائر حتى نزل مدينة خانقوا، وهي مدينة عظيمة على نهر عظيم أكبر من دجلة يصب إلى بحر الصين، وبين هذه المدينة وبين البحر مسيرة ستة أيام أو سبعة، تدخل هذا النهر سفن التجار الواردة من بلاد البصرة وسيراف وعمان ومدن الهند وجزائر الزابج والصنف وغيرها من الممالك بالأمتعة والجهاز، وتقرب إلى مدينة خانقوا، وفيها خلائق من الناس مسلمون ونصارى ويهود ومجوس، وغير ذلك من أهل الصين فقصد هذا العدو إلى هذه المدينة فحاصرها، وأتته جيوش الملك فهزمها، واستباح ما فيها، فكثرت جنوده، وافتتح مدينة خانقوا عَنْوَة، وقتل من أهلها خلقاً لا يُحْصَوْنَ كثرةً، وأحصى من المسلمين والنصارى واليهود والمجوس ممن قتك وغرق خوف السيف فكان مائتي ألف، وإنما أحصى ما ذكرناه من هذا العدد لأن ملوك الصين تحصي مَنْ في مملكتها من رعيتها، وكذا مَنْ جاورها من الأمم ليصير ذمة لها في دواوين لها، بكُتَّابِ قد وكِّلوا بإحصاء ذلك لما يراعون من حياطة مَنْ شمِلد ملكهم، وقَطَع هذَا العدو ما كان حول مدينة خانقوا من غابات شجر التوت إذ كان يحتفظ به لما يكون من ورقه، وما يطعم منه لدود القز الذي ينتج منه الحرير، فكان ذهاب الشجر داعياً إلى انقطاع الحرير الصيني وجهازه إلى ديار الإِسلام.وسار يانشو بجيوشه إلى بلد بلد فافتتحه، وانضاف إليه أمم من الناس ممن يطلب الشر والنهب وغيرهم ممن يخاف على نفسه، وقصد مدينة أنموا، وهي دار الملك، فخرج إليه الملك في نحو مائة ألف ممن بقي معه من خواصه والتقى هو ويانشو وكانت الحرب بينهم سجالاً نحواً من شهر، وصبر الفريقان جميعاً، ثم كانت على الملك فلَّى منهزماً، وأمعن الخارجي في طلبه، فانحاز الملك إلى مدينة في أطراف أرضه، واستولى الخارجي على الحَوْزَة، واحتوى على ديار الملك، وملك خزائن الملوك السالفة، وما أعحوه للنوائب، وشن الغارات في سائر العمارات، وافتتح المدن، وعلم أن لا قوام له بالملك؛ إذ كان ليس من أهله، فأمعن في خراب البلاد واستباحة الأموال، وسَفْك الدماء، وكاتب ملكُ الصين من المدينة التي انحاز إليها المًتَاخمة لبلاد التبت، وهي مدينة مد المتقدم ذكرها، مَلِكَ الترك ابن خاقان فاستنجده، وأعلمه ما نزل به، وأعلمه ما يلزم الملوك من الواجبات إذا استنجدها إخوانها من الملوك، وأن ذلك من فرائض الملك وواجباته، فأنجده ابن خاقان بولد له بنحو من أربعمائة ألف فارس ورجل، وقد استفحل أمر يانشو، فالتقى الفريقان جميعاً، فكانت الحرب بينهم سجالاً نحواً من سنة، وتفانى من الفريقين خلق كثير، ففقد يانشو، فقيل: إنه قتل، وقيل: إنه أحرق، وأسر ولده والخواص من أصحابه، وسار ملك الصين إلى دار المملكة وعاد إلى ملكه والعأمة تسمية يعبور، وتفسير ذلك ابن السماء تعظيماً له، وهو الاسم الأخص لملوك الصين، والذي يخاطبون به جميعاً جحان، ولا يخاطبون بيعبور، وتغلَّبَ كل صاحب ناحية من عمله على ناحيته، كتغلب ملوك الطوائف حين قَتَلَ الإِسكندر بن فيلبوس المقدوني دارا بن دارا ملك فارس، وكنحو ما نحن بسبيله في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - فرضي ملك الصين منهم بالطاعة له، ومكاتبته بالملك، ولم يتأتّ له المسير إلى سائر أعماله، ولا محاربة من تغلب على بلاده، وقنع بما وصفنا، وامتنع مَنْ ذكرنا من حمل الأموال إليه فتاركهم مسالماً لهم، وعدا كل فريق منهم على ما يليه على حسب قوته وتمكنه فعدم انتظام الملك واستقامته على حسب ما سلف من ملوكهم.وقد كان لمن سلف من ملوكهم سير وسياسات للملك، وانقياد للعدل، على حسب ما توجبه قضية العقل.وحكي أن رجلاً من التجار من أهل مدينة سمر قند من بلاد خراسان خرج من بلاده، ومعه متاع كثير، حتى انتهى

إلى العراق، فحمل من جهازه، وانحدر إلى البصرة، وركب البحر حتى أتى إلى بلاد عمان، وركب إلى بلاد كلة، وهي النصف من طريق الصين أو نحو ذلك، وإليها تنتهي مراكب أهل الإِسلام من السيرافيين والعمانيين في هذا الوقت فيجتمعون مع من يرد من أرض الصين في مراكبهم، وقد كانوا في بدء الزمان بخلاف ذلك، وذلك أن مراكب الصين كانت تأتي بلاد عمان وسيراف وساحل فارس وساحل البحرين والأبلة والبصرة وكذلك كانت المراكب تختلف من المواضع التي ذكرنا إلى ما هناك، ولما عدمٍ العدل وفسدت النيات وكان من أمر الصين ما وصفنا التقى الفريقان جميعا في هذا النصف، ثم ركب هذا التاجر من مدينة كلة في مراكب الصينيين إلى مدينة خانقوا، وَهي مرسى المراكب على حسب ما ذكرنا آنفاً، وبلغ ملك الصين خبر المراكب وما فيها من الجهاز والأمتعة فسرح خصيا من خواص خحمه ممن يثق به في أسبابه، وذلك أن أهل الصين يستعملون الخصيان من الخدم في الخراج وغيره من العمالات والمهمات وفيهم من يخصي ولحه طلباً للرياسة واعتقاد النعمة؛ فسار الخصي حتى أتى مدينة خانقوا، وأحضر التجار ومعهم التاجر الخراساني، فعرضوا عليه ما احتاج إليه من المتاع وما يصلح له، فسأل الخراساني أن يحضر متاعه فأحضره، وجرت بينهم محادثة، ودار الأمر في التثمين للمتاع، فأمر الخصي بسجن الخراساني وإكراهه، وذلك أنه زاده ثقة منه بعدل الملك، فمضىالخراساني من قَوْره حتى أتى إلى مدينة أنموا، وهي دار الملك، فقف موقف المتظلم، وذلك أن المتظلم إذا أتى من البلد الشاسع أو غيره تقمص نوعاً من الحرير الأحمر، ووقف موضعاً قد رسم للظّلأمة، وقدرتب بعض ملوك النواحي للقبض على من يرد من المتظلمين، ويقف ذلك الموقف، فيحمل مسيرة شهر من أرضهم على البريد، ففعل ذلك بالتاجر الخراساني، ووقف بين يدي صاحب تلك الناحية المرتب لما ذكرناه، فأقبل عليه، وقال: أيها الرجل لقد تعرضت لأمر عظيم، وخاطرت بنفسك، أنظر إن كنت صادقاً فيما تخبر به، وإلا فإنا نقيلك ونردُّك من حيث جئت، وكان هذا خطابه لمن يتظلم، فإن رآه قد جزع وضرع في القول ضربه مائة خشبة ورده من حيث جاء، وإن هو صبرعلى ما هو عليه حمل إلى حضرة الملك، وأوقف بين يديه، وسمع كلامه، فصمم الخراساني في المطالبة والظُّلأمة فرآه محقاً غير ضَرِع ولا متلجلج، فحمل إلى الملك، فقف بين يديه وقَصَّ حديثه على الملك، فلما أن أس الترجمان إليه ما قاله وفهم ظلامته أمر به إلى بعض المواضع، وأحسن إليه، وأحضر الوزير وصاحب الميمنة وصاحب القلب وصاحب الميسرة، وهم أناس قد رتبوا لذلك عند الملمات وحين الحروب قد عرف كل واحد منهم مرتبته والمراد منه، فأمرهم أن يكتب كل واحد منهم إلى صاحبه بالناحية، ولكل واحد منهم خليفة في كل ناحية، فكتبوا إلى أصحابهم بخانقوا أن يكتبوا إليهم بما كان من خبر التاجر والخادم، وكتب الملك خليفته بالناحية بمثل ذلك، وقد كان خبر الخادم والتاجر اشتهر واستفاض، فردت الكتب على بغال البريد بتصحيح ما قاله التاجر، وذاك أن ملوك الصين لها في سائر الطرق من أعمالها بغال للبريد مُسْرَجة محفة الألات للأخبار والخرائط، فبعث الملك فاستحضر الخادم، فلما وقف بين يديهى العراق، فحمل من جهازه، وانحدر إلى البصرة، وركب البحر حتى أتى إلى بلاد عمان، وركب إلى بلاد كلة، وهي النصف من طريق الصين أو نحو ذلك، وإليها تنتهي مراكب أهل الإِسلام من السيرافيين والعمانيين في هذا الوقت فيجتمعون مع من يرد من أرض الصين في مراكبهم، وقد كانوا في بدء الزمان بخلاف ذلك، وذلك أن مراكب الصين كانت تأتي بلاد عمان وسيراف وساحل فارس وساحل البحرين والأبلة والبصرة وكذلك كانت المراكب تختلف من المواضع التي ذكرنا إلى ما هناك، ولما عدمٍ العدل وفسدت النيات وكان من أمر الصين ما وصفنا التقى الفريقان جميعا في هذا النصف، ثم ركب هذا التاجر من مدينة كلة في مراكب الصينيين إلى مدينة خانقوا، وَهي مرسى المراكب على حسب ما ذكرنا آنفاً، وبلغ ملك الصين خبر المراكب وما فيها من الجهاز والأمتعة فسرح خصيا من خواص خحمه ممن يثق به في أسبابه، وذلك أن أهل الصين يستعملون الخصيان من الخدم في الخراج وغيره من العمالات والمهمات وفيهم من يخصي ولحه طلباً للرياسة واعتقاد النعمة؛ فسار الخصي حتى أتى مدينة خانقوا، وأحضر التجار ومعهم التاجر الخراساني، فعرضوا عليه ما احتاج إليه من المتاع وما يصلح له، فسأل الخراساني أن يحضر متاعه فأحضره، وجرت بينهم محادثة، ودار الأمر في التثمين للمتاع، فأمر الخصي بسجن الخراساني وإكراهه، وذلك أنه زاده ثقة منه بعدل الملك، فمضىالخراساني من قَوْره حتى أتى إلى مدينة أنموا، وهي دار الملك، فقف موقف المتظلم، وذلك أن المتظلم إذا أتى من البلد الشاسع أو غيره تقمص نوعاً من الحرير الأحمر، ووقف موضعاً قد رسم للظّلأمة، وقدرتب بعض ملوك النواحي للقبض على من يرد من المتظلمين، ويقف ذلك الموقف، فيحمل مسيرة شهر من أرضهم على البريد، ففعل ذلك بالتاجر الخراساني، ووقف بين يدي صاحب تلك الناحية المرتب لما ذكرناه، فأقبل عليه، وقال: أيها الرجل لقد تعرضت لأمر عظيم، وخاطرت بنفسك، أنظر إن كنت صادقاً فيما تخبر به، وإلا فإنا نقيلك ونردُّك من حيث جئت، وكان هذا خطابه لمن يتظلم، فإن رآه قد جزع وضرع في القول ضربه مائة خشبة ورده من حيث جاء، وإن هو صبرعلى ما هو عليه حمل إلى حضرة الملك، وأوقف بين يديه، وسمع كلامه، فصمم الخراساني في المطالبة والظُّلأمة فرآه محقاً غير ضَرِع ولا متلجلج، فحمل إلى الملك، فقف بين يديه وقَصَّ حديثه على الملك، فلما أن أس الترجمان إليه ما قاله وفهم ظلامته أمر به إلى بعض المواضع، وأحسن إليه، وأحضر الوزير وصاحب الميمنة وصاحب القلب وصاحب الميسرة، وهم أناس قد رتبوا لذلك عند الملمات وحين الحروب قد عرف كل واحد منهم مرتبته والمراد منه، فأمرهم أن يكتب كل واحد منهم إلى صاحبه بالناحية، ولكل واحد منهم خليفة في كل ناحية، فكتبوا إلى أصحابهم بخانقوا أن يكتبوا إليهم بما كان من خبر التاجر والخادم، وكتب الملك خليفته بالناحية بمثل ذلك، وقد كان خبر الخادم والتاجر اشتهر واستفاض، فردت الكتب على بغال البريد بتصحيح ما قاله التاجر، وذاك أن ملوك الصين لها في سائر الطرق من أعمالها بغال للبريد مُسْرَجة محفة الألات للأخبار والخرائط، فبعث الملك فاستحضر الخادم، فلما وقف بين يديه

سَلَبه ما كان أنعم به عليه، ثم قال له: عمدت إلى رجل تاجر قد خرج من بلد شاسع، وقطع مسالك، واجتاز بملوك في بر وبحر، فلم يتعرض له، يؤمل الوصول إلى مملكتي ثقة منه بعدلي، ففعلت به ما فعلت، وكان ينصرف عن ملكي، ويقبح الأحدوثة عن سيرتي، أما لولا قديم حرمتك بنا لقتلتك، لكن أعاقبك بعقوبة إن عقلت فإنها أكبر من القتل، وهو أن أوليك مقابر الموتى من الملوك السالفة، أن عجزت عن تدبير الأحياء والقيام بما إليه ندبت، وأحسن الملك إلى التاجر، وحمله إلى خانقوا، وقال له: إن سمحت نفسك أن تبيع منا ما اختير لنا من متاعك بالثمن الجزيل، وإلا فأنت المحكَّم في مالك، أقم إذا شئت، وبع كيف شئت، وانصر راشداً حيث شئت، وصَرَف الخادم إلى مقابر الملوك.قال المسعودي: ومن طرائف أخبار ملوك الصين أن رجلاً من قريش من ولد هَبَّاربن الأسود لما كان من أمر صاحب الزنج بالبصرة ما كان واشتهر، خرج هذا الرجل من مدينة سيراف، وكان من أرباب البصيرة وأرباب النعم بها، وفي الأحوال الحسنة، ثم ركب منها في بعض مراكب بلاد الهند، ولم يزل يتحول من مركب إلى مركب، ومن بلد إلى بلد، يخترق ممالك الهند، إلى أن انتهى إلى بلاد الصين فصار إلى مدينة خانقوا، ثم دعته همته إلى أن صار إلى دار ملك الصين، وكان الملك يومئذ بمدينة حمدان، وهي من كبار مدنهم، ومن عظيم أمصارهم، فأقام بباب الملك مدة طويلة يرفع الرقاع ويذكرأنه من أهل بيت نبوة العرب، فأمر الملك بعد هذه المدة الطويلة بإنزاله في بعض المساكن وإزاحة العلة من أموره وجميع ما يحتاج إليه، وكتب إلى الملك المقيم بخانقوا يأمره بالبحث عنه، ومسألة التجار عما يدعيه الرجل من قرابة نبي العرب صلى الله عليه وسلم، فكتب صاحب خانقوا بصحة نسبه، فأذن له في الوصول إليه، ووصله بمال واسع، وأعاده إلى العراق، وكان شيخاً فهماً، أخبر أنه لما وصل إليه، وسأله عن العرب، وكيف أزالوا ملك العجم، فمّال له: باللهّ عز وجل، وما كانت العجم عليه من عبادة النيران والسجود للشمس والقمر من دون الله عز وجل، فقال له: لقد غلبت العرب على أجَلِّ الممالك، وأنفسها، وأوسعها رَيعاً، وأكثرها أموالاً، وأعقلها رجالاً، وأهداها صوتاً، ثم قال له: فما منزلة سائر الملوك عندكم. فقال: ما لي بهمِ علم، فقال للترجمان قل له: إنا نعدُّ الملوك خمسة، فأوسعهم ملكاَ الذي يملك العراق، لأنه في وسط الدنيا، والملوك مُحْدِقَة به، ونجد اسمه ملك الملوك، وبعده ملكنا هذا، ونجده عندنا ملك الناس، لأنه لا أحد من الملوك أسوس منا، ولا أضبط لملكه من ضبطنا لملكنا، ولا رعية من الرعايا أطوع لملكها من رعيتنا، فنحن ملوك الناس، ومن بعده ملك السباع، وهو ملك الترك الذي يلينا، وهم سباعُ الِإنْس، ومن بعده ملك الذيلَةِ، وهو ملك الهند، ونجده عندنا ملك الحكمة أيضاً، لأن أصلها منهم، ومن بعده ملك الروم، وهو عندنا ملك الرجال، لأنه ليس في الأرض أتم خلقاً من رجاله، ولا أحسن وجوهاً منهم، فهؤلاء أعيان الملوك، والباقون دونهم، ثم قال للترجمان: قل له: أتعرف صاحبك إن رأيته. يعني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، قال القرشي: وكيف لي برؤيته وهو عند اللّه عزّ وجلّ؟ فقال: لم أرد هذا، وإنما أردت صورته، فقلت: أجل، فأمر بسَفَطٍ فأخرج فضع بين يديه، فتناول منه درجاً، وقال للترجمان: أره صاحبه، فرأيت في الدرج صور الأنبياء، فحركتُ شفتيَّ بالصلاة عليهم، ولم يكن عندهم أني أعرفهم، فقال للترجمان: سَلْه عن تحريكه لشفتيه، فسألني، فقلت: أصلي على الأنبياء: ومن أين عرفتهم؟ فقلت: بما صُوِّرَ من أمورهم، هذا نوح عليه السلام في السفينة ينجو بمن معه لما أمر اللّه عزّوجلّ الماء فعمَّ الماء الأرض كلها بمن فيها وسلمه وَمَنْ معه، فقال: أما نوح فصدقت في تسميته، وأما غرق الأرض كلها فلا نعرفه، وإنما أخذ الطوفان قطعة من الأرض ولم يصل إلى أرضنا، وإن كان خبركم صحيحاً فعن هذه القطعة، ونحن معاشر أهل الصين والهند والسند وغيرنا من الطوائف والأمم لا نعرف ما ذكرتم، ولا نَقَلَ إلينا أسلافنا ما وصفتم، وما ذكرت من ركوب الماء الأرض كلها فعن الكوائن العظام التي تُفزع النفس إلى حفظة وتتداوله الأمم ناقلة له، قال القرشي: فَهِبْتُ الرد عليه وإقأمة الحجة؛ لعلمي بدَفْعِهِ ذلك، ثم قلت: وهذا موسى صلى الله عليه وسلم وبنو

إسرائيل، فقال: نعم على قلة البلد الذي كان به وفساد قومه عليه، ثم قلت: هذا عيسى ابن مريم عليه السلام على حماره الحواريُّونَ معه، فقال: لقد كان قليل المدة، إنما كان أمَده يزيد على ثلاثين شهراً شيئاً يسيراً، وعلا من سائر الأنبياء وأخبارهم ما اقتصرت على ذكر بعضه، ويزعم هذا القرشي وهو المعروف بابن هبار أنه رأى فق كل صورة كتابة طويلة قد دوِّن فيها ذكر أسمائهم، ومواضع بلدانهم، ومقادير اعمارهم، وأسباب نبواتهم وسيرهم، وقال: ثم رأيت صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جمل وأصحابه مُحْدِقون به في أرجلهم نعال عربية من جلود الِإبل، وفي أوساطهم الحبال، قد علقوا فيها المساويك، فبكيت، فقال للترجمان: سله عن بكائه، فقلت: هذا نبينا وسيدنا وابن عمنا محمد بن عبد اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال: صدقت، لقد ملك قَومه أجَلّ الممالك، إلا أنه لم يعاين من الملك شيئاً، إنما عاينه من بعده ومن تولى الأمر على أمته من خلفائه، ورأيت صور أنبياء كثيرة منهم من قد أشار بيده جامعاً بين سبَّابته وإبهامه كالحلقة، كأن يصف أن الخليقة في مقداو الحلقة، ومنهم من قد أشار بسبابته نحو السماء كالمُرْهِبِ للخليقة بما فق، وغير ذلك، ثم سألني عن الخلفاء وزيّهم وكثير من الشرالى فأجبته على قدر ما أعلم منها، ثم قال: كم عمر الدنيا عندكم؟ فقلت: فقد تنوزع في ذلك، فبعض يقول: ستة آلاف سنة، وبعض يقول. دونها، وبعض يقول: أكثر منها، فقال:ذلك عن نبيكم. فقلت: نعم، فضحك ضحكاً كثيراً ووزيره أيضاً، وهو واقف !ذَ على إنكار ذلك، وقال: ما حسبت نبيكم قال هذا، فزللت فقلت: بلى هو قال ذلك، فرأيت الِإنكار في وجهه، ثم قال للترجمان: قل له ميز كلامك فإن الملوك لا تكلم إلا عن تحصيل، أما زعمت أنكم تختلفن في ذلك، فإنكم اختلفتم في قول نبيكم، وما قالت الأنبياء لا يجب أن يختلف فيه، بل هو مسلم لها، فاحذر هذا وشبهه أن حكيه، وذكر أشياء كثيرة ذهبت عنيِ لطول المدة، ثم قال لي: لم عدلت عن ملكك وهو أقرب إليك داراَ ونسباً. قلت: بما حدث على البصرة، ووقوعي إلى سيراف، ونزعت بي همتي إلى ملكك أيها الملك، لما بلغني من استقأمة ملكك، وحسن سيرتك، وكثرة جنوثك وشمول سياستك لسائر رعيتك فأحببت الوقوع إلى هذه المملكة ومشاهدتها، وأنا راجع عنها إلى بلادي، وملك ابن عمي، ومخبر بما شاهدت من جلالة هذا الملك، وسعة هذه البلاد وعموم هذا العدل، وحسن شَيَمِك أيها الملك المحمود، وسأقول بكل قول حسن وأثني بكل جميل، فسَرَّهُ ذلك، وأمرلي بجائزة سنية، وخلع شريفة، وأمر بحملي على البريد إلى مدينة خانقوا، وكتب إلى ملكها بإكرامي وتقديمي على من في ناحيته من سائر خواص الناس، وإقأمة النُزُل إلى وقت خروجي عنه، فكنت عنلى في أخصب عيش وأنهمه، إلى أن خرجت من بلاد الصين.ائيل، فقال: نعم على قلة البلد الذي كان به وفساد قومه عليه، ثم قلت: هذا عيسى ابن مريم عليه السلام على حماره الحواريُّونَ معه، فقال: لقد كان قليل المدة، إنما كان أمَده يزيد على ثلاثين شهراً شيئاً يسيراً، وعلا من سائر الأنبياء وأخبارهم ما اقتصرت على ذكر بعضه، ويزعم هذا القرشي وهو المعروف بابن هبار أنه رأى فق كل صورة كتابة طويلة قد دوِّن فيها ذكر أسمائهم، ومواضع بلدانهم، ومقادير اعمارهم، وأسباب نبواتهم وسيرهم، وقال: ثم رأيت صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جمل وأصحابه مُحْدِقون به في أرجلهم نعال عربية من جلود الِإبل، وفي أوساطهم الحبال، قد علقوا فيها المساويك، فبكيت، فقال للترجمان: سله عن بكائه، فقلت: هذا نبينا وسيدنا وابن عمنا محمد بن عبد اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال: صدقت، لقد ملك قَومه أجَلّ الممالك، إلا أنه لم يعاين من الملك شيئاً، إنما عاينه من بعده ومن تولى الأمر على أمته من خلفائه، ورأيت صور أنبياء كثيرة منهم من قد أشار بيده جامعاً بين سبَّابته وإبهامه كالحلقة، كأن يصف أن الخليقة في مقداو الحلقة، ومنهم من قد أشار بسبابته نحو السماء كالمُرْهِبِ للخليقة بما فق، وغير ذلك، ثم سألني عن الخلفاء وزيّهم وكثير من الشرالى فأجبته على قدر ما أعلم منها، ثم قال: كم عمر الدنيا عندكم؟ فقلت: فقد تنوزع في ذلك، فبعض يقول: ستة آلاف سنة، وبعض يقول. دونها، وبعض يقول: أكثر منها، فقال:ذلك عن نبيكم. فقلت: نعم، فضحك ضحكاً كثيراً ووزيره أيضاً، وهو واقف !ذَ على إنكار ذلك، وقال: ما حسبت نبيكم قال هذا، فزللت فقلت: بلى هو قال ذلك، فرأيت الِإنكار في وجهه، ثم قال للترجمان: قل له ميز كلامك فإن الملوك لا تكلم إلا عن تحصيل، أما زعمت أنكم تختلفن في ذلك، فإنكم اختلفتم في قول نبيكم، وما قالت الأنبياء لا يجب أن يختلف فيه، بل هو مسلم لها، فاحذر هذا وشبهه أن حكيه، وذكر أشياء كثيرة ذهبت عنيِ لطول المدة، ثم قال لي: لم عدلت عن ملكك وهو أقرب إليك داراَ ونسباً. قلت: بما حدث على البصرة، ووقوعي إلى سيراف، ونزعت بي همتي إلى ملكك أيها الملك، لما بلغني من استقأمة ملكك، وحسن سيرتك، وكثرة جنوثك وشمول سياستك لسائر رعيتك فأحببت الوقوع إلى هذه المملكة ومشاهدتها، وأنا راجع عنها إلى بلادي، وملك ابن عمي، ومخبر بما شاهدت من جلالة هذا الملك، وسعة هذه البلاد وعموم هذا العدل، وحسن شَيَمِك أيها الملك المحمود، وسأقول بكل قول حسن وأثني بكل جميل، فسَرَّهُ ذلك، وأمرلي بجائزة سنية، وخلع شريفة، وأمر بحملي على البريد إلى مدينة خانقوا، وكتب إلى ملكها بإكرامي وتقديمي على من في ناحيته من سائر خواص الناس، وإقأمة النُزُل إلى وقت خروجي عنه، فكنت عنلى في أخصب عيش وأنهمه، إلى أن خرجت من بلاد الصين.

وصف مدينة حمدان
قال المسعودي: وأخبرني أبو زيد الحسن بن يزيد السيرافي بالبصرةوكان قد قطنها وانتقل عن سيراف، وذلك في سنة ثلاث وثلثمائة، وأبو زيد هذا هو ابن عمر بن زيد بن محمد بن مزد بن ساسياد السيرافي، وكان الحسن بن يزيد من أهل التحصيل والتمييزأنه سأل ابن هبار هذا القرشي عن مدينة حمدان التي بها الملك وصفتها، فذكر سعتها، وكثرة أهلها، وأنها مقسومة على قسمين يفصل بينهما شارع عظيم طويل عريض، فالملك ووزيره وقاضي القضاة وجنوده وخصيانه، وجميع أسبابه في الشق الأيمن منه مما يلي المشرق لا يخالطهم أحد من العأمة، وليس فيه شيء من الأسواق، بل أنهار في سككهم مطردة، وأشجار عليها منتظمة، ومنازل فسيحة، وفي الشق الأيسر مما يلي المغرب الرعية والتجار والميرة والأسواق فإذا وضح النهار رأيت فيها قَهَارمة الملك وغلمانه وغلمان وزرائه ووكلائهم ما بين راكب وراجل قد دخلوا إلى الشق الذي فيه العأمة والتجار، فأخفا بضائعهم وحوائجهم، ثم انصرفا فلا يعود واحد منهم إلى هذا الشق إلا في اليوم الثاني، وأن هذه البلدان فيها كل نزهة وغَيْضَة حسنة، وأنها مُطَّردة إلا النخل فإنه معدوم عندهم.
مهارة أهل الصين
وأما أهل الصين فمن أحْنَقِ خلق اللهّ كفَاَ بنقش وصنعة وكل عمل لا يتقدمهم فيه أحد من سائر الأمم، والرجل منهم يصنع بيده ما يقدرأن غيره يعجز عنه؛ فيقصد به باب الملك يلتمس الجزاء على لطيف ما ابتدع، فيأمر الملك بنصبه على بابه من وقته ذلك إلى سنة، فإن لم يخرج أحد فيه غيبَاَ أجاز صانعه وأدخله في جملة صناعه، وإن أخرج أحد فيه عيباً طرحه ولم يجزْه، وأن رجلَاَ منهم صورسنبلة سقط عليها عصفرفي ثوب حرير، لا يشك الناظر إليها أنها سنبلة سقط عليها عصفر، فبقي الثوب مدة، وأنه اجتاز به رجل أحْدَبُ، فعاب العمل، فأدخل إلى الملك وأحضر صاحب العمل، فسأل الأحدب عن العيب، فقال: المتعارف عند الناس جميعاً أنه لا يقع عصفر على سنبلة إلا أمالها، وصَوَر هذا المصورالسنبلة فنصبها قائمة لامَيْلَ فيها، وأثبت العصفر فقها منتصباً، فأخطأ، فصدق الأحدب، ولم يثب صاحبها بشيء، وقَصْدُهم بهذاوشبهه الرياضة لمن يعمل هذه الأشياء؟ ليضطرهم ذلك إلى شدة الاحتراز والحذر وإعمال الفكرفيما يصنعه كل واحد منهم بيده.ولأهل الصين أخبار عظيمة عجيبة، ولبلادهم أخبار ظريفة سنورد فيمايرد من هذا الكتاب جملاً منها وإن كنا قد أتينا على سائر الأخبار من ذلك في كتابنا أخبار الزمان في الأمم الماضية والممالك الدائرة وذكرنا في الكتاب الأوسط جملاً لم نتعرض لذكرها في كتاب أخبار الزمان وربما ذكرنا في هذا الكتاب ما لم يتقدم ذكره في ذينك الكتابين، واللهّ أعلم.
ذكر جمل من الأخبار عن البحار
وما فيها وما حولها من العجائب والأمم، ومراتب الملوك وأخبار الأندلس ومعادن الطيب وأصوله وعدد أنواعه وغير ذلك
قد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب جملآَ من ترتيب البحار المتصلة والمنفصلة، فلنذكر الان في هذا الباب جملاً من أخبار ما اتصل بنا من البحر الحبشي والممالك والملوك، وجملاً من ترتيبها، وغير ذلك من أنواع العجائب.
اضطراب بحر فارس وبحر الهند وهدوئهما

فنقول: إن بحر الصين والهند وفارس واليمن متصلة مياهُهَاغير منفصلة، على ما ذكرنا، الا أن هيجانها وركودها مختلف لاختلاف مهاب رياحها وآثار ثورانها وغير ذلك، فبحر فارس تكثر أمواجه، ويصعب ركوبه، عند لين بحر الهند واستقامه ركوبه وقلة أمواجه، ويلين بحر فارس، وتقلُّ أمواجه، ويسهل ركوبه، عند ارتجاج بحر الهند، واضطراب أمواجه وظلمته، وصعوبة مركبه، فأول ما تبتدىء صعوبة بحر فارس عند دخول الشمس السنبلة وقرب الاستواء الخريفي، ولا يزال في كل يوم تكثر أمواجه إلى أن تصير الشمس إلى برج الحوت، فأشدًّ ما يكون ذلك في آخر الخريف عند كون الشمس في القوس، ثم يلين إلى أن تعود الشمس إلى السنبلة، وآخر ما يكون ذلك في آخر ما يكون ذلك في آخر الربيع عند كون الشمس في الجوزاء، وبحر الهند لا يزال كذلك إلى أن تصير الشمس إلى السنبلة فيركَبُ حينئذ، وأهدأ ما يكون عند كون الشمس في القوس، وبحر فارس يركَبُ في سائر السنة من عُمَان إلى سيراف، وهو ستون ومائة فرسخ، ومن سيراف إلى البصرة وهو أربعون ومائة فرسخ، ولا يتجاوز في ركوبه غير ما ذكرنا من هذين الموضعين ونحوهما، وقد حكى أبو معشر المنجم في كتابه المترجم بالمدخل الكبير إلى علوم النجوم ما ذكرنا من اضطراب هذه البحار وهدوئها عند كون الشمس فيما ذكرنا من البروج، وليس يكاد يقطع من عُمَان نحو الهند في انتهائه إلا مركب معزز، وحمولته يسيرة، وتسمى هذه المراكب بعمان إذا قَطَعَتْ أرض الهند في هذا الوقت التيرماهية، وذلك أن بلاد الهند وبحر الهند يكون فيه اليسارة وهو الشتاء ودوام الأمطار في كانون، وكانون وشباط عندنا صيف، وعندهم الشتاء، كما يكون عندنا الحر في حزيران وتموز وآب، فشتاؤنا صيفهم، وصيفهم شتاؤنا، وكذلك سائر مدن السند والهند وما اتصل بذلك إلى أقاصي هذا البحر، ومن شَتَّى في صيفنا بأرض الهند قيل: فلان يسَّرَ بأرض الهند، أي شتى هناك، وذلك لقرب الشمس وبعدها.
الغوص على اللؤلؤ
والغَوْص على اللؤلؤ في بحر فارس، وإنما يكون في أول نيسان إلى آخر أيلول، وما عدا ذلك من شهور السنة فلا غَوْص فَيها، وقد أتينا فيما سلف من كتبنا على سائر مواضع الغَوْص في هذا البحر؛ إذ كان ما عداه من البحار لا لؤلؤ فيه، وهو خاص بالبحر الحبشي من بلاد خارك وقطر وعمان يسرنديب وغير ذلك من هذا البحر، وقد ذكرنا كيفية تكون اللؤلؤ، وتنازع لناس في تكونه، ومن ذهب منهم إلى أن ذلك من المطر، ومن ذهب مهم إلى أن ذلك من غير المطر، وصفة صدف اللؤلؤ العتيق منه والحديث لفي يسمى بالمحار، والمعروف بالبلبل، واللحم الذي في الصدف الشحم، وهو حيوان يفزع على ما فيه من اللؤلؤوالدر خوفاً من الغَاصَةِ، كخوف المرأة على ولدها، وقد أتينا على ذكر كيفية الغوص، إن الغَاصَةَ لا يكادون يتناولون شيئاً من اللحمان إلا السمك والتمر، وغيرهما من الأقوات، وما يلحقهم، وذكر شق أصول آذانهم لخروج النفس من هناك بدلاً عن المنخرين، لأن المنخرين يجعل عليهما شيء من الدبل هو ظهور السلاحف البحرية التي تتخذ منها الأمشاط أو من القرن يضمهما كالمشقاص لامن الخشب، وما يجعل في آذانهم من القطن فيه شيء من الدهن، فيعصرمن ذلك الدهن اليسيرفي الماء في قعره، فيضيء لهم ذلك في البحر ضياء بينا، وما يطلون به أقدامهم وَأسوَاقهم من السواد حوفاً من بَلع دواب البحر إياهم ولنفرها من السواد، وصياح الغاصة في قعر البحركالكلاب، وخرق الصوت الماء فيسمع بعضهم صياح بعض، للغَوَاص واللؤلؤ وحيوانه أخبار عجيبة وقد أتينا على جميع أوصاف ذلك وصفات اللؤلؤ وعلاماته وأثمانه ومقادير أوزانه فيما سلف من كتبنا.فأول هذا البحر مما يلي البصرة والأبلة والبحرين من خشبات البصرة، ثم بحر لا روى وعليه بلاد صيمور وسوبارة وتابة وسندان وكنباية

وغيرها من السند والهند، ثم بحرهركند، ثم بحركلاه، وهوبحركلة والجزائر، ثم بحر كردنج، ثم بحر الصنف، وإليه يضاف العود الصنفي وإلى بلاده، ثم بحر الصين وهو بحر صنجي ليس بعده بحر، فأول بحار فارس على ما ذكرنا خشبات البصرة والموضع المعروف بالكفلاء وهي علامات منصوبة من خشب في البحر مغروسة علامات للمراكب إلى عمان مسافة ثلاثمائة فرسخ، وعلى ذلك ساحل فارس وبلاد البحرين، ومن عمان وقصبتها تسمى سنجار، والفرس يسمونها مزون إلى المسقط، وهي قرية منها يستقي أرباب المراكب الماء من آبار هناك عذبة خمسون فرسخاً، ومن المسقط إلى رأس الجمجمة خمسون فرسخاً، وهذا آخر بحر فارس، وطوله أربعمائة فرسخ، هذا تحديد النواتية وأرباب المراكب، ورأس الجمجمة جبل متصل ببلاد اليمن من أرض الشَحْر والأحقاف، والرمل منه تحت البحر، لا يدري أين تنتهي غايته في الماء أعني الجبل المعروف برأس الجمجمة، وإذا كان ما وصفنا من الجبل في البر ومنه تحت البحر سمي في البحر الرومي سفالة، من تلك السفالة في الموضع المعروف بساحل سلوقيا من أرض الروم، واتصالها تحت البحر بنحو من جزيرة قبرص، وعليها عطَبُ أكثر مراكب الروم وهلاكها، وإنما نعبر بلغة أهل كل بحروما يستعملونه في خطابهم فيما يتعارفنه بينهم، فمن هناك تنطلق المراكب إلى البحر الثاني وهو المعروف بلا روي ولا يُدْرى عمقه ولا يحصر طوله وعرضه عند البحريين، وربما يقطع في الشهرين والثلاثة وفي الشهر، على قدر مهاب الريح والسلأمة، وليس في هذه البحار أعني مااحتوى عليه البحر الحبشي أكبر من هذا البحر بحر لاروى، ولا أشد، وفي عرضه بحر الزنج وبلادهم، وعنبر هذا البحر قليل، وذلك أن العنبرأكثره يقع إلى بلاد الزنج وساحل الشَحْر من أرض العرب، وأهل الشحر أناس من قضاعة وغيرهم من العرب، وهم مَهْرة، ولغتهم بخلاف لغة العرب، وذلك أنهم يجعلون الشين بدلاً من الكاف، مثال ذلك أن يقولوا: هل لَش فيما قُلْت لَش، وقلت لي: أن تجعلي الذي معي في الذي مَعَش، يريد هل لك فيما قلت لك، وقلت لي أن تجعلي الذي معي في الذي معك، وغير ذلك من خطابهم ونوادر كلامهم، وهم فو فقر وفاقة، ولهم نُجُب يركبونها بالليل تعرف بالنجب المَهْرِيَّة تشبه في السرعة بالنجب البجاوية، بل عند جماعة أنها أسرع منها، يسيرون عليها على ساحل بحرهم، فإذا أحسَّتْ هذه النجب بالعنبر قد قذفه البحر بركت عليه، قد رِيضَتْ لذلك واعتادته، فيتناوله الراكب، وأجود العنبر ما وقع في هذه الناحية وإلى جزائر الزنج، وساحله، وهو المدور الأزرق النادر كبيض النعام أو دون ذلك، ومنه ما يبلعه الحوت المعروف بالأوال المقدم ذكره، وذلك أن البحر إذا أشتد قذف من قعره العنبر كقطع الجبال وأصغر، على ما وصفنا، فإذا ابتلع هذا الحوت العنبر قتله فيطف فق الماء، ولذلك اناس يرصدونه في القوارب من الزنج وغيرهم، فيطرحون فيه الكلاليب والحبال، فيشقون عن بطنه ويستخرجون العنبر منه، فما يخرج من بطنه يكون سَهِكاً، ويعرفه العطارون بالعراق وفارس بالند، وما بقي على ظهر الحوت منه كان نقياً جيداً، على حسب لبثه في بطن الحوت، وبين البحر الثالث وهو هركند والبحر الثاني وهو لاروى على ما ذكرنا جزائر كثيرة، وهي فرز بين هذين البحرين، ويُقال: إنها نحو من ألفي جزيرة، وفي قول المحق ألف وتسعمائة جزيرة كلها عامر بالناس، وملكة هذه الجزائر كلها امرأة، وبذلك جرت عادتهم من قديم الزمان لا يملكهم رجل، والعنبر يوجد في هذه الجزائر أيضاً، يقذفه البحر، ويوجد في بحرها، كأكبر ما يكون من قطع الصخر، وأخبرني غير واحد من نَوَاخذة السيرافيين والعمانيين بعمان وسيراف وغيرها من التجار ممن كان يختلف إلى هذه الجزائر أن العنبرينبت في قعر هذا البحر، ويتكون كتكون أنواع الفطر: من الأبيض، والأسي، والكمأة والمغاريد، وبنات أوْبَرَ ونحوها، فإذا هاج البحر وأشتد قذف من قعره الصخور والأحجار وقطع العنبر، وأهل هذه الجزائر متفقون، وكلمتهم واحدة، ولا يحصرهم العد لكثرتهم، ولا تحصى جيوش هذه الملكة عليهم، وبين الجزيرة والجزيرة نحو الميل والفرسخ والفرسخين والثلاثه، ونخلهم شجر النارجيل، لا يفقد من النخلة إلا التمر، وقد زعم أناس ممن عنى بتوالدات الحيوان وتطعيم الأشجار أن النارجيل هو نخل المقل، وإنما أثرت فيه تربة الهند حين غرس فيها فصار

نارجيلاً، وإنما هو نخل المقل، وقد ذكرنا في كتابنا المترجم بالقضايا والتجارب ما تؤثَره كل بقعة من بقاع الأرض وهوائها في حيوانها من الناطقين وغيرهم، وما يؤثر البقاع في النامي من النبات، وفيما ليس بنام، كتأثير أرض الترك في وجوههم وصغر أعينهم، حتى أثر ذلك في جِمَالهم، فقصرت قوائمها، وغلظت رقابها، وأبيض وَبَرها؛ وأرض يأجوج ومأجوج في صورهم، وغير ذلك، مما إذا تبينه فو المعرفة في سكان الأرض من المشرق والمغرب وجدوه على ما ذكرناه،وليس يوجد في جزائرارجيلاً، وإنما هو نخل المقل، وقد ذكرنا في كتابنا المترجم بالقضايا والتجارب ما تؤثَره كل بقعة من بقاع الأرض وهوائها في حيوانها من الناطقين وغيرهم، وما يؤثر البقاع في النامي من النبات، وفيما ليس بنام، كتأثير أرض الترك في وجوههم وصغر أعينهم، حتى أثر ذلك في جِمَالهم، فقصرت قوائمها، وغلظت رقابها، وأبيض وَبَرها؛ وأرض يأجوج ومأجوج في صورهم، وغير ذلك، مما إذا تبينه فو المعرفة في سكان الأرض من المشرق والمغرب وجدوه على ما ذكرناه،وليس يوجد في جزائر البحر ألطف صنعة من أهل هذه الجزائر في سائر المهن والصنائع، في الثياب والآلات وغير ذلك، وبيوت أموال هذه الملكة الودع، وذلك أن هذا الودع فيه نوع من الحيوان، وإذا قل مالها أمرت أهل هذه الجزائر أنيقطعوا من سعف نخل النارجيل بخوصه، ويطرحونه على وجه الماء، فيتراكب عليه ذلك الحيوان، فيجمع ويطرح على رمل الساحل، فتحرق الشمس ما فيه من الحيوان، ويبقى الودع خالياً مما كان فيه، فتملأ من ذلك بيوت الأموال، وهذه الجزائر تعرف جميعها بالدبيحات ومنها يحمل أكثر الزانج، وهو النارجيل، وآخر هذه الجزائر جزيرة سرنديب، ويلي جزيرة سرنديب جزائر أخر نحو من ألف فرسخ تعرف بالرامين معمورة وفيها ملوك وفيها معادن من ذهب كقيرة، ويليها بلاد قنصور وإليها يضاف الكافر القنصوري، والسنة التي تكون كثيرة الصواعق والبروق والرَّجْف والقذف والزلازل يكثر فيها الكافر، وإذا قل ذلك كان نقصاناً في وجوده، وأكثر ما ذكرنا من الجزائر غذاؤهم النارجيل، ويحمل من هذه الجزائر خشب البَقَم والخيزران والذهب، وفيلتها كثيرة، ومنها ما يأكل لحوم الناس، وتتصل هذه الجزائر بجزائر النجمالوس، وهي أمم عجيبة الصور عراة يخرجون في القوارب عند اجتياز المراكب بهم، معهم العنبر والنارجيل، فيتعاوضون بالحرير وشيء من الثياب، ولا يبيعون ذلك بالدراهم ولا بالدنانير، وتليهم جزائر يُقال لها أندامان، فيها اناس سود عجيبو الصورة والمنظر مفلفلو الشعور قَدَمُ الواحد منهم أكبر من الذراع، لأمراكب لهم، فإذا وقع الغريق إليهم مما قد انكسر في البحر أكلوه، وكذلك فعلهم بالمراكب إذا وقعت إليهم، وذكر لي جماعة من النواخذة أنهم ربما رأوا في هذا البحر سحاباً أبيض قطعاً صغاراً يخرج منه لسان أبيض طويل حتى يتصل بماء البحر، فإذا اتصل به غَلَا البحر لذلك، وارتفعت منه زوابع عظيمة، لا تمر زوبعة منها بشيء إلا أتلفته، ويُمْطَرون عقيب ذلك مطراً سهِكاً فيه أنواع من قذى البحر.
بحر كلة
وأما البحر الرابع فهو كلاهبار، على حسب ما ذكرنا، وتفسير ذلك بحر كلة، وهو بحر قليل الماء، وإذا قل ماء البحر كان أكثر آفات وأشد خبثَاَ، وهو كثير الجزائر والصراوي، واحدها صرو، وذلك أن أهل المراكب يسمون ما بين الخليجين إذا كان طريقهم فيه الصرو، وبهذا البحر أنواع من الجزائر والجبال عجيبة، وإنما غرضنا التلويح بلمع من الأخبار عنها، لا البسط،.
بحر كردبح
وكذلك البحر الخامس المعروف بكردبح، فإنه كثير الجبال والجزائر، وفيه الكافر، وهو قليل الماء كثير المطر، لا يكاد يخلو منه، وفيه أجناس من الأمم منهم جنس يُقال له الفنجب: شعورهم مفلفلة وصورهم ومناظرهم عجيبة، يتعرضون في قوارب لهم لطاف للمراكب إذا اجتازت بهم، ويرمون بنوع من السهام عجيبة قد سُقِيت السم، وبين هذه الأمة وبين بلاد كلة جبال معادن الرصاص الأبيض وجبال من الفضة، وفيها أيضاً معادن من الذهب، ورَصَاص لا يكاد يتميز منه.
بحرالصنف

ثم يليه بحر الصنف على ما رتبناه آنفاً، وفيه مملكة المهراج ملك الجزائر، وملكه لا يضبط كثرة، ولا تحصى جنوده، ولا يستطيع أحد من الناس في أسرع ما يكون من المراكب أن يمر بجزائره في سنين، وقد حاز هذا الملك أنواع الطيب والأفاوية، وليس لأحد من الملوك ماله، ومما يحمل من بلاده ويجهز من أرضه الكافر والعود والقرنفل والصَنْدَل والجوز والبسباسة والقاقلة والكبابه وغير ذلك مما لم نذكره، وجزائره تتصل ببحر لا تدرك غايته، ولا يعرف منتهاه مما يلي بحر الصين، وفي أطراف جزائره جبال فيها أمم كثيرة بيض، آذانهم مخرمة ووجوههم كقطع التراس مُطْرَقة، يجزُّون شعورهم كما يجز الشعر من الزق مدرجاً، تظهر من جبالهم النار بالليل والنهار، فنهارها حمراء وبالليل تسود، وتلحق بعنان السماء لعلوها وذهابها في الجو، تقذف بأشد ما يكون من صوت الرعد والصواعق، وربما يظهر منها صوت عجيب مفزع ينذر بموت ملكهم، وربما يكون أخفض من ذلك فينذر بموت بعض رؤسائهم، قد عرف ما ينذر من ذلك يطول العادات والتجارب على طول السنين، وأن ذلك غير مختلف، وهذه أحد آطام الأرض الكبار 4 وتليها الجزيرة التي يسمع منها على دوام الأوقات أصوات الطبول والسرنايات والعيدان وسائر أنواع الملاهي المطربة المستلذة، ويسمع إيقاع الرقص والتصفيق، ومن يسمع ذلك يميز بين كل نوع من أصوات الملاهي وغيره، والبحريون ممن اجتاز بتلك الديار يزعمون أن الدجال بتلك الجزيرة.وفي مملكة المهراج جزيرة سريرة، ومسافتها في البحر نحومن أربعمائة فرسخ، عمائر متصلة، وبه جزيرة الزانج والرامني وغير ذلك مما لا يؤتى على ذكره من جزائره وملكه، وهو صاحب البحر السادس، وهو بحرالصنف.
بحر الصين
ثم البحر السابع وهو بحر الصين على ما رتبناه آنفاً، ويعرف ببحر صنجى وهو بحر خبيث كثير الموج والخب، وتفسير الخب الشدة العظيمة في البحر، وإنما نخبر عن عبارة أهل كل بحر وما يستعملونه في خطابهم، وفيه جبال كثيرة لا بد للمراكب من النفذ بينها، وذلك أن البحر إذا عظم خبه وكثر موجه ظهرت أشخاص سود طول الواحد منهم نحو الخمسة أشبار أو الأربعة كأنهم أولاد الأحابيش الصغار، شكلاً واحداً، وقداً واحداً، فيصعدون على المراكب، ويكثر منهم الصعود من غير ضرر ة فإذا شاهد الناس ذلك تيقنوا الشدة فإن ظهورهم علأمة للخب، فيستعدون لذلك: فمعافى، ومبتلى، فإذا كان كذلك. ربما شاهد المعاقى منهم في أعلى الدقل ويسميه أرباب المراكب في بحر الصين وغيره من البحر الحبشي الدولي، ويسميه الرجال في البحر الرومي الصاري شيئاً على صورة الطائر يتوقد نوراً لا يستطيع الناظرمنهم على ملء بصره منه، ولا إداركه كيف هو، فإذا أستقل على أعلى الدقل يرون البحر يهدأ، والأمواج تصغر، والخب يسكن، ثم إن ذلك النور يفقد؛ فلا يدرى كيف أقبل، ولا كيف ذهب، فذلك علأمة الخلاص، ودليل النجاة، وما ذكرنا فلا تناكر فيه عند أهل المراكب والتجار من أهل البصرة وسيراف وعمان وغيرهم ممن قطع هذا البحر، وما ذكرناه عنهم فممكن غير ممتنع ولا واجب؛ إذا كان جائزاً في مقدور الباري جَلّ وعز خلاص عباده من الهلاك واستنقاذهم من البلاد.وفي هذا البحر نوع من السراطين يخرج من البحر كالذراع والشبر وأصغر من ذلك وأكبر، فإذا بان عن الماء بسرعة حركة وصار على البر صار حجارة وزالت عنه الحيوانية، وتدخل تلك الحجارة في أكحال العين وأدويتها، وأمره مستفيض أيضاً.
ولبحر الصين أيضَاَ وهو السابع المعروف بصنجى أخبار عجيبة،وقد أتينا على جمل من أخباره وأخبار ما اتصل به من البحار فيما سمينا من كتبنا وأسلفنا من تصنيفنا في هذا المعنى، ونحن ذاكروان فيما يرد من هذا الكتاب من أخبار الملوك جوامع وجملاً من ذلك.وليس بعد بلاد الصين مما يلي البحر ممالك تعرف ولا توصف، إلابلاد السيلى وجزائرها، ولم يصل إليها من الغرباء أحد من العراق ولا غيره، فخرج منها ة لصحة هوائها، ورقة مائها، وجودة ترتبها، وكثرة خيرها وصفاء جواهرها إلا النادر من الناس، وأهلها مهادنون لأهل الصين وملوكها، والهدايا بينهم لا تكاد تنقطع، وقد قيل: إنهم تشعبوا من ولد عامو، وسكنوا هناك، على حسب ما ذكرنا من سكنى أهل الصين في بلادهم، وللصين أنهار كبار مثل الدجلة والفرات، تجري من بلاد الترك والتبت والصغد، وهي بين بخارى وسمر قند.

جبال النوشادر
وهناك جبال النوشادر، فإذا كان في الصيف رؤيت في الليل نيران قد ارتفعت من تلك الجبال من نحو مائة فرسخ بالنهار يظهر منها الدخان لغلبة شعاع الشمس وضوء النهار، ومن هناك يحمل النوشادر، فإذا كان في أول الشتاء فمن أراد من بلاد خراسان أن يسلك إلى بلاد الصين صار إلى ما هنالك وهنالك واد بين تلك الجبال طوله أربعون ميلاً أو خمسون فيأتي إلى أناس هنالك على فم الوادي فيرغبهم في الأجرة النفيسة فيحملون ما معه على أكتافهم، وبأيديهم العصي يضربون جنبيه خوفاً أن يبلح أو يقف فيموت من كَرْب الواعي وَهَوْله، حتى يخرجوا إلى ذلك الرأس من الوادي، وهنالك غابات ومستنقعات للماء، فيطرحون أنفسهم في ذلك الماء، لما قد نالهم من شدة الكرب وحر النوشادر، ولا يسلك ذلك الطريق شيء من البهائم، لأن النوشادريلتهب ناراً في الصيف، فلا يسلك ذلك الوادي داع ولا مجيب، فإذا كان الشتاء وكثرت الثلوج والأنداء وقع في ذلك الموضع فأطفأ حر النوشادر ولهيبه، فسلك الناس حينئذ ذلك الوادي، والبهائم لا صبر لها على ما ذكرناه من حره، وكذلك مَنْ ورد من بلاد الصين فُعِل به من الضرب ما فعل بالمار، والمسافة من بلاد خراسان على الموضع الذي ذكرناه إلى بلاد الصين نحو من أربعين يوماً بين عامروغير عامر ودماس ورمل، وفي غير هذه الطريق مما يسلكه البهائم نحو من أربعة أشهر، إلا أن ذلك في خفارات أنواع من الترك.
وصف بلاد التبت
وقد رأيت بمدينة بلخ شيخاً جميلاً ذا رأي وفهم وقد دخل الصين مراراً كثيرة ولم يركب البحر قط، ورأيت عدة من الناس ممن سلك من بلاد الصغد على جبال النوشادر إلى ارض التبت والصين ببلاد خراسان وبلاد الهند متصل ببلاد خراسان والسند مما يلي بلاد المنصورة والمولتان، والقوافل متصلة من السند إلى خراسان، وكذلك إلى الهند، إلى أن تتصل هذه الديار ببلاد زابلستان، وهي بلاد واسعة تعرف بمملكة فيروز بن كبك، وفيها قلاع عجيبة ممتنعة، ولغات مختلفة، وامم كثيرة، وقد تنازع الناس في أنسابهم: فمنهم من ألحقهم بولد يافث بن نوح، ومنهم من ألحقهم بالفرس الأولى في نسب طويل، وبلاد التبت مملكة متميزة من بلاد الصين، والغالب عليهم حِمْيَر، وفيهم بعض التبابعة على حسب ما ذكرنا من أخبار ملوك اليمنِ فيما يرد من هذا الكتاب، وذلك موجود في أخبار التبابعة، ولهم حَضرٌ وَبَحْو، وبواديهم ترك لا تدرك كثرة، ولا يقاومهم أحد من بوادي الأتراك، وهم معظمون في سائر أجناس الترك ة لأن الملك كان منهم في قديم الزمان، وعند سائر أجناس الترك أن الملك سيعود إليهم ويرجع فيهم ولبلاد التبت خواص عجيبة في هوائها وسهلها ومائها وجبلها، ولا يزال الِإنسان أبداً ضاحكاً بها فرحاً مسروراً، لا تعرض له الأحزان ولا الغموم ولا الأفكار، ولا تحصى عجائب ثمارها وزهرها . ومروجها وهوائها وأنهارها، وهي بلاد تقوى فيها طبيعة الدم على الحيوان الناطق وغيره، ولا يكاد يُرَى في هذا البلد شيخ حزين ولا عجوز، بل الطرب في الشيوخ والكهول والشباب والأحداث عام، وفي أهلها رقة طبع وبشاشة وأريحية تبعث على كثرة استعمال الملاهي والمعاقرة وأنواع إيقاع الرقص، حتى إن الميت إذا مات لا يكاد يداخل أهله عليه كثير من الحزن مما يلحق غيرهم من سائر الناس عند فقد محبوب أو فت مطلوب، ولهم تحنن كثيرمن بعضهم على بعض، والتتيم فيهم عام، وكذلك يظهر في سائر بلادهم، وهذه البلاد تسمى بمن ثبت فيها ورتب من رجالى حمير فقيل تبت لثبوتهم فيها، وقيل: لمعاني غير ذلك، والأشهر ما وصفنا، وقد افتخر دعبل بن علي الخزاعي بذلك في قصيدته التي يناقض فيها الكميت ويفخر بقحطان على نزار، فقال:
وهم كَتَبُوا الكتاب بباب مَرْوٍ ... وباب الصين كانوا الكاتبينا
وهم سموا السهام بسمرقند ... وهم غرسواهناك التبتينا

وسنذكر في باب أخبار ملوك اليمن طرفاً من أخبار ملوكهم، ومن طاف منهم البلاد، وبلاد التبتَ متاخمة لبلاد الصين وأرضها من إحدى جهاته، ولأرض الهند وخراسان ولمفاوز الترك، ولهم مدن وعمائر كثيرة فات مَنَعَة وقوة، وقد كانوا في قديم الزمان يسمون ملوكهم تُبعاً اتِّباعاً لاسم تبع ملك اليمن، ثم إن الدهر ضرب ضرباته، فتغيرت لغاتهم عن الحميرية، وجالت إلى لغة تلك البلاد ممن جاورهم من الأمم فسموا ملوكهم بخاقان.
ظباء المسك
وفي بلادهم الأرض التي بها ظباء المسك التبتي الذي يفضل على الصينين بجهتين: إحداهما أن ظباء التبت ترعى سنبل الطيب وأنواع الأفاويه وظباء الصين ترعى الحشيش دون ما ذكرنا من أنواع حشائش الطيب التي ترعاه التبتية، والجهة الأخرى أن أهل التبت لا يتعرضون لإِخراج المسك من نَوَافجه ويتركونه على ما هو به وأهل الصين يخرجونه من النوافج ويلحقونه الغش بالدم وغيره من أنواع الغش، وأن الصيني أيضاً يقطع به ما وصفنا من مسافة البحار وكثرة الأنداء واختلاف الأهوية، وإنْ عُدِم من أهل الصين الغش في مسكهم وأودع براني الزجاج وأحكم عِفاصها ووكاؤها، وأورد إلى بلاد الاسلام من عمان وفارس والعراق وغيرها من الأمصار، كان كالتبتي، وأجود المسك وأطيبه ما خرج من الظباء بعد بلوغه النهاية في النضج، وذلك أنه لا فرق بين غزلاننا هذه وبين غزلان المسك في الصورة والشكل واللون والقرن، وإنما تتبين تلك بأنياب لها كأنياب الفيلَة، لكل ظبي نابان خارجان من الفكين قائمان منتصبان أبيضان نحو الشبر وأقل وأكثر، فتنصب لها في بلاد التبت والصين الحبائل والأشراك وَالشِّبَاك فيصطادونها، وربما رموها بالسهام فيصرعونها فيقطعون عنها نوافجها والدم في سررها حار لم ينضج وطَري لم يدرك، فيكون لريحته سهوكة، فيبقى زماناً حتى تزول منه تلك الرائحة السهكة الكريهة، ويستحيل بمواد من الهواء فيصير مسكاً، وسبيل ذلك سبيل الثمار إذا أبينت عن الأشجار وقطعت قبل استحكام نضجها في شجرها واستحكمام موادها فيه، وخير المسك ما نضج في وعائه، وأدرك في سرته، واستحكم في حيوانه، وتمام مواده، وذلك أن الطبيعة تدفع مواد الدم إلى السرة، فإذا استحكم كون الدم فيها ونضج آذاه ذلك وَحًكهُ فيفزع حينئذ إلى أحد الصخور والأحجار الحارة من حر الشمس فيحتك بها مستلذاً بذلك فينفجر حينئذ ويسيل على تلك الأحجار كانفجار الْخرَّاج والدمَل إذا نضج ما فيه عند ترادف المواد عليه فيجد لخروجه لدة، فإذا فرغ ما في نافجته اندمل حينئذ، ثم اندفعت إليه مواد من الدم، ويجتمع ثانية ككونها بَدءاً، فتخرج رجال التبت يقصمون مراعيها بين تلك الأحجار والجبال، فيجحون المم قد جف على تلك الصخور والأحجار، وقد أحكمته المواد، وأنضجته الطبيعة في حيوانه،. وَجَفَّفَته الشمس، وأثر فيه الهواء، فيأخنونه، فذلك أفضل المسك، فيودعونه نوافج معهم قد أخفها من غزلان قد أصطادوها مستعحة معهم؟ فذلك الذي تستعمله ملوكهم ويتهادونه بينهم، ويحمله التجار في النادر من بلادهم، والتبت ف مدن كثيرة، فيضاف مسك كل ناحية إليها.قال المسعودي: وقد أقرت ملوك الصين والترك والهند والزنج وسائر

ملوك العالم لملك بابل بالتعظيم، وأنه أول ملوك العالم، وأن منزلته فيهم كمنزلته فيهم كمنزلة القمر في الكواكب؛ لأن إقليمه أشرف الأقاليم، ولأنه أكثر الملوك مالاً، وأحسنهم طبعاً، وأكثرهم سياسة، وأثبتهم قحمأ، وهذا وصف ملوك هذا الِإقليم فيما مضى، لا في هذا الوقت، وهو سنة اثنتيز وثلاثين وثلثمائة، وكانوا يلقبون هذا الملك شاهنشاه، وتفسيره ملك الملوك، ومنزلته في العالم منزلة القلب من جسد الِإنسان والواسطة من القلادة، ثم يتلوه ملك الهند، وهوملك الحكمة، وملك الفيلَة؟ لأن عند الملوك الأكاسرة أن الحكمة من الهند بدؤها، ثم يتلوه في المرتبة ملك الصين، وهو ملك الرعاية والسياسة وإتقان الصنعة، وليس في ملوك العالم أكئررعاية وتفقداً من ملك الصين لرعيته من جنده وعوامه، وهو ف بأس شذيد، وقوة وَمَنَعَة، له من الجنود المستعمة، والكراع والسلاح،ويرزق جنمه كفعل ملوك بابل، ثم يتلو ملك الصين ملك من ملوك الترك صاحب مدينة كوشان، وهو ملك الطغزغز من الترك، ويدعى ملك السباع وملك الخيل؛ إذ ليس في ملوك العالم أشد بأساً من رجاله، ولا أشد استئساداً منه على سفك الدماء، ولا أكثر خيلاً منه، ومملكته فرز بين بلاد الصين ومفاصز خراسان، ويدعى بالاسم الأعم أيرخان، وللترك ملوكٌ كثيرة، وأجناص، مختلفة، ولا تنقاد إلى ملكه، إلا أنه ليس منهم من يُدَانِي ملكه، ثم يتلوه ملك الروم، ويدعى ملك الرجال، وليس في ملوك العالم أصبح وجوهاً من رجاله، ثم إن ملوك العالم تتفاوت مراتبها ولا تتساوى، وقد قال ف عناية بأخبار العالم وملركهم في شعر له يصف جملاً من مراتب العالم وممالكهم وأسمائهم:
الد ار داران: أيوان، وغمد ان، ... وا لملك مُلْكَان: ساسان، وقحطان
والأرض فارس والإقليم بابل، ... والإسلام مكة، والدنيا خراسان
والجانبان العليان اللذا حسنا ... منها بخارى وبلخ الشاهدا ران
والبيلقان وطبرستان فارزها ... والري شروانها، والجيل جيلان
قد رتب الناس فيها في مراتبهم ... فمرزبان، وبطريق، وطرخان
للفرس كسرى وللروم القياصر وال ... حبش النجاشيئُ، والأتراك خاقان

وصاحب صقلية وإفريقية من بلاد المغرب قبل ظهور الإِسلام كان يدعى جرجير وصاحب الأندلس كان يدعى لذريق، وهذا كان اسم سائر ملوك الأندلس، وقد قيل: إنهم كانوا من الأشبان، وهم أمة من ولد يافث بن نوح، دثرت هنالك، والأشهر عند من سكن الأندلس من المسلمين أن لذريق كان من ملوك الأندلس الجلالقة، وهم نوع من الإفرنجة، وآخر لذريق الذي كان بالأندلس قتله طارق مولى موسى بن نصير حين افتتح بلاد الأندلس ودخل إلى مدينة طليطلة وكانت قصبة الأندلس، ودار مملكتهم، ويشقها نهر عظيم يدعى تاجة يخرج من بلاد الجلالقة والوشكند، وهي أمة عظيمة لهم ملوك، وهم حَرْب لأهل الأندلس كالجلالقة والإِفرنجة، وبصب هذا النهر في البحر الرومي، وهو موصوف بأنه من أنهار العالم، وعليه على بعد من طليطلة مدينة طلبيرة، ثم قنطرة عظيمة تدعى قنطرة السيف بنتها الملوك السالفة، وهي من البنيان المذكور الموصوف وإنها أعجب عقوداً من قنطرة سنجة من الثغر الخزري مما يلي سميساط من بلاد سرجة، ومدينة طليطلة ذات منعة عليها أسوار منيعة، وأهلها بعد أن فتحت وصارت لبني أمية قد كانوا عصَوْا على الأمويين، فأقامت مدة سنين ممتنعة، لاسبيل للأمويين إليها، فلما كان بعد الخمس عشرة وثلثمائة فتحها عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ابن الحكم الأموي وعبد الرحمن هذا هو صاحب الأندلس في هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وقد كان غَيرَ كثيراً من بنيان هذه المدينة حين افتتحها، وصارت دار مملكة الأندلس قرطبة إلى هذا الوقت، ومن قرطبة إلى مدينة طليطلة نحو من سبع مراحل، ومن قرطبة إلى البحر مسيرة نحو من ثلاثة أيام، ولهم على يوم ساحل البحر مدينة يُقال لها إشبيلية، وبلاد الأندلس يكون مسيرة عمائرها ومدنها نحواً من شهرين، ولهم من المدن الموصوفة نحو من أربعين مدينة، وتدعى بنوأمية بها ببني الخلائف، ولا يخاطبون بالخلفاء؛لأن الخلافة لا يستحقها عندهم إلا من كان مالكأ للحرمين، غير أنه يخاطب بأمير المؤمنين.
بنو أمية بالأندلس

وقد كان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان سارإلى الأندلس في سنة تسع وثلاثين ومائة فملكها ثلاثاً وثلاثين سنة وأربعةأشهر، ثم هلك، فملكها ابنه هشام بن عبد الرحمن سبع سنين، ثم ملكها ابنه الحكم بن هشام نحواً من عشرين سنة، وولَده وُلاتُهَا إلى اليوم على ما ذكرنا أن صاحبها عبد الرحن بن محمد، ووليُّ عهد عبد الرحمن في هذا الوقت فتاه الحكم أحسن الناس سيرة، وأجملهم عدلًا، وقد كان عبد الرحمن صاحب الأندلس في هذا الوقت المقدم ذكره غزا سنة سبع وعشرين وثلثمائة في أزيد من مائة ألف فارس من الناس، فنزل على دار مملكة الجلالقة، وهي مدينة يُقال لها سمورة، عليها سبعة أسوار من عجيب البنيان قد أحكمتها الملوك السالفة، بين الأسوار فصلان وخنادق ومياه واسعة، فافتتح منهما سورين، ثم إن أهلهما ثاروا على المسلمين فقتلوا منهم ممن أدرك الإِحصاء وممن عُرِفَ أربعين ألفاً، وقيل: خمسين ألفاً، وكانت للجلالقة والوشكند على المسلمين، وآخر ما كان بأيدي المسلمين من مدن الأندلس وثغورها مما يلي الإِفرانجة مدينة أربونة، خرجت من أيدي المسلمين سنة ثلاثين وثلاثمائة مع غيرها مما كان في إيديهم من المدن والحصون، وبقي ثغر المسلمين في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة من شرقي الأندلس طَرْطوشة، وعلى ساحل بحر الروم مما يلي طرطوشة آخذاً في الشمال أفراغة على نهر عظيم، ثم لاردة، ثم بلغني عن هذه الثغور أنها تلاقي الِإفرانجة، وهي أضيق مواضع الأندلس، وقد كان قبل الثلثمائة ورد إلى الأندلس مراكب في البحر فيها ألوف من الناس أغْارت على سواحلهم، زعم أهل الأندلس أنهم ناس من المجوس تطرأ إليهم في هذا البحر في كل مائتين من السنين، وأن وصولهم إلى بلادهم من خليج يعترض من بحر أوقيانوس، وليس بالخليج الذي عليه المنارة النحاس، وأرىوالله أعلم أن هذا الخليج متصل ببحر مايطس ونيطس وأن هذه أمة هم الروس الذين قدمنا ذكرهم فيما سلف من هذا الكتاب إذ كان لا يقطع هذه البحار المتصلة ببحر أوقيانوس غيرهم، وقد أصيب في البحر الرومي فيما بين جزيرة أقريطش ألواح المراكب الساج المثقبة المخيطة بليف النارجيل من مراكب قد عطبت تقاذفت بها الأمواج في مياه البحار، وهذا لا يكون إلا في البحر الحبشي لأن مراكب البحر لرومي والعرب كلها فات مسامير، ومراكب البحر الحبشي لا يثبت فيها الحديد لأن ماء البحريذيب الحديد فترق المسامير في البحر وتضعف، فاتخذ أهلها الخياطة بالليف بدلاً منها، وطُلِيَتْ بالشحوم والنورة، فهذا يدل واللّه أعلم على إتصال البحار، وأن البحر مما يلي الصين وبلادالسيلى يحور على بلاد الترك، ويُفْضِي إلى بحار المغرب من بعض خلجان أوقيانوس المحيط.وقد كان وجد بساحل بلاد الشام عنبر قذف به البحر، وهذا من المستئكر فيَ البحر الرومي الذي لم يعهد فيه من قديم الزمان مثل ذلك، يمكن أن يكون سبيل وقوع العنبر إلى هذا البحر سبيل ما ذكرناه من ألواح مراكب البحر الصيني، والله أعلم بكيفية ذلك وعلمه.ولبحر المغرب وما قرب منه من عمائر السودان وأقاصي أرض المغرب أخبار عجيبة.
بلاد الحبشة والسودان

وقد ذكر فو العناية بأخبار العالم أن أرض الحبشة وسائر السودان كلها مسيرة سبع سنين، وأن أرض مصرجزء واحد من ستين جزءاً من ض السودان، وأن أرض السودان جزء وأحد من الأرض كلها، وأن الأرض كلها مسيرة خمسمائة سنة: ثلث عمران مسكون مأهول، وثلثٌ براري غير مسكون، وثلثٌ بحار، وتتصل أقاصي السودان العراة بآخر بلاد ولدإدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام من أرض المغرب، وهي بلاد تلمسان وتاهرت وبلاد فاس ثم السوس الأدنى، وبينه وبين بلاد القيروان نحو ألفي ميل وثلثمائة ميل، وبين السوس الأدنى والسوس الأقصى من المسافة نحو من عشرين يوماًعمائر متصلة إلى أن تتصل بوادي الرمل والقصر الأسود، ثم يتصل ذلك بمفاوز الرمل التي فيها المدينة المعروفة بمدين النحاس وقباب الرصاص التي سار إليها موسى بن نصير في أيام عبد الملك بن مروان ورأى فيها ما رأى من العجائب، وقد ذكر ذلك في كتاب يتداوله الناس، وقد قيل: إن ذلك في مفاوز تتصل ببلاد الأندلس، وهي الأرض الكبيرة، وقد كان ميمون بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الفارسي وهو إِباضِيُّ المذهب، وهو الذي أنشأ في ذلك البلد مذهب الخوارج، وقد قيل: إنهم من بقايا الأشبان عمَّرَ تلك الديار، وكانت له حروب مع الطالبيين، وقد ذكرنا فيما يرد من هذا الكتاب تنازع الناس في الأشبان، ومن قال: إنهم من الفرس ناقلة من بلاد أصبهان.
بلاد المغرب
وفي هذا الصقع من بلاد المغرب خلق من الصُّفْرِية الخوارج،لهم مدن ممدودة مثل مدينة ثرغية، وفيها معدن كبيرمن الفضة، وهو مما يلي الجنوب ويتصل ببلاد الحبشة، والحرب بينهم سِجَالٌ، وقد ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان خبر المغرب ومدنها، ومن سكنها من الخوارج الِإباضية والضُفْرِية، ومن سكن المغرب من المعتزلة، وما بينهم وبين الخوارج من الحروب، وذكرنا خبر ابن الأغلب التميي وتوليه المنصور له على المغرب، ومقامه ببلاد إفريقية وغيرها من أرض المغرب وما كان من أمره في أيام الرشيد، وتداول ولده ببلاد إفريقية وغيرها إلى أن انتهى الأمر إلى أبي نصر زيادة اللّه بن عبد اللّه بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن سالم بن سوادة، فأخرجه عنها أبو عبد اللّه المحتسب الصوفي الداعية لصاحب المهدية حين ظهر في كتأمة وغيرها من أجيال البربر، وذلك في سنة سبع وتسعين ومائتين في أيام المقتدر، ومسيره إلى الرافقة، وكان هذا المخسب من مدينة رامهرمز من كور الأهواز.
ملوك العالم:
ونعود إلى ذكر مراتب الملوك وَنَسَق ما بقي من الممالك على البحر الحبشي الذي شرعنا في وصفه وَمَنْ عليه، فنقول:

ملك الزنج وفليمي، ملك اللان كركنداج، ملك الحيرة من بني نصر النعمانية والمناذرة، ملك جبال طبرستان كان يدعىقارن والجبل معروف به وبولده في هذا الوقت، ملك الهند البلهرا، ملك القنوج من ملوك السند بؤورة وهذا اسم كل سك يلي القنوج، وهنا مدينة يُقال لها بؤورة باسم ملوكهم، وقد صارت اليوم في حيز الإِسلام، وهي من أعمال المولتان، ومن هذه المدينة يخرج أحد الأنهار التي إذا اجتمعت كانت نهرمهران السند الذي زعم الجاحظ أنه من النيل، وزعم غيره أنه من جيحون خراسان، وبؤورة هذا الذي هو ملك القنوج هو ضد البلهرا ملك الهند، وملك القندهار من ملوك السند وجبالها، يدعى ححج، وهو اسم الأعم، ومن بلاده يخرج النهر المعروف برائد وهو أحد الأنهار الخمسة التي منها مهران السند والقندهار يعرف ببلاد الرهبوط، ونهر من الخمسة يخرج من بلاد السند وجبالها يعرف ببهاطل ويجتاز بلاد الرهبوط وهي بلاد القندهار، والنهر الرابع يخرج من بلاد كابل وجبالها وهي تخوم السند مما يلي بسط وغزنين وزرعون والرخج وبلاد الدوار مما يلي بلاد سجستان، ونهر من الخمسة يخرج من بلاد قشمير، وملك قشميريعرف بالراني، هذا الاسم الأعم لسائر ملوكهم، وقشمير هذه من ممالك السند وجبالها هملكة عظيمة حصينة يحتوي ملكها على مدن وضياع على نحومن ستين ألفاً إلى سبعين ألفاً، لا سبيل لأحد من الناسَِ على بلده إلا من وجه واحد، ويُغلَق على جميع ما ذكره من ملكه باب واحَدََ،ِ لِأن ذلك في جبال شوامخ منيعة لا سبيل للرجال أن يتسلَقوا عليهَا، ولا للوحش أن يلحق بعلوها، ولا يلحقها إلا الطير، وما لا جبل فيه فأودية وَعْرَة وأشجار وغياض وأنهار ذات مَنَعَة من شدة الأنصباب والجريان، وما ذكرنا من منعة ذلك البلد فمشهور في أرض خراسان وغيرها من البلاد، وذلك أحد عجائب الدنيا.
القنوج
فأما ملك بؤورة وهو ملك القنوج فإن مسافة مملكته تكون نحواً من عشرين ومائة فرسخ في مثلها فراسخ سندية الفرسخ ثمانية أميال بهذا الميل، وهو الملك الذي قدمنا ذكره فيما سلف أن له من الجيوش أربعة على مهابِّ الرياح الأربع، كل جيش منها سبعمائة ألف، وقيل: تسعمائة ألف وقيل: تسعة آلاف ألف فيحارب بجيش الشمال صاحب المولتان ومن معه في تلك الثغور من المسلمين، ويحارب بجيش الجنوب البلهرا ملك المانكير، وبالجيوش الباقية من يلقاه في كل وجه من الملوك، ويقال: إن ملكه يحيط في مقدار ما ذكرناه من المسافة من المدن والقرى والضياع مما يدركه الإِحصاء والعَددُ بألف ألف وثمانمائة ألف قرية بين أنهار وشجر وجبال ومروج، وهو قليل الفيلة من بين الملوك، ورسمه لحربه ألفاً فيلٍ حربية تقاتل، وذلك أن الفيل إذا كان فارهاً ممارساً شجاعاً وكان راكبه فارساً وفي خرطومه القرطل وهو نوع من السيوف وخرطومه مغشَّى بالزرَدِ والحديد، وعليه تجافيف قد أحاطت سائر جسده من القرن والحديد، وكان حوله خمسمائة راجل يمنعونه ويحرزونه من ورائه، حارب ستة آلاف فارس، وقام بها، وأدناها إذا كان معه خمسمائة راجل، كر على خمسة آلاف فارس، ودخل وخرج وصال عليها كالرجال علىالفَرَس، وهذا رسم فيلتها في سائر حروبها.
المولتان
فأما صاحب المولتان فقد قلنا: إن الملك في ولد سَأمة بن لؤي بن غالب، وهوف جيوش ومَنَعَة، وهو ثغر من ثغور المسلمين الكبار، وحول ثغر المولتان من ضياعه وقراه عشرون ومائة ألف قرية مما يقع عليه الِإحصاء والعد، وفيه على ما ذكرنا الصنم المعروف بالمولتان، يقصده السند والهند من أقاصي بلادهم بالنفر والأموال والجواهر والعود وأنواع الطيب، ويحج إليه الألوف من الناس، وأكثر أموال صاحب المولتان مما يحمل إلى هذا الصنم من العود القمَارِيِّ الخالص الذي يبلغ ثمن الأوقية منه مائة دينار، وإذا ختم بالخاتم أثر فيه كما يؤثر في الشمع، وغير ذلك من العجائب التي تحمل إليه، وإذا نزلت الملوك من الكفار على المولتان وعجز المسلمون عن حربهم هددوهم بكسرهذا الصنم وتعويره، فترحل الجيوش عنهم عند ذلك، وكان دخولي إلى بلاد المولتان بعد الثلاثمائة، والملك بها أبو اللهاب المنبه بن أسد القرشي.
المنصورة

وكذلك كان دخولي إلى بلاد المنصورة في هذا الوقت، والملك عليها أبو المنذر عمر بن عبد الله، ورأيت بها وزيره رباحا وابنيه محمداً وعلياً، ورأيت بها رجلاً سيداً من العرب وملكاً من ملوكهم وهو المعروف بحمزة، وبها خلق من ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم من ولد عمربن علي وولد محمد بن علي، وبين ملوك المنصورة وآل أبي الشوارب القاضي قرابة وصلة ونسب، وذلك أن ملوك المنصورة الذين فيهم الملك في وقتنا هذا من ولدهًبّار بن لأسود، ويعرفن ببني عمر بن عبد العزيز القرشي، وليس هوعمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي.
فإذا اجتاز جميع ما ذكرنا من الأنهار ببلاد مرج بيت الذهب وهو المولتان اجتمعت بعد المولتان بثلاثة أيام فيما بين المولتان والمنصورة في الموضع المعروف بدوسات، فإذا انتهى جميع ذلك إلى مدينة الروذ من غربيها، وهي من أعمال المنصورة، سُمِّي.هنالك مهران، ثم ينقسم قسمين، ويصب كل من القسمين من هذا الماء العظيم المعروف بمهران السند في مدينة شاكرة من أعمال المنصورة في البحر الهندي، وذلك على مقدار يومين من مدينة الديبل.
والمسافة من المولتان إلى المنصورة خمسة وسبعون فرسخاً سنديةعلى ما ذكرنا، والفرسخ ثمانية أميال، وجميع ما للمنصورة من الضياع والقرى مما يضاف إليها ثلثمائة ألف قرية ذات زروع وأشجار وعمائر متصلة، وفيهاحروب كثيرة من جنس يقال لهم الميد، وهم نوع من السند وغيرهم من الأجناس، وهم ثغر السند، وكذلك المولتان من ثغور السند ومما أضيف إليها من العمائر والمدن.وسميت المنصورة باسم منصور بن جمهور عامل بني أمية، ولملك المنصورة فيلة حربية، وهي ثمانون فيلاً رسمُ كل فيل أن يكون حوله على ما ذكرنا خمسمائة راجل وأنه يحارب ألوفاً من الخيك على ما ذكرنا، ورأيت له فيلين عظيمين كانا موصوفين عند ملوك السند والهند لما كانا عليه من البأس والنجدة والإِقدام على فلّ الجيوش، وكان اسم أحدهما منفرقلس والآخرحيدرة ولمنفرقلس هذا أخبار عجيبة، وأفعال حسنة، وهي مشهورة في تلك البلاد وغيرها: منها أنه مات بعضُ سُوَّاسه، فمكث أياماً لا يطعم ولا يشرب، يُبْدي الحنين، ويظهر الأنين، كالرجل الحزين، ودموعه تجري من عينيه لا تنقطع، ومنها أنه خرج ذات يوم من حائرهِ، وهي دار الفيلة، وحيدرة وراءه، وباقي الثمانين تبع لهما، فانتهى منفرقلس في سيره إلى شارع قليل العرض من شوارع المنصورة، ففاجأ في مسيره امرأة على حين غفلة منها، فلما بصرت به دهشت واستلقت على قفاها من الجزع، وانكشفت عنها أطمارها في وسط الطريق، فلما رأى ذلك منفرقلس وقف بعرض الشارع مستقبلاً بجنبه الأيمن ما وراءه من الفيلة مانعاً لهم من النفذ من أجل المرأة، وأقبل يشير إليها بخرطومه بالقيام،ويجمع عليها أثوابها، وششر منها ما بدا، إلى أن انتقلت المرأة وتزحزحت عن الطريق بعد أن عاد إليها روحها، فاستقام افيل في طريقه، واتبعه الفيلة.وللفيلة أخبار عجيبة الحربية منها والعَمالة لأن منها ما لا يحارب فيجر العَجَلَ وتحمل عليه الأثقال وششعمل في دِيَاس الأرز وغيره من الأقوات كدَوْس البقرفي الْبَيْدَر، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب أخبار الزنج والفيلة، وكونها في بلادها، وليس في سائر الممالك أكثر منها في بلاد الزنج، وهي وحشية هنالك كلها.

فهذه جمل من أخبار ملوك السند والهند، ولغة السند خلاف لغة الهند، والسند مما يلي الإِسلام، ثم الهند، ولغة أهل المانكير وهي دار مملكة البلهرا كيرية مضافة إلى الصقع، وهي كيرة، ولغة ساحله مثل صيمور وسويارة وتانة وغير ذلك من مدن الساحل لا رية، وبلدهم مضافة إلى البحر الذي هم عليه، وهو لا روى، وقد تقدم ذكره فيما سلف من هذا الكتاب، ولهذا السالح أنهار عظيمة تجري من الجنوب، بالضد من أنهار العالم، وليس في أنهار العالم ما يجري من الجنوب إلى الشمال إلا نيل مصر ومهران السند ويسير من الأنهار، وما عدا ذلك من أنهار العالم يجري من الشمال إلى الجنوب، وقد ذكرنا وجه العلة في ذلك وما قاله الناس في هذا المعنى في كتابنا أخبار الزمان وقد ذكرنا ما انخفض من الأرض وما ارتفع.وليس في ملوك السند والهند من يعز المسلمين في ملكه إلا البلهرا، فالإِسلام في ملكه عزير مَصُون، ولهم مساجد مبنية، وجوامع معمورة بالصلوات للمسلمين، ويملك الملك منهم الأربعين سنة والخمسين سنة فصاعداً، وأهل مملكته يزعمون أنه إنما طالت أعمار ملوكهم لسنة العدل وإكرام المسلمين، وهو ملك يرزق الجنود من بيت ماله كفعل المسلمين بجنودهم، وله دراهم طاهرية وزن الدرهم منها وزن درهم ونصف،سكَتُه بدء تاريخ ملكهم، وفيلته الحربية لا تحصى كثرة، وتدعى بلاده أيضاً بلاد الكمكر، ويحاربهم ملك الخزر من إحدى جهات مملكته، وهو ملك كثير الخيول والإِبل والجنود ة ويزعم أنه ليس في ملوك العالم أجل منه إلا صاحب إقليم بابل، وهو الإِقليم الرابع، وذلك أن هذا الملك ف نخوة وصولة على سائر الملوك، وهو مع ذلك مبغض للمسلمين، وهو كثير الفيلة، وملكه على لسان من الأرض، وفي أرضه معادن الذهب والفضة، ومبايعتهم بهما.ثم يلي هذا الملك ملك الطافن مُوَادع لمن حوله من الملوك، وهو مكرم للمسلمين، وليست جيوشه كجيوش مَنْ ذكرنا من ملوك، وليس في نساء الهند أحسن من نسائهم، ولاَ أكثر منهن جمالاً وبياضاً، وهن موصوفات الخلوات، مذكورات في كتب الباه، وأهل البحر يتنافسون في شرائهن يعرفن بالطافنيات.
رهمى
ثم يلي هذا الملك مملكة رهمى، وهذه سمة لملوكهم، وهو الأعم من أسمائهمِ، ويقاتله الجُزر، وملكه متاخم لملكهم، ورهمى يحارب البلهرا أيضاَ من إحدى جهات مملكته، وهو أكثر جيوشاً وفيلة وخيولاً من البلهرا ومن ملك الجزر ومن ملك الطافن، وإذا خرج في حروبه فرسمه أن يكون في خمسين ألف فيل، ولا يكون حربه إلا في الشتاء لقلة صبر الفيلة على العطش وقلة لبثها، والمكثر من الناس يغلو في القول في كثرة جنوده، فيزعمون أن عدد القصارين والغسالين في عسكره من عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألفاً، وحربُ مَنْ ذكرنا من الملوك كراديس، كلُّ كردوس عشرون ألفاً، أربعة أوجه كل وجه من الكردوس خمسة الاف، ومملكة رهمى تعاملهم بالودع، وهو مال البلد، وفي بلده العود والذهب والفضةوالثياب التي ليست لغيره رقة ودقة، ومن بلده يحمل الشعر المعروف بالضمر الذي تتخذ منه الْمَذَاب بنُصُبِ العاج والفضة يقوم بها الخدم على رؤوس الملوك في مجالسها.
وصف الكركدن

وفي بلده الحيوان المعروف بالنشان المعلم، وهو الذي تسميه العوام الكركدن، وله في مقدم جبهته قرن واحد، وهو دون الفيل في الخلقة وأكبر من الجاموس، إلى السواد ما هو، وهو يجترُّ كما تجتر البقر وغيرها مما يجتر من الحيوان، والفيلة تهرب منه، وليس في أنواع الحيوان واللّه أعلم أشد منه، وذلك أن أكثر عظامه أصم، ولا مفصل في قوائمه ولا يبرك في نيام، وإنما يكون بين الشجر والآجام يستند إليها عند نومه، والهند تأكل لحمه، وكذلك مَنْ في بلادهم من المسلمين؟ لأنه نوع من البقر، والجواميس بأرض السند والهند كثيرة، وهذا النوع من الحيوان وهو النشان يكون في أكثر غابات الهند، إلا أنه في مملكة رهمى أكثر، وقرونه أصفى وأحسن، وذلك أن قرنه أبيض، وفي وسطه صورة سوداء في ذلك البياض أما صورة إنسان أو صورة طاووس بتخطيطه وشكله أو صورة سمكة أو صورته في نفسه أو صورة نوع من الحيوان مما يوجد في تلك الديار، فينشر هذا القرن وتتخذ منه المناطق والسيور على صورة الحلية من الذهب والفضة فتلبسها ملوك الصين، وخواصها تتنافس في لبسها وتبالغ في أثمانها فتبلغ المنطقة ألفي دينار إلى أربعة آلاف، فيها معاليق الذهب، وذلك في نهاية الحسن والإتقان، وربما تقمع بأنواع من الجواهر على قضبان الذهب، ووجوه تلك الصور مُكَتَبة بسواد في بياض، وربما يوجد في قرونه بياض في سواد، وليس في كل بلد يوجد في قرون النشان ما ذكرنا من الصور.وقد زعم عمرو بن بحر الجاحظ أن الكركدن يحمل في بطن أمه سبع سنين، وأنه يخرج رأسه من بطن أمه فيرعى ثم يدخل رأسه في بطنها، وهذا القول أورده في كتاب الحيوان على طويق الحكاية والتعجب، فبعثني هذا الوصف على مسألة مَن سلك تلك الديار من أ.هل سيراف وعمان ومن رأيت بأرض الهند من التجار، فكل يتعجب من قوله إذا أخبرته بما عندي من هذا وسألته عنه، ويخبرونني أن حمله وفصاله كالبقر والجواميس، ولست أدري كيف وقعت هذه الحكياة للجاحظ: أمن كتاب نقلها أو مخبر أخبره بها..
الكامن
ولرهمى في ملكه بروبحر، ويلي ملكه ملك لا بحرله يقال له ملك الكامن، وأهل مملكته بيض مخرمما الآذان، لهم فيلة وإبل وخيول، وحسن وجمال للرجال والنساء، ثم بعد هؤلاء ملك الِإفرنج، وله بر وبحر، وهو على لسان من البر في البحر، يقع إلى بلده عنبر كثير، وفي بلده فلفل يسير، وهو ف فيلة كثيرة، وهو ذو بأس بين الملوك وزهو وفخر، وزَهْوُة أكثر من قوته، وفخره أكثر من بأسه، ثم يلي هذا الملك ملك الموجه أهله بيض فو حسن وجمال غيرخرومي الآذان، لهم خيل كثيرة، وعدد منيعة، والمسك في بلادهم كثير على ما قدمنا من غزلانهم ووصف ظبائهم فيما سلف من هذا الكتاب، وهذه الأمة تشبه بأهل الصين في لباسهم، وجبالهم منيعة شواهق بيض، لا يُعْلَم بأرض السند والهند ولا فيما ذكرنا من هذه الممالك جبال أطول منها ولا أمنع،، ومسكهم موصوف مضاف إلى بلدهم يتعارفه البحريون، ممن عني بحمل ذلك وتجهيزه، رهو المسك المعروف بالموجهي.
الماند
ثم يلى الموجه مملكة الماند، ولهم مدن كثيرة وعمائر واسعة وجنودعظيمة، وملوكهم تستعمل الخدم والخصيان في عمالات بلدانهم من المعادن وجبايات الأموال والولايات وغيرها كفعل ملوك الصين على حسب ما وصفنا من أخبارهم، والماند مجاورون لمملكة الصين، والرسل تختلف بينهم بالهدايا، وبينهم جبال منيعة وعقبات صعبة، وللماند البأس العظيم والبطش الشديد والقوة، وإذا دخل رسل ملك الماند مملكة الصين وكِّلَ ملك الصين بهم، ولم يتركهم ينتشرون في بلادهم خوفاً أن يقفا على طرقهم وعورات بلادهم، لكبرة الماند في نفسهم.
بعض عوائد الهند والصين

ولمن ذكرنا من الهند والصين في بلادهم ولغيرهم من الأمم أخلاق وشيم في الماكل والمشارب والمناكح والملابس والعلافي والأدوية والكي بالنار وغيره، وقد ذكر عن جماعة من ملوكهم أنهم لا يرون حبس الريح في أجوافهم لأنه داءٌ يؤذي، ولا يحتشمون في إظهارها في سائر أحوالهم، وكذلك فعل حكمائهم، ورأيهم أن حبسها داء يؤذي، وأن إرسالها شفاء ينجي، وأن في ذلك العلافي الأكبر، وأن فيه راحة لصاحب القولنج والمحصور، وأن فيه داء للسقيم المطحول، ولا يحتشمون من الضرطة، ولا يحصرون الفسوة، ولا يرون ذلك عيباً، وللهند التقدم في صناعة الطب، ولهم فيه اللطافة والحذق، وذكر هذا المخبر عن الهند أن السعَال عندهم أقبح من الضراط، وأن الْجُشَاء في وزن الفُسَاء، وأن صوت الضرطة دباغها والمذهب عنها ريحها، واستشهد هذا المخبر على صحة ما حكاه عن الهند باستفاضة القول في ذلك في كثير من الناس عنهم، حتى ذكر ذلك عنهم في السير والأخبار والنوادر والأشعار؛ فمن ذلك ما ذكر أبان بن عبد الحميد في الأرجوزة المعروفة بذات الحلل.
وأن الريح واححة فيِ الجوف، وإنما تختلف أسمائها باختلاف مخارجها، فما يذهب صُعُداَ يسمى جُشَاء، وما يذهب سفلاً يسمى فساء، ولا فرق بين الريحين إلا باختلاف المخرجين، كما يُقال الصفعة واللطمة، إلا أن اللطمة في الوجه والصفعة مؤخر الرأس والقفا، والجنس واحد، وإنما اختلفت اسماؤها لاختلاف الموضعين وتباين المكانين، وأن الحيوان الناطق إنما كثرت علله، وترادفت أد وَاؤه، واتصلت أمراضه كالقولنج وأوجاع المعدة وغيرها من العوارض بحبس الداء في جوفه وترك إظهاره في حال هيجانه وتفرغ الطبيعه لدفعه وإخراجه، وأن سائر الحيوان غير الناطق إنما بَعُد عما ذكرنا من الآفات والمعترضات من العاهات لسرعة خروج ما يعرض ويثور من الأدواء في أجوافها وعدم احتباسها في وعائها، وأن الفلاسفة والمتقدمين من الحكماء اليونانيين كديموقرطيس وفيثاغورس وسقراط وديوجانس وغيرهم من حكماء الأمم لم يكونوا يرون حبس شيء من ذلك لعلمهم بما يتولد من آفاته، ويؤول إليه من متعقباته، وأن ذلك يجده في نفسه كل في حس، وأن ذلك يعلم بالطبيعة، ويدرك بضرورة العقل، وإنما استقبح ذلك اناس من أ صحاب الشرائع والكتب لما ورد ت به الشرائع ومنعت منه الملل، ولم يجر ذلك في عاداتهم.قال االمسعودي: وقد أتينا على أخبارهم وما أحكمنا من ذكر شِيَمِهم وعجائب سيرهم ومتصرفاتهم في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط، وكذلك أتينا على ذكر أخبار المهراج ملك الجزائر والطيب والأفاوية مع سائرملوك الهند ومع القنجب وغيره من ملوك الجبال مما قابل هذه الجزائر كالزابج وغيرها من بلاد الصين، وأخبار ملوك الصين وملك سرنديب مع ملك مندورفين، وهي بلاد مقابلة لجزيرة سرنديب كمقابلة بلاد قمار لجزائر المهراج من الزانج وغيرها، وكل ملك تملك بلاد مندورفين يسمى المقايدي، وسنأتي بجمل من أخبار ملوك الشرق والغرب واليمن والحيرة فيما يرد من هذا الكتاب ومن أخبار ملوك اليمن والفرس والروم واليونانيين والمغرب وأنواع الأحابيش والسودان وملوك الصين ولد يافث، وغير ذلك من أخبار العالم وعجائب الأمم.
ذكر جبل القبخ وأخبار الأمم
من الان والسرير والخزر وأنواع الترك والبرغز وغيرهم وأخبار الباب والأبواب ومَنْ حولهم من الملوك والأمم.
جبل القبخ

أما جبل القبخ فهوجبل عظيم، وصقعه صقع جليل، قد أشتمل على كثير من الممالك والأمم، وفي هذا الجبل اثنتان وسبعون أمة، كل أمة لها ملك ولسان بخلاف لغة غيرها، وهذا الجبل ذو شعاب وأودية، ومدينة الباب والأبواب على شعب من شعابه، بَنَاها كسرى أنو شروان وجعلها بينه وبين بحر الخزر، وجعل هذا السور من جوف البحرعلى مقدار ميل منه ماداً إلىِ البحر، ثم على جبل القبح ماداً في أعاليه ومشخفضاته وشعابه نحواَ من أربعين فرسخاً، إلى أن ينتهي ذلك إلى قلعة يُقال لها طبرستان، وجعل على كل ثلاثة أميال من هذا السور أو أقل أو أكثر على حسب الطريق الذي جعل الباب من أجله باباً من حديد، وأسكن فيه على كل باب من داخله أمة تراعي ذلك الباب وما يليه من السور، كل ذلك ليدفع أذى الأمم المتصلة بذلك الجبل. من الخزر وَاللان وأنوِاع الترك والسرير وغيرهم من أنواع الكفار، وجبل القبخ يكون في المسافة علواَ وطولاً وعرضاً نحواً من شهرين، بل وأكثر، وحوله أمم لا يحصيهبم إلا الخالق عز وجل، أحد شعابه على بحر الخزر مما يلي الباب والأبواب على ما ذكرنا، ومن شعابه مما يلي بحر مايطس المقدم ذكره فيما سلف من هذا الكلام الذي ينتهي إليه خليج القسطنطينية، وعلى بحر طرابزندة، وهي مدينة على شاطىء هذا البحر لها أسواق في السنة يأتي إليها كثير من الأمم للتجارة من المسلمين والروم والأرمن وغيرهم من بلاد كشك ولما بني أنوشروَان هذه المدينة المعروفة بالباب والأبواب والسور في البر والبحر والجبل أسكن هناك أمماً من الناس وملوكاً، وجعل لهم مراتب رَتبهُمْ عليها ووسم كل أمة منهم بسمة معلومة، وَحدَّ له حداً معلوماً على حسب فعل أردشير بن بابك حين رتب ملوك خراسان، فممن رتب منهم أنوشروَان من الملوك في بعض هذه البقاع والمواضع مما يلي الِإسلام من بلاد بردعة ملك يقال له شروان، ومملكته مضافة إلى اسمه فيقال له شروان شاه، وكل ملك يلي هذا الصقع يقال له شروان، وتكون مملكته في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة نحواً من شهر لأنه كان تغلَبَ على مواضع لم يكن رسمها له أنوشروان فانضافت إلى ملكه، والملك في هذا الوقت المؤرخ واللّه أعلم مسلم يُقال له محمد بن يزيد، وهو من ولد بهرام جور، لاخلاف في نسبه، وكذلك ملك السرير من ولد بهرام جور، وكذلك صاحب خراسان في هذا الوقت المؤرخ من ولد إسماعيل بن أحمد، وإسماعيل من ولد بهرام جور، لاخلاف فيما ذكرنا من شهرة أنساب من ذكرنا، وقد تملك محمد بن يزيد هذا وهو شروان على مدينة الباب والأبواب، وذلك بعد موت صهر له يُقال له عبد الملك بن هشام، وكان رجلًا من الأنصار، وكان فيه إمرة الباب والأبواب، وقد كانوا قطنوا تلك الديار منذ دخلها مَسْلَمة بن عبد الملك وغيره من أمراء الإسلام في صدر الزمان.
إيران
وتلى مملكة شروان مملكة اخرى من جبل القبخ يقال لها الِإيران، وملكها يدعى الِإيران شاه، وقد غلب على هذه المملكة في هذا الوقت شروان أيضاً، وعلى مملكة اخرى يُقال لها مملكة الموقانية، والمعول في مملكته على مملكة اللكز، وهي أمة لا تحصى كثرة ساكنة في أعالي هذا الجبل، ومنهم كفار لا ينقاعون إلى ملك شروان يُقال لهم الدودانية جاهلية لا يرجعون إلى ملك، ولهم أخبار طريفة في المناكح والمعاملات، وهذا الجبل فأودية وشعاب وفجاج، وفيه أمم لا يعرف بعضهم بعضاً لخشونة هذا الجبل وامتناعه وذهابه في الجو وكثرة غياضه وأشجاره وتسلسل المياه من أعلاه وعظم صخوره وأحجاره، وغلب هذه الرجل المعروف بشروان على ممالك كثيرة من هذا الجبل كان رَسَمها كسرى أنوشروان لغيره ممن رتب هناك، فأضافها محمد بن يزيد إلى ملكه: منها خراسان شاه وزادان شاه، وسنذكر بعد هذا الموضع تغلبه على مملكه شروان، وقد كان قبل ذلك على الِإيران هو وأبوه من قبل، ثم على سائر الممالك.
طبرستان
وتلي مملكة شروان في جبل القبخ مملكة طبرستان، وملكها في هذا الوقت مسلم، وهو ابن أخت عبد الملك الذي كان أمير الباب والأبواب، وهي أول الامم المُتَّصلة بالباب والأبواب.
جيدان

ويبادي أهل الباب والأبواب مملكة يُقال لها جيدان، وهذه الأمةداخلة في جملة ملوك الخزر، وقد كانت دار مملكتها مدينة على ثمانية أيام من مدينة الباب يقال لها سمندر، وهي اليوم يسكنها خلق من الخزر، وذلك أنها افتتحت في بدء الزمان، افتتحها سليمان بن ربيعة الباهلي رضي الله تعالى عنه، فانتقل الملك عنها إلى مدينة آمل، وبينها وبين الأولى سبعة أيام، وآمل التي يسكنها ملك الخزر في هذا الوقت ثلاث قطع يقسمها نهرعظيم يرد من أعالي بلاد الترك ويتشعب مته شعبة نحوبلاد البرغز وتصب في بحر مايطس، وهذه المدينة جانبان، وفي وسط هذا النهر جزيرة فيها دار الملك، وقصر الملك في وسط هذه الجزيرة، وبها جسر إلى أحد الجانبين من سفن، وفي هذه المدينة خلق من المسلمين والنصارى واليهود والجاهلية؛ فأما اليهود فالملك وحاشيته والخزر من جنسه، وكان تهوَّدَ ملك الخزر في خلافة هرون الرشيد، وقد انضاف إليه خلق من اليهود وَرَدُوا عليه من سائر أمصار المسلمين ومن بلاد الروم، وذلك أن ملك الروم في وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وهم أرمنوس نَقَلَ من كان في ملكه من اليهود إلى دين النصرانية وأكرههم، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب كيفية أخبار ملوك الروم، وأعدادهم، وأخبار هذا الملك ومن قد شَاركه في ملكه في هذا الوقت المؤرخ، فتهارَبَ خلق من اليهود من أرض الروم إلى أرضه على ما وصفنا، وكاذ لليهود مع ملك الخزرخبر ليس هذا موضع ذكره.
عادة حرق الموتى وسائر حوائجهم
وقد ذكرناه فيما سلف من كتبنا. وأما مَنْ في بلاده من الجاهليه فأجناس: منهم الصقالبة، والروس، وهم في أحد جانبي هذه المدينة، ويحرقون موتاهم ودواب ميتهم وآلاته والحلى، وإذا مات الرجل أحرقت معه امرأته وهي في الحياة. وإن ماتت المرأة لم يحرق الرجل، وإذا مات منهم أعزب زوج بعد وفاته والنساء يرغبن في تحريق أنفسهن لدخولهن عند أنفسهن الجنة، وهذا فعل من أفعال الهند على حسب ما ذكرنا آنفاً، إلا أن الهند ليس من شأنها أن تحرق المرأة مع زوجها إلا أنْ ترى ذلك المرأة والغالب في هذا البلد المسلمون؛ لأنهم جند الملك، وهم يعرفن في هذا البلد باللارسية، وهم ناقلة من نحو خُوَارزْمَ، وكان في قديم الزمان بعد ظهور الِإسلام وقع في بلادهم جدب، ووباء، فانتقلوا إلى ملك الخزر، وهم فو بأس وشدة، وعليهم يعول ملك الخزر في حروبه، وأقاموا في بللى على شروط بينهم، أحدها إظهار الدين والمساجد والأذان، وثانيها أن تكون وزارة الملك فيهم، والوزير في وقتنا هذا منهم هو أحمد بن كويه، وثالثها أنه متى كان لملك الخزر حرب مع المسلمين وقفا في عسكره منفردين عن غيرهم لا يحاربون أهل ملتهم، ويحاربون جهل ملتهم، ويحاربون معه سائر الناس من الكفار، ويركب منهم مع الملك في هذا الوقت شخوص منهم سبعة آلاف ناشب بالجواشن والدروع والخوذ ومنهم رامحة أيضاً على حسب ما في المسلمين من آلات السلاح، ولهم قضاة مسلمون، ورَسْمُ دار مملكة الخزر أن يكون فيها قضاة سبعة: اثنان منهم للمسلمين، واثنان للخزر يحكمان بحكم التوراة، وائنان لمن بها من النصرانية يحكمان بحكم النصرانية، وواحد منهم للصقالبة والروس وسائرالجاهلية يحكم بأحكام الجاهلية وهي قضايا عقلية؛ فإذا ورد عليهم ما لا علم لهم به من النوازل العظام اجتمعوا إلى قضاة المسلمين فتحاكموا إليهم انقادوا إلى ما توجبه شريعة الِإسلام، وليس في ملوك الشرق في هذا لصقع من له جند مرتزقة غير ملك الخزر، وكل مسلم من تلك الديار مرف بأسماء هؤلاء القوم اللارسية، والروس والصقالبة الذين ذكرنا أنهم جاهلية هم جند الملك وعبيده، وفي بلاده خلق من المسلمين تجاروصناع غير اللارسية فروا إلى بلاده لعدله وأمنه، ولهم مسجد جامع، والمنارة تشرف على قصر الملك، ولهم مساجد أخرى فيها المكاتب لتعليم الصبيان القرآن، فإذا اتفق المسلمون ومن بها من النصارى لم يكن للمك بهم طاقة.
مراسم خاقان

قال المسعودي: وليس إخبارنا عن ملك الخزر نريد به خاقان، وذلك أن للخزر ملكاً يُقال له خاقان، ورسمه أن يكون في يدي ملك آخر هو وغيره، فخاقان في جوف قصر لا يعرف الركوب ولا الظهور للخاصة ولا للعأمة، ولا الخروج من مسكنه، معه حرمه، ولا يأمر ولا ينهى، ولا يدبر من أمر المملكة شيئاً، ولا تستقيم مملكة الخزر لملكهم إلا بخاقان يكون عنده في دار مملكته، ومعه في حيزه، فإذا أجد بت أرض الخزر أو نابت بلدهم نائبة، أو توجهت عليهم حرب لغيرهم من الأمم، أو فاجأهم أمر من الأمور، نفرت الخاصة والعأمة إلى ملك الخزر، فقالوا له: قد تطيرنا بهذا الخاقان وأيامه، وقد تشاء منابه، فاقتله أو سلمه إلينا نقتله، فربما سلَّمه إليهم فقتلوه، وربما تولَّى هو قتله، وربما رَقَّ له فدافع عنه لأنقتله بلا جرم استحقه ولا ذنب أتاه هذا رسم الخزر في هذا الوقت فلست أدري: أفي قديم الزمان كان ذلك أم حدث، وإنما منصب خاقان هذا من أهل بيتٍ بأعياِنهم أرى أن الملك كان فيهم قديماً، والله أعلم.
نهر برطاس
وللخزر زوارق يركب فيها الركاب التجار في نهر فق المدينة يصب إلى نهرها من أعاليها، يُقالى له برطاس، عليه أمم من الترك حاضرة داخلة في جملة ممالك الخزر، وعمائرهم متصلة بين مملكة الخزر والبرغز، يرد هذا النهر من نحو بلاد البرغز، والسفن تختلف فيه من البرغز والخزر.
أمة برطاس
وبرطاس أمة من الترك على ما ذكرنا على هذا النهر المعروف بهم،ومن بلادهم تحمل جلود الثعالب السود، والحمر التي تعرف بالبرطاسية، يبلغ الجلد منها مائة دينار، وأكثر من ذلك، وذلك من السود، والحمر أخفض ثمناً منها، وتلبس السود منها ملوك العرب والعجم، وتتنافس في لبسه، وهو أغلى عندهم من السمور والفنك وما شاكل ذلك، وتتخذ الملوك منه القلانس والخفاف والحواويج ويتعذر في الملوك من ليس له خفان ودواج مبطن من هذه الثعالب البرطاسية السود.وفي أعالي نهر الخزرمصب متصل بخليج من بحر نيطس، وهو بحر الروس لا يسلكه غيرهم، وهم على ساحل من سواحله، وهي أمة عظيمة جاهلية لاتنقاد إلى ملك ولا إلى شريعة، وفيهم تجار يختلفن إلى ملك البرغز وللروس في أرضهم معدن الفضة كثير نحو معدن الفضة الذي بجبل بنجهير من أرض خراسان.
البرغز

ومدينة البرغز على ساحل بحر مايطس، وأرى أنهم في الإِقليم السابع، وهم نوع من الترك، والقوافل متصلة بهم من بلاد خوارزم من أرض خراسان، ومن خوارزم إليهم، إلا أن ذلك بين بوادي غيرهم من الترك، والقوافل مخفرة منهم. وملك البرغز في وقتنا هذا وهوسنة اثنتين وثلانين وثلثمائة مسلم، أسلم في أيام المقتدر بالله، وذلك بعد العشر والثلثمائة، وذلك لرؤيا رآهأ، وقد كان له ولد حًجّ، وورد مدينة السلام، وحمل معه لمقتدر لواء وبُنُودأ ومالاً ولهم جامعِ، وهذا الملك غزا بلاد القسطنطينية في نحو خمسين ألف فارس فصاعداَ ويشن الغارات حولها إلى بلاد رومية والأندلس وأرض برجان والجلالقة والِإفرانجة، ومنهم إلى. القسطنطينية نحو من شهرين متصلين عمائر ومفاوز، وقد كان المسلمون حين غزوا من بلاد طرسوس من الثغر الشامي مع أمير الثغور ثمل الخادم المعروف بالزلفى ومن كان معه من مراكب الشاميين والبصريين سنة اثنتي عشرة وثلثمائة قطعوا فم خليج القسطنطينية وفم خليج آخرمن البحر الرومي لا منفذ له، وانتهوا إلى بلاد فندبة، وأتاهم في البحر جماعة من البرغز ينجدونهم، وأخبروهم أن ملكهم بالقرب، وهذا يدل على ما وصفنا أن البرغز تتصل سراياها إلى ساحل بحر الروم، وكان نفر منهم ركبوا في مراكب الطرسوسيين، فأتوا بهم إلى بلاد طرسوس، والبرغز أمة عظيمة منيعة شديدة البأس، ينقاد إليها من جاورها من الأمم، والفارس ممن قد أسلم مع ذلك الملك يقاتل المائة من الفرسان والمائتين من الكفار، ولا يمتنع أهل القسطنطينية منه في هذا الوقت إلا بسورها، وكذلك كل من كان في هذا الصقع لا يعتصم منهم إلا بالحصون والجدران، والليل في بلاد البرغز في نهاية من القصر في بعض السنة، ومنهم من زعم أن أحدهم لا يستطيع أن يفرغ من طبخ قدره حتى يأتي الصباح، وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا علة ذلك من الوجه الفَلكي، وعلة الموضع الذي يكون الليل فيه ستة أشهر متصلة لا نهار فيه، والنهار ستة أشهر متصلة لا ليل فيه، وذلك نحو الجدي، وقد ذكر أصحاب النجوم في الزيجات علة ذلك من الوجه الفلكي.
الروس وأجناسهم

والروس: أمم كثيرة وأنواع شتى، ومنهم من يُقال لهم اللوذعانة،وهم الأكثرون، يختلفن بالتجارة إلى بلاد الأندلس ورومية وقسطنطينية والخزر وقد كان بعد الثلاثمائة ورد عليهم نحو من خمسمائة مركب، في كل مركب مائة نفس، فدخلوا خليج نيطس المتصل ببحر الخزر، وهنالك رجال ملك الخزر مرتبين بالعدد القوية يصدّون من يرد من ذلك البحر،ومن يرد من ذلك الوجه من البر الذي شعبه من بحر الخزر تتصل ببحر نيطس، وذلك أن بَوَادي الترك الغز ترد إلى ذلك البروتُشَتَي هنالك، فربما يجمد هذا الماء المتصل من نهر الخزر إلى خليج نيطس، فتعبر الغز عليه بخيولها، وهوماء عظيم، فلاينخسف من تحتهم لشدة استحجاره، فتغير على بلاد الخزر، وربما يخرج إليهم ملك الخزر إذا عجز مَنْ هنالك من رجاله المرتبين عن دفعهم وَمَنَعَهم العبور على ذلك الْجَمَدِ، وأما في الصيف فلا سبيل للترك إلى العبور، فلما وردت مراكب الروس إلى رجال الخزر المرتبين على فم الخليج راسلوا ملك الخزر في أ ان يجتازوا البلاد وينحدروا في نهره فيدخلوا نهر الخزر ويتصلوا ببحر الخزر الذي هو بحر جرنجان وطبرستان وغيرهما من بلاد الأعاجم على ما ذكرنا، ويجعلوا لملك الخزر النصف مما يغنمون ممن هناك من الأمم على ذلك البحر، فأباحهم ذلك، فدخلوا الخليج واتصلوا بمصب النهر فيه، وساروا مُصْعِدين في تلك الشعبة من الماء، حتى وصلوا إلى نهر الخزر، وانحدروا فيه إلى مدينة آمل واجتازوا بها وانتهوا إلى فم النهر ومصبه إلى البحر الخزري، ومن مصب النهر إلى مدينة آمل وهو نهر عظيم وماء كثير فانتشرت مراكب الروس في هذا البحر، وطرحت سراياها إلى الجيل والديلم وبلاد طبرستان وآبسكون، وهي بلاد على ساحل جرجان وبلاد النفاطة، ونحو بلاد أذر بيجان، وذلك أن من بلاد أردبيل من بلاد أذر بيجان إلى هذا البحر نحو من نلاثة أيام، فسفكت الروس الدماء، واستباحت النسوان والولدان، وغنمت الأموال، وشنت الغارات، وأخربت، وأخرقت، فضج مَنْ حول هذا البحر من اللأمم، لأنهم لم يكونوا يعهدون في قديم الزمان عدواً يطرقهم فيه، إنما تختلف فيه مراكب التجار والصيد، وكانت لهم حروب كثيرة مع الجيل والديلم مع قائد لابن أبي الساج، فانتهوا إلى ساحل النفاطة من مملكة شروان المعروفة بباكة، وكانت الروس تأوي عند رجوعها من غاراتها الى جزائر تقرب من النفاطة على أميال منها، وكان ملك شروان يومئذعلي بن الهيثم، فاستعد الناس، وركبوا في القوارب، ومراكب التجار، وساروا نحو تلك الجزائر، فمالت عليهم الروس، فقتل من المسلمين وغرق ألوف، وأقام الروس شهوراً كثيرة في هذا البحر على ما وصفنا لا سبيل لأحد ممن جاور هذا البحر من الأمم أليهم، والناس مهتابون لهم، حذرون منهم. لأنه بحر غامر لمن حوله من الأمم، فلما غنموا وسئموا ما هم فيه ساروا إلى فم نهر الخزر ومصبه، فراسلوا ملك الخزر وحملوا إليه الأموال والغنائم على ما اشترط عليهم، وملك الخزر لا مراكب له، وليس لرجاله بها عادة، ولولا ذلك لكان على المسلمين منهم آفة عظيمة، وعلم بشأنهم اللارسية ومن في البلاد الخزر من المسلمين، فقالوا لملك الخزر: خَلِّنَا وهؤلاء القوم فقد أغاروا على بلاد إخواننا المسلمين، وسفكوا الدماء، وسبوا النساء والذراري، فلم يمكن الملك منعهم، وبعث إلى الروس فأعلمهم بما قد عزم عليه المسلمون من حربهم، وعسكروا، وخرجوا يطلبونهم منحدرين مع الماء، فلما وقعت العين على العين خرجت الروس عن مراكبها وصافا المسلمين، وكان مع المسلمين خلق من النصارى من المقيمين بمدينة آمل وكان المسَلمون في نحو خمسة عشر ألفاً بالخيل والعدد، فأقام الحرب بينهم ثلاثة أيام، ونصر اللّه المسلمين عليهم، وأخذهم السيف: فمن قتيل، وغريق، ونجا منهم نحو خمسة آلاف، فركبوا في المراكب إلى ذلك ذلك الجانب مما يلي بلاد برطاس، وتركوا مراكبهم وتعلقوا بالبر فمنهم من قتله أهل برطاس، ومنهم من وقع إلى بلاد البرغز إلى المسلمين فقتلوهم، وكان من وقع عليه الِإحصاء ممن قتله المسلمون على شاطىء نهر الخزر نحواً من ثلاثين ألفاً، ولم يكن للروس من تلك السنة عودة إلى ما ذكرنا.

قال المسعودي: وإنما ذكرنا هذه القصة دفعاً لقول من زعم أن بحر الخزر متصل، ببحر مايطس وخليح القسطنطينية من جهة بحر مايطس ونيطس ولوكان لهذا البحر اتصال بخليج القسطنطينية من جهة بحر مايطس أو نيطس لكانت الروس قد خرجت فيه، إذ كان ذلك بحرها على ما ذكرنا، ولا خلاف بين من ذكرنا ممن تجاوز هذا البحر من الأمم في أن بحر الأعاجم لا خليج له متصل، بغيره من البحار ة لأنه بحر صغيريحاط بعلمه، وما ذكرنا من مراكب الروس فمستفيض في تلك البلاد عند سائر الأمم، والسنة معروفة، وكَانت بعد الثلاثمائة. وقد غاب عني تاريخها، ولعل من ذكر أن بحر الخزر متصل بخليج القسطنطينية يريد أن بحر الخزر هو بحر مايطس ونيطس الذي هو بحر البرغز والروس، واللهّ أعلم بكيفية ذلك. وساحل طبرستان على هذا البحر، وهنالك مدينة يُقال لها الهم،وهي فرضة قريبة من الساحل، وبينها وبين مدينة آمل ساعة من النهار، وعلى ساحل جرجان، مما يلي هذا البحر، مدينة يُقال لها آبسكون، على نحو من ثلاثة أيام من جرجان، وعلى هذا البحر الجيل والديلم، وتختلف المراكب بالتجارات فيه إلى مدينة آمل، فيدخل في نهر الخزر إليها وتختلف، المراكب فيه بالتجارات من المواضع التي سمينا من ساحله إلى باكة، وهي معدن النفط الأبيض وغيره، وليس في الدنياوالله أعلم نفط أبيض إلا في هذا الموضع، وهي على ساحل مملكة شروان، وفي هذه النفاطة أطمَة، وهي عين من عيون النار لا تهدأ على سائر الأوقات تَتَضرَّمُ الصعداء.
حديث عن آطام النيران
ويقابل فذا الساحل في البحر جزائر: منها جزيرة على نحو ثلاثة أيام من الساحل فيها أطمة عظيمة تزفر في أوقات من فصول السنة فتظهر منها نار عظيمة تذهب في الهواء كأشمخ ما يكون من الجبال العالية فتضيء الأكثر . من هذا البحر، ويرى ذلك من نحو مائة فرسخ من البر، وهذه الأطمة تشبه أطمة جبل البركان من بلاد صقلية من أرض الِإفرنجة ومن بلاد إفريقيةمن أرض المغرب، وليس في آطام الأرض أشد صوتاً ولا أسود دخاناً ولا كثر تلهباً من الأطمة التي في أعمال المهراج، وبعدها أطمة وادي برهوت، وهي نحوبلاد سبأ وحضرموت من بلاد الشِّحْر، وذلك بين بلاد اليمن وبلاد عُمَان، وصوتها يسمع كالرعد من أميال كثيرة تقذف من قعرها بجمركالجبال وقطع من الصخورسود حتى يرتفع ذلك في الهواء وَيُدرَكُ حساً من أميال كثيرة ثم ينعكس سفلًافيهوي إلى قعرها وحولها، والجمر الذي يظهر منها حجارة قد أحمرت مما قد أحالها من مواد حرارة النار، وقد أتينا على علة تكون عيون النيران في الأرض، وما سبب موادها، في كتابناأخبار الزمان.
حديث عن البزاة
وفي هذا البحر جزائر أخرى مقابلة لساحل جرجان، يصاد منها نوع من البُزَاة البيض، وهذا النوع من البُزَاة أسرِع الضواري إجابة، وأقلها معاشرة، إلا أن في هذا النوع من البُزْاة شيئاَ من الضعف، لأن الصائد يصطادها من هذه الجزائر فيغذيهَا بالسمك، فإذا اختلف عليها الغذاء عرض لها الضعف، وقد قال الجمهور من أهل المعرفة بالضواري وأنواع الجوارح من الفرس والترك والروم والهند والعرب: إن البازي إذا كان إلى البياض في اللون؛ فإنه أسرع البُزَاة وأحسنها وأنبلها أجساماً، وأجرؤها قلوبَاَ، وأسهلهارياضة وإنه أقوى جميع البزَاة على السمو في الجو، وأذهبها الصعداء وأبعدها غاية في الهواء؛ لأن فيها من حرف الحرارة وجراءة القلب ما ليس في غيرها من جميع أنواع البُزَاة، وإن اختلاف ألوانها لاختلاف مواضعها، وإن من أجل ذلك خلصت البيض لكثرة الثلج في أرمينية وأرض الخزر وجرجان وما والاها من بلاد الترك.
وقد حكي عن حكيم من خواقين الترك وهم الملوك المنقادة إلىملكهم جميع ملوك الترك أنه قال: إن بُزَاة أرضنا إذا أسقطت أنفس فراخها من الوعاء إلى الفضاء سمت في آخر الجو إلى الهواء البارد الكثيف فأنزلت عواب تسكن هناك فتغذيها بها، فلا تلبث أن تقوى وتنهض لِإسراع الغذاء فيها، وأنهم ربما وجدوا في أوكارها من تلك الدواب أشلاء.وقد قاك جالينوس : إن الهواء حار رطب، والبرد يعرض فيه لقوة الرياح المرتفعة ولا يخلوالجومن نشاء فيه وساكن.
وعن بليناس أنه قال: واجب إذا كان لهذين الاسطقصين يعني الأرض والماء خلق وساكن أن يكون للاسطقصين الأعليين يعني الهواء والنار خلق وساكن.
القول بأن الهواء مسكون

وَوَجَدت في بعض أخبار هارون الرشيد أن الرشيد خرج ذات يوم إلى الصيد ببلاد الموصل، وعلى يده بازأبيض ث فاضطرب على يده فأرسله ة فلمِ يزل يحلق حتى غاب في الهواء ثم طلع بعد الِإياس منه وقد علق شيئاَ فهوى به يشبه الحية أو السمكة وله ريش كأجنحة السمك فأمر الرشيد فضع في طست ؛فلما عاد من قَنَصِهِ أحضر العلماء فسألهم: هل تعلمون للهواء ساكناً؟ فقال مقاتل: يا أمير المؤمنين، روينا عن جدك عبد اللّه بن عباس أن الهواء معمور، بأمم مختلفة الخلق، فيها سكان أقربها منا دوَاب تبيض في الهواء تفرخ فيه، يرفعها الهواء الغليظ وَيربيها حتى تنشأ في هيئة الحيَّاتِ أو السمك، لها أجنحة ليست بذات ريش تأخذها بُزَاة بيض تكون بأرمينية، فأخرج الطست إليهم، فأراهم الدابة، وأجاز مقاتلًا يومئذ.
و قدأخبرني غير، واحد من أهال التحصيل بمصروغيرهامن البلاد أنهم شاهدوا في الجو حَيَّاتٍ تسعَى كأسرع ما يكون من البرق بيض، وأنها تقع على الحيوان في الأرض فتقتله، وربما يسمع لطيرانها في الليل وحركتها في الهواء صوت كنشرثوب جديد، وربما يقول من لا علم له وغيره من البشر: هذا صوت ساحرة لّطير، ذات أجنحة من قصب.وللناس كلام كثير فيما ذكرنا، واستدلالهم على هذا إنما هو بما يحدث في أسطقص الماء من الحيوان، وأنه يجب على هذه القصة أن يحدث ذلك بين العنصرين الخفيفين وهما الهواء والنار نشو وحيوان كحدوثه بين الثقيلين وهما الأرض والماء.
وصف البزاة
قال المسعوعي: وقد وصفت الحكماء والملوك البُزَاةَ، وأغربت في الوصف، وأطنبت في المدح، فقال خاقان ملك الترك: البازي شجاع مريد وقال كسرى أنو شروان: البازي رفيق يحسن الِإشارة ولا يؤخر الفرص إذا أمكنت، وقال قيصر: البازي ملك كريم إن احتاج أخذ وإن استغنى ترك، وقالت الفلاسفة: حسبك من البازي سرعة في الطلب وقوة على الرزق وفي السمو إذا طالت قوادمه وبَعُدَ ما بين منكبيه فذلك أبعد لغايته وأخف لسرعته، ألا ترى إلى الصقور لا تزداد في غاياتها إلا بعداً وسرعة وقوة على التكرار، وذلك لطول قوادمها مع كثافة أجسامها، وإنما قصرت غاية البازي لقصر جناحيه ورقة جسمه، فإذا طالت به الغاية أخره ذلك حتى تشتد نفسه، ولا تُؤْتَى الجوارح إلا من قصر القوادم، ألا ترى أن الدراج والسما ن والحجل واشباهها حين قصرت قوادمها، كيف قصرت غاياتها. وقال أرستجانس: البازي طير عاري الحجاب، وما يفته في كسوره يزيده في أخمصه ورجليه، وهو أضعف الطير جسماً، وأقواهاقلباً وأشجعها وذلك لفضله على سائر الطير بالجزء الذي فيه من الحرارة التي ليست في شيء منها، وَوَجدنا صدورها منسوجة بالعصب لا لحم عليها وقال جالينوس مؤيدأ لما ذهب إليه أرستجانس: إن البازي لا يتخذ وكراً إلا في شجرة لَفَاء مشتبكة بالشوك مختلفة الحجوم بين شجرعسىِ طلبأ للكن ودفعاً لألم الحر والبرد، فإذا أراد أن يفرخ بنى لنفسه بيتاَ وسقفه تسقيفاً لا يصل إليه منه مطرولا ثلج إشفاقاً على نفسه وفراخه من البرد والضر.
أول من لعب بالصقور
وذكر أدهم بن محرز أن أول من لعب بالصقور الحارث بن معاوية بن ثور الكندي، وهو أبوكندة، وأنه وقف يوماً لقانص وقد نصب حِبَالة للعصافير فانقضَّ أكْدرُ على عصفر منها قد علق، فعلقه الأكدر وهو الصقرومن اسمائه أيضاً الأجدل، فجعل يأكل العصفر وقد علق، فعجب الملك فأتى به وهو يأكل العصفر، فرمى به في كِسر البيت، فرآه قد دجن ولم يبرح مكانه ولم ينفر، وإذا رمى إليه طعاماً أكله، وإذا رأى لحماً نهض إلى يد صاحبه ثم دعى فأجاب فطعم على اليد، وكانوا يتباهون بحمله، إذ رأى يوماً حمأمة فطار إليها من يد حامله فعلقها، فأمر الملك بإتخاذها والتصيد بها، فبينما الملك يسير يوماً إذ نفجت أرنب فطار الصقر إليها فأخذها، فطلب بها الطير والأرانب فقتلها، واتخذها العرب بعده، ثم استفاضت في أيدي الناس.
أول من أتخذ الشواهين

فأما الشواهين فإن أرستجانس الحكيم ذكر في كتاب كان وجه به إلى المهدي حمل إليه من أرض الروم أهداه إليه الملك أن ملكاَ من ملوك الروم يُقالى له فسيان نظريوماً إلى شاهين يَهْوِي منحدراً على طير الماء فيضربه ثم يسمو مرتفعاً في الهواء، حتى فعل ذلك مراراً، فقال: هذا طير ضَارٍ تَدُلُّنا قوة انحداره على الطير في الماء أنه ضارٍ، وتدلنا سرعة ارتفاعه في جو السماء على أنة طير أبيٌّ ألوف، فلما رأى إلى حسن تكراره أعجبه، فكان أول من أتخذ الشواهين.وقد ذكر سعيد بن عبيس عن هاشم بن خديج قال: خرج قسطنطين ملك عمورية متصيداً بالبزاة، حتى انتهى إلى خليج نيطس الجاري إلى بحر الروم فعبر إلى مَرْج بين الخليج والبحر فسيح مديد، فنظر إلى شاهين يتكفأ على طير المات، فأعجبه ما رأى من سرعته وضراوته، ولم يدر الحيلة في صيده، فأمر أن يصطاد له فَضَرّاه، وكان قسطنطين أول من لعب بالشواهين، ونظر إلى ذلك المرج البساط مفروشاً بألوان الزهر، فقال: هذا موضع حصين بين نهر وبحر، وله سعة وامتداد يصلح أن يكون فيه مدينة، فبنى فيه مدينة القسطنطينية، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب عند ذكرنا لملوك الروم قسطنطين بن هلاين هذا، وما كان من خبره، وهو المظهر لدين النصرانية، وهذا الوجه أحد ما ذكر من السبب الداعي لبناء القسطنطينية. وقد ذكر ابن غفير عن أبي زيد الفهري أنه كان من رتبة ملوك الأندلس اللَّذَارقة أنه إذا ركب الملك منهم صارت الشواهين في الهواء مظلة لعسكره، مخيمة على موكبه، تنحدر عليه مرة وترتفع أخرى، معلمة لذلك، فلا تزال على ما وصفنا في حال مسيره حتى ينزل فتقع حوله، إلى أن ركب يوماً ملك منهمِ يُقال له أزرق وصارت الشواهين معه على ما وصفنا، فاستثارت طائراً فانقض عليه شاهين فأخذه، فأعجب بذلك الملك، وَضَرَّاها على الصيد؛ فكان أول من تصيد بها بالمغرب وبلاد الأندلس.قال المسعودي: وكذلك ذكر جماعة من أهل العلم بهذا الشأن أنه كان أول من لعب بالعقبان من أهل المغرب، فلما نظرت الروم إلى شدة أسْرِهَا وإفراط سلاحها قال حكماؤهم: هذه التي لا يقوم خيرها بشرها.
وذكر أن قيصر أهدى إلى كسرى عُقاباً وكتب إليه يُعْلِمه أنها تعمل أكثر من عمل الصقر الذي أعجبه صيده، فأمر بها كسرى فأرسلت على ظبى عرض له فدقته، فأعجبه ما رأى منها، فانصرف مسروراً، فجوعها ليصيد بها، فثبت على صبي له فقتلته، فقال كسرى: وَتَرَنَا قيصرفي أولادنا بغير جيش، ثم إن كسرى أهْدى إلى قيصر نمراً، وكتب إليه أنه يقتل الظباء وأمثالها من الوحش، وكتب ما صنعت العُقَاب، فأعجب قيصر حسن النمر، وطابق صفته بوصف من الفهد، وغفل عنه، فافترس بعضى فتيانه، فقال: صادنا كسرى، فإن كنا قد صدناه فلا بأس.هذا، وقد تغلغل بنا الكلام عند ذكرنا لبحر جرجان وجزائره إلى الكلام في أنواع الجوارح، وسنذكر لُمَعاً من أخبار البزاة وأعداد أجناس الجوارح وأشكالها عند ذكرنا لملوك اليونانيين، فلنرجع الان إلى ذكر الباب والأبواب ومن يلي السور من الأمم وجبل القبخ، وقد قلنا إن شر الملوك ممن جاورها من الأمم مملكة جيدان، وملكهم رجل مسلم يزعم أنه من العرب من قحطان ويعرف بسلفان في هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وليس في مملكته مسلم غيره وولده وأهله، وأرى أن هذه السمة يسمى بها كل ملك لهذا الصقع، وبين مملكة جيدان وبين الباب والأبواب أناس من المسلمين عرب لا يحسنون شيئاً من اللغات غير العربية في آجام هناك وغِيَاض وأودية وأنهار كبار من قرى قد سكنوها، وقطنوا ذلك الصقع منذ الوقت الذي افتتحت فيه تلك الديار ممن طرأ من بوأدي العرب إليها، فهم مجاورون لمملكة جيدان، إلا أنهم ممتنعون بتلك الأشجار والأنهار، وهم على نحو ثلاثة أميال من مدينة الباب والأبواب، وأهل الباب يحذرونهم.ويلي مملكة جيدان مما يلي جبل القبخ والسرير ملك يقال له برزبان مسلم، ويعرف بلده بالكرج، وهم أصحاب الأعمدة، وكل ملك يلي هذه المملكة يدعى برزبان.
مملكة غميق
ثم يلي مملكة برزبان مملكة يُقال لها غميق، وأهلها أناس نصارى لا ينقادون إلى ملك، ولهم رؤساء، وهم مهادنون لمملكة اللان.
مملكة زريكران

ثم يليهم مما يلي السرير والجبل مملكة يُقال لها زريكران، وتفسيرذلك عمال الزرد، لأن أكثرهم يعمل الزرد واليَلَبَ واللجم والسيوف وغير ذلك من أنواع الحديد، وهم فو ديانات مختلفة: مسلمون، ويهود، ونصارى، وبلدهم بلد خشن، قد امتنعوا بخشونته على ما جاورهم من الأمم.
مملكة فيلان شاه
ثم يلي هؤلاء مملكة السرير، وملكها يدعي فيلان شاه، يدين بدين النصرانية، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب أنه من ولد بهرام جور، وسمي صاحب السرير لأن يزدجرد وهو الآخر من ملوك ساسان حين ولى منهزماً قدم سريره الذهب وخزائنه وأمواله مع رجل من ولد بَهْرَام جور ليسير بها إلى هذه المملكة فيحرزها هناك إلى وقت موافاته، ومضى يزدجرد إلى خراسان فقتل هناك، وذلك في خلافة عمر رضي الله عنه على ما ذكرنا في هذا الكتاب وغيره من كتبنا، فقطن ذلك الرجل في هذه المملكة، واستولى عليها، وصار الملك في عقبه فسمي صاحب السرير، ودار مملكته تعرف بحمرج، وله أثنا عشرألف قرية يستعبد منهم من شاء، وبلده بلد خشن منيع لخشونته، وهو شعب من. جبل القبخ، وهويغيرعلى الخزر مستظهرأعليهم لأنهم في سهل وهوفي جبل.
مملكة اللان
ثم تلي هذه المملكة مملكة اللان وملكها يُقال له كركنداج، وهذا الاسم الأعم لسائر ملوكهم، وكذلك فيلان شاه، فهو الاسم الأعم لسائر ملوك السرير، ودار مملكة ملك اللان يقال لها معص، وتفسير ذلك الديانة، وله قصور ومنتزهات في غير هذه المدينة ينتقل في السكنى إليها، وبينه وبين صاحب السرير مصاهرة في هذا الوقت، وقد تزوج كل واحد منهما بأخت الآخر، وقد كانت ملوك اللات بعد ظهور الإسلام في الدولة العباسية اعتقدوا دين النصرانية. وكانوا قبل ذلك جاهلية، فلما كان بعد العشرين والثلثمائة رجعوا عما كانوا عليه من النصرانية، وطردوا مَنْ كان قبلهم من الأساقفة والقسيسين، وقد كالط أنفذهم إليهم ملك الروم.
وبين مملكة اللان وجبل القبخ قلعة وقنطرة على واد عظيم يقال لهذه القلعة قلعة باب اللان، بنى هذه القلعة ملك في قديم الزمان من الفرس الأوائل يقال له اسبنديار بن يستاسف بن بهراسب ورتب في هذه القلعة رجالاً يمنعون اللان عن الوصول إلى جبل القبخ، ولا طريق لهم إلا على هذه القنطرة من تحت هذه القلعة، والقلعة على صخرة صماء لا سبيل إلى فتحها والوصول إليها إلا بإذن مَنْ فيها؛ ولهذه القلعة المبنية على أعلى هذه الصخرة عين من الماء عذبة تظهر في وسطها من أعلى هذه الصخرة، وهذه القلعة إحور قلاع العالم الموصوفة بالمَنَعَة، وقد ذكرتها الفرس في اشعارها، وما كان لاسبنديار بن يستاسف في بنائها، ولِإسبنديار في الشرف حروب كثيرة مع أصناف من الأمم، وهو السائر إلى بلاد الترك، فخرب مدينة الصقر، وكانت من المنعة بالموضع العظيم الذي لا يُرَام، وبها تضرب الفرس الأمثال، وما كان من أفعال إسبنديار وما وصفنا فمذكور في الكتاب المعروف بكتاب البنكش، نقله ابن المقفع إلى لسان العرب، وقد كان مَسْلمة بن عبد الملك بن مروان حين وصل إلى هذا الصقع ووطىء أهله أسكن في هذه القلعة أناساً من العرب إلى هذه الغاية يحرصون هذا الموضع، وربما يحمل إليهم الرزق وأقوات من البر من ثغر تفليس، وبين تفليس وهذه القلعة مسيرة خمسة أيام، ولوكان رجل واحد في هذه القلعة لمنع سائر الملوك الكفار أن يجتازوا بهذا الموضع؛ لتعلقها بالجو وإشرافها على الطريق والقنطرة والوادي، وصاحب اللان يركب في ثلائين ألف فارس، وهو ذو مَنَعَة وبأس شديد وف سياسة بين الملوك، ومملكته عمائرها متصلة، غير منفصلة، إذا تصايحت الديوك تجاوبت في سائر مملكته لاشتباك العمائر واتصالها.
أمة كشك

ثم يلي مملة اللان أمة يُقَال لها كشك، وهم بين جبل القبخ وبحر الروم، وهي أمة مطيعة منقادة إلى دين المجوسية، وليس فيمن ذكرنا من الأمم في هذا الصقع أنقى أبشاراً، ولا أصفى ألوانأ ولا أحس رجالاً ولا أصبح نساء، ولا أقوم قدودأ، ولا أدق أخصاراً، ولا أظهر أكفالاً وأردافاً، ولا أحسن شكلأ من هذه الأمة، ونساؤهم موصوفات بلذة الخلوات، ولباسهم البياض والديباج الرومي والسقلاطوني وغير ذلك من أنواع الديباج المذهب، وبأرضهم أنواع من الثياب يصنع من القنب، فيها نوع يقال له الطلى أرق من الدبيقي على الكَدِّ، يبلغ الثوب عشرة:دنانير، ويحمل إلى ما يليهم من الإِسلام، وقد تحمل هذه الثياب ممن جاورهم من الأمم، إلا أن الموصوف منها ما يحمل من قبل هؤلاء.واللان مستظهرة على هذه الأمة، لا تنتصف هذه الأمة من اللان،إلا أنها تمتنع من اللان بقلاع لها على ساحل البحر، وقد تُنوزع في البحر الذي هم عليه: فمن الناس من يرى أنه بحر الروم، ومنهم من يرى أنه بحر نيطس، إلا أنهم يقربون في البحر من بلاد طرابزندة، والتجارة تتصل بهم منها في المراكب، وتتجهز من قبلهم أيضاً، والعلة في ضعفهم عن اللان تركهم أن يملِّكوا عليهم ملكاً يجمع كلمتهم، ولو اجتمعت كلمتهم لم يُطِقْهم اللان ولا غيرها من الأمم، وتفسير هذا الاسم وهو فارسي إلى العربية التَيه والصَلَفُ، وذلك أن الفرس إذا كان الِإنسان تائها صلفاً قالوا: كشك.وتلي هذه الأمة التي على هذا البحرأمة أخرى يُقال لبلادهم: السبع بلدان، وهي أمة كبيرة ممتنعة بعيحة الدار لا أعلم ملتها، ولا نمي إلي خبُرهَا في دينها.
ارم ذات العماد: وتليها أمة عظيمة بينها وبين بلاد كشك نهر عظيم كالفرات يصب إلى حر الروم، وقيل: إلى بحر نيطس، ويقال لدار مملكة هذه ا؟ مة إرم ت ات العماد، وهم فو خلق عجيب، وآراؤها جافلية، ولهذا البلد على مذا البحر خبرظريف، وذاك أن سمكة عظيمة تأتيهم في كل سنة فيتناولن شها، ئم تعود ثانية فتتوجه نحوهم من الشق الاخر فيتناولن منها، وقد عاد للحم على الموضع الذي أخذ منه أولًا، وخبرهن! ا؟ مة مستفيض في !لك الديار من الكفار.
ويلي هذه ا " مة أمة بين جبال أربعة كل جبل منها ممتنع ذاهب في الهواء وبين هذه الجبال الأربعة من المسافة نحو من مائة ميل صحراء، في وسط تلك الصحراء دارة مقورة كأنها قد خطت ببيكار، وشكل دائرتها خسفة مجوفة في حَجَر صَلْد منخسف كما تححر الدائرة، استدارة تلك الخسفة نحوخمسين ميلاً قطع قائم يهوي سفلًا كحائط مبني من سفل إلى علو يكون قعره على نحو ميلين، لا سبيل إلى الوصولى إلى مستوى تلك الدارة، ويرى فيها بالليل نيران كثيرة في مواضع مختلفة، وبالنهار يرى قرى وعمائر وأنهارحتجري بين تلك القرى وناس وبهائم، إلا أنهم يرون لطاف الأجسام لبعد قعر الموضع، ولا يحرى من أي الامم هم، ولا سبيل لهم إلى الصعود إلى جهة من الجهات، ولا سبيل لمن فق إلى النزولى إليهم بوجه من الوجوه.
و!ف نوع من القرلة: ووراء تلك الجبال الأربعة على ساحل البحر خسفة اخرى قريبة القعم

فيها آجام وغياض فيها نوع من القرود منتصبة القامات مستديرة الوجو والأغلب عليها صور الناس وأشكالهم، إلا أنهم فو شعر، وربما وقع في الناثر القرد منها إذا احتيل في اصطياعه؟ فيكون في نهاية الفهم والحراية، إلا أنه لا لسان له فيعبر بالنطق ة ويفهم كل ما يخاطب به بالِإشارة، ورب! حمل الواحد منها إلى ملوك الأمم من هناك فتعلِّمه القيام على رؤوس! بالمذابِّ على موائدها لما في القود من الخاصة بمعرفة السموم من المأكل والمشرب ويلقي الملك له من طعامه: فإن أكله أكل الملك منه، وإذ اجتنبه علم أنه مسموم فحفر منه، وكذلك فعل الأكثر من ملوك السنلأ والهند في القرثة، وقد ذكرنا في هذا الكتاب خبر وفد الصين حين وفحو على المهحيِّ، وما ذكروا له مما في القرد من منافع ملوكهم به عند الطعام وذكرنا خبر القرود باليمن، واللوح الحديد الذي كتبه سليمان بن ثاود عهد للقرود باليمن، وما كان من أمرهم مع عامل معاوية بن أبي سفيان، وما كتب به في أمرهم، ووصف القرد العظيم الذي كان في رقبته اللوح الحديد، وليس في قرود العالم أفطن من هذا النوع، ولا أخبث، وذلك أن القرعة تكون في بقاع الأرض الحارة: فمنها بأرض النوبة وأعلى بلاد الأحابيش مما يلي أعالي مصب النيل وهي القرود المعروفة بالنوبية، وهي صغيرة القد صغيرة الوجوه ذات سواد غير حالك كأنه ن!ي وهو الذي يكون مع القَرادين، ويصعد على رمح فيصير على أعلاه، ومنها ما يكون في ناحية الشمال في اجام وغياض نحو أرض الصقالبة وغيرها ممن هناك من الامم، كنحو ما وصفنا من هذا النوع من القرود، وقرب شكله من صورة الِإنسان ومنها بخلجانات بلاد الزابج في الصين وفي مملكة المهراج ملك الجزائر، وقد قممنا فيما سلف من هذا الكتاب أن ملكه يوازي ملك الصين، وهو بين مملكة البلهرا وملك الصين، وهذه القرود مشهورة في هذا الصقع معروفة بالكثرة في هذه الخلجانات، وهي ذات صور تأمة، وقد كان حمل إلى المقتمر منها، وجاءت في سلاسل عظام، وكان في القرود فو لحى وسبال كبار وشيوخ وشبان مع أنواع من الهدايا من عجائب البحر، حمل ذلك أحمد بن هلال أمير عمان يومئذ، وهنه القرود أمرها مشتهر عند البحريين من أهل سيراف وعمان ممن يختلف إلى بلاد كلة والزانج، وكيف تأتي بالحيلة لصيد التماسيح من جوف الماء، على أن الجاحظ قد ذكر أن التماسيح لا تكون إلا بنيل مصر ونهر مهوان السند وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب ما قيل في ذلك، وأخبرنا عن مواضع التماسيح فأما اليمن فلا تناكر بين مَنْ دخله في أن القرود منه في مواضع كثيرة لا يحصرها عحد لكثرتها: فمنها في واعي نخلة، وهي بين بلاد الجَنَدِ وبلاد زبيد التي أميرها في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلالين وثلثمائة - إبراهيم بن زياد صاحب الحرملي، وبين هذا الواثي وبين زبيد يوم، وبينه وبين الجَنَدِ يوم أو أكثر من ذلك، وهذا الواس كثير العمائر، ومصاد المياه إليه كثيم ة

وشجر الموز فيه كثير، والقرود فيه كثيرة، وهو بين جبلين، والقرود قطعان كل قطيع منها يسوقه هرز، والهرز: الذكر العظيم كالفحل العظيم المقمَّم فيها، وقد تلد القرعة في بطن واححة عمة من القرود نحو العشرة والأثني عشر، كما تلد الخنزيرة خنانيص كثيرة، وتحمل القردة البعض من أولادها كحمل المرأة ولدها، ويحمل الذكر باقيهن، ولهن أندية ومجالس يجتمع فيها خلق منهن فيسمع لهن حديث ومخاطبات وهمهمة، والِإناث كالنساء متحيزات عن الذكور، فإذا سمع السامع محادثتهن وهو لا يرى أشخاصهن بين تلك الجبال وأشجار الموز، وذلك بالليل، لم يشك أنهم اناس لكثرتهم بالليل والنهار، وليس في جميع البقاع التي تكون فيها القرود أحسن ولا أخبث ولا أسرع قبولًا للتعليم من قرعة اليمن، وأهل اليمن يسمون القرد الرباح، ولهم جُمَم للذكور والإِناث قد سرحت ومنها سود كأسْوَدِ ما يكون من الشعر، وإذا جلسوا يجلسون مراتب عون مرلبة الرئيس، ويتشبهون في سائر أعمالهم بالناس، ومن القرثة باليمن ببلاد مأرب بين بلاد صنعاء وقلعة كهلان ما يكون في برَارٍ وجبال هناك كأنها السحب في تلك البراري والجبال لكثرتها، وكهلان هنه قلعة من مخاليف اليمن فيها أسعد بن يعفر ملك اليمن في هذا الوقت مُحْتَجب عن الناس إلا عن خواصه، وهوبقيَّة من ملوك حمير، وحوله من الجنود من الخيل والرجال نحو خمسين ألفاً مرتزقة يقبضون الرزق في كل شهر، ويدعي وقت القبض البركة، فيجتمعون هناك ويتحفرون وينحمرون من تلك المخاليف، والمخاليف: القلاع، وقد كانت لهذا الرجل حروب باليمن مع القرامطة وصاحب المذيحرة، وهو علي بن الفضل، وذلك بعد السبعين والمائتين، وقد كان لعلي باليمن شأن عظيم حتى قتل، وتوطأت اليمن لهذا الرجل، وباليمن للقرود مواضع كثيرة، وكذلك في بقاع من الأرض أعرضنا عن ذ!رها، إذ كنا قد أتينا على علة تكونها في بعض البقاع لمحون بعض من الأرض وأخبار النسناس في كتابنا " أخبار الزمان ثا وكذلك الأخبار عن العرابيد، وهو نوع كالحيات تكون ببلاد حجر اليمأمة فيما زجمموا، واحدها عربد، وقد كان المتوكل في بل! خلافته سأل حنين بن إسحاق أن يتأتى له في حمل أشخاص من النسناس والعربد، فلم يَسْلَم منهم إلى سُرَّ مَنْ رأى إلا اثنان من النسناس، ولم تتأتّ له الحيلة في حمل العربد من اليمأمة، وذلك أن العربد هذا إذا خرج عن اليمأمة وصار إلى موضع منها معروف المسافة عدم من الوعاء الذي حمل فيه، وأهل اليمأمة ينتفعون به لمنع الحيات والعقارب وسائر الهوام، كمنفعة أهل سجستان بالقنافذ، ولذلك كان في عهد أهل سجستان القديم ألا يقتل قنفذ ببلدهم، لأنه بلد كثير الرمالى بناه ذو القرنين في مَطَافه، وحوله جبال كثيرة من الرمل قد سكرت بالخشب والقصب، والبلد كثير الأفاعي والحيات جداً، فلولا كثرة القنافذ لتلف من هناك من الناس، وكذلك أهل مصر في صعيدها وغيره، لهم عويبة يقال لها العرانس أكبر من الجرذ وأصغر من ابن عرس حمراء بيضاء البطن، لولا هذه الحويبة لغلب على أهل مصر الثعابين، وهي نوع من الحيات عظيمة، فينطوي الثعبان على هذه الدويبة ويلتفُّ بها فترخي عليه الريح فينقطع الثعبان من ريحها، هذه خاصية هذه الدابة، وفي الشرق أنواع من الخواص في بره وبحره وحيوانه ونباته وجماده، وكذلك في الغرب واليمن وهو الجنوب، والجدي وهو الشمال، وقد ذكرنا طبع كل واحد من هذه الأرباع؛ ففي ذكرها في هذا الباب خروج عن الغرض الذي يممنا نحوه.فلنرجع الآن إلى ما كنا فيه آنفاً من ذكر الأمم المخيطة بالباب والأبواب والسور وجبل القبخ وبلاد الخزر واللان، فنقول:إنه يلي الخزر واللان فيما بينهم وبين المغرب أمم أربع: ترك ترجعإلى أب واحد في بدء أنسابهم، حَضَر وبدو، ذو مَنَعَة وبأس شديد، لكل أمة منها ملك، مسافة مملكته أيام، متصلة ممالكهم بعضها ببحر نيطس، وتتصل عماراتها بمدينة رومية، وما يلي بلاد الأندلس، مستظهرة على سائر ما هنالك من الأمم، وبينهم وبين ملك الخزر مهادنة، وكذلك مع صاحب اللان، وديارهم تتصل ببلاد الخزر، فالجيل الأول منهم يُقال له يجنى، ثم تليها أمة ثانية يُقال لها بجغرد، ثم تليها أمة يُقال لها بجناك، وهي أشد هذه الأمم الأربعة بأساً، ثم تليها أمة ثانية يُقال لها نوكرده وملوكهم بَدْو، وكان لهم حروب مع الروم بعد العشرين والثلاثمائة، أو يها

وقد كان للروم في تخوم أرضهم يما يلي من ذكرنا من هذه الأجناس الأربعة مدينة عظيمة يونانية يقال لها ولندر، يها خلق من الناس ومَنَعَة بين الجبال والبحر، كل من فيها مانع لمن ذكرنا من الأمم، ولم يكن لهؤلاء الترك سبيل إلى أرض الروم لمنع الجبال والبحر إياهم، ومن في هذه المدينة، وكان بين هؤلاء الأجناس حروب لخلاف وقع بينهم على رأس رجل مسلم تاجر من أرض أردبيل: كان نازلاً على أرض بعضهم، استضافه ناس من الجبل الاخر، فاختلفت الكلمة، وأغار من في ولندر من الروم علىِ ديارهم وهم عنها خُلُوف، فسَبَوْا كثيراً من الذرية، وساقوا كثيراَ من الأموال، ونمى ذلك إليهم وهم مشاغيل في حربهم، اجتمعت كلمتهم، وتواهبوا ما كان بينهم من، الدماء، عمد القوم جميعاً نحو مدينة ولندر، فساروا إليها في نحو من ستين ألف فارس، وذلك علىغير احتفال ولا تجمُّع، ولو كان ذلك لكانوا في نحو من مائة ألف فارس، فلما نمى خبرهم إلى أرمنوس ملك الروم في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة سَير إليهم اثني عشر ألف فارس من المتنصرة على الخيول بالرماح في زي العرب، وأضاف إليهم خمسين ألفاً من الروم،فوصلوا إلى مدينة ولندر في ثمانية أيام، وعسكروا وراءها، ونازلوا القوم، وقد كانت الترك قتلت من أهل ولندر خلقاً كثيراً من الناس، وامتنع أهلها بسورهم إلى أن أتاهم هذا المدد، ولما صح عند الملوك الأربعة من سار إليهم من المنتصرة والروم بعثوا إلى بلادهم جمعوا من كان قبلهم من تجار المسلمين ممن يطرأ إلى بلادهم من نحو بلاد الخزر والباب واللان وغيرهم، وفي هؤلاء الأجناس الأربعة من قد أسلم، وهم غير مخالطين لهم إلا عند حروب الكفار، لما تصاف القوم وبرزت المنتصرة أمام الروم خرج إليهم من كان قِبَلَ الترك من التجار المسلمين فدعوهم إلى ملة الإِسلام، وأنهم إن دخلوا في أمان الترك أخرجوهم من بلادهم إلى أرض الِإسلام، فأبوا ذلك، وتواقفَ الفريقان في ذلك الوقت، كانت للمنتصرة والرومِ على الترك لأنهم كانوا في الكثرة أضعاف الترك، وباتوا على مّصَافهم، وتشاور ملوك الترك الأربعة قال لهم ملك بجناك: قلدوني التدبير في غداة غد، أنعموا له بذلك، لما أصبح جعل في جناح الميمنة كراديس كثيرة كل كردوس منها ألف؛وكذلك فٍي جناح الميسرة، فلما تصاف القوم خرجت الكراديس من ناحية الميمنة فرشقت في قلب الروم فصارت إلى الميسرة، وخرجت كراديس الميسرة فرشقت في قلب الروم فصارت إلى موضع مَنْ خرج من جناح الميمنة، واتصل الرمْيُ، واتصلت الكراديس كالرحى، والقلب والميمنة والميسرة للترك ثابتة، والكراديس تعمل عليها في اللفيق، وذلك أن من خرج من كراديس الترك من جناح ميمنتهم كان يبتدىء فيرمي في جناح ميسرة الروم ويمربميمنتهم فيرمي وينتهي إلى القلب، وما يخرج من كراديسهم من جناح الميسرة فيرمي في جناح ميمنة الروم، وينتهي إلى الميسرة فيرمي، وينتهي إلى القلب فيرمي، يكون ملتقى الكراديس في القلب دائراً على ما وصنا، لما نظرت المتنصرة والروم إلى ما لحقهم من تَشَوُّش صوهم وتواتر الرمي عليهم حملوا على القوم مشوشين في مصادفهم فصادوا صفوف الترك ثابتة أخرجت لهم الكراديس، فرشقتهم الترك كلها رشقاً واحداً، كان ذلك الرشق سبب هزيمة الروم، وعقبهم الترك بعد الرشق بالحملة على صفوفهم وهم غير متشوشين عما كانوا عليه من التعبئة، وركضت الكراديس من اليمين والشمال، وأخذ القوم السيف، وأسود الفأق، وكثر صياح الخيل، فقتل من الروم والمتنصرة نحو من ستين ألف حتى كان يصعد إلى سور المدينة على جثثهم، فافتتحت المدينة، وأقام السيف يعمل يها أياماً، وسبى أهلها، وخرج عنها الترك بعد ثلاثة أيام يؤمون القسطنطينية، ثم توسطوا العمائر والمروج والضياع قتلاً وأسرا وسبيا، حتى نزلوا على سور القسطنطينية، فأقاموا عليها نحواً من أربعين يوماً يبيعون المرأة والصبي منهم بالخرقة والثوب من الديباج والحريرَ، وبذلوا السيف في الرجال فلم يبقوا على أحد منهم، وربما قتلوا النساء والولدان، وشَنًّوا الغارات في تلك الديار، فأتصلت غاراتهم بأرض الصقالبة ورومية، ثم اتصلت غاراتهم في هذا الوقت إلى نحوِ بِلاد الأندلس والِإفرنجة والجلالقة، فغارات من ذكرنا من الترك متصلة إلى أرض القسطنطينية وما ذكرنا من الممالك إلى هذه الغاية. كان للروم في تخوم أرضهم يما يلي من ذكرنا من هذه الأجناس الأربعة مدينة عظيمة يونانية يقال لها ولندر، يها خلق من الناس ومَنَعَة بين الجبال والبحر، كل من فيها مانع لمن ذكرنا من الأمم، ولم يكن لهؤلاء الترك سبيل إلى أرض الروم لمنع الجبال والبحر إياهم، ومن في هذه المدينة، وكان بين هؤلاء الأجناس حروب لخلاف وقع بينهم على رأس رجل مسلم تاجر من أرض أردبيل: كان نازلاً على أرض بعضهم، استضافه ناس من الجبل الاخر، فاختلفت الكلمة، وأغار من في ولندر من الروم علىِ ديارهم وهم عنها خُلُوف، فسَبَوْا كثيراً من الذرية، وساقوا كثيراَ من الأموال، ونمى ذلك إليهم وهم مشاغيل في حربهم، اجتمعت كلمتهم، وتواهبوا ما كان بينهم من، الدماء، عمد القوم جميعاً نحو مدينة ولندر، فساروا إليها في نحو من ستين ألف فارس، وذلك علىغير احتفال ولا تجمُّع، ولو كان ذلك لكانوا في نحو من مائة ألف فارس، فلما نمى خبرهم إلى أرمنوس ملك الروم في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة سَير إليهم اثني عشر ألف فارس من المتنصرة على الخيول بالرماح في زي العرب، وأضاف إليهم خمسين ألفاً من الروم،فوصلوا إلى مدينة ولندر في ثمانية أيام، وعسكروا وراءها، ونازلوا القوم، وقد كانت الترك قتلت من أهل ولندر خلقاً كثيراً من الناس، وامتنع أهلها بسورهم إلى أن أتاهم هذا المدد، ولما صح عند الملوك الأربعة من سار إليهم من المنتصرة والروم بعثوا إلى بلادهم جمعوا من كان قبلهم من تجار المسلمين ممن يطرأ إلى بلادهم من نحو بلاد الخزر والباب واللان وغيرهم، وفي هؤلاء الأجناس الأربعة من قد أسلم، وهم غير مخالطين لهم إلا عند حروب الكفار، لما تصاف القوم وبرزت المنتصرة أمام الروم خرج إليهم من كان قِبَلَ الترك من التجار المسلمين فدعوهم إلى ملة الإِسلام، وأنهم إن دخلوا في أمان الترك أخرجوهم من بلادهم إلى أرض الِإسلام، فأبوا ذلك، وتواقفَ الفريقان في ذلك الوقت، كانت للمنتصرة والرومِ على الترك لأنهم كانوا في الكثرة أضعاف الترك، وباتوا على مّصَافهم، وتشاور ملوك الترك الأربعة قال لهم ملك بجناك: قلدوني التدبير في غداة غد، أنعموا له بذلك، لما أصبح جعل في جناح الميمنة كراديس كثيرة كل كردوس منها ألف؛وكذلك فٍي جناح الميسرة، فلما تصاف القوم خرجت الكراديس من ناحية الميمنة فرشقت في قلب الروم فصارت إلى الميسرة، وخرجت كراديس الميسرة فرشقت في قلب الروم فصارت إلى موضع مَنْ خرج من جناح الميمنة، واتصل الرمْيُ، واتصلت الكراديس كالرحى، والقلب والميمنة والميسرة للترك ثابتة، والكراديس تعمل عليها في اللفيق، وذلك أن من خرج من كراديس الترك من جناح ميمنتهم كان يبتدىء فيرمي في جناح ميسرة الروم ويمربميمنتهم فيرمي وينتهي إلى القلب، وما يخرج من كراديسهم من جناح الميسرة فيرمي في جناح ميمنة الروم، وينتهي إلى الميسرة فيرمي، وينتهي إلى القلب فيرمي، يكون ملتقى الكراديس في القلب دائراً على ما وصنا، لما نظرت المتنصرة والروم إلى ما لحقهم من تَشَوُّش صوهم وتواتر الرمي عليهم حملوا على القوم مشوشين في مصادفهم فصادوا صفوف الترك ثابتة أخرجت لهم الكراديس، فرشقتهم الترك كلها رشقاً واحداً، كان ذلك الرشق سبب هزيمة الروم، وعقبهم الترك بعد الرشق بالحملة على صفوفهم وهم غير متشوشين عما كانوا عليه من التعبئة، وركضت الكراديس من اليمين والشمال، وأخذ القوم السيف، وأسود الفأق، وكثر صياح الخيل، فقتل من الروم والمتنصرة نحو من ستين ألف حتى كان يصعد إلى سور المدينة على جثثهم، فافتتحت المدينة، وأقام السيف يعمل يها أياماً، وسبى أهلها، وخرج عنها الترك بعد ثلاثة أيام يؤمون القسطنطينية، ثم توسطوا العمائر والمروج والضياع قتلاً وأسرا وسبيا، حتى نزلوا على سور القسطنطينية، فأقاموا عليها نحواً من أربعين يوماً يبيعون المرأة والصبي منهم بالخرقة والثوب من الديباج والحريرَ، وبذلوا السيف في الرجال فلم يبقوا على أحد منهم، وربما قتلوا النساء والولدان، وشَنًّوا الغارات في تلك الديار، فأتصلت غاراتهم بأرض الصقالبة ورومية، ثم اتصلت غاراتهم في هذا الوقت إلى نحوِ بِلاد الأندلس والِإفرنجة والجلالقة، فغارات من ذكرنا من الترك متصلة إلى أرض القسطنطينية وما ذكرنا من الممالك إلى هذه الغاية.

الأبخاز
فلنرجِع الآن إلى ذكر جبل القبخ والسور والباب والأبواب؛إذ كنا قدذكرنا جملاَ من أخبار الأمم القاطنة في هذا الصقع، فمن ذلك أن أمة تلي بلاد اللان يقال لها الأبخاز منقادة إلى دين النصرانية، ولها ملك في هذا الوقت وملك اللان مستظهر عليهم، وهم متصلون بجبل القبخ، ثم يلي ملك الأبخاز ملك الجورية، وهي أمة عظيمة منقادة إلى دين النصرانية تدعى خزران، ولها ملك في هذا الوقت يقال له الطبيعي، وفي مملكة هذا الطبيعي موضع يعرف بمسجد ذي القرنين، وكانت الأبخاز والخزرية تؤدي الجزية إلى صاحب ثغر تفليس منذ تحت تليس وسكنها المسلمون في أيام المتوكل فإنه كان بها رجل يُقال له إسحاق بن إسماعيل، وكان مستظهراً بمن معه من المسلمين على من حوله من الأمم، وهم منقاعون إلى طاعته وأداء الجزية إليه، وعلا أمر مَن هناك من الأمم حتى بعث المتوكل بعثاً نزل على ثغر تفليس، وأقام عليها محارباً حتى افتتحها بالسيف، وقتل إسحاق بن إسماعيل؛ لأن إسحاق بن إسماعيل كان متغلباً على الناحية، وكانت له أخبار يطول ذكرها، وهي مشهورة في أهل ذلك الصقع وغيرهمِ ممن عني بأخبار العالم، وأراه رجلًا من قريش من بني أُمية أو مولى لاحقاَ، فانخرقت هيبة المسلمين من ثغر تفليس من ذلك الوقت إلى هذه الغاية، فامتنع من جاورهم من الممالك من الإِذعان لهم بالطاعة، واقتطعوا الأكثر من ضياع تفليس، وانقطع الوصول من بلاد الِإسلام إلى ثغر تفليس بين هؤلاء الأمم من الكفار؛ إذ كانت محيطة بذلك الثغر، وأهلها ذوو قوة وبأس شديد، وإن كان ما ذكرنا من الممالك محيطاً بهم.
مملكة الصنارية
ثم يلي مملكة خزران مملكة يُقال لها الصمصخي، نصارى وفيهم جاهلية لاملك لهم، ثم تلي مملكة هؤلاء الصمصخية بين ثغرتفليس وقلعة باب اللان المقدَّم ذكرها مملكة يقال لها الصنارية، وملكهم يقال له كرسكوس، هذا الاسم الأعم لسائر ملوكهم، وينقادون إلى دين النصرانية، وهؤلاء النصرانية يزعمون أنهم من العرب من نزار بن معد، من مضر، وأنهم فخذ من عقيل، سكنوا هنالك من قديم الزمان، وهم هناك مستظهرون على كثير من الأمم، ورأيت ببلاد مأرب من أرض اليمن أناساًمن عقيل محالفه لمذحج، لا فرق بينهم وبين أخلافهم لاستقامه كلمتهم، فيهم خيل كثيرة وَمَنَعَة، وليس في اليمن كلها قوم من نزاربن معد غيرهذا الفخذ من عقيل، إلا ما ذكر من ولد أنمار بن نزار بن معد، ودخولهم في اليمن حسب ما ورد به الخبر، وهو ما كان من خبر جريربن عبد اللّه البجَلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان من خبر بجيلة، والصنارية يزعمون أنهم افترقوا في قديم الزمان هم ومن سَمَّينا من عقيل ببلاد مأرب في خبر طويل.
مملكة شكين
ثم يلي مملكة الصنارية مملكة شكين وهم نصارى، وفيهم خلق من المسلمين من التجاروغيرهم من ذوي المهن، ويُقالى لملكهم في هذا الوقت المؤرخ به كتابنا آزر بن نبيه بن مهاجر.
مملكة قيلة، مملكة الموقان
ثم تليهم مملكة قيلة وماحوت المدينة منها مسلمون، وماحولها من العمائر والضياع نصارى، ويقال لملكهم في هذا الوقت المؤرخ به كتابنا هذا عنبسة الأعور، وهو مأوى اللصوص والصعاليك والدعَّار. ثم تلي هذه المملكة مملكة الموقان، وهي التي قدمنا ذكرها، وأنها متغلب عليها، وأنها مضافة إلى مملكة شروان شاه، وليس هذا البلد المعروف بالموقانية هو الملك الذي على ساحل بحر الخزر، وقد كان محمد بن يزيد المعروف بشروان شاه في هذا الوقت ملك الِإيران شاه هو ومن سلف من آبائه، وكان ملك شروان شاه عليّ بن الهيثم، فلما هلك علي تغلب محمد على شروان شاه على حسب ما ذكرنا آنفاً، بعد أن قتل عمومة له واحتوى على ما ذكرنا من الممالك، وله قلعة لا يذكر في قلاع العالم أحسن منها في جبل القبخ.

وللباب أخبار كثيرة من أخبار الأبنية العجيبة التي بناها كسرى بن قباذا بن فيرور وهو أبو كسرى أنو شروان في الموضع المعروف بالمسقط من المدينة بالحجارة والحيطان التي بناها ببلاد شروان المعروف بسور الطين وسور الحجارة المعروف بالبرمكي وما يتصل ببلاد برذعة أعرضنا عن ذكرها إذ كنا قد أتينا على ذلك فيما سلف من كتبنا.وأما نهر الكر فيبتدىء من بلاد خزران من مملكة جرجين، ويمر ببلاد أبخازحتى يأتي ثغر تفليس، ويشق في وسطه، ويجري في بلاد السياوردية حتى ينتهي على ثمانية أميال من بردعة، ويجري إلى برداج من أعمال برذعة ثم يصب فيه مما يلي الصنارة نهر الرس، ويظهر من أقاصي بلاد الروم من نحو مدينة طرابزنده حتى يجيء إلى الكر، وقد صار فيه نهر الرس، يصب في بحر الخزر، ويجري الرس بين بلاد البدين وهي بلاد بابك الخَرّمي من أرض أذر بيجان وجبل أبي موسى من بلاد الران، ويمر ببلاد ورثان، وينتهي إلى حيث وصفنا، وقد أتينا على وصف هذه الأنهار أيضاً، والنهر المعروف بأسبيذروج وتفسير ذلك النهر الأبيض على التقديم والتأخير بين اللغتين وهي الفارسية والعربية، وممره وجريانه في أرض الديلم نحو قلعة سلار، وهو ابن أسوار الديلمي بعض ملوك الديلم وقد ظهر في هذا الوقت المؤرخ به كتابنا تغلب بلاد أربيجان ثم يمر هذا النهر من الديلم إلى الجيل، ويصب فيه نهر آخر في بلاد الديلم، يُقال له: شاهان روذ، فينتهي مصب الجميع إلى بحر الجيل، وهو بحر الديلم والخزر وغيرهم ممن ذكرنا من الأمم المحيطة بهذا البحر، وعلى هذه الأنهار أكثر هؤلاء الديم والجيل الذين قد ظهروا وتغلبوا على كثير من الأرض.فإذ قد قدمنا من أخبار بلاد جبل القبخ وما فيه وما حوله من الأمم وأخبار الباب والأبواب وبحر الخزر.
ملوك العالم
فلندكر الآن ملوك السريان، وهم أول من يعدّ في كتب الزيجات والنجوم والتواريخ القديمة من ملوك العالم، ثم ملوك الموصل ونينوى، ثم ملوك بابل وهم الذين عمروا الأرض، وشقوا الأنهار، وغرسوا الأشجار، وطعموا الثمار، ومهدوا الوعر، وسهلوا الطريق، ثم نتبع ذلك بالفرس الأولى، وهم المعروفون بالخذاهان إلى ملك أفريدون، ثم الإِسكان إلى دارا وهو داريوس بن دارا وهم السكنون ثم ملوك الطوائ، ثم الفرس الثانية، ثم اليونانين، ثم الروم ونذكر من يتلوهم من ملوك العرب والأمم والسودان ومصر والِإسكندرية و غير ذلك من بقاع الأرض إن شاء اللّه تعالى.
ذكر ملوك السريانيين
ولمع من أخبارهم
ذكَرَ أهلى العناية بأخبار ملوك العالم أن أول الملوك ملوك السريانيين بعد الطوفان، وقد تنوزع فيهم و في النَّبَط: فمن الناس من رأى أن السريانيين هم النبط، ومنهم من رأى أنهم إخوة لودماش بن نبيط، ومنهم من رأى غيرذلك و كان أول من ملك منهم رجل يُقال له إشوسان وكان أول من وضع التاج على رأسه في تاريخ السريانيين والنَّبَط، وانقادت له ملوك الأرض، وكان ملكه ست عشرة سنة باغياً في الأرض، مفسداً للبلاد، سفاكاً للدماء.ثم ملك ولد له يقال له بربر وكان ملكه إلى أن هلك عشرين سنة. ثم ملك سماسير بن آوت، سبع سنين.ثم ملك بعده هريمون عشر سنين، خط الخطط، وكوَّرَ أْلكُوَر، وجدَّ في أمره، وإتقان ملكه، وعمارة أرضه، فلما استقامت له الأحوال وانتظم له الملك بلغ بعض ملوك الهند ما عليه ملوك السريانيين من القوة وشدة العمارة، وأنهم يحاولون الممالك، وقد كان هذا الملك من ملوك الهند غالباً على ما حوله من ممالك الهند، وانقادت إلى سلطانه، ودخلت في أحكامه، وقيل:إن مكله كان مما يلي بلاد السند والهند، فسار نحو بلاد بسط وغزنين ولعس وبلاد الداور على النهر المعروف بنهر الهرمند، وهو نهر سجستان ينتهي جريانه على أربع فراسخ منها، وهذا النهر عليه أهل سجستان وضياعهم ونخلهم وجبالهم ومنتزهاتهم في هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وهذا النهريعرف بنهر بسط، وتجري يه السفن من هناك إلى سجستان فيها الأقوات وغير ذلك ومن بسط إلى سجستان نحو من مائة فرسخ، وبلاد سجستان هي بلاد الرياح والرمال، وهو البلد الموصوف بأن الريح به تدير الأرْحِيَة وتسقي الماء من الآبار وتسقي الجِنَانَ، وليس في الدنيا بلد واللّه آعلم أكثر منه اتسعمالاً للرياح.
نهر الهرمند

وقد تنوزع في مبدأ هذا النهر المعروف بنهر الهرمنده فمن الناس من رأى أنه من عيون بجبال السند والهند، ومنهم ! زآى أن مبدأه صت مبدأ نهر الكنك، وهو نهر الهند، ويمر بكثير من جبال السند، وهو نهر حاد الانصباب والجريان، عليه يعذب أكتر الهند أنفسها بالحديد وتغوقها زهداً في هذا العالم ورغبة في النقلة عنه، وذلك أنهم يقصدون موضعاً في أعالى هذا النهر المعروف بالكنك، وهو جبال عالية، وأشجار عادية، ورجال جلوس، وحدائد وسيوف منصوبة على ذلك الشجر، وقطع من الخشب فتأتيهم الهند من الممالك النائية والبلدان القاصية فيسمعون كلام أولئك الرجال المرتبين على هذا النهر وما يقولون من تزهيدهم في هذا العالم والترغيب فيما سواه، فيطرحون أنفسهم من أعالي تلك الجبال العالية على تلك ألأشجار العادية والسيوف والحدائد المصوبة، فيتقطعون قطعاً، ويصيرون إلى هذا النهر أجزاء، وما ذكرنا فموصوف عنهم وما يفعلون على هذا النهر كدْلك.
وصف نوع من الشجر
وهناك شجر من إحدى عجائب العالم ونوادره والغرائب من نباته،يظهر من الأرض أغصان مشتبكة من أحسن ما يكون من الشجر والورق، فتستقيم في الجو كأبعد ما يكون من طوال النخل، ثم ينحني جميع ذلك منعكسأ فيعود في اللأرض مندساً، ويهوي في قعرها سفلاً على المقدار الذي أرتفع به في الهواء صُعُداً، حتى يغيب عن الأبصار، ثم تظهر أغصان يادئة على حسب ما وصفنا في الأول فتدْهب صُعُداً، ثم تنقطر منعكسة، ولافرق بين المقدار الذي يذهب منها في الهواء ويتسع في افلضاء وبين ما يغيب سه تحت الأرض ويتوارى تحت الثرى، فلولا أن الهند قد وكلت بقطعة من يراعيه من أمره لأمريذكرونه، وخطر قي المسقبل يصفونه لطبق على تلك البلاد ولغشي تلك الأرض، ولهذا النوع من الشجر أخبار يطول ذكرها، يعرفها من طرأ إلى تلك البلاد ورآها، أُو ئمي إليه خبرها.
أنواع من تعذيب الهند أنفسهم
والهند تعذب أنفسها على ما وصفنا بأنواع العذأب من دون الأمم وقد تيقنت أنْ ما ينْالها من النعيم في المستقبل مؤجلَاَ لا يكون بغيرما أسلفته من تعذيب أنفسها في هذه الدار معجلاً، ومنهم من يصير إلى باب الملك يستأذن في إحراقه نقسه، فيدور في الأسواق وقد أجِّجَت له النار العظيمة وعليها من قد وكل بإيقادها، ثم يسير في الأسواق وقدامه الطبول والصنوج، و على بدنه أنواع من خرق الحرير قد مزقها على نفسه

وحوله أهله وقرابته، وعلى رأسه إكليل من الريحان، وقد قشر جلده عن رأسه، وعليها الجمر وعليها الكبريت والسندروس، فيسير وهامته تخترق رروائح دماغه تفوح وهو يمضغ ورقي التنبول وحب الفوفل، والتنبول في بلادهم ورق ينبت كأصغر ما يكون من ورق الأترج يمضغ هذا الورق بالنورة المبلولة مع الفوفل، وهو الذي غلب على أهل مكة وغيرهم من بقية أهل الحجاز واليمن في هذا الوقت مضغه بدلَاَ من الطين، ويكون عند الصنادلة للورم وغير ذلك، وهذا إذا مضغ على ما ذكرنا بالورق والنورة شَدَّ اللِّثَةَ، وبعث على الباه، وحمر الأسنان حتى تكون كأحمر ما يكون من حب الرمان، وأحدث في النفس طرباً وأريحية، وقوي البدن، وأثار من النكهة روائح طيبة خمرة، والهند خواصها وعوامها تستقبح مَنْ أسنانه بيض، وتجتنب من لا يمضغ ما وصفنا، فإذا طاف هذا المعذب لنفسه بالنار في الأسواق وانتهى إلى تلك النار وهو غير مكترث ولا متغير في مشيته ولا متهيب في خطوته، ففيهم من إذا أشرف على النار وقد صارت جمراً كالتل العظيم يتناول بيده خنجراً ويدعى الجريء عندهم فيضعه في لبته، وقد حضرت ببلاد صيمور من بلاد الهند من أرض اللازمن مملكة البلهرا، وذلك في سنة أربع وثلثمائة، والملك يومئذ على صيمور المعروف بحاج، وبها يومئذ من المسلمين نحو من عشرة الاف قاطنين بياسرة وسيرافيين وعمانيين وبصريين وبغداديين وغيرهم من سائر الأمصار ممن قد تأهل وقطن في تلك البلاد، وفيهم خلق من وجوه التجارمثل موسى بن إسحاق الصندالوني وعلى الهزمة يومئذ أبو سعيد معروف بن زكريا، وتفسير الهزمة يراد به رآسة المسلمين يتولاها رجل منهم عظيم من رؤسائهم تكون أحكامهم مصروفة إليه، ومعنى قولنا البياسرة يراد به من ولدوا من المسلمين بأرض الهند، يُدْعَوْن بهذا الاسم، واحدهم بيسر، وجمعهم بياسرة، فرأيتُ بعض فتيانهم وقد طاف على ما وصفنا في أسواقهم، فلما دنا من النار أخذ الخنجر فوضعه على فؤاده فشقَه، ثم أدخل يمه الشمال فقبض على كبده فجذب منها قطعة وهو يتكلم فقطعها بالخنجر، فدفعها إلى بعض إخوانه تهاوناً بالموت ولذة بالنقلة، ثم هوى بنفسه في النار، وإذا مات الملك من ملوكهم أو قتل نفسه حَرَّقَ خلق من الناس أنفسهم لموته، يدعون هؤلاء البلانجرية، واحدهم بلانجري، وتفسيرذلك المصادق لمن يموت فيموت بموته، ويحيا بحياته.وللهند أخبار عجيبة تجزع من سماعها النفس: من أنواع الآلام والمقاتل التي تألم عند ذكرها الأبدان، وتقشعر منها الأبشار، وقد أتينا على كثير من عجائب أخبارهم فيِ كتابنا أخبار الزمان.فلنرجع الآن إلى خبر ملك الهند ومسيره إلى بلاد سجستان، وقصده مملكة السريانيين، ونعدل عما احتذينا من أخبار الهند، فنقول:كان هذا الملك من ملوك الهند يُقال له زنبيل، وكل ملك يلي هذا البلد من أرض الهند يسمى بهذا الاسم زنبيل إلى هذا الوقت، وهوسنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وكان بين الهند وملوك السريانيين حروب عظام نحو من سنة، فقتل ملك السريانيين، واحتوى ملك الهند على الصقع، وملك جميع ما فيه، فسار إليه بعض ملوك العرب، فأتى عليه وملك العراق، ورد ملك السريانيين، فملكوا عليهم رجلًا منهم يُقال له:تستر وكان ولد المقتول، فكان ملكه إلى أن هلك ثمان سنين.
أهريمون هوريا ما روب
ثم ملك بعده أهريمون وكان ملكه اثنتي عشرة سنة.
ثم ملك بعد ابن يُقال له هوريا فزاد في العمارة، وأحسن في الرعاية، وغرس الأشجار، وكان ملكه إلى أن هلك اثنتين وعشرين سنة.ثم ملك بعده ماروب واستولى على الملكَ وكان ملكه مدة خمس عشرة سنة، وقيل: ثلاثة وعشرين سنة.
أزور وخلنجاس وأول من شرب الخمر

ثم ملك بعد أزور و خلنجاس وُيقال: إنهما كانا أخوين؛ فأحسنا السيرة، وتعاضدا على الملك، ويُقال: إن أحد هذين الملكين كان جالساً ذات يوم إذ نظر في أعلى قصره إلى طائر قد أفرخ هناك، وإذا هو يضرب بجناحيه ويصيح، فتأمل الملك ذلك فنظر إلى حية تنساب إلى الوكر صاعدة لأكل فراخ الطائر، فدَعَا الملك بقوس فرمى به الحية فصرعها، وسلمت فراخ الطائر، فجاء الطائر بعد هنيهة يصفق بجناحيه وفي منقاره حبة وفي مخاليبه حبتان، وجاء إلى الملك وألقى ما كان في منقاره ومخاليبه، والملك يرمقه، فوقع الحب بين يدي الملك فتأمله، وقال: لأمر ما ألقى هذا الطائر ما ألقى، لا شك أنه أراد مكافأتنا على فعلنا به، فأخذ لحب وجعل يتأمله فلم يعرف مِثله في إقليمه، فقال جليس مِنْ جُلسائه حكيم وقد نظر إلى حيرة الملك في الحب: أيها الملك، ينبغي أن يودع لنبات أرحام الأرض فإنها تخرج كُنْهَ ما فيه، فنقف على الغاية مِنْه، إداء مَا في مخزونه ومَكنونه، فدعا بالأكَرَةِ وأمَرَهُم بزرع الحب ومُراعاته، وما يكون منه، فزرع، فنبت وأقبل يلتف بالشجر ثم حصرم وأعنب، وهم يَرْمُقُونه، والملك يراعيه، إلى أن انتهى في البلوغ وهم لا يُقْدمون على ذوقه خوفاً أن يكون متلفاً، فأمر الملك بعصر مائه، وأن يودع في أواني، وإفراد حُبٍّ منه وتركه على حالته، فلما صار في الآنية عصيراً هَدَرَ وقذف بالزبد وفاحت له روائح عبقة، فقال الملك: عليَ بشيخِ كبير فانٍ فأتي به، فلدد له من ذلك في إناء فرآه لوناً عجيباً، ومنظراَ كاملًا، ولوناً ياقوتيَاَ أحمر، وشعاعاً نيراً، ثم سقوا الشيخ فما شرب ثلاثاً حتى مال، وأرخى من مآزره الفضول وصفق بيديه وحرك رأسه، ووقع برجليه على الأرض، فطرب، ورفع عقيرته يتغنَّى، فقال الملك: هذا شراب يذهب بالعقل، وأخاف أن يكون قاتَلَا، ألا ترى إلى الشيخ كيفما عاد في حال الصبا وسلطان الدم وقوة الشباب. ثم أمر الملك به فزيد، فسكر الشيخ، فنام، فقال الملك: هلك، ثم إن الشيخ أفاق وطلب الزيادة من الشراب، وقال: لقد شربته فكشف عني الغموم، وأزال عن ساحتي الأحزان والهموم، وما أراد الطائر إلا مكافأتكم بهذا الشراب الشريف، فقال الملك؟ هذا أشرف شراب أهل الأرض، وذلك أنه رأى شيخاً قد حسن لونه، وقوي حيله، وانبسط في نفسه، وطرب في حال طبيعة الحزن وسلطان البلغم، وجاد هضمه، وجاءه النوم، وصفا لونه، واعترته أريحية، فأمر الملك أن يكثر من غَرْس الكَرْم، فكثر الغرس للكرم، وأمر أن يمنع العامة من ذلك، وقال:هذا شراب الملوك، وأنا السبب فيه، فلا يشرب غيري، فاستعمله الملك بقية أيامه، ثم نما في أيدي الناس واستعملوه، وقد قيل: إن نوحاً أول من زرعها، وقد ذكرنا الخبر حين سرقها إبليس منه حين خرج من السفينة واستولى على الجودي في كتاب المبدأ وغيره من الكتب.
ذكر ملوك الموصل ونينوى وهم الأثوريون
ولمع من أخبارهم وسيرهم
مدينة نينوى
نينوى: هي مقابلة الموصل، وبينهما دجلة، وهي بين قردى وما زندى من كور الموصل، ونينوى في وَقْتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة مدينة خراب فيها قرى ومزارع لأهلها، وإلى أهلها أرسل اللّه يونس بن مَتَّى، وآثار الصور فيها بينة واضحة وأصنام من حجارة مكتوبة على وجوهها، وظاهر المدينة تل عليه مسجد، وهناك عين تعرف بعين يونس النبي عليه الصلاة والسلام، ويأوي إلى هذا المسجد النُّسّاك والعباد والزهاد.
بسوس وسميرم والأرسيس
وكان أول ملك بَنَى هذه المدينة، وسًوّر سورها: ملك عظيم قد دانت له الملوك ودانت له البلاد، ويُقال له بسوس بن بالوس، فكانت مدة ملكه اثنتين وخمسين سنة.
وكان بالموصل ملك آخر محارب لهذا الملك، وكانت بينهما حروب ووقائع، ويقال: إن ملك الموصل كان في ذلك العصر سابق بن مالك رجل من اليمن.ثم ملك أهل نينوى عليهم بعده امرأة، يقال لها سميرم فأقامت عليهم أربعين سنة تحارب ملوك الموصل، وملكها من شاطىء دجلة إلى بلاد أرمينية ومن بلاد أذربيجان إلى حد الجزيرة والجوديَ، وجبل التيتل إلى بلاد الزوزان، وغيرها من أرمينية، وكان أهل نينوى ممن سمينا نبيطاً وسريانيين، والجنس واحد، واللغة واحدة، وإنما بان النبط عنهم بأحرف

يسيرة في لغتهم، والمقالة واحدة.ثم مَلَكَ بعد هذه المرأة الأرسيس ويُقال: إنه كان ابنها، وكان ملكه نحوإً من أربعين سنة، ورجعت إليه الأرمن، وقد كانت الحروب بينهم سجالاً في ملكه، ثم غلبوا على أهل نينوى فكانت الحروب بين أهل أرمينية وبين ملوك الموصل. ويقال: إن هذا الملك آخر مُلوك نينوى، وقيل: إنه مَلَكَ بعده عشرون وكان يؤدي الضريبة إلى مَلِك أرمينية، ولهؤلاء الملوك أخبار وسير وحروب قد أتينا على جميعها في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط.
ذكر ملوك بابل وهم ملوك النبط وغيرهم
المعروفين بالكلدنيين
ذكَرَ جماعة من أهل التبصر والبحث، ومن ذوي العناية بأخبار ملوك العالم أن ملوك باب هم أول ملَوك العالم الذين مَهَّدُوا الأرض بالعمارة، وأن الفرس الأولى إنما أخذت الملك من هؤلاء، كما أخذت الروم الملك من اليونانيين.
نمروذ الجبار
وكان أولهم نمروذ الجبار، وكان ملكه نحواً من ستين سنة، وهو الذي احتفر أنهاراً بالعراق، آخذة من الفرَات فيقال: إن من ذلك نهر كوثى يطريق من طرق الكوفة، وهو بين قصر ابن هبيرة وبغداد، لاخفاء لخبره وشهرته، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب كثيراً من أنهار العراق، عند ذكرنا لملوك الفرس الأولى والثانية، وغيرهم من ملوك الطوائف، وإنما الغرض في هذا الكتاب التلويح بتاريخ ملوك العالم، والتنبيه على ما سلف من كتبنا.
بقية ملوك بابل
وملك بعده بولوس نحواً من سبعين سنة، وكان عظيم البطش متجبراً في الأرض وكانت في أيامه حروب، ثم ملك بعده فيومنوس، نحواً من مائة سنة، باغياً في الأرض على أهلها، ثم ملك بعده سوسوس نحواً من تسعين سنة، ثم ملك بعده كورش نحواَ من خمسين سنة، ثم ملك بعده أذفر نحواً من عشرين سنة، ثم ملك بعد سملا نحواً من أربعين سنة، وقيل أكثرمن ذلك، ثم لك بعده بوسميس نحو من سبعين سنة، ثم ملك بعده، أنيوس نحواً من ثلاثين سنة، ثم ملك بعده " أفلاوس، خمس عشرة سنة، ثم ملك بعده الحلوس نحواً من أربعين سنة، ثم ملك بعده أومرنوس نحو ثلاثين سنة، ثم ملك بعده كلوس نحو ثلاثين سنة، ثم ملك بعده سيبفروس نحو أربعين سنة؟ وقد قيل دون ذلك وهلك، ثم ملك بعده مارنوس " نحو ثلاثين سنة ثم ملك بعده وسطاليم أربعين سنة، ثم ملك بعده أمنوطوس نحو ستين سنة، ثم ملك بعده تباوليوس نحواً من خمسين سنة، ثم ملك بعده العداس نحو ثلاثين سنة، ثم ملك بعده أطيروس نحو ستين سنة، ثم ملك بعده ساوساس نحو عشرين سنة، ثم ملك بعده فاربنوس نحو خمسين سنة، وقيل: خمساً وأربعين سنة، ثم ملك بعه سوسا أدرينوس نحو أربعين سنة، فغراهم ملك من ملوك فارس، من عقب دارا، ثم ملك بعده مسروس، نحو خمسين سنة، ثم ملك بعده طاطايوس نحو ثلاثين سنة، ثم ملك بعده طاطاوس نحو أربعين سنة، ثم ملك بعده أفروس نحو أربعين، ثم ملك بعده " لاوسيس " نحو خمسين سنة، وقيل: خمساً وأربعين سنة، ثمِ ملك بعده أفريقوس نحو ثلاثين سنة ثم ملك بعده منطوروس نحواَ من عشرين سنة، ثم ملك بعده قولا قسما نحواً من ستين سنة، ثم ملك بعده هنقلس، خمساً وثلاثين سنة، وقيل: خمسين سنهٌ، وكانت له حروب مع ملك من ملوك الصابئة، وكذلك ذكر في كتاب التاريخ القديم، ثم ملك بعده مرجد نحو ثلاثين سنة، ثم ملك بعده مردوج أربعين سنة، وقيل: أقل من ذلك، ثم ملك بعده سنجاريب ثلاثين سنة، وهو الذي أتى بيت المقدس، ثم ملك بعده نشوه منوشا ثلاثين سنة، وقيل: أقل من ذلك، ثم ملك بعده بختنصر الجبار خمساً وأربعين سنة، ثم ملك بعده فرمودوج نحو سنة، ثم ملك بعده " بنطسفر نحو ستين سنة، وقيل: أقل من ذلك، ثم ملك بعده منسوس نحو ثمان سنين، وقيل: عشراً، ثم ملك بعده معوسا سنة، وقيل: أقل من ذلك، ثم ملك بعده داونوس إحدى وثلاثين سنة، وقيل أكثر من ذلك، ثم ملك بعده كسرجوس عشرين سنة، ثم ملك بعده مرطياسة تسعة أشهر وقتل، ثم ملك بعده " فنحست إحدى وأربعين سنة، ثم ملك بعده أحرست ثلاث سنين، وقيل: سنتين وشهرين، ثم ملك بعده شعرياس سنة، وقيل: تسعة أشهر، ثم ملك بعده " داريوس عشرين سنة، وقيل:تسع عشرة سنة، ثم ملك بعده أطحست تسعاً وعشرين سنة ثم ملك بعده داروا اليسع خمس عشرة سنة، وقيل: عشر سنين.
أعمال ملوك بابل

قال المسعودي: فهؤلاء الملوك الذين أتينا على ذكرهم، وأسمائهم،ومدة مملكتهم، وقد رسمت أسماؤهم هكذا في كتب التواريخ السالفة، وهم الذين شيدوا البنيان، ومدنوا المدن، وكوروا الكور، وحفروا الأنهار، وغرسوا الأشجار، واستنبطوا المياه، وأثاروا الأرضين، واستخرجوا المعادن من الحديد والرصاص والنحاس وغير ذلك، وطبعوا السيوف، واتخذوا عدة الحرب، وغير ذلك من الحيل والمكايد، ونصبوا قوانين الحرب بالقلب والميمنة والميسرة والأجنحة، وجعلوا ذلك مثالاً لأعضاء جسد الِإنسان، ورتبوا لكل جزء نوعاً من الأمة لا يوازيها غيرها فجعلوا أعلام القلب على صورة الفيل والتنين وما عظم من أجناس الحيوان، وجعلوا أعلام الميمنة والميسرة على صورة السباع على حسَب عظمها واختلافها في أنواعها، وجعلوا في الأجنحة صور ما لطف من السباع كالنمر والذئب، وجعلوا صور أعلام الكمناء، على صور الحيات والعقارب، وما خفي فعله من هوام الأرض، وجعلوا ألوان كل نوع منها من السواد وغيره من الألوان الستة، وهي: السواد والبياض، والصفرة والحمرة والخضرة، ولون السماء.
بحث في الألوان
وقد ذكر قوم أن الألوان ثمانية على حسب الموضع المستحق لها،ومنعوا أن تكون الحمرة تشوب شيئاً من ذلك إلا ما لطف من أجزائها داخلاً في جملة الأكثر من أشباه الحيوان من تلك الأعلام، وعموا أن قضية القياس توجب أن تكون سائر أعلام الحرب حمراء؛ إذ كانت أليق وأشكل بلون الدم، وأكثر ملاءمة، إذ كان لونهما واحداً، لكن منع من ذلك استعمالها في خال الزينة والطرب وأوقات السرور، واستعمال النساء والصبيان لها، وفرح النفوس بها، وأوجب ترك ذلك، وإن حس البصر مشاكل للون الحمرة، إذا كان من شأنه أنه إذا أدركها انبسط نوره في إدراكها، وإذا وقع البصر على اللون الأسود نوره ولم ينبسط في إدراكه انبساطه في الحمرة، وأن النسبة الواقعة بين بصر الناظر وبين لون الحمرة الاشتراك، والمباينة الضدية بين نور البصر ولون السواد.وتكلم هؤلاء القوم في مراتب الألوان من الحمرة والسواد والبياض وغيرها، ومراتب الأنوار، وما وجه ذلك من أسرار الطبيعة، والحد المشترك بين نورية حِسِّ البصر وبين لون الحمرة والبياض، والضد المباين بين السواد وبين نور البصر، دون سائر الألوان من الحمرة والخضرة والصفرة والبياض، وتغلغل القوم في هذه المعاني إلى ما علا من الأجسام السماوية من النيرين والخمسة، واختلافها في ألوانها، وإلى غير ذلك من الأشخاص العلوية.وقد أتينا على ما قالوه من ذلك فيما سلف من كتبنا، وأتينا على سير هؤلاء الملوك وأخبارهم واختلافهم في كتابنا أخبار الزمان، وفي الكتاب الأوسط.وقد ذهبت طائفة من الناس إلى أن هؤلاء الملوك كانوا من النبط وغيرهم من الأمم، وأنه كان يرأس بعضهم غيره من ملوك الفرس ممن كان مقيماً ببَلْخَ، والأشْهَرُ ما قدمناه، وسنورد فيما يرد من هذا الكتاب لمعاً من أخبار النبط وأنسابهم.
ذكر ملوك الفرس الأولى
وجمل مَن سيرهم وأخبارهم
أصل الفرس
الفرس تخبر مع اختلاف آرائها وبعد أوطانها وتباينها في ديارها وما ألزمته أنفسها من حفظ أنسابها، ينقل ذلك باقٍ عن ماضٍ، وصغير عن كبير أن أول ملوكهم كيومرث ثم تنازعوا فيه فمنهم منِ زعم أنه ابن آدم، والأكبر من ولده، ومنهم من زعم وهم الأقلون عدداَ - أنه أصل النسل وينبوع النَرْء، وقد ذهبت طائفة منهم إلى أن كيومرث هو أميم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، لأن أميماً أول من حَلَّ بفارس من ولد نوح، وكان كيومرث ينزل بفارس، والفرس لا تعرف طوفان نوحِ، والقوم الذين كانوا بين آدم ونوح عليهما السلام كان لسانهم سريانياَ،. ولم يكن عليهم ملك، بل بهانوا في مسكن واحد، والله أعلم بذلك.
كيومرث أول الملوك

وكان كيومرث أكبر أهْل عصره، والمقدم فيهم وكان أول ملك نصب في الأرض فيما يزعمون، وكان السبب الذي دعا أهل ذلك العصر إلى أقأمة ملك ونصب رئيس أنهم رأؤا أكثر الناس قد جُبِلوا على التباغض والتحاسد والظلم والعدوان، ورأوا أن الشرير منهم لا يصلحه إلا الرهبة، ثم تأملوا أحوال الخليقة، وتصرف شأن الجسم، وصورة الِإنسان الحساس الدراك، فرأوا الجسم في بنيته وكونه قد رتب بخواص تؤدي إلى معنى هو غيرها يوردها ويصدرها ويميزها بما تورده إليه من أخلاقها في مداركها، وهو معنى في القلب فرأوا صلاخ الجسم بتدبيره، وأنه متى فسد تدبيره فسد سائره، ولم تظهر أفعاله المتقنة المحكمة، فلما رأوا هذا العالم الصغير الذي هو جسد الِإنسان المرئي لا تستقيم أموره ولا تنتظم أحواله إلا باستقامة الرئيس الذي قدمنا ذكره علموا أن الناس لا يستقيمون إلا بملك ينصفهم، ويوجه العدل عليهم، وينفذ الأحكام على ما يوجبه العقل بينهم، فساروا إلى كيومرث بن لاوذ، وعَرَّفوه حاجتهم إلى ملك وقيم، وقالوا: أنت أفضلنا، وأشرفنا، وأكبرنا، وبقية أبينا، وليس في العصر من يوازيك، فرُذَ أمرنا إليك، وكن القائم فينا؛ فإنا تحت سمعك وطاغتك، والقائلون بما تراه، فأجابهم ما دعوه إليه، واستوثق منهم بأكيد العهود والمواثيق على السمع والطاعة وترك الخلاف عليه، فلما وضع التاج على رأسه، وكان أول من ركب التاج على رأسه من أهل الأرض، قام خطيباً وقال: إن النعم لا تدوم إلا بالشكر وإنا نحمد اللّه على أياديه ونشكره على نعمه، ونرغب إليه في مزيده، ونسأله المعونة على ما دفعنا إليه، وجسن الهداية إلى العدل الذي به يجتمع الشمل ويصفو العيش، فثقوا بالعدل منا، وأنصفونا من أنفسكم نوردكم إلى أفضل ما في هممكم والسلام فلم يزل كيومرث قائماَ بالأمر، حسن السيرة في الناس، والحال آمنة، والأمة ساكنة طول مدته إلى أن مات.ولهم في وضع التاج على الرأس أسرار يذكرونها أعرضنا عن ذكرها إذ كنا قد أتينا على ذلك في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط.وذكروا أن كيومرث أول من أمر بالسكوت عند الطعام. لتأخذ الطبيعة بقسطها فيصلح البدن بما يرد إليه من الغذاء، وتسكن النفس عند ذلك، فتُدَبركل عضومن الأعضاء تدبيراً يؤدي إلى ما فيه صلاحه من أخذ صفو الطعام، فيكون الذي يرد إلى الكبد وغيره من الأعضاء القابلة للغذاء ما يناسبها، وما فيه صلاحها ة فإن الِإنسان متى شغل عن طعامه بضرب من الضروب انصرف قسط من التدبير وجزء من التقدير إلى حيث انصباب الهمة ووقوع الاشتراك، فأضر ذلك بالأنفس الحيوانية والقوى الإٍ نسانية، وإذا كان ذلك أدى إلى مفارقة النفس الناطقة لهذا الجسد المرئي، وفي ذلك ترك للحكمة، وخروج عن الصواب.ولهم في هذا الباب سر لطيف من أسرار السبب الذي بين النفس والجسم ليس هذا موضعه، وقد أتينا على ذكره في الكتاب المترجم بسر الحياة وفي كتاب الزلف عند ذكرنا النفس الناطقة والنفس العلامة والنفس الحسية والمخيلة والنزاعية، وما قال الناس في ذلك ممن تقدم وتأخر من الفلاسفة وغيرهم.وقد تنوزع في مقدار عمر كيومرث هذا فمن الناس من رأى أن عمره ألف سنة، دون ذلك، وللمجوس في كيومرث هذا خطب طويل في أنه مبدأ النسل، وأنه نبت من نبات الأرض، وهو الريباس، هو وزوجته، وهما شابة ومنشابة وغير ذلك مما يفحش إيراده، وما كان من خبره مع إبليس، وقتله إياه، وكان ينزل إصْطَخْرَ فارس، وكانت مدة ملكه أربعين سنة، وقيل: أقل من. ذلك.
أوشهنج طهمورث أول الصابئة

ثم ملك بعده أوشهنج بن فروال بن سيامك بن يزنيق بن كيومرث الملك، وكان أوشهنج ينزل الهند، وكان ملكه أربعين سنة، وقيل: أكثر من ذلك، وقد تنوزع فيه،فمنهم من رأى أنه أخ لكيومرث بن آدم، ومنهم من رأى أنه ولد الملك الماضي.ثم ملك بعده طهمورث بن نوبجهان بن أرفخشذ بن أوشهنج، وكان ينزل سابور، وظهر في سنة من ملكه رجل يُقال له بوداسف أحدث مذاهب الصابئة، وقال: إن معالي الشرف الكامل، والصلاخ الشامل، ومعدن الحياة، في هذا السقف المرفوع، وإن الكواكب هي المدبرات والواردات والصادرات، وهي التي بمرورها في أفلاكها وقظعها مسافاتها واتصالها بنقطة وانفصالها عن نقطة يتم ما يكون في العالم من الآثار: من امتداد الأعمار وقصرها، وترك البسائط، وانبساط المركبات، وتتميم الصور، وظهور المياه وغَيْضها، وفي النجوم السيارة وفي أفلاكها التدبير الأكبر، وغير ذلك مما يخرج وصفه عن حد الاختصار والإِيجاز، واحتذى به جماعة من ذوي الصعف في الآراء؟؛فيقال: إن هذا الرجل أول من أظهر آراء الصابئة من الحرانيين والكيماريين، وهذا النوع من الصابئة مباينون للحرانيين في نِحْلَتهم، وديارهم بين بلاد واسط والبصرة من أرض العراق نحو البطائح والآجام، فكان ملك طهمورث إلى أن هلك ثلاثين سنة، وقيل غير ذلك.
جمشيد
ثم ملك بعده أخوه جمشيد، وكان ينزل بفارس، وقيل: إنه كان في زمنه طوفان، وذهب كثير من الناس إلى أن النيروز في أيامه أحدث وفي ملكه رسم، على حسب ما نورده فيما يرد من هذا الكتاب، كذلك ذكر أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى عن عمر المعروف بكسرى، وكان هذا الرجل ممن أشتهر بعلم فارس وأخبار ملوكها حتى لقب بعمر كسرى، وكان ملك جمشيد إلى أن هلك ستمائة سنة، وقيل: تسعمائة سنة وستة أشهر، وأحدث في الأرض أنواعاً من الصناعات والأبنية والمهن وادعى الِإلهية.
بيوراسب
ثم ملك بعده بيوراسب بن أروادسب بن رستوان بن نياداس بن طاع ابن قروال بن ساهر فرس بن كيومرث، وهو كذلك، وقد عربت أسماؤه جميعاً فسماه قوم من العرب اِلضحاك، وسماه قوم بهراسب وليس هو كذلك، وإنما اسمه على ما وصفنا بيوراسب، وقتل جمشيد الملك، وقد تنوزع فيه: أمن الفرس كان أم من العرب؟ فزعمت الفرس أنه منها، وأنه كان ساحراً، وأنه ملك الأقاليم السبعة، وأن ملكه كان ألف سنة، وبغى في الأرض وتمرد، وللفرس فيه خطب طويل، وأنه مقيد مغلل في جبل دباوند بين الري وطبرستان، وقد ذكرته شعراء العرب ممن تقدم وتأخر، وقد افتخر أبو نواس به، وزعم أنه من اليمن؟ لأن أبا نواس مولى لسعد العشيرة من اليمن، فقال: وكان مِنِّا الضَحّاكُ تَعْبُده الجامل والوحش في مساربها
ملك فريدون المهرجان
ثم ملك بعده إفريحون بن أثقابان بن جمشيد ملك الأقاليم السبعة،فأخذ بيوارسب، فقيده في جبل دباوند على حسب ما ذكرنا، وقد ذكر كثير من الفرس ومن عني بأخبارهم مثل عمر كسرى وغيره أن أفريدون جعل هذا اليوم الذي قيد فيه الضحاك عيداً له، وسماه المهرجان، على حسب ما نورده بعد هذا الموضع من هذا الكتاب، وما قيل في ذلك، وكانت دار مملكة أفريدون بابل وهذا الِإقليم يسمى باسم قرية من قراه يُقال لها بابل، على! شاطىء نهر من أنهار الفرات بأرض العراق، على ساعة من المدينة المعروفة بجسر بابل، ونهر النرس، وإليه تضاف الثياب النرسية، وفي هذه القرية بجب يعرف بجب دانيال النبي عليه السلام، تقصده النصارى واليهود في أوقات من السنة في أعيادهم، وإذا أشرف الِإنسان على هذه القرية تبين فيها آثاراً عظيمة من ردم وهدم وبنيان قد صارت كالروابي، وذهب كثير من الناس إلى أن بها هاروت وماروت، وهما الملكان المذكوران في القرآن على حسب ما قص اللّه تعالى من تسمية هذه القرية ببابل. وكان مُلك أفريدون خمسمائة سنة، وقيل: أقل من ذلك، وقيل: أكثر، وقسم الأرض بين ولده الثلاثة، وقد قال في ذلك بعض الشعراء ممن سلف: من أبناء الفرس بعد الِإسلام يذكر ولد أفريدون الثلاثة:
وَقَسَمناملكنافي دهرنا قسمة ... اللَّحْم على ظهروَضَمْ
وجعلنا الشام والروم إلى ... مغرب الشمس إلى الغطريف سلم
وأطوج جعل الترك له ... فبلادالترك يحويها ابن عم

ولِإيران جعلنا عنوة ... فارس الملك وفزنابالنعم
وللناس فيما ذكرنا خطب طويل، وأن بلاد بابل أضيفت إلى ولد أفريدون وهو إيراج، وقَتَله أخوه في حياة أفريدون، وهلك، ولم يخلص له الملك فيعدَّ في ملوك.وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب كيفية إضافة هذا الِإقليم إلى إيراج وإسقاطهم الجيم، وجعلهم النون بدلاً منها، فقالوا: إيران شهر، والشهر: الملك.
ملك منوجهرملك سهم
ثم ملك بعد أفريدون منوجهر بن إيران بن أفريدون، على حسب ماذكرنا من التنازع في نسبه وإلحاقه بإيران بن أفريدون، وكان ملكه عشرين سنة، وكان ينزل ببابل، وقد قيل: إنه في زمانه كان موسى بن عمران، ويوشع بن نون عليهما السلام، وكان لمنوجهر حروب مع عميه اللذين قتلا أباه، وهما أطوج وسلم، وقد أتينا على ذكر حروبهم فيما سلف من كتبنا.
ثم ملك بعد منوجهر سهم بن أبان بن أثقبان بن يود بن منوجهر، فنزل بابل، وملك ستين سنةَ، وقيل: أكثر من ذلك، وكانت له حروب كثيرة وسير وسياسات كثيرة قد أتينا على ذكرها في كتابنا أخبار الزمان.
ملك فراسياب
ثم ملك بعده فراسياب بن أطوج بن ياسر بن رامي بن آرس بن بورك ابن ساساسب بن زسست بن نوح بن دوم بن سرور بن أطوج بن أفريدون الملك، وكان مولد فراسياب ببلد الترك؛ فلذلك غلط من غلط من أصحاب الكتب والتصنيفات في التاريخ وغيره فزعم أنه تركي، وكان تملكه على ما غلب عليه من البلاد اثنتي عشرة سنة، وعمره عند كثيرمن الناس أربعمائة سنة.ولاثنتي عشرة سنة خلت من ملكه ظهر عليه زوبن بهاست بن كمجهورابن عداسة بن رايريج بن ماسربن يود بن منوجهر الملك، فهزمه وقتل أصحابه بعد حروب كثيرة، وعَمَّر ما خَرَّبه براسياب.وقد تنوزع في المقدار الذي ملك فيه: فقيل ثلاث سنين، وقيل أكثر من ذلك، وكان مسكنه ببابل، وللفرس كلام طويل في قتل فراسيان، وكيفية قتله وحروبه، وما كان بين الفرس والترك من الحروب والغارات، وما كان قتل سياوخس وخبررستم بن دستان، هذا كله مشروح في الكتاب المترجم بكتاب السكيكين ترجمة ابن المقفع من الفارسية الأولى إلى العربية، وخبر اسفنديار بن كشتاشب بن بهراسب وقتل رستم بن دستان له، وما كان من قتل بهمن بن إسفنديار لرستم، وغير ذلك من عجائب الفرس الأولى وأخبارها، وهذا الكتاب تعظمة الفرس؟ لما قد تضمن من خبر أسلافهم وسير ملوكهم، وقد أتينا بحمد اللّه على كثير من أخبارهم فيما سلف من كتبنا.وقد قيل: إن أول من نزل من الملوك ببَلْخَ وانتقل عن العراق كيكاووس وقد كان سار نحو اليمن بعد أن كان له بالعراق تَمَرد على اللّه، وبنيان بناه لحرب السماء وكان ملك اليمن الذي سار إليه كيكاووس في ذلك الوقت شمر بن فريقس فخرج إليه شمر فأسره وحبسه في أضيق محبس، فهَوِيَتْهُ ابنه لشمريقال لها سعدى كانت تحسن إليه في خِفيَة من أبيها، وإلى من كان معه من أصحابه،، ومكث في محبسه أربع سنين، حتى أسرى رستم بن دستان من بلاد سجستان سرية فيها أربعة الاف، فقتل ملك اليمن شمر بن فريقس واستنقذ كيكاووس، ورَده إلى ملكه، وسعدى معه، فاعَتلتْ عليه، وأغرته بولده سياوخش، حتى كان من أمره مع فراسياب التركي ما قد شهر من استئمانه إليه وتزوجه بابنته حتى حملت منه بكيخسرو، وما كان من قتل فراسياب لسياوخش بن كيكاووس، وقتل رستم بن دستان لسعدى، وأخذه بطائلة سياوخش، فقتل من، قتله وجوه الترك، وعند الفرس على ما في كتاب السكيكين أن كيخسرو كان قبله على الملك جده لأبيه، وهوكيكاووس ولم يعلم ممن هو ولم يكن لكيخسرو عقب؛فجعل الملك في بهراسف، وهؤلاء القوم كانوا يسكنون بلخ، وكانت دار مملكتهم، وكان يدعي نهر بلخ وهو جيحون بلغتهم كالف، وكذلك يسميه كثير من أعاجم خراسان في هذا الوقت بهذا الاسم.فلم يزالوا كذلك إلى أن صار الملك إلىحاي ابنة بهمن بن إسفنديار ابن يستاسف بن بهراسف، فانتقلت إلى العراق، وسكنت نحو المد ائن .
لهراسب
ثم كان بعد كيخسرو بن سياوخش بن كيكاووس الملك إلى لهراسب بن قنوج بن كيمس بن كيناسس بن كيناسة بن كيقباذ الملك، فعمر البلاد، وأحسن السيرة لرعَيته، وشملهم عدله.

ولسنين خلت من ملكه نال بني إسرائيل منه مِحَنٌ، وَشَتَتهم في البلاد، وكانت له معهم أقاصيص يطول ذكرها.وذكر في بعض الروايات من أخبار الفرس أنه بنى بلخ الحسناء لما فيها من المياه والشجر والمروج.وكان ملكه مائة وعشرين سنة، وقد ذكر خبر مقتله مع الترك وما كان منهم في حصاره وَمَنْ أخذ بثأره بعد قتله في كتب قدماء الفرس.
بخنتصر
وقد ذكر كثير ممن عُني بأخبار الفرس أن بختنصر مَرْزُبان العراق والمغرب كان من قِبَل هذا الملك، وهو الذي وطىء الشام، وفتح بيت المقدس، وسبى بني إسرائيل، وكان من أمره بالشام والمغرب ما قد اشتهر، والعامة تسميه البخت ناصر، وأكثر الِإخباريين والقُصَّاص يغالون في أخباره، ويبالغون في وصفه، والمنجمون في زيجاتهم وأهل التواريخ في كتبهم يجعلونه ملكاً برأسه، وإنما كان مَرْزُباباً على ما وصفنا للملوك ممن ذكرنا، وتفسير مرزبان يراد به صاحب رُبْع مات المملكة وقائد عسكر ووزير وصاحب ناحية من النواحي، وواليها، وقد كان حمل سبايا بني إسرائيل إلى الشرق، وتزوج منهن امرأة يقال لها دينارد، فكانت سبب رَدَ بني إسرائيل إلى بيت المقدس.وقيل: إن دينارد أولدهاَ لهراسب بن كشتاسب، وقيل غير ذلك من الوجوه، وإن حماية من نسل بني إسرائيل من أمها.وقيل: إن بهراسف قد كان أنْفذَ سنجاريب وكان خليفته على العراق إلى حرب بني إسرائيل فلم يصنع شيئاً، فعقب بعده بالبخت نصر، وقيل في البحث نصر غير ما ذكرنا مما سنورده بعد هذا الموضع في ذكر ملك بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن بهراسف.وقد أرخ بطليموس صاحب كتاب المجسطي تاريخ كتابه من عهد بخت نصر مَرْزُبان المغرب، وأرَّخَ ثاون صاحب كتاب القانون في النجوم من مملكة الإِسكندر بن فيلبس المقدوني.
زرادشت المجوسي

ثم ملك بعده ابنه يستأسف، وكان منزله بلخ، ولثلاثين سنة خلت من ملكه أتاه زرادشت بن أسبيمان، وقيل: إنه زرادشت بن بورشف بن فذراسف بن أريكدسف بن هجدسف بن ححيش بن باتير بن أرحدس بن هردار بن أسبيمان بن واندست بن هايزم بن أرج بن دورشرين بن منوشهر الملك، وكان من أهل أذربيجان، والأشهر من نسبه أنه زرادشت بن أسبيمان، وهو نبي المجوس الذي أتاهم بالكتاب المعروف بالزمزمة عند عوام الناس، واسمه عند المجوس بستاه وأتى زرادشت عندهم بالمعجزات الباهرات للعقول، وأخبر عن الكائنات من المغيبات قبل حدوثها من الكليات والجزئيات، والكليات: هي الأشياء العامة، والجزئيات: هي الأشياء الخاصة، مثل زيد يموت يوم كذا، ويمرض فلان في وقت كذا، ويولد لفلان في وقت كذا، وأشباه ذلك، ومعجم هذا الكتاب يدور على ستين حرفاً من أحرف المعجم، وليس في سائر اللغات أكثر حروفاً من هذا، ولهم خطب طويل قد أتينا على ذكره في كتابينا أخبار الزمان والكتاب الأوسط، وأتى زرادشت بكتابهم هذا بلغة يعجزون عن إيراد مثلها، ولا يدركون كنه مرادها، وسنذكر بعد هذا الموضع من هذا الكتاب ما أتى به زرادشت، وما جعل له من التفسير وتفسير التفسير، وكتب هذا الكتاب في أثني عشر ألف مجلد بالذهب، فيه وعد ووعيد، وأمر ونهي، وغير ذلك من الشرائع والعبادات فلم تزل الملوك تعمل بما في هذا الكتاب إلى عهد الِإسكندر وما كان من قتله لدارا بن دارا، فأحرق الِإسكندر بعض هذا الكتاب.ثم صار الملك بعد الطوائف إلى أردشير بن بابك، فجمع الفرس على قراءة سورة منه يقال لها إسناد؛ فالفرس والمجوس إلى هذا الوقت لا يقرؤن غيرها، والكتاب الأول يسمى بثناه.ثم عمل زرادشت تفسيراً عند عجزهم عن فهمه، وسمَوا التفسير زنداً، ثم عملِ للتفسير تفسيراً، وسماه بازند، ثم عمل علماؤهم بعد وفاة زرادشت تفسيراَ لتفسير التفسير وشرحاً لسائر ما ذكرنا، وسموا هذا التفسير بارده فالمجوس إلى هذا الوقت يعجزون عن حفظ كتابهم المنزل، فصار علماؤهم وَمَوَابذتهم يأخذون كثيراً منهم بحفظ أسباع من هذا الكتاب وأرباع وأثلاث، فيبتدء كل واحد بما حفظ من جزئه فيتلوه،ويبتدء الثاني منهم فيتلو جزأ آخر، والثالث كذلك، إلى أن يأتي الجميع على قراءة سائر الكتاب لعجز الواحد منهم عن حفظه على الكمال، وقد كانوا يقولون: إن رجلاً منهم بسجستان بعد الثلاثمائة مستظهر بحفظ هذا الكتاب على الكمال.وكان ملك يستاسف إلى أن تمجس ثم هلك عشرين ومائة سنة، وكانت مدة نبوة زرادشت فيهم خمساً وثلاثين سنة، وهلك وهو ابن سبع وسبعين سنة..
خاناس خليفة زرادشت
ولما هلك زرادشت ولي مكانه خاناس العالم، وكان من أهل أذربيجان وهذا أول موبذ قام فيهم بعد زرادشت، نصبه لهم يستاسف الملك.
ملك بهمن بن اسفنديار
ثم ملك بعده بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن بهراسف، وكان له حروب كثيرة مع رستم صاحب سجستان إلى أن قتل رستم ووالده دستان، وقيل: إن أم بهمن كانت من بني إسرائيل من ولد طالوت الملك، وإنه هو الذي بعث بالبختنصر مرزبان العراق إلى بني إسرائيل، فكان من أمرهم ما وصفنا، وكان ملك بهمن إلى أن هلك مائة واثنتي عشرة سنة، وقيل: إنه في ملكه رَدّ بقايا بني أشرائيل إلى بيت المقدس، فكان مُقَامهم ببابل إلى أن رجعوا إلى بيت المقدس سبعين سنة، وذلك في أيام كورش الفارسي المملك على العراق من قبل بهمن، وبهمن يومئذ ببلخ، وقد قيل: إن أم كورش كانت من بني إسرائيل، وكان دانيال الأصغر خاله، وكانت مدة ملك كورش ثلاثَاَ وعشرين سنة، وفي وجه آخر من الروايات أن كورشاً كان ملكاً برأسه لا من قبل لهمن، وذلك بعد إنقضاء ملك بهمن، وأن كورشاً من ملوك الفرس الأولى، وليس هذا عاماً في كتب التواريخ القديمة، ودانيال الأكبر كان بين نوح وإبراهيم الخليل عليهما السلام، وهو الذي استخرج العلم وما يحدث في الأزمان إلى أن تنقضي الأرض ومَنْ عليها وعلوم ملوك العالم وما يحدث في السنين والشهور والأيام من الحوادث، ودلائل ذلك في الأفلاك وإليه ينسب كتاب الجفر، ولما رجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس استخرجوا التوراة وغيرها من المواضع التي خُبِّئت فيها من الأرض على ما قدمنا.
حماية ودارا

ثم ملكت حماية، بنت بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن بهراسف وكانت تعرف بأمها شهرزاد، ولهذه الملكة سير وحروب مع الروم وغيرهم من ملوك الأرض، وكانت حسنة السياسة لأهل مملكتها، وكان ملكها بعد أبيها بهمن ثلاثين سنة، وقيل غيرذلك.ثم ملك بعدها أخ لها يُقال له دارا بن بهمن بن إسفنديار، وكان ملكه اثنتي عشرة سنة وكان ينزل بباب.
دارا بن دارا
ثم ملك دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن بهراسف والفرس تسمى دارا هذا باللغة الأولى من لغاتهم داريوس، وهو الذي قتله الإِسكندر بن فليبس المقدوني، وكان ملكه إلى أن قتل ثلاثين سنة.وقد ذكر أن منوشهر حين انهزم من حرب فراسياب التركي سار إلى جبل طبرستان فتحضَنَ به، ثم ثاب بعد ذلك ومعه خيل، فحارب فراسياب التركي، وقد وطىء العراق، وغلب على الأقاليم، فهرب إلى أرض الترك، وأن الملك صار بعد منوشهر إلى أخوين، وقيل: بل كانا شَرِيكين في الملك متظافرين متعاونين على عمارة الأرض وما خَرَّبه فراسياب: أحدهما بهماسف بن كنجهر بن ورزق بن هوسف بن واحدسك بن دوس بن منوشهر، والآخر كرشاسف بن يمار بن طماهسف بن آشك بن فرسين بن أرج بن منوشهر، وكان كرشاسف محارباً لفراسياب، ومنازلاً له، والآخر وهو زاب بالعراق: يعمر ما خربه فراسياب من الأرض، واحتفر النهرين المعروفين بالزابين الصغير والكبير، على ما قدمنا من ذكرهما في هذا الكتاب، الخارجَيْنِ من بلاد أرمينية الصابَّيْنِ في دجلة: الأكبر بين الموصلِ والحديثة، والاخر ببلاد السن وسماهما باسمه، وحفر بسواد العراق نهراَ آخره وسماه بالزاب، وجعل على هذا النهر بالعراق ثلاث طساسيج من الضياع والعمائر وأسماها الزوابي، وما ذكرنا فهو باق إلى هذه الغاية، وأن مملكتهما كانت ثلاث سنين، وأن كيخسرو لما قتل جده ببلاد السرو والران من بلاد أذربيجان وهو فراسياب بن بشنك بن نبت بن نشمربن ترك، وترك هذا جد سائر الترك عند طائفة من الناس مِنْ ولد يسب بن طوح بن أفريدن، وقد قدمنا وجهاً من الرواية في نسبة فيما سلف من هذا الكتاب، وسار كيخسرو في البلاد، ووطىء الممالك، وانتهى إلى بلاد الصين، فبنى هناك مدينة عظيمة، وسماها كنكدر، وقد نزلها خلق من ملوك الصين كنزولهم أنموا وغيرها من مدنهم، وقد قيل: إن كنكدر هي أنموا بعينها، وقد قيل: إن كيقاوس بنى مدينة قشمير المقدم ذكرها بأرض السند، وإن سياوخس بنى في حياة أبيه كيقوس مدينة القندهار من أرض السند المقدم ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب.
قال المسعودي: ولمن ذكرنا من هؤلاء الملوك أخبار وسير قد أتيناعلى شرحها فيما سلف من كتبنا، وإنما نذكر في هذا الكتاب جوامع، مُنَبِّهين بها على ما سلف من مبسوطها، وما نذكره من الوجوه فلا ختلاف الروايات وتباين الناس في المصنفات من كتبهم فيما ذكرناه من أخبارهم ليعلم من قرأ كتابنا هذا أنا قد بذلنا المجهود من أنفسنا، وذكرنا سائر ما قالوه فيما وصفناه، وبالله التوفيق، ومنه الِإعانة.
ذكر ملوك الطوائف
وهم بين الفرس الأولى والثانية
أصل ملوك الطوائف
قال المسعودي: وقد تنازع الناس في ملوك الطوائف: أمن الفرس كانوا أم من النبيط أم من العرب؟ فحكى جماعة من الأخباريين ممن عني بأخبار الماضين أنه لما قَتَلَ الِإسكندر بن فليبس دارا بن دارا تغَلَّبَ كل رئيس ناحية على ناحيته، وكاتبهم الِإسكندر، فمنهم فرْس ونبيط وعرب، وكان مراد الِإسكندر من ذلك تشتيت كلمتهم وتحزيبهم، وغلبة كل رئيس منهم على الصقع الذي هو به، فينعدم نظام الملك، والِإنقياد إلى ملك واحد يجمع كلمتهم ليرجع إليه الأمر، إلّاَ أن أكثرهم كانوا ينقادون إلى الأشغانيين، وهم ملوك الجبال منَ بلاد الدينور ونهاوند وهمدان وماسبدان وأذربيجان، وكان كل ملك منهم يلي هذا الصقع يسمى بالاسم الأعم أشغان، فقيل لسائر ملوك الطوائف الأشغانيون إضافة إلى ملك هذا الصقع لانقيادهم إليه.وقدحكى محمدبن هشام الكلبي عن أبيه وغيره من علماء العرب أنهم قالوا: أول ملوك الدنيا الأسكيان، وهم من سمينا من ملوك من سلف من الفرس الأولى إلى دارا بن دارا؟ ثم الأردوان، وهم ملوك النَبِيط

وكانوا من ملوك الطوائف، وكانوا بأرض العراق مما يلي قصر ابن هبيرة وَسَقي الفرات والجامعين وسورا وأحمد آباد والنرس إلى حِنْبَا وتل فحار والفوف وسائر ذلك الصقع، وكانت ملوك العرب من مضر بن نزار بن معد وربيعة بن نزار وأنمار بن نزار، والنصرية من بني نصر من اليمن وغيرهم من قَحْطَان لهم ملوك، وقد نصبت كل طائفة لها ملكاً لعدم ملك يجمع كلمتهم، وذلك أن الإِسكندر أشار عليه مُعَلِّمه وهو وزيره أرسطاطاليس، في بعض رسائله إليه بذاك، وكاتب الإِسكندر ملك كل ناحية، ومَلَّكه على ناحيته، وتؤَجَه وَحَبَاه، فاستبد كل واحد منهم بناحية، فصار ملكه من بعده في عقبه، ممانعاً عما في يده، وطالباً للازدياد من غيره.
وكان ملك الطوائف عند كثير من الناس ممن عُني بأخبار الماضين، ومعرفة سنيهم، خمسمائة سنة وسبع عشرة سنة، وذلك من ملك الإِسكندر إلى أن ظهر أردشيربن بابك بن ساسان فغلب على ملوك الطوائف، وقتل أردوان الملك بالعراق، ووضع تاج أردوان على رأسه وكان قد قتله في مبارزة على شاطىء دجلة فهذا أول يوم يعدُ منه ملك أردوشير لاستيلائه على سائر ملوك الطوائف، وتمهدت له البلاد، واستقامت دعائمها بملكه، فمن ملوك الطوائف مَنْ قتلَهُ أردشير بن بابك، ومنهم مَنْ انقاد إلى ملكه وأجاب دعوته.وملوك الطوائف بين الفرس الأولى ممن سمينا، وبين الفرس الثانية،وهم الساسانية.
عدة ملوك الطوائف
وقد ذكرأبوعبيدة معمربن المثنى التيمي عن عمركسرى في كتاب له في أخبار الفرس يصف فيه طبقات ملوكهم ممن سلف وخلف،وأخبارهم، وخطبهم وتشعب أنسابهم، ووصف ما بَنَوْه من المدن، وكوروه من الكور، واحتفروه من الأنهار، وأهل البيوتات منهم، وما وسم به كل فريق منهم، من، الشهارجة وغيرهم: أن أول ملك من ملوك الطوائف أشك بن أشك بن أردوان بن أشغان بن آس الجبار بن سياوش بن كيقاوس الملك عشرين سنة، ثم ملك بعد أشك سابور بن أشك الملك ستين سنة.
ظهور المسيح
وفي إحدر وأربعين من مملكته كان ظهور السيد المسيح عليه السلام ببلاد فلسطين بإيليا، ثم ملك جودرز بن أشك بن أردوان بن أشغان عشر سنين، ثم ملك نيزر بن سابور الملك بن أشك الملك إحدى وعشرين سنة، وقيل: إنه في أيامه سار توس بن أسفانيوس ملك رومية إلى إيليا، وذلك بعد ارتفاع المسيح بأربعيِن سنة فقَتَلَ وأسر وسبى وخرب ثم ملك بعد نيزر بن سابور ابنه جودرز بن نيزر تسع عشرة سنة، ثم ملك بعد جودرز نرس بن نيزر أربعين سنة ثم ملك بعده أخوه هرمز بن نيزر عشرين سنة، ثم ملك أردوان بن هرمزبن نيزرخمس عشرة سنة، ثم ملك بعد أردوان ابنه كسرى بن أردوان أربعين سنة، ثم ملك بعد كسرى ابنه بلاس بن كسرى أربعاً وعشَرين سنة، ثم ملك بعد بلاس ابنه أردوان بن بلاس ثلاث عشرة سنة.
قال المسعودي: فهذا وجه آخر غير ما قدمنا ذكره، وقد قيل في تاريخ سني ملوك الطوائف غير ما وصفنا، وإن مدتهم كانت أقل مما وصفنا، والأول أشهر وأضح في مقدار ما ملكوا من السنين، مع تباين التواريخ واختلافها وتضاد ما فيها، غير أن الذي حكيناه ما أخذناه من علماء الفرس، وهم يراعون من تواريخ من سَلَف ما لا يراعيه غيرهم لأن الفرس تدين بما وصفنا قولاً وعملاً، وغيرهم من الناس يقول ذلك قولاً ولا ينقاد إليه عملاً لتباين أهل الشرائع، وقد أتينا فيما سلف من كتبنا على الغرر من أخبار الطوائف وسيرهم وبالله التوفيق.
ذكر أنساب فارس وما قاله الناس في ذلك
اختلاف العلماء في أنسابهم
تنازع الناس في الفرس وأنسابهم: فمنهم من رأى أن فارس ابن ياسوربن سام بن نوح، وكذلك النبط من ولد نبيط بن ياسوربن سام بن نوح، وهذا قول هشام بن محمد فيما حكاه عن أبيه وغيره من علماء العرب ة ففارس ونبيط أخوان وهما ابنا ياسور، ومنهم من زَعَمَ أنه من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله عليهم، ومنهم من ذكر أنه من ولد إرم بن إرفخشذ بن سام بن نوح، وأنه ولد له بضعة عشر رجلَاَ كلهم كان فارساً شجاعاً فسموا الفرس بالفروسية، وفي ذلك يقول حطان بن المعلى الفارسي:
وَبِنَا سُمِّيَ الْفوَارِسُ فرْسَا ... ناً، وَمَنّا مَنَاجِبُ الْفرْسَانِ
وَكُهُولٌ طَوَاهُمُ الركْفق وَالكَر ... كَمِثْل الكُرَاتِ يَوْمَ الطِّعَانٍ

وقد زعم قومَ أن الفرس من ولد لوط من ابنتيه، زُهَى وَرَعْوى، ولأصحاب التوراة في هذا خبر طويل، وذكر آخرون أنهم من ولد بَوَان بن إيران بن الأسود بن سام بن نوح، وَبوان هذا هو الذي ينسب إليه شِعْبُ بَوان من بلاد فارس، وهو أحد المواضع المشهورة في العالم بالحسن، وكثرة الأشجار، وتدفقِ المياه، وكثرة أنواع الأشجار، وقد ذكره بعض الشعراء فقال:
فشعب بوَّان فوَادي الراهب ... فثَمَّ نُلْقي أرْحُلَ النجائب
ومنهم من رأى أن الفرس من ولد إيران بن أفريدون، وقد قدمنا في صدر هذا الكتاب أخبار ولد أفريدون حين قسم الأرض بينهم، وما قاله الشاعر في ذلك من قوله:
ولإِيران جعلنا عنوة ... فارس الملك وفزنابالنعم
فأضيف الفرس إلى ذلك، وإيران تسمية الفرسُ أيرج إذا عرفوا اسمه، ولا تناكر بين الفرس جميعاً في أنها من ولد أيرج جميعاً، وأيرج هو إيران بن أفريدون هذاهو المستفيض بينهم، والأغلب عليهم: أنهم من آلي أيرج، ومن الناس من ذهب إلى أن سائر أجناس الفرس وأهل كور الأهواز من ولد عيلام، ولا خلاف بين الفرس في أن الجميع منهم من ولد كيومرث وهذا هو الأشهر، وكيومرث هو قبل أيرج بن أفريدون، وأيرج بن أفريدون هو الذي ترجع إليه فارس من ولد كيومرث ومن الناس من ذهب إلى أن الفرس الثانية وهم الساسانية دون من سلف من الفرس الأولى هم من ولد منوشهربن أيرج بن أفريدون، ومنهم من ذهب إلى أن منوشهر هو ابن مشجر بن ويرك، وويرك هو إسحاق بن إبراهيم الخليل، وسار مشجر إلى أرض فارس، وكان بها امرأة متملكة يُقال لها كورك ابنة أيرج، فتزوجها، فولدت له منوشهر الملك، وكثر ولده، فملكوا الأرض، وغلبوا عليها، وهابتهم الملوك لما هم عليه من الشجاعة والفروسية، ودثرت الفرس الأولى كدثور الأمم الماضية والعرب العاربة.
قال المسعودي: وأكثر حكماء العرب من نزار بن معد يقول هذا، ويعمل عليه في بَدء النسب، وينقاد إليه كثيرمن الفرس، ولا ينكرونه، وقد ذكرته شعراء العرب من نزار بن معد، وافتخرت على اليمن من قحطان بالفرس، وأنها من ولد إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهما السلام، فقال في ذلك إسحاق بن سويد العدويّ عدي قريش:
إذا افتخرت قَحْطان يوماً بسؤددٍ ... أتى فخرنا أعلى عليها وأسْودا
ملكناهم بَلْداً بإسحاق عمنا ... وصاروا لنا غرماً على الدهرأعْبُدَا
فإن كان منهم تُبَّع وابن تبع ... فأملاكهم كانوا لأملاكنا يدا
ويجمعنا والغُرَّأبناء سارة ... أبٌ لا يبالي بعده من تفردا
هم مَلّكوا شرقاً وغرباً ملوكهم ... وهم منحوهم بعد ذلك سؤددا
وفي ذلك أيضاً يقول جريربن الخطَفي التميمي يفخر على قحطان بأن الفرس والروم من أولاد إسحاق، والأنبياء من ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، من كلمة طويلة يقول فيها:
وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتَدوْا ... حمائل موت لابسين السنوَّرَا
إذا افتخروا عحوا الصبهبذ منهمُ ... وكسرى وعَدوا الهرمُزَانَ وقيصرا
وكان كتاب اللّه فيهم ونوره ... وكانوا بِإصْطَخْرَ الملوك وَتُسْتَرَا
ومنهمْ سليمان النبيُّ الذي دعا ... فأعْطِيَ بنيانا وملكاً مقدراً
أبونا أبوإسحاق، يجمع بيننا ... أبٌ كان مهديّاً نبياً مطهرا
بني قِبْلَة اللّه التي يُهْتَدى بها ... فأورثنا عزاً وملكاً معمرا
وموسى وعيسى والني خرساجداً ... وأنْبَتَ زرعا دمع عينيه أخضرا
ويعقوب منهم، زاده اللّه حكمة ... وكان ابن يعقوب نبياًمطهرا
ويجمعنا والغرَّأبناء فارس ... أب لا يبالي بعده من تأخرا
أبونا خليل اللّه، والله ربنا ... رضينا بما أعطى الِإلهُ وقدرا
وفي ذلك يقول بشار بن برد:
نمتني الكرام بنوفارس ... قُرَيْشٌ وقومي قريْش العجم
وقال أحد شعراء الفرس يذكر أنه من ولد إسحاق، وأن إسحاق هو المسمى ويرك، على حسب ما قدمنا قبل، من كلمة له:

أبونا ويرك، وبه أسَامِي ... إذا فخر المُفاخِر بالولاده
أبونا ويرك عَبدٌ رَسُول ... له شرف الرسالة والزَّهَاده
فمن مثلي إذا افتخرت قرون ... وبيتي مثلُ واسطة القِلادهْ ؟
ومن الفرس من يزعم أن ويرك هو ابن أيرك بن بورك بن سبع نسوة تولدن من غير ذكر إلى أن يلحقن في نسبهن بأيرج بن أفريدون، وهذا مما يدفعه العقل، ويأباه الحس، ويخرج عن العادة، وتَنْبُو عنه المشاهدة، إلا ما خص اللّه تعالى به السيد المسيح عيسِى بن مريم عليه السلام ليرى آياته ودلائله الخارجة عن العادة، وعمِا ذكرنا من المشاهدات. وللفرس ههنا منازعات في نسب منوشهر، واضطراب في كيفية إلحاقه بأفريمون وفي وطء أفريدون لبنت أيرج، ووطئه بنت البنت إلى السبع منهن وقد كان بين ملك منوشهر على ما ذكرنا وبين ملك أفريدون مدةخَلَتْ من الدهر، وعدة من الملوك؛ لتخرب كان بإقليم بابل، وعدم ذي همة تنقاد إليه المملكة ويستقيم له الملك، وتجتمع عليه الكلمة، فانتقل الملك من ولد أفريدون إلى ولد إسحاق.فإن كان كل ما ذكرنا هو المعول عليه من قول هذه الطائفة فيجب علىِ ما يوجبه الحساب أن من كيومرث إلى انتقال الملك إلى ولد إسحاق ألفاَ وتسعمائة واثنتين وعشرين سنة، كذلك وجدت في كتب تواريخ هذه الطائفة بأرض فارس وبلاد كرمان.
قال المسعودي: وقد افتخر بعض أبناء الفرْس بعد التسعين والمائتين بجده إسحاق بن إبراهيم الخليل، على ولد إسماعيل، بأن الذبيح كان إسحاق دون إسماعيل، فقال من كلمة له:
قلْ لبني هاجرأبَنْتُ لكم ... ما هذه الكبرياء والعظمة ؟
ألم تكن في القديم أمكم ... لأمنا سارة الجمال أمَهْ
والمُلْكُ فينا والأنبياء لنا ... إن تُنْكِرِوا ذاك توجَدُوا ظَلمه
ْ إسحاق كان الذبيح، قد أجمع الناس عليه إلا ادعاء لمه حتى إذا ما محمد أظهر الدين وجلى بنوره الظلمه قلتم:
قريش الأحساب مفخرة ... أصل لنا، إن كنتم بنيه فمَه
أمابنويعرب فليسواكمن ... أسكنه الله آمتاًحرمه
ولا كأبناء فارس، وهُمْ ... في الأرض مثل الأسودفي الأجَمَهْ
وهي قصيدة طويلة، ذكر فيها كلاماً كثيراً لم يسعنا ذكره، وقد أجابه عبد اللّه بن المعتز. وكان قائل هذه القصيدة في عصره، وعُمِّر إلى أن مضت الثلثمائة، يناقضه في أبيات منها؛ فمن ذلك قوله:
أسمع صوتاً ولا أرى أحداً ... من ذا الشقي الذي أباح دمَهْ
حاشا لإِسحاق أن يكون لكم ... أباً، وإن كنتم بنيه فمَهْ
قولاًلكلب يرى لبطشته ... قدفغرالليث للفراس فمه
والفرس لا تنقاد إلى القوك بأن المُلْكَ كان فيها لأحد غير ولد أفريدون في عصر من الأعصار فيما سلف وخلف إلى أن زال عنهم الملكُ، إلا أن يكون دخل عليهم داخل على طريق الغصب بغير حق.
الفرس يحجون البيت
وقد كانت أسلاف الفرس تقصد البيت الحرام، وتطوف به، تعظيماًله، ولجدَها إبراهيم عليه السلام، وتمسكاً بهديه، وحفظاً لأنسابها، وكان آخر من حج منهم ساسان بن بابك وهو جد أردشير بن بابك، وهو أول ملوك ساسان وأبوهم الذي يرجعون إليه كرجوع المروانية إلى مروان بن الحكم، وخلفاء العباسيين إلى العباس بن عبد المطلب، ولم يل الفرس الثانية أحد إلا من ولد أردشير بن بابك هذا، فكان ساسان إذا أتى البيت طاف به وزمزم على بئر إسماعيل، فقيل: إنما سميت زمزم لزمزمته عليها، هو وغيره من فارس، وهذا يدل على ترادف كثرة هذا الفعل منهم على هذه البئر، وفي ذلك يقول الشاعر في قديم الزمان:
زَمْزَمَتِ الفرْس على زَمْزَم ... وذاك من سالِفها الأقدم
وقد أفتخر بعض شعراء الفرس يعد ظهور الإِسلام بذلك، فقال من كلمة:
ومازلنانحجُ البيت قِدماً ... ونُلْقَي بالأباطح آمنينا
وساسان بن بابك سارحتى ... أتى البيت العتيق يطوف دينا
فطاف به، وزمزم عند بئر ... لإِسماعيل تُرْوِي الشاربينا

وكانت الفرس تهدي إلى الكعبة أموالاً في صدر الزمان، وجواهر،وقد كان ساسان بن بابك هذا أهدى غزالَيْنِ من ذهب وجوهراً وسيوفاً وذهباً كثيراً فقذفه في زمزم وقد ذهب قوم من مصنفي الكتب في التواريخ وغيرها من السير أن ذلك كان لجرهم حين كانت بمكة، وجرهم لم تكن ذات مال فيضاف ذلك إليها، ويحتمل أن يكون لغيرها، واللّه أعلم.وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب ما كان من فعل عبد المطلب بهذه الأسياف وغيرها مما أودع في زمزم.
وللناس في هذه الأنساب تنازع في بَدْئها وتشعبها، وقد ذكرنا من ذلك جملاً، وأوردنا منه جوامع يكتفي ذوالمعرفة بالِإشراف عليها عن كثير من مبسوطها.
ذكر ملوك الساسانية
وهم الفرس الثانية وأخبارهم
أردشير بن بابك
كان أول من نس!ب إليه ملوكهم على حسب ما قدمنا في الباب الذي قبل هذا أردشير بن بابك شاه بن ساسان بن بابك بن ساسن بن بهاوند بن دارا بن ساسان بن بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن بهراسف على حسب ما قدمنا من نسب بهراسف، وقيل: إنه أردشير بن بابك بن ساسان لأصغربن بابك بن ساسان بن بابك بن مهرمس بن ساسان بن بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن بهراسف ولا خلاف بينهم في أن أردشير من ولد منوشهر، وكان مما حفظ من قوله يوم مَلَكَ وقتل أردوان وفرغ من ملوك طوائف ووضع التاج على رأسه أن قال: الحمد لله الذي خضَنا بنعمه، شملنا بفوائده وقسمه، ومهد لنا البلاد، وقاد إلى طاعتنا العباد نحمده حمد من عرف فضل ما آتاه، ونشكره شكر الداري بما منحه واصطفاه، ألا وإناساعون في إقامة منازل العدل، وإدرار الفضل، وتشييد المآثر،وعمارة البلاد، والرأفة بالعباد، وَرَم أقطار المملكة، ورَدِّ ما انخرم في سائر الأيام منها، فليسكن طائركم، أيها الناس، فإني أعُمُّ بالعدل القويّ والضعيف، والدنيء والشريف، وأجعل العدل سنة محمودة، وشريعة مقصودة، وستردون في سيرتنا إلى ما تحمدوننا عليه، وتصدق أفعالنا أقوالنا، إن شاء اللّه تعالى، والسلام.

قال المسعودي: وأردشير بن بابك المتقدم في ترتيب طبقات القدماء، وبه اقتدى المتأخرون من الملوك والخلفاء، وكان يرى أن ذلك من السياسة، ومما يدعم عمود الرياسة؛ فكانت طبقات خاصته ثلاثاً: الأولى الأساورة وأبناء الملوك، وكان مجلس هذه الطبقة عن يمين الملك، على نحو من عشرة أذرُعٍ، وهم بطانة الملك وندماؤه ومحدثوه من أهل الشرف والعلم، وكانت الطبقة الثانية على مقدار عشرة أذرع من الأولى، وهم وجوه الْمَرَازبة وملوك الكورا والمقيمون بباب أردشير، والمرازبة وهم الِإصبهبذية ممن كانت مملكة الكور في أيامه، والطبقة الثالثة كانت رتبتها على قدر عشرة أذرع من حد مرتبة الطبقة الثانية، وأهل هذه الطبقة المضحكون وأهل البطالة والهزل، غير أنه لم يكن في هذه الطبقة الثالثة خسيس الأصل، ولا وضيع القدر، ولا ناقص الجوارح، ولا فاحش الطول أو القصر، ولا مَؤُف، ولا مرمي بأبنة، ولا ابن في صناعة دنيئة كابن حائك أو حَجَّام، ولوكان يعلم الغيب أوحوى كل العلوم مثلاًوكان أردشير يقول: ما شيء أضر على نفس ملكٍ أو رئيس أوذي معرفة صحيحة من معاشرة سخيف أو مخالطة وضيع؟ لأنه كما أن النفس تصلح على مخالطة الشريف الأريب الحسيب، كذلك تفسد بمعاشرة الخسيس، حتى يقدح ذلك فيها، ويزيلها عن فضيلتها، ويثنيها عن محمود شريف أخلاقها، وكما أن الريح إذا مرت بالطيب حملت طيباً تحيا به النفوس وتتقوى به جوارحها، كذلك إذا مرت بالنتن فحملته ألمت به النفس، وأضر بأخلاقها إضراراً تاماً، والفساد أسرع إليها من الصلاح. إذ كان الهدم أسرع من البناء، وقديجد ذو المعرفة في نفسه عند معاشرة السفلة الوضعاء شهراً فسادَ عقِلِه دهراً.وكان أردشير يقول: يجب على الملك أن يكون فائض العدل، فإن في العدل جماع الخير، وهو الحصن الحصين من زوال الملك وتخرِمه، إن أول مخايل الِإدبار في الملك ذهاب العدل منه، وأنه متى خفقَت رايات الجور في ديار قوم كافحتها عقاب العدل فردتها على العقب، ييس أحد ممن يصحب الملوك ويخالطهم أولى باستجماع محاسن الأخلاق و فضائل الآداب وظرائف الملح وغرائب النتف من النديم، حتى إنه ليحْتاج أن يكون له مع شرف الملوك تواضع العبيد، ومع عفاف النُّسّاك مجون الفتاك، ومع وقار الشيوخ مزاح الأحداث، وكل واحدة من هذه الخلال هو مضطر إليها في حال لا يحسن أن يجلب غيرها وإلى أن يجتمع له من قوة الخاطر ما يفهم به ضمير الرئيس الذي ينادمه، على حسب ما يبلوه من خلائقه، وبعلم من معاني لحظه وإشاراته ما يعينه على شهوته،لا يكون نديمأ حتى يكون له جمال ومروءة؛ فأما جماله فنظافة ثوبه، طيب رائحته، وفصاحة لسانه، وأما مروءته فكثرة حيائهِ في أنبساطه إلى الجميل، ووقاره في مجلسه، مع طلاقة وجهه في غيرسخف، ولا يستكمل المروءة حتى يسلوعن اللذة.
مراتب رجال الدولة

ورتب أردشير المراتب فجعلها سبعة أفواج: فأولها الوزراء، ثم الموبذان وهو القائم بأمور الدين، وهو قاضي القضاة، وهو رئيس الموابذة، ومعناها القُوَّام بأمور الدين في سائر المملكة، والقضاة المنصوبون للأحكام، وجعل الِإصبهبذيين أربعة: الأول بخراسان، والثاني بالمغرب، والثالث ببلاد الجنوب، والرابع ببلاد الشمال ؛ فهؤلاء الأربعة هم أصحاب تدبير الملك، كل واحد منهم قد أفرد بتدبير جزء من أجزاء المملكة، فكل واحد منهم صاحب ربع منها، ولكل واحد من هؤلاء مَرْزُبَان، وهم خلفاء هؤلاء الأربعة، ورتب أردشير الطبقات الأربعة من أصحاب التدبير ومَنْ إليهم أزِمّةُ الملك وحضور المشورة في إيراد الأمور وإصدارها، ثم رتب طبقات المغنين وسائر المطربين وذوي الصنعة بالموسيقى.فلم يزل على ذلك مَنْ طرأ بعده من ملوك آل ساسان إلى بهرام جور فإنه قرر مراتب الأشراف وأبناء الملوك وَسَدَنة بيوت النيران والنساك والزهاد وطبقات العلماء بالديانة وأنواع المهن الفلسفية على حالها، وغَيًرطبقات المغنين، فرفع مَنْ كان بالطبقة الوسطى إلى الطبقة العليا، والطبقة الدنيئة إلى الوسطى، وَغير المراتب على حسب إعجابه بالمطرب له منهم، وإفسد مارتبه أردشيربن بابك في طبقات الملهين، فسلك مَنْ ورَدَ بعده من ملوكهم هذا المسلك، حتى ورد كسرى أنو شروان فردّ مراتب المغنين إلى ما كانت عليه في عهد أردشيربن بابك.وقد كانت ملوك الأعاجم كلها من عهد أردشير تحتجب عن الندماء،وكان يكون بين الملك وبين أول الطبقات عشرون ذراعاً، لأن الستارة التي على الملك تكون منه على عشرة أذرع، ومن الطبقة الأولى على عشرة أذرع، وكان الموكل بالستارة رجلًا من أبناء الأساورة يُقال له خرام باشن،فإذا غاب هذا الرجل وكل بها آخر من أبناء الأساورة وذوي التحصيل، وسمي بهذا الاسم، وهذا الاسم عام لمن رتَب في هذه الرتبة ووقف هذا الموقف، وتفسير ذلك كن فرحاً مسروراً، وكان خرم باش هذا إذا جلس الملك لنُدمائه ومُعاقريه أمر رجلَاَ أن يرتفع على أرفع مكان في دار الملك، فيرفع عقيرته ويُغَرد بصوت رفيع يسمعه كل من حضر فيقول: يا لسان احفظ رأسك، فإنك تجالس في هذا اليوم الملك، ثم ينزل، وكان ذلك فعلهم في يوم جلوس الملك للهوه وطربه، فيأخذ الندماء مراتبهم خافتةً أصواتُها، غيرمشيرة بشيء من جَوَارحها، حتى يطلع الموكل بالستارة، فيقول: غَنِّ أنت يا فلان كذا وكذا، واضرب أنت يا فلان كذا وكذا، من طريقة كذا وكذا، من طرائق الموسيقى، وقد كانت الأوائل من بني امية لا تظهر للندماء، وكذلك الأوائل من بني العباس.
زهد أردشير

وكَوَرَ أردشير بن بابك كُوَراً، وَمَدَّنَ مُدُنَاَ، وله عهد في أيدي الناس.ولما خلا من ملكه أربع عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة سنة، واستقامت له الأرض، ومهدها، وصال على الملوك فانقادت إلى طاعته، زهد في الدنيا، وتبين له عَوَارها، وما هي عليه من الغرور والعناء، وقلة المكث، وسرعة الغِيلة منها إلى مَنْ أمنها، ووثق بها، واطمأنَّ إليها، وبان له أنها غرّارة وضَرارة خاتلة زائلة بائدة، وما اعْذَوذبَ منها جانب لامرىء وَحَلاَ إلا تمررَ منها عليه جانب وَأوْبى ورأى أن مَنْ بنى قبله المدائن وحًصّن الحصون وساق الجموع وكان أعظم جيشاً وأشد جنوداً وأتم عديدأ قد صار رميماً هشيماً، وتحت التراب مقيماً فآثر التفرد عن المملكة، والتَّرْك لها، واللحاق ببيوت النيران، والانفراد بعبادة الرحمن، والأنس بالوحدة، فنصب ابنه سابور لمملكته، وَتَوًجَه بتاجه، وذلك أنه رآه أرجح ولده حلماً، وأكملهم علماً، وأشدهم بأساً، وأجزلهم مراساً، فعاش بعد ذلك في حال تزهده، وخلوه بربه، وكونه في بيوت النيران سنة، وقيل شهراً، وقيل: أكثر مما ذكرنا.وأقام أردشير اثنتي عشرة سنة يحارب ملوك الطوائف. فمنهم من يكاتبه فينقاد إلى ملكه رهبة من صَوْلته، ومنهم من يمتنع عليه فيسير إلى داره ويأتي عليه، وكان آخر من قتل منهم ملكاً للنبط بناحية سواد العراق اسمه بابا بن بردينا صاحب قصر ابن هبيرة، ثم أردوان الملك، وفي هذ اليوم سمي شاهنشاه، وهوملك الملوك.وأمُّ ساسان الأكبر من سبايا بني إسرائيل، وهي بنت سانال، ولأردشيرابن بابك أخبار في بدء ملكهَ مع زاهد من زهادهم وأبناء ملوكهم يُقال له بيشر وكان أفلاطوني المذهب على رأي سقراط وأفلاطون، أعرضنا عن ذكرها إذ كنا قد أتينا على جميع ذلك في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط، مع ذكر سيره وفتوحه، وما كان من أمره، ولأردشير بز بابك كتاب يعرف بكتاب الكرنامج فيه ذكر أخباره وحروبه ومسيره في الأرض وسيره.
من وصايا أردشير وكتبه
وكان مما حفظ من وصية أردشير لابنه سابور عند نصبه إياه للملك أن قال له: يا بني، إن الدين والملك أخوان، ولا غنى لواحد منهما عن صاحبه ة فالدين أس الملك، والملك حارسُه، وما لم يكن له أسر فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع.وكان مما حفظ من مكاتباته أعني أردشير إلى خواصَ من أنواع رعيته وعماله: من أردشير بن بهمن ملك الملوك، إلى الكتاب الذين بهم تدبير المملكة، والفقهاء الذين هم عماد الدين، والأساورة الذين هم حُمْاة الحرب، وإلى الحرَّاث الذين هم عَمَرَة البلاد، سلام عليكم، نحن بحمد اللّه صالحون، وقد رفعنا إتاوتنا عن رعيتنا بفضل رأفتنا ورحمتنا، ونحن كاتبون إليكم بوصية فاحفظوها لا تستشعروا الحقد فيكم فيدهمكم العدو، ولا تحبُّوا الاحتكار فيشملكم القحط، وكونوا لأبناء السبيل مأوى ترووا غداً في المعاد، وتزوجوا في الأقارب فإنه أمَسُّ للرحم وأقرب للنسب، ولا تركنوا للدنيا فإنها لا تدوم لأحد، ولا تهتموا لها فلن يكون إلا ما شاء اللّه، ولا ترفضوها مع ذلك فإن الآخرة لا تنال إلا بها.وكتب أردشير إلى بعض عماله: بلغني أتك تؤثر اللين على الغلظة، والمودة على الهيبة، والجبن على الجراءة، فليشتد أوَّلُك، وليلن آخرك، ولا تخلين قلباً من هيبة، ولا تعطلنه من مودة، ولا يبعد عليك ما أقول لك فإنهما يتجاوران.
سابور بن أرلحشير وماني الثنوي
ثم ملك بعد أردشير ابنه سابور، وكان ملكه ثلاثاً وثلاثين سنة، وكانت له حروب مع كثير من ملوك العالم، وبنى كُوَراً، وَمًصّر مدناً نسبت إليه، كما نسب من الكور والمدن إلى آبائه، والعرب تلقبه سابور الجند، وفي أيامه ظهر ماني، وقال بالاثنين، فرجع سابور عن المجوسية إلى مذهب ماني والقول بالنور والبراءة من الظلمة، ثم عاد بعد ذلك إلى دين المجوسية، ولحق ماني بأرض الهند؟ لأسباب أوجبت ذلك قد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا.
بين قيصر وسابور
وكتب ملكُ الروم إلى سابوربن أردشير: أما بعد، فقد بلغني من سياستك لجندك، وضبطك ما تحت يدك، وسلامة أهل مملكتك بتدبيرك ما أحببت أن أسلك فيه طريقتك، وأركب مناهجك.

فكتب إليه سابور: نِلْتُ ذلك بثمان خصال: لم أهزل في أمر ولانهي قط، ولم أخلف وعداً ولا وعيداً قط، وحاربت للغني لا للهوى، واجتلبت قلوب الناس ثقة بلا كره، وخوفاً بلا مقت، وعاقبت للذنب لا للغضب، وعممت بالقوت، وحَسَمْتُ الفضول.
من سابور إلى بعض عماله
ويُقال: إن سابور كتب إلى بعض عماله: إذا استكتبت رجلًا فأسْنِ رزقه، وَشُدَّ بصالح الأعوان عضده، وأطلق بالتدبيريده ففي إسناء رزقه حسم طمعه، وفي تقويته بالأعوان ثقل وطأته على أهل العدوان، وفي إطلاقه بالتدبير ما أخافه عواقب الأمور، ثم قِفهُ من أمره على ماله قدمته ليمثله إماماً ويحفظه كلاماً، فإن وقع أمرَه بما رسمت فأوْلِهِ غرضك، وأوجب زيادته عليك، وإن حَادَ عن أمرك علقته حجتك، وأطلقتَ بالعقوبة عليه يَدكَ، والسلام.وعهد سابور إلى ولده هرمزوَمَنْ تلاه من الملوك بعده، فقال: اجعلوا علو أخلاقكم كعلو أخطاركم، وارتفاع كرمكم كارتفاع هممكم، وفضل سعيكم كفضل جَدِّكم.وقيل: إن ملك سابور كان إحدى وثلاثين سنة ونصفاً وثمانية عشريوماً.
هرمز وبهرام
ثم ملك بعد سابور ابنه هرمز بن سابور الملقب بالبطل، وكان ملكه سنة، وقيل: اثنين وعشرين شهراً، وبني مدينة رامهرمز من كُوَر الأهواز.وكتب إلى بعض عماله: لا يصلح لسد الثغور وقَوْد الجيوش وإبرام الامور وتدبير الأقاليم إلا رجل تكاملت فيه خمس خصال: حزم يتيقن به عند موارد الأمور حقائق مصادرها، وعلم يحجبه عن التهوُر في المشكلات إلا عند تجلي فرصتها، وشجاعة لا تنقصها الملمات بتواتر جوائحها، وصدق في الوعد والوعيد يوثَق بوفائه بهما، وجود يهون عليه بتدبير الأموال في حقها.ثم ملك بعده بهرام بن هرمز ثلاث سنين، وكانت له حروب مع ملوك الشرق.
الزنادقة
وقد ذكرنا أن بهرام أتاه ماني بن يزيد تلميذ قاردون فعرض عليه مذاهب الثنوَية فأجابه احتيالاً منه عليه إلى أن أحضر دعاته المتفرقين في البلاد من أصحابه الذين يَدْعُون الناس إلى مذاهب الثنوية فقتله، وقتل الرؤساء من أصحابه، وفي أيام ماني هذا ظهر اسم الزندقة الذي إليه أضيف الزنادقة، وذلك أن الفرس حين أتاهم زَرَادشت بن أسبيمان على حسب ما قدمنا من نسبهفيما سلف من هذا الكتاب بكتابهم المعروف بالبستاه باللغة الأولى من الفارسية، وعمل له التفسير، وهو الزند، وعملِ لهذا التفسير شرحاً سماه البازند، على حسب ما قدمنا، وكان الزند بياناَ لتأويل المتقدم المنزل، وكان مَنْ أورد في شريعتهم شيئاً بخلاف المنزل الذي هو البستاه، وعَدَل إلى التأويل الذي هو الزند، قالوا: هذا زندي، فأضافوه إلى التأويل، وأنه منحرف عن الظواهر من المنزل إلى تأويلٍ هو بخلاف التنزيل، فلما أن جاءت العرب أخذت هذا المعنى من الفرس، وقالوا: زنديق، وعًربوه، والثنوية هم الزنادقة، ولحق بهؤلاء سائر من اعتقد القدم، وأبى حدوث العالم.
بهرام بن بهرام

ثم ملك بعده بهرام، بن بهرام، وكان ملكه سبع عشرة سنة، وقيل غير ذلك، وأقبل في أول ملكه على القَصْف واللذات والصيد والنزهة، لا يفكر في ملكه، ولا ينظرفي أمور رعيته، وأقْطَع الضياع لخواصه ومَنْ لاذبه منْ خَدمه وحاشيته، فخربت الضياع، وخلت من عُمَّارها، وسكنوا الضياع المتعززة، فقلت العمارة إلا ما أقطع من الضياع، وسقطت عنهم المطالبة بالخراج بممايلة الوزراء خَوَاص الملك، وكان تدبير الملك مفوضَاَ إلى وزرائه فخربت البلاد، وقلت العمارة وقل ما في بيوت الأموال، فضعف القويُ من الجنود، وهلك الضعيف منهم، فلما كان في بعض الأيام ركب الملك إلى بعض منتزهاته وصيده، فجنه الليل وهو يسير نحو المدائن، وكانت ليلة قَمْراء، فدعا بالموبذان لأمر خطر بباله فلحق به وسايره، وأقبل على محادثته، مستخبراً له عن سير أسلافه، فتوسطوا في مسيرهم خربات كانت من أمهات الضياع قد خربت في مملكته، ولا أنيس بها إلا البوم، وإذا بوم يصيح وآخر يجاوبه من بعض تلك الخربات، فقال الملك للموبذان : أترى أحداً من الناس أعطى فهْمَ منطق هذا الطير المصوت في هذا الليل الهادىء فقال له الموبذان: أنا أيها الملك ممن قد خصه اللّه بفهم ذلك، فاستفهمه الملك عما قال، فأعلمه أن قوله صحيح، فقال له: فما يقول هذا الطائر؟ وما الذي يقول اللآخر؟ قال الموبذان هذا بوم ذكر يخاطب بومة، ويقول لها: أمتعيني من نفسك حتى يخرج منا أولاد يسبحون اللهّ، ويبقى لنا في هذا العالم عَقِب يكثرون ذكرنا والترحم علينا فأجابته البومة: إن الذي دعوتني إليه هو الحظ الأكبر، والنصيب الأوفر، في العاجل والآجل، إلا أني أشترط عليك خصالا إن أنت أعطيتنيها أجبتك إلى ما دعوتني إليه، فقال لها الذكر: وما تلك الخصال. قالت: أولها إن أنا أبحتك نفسي وصرت إلى ما إليه دعوتني تضمن لي أن تعطيني من خربات أمهات الضياع عشرين قرية مما قد خرب في أيام هذا الملك السعيد، فقال له الملك: فما الذي قال لها الذكر. قال الموبذان: كان من قوله لها: إن دامت أيامُ هذا الملك السعيد جده أعطيتك مما يخرب من الضياع ألف قرية، فما تصنعين بها. قالت: في اجتماعنا ظهور النسل، وكثرة الولد، فنُقْطِع كل واحد من أولادنا قرية من هذه الخربات، قال لها الذكر: هذا أسهل أمر سألتنيه، وأيسرأمرطلبته مني، وقدمت لك الوعد وأنا مليء بذلك، فهاتي ما بعد ذلك فلما سمع الملك هذا الكلام من الموبذان عمل في نفسه، واستيقظ من نومه، وفكر فيما خوطب به، فنزل من ساعته، وترَجَّلَ للناس، وخلا بالموبذان فقال له:. إيها القيم بالدين، والناصح للملك، والمنبه على ما أغْفلَه من أمور ملكه، وأضاعه من أمر بلاده ورعيته، ما هذا الكلام الذي خاطبتني به. فقد حركت مني ما كان ساكناً، وبعثني على علم ما كنت عنه غائباً، قال الموبذان: صادفت من الملك السعيد جدًّه وقتَ سعدٍ للعباد والبلاد، فجعلت الكلام مثلًا وموقظاً على لسان الطائر عند طلب الملك مني جواب ما سأل، ثم قال له الملك:أيها الناصح، اكْشِف لي عن هذا الغرض الذي إليه رميت، والمعنى الذي له قصدت، ما منه و إلى ماذا يؤول؟ قال الموبذان: أيها الملك السعيد جده إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام للّه تعالى بطاعته، والتصرف تحت أمره ونهيه، ولا قوام للشريعة إلا بالملك، ولا عز للملك إلا بالرجال، ولا قوام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل، والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة، نصبه الرب وجعل له قيما، وهو الملِك، قال الملك: أما ما وصفت فحق، فأبِنْ لي عما تقصد، وأوضح لي في البيان، قال الموبذان: نعم أيها الملك، عمدت إلى الضياع فانتزعتها من أربابها وعُمَّارها، وهم أرباب الخراج وَمَنْ تؤخذ منهم الأموال، فأقطِعتها الحاشية والخدم وأهل البطالة وغيرهم، فعمدوا إلى ما تعجل من غرتها، واستعجلوا المنفعة، وتركوا العمارة والنظر في العواقب وما يصلح الضياع، وسومحوا في الخراج لقربهم من الملك، ووقع الْحَيْف على من بقي من أرباب الخراج وعمار الضياع، فانجلوا عن ضياعهم، ورحلوا عن ديارهمَ، وآووا إلى ما تعزز من الضياع بأربابه فسكنوه، فقلت العمارة، وخربت الضياع، وقلت الأموال، فهلكت الجند والرعية، وطمع في ملك فارس مَنْ أطاف بها من الملوك والأمم لعلمهم بانقطاع المواد التي بها

تستقيم دعائم الملك، فلما سمع الملك هذا الكلام من الموبذان أقام في موضعه ذلك ثلاثاً، وأحضر الوزراء والكتاب وأرباب الدواوين، وأحضرت الجرائد فانتزعت الضياع من أيدي الخاصة والحاشية، ورُدَت إلى أربابها، وَجرَوْا على رسومهم السالفة، وأخذوا في العمارة، وقوي من ضعف منهم، فعمرت الأرض، وأخصبت البلاد، وكثرت الأموال عند جباية الخراج. وقويت الجنود، وقطعت مواد الأعداء، وشحنت الثغور، وأقبل الملك يباشر الأمر بنفسه في كل وقت من الزمان، وينظر فى أمر خواصه وعوامه، فحسنت أيامه، وانتظم ملكه، حتى كانت تدعى أيامه أعياداً؛ لما عم الناس من الخصب والإفضال وشملهم من العدل.قيم دعائم الملك، فلما سمع الملك هذا الكلام من الموبذان أقام في موضعه ذلك ثلاثاً، وأحضر الوزراء والكتاب وأرباب الدواوين، وأحضرت الجرائد فانتزعت الضياع من أيدي الخاصة والحاشية، ورُدَت إلى أربابها، وَجرَوْا على رسومهم السالفة، وأخذوا في العمارة، وقوي من ضعف منهم، فعمرت الأرض، وأخصبت البلاد، وكثرت الأموال عند جباية الخراج. وقويت الجنود، وقطعت مواد الأعداء، وشحنت الثغور، وأقبل الملك يباشر الأمر بنفسه في كل وقت من الزمان، وينظر فى أمر خواصه وعوامه، فحسنت أيامه، وانتظم ملكه، حتى كانت تدعى أيامه أعياداً؛ لما عم الناس من الخصب والإفضال وشملهم من العدل.
جماعة من ملوك الفرس
ثم ملك بعده بهرام بن الملك بهرام بن بهرام فكان ملكه إلى أن هلك أربع سنين، وأربعة أشهر ثم ملك بعده نرسي بن بهرام الملك ابن بهرام البطل، وكان ملكه سبع سنين وقيل ونصفاً ثم ملك بعده هرمزبن نرسي بن بهرام، على ما ذكرنا من النسب، وكان ملكه سبع سنين وخمسة أشهر. وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنَى عن عمر كسرى أن كل من ذكرنا من ملوك آل ساسان إلى هذا الملك وهو هرمز بن نرسي كانوا ينزلون جند يسابور من بلاد خوزستان، وقد كان يعقوب بن الليث الصفار أراد سكنى جند يسابور متشبهاً بمن مضى من ملوك ساسان، إلى أن مات بها. وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب أخبار المعتمد حين سكناه إياها ووفاته فيها.
سابور ذو الاكتاف
ثم ملك بعد هرمزبن نرسي ابنه سابوربن هرمز، وهو سابورذو الأكتاف، وكان ملكه إلى أن هلك اثنتين وسبعين سنة. وخلفه والده حَمْلاً، فغلبت العرب على سواد العراق، وقام الوزراء بأمر التدبير، وكانت جمهرة العرب ممن غلب على العراق ولد إياد بن نزار، وكان يُقال لها طبق لإطباقها على البلاد، وملكها يومئذ الحارث بن الأغر الإِيادي، فلما بلغ سابور من السن ست عشرة سنة أعدَ أساورتهُ بالخروج إليهم والِإيقاع بهم، وكانت إياد تصيف بالجزيرة وتشتو بالعراق، وكان في حبس سابور رجل منهم يُقال له لقيط، فكتب إلى إياد شعراً ينذرهم به، ويعلمهم خبرمن يقصدهم، وهو:
سلام في الصحيفة من لقيط ... على من في الجزيرة من إياد
بأن الليث يأتيكم دلاق ... فلا يحسبكم شوك القَتَاد
أتاكم منهمُ سبعون ألفاً ... يَجُرون الكتائب كالجراد
على خيل ستأتيكم فهذا ... أوانُ هلاككم كهلاك عاد
فلم يعبؤا بكتابه، وسراياه تكر نحو العراق وتُغِير على السواد، فلما تجهز القوم نحوهم أعاد إليهم كتاباً يخبرهم فيه أن القوم قد عسكروا، وتحشَدوا لهم، وأنهم سائرون إليهم، وكتب لهم شعراً أوله.
يا دار عَمْرَةَ من تذكارها الجرعا ... هَيًجْتِ لي الهم والأحزان والوجعا
أبلغ إياداً وحلل في سراتهم ... أني أرى الرأي إن لم أعْصَ قدنصعا
ألا تخافون قوماً لا أبا لكم ... مَشَوْا إليكم كأمثال الدَّبى سُرُعا
لو أن جمعهمُ راموا بهدتهَم ... شُمَ الشماريخ من ثَمْلاَن لا نصدعا
فقلِّدوا أمركم لله دركم ... رَحْبَ الذراع بأمرالحرب مضطلعا
فأوقع بهم، فعمهم القتل، فما أفلَتَ منهم إلا نفر لحقوا بأرض الروم، وخلع بعد ذلك أكتاف العرب، فسمي بعد ذلك سابوو ذا الأكتاف.وقد كان معاوية بن أبي سفيان راسَلَ مَنْ بالعراق من تميم ليثبوا بعلي ابن أبي طالب رضي الله عنه! فبلغ ذلك علياً رضوان الله عليه، فقال قي بعض مقاماته في كلام له طويل:

إن حَيّاً يرى الصلاح فساداً ... أو يرى الغي في الأموررشادا
لقريب من الهلاك كما ... أهلك سابورُ بالسواد أيادا

وقد كان سابور في مسيره في البلاد أتى على بلاد البحرين، وفيها يومئذ بنوتميم، فأمعن في قتلهم، وفرت بنوتميم، وشيخها يومئذ عمروبن تميم بن مر، وله يومئذ ثلثمائة سنة، وكان يعلق في عمود البيت في قفة قد اتخذت له، فأرادوا حمله، فأبى عليهم إلا أن يتركوه في ديارهم، وقال: أنا هالك اليوم أو غداً، وماذا بقي لي من فسحة العمر؟ ولعل اللّه ينجيكم بي من صَوْلة هذا الملك المسلط على العرب، فخلوا عنه، وتركوه على ما كان عليه، فصَبَّحت خيل سابور الديار، فنظروا إلى أهلها وقد ارتحلوا، ونظروا إلى قفة معلقة في شجرة، وسمع عمرو صهيل الخيل ووقعها، وهمهمة الرجال، فأقبل يصيح بصوت ضعيف، فأخذوه، وجاءوا به إلى سابور، فلما وضُع بين يديه نظر إلى دلائل الهرَم ومرور الأيام عليه ظاهرة، فقال له سابور: مَنْ أنت أيها الشيخ الفاني. قال: أنا عمروبن تميم بن مر، وقد بلغت من العمر ما ترى، وقد هرب الناس منك لإِسرافك في القتل وشدة عقوبتك إياهم، وآثرتُ الفناء على يديك ليبقى مَنْ مضى من قومي، ولعل اللّه ملك السماوات والأرض يُجري على يديك فرجهم، ويصرفك عما أنت بسبيله من قتلهم، وأنا سائلك عن أمر إن أذنْتَ لي فيه، فقال له سابور: قل يُسْمع منك، فقال له عمرو: ما الذي يحملك على قتل رعيتك ورجال العرب؟ فقال سابور: أقتلهم لما أرتكبوا من أخذ بلادي وأهل مملكتي، فقال عمرو: فعلوا ذلك ولست عليهم بقيم، فلما بلغت وقفوا عما كانوا عليه من الفساد هيبة لك، قال سابور: أقتلهم لأنا ملوكَ الفرس نجد في مخزون علمنا وما سلف من أخبار أوائلنا أن العرب ستُدال علينا، وتكون لهم الغلبة على ملكنا، فقال عمرو: هذا أمر تتحققه أم تظنه، قال: بل اتحققه ولا بد أن يكون ذلك، قال له عمرو: فإن كنت تعلم ذلك فلم تسيء إلى العرب؟ واللّه لأن تُبْقِي على العرب جميعاً وتحسنَ إليهم فيكافئون عند إدالة الدولة لهم قومَكَ بإحسانك، وإن أنت طالت بك المدة كافأوك عند مصير الملك إليهم، فيبقون عليك وعلى قومك، وإن كان الأمر حقاً كما تقول فهو أحزم في الرأي، وأنفع في العاقبة، وإن كان باطلًا فلم تتعجل الِإثم وتسفك دماء رعيتك؟ فقال سابور: الأمر صحيح، وهو كائن لكم، والرأي ما قلتَ، ولقد صدقتَ في القول، ونصحت في الخطاب، فنادى منادي سابور بأمان الناس، ورفع السيف، والكف عن قتلهم، ويقال: إن عمراً بقي في هذا العالم بعد هذا الوقت ثمانين سنة، وقيل: أقل من ذلك، واللّه أعلم.وسار سابور نحو بلاد الشام، فافتتح المدن، وقتل خلائق من الروم، ثم طالبته نفسُه بالدخول إلى أرض الروم متنكراً ليعرف أخبارهم وسيرهم، فتنكر، وسار إلى القسطنطينية، فصادف وليمة لقيصر قد اجتمع فيها الخاص والعام منهم، فدخل في جملتهم، وجلس جملى بعض موائدهم، وقد كان قيصر أمر مصوراً أتى عسكر سابور فصوَّره له، فلما جاء قيصر بالصورة أمر بها فصورت على آنية الشراب من الذهب والفضة، وأتى من كان على المائدة التي عليها سابور بكأس، فنظر بعض الخدم إلى الصورة التي على الكأس وسابور مقابل له على المائحة، فعجب من اتفاق الصورتين، وتقارب الشكلين، فقام إلى المللك، فأخبرة، فأمر به، فمثل بين يديه غ فسأله عن خبره، فقال: أنا من أساورة سابور استحققت العقوبة لأمر كان منِّي، فدعاني ذلك إلى الدخول إلى أرضكم، فلم يقبل ذلك منه، وَقُئدم إلى السيف فأقَرَّ، فجعله في جلد بقرة، وسارقيصر في جنودهِ حتى توسط العراق، وافتتح المدائن، وَشَنَّ الغارات، وَعَضَدَ النخل، وانتهى إلى مدينة جندي يسابور، وقد تحصن بها وجوه فارس، فنزل عليها وحضر عيد لهم في تلك الليلة التي أشرفوا على فتح المدينة في صبيحتها، فأغفل الموكلون أمر سابور، وأخذ الشرابُ منهم، وكان بالقرب من سابور جماعة من أساري الفرس، فخاطبهم أن يحل بعضهم بعضاً، وشجَّعَهم، وأمرهم أن يصبوا عليه زِقَاقَاَ من الزيت كانت هناك ففعلوا، فلَانَ عليه الجلد وتخلص، وأتى المدينة وهم يتحارسون على سورها فخاطبهم، فعرفوه ورفعوه بالحبال إليهم، ففتح أبواب خزائن السلاح، وخرج بهم ففرقهم حول مواضع من الجيش، والروم غارونَ مطمئنون، فكبس الجيش عند ضرب النواقيس، فأتوه بقيصر أسيراً، فاستحياه وأبقى عليه، وضمِ إليه من أفلَتَ من القتل من رجاله، فغرس قيصر بالعراق الزيتون بدلاَ مما عضده من النخل فيها.، ولم يكن يُعهد

بالعراق الزيتون قبل ذلك، وبنى شاذروان مدينة تستر لنهرها، والشاذروان هو المسناة العظيمة، والكرمن الحجر والحديد والرصاص، وعمر ما أخْرَب، في أخبار يطول ذكرها، وانصرف قيصر نحو الروم.وقد ذكر في بعض الأخبار أن سابور رَبَقَ قيصر، وقطع أعصاب عقبيه أو رقمها، وأن الروم لا تربق دوابها، ولا تلبس الخفاف المعقبة،وفي ذلك يقول الحارث بن جندة المعروف بالهرمزان: الزيتون قبل ذلك، وبنى شاذروان مدينة تستر لنهرها، والشاذروان هو المسناة العظيمة، والكرمن الحجر والحديد والرصاص، وعمر ما أخْرَب، في أخبار يطول ذكرها، وانصرف قيصر نحو الروم.وقد ذكر في بعض الأخبار أن سابور رَبَقَ قيصر، وقطع أعصاب عقبيه أو رقمها، وأن الروم لا تربق دوابها، ولا تلبس الخفاف المعقبة،وفي ذلك يقول الحارث بن جندة المعروف بالهرمزان:
همُ ملكوا جميع الناس طرا ... وهم رَبَقوا هرقْلاً بالسواد
وهم قتلوا أبا قابوس غصباً ... وهم أخفوا البسيطة من إياد
وفي فعل سابور وتغريره بنفسه في دخوله إلى أرض عدوه متجسسا يقول بعض المتقدمين من شعراء أبناء فارس:
وكان سابورصَفواً في أرومته ... أخْتيرَعنها فأضحى غيرمختار
إِذكان بالروم جاسوسأ يجول به ... حَزْم المنية من في كيد مكار
فاستأسروه وكانت كبوة عجباً ... وزلة سبقت من غيرعَثَّار
فأصبح الملِكُ الرومي معترضا ... أرض العراق على هول وأخطار
فراطَنَ الفرس بالأبواب فافترقوا ... كما تجاوب أسد الغاب في الغار
فجذ بالسيف أمرالروم فامتحقوا ... للّه لحرك من طَلاَّب أوتار
إِذيغرسون من الزيتون ماعَضَدوا ... من النخيل وما حفوا بمنشار
إِيوان كسرى
وغزا سابور بعد ذلك بلاد الجزيرة وامد وغيرها من بلاد الروم، ونقل خلقأ من أهلها، وأسكنهم بلاد السوس وتستر وغيرها من مدن كور الأهواز، فتناسلوأ وقَطَنوا تلك الديار، فمن ذلك الوقت صار الديباج التستري وغيره من أنواع الحرير يعمل بتستر، والخز بالسوس، والستور والفرش ببلاد نصيبين، ومكث إلى هذه الغاية، وقد كان مَنْ قبله من ملوك الساسانية وكثير ممن سلف من فارس الأولى يسكن بطيسون، وذلك بغربي المدائن من أرض العراق، فسكن سابور في الجانب الشرقي من المدائن، وبنى هناك الإيوان المعروف بإيوان كسرى إلى هذه الغاية، وقد كان أبرويزبن هرمز أتم مواضع من بناء هذا الإِيوان، وقد كان الرشيد نازلَاَ على دجلة بالقرب من الإيوان، فسمع بعض الخدم من وراء السرادق يقول لآخر: هذا الذي بنى هذا البناء ابن كذا وكذا أراد أن يصعد عليه إلى السماء، فأمر الرشيد بعض الأستاذين من الخدم أن ضربه مائة عَصاً، وقال لمن حضره: إن الملك نسبة، والملوك به إخوة، وإن الغيرة بعثتني على أدبة لصيانة الملك، وما يلحق الملوك للملوك.وذكر عن الرشيد بعد القبض على البرامكة أنه بعث إلى يحيى بن خالد بن برمك، وهو في اعتقاله، يشاوره في هَدْم الِإيوان، فبعث إليه: لا تفعل، فقال الرشيد لمن حضره: في نفسه لمجوسية، والحنو عليها، والمنع من إزالة آثارها، فشرع في هدمه، ثم نظر فإذا يلزمه في هدمه أموال عظيمة لا تضبط كثرة، فأمسك عن ذلك، وكتب إلى يحيى يعلمه ذلك، فأجابه بأن ينفق في هدمه ما بلغ من الأموال، ويحرص على فعله، فعجب الرشيد من تنافي كلامه في أوله وآخره، فبعث إليه يسأله عن ذلك، فقال: نعم، أما ما أشرتُ به في الأول فإني أردت بقاء الذكرلأمة الِإسلام وبُعْدَ الصيت، وأن يكون من يردُ في الأعصار ويطرأ من الأمم في الأزمان يرى مثل هذا البنيان العظيم فيقول: إن أمة هذا بنيانها فأزالت رسومها واحتوت على ملكها،لأمة عظيمة شديحة منيعة، وأما جوابي الثاني فأخبرت أنه قد شرع في هَدمه ثم عجز عنه، فأردت نفي العجز عن أمة الِإسلام؟ لئلا يقول من وصفت ممن يرد في الأعصار:إن هذه الأمة عجزت عن هدم ما بنَتْه فارس، فلما بلغ الرشيد ذلك من كلامه قال: قاتله الله تعالى! فما سمعته قال شيئاً قط إلا صَدق فيه، وأعرض عن هدمه، وسابور هو الذي بنى مدينة نيسابور ببلاد خراسان وغيرها بفارس والعراق.
أردشير

ثم ملك بعد سابور بن هرمز أخوه أردشيربن هرمز، وكان ملكه إلى أن خلع أربعين سنة، ثم ملك بعده سابور بن سابور، خمس سنين وقيل: وأربعة أشهر، وكانت له حروب كثيرة مع إياد بن نزار وغيرها من العرب وفيه يقول شاعر إياد:
على رغم سابور بن سابورأصبحت ... قبابُ إيادٍ حولها الخيل والنعَمْ
ويقال: إن هذا الشعر قاله نفر قد لحقوا بأرض الروم حين أوقع بهم سابورذو الأكْتَاف على ما ذكرنا ثم تراجعوا إلى ديارهم، وانضافوا إلى ربيعة من ولد بكربن وائل، وإن ربيعة كانتَ قد غلبت على السواد، وشَنَّتْ الغارات في ملك سابور بن سابور، فقال شاعر إياد في ذلك ما وصفنا، وهم داخلون في جملة ربيعة، وقيل غير ذلك، والله أعلم بالصحيح منه.
بهرام ويزدجرد
ثم ملك بعده بهرام بن سابور، وكان ملكه عشرسنين، وقيل: إحدى عشرة سنة.ثم ملك بعده يزدجرد بن سابور، المعروف بالأثيم، وكان ملكه إلى أن هلك إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوماً، وقيل: اثنتين وعشرين سنة غير شهرين.
بهرام جور
ثم ملك بعده بهرام بن يزدجرد وهو بهرام جور، فكان ملكه ثلاثاً وعشرين سنة وقيل: تسع عشرة سنة وَمَلَكَ وهو ابن عشرين سنة، وغاص هو وفرسه في حومة حمأة في بعض أيام صيده، فجزعت عليه فارس، لما كان عَمَّهَا من عدله، وشملها من إحسانه ورأفته برعيته، واستقأمة الأمور في أيامه، وقد كان خرج في أيامه خاقان ملك الترك إلى الصغد، وشن الغارات في بلاده، وقيل: إنه أتى إلى بلاد الري، وإن بهرام كتب أجناده وتنكب الطريق في اليسير من جريدة أصحابه حتى أنى على خاقان في جنوده، وسار نحو العراق برأسه، فهابته ملوك الأرض، وهادنه قيصر، وحمل إليه الأموال، وقد كان بهرام قبل ذلك دخل إلى أرض الهند متنكراً، ولأخبارهم متعرَفاَ، واتصل بشبرمة ملك من ملوك الهند، فأبلى بين يديه في حرب من حروبه، وأمكنه من عدوه، فزوًجه ابنته على أنه بعض أساورة فارس، وكان نشؤه مع العرب بالحيرة، وكان يقرل الشعر بالعربية ويتكلم بسائر اللغات، وكان خاتمه مكتوب: بالأفعال تعظم الأخبار. وله أخبار في أخذه الملك بعد أبيه وتناوله التاج والراية. وقد وضعا بين سَبعَين وأخبار غير ذلك. وسير يطول ذكرها. ولأية علة سمي بهرام جور.وما أحدث من الرمي بالنشِاب في أيامه. رمن النظم في داخل القوس وخارجها. وقد أتينا على جميع ذلك في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط. وما قالت الفرس والترك في بنية القوس، وأنها مركبة على الطبائع الأربع كطبائع الِإنسان، وما ذهبوا إليه من أنواع الرمي وكيفيته، ومما حفظ من شعربهرام جورق قولُه يوم ظفره بخاقان وقتله له:
أقول له لما فضضت جموعه ... كأنك لم تسمع بصولات بَهرَام
فإنِّيَ حامي مُلْكِ فارس كلها ... وماخيرمُلْكٍ لايكون له حام؟
وقوله أيضاً؟
لقد علم الأنام بكلِّ أرض ... بأنَهُمُ قَد اضحوا لي عبيدا
ملكت ملوكهم، وقهرت منهم ... عزيزهم المسوَّدَ والمسودا
فتلك أسودهم تُقعِي حذاري ... وترهب من مخافتيَ الورودَا
وكنت إذا تشاوس ملك أرض ... عبأت له الكتائب والجنودا
فيعطيني المَقَادةَ أو أوافي ... به يشكو السلاسل والقيودا
وله أشعار كثيرة بالعربية والفارسية أعرضنا عن ذكرها في هذا الموضع طلبَاَ للِإيجاز.
يزدجرد

ثم ملك بعده يزدجردبن بهرام، وكان ملكه تسع عشرة سنة. وقيل:ثمان عشرة سنة وأربعة أشهر وثمانية عشر يوماً وقد كان بنى حائطاً باللِبنِ والطين بناحية الباب والأبواب على حسب ما قممنا فيما سلف من هذا الكتاب في ذكرنا للباب والأبواب وجبل القبخ، وأحضر يزدجرد بن بهرام رجلاً من حكماء عصره كان في أقاصي مملكته آخذاً من أخلاقهم ومقتبس الرأي منه يسوس به رعيته، فقال له يزدجرد وقد مثل بين يديه: أيها الحكيم الفاضل، ما صَلَاح الملك؟ فقال: الرفق بالرعية، وأخذ الحق منهم من غير مشقة، والتودد إليهم بالعدل، وأمن السبل، وإنصاف المظلوم من الظالم، قال:َ فما صلاح أمر الملك. فقال: وزراؤه وأعوانه فإنهم إن صلحوا صلح، وإن فسحوا فسد، وقال له يزدجرد: إن الناس قد أكثروا في أسباب الفتن، فصف لي ما الذي يَشُبها وينشئها، وما الذي يسكنها ويدفنها، قال: يَشُبها ضغائن وينشئها جرأة عامة ولدها استخفاف بخاصة، وأكدها انبساط الألسن بضمائر القلوب، وإشفاق موسر، وأمل مُعْسِر، وغفلة ملتذ، ويقظه محروم، والذي يسكنها أخذ العُدَة لما يُخَاف قبل حلوله، وإيثار الجد حين يلتذ الهزل، والعمل بالحزم في الغضب والرضا.ثم ملك بعده هرمز بن يزدجرد، فنازعه أخوه فيروز، فقتله ووليَ الملك، وهو فيروز بن يزدجرد بن بهرام، وكان ملك فيروز إلىِ أن هلك على يدي ملك الهياطلة أخشنواز بمرو الروذ من بلاد حراسان سبعاَ وعشرين سنة، والهياطلة هم الصغد، وهم بين بخارى وسمرقند.ثم ملك بلاس بن فيروز الملك، وكان ملكه أربع سنين.
ثم ملك قباذ بن فيروز، وفي أيامه ظهر مزدك الزنديق، وإليه تضاف المزدكيه، وله أخبار مع قباذ، وما أحدثه في العامة من النواميس والحيل إلى أن قتله أنوشروان في ملكه، وكان ملك قباذ إلى أن هلك ثلاثاً وأربعين سنة.
أنو شروان
ثم ملك. بعده ولده أنوشروان بن قباذ بن فيروز ثمانياً وأربعين سنة، وقيل: سبعاً وأربعين سنة وثمانية أشهر، وقد كان قياذ خلع من ملكه وأجلس بدله أخ له يقال له جاماسب نحواً من سنتين، لأمر كان من مَزْدك وأصحابه، فظاهر أنوشروان بزرجمهر بن سرحو حتى أعيد قباذ إلى ملكه في خبر طويل، ولما ملك أنوشروان قتل مزدك وأتبعه بثمانين ألفاً من أصحابه، وذلك بين حادر والنهروان من أرض العراق، فسمي من ذلك اليوم أنوشروان، وتفسير ذلك جديد الملوك، وجمع أهل مملكته على دين المجوسية، ومنعهم النظر والخلاف والحجاج في الملل، وسار نحو الباب والأبواب وجبل القبخ لما كان من غارات من هنالك من الملوك على بلاده، فبنى السور في البحر على أزقاق البقر المنفوخة بالصخر والحديد والرصاص، فكلما ارتفع البناء نزلت تلك الأزقاق إلى أن استقرت في قَرَار البحر، وقد ارتفع السور على الماء، وغاصت الرجال حينئذ بالخناجر والسكاكين إلى تلك الأزقاق فشقتها، وتمكن السور على وجه الماء في قرار البحر، وهو باقٍ إلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، ويسمى هذا الموضع من السور في البحر الصد مانعاً للمراكب في البحر إن وردت من بعض الأعداء، ثم مد السور في البر ما بين جبل القبخ والبحر، وجعل فيه الأبواب مما يلي الكفار، ثم مد السورعلى جبل القبخ على ما

قدمنا فيما سلف من الكتاب عند ذكرنا لأخبار جبل القبخ والباب، وكان لأنوشروان خبر مع ملوك الخزر إلى أن تأتى له هذا البناء، وقيل: إنه بنر ذلك بالرهبة وإذعان من هناك من الأمم له.وانصرف أنوشروان إلى العراق، ووفدت عليه رسل الملوك وهداياها والوفود من الممالك، وكان فيمن وفد إليه رسول لملك الروم قيصر بهدايا وألطاف، فنظر الرسول إلى إيوانه وحسن بنيانه واعوجاج في ميدانه. فقال: كان يحتاج هذا الصحن أن يكون مربعاً، فقيل له: إن عجوز لها منزل من جانب الأعوجاج منه، وإن الملك أرادها على بيعه. وأرغبها، فأبَتْ، فلم يكرها الملك، وبقي الاعوجاج من ذلك على ما ترى، فقال الرومي: هذا الاعوجاج الان أحسن من الاستواء.وسار أنوشروان في بلاده، ودار مملكته، فأحكم البنيان، وشيد القلاع والحصون، ورتب الرجال وغدر بقيصر، فسار نحو الجزيرة، فافتتح ما هنالك من المدن، وانتهى إلى الفرات فعبر إلى الشام فافتتح بها المدن، وكان مما افتتح بلاد حلب وَقِنَّسْرِين وحمص وفامية، وهي بين أنطاكية وحمص، وسار إلى أنطاكية وحاصرها، وفيها ابن أخِتِ لقيصر فافتتحها، وافتتح مدينة عظيمة كثيرة العمران عجيبة البنيان كانت في ساحل أنطاكية رسومها بينة إلى هذه الغاية، وأثرها قائم، تدعى سَلُوقية، وأقبل يفتتح المدائن بالشام وأرض الروم، ويغنم الغنائم والجواهر والأموال وَبَذَل السيف، وبث عساكره وسراياه، فهادنه قيصر، وحمل إليه الخراج والجزية، فقبل ذلك منه، ونقل من الشام المرمر والرخام وأنواع الفسيفساء والأحجار، والفسيفساء: هي شيء يطبخ من الزجاج والأحجار ذو بهجة وألوان يدخل فيما فرش من الأرض والبنيان كالفصوص، ومنه على هيئة الجامات شاف، وحمل ذلك إلى العراق، فبنى مدينة نحو المدائن وسماها برومية، وجعل ببيانها وما داخَلَ سورها بما ذكرنا من أنواع الأحجار، يحكي بذلك أنطاكية وغيرها من المدن في الشام، وهذه المدينة سورها من طين قائم إلى هذا الوقت خراب، وباقٍ يعرف بما ذكرنا، وَزوَجه خاقان ملك الترك بابنته وابنة أخيه، وهادنته ملوك السند والهند والشمال والجنوب وسائر الممالك، وحملت إليه الهدايا، ووفدت إليه الوفود خوفاً من صولته وكثرة جنوده وعظم مملكته، ولما ظهرمن فعله بالممالك، وقتله الملوك، وانقياده إلى العدل، وكتب إليه ملك الصين: من فغفور ملك الصين صاحب قصر الدر والجوهر، الذي يجري في قصره نهران يسقيان العود والكافور الذي توجد رائحته على فرسخين، والذي تخدمه بنات ألف ملك، والذي في مربطه ألف فيل أبيض إلى أخبه كسرى أنو شروان، وأهدى إليه فرساً من در منضداً، عينا الفارس والفرس من ياقوت أحمر، وقائم سيفه من زمرد منضد بالجوهر، وثوب حرير صيني عسجدي فيه صورة الملك جالساً في أيوانه، وعليه حليته وتاجه، وعلى رأسه الخدم، وبأيديهم المذابُّ، والصورة منسوجة بالذهب، وأرض الثوب لازورد، في سفط من ذهب، تحمله جارية تغيب في شعرها، تتلألأ جمالَاَ، وغير ما ذكرنا من عجائب ما يحمل من أرض الصين وتهديه الملوك إلى أكْفائها، وكتب إليه ملك الهند: من ملك الهند، وعظيم أراكنه المشرق وصاحب قصر الذهب وأبواب الياقوت والدر. إلى أخيه ملك فارس وصاحب التاج والراية كسرى أنو شروان، وأهدى إليه ألف مَنً من عود هندي يذوب في النار كالشمع، ويختم عليه كما يختمِ على الشمع فتبين فيه الكتابة، وجاما من الياقوت الأحمر فتحه شبر مملوءاَ دراً، وعشرة أمنان كافور كالفستق وأكبر من ذلك، وجارية طولها سبعة أذرع تضرب أشفار عينيها خدها، وكأن بين أجفانها لمعان الرق من بياض مقلتيها مع صفاء لونها ودقة تخطيطها وإتقان تشكيلها مقرونة الحاجبين لها ضفائر تجرها وفرشاً من جلود الحيات ألين من الحرير وأحسن من الوَشْي، وكان كتابه في لحاء الشجر المعروف بالكاذي، مكتوب بالذهب الأحمر، وهذا الشجر يكون بأرض الهند والصين، وهو نوع من النبات عجيب ذو لون حسن وريح طيب، لحاؤهُ أرق من الورق الصيني، تتكاتب فيه ملوك الصين والهند.وورد عليه وهو في عسكره محارباً لبعض أعدائه كتاب ملك التبت:من خاقان ملك تبت ومشارق الأرض المتاخمة للصين والهند إلى أخيه المحمود في السيرة والقدر، ملك المملكة المتوسطة للأقاليم السبعة. وأهدى إليه أنواعاً من العجائب التي تحمل من أرض تبت منها مائة جوشن تبتية، ومائة قطعة تجافيف، ومائة ترس تبتية

مذهبة، وأربعة آلاف منٍّ من المسك الخزائني في نوافج غزلانه.وقد كان أنو شروان سار إلى ماوراء نهر بَلْخَ، وانتهى إلى ختلان، وقتل أخشنواز ملك الهياطلة بجده فيروز، وملك مملكته فأضافها إلى مُلْكه.مذهبة، وأربعة آلاف منٍّ من المسك الخزائني في نوافج غزلانه.وقد كان أنو شروان سار إلى ماوراء نهر بَلْخَ، وانتهى إلى ختلان، وقتل أخشنواز ملك الهياطلة بجده فيروز، وملك مملكته فأضافها إلى مُلْكه.
وقد كان نقل إليه من الهند كتاب كليلة وثمنة والشطرنج، والخضاب الأسود المعروف بالهندي، وهو الخضاب الذي يلمع سواده فيما يظهرمن أصول الشعر سنة كاملة بصبغة سوداء، ولا ينصل منه شيء. ويحكي أن هشام بن عبد الملك بن مروان كان يخضب بهذا الخضاب.
وكان لأنو شروان مائدة من الذهب عظيمة عليها أنواع من الجواهر مكتوب عليها من جوانبها: ليهنه طعامه مَنْ أكله من حِلِّه، وعاد على ذوي الحاجة من فضله، ما أكلته وأنت تشتهيه فقد أكلته، وما أكلته وأنت لا تشتهيه فقد أكلك، وكان له خواتم أربعة: خاتم للخراج فصه من العقيق ونقشه العدل، وخاتم للضياع فصه فيروزج نقْشه العمارة، وخاتم للمعونة فصه ياقوت كحلي نقشه التأني، وخاتم للبريد فصه ياقوت أحمر يتقد كالنار نقشه الرجاء، وَوَضع أنو شروان على العراق وضائع الخراج فألزم كل جريب من السواد من مزارع الحنطة والشعير درهماً، والأرز نصفاً وثلثاً، ولكل أربع نخلات فارسية ثرهماً، وكل ست نخلات دقل درهماً، وكل ست أصول زيتون درهماً، والكرم ثمانية دراهم، والرطب سبعة دراهم، فهذه سبعة أنواع من الغلات، وترك ما عداها إذ كانت لقضم الناس والبهائم، وكان أنو شروان يدعى كسرى الخير، وقد ذكرته الشعراء في أشعارها، ففي ذلك يقول عدي بن زيد العبادي من كلمة:
أين كسرى خير الملوك أنوشرو ... ان؟ أم أين قبله سابور؟
لم يَهَبْه ريب المنون، فولّى الملك عنه، فبابه مهجور
حين ولِّوْا كأنهم ورق جف فألْوَتْ به الصبا والدبور

وجلس أنوشروان يوماً للحكماء ليأخذ من آدابهم فقال لهم وقد أخذوا مراتبهم في مجلسه: دُلُّوني على حكمة فيها منفعة لخاصة نفسي وعأمة رعيتي، فتكلم كل واحد منهم بما حَضَره من الرأي، وأنو شروان مطرق يتفكر في أقاويلهم، فانتهى القول إلى بزرجمهر بن البختكان، فقال أيها الملك أنا جامع لك ذلك في اثنتي عشرة كلمة، فقال: هات، فقال: أولهن تقوى الله في الشهوة والرغبة والرهبة والغضب والهوى، فاجعل ما عرض من ذلك كله للّه لا للناس، والثانية الصدق في القول والعمل والوفاء بالعِدَاتِ والشروط والعهود والمواثيق، والثالثة مَشُورة العلماء فيما يحدث من الأمور، والرابعة إكرام العلماء والأشراف وأهل الثغور والقواد والكُتَّاب والخول بقدر منازلهم، والخامسة التعهد للقُضَاة والفحص عن العمال محاسبة عادلة، ومجازاة المحسن منهم بإحسانه والمسيء على إساءته، ؤالسادسة تعهد أهل السجون بالعَرْض لهم في الأيام لتستوثق من المسيء وتطلق البريء، والسابعة تعهُّد سبيل الناس وأسواقهم وأسعارهم وتجارتهم، والثامنة حسن تأديب الرعية على الجرائم وإقأمة الحدود، والتاسعة إعداد السلاح وجميع آلات الحرب، والعاشرة إكرام الولد والأهل والأقارب وتفقد ما يصلحهم، والحادية عشرة إذكاء العيون في الثغور ليعلم ما يتخوف فيؤخذ له أهبته قبل هجومه، والثانية عشرة تفقد الوزراء والخول والاستبدال بذي الغش والعجز عنهم، فأمر أنوشروان أن يكتب هذا الكلام بالذهب، وقال: هذا كلام فيه جوامع أنواع السياسات الملوكية.وكان مما حفظ من كلام أنوشروان وحكمته أنه سثل: ما أعظم الكنوز قدراً، وأنفعها عند الاحتياج إليها؟ فقال:معروف أودعته الأحرار، وعلم تورِثه الأعقاب.وقيل لأنو شروان: مَنْ أطول الناس عمراً؟ فقال: من كثر علمه فتأدب به من بعده أومعروفه فيشرف به عقبه.وأنو شروان الذي يقول: الِإنعام لِقَاحٌ، والشكر ولادة، والمنعم هو الجاعل. للشاكر إلى شكره سبيلاً.وهو الذي يقول: لا تعدنَّ الحرصاء في الأمناء، ولا الكذابين في الأحرا ر.وقال أنوشروان يوماً لبزرجمهر: مَنْ يصلح من ولدي للملك فأظهر ترشيحه والإيماء إليه، فقال:لا أعرف ولدك، ولكني أصف لك من يصلح للملك: أسماهم للمعالي، وأطلبهم للأدب، وأنجزعهم من العامة، وأرأفهم بالرعية، وأوصلهم للرحم، وأبعدهم من الظلم فمن كانت هذه صفته فهوحقيق بالملك.قال االمسعودي: وقد ذكرنا في كتاب الزلف، الخصالَ التي يستحق بها المُلْكَ مَنْ وجدت فيه، وما ذكرنا عن حكماء الفرس وأسلافها في ذلك وغيرها من حكماء اليونانيين كأفلاطون، وما ذكره في كتاب السياسة المدنية وغيره ممن تأخرعن عصره.وذكر عن بزرجمهر أنه قال: رأيت من أنو شروان خصلتين متباينتين لم أر مثلهما منه؟ جلس يوماً للناس فدخل رجل من خاصة أهله فنَحّاه وزيره، فأمر به أن يقام ويحجب عنه سنة لتعديه المرتبة التي رسمت له، وازدياده فيها عن مرتبة غيره في المجلس، ثم رأيته يوماً ونحن عنده في سر من تدبير شيء من المملكة، وَخَدمُه خلف فراشه وسريرملكه يتحدثون، فارتفعت أصواتهم حتى شغلونا عن بعض ما كنا فيه، فقلت له وأخبرته بتفاوت ما بين الحالتين، فقال لي: لا تعجب فنحن ملوك على رعيتنا، وخدمنا ملوك على أرواحنا ينالون منا في خَلوتنا مالا حيلة لنا معه في الحرز منهم وكان أنو شروان يقول: الملك بالجند، والجند بالمال، والمال بالخراج، والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل، والعدل بإصلاح العمال، وإصلاح العمال باستقامة الوزراء، ورأس الكل تفقُّد الملك أمورَ نفسه واقتداره على تأديبها حتى يملكها ولا تملكه.وكان يقول: صلاح أمر الرعية أنْصَرُ من كثرة الجنود، وعدل الملك أنفع من خصب الزمان.وكان يقول: أيام السرور كلمح البصر، وأيام الحزن تكاد تكون شهوراً.قال االمسعودي: ولأنو شروان سير وأخبار حسان، قد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا، وما كان منه في مسيره في سائر أسفاره، وما بني من المدن والحصون، ورتب من المَقاتلة في الثغور.
ملك هرمز

ثم ملك بعده هرمز بن أنوشروان بن قباذ، وأمه فاقم بنت خاقان ملك الترك، وقيل: بل ملك ملوك الخزر مما يلي الباب والأبواب، فكان ملكه اثنتي عشرة سنة، وكان متحاملًا على خواص الناس، مائلاً إلى عوامهم مقوياً لهم. مؤثراً للروبصية، وتوابع العوام، مغرياً لهم بخواص الناس، وقيل: إنه قتل في مدة ملكه من خواص فارس ثلاثة عشر ألف رجل مذكور.
ولاثنتي عشرة سنة من ملكه تَخَرم عليه الملك، وتداعت أركانه،وزحفت إليه الأعداء، وكثرت عليه الخوارج، وقد كان أزال أحكام الموابذان. فخربت بذلك السنة المحمودة والشريعة المعهودة، وغير الأحكام، وأزال الرسوم، وكان ممن سار إليه سابة بن شب عظيم من ملوك الترك في أربعمائة ألف، فنزل نحو بلاد هَرَاة وبدغيس وبوشنج من أرض خراسان، وسار إليه من أطارف أرضه طراخنة من الخزر في جيش عظيم، فشنوا الغارات فيما بين ذلك الصقع بخيل أوقعت، وملوك تهادنت، وتواهبت ما كان بينها من الحماء مما يلي جبل القبخ، وسار بَطْريق لقيصر في ثمانين ألفاَ مما يلي الجزيرة، وسار مما يلي اليمن جيش عظيم للعرب من قحطان ومعد، وعليهم العباس المعروف بالأحول وعمرو الأفوه، فاضطرب على هرمز أمره وأحضر الموابذة وذوي الرأي منهم من بعد إخماله لهم وشاوَرَهم، فكان من نتيجة رأيهم موادعة الوجوه الثلاثة وإرضاؤهم والإِقبال على شابة بن شاب، فانتدب لحربه بهرام جوبين مرزبان الري، وكان بهرام هذا من ولد جوبين بن ميلاد من نسل أنوش المعروف بالرام فسار في اثني عشر ألفاً، وشابة في أربعمائة ألف، فكانت لبهرام معه خطوب ومراسلات من ترغيب وترهيب وحيل في الحرب، إلى أن قتله بهرام، واستباح عسكره، واستولى على خزانته وأمواله، وبعث إلى هرمز برأسه، وقد كان برمودة بن شابة ولده تحصن في بعض القلاع من بهرام، فنزل عليه بهرام، فنزل برمودة على حكم هرمز، وسار إليه، وحمل بهرام حملًا من الغنائم وما كان أخذه من شابة مما كان معه من تركات الملوك، مثل ما كان في خزائن فراسياب من الأموال الجواهر التي كان أخذها من سياوخش، وما كان بأيدي الترك من تركات بهراسف ملك الترك مما أخذه من خزائن يستاسف من مدينة بلخ وغيرها من ذخائر ملوك الترك السالفة، فلما انتهى ما وصفنا من الأموال والجواهر وغير ذلك من الغنائم من قبل بهرام حسده وزير هرمز أريخسيس الخوري، وقد نظر إلى إعجاب هرمز بما حمل إليه بهرام وسروره به، فقال: أعظم هذه زلته، وعرض لهرمز بخيانة بهرام، واستبداده بأكثر الجواهر والأموال والغنائم، وأغراه به، فعصاه بهرام، ثم احتال بهرام بدراهم ضرب عليها اسم كسرى أبرويز، ودَسَّ أناساً من التجار فأنفقوها بباب هرمز، فتعامل بها الناس، وكثرت في أيديهم، وعلم بها هرمز، فلم يشك في أن أبرويز ضربها طلباً للملك، فهمَّ به هرمز وهولا يشك أن ذلك من فعله، ولم يعلم أن الحيلة في ذلك من بهرام، فهرب أبرويز من أبيه لتغيره عليه، ولحق ببلاد أذربيجان وأرمينية والران والبيلقان، وحبس هرمز خالي أبرويز بسطام وبندويه، فأعملا الحيلة في محبسهما وخرجا فانضاف إليهما خلق من الجيش فدخلا على هرمز فسَملَا عينيه وأعمياه،. فلما نمي ذلك إلى أبرويز سار إلى أبيه فدخل عليه وأخبره أنه لا ذنب له في ذلك، وإنما هرب خوفاً على نفسه منه، فتَوَّجه هرمز وسلَّم الملك إليه، ونمي ذلك إلى بهرام جوبين فسار في عساكره يؤم الباب ودار الملك، فخرج إليه أبرويز، فالتقَيَا على شاطىء النهروان، والنهر بينهما، فتواقعا، وكان لهما خطب طويل من تقاذف وتشاتم، ثم كانت بينهما حروب انكشف فيها أبرويز لتخلف أصحاب عنه وميلهم إلى بهرام، فقام تحته فرسه المعروف بشبدار وهو المصور في الجبل، وهو ببلاد قرماسين من أعمال الدينور من ماء الكوفة هو وأبرويز وغير ذلك من الصور، وهذا الموضع من إحور عجائب العالم، وغرائب ما فيه من الصور العجيبة المنقورة في الصخر، والفرْسُ تذكر في أشعارها وغيرها من العرب هذا الفرَسَ المعروف بشبدار، وقد كان أبرويز على شبدار في بعض الأيام فانقطع عِنَانُه، فدعا بصاحب سروجه ولجمه، فأراد ضرب عنقه لما لم يتعهد العِنَانَ، فقال: أيها الملك، ما بقي سير

يحيد به ملك الِإنس وملك الخيل، فأطلقه، وأجازه، ولما بلح هذا الفرس تحت أبرويز وقصر طلب إلى النعمان في المعركة أن يمن عليه بفرسه المعروف باليحموم، فأبى عليه، ونجا عليه بنفسه، ونظر حسان بن حنظلة بن حية الطائي إلى أبرويز وقد خانته الرجال وأشرف على الهلاك، فأعطاه فرسه المعروف بالصبيب، وقال له: أيها الملك، انج على فرسي فإن حياتك للناس خير من حياتي، وأعطاه أبرويز فرسه شبدار فنجا عليه في جملة الناس، ومضى أبرويز إلى أبيه؟ ففي ذلك يقول حسان بن حنظلة الطائي:
وأعطيت كسرى ما أراد، ولم أكن ... لأتركه في الخيل يعثرراجلا
بذلْتُ له ظهر الصبيب وقد بدت ... مُسَوَّمة من خيل ترك ووائل
فكافأه أبرويز بعد ذلك، وعرف له ما صنع، ولما سار أبرويز من الهزيمة إلى أبيه هرمز أشار عليه أن يلحق بقيصر ويستنجده فإن الملوك إذا استُنْجِدت في مثل هذه الحالة أنجدت، في خطب طويل جرى بينه وبين أبيه، فمضى أبرويز وتبعه غيره من الخواص،وخالاه بسطام وبندويه، وعَبَرَ دجلة، وقطع الجسر خوفاً من خيل بهرام، ونظرفي مسيره ذلك اليوم إلى خالَيْهِ، وقد تأخرا عنه، فاستراب بهما وبمن أنضاف إليهما ممن كان معهم، فسألهما عن السبب، فقالا: لسنا بآمنين أن يدخل بهرام إلى أبيك هرمز فيضع تاج المملكة على رأسه، وإن كان أعمى، ويصير هو الهرمزان، وتفسير ذلك أمير الأمراء، والروم تسمي صاحب هذه الموتبة الدمستق، فيكتب بهرام عن أبيك هرمز إلى قيصر: إن ابني أبرويز وجماعة انضافوا إليه وثبوا بي وسملوا عيني، فاحمله إلي، فيحملنا قيصر إليه، فيأتي علينا بهرام، ولا بد لنا من الرجوع إلى أبيك وقتله، فناشدهماالله أن لا يفعلا ذلك، وأظهر فيما ذكر عنه، البراءة من فعلهما، فرجعا من فورهما، وَمَنْ تسرَّع معهما إلى المدائن وقد صاروا على أميال منها فدخلا على هرمز فخنقناه، ولحقا بأبرويز، ولحقتهم خيل بهرام، وكانت بينهم حملة في بعض الديارات إلى أن تخلصوا من تلك الخيل، وسار أبرويز ففي هرمز يقول ورقة بن نوفل :
لم يغن هرمز شيء من خزائنه ... والخلد قد حاولت عادٌ فما خَلَدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح له ... والجن والإِنس تجري بينها البُرد

وأسرع بهرام جوبين إلى المدائن من النهروان، حين بلغه قتل هرمز فاحتوى على الملك، ولحق أبرويز بالرها فنزلها، وكاتب ملك الروم، و موريقس مع خاله بسطام وجماعة ممن كانوا معه، يسأله النصرة علىعدوه، ويضمن له الوفاء بما ينفقه من أمواله، والِإحسان إلى جنده، وأنه يؤدي إليه ديات مَنْ يقتل من رجاله، وغير ذلك من الشروط، وأهدى إليه هدايا كثيرة: منها مائة غلام من أبناء أراكنة الترك في نهاية الحسه والجمال واستقامة الصور، في آذانهم أقراط الذهب فيها الدر واللؤلؤ ومائدة من العنبر فتْحَها ثلاثة أذرع على ثلاث قوائم من الذهب مفصلة بأنواع الجواهر أحد الأرجل ساعد وكف أسد والآخر ساق وَعِلٍ بظلفة والثالث كف عقاب بمخلبه، وفي وسطها جام جزع يماني فاخر فتْحته شبر مملوء حجارة ياقوت أحمر، وسفط من ذهب فيه مائة درة وزنُ كل درة مثقال أرفع ما يكون، فحمل إليه موريقس ملك الروم ألف دينار، ومائة ألف فارس، بعث بهم مع هديته، وألف ثوب من الديباج الخزائني المنسوج بالذهب الأحمر وغيره من الألوان، وعشرين ومائة جارية من بنات ملوك برجان والجلالقة والصقالبة والوسكنس وغيرهم من الأجناس المجاورة لملك الروم على رؤوسهن أكاليل الجوهر،وزَوَّجه بابنته مارية وحملها إليه مع أخيه تندوس، واشترط ملك الروم على أبرويز شروطاً كثيرة: منها النزول عن الشام ومصر مما كان غلب عليه أنوشروان، وترك التعرض ذلك، فأجابه إلى ذلك، وقد كانت ملوك الفرس تتزوج إلى سائر مَنْ جاورها من ملوك الأمم ولا تزوجها لأنهم أحرار وأنجاد، وللفرس في هذا خطب طويل كفعل قريش وتركها السنن وتحمسها؟ فكانوا يقفون بمزدلفة، هو يوم الحج الأكبر، ويقولون: نحن الْحُمْسُ، وقد قالى النبي صلى الله عليه وسلم للأنصارأنا رجل أحْمَسِيٌّ ولما اجتمع لأبرويز ما وصفنا سار إلى بلاد أذر بيجان، فاجتمع إليه هناك من كان من العساكر بها، وانضاف إليه كثيرمن الجنود والأمم، وبلغ بهرام جوبين ما قد عزم عليه فسار إليه فيمن كان معه من عساكره، فالتقى الجيشان جميعاً، فتوجهت على بهرام، فانكشف في نفر من أصحابه، وانتهى إلى أطراف خراسان، وكاتب خاقان ملك الترك فأمنه وسار إلى ملكه هو ومن خَف معه من أصحابه وأخته كردية، وكانت في الشجاعة والفروسية نحوه، وعليها كان يعول في كثير من حروبه، ومضى كسرى أبرويز إلى دار مملكته، وأمر لجنود موريقس بالأموال والمراكب والكساوي، وكافأهم على ما كان منهم في معونته، جمل إليه ألفي دينار؛ وَقَرَنَ ذلك بهدايا كثيرة وأموال عظيمة من آلات الذهب والفضة، ووفى له بكل ما وعده، وخرج من كل ما أوجبه على نفسه، واحتال أبرويز في قتل بهرام في أرض الترك، فقتل هناك غِيلَةً، في ذكز أن رأسه حمل بعد أن احتيل عليه وأخرجه من الناووس الذي كان خاقان ملك الترك دفنه فيه، وحمله إليه رجل تاجرفارسي فنصب على باب أبرويز في رحبة قصره، وخرجت كردية فيمن كان معها من أصحاب بهرام من أرض الترك، وقد كان لها أخبار في الطريق مع ابن خاقان، وكاتبها أبرويز في قتل خاله بسطام، وكان مرزبان الديلم وخراسان فقتله، وقتل خاله الآخر بأبيه هرمز، ثم صارت كردية إليه فتزوجها.وللفرس كتاب مفرد في أخبار يهرام جوبين، وما كان من مكايده ببلاد الترك حين سار إليها، واستنقافه لابنه ملك الترك من حيوان اسمه السمع نحو العنز الكبير كان قد احتملها من بين جواريها وعلابها وقد خرجت لبعض متنزهاتها، وما كان من بَدء حاله إلى مقتله ونسبه.
بين أبرويز وبزرجمهر

وكان وزير أبرويز، والغالب عليه، والمدبر لأمره حكيمٌ من حكماء الفرس وهو بزرجمهر بن البختكان، فلما خلا من ملكه ثلاث عشرة سنة اتهمه بالميل إلى بعضر الزنادقة من الثَّنَوِية، فأمر بحبسه، وكتب إليه: كان من ثمرة علمك ونتيجة مِا أداك إليه عقلك، أن صرت أهلًا للقتل. وموضعاً للعقوبة، فكتب إليه بزرجمهر: أما إذ كان معي الجد فقد كنت أنتفع بثمرة عقلي، فاللآن إذ لا جَدَّ معي فقد أنتفع بثمرة الصبر، وإذ قد فقدت كثير الخير فقد استرحت من كثير من الشر، وأغرى أبرويز ببزرجمهر، فدعا به، وأمر بكسر أنفه وفمه، فقال بزرجمهر: فمي لأهل لما هو شر من هذا، فقال أبرويز: ولم يا عدو اللّه المخالف. فقال لأني كنت أصِفكَ لخواص الناس وعوامهم بما ليس فيك، وأقربك مل قلوبهم، وأرفع من محاسن أمورك ما لم تكن عليه، اسمع مني يا شر الملوك نفساً، وأخبثهم فعلًا، وأسوأهم عشرة، أتقتلني بالشك وترفع به اليقين الذي قد علمته مني من التمسك بالشريعة؟ من ذا الذيى يرجوعدلك يثق بقولك ويطمئن إليك. فغضب أبرويز، وأمر به فضرب عنقه، ولبزرجمهر في أيدي الناس قضايا وحكم ومواعظ وكلام كثير في الزهد غيره، وندم أبرويز على قتله، وتأسف، ودعا بخير اريس الوزير الثاني، كانت مرتبته دون مرتبة بزرجمهر، فلما رأى بزرجمهر قتيلاً أسف عليه، علم أنه لا ينجو، فأغلظ لأبرويز في الكلام، فأمر به فقتل وأغرق في دجلة، فلما عدم هذين الرجلين وما كان عليه من الكفاية وتدبير الملك استوحش من شريعة العدل وواضحة الحق فعدل إلى الجور والعَسْف بخواص رعيته وعوامها، وحملها على ما لم تكن تعهد، وأوردهم إلى ما لم يكونوا يعرفونه من الظلم، فوثب بطريق من بطارقة الروم يقال له فوقاس فيمن اتبعه على موريقس ملك الروم حَمِي أبرويز ومنجده فقتلوه، ومَلَّكوا فوقاس، ونمى ذلك إلى أبرويز فغضب لحميه، وسير إلى الروم الجيوش كانت له في ذلك أخبار يطول ذكرها، وسير شهريار مرزبان المغرب إلى حرب الروم، فنزل أنطاكية، فكانت له مع الروم وأبرويز أخبار ومكاتبات حيل إلى أن خرج ملك الروم إلى حرب شهريار، وقدم خزائنه في البحر،ألف مركب، فألقتها الريح إلى ساحل أنطاكية، فغنمها شهريار، حملها إلى أبرويز، فسميت خزائن الريح، ثم فسدت الحال بين أبرويز وشهريار، ومايل شهريار ملك الروم، فسيره شهريار نحو العراق إلى أن انتهى إلى النهروان، فاحتال أبرويز في كتب كتبها مع بعض أساقفة النصرانية ممن كان في ذمته حتى رده إلى القسطنطينية وأفسد الحال بينه بين شهريار، وغير ذلك مما قد أتينا على ذكره في الكتاب الأوسط.
يوم ذي قار
وفي ملك أبرويز كانت حروب ذي قار، وهو اليوم الذي قال فيهالنبي صلى الله عليه وسلم هذا أوَل يوم انتصفت فيه العرب من العجم، ونُصِرَتْ عليهم، وكانت وقعة ذي قار لتمام أربعين سنة من مولد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة بعد أن بعث، وقيل: بعد أن هاجر، وفي رواية أخرى أنها كانت بعد وقعة بحر بأشهر، ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وكانت هذه الوقعة بين بكر بن وائل والهرمزان صاحب كسرى أبرويز، وقد أتينا على هذه الأخبار على الشرح والِإيضاح في الكتاب الأوسط، فأغنى ذلك عن إيراده في هذا الموضع.
إرهاصات النبوة ببلاد فارس

وفي أيام أبرويز كانت حوادث تنذر بالنبوة وتبشر بالرسالة، وأنفذ أبرويز عبد المسيح بن بقيلة الغساني إلى سطيح الكاهن، فأخبره برؤيا الموبذان وارتجاج الِإيوان، وغير ذلك من أخبار فيض، وادي السماوة وما كان من بحيرة ساوة.وكان لأبرويز تسعة خواتم تمور في أمر الملك: منها خاتم فضة فصُّه ياقوت أحمر نقشه صورة الملك وحوله مكتوب صفة الملك وحلقته ماس تُخْتم به الرسائل والسجلات، والخاتم الثاني فصه عقيق نقشه خراسان حرة وحلقته ذهب تختم به !التذكرات، والخاتم الثالث فصُّه جزع نقشه فارس يركض وحلقته ذهب منقوش فيه الْوَحَا يختم به أجوبة البريد، والخاتم الرابع فصه ياقوت مورد نَقْشُه بالمال ينال الفرح وحلقته ذهب يختم به البراوات والكتب في التجاوز عن العصاة والمذنبين، والخاتم الخامس فصه ياقوت بهرمان، وهو أحسن ما يكون من الحمرة وأصفاها وأشرفها، نقشه حره وخرم أي بهجة وسعادة حافتاه لؤلؤ وماس، يختم به خزائن الجوهر وبيت مال الخاصة وخزانة الكسوة وخزانة الحلي، والخاتم السادس نقشه عقاب يختم به كتب الملوك إلى الآفاق وفصه حديد حبشي، والخاتم السابع نقشه ذباب يختم به الأدوية والأطعمة والطيب فصه بادزهر، والخاتم الثامن فصه جُمَان نقشه رأس خنزير يختم به أعناق من يؤمر بقتله وما ينفذ من الكتب في الدماء، والخاتم التاسع حديد يلبسه عند دخول الحمام وفصه ابزن
عدد أبرويز
وكان على مربطه خمسون ألف دابة وسروج ذهب مكلّلة بالدر والجوهر على عدد ما لركابه من الخيل، وكان على مربطه ألف فيل، منها أشهب أشد بياضَاَ من الثلج، ومنها ما ارتفاعه اثتا عشر ذراعاً، وفي النادر ما يوجد من الفيلة الحربية ما ارتفاعه هذا القدر، وأكثر ما يوجد من ارتفاع الفيلة من التسعة الأذرع إلى العشرة، وملوك الهند تبالغ في أثمان ما عظم من الفيلة، وارتفع من الأرض، وقد يكون من الوحشية في أرض الزنج من الفيلة ما هوأعظم سمكاً مما وصفنا بأفرع كثيرة على حسب ما تحمل من قرونها المسماة بالأنياب ما وزن الناب منها خمسون ومائة مَنٍّ إلى المائتين، والمن رطلان بالبغدادي، وعلى قدر عظم الناب عظم جسد الفيل.
تدريب الفيلة
وقد كان أبرويز خرج في بعض الأعياد وقد وصفت له الجيوش والعدد والسلاخ وفيما وصف له ألف فيل، وقد أحدقت به خمسون ألف فارس دون الرجالة، فلما نظرته الفيلة سجدت له فما رفعت رؤوسها وَبَسْطها لخراطيمها حتى جذبت بالمحاجن، وراطنها الفيالون بالهندية، فلما بصر بذلك أبرويز تأسف على ما خص به أهل الهند من فضيلة الفيلة، وقال: ليت أن الفيل لم يكن هندياً وكان فارسياً، انظروا إليها وإلى سائر الدواب وفضلوها بقدر ما ترون من معرفتها وأدبها، وقد افتخرت الهند بالفيلة وعظم أجسامها، وحسن طاعتها، وقبولها الرياضات، وفهمها المزادات، وتمييزها بين الملك وغيره، وأن غيرها من الدواب لا يفهم شيئاً من ذلك ولا يفصل بين شيئين، وسنورد فيما يرد من هذا الكتاب جملاَ من الفصول في أخبار الفيلة وما قالته الهند وغيرهم في ذلك وتفضيلها على سائر الدواب.
شيرويه بن أبرويز
فكانت مدة ملك أبرويز إلى أن خلع وسملت عيناه وقتل ثمانيَاَ وثلاثين سنة ثم ملك بعده ولده قباذ المعروف بشيرويه القابض على أبيه، والجاني عليه، والقاتل له، والفرس تسميه المشؤوم، وفي أيامه كان الطاعون بالعراق وغيرها من الأقاليم، فهلك مائتا ألف من الناس، فالمكثر يقول: هلك نصف الناس، والمقل يقول: الثلث، وكان ملك شيرويه إلى أن هلك سنة وستة أشهر، وقيل: أقل من ذلك.ولكسرى أبرويز ولابنه شيرويه أخبار عجيبة ومراسلات قد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا.
أردشير
ثم ملك بعد شيرويه ولده أردشير ولي عهد الملك، وهو ابن سبع سنين، فسار إليه من أنطاكية من بلاد الشام شهريار مرزبان المغرب المقدم ذكره مع أبرويز وملك الروم فقتله، فكان ملكه خمسة أشهر.
شهريار
ثم ملك شهريار نحوا من عشرين يوماً، وقيل: شهرين، وقيل غير ذلك، واغتالته ابنة لكسرى أبرويز يقال لها أرزمي دخت فقتلته.
كسرى
ثم ملك كسرى بن قباذ بن أبرويز، وقيل: إنه ابن لأبرويز، وكان بناحية الترك، فسار يريد دار الملك، فقتل فى الطرلِق بعد ملكه ثلاثة أشهر.
بوران

ثم ملكت بعده بوران بنت كسرى أبرويز، فكان ملكها سنة ونصفا. ثم ملك رجل من أهل بيت الملك من ولد سابوربن يزدجرد الأثيم. يقال له فيروز خشنشده فكان ملكه شهرين.ثم ملكت ابنة لكسرى أبرويز ئقال! لها أرزمي دخت فكان ملكها سنة وأربعة أشهر.ثم ملك فرحاد خسرو بن كسرى أبروبز، وهو طفل، فكانت مدة ملكه شهراً، وقيل أشهراً.
يزدجرد
ثم ملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان بن قباذ بن فيروز بن بهرام بن يزدجر بن سابور بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك بنساسان. وهو أخر ملوك الساسانية فكان ملكه إلى أن قتل بمرو من بلاد خراسان عشرين سنة وذلك لسبع سنين ونصف خلت من خلافة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه. وهي سنة إحدى وثلاثين من الهجرة، وقيل غيرذلك مقدار ملكه وخبر مقتله.
إحصاء بعدة ملوك الفرس
قال المسعودي: وذهب الأكثر من الناس ممن عني بأخبار الفرس وأيامهم إلى أن جميع من ملك من آل ساسان من أردشير بن بابك إلى يزدجرد بن شهريار من الرجال والنساء ثلاثون ملكاً: امرأتان، وثمانية وعشرون رجلاً. ووجدت في بعض التواريخ أن عمد ملوك الساسانية اثنان وثلاثون ملكاً، وعمد الملوك الأولى وهم الفرس الأوَل من كيرمرث إلى دارا بن دارا تسعة عشر ملكاً، منهم امرأة وهي حماية بنت بهمن، وفراسياب التركي، وسبعة عشر رجلًا، وعدد ملوك الطوائف النين قدمنا ذكرهم من مقتل دارا إلى أن ظهر أردشير بن بابك أحد عشر ملكاً. وهم ملوك الشيز والران. ومن أجلهم سمي سائر ملوك الطوائف الأشغان. فجميع الملوك من كيومرث بن آدم وهو أول ملوك بني أدم عندهمِ، على ما ذكرت الفرس إلى يزدجرد بن شهريار بن كسرى ستون ملكاَ: منهم ثلاث نسوة. ومدة ما ملكوا من السنين أربعة آلاف سنة وأربعمائة سنة وخمسون سنة. وقيل: إن عدة الملوك من كيومرث إلى يزدجرد ثمانون ملكاً.
رأيت جماعة من الأخباريين وأصحاب السير وأرباب الكتب المصنفة في التواريخ وغيرها يذهبون إلى أن سني الفرس إلى الهجرة ثلاث آلاف سنة وستمائة وتسعون سنة: منها كيومرث إلى انتقال الملك إلى منوشهر ألف وتسعمائة واثنتان وعشرون سنة. ومن منوشهر إلى زرادشست خمسمائة وثلاث وثمانون سنة. ومن زرِادشت إلى الِإسكندر مائتان وثمان وخمسون سنة، وملك الإسكندر خمس سنينِ. ومن الِإسكندر إلى ملك أردشير خمسمائة سنة وسبع عشرة سنة. ومن أردشير إلى الهجرة أربعمائة سنة وأربع سنين.وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب جملًا من تاريخ العالم والأنبياء والملوك في باب نفرده لذلك في الموضع المستحق له من هذا الكتاب، دون ذكر الهجرة وخلافة أبي بكر و مَنْ تلا عصره من الخلفاء ومن ملوك بني أمية وبني العباس ث لأنا قد أفردنا لما ذكرنا باباً آخريرد من هذا الكتاب بعد إنقضاء أخبار الأمويين والعباسيين ترجمناه بذكر التاريخ الثاني.
أجناس الفرس:

وكانت الفرس من بدء الدهر أربعة أجناس إلى أن جاء اللّه تعالى بالِإسلام فالصنف الأول يُقال له الخداهان وهم الأرباب، كما يُقال: رب المتاع، ورب الدار وذلك من كيومرث إلى أفريدون، ثم الكيان من أفريدون إلى دارا بن دارا. ثم. الأشغان، وهم ملوك الطوائف بعد الِإسكندر على ما ذكرنا في باب ذكر ملوك الطوائف، ثم الساسانية وهم الفرس الثانية، وقد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه في أخبار الفرس الذي رواه عن عمر كسرى أن الفرس طبقات أربع ممن سلف وخلف: فالطبقة الأولى من كيومرث إلى كرساسب، والطبقة الثانية من كيان بن كيقباذ إلى الِإسكندر وآخرهم دارا، والطبقة الثالثة وهم الأشغانية ملوك الطوائف، والطبقة الرابعة سماهم ملوك الاجتماع، وهم الساسانية أولهم أردشير بن بابك، ثم سابور بن أردشير، هرمز بن سابور، بهرام بن سابور، بهرام بن بهرام، نرسي بن سابور، هرمز بن نرسي، سابور بن هرمز، أرشير بن هرمز، سابور بن أردشير، سابور بن سابور، بهرام بن سابور، يزدجرد بن بهرام، بهرام بن يزدجرد، فيروز بن يزدجرد، بلاس بن يزدجرد، فباذ بن فيروز، أنو شروان، هرمز أبرويز شيرويه أردشير شهريار بوران كسرى بن قباذ فيروز خشنشده أرزمي دخت فرحاد خسرو يزدجرد.وإنما ذكرنا هؤلاء بعد أن قدمنا ذكرهم فيما سلف من هذا الباب للخلاف الواقع وتباين الروايات والتواريخ في أعدادهم وأسمائهم، فأوردنا ما قاله المتنازعون من الأخباريين. وقد أتينا على أخبارهم وسيرهم ووصاياهم وعهودهم ومكاتباتهم وتوقيعاتهم وكلامهم عند عقد التيجان على رؤوسهم ورسائلهم وسائر ما كان من الحوادث في أعصارهم، وما كوروه من الكور، وأحدثوه من المدن، وغير ذلك من أحوالهم، فيما سلف من كتبنا.وإنما نذكر في هذا الكتاب جوامع من تاريخم وأعداد ملوكهم ولمعاً من أخبارهم، وكذلك ذكرنا في كتابنا في أخبار الزمان خطب الطبقات الأربع، وما حفر كل ملك منهم من الأنهار وانفرد ببنائه من المدن. وآراء الملوك وأحكامها، وكثيراً من قضاياها في خواصها وعوامها، وأنساب أصحاب خيل الملك، ومن كان على خيل كل ملك منهم في الحروب، وأنساب حكمائهم وزهَّادهم ممن اشتهر بذلك في أعصارهم، وأنساب المرازبة، وذكر أولاد الطبقات الأربع ممن تقدم ذكرهم، وتشعب أنسابهم، وتفرق أعقابهم، ووصفنا الأبيات الثلاثة التي شرفها كسرى على سائر مَنْ بسواد العراق وهم مشهورون في أهل السواد إلى وقتنا هذا، وأشراف السواد بعد الأبيات الثلاثة من الشهارجة الذين شرفهم أيرج وجعلهم أشراف السواد ثم الطبقة الثانية بعد الشهارجة وهم الدهاقين وهم ولد وهكرت بن فردال بن سيامك بن نرسي بن كيومرث الملك. وكان لولد وهكرت عشر بنين، فأبناء هؤلاء العشرة هم الدهاقين، وكان وهكرت أول من تَدَهقن. والدهاقين تتفرع على مراتب خمس ومن ذكرنا كانت ملابسهم تختلف على قدر مراتبهم. وقتل يزدجرد الاخر من ملوكهم على حسب ما ذكرنا. وله خمس وثلاثون سنة. وخلف من الولد: بهرام، وفيروز، ومن النساء أدرك. وشاهين، ومرداوند. وأكثر عقبه بمرو، والأكثر من أبناء الملوك وأعقاب الطبقات الأربع بسواد العراق إلى الآن يتدارسون أنسابهم ويحفظون أحسابهم كحفظ العرب من قحطان ونزار، ولا خلاف فيما ذكرنا عند الدراية بماوصفنا.قال المسعوعي: فإذ قد ذكرنا جوامع من أخبار الفرس وطبقاتهم فلنذكر الان ملوك اليونانيين ولمعاً من أخبارهم وتنازع الناس في بدء أنسابهم، على الاختصار والإيجاز، واللّه ولي التوفيق، برحمته ورضوانه.
ذكر ملوك اليونانيين ولمع من أخبارهم
وما قاله الناس في بدء أنساب
اختلاف الناس في أصلهم

قال المسعودى: تنازع الناس في فرق اليونانيين؛ فذهب طائفة من الناس إلى أنهم ينتمون إلى الروم، ويضافون إلى ولد إسحاق، وقالت طائفة اخرى: إن يونان هو ابن يافث بن ينوح، وذهب قوم إلى أنهم من ولد آراش بن ناوان بن يافث بن نوح، وذهب قوم إلى أنهم قبيل متقدم في الزمان الأول، وإنما وهم من وهم أن اليونانين ينسبون إلى حيث تنسب الروم، و ينتمون إلى جدهم إبراهيم لأن الديار كانت مشتركة والمقاطن والمواطن كانت متساوية، وكان القوم قد شاركوا القوم في السجية والمذهب؛ فلذلك غلط من غلط في النسب، وجعل الأب واحداً، وهذا طريق الصواب عند المفتشين، وسبيل البحث عند الباحثين، والروم قَفتْ في لغاتها ووضع كتبها اليونانيين فلم يصلوا إلى كنه فصاحتهم وطلاقة ألسنتهم والروم أنقص في اللسان من اليونانيين، وأضعف في ترتيب الكلام الذي عليه نهج تعبيرهم وسَنَنُ خطابهم.
قال المسعودي: وقد ذكر ذوو العناية بأخبار المتقدمين أن يونان أخو قحطان، وأنه من ولد عابر بن شالخ، وأن أمره في الأنفصال عن دار أخيه كان سبب الشك في الشركة في النسب، وأنه خرج عن أرض اليمن في جماعة من ولده وأهله وَمَنْ انضاف إلى جملته حتى وافى أقاصي بلاد المغرب، فأقام هنالك، وَأنْسَلَ في تلك الديار، واستعجم لسانه، وَوَازى من كان هنالك في اللغة الأعجمية من الإِفرنجة رالروم، فزالت نسبته، وانقطع سببه، وصار منسياً في ديار اليمن غير معروف عند النسابيِن منهم وكان يونان جباراً عظيماً، وسيماً جسيماً، وكان حَسَنَ العقل والخلق جَزْل الرأي، كثير الهمة، عظيم القدر.وقد كان يعقوب بن إسحاق الكندي يذهب في نسب يونان إلى ما ذكرنا من أنه أخٌ لقحطان، ويحتج لذلك بأخبار يذكرها في بدء الأنساب، ويوردها من حديث الآحاد والأفراد، لا من حديث الاستفاضة والكثرة.
وقد رَدَ عليه أبو العباس عبد اللّه بن محمد الناشىء في قصيدة له طويلة، وذكر خَلْطه نسب يونان بقحطان، على حسب ما ذكرنا آنفاً في صدر هذا الباب، فقال:
أبائوسُف، إني نظرت فلم أجد ... عَلَى الفحْص رَاياً صَحَّ منك ولاعقدا
وصرت حكيماً عند قوم إذا امرؤ ... بَلاَهُمْ جميعاً لم يجد عندهم عندا
أتَقْرِنُ إلحاداً بدين محمد؟ ... لقد جئت شيئاً يا أخَا كنده إدا
ولَخلط يونانأبقحطان ضَلةً ... لعمري لقد بَاعَدْتَ بينهماجدا
مساكن يونان
ولما نشأ ولديونان وكثرخرج يسيرفي الأرض يطلب موضعاً يسكنه، فانتهى إلى موضع من الغرب، فنزل بمدينة أثينا، وهي المعروفة بمدينة الحكماء في ديار المغرب في صدر الزمان، وأقام بها هو ومن معه من ولده، فكثر نسله بها وبنى بها البنيان العظيم، إلى أن أدركته الوفاة، فجعل وصيته إلى الأكبر من ولده، واسمه حربيوس، فقال له: يا بني، إني قد وافيت الأجل، وقربصَ من الْحَتْم الواجب، وإني راحل عنك ومفارقك، ومفارق إخواتك وأهل بيتك، وقد كانت أحوالكم حسنة النظام بي، وكنت لكم كَهْفاً في الشدائد، وعوناً على المحن، وَمِجَنّاً من الزمان فعليك بالجود فإنه قطب الملك، ومفتاح السياسة، وباب السيادة، وكن حريصأ على اقتناء الرجال بالِإنعام عليهم تكن سيداً رشيداً، وإياك وَالْحَيَدَ عن الطريق المثلى التي عليها بني العقل، فإن من ترك رأي اللب وثمرة العقل تورّط في المهالك، ووقع في مقابض المتالف.
حربيوس
ثم مات يونان، واستولى ولده حربيوس على مكان أبيه، وضم إليه أهله ووللى وعمل بما أمره ونما خبرهم، وكثر نسلهم، فغلبوا على ديار المغرب من بلاد الِإفرنجة والنوكبرد، وأجناس الأمم من الصقالبة وغيرهم.
فيلبس

وكان أول ملوكهم ممن سماه بطليموس في كتابه: فيلبس، وتفسيره محب الفرس، وقيل: إن اسمه يابس، وقيل: فيلقوس، وكانت مدة ملكه سبع سنين.وقد قيل: إن اليونانيين لما أن سار البخت نصر من ديار المشرق نحو الشام ومصر والمغرب وبذل السيف كانوا يؤدون الطاعة ويحملون الخراجِ إلى فارس، وكان خراجهم بيضاً من ذهب عدداً معلوماً ووزناً مفهوماَ وضريبة محصورة، فلما أن كان من أمر الِإسكندر بن فيلبس وهو الملك الماضي النيى هو أول ملوك اليونانيين على ما ذكره بطليموس ما كان من ظهوره وهمته بعث إليه داريوس ملك فارس، وهو دارا بن دارا، يطالبه بما جرى من الرسم، فبعث إليه الِإسكندر: إني قد ذبحت تلك الدجاجة التي كانت تبيض بيض الذهب، وأكلتها، فكان من حروبهم ما دعا الِإسكندر إلى الخروج إلى أرض الشام والعراق، فاصطلم من كان بها من الملوك، وقتل دارا بن دارا ملك الفرس، وقد أتينا على خبر مقتله ومقتل غيره من ملوك الهند، ومن لحق بهم من ملوك الشرق في الكتاب الأوسط. ونسب قوم الِإسكندر أنه الِإسكندربن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن هردوس بن ميطون بن رومي بن نويط بن نوفيل بن رومي بن ليطى بن يونان بن يافث بن نوح، ونسبه قوم أنه من ولد العيص بن إسحاق بن إبراهيم، ومنهم من رأى أنه الإِسكندر بن يونه بن سرحون بن رومي بن قرمط بن نوفيل بن رومي بن الأصفر بن اليغزبن العيص بن إسحاق بن إ برا هيم.
الِإسكندر وذوالقرنين: وقد تنازع الناس فيه: فمنهم من رأى أنه ذو القرنين، ومنهم من رأى أنه غيره، وتنازعوا أيضاً في ذي القرنين: فمنهم من رأى أنه سمي بذي القرنين لبلوغه أطراف الأرض وأن الملك الموكل بجبل قاف سماه بهذا الاسم، ومنهم من رأى أنه من الملائكة. وهذا قول يُعْزَى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والقول الأول لابن عباس في تسمية الملك إياه. ومنهم من رأى أنه كان بذؤابتين من الذهب. وهذا قول يُعْزَى إلى علي بن أي طالب رضي الله عنه. وقد قيل غير ذلك وإنما نذكر تنازع الشرعيين من أهل الكتب. وقد ذكره تئع في شعره وافتخر به، وأنه من قحطان. ؤقيل: إن بعض التبابعة غزا مدينة رومية وأسكنها خلقاً من اليمن، وإن ذا القرنين الذي هو الإِسكندر من أولئك العرب المتخلفين بها. والله أعلم.وسار الإسكندر بعد أن ملك بلاد فارس؟ فاحتوى على ملوكها، وتزوج بابنة ملكها دارا بعد أن قتله، ثم سار إلى أرض السند والهند، ووطىء ملوكها، وحملت إليه الهدايا والخراج، وحاربه ملكها فور، وكان أعظم ملوك الهند، وكان له معه حروب، وقتله الإِسكندر مبارزة.
ثم سار الإِسكندر نحو بلاد الصين والتبت فدانت له الملوك، وحملت إليه الهدايا والضرائب، وسار في مفاوز الترك يُرِيد خراسان من بعد أن ذَلَل ملوكها ورتب الرجال والقواد فيما افتتح من الممالك، ورتب ببلاد التبت خلقأ من رجاله وكذلك ببلاد الصين، وكًور بخراسان كوراً، وبنى مدناً في سائر أسفاره، وكان معلمه أرسطاطاليس حكيم اليونانيين، وهو صاحب كتاب المنطق وما بعد الطبيعة وتلميذ أفلاطون، وأفلاطون تلميذ سقراط، وصرف هؤلاء هِمَمَهُمْ إلى تقييد علوم الأشياء الطبيعية والنفسية، وغير ذلك من علوم الفلسفة واتصالها بالِإلهيات، وأبانوا عن الأشياء، وأقاموا البرهان على صحتها وأوضحوها لمن استعجم عليه تناولها.
وسار الإِسكندر راجعاً من سفره يؤمُ المغرب، فلما صار إلى مدينة شهرزور اشتدت علته، وقيل: ببلاد نصيبين من ديار ربيعة، وقيل: بالعراق، فعهد إلى صاحب جيشه وخليفته على عسكره بطليموس.
الحكماء على جدث الإسكندر
فلما مات الإسكندرطافت به الحكماء ممن كان معه من حكماء اليونانيين والفرس والهند وغيرهم من علماء الأمم، وكان يجمعهم، ويستريح إلى كلامهم ولا يصدر الأمور إلا عن رأيهم، وجُعِلَ بعد أن مات في تابوت من الذهب ورصع بالجوهر بعد أن طلي جسمه بالأطلية الماسكة لأجزائه، فقال عظيم الحكماء والمقدم فيهم: ليتكلم كل واحد منكم بكلام يكون للخاصة مُعزياً وللعأمة واعظاً، وقام فوضع يمه على التابوت، فقال:

أصبح آسر الأسراء أسيراً، ثم قام حكيم ثان فقال: هدا الإِسكندر الذي كان يخبؤ الذهب فصار الذهب يخبؤه، وقال الحكيم الثالث: ما أزهد الناس في هذا الجسد، وأرغبهم في هذا التابوت وقال الحكيم الرابع:من أعجب العجب أن القوي قد غُلِب، والضعفاء لاهون مغترُّون، وقال الخامس: ياذاالذي جعل أجله ضماناً، وجعل أمله عياناً، هلا باعدت من أجلك، لتبلغ بعض أملك، هلا حققت من أملك بالامتناع عن فوت أجلك وقال السادس: أيها الساعي المنتصب جمعت ما خذلك عن الاحتياج، فغودرت عليك أوزاره وفارقتك أيامه، فمغناه لغيرك، ووباله عليك وقال السابع: قد كنت لنا واعظاً فما وعظتنا موعظة أبلغ من وفاتك، فمن كان له عقل فليعقل، ومن كان معتبراً فليعتبر، وقال الثامن: رُبّ هائب لك كان يغتابك من ورائك، وهو اليوم بحضرتك لا يخافك، وقالى التاسع: رب حريص على سكوتك إذ لا تسكت، وهو اليوم حريص على كلامك اذ لا تتكلم، وقال العِاشر: كم أماتتْ هذه النفس لئلا تموت، وقد ماتت، وقال الحادي عشر، وكان صاحب خزانة كتب الحكمة: قد كنت تأمرني أن لاأبعد عنك، فاليوم لا أقدر على الدنو منك، وقال الثاني عشر: هذا اليوم عظيم العبر، أقبل من شره ما كان مدبراً، وأدبر من خير ما كان مقبلًا؟ فمن كان باكياً على مَنْ زال ملكه فليبك، وقال الثالث عشر: يا عظيم السلطان اضْمَحًلّ سلطانك كما اضمحل ظل السحاب، وعَفتْ آثار مملكتك كما عفت آثار الرباب، وقال الرابع عشر: يا مر ضاقت عليه الأرض طولاً وعرضاً، ليت شعري كيف حالك فيما احتوى عليك منها؟ وقال الخامس عشر: أعجب لمن كانت هذه سبيله كيف شرهت نفسه بجمع الحطام البائد والهشيم الهامد، وقمال السادس عشر أيهما الجمع الحافل والملتقى الفاضل، لا ترغبوا فيما لا يدوم سروره وتنقطع لذته فقد بان لكم الصلاح والرشاد من الغي والفساد، وقال السابع عشر: أنظروا إلى حلم النائم كيف انقضى.وظل الغمام كيف انجازها وقال الثامن عشر: وكان من حكماء الهند: يا من كان غضبه الموت على غضبت على الموت، وقال التاسع عشر: قد رأيتم أيها الجمع هذا الملك الماضي فليتعظ به الان هذا الملك الباقي، وقال العشرون: هذا الذي دار كثيراً والآن يقر طويلاً، وقال الحادي والعشرون: إن الذي كانت الآذان تنْصِت له قد سكت، فليتكلم الآن كل ساكت، وقال الثاني والعشرون: سيلحق بك مَنْ سَرَّه موتُك كما لحقت بمن سرك موته، وقال الثالث والعشرون: مالك لا تُقِلُّ عضواً من أعضائك، وقد كنت تستقل ملك الأرض. بل ما لك لا ترغب بنفسك عن ضيق المكان الذي أنت به، وقد كنت ترغب بها عن رحب البلاد؟ وقال الرابع والعشرون، وكان من نسّاك الهند وحكمائها: إن دنيا يكون هكذا آخرها فالزهد أولى أن يكون في أولها، وقال الخامس والعشرون، وكان صاحب مائدته: قد فرِشت النمارق، ونضدت الوسائد وهيئت الموائد، ولا أرى عميد المجلس، وقال السادس والعشرون، وكان صاحب بيت ماله: قد كنت تأمرني بالجمع، و الِإدخار فإلى من أدفع ذخائرك وقال السابع والعشرون وكان خازناً من خزانه: هذه مفاتيح خِزائنك، فمن يقبضها قبل أن أوخذ بما لم آخذ منها؟ وقال الثامن والعشرون: هذه الدنيا الطويلة العريضة قد طُوِيتَ منها في سبعة أشبار ولو كنت بذلك موقناً لم تحمل على نفسك في الطلب، القول لتاسع والعشرن قول زوجته روشنك بنت دارا بن دارا ملك فارس: ما كنت حسب أن غالب دارا الملك يغلب، وإن كان هذا الكلام الذي سمعت منكم معاشر الحكماء فيه شماتة فقد خلف الكأس الذي تشرب به الجماعة، القول الثلاثون ما يحكى عن امه أنها قالت حين جاءها نعيه: لئن فقد من ابني أمره، فما فقدت من قبلي ذكره.
مأتم الِإسكندر ودفنه

وقبض الإِسكندر وهو ابن ست وثلاثين سنة، وكان ملكه تسع سنين قبل قتله لدارا بن دارا، وست سنين بعد قتله لدارا بن دارا وتملكه على سائر ملوك الأرض، وملك وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وذلك بمقدونية، وهي مصر، وعهد إلى ولي عهده بطليموس بن أريت أن يحمل تابوته إلى والدته بالِإسكندرية، وأوصاه آن يكتب إليها إذا أتاها نعيه أن تتخذ وليمة وتنادي في مملكتها أن لا يتخلف عنها أحد، وأن لا يجيب دعوتها من قد فقَدَ محبوباً أوْ مات له خليل وليكون ذلك مأتم الِإسكندر بالسرور، خلاف مأتم الناس بالحزن، فلما ورد نعيه إليها، ووضع التابوت بين يديها، نادت في أهل مملكتها على ما به أمرها، فلم يجب أحد دعوتها، ولا بادر إلى ندائها، فقالت لحشمها : ما بال الناس لم يجيبوا دعوتي. فقالوا لها: أنت منعتيهم من ذلك، قالت: وكيف. قيلِ لها: أمرت أن لا يجيبك من فقد محبوباً، أو عدَم خليلاً، أوفارق حبيباَ، وليس فيهم أحد إلا وقد أصابه بعض ذلك، فلما سمعت ذلك استيقظت وعلمت ما به سئلت، وقالت: لقد عَزَّانِي ولده أحسن العزاء، وقالت: يا إسكندر ما أشبه أواخرك بأوائلك، وأمرت به فجعل في تابوت من المرمر، وطلي بالأطلية الماسكة لأجزائه، وأخرجته عن الذهب؟ لعلمها أنُ منَ يطرأ بعدها من الملوك والأمم لا يتركونه في ذلك الذهب، وجعل التابوت المرمر على أحجار نُصبَتْ، وصخور نصبت، من الرخام والمرمر قد رصفت، وهذا الموضع من الرخام والمرمر باقً ببلاد الإِسكندرية من أرض مصر يعرف بقبر الِإسكندر إلى هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب جوامع من أخبار الِإسكندرية وعجائبها، ومصر وأخبارها ونيلها، في الموضع المستحق له من ذلك في كتابنا، إن شاء اللّه تعالى.
ذكر جوامع من حروب الاسكندر بأرض الهند

قال االمسعودي: لما قَتَل الإِسكندر فور صاحب مدينة المانكير من ملوك الهند، وانقاد إليه جميع ملوك الهند، على حسب ما ذكرناه من حمل الأموال والخراج إليه فبلغه أن في أقاصي أرض الهند ملكاً من ملوكهم ذا حكمة، وسياسة وديانة، وإنصاف للرعية، وأنه قد أتى عليه من عمره مئون من السنين وأنه ليس بأرض الهند من فلاسفتهم وحكمائهم مثله، يُقال له كند، وكان قاهراً لنفسه، مميتاً لصفاته من الشهوية والغضبية وغيرها، حاملاً لها على خلق كريم، وأدب زائن: فكتب إليه كتاباً يقول فيه: أما بعد، فإذا أتاك كتابي هِذا فإن كنت قائماً فلا تقعد، وإن كنت ماشياً فلا تلتفت، وإلا مزقْتُ ملكك، ولحقتك بمن مضى من ملوك الهند، فلما ورد عليه الكتاب أجاب الِإسكندر أحسن جواب، وخاطبه بملك الملوك، وأعلمه أنه قد اجتمع له قبله، أشياء لا يجتمع عند غيره مثلها إلا من صارت إليه عنه فمن ذلك ابنة له لم تطلع الشمس على أحسن صورة منها، وفيلسوف يخبرك بمرادك قبل أن تسأله لحِدة مزاجه، وحسن قريحته، واعتدال بنيته، واتساعه في علمه، وطبيب لا تخشى معه داء، ولا شيئاً من العوارض، إلا ما يطرأ من الفناء والدثور الواقع بهذه البنية، وحل العقدة التي عقدها المبدع لها المخترع لهذا الجسمِ الحسي، وإن كانت بنية الإسنان وهيكله قد نصبت في هذا العالم غرضاَ للأفات والحتوف والبلايا، وقَدَح عندي إذا أنا ملأته شرب منه عسكرك بجمعه ولا ينقص منه شيء، ولا يزيده الوارد عليه إلا دهاقاً، وأنا مُنْفذٌ جميع ذلك إلى الملك، وصائر إليه، فلما قرأ الإِسكندر هذا الكتاب ووقف على ما فيه قال: تكون هذه الأشياء الأربعة عندي، ونجاة هذا الحكيم من صولتي أحب من أن لا تكون عندي ويهلك، فأنفذ إليه الِإسكندر جماعة من حكماء اليونانيين والروم. في عدة من الرجال، وتقدم إليهم: إن كان صادقاً فيما كتب به فاحملوا ذلك إلي، ودعوا الرجل في موضعه، وإن تبينتم أن الأمر بخلاف ذلك وأنه أخبر عن الشيء على خلاف ما هو به فقد خرج عن حد الحكمة فأشخصوه إلي، فمضى القوم حتى انتهوا إلى الملك فتلقاهم بأحسن لقاء، وأنزلهم أحسن منزل، فلما كان في اليوم الثالث جلس لهم مجلساً خاصاً للحكماء منهم دون من كان معهم من المقاتلة، فقال بعض الحكماء لبعض: إن صدقنا في الأولى صدقنا فيما بعدها مما ذكر، فلما أخذت الحكماء مراتبها، واستقرت بها مجالسها، أقبل عليهم مباحثاً لهم في أصول الفلسفة والكلام في الطبيعيات وما فوقها من الإِلهيات، وعلى شماله جماعة من حكمائه وفلاسفته، فطال الخطب في المبدأ الأول، وتشاحّ القوم، ونظروا في موضوعات العلماء وترتيبات الحكماء على غير مراء وتناهى بهم الكلامُ إلى غاية كان إليها صدورهم من العلويات، ثم أخرج الجارية فلما ظهرت لأبصارهم رَمَقُوها بأعينهم فلم يقع طرف واحد منهم على عضو من أعضائها مما ظهر فأمكنه أن يتعدى ببصره إلى غيره، وشغله تأمل ذلك وحسنه وحسن شكلها وإتقان صورتها، فخاف القوم على عقولهم لما ورد عليهم عند النظر إليها، ثم إن كل واحد منهم رجع إلى نفسه وفهمه وقهر سلطان هواه دواعي طبعه، ثم أراهم بعد ذلك ما تقدم الوعد به، وسيرهم وسير الفيلسوف والطبيب والجارية والقدح معهم، وشيعهم مسافة من أرضه، فلما وردوا على الإِسكندر أمر بإنزال الطبيب والفيلسوف، ونظر إلى الجارية، فحار عند مشاهدتها، وبهرت عقله، وأمر قَيمَة جواريه بالقيام عليها، ثم صرف همته إلى الفيلسوف وإلى علم ما عنده، وإلى علم الطبيب ومحله من صنعة الطب وحفظ الصحة، وقص الحكماء عليه ما جرى لهم من المباحثة مع الملك الهندي، ومن أحضره من فلاسفته وحكمائه، فأعجبه ذلك، وتأمل أغراض القوم ومقاصدهم والغاية التي إليها كان أصدرهم، وأقبل ينظر إلى مطاردة الهند في عللها ومعلولاتها وما يصفه اليونانيون من عللها وصحة قياسها على ما قدمنا من أوضاعها، ثم أراد محنة الفيلسوف على حسب ما أخبر عنه، وأجال فكره، فسنح له سانح من الفكر بإيقاع معنى يختبره به، فدعا بقدح فملأه سمناً وأدهقه، ولم يجعل للزيادة عليه سبيلاً، ودفعه إلى رسول له، وقال له: امض به إلى الفيلسوف، ولا تخبره بشيء، فلما ورد الرسول بالقدح ودفعه إلى الفيلسوف قال بصحة فهمه وتبينه للأمور المتقنة المحكمة في نفسه: لأمرٍ ما بعث هذا الملك الحكيم بهذا السمن إلي، وأجال فكره، وسَبَر المراد

به، ثم دعا بنحو ألف إبرة فغرز أطرافها في السمن، وأنفذها إلى الِإسكندر، فأمر الِإسكندر بسبكها كرة مدورة ململمة متساوية الأجزاء، وأمر بردها إلى الفيلسوف، فلما نظر إليها الفيلسوف وتأمل فعل الإسكندر فيها أمر ببسطها، وبأن يتخذ منها مرآة بحضرته،. وصقَلَها، فصارت جسماً صقيلاً تردُّ صورة مَنْ قابلها من الأشخاص لشدة صفائها، وزوال الدرن عنها، وأمر بردها إلى الِإسكندر، فلما نظر إليها، وتأمل حسن صورته فيها، دعا بطست فجعل المرآة فيه، وأمر بإراقة الماء فيه عليها حتى رسبت فيه، وأمر بحمل ذلك إلى الفيلسوف، فلما نظر الفيلسوف إلى ذلك أمر بالمرآة فجعل منها مشربة كالطر جهارة، وجعلها في الطست فوق الماء، فطفت فوقه، وأمر بردها إلى الِإسكندر، فلما نظر الِإسكندر إلى ذلك أمر بتراب ناعم فملئت منه، وردها إلى الفيلسوف، فلما نظر الفيلسوف إلى ذلك تغيرلونه وحال، وجزع وتغيرت صفاته، وأسبل دموعه على صحن خده، وكثر شهيقه، وطال أنينه، وظهر حنينه، وأقام بقية يومه غير منتفع بنفسه، ثم أفاق من ذلك الحال، وزجر نفسه، وأقبل عليها كالمعاتب لها وقال: ويحك يا نفس ما الذي قذف بك في هذه السُّدْفة وأصارك إلى هذه الغمة، ووصلك بهذه الظلمة؟ أنسيت وأنت في النورتسرحين وفي العلوم تمرحين، وتنظرين في الضياء الصادق، وتنفسحين في العالم المشرق. أنزلت إلى عالم الظلم والمعاندة، والغشم والمفاسدة، تخطفك الخواطف، وتنتهرك العواصف، قد حرمت علم الغيوب، والكون في العالم المحبوب، ورميت بشدائد الخطوب، ورفضت كل مطلوب، أين مصادرك الطبية وراحتك القوية؟ حللت في الأجساد، فقوي عليك الكون والفساد، حللت يا نفس بين السباع القاتلة والأفاعي المهلكة، والمياه الحاملة والنيران المحرقة، والريح العاصفة، وصيرتك الأعمار في قرارات الأجسام، لا تشاهدين إلا غافلَاَ، ولا تَرَيْنَ إلا جاهلاً، قد زهد في الخيرات ورغب عن الحسنات، ثم رفع طرفه نحو السماء فرأى النجوم تزهر، فقال بأعلى صوته: يالك من نجوم سائرة، وأجسام زاهرة، من عالم شريف طلعت، ولشيء ما وضعت، إنك من عالم نفيس قد كانت النفس في أعاليه ساكنة، وفي أكنافه قاطنة، فقد أصبحت عنه ظاعنة، ثم أقبل على الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: خذه ورده إلى الملك، يعني التراب، ولم يحدث فيه حادثة، فلما ورد الرسول صلى الله عليه وسلم على الِإسكندر أخبره بجميع ما شهده، فتعجب الِإسكندر من ذلك، وعلم مرامي الفيلسوف ومقاصده وغاية مراده فيما وقع بالنفوس من النقلة مما علا من العوالم إلى هذا العالم.ولما كان في صبيحة تلك الليلة جلس له الِإسكندر جلوساً خاصاً،ودعا به، ولم يكن رآه قبل، ذلك، فلما أقبل ونظر إلى، صورته وتأمل، قامته، ثم دعا بنحو ألف إبرة فغرز أطرافها في السمن، وأنفذها إلى الِإسكندر، فأمر الِإسكندر بسبكها كرة مدورة ململمة متساوية الأجزاء، وأمر بردها إلى الفيلسوف، فلما نظر إليها الفيلسوف وتأمل فعل الإسكندر فيها أمر ببسطها، وبأن يتخذ منها مرآة بحضرته،. وصقَلَها، فصارت جسماً صقيلاً تردُّ صورة مَنْ قابلها من الأشخاص لشدة صفائها، وزوال الدرن عنها، وأمر بردها إلى الِإسكندر، فلما نظر إليها، وتأمل حسن صورته فيها، دعا بطست فجعل المرآة فيه، وأمر بإراقة الماء فيه عليها حتى رسبت فيه، وأمر بحمل ذلك إلى الفيلسوف، فلما نظر الفيلسوف إلى ذلك أمر بالمرآة فجعل منها مشربة كالطر جهارة، وجعلها في الطست فوق الماء، فطفت فوقه، وأمر بردها إلى الِإسكندر، فلما نظر الِإسكندر إلى ذلك أمر بتراب ناعم فملئت منه، وردها إلى الفيلسوف، فلما نظر الفيلسوف إلى ذلك تغيرلونه وحال، وجزع وتغيرت صفاته، وأسبل دموعه على صحن خده، وكثر شهيقه، وطال أنينه، وظهر حنينه، وأقام بقية يومه غير منتفع بنفسه، ثم أفاق من ذلك الحال، وزجر نفسه، وأقبل عليها كالمعاتب لها وقال: ويحك يا نفس ما الذي قذف بك في هذه السُّدْفة وأصارك إلى هذه الغمة، ووصلك بهذه الظلمة؟ أنسيت وأنت في النورتسرحين وفي العلوم تمرحين، وتنظرين في الضياء الصادق، وتنفسحين في العالم المشرق. أنزلت إلى عالم الظلم والمعاندة، والغشم والمفاسدة، تخطفك الخواطف، وتنتهرك العواصف، قد حرمت علم الغيوب، والكون في العالم المحبوب، ورميت بشدائد الخطوب، ورفضت كل مطلوب، أين مصادرك الطبية وراحتك القوية؟ حللت في الأجساد، فقوي عليك الكون والفساد، حللت يا نفس بين السباع القاتلة والأفاعي المهلكة، والمياه الحاملة والنيران المحرقة، والريح العاصفة، وصيرتك الأعمار في قرارات الأجسام، لا تشاهدين إلا غافلَاَ، ولا تَرَيْنَ إلا جاهلاً، قد زهد في الخيرات ورغب عن الحسنات، ثم رفع طرفه نحو السماء فرأى النجوم تزهر، فقال بأعلى صوته: يالك من نجوم سائرة، وأجسام زاهرة، من عالم شريف طلعت، ولشيء ما وضعت، إنك من عالم نفيس قد كانت النفس في أعاليه ساكنة، وفي أكنافه قاطنة، فقد أصبحت عنه ظاعنة، ثم أقبل على الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: خذه ورده إلى الملك، يعني التراب، ولم يحدث فيه حادثة، فلما ورد الرسول صلى الله عليه وسلم على الِإسكندر أخبره بجميع ما شهده، فتعجب الِإسكندر من ذلك، وعلم مرامي الفيلسوف ومقاصده وغاية مراده فيما وقع بالنفوس من النقلة مما علا من العوالم إلى هذا العالم.ولما كان في صبيحة تلك الليلة جلس له الِإسكندر جلوساً خاصاً،ودعا به، ولم يكن رآه قبل، ذلك، فلما أقبل ونظر إلى، صورته وتأمل، قامته

وخلقته، نظر إلى رجل طويل الجسم، رَحْب الجبين، معتدل البنية، فقال في نفسه: هذه بنية تضاد الحكمة، فإذا اجتمع حسن الصورة وحسن الفهم كان أوحَدَ زمانه، ولست أشك أن هذا الشخص قد اجتمع له الأمران جميعاً، فإن كان هذا الشخص قد علم كل ما راسلته به، وأجابني عليه من غير مخاطبة ولا موافقة ولا مباحثة، فليس في وقته أحد يدانيه في حكمته، ولا يلحقه في علمه، وتأمل الفيلسوف الإِسكندر فأدار أصبعه السبابة على وجهه، ووضعها على أرنبة أنفه، وأسرع نحو الإِسكندر وهو جالس على غير سرير ملكه، فحياه بتحية الملوك، فأشار إليه الِإسكندر بالجلوس، فجلس حيث أمره، فقال له الإسكندر: ما بالك حين نظرت إلي. ورميت بطرفك نحوي أدرت أصبعك حول وجهك ووضعتها على أرنبة أنفك. قال: تأملتك أيها الملك بنورية عقلي وصفاء مزاجي، فتبينت فكرتك في، وتأملك لصورتي، وأنها قلما تجتمع مع الحكمة، فإذا كان ذلك كان صاحبها أوحد أهل زمانه، فأعرت أصبعي مصداقاً لما سنح لك، وأريتك مثالاً شاهداً، كما أنه ليس في الوجه إلا أنف واحد فكذلك ليس في دار مملكة الهند غيري، ولا يلحق أحد من الناس بي في حكمتي، فقال له الِاسكندر: ما أحسن ما تأتىَّ لك ما ذكرت، وانتظم لك بحسن الخاطر ما وصفت، فدع عنك هذا، وأخبرني ما بالك حين أنفذت إليك قدحاً مملوءاً سمناً غرزت فيه إبراً ورددته إليَّ؟ قال الفيلسوف: علمت أيها الملك أنك تقول: إن قلبي قد أمتلأ وعلمي قد أنتهى كامتلاء هذا الِإناء من السمن، فليس لأحد من الحكماء فيه مستزاد، فأخبرت الملك أن علمي سيزيد في علمك، ويدخل فيه دخول هذه الِإبر في هذا الِإناء، قال: فأخبرني ما بالك حين عملت من الإِبر كرة وأنفذتها إليك صيرتها مرآة ورددتها إلي صقيلة، قال: قد علمت أيها الملك أنك تريد أن قلبك قد قسا من سفك الدماء والشغل بسياسة هذا العالم كقسوة هذه الكرة، فلا يقبل العلم، ولا يرغب في فهم الغايات في العلوم والحكمة، فأخبرتك مجيباً متمثلاَ بسبك الكرة والحيلة في أمرها بجعلي منها مرآة صقيلة مؤدية إلى الأجسام عند المقابلة لحسن الصفاء، قال له الإِسكندر: صدقت، قد أجبتني عن مرادي، فأخبرني أيها الفيلسوف حين جعلت المرآة في الطست ورسبت في الماء: لِمَ جعلتها قدحاً فوق الماء طافية ثم رددتها اٍليّ، قال الفيلسوف: علمت أنك تريد بذلك أن الأيام قد انقضت وقصرت، والأجل قد قرب، ولا يدرك العلم الكثير في المهل القليل، فأجبت الملك متمثلاً أني ساعمل الحيلة في إيراد العلم الكثير في المهل القليل إلى قلبه وتقريبه من فهمه، كاحتيالي للمرآة من بعد كونها راسبة في الماء حتى جعلتها طافية عليه، قال له الاسكندر: صدقت فأخبرني ما بالك حين ملأت الإِناء تراباً رددته إليّ ولم تحدث فيه حادثة كفعلك فيما سلف، قال: علمت أنك تقول: ثم الموت وأنه لا بد منه، ثم لحوق هذه البنية بهذا العنصر البارد اليابس الثقيل الذي هو الأرض، ودثورها وتفرق أجزائها ومفارقة النفس الناطقة الصافية الشريفة اللطيفة لهذا الجسد المرئي، قال له ا

الإسكندر: صدقت، ولأحسنن إلى الهند من أجلك، وأمر له بجوائز كثيرة، وأقطعه قطائع واسعة، فقال له الفيلسوف: لو أحببتُ المار لما أردت العلم، ولست أدخل على علمي ما يضاده وينافيه، واعلم أيها الملك أن القنية توجب الخدمة، ولسنا نجد عاقلًا مَنْ خدم غير ذاته، واستعمل غير ما يصلح نفسه، والذي يصلح النفس الفلسفة، وهي صقالها وغذاؤها، وتناول اللذات الحيوانية وغيرها من الموجودات ضد لها، والحكمة سبيل إلى العلو، وسُلم إليه، ومن عدم ذلك عدم القربة من بارئه، واعلم أيها الملك أن بالعدل ركب جميع العالم بجزئياته، ولايقوم بالجور، والعدل ميزان البارىء جلّ وعز، فكذلك حكمته مبرأة عن كل ميل وزلل، وأشبه الأشياء من أفعال الناس بأفعال بارئهم الِإحسان إلى الناس، وقد ملكت أيها الملك بسيفك، وصولة ملكك، وتأتّيك في أمورك، وانتظام سياستك أجسام رعيتك فتَحَرَّ أن تملك قلوبهم بإحسانك إليهم، وإنصافك لهم، وعدلك فيهم، فهي خزانة سلطانك، فإنك إن قدرت أن تقول قدرت أن تفعل، فاحترز من أن تقول تأمن من أن تفعل، فالملك السعيد من تمت له رياسة أيامه، والملك الشقي من انقطعت عنه، فمن تحرى في سيرته العدل استنار قلبه بعذوبة الطهارة.قال المسعودي رحمه اللّه: وخلّى الِإسكَندر عن الفيلسوفِ لإبائه المقام معه فلحق بأرضه، وللِاسكندر مع هذا الفيلسوف مناظرات كثيرة في أنوع من العلوم، ومكاتبات، ومراسلات، جرت بين الِإسكندر وبين كند ملك الهند، قد أتينا على مبسوطها والغرر من معانيها والزُّهْر من عيونها في كتابنا أخبار الزمان.وأما القَدَحُ فامتحنه حين أدهقه بالماء، وأورد عليه الناس، فلم ينقص شربهم منه شيئاً، وكان معمولاً بضرب من خواص الهند والروحانية والطبائع التأمة والتوهم، وغير ذلك من العلم مما يَدَّعيه الهند، وقد قيل: إنه كان لآدم أبي البشر عليه السلام بأرض سرنديب من بلاد الهند مبارك له فيه، فوُرِثَ عنه، وتداولته الملوك، إلى أن انتهى إلى كند هذا الملك العظيم سلطانه، وما كان عليه من الحكمة، وقيل غير ذلك من الوجوه، مما قد أتينا على ذكره فيما سلف من كتبنا.وللطبيب معه أخبار ظريفة، ومناظرات عجيبة، في أوائل المعرفة وصنعة الطب وترقيه معه إلى مبسوط الصنعة من الطبيعيات وغيرها، أعرضنا عن ذكرها خوفاً من الِإطالة وميلاً إلى الاختصار في هذا الكتاب لتعلق الكلام بالتوهم الذي تدعيه الهند في صنعة الطب وغيرها.وقد كان للِاسكندر في أسفاره وتوسطه الممالك وقطعه الأقاليم ومشاهدته الأمم، وملاقاته الحكماء مع تنائي ديارهم، وبعد أوطانهم، واختلاف لغاتهم، وعجائب صورهم، وتباينهم في شيمهم وأخلاقهم أخبار كثيرة من حروب ومكايد وحيل وفنون من السير، وما أحدث من الأبنية، وقد أتينا على شرح ذلك فيما سلف من كتبنا مما سمينا، وغير ذلك مما عن وصفه أمسكنا، وإنما ذكرنا اليسير من أخباره، لئلا يَعْرَى كتابنا هدا من شيء منها مع ذكرنا لمسيره ووفاته، وباللّه التوفيق.
ذكر ملوك اليونانيين بعد الاسكندر
بطليموس
ثم ملك بعد الِاسكندر الملك خليفتُه بطليموس وكان حكيماً عالماً سائساً مدبراً، وكان ملكه أربعين سنة، وقيل: بل كان ملكه عشرين سنة، وقد كان لهذا الملك وهو التالي لملك الِاسكندر حروب مع بني إسرائيل وغيرهم من ملوك الشام.
اللعب بالبزاة والشواهين

وذكر جماعة من أهل الدرايات بأخبار ملوك العالم أنه أول من اقتنى البُزَاة ولعب بها وَضَراها، وأنه ركب في بعض الأيام في طربه إلى بعض متنزهاته فنظر إلى بازٍ يطير، فرآه إذا علا صفق، وإذا سفل خفق، وإذا أراد أن يستوي فرق، فأتبعه بصره حتى اقتحم شجرة ملتفة كثيرة الشوك، فتأمله فأعجبه صفاء عينيه وصفرتها وكمال خلقه، فقال: هذا طائر حسن، وله سلاح وينبغي أن تتزين به الملوك في مجالسها، فأمر أن يجمع منها عدة لتكون في مجلسه زينته، فعرض لبازٍ منها أيْمٌ، وهو الحية الذكر، فوثب عليه البازي فقتله، فقال الملك: هذا ملك يغضب مما تغضب منه الملوك، ثم عرض له بعد أيام ثعلب كان داجناً، فوثب عليه البازي فما أفلت إلا جريحاً، فقال الملك: هذا ملك جبار لا يحتمل الضيم، ثم مر به طائر فوثب عليه فأكله، فقال الملك: هذا ملك يمنع حماه ولا يضيع أكله، فلعب بها ثم لعب بعده ملوك الأمم من اليونانيين والروم والعرب والعجم وغيرهم، وثني مَنْ بعده من ملوك الروم بلعب الشواهين والاصطياد بها، وقد قيل: إن اللَّذَارقة وهم ملوك الأندلس من الأشبان أول من لعب بالشواهين وصاد بها، وكذلك اليونانيون أول من صاد بالعقبان ولعب بها، وقد ذكر أن ملوك الروم أول من صاد بالعقبان.قال المسعودي: وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا لجبل القبخ والباب والأبواب جملاً من أخبارها وأخبار من لعب بها، وقد كان من سلف من حكماء اليونانيين يقولون: إن الجوارح أجناس، خلقها اللّه تعالى وأنشأها على منازلها ودرجاتها، وهي: أربعة أجناس، وثلاثة عشر شكلَاَ، فأما الأجناس الأربعة فهي: البازي، والشاهين، والصقر، والعقاب، وقد ذكرنا هذه الأجناس والأشكال على طريق الخبر في الكتاب الأوسط على مراتبها من سائر أنواع الحيوان الجوارح، ودلائلها، وما قاله الناس في ذلك.
هيفلوس
ثم ملك بعد بطليموس هيفلوس وكان رجلًا جباراً، وفي أيامه عملت الطَّلسْمَات وظهرت عبادة التماثيل والأصنام لشُبَه دخلت عليهم، وأنها وسائط بينهم وبين خالقهم تقربهم إليه وتُدْنيهم منه، وكان ملكه ثمانياً وثلاثين سنة، وقيل: أربعين سنة. وقد قيل: إن الذيىتملك بعد خليفة الِإسكندر بطليموس الثاني،محب الأخ، وغزا بني إسرائيل ببلاد فلسطين وإيليا من أرض الشام، فسباهم، وقتل منهم، وطلب العلوم، ثم رد بني إسرائيل إلى فلسطين، وحمل معهم الجواهر والأموال، وآلات الذهب والفضة لهيكل بيت المقدس، وكان ملك الشام يومئذ أبطنجنس، وهو الذي بني مدينة أنطاكية، وكانت دار ملكه، وجعل بناء سورها أحد عجائب العالم في البناء على السهل والجبل، ومسافة السور أثنا عشر ميلاً، عدة الأبراج فيه مائة وستة وثلاثون برجاً، وجعل عدد شُرُفاته أربعة وعشرين ألف شرفة، وجعل كل برج من الأبراج ينزله بطريق برجاله وخيله، وجعل كل برج منها طبقات إلى أعلاه، فمربط الخيل في أسفله، وأرضه، والرجال في طبقاته والبطريق في أعلاه، وجعل كلى برج منها كالحصن عليه أبواب حديد، وآثار الأبواب ومواضع الحديد بَيِّن إلى هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلائين وثلثمائة وأظهر فيها مياهاً من أعين وغيرها، لا سبيل إلى قطعها من خارجها، وجعل إليها مياهاً منصبة في قنيٍّ مخرقة إلى شوارعها ودورها، ورأيت فيها من هذه المياه ما يستحجر في مجاريها المعمولة من الخزف لترادف التقن فيها فيتراكم طبقات ويمنع الماء من الجريان بانسداده، فلا يعمل الحديد في كسره، وقد ذكرنا ذلك في كتابنا المترجم بالقضايا والتجارب ما شاهدناه حساً، ونمي إلينا خبراً، مما يولده ماء أنطاكية في أجساد الحيوان الناطق وأجوافهم، وما يحدث في معدهم، من الرياح السوداوية الباردة والقولنجية الغليظة، وقد أراد الرشيد سكناها فقيل له بعض ما ذكرنا من أوصافها، وترادف الصدأ على السلاخ من السيوف وغيرها بهأ، وعدم بقاء ريح أنواع الطيب بها، واستحالته على اختلاف أنواعه فامتنع من سكناها.
جماعة من ملوك اليونانيين
ثم ملك على اليونانيين بعد هيفلوس بطليموس الصانع، ستاً وعشرين سنة.
ثم ملك بعده عليهم بطليموس المعروف بمحب الأب، تسع عشرة سنة وكانت له حروب مع ملوك الشام، وصاحب أنطاكية الِاسكندروس وهو الذي بني مدينة فامية بين حمص وأنطاكية.

ثم ملك بعده على اليونانيين بطليموس صاحب علل علم الفلك والنجوم، وكتاب المجسطي وغيره، أربعأ وعشرين سنة.
ثم ملك بعده بطليموس محب الأم، خمساً وثلاثين سنة ثم ملك بعده بطليموس الصانع الثاني سبعاً وعشرين سنة.
ثم ملك بعده بطليموس المخلص، سبع عشرة سنة.
ثم ملك بعده بطليموس الاسكندراني، اثنتي عشرة سنة.
ثم ملك بعده بطليموس الجديد، ثمان سنين.
ثم ملك بعده بطليموس الجَوّال، ثمانياً وستين سنة، وكانت له حروب كثيرة.
ثم ملك بعده بطليموس الحديث، ثلاثين سنة.
كليوباترا

ثم ملكت بعد ابنته قلبطرة وكان ملكها اثنتين وعشرين سنة وكانت حكيمة متفلسفة، مقربة للعلماءمعظمة للحكماءولها كتب مصنفة في الطب والرُّقْيَة وغير ذلك من الحكمة، مترجمة باسمها، منسوب إليها، معروفة عند صنعة أهل الطب وهذه الملكة آخر ملوك اليونانيين إلى أن انقضى ملكهم وَدَثَرَت أيامهم، وامَّحَت آثارهم، وزالت علومهم إلا ما بقي في أيدي حكمائهم، وقد كان لهذه الملكة خبر ظريف في موتها وقتلها لنفسها، وقد كان لها زوج يُقال له أنطونيوس مشارك لها في ملك مقدونية، وهي بلاد مصر من الِاسكندرية وغيرها، فسار إليهم الثاني من ملوك الروم، من بلاد رومية، وهو أغسمطس، وهو أول من سمي قيصر وإليه تنسب القياصرة بعده، وسنذكر خبره في باب ملوك الروم بعد هذ الموضع، وكانت له حروب بالشام ومصر مع قلبطرة الملكة ومع زوجها أنطونيوس، إلى أن قتله، ولم يكن لقلبطرة في دفع أغسطس ملك الروم عن ملك مصر حيلة، وأراد أغسطس إعمال الحيلة فيها لعلمه بحكمتها. وليتعلم منها إذ كانت بقية الحكماء اليونانيين، ثم بعدها يقتلها، فراسلها. وعلمت مراده فيها وما قد وتَرَها به من قتل زوجها وجنودها، فطلبت الحية التي تكون بين الحجاز ومصر والشام وهي نوع من الحيات: تراعي الِإنسان، حتى إذا تمكنت من النظر إلى عضو من أعضائه قفزت أذرعاً كثيرة كالرمح فلم تخطىء ذلك العضو بعينه، حتى تتفل عليه سماً فتأتي عليه، ولا يعلم بها، لخموده من فوره، ويتوهم الناس أنه قدمات فجأة حتف أنفه، ورأيت نوعاً من هذه الحيات بين بلاد خوزستان من كور الأهواز لمن أراد بلاد فارس من البصرة، وهوالموضع المعروف بخان مردوية بين مدينة دورق وبلاد الباسيِان والفندم في الماء، وهي حيات شبرية، وتدعى هنالك الفترية، ذات رأسين تكون في الرمل وفي جوف تراب الأرض، فإذأ أحست بالِإنسان أو غيره من الحيوان وثبت من موضعها أذرعاً كثيرة فضربت بإحدى رأسيها إلى أي موضع من ذلك الحيوان، فتلحقه من ساعته ضد الحياة وعدمها لحينه، فبعثت قلبطرة هذه الملكة فاحتمل لها حية من هذه المقدم ذكرها التي توجد بأطراف الحجاز، فلما أن كان اليوم الذي علمت أن أغسطس يدخل قصر ملكها أمرت بعض جواريها ومن أحبّتْ فنَاءها قلَبلها، وأن لا يلحقها العذابُ بعدها، فسمتها في إنائها فخمدت من فورها، ثم جلست قلبطرة الملكة على سرير ملكها، ووضعت تاجها على رأسها، وعليها ثيابها وزينة ملكها، وجعلت أنواع الرياجن والزهر والفاكهة والطيب وما يجتمع بمصر من عجائب الرياحين وغيرها مما ذكرنا، مبسوطة في مجلسها وقدَّام سريرها، وعهدت بما أحتاجت إليه من أمورها، وفرقت حشمها من حولها، فاشتغلوا بأنفسهم عن ملكتهم، لما قد غشيهم من عدوهم ودخوله عليهم في دارملكهم، وأدنت يدها من الِإناء الزجاج الذي كانت فيه الحية، فقربت يدها من فيه فتفلت عليها الحية، فجفت مكانها، وانسابت الحية وخرجت من الِإناء لم تجد جُحْراً ولا مذهباً تذهب فيه لِإتقان تلك المجالس بالرخام والمرمرو الأصباغ، فدخلت في تلك الرياحين، ودخل أغسطس حتى انتهى إلى لمجلس، فنظر إليها جالسة والتاج على رأسها، فلم يشك في أنها تنطق، فدنا منها فتبين له أنها ميتة، وأعجب بتلك الرياحين، فمد يده إلى كل نوع منها يلمسه ويتبينه ويعجب خواص من معه به، ولم يدرسبب موتها وهو يتأسف على ما فاته منها فبينما هو كذلك من تناول تلك الرياحين وشمها إذ قفزت عليه تلك الحية فرمته بسمها، فيبس شقه الأيمن من ساعته، وذهب بصره الأيمن وسمعه، فتعجب من فعلها وقتلها لنفسها وإيثارها للموت على الحياة مع الذل، ثم ما كادته به من إلقاء الحية بين الرياحين، فقال في ذلك شعراً بالرومية يذكر حاله وما نزل به وقصتها، وأقام بعد ما نزل به ما ذكرنا يوماً وهلك، ولولا أن الحية كانت قد أفرغت سمها على الجارية ثم على قلبطرة الملكة لكان أغسطس قد هلك من ساعته، ولم تمهله هذه المدة، وهذا الشعر معروف عند الروم إلى هذه الغاية يذكرونه في نوحهم ويَرْثُوَن به ملوكهم وموتاهم، وربما ذكروه في أغانيهم، وهو متعالم معروف عندهم، وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا سير هؤلاء الملوك وأخبارهم وحروبهم وطوافهم البلاد، وأخبار حكمائهم، وما أحدثوه من الآرَاء والنحل، ومقائل فلاسفتهم، وغير ذلك من أسرارهم وعجيب أخبارهم.
عدد ملوك اليونانيين ومدة حكمَهم

والذي يعول عليه من عدد ملوكهم، واتفق على ذلك أهل المعرفة بأخبارهم، أن جميع عدد ملوك اليونانيين أربعة عشر ملكاً آخرهم الملكة قلبطرة، وأن جميع عدد سني ملوكهم ومدة أيامهم وامتداد سلطانهم ثلثمائة سنة وسنة واحدة، وكان كل ملك يملك على اليونانيين من بعد الِاسكندر ابن فيلبس يسمى بطليموس، وهذا الاسم الأعم الشامل لملكهم، كتسمية ملوك الفرس كسرى، وتسمية ملوك الروم قيصر، وتسمية ملوك اليمن تبع، وتسمية ملوك الحبشة النجاشي، وتسمية ملوك الزنج فليمي، وقد ذكرت جملاً من مراتب ملوك العالم وسماتهم واسمهم الأعم الشامل لهم فيما سلف من كتابنا هذا، وسنورد بعد هذا الموضع في الموضع المستحق له من هذا الكتاب جملًا عند ذكرنا الملوك والممالك إن شاء الله تعالى.
ذكر؟ملوك الروم، وما قاله الناس في أنسابهم
وعدد ملوكهم، وتاريخ سنيهم؟؟
الاختلاف في نسب الروم
تنازع الناس في الروم، ولأية علة سموا بهذا الاسم، فمنهم من قال: سموا روما لِإضافتهم إلى مدينة رومية واسمها روماس بالرومية، وعرب هذا الاسم فسمي من كان بها روما، وكذلك الروم في لغتهم لا يسمون أنفسهم ولا يدعوهم أهل الثغور إلا رومينس، ومنهم من رأى أن هذا الاسم اسم للأب، وهو روم بن سماحلين بن هربان بن عقلا بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام، ومنهم من رأى أنهم سموا باسم جدهم، وهو رومي بن ليطن بن يونان بن يافث بن بريه بن سرحون بن رومية بن مربط بن نوفل بن روين بن الأصفر بن النفربن العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليمه السلام وقد قيل من الوجوه غير ما ذكرنا، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب في باب اليونانيين نسب الِاسكندر واتصاله بهذا النسب، على ما ذكره الناس في ذلك، والله أعلم. وقد ولد للعيص ثلاثون رجلاً، فالروم الآخرة بنو الأصفر بن النفر بن العيص بن إسحاق، وقد ذكر جماعة ممن سلف من شعراء، العرب قبل ظهور الِإسلام ذلك لاشتهار ما وصفنا فيهم: منهم عدي بن زيد العِبَادي حيث يقول:
وبنو الأصفر الكرام ملوك الروم لم يبق منهم مذكور
وقد كان العيص بن إسحاق، وهو عيصو، تزوج من بنات الكنعانيين، فأكثر أولاده منهم، وقد قيل: إن العماليق وهم العرب البادية الذين كانوا بالشام من ولد النفار بن عيصو، وكذاك رعوئيل، بنا عيصو وهذا ما لا ينقاد إليه علماء العرب إلا في الروم دون ما ذكرنا من العماليق وغيرهم، وهذه الأنساب كلها تتعلق بما في التوراة وغيرها من كتب العبرا نيين.
؟؟أول ملوك الروم
قال المسعودي: وغلبت الروم على ملك اليونانيين لأخبار يطول ذكرها ويتعذر في هذا الكتاب شرحها، وكان أول من ملك من ملوك الروم فيها ساطوخاس، وهو جاليوس الأصغر بن روم بن سماحليق، فكان ملكه اثنتين وعشرين سنة، وقد قيل: إن أول من ملك من ملوك الروم قيصر، واسمه غالوس بن كوليوس، ثمان عشرة سنة، وفي نسخة أخرى أن أول من ملك من ملوك الروم بعد اليونانيين توليس، سبع سنين ونصفاً، وكانت مدينة رومية بنيت قبل الروم بأربعمائة سنة.
؟؟أغسطس
ثم ملك بعده أغسطس قَيصر، ستاً وخمسين سنة، وهذا الملك هوأول من سمي من ملوك الروم قيصر، وهو الثاني من ملوكهم، وتفسير قيصر بُقِر أي شق عنه، وذلك أن أمه ماتت وهي حامل به فشق بطنها فكان هذا الملك يفتخر في وقته بأن النساء لم تلده، وكذلك من حدث بعده من ملوك الروم ممن كان من ولده يفتخرون بهذا الفعل وما كان من أمهم، فصارت سِمَة لمن طرأ بعده من ملوك الروم، والله أعلم.
مولد المسيح

وغزا هذا الملك الشام ومصر والِاسكندرية، وأزال من بقي من ملوك الاسكندرية ومقدونية وهي مصر، وقد قدمنا أن كل ملك كان يلي مقدونية والاسكندرية يسمى بطليموس، واحتوى هذا الملك أعني أغسطس على خزائن ملوك الِاسكندرية ومقدونية، ونقلها إلى رومية، وكانت له حروب كثيرة في الأرض، وقد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا، وكان يعبد الأوثان، وبنى بأرض الروم مدناً وكوَّر كوراً نسبت تلك المدن إليه: منها قيسارية، وكذلك بالشام بساحل فلسطين مدينة قيسارية، وكان مولد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام بها، وهو يسوع الناصري على حسب ما قدمناه، لاثنتين وأربعين سنة خلت من ملك قيصر أغسطس هذا، فكان من ملك الاسكندر إلى مولد المسيح ثلثمائة سنة وتسع وششون سنة، ورأيت في مدينة أنطاكية في بعض تواريخ الروم الملكية في كنيسة القسبان أنه كان من ملك الاسكندر إلى مولد المسيح ثلاثمائة سنة وتسع سنين، وكان مولد يسوع الناصري لِإحدى وعشرين سنة خلت من ملك هيرثوس ملك بني إسرائيل في ذلك العصر بإيليا من بلاد فلسطين، وهي أورشليم بالعبرانية، فمن هبوط آدم إلى مولد المسيح في تواريخ أصحاب الشرائع من أهل الكتب خمسة آلاف سنة وخمسمائة سنة وخمسون سنة.وأقام أغسطس وهو قيصر ملكاً بعد مولد المسيح أربع عشرة سنة ونصفاً وكان مدة ملكه على الروم برومية وفي سائر أسفاره ستاً وخمسين سنة، على حسب ما قدمنا من موته ولسع الحية إياه بمقدونية، وجفاف نصفه، وذهاب سمعه.وبصره عند ذكرنا لفعل قلبطرة بنفسها في الباب الذي قبل هذا الباب.
طيياريوس وقلودييس
ثم ملك الروم بعده طيباريوس وكان مدة ملكه اثنتين وعشرين سنة، ولثلاث سنين بقيت من ملكه رفع المسيح عليه السلام، ولما هلك هذا الملك برومية اختلفت الروم وتحزبت، فأقاموا على اختلاف الكلمة والتنازع في الملك مائتي سنة وثمانياً وتسعين سنة، لا نظام لهم، ولا ملك يجمعهم.ولما انقضى، ما ذكرنا من المدة ملكوا عليهم طباريس غانس بمدينة رومية، فكان ملكه أربع سنين، والقوم لا يعرفون غير عبادة التماثيل والصور.
مقتل أتباع المسيح
ثم ملك بعد قلوديس أربع عشر، سنة، وذلك برومية، وهو أول ملك من ملوك الروم شرع في قتل النصارى واتباع المسيح. وقيل: إن في أيامه قتل برومية بطرس، واسمه باليونانية شمعون، والعرب تسميه سمعان، هو وبولص، وصلبا منكسين، وما كان من خبرهما مع سيما الساحر برومية، وهما ممن أتى إلى أنطاكية وأخبر اللّه عزّ وجلّ عنهما في سورة يس، ثم كان لهما بعد ذلك نبأ عظيم، وذلك بعد ظهور دين النصرانية برومية، فجعلا في أجْرِبَة من البلور، فهما على ذلك بمدينة رومية في بعض الكنائس إلى هذه الغاية، على حسب ما قدمنا آنفاً فيما سلف من هذا الكتاب، وأكثر من عني بأخبار العالم وسير ملوكهم وتاريخهم، يذهب إلى أنهما قتلا برومية في ملك الخامس من ملوك الروم، وتفرق تلاميذ يسوع الناصري في الأرض، فسار ماري إلى ما دَنَا من العراق فمات بمدينة دير قُنَى والصافية على شاطىء دجلة بين بغداد وواسط، وهذا البلد بلد علي بن عيسى بن داود بن الجراح ومحمد بن داود بن الجراح وغيرهما من الكتاب فقبره هناك في كنيسة إلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، يعظمه أهل دين النصرانية، ومضى توما، وكان من الاثني عشر، إلى بلاد الهند داعياً إلى شريعة المسيح، فمات هناك، وسار آخر إلى آخر مدينة بخراسان، فمات هنالك وموضع قبره مشهور يعظمه النصارى، ومنهم من رأى أنه مات ببلاد دقوقا وخانيجار وكرخ حدان في تخوم العراق، وموضعه مشهور، ومات مارقس بالِاسكندرية من أرض مصر، وقبره هناك، وهو أحد التلاميذ الأربعة الذين ألفوا الإِنجيل، وقد كان لمارقس مع أهل مصر

خبرظريف في مقتله، وقد أتينا على السبب في ذلك في كتابنا الأوسط الذي، كتابُنَا هذا تالٍ له، وأتينا على قصته مع أهل مصر ووصيته لهم حين أراد المسير إلى المغرب: إنه مَنْ جاءكم على صورتي فاقتلوه، فإنه سيرد عليكم بعدي أُناس يتشبهون بي، فبادروا إلى قتلهم، ولا تقبلوا منهم ما يقولون، ومضى، وغاب عنهم برهة من الزمان، ولم يلحق بحيث أراد، فرجع إليهم، فلما هموا بقتله قال لهم: ويحكم أنا مارقس، قالوا: لا، وقد أخبرنا أبونا مارقس، وعهد إلينا بقتل من يتشبه به، قال: فإني أنا مارقس، قالوا: لا سبيل إلى تركك، ولا بد من قتلك، فقتلوه، وكان قبل ذلك سئل في بدء الأمر عن البراهين المؤيدة لقوله، وطلبوا منه المعجزات، وقال له بعضهم: إن كنت صادقَاَ فيما أتيتنا به فاعرج إلى هذه السماء، ونحن نراك، فنزع عنه زربانقته وأتزر بمئزر صوف على أن يصعد إلى السماء، فتعلق به جماعة من تلامذته، وقالوا له: إن مضيت فمن لنا بعمك إذ كنت الأب. وكان أمره بعد ذلك على ما وصفنا.
تلاميذ المسيح
وتلاميذ المسيح اثنان وسبعون تلميذاً واثنا عشر من غير الاثنين والسبعين، فأما الذين نقلوا الِإنجيل فهم: لوقا، ومارقس، ويوحًنّا، ومتى، ومنهم من الاثنين والسبعين لوقا وَمَتَّى، وقد يعد مَتَى أيضاً في الأثني عشر، ولا ادري ما معناهم في ذلك، والاثنان اللذان من الأثني عشر يوحنا بن زبدى، ومارقس صاجب الاسكندرية، والثالث الذي ورد أنطاكية، وقد تقدمه بطرس وتوما، وهو بولس، وهو الثالث المذكور في القرآن بقوله تعالى " فعزرنا بثالث " قال: وليس في سائر رهبان النصرانية من يأكل اللحم غير رهبان مصر؛ لأن مارقس أباح لهم ذلك.
ملك تيزون ملك طيطش وأسباسيانوس
ثم ملك الروم تيزون واستقام ملكه، ورغب في عبادة التماثيل والأصنام، ويقال: إنه قتل في ملكه بطرس وبولس برومية على حسب ما قدمنا ونمى دين النصرانية إلى الروم، فكثرت فيهم الدعاة إليه، فقتل هذا الملك منهم خلائق كثيرة، وكان ملكه أربع عشرة سنة وأشهراً.
ثم ملك بعده طيطش وأسباسيانوس مشتركين في الملك ثلاث عشرة سنة، وذلك بمدينة رومية، ولسنة خلت من ملك هذين الملكين سارا إلى الشام، وكانت لهما مع بني إسرائيل حروب عظيمة، وقتل فيها من بني إسرائيل ثلثمائة ألف، وخربا بيت المقدس وأحرقا الهيكل بالنار، وحرثاه بالبقر، وأزالا رسمه، ومَحَوا أثره، وكانت عبادتهما للأصنام. ووجدت في بعض كتب التواريخ أن اللّه عاقب الروم من ذلك اليوم الذي خربت فيه بيت المقدس أن يسبى كل يوم منهم سبي، يفعل ذلك من أطاف ببلادهم من الأمم، فلا يأتي يوم من أيام العالم إلا والسبي واقع بهم قَل ذلك أوأكثر.
جماعة من ملوك الروم
ثم ملك الروم بعدهما دوبطياس خمس عشرة سنة، عابداً للتماثيل معظمأ لها، ولتسع سنين من ملكه نفى يوحنا التلميذ أحد الأربعة من أصحاب الإِنجيل إلى بعض جزائر البحر، " ثم رده بعد ذلك.
ثم ملك بعده بيرنوس سنة.
ثم ملك بعده طريانوس سبع عشرة سنة يعبد الأصنام، ولتسع سنين خلت من ملكه مات يوحنا التلميذ.
ثم ملك بعده أدريانس إحدى عشرة سنة، يعبد التماثيل، وخرب سائر ما بنى بنو إسرائيل بالشام.
ثم ملك بعده أبطوليس برومية ثلاثاً وعشرين سنة، وبنى بيت المقدس وسماه إيليا، وهو أول من سماه بهذا الاسم إيليا.
ثم ملك بعده غرلس سبع عشرة سنة يعبد الأصنام.
ثم ملك بعده فرموثش يعبد الأوثان، ثلاث عشرة سنة.
ثم ملك بعده سويرس ثمان عشرة سنة.
ثم ملك بعده ولد له يُقال له أبطونيس يعبد التماثيل، سبع سنين.
ثم ملك بعده أبطونيس الثاني، أربع سنين، يعبد التماثيل، وفي آخر ملك هذا الملك مات جالينوس الطبيب.
ثم ملك بعده الإسكندر مامياس وتفسير مامياس العاجز، وكان يعبد التماثيل، وكان ملكه ثلاث عشرة سنة.
ثم ملك بعده مقسمس يعبد التماثيل، وكان ملكه ثلاث سنين.
ثم ملك بعده غردانس يعبد التماثيل، ست سنين.
دقيوس وأصحاب الكهف

ثم ملك بعده دقيوس يعبد الأوثان، ستين سنة، وأمعن في قتل النصرانية، وطلبهم، ومن هذا الملك هرب أصحاب الكهف، وقد أختلف الناس في أصحاب الكهف والرقيم : فمنهم من رأى أن أصحاب الكهف هم أصحاب الرقيم، وزعموا أن الرقيم هو ما رقم من أسماء أهل الكهف في لوح من حجر على باب تلك المغارة، ومنهم من رأى أن أصحاب الرقيم غير أصحاب الكهف، وقد ذكرنا كلا الموضعين بأرض الروم، وقد حكى أحمد بن الطيب بن مروان السرخسي تلميذ يعقوب بن إسحاق الكندي عن محمد بن موسى المنجم - حين أنفذه الواثق باللهّ من سُرّ مَنْ رأى إلى بلاد الروم حتى أشرف على أصحاب الرقيم، وهو الموضع المعروف من بلاد الروم بحارمي، وقد ذكرنا في الكتاب الأوسط قصة أصحاب الكهف، وموضعهم، وكيفية أحوالهم، إلى هذه الغاية، وخبر أصحاب الرقيم، وما حكاه محمد بن موسى المنجم من خبرهم، وقد لحقه من الموكل بهم حين أراد قتله بالسم، وقتل من كان معه من المسلمين، وأخبرنا عن خبر السد الذي بناه ذو القرنين مانعاً ليأجوج ومأجوج .؟ قال المسعودي : ووجدت في كتاب صور الأرض، وما عليها من الأبنية المعظمة والهياكل المشيدة، قد صور مقدار عرض السد فيما بين الجبلين دون الطول والذهاب في الصعد تسع درج ونصف من درج الفلك، فمقدار ذلك من الجبل إلى الجبل خمسون ومائة فرسخ، وهذا عند جماعة من أهل النظر والبحث مستحيل كونه، وقد أنكر ذلك محمد بن كثير الفرْغَاني المنجم، وتكلم عليه، وبرهن على فساده، وأفرد أحمد بن الطيب الذي قتله المعتضد بالله لما ذكرنا من الكهف والرقيم رسائل، وقد أتينا على جميع ما قيل في ذلك في كتابنا المترجم بالكتاب الأوسط.
ثم ملك جالنوس ثلاث سنين.
ثم ملك بعده يدنوس نحوا ًمن عشرين سنة، وقيل: خمس عشرة سنة.
ثم ملك بعده فورس نحواً من عشرين سنة.
ثم ملك بعده ولد له يقال له فارس نحواً من سنتين.
ثم ملك بعده قليطانس عشر سنين.
ثم ملك بعده قسطنطين.
عدد ملوك الروم، ومدة ملكهم
قال المسعودي: والذي وجدت في الأكثر من كتب التواريخ مما اتفقوا عليه أن عدة ملوك الروم الذين ملكوا بمدينة رومية، وهم الذين قدمنا ذكرهم في هذا الباب، تسعة وأربعون ملكاً، وجميع عدد سني ملكهم من أول ملك ملكهم على حسب ما ذكرنا من الخلاف في صدر هذا الكتاب إلى قسطنطين هذا، وهو ابن هلاني، أربعمائة وسبع وثلاثون سنة وسبعة أشهر وسبعة أيام، ونسخ كتب التواريخ في هذا المعنى مختلفة، وغير متفقة في أسماء ملوكهم، ومدة ملكهم، وأكثرها بالرومية، فحكينا من ذلك ما تأتى لنا وصفه، ولهؤلاء الملوك أخبار وسير، هي موجودة في كتب النصارى الملكية، وقد أتينا على مبسوطها، والغرض منها في كتابنا أخبار الزمان وما شَيدوا من البنيان، وما كان لهم في هذا العالم من الأسفار، وباللّه التوفيق.
ذكر ملوك الروم المتنصرة وهم ملوك القسطنطينية
ولمع من أخبارهم
قسطنطين وبناء القسطنطينية

ملك قسطنطين بعد أن هلك قليطانس برومية، وهو يعبد الأوثان، وكان أول ملك انتقل من ملوك الروم عن رومية إلى بوزنطيا، وهي مدينة القسطنطينية فبناها، وسماها باسمه إلى وقتنا هذا، وكان له لي بناتها خبر ظريف مع بعض ملوك برجان، لخوف داخله من بعض ملوك ساسان، وكان خروجه من رومية، ودخوله في دين النصرانية، لسنة خلت من ملكه، ولتسع سنين خلت من ملكه خرجت أمه هلاني إلى أرض الشام، فبنت الكنائس، وسارت إلى بيت المقدس، وطلبت الخشبة التي صلب عليها المسيح عندهم، فلما صارت إليها حًفتها بالذهب والفضة، واتخذت لوجودها عيداً، وهو عيد الصليب، وهو لأربع عشرة تخلو من أيلول، وفيه تفتح الترع والخلجانات ببلاد مصر، على حسب ما نورده عند ذكرنا لأخبار مصر من هذا الكتاب، وهي التي بنت كنيسة حمص على أربعة أركان، وذلك من عجائب بنيان العالم، واستخرجت الكنوز والدفائن بمصر والشام، وصرفت ذلك إلى بناء الكنائس، وتشييد دين النصرانية، وكل كنيسة بالشام ومصر وبلاد الروم، فإنها بنتها هذه الملكة هلاني أم قسطنطين، وجعل اسمها مع الصليب في كل كنيسة لها، وليس للروم في أحرفهم هاء، وأحرف هلاني خمسة أحرف، فالأول إمالة، وهو بحساب الجمل خمسة، والثاني - وهو الِلام - ثلاثون، والثالث إمالة أيضاً، وهي خمسة أيضا، والرابع النون وهي خمسون، والخامس ياء، وهو في حساب الجمل عشرة، فذلك مائة اختصاراً على ما ذكرنا، وهذه صورة الحرف الذي هو مائة بالرومية.
السنودسات الاجتماعات الستة
ولتسع عشرة سنة خلت من ملك قسطنطين ابن هلاني اجتمع ثلثمائة وثمانية عشر أسقفاً بمدينة نيقية بأرض الروم، فأقاموا دين النصرانية، وهذا الاجتماع أول الاجتماعات الستة التي يذكرها الروم في صلواتهم ويسمونها القوانين، ومعنى هذه الاجتماعات الستة بالرومية السنودسات، واحدها سنورس؟ فالأول بنيقية على ما ذكرنا من العدد، وكان الاجتماع فيه على أريوس، وهذا اتفاق من سائر أهل دين النصرانية من الملكية والمشارقة، وهم العباد الذين تسميهم الملكية وعامة الناس النسطورية، واتفاق من اليعاقبة على هذا السنودس أيضاً، والسنودس الثاني بالقسطنطينية على مقدونس، وعدة المجتمعين فيه من الأساقفة مائة وخمسون رجلاً، والسنودس الثالث بأفسوس وعددهم مائتا رجل، والسنودس الرابع بخلقدونية، وعددهم ستمائة وستون رجلاً، والسنودس الخامس بقسطنطينية، وعددهم مائة وستة وأربعون رجلاً، والسنودس السادس كان في مملكة المدائن، وعددهم مائتان وتسعة وثمانون رجلاً، وسنذكر بعد هذا الموضع في ترتيب ملوك الروم هذه السنودسات، وغلبة دين النصرانية، وزوال عبادة التماثيل والصور.
سبب تنصر قسطنطين
وكان السبب في دخول قسطنطين بن هلاني في دين النصرانية والرغبة فيه أن قسطنطين خرج في بعض حروب برجان، أو غيرهم من الأمم، وكانت الحرب بينهم سجالاً نحواً من سنة، ثم كانت عليه في بعض الأيام، فقتل من أصحابه خلق كثير، فخاف البَوَار، فرأى في النوم كأن رماحاً نزلت من السماء، فيها عذاب، وأعلاماً على رؤوسها صلبان من الذهب والفضة والحديد والنحاس، وأنواع الجواهر والخشب وقيل له: خذ هذه الرماح، وقاتل بها عدوك تنصر، فجعل يحارب بها في النوم، فرأى عدوه منهزماً، وقد نصر عليه، وولاه الدبر، فاستيقظ من رقدته، ودعا بالرماح فركب عليها ما ذكرنا، ورفعها في عسكره، وزحف إلى عدوه، فولوا وأخذهم السيف، فرجع إلى مدينة نيقية، وسأل من أهل الخبرة عن تلك الصلبان، وهل يعرفون ذلك في شيء من الآراء والنحل ؟ فقيل له: إن بيت المقدس من أرض الشام مَجْمع لهذا المذهب، وأخبر بما فعل مَنْ قبله من الملوك من قتل النصرانية، فبعث إلى الشام، وإلى بيت المقدس، فحشد له ثلثمائة وثمانية عشر أسقفاً، فأتوه وهو بنيقية، فقص عليهم أمره، فشرعوا له دين النصرانية، فهذا هو السنودس الأول، وهو الاجتماع على ما ذكرنا، وقد قيل: إن أم قسطنطين هلاني كانت قد تنصرت وأخفت ذلك عنه قبل هذه الرؤيا.

وكان ملك قسطنطين إلى أن هلك إحدى وثلاثين سنة، وفىِ وجه آخر من التاريخ أنه ملك خمساً وعشرين سنة، وقد أتينا على أخباره وحروبه وخروجه مرتاداً لموضع القسطنطينية، ووروده إلى هذا الخليج الآخذ من بحر مايطس ونيطس في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط، وإن خليج القسطنطينية يأخذ من هذا - البحر، ويجري فيه الماء جريَاَ، ويصب إلى بحر الشام، ومسافة هذا الخليج ثلثمائة وخمسون ميلاً، وقيل: أقل من ذلك، وعرضه في الموضع الذي يأخذ من بحر مايطس نحو من عشرة أميال، وهناك عمائر، ومدينة للروم تدعى سباه، تمنع من يرد في هذا البحر من مراكب الروس، وغيرها، ثم يضيق هذا الخليج عند القسطنطينية، فيصير عرضه - وهو موضع العبور من الجانب الشرقي إلى الموضع الغربي الذي فيه القسطنطينية - نحواً من أربعة أميال، وعليه العمائر، وينتهي في ضيقه إلى الموضع المعروف بالأندلس، وهناك جبال وعين ماء كثير، ماؤها موصوف، تعرف بعين مَسْلمة بن عبد الملك وكان نزولها عليها حين حاصر القسطنطينية، وأتته مراكب المسلمين، وفم هذا الخليج مما يلي بحر الشام، ومنتهى مصبه مضيق، وهناك برج يمنع من فيه من يرد من مراكب المسلمين في الوقت الذي كانت للمسلمين فيه مراكب تغزو الروم، وأما الآن فمراكب الروم تغزو بلاد الِإسلام، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وأخبرني أبو عمير عديُّ بن أحمد بن عبد الباقي الأزدي - وهو شيخ الثغور الشامية. قديماً وحديثاً إلى وقتنا هذأ، وهو من أهل التحصيل - أنه لما عبر إلى القسطنطينية في هذا الخليج حين دخل لإقامة الهدنة والفداء كان يتبين جرية هذأ الماء وتردده مما يلي بحر مايطس، وربما يتبين في الماء الذي يلي بحر الشام فيجده فاتراً، وهذا يدل على الَصال ماء هذين البحرين، وأنه قد دخل في بحر الروم إلى هذا الخليج أيضاً، وسمعت غير واحد من أهل التحصيل ممن غزا غزاة سلوقية مع غلام زرافة - وقد كانوا قد دخلوا إلى خليج القسطنطينية، وساروا فيه مسافة بعيدة - أنهم وجدوا الماء فيِ هذا الخليج يقل في أوقات من الليل والنهار ويكثر كالمد والجزر، وعليه العمائر والمدن، فلما أحسوا بنقص الماء بادروا بالخروج منه إلى البحر الرومي، وأن في مدخله من بحر الروم مدينة تقرب من فم الخليج، والخليج يطيف بالقسطنطينية من جهتين مما يلي الشرق ومما يلي الشمال، وفي الجانب الجنوبي البر، وفيه باب الذهب مطلي على صفائح النحاس، وهو عدة أسوار مما يلي الغرب، وفيه قصر وأعلى أسوارها الغريبة نحو من ثلاثين فراعاً، وقد ذكر أنه أقل من ذلك، وأن أقصر موضع فيه عشرة أفرع، وأعلى موضع من سورها ما كان مما يلي الجنوب، فأما ما كان مما يلي الخليج فسور واحد، وفيه قصر وبواشيِر وأبراج كثيرة، ولها أبواب كثيرة مما يلي البر والبحر، وحولها كنائس كثيرة، وقد قيل: إن لها ثلاثين بابا، ومنهم من زعم أن عليها مائة باب صغاراً وكباراً وهو بلد عفن مختلف المهاب مرطب للأبدان لكونه بين ما وصفنا من هذه البحار.
قال المسعودي: ولم تزل الحكمة باقية عالية زمن اليونانيين، وبرهة من مملكة الروم، تعظم العلماء وتشرف الحكماء، وكانت لهم الآراء في الطبيعيات والجسم والعقل والنفس، والتعاليم الأربعة - أعني: الإرتماطيقي، وهو علم الأعداد والجو مطريقَي، وهو علم المساحة والهندسة، والاسترونوميا، وهو علم النجوم، والموسيقى وهو علم تأليف اللحون - ولم تزل العلوم قائمة السوق، مشرقة الأقطار قوية المعالم، شديدة المقاوم، سامية البناء، إلى أن تظاهرت ديانة النصرانية في الروم، فعفوا معالم الحكمة، وأزالوا رسمها، ومحوا سبلها، وطمسوا ما كانت اليونانية أبانته، وغيروا ما كانت القدماء منهم أوضحته.
الموسيقى وشرفها

وكان من شريف ما تركته المعرفة بعلم الموسيقى لأنه غذاء للنفس، ومطرب لها، وملهيها، تبتهج عند سماعه، وتحن إلى تأليف أوضاعه، وقد نطقت الحكماء بشرفه، ونبهت على نفاسه محله، فقال الإسكندر: مَنْ فهم الألحان استغنى عن سائر اللذات، وقد قالت الفلاسفة: أن النغم والأغاني فضيلة شريفة كانت تعذرت عن المنطق ليست في قدرته، فلم يقدر على إخراجها، فأخرجتها النفس ألحاناً، فلما أظهرتها سُرت بها وعشقتها وطربت إليها، ورتبت الحكماء الأوتار الأربعة بازاء الطبائع الأربع، فجعلوا الزير بازاء المرة الصفراء، والمثنى إزاء الدم، والمثلث بازاء البلغم والبم بازاء المرة السوداء، وقد أشبعنا القول في الموسيقى وأصحاب الملاهي والإيقاع وأصناف الرقص والطرب والنغم ونسب النغم وما استعملته كل أمة من الأمم، من أصناف الملاهي، من اليونانيين والروم والسريانيين والنبط والسند والهند والفرس وغيرهم من الأمم، وذكرنا مناسبة النغم للأوتار، وممازجة النفس والألحان وكيفية تولد الطرب وأنواع السرور وذهاب الغم وزوال الحزن، وعللً ذلك الطبيعية والنفسية، وما أحاط بذلك من جميع الوجوه، في كتابنا المترجم بكتاب الزلف وأتينا على ظريف أخبارهم وأنواع لهوهم وملاهيهم في كتاب أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط فأغنى ذلك عن إعادته ههنا؟ إذ هذا الكتاب في غاية الإيجاز، وإن سنح لنا سانح ذكرنا لمعا من هذه الجوامع فيما يرد من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وإن تعذر ذلك فقد قدمنا التنبيه على ما سلف من كتبنا، على الشرح والإيضاح.
قسطنطين ولليانس
ثم ملك الروم بعد قسطنطين بن هلاني الملك المنتصر قسطنطين بن قسطنطين وهو ابن الملك الماضي، وكان ملكه أربعاً وعشرين سنة، وبنى كنائس كثيرة، وشيد دين النصرانية.
ثم تملك ابن أخي قسطنطن الأول لليانس فرفض دين النصرانية، ورجع إلى عبادة الأوثان، وهو لليانس المعروف بالحنيفي. وأهل دين النصرانية لبغضهم فيه لرجوعه عن النصرانية وتغييره لرسومها يسمون لليانس لبزطاط وغزا العراق في ملك سابور بن أردشير بن بابك، فأتاه سهمٌ غرْب فذبحه، وقد كان سار إلى العراق في جنود لا تحصى، ولم يكن لسابور حيلة في دفعه ولقائه لمفاجأته إلاه، فانصر فسابور عن اللقاء إلى الحيلة في دفعه وكان من أمره ما وصفنا من سهم الغرب. وكان ملكة إِلى أن هلك سنة، وقيل كثر من ذلك، وهو الملك الثالث من بعد ظهور دين النصرانية.
يونياس
ولما هلك لليانس جزع مَنْ كان معه من الملوك، والبطارقة، والجيوش، ففزعوا - إلى بطريق كان معظماً فيهم، يقال له يونياس، وقيل: إنه كان كاتب الماضي، فأبى عليهم أن يتملك إلا أن يرجعوا إلى دين النصرانية، فأجابوه إلى ذلك وضايق سأبور القوم، وأحاط بعسكرهم؟ فكان ليونياس مع سأبور مراسلات ومهادنة واجتماع ومحادثة ومعاشرة، ثم افترقا، وانصرف بجيوش النصرانية مُوَادعاً لسابور، وأخلف عليه ما أتلف من أرضه بأموال حملها إليه، وهدايا من لطائف الروم، وشد هياكل في دين النصرانية، وردها إلى ما كانت عليه، ومنع من الأصنام والتماثيل، وقتل على عبادتها، وكان ملكه سَنة.
ثم ملك بعله أوالس وهو على دين النصرانية، ثم رجع عنها، وهلك في بعض حروبه، وكان ملكه إلى أن هلك أربع عشرة سنة.
يقظة أهل الكهف
وقيل: إِن في أيامه استيقظ أصحاب الكهف من رَقْدَتهم على حسب ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم بَعَثُوا أحدهم بورِهِهِمْ إلى المدينة، وهذا الموضع من أرض الروم في الشمال، وللناس ممن عني بعلم الفلك في ازورار الشمس عن كهفهم في حال طلوعها وغروبها لموضعهم من الشمال كلام كثير، وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن ذلك فقال " وترى الشمس إذا طلعت تَزَاوَرُ عن كهفهم " - الآية وكانوا من أهل مدينة أفسيس من أرض الروم.
غراطاس وتدوسيس
ثم ملك بعد أوالس غراطياس خمس عشرة سنة، ولسنة من ملكه كان اجتماع النصرانية، وهو أحد الاجتماعات فأتموا القول في روح القدس عندهم وأحرقوا مقدونس بطريق القسطنطينية، وهو السنودس الثاني.
ثم ملك بعده تدوسيس الأكبر، وتفسير هذا الاسم عندهم عطية الله

وقام بدين النصرانية، وعَظم منها، وبنى كنائس، ولم يكن من أهل بيت الملك ولا من الروم، وإنما كان أصله من الأشباب، وهم بعض الأمم السالفة، وقد كانت ممن ملك الشام ومصر والمغرب والأندلس، وقد تنازع الناس فيهم: فذكر الواقدي في كتابه فتوح الأمصار أن بدأهم من أهل أصبهان، وأنهم ناقلة من هنالك، وهذا يوجب أنهم من قبل ملوك فارس الأولى، وذكر عبيد الله بن خرداذبة نحو ذلك وساعدهما على ذلك جماعة من أهل السير والأخبار، والأشهر من أمرهم أنهم من ولد يافث بن نوح، سهم ملوك الأندلس من اللذَارقة واحدهم لذريق، وقد تنوزع في دياناتهم: نمنهم من رأى أنهم كانوا على دين المجوس، ومنهم من رأى أنهم كانوا على مذهب الصابئة وغيرهم من عبدة الأصنام، وقد قلنا: إن الأشهر من أنسابهم أنهم من ولد يافث بن نوح، فكان مدة ملك تدوسيس إلى أن هلك عشر سنين.
جماعة من ملوكهم
ثم ملك بعده أرقاديس أربع عشرة سنة، وكان على دين النصرانية.
ثم ملك بعده ابنه تدوسيس الأصغر، وذلك بمدينة أفسيس، وجمع مائتي أسقف، وهذا الاجتماع الثالث الذي قدمنا ذكره آنفا، ولعن فيه نسطورس البطرك، وقد ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان الحيلة التي وقعت على نسطورس بَطْرك القسطنطينية من صاحب الكرسي بالإسكندرية، وما كان من نسطورس، ونفيه ليوحنا المعروف بالراهب، وما كان من يدوقيا زوجة الملك إلى أن نفي نسطورس من القسطنطينية إلى إنطاكية ثم منها إلى صعيد مصر، والمشارقة من النصارى أضيفوا إلى نسطورس لأنهم اتبعوه وقالوا بقوله: وإنما وسمتهم الملكية بهذا الاسم لتعَيِّرهم وتعيبهم بذلك، وقد كانت المشارقة بالحيرة وغيرها من الشرق تَدْعَى بالعِبَاد، وسائر نصارى المشرق يأبون هذه الإضافة إلى نسطورس، ويكرهون أن يقال لهم نسطورية، وقد أيد برصوما مطران نصيبين رأي المشارقة في الثالوث، وهو الكلام في الأقاليم الثلاثة والجوهر الواحد وكيفة اتحاد اللاهوت القديم بالناسوت المًحْدَث، وكان ملك تدوسيس الأصغر إلى أن هلك اثنتين وأربعين سنة.
اليعاقبة
ثم ملك بعده مرقيانوس، ثم ملك الروم بلخاريا زوجة مرقيانوس، وكانت ملكة معه، وفي أيامها كان خبر اليعاقبة من النصارى، ووقع الخلاف بينهم في الثالوث؟ فكان ملكها سبع سنين، وأكثر اليعاقبة بالعراق وبلاد تكريت والموصل والجزيرة ومصر وأقباطها إلا اليسير فإنهم ملكية، والنوبة والأرمن يعاقبة، ومطران اليعاقبة بتكريت بين الموصل وبغداد، وقد كان لهم بالقرب من رأس العين واحد فمات، وصاحبهم اليوم بناحية حلب ببلاد قنسرين والعواصم، وكرسي اليعاقبة رسمه أن يكون بمدينة إنطاكية، وكذلك لهم كرسي بمصر، ولا أعلم لهم غير هذين الكرسيين، وهما مصر وإنطاكية.
ثم ملك بعدهما اليون الأصغر بن اليون، وكان ملكه ست عشر سنة، وفي أيامه أحرم مسعرة اليعقوبي بطرك الإسكندرية، واجتمع له من الأساقفه ستمائة وثلاثون أسقفاً، وفي تاريخ الروم أن عدة المجتمعين ستمائة وستون رجلاً، وذلك بخلقدونية، وهذا الاجتماع هو السنودس الرابع عند الملكية، واليعاقبة لا تعتد بهذا السنودس، ولهم خبر ظريف في قصة سوار في البطرك، وما كان من أمره، وخبر تلميذه يعقوب البراذعي، ودعوته إلي مذهب سواري، واليعاقبة أضيفت إلى منصب يعقوب البراذعي هذا،. وبه عرفت، وكان من أهل إنطاكية يعمل البرادع.
ثم ملك بعده اليون الأصغر ابن اليون، سنة على دين الملكية.
ثم ملك بعده زينو، وهو من بلاد الأرمينيان، وكان يذهب إلى رأى اليعقوبية، وكان ملكه سبع عشرة سنة، وكانت له حروب مع خوارج عليه في دار الملك، فظفر بهم.
ثم ملك بعده نسطاس وكان يذهب إِلى مذهب اليعقوبي، وبنى مدينة عمورية، وأصاب كنوزاً ودفائن عظيمة، وكان ملكه إلى أن هلك تسعاً وعشرين سنة.
ثم ملك بعده يوسطاناس تسع سنين.

ثم ملك بعده يوسطانياس تسعاً وثلاثين سنة، وقيل: أربعين، وبنى كنائس كثيرة، وشيد دين النصرانية، وأظهر مذهب الملكية، وبنى كنيسة الرها، وهي إحدى عجائب العالم، والهياكل المذكورة، وقد كان في هذه الكنيسة منديل يعظمه النصارى، وذلك أن يسوع الناصري - حين أخرج من ماء المعودية - تنشف به؟ فلم يزل هذا المنديل يتداول إلى أن قرر بكنيسة الرها، فلما أشتد أمر الروم على المسلمين وحاصروا الرها في هذه السنة - وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - أعطى هذا المنديل للروم، فجنحوا إلى الهندنة، وكان للروم عند تسلمهم هذا المنديل فرح عظيم.
ثم ملك بعده ابن أخيه نوسطيس ثلاث عشرة سنة، على رأي الملكية.، ثم ملك بعده طباريس أربع سنين، وأظهر في ملكه أنواعاً من اللباس والآلات وآنية الذهب والفضة وغير ذلك من الات الملوك.
ثم ملك بعده موريقس عشرين سنة، ونصر كسرى أبرويز على بهرام جوبين، فقتل غيلة، وبعث أبرويز غضباً له بجيوش إلى الروم، وكانت لهم حروب على حسب ما قدمنا .
ثم ملك بعده فوقاس ثمان سنين إلى أن قتل أيضاً.
ثم ملك بعده هرقل وكان بطريقاً في بعض الجزائر قبل ذلك، فعمر بيت المقدس، وذلك بعد انكشاف الفرس عن الشام، وبنى الكنائس، ولسبع سنين من ملكه كانت هجِرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة شَرفها الله تعالى.
ذكر ملوك الروم بعد ظهور الإسلام
ملك الروم في عهد مولد رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال المسعودي: وَجَدْتُ في كتب التواريخ تنازعاً في مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عصر مَنْ كان من ملوك الروم: فمنهم مَنْ ذهب إلى ما قدمنا من مولده وهجرته، ومنهم من رأى أن مولده عليه الصلاة والسلام كان في ملك بوسطينوس الأول، وكان ملكه تسعاً وعشرين سنة.
ثم ملك بوسطينوس الثاني، وكان ملكه عشرين سنة.
ثم ملك هرقل بن بوسطينوس، وهو الذي ضرب الدنانير والدراهم الهرقلية، وكان ملكه خمس عشرة سنة.
ثم ملك بعده ابنه مورق بن هرقل: والذي في كتب الزيجات في النجوم وعليه يعمل أهل الحساب، وفي تواريخ ملوك الروم ممن سلف وخلف، أن ملك الروم كان في وقت ظهور الإسلام وأيام أبى بكر وعمر هرقل وليس هذا الترتيب فيما عداها من كتب التواريخ وأصحاب الأخبار والسير، إلا في اليسير منها، وفي تواريخ أصحاب السير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر وملكُ الروم قيصر بن مورق.
في عهد خلفاء الإسلام
ثم ملك بعده قيصر بن قيصر، وذلك في خلافة بكر الصديق رضي الله عنه.
ثم ملك على الروم هرقل بن قيصر، ذلك في خلافه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو الذي حاربه أمراء الإسلام الذين فتحوا الشام مثل أبي عييدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، ويزيد بن أي سفيان وغيرهم من أمراء الإسلام، حين أخرجوه من الشام.
وكان الملك على الروم مورق بن هرقل في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
في عهد علي ومعاوية
ثم ملك مورق بن مورق في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأيام معاوية بن أبي سفيان.
ثم ملك بعده قلفط بن مورق بقية أيام معاوية، وكان بينه وبين معاوية مراسلات ومهادنات، وكان المختلف بينهما فناق الرومي غلام كان لمعاوية، وقد كان معاوية هادَنَ أباه مورق بن مورق حين سار إلى حرب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان بَشره بالملك، وأعلمه أن المسلمين تجتمع كلمتهم على قتل صاحبهم يعني عثمان، ثم يؤول الملك إلى معارية، وقد كان معاويهّ يومئذ أميراً على الشام لعثمان في خبر طويل قد أتينا على ذكره في الكتاب الأرسط، وأن ذلك من علم الملاحم يتوارثه ملوك الروم عن أسلافهم، وكان ملك قلفط بن مورق في الأخر من أيام معاوية وأيام يزيد بن معاوية وأيام معاوية بن يزيد وأيام مروان بن الحكم وصدراً من أيام عبد الملك بن مروان.
في عهد الدولة المروانية
ثم ملك لاون بن قلفط في أيام عبد الملك بن مروان، وكان الملك بعده جيرون بن رون في أيام الوليد بن عبد الملك وأيام سليمان بن عبد الملك وخلافة عمر بن عبد العزيز، ثم اضطرب ملك الروم لما كان من أمر مَسْلَمة بن عبد الملك وغَزْو المسلمين إياهم في البر والبحر، فملكوا عليهم رجلًا من غير أهل بيت الملك من أهل مرعش، يقال له جرجيس، وكان ملكه تسع عشرة سنة.
في عهد الدولة العباسية

ولم يزل ملك الروم مضطرباً إلى أن ملكهم قسطنطين بن اليون، وذلك في خلافة أبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور أخيه، ثم ملك بعده اليون بن قسطنطين، وذلك في أيام المهدي والهادي، ثم ملك بعده - قسطنطين بن اليون، وكانت أمه أريش ملكة معه، مشاركة له في الملك، لصغر سنه في أيام هارون الرشيد، فمات قسطنطين بن اليون وسملت عينا أمه بعد ذلك لأخبار يطول ذكرها، ثم ملك على الروم يعفور بن اسدراق، وكانت بينه وبين الرشيد مراسلات، وغزاه الرشيد، فأعطاه القود من نفسه بعد بغي كان منه في بعض مراسلاته، فانصرف الرشيد عنه، ثم غدر ونقض ما كان أعطاه من الانقياد وكُتم عن الرشيد أمره، لعارض علة كان وجدها بالرقة، وفي انقياد يعفور إلى الرشيد وحَمْله الأموال والهدايا والضريبة إليه يقول أبو العتاهية :
إمامَ الهدى أصْبَحْتَ بالدين مَعْناً ... وَأصْبَحْتَ تسقي كل مستمطرٍ رَيا
لك اسمان شُقَا من رشاد ومن هدى ... فأنت الذي تدعي رشيداً ومهديَّا
إذا ما سخطْتَ الشيء كان مُسَخّطاً ... وإن ترض شيئاً كان في الناس مرضيّا
بسطت لنا شرقاً وغرباً يَدَ العلا ... فأوسعت شرقياً وأوسعت غربيّا
وغَشَّيا وجه الأرض بالجود و الندي ... فأصبح وجه الأرض بالجود مغشيا
وأنت، أميرَ المؤمنين، فتى التقى ... نشرت من الِإحسان ما كان مَطْويا
قضى اللّه أن صَفى لهارون ملكه ... وكان قضاء الله في الخلق مَقْضيا
تحببت الدنيا لهارون بالرضا ... وأصبح يعفور لهارون ذميا
فلما عوفي الرشيد من علته دخل عليه بعض الشعراء وقد هابه الناس أن يخبروه بغدْر يعفور، فقال:
نقض الذي أعطاكه يعفور ... فعليه دائرةُ البوار تدُور
أبشر، أمير المؤمنين، فإنه ... فتحٌ أتاك به الِإلهُ كبيرُ
فتْح يزْيد على الفتوح، يَؤُمنَا ... بالنصر فيه لِوَاؤُك المنصور
فلقد تباشَرَتِ الرَعِيَّة أن أتىِ ... بالغدر عنه وافد وَبَشِير
وَرَجَتْ بِيُمْنِكَ أن تُعَجِّل غزوَةَ ... تشفي النفوسَ، نَكَالُهَا مذكور
يعفور، إنك حين تَغْدِرُ أنْ نأى ... عنك الإمام لَجَاهِلٌ مغرور
أظننت حين غدرت أنك مُفلِتٌ ... هَبِلَتْكَ أمك، ما ظننت غُرُور
إن الإمام على اقتسارك قادر ... قَرُبتْ دِيارك أم نأت بك عور
لَيْسَ الِإمام وإن غفلنا غَافلأ ... عما يسوس بحزمه ويدير
ملك تجَرد للجهاد بنفسه ... فعدُؤُهُ أبداً به مقهور
يامن يريد رضا الإله بسعيه ... والله لا يَخْفي عليه ضمير
لانصح ينفع من يَغُشُ إمامه ... والنصح من نصحائِهِ مشكور
نُصْحُ الِإمام على الأنام فريضة ... ولأهله كفارة وظهور
وهي طويلة، فلما أنشده إياها قال الرشيد: أو قد فعَلَ؟ وعلم أن الوزراء قد احتالوا، فتجهز وغزاه، ونزل على هرقلة، وذلك في سنة تسعين ومائة.
الرشيد يحاصر هرقلة

وأخبرني أبو عمير عديّ بن أحمد بن عبد الباقي الأزدي أن الرشيد لما أراد النزول على حصن هرقلة - وكان معه أهل الثغور، وفيهم شيخا الثغور الشامية مخلد بن الحسين، وأبو إسحاق الفزاري صاحب كتاب السير - فخلا الرشيد بمخلد بن الحسين، فقال: أي شيء تقول في نزولنا على هذا الحصن؟ فقال: هذا أول حصن لقيتَ من حصون الروم: هو في نهاية المنعة والقوة فإن نزلت عليه وسهل الله فتحه لم يتعذر عليك فتح حصن بعده، فأمره بالانصراف، ودعا بأبي إسحاق الفزاري فقال له مثل ما قال لمخلد، فقال: يا أمير المؤمنين هذا حصن بنته الروم في نَحْر الدروب، وجعلته لها ثغراً من الثغور، وليس بالاهل، فإن أنت فتحته لم يكن فيه ما يعم المسلمين من الغنائم، وإن تعذر فتحه كان ذلك نقصاً في التدبير، والرأي عندي أن يسير أمير المؤمنين إلى مدينة عظيمة من مدن الروم، فإن فتحت عَمًتْ غنائمها المسلمين، وإن تعذر ذلك قام العذر، فمال الرشيد إلى قول مخلد، فنزل على هرقلة، ونصب حولها الحرب تسعة عشر يوماً، فأصيب خلق كثير من المسلمين، وفنيت الأزواد والعلوفات، وضاق صدر الرشيد من ذلك، فأحضر أبا إسحاق الفزاري، فقال: يا إبراهيم قد تَرَى ما نزل بالمسلمين، فما الرأي الآن عندك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قد كنت أشفقت من هذا، وقدمت القول فيه ورأيت أن يكون الجد والحرب من المسلمين على غير هذا الحصن، وأما الآن فلا سبيل إلى الرحيل عنه من بعد المباشرة، فيكون ذلك نقصاً في الملك. ووهناً في الدين، وإطماعاً لغيره من الحصون في الامتناع عن المسلمين، والمصابرة لهم، لكن الرأي يا أمير المؤمنين أن تأمر بالنداء في الجيش أن أمير المؤمنين مقيم على هذا الحصن إلى أن يفتحه اللّه عز وجلّ للمسلمين، وتأمر بقطع الخشب وجمع الأحجار وبناء مدينة بازاء هذا الحصن إلى أن يفتحه اللّه عز وجل، ولا يكون هذا الخبر ينمو إلى أحد من الجيش إلا على المقام؟ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحرب خدعة وهذه حرب حيلة لا حرب سيف، فأمر الرشيد من ساعته بالنداء، فحملت الأحجار وقطع الأخشاب من الشجر، وأخذ الناس في البناء، فلما رأى أهل الحصن ذلك جعلوا يتسللون في الليل، ويُدَلون أنفسهم بالحبال.
وفي خبر أبي عمير بن عبد الباقي زيادات، منها خبر الجارية التي سبَاها الرشيد من هذا الحصن، وهي ابنة بطريقِهِ، وكانت ذات حسن وجمال، فزايد فيها صاحب الرشيد في المغنم، وبالغ فيها حتى اشتراها له، فبلغت من قلبه، وبنى لها نحو الرافقة بأميال على طريق بالس حصناً سماه هرقلة على الفرات، يحاكي به حصن هرقلة ببلاد الروم، في خبر طويل قد أتينا على جميعه في كتابنا الأوسط.
وهذا الحصن باقٍ إلى هذه الغاية هنالك خراب يعرف بهرقلة.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرني أبو العينا، قال: أخبرني شبل الترجمان، قال: كنت معِ الرشيد حين نزل على هرقلة وفتحها، فرأيت بها حجراً منصوباً مكتوباَ عليه باليونانية، فجعلت أترجمه والرشيد ينظر إليَ، وأنا لا أعلم، فكانت ترجمته. بسم الله الرحمن الرحيم، يا ابن آدم غافص الفرصة عند إمكانها، وكِل الأمور إلى وليها، ولا يحملنك إفراط السرور على المأتم، ولا تحمل على نفسك هم يوم لم يأت، فإنه إن يك من أجلك وبقية عمرك يأت الله فيه برزقك، ولا تكن من المغرورين بجمِع المال، فكم قد رأينا جامعاً لبعل حليلته، ومقتراً على نفسه، موفراَ لخزانة غيره وقد كان تاريخ هذا الكتاب في ذلك اليوم زائداً على الذي سنة.

وباب هرقلة مُطِل عَلَى واد وخندق يطيف بها، وذكر جماعة من أهل الخبرة من أهل الثغور أن أهل هرقلة لما اشتد بهم الحصار، وعضتهم الحرب بالحجارة والسهام والنار فتحوا الباب فاستشرف المسلمون لذلك - ، فإذا رجل من أهلها كأجمل الرجال قد خرج في أكمل السلاح، فنادى: يا معشر العرب: قد طالت مواقفتكم إيانا، فليخرج إلي منكم الرجل والعشرة إلى العشرين مبارزة، فلم يخرج إليه من الناس أحد، ينتظرون إذْنَ الرشيد، وكان الرشيد نائماً فعاد الرومي إلى حصنه، فلما استيقظ أخبر بذلك، فتأسف ولام خدمه على تركهم إيقاظَهُ، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إن امتناع الناس منه اليوم يطْمعه ويطغيه ويجرئه أن يخرج في غدٍ فيطلب المبارزة ويعود لمثل قوله، فطالت على الرشيد ليلته، وأصبح كالمنتظر له، إذ فتح الباب، فإذا الفارس قد خرج، وعاد إلى كلامه، فقال الرشيد: مَنْ له؟ فابتدره جلة القواد، فعزم على إخراج بعضهم، فضَجّ أهل الثغور والمتطوعة بباب المضرب، فأذن لبعضهم، وفي مجلسه مخلد بن الحسين وإبراهيم الفزاري، فدخلوا، فقالوا: يا أمير المؤمنين، قوادك مشهورون بإلباس والنجدة، وعلو الصيت ومباشرة الحرب ومتى خرج واحد منهم وقتل هذا العلج لم يكبر ذلك، وإن قتله العلج كانت وصمة على العسكر عظيمة، وثلمة لا تنسد، ونحن عامة لا يرتفع لأحد منا صيت فإن رأى أمير المؤمنين أن يختار رجَلَا منا يخرج إليه فعَل، فصوَّبَ الرشيد رأيهم وقال مخلد وإبراهيم: صدقوا يا أمير المؤمنين، فأومؤا إلى رجل منهم يعرف بابن الجزري مشهور في الثغور موصوف بالنجدة، فقال له الرشيد: أتخرج إليه؟ قال: نعم، وأستعين باللّه عليه، فقال: أعطوه فرساً وسيفاً ورمحاً وترساً، فقال: يا أمير المؤمنين أنا بفرسي أوثق، ورمحي في يدى أشد، ولكن قد قبلت السيف والترس. فلبس السلاح، وأشتدناه الرشيد فودعه وأتبعه بالدعاء، وخرج معه عشرون من المتطوعة، فلما انقضَّ في الوادي قال لهم العلج وهو يعدهم واحداً: إنما كان الشرط عشرين، وقد إزددتم رجلَاَ ولكن لا بأس، فناده: ليس يخرج لك منا إلا رجل واحد، فلما فصل منهم ابن الجزري تأمله العلج، وقد أشرف أكثر الروم من الحصن يتأملون صاحبهم، فقال له الرومي: أتصدقني عما أسألك عنه؟ قال: نعم، قال: أنت ابن الجزري باللّه. قال: اللهم نعم، فكُف لك، قال: بل كُف، ثم أخذا في شأنهما، فتطاعَنَا حتى طال الأمر بينهما، وكاد الفرَسَان أن يقوما تحتهما، وليس واحد منهما خدَش صاحبه، ثم رميا برمحيهما هذا نحو أصحابه وهذا نحو حصنه، وانتضَيَا سُيُوفهما وقد اشتد الحر عليهما، وتبلد جواداهما، فجعل ابن الجزري يضرب الرومي الضربة التي يظن أنة قد بالغ فيها فيتقيها الرومي، وكانت درقته حديداً، فيسمع لها صوت منكر، ويضربه الرومي فيغوص سيفه لأن ترس ابن الجزري كان درقة تبتية، وكان العلج يخاف أن يغوص السيف فيعطب، فلما يئس كل واحد منهما من صاحبه انهزم ابن الجزري، فداخلت الرشيد والمسلمين من ذلك كآبة لم يصبهم مثلها، وعطعط المشركون من حصنهم، وإنما كانت حيلة من ابن الجزري، فاتبعه العلج وعلا عليه، فلما تمكن منه ابن الجزري رماه بوهق فاختطفه من سرجه، ثم عطف عليه، فما وصَلَ إلى الأرض جسده حتى فارقه رأسه، وكبر المسلمون، وانكسر المشركون، وبادروا الباب ليغلقوه، واتصل الخبر بالرشيد، فصاح بالقُؤاد أن يجعلوا في حجارة المجانيق النار، فليس عند القوم دفع بعدما، وعاجلهم المسلمون إلى الباب فدخلوها بالسيف، وقيل: إنهم نادوا بالأمان، فأمنوا، وافتتاحها عَنْوَةً أشهر من قول مَنْ قال.: إنها فتحت صلحاً، فقال في ذلك الشاعر الحكمي وهو أبو نواس:
هَوَتْ هِرَقْلَةُ لما رأت عجبا ... جواثما ترتمي بالنفط والنار
كأنَ نيرانَنَا من جنب قلعتهم ... كمشعلات على أرسان قصار
وهذا كلام ضعيف ولكن قد عظم قدره في ذلك الوقت للمعنى، وعظمت لصاحبه الجائزة، وصُبَّت الأموال على ابن الجزري، وقؤدَ، وخُلع عليه، فلم يقبل شيئاً من ذلك، وسأل أن يُعْفى ويترك على ما هو عليه. ففي هذا يقول الشاعر أبو العتاهية:
ألا نادت هِرَقْلَةُ بالخراب ... من الملك المُوَفق للصواب
غدا هارُونُ يرعد بالمنايا ... ويبرق بالمذكَرَةِ العضاب

ورايات يحل النصر فيها ... تمر كأنها مَر السحاب
أميرَ المؤمنين ظفرت فاسلم ... وأبشر بِالغنيمةِ والِإياب
وللرشيد مع يعفور هذا بعد ذلك أخبار كثيرة، وقد أتينا على مبسوطها في كتابنا الأوسط، وما كان من خبره في إرساله ليحيى بن الشخير حين أمره أن يتطارش على يعفور، وما كان من يعفور وإخباره لبطارقته أن الرشيد بعث بهذا متصامماً، وما طالبه ابن الشخير بدينار أو درهم عليه صورة الملك حين عرضت عليه الخزائن، وما كان من انقياد يعفور بعد ذلك إلى طاعة الرشيد، وشرطه عليه أن يحمل إليه أينما كان من ماء عين العشيرة، هي عين البربدون، وهي في نهاية الصفاء والرقة، وغير ذلك مما عنه أمسكنا للاختصار.
ثم ملك بعد يعفور استراق بن يعفور بن استراق في أيام محمد الأمين، فلم يزل ملكاً حتى غلب على الملك قسطنطين بن قلفط، وكان ملك قسطنطين هذا في خلافة المأمون.
ثم ملك بعده توفيل، وذلك في خلافة المعتصم، وهو الذي فتح زبطرة، وغزاه المعتصم بالله ففتح عمورية، وسنورد خبره فيما يرد من هذا الكتاب في أخبار المعتصم، إن شاء الله تعالى.
ثم ملك بعده ميخائيل بن توفيل وذلك في خلافة الواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين.
ثم كان بين الروم تنازع في الملك، فملكوا عليهم توفيل بن ميخائل ابن توفيل ثم غلب على الملك بسيل الصقلبي، ولم يكن من أهل ييت الملك، وكان ملكه أيام المعتز والمهتدي، وبعض خلافة المعتمد.
ثم ملك بعده ابنه اليون بن بسيل بقية أيام المعتمد و صدراً من أيام المعتضد.
ثم هلك فملكوا عليهم ابناً له يُقال له الاسكندروس فلم يحمدوا أمره، فخلعوهُ وملكوا عليه أخاه لاوي بن اليون بن بسيل الصقليي وكان ملكه بقيَّة أيام المعتضد والمكتفي و صدراً من أيام المقتدر.
ثم هلك وخلف ولداً صغيراً يُقال له قسطنطين فملك وغلب على مشاركته في الملك أرمنوس بطريقُ البحر وصاحب غَزْوه وحروبه، فزوّج قسطنطين الصبيً بابنته، وذلك في بقية أيام المقتدر وأيام القاهر والراضي والمتقي، إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - في خلافة أبي إسحاق المتقي لله بن المقتدر.
وملوك الروم في هذا الوقت المؤرخ ثلاثة، والأكبر منهم والمدبر لأمور أرمنوس المتغلب، ثم الثاني وهو قسطنطين بن لاوي بن اليون بن بسيل، والملك الثالث ابن لأرمنوس، يخاطَبُ بالملك، واسمه اسطفنوس وجعل أرمنوس ابنَاَ له آخَرَ صاحبَ الكرسيّ بالقسطنطينية، وهو البطرك الأكبر الذي يأخذون عنه دينهم، وقد كان خَصَاه قبل ذلك، وقربه إلى الكنيسة، وأمرُ الروم يدور في وقتنا هذا على من ذكرنا من ملوكهم.
قال المسعودي: وإلى هذا الوقت انتهت أخبار ملوك الروم، على حسب ما ذكرنا، والله أعلم ما يكون من أمرهم في المستقبل من الزمان.
مدة ملك الروم
فعدد سني ملوك الروم المتنصرة من قسطنطين بن هلاني، وهو المظهر لدين النصرانية على ما ذكرنا، إلى هذا الوقت، خمسمائة سنة وسبع سنين، والذي أجمع عليه من عدد ملوكهم - من قسطنطين إلى هذا الوقت المؤرخ - أحد وأربعون ملكاً، ولم يعد بعدُ ابن أرمنوس، ووقع العدد على قسطنطين وأرمنوس اللذين هما ملكا الروم في هذا الوقت المؤرخ، وإن أدخلنا في هذا العمد ابن أرمنوس فعدد ملوك الروم من بدء النصرانية - وهو الملك قسطنطين بن هلاني - اثنان وأربعون ملكاً، في مدة هذه السنين المذكورة.
وقد ذهب جماعة ممن عُني بأخبار العالم إلى أن مِنْ حين هَبَطَ آدم عليه السلام إلى هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ستة آلاف سنة ومائتين وتسعاً وخمسين سنة، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب جملاً من تاريخ سني العالم والأنبياء والملوك في بابٍ نفرعه لذلك، إن شاء الله تعالى.
ذكر مصر وأخبارها ونيلها وعجائبها وأخبار ملوكها
وغير ذلك مما أتصل بهذا الباب
ذكر مصر في القرآن

قال المسعودي: ذكَرَ الله جل ثناؤه مصر في مواضع من كتابه، فقال عز وجل: " وقال الذي اشتراهُ مِنْ مِصْر " وقال " أدْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ الله آمِنِينَ " وقال تعالى: " وَأوْحَيْنَا إلى مُوسى وأخيه أن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمصر بُيُوتا " وقال: " اهْبطُوا مِصراً فإنَّ لكُمْ مَا سَألْتُمْ " وقال تعالى: " وقال نِسْوةٌ في المدِينَةِ امرأةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فتَاهَا عَنْ نَفسِه " .
وصف مصر
ووصف بعض الحكماء مصر فقال: ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء، وثلاث أشهر مسكة سوداء، وثلاثة أشهر زمردة خضراء، وثلاثة أشْهُر سبيكة ذهب حمراء فأما اللؤلؤة البيضاء فإن مصر في شهر أبيب - وهو تموز - ومِسري - وهو آب - وتوت - وهو أيلول - يركبها الماء فترى الدنيا بيضاء، وضِيَاعها على رَاوَبِيَ وتلال مثل الكواكب، قد أحاطت المياه بها من كل وجه، فلا سبيل لبعض البلاد إلى بعض إلا في الزوارق، وأما المسكة السوداء فأن في شهر بابه - وهو تشرين الأول - وهاتور - وهو تشرين الثاني، وكيهك - وهو كانون الأول - ينكشف الماء عنها، وينضب عن أرضها فتصير أرضاً سوداء، وفيها تقع الزراعات، وللأرض روائح طيبة تشبه روائح المسك، وأما الزمردة الخضراء، فإن في شهر طوبة - وهو كانون الثاني - وأمشير - وهو شباط - وبرمهات - وهو آذار - تلمع ويكثر عشبها ونباتها؟ فتصير كألزمردة الخضراء وأما السبيكة الحمراء فإن في شهر برمودة - وهو نيسان - وبشنس - وهو أيَّارُ - وبؤونة - وهو حزيران - يبيضُ الزرع، ويتورد العشب، فهو كسبيكة الذهب منظراً ومنفعة.
وسنذكر هذه الشهور بالسريانية والعربية والفارسية، ونسمىِ كل شهر منها بعد هذا الموضع من هذا الكتاب، وإن كنا قد أتينا على جميع ذلك في الكتاب الأوسط.
ووصف آخَرُ مصر فقال: نيلها عجب، وأرضها ذهب، وخيرها جَلَب وملكها لمن سلب، ومالها رغب، وفي أهلها صَخَب، وطاعتهم رَهَب، وسلامهم شغب، وحروبهم حَرب، وهي لمن غلب.
نهر النيل
ونهرها النيل من سادات الأنهار، وأشراف البحار؟ لأنه يخرج من الجنة على حسب ما ورد به خبر الشريعة إن النيل وسيحان، وهو نهر أدبه من الثغر الشامي، ويصب إلى البحر الرومي، ومخرجه على ثلاثة أيام من ملطية، ويجري في بلاد الروم، وليس للمسلمين عليه إلا مدينة أذنة بين طرسوس والمصيصة، وجيحان، ومخرجه من عيون تعرف بعيون جيحان على ثلاثة أيام من مدينة مرعش، ويطرح إلى البحر الرومي، فليس للمسلمين عليه من المدن إلا المصيصة وكفربيا، ومجراه بينهما، والفرات وقد قدمنا الأخبار عنه وعن النيل ومبدئهما ومقدار جريانهما على وجه الأرض ومصبهما، فيما سلف من هذا الكتاب، وأنه يخرج من الجنة، وكذلك الدجلة وغيرها مما اشتهر من الأنهار الكبار.
وقد قالت العرب في النيل: إنه إذا زاد غاضت له الأنهار والأعين والأبار، وإذا غاض زادت؟ فزياداتها من غَيْضه، وغيضهُ من زياداتها.
قال البسري : يغيض إن زاعت له الأنهار في الأرض ذات العرض والمقدار وقالت الهند: زيادته ونقصانه بالسيول، ونحن نعرف ذلك بتوالى الأنواء وكثرة الأمطار، وركود السحاب.
وقالت الروم: لم يزد قط ولم ينقص، وءإنما زيادته ونقصانه من عيون كثرت واتصلت.
وقالت القبط: زيادته ونقصانه من عيون في شاطئه، يراها مَنْ سافر ولحق بأعاليه.
وقيل: لم يزد قط، وإنما زيادته بريح الشمال إذا كثرت واتصلت به، فتحبسه، فيفيض على وجه الأرض.
وقد ذكرنا التنازع في النيل وزيادته ممن سلف وخلف، على الشرح والإيضاح، وغيره من الأنهار الكبار والبحار والبحيرات الصغار، في كتاب أخبار الزمان في الفن الثاني، فأغنى ذلك عن إعادتها في هذا الكتاب.
وصف مصر أيضاً
ومصر من سادات القُرَى، ورؤساء المدن، قال الله تعالى: حاكياً عن فرعون: " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، أفلا تُبصرُون " وقال عزّ وجل حاكياً عن يوسف عليه السلام: " اجعلني على خزائن الأرضِ، إني حفيظ عليم " وهي مصر، وليس في أنهار الدنيا نهر يسمى بحراَ ويَمّاً غير نيل مصر لكبره واستبحاره، وقد قدمنا فيما سلف من كتبنا الخبر عن جبل القمر الذي بَدْء النيل منه، وما يظهر من تأثير القمر فيه عند زيادته ونقصانه من النور والظلام في البدر والمحاق .

وقد روي عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: " فإن لم يصبها وابل فطل " ، قال: هي مصر، إن لم يصبها وابل زَكَتْ، وإن أصابها مطر ضعفت، وقال بعض الشعراء يصف مصر ونيلها: مصر، ومصْر شأنها عجيب ونيلها تجري به الجنوب وهي مصر، واسمها كمعناها، وعلى اسمها سميت الأمصار، ومنه اشتق هذا الاسم عند علماء البصريين، وقد قال عمرو بن معد يكرب:
ما النَيل أصبح زاخراً بمدوده ... وجرت له ريح الصًبَا فجرى لها
عّودْتَ كندة عادة مجموعة ... فاصبر لجاهلها وَرَوِّسِجَالَهَا
زيادة النيل ونقصانه
قال االمسعودي: ويبتدئ نيل مصر بالتنفس والزيادة بقية بؤونة - وهو حزيران - وأبيب - وهو تموز - ومسرى - وهو آب - فإذا كان الماء زائداً زاد شهر توت كله - وهو أيلول - إلى انقضائه، فإذا انتهت الزيادة إلى ست عشرة فراعاً، ففيه تمام الخراج، وخصب الأرض، ورَيْع للبلد عام، وهو ضار للبهائم لعدم المرعى والكل، وأتم الزيادات كلها العامة النفع للبلد كله سبع عشرة فراعاً، وفي ذلك كفايتها، وَرَفيُ جميع أراضيها، وإذا زاد على السبع عشرة وبلغ ثمان عشرة فراعاً وغلقها استبحر من أرض مصر الربع، وفي ذلك ضرر لبعض الضياع، لما ذكرنا من وجه الاستبحار وغير ذلك، وإن كانت الزيادة ثمان عشرة فراعاً كانت العاقبة في انصرافه حدوث وباء بمصر، وأكثر الزيادات ثمان عشرة فراعاً، وقد كان النيل بلغ في زيادته تسع عشرة فراعاً، وذلك سنة تسع وتسعين في خلافة عمر بز عبد العزيز، ومساحة. الفراعِ إلى أن تبلغ اثني عشر فراعاً ثمان وعشرون أصبعاً، ومن اثني عشر فراعاَ وما فوق يصير الفراع أربعاً وعشرين أصبعاً، وأقل ما يبقى في قاع المقياس من الماء ثلاثة أفرع، وفي مثل تلك السنة يكون الماء قليلاً، والأفرُعُ التي يستسقي عليها بمصر هي فراعان تسميان منكراً ونكيراً، وهي الفراع الثالث عشر، والفراع الرابع عشر، فإذ انصرف الماء عن هاتين الفراعين - أعني ثلاث عشرة وأربع عشرة - وزيادة نصف ذراع من الخمس عشرة، استسقى الناس بمصر، وكان الضرر شاملاً لكل البلدان، إلا أن يأذن اللّه عز وجل في زيادة الماء، وإذا تم خمس عشرة ودخل في ست عشرة ذراعاً كان فيه صلاح لبعض الناس، ولا يستسقي فيه، وكان ذلك نقصاً من خراج السلطان، والترع التي بَغيْضة مصر أربع أمهات؟ أسماؤها: ترعة ذنب التمساح، وترعة بلقينة، وخليج سردوس، وخليج ذات الساحل، وتفتح هذه الترع إذا كان الماء زائداً في عيد الصليب، وهو لأربع عشرة تخلو من توت وهو أيلول، وقد قدمنا خبر تسمية هذا اليوم بعيد الصليب فيما سلف من هذا الكتاب، والنبيذ الشيراري يتخذ بمصر من ماء طوبة، وهو كانون الآخر، بعد الغطاس، وهو لعشرة تمضي من طوبة، وأصفى ما يكون النيل في ذلك الوقت، وأهل مصر يفتخرون بصفاء النيل في هذا الوقت، وفيه تختزن المياه أهل تنيس ودمياط وبونة وسائر قرى البحيره.
ليلة الغطاس
ولليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند أهلها، لا ينام الناس - فيها، وهي ليلة إحدى عشرة تمضي من طوبة وستة من كانون الثاني.
ولقد حضرت سنة ثلاثين وثلثمائة ليلة الغطاس بمصر، والإخشيد محمد بن ظغج في داره المعروفة بالمختارة في الجزيرة الراكبة للنيل والنيل يطيف بها، وقد أمر فأسرج من جانب الجزيرة وجانب الفسطاط ألف مشعل غير ما أسرج أهل مصر من المشاعل والشمع، وقد حضر النيل في تلك الليلة مئو آلاف من الناس من المسلمين والنصارى، منهم في الزوارق، ومنهم في الدور الدانية من النيل، ومنهم على الشطوط، لايتنا كرون الحضور، ويُحْضِرون كل ما يمكنهم إظهاره من المأكل والمشارب والملابس وآلات الذهب والفضة والجواهر والملاهي والعزف والقصف، وهي أحسن ليلة تكون بمصر، وأشملها سروراً، ولا تغلق فيها الدروب، ويغطس أكثرهم في النيل، ويزعمون أن ذلك أمان من المرض ومبرئ للداء.
مقاييس النيل

قال االمسعودي: وأما المقاييس الموضوعة بمصر لمعرفة زيادة النيل ونقصانه فإني سمعت جماعة من أهل الخبرة يخبرون أن يوسف النبي صلى الله عليه وسلم، حين بنى الأهرام، اتخذ مقياساً لمعرفة زيادة النيل ونقصانه، وأن ذلك كان بمنف، ولم يكن الفسطاط يومئذ، وأن دلوكة الملكة العجوز وضعت مقياساً بأقصى الصعيد، ووضعت أيضاً مقياساً آخر ببلاد إخميم، فهذه المقاييس الموضوعة قبل مجيء الإسلام، ثم ورد الإسلام، وافتتحت مصر، وكانوا يعرفون زيادة النيل بما ذكرنا ونقصانه بما وصفنا، إلى أن ولي عبد العزيز بن مروان، فاتخذ مقياساً بحلوان، وهو صغير الذراع، وحلوان فوق الفسطاط، ثم اتخذ اسأمه بن زيد التنوخي مقياساً بالجزيرة التي تدعى جزيرة الصناعة، وهي الجزيرة التي بين الفسطاط والجيزة، والمَعْبَر عليها من الفسطاط على الجسر، ثم منها على جسر آخر إلى الجيزة، وهو الجانب الغربي، لأن الفسطاط من الجانب الشرقي، وهذا المقياس الذي أتخذه اسأمه بن زيد التنوخي هو أكثرها استعمالا، واتخذ ذلك في أيام سليمان بن عبد الملك بن مر وأن، وهو المقياس الذي يعمل عليه في وقتنا هذا - وهو سنة اثنتِن وثلاثين وثلثمائة - بالفسطاط، وقد كان مَنْ سلف يقيسون بالمقياس الذي بمنف، ثم ترك استعماله، وعملى على مقياس الجزيرة المعمول في أيام سليمان بن عبد الملك، وفي هذه الجزيرة مقياس آخر لأحمد بن طولون، والعمل عليه عند كثرة الماء، وترادف الرياح، واختلاف مَهَابها، وكثرة الموج، وِقد كانت أرض مصر كلها تروي من ست عشرة ذراع اً عامرها وغامرها، لما أحكموا من جسورها، وبناء قناطرها، وتنقية خلجانها، وكان بمصر سبع خلجانات: فمنها خليج الإسكندرية، وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج سرعوس، وخليج المنهي.
وكانت مصر فيما يذكر أهل الخبرة أكثر البلاد جناناً، وذلك أن جنانها كانت متصلة بحافتي النيل من أوله إلى آخره، من حد أسوان إلى رشيد، وكان الماء إذا بلغ في زيادته تسعة أفرع دخل خليج المنهي وخليج الفيوم وخليج سرعوس وخليج سخا، وكان الذي ولي حفر خليج سردوس لفرعون عدو اللّه هامان، فلما ابتدأ في حَفره أتاه أهل القرى يسألونه أن يُجْري الخليج إلى تحت قراهم، ويعطوه على ذلك ما أراد من المال، وكان يعمل ذلك حتى اجتمعت له أموال عظيمة، فحمل تلك الأموال إلى فرعون، فلما وضعها بين يديه سأله عنها فأخبره بما فعل، فقال فرعون: إنه ينبغي للسيد أن يعطف على عبيدة، ويفيض عليهم معروفه، ولا يرغب فيما في أيديهم، ونحن أحق مَنْ فعل هذا بعبيده، فاردد على أهل كل قرية ما أخذته منهم، ففعل ذلك هامان، ورد على أهل كل قرية ما أخذ منهم، فليس في الخلجان التي بأرض مصر أكثر عطوفاً وعزاقيل من خليج سردوس، وأما خليج الفيوم، وخليج المنهي فإن الذي حفرهما يوسف بن يعقوب صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الريان بن الوليد ملك مصر لما رأى رؤياه في البقر والسنابل وعبَرَها يوسف عليه السلام استعمله على ما كان يلي من أرض مصر، وقد أخبر الله بذلك عند إخباره عن نبيه يوسف بقوله " اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظ عليم " .
معاونة المسلمين الكفار
قال المسعودي: وقد تنازع أهل الملة في تصرف المؤمنين مع الفاسقين: فمنهم من رأى أن الملك كان مؤمناً، ولولا ذلك ما وسع يوسف معاونة الكفار والتصرف في أوامرهم ونواهيهم، ومنهم من رأى أن ذلك جائز عَلَى ما توجبه أحوال الوقت والأصلح للحال، وقد ذكرنا قول كل فريق من هؤلاء في كتابنا في المقالات في أصول الديانات.
الفيوم
وأما أخبار الفيوم من صعيد مصر وخلجانها من المرتفع والمطاطي ومطاطي المطاطي، وهذه عبارة أهل مصر يريدون بذلك المنخفض، وكيفية فعل يوسف فيها وعمارته أرضها بعد كونها خرِبة ومصفاة لمياه الصعيد، وهى جزيرة قد أحاط الماء حينئذ لأكثر أقطارها، فقد أتيتا على، ذلك في الكتاب الأوسط فأغنى عن إعادته في هذا الكتاب، وكذلك في تسمية الفيوم فيوماً، وأن ذلك ألف يوم، وما كان من خبر يوسف مع الوزراء وحسدهم إياه.

وقد كانت مصر - على ما زعم أهل الخبرة والعناية بأخبار شأن هذا العالم - يركب أرضَهَا ماء وينبسط على بلاد الصعيد إلى أسفل الأرض، وموضع الفسطاط في وقتنا هذا، وقد كان بدء ذلك من موضع يعرف بالجنادل بين أسوان والحبشة وقد قدمنا ذكر هذا الموضع فيما سلف من هذا الكتاب، إلى أن عرض لذلك موانع من انتقال الماء وجريانه، وما ينقل من التربة بتيَّاره من موضع إلى موضع فيصب من بعض المواضع من بلاد مصر على حسب ما وصفنا عن صاحب المنطق في عمران الأرض وخرابها فيما سلف من هذا الكتاب، فسكن الناس بلاد فصر، ولم يزل الماء ينصب عن أرضها قليلاً قليلاً حتى امتلأت أرض مصر من المدن والعمائر، وطرقوا للماء، وحَفروا له الخلجانات، وعقدوا في وجهه المسنّاة، إلا أن ذلك خفي على ساكنيها، لأن طول الزمان أذهب معرفة أول سكناهم كيف كان ذلك، ولم نتعرض في هذا الكتاب لذكر العلة الموجبة لامتناع المطر بمصر ولا لكثير من أخبار الإسكندرية وكيفية بنائها، والأمم التي تداولتها والملوك التي سكنتها من العرب وغيرهم؟ لأنا قد أتينا على ذلك في الكتاب الأوسط، وسنذكر بعد هذا الموضع جملاً من أخبارها، وجوامع من كيفية بنائها، وما كان من أمر الإسكندر فيها.
بين ابن طولون ورجل من مصر
قال المسعودي: وقد كان أحمد بن طولون بمصر بَلَغَه في سنة نيف وستين ومائتين أن رجلًا بأعالي بلاد مصر من أرض الصعيد له ثلاثون ومائة سنة من الأقباط، ممن يشار إليه بالعلم من لدن حداثته، والنظر والِإشراف على الآراء والنحل من مذاهب المتفلسفين وغيرهم من أهل الملل، وأنه علامة بمصر وأرضها من برها وبحرها وأخبارها وأخبار ملوكها، وأنه ممن سافر في الأرض، وتوشَطَ الممالك، وشاهد الأمم من أنواع البيضان والسودان، وأنه ذو معرفة بهيئات الأفلاك والنجوم وأحكامها، فبعث أحمد بن طولون برجل من قواده في أصحابه، فحمله في النيل إليه مكرماً، وكان قد انفرد عن الناس في بنيان اتخذه، وسكن في أعلاه، وقد رأى الولد الرابع عشر من ولد ولده، فلما مثل بحضرة أحمد بن طولون نظر إلى رجل دلائلُ الهرم فيه بينة، وشواهد ما أتي من الدهر ظاهرة، والحواسُّ سليمة والقضية قائمة، والعقل صحيح، يفهم عن مخاطبة، ويحسن البيان والجواب عن نفسه، فأسكنه بعض مقاصيره، ومَهَّد له، وحمل إليه لذيذ المآكل والمشارب، فأبى أن يتواطأ على شيء، وأن يتغذى إلا بغذاء كان حمله معه من كعك وغيره، وقال: هذه بِنْية قوامُهَا بما ترون من هذا الغذاء، وهذا الملبس، فإن أنتم سُمْتُمُوها النقلة عن هذه العادة وتناول ما أوردتموه عليها من المآكل والمشارب والملابس كان ذلك سبب انحلال هذه البِنْيَة، وتفريق هذه الصورة، فترك على ما كان عليه، وما جرت به عادته، وأحضر له أحمد بن طولون من حضره من أهل الحراية، وصرف همته عليه، وأخلى نفسه له في ليال وأيام كثيرة، يسمع كلامه وإيراداته وجواباته فيما يسأل عنه، فكان مما سئل عنه الخبر عن بحيرة تنيس ودمياط، فقال: كانت أرضاً لمِ يكن بمصر مثلها استواء وطيب تربة وثراوة، وكانت جناناً ونخلاً وكرماَ وشجراً ومزارع، وكانت فيها مجارٍ على ارتفاعٍ من الأرض وقرى على قرارها، ولم ير الناس بلداً كان أحسن من هذه الأرض، ولا أحسن اتصالاً من جنانها وكرومها، ولم يكن بمصر كورة يقال إنها تشبهها إلا الفيوم وكانت أكثر خيراً من الفيوم وأخصب وأكثر فاكهة ورياحين من الأضناف الغريبة، وكان الماء منحدراً إليها لا ينقطع عنها صيفاً ولا شتاءً، يسقون منه جنانهم إذا شاءوا، وكذلك زروعهم وسائره يصب إلى البحر من سائر خُلْجَانه، ومن الموضع المعروف بالأشتوم، وقد كان

بين البحر وبين هذا الارض نحو مسيرة يوم قبرس تسلكه الدواب يَبَساً، ولم يكن فيما بين العريش وجزيرة قبرس إلا مَخَاضة، وجزيرة قبرس اليوم بينها وبين العريش في البحر سير طويل، وكذلك فيما بينها وبين أرض الروم، وقد كان بين الأندلس وبين الموضع الذي يسمى الخضراء - وهو قريب من فاس المغرب وطنجة - قنطرة مبنية بالحجارة والطوب تمر عليها الإِبل والدواب من ساحل المغرب من بلاد الأندلس إلى المغرب، وماء البحر تحت تلك القنطرة متقطع خلجانات صغاراً تجري تحت قناطرها وما عقد من الطاقات تحتها على صخور صُمّ، وقد عقد من كل حجر إلى حجر طاق، وهو مبدأ بحر الروم الأخذ من أوقيانوس، وهو البحر المحيط الأكبر، فلم يزل البحر يزيد ماؤه ويعلو أرضاً فأرضاً في طول ممر السنين، يرى زيادته أهل كل زمان، ويتبينه أهل كل عصر، ويقفون عليه، حتى علا الماء الطريق الذي كان بين العريش وبين قبرس وعلا القنطرة التي كانت بين الأندلس وبَرِّطنجة، وما وصفتُ فبينٌ ظاهر عند أهل الأندلس وأهل فاس من بلاد المغرب من خبر هذه القنطرة، وربما بدا الموضع لأهل المراكب تحت الماء، فيقولون: هذه القنطرة، وكان طولها نحو اثني عشر ميلاً، في عرض واسع، وسمو بين، فلما مضت لديقلطيانوس من ملكه مائتان وإحدى وخمسون سنة هجم الماء من البحر على بعض المواضع التي تسمى اليوم بحيرة تنيس فأغرقه، وصار يزيد في كل عام حتى أغرقها بأجمعها، فما كان من القرى التي في قرارها غرق، وأما التي كانت على ارتفاع من الأرض فبقيت منها بونة وسمنور وغيم ذلك مما هي باقية إلى هذا الوقت، والماء محيط بها، وكان أهل القرى التي في هذه البحيرة ينقلون موتاهم إلى تنيس فيقبرونهم واحداً فوق آخر، وهي الأكوام الثلاثة التي تسمى اليوم أبو الكوم، وكان استحكام غرق هذه الأرض بأجمعها وقد مضى لديقلطيانوس الملك مائتان و إحدى وخمسون سنة، ذلك قبل أن تفتح مصر بمائة سنة، وقال: وقد كان لملك من ملوك الأمم كانت داره الفر ما مع أركون من أراكنة البلينا وما اتصل بها من الأرض حروب وخنادق وخلجانات فتحت من النيل إلى البحر، يمنع كل واحد من الآخر، وكان ذلك داعياً لتشعب الماء من النيل واستيلائه على هذه الأرض.
وسئل عن ملوك الأحابش على النيل وممالكهم فقال: لقيت من ملوكهم ستين ملكاً في ممالك مختلفة، كل ملك منهم ينازع من يليه من الملوك، وبلادهم حارة يابسة مسودة ليبسها وحرارتها ولاستحكام النارية فيها تغيرت الفضة ذهباً لطبخ الشمس إياها لحرارتها ويبسها وناريتها فتحولت ذهباً، وقد يطبخ الذهب التي يؤتى به من المعدن خالصاً صفائح بالملح والزاج والطوب فيخرج منه فضة خالصة بيضاء، وليس يدفع هذا الأمر إلا منْ المعرفة له بماوصفنا، ولا قارب شيئاً مما ذكرنا.
قيل له: فما منتهى النيل في أعاليه؟ قال: البحيرة التي لا يدرك طولها وعرضها، وهى نحو الأرض التي الليل والنهار فيها متساويان طول الدهر، وهي تحت الموضع الذي يسميه المنجمون الفلك المستقيم، وما ذكرت فمعروف غير منكر.
الأهرام
وسئل عن بناء الأهرام، فقال: إنها قبور الملوك، وكان الملك منهم إذا مات وضع في حوض حجارة وشمى بمصر والشام الجرن وأطبق عليه، ثم يبنى من الهرم على قدر ما يريدون من ارتفاع الأساس، ثم يحمل الحوض فيوضع وسط الهرم، ثم يقنطر عليه البنيان والأقباء، ثم

يرفعون البناء على هذا المقدار الذي ترونه ويجعل باب الهرم تحت الهرم، ثم يحفر له طريق في الأرض بعقد أزج، فيكون طول الأزج تحت الأرض مائة ذراع وكثر، ولكل هرم من هذه الأهرام باب يدْخَل منه على ما وصفت، فقيل له: فكيف بنيت هذه الأهرام المملسة؟ وعلى أي شيء كانوا يصعدون ويبنون؟ وعلى أي شيء كانوا يحملون هذه الحجارة العظيمة التي لا يقدر أهل زماننا هذا على أن يحركوا الحجر الواحد إلا بجهد إن قدروا؟ فقال: كان القوم يبنون الهرم مدرجا ذا مراقي كالدرج، فإذا فرغوا منُه نحتوه من فوق إلى أسفل، فهذه كانت حيلتهم، وكانوا مع هذا لهم صبْر وقوة وطاعة لملوكهم ديانة. فقيل له: ما بال هذه الكتابة التي على الأهرام والبرابي لا تقرأ؟ فقال: دَثَرَ الحكماء وأهل العصر الذين كان هذا قلمهم، وتداول أرض مصر الأمم، فغلب على أهلها القلم الرومي، وأشكال الأحرف للروم، والقبط تقرؤه على حسب تعارفها إياه، وخلطها الأحرف الروم بأحرفها، على حسب ما ولّمُوا من الكتابة بين الرومي والقبطي الأول؟ فذهبت عنهم كتابة آبائهم.
فقيل له: فمن أول من سكن مصر؟ قال: أول من نزل هذه الأرض مصر بن بيصر بن حام بن نوح، ومر في أنساب ولد نوح الثلاثة وأولادهم، وتفرقهم في الأرض.
فقيل له: أتعرف بمصر مقاطع رخام؟ قال: نعم في الجانب الشرقي من الصعيد جبل رخام عظيم كانت الأوائل تقطع منه العمد وغيرها، وكانوا يَجْلُون ما عملوا بالرمل بعد النقر، فأما العمد والقواعد والرؤوس التي قسميها أهل مصر الأسوانية، ومنها حجارة الطواحين، فتلك نَقَرَها الأولون بعد حدوث النصرانية بمئين من السنين، ومنها العمد التي بالإسكندرية، والعمود الذي بها الضخم الكبير لا يعلم بالعالم عمود مثله، وقد رأيت في جبل أسوان أخاً لهذا العمود قد هندس ونقر ولم يفصل من الجبل، ولم ايُحك ما ظهر منه، وإنما كانوا ينتظرون أن يفصل من الجبل ثم يحمل إلى حيث يريد القوم.
وسئل عن مدينة العقاب، فقال: هي غربي أهرام بوصير الجيزة وهي على خمسة أيام بلياليها للراكب المجد، وقد وعرت طريقها وعميت المسالك إليها، والسمت الذي يؤدي نحوها، وذكرها فيها من عجائب البنيان والجواهر والأموال والعلة التي لها سميت مدينة العقاب، ووصف مدينة أخرى غربي أخميم من أرض الصعيد ذات بنيان عجيب اتخذتها الملوك السالفة، وذكر من شأن هذه المدينة الأخرى عجائب من الأخبار، وزعم أن بينها وبين إخميم من أرض الصعيد مسيرة ستة أيام.
وسئل عن النوبة وأرضها، فقال: هم أصحاب إبِل وبُخْت، وبقر وغنم، وملكهم يستعد الخيل العتاق، والأغلب من ركوب عوامهم البراذين، ورميهم بالنبل عن قسيئ عربية، وعنهم - أخذ الرمي أهل الحجاز واليمن وغيرهم من الغرب، وهم الذين يسميهم العرب رماة الحدق، ولهم النخل والكرم والذرة والموز والحنطة، وأرضهم كأنها جزء من أرض اليمن، وللنوبة أترج كأكبر ما يكون بأرض الِإسلام، وملوكهم تزعم أنهم من حمير، وملكهم يستولى على مقرا ونوبة وعلوة، وراء علوة أمة عظيمة من السودان تدعى بكنة وهم عُرَاة كالزنج، وأرضهم تنبت الذهب، وفي مملكة هذه الأمة يفترق النيل فيتشعّب منه خليج عظيم، ثم يخضر الخليج بعد انفصاله من النيل، وينحدر الأكثر إلى بلاد النوبة، وهو النيل لا يتغير، فلذا كان في بعض الأزمنة انفصل الأكثر من الماء في ذلك الخليج، وابيض الأكثر، واخضر الأقل، فيشق ذلك الخليج في أوديا وخلجان وأعماق مأنوسة حتى يخرج إلى جلاسق والجنوب، وذلك على ساحل الزنج، ومصبه في بحرهم.

ثم سئل عن الفيوم والمنهى وحجر اللاهون، فذكر كلاماً طويلًا فن أمر الفيوم، وأن جارية فن بنات الروم وابنها نزلوا الفيوم، وكانوا البدء في عمارتها وعمارة أرضها، وإنما كان الماء يأتي الفيوم من المنهي أيام جَرْي النيل، ولم يكن حجر اللاهون بني، وإنما كان مصب الماء من المنهي من الموضع المعروف بدمونة، ثم بني اللاهون على ما هو اليوم عليه ويقال: إن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، بناه أيام العزيز، ودبرَ من أمر الفيوم ما هو اليوم قائم بين من الخلج المرتفعة والمطاطية، وهو خليج فوق خليج فوق خليج، وبنى القنطرة المعروف بسفونة، وأقام العمود الذي في وسط الفيوم وهر غائص في الأرض لا يدْركة منتهاه منها، وهو أحد عجائب الدنيا مربع الشكل قد جهد أناس من الأمم ممن ورد بعد يوسف أن ينتهَوا إلى آخره في الأرض حَفراً فلم يتأت لهم ذلك، ولا قدروا عليه وغلبهم الماء فعجزهم، ورأس هذا العمود مساو لأرض المنهي، قال: وأما حجر اللاهون فإن من سطح الحجر الذي في بين القبتين إلى ناحية اللاهون، واللاهون هي القرية بعينها، ففي ما بيم السطح إلى القرية ستون درجة وربما مل الماء في المنهي، وظهر بعضُ الدرج، وفي حائط الحجر فوارات بعضها اليوم يخرج منه الماء، وبعض لا يرى، وفيما بين سطح الحجر الذي بين القبتين وبين القرية شاذروان وهو من أسفل الدرج، وإنما يدخل الماء الفيوم بوزن الحجر، وجعله الاستقالة - وهي القناطر - ليخرج الماء منها، ولا يعلو الماء الحجر أب سده، فبالتقدير بُني حجر اللاهون، وبقدر ما يكفي الفيوم من الماء يدخل إليها، وبناء حجر الهون من أعجب الأمور، ومن أحكم البنيان، ومن البناء الذي يبقى على وجه الأرض لا يتحرك ولا يزول، بالهندسة عملَ بالفلسفة أتقن، وفي السعود نصب، وقد ذكر كثير من أهل بلدنا أن يوسف عليه السلام عمل ذلك بالوحي، والله أعلم.
ولم تزل ملوك الأرض - إذا غلبت على بلادنا، واحتوت على أرضنا، صارت إلى هذا الموضع فتأملته؟ لما قد نمي إليها من أخباره، وسار في خليقة من عجائب بنيانه وإتقانه.
وكان هذا الرجل من أقباط مصر، ممن يظهر دين النصرانية ورأي بعقوبية، فأمر السلطان أحمد بن طولون في بعض الأيام، وقد أحضر جلسه بعض أهل النظر، أن يسأله عن الدليل على صحة دين النصرانية، مآله عن ذلك، فقال: دليلي على صحتها وجودي إياها متناقضة متنافية، تدفعها العقول، وتنفرد منها النفوس، لتباينها وتضادها، لا نظر يقويها، أ جدَلَ يصححها ولا برهان يعضدها من العقل والحس عند التأمل لها لفحْص عنها، ورأيت مع ذلك أمماً كثيرة، وملوكاً عظيمة ذوي معرفة وحسن رأي، قد انقادوا إليها وتدينوا بها، فعلمت أنهم لم يقبلوها، ولم يتدينوا بها - مع ما ذكرت من تناقضها في العقل - إلا لدلائل شاهدوها، وآبات علموها، ومعجزات عرفوها، أوجبت انقيادهم إليها والتدين أيها،،قال له السائل: وما التضاد الذي فيها؟ قال: وهل يدرك أو يعلم غايته؟ لما قولهم بأن الواحد ثلاثة، والثلاثة واحد، ووصفهم الأقانيم والجوهر و والثالوث، وهل الأقانيم في أنفسها قادرة عالمة أم لا؟ وفي اتحاد ربهم القديم بالإنسان المحدَثِ، وما جرى في ولادته وقتله وصلبه، وهل في التشنيع أكبر وأفحش من إله صُلب، وبُصق في وجهه، ووضع على رأسه الإكليل من الشوك، وضرب رأسه بالقضيب، وسمرت يداه، ونخس بالأسنة والخشب جَنْباه، وطَلَب الماء فسُقي الخل في بطيخ الحنظل ؟ فأمسكوا عن مناظرته، وانقطعوا عن مجادلته؟ لما قد أعطاهم من تناقض مذهبه وفساده ووهْيه .
ببن يهودي ونصراني

فقال طبيب لابن طولون يهودي وقد حضر المجلس: أيأذن لي الأمير في مخاطبته؟ قال: شأنك: فأقبل عَلَى القبطي مسائلًا له، فقال له القبطي: وما أنت أيها الرجل؟ وما نحلتك؟ فقال له: يهودي، فقال له: مجوسي إذا!؟ قال له: كيف ذلك وهو يهودي؟ قال: لأنهم يرون نكاح البنات في بعض الحالات، إذ كان في دينهم أن الأخ يتزوج بنت أخيه، وعليهم أن يتزوجوا نساء أخوتهم إذا ماتوا، فإذا وافق اليهودي أن تكون امرأة أخيه ابنته لم يجد بداً من أن يتزوجها، وهذا من أسرارهم، وما يكتمونه ولا يُظْهرونه، فهل في الَمجوسية أشنع من هذا؟ فأنكر اليهودي ذلك، وجحد أن يكون في دينه أو يعرفه أحد من اليهود، فاستخبر ابن طولون عن صحة ذلك، فوجد ذلك الطبيب اليهودي قد تزوج امرأة أخيه، وكانت بنته، ثم أقبل القبطي على ابن طولون، فقال: أيها الأمير، هؤلاء يزعمون - وأشار إلى اليهودي - أن الله خلق آدم على صورته، وعن نبي من أنبيائهم سماه قال في كتابه: إنه رآه في قديم الزمان أبيض الرأس واللحية، وإن الله تعالى قال: إني أنا النار المحرقة، والحمى الأخذة، وأنا الذي آخذ الأبناء بذنوب الأباء، ثم في توراتهم أن بنات لوط سَقَيْنَه الخمر حتى سكر وزنى بهن، وحملن منه، وولحن، وأن موسى رَدَ على الله الرسالة مرتين حتى أشتد غضب الله عليه. وأن هارون صنع العجل الذي عبده بنو إسرائيل. وأن موسى أظهر معجزات لفرعون وفعلت السحَرَة مثلها. ثَم قالوا في ذبائح الحيوان والتقرب إلى الله بدمائها ولحومها وتحكمهم على العقل ومنعهم من النظر بغير برهان، وهو قولهم: إن شريعتهم لا تنسَخ، ولا يقبل قولي أحد من الأنبياء بعد موسى إذا انحرف عما جاء به موسى ولا فرق في قضئة العقل بين موسى وغيره من الأنبياء إذا أتى ببرهان، وبان بحجة، ثم الأكبر من كفرهم قولهم في يوم عيد الكفور، وهو يوم الاستغفار ذلك لعشر تخلو من تشرين الأول: إِن الرب الصغير - ويسمونه ميططرون - يقول في هذا اليوم قائماً، وينتف شعور رأسه، ويقول: ويلي إذا خربت بيتي، وأيتمت بنتي، قامتي منكسة لا أرفعها، حتى آتي بنتي، وذكر عن اليهود أقاصيص وتخاليط كثيرة، ومناقضات واسعة.
ولهذا القبطي مجالس كثيرة عند أحمد بن طولون مع جماعة من الفلاسفة والديصانية والثنوية والصابئة والمجوس، وعدة من متكلمي الإسلام، وقد أتينا على ما احتمل منها إيراده في كتابنا في أخبار الزمان وذكرنا جميع ذلك في كتابنا المقالات، في أصول الديانات وكان هذا القبطي - على ما نمي إلينا من خبره، وصح عندنا من قوله - يذهب إلى فساد النظر، والقول بتكافؤ المذاهب، وأقام عند ابن طولون نحو سنة، فأجازه، وأعطاه، فأى قبول شيء من ذلك، فرده إلى بلده مكرماً، وأقام بعد ذلك مدة من الزمان، ثم هلك - وله مصنفات تدل من كلامه على ما ذكرنا عنه، والله أعلم بكيفية ذلك.
واليهود تأبى ما ذكره القبطي في نكاح بنت الأخ، وكثر هم يقر بالتزوبج ببنت الأخ.
يعض عجائب مصر ونيلها

قال المسعودي: وفي نيل مصر وأرضها عجائب كثيرة من أنواع الحيوان مما في البر والبحر، من ذلك السمك المعروف بالرغَاد، وهو نحو الذراع، إذا وقعت في شبكة الصيَّاد رُعدت يداه وعضداه، فيعلم بوقوعها، فيبادر إلى أخذها وإخراجها عن شبكته، ولو أمسكها بخشب أو قصب فعلت ذلك، وقد ذكرها جالينوس، وأنها إن جعلت على رأس مَنْ به صداع شديد أو شقيقة وهي في الحياة هدأ من ساعته. والْفرَسُ الذي يكون في نيل مصر إذا خرج من الماء وانتهى وطؤه إلى بعض المواضع من الأرض علم أهل مصر أن النيل يزيد إلى ذلك الموضع بعينه غير زائد عليه ولا مقصر عنه، لا يختلف ذلك عندهم بطول العادات والتجارب، وفي ظهوره من الماء ضرر بأرباب الأرض والفلاحة لرعيه الزرع، وذلك أنه يظهر من الماء في الليل فينتهي إلى موضع من الزرع، ثم يولي عائداً إلى الماء، فيرعى في حال رجوعه من الموضع الذي انتهى إليه سيره، ولا يراعي من ذلك شيئاً في ممره، كأنه يحدد مقدار ما يرعاه فمنها ما إذا رعت ورعت إلى النيل فشربت ثم تقفف ما في أجوافها في مواضع شتى، فينبت ذلك مرة ثانية، فإذا كثر ذلك من فعله واتصل ضرره بأرباب الضياع طرح له الترمس في الموضع الذي يعرف خروجه مكاكيك كثيرة مبدَدأ مبسوطأ، فيأكله، ثم يعود إلى الماء فيربو في جوفه، ويزداد في انتفاخه فيشق جوفه، فيموت ويطفو على الماء، ويقفف به إلى الساحل والموضع الذي يكون فيه لا يكاد يرى فيه تمساح، وهو على صورة الفرس إلا أن حوافره وذنبه بخلاف ذلك، والجبهة أوسع.
من نزل مصر من أبناء نوح
قال المسعودي: وقد ذكر جماعة من الشرعيين أن يبصر بن حام بن نوح لما أنفصل عن أرض بابل بولده وكثير من أهل بيته غَرًبَ نحو مصر، وكان له أولاد أربعة: مصر بن بيصر، وفارق بن بيصر، وماح وياح، فنزل بموضع يُقال له منف، وبذلك يسمى إلى وقتنا هذا، وكان عدمهم ثلاثين فسميت ثلاثين بهم، كما سميت مدينة ثمانين من أرض الجزيرة وبلاد الموصل من بلاد بني حمدان، وإنما نسبت إلى عدد ساكنيها ممن كان مع نوح في السفينة، وكان بيصر بن حام قد كبر سنه، فأوصى إلى الأكبر من ولده، وهو مصر، واجتمع الناس إليه وانضافوا إلى جملتهم، وأخصبت البلاد، فتملك عليهم مصر بن بيصر، وملك من حد رفح من أرض فلسطين من بلاد الشام، وقيل: من العريش، وقيل: من الموضع المعروف بالشجرة، وهو آخر أرض مصر، والفرق بينها وبين الشام، وهو الموضع المشهور بين العريش ورفح - إلى بلاد أسوان من أرض الصعيد طولاً، ومن أيلة - وهي تخوم الحجاز - إلى برقة عرضاً، وكان لمصر أولاد أربعة، وهم قبط، وأشمون، وإتريب، وصا، فقسم مصر الأرض بين أولده الأربعة أرباعاً، وعهد إلى الأكبر من ولده - وهو قبط - وأقباط مصر يضافون إلى النسب إلى أبيهم قبط بن مصر، وأضيفت المواضع إلى ساكنيها، وعرفت بأسمائهم، فمنها أشمون وقبط، وصا، فى تريب، وهذه أسماء هذه المواضع إلى هذه الغاية، واختلطت الأنساب، وكثر ولد قبط، وهم الأقباط، فغلبوا على سائر الأرض، ودخل غيرهم في أنسابهم؟ لما ذكرنا من الكثرة، فقيل لكل قبط مصر وكل فريق منهم يعرف نسبة واتصاله بمصر بن بيصر بن حام بن نوح إلى هذه الغاية.
جملة من ملوك مصر

ولما هلك قبط بن مصر ملك بعده أشمون بن مصر، ثم ملك بعده صا بن مصر، وملك بعده إتريب بن مصر، ثم ملك بعده ماليق بن دارس ثم ملك بعده حرايا بن ماليق ثم ملك بعده كلكي بن حرايا وأقام في الملك نحواً من مائة سنة، ثم ملك بعده أخ يُقال له ماليا بن حرايا ثم ملك بعده لوطسى بن ماليا نحواً من سبعين سنة، ثم ملكت بعده ابنة له يُقال لها حورياينت لوطس نحواً من ثلاثين سنة، ثم ملكت بعدها امرأة أخرى يُقال لها ماموم وكثر ولد بيصر بن حام بأرض مصر، فتشعبوا، وملكوا النساء، فطمعت فيهم ملوك الأرض، فسار إليهم من الشام ملك من ملوك العماليق، يقال له الوليد بن دومع، فكانت له حروب بها، وغلب على الملك، فانقادوا إليه، واستقام له الأمر إلى أن هلك، ثم ملك بعده الريان بن الوليد العملاقي، وهو فرعون يوسف، وقد ذكر الله تعالى خبره مع يوسف وما كان من أمرهما في كتابه العزيز، وقد أتينا على شرح ذلك في كتابنا الأوسط، ثم ملك بعده دارم بن الريان العملاقي، ثم ملك بعده كامس بن معدان العملاقي، ثم ملك بعده الوليد بن مصعب وهو فرعون موسى، وقد تنوزع فيه: فمن الناس من رأى أنه من العماليق ومنهم من رأى أنه من لخم من بلاد الشام، ومنهم من رأى أنه من الأقباط من ولد مصر بن بيصر، وكان يعرف بظلما، وقد أتينا على ذلك في الكتاب الأوسط، وهلك فرعون غَرَقاً حين خرج في طلب بني إسرائيل حين أخرجهم موسى بن عمران وجعل الله لهم طريقاً في البحر يَبَساً، ولما غرق فرعون ومن كان معه من الجنود وخشي من بقي بأرض مصر من الفراري والنساء والعبيد أن يغزوهم ملوك الشام والمغرب فملكوا عليهم امرأة ذات رأي وحزم؟ يقال لها دلوكة فبنت على بلاد مصر حائطاً يحيط بجميع البلادة وجعلت عليه المحارس والأحراس والرجال متصلة أصواتهم بقرب بعضهم من بعض، وأثر هذا الحائط باقٍ إلى هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، يعرف بحائط العجوز، وقيل؟ إنما بنته خوفاً على ولدها وكان كثير القنص، فخافت عليه من سباع البر والبحر واغتيال مَنْ جاور أرضهم من الملوك والبوادى، فحوًطت الحائط من التماسيح وغيرها، وقد قيل في، لك من الوجوه غير ما ذكرنا، فملكتهم ثلاثين سنة وقيل: أقل من ذلك - اتخذت بمصر البرابي والصور، وأحكمت آلات السحر، وجعلت في لبرابى صور مَنْ يرد من كل ناحية، ودوابهم إبلا كانت أو خيلاً، وصورت ما يرد في البحر من المراكب من بحر المغرب والشام، وجمعت في هذه لبرابي العظيمة المشيدة البنيان أسرار الطبيعة وخواص الأحجار والنبات الحيوان، من الجاذية والدافعة، وجعلت ذلك في أوقات حركات فلكية واتصالها بالمؤثرات العلوية وكانوا إذا ورد إليهم جيش من نحو الحجاز أو اليمن عورت تلك الصور التي في البرابي من الإِبل وغيرها، فيتعور ما في الجيش، وينقطع عنهم ناسه وحيوانه، وإذا كان الجيش من نحو الشام فعل في تلك الصور التي من تلك الجهة التي أقبل منها جيش الشام ما فعل بما صفنا قبلها فيحدث في ذلك الجيش من الآفات في ناسه وحيوانه ما صنع في تلك الصور التي من تلك الجهة وكذلك ما ورد من جيوش الغرب، وما رد في البحر من رومية والشام وغير ذلك من الممالك، فهابتهم الملوك الأمم، ومنعوا ناحيتهم من عدوهم، واتصل ملكهم بتدبير هذه العجوز إتقانها لزم أقطار المملكة وإحكامها السياسة.
وقد تكلم الناس ممن سلف وخلف في هذه الخواص، وأسرار طبيعة التي كانت ببلاد مصر، وهذا الخبر من فعل العجوز عند المصريين مستفيض لا يشكون فيه، والبرابي بمصر من صعيدها وغيره باقية إلى هذا وقت، وفيها أنواع الصور مما إذا صورت في بعض الأشياء أحدثت أفعالاً على حسب ما رسمت له ووضعت من أجله، على حسب قولهم في الطباع تام، والله أعلم بكيفية ذلك.
كتابة على البرابى.

قال المسعودي: وأخبرني غير واحد من بلاد أخميم من صعيد مصر، عن أبي الفيض في النون بن إبراهيم المصري الِإخميمي الزاهد، وكان حكيمأ، وكانت له طريقة يأتيها ونحلة يعضدها، وكان ممن يقرأ عن أخبار هذه البرابي ودارها وامتحن كثيراً مما صور فيها ورسم عليها من الكتابة والصور، قال: رأيت في بعض البرابي كتاباً تدبرته، فإذا هو احفروا العبيد المعتقين، والأحداث المغترين والجند المتعبدين، والنبط المستعربين قال: ورأيت في بعضها كتابأ تدبَّرْته فإذا فيه يقدر المقدور والقضاء يضحك وزعم أنه رأى في آخره كتابة وتبينها بذلك القلم الأول فوجدها:
تُدَئر ُبالنجوم ولمستَ تَدْري ... ورَب النجم يفعلُ ما يريد
وكانت هذه الأمة التي أتخذتَ هذه البرابي لهِجَة بالنظر في أحكام النجوم مواظبة على معرفة أسرار الطبيعة، وكان عندها مما دلت عليه أحكام النجوم أن طوفانأ سيكون في الأرض، ولم تقطع بأن ذلك الطوفان ما هو: أنار تأتي على الأرض فتحرق ما عليها، أو ماء فيغرقها، أو سيف يبيد أهلها؟ فخافت دثور العلوم وفناءها بفناء أهلها، فاتخذت هذه البرابي، واحدها بربا، ورسمت فيها علومها من الصور والتماثيل والكتابة، وجعلت بنيانها نوعين: طينأ، وحجر أو فرزت ما يبنى بالطين مما يبنى بالحجر، وقالت: إن كان هذا الطوفان ناراً استحجر ما يبنى من الطين وانحرق، وبقيت هذه العلوم، وإن كان الطوفان الوارد ماء أذهب ما يبنى بالطين، ويبقى ما يبنى بالحجارة، وإن كان الطوفان سيفاً بقي كِلَا النوعين ما هو بالطين وما هو بالحجر، وهذا على ما قيل - والله أعلم - كان قبل الطوفان، وقيل: إن ذلك كان بعد الطوفان لرأن الطوفان الذي كانوا يرقبونه ولم يتيقنوا أنار هو أم ماء أم سيف، كان سيفاً أتى على جميع أهل مصر من أمة غشيتها وملك نزل عليها فأباد أهلها ومنهم من رأى أن ذلك الطوفان كان وباءً عم أهلها ومصداق ذلك ما يوجد ببلاد تنيس من التلال المنضدة من الناس من صغير وكبير، وذكر وأنثى، كالجبال العظام، وهي المعروفة ببلاد تنيس من أرض مصر بأبي الكوم وما يوجد ببلاد مصر وصعيدها من الناس المنكسين بعضهم على بعض في كهوف وغير ان ونواوشى، ومواضع كثيرة من الأرض لا يدرى من أي الأمم هم، فلا النصارى تخبر عنهم أنهم من أسلافهم، ولا اليهود تقول عنهم إنهم من أوائلهم، ولا المسلمون يدرون مَنْ هم ولا تاريخ ينبئ عن حالهم، عليهم أثوابهم، وكثيراً ما يوجد في تلك الروابي والجبال من حليهم، والبرابي ببلاد مصر بنيان قائم عجيب: كالبربا المتخفة بأنصناء من صعيد مصر، وهو أحد الموصوفين منها، والبربا التي ببلاد أخميم، والبربا التي ببلاد سمنود، وغير ذلك.
الأهرامات أيضاً
والأهرام وطولها عظيم، وبنيانها عجيب، عليها أنواع من الكتابات بأقلام الأمم السالفة، والممالك الداثرة، لا يحرى ما تلك الكتابة ولا ما المراد بها، وقد قال مَنْ عنى بتقدير ذرعها: إن مقدار ارتفاع ذهابها في الجو نحو من أربعمائة ذراع، أو كثر، وكلما علا به الصعداء دق ذلك، والعرض نحو ما وصفنا، عليها من الرسوم ما ذكرنا، وإن ذلك علوم وخواص وسحر وأسرار للطبيعة، وإن من تلك الكتابة مكتوب: أنا بنيناها فمن يدعى موازنتنا في الملك وبلوغنا في القدرة وانتهاءنا من السلطان فليهدمها، وليزل رسمها؟ فإن الهدم أيسر من البناء، والتفريق أيسر من التأليف، وقد ذكر أن بعض ملوك الِإسلام شرع في هدم بعضها فإذا خراج مصر وغيرها من الأرض لا يفي بقلعها، وهي من الحجر والرخام، والغرض في كتابنا هذا الإخبار عن جُمَل الأشياء وجوامعها، لا عن تفصيلها وبسطها، وقد أتينا على سائر ما شاهدناه حساً في مطافاتنا الأرضَ والممالكَ، وما نمي إلينا خبراً من الخواص وأسرار الطبيعة من الحيوان والنبات والجماد في عجائب البلدان والآثار والبقاع، في كتابنا المترجم بكتاب القضايا والتجارب.

ولا تمانع بين ذوي الفهم أن في مواضع من الأرض مدناً وقرى لا يدخلها عقرب ولا حية، مثل مدينة حمص ومَعَرة وبُصْرَى وإنطاكية، وقد كان ببلاد إنطاكية، إذا أخرج إنسان يده خارج السور وقع عليها البق، فإذا جذبها إلى داخل لم يبق على يده من ذلك شيء، إلى أن كسر عمود من الرخام في بعض المواضع بها، فأصيب في أعلاه حُقُّ من نحاس في داخله بق مصور من نحاس نحو كف، فما مضت أيام - أو على الفور من ذلك - حتى صار البق في وقتنا هذا يعم الأكثر من دهرهم، وهذا حجر المغناطيس يجذب الحديد، ولقد رأيت بمصر حية مصورة من حديد أو نحاس توضع على شيء ويُدْنى منها حجر المغناطيس فتحدث فيها حركة تباعد منه، وحجر المغناطيس إذا أصابته رائحة الثوم بطل فعله في الحديد واذا غسل بشيء من الخل أو ناله شيء من عسل النحل عاد إلى فعله الأول من جذب الحديد، وللمغناطيس في الحديد خواص عجيبة غير ما ذكرنا كالحجر الماص للدم، والله عز وجل قد استأثر بعلم الأشياء، وأظهر للعباد ما شاء ما لهم فيه الصلاح على قدر الوقت وحاجتهم فيه إليه وأشياء استأثر بعلمها لم يظهرها لخلقه؟ فلا تقف العقول عَلَى كنهها، وكما يجمع بين أشياء فيحدث لاجتماعها معنى هو غيرها، كما يحدث من ماء العفص والزاج عند الاجتماع من شدة السواد، وكحدوث جوهر الزجاج عند جمعنا بين الرمل والمغنيسيا والقلى عند الطبخ والسبك لذلك، وكذلك لو جمع بين ماء القلي وماء المرتك وهو المرداسنج خرج الحارث من مزاجيهما كالزبد بياضاً، وإذا مزج ماء القلي بماء الزاج خرج من مزاجيهما لون أحمر كالعصفر، وكجمعنا في النتاج بين الفرس الأنثى والحمار فتحدث بغلاً، ولو نتج دابة على أتان لخرج منها بغل أفطس ذو خبث ودها يسمى الكودن.
وقد ذكرنا النتاج الذي كان بصعيد مصر مما يلي. الحبشة، وما كان ينتج من الثيران على الأتن، والحمير على البقر، وما كان يحدث من ذلك من الدواب العجيبة التي ليست بحمير ولا بقر كالبغل التي ليس بدابة ولا حمار.
وقد ذكرنا ضروب التوليدات في أنواع الحيوان والنبات من تطعيمهم الغررس والأشجار وما تولد من الطعوم في المذاق في كتابنا المترجم بكتاب القضايا والتجارب في أنواع الفلاحات وغيرها، وذكرنا باب خواص الأشياء ومعرفتها والطلسمات وعجائبها، وهو باب كبير في ذكر بعضه نيابة عن بعض، والجزء منه يوهمك الكل، واليسير منه يدلُّكَ على معرفة الكثير.
ويمكن - والله اعلم أن تكون هذه الخواص والطلسمات والأشياء المحدثة في العالم للحركات مما وصفنا والدافعة والمانعة والمنفردة والجاذبة والفاعلة في الحيوان وغير ذلك مثل الطرد والجذب - كانت دلالة لبعض الأنبياء في الأمم الخالية، جعلها الله كذلك لذلك النبي دلالة ومعجزة تدل على صدقه وتنبيئه من غيره ليؤدي عن الله أمره ونهيه وما فيه من الصلاح لخلقه في ذلك الوقت، ثم رفع الله ذلك النبي، وبقيت علومه، وما أبانه الله عز وجل مما ذكرنا، في أيدي الناس، وأصل ذلك أنهى كما وصفنا، إذ كان ما ذكرنا ممكناً غير واجب ولا ممتنع في القدرة.
قال المسعودي: فلنرجع إلى ما كنا فيه من أخبار ملوك مصر.
بقية ملوك مصر
وكان الملك بعد انقضاء ملك دلوكة العجوز عركوس بن بلوطس ثم ملك بعده بورس بن عركوس ثم ملك بعده فغامس بن بورس نحواً من خمسين سنة، ثم ملك بعده دنيا بن بورس نحواً من عشرين سنة، ثم ملك بعده نماريس بن مرينا عشرين سنة، ثم ملك بعده بلوطس بن ميناكيل أربعين سنة، ثم ملك بعده مالوس بن بلوطس عشرين سنة، ثم ملك بعده بلوطس بن ميناكيل بن بلوطس، ثم ملك بعده بلونا بن ميناكيل وكانت له حروب ومسير في الأرض، وهو فرعون الأعرج الذي غزا بني إسرائيل وخَرب بيت المقدس، ثم ملك بعده مرينوس وكانت له حروب كثيرة بالمغرب، ثم ملك بعده نقاس بن مرينوس ثمانين سنة، ثم ملك بعده فوميس بن نقاس عشر سنين، ثم هلك بعده كابيل وكانت له حروب مع ملوك المغرب، وغزاه البخت ناصر مَرْزُبَان المغرب من قبل ملوك فارس، فخرب أرضه وقتل رجاله، وسار البخت ناصر نحو المغرب، وقد أتينا على أخباره في كتاب راحة الأرواح لأن هذا الكتاب رسمناه بأخبار مسير الملوك للأرض، وأخبار مقاتلهم، عون ما ذكرناه في كتابنا أخبار الزمان.

ولما زال أمر البخت ناصر ومن معه من جنود فارس، ملكت الروم مصر، وغلبت عليها، فتنصر أهلها، فلم يزالوا على ذلك إلى أن ملك كسرى أنوشروان، فغلبت جيوشه على الشام، وسارت نحو مصر، فملكوها، وغلبوا على أهلها، نحواً من عشرين سنة وكانت بين الروم وفارس حروب كثيرة فكان أهل مصر يؤدون خراجين: خراجاً إلى فارس، وخراجاً إلى الروم، عن بلادهم.
ثم انجلت فارس عن مصر والشام لأمر حدث في دار مملكتهم، فغلب الروم على مصر والشام وأشهروا النصرانية، فشمل ذلك مَنْ بالشام ومصر، إلى أن أتى الله بالِإسلام، وكان من أمر المقوقس صاحب القبط مع النبي صلى الله عليه وسلم من الهدايا ما كان إلى أن افتتحها عمرو بن العاص، ومن كان معه في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فبنى عمرو بن العاص الفسطاط وهي قصبة مصر في هذا الوقت، وكان ملك مصر - وهو المقوقس صاحب القبط - ينزل الإسكندرية في بعض فصول السنة، وفي بعضها ينزل مدينة مَنْف، وفي بعضها قصر الشمع، وهو اليوم يعرف بهذا الاسم في وسط مدينة الفسطاط.
ولعمرو بن العاص في فتح مصر أخبار، وما كان بينه وبين المقوقس وفتحه لقصر الشمع، وغير ذلك من أخبار مصر والإسكندرية، وما كان من حروب المسلمين في ذلك، ودخول عمرو بن العاص إلى مصر والإسكندرية في الجاهلية، وما كان من خبره مع الراهب والكُرَة الذهب التي كانوا يظهرونها للناس في أعيادهم، ووقوعها في حِجْر عمرو بن العاص، وذلك قبل ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، قد أتينا على جميع ذلك في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط.
عدة ملوك مصر
قال المسعودي: والذي اتفقت عليه التواريخ - مع تباين ما فيها - أن عدة ملوك مصر من الفراعنة وغيرها اثنان وثلاثون فرعونا، ومن ملوك بابل ممن تملك على مصر خمسة، ومن ملوك بابل - وهم العماليق الذين طرأوا إليها من بلاد الشام - أربعة، ومن الروم سبعة، ومن اليونانيين عشرة، وذلك قبل ظهور السيد المسيح عليه السلام، وملكها أناس من الفرس من قبل الأكاسرة، وكان مدة من هلك مصر من الفراعنة والفرْس والروم والعماليق واليونانيينَ ألف سنة وثلثمائة سنة.
قال المسعودي :وسألت جماعة من أقباط مصر بالصعيد وغيره من بلاد مصر من أهل الخبرة عن تفسير فرعون فلم يخبروني عن معنى ذلك، ولا تحصّل لي في لغتهم، فيمكن - والله أعلم - أن هذا الاسم كان سِمَةَ ملوك تلك الأعصار وأن تلك اللغة تغيرت كتغير الفهلوية، وهي الفارسية الأولى إلى الفارسية الثانية، وكاليونانية إلى الرومية، وتغير الحميرية، وغْير ذلك من اللغات.
دفائن أرض مصر
ولمصر أخبار عجيبة من الدفائن والبنيان وما يوجد في الدفائن من ذخائر الملوك التي استودعوها الأرض وغيرهم من الأمم ممن سكن تلك الأرض، وتدعى بالمطالب إلى هذه الغاية، وقد أتينا على جميع ذلك فيما سلف من كتبنا.
فمن عجيب أخبارها ما ذكره يحيى بن بكير، قال: كان عبد العزيز بن مروان عاملًا على مصر لأخيه عبد الملك بن مروان فأتاه رجل متنصح، فسأله عن نصحه، فقال: بالقبة الفلانية كنز عظيم، قال عبد العزيز: وما مِصْدَاق ذلك؟ قال: هو أن يظهر لنا بلاط من المرمر والرخام عند يسير من الحفر، ثم ينتهي بنا الحفر إلى قلع باب من الصُّفر، تحته

عمود من الذهب علىِ أعلاه ديك من الذهب عيناه ياقوتتان تساويان ملك الدنيا، وجناحاه مُضرجان بالياقوت والزمرد، بَزَاثنُه على صفائح من الذهب على أعلى ذلك العمود، فأمر له عبد العزيز بنفقه ألوف من الدنانير لأجرة من يحفر من الرجال في ذلك ويعمل فيه، وكان هنالك تل عظيم، فاحتفروا حفرة عظيمة في الأرض، والدلائل المقدم ذكرها من الرخام والمرمر تظهر، فازداد عبد العزيز حرصاً على ذلك، وأوسعَ في النفقة، وكثر من الرجال، ثم انتهوا في حفرهم إلى ظهور رأس الديك، فبرق عند ظهوره لمعان عظيم كالبرق الخاطف لما في عينيه من الياقوت وشدة نوره ولمعان ضيائه، ثم بانت قوائمه، وظهر حول العمود عمود من البنيان بأنواع من الأحجار والرخام، وقناطر مقنطرة، وطاقات على أبواب معقودة، ولاحت منها تماثيل وصور أشخاص من أنواع الصور والذهب وأجْرِبَة من الأحجار قد أطبقت عليها أغطيتها وشبكت، وقيد ذلك بأعمدة الذهب؟ فركب عبد العزيز بن مروان حتى أشرف على الموضع، فنظر إلى ما ظهر من ذلك، فأسرع بعضهم فوضع قدمه على درجة منسبكة من نحاس تنتهي إلى ما هنالك، فلما استقرت قدمه على المرقاة الرابعة ظهر سيفان عظيمان عاديان عن يمين المرجة وشمالها، فالتفتا على الرجل.، فلم يدْرَكْ حتى جزآه قطعاً وهوى جسمه سفلًا، فلما استقر جسمه على بعض المرج اختز العمود وصفر الديك تصفيراً عجيباً سمعه مَنْ كان بالبعد من هنالك، وحرك جناحيه فظهرت من تحته أصوات عجيبة، وقد عملت باللَّوَالب والحركات، إذا ما وقع على بعض تلك المرج شيء أو ماسها تهافت من هنالك من الرجال إلى أسفل تلك الحفيرة، وكان ممن يحفر ويعمل وينقل التراب ويبصر ويتحرك ويأمر وينهى نحو ألف رجل، فهلكوا جميعأ، فجزع عبد العزيز، وقال: هذا ردم عجيب الأمر ممنوع النَيْل، نعوذ بالله منه! وأمر جماعة من الناس فطرحوا ما أخرج من التراب على مَنْ هلك من الناس، فكان الموضع قبراً لهم.
قال المسعودي: وقد كان جماعة من أهل الدفائن والمطالب، ومن قد أغرى بحفر الحفائر وطلب الكنوز وذحائر الملوك والأمم السالفة المستودعة بطن الأرض ببلاد مصر، وقع إليهم كتابٌ ببعض الأقلام السالفة فيه وصف موضع ببلاد مصر على أفرع يسيرة من بعض الأهرام المقدم ذكرها،. بأن فيه مطلبأ عجيباً، فأخبروا الإِخشيد محمد بن ظغج بذلك، فأذن لهم في حَفره، وأباحهم استعمال الحيلة في إخراجه، فحفروا حَفرأ عظيماً إلى أن انتهوا إلى أزج وأقباء وحجارة مجوفة في صخر منقور فيه تماثيل قائمة على أرجلها من أنواع الخشب قد طليت بالأطْلِيةَ المانعة من سرعة البلى وتفرق الأجزاء، والصور مختلفة: منها صور شيوخ وشبان ونساء وأطفال أعينهم من أنواع الجواهر كالياقوت والزمرد والفيروزج والزبرجد، ومنها ما وجوهها ذهب وفضة، فكسروا بعض تلك التماثيل، فوجدوا في أجوافها رممأ بالية، وأجساماً فانية، وإلى جانب كل تمثال منها نوع من الآنية كالبراني وغيرها من الآلات من المرمر والرخام، وفيه نوع من الطلاء الذي قد طلي منه ذلك الميت الموضوع في تمثال الخشب، وما بقي من الطلاء متروك في ذلك الإِناء، والطلاء دواء مسحوق وأخلاط معمولة لا رائحة لها، فجعل منه على النار، ففاح منه روائح طيبة مختلفة لا تعرف في نوع من الأنواع التي للطيب، وقد جعل كل تمثال من الخشب على، صورة مَنْ فيه من الناس على اختلاف أسنانهم، ومقادير أعمارهم، وتباين صورهم، وبازاء كل تمثال من هذه التماثيل تمثال من الحجر المرمر، أو من الرخام الأخضر، عَلَى هيئة الصنم عَلَى حسب عبادتهم للتماثيل والصور، وعليها أنواع من الكتابات لم يقف على استخراجها أحد من أهل الملل، وزعم قوم من ذوي الدراية منهم أن لذلك القلم، من حين فقد من الأرض - أعني أرض مصر - أربعة آلاف سنة، وفيما ذكرناه دلالة على أن هؤلاء ليسوا بيهود ولا بنصارى، ولم يؤدهم الْحَفرُ إلا إلى ما ذكرنا من هذه التماثيل، وكان ذلك في سنة ثمان وعشرين وثلثمائة.
وقد كان لمن سلف وخلف من وُلاة مصر إلى أحمد بن طولون وغيره إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - أخبار عجيبة، فيما استخرج في أيامهم من الدفائن والأموال والجواهر، وما أصيب في القبور من المطالب والخزائن، وقد أتينا على ذكرها فيما سلف من تأليفنا، وتقدم من تصنيفنا، و بالله التوفيق.

ذكر أخبار الإسكندرية وبنائها وملوكها وعجائبها
وما ألحق بهذا الباب
اختيار الموضع
ذكر جماعة من أهل العلم أن الإسكندر المقدوني لما استقام ملكه في بلاده سار يختار أرضاً صحيحة الهواء والتربة والماء، حتى انتهى إلى موضع الإسكندرية فأصاب في موضعها آثار بنيان عظيم وعمدأ كثيرة من الرخام، وفي وسطها عمود عظيم عليه مكتوب بالقلم المُسْنَدِ - وهو القلم الأول من أقلام حمير وملوك عاد - أنا شداد بن عاد بن شداد بن عاد، شددت بساعدى البلاد، وقطعت عظيم العماد، من الجبال والأطواد، وأنا بنيت إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وأردت أن أبني ههنا كإرم، وأنقل إليها كل في إقدام وكرم، من جميع العشائر والأمم، وذلك إذ لا خوف ولا هرم، ولا اهتمام ولا سقم، فأصابني ما أعجلني، وعما أردت قطعني مع وقوع ما أطال همي وشَجَنِي، وقل نومي وسكني، فارتحلت بالأمس عن داري لا لقهر ملك جبار، ولا لخوف جيش جَرار، ولا عن رهبة ولا عن صَغَار، ولكن لتمام المقدار، وانقطاع الأثار، وسلطان العزيز الجبار، فمن رأى أثري، وعرف خبري، وطول عمري، ونَفاذ بصري، وشدة حفري، فلا يغتر بالدنيا بعدي، فإنها غرارة تأخذ منك ما تعطي، وتسترجع ما تُوِلي. وكلام كثير يُرِي فناء الدنيا ويمنع من الاغترار بها والسكون إليها.
ونزل الإسكندر متفكراً يتدبر هذا الكلام ويعتبره، ثم بعث فحشر الصناع من البلاد،. وخط الأساس، وجعل طولها وعرضها أميالاً، وحشد إليها العمد والرخام، وأتته المراكب فيها أنواع الرخام. وأنواع المرمر والأحجار، من جزيرة صقلية، وبلاد إفريقية، وإقريطش، وأقاصي بحر الروم مما يلي مصبه من بحر أوقيانوس، وحمل إليه أيضاً من جزيرة روعس وهي جزيرة مقابلة للإسكندرية على ليلة منها في البحر، وهي أول بلاد الِإفرنجة، وهذه الجزيرة في وقتنا هذا، وهو صنة اثنتين وثلانين وثلثمائة، دار صناعة لم لروم، وبها تنشأ المراكب الحربية، وفيها خلق كثير من الروم، ومراكبهم تطرق بلاد الإسكندرية وغيرها من بلاد مصر فتُغِيرُ وتأسر وتسبي. وأمَرَ الإسكندر الفعَلة والصناع أن يدوروا بما رسم لهم من أساس سور المدينة، وجعل على كل قطعة من الأرض خشبة قائمة، وجعل من الخشبة إلى الخشبة حبالاً منوطة بعضها ببعض، وأوصل جميع ذلك بعمود من الرخام، وكان أمام مضربه، وعلق على العمود جرساً عظيماً مصوتاً، وأمر الناس والقُؤام على البَنَائين والفعَلة والصناع أنهم إذا سمعوا صوت ذلك الجرس وتحركت الحبال وقد علق على كل قطعة منها جرساً صغيراً حرصوا على أن يضعوا أساس المدينة دفعة واحدة من سائر أقطارها، وأحب الإسكندر أن يجعلِ ذلك في وقت يختاره في طالع سعيد، فخفق الإسكندر برأسه وأخذته سِنةٌ في حال ارتقابه الوقتَ المحمودَ المأخوذَ فيه الطالعُ، فجاء غراب فجلس على حبل الجرس الكبير الذي فوق العمود فحركه، وخرج صوت الجرس وتحركت الحبال، وخفقت ما عليها من الأجراس الصغار، وكان ذلك معمولاً بحركات فلسفية، وحيل حكمية، فلما رأى الصناع تحرك تلك الحبال وسمعوا تلك الأصوات وضعوا الأساس دفعة واحدة، وارتفع الضجيج بالتحميد والتقديس، فاستيقظ الإسكندر من رَقْدته وسأل عن الخبر، فأخبر بذلك، فعجب وقال: أردت امرأَ وأراد الله غيره، ويأبى الله إلا ما يريد، أردت طول بقائها، وأراد الله سرعة فنائها وخرابها وتداول الملوك إياها.
وإن الإسكندرية لما أحكم بنيانها وأثبت أساسها وجن الليل عليهم خرجت دواب من البحر فأتت على جميع ذلك البنيان، فقال الإسكندر حين أصبح: هذا بدء الخراب في عمارتها، وتحقق مراد الباري في زوالها، وتطير من فعل الدواب، فلم يزل البناءُ يُثنَى في كل يوم ويحكم، :يوكل به من يمنع الدواب إذا خرجت من البحر، فيصبحون وقد أخرب البنيان، فقلق الإسكندر لذلك، وراعه ما رأى، فأقبل يفكر ما الذي يصنع، وأي حيلة تنفع في دفع الأذية عن المدينة، فسنحت له الحيلة في ليلته عند خلوته بنفسه وإيراده الأمور وإصدارها، فلما أصبح دعا بالصناع فاتخذوا له تابوتاً من الخشب طوله عشرة أذرع في عرض خمس،، وجعلت

فيه جامات من الزجاج قد أحاط بها خشب التابوت باستدارتها، وقد أمسك ذلك بالقار والزفت وغيره من الأطلية الدافعة للماء، حذراً من دخول الماء إلى التابوت، وقد جعل فيها مواضع للحبال، ودخل الإسكندر في التابوت هو ورجلان معه من كتابه ممن له علم باتقان التصوير ومبالغة فيه وأمر أن تسد عليهم الأبواب، وأن تطلى بما ذكرنا من الأطلية، وأمر فأتي بمركبين عظيمين، فأخرجا إلى لجة البحر، وعلق على التابوت من أسفل مثقلات الرصاص والحديد والحجارة لتهوي بالتابوت سفلاً إذ كان من شأنه لما فيه من الهواء أن يطفو فوق الماء ولا يرسب في أسفله، وجعل التابوت بين المركبين، فألصقهما بخشب بينهما لئلا يفترقا، وشد حبال التابوت إلى المركبين وطَؤلَ حباله، فغاص التابوت حتى انتهى إلى قرار البحر، فنظروا إلى دواب البحر وحيوانه من ذلك الزجاج الشفاف في صفاء ماء البحر؟ فإذا هم بشياطين على مثال الناس ورؤوسُهم على مثال رؤوس السباع، وفي أيدي بعضهم الفؤوس، وفي أيدي بعض المناشير والمقاطع، يحاكون بذلك صناع المدينة والفعَلة وما في أيديهم من آلات البناء، فأثبت الإسكندر ومن معه تلك الصور وأحكموها بالتصوير في القراطيس، على اختلاف أنواعها وتشوه خلقتهم وقدودهم وأشكالهم، ثم حرك الحبال، فلما أحس بذلك مَنْ في المركبين جذبوا الحبال وأخرجوا التابوت، فلما خرج الإسكندر من التابوت وسار إلى مدينة الإسكندرية أمر صناع الحديد والنحاس والحجارة فصنعوا تماثيل تلك الدواب على ما كان صؤره الإسكندر وصاحباء، فلما فرغوا منها وضعت الصور على العُمُد بشاطئ البحر، ثم أمرهم فبنوا، فلما جن الليل ظهرت تلك الدوالب والآفات من البحر، فنظرت إلى صورها على العمد مقابلة إِلى البحر، فرجعت إلى البحر ولم تعد بعد ذلك.
ثم لما بنيت الإسكندرية وشيدت أمر الإسكندر أن يكتب على أبوابها هذه الإسكندرية، أردت أن أبنيها على الفلاح والنجاح واليمن والسعادة والسرور والثبات في الدهور، فلما يرد الباري عز وجل ملك السموات والأرض ومفني الأمم أن نبنيها كذلك، فبنيتها وأحكمت بنيانها، وشيدت سورها، وآتاني اللّه من كل شيء علماً وحكماً، وسهل لي وجوه الأسباب، فلم يتعذر علي شيء في العالم مما أردته، ولا امتنع عني شرء مما طلبته، لطفأ من الله عز وجل، وصنعاً بي، وصلاحاً لي ولعبادي من أهل عصري، والحمد للّه رب العالمين، لا إله إلا اللهّ رب كل شيء.
ورسم الإسكندر بعد هذه الكتابة كل ما يحدث ببلده من الأحداث بعده في مستقبل الزمان: من الآفات، والعمران، والخراب، وما يؤول إليه إلى وقت دُثور العالم.
وكان بناء الإسكندرية طبقات، وتحتها قناطر مقنطرة، عليها دور المدينة، يسير تحتها الفارس وبيده رمح لا يضيق به حتى يدور جميع تلك الأزاج والقناطر التي تحت المدينة، وقد عمل لتلك العقود والازاج مخاريق، وتنفسات للضياء، ومنافذ للهواء.
وقد كانت الإسكندرية تضيء بالليل بغير مصباح، لشدة بياض الرخام و المرمر، وأسواقها وشوارعها وأزقتها مقنطرة بها لئلا يصيب أهلها شيءٌ من لمطر، وقد كان عليها سبعة أسوار من أنواع الحجارة المختلفة ألوانها، بينها خنادق، وبين كل خندق وسور فصلان، وربما علق على المدينة شقاق الحرير الأخضر؟ لاختطاف بياض الرخام أبصار الناس لشدة بياضه.
فلما أحكم بناؤها، وسكنها أهلها، كانت آفات البحر وسكانه - على، زعم الإِخباريون من المصريين والاسكندريين - تختطف بالليل أهل هذه لمدينة، فيصبحون وقد فقد منهم العدد الكثير.
المال

ولما علم الإسكندر بذلك اتخذ الطلسمات على أعمدة هناك تدعى المسال، وهي باقية إلى هذه الغاية، وكل واحد من هذه الأعمدة على هيئة السَّرْوَة وطول كل واحد منها ثمانون ذراعاً، على عمد من نحاس وجعل تحتها صورأ وأشكالاً وكتابة، وذلك عند انخفاض درجة من درجات الفلك وقربها من هذا العالم، وعند أصحاب الطلسمات من المنجمين والفلكيين أنه إذا ارتفع من الفلك درجة وانخفض أخرى في مدة يذكرونها من السنين نحو ستمائة سنة نأتي في هذا العالم فعل الطلسمات النافعة المانعة والدافعة، وقد ذكر هذا جماعة من أصحاب الزيجات والنجوم وغيرهم من مصنفي الكتب في هذا المعنى، ولهم في ذلك سر من أسرار الفلك ليسى كتابنا هذا موضعاً له، ولغيرهم ممن ذهب إلى أن ذلك للطف قوى الطبائع التام وغير ذلك مما قاله الناس، وما ذكرنا من عرج الفلك فموجود في كتب من تأخر من - علماء المنجمين والفلكيين، كأب معشر البلخي، والخوارزمي، ومحمد بن كثير الفرغاني، وما شاء الله، وحبش، واليزيدي، ومحمد بن جابر البُتاني في زيجه الكبير، وثابت بن قرة، وغير هؤلاء ممن تكلم في علوم هيأت الفلك والنجوم.
منارة الإسكندرية
قاله المسعودي: فأما منارة الإسكندرية فذهب الأكثر من المصريين والِاسكندرانيين - ممن عني بأخبار بلدهم - إلى أن الإسكندر بن فيلبس المقدوني هو الذي بناها على حسب ما قدمنا في بناء المدينة، ومنهم من رأى أن دلوكة الملكة هي التي بنتها، وجعلتها مرقباً لمن يرد من العدو إلى بلدهم، ومنهم من رأى أن العاشر من فراعنة مصر هو الذي بناها، وقد قدمنا ذكر هذا الملك فيما سلف من هذا الكتاب، ومنهم من رأى أن الذي بنى مدينة رومية هو الذي بنى مدينة الإسكندرية ومنارتها والأهرام بمصر، و - إنما أضيفت الإسكندرية إلى الإسكندر لشهرته بالاستيلاء على الأكثر من ممالك العالم فشهرت به، وذكروا في ذلك أخباراً كثيرة، يدلون بها على ما قالوا، والإسكندر لم يطرقه في هذا البحر عدو، ولا هاب ملكاً يرد إليه في بلده ويغزوه في داره، فيكون هو الذي جعلها مرقباً، وإن الذي بناها جعلها على كرسي من الزجاج على هيئة السرطان في جوف البحر وعلى طرف اللسان الذي هو داخل في البحر من البر، وجعل على أعلاها تماثيل من النحاس وغيره، وفيها تمثال قد أشار بسبابته من يده اليمنى نحو الشمس أينما كانت من الفلك، وإذا علت في الفلك فإصبعه مشيرة نحوها فإذا انخفضت يده سفلاً، يدور معها حيث دارت، ومنها تمثال يشير بيده إلى البحر إذا صار العدو منه على نحو من ليلة، فإذا دنا وجاز أن يرى بالبصر لقرب المسافة سمع لذلك التمثال صوت هائل يسمع من ميلين أو ثلاثة، فيعلم أهل المدينة أن العدو قد دنا منهم، فيرمقونه بأبصارهم، ومنها تمثال كلما مضى من الليل والنهار ساعة سمعوا له صوتاً بخلاف ما صوت في الساعة التي قبلها، وصوته مُطْرِب.
حيلة لهدم المنارة

وقد كان ملك الروم في مدة الوليد بن عبد الملك بن مروان أنفذ خادماً من خواص خدمه ذا رأي ودهاء سراً، ؤجاء مستأمناً إلى بعض الثغور، فورد بآلة حسنة، ومعه جماعة، فجاء إلى الوليد فأخبره أنه من خواص الملك، وأنه أراد قتله لَموْجدَةٍ وحال بلغته عنه لم يكن لها أصل، وأنه استوحش منه، ورغب في الِإسلام، فأسلم على يدي الوليد، وتقرب من قلبه، وتنصح إليه في دفائن استخرجها له من بلاد دمشق وغيرها من الشام بكتب كانت معه فيها صفات تلك الدفائن، فلما رأى الوليد تلك الأموال والجواهر شَرِهَتْ نفسه، واستحكم طمعه، فقال له الخادم: يا أمير المؤمنين، إن ههنا أموالاً وجواهر ودفائن للملوك، فسأله الوليد عن الخبر، فقال: تحت منارة الإسكندرية أموال الأرض، وذلك أن الإسكندر احتوى على الأموال والجواهر التي كانت لشداد بن عاد وملوك العرب بمصر والشام، فبنى لها الأزاج تحت الأرض، وقَنْطَر لها الأقَبَاء والقناطر والسراديب، وأودعها تلك الذخائر من العين والوَرِق والجواهر وبنى فوق ذلك هذه المنارَةَ، وكان طولها في الهواء ألف ذراع، والمرآة على علوها والدبادبة جلوس حولها، فإذا نظروا إلى العدو في البحر في ضؤ تلك المرآة صوتوا بمن قرب منهم، ونصبوا ونشروا أعلاماً فيراها من بَعُدَ منهم فيحذر الناس وينفر البلد، فلا يكون للعدو عليهم سبيل، فبعث الوليد مع الخادم بجيش واناس من ثقاته وخواصه فهدَمَ نصف المنارة من أعلاها، وأزيلت المرآة؟ فضج الناس من أهل الإسكندرية وغيرها، وعلموا أنها مكيدة وحيلة في أمرها، ولما علم الخادم استفاضة ذلك، وأنه سينمى إلى الوليد، وأنه قد بلغ ما يحتاج إليه هرب في الليل في مركب كان قد أعده، وواطأ قومأ على ذلك من أمره، فتمت حيلته، وبقيت المنارة على ما ذكرنا إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - وكان حوالي منارة الإسكندرية في البحر مغَاصٌ يخرج منه قطع من الجواهر تتخذ منه فصوص للخواتم يشبه أنواعا من الجواهر: منه السكركهن والأدرك وأشباد جشم، ويقال: إن ذلك من الألات التي كان اتخذها الإسكندر للشراب، فلما مات كسرتها أمه صرَمَتْ بها في تلك المواضِع من البحر، ومنهم من رأى أن الإسكندر اتخذ ذلك النوع من الجوهر وغرقه حول المنارة لكيلا يخلو من الناس حولها، لأن من شأن الجوهر أن يكون مطلوباً أبداً في كل عصر في معدنه براً أو بحراً، فيكون الموضع على عوام الأوقات بالناس معموراً، والأكثر مما يستخرج من الجوهر حول منارة الإسكندرية الأشباد جشم، وقد رأيت كثيراً من أصحاب التلويحات وممن عُنِيَ بأعمال الجواهر المنسوبة بالمغرب يعمل هذه الجواهر المعروفة بالأشباد جشم، ويتخذ منه الفصوص وغيرها، وكذلك الفصوص المعروفة بالباقلمون وهي ترى ألواناً مختلفة من حمرة وخضرة وصفرة تتلون في المنظر ألواناً مختلفة على حسب ما قدمنا، والتلون من ذلك على حسب الجرهر في صفائه واختلاف نظر البصر في إدراكه، وتلون هذا النوع من الجوهر - أعني الباقلمون - نحو تلون ريش صدر الطواوشى ؟ فإنها تلون ألواناً مختلفة بأذنابها وأجنحتها - أعني الذكور دون الإناث - وقد رأيت منها بأرض الهند ألواناً تظهر لحس البصر عند تأملها، لا تدرك ولا تحصى، ولا تشبه بلوق من الألوان؟ لما يتراثف من تموج الألوان في ريشها، ويتأتى ذلك منها لعظمٍ خلقها وكبر أجسامها وسعة ريشها؟ لأن للطواوس بأرض الهند شأناً عجيبا، والذي يحمل منها إلى أرض الإسلام ويخرج عن أرض الهند فيبيض ويفرخ تكون صغيرة الأجسام، كَدِرَة الألوان، لا تخطف أنوار الأبصار بإدراكها، وأنما تشبه بالهندية بالشبه اليسير، هذا في الذكور منها دون الإناث.
وكذلك شجر النارنج والأترج المدور، حمل من أرض الهند إلى أرض غيرها بعد الثلثماثة، فزرع بعمان ثم نقل إلى البصرة والعراق والشام، حتى كثر في دور الناس بطرسوس وغيرها من الثغور الشامية وإنطاكية وسواحل الشام وفلسطين ومصر، وما كان يعهد ولا يعرف، فعدمت منه الروائح الخمرية الطيبة، واللون الحسن الذي يوجد فيه بأرض الهند؟ لعدم ذلك الهواء والتربة والماء وخاصية البلد.
سر بناء المنارة

ويقال: إن المنارة إنما جعلت المرآة في أعلاها؟ لأن ملوك الروم بعد الإسكندر كانت تحارب ملوك مصر والإسكندرية، فجعل من كان بالإسكندرية من الملوك تلك المرآة تُرِي من يرد في البحر من عدوهم، إلا أن من يدخلها يتيه فيها إلا أن يكون عارفاً بالدخول والخروج فيها لكثرة بيوتها وطبقاتها ومَمَارقها، وقد ذكر أن المغاربة حين وافوا في خلافة المقتدر في جيش صاحب المغرب دخل جماعة منهم على خيولهم إلى المنارة فتاهوا فيها، وفيها طرق تؤوَل إلى مَهَاوٍ تهوي إلى سرطان الزجاج، وفيها مخارق إلى البحر فتَهَؤرواً بدوابهم، وفقد منهم عدد كثير، وعلم بهم بعد ذلك، وقيل: إن تهورهم كان في كرسي بها قدامها، وفيها مسجد في هذا الوقت يرابط فيه في الصيف متطوعة المصريين وغيرهم.
ولبلاد مصر والإسكندرية والمغرب وبلاد الأندلس ورومية وما في الشرق واليمن والمغرب أخبار كثيرة في عجائب البلدان والأبنية والآثار وخواص البقاع وما يؤثر في ساكنيها وقطانها أعرضنا عن ذكرها؟ إذ كنا قد أتينا على الأخبار عنها فيما سلف من كتبنا من عجائب العْالم وحيوانه وبره وبحره، فأغنى ذلك عن إعادة ذكره.
ولم نتعرض فيما سلف من هذا الكتاب لذكر بيوت النيران والهياكل المعظمة والبيوت المشرفة وغير ذلك مما يليق بمعناها، بل نذكرها في الموضع المستحق لها من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.
/بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر السودان وأنسابهم واختلاف أجناسهم وأنواعهم
وتباينهم في ديارهم وأخبار ملوكهم
ولد كوش بن كنعان ومساكنهم
قال المسعودي: ولما تفرق ولد نوح في الأرض سار ولد كوش بن كنعان نحو المغرب حتى قطعوا نيل مصر، ثم افترقوا فسارت منهم طائفة مُيَمِّنة بين المشرق والمغرب وهم النوبة والبجة والزنج، وسار فريق منهم نحو المغرب وهم أنواع كثيرة نحو الزغاوة والكانم ومركه وكوكو وغانة وغير ذلك من أنواع السودان والدمادم، ثم افترق الذين مضوا بين المشرق والمغرب، فصارت الزنج من المغير والمشكر وبربرا وغيرهم من أنواع الزنج، وقدمنا فيما سلف عند ذكرنا للبحر الحبشي، الخليج البربر في وما عليه من أنواع السودان واتصالهم في ديارهم إلى بلاد الدهلك والزيلع وناصع، وهؤلاء القوم أصحاب جلود النمور الحمر وهي لباسهم، ومن أرضهم تحمل إلى بلاد الإسلام، وهي أكبر ما يكون من جلود النمورة وأحسنها للسروج، وبحر الزنج والأحابش هو عن يمين بحر الهند، وإن كانت مياههما متصلة، ومن أرضهم يحمل الذبل من ظهور السلاحف، وهو الذي تتخذ منه الأمشاط كالقرون، وأكثر ما تكون الدابة المعروفة بالزرافة في أرضهم، وإن كانت عامة الوجود في أرض النوبة دون سائر بلاد الأحابش.
الزرافة

وقد تتوزع في نتاج هذا النوع من الدواب المعروفة بالزرافة، فمنهم من رأى أن بدء نتاجها من الإبل، ومنهم من رأى أن ذلك كان بجمع بين الإبل والنمورة وأن الزرافة ظهرت من ذلك، ومنهم من زعم أنه نوع من الحيوان قائم بذاته كقيام الخيل والحمير والبقر، وأن ليس سبيلها كسبيل البغال المولدة من النتاج بين الخيل والحمير، وتدعي الزرافة بالفارسية اشتركاو، وقد كانت تهدى إلى ملوكهم من أرض النوبة كما تحمل إلى ملوك العرب ومن مضى من خلفاء بني العباس وولاة مصر، وهي دابة طويلة اليدين والرقبة، قصيرة الرجلين، لا ركبتين لرجليها وإنما الركبتان ليديها، وقد ذكر الجاحظ في كتاب الحيوان عند ذكر الزرافة كلاماً كثيراً في نتاجها، وأن في أعالي بلاد النوبة يجتمع سباع ووحوش ودواب كثيرة في حَمَارَة القيظ إلى شرائع المياه، فتتسافد هنالك، فيلقح منها ما يلقح ويمتنع منها ما يمتنع، فيجيء من ذلك خلق كثير مختلفون في الصور والأشكال ؛ منها الزرافة ذات الأظلاف، وهي دابة منحنية إلى خلفها، منصوبة الظهر إلى مؤخرها وذلك لقصر رجليها، وللناس في الزرافة كلام كثير على حسب ما قدمنا في بدء نتاجها، وأن النمور ببلاد النوبة عظيمة الخلق، وأن الإبل صغيرة الخلق قصيرة القوائم، وأن ذلك كاتساع أرحام القلاص العربية، لفوالج كرمان وغيرها من إبل خراسان، فيظهر بينهما ويتولد عنهما الجمال البخت والجمازات ، ولا ينتج بين بختى وبختية، وإنما يصح هذا النوم من الإبل بين فوالج الإبل، وهي ذات السنامين، وبين قلاص الإبل، وهي النوق العربية، وكنتاج البخت بين البجاوية والمهرية، وللزرافة أخبار كثيرة قد ذكر ذلك صاحب المنطق في كتابه الكبير في الحيوان ومنافع أعضائها وغير ذلك من سائر أعضاء الحيوان، وقد أتينا على جميع ما يحتاج إليه من ذلك في كتابنا المترجم ب القضايا والتجارب.
والزرافة عجيبة الفعل في إلفها، وتووُّرها إلى أهلها، وهي كالفيلة: منها وحشية، ومنها مستأنسة أهلية، مع من قدمنا ذكره من الزنوج والأجناس من الأحابش الذين صاروا عن يمين النيل، ولحقوا بأسفل البحر الحبشي، وقطعت الزنج دون سائر الأحابش الخليج المنفصل من أعلى النيل الذي يصبُّ إلى بحر الزنج، فسكنت الزنج في ذلك الصقع، واتصلت مساكنهم إلى بلاد سفالة، وهي أقاصي بلاد الزنج، وإليها تقصد مراكب العمانيين والسيرافيين، وهي غاية مقاصدهم في أسافل بحر الزنج كما أن أقاصي بحر الصين متصل ببلاد السيلي، وقد تقدم ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب، وكذلك أقاصي بحر الزنج هو بلاد سفالة، وأقاصيه بلاد الواق واق، وهي أرض كثيرة الذهب، كثيرة العجائب، خصبة حارة.
وقليمي ملك الزنج
واتخذها الزنج دار مملكة، وملكوا عليهم ملكا سموه وقليمي، وهي سمة لسائر ملوكهم في سائر الأعصار على ما قدمنا آنفا، ويركب وقليمي - وهو يملك ملوك سائر الزنوج - في ثلثمائة ألف فارس، ودوابهم البقر، وليس في أرضهم خيل ولا بغال ولا إبل، ولا يعرفونها، وكذلك لا يعرفون الثلج والبرد، ولا غيرهم من الأحابش، ومنهم أجناس محددة الأسنان يأكل بعضهم بعضاً.
ومساكن الزنج من حد الخليج المتشعب من أعلى النيل إلى بلاد سفالة والواق واق، ومقدار مسافة مساكنهم واتصال مقاطنهم في الطول والعرض نحو سبعمائة فرسخ أودية وجبال ورمال.
صيد الفيلة

والفيلة في بلاد الزنجِ في نهاية الكثرة، وحشية كلها غير مستأنسة، والزنج لا تستعمل منها شيئاَ في حروب ولا غيرها، بل تقتلها، وذلك أنهم يطرحون لها نوعاً من ورق الشجر ولحائه وأغصانه يكون بأرضهم في الماء، ويختفي رجال الزنج، فترد الفيلة لشربها، فإذا وردت وشربت من ذلك الماء حرقها وأسكرها، فتقع، ولا مفاصل لقوائمها ولا ركب على حسب ما قدمنا، فيخرجون إليها بأعظم ما يكون من الحراب فيقتلونها لأخذ أنيابها؛ فمن أراضيهم تجهز أنياب الفيلة، في كل ناب منها خمسون ومائة مَنًّ، بل أكثر من ذلك والاثنان منها ثلثمائة مَنًّ، وأكثر من ذلك فيجهز الأكثر منها من بلاد عمان إلى أرض الصين والهند، وذلك أنها تحمل من بلاد الزنج إلى عمان، ومن عمان إلى حيث ذكرنا؛ ولولا ذلك لكان العاج بأرض الإسلام كثيراً، وأهل الصين يتخذ ملوكها وقوادها وأراكنتها الأعمدة من العاج، ولا يدخل قوِّادها ولا أحد من خواصها على ملوكها بشيء من الحديد، بل بتلك الأعمدة المختلفة من العاج، ورغبتهم فيما استقام من أنياب الفيلة ولم يتقوس، لاتخاذ الأعمدة منها على ما ذكرنا، ويستعمل العاج في دخن بيوت أصن أمه ا وأبخرة هياكلها، كاستعمال النصارى في الكنائس الدخنة المعروفة بدخنة مريم وغيرها من الأبخرة، وأهل الصين لا يتخذون الفيلة في أرضهم، ويتطيرون من اقتنائها عندهم والحرب عليها؛ لخبر كان لهم في قديم الزمان في بعض حروبهم.
لعب الشطرنج ومقامرة الهندبه
والهند كثيرة الاستعمال لما يجهز إليهم من العاج في نُصُب الخناجر، وهي الحراري، أحدها حَرَي، وفي قوائم سيوفها، وهي القراطل، وأحدها قرطل، وهي سيوف معوجة، والأغلب في استعمال الهند العاج اتخاذها منه الشطرنج والنرد، والشطرنج ذو صور وأشكال على صور الحيوان من الناطقين وغيرهم، كل قطعة من الشطرنجِ كالشبر في عرض ذلك بل أكثر، فإذا لعبوا بها فإنما يقوم الواحد منهم قائماَ فينقلها في بيوتها، والأغلب عليهم القمار في لعبهم بالشطرنج والنرد على الثياب والجواهر، وربما أنفد الواحد منهم ما معه فيلعب في قَطْع عضو من أعضاء جسمه، وهو أن يجعلوا بحضرتهم قدرا ًمن النحاس صغيرة على نار فحم فيها دهن لحم أحمر فيغلي ذلك الدهن المدمل للجراح والماسك لسيلان الحم، فإذا لعب في إصبع، من أصابعه وقُمِرَ قطعها بذلك الخنجر، وهو مثل النار، ثم غمس يده في ذلك الدهن، فكواها، ثم عاد إلى لعبه، فإذا توجه عليه اللعب أبان إصبعا ثانية، وربما توجه عليه اللعب في قطع الأصابع والكف ثم الذراع والزند وسائر الأطراف، وكل ذلك يستعمل فيه الكي بذلك الدهن وهو دهن عجيب يعمل من أخلاط وعقاقير بأرض الهند عجيب المعنى، لما ذكرنا، وما ذكرناه عنهم فمستفيض من فعلهم.
الفيل ببلاد الهند
والهند تتخذ الفيلة في بلادها وتتناتج في أرضها، ليس فيها وحشية، وإنما هي حربية ومستعملة كاستعمال البقر والإبل، وأكثرها يأوي إلى المروج والضياع والغياض كالجواميس في أرض الإسلام، والفيلة تهرب من المكان الذي يكون فيه الكركدن على حسب ما قدمنا، فلا ترعى في موضع تشم فيه رائحة الكركدن، ويعمر الفيل بأرض الزنج نحواً من أربعمائة سنة، كذلك يذكر الزنج؛ لأنها تعرف في ديارها ومفاوزها، والفيل العظيم مما لا يتأتى لهم قتله، ومنها الأسود والأبيض والأبلق والأغبر، وفي أرض الهند منها ما يعمر المائة سنة والمائتين، ويضع حمله في كل سبع سنين.
حيوان الزبرق

ولها بأرض الهند آفة عظيمة نوع من الحيوان يعرف بالزبرق، وهي دابة أصغر من الفهد أحمر ذو زَغَب وعينين براقتين عجيبة سريع الوثبة، يبلغ في وثبته الثلاثين والأربعين والخمسين ذراعاً، وأكثر من ذلك، فإذا أشرف على الفيل رشش عليه بوله بذنبه فيحرقها. وربما لحق الإنسان فأتى عليه، وفي الهند من إذا أشرفت عليه هذه الدابة تعلق بأكبر ما يكون من شجر الساج، وهي أكبر من النخل وأكبر من شجر الجوز، تكِنّ الشجرة منها الخلق الكثير من الناس وغيرهم من الحيوان على حسب ما يحمل إلى البصرة والعراق ومصر من خشب الساج في طوله، فإذا تعلق الإنسان بأعلى تلك الشجرة وعجز هذا الحيوان عن إدراكه لصق بالأرض ووثب إلى أعلى الشجرة، فإن لم يلحق الإِنسان في وثبته رشش من بوله إلى أعلى الشجرة، وإلا وضع رأسه في الأرض وصاح صياحاً عجيباً، فيخرج من فيه قطع دم ويموت من ساعته، وأي موضع من الشجرة سقط عليه بوله أحرقه، وإن أصاب الإنسان شيء من بوله أتلفه، وكذلك سائر الحيوان.
وملوك الهند تتخذ في خزائنها مرارة هذه الدابة، ومذاغيره، ومواضع من أعضائه، وهو السم القاتل من ساعته، ومنه ما يسقى به السلاح فيتلف من فوره، ومذاغير هذه الدابة كمذاغير كلب الماء الذي يخرج منه الجند بادستر، وهذا الكلب أمره مشهور عند الصيادلة وغيرهم، وهو اسم فارسي معرب، وإنما هوكند وتفسير ذلك الخصية، فعرب فقيل جند بادستر.
والدابة المتقدم ذكرها المعروفة بالزبرق لا تأوي إلى موضع يكون فيه النوشان - وهو الكركدن - وتهرب منه كما يهرب منه الفيل أيضاً، والفيل يهرب من السنانير - وهي القطاط - ولا يقف لها البتة إذا أبصرها، وقد ذكر عن ملوك الفرس أنها كانت توقي الفيلة المقاتلة بالرجالة حولها ومراعاة حيل الأعداء عند الحرب بتخلية السنانير عليها، وكذلك أفعال ملوك السند والهند إلى هذه الغاية، وقد ذكر أن الخنازير ربما تهرب منها الفيلة.
وقد كان رجلِ بالمولتان من أرض السند يدعى هارون بن موسى مولى الأزد، وكان شاعراَ شجاعاً ذا رياسة في قومه ومنعة بأرض السند مما يلي أرض المولتان، وكان في حصن له، فالتقى مع بعض ملوك الهند وقد قدمت الهند أم أمه ا الفيلة، فبرز هارون بن موسى أمام الصف وقصد لعظيم من الفيلة وقد خبأ تحت ثوبه سنورا، فلما دنا في حملته من الفيل خلى القط عليه، فولَى الفيل منهزماً لما بصر بذلك الهر، وكان ذلك هزيمة الجيش، وقتل الملك، وغلبة المسلمين عليهم، ولهارون بن موسى قصيدة يصف فيها ما ذكرناه وهي:
أليس عجيباً بأن تلقه ... له فطن الأسد في جرم فيل
وأطرف من نسبه زوله ... بحلم يجل عن الخنشبيل
أليس عجيبَاَ بأن تلقه ... غليظ الدراك لطيف الحوِيل
وأرقص مختلف خلقه ... طويل النيوب قصير النصيل
ويخضع لليث ليث العرين ... فإن ناشب الهر من رأس ميل
ويلقى العدو بناب عظيم ... وجوف رحيب وصوت ضئيل
وأشبه شيء إذا قسته ... بخنزير بر وجاموس غيل
ينازعه كك ذي أريع ... فما في الأنام له من عديل
ويعصف بالبَبْر ِبعد النمور ... كما تعصف الريح بالعندبيل
وشخص ترى يده أنفه ... فإن وصلوه فسيف صقيل
وأقبل كالطَّوْد هادي الخميس ... بصوت شديد أمام الرعيل
فمر بسيل كسيل الاتي ... بخطو خفيق وجرم ثقيل
فان سُمْتَه زاد في هوله ... بشاعة أذنين في رأس غول
وقد كنت أعددت هراً له ... قليل التهيب للزندبيك
فلما أحَسَّ به في العجاج ... أتانا الإله بفتح جليل
وطار وراغمَ فيَّاله ... بقلب نخيب وجسم ثقيل
فسبحان خالقه وحده ... إله الأنام ورب الفيول
العندبيل: طائر صغير يكون بأرض السند والهند، تذكره الشعراء في أشعارها تمثلا به لصغره، والزندبيل: هو العظيم من الفيلة والمقدم فيها،وقد قيل: إن الزندبيل هو اسم لما اشتد في الحرب من إناث الفيلة، وقد ذكر بعض الشعراء في هذا المعنى الزندبيل عند ذكره للفيل فقال:

ذاك الذي مشفره طويل ... وهو من الأفيال زندبيل
وقال آخر:
وفيلُهُ كالطود زندبيل
وقد ذكر عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب الحيوان هذه القصيدة، وفسر بعض أبياتها، وذكر في معنى الخنشبيل وتفسيره قول الأنصاري في صفة النحل:
تبيض العشاء بأذنابها ... وفى مدر الأرض عنها فضول
ويشبعها المص مص الثرى ... إذا عاجت الشاة والخنشبيل
قال: وهذا غير قوله:
قد علمت جارية عُطْبًول ... أني بنصل الصيف خَنْشَبِيل
والفيلة لا تنتج ولا تتوالد إلا بأرض الزنج والهند، ولا تعظم أنيابها بأرض السند والهند على حسب ما تعظم بأرض الزنج، والزنج تتخذ من جلود الفيلة الدَوق وكذلك الهند، ولا يلحق ذلك في المنعة شيء من الدرق الصيني والتبتي، واللمطي والبجاوي، ولا ما نقع في اللبن وغير ذلك من أنواع الدرق.
وخرطومه أنفه، وبه يوصَلُ الطعام والشراب إلى جَوْفه، وهو شيء بين إلغضروف واللحم والعصب، وبه يقاتل ويضرب، ومنه يصيح، وليس صوت الفيل على مقدار عظم جسمه وكبر خلقه.
عناية المنصور بالفيلة
وقد كان المنصور عُني بجمع الفيلة لتعظيم الملوك السالفة إياها واقتنائها لها، وإعدادها للحروب والزينة في الأعياد وغيرها؛ فإنها أوطأ مراكب الملوك و أمه دُها، وأخبرني بعض الكتاب ممن يرجع إلى أدب وعقل ومعرفة بأيام الناس بمدينة السلام، أنه اشترى بغلة في غاية الفَرَاهة والحسن، فكان يركبها في مهماته وتصرفاته، وكانت إذا رأت الجمال البُخْت أو العراب من العَمَّالة أو غيرها في الطريق نفرت وَشَبَّتْ، وكان يلقي منها جهدأ جهيدأ فيصبر على ذلك المكروه، لما هي علية من الفراهة والحسن، وأنه لا يحمله غيرها لعظم جسمه وكبر بطنه وسمنه قال: فلما كان في بعض الأيام اجتزت باب الطاق - وذلك في أيام المقتدر، وقد أخرج الفيلة للرياضة والتمهيد وليحمل عليها الليث بن علي الصفار وأصحابه، وقد كان مؤنس المظفر الخادم أسره ببلاد فارس حين خرج على السلطان - قال: فأشرفت على قطار من الجمال البُخْتِ منهزمة خائفة من الفيل، تجمز في مشيتها، لاسبيل لمن عليها أن يحبسها لما قد لحقها من الجزع، فلما رأت البغلة ذلك شَئت وَوَلت على عقبها، وَرمت بي الأرض فوقعت كجلد ثور منفوخ، ودخلت الجمال إلى درب لا ينفد، وقد كانت البغلة حين رمت بي ونفرت من الجمال دخلت ذلك الدرب، وجاءت الفيلة على أثر ذلك، فلما نظرت البغلة إلى الفيلة وعظم خلقها لحقت بالجمال ودخلت بينها كأنها لم تزل معها وتزلزلت كتزلزل الجمال، إذ رآني جماعة من الناس، فرفعوني، ودخل الغلام فأخرج البغلة، وما استطاع إخراجها حتى مضت الفيلة، وأخرجت من وسط بعض الجمال، فواللّه ما نفرت بعد ذلك من جمل، وقد ألفت الجمال حتى كأنها بعضها؛ لاستصغارها صورة الجمل عن ما شاهدت من عظم صورة الفيل.
عود إلى وصف الفيل: وكل حيوان في لسان فأصل لسانه إلى داخل، وطرفه إلى خارج، إلا الفيل؛ فإن طرف لسانه إلى داخل وأصله إلى خارجِ، والهند تزعم أنه لولا أن لسانه مقلوب ثم لقن الكلام لتكلم، والهند تُشرِّفُ الفيل وتفضله على سائر الحيوان، لما اجتمع فيه من الخصال المحمودة: من علو سمكه، وعظم صورته، وبديع منظره، واتصال صَهْوَته، وطول خرطومه، وسَعَة أذنه، وكبر غرموله، مع خفة وطئه، وطول عمره، وثقل جسمه، وقلة اكتراثه بما وضع على ظهره، وأنه - مع كبر هذا الجسم وعظم هذه الصورة - يمر بالإنسان فلا يحس بوطئه، ولا يشعر به حتى يغشاه لحسن خطوته واستقامة مشيه.

وقد وصف عمرو بن بحر الجاحظ الفيل في كتاب الحيوان فأغرق في وصفه، وأكثر في مدحه، وعدد معاني كثيرة في صفة الفيل وهيئته، وما هو عليه من عجيب التركيب وغريب التأليف، والمعاني الصحيحة، والإحساسات اللطيفة، وفي قبولها التأديب وصحة تمييزها وسرعتها إلى التلقين والتقويم، وما في أبدانها من الأعضاء الكريمة، والأجزاء الشريفة، وكم مقدار منافعها، ومبلغ مضارها، وبتلك الفضيلة من الإحساس فاقت تلك الأجناس، وما فيها من الآيات والبرهانات والعلامات النيرات التي جلاها اللّه لعيون خلقه، وفرق بينها وبين عقول عبادة، وقيدها عليهم، وحفظها لهم، لتكثر لهم، وتزيد بهم إلى وضوح الحجة، وتسخرهم لتمام النعمة، وما ذكر اللّه في الكتاب الناطق والخبر الصاعق، وفي الآثار المعروفة، والأمثال المضروبة، والتجارب الصحيحة، وما قالت الشعراء فيه، ونطقت به الفصحاء، وميزته العلماء، وعجبت منه الحكماء، وحالها عند الملوك، وموضع نفعها عند الحروب، وتباينها في العلوم، وجلالتها في الصدور، وفي طول أعمارها، وقوة أبدانها، وفي اعتز أمه ا وتصميمها وأحقادها وشدة اكتراثها، وطلبها بطوائلها، وارتفاعها عن ملك السُّقاط واقتناء السفلة والأراذل وعن ارتخاصها في الثمن، وارتباطها على الخسف، وابتذالها، وإذلالها، وعن امتناع طبائعها، وتمنع غرائزها أن تصلح أبدانها وتنبت أنيابها وتعظم جوارحها وتتسافد وتتلاقح إلا في معادنها وبلادها ومغارس أعراقها، مع التماس الملوك ذلك منها، وطمع القوم عليها بالتقرب بذلك منها، حتى أعجزت الحيل، وخرجت عن حد الطمع، وعن الأخبار عن حملها ووضعها ومواضع أعضائها، والذي خالفت فيه الأشكال الأربعة التي تحيط بالجميع مما يستناخ، أو يقوم أو يمشي أو يطر، وجميع ما ينتقل عن أولية خلقه، وما يبقى على الطبع الأول من صورته وعما يتنازعه من شبه الحيوان، وما يخالف فيه جميعِ الحيوان، وعن القول في شدة قلبه وأسره وفي حدته على ما هو أعظم بدناَ وأشد قلباً وأحَذُ ظفرأَ وذرب لساناً وهربه مما هو أصغر جسماً، وأكلُّ حداً، وأضعف أسراً، أخمل ذكراً، وعن الأخبار عن خصاله المذمومة، وأموره المحمودة، وعن القول في لونه وجلده وشعره ولحمه وشحمه وعظمه وبوله ونَجْوِه، وعن لسانه وفمه، مع غير ذلك من المواعيد الكثيرة التي تضمنت إيرادها، فلما أنتهي إلى موضع نظمها وإيراد وصفها وما أسلفه من القول في هذه المعاني التي قدًمها أورد جوامع متفرقة، ولمعاً غير متسقة في الفيلة وغيرها، وأعرض عن إِيراد خواص أعضائها، وأكثر منافعها، وعجيب خصالها، وما ذكر من أسرار الطبيعة فيها - وما قالته فلاسفة الهند في بدْئها، وما أثرته عمن تقدم من حكمائها في بدء أوليتها وعلة تكوينها في أرض الزنج والسند، دون سائر البقاع من الأرض، والسبب المانع لتكونها في غيرها، والتضاد الذي بينها وبين الكركدن مع عظم خلقهاِ، وفرارها من السنور، مع صغر حجم جسمه ولطافة منظره، وعن كثرة الطرب الذي يوجد في الفيل دون غيره من الحيوان، وقبولها الرياضة والدربة والمعرفة عند المحاورة، والدهاء، والخبث، والتمييز.
وقد ذكر صاحب المنطق في كتاب الحيوان جملاً كثيرة من خصال الفيل ومنافع أعضائه، وسلك طريقة لم يسلكها من تقدم من حكماء الهند في الفيل، وما ذهب إليه حكماء الهند من أن العالم بما فيه من الأجسام على جهات ثلاث: متفق، ومختلف، ومضاد، وأن ذلك في الجملة هو جماد ونامٍ، وإخراجهم عن العالم - الأفلاك والنجوم والبروج وغير ذلك من الأجسام السماوية، وأنها ليست بجماد ولا نام، وأنها أحياء ناطقة.
عود إلى وصف الزنج

قال المسعودي: فلنرجع الآن إلى ما كنا فيه آنفا في صدر هذا الباب، من ذكر الزنج وبلادهم وغيرهم من الزنج أو الأحأبش، فالزنج مع كثرة اصطيدها لما ذكرنا من الفيلة وجمعها لعاجها - غير منتفعة بشيء من ذلك في آلاتها، وإنما تتحلى الزنج بالحديد بدلاً عن الذهب والفضة، وما ذكرنا من دوابهم أنها بقر، وأنهم عليها يتقاتلون بدلاً من الإبل والخيل، وهي بقر تجري كالخيل بسروج ولُجُم، ورأيت بالري نوعا، من هذا البقر يبرك كما يبرك الجمل، ويثور بجمله كما تثور الإبل إذا استقلَّت بأحمالها، وهذا النوع من البقر يحمل عليه الميتة من الحيوان كالخيل والإبل والحمير والبغال، وملاكها نوع من المجوس مزْدَقية، ولهم خارج الري قرية لا يسكن معهم فيها غيرهم، فإذا مات بالري أو قَزْوِين شيء مما ذكرنا من البهائم ورد الواحد منهم مع ثوره فأناخه، وحمل عليه تلك الجيفة وسار بها إلى قريته، فأكلُهم منها، وبنيانهم من عظ أمه ا، ويحففون من لحمها ما يدخرونه لشتائهم، فأكثر أكلهم وأكل بقرهم من تلك اللًّحْمَان رطبَاَ ويابساً، وهذا النوع من البقر الغالب عليه حمرة الحدق، وسائر البقر تنفر وتهرب من هذا البقر، ورأيت بأصبهان وقدم منها ما في أنوفها حلق الحديد والصُّفْر، قد خزمت فيها الحبال، وخطمت بها كما يفعل بالجمال البخت، وكذلك بالري رأيت ثوراً منها قد عدا نحو ثور من غير هذا النوعِ، فلما رآه قد قصده قام فزعاً من هذا الجنس.
وليس في سائر أنواع البقر ما يأوي المياه والجزائر والبحيرات إلا البقر المعروف الحبشية التي تكون ببلاد مصر وأعمالها، وبحيرة تنيس ودمياط وما اتصل بتلك الديار، وأما الجواميس فإنها بالثغر الشامي تجر أكبر ما يكون من العَجَل، في أنوفها حلق الحديد والصُفْر على ما ذكرنا من البقر، وكذلك منها ببلاد إنطاكية، وأكثر ذلك ببلاد السند والهند وطبرستان، وقْرون تلك البقر أكبر من قرون هذه الجواميس التي بأرض الإسلام، وطول القرن منها نحو الزراع والذراعين وكذلك الجواميس كثيرة بأرض العراق مما يلي طفوف الكوفة والبصرة والبطائح وما اتصل بهذه الديار، والناس يذكرون عنقاء مًغْرب ويصورون العنقاء في الحمامات وغيرها، ولم أجد أحدا في هذه الممالك ممن شاهدته أو نمي إلي خبره ذكر أنه رآها، ولست أدري كيف ذلك، ولعله اسم لا مسمى له.
تفسير لقب ملك الزنج
ولنرجع الآن إلى أخبار الزنج وأخبار ملوكها: فأما تفسير اسم ملك الزنج - الذي هو وقليمي - فمعنى ذلك ابن الرب الكبير، لأنه اختار لملكهم والعدل فيهم، فمتى جار الملك عليهم في حكمه وحاد عن الحق قتلوه وحرموا عقبه الملك، ويزعمون أنه إذا فعل ذلك فقد بطل أن يكون ابن الرب الذي هو ملك السموات والأرض، ويسمون الخالق عز وجل ملكنجلو، وتفسيره الرب الكبير، والزنج أولو فصاحة في ألسنتهم، وفيهم خطباء بلغتهم، يقف الرجل الزاهد منهم فيخطب على الخلق الكثير منهم، ويرغبهم في القرب من بارئهم، - ويبعثهم على طاعته، ويرهبهم من عقابه وصولته، ويذكرهم من مضى من ملوكهم وأسلافهم، وليس لهم شريعة يرجعون إليها، بل رسوم لملوكهم، وأنواع من السياسات يسوسون بها رعيتهم، وأكلهم الموز، وهو ببلادهم كثير، وكذلك بأرض الهند، الغالب على أقوات الزنج الذرة، ونبت يقال له الكلاري يقلع من الأرض: كالكمأة، والراسن، ومنه كثير ببلاد عدن وما اتصل بها من أرض اليمن، ويشبه هذا الكلاري القلقاس الذي يكون بالشام ومصر، ومن غذائهم أيضا العسل واللحم، ومن هويَ منهم شيئاَ من نبات آو حيوان أو جماد يجده، وجزائرهم في البحر لا تحصي كثرة، وفيها النار جيل يعم أكله سائر الزنج، ومن بعض تلك الجزائر جزيرة بينها وبين ساحل الزنج نحو من يوم أو يومين، فيها خلائق من المسلمين يتوارثها ملوك من المسلمين، يقال لها قنبلو، على حسب ما ذكرنا من أمرها في هذا الكتاب.
مساكن النوبة
وأما النوبة فافترقت فرقتين: فرقة في شرق النيل وغربية، وأناخت على شطيه، فاتصلت ديارها بديار القبط من أرض مصر والصعيد من بلاد أسوان وغيرها، واتسعت مساكن النوبة على شاطئ النيل مصعدة، ولحاقوا بقريب من أعاليه، وبنوا دار مملكة، وهي مدينة عظيمة تدعئ دنقلة، والفريق الأخر من النوبة يقال لهم علوة، وبنوا مدينة عظيمة وسموها سرية.

قال المسعودي: وانتهيت في تصنيفي إلى هذا الموضوع من كتابنا هذا في شهر ربيع الأخر سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وكنت بفسطاط مصر فأخبرت أن الملك في مدينة دنقلة للنوبة كابل بن سرور، وهو ملك أبن ملك ابن ملك فصاعدا وملكه يحتوي على ما قرة وعلوة، والبلد المتصل بمملكته بأرض أسوان يعرف بمريس، وإليه تضاف الريح المريسية، وعمل هذا الملك متصل بأعمال مصر من ارض الصعيد ومدينة أسوان.
البجة
وأما البجة فإنها نزلت بين بحر القلزم ونيل مصر، وتشعبوا فرقا، وملكوا عليهم ملكا، وفي أرضهم معادن الذهب، وهو التبر، ومعادن الزمرّد، وتتصل سراياهم ومناسرهم على النُّجُبِ إلى بلاد النوبة، فيغيرون وسبون، وقد كانت النوبة قبل ذلك أشد من البجة، إلى أن قوتي الإسلام وظهر، وسكن جماعة من المسلمين معدن الذهب وبلاد العلاة وعلاقي و عيذاب، وسكن في تلك الديار خلق من العرب من ربيعه بن نزار بن معد بن عدنان، فاشتدت شوكتهم، وتزوجوا في البجة، فقويت البجه بمن صاهرها من ربيعه، وقويت ربيعه بالبجة على ما ناوأها وجاورها من قحطان وغيوهم من مضر بن نزار ممن سكن تلك الديار، وصاحب المعدن شي وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثماثة - أبو مروان بشر بن إسحاق، وهو من ربيعه، يركب في ثلاثة آلاف من ربيعه وأحلافها من مضر واليمن وثلاثين ألف حراب على النُّجُب من البجة بالحجف البجاوية، وهم الحداربة، وهم المسلمون ممن بين سائر البجة، وباقي البجة كفار يعبدون صنما لهم.
الحبش
وأما الحبشة فاسم مملكتهم كعبر وهي مدينة عظيمة، وهي دار مملكة النجاشي، وللحبشة مدن كثيرة وعمائر واسعة، يتصل ملك النجاشي بالبحر الحبشي، ولهم ساحل لهم فيه مدن كثيرة، وهو مقابل لبلاد اليمن: فمن مدن الحبشة على الساحل الزيلع والدهلك وناصع، وهذه مدن فيها خلق من المسلمين إلا أنهم في ذمة الحبشة، وبين ساحل الحبشة ومدينة غلافقة - وهي ساحل زبيد من أرض اليمن - ثلاثة أيام عرض البحر بين الساحلين، ومن هذا الموضع عبرت الحبشة البحر حين ملكت اليمن في أيام في نواس وهو صاحب الأخدود المذكور في القرآن، وصاحب زبيد في وقتنا هذا إبراهيم بن زياد صاحب الحرملي ومراكبه تختلف إلى ساحل الحبشة، وتركب فيها التجار بالأمتعة، وبينهم مهادنة، وهذا الموضع من البحر بين هذين الشطين - أعني ساحل اليمن، وساحل الحبشة - أقل المواضع فيه عرضاً، وهنالك جزائر بين هذين الساحلين: منها جزيرة العقل، يقال: إن فيها ماء يعرف بماء العقل، يستسقي منه أرباب المراكب، ويفعل في القرائح والذكاء فعلاً جميلا، وقد ذكر بعض الفلاسفة المتقدمين ما يفعل هذا الماء وماله من الخواص، وذكر علة ذلك، وقد أتينا على الخبر في كتابنا " أخبار أخبار الزمان عند ذكرنا لأخبار المتطببين في تجاربهم وما كان من قضاياهم في علاجاتهم ممن سلف قبل ظهور الإسلام وغيرهم ممن اتصل بالملوك والخلفاء بعد ظهور الشرع، وقد غلب ابن زياد على هذه الجزيرة، وله في هذا الوقت رجال مرتبون فيها من أصحابه.
جزيرة سقرطة وسكانها
وفي هذا البحر مما يلي بلاد عدن جزيرة تعرف بسقطرة، إليها يضاف الصبر السقطري، ولا يوجد إلا فيها، ولا يحمل إلا منها، وقد كان أرسطاطاليس بن نقوماخس كتب إلى الإسكندر بن فيلبس حين سار إلى الهند في أمر هذه الجزيرة يوصيه بها، وأن يبعث إليها جماعة من اليونانيين يسكنهم فيها من أجل الصبر السقطري الذي يقع في الأيارجات وغيرها، فصيَّر الإسكندر إلى هذه الجزيرة خلقاً من اليونانيين أكثرهم من مدينة ارسطاطاليس بن نقوماخس، وهي مدينة اسطاغر، في المراكب بأهليهم في بحر القلزم، فغلبوا على من كان بها من ملوك الهند، وملكوا الجزيرة، وكان للهند بها صنم عظيم، فنقل ذلك الصنم في أخبار يطول ذكرها، وتناسل من بالجزيرة من اليونانيين فيها، ومضى الإسكندر فظهر المسيح فتنصر من كان بها إلى هذا الوقت، وليس في الدنيا - واللّه أعلم - موضع فيه قوم من اليونانيين يحفظون أنسابهم لم يُدَاخلهم في أنسابهم رومي ولا غيرهم غير أهل هذه الجزيرة، وهم في هذا الوقت تأوي إليهم بوارج الهند الذين يقطعون على المسلمين في هذه البوارج - وهي المراكب - على

من أراد الصين والهند وغيرها كما يقطع الروم في الشواني على المسلمين في البحر الرومي من ساحل الشام ومصر، ويحمل من جزيرة سقطرة الصبر السقطري وغيره من العقاقير، ولهذه الجزيرة أخبار عجيبة، ولما فيها من خواص النبات وللعقاقير قد أتينا على كثير من ذكرها فيما سلف من كتبنا.
بقية أجناس السودان
وأما غير هؤلاء من الحبشة الذين قدمنا ذكرهم من أمعن في المغرب - مثل الزغاوة والكوكو والقراقر ومديدة ومريس والمبرس والملانة والقوماطي ودويلة والقرمة - ذلكل واحد من هؤلاء وغيرهم من أنواع الأحابش ملك، ودار مملكة.
وقد أتيناء على ذكر جميع أجناس السودان وأنواعهم ومساكنهم ومواضعها من الفلك، ولأية علة تفلفلت شعورهم واسودت ألوانهم، وغير ذلك من أخبارهم وأخبار ملوكهم وعجائب سيرهم وتشعبهم في أنسابهم، في كتابنا أخبار الزمان في الفن الأول من جملة الثلاثين فناً، ثم في الكتاب الأوسط مما لم نذكره في كتابنا أخبار الزمان من أخبارهم، وذكرنا في هذا الكتاب مالا يسع ترك إيراده فيه ولا تعريته منه.
بين النوبة وفاتح مصر
قال المسعودي: وقد كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لما افتتح عمرو بن العاص مصر كتب إليه بمحاربة النوبة، فغزاهم المسلمون، فوجدوهم يرمون الحدق وأبي عمرو بن العاص أن يصالحهم، حتى صرف عن مصر، ووليها عبد اللّه بن سعد، فصالحهم على رؤوس من السبي معلومة، مما يسبي هذا الملك المجاور للمسلمين من غيرهم من ممالك النوبة المقدم ذكرها فيما سلف من صدر هذا الباب المدعو بملك مريس وغيرها من أرض النوبة، فصار ما قبض منه من السبي سَنّةً جارية في كل سنةٍ إلى هذه الغاية يحمل إلى صاحب مصر ويدعى هذا السبي في العربيه بأرض مصر والنوبة بالبقط، وعمد ذلك ثلثمائة رأس وخمس وستون رأسا، وأراه رسم على عدد أيام السنة، هذا لبيت مال المسلمين بشرط الهدنة بينهمِ وبين النوبة، وللأمير بمصر غير ما ذكرنا من عدد السبي أربعوت رأسا، ولخليفته المقيم ببلاد أسوان المجاورة لأرض النوبة، وهو المتولي لقبض هذا البقط، وهو السبي، عشرون رأساً غير الأربعين، وللحاكم المقيم بأسوان الذي يحضر مع أمير أسوان قَبْضُ البقط خمسة رؤوس غير العشرين التي يقبضها الأمير، ولاثني عشر شاهداً عدولاً من أهل أسوإن يحضرون مع الحاكم حين قبض البقط اثتا عشر رأساً من السبي حسب ما جرىَ به الرسم في صدر الإسلام في بلد إيقاع الهدنة بين المسلمين النوبة، والموضع الذي يتسلَّم فيه هذا البقط ويحضره من سميناه وغيرهم من النوبة من ثقات الملك يعرف بالقصر، وهو على ستة أميال من مدينة آسوان بالقرب من في يرة بلاق، وبلاق هذه مدينة في الموضع المعروف بالجنادل من الجبال والأحجار، وهذه المدينة في هذه الجزيرة يحيط بها ماء النيل كإحاطة ماء الفرات بالمدن التي في الجزائر الكائنة بين رَحْبَة مألك بن طَوْق وهَيْت، وهي ناوسة وعانة والحديثة، وفي مدينة بلاق خلق كثير من الناس ومنبر ونخل كثير في كلا الشطين، وهذء المدينة إليها تنتهي سفن النوبة وسُفُن المسلمين من بلاد مصر وأسوان، ومدينة أسوان يسكنها كثير من العرب من قحطان ونزاربن معد من ربيعه ومضر وخلق من قريش، وأكثرهم ناقلة من الحجاز وغيره، والبلد كثير النخل خصيب كثير الخير تُودعُ النواة الأرض فتنبت نخلة، ويؤكل من ثمرها بعد سنتين، وليست تربتهم كتربة البصرة ولا الكوفة ولا غيرهما من أرض النخل، لأن

النخل بالبصرة لا ينبت من النوى بل ينبت من الثال والفسيل، وهو النخل الصغير، وما يخرج من النواة فليس يثمر ولا يفلح، ولمن بأسوان من المسلمين ضياع كثيرة داخلة بأرض النوبة يؤدًون خراجها إلى ملك إلنوبة، وابتيعت هذه الضياع من النوبة في صدر الزمان في دولة بني أمية وبني العباس، وقد كان ملك النوبة استعدى المأمون حين دخل مصر على هؤلاء القوم بوفد أوفدهم إلى الفسطاط، ذكروا عنه أن ناساً من أهل مملكته وعبيده باعوا ضياعاً من ضياعهم ممن جاورهم من أهل أسوان، وأنها ضيهاعه والقوم عبيدة، ولا أملاك لهم، وإنما تملكهم على هذه الضياع تملك العبيد العملين فيها فرد المأمون أمرهم إلى الحاكم بمدينة أسوان ومن بها من أهل العلم والشيوخ، وعلم من ابتاع هذه الضياع من أهل أسوان أنها ستنزع من أيديهم، فاحتالوا على ملك النوبة بأن تقدموا إلى من ابتاع منهم من أهل النوبة أنهم إذا حضروا حضرة الحاكم أن لا يقروا لمليكهم بالعبوية، وأن يقولوا: سبيلنا معاشر المسلمين سبيلكم مع ملككم تجب علينا طاعته وترك مخالفته، فإن كنتم أنتم عبيداً لملككم وأموالكم له فنحن كذلك، فلما جمع الحاكم بينهم وبين صاحب الملك أتوا بهذا الكلام للحاكم أو نحوه مما وقفوا عليه من هذا المعنى، فمضى البيع لعدم إِقرارهم بالرق لملكهم إلى هذا الوقت، وتوارث الناس تلك الضياع بأرض النوبة من بلاد مريس، وصار النوبة أهل مملكة هذا الملك نوعين: نوع ممن وصفنا أحرأر غير عبيد، والنوع الأخر من أهل مملكته عبيد، وهم من سكن النوبة في غير هذه البلأد المجاورة لأسوان، وهي بلاد مريس.
معدن الزمرد وأنواعه
ومعدن الزمرد في عمل الصعيد الأعلى من أعمال مدينة قفط، ومنها يخرج إلى هذا المعدن، والموضع الذي فيه الزمرد يعرف بالخربة مفاوز و جبال، والبجة تحمي هذا المجان المعروف بالخربة، إليها يؤدي الخفارات من يرد إلى حفر الزمرد، والزمرد الذي يقتلع من هذا المكان يتنوع أربعة أنواع: النوع الأول منها يعرف بالمر، وهو أجودها وأغلاها ثمنا، وهو شديد الخضرة كثير الماء، يشبه خضرته بأشد ما يكون من السلق خضرة، وهذا اللون غير كدر ولا ضارب إلى السواد، والنوع الثاني يدعى بالبحري، ومعناهم في هذه التسمية هو أن ملوك البحر من السند والهند والزنج والصين ترغب في هذا النوع من الزمرد، وتباهي في استعماله ولباسه في تيجانها وأكاليلها وخواتيمها وأسورتها، فسمي البحري لما ذكرنا، وهو ثاني المر في الجودة وتشبه خضرته بالأول والماء كفراخ ورق الأس الذي يظهر في أوائل أغصان الآس وأطرافه، والنوع الثالث يعرف بالمغربي، ومعناهم في هذه التسمية وإضافتهم إياه إلى المغرب هو أن ملوك المغرب من الإفرنجة والنوكبرد والأندلس والجلالقة والوشكند والصقالبة والروس، وإن كان أكثر هؤلاء الأمم متصلين بالجدي وهو ما بين المشرق والمغرب على حسب ما ذكرنا من ديار ولد بافث بن نوح يتنافسون في هذا النوع من الزمرد كتنافس من ذكرنا من ملوك الهند والصين في النوع المعروف بالبحري، والنوع الرابع هو المسمى بالأصم، وهو أدنى الأنواع وأقلها ثمناً؛ لقلة مائه وخُضرته، وهذا النوع يتفاوت في اللون من الخضرة في القلة والكثرة، وجملة الوصف لهذه الأنواع الأربعة في الجودة والمبالغة في الثمن هو أكثرها ماء وأصفاها وأكثرها خضرة وأنقاها من السواد والصفرة، وغير ذلك من الألوان، مع تعري هذا الجوهر من النموشة، فإذا سلم مما ذكرنا كان في نوعه غايةً في الجودة ونهاية في الوصف، وفىِ حجارته ما يبلغ الخمسة المثاقيل من الوزن، إلى أن ينتهي إلى حد العدسة في المقدار، فيدخل ذلك في النظم من المخانق وغيرها.
وافات هذا الجوهر كثيرة، منها الريم، والحجارة، والعروق البيض التي تشوب هذا الجوهر وتوجد فيه، ولا تناكر بين ذوي الدراية بهذا الجوهر ومن عني بمعرفته أن الحيات والأفاعي وسائر أنواع الحيات من الثعابين وغيرها إذا أبصرت الزمرد الخالص سالت أحداقها، وأن الملسوع إذا سقي من الزمرد الخالص، وزن دانقين على الفور أمن على نفسه من أن يسري السم في جسده، ولا يوجد شيء من أنواع الحيات يقرب من معدنه وأرضه، وهوحجر لين رخو، يتكلس إذا ورد على الناس.

وقد كانت ملوك اليونانيين ومن تلاهم من ملوك الروم تعظم شأن هذا الجوهر، وتفضله على غيره من سائر الجواهر؛ لما اجتمع فيه من الخواص العجيبة، والمنافع الكثيرة، ولخفته في الوزن دون سائر الجواهر المعدنية. وأكثر ما يوجد من هذه الأنواع الأربعة العروق في الأرض، وهو المتَنافس فيه، إذا سلم من الاعوجاج والثقب، واستقام سلكه، واستطال ما استدار، وأدناه ما ينحل في معدنه من التراب ويلتقط من الطين، وقد يوجد على ظهر الأرض في هذا المعدن في وهاده وجباله وما انخفض وارتفع من أرضه نوعان منه وهما المغربي والأصم المقدم ذكرهما.
وقد يحمل من أرض الهند من بلاد سندان، ونحو كنباية من مملكة البلهر اصاحب المانغير المقدم ذكره فيما سلف من هذا الكتاب نوع من الزمرد يلحق بما وصفناه من النور والخضرة والشعاع، إلا أنه حجر صلب مما وصفنا، وأثقل مما ذكرنا، ولا يفرِّق بين هذا النوم المحمول من أرض الهند وبين الأنواع الأربعة المقدم ذكرها، إلا ذو دراية فطن أو ماهر فيه، وهذا النوع الهندي يعرفه أصحاب الجوهر بالملكيَ، لأنه يحمل من أرض الهند إلى بلاد عدن وغيرها من سواحل اليمن، ويؤتى به مكَة، فاشتهر بهذا الاسم لما وصفنا، وبان بهذا النعت بعض ذكرنا.
وقد أتينا على مبسوط أخبار الجواهر الشفافة وغيرها ووصف معادنها على الشرح والإيضاح في كتبنا أخبار الزمان ووجت جماعة بصعيد مصر،من ذوي الدراية - ممن اتصلت معرفته بهذا المعدن، وعرف هذا النوع من الجوهر الذي هو الزمرد - يخبرون أن هذأ الزمرد يكثر ويقل في فصول من السنة، وفي قوة من مواد الهواء، وهبوب نوع من الرياح الأربع، وتقوى الخضرة فيه والشعاع النوري في أوائل الشهر و الزيادة في نور القمر، وكذلك وجدت في أخبار من عني بمعرفة أكثرّ المعادن من الجوهرية وغيرها،أن الكبريت الأبيض والأصفر وغيرها من أنواع الكبريت يكثر في معدنه في السنة التي يكثر برقها، وتشتد صواعقها، على حسب ما أخبرنا به فيما سلف من هذا الكتاب عن الكفور في بلاد منصورة، من أرض الهند أنه يكثر في السنة التي تكثر فيها الصواعق و الرعود وألبرق، و لأ أن المكَثار كحاطب ليل، والإيجاز لمحة دالة، وحيٌ صرح عن ضمير، والبلاغة إيضاح بإيجاز لأسهبت في هذا الباب.
قوص ولْفط من بلاد مصر
وبين هذا الموضع المعروف بالخربة الذي فيه معدن هذأ النوع من الجوهر، وهو الزمرد، وبين ما اتصل به من العمارة وقرب منه من الديار، مسيرة سبعة أيام وهي قفط وقوص وغيرهما من صعيد مصر، وقوص راكبة للنيل، وبين النيل وقفط نحو من ميلين، ولمدينتي قفط وقوص أخبار عجيبة في أيام عمرانهما وما كان في أيام الأقباط من أخبارهما إلا أن مدينة قفط في هذا الوقت متداعية للخراب، وقوص أعمر، والناس فيها أكثر.
وَبَوَادي البجة المالكة لهذا المعدن تتصل ديارها بالعلاقي، وهي معدن الذهب على حسب ما قدمنا في هذا الباب، وبين العلاقي والنيل خمس عشرة مرحلة، وماء أهل العلاقي ما انْهَلَّ من السماء، ولهم ماء من عين يسيل في وسط العلاقي، وأقرب العمارة إليه مدينة أسوان، ومنها يسمّى العلاقي، والنوبة متصلة بتجارتها وقوافلها بمدينة أسوان، وأهل أسوان مختلطون بالنوبة.
الواحات

قال المسعودي: وأما بلاد الواحات - وهي بين بلاد مصر والإسكندرية وصعيد مصر والمغرب وأرض الأحابش من النوبة وغيرهم - فقد ذكرنا جملأ من أخبارها، وكيفية العمران بها، والخواص في أرضها، فيما سلف من كتبنا، وبها أرض شَبِّية وزاجية وعيون حامضة وغير ذلك من الطعوم: وصاحب الواحات في وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - عبد الملك بن مروان، وهو رجل من لَوَاتة، إلا أنه مرواني المذهب، ويركب في ألوف من الناس خيلاً ورجلاً ونجبا، وبينه وبين الأحابش نحو من ستة أيام، وكذلك بينه وبين سائر ما ذكرنا من العمائر هذا المقدار من المسافة، وفي أرضه خواص وعجائب، وهو بلد قائم بنفسه، غير متصل بغيره، ولا مفتقر إليه، ويحمل من أرضه التمر والزبيب والأعناب، وقد رأيت صاحب هذا الرجل المقيم بالواحات بباب الإِخشيد محمد بن طغج، وذلك سنة ثلاثين وثلثمائة، وسألته عن كثير من أخبار بلدهم، واحتجت أن أعلمه من خواص أرضهم، وكذلك كان فعلي مع غيره في سائر الأوقات ممن لم أصل إلى بلادهم، وأخبرني هذا الرجل عما بأرضهم من الشًب وأنواع الزاج، وما يحمل من بلادهم، وما بأرضهم من أنواع العيون الحامضة، وغير ذلك من المياه المختلفة الطعوم.
وقد ذكر صاحب المنطق أن ببعض المواضع عيوناً حامضة يستعمل ماؤها كاستعمال الخل، وذكر المواضع التي تنبع منها العيون المرة، وأن قوة مائها في المرارة لا يخالط شيئاً إلا مرره، وأن العلة في اختلاف هذه الطعوم في المياه أن الأرضين مختلفة مثل مواضع الشب " والمواضع النارية والرمادية، وذكر الأطعمة التي ببلاد صقلية المقدم ذكرها إذا خالطت الماء أفادته طعوماً مختلفة على قدر اختلافها وأعداد طعومها.
أعداد الطعوم وخواصها
وأعداد الطعوم ثمانية: فأولها العذب، والملح، والدسم، والحلو، والحامض، والمر، والقابض، والحِرِّيف، وقد تنازع الناس فيما ذكرنا؛فمنهم من رأى أن أعدادها سبعة، ومنهم من ذهب إلى أنها ستة، وأكثر من قال في أعدادها هو ما ذكرنا آنفاً من أنها ثمانية؛ وقد قال من سلف في قوى المياه أقاويل مختلفة: فمن ذلك أن العذب مُغَذ وإن كان سخنا، فإن استعمل من داخل أو من خارج بقدر الحاجة إليه فإنه ينقَي الجسد، وإن استعمل أكثر مما يحتاج إليه فإنه يرخي الأعضاء ويضعفها، وأن الماء البارد يشدًّ الأعضاء، ويقطع العطش، وأن الزيادة منه تخدر الجسد وتميته، وأن الماء الأجاج ينفع من سدد العبد والطحال، وأن الماء الكبريتي ينفع الجراح والقروح العتيقة والحكة؛ والبورقي نافع للحكة والجرب، وأما القاري فإنه نافع من أوجاع الصلب والعصب، وماء الحديد نافع من الاسترخاء في الأحشاء وما بطن من الأوعية، وماء النحاس نافع من الرطوبة والبلة الكائنة في الجسد والرأس، وماء الجص يشنج المعدة ويقبضها ويكرشها، وماء الزاج يحبس الدم، وماء البحر نافع من البرص، وقد ذكر جماعة أنه ينفع من الأخلاط الفاسدة إذا شرب منه اليسر مع دهن اللوز، وله في البصر أتعاب فظيع، وأن أصح المياه للأجساد الأبيض البراق الذي يخرج من جبال الطين من مشرق الشمس نحو مغربها، القابل بسرعة ما يرد إليه من الحر والبرد، وللناس فيما ذكرنا كلام كثير في أنواع المياه وأوصافها ومنافعها ومضارها، وليس كتابنا هذا موضعاً له، وإنما تغلغل بنا الكلام إلى ذكرها، وتشعب بنا القول إلى وصفها.
وصف بلاد الأحابش وحاصلاتها
وكُلُّ ما ذكرنا من بلاد الأحابش ما كان من غربي اليمن وجدة والحجاز مما يلي بحر القلزم، فبلاد قشفة لا خير في أرضها، ولا شيء يحمل من ساحلها إلا ما وصفنا من الذبل والنمور وغيرهما، وكذلك ما عليه من ساحل الشحر وبلاد الأحقاف من ساحل حضر موت إلى عدن، فبلدٌ لا خصب لأهله فيه، ولا يحمل من أرضهم في وقتنا إلا اللبان ويسمى الكندر، وهذا البحر اتصاله بالقلزم وهو عن يمين بحر الهند وإن كان الماء متصلاً، وليس في البحار، وما ذكرنا من الخلجان مما احتوى عليه البحر الحبشي، أصعب ولا أكثر حيالاً، ولا أسهك رائحة، ولا أقحط، ولا أقل خيراً في بطنه وظهره من بحر القلزم، وسائر البحر الحبشي تقطعه

المراكب في إبان سيرها فيه بالليل والنهار، إلا بحر القلزم، فإن المراكب تسير فيه بالنهار، فإذا جَنً الليل أرست في مواضع معروفة كالمراحل المشهورة، والمنازل المعروفة، لكثرة جباله وظلمته ووحشته، وليس هذا البحر مما اتصل به من بحر الهند والصين وغيره في شيء، وهو بالضد من ذلك، لأن بحر الهند والصين في قعره اللؤلؤ، وفي جباله الجواهر، ومعادن الذهب والفضة والرصاص القلعي، وفي أفواه دوابه العاج، وفي منابته الآبنوس، والخيزران، والقَنَا، والبّقم، والساج، والعود، وأشجار الكافور، والجوز، والقرنفل، والصندل، والأفاويه، والطيب، والعبر، وطيوره البباغي البيض والخضر، واحدها ببغة، ثم الطواويس وأنواعها في صورها واختلافها في الصغر والكبر ومنها ما يكون كالنعامة كبراً، وحشرات أرض الهند الزباد كالسنانير بأرض الإسلام كثيرة متَخَذة كالسنور، وأكثر ما يخرج من ضروعها الطيب المعروف بلبن الزباد، وهو نوع من الطيب عجيب، ثم ما يظهر في وقت من السنة من جباه الفيلة بأرض الهند ورؤوسها من العرق الذي هو كالمسك، والهند تراعي ظهور هذا الطيب في الفصل من الزمان الذي يكون فيه، فتأخذه وتجعله على بعض أدهانها الطيبة، فيكون أغلى طيبها والمستطرف عندها، والذي تستعمله ملوكها وخواصها لضروب من المنافع منها طيب الرائحة والتجمر الذي قد فاق على سائر الطيب عندهم، وما يؤثر في الإنسان عند شمه إياه واستعماله من ظهور الشَّبَق من الرجال والنساء والطلب للباه والاغتلام والطرب و، النشاط والأريحية، وكثير من فُتَّاك الهند وشجعانهم يستعمل هذا الدهن عند اللقاء والحرب، لأن ذلك عندهم مما يشجع القلب، ويقوي النفس، ببعثها على الإقدام، وأكثر ما يظهر هذا النوع من العرق في جباه الفيلة في ذلك الفصل من السنة في حال اغتل أمه ا وهيجانها؛ وإذا كان ذلك منها هرب عنها سو أسها ورُعَاتها، ولا تَفرق بين من تعرف وغيره من الناس، وإذا وجد الفيل ما وصفنا سلك الأودية والجبل والغياض، ونَد عن بلده، وغاب عن وطنه؛ فإذا قدم على النوشان الذي هو الكركدن هرب حينئذ من الفيل، ولا يقيم في الموضع الذي هو فيه لأن الفيل عند ذلك بحال السكران لا يعقل ولا يميز بين الكركدن الذي كان يخافه قبل ذلك وغيره، فإذا خرج عنه ذلك الفصل من السنة واسترجع عاد إلى بلدة على مسيرة شهر وأكثر من ذلك، وهو في بقيةٍ من سكَره، فيبقى نحو ذلك المقدار الذي كان هيجانه فيه عليلاً، ولا يكون ذلك إلا في الفحول من الفيلة ذوى الجراءة منها والإقدام، وما ذكرنا من ظباء المسك وغير ذلك مما عنه أمسكنا من عجائبه وخيراته وفيما ذكرنا تنبيه على غيره.
وللهند خَطْب طويل في ظهور هذا النوع من الطيب في هذه الحالة من الفيلة، والفرق بينه وبين سائر أنواع الدواب وما يظهر من الفيل من الجزع عند ورود المياه من الغدران والأنهار للشرب إذا كان الماء صافيً، فإنه يثيره ويكدره ويمتنع من شربه حين صفائه، وإن ذلك يوجد في أكثر الخيل إذا وردت الماء وكان صافياً ضربته بأيديها فكدَّرته فتشرب حينئذ، وتوافق الخيل الفيلة في المعنى دون سائر الحيوان، وإن ذلك لمشاهدة صورها في الماء لصقالته وصفائه، ولعلها تقصد زول ذلك عند كدر ما تضربه بأيديها؛ لعدم ظهور الصور فيه في حال الكدر، وإن الإبل الأغلب فنها يفعل ذلك، ولمعان غير ذلك مما وصفنا من أن ما عظم من الحيوان إذا رأى صورته منعكسة على صفاء الماء أعْجَبَتْهُ لعظمها وحسنها وما بان به من حسن الهيئة عما دونه - من أنواع الحيوان، وليس شيء يفعل ذلك من الحيوان غير ما ذكرنا من الخيل والإِبل والفيلة، وإن الفيل - مع عظم جسمه ولطافة نفسه وخفة روحه وحسن تمييزه والتفرقة بين وليه وعدوُّه من الناطقين وغيرهم وقبوله الرياضة - يمتنع من الأنثى كما تمتنع النوق إذا لقحت، وليس شيء من الدواب يمتنع من السِّفَاد من الإناث عند حملها إلا الفيلة والإبل، وهذا باب إن نحن تَقَصيْنَاه وذكرنا ما فيه طال به الكتاب، وخرج عن حد الاختصار والإيجاز. وقد أتينا على وصف جميع ذلك في كتاب أخبار الزمان وغيره من كتبنا، فلنذكر الآن أنواعاً من ولد يافث بن نوح ؛ إذ كان قد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب كثيراً من ذكر الأمم مع اختلاف ألوانهم، وتباينهم في ديارهم، واختلافهم في أحوالهم، إن شاء اللهّ تعالى.

ذكر الصقالبة ومساكنها وأخبار ملوكها
وتفرق أجناسها
نسب الصقالبة وأجناسهم
الصقالبة: من ولد مار بن يافث بن نوح، وإليه يرجع سائر أجناس الصقالبة، وبه يلحقون في أنسابهم، هذا قول كثير من أهل الدراية ممن عني بهذا الشأن، ومساكنهم بالجدي إلى أن يتصلوا بالمغرب، وهم أجناس مختلفة وبينهم حروب، ولهم ملوك، ومنهم من ينقاد إلى دين النصرانية إلى رأي اليعقوبية، ومنهم من لا كتاب له ولا ينقاد إلى شريعة، وهم جاهلية لا يعرفون شيئا من الشرائع، وهؤلاء أجناس: فمنهم جنس كان الملك فيهم قديماً في صدر الزمان، وكان ملكهم يدعي ماجك، وهذا الجنس يدعى ولينانا، وكان يتلو هذا الجنس في القديم سائر أجناس الصقالبة، لكون الملك فيهم، وانقياد سائر ملوكهم إليه، ثم يتلو هذا الجنس من أجناس الصقالبة اصطبرانة، وملكهم في هذا الوقت يدعى بصقلائح، وجنس يقال له دلاونة، وملكهم يدعى وانج علاف وجنس يقال لهم نامجين، وملكهم يدعى عزانة، وهذا الجنس أشجع أجناس الصقالبة وأفرس، وجنس يدعى منابن، وملكهم يدعى زنبير، ثم جنس يقال له سرتين وهو جنس عند الصقالبة مهيب لعلل يطول ذكرها وأوصاف يكثر شرحها، ونفرتهم من ملة ينقادون إليها، ثم جنس يقال له صاصين، ثم جنس يقال له جرواتيق، ثم جنس يقال له خشانين، ثم جنس يقال له برانجابين، وما سميناه من أسماء بعض ملوك هذه الأجناس فسمة معروفة لملوكهم، والجنس الذي سميناه المعروف بسرتين يحرقون أنفسهم بالنار إذا مات فيهم الملك والرئيس، ويحرقون دوابه، ولهم أفعال مثل أفعال الهند، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب طرفاً من ذكرهم عند ذكرنا لجبل القبخ والخزر، وأن في بلاد الخزر مع الخزر خلقاً من الصقالبة والروس، وأنهم يحرقون أنفسهم بالنيران، وهذا الجنس من الصقالبة وغيرهم متصلون بالمشرق، ويعبرون من المغرب.
ملوك الصقالبة
فالأول من ملوك الصقالبة ملك الدير، وله مدن واسعة، وعمائر كثيرة، وتجار المسلمين يقصدون دار ملكه بأنواع التجارات.
ثم يلي هذا الملك من ملوك الصقالبة ملك الأوانج، وله مدن وعمائر واسعة، وجيوش كثيرة، وعدد كثير، ويحارب الروم والإفرنج والنوكبرد، وغير هؤلاء من الأمم، والحرب بينهم سِجَالٌ.
ثم يلي هذا الملك من ملوك الصقالبة ملك الترك، وهذا الجنس أحسن الصقالبة صوراً، وأكثرهم عدداً، وأشدهم بأساً.
أجناس الصقالبة
والصقالبة أجناس كثيرة، وأنواع واسعة، لا يأتي كتابنا هذا على وصف أجناسهم وتفريع أنواعهم، وقد قدمنا الأخبار عن الملك الذي كان ينقاد إليه ملوكهم في قديم الزمان، وهو ماجك ملك ولينان، وهذا الجنس أصل من أصول الصقالبة مُعَظّم في أجناسهم، وله قدم فيهم.
ثم اختلفت الكلمة بين أجناسهم، فزال نظ أمه م، وتحزَّبَت أجناسهم، وملك كل جنس منهم ملكاً على حسب ما ذكرنا من ملوكهم لأمور يطول ذكرها، وقد أتينا على جمل من شرحها وكثير من مبسوطها في كتابنا أخبار الزمان من الأمم الماضية، والأجيال الخالية، والممالك الداثرة.
ذكر الإفرنجة والجلالقة وملوكها
وما يتصل بذلك
نسبهم وصفاتهم
الإِفرنجة والصقالبة والنوكبرد والأشبان ويأجوج ومأجوج والترك والخزر وبرجان واللان والجلالقة وغير ذلك ممن ذكرنا ممن حل الجدي، وهو الشمال، لا خلاف بين أهل البحث والنظر من الشرعيين أن جميع من ذكرنا من هؤلاء الأمم من - ولد يافث بن نوح وهو الأصغر من ولد نوح؛ فالإفرنجة أشد هؤلاء الأجناس بأساً، وأمنعهم هيبة، وأكثرهم عُدَة، وأوسعهم ملكا، وأكثرهم مدناً. وأحسنهم نظاماً وانقياداً لملوكهم، وأكثرهم طاعة؛ إلا أن الجلالقة أشد من الإفرنجة بأسا، وأعظم منهم نكاية، والرجل من الجلالقة يقاوم عدة من الإفرنجة، وكلمة الإفرنجة متفقة على ملك واحد، لا تنازع بينهم في ذلك، ولا تحزب، واسم دار مملكتهم في وقتنا هذا بويرة، وهي مدينة عظيمة، ولهم من المدن نحو من خمسين ومائة مدينة غير العمائر والكور.
مساكنهم

وكان أوائل بلاد الإفرنجة قبل ظهور الإسلام في البحر جزيرة رودس، وهي الجزيرة التي ذكرنا أنها مقابلة للإسكندرية، وأن فيها دار صناعة المراكب في وقتنا هذا للروم، ثم جزيرة إقريطش، وقد كانت للإفرنجة أيضاً ففتحها المسلمون ونزلوها إلى هذه الغاية، وكانت بلاد إفريقية وجزيرة صقلية للإفرنجة أيضاً، وقد أتينا على أخبار هذه الجزائر وخبر الجزيرة المعروفة بالبركان، وهي الأطمة التي يخرج منها أجسام من النار كأجساد الناس بلا رؤوس فتعلو في الهواء بالليل، ثم تسقط في البحر فتطفو لحى الماء وهي الحجارة التي يحك بها الكتابة من الدفاتر، وهي خفاف بيض على هيئة الشهد وأكوار الزنابير الصغار، وهي الأطمة المعروفة بأطمة صقلية، وفيها قبر فرفوريس الحكيم الذي صنف كتاب إيساغوجي، وهو المدخل إلى علم المنطق، وهذا الكتاب بهذا الرجل يعرف،. وكذلك أتينا على ذكر آطام الأرض، كأطمة وادي برهوت من بلاد حضر موت وبلاد الشِّحر، وأطمة بلاد الزابج من بحر الصين، وأطمة بلاد أسك، وهي ما بين بلاد فارس وبلاد الأهواز من أعمال مدينة أرجان من بلاد فارس، وهذه النار ترى بالليل من نحو عشرين فرسخاً، وهي مشهورة بأرض الإسلام، وتفسير أطمة هي عين النار التي تنبع من الأرض.
ولم نتعرض في هذا الكتاب لذكر الحمامات الكبريتية والزاجية، ولا الحمامات التي تظهر من مائها النار بالأطمة التي ببلاد ماسبدان من أرض أريوجان والسيروان يقال لها النومان وهي أطمة تظهر من وسط مائها النار وهي أطمة عجيبة تمنع ورود الماء عن إطفائها، وتدفعه بشدة قوتها وسلطان لهبها، وهي إحدى عجائب العالم؛ إذ كنا قد أتينا على علل جميع ذلك فيما سلف من كتبنا.
وقد أتينا على منافع أنواع المياه بجوامع ذكرناها، ولمع لوحنا بها، فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا لأرض الواحات من بلاد مصر، وإن كنا قد أتينا على مبسوط ذلك فيما تقدمَ من كتبنا.
ملوك الإفرنجة
قال المسعودي، ووجدت في كتاب وقع إليَّ بفسطاط مصر سنة ست وثلاثين وثلثمائة أهداه عرماز الأسقف بمدينة جريدة من مدن الإفرنجة في سنة ثمان وعشرين وثلثمائة إلى الحكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم ولي عهد أبيه عبد الرحمن صاحب الأندلس في هذا الوقت في عهده: يا أمير المؤمنين، إن أول ملوك إفرنجة قلودية، وكان مجوسياً فنصَّرتهُ امرأته وكان اسمها غرطلة، ثم ملك بعده ابنه لذريق، ثم ولي بعد لذريق ابنه دقشرت، ثم ولي بعده ابنه لذريق، ثم ولي أبعده قرطان ابن دقشرت، ثم ولي بعده ابنه قارله ثم ولي بعمه ابنه تبين ثم ولي بعده قارلة بن تبين وكانت ولايته ستاً وعشرين سنه، وكان في أيام الحكم صاحب الأندلس، وقد تدافع أولاده ووقع الاختلاف بينهم، حتى تفانت الإفرنجة بسببهم، وصار لفريق بن قارلة صاحب ملكهم، فملك ثمانياً وعشرين سنةً وستة أشهر، وهو الذي أقبل إلى طرطوشة فحاصرها، ثم ولي بعده ابنه قارلة بن لذريق وهو الذي تَهَادَنَ مع محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، وكان محمد يخاطب بالإمام، وكانت ولايته تسعاً وثلاثين سنة، وستة أشهر، ولي بعده ابنه لذريق ستة أعوام، ثم وثب عليه قائد الإفرنجة المسمى نوسة، وملك إفرنجة، وأقام في ملكه ثمان سنين، وهو الذي صالح المجوس على بلده سبع سنين بستمائة رطل ذهب وستمائة رطل فضة يؤديها صاحب الإفرنجة إليهم، ثم ولي بعده قارلة بن تقويرة أربع سنين، ثم ملك بعده قارلة أخر، ومكث إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، ثم وليِ بعده لذريق ابن قارلة وهو ملك إفرنجة إلى هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - وقد استوفى في مملكته عشر سنين إلى هذا التاريخ على حسب ما نمي إلينا من خبره.
بين عبد الرحمن والجلالقة

قال المسعودي: وأشد ما على الأندلس من الأمم المحاربة لهم الجلالقة، كما أن الإفرنجة حرب لهم، غير أن الجلالقة أشد بأساً، وقد كان لعبد الرحمن بن محمد صاحب الأندلس في هذا الوقت وزير من ولد أمية يقال له أحمد بن إسحاق فقبض عليه عبد الرحمن لأمر كان منه استحق عليه في الشريعة العقوبة، فقتله عبد الرحمن، وكان للوزير أخ يقال له أمية في مدينة من ثغور الأندلس، يقال لها شنْتَرِين، فلما نمي إليه ما فعل بأخيه عصى على عبد الرحمن؛افصار في حيزرذمير ملك الجلالقة، فأعانه على المسلمين، ودله على عوراتهم، ثم خرج أمية في بعض الأيام من المدينة يتصيد في بعض منتزهاتها، فغلب على المدينة بعض غلمانه ومنعوه من الدخول إليها، وكتبوا إلى عبد الرحمن، ومضى أمية بن إسحاق أخو الوزير المقتول إلى رذمير، فاصطفاه، واستوزره، وصيره في جملته، وغزا عبد الرحمن صاحب الأندلس سمورة مملكة الجلالقة المتقدمة صفة بنيانها وأسوارها في باب جمل الأخبار عن البحار وما فيها وما حولها من العجائب والأمم ومراتب الملوك وأخبار الأندلس وغير ذلك، وكان عبد الرحمن في مائة ألف أو يزيدون، فكانت الواقعة بينه وبين رذمير ملك الجلالقة في شوال سنة سبع وعشرين وثلثمائة بعد الكسوف الذي كان في هذا الشهر بثلائة أيام، وكانت للمسلمين عليهم، ثم أنابوا بعد أن حوصروا وأولجو إلى المدينة فقتلوا من المسلمين - بعد عبورهم الخندق - خمسين ألفاً، وقيل: إن الذي منع رذمير من طلب من نجا من المسلمين أمية بن إسحاق، وخوفه الكمين، ورغبه فيما كان في معسكر المسلمين من الأموال والعدد والخزائن، ولولا ذلك لأتى على جميع المسلمين، ثم إن أمية بعد ذلك استأمن إلى عبد الرحمن، وتخلّص من رذمير، فقبله عبد الرحمن أحسن قبول، وقد كان عبد الرحمن صاحب الأندلس بعد هذه الواقعة تجَهَّزَ عساكر مع عدة من قواده إلى الجلالقة، وكانت لهم معهم حروب هلك فيها من الجلالقة ضعف ما قتل من المسلمين في الوقعة الأولى، وكانت للمسلمين عليهم إلى هذه الغاية، ورذمير ملك الجلالقة إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - وكان قبله على الملك أردون وكان قبل أردون أذبوشن، والجلالقة والإفرنجة تدين بدين النصرانيةِ على رأى الملكية.
ذكر النوكبرد وملوكها
نسبهم ومساكنهم
وقد تقدم ذكرنا للنوكبرد، وأنهم من ولد يافث بن نوح، وبلادهم متصلة بالمغرب، ومحلهم الجدي، ولهم جزائر كثيرة فيها أمم من الناس، وهم ذوو بأس شديد ومنعة، ولهم مدن كثيرة يجمعهم ملك واحد، وأسماء ملوكهم في سائر الأعصار أدنكبس والمدينة العظمى من مدنهم ودار مملكتهم هي يست، ويخترقها نهر عظيم، وهي جانبان، وهذا النهر أحد أنهار العالم الموصوفة بالكبر والعجائب يقال له سايبط، قد ذكره جماعة ممن عني بهذا المعنى ممن تقدم، وكان المسلمون ممن جاورهم من بلاد الأندلس والمغرب غلبوهم على مدن كثيرة من مدنهم مثل مدينة باري ومدينة طارنيو ومدينة شبرامة وغيرها من مدنهم الكبار.
ثم إن النوكبرد أنابوا ورجعوا على من كان في تلك المدن من المسلمين فأخرجوهم عنها بعد حرب طويل، وما ذكرنا من المدن في وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - في أيدي النوكبرد.
قال المسعودي: ومن ذكرنا من الجلالقة والإفرنجة والصقالبة والنوكبرد وغيرها من الأمم فديارهم متقاربة، والأكثر منهم حَرْبٌ لأهل الأندلس، وصاحب الأندلس في هذا الوقت ذومَنَعة وقوة عظيمة على ما قدمنا من نسبه وأخباره، وقد كان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام سار إلى الأندلس في أول دولة بني العباس، وله أخبار كثيرة في كيفية وصوله إلى الأندلس، ودار مملكة الأندلس قرطبة على ما ذكرنا، ولهم مدن كثيرة وعمائر متصلة واسعة، وثغور في أطراف أرضهم، وربما يجتمع عليهم من جاورهم من الأمم من ولد يافث من الجلالقة وبرجان والإِفرنجة وغيرها من الألسن وصَاحب الأندلسى في هذا الوقت يركب في مائة ألف، وهو ذو مَنَعَة بالرجال والمال والكُراع والعدد، واللّه أعلم.
ذكر عاد وملوكها
؟عاد الأولى

ذكَرَ جماعة ذوي العناية بأخبار العالم أن المُلْكَ يُؤثَر من بعد نوح في عاد الأولى التي بأدت قبل سائر ممالك العرب كلها، ومصداق ذلك قوله عز وجل: وأنه أهلك عادأ الأولى فإنه يدل على تقدمهم، وأن هناك عادأ ثانية، وأخبر اللّه عن ملكهم، ونطق بشدة بطشهم، وما بنوه من الأبنية المشيدة التي تدعى على من الدهور العادِئةَ، وقد أخبر اللّه تعالى عن قول نبيه هود - عليه السلام وخطابه إياهم: " أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم جبارين " .
عاد أول ملك بعد نوح
وعاد أول من ملك في الأرض في قول هذه الطائفة، بعد أن أهلك الله عز وجل الكفار من قوم نوح، وذلك لقوله تعالى: واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح، وزادكم في الخلق بسطة وذلك أن هؤلاء القوم كانوا في هيأت النخل طولا، وكانوا في اتصال الأعمار وطولها بحسب ذلك من القدر، وكانت نفوسهم قوية، وكبادهم غليظة، ولم يكن في الأرض أمة هي أشد بطشا وكثر آثارا وأقوى عقولا وأكثر أحلاماً من قوم عاد، ولم يكن الهلك يعرض في أجس أمه م، لقوة آثار الطبيعة فيها، وما أوتوه من الزيادة في تمام البنية وكمال الهيئة على حسب ما أخبر الله عز وجل.
نسب عاد وعبادته وأولاده
وكان عاد رجلا جباراً عظيم الخلقة، وهو عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، وكان عاد يعبد القمر، وذكروا أنه رأى من صلبه أربعة آلاف ولد، وأنه تزوج ألف امرأة، وكانت بلادة متصلة باليمن، وهي بلاد الأحقاف، وبلاد صحاري هي وبلاد عمان إلى حضر موت على حسب ما قدمنا آنفاً فيما سلف من هذا الكتاب وغيره من كتبنا.
وقد ذكَرَ جماعة من الإخباريين - ممن عني بأخبار العرب - أن عادا لما توسط العمر واجتمع له الولد وولد الولد، ورأى البطن العاشر من ولده، وظهور الكثرة مع تشييد الملك واستقامة الأمر، غمر إحسانه الناس، وَقَرَى الضيف، وأحواله منتظمة، والدنيا عليه مقبلة، فعاش ألف سنة ومائتي سنة ثم مات.
وكان الملك بعده في الأكبر من ولده، وهو شديد بن عاد وكان شديد بن عاد ملكه خمسمائة سنة وثمانينَ سنة، وقيل غير ذلك.
ثم ملك بعده أخوه شداد بن عاد وكان ملكه تسعمائة سنة، ويُقال: إنه احتوى على سائر ممالك العالم، وهو الذي بنى مدينة أرم ذات العماد، على حسب ما قدمنا فيما سلف من كتبنا عند إخبارنا عن هذه المدينة وتنازع الناس في كيفتها وماهيتها وفي أي بلاد هي.
وهذه عاد الثانية التي ذكرها اللّه تعالى فقال: " لم تر كيف فعل ربك بعاد أرم ذات العماد " وإلى هذه الأمة انتهى البطش، ولشداد بن عاد مسير في الأرض، وطواف في البلاد وبأس عظيم في ممالك الهند وغيرها من ممالك الشرق والغرب، وحروب كثيرة، أعرضنا عن ذكرها لشرط الاختصار، وَمُعَوّلنا في ذلك على ما بَسَطْناه من أخبارهم في كتاب أخبار الزمان: من الأمم الماضية، والأجيال الخالية، والممالك الداثرة وسنورد فيما يود من هذا الكتاب - عند ذكرنا تفرق الناس ببابل وتشعب الأنساب، وما قالوا في ذلك من الأشعار - جملاً من أخبار عاد ونبيها هود، فأما تنازع الناس ممن سلف وخلف في العلة التي لها عظمت أجسادهم وطالت أعمارهم فقد أتينا على ذكر ذلك في كتابنا المترجم ب الكتاب الرؤوس السبعة من السياسة الملوكية وكذلك في كتابنا المترجم ب - كتاب الزلف.
وذكرنا العلة التي لها من أجلها عدم كون السباع والجمال بأرض الأندلس، وما يتكون في هذه الأرض من الجواهر في نباتها ومعادنها، وما في أرض جليقية، وإلى هذه الأرض أضيفت مملكة الجلالقة المقدم ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب، وهم أشد الأمم على أهل الأندلس، وأعظمهم بطشاً ممن جاورهم، ثم يليهم في الناس أمة عظيمة الملك يقال لها الوشكنش، على حسب ما قدمنا من ذكرهم فيما سلف من هذا الكتاب وفي غيره من كتبنا مما تقدم تأليف هذا الكتاب.
ذكر ثمود وملوكها وصالح نبيها
مساكن ثمود

قد ذكرنا فيما سلف من ذكر ثمود ونبيها صالح عليه السلام لمعا، و إن كنا قد بسطنا ذلك في غير هذا الكتاب، وكان ملك ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح بين الشام والحجاز إلى ساحل البحر الحبشي، وديارهم بِفَجَ الناقة، وبيوتهم إلى وقتنا هذا أبنية منحوتة في الجبال، ورسمهم باقية وآثارهم بادية، وذلك في طريق الحاج لمن وَرَدَ من الشام بالقرب من وادي القرى، وبيوتهم منحوتة في الصخر بأبواب صغار، ومساكنهم على قدر مساكن أهل عصرنا، وهذا يدل على أن أجس أمه م على قمر أجسامنا، دون ما يخبر به القصاص من بعد أجس أمه م، وليس هؤلاء كعاد؛ إذ كانت آثارهم ومواضع مساكنهم وبنيانهم بأرض الشحر تدل على بعد أجس أمه م.
وكان ملك الملك الأول من ملوكهم مائتي سنة، وهو عابر بن أرم بن ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح.
ثم ملك بعده جندع بن عمروبن الذبيل بن أرم بن ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح، وكان ملكه إلى أن هلك مائتي سنة وتسعين سنة، وهلك جندع هذا بعد أن كان من أمر صالح النبي صلى الله عليه وسلم ما كان على ما ذكرنا أربعين سنة، فجميع ما ملك هذا الملك - وهو جندع - ثلثمائة وسبع وعشرون سنة، فهؤلاء ملوك ثمود.
صالح رسول الله إلى ثمود

وبعث اللّه صالحاً نبياً وهو غلام حَدَث لثمود على حين فترة كانت بينه وبين هود نحو من مائة سنة، فدعاهم إلى الله، وملكهم يومئذ هو جند ابن عمرو على ما ذكرنا، فلم يجب صالحاً من قومه إلا نفر يسير، وكبر صالح، ولم يزد قومه من الإِيمان إلا بُعْداً، فلما تواتر عليهم أعذاره وإنذاره ووعده ساموه المعجزات، وإظهار العلامات، ليمنعوه من دعائهم، وليعجزوه عن خطابهم، فحضر عيداً لهم، وقد أظهروا أوثانهم، وكان القومُ أصحاب إبل، فساموه الآية من جنس أموالهم، وطالبوه بما هو مجإنس لأملاكهم، وذلك من بعد اتَفاق آرائهم فقال له زعيم من زعمائهم: يا صالح، إن كنت صادقاً في قولك، وأنك مُعَبِّر عن ربك، فأظهر لنا من هذه الصخرة ناقة، ولتكن وَبْرَاء سوداء عُشَرَاء نَتُوجاً حالكة صافيه اللون ذات عرف وناصية وشعر ووبر، فاستغاث بربه، فتحركت الصخر وتململت، وبدا منها حَنِين وأنين، ثم انصدعت من بعد تمخض شديد كتمخض المرأة حين الولادة، وظهر منها ناقة على ما طلبوه من الصفة، ثم تلاها من الصخرة سَقْبٌ لها نحوها في الوصف، فأمْعَنَا في رَعْي الكلأ وطلب الماء والمرعى، فآمن خلق ممن حضره، وزعيمهم الذي سأله وهو جندع بن عمرو، وأقامت الناقة يحلبون من لبنها ما يعم شربه ثموداً كلها، وضايقتهم في الكلأ والماء، وكان في ثمود مرآتان ذَوَاتَا حسن وجمال، فزارهما رجلان من ثمود، وهما قدار بن سالف، ومصدع بن مفرج، والمرأتان عنيزة بنت غنم، وصدوف بنت المجبا، فقالت صدوف: لو كان أنا في هذا اليوم ماء لأسقينا كما خمراً، وهذا يوم الناقة ووردها إلى الماء، لا سبيل لنا إلى الشرب، فقالت عنيزة: بلى واللّه لو أن لنا رجالا لكَفَوْنَا إياها، وهل هي إلا بعير من الإبل؛ فقال قدار: ياصدوف، إن أنا كفيتك أمر الناقة فمالي عندك؟؛ فقالت: نفسي، وهل حائل دونها عنك؟. فأجابت الأخرى صاحبها بنحو ذلك، فقالا: مِيلاَ علينا بالخمر، فشربا حتى توسطا السكر، ثم خرجا فاستغويا، تسعة رهط، وهم التسعة الذين أخبر اللّه تعالى عنهم في كتابه بقوله: " وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون " وقصحوا طريق - الناقة في حال صدورها، فضرب قدار عرقوبها بالسيف، فعرقبها، وأتبع صاحبه الأخر العرقوب الأخر بسهمه، فخرت الناقة لوجهها، ووجا قدار لبتَهَا فنحرها، ولاذ السًقْب بصخرة فلحقه بعضهم فعقره وفرقوا لحم الناقة، وورد صالح فنظر إلى ما فعلوه، فوعَدَهم العذاب، و كان ذلك في يوم الأربعاء، فقالوا له مستهزئين: يا صالح، متى يكون ما وعدتنا به من العذاب عن ربك؛ فقال: تصبح وجوهكم يوم مؤنس - وهو يوم الخميس - مصفرة، ويوم العروبة محمرة، ويوم شيار مسودة، ثم يصبحكم العذاب يوم أول، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب أسماء الشهور والأيام بلغتهم، فَهَم التسعة بقتل صالحِ، وقالوا: إن كان صادقاً كنا قد عاجلناه قبل إذ يعاجلنا، وإن كان كاذباَ كنا قد ألحقناه بناقته، فأتوه ليلاً، فحالت الملائكة بينهم وبينه، وأمطرتهم الحجارة، ومنعه اللّه منهم، فلما أصبحوا نظروا إلى وجوههم كما وعدهم صفراء كأنها الوَرْس: قد حالت الألوان، وتغيرت الأجسام، وتيقن القوم صدق الوعيد وأن العذاب واقع بهم، وخرج صالح في ليلة الأحد من بين ظهرانَيْهِمْ مع من خَفّ من المؤمنين، فنزل موضع مدينة الرملة من بلاد فلسطين، وأتاهم العذاب يوم الأحد، وفيهم يقول بعض من آمن بصالح عليه السلام:
أراكم يارجال بني عتيد ... كأن وجوهكم طُلِيَتْ بِوَرْس
ويوم عروبة اْحَمرَّتْ وجوه ... مُصَفرَة، وناثوا يال مرس
ويوم شيار فاسود تْ وجوه ... من الحيين قبل طلوع شمس
فلما كان أول في ضحاه ... أتتهم صَيْحَة عَمِّتْ بتعْس
وفيهم يقول حباب بن عمرو، وكان ممن اعتزلهم من المؤمنين وبان عن ديارهم:
كانت ثمود ذوي عزّ ومكرمة ... ما إن يُضام لهم في الناس مِنْ جَارِ
لا يرهبون من الأعداء حولهم ... وَقْعَ السيوف، ولا نزعاً بأوتار
فأهلكوا ناقة كانت لرَبَهم ... قد أنفروها وكانوا غير أبرار
ناعوا قداراً ولحم السِّقْبِ بينهم ... هل للعجول وهل للسقب من ثار

لم يَرْعَيَا صالحاً في عقر ناقته ... وأخفروا العهد هَذباً أي إخفار
فصادفوا عنده من ربه حَرَسا ... فَشدّخوا روسهم شدْخاً بأحجار
وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب - عند ذكرنا لتفرق الناس ببابل - من أخبار ثمود جُمَلاً، وما كان من أمر الناس بأرض بابل وافتراق لغاتهم، وما قاله كل فريق منهم من الشعر، على حسب ما أعطاه اللّه من اللسان، وان كنا قد أتينا على شرح ذلك على الكمال فيما تقدم لنا من كتابنا أخبار الزمان و بالله التوفيق.
ذكر مكة وأخبارها وبناء البيت
ومن تداوله من جرهم وغيرها وهذا لحق بهذا الباب
سكن إسماعيل وأمه بمكة
ولما أسكن إبراهيم ولده إسماعيل مكة مع أمه هَاجَر، واستودعهما خالقَهُ على حسب ما أخبر اللّه عنه أنه أسكنه بواد غير في زرٍع، وكان موضع البيت رَبْوَةٌ حمراء - أمر إبراهيم هاجر أن تتخذ عليها عريشا يكون لها مسكنأ، وكان من ظمأ إسماعيل وخبر هاجر ما كان إلى أن أنبع اللًه لهما زمزم، وأقحط الشحر واليمن، فتفرق العماليقُ وجرهم في البلاد وَمَنْ مناك من بقايا عاد.
نزول العماليق معهما
فيممت العماليق نحو تهامة يطلبون الماء والمرعى والدار الخصيبة، عليهم السميدع بن هوبر بن لاوى بن قيطوربن كركر بن حيدان، فلما أمعنت بنو كركر في المسير - وقد عدمت الماء والمرعى، واشتد بها الجهد - أقبل السميدع بن هوبر يحثهم على السير في شعرٍ له ويشجعهم بما قد نزل بهم، وهو:
سيروا بني الكركر في البلاد ... إني أرى ذا الدَهْرَ في فساد
قد سأر من قَحْطان في الرشاد ... خرْهُمُ لمَّا هَدَّها التعادي
فأشرف رُوَّادهم - وهم المتقدمون منهم لطلب الماء - على الوادي، فنظروا الطير ترتفع وتنخفض، فهبطوا الوادي ونظروا إلى العريش على الرَّبْوَة الحمراء، وفيها هاجر وإسماعيل، وقد زَمَتْ حول الماء بالأحجار ومنعته من الجريان، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رحمَ اللّه أمنا هاجر، لولا أنها بخلت ومنعت ماء زمزم من أن يجري بما حَؤَطَتْ حوله من الأحجار لجري الماء على وجه الأرض. فسلم الرؤَاد عنيها، واستأذنوها في نزولهم وشربهم من الماء، فأنِسَتْ إليهم، وأذنت لهم في النزول، فتلقوا مَنْ كان وراءهم من أهليهم، وأخبروهم خبر الماء، فنزلوا الوادي مطمئنين، مستبشرين بالماء، وبما أضاء الوادى من نور النبوة وموضع البيت الحرام، فرحين، وَعَيَّل إسماعيل، وتكلم إسماعيلُ بالعربية خلاف لغة أبيه.
وقد ذكرنا في هذا الكتاب وغيره ما قاله الناس في ذلك من قَحْطَان ونزار وتزَوُج إسماعيل بالجداء بنت سعدٍ العملاقي.
زيارة إبراهيم الأولى لابنه
وقد كان إبراهيم استأذن سارة في زيارة إسماعيل، فأذنت له، فوافى مكة وإسماعيل في الصيد والرعي ومعه أمه هاجر، فسلم على الجداء بنت سعد زوجة إسماعيل، فلم تردَّ عليه السلام، فقال: هل من منزل؟ فقالت: لا ها اللّه، قال: فما يفعل رب البيت؛ قالت: هو غائب، فقال لها: إذا ورد فأخبريه أن إبراهيم يقول لك بعد مسألته عنك وعن أمك: استبدل بعتبة بيتك غيرها، وانصرف إبراهيم من فَوْره نحو الشام، وراح إسماعيل وهاجر، فنظر إلى الوادي قد أشرق وأنار، والغنام تتنسم الآثار، فقال لزوجته الجداء: هل كان لك بعدي من خبر؛ قالت: نعم، شيخ وَرَدَ علي، وأخبرتْهُ بالقصة، فقال: ذاك أبي خليل الرحمن، وقد أمرني بتخليك، فالحْقِي بأهلك، فلا خير فيك.
نزول جرهم مكة
وتسامعت جرهم ببني كركر ونزولهم الوادي، وما هم فيه من الخصب وإدرار الضِّرع، وهم في حال القَحْطِ، فبادروا نحو مكة، وعليهم الحارث بن مُضَاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن ظالم بن هيني بن نبت بن جُرْهم، حتى أتوا الواعي، ونزلوا مكة، واستوطنوها مع إسماعيل ومن تقدمهم من العماليقه من بني كركر، وقد قيل في بني كركر: إنهم من العماليق، وقيل: انهم من جرهم، والأشهر أنهم من العماليق، وتزوج إسماعيل زوجته الثانية، وهي سامة بنت مهلهل بن سعد بن عوف بن هيني بن نبت.
زيارة إبراهيم الثانية

واستأذن إبراهيم سارة في زيارة إسماعيل، فاستحلفته غيرة عليه أنه إذا أتى الموضع لا ينزل من ركابه، وقد تنازع الناس على أي شيء كان ركوبه: فمنهم من قال: إنه كان راكباً على البُرَاق، ومنهم من قال: على أتَانٍ، وقيل غير ذلك من الحيوان، فلما أتى إبراهيم الوادي سلم على زوجة إسماعيل الجرهمية، فسلمت عليه، ورحبتْ به وتَلَقته بأحسن لقاء، وسألها عن إسماعيل وهاجر، فأخبرته بخبرهما، وأنهما في رَعْيهما، وعرضت عليه النزول، فأبى، وقيل: إن هاجر كانت قد ماتت ولها من السن تسعون سنة، وألحت الجرهمية على إبراهيم في النزول، فأبى، فقدمت إليه لبناً وشرائح من لحم الصيد، فدعا فيه بالبركة، وجاءته بحجر كان في البيت، فمال عن ركابه، وجعلته تحت قدمه اليمنى، ثم رَجلَتْ شعره ودهنته، ثم حَوَّلت الحجر إلى شماله، فوضع رجله اليسرى عليه أيضا، ومال برأسه نحوها، فرَجَّلته ودهنته، فأثرت قدماه في الحجر على ما وصفنا من ترتيب اليمين والشمال، فلما رأت الجرهمية ذلك أكْبَرَتْ ما شاهدته، وهذا الحجر هو مقام إبراهيم، فقال لها إبراهيم: ارفعيه، فسيكون له شأن ونبأ بعد حين، ثم قال لها: إذا جاءك إسماعيل فقولي له: إن إبراهيم يقرأ عليك السلامٍ ويقول لك: احتفظ بعتبة بيِتك، فنعم العتبةُ هي، وسار إبراهيم راجعا نحو الشام.
سر تسمية إسماعيل
وقيل: إنما سمي إسماعيل لأن اللّه سمع دعاء هاجر ورحمها حين هَرَبَتْ من سيدتها سارة أم إسحاق، وقيل: إن اللّه سمع دعاء إبراهيم.
وقبض إسماعيل وله مائة وسبع وثلاثون سنة ؛ فدفن في المسجد الحرام حِيَال الموضع الذي كان فيه الحجر الأسود.
أبناء إسماعيل
وولد لإِسماعيل اثنا عشر ولداً ذكراً، وهم نابت، وقيدار، وأدبيل، ومبسم، وٍ مشمع، ودوما، وعوام، ومسا، وحداد، وثيما، ويطور، ونافش وكل هؤلاء قد أنْسَلَ.
بناء الكعبة
وقد كان إبراهيم قدم إلى مكة ولإسماعيل ثلاثون سنة، حين أمره اللّه تعالى ببناء البيت، فبناه، وكان إسماعيل يأتي بالحجر من عدة جبال ذكرت، وطوله ثلاثون ذراعا، والحجر فيه وهو سبعة أفرع، وعرضه اثنان وعشرون ذراعا، وسمكه سبعة أفرع، وجعل له باباً، ولم يسقف، ووضعِ الركن موضعه، وألصق المقام بالبيت، وذلك قوله عز وجل: " وَإِذْ يَرْفعُ إبرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسماعِيل " ُ الآية، وأمر اللّه تعالى إبراهيم أن يؤذِّنَ في الناس بالحج.
ولاة البيت من جرهم وأبناء إسماعيل

ولما قُبض إسماعيل قام بالبيت بعده نابت بن إسماعيل، ثم قام من بعده أناس من جُرْهم، لغلبة جرهم على ولد إسماعيل، وكان ملك جُرْهم يومئذ الحارث بن مُضَاض، وهو أول من ولي البيت، وكان ينزل هناك في الموضع المعروف بقُعَيْقعَان في هذا الوقت، وكان كل من دخل مكة بتجارة عَشَّرَها عليه وذلك في أعلى مكة، وملك العماليق السَّمَيْدَع بن هو بن لاوى بن قبطور بن كركر بن حيد وكان ينزل أجيادا من أسفل مكة، وكان يُعَشَرُ من دخل مكة من ناحيته، وكانت بينهم حروب، فخرج الحارث بن مُضَاض ملك جرهم تتقعقع معه الرماح والدرق، فسمى الموضع بقعيقعان لما ذكرنا، وخرج السميدع ملك العماليق ومعه الجياد من الخيل فعرف الموضع بأجياد إلى هذا الوقت، فكانت على الجرهميين وافتضحوا، فسمى الموضع فاضحاً إلى هذا الوقت، ثم اصطلحوا ونجروا الجُزُرَ وطبخوا فسمي الموضع بطابخ إلى الآن، وصارت ولاية البيت إلى العماليق، ثم كانت لجرهم عليهم، وأقاموا ولاة البيت نحو ثلثمائة سنة، وكان آخر ملوكهم الحارث بن مُضَاض الأصغر بن عمرو بن الحارث بن مُضَاض الأكبر، وزاعوا فيِ بناء البيت، ورفعته على ما كان عليه من بناء إبراهيم عليه السلام، وبغتْ جرهم في الحرام وطَغَتْ، حتى فسق رجل منهم في الحرم بامرأة، وكان الرجل يدعى بإساف والمرأة نائلة، فمسخهما اللّه عز وجل حجرين صُيِّرا بعد ذلك وثنين وعُبِدَا تقربا بهما إلى الله تعالى، وقيل: بل هما حجران نحتا ومُثِّلا بمن ذكرنا وسميا بأسمائهما، فبعث اللّه على جرهم الرُّعَاف والنمل وغير ذلك من الآفات فهلك كثير منهم، وكثر ولد إسماعيل وصاروا ذوي قوة ومَنَعَة فَغَلَبوا على أخوالهم جرهم وأخرجوهم من مكة، فلحقوا بجُهينة، فأتاهم في بعض الليالي السيل فذهب بهم، وكان الموضع يعرف بإضم، وقد ذكر ذلك أمية بن أبي الصَّلت الثققي في شعر له فقال:
وجرهم دمنوا تهامة في الد ... هر فسالت بجمعهم إضَم
وفي ذلك يقول الحارث بن مُضَاض الأصغر الجرهمي:
كأنْ لم يكن بين الحَجُون إلى الصفا ... أنيس، ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها، فأبادَنَا ... صروف الليالي والجدود العوائر
وكنا لإسماعيل صهراً ووصلة ... ولمَّا تَدُرْ فيها علينا الدوائرِ
وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر
فَبَدَّلَنَا ربي بها دار غربة ... بها الذئب يعوي والعدو المحاصر
وفيما ذكرنا من أخبارهم يقول عمرو بن الحارث بن مضاض الأصغر الجرهمي:
وكنا ولاة البيت والقاطِن َالذي ... إليه يؤدي نذرَهُ كل محرم
سكنَّا بها قبل الظباء وراثة ... لها عن بني هَيْني بن نبتّ بن جُرْهُم
وفي ذلك يقول:
كهفنا جرهم، وأية كهفٍ ... وولاة لبيته والحجاب
فَسَقُوا في الحرام بعدد تقَاهم ... واستعاضوا العقاب بعد الثواب
ثم صارت ولاية البيت في ولد أياد بن نزار بن معد، وكانت حروب كثيرة بين مضر وأياد، وكانت لمضر على إياد، فانجلوا عن مكة إلى العراق.
وسنورد بعد هذا جملاً من أخبار مكة وولد نزار وخُزاعة وغيرهم.
رواية أخرى في الولاة بمكة
قال المسعودي: وقد أتينا على جمل من الأخبار في هذا الباب من أخبار جرهم وغيرها، ووجدت في وجه آخر من الروايات أن أول من ملك من ملوك جرهم بمكة مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هيني بن نبت بن جرهم بن قحطان مائة سنة، ثم ملك بعمده ابنه عمرو بن مضاض مائة وعشرين سنة، ثم ملك بعد الحارث بن عمرو مائتي سنة، وقيل دون. ذلك، ثم ملك بعده عمرو بن الحارث مائتي سنة وقيل دون ذلك ثم ملك مضاض بن عمرو الأصغر بن الحارث بن عمرو بن مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هيني بن نبت بن جرهم بن قحطان أربعين سنة. وانقرضت العرب العاربة من عاد وثمود وعبيد وطسم وجديس والعماليق ووبار وجرهم، ولم يبق من العرب إلا من كان من عدنان وقحطان، ودخل من بقي ممن ذكرنا من العرب البائدة في عدد قحطان وعدنان، فانمحت أنسابهم وزالت آثارهم.
العماليق

وقد كانت العماليق بَغَتْ في الأرض، فسلط اللّه عليهم ملوك الأرض فأفنتها، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا للروم وأنسابها مَنْ ألحق ولد عملاق وغيرهم، ممن ذكرنا، بولد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام، وأن علماء العرب تنسبهم إلى غير هذا النسب، وهو الأشهر في الناس؛وقد رثتهم الشعراء: فقال بعض من رثاهم:
مضى آل عملاق فلم يبق منهم ... خطير، ولافو نخوة متشاوس
عَتَوْا فأدال اللّه منهم، وحكمه ... على الناس هذا وعده وهو سائس
طسم وجديس -
وأما طسم وجديس فتفانت في نحو من سبعين سنة في البراري، بما كان بينهم من الشَّحْناء، وطلب الرياسة، فدثروا، ولم يبق لهم باقية، فضربت بهم العرب المثل، وضربت بهم الشعراء المقال فمن ذلك ما قاله بعض الشعراء ممن رثاهم في قوله:
ذويلي من جَوَى هم رسيس ... من الأول لطَسْمٍ أو جديس
بنو عم تفانوا بالمذاكي ... وباليوم الأحَمِّ العيطموس
أصحاب الرس
أما الرسُّ وأصحابه فقد قدمنا ذكرهم فيما سلف من كتبنا، وهم قوم حَنْظَلة بن صفوان العبسي، بعثه اللّه إليهم فكذبوه، وقد ذكرنا من خبره لمعا، وقد قيل في أصحاب الرس أوجُهٌ كثيرة غير ما ذكرنا في هذا الكتاب، وقد ذكرت هذه القبائل في التوراة، وكل يرجع إلى ولد سام بن نوح. من بني أرم بن سام وهو من ولده عوص بن أرم، ومن ولده عابر بن أرم، ومن ولده ماش بن أرم.
البييط
فولد عوص عاد بن عوص، وولد عابر ثمود بن عابر، وولد ماش بن أرم نبيط بن ماش؛فسائر النبط وملوكها ترجع في أنسابها إلى نبيط بن ماش.
مساكن عاد وثمود وجديس وطسم وعيلام ونبيط
فحلَّ عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح وولده الأحقاف من بلاد حضرموت، وحل ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح وولده أكناف الحجاز، وحل جديس بن عابر بلاد جوٍّ، وهي بلاد اليمامة ما بين البحرين والحجاز، وهذا البلد في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - بيد ولد الأخيضر العلوي، وهو من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، وهو مجاور للبحرين، ومن فيها إلى هذا الوقت، وحل طسْم بن لود بن سام بن نوح وولده اليمامة مع بني جديس، وحل عمليق بن لود بن سام بن نوح الحجاز، وقد ذكرنا ولد عيلام فيما سلف من هذا الكتاب أنهم حلوا الأهواز وفارس، وهو عيلام بن سام بن نوح، وحل نبيط بن ماش بن أرم بن سام بن نوح بابل، فغلبوا على العراق، وهم النبط، ومنهم ملوك بابل الذين قدمنا ذكرهم، وأنهم الملوك الذين عمروا الأرض، ومهدوا البلاد، وكانوا أشر ملوك الأرض، فأدال منهم الدهر، وسلبهم الملك والعزَّ، فصاروا على ما هم عليه من الذل في هذا الوقت بالعراق وغيرها.
دعوى الشعوبية
وقد زعم جماعه من المتكلمين - منهم ضرار بن عمرو وثمامة بن الأشرس وعمرو بن بحر الجاحظ - أن النبط خير من العرب،لأن من جعل اللّه تبارك وتعالى النبي صلى الله عليه وسلم منهم لم يَدَعْ أكبر شرف في الدنيا إلا وقد أعطاهم إياه، ومَنْ لم يجعله منهم فلم ياع أكبر شرف في الدنيا إلا وقد أعراهم منه وسلبهم إياه، ولا نعمة على من جعل اللّه تعالى النبي عليه السلام منهم أكبر من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بَلْوَى على من لم يجعل اللّه عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم منهم أكبر من خروج النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، إلا أنهم مع هذا كله لهم عند اللّه فضل ما بين النعمة والبلاء.
الرد على الشعوبية
قال المسعودي: ولما لم يبال من قدمنا ذكره تشريف النبط وتفضيلهم

على ولد قحطان وعدنان وفيهم الفضل والشرف من النبوة والملك والعزة قال لهم المحتج عن قحطان ونزار: إذا كان النبط قد صاروا أفضل من العرب لما امتحن اللّه به النبط من سَلْبه النبوة منهم وأنعم على العرب بكون النبي صلى الله عليه وسلم منهم، فللعرب أيضاً التعلق بهذه العلة التي اعتل بها النبط، فتقول: قد صرنا بعدُ أفضل من النبط، لما امتحنَّا به من سلب ما جعل اللّه للنبط من الفضل في شدة امتحانهم بسلب النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، والنبط أيضاً قد صاروا دون العرب، إذ للعرب من فضل النبي صلى الله عليه وسلم مما جعله الله لهم بتعريتهم من فضل النبط على شدة امتحانهم بتعرية اللّه إياهم من النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس للنبط، فتصير العرب أيضاً خيراً من النبط، وهذا لا يصح لهم إلا كما يصح عليهم، والكلام متوتجَهٌ عليهم فيما قالوه، ومكافئ لعلتهم فيما أوردوه: من تفضيل النبط على العرب.
وقد ذكرنا تنازع الناس في الأنساب والفضل بها وبالأعمال دون الأنساب ومن قال العمل والنسب ومن قال العمل دون النسب، وما قالته الشعوبية وغيرها في كتابنا المقالات، في أصول الديانات.
وقد ذكر أبو الحسن أحمد بن يحيى في كتابه في الرد على الشعوبية عِلَلاً كثيرة، وذكر أن من اختصه اللّه تعالى من عباده، واصطفاه من خلقه، أذَاك على طريق الثواب أم على طريق التفضيل؛ قال: إًن زعم زاعم أن ذلك ثواب خرج من معقول كلام العرب ومفهوم خطابها؛لأنه لا يقال لمن أعطى الأجير أجرته ووفّى العامل ثوابه: قد اختص فلان فلانا بعطيته، وإنما يقال ذلك إذا تطوع عليه بالعطية بغير عمل ومنعها غيره بغير جرم، وإن زعموا أنه تفضُّلٌ قلنا لهم: فإذا جاز أن يصرف اللّه عز وجل رحمته إلى بعض خلقه بغير عمل استحقوها به، فَلِمَ لا يجوز أن يشرفهم بأنسابهم، وإن لم تكن الأنساب من أعمالهم. فإن قالوا: ليس من العدل أن يشرفهم بغير أعمالهم، قلنا لهم: رأيتكم إن عارضكم مُعَارض؛فزعم أنه ليس من العدل أن يمن عليهم برحمته دون غيرهم بغير عمل كان منهم، وبغير معصية كانت من غيرهم، ماذا يكون الفصل بينكم معاشر الشعوبية وبينه، وقد أخبر اللّه عمن اصطفاه من خلقه فقال: " إن اللّه اصطفى آدم ونوحاً وال إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض، واللّه سميع عليم " .
والواجب على في النسب الشريف، والمجد الرفيع، أن لا يجعل ذلك سلماً إلى التراخي عن الأعمال الموافقة لنسبه، والاتكال على آبائه؛فإن شرف الأنساب يحضر على شرف الأعمال، والشريف بهذا أولى؛إذ كان الشرف يدعو إلى الشرف ولا يثبط عنه كما أن الحسن يدعو إلى الحسن ويحرك عليه وأكثر الممدوحين إنما مدحوا بأعمالهم دون أنسابهم، وهذا كثير في أشعار الناس ومنثور كل أمه م، وقد قال الشاعر في هاشم بن عبد مناف وهو إمام ذوي الأنساب:
عمر والذي هَشَمَ إلثريد لقومه ... ورجال مكة مُسْنِتُونَ عِجَافُ
فمدحه بعمله، ولم يذكر نسبه، وإن كان شريفأ رفيعاً، وإنما ينبغي لذي الأنساب أن يكونوا كما قال أخوهم وشريكهم في النسب عامر بن الطفيل:
وإني وإن كُنْتُ ابْنَ سيد عامر ... وفي السر منها والضرِيح المُهَذَّب
فما سَوَّدَتنِي عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسْمُو بأم ولا أب
ولكننني أحمي حماها، وأتقي ... أذاها، وأرمي مَنْ رماها بمقنب
وكما قال الأخر:
لسنا وإن كرمت أوائلنا ... يوماً على الأحْسَاب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني، ونفعل كالذي فعلوا
ولاية خزاعة أمر البيت

قال المسعودي: ولما خرج عمرو بن عامر وولده من مأرب انخزع بنو ربيعه، فنزلوا تهامة، فسمُوا خزَاعَة لانخزاعهم، ولما ثارت الحرب بين أياد ومضر ابني نزار، وكانت على إياد قلعت الحجر الأسود ودفنته في بعض المواضع، فرأت ذلك امرأة من خُزَاعة، فأخبرت قومها، فاشترطوا على مضر أنهم إن رَفُوا الحجر جعلوا ولاية البيت فيهم، فوفوا لهم بذلك، ووليت خُزَاعة أمر البيت، وكان أول من وليه منهم عمرو بن لُحَيً، واسم لحي حارثة بن عامر، فغير دين إبراهيم وبدَّله، وبعث العرب على عبادة التماثيل؛ لخبر قد ذكرناه في هذا الكتاب وغيره، حين خرج إلى الشام ورأى قوماً يعبدون الأصنام، فأعطوه منها صنمأ فنصبه على الكعبة، وقويت خُزَاعة، وَعَمَّ الناس ظلم عمرو بن لحي، وفي ذلك يقول رجل من جُرْهُم كان على دين الحنيفية:
يا عمرو لا تظلم بمكة ... ؛إنها بَلَدٌ حرام
سائل بعَادٍ أين هُم ... وكذاك تُخَترم الأنام
بني العامليق الذين ... لهم بها كان السوَام
ولما أكثر عمرو بن لحي من نَصْب الأصنام حول الكعبة وغلب على العرب عبادتها، وانمحت الحنيفية منهم إلا لمعاً، قال في ذلك شحنة بن خلف الجرهمي:
يا عمرو، إنك قد أحدثت الهة ... شتى بمكة حول البيت أنصابا
وكان للبيت رَبٌّ واحد أبدا ... فقد جعلت له في الناس أربابا
لتعرفنَّ بأن اللّه في مَهَل ... سيصطفي دونكم للبيت حجابا
وعمر عمرو بن لحي ثلثمائة سنه وخمساً وأربعين سنة.
خصال ولاية البيت ثلاث خصال
وكانت ولاية البيت في خُزَاعة وفي مضر ثلاث خصال: الإجازة بالناس من عَرَفَةَ، والإفاضة بالناس غَدَاةَ النحر إلى منى، فانتهى ذلك منهما إلى أبي سَيَّارة، فدفع أبو سَيَّارة من مزدلفة إلى مِنى أربعين سنة على حمار له، ولم يعتل في ذلك، حتى أدركه الإسلام، فكانت العرب تتمثل به فتقول أصَحُّ من عَيْرِ أبي سيارة.
وفي أبي سيارة يقول قائلهم:
نحن دفعنا عن أبي سَيَّارة ... حتى أفاض مُحْرِماً حماره
مستقبل القبلة يدعو جاره
النسء والنسأة
والنسء للشهور الحُرْمُ،، وكانت النسَأة في بني مالك بن كنانة، وكان أولهم أبو القلمس حذيفة بن عبد، ثم ولده قلع بن حذيفة وورد الإسلام وآخرهم أبو ثمامة، وذلك أن العرب كانت إذا فرغت من الحج وأرادت الصدر اجتمعت إليه، فيقوم فيهم، فيقول: اللهم إني ؤ أحللت أحد الضفَرَيْنِ الصفر الأول، وأنسأت الأخر للعام المقبل، وظهر الإسلام وقد عادت الشهور الحرم إلى بَدْئِهَا على ما كانت عليه في أصلها، وذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وما ذكر عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث إلي آخره، فأخبر الله عز وجل عنهم بذلك بقوله تعالى: " إنمَا النسِىء زِيَادَ في الكفر - الآية " ، وقد فَخَر بذلك عمير بن قيس بن جِذْل الطعَان فقال:
ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما؟
ولاية البيت تؤول إلى قصى بن كلاب
وقد كان قصى بن كلاب بن مرة تزوج ابنة حليل، وحليل هو آخر من ولي البيت من خُزَاعة، وقد كان عمرو بن لحي - حين عُمِّر ما ذكرنا من السنين - مات وله من الولد وولد الولد ألف، ولما حضرت حليلا الوفاة - وهو آخر من ولي البيت من خُزَاعة - وقد كان عمرو على ما ذكرنا جعل ولاية البيت إلى - ابنته زوج قصى بن كلاب، فقيل له: إنها لا تقوم بفتح الباب وَغَلْقِهِ، فجعل ولاية البيت إليها، وَفَتْح الباب وغَلْقه إلى رجل من خُزاعة يعرف بأبي غَبْشَان الخزاعي، فباعه أبو غبشان إلى قصي ببعير وزق خمرة فأرسلت العرب ذلك مثلاً، فقالت أخْسَرُ من صفقة غَبْشَان وفي بيعه لولاية البيت ببعير وزق من الخمر وَنَقْله ولاية البيت من قومة من خُزَاعة إلى قصي بن كلاب، يقول الشاعر:
أبو غَبْشَان أظلم من قصي ... وأظلم من بني فِهْرٍ خُزَاعَه
فلا تلحوا قصيا في شراه ... وَلُومُوا شيخكم إذ كَانَ بَاعَه
وقال في ذلك آخر:
إذا افتخرت خُزَاعة في قديم ... وجدنا فَخْرَهَا شرب الخمور

وباعت كعبة الرحمن جهراَ ... بزقٍّ، بئس مُفْتَخَرُ الفخور
وقد كانت ولاية البيت في خزاعة ثلثمائة سنة، واستقام أمر قصي، وعَشَّرا على مَنْ دخل مكة من غير قريش، وبني الكعبة، ورتب قريشاً على منازلها في النسب بمكة وَبَيَّنَ الأبطحيئَ من قريش، وهم الأباطح، وجعل الظاهري ظاهرياً.
قريش البطاح
وقريش البطاح: هي قبائل عبد مناف، وبني عبد الدار، وبني عبد العُزَي بن قصي، وزُهْرة، ومخزوم، وتَيْم بن مرة، وجُمَح، وسَهْم.، وعليَّ، وهم لَعَقَة الدم، وبنو عتيك بن عامر بن لُؤي.
قريش الظواهر
وقريش الظواهر: بنو محارب، والحارث بن فهر، وبنو الأعرم بن غالب بن فهر، وبنو هصيص بن عامر بن لؤي، وفي ذلك يقول ذكوان مولي عبد الدار للضَحَّاك بن قيس الفهرى:
تطاوَلْتُ للضحاك حتى رَرَرْتُه ... إلى نسب في قومه متقاصر
فلو شاهَدَتْني من قريش عصابة ... قريش البطاح لا قريش الظواهر
ولكنهم غابوا وأصبحْتُ شاهدا ... فقبحت من حامي فمار وناصر
فريقان منهم سكن بطن يثرب ... ومنهم فريق ساكن بالمشاعر
الأحلاف والمطيبون
والأحلاف من قريش: بنو عبد الدار بن قصي، وسهم، وجُمَح، وعلي، ومخزوم.
والمُطَيِّبون: بنو عبد مناف، وبنو أسد بن عبد العُزَى، وزُهْرة، وتيم، وبنو الحارث بن لؤي.
وفي ذلك يقول عمر بن أبي ربيعه المخزومي في امرأة:
ولها في المطيبين جدود ... ثم نالت فوائب الأحلاف
إنها بين عامر بن لؤي ... حين تُدْعى وبين عبد مناف
وأخذت قريش الإيلاف من الملوك، وتفسير ذلك الأمن، وتَقَرشت، والتقرش: الجمع، ومنه قول ابن حِلِّزة اليشكري:
أخوة قَرشُوا الذنُوب علينا ... في حديث مِنْ دهرِنَا و قديم
رحلت قريش - حين أخذ لها الإِيلاف من الملوك - إلى الشام والحبشة واليمن والعراق، وفي ذلك يقول مَطْرود الخزاعي:
يا أيها الرجل المُحَؤَل رَحْله ... هلاَ نزَلْتَ بآل عبد مناف
الآخِذِينَ العَهْدَ من آنافنا ... والراحِلِينَ بِرِحْلَة الإيلاف
ولقريش أخبار كثيرة، وكذلك لجرهم وخزاعة وغيرهما من معد، وقد أتينا على جميعها فيما سلف من كتبنا، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً.
تنبيهاً بها على ما سلف، وسنورد عند ذكرنا تفرق الناس من بابل جملاً من أخبار مكة وعبد المطلب والحبشة، وغير ذلك مما لحق بهذا المعنى، إن شاء اللهّ.
ذكر جوامع من الأخبار ووصف الأرض
والبلدان وحنين النفوس للأوطان
عمر بن الخطاب يستوصف بقاع الأرض
ذكر ذوو الدراية أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه - حين فتح اللّه البلاد على المسلمين من العراق والشام ومصر، وغير ذلك من الأرض - كتب إلى حكيم من حكماء العصر: آنا أناس عرب، وقد فتح اللّه علينا البلاد، ونريد أن نتبوأ الأرض، ونسكن البلاد والأمصار، فصف لي المدن وأهويتها ومساكنها، وما تؤثِّرُه التربة والأهوية في سكانها.
تأثير البيئة الطبيعية
فكتب إليه ذلك الحكيم: اعلم يا أمير المؤمنين أن اللّه تعالى قد قسم الأرض أقساماً: شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، فما تناهى في التشريق وَلَججَ في المطلع السانح منه النور فهو مكروه لاحتراقه وناريته وحِدَته وإحراقه لمن دخل فيه، وما تناهي مغرباً أيضاً أضَر سكانه، لموازاته ما أوغل في التشريق، وهكذا ما تناهى في الشمال أضَرّ ببرده وقره وثلوجه وآفاته الأجسام فأورثها الآلام، وما اتصل بالجنوب وأوغل فيه أحرق باريته ما اتصل به من الحيوان؛ ولذلك صار المسكون من الأرض جزءًا يسيراً، ناسَبَ الاعتدال، وأخذ بحظه من حسن القسمة، وسأصف لك - يا أمير المؤمنين - القطع المسكونة من الأرض.
الشام

أما الشام فسُحُبٌ وآكام، وريح وغمام، وغدق ورُكام، ترطب الأجسام، وتولد الأحلام، وتصفي الألوان، لا سيما أرض حِمْص فإن تحسن الجسم، وتصفي اللون، وتبلد اللهم، وتنزح غوره، وتجفي الطبع، وتذهب بماء القريحة، وتنصب العقول، والشام - يا أمير المؤمنين، وإن كانت على ما وصفت لك - فهي مَسْرَح خصب، ووابل سَكْب، كثرت أشجاره، واطَّرَدت أنهاره، وغمرت أعشاره، وبه منازل الأنبياء، والقدس المجتبى، وفيه حَلَّ أشراف خلق اللّه تعالى من الصالحين والمتعبدين، وجباله مساكن المجتهدين والمنفردين.
مصر
وأما أرض مصر فأرض قَوْرَاء غَوْرَاء، ديار الذراعنة، ومنازل الجبابرة، تحمد بفضل نيلها، وذَمّها أكثر من حمدها، هواؤها راكد، وحرها زائد، وشرها وارد، تكدر الألوان، وتخبب الفطن وتكثر الإِحن وهي معدن الذهب والجوهر والزمرد والأموال، ومغارس الغَلاَّت، غير أنها تسمن الأبدان وتسود الأبشار، وتنمو فيها الأعمار، وفي أهلها مكر ورياء، وخبث ودهاء وخديعة، إلا أنها بلد مكسب لا بلد مسكن؛ لترادف فتنها، واتصال شرورها.
اليمن
وأما اليمن فيضعف الأجسام، ويذهب الأحلام، ويذهب بالرطوبة، في أهله همم كبار، ولهم أحساب وأخطار، مَغَايضه حِصْبَة، وأطرافه جَدْبة، وفي هوائه انقلاب، وفي سكانه اغتيال، وبهم قطعة من الحسن، وشعبة من الترفه و فقرة من الفصاحة.
الحجاز
وأما الحجاز فحاجز بين الشام واليمن والتهائم، هواؤه حَرور، وليله بهفور، ينحف الأجسام، ويُجفَف الأدمغة، ويشجع القلوب، ويبسط الهم، ويبعث على الإِحن وهو بلد مَحْل قَحْط جَدب ضَنْك.
المغرب
وأما المغرب فيُقسِّي القلب، ويوحش الطبع، ويُطِيش اللُّبَّ ويذهب بالرحمة، ويكسب الشجاعة، ويقشع الضراعة، وفي أهله غدمْر، ولهم خبث ومكر، ديارهم مختلفة، وهممهم غير مؤتلفة، ولديارهم في آخر الزمان نبأ عظيم، وخطب جسيم، من أمر يظهر، وأحوال تبهر.
العراق
وأما العراق فمنار الشرق، وسُرة الأرض وقلبها، إليه تحادرت المياه، وبه اتصلت النضارة، وعنده وقف الاعتدال، فَصَفت أمزجة أهله، ولطفت أذهانهم، واحتَدَت خواطرهم، واتصلت مسراتهم، فظهر منهم الدهاء، وقويت عقولهم، وثبتت بصائرهم، وقَلْبُ الأرض العراق وهو المجتبى من قديم الزمان وهو مفتاح الشرق، ومسلك النور ومسرح العينين، ومدنه المدائن وما والاها ولأهله أعدل الألوان، وأنقى الروائح، وأفضل الأمزجة، وأطوع القرائح، وفيهم جوامع الفضائل، وفوائد المبرات، وفضائله كثيرة؛لصفاء جوهره، وطيب نسيمه، واعتدال تربته، وإغداق الماء عليه، ورفاهية العيش به.
الجبال
وأما الجبال فتخشن الأجسام وتغلظها، وتبلد الأفهام وتقطعها، وتفسد الأحلام، وتميت الهمم؛لما هي عليه من غلظ التربة، ومتانة الهواء، وتكاثفه، واختلاف مَهَابه، وسوء متصرفاته.
والأخلاق والصور - يا أمير المؤمنين - تناسب البلد وتحاذيه، وتقاربه، وتوافقه وتضاهيه، وكل بلد اعتدل هواؤه، وخف ماؤه، ولطف غذاؤه - كانت صور أهله وخلائقهم تناسب البلد وتحاذيه، وتشاكل ما عليه أركانه، وما أسِّسَ عليه بنيانه وكل بلد يزول عن الاعتدال، انتسب أهله إلى سوء الحال.
خراسان
وأما خراسان فتكبر الهام؛ وتعظم الأجسام؛ وتلطف الأحلام، ولأهلها عقول وهمم طامحة؛ وفيهم غَوْص وتفكير؛ ورأي وتقدير.
فارس
وأما بلد فارس فخصب الفضاء، رقيق الهواء، متراكم الماء، مُعْتَمّ بالأشجار، كثير الثمار، وفي أهله شح، ولهم خب ؛ وغرائزهم سيئة، وهمهم دنيئة، وفيهم مكر وخداع.
خوزستان
وأما بلاد خوزستان فهي كَدِرَة الأهواء، تفسد الأحلام، وتبلد الإفهام، وتخبث الهمم، وتستأصل الكرم، يساق أهله سَوْقَ الأنعم، وهم الهَمَجُ الطَّغَام.
الجزيرة
وأما أرض الجزيرة فتناسب البر بالهواء اللطيف، وفيها خصب وسَرْجٌ، ولأهلها بأس ومراس.
والبر - يا أمير المؤمنين - أفضل قطع الأرض وأسناها، وأشرفها وأعلاها، نحو الأنجاد والتهائم، لحماية الهواء الأقذاء عن سكانه، ودفعه الآفات عن قُطَّانه، وسماحة المثْوَى، وتهذيب الماء، وصحة المُتَنَسم، وارتفاع الأكدار، وذهاب الأضرار.

واعلم - يا أمير المؤمنين - أن اللّه تبارك وتعالى قسم الأرض أقساما فَضَّل بعضها على بعض، فأفْضَلُ أقس أمه ا العراق، فهو سيد الآفاق، وقد سكنه أجيال وأمم ذوو كمال.
الهند والصين
وأما الهند والصين وبلاد الروم فلا حاجة بي إلى وصفها لك، لأنها منازل شاسعة، وبلدان نائية، كافرة طاغية.
وفي الذي ذكرته لك ما أشفى بك إلى ما شَفَرتَ إلى علمه، وكل ما وصفته في هذه البلدان فهو الأعم من أمور أهلها، والأغلب على أحوالهم، فإن وجد فيهم أحد بخلاف ذلك فهو النادر يا أمير المؤمنين، والحكم في ذلك للأغلب.
كعب الأحبار يصف لعمر العراق
قال المسعودي: وذكر جماعة من أهل العلم بالسير والأخبار أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أراد الشخوص إلى العراق - حين بلغه ما عليه الأعاجم من الجمع ببلادهم - سأل كعب الأحبار عن العراق، فقال: يا أمير المؤمنين، إن اللّه لما خلق الأشياء ألحق كل شيء بشيء، فقال العقل: أنا لا حق بالعراق، فقال العلم: وأنا معك، فقال المال: وأنا لاحق بالشام، فقالت الفتن: وأنا معك، فقال الخصب: وأنا لاحق بمصر، فقال الذل: وأنا معك، فقال الفقر: وأنا لاحق بالحجاز فقالت القناعة: وأنا معك فقال الشقاء: وأنا لاحق بالبوادي، فقالت الصحة: وأنا معك.
وصف إقليم بابل وحنين المؤلف إليه
قال المسعودي: وأوسط الأقاليم الإقليم الذي و لدنا به، وإن كانت الأيام أنأت بيننا وبينه، وساحَقَتْ مسافتنا عنه، وولدت في قلوبنا الحنين إليه، إذ كان وطننا ومسقطنا، وهو إقليم بابل، وقد كان هذا الإِقليم عند ملوك الفرس جليلاً، وقدره عظيماً، وكانت عنايتهم إليه مصروفة، وكانوا يشتون بالعراق، وأكثرهم يصيفون بالجبال، وينتقلون في الفصول إلى الصرود من الأرض والحرور، وقد كان أهل المروءات في الإسلام كأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي وغيره يشتون في الحرور، وهو العراق، ويصيفون في الصرود، وهي الجبال، وفي ذلك يقول أبو دلف:
وإني امرؤ كِسْرَويُّ الفعال ... أصِيفُ الجبالَ وَأشْتُو العراقا
وذلك لما خص به هذا الإقليم من كثرة مرافقه، واعتدال أرضه، وغضارة عيشه، ومادة الوافدين إليه، وهما دجلة والفرات، وعموم الأمن فيه، وبعد الخوف عنه، وتوسطه الأقاليم السبعة، وقد كانت الأوائل تشبهه من العالم بالقلب من الجسد؛لأن أرضه من إقليم بابل الذي تشعبت الآراء عن أهله بحكمة الأمور كما يقع ذلك عن القلب، وبذلك اعتدلت ألوان أهله واقتدرت أجس أمه م، فسلموا من شُقْرة الروم والصقالبة، وسواد الحبشة، وغلظ البربر، ومن جَفَا من الأمم، واجتمعت فيهم محاسن جميع الأقطار، وكما اعتدلوا في الجِبِلة وكذلك لطفوا في الفطنة، والتمسك بمحاسن اللأمور، وأشرف هذا الإقليم مدينة السلام، ويعز عليَّ ما أصارتني إليه الأقدار من فراق هذا المصر الذي عن بقعته فصلنا، وفي قاعته تجمعنا، لكنه الزمن الذي شيمته التشتيت، والدهر الذي من شروطه الإبانة ولقد أحسن أبو دلف العجلي حيث يقول:
أيا نكْبَةَ الدهر التي طَوَّحَتْ بنا ... أيادي سَبَا في شرقها والمغارب
قِفِي بالتي نَهْوَى فقد طِرْت بالتي ... إليها تناهت رَاجِعَات المصائب
الحنين إلى الأوطان
وقد ذكر الحكماء - فيما خرجنا إليه من هذا المعنى - أن من علامة وفاء المرء ودوا أم عهده حنينه إلى إخوانه، وشوقه إلى أوطانه، وبكاءه على ما مضى من زمانه، وأن من علامة الرشد أن تكون النفوس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها تَؤاقة، وللإلف والعادة قَطَع الرجل نفسه لصلة وطنه.
وقال ابن الزبير: ليس الناس بشيء من أقس أمه م أقنع منهم بأوطانهم، وقاد بعض حكماء العرب: عمر الله البلدان بحب الأوطان، وقالت الهند: حرمة بلدك عليك كحرمة والديك؛ لأن غذاعك منهما، وغذاءهما منه، وقال آخر: أولى البلدان بصيانتك بلد رضعت ماءه، وطعمت غذاعه، وقال آخر: ميلك إلى موضع مولدك من كرم مَحْتدِك، وقال بقراط: يداوي كل عليل بعقاقير أرضه؛ فإن الطبيعة تتطلع إلى هوائها، وتنزع إلى غذائها، وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنفع أدويتها، وقال جالينوس: يتروح العليل بنسيم أرضه كما تنبت الحبة ببلل الأرض.

وللنفوس في علة حنينها إلى الأوطان كلام ليس هذا موضعه، وقد ذكرناه في كتابنا المترجم بسر الحياة وفي كتاب طب النفوس.
فضل علم الأخبار
ولولا تقييد العلماء خواطرهم على الدهر لبطل أول العلم، وضاع آخره؛ إذ كان كل علم من الأخبار يستخرج وكل حكمة منها تستنبط والفقه منها يستثار والفصاحة منها تستفاد، وأصحاب القياس عليها يبنون، وأهل المقالات بها يحتجون ومعرفة الناس منها تؤخذ، وأمثال الحكماء فيها توجد، ومكأرم الأخلاق ومعاليها منها تقتبس، وآداب سياسة الملك والحزم منها تلتمس، وكل غريبة منها تعرف، وكل عجيبة منها تستطرف، وهو علم يستمتع بسماعه العالم والجاهل، ويسعذب موقعه الحمق والعاقل، ويأنس بمكانه وينزع إليه الخاصىِ والعامي، ويميل إلى رواياته العربي والعجمي.
فضل الكتاب
وبعد؛فإنه يوصل به كل كلام، ويتزين به في كل مقام، ويتجمل به في كل مشهد، ويحتاج إليه في كل محفل، ففضيلة علم الأخبار بينة على كل علم، وشرف منزلته صحيح في كل فهم، فلا يصبر على فهمه وتيقن ما فيه، وإيراده وإصداره إلا إنسان قد تجرد له، وفهم معناه، وذاق ثمرته، واستسفر من غرره ونال من سروره، وقد قالت الحكماء: الكتاب نعم الجليس، ونعم الذخر، إن شئت ألهتك نواد رده، وأضحكتك بوادره، وإن شئت أشْجَتْكَ مواعظه، وإن شئت تعجبت من غرائب فوائدة، وهو يجمع لك الأول والأخر والغائب والحاضر والناقص والوافر والشاهد والغائب والبادي والحاضر، والشكل وخلافه، والجنس وضده، وهو ميت ينطق عن الموتى، ويترجم عن الأحياء وهو مؤنس يَنْشَطُ بنشاطك، وينامِ بنومك، ولا ينطق معك إلا بما تهوى، ولا نعلم جارأ أبر، ولا خليطاَ أنْصَفَ، ولا رفيقاً أطوع، ولا معلماً أخضع، ولا صاحباً اظهر كفاية، وأقل خيانة، ولا أجدَى نفعاً، ولا أحمد أخلاقَاَ ولا أقل خِلافأ ولا أعوم سروراً، ولا أسكت غيبة، ولا أحسن موافاة ولا أعجل مكافأة، ولا أخف مؤنه منه إن نظرت إليه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وأيد فهمك، وأكثر علمك، وتَعْرِف منه في شهر، ما لا تأخذه من أفواه الرجال في دهر،. ويغنيك عن كد الطلب، وعن الخضوع لمن أنت أثبت منه أصلاً، وأسمح فرعاً، وهو المعلم الذي لا يجفوك، وإن قطعت عنه المائدة، لم يقطع عنك الفائدة، وهو الذي يطيعك بِالليل طاعته لك بالنهار، ويطيعك في السفر كطاعته لك في الحضر، وقد قال الله تبارك وتعالى: " اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم،الذي عًلّمَ بالقَلَم، عَلّم الإِنسان ما لم يَعْلَم " فوصف عن نفسه أنه علم بالقلم كإخباره عن نفسه بالكرم، وفي ذلك يقول بعض أهل الأدب:
لًمّا عَلِمْتُ بأني لست أعجزهمِ ... فَوْتاً ولا هرباً قدمتُ أحتجب
فصرت بالبيت مسروراً به جذل ... اَ حاوي البراءة لا شكوى ولا شغب
فردا ًيحدثني حقًّا و ينطق لي ... عن علم ماغاب عني منهُمُ الكتب
المؤنسون هُمُ اللائي عُنِيتُ بهم ... فليس لي في جليس غيرهِم أرَبُ
للّه در جليسي اجليسهم ... فذا عشيرهم للسوء يرتقبُ
وقد كان عبد اللّه بن عبد - العزيز بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب لا يجالس الناس، ونزل مقبرة، وكان لا يُرَى إلا وفي يده كتاب يقرؤه، فسئل عن ذلك، فقال: لم أرَ واعظاً أوعظ من قبر، ولا ممتعاً أمتع من كتاب، ولا شيئَاَ أسلم من الوحدة، فقيل له: قد جاء في الوحدة ما جاء،فقال: ما أفسدها للجاهل وقد قال بعض الشعراء فيمن يجمع الكتب ولا يعلم ما فيها:
زَوَامِلُ للأسفار لا علم عندم ... بجَيدِها إلا كعلم الأباعر
لَعَمْرُكَ ما يمري البعيرُ إذا غدا ... بأحمله أو راح ما في الغَرَائرِ
ذكر تنازع الناس في المعنى
الذي من أجله سمي اليمن يمناً والعراق عراقاً والشام شاماً والحجاز حجازأ

تنازع الناس في اليمن وتسميته؛ فمنهم من زعم أنه إنما سمي يمناً لأنه عن يمين الكعبة وهو التيمن وسمي الشام شامأ لأنه عن شمال الكعبة، وسمي الحجاز حجازاً لأنه بين اليمن والشام، نحو ما أخبر اللّه عز وجل عن البرزخ الذي بين بحر القلزم وبحر الروم بقوله عز وجل: " وَجَعَلَ بين البحرين حاجزاً " وإنما سمي العراق عراقأ لمصب المياه إليه كالدجلة والفرات وغيرهما من الأنهار، وأظنه مأخوذاً من عراقي الدلو وعراقي القربة.
ومنهم من زعم أن اليمن يم إنما سمي يمناً ليمنه، والشام شاماً لشؤمه ة وهذا قول يُعزى إلى قُطْرب النحوي في آخرين من الناس.
ومنهم من رأى أنه إنما سمي اليمن يمناً لأن الناس حين تفرقت لغاتهم ببابل تَيَامَنَ بعضهم يمين الشمس وهو اليمن، وبعضهم تشاءهم فوسم له هذا الاسم، وسنذكر تفرق هذه القبائل من أرض بابل بعد هذا الموضع، وبعض ما قالوه في ذلك من الشعر، عند مسيرهم في الأرض واختيارهم البقاع.
وقيل: إنما سمي الشام شاماً لشامات في أرضه بيض وسرد، وذلك في التراب والبقاع والحجر وأنواع النبات والأشجار، وهذا قول الكلبي.
وقال الشرقي بن القطامي: إنما سمي الشام شاماً بسام بن نوح، لأنة أول من نزله وقَطَن فيه، فلما سكنته العرب تطيّرت من أن تقول سام، فقالت: شام.
وقيل: إن سَامَرا إنما سميت بذلك إضافة إلى سام.
وقيل: إن أول من سكنها من خلفاء بني العباس سماها بهذا الاسم، وإنها سرور لمن رآها.
وقد ذكر في أسماء هذه المعاقل و البقاع والأمصار. وجوه غير ما ذكرت قد أتينا عليها فيما سلف من كتبنا.
ذكر اليمن وأنسابها وما قاله الناس في ذلك
اختلف الناس في أنساب قحطان؛ فحكى هشام بن الكلبي عن أبيه والشرقي بن القطامي أنهما كانا يذهبان إلى أن قَحْطَانَ بن الهميسع بن نبت - وهو نابت - بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل، ويحتجان لذلك بوجوه من الأخبار. ومنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما رواه هشام عن أبيه عن ابن عباس، ورواه الهيثم عن الكلبي عن أبي صالح أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على فتية من الأنصار يتناضلون، فقال. ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميأ، ارموا وأنا مع ابن الأعرع رجل من خزاعة، فرمى القوم نبالهم. وقالوا: يا رسول الله، من كنت معه فقد نَضَلَ !! فقال ارموا وأنا معكم جميعأ.
قال المسعودي: وسائر ولد قحطان من حمير وكهلان يأبى هذا القول وينكره وقد ثبت أن قحطان يقطن، وإنما عُرب فقيل له: قحطان.
وحكي ابن الكلبي، أن اسم يقطن في التوراة الجبار بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح، والواضح، من أنساب اليمن، وما تدين به كهلان وحمير ابنا قحطان إلى هذا الوقت قولا وعملا، وينقله الباقي عن الماضي والصغير عن الكبير والذي وجدت عليه التواريخ القديمة للعرب وغيرها من الأمم، وعليه وجدت الأكثر من شيوخ ولد قحطان من حمير وكهلان بأرض اليمن والتهائم والأنجاد وبلاد حَضْرَ مَوْت وَ الأحقاف وبلاد عمان وغيرها من الأمصار أن الصحيح في نسب قحطأن أنه قحطان بن عابر بن شالخ بن سالم - وهو قينان - ابن إرفخشذ بن سام بن نوح، وقد كان لعابر ثلاثة أولاد: فالغ، وقحطان، وملكان، والخضر عليه السلام من ولد ملكان في قول كثير من الناس، وولد لقحطان أحد وثلاثون ذكراً، و أمه م حَيّ بنت روق بن قزارة بن منقذ بن سويد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، فولد قحطان يعرب بن قحطان، وولد يعرب يشجب، وولد يشجب ولدين، أحدهما عبد - وهو سبأ بن يشجب - وإنما سمي سبأ لسبيه السبايا، فولد سبأ حمير وكهلان ابني سبأ، والثاني لم يعقب، وإنما العقب من ولد هذين - وهما حمير وكهلان؛فهذا المتفق عليه عند أهل الخبرة بهما، والمتيقن لديهم.
وكان الهيثم بن عمي الطائي ينكر أيضاً أن يكون قحطان من ولد إسماعيل، وإنما إسماعيل تكلم بلغة جرهم؛ لأن إسماعيل كان سرياني اللسان على لغة أبيه خليل الرحمن حين أسكنه هو و أمه هاجر بمكة على ما ذكرنا، فصاهَرَ جرهم، ونشأ على لغتها، ونطق بكل أمه ا وقَفَا في مُرَاده خطابها.

ونزار تأبى أن يكون إسماعيل نشأ على لغة جُرْهم، ويقولون: إن الله عز وجل أعطاه هذه اللغة، وذلك أن إبراهيم خلفه هو و أمه هاجر، وإسماعيل ابن ست عشرة سنة، وقيل: ابن أربع عشرة سنة، في واد غير ذي زرع، ولا أنيس، فحفظها الله تعالى، وأتبع لها زمزم، وعَلّم إسماعيل هذه اللغة العربية.
قالوا: ولغة جرهم غير هذه اللغة، ووجدنا لغة ولد قحطان بخلاف لغة ولد نزار بن معد، فهذا يقضي بإبطال قول من قال: إن إسماعيل أعرب بلغة جرهم، ولو وجب أن يكون إسماعيل إنما كان عربي اللسان لأجل جرهم ونَشْئِه فيها لوجب أن تكون لغته موافقة للغة جرهم، أو لغير ممن نزل مكة، وقد وجدنا قحطان سرياني اللسان، وولده يعرب بخلاف لسانه، وليس منزلة يعرب عند اللّه أعلى من منزلة إسماعيل، ولا منزل قحطان أعلى من منزلة إبراهيم خليل الرحمن فيمنع إسماعيل فضيلة اللسان العربي التي أعطيها يعرب بن قحطان.
ولولد نزار وولد قحطان خَطْب طويل ومناظرات كثيرة لا يأتي علي كتابنا هذا، في التنازع والتفاخر بالأنبياء والملوك، وغير ذلك مما قد أتينا على ذكر جمَل من حِجَاجهم وما أدلى به كل فريق منهم ممن سلف وخلف، وكذلك مناظرات السودان والبيضان والعرب والعجم ومناظرات الشعوبية في كتابنا أخبار الزمان.
وزعم الهيثم بن عدي أن جرهم بن عابر بن سبأ بن يقطن هو قحطان وتأول الهيثم قول النبي صلى الله عليه وسلم - حين قال للرماة من الأنصار، ارموا يا بني إسماعيل - أنه عليه السلام نسبهم إلى إسماعيل من جهة ال أمه ات، وما نالهم من الولادات من ولد إسماعيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيل نسباً قد ثبت، ولا يثبت نسب قوم إلى غير آبائهم، وقد نقلوا ذلك قولا وعملا وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أن سائلا سأله مِنْ مُرَاد عن سَبَأ: أرجلا كان أو امرأة أو واديا أو جبلاً. فقال له: كان رجلاً، ولد له عشرة فتشاءم أربعة وتيامن ستة: فالذين تشاءموا لخم وجذام وعاملة وغَسَّان، والذين تيامنوا حمير والأزد ومَذْحَج وكنانة والأشعريون وأنمار الذين هم بجيلة وخَثْعَم.
وقال أبو المنذر: هو أنمار بن إياد بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ.
قال المسعودي: وقد تنوزع في نسب أنمار؛فذهب الأكثر إلى أن أنماراً وإياداً وربيعه ومضر بنو نزار بن معد بن عدنان، وإنما دخلوا في اليمن فأضيفوا إليهم، وما ذكرناه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن تيامن وتشاءم فمن أخبار الآحاد، وليس مجيئه مجيء الاستفاضة التي يقطع بها العذر ويثبت بها الحكم.
وللناس في هؤلاء كلام كثير، وقد ذكر هشام عن أبيه الكلبي قال: كان يقال لسائر ولد سبأ السَّبَئِيون، ولم تكن لهم قبائل تجمعهم دون سبأ.
وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب خبر عمرو بن عامر مزيقياء، وخبر طريفة الكاهنة، وخبر عمران الكاهن، وهو أخو عمرو بن عامر، وأخبار العَرِم والسيل، وما كان من كهانتهما في أمر السد وسيل العرم، وتفرق القبائل من مأرِبَ، ومن لحق بعُمَان وشَنُوءة والسًراة والشام وغير ذلك من بقاع الأرض.
ذكر اليمن وملوكها ومقدار سنيها
أول من يُعَد من ملوك اليمن سبأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان، واسمه عبد شمس، وقد أخبرنا فما سلف من هذا الكتاب وغيره من كتبنا لأية علة سمي سبأ على ما قيل، والله أعلم، وكان ملكه أربعمائة سنة وأربعاً وثمانين سنة.
حمير
ثم ملك بعده ولده حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب، وكان أشجَعَ الناس في وقته، وأفرسهم، وأكثرهم جمالاً، وكان ملكه خمسين سنة وقيل: أكثر من ذلك، وقيل: أقل وكان يعرف بالمتوج وكان أول من وضع على رأسه تاج الذهب من ملوك اليمن.
كهلان
ثم ملك بعده أخوه كهلان بن سبأ، فطال عمره، وكبر سنه واستقامت له الأمور، وكان ملكه ثلثمائة سنة، وقيل غير ذلك.
ثم عاد الملك بعد أن هلك كهلان إلى ولد حمير؛لأخبار يطول ذكرها، وتنازع في الملك بين ولد حمير. وكهلان.
عمرو بن سبأ
ثم ملك أبو مالك عمرو بن سبأ، واتصل ملكه، وغمر الناس عدله وشملهم إحسانه، وكان ملكه ثلثمائة سنة.
قول آخر
وقيل: إن أول من ملك بعد كهلان الرائش، وهو الحارث بن شداد.
ثم ملك جبار بن غالب بن زيد بن كهلان، فكان ملكه عشرين ومائة سنه.

ثم ملك بعده الحارث بن مالك بن إفريقس بن صيفي بن يشجب بن سبأ، وكان ملكه مائة سنة ونحو أربعين سنة، وقيل: إن هذا الملك هو أبرهة بن الرائش المعروف بذي المنار.
جماعة من ملوك اليمن
ثم ملك بعده الرائش بن شداد بن ملظاظ، وكان ملكه مائة وخمساً وعشرين سنة.
ثم ملك بعده أبرهة بن الرائش، وهو ذو المنار، وكان ملكه مائة وثمانين سنة.
ثم ملك بعده أفريقس بن أبرهة، فكان ملكه مائة وأربعاً وستين ثم ملك بعده أخوه العبد بن أبرهة، وهو ذو الأذْعَارِ، وكان ملكه خمساً وعشرين سنة.
ذو الأذعار
ثم ملك بعده الهداهاد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش، وقد تنوزع في مقدار ملكه؛فمنهم من رأى أنه عاش عشر سنين، ومنهم من ذكر سبعاً، ومنهم من قال: ستا.
تبع الأول
ثم ملك تبع الأول، وكان ملكه أربعمائة سنة، وذكر كثير من الناس أن بلقيس قتلته، وقيل غير ذلك، والأشهر ما قدمنا.
بلقيس وسليمان
ثم ملكت بعده بلقيس بنت الهدهاد، وكان لمولدها خبر ظريف ذكرته الرواة فميا روي أنه تصور لأبيها في بعض قَنَصِه حَيَّتَان سوداء وبيضاء فأمر بقتل السوداء منهما،؛وما ظهر له بعد ذلك من شيخ وشاب من الجن، وأن الشيخ زوجه بابنته، واشترط عليه شروطاً لها، فعلقت منه ببلقيس، ونقض تلك الشروط المأخوذة عليه لها، فغابت عنه، في خبر ظريف، وهو موجود في كتاب أخبار التبابعة.
وإنما نحكي هذه الأخبار على حسب ما وجدناه في كتب الأخباريين وعلى حسب ما توجبه الشريعة والتسليم لها، وليس. قصدنا من ذلك وصف أقاويل أصحاب القدم، لأنهم ينكرون هذا ويمنعونه، وإنما نحكي في هذا الكتاب أقاويل أصحاب الحديث المنقادين للشرع والمسلِّمين للحق، وأخبار الشياطين على حسب ما نطق به الكتاب المنزل على النبي المرسل، وما قارن ذلك من الدلائل الدالة على صدقه صلى الله علية وسلم، وإعجاز الخليقة أن يأتوا بمثل هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وكان ملك بلقيس عشرين ومائة سنة، وكان من أمرها مع سليمان عليه السلام ما ذكر اللّه عز وجل في كتابه، وما اقتص من خبر الهدهد، وما اقتص من أمرهما، فملك سليمان اليمن ثلاثاً وعشرين سنة.
بقية ملوك اليمن
ثم عاد بعد ذلك الملك إلى حمير؛فملكهم ناشر النعم بن عمرو بن يعفر وكان ملكه خمساً وثلاثين سنة.
ثم ملك بعده شمر بن إفريقس بن أبرهة، فكان ملكه ثلاثَاَ وخمسين ثم ملك بعده تُبَّع الأقْرَنُ بن شمر، فكان ملكه مائة وثلاثأ وستين سنه.
ثم ملك بعده كليكرب بن تبَّع وكان ملكه مائة سنة وعشرين سنة، وَسَيَّرَ قومه نحو الشرق من بلاد خراسان والتبت والصين وسجستان.
ثم ملك بعده حسان بن تبئع، فاستقام له الأمر، ثم وقع بعد ذلك في ملكه تنازع وخلاف، وكان ملكه إلى أن قتل خمساً وعشرين سنة.
ثم ملك بعده عمرو بن تُبَّع، وهو القاتل لأخيه حسان الملك الماضى، وكان ملكه أربعاً وستين سنة، و لقال: انه عدم النوم، لما كان من فعله من قتل أخيه.
ثم ملك بعده تبع بن حسان بن كليكرب، وهو الملك السائر من اليمن إلى الحجاز، وكانت له مع الأوس والخزرج حروب، وأراد هدم الكعبة فمنعه مَنْ كان معه من أخبار اليهود، فكساها القصب اليماني، وسار نحو اليمن وقد تهوَّدَ وغلبت على اليمن اليهودية، ورجعوا عن عبادة الأصنام، وكان مُلْكه نحو مائة سنة.
ثم ملك عمرو بن تبع بعد تفرق وتنازع كان بينهم في الملك، خلع عن الملك وملكوا عليهم مرثد بن عبد كلال، وكان في اليمن تنازع وحروب، وكان ملكه أربعين سنة.
ثم ملك بعده وليعة بن مرثد، وكان تسعاً وثلاثين سنة.
ثم ملك بعده أبرهة بن الصباح بن وليعة بن مرثد، وهو الذي يدعى شيبة الحمد، وكان ملكه ثلاثاً وتسعين سنة، وقيل: أقل من ذلك، وكان علامة وله سير مُدَوَّنة.
ثم ملك بعده عمرو بن ذي قيفان، وكان ملكه سبع عشرة سنة.
ثم ملك بعده ذو شَنَاتر، ولم يكن من أهل بيت الملك، فغري بالأحداث من أبناء الملوك، وطالبهم بما تُطَالب به النسوان، وأظهر الفسق باليمن واللواط، وعدل مع ذلك في الرعية، وأنصف المظلوم، وكان ملكه ثلاثين سنة، وقيل: تسعا وعشرين سنة، وقتله يوسف ذو نواس، وكان من أبناء الملوك، خوفاً على نفسه، وأنَفَة أن يفسق به.

ثم ملك بعده يوسف ذو نواس بن زرعة بن تبع الأصغر بن حسان بن كليكرب، وقد ذكرنا خبره في غير هذا الموضع من كتبنا، وما كان من أمره مع أصحاب الأخدود، وتحريقه إياهم بالنار، وهم الذين خبر الله تعالى عنهم في كتابه فقال: " قتك أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود " و إليه عبرت الحبشة من بلاد ناصع والزيلع، وهو ساحك الحبشة على حسب ما ذكرنا، إلى بلاد غلافقة من ساحل زبيد من أرض اليمن، فغرق يوسف نفسه بعد حروب طويلة خوفاً من العار؛ وكان ملكه مائتي سنة وستين سنة، وقيل أقل من ذلك، وذلك أن النجاشي ملك الحبشة لما بلغه فعل ذي نواس بأتباع المسيح عليه السلام، وما يعذبهم به من أنواع العذاب والتحريق بالنار بعث إليه الحبشة وعليهم أرباط بن أصحمة فملك اليمن عشرين سنة.
أبرهة أبو يكسوم
ثم وثب عليه أبرهة الأشرم أبو يكسوم فقتله وملك اليمن، فلما بلغ ذلك من فعله إلى النجاشي غضب عليه، وحلف بالمسيح أن يجزا ناصيته، ويريق دمه، ويطأ تربته - يعني أرض اليمن - فبلغ ذلك أبرهة فجز ناصيته وجعلها حق من العاج، وجعل من دمه في قارورة، وجعل من تراب اليمن في جراب، وأنفذ ذلك إلى النجاشي ملك الحبشة، وضم إلى ذلك هدايا كثيرة وألطافاً، وكتب إليه يعترف بالعبودية، ويحلف له بدين النصرانية أنه في طاعته، وأنه بلغه أن الملك حلف بالمسيح أن يجز ناصيته ويريق دمه ويطأ أرضه، وقد أنفذت إلى الملك ناصيتي فليجزها بيده، وبدمي في قارورة فليهرقه، وبجراب من تربة بلادى فليطأ بقدميه، وليطفئ الملك عني غضبه، فقد أبررت يمينه، وهو على سرير ملكه، فلما وصل ذلك إلى النجاشي استصوب رأيه، واستحسن عقله، وصفح عنه وكان ذلك في ملك قباذ ملك فارس.
وأبرهة أبو يكسوم هو الذي سار بأصحاب الفيل إلى مكة لإخراب الكعبة، وذلك لأربعين سنة خلت من ملك كسرى أنو شروان، فعدل إلى الطائف فبعثت معه ثقيف بأبي رُغَال ليدلَّه على الطريق السهل إلى مكة، فهلك أبو رُغَال في الطريق بموضع يقال له المُغَفَس بين الطائف ومكة، فَرُجم قبره بعد ذلك والعرب تتمثل بذلك وفي ذلك يقول جرير بن الخطفي في الفرزدق.
إذا مات الفرز دق فارْجُمُوهُ ... كما تَرْمُونَ قَبْرَ أبي رُغَال
وقال المسعودي رحمه اللّه، وقيل: إن أبا رُغَال وجَّهَهُ صالح النبي صلى الله علية وسلم على صدقات الأموال، فخالف أمره، وأساء السيرة، فوثب عليه ثقيف - وهو قيس بن منبه - فقتله قتلةً شنيعة لسوء سيرته في أهل الحرم،فقال غيلان بن سلمة وذكر قسوة أبيهم ثقيف على أبي رُغَال نحن قسيِّ وقسا أبونا وفي ذلك يقول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
نَفَوْا عن أرضهم عَدْنَانَ طُرًّا ... وكانوا للقبائل قاهرينا
وهم قتلوا الرئيس أبارُغال ... بمكة إذ يسوق بها الوضينا
وفي ذلك يقول عمرو بن دراك العبدي:
تراني إن قطعت حبالَ قيس ... وخالفتُ المُرُورَ على تميم
لأعظمُ فَجْرَةً منَ أبي رُغَال ... وأجْوَر ُفي الحكُومَةِ منْ سَدُوم
وقال مسكين الدأرمي:
وأرْجُمُ قبرَهُ في كل عام ... كَرَجْم الناس قبر أبي رُغَال
وسنورد فيما يرد من هذا الكتاب قصه الحبشة وورودهم الحرم وما كان من أمرهم في ذلك.
قال: وفي طريق العراق إلى مكة - وذلك بين الثعلبية والهبير نحو البطان - موضع يعرف بقبر العباعي، تَرْجمه المارة إلى هذه الغاية كما ترجم قبر أبي رُغَال، وللعباعي خبر ظريف قد أتينا على ذكره في كتاب أخبار الزمان وفي كتاب حدائق الأذهان وفي أخبار أهل البيت رضي اللّه عنهم.
فكان ملك أبرهة على اليمن إلى أن هلك بعد أن رجع من الحرم وقد حسقطت أنامله وتقطعت أوصاله حين بعث اللّه عليه الطير الأبابيل ثلاثاً وأربعين سنة.
وكان قدوم أصحاب الفيل مكة يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من المحرم سنة ثمانمائة واثنتين وثلاثين سنة للاسكندر وست عشرة سنة ومائتين من تاريخ العرب الذي أوله حجة الغدر.
وسنذكر بعد هذا في الموضع المستحق له من هذا الكتاب جملاً من تاريخ العالم وتاريخ الأنبياء والملوك، في باب نُفْرده لذلك إن شاء اللّه تعالى.
ثم ملك اليمن بعد أبرهة الأشرم ولده يكسوم، فعمً أذاه سائر اليمن، وكان ملكه إلى أن هلك عشرين سنة.
مسروق بن أبرهة

ثم ملك بعده مسِروقَ بن أبرهة، فاشتدت وطأته على اليمن، وعم أذاه ساير النأس، وزاد على أبيه وأخيه في الذي، وكانت أمه من آل ذى يَزَن، وكان سيف بن ذي يَزَن قد ركب البحار، ومضى إلى قيصر يستنجلى، فأقام ببابه سبع سنين، فأبى أن يُنْجِد، وقال: أنتم يهود، والحبشة نصارى، وليس في الديانة أن ننصر المخلاف على الموافق، فمضى إلى كسرى أنو شروان فاستنجده ومَتَّ إليه بالقرابة، وسأله النصرة، فقال له كسرى: وما هذه القرابة التي أدْلَيتَ بها إلي؟ّ؛ فقال: أيها الملك الجْبِلة وهي الجلدة البيضاء ؛إذ كنت أقرب إليك منهم، فوعده أنو شروان بالنصرة على السودان وشغل بحرب الروم وغيرها من الأمم، ومات سيف بن ذي يزن، فأتى يعلى معد يكرب بن سيف، فصاح على باب الملك، فلما سئل عن حاله، قال: لي قَبَل الملك ميراثٌ، فوقف بين يدي أنو شروان، فسأله عن ميراثه، فقال: أنا ابن الشيخ الذي وعده الملك بالنصرة على الحبشة، فوجَّهَ معه وَهْرِز إصْبِهْبِذَ الديلم في أهل السجون، فقال " إن فتحوا لنا، وإن هلكوا فلنا، وكلا الوجهين فَتْحٌ، فحملوا في السفن في دجلة ومعهم خيولهم، وعددهم وأموالهم، حتى أتوا أبلّة البصرة - وهي فرج البحر، ولم يكن حينئذ بصرة ولا كوفة، وهذه مدن إسلامية - فركبوا في سفن البحر، وساروا حتى أتوا ساحل حضر موت بموضع يقال له مَثْوَبُ، فخرجوا من السفن، وقد كان أصيب بعضهم في البحر، فأمرهم وَهْرِز أن يحرقوا السفن ليعلموا أنه الموت، ولا وجه يؤملون المَفَرَّ إليه فيجهدون أنفسهم، وفي ذلك يقول رجل من حضر موت:
أصبح في مَثْوَب ألْفٌ في الجُنَنْ ... من رهط ساسان ورهط مهرسن
ليخرجوا السودان من أرض اليمن ... دلهمُ قَصد السبيل ذويزَن
في شعر له طويل،، ونما خبرهم إلى ملك اليمن مسروق بن أبرهة، فأتاهم في مائة ألف من الحبشة وغيرهم من حمير - وكهلان ومن سائر من سكن اليمن من الناس وتصافَ القوم، وكان مسروق على فيلَ عظيم، فقال وهرز لمن كان معه من الفرس: اصدقهم الحملة، واستشعروا الصبر، ثم تأمل ملكهم وقد نزل عن الفيل فركب جملاً، ثم نزل عن الجمل فركب فرساً، ثم أنف أن يحارب على فرس فركب حماراً، استصغارأ لأصحاب السفن، فقال وَهْرِزُ " ذهب ملكمه، وتنقل من كبير إلى صغير، وكان بين عيني مسروق ياقوتة حمراء معلقه - في تاجه بمعلاق من الذهب تضيء كالنار، فرمى وَهْرِزُ، ورمى القوم، وقال وهرِز لأصحابه: قد رميت ابن الحمارة، فانظروا إن كان القوم يجتمعون عليه ولا يتفرقون عنه فهو حي، وإن كان أصحابه يجتمعون عليه ويتفرقون عنه فقد هلك، فنظروا إليهم فرأوهم يجتمعون ويتفرقون عنه، فأخبروه بذلك، فقال: احملوا على القوم واصدقوهم فحملوا عليهم وصدقوهم؛ فانكشفت الحبشة وأخذهم السيف، ورفع رأس مسروق ورؤوس خواص الحبشة ورؤسائهم، فقتل منهم نحو ثلاثين ألفاً، وقد كان أنو شروان أتشرط على معد يكرب شروطأ: منها أن الفرس تتزوج باليمن ولا تتزوج اليمن منها وفي ذلك يقول الشاعر:
على أن ينكحوا النسوان منهم ... ولا ينكحوا في الفارسينا
وَخَرَاج يحمله إليه فتَؤجَ وهرز معد يكرب بتاج كان معه وبدنة من الفضة ألبسه إياها، ورتبه في ملكه على اليمن، وكتب إلى أنو شروان بالفتح، وخلف هناك جماعة من أصحابه.
وكان جميع ما ملكتَ الأحابش اليمن اثنتين وسبعين سنة، وكان ملك مسروق بن أبْرَهَة إلى أن قتله وَهْرِزُ ثلاث سنين، وذلك لخمس وأربعين خلت من ملك أنو شروان.
وأتت معدي كرب الوفود من العرب تهنئه بالملك، فأتاه عبد المطلب وجد أمية بن أبي الصَلْت، وقد ذكرنا خبر عبد المطلب ووفادته على ابن ذي يزن في هذا الكتاب فيما بعد، وما قيل من الشعر وفي مسير الفرس إلى اليمن ونصرتهم على الحبشة يقول بعض أولاد فارس:
نَحن خُضنا البحار حتى فككنا ... حميراً من بَلَيّةٍ السودان
بليوث من آل ساسان شُوس ... يمنعون الحريم بالمرَّان
وببيض بواتر تتلاَلاَ ... كسَنَا البرقِ في فرى الأبدان
فقتلنا مسروق إذ تاه لمَّا ... أن تداعَتْ قبائل الحبشان.
وفلقنا ياقوتة بين عين ... ه بنُشًابة الفتى الساساني

وَهْرِزُ الديلميئُ لمَّا رآهُ ... رابط الجأش ثابت الأركان
وحوينَا بلاد قحطان قسراً ... ثم سرنا إلى فرى غُمْدَان
فنعمنا فيه بكل سرور و ... مَنَنَّاعلى بني قحطان
وفي ذلك يقول البحتري يمدح أبناء العجم، ويذكر فضل الفرس على أسلافه لأنه من قطحان:
فكم لكم من يَدٍ يزكو الثناء بها ... ونعمة ذكْرُهَا باقٍ على الزمن
إن تفعلوها فليست بِكْرَ أنعمكم ... ولا يد كأياديكم على اليمن
أيام جَلىَّ أنو شروان جدكم ... غيابة الذل عن سيف بن ذي يزن
إذ لا تزال خيول الفرس دافعة ... بالضرب والطعن عن صَنْعَا وعن عَدَن
أنتم بنو المنعم المجميع وخن بنو ... من فاز منكم بفضل الطّوْل والمنَنِ
وفود العرب تهنئ معد يكرب
قال المسعودي: وأتت معد يكرب الوفود من العرب تهنيه بعَوْدِ الملك إليه وأشراف العرب وزعماؤها، وفيهم عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وخويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي وأبو زَمْعَة جَدُّ أمية بن أبي الصَّلْت الثقفي، وقيل: أبو الصلت أبوه، فدخلوا إليه وهو في أعلى قصره بمدينة صنعاء المعروف بغُمْدَان وهو مُضَمَّخ بالعنبر، وسواد المسك يلوح على مَفْرِقه، بين يديه، وعلى يمينه وشماله الملوك وأبناء الملوك وأبناء المَقَاول.
عبد المطلب يهنى الملك
فتكلمت الخطباء، ونطقت الزعماء، وقد تقدمهم عبد المطلب بن هاشم فقال عبد المطلب: إن اللّه جل جلاله قد أحلك - أيها الملك - مَحَلا رفيعاً، صعباً منيعاً، شامخاً، وأنبتك مَنْبتاً طابت أرومته، وعزت جُرْثُومته، وثبت أصله وَبَسَق فرعه، في أَكرم معدن، وأطيب موضع وموطن، فأنت - أبيت اللعن - رأس العرب ورَبيعها الذي تُخْصِب به، وأنت - أيها الملك - ذروة العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومَعْقلها الذي تلتجئ إليه العباد، سَلَفُكَ خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يخمل ذكر من أنت سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه، أيها الملك، نحن أهل " حرم الله، وسَدَنَة بيته، أشْخَصَنَا إليك الذي أبهجنا من كشف الكرب الذي فَدَحَنَا، ونحن وفد التهنئة، لا وفد المرزئة فقال له الملك: وأيهم أنت أيها المتكلم. قال: أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فقال الملك معدي كرب بن سيف: ابْنُ أختنا؟؛ قال: نعم، قال: أدْنُوه مني، فادني، " ثم أقبل عليه وعلى الوفد، فقال لهم: مرحبأ وأهلا، ونأقة ورَحَلاً، ومَستناخا سهلاً، وملكأ رِبَحْلاً، يعطي عطاء جزلاً، قد سمع مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأتم أهل الليل والنهار، لكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم.
أبو زمعة يهنئه
ثم قام أبو زَمْعَة جد أمية بن أبي الصلت الثقفي، فأنشأ يقول:
ليطلُب الوتر أمثال ابن ذي يزن ... في لجة البحر أحوالا وأحوال
حتئ أتنى ببني الأحرار يحملهم ... تخالهم في سواد الليل أجبال
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن رأيت لهم في الناس أمثال
أرسلت أسداً على سود الكلاب فقد ... أمسى شريدهمُ في الأرض فلاّلا
فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقَاَ ... في رأس غُمْدَان داراً منك محلالاً
ثم اطْلُ بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسْبِل اليوم في بُرْدَيْكَ إسبال
تلك المكأرم لاقَعْبَانِ من لبن ... شِيبَا بماء فعادا بعد أبوالا
ولمعد يكرب بن سيف بن ذي يزن كلام كثير مع عبد المطلب وكوائن أخبره بها في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وبَدْء ظهور، وحَبَا جميع الوفد، وانصرفوا، وقد أتينا على ما كان من أخبارهم في كتابنا أخبار الزمان فأغنى عن إعادته ووصفه.
مقتل معد يكرب

قال المسعودي: وأقام معد يكرب بن سيف بن ذي يزن ملكاً على اليمن، واصطنع عبيداً من الحبشة حرابة يمشون بين يديه بالحراب، فركب في بعض الأيام من باب قصره المعروف بغُمْدَان بمدينهِّ صنعاء، فلما صار إلى رحبتها عطفت عليه الحرابة من الحبشة، فقتلوه بحرابهم، وكان ملكه أربع سنين، وهو آخر ملوك اليمن من قحطان، فعدد ملوكهم سبعة وثلاثون ملكاً وملكوا ثلاثة الاف سنة ومائة وتسعين سنة.
رواية عبيد بن شرية
قال المسعودي: وأما عبيد بن شَرِيَّةَ الجرهمي حين وفد على معاويةْ، وسأله عن أخبار اليمن وملوكها وتواريخ سنيها، فإنه ذكر أن أول ملوك اليمن على حسب ما قدمنا في هذا الباب سبأ بن شجب بن يعرب بن قحطان، ملك مائة سنة وأربعاً وثمانين سنة.
ثم ملك بعده الحارث بن شداد بن ملظاط بن عمرو، مائة وخمساً وعشرين سنة.
ثم ملك بعده أبرهة بن الرائش، وهو أبرهة ذو المنار، مائة وثلاثاً وثلائين سنة.
ثم ملك بعده إفريقس بن أبرهة، مائة وأربعاً وستين سنة. ثم ملك بعده أخوه العبد بن أبرهة، خمساً وأربعين سنة.
ثم ملك بعده الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو، وهو ذو الصرح، سنةً.
ثم ملكت بعده بلقيس بنت الهدهاد، سبع سنين.
ثم ملك سلمان بن داود عليهما السلام، ثلاثاً وعشرين سنة، على حسب ما قدمنا من أمر بلقيس.
ثم ملك بعده رحبعم بن سليمان، سنة.
ثم رجع الملك إلى حمير، فملك من بعد رحبعم بن سليمان ناشر النعم بن يعفر بن عمرو في الأذعار، خمساً وثلاثين سنة، وقد قيل في تسميته ذا الأذعار خبر تأباه العقول، وتنكر النفوس كون مثله في العالم، ويجوز كون ذلك في المقدر وأنه إنما سمن الأذعار لأنه وصل إلى قوم في أقاصي مفاوز اليمن وأرض حضرموت مشوهي الخلقة عجيبي الصورة وجوههم في صدورهم، فلما رأى أهل اليمن ذلك أذْدرهم ما شاهدوا من ذلك، وجزعت منه نفوسهم، فسمي ذا الأذعار، وقيل غير ذلك، والله أعلم بكيفيته.
ثم ملك بعده عمرو بن شمر بن إفريقس، ثلاثاً وخمسين سنة.
ثم ملك بعده تبع الأقران بن عمرو، وهو تبع الأكبر، مائة سنة وثلاثاً وخمسين سنة.
ثم ملك بعده تبع بن ملكيكرب بن تبع خمساً وثلاثين سنة.
ثم ملك بعده تبع بن ملكيكرب بن تبع وهو تبع أبو يكرب أسعد بن ملكيكرب أربعا وثمانين سنة.
ثم ملك بعده كلال بن مثوب، أربعاً وسبعين سنة.
ثم ملك بعده تبع بن حسان بن تبع ثلثمائة سنة وستاً وعشرين سنة.
ثم ملك بعده مرثد، سبعاً وثلاثين سنة.
ثم ملك بعده أبرهة بن الصباح، ثلاثاً وسبعين سنة.
ثم ملك بعده ذو شَنَاتر بن زرعة، ويقال يوسف، ويقال: بلى أسمى عريب بن قطن، تسعاً وثمانين سنة.
ثم ملك بعده لخنيعة، ويعرف بذي الشناتر، أربعاً وثمانين سنة.
فذلك ألف وتسعمائة سنة وسبع وعشرون سنة، وإنما ذكرنا ما حكيناه عن عبيد بن شريةَ في ترتيب ملوكهم، وتباين تواريخ سنيهم، لنأتي على جميع ما قيل في ذلك من التنازع، واللّه ولي التوفيق.
ملك فارس باليمن
ولما قتلت الحبشة معد يكرب بن سيف بن ذي يزن - على حسب ما قدمنا - في الرحبة بحرابهم كان بصنعاء خليفة لوهرز في جماعة من العجم، ممن كان ضمهم وهرز إلى معد يكرب فركب وأتى على من كان هنالك من الحبشة، وضبط البلد، وكتب بذلك إلى وهرز وهو بباب أنو شروان الملك، وذلك بالمدائن من أرض العراق، فأعلم وهرز بذلك الملك، فسيره في البر في أربعة آلاف من الأساورة، وأمره بإصلاح اليمن. وأن لا يبقى على أحد من بقايا الحبشة، ولا على جَعْد قَطَط قد شرك السودان في نسبه، فأتى وهرز اليمن، ونزل صنعاء، فلم يترك بها أحد من السودان ولا من أنسابهم، وملك أنو شروان وهرز على اليمن إلى أن هلك بصنعاء ثم ملك بعده النوشجان بن وهرز إلى أن هلك بها ثم ملك بعده رجل من فارس يقال له سبحان، ثم ملك بعده خرزاد ستَّةَ أشهر، ثم ملك بعده ابن سبحان، ثم ملك بعده المرزبان وكان من أهل بيت مملكة فارس، ثم ملك بعده خرخسرو، وكان مولده باليمن، ثم ملك بعده بآذان ساسان.
ملك اليمن في أبناء إبراهيم

قال المسعودي: فهؤلاء جميع من ملك اليمن من قحطان والحبشة والفرس، وقد ملك اليمن رجلِ من ولد إبراهيم الخليل عليه السلام، وهو يعدُ من ملوك اليمن واسمه هنيبة بن أميم بن بدل بن مدين بن إبراهيم لخليل عليه السلام، وكان له شأن عظيم في ملك اليمن؛وطالت أي أمه ، وذكره امرؤ القيس في شعره فقال:
هنيبة الذي زادت قواه ... على زيد أن إذ حان الزول
تمكن قِائما وبنى طريقاً ... إلى زيدان أعيط لا ينال
ويقَال: إ نِه منتبه بن أميم بن بدل بن لسان بن إبراهيم الخليل.
عاصمة اليمن
وقد كانت ملوك اليمن تنزل بمحينة ظَفَارِ، مثل آل ذي سحر وآل ذي الكلاع وآل ذي أصبح وآل ذي يزن، إلا اليسير منهم فإنهم نزلوا غيرها وكان على باب ظَفَارِ مكتوب بالقلم الأول في حجر أسود:
يوم شيدت ظفار قيل: لمن أنت؟ ... فقالت: لحمير الأخيار
ثم سيلت: من بعد ذأك؟ فقالت: ... إن ملكي للأحْبُش الأشرار
ثم سيلت مَنْ بعد ذاك؟ فقالت: ... إن ملكي لفارس الأحرار
ثم سيلت: ما بعد ذاك؟ فقالت: ... إن ملكي إلى قريش التجار
ثم سيلت: ما بعد ذاك؟ فقالت: ... إن ملكي لحمير وصحار
وقليلا ما يلبث القومُ فيها ... منذ شيدت مشيدها للبوار
من أسودٍ يلقيهمُ البحر فيها ... تشعل النار في أعالي الديار
وهذا خبر عن ملوك تداولوها، أخبروا عن ملكهم قبل كونه، فتداولتها هذه الملوك على حسب ما وصفناه، وينتظر في المستقبل من الزمان ما ذكرنا من وقود النيران في أعالي الديار، وعند أهل اليمن ديارهم سيغلب عليها الأحابش في آخر الزمان بعد هَنَات وكوائن وأحداث وبُعِثَ النبي صلى الله عليه وسلم وعلى اليمن عُمّال كسرى، ثم غلب الإسلام فظفر بحمد اللّه.
وقد أتينا على أخبار من ذكرن من الملوك، وسيرهم، ومطافاتهم في البلاد وحروبهم، وأبنيتهم في سائر مطافاتهم، في الكتاب الأوسط،فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الباب.
مساحة اليمن وحدوده
وبلد اليمن طويل عريض: حده مما يلي مكة إلى الموضع المعروف بطلحة الملك سبع مراحل، ومن صنعاء إلى عدن - وهو أخر عمل اليمن تسع مراحل، والمرحلة من خمسة فراسخ إلى ستة، والحد الثاني من وأدى وحا إلى ما بين مَفَاوز حضرموت وعمان عشرون مرحلة، ويلي الوجه الثالث بحر اليمن على ما ذكرنا أنه بحر القلزم والصين والهند، فجميع ذلك عشرون مرحلة في ست عشرة مرحلة.
وأسماء ملوك اليمن كذي يزن وذي نُوَاس وذي منار وغير ذلك مضافه إلى مواضع وإلى أفعال لهم وسير وحروب وغير ذلك، وهي سِماتٌ لهم تميزهم عن غيرهم، وتبين كل واحد منهم عن غيره من ملوكهم.
وإذِ قد ذكرنا جوامع من أخبار اليمن وملوكها فلنذكر الآن ملوك الحيرة من بني نصر وغيرهم، للحوقهم باليمن، ثم نعقب ذلك بملوك الشام وغيرهم من المَلوك، إن شاء اللّه تعالى.
ذكر ملوك الحيرة من بنى نصر وغيرهم
جذيمة ابوضاح ومقتله
ولما هلك جَذِيمة الوَضاح وأتت عليه الزَبَّاء بنت عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر، وقد كان ملك من مشارق الشام إلى الفرات من قبل الروم، وكانت داره بالموضع المعروف بالمضيق، بين بلاد الخانوقة وقرقيسيا، وقد كانت الزباء تملكت بعد أبيها، وأطمعت جَذِيمة في نفسمها إلى أن قتلته، وأقام جذيمة ملكاً في زمن ملوك الطوائف خمساً وتسعين سنة، وفي ملك أردشير بن بابك وسابور الجنود بن أردشير ثلاثاً وعشرين سنة؛ فكان ملكه مائة وثمان عشرة سنة، وكان يكنى بأبي مالك، وفيه يقول بعض شعراء الجاهلية وهو سُويد بن أبي كاهل اليشكري:
أن أذُقْ حَتْفِي فقبلي ذاقَهُ ... طسم عاد وجديس ذوالشنع
وأبو مالكٍ القَيْل ُالذي ... قتلته بنت عمرو بالخدع
مْالك بن فهم

وكان الملك قبل جذيمة أباه، وهو أول من ملك الحيرة، واللّه أعلم، وكان يقال له مالك بن فَهْم بن دوْس بن الأزد بن الغَوْث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان سار من اليمن مع ولد جَفْنة بن عمرو بن عامر مزَيْقياء، فسار بنو جَفْنة نحو الشام، وانفصل مالك نحو العراق فملك على مضر بن نزار اثنتي عشرة سنة، ثم ملك بعده ابنه جذيمة على ما ذكرنا.
عمرو بن عدي
ثم ملك بعد جذيمة ابن أختِهِ عمر وبن عدي بن نصر بن ربيعه بن الحارث بن مالك بن غنم بن نمارة بن لخم، وهو أول من نزل من الملوك الحيرة واتخذها منزلاً ودار ملكٍ، وإليه تنسب الملوك النصرانية، وهم ملوك الحيرة؛فكان ملك عمرو عدي ابن أخت جذيمة مائة سنة.
قصة عمرة بن عدي
قال المسعودي: وقد ذكر غير واحد ممن عني بأخبار العرب وأي أمه ا أن جَذِيمة أول من ملك من قُضَاعة، وهو جذيمة بن مالك بن فَهْم التَّنُوخي، وأنه قال ذات يوم لندمائه: لقد ذكر لي عن غلام من لخم، في أخواله من إياد، له ظَرْفٌ وأدب، فلو بعثتَ إليه فولَّيته كأسي والقيام على رأسي لكان الرأي، قالوا: الرأي ما رأى الملك، فليبعث إليه، ففعل، فلما قدم عليه قال: من أنت؟ قال: أنا عدي بن نصر بن ربيعه، فولاه مجلسه، فعشقته قاش ابنة مالك أخت الملك، فقالت: يا عدي، إذا سقيت القوم فامْزُج لهم، وَغدق للملك، فإذا أخَذَتَ الخمر منه فاخطبني منه فإنه يزوجك، فأشْهِدِ القوم إن فعل، ففعل الغلام ذلك وخطبها وزوجها به، فأشهد عليه، وانصرف الغلام إليها فأنبأها، فقالت: عَرِّسْ بأهلك، ففعل، فلما أصبح غدا متضرجاً بالخلُوق، فقال !له جَذِيمة: ما هذه الآثار يا عدي؟. قال: اثار العرس، وقال: وأي عرس؟. قال: عرس رقاش فَنَخَرَ وأكبّ على الأرض، ورفع علي جراميزه، وهرب وأسرع جذيمة في طلبه، فلم يجده، وقال بعضهم: بل قتله، وبعث إليها يقول:
حَدِّثيني رَقَاش ل اتكذبيني ... أبحرِّ زنيت أم بهجين.
أم بعبدٍ فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون؟
؛ فأجابته رقاش تقول:
إنْتَ زَوّجتني وَما كُنْتُ أدري ... وأتاني النساء للتزيين
ذاك من شُرْبِك المدامة صِرْفاً ... وتماديك في الصبا والمُجُون
فنقلها جَذِيمة إليه، وحَضَنها في قصره، فاشتملت على حمل، وولدت غلاماً فسمته عمراً، ووشحته، حتى إذا ترعرع حَلَّته وعطرته وألبسته كسوة فاخرة، ثم أزارته خاله، وألقيت عليه منه محبة ومودة حتى إذا خرج الملك في سنة مُكْلئة قد أكمأت، فبسط له في رَوضَة، وخرج عمرو في غلمة يجتنون الكمأة، فكانوا إذا أصابوا كمأة طيبة أكلوها، وإذا أصابها عمرو خَبَأها، ثم أقبلوا يتعادون وعمرو يتقدمهم، ويقول:
هذا جَنَايَ وخياره فيه ... إذ كل جانٍ يده! إلى فيه
قصة نديمي جذيمة
فالتزمه جذيمة وحَبَاه، ثم إن الجن استطارته، فضرب له جذيمة في الافاق زمانا، فلم يسمع له بخبر فكف عنه إذ أقبل رجلان يقال لأحدهما: مالك، وللآخر: عقيل، ابنا فالج، وهما يريدان الملك بهدية، فنزلا على ماء، ومعهما قَيْنة يقال لها أم عمرو، فنصبت لهما قدراً، وأصلحت لهما طعاماً، فبينما هما يأكلان إذ أقبل رجل أشعث أغبر الرأس قد طالت أظفاره وساءت حاله، حتى جلس مَزْجَرَ الكلب، ومدَّ يده، فناولته القينة طعاماً، فأكل، فلم يغن عنه شيئَاَ، فمدَ يده، فقالت القينة: إن تعط العبد كُرَاعاً طلب ذراعاً، فأرسلتها مثلاً، ثم ناولت صاحبيها من شرابها، وأوكت زِقَّها، فقال عمرو بن عدى!:
علَت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأْسُ مجراها اليمينا
وما شَرُّ الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لاتصبحينا

فقال له الرجلان: من أنت؟ فقال: إن تنكراني فلن تنكرا حسبي، أنا عمرو بن عدي؛ فقاما إليه فلثماه، وغسلا رأسه، وقلما أظفاره، وقصَّرا من لمتّه، وألبساه من طرائف ثيابهما، وقالا: ما كنا لنهدي إلى الملك هدية هي أنفس عنده ولا هو عليها أحرص من ابن أخته، قدرده اللّه إليه، فخرجا به، حتى إذا وقفا على باب الملك بشَراه به فسر به وصرفه إلى أمه ، وقال لهما: حُكْمَكما، فقالا: حكمنا منادمتك ما بقيت وبقينا، قال: ذلك لكما، فهما نَدْمَانا جَذيمة المعروفان، وإياهما عني متمم بن نويرة اليربوعي في مرثيته لأخيه مالك حين قتله خالد بن الوليد بن المغيرة يوم البطاح:
وكنا كندماني جذيمة حقبةً ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدَّعَا
فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وقال أبو خراش الهذلي:
ألم تعلمي أن قد تَفرَّقَ قبلنا ... خليلا ًصفاء مالك وعقيل
وإنّ أم عمرو عمدت إليه، فبعثت معه حَفدَة يقومون عليه في الحمام، حتى إذا خرج ألبسته من طرائف ثياب الملوك، وجعلت في عنقه طوقاَ من ذهب لنذر كان عليها، ثم أمرته بزيارة خالة، فالما رأى خاله لحيته والطوق في عنقه قال: شَبّ عمرو عن الطوق، وأقام عمرو مع جذيمة خاله قد حمل عنه عامة أمره.
بين الزباء وجذيمة
وإن الزباء ابنة عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر ملكة الشام والجزيرة من أهل بيت عاملة من العماليق كانوا في سليح، وقال بعضهم: بل كانت رومية، وكانت تتكلم بالعربية، مدائنها على شاطىء الفرات من الجانب الشرقي والغربي، وهي اليوم خراب، وكانت - فيما ذكر - قد سقفت الفرات وجعلت من فوقه أبنية رومية وجعلته أنقابا بين مدائنها، وكانت تغزو بالجنود قبائل فخطبها جذيمة الأبرش، فكتبت إليه: إني فاعلة، ومثلك من يُرْغَبُ فيه، فإذا شئت فاشْخَصْ إلي، وكانت بكرا، فجمع عند ذلك جذيمة أصحابه، فاستشارهم، فأشاروا عليه بالمضيِّ، وخاللهم قصير بن سعد تابع كان له من لَخْم، فأمره أن لا يفعل، ويكتب إليها، فإن كانت صادقة أقبلت إليك، وإلا لم تقع في حِبَالها، فعصاه وأطاعهم وسار حتى إذا كان ببقّة - من دون هَيْتَ إلى الأنبار - جمعهم وشاورهم فأمروه بالشخوص إليها لما علموا من رأيه في ذلك، وقال القصير: تنصرف ودمُكَ في وجهك،، فقال جذيمة ببَقةَ قضي الأمر، فأرسلها مثلا، وقال قصير بن سعد حين رآه قد عزم، لا يطاع لقصير أمر، فأرسلها مثلاً، وظعن جذيمة، حتى إذا عاين مدينتها - وهي بمكان دون الخانوقة - ونظر إلى الكتائب من دونها، فهاله ما رأى، فقال: أي قصير، ما الرأي؟ فقال قصير: إني تركت الرأي ببقة، فقال عند ذلك: أشِرْ علي، فقال: إن لقيتك الكتائب فحيتك بتحية الملك وانصرفوا أمامك فالمرأة صادقة، وإن هم أخذوا بجنبيك ووقفوا دونك فالقوم منعطفون عليك فيما بينهم وبين جنوهم، فاركب العَصا فإنها لا تحرك ولا تسبق، يعني فرساً كانت جنبت معه، فط ستقبله القوم وأحاطوا به، فلم يري العصا، فعدد إليها قصير فركبها وحمل وانطلق، فالتفت جذيمة فإذا هو بالعصا عليها قصير أمام خيلهم حتى توارت به، فقال جذيمة: ما ضل مَنْ تجري به العصا، فأدخل على الزباء فاستقبلته وقد كشفت عن كَبَعْثَاتِهَا أي عفلها وتنظفت باستها، وقالت: يا جذيمة، أيّ متاع عروس ترى؟ قال: أرى مَتَاع امَةٍ غير ذات خَفَرٍ، فقالت: أما واللهّ ما ذاك من عدم مَوَاس، ولا قلة أواس، ولكن شيمة ما أناس، ثم أجلسته على نطَع، ودعت له بطست من عسجد، فقطعت رَوَاهِشه واستنزفته، حتى إذا ضعفت قواه ضرب بيده فقطرت قطرة من دمه على دعامة من زخام، وقد قيل لها: إنه إن وقع من دمه قطرة في غير طَسْت طلب بدمه، فقالت: أي جذيمة؛لا تضيعن من دمك شيئاً، فإني إنما بعثت إليك لأنه بلغني أن لدمك شفاء من الخبل، فقال جذيمة: وما يُحْزنكِ من دم أضاعه أهْلُه إ؛ وفي ذلك يقول البعيث:
من الدأرميين الذين دماؤهم ... شفاء من الداء المجنة والخبل

واستصفت دمه، وجعلته في برنية، وقال بعضهم: دخل عليها جذيمة في قصر لها ليس فيه إلا الجواري، وهي على سريرها، فقالت للإماء: خُذْنَ بيد سيدكن، ثم دعت بنطع فأجلسته عليه فعرف الشر وكشفت عن عورتها فإذا هي قد عقدت شعر استها من وراء؛فقالت: أشَوَارَ عروس ترى؟ فقال: بل شوار أمه بظراء، فقالت: أما والله ما ذاك من عدم مَوَاس، ولا قلة أواس، ولكنها شيمة ما أناس، ثم أمرت بِرَوَاهشة فقطعت، فجعل دمه يشخب في النِّطع كراهة أن يفسد مقعدها، فقال جذيمة: لا يحزنك دَمٌ أراقه أهله.
عمرو بن عدي يأخذ بثأر خاله
ونجا قصير، فأورد الخبر على عمرو بن عبد الجن التنوخي بالحيرة، فأشفق لذلك، فقال له قصير: اطلب بثأر ابن عمك، وإلا سبَّتْك العرب، فلم يحفِل بذلك، فخرج قصير إلى عمرو بن عدي، فقال له: هل لك في أن أصرف الجنود إليك على أن تطلب ثأر خالك؟. فضمن له ذلك، فصرف وجوه الجنود إليه، ومناهم بالمال والحال، فانصرف إليه منهم بَشَرٌ كثير، فالتقى هو والتنوخي، فلما خافوا الفناء تابعه التنوخي، وتم الأمر لعمرو بن عدى، فقال له قصير: انظر ما وعدتني به في الزباء، فقال عمرو: وكيف لنا بها وهي أمنع من عُقَاب الجو؟؛ فقال: أما إذ أبيت فإني جادع أنفي وأذني ومحتال لقتلها جهدي، فأعِني وَخَلاك ذم، فقال له عمرو: أنت أبصر، وعلئَ مَعُونتك، فجدَعَ أنفه، فقيل: لأمر ما جدع قصير أنفه، ثم انطلق حتى دخل على الزباء، فقالت: من أنت؟ فقال: أنا قصير، لا ورب المشارق ما كَان على وجه الأرض بَشَر كان أنصح لجذيمة ولا أغش لك مني، حتى جدع عمرو بن عدي أنفي وأذني، فعرفْتُ أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه مني معك، فقالت: أي قصير، نقبل منزلتك ونصرفك في بضائعنا، فأعطته مالا للتجارة، فأتى بيت مال الحيرة، فاستخفَّ ما فيه بأمر عمرو بن عدي، وانصرف به إليها، فلما رأت ما جاءها به فرحت بذلك، وزادته ما لا إلى ما جاء به، وقال: إنه ليس من ملك إلا وهم يتخنون في مدائنهم أنقابا تكون لهم عدداً، فقالت له: أما إني قد فعلت ذلك، قد نقبت سَرَباً وبنيته من تحت سريري هذا حتى أخرج من تحت الفرات إلى سرير أختي رحيلة ففرح بذلك قصير، ثم ظعن حتى أتى عمراً، فركب عمرو في الذي رجل على ألف بعير في الصناديق، حتى صار إليها، فتقدم قصير وسبق الأبْعِرَةَ، فقال لها: اصعدي حائط مدينتك. وانظري إلى مالك، وتقدمي إلى بوابك فلا يتعرض لشيء من أموالنا، فإني قد جئت بمال صامت. وكانت قد أمنته، فلم تكن تخافه وصعدت وفعلت ما أمرها، فلمال نظرت إلى ثقل مشي الجمال قالت:
ما للجمال مشيها وئيدا ... أجَنْدَلا يحملن أم حديدا
أم صَرَفَانأ بارداً شديدا ... ام الرجالَ جُثَّماَ قعودا
ودخلت الإِبل المدينة، حتى إذا بقي آخرها جملاً عِيلَ صَبْر البواب، فطعن بمنخسة كانت في يدىِ خاصرة رجل فضرط، فقال البواب: بشتابشتا، وهي بالنبطية أي: في الجوالق شر، وثار الرجال من الجوالق ضرباً بأسيافهم، فخرجت الزباء هاربة إلى سَرَبها، فأبصرت قصيراً عند نفقها مُصْلتاً سيفه، فانصرفت راجعة، وتَلَقَاها عمرو بن عدي، فضربها وقال بعضهم: مصت خاتمها، وكان فيه سم ساعة، !وقالت: بيدي لا بيد عمرو، وخربت المدينة، وسبيت الفراري، فقالت الشعراء في أمرها وأمر قصير فأكثرت ؛ فمن ذلك قول المتلمس:
ومن طَلَب الأوْتَار ماحزَ أنفه ... قصير، ورام الموت بالسيف بَيْهَس
نَعَامَةً لما صَرَّع القوم رهطه ... تبين في أثوابه كيف يلبس
ومن ذلك قول عدي بن زيد التميمي يصف ذلك من أمرهم:
ألا يأيها الملك المرجَّىِ ... ألم تسمع بخطب الأولينا
دعا بالبقَة الأمراء يوماَ ... جذيمةُ عام ينجوهم ثُبِبنَا
وطاوع أمرهم، وعصا قصيراًوكان يقول لو وقع اليقينا
لخطبته التي غدرت وخانت ... وهُنً فوات غائلة، لُحِينَا
مع أشعار كثيرة قيلت في ذلك.
وكانت الزباء لا تأتي حصناً إلا ضفرت شعر استها من خلفه، ثم تقاعست فتقلعه، حتى فعلت ذلك بمارد - حصن دُومِة الجندل - وبالأبلق - حصن تيماء - حصنين منيعين، فقالت: تمرد مارد وعز الأبلق فذهب مثلا، وهما الحصنان اللذان تذكرهما العرب في أشعارها كثيراً، قال الأعشى في ذلك:

بالأبلق الفرد من تيماء منزلُه ... حصنٌ حَصِين وجار غير غَدًار
ِوجذيمة الوضاح الذي يقول فيه:
ماست مودعة الحديث فمنجِدٌ منهمْ وغائما
أن تاه إحدى ُذو رعين لنا وأحوى ذو أباعر
والملك كان لذي نَوَا ... س حوله من ذي بحائر
بالسابغات وبالْقَنَا ... والبيض تبرق والمغافر
أزمان عملاق وفيهم منهمُ بادٍ وحاضر
وإنما سمي جذيمة الأبرش الوضاح لأنه كان به بَرَصٌ، فكنى عنه إعظاماً له قال المسعودي: هذا بدء خبر بني عدي، وقد قدمنا أن مدة ملكه كانت مائة سنة.
بقية ملوك الحيرة
وملك بعده ولده امرؤالقيس بن عمروبن عدي ستين سنة.
وملك بعده عمر وبن أمرىء القيس، وهو محرق العرب خمساً وعشرين سنة، وكانت أمه مارية البرية أخت ثعلبة بن عمرو من ملوك غسان.
وملك النعمان بن أمرىء القيس قاتل الفرس خمساً وستين سنة، وكانت أمه الهيجمانة بنت سلول من مراد، ويُقال: من إياد.
وملك المنزر بن النعمان ابن أمرىء القيس خمسأ وعشرين سنة، وكانت أمه الفراسية بنت مالك بن المنزر، من آل نصر.
وملك النعمان بن المنزر فارس حليمة، وهو الذي بنى الخَوَرْنَقَ وكَرْعَسَ الكراديس خمساً وثلاثين سنة، وكانت أمه هند بنت زيد مَنَاةَ من ال غسان.
وملك الأسود بن النعمان؛ عشرين سنة، وكانت أمه هند بنت الهيجمانة، من آلى نصر.
وملك المنزر بن الأسود بن النعمان بن المنزر أربعاً وثلاثين سنة، وكانت أمه ماء السماء بنت عوف بن النمر بن قاسط بن هيت بن أفصى بن دعمى بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعه بن نزار، وإنما سميت ماء السماء لحسنها وجمالها.
ثم ملك بعده عمرو بن المنزر، أربعاً وعشرين سنة، وكانت أمه حليمة بنت الحارث من آل معد يكرب.
وملك المنزر بن عمرو بن المنزر، ستين سنة، وكانت أمه أخت عمرو بن قابوس من آل نصر.
ثم ملك قابوس بن المنزر ثلاثين سنة، وكانت أمه هند بنت الحارث، من آل معاوية بن معد يكرب.
وملك النعمان بن المنزر، وهو الذي يقال له: أبيت اللعين! اثنتين وعشرين سنة، وكانت أمه سلمى بنت وائل بن عطية من كلب.
بين النابغة والنعمان
وذكر عدة من الأخباريين أن النابغة استأذن على النعمان يوماً، فقال له الحاجب: إن الملك على شَرَابه، قال النابغة: فهو وقت المَلَقِ، تقبله الأفئدة، وهو جَذِل للرحيق والسماع، فإن تلج تلق المجد عن غرر مواهبه، فأنت قسيم ما أفدت، قال له الحاجب: ما تفي عنايتي بدون شكرك، فكيف أرغب فيما وصفت وعون ما طلبت رهبة التعدي؟. فهل من سبب؟ قال النابغة: ومن عندي؟ قال الحاجب: خالد بن جعفر الكلابي نديمُهُ، فقال النابغة: هل لك إلى أن تؤدي إلى خالد عني ما أقول لك؟؛ قال: وما هو؟ قال: تقول إن من قدرك وفاء الدرك بك وناحيتي من الشكر ما قد علمت، فلما صار خالد إلى بعض ما تبعثه موارد الشراب عليه نهض، فاعترضه الحاجب، فقال: ليهنك أبا البَسّام حادث النعيم، قال: وما ذاك؟ فأخبره الخبر، وكان خالد رفيقاً، يأتي الأشياء بلطف وحسن بصيرة، فدخل مبتسماً، وهو يقول:
إلا لمثلك أو من أنت سابقه ... سَبْق الجواد إذا استولى على الأمد
واللات لكأني أنظر إلى أملاك ذي رُعَيْنِ، وقد مدت لهم قضبان المجد إلى معالم أحسابكم، ومناقب أنسابكَم، في حَلْبة أنت - أبيت اللعن! - غُرَّتها فجئت سابقا متمهلأ، وجاءوا لم يلم لهم سعي، قال النعمان: لأنت في وصفك أبلغ إحساناً من النابغة في نظام قافيته، فقال خالد: ما أبلغ فيك حسنأ إلا وهو دون قدرك استحقاقاً للشرف الباهر، ولو كان النابغة حاضرأ لقال وقلنا، فأمر النعمان بإدخاله، فخرج إليه الحاجب، فقال النابغة: ما وراءك فقال: قد أذنت بفتح الباب، رفع الحجاب، ادخل، فدخل ثم انتصب بين يديه، وحياه بتحية الملك، وقال: أبيت اللعن! أتفاخَرُ وأنت سائس العرب، وغرة الحسب، واللاتِ لأمسُك أيْمنُ من يومه، ولَقَفَاكَ أحسن من وجهه، ولَيَسَارك أسمع من يمينه، ولَوَ عدُك أصلح من رِفدِه، ولعبيدك أكثر من قومه، ولأسْمُك أشهر من قدره، ولنفسك أكبر من جده، وليومك أشرف من دهره، ثم قال:
أخلاق مجدك جلت ما لها خطر ... في الجود والبأس بين العلم والخبر

مُتَؤج بالمعالي فوقَ مَفْرِقِهِ ... وفي الوَغَى ضَيْغئم في صورة القمر
فتهلل وجه النعمان بالسرور، ثم أمر فحشي فُوهُ جوهراً، ثم قال: بمثل هذا فلتمدح الملوٍك.
بين النعمان وزيد بن عدي وكسرى
وقد كان النعمان قَتَلَ عدي بن زيد العباعي، وكان يكتب لكسري أبرويز بالعربية، ويترجم له إذا وفد عليه زعماء العرب؛لموجدة وجدها عليه النعمان، في خبر طويل الشرح، فلما قتل صار زيد بن عدي ابُنه مكان أبيه، فذكر لأبرويز جمال نساء آل المنزر، ووصفَهن له، فكتب إلى النعمان يأمره أن يبعث إليه بأخته، فلما قرأ النعمان كتابه، قال للرسول - وهو زيد بن عدي - : يا زيد، أما لكسرى فيمَهَا السواد كفاية حتى يتخطى إلى العربيات؟ فقال زيد: إنما أراد الملك إكرامك - أبيت اللعن! - بصهرك، ولو علم أن ذلك يشق عليك لما فعله، وسأحسن ذلك عنده، وأعذرك بما يقبله، فقال له النعمان: فافعل، فقد تعرف ما على العرب في تزويج العجم من الغضاضة والشناعة، فلما انصرف إلى كسرى أخبره أنه رغب عنه فأدى إليه قوله في مَهَا السواد على أقبح الوجوه، وَأوْجدَهُ عليه، وقال: المها؟ فقال: البقر، فأخذ عليه وقال: رب عبد قد صار في الطغيان إلى أكثر من هذا، فلما بلغت كلمته إلى النعمان تخوفه، فخرج هارباً حتى صار إلى طيىء، لصهر كان له فيهم، ثم خرج من عنهم حتى أتى بني رَوَاحَة بن ربيعه بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس، فقالوا له: أقم معنا فأنا مانعوك مما نمنع منه أنفسنا، فجزَاهم الخير، ورحل عنهم يريد كسرى ليرى فيه رأيه، وذلك قول زهير بن أبي سُلْمى:
ألم ترَ للنعمان كَانَ بِنَجْوَة ... من الدهر لو أن امرأً كَانَ نَاجِيَا
فغير عنه ملك عشرين حجة ... من الدهر يَومٍ واحد كان غَاوِيَا
فلم أرمسلوباً له مثل ملكه ... أقَل صديقا معطياً أو مُوَاسِيَا
خَلاَ أن حياً من رَوَاحَة حافظوا ... وكانوا أنَاساً يَتَقُونَ المَخَازِيا
يسيرون حتى جَيّشوا عند ثَارِهِ ... هِجَانَ المطايا و العتاق المَذَاكِيَا
فَجَازَاهُمُ خيرأ وأثنى عليهِمُ ... وودَّعهم توديع أنْ لاَ تَلاقِيا
وأقبل النعمان حتى أتى المدائن، فَصًص له كسرى ثمانية آلاف جارية عليهن المصبغات صفين، فلما صار النعمان بينهن قلن له: أما فينا للمك غِنًى عن بقر السواد ا؛ فعلم النعمان أنه غير ناج منه، ولقيه زيد بن عدي، فقال له النعمان: أنت فعلت هذا بي، لئن تخلصت لأسقينك بكأس أبيك، فقال له زيد: امض نُعَيْمُ، فقد أخيْتُ لك أخِيَّةً لا يقطعا المهر الأرِنُ، وأمر كسرى بالنعمان، فحبس بساباط المدائن، ثم أمر به فرمي تحت أرْجُل الفِيَلَةِ، وقال بعضهم: بل مات في محبسه بساباط، وقد ذكرت ذلك الشعراء فأكثرت؛ فمن ذلك قول الأعشى وأجاد:
ولا الملك النعمان يَوْمَ لقيته ... بغبطته يعطي الصكاك ويرفق
ويجبى إليه المسلمون، وعنده ... صريعون في أنهارها وَالْخَوَرْنَق
ويقسم أمر الناس يَوْمأ وليلة ... وهم ساكتون والمَنِيَّة تنطق
فذاك، وما أنجى من الموت ربه ... بساباط حتى مات وهو محزرق
وقال هانىء بن مسعود الشيباني:
إن ذا التاج، لا أباً لك، أضحى ... في الورى رأسه تخوت الفيول
إن كسرى عَدَا على الملك النعمان حتى سقاه من البليل
ومما رثى به النعمان:
لم تبكه هند ولا أختها ... خرقاء، واستعجم ناعيه
بين فيول الهند تخبطْنَهُ ... مختبطاً تَدْمى نواحيه
وقد كان النعمان حين أراد المضي إلى كسرى مستسلماً مر على بني شيبان فأودعهم سلاحه وعياله عند هانى بن مسعود بن هانى السيباني، فلما أتى كسرى على النعمان بعث إلى هانى بن مسعود، وطالبه بتركته، فامتنع، وأبى أن يخفر الذمة، فكان ذلك السبب الذي أهاج حرب في قار، وقد أتينا على ذلك في الكتاب الأوسط فأغنى عن إعادته هنا.
بنت ألنعمان عند سعد بن أبي وقاص

وقد كانت حرقة بنت النعمان بن المنزر إذا خرجت إلى بِيعَتِهَا يفرش لها طريقها بالحرير والديباج، مغشى بالخز والوشي، ثم تقبل في جواريها حتى تصل إلى بيعتها، ويرجع إلى منزلها، فلما هلك النعمان نكبها الزمان، فأنزلها من الرفعة إلى الذلة، ولما وفد سعد بن أبي وَقَاصٍ القادسية أميراً عليها لما هزم اللّه الفرس وقتل رُسْتُم، فأتت حرقة بنت النعمان في حفدة من قومها وجواريها وهن في زيها عليهن المسوح والمقطعات السود، مترهبات تطلب صلته، فلما وقفن بين يديه أنكرهن سعد، فقال: أفيكن حرقة؟. قالت: ها أنا ذِهِ، قال: أنت حرقة؟. قالت: نعم، فما تكرارك في استفهامي؟ ثم قالت: إن الدنيا دار زول. ولا تدوم على حال، تنتقل بأهلها انتقالا، وتُعْقِبهم بعد حال حالاً، كنا ملوك هذا المصر يُجْبَى لنا خراجه، ويطيعنا أهله مدى المدة زمان الدولة، فلما أدبر الأمر وانقضى صاح بنا صائح الدهر، فصدع عصانا وشَتَّت شملنا، وكذلك الدهر يا سعد، إنه ليس يأتي قوماً بمسرة إلا ويعقبهم بحسرة، ثم أنشأت تقول:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة ليس نعرف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تاراتٍ بنا وتصرف
فقال سعد: قاتله الله عدي بن زيد، كأنه ينظر إليها حيث يقول:
إن للدهر صولة فَاحْنَرَنْهَا ... لا تبيتنَ قد أمنت الدهور
قد يبيت الفتى مُعَافىً فيرى ... ولقد كان آمناً مسرورإ
قال: فبينا هي واقفة بين يدي سعد إذ دخل عمرو بن مص يكرب، وكان زَؤَاراً لأبيها في الجاهلية، فلما نظر إليها قال: أنت حرقة؟ قالت: نعم، قال: فما دَهَمَكِ فأذهب محمودات شيمك، وأين تتابع نعمتك وسطوات نقمتك؟ فقالت: يا عمرو، إن للدهر لسطوات وعثرات وعبرات، تعثر بالملوك وأبنائهم، فتخفضهم بعد رفعة، وتفردهم بعد منعة، وتذلهم بعد عزة، إن هذا لأمر كنا ننتظره، فلما حل بنا لم ننكره. قال: فأكرمها سعد، وأحسن جائزتها، قلما أرادت فراقه قالت: حتى أحييك بتحيه ملوكنا بعضهم لبعض، لا نَزَعَ اللّه من عبد صالح نعمة إلا جعلك سبباً لردها عليه! ثم خرجت من عنده فلقيها نساء المدينة، فقلن لها: ما فعل بك الأمير؟ قالت: حاط لي ذمتي، وأكرم وجهي، إنما يكرم الكريمَ الكريمُ.
وسنذكر خبر هند بنت النعمان مع المغيرة بن شعبة أيام إمرته على الكوفة، فيما يرد من هذا الكتاب، عند ذكرنا لأخبار معاوية بن أبي سفيان.
قال أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي: فهؤلاء ملوك الحيرة إلى أن ظهر الإِسلام، فأظهره الله، وأذل الكافرين، فجميع من سَمَّيْنا من هؤلاء الملوك من ولد عمرو بن عدي بن أخت جذيمة الأبرش، على حسب ما قدمنا آنفاً في صدر هذا الباب، ثم جاء الإسلام وملكُ الفرس وكسرى أبرويز بن هرمز، فمّلكَ على العرب بالحيرة إياسَ بن قَبيصة الطائي، فكان ملكه تسع سنين، ولثمانية أشهر، مَضَتْ من ملك إياس، كان مبعث رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم، ثم ملك الحيرة جماعة من الفرس، وقد كان قبل عمرو بن عدي ملوك على الحيرة على حسب ما ذكرنا، وكان عدة الملوك بالحيرة ثلاثة وعشرين ملكاً من بني نصر وغيرهم من العرب والفرس؛وكان عدة ملكهم ستمائة سنة واثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر، وقد قيل: إن عُمْرَان الحيرة وبدوه إلى أن خرجت في وقت بناء الكوفة، كان خمسمائة سنة وبضعاً وثلاثين سنة.
خراب الحيرة
قال المسعودي: ولم يزل عُمْرانها يتناقص من الوقت الذي ذكرنا إلى صدر من أيام المعتضد، فإنه استولى عليها الخراب، وقد كان جماعة من خلفاء بني العباس - كالسفاح، والمنصور، والرشيد، وغيرهم - ينزلونها يَصِلُون المقام بها لطيب هوائها، وصفاء جوهرها، وصحة تربتها، وصلابتها، وقرب الخورنق، والنجف منها، وقد كان فيها ديارات كثيرة فيها رهبان، فلحقوا بغيرها من البلاد، لتداعي الخراب إليها، وأقفرت من كل أنيس في هذا الوقت ليس بها إلى الصدَى والبُوم، وعند كثير من أهل الدراية التامة بما يحدث في المستقبل من الزمان: أن سَعدها سيعود بالعمران، وأن هذا النحس عنها سيزول؛ وكذلك الكوفة.

قال المسعودي: ولمن سمّينا من ملوك الحيرة أخبار وسير وحروب قد أتينا على ذكرها وَالغُرَورِ من مبسوطها في كتابنا أخبار الزمان، وفيما بعد من هذا الكتاب فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الباب.
ذكر ملؤك الشام من اليمن من غسان وغيرهم من الملوك
أول ملوك الشام
كان أول من ملك الشام من اليمن فالغ بن يغور.
ثم ملك بعده يوتاب، وهو أيوب بن رزاح، وقد ذكر الله عز وجّل في كتابه ما كان من خبره على لسان نبيه، وما اقتص من أمره، ثم غلبت الروم على ديارها، فتفرقوا في البلاد، وكانت قُضَاعة بن مالك بن حمير أول مي نزل الشام، وانضافوا إلى ملوك الروم، فملكوهم بعد أن دخلوا في النصراينة على من حوى الشام من العرب.
تنوخ ونسبها
وكان أول من ملك من تَنُوخَ النعمان بن عمرو بن مالك، ثم ملك بعده عمرو بن النعمان بن عمرو، ثمِ ملك بعده الحواري بن النعمان، ولم يملك من تَنُوخَ إلا من ذكرنا، وهو تنوخُ بن مالك بن فَهْم بن تَيْم اللات بن الأزد بن وَبْرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير.
وقد تنوزع في قضاعة: أمن معد كان أم من قحطان؟ فقضاعة تأبى أن تكون من معد، وتزعم أنها من قَحْطَان، على ما ذكرنا.
وقد قيل في نسب قضاعة واتصالها بحمير غير ما ذكرنا من النسب.
سليح ونسبها
ثم وردت سليح الشام فغلبت على تَنُوخَ، وتنصرت فملَكتها الروم على العرب الذين بالشام، وهم ولد سليح بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة، فاستقام ملك سليح بالشام، وتفرقت قبائل العرب لما كان بمارب وقصة عمرو بن عامر مزيقياء؛فسارت غسان إلى الشام وهم من ولد مازن، وذلك أن الأزد بن الغَوْث بن نَبْت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ولد مازن، وإليه ترجع جميع قبائل غسان، وإنما غسان ماء شربوا منه فسموا بذلك وهو ما بين زبيد ورمع، وادي الأشعريين بأرض اليمن وفي ذلك يقول حسان بن ثابت الأنصاري:
إمَا سألتِ فإنَا معشر نُجُب ... الأزد نسبَتُنَا، وَالمَاءُ غسان
وسنذكر بعد هذا الموضع خبر عمرو بن عامر مزيقياء، وخبر سيل العَرِم، وتفرقهم في البلاد، وخبر الماء المعروف بغَسَّان، وقد ذكر أن عمرو بن عامر حين خرج من مأرب لم يزل مقيماً على هذا الماء إلى أن أدركه الموت، وكان عمره ثمانمائة سنة: أربعمائة سوقةً، وأربعمائة ملكاً.
ملوك غسان على الشام
وغلبت غسان على من بالشام من العرب، فملكها الرومُ على العرب، فكان أول من ملك من ملوك غسان بالشام: الحارث بن عمرو بن عامر بن حارثة بن أمرىء القيس بن ثعلبة بن مازن، وهو غسان بن الأزد بن الغوث.
ثم ملك بعده الحارث بن ثعلبة بن جَفْنَة بن عمرو بن عامر بن حارثة و أمه مارية ذات القرْطَين بنت أرقم بن ثعلبة بن جَفْنَة بن عمرو، وذكر أنها مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية بن ثور وهو كندة، وهي التي ذكرتها الشعراء في أشعارها، وتنسب جماعة من ملوك غسان إليها.
وملك بعده النعمان بن الحارث بن جَبَلَة بن الحارث بن ثعلبة بن جَفْنَة بن عمرو.
ثم ملك بعده المنزر أبو شمر بن الحارث بن جَبَلَة بن ثعلبة بن جَفْنَة بن عمرو.
ثم ملك بعده عوف بن أبي شمر.
ثم ملك بعده الحارث بن أبي شمر فكان ملكه حين بعِثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حسان والحارث الغساني
وذكر عدة من الإخباريين أن حسان بن ثابت الأنصاري زار الحارث بن، أبي شمر الغساني بالشام - وكان النعمان بن المنزر اللخمي ملك الحيرة يُسَاميه - فقال له وهو عنده: يابن الْفُرَيْعة، لقد نبئت أنك تفضل النعمان عليَ، فقال: وكيف أفضله عليك!! فواللّه لقفاك أحْسَنُ من وجهه، ولامك أشرف من أبيه، ولأبوك أشرف من جميع قومه، ولَشِمَالُكَ أجود من يمينه، ولحرمانك أنفع من نَدَاه، ولقليلك أكثر من كثيره، ولثمادك أمْرَع من غديره، ولكرسيك أرفع من سريره، ولَجَدَاوِلُكَ أغور من بحره، وليومك أطول من شهره، ولشهدك أمدة من حوله، ولحولُكَ خير من حِقَبِه،ولزندك أورى من زنده، ولجندك أعز من جنده، وإنك من غسان وإنه من لَخم، فكيف أفضله عليك أو أعدله بك فقال: يابن الفُرَيْعة، هذا لا يسمع إلا في شعر، فقال:
ونبئت أن أبا منذر ... يساميك للحارث الأصغر

قفاؤك أحسن من وجهه ... وامك خير من المنزر
وَيُسْرَى يديك على عُسْرِهَا ... كيمنى يديه على المعسر
جبلة بن الأيهم
ثم ملك بعده جَبَلَة بن الأيهم بن جَبَلَة بن الحارث بن ثعلبة بن جَفْنَة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن أمرىء القيس بن ثعلبة بن مازن، وهو غسان بن الأزد بن الغوث، وهو الملك الذي امتدحه حسان بن ثابت الأنصاري، حيث يقول في شعر طويل:
أشْهِرَنْهَا فإنَ ملكك بالشا ... م إلى الروم فخر كل يماني
وفيه يقول أيضاً:
لمن الدار أقفرت بمعان ... بين أعلى اليرموك وَالصَّمَّان
من قريات من ثلاثين عدت ... ناسكاً منه بالقصور الدواني
قد دَنَا الفِصْحُ والولائد ينظمنَّ سراعاً ألكلَة المرجان
ذاك مغنى لآل جَفْنَة في الد ... ر، وحقاً تصرف الأزمان
صَلَواتُ المسيح في ذلك الدب ... ر دعاء القسيس والرهبان
وهذه مواضع وقرى من غوطَة دمشق وأعمالها بين الجولان واليرموك.
منازل غسان
وكانت ديار ملوك غسان باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام.
وَجَبَلَة بن الأيهم هوالذي أسلم وارتد عن دينه خاف إلعار وَالقَوَدِ من اللَّطْمَة، وخبره واضحِ مشهور، قد أتينا على ذكره فيما سلف من كتبنا، وسائر أخبار ملوك تنوخ وسليح وغسان وغيرهم ممن ملك الشام، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم الحارث بن أبي شمر الغساني إلى الإسلام وترغيبه في الإيمان، وقد أتينا على خبره وما كان من أمر أسل أمه وأخباره مع النبي صلى الله عليه وسلم في كِتابنا أخبار الزمان، وفي أبيه يقول النابغة:
هذا غُلام حسن وَجْهُهُ ... مستقبل الخير سريع التَّمَام
للحارث الأكبر والحارث الأصغر، والحارث خير الأنام
ثم لهند ولهند، وقد ... أسرع في الخيرات منه أمام
وخمسة آباؤهم ما هم ... أكرم مَنْ يشرب صَوْبَ الغمام
فجميع من ملك من ملوك غسان بالشام أحد عشر ملك، وقد كان بالشام ملوك ببلاد مأرب من أرض البلقاء من بلاد دمشق، وكعذلك مدائن قوم لوط من أرض الأردن وبلاد فلسطين، وكانت خمس مدن، وكانت دار المملكة منها، والمدينة العظمى مدينة سَدُوم، وكانت سمة كل ملك يملكها بارعاً، وكذلك ذكر في التوراة، وذكرت أسماء هذه المدن، أعرضنا عنه؛إذ كان فيه خروج عن شرط الاختصار.
وقد كان لكندة وغيرها من العرب من قحطان وَمَعَدٍّ ملوك كثيرة لم نتعرض لذكرها؛ إذ كان لا أسماء لهم تعمهم وتشهرهم، كقولنا الخليفة وقيصر وكسرى والنجاشي، ولئلا يطول الكتاب بذكرهم.
وقد أتينا على سائر ملوك العرب من معد وقحطان وغيرهم ممن وسم بالملك في بعض الممالك في سائر الأمم الخالية، والممالك الباقية، من البيضان والسودان، ممن أمكن ذكره وتأتّى لنا الإِخبار عنه، وإنما ذكرنا في هذا الكتاب من الملوك من اشتهر ملكه، وعرفت مملكته ميلاً إلى الاختصار، وطلباً للإِيجاز، وتنبيهاً على ما سلف من أخبارهم. في كتبنا المتقدم ذكرها من تصنيفنا، واللّه الموفق.
ذكر البوادي من العرب وغيرها من الأمم
وعلة سكناها الْبدو وجمل من أخبار العرب وغير ذلك مما اتصل بهذا المعنى
قد تقدم ذكرنا لولد قَحْطَان، وأن مَنْ عداهم من العرب العاربة دَثَرَت من عاد وطسم وجديس وعملاق وجرهم وثمود وعبيل ووبار، وسائر من سمينا، وأن مَنْ بقي ممن ذكرنا دخلوا في العرب الباقية إلى هذا الوقت، وهم قحطان، ومعد، ولا نعلم أن قبيلاً بقي يِشار إليه في الأرض من العرب الأولى غير معد وقحطان، وذكرنا مَنْ طاف البلاد من ملوكهم، مثل التبابعة والذواء، ومن شَيَّد البنيان في الشرق والغرب، ومصَّرَ الأمصار، وبنى المدن الكبار، كإفريقس بن أبرهة، وما بنى بالمغرب من المدن كمدينة إفريقية وصقلية، وما كَوَّر من الكُورَ هنالك، وما اتخذ من العمائر، وكمسير شمر إلى أرض المشرق، وبنيانه سمرقند، ومن خلف هنالك من حمير بها، وببلاد التبت والصين، وقد ذكر ذلك جماعة من شعرائهم ممن سلف وخلف.
بين دعبل والكميت

وقد أفتخر دِعْبِل بن علي الخزاعي في قصيدته التي يردُ فيها على الكُمَيْت، وفخر دِعْبِل بمن سلف من ملوكهم ومسيرهم في الأرض، وأن لهم من الفضل ما ليس لمعد بن عدنان، فقال في شعره:
هُمُو كتبوا الكتاب بباب مَر ... وباب الصين كانوا الكاتبينا
وهم جمعوا الجموع بسمرقند ... وهم غرسوا هناك التبتينا
وقد كان لليمن ملوك لا يدعون بالتبابعة، ممن تقدم وتأخَّر منهم، حتىِ ينقاد إلى مكة أهل الشِّحْر وحضرموت، فحينئذ يستحق أن يسمى تبعاَ، ومن تخلف عن ملكه من ذكرنا سمي ملكاً، ولم يطلق عليه اسم تبع، وقد قال اللّه عز وجل في قصة قريش وتفاخرها بقوتها وعددها: " أهم خير أم قوم تبع " الآية حين دخل الحرمَ فبعث الله عليه الظلة، وإنما سمي تبعاً بمن تبعه، وكذلك حكي عن عبد اللّه بن العباس.
بين تبع وقباد ملك الطوائف
وقد كان تبع أبو كرب سار في الأرض، ووطىء الممالك وذللها، ووطىء أرض العراق في مُلك الطوائف، وعديد الطوائف حينئذ جوذر بن سابور، فلقي أبوكرب ملكاً من الطوائف يقال له قناد، وليس بقباد بن فيروز من الساسانية، فانهزم قباد، وأتى تبع أبو كرب على ملكه، وملك العراق والشام والحجاز وكثيراً من الشرق. وفي ذلك يقول تبع ويذكرما صنع:
وَرَد الملك تبع وبنوه ... ورَثُوهم جدودهم والجدودا
إذجَنَبْنَا جيادنا من ظفار ... ثم سرنا بها مسيراً بعيدا
فاستبحنا بالخيل ملك قباد ... وابن أقلود قائماً مصفودا
فكسونا البيت الذي حرم اللًه مُلاءً مُقَصَّباً وَبُرُودا
وأقمنا به من الشهر عشرا ... وجعلنا لبابه إقليدا
ثم طفنا بالبيت سبعا ًو سبعا ... وسجدنا عند المقام سجودا
وقال أيضاً فيه:
لسْتُ بالتُبع اليمانيئَ إن لم ... تركُض الخيل في سَوَاد العراق
وتؤدِّي ربيعه الخَرْج قَسْرا ... أو تعقني عوائق العواق
وقد كانت لنزار بن معد معه وقائع وحروب كثيرة، واجتمعت عليه معد بن ربيعه ومضر وإياد وأنمار، وتداعت بجدها نزار، وتواهبت ما كان بينها من الدماء والثأر، فكانت لهم عليه؛ ففي ذلك يقول أبوعُوَاد ا لأيادي:
ضَرَبْنَا على تُبَّع جزية ... جياد البرود وخَرْجَ الذهب
وولي أبوكرب هاربا ... وكان جباناً كثيرا لرهب
وأتبعه فَهَوَى للجبين ... وكان العزيز بها مَنْ غلب
وقد ذكرنا في الكتاب الأوسط بدء النسب من إبراهيم عليه الصلاة والسلام وولد إسماعيل وتفرق النسب إلى نزار بن معد وتشعب الناس من نزار بن معد بن عدنان، فلنذكر الآن في هذا الموضع خبر ولد نزار الأربعة مع الأفعى بن الأفعى الجرهمي، ثم نعقب ذلك بما إليه قصدنا في هذا الباب من هذا الكتاب، من علة سكنى البوادي من العرب البدو وغيرهم ممن سكن الجبال والأودية وسائر البراري والقِفَار.
أولاد نزار بن معد وقصتهم مع الأفعى الجرهمي

ذكَرَ عدة من رواة أخبار العرب أن نزار بن معد ولد أربعة أولاد: إيادا، وبه كان يكنى، وأنمارا - وبَجِيلة وخَثعَم من ولده على ما قيل، إذ كان فيما ذكرنا تنازع لأن من الناس من ألحقهم باليمن، ومن الناس من ذكر فيهم ما وصفنا أنهم من ولد أنمار بن نزار - وربيعه، ومُضَر، فلما حضرت نزاراً الوفاة دعا بنيه ودعا بجارية له شَمْطاء، فقال لإِياد: هذه الجارية وما أشبهها من مالي ذلك، ثم أخذ بيد مُضَر فأدخله قبة له حمراء من أدَم، ثم قال: هذه القبة وما أشبهها من مالي ذلك، ثم أخذ بيد ربيعه وَقال له: هذا الفرس الأدْهَمُ والخِبَاء الأسود وما أشبهها من مالي ذلك،. ثم أخذ بيد أنمار وقال له: هذه البَحْرَة والمجلس وما أشبهها من مالي ذلك، فإن أشكلت عليكم هذه القسمة فأتُوا الأفعى بن الأفعى الجرهمي - وكان ملك نَجْران - حتى يقسم بينكم وتراضوا بقسمته، فلم يلبث نزار إلا قليلأ حتى هلك، وأشكلت القسمة على ولده، فركبوا رواحلهم ثم قصدوا نحو الأفعى، حتى إذا كانوا منه على يوم وليلة من أرض نجران، وهم في مَفَازة، إذا هم بأثر بعير فقال إياد، إن هذا البعير الذي تَرَوْنَ أثره أعور، فقال أنمار: وإنه لأبتر، قال ربيعه: وإنه لأزْوَرُ، قال مضر: وإنه لشَرود، فلم يِلبثوا أن رفع إليهم راكب تُوضِعُ به راحلته، فلما غشيهم قال لهم: هل رأيتم من بعير ضال في وجوهكم، قال إياد أكان بعيرك أعور؟ قال: فإنه لأعور، قال أنمار: أكان بعيرك أبتر؟ قال: فإنه لأبتر، قال ربيعه: أكان بعيرك أزور؟ قال: فإنه لأزور، قال مضر: أكان بعيرك شرودا؟، قال: إنه لشرود، ثم قال لهم: فأين بعيري؟ دلوني عليه، قالوا: واللهّ ما أحسسنا لك ببعير ولا رأيناه، قال: - أنتم أصحاب بعيري وما أخطأتَم من نعته شيئاً، قالوا: ما رأينا لك بعيراً، فتبعهم حتى قدموا نجران، فلما أناخوا بباب الأفعى أستأذنوا عليه، فأذن لهم، فدخلوا، وصاح الرجل من وراء الباب: أيها الملك، هؤلاء أخذوا بعيري ثم حلفوا أنهم ما رأوه، فدعا به الأفعى فقال: ما تقول؟ فقال: أيها الملك، هؤلاء ذهبوا ببعيري وهم أصحابه، فقال لهم الأفعى: ما تقولون؟ قالوا: رأينا في سفرنا هذا إليك أثَرَ بعير، فقال إياد: إنه لأعور، قال: وما يمريك أنه أعور؛ قال: رأيته مجتهداً في رَعْي الكلأ من شق قد لحسه والشق الأخر وارافٍ كثير الإلتفاف لم يمسه فقلت: إنه أعور، وقال أنمار: رأيته يرمى ببعره مجتمعاً ولو كان أهلب لَمصَعَ به فعلمت أنه أبتر، وقال ربيعه: رأيت أثر إحدى يديه ثابتاً والأخر فاسداً فعلمت أنه أزْوَر، وقال مضر: رأيته يرعى الشقة من الأرض ثم يتعدّاها فيمر بالكلأ الملتفّ الغض فلا ينهش منه حتى يأتي ما هو أرق منه، فيرعى فيه، فعلمت أنه شَرُود، فقال الأفعى: صدقوا، قد أصابوا أثر بعيِرك وليسوا بأصحابه، التمس بعيرك ثم قال الأفعى للقوم: من أنتم؟ فأخبروه بحالهم، وانتسبوا إليه فرحَّبَ بهم وحياهم ثم قال: ما خطبكم؟ فقصوا عليه قصة أبيهم، قال الأفعى: وكيف تحتاجون إلي وأنتم على ما أرى. قالوا: أمرنا بذلك أبونا، ثم أمر بهم فأنزلوا، وأمر خادماً له على دار

الضيافة أن يحسن إليهم ويكرم مَثْوَأهم وإلطافهم بأفضل ما يقدر عليه أمر وصيفاً له من بعض خدمه ظريفاً أديباً، فقال له: أنظر كل كلمة تخرج من أفواهم فأتِنِي بها، فلما نزلوا بيت الضيافة أتاهم القَهْرَمَانُ بقرص من شهد فأكلوا وقالوا: ما رأينا شهداً أعذب ولا أحسن ولا أشد حلاوة منه، فقال إياد: صدقتم لولا أن نحله ألقاهُ في هامة جبار، فوعاها الغلام، فلما حضر غداؤهم وجيء بالشواء فإذا بشاة مَشْوِية فأكلوها وقالوا: ما رأينا شواء أجود شَئا ولا أرخص لحماً ولا أسمن منه، فقال إنمار: صدقتم لولا أنه غنِي بلبن كلبة. ثم جاءهم بالشراب فلما شربوا قالوا: ما رأينا خمراً أرق ولا أعنب ولا أصفى ولا أطيب رائحة منه، فقال ربيعه: صدقتم لولا أن كرمها نَبَتَ على قبر. ثم قالوا: مارأينا منزلاً أكرم قرى ولا أخصب رَحْلا من هذا الملك. قال مضر: صدقتم لولا أنه لغير أبيه. فذهب الغلام إلى الأفعى فأخبره بما كان منهم، فدخل الأفعى على أمه ، فقال: أقسمت عليك إلا ما أخبرتني من أنا ومن أبي، فقالت: يا بني، وما دعاك إلى هذا؟ أنت ابن الأفعى الملك الأكبر، قال: حقاً لتصدقني، فلما ألحّ عليها قالت: يا بني إن أباك الأفعى الذي تُدْعَى له شيخاً قد أثقل، فخشيت أن يخرج هذا الملك عنا أهل البيت، وقد كان قدم إلينا شاباً من أبناء الملوك، فدعوته إلى نفسي، فعلقْتُ بك منه، ثم بعث إلى القهرمان، فقال: أخبرني عن الشهد الذي بعثت به إلى هؤلاء النفر ما خطبه؟ قال: أنا أخبرنا بدَيْر في طف. فبعثت إليه من يَشُورُه،، فأخبروني أنهم هجموا على عظام نخرة منكرة في ذلك الطف، فإذا النحل قد عسلت في جمجمة من تلك العظام، فأتوا بعسل لم أرمثله فقدمته إلي القوم لجودته، ثم بعث إلى صاحب مائدته فقال: ما هذه الشاة التي شَويتها لهؤلاء القوم؟ قال: أنى بعثت إلى الراعي أن ابعث إلي بأحسن شاة عندك، فبعثَ بها إلي، وما سألته عنها، فبعث إلى الراعي أن أعلمني خبر هذه الشاة، قال: إنها أول ما ولدت من غنمي عام أول، فماتت أمه ا، فبقيت، وكانت كلبة لي قد وضعت فأنست السَّخْلة بِجِرَاء الكلبة، فكانت ترضع من الكلبة مع جِرَائها، فلم أجد في غنمي مثلها، فبعثت بها إِليك، ثم بعث إلى صاحب الشراب، فقال: ما هذا الخمر الذي سقيت لهؤلاء القوم. قال: من حبة كَرْم نبتت غرستها على قبر أبيك، فليس في العرب مثل شرابها، فقال الأفعى: ما هؤلاء القوم؟ إنْ هُم إلا شياطين، ثم أحضرهم فقال: ما خطبكم؟ قُصُّوا علي قصّتكم، فقال إياد: الله أبي جعل لي خادمة شمطاء وما أشبهها من ماله، فقال: إن أباك ترك غنماً بَرْشاء فهي لك ورعاؤها مع الخادم قال أنمار: إن أبي جعل لي بدرة ومجلسه وما أشبهها من ماله، قال: ذلك ما ترك أبوك من الرقَةِ والحرث والأرض، فقال ربيعه: إن أبي جعل لي فرساً أدهم وبيتأ أسود وما أشبهها من ماله، قال: فإن أباك ترك خيلا دُهْماً وسلاحاً فهي لك وما فيها من عبيد، فسمي ربيعه الفرس، فقال مضر: إن أبي جعل لي قبة حمراء من أدم وما أشبهها من ماله، فقال: إن أباك ترك إبلأ حمراء فهي لك وما أشبهها من ماله، فصارت لمضر الإِبل والقبة الحمراء، والذهب، فسمي مضر الحمراء، وكانوا على ذلك مع أخوالهم جرهم بمكة فأصابتهم سنة أهلكت الشاء وعامة الإِبل، وبقيت الخيل، وكان ربيعه يغزو عليها ويَصِلُ أخوته، وذهب ما كان لأنمار من شاء في تلك السنين، ثم عاود الناس الخصب والغيث، فرجعت الإِبل وثابت إليها أنفسها ومشت، فتناسلت وكثرت وقام مضر بأمر أخوته، فبينما هم كذلك وقد قدم الرعاءُ بابلهم فتعشوا ليلاً وعشوا رعاءهم فقام مضر يوصي الرعاء وفي يد أنمار عظم يتعًرقهُ فرمى به في ظلمة الليل وهو لا يبصر فأوتد في عين مضر وفقأه فتأوه مضر وصاح: عيني، عيني، وتشاغل به أخوته، فركب أنمار بعيراً من كرائم إبله، فلحق بديار اليمن، وكان بين أخوته ما ذكرنا من التنازع.
فهؤلاء ولد نزار الأربعة: إليهم يرجع سائر ولد نزار على حسب ما قدَمنا أن مضر الحمراء لما ذكرنا من أمر القبة، وبذلك تفتخر مضرة كل أمه ا من المنثور والمنظوم، وربيعه الفرس وربيعه القشعم من الفروسية والشجاعة والنجدة والعز وشن الغارات لما ذكرنا من أمر الفَرَس، وإياد و ذكرنا ما لحق عقبه، وأنمار وقد بينا الخلاف في تفرع نسله، وما قاله النسابون في عقبه.

ولكل واحد من هؤلاء ومن أعقب أخبار كثيرة يطول ذكرها، ويتسع شرحها: من ذكر ما حلوا به من الديار، وتشعب أنسابهم وتسلسلها، أتى الناس على ذكرها، وقد قدمنا فيما سلف من كتبنا اليسير مبسوطها؛فمنعنا ذلك من إعادته في هذا الكتاب.
فلنذكر الآن الغرض من هذا الباب الذي به ترجم، وإليه نسب، من سكنى مَنْ حل البدْوَ من العرب وغيرها من الأمم المتوحشة كالترك والكرد والبِجَةِ والبربر، ومن تقطن بالبراري وقَطَنَ الجبال، والعلة الموجبة لذلك من فعلهم.
علة سكنى البدو
تباين الناس في السبب الموجب لما وصفنا، فذهب كثير من الناس إلى أن الجيل الأول من سكن الأرض مكثوا حيناً من الزمان لم يبنوا بناء ولا شيدوا مُدُناً، وكان سكناهم في شبه الأكواخ والمظال، ثم إن نفراً منها أخذوا في أبناء المساكن، وَخَلَفَ من بعدهم خلف فابتنوا الأبنية، وثبت فرقة منهم على سجيتها؛ ولى في البيوت والإظلال ينتجعون الأماكن الرفهة الخصبة، وينتقلون عنها إذا أجدبت، فمضت هذه الطائفة على نهج الأقدمين.
وذكرت طائفة أن أول ذلك أن الناس لما نضبَ عنهم الطوفان الذي أهلك الله به الأرض في زمن نوح على نبينا وعليه السلام تفرق من نجا في طلب البقاع الخصبة المتخيرة، وانفرد من انفرد بانتجاع الأرضين وحلول البيداء، واستوطن آخرون بقاعاً تخيروها، كمن ابتنى إقليم بأبل من النبط، ومن حله من ولد حام بن نوح عليه السلام مع نمروذ بن كنعان بن سنجاريب بن نمروذ الأول بن كوش بن حام بن نوح، وذلك حين تملك على إقليم بابل من قبل الضحاك، وهو بيوراسف وكمن حًل بلاد مصر من ولد حام على حسب ما ذكرنا في باب مصر وأخبارها في هذا الكتاب وكمن عمر الشام من الكنعانيين، وكمن حَل بوادي البربر وهم هوارة وزناتة وضريسة ومغيلة وورفجومة ونفزة وكتامة ولواتة ومزانة ونفوسة ولفظه وصدينة ومصمودة وزنارة وغمارة وقالمة ووارقة وأتيته وبابه وبنو سبخون وأركنة وهي من زناتة وبنو كلان وبنو مصدريان وبنو أفباس وزبحن وبنو منهوسا وصنهاجة، ومن سكن من أنواع الأحابيش وغيرهم الغابة المعروفة بغابة العافريم سون ورعوين والعورفة ويكسوم، ومنهم من سكن غير الغابة واتسع في هذه البلاد من المغرب.
وقد ذكرنا أن أرض البربر خاصة كانت أرض فلسطين من بلاد الشام، وأن ملكهم كان جالوت، وهذا الاسم سَمةٌ لسائر ملوكهم، إلى أن قتل داود عليه الصلاة والسلام ملكهم جالوت، فلم يتملك عليهم بعده ملك، وأنهم انتهوا إلى ديار المغرب إلى موضع يعرف بلوبية ومرافية، فانتشروا هنالك، فنزل منهم زنانة ومغيلة وضريسة الجبال من تلك الديار وتبطنوا الأودية، ونزلوا أرض بَرقة، ونزلت هَؤارة بلاد إياس وهي بلاد طرابس المغرب أي الثلاث المدن، وقد كانت هذه الديار للافرنجة والروم قانجلوا عن البربر حين أوطنوا أرضهم إلى جزائر البحر الرومي فسكن الأكثر منهم جزيرة صقلية، وتفرقت البربر ببلاد إفريقية وأقاصي بلاد المغرب نحو من مسافة الذي ميل، وانتهوا إلى موضع يعرف بقبوسة، على أكثر آلفي ميل من بلاد القيروان، وتراجعت الروم والإفرنجة إلى مدنهم وعمائرهم وذلك على موادعة وصلح من البربر، واختارت البربر سكنى الجبال والأودية والرمال والدِّهَاس وأطراف البراري والقفار.
ومن بحر إفريقية وصقلية يخرج المرجان، وهو المتصل ببحر الظلمات المعروف ببحر أقيانس، وغير هؤلاء ممن ذكرنا من الأمم من سكن قطع الأرض وابتنى المدائن شرقأ وغرباً.
ورأت العرب أن جولان الأرض وتخير بقاعها على الأيام أشبه بأولى العز وأليق بذوي الأنفة، وقالوا: لنكون محكمين في الأرض ونسكن نشاء أصلح من غير ذلك، فاختاروا سكنى البدو، من أجل ذلك.

وذكر آخرون أن القدماء من العرب لما ركبهم اللّه من سموّ الأخطار ونبل الهمم والأقدار، وشدة الأنَقَة، والحمية من المعرة، والهرب من العار، بدأت بالتفغير في المنازل، والتقدير للمواطن، فتاملُوا شان المدن والأبنية، فوجدوا فيها معرة ونقصا، وقال ذو المعرفة والتمييز منهم: أن الأرضين تمرض كما تمرض الأجسام، ولحقها الآفات. والواجب تخير المواضع بحسب أحوالها من الصلاح. إذا الهواء ربما قوي فأضر بأجسام م سكانه، وأحال أمزجة قطَانة، وقال ذوى الآراء منهم: إن الأبنية والتحويط حَصْر عن التصرف في الأرض، ومَقْطعة عن الجوَلان، وتقييد للهمم، وحبس لما في الغرائز من المسابقة إلى الشرف، ولا خير في اللبث على هذه الحالة. وزعموا أيضاًً أن الأبنية والأطلال تحصر الغذاء وتمنع اتساع الهواء، وتسد سروحه عن المرور وقذاه عن السلوك، فسكنوا البر الأفَيحَ الذيلا يخافون فيه من حصر ومنازلة ضر، هذا مع ارتفاع الأقذاء، وسماحة الأهواء، واعتزال الوباء، ومع تهذيب الأحلام في هذه المواطن، ونقاء القرائح في التنقل في المساكن، مع صحة الأمزجة، وقوة الفطنة، وصفاء الألوان وصيانة الأجسام. فإن العقول والاراء تتولد من حيث تولد الهواء، وطبع الهواء الفضاء وفي هذا الأمن من العاهات والأسقام والعلل والآلام، فآثرت العرب سكنىِ البوادي والحلول في البيداء، فهم أقوى الناس همماً، وأشدهتم أحلاماَ، وأصحهم أجساماً، وأعزهم جاراً، وأحماهم ذمارا، وأفضلهم جواراً، وأجودهم فطناً؛لما أكسبهم إياه صفاء الجو ونقاء الفضاء،لأن الأبدان تحتوي أجزاؤها على متكاثف الأكدار وعناء الأقذار مما يرتفع أليه، ويتلاطم في عرصاته وأفقه من جميع المستحيلات، والمستنقعات من المياه، ففي أكنافه جميع ما يتصعد إليه، ولذلك تراكبت الأقذاء والأعواء والعاهات في أهل المدن، وتركبت في أجس أمه م، وتضاعفت في أشعارهم وأبصارهم، ففضلت العرب على سائر مَنْ عداها من بوادي الأمم المتفرقة لما ذكرنا من تخيرها الأماكنَ وارتيادها المواطن.
قال المسعودي: ولذلك جانبوا فظاظة الأكراد وسكان الجبال من الأجيال الجافية وغيرهم الذين مساكنهم حُزُونُ الأرض ودهاسُها، وذلك أن هذه الأمم الساكنة هذه الجبال والأودية تناسب أخلاقها مساكنها في انخفاضها وارتفاعها؛ لعدم استقامة الاعتدال في أرضها، فلذلك أخْلاقُ قطَانها على ما هي عليه من الجفاء والغلظ.
؟خطيب العرب عند كسرى يعلل اختيار قومه البداوة
وذكر الهيثم بن عدي والشَرَقي بن القطامي وغيرهما من الأخباريين أنه وفد على كسرى أنو شروان بعض خطباء العرب، فسأله كسرى عن شأن العرب وسكناها البر واختيارها البدو، فقال: أيها الملك، ملكوا الأرض ولم تملكهم، وأمِنُوا عن التحصن بالأسوار، واعتمدوا على المرهفات الباترة، والرماح الشارعة جُنَناً وحصوناً، فمن ملك قطعة من الأرض فكأنها كلها له، يَرِعُون منها خيارها، ويقصدون ألطافها، قال: فأين حظوظهم من الفلك؟ قال: من تحت الفرقدين ورأس البحرة وسعد الجدي مشرقين في البر بحسب ذلك، قال: فما رياحها؟ قال: أكثرها النَّكْباء بالليل والصِّبَا عند انقلاب الشمس، قال: فكم الرياح؟ قال: أربع، فإذا انحرفت واحدة منهن قيل: نَكْبَاء، وما بين سُهَيْل إلى طرف بياض الفجر جَنُوب، وما بإزائهما مما يستقبلهما من المغرب شمال، وما جاء من وراء الكعبة فهي دَبُور، وماجاء من قبل ذلك فهي صَباً، قال؛فما أكثر غذاءهم. قال: اللحم واللبن والنبيذ والتمر، قال: فما خلائقهم؟ قال: العز، وا لشرف، والمكأرم، وقرى ا لضيف، وإذمام الجار، وإجارة الخائف، وأداء الحمالات ، وبذل المهج في المكرمات، وهم سُرَاة. وليوث الغِيل، وعمار البر، وأنس القفر، ألفوا القناعة، وَشَنِفُوا الضراعة،. لهم الأخذ بالثار، والأنَفَة من العار، والحماية للذمار، قال كسرى: لقد وصفت عن هذا الجيل كرماً ونبلاً؛ وما أولانا بإنجاح وفادتك فيهم.

فتخيرت العرب في البر إنزالا منها مَشَاتٍ ومنها مصايف؛ فمنهم المُنْجِد والمُتْهِم فالمنجد منهم هم الذين سكنوا أرض نجد والمتهم هم الذين سكنوا أرض تهامة، ومنهم من سكن أغوار الأرض كغور بيسان وغور غزة من أرض الشام من بلاد فلسطين والأردن ومن سكنه من لخم وجُذَام، ولجميع العرب مياه يجتمعون عليها وملكية يعرجون إليها، كالدهناء والسماوة والتائم وأنجاد الأرض والبقاع والقِيعَان والوهاد، ولست تكاد ترى قبيلاً من العرب توغل من الأماكن المعروفة لهم والمياه المشهورة بهم، كماء ضارج وماء لعقيق والهَبَاءة وما أشبه ذلك من المياه.
الاكراد ونسبهم ومساكنهم
وأما أجناس الأكراد وأنواعهم فقد تنازع الناس في بدئهم؛ فمنهم من رأى أنهم من ربيعه بن نزار بن معد بن عدنان، انفردوا في قديم الزمان، وانضافوا إلى الجبال والأودية، دعتهم إلى ذلك الأنفة، وجاوروا من هنالك من الامم الساكنة المدن والعمائر من الأعاجم والفرس، فحالوا عن لسانهم، وصارت لغتهم أعجمية،ولكلِ نوع من الأكراد لغة لهم بالكردية، ومن الناس من رأى أنهم من مضر بن نزار، وأنهم من ولد كرد بن صعصعة بن هوازن، وأنهم انفردُوا في قديم الزمان لوقائع ودماء كانت بينهم وبين غسان، ومنهم من رأى أنهم من ربيعه ومضر، وقد اعتصموا في الجبال طلباً للمياه والمرادى فحالوا عن اللغة العربية لما جاورهم من الأمم.
ومن الناس من ألحقهم بإماء سليمان بن داود عليهما السلام حين سلب ملكه ووقع على إمائه المنافقات الشيطانُ المعروف بالجسد، وعصم الله منه المؤمنات أن يقع عليهن، فعلق منه المنافقات، فلما رَدَّ اللهّ على سليمان مُلْكه ووضع تلك الإماء الحوامل من الشيطان قال: أكردوهن إلى الجبال والأودية، فربتهم أمه اتهم، وتناكحوا، وتناسلوا، فذلك بدء نسب ا لأكرا د.
ومن الناس من رأى أن الضحاك ذا الأفواه المقدَّم ذكره في هذا الكتاب الذي تنازعت فيه الفرس والعرب من أي الفريقين هو، أنه خرج بكتفيه حَيتَانِ فكانتا لا تُغَذَيان إلا بألدمغة الناس، فأفنى خلقاً كثيراً من فارس، واجتمعت إلى حربه جماعة كثيرة وافاه أفريدون بهم وقد شالوا راية من الجلود تسميها الفرس درفش كاوَان، فأخذ أفريدون الضحاك وقيدهُ في جبل دنباوند على ما ذكرنا، وقد كان وزير الضحاك في كل يوم يذبح كبشاً ورجلاً ويخلط أدمغتهما، ويطعم تينك الحيتين اللتين كانتا في كتفي الضحاك، ويطرد من تخلَّص إلى الجبال، فتوحشوا وتناسلوا في تلك الجبال فهم بدء الأكراد، وَهؤلاء من نسلهم، وتشعبوا أفخادْاً، وما ذكرنا من خبر الضحاك فالفُرْسُ لايتنا كرونه، ولا أصحاب التواريخ القديمة ولا الحديثة.
وللفرس في أخبار الضحاك مع إبليس أخبار عجيبة، وهي موجودة في كتبهم، وتزعم الفرسُ أن طهومرث المقدم ذكره في ملوك لفرس الأولى هو نوح النبي عليه السلام، وتفسير درفيش بالفارسية اللهلوية - وهي الأولى - الراية والمطرد والعلم.
وأما الترك وأجناسها فقد قدمنا كثيرأ من أخبارها، وقد غلط قوم فزعموا أن الترك من ولد طوح بن أفريدون، وهذا غلط بَيِّن؛لأن طوح وَلأَه أفريدون على الترك وسلم على الروم، وكيف توليه عليهم وهم ولده؛ وما قلنا يدل على أن الترك من غير ولد طوم بن أفريدون، بل لطوح في الترك عقب مشهور، والمعظم في أجناس الترك هم التبت، وهم من حمير على حسب ما ذكرنا أن بعض التبابعة ربتهم هناك.
وما قلنا من الأكراد فالأشهر عند الناس؛والأصح من أنسابهم؛ أنهم من ولد ربيعه بن نزار، فأما نوع من الأكراد - وهم الشوهجان ببلاد ما بين الكوفة والبصرة، وهي أرض الدينور وهمذان - فلا تناكما بينهم أنهم من ولد ربيعه بن نزار بن معد، والماجردان - وهم من الكنكور ببلاد أذر والهلبانية والسراة وما حوى بلاد الجبال من الشادنجان والمادنجان والمزدنكان والبارسان والخالية والجابارقية والجاوانية والمستكان ومن حًلّ بلاد الشام من الدبابلة وغيرهم - فالمشهور فيهم أنهم من مضر بن نزار، ومنهم اليعقوبية والجورقان وهم نصارى، وديارهم مما يلي بلاد الموصل وجبل الجودي.
وفي الأكراد مَنْ رأيهم رأي الخوارج والبراءة من عثمان وعلي رضي الله عنهما.

فهذه جمل من أخبار بوادي العالم، وقد أعرضنا عن ذكر الغوز والخرلج وهم أنواع من الترك نحو بلاد غرش وبسطام وبُسْت مما يلي بلاد سجستان وكذلك من ببلاد كرمان من أرض القفص والبلوج والجت.
بعض أيام العرب
قال المسعودي: فأما أيام العرب وَوَقائعها وحروبها فقد ذكرناهأ فيما سلف من كتبنا، وما كان منها في الجاهلية والإِسلام، كيوم الهَبَاءة، وحروب ذبيان وغطفان، وما كان بين عبس وسائر العرب من نزار واليمن. وحرب داحس والغَبْراء، ؤحرب بكربن وائل وتغلب، وهي حرب البَسوس، ويوم الكُلاب، ويوم خزاز، ومقتل شاس بن زهير، ويوم في قار، ويوم شِعْب جَبَلَة، وما كان من بني عامر وغيرهم، وحرب الأوس والخزرج، وما كان بين غَسَّان وعَك.
وسنورد بعد هذا الباب جملأ من أخبار العرب الداثرة وغيرها وتفرقها في البلاد، ونذكر جملاً من آرائها ودياناتها في الجاهلية، وما ذهبت إليه في الغيلان والهَوَاتف والقِيَافة والكَهَانة والتفرس والصدى والهام، وغير ذلك من شيمها، وباللّه التوفيق.
ذكر ديانات العرب وآرائها في الجاهلية
وتفرقها في البلاد وخبر أصحاب الفيل وعبد المطلب وغير ذلك مما لحق بهذا الباب
ديانات العرب في الجاهلية
قال المسعودي: كانت العرب في جاهليتها فرقاً: منهم الموحد المقر بخالقه، المصدق بالبعث والنشور، موقناً بأن اللّه يثيب المطيع، ويعاقب العاصي، وقد تقدم ذكرنا في هذا الكتاب وغيره من كتبنا مَنْ دعا إلى اللّه عزوجلا ونبًه أقو أمه على آياته في الفترة، كقُيسِّ بن ساعدة الإياثي ورِئاب الشَنَيئَ، وَبَحِيرا الراهب، وكانا من عبد القيس.
وكان من العرب من أقر بالخالق، وأثبت حدوث العالم وأقر بالبعث والإِعادة، وأنكر الرسل، وعكف على عبادة الأصنام، وهم الذين حكى اللّه عز وجل قولهم: " ما نَعْبُدُهُمْ إلّاَ لِيُقَربُونَا إلى اللّهِ زُلْفَى " الآية وهذا الصنف هم الذين حجوا إلى الأصنام وقصدوها، ونحروا لها البُدْنَ، ونسكوا لها النسائك، وأحلوا لها وحرموا.
ومنهم من أقر بالخالق، وكَذَب بالرسل والبعث، ومال إلى قول أهل الدهر، وهؤلاء الذين حكى اللّه تعالى إلحادهم، وخَبَّرَ عن كفرهم، بقوله تعالى: وقالوا: " ما هي إلا حَيَاتُنَا الدنْيَا نموتُ وَنحْيَا، وَمَا يًهْلِكُنَا إلا الدَّهْر " فردَّ اللّه عليهم بقوله: " ما لهم بذلك مِنْ عِلْم، إن هُمْ إلاَّ يَظُنُّون " .
ومنهم من مال إلى اليهودية والنصرانية.
ومنهم المارُّ على عَنْجَهِيَّتِهِ، الرَّاكب لِهَجْمَته.
وقد كان صنف من العرب يعبدون الملائكة، ويزعمون أنها بنات اللّه؛فكانوا يعبدونها لتشفع لهم إلى اللهّ، وهم الذين أخبر اللّه عزوجل عنهم بقوله تعالى: " ويجعلونَ للّهِ البَنَاتِ، سبحانه، ولهم ما يشتهون " وقوله تعالى: " أفَرَأْيْتُمُ اللاَّتَ والعُزَّى، وَمَنَاةَ الثالثة الأخرى؛ ألكم الذكر وله الأنثى؛ تلك إذاً قِسْمَة ضِيزَى " .
عبد المطلب بن هاشم
فممن كان مقراً بالتوحيد، مئبتاً للوعيد، تاركاً للتقليد: عبدُ المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وقد كان حفر بئر زمزم، وكانت مَطْوِية، وذلك في ملك كسرى قباذ، فاستخرج منها غزالتي ذهب عليهما الدر والجوهر، وغير ذلك من الحلي، وسبعة أسياف قلعية، وسبعة أدرع سوابغ؛ فضرب من الأسياف باباً للكعبة، وجعل إحدى الغزالتين صفائح ذهب في الباب، وجعل الأخرى في الكعبة، وكان عبد المطلب أول من اقام الرفاعة والسِّقاية للحاج، وكان أول من سقي الماء بمكة عَذْباً، ؛جعل باب الكعبة مذهباً، وفي ذلك يقول عبد المطلب:
أعطى بلا شُحٍّ ولامشاحح ... سقياً على رغم العدو الكاشح
بعد كنوز الحلى والصفائح ... حلياً لبيت الله في المسارح
وكان قد نذر إنْ رزقه اللّه عز وجل عشرة أولاد ذكور أن يقرب أحدهم لله تعالى فكان أمره - حين رزقه اللّه إياهم - أن قرب أحبهم إليه وهو عبد اللّه أبو النبي صلى الله عليه وسلم، فضرب عليه بالقِدَاح حتى افتداه بمائة من الإبل، في خبر طويل.
أصحاب الفيل

وقد كان أبرهة حين سار بالحبشة وأتى أنصاب الحرم، فنزل بالموضع المعروف بحب المحصب، فأتى بعبد المطلب بن هاشم فأخبر أنه سَيِّدُ مكة، فعظمه وهابه لاستدراة نور النبي صلى الله عليه وسلم في جبينه، فقال له: سَلْنِي يا عبد المطلب فأبى أن يسأله إلا إبلا له، فأمر بردها عليه وقال له: ألا تسألني الرجوع؛ فقال: أنا رب هذه الإِبل، وللبيت رب سيمنعه منك وانصرف عبد المطلب إلى مكة وهو يقول:
يا أهل مكة قد وافاكُمُ ملك ... مع الفيول على أنيابها الزَّرَد
هذا النجاشيُّ قد سارت كتائبه ... مع الليوث عليها البيض تتقد
يريد كعبتكم، والله مانعه ... كمنع تبع لما جاءها حرد
وأمر قريشآَ أن تلحق ببطون الأودية ورؤوس الجبال من مَعَرًة الحبشة، وقَلّدَ الإِبل النعال وخلاها في الحرم ووقف بباب الكعبة وهويقول:
يارب لا أرجولهم سواكا ... يارب فامنع منهمُ حماكا
إن عدؤَالبيت مَنْ عاداكا ... فامنعهمُ أن يخربوا قراكا
ولقول:
يا رب إن العبد يمنع رَحْلَهُ فامنعِ رحالك
لايغلبنَّ صليبهم ومَحِالهم أبدا َمِحَالك
فأرسل اللّه عليهم الطير الأبابيل، أشباه اليعاسيب، ترميهم بحجارة من سجيل، وهوطين خلط بحجارة خرجت من البحر، مع كل طير ثلاثة أحجار فأهلكهم اللّه عز وجل.
وقد ذكرنا خبر أبي رُغَال فيما سلف من هذا الكتاب حين دلهم على الطريق، وهلاكه في الطريق، وجعلت الحبشة يومئذ تسأل عن نُفَيْل بن حبيب الخثعمي يدلها على الطريق، ونفيل يسمع كلام الحبشة وسؤالها عنه وقد رِبعَ لما عمهم من البلاء، وانفرد، من جملتهم يؤمل الخلاص، وقد تاهوا، فأنشأ يقول:
ألا ردى جمَالَكِ يارُدَيْنَا ... نعمناكم مع الإِصباح عينا
فإنك لو رأيت ولن تريه ... لوى جنب المحصب مارأينا
وكل القوم يسأل عن. نفيل كأن عليَّ للحبْشَان دَيْنَا وقد ذكرنا ما كان منهم في هلك عديدهم فيما سلف من هذا الكتاب، فلما صًدّهم اللّه عزّ وجلّ عن الكعبة أنشأ عبد المطلب يقول: أيها الداعي لقدأسمعتني ثم ما بي عن نِدَاكم من صَمَمْ إن للبيت لربّاً مانعاً مَنْ يُرِعْ! بأثام يُصْطَلم ر أمه تبع فيمن جَنَدَتْ حِمْيروالحي من آل قدم فانثنى عنه وفي أوداجه جارحٌ أمسك منه بالكَظَمْ قلت والأشرم ترس خيله: إن ذا الأشرم غربالحرم نحن آل اللَّه فيما قدمضى لم يزل ذاك على عهد إلرَهَمْ نحن عَفَرنا ثمودأعَنْوة ثم عاداً قبلها ذات الأرم نعبد الله وفينا سُنَة صِلَةُ القربى وإيفاء. النِّمم لم تزل للَّه فيناحجة يدفع اللَّه بهاعنا النِّقَمْ
القول بتناسخ الأرواح
قال المسعودي: وقد استدل قوم ممن ذهب إلى الغلو في بعض المذاهب والخروج عما أوجبته قضية العقل وضرورات الحواس بهذا الشعر وقول عبد المطلب فيما كان منهم في قديم الزمان، وأيدوا ذلك الشعر بشعر العباس بن عبد المطلب في مدحه النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما ذكره قريم بن أوس بن حارثة بن لأم الطائي أنه هاجر إلى رسول اللّه فقدم عليه مُنْصَرَفَة من تَبُوك فأسلم، قال: سمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول اللّه، إني أريد أن أمتدحك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل لا يَفْضُض اللّه فاك يا عدي، فأنشأ يقول:
من قبلها طِبْتَ في الظلال وفي ... مستودع حيث يُخْصَفُ الوَرَق
ثم هبطت البلاد، لابشر ... أنت، ولامضغة، ولاعلق
بل حجة تركب السفين، وقد ... ألجم نْسْرأوأهلَهُ الغرق
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طَبَق
وأنت لما وُلدْت أشرقت ال ... أرض، وضاءت بنورك الأفق
حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندق علياء تحتها النطق
فنحن في ذلك الضياء وفي الن ... ور و سبل الرشاد نخترق

قالوا: وهذا الخبر قد ذكره أصحاب السير والأخبار والمغازي، ونقلوا هذا المديح من قول العباس، وما كان من سرور النبي صلى الله عليه وسلم بذلك واستبشاره به فجعلت هذه الطائفة من الغُلاة ما ذكرنا من الشعرين - شعر عبد المطلب، وشعر - العباس - دلالة لهم على مواطن ادعوها، وتغلغلوا إلى شبه بعيدة استخرجوها، يمنع منها ما تقدم من أوائل العقول، وموجبات الفحص، ذكرَ ذلك جماعة من مصنفي كتبهم، ومن حذاق مبرزيهم، من فرق المحمدية والعلبانية، وغيرهم من فرق الغلاة: منهم إسحإق بن محمد النخعي المعروف بالأحمر في كتابه المعروف بكتاب الصراط، وقد ذكر ذلك الفياض بن علي بن محمد بن الفياض في كتابه المعروف بالقسطاس في نقضة لكتاب الصَراط وذكره المعروف بالنهكني في نقضه هذا الكتاب المترجم بالصراط، وهؤلاء محمدية نقضوا هذا الكتاب، وهو على مذهب العلبانية، وقد أتينا على ذكر هؤلاء المحمدية والعلبانية والمغيرية والقمرية وسائر فرق الغُلاَة وأصحاب التذويض والوسائط، واستقصينا النقض عليهم وعلى سائر من ذهب إلى القول بتناسخ الأرواح في أنواع أشلاء الحيوان ممن ادعى الإسلام وغيرهم ممن سلف من اليونانيين والهند والثنوية والمجوس واليهود والنصارى، وذكرنا قول أحمد بن حائط وابن يافوس جعفر القاضي، إلى مَنْ نجمَ في وقتنا ممن تقدم وتأخر إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - ممن أحدث قولاً تفريعاً على ما سلف من أصولهم وأبور شبهاً أيَّدَ بها ما تقدم من مذاهبهم، مثل الحسين بن منصور المعروف بالحلاج، وأصحاب أبي يعقوب المزايلي، ثم أصحاب السم ومن تأخر عنه وفارقهم في أصولهم، مثل أبي جعفر محمد بن على الشلمغاني المعروف بابن أبي الغرائر وغيرهم ممن أمَّم نهجهم، وذكر الفرق بينهم وبين غيرهم من أصحاب الدور في هذا الوقت ممن يراء وقت الظهور، وأصحاب حجج الليل والنهارث إذ كان هؤلاء قد أثبتوا القول بالتناسخ، وأن الأرواح تنتقل في شيء من الأجسام الحيوانية، وأحالوا على القديم عز وجل أن يجوز عليه شيء مما تقدم، فلنرجع الآن إلى ما كنا ا آنفاً، وما تغلغل بنا الكرم عنه من ذكرعبد المطلب.
الاختلاف في إيمان عبد المطلب
تنازع الناس في عبد المطلب: فمنهم من رأى أنه كان مؤمناً موحداً وأنه لم يشرك باللّه عزّوجلّ، ولا أحد من آباء النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نقلفيالأصلاب الطاهرة، وأنه أخبر أنه ولد من نكاح لا من سفاح، ومنهم،رأى أن عبد المطلب كان مشركاً، وغيره من آباء النبي صلى الله عليه وسلم ألا من صح إيمانه، وهذا موضع فيه تنازع بين الإمامية والمعتزلة والخوارج والمرجئة وغيرهم من الفرق في النص والاختيار، وليس كتابنا هذا موسوماً للحِجَاج فنذكرحجاج كل فريق منهم.
وقد أتينا على قول كل فريق منهم وما أيد به قوله في كتابنا المقالات في أصول الديانات وفي كتاب الاستبصار ووصف أقاويل الناس في الإم أمه وفي كتاب الصفوة أيضاً.
أبو طالب
وكان عبد المطلب يوصي ولده بصلة الأرحامٍ، وإطعام الطعام، ويرغبهم ويرهبهم فعل من يراعي في المتعف معادا وبعثاً ونشوراً، وجعل السقاية والرفاعة إلى ابنه عبد مناف - وهو أبو طالب - وأوصاه بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وقد تنوزع في اسم أبي طالب: فمنهم من رأى أن اسمه عبد مناف، على ما وصفنا، ومنهم من رأس أن كنيته اسمه، وأن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه كتب في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ليهود خيبر بإملاء النبي صلى الله عليه وسلم وكتب علي بن أبي طالب بإسقاط الألف وقد ذكر عبد المطلب في شعر له وصية أبي طالب بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
أوصيت مَنْ كنيته بطالب ... بابن الذي قد غاب ليس بآئب
اختلاط الألسنة
وقد كان أكثر العرب ممن بقي ودثَرَيقر بالصانع، ويستدل على الخالق.

وقد كان في ملك النمروذ بن كوش بن حام بن نوح هيجانُ الريح التي نسفت صرح النمروذ ببابل من أرض العراق، فبات الناس ولسانهم سرياني، وأصبحوا وقد تفرقت لغاتهم على اثنين وسبعين لساناً، فسمى الموضع من ذلك الوقت بابل، فصار من ذلك في ولد سام بن نوح تسعة عشر لساناً وفي ولد حام بن توح ستة عشر لساناً وفي ولد يافث بن نوح سبعة وثلاثون لسانَاَ على حسب ما ذكرنا في صدر هذا الكتاب، وكان من تكلم بالعربية يعرب وجرهم وعاد وعبيل وجديس وثمود وعملاق وطسم ووبار وعبد ضخم، فسار يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح بمن تبعه من ولده وغيرهم وهويقول:
أنا ابن قحطان الهمام الأفضل ... الأيمن المعرب في المهل
يا قوم سيروا في الرعيل الأول ... أنا الْبدِيئُ باللسان المسهل
الأبين المنطق غير المشكل ... حثوت والامة في تبلبل
يا قوم سيروا في الرعيل الأول ... نحو يمين الشمس في تمهل
فحل باليمين على ما وصفنا آنفَاَ من هذا الكتاب.
مسير عاد الى الأحقاف
وسار بعده عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه و يقول:
إني أنا عاد الطويل البالدي ... وسام جدي ابن نوح الهادى
فقد رأيتم يعرب الزيادي ... وسَوْقَه الطارف والتلاد
أرم ذات العماد
فحل بالأحقاف وأداني الرمل بين عمان وحضرموت واليمن وتفرق هؤلاء في الأرض، فانتشر منهم ناس كثير: منهم جيرون بن سعدي بن عاد حَل بدمشق فمصَرمصرها، وجمع عدد الرخام والمرمر إليهأ؛ وشيد بنيانها، وسماها أرم ذات العماد، وقد روى عن كعب الأحبار في أرم ذات العماد غير هذا، وهذا الموضع بدمشق في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - سوق من أسواقها عند باب المسجد الجامع، يعرف بجيرون، وجيرون: هو بنيان عظيم، كان قصر هذا الملك، عليه أبواب من نحاس عجيبة: بعضها على ما كانت عليه، والبعض من مسجد الجامع، وقد ذكرنا فيما من خبر نبي اللّه هود.
نزول ثمود الحجر
وسار بعد عاد بن عوص ثمود بن عابربن أرم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه وهو يقول:
أنا الفتى الذيي دعا ثمودا ... يا قوم سيروا ودَعُوا الترديدا
لعلنا أن ندرك الوفودا ... فنلحق البادي لنا العديدا
إنا أبينا اليعرب الحميدا ... وعاد ما عاد الفتى الجليدا
فنزلى هؤلاء الحَجْرَ إلى فرع، وقد تقدم ذكرهم فيما سلف من هذا الكتاب، وخبر نبيهم صالح عليه السلام، وأنهم نحو وادي القرَف، بين الشام والحجاز.
مسير جديس إلى اليمامة
وسار بعد ثمود جديس بن عابربن أرم بن سام بن نوح بولده، ومن تبعه وهو يقول:
أنا جديس والمسير المسلكا ... فَدَتْكَ نفسي يا ثمود المهلكا
دعوتني فقد قصدت نحوكا ... إذ سارت العيس وأبدت شخصكا
كعب الأحبار: هو كعب بن مانع، أبو اسحاق، تابعي. كان في الجاهلية من كبار علماء اليهود في اليمن، وأسلم في زمن أبي بكر، وقدم المدينة في دولة عمر. توفي في حمص عن مئة وأربع سنين سنة.
وقد قلنا فيما سلف: إن هؤلاء الذين نزلوا اليمامة.
مسير عملاق إلى مواضع " مختلفه
وسار بعد جديس عملاق بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه: وهو يقول:
لمارأيت الناس ذا تبلبل ... وسار منا ذواللّسان الأولى
وحدثتنا في اللحاق الأولى ... فسرت حثاً بالسوام المهمل
فنزل هؤلاء أكناف الحرم والتهائم، ومنهم من سار إلى بلاد مصر والمغرب، وقيل: إن هؤلاء بعض ذراعنة مصر، وقد ذكرنا قول من الحق العماليق وغيرهم ممن ذكرنا بعيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، وزعم أنهم من ولد العيص على حسب ما ذكرنا فيما تقدم.

وقد كانت للعماليق ملوك كثيرة سلفت في مواضع من الأرض بالشام وغيره، وقد أتينا على أخبارهم وذكر ممالكهم وحروبهم في كتابنا أخبار الزمان، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب قصة يوشع بن نون مع ملك العماليق ببلاد أيلة، وهو السميدع بن هوبر، وقد كان من بقي من العماليق انضافوا إلى ملوك الروم؛ فملكتهم الروم على مشارق الشام والغرب والجزيرة من ثغور الشام فيما بينهم وبين فارس.
أذينة بن السميدع العملاقي
فممن ملك الروم من العماليق: أذينة بن السميدع، الذي ذكره الأعشى في قوله:
أزال أذينة عن ملكه ... وأخرج عن ملكه ذا يزن
وقد كان ملك بعد العماليق حسان بن أذينة بن طرب بن حساز ويقال: هوالذي يعرف ب أمه زباء.
ثم ملك عمروبن طرب، ويقال: هوالذي كان يعرف ب أمه زباء، وقد كان بينه وبين جذيمة الأبرش الأزْدِي أبي مالك حروب كثيرة، فقتله جذيَمة على ما ذكرنا، وما كان من قتل الزباء لجذيمة وقول الشاعر:
كأن عمرو بن زباا لم يعش ملكا ... ولم يكن حوله الرايات تختفق
لاءم جذيمة من ضرساء مشعلة ... فيها خراشف بالنيران ترتشق
مسير طسم إلى البحرين
ثم سارطسم بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح بعد عملاق بن لاوذ بولده،ومن تبعه وهويقول:
إني أنا طسم وجدي سام ... سام بن نوح وهو الإِمام
لما رأيت الأخ والأعلاما ... قلت لنفسي: االْحَقِي السواما
أخاك عملاقاً وذا الإِقدام ... يافث لا كان وليي حام
فنزل هؤلاء البحرين.
وقد كان جميع من ذكرنا بدواًً، وانتشروا في الأرض، على حسب ما ذكرنا من مساكنهم، وكثرت جديس، فملكت عليهاالأسود بن غفار، وكثرت طسم، فملكت عليها عملوق بن جديس، وقد ذكرعبيد بن شَرِيَّةَ الجرهمي حين وفد على معاوية وأخبره أن طسم بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح، وجديس بن عابر بن سام بن نوح، هم العرب العاربة، وقد كان منزلمهم جميعأ باليمامة، واسمها إذ ذاك جَؤ.
عملوق الظالم ملك طسم
وكان لطسم ملك يقال له عملوق، وكان ظلوماً غشوماً، لاينهاه شيء عن هواه، مع إصراره وإقد أمه على جديس، وتعدِّيه عليهم، وقهره إياهم، فلبثوا في ذلك دهراً، وهم أهل مظالم، قد غمطوا النعمة وانتهكوا الحرمة، وبلادهم أفضل البلاد، وأكثرها خيراً، فيها صنوف الشجر والأعناب، وهي حدائق ملتفة، وقصور مصطفة، فلم يزل على ذلك حتى أتته امرأة من جديس، يُقال لها هُزَيلة بنت مازن، وزوج لها فارقها، يقال له ماشق، فأراد قبض ولده منها، فأبت عليه، فارتفعا إلى إلى ملك عملوق ليحكم بينهما، فقالت المرأة: أيها الملك، هذا الذي حملته تسعاً، ووضعته دفعاً، وأرضعته شفعاً، ولم أنل منه نفعاً، حتى إذا تمت أوصاله، واستوفت خصاله، أراد أن يأخذه قسراً، ويسلبنيه قهراً ويتركني منه صِفْراً، قال زوجها: قد أخذت المهر كاملاً، ولم أنل منه نائلا، إلا ولداً خاملا، فافعل ما كنت فاعلاً. فأمر الملك أن يؤخذ الولد منهما ويجعل في غلمانه، فقالت هُزَيلة في ذلك:
أتينا أخا طسمِ ليحكم بيننا ... فأبرم حكماً في هُزَيْلَة ظالما
لعمري لقد حُكَمْتَ لا متورعا ... ولافَهِماً عند الحكومة عالما
ندمتُ فلم أقدرعلى متزحزح ... وأصبح زوجي حائر الرأي نادما
فبلغ المَلِكَ قول هُزَيلة، فغضب، وأمر أن لا تتزوج امرأة،جديس فتزف إلى زوجها حتى تحمل إليه، فيفترعها قبل زوجها، فلقوآ من ذلك ذلاً طويلا، ولم تزل تلك حالتهم حتى تزوجت عفيرة، وقيل الشموس، بنت غفار الجديسي أخت الأسود بن غفار، فلما كانت لي هَدْيِهَا إلى زوجها انطلق بها إلى عملوق الملك ليطأها على عادته، ومعها القَيْنَات يغنينه ويقلنا فيغنائهن:
إبدِي بعملوق وَقُومِي فاركبي ... وَبَادرِي الصبح بأمر معجب
فَمَا لِبِكْرٍ بَعدكُمْ مِنْ مذهب
فلما دخلت عفيرة على عملوق افترعها وخلى سبيلها، فخرَجَتْ عفيرة على قومها في عمادها شَاقةً جيبها عن قبلها ودبرها، وهي تقول:
لا أحد أفل منها جَدِيس ... أهكذا يفعل بالعروس؟
وقالت أيضاً تحرض قومها جديس على طسم، وأبت أن تمضي إلى زوجها من كلمة:

أيَصْلُح ما يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم رجال فيكم عدد الرمل
أيَصْلُح تمشي في الدما فتياتكم ... صبيحة زُفَّت في النساء إلى البعل
فإن أنتم لاتغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تفروا من الكحل
ودونكمٍ طيبَ العروس؛فإنما ... خلقتم لأثواب العروس وللغسل
فقبحا و شيكأ للذى ليس دافعاً ... ويختال يمشي بيننا مشية الفحل
فلو أننا كنا الرجال وكنتم ... نساء لكنا لا نقر على الذل
فموتوا كرامأ، واصبروا لعدوكم ... بحرب تَلظى في القرام من الجزل
ولاتجزعوا للحرب يا قوم، إنما ... تقوم بأقوام كرام على رِجْل
فيهلك فيها كل نِكْسٍ مواكل ... ويسلم فيها ذو النجابة والفضل
وفي ذلك يقول أخوها:
جَاءَتْ تَمَشَّى طَسْمُ في خميس ... كالريح في هشهشة اليبيس
يا طَسْم مالقيت من جديس ... حَقّا ًلك الويل فهيسي هيسي
التفكر في الانتقام
قال: فلما سمعت جديس بذلك وغيره من قولها اجتمعت غضباً لذلك، فقال لهم الأسود بن غفار - وكان فيهم سيداً مطاعاً - يا جديس، أطيعوني فيما امركم به، وأدعوكم إليه، ففي ذلك عز الدهر، وذهااب الذل، قالوا: وما ذلك؛ قال: قد علمتم أن هؤلاء - يعني طسماً - ليسو بأعز منكم، ولكن مُلْكَ صاحبهم عليكم وعليهم وهو الذي يُذْعِننا إليه بالطاعة، ولولا ذلك ما كان له علينا من فضل، ولو امتنعنا منه لكان لنا النصف، فقالوا: قد قبلنا قولك، ولكن القوم أقراننا، وأكثر عمداً وَعدداً مِنَا، فنخاف إن ظفروا بنا أن لا يقيلونا، فقال: واللّه يا جديس لتطيعنني فيما آمركم به وأدعوكم إليه أو لأتكئن على سيفي فأقتل به نفسي، قالوا: فإنا نطيعك فيما قد عزمت عليه، قال: إني صانع لعملوق وقومه من طسا طعاماً وداعيهم إليه، فإذا جاءوا إليه متفضلين في الحلل والنعال نهضنا إليهم بأسيافنا، فانفردت أنا بالملك، وانفرد كل رجل منكم برجل منهم، قالوا له: فافعل ما بدا لك، واجتمع رأيهم عليه، فقالت عفيرة لأخيها الأسود: لا تفعل هذا؛ فإن الغدر فيه ذلة وعار، ولكن كابدوا القوم في ديارهم تظفروا أو تموتوا كراماً، قال: لا، ولكن نمكر بهم، فيكون ذلك أمْكَنَ لنا من نواصيهم، وأبلغ في الانتقام منهم، فقالت عفيرة في ذلك أسعاراً قد ذكرناها فيما سلف من كتبنا.
ثم إن الأسود صنع طعاماً كثيراً، وأمر قومه فاخترطوا سيوفهم ودفنوها في الرمل حيث أعَدُوا الطعام، ثم قال لهم: إذا أتاكم القوم يرفلون في حليهم فخذوا أسيافكم ثم شدوا عليهم قبل أن يأخذوا مجالسهم وابدوا بالرؤساء؛ فإنكم إذا قتلتموهم لم تبالوا بالسَّفِلة، ولم تكُن بعد ذلك منهم حال تكْرهونها، قالوا: نفعل ما قلت.
ثم دعا الأسود بعملوق الطسمى ومن معه من رؤساء طسم باليمامة فأسرعوا إجابة دعوة الأسود، فلما توافوا إلى المَدْعَاة وَثَبَتْ جديس، فاستثإروا سيوفهم من الرمل، وشدوا على عملوق وأصحابه فقتلوهم حتى أفنوهم عن اخرهم، ومضوا إلى ديارهم فانتهبوها، وقال الأسود بن غفار في ذلك أشعاراً يرثي بها طسماً، ويذكر بغيها وفعل عملوق بأخته، يطول بذكرها الكتاب، وقد تقدمت فيما سلف من كتبنا.
رباح الطسمي يستنجد حمير على جديس

قال: وهرب رجل من طسم، وكان أسمه رباح بن مرة الطسمي، فأتى إلى حسان بن تبع الحميري ملك اليمن يومئذ فاستغاث به، وقد كان عمد إلى جريمة نخل رطبة فجعل عليهاطيناً رطباً، وحملها معه وأخرج معه كلبة، فلما ورد على حسان كسر يَدَ كلبته، ونزع الطين عن الجريدة فخرجت خضراء ودخل إلى حسان واستعاذ به، وأخبره بالذي صنعت جديس بقومه، فقال له الملك: لله أبوك، فمن أين مَبْدَاك؟ قال: جئتك، أبيت اللعن من أرض قريبة وقوم انتهك منهم ما لم ينتهك من أحد، أنا رباح بن مرة الطَّسْمي، دعتنا جديس إلى مَدْعَاة لهم فأجبناهم متفضلين في الحلل وقد أعدوا لنا السلاح عند جِفَانهم، فما ذُقْنَا الطعام حتى صرنا حُطَاماً، بلا طلب دم ولا تِرَةٍ سلفت، فدونك - أبيت اللعن! - قومأ قطعوا أرحامنا - وسفكوا دماءنا، قال الملك حسان: أمعك خرجت هذه الجريدة وهذه الكلبة؟ قال: نعم، فقال الملك: إن كنت صادقاً لقد خرجت من أرض قريبة، ووَعَدده بالنصرة، ثم نادى في حمير بالمسير، وأعلمهم بما فعل بطسم، قالوا: مَنْ فعلَ هذا أبيت اللعن؟ قال: عبيدهم، قالوا: ما لنا في هذا من أرَبٍ، هم إخواننا فلا نعين بعضنا على بعض، وهم عبيدك أيها الملك فدعهم، فقال حسان: ما هذا بحسن، أرأيتم لوكان هذا فيكم كان حسناً لملككم أن يهدر دماءكم؛ وما علينا في الحكم إلا أننا ننصف بعضنا من بعض.
زرقاء اليمامة
فقام فرسانهم فقالوا: أبيت اللعن الأمر أمرك، فمرنا بما أحببت، فأمرهم بالمسير، فساروا وسار بهم رباح بن مرة حتى إذا صاروا من اليمامة على ثلاث قال رباح بن مرة للملك حسان: أبيت اللعن إن لي أختاً متزوجة في جديس ليس في الأرض أبصر منها، إنها تبصر الراكب على مسيرة ثلاث ليال، وأنا أخاف أن تنذر القوم بك، فتأمر كل واحد من أصحابك أن يقتلع شجرة من الأرض فيجعلها أم أمه ثم يسير، فأمرهم حسان بذلك، ففعلوا ثم ساروا، وكان اسم أخت رباح يمامة بنت مرة فأشرفت من منظرها فقالت: يا جديس، لقد سارت أليكم الشجر، قالوا لها: وما ذاك؟ قالت: أرى أشجاراً تسير ووراءها شيء، وإني لأرى رجلاً من وراء شجرة ينهش كتفاً أو يخصف نعلا، فكذبوها، وكان ذلك كما ذكرت فغفلوا عن أخذ أهبة الحرب، ففي ذلك تقول اليمامة لجديس تحفذهم:
إني أرى شجراً من خلفها بشر ... فكَيْفَ تجتمع الأشجار و البشر؟
ثورُوا بأجمعكمْ في وجه أولهم ... فإن ذلك منكُمْ فاعلموا ظَفَر
ُ وأقبل الملك حسان بحمير، حتى إذا كان من جَؤ على مسيرة ليلة عبأ جيشه ثم صًبَحهَا فاستباح أهلها من جديس قتلاً، فأفناهم وسبى نساءهم وصبيانهم، وهرب الأسود بن غفار ملكها حتى نزل بدار طيىء فأجاروه من الملك وغيره، - من غير أن يعرفوه؛فيذكرأن نسله اليوم في طيىء مذكور.
فلما فرغ حسان من جديس دعا باليمامة بنت مرة، وكانت امرأة زرقاء، فأمر فنزعت عيناها فإذا في داخلها عروق سود، فسألها عن ذلك، فقالت: حجر أسود يقال له الإثمد كنت أكتحل به فنشب إلى بصري وكانت هي أول من أكتحل به، فاتخذوه بعد ذلك كحلاً، وأمر املك باليمامة، فصلبت على باب جو، وقال سموا جواً باليمامة؛فسميت بها إلى اليوم.
مسير وبار بن أميم

قال المسعودي: ثم سار - بعد طسم بن لاوذ - وَبَارُ بن أميم بن لاوذ ابن أرم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه من قومه، فنزل بأرض وَبَارِ بالأرض المعروفة برمل عالج، فأصابهم نقمة من الله فهلكوا لما كان من بغيهم في الأرض، وقد قدمنا فصلا من ذلك فيما سلف من هذا الكتاب على ما زعم الأخباريون من العرب، وخروجهم بذلك عن حد المعقول والمعتاد من الأمر المفهوم، بذعمهم أن اللّه عز وجل حين أهلك هذه الامة العظيمة، المعروفة بوبار، كما أهلك طسماً وجديساً وداسماً، وكانت ديار داسم بأرض السماوة فأهلكُوا بالريح السوداء الحارة، وداسم كانت ديارهم بالجولان وجازر من أرض نوى من بلاد حُورَان والبثنية، وذلك بين دمشق وطبرية من أرض الشام، وعملاق وعاد وثمود، وأن الجن كانت تسكُن في ديار وبار، وحمتها من كل من أرادها وقَصَد إليها من الإِنس، وأنها كانت أخصب بلاد الله عز وجل وأكثرها شجراً وأطيبها ثمراً وعنباً ونخَلاًَ وموزاً، وإن دنا أحد من الناس إلى تلك البلاد غالطاً أو متعمداً حَثَتِ الجن في وجهه التراب، وسفت عليه سَوَافي الرمل، وأثارت عليه الزوابع، فإن أراد الرجوع عنها خبلوه - وتيهوه، وربما قتلوه، وهذا الموضع عند كثير من ذوي الحجا باطل، فإذا قيل لهم: دلونا على جهته، وقِفونَا على حده، زعموا أنها من أرادها ألقى على قلبه الصَرْفة، حتى كأنهم بنو إسرائيل الذين كانوا مع موسى في التيه فصدهم الله تعالى عن الخروج، ولم يجعل لهم سبيلا إلى أن تم فيهم مراده، وانتهى فيهم حكمه، وقد قال في ذلك شاعرهم يخبر بمثل ما وصفنا من قولهم في هذه الأرض المجهولة.
دعا جحفلا لا يهتدي لمقيله ... من اللؤم حتى يهتدي لوبار
وَدَاع دعا والليل مُرْخٍ سدوله ... رجاء القرى يامسلم بن جبار
وأقوالهم في مثل هذا كثيرة.
والعرب ممن سلف وخلف في الجاهلية والإسلام يخبرون عن هذه الأرض كإخبارهم عن وداي القُرَى وَالصَّمَان وَالدهنَاء والرمل الذي بيبرين وغيرها من الأرضين التي نزلوا فيها، ويخيمون عليها طلبَاَ للماء والكلأ، وزعموا أنه ليس بهذه الأرض اليوم أحد إلا الجن والإبل الوحشية، وهي عندهم من الإبل التي قد ضربت فيها فحول الجن، فالوحشية من نسل إبل الجن، والعبدية والعسجدية والعمانية قد ضربت فيها الوَحْشِية، وفي ذلك يقول أبو هريم:
كأني عَلَى وَحْشِية أونَعَامة ... لها نسب في الطير وَهْو ظَليم
والأشعار في ذلك كثيرة.
وفي بسطنا لجوامع أخبار العرب فيما نقلته عن أسلافها - مما أمكن كونه وخرج عن حد الوجوب والجواز - خروج عن حد الإيجاز والاختصار، وقد أتينا على ذلك فيما سلف من كتبنا.
مسير عبد ضخم للطائف
وسار بعد وبار بن أميم عبدُ ضجم بن أرم بن نوح بولده ومن تبعه فنزلوا الطائف، فهلك هؤلاء ببعض غوائل الدهر، فدثروا وذكرتهم الشعراء، وفيهم يقول الأزْدِي:
وعبد ضخم إذا نسبتهم ... ابيضَّ أهل الحي بالنسب
ابتدعوا منطقا ًيجمعهم ... فبين الخط قحة العرب
بدء الكتابة بالعربية
وذكروا أن هؤلاء أول من كتب بالعربية، ووضع حروف المعجم وهي حروف أب ت ث، وهي التسعة والعشرون حرفاً، وقد قيل غير ذلك، على حسب تنازع الناس في بدء الكتابة.
مسير جرهم إلى مكة
وسار بعد عبد ضجم بن أرم ض هُم بن قحطان بولده ومن تبعه، وطافوا البلاد، حتى أتوا مكة فنزلوها وفي ذلك يقول مُضَاض بن عمرو الجرهمي:
هذا سبيل كسبيل يعرب ... البادى القول المبين المعرب
يا قوم سيروا عن فعال الأجنب ... جرهم جدي وقحطان أبي
مسير أميم إلى فارس
وسار أميم بن لاوذ بن أرم بعد جرهم بن قحطان فحل بأرض فارس؛ فالفرس - على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب، في باب تنازع الناس في أنساب فارس - من ولد كيومرث بن أميم بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح، - وفي ذلك يقول بعض مَنْ تقدم من أهل الحكمة من شعراء فارس في الإسلام:
أبونا أميم الخير من قبل فارس ... وفارس أرباب الملوك؛ بهم فخري
وما عد قوم من حديث وحادث ... من المجد إلا ذِكْرُنَا أفضل الذكر
أول امرىء بنى البيوت أميم بن لاوذ

وقد ذكر جماعة من أهل السير والأخبار أن جميع من ذكرنا من هذه القبائل كانوا أهل خيم وبدوأ مجتمعين في مساكنهم من الأرض، وأن أميماً أول من ابتنى البنيان، ورفع الحيطان، وقطع الأشجار، وسقف السقوف، واتخذ السطوح، وأن ولد حام بن نوح حلوا ببلاد الجنوب، وأن ولد كوش بن كنعان خاصة هم النوبة، على حسب ما قدمنا آنفاً في باب السودان من هذا الكتاب، وأن فخذا من ولد كنعان بن حام ساروا نحو بلاد إفريقية وطنجة من أرض المغرب، فنزلوها، وزعم هذا القائل أن البربر من ولد كنعان بن حام.
أنساب البربر
وقد تنازع الناس في بدء أنساب البربر، فمنهم من رأى أنهم من غسان وغيرهم من اليمن، وأنهم تفرقوا حول تلك الديار حين تفرق الناس من بلاد مأرب عندما كان من سيل العَرِم ومنهم من رأى أنهم من قيس عيلان، ومنهم من رأى غير ذلك، وقد ذكرناه فيما سلف من كتبنا.
ونزل ولد كنعان بن حام - وهم الأغلب من ولد كنعان - بلاد الشام، فهم الكنعانيون، وبهم تعرف تلك الديار، فقيل: بلاد كنعان.
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب أخبار مصربن حام وبيصر والأ نباط.
مسير نوفير إلى الهند
وسار نوفير بن فوط بن حام بولده ومن تبعه إلى أرض الهند والسند، وبالسند اُّمم لهم أجسام طوال، وهم على بلاد المنصورة من أرض السند؛ فعلى هذا القول أن الهند والسند من ولد نوفير بن فوط بن حام بن نوح، فولد حام في الجنوب من الأرض الأكثر منهم، وولد يافث في الشمال فيما بين الشرق والمغرب على حسب ما ذكرنا من الأمم وتفرقها في الشرق وغيره مما يلي جبل القبخ والباب والأبواب.
عبادة عاد، وبغيهم
وبَغَتْ عاد في الأرض وملكها الخلجان بن الوهم؛فكانوا يعبدون ثلاثة أصنام، وهي: صمود، وصداء، والهباء، فبعث الله إليهم هوداً على حسِب ما قدمنا، فكذبوه، وهو هود بن عبد اللّه بن رياح بن خالد بن الخلود بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، وقد قدمنا أن قوم عاد كانوا عشرة قبائل، وقد تقدم ذكر أسمائهم، فدعا عليهم هود، فمنعوا المطرثلاث سنين، وأجدبت الأرض فلم يدِرّ عليهم ضَرْعٌ.
أصل الشرك ووفود عاد على مكة
وقد كان من ذكرنا من الأمم لا يجحد الصانع جل وعز، ويعلمون أن نوحاً عليه السلام كان نبياً، وفيّ لقومه بما وعدهم من العذاب، إلا أن القوم دخلت عليهم شُبَه بعد ذلك لتركهم البحث واستعمال النظر، ومالت نفوسهم إلى الدَّعَة، وما تدعو إليه الطبائع من المَلاَذِّ والتقليد، وكان في نفوسهم هيبة الصانع، والتقرب إليه بالتماثيل وعبادتها، لظنهم أنها مقربة لهم إليه، وكانوا مع ذلك يعظمون موضع الكعبة، وكان موضع على ما ذكرنا ربوة حمراء، فوفدت عاد إلى مكة يستسقون لهم، وكان بمكة يومئذ العماليق، فأتى الوفد مكة، فأقبلوا علي الشرب واللهو، حتى غَنتهم الجرادتان قَيْنَتَا معاوية بن بكر بشعر فيه حَث لهم على ما وردوا من أجله، وهو:
ألا يا قَيْل وَيْحَكَ قم فَهَيْنِم ... لعلً الله يمطرنا غماما
فيسقي أرض عادٍ، ... إنَ عادا قَدَ امْسَوْا لا يبينون الكلاما
من العطش الشديد فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما
وإن الوحش تأتي أرض عاد ... فلا تخشى لراميهم سهاما
وأنتم ههنا فيما اشتهيتم ... نهارَكُمُ وليلكُمُ التماما
فَقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لُقُّوا التحية والسلاما
ثم إن معاوية بن بكر دعا إحدى الجرادتين فغنت:
ألا يا قَيْلُ من عُوصٍ ... ومن عاد بن سام
وعاد كالشماريخ ... من الطول الكرام
سقى الله بني عاد ... مَعاً صَوْبَ الغمام
فاستيقظ القوم من غفلتهم، وباثروا إلى الاستسقاء لقومهم؛ فكان من أمرهم في مجيء السحاب واختيارهم لما اختاروه منها ما قد اتضح وفيهم يقول مَرْثد بن سعد من كلمة:
عَصَتْ عاد رسولَهُمُ فأمسوا ... عِطَاشا لا تَبُلّهم السماء
ألا قَبَحَ الإِلهُ حُلُومَ عاد ... فإن قلوبهم قَفْرٌ هواء

لهم صنم يقال له صمود ... يقابله صداء والهباء
فبصَرنا النبي سبيل رشد ... فأبصرنا الهدى ونأى العَمَاء
وإني موقن فاستيقنوه ... بأن إله هود هو العلاء
وأن إله هود هو إلهِي ... على الله التوكل والرجاء
وأني لاحق بالأمس هوداً ... وإخوته إذا حق المساء
مهلك عاد
فأرسل الله عز وجل على عاد الريح العقيم، فخرجت الريح عليهم من وادٍ لهم، فلما رأوا ذلك قالوا: " هذا عارضٌ ممطرناط وتباشروا بذلك، فلمّا سمع هود ذلك من قولهم قال: " بل هو ما استعجلتم به، ريح فيها عذاب أليم " الاية فأتتَهم الريح يوم الأربعاء، فلم تأت الأربعاء الثانية ومنهم حَيٌّ، فمن أجل ذلك كره الناس يوم الأربعاء.
وقد بينا فيما يرد من هذا الكتاب كيفية ذلك، وكيف وقوعه من أيام الشهر في باب ذكر الشعور، فلما شاهد هود النبي صلى الله عليه وسلم ما نالَ قومه انفرد هو ومن معه من المؤمنين، وفي ذلك يقول الهيل بن الخليل:
لو أن عاداً سَمِعَتْ من هود ... واتبدت طريقة الرشيد
وقد أتى بالوعد والوعيد ... عاداً وبالتقريب والتبعيد
ما أصبحت عاثرة الجدود ... صَرْعَى على الآناف والخدود
ساقطة الأجساد بالوصيد ... ماذا جنى الوفد من الوفود
أحداثة في ... الأبد الأبيد
وقال مهد بن سعد في شعرله:
دعاهم خيفة للَّه هود ... فما نفع النذير ولا أجابوا
فلما أن أبوا إلا عتواً ... أصابهمُ ببغيهم العذابُ
وقد كان الأخر من ملوكهم الخلجان، وقد تقدم ذكرنا في هذا الباب لملك عاد وثمود وغيرهم، وقيل: إن أول من ملك عادأ من الملوك عاد بن عوص ثلثمائة سنة، ثم ملك ابن عاد بن عوص.
الجحفة
قال: ولما دثرت هذه الأمم من العرب والقبائل خلت منهم الديار فسكنها غيرهم من الناس، فنزل قوم من بني حنيفة اليمامة واستوطنوها وقد كانوا نزلوا بلاد االْجًحْفَة بين مكة والمدينة وقطنوها؛ فقال شاعرهم يدثى من كان في تلك الديار:
إن طَسْماً وجُرْهُماً وجديسا ... والعماليق في السنين الخوالى
عمروا البيت حِقْبَة ثم ولئوْا ... واستمرت بهم صروف الليالي
وأراك الزمان منهم، وأضحى ... غيرهم ساكنأ بتلك الخوالى
ورماهم رَيْبُ الزمان فأمسوا ... درهم بلقع لَمِرالشمال
وقد كان نزل بلاد الجحفة بين مكة والمدينة عبيل بن عوص بن أرم بن سام بن نوح هو وولدة ومن تبعه، فهلكوا بالسيل، فسمي ذلك الموف بالْجُحْفة لإجحافها عليهم.
يثرب
وكان يثرب بن قاتية بن مهليل بن أرم بن عبيل نزل بالمدينة هو وولده ومن تبعه فسميت به يثرب، فهلك هؤلاء أيضاً ببعض غوائل الدهر و افاته، فقال شاعرهم:
عَيْنُ جودي على عبيلٍ، وهل ير ... جع مافات فَيضُها بالسجام
عَمرُوا يثرباً وليس بها سَفْر ولا صارخ ولا ذوسَنَام
غرَسوا لِينَها بمجرى معين ... ثم حفوا الفَسيلَ يالاجام
وقد أخبر اللهّ جلت قدرته عنه، فقال: " كذبت ثمود وعاد بالقارعة، فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية، وأما عاد فأهلكوا بريح صَرصرٍ عاتية " .
قوم شعيب
وقد تنازع أهل الشرائع في قوم شعيب بن نويل بن رعويل بن مربن عنقاء بن مَدْين بن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم وكان لسانه العربية: فمنهم من رأى أنهم من العرب الداثرة، والأمم البائدة، وبعض من ذكرنا من الأجيال الخالية، ومنهم من رأى أنهم من ولد المحض بن جندل بن لِعصب بن مدين بن إبراهيم، وأن شعيباً أخوهم في النسب، وقد كانوا عدة ملوك تفرقوا في ممالك متصلة ومنفصلة فمنهم المسمى بأبي جاد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت، وهم على ما ذكرنا بنو المحض بن جنمل.
حروف الجمل

وأحرف الجمل على أسماء هؤلاء الملوك، وهي التسعة والعشرون. حرفاً التي يدور عليها حساب الجمل، وقد قيل في هذه الأحرف غيرما ذكرنا من الوجوه، على حسب ما قدمنا في هذا الكتاب، وليس كتابنا، موضعاً لما قاله الناس فيها، وتنازعوا في تأويلها والمراد بها، وكان أبجد ملك مكة وما يليها من الحجاز، وكان هوز و حطي ملكين ببلاد وَجّ، وهي أرض الطائف وما اتصل بذلك من أرض نجد، وكلمن وسعفص وقرش ملوكاً بمَدْيَن، وقيل: ببلاد مصر، وكان كلمن على ملك مدين، ومن الناس مَنْ رأى أنه كان ملكاً على جميع من سمينا مشاعاً متصلأ على ما ذكرنا.
عذاب يوم الظلة
وإن عذاب يوم الظُّلة كان في ملك كلمن منهم، وأنَ شعيباً دعاهم فكذبوه، فوعدهم بعذاب يوم الظلة، ففتح عليهم باب من السماء من نار، وانحاز شعيب بمن آمن معه إلى الموضع المعروف بالأيْكَة، نحو مدين، فلما أحس القوم بالبلاء واشتد عليهم الحر وأيقنوا بالهلاك طلبوا شعيبأ ومن آمن معه وقد أظلتهم سحابة بيضاء طيبة النسيم والهواء لا يجدون فيها ألم العذاب، فأخرجوا شعيباً ومن آمن معه من موضعهم وأزالوهم عنِ أماكنهم وتوهموا أن ذلك ينجيهم مما نزل بهم فجعلها اللّه عليهم ناراَ، فأتت عليهم فرثت حارثة بنت كلمن أباها فقال وكانت بالحجاز:
كلمن هَدَّم ركني ... هُلْكه وَسْطَ المحلّهْ
سيد القوم أتاه الحَتْفُ ناراً تحت ظُلهْ
كونت ناراً، وأضحت ... دار قومي مضمحلّهْ
وفي ذلك يقول المنتصر بن المنذر المديني:
ألا يا شعيب قد نَطَقْتَ مقالة ... أتيت بها عمراً وحَيَّ بني عمرو
وهم ملكوا أرض الحجاز و أوجَهَا ... كمثل شعاع الشمس في صورة البدر
ملوك بني حُطَي وَسَعْفصَ ذي الندى ... وهَوَّز َأرباب البَنية والحجر
وهم قطنوا البيت الحرام ورتّبوا ... خطوراً وساموا في المكأرم والفخر
ولهؤلاء الملوك أخبار عجيبة من حروب وسير، وكيفية تغلبهم على هذه الممالك وتملكهم عليها، وإبادتهم من كان فيها وعليها قبلهم من الأمم، قد أتينا على ذكرها فيما تقدم من كتبنا في هذا المعنى مما كتابُنَا هذا منبه عليها وباعث على درسها.
حضورا وتنازع الناس في أنسابهم
وأما بنو حضورا وكانت أمة عظيمة ذات بطش وشدة، فغلبت على كثير من الأرض والممالك، وقد تنازع الناس فيهم: فمنهم من ألحقهم بمن ذكرنا من العرب البائدة ممن سمينا، ومنهم من رأى أنهم من ولد يافث بن نوح، وقيل في أنسابهم غير ما ذكرنا من الوجوه، وقد كان اللّه عز وجل بعث إليهم شعيب بن مهدم بن حضورا بن عدي نبياً ناهياً عما كانوا عليه، وهذا غير شعيب بن نويل بن رعويل بن مر بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم الخليل صاحب مدين المتزوج ابنَتَه موسى بن عمران المقدم ذكره، وبينهما مئون من السنين، وقد كان بين موسى بن عمران وبين المسيح ألف نبي، ولما بُعِثَ إلى حضورا، واشتد كفرهم جدَ نبيهم شعيب بن مهدم في دعائهم وخَوَّفهم وتوعدهم، فقتلوه من بعد ظهور معجزات كانت له ودلائل أظهرها اللّه على يديه تدل على صدقة وتثبت حجته على قومه، فلم يضيع الله دمه، ولم يكذب وعيده، فأوحى اللّه تعالى إلى نبي كان في عصره - وهو برخيا بن أخبيا بن زنائيل بن شالتان - وكان من سبط يهوذا بن إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام - أن يأتي بختنصر - وكان بالشام - وقيل: غيره من الملوك، فيأمره أن يغزو العرب الذين لا أغْلاق، لبيوتهم، فلما أتى برخيا ذلك الملك قال له الملك: صدقت، لي سب ليال أومَرُ في نومي بما ذكرت، وأنَادي بمجيئك إلي، وأبشر بخطابك ويُقال لي ما أمرتني به، وأن أنتصر للنبي المقتول الفديد المظلوم فسار إليهم في جنوده وغشي دارهم في عساكره، وصاح بهم صائح من السماء وقد استعدوا لحربه من حيث عَمَّ الصوت جميعهم، وهو يقول:
سَيُغْلَبُ قوم غالبوا اللَّه جهرة ... وإن كايدوه كان أقْوَى وأكيدا
كذاك يضل الله من كان قلبه ... مريضاً وَمَنْ وَالَى النفاق وألحدا
فلما سمعوا ذلك علموا أن الأمر قد نزل بهم، فانفضت جنودهم وتفرقت جموعهم، وولَّتْ كتائبهم يتراكضون، وأخذهم السيف، فَحُصِدا أجمعين.

وقد ذكر أن في قصة هلكهم قال اللّه عز وجل من قائل: " فَما أحَسُّوا بأسنا إذا هم منها يركضون " .
منازل حضورا
وقد تنوزع في ديارهم والموضع الذي كانوا فيه: فمن الناس مم رأى أنهم كانوا بأرض السماوة، وأنها كانت عمائر متصلة ذات جنان ومياه متدفقة، وذلك بين العراق والشام إلى حد الحجاز، وهي الآن ديار خراب براري وقفار، ومنهم من رأى أن ديارهم كانت بلاد جند قنسرين إلى تل ماسح إلى خناصرة إلى بلاد سورية، وهذه المدن في هذا الوقت مضاف إلى أعمال حلب من بلاد قنسرين من أرض الشام.
قال المسعودي: وقد أتينا على جمل من أخبار العرب الماضيه والباقية، وقد كان قبل ظهور الإسلام للباقى منهم مذاهب وآراء في النفوس وتغول الغيلان والهواتف والجن، وسنورد جملاً منها منفرعة على حسب ما يقتضيه شرط الاختصار في هذا الكتاب، وعلى حسب ما نمي إلينا من أخبارهم، واتصل بنا من آثارهم، وذكره الناس من آرائهم، عن الفاني والباقي منه، إن شاء الله تعالى.
ذكر ما ذهب إليه العرب في النفوس والهام
والصفر وغير ذلك من مذاهب الجاهلية في النفوس والمرء
الاختلاف في النفس
كانت للعرب مذاهب في الجاهلية في النفوس، وآراء ينازعون في كيفياتها: فمنهم من زعم أن النفس هي الدم لا غير وأن الروح الهواء الذئ في باطن جسم المرء منه نفسه، ولذلك سموا المرأة منه نفَسَاء، لما يخرج منها من الدم، ومن أجل ذلك تنازع فقهاء الأمصار فيما له نَفْسُ سائلة إذا سقط في الماء: هل ينجسه لم لا؛ وقال تأبط شرأ لخاله الشنفرى الأكبر وقد سأله عن قتيل قتله - كيف كانت قصته؛ فقال: ألجمته عضباً فسالت نفسه سكباً، وقالوا: إن الميت لا ينبعث منه الدم ولا يوجد فيه، بدأ في حال الحياة، وطبيعته طبيعة الحياة والنماء مع الحرارة والرطوبة؛لأن كل حي فيه حرارة و رطوبة، فإذا مات بقي اليبس والبرد، ونفيت الحرارة، وقال ابن براق من كلمة:
وكم لاقيت ذا نجب شديد ... تسيل به النفوس على الصدور
إذا الحرب العوان به استهامت ... وحال، فذاك يوم قمطرير
وطائفة منهم تزعمِ أنه - النفس طائر ينبسط في جسم الإِنسان، فإذا مات أو قتل لم ينزل مطيفاَ به متصوراً إليه في صورة طائر يصرخ على قبره مستوحشاً، وفي ذلك يقول بعض الشعراء وذكر أصحاب الفيل:
سلط الطير و المنون عليهم ... فلهم في صدَىَ المقابر هَام
لأن هذا الطائر يسمونه الهام، والواحدةِ هامة، وجاء الإسلام وهم على ذلك حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا هَاَمَ ولا صَفَر " .
ويزعمون أنَّ هذا الطائر يكون صغيراً، ثم يكبر حتى يصير كضرب من البوم وهي أبداً تتوحش وتَصْدَع، وتوجد أبداً في الديار المعطلة والنواويس، وحيث مصارع القتلى وأجداث الموتى.
ويزعمون أن الهامة لا تزال على ذلك عند ولد الميت في محلته بفنائهم،لتعلم ما يكون بعده فتخبره به، حتى قال الصلت بن أمية لبنيه:
هامِي تخِّبرني بما تستشعروا ... فتجنبوا الشنعاء والمكروها
وفي ذلك يقول في الإِسلام توبة في ليلى الأخلية:
ولو أن ليلى الأخيلية سَلّمت ... عليَّ ودوني جندل وصفائح
سلمت تسليم البشاشة، أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
وهذا من قولهم يدل على أن الصدَى قد ينزل إلى قبورهم ويصعد ومن ذلك ماروي عن حاتم طيىء مما سنورد خبره في هذا الكتاب.
أتيت لصحبك تبغي القرى ... لدى حُفر صدحَتْ ه أمه ا
وسنذكر هذا الشعر في أخبار الحجاج بن يوسف مع ليلى الأخيلية من هذا الكتاب، وقد قيل: إن هذه الأبيات لغير توبة في غير ليلى، وهذا كثير في أشعارهم ومنثور كل أمه م وسَجْعهم وخطبهم، وغير ذلك من محاورا تهم.
تنقل الأرواح
وللعرب وغيرهم من أهل الملل ممن سلف وخَلَفَ كلام كثير في تنقل الأرواح وقد أتينا على مبسوط ذلك في كتابنا المترجم بسر الحياة وكتاب الدعاوى وبالله التوفيق.
ذكر أقاويل العرب في الغيلان والتغول
وما لحق بهذا الباب
رأيهم في الغول
للعرب في الغيلان وتغولها أخبار طريفة.

العرب يزعمون أن الغول يتغول لهم فيِ الخلوات، ويظهر لخواصهم في أنواع من الصور، فيخاطبونها، وربما ضيَّفوها، وقد أكثروا من ذلك في أشعارهم: فمنها قول تأبط شرأ:
وأدهم قد جُبْت جلبابه ... كما آجتابت الكاعب الخيعلا
على إثر نارٍ يَنُور بها ... فبتُّ لها مدبِرا ًمقبلا
فأصبحْتُ والغول لي جارة ... فياجارتي أنت ما أهْوَل
وطالبتها بُضَعهَا فالتوت ... بوجه تغول فاستغولا
فمن كان يسأل عن جَارتي ... فإن لها باللِّوَى منزلا
ويزعمون أن رجليها رجلا عنز، وكانوا إذا اعترضتهم الغول في الفيافي يرتجزون ويقولون:
يارجل عنز آنْهَقِي نيقا ... لن نترك السبسب والطريقا
الغول تتلون وتضلل
وذلك أنها كانت تتراءى لهم في الليالي وأوقات الخلوات، فيتوهمون أنها إنسان فيتبعونها، فتزيلهم عن الطريق التي هم عليها، وتتيههم. وكان ذلك قد اشتهر عندهم وعرفوه، فلم يكونوا يزولون عما كانوا عليه من القَصْد فإذا صيح بها على ما وصفنا شردت عنهم في بطون الأودية ورؤوس الجبال.
وقد ذكر جماعة من الصحابة ذلك: منهم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه أنه شاهد ذلك في بعض أسفاره إلى الشام، وأن الغول كانت تتغول له، وأنه ضر بها بسيفه، وذلك قبل ظهور الإسلام، وهذا مشهور عندهم في أخبارهم.
رأي الفلاسفة
وقد حكي عن بعض المتفلسفين أن الغول حيوان شاذ من جنس الحيوان مُشَوّهً لم تحكمه الطبيعة، وأنه لما خرج منفرداً في نفسه وهيئته توحَش من مسكنه، فطلب القفار، وهو يناسب الإِنسان والحيوان البهيمي في الشكل، وقد ذهبت طائفة من الهند إلى أن ذلك إنما يظهر من فعل ما كان غائباً من الكواكب عند طلوعها، مثل الكوكب المعروف بكلب الجبار، وهي: الشَعْرَى االْعَبُور، وأن ذلك يحدث داء في الكلاب، وسهيل في الحمل والذئب في الدب وحامل رأس الغول يحدث عند طلوعه تماثيل وأشخاص تظهر في الصحاري، وغيرها من العامر والخرائب، فتسمية عوام الناس غولاً، وهي ثمانية وأربعون كوكباً، وقد ذكرها بطليموس وغيره ممن تقدم وتأخر، وقد وصف ذلك أبو معشر في كتابه المعروف بالمدخل الكبير إلى علم النجوم وذكر كيفية صورة كل كوكب عند ظهوره في أنواع مختلفة.
وزعمت طائفة من الناس أن الغول اسم لكل شيء يعرض للسُّفَار، ويتمثل في ضروب من الصور، ذكراً كان أو أنثى، إلا أن اكثر هم كل أمه م على أنه أنثى، وقد قال أبو المطراب، عبيد بن أيوب العنبري:
وحالفني الوحوش على الوفاء ... وتحت عهودهن وَبَا البعاد
وغولا قفرة ذكراً وأنثى ... كأن عليهما قطع النجاد
وقال آخر وهو كعب بن زهير الصحابي:
فما تَحُومُ على حال تكون بها ... كما تَلًؤنُ في أثوابها الغولُ
وقد قدمنا ذكر ذلك فيما سلف من كتبنا في هذا المعنى، وأن كل كوكب من هذه يظهر في صورة مخالفة لما تقدمه من الصور يحدث في هذا العالم نوعاً من الأفعال لم ينفرد يفعله غيره من الكواكب.
وكانت العرب قبل الإسلام تزعم أن الغيلان توقد بالليل النيران للعبث والتخيل، واختلال السا بلة، قال أبو المطراب:
فللَّه در الغول، أي رفيقةٍ ... لصاحب قفر حالف وهو معبر
أرنَتْ بلحن بعد لحن وَأوقدت ... حواليً نيرانا تلوح وتزهر
قولهم في السعلاة
وقد فرقوا بين السِّعْلاَة والغول، قال عبيد بن أيوب:
وساخرة مني، ولو أن عينها ... رأت مارأت عيني من الهول جُنَت
أبيت بسعلاة وغول بقفرة ... إذا الليل وارى الجَنّ فيه أرَنَّت
ِ وقد وصفها بعضهم، فقال:
وَحافِرُ العنز في سَاقٍ مدَمْلَجة ... وَجفن عين خِلاف الإنس بِالطول
قولهم في الشياطين ونحوهم

وللناس كلام كثير في - الغيلان، والشياطين، والمردة، والجن، والقطرب، والغدار، وهو نوع من الأنواع المتشيطنة، يعرف بهذا الاسم، يظهر في أكناف اليمن والتهائم، وأعالي صعيد مصر، وأنه ربما يلحق الإنسان فينكحه فيتدود دبره فيموت،وربما يتوارى للإنسان فيذعره، فإذا أصاب الإنسان ذلك منه يقول له أهل تلك النواحي التي سمّينا: أمنكوح هو أم مذعور؟ فإن قالوا منكوح يُئسَ منه، وإن كان مذعوراً أسكن روعه، وشجع مما ناله، وذلك أن الإنسان إذا عَايَنَ ذلك سقط مغشياً عليه، ومنهم من يظهر له ذلك فلا يكترث به لشهامة قلبه، وشجاعة نفسه، وما ذكرنا مشهور في البلاد التي سمينا، ويمكن جميعُ ما قلنا مما حكيناه عما ذكرنا من أهل هذه البقاع أن يكون ضرباً من السوانح الفاسدة والخوأطر الرديئة، أو غير ذلك من الآفات والأدواء المعترضة لجنس الحيوان من الناطقين وغيرهم، والله أعلم بكيفية ذلك.
ولم نذكر في هذا الكتاب ما ذكره أهل الشرائع، وما ذكره أهل التواريخ والمصنفون لكتب البدو، كوهب بن منبه، وابن إسحاق، وغيرهما أن الله تعالى خلق الجان من نار السموم، وخلق منه زوجته، كما خلق حواء من آدم وأن بيضة من تلك البيض تفلقت عن قطربة، وهي: أم القطارب،وأن القطربة على صورة الهرة، وأن الأبالس من بيضة أخرى منهم الحارث أبو مرة، وأن مسكنهم البحور، وأن االْمَردة من بيضة أخري مسكنهم الجزائر، وأن الغيلان من بيضة أخري، مسكنهم الخلوات والفلوات، وأن السعالي من بيضة أخري، سكنوا الحمامات والمزابل، وأن الهوام من بيضة أخري، سكنوا الهواء في صورة الحيات ذوات أجنحة يطيرون هنالك، وأن من بيضة أخرى الدواسق، وأن من بيضة أخرى الحماميص - لأنا قد ذكرنا ذلك فيما سلف من كتبنا، وتقدم من تصنيفنا، وأتينا على ذكر ما تشعب من أنسابهم والمشهور من أسمائهم ومساكنهم من الأرض والبحار، وإن كان ما ذكره أهل الشرع مما وصفنا ممكناً غير ممتنع ولا واجب، وإن كان أهل النظر والبحث والمستعملون لقضية العقل أو الفحص يمتنعون مما ذكرناه، ويأبون ما وصفنا، والمصنف حاصِبُ ليل، فأوردنا ما أقاله الناس من أهل الشرائع وغيرهم؛ إذ كان الواجب على كل في تصنيف أن يورد جميع ما قاله أهل الفرق في معنى ما ذكرناه، وأتينا أيضاً على سائر ما خبرنا من الأشخاص التي هي غير مرئية من الجن والشياطين وما قالوه في سلوك الجن في الناس في كتابنا المترجم بكتاب المقالات، في أصول الديانات بالله التوفيق.
ذكر قول العرب في الهواتف والجان
قال المسعودي: فأما الهواتف فقد كانت كثرت في العرب، واتصلت بديارهم، وكان كثرها أيام مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أولية مبعثه، ومن حكم الهواتف أن تهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي.
قولهم في الهواتف والجان
قال المسعودي: وقد تنازع الناس في الهواتف والجان: فذكر فريق منهم أن ما تذكره العرب وتُنْبىء به من ذلك إنما يعرض لها من قبل التوحد في القفار، والتفرد في الأودية، والسلوك في المهامة والمَرَوْرَاة الموحِشة؛ لأن الإنسان إذا صار في مثل هذه الأماكن وتوحًد تفكر، وإذا هو تفكر وجِلَ وَجَبُنَ، وإذا هو جبن داخلته الظنون الكاذبة، والأوهام المؤذية، والسوداوية الفاسدة، فصورت الأصوات، ومثلت له الأشخاص، وأوهمته المحال، بنحو ما يعرض لنوي الوسواس، وقُطْبُ ذلك وأسُه سوء التفغير، وخروجه على غير نظام قوي، أو طريق مستقيم سليم؛ لأن المتفرد في القفار والمتوحد في المَرَوْرَاة مستشعر للمخاوف، متوهم للمتالف، متوقع للحُتُوف ؛ لقوة الظنون الفاسدة على فكره، وانغراسها في نفسه، فيتوهم ما يحكيه من هَتْف الهواتف به واعتراض الجان له.
بين شق وعلقمة بن صفوان
وقد كانت العرب قبل ظهور الإسلام تقول: إن من الجن مَنْ هو على صورة نصف الإنسان، وأنه كان يظهر لها في أسفارها وحين خلواتها وتسمية شِقاً.
وذكروا عن علقمة بن صفوان بن أمية بن محرب الكناني جد مروان بن الحكم ل أمه أنه خرج في بعض الليالي يريد مالاً له بمكة، فانتهى إلى الموضع المعروف إلى هذا الوقت بحائط حرمان؛ فإذا هو بشق قد ظهر له في أوصاف ذكرها فقال شق:
علقم إني مقتول ... وإن لحمي مأكول
أضربهم بالمسلول ... ضَرْبَ غلام مشمول
رَحْب ِالزراع بهلول
فقال علقمة:

شِق، مالي ولك ... اغمد عني مُنْصُلَكْ
تقتل من لا يقتلك؟
فقال شق:
عَلْقَم، غنيت لك ... كيما أبيح معقلك
فاصبر لما قد حم لك
فضرب كل منهما صاحبه، فخرا ميتين، وهذا مشهور عندهم، وأن علقمة بن صفوان قتلته الجن.
الجن تقتل حرب بن أمية
وذكروا عن الجن بيتين من الشعر قالتهما في حرب بن أمية حين قتلته الجن وهما:
وقبر بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
واستدلوا على أن هذا الشعر من قول الجن بأن أحداً من الناس لا يتأتى له أن ينشد هذين البيتين ثلاث مرات متواليات لا يتتعتع في إنشادهما؛ لأن الإنسان قد ينشد العشرين بيتاً والأكثر والأقل أشد من هذا الشعر وأثقل منه ولا يتتعتع فيه.
ممن قتلته الجن
وممن قتلته الجن مرداس بن أبي عامر السُّلَمي، وهو أبو عباس بن مرداس السُّلَمي، ومنهم الغريض المغني، بعد أن ظهر غناؤه وحمل عنه، وقد كانت الجن نهته أن يغني بأبيات من الشعر، فغناها فقتلته.
قبر حاتم طي يقري الضيف
وحدث يحيى بن عقاب، عن علي بن حرب، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى عن منصور بن يزيد الطائي ثم الصامتي قال: رأيت قبر حاتم طي ببقة، وهو أعلى جبل له واد يُقال له الخابل، وإذا قدْرٌ عظيمة من بقايا قدور حجر مكفأة في ناحية من القبر من القدور التي كان يطعم فيها الناس، وعن يمين قبره أربعِ جوار من حجارة، وعلى يساره أربع جوار من حجارة، كلهن صاحبة شعْر منشور محتجرات على قبره كالنائحات عليه، لم ير مثل بياض أجس أمه ن وجمال وجوهن، مَثَّلهن الجن على قبره، ولم يكنَ قبل ذلك، والجواري بالنهار كما وصفنا، فإذا هدأت العيون أرتفعت أصوات الجن بالنياحة عليه، ونحن في منازلنا نسمع ذلك، إلى أن يطلع الفجر فإذا طلع الفجر سكتن وهدأن، وربما مر المار فيراهن فيفتتن بهن فيميل إليهن عجباً بهنَ؛فإذا دنا منهن وجدهن حجارة.
وحدث يحيى بن عقاب الجوهري قال: حدثنا علي قال: أنبأني عبد الرحمن بن يحيى المنذري، عن أبي المنزر هشام الكلبي، قال: حدثنا أبو مسكين بن جعفر بن محرز بن الوليد، عن أبيه، وكان مولى لأبي هريرة قال: سمعت محمد بن أبي هريرة يحدث قال: كان رجل يكنى أبا البختري مر في نفر من قومه بقبر حاتم طييء، فنزلوا قريباً منه، فبات أبوٍ البختري يناديه: يا أبا الجعد، أقرنا، فقال قومه له: مهلاً ما تكلم رمة بالية؟ قال: إن طيئاً تزعم أنه لم ينزل به أحد قط إلا قَرَاه، وناموا، فلما أن كان في آخر الليل قام أبو البختري مذعوراً فزعاً ينادي: وراحلتاه، فقال له أصحابه: ما بدا لك؟ قال: خرج حاتم من قبره بالسيف، وأنا أنظر، حتى عقر ناقتي، قالوا له: كذبت، ثم نظروا إلى ناقته بين نوقهم مُجَدَّلة لا تنبعث، فقالوا له: قَدْ والله قَرَاك، فظلوا يكلون من لحمها شواء وطبيخاً حتى أصبحوا، ثم أردفوه، وانطلقوا سائرين، فإذا راكب بعيرٍ يعود آخر قد لحقهم فقال: آيكم أبو البختري؛ فقال أبو البختري: أنا ذلك، قال: أنا عدي بن حاتم، وإن حاتماً جاءني الليلة في النوم ونحن نزول وراء هذا الجبل، فذكر شَتْمك إياه، وأنه قَرَى أصحابك براحلتك، وأنشدني يقول في شعره:
أبا البختري، لأنت امرؤ ... ظلومُ العشيرة شَت أمه
ا أتَيْتَ بصحبك تبغي القِرَى ... لدى حفرة صدحَتْ ه أمه ا
أتبغى ليَ الذم عند المبيت ... وحَوْلكَ طي وأنع أمه ا؟
فإنا سنشبع أضيافنا ... ونأتي فنعت أمه ا
وقد أمرني أن أحملك على بعير مكان راحلتك، فدونك.
وقد ذكر هذا سالم بن زرارة الغطفاني في مدحه عدي بن حاتم حيث يقول: -
أبوك أبوسَفَانَة الخير لم يزل ... لحن شَبَّ حتى مات في الخير رغبا
به تضرب الأمثال في الشعر ميتا ... وكان لَهُ إذ ذاك حيا مصاحبا
قَرَى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدَّهْر َراكب

وحدث أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاز السجستاني، عن أبي عبيدة مَعْمر بن المثنى، قال: سمعت شيخاًه العرب قد أناف على المائة يقول: إنه خرج وافداً على بعض ملوك بئ أمية، قال: فسرت في ليلة صِهَاكية حالكة كأن السماء قد برقعت نجومها بطرائق السحاب، وضللت الطريق، فتولجت واديأ لا أعرفه فأهمتني نفسي بطرحها حتى الصباح فلم آمن عزيف الجن، فقلت: أعوز برب هذا الوادي من شره، وأستجيره في طريقي هذا، وأسترشده، فسمعت قائلاً يقول من بطن الوادي:
تيامن تجاهك تلق الْكَلا ... تسير وتأمن في المسلك
قال: فتوجهت حيث أشار إلي وقد أمنت بعض الأمن فإذا أنا بأقباس نار تلمع أمامي في خللها كالوجوه على قامات كالنخيل السحيقة، فسرر وأصبحت بأوشال - وهو ماء لكلب - بقرب برية دمشق.
وقد ذكر اللّه عز وجل ذلك من فعلهم في كتابه فقال: " وَانَهُ كَان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزاثوهم رَهَقا " .
ذكر ما ذهبت إليه العرب من القيَافة والزجر
والعيافة والسانح والبارح وغير ذلك
الخلاف في القيافة وجوازها
تنازع الناس في العيافة والقيافة وغيرها مما ذكر: فذهبت طائفة إلى تحقيق القيافة والأخذ بها؛لأن الأشباه تنزع، وغير جائز أن يكون الولد غير مشبه لأبيه، أو أحد من أهله من جهة من الجهات، ومنهم من ذهب إلى أن في الولد مواضع تلحقها القيافة دون غيرها من الأعضاء مما لم يحلها الشبه، ولا توافق بينهما بحد مشترك، وأبى آخرون ما وصفنا؛إذ كان الناس قد يتشابهون في حد الإِنسانية وغير ذلك من الحدود، ويفترقون في غيرها من الصور، وليس وجود الأغلب من الأشباه مما يوجب إلحاق الشبه بشبهه، دون أن يخالف من حيث أوجبت قضية العقل الاختلاف بالتباين.
اختصاص العرب بذلك
وهذه المعاني من خواص ما للعرب، وما تفردت به، دون سائر الأمم في الأغلب منها، وإن كانت الكهانة قد وجدت في غيرها، فإن القيافة والزجر والتفاؤل والتطير ليس لغيرها في الأغلب من الأمور، وليس هو موجودأ في سائر العرب، وإنما هو للخاص منها الفطن والمتدرب الطنِنِ، وإن وجد ذلك في بعض الأمم، كوجود ذلك في الإفرنجة، وما جانسها ممن هنالك من الأمم، فيمكن أن يكون ذلك موروثاً عن العرب، ومأخوذاً منها في سالف الدهر، لأن العرب قد تنقلت في البلاد، وتغيرت لغاتها، فنسب ذلك إلى الجنس الذي قطنت بينهم العرب، ويمكن أن تكون الإفرنجة، ومن وجد فيها ذلك من الأمم، وأخذوه بعد ظهور الإسلام عمن جاورهم من أمم العرب، ممن سكن بلاد الأندلس من الأرض الكبيرة، وإن كان ذلك قبل ظهور الإِسلام فهو ما ذكرنا آنفاً، ويمكن أن يكون الله عز وجل خص بذلك أمما غير العرب كما خص العرب به؛إذ كان ذلك داخلاً في الإمكان، خارجَاَ من باب الممتنع والواجب، فيكون الزجر والفأل شاملاً لبعض العرب وغيرها من خواص الأمم كوجود النقد للبربر، والنظر في الكتف، وغير ذلك مما خص به كل جنس من الناس.
منشأ القيافة

وقد ذهبت طائفة ممن سلف، من أهل البحث والتنقير إلى أن القيافة: اسم مشتق من القَفْوِ، وهو معنى استدلاليٌّ، وأصل ذلك: أن الأشكال انفصلت في صورة أنسابها بأشياء تخص الأنواع بالتشكيل وخواصم وجدت لما به ضربت الفواصل إضرابها في وحيدات الأشخاص، وكان التناسل على وساعة وقدر من الغير لما توجبه الطبيعة من اتفاق كل شيء في حوزته، وصرفه إلى وجهه، كما خصت الطبيعة كل نوع من الجنس بفصل أبانته من أغياره، وفرقت بينه وبين أشكاله، فكذلك أيضاً خصت أوحد الأشخاص المنفصلة في الهيئة، بتغير الغير من أغياره. وكذلك لا تكاد فنون الصور تتراءى في المرائي لغير من أغياره،وكذلك لا تكاد وإن ضمها النوع وشملتها المادة فالقائف يقارب بين الهيات، فيحكم للأقرب صورة لأن تشبيه النسل أقرب من تشبيه النوع. وكذلك تشبيه الشخص إلى النوع أقرب منه إلى الجنس،لأن النوع والشخص ضمهما حدان مشتركان وإنما ضم الجنس واحد فهو أصل القيافة عند هذه الطائفة، وهو ضرب من ضروب البحث، وإلحاق النظير في الأغلب بنظيره، ومن حيث تساويهما من حيث ذكرنا في قضية العقل، وهو القياس بعينه، وليس هذا الاستدلال من كلام أحد من فقهاء القائسين ولا غيرهم من المسلمين، وإنما هذا الكلام انتزعناه من كلام طائفة من الفلاسفة المتقدمين؛فيجب أن يكون نظر القائف على قول هذه الطائفة إلى القَدَم؛ لأنها نهاية الشكل وغاية الهيئة، والولد لو خالف صورة أبيه في كنه أفعاله، و باينه في سائر شكله في الأغلب يوافقه في القدَمَ؛ لأن النسل لا بد له من تخصيص قوته بشيء يميزه عن غيره ويُبينه من سواه، ولذلك وجدوا الطول في أزدشَنُوأة، ولذلك صار الجفاء والغلظ في الروم، وأصحاب الأجبال، والأكثر من أهل الشام وأوباش مصر، واللؤم في الخزر وأهل حران من بلاد ديار بكر، والشح بفارس، واللؤم على الطعام بأصفهان، وصار تفرطح الرجلين وفَطَس ! الأنوف في السودان، والطرب في الزنج خاصة.
وهذا الذي وصفنا عند هذه الطائفة من أسرار الطبيعة، وخواص تأثير الأشخاص العلوية، والأجسام السماوية، وقد تقصينا هذا الشأن على كماله في كتابنا في الأسرار الطبيعية وخواص تأثير الأشخاص العلوية والغرائب الفلسفية في كتابنا في الرؤوس السبعية في أنواع السياسات المدنية وملكها الطبيعية وفي كتاب الاسترجاع في الكرم على من زعم أن العالم متغير جوهره إلى الظلمة، وأن النور فيه غريب مختار، وأن ستة أنفس كانوا نورأ بلا أجساد: شيث بن أدم وزرادشت، والمسيح، ويونس، واثنان لا يمكن ذكرهما، وأن النور والظلمة قديمان، وأنهما لا يُرَيَانِ إلا غير ممتزجين وأن الأشياء لا تعمل إلا في جوهرهما ثم امتزجا من تلقاء أنفسهما، من غير داخل عليهما ولا مكره أكرههما، وهذا الخلف من الكلام والفاسد من المقال، وأعجب من هذا القول قول زردشت نبي المجوس: أن القديم تعالى ذكره طالت وَحْدَته فطالت فكرته، فلما أن طالت فكرته، واشتدت وَحْشَته، توالد الهَئُم منه، وهو الشيطان، من تلك الوحشة التي ولدتها تلك الفكرة، ونتجتها الوحدة، وأن الله عز وجل لو كان قادراً على إفناء ألهم منه لما ضرب له أجلا، ولا أخلَ له أمراً يغوي عبادة، ويفسد بلاده. وهذا هو المُحَال بعينه، والتناقض بنفسه، وعجب آخر من الأراء من قول بولص: إن المسيح عليه السلام هو الذي أرسله، وإن المسيح إنسان وإله؛ لأنه إله صار إنساناً، إنسان صار إلهاً، وقد أتينا على جمل من متناقضات أهل الآراء، في أثناء ما تقدم من كتبنا، وإنما تشعب بت الكلام إلى هذا النوع، وتغلغل بنا القول إلى هذا المعنى، لأنه من جنس ما كنا فيه، لكن عند ذكرنا لما أودعناه كتاب الاسترجاع والإبانة عن غرض فيه.
الزجر
فلنرجع الآن إلى ما كنا فيه من هذا الكتاب: وحدث المنقري عن العتبي، قال: وقف عبَيدْ الراعي ذات يوم مع ركب بفَيْفَاء قَفْر، وكانوا يريدون استقصاد رجل من تميم؛ إذ سنحت ظباء سود منكرة، ثم اعترضت الركب مقصرة في حُضْرِها، واقفة على شأنها، فأنكر ذلك عُبَيدْ الراعي، ولم ينتبه له أصحابه، فقال عبيد:
ألم تدرِ ما قال الظباء السوانح؟ ... أطَفْنَ أمام الركب والركب رائح؟
فكر الذي لم يعرف الزًجْر َمنهمُ ... وأيقن قلبي أنهن نوائح

ثم شارفوا مقصدهم، فألْفَوُا الرئيس قد نهشته أفعى، فأتت عليه.
قال أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى: وهذا من غريب الزجر، وذلك أن السانح مَرْجُو عند العرب، والبارح: هو المخوف ، وأظن عُبَيْداً إنما زجر الظباء في حالة رجوعها، ووصف الحال الأول في شعره، كما أن من شرط الواصف أن يبدأ بهوادي الأسباب فيوضح عنها، فهذا وجه زجر عبيد الراعي في شعره.
اختصاص بعض العرب ببعض هذه الأمور
ويُقال: إن الكهانة لليمن، والزجر لبني أسد، والقيافة لبني مُدْلج وأحياء مضر بن نزار بن مَعَدّ، لما كان من فعل بني نزار الأربعة في مسيرهم نحو الأفعى الجرهمي، ووصفهم الجمل الشارد، على ما ذكرنا، أو ذلك منهم قيافة؛فمن هنالك تفرقت القيافة من أحياء مضر على حسب ما تغلغل في العروق ونزع، وأهل المياه أكْهَنُ، وأهل البر الفائح أقْوَفُ، وبأرض الجفار - وهي بلاد الرمل بين بلاد مصر وأرض الشام - أناس من العرب في تلك الجفار يتناول الإِنسان من تمر نخلهم فيغيب عنهم السنين ولم يروه ولا شاهدوه، فإن رأوه بعد مدة علموا أنه الآخذ لتمرهم، ولا يكادون يخطئون وهذا من فعلهم مشهور، ولا يكاد تخفى عليهم أقدام أي الناس هم.
ورأيت بهذه الأرض أناسا قد رتَّبهم وُلاة المنازل يطوفون في هذا الرمل، يُعرفون بالقُصَاص، يقصون آثار الناس وغيرهم، فيخبرون ولاة المنازل أي الناس هم ممن طرق تلك البلاد، وهم لم يروهم، بل رأوا اثر أقد أمه م، وهذا معنى لطيف وحس دقيق.
القيافة
وقد قَفَتْ القَافَةُ بقريش حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار، حتى أتت باب الغار على حجر صلد وصخر صم وجبال لا رمل عليها ولا طين ولا تراب تتبين عليه الأقدام، فحجبهم اللّه تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم بما كان من نَسْج العنكبوت، وما سَفَتْ عليه الرياح، وما لحق القائف من الحيرة، وقوله: إلى هنا انتهت الأقدام، ومعه الجماعة من قريش، لا يرون على الصلد ما يرى ولا على الضَفْوَان ما يشاهد، وأبصارهم سليمة، والآفات عنها مرتفعة، والموانع زائلة، ولولا أن هنالك لطيفة لا يتساوى الناس في علمها، ولا يتفقون بالأبصار إحصاء إدراكها، لَمَا استأثر بذلك طائفة دون أخرى، وأهل الجبال والقفار والدِّهَاس أزْجَرُ وأعرف.
القيافة عند أهل الشرع
وقد ذهب قوم من أهل الشريعة، من فقهاء الأمصار وغيرهم ممن سلف، إلى الحكم بالقيافة؛ استدلالاً على شرف القيافة، وعظم خطرها وكبر محلها، وتحقيق فضلها؛لتعجب النبي صلى الله عليه وسلم منها، وتصديقه مُحْرِز المدْلجي.
وقد أنكر جماعة من فقهاء الأمصار، ممن سلف وخلف، الحكم بالقيافة، والدليل على فساد الحكم بها إلحاق النبي صلى الله عليه وسلم الوَلَدَ بأبيه حين شك فيه لعدم التشابه، فقال: يا رسول اللّه، إن امرأتي وضعت غلاماً وإنه لأسود فقال النبي صلى الله عليه وسلم مقرباً إلى فهمه وقصداً منه لفساد علته التي قصدها وشك من أجلها في ولده فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حُمْر، قال: فهل فيها من أوَرْق؟ قال: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فمن أين ذلك؟ لعل عرقا نزع " ا وقوله صلى الله عليه وسلم في قصة شريك بن سَحْماء لا إن جاءت به على النعت المكروه، فهو للذي رميت به لما فلما جاءت به على النعت المكروه وَجَدَ التشابه بينه وبين من رميت به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لولا حكم اللّه لكان لي ولك شأن " فألحق الولد مع عدم الشبه هنالك، ولم يلحق بالشبه ههنا، ولم يجعله حكماً، وقضى بوجود الفراش وثبوت النص على فساد الحكم بالتشابه.
وهذا باب قَصَدْنَا فيه هذا الكلام، وإنما ذكرنا هذا الفصل لنذكر الحكم بضده من القيافة، وهذا باب يطول فيه الخطب، ويكثر في معانيه الشرح؛لغموضه ولُطْفه، وقد ذكرنا وجه الكلام في ذلك وما ذهبت إليه كل فرقة من الناس ممن سلف وخلف في كتابنا المترجم بكتاب الرؤوس السبعة في الإحاطة بسياسة العالم وأسراره وهو كتاب مشهور مستوعب.
ذكر الكهانة وما قيل في ذلك
وما اتصل بهذا الباب مما يراه الناس وحدّ النفس الناطقة
أصل ادعاء علم الغيب

تنازع الناس في الكَهَانة: فذهبت طائفة من حكماء اليونانيين والروم إلى التكهن، وكانوا يدعون العلوم من الغيوب، فادعى صنف منهم أن نفوسهم قد صَفَتْ فهي مطلعة على أسرار الطبيعة، وعلى ما تريد أن يكون منها؛لأن صور الأشياء عندهم في النفس الكلية، وصنف منهم ادعى أن الأرواح المنفردة - وهي الجن - تخبرهم بالأشياء قبل كونها، وأن أرواحهم كانت قد صَفَت، حتى صارت لتلك الأرواح من الجن متفقة.
وذهب قوم من النصارى أن السيد المسيح إنما كان يعلم الغائبات من الأمور، ويخبر عن الأشياء قبل كونها؛ لأنه كانت فيه نفس عالمة بالغيب، ولم كانت تلك النفس في غيره من أشخاص الناطقين لكان يعلم الغيب، ولا أمة خلت إلا وقد كان فيها كَهَانة، ولم يكن الأوائل من الفلاسفة إليونانية يدفعون الكهانات، وشُهِرَ فيهم أن فيثاغورس كان يعلم علومأ من الغيب وضروباً من الوحي؛لصفاء نفسه وتجردها من أدران هذا العالم، والصابئة تذهب إلى أن أوريايس الأول وأوريايس الثاني - وهما: هُرمس!، وأغاثيمون - كانوا يعلمون الغيب، ولذلك كانوا أنبياء عند الصابئة، ومنعوا أن تكون الجن أخبرت مَنْ ذكرنا بشيء من ضروب الغيب، لكن صفت نفوسهم حتى اطلعوا على ما استتر عن غيرهم من جنسهم.
وطائفة ذهبت إلى أن التكهن سبب نفساني لطيف يتولد من صفاء مزاج الطباع، وقوة النفس،. ولطافة الحس.
وذكر كثير من الناس أن الكهانة تكون من قبل شيطان يكون مع الكاهن يخبره بما غاب عنه، وأن الشياطين كانت تسترق السمع وتلقيه على ألسنة الكهان فيؤدون إلى الناسَ الأخبار، بحسب ما يرد إليهم، وقد أخبر اللّه عز وجل بذلك في كتابه فقال: " وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حَرَساً شديداً وشبها " و إلى آخر القصة، وقوله تعالى: " يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا " وقوله تعالى: " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم " الآية والشياطين والجن لا تعلم الغيب، وإنما ذلك لاستراقها السمع مما تسمع من الملائكة بظاهر قوله عز وجل: " فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين " .
وطائفة ذهبت إلى أن وجه سبب الكهانة من الوحي الفلكى، وأن ذلك يكون في المولد عند ثبوت عطارد على شرفه، وأما ما عداه من الكواكب المدبَرَات من النيرين والخمسة إذا كانت في عقد متساوية وأرباع. متكافئة ومناظر متوازية وجب لصاحب المولد التكهن والإِخبار بالكائنات قبل حدوثها؛ لإِشراق هذه الأشراق الكوكبية، ومن هؤلاء من أوجب كون ذلك في القرانات الكبار.
وذهب كثير ممن تقدم وتأخِّر أن علة ذلك علل نفسانية، وأن النفس إذا قويت وزادت قهرت الطبيعة، وأبانت للإنسان كل سر لطيف، وخبرته بكل معنى شريف، وغاصت بلطافتها في انتخاب المعاني اللطيفة البديعة فاقتنصتها وأبرزتها على الكمال، وكشفت هذه الطائفة وجه اعتلالها فيما ذكرنا؛ فإنهم قالوا: رأينا الإنسان ينسب إلى قسمين، وهما النفس والجسد، ووجدنا الجسد مَوَاتا لا حركة له ولا حس إلا بالنفس، وكان الميت لا يعلم شيئاً ولا يؤذَيه؛ فوجب أن يكون العلم للنفس، والنفوس طبقات: منها الصافي وهي النفس الناطقة، ومنها الكدِرُ، وهي النفس الحسية والنفس النزاعية والنفس المتخيلة، ومنها ما قوته في الإنسان أزيد من قوة الجسم، ومنها ما قوة الجسم أزيد منه، فلما كانت النسبة النورية للإنسان إلى النفس كانت تهدي الإنسان إلى استخراج الغيب وعلم الآتي، وكانت فطنته وظنونه أبعث وأعم؛فإذا كانت النفس في غاية البرور ونهاية الخلوص وكانت تامة النور وكاملة الشعاع كان تولجها في دراية الغائب بحسب ما عليه نفوس الكهنة، وبهذا وجد الكهان على هذه السبيل من نقصا في الأجسام وتشويه الخلق، كما اتصل بنا عن شق وسطيح وسملقة وزوبعة وسديف بن هوماس وطريفة الكاهنة وعمران أخى مُزَيقياء وحارثة وجهينة وكاهنُة باهِلَهَ وأشباهه من الكهان.
العرافة وبعض العرافين
وأما العراف - وهو دون الكاهن - فمثل الأبلق الأزْدِي، والأجْلَح الدهري، وعروة بن زيد الأزْدِي،ورباح بن عجلة عراف اليمامة الذي قال فيه عُرْوَةُ:
جعْلتُ لِعَرافِ اليمامة حكمه ... وعَراف نجد إن هما شَفَيَانِي
وكهند صاحب المسننبرن وكان في نهاية التقدم في العرافة.
الكهانة في العرب

والكهانة أصلها نفسيئ؛ لأنها لطيفة باقية ومقارنة لأعجاز باهرة، وهي تكون في العرب على الأكثر وفي غيرهم على وجه الندرة؛ لأنه شيء يتولد على صفاء المزاج الطبيعي، وقوة مادة نور النفس، وإذا أنت اعتبرت أوطانها رأيتها متعلقة بعفة النفس وقمع شرها بكثرة الوحدة وإدمان التفرد وشدة الوحشة من الناس وقلة الأنس بهم، وذلك أن النفس إذا هي تفردت فكرت، وإذا هي فكرت تعدت وإذا تعدت هَطَلَ عليها سُحُبُ العلم النفسي، فنظرت بالعين النورية، ولحظت بالنور الثاقب، ومضت على الشريعة المستوية، فأخبرت عن الأشياء على ما هي به وعليه وربما قويت النفس في الإنسان فأشرفت به على لراية الغائبات قبل ورودها.
وكان كبراء اليونانيين ينعتون هذه الطائفة بالروحانية، ويقولون: إن النفس إذا هي زادت وكانت كبر جزء في الإنسان تهدت إلى استخراج البدائع والأخبار المستترات، واستدلوا على ذلك أن الإنسان إذا قوي فكره من وذادت مواد نفسه وخأطره فكر في الطارىء قبل وروده فعلم صورته فيكون وروثه إلى حال على ما تصوره وهكذا النفس أيضاً إذا تهذبت كانت الرؤيا في النوم صادقة وفي الزمان موجودة.
الرؤيا وأسبابها
وقد تنازع الناس في الرؤيا، والسبب الموقع لها وماهيتها وكيفية وقوعها، فقال فريق: إن النوم هو اشتغال النفس عن الأمور الظاهرة بملاقاة حوادث باطنة فيها، وذلك على وجهين: أحدهما معروف بالعين،قائم بالصفة في خواطر تحدث في النفس معاني تعبرها وتفرق بينها، فتشغل به عن استعمال الظاهر، والباطن فيه يؤعي إليه الحواس الخمس فتبطل الحواس عن الإدراك إلى الحاس أعني الروح لاشتغال الروح عن استعمالها، وإذا وجب بطلانها سمي نوماً عرضياً، لأنه ليس النوم الكلي الذي يعم الأطفال والعجائز والشيوخ الذين خرجوا من موقع السرور أو مخافة الشر. وكذلك نوم الليل على ما وصفنا، والوجه الأخر - وهو النوم الكلي الذي يعم الأطفال والعجائز والطبقات الحيوانية فوات الفكر وغيرها - وهي طبيعة توجبها الخلقة في وقته ضرورة كما يوجب الجوع في وقته ضرورة؛ لأن الجوع عند أهل صناعة الطب علة، وهي الموجبة تحديد الكبد من الفراغ من الأغذية.
ومنهم من رأى أن النفس تحرك صورة الأشياء على ضربين: أحدهما حس والأخر فكر؛ فالصورة المحسوسة لا تحركها إلا في هيئتها؛ فإذا تخلص علمها عندها كان إدراكها مفرداً من طبعها؛ فيكون فكر الإنسان ما لم يتم تابعاً للحس، حتى إذا نام فعدمت النفس الحواس كلها كانت تلك الصورة التي أخذتها من أعيان الأشياء فيها قائمة كأنها محسوسة؛لأن الحس بها في أعيانها كان قبل استيلائها بالفكر ضعيفاً، فلما ارتفع الحس قوي الفكر فصار يُصَوِّر الأشياء كأنها محسوسة يخطر على بال النائم منها كما يخطر على باله إذا كان يَقْظَان الشيء الذي قد كان أنيسه، وليس لذلك نظام، وإنما هو ما اتفق؛ فلذلك يرى الإنسان كأنه يطير وليس بطائر، وإنما يرى صورة الطيران مفردة كما يعلمها إذ غابت؛ ولكن فكرته فيها تقوى حتى كأنها معاينة له، فأما ما يراه النائم من الأشياء التي تدل على ما يريد فإنما ذلك لأن النفس عالمة بالصور، فإذا خلصتفى المنام من شوائب الأجسام أشرفت على ما تريد أن ينالها، وهي عالمة أنها في حال اليقظة لا يمكنها معرفة ذلك فتتخيل خيالات تدل بها على تلك الأشياء التي تريد أن تكون، حتى إذا أنتبهت تذكرت تلك الخيالات وتلك الأشياء؛ فمن كانت نفسه صافية لم تَكَدْ رؤياه تكذب ومن كانت نفسه كدرة كانت تكذب كثيراً، ثم ما بين الكدرة والصافية وسائط على حسب مَرَاتبها من الصفاء والكدَر يكون صدق ما تخيلته وكذبه.
وقال فريق آخر: إذا بطل استعمال النفس للحواس ظاهراً لم يبطل استعمالها في نفسها، ولم يبطل استعمال قواها، فتنتقل في الأماكن، وتشاهد الأشخاص بالقوة الروحانية التي ليست بجسم، لا بالقوة الجسمانية الغليظة، وذلك أن القوة الجسدانية لا تدرك إلا بمشاركة وملامسة الأشياء: إما باتصال كاتصال اللون من الملون وإما بانفصال كانفصال الجسم من الأماكن، والروح تحرك المتصل والمنفصل جميعاً، لا بمشاركة الجسد الذي يوجب الحاجة إلى قرب المدرك.
ومنهم من رأى أن النوم هو اجتماع الدم وجريانه إلى الكبد.
ومنهم من رأى أن ذلك هو سكون النفس وهدوء الروح.

ومنهم من زعم أن ما يجلى الإِنسان في نومه من الخواطر إنما هو من عمل الأغذية والأطعمة والطبائع.
ومنهم من رأى أن بعض الرؤيا من المَلك وبعضها من الشيطان،واعْتَلّ هؤلاء بقوله تعالى: " إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا " .
ومنهم من رأى أنها جزء من إحدى وستين وجزأ من النبوة، وتنازع هؤلاء في كيفية ذلك الجزء وماهيته.
ومنهم من ذهب إلى أن الإنسان الحساس هو غير هذا الجسم المرئي وأنه يخرج عن البدن في حال النوم فيشاهد العالم ويرى الملكوت، على حسب صفائه، واعْتلَّ هؤلاء وغيرهم - ممن ذهب إلى نحو هذا المعنى - بقوله عز وجلّ: " اللّه يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في من أمه ا " إلى قوله: " إلى أجل مسمى " .
وذهب الجمهور من المتطببين في ذلك إلى آلي الأحلام من الأخلاط، وترى بقدر مزاج كل واحد منها وقوته، وذلك أن الذين تشتغل أجسادهم من المرة الصفراء يَرَوْنَ في من أمه م النيران والنواويس ودخانأ ومصابيح وبيوتاً تحترق ومدائن تلتهب بالنار ونحو ذلك وما أشبهه، والغالب على من كان مزاجه البَلْغَم أن يرى بحوراً وأنهاراً وعيوناً وأحواضاً وغُمْرَاناً ومياهأ كثيرة وأمواجاً، ويرى كأنه يسبح أو يصيد سمكاً ونحو ذلك وما قاربه، والغالب على من كان مزاجه السوداء أن يرى في من أمه أجداثاً وقبوراً وأمواتاً مكفنين بسواد وبكاء ونوحاً ورنينأ وصراخأ وأشياء مفزعة واموراً مفظعة وفيلة وأسوداً، والغالب على من كان مزاجه الدم أن يرى خمراً ونبيذاً ورياحين ولعباً وقَصْفاً وعَزْفاً وأنواع الملاهي والرقص والسكر والفرح والسرور والثياب المُصَبغَات من الحمرة وغيرها وما لحق بهذا الباب مما وصفنا من أنواع السرور.
ولا خلاف بين المتطببين في أن الضحك واللعب - على ما ذكرناه - من أنواع السرور من الدم، وأن كل حزن وخوف وإن اختلفت معانيه فإن ذلك من المرة السوداء، واحتجوا بضروب من الاحتجاجات؛ فهذه جملتها، وقد أوضحنا هذا في كتابنا الرؤيا والكمال وفي كتاب طب النفوس فلا وجه لإطنابنا في هذا الموضع من كتابنا هذا؛ إذ كان هذا الكتاب ؟كتاب خبر لا كتاب بحثٍ ونظر.
وإنما تغلغل بنا الكلام - لما تشعب من مذاهبهم في إخبارنا عنهم، ولم نعرض في هذا الكتاب لما ذهبت إليه الناس في تحديد النفس، وما قاله أفلاطون في تحديد النفس إن النفس جوهر محرك للبدن، وما حده صاحب المنطق أن حد النفس كمال الجسم الطبيعي، وحدها من وجه اخر أنه حَيُّ بالقوة، ولا للفرق بين النفس والروح؛لأن الفرق بينهما أن الروح جسم والنفس لا جسم، وأن الروح يحويه البدن، وأن النفس لا يحويها البدن، وأن الروح إذا فارق البدن بطل والنفس تبطل أفعالها في البدن، ولا تبطل هي في ذاتها، والنفس تحرك البدن وتنيله الحس، وقد ذكر أفلاطون في كتاب السياسة المدنية نهر البستان وما يلحق الإنسان من صفات النفس الداخلة على النفس الناطقة، وذكر أفلاطون في كتابه إلى طيماوس، وفي كتاب فاردون، وكيفية مقتل سُقْراط الحكيم وما تكلم في ذلك في النفس والصورة.
وقد تكلم الناس في طبقات النفوس وصفاتها من أصحاب الأثنين وغيرهم من الفلاسفة، ثم تنازع أهل الإِسلام في ماهية الإنسان الحساس الدرَّاك المأمور المنهى، وما قالته المتصوفة وأصحاب المعارف والدعاوي في طبقات النفوس من النفس المطمئنة، والنفس اللوامة، والنفس الأمارة بالسوء، وغير ذلك مما ذهب إليه اليهود والنصارى والمجوس والصابئة، وغير ذلك مما قد أتينا على إيضاحه في كتاب سر الحياة وغيره من كتبنا.
؟سطيح وشق الكاهنان
وقد كان سَطِيحٌ الكاهن - وهو ربيع بن ربيعه بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسان - يدرج سائر جسده كما يدرج الثوب، لا عظم فيه إلا جمجمة الرأس، وكانت إذا لمست باليد يلين عظمها، وكان شق بن مصعب بن شكران بن أترك بين قيس بن عنقر بن أنمار بن ربيعه بن نزار معه في عصر واحد، وكان فيهما جمرة الكهانة، وكذلك سملقة وزوبعة كانا في عصر واحد، والله أعلم.
ذكر جمل من أخبار الكهان وسيل العرم
وتفرق الأزد في البلدان
السد وبانيه ومكانه
قال المسعودي: قد ذكرنا جملأ من الكهانة والقيافة والزًجْر والبارح والسانح فلنذكر الآن لمعاً من أخبار الكهان، وتفرق ولد سبأ في البلدان.

ولم يزل ولد قحطان في أطيب عيش إلى أن هلك سبأ، وكان القوم بعد مضي سبأ تداولتهم الأعصار قرناً بعد قرن إلى أن أرسل الله عليهم سيل العرم وذلك أن الرياسة انتهت فيهم إلى عمرو بن عمرو مزيقياءو - وهو عمرو بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف بن ثعلبة بن امرئ القيس، بن مازن بن الأزد بن الغوث بن كهلان بن سبأ - وذلك ببلاد مازن إن أرض اليمن، وهي بلاد سبأ التي ذكر الله في القران أنه أرسل على أهلها سيل العرم، وهو السد، وكان فرسخأ في فرسخ، بناه لقمان الأكبر العادي - وهو لقمان بن عاد بن عاد - وقد ذكرنا خبره وخبر غيره ممن كان عمر منهم عمر النسور، وهذا السد هو الذي كان يرد عنهم السيل فيما سلف من الدهر إذا حان أن يغشى أموالهم، فمزقهم الله كل ممزق، وباعد بين أسفارهم، والناس في قصة هلكهم يختلفون، وفي سياقه أخبارهم يتباينون.
وصف بلاد سبأ
وذكر أصحاب التاريخ القديم أن أرض سبأ كانت من أخصب أرض اليمن، وأثْرَاها وأغْدَقها، وأكثرها جنانا وغيطانا، وأفسحها مُرُوجأ، مع بنيان حسن وشجر مصفوف، ومساكب للماء متكاثفة، وأنهار وأزهار متفرقة، وكانت مسيرة أكثر من شهر للراكب المجدِّ على هذه الحالة، وفي العرض مثل ذلك، وأن الراكب والمار كان يسير في تلك الجنان من أولها إلى أن ينتهي إلى آخرها تواجهه الشمس ولا تعارضه؛لاستتار الأرض بالعمارة الشجرية، واستايلائها عليها، وإحاطتها بها، وكان أهلها في أطيب عيش وأرْفَهِهِ، وأهنأ حال، وأرغد قرى، وفي نهاية الخصب، وطيب الهواء، وصفاء الفضاء، وتدفق الماء، وقوة الشوكة، واجتماع الكلمة، ونهاية المملكة وكانت بلادهم في الأرض مثلاً، وكانوا على طريقة حسنة من أتباع شريف الأخلاق، وطلاب الأفضال على القاصد والسفر بحسب الإمكان وما توجبه القدرة من الحال؛ فمكثوا على ذلك ما شاء الله من الأعصار، لا يعاندهم ملك إلا قَصَموه، ولا يوافيهم جَئار في جيش إلا كسروه، فذلت لهم البلاد. وأذْعَنَ لطاعتهم العباد، فصاروا تاج الأرض، وكانت المياه التي هي أكثر ما يرد إلى أرض سبأ تظهر من مخراق من الحجر الصلْد والحديد من ذلك السد والجبال، طول المخراق فيما وصفنا فرسخ، وكانوراء السد والجبال أنهار عظام، وكان في هذا المخراق الأخذ منا تلك الأنهار ثلاثون نقباً مستديرة في، استدارة الفراء طولأ وعرضاً مدورة على أحسن هندسة وأكمل تقدير، وكانت المياه تخرج من تلك الأنقاب في مجاريها حتى تأتي الجنان فترويها سَقْيا، وتعدم شرب القوم، وقد كانت أرض سبأ قبل ما وصفنا من العمارة والخصب يركبها السيل من تلك المياه، وكان ملك القوم في ذلك الزمان يقرب الحكماء، ويدنيهم، وُيؤْثرهم، ويحسن إليهم، فجمعهم من أقطار الأرض للإلتجاء إلى رأيهم، والأخذ من محصن عقولهم، فشارهم في دفع ذلك السيل وحصره، وذلك أنه كان ينحدر من أعالي الجبل هابطاً على رأسه حتى يهلك الزرع ويسوق من حملته البناء، فأجمع القوم رأيهم على عمل مصارف له إلى براري تقذف به إلى البحر، وأخبروا الملك أن الماء إذا حفرت المصارف الهابطة طلبها، وانحدر فيها، ولم يتراكم حتى يعلو الجبال؛لأن في طباع الماء طلاب الخفض فحفر الملك المصارف حتى انحدر الماء وانصرف وتدافع إلى تلك الجهة واتخذوا السد في الموضع الذي كان فيه بدء جريان الماء من الجبل ألى الجبل، وجعلوا فيه المخراق على ما وصفنا آنفاً، ثم اجتذبوا من تلك المياه نهراً مرسلاً ومقداراً معلوماً ينتهي في جريانه إلىِ المخراق، ثم ينبعث الماء منه إلي تلك الأنقاب، وهي الثلاثون ومخرافاَ الصغار التي قلمنا ذكرها، وكانت البلاد عامرة على ما وصفنا آنفأ.
مبدأ التهدم
ثم إن تلك الأمم بأدت ومرت عليها السنون، وضربها الدهر بضرباته وطَحَنَها بكَلْكله، وعمل الماء في أصول ذلك المخراق، وأضعفه مَمَر السنين عليه وتدافع الماء حوله، وقد قيل في المثل: إذا أثر تواتر الماء طى الحجر الصلد فما ظنك بسيل يتدافع على حديد وحجرمصنوع؟.

فلما سكنت أبناء قحطان ما وصفنا من هذه الدياروتغلبت على من كان فيها السد والبنيان في الضعف عنه على السد والمخراق والبنيان، فقنف به جَرْيه ورمى به في تياره، وذلك إبًان زياعة الماء، واستولى الماء على تلك الديار والجنان والعمائر والبنيان، حتى انقرض سكان تلك الأرض، وزالوا عن تلك المواطن، فهقه جملة من أخبار سيل العرم وبلاد سبأ.
العرم
ولا خلاف بين ذوي الدراية منهم أن العرم هو المسناة التي قد أحكموا عملها لتكون حاجزأ بين ضياعهم وبين السيل، ففجرته فأرة، ليكون ذلك أظهر في الأعجوبة، كما أفار الله تعالى ماء الطوفان من جوف تَنور ليكون أثبت في العبرة وأوْكَدَ في الحجة، ولايتنا كر أحلاف قحطان من أهل تلك الديار إلى هذا الوقت ما كان من العرم؛ لاستفاضته فيهم، وشهرته عندهم.
مفاخرة عند السفاح بين قحطاني وعدناني
وقد فخر بعض أولاد قحطان في مجلس السفاح بمناقب قَحْطَان من حمير وكهلان على ولد نزار، وخالد بن صفوان وغيره من نزار بن معد منصتون هيبة للسفاح؛ لأن أخواله من قحطان، فقال السفاح لخالد بن صفوان: ألا تنطق وقد غمرتكم قحطان بشرفها وعلت عليكم بقديم مناقبها؟ فقال خالد: ماذا أقول لقوم ليس فيهم إلا دابغ جلد، أو ناسج برد، أو سائس قرد، أو راكب عَرْد، أغرقتهم فأرة، وملكتهم امرأة، ودل عليهم هدهد، ثم من مر في ذمهم إلى أن انتهى إلى ما كان من قصتهم وتملك الحبشة وما كان من استنقاذ الفرس إياهم على حسب ما قدمنا آنفاً.
العرم في شعر العرب
فى بد ذكروا في أشعارهم العرم، وما كان لسبأ وأرض مأرب، وأن مأرب سِمَةٌ للملك الذي كان يتملك على هذه البلدة، وأن هذا الاسم وقع على هذا البلد فاشتهر به وصار سِمَةً له، وقال الشاعر:
من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العَرما
وقد قيل: إن مأرب سِمَةٌ لقصر هذا الملك في صدر الزمن، قال أبو الطلمَحَان في ذلك:
ألم تروا مأربا ما كان أحْصَنَهُ ... وما حواليه من سور وبنيان؟
ظل العبادئ يسقي فوق قلًته ... ولم يهب رَيْبَ دهر جد َخَؤان
حتى تناوله من بعد ما هجعوا ... يرقى إليه على أسباب كتان
وقد ذكر الأعشى في شعره ما وصفناه حيث يقول في كلمته:
ففي ذاك للمؤتسي أسْوَةٌ ... بمأرب عَفىَّ عليها الْعَرِمْ
رخام بناه لهم حمير ... إذا جاء فأغنى ماؤُهُم لم يَرِم
فأغنى الحروث وأغن أمه ... على ساعة ماؤهم قد قسم
فطار الفيولُ وفئالها ... بها في فيافي سَرَابٌ يطم
وكانوا بذلكُم حقبةً ... فمال بهم جارف منهدم
فطاروا سراعاً وما يقدو ... ن منه لشرب صبي فطم
طول العمر وعمر النسور
وقد ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان الملك الذي طال عمره وحسنت سيرته؛ وأنه بنى هذا السد الذي هو المسناة، وأن عمره انتهى على عمر النسور، عند ذكرنا لطول الأعمار، وقد أكثرت العرب في صفه طول عمر النسر، وضربت به الأمثال، وبِلبَدٍ، وبصحة بدن الغراب؛ فمن ذلك ما ذكره الخزرجي في شعره عند ذكره لطول عمرمُعَاذ بن مسلم بن رجاء مولى القَعْقَاع بن حكيم من قوله فيه عند ذكره سنة وهرمه، وهو:
إن معاذ بن مسلم رجل ... قد ضَجً من طول عمره الأبَد
قد شاب رأس الزمان واختضب الحصر وأثوابُ عمره جدد
يانسر لقمان كم تعيش؟ وكم ... تلبس ثوب الحياة يالُبد
قد أصبحَتْ دار حمير خَرِبت ... وأنت فيها كأنك الوَتد
نسأل غربانها إذا حجلت ... كيف يكون الصُدَاع والرمد
علة طول الأعمار ونقصها

وقد قدمنا فيما سلف في مواضع من هذا الكتاب ما قالت الأوائل في علة طول الأعمار وقصرها، وعظم الأجسام في بَدء الأمر، وتناقضها على مرور الأعصار وَمُضِيئ الدهور، وأن الله تبارك وتعالى لما بدآ الخلق كانت الطبيعة التي جعلها الله جبلة للأجسام في تمام " الكثرة ونهاية القوة والكمال، والطبيعة إذا كانت تامة القوة كانت الأعمار أطول، والأجسام أقوى؛لأن طرق الموت الطارئ يكون بانحلال قوى الطبيعة، فلما كانت القوة أتم كانت الأعمار أَزيد، وكان العالم أو أولية شأنه تامَّ العمر، ثم لم يزل ينقص أولاً فأولا لنقصان المادة فتنقص الأجسام والأعمار مع نقصان المادة حتى يكون آخر مائية الطبيعة في تناهي النقص في الأجسام والأ عمار.
وقد أبى ما ذكرنا من عظم أجسام الناطقين في صدور الزمان كثير من أهل النظر والبحث ممن تأخر، وزعموا أن تأثيرهم في بنيانهم وما ظهر في الأرض من أعمالهم يدل على صغر أجس أمه م، وأنها كانت كأجسامنا، لما شاهدوه من مساكنهم وأبوابهم وممراتهم فيما أحدثوه من البنيان والهياكل والديار والمساكن في سائر الأرض، كديار ثمود ونَحْتها المساكن في الجبال وحَفْرها في الصخر الصلد بيوتاً صغاراً وأبوابأ د لطافاً، وكذلك أرض عاد ومصر والشام وسائر بقاع الأرض في الشرق والغرب، وهذا باب إن أكثرنا القول فيه طال، وإن أطْنبنا في صفته كثر، فلنرجع الآن إلى ما عنه عَدَلْنَا ومن صفته خرجنا من ذكر سبأ ومأرب، وما كان من الملك في ذلك الوقت وهو عمرو بن عامر.
عود لذكر سبأ
وكان للملك عمرو بن عامر المقدم ذكره في هذا الباب أخ كاهن عقيم، يقال له عمران، وكان لعمرو كاهنة من أهله من حمير يُقال لها طريفة الخير فكان أول شيء وقع بمأرب وعرف من سيل العرم أن عمران الكاهن أخا عمرو رأى في كهانته أن قومه سوف يمزقون كل ممزق ويباعد بين أسفارهم، فذكر ذلك لأخيه عمرو، وهو الملك مزيقياء الذي كانت محنة القوم في أيام ملكه، والله أعلم بكيفية ذلك.
ظريفة الكاهنة
وبينا طريفة الكاهنة ذات يوم نائمة إذ رأت فيما يرى النائم أن سحابة غشيت أرضهم وأرعدت وأبرقت ثم صعقت فما حرقت ما وقعت عليه، ووقعت إلى الأرض، فلم تقعِ على شيء إلا حرقته، ففزعت طريفة لذلك، وذعرت ذعراً شديداَ، وانتبهت وهي تقول: ما رأيت مثل اليوم، قد أذهب عني النوم، رأيت غيماً أبرق، وأرعد طويلا ثم أصعق، فما وقع على شيء إلا أحرق، فما بعد هذا إلا الغرق، فلما رأوا ما داخلها من الرعب خفضوها وسكنوا من جأشها حتى سكنت، ثم إن عمرو بن عامر دخل حديقة من حدائقه ومعه جاريتان له فبلغ ذلك طريفة، فأسرعت نحوه، وأمرت وصيفاً لها يُقال له سنان أن يتبعها، فلما برزت من باب بيتها عارضها ثلاث مَنَاجدَ منتصبات على أرجلهن واضعات أيديهن على أعينهن، وهي دواب تشبه اليرابيع يكنَّ بأرض اليمن، فلما رأتهن طريفة وضعت يدها على عينها وقعدت، وقالت لوصيفها: إذا ذهبت هذه المناجد عنَّا فأعلمني، فلما ذهبت أعلمها، فانطلقت مسرعة، فلما عارضها خليج الحديقة التي فيها عمرو وثَبَتْ من الماء سُلَحْفاة، فوقعت على الطريق على ظهرها وجعلت تريد الإنقلاب فلا تستطيع، فتستعين بذنبها وتحثو التراب على بطنها وجنبها وتقذف بالبول، فلما رأتها طريفة جلست إلى الأرض، فلما عادت السلحفاة إلى الماء مضت طريفة إلى أن دخلت على عمرو الحديقة حين انتصف النهار في ساعة شديد حرها، فإذا الشجر يتكفأ من غير ريح، فنفذت حتى دخلت على عمرو ومعه جاريتان له على الفراش، فلما رآها استحيا منها، وأمر الجاريتين فنزلتا عن الفراش، ثم قال لها: هلمي يا طريفة إلى الفراش، فتكهنت، وقالت: والنور والظلماء، والأرض والسماء، إن الشجر لتالف، وسيعود الماء لما كان في الدهر السالف، قال عمرو: مَنْ خبَّرك بهذا؟ قالت: أخبرني المَنَاجد، بسنتين

شدائد، يقطعِ فيها الولد والوالد، قال: ما تقولين؟ قالت: أقول: قول الندْمَان لهفاَ، قد رأيت سُلَحْفَاً، تجرف التراب جَرْفأ، وتقذف بالبول قذفأ، فدخلتُ الحديقة فإذا الشجر يتكفَّا، قال عمرو: وما ترين ذلك؛ قالت: هي داهية ركيمة، ومصائب عظيمة، لأمور جسيمة، قال: وما هي؟ ويلك؟ قالت: أجل إن لي الويل، ومالك فيها من نيل، فلي ولك الويل، مما يجي به السيْل، فألقى عمرو نفسه على الفراش وقال: ما هذا يا طريفة؟ قالت: هو خطب جليل، وحزن طويل، وخلف قليل، والقليل خير من تركه، قال عمرو: وما علامة ذلك؟ قالت: تذهب إلى السد فإذا رأيت جُرَذاً يكثر بيديه في السد الحفر، ويقلب برجليه من الجبل الصخرة فاعلم أن النقر عقر، وأنه وقع الأمر، قال: وما هذا الأمر الذي يقع؟ قالت: وعد من الله نزل، وباطل بطل، ونكال بنا نزل، فبغيرك يا عمرو فليكن الثكل، فانطلق عمرو إلى السد يحرسه، فإذا الجرذ يقلب برجليه صخرة ما يقلبها خمسون رجلا فرجع إلى طريفة فأخبرها وهو يقول:
أبصرت أمراً عادني منه ألم ... وهاج لي من هَوْله بَرْحُ السّقَم
من جُرَذٍ كفَحْل خنزير الأجَمْ ... أو تَيْس مرم من أفاريق الْغَنَم
يسحب صخراً من جلاميد العَرِمْ ... له مخاليبُ وأنياب قضم
مافاته سحلا من الصخر قصم ... كأنما يرعى حظيرا ًمن سَلَم
فقالت له طريفة: إن من علامة ما ذكرت لك أن تجلس في مجلسك بين الجنتين، ثم تأمر بزجاجة فتوضع بين يديك، فإنها ستمتلئ بين يديك من تراب البَطْحاء من سَهْلة الوادي ورملة، وقد علمت أن الجنان مُظلمة ما يدخلها شمس ولا ريح، فأمر عمرو بزجاجة فوضعت بين يديه، فلم يمكث إلا قليلاً حتى امتلأت من تراب البطحاء، فذهب عمرو إلى طريفة فأخبرها بذلك، وقال: متى ترين هلاك السد. قالت: فيما بينك وبين السبع السنين، قال: ففي أيها يكون؛ قالت: لا يعلم ذلك إلا الله تعالى، ولو علمه أحد لعلمته، ولا يأتي عليك ليلة فيما بينك وبين السبع السنين إلا ظننت هلاكه في غدها أوفي تلك الليلة.
عمرو بن عامر يتحيل للخروج من بلاده
ورأى عمرو في النوم سيل العرم، وقيل له: إن آية ذلك أن ترى الحصباء قد ظهرت في سعفٍ النخل، فذهب إلى كَرَب النخل وسعفه فوجد الحصباء قد ظهرت فيها، فعلم أن ذلك واقع بهم، وأن بلادهم ستخرب، فكتم ذلك وأخفاه، وأجمع أن يبيع كل شيء له بأرض سبأ، ويخرج منها هو وولده، ثم خشي أن يستنكر الناس ذلك، فصنع طعاماً وأمر بإبل فنحرت، وبغنم فذبحت، وصنع طعاماً واسعاً، ثم بعث إلى أهل مأرب أن عمراً صنع يوم مجد وذكرٍ فاحضُرُوا طع أمه ، ثم دعا ابناً له يُقال له مالك، ويُقال: بل كان يتيماً في حجره، فقال: إذا جلستُ أطعم الطعام الناس ففجلس عندي ونازعني الحديث، واردده علي، وافعل بي مثل ما أفعله بك، وجاء أهل مأرب، فلما جلسوا أطعم الناس وجلس عنده الذي أمره بما أمره به، فجعل ينازعه الحديث، ويرذُ عليه، فضرب عمرو وجهه وشَتَمه، فصنع الصبي بعمرو مثل ما صنع به فقام عمرو وصاح: واذلأه يوم فخر عمرو ومجده يضربُ وجْهَه صبي، وحلف ليقتلَنَه، فلم يزالوا بعمرو حتى تركه ففي ذلك قال حاجز الأزْدِيى:
يارب لطمة غَدْرٍ قد سخنت بها ... بكف عمرو التي بالغمر قد غرقت

ثم قال: والله لا أقيم ببلد صنع هذا بي فيه، ولأبيعن عقاري فيه وأموالي، فقال الناس بعضهم لبعض: اغتنموا غضبة عمرو، واشتروا منه أمواله قبل أن يرضى، فابتاع الناس منه جميع ماله بأرض مأرب، وفشا بعض حديثه فيما بلغه من شأن سيل العَرِم، فخرج ناس من الأزد وباعوا أموالهم، فلما أكثروا البيع استنكر ذلك الناس، فأمسكوا بأيديهم عن الشراء، فلما اجتمعت إلى عمرو بن عامر أمواله أخبر الناس بشأن سيل العرم، فقال أخوه عمران الكاهن: قد رأيت أنكم ستمزقون كل مُمَزَّق، ويباعَدُ بين أسفاركم، وإني أصف لكم البلدان فاختاروا أيها شئتم، فمن أعجبه منكم صفة بلد فليصر إليها، من كان منكم ذاهَم بعيد وجمل شديد ومزاد جديد فليلحق بقصر عمان المشيد، فكان الذين نزلوهُ أزد عمان قال: ومن كان منكم ذاهم غير بعيد، وجمل غير شديد ومزاد غير جديد فليلحق بالشعب من كرود، قال: وهي أرض همدان، فلحق به وادعة بن عمرو، فانتسبوا فيهم، وقال الكاهن، ومن كان منكم ذا حاجة ووطر وسياسة ونظر، وصبر على أزمات الدهر، فليلْحَقْ ببطن مَرً، وكان الذين سكنوه خزاعة سميت بذلك لانخزاعها في ذلك الموضع عمن كان معها من الناس، وهم بنو عمرو بن لَحي، فتخزعت هنالك إلى هذه الغاية، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت:
ولَمّا هَبَطْنَا بطنَ مَر تَخَزعَتْ ... خزاعة منا في ملوك كراكر
في شعرٍ له طويل ومالك وأسلم ومَلْكان بنو قصى بن حارثة بن عمرو مزيقياء، وقال الكاهن: ومن كان يريد الراسيات في الرحل، المطعمات في المَحْل ، فليلحق بيثرب ذات النخل، وهي المدينة، وكان الذين سكنوها الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء، قال الكاهن: ومن كان يريد منكم الخمر والخمير، والديباج والحرير، والأمر والتدبير، فليلحق ببصرى وحفير، وهي أرض الشام فكان الذين سكنوها غسان قال الكاهن: ومن كان منكم يريد الثياب الرقاق والخيول العتاق، والكنوز والأرزاق، فليلحق بالعراق، وكان الذين لحقوا بالعراق منهم مالك بن فهم الأزْدِي وولده، ومَنْ كان بالحيرة من غسان، على حسب ما قدمنا آنفاً فيما سلف من هذا الكتاب.
وقال هشام بن الكلبي: وأما أبي فكان يقول: إنما نزل بالحيرة من غسان مع تبع بعد هذا بزمان.
ثم خرج عمرو بن عامر مزيقياء وولده، من مأرب، وخرج من كان بمأرب من الأزد يريدون أرضا تجمعهم يقيمون بها، ففارقهم وادعة بن عمرو بن عامر مُزَيقياء فسكنوا همدان، وتخلف مالك بن اليمان بن فهم بن عدي بن عمرو بن مازن بن الأزد، وكان بعدهم بمأرب ملكاً إلى أن كان من أمرهم ما كان في الهلاك، ثم ساروا حتى إذا كانوا بنَجْرَان تخلف أبو حارثة بن عمرو بن عامر مُزَيْقياء ودعبل بن كعب بن أبي حارثة فانتسبوا في مذحج، قال أبو المنزر: ويقال: إن أبا حارثة هو جد الحارث بن كعب بن أبي حذيفة الذي بنجران، واللّه أعلم.
ثم سار عمرو بن عامر حتى إذا كان بين السراة ومكة أقام هنالك أناس من بني نصر من الأزد، وأقام معهم عمران بن عامر الكاهن أخو عمرو بن عامر مُزَيقياء، وعدي بن حارثة بن عمرو مزيقياء، وسار عمرو بن عامر وبنو مازن حتى نزلوا بين بلاد الأشعريين وعكٍّ على ماء يُقال له غسان بين واديين، يقال لهما زبيد ورمع، وهما مما يلي صدورهما بين صعيد يُقال له: صعيد الحسك، وبين الجبال التي تدفع به في زبيد ورمع، فأقاموا على غسان، وشربوا منه، فسموا غسان، وغلب على أسمائهم، فلا يعرفون إلا به، قال شاعرهم:
إما سألت فإنا معشرنجب ... الأزْدُ نسبتنا والماء غسان
والذين سموا غسان من بني مازن الأوسُ والخزرج، ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو مُزَيقياء، وجَفْنة بن عمرو مُزَيْقياء، والحارث وعوف وكعب ومالك بنو عمرو مزيقيا، والوم وعدي ابنا حارثة بن ثعلبة بن امرىء القيس بن مازن بن الأزد.

وللقوم أخبار في تفرقهم، ومن دخل منهم في معد بن عدنان وما كان بينهم من الحروب إلى أن ظفرت بهم بنو معد، فأخرجتهم إلى أن لحقوا بالسراة - والسراة جبل الأزد الذي هم به يقال له السراة، ويقال له: الحجاز، وإنما سمي السراة من هذا الجبل ظهره، فيقال لظهره السراة كما يقال لظهر الدابة السراة، فأقاموا به وكانوا في سهله وجبله وما قاربه، وهو جبل على تخوم الشام، وفرز بينه وبين الحجاز مما يلي أعمال دمشق والأردن وبلاد فلسطين ويلاقي جبل موسى.
عبادة أهل مارب وصنعهم مع رسلهم
وقد كان أهل مأرب يعبدون الشمس، فبعث الله إليهم رُسُلاً يدعونهم إلى الله، ويزجرونهم عما هم عليه، ويذكرونهم آلاء اللّه ونعمته عليهم، فجحدوا قولهم،وردوا كل أمه م، وأنكَرُوا أن يكون لله عليهم نعمة، وقالوا لهم: إن كنتم رُسُلأ فادعوا الله أن يسلبنا ما أنعم علينا، ويذهب عنا ما أعطانا، وفي ذلك تقول امرأة منهم كافرة:
إن كان ما نُصْبِحُ في ظلاله ... من ربكم فلينطلق بماله
إليه عنا وإلى عياله،
فأجابتها امرأة مؤمنة، فقالت:
لولا الإلهُ لم يكن عيالنا ... ولم يَسَعْ عيالنا أموالنا
هوالذي يجيبنا سؤالَنَا ... ويكشف الغم إذا ما هالَنَا
فدعت عليهم الرسل فأرسل الله عليهم سيل العرم، فهدم سدهم وغشي الماء أرضهم، فأهلك شجرهم وأباد خَضْراءهم، وأزال أموالهم وانع أمه م، فأتوا رسلهم فقالوا: أدْعُوا اللّه أن يخلف علينا نعمتنا، ويُخْصِب بلادنا، ويرد علينا ما شرد من أنعامنا، ونعطيكم مَوْثقا أن لا نشرك بالله شيئاً، فسألت الرسل ربها، فأجابهم إلى ذلك، وأعْطاهم ما سألوا، فأخصبت بلادهم، واتسعت عمائرهم إلى أرض فلسطين والشام: قُرًى ومنازل وأسواقاً، فأتتهم رسلهم، فقالوا: موعدكم أن تؤمنوا باللّه، فأبوا إلا طغياناً وكفرأ، فمزقهم اللّه كل ممزق، وباعد بين أسفارهم.
قال المسعودي: وإذ قد ذكرنا جملأ من أخبار السد وبلاد مأرب، وعمرو بن عامر، وغير ذلك مما تقدم ذكره في هذا الباب، فلنرجع الآن إلى أخبار الكهان.
أول كهانة سطيح الغساني
وكان أول ما تكهن به سطَيح الغساني أنه كان نائماً في ليلة صُهَاكية مظلمة مع إخوله في لحاف، والحي خُلُوف، إذ زعق من بينهم ورنَّ وتأوه، وقال: والضياء والشفق، والظلام والغسق، ليطرقنكم ما طرق، قالوا: ما طرق يا سطيح؟ قال: ما طرق إلا الأجْلَحُ، حين سرى الليل البهيم الأفلح، وولاهم بسردح، قالوا: وما علامة ذلك يا سطيح؟ قال: أمر يسد النقرة، فوحبسة في الوجرة. وحرة بعد حرة، في ليلة قرة، فانصرفوا عن قوله، واستهانوا بأمره، وتعاصفت مرود من أودية هناك، ففاجأتهم في ليلة بارعة قرة كما ذكر، فساقت الأنعام والمواشي، وكادت أن تذهب بعامتهم.
ولسطيح الكاهن ولشق بن صعب أخبار كثيرة عجيبة: منها رؤيا تبَّع الحميري في أن جَمْرة خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض تُهَمَة، أكلت منها كل ذات جمجمة، وما فسَّرَاه له في ذلك، وكذلك خبرسطيح، وعبد المسيح في رؤيا الموبذان، وارتجاج الإيوان، وخبر سملقة وزوبعة، وما كان من أمرهما، وخبر شأن الظليم والشجرة، وما كان بين عك وغسان من الحرب في رقة اللبن وحلاوته وثخنه، ونزول غسان أعلى الوادي، وعك في أسفله، وما كان في ذلك من القيافة بينهم في طلوع الشمس وغروبها على إبلهم، وخبر السموال بن حسان بن عادياء، وما كان من أمره، وأمر خازن الكاهن، وما قاله حين طَرَقَه ليلاً، وانقياده إلى ذمته، وما كان من العير الأقمر، والظليم الأحمر، والفرس الأشقر، والجمل الأزور، والشيخ الأحقر، وغير ذلك مما ذكرناه فيما سلف من كتبنا، في أخبار الزمان والكتاب الأوسط، والله أعلم.
ذكر سني العرب والعجم وشهورها
وما اتفق منها وما اختلف
قال المسعودي:عدة الشهور عند العرب وسائر العجم اثنا عشر شهرأ.

فلنذكر الآن سِنِي وشهور وأيام ما أشتهر أهله من جل الامم، وهم العرب والفرس والروم والسريانيون والقبط؛ إذ كان قول اليونانيين في ذلك هو ما ذهبت إليه الروم، ولم نعرض لوصف قول الهند في السنين والشهور والأيام وما ذهبوا إليه في ذلك من حسابهم، ومن تبعهم على ذلك من أهل الصين وكثير من الممالك والامم؛إذ كان في ذلك خروج عما عليه الجمهور والمعهود بين الناس، ونجعل المبتدأ بذكر سني وشهور القبط؛ لموافقتها السريانيين ثم نعقب بعد ذلك بذكر شهور السريانيين وموافقتها لشهور الروم. ثم نتبع ذلك بذكر سني العرب وشهورها وأي أمه ا، ثم نعقب بعد ذلك بذكر سِنِي الفرس وشهورها وأي أمه ا ولأية علة استحق عندها تسمية كل شهر منها، وكل يوم، وما قالته العرب في تسمية الليالي، وجمل من ذكر أفعال الشمس والقمر وتأثيرهما في هذا العالم في الجماد والنبات والحيوان، وغير ذلك مما يقف عليه المتأمل عند قراءته - إن شاء الله تعالى - على ما يريد، والله تعالى ولي التوفيق.
ذكر شهور القبط والسريانيين
والخلاف في أسمائها وجمل من التاريخ
شهور القبط ومقابلها من شهور السريان
أول شهور القبط: توت، وهو أيلول، وبابه، وهو تشرين الأول، وهاتور، وهو تشرين الثاني، وكيهك، وهو كانون الأول، وطوبه، وهو كانون الثاني، وأمشير، وهو شَبَاط، وبرمهات، وهو آذار، وبرموعه، وهو نيسان، وبشنس، وهو أيًار، وبؤونه، وهو حزيران، وأبيب، وهو تموز، ومسرى، وهو آب.
وللقبط بعد هذا خمسة أيام لواحق، تدعى العدياء، تزيدها على ما سمينا من شهورها، وهي ثلثمائة يوم وستون يوماً؛ فتصير السنة ثلثمائة وخمسة وستين يوماً.
سنة القبط
وأول يوم من السنة عند القبط هو اليوم التاسع والعشرون من شهر آب، وعلى كل شهر منها ثلاثون يوماً، وكانت أيام السنة ثلثمائة وخمسة وستين يوماً كعدة أيام سنة الفرس وكانت شهور القبط فيما مضى توافق أوائلها شهور الفرس فكان أول توت أول أذر ما، ثم كل شهر كذلك على هذا الوصف إلى آخر سنة القبط آخر آذر ماه، وهذا الحساب بعينه موجود في كتب الزيجات في النجوم، وأهل مصر وسائر القبط في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - يستعملون في حسابهم في الشهور غيرما قدمنا، وذلك أنهم زادوا في أيام السنة ربع يوم على مذهب السريانيين والروم فصارت شهورهم مخالفة لشهور الفرس وموافقة لشهور السريانيين والروم فيعدد أيام السنة، وتاريخ القبط في كتاب المجسطي من أول السنة التي ملك فيها البخت نَضر وكان أولها يوم الأربعاء.
مبدأ التواريخ
وأما تاريخ القبط في كتاب زيج بطليموس، فمن أول سنة ملك فيلقوس وكان أولها يوم الأحد، والتباين الذي بين تاريخ البخت نصر وتاريخ يزد جرد ألف وثلثمائة وتسع وتسعون سنة فارسية وثلاثة أشهر، والذي بين تاريخ فليقوس وتاريخ يزدجرد تسعمائة وخمس وخمسون سنة وثلاثة أشهر، وبين تاريخ الإسكندر وتاريخ يزدجرد تسعمائة واثنتان وأربعون سنة من سني الروم ومائتان وتسعة وخمسون يوماً، وبين تاريخ يزدجرد وتاريخ الهجرة من الأيام ثلاثة آلاف وستمائة وأربعة وعشرون يوماً، فأول هذه التواريخ تاريخ البخت نصر، ثم تاريخ فيلقوس، ثم تاريخ ابنه الإسكندر، ثم تاريخ الهجرة، ثم تاريخ يزدجرد.
أوائل كل تاريخ
وتاريخ العرب من أول السنة التي هاجر فيها النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلي المدينة، وكان أولها يوم الخميس.
وتاريخ الفرس من أول السنة التي ملك فيها يزدجرد بن شهر ياربنكسرى أبرويز، وكان أولها يوم الثلاثاء.
وتاريخ الروم والسريانيين من أول السنة من ملك الإسكندر، وكان أولها يوم الاثنين، واللهُ تعالى أعلم بحقيقة ذلك.
ذكر شهور السريانيين ووصف موافقتها
لشهور العرب وعدة أيام السنة ومعرفة الأنواء
شهورهم وأيام كل شهر
فأول ذلك أن أيام السنة ثلثمائة وخمسة وستون يومأ وربعٍ يوم، وهي مختلفة في العدد: فنيسان ثلاثون يوماً، وأيار أحد وثلاثون يوما، وحزيراز ثلاثون يومأ، ولثمان عشرة ليلة منه رجوع الشمس هابطة من الشمال على ما أوجبه حساب الهند وهو أطول يوم في السنة وليلته أقصر ليلة، وتموز أحد وثلاثون يوماً، وآب أحد وثلاثون يوماً، فإذا انسلخ آب ذهب الحر، قال محمد بن عمد الملك الزيات:

بَرَدَ الماء وطال آل ... ليل والْتَذ الشراب
ومضَى عنك حَزيرا ... ن وتموزُ وآبُ
وأيلول ثلاثون يومأ، ولخمس منه عيد زكريا، ولعشر منه تطع الصرفة فينصرف الحر، ولثلاث عشرة منه عيد الصليب، وهو الرابع عشر منه، وفي هذا اليوم تفتح الترع بمصر على حسب ما ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب، ولتمام عشرين منه، يستوي الليل والنهار، وقال أبو نُوَاس:
مضى أيلول وارتفع الحرُور ... وأخْبَتْ نارها الشعرى الْعَبُور
سر تسمية المهرجان
وتشرين الأول أحد وثلاثون يوماً، وفيه يكون المهرجان، وبين النيروز والمهرجان مائة وتسعة وستون يوماً، وعند الفرس في معنى المهرجان أنه كان لهم ملك في قديم الزمان من ملوك الفرس قد عًم ظلمه خواصَ الناس وعوأمه، وكان يسمى مهر، وكانت الشهور تسِمى بأسماء الملوك، فقيل مهرماه، ومعنى ماه: هو الشهر، وأن ذلك الملك طال عمره واشتدت وطأته؛فمات في النصف من هذا الشهر، وهو مهرماه، فسمي ذلك اليوم الذي مات فيه مهرجان وتفسيره نفس مهر ذهبت؛لأن الفرس تقدم في لغتها ما تؤخره العرب في كل أمه ا، وهذه اللغة اللهلوية، وهي الفارسية الأولى، وأهِل المروآت بالعراق وغيرها من مدن العجم يجعلون هذا اليوم أول يوم من الشتاء؛ فتغير فيه الفرش والآلات وكثيراً من الملابس، ولخمس منه - وهو تشرين الأول - عيد كنيسة القيامة ببيت المقدس، وفي هذا اليوم تجتمع النصارى من سائر الأرض، وتنزل عليهم نأر من السماء فيسرج هناك الشمع، ويجتمع فيه من المسلمين خلق عظيم للنظر إلى العيد، ويقتلع فيه ورق الزيتون، ويكون للنصارى فيه أقاصيص، ولهذه النار حيلة لطيفة وسرّ عظيم، وقد ذكرنا وجه الحيلة في ذلك في كتابنا المترجم بكتاب القضايا والتجارب وتشرين الثاني ثلاثون يوما، وكانون الأول ثلاثون يوما، ولتسع عشرة منه يكون النهار تسِع ساعات ونصفاً وربعاً، وهو منتهى قصره، والليل أربع عشرة ساعة وربعاَ، وهو منتهى طوله، وليلة الخامس والعشرين منه ميلاد المسيح عليه السلام، وكانون الثاني أحد وثلاثون يوماً، وأول يوم منه القلندس، فيكون فيه بالشام لأهله عيد يوقدون في ليلته النيران، ويظهرون الأفراح، لا سيما بمدينة إنطاكية، وما يكون في كنيسة القسيان بها من القداس عندهم، وكذلك بسائر الشام وبيت المقدس ومصر وأرض النصرانية كلها، وما يظهر أهل دين النصرانية بإنطاكية من الفرح والسرور وإيقاد النيران والمآكل والمشارب، ويساعدهم على ذلك عوام الناس وكثير من خواصهم، وذلك أن مدينة إنطاكية بها كرسي البطرك المعظم عندهم في ديانتهم، وأن النصرانية تسمى إنطاكية مدينة الله، ويسمونها أيضاً مدينة الملك، وأم المدن، لأن بدُؤ ظهور النصرانية كان فيها.
بطارقة النصارى
والبطارقة عند النصرانية أربعة: أولهم صاحب مدينة رومية، ثم الثاني وهو. صاحب مدينة قسطنطينية، وهي أقسس، واسمها القديم بوزنطيا، ثم الثالث وهو صاحب الإسكندرية من أرض مصر، ثم الرابع وهو صاحب إنطاكية، ورومية وإنطاكية لبطرس، فبدءا برومية لأنها لبطرس، ثم ختموا بإنطاكية لأنها له، وتعظيماً لبولس، وقد أحدثوا كرسياً ببيت المقدس، ولم يكن هذا متقدماً؛ وإنما هو محدث، وكان لإِيليا وهو بيت المقدس أسقف ولكورة لد من أرض فلسطين.
مشهور كنائسهم
وبإنطاكية أيضاً كنيسة بولس، وتعرف بإنطاكية بدير البراغيث وهي مما يلي باب فارس، وبها أيضاً كنيسة أخرى تدعى أشمونيت، وبها عيد عظيم للنصرانية وكذلك بها كنيسة بربارا، وكنيسة مريم وهي كنيسة مدورة، وبنيانها من إحدى عجائب العالم في التشييد والرفعة، وكان الوليد بن عبد الملك بن مروان اقتلع من هذه الكنيسة عُمدأ عجيبة من المرمر والرخام لمسجد دمشق حملت في البحر إلى ساحل دمشق، وبقي الأكثر من هذه الكنيسة إلى هذا الوقت.
وقد كان لملك من ملوك الروم مع اليهود بإنطاكية خبر عجيب في كنيسة أشمونيت وكانت خارج السور من إنطاكية، وهي في أيدي اليهود، فعوضت اليهود دار الملك بإنطاكية بدلاً من كنيسة أشمونيت، وهذه الدار التي كانت دار الملك تعرف في هذا الوقت بدار اليهود، ولليهود حيلة احتالوها حين خرجت الكنيسة من أيديهم حتى قتلوا من النصرانية خلقاً عظيماً من نشر خشب فيها وغير ذلك.

وقدمنا أخبار بطرس وبولس وما كان من أمرهما بمدينة رومية وغيرها من تلاميذ المسيح وتفرقهم في البلاد، وذكرنا قصة الملك الذي بنى مدينة إنطاكية، وهو المعروف بأنطيخش، وتفسير ذلك محوط الحوائط، وكان اسم إنطاكية بالرومية على اسمه أنطيخش، فلما ورد المسلمون وافتتحوها حذفت الأحرف إلا الألف والنون والطاء.
وفي تاريخ النصارى الملكية وغيرها من أهل دين النصرانية يكون لمولد المسيح إلى وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - وتسعمائة سنة وأربعونْ سنة، وتكون سِنُو الإسكندر ألفاً ومائتين وخمسأ وثمانين،. ويكون من الإسكندر إلى المسيح ثلثمائة سنة وتسع وستون.
هذا ما وجدت في تاريخ الملكية في كنيسة القسيان بمدينة إنطاكية، وسنذكر بعد هذا الموضع جملاً من التاريخ في باب نفرده لذلك، إن شاء اللّه تعالى.
عود إلى الشهور وأي أمه ا وأيام العجوز
فلنرجع الآن إلى وصف حساب الشهور: شباط ثمانية وعشرون يوما وربع ثلاث سنين متوالية، والرابعة كبيسة فيكون تسعاً وعشرين يومأ، وتكون السنة ثلثمائة وستة وستين يوماً، ولسبعة منه تسقط الجمرة الأولى، وهي الجبهة ولأربع عشرة منه تسقط الجمرة الثانية، وهي الزبرة، ولإحدى وعشرين منه تسقط الجمرة الثالثة، وهي الصرفة، وينصرف البرد، وثلاثة أيام من آخره أيام العجوز، وآذار أحد وثلاثون يوماً، ولأربعة من أوله تتم أيام العجوز، والعرب تسمى هذه السبعة الأيام: صِنَا، وصِنبْرا، ووَبْرأ، وآمرا، ومؤتمرا، ومعللا، ومطفئ الجمر، قال بعض العرب في أسماء أيام العجوز:
كسع الشتاء بسبعة غُبْرِ ... صِنٍّ وصنَبرٍ وبالوبر
وبآمر وأخيه مؤتمر ... ومعلل، وبمطفئ الجمر
فإذا انقضت أيامِ شَتْوَتنا ... أيام صادرة عن القر
كسع الشتاء مُولياًهربا ... وأتتك واقدة من الحر
ولخمس عشرة من آذار يستوي الليل والنهار، وتحل الشمس الحمل، وهذا اليوم تحويل سنة العالم، قال أبو نُوَاس:
أما ترى الشمس حًلّتِ الحملا ... وطاب وَزْنُ الزمان واعْتَدَل
وغَنتِ الطير بعد عُجْمَتهَا ... واستوفت الخمر حولها كَمَل
أو اكتست الأرض من زخارفها ... وَشْيَ نَبَاتٍ تخالها حُلَل
فاشرب على جِدَةِ الزمان فقد ... أصبح وجه الزمان مقتبلا
وليس بحلول الشمس الحمل تستوفي الخمر سنة، وإنما أراد بحلولها قربها من الحول والقوة.
شهور الروم
قال المسعودي: وأما شهور الروم فهي موافقة لشهور السريانيين في العدد وذلك أن أول شهور الروم يواريوس وهو كانون الثاني، وقد قدمنا أن في أول يوم منه يكون القلندس، ؤشباط فبراريوس، وأزار مارتيوس، ونيسان إبريليس، وأيار مايوس، وحزيران يونيوس، وتموز يوليوس، وآب أغسطوس، وأيلول سبطمبر، وتشرين الأول أقطوبر، وتشرين الثاني نوفمبر، وكانون الأول عشمير.
ذكر شهور الفرس
أسماء الشهور وعدة أيامها
شهور الفرس كلها ثلاثون يوماَ، فأولها فروردينماه، وأول يوم منه النيروز، وبينه وبين المهرجان مائة وأربعة وسبعون يوماً، والثاني أردبيهشت ماه، وخردافماه، وتيرماه، وتميروز عيد المهرجان، ومرد افماه، وشهريرماه، ومهرماه، ويوم السادس عشر منه المهرجان، وأبانماه فيه أبان رزذ عيد أبان كاه، وفي آخره خمسة أيام: الفرودجان، وآذرماه، وأول يوم منه يخرج الكوسج فيه راكباً بغاله بالعراق وأرض فارس، ولا يعرف ما وصفنا إلا بالعراق وأرض العجم، وأهل الشام والجزيرة ومصر واليمن لا يعرفون ذلك، ويطعم مدة من الأيام الجوز والثوم واللحم السمين، وما عدا ذلك من الأطعمة الحارة والأشربة المسخنة الدافعة للبرد، فيظهر طارداً للبرد، فيصب عليه الماء البارد؛ فلا يجد لذلك شيئاً من ألمه، ويصيح بالفارسية كرماً كرمأ، يعني الحر الحر، وهذا وقت عيد الأعاجم: يطربون فيه، ويظهرون السرور، وكذلك في أوقات كثيرة من فصول السنة وع!ران الأفرخش لمس ودينماه، وبهمناه، وإسفندار مزماه، فذلك ثلثمائة وخمسة وستون يوماً، والله أعلم.
ذكر أيام الفرس
أسماء الأيام

وهي هرمز وبهمان وأرديبهشت وشهرير واسفندأرمر وخرداذ ومرداذ وعيبافر وأفر وأبان وخورماه وتيروجوش ودبر ومهر ودمل وأسروش وفروردين وبهرام، وفيه يقول الشاعر:
باكر بنا لدة المُدَام ... في يوم سَبْتٍ ويوم رام
شريطتي فيه أن تراني ... وَقْتَ الضحى فاتر الكلام
وباد وديبادين وأذر وأشتاد وأسمان وداماد ومار وسفند وأنيران.
فأما أي أمه م المعروفة بالفرودجان فهي أهندكاه أسميهاه مشركاه مشروكاه كاساه.
وكانت العرب تسمي هذه الأيام الخمسة: الهرير، والهبير، وقالب الفهر، وحافل الضرع، ومدحرج البعر.
كبس الفرس
وكانت الفرس تكبس في كل مائة وعشرين سنة شهراً، وإنما أخروا ذلك إلى مائة وعشرين سنة، لأن أي أمه م كانت سُعُوداً ونحوسأ - فكرهوا أن يكبسوا في كل أربع سنين يومأ، فتنتقل بذلك أيام السعود إلى أيام النحوس، ولا يكون النيروز أول يوم من الشهر، واللّه تعالى أعلم.
ذكر سني العرب وشهورها
وتسمية أيامها ولياليها
أسماء الشهور
شهور الأهلة: أولها المحرمٍ، وأيامها ثلثمائة وأربعة وخمسون يوماً، تنقص عن السرياني أحد عشر يوما وربع يوم، فتفرق في كل ثلاث وثلاثين سنة سنة؛ فتنسلخ تلك السنة العربية، ولا يكون فيها نيروز، وقد كانت العرب في الجاهلية تكبس في كل ثلاث سنين شهراً وتسميه النسيء وهو التأخير وقد ذم اللّه تبارك وتعالى فعلهم بقوله: " إنما النسيء زياعة في الكفر " ورسمت العرب الشهور فبدأت بالمحرم؛ لأنه أول السنة، وإنما سمته المحرم لتحريمها الحرب والغارات فيه، وصفر بالأسواق التي كانت باليمن تسمى الصفرية، وكانوا يمتارون منها، ومن تخلف عنها هلك جوعاً، وقال نابغة ذبيان:
إني نهيت بني ذبيان عن أفق ... وعن ترفُّهم في كل أصفار
وقيل: إنما سمي الصفر لأن المدن كانت تخلو فيه من أهلها بخروجهم إلى الحرب، وهو مأخوذ من قولهم: صَفِرَتِ الدار منهم، إذا خلت، وربيع، وربيع؛لارتباع الناس والدواب فيهما، فإن قيل: قد توجد الدواب ترتبع في غير هذا الوقت، قيل: قد يمكن أن يكون هذا الاسم لزمهما في ذلك الوقت فاستمر لعريفهما بذلك مع انتقال الزمان وإخلافه، وجماعي؛وجماعي؛ لجمود الماء فيهما في الزمان الذي سميت به هذه الشهور؛ لأنهم لم يعلموا أن الحر والبرد يدران فتنتقل أوقات ذلك، ورجب؛ لخوفهم إياه، يقال: رَجَبْتُ الشيء، إذا خفته، وأنشد:
فلا تَهَيَّبْهَا ولا ترجبها
وشعبان؛ لتشعبهم إلى مياههم وطلب الغارات، ورمضان؛ لشدة حر الرمْضَاء فيه ذلك الوقت، والوجه الأخر أنه اسم من أسماء اللّه تعالى ذكره، ولا يجوز أن يُقال رمضان، وإنما يُقال: شهر رمضان، وشوال؛ لأن الإِبل كانت تَشُول في ذلك الوقت يأذنا بها من شَهْوة الضِّراب، تشاءمت به العرب، ولذلك كرهت التزويج فيه، وذو القعدة،لقعودهم فيه عن الحرب والغارات، وذو الحجة؛ لأن الحج فيه.
الأشهر الحرم شهور الحج
والأشهر الحرم هي: المحرم،ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة.
وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من في الحجة، والأيام المعلومات العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق، والتعجيلُ باتفاقٍ غيرُ جائز إلا في اليوم الثالث من يوم النحر، فدل ذلك على أن أولها ثاني يوم النحر، ولو كان يوم النحر من المعدودات كان يوم التعجيل في ثلاثة أيام، وهذا خلاف القرآن؛ لإخبار اللّه تعالى أن التعجيل في يومين من المعدودات وإذا كانت المعدودات ما وصفنا صح أن المعلومات منها، والذبح في يوم النحر ذبح في المعلومات لكونه منها.
ولا تمانع بين العرب أن يقول القائل أتيتك في الشهر، والإتيان إنما كان في بعضه. وجئتك في اليوم والمجيء في بعض أوقاته، ولا يُصَام يوم النحر، ولا يوم الفطر، ولا أيام منى، لفرضٍ ولا تطوع؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ ولم يخص فرضاً من تطوع بالنهي، فالواجب الامتناع على وصفنا.
وقد ذكر عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام ثلاثة أيام التشريق وفي جميع ما ذكرنا من المعلومات والمعدودات والصيام في أيام التشريق خلاف بين الناس، وأيام التشريق أولها ثاني النحر، وآخرها اليوم الثالث عشر من في الحجة إلى العصر.
تسمية أيام التشريق

قال المسعودي: وقد اختلفت الناس في علة تسميتها أيام التشريق،وهي أيامُ مِنَى ولياليها، فقالت طائفة: إنما سميت أيام التشريق لأنهم كانوا يَذْبحون الذبائح بمنى ويُشَرِّقون اللحم في الشمس، وقال آخرون: إنما سميت أيام التشريق لأن أهل مكة وغيرهم يتشرقون منصرفين إلى أوطانهم، وفيه قول آخر، وهو أنها إنما سميت أيام التشريق لأنهم كانوا يخرجون بمنى وغيرها كالمزدلفة إلى مصليات لهم في فضاء من الأرض فيسمونها المشارق، واحدها مشراق، يسبحون ويدعون، فسميت بذلك أيام التشريق، وفيه قول آخر، وهو أن طائفة زعمت أنه مأخوذ من ذبح البهائم، وهو التشريق، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الضحية بالمشرقة، يعني المشقوقة الأذنين بالطول، فهي أيام التشريق، وللناس في التشريق من أهل الآراء والنحل كلام كثير لا يحتمله كتابنا هذا وإنما ذكرنا ما أوردناه لتغلغل الكلام بنا إليه واتصاله بما قدمناه، وإن كان كلاماً يلحق بالفقه.
الأيام النحسات وأسماء الأيام عند العرب قديماً
والأيام النحسات: كل أربعاء يوافق أربعاً من الشهر، مثل أربع خلون وأربع عشرة خلت، وأربع عشرة بقيت وأربع وعضرين، وأربع بقين.
وأما أسماء الأيام فأولها الأحد، وإنما سمي بذلك لانه أول يوم خلقه الله من الزمان، وبذلك نطقت التوراة، وقد قدمنا في صدر هذا الكتاب ما في الأيام من بدء الخلق، والاثنين، وسمي لأنه ثان، والثلاثاء، وسمي لأنه ثالث، والأربعاء لأنه رابع، والخميس لأنه خامس، والجمعة لأن الخلق اجتمعوا فيه، والسبت لأن الخلق انقطع فيه وخلق في آخره آدم: وهو مأخوذ من قولهم: نعل سِبْتِيَّة، إذا كانت مقطوعة الشعَر، ويُقال: سَبَتَ شعره، إذا قطعه، وكانت العرب تسميها في الجاهلية: الأحد أول، والاثنين أهون، والثلاثاء جبار، والأربعاء دبار، والخميس مؤنس، والجمعة عروبة، والسبت شيار قال شاعرهم:
أؤمل أن أعيش وأن يومي ... بأول أو بأهون أو جبار
أو المردى دبار، فإن أفته ... فمؤنس أو عروبة أو شيار
أسماء الشهور عند العرب
وكانوا يسمون الشهور: المحرم ناتق، وصفر ثقيل، ثم طليق، نأجر، أسلخ أميح، أحلك، كسع، زاهر، برك، حرف، نعس، وهو ذو الحجة.
الأزمنة الأربعة
وقد اختلف العرب في أسماء الأزمنة الأربعة: فزعمت طائفة منها أن أولها الوَسْمي، وهو الخريف، ثم الشتاء، ثم الصيف، ثم القَيْظ، ومنهم من يعدُّ الأول من فصول السنة الربيع، وهو الأشْهَرُ والأعَمُّ، والعرب تقول: خَرَفْنَا في بلد كذا، وشَتَوْنا في بلد كذا، وتربعنا في بلد كذا، - وصِفْنَا في بلد كذا.
شهور الروم مرسومة على فصول السنة دون شهور العرب
وشهور العرب ليست مرتبة على فصول السنة ولا على حساب سنة الشمس بل المحرم وغيره من الشهور العربية قد يقع تارة في الربيع وتارة في غيره من فصول السنة.
وشهور الروم مرسومة على ما يوافق فصول السنة التي تقطع فيها الشمس بروج الفلك عن آخرها، ومقادير أيام كل شهر منها ولياليه في الطول والقصر وظهور ما يظهر فيه من النجوم الثابتة للأبصار واستتار ما يستتر منها على ممر الدهور والسنين وهي اثنا عشر شهراً على حسب ما ذكرنا أن أولها تشرين إلى أيلول؛فكل فصل من السنة أربعة شهور معلومة من هذه الأثني عشر شهراً غير حائلة ولا منتقلة انتقال الشهور العربية، ولكل برج منها شهر، فأيلول وتشرين وتشرين لسلطان السوداء. وكانون وكانون وشباط لسلطان البلغم، وآذار ونيسان وأيار لسلطان الدم، وحزيران وتموز وآب لسلطان الصفراء، فأيلول لبرج السنبلة وتشرين الأول لبرج الميزان، وتشرين الأخر لبرج العقرب، وكانون الأول برجه القوس، وكانون الأخر برجه الجدي، وشباط برجه الدَلْو، وآذار برجه الحوت، ونيسان برجه الحمل، وأيار برجه الثور، وحزيران برجه الجوزاء، وتموز برجه السرطان، وآب برجه الأسد.
وقال المسعودي: وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب جملاً من الكلام في الطبائع وفصول السنة، وما يلائم ذلك من المآكل والمشارب وغير ذلك مما لحق بهذا الباب، إن شاء الله تعالى، واللّه ولي التوفيق.
ذكر قول العرب في ليالي الشهور القمرية وغيرها
كانت العرب تخبر عن القمر في كل ليلة من الشهور على حسب ما

هو به من الضياء وغيره على طريق المسألة والجواب؛ فتقول: قيل للقمر: ما أنت ابن ليلة؟ قال: رضاع سخيلة، حل أهلها برميلة، قيل: فما أنت لليلتين؟ قال: حدثت أمتين، فَوَاتيْ إفك وَمَيْن، قيل: فما أنت لثلاث؟ قال: حديث فتيات، يجتمعن من شتات وقيل: قليل الثبات، قيل فما أنت لأربع؟ قال: غنمة رتع، غير جائع ولا مرضع قيل: فما أنت لخمس؟ قال: حديث وأنس، قيل: فما أنت لست؟ قال: سِرَوَبت، قيل: فما أنت لسبع؟ قال: تصفر في الشفع، وقيل: دلجة الضبع قيل: فما أنت لثمان؟ قال: قمر أصبحان، وقيل: رغيف اقتسمه أخوان، وقيل: فما أنت لتسع؟ قال: تلتقط في الجرع، قيل: فما أنت لعشر؟ قال: محق للفجر، قيل: فما أنت لإحدى عشرة؟ قال: أرى مساءَ وارَى بكرة، قيل: فما أنت لاثنتي عشرة؟ قال: موفق للسير في البدو والحضر، قيل: فما أنت لثلاث عشرة؟ قال: قمر باهر، يُعْشِي عين الناظر، قيل: فما أنت لأربع عشرة؟ قال: مقتبل الشباب، أضيء بين السحاب، قيل: فما أنت لخمس عشرة؟ قال: تم التمام ونفذت الأيام، قيل: فما أنت لست عشرة؟ قال: ناقص الخلق، في الغرب والشرق، قيل: فما أنت لسبع عشرة؟ قال: ركب الفقير الفقر، قيل: فما أنت لثمان عشرة؟ قال: قليل البقاء، سريع الفناء، قيل: فما أنت لتسع عشرة؟ قال: بطيء الطلوع، من الخشوع، قيل: فما أنت لعشرين؟ قال: أطلع سحرة، وأرى بكرة، قيل: فما أنت لإحدى وعشرين؟ قال: لا أطيل السرى، إلا ريثما أرى، قيل: فما أنت لاثنتين وعشرين؟ قال: مسفع خطب، وليث حرب، قيل: فما أنت لثلاث وعشرين؟ قال: كالقبس، أطلع في الغلس، قيل: فما أنت لأربع وعشرين؟ قال: أطلع في قسمه، ولا أجلي ظلمة، قيل: فما أنت لخمس وعشرين؟ قال: أنا في تلك الليالي، لا قمر ولا هلال، قيل: فما أنت لست وعشرين؟ قال: دنا الأجل، وانقطع الأمل، قيل: فما أنت لسبع وعشرين؟ قال: دنا ما دنا، فليس في من سَنَا، قيل: فما أنت لثمان وعشرين؟ قال: أطلع بكراً، ولا أرى ظهراً، قيل: فما أنت لتسع وعشرين؟ قال: أسبق شعاع الشمس، ولا أطيل الجلس، قيل: فما أنت لثلاثين؟ قال: هلال مستقبل سريع الأفل.
تقسيم الليالي ثلاثاً وثلاثاً واسم كل ثلاث
وكانت العرب تسمي الثلاث الأولى من ليالي الشهر و فتقول: ثلاث غرر، والثلاث التي تليها ثلاث سَمَر، والثلاث التي تليها ثلاث زهر، والثلاث التي تليها ثلاث درر، والثلاث التي تليها قمر، وثلاث بيض، وتقول في النصف الثاني من الشهر في الثلاث الأول: ثلاث درع، وفي الثلاث التي تليها ثلاث ظلم، وفي الثلاث التي تليها ثلاث حناديس، وفي الثلاث التي تليها ثلاث دواري، وفي الثلاث التي تليها ثلاث محاق، وقيل في وجه آخر من الروايات: إنه يُقال لليالي الشهر: ثلاث هلل، وثلاث قمر، وست نقل وثلاث بيض، وثلاث درع، وثلاث بهم، وست حناديس، وليلتان داريتان، وليلة محاق.
أسماء الهلال والليالي
قال المسعودي: فأما ما ذهب إليه العرب في تسمية القمر فإنها تسمية في ليلة طلوعه هلالا، وما لم يستدير فهو هلال، ثم تسمه قمراً إذا ما استدار، وإذا ما حجر وأضاء فهو قمير، قال شاعرهم:
وقمير بَدَا ابن خمس وعشري ... ن له قالت الفتاتان قوما
ثم يستوي لثلاث عشرة منه، وهي ليلة السّوَاء، ثم ليلة البحر لأربع عشرة، ويُقال: غلامٌ بحر، إذا امتلأ شبابأ قبل أن يحتلم، ويُقال: عين حدرة بدرة، إذا كانت حديدة كعين الفرس، والليالي البيض ليلة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، والليالي الدُّرْع هي التي تسودُ صدورها وتبيض سائرها، والمحاق إذا ما طلعت عليه الشمس، والسواد حين يستتر فيكون خلف الشمس، ويُقال: قد حجر القمر، إذا استدار بخط رقيق من غير أن يغلظ، ويُقال: أفتق القمر إذا أصابته فرجة من السحاب فخرج وأفتق علينا فأبصرنا الطريق، وكل سواد من الليل حِندِس، والليالي الزًّهْر الليالي البيض والزهرة: البياض واللّه الموفق للصواب.
ذكر القول في تأثير النيرين في هذا العالم
وجمل مما قيل في ذلك وغير ذلك مما لحق بهذا الباب
قال المسعودي:

ذهب الحكماء جميعاً من اليونانيين وغيرهم إلى أن أفعال القمر في الجواهر التي قلنا عظيمة، إلا أنها أقصر من أفعال الشمس، وهو الثاني بعدها، وذلك أن الشهور به تكون، وعلى حسب حركته يجري أمرها، وأفعاله لرى أعظم وآبين في حيوان البحر خاصة، وهو ينمى النبات وغيره، ويعظم البحار، ويسمن الحيوان، ويلزم النساء الطمث أزماناً محدودة.
تصور الجنين في الرحم
قال المسعودي رحمه اللهّ: وقد تنازع الناس في كيفية تصور الجنين فيٍ الرحم.
فذهب قوم من أهل القدم إلى أن في المني قوة تصور الجنين إما منة،. وما من دم الطمث.
وذهب قوم إلى أن في الرحم قالباً يتصور فيه الجنين، وقد ذكر جالينوس في كتابه عن بقراط أن مقام المني مقام الفاعل والمفعول في تصور الجنينَ.
وقال صاحب المنطق: إن ذلك بمنزلة الفاعل، وإن الجنين يتصور في دم الطمث من المني، قال: والمني يعطي الدم مثل الحركة، ثم يستحيل ريحاً فيخرج من الرحم، وزعم جالينوس أن الجنين يكون من المني، وقد يجذب إليه الدم الذي هو الطمث، والروح من العروق والشريانات فيكون من المني، ومن ذلك الدم الذي يجذبه، ومن الريح الذي تصير إليه من الشريانات. قال: وكون الجنين بمنزلة كون النبات، والطبيعة تصوره من المني والدم، وتفعل الطبيعة في الجنين ما تفعله في النبات. لأن بزر النبات يحتاج إلى أرض لينال منها ما يتغذى به، فالجنين إلى الرحم، والنبات يرسل عروقه من الأصول ليجذب بها من الأرض غداه،وللجنين في المشيمة شريانات، والعروق نظير لذلك وهي أصول الجنين، وبَزر النبات ينبت منه سوق، ومن السوق أغصان كبار، ثم من هذه الأغصان أغصان أخرى تتفرع أولاً حتى تنتهي إلى الأقاصي، ونظير ذلك يوجد في الجنين؛ فتجد السوق في بدئه ثلاثة من كل واحد كل الأغصان الأصول وهي؛الشريان الأعظم، والعرق الأجوف، والنخاع ثم تجد كل واحد من هذه تتشعب منه شعب كالأغصان المنقسمَة ألم أغصان آخر حتى ينتهي إلى الأطراف، ثم قال بعد ذلك: إن المني و المحرك لنفسه، وإن الجنين يكون من الرجل والمرأة الطمث.
وحكى جالينوس عن أنبدقلس أن أجزاء الولد منقسمة فيمنى الذكر والأنثى وأن شهوة الجماع تسوق هذه الأجزاء إلا الالتئام، وهذا موجود في كتاب أنبدقلس الكبير وفيما ذكره من مذهبه في كيفية تركيب العالم واتصال النفس بعالمها وغير ذلك.
وقد ذهب قوم من، أهل القدم إلى أن ذلك هو أجزاء تخرج من أعضاء الإنسان لطيفة من جنس سائر أعضاء الإنسان، فتنصب في الرحم، فيتغذى منه وينمو، فيكون من ذلك الجنين.
يشبه الولد أباه وأهل بيت أبيه
ومنهم من رأى أن هذه الأجزاء الواردة من سائر أعضاء الذكر تقاربها مواد من الرحم ومن ماء المرأة عند اجتماعهما فيكون الجنين من ذلك، فمن ذلك صار الولد يشبه أباه في الأغلب من سائر الأعضاء ويشاكله وأهل بيت أبيه، ولهذا وقع الشبه بين البنين والآباء في الأغلب من تشهابه الأعضاء، ومن ههنا أدركت القَافُة إلحاق النسب عند الشبه والشك في لنسب، وذلك على قول من رأى إلحاق النسب بالقيافة من الفقهاء، وقد تقدم الكلام في هذا المعنى فيما سلف من هذا الكتاب في باب القيافة.
وللناس في كيفية تصور الجنين في الرحم وما بدؤه وما عنصره وكيفية تقلبه من النطفة إلى العلقة ومن العلقة إلى المضغة إلى استكمال شكله كلام كثير: منهم أصحاب الاثنين وغيرهم ممن تقدم وتأخر، أعرضنا عن ذكر ذلك؛ إذ كان فيه خروج عما إليه قصدنا في هذا الباب.
قال المسعودي رحمه الله: والذي يقضي على سائر ما تقدم وصفه نقطع علم العقول عنده، وهو ما أخبر به الباري عز وجل في كتابه بقوله: " هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، لا إله إلا هو العزيز حكيم " ولم يخبر عن كيفية وقوع ذلك وما سبب مواده، بل استأثر بعلمه، وأبدى الدلالة بظهور حكمته دالة على توحيده وإتقانه لما أظهر لعباده من حكمته ثم أخبر عن المبدأ الذي خلقهم منه فقال: " يا أيها الناس أنا خلقنكم من ذكر وأنثى " وقال عز وجل: يا أيها الناس إن كنتم ريب من البعث فأنا خلقنكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مغة مخلقة وغير مخلقة؛ لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى، ثم نخرجكم طفلاً، ثم لتبلغوا أشدكم، ومنكم من يتوفى، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر " الآية.
ختلاف في تأثير النيرين

قال المسعودي: وللناس ممن سلف من الأوائل وخلف من الشرعيين،م كثير في كيفية أفعال النيرين وتأثيرهما في هذا العالم، وما قالوه في ذلك، وما خصوا به كل واحد منهما وأفرده، وما ذهبوا إليه من فعل الثاني منهما وهو القمر وما يظهر من تأثيره في الجزر والمد في بحر الصين الهند والحبش واليمن على حسب ما قدمنا في هذا الكتاب، وكذلك فعله المعادن وأدمغة الحيوان والبيض وسائر النبات، وما يظهر من الزيادات فيه عند امتلائه، والنقص عند نقصانه، وما يكون من بحرانات المرضى ؤ اليوم السابع من العلة، - والرابع عشر وإلحادي والعشرين والثامن والعشرين لأن القمر أربعة أشكال هي أثبت صوره، فيه شكل التنضيف، وشكل التمام، وشكل التنصيف عن التمام، وشكل المحاق، ولكل شكل هذه سبعة أيام؛لأنه في سبع ليالي يتنصف، وفي الرابعة عشرة يتم، وب الحادية والعشرين يتنصف، وفي الثامنة والعشرين ينمحق، كذلك البحرانات، وعند هذه الطائفة يصح في السابع والرابع عشر وإلحادي والعشرين والثامن والعشرين ويصح أيضاً في تنصيفات هذه،إذ كانت هذه الأشكال أثبت أشكال الشيء المنقسم، وقد خالف هؤلاء خلق كثير من ذهب إلى غير هذا القول، وأن ذلك من قبل الأخلاط، وغير ذلك كل الطبائع الأربع، وغيرها مما قد أتينا على إيضاحه في كتابنا المترجم بكتاب الزلف وفي كتاب المبادي والتراكيب وغير ذلك في كيفية تأثير الشمس والقمر.
كروية السماء والأرض
وأما الدلائل على أن السماء على مثال الكرة وتدويرها بجميع ما فيما من الكواكب كدورة الكرة، وأن الأرض بجميع أجزائها من البر والبحر علم مثال الكرة، وأن كرة الأرض مثبتة في وسط السماء كالمركز، وقدرها عند قمر السماء قدر النقطة في الدائرة صغراً، ووصف الرابع المسكون من الأرض، وما يعرض فيه من دور الفلك، واختلاف الليل والنهار ووصف خواص هذا الربعٍ المسكون من الأرض ووصف المواضع التي تطاع الشمس فيها شهور ألا تغرب، وتغرب شهوراً لا لطلع، فقد أتينا علم وصف جميع ذلك، وما اتضح عليه وانتصب من البراهين، وما قاله الناس في ذلك في كتابنا المترجم بكتاب أخبار الزمان وما أوضحنا فيه من هيث الأفلاك والكواكب، وأن الأرض مع ما وصفنا تدويرها موضوعة فيجوف الفلك. كالمحة في البيضة، والنسيم جاذب أيضاً لما في أبدان الخلق من الخفه والأرض جاذبة لما في أبدانه من الثقل؛ إذ كانت الأرض بمنزلة حجر المعناطيس الذي يجذب بطبعه الحديد، وأن الأرض مقسومة نصفين وربينهما خط الاستواء، وهو بين المشرق إلى المغرب وهذا عندهم هو طول الأرض؛لأنه أكبر خطفي كرة الأرض كما أن منطقة البرج أكبر يخط في الفلك، وعرض الأرض من القطب الجنوبي إلى القطب الشمالى، الذي تدور حوله بنات نَعْش؛ وأن استدارة الأرض فيخط الاستواء ست وثلاثون درجة، والدرجة خمسة وعشرون فرسخا، والفرسخ اثنا ألف ذراع، والذراع اثنان وأربعون إصبعا، والإصبع ست حبات، وتسعا مصفوفة بعضها إلى بعض، يكون ذلك تسعة آلاف فرسخ.
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في باب ذكر الأرض والبحار ومبادئ الأنهار مقدار المِيل والذراع الأسود، وإنما نذكر في كل موضع من هذا الكتاب ما يسنح لنا ونجده في كتب الناس؛ فننقل ذلك عنهم على ما وجدناه في كتبهم، لا أنا نقطع على صحته؛إذ كان ما يذهب إليه في مقدار الميل من الأذرع، والذراع من الأصابع، هو ما بيناه آنفاً في باب ذكر الأرض والبحار.
وبين خط الاستواء وكل واحد من القطبين تسعون درجة، واستدارتها - عرضاً مثل ذلك، وزعم هؤلاء أن العمارة في الأرض بعد خط الاستواء أربع وعشرون درجة، وأن الباقي قد عمه البحر الكبير، وأن الخلق على الرابع الشمالي من الأرض، والربع الجنوبي لشدة الحر فيه، والنصف البإقى من الأرض لا ساكن فيه، وكل ربع من الشمال والجنوب سبعة أقاليم، وقد ذكرناها فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا الأرض والأقاليم السبعة، وأن عدد المدن عند صاحب كتاب الجغرافيا أربعة آلاف مدينة ومائتا مدينة، فأما قبله أهل المشرق والمغرب والتيمن والجنوبي، فقد ذكرنا جملاً من ذلك في كتابنا أخبار الزمان.

وقد حرر ذلك في كتابه أبو حنيفة الدِّينَوَرِيّ، وقد سلب ذلك ابَن قتيبة ونقله إلى كتبه نقلاً، وجعله عن نفسه، وقد فعل ذلك في كثير من كتب أبي حنيفة الدينوري. هذا، وكان أبو حنيفة هذا ذا محل من العلم كبير، ولبطليموس في كتاب المجسطي، وغيره ممن تقدم،، ثم لمن طرأ بعد ظهور الإسلام - مثل الكندي، وابن المنجم، وأحمد بن الطيب - ، وما شاء الله، وأبى معشر، والخوارزمي، ومحمد بن كثير الفرغاني، فيما ذكره في كتابه الفصول الثلاثين، وثابت بن قرًة، والتبريزي، ومحمد د بن جابر البتانِي، وغير هؤلاء ممن قد عنى بعلوم الهيئة - علوم كثيرة في هذا المعنى، وإنما ننقل من ذلك إلى هذا الكتاب لمعاً، طلباً للاختصار والإيجاز، وباللّه التوفيق.
ذكر أرباع العالم والطبائع
وما خص به كل جزء منه من الشرق والغرب والتيمن والجنوبي والأهوية، وغير ذلك من سلطان الكواكب وما لحق بهذا الباب واتصل بهذا المعنى
الطبائع الأربع
قال المسعودي: فأما الطبائع الأربعة: الأرض، فالنار حارة يابسة وهي الطبيعة الأولى والطبيعة الثانية: باردة رطبة، وهي الماء، والطبيعة الثالثة: الهواء، وهو حار رطب، والطبيعة الرابعة: وهي باردة يابسة؛فاثنتان منها تذهبان الصًعَدَاء: وهما: النار، والهواء، واثنتان ترسخان سُفْلا، وهما: الأرض، والماء والعالم أربعة أجزاء؛ فالمشرق الربع الأول، وجميع ما فيه حار رطب مثل الهواء والدم، وهذا الربع ريحه الجنوب، وله من الساعات الأولى والثانية والثالثة، وله من قوى البدن قوة الطبيعة الهاضمة، ومن المذاقات إلى حلاوة، وله من الكواكب: القمر، والزهرة، وله من البروج: الحمل، والثور، والجوزاء. وللحكماء في هذا خطب طويل في وصف هذه الأرباع منها جُمَل فيما مضى وما يأتي. والمغرب: وهو الربع الثاني، وجميع ما فيه بارد رطب مثل الماء والبلغم، والشتاء، ورياحه: الدَّبُورُ، وله من الساعات العاشرة والحادية عشرة و الثانية عشرة، وله من المذاقات: المالح، وما شابه ذلك، وله من القوى: القوة الدافعة، وله من الكواكب: المشتري، وعُطَارد، ومن البروج: الجدي، والدلو، والحوت. والجزء الثالث: التيمن، وجميع ما فيه حار يابس مثل المَرّة الصفراء.وريحه، الضبا، وله من الساعات الرابعة والخامسة والسادسة من النهار. وله من قوى البدن القوة النفسانية والحيوانية، وله من المذاقات: المرارة، وله من الكواكب: المريخ، والشمس، ومن البروج: السرطان، والسنبلة، والميزان، والجزء الرابع هو الجنوبي، وجميع ما فيه بارد يابس، مثل الأرض والمرة السوداء، والخريف وريحه الشمال وله من الساعات: السابعة والثامنة والتاسعة، وله من قوى البدن القوة الماسكة، ومن الطعوم والمذاقات: العَفْصُ، وله من الكواكب: زُحَل، وله من البروج: الميزان، والعقرب، والقوس، والأرض بعد ما وصفناه تتهايأ في الهيئة وتختلف في التأثير على مقادير. الخطوط، فإذا بعد الخط كان التأثير بخلاف ما هو إذا قرب؛لموجبات متنافية متغايرة، وأفضل المواضع من المسكون ما تطرح الشمس ضوء شعاعها إليه، وإلى الإِقليم الرابع ينتهي عند هذه الطائفة شعاعها في صفوة وارتفاع كحره؛لأن شعاع للشمس يهبط متساوياً إلى هذا الموضع وهو العراق.
علة عدم سكنى بعض الأرض
قال المسعودي: والمواضع التي لا تسكن عند هذه الطائفة عدمت السكنى لعلتين: إحداهما إفراط الحر وإحراق الشمس وكثرة تواتر شعاعها على تلك الأرضين حتى قد جعلتها كِلْسِية وأغاضت مياهها لكثرة التنشيف، والعلة الأخرى بُعْدُ الشمس عن الإقليم، وارتفاعها عن حوزته، فاكتنف تلك الأرضين البرد، واستولى عليها القر والجمَدُ، فزاد إفراط البرد في الجو حتى أزال حسن الاعتدال ورفع فضيلة النشف، فلم تلبث الحرارة في الأجسامٍ، ولم تظهر الرطوبة في إنماء الحيوان هنالك،فصارت تلك البلد قاعا صفصفا من الحيوان والنبات، وهذه البلدان التي تراها مفرطة الحرارة والبرودة هي تناسب ما ذكرنا من هذه الديار البلاقع.

ولهذه الطائفة كلام كثير في فناء العالم ونقصه وعَوده جديداً، وذكروا أن السلطان في هذا الوقت السنبلة وهو سبعة آلاف سنة، وذلك عمر هذا العالم البشري، وقد ساعَدَ السنبلة المشتري في التدبير، وأن نهاية العالم. في كثرة قطع الكوكب المدبر المسافة التامة بالقوى، فإذا استكمل قَطْع المسافة التي ذكروها في الفلك فهنالك يقع النفاد ويكون الدًّثُور بالعالم، والكواكب إذا كملت ما لها من كَرِّ ودوْر عاد التدبير إلى الأول منها، وعادت أشخاص كل عالم وصوره مع اجتماع المواد التي كانت له في حال حركة تأثير الكوكب الذي كان التدبير إليه وهكذا عند هؤلاء يجري شأن العالم سرمداً.
مدة سلطان الكوكب
وزعموا أن سلطان الْحَمل اثنا عشر ألف سنة وسلطان الثور إحدى عشرة ألف سنة، وسلطان الجوزاء عشرة آلاف سنة، وسلطان السرطان تسعة آلاف سنة، وسلطان الأسد ثمانية آلاف سنة، وسلطان السنبلة سبعة آلاف سنة، وسلطان الميزان ستة آلاف سنة وسلطان العقرب خمسة آلاف سنة وسلطان القوس أربعة آلاف سنة وسلطان الجدي ثلاثة لأف سنة، وسلطان الدلو ألفا سنة وسلطان الحوت ألف سنة، فجميع ذلك ثمانية وسبعون ألف سنة وعند ذلك هو انقضاء العالم ونقض ما فيه ورجوعه إلى كونه.
وتكلم هؤلاء في الجن الذين كانوا في الأرض قبل خلق اللّه آدم واستخلافه في الأرض، وأن المتولي لهم كوكب من الكواكب النارية.
وتكلم كلا الفريقين في أوج الشمس عند انفصالها إلى البروج الجنوبية وما يحدث في العالم في كون الشمال جنوباً والجنوب شمالاً، وتحول العامر غامراً والغامر عامراً، على حسب ما ذكرنا في كتابنا المترجم بكتاب الزلف.
أجناس الأجسام
وقد ذهب غير هؤلاء ممن تقدم من الأوائل إلى أن التي وجد بها سائر الموجودات كالأول والثواني والثوالث على قدر مراتبها في العقل النفس والصورة والهيولى، وأنها المبادئ على حسب ما رتبناه وقدمناه في كتاب الزلف فما عدا ما وصفنا فهي الأجسام، وأناسها ستة: الجسم السماوي والجسم الأرضي والحيوان الناطق، والحيوان غير الناطق، والنبات، والأجسام الحجرية وهي المعدنية، والأستقصات الأربعة وهي النار والهوا والماء والأرض.
وتكلم هؤلاء فيما يخص كل واحد مما ذكرنا مما لا يحتمله كتابنا هذا؛ إذا كان فيه خروج عن الغرض الميَمّم فيه، وقد أتينا على بسط ذلك في كتاب الرؤوس السبعة، في باب السياسة المدنية، وعدد أجزائها وعللها الطبيعية وهل ملك تلك المدينة جزء من أجزائها أو من غيرها؟ وإليه نهاية أجزائها على حسب ما ذكره فرفوريوس في كتابه في وصف منازعة أفلاطون وأرسطاطاليس في ذلك.
فأما علة كون الشتاء بأرض الهند في الحالة التي يكون الصيف بها عندنا، و، لحالة التي يكون فيها عندنا الشتاء يكون الصيف عندهم فقد ذكرنا علة ذلك ووجه البرهان عليه، وأن ذلك للشمس في قربها وبعدها، وكذلك علة تكون السودان في بعض البقاع من الأرض دون بعض وتفلفل شعورهم، وغير ذلك من مشهور أوصافهم، وعلة تكوُّن البيضان في بعض البقاع دون بعض وتفطر ألوان الصقالبة وشقرتهم وصُهًوبة شعورهم، وما لحق الترك من استرخاء مفاصلهم وتعوج أسواقهم ولين عظ أمه م حتى إن أحدهم ليرمى بالنشاب من خلف كرمْيِه من قدّام فيصير وجهه قفاه وقفاه وجهه،ومطاوعة فقارات الظهور لهم على ذلك، وكون الحمرة في وجوههم عند تكامل الحرارة في الوجه على الأغلب من كونها وارتفاعها؛ لغلبة البرد على مصداق ما ذكرنا فيما سلف من كتبنا في هذه المعاني المقم ذكرها. ولم نتعرض لذكر ما لم يصح عندنا في العالم وجوده حساً ولا خبراً قاطعاً للعذر ولا دافعأ للرَّيْبِ ومزيلا للشك كأخبار العامة في كون النسناس، وأن وجوههم على نصف وجوه الناس، وأنهم ذوو أنياب، وقولهم في عنقاء مغرب. وقد زعم كثير من الناس أن الحيوان الناطق ثلاثة أجناس: ناس، ونسناس، ونسانس وهذا محال من القول؛ لأن النسناس إنما وقع هذا الاسم على السفلة من الناس والرُّذَال وقد قال الحسن: ذهب الناس وبقي النسناس، وقال الشاعر:
ذهب الناس فاستقلوا، وصرنا ... خلفاً في أراذل النسناس
أراد به ما وصفنا: أي ذهب الناس وبقي مَنْ لا خير فيه.
الجن وأنواعها
وقد ذهب كثير من الناس إلى أن الجن نوعان: أعلاهم وأشدهم الجن، وأخفضهم وأضعفهم الحن، وأنشد الراجز:

مختلف نَجْرُهُمُ جِن وحِنّ
وهذا التفصيل بين الجنسين من الجن لم يرد به خبر، ولا صح به أثر، وإنما ذلك من توهم الأعراب على حسب ما بيناه آنفاً.
النسناس
وقد غلب على كثير من العوام الأخبار عن معرفة النسناس وصحة وجوده في العالم كالأخبار عن وجوده في الصين وغيرها من الممالك النائية والأمصار القاصية فبعضهم يخبر عن وجودهم في المشرق، وبعضهم في المغرب، فأهل المشرق يذكرون كونها بالمغرب، وأهل المغرب يذكرون أنها بالمشرق، وكذلك كل صقع من البلاد يُشير سكانه إلى أن النسناس فيما بعد عنهم من البلاد ونأى من الديار.
وقد رووا في ذلك خبرأ مخرجه من طريق الآحاد أن ذلك في بلاد حضرموت من أرض الشِّحْر، وهو ما ذكره عبد الله بن سعيد بن كثير بن عفير المصري، عن أبيه عن يعقوب بن الحارث بن نجيم، عن شبيب بن شيبة بن الحارث التميمي، قال: قدمت الشحْر فنزلت على رأسها، فتذاكرنا النسناس، فقال: صيدوا لنا منها، فلما أن رجعت إليه مع بعض أعوانه المَهْرِبين إذ أنا بنسناس منها، فقال لي النسناس: أنا بالله وبك، فقلت لهم: خلوه، فخلوه، فلما حضر الغداء قال: هل اصطدتم منها شيئأ؟ قالوا: نعم؛ولكن خلاّ ضيفك، قال: استعموا فأنا خارجون في قَنَصِه، فلما خرجنا إلى ذلك في الشَحَر خرج منها واحد يدمو وله وجه كوجه الإنسان وشَعَرات في ذقنه، ومثل الثدي في صدره، ومثل رجلي الإنسان رجلاه، وقد ألظ به كلبان، وهو يقول:
الويل لي مما به دهانى ... دهري من الهموم والأحزان
قفا قليلا أيها الكلْبَانِ ... واستمعا قولي وصدَقاني
إنكما حين تحارباني ... ألفيتماني حضرا عِناني
لولا سُبَاتي ما ملكتماني ... حتى تموتا أو تفارقاني
لست بخَوّار ولا جبان ... ولابنكس رَعش الجنان
لكن قضاء الملك الرحمن ... يُذِل ذا القوة والسلطان
قال: فالتقيا به فأخذاه، ويزعمون أنهم ذبحوا منها نسناساً، فقال قائل منها: سبحان الله، ما أشد حمرة دمه! فذبحوه أيضاً، فقال نسناس آخر من شجرة: كان يأكل السماق، قال: فقالوا نسناس آخر خذوه، فأخذوه وذبحوه، فقالوا: لو سكت هذا لم يعلم بمكانه، فقال نسناس من شجرة أخرى: أنا صمت قالوا: نسناس، خذوه فأخذوه فذبحوه فقال نسناس من شجرة أخرى: يا لسان احْفَظْ رأسك، فقالوا: نسناس خذوه، فأخذوه، وزعم من روى هذا الخبر أن المهرة تصطادها في بلادها وتأكلها.
قال المسعودي: ووجدت أهل الشّحر من بلاد حضرموت وساحلها - وهي الأحساء مدينة على الشاطئ من أرض الأحقاف، وهي أرض الرمل وغيرها مما اتصل بهذه الديار من أرض اليمن وغيرها من عمان وأرض المَهْرَة - يستطرفون أخبار النسناس إذا ما حدقوها، ويتعجبون من وصفه، ويتوهمون أنه ببعض بقاع الأرض مما قد نأى عنهم وبعد، كسماع غيرهم من أهل البلاد بذلك عنهم، وهذا يمل على عدم كَوْنه في العالم، وإنما ذلك من هَوَس العامة واختلاطها، كما وقع لهم في خبر عنقاء مُغرِب وهذا يمل على عدم كونه في العالم ورووا فيه حديثاً عَزَوْه إلى ابن عباس، ونحن لم نحِلْ وجود النسناس والعنقاء وغير ذلك مما اتصل به بهذا النوع من الحيوان الغريب النادر في العالم من طريق العقل. فإن ذلك غير ممتنع في القدرة، ولكن أحَلْنَا ذلك لأن الخبر القاطع للعذر لم يرد بصحة وجود ذلك في العالم، وهذا باب داخل في حيز الممكن الجائز خارج عن باب الممتنع والواجب، ويحتمل هذه الأنواع من الحيوان الناعر ذكرها كالنسناس والعنقاء والعَرَابد وما اتصل بهذا المعنى أن تكون أٍ أنواعا من الحيوان أخرجتها الطبيعة من القوة إلى الفعلِ ولم تحكمه ولم يتأتّ فيه الضُنع كتأتيه في غيره من الحيوان، فبقي شاذاَ فريدأ متوحشا ناعراً في العالم طالباً للبقاع النائية من البرمباينَاَ لسائر أنواع الحيوان من الناطقين وغيرهم؛ للضدية التي فيه لغيره مما قد أحكمته الطبيعة، وعدم المشاكلة والمناسبة التي بينه وبين غيره من أجناس الحيوان وأنواعه، على حسب ما قدمنا في باب الغيلان فيما سلف من هذا الكتاب، وفي الإكثار مهن هذا خروج عن الغرض الذي إليه قصدنا في هذا الكتاب.

وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب من الأخبار عمن زعم أن المتوكل أمر حُنَيْنِ بن إسحاق - أو غيره من أهل عصره ممن عني بهذا الشأن من الحكماء - أن يتأتى له ويحتال في حمل النسناس والْعَرْبَد من أرض اليمامة، وأن حُنَيْناً حمل له شيئاً من ذلك، وقد أتينا على شرح هذا الخبر فيمن أرسل إلى اليم أمه في حمل العربد وإلى بلاد الشِّحر في حمل النسناس في كتابنا أخبار الزمان واللّه تعالى أعلم بصحة هذا الخبر، وليس لنا في ذلك إلا النقل، وأن نعزوهْ إلى راوية، وهو المقلَد بعلم ذلك فيما حكاه ورواه؛فننظمه على حسب ما يتأتى لنا نظمه في الموضع المستحق له، والله ولي التوفيق برحمته.
وأما ما ذكروه عن ابن عباس فهو خبر يتصل بخبر خالد بن سنان العبسي، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب خبر خالد بن سنان العبسي، وأنه ذكر أنه كان في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وذكرنا خبره مع النار وإطفائه لها.
العنقاء
فلنذكر الآن خبر العنقاء على حسب ما رووه، فلا بد من إعادة خبر خالد لذكرنا العنقاء واتصال الخبرين، ومخرج هذه الأخبار كلها عن ابن عفير.
حدث الحسن بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه المروزي قال: حدثنا أسد بن سعد بن كثير بن عفير، عن أبيه عن جدة كثير، عن جد أبيه عفير عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن اللّه خلق طائراً في الزمان الأول من أحسن الطير، وجعل فيه من كل حسْن قسطاً، وخلق وجهه على مثال وجوه الناس، وكان في أجنحته كل لون حُسَنٍ من الريش، وخلق له أربعة أجنحة من كل جانب منه، وخلق له يدين فيهما مخالب، وله منقار على صفة منقار العُقَاب غليظ الأصل، وجعل له أنثى على مثاله، وسماها بالعنقاء، وأوحىِ الله تعالى إلى موسى بن عمران: إني خلقت طائراً عجيباً خلقته ذكراَ وأنثى، وجعلت رزقه في وحش بيت المقدس، وآنستك بهما؛ليكونا مما فضلت به بني إسرائيل، فلم يزالا يتناسلان حتى كثر نسلهما، وأدخل الله موسى وبني إسرائيل في التيه فمكثوا فيه أربعين سنة حتى مات موسى وهرون في التيه وجميع من كان مع موسى من بني إسرائيل، وكانوا ستمائة ألف، وَخَلَفَهم نسلُهم في التيه، ثم أخرجهم الله تعالى من التيه مع يوشع بن نون تلميذ موسى ووصيه، فانتقل ذلك الطائر فوقع بنجد والحجاز في بلاد قيس عَيْلاَن، ولم يزل هنالك يأكل من الوحوش ويأكل الصبيان وغير ذلك من البهائم إلى أن ظهر نبي من بني عبس بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم يقال له خالد بن سنان، فشكا إليه الناس ما كانت العنقاء تفعل بالصبيان، فدعا الله عليها أن يقطع نسلها فقطع الله نسلها فبقيت صورتها تحكي في البُسُطِ وغير ذلك.
وقد ذهب جماعة من ذوي الروايات إلى أن قول الناس في أمثالهم عنقاء مُغْرب إنما هو للأمر العجيب النادر وقوعه، وقولهم جاء فلان بعنقاء مُغْرِب يريدون أنه جاء بأمر عجيب، قال شاعرهم:
وَصًبّحَهم بالجيش عنقاء مُغْرِب
وَالْعَنَق:السرعة
خالد بن سنان العبسي
قال ابن عباس من: وكان خالد بن سنان نبي بني عبس بَشَّر برسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، فلما حضرته الوفاة قال لقومه: إذا أنا مت فادفنوني في حِقْفِ من هذه الأحقاف، وهي تلول عظام من الرمل، واحرسوا قبري أياماً، فإذا رأيتم حماراً أشهب أبتر يدور حول الحِقْف الذي فيه قبري أياماً فاجتمعوا ثم انبشوا قبري وأخرجوني إلى شفير القبر، وأحضروا لي كاتبَاَ ومعه ما يكتب فيه حتى أملي عليكم ما يكون وما يحدث إلى يوم القيامة، وقال: فَرَصدوا قبره بعد وفاته ثلاثاً ثم ثلاثأ ثم ثلأثاً، فإذا الحمار يرعى حول الحقف قريباً من قبره واجتمعوا عليه لينبشوا كما أمرهم، فحضر ولده وشهروا سيبرفهم، وقالوا: والله لا تركنا أحداً ينبشه، أتريدون أن نُعَير بذلك غداً وتقول لنا العرب: هؤلاء ولد المنبوش؛ فانصرفوا عنه وتركوه، قال ابن عباس: ووردت ابنة له عجوز قد عمرت على النبي صلى الله عليه وسلم، فتلقاها خيرو أكرمها وأسلمت، وقال لها: مرحباً بابنة نبي ضيعه أهله قال شاعر بني عبس:
بني خالد لوأنكم إذ حضرتُمُ ... نبشتم عن الميت المغيَّبِ في القبر
لأبقى عليكم آلَ عبسٍ ذخيرة ... من العلم لا تبلى على سالف الدهر

وقد رويَتْ عن ابن عفير أخبار كثيرة في هذا المعنى وأشباهه من فنون الأخبار من أخبار بني إسرائيل وغيرها.
خلق الخيل
منها خبر خلق الخيل، وهو ما حدث به الحسن بن إبراهيم الشعبي القاضي، قال: حدثنا أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه المروزي قال: حدثنا أبو الحارث أسد بن سعيد بن كثير بن عفير، عن أبيه، عن جده كثير، عن جد أبيه عفير قال: قال عكرمة: أخبرني مولاي ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله لما أراد أن يخلق الخيل أوحى إلى الريح الجنوبي: إني خالق منك خلقاً فاجتمعي فاجتمعت، فأمر جبريل فأخذ منها قبضة ثم قال الله: هذه قبضتي، قال: ثم خلق الله منها فرساً كُمَيْتَاَ، ثم قال الله: خلقتك فرساً، وجعلتك عربياً، وفضلتك على سائر ما خلقته من البهائم بسعة الرزق، والغنائم تقاد على ظهرك، والخير معقود بناصيتك، ثم أرسله، فصَهَلَ، فقال الله: باركت فيك، بصهيلك أرعب المشركين، وأملأ مسامعهم، وأزلزل أقد أمه م، ثم وسَمه بغرة وتحجيل، فلما خلق اللّه آدم قال: يا أدم، أخبرني أي الدابتين أحب إليك الفرس أو البراق؟ قال: وصورة البراق على صورة البغل، لا ذكر ولا أنثى، فقال آدم: يا رب، اخترتُ أحسنهما وجهاً، فاختار الفرس، فقال الله: يا آدم اخترت عزك وعز ولدك باقياً ما بقوا وخلدوا " قال ابن عباس: فذلك الوَسْمُ فيه وفي ولده إلى يوم القيامة، يعني الغرة والتحجيل.
قال المسعودي رحمه الله: وقد ذكر عيسى بن لهيعة المصري في كتابه المترجم بكتاب الحلائب والجلائب وذكره لكل حَلْبة أجريت فيها الخيل في الجاهلية والإِسلام: أن سليمان بن داود زَؤَدَ أناسا من الأزد فرساً يصيدون عليه، فسمي زاد الراكب، وكذلك ذكر ابن عريد في كتاب الخيل وغيره.
وللناس في الخيل أخبار عظيمة كثيرة قد أتينا على ذكرها في السالف من كتبنا.
ولولا أن المصنف حاطبُ ليلٍ لذكره في تصنيفه من كل نوع لما ذكرنا هذه الأخبار؛ إذ الناس من أهل العلم والدراية في قبول الأخبار على وجوه.
الكلام على الأخبار
وقد ذهبت طائفة إلى أن الأخبار التي تقطع العذر وتوجب العلم والعمل هي أخبار الاستفاضة: ما رواه الكافة عن الكافة، وأن ما عدا ذلك فغير واجب قبوله.
وذهب الجمهور من فقهاء الأمصار إلى قبول خبر الاستفاضة، وهو خبر التواتر، وأنه يوجبْ العلم والعمل، وأوجبوا العمل بخبر الواحد، وزعموا أنه موجب للعمل دون العلم بأوصاف ذكروها.
ومن الناس من ذهب إلى غير هذه الوجوه في قبول الأخبار من الضرورية وغيرها.
وما ذكرناه من حديث النسناس والعنقاء وخلق الخيل فغير داخل في أخبار التواتر الموجبة للعمل واللاحقة بما أوجب العمل دون العلم، ولا بالأخبار المضطرة لسامعها إلى قبولها عند ورودها واعتقاد صحتها عن مُخْبِرها، وهذا النوع من الأخبار قد قدمنا أنها في حَيِّز الجائز الممكن الذي ليس بواجب ولا ممتنع، وهي لاحقة بالإِسرائيليات من الأخبار والأخبار عن عجائب البحار. ولولا ما قدمنا آنفاً من اشتراطنا على أنفسنا الاختصار والإيجاز لذكرنا ما اتصل بهذا المعنى من الأخبار مما رواه أصحاب الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم حملة السنن ونقلة الآثار، مما لا يتناكرونه، ويعرفونه ولا يدفعونه.
أمثلة من الأخبار
مثل حديث القرد الذي كان في السفينة في عهد بني إسرائيل مع رجل كان يبيع الخمر لأهل السفينة ويَشُوبُ الخمر بالماء، وأنه جمع من ذلك دراهم كثيرة، وأن القرد قبض على الكيس الذي كانت فيه الدراهم وصعد على الدقل، وهو صارى المركب ويُدْعَى بالعراق الدقل، فحل الكيس ولم يزل يرمي درهماً إلى الماء ودرهماً إلى السفينة، حتى قسم ذلك نصفين.

ومثل ما روي الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك قد رواه عن فاطمة بنت قيس عدة من الصحابة، وهو خبر تميم الداريّ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عنه أنه أخبره أنه ركب البحر في جماعة من بني عمه في سفينة، فأضلَّ بهم البحر وألقاهم إلى جزيرة فخرجوا من السفينة إلى الجزيرة فنظروا إلى دابة عظيمة قد نشرت شعرها، فقالوا لها: أيتها الدابة، ما أنت؛ فقالت: أنا الْجسَّاسة التي أخرج آخر الزمان، وذكروا عنها كلاماً غير هذا، وأنها قالت: عليكم بصاحب القصر، فنظروا فإذا هم بقصر من حاله ووصفه كذا، وإذا هم برجل بالحديد والقيود مُسَلْسل إلى عمود من حديد وصفة وجهه كذا، وأنه خاطبهم وساءلهم، وأنه الدجال، وأنه أخبرهم بجمل من الملاحم، وأنه لا يدخل مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك مما ذكر في هذا الحديث وغيره مما ورد من الأخبار في معناه، وهذا باب كبير يتسع وصفه ويعظم شرحه.
عود إلى ذكر أرباع العالم والطبائع
ثم رجع بنا القول إلى ما كنا فيه آنفا من ذكر أرباع العالم والطابع،وما اتصل بهذا المعنى، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب جوامع من الكلام في الطبائع وغيرها مما ينبه على عظم هذا الباب ومبسوطه؛وقد زعم جماعة ممن تقدم وتأخر من الأطباء ومصنفي الكتب في الطبيعيات وغيرها أن للطعام ثلاثة انهضامات: أما الأول فهي المعدة فإن المعدة تهضم الطعام فتأخذ قوته فيصير مثل ماء الكشك، ثم تدفعه إلى الكبد ثم يدفعه الكبد في العروق إلى جميع الجسد كاندفاع الماء من النهر إلى السواقي والمشارب، فتهضمه أعضاء الجسد التالية، فتصيره إلى شبهها اللحم لحماً والشحم شحماً، وكذلك العروق والعصب وما سوى ذلك وأن إقتارها إذا استوت استوت أقدار القوى وإذا استوت القوى استوى الجسد واعتدل ويصح بإذن اللهّ تعالى.
فصول السنة وأثر كل منها
وأن الزمان أربعة فصول: الصيف، والخريف، والشتاء والربيع فالصيف يقوي المرة الصفراء ويكثر اهتياجها، والخريف يقوي السوداء والشتاء يقوي البلغم، والربيع يقوي الدم.
ثم ينقسم عمر الإِنسان أربعة أقسام: الصبا وفيه يقوى الدم والشباب وفيه تقوى المرة الصفراء، والكهولة وفيها تقوى السوداء والشيخوخة وفيها يقوى البلغم.
وأن البلدان أيضاً تنقسم على أربعة أقسام: المشرق وطبيعته الحرار والرطوبة، وفيه يقوى الدم، والجنوب وطبيعته البرودة واليبس، وفيه تقو؛ المرة السوداء، والغرب وطبيعته البرودة والرطوبة وفيه يقوى البلغم والتيمن وطبيعته الحرارة واليبس، وفيه تقوى المرة الصفراء، وأن بنية الأصول من الجسد ربما كانت مستوية معتدلة الأخلاط، وربما كان أغلب الأخلاط أغلب في البنية فتظهر قوته بأعل أمه حتى يكون مقوياً لذلك الخلط إذا هاج.
وقد قال أبقراط: ينبغي أن يكون كل شيء في هذا العالم مقدر أعلى سبعة أجزاء، فالنجوم سبعة، والأقاليم سبعة والأيام سبعة وأسنان الناس سبعة: أولها طفل، ثم صبي إلى أربع عشرة سنة، ثم غلام إلى أحد وعشرين سنة، ثم شاب ما دام يشب ويقبل الزيادة إلى خمس وثلاثين سنة، ثم كهل إلى الأربعين، ثم شيخ إلى سبع واربعين سنة، ثم هرم إلى آخر العمر.
الهواء وأثره في الإِنسان والحيوان
وجميع تغير أحوال الحيوان من الناطقين وغيرهم فمن الهواء يكون ذلك.
وقد قال الحكيم أبقراط: إن تغير حالات الهواء هو الذي يغير حالات الناس: مرة إلى الغضب، ومرة إلى السكون، وإلى الهم والسرور وغير ذلك، وإذا استوت حالات الهواء استوت حالات الناس وأخلاقهم.
وقال: إن قوى النفس تابعة لمزاجات الأبدان، ومزاجات الأبدان تابعة لتصرف الهواء: إذا برد مرة وسخن أخرى خرج الزرع نضيجاً ومرة غير نضيج، ومرة قليلا ومرة كثيراً، ومرة حاراً ومرة بارداً، فتتغير لذلك صورهم ومزاجاتهم، وإذا اعتدل الهواء واستوى خرج معتدلا، فاعتدل بذلك الصور والمزاجات.
الاستدلال بالأقاليم على تأثير الهواء

فأما علة تشابه صور الترك فإنه لما استوى هواء بلدانهم في البرد استوت صورهم وتشابهت، وكذلك أهل مصر لما استوت أهواؤهم تشابهت صورهم، ولما كان الغالب على هواء الترك البرد وعجزت الحرارة عن تنشيف رطوبات أبدانهم كثرت شحومهم، ولانت أبدانهم، وتشبهوا بالنساء في كثير من أخلاقهم، فضعفت شهوة الجماع فيهم، وقلَّ ولدهم؛لبرد مزاجهم، وللرطوبة الغالبة عليهم، وقد يكون ضعف الشهوة أيضاً لكثرة ركوب الخيل، وكذلك نساؤهم: لما سمنت أبدانهن ورطبت ضعفت أرح أمه ن عن جذب الزرع إليها.
وأما ألوانهم فللبرد كما ذكرنا؛لأن البياض إذا ألحت عليه البرودة صار إلى الحمرة، وبيان ذلك أن أطراف الأصابع والشفة والأنف إذا أصابها برد شديد احمرَّتْ.
وذكر الحكيم أبمراط أن في بعض البلدان من الجنوب بلدة كثيرة الأمطار كثيرة النبات والعُشْبِ، وأن أشجارها ذاهبة في الهواء، ومياهها عذبة ودوابها عظيمة، وهي مخصبة؛لأن تلك البلاد لم يلحقها حر الشمس، ولم يلحقها يبس البرد، فأجسام أهلها عظيمة، وصوره جميلة، وأخلاقهم كريمة؛فهم - في صورهم وقاماتهم واعتدال طبائعهم يشبهون باعتدال زمان الربيع، غير أنهم أصحاب دَعَة لا يحتملون الشدائد والكد.
وقال أبقراط في معنى ما وصفنا وما إليه قصدنا، من بيان الأهوية وتأثيرها في الحيوان والنبات: إن الروح المطبوعة فيها هي التي تجذب الهواء إلينا، وإن الرياح تقلب الحيوان من حال إلى حال، وتصرفه من - إلى برد، ومن يبس إلى رطوبة، ومن سرور إلى حزن، وكما تغير ما في البيوت من بزر أو عسل أو فضة أو شراب أو سمن فتسخنها مرة وتبرده أخرى وترطبها مرة وتيبسها أخرى، وعلة ذلك أن الشمس والكواكب تغير الهواء بحركاتها، وإذا تغير الهواء تغير بتغيره كل شيء، فمن تقدم وعرف أحوال الأزمنة وتغيرها والدلائل التي فيها عرف السبب الأعظم من أسباب العلم وتقدم في حفظ صحة الأبدان.
أثر الجنوب
وقال أيضاً: إن الجنوب إذا هبت أذابت الهواء وبردته، وسخنت البحار والأنهار، وكل شيء فيه رطوبة، وتغير لون كل شئ وحالاته، وهى ترخي الأبدان والعصب، وتورث الكسل، وتحدث ثقلا في السماع وغشاوة في البصر؛لأنها تحلل المرة، وتنزل الرطوبة إلى أصل العصب الذي يكون فيه الحس.
أثر الشمال
وأما الشمال فإنها تصلب الأبدان، وتصح الأدمغة، وتَحسن اللون، وتصفي الحواس، وتقوي الشهوة والحركة، غير أنها تحرك السُّعَال ووجع الصدر.
وقد زعم بعض من تأخر في الإسلام من الحكماء أن الجنوب إذا هَبَّ بأرض العراق تغير الورد، وتناثر الورق وتشقق القنبيط وسخن الماء، واسترخت الأبدان، وتكدر الهواء، قال: وذلك شبه ما قال أبقراط ا: إن الصيف أوْبَأ من الشتاء،لأنه يسخن الأبدان فيرخيها ويضعف قواها، وإن أهل العراق يكون الرجل منهم نائماً في فراشه فيحسُّ بهبوبها، وإنه إذا هبت الشمال بَرَدَ الخاتم في إصبعه واتسع لانضمام البدن بها، وإذا هبت الجنوب سخن الخاتم وضاق، واسترخى البدن، وحدث فيه الكسل، وهذا يجده سائر مَنْ بالعراق ممن له حسن، إذا صرف همته إلى تأمل ذلك، وكذلك يجده من تأمل ما وصفناه في سائر الأمصار في بقاع الأرض والبلدان، وإن كان ذلك بالعراق أظهر لعموم الاعتدال.
الرياح الأربعة
ثم قال الحكيم أبقراط في معنى ما ذكرناه: إن الرياح العامة أربعة: إحداها تهب من جهة المشرق، وهي الْقَبُول، والثانية تهب من المغرب، وهي الدَّبُور، والثالثة من التيمن، وهي الجنوب، والرابعة من التيسر، وهي الشمال.
فأما الريح التي تهب في بلد دون بلد فإنها تسمى الريح البلدية.
قال المسعودي: وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب جوامع من الأخبار عن الأرض والبحر، وكثير من الممالك والبلدان، وذكرنا في هذآ الباب جوامع من الأخبار عن الطبائع والأهوية والبلدان وأرباع الأرض من العامر والغامر، وغير ذلك مما تقدم ذكره وانتظم تصنيفه واتَسَقَ بحمد الله إيراده؛ فرأينا أن نختم هذا الباب بجوامع من مساحات الممالك، وما بينها من البعد والقرب، على حسب ما حكاه الفزاري صاحب كتاب الزيج والقصيدة في هيئة النجوم والفلك:
مساحات الممالك وما بينها من المسافة

زعم الفزاري أن عمل أمير المؤمنين من فَرْغَانة وأقصى خراسان إلى طَجة بالمغرب ثلاثة آلاف وسبعمائة فرسخ، والعرض من باب الأبواب إلى جدة ستمائة فرسخ، ومن الباب إلى بغداد ثلثمائة فرسخ، ومن مكة إلى جدة اثنان وثلاثون ميلاَ.
عمل الصين من المشرق أحد وثلاثون ألف فرسخ في أحد عشر ألف فرسخ.
عمل الهند في المشرق أحد عشر ألف فرسخ في سبعة آلاف فرسخ.
عمل التبت خمسمائة فرسخ في مائتين وثلاثين فرسخاً.
عمل كابلشاه أربعمائة فرسخ في ستين فرسخاً.
عمل التغزغز بالترك ألف فرسخ في خمسمائة فرسخ.
عمل الترك لخاقان سبعمائة فرسخ في خمسمائة فرسخ.
عمل الخزر واللان سبعمائة فرسخ في خمسمائة فرسخ.
عمل برجان ألف وخمسمائة فرسخ في ثلثمائة فرسخ.
عمل الصقالبة ثلاثة آلاف وخمسمائة فرسخ في أربعمائة فرسخ وعشرين فرسخاً.
عمل الروم بقسطنطينية خمسة آلاف فرسخ في أربعمائة وعشرين فرسخاً.
عمل رومية الروم ثلاثة آلاف فرسخ في سبعمائة فرسخ.
عمل الأندلس لعبد الرحمن بن معاوية ثلثمائة فرسخ في ثمانين فرسخاً.
عمل إعريس الفاطمي ألف ومائتا فرسخ في مائة وعشرين فرسخاً.
ٍعمل ساحل سجلماسة لبني المنتصر أربعمائة فرسخ في ثمانين فرسخا.
عمل أنبيه ألفان وخمسمائة فرسخ في ستمائة فرسخ.
عمل غانة بلاد الذهب ألف فرسخ في ثمانين فرسخاً.
عمل ورام مائتا فرسخ في ثمانين فرسخاً.
عمل نخلة مائة فرسخ وعشرون فرسخاً في ستين فرسخاً.
عمل واح ستون فرسخاً في أربعين فرسخاً.
عمل البحة مائتا فرسخ في ثمانين فرسخاً.
عمل النجاشي ألف وخمسمائة فرسخ في أربعمائة فرسخ.
عمل الزنج بالمشرق سبعة آلاف وستمائة فرسخ في خمسمائة فرسخ.
عمل أسطولا لأحمد بن المنتصر أربعمائة فرسخ في مائتين وخمسين فرسخاً.
فذلك الطول اثنان وسبعون ألفَاَ وأربعمائة وثمانون فرسخاً، والعرض خمسة وعشرون ألفاً ومائتان وخمسون فرسخَاَ.
أصول الطب
وأما الكلام في وصف أصول الطب، وهل ذلك مأخوذ من طريق الرياضة والقياس أم من غيره، ووصف تنازع الناس في ذلك؛فلم نتعرض لإيراده في هذا الباب، وإن كان متعلقاً ومتصلاً بالكلام في الطبائع وجمل المعاني المذكورة في هذا ا لباب؛لأنا قد أوردناه فيما يرد من هذا الكتاب في أخبار الواثق على إيضاح جرى بحضرته، وقد حضر مجلسه حنين بن إسحاق وابن ماسوية ويختيشوع وميخائيل وغيرهم من الفلاسفة والمتطببين، فأغنى ذلك عن إيراده في هذا الباب، ولولا أن الكتاب يَرِدُ على أغراض مختلفة من الناس لما هُمْ عليه من اختلاف الطبائع والتباين في المراد لما ذكرنا بعض ما نورد فيه من أنواع العلوم وفنون الأخبار، وقد يلحق الإِنسان الملل لقراءته ما لا تهوى نفسه فينتقل منه إلى غيره، فجمعنا فيه من سائر ما يحتاج الناس من ذوي المعرفة إلى علمه، ولما تغلغل بنا الكلام في نظمه وتشعبه واتصاله بغيره من المعاني مما لم يتقدم ذكره، وقد أتينا على مبسوط سائر ما ذكرناه على الاتساع والإيضاح في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط، والله تعالى أعلم.
ذكر البيوت المعظمة والهياكل المشرفة
وبيوت النيران والأصنام وذكر الكواكب وغير ذلك من عجائب العالم
عبادة الهند واتخاذهم الأصنام
قال المسعودي: كان كثير من أهل الهند والصين وغيرهم من الطوائف يعتقدون أن اللهّ عز وجل جسم، وأن الملائكة أجسام لها أقدار، وأن اللهّ تعالى وملائكته احتجبوا بالسماء، فدعاهم ذلك إلى أن اتخذوا تماثيل وأصناماً على صورة الباري عز وجل، وبعضها على صورة الملائكة: مختلفة القدود والأشكال، ومنها على صورة الإنسان وعلى خلافها من الصور، يعبدونها، وقربوا القرابين، ونفروا لها النذور، لشبهها عندهم بالباري وقربها منه، فأقاموا على ذلك برهة من الزمان وجملة من الأعصار.
عبادتهم الكواكب واتخاذهم أصناماً لها

حتى نبههم بعض حكمائهم على أن الأفلاك والكواكب أقرب الأجسام المرئية إلى اللهّ تعالى، وأنها حية ناطقة، وأن الملائكة تختلف فيما بينها وبين اللهّ، وأن كل ما يحدث في هذا العالم فإنما هو على قدر ما تجري به الكواكب عن أمر اللّه، فعظموها وقربوا لها القرابين لتنفعهم، فمكثوا على ذلك دهراً، فلما رأوا الكواكب تخفى بالنهار وفي بعض أوقات الليل لما يعرض في الجو من السواتر أمرهم بعض من كان فيهم من حكمائهم أن يجعلوا لها أصناماً وتماثيل على صورها وأشكالها، فجعلوا لها أصناماً وتماثيل بعدد الكواكب الكبار المشهورة، وكل صنف منهم يعظم كوكباً منها، ويقرب لها نوعاً من ا لقربان خلاف ما للآخر، على أنهم إذا عظموا ما صوروا من الأصنإم تحركت لهم الأجسام العلوية من السبعة بكل ما يريدون، وبنوا لكل صنم بيتاً وهيكلاً مفرداً، وسموا تلك الهياكل بأسماء تلك الكواكب.
وقد ذهب قوم إلى أن البيت الحرام هو بيت زُحَلَ، وإنما طال عندهم بقاء هذا البيت على مرور الدهور معظماً في سائر الأعصار لأنه بيت زُحَلَ، وأن زحل تولاه، لأن زحل من شأنه البقاء والثبوت، فما كان له فغير زائل ولا داثر، وعن التعظيم غير حائل، وذكروا أمورا أعرضنا عن ذكرها لشناعة وصفها.
بودابسف أول الصابئة
ولما طال عليهم العهد عبدوا الأصنام على أنها تقربهم إلى اللّه، وألفوا عبادة الكواكب، فلم يزالوا على ذلك حتى ظهر بوداسف بأرض الهند، وكان هندياً وقد كان بوداسف خرج من أرض الهند إلى السند، ثم سار إلى بلاد سجستان وبلاد زابلستان، وهي بلاد فيروز بن كبك، ثم دخل السند ثم إلى كرمان، فتنبأ وزعم أنه رسول اللّه، وأنه واسطة بين اللهّ وبين خلقه، وأتى أرض فارس، وذلك في أوائل ملك طهمورث ملك فارس، وقيل: ذلك في مبك جَمَّ، وهو أول من أظهر مذاهب الصابئة على حسب ما قدمنا انفاً فيما سلف من هذا الكتاب، وقد كان بوداسف أمر الناس بالزهد في هذا العالم والاشتغال بما على من العوالم؛إذ كان من هنالك بدء النفوس، وإليها يقع الصدر من هذا العالم.
وجدا بوداسف عند الناس عبادة الأصنام، والسجود لها، لشُبَهٍ ذكرها، وقرَّبَ لعقولهم عبادتها بضروب من الحيل والخداع.
جم أول من دعا إلى عبادة النار
وذكر ذوو الخبرة بشأن هذا العالم وأخبار ملوكهم أن جَمَّ الملك أول من عظم النار، ودعا الناس إلى تعظيمها، وقال: إنها تشبه ضوء الشمس والكواكب؛لأن النور عنده أفضل من الظلمة!، وجعل للنور مراتب.
ثم تنازع هؤلاء بعده، فعظم كل فريق منهم ما يرون تعظيمه من الأسماء تقرباً إلى الله بذلك ثم تنازعوا برهة من الزمان.
عمرو بن لحى أظهر الأصنام بمكة
ونشأ عمر وبن لحى فساد قومه بمكة واستولى على أمر البيت، ثم سار إلى مدينة البلقاء من عمل دمشق من أرض الشام، فرأى قوماً يعبدون الأصنام، فسألهم عنها، فقالوا: هذه أرباب نتخذها: نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فنسقى، وكل ما نسألهم نعطى، فطلب منهم صنماً يدعونه هُبَلَ، فسار به إلى مكة، ونصبه على الكعبة ومعه إساف ونائلة، ودعا الناس إلى تعظيمها وعبادتها، ففعلوا ذلك، إلى أن أظهر اللّه الإسلام وبعث محمداً عليه الصلاة السلام؛ فطهر البلاد، وأنقذ العباد.
البيت الحرام
وقد قال هؤلاء: إن البيت الحرام من البيوت السبعة المعظمة المتخذة على أسماء الكواكب من النيرين والخمسة.
بيت للمجوس بأصبهان
وبيت ثان معظم على رأس جبل بأصبهان يُقال له مارس، وكانت فيه أصنام، إلى أن أخرجها منه يستاسف الملك لما تَمجسَ وجعله بيت ناره، وذلك على ثلاثة فراسخ من أصبهان، وهذا البيت معظم عند المجوس إلى هذه الغاية.
بيت بالهند
والبيت الثالث يدعى مندوسان ببلاد الهند وهذا البيت تعظمه الهند ولى قرابين تقرب، وفيه أحجار المغناطيس الجاذبة والدافعة والمنزرة من أوصاف لا يسعنا الإخبار عنها؛فمن أراد أن يبحث عن ذكرها فليبحث، فإنه بيتَ مشهور ببلاد الهند.
بيت البرامكة ببلخ

والبيت الرابع هو النوبهار الذي بناه من وشهر بمدينة بَلْخَ من خراسان على اسم القمر، وكان من يلي كسِدَانته تعظمه الملوك في ذلك الصقع وتنقاد إلى أمره وترجع إلى حكمه، وتحمل إليه الأموال، وكانت عليه وقوف، وكان الموكل بسدانته يدعي البرمك، وهو سمة عامة لكل من يلي سدانته، ومن أجل ذلك سميت البرامكة؛لأن خالد بن بَرْمَك كان من ول مَنْ كان على هذا البيت، وكان بنيان هذا البيت من أعلى البنيان تشييداً وكان تنصب على أعلاه الرماح عليها شقاق الحرير الأخضر طولُ الشقة مات ذراع فما دونها قد نصب لذلك رماح وخشب تدفعِ قوة الريح بما عليها من الحرير، فيقال واللهّ أعلم: إن الريح خطفت يوماَ بعض تلك الشقاق ورمت به، فأصيب على مسافة خمسين فرسخاً، وقيل: أكثر من تلك المسافة وهذا يدل على زيادته في إلجو وتشييد بنيانه، وكان الحيز المحيط بهذ البنيان أميالاً لم نذكزها، إذ كان أمر ذلك مشهوراً من وصف علوّ السور وعرضه.
قال المسعودي: وقد ذكر بعض أهل الرواية والتنقير أنه قرأ على باب النوبهار ببلخ كتاباً بالفارسية ترجمته: قال بوداسف: أبوابُ الملوكِ تحتاج إلى شلاث خصال: عقل، وصبر، ومال وإذا تحته بالعربية: كذب بوداسف الواجب على الحر إذا كان معه واحدة من هذه الثلاث الخصال أن لا يلزم باب السلطان.
غمدان بصنعاء
والبيت الخامس بيت غمْدَان َالذي بمدينة صنعاء من بلاد اليمن، وكان الضحاك بناه على اسم الزهرة، وخربه عثمان بن عفان رضي اللّه عنه؛فهو في وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - خراب قد هدم فصار تلا عظيماً، وقد كان الوزير علي بنِ عيسى بن الجراح - حين نفي إلى اليمن وصار إلى صنعاء - بَنَى فيه سقاية وحَفرَ فيه بئراً.
ورأيت غُمْدَان رثمإً وتلا عظيماً قد انهدم بنيانه، وصار جبل تراب كأنه لم يكن، وقد كان أسعد بن يعفر صاحب قلعة كحلان النازل بها وصاحب مخاليف اليمن في هذا الوقت، وهو المعظم في اليمن، أراد أن يبني غمدان، فأشار عليه يحيى بن الحسين الحسني أن لا يتعرض لشيء من ذلك؛إذ كان بناؤه على يدي غلام يخرج من أرض سبأ وأرض مأرب يؤثر في صقع من هذا العالم تأثيراً عظيماً.
وقد ذكر هذا البيت جد أمية بن أبي الصلت وقيل: هو أبو الصلت أمية، واسمه ربيعه في مدحه لسيف بن ذي يزن، وقيل: إن الممدوح بهذا الشعر معد يكرب بن سيف حيث يقول:
اشْرَب هنيئاً عليك التاجُ مُرْتَفِقاً ... برأس غُمَدَانَ داراً منك مِحْلاَلاَ
وكان أبو أمية جاهلياً، وهو القائل في أصحاب الفيل:
إن آيات رَبِّنا بيناتٌ ... ما يُمَارِي بهنَّ إلاكَفُور
غلب الفيل بالمُغَمِّس ... حتى ظلًّ يحبو كأنه معقور
حوله من شباب كِنْدَةَ فتيا ... ن ملاوِيث في الحروب صُقور
واضعاً خلفه الجرار كما قُطر صخْرٌ من جانب محدُورُ
وقد قيل: إن ملوك اليمن كانوا إذا قعدوا في أعلى هذا البنيان بالليل واشتعلت الشموع رأى الناس ذلك من مسيرة ثلاثة أيام.
بيت بفرغانة بخراسان
والبيت السادس كاوسان، بناه كاوس الملك بناءً عجيباً على اسم المدبر الأعظم من الأجسام السماوية وهو الشمس، بمدينة فرغانة من مدائن خراسان، وخربه المعتصم باللّه، ولهدمه هذا البيتَ خبرٌ طريف قد أتينا على ذكره في كتاب أخبار الزمانَ.
بيت بالصين

والبيت السابع بأعالي بلاد الصين، بناه ولد عامور بن سوبل بن يافث ابن نوح، وأفرده للعلة الأولى؛إذ كان منشأ هذا الملك ومبدأه وباعث الأنوار إليه، وقيل: إنما بناه بعض ملوك الترك في قديم الزمان وجعله سبعة أبيات في كل بيت منها سبع كُوًى يقابل كل كوة صورة منصوبة على صورة كوكب من الخمسة والنيرين من أنواع الجواهر المضافة إلى تأثير تلك الكواكب، من ياقوت أو عقيق أو زمرد على اختلاف ألوان الجواهر، ولهم في هذا الهيكل سِرٌّ يسرونه في بلاد الصين، بما قد زَخرَفَ لهم فيه القول وزينه لهم الشيطان، ولهم في هذا الهيكل علوم في اتصال الأجسام السماوية وأفعالها بعالم الكون الذي تحدثه، وما يحدث فيه من الحركات والأفعال عند تحرك الأجسام السماوية؛ وقد قرب ذلك إلى عقولهم: بأن جعل لهم مثالاً من الشاهد يدل على ما غاب عنهم من فعل الأجسام السماوية في هذا العالم، وهو خشب الديباج الذي ينسج به؛فبضرب من حركات الصانع بذلك الخشب والخيوط إلإبريسم تحدث ضروب من الحركات، فإذا اتصلت أفعاله وتواترت حركاته من النسج للثوب الديباج تحت الصورة فيه؛فبضرب من الحركات يظهر جناح طائر، وبآخر رأسه، وبآخر رجلاه،فلا يزال كذلك حتى تتم الصورة على حسب مراد الصانع لها؛فجعلوا هذا المثال واتصال الإِبريسم بآلة النسج وما يدحثه الصانع في ذلك من الأفعال مثالاً لما ذكرنا من الكواكب العلوية، وهي الأجسام السماوية، فبضرب من الحركات ظهر في العالم الطائر وبضرب آخر بيضة وبضرب آخر فرخ، وكذلك سائر ما يحدث في العالم، ويسكن ويتحرك ويوجد ويعدم، ويتصل وينفصل، ويجتمع ويفترق، ويزيد وينقص، من جماد أو نبات أو حيوان ناطق أو غير ناطق، فإنما يحدث عن حركات الكواكب على حسب ما وصفنا من نسج الديباج وغيره من الصنائع، وأهل صناعة النجوم لا يتناكرون أن يقولوا: أعطته الزهرة كذا، وأعطاه المريخ كذا، كالشُّقْرة وصُهُوبة الشعر وأعطاه زُحَلُ خفة العارضين وجُحُوظَ العينين وأعطاه عُطَارد الصنعة وأعطاه المشتري الحياء والعلم والدين، وأعطته الشمس كذا، وأعطاه القمر كذا، وهذا باب يكثر القول فيه ويتسع وصف مذاهب الناس فيه، وما قالوه في بابه.
ذكر البيوت المعظمة عند اليونانيين
بيت إنطاكية
البيوت المضاف بناؤها إلى مَنْ سلف من اليونانيين ثلاثة بيوت: فبيت منها كان بإنطاكية من أرض الشام، على جبل بها داكأ المدينة، والسور محيط بها، وقد جعل المسلمون في موضعه مَرْقَبا ا ليُنْنِرهم مَنْ قد رُتَبَ فيه من الرجال بالروم إذا وردوا من البر والبحر، وكان يعظمونه، ويقربون فيه القرابين،فخرب عند مجيء الإِسلام، وقد قيل إن قسطنطين الأكبر بن هيلاني الملكة المُظْهِرة لدين النصرانية هو المخرب لهذا البيت، وكانت فيه الأصنام والتماثيل من الذهب والفضة وأنواع الجواهر، وقد قيل: إن هذا البيت هو بيت بمدينة إنطاكية على يَسره الجامع اليوم، وكان هيكلا عظيماً، والصابئة تزعم أن الذي بناه سقلابيوس، وهو في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - سوق بسوق الجزارين، وقد كان ثابت بن قرة بن كراني الصابئ الحراني - حين وافى المعتضد بالله في سنة تسع وثمانين ومائتين في طلب وصيف الخادم - أتى هذا الهيكل وعًظمه، وأخبر من شأنه ما وصفنا.
الأهرام بمصر وبيت المقدس
والبيت الثاني من بيوت اليونانيين هو بعض تلك الأهرام التي بمصر وهو يرى من الفُسْطاط على أميال منها.
والبيت الثالث هو بيت المقدس، على مازعم القوم، وأهل الشر إنما تخبر أن داود عليه السلام بناه وأتمه سليمان بعد وفاة أبيه، والمجوس تزعم أن الذي بناه الضحاك؛وأنه سيكون له في المستقبل من الزمان خطب طويل، ويقعد فيه ملك عظيم، وذلك عند ظهور شوبين على بقرة من صفتها كذا، ومعه من الناس كذا من العدد، وأقاصيص تدعيها المجوس في هذا المعنى، واختلاط طويل ننزّه كتابنا عن ذكره، واللّه تعالى ولي التوفيق.
ذكر البيوت المعظمة عند أوائل الروم
كانت البيوت المعظمة عند أوائل الروم قبل ظهور دين النصرانية بيت ببلاد المغرب بمدينة قَرْطَاجنة - وهي تونس - من وراء بلاد القيروان، وهي من أرض الإفرنجة، وبني على اسم الزهرة بأنواع من الرخام.
والبيت الثاني بإفرنجة، وهو بيت عظيم عندهم.

والبيت الثالث عندهم بمقدونية، وأمره مشهور في التشييد، وما كان من خبره بمقدونية، وقد أتينا على أخباره وأخبار غيره فيما سلف من كتبنا، واللّه تعالى أعلم.
ذكر البيوت المعظمة عند الصقالبة
كانت في ديار الصقالبة بيوت تعظمها: منها بيت كان لهم في الجبل الذي ذكرت الفلاسفة أنه أحد جبال العالم العالية، وهذا البيت له خبر في كيفية بنائه، وترتيب أنواع أحجاره، واختلاف ألوانه، والمخاريق المصنوعة له، فيه على أعلاه، وما من مطلع الشمس في تلك المخاريق المصنوعة وما أودع فيه من الجواهر والآثار المرسومة فيه الدالة على الكائنات المستقبلة، وما تُنذِر به تلك الجواهر من الأحداث قبل كونها، وظهور أصوات من أعاليه لهم، وما كان يلحقهم عند سمأع ذلك.
وبيت اتخذه بعض ملوكهم على الجبل الأسود، تحيط به مياه عجيبة ذوات ألوان وطعوم مختلفة عامة المنافع، وكان لهم فيه صنم عظيم على صورة رجل قد انحنى على نفسه، وهو شيخ بيده عصا يحرك به عظام الموتى من النواويس، وتحت رجله اليمنى صُوَر أنواع من النمل، وتحت الأخرى غرابيب سود من صور الغُدَاف وغيرها، وصور عجيبة لأنواع، الأحابيش والزنج.
وبيت أخر على تجبل لهم يحيط به خليج من البحر قد بني بأحب المرجان الأحمر، وأحجار الزمرد الأخضر، في وسطه قبة عظيمة، تحتها صنم عظيم أعضاؤه من جواهر أربعة: زمرد أخضر، وياقوت أحمر وعقيق أصفر، وبلور أبيض، ورأسه من الذهب الأحمر، فإزائه صنم آخر على صورة جارية، وكان يقرب له قرابين ودخن، وكان ينسب هذا البيت إلى حكيم كان لهم في قديم الزمان، وقد أتينا على خبره، وما كان من أمره بأرض الصقالبة، وما أحدث فيهم من الدكوك والحيل والمخاريق المصطنعة التي اجتذب بها قُلُوبَهُمْ وملك نفوسهم واسترق بها عقولهم مع شراسة أخلاق الصقالبة واختلاف طبائعهم، فيما سلف من كتبنا، والله تعالى وليّ التوفيق.
ذكر البيوت المعظمة والهياكل المشرفة للصابئة
وغيرها وغير ذلك مما لحق بهذا الباب واتصل بهذا المعنى
هيكل العقل والعلة الأولى
للصابئة من الحَرانيين هياكل على أسماء الجواهر العقلية والكواكب فمن ذلك هيكل العلة الأولى، وهيكل العقل، وما أثري أ أشاروا إلى العقل الأول أما الثاني، وقد ذكر صاحب المنطق في كتابه في المقالة الثالثة من كتاب النفس العقل الأول الفعَّال، والعقل الثاني، وذكر ذلك تامسطيس في كتابه في شرح كتاب النفس الذي عمله صاحب المنطق، وقد ذكر العقل الأول والثاني الإسكندر الأفرودوسي في مقالة أفْرَدها في ذلك قد ترجمها إسحاق بن حُنَين.
جملة من هياكلهم
ومن هياكل الصابئة هيكل السلسلة، وهيكل الصورة، وهيكل النفس، وهذه مُدَوَّرات الشكل، وهيكل زُحَل مسدس، وهيكل المشتري مثلث، وهيكل المريخ مربع مستطيل، وهيكل الشمس مربع، وهيكل عطارد مثلث الشكل، وهيكل الزهرة مثلث في جوف مربع مستطيل،وهيكل القمر مثمن الشكل وللصابئة فيما ذكرنا رموز وأسرار يخفونها.
وقد حكى رجل من ملكية النصارى من حًرّان يعرف بالحارث بن شباط للصابئة الحرانيين أشياء ذكرها من قرابين يقربونها من الحيوان ودخن للكواكب يبخرون بها وغير ذلك مما امتنعنا عن ذكره مخافة التطويل.

والذي بقي من هياكلهم المعظمة في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين - ثلاثين وثلثمائة بيت لهم بمدينة حَران في باب الرقة يعرف بمغليتيا، وهو هيكل آزر أبي إبراهيم الخليل عليه السلام عندهم، وللقوم في آزر وابنه إبراهيم كلام كثير ليس كتابنا هذا موضعاً له، ولابن عيشون الْحَرًاني لقاضي - وكان ذا فَهْم ومعرفة، وتوفي بعد الثلثمائة - قصيدة طويلة يذكر فيها مذاهب الحرانيين المعروفين بالصابئة، ذكر فيها هذا البيت وما تحته من السراديب الأربعة المختلفة لأنواع صور الأصنام التي جعلت مثالاً للأجسام السماوية وما ارتفع من ذلك من الأشخاص العلوية، وأسرار هذه الأصنام، وكيفية إيرادهم لأطفالهم إلى هذه السراديب وعرضهم لهم على هذه الأصنام، وما يُحْدِث ذلك في ألوان صبيانهم من الاستحالة إلى الصُّفْرة وغيرها لما يسمون من ظهور أنواع الأصوات وفنون اللغات من تلك الأصنام والأشخاص، بِحِيل قد اتخذت ومنافيخ قد عملت: تقف السدَنة من وراء جُمُرٍ فتتكلم بأنواع من الكلام، فتجري الأصوات في تلك المنافيخ والمخاريق والمنافذ إلى تلك الصور المجوفة والأصنام المشخصة، فيظهر منها نطق على حسب ما قد عمل في قديم الزمان، فيصطادون به العقول، وتسترقُّ بها الرقاب، ويقام بها الملك والممالك ومما ذكر في هذه القصيدة قوله:
إن نفيس العجائب ... بيت لهم في سرادب
تعبد فيه الكواكب ... أصن أمه م خلف غائب
ولهذه الطائفة المعروفة بالحرانيين والصابئة فلاسفة، إلا أنهم من حشوية الفلاسفة، وعوأمه م مباينون لخواص حكمائهم في مذاهبهم، وإنما أضفناهم إلى الفلاسفة إضافة سبب لا إضافة حكمة، لأنهم يونانية، وليس كل اليونانيين فلاسفة، إنما الفلاسفة حكماؤهم.
ورأيت على باب مجمع الصابئة بمدينة حران مكتوباً على مدقة الباب بالسريانية قولا لأفلاطون فسره مالك بن عقبون وغيره منهم وهو من عرف ذاته تالهَ وقد قال أفلاطون الإنسان نبات سماوي، والدليل على هذا أنه شبيه شجرة منكوسة أصلها إلى السماء وفروعها في الأرض ولأفلاطون وغيره ممن سلك طريقه في النفس الناطقة كلام كثير في هل النفس في البدن أو البدن في النفس، كالشمس أهي في الدار أو الدار في الشمس، وهذا قول يتغلغل بنا الكلام فيه إلى الكلام في تنقل الأرواح في أنواع الصور.
القول في تنقل الأرواح
وقد تنازع أهل هذه الآراء ممن قصد هذه المقالة في النقلة علىِ وجهين، فطائفة من الفلاسفة القدماء اليونانين والهند - ممن لم يثبت كلاماَ منزلاً ولا نبياً مرسلاً منهم أفلاطون ومن يمم طريقهم - حكى عنهم أنهم زعموا أن النفس جوهر ليست بجسم، وأنها حية عالمة مميزة لأجل ذاتها وجوهرها، وأنها هي المدبرة للأجسام المركبة من طبائع الأرض المتضادة، وعرضها في ذلك أن تقيمها على العدل وما تتم به السياسة المستقيمة والنظام المتسق وتردَّها من الحركة المضطربة إلى المنتظمة.
وزعموا أنها تلذُّ وتألم وتموت، وموتها عندهم انتقالها من جسد إلى جسد بتدبير، وبطلان ذلك الشخص الذي فسد ووصف بالموت، لأن شخصها يفسد، ولأن جوهرها ينتقل.
وزعموا أنها عالمة بذاتها وجوهرها عالمة بالمعقولات من ذاتها وجوهرها وفيها قبول علم المحسوسات من جهة الحس.
المقولأت
ولأفلاطون وغيره في هذه المعاني كلام يطول ذكره، ويعجز عن وصفه وإظهاره لاعتياصه وغموضه، وكذلك صاحب المنطق وفيثاغورس وغيرهما من الفلاسفة ممن تقدم وتأخر، لأن الطالب لعلم هذه الأشياء والإحاطة بفهمها وبلوغ غايتها لا يحرك ذلك لما نصبوا من الكتب، ورتبوا من التصنيف للعلوم المؤدية إلى معرفة علومهم وأغراضهم التي إليها قصدوا في كتبهم وهي معرفة الألفاظ الخمس، وهي: الجنس. والفصل، والنوع، والخاصة، والعرض، ثم معرفة المقولات، وهي عشرة: الجوهر، والكمية، والكيفية، والإضافة - وهي النسبة - وهذه أربع بسائط، والست الأخر مركبات، وهي: الزمان، والمكان، والجِدة - وهي المِلْكُ - والوضع، والفاعل، والمنفعل، ثم ما بعد ذلك مما يترقى فيا الطالب إلى أن ينتهي إلى علم ما بعد الطبيعة من معرفة الأول والثاني.
عود إلى الكلام عن الصابئة
ثم رجع بنا الإخبار عن مذاهب الصابئة من الحرانيين، وذكر مَنْ أخبر عن مذاهبهم وكشف عن أحوالهم.

فمن ذلك كتاب رأيته لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي الفيلسوف صاحب كتاب المنصوري في الطب وغيره، ذكر فيه مذاهب الصابف الحرانيين منهم، دون من خالفهم من الصابئة، وهم الكيماريون، وذكر أشياء يطول ذكرها ويقبح عند كثير من الناس وصفها، أعرضنا عن حكايتها، إذ كان في ذلك خروج عن حد الغرض من كتابنا إلى وصف الآراء والديانات.
وقد خاطبت مالك بن عقبون وغيره منهم بشيء مما ذكرنا وغيره عنه كتبنا، فمنهم من اعترف ببعضه، وأنكر بعضاً من ذكر القرابين وغيرا من الآراء، مثل فعلهم بالثور الأسود، فإنه يضرب وجهه بالملح إذا شدت عيناه ثم يذبح، وبُرَاعى كل عضو من أعضائه وما يظهر منه من الحركات والأختلاج على ما يدل ذلك من أحوال السنة وغير ذلك من أسرارهم
ومحالاتهم وأحوال قرابينهم.
قال المسعودي: وقد ذكر جماعة - ممن له تأمل بشأن أمور هذا العالم والبحث عن أخباره - أن بأقصى بلاد الصين هيكلاً مدوراً له سبعة أبواب، في داخله قبة و مسبعة عظيمة الشأن عالية السمك، في أعالي القبة شبه الجوهرة يزيد على رأس العجل تضيء منه جميع أقطار ذلك الهيكل، وأن جماعة من الملوك حاولوا أخذ تلك الجوهرة فلم يَدْنُ أحد منها على مقدار عشرة أفرع إلا خَرَّ ميتاً وإن حاول أحد منهم أخذ هذه الجوهرة بشيء من الآلات الطوال كالرماح وغيرها وانتهتَ إلى هذا المقدار من الذَّرْع انعكست وعطلت، وإن رميت بشيء كان كذلك، فليس شيء من الحيل يؤدي إلى تناولها بوجه ولا بسبب، وإن تعرض لشيء من هَدْم هذا الهيكل مات مَنْ يروم ذلك وهذا عند جماعة من أهل الخبرة لقوةٍ دافعةٍ منفردةٍ قد عملت من أنواع الأحجار المغناطيسية، وفي هذا الهيكل بئر مسبعة الرأس متى أكَبَّ الإنسان على رأس البئر إكباباً متمكناً تهؤَر في البئر فصار في أسفلها على أم رأسه، وعلى رأس هذه البئر شبه الطوق مكتوب عليه بقلم قديم أراه بقلم المسند هذه بئر تؤدي إلى مخزن الكتب وتاريخ الدنيا وعلوم السماء وما كان فيما مضى من الدهر وما يكون فيما يأتي منه، وتؤدي هذه البئر أيضاً إلى خزائن وغائب هذا العالم، لا يعمل إلى الوصول إليها والاقتباس منها إلا من وازت قدرته قدرتنا، واتصل علمه بعلمنا، وصارت حكمته كحكمتنا، فمن قدر على الوصول إلى هذا المخزن فليعلم أنه قد وازانا، ومن عجز عن الوصول إلى ما وصفنا فليعلم أنا أشد منه بأساً، وأقوى حكمة، وأكثر علماً، وأثقب راية، وأتم عناية، والأرض التي عليها هذا الهيكل والقبة وفيها البئر أرض حجرية صلبة عالية من الأرض كالجبل الشامخ لا تُرَام قلعته ولا يتأتى نقب ما تحته، فإذا أدرك البصر ذلك الهيكل والقبة والبئر وقع للرائي عند رؤيته ذلك جَزَع وحزن واجتذاب للقلب إليه وحنين على إفساده وتأسف على إفساد شيء منه أو هدمه، واللهّ أعلم بذلك.
ذكر الأخبار عن بيوت النيران وغيرها
رأيهم في النار والنور
فأما بيوت النيران ومن رسمها من ملوك الفرس الأولى والثانية فأول ما يحكى ذلك عنه أفريحون الملك، وذلك أنه وجد ناراً يعظمها أهلها، وهم معتكفون على عبادتها، فسألهم عن خبرها ووجه الحكمة منهم في عبادتها، فأخبروه بأشياء اجتذبت نفسه إلى عبادتها، وأنها واسطة بين اللهّ ؤبين خلقه، وأنها من جنس الآلهة النورية، وأشياء ذكروها أعرضنا عن ذكرها لاعتياصها، وذلك أنهم جعلوا للنور مراتب، وفرقوا بين طبع النار والنور، وأن الحيوان يجتذب فيحَرق نفسه كالفَرَاش الطائر بالليل، فما لطف يطرح نفسه في السراج فيحرقها، وغير ذلك مما يقع في صيد الليالي من الغزلان والطير والوحوش، وكظهور الحيتان من الماء إذا قربت من السراج في الزوارق، كما يصطاد ببلاد البصرة السمك في الليل يظهر من الماء طافياً حتى يقع في جوف المركب والسرج قد جعمن حواليه، وأن النور صلاح هذا العالم، وشرف النار على الظلمة ومضادته لها، ومرتبة الماء وزيادته على النار بإطفائه ومضادته لها وأنه أصل لكل حي ومبدأ لكل نام.
أماكن بيوت النيران

فلما أخبر أفريدون بما ذكرنا أمر بحمل جزء منها إلى خراسان، فاتخذ لها بيتاً بطوس واتخذ بيتاً آخر بمدينة بُخَارا يُقال له برد سورة وبنى آخر من بيوت النار بسجستان يقال له كراكر كان اتخذه بهمن بن إسفنديار بن يستأسف، وبيت آخر ببلاد الشيزوالران، وكان فيه أصنام فأخرجها أنو شروان، وقيل: إن أنو شروان صادف هذا البيت وفيه نار معظمة فنقلها إلى الموضع المعروف بالبركة، وبيت آخر للنار يُقال له كوسجة بناه كيخسر والملك، وقد كان بقومس بيت للنار معظم لا يدرى مَنْ بناه يُقال له جريش، ويقال: إن الإسكندر لما غلب عليها تركها ولم يطفئها ويقال: إنه كان في ذلك الموضع فيما مضى مدينة عظيمة عجيبة البناء فيها بيت كبير عجيب الهيئة فيه أصنام فأخربت تلك المدينة بما فيها من البيوت، ثم بنى بعد ذلك بيت وجعلت فيه تلك النار، وبيت آخر يسمى كنجده بناه سياوخس بن كاوس الجبار، وذلك في زمان لبثه بمشرق الصين مما يلي البركند، وبيت نار بمدينة أرجان من أرض فارس اتخذ في أيام بهراسف.
زرادشت والبيوت التي اتخذها
وهذه البيوت العشرة كانت قبل ظهور زرادشت بن أسبيمان نبي إلمجوس، ثم اتخذ زرادشت بن أسبيمان بعد ذلك بيوت النيران، وكان مما اتخذ بيت بمدينة نيسابور من بلاد خراسان، وبيت آخر بمدينة نَسَا والبيضاء من أرض فارس، وقد كان زرادشت أمر يستأسف الملك أن يطلب ناراً كان يعظمها جمّ الملك، فطلبت فوجدت بمدينة خوارزم، فنقلها بعد ذلك يستأسف إلى مدينة دارَابَجَرْدَ من أرض فارس وكورها بهذا البيت، وهذه النار تسمى في وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - زرجوى، وتفسير ذلك نار النهر، وذلك أن آزر أحد أسماء النار وجوى أحد أسماء النهر بالفارسية الأولى، والمجوس تعظم هذه النار مالا تعظم غيرها من النيران والبيوت.
وذكرت الفرس أن كيخسرو لما خرج غازيا إلى الترك سار إلى خوارزم، فمر على تلك النار، فلما وجدها عظمها وسجد لها، ويقال: إن أنو شروان هو الذي نقلها إلى الكاريان، فلما ظهر الإسلام تخوفت المجوس أن يطفئها المسلمون فتركوا بعضها بالكاريان، ونقلوا بعضها إلى نسا والبيضاء من كورة فارس؛لتبقى إحداهما إن طفئت الأخرى.
بيت بإصطخر
وللفرس بيت نار بإصطخر فارس تعظمه المجوس، وكان في قديم الزمان فأخرجته حماية بنت بهمن بن إسفنديار وجعلته بيت نار، ثم نقلت عنه النار فتخرب، والناس في وقتنا هذا يذكرون أنه مسجد سليمان بن داود، وبه يعرف وقد دخلته، وهو على نحو فرسخ من مدينة إصطخر، فرأيت بنياناً عجيباً، وهيكلا عظيماً، وأساطين صخر عجيبة، على أعلاها صور من الصخر طريفة من الخيل وغيرها من الحيوان عظيمة القدر والأشكال، محيط بذلك حيز عظيم وسور منيع من الحجر، وفيه صور لأشخاص قد تشكلت وأتقنت صورها، يزعم من جاور هذا الموضع أنها صور الأنبياء، وهو في سفح جبل والريح غير خارجة من ذلك الهيكل في ليل ولا نهار، ولها هبوب وعَوِيٌّ، يذكر مَنْ هنالك من المسلمين أن سليمان بن داود عليهما السلام حبس الريح في ذلك الموضع، وأنه كان يتغذَى ببعلبك من أرض الشام، ويتعشَى في هذا المسجد، وينزل بينهما بمدينة تَدْمُرَ وملعبها المتخذ فيها، ومدينة تَدْمُرَ في البرية بين العراق ودمشق وحمص من أرض الشام يكون منها إلى الشام نحو خمسة أيام أو ستة، وهي بنيان عجيب من الحجر، وكذلك الملعب الذي فيها، وفيها خَلْق من الناس من العرب من قحطان.
بيت بسابور وبيت بجور
وفي مدينة سابور من أرض فارس بيت للنار معظم عندهم، اتخذه دارا بن دارا.

وفي مدينة جور من أرض فارس - وهو البلد الذي يحمل منه ماء الورد الجوري وإليه يضاف - بيت للنار، بناه أردشير بن بابك، وقد رأيته، وهو على ساعة منها على عين هناك عجيبة، وله عيد، وهو أحد متنزهات فارس، وفي وسط مدينة جور بنيان كان تعظمه الفرس يُقال له الطربال أخربه المسلمون، وبين جور ومدينة كوار عشرة فراسخ، وبها يعمل ماء الورد الكوأري وإليها يضاف، وهذا الماء الورد المعمول بجور وكوار أطْيَبُ ماء ورد يعمل في العالم، لصحة التربة وصفاء الهواء، وفي ألوان سكان هذه البلاد حمرة في بياض ليست لغيرهم من أهل الأمصار، ومن كوار إلى مدينة شيراز - وهي قصبة فارس - عشرة فراسخ، ولجور وكوار وشيراز وغيرها من كور فارس أخبار، ولما فيها من البنيان أقاصيص يطول ذكرها قد دونتها الفرس، وكذلك ما كان بأرض فارس من الموضع المعروف بماء النار، وقد بني عليه هيكل.
وكان كورش الملك - حين ولد المسيح عليه السلام - بعث ثلاثة أنفس: دفع إلى أحدهم صرة من لبان، وإلى آخر صرة من مر، وإلى آخر صرة من تبر، وسَيَّرهم يهتدون بنجم وصفَه لهم، فساروا حتى انتهوا إلى السيد المسيح و أمه مريم بأرض الشام، والنصارى تغلو في قصة هؤلاء النفر، وهذا الخبر موجود في الإِنجيل، وإن هذا الملك كورش نظر إلى نجم قد طلع بمولد المسيح عيسى، فكانوا إذا ساروا سار معهم ذلك النجم، وإذا وقفوا وقف بوقوفهم، وقد أتينا في كتابنا أخبار الزمان على شرح هذا الخبر، وما قالت فيه المجوس والنصارى، وخبر الرُّغْفَان التي دفعتها إليهم مريم، وما كان من الرسل وجعلهم الخبز تحت الصخرة وغَوْصها في الأرض، وذلك بفارس، وكيف حفر عليها إلى الماء وأنها وجدت وقد صارت سعلتي نار على وجه الأرض تتقدان، وغير ذلك مما قيل في هذا الخبر.
وقد كان أردشير بنى بيتاً آخر يُقال له بارنوا، وفي اليوم الثاني من غلبته على فارس، ؤبيت نار على خليج القسطنطينية من بلاد الروم، بناه سابور بن أردشير بن بابك - وهو سابور الجنود - حين نزل على هذا الخليج، وحاصر القسطنطينية في عساكره، فلم يزل هذا البيْت هنالك إلى خلافة المهدي، فخرب وله خبر عجيب، وكان مسيوره الجنود اشترط على الروم بناء هذا البيت وعمارته عند حصاره القسطنطينية، وكان مسيرهُ في جيوش فارس وغيرها من الترك وملوك الأمم، فسمى سابور الجنود. لكثرة من تبعه من الجنود.
حصن الحضر
وقد كان سابور لما سار إلى بلاد الجزيرة عَدَلَ عن طريقه فنزل الحصن المعروف بالحضر، وقد كان هذا الحصن للساطرون بن اسيطرون ملك السريانيين في رستاق يُقال له أياجر من بلاد الموصل، وقد ذكرته الشعراء؛لعظم ملكه وكثرة جيوشه وحسن بنائه لهذا الحصن المعروف بالحضر، فممن ذكره منهم أبو عُوَاد جارية بن حجاج الأيادي بقوله:
وأرى الموت قد تدلى من الحض ... ر على رَبِّ أهله الساطرون
ولقد كان آمنا للدواهي ... ذا ثراء وجوهر مكنون
قول في نسب النعمان بن المنذر: وقد قيل: إن النعمان بن المنزر من ولد الساطرون بن أسيطرون وقال: هو النعمان بن المنزربن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن الساطرون بن اسيطرون والساطرون واسيطرون هذه ألقاب، وهم ملوك ملكوا على السريانيين.

ثم تملك تلك الديار بعد مَنْ ذكرنا ممن أفناهم الدهر الضيزن بن جبلة، وجبلة أمة وهو الضيزن بن معاوية ملكا على قومه من تَنُوخ بن مالك بن فهم بن تيم اللات بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وهو الضيزن بن معاوية بن العبيد بن حرام بن سعد بن سليح بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة، وكان كثير الجنود، مهادِناً للروم، متحيزاً أليهم، يغير رجاله على العراق والسواد، وكان في نفس سابور عليهم ذلك، فلما نزل علىِ حصنه تحصن الضيزن في الحصن، فأقام سابور عليه شهراً لا يجد سبيلا إلى فتحه، ولا يتأتى له حيلة في دخوله، فنظرت النضيرة بنت الضيزن يوماً وقد أشرفت من الحصن إلى سابور فهويته وأعجبها جماله، وكان من أجمل الناس وأمَدِّهم قامة، فأرسلت إليه: إن أنت ضمنت لي أن تتزوجني وتفضلني على نسائك دللتك على فتح هذا الحصن، فضمن لها ذلك، فأرسلت إليه: ائت الثرثار - وهو نهر في أعلاه - فانثر فيه تبناً ثم أتْبَعْه فانظر أين يدخل فأدخِل الرجالَ منه، فإن ذلك المكان يُفْضِي إلى الحصن، ففعل ذلك سابور، فلم يشعرِ أهل الحصن إلا وأصحاب سابور معهم في الحصن، وقد عمدت النضيرة فسَقَت أباها الخمر حتى أسكرته طمعاً في تزويج سابور إياها، وأمر سابور بهدم الحصن بعد أن قتل الضيزن ومن معه وعَرَّس سابور بالنضرة بنت الضيزن فباتت مُسَهّدة، فقال لها سابور: ما لك لا تنامين؟ قالت: إن جنبي يتجافى عن فراشك، قال: ولم فواللّه ما نامت الملوك على ألين منه وأوطأ إن حَشْوُه لزغب النعام؟!!! فلما أصبح سابور نظر فإذا ورقة آسٍ بين عُكَنها، فتناولها فكاد بطنها أن يَدْمَى، فقال لها: ويحك!! بم كان أبواك يغذيانك. فقالت: بالزبد والمحَ والثلج والشهد وصفو الخمر، فقال لها سابور: إني لخدير أن لا أستبقيك بعد إهلاك أبويك وقومك، وكانت حالتك عندهم الحالة التي تَصِفِين، فأمر بها فربطت بغدائرها إلى فرسين جموحين، ثم خلّى سبيلهما، فقطعاها، ففي هذا الملك المقتول ومن كان معه في الحصن يقول حرى بن الدهماء العبسي:
ألم يحزنك والأنباء تمنى ... بما لاقت سَرَاةُ بني العبيد
ومصرع ضيزن وبني أبيه ... وأحلاف الكتائب من تزيد
أتاهم بالفُيُول مجللات ... وبالأبطال سابور الجنود
فهدَّمَ من بروج الحصن صخراً ... كأن بناءه زُبُرُ الحديدا
وفي قتل سابور للنضيرة بنت الضيزن وما كان منها من الغدر بأبيها وقومها وإرشاد سابور إلى دخول الحصن يقول عدي بن زيد العبادي:
والحضر صُبّتْ عليه داهية ... من قصره قد أبذَ ساكنها
أرَبيبة لم تُوَقّ والدها ... لحينها إذ أضاع راقبها
وأسلمت أهلها لليلتها ... تظن أن الرئيس خاطبها
وكان حظ العروس إذ جشر الصبح ... دماء تجري سبائبها
والشعر في هذه القصة كثير.
جملة من بيوت النار
وبأرض العراق بيت للنار بالقرب من مدينة السلام، بنته بوران بنت كسرى أبرويز الملكة في الموضع المعروف بأستنيا.
وبيوت النيران كثيرة مما بنته المجوس بالعراق وأرض فارس وكرمان وسجستان وخراسان وطبرستان والجبال وأذر والران، وفي الهند والسند والصين، أعرضنا عن ذكرها، وإنما ذكرنا ما أشتهر منها.
بيت بعل
والهياكل المعظمة عند اليونانيين وغيرهم كثيرة: مثل بيت بَعْلٍ، وهو الصنم الذي ذكره اللّه عز وجل بقوله: " أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين " ؛ وهو بمدينة بعلبك من أعمال دمشق من كورة سنير، وقد كانت اليونانية اختارت لهذا الهيكل قطعة من الأرض بين جبل لبنان وجبل سنير فأتخذته موضعاً للأصنام، وهما بيتان عظيمان أحدهما أقدم من الأخر، فيهما من النقوش العجيبة المحفورة في الحجر الذي لا يتأتى حفر مثله في الخشب مع علو سمكهما وعظم أحجارهما، وطول أساطينهما، ووسع فتحهما، وعجيب بنيانهما، وقد أتينا على خبر هذه الهياكل وما كان من خبر القتل على رأس ابنة الملك وما نال أهل هذه المدينة من سفك الدماء.
جيرون بدمشق

وهيكل عظيم في مدينة دمشق، وهو المعروف بجيرون، وقد ذكرنا خبره فيما سلف من هذا الكتاب وأن بانيه جيرون بن سعد العادي، ونقل إليه عمد الرخام، وأنه أرم ذات العماد المذكور في القرآن، إلا ما ذكر عن كعب الأحبار حين دخل على معاوية بن أبي سفيان وسأله عن خبرها وذكر عجيب بنيانها من الذهب والفضة والمسك والزعفران وأنه يدخلها رجل من العرب يتيه له جملان فيخرج في طلبهما فيقع إليها، وذكرحِلْية الرجل، ثم التفت في مجلس معاوية فقال: هذا هو الرجل، وكان الأعرابي قد دخلها يطلب ما ند من إبله؛فأجاز معاوية كعباً، وتبيم صدق مقاتله وإيضاح برهانه، فإن كان هذا الخبر عن كعب حقاً في هذه المدينة فهو حسن، وهو خبر يدخله الفساد من جهات من النقل وغيره. وهو من صنعة القُصاص.
وقد تنازع الناس في هذه المدينة، وأين هي؟ ولم يصح عند كثير من الإخباريين ممن وفد على معاوية من أهل الدراية بأخبار الماضين وسير الغابرين من العرب وغيرهم من المتقدمين فيها، إلا خبر عبيد بن شَرِية وإخباره إياه عما سلف من الأيام وما كان فيها من الكوائن والحوادث وتشعب الأنساب، وكتاب عبيد بن شرية متداول في أيدي الناس مشهور.
كتاب ألف ليلة وليلة
وقد ذكر كثير من الناس ممن له معرفة بأخبارهم أن هذه أخبار، موضوعة من خُرَافات مصنوعة، نظمها مَنْ تقرب للملوك بروايتها، وصال على أهل عصره بحفظها والمذاكرة بها، وأن سبيلها الكتب المنقولة إلينا والمترجمة لنا من الفارسية والهندية والرومية، وسبيل تأليفها مما ذكرنا مثل كتاب هزار أفسانة، وتفسير ذلك من الفارسية إلى العربية ألف خُرَافة، والخرافة بالفارسية يُقال لها أفسانة، والناس يسمون هذا الكتاب ألف ليلة وليلة، وهو خبر الملك والوزير وابنه وجاريتها وهما شيرزاد ودينا زاد، ومثل كتاب فرزة وسيماس وما فيه من أخبار ملوك الهند والوزراء، ومثل كتاب السندباد، وغيرها من الكتب في هذا المعنى.
أصل مسجد دمشق
وقد كان مسجد دمشق قبل ظهور النصرانية هيكلاً عظيماً فيه التماثيل والأصنام على رأس منارته تماثيل منصوبة، وقد كان بني على اسم المشتري وطالِع سعد، ثم ظهرت النصرانية فجعلته كنيسة، وظهر الإسلام فجعل مسجداَ وحكم بناءه الوليدُ بن عبد الملك، والصوامع منه لم تغير، وهي مَنَائر الأذان إلى هذا الوقت.
البريص بدمشق
وقد كان بدمشق أيضاً بناء عجيب يُقال له البريص، وهو مبقّى إلى هذا الوقت في وسطها، وكان يجري فيه الخمر في قديم الزمان، وقد ذكرته الشعراء في مدحها لملوك غسان من مأرب وغيرهم.
الديماس بإنطاكية
وهيكل إنطاكية يعرف بالديماس، على يمين مسجدها الجامع، مبني بالأجر العادي والحجر، عظيم البنيان، وفي كل سنة يدخل القمر عند طلوعه من باب من أبوابه ومن أعاليه في بعض الأهلة الصيفية، وقد ذكر أن هذا الديماس من بناء الفرس ملكت إنطاكية، وأنه بيت نار لها.
بعض عجائب الدنيا
قال المسعودي: وقد ذكر أبو معشر المنجم في كتابه المترجم بكتاب الألوف الهياكل والبنيان العظيم الذي يحدث بناؤه في العالم في كل ألف عام، وكذلك ذكره ابن المازيار تلميذ أبي معشر في كتابه المنتخب من كتاب الألوف وقد ذكر غيرهما ممن تقدم عصرهما وممن تأخر عنهما كثيراً من البنيان والعجائب في الأرض، وقد أعرضنا عن ذكرها، وذكر السد

الأعظم - وهو سد يأجوج ومأجوج - وقد تنازع الناس في كيفية بنائه كتنازعهم في أرم ذات العماد على ما ذكرنا آنفاً، وكيفية بناء الأهرام الذي بأرض مصر وما عليها من الكتابة المرسومة، وما بصعيد مصر من الْبَرَابِي المصنوعة، وبغير أرض الصعيد من بلاد مصر، وأخبار مدينة العقاب، وما ذكر الناس فيها، وكونها في وهاد مصر وأنها في جهة الواحات مما يلي المغرب والحبشة، وخبر العمود الذي ينزل منه الماء في فصل من السنه بأرض عاد، وأخبار النمل الذي على قدر الذئاب والكلاب، وقصة أرض الذهب التي حذاء سجلماسة من أرض المغرب، ومن هنالك من وراء النهر العظيم، ومبايعتهم من غير مشاهدتهم ولا مخاطبتهم، وتركهم المتاع، وغدؤ الناس إلى أمتعتهم فيجدون أعمدة الذهب وقد تركت إلى جنب كل متاع من تلك الأمتعة، فإن شاء مالك المتاع أختار الذهب وترك المتاع، وإن شاء أخذ متاعه وترك الذهب، وإن أحب الزيادة ترك الذهب والمتاع، وهذا مشهور بأرض المغرب بسجلماسة، ومنها يحمل التجار الأمتعة إلي ساحل هذا النهر، وهو نهر عظيم واسع الماء، وكذلك بأقاصي خراسان مما يلي بلاد الترك من أقاصي ديارهم أمة تتبايع على مثل هذا الوصف منغير مخاطبة ولا مشاهدة، وهم هنالك على نهر عظيم أيضاً، وخبر البئر المُعًطلة والقصر المَشِيدِ، وذاك ببلاد الشَحْر من بلاد الأحقاف بين اليمن وحضرموت، والبئر وما فيها من الخرق واتصالها بالقرى والفضاء من أعلاها وأسفلها وما قاله الناس في تأويل هذه الآية فيها، وهل المراد بالقصر والبئر هذا القصر والبناء أم غيره؟ وأخبار مخاليف اليمن، وهي القلاع والحصون كقلعة نحل وغيرها، وأخبار مدينة رومية وكيفية بنائها وما حوته من عجيب الهياكل والكنائس، والعمود الذي عليه السودانية من النحاس وما يحمل إليها من الزيتون في أي أمه بالشام وغيره، ويحمل ذلك الطائر المعروف بالسودانية في مخالبه ومنقاره؛ فيطرحونه في تلك، السودانية النحاس، فيكثر زيتون رومية وزيتها من ذلك، على حسب ما ذكرنا في أخبار الطلسمات عن بلينوس وغيره في كتابنا أخبار الزمان ثم أخبار البيوت السبعة التى ببلاد الأندلس وخبر مدينة الصُّفْر وقبة الرصاص التي بمفاوز الأندلس، وما كان من خبر الملوك السالفة فيها وتعذر الوصول إليها، ثمِ ما كان من أمر صاحب عبد الملك بن مروان في نزوله عليها، وما تهافتَ فيه المسلمون عند الطلوع على سورها، وإخبارهم عن أنفسهم أنهم وصلوا إلى نعيم الدنيا والآخرة، وخبر المدينة التي أسوارها من الصُّفْر على ساحل البحر الحبشي في أطراف مفاوز الهند، وما كان من أخبار ملوك الهند وعدم وصولهم إليها، وما يجري من وادي الرمل نحوها، وما ببلاد الهند من الهياكل المتخذة للأصنام التي على صورة البدرة المتقدم ظهورها في قديم الزمان بأرض الهند، وخبر الهيكل المعظم الذي ببلاد الهند المعروف بالدري، وهذا عند الهند يُقْصَد من البلدان الشاسعة وله بلد قد وقف عليه وحوله ألف مقصورة فيها جَوَارٍ لم تنظر لتعظيم هذا الصنم من الهند، وخبر الهيكل الذي فيه الصنم ببلاد المولتان على نهر مهران من أرض السند، وخبر سندان كسرى ببلاد قرماسين من أعمال الدينور من ماه الكوفة، وكثير من أخبار العالم وخواص بقاعه وأبنيته وجباله وبدائع ما فيه من الخلق من الحيوان وغيره مما قد أتينا على ذكره فيما سلف من كتبنا، وكذلك ما خص به كل بلد من أنواع الفواكه دون غيره من البلدان، في الإسلام وغيره من الممالك، وما بان به أهل كل بلد من اللباس والأخلاق دون غيرهم، وما انفردوا به من أنواع الأغذية والمآكل والمشارب والشِّيم، وعجائب كل بلد، وذكرنا أخبار البحار وما قيل في اتصال بعضها ببعض وتغلغل مياهها، وما يحدث في كل بحر منها من الآفات وما فيه من الجواهر دون غيوه - من البحار، كتكون المرجان ببحر المغرب وعدمه من غيره، ووجود اللؤلؤ في البحر الحبشي دون غيره.
محاولات قديمة لوصل بحر الروم بالبحر الأحمر

وقد كان بعض من ملك من الروم حَفَر بين القلزم وبحر الروم طريقاً فلم يتأت له ذلك،لارتفاع القلزم، وانخفاض بحر الروم، وأن اللهّ عز وجلّ قد جعل ذلك حاجزاً على حسب ما أخبر في كتابه، والموضع الذي حفره ببحر القلزم يعرف بذنب التمساح على ميل من مدينة القلزم، عليه قنطرة يجتاز عليها مَنْ يريد الحج من مصر، وأجرى خليجاً من هذا البحر إلى موضع يعرف بالهامة ضيعة لمحمد بن علي المافراني من أرض مصر في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - فلم يتأتَّ له اتصال ما بين بحر الروم وبحر القلزم.
وحفر خليجاً آخر مما يلي تنيس ودمياط وبحيرتهما، ويعرف هذا الخليج بالربر والخبية، واستمر الماء في هذا الخليج من بحر الروم وبحيرة تنيس إلى موضع يعرف بنعنعان حتى اتصل بنحو بلاد الهامة، فكانت المراكب تدخل من بحر الروم إلى نحو من هذه القرية، ومن بحر القلزه في خليج ذنب التمساح فيتتابع أرباب المراكب، ويقرب حمل ما في كل بحر إلى آخر، ثم أرتدم ذلك على تطاول الدهور، وملأت السَّوَافِي من الرمل وغيره.
وقد رام الرشيد أن يوصل بين هذين البحرين مما يلي من أعالي مصبه من نحو بلاد الحبشة وأقاصي صعيد مصر، فلم تتأتَّ له قسمة ماء النيل، فرام ذلك مما يلي بلاد الْفَرَمَا نحو بلاد تنيس، على أن يكون مصب بحر القلزم إلى البحر الرومي، فقال يحيى بن خالد: يخطف الروم الناس من المسجد الحرام والطواف، وذلك أن مراكبهم تنتهي من بحر الروم إلى بحر الحجاز، فتطرح سراياها مما يلي جدة، فيخطف الناس من المسجد الحرام ومكة والمدينة على ما ذكرنا، فامتنع من ذلك.
وقد حكي عن عمرو بن العاص - حين كان بمصر - أنه رام ذلك؛ فمنعه منه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، وذلك لما وصفنا من فعل الروم وسراياهم، وذلك في حال ما افتتحها عمرو بن العاص في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وآثار الحفر بين هذين البحرين - فيما ذكرنا من المواضع والخلجان - بينه على حسب ما شرعت فيه الملوك السالفة طلباً لعمارة الأرض، وخصب البلاد، وعيش الناس بالأقوات، وأن يحمل إلى كل بلدٍ ما ليس فيه من الأقوات وغيرها من ضروب المنافع وضروب المرافق، والله تعالى أعلم..
ذكر جامع التاريخ من بدءِ العالم
إلى مولد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وما لحق بهذا الباب
بعض قول الطبيعيين

قد ذكرنا فيما سلف من كتبنا جملا من تباين الناس في بدء العالم، ممن أثبت حدوثه ونَفَاه، وما جرت الآراء بهم فيه إلى جهات شتى، وقد أخبرنا أنهم طوائف الهند وفرق من اليونانيين، ومن وافقهم على القول بالقدم من الفلكيين والطبيعيين، وما أوردته الفلكية من وقلها: إن الركة الصانعة للأشخاص المحِلًة فيها الأرواح متى قطعت المسافة التي بين العقدة - التي ابتدأت منها، حتى تنتهي إليها راجعة، ثم تنفصل عنها - أعادت كل ما بدأت به أولاً كهيئته وأشخاصه وصُوَره وضروب أشكاله؛ إذ كانت العلة والسبب اللذان بوجودهما توجد الأشياء قد وجِدَا عَوْداً كما وجدا بدءاً، فوجب ظهور الأشياء مي عادت إلى المبدأ الذي كان عنه الصدر، ثم ما تعقب هذا القول من قول الطبيعيين: إن علة كون الأشياء الجسمانية والنفسانية من قبل حركات الطبائع واختلاطها؛لأن الطبيعة عندهم تحركت في بدؤَها واختلطت فظهر الحيوان والنبات وسائر الموجوداتَ في العالم، وجعلت لها أصلا من التناسل، لما عجزت عن تبقية أشخاص وعدلت إلى النسل، وإن الطبائع تنتقل من مركب إلى بسيط، ومن بسيط إلى مركب، حتى إذا أدى المركب كنه ما فيه عادت الأشياء إلى البسيط إلى، وابتدأ الكون ماراً على طريقه؛ لأن الذي أوجبه أولا قد وجد، فحقه أن يوجد منه بوجود المعنى الذي أوجده، فظهر ذلك الظهور، كالنبات في الربيع، وتحرك قوته تحت الثرى، وذلك أن الشمس تبلغ في الربيع إلى رأس الحمل، بادئه في شرفها، آخذة في ممرها، وهي العلة الكبرى في إحياء النبات ويأخذ الثمر في الظهور من الشجر بادئاً كما كان ظاهرأ بالمثال الأول الذي قد باد في الشتاء ويبسه ويردة، لأن علة الكون الحرارة والرطوبة وعلة لفساد البرد واليبس، فإذا انتقلت الأشياء ممن الحرارة والرطوبة إلى البرد واليبوسة فارقت الكون المتمم ودخلت الفساد، فإذ انتهى بها الفساد إلى غايته وأوصلها إلى نهايته عاقبها الكون بوصول الشمس إلى رأس الحمل، فبدأ بها كعادته في إنشائها، وأبرزها من خساسة الفساد إلى نفاسة الكون، ولو كانت الحواس تضبط شأن الأجسام وتحيط بانتقالها من حال إلى حال لشاهدت ممرها في دائرة الزمان، ومبتدئة من رتبة؛راجعة إليها، مشكلة في محيط الدائرة بأشكال توافق بعضها، والشكول مختلفة باختلاف العلل، متفرقة كاختلاف الأسباب، وفي هذا القول من هذه الطائفة ماورح بالقول بالقدم وأبان عنه.
عليل على حدوث العالم
وقضية الفحص توجب أن الأشياء الموجودة غير خالية من إحدى المنزلتين: إما أن يكون بدء وانتهاء، وإما أن يكون بلا بدء ولا انتهاء، فإن كان بلا بدء ولا انتهاء فواجب أن تكون أجزاؤها وأبعادها غير متناهية، وواجب أن يكون الزمان غير عادٍّ لها ولا حاصر لجميعها، وقد وجدنا التناهي والابتداء في أجزائها وأبعادها على الدوام، وأنا في كل يوم جديد نعاين خلقاً جديداً، وصوراً في العالم لم تكن وصوراً بادئة قد كانت متأثلة، وفي هذا ما يدل على حصر الأشياء ووقوعها في غاية انتهاء صورها، وواجب أن للأشياء بدءاً وانتهاء، وبطل وهم المتوهم أن الأشياء بلا نهاية؛وأن ليس لها ابتداء ولا غاية، وذلك باطل ومحال فاسد، ولو وجب أن تكون الأشياء الموجودة بلا بَدْء ولا نهاية لوجب أن لا يزول شيء من مركزه، ولا يتحول عن رتبته، ولبطلت الاستحالة، وسقطت المضادة، وهذا مستحيل، ولو وجب أن تكون الأشياء على غير نهاية، لما كان لقولنا اليوم وأمس وغداً معنى؛لأن هذه الأزمان تعد ما هو بالنهاية، ويوجد في حوزتها إيجاد ما لم يكن وإدخالها في حوزتها ما هو كائن.
وفيما ذكرنا ما أوضح عن تنقل شأن المعاني، ودل على حدوث الأجسام، وهذه الدلالة مأخوذة من الحس، ومستظهرة للعقول والبحث.
المحدث للعالم
وإذ قد وضح أن الأشياء مُحْدَثة أكونها بعد أن لم تكن فلا بد لها من محدث هو بخلافها لا شكل له ولا مثل، لأن العقل لا يفيم لشيء مثلاً حتى يعلم له قدراً ووَزناً، ويعادله بمثله وشكله، وتعالى وجل وعز من لا تُعبِّرُ عن ذاته اللغات، وتعجز العقول أن تحصره بالصوت، وتدركه بالأشرات، أو يكون ذا غايات ولهايات.

قال المسعودي: فلنرجع الآن إلى الكلام في حصر تاريخ العالم ووصف أقاويل الطوائف في ذلك المعنى،لأنا إنما ذكرنا الكلام في حدوث العالم لما ذكرنا قول من قال بقدمه ودل على أزليته، وقد تقدم ذكرنا لقول الهند في ذلك فيما سلف من هذا الكتاب.
عمر الدنيا
وأما اليهود فإنهم زعموا أن عمر الدنيا ستة آلاف سنة وأخذوا في ذلك مأخذاً شرعيّاً، وذهبت النصارى إلى أن عمر العالم ما ذهبت إليه اليهود، وأما الصابئة من الحرانيين والكماريين فقد ذكرنا قولهم في ذلك في جملة قول اليونانيين، وأما المجوس فإنهم ذهبوا في ذلك إلى حد غير معلوم من نفاذ قوة الهرمند وكيده، وهو الشيطان، ومنهم من ذهب في ذلك إلى نحو ما ذهب إليه أصحاب الاثنين في الزاج والخلاص، وأن العالم سيعود بدءاً متخلصاً من الشرور والآفات.
وزعمت المجوس أن من وقت زرادشت بن أسبيمان نبيهم إلى الإسكندر مائتين وثمانين سنة، وملك الإسكندر ست سنين، ومن ملك الإسكندر إلى ملك أردشير خمسمائة سنة وسبع عشرة سنة، ومن ملك أردشير إلى الهجرة خمسمائة سنة وأربع وستون سنة؛ فذلك من هبوط أدم إلى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ستة آلاف سنة ومائة وست وعشرون سنة: منها من هبوط آدم عليه السلام إلى الطوفان ألفان ومائتان وست وخمسون سنة، ومن الطوفان إلى مولد إبراهيم الخليل عليه السلام ألف وتسع وسبعون سنة، ومن مولد إبراهيم إلى ظهور موسى بعد ثمانين سنة خلت من عمر موسى بن عمران - وهو وقت خروجه ببني إسرائيل، من مصر إلى التيه - خمسمائة وخمس وستون سنة، ومن خروجهم إلى سنة أربع من ملك سليمان بن داود - عليه السلام! - وذلك وقت ابتدائه في بناء بيت المقدس - ستمائة وست وثلاثون سنة، ومن بناء بيت المقدس إلى ملك الإسكندر سبعمائة وسبع عشرة سنة، ومن ملك الإسكندر إلى مولد المسيح ثلثمائة وتسع وستون سنة، ومن مولد المسيح إلى مولد النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وإحدى وعشرون سنة، - يين أن رفع الله المسيح، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وست وأربعون سنة وبين مبعث المسيح وهجرة النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وأربع وتسعون سنة، وكانت وفاة نبينا صلى الله عليه وسلم في سنة تسعمائة وخمس وثلاثين سنة من سنِي ذي القرنين، ومن داود إلى محمد صلى الله عليه وسلم ألف سنة وسبعمائة سنة وسنتان وستة أشهر وعشرة أيام، ومن إبراهيم إلى محمد صلى الله عليه وسلم ألفا سنة وسبعمائة سنة وعشرون سنة وستة أشهر وعشرة أيام ومن نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثة آلاف سنة وسبعمائة سنة وعشرون سنة وعشرة أيام فعلى هذا القول جميع جملة التاريخ من هبوط آدم إلى الأرض إلى مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف سنة وثمانمائة سنة وإحدى عشرة سنة وستة أشهر وعشرة أيام، فجملة التاريخ من هبوط آدم إلى الأرض إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، من خلافة المتقي باللهّ ونزوله الرقة من ديار مضر - خمسة آلاف سنة ومائة وست وخمسون سنة.
وقد ذكرنا جملاً من التاريخ فيما سلف من هذا الكتاب فلم نُعِدْ منه ما تقدم.
وللمجوس في التواريخ أقاصيص يطول ذكرها، وعود المُلْكِ إليهم وإلى غيرهم من الطوائف السالفة في بدوِّ العالم وفنائه، ومن قال منهم ببقائه، وأن لا بَدْءَ له ولا نهاية، ومن ذهب منهم إلى أن له انتهاء ولا بدء له، وقد أتينا على ذلك فيما سلف من كتبنا فأغنى ذلك عن الإعادة في هذا الكتاب؛ لاشتراطنا فيه على أنفسنا الاختصار والإيجاز والتنبيه على ما سلف لنا من الكتب.
رأي أهل النظر من المسلمين

وقد ذهب جماعة من أهك البحث والنظر من أهل الإسلام إلى أن الدلالة قد قامت على حدوث العالم بعد أن لم يكن، وأن المحدث له الخالق الباري جلّ وعز، أحدثه لا من شيء، ويبعثه لا من شيء في الأخرة ليصح بذلك وعده ووعيده،إذ كان الصادق في وعده ووعيده لا مبدل لكلماته، وأن أول العالم من لدن آدم، وقد غاب عنا حصر السنين وإحصاؤها، وتنازع الناس في بدء التاريخ، والكتابُ لم يخبر بحصر أوقاته ولا بَيَّنَ عن كيفيته ولا أعداد سنيه فيما مضى، وليس علم ذلك مما تهجم عليه الآراء، ولا تحصره أقضياتُ العقول وموجبات الفحص وضرورات الحواس عند مذاكرتها لمحسوساتها، فكيف توجب أن يوقت عمر الدنيا بسبعة آلاف سنة، واللهّ عزّ وجلّ يقول، وقد ذكر الأجيال ومن ضمه الهلاك: " وعاداً وثمود وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً " والله تعالى ذكره لا يقول الكثير إلا في الشيء الحقيقي الكثير، وأعلمنا في كتابه خلقه أدم، وما كان من أمره وأمر الأنبياء بعده، وأخبر عن شأن بَدْء الخلق، ولم يخبرنا بمقدار ذلك فنقف عليه كوقوفنا عندما أخبرنا به، ولا سيما مع علمنا أن المَدَى بيننا وبينه متفاوت، وأن الأرض كثرت بها المدن والملوك والعجائب، فلا نحصر ما لم يحصره اللهّ عز وجل، ولا نقبل من اليهود ما أوردته؛لنطق القرآن أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويكتمون الحق وهم يعلمون، ونفيهم النبوات وَجَحْدهم ما أتَوْا به ممن الآيات مما أظهره اللّه عز وجل على يَدَيْ عيسى بن مريم من المعجزات، وعلى يَدَيْ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من البراهين الباهرات والدلائل والعلامات، والله عز وجل يخبرنا بما أهلك من الأمم لما كان من فعلهم وكفرهم بربهم، قال اللهّ عز وجل: " الحاقة وما الحاقة؟ وما أدراك ما الحاقة؛ كذبت ثمود وعاد بالقارعة، فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية، وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية " و إلى قوله: " فهل ترى لهم من باقية " ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " كذب النسابون " وأمر أن ينسب إلى معد، ونهى أن يتجاوز بالنسب إلى ما فوق ذلك؛لعلمه بما مضى من الأعصار الخالية والأمم الفانية؛ولولا أن النفوس إلى الطارف أحَنٌ، وبالنوار أشْغَفُ، وإلى قصار الأحاديث أمْيَل وبها أكْلَف، لذكرنا من أخبار المتقدمين وسير الملوك الغابرين ما لم نذكره في هذا الكتاب، ولكن ذكرنا فيه ما قرب تناولُه تلويحاً بالقول دون الإيضاح والشرح؛إذ كان مُعَوَّلنا في جميع ذلك على ما سَلَفَ من كتبنا وتقدم من تصنيفنا، وإذا علم اللّه عز وجل موقع النية ووجه القصد أعان على السلامة من كل مَخوفٍ.
وقد ذكرنا في هذا الكتاب من كل فن من العلوم وكل باب من الآداب على حسب الطاقة ومبلغ الاجتهاد والاختصار والإيجاز - لمعاً سيعرفها من تأمل، وينبه بها مَنْ راها.
وإذ قد ذكرنا جوامع ما يحتاج المبتدئ والمنتهي من علوم العالم وأخباره،فلنذكر ألان نسب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ومولده، ومبعثه، وهجرته، ووفاته، وأيام الخلفاء والملوك: عصراً فعصراً، إلى وقتنا هذا، ولم نعرض في كتابنا هذا لكثير من الأخبار، بل لَوَّحْنا بالقول بها تخوفاً من الإطالة ووقوع الملل؛إذ ليس ينبغي للعاقل أن يحمل البنية على ما ليس في طاقتها، ويسوم النفس ما ليس في جِبِلتها ، وإنما الألفاظ على قدر المعاني فكثيرها لكثيرها، وقليلها لقليلها، وهذا باب كبير، وبعضه ينوب عن بعض، والجزء منه يوهمك الكل، واللّه تعالى ولي التوفيق.
ذكر مولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم
ونسبه وغير ذلك مما لحق بهذا الباب
وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا بَدْءَ التاريخ في أخبار العالم وأخبار الأنبياء والملوك، وعجائب البر والبحر، وجوامع التاريخ للفرس والروم والقبط، وشهور الروم والقبط، وما كان من مولد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مَبْعَثه، ومَنْ آمن به قبل رسالته، وقد قدمنا في هذا الكتاب مَنْ كان بينه وبين المسيح من أهل الفَتْرَة، فلنذكر الآن مولده؛إذ كان الطاهر المطهر الأعز الأزهر، الذي اتسعت أعلام نبوته، وتواترت دلائل رسالته، ونطقت الشهادات له قبل بعثته.
نسبه الشريف

وهو محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مَنَاف بن قُصَي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لُؤي بن غالب بنِ فهربن مالك بن النَّصْر بن كنانة بن خُزَيمة بن مدركة بن إلياس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أُدد بن ناخور بن سود بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل ابن إبراهيم بن فالغ بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلح بن أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن أدم عليه السلام.
هذا ما في نسخة ابن هشام في كتاب المَغَازِي والسير عن ابن إسحاق، والنسخ مختلفة الأسماء من نزار.
الخلاف في نسب معد بن عدنان
وفي نسخة أن نزاراً بن مَعد بن عدنان بن أدد بن سام بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن صانوع بن يامد بن فيدربن إسماعيل بن إبراهيم بن تارخ بن ناخوربن أرعواء بن أسروح بن فالغ بن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح بن متوشلخ بن أنوخ بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم.
وفي رواية ابن الأعرابي عن هشام بن محمد الكلبي: هو نزار بن معد بن عدنان بن أدد بن الهميسع بن نبت بن سلامان بن فيدربن إسماعيل بن إبراهيم الخليل بن تارخ بن ناخوربن أرعواء بن فالغ بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ ين سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن أدم عليه السلام.
وفي التوراة أن آدم عليه السلام عاش تسعمائة سنة وثلاثين سنة،فيجب والله أعلم أن أدم عليه السلام كان عند مولد لمك - وهو أبو نوح النبي عليه السلام - ابن ثمانمائة سنة وأربع وستين سنة، وشيث ابن سبعمائة وأريع وأربعين سنة؛ فيجب على هذا الوصف من الحساب أن مولد نوح عليه السلام كان بعد وفاة آدم بمائة وست وعشرين سنة.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم على حسب ما ذكرنا من نَهْيِه - أن يتجاوز عن معد؛ فقد ثبت أن نتوقف في النسب على معد، وقد اختلف أهل النسب على ما ذكرنا، فالواجب الوقف عند أمره عليه السلام ونهيه.
قال المسعودي: وقد وجدت نسب معد بن عدنان في السفْر الذي أثبته باروخ بن ناريا كاتب ارميا النبي صلى الله عليه وسلم أن معداً بن عَدْنان بن أدد بن الهميسع بن سلامان بن عوص بن بروبن متَساويل بن أبي العوام بن ناسل بن حرا بن يلدأرم بن بدلان بن كالح بن فاجم بن ناخوربن ماحي بن عسقي بن عنف بن عبيد بن الرعاء بن حمران بن يسن بن هري بن بحري ابن يلخى بن أرعوا بن عنقإء بن حسان بن عيسى بن أقتاد بن إيهام بن معصر ابن ناجب بن رزاح بن سمآى بن مربن عوص بن عوام بن قدير بن إسماعيل ابن إبراهيم الخليل عليه السلام.
وقد كان لأرمياء مع معد بن عدنان أخبار يطول ذكرها، وما كان من أمرهما بالشام، وقد أتينا على ذكر ذلك فيما سلف من كتبنا، وإنما ذكَرنا هذا النسب من هذا الوجه ليعلم تنازع الناس في ذلك.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تجاوز معد؛ لعلمه من تباعد الأنساب وكثرة الآراء في طول هذه المدة والأعصار.
كنية الرسول وأسماؤه ومولده
وكنيته صلى الله عليه وسلم: أبو القاسم، وفي ذلك يقول الشاعر:
للَه ممَنْ بَرَا صفوةٌ ... وصفوة الخلق بنوهاشم
وصفوة الصفوة من هاشم ... محمد النور أبوالقاسم
وهو محمد، أحمد، والماحي الذي يمحو اللهّ به الذنوب، والعاقب، والحاشر الذي يحشر اللّه الناس على عقبه صلى الله عليه وسلم.
حروب الفجار
وكان مولده عليه الصلاة والسلام عَامَ الفيل، وكان بين عام الفيل وعام الفِجَار عشرون سنة، والفِجَار حرب كانت بين قيس عَيْلاَن وبني كنانة، استحلوا فيها القتال في الأشهر الحرم، فسميت الفِجَار، وكنانة: ابن حزيمة بن مدركة، وهو عمرو بن إلياس بن مضر بن نزار، وكان ولد إلياس عمراً وعامراً وعديراً، فعمرو هو مدْركه، وعامر هو طابخه، وعمير هو قمعة، وكانت أمه م ليلى بنت حُلْوَان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة وهي خِندحِف؛فغلب على من ذكرنا الألقاب، ونسب ولد إلياس إلى أمه م خندف، وفي ذلك يقول قصَي بن كلاب بن مرة:
إني لدى الحرب وحيّ، وأبي ... عند تناديهم بآل وَهَبِ
معترم الصَّوْلة عالي النسبِ ... امِّيَ خندف وإلياس أبِي
بطون قريش

وقريش خمسة وعشرون بطناً، وهم: بنو هاشم بن عبد مناف بنو المطلب بن عبد مناف، بنو الحارث بن عبد المطلب، بنو أمية بن عبد شمس، بنو نَوْفَل بن عبد مناف، بنو الحارث بن فِهْر، بنو أسد بن عبد العُزَّى، بنو عبد الحرب قصَيّ - وهم حَجَبَة الكعبة - بنو زهرة بن كلاب، بنو تَيم بن مرة، بنو مخزوم، بنو يَقَظَة، بنو مرة، بنو عَدِيّ بن كعب، بنوسَهْم، بنوجُمَح، وإلى هنا تنتهي قريش البطاح على حسب ما قدمناه فيما سلف من هذا الكتاب، بنو مالك بن حنبل، بنو مُعَيْط بن عامر بن لُؤَي بنو نزار بن عامر، بنو سَامَةَ بن لُؤَي، بنو الأعرم، وهو تَيمْ بى غالب، بنو محارب بن فِهْر، بنو الحارث بن عبد الله بن كنانة، بنو عائذة، وهو خزيمة بن لُؤَي، بنو نباتة، وهو سعد بن لُؤَي، ومن بني مالك إلى آخر القبائل في قريش الظواهر على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا للمطيبين وغيرهم من قريش.
حلف الفضول
وكان من حرب الفِجار ما ذكرنا للمتفاخرين بالعشائر والتكاثر، وانتهى الفِجَار في شوال، وكان حِلْفُ الفضول بعد منصرفهم من الفِجَار، فقالا بعضهم:
نحن كُنَا المُلُوك من آل نجد ... وحماة الزمان عند الذِّمَار
ومنعنا الْحَجُونَ من كل حي ... ومنعنا الفجار يوم الفِجَار
وفي ذلك قال خِدَاشُ بن زهير العامري:
فلا توعديني بالفِجَار فإنه ... أحَلَّ ببطحاء الْحَجُونِ المخازيا
سبب حلف الفضول
وقد كان الْحِلْفُ في ذي القعدة بسبب رجل من زبيد من اليمن أو كان باع سلعة له من العاص بن وائل السَّهْمي، فَمَطَلَه بالثمن حتى يئس، فعلا جبل قُبْيس، وقريش في مجالسها حول الكعبة، فنادى بشعر يصف فيه ظُلاَمتَه. رافعاً صوته منادياً يقول:
يا للرجال لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة ناس الحي والنفير
إن الحرام لمن تصت حرامته ... ولا حرام لثوب الفاجر الغَدر
ِ فمشَتْ قريش بعضها إلى بعض، وكان أول من سعى في ذلك الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، واجتمعت قبائل قريش في دار النّدْوة وكانت للحَلِّ والحقد، ؤكان ممن اجتمع بها من قريش بنو هاشم بن عبد مناف، وبنو المطلب بن عبد مناف، زهْرَة بن كلاب وَتَيْم بن مرة، وبنو الحارث بن فهرٍ، فاتفقوا على أنهم ينصفون المظلوم من الظالم، فساروا إلى دار عبد الله بن جُدْعان، فتحالفوا هنالك؛ ففي ذلك يقول الزبير بن عبد المطلب:
حلفت لنعقِدَنْ حلفاً عليهم ... وإن كنّا جميعاً أهل دار
نسميه الفضول إذا عقدنا ... يعزبِهِ الغريب للى الجوار
ويعلم مَنْ حَوَالى البيت أنا ... ابَاة الضيم نهجر كل عار
الفجارات
وقد قدمنا في كتابنا الأوسط أخبار الأحلاف والفجارات الأربعة: فجار الرجل، أو فجار بدر بن معشر، وفجار القرد، وفجار المرأة، والفجار الرابع هو فجار البراض، وبين الفجار الرابع الذي كان فيه القتال وبين بنيان الكعبة خمس عشرة سنة، وكان من حضور النبي صلى الله عليه وسلم ومشاهدته الفِجَارَ الرابع إلى أن خرج إلى الشام في تجارة خديجة، ونظر نسطور الراهب إليه وهو في صومعته، والنبي صلى الله عليه وسلم مع مَيْسَرَة، وقد أظلته غمامة، فقال: هذا نبي، وهذا آخر الأنبياء - أربع سنين، وتسعة أشهر، وستة أيام، وإلى أن تزوج خديجة بنت خُويلد شهران، وأربعة وعشرون يوماً، وإلى أن شهد بنيان الكعبة، وحضر منازعة قريش في وضع الحجر الأسود عشر سنين.
قريش تبني الكعبة
وقد كان السيلُ هَدَم الكعبة فسرق منها لما أن هدمت غزال من الذهب وحلي وجواهر، فنقضتها قريش، وكان في حيطانها صُوَر كثيرة بأنواع من الأصباغ عجيبة: منها صورة إبراهيم الخليل في يده الأزلام، ويقابلها صورة إسماعيل ابنه على فرس يُجيز بالناس مُفِيضاً، والفاروق قائم على وفد من الناس يقسم فيهم، وبعد هذه الصور صور كثير من أولادهم إلى قصي بن كلاب وغيرهم، في نحو من ستين صورة مع كل واحد من تلك الصور إله صاحبها، وكيفية عبادته، وما اشتهر من فعله.
وضع الحجر الأسود

ولما بنت قريش الكعبة ورفعت سَمْكها وتأتَّى لها ما أرادت في بنيانها من الخشب الذي ابتاعوه من السفينة التي رمى بها البحرُ إلى ساحلهم التي بعث بها ملك الروم من القلزم من بلاد مصر إلى الحبشة، لُتبنى هنالك له كنيسة، وانهوا إلى موضع الحجر على ما ذكرنا وتنازعوا أيهم يَضَعُه، فاتفقوا أن يرضوا بأول مَنْ يطلع عليهم من باب بني شَيْبة، فكان أول من ظهر لأبصارهم النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الباب، وكانوا يعرفونه بالأمين؛ لوقاره وهديه وصدق اللهجة، واجتنابه القاذورات والأدناس، فحكموه فيما تنازعوا فيه، وانقادوا إلى قضائه، فبسط ما كان عليه من رداء، وقيل: كساء طاروني، وأخذ عليه الصلاة والسلام الحَجَرَ فوضعه في وسطه، ثم قال لأربعة رجال من قريش - وهم أهل الرياسة فيهم، والزعماء منهم، وهم: عتبة بن ربيعه بن عبد شمس بن عبد مناف، والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصي، وأبو حذيفة بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم، وقيس بن عدي السهمي - ليأخُذْ كل واحد منهم بجنب من جنبات هذا الرداء، فشالوه حتى ارتفع عن الأرض، وأدنوه من موضعه، فأخذ عليه الصلاة والسلام الحَجَرَ ووضعه في مكانه وقريش كلها حضور، وكان ذلك أول ما ظهر من فعله وفضائله وأحك أمه .
فقال قائل ممن حضر من قريش متعجباً من فعلهم وانقيادهم إلى أصغرهم سناً: واعجباً لقوم أهل شرف ورياسة وشيوخ وكهول عمدوا إلى أصغرهم سناً؛وأقلهم مالاً، فجعلوه عليهم رئيساً وحاكماً!! أما واللات والعزى ليفوقنهم سَبْقاً، وليقسمن بينهم حظوظاً وجدوداً وليكونَنَّ له بعد هذا اليوم شأن ونبأ عظيم.
وقد تنوزع في هذا القائل: فمن الناس من رأى أنه إبليس ظهر في ذلك اليوم في جمعهم في صورة رجل من قريش كان قد مات، وزعموا أن اللات والعزى أحيتاه لذلك المشهد، ومنهم من رأى أنه بعض رجالهم وحكمائهم ومَنْ كانت له فطنة.
كسوة الكعبة
فلما استتمت قريش بناء الكعبة كَسَتْهَا أردية الزعماء، وهي الوصائل، وأعادوا الصور التي كانت مصورة في الكعبة، وأتقنوا شكل ذلك واحك أمه .
وكان أبو طالب حاضراً فلما سمع هذا الكلام من هذا القائل في النبي صلى الله عليه وسلم ، وما يكون من أمره في المستقبل، أنشأ يقول:
إن لنا أوله وآخره ... في الحكم العدل الذي لا ننكره
وقد جهدنا جهدنا ليغمره ... وقد عهدنا أوله وآخره
فإن يكن حقاً ففينا أكثره
وكان من بناء الكعبة إلى أن بعثه اللّه صلى الله عليه وسلم خمس سنين، ومن مولده إلي يوم مبعثه أربعون سنة ويوم.
تحديد المولد
والذي صح من مولده عليه الصلاة والسلام أنه كان بعد قدوم أصحاب الفيل مكة بخمسين يوماً، وكان قدومهم مكة يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ثمانمائة واثنتين وثمانين من عهد ذ القرنين، وكان قدوم أبرهة مكة لسبع عشرة خلت من المحرم ولست عشرة ومائتين من تاريخ العرب،الذي وله حجة الغد ولسنة أربعين من ملك كسرى أنو شروان.
وكان مولده عليه الصلاة والسلام لثمان خلون من ربيع الأول من هذه السنة بمكة، في دار ابن يوسف، ثم بعد ذلك بنتها الخيزران أم الهادى الرشيد مسجداً وكان أبوه عبد اللّه غائباً بأرض الشام فانصرف مريضاً، فمات بالمدينة ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم حَمْل، وقد تنوزع في ذلك: فمنهم من قال: إنه مات بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم بشهر، ومنهم من قال: إنه مات في السنة الثانية من مولده.
نسب أمه عليه السلام
و أمه آمنة بنت وَهْب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب.
وفي السنة الأولى من مولده دُفع إلى حليمة بنت عبد اللّه بن الحارث لتُرْضِعه، وفي السنة الثانية من كونه في بني سعد كان أبو عبد الله يقول:
الحمد للهّ اللَّه الذي أعطاني ... هذا الغلام الطيب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمان ... أعيذه بالبيت ذي الأركان
وفي رواية أن عبد المطلب قال:
لا هُمّ رب الراكب المسافر ... يحمد قلب بخير طائر
تنح عن طريقه الفواجر ... وحيه برصد الطواهر
واحبس كل حلف فاجر ... في عرج الريح والأعاصر
أحداث قبل النبوة

وفي السنة الرابعة من مولده شَق الملكان بطنه، واستخرجا قلبه، فشقاه وأخرجا منه عَلَقَة سوداء ثم غسلا بطنه وقلبه بالثلج، وقال أحدهما لصاحبه: زِنْهُ - بعشرة من أمته، فوزنه فرجَعَ، ثم ما زال يزيد حتى بلغ الألف، فقال والله لو وزنته بأمته لوزنها.
وفي السنة الخامسة رَدَّته إلى أمه مرضعته حليمة؛ وقيل: في مستهل السادسة وبين ذلك وبين عام الفيل خمس سنين وشهران وعشرة أيام.
وفي السنة السابعة من مولده خرجت به أمه إلى أخواله تزورهم، فتوفيت بالأبْوَاءٍ، وقدمت به أم أيْمَنَ إلى مكة بعد خامسة من موت أمه .
وفي السنة الثامنة من مولده توفي جده عبد المطلب، وضمه عمه أبو طالب إليه، وكان في حِجْره، وخرج مع عمه إلى الشام، وله ثلاث عشرة سنة، ثم خرج في تجارة لخديجة بنت خويلد إلى الشام مع غل أمه ا مَيْسَرَة وهو ابن خمس وعشرين سنة.
قال المسعودي: وقد أتينا على مبسوط هذا الباب، في كتابينا أخبار الزمان والأوسط.
ذكر مبعثه صلى اللّه عليه وسلّم
وما جاء في ذلك إلى هجرته
ثم بعث اللّه رسوله وأكرمه بما أختصه به من نبوته، بعد بنيان الكعبة بخمس سنين على ما قدمنا آنفاً، وهو ابن أربعين سنة كاملة، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وأخفى أمره ثلاث سنين، ونكح خديجة بنت خويلد وله خمس وعشرون سنة وأنزل عليه بمكة من القران اثنتان وثمانون سورة، ونزل تمام بعضها بالمدينة، وأول ما نزل عليه من القران " اقرأ باسم ربك الذي خلق " ، وأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم في ليلة السبت، ثم في ليلة الأحد، وخَاطَبه بالرسالة في يوم الاثنين، وذلك بحراء، وهو أول موضع نزل فيه القرآن، وخاطبه بأول السورة إلى قوله تعالى: " عَلّم الإنسان ما لم يعلم " ونزل تم أمها بعد ذلك؛ و خوطب بفرض الصلوات ركعتين ركعتين، ثم أمر بإتم أمها بعد ذلك، واقرَّتْ ركعتين في السفر وزِيدَ في صلاة الحَضَرِ.
تحديد المبعث
وكان مبعثه صلى الله عليه وسلم على رأس عشرين سنة من مُلْك كسرى أبرويز، وذلك على رأس مائتي سنة من يوم التحالف بالرَّبَذَة، وذلك لستة الاف ومائة وثلاث عشرة سنة من هبوط آدم عليه السلام، وقد ذكر مثل هذا عن بعض حكماء العرب في صدر الإسلام ممن قرأ الكتب السالفة على حسب ما استخرج منها، وفي ذلك يقول في أرجوزة طويلة:
في رأس عشرة من السنين ... إلى ثلاث حصلت يقين
والمائة المعدوة التمام ... إلى الوف سدست نظام
أرسله اللَّه لنا رسولا ... وكان فينا هادي السبيلا
إسلام علي بن أبي طالب
وقد تنوزع في علي بن أبي طالب كرم اللهّ وجهه وأسل أمه ، فذهب كثير من الناس إلى أنه لم يشرك باللّه شيئاً فيستأنف الإسلام، بل كان تابعاً للنبي صلى الله عليه وسلم في جميع أفعاله مقتدياً به، وبلغ وهو على ذلك، وأن الله عصمه وسدده ووفقه لتبعيته لنبيه عليه السلام؛ لأنهما كانا غير مضطرين ولا مجبورين على فعل الطاعات، بل مختارين قادرين، فاختارا طاعة الرب، وموافقة أمره، واجتناب منهياته، ومنهم من رأى أنه أول من آمن، وأن الرسول دعاه وهو موضع التكليف بظاهر قوله عز وجل: " وأنذر عشيرتك الأقربين " ، وكان بدؤى بعلني إذ كان أقْرَبَ الناس إليه وأتبعهم له، ومنهم من رأى غير ما وصافنا، وهذا موضع قد تنازع الناس فيه من الشيعة، وقد احتج كل فريق لقوله ممن قال بالنص في الإمامة والاختيار، وأرضى كل فريق كيفية إسلامه ومقدار سنيه، وقد أتينا على الكلام في ذلك على الشرح والإِيضاح في كتابنا المترجم بكتاب الصفوة في الإِمامة وفي كتاب الاستبصار وفي كتاب الزاهي وغيره من كتبنا في هذا المعنى.
إسلام أبي بكر ومن أسلم بإسلام أمه
ثم أسلم أبو بكر رضي الله عنه، ودعا قومه إلى الإِسلام، فأسلم على يديه عثمان بن عفان والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وَقَّاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا، فهؤلاء النفر سَبَقُوا الناس بالإِيمان، وقد قال بعض مَنْ تقدم من الشعراء في صدر الإِسلام يذكرهم:
فيا سائلي عن خيار العبا ... د، صَادَفْتَ ذا العلم والخبرهْ
خِيَارُ العباد جميعاً قريْش ... وخير قريش ذوو الهجرهْ

وخير ذوي الهجرة السابقون ... ثمانية وحدهم نضرَهْ
علي وَعُثمان ثم الزبير ... وَطَلْحَة واثنان من زُهرهْ
وشيخان قد جَاوَرَا أحمداً ... وَجَاوَرَ قبراهما قبرهْ
فمن كان بعدهما فاخراً ... فلا تذكروا عِندهم فخرهْ
الخلاف في أول من أسلم
وقد اختلف في أول صن أسلم: فمنهم من رأى أن أبا بكر الصديق كان أول الناس إسلاماً، وأسبقهم إيماناً، ثم بلال بن رباحة، ثم عمرو بن عبسة، ومنهم مَنْ ذهب إلى أن أول من أسلم من النساء خديجة، ومن الرجال عَلِيّ، ومنهم مَنْ رأي أن أول من أسلم زيد بن حارثة حِبّ النبي صلى الله عليه وسلم و ثم خديجة، ثم عليِّ كرم الله وجهة، وقد ذكرنا ما اجتبينا من القول في ذلك فيما قدمنا ذكره من كتبنا في هذا المعنى، والله تعالى ولي التوفيق.
ذكر هجرته وجوامع مما كان في أيامه
صلّى اللّه عليه وسلّم إلى وقت وفاته
أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة، وفرض عليه الجهاد، وذلك في سنة إحدى من سني الهجرة، وهي السنة التي نزل فيها الأذن، وكانت سنة أربع عشرة من المبعث.
وكان ابن عباس يقول: بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر عشراً، وقبض وهو ابنُ ثلاث وستين سنة.
تحديد الهجرة
وكانت سنة إحدى من الهجرة، وهي سنة اثنتين وتلاثين من ملك كسرى أبرويز، وسنة تسع من ملك هرقل ملك النصرانية، وسنة تسعمائة وثلاث وثلاثين من ملك الإسكندر المقدوني.
كيف فعل في الهجرة؟
قال المسعودي: وقد ذكرنا في الكتاب الأوسط كيفية فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في خروجه من مكة ودخوله الغار واستئجار علي له الإبل، وَنوْمه على فراشه؛ فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، ومعه أبو بكر، وعامر بن فُهَيْرَة مولى أبي بكر، وعبد الله بن أرَيْقِط الديلي دليل لهم على الطريق، ولم يكن مسلماً، وكان مُقَام علي بن أبي طالب بعده بمكة ثلاثة أيام إلى أن أدى ما أمر بأدائه، ثم لحق بالرسول صلى الله عليه وسلم.
دخول المدينة
وكان دخوله عليه الصلاة والسلام إلى المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، فأقام بها عشر سنين كوامل، وكان نزوله عليه الصلاة والسلام في حال موافاته المدينَةَ بقَبَاء على سعد بن خَيْثَمَةَ وابتنى المسجد وكان مع أمه بقَبَاء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وسار يوم الجمعة ارتفاعَ النهار، وأتته الأنصار حيّاً حياً يسأله كل فريق منهم النزول عليه، ويتعلقون بزمام راحلته وهي تجذبه. فيقول عليه الصلاة والسلام: " خَلُّوا عنها فإنها مأمورة " حتى أدركته الصلاة في بني سالم، فصلّى بهم يوم الجمعة، وكانت تلك أول جمعة صليت في الإِسلام، وهذا موضع تنازع الفقهاء في العدد الذي تتم بهم صلاة الجمعة: فذهب الشافعي في آخرين معه إلى أن الجمعة لا تجب إقامتها حتى يكون عدد المصلين أربعين فصاعداً، وأقَلُّ من ذلك لا يجزي، وخالفه غيره من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم، وكانت صلاته في بطن الوادي المعروف بوادى رأنونَاءَ إلى هذه الغاية، ثم استوى على ناقته، فسارت لا تُعَرِّج على شيء، ولا يردها راد، حتى أتت إلى موضع مسجده عليه الصلاة والسلام، والموضع يومئذ لغلامين يتيمين من بني النجار، فبركت، ثم سارت فمضت غير بعيد، ثم عادت إلى مبركها فبركت وأطمأنت، والنبي صلى الله عليه وسلم يراعي أحكام الباري فيه، - وتوفيقه له، فنزل عنها، وسار إلى منزل أبي أيوب الأنصاري - وهو خالد بن كليب بن ثعلبة بن عوف بن سحيم بن مالك بن النجار - فأقام في منزله شهراً حتى ابتنى المسجد من بعد ابتياعه الموضعَ، وأحدقت به الأنصار واشتد سرورهم به، وأظهروا التأسف على ما فاتهم من نُصْرته، وفي ذلك يقول صرمة بن أبي أنس أحد بني عدي النجار من قصيدة:
ثَوَى في قريش بضع عشرة حجة ... يُذَكَرل ايلقى صديقا ًمواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يوفي، ولم ير داعيا
فلما أتانا أظْهَرَ الله دينه ... وأصبح مسروراً بطَيْبَةَ راضيا

وأصبح لا يخشى من الناس واحداً ... بعيداً، ولا يخشى من الناس دانيا
بذلْنَا له الأموال في كل ملكنا ... وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
ونعلم أن الله لارب غيره ... وأن رسول الله للحق رائيا
ونعادي الذي عادى من الناس ... كلهم جميعاً، وإن كان الحبيب المصافيا
فافترض صيام شهر رمضان، وحُؤَلت القبلة إلى الكعبة بعد قدومه بثمانية عشر شهراً، وقد قيل: إنه أنزل عليه بالمدينة من القرآن اثنتان وثلاثون سورة.
علته ووفاته
ثم قبضه الله يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول سنة عشر في الساعة التي دخل فيها المدينة، في منزل عائشة رضي الله عنها، وكانت علته أتثنى عشر يوما.
غزواته
وكانت غزواته صلى الله عليه وسلم بفسه ستاً وعشرين غزوة، ومنهم من رأى أنها سبع وعشرون، الأولون جعلوا منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى غزوة واحدة، والذين جعلوها سبعاً وعشرين جعلوا غزوة خيبر مفردة ووادي القرى منصرفة إليها غزوة أخرى غير خيبر؛ فوقع التنازع في أعداد الغزوات من هذا الوجه، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين فتح الله خيبر انصرف منها إلى وادي القرى من غير أن يأتي المدينة.
وكان أول غزواتّه صلى الله عليه وسلم من المدينة بنفسه إِلى ودان، وهي المعروفة بغزوة الأبْوَاءٍ، ثم غزوة بُواط إلى ناحية رضْوى، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الأولى، وكان خروجه طلباً لكرز بن جابر، ثم غزوة بدر الكبرى، وهي بدر الثانية التي قُتل فيها صناديد قريش وأشرافها وأسر من أسر من زعمائهم، ثم غزوة بني سُلَيم حتى بلغ الموضع المعروف بَالكدر ماء لبني سُلَيم، ثم غزوة السويق طلباً لأبي سفيان بن حرب فبلغ فيهما الموضع المعروف بقرقرة الكدر، ثم غزوة غطفان إلى نجد وتعرف هذه الغزوة بغزوة ذي أمر، ثم غزوة بحران وهو موضع بالحجاز من فوق الفرع ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بني النَّضِير، ثم غزوهً ذات الرقاع من نجد، ثم غزوة بدر الأخيرة، ثم غزوة دومة الجندل ثم غزوة المُريْسِيع ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قرَيْظة، ثم غزوة بني لحيان بن هذيل بن مدركة، ثم غزوة في قرد، ثم غزوة بني المصطلق من خُزَاعة، ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصَده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم اعتمر عليه السلام عمرة القضاء، ثم فتح مكة، ثم عزوة حُنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تَبُوك.
قاتل منها في تسع غزوات: بدر، واحد، والخندق، وقريظة، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف، وتبوك.
قول الواقدي في غزواته
هذا قول أحمد بن إسحاق، فأما ما ذهب إليه الواقدى فإنه وافق ابن إسحاق في قتال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه التسع الغزوات، وزاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل في غَزَاة وادي - القرى، وذلك أن غل أمه المعروف بمدعم رمي بسهم فقتل، وقاتل في يوم الغابة فقتل من المشركين ستة نفر، وقتل يومئذ محرز بن نضلة ففي قول الواقدي أنه قاتل في إحدى عشرة غزوة، وفي قول ابن إسحاق في تسع، فقتاله في التسع باتفاف منهما، وزاد الواقدي على ما ذكرنا.
وقد قيل: إن أول غزوة غزاها عليه السلام ذات العشيرة.
سراياه وبعوثه
وقد تنازع من سلف من أهل السير والأخبار في عدة سراياه وبعوثه: فقال قوم: إن عدة سراياه وبعوثه بين أن قدمَ المدينة وبين أن قَبَضَه الله خمس وثلاثون بعثاَ وسَرِية، وذكر محمد بن جرير الطبري في كتابه في التاريخ قال: حدثني الحارث قال: حدثنا ابن سعد قال: قال محمد بن عُمَر الواقدى: كانت سرايا النبي صلى الله عليه وسلم ثمانياً وأربعين سَرِية، وقيل: إن سراياه صلى الله عليه وسلم وبعوثه كانت ستة وستين.
مشاهير الأحداث
وقبض صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة على حسب ما تقدم في صدر هذا الباب من قول ابن عباس، ولم يخلف من الولد إلا فاطمه عليها السلام، وتوفيت بعده بأربعين يوماً، وقيل: سبعين يوماً، وقيل غير ذلك. وكان تزوج علي بن أبي طالب لفاطمة عليهما السلام بعد سنة مضت من الهجرة، وقيل أقل من ذلك.
وكانت أول امرأة تزوج بها النبي صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خُويلد بن أسد بن

عبد العزى بن قصي، وكانت وفاتها في شوال بعد مبعثه بثلاث سنين.
وأسْرِيَ به وهو ابن إحدى وخمسين سنة وثمانية أشهر وعشرين يوماً.
وكانت وفاة عمه أبي طالب - واسمه عبد مناف بن عبد المطلب - بعد وفاة خديجة بثلاثة أيام، وهو ابن تسع وأربعين سنة وثمانية أشهر، وقد قيل: إن أبا طالب اسم له.
وتزوج بعد وفاة خديجة بسَودة بنت زَمْعة بن قيس بن عبد وُذَ بن نضر ابن مالك بن حِسْل.
وتزوج بعائشة رضي الله عنها قبل الهجرة بسنتين، وقيل: تزوجها بعد وفاة خديجة، ودخل بها بعد الهجرة بسبعة أشهر وتسعة أيام، وقد أتينا على ذكر سائر أزواجه في الكتاب الأوسط؛ فأغنى ذلك عن إعادته.
روى جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إن الله عزّ وجلّ أدبَ محمداً صلى الله عليه وسلم فأحسن تأديبه، فقال خذ العفو، وآمر العرف، وأعرض عن الجاهلين فلما كان كذلك قال الله تعالى: " وإنك على خلق عظيم " فلما قبل من الله فوض إليه فقال: " وما آتكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا " وكان يضمن على الله الجنة، فأجيز له ذلك.
وكان عدة من تزوج من النساء خمس عشرة، دخل بإحدى عشرة منهن، ولم يدخل بأربع، وقبض عليه السلام عن تسع.
النزاع في عمره عليه الصلاة والسلام
قال المسعودي: وقد تنوزع في مقدار عمره عليه السلام، وقد قدمنا ما روي في ذلك عن ابن عباس، وهو ما ذكره حماد بن سلمة عن أبي حمزة عن ابن عباس، وقد روي عن أبي هريرة مثل قول ابن عباس، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القران وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، وأقام بمكة عشراً، وبالمدينه عشراً، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكذلك ذكر عن عائشة قالت توفي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقد روي عن ابن عباس من وجه آخر أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قبض وهو ابن خمس وستين سنة، وكذلك ذكر ابن هشام قال: حدثنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، وذكر قَتَادة عن الحسن عن دغفل - يعنى ابن حنظلة - أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن خمس وستين، وقد قيل: إنه قبض وهو ابن ستين وذكر ذلك عن ابن عباس وعائشة وَعرْوَة بن ألزبير، وذكَرَ حماد قال: أخبرنا عمرو بن دينار، عن عُرْوَة بن الزبير، قال: بعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة، ومات وهو ابن ستين، وذكر شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: حدثتني عائشة رضي اللّه عنها وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث وهو ابن أربعين سنة، فلبث بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشرة سنين، وقبض وهو ابن ستين، صلى الله عليه وسلم.
وفاته وتكفينه ودفنه عليه السلام
وإنما حكينا هذا الخلاف ليعلم من نظر في كتابنا هذا أنا لم نغفل شيئاً مما قالوه، ولا تركنا شيئاً ذكروهُ إلا ذكرنا منه ما تأتَّى لنا ذكره وأشرنا إليه، ميلا إلى الاختصار وطلباً للإِيجاز، والذي وجدنا عليه آل محمد عليه الصلاة والسلام أنه قُبض ابن ثلاث وستين سنة، ولما غسل عليه الصلاة والسلام كفن في ثلاثة أثواب ثوبين صُحَاريين وثوب حِبَرَة أدرج فيها إدراجأ، ونزل في قبره علي بن أبي طالب والفضل وَقُثَم ابنا العباس وَشُقْرَان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر في مقدار الثياب للكفن غير ما ذكرنا، والله أعلم بكيفية ذلك.
ولنرجع الآن إلى ذكر لمع من أموره وأخبارٍ كانت من مولده إلى وفاته صلى الله عليه وسلم وشَرف وعًظّم.
ذكر أمور وأحوال من مولده إلى وفاته
صلّى اللّه عليه وسلّم
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب من ذكر مولده عليه السلام ومبعثه ووفاته جوامِعِ يكتفي بها العالم المستبصر، ويتنبَّه بها الطالب المسترشد، وذكرنا جُمَلاَ من الكوائن والأحداث في تضاعيف ذلك، وأفردنا هذا الباب لذكر لَرتيب جمل من السنين من مولده إلى وفاته، وجمل أحْدَاث وكوائن كانت في أي أمه ؛ ليقرب تناول ذلك على مريده، ؤيسهل مأخذه على الطالب له، وإن كنا قد أتينا على لمع من مبسوط هذا الباب فيما تقدمه من الأبواب إن شاء الله تعالى.

ففي أول سنة من مولده دفع إلى حليمة بنت عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصر بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وفي السنة الخامسة من مولده رَدًتْه حليمة إلى أمه ، على حسب ما ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب.
وفي السنة السادسة أخرجته أمه إلى أخواله زائرة فتوفيت بالأبْوَاء بين مكة والمدينة، ونمي ذلك إلى أيْمَنَ، فخرجت إليه؛ وقدمت به إلي مكة؛ وكانت مولاة له قد ورثها عن أمه .
خروجه إلى الشام
وفي السنة التاسعة خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام، وقيل: إذ خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام وله ثلاث عشرة سنة، وقد كان أبا طالب أخا عبد اللّه أبي النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه و أمه ؛ فلذلك كَفَلَ بأمر النبي صلى الله عليه وسلم من بين سائر إخوته - وهم: العباس، وحمزة، والزبير، وحجل، والمقوم وضرار، والحارث، وأبو لهب - وهم عشرة بنو عبد المطلب، وكان لعب المطلب ستة عشر ولداً: عشرة ذكور، وهم من سمينا، وست إناث. وهن: عاتكة، وصفية، وأميمة، والبيضاء، وبرة، وأرْوَى، ولم يسلم منهن إلا صفية أم الزبير بن العوام، وقد تنوزع في أروى: فمنهم من قال: إنها أسلمت ومنهم من خالف ذلك.
وفي خروجه عليه السلام مع عمه في هذه السنة نظر إليه بَحِيرَا الراهب، وأوصاهم بمراعاته من اليهود فإنهم أعداؤه لعلمهم بما يكون من نبوته على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا لخبر بَحِيرَ الراهب وما كان من إخباره بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في باب أهل الفترة ممن كان بين المسيح ومحمد عليهما السلام.
شهوده الفجار
وقد قدمنا أنه عليه السلام شهد يوم حرب الفِجَارِ، وذلك في سنة إحدى وعشرين، وأنها حربِ كانت بين قريش وقيس عيلان، فيما سلف من هذا الكتاب وغيره، وأنها إنما سميت بهذا الاسم الذي هو الفِجَار لأنها كانت في الأشهر الحرم، وكانت لقيس على قريش، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما شاهدها صارت لقريش علىِ قيس، وكان على قريش يومئذ عبد اللّه بن جُدْعَان التّيْمِيُّ، وكان نخاساَ في الجاهلية بياعاً للجواري، وكانت هذه إحدى الدلائل المنزرة بنبوته عليه السلام والتيمن بحضوره.
سنوات من حياته
وفي سنة ست وعشرين كان تزويجه بخديجة بنت خُويلد، وهي ومئذ بنت أربعين، وقيل في سنها غيرهذا.
وفي سنة ست وثلاثين بَنَتْ قريش الكعبة، وتراضت به، فوضع الحجر على حسب ما قدمنا.
وفي سن إحدى وأربعين بعثه اللّه نبياً ورسولا إلى كافة الناس، وذلك بوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول، على حسب تنازع الناس في تاريخ مبعثه عليه السلام.
وفي سنة ست وأربعين كان حصار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم وبني هاشم وبني عبد المطلب في الشِّعْبِ.
وفي سنة خمسين كان خروجه عليه السلام ومن تبعه من الشِّعب.
وفي هذه السنة كانت وفاة خديجة زوجه وفيها كان خروجه إلى الطائف على حسب ما ذكرنا.
وفي سنة إحدى وخمسين كان الإِسراء به صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، على حسب ما نطق به التنزيل.
وفي سنة أربع وخمسين كانت هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وفيها بني صلى الله عليه وسلم مسجده، وفيها دخل بعائشة بنت أبي بكر رضي اللّه عنها وهي ابنة تسع، وتزوج بها قبل الهجرة وهي بنت سبع، وقيل: إنه تزوجها وهي بنت ست سنين، وبني بها في المدينة بعد الهجرة بسبعة أشهر، وقيل عن عائشة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهي بنت ثمانَ عشرَةَ سنةً، وكانت وفاتها سنة ثمان وخمسين من الهجرة بالمدينة، وصلى عليها أبو هريرة في أيام معاوية بن إلى سفيان وقد قاربت السبعين وفيها أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالأذان، وأرى عبد الله بن زيد كيفية الأذان في مَنَ أمه ، وفيها كان تزوج علي بن أبي طالب بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على حسب ما ذكرنا من التنازع في التاريخ.

وفي سنة اثنتين من الهجرة افترض على المؤمنين صوم شهر رمضان وفي هذه السنة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوجهِ إلى الكعبة، وفيها توفيت ابنته رُقية وفي آخر هذه السنة - وهي سنة اثنتين من الهجرة - كان دخول علي بن أبى طالب بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها كانت وقعة بدر، وذلك في الجمعة لسبع عشرة ليلةً خلت من شهر رمضان.
وفي سنة ثلاث كان تزويجه بزينب بنت خُزَيمة، وكانت وفاتها بعد شهرين، وفي هذه السنة كان تزويجه بحفصة بنت عمر بن الخطاب، وفيها كان تزويج عثمان بن عفَّان بأم كلثوم ابنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وفيها كان مولد الحسن بن علي بن أبي طالب على ما في ذلك من التنازع في التاريخ وفيها كانت غزوة أحد، وفي هذه السنة استشهد حمزة بن عبد المطلب. وفي سنةَ أربع كانت غزوته المعروفة بذات الرِّقَاع، وفي هذه الغزاة صلى صلاة الخوف بالناس، على حسب ما ذكر في كيفية ذلك التنازع، وفيها كان تزويجة بأم سلمة بنت أبي أمية، وفيها كانت غزوته إلى اليهود من بني النَّضِير وامتنعوا منه بحصونهم، فقطعوا نخلهم وشجرهم وأضرموا النار عليهم، فلما رأى ذلك صالحهم، وفيها كانت غزوته إلى بني المصْطَلَق، وفيها - وهي سنة أربع - كان مولد الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، وقد قيل: إن مولد فاطمة رضي اللّه تعالى عنها كان قبل الهجرة بثمان سنين.
وفي سنة خمس كانت غزوة الخندق وما كان فيها من حفر الخندق، وفيها غزا اليهود من بني قُرَيْظَة، وكان من أمرهم ما قد شهر، وفيها كان تزويجه بزينب بنت جَحْش، وفيها كان تَقَوَّلُ أهل الإِفك على عائشة رضي الله عنها.
وفي سنة ست كان استسقاؤه عليه السلام لما لحق الناس من الضر وَالْجَدْبِ، وفيها اعتمر عمرته المعروفة بعمرة الحديبية وواعد المشركين، وفيها أخذ فدَكَ، وفيها تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان، ووجَّه بالرسُل إلى كسرى وقيصر، وكان فيها أداؤه لكتابة جُوَيرية بنت الحارث وتزويجه بها.
وفي سنة سبع غزا خيبر فافتتحها، واصطفى صفية بنت حيَى بن أخْطَب لنفسه، وفيها تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية خالة عبد اللّه بن عباس في سفره حين اعتمر عمرة القضاء، على ما ذكر من التنازع في نكاحه لها، أفي حال حله نكحها أم في حال إحرامه ؟ وما قال الفقهاء في ذلك، وتنازع الناس في نكاح المحرم، وفيها كان قدوم حاطب بن أبي بلْتَعة من مصر من عند المقوقس ملكها ومعه مارية القبطية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من هدايا المقوقس إليه، وفيها كان قدوم جعفربن أبي طالب من أرض الحبشة ومعه أولاده وزوجته وغيرهم من المسلمين ممن كان بأرض الحبشة.
وفي سنة ثمان استشهد جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رَوَاحة بأرض مُؤْتة من أرض البَلْقاء من أرض الشام وأعمال دمشق في وقعتهم مع الروم، وفيها كانت وفاة زينب بنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وقيل: غير ذلك من التاريخ.
فتح مكة
وفي سنة ثمان كان افتتاح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وقد تنازع الناس في فتحها، أصلحاً كان أم عَنْوَةً؛ وفيها كُسِّرَتْ الأصنام، وَهُدِمَت العُزَّى ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم " قالوا: خيرأ أخٌ كريم، وابن أخ كريم، قال: " أذْهَبُوا فأنتم الطُّلَقَاء " ، وفيها غزا غزة حنين، وكان هَوَازن مالك بن عوف النَّضْرِي ومعه درَيْد بن الصمَة، وفيها كانت غزوة الطائف، وفيها كان إعطاؤه للمؤلفة قلوبهم وفيهم أبو سفيان صخربن حرب وابنه معاوية، وفيها كان مولد إبراهيم ابن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية.
وفي سنة تسع حج أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه بالناس، وقرأ عليّ بن أبي طالب عليهم سورة براءة، وأمرأن لا يحج مشرك، وأنه لا يطوف بالبيت عُرْيان، وفيها كانت وفاة أم كلثوم بنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
وفي سنة عشر حج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وقال: " ألا أن الزمان. قد استدار كهيئته يوم خَلَقَ اللّه السموات والأرض " ، وفيها كانت وفاة إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله سنة وعشرة أشهر وثمانية أيام، وقيل غيم ذلك، وفيها كان بعثه عليه الصلاة والسلام بعليّ إلى اليمن، وأحرم كإحرام النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي سنة إحدى عشرة كانت وفاته صلى الله عليه وسلم على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب قبل هذا الباب من ذكر وفاتِهِ ومقدار عمره وما قاله الناس في ذلك، وفيها كانت وفاة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على حسب ما ذكرنا من تنازع الناس في مقدار عمرها ومدة بقائها بعد أبيها، ومن الذي صلى عليها: العباسُ بن عبد المطلب أم بَعْلُهَا علي؟ ولما قبضت جزع عليها بَعْلُهَا عليّ جزعأ شديداً واشتد بكاؤه وظهر أنينه وحنينه، وقال في ذلك:
لكل اجتماع من خليلين فُرْقَة ... وكل ُّالذي دون الممات قليل
وإن افتقادي فاطماً بعد أحمد ... دليل على أن لا يدوم خليل
أولاده عليه السلام
وكل أولاده صلى الله عليه وسلم من خديجة خلا إبراهيم: ولد له صلى الله عليه وسلم: القاسم، وبه كان يكنى، وكان أكبر بنيه سنّاً، ورقية وام كلثوم، وكانتا تحت عُتبة وعتيبة ابني أبي لَهب عمه فطلقَاهما لخبر يطول ذكره، فتزوجهما عثمان بن عفان واحدة بعد وحدة، وزينب، وكانت تحت أبي العاص بن الربيع، وفرق الإِسلام بينهما، ثم أسلم فردها عليه بالنكاح الأول، وهذا موضع خلاف بين أهل العلم في كيفية رده عليه الصلاة والسلام لزينب على أبي العاص، وولدت من أبي العاص امامة، وتزوجها عليّ بعد موت فاطمة عليهم السلام.
وولد له عليه الصلاة والسلام بعد ما بعث عبدُ اللّه وهو الطيب والطاهر، الثلاثة الأسماء له لأنه ولد في الإِسلام، وفاطمة، وإبراهيم.
وقد أتينا في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط على ما كان في سنةٍ سنه من مولده عليه الصلاة والسلام إلى مبعثه، ومن مبعثه إلى هجرته، ومن هجرته إلى وفاته، ومن وفاته إلى وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - وما كان في ذلك من المغازي والفتوح وَالسَّرَايا والبعوث والطرائق والأحداث، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً منبهين - بذلك على ما سلف من كتبنا، ومذكرين لما تقدم من تصنيفنا، وباللّه التوفيق.
ذكر ما بدأ به عليه الصلاة والسلام من الكلام
مما لم يحفظ قبله عن أحد من الأنام
قال أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن عبد اللّه المسعودي: بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، ومبشراً للناس أجمعين، وقرنه الله بالايات، والبراهين النيرات، وأتى بالقرآن المعجز؛ فتحدَّى به قوماً وهم الغاية في الفصاحة، والنهاية في البلاغة، واولو العلم باللغة والمعرفة بأنواع الكلام من الرسائل والخطب والسجع والمُقفَّى والمنثور والمنظوم والأشعار في المكأرم وفي الحث والزجر والتحضيض والإِغراء والوعد والوعيد والمدح والتهجين، فَقَرَعَ به أسماعهم، وأعجز به أذهانهم وَقبَّح به أفعالهم، وذم به آراءهم وَسَفَّه به أحل أمه م وأزال به دياناتهم، وأبطل به سنتهم، ثم أخبر عن عجزهمِ معِ تظاهرهم أن لا يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، مع كونه عربئاَ مبيناَ.
وقد تنازع الناس في نظمَ القرآن وإعجازه، وليس الغرض من هذا الكتاب وصف أقاويل المختلفين، والإِخبار عن كلام المتنازعين؛إذ كان كتاب خبر، لا كتاب بحث ونظر.
آتاه اللّه الحكمة
ثبت عنه عليه الصلاة والسلام بالعلم الموروث، ونقل إلينا الباقي عن الماضي من بعد قيام الأدلة على صدقه، وما أورد من المعجزات والدلائل والعلامات التي أظهرها الله على يديه ليؤدي رسالات ربه ألى خلقه - أنه قال: أوتيت جوامع الكلم، وقال: اخْتُصِرَ لي الكلام، مخبراً عما أوتيه من الحكمة والبيان غير القرآن المعجز، وهو ما أوتيه عليه الصلاة والسلام من الحكمة والنطق اليسير، والكلام القصير المفيد للمعاني الكثيرة والوجوه المتفرقة مع ما فيه من الحكمة وتمام المصلحة.
وكان كل أمه صلى الله عليه وسلم أحْسَنَ المقال وأوْجَزَه؛لقلة ألفاظه وكثرة معانيه.
من موجز كل أمه
فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم عند عَرْضِه لنفسه على القبائل بمكة ومعه أبو بكر وعلي ووقوفه على بكر بن وائل، وتقدم أبي بكر إليهم، وما جرى بينه وبين دغفل من الكلام في النسب " البلاء مُوَكَّلٌ بالمنطق " وهذا مما سَبَقَ إليه من الكلام ولم يصف إلى غيره من الأنام.

ثم إخباره عن الحرب وقوله " الحرب خُدْعَة " فعلم بهذا اللفظ اليسير والكلام الوجيز أن آخر مكايد الحرب القتال بالسيف؛إذ كان بدؤها خدعة، كما قال عليه الصلاة والسلام، وهذا يعرفه كل في رأي صحيح وفي رياسة وسياسة.
ثم قال: " العائد في هبته كالعائد في قَيْئِه " زاجراً بهذا القول للواهب أن يسترجع شيئاً وهبه؛إذا كان الذيء لا يرجع فيه مَنْ قاءه.
وللناس في هذا المعنى كلام كثير وخطب طويلة، وإنما الغرض فيما نذكر إيراد كل أمه صلى الله عليه وسلم، ووصف قوله الذي لم يتقدمه به أحد " من الناس.
وقوله: " احْثُوا في وجوه المَدَّاحين التراب " المراد من ذلك إذا كَذَبَ المادح، ولم يُرِدْ عليه السلام إذا شكر الإنسان غيره بما أولاه أو وصفه بما هو فيه أو قال ماله أن يقول أن يُحْثَى في وجهه التراب، ولو كان هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم إذاً ما مَدح أحد أحداً؛إذ كان هذا النهي عموماً للصادق والكاذب، وأن يحثى في وجه الجميع التراب، وهذا خلاف ما جاء به التنزيل حيث يقول عز وجل مخبراً عن نبيه يوسف وقوله للملك: " أجْعَلْنِي على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " فقد مدح نفسه ووصف حاله.
وجميع ما يذكر في هذا الباب مستفيض في السير والأخبار متعارف عند العلماء، متداول بين الحكماء، يتمثل به كثير من الناس، وتستعمل العوام كثيراً منه في ألفاظها.، وتُورده في أمثالها وخطاباتها، والأكثر منهم لا يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من تكلم به، وسَبَق إلى إيرده.
وقال عليه الصلاة والسلام: مَطْل الغني ظلم، ومن اتبعَ على مليء فليتبع، وقوله: الأرواح جنود مجندة؛ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، رأس الحكمة معرفة الله. يا خَيْلَ الله اركبي وأبشري بالجنة. الان حَمِي الوطيس. لا ينتطح فيها عَنْزَانِ. لا يُلْدَغ المؤمن من جحر مرتين. لا يجني على المرء إلا يده. ليس الخبر كالمعاينة. الشديد من غلب نفسه بورك لأمتي في بُكُورها. ساقي القوم آخرهم شرباً. المجالس بالأمانات. لو بَغَى جبل على جبل لدُكَّ الباغي منهما، أبدأ بمن تعول مات حَتْفَ أنفه لأ يريد بذلك الفَجْأة وأنه مات من غير علة ولا حالٍ أوجبت ولا سبب من أسباب الموت تقدمت، لا تزال أمتي بخير ما لم تر الأمانة والزكاة مغرماً. قيدوا العلم بالكتابة. خير المال عين ساهرة لعين نائمة. المسلم مِرْآة المسلم. رحم الله من قال خيراً فغنم أو سكت عن شر فسلم. المرء كثير بأخيه. اليد العليا خير من اليد السفلى. ترك الشر صدقة. فضل العلم خير من فضل العبادة. الغِنَى غنى النفس.
الأعمال بالنيات. أي أداء أدوأ من البخل؟ الحياء خير كله. الخيل معقود بنواصيها الخير. السعيد من وُعِظَ بغيره. عِدَةُ المؤمن كأخْذٍ باليد. إن من الشعر لحكمة ومن البيان لسحراً. عفو الملوك بقاء للملك. ارْحَمْ من في الأرض يرحمك من في السماء. المكر والخديعة في النار. المرء مع من أحب، وله ما أكتسب. ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا. المستشار مؤتمن. من قُتِل َدون ماله فهو شهيد. لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث. الدال على الخير كفاعله. الندم توبة. الولد للفراش وللعاهر الحجر. كل معروف صدقة. لا يشكر اللهّ من لا يشكر الناس. لا يؤوِي الضالة إلا ضال، حبك الشيءَ يُعمي ويصم، السَّفَر قطعة من العذاب، وقوله للأنصار: إنكم لتقلونَ عند الطمع وتكثرون عند الفزعِ، وقوله: المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحَلَّ حراماً أو حَرَّم حلالا. الرجل أحق بصدر مجلسه وصدر دابته. الناس معادن كمعادن الذهب والفضة. الظلم ظلمات يوم القيامة. تمام التحية المصافحة. جُبِلَتِ النفوس على حب من أحسن إليها. أمنك من أعتبك. ما نقص مال من صدقة. التائب من الذنب كمن لا ذَنْبَ له. الشاهد يرى ما لا يرى الغائب،. خذ حقك في عَفَاف.واف أو غير واف. أعطوا الأجير أجرته قبل أن يجف عرقه. أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف يوم القيامة. الجنة تحت ظلال السيوف. ليس بمؤمن من خاف جارُهُ بَوَائِقَه اتقوا النار ولو بشق تمرة. أعْرُوا النساء يلزمن الحجاب. الكلمَة الطيبة صَدَقة. لا خير لك في صحبة مَنْ لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه. الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. ما أمْلَقَ تاجر صَدقَ. الدعاءُ سلاح المؤمن. خير

الأمور أوسطها. إذا أتاكم الزائر فأكرموه. اشفعوا تحمدوا أو تؤجروا. الإيمان الصبر والسماحة آفَضلكم أفضلكم معرفة. ما هلك امرؤ عن مَشُورَة. ما عَالَ امرؤ اقتصد. ما هلك امرؤ عرف قدره. شر العمى عمى القلب. الكذب مجانب للإيمان. ما قَلَّ وكفى خير مما كثر وألهى. من أثنى فقد كفى قلة الحياءِ كفر. المؤمنون هَيْنُون لَيْنُون. شر الندامة يوم القيامة. شر المعذرة عند الموت. أقِيلُوا عَثَرَات الكرام. اطلبوا الخير عند صِبَاح الوجوه. الدنيا حُلْوة خَضِرة، وإن الله مستعملكم فيها ينظر كيف تعملون. انتظار الفرج عبادة. كادت الفاقة أن تكون كفراً. لم يبق من الدنيا إلا بلاءَ وفتنة. في كل عام ترذلون. زُرْ غبّاً تزد حبّاً. الصحة والفراغ نعمتان مَغْبُون فيهما كثير من الناس، أو قال: جميع الناس، وقوله: لا يلقى الله أحد إلا ناعماً. من عمل خيراً قال يا ليتني أزدت، ومن عمل غير ذلك قال يا ليتني قصرت، وهذا مثل قوله: إياكم والتسويف وطولَ الأمَل؛ فإنه كان سبباً لهلاك الامم. وقوله: ليس منا من غَشَنَا، وهذا القول يحتمل معاني كثيرة: منها أن يكون إخباراً أن من غش المسلمين على حسب الحال في الوقت أن بعض أهل الكتاب أو المنافقين أخبر عنه بما كان من فعله، ويحتمل أن يكون على طريق الزجر والنهي عن الغش، وقد قيل غير ذلك، والله أعلم، مثل ما رَوَى عنه أبو مسعود البدري أنه قال: لا يبقى على وجه الأرض بعد مائة أحدٌ إلا مات، فاستفاضت هذه الرواية عن أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، فجزع الأكثر، فأفضى ذلك إلى علي رضي الله عنه، فقال: صدق أبو مسعود فيما قال، وذهب عنه المراد بذلك، وإنما مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يبقى على وجه الأرض أحد بعد رأس مائة ممن رأى النيي صلى الله عليه وسلم إلا مات وقوله: استعينوا على أموركم بالكتمان، وعلى قضاء حوائجكم بالإسرار.
ذكر بعض من جمع موجز أقوال الرسول
عليه الصلاة والسلام
قال المسعودي: وقد جمع كثير ممن تقدم وممن شاهدناه كثيراً من ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم فأوردوها في كتبهم، وذكروها في تصنيفهم، وقد أفرد أبو بكر محمدُ بن الحسن بن دريد لذلك كتاباً ترجمهُ بكتاب المجتبى يذكُر فيه جملاً من ألفاظه صلى الله عليه وسلم، وكذلك ذكر أبو إسحاق الزجاجي النحوي صاحب آبي العباس المبرد، وأبو عبد اللّه نِفْطَويه، وجعفربن محمد بن حمدان الموصلي، وغير هؤلاء ممن تقَدمهم وتأخر عنهم، أوردنا من ذلك في هذا الكتاب ما سهل إيراده وتأتى لنا ذكره، على حسب الحاجة إليه واستحقاق الموضع له، وإن كُنا قد أتينا على جميع ما يحتاج إليه في هذه المعاني فيما سلف من كُتبنا وتقدم من تصنيفنا فأغنى ذلك عن إعادتها، واللّه تعالى ولي التوفيق.
ذكر خلافة أبي بكر الصديق
رضي اللّه تعالى عنه
جماع تاريخه
قال المسعودي: ثم بايَعَ الناسُ أبا بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه - ، في سقيفة بني ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري، في يوم الأثنين الذي توفِّيَ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي أبو بكر ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جماعي الأخرة سنة ثلاثَ عشرَةَ من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، مستوفياً لعمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا اتفاق في سائر الروايات على ما ذكرنا، وكان مولد أبي بكر بعد الفيل بثلاث سنين، وكانت ولايته سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، ودفن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كتف رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك قالت عائشة، وقد قيل: إن أبا بكر كانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشرين يوماًً - ، وسنذكُر فيما يرد من هذا الكتاب جملاً من أي أمه م ومقادير ولايتهم، وكذلك نفرد بيما يرد في هذا الكتاب - بعد ذكرنا لأيام بني امية وبني العباس - باباً نذكُر فيه جامع التاريخ الثاني من الهجرة إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - في خلافة أبي إسحاق المتقي للّه، أو بعد ذلك من الأوقات إلى حيث ينتهي بنا التصنيف، وما ذكره أصحاب الزيجات في النجوم، وما أرَّخُوه في مقادير السنين والشهور والأيام والخلاف بينهم وبين تاريخ أصحاب السير والأخبار وكتب التاريخ من الأخباريين وغيرهم؛إذ كان التفاوت بين الفريقين بيِّناً، ومُعَوّلنا في ذلك على ما ذكره أصحاب الزيجات.

ذكر نسبه ولمع من أخباره وسيره
كان اسم أبي بكر رضي اللّه عنه عبد اللّه بن عثمان - وهو أبو قُحَافة - بن عامربن عمروبن كعب بن سعد بن تَيْم بن مُرّة بن كعب، وفي مرة يجتمع برسول اللهّ صلى الله عليه وسلم، ولقبه عَتيق؛ لبشارة رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم إياه أنه عتيق اللّه من النار، فسمي يومئذ عتيقاً وهو الصحيح وقيل: إنما سمي عتيقاً لعتق أمه اته، واسْتُخْلف وأبوه في الحياة.
صفاته
وكا أزْهَدَ الناس، وأكثرهم تواضعاً في أخلاقه ولباسه ومطعمه ومشربه كان لبسهفيخلافته الشملة، العباءة وقدمَ إليه زعماء العرب وأشرافهم وملوك اليمن وعليهم الْحُلَل وَالْحِبر وبرود الْوَشْي المثقل بالذهب والتيجان، فلما شاهدوا ما عليه من اللباس والزهد والتواضع والنسك، وما هو عليه من الوقار والهيبة ذهبوا مَنْذهبه ونزعوا ماكان عليهم.
وفود العرب إليه
وكان ممن وفد عليه من ملوك اليمن ذوالكلاع ملك حمير، ومعه ألف عبد دون من كان معه من عشيرته، وعليه التاج وما وصفنا من البرود والحُلَل، فلما شاهد من أبي بكر ما وصفنا ألقى ما كان عليه وَتَزَيَّا بِزِيِّه، حتى إنه رؤي يوماً في سوق من أسواق المدينة على كتفيه جلد شاة، ففزعت عشيرته لذلك وقالوا له: قد فضحتنا بين المهاجرين والأنصار، قال: أفأردتم مني أن أكون ملكاً جباراً في الجاهلية جباراً في الإسلام، لاهاً الله، لا تكون طاعة الرب إلا بالتواضع للّه والزهد في هذه الدنيا، وتواضعت الملوك ومَنْ ورد عليه من الوفود بعد التكبر، وتذللوا بعد التجبر.
بين أبي بكر وأبي سفيان
وبلغ أبا بكررضي اللّه عنه عن أبي سفيان صخربن حرب أمْر، فأحضره وأقبل يصيح عليه، وأبو سفيان يتملَّقه ويتذلل له، وأقبل أبو قُحَافة فسمع صياح أبي بكر، فقال لقائده: عَلَى مَنْ يصيح ابني؟ فقال له: على أبي سفيان، فدنا من أبي بكر وقال له: أعَلَى أبي سفيان ترفعِ صوتك يا عتيق اللّه؟ وقد كان بالأمس سيد قريش في الجاهلية لقد تعدَّيْت طَوْرَكَ وَجُزْتَ مقدارك فتبسم أبو بكر ومن حضره من المهاجرين والأنصار، وقال له: يا أبت، إن اللّه قد رفع بالإِسلام قوماً وأذلَّ به آخرين.
ولم يتقلَّدْ أحد الخلافة وأبوه باقً غير أبي بكر.
وام أبي بكر سلمى - وتكنى: أم الخير - بنت صخر بن عمرو بن عامر ابن كعب بن سعد بن تَيْم بن مرة.
وارتدت العرب بعد استخلافه بعشرة أيام.
أولاده
وكان له من الولد: عبد اللّه، وعبد الرحمن، ومحمد، فأما عبد اللّه فإنه شهد يوم الطائف مع النبي صلى الله عليه وسلم فلحقته جراحة وبقي إلى خلافة أبيه أبي بكر، ومات في خلافته، وخَلَف سبعة دنانير، فاستكثرها أبو بكر، ولا عقب لعبد اللّه؛وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فإنه شهد يوم بدر مع المشركينِ، ثم أسلم فحسن أسل أمه ، ولعبد الرحمن أخبار، وله عقب كثير بدر و حَضر في ناحية الحجاز مما يلي الجادة من طريق العراق في الموضع المعروف بالصفينيات والمسح، ومحمد بن أبي بكر، أمه أسماء بنت عميس الخثعمية، ومنها عقب جعفر بن أبي طالب، وخَلَفَ عليها حين استشهد عبد اللّه وعونا ومحمدا بني جعفر، فقتل عون ومحمد ابنا جعفر بالطّف مع الحسين بن علي، ولا عقب لهما، وَعَقِبُ جعفر عن عبد اللّه بن جعفر، وولد لعبد اللّه بن جعفر: علي وإسماعيلِ وإسحاق ومعاوية، وتزوجها بعده أبو بكر الصديق، فخلف منها محمداَ، ثم تزوجها على بن أبي طالب فأولدها أولاداً درَجُوا، ولا عقب له منها وأم أسماء العجوز الحريشية كان لها أربع بنات، وهذه العجوز أكثر الناس أصهاراً، كانت ميمونة الهلالية تحت النبي صلى الله عليه وسلم، وأم الفضل تحت العباس بن عبد المطلب، وسلمى تحت حمزة بن عبد المطلب، وخلف منها بنتاً، وأسماء تحت من ذكرنا من جعفر وأبي بكر وعلي، والعقب من محمد بن أبي بكر قليل، وأم جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي علي بن أبي طالب أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.
وكان محمد بن أبي بكر يدعي عابد قريش لنسكه وزهده، ورَبَّاه علي بن أبي طالب، وسنذكر خبره فيما يرد من هذا الكتاب ومقتله في أخبار معاوية بن أبي سفيان.
موت أبي قحافة

ومات أبو قُحَافة في خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه وهو ابن تسع وتسعين سنة، وذلك في سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهي السنة التي استخلف فيها عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، وقد قيل: إنه مات في سنة أربع عشرة.
يوم السقيفة
ولما بويع أبو بكر في يوم السَّقيفة وجددت البيعة له يوم الثلاثاء على العامة خرج علي فقال: أفسدت علينا أمورنا، ولم تستشر، ولم تَرْعَ لنا حقأ، فقال أبو بكر: بلى، ولكني خشيت الفتنة، وكان المهاجرين والأنصار يوم السَّقيفة خطب طويل، ومجاذبة في الإمامة، وخرج سعد بن عبادة ولم يبايع، فصار إلى الشام، فقتل هناك في سنة خمس عشرة، وليس كتابنا هذا موضعاً لخبر مقتله، ولم يبايعه أحد من بني هاشم حتى ماتت فاطمة رضي اللّه عنها.
عدي بن حاتم الطائي
ولما ارتدت العرب إلا أهل المسجدين، وَمَنْ بينهما وأُناساً من العرب؛قدم عدي بن حاتم بإبل الصدقة إلى أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، ففي ذلك يقول الحارث بن مالك الطائي:
وَفَيْنَا وفاء لم يَرَالنَّاس مثله ... وَسَرْبَلَنَا مجداً عديُّ بن حاتم
علته
وكان أبو بكر رضي اللّه عنه قد سًمّته اليهود في شيء من الطعام، وأكل معه الحارث بن كَلدَة فعمي، وكان السم لسنة، ومرض أبو بكر قبل وفاته بخمسة عشر يوماً.
كلام له
ولما احْتُضِرَ قال: ما آسَى على شيء إلا على ثلاث فعلتها وعددت أني تركتها، وثلاث تركتها وددت أني فعلتها، وثلاث وددت إني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها؛فأما الثلاث التي فعلتها، ووددت أني تركتها فوددت أني لم أكن فتشت بيت فاطمة، وذكر في ذلك كلاماً كثيراً، ووددت أني لم أكن حرقت الفُجَاءة وأطلقته نجيحاً أو قتلته صريحاً، وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قَذَفْتُ الأمر في عنق أحد الرجلين فكان أميراً وكنت وزيراً، والثلاث التي تركتها وددت أني فعلتها وددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيراً ضربت عنقه، فإنه قد خيل لي أنه لا يرى شَرّاً إلا أعانه، وددت أني كنت قد قذفت المشرق بعمر بن الخطاب، فكنت قد بسطت يميني وشمالي في سبيل اللّه، وددت أني يوم جهَزْت جيش الردة ورجعت أقمت مكاني فإن سلم المسلمون سلموا، وإن كان غير ذلك كنت صدر اللقاء أو مَدَداً، وكان أبو بكر قد بلغ مع الجيش إلى مرحلة من المدينة، وهو الموضع المعروف بذى القصة، والثلاث التي وددت أني سألت رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم عنها وددت أني كنت سألته في مَنْ هذا الأمر؛ فلا ينازع الأمر أهله، وددت أني سألته عن ميراث العمة وبنت الأخ فإن بنفسي منهما حاجة، ووددت أني سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب فنعطيهم إياه.
بناته
وخلف من البنات: أسماء ذات النِّطَاقين، وهي أم عبد اللّه بن الزبير، وعمرت مائة سنة حتى عميت، وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
بيعة علي إياه
وقد تنوزع في بيعة علي بن أبي طالب إياه: فمنهم من قال: بايعه بعد موت فاطمة بعشرة ألام، وذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بنيف وسبعين يوماً، وقيل: بثلاثة أشهر، وقيل: ستة، وقيل غير ذلك.
وصيته لأمراء جيشه
ولما أنفذ أبو بكر الأمراء إلى الشام كان فيما أوصى به يزيد بن أبي سفيان وهو. مُشَيع له، فقال له: إذا قدمت على أهل عملك فعِدْهُم الخير وما بعده، وإذا وعدت فأنجز، ولا تكثرنَّ عليهم الكلام، فإن بعضه ينسي بعضاً، وأصلح نفسك يصلح الناس لك، وإذا قدَمَتْ عليك رسل عدوك فأكرم منزلتهم، فإنه أول خيرك إليهم، وأقلل حَبْسَهم حتى يخرجوا وهم جاهلون بما عندك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت الذي تلي كل أمه م، ولا تجعل سرك مع علانيتك فيمرج عملك، وإذا استشرت فاصدق الخبر تصدق لك المشورة، ولا تكتم المستشار فتؤتي المستشار فتؤتي من قبل نفسك، وإذا بلغك عن العدو عورة فاكتمها حتى تعاينها، واستر في عسكرك الأخبار وَأذْكِ حَلاسَك، وأكثر مفاجأتهم في ليلك ونهارك، وأصدق اللقاء إذا لقيت، ولا تجبن فيجبن من سواك.
المتنبئون

وقد أعرضنا عن ذكر كثير من الأخبار في هذا الكتاب طلباً للاختصار والإيجاز: منها خبر العَنْسِي الكذاب المعروف بعيهلة، وما كان من خبرا باليمن وصنعاء، وتنبئه ومقتله، وما كان من فيروز، وغيره من الأنباء في أمرهم، وخبر طليحة وتنبئه، وخبر سجاح بنت الحارث بن سويد، وقيل: بنت غطفان وتكنى أم صادر، وهي التي يقول فيها قيس بن عاصم:
أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذًكْرَاناَ
وفيها يقول الشاعر:
أضل اللّه سَعْيَ بني تميم ... كما ضلت بخطبتها سجاج
وقد كانت مع ادعائها النبوة مكذبة بنبوة مسيلمة الكذاب، ثم آمنت بنبوته، وكانت قبل ادعائها النبوة متكهنة تزعم أن سبيلها سبيل سطيح وابن سلمة والمأمون الحارثي، وعمرو بن لُحَيٍّ، وغيرهم من الكهان، وصارت إلى مسيلمة فنكحها، وما كان من خبر مسيملمة كَذَّاب اليمامة، وحربه لخالد بن الوليد، وقتل وَحْشِيٍّ له مع رجل من الأنصار، وذلك في سنة إحدى عشرة، وما كان من أمره مع الأنصار في يوم سقيفة بني ساعدة والمهاجرين، وقول المنزر بن الْحُبَاب: أنا جُذَيلها المحكك وَعُذَيْقُهَا المرجَّب، أما واللّه إن شئتم لنعيدَنَّهَا جَذَعَة، وقصة سعد بن عبادة، وما كان من بشر بن سعد، وتخلي الأوس عن معاضدة سعد خوفاً أن يفوز بها الخزرج، وأخبار من قعد عن البيعة ومن بايع، وما قالت بنو هاشم، وما كان من قصة فدك، وما قاله أصحاب النص والاختيار في الإِمامة، وَمَنْ قال بإمامة المفضول وغيره، وما كان من فاطمة وكل أمه ا متمثلة حين عدلت إلى قبر أبيها عليه السلام من قول صفية بنت عبد المطلب:
قد كَانَ بعدك أنباء وهَيْنَمَة ... لو كُنْت شَاهِدَهَا لم تكثر الخطب
إلى آخر الشعر، إلى غير ذلك مما تركنا ذكره من الأخبار في هذا الكتاب؛إذ كنا قد أتينا على جميع ذلك في كتاب أخبار الزمان والكتاب الأوسط، فأغنى ذلك عن ذكره هاهنا، واللّه أعلم.
ذكر خلافة عمر بن الخطاب
رضي اللّه عنه
وبويع عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فلما أن دخلت سنة ثلاث وعشرين خرج حاجا، فأقام الحجَّ في تلك السنة، ثم أقبل حتى دخل المدينة، فقتله فيروز أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة تمام سنة ثلاث وعشرين؛فكانت ولايته عشر سنين وستة أشهر وأربع ليالٍ، وقتل في صلاة الصبح، وهو ابن ثلاث وستين سنة ودفن مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن قبورهم مسطرة: أبو بكر إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر إلى جنب أبي بكر، وحج في خلافته تسع حجج، وبعد أن قُتِلَ صلّى بالناس عبدُ الرحمن بن عَوْف، وجعلها شُورَى إلى ستة، وهم: عليّ، وعثمان، وطَلْحَة. والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وصلّى عليه صُهَيبٌ الرومي. وكانت الشورى بعده ثلاثة أيام.
ذكر نسبه ولمع من أخباره وسيره
نسبه
هو عمر بن الخطاب بن نُفَيْل بن عبد العزى بن قُرْط بن ربَاح بن عبد اللهّ بن رزَاح بن عدي بن كعب، وفي كعب يجتمع نسبه مع نسب النبي صلى الله عليه وسلم، و أمه حَنتَمة بنت هشام بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم وكانت سوداء، وإنما سمي الفاروق لأنه فرق بين الحق والباطل، وكنيته أبو حفص، وهو أول من سمي بأمير المؤمنين، سماه عدي ُّبن حاتم، وقيل غيره، واللهّ أعلم، وكان أول من سَلّم عليه بها المغيرة بن شعبة، وأول من دعا له بهذا الاسم على المنبر أبو موسى الأشعري وأبو موسى أول من كتب إليه: لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من أبي موسى الأشعري فلما قرئ ذلك على عمر قال: إني لعبد لله وإني لعمرو إنِّي لأمير المؤمنين، والحمد الله رب العالمين.
صفاته
وكان متواضعاً، خشن الملبس، شديداً في ذات اللّه، واتبعه عماله في سائر أفعاله وشيمه وأخلاقه، كلّ يتشَبّه به ممن غاب أو حضر، وكان يلبس الجبة الصوف المرقعة بالأديم وغيره، ويشتمل بالعباءة، ويحمل القربة على كتفه مع هيبة قد رُزِقَهَا، وكان أكثر ركابه الإِبل، وَرَحْله مشدودة بالليف، وكذلك عُماله، مع ما فتح اللّه عليهم من البلاد وأوسعهم من الأموال.
عماله

وكان من عماله سعيد بن عامر بن خريم فشكاه أهل حمص إليه وسألوه عَزْله، فقال عمر: اللهم لا تُفِلْ فراستي فيه اليوم وقال لهم: ماذا تشكون منه؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يرتفع النهار، ولا يجيب أحداً بليل، وله يوم في الشهر لا يخرج إلينا، فقال عمر: عليّ به، فلما جاء جمع بينهم وبينه، فقال: ما تنقمون منه؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يرتفع النهار، فقال: ما تقول يا سعيد؛ قال: يا أمير المؤمنين، إنه ليس لأهلي خادم، فأعجن عجيني، ثم أجلس حتى يختمر ثم أخبز خبزي، ثم أتوضا وأخرج إليهم، قال: وماذا تنقمون منه؟ قالوا: لا يجيب بليل، قال: قد كنت أكره أن أذكر هذا، إني جعلت الليل كله لربي، وجعلت النهار لهم، قال: وماذا تنقمون منه؟ قالوا: له يوم في الشهر لا يخرج إلينا فيه، قال: نعم، ليس لي خادم فأغسل ثوبي ثم أجففه فأمسي، فقال عمر: الحمد للهّ الذي لم يُفل فراستي فيك، يا أهل حمص، استوصُوا بواليكم خيراً، قال: ثم بعث إليه عمر بألف دينار، وقال: استعن بها، فقالت له امرأته: قد أغنانا الله عن خدمتك، فقال لها: ألا ندفعها إلى من يأتينا بها أحْوَجَ ما كنا إليه. قالت: بلى، فَصَرَّها صرراً ثم دفعها إلى من يثق به، وقال: انطلق بهذه الصرة إلى فلان، وبهذه إلى يتيم بني فلان، وهذه إلى مسكين بني فلان، حتى بقي منها شيء يسير، فدفعه إلى امرأته، وقال: أنفقي هذا، ثم عاد إلى خدمته، فقالت له امرأته: ألا تبعث إلي بذلك المال فنشتري لنا منه خادماً؛ فقال: سيأتيك أحْوَجَ ما تكونين إليه.
سلمان الفارسي
ومن عماله على المدائإن سلمان الفارسي، وكان يلبس الصوف، ويركب الحمار ببرذعته بغير إكاف، ويأكل خبز الشعير، وكان ناسكاً زاهداً، فلما احتضر بالمدائن قال له سعد بن وَقَّاص: أوصني يا أبا عبد اللّه قال: نعم قال: اذكر اللهّ عند همك إذا هممت، وعند لسانك إذا حكمت، وعند يدك إذا قسمت، فجعل سلمان يبكي، فقال له: يا أبا عبد اللّه ما يبكيك؛ قال: سمعت رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم يقول: " إن في الأخرة عقبة لا يقطعها إلا المُخِفُّونَ " وأرى هذه الأداوة حولي، فنظروا فلم يجدوا في البيت إلا إداوة وركوة ومطهرة.
أبو عبيدة
وكان عامله على الشام أبا عبَيْدة بن الجراح، وكان يظهر للناس وعليه الصوف الجافي، فعذل على ذلك، وقيل له: إنك بالشام والي أمير المؤمنين وحولنا الأعداء، فغير من زيك، وأصلح من شارتك، فقال: ما كنت بالذي أترك ما كنت عليه في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عمر يحرض على الجهاد

وذكر الواقدي في كتابه في فتوح الأمصار أن عمر قام في المسجد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم دعاهم إلى الجهاد وحثهم عليه وقال: إنكم قد أصبحتم في غير دار مقام بالحجاز، وقد وَعَدكم النبي صلى الله عليه وسلم فتح بلاد كسرى وقيصر؛ فسيروا إلى أرض فارس، فقام أبو عبيد فقال: يا أمير المؤمنين أنا أول من انتدب من الناس، فلما انتدب أبو عبيد انتدب الناس، وقيل لعمر: أمر على الناس رجلا من المهاجرين أو الأنصار؟ فقال: لا أومر عليهمِ إلا أول من انتدب فأمَّرَ أبا عبيد، وفي حديث آخر أنه قيل له: أتؤمر رجلا من ثقيف على المهاجرين والأنصار؛ فقال: كان أول من انتدب فوليته، وقد أمرته أن لا يقطع أمراً دون مَسْلَمة بن أسلم بن حريش وسليط بن قيس، وأعلمته أنهما من أهل بدر، وخرج فلقي جمعا ًمن العجم عليهم رجل يُقال له جالينوس، فانهزم، وسار أبو عبيد حتى عبر الفرات، وعقد له بعض الدهاقين جسراً، فلما خلف الفرات وراءه أمر بقطع الجسر، فقال له مسلمة بن أسلم: أيها الرجل، إنه ليس لك علم بما نرى، وأنت تخالفنا، وسوف يهلك من معك من المسلمين بسوء سياستك، تأمر بجسر قد عقد أن يقطع فلا يجد المسلمون ملجأ من هذه الصحاري والبراري فلا تريد إلا أن تهلكهم في هذه القطعة فقال: أيها الرجل، تقدم فقاتل فقد حَم ما ترى، وقال سليط: إن العرب لم تلق مثل جمع فارس قط، ولا كان لهم بقتالهم عادة، فاجعل لهم ملجأ ومرجعاً من هزيمة إن كانت، فقال: واللّه لا فعلت جَبُنْتَ يا سليط، فقال سليط: واللّه ما جبنت، وأنا أجرأ منك نفساً وقبيلاً، ولكن واللهّ أشَرْتُ بالرأي، فلما قطع أبو عبيد الجسر والتحم الناس واشتد القتال نظرت العرب إلى الفيلة عليها التجافيف فرأوا شيئأ لم يروا مثله قط، فانهزم الناس جميعاً، ثم مات في الفرات أكثر ممن قتل بالسيف، وخالف أبو عبيد سليطاً، وقد كان عمر أوصاه أن يستشيره ولا يخالفه، وكان رأى سليط أن لا يعبر حتى يعبروا إليه، ولا يقطع الجسر، فخالفه، وقال سليط في بعض قوله: لولا أني أكره خلاف الطاعة لانحزت بالناس، ولكني أسمع وأطيع، وإن كنت قد أخطأت وأشركني عمر معك، فقال له أبو عبيد: تقدم أيها الرجل، فقال: أفعل، فتقدما فقتلا جميعاً، وقد كان أبو عبيد في هذا اليوم ترجَّلَ، وقد قتل من الفرس نحو ستة آلاف، فدنا من الفيل ورمحه في يده فطعنه في عينه، فخبط الفيل أبا عبيد بيده؛ وجال الناس، وتراجعت رجال فارس، فأخذ الناس السيف لما قتل أبو عبيد، وبادر رجل من بكر بن وائل والمثنى بن حارثة فحمي الناس حتى عقدوا الجسر فعبروا ومعهم المثنى حارثة، وقد فقد من الناس أربعة آلاف غرقاً وقتلا، وكان على جيش فارس في هذا اليوم جاذويه، ومعه راية فارس التي كانت لأفريدون، حتى ثار الناس من الوهاد، وهي المعروفة بدرفش كاويان وكانت من جلود النمور طولها اثنا عشر ذراعاً في عرض ثمانية أفرع على خشب طوال موصل، وكانت فارس تتيمن بها وتظهرها في الأمر الشديد، وقد قدمنا الخبر عن هذه الراية في أخبار الفرس الأولى فيما سلف من هذا الكتاب.

ولما قتل أبو عبيد الثقفي بالجسر شق ذلك على عمرو وعلى المسلمين، فخَطَبَ عمر الناس وحثهم على الجهاد، وأمرهم بالتأهب لأرض العراق، وعسكر عمر بصرار وهو يريد الشخوص، وقد استعمل على مقدمته طلحة بن عبيد الله، وعلى ميمنته الزبير بن العوام، وعلى ميسرته عبد الرحمن بن عوف، ودعا الناس، فاستشارهم فأشاروا عليه بالمسير، ثم قال لعلي: ما ترى يا أبا الحسن، أسير أم أبعث؟ قال: سر بنفسك فإنه أهيب للعدو وأرهب له، فخرج من عنده، فدعا العباس في جِلَّة من مشيخة قريش وشاورهم، فقالوا: أقم وابعث غيرك ليكون للمسلمين إن انهزموا فئة، وخرجوا، فدخل إليه عبد الرحمن بن عوف، فاستشاره، فقال عبد الرحمن: فدِيت بأبي وامي، أقم وابعث؛فإنه إن انهزم جيشك فليس ذلك كهزيمتك، وإنك إن تُهْزَم أو تُقْتَل يكفر المسلمون ولا يشهدوا أن لا إلهَ إلا اللّه أبداً، قال: أشر عَلَيَّ من أبعث؟ قال: قلت: سعد بن أبي وقاص، قال عمر: أعلم أن سعداً رجل شجاع، ولكني أخشى أن لا يكون له معرفة بتدبير الحرب، قال عبد الرحمن: هو على ما تصف من الشجاعة، وقد صحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وشهد بدراً فاعهد إليه وشاورنا فيما أردت أن تحدث إليه؛ فإنه لن يخالف أمرك، ثم خرج فدخل عثمان عليه، فقال له: يا أبا عبد الله أشر علي أسير أم أقيم؟ فقال عثمان: أقم يا أمير المؤمنين وابعث بالجيوش، فإنه لا آمن إن أتى عليك آتٍ أن ترجع العرب عن الإسلام، ولكن ابعث الجيوش وداركها بعضها على بعض، وأبعث رجل له تجربة بالحرب وبَصَر بها، قال عمر: ومن هو؟ قال: علي بن أبي طالب، قال: فالقه وكلمه وذاكره ذلك، فهل تراه مسرعاً إليه أو لا، فخرج عثمان فلقي علياً فذاكره ذلك، فأبى علي ذلك وكرهه، فعاد عثمان إلى عمر فأخبره، فقال له عمر: ومن ترى؟ قال: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: قال: ليس بصاحب ذلك، قال عثمان: طلحة بن عبيد الله، قال له عمر: أين أنت من رجل شجاع ضروب بالسيف رام بالنبل، ولكني أخشى أن لا يكون له معرفة بتدبير الحرب؟ قال: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: سعد بن أبي وقاص، فقال عثمان: هو صاحب ذاك؛ولكنه رجل غائب وما منعني من ذكره إلا أني قلت: رجل غائب في عمل، فقال عمر: أرى أن أوجهه، وأكتب إليه أن يسير من وجهه ذلك، فقال عثمان: ومُرْه فليشاور قوماً من أهل التجربة والبصر بالحرب، ولا يقطع الأمور حتى يشاورهم، ففعل عمر ذلك وكتب إلى سعد بالتوجه نحو العراق.
وقد كان جرير بن عبد الله البجلي قدم على عمر - وقد اجتمعت إليه بجيلة - فَسَرَّحهم نحو العراق، وجعل لهم ربع ما ظهروا عليه من السواد، وساهمهم مع المسلمين، وخرج عمر فشيعهم، ولحق جرير بناحية الأبله ثم صاعد إلى ناحية المدائن، ونمى قدوم جرير إلى مَرْزًبان المدائن وكان في عشرة الاف من فارس من الأساورة، وذلك بعد يوم الجسر ومقتل أبي عبيد وسليط، فقال بجيلة لجرير: أعْبُرِ الدجلة إلى المدائن، فقال جرير: ليس ذلك بالرأي، وقد مضى لكم في ذلك عبرة بمن قتل من إخوانكم يوم الجسر، ولكن أمه لوا القوم؛فإن جمعهم كثير حتى يعبروا إليكم، فإن فعلوا فهؤ الظَّفَر إن شاء اللّه تعالى، فأقامت الفرس أياماً بالمدائن، ثم أخذوا في العبور، فلما عبر منهم النصف أو نحوه حمل عليهم جرير فيمن تسرَّعَ معه من بجيلة، فثبتوا ساعة، فقتل المِرْزُبان وأخذهم السيف، وغرق أكثرهم في دجلة، وأخذ المسلمون ما كان في عسكرهم، وسار جرير فاجتمع مع المثَنَّى بن حارثة الشيباني بالبجلة، فأقبل إليهما مهران في جيوشه، فامتنع المسلمون من العبور إليهم، فعبر مهران وبغى على المسلمين، فالتقوا وصبر الفريقان جميعا حتى قتل مهران قتله جرير بن عبد اللّه البجلي وحسان بن المنزر بن ضرار الضبي، ضربه البجلي، وطعنه الضبي، وفاز جرير بمنطقته وسَلَبه وتنازع جرير وحسان في أيهما القاتل لمهران، وقد كان جرير ضربه بعد أن طعنه حسان، ولحسان في ذلك أبيات:
ألم ترني خالَسْتُ مهران نَفْسَه ... بأسْمَرَ فيه كالخلال طريد
فخر صريعاً والْتَقَاني برِجْلِهِ ... وبادر في رأس الهمام جرير
فقال: قتيلي، والحوادث جمة، ... وكاد جرير للسرور يطير
فقال أبو عمرو: وقتلى قتلته ... ومثلي قليل والرجال كثير

فأرسِلْ يميناً أنَ رمحك نالَهُ ... وأكرم أن تحلف وأنت أمير
وقد تنازع أهل الأخبار والسير في جرير والمثنى: فمن الناس من ذهب إلى أن جريراً كان هو المولَّى على الجيش، ومنهم من رأى أن جريراً على قومه والمثنى على قومه.
ولما قتل مهران أعْظَمت الفرس ذلك، وسار شيرازاد في جمع فارس الأعظم وكنيته بوران؛ وقد كانت جمهرة الأساورة تقدمت وتقدم أمامه رستم، فتنحى المسلمون لما بلغهم مسيره، فلحق جرير بكاظمة فنزلها، وسار المثنى بقومه من بكر بن وائل فنزل بسيراف، وبها ابار كثيرة بين الكوفة وزبالة على ثلاثة أميال من المنزل المعروف بواقصة، وكان المثنى قد أصيب بجراحات كثيرة في بدنه يوم الجسر وغيره فمات بسيراف، رحمه الله تعالى!.
سعد بن أبي وقاص
ولما ورد كتاب عمر على سعد بن أبي وقاص نزل زبالة على حسب ما أمره به عمر، ثم أتى سيراف، وأتاه الناس من الشام وغيرها، ثم سار فنزل العذيب وهو على فم البر وطرف السواد مما يلي القادسية، فالتقى جيش المسلمين وجيش الفرس وعليهم رستم، والمسلمون يومئذ في ثمانية وثمانين ألفَاَ وقيل: إن من اسْهِمَ له ثلاثون ألفاً والمشركون في ستين آلفا، أما جيوشهم الفيلة عليها الرجال، وحرض الناس بعضهم بعضاً، وبرز أهل النجدات، فأشَبُوا القتال وخرج إليهم أقْرَانُهم من صناديد فارس، فاعتوروا الضرب والطعن، وخرج غالب بن عبد اللهّ الأسدي في من خرج ذلك اليوم وهو يقول:
قد علمت واردة المسالح ... ذات البنان وَاللبَان الواضح
أني سمَامُ البطل المشايح ... وفارج الأمر المهم الفادح
فخرج إليه هرمز - وكان من ملوك الباب والأبواب، وكان متوجاً - فأسره غالب آسرا، فأتى به سعداً، وكر راجعاً إلى المطاردة، وحمي الوطيس، وخرج عاصم بن عمرو وهو يقول:
قد علمت بيضاء صفراء اللَّبَبْ ... مثل اللجين يتغَشّاه الذهب
أني أمرؤ لا من يعنيه السبب ... مثلى على مثلك يغريه العتب
فبرز إليه عظيم من أساورتهم، فجالا، ثم إن الفارسي وَلّى، واتبعه عاصم حتى لجأ إلى صفوفهم، وَعمُوه، وغاص عاصم بينهم حتى أيس الناس منه، ثم خرج في مجنبات القلب، وقدامة بغل عليه صناديد موكبية بالة حسنة، فأتى به سعد بن مالك وعلى البغل رجل عليه مُقَطعات ديباج وقلنسوة مُذَهَبة، وإذا هو خباز الملك، وفي الصناديق لطائف الملك من الأخْبِصة والعسل المعقود، فلما نظر إليه سعد قال: انطلقوا به إلى أهل مَوْقِفِهِ، وقولوا: إن الأمير قد نفلكم هذا فكلوه ففعلوا.
أيام القادسية
وكانت وقعة القادسية في المحرم سنة أربع عشرة، ومال من الفيلة سبعة عشر فيلا على كل فيل عشرون رجلا، وعلى الفيلة تجافيف الحديد - القرون مجللة بالديباج والحرير نحو بجيلة، وحول الفيلة الرجال الخيول، فبعث سعد إلى بني أسد لما نظر إلى المراكب والفيول قد مالت لى بجيلة، فأمرهم بمَعُونتهم، ومالت عشرون فيلاً نحو القلب، فخرج طلحة بن خويلد الأسدي مع فرسان بني أسد فقتل منهم خمسمائة رجل سوى من قتل من غيرهم فباشروا قتال الفيلة حتى أوقفوها، واشتد الجَلاد على بني أسد في هذا اليوم من سائر الناس، وهذا اليوم يعرف بيوم غواث.

فلما أصبح الناس في اليوم الثاني أشرف على الناس خيول لمسلمين من الشام، والإمداد سائرة قد غطت بأسنتها الشمس عليها هاشم بن عتبة بن أبي وَقاص في خمسة آلاف فارس من بني ربيعه ومضر إلف من اليمن، ومعهم القَعْقَاع بن عمرو، وذلك بعد فتح دمشق بشهر، وقد كان عمر رضي اللّه عنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراحِ بصرف أصحاب خالد بن الوليد إلى العراق، ولم يذكر في كتابه خالداَ، فشح أبو عبيدة بتخلية خالد عن يده، وبعث برجاله وعليهم هاشم بن عتبة على ما ذكرنا، إذ كان في نفس عمر على خالد أشياء من أيام أبي بكر في قصة مالك بن نويْرَة، وغير ذلك، وكان خالد بن الوليد خال عمر، فتقدم القعقاع في أوائك المدد، فأيقن أهل القادسية بالنصر على فارس، وزال عنهم ما لحقهم بالأمس من القتل والجراح، وبرز القعقاع حين وروده أمام الصف ونادى: هل من مبارز؛ فبرز إليه عظيم منهم، فقال له القعقاع: من أنت؟ قال: أنا بهمن بن جاذويه، وهو المعروف بذي الحاجب، فنادى القعقاع: يالَثَارات أبي عبيد وسليط وأصحابهم يوم الجسر!! وقد كان ذو الحاجب مبارزاَ لهم على ما ذكرنا من قتله إياهم، فجالا، فقتله القعقاع قتل في ذلك اليوم ثلاثين رجلاً في ثلاثين حملة، كل حملة يقتل فيها رجَلا، وكان آخر من قتل - عظيماً من عظمائهم يقال له بزرجمهر، ففيه يقول القعقاع:
حَبَوْتُهُ جيَّاشة بالنفس ... هَدَّارة مثل شعاع الشمس
في يوم أغواث قَتِيلَ الفرس ... أنخس بالقوم أشد نخس
حتى يفيض معشري ونفسي
وبارز في ذلك اليوم الأعور بن قطبة شهريار سجستان فقتل كل واحد منهما صاحبه فقال أخو الأعور في ذلك:
لم أر يوماً كان إحدى وأمر ... من يوم أغواث إذا افتَر الثَّغُر
من غير ضحك كان أسوا وأبر
واعتل سعد فتخلف في حصن العذيب، وجلس في أعلاه يشرف على الناس، وقد تواقف الفريقاَن جميعاً، وأمسى الناس ينتمون، فلما سمع ذلك سعد قال لمن كان عنده في أعلى القصر: إن تم الناسُ على الانتماء فلا توقظوني فإنهم أقوياء على عدوهم، وإن سكتوا فأيقظوني فإن ذلك شر، واشتد القتال في الليل.
أبو محجن الثقفي
وكان أبو محجن الثقفي محبوساً في أسفل القصر، فسمع انتماء الناس إلى آبائهم وعشائرهم، ووَقْعَ الحديد وشدة البأس، فتأسف على ما يفوته من تلك المواقف، فحبا حتى صعد إلى سعد ستشفعه وشتقيله، وسأله أن يخلي عنه ليخرج، فزجره سعد وردَّه، فانحدر راجعاً، فنظر إلى سلمى بنت حفصة زوجة المثنى بن حارثة الشيباني، وقد كان سعد تزوجها بعده، فقال: يا بنت حفصة، هل لك في خير؟ فقالت: وما ذاك؟ قال: تخلين عني وتعيريني البلقاء وللهّ عليَّ إن سَلمني اللهّ أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في القيد، فقالت: وما أنا وذلك؟ فرجع يرسف في قيده وهو يقول:
كفى حَزَناً أن ترتدي الخيل بالقَنَا ... وأترك مشدوداً علي وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد فأغلقت ... مصاريع من دوني تُصِمُّ المناديا
وقد كنت ذا مال كثير و ثروة ... فقد تركوني واحداً لا أخاليا
فللّه عهد لا أخِيس بعهده ... لئن فرجت أن لا أزور الْحَوَانِيَا

فقالت سلمى: إني استخرت اللّه ورضيت بعهدك، فأطلقته، وقالت: شأنَكَ وما أردت، فاقتاد بلقاء سعد، وأخرجها من باب القصر الذي يلي الخندق، فركبها ثم دبَّ عليها، حتى إذا كان بحيال ميمنة المسلمين كبر، ثم حمل على ميسرة القوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصفين، فأوقف ميسرتهم وقتل رجالاً كثيراً من فُتَّاكهم، ونكس آخرين، والفريقان يرمقونه بأبصارهم، وقد تنوزع في البلقاء فمنهم من قال: إنه ركبها عُرْياً، ومنهم من قال: بل ركبها بسَرْجٍ، ثم غاص في المسلمين، فخرج في ميسرتهم، وحمل على ميمنة القوم فأوقفهم، وجعل يلعب برمحه وسلاحه لا يبدو له فارس إلا هتكه، فأوقفهم، وهابته الرجال، ثم رجع فغاص في قلب المسلمين، ثم برز أم أمه م ووقف بإزاء قلب المشركين، ففعل مثل أفعاله في الميمنة والميسرة، وأوقف القلب حتى لم يبرز منهم فارس إلا اختطفه، وحمل عن المسلمين الحرب، فتعجب الناس منه، وقالوا: من هذا الفارس الذي لم نَرَهُ في يومنا؟ فقال بعضهم: هو ممن قدم علينا من إخواننا من الشام من أصحاب هاشم بن عتبة المرْقَال، وقال بعضهم: إن كان الخضر عليه السلام يشهد الحرب فهذا هو الخضر قد مَنَّ الله به علينا وهو علم بصرنا على عدونا، وقال قائل منهم: لولا أن الملائكة لا تباشر الحروب لقلنا إنه ملك، وأبو محجن كالليث الضَرْعام قد هتك الفرسان كالعقاب يجول عليهم، ومن حضر من فرسان المسلمين مثل عمرو بن معد يكرب وطلحة بن خوَيلد والقعقاع بن عمرو وهاشم بن عُتْبة المرقال وسائر فُتَّاك العرب وأبطالها ينظرون إليه، وقد حاروا في أمره، وجعل سعد يفكر ويقول وهو مُشْرف على الناس من فوق القصر؛واللّه لولا محبس أبي محجن لقلت هذا أبو محجن وهذه البَلْقاء، فلما انتصف الليل تحاجز الناس، وتراجعت الفرس على أعقابها وتراجع المسلمون إلى مواضعهم على بقيتهم ومصافهم، وأقبل أبو محجن حتى دخل القصرمن حيث خرج ولا يعلم به، وَرَدَّ البلقاء إلى مربطها وعاد في محبسه ووضع رجله في القيد، ورفع عقيرته وهو يقول:
لقد علمت ثَقِيفٌ غير فخر ... بأنا نحن أكرمهم سيوفا
وأكرمهم درُوعاً سابغاتٍ ... وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا
وليلة قاعس لم يشعروا بي ... ولم أشعر بمخرجي الزحوفا
وأنا رِفدهم في كل يوم ... فإن عتبوا فسل بهمُ عريفا
فإن أحبس فذلكُمُ بلائي ... وإن أترك أذيقهم الحتوفا
فقالت له سلمى: يا أبا محجن، في أي شيء حَبَسَك هذا الرجل؟ تعني سعداً، قال: وأنا امرؤ شاعر يدبُّ الشعر على لساني فأصف القهوة وتداخلني أريحية فألتذ بمدحي إياها، فلذلك حبسني لأني قلت فيها:
ذا مت فادفني إلى جنب كَرْمَة ... روِّي عظامي بعد موتي عروقُهَا
لا تدفنني بالفلاة فإنني ... خاف إذا ما مُتُ أن لا أذقها
وهي أبيات.
وقد كان بين سلمى وسعد كلام كثير وجب غضبه عليها، لذكرها المًثَنَّى عند مختلف القنا، فأقامت مغاضبة له عشية أغواث وليلة الْهَرِير وليلة السواد، حتى إذا أصبحت أتته فترضَّتْه وصالحته، ثم أخبرته خبرها مع أبي محجن، فدعابه، فأطلقه وقال: اذهب فما أنا مؤاخذ بشيء تقوله حتى تفعله، قال: لا جَرَمَ واللّه لا أجبت لساني إلى صفة قبيح أبداً.
يوعماس
وأصبح الناس في اليوم الثالث وهم على مصافهم، وهو يوم عماس، وأصبحت الأعاجم على مواقفها، وأصبح بين الفريقين كالرَّجْلة الحمراء - يعني الحرة - في عرض ما بين الصفين، وقد قتل من المسلمين ألفان وخمسمائة ما بين رَثِيِثِ وميت، وقت من الأعاجم ما لا يحصى، فقال سعد: أيها الناس، من شاء غسل الشهيد الميت والرثيث، ومن شاء فليدفنهم بدمائهم، وأقبل المسلمون على قَتْلاهم فأحرزوهم وجعلوهم وراء ظهورهم، وكان ا لنساء والصبيان يدفنون الشهيد ويحملون الرَّثِيث إلى النساء ويعالجونهم من كُلُومهم، وكان بين موضع الوقعة مما يلي القادسية وبين حصن العذيب نخلة، فإذا حمل الجريح وفيه تمييز وعقل ونظر إلى تلك النخلة - ولم يكن هنالك يومئذ نخلة غيرها، واليوم بها نخل كثير - قال لحامله: قد قربت من السوداء، فأريحوني تحت ظل هذه النخلة، فيراح تحتها ساعة، فسمع رجل من الجرحى يقال له بجير من طيى، وهو يجود بنفسه ويقول:

ألا يا اسلمي يا نخلة بين قاس ... وبين العذيب، لا يجاورك النخل
وسمع آخر من بني تيم اللّه - وقد أريح تحتها وحُشْوَته خارجة من جوفه - وهو يقول:
أيا نخلة الجَرْعَا، ويا نخلة العدا ... سقتك الغوادي والغيوثُ الهواطلُ
وأنخن الأعور بن قطبة، فحمل من المعركة، فسأل حماله أن يريحه تحتها حتى إذا بلغ إليها قال:
أيا نخلة بين العذيب فتلعة ... سقتك الغوادي الدجناتُ من النخل
وأصبح الناس صبيحة يوم القادسية، وهي صبيحة ليلة الهرير وهي: تسمى ليلة القادسية من تلك الأيام، والناس حيارى ولم يغمضو ليلتهم كلها، وحَرّض رؤساء القبائل عشائرهم، واشتد الجلاد إلى أن جاء وقت الزوال، فكان أول منَ زال حين قام قائم الظهيرة الهرمزان والنيرمران، فتأخرا، وثبتا حيث أنتهيا، وانفرج القلب حين قام قاف الظهيرة، وهبت ريح عاصف فقطعت طيارة رستم عن سريره، فهوت في نهر العتيق والريح دَبُور، فمال الغبار عليهم وانتهى القعقاع وأصحابه إلي سرير رستم فعثروا به وقد قام رستم عنه حين طارت الريح بالطيارة إلى بغال قد قدمت عليهم بمال يومئذ فهي واقفة فاستظل في ظل بغل منها وحمله وضرب هلال بن علقمة الحمل الذي رستم في ظله فقطع حباله، ووقع على رستم أحد العِدْالَيْنِ ولا يراه هلالى ولا يشعر به، فأزال من ظهم فقارة وضربه هلال ضربة فنفخت مسكاً، ومضى رستم إلى نحو نهر العتيق فرمى بنفسه فيه، واقتحم هلال عليه فتناوله برجله، ثم خرج به إلى الخندق وضربه بالسيف حتى قتله، ثم جاء به يجره حتى رماه بين أرجل البغال وصعد السرير ونادى: قتلت رستم ورب الكعبة، إليَّ إليَّ، فطاف به الناس لا يحسون السرير ولا يرونه، وتنادوا، وتجبنت قلوب المشركين عندها وانهزموا وأخذهم السيف، فمن غريق وقتيل، وقد كان ثلاثون ألفاً منهم قَرَنُوا أنفسهم بعضهم إلى بعض بالسلاسل والحبال وتحالفوا بالنور وبيوت النيران لا يبرحون حتى يقتحموا أو يقتلوا، فجثوا على الركب، وقرع بين أيديهم قناديل النشاب، فقتل القوم جميعاً.
وقد تنوزع فيمن قتل رستم: فذهب الأكثر إلى أن قاتله هلال بن علقمة من تَيْم الرباب على ما قدمنا، ومنهم من رأى أن قاتله رجل من بني أسد، ولذلك يقول شاعرهم في ذلك اليوم - وهو عمرو بن شاس الأسدي - من أبيات:
جلبنا الخيل من أكنافِ نيقِ ... إلى كسرى فوافقهارعالا
تركن بهم على الأقْسَام شَجْواً ... وبِالحقوَيْنِ أيامَا طوالا
قتلنا رستما ًو بنيه قَسْراً ... تثير الخيلُ فوقهم الهيال
تركنا منهمُ حيث التقينا ... قياماً لا يريدون ارتحالا
وأخذ ضرار بن الخطاب في ذلك اليوم من فارس الرايه العظمى المقدم ذكرها أنها من جلود النمور المعروفة بمرفش كاويان، وكانت مرصَّعة بالياقوت واللؤلؤ وأنواع الجواهر، فعُوِّض منها بثلاثين ألفاً، وكانت قيمتها الفى ألف ومائتي ألف، وقتل في ذلك اليوم حول هذه الراية - غير ما ذكرنا من المقرنين وغيرهم - عشرةُ آلافٍ.
تحديد تاريخ القادسية

وقد تنازع الناس - ممن سلف وخلف في عام القادسية والعذيب فذهب كثير من الناس إلى أن ذلك كان في سنة ست عشرة، وهذا قول الواقدي عن آخرين من الناس، ومنهم من ذهب إلى أن ذلك كانفيسنة خمس عشرة، ومنهم من رأى أنه كان في سنة أربع عشرة، والذي قطع عليه محمد بن إسحاق أنها كانت في سنة خمس عشرة، وقال: في سنة أربع عشرة أمر عمر بن الخطاب بالقيام في شهر رمضان لصلاة التراويح والذين ذهبوا إلى أن وقعة القادسية كانت في سنة أربع عشرة احتجوا بهذ الرواية، وكتب عمر إلى الأمصار بإقامة صلاة التراويح، وذهب كثير من الناس منهم المدائني وغيره أن عمر أنفذ عتبة بن غَزْوَانَ في سنة أربع عشرة إلى البصرة فنزلها وَمَصَّرَها، وذهب كثير من الناس أنها مُصِّر تفير بيع سنة ست عشرة، وأن عتبة بن غَزْوَانَ إنما خرج إليها من المدائن بعد فراغ سعد بن أبي وقاص من حرب جَلُولاَء وتكريت، وأن عتبة قدم البصيره وهي يومئذ تدعى أرض الهند وفيها حجارة بيض فنزل موضع الْخُرَيْبَة ومصر سعد بن أبي وقاص الكوفة في سنة خمس عشرة، ودلهم على موضعها ابن نفيلة الغساني، وقال لسعد: أدلك على أرض ارتفعت ع البر وانحدرت عن الفَلاة، فدلَه على موضع الكوفة اليوم.
أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة
قال المسعودي: وكان عمر لا يترك أحداً من العجم يدخلِ المدينة فكتب إليه المغيرة بن شعبة: إن عندي غلاماً نقاشاً نجاراَ حداداَ فيه منافع لأهل المدينة، فإن رأيت أن تأذن لي في الإِرسال به فعلت، فأذن له، وقد كان المغيرة جعل عليه كل يوم درهمين، وكان يدعى أبا لؤلؤة، وكان مجوسياً من أهل نهاوند، فلبث ما شاء الله، ثم أتى عمر يشكو إليه ثقل خراجه، فقال له عمر: وما تحسن من الأعمال؟ قال: نقاش نجار حداد، فقال له عمر: ما خَرَاجُكَ بكثير في كنه ما تحسن من الأعمال، فمضى عنه وهو يتذمر، قال: ثم مر بعمر يوماً آخر وهو قاعد، فقال له عمر: ألم احَدَّث عنك أنك تقول: لو شئت أن أصنع رَحا تطحن بالريح لفعلت، فقال أبو لؤلؤة: لأصْنَعَنَّ لك رَحَا يتحدث الناس بها، ومضى أبو لؤلؤة، فقال عمر: أما العلج فقد توعَّدَنِي انفاً، فلما أزمَعَ بالذي أوعد به أخذ خِنْجراً فاشتمل عليه ثم قعد لعمر في زاوية من زوايا المسجد في الغَلَس، وكان عمر يخرج في السحر فيوقظ الناس للصلاة، فمر به، فثار إليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته، وطعن اثني عشر رجلاً من أهل المسجد فمات منهم ستة وبقي ستة، ونحر نفسه بخنجره فمات، فدخل عليه ابنه عبد اللّه بن عمر وهو يجود بنفسه، فقال له: يا أمير المؤمنين، استخلف على أمة محمد؛ فإنه لو جاءك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله أو غنمه لا راعي لها لَلُمْتَهُ وقلت له: كيف تركت أمانتك ضائعة؟ فكيف يا أمير المؤمنين بآمة محمد؟ فاستخلف عليهم، فقال: إن أستخلف عليهم فقد استخلف عليهم أبو بكر، وإن أتركهم فقد تركهم رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم، فيئس منه عبد اللهّ حين سمع ذلك منه.
وكان إسلام عمر قبل الهجرة بأربع سنين وكان يخضب بالحناء والكتم.
أولاد عمر
وكان له من الولد: عبد اللّه، وحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وعاصم، وعبيد اللّه، وزيد، من أًم، وعبد الرحمن، وفاطمة، وبنات آخر، وعبد الرحمن الأصغر - وهو المحدود في الشراب، وهو المعروف بأبي شحمة - من ام.
عمر وابن عباس

وذكر عبد اللّه بن عباس أن عمر أرسل إليه فقال: يا ابن عباس، إن عامل حمص هلك، وكان من أهل الخير، وأهل الخير قليل، وقد رجوت أن تكون منهم، وفي نفسي منك شيء لم أره منك، وأعياني ذلك، فما رأيك في العمل؟ قال: لن أعمل حتى تخبرني بالذي في نفسك، قال: وما تريد إلى ذلك؟ قال: أريده، فإن كان شيء أخاف منه على نفسي خشيتُ منه عليها الذي خشيتَ، وإن كنتُ بريئاً من مثله علمت أني لست من أهله، فقبلت عملك هنالك، فإني قلما رأيتك طلبت شيئاً إلا عاجلته، فقال: يا ابن عباس، إني خشيت أن يأتىِ عليِّ الذي هو اتٍ وأنت في عملك فتقول: هلم إلينا، ولا هلم إليكم دون غيركم، إني رأيت رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم استعمل الناس وترككم، قال: واللهّ قد رأيت من ذلك، فلم تراه فعل ذلك؟ قال: واللّه ما أدري أضَنَّ بكم عن العمل فأهل ذلك أنتم، أم خشي أن تبايعوا بمنزلتكم منه فيقع العتاب، ولا بد من عتاب، وقد فرغت لك من ذلك، فما رأيك؟ قال: قلت: أرى أن لا أعمل لك، قال: ولم؟ قلت: إن عملت لك وفي نفسك ما فيها لم أبرح قذًى في عينك، قال: فأشر عليَّ، قلت: إني أرى أن تستعمل صحيحاً منك صحيحاً لك.
عمر يستعمل النعمان بن مقرن غازيَاَ لنهاوند
وذكر علقمة بن عبد اللهّ المزني، عن معقل بن يَسَار، أن عمر بن الخطاب شاور الهرمزان في فارس وإصبهان وأذربيجان، فقال له: أصبهان الرأس، وفارس وأذربيجان الجناحان، فإن قطعتَ أحد الجناحين ناء الرأس بالجناح الأخر، وإن قطْعتَ الرأس وقع الجناحان، فأبدا بالرأس، فدخل المسجد فإذا هو بالنعمان بن فقَرِّن يصلي، فقعد إلى جنبه، فلما قضى صلاته قال: ما أراني إلا مستعملك، قال: أما جابياً فلا، ولكن غازيا، قال: فإنك غازٍ، فوجَّهه وكتب إلى أهل الكوفة أن يمدُوه، وبعث معه الزبير بن العوام، وعمرو بن معد يكرب، وحذيفة، وابن عمرو، والأشعث بن قيس، فأرسل النعمان المغيرة بن شعبة إلى ملكهم، وهو يقال له ذو الجناحين، فقطع إليهم نهرهم، فقيل لذي الجناحين: إن رسول العرب هاهنا، فشاور أصحابه، فقال: ما ترون؟ فقالوا: اقعد له في بهجة الملك أو أقعد له في هيئة الحرب، فقال: بل أقعد له في بهجة الملك، فصعد على سريره ووضع التاج على رأسه وأقعد أبناء الملوك سماطين عليهم الأقراط وأسْوِرَةُ الذهب والديباج، وأذن للمغيرة، فأخذ بضبعيه رجلان ومعه سيفه ورمحه قال: فجعل المغيرة يطعن برمحه في بُسُطِهم يخرقها لينظروا فيغضبهم بذلك حتى قام بين يديه وجعل يكلمه والترجمان يترجم بينهما. فقال: إنكم معشر العرب أصابكم جهد، فإن شئتم مِرْنَاكم ورجعتم، فتكلم المغيرة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنا معشر العرب كنا أذلّةً يطؤنا الناس ولا نطؤهم، ونأكل الكلاب والجيف، ثم إن اللّه تعالى بعث منا نبياً في شرف منا أوسطنا حسباً وأصدقنا حديثاً، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم ببعثه، وأخبرنا بأشياء وجدناها كما قال لنا، وإنه وعدنا فيما وعدنا به أنا سنملك ما هاهنا ونغلب عليه، وإني أرى هاهنا هيئة وبزة ما مَنْ خَلْفِي بتاركها حتى يصيبوها أو يموتوا، فقالت لي نفسي: لوجمعت جَزَامِيزَكَ ووثَبْتَ فقعدت مع العلج على سريره حتى يتطير، قال: فوثبت وثبة فإذا أنا معه على سريره، فجعلوا يلكزونني بأرجلهم ويجذبونني بأيديهم. فقلت لهم: إنا لا نفعل برُسُلكم، وإن كنت قد فجرت واستخففت فلا تؤاخنوني، فإن الرسل لا يصنع بها هكذا، فقال الملك:

إن شئتم قطعنا إليكم وإن شئتم قطعتم إلينا، قلت: بل نقطع إليكم، فقطعنا إليهم، قال: فتسللوا كل خمسة وستة حتى لا يفروا. فدنوا إليهم فضايقناهم، فرشقونا حتىَ أشرعوا فينا، فقال المغيرة للنعمان: إنه قد أشرع في الناس وقد جرحوا، فلو حملت، فقال النعمان: إنك لذو مناقب، وقد شهدْتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال، وكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر، ثم قال: إنى هاز لوائي ثلاث. مرات، فأما أول هزة فليقض الرجل حاجته وليتوضأ، وأما الثانية فلينظر الرجل إلى شِسْمعِه وليلزم سلاحه، فإذا هززت الثالثة فاحملوا ولا يلويَنَّ أحد على أحد، وإن قتل النعمان، وإني داع إلى الله بدعوة، وأقسمت على كل أمرىء منكم لما أمَّنَ عليها، وقال: اللهم ارزق النعمان اليوم شهادة في نصر وفتح عليهم. فأمن القوم فهز لواءه ثلاثاً، ثم أدنى درعه وحمل ثم حمل الناس فكان أول صريع، قال معقل: فأتيت عليه فذكرت عزيمته ألا أقف عليه، وأعلمت غلمانه لأعرف مكانه، وأمْعَنَا القتل فيهم، ووقع ذو الجناحين عن بغلة له شهباء فانشق بطنه، وفتح الله على المسلمين، فأتيت إلى مكان النعمان فصادفته وبه رَمَق، فأتيته بإداوة فغسلت وجهه، فقال: مَنْ هذا؟ قلت: معقل ابن يَسَار، قال ما فعل الله بالناس؟ قلت: فتح الله عليهم، قال: الحمد الله كثيراً اكتبوا بذلك إلى عمر، وفاضت نفسه، واجتمع الناس إلى الأشعث بن قيس، وأرسلوا إلى أم ولده: هل عهد إليك النعمان عهداً له أم عندك كتاب؟قالت: بل سفط فيه كتاب، فأخرجوه فإذا فيه: إذا قتل النعمان ففلان وإن قتل فلان ففلان، وإن قتل فلان ففلان، فامتثلوا، وفتح الله على المسلمين فتحاً عظيمأ.
شهداء نهاوند
قال المسعودي رحمه اللّه: وهذه وقعة نهاوند، وقد كان للأعاجم فيها جمع كثير وقتل هنالك خلق كثير: منهم النعمان بن مقرن، وعمرو بن معد يكرب، وغيرهما، وقبورهم إلىِ هذا الوقت بينة معروفة على نحو فرسخ من نهاوند فيما بينها وبين الدِّينوَرِ وقد أتينا على وصف هذه الواقعة فيما سلف من كتبنا.
عمر يسأل عمرو بن معد يكرب عن قبائل من العرب

وذكر أبو مخنف لوط بن يحيى قال: لما قدم عمرو بن معد يكرب من الكوفة على عمر سأله عن سعد بن أبي وَقَّاص، فقال فيه ما قال من الثناء، ثم سأله عن السلاح، فأخبره بما علم، ثم سأله عن قومه، فقال له: أخبرني عن قومك مَذْحِج ودع طيئاً قال: سلني عن أيهم شئت، قال: أخبرني عن علة بن جلد، قال: هم فرسان أغراضنا، وشُفَاة أمراضنا، وهم أعتقنا، وأنجبنا، وأسرعنا طلباً، وأقلنا هرباً، وهم أهل السلاح والسماِح والرماح، قال عمر: فما أبقيت لسعد العشيرة؟ قال: هم أعظمنا خميساَ، وأسخانا نفوساً، وخير نارنا رئيساً، قال: فما أبقيت لمراد؟ قال: هم أوسعنا داراً، وخيرنا جاراً، وأبعدنا آثاراً، وهم الأتقياء البررة، والساعون الفَخَرة، قال: فأخبرني عن بني زَبِيد، قال: أنا عليهم ضنين، ولو سألت الناس عنهم لقالوا هم الرأس والناس الأذناب، قال: فأخبرني عن طيء، قال: خصوا بالجود، وهم جمرة العرب، قال: فما تقول في عبس؟ قال: حجم عظيم، وزبن أثير، قال: أخبرني عن حِمْيَر، قال: رَعَوُا العفو، وشربوا الصَّفْوَ، قال: فأخبرني عن كِنْدَةَ، قال: ساسوا العباد، وتمكنوا من البلاد. قال: فأخبرني عن هَمْدَان. قال: أبناء الليل، وأهل النيل، يمنعون الجار، ويوفون النِّمَار ويطلبون الثار قال: فأخبرني عن الأزد. قال: هم أقدمنا ميلاداً. وأوسعنا بلاداً، قال: فأخبرني عن الحارث بن كعب، قال: هم الحسكة المسكة، تلقى المنايا أطراف رماحهم. قال: فأخبرني عن لخم. قال: أخرنا مُلْكاً، وأولنا هلكاً، قال: فأخبرني عن جُذَام. قال: أولئك كالعجوز الغبراء، وهم أهل مقال وفعال، قال: فأخبرني عن غسان. قال: أرباب في الجاهلية نجوم في الإِسلام، قال: فأخبرني عن الأوس والخزرج. قال هم الأنصار وهم أعزنا داراً، وأمنعنا ذماراً، وقد كفانا الله مدحهم إذا يقول: " والذين تبوؤا الدار والأيمان " الآية - قال: فأخبرني عن خُزَاعة. قال: أولئك مع كنانة لنا نسبهم، وبهم نصرنا. قال: فأي العرب أبغض من مَذْحِج، وأما من سعد فعدي من فَزَارة، ومرة من ذبيان، وكلاب من عامر، وشيبان من بكر بن وائل. ثم لوجُلْتُ بفرسي على مياه معد ما خفت هيج أحد ما لم يَلْقَنِي حُراها وعَبْداها. قال: ومن حُرَّاها وَمَنْ عبداها؟ قال: أما حراهأ فعامر بن الطفَيل وعُيَيْنة بن الحارث بن شهاب التميمي، وأما عبداها فعنترة العبسي وسُلَيك المقانب.
ويسأله عن الحرب
ثم سأله عن الحرب فقال: سألت عنها خبيراً، هي واللّه يا أمير المؤمنين مرة المذاق، إذا شَمًرت عن ساق، من صبر فيها ظفر، ومن ضعف فيها هلك، ولقد أحسن واصفها فأجاد:
الحرب أولَ ماتكون فتية ... تبدو بزينتها لكل جهول
حتى إذا حميت وشَبَّ ضِرَ أمه ا ... عادت عجوزاً غير ذات حليل
شمطاء جُزَّتْ رأسها وتنكرت ... مكروهة للثم والتقبيل
ثم سأله عن السلاح، فأخبره بما عرف حتى بلغ السيف، قال: هنالك قارعتك أمك عن ثكلها، فعَلاه عمر الدرة، وقال: بل أمك قارعتك عن ثكفها، والله إني لأهم أن أقطع لسانك، فقال عمرو: الحُمَّى أضرعتني لك اليوم، وخرج من عنده وهو يقول:
أتوعدني كأنك ذو رُعَيْن ... بأنعم عيشة أو ذونُوَاس
فكم قد كان قبلك من مليك ... عظيم ظاهرم الجبروت قاس
فأصبح أهله بادوا، وأمسى ... ينقَّلُ من أناس في أناس
فل ايغررك ملكك، كلُّ ملك ... يصير مذلة بعد الشِّمَاسَ
قال: فاعتذر عمر إليه، وقال: ما فعلت ما فعلته إلا لتعلم أن الإِسلام أفضل وأعز من الجاهلية، وفضله على الوفد.
عمرو يحدث عمر عن فراره ذات مرة

وقد كان عمر آنس عمراً بعد ذلك، وأقبل يسأله ويذاكره الحروب وأخبارها في الجاهلية، فقال له عمر: يا عمرو، هل انصرفت عن فارس قط في الجاهلية هيبة له؛ قال: نعم، واللّه ما كنت أستحل الكذب فيِ الجاهلية فكيف أستحله في الإسلام؟ لأحدثنك حديثاً لم أحدث به أحداَ قبلك، خرجت في جريدة خيل لبني زبيد أريد الغارة، فأتينا قوماً سراة؟ فقال عمر: وكيف عرفت أنهم سراة؛ قال: رأيت مزاود وقدوراً مُكْفَأة وقباب حمراً ونَعَمَاً كثيراً وشاء، قال عمرو: فأهويت إلى أعظمها قبة بعدما حوينا السبي، وكان متبدداً من البيوت، وإذا امرأة بادية الجمال على فرش لها، فلما نظرت إلي وإلى الخيل استعبرت، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: واللّه ما أبكي على نفسى، ولكني أبكي حسداً لبنات عمي يَسْلَمن وأبتلي أنا من بينهن، فظننت واللّه أنها صادقة، فقلت لها: وأين هُنَ؛ قالت: في هذا الوادي، فقلت لأصحابي: لا تُحْدِثوا شيئاً حتى آتيكم، ثم همزت فرسي حتى علوت كثيباً، فإذا أنا بغلام أصهب الشعر أهذب أقنى أقَبَّ يخصف نعاله وسيفه بين يديه وفرسه عنده، فلما نظر إليَّ رَمى النعل من يده ثم أحْضَرَ غير مكترث، فأخذ سلاحه وأشرف على ثنية، فلما نظر إلى الخيل محيطة ببيته ركب ثم أقبل نحوي وهو يقول:
أقول لما مَنَحَتْني فاها ... وألبستني بكرة رداها
إني سأحوي اليوم مَنْ حواها ... فليت شعري اليوم مَنْ دهاها
فحملت عليه وأنا أقول:
عمرو على طول الردى دَهَاها ... بالخيل يبقيها على وجاها
حتى إذا حَلَّ بها حَوَاهَا
ثم حملمت عليه بالفرس فإذا هو أروغ من هر، فراغ عني، ثم حمل علي فضربني بسيفه ضربة جرحتني، فلما أفقت من ضربته حملت عليه، فراغ واللّه، ثم حمل علي، تها صرعني، ثم استاق ما في أيدينا، ثم استويت على فرسي، فلما رأني أقبل وهو يقول:
أنا عبيد اللّه محمود الشيم ... وخير مَنْ يمْشِي بساق وقدم
عدوه يفديه من كل السَّقَم
فحملت عليه وأنا أقول:
أنا ابن في التقليد في الشهر الأصم ... أنا ابن في الإكليل قَتَّالُ البهم
من يلقني يودي كما أودت أرم ... أتركه لحما على ظهر وَضم
فراغ واللهّ عني، ثم حمل علي فضربني ضربة أخرى، ثم صرخة صرخة، ورأيت الموت واللّه يا أمير المؤمنين ليس دونه شيء، وخِفْته خوفاً لم أخف قط أحداً مثله، وقلت له: من أنت ثكلتك أمك؟؟ فو اللهّ ما أجترأ عليَّ أحد قط إلا عامر بن الطفيل لإِعجابه بنفسه، وعمرو بن كلثوم لسِنِّهِ وتجربته فمن أنت؟ قال: بل مَنْ أنت؟ خبرني وإلّاَ قتلتك، قلت: أنا عمرو بن معد يكرب، قال: وأنا ربيعه بن مُكدَم، قلت: أختر مني إحدى ثلاث خصال: إن شئت اجتلدنا بسيفينا حتى يموت الأعْجَزُ منا، وإن شئت اصطرعنا، وإن شئت السِّلْم، وأنت يا ابن أخي حَدَثٌ وبقومك إليك حاجة، قال: بل هي إليك، فاختر لنفسك، واخترت السلم، ثم قال انزل عن فرسك، قلت: يا ابن أخي قد جرحتني جراحتين ولا نزول لي فواللّه ما كَفَّ عني حتى نزلت عن فرسي، فأخذ بعنانه، ثم أخذ بيدي في يده وانصرفنا إلى الحي وأنا أجرر رجلي، حتى طلعت علينا الخيل فلما رأوني همزوا خيولهم إلي فناديتهم: إليكم وأرادوا ربيعه، فمضى والله كأنه ليث حتى شَقّهم، ثم أقبل علي فقال: يا عمرو، لعل أصحابك يريدون غير الذي تريد، فصمَتَ واللهّ القومُ ما فيهم أحد ينطق، وأعظم ما رأوا منه، فقلت: يا ربيعه بن مُكَدَّم لا يريدون إلا خيراً، وإنما سمت ليعرفه القوم، فقال لهم: ما تريدون؟ فقالوا: وما تريد؟ قد جرحت فارسَ العربِ، وأخذت سيفه وفرسه، ومضى ومضينا معه، حتى نزل، فقامت إليه صاحبته وهي ضاحكة تمسح وجهه، ثم أمر بإبل فنحرت، وضُرِبت علينا قباب، فلما أمسينا جاءت الرعاء ومعهم أفراس لربيعه لم أرى مثلها قط فلما رأى نظري إليها قال: كيف ترى هذه الخيول؟ قلت: لم أرى مثلها قط، قال: أما لو كان عندي بعضها ما لبثت في الدنيا إلا قليلأ، فضحكتُ وما ينطق أحد من أصحابي، فأقمنا عنده يومين ثم انصرفنا.
عمرو بن معد يكرب يغير على بني كنانة

قال: وقد كان عمرو بن معد يكرب بعد ذلك بزمان أغار على كنانة في صناديد قومه، فأخذ غنائمهم، وأخذ امرأة ربيعه بن مُكَدَّم، فبلغ ذلك ربيعه - وكان غير بعيد - فركب في الطلب على فرس عُرْي ومعه رمح بلا سنان حتى لحقه، فلما نظر إليه قال: خَلِّ عن الظعينة وما معك فلم يلتفت إليه، ثم أعاد عليه، فلم يلتفت إليه، فقال: يا عمرو، إما أن تقف لي وإما أن أقف لك فوقف عمرو، وقال: لقد أنصف القَارَةَ من راماها، قف لي يا ابن أخي، فوقف له ربيعه، فحمل عمرو وهو يقول:
أنا أبو ثَوْرٍ ووقاف الزلق ... لست بمأفون ولا فيَّ خُرُقْ
وأسد القوم إذا أحمر الحَدَقْ ... إذا الرجال عَضَّهم نابُ الفرق
وجدتني بِالسيف هَتَّاكَ الحلق
حتى إذا ظنَّ أنه خالطه السنان إذا هو لَبَبٌ لفرسه، ومَرَّ السنان على ظهر الفرس، ثم وقف له عمرو، فحمل عليه ربيعه وهو يقول:
أنا الغلام ابن الكناني لا بذخ ... كم مِنْ هِزَبْرٍ قد رأني فانشدخ
فقرع بالرمح رأسه، ثم قال: خذها إليك يا عمرو، ولولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك، فقال عمرو: لا ينصرف إلا أحَدُنَا، فقف لي، فحمل عليه حتى إذا ظن أنه خالطه السنان إذا هو حِزَام لفرسه ومر السنان على ظهر الفرس ثم حمل عليه ربيعه فقرع بالرمح رأسه أيضاً، وقال: خذها إليك يا عمرو ثانية، وإنما العفو مرتان، وصاحت به امرأته: السنان لله درك، فأخرج سناناً من سِنْخ إزاره كأنه شعلة نارٍ، فركبه على رمحه، فلما نظر إليه عمرو، وذكر طعنته بلا سنان قال له عمرو: يا ربيعه خذ الغنيمة، قال: دَعْهَا وانْجُ، فقالت بنو زبيد: أنترك غنيمتنا لهذا الغلام؟ فقال لهم عمرو: يا بني زبيد، واللّه لقد رأيت الموت الأحمر في سنانه، وسمعت صرِيره في تركيبه، فقالت بنو زبيد: لا يتحدث العربُ أن قوماً من بني زبيد فيهم عمرو بن معد يكرب تركوا غنيمتهم لمثل هذا الغلام، قال عمرو: إنه لا طاقة لكم به، وما رأيت مثله قط، فانصرفوا عنه، وأخذ ربيعه امرأته والغنيمة وعاد إلى قومه.
قال المسعودي رحمه الله تعالى: ولعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أخبار كثيرة في أسفاره في الجاهلية إلى الشام والعراق مع كثير من ملوك العرب والعجم، وسير في الإسلام، وأخبار وسياسات حسان، وما كان في أي أمه من الكوائن والأحداث وفتوح مصر والشام والعراق وغيرها من الأمصار، قد أتينا على مبسوطها في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً مما لم نذكره فيما سلف من كتبنا، وباللّه التوفيق.
ذكر خلافة عثمان بن عفان
رضي اللّه تعالى عنه
بويع عثمان يوم الجمعة غرة المحرم لليلة بقيت من في الحجة سنة ثلاث وعشرين وقتل لاثنتي عشرة ليلة مضت من في الحجة سنة خمس وثلاثين، وقيل غير ذلك مما سنورده بعد هذا الموضع إلا أنه في في الحجة؛فجميع ما ولي اثنتا عشرة سنة إلا ثمانية أيام، وقتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، ودفن بالمدينة بموضع يعرف بحش كوكب وكانت خلافته رضي اللّه تعالى عنه اثنتي عشرة سنة إلا ثمانية أيام.
ذكر نسبه ولمع من أخباره وسيره
نسبه وأولاده
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ويكنى بأبي عبد اللهّ وأبي عمرو، والأغلب منهما أبو عبد اللهّ، و أمه أرْوَى بنت كريز بن جابر بن حبيب بن عبد شمس، وكان له من الولد: عبد اللهّ الأكبر، وعبد اللهّ الأصغر، أمه ما رقية بنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبان، وخالد، وسعيد، والوليد، والمغيرة، وعبد الملك، وأم أبان، وأم سعيد، وأم عمرو، وعائشة، وكان عبد اللهّ الأكبر يلقب بالمطرف لجماله وحسنه. وكان كثير التزوج، كثير الطلاق، وكان أبان أبْرَصَ أحْوَلَ، قد حمل عنه أصحابُ الحديث عدة من السنن، وولي لبني مروان مكة وغيرها. وكان سعيد أحْوَلَ بخيلاً. وقتل في زمن معاوية وكان الوليد صاحب شراب وفتوة ومُجُون. وقتل أبوه وهو مخلَّقُ الوجه سكران عليه مُصَبَّغات واسعة. وبلغ عبد اللّه الأصغر من السن ستاً وسبعين عاماً. فنقره ديك في عينه، فكان ذلك سبب موته، وعبد الملك مات صغيراً ولا عقب له.
صفاته

وكان عثمان في نهاية الجود والكرم والسماحة والبذل في القريب والبعيد. فسلك عمالُه وكثير من أهل عصره طريقته، وتأسَّوْا به في فعله. وبنى فيداره في المدينة وشيدها بالحجر والكِلْس، وجعل أبوابها من الساج والعَرْعَر واقتنى أموالاً وجناناً وعيوناً بالمدينة.
ثروته
وذكر عبد الله بن عتبة أن عثمان يوم قتل كان له عند خازنه من المال خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القُرَى وحُنَيْن وغيرهما مائة ألف دينار، وخلف خَيْلاً كثيراً وإبلاً.
ثروة الزبير بن العوام
وفي أيام عثمان اقتنى جماعة من الصحابة الضِّيَاعَ والحور: منهم الزبير بن العوام، بنى داره بالبصرة، وهي الكوفة في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - نزلها التجار وأرباب الأموال وأصحاب الجهاز من البحريين وغيرهم، وابتنى أيضاً دوراًً بمصر والكوفة والإسكندرية، وما ذكرنا من دوره وضياعه فمعلوم غير مجهول إلى هذه الغاية.
وبلغ مال الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار، وخلف الزبير ألف فرس، وألف عبد وأمة، وخططاً بحيث ذكرنا من الأمصار.
ثروة طلحة بن عبيد اللّه
وكذلك طلحة بن عبيد اللّه التيمي: ابتنى داره بالكوفة المشهورة به هذا الوقت، المعروفة بالكُنَاسة بدار الطلحيين، وكان غلته من العراق كل يوم ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك، وبناحية الشراة أكثر مما ذكرنا، وشيد داره بالمدينة وبناها بالآجرِّ والجِصِّ والساج.
ثروة عبد الرحمن بن عوف
وكذلك عبد الرحمن بن عوف الزهري: ابتنى داره ووسعها، وكان على مربطه مائة فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف شاة من الغنم، وبلغ بعد وفاته رُبُعُ ثمنِ مالِهِ أربعةً وثمانين ألفاً.
ثروة قوم من الصحابة
وابتنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق، فرفع سمكها، ووسع فضاءها، وجعل أعلاها شُرُفَاتِ.
وقد ذكر سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت حين مات خلف الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس، غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار.
وابتنى المقداد داره بالمدينة في الموضع المعروف بالجرف على أميال من المدينة وجعل أعلاها شرفات، وجعلها مجصَّصة الظاهر والباطن.
ومات يعلى بن منية، وخلف خمسمائة ألف دينار، وديوناً علم الناس، وعقارات، وغير ذلك من التركة ما قيمته ثلاثمائة ألف دينار.
وهذا باب يتسع ذكره ويكثر وصفه، فيمن تملك من الأموال في أيأمه ، ولم يكن مثل ذلك في عصر عمر بن الخطاب، بل كانت جادة واضحة وطريقة بينة.
وحج عمر فأنفق في ذهابه ومجيئه إلى المدينة ستة عشر ديناراً، وقال لولده عبد اللّه: لقد أسرفنا في نفقتنا في سفرنا هذا.
ولقد شكا الناس أميرهم بالكوفة سعد بن أبي وقاص - وذلك في سنة إحدى وعشرين - فبعث عمر محمد بن مسلمة الأنصاري حليف بني عبد الأشهل، فحرق عليه باب قصر الكوفة، وعرضه في مساجد الكوفة يسألهم عنه؛فحمده بعضهم، وشكاه بعض، فعزله وبعث إلى الكوفة عمار بن ياسر على الثغر، وعثمان بن حُنَيْف على الخراج، وعبد اللّه بن مسعود على بيت المال، وأمره أن يعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين وفرض لهم في كل يوم شاة، فجعل شطرها وسواقطها لعمار بن ياسر والشطر الأخر بين عبد اللّه بن مسعود وعثمان بن حنيف، فأين عُمر ممم ذكرنا؛ وأين هو عما وصفنا؟.
عمال عثمان
وقدم على عثمان عمه الحكم بن أبي العاص وابنه مروان وغيرهما من بني أمية - والحكم هو طريد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الذي غَرَّبه عن المدينة، ونفاه عن جواره - وكان عماله جماعة منهم الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط على الكوفة، وهو ممن أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل النار، وعبد اللهّ بن أبي سَرْح على مصر، ومعاوية بن أبي سفيان على الشام، وعبد اللهّ بن عامر على البصرة، وصَرَفَ عن الكوفة الوليد بن عُقْبة، وولاها سعيد بن العاص.
الوليد بن عقبة

وكان السبب في صرف الوليد بن عقبة وولاية سعيد - على ما روي - أن الوليد بن عقبة كان يشرب مع ندمائه ومغنيه من أول الليل إلى الصباح، فلما آذنه المؤذنون بالصلاة خرج متفضِّلا في غَلائله، فتقدَّمَ إلى المحراب في صلاة الصبح، فصلى بهم أربعاً، وقال: أتريحون أن أزيدكم؟ وقيل: إنه قال في سجوده وقد أطال: أشرب واسقني، فقال له بعض من كان خلفه في الصف الأول: ما تزيد لازادك اللّه من الخير. واللهّ لا اعجب إلا ممن بعثك إلينا والياً وعلينا أميراً، وكان هذا القائل عتاب بن غيلان الثقفي.
وخطب الناس الوليد فحصبه الناس بحصباء المسجد، فدخل قصره يترنح، ويتمثل بأبيات لتأبط شَرّاً:
ولست بعيداً عن مدام وقَيْنة ... ولا بصفا صلد عن الخير معزل
ولكنني أروي من الخمر هامتي ... وأمشي المَلاَ بالساحب المتسلسل
وفي ذلك يقول الحطيئة:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحَقُّ بالعذر
نادى وقد تَفَتْ صلاتهم ... أ أزيدكم؟ ثَمِلاً وما يدريً
ليزيدهم أخرى، ولو قبلوا ... لقرنت بين الشفع والوتر
حبسوا عنانك في الصلاة، ولو ... خَلَّوْا عنانك لم تزل تجري
وأشاعوا بالكوفة فعله، وظهر فسقه ومداومته على شرب الخمر، فهجم عليه جماعة من المسجد منهم أبو زينب بن عوف الأزدى وجندب زهير الأزدي وغيرهما، فوجدوه سكران مضطجعاً على سريره لا يعقل، فأيقظوه من رقدته، فلم يستيقظ، ثم تقايأ عليهم ما شرب من الخمر، فانتزعوا خاتمه من يده وخرجوا من فوْرِهم إلى المدينة، فأتوا عثمان بن عفان، فشهدوا عنده على الوليد أنه شرب الخمر، فاقال عثمان: وما يريكما أنه شرب خمرا؟ فقالا: هي الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية، وأخرجا خاتمه فدفعاه إليه، فزجَرَهما ودفع في صدروهما، وقال: تنحَّيَا عني، فخرجا من عنده وأتيا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وأخبراه بالقصة، فأتى عثمان وهو يقول: دفعت الشهود، وأبطلت الحدود، فقال له عثمان: فما ترى؟ قال: أرى أن تبعث إلى صاحبك فتحضره فإن أقاما الشهادة عليه في وجهه ولم يدْرَأ عن نفسا بحجة أقمت عليه الحد، فلما حضر الوليد دعاهما عثمان: فأقاما الشهادة عليه ولم يُدل بحجة فألقى عثمان السوط إلى علي، فقال علي لابنه الحسن: قم يا بني فأقم عليه ما أوجب الله عليه، فقال: يكفينيه بعض من ترى، فلما نظر إلى امتناع الجماعة عن إقامة الحد عليه تَوَقِّياً لغضب عثمان لقرابته منه أخذ علي السوط ودنا منه، فلما أقبل نحوه سبه الوليد، وقال: يا صاحب مكس، فقال عقيل بن أبي طالب وكان ممن حضر: إنك لتتكلم يا ابن أبي مُعَيْط كأنك لا تحري من أنت، وأنت علج من أهل صَفّورية - وهي قرية بين عكاء واللَّجُون، من أعمال الأردن، من بلاد طبرية، وكان ذكر أن أباه كان يهوديَاَ منها - فأقبل الوليد يَروغُ من علي، فاجتذبه علي فضرب به الأرض، وعلاه بالسوط، فقال عثمان: ليس لك أن تفعل به هذا، قال: بل وشراً من هذا إذا فسق ومنع حق الله تعالى أن يؤخذ منه.
سعيد بن العاص

وولي الكوفة بعده سعيد بن العاص، فلما دخل سعيد الكوفة واليَاَ أبى أن يصعد المنبر حتى يُغْسَل، وأمر بغَسْلِهِ، وقال: إن الوليد كان نجسأ رجساً، فلما أتصلت أيام سعيد بالكوفة ظهرت منه أمور منكرة، فاستبد بالأموال، وقال في بعض الأيام أو كتب به عثمان: إنما هذا السواد قطين لقريش، فقال له الأشتر، وهو مالك بن الحارث النخعي: أتجعل ما أفاء اللّه علينا بظلال سيوفنا ومراكز رماحنا بستاناً لك ولقومك؟ ثم خرج إلى عثمان في سبعين راكباً من أهل الكوفة فذكروا سوء سيرة سعيد بن العاص، وسألوا عَزْلَه عنهم، فمكث الأشتر وأصحابه أياماً لا يخرج لهم من عثمان في سعيد شيء، وامتدت أي أمه م بالمدينة، وقدم عَلَى عثمان أمراؤه من الأمصار منهم عبد اللهّ بن سعد بن أبي سَرْح من مصر ومعاوية من الشام وعبد اللّه بن عامر من البصرة وسعيد بن العاص من الكوفة، فأقاموا بالمدينة أياماً لا يردهم إلى أمصارهم، وكراهة أن يرد سعيداً إلى الكوفة، وكره أن يعزله، حتى كتب إليه مَنْ بأمصارهم يَشكون كرة الخراج وتعطيل الثغور، فجمعهم عثمان وقال: ما ترون؟ فقال معاوية: أما أنا فراض بي جندي، وقال عبد اللّه بن عامر بن كريز: ليكفك امرؤ ما قبله أكْفِكَ ما قبلي، وقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح: ليس بكثير عزل عامل للعامة وتولية غيره، وقال سعيد بن العاص: إنك إن فعلت هذا كان أهل الكوفة هم الذين يولون ويعزلون، وقد صاروا حلقاً في المسجد ليس لهم غير الأحاديث والخوض، فجهزهم في البعوث حتى يكون هَمُّ أحدهم أن يموت على ظهر دابته، قال: فسمع مقالته عمرو بن العاص فخرج إلى المسجد، فإذا طلحة والزبير جالسان في ناحية منه، فقالا له: تعالى إلينا، فصار إليهما، فقالا: ما وراءك؟ قال: الشر، ما ترك شيئاً من المنكر إلا أتى به وأمره به، وجاء الأشتر فقالا له: إن عاملكم الذي قمتم فيه خطباء قد رد عليكم وأمر بتجهيزكم في البعوث وبكذا وبكذا، فقال الأشتر: واللهّ لقد كنا نشكو سوء سيرته وما قمنا فيه خطباء، فكيف وقد قمنا؟! وايْمُ اللّه على ذلك لولا أني أنفدْتُ النفقة وأنضيت الظهر لسبقته إلى الكوفة حتى أمنعه دخولها، فقالا له: فعندنا حاجتك التي تقوم بك في سفرك قال: فأسلفاني إذاً مائة ألف درهم، قال: فأسلفه كل واحد منهما خمسين ألف درهم، فقسمها بين أصحابه، وخرج إلى الكوفة فسبق سعيداً، وصعد المنبر وسَيفه في عنقه ما وضعه بعد، ثم قال: أما بعد، فإن عاملكم الذي أنكرتم تعدية وسوء سيرته قد رد عليكم، وأمر بتجهيزكم في البعوث، فبايعوني على أن لا يدخلهاَ، فبايعه عشرة آلاف من أهل الكوفة وخرج راكباً متخفياً يريد المدينة أو مكة، فلقي سعيداً بواقصة فأخبره بالخبر، فانصرف إلى المدينة، وكتب الأشتر إلى عثمان: أنا والله ما منعنا عاملك الدخول لنفسد عليك عملك، ولكن لسوء سيرته فينا وشدة عذابه، فابعث إلى عملك مَنْ أحببت، فكتب إليهم: انظروا من كان عاملكم أيام عمر بن الخطاب فولوه، فنظروا فإذا هو أبو موسى الأشعري، فولَوْهُ.
بدء الطعن على عثمان وسببه
وفي سنة خمس وثلاثين كثر الطعن على عثمان رضي الله عنه، وظهر عليه التنكير لأشياء ذكروها من فعله: منها ما كان بينه وبين عبد الله بن مسعود، وانحراف هُذَيْل عن عثمان من أجله.
ومن ذلك ما نال عمار بن ياسر من الفتن والضرب، وانحراف بني مخزوم عن عثمان من أجله.
الوليد بن عقبة يهودى مشعوذ

ومن ذلك فعل الوليد بن عقبة في مسجد الكوفة، وذلك أنه بلغه عن رجل من اليهود من ساكني قرية من قرى الكوفة مما يلي جسر بابل يقال لها زرارة يعمل أنواعاً من الشعبذة والسحر يعرف ببطروني فأحضره فأراه في المسجد ضرباً من التخييل، وهو أن أظهر له في الليل قيلا عظيماً على فرس يركض في صحن المسجد، ثم صار اليهودي ناقة يمشي على حبل، ثم أراه صورة حمار دخل من فيه ثم خرج من دبره، ثم ضرب عنق رجل ففرق بين جسمه و رأسه، ثم أمَرّ السيف عليه فقام الرجل، وكان جماعة من أهل الكوفة حُضُوراً منهم جندب بن كعب الأزدي، فجعل يستعيذ بالله من فعل الشيطان، ومن عمل يبعد من الرحمن، وعلم أن ذلك هو ضرب من التخييل والسحر، فاخترط سيفه وضرب به اليهودي ضربة أدار رأسه ناحية من بدنه، وقال " جَاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا " ، وقد قيل: إن ذلك كان نهاراً، وإن جندبا خرج إلى السوق ودنا من بعض الصياقلة وأخذ سيفاً ودخل فضرب به عنق اليهودي، وقال: إن كنت صادقأ فأحْي نفسك، فأنكر عليه الوليدُ ذلك، وأراد أن يَقِيدهُ به، فمنعته الأزد، فحبسه، وأراد قتله غيلة، ونظر السجان إلى قيامة ليله إلى الصبح، فقال له: انْجُ بنفسك، فقال له جندب: تُقْتل بي، قال: ليس ذلك بكثير في مرضاة الله والدفع عن ولي من أولياء اللّه فلما أصبح الوليد دعا به وقد استعد لقتله فلم يجده، فسأل السجان، فأخبره بهربه، فضرب عنق السجان، وصلبه بالْكناسة.
بين عثمان وأبي ذر

ومن ذلك ما فعل بأبي ذر ، وهو أنه حضر مجلسه ذات يوم فقال عثمان: رأيتم من زكى ماله هل فيه حق لغيره؟ فقال كعب: لا يا أمير المؤمنين، فدفع أبو ذر في صد كعب، وقال له: كذبت يا ابن اليهودي، ثم تلا: " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب " الآية - فقال عثمان: أترون بأساً أن نأخذ مالاً من بيت مال المسلمين فننفقه فيما ينو بنا من أمورنا ونعطيكموه؟ فقال كعب: لا بأس بذلك، فرفع أبو ذر العصا فدفع بها في صدر كعب وقال: يا ابن اليهودي ما أجراك على القول في ديننا! فقال له عثمان: ما أكثر أذاك لي! غَيبْ وجهك عني فقد آذيتنا، فخرج أبو ذر إلى الشام، فكتب معاوية إلى عثمان: إن أبا ذر تجتمع إليه الجموع، ولا آمن أن يفسدهم عليك، فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك، فكتب إليه عثمان بحمله، فحملَه على بعير عليه قَتَب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به، حتى أتوا به المدينة وقد تسلّخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف، فقيل له: إنك تموت من ذلك، فقال: هيهات لن أموت حتى أنفى، وذكر جوامع ما ينزل به بعد، ومن يتولى دفنه، فأحسن إليه عثمان في داره أياماً، ثم دخل إليه فجلس علىِ ركبتيه وتكلم بأشياء، وذكر الخبر في ولد أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلاَ اتخذوا عباد اللهّ خَوَلاً، ومًر في الخبر بطوله وتكلم بكلام كثير، وكان في ذلك اليوم قد أتى عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف الزهري من المال، فنثرت البِدر حتى حالت بين عثمان وبين الرجل القائم، فقال عثمان: إني لأرجو لعبد الرحمن خيراً؛ لأنه كان يتصدق، ويَقْرِي الضيف، وترك ما ترون، فقال كعب الأحبار، صدقت يا أمير المؤمنين، فشال أبوذر العصا، فضرب بها رأس كعب، ولم يشغله ما كان فيه الألم وقال: يا ابن اليهودي تقول لرجل مات وترك هذا المال: إن الله أعطاه خير الدنيا وخير الأخرة، وتقطع على اللهّ بذلك، وأنا سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطا " فقال له عثمان: وَارِعنِّي وجهك، فقال: أسير إلى مكة، قال: لا واللّه، قال: فتمنعني من بيت ربي أعبده فيه حتى أموت؟ قال: أي واللّه، قال: فإلى الشام، قال: لا واللهّ قال البصرة؟ قال: لا واللهّ، فاختر غير هذه البلدان، قال: لا واللهّ ما أختار غير ما ذكرت لك، ولو تركتني في دار هجرتي ما أردتُ شيئاً من البلدان، فَسَيِّرْنِي حيث شئت من البلاد، قال: فإني مسيرك إلى الرَبَذَةِ، قال: الله كبر، صدق رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم قد أخبرني بكل ما أنا لاقٍ، قال! عثمان: وما قال لك. قال: أخبرني بأني أمنِع عن مكة والمدينة وأموت بالرَبَذَةِ، ويتولى مواراتي نفر ممن يَردُون من العراق نحو الحجاز، وبعث أبو ذر إلى جمل له فحمل عليه امرأته - وقيل: ابنته - وآمر عثمان أن يتجافاه الناس حتى يسير إلى الربذة، فلما طلع عن المدينة ومروان يسير عنها طلع عليه علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ومعه ابناهُ الحسن والحسين وعقيل أخوه وعبد اللّه بن جعفر وعمار بن ياسر، فاعترض مروان فقال: يا على إن أمير المؤمنين قد نهى الناس أن يصحبوا أبا ذر في مسيره ويشيعوه، فإن كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك، فحمل عليه علي بن أبي طالب بالسوط وضرب بين أذني راحلته، وقال: تَنَحَّ نحاك اللّه إلى النار، ومضى مع أبي ذر فشيعه ثم ودَّعه وانصرف، فلما أراد علي الانصراف بكى أبو ذر، وقال: رحمكم اللّه أهل البيت، إذا رأيتك يا أبا الحسن وولدك ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا مروان إلى عثمان ما فعل به علي بن أبي طالب، فقال عثمان: يا معشر المسلمين من يعذرني من علي؟: رد َّرسولي عما وجَّهته له، وفعل كذا، واللهّ لنعطينه حقه، فلما رجع علي استقبله الناس، فقالوا له: إن أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أبا ذر، فقال علي: غَضَبَ الخيل على اللُّجُم.

فلما كان بالعشي جاء إلى عثمان، فقال له: ما حملك على ما صنعت بمروأن ولم اجترأت عليً ورددت رسولي وأمري؟ قال: أما مروان فإنه استقبلني يردني فرددته عن ردي، وأما أمرك فلم أردَّهُ، قال عثمان: ألم يبلغك أني قد نهيت الناس من أبي نر وعن تشييعه؟ فقال علي: أوكل ما أمرتنا به من شيء نرى طاعة اللهّ والحق في خلافه أتبعنا فيه أمرك؟ باللّه لا نفعل، قال عثمان: أقِدْ مروان، قال: ومم أقيده؟ قال: ضربت بين أذني راحلته وشتمته، فهو شاتمك وضارب بين أذني راحلتك قال علي: أما راحلتي فهي تلك فإن أراد أن يضربها كما ضربت راحلته فليفعل. وأما أنا فواللّه لئن شتمني لاشتمنَّكَ أنت مثلها بما لا أكذب فيه ولا أقول إلا حقاً. قال عثمان: ولم لا يشتمك إذا شتمته، لله ما أنت عندى بأفضل منه؛! فغضب علي بن أبي طالب وقال: ألي تقول هذا القول؟ وبمروان تعدلني؟ فأنا والله أفضل منك، وأبى أفضل من أبيك، وامي أفضل من أمك، وهذه نَبْلِي قد نَثَلْتُهَا، وهلَم فانثل بنبلك، فغضب عثمان واحمر وجهه، فقام ودخل داره، وانصرف علي، فاجتمع إليه أهل بيته،ورجال من المهاجرين والأنصار.
فلما كان من الغد واجتمع الناس إلى عثمان شكا إليهم علياً وقال: إنه يعيبني ويُظَاهر من يعيبني، يريد بذلك أبا ذر وعمار بن ياسر وغيرهما، فدخل الناس بينهما حتى اصطلحا وقال له علي: والله ما أردت بتشييع أبي ذر إلا الله تعالى.
عمار بن ياسر
وقد كان عمار حين بويع عثمان بلغه قول أبي سفيان صخر بن حرب في دار عثمان عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان ودخل داره ومعه بنو أمية فقال أبى سفيان: أفيكم أحد من غيركم؟ وقد كان عدي، قالوا: لا، قال يا بني أمية، تَلَقَفُوِهَا تلقُفَ الكرة، فوا لذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيرَنَ إلى صبيانكم وراثة، فانتهره عثمان، وساءه ما قال، ونمي هذا القول إلى المهاجرين والأنصار وغير ذلك الكلام فقام عمار في المسجد فقال: يا معشر قريش، أما إذ صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ههنا مرة وهنا مرة فما أنا بآمِنٍ من أن ينزعه الله منكم فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله وقام المقداد فقال: ما رأيت مثل ما أودى به أهل هذا البيت بعد نبيهم، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وما أنت وذاك يا مقداد بن عمرو؟ فقال: إني واللّه لأحبهم لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم، وإن الحق معهم وفيهم، يا عبد الرحمن أعجب من قريش - وإنما تطوُلُهم على الناس بفضل أهل هذا البيت - قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده من أيديهم أما ولايم الله يا عبد الرحمن لو أجد على قريش أنصاراً لقاتلتهم كقتالي إياهم مع النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر، وجرى بينهم من الكلام خطب طويل قد أتينا على ذكره في كتابنا أخبار الزمان في أخبار الشوَرَى والدار.
الثورة على عثمان

ولما كان سنة خمس وثلانين سار مالك بن الحارث النخعي من الكوفة في مائتي رجل، وحكيم بن جبلة العبدي في مائة رجل من أهل البصرة، ومن أهل مصر ستمائة رجل عليهم عبد الرحمن بن عديس البَلَويً، وقد ذكر الواقدي وغيره من أصحاب السير أنه ممن بايع تحت الشجرة، إلى آخرين ممن كان بمصر مثل عمرو بن الحمق الخزاعي وسعد بن حُمْرَان التُّجِيبي، ومعهم محمد أبي بكر الصديق، وقد كان تكلم بمصر، وَحرضَ الناس على عثمان لأمر يطول ذكره كان السبب فيه مروان بن الحكم، فنزلوا في الموضع المعروف بذي الخشب فلما علم عثمان بنزولهم بعث إلى علي بن أبي طالب فأحضره، وسأله أن يخرج إليهم ويضمن لهم عنه كل ما يريدون من العدل وحسن السيرة، فسار علي إليهم، فكان بينهم خطب طويل، فأجابوه إلى ما أراد وانصرفوا، فلما صاروا إلى الموضع المعروف بحسمى إذا هم بغلامِ على بعير وهو مُقْبِل من المدينة، فتأمًلُوه فماذا هو ورش غلام عثمان، فقرَرُوه، فأقَرً وأظهر كتابأ إلى ابن أبي سَرْح صاحب مصر وفيه إذا قدم عليك الجيشُ فاقطع يد فلان، واقتل فلاناً، وافعل بفلان كذا، واحْصَى كثر مَنْ في الجيش، وأمر فيهم بما أمر وعلم القوم أن الكتاب بخط مروان، فرجعوا إلى المدينة، واتفق رأيهم ورأي مَنْ قدم من العراق، ونزلوا المسجد وتكلموا، وذكروا ما نزل بهم من عُمّالهم، ورجعوا إلى عثمان فحاصروه في داره، ومنعوه الماء، فأشرف على الناس وقال: ألا أحد يسقينا؟ وقال: بم تستحلُّون قتلي وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحلُّ دم آمري مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس " ؟ والله ما فعلت ذلك في جاهلية أو إسلام، فبلغ عليّاً طلبه للماء، فبعث إليه بثلاث قِرَبٍ ماء، فما وصل إليه ذلك حتى خرج جماعة من موالي بني هاشم وبني أمية، وارتفع الصوت، وكثر الضجيج، وأحْدَقُوا بداره بالسلاح وطالبوه بمروان، فأبى أن يخلِّيَ عنه، وفي الناس بنو زُهْرة لأجل عبد اللّه بن مسعود لأنه كان من أحلافها، وهذيل لأنه كان منها، وبنو مخزوم وأحلافها لعمار، وغِفَار وأحلافها لأجل أبي ذر، وتَيْم بن مرة مع محمد بن أبي بكر، وغير هؤلاء ممن لا يحمل كتابنا ذكره، فلما بلغ عليَاَ أنهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وبعث طلحة ابنه محمداً، وأكثر أبناء الصحابة أرسلهم آباؤهم إقتداء بمن ذكرنا، فصدُوهم عن الدار، فرمى من وصفنا بالسهام، واشتبك القوم، وجُرح الحسن، وشُبئَ قنبر، وجرح محمد بن طلحة، فخشي القوم أن يتعصب بنو هاشم وبنو أمية، فتركوا القوم في القتال على الباب، ومضى نفر منهم إلى دار قوم من الأنصار فتسوَّرُوا عليها، وكان ممن وصل إليه محمد بن أبي بكر ورجلان آخران، وعند عثمان زوجته، وأهُله؛ ومواليه مشاغيل بالقتال، فأخذ محمد بن أبي بكر بلحيته، فقال: يا محمد، واللّه لو رآك أبوك لساءه مكانك فتراخت يده، وخرج عنه إلى الدار، ودخل رجلان فوجداه فقتلاه، وكان المصحف بين يديه يقرأ فيه، فصعدت امرأته فصرخت وقالت: قد قتل أمير المؤمنين، فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما من بني أمية، فوجده قد فاضت نفسه رضي الله عنه، فبكوا، فبلغ ذلك علياً وطلحة والزبير وسعداً وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فاسترجع القوم، ودخل عليّ الدار، وهو كالواله الحزين، وقال لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب. ولَطَم الحسن وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد اللّه بن الزبير، فقال له طلحة: لا تضرب أبا الحسن، ولا تشتم، ولا تلعن، لو دَفَعَ إليهم مروان ما قتل، وهرب مروان وغيره من بني أمية، وطُلِبُوا ليقتلوا فلم يوجدوا، وقال علىِ لزوجته نائلة بنت الفراقصة: مَنْ قتله وأنتِ كنت معه؟ قالت: دخل إليه رجلان وقصت خبر محمد بن أبي بكر، فلم ينكر ما قالت، وقال: واللهّ لقد دخلت عليه وأنا أريد قتله، فلما خاطبني بما قال خرجْت، ولا أعلم بتخلف الرجلين عني، واللّه ما كان لي في قتله من سبب، ولقد قتل وأنا لا أعلم بقتله.
وكانت مدة ما حوصر عثمان في داره تسعاً وأربعين يوماً، وقيل: أكثر من ذلك.
مقتله، وقتلته

وقتل في ليلة الجمعة لثلاث بقين من في الحجة، وذكر أن أحد الرجلين كنانة بن بشر التجيبي، ضربه بعمود على جبهته، والأخر منهما سعد بن حُمْرَان المرادى، ضربه بالسيف على حبل عاتقه فَحلَّه.
وقد قيل: إن عمرو بن الحمق طعنه بسهام تسع طعنات، وكان فيمن مال عليه عمير بن ضابىء البرجمي التميمي، وخضخض سيفه في يطنه.
مدفنه
ودفن على ما وصفنا في الموضع المعروف بحش كوكب، وهذا الموضع فيه مقابر بني أمية، ويعرف أيضاً بحلة، وصلى عليه جُبَير بن مطعم وحكيم بن حزام وأبو جَهْم بن حذيفة.
ولما حوصر عثمان كان أبو أيوب الأنصاري رضي اللّه عنه يصلّي بالناس، ثم امتنع، فصلى بهم سهل بن حُنَيْف، فلما كان يوم النحر صلّى بهم علي، وقيل: إن عثمان قتل ومعه في الدار من بني أمية ثمانية عشر رجلا منهم مروان بن الحكيم.
ما قيل فيه من الرثاء
وفي مقتله تقول زوجته نائلة بنت الفرافصة:
ألا إنَ خير الناس بعد ثلاثة ... قتيلُ التجيبيِّ الذي جاء من مصر
ومالِيَ لا أبكي وتبكي قرابتي ... وقد غيبوا عني فضول أبي عمرو
وقال حسان بن ثابت فيمن تخلف عنه وخَذَله من الأنصار وغيرهم، وأعان عليه وعلى قتله، واللّه أعلم بما قاله، من أبيات:
خذلَتْهُ الأنصار إذ حضر المو ... تَ وكانت ولاية الأنصار
مَن عَذِيري من الزبير ومن طلحة إذ جاء أمر له مقدار
فتولى محمد بن أبي بكر عياناً، وخلفه عمارأ
في شعر له طويل يذكر فيه غير من ذكرنا، وينسبهم إلى التمالؤعلى قتله، والرضا بما فُعل به، واللّه أعلم، وكان حسان عثمانياً منحرفاً عن غيره، وكان عثمان إليه محسناً، وهو المتوعد للأنصار في قوله في شعره:
يا ليْتَ شعري وليت الطير تخبرني ... ما كان شأن علي وابن عفانا
لَتَسْمَعُنّ وشيكا في ديارهمُ ... اللّه أكبر، يا ثارات عثمانا
وكان عثمان رضي اللهّ عنه كثيراً ما ينشد أبياتاً قالها ويطيل ذكرها لا تعْرف لغيره، منها:
تفنى اللذافة مِمَّنْ نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار
يلقى عواقب سوء من مغبتها ... لاخير في لذة من بعدها النار
وكان الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط أخا عثمان ل أمه ، فسمع في الليلة الثانية من مقتل عثمان يندبه، وهو يقول:
بني هاشم، إنا وما كان بيننا ... كصَدْع الصفا ما يومِضُ الدهْر َشاعِبُه
بني هاشم، كيف الهَوَادة بيننا ... وسيف ابن أرْوَى عندكم وحرائبه
بني هاشم، ردوا سلاح ابن أختكم ... ولاتنهبوه، لاتحلّ مناهبهْ
غدرتم به كيما تكونوا مكانه ... كما غدرت يوماً بكسرى مَرَازبُه
وهي أبيات: فأجابه عن هذا الشعر، وفيما رَمَى به بني هاشم ونسبه إليهم، الفضلُ بن العباس بن عتبة بن أبي لهب فقال:
فلا تسألونا سيفكم؛ إن سيفكم ... أضِيعَ، وألقاه لَوَر الرَّوْع صاحبه
سلوا أهل مصر عن سلاح ابن أختنا ... فهم سلبوه سيفه وحرائبه
وكان وليَّ الأمر بعد محمد ... علي، وفي كل المواطن صاحبه
علي ولي اللّه أظهردينه ... وأنت مع الأشْقَيْنَ فيما تحاربه
وأنت امرؤ من أهل صفواء نازح ... فمالك فينا ممت حميم تعاتبه
وقد أنزل الرحْمت أنك فاسق ... فمالك في الإسلام سهم تطالبه
قال المسعودي رحمه اللهّ: ولعثمان أخبار وسير ومآثر حسان، قد أتينا على ذكرها في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط، وكذلك ما كان في أي أمه من الكوائن والأحداث والفتوح والحروب مثل الروم وغيرهم واللهّ ولي التوفيق، وصلى اللّه علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
ذكر خلافة أمير المؤمنين علي بن أبى طالب
كرم اللّه وجهه

بويع علي بن أبي طالب في اليوم الذي قتل فيه عثمان بن عفان رضي الله عنه، فكانت خلافته إلى أن استشهد أربع سنين وتسعة أشهر وثمانية أيام وقيلَ: أربع سِنِينَ وتسعة أشهر إلا يوماً، وكانت الفرقة بينه وبين معاوية ابن أبي لسفيان على ما ذكرنا في خلافته، وكان مولده في الكَعبة، وقيل: إن خلافته كانت خمس سنين وثلاثة أشهر وسبع ليال، واستشهد وهو ابن ثلاث وسِتينَ سنة، و!عاش بعد الضربة الجمعة والسبت،؛ وتوفى في ليلة الأحد، وقد قيل في مقدار عمره أقل مما ذكرنا، وقد تنوزع في موضع قبره؛فمنهم من قال: إنه دفن في مسجد الكوفة، ومنهم من قال: به حمل إلى المدينة فدفن عند قبر فاطمة، ومنهم من قال: إنه حمل في تابوت على جَمَلٍ، وإن الجملَ تاه ووقع إلى وادي بطيء، وقد قيل من الوجوه غير ما ذكرنا، وقد أتينا على ذلك في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط.
ذكر نسبه ولمع من أخباره وسيره
نسبه وأخوته وأخواته
هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ويكنى أبا الحسن، و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، ولم يكن من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا من خلافة المتقي ممن ولي الخلافة مَنِ اسمه علي غيره، وغير المكتفي باللّه علي بن المعتضد، وكان أولَ من وَلَدَهُ هاشميَّان من الخلفاء، وقد قيل: إنه بويع البيعة العامة بعد قتل عثمان بأربعة أيام، وقد ذكرنا البيعة الأولى فيما سلف من هذا الكتاب، وتنازع الناس في اسم أبي طالب أبيه، ووَلَدُ أبي طالب بن عبد المطلب أربعة ذكور وابنتان فطالب وعقيل وجعفر وعلي وفاختة وجُمَانة لأب وأم، أمه م فاطمة بنت أسد بن هاشم، وبين كل واحد من البنين عشر سنين: فطالب الأكبر وبينه وبين عقيل عشر سنين، وبين عقيل وجعفر سنتان، وبين جعفر وعلي عشر سنين، وأخرجِ مشركو قريش طالبَ بن أبي طالب يوم بدر إلى حرب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كرهاَ، ومضى ولم يعرف له خبر، وحُفظَ من قوله في هذا اليوم:
يارب إما خرجوا بطالب ... في مقنب من تلكم المَقَانِب
فاجعلهم المغلوب غير الغالب ... والرجل المسلوب غير الساَلب
وكان زوجَ فاختة بنت أبي طالب أبو وَهْب هبيرةُ بن عمرو بن عائد بن عمرو بن مخزوم، وخلف عليها ابناً وبنتاً، وهاجرت، ومات زوجها بنجران مشركاً، وفيها يقول ببلاد نجران من أبيات كثيرة:
أشاقَتْكَ هند أم شَآكَ سؤالها؟ ... كذاك النوى أسبابها وانتقالها
وأرَقَنِي في رأس حصن ممرَّدٍ ... بنجران يسري بعد نوم خيالُهَا
فإن تك قد تابعت دين محمد ... وقطعت الأرحام منك حبالُها
وهي طويلة، وكانت تكنى أم هانىء، وقد استعمل علي - حين أفضت الخلافة إليه - ابنَهَا جعدة بن هبيرة، وجعدة هو القائل:
أي من بني مخزومٍ ان كنت سائلاً ... ومن هاشم أمي لخير قبيل
فمن ذا الذي يبأى علي بخاله ... وخالي علي ذو الندى وعقيل
وجمانة بنت أبي طالب كان بعلها سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، كذلك ذكر الزبير بن بكار في كتابه في أنساب قريش وأخبارها، وهاجرت وماتت بالمدينة في أيام النبي صلى الله عليه وسلم.
مسيره إلى البصرة
وكان مسير علي إلى البصرة في سنة ست وثلاثين، وفيها كانت وقعة الجمل، وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادي الأول منها، وقتل فيها من أصحاب الجمل من أهل البصرة وغيرهم ثلاثة عشر ألفاً، وقتل من أصحاب على خمسة آلاف، وقد تنازع الناس في مقدار من قتل من الفريقين: فمن مقلل ومكثر، فالمقلل يقول: قتل منهم سبعة آلاف والمكثر يقول: عشرة آلاف على حسب ميل الناس وأهوائهم إلى كل فريق منهم، وكانت وقعة واحدة في يوم واحد.
وقيل: إنه بين خلافة علي إلى وقعة الجمل خمسة أشهر وأحد وعشرون يوماً، بين وقعة الجمل وأول الهجرة خمس وثلاثون سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، وبين ذلك وبين دخول علي إلى الكوفة شهر، وبين ذلك وبين أول الهجرة خمس وثلاثون سنة وستة أشهر وعشرة أيام، وبين دخول علي والتقائه مع معاوية للقتال بصفِّينَ ستة أشهر وثلاثة عشر يوما، وبين ذلك وأول الهجرة ست وثلاثون سنة وثلاثة عشر يوما.
قتلى صفين وأي أمه ا

وقتل بصفين سبعون ألفاً: من أهل الشام خمسة وأربعون آلفا، ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً، وكان المقام بصفين مائة يوم وعشرة أيام، وقتل بها من الصحابة ممن كان مع علي خمسة وعشرون رجلا: منهم عمار بن ياسر أبو اليقظان المعروف بابن سُمَية وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.
وكانت عدة الوقائع بين أهل العراق والشام سبعون وقعة.
التقاء الحكمين
وفي سنة ثمان وثلاثين كان التقاء الحكمين - وهما عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري - بأرض البلقاء من أرض دمشق، وقيل: بحومة الجندل، وهي على نحو عشرة أميال من دمشق، وكان من أمرهما ما قد شهر، وسنورد في هذا الكتاب جوامع ما ذكرنا، وإن كنا قد أتينا على مبسوط ذلك فيما سلف من كتبنا.
وفي هذه السنة حكمت الخوارج وتحكمت، وهم الشُرَاةُ.
وكان ممن شهد صفين مع علي من أصحاب بدر سبعة وثمانون رجلاً: منهم سبعة عشر من المهاجرين، وسبعون من الأنصار، وشهد معه من الأنصار ممن بايع تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعمائة، وكان جميع من شهد معه من الصحابة ألفينا وثمانمائة.
حربه مع الخوارج
وفي سنة ثمان وثلاثين كان حربه مع أهل النَّهْرَوَانِ من الخوارج، وقعد عن بيعته جماعة عثمانية لم يروا إلا الخروج عن الأمر: منهم سعد بن أبي وقاص، وعبد اللّه بن عمر، وبايع يزيد بعد ذلك والحجاج لعبد الملك بن مروان، ومنهم قُدَامَةُ بن مظعون، وأهبان بن صيفي، وعبد الله بن سلام، والمغيرة بن شعبة الثقفي، وممن اعتزل من الأنصار كعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وكانا شاعرين، وأبو سعيد الخُدْرِي، ومحمد بن مسلمة حليف بني عبد الأشْهَل، ويزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، ونعمإن بن بشير و فصالة بن عبيد، وكعب بن عجرة ومَسْلَمة " بن خالد، في آخرين ممن لم نذكرهم من العثمانية من الأنصار وغيرهم من بني أمية وسواهم.
وانتزع علي أملاكاً كان عثمان أقطعها جماعةً من لمسلمين، وقَسَّم ما في بيت المال على الناس، ولم يُفَضِّلْ أحداً على أحد، وبعثت أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى أخيها معاوية بقميص عثمان مخضَّباً بدمائه مع النعمان بن بشير الأنصاري، واتصلت بيعة علي بالكوفة وغيرها من الأنصار، وكان أهل الكوفة أسرع إجابة إلى بيعته، وأخذ له البيعة علىِ أهلها أبو موسى الأشعري، حتى تكاثر الناس عليه، وكان عليها عاملاَ لعثمان.
بنو أمية عند علي
وأتاه جماعة ممن تخلف عن بيعته من بني أمية: منهم سعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، والوليد بن عُقْبة بن أبي مُعَيْط، فجرى بينه وبينهم خطب طويل، وقال له الوليد: أنا لم نتخلف عنك رغبة عن بيعتك، ولكنا قوم وَتَرَنَا الناسُ، وخفنا على نفوسنا، فعذرنا فيما نقول واضح، أما أنا فقتلتَ أبي صبراً، وَضربتني حداً، وقال سعيد بن العاص كلاماً كثيراً، وقال له الًوليد: أما سعيد فقتلت أباه، وأهنت مَثْو وأمَّا مروان فإنك شتمت أباه، وعبت عثمان في ضَمِّه إياه.
وقد ذكر أبو مخنف لوط بن يحيى أن حسان بن ثابت وكعب بن مالك والنعمان بن بشير - قبل نفوذه بالقميص - أتوا عليا ًفي آخرين من العثمانية فقال كعب بن مالك: يا أمير المؤمنين، ليس مسيئَاَ مَنْ عتب، وخير كفر ما محاهُ عذر، في كلام كثير، ثم بايع وبايع من ذكرنا جميعاً.
عمرو بن العاص
وقد كان عمرو بن العاص انحرف عن عثمان لانحرافه عنه وتوليته مصر غيره، فنزل الشام، فلما اتصل به أمر عثمان وما كان من بيعة علي، كتب إلى معاوية يهزُّه ويشير عليه بالمطالبة بدم عثمان، وكان فيما كتب به إليه: ما كنت صانعاً إذا قشرت من كل شيء تملكه فاصنع ما أنت صانع، فبعث إليه معاوية، فسار إليه، فقال له معاوية: بايعني، قال: لا واللهّ لا أعطيك من ديني حتى أنال من دنياك، قال: سَلْ، قال: مصر طُعْمَة. فأجابه إلى ذلك، وكتب له به كتاباً؛ وقال عمرو بن العاص في ذلك:
مُعَاويَ لا أعطيك ديني ولم أنَل ... به منك دنيا؛ فانْظُرَنْ كيف تصنع
فإن تعطني مصر افأرْبِحْ بصفقة ... أخذتَ بها شيخاً يضر و ينفع
المغيرة بن شعبة ينصح عليَاَ ثم يرجع

وأتى المغيرة بن شعبة علياً، فقال له: إن لك حق الطاعة والنصيحة، وإن الرأي اليوم تحوز به ما في غد، وإن المضاع اليوم تضيع به ما في غد، أقْرِر معاوية على عمله، وأقرر ابن عامر على عملِهِ، وأقرر العمال على أعمالهم، حتى إذا أتتك طاعتهم وطاعة الجنود استبدلت أو تركت، قال: حتى أنظر، فخرج من عنده وعاد إليه من الغد، فقال: إني أشرت عليك بالأمس برأي وتعقبته برأي، وإنما الرأي أن تعاجلهم بالنَّزْع فتعرف السامع من غيره وتستقبل أمرك، ثم خرج من عنده فتلقاه ابن عباس خارجاً وهو داخل، فلما انتهى إلى علي قال: رأيت المغيرة خارجاً من عندك ففيم جاءك؟ قال: جاءني أمس بكيت وكيت؛وجاءني اليوم بذيت وذيت؛فقال: أما أمس فقد نصحك؛وأما اليوم فقد غَشَّك،قال: فما الرأي. قال: كان الرأي أن تخرج حين قتل عثمان، أو قبل ذلك، فتأتي مكة فتدخل دارك فتغلق عليك بابَكَ،فإن كانت العرب مائلة مضطرة في أثرك لا تجد غيرك،فأما اليوم فإن بني أمية سيحسنون الطلب بأن يلزموك شُعُبَة من هذا الأمر، ويشبهون فيك على الناس، وقال المغيرة: نصحته فلم يقبل، فغششته، وذكر أنه قال: واللهّ ما نصحته قبلها، ولا أنصحه بعدها.
قال المسعودي: ووجدت في وجه آخر من الروايات أن ابن عباس قال: قدمت من مكة بعد مقتل عثمان بخمس ليال، فجئت علياً أدخل عليه، فقيل لي: عنده المغيرة بن شعبة، فجلست بالباب ساعة، فخرج المغيرة، فسلم علي، وقال: متى قدمت؟ قلت: الساعة، ودخلت على عليّ وسلمت عليه، فقال: أين لقيت الزبير وطلحة؟ قلت: بالنواصب، قال: ومَنْ معهما؟ قلت: أبو سعيد بن الحارث بن هشام في فتية من قريش، فقال علي: أما إنهم لم يكن لهم بعد أن يخرجوا يقولون نطلب بدم عثمان، واللّه يعلم أنهم قَتَلة عثمان، فقلت: أخبرني عن شأن المغيرة، ولم خَلا بك؛ قال: جاءني بعد مقتل عثمان بيومين، فقال: أخْلِنِي، ففعلت، فقال: إن النصح رخيص وأنت بقية الناس، وأنا لك ناصح، وأنا أشير عليك أن لا ترد عمال عثمان عامَكَ هذا، فاكتب إليهم بإثباتهم على أعمالهم، فإذا بايعوا لك واطمأن أمرك عزلت من أحببت وأقررت من أحببت، فقلت له: واللّه لا أداهن في ديني، ولا أعطي الرياء في أمري، قال: فإن كنت قد أتيت فانزع من شئت واترك معاوية فإن له جراءة وهو في أهل الشام مسموع منه، ولك حجة في إثباته فقد كان عمر ولاه الشام كلها، فقلت له: لا واللهّ لا أستعمل معاوية يومين أبداً، فخرج من عندي على ما أشار به، ثم عاد، فقال: إني أشرت عليك بما أشرت به وأبيت علي، فنظرت في الأمر، وأذا أنت مصيب لا ينبغي أن تأخذ أمرك بخدعة، ولا يكون فيه دلسة، قال ابن عباس: فقلت له: أما أول ما أشار به عليك فقد نصحك، وأما الأخر فقد غَشَّك، وأنا أشير عليك أن تثبت معاوية فإن بايع لك فعليَّ أن أقلعه من منزله، قال: لا، واللّه لا أعطيه إلا السيف، ثم تمثل:
فما مِيتَةٌ إنْ مُتُّهَا غير عاجز ... بعَار، إذا ما غالت النَّفْسَ غولُهَا
فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت رجل شجاع، أما سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: " الحرب خُدْعَة " ؛ فقال علي: بلى، قلت: أما واللّه لئن أطعتني لأصدرن بهم بعد ورود، ولأتركهم ينظرون في أدبار الأمور، ولا يدرون ما كان وجهها، من غير نقص لك، ولا إثم عليك، فقال لي: يا ابن عباس، لست من هنياتك ولا هنيات معاوية في شيء تشير به عليَّ برأي، فإذا عصيتك فأطْعِنِي، فقلت أنا: أفعل، فإنَّ أيْسَرَ مالك عندي الطاعة، واللّه ولي التوفيق.
ذكر الأخبار عن يوم الجمل
وبدئه وما كان فيه من الحرب وغير ذلك
تدبير الخروج على علي

ودخل طلحة و الزبير مكة، وقد كانا استأذنا عليّاً في العمرة، فقال لهما، لعلكم تريدان البصرة أو الشام، فأقسما أنهما لا يقصدان غير مكة، وقد كانت عائشة رضي اللهّ عنها بمكة، وقد كان عبد اللهّ بن عامر عامل عثمان على البصرة هرب عنها حين أخذ البيعة لعلي بها على الناس حارثة بن قُدَامة السعدي، ومسير عثمان بن حُنَيْف الأنصاري أليها على خراجها من قبل علي رضي اللّه عنه! وانصرف عن اليمن عامل عثمان وهو يعلى بن منية، فأتى مكة وصادف بها عائشة وطلحة والزبير ومروان بن الحكم في آخرين من بني أمية، فكان ممن حَرضَ على الطلب بدم عثمان، وأعطى عائشة وطلحة والزبير أربعمائة ألف درهم، ودرعا وسلاحاً، وبعث إلى عائشة بالجمل المسمى عسكراً.، وكان شراؤه عليه باليمن مائتي دينار، فأرادا الشام، فصدَهم ابن عامر، وقال: إن به معاوية، ولا ينقاد إليكم ولا يطيعكم، لكن هذه البصرة لي بها صنائع وعدد؛ فجهزهم بألف ألف درهم ومائة من الإِبك وغير ذلك.
المسير إلى البصرة
وسار القوم نحو البصرة في ستمائة راكب، فانتهوا في الليل إلى ماء لبني كلاب يعرف بالحواب، عليه ناس من بني كلاب، فَعَوَتْ كلابهم على الركب، فقالت عائشة: ما اسم هذا الموضع؟ فقال لها السائق أجملها: الحواب، فاسترجعت وذكرت ما قيل لها في ذلك، فقالت: ردُّونِي إلى حرم رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم، لا حاجة لي في المسير، فقال الزبير: باللّه ما هذا الحواب، ولقد غِلط فيما أخبرك به، وكان طلحة في سَاقَةِ الناس، فلحقها فأقسم أن ذلك ليس بالحوأب، وشهد معهما خمسون رجلاً ممن كان معهم، فكان ذلك أول شهادة زور أقيمت في الإسلام، فأتوا البصرة فخرج إليهم عثمان بن حُنَيْف فَمانَعَهُم، وجرى بينهم قتال، ثم إنهم اصطلحوا بعد ذلك على كفِّ الحرب إلى قدوم علي، فلما كان في بعض الليالي بَيِّتُوا عثمان بن حُنَيْف فأسروه وضربوه ونتفوا لحيته، ثمِ إن القوم استرجعوا وخافوا على مخلَّفيهم بالمدينة من أخيه سهل بن حُنيف وغيره من الأنصار، فخلَّوْا عنه، وأرادوا بيت المال فمانعهم الخزانُ والموكلون به وهم السبابجة، فقتل منهمِ سبعون رجلا غير من جرح، وخمسون من السبعين ضربت رقابهم صبراَ من بعد الأسر، وهؤلاء أول من قُتِلَ ظلماً في الإِسلام وصبراً، وقتلوا حكيم بن جَبَلَة العبدي، ؤكان من سادات عبد القيس وزُهِّاد ربيعه ونُسَّاكها، وتشاحَّ طلحة والزبير في الصلاة بالناس، ثم اتفقوا على أن يصلي بالناس عبد اللّه بن ألزبير يوماً، ومحمد بن طلحة يوماً، في خطب طويل كان بين طلحة والزبير إلى أن اتفقا على ما وصفنا.
مسير علي إلى العراق
وسار علي من المدينة بعد أربعة أشهر، وقيل غير ذلك، في سبعمائة راكب منهم أربعمائة من المهاجرين والأنصار منهما سبعون بدرِيّاً وباقيهم من الصحابة، وقد كان استخلف على المدينة سهل بن حنيف الأنصاري، فانتهى إلى الربَذَة بين الكوفة ومكة من طريق الجادة، وفاته طلحة وأصحابه، وقد كان عليٌّ أرادهم، فانصرف حين فاتوه إلى العراق في طلبهم، ولحق بعلي من أهل المدينة جماعة من الأنصار فيهم خزَيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأتاه من طيى ستمائة راكب، وكَاتَبَ علي من الربذة أبا موسى الأشعري ليستنفر الناس، فَثَبَّطَهم أبو موسى، وقال: إنما هي فتنة، فنمي ذلك إلى علي، فولَّى علي الكوفة قَرَظَة بن كعب الأنصاري، وكتب إلى أبي موسى: اعتزل عملنا يا ابن الحائك مذموماً مدحوراً، فما هذا أول يومنا منك، وإن لك فينا لهنات وهنيات. وسار علي بمن معه حتى نزل بني قار، وبعث بابنه الحسن وعمار بن ياسر إلى الكوفة يستنفران الناس، فسارا عنها ومعهما من أهل الكوفة نحو من سبعة الاف، وقيل: ستة آلاف وخمسمائة وستون رجلاً منهم الأشتر فانتهى علي إلى البصرة وراسَلَ القوم وناشدهم اللّه، فأبَوْا إلا قِتَاله.
قدوم علي البصرة

وذكر عن المنزر بن الجارود فيما حدث به أبو خليفة الفَضْلُ بن الْحُبَاب الجمحي عن ابن عائشة عن مَعْن بن عيسى عن المنزر بن الجارود قال: لما قدم علي رضي اللّه عنه البصرة دخل مما يلي الطفَّ، فأتى الزاوية فخرجتُ أنظر إليه، فورد موكب في نحو ألف فارس يتقدّمهم فارس على - فرس أشْهَبَ عليه قلنسوة وثياب بيض متقلد سيفاً ومعه راية، وإذا تيجان القوم الأغلبُ عليها البياضُ والصفرة مُدَججين في الحديد والسلاح، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الأنصار وغيرهم، ثم تلاهم فارس آخر عليه عمامة صفراء وثياب بيض متقلد سيفاً متنكب قوساً معه رأية على فرس أشْقَر َفي نحو ألف فارس، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا خُزَيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين، ثم مر بنا فارسٌ أخر على فرس كُمَيْتٍ معتمٌّ بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء وعليه قَبَاء أبيض مصقول متقلد سيفَا متنكب قوساً في نحو ألف فارس من الناس ومعه راية، فقلت: من هذا؟ فقيل لي: أبو قَتَاعة بن ربعي، ثم مر بنا فارس أخر على فرس أشْهَبَ عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سَدَلها من بين يديه ومنِ خلفه شديد الأدمة عليه سكينة ووقار رافع صوته بقراءة القرآن متقلد سيفاَ متنكب قوساً معه راية بيضاء في ألف من الناس مختلفي التيجان حوله مشيخة وكهول وشباب كأنما قد أقفوا للحساب، أثَرُ السجود قد أثر في جباههم، فقلت: من هذا؟ فقيل: عمار بن ياسر في عدة من الصحابة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم، ثم مر بنا فارس على فرس أشقر عليه ثياب وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء متنكب قوساً متقلد سيفاً تخط رجلاه في الأرض في ألف من الناس الغلبُ على تيجانهم الصفرةُ والبياضُ معه راية صفراء، قلت: من هذا؟ قيل: هذا قيس بن سعد بن عبادة في عدة من الأنصار وأبنائهم وغيرهم من قحطان، ثم مر بنا فارس على فرس أشْهَلَ ما رأينا أحسن منه، عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سَدَلَهَا من بين يديه بلواء، قلت: من هذا؟ قيل: هو عبد اللّه بن العباس في وفده وعدة من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ثم تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه بالناس بالأولين، قلت: من هذا؟ قيل: عبيد اللّه بن العباس، ثم تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه الناس بالأولين، قلت: من هذا قيل؟: قثَم بن العباس، أو معبد بن العباس ثم أقبلت المواكب والرايات يقدم بعضها بعضاً، واشتبكت الرماح، ثم ورد موكب فيه خلق من الناس عليهم السلاح والحديد مختلفو الريات في أوله راية كبيرة يقدمهم رجل كأنما كُسِرَ وجُبِرَ قال ابن عائشة: وهذه صفة رجل شديد الساعدين نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى فوق، وكذلك تخبر العرب في وصفها إذا أخبرت عن الرجل أنه كسر وجبر كأنما على رؤوسهم الطير، وعن يمينه شاب حسن الوجه، وعن يساره شاب حسن الوجه وبين يديه شاب مثلهما قلت: من هؤلاء قيل: هذا علي بن أبي طالب، وهذان الحسن والحسين عن يمينه وشماله، وهذا محمد بن الحنفية بين يديه معه الراية العُظْمى، وهذا الذي خَلْفه عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، وهؤلاء ولد عَقيل وغيرهم من فتيان بني هاشم، وهؤلاء المشايخ هم أهل بدر من المهاجرين والأنصار.
فساروا حتى نزلوا الموضع المعروف بالزاوية، فصلى أربع ركعات، وعفر خديه على التراب، وقد خالط ذلك دموعه، ثم رفع يديه يدعو: اللهم ربَّ السموات وما أظلت، والأرضين وما أقلت، ورب العرش العظيم، هذه البصرة أسألك من خيرها، وأعوذ بك من شرها، اللهم أنزلنا فيها خير منزل وأنت خير المنزلين، اللهم إن هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي، وَبَغَوْا علي ونكثوا بيعتي، اللهم احقن دماء المسلمين.
وبعث إليهم من يناشدهم الله في الدماء، وقال: عَلامَ تقاتلونني؟ فأبوا إلا الحرب، فبعث إليهم رجلاً من أصحابه يُقال له مسلم معه مصحف يدعوهم إلى اللّه، فرموه بسهم فقتلوه، فحمل إلى علي وقالت أمه :
ياربِّ إن مسلماً أتاهم ... يتلو كتاب اللّه لا يخشاهم
فَخضَّبُوا من دمه لحاهم ... و أمه قائمة تراهم
مبدأ القتال

وأمر علي رضي اللّه عنه أن يصافُّوهم، ولا يبدءوهم بقتال، ولا يرموهم بسهم ولا يضربوهم بسيف ولا يطعنوهم برمح، حتى جاء عبد اللهّ بن بديل بن ورقاء الخزاعي من الميمنة بأخ له مقتول، وجاء قوم الميسرة برجل قد رمي بسهم فقتل فقال علي: اللهم أشهد، واعذروا إلى القوم.
ثم قام عمار بن ياسر بين الصفين فقال: أيها الناس، ما أنصفتم نبيكم حين كففتم عقائلكم في الخدور وأبرزتم عقليته للسيوف، وعائشة على جَمَل في هَوْدج من دفوف الخشب قد ألبسوه المسوح وجلود البقر، وجعلوا دونه اللبود، وقد غشي على ذلك بالدروع، فدنا عمار من موضعها، فنادى: إلى ماذا تدعين؟ قالت: إلى الطلب بدم عثمان، فقال: قَاتَلَ اللّه في هذا اليوم الباغي والطالب بغير الحق، ثم قال: أيها الناس، إنكم لتعلمون أينا الدم إلى في قتل عثمان. ثم أنشأ يقول وقد رَشَقُوه بالنبل:
فمنك البكاء، ومنك العويل ... ومنك الرياح، ومنك المَطَر
وأنت أمَرْتَ بقتل الإمام ... وقاتُله عندنا مَنْ أمر
وتواتر عليه الرمي واتصل، فحرك فرسه، وزال عن موضعه وأتى علياً فقال: ماذا تنتظر يا أمير المؤمنين - وليس لك عند القوم إلا الحرب؟!.
خطبة لعلي قبل الإلتحام
فقام علي رضي اللهّ عنه في الناس خطيباً رافعاً صوته فقال: أيها الناس إذا هزمتموهم فلا تُجْهزوا على جريح ولا تقتلوا أسيراً، ولا تتبعوا مولِّياً، ولا تطلبوا مدبراً، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل، ولا تهتكوا ستراً، ولا تقربوا شيئاً من أموالهم إلا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أوكراع أو عبد أو أُمة، وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب اللّه.
بين علي والزبير
وخرج علي بنفسه حاسراً على بغلة رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم لا سلاح عليه فنادى: يا زبير، أخرج إلي، فخرج إليه الزيير شاكاً في سلاحه، فقيل ذلك لعائشة، فقالت: واثُكْلَكِ يا أسماء، فقيل لها: إن علياً حاسر، فطمأنت، واعتنق كل واحد منهما صاحبه، فقال له علي: ويحك يا زبير! ما الذي أخرجك؟ قال: دم عثمان، قال: قَتَلَ اللّه أولانا بدم عثمان، أما تذكر يوم لقيت رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم في بني بَيَاضة وهو راكب حماره، فضحك إلي رسول اللهّ، وضحكت إليه، وأنت معه، فقلت أنت: يا رسول اللّه، ما يدع علي زَهْوه، فقال لك ليس به زهو: أتحبه يا زبير فقلت: إني واللّه لأحبه، فقال لك إنك واللّه ستقاتله وأنت له ظالم فقال الزبير: أستغفر اللهّ، واللّه لو ذكرتها ما خرجت، فقال له: يا زبير ارجع، فقال: وكيف أرجع الآن وقد التقت حلقَتَا البِطَان؟؛ هذا واللهّ العار الذي لا يُغْسَل، فقال: يا زبير ارجع بالعار قبل أن تجمع العار والنار فرجع الزبير وهو يقول:
اخترت عاراً على نأر مؤجَّجَةٍ ... ما إن يقوم لها خلق من الطين
نادى عليٌّ بأمر لست أجهله ... عار لعمرك في الدنيا وفي الدين
فقلت: حسبك من عَذْلٍ أبا حسن ... فَبَغْضُ هذا الذي قد قلت يكفيني
مقتل الزبير ورثاؤه
فقال ابنه عبد اللّه: أين تذهب وتَدَعُنَا؟ فقال: يا بني أذْكَرَنِي أبو الحسن بأمر كنت قد أنسيته. فقال: لا واللّه، ولكنك فررت من سيوف بني عبد المطلب، فإنها طوال حِدَاد، تحملها فتية أنجاد، قال: لا واللّه، ولكني ذكرت ما أنسانيه الدهر، فاخترت العار على النار، أبا لجبن تعيرني.

لا أبا لك؟ ثم أمال سنانه وشَدَ في الميمنة فقال علي: افرجوا له فقد هاجوه، ثم رجع فشدَ في الميسرة، ثم رجع فشَدَّ في القلب، ثم عاد إلي ابنه، فقال: أيفعل هذا جَبان؟ ثم مضى منصرفاً، حتى أتى وادي السباع والأحْنَفُ بن قيس معتزل في قومه من بني تميم، فأتاه آت فقال له: هذا الزبير ماراً، فقال: ما أصنع بالزبير وقد جمع بين فئتين عظيمتين من الناس يقتل بعضهم بعضاً وهو مار إلى منزله سالما؟! فلحقه نفر من بني تميم فسبقهم إليهَ عمرو بن جُرْموز، وقد نزل الزبير إلى الصلاة فقال: أتؤمُنِي أو أومك؟! فأمه الزبير فقتله عمرو في الصلاة، وقتل الزبير رضي اللّه عنه ول خمس وسبعون سنة، وقد قيل: إن الأحنف بن قيس قتله بإرساله مَنْ أرسل من قومه وقد رثته الشعراء وذكرت غدْرَ عمرو بن جُوْموزبه، وممن رثاه زوجته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفَيْل أخت سعيد بن زيد، فقالت:
غَدَر َابن جرموز بفارس بُهْمَةٍ ... يوم اللقاء، وكان غير مسدد
يا عمرو، لو نَبَّهته لوجدته ... لاطائشاً رعش الحنان ولا اليد
هَبِلَتْكَ إن قلت لَمًسْلِماً ... حَلّتْ عليك عقوبة المتعمد
ما إن رأيت ولاسمعت بمثله ... فيمن مضى ممن يروح ويغتدي
وأتى عمرو علياً بسيف الزبير وخاتمه ورأسه، وقيل: إنه لم يأت برأسه، فقال علي: سيف طالما جلا الكربَ عن وجه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، لكنه الْحَينُ ومصارع السوء، وقاتلُ ابن صفية في النار، ففي ذلك يقول عمرو بن جرموز التميمي في أبيات:
أتيت علياً برأس الزبير ... وقد كنت أرجوبه الزلفه
فَبَشّرَ بالنار قبل العِيَانِ ... وبئس بشارة ذي التحف
لَسيان عنديَ قتلُ الزبير ... وضرطة عنز بذي الجحفهْ
بين علي وطلحة
ثم نادى علي رضي الله عنه طلحَةَ حين رجع الزبير: يا أبا محمد، ما الذي أخرجك؟ قال: الطلب بدم عثمان، قال علي: قتل اللهّ أولانا بدم عثمان، أما سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه " وأنت أولُ من بايعني ثم نكثت، وقد قال اللهّ عز وجل: " ومن نكث فإنما ينكث على نفسه " فقال: أستغفر اللّه، ثم رجع، فقال مروان بن الحكم: رجع الزبير ويرجع طلحة، ما أبالي رَمَيْتُ ههنا أم ههنا، فرماه في أكْحَلِه فقتله، فمر به عليٌّ بعد الوقعة في موضعه في شنطرة قرة، فوقف عليه، فقال: أنا للّه وأنا إليه راجعون، واللّه لقد كنت كارهاً لهذا أنت واللهّ كما قال القائل:
فتًى. كان يُدْنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويُبعده الفقر
شأن الثريا عُلِّقت في يمينه ... وفي خده الشعرى، وفي الأخر البدر
وذكر أن طلحة رضي الله عنه لما ولّي سُمِعَ وهو يقول:
ندامة ما ندمت وضل حلمي ... ولهفي ثم لهف أبي وأًمي
ندمت ندامة الكُسَعِيِّ لما ... طلبت رضا بني جَرْم بزعمي
وهو يمسح عن جبينه الغُبَار ويقول: " ووكان أمر اللّه قدَراً مقدورا " قيل: إنه سمع وهو يقول هذا الشعر وقد جَرَحَه في جبهته عبد الملك رماه مروان في أكحله وقد وقع صريعاً يجود بنفسه.
رجمة طلحة
وهو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عبيد اللّه بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيْم بن مرة، وهو ابن عم أبي بكر الصديق، ويكنى أبا محمد، و أمه الصعبة، وكانت تحتَ أبي سفيان صخر بن حرب، كذلك ذكر الزبير بن بكار في كتابه في أنساب قريش، وقتل وهو ابن أربع وستين سنة، وقيل غير ذلك، ودفن بالبصرة، وقبره ومسجده فيها مشهور إلى هذه الغاية، وقبر الزبير بوادي السباع.
مقتل محمد بن طلحة
وقتل محمد بن طلحة مع أبيه في ذلك اليوم، ومَرَ به عليٌ فقال هذا رجل قتله بره بأبيه وطاعته له و!أن يدعى بالسَّجَّاد، وقد تنوزع في كنيته، فقال الواقدي: كان يكنى بأبي سليمان، وقال الهيثم بن عدي كان يكنى بأبي القاسم، وفيه يقولُ قاتلهُ:
وأشعث سَجَّاد بايات ربه ... قليل الأذىَ فيما ترى العين مسلم
شككت له بالرمح جيب قميصه ... فخر َّصريعا ًلليدين وللفم

على غير شيء غير أن ليس تابعا ... عليَّا، ومن لايَتْبَع الحق يَنْدم
يذكرني حاميم والرمح شارع ... فهلا تَلا حاميم قبل التقدم
وقد كان أصحاب الجمل حملوا على ميمنة علي وميسرته فكشفوها فأتاه بعض ولد عقيل وعليٌّ يَخْفقِ نعاساً على قَرَبُوس سرجه، فقال له يا عمر، قد بلغت ميمنتك وميسرتك حيث ترى، وأنت تخفق نعاسا؟ً قال: اسكت يا ابن أخي، فإن لعمك يوماً لا يعدوه، واللّه ما يبالي عمك وقع على الموت أو وقع الموت عليه، ثم بعث إلى ولده محمد بن الحنفية، وكان صاحب رايته: أحمل على القوم فأبطأ محمد بحملته وكان بإزائه قوم من الرماة ينتظر نفاد سه أمه م، فأتاه علي فقال: ها حملت، فقال: لا أحد متقدَّماً إلا على سهم أو سنان، وإني منتظر نَفَاد سه أمه م وأحمل، فقال له: احمل بين الأسنة؛ فأن الموت عليك جنة، فحمل محمد، فشك بين الرماح والنشاب فوقف، فأتاه علي فضربه بقائم سيفه وقال: أدركك عِرْق من أمك، وأخذ الراية وحمل، وحمل الناس معه، فما كان القوم إلا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وأطافت بنو ضبة بالجمل وأقبلوا يرتجزون ويقولون:
نحن بنو ضبة أصحاب الجمل ... ننازل الموت إذا الموت نزل
ردُوا علينا شيخنا ثم بَجَلْ ... نَنْعَى ابْنَ عفان بأطراف الأسل
والموت أحلى عندنا من العسل
وقطع علي خطام الجمل سبعون يداً، من بني ضبة منهم سعد بن مود القاضي متقلداً مصحفاً، كلما قطعت يد واحد منهم فصُرِع قام آخر أخذ الخطام وقال: أنا الغلام الضبي، ورُمي الهودج بالنشَّاب والنبل حتى صار كأنه قنفذ، وعرقب الجمل وهو لا يقع وقد قطعت أعضاؤه وأخذته أسيوف حتى سقط، ويُقال: إن عبد اللّه بن الزبير قبض على خطام أجمل، فصرخت عائشة - وكانت خالته - : واثُكْلَ أسماء، خلِّ الخطام، ناشدته، فخلّى عنه، ولما سقط الجمل ووقع الهودج جاء محمد بن أبي بكر، فأدخل يده فقالت: من أنت؟ قال: أقرب الناس منك قرابة، أبغضهم إليك، أنا محمد أخوك، يقول لك أمير المؤنين هل أصابك شيء؟ قالت: ما أصابني إلا سهم لم يضرني، فجاء علي حتى وقف عيها، فضرب الهودج بقضيب، وقال: يا حُميراء، رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم أمرك بهذا؟ ألم يأمرك أن تقري في بيتك؟ والله ما أنصفك الذين أخرجوك إذ صانوا عقائلهم وأبرزوك، وأمر أخاها محمداً فأنزلها في دار صفية بنت الحارث بن طلحة العبدي وهي أم طلحة الطلحات ووقع الهودج والناس متفرقون يقتتلون، والتقى الأشتر مالك بن الحارث النخعي وعبد الله بن الزبير فاعتركا وسقطا على الأرض عن فرسيهما وطال اعتراكهما على وجه الأرض، فعلاه الأشتر ولم يجد سبيلاً إلى قتله لشدة اضطرابه من تحته والناس حولهما يجولون، وابن الزبير ينادي:
اقتلوني ومالكاً ... واقتلوا مالكاً معي
فلا يسمعه أحد لشدة الجلاد ووقع الحديد على الحديد ولا يراهما رَاءٍ لظلمة النَقع، وترادف العَجَاج، وجاء ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، لا تنكس اليوم رأس محمد، واردد إليه الرايَةَ، فدعا به، وردَّ عليه الراية، وقال:
اطعنهم طعن أبيك تحمد ... لاخير في الحرب إذا لم توقد
بالمشرفِيِّ والقنا المسرَّدِ
ثم استسقى، فأتى بعسل وماء، فحسا منه حُسْوَة، وقال: هذا الطائفي، وهو غريب بهذا البلد، فقال له عبد اللهّ بن جعفر: أما شَغَلَكَ ما نحن فيه عن علم هذا؟ قال: إنه واللّه يا بني ما مَلأ صدر عمّك شيء قط من أمر الدنيا.
دخول علي البصرة
ثم دخل البصرة، وكانت الوقعة في الموضع المعروف بالْخُريْبة وذلك يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأخرة سنة ست وثلاثين، على حسب ما قدمنا آنفاً من التاريخ، وخطب الناس بالبصرة خطبته الطويلة التي يقول فيها: يا أهل السبخة يا أهل، المؤتفكة ائتفكت بأهلك من الدهر ثلاثاً، وعلى اللّه تمام الرابعة، يا جُنْد المرأة، يا أتباع البهيمة، رغا فأجبتم، وعقر فانهزمتم، أخلاقكم رقاق، وأعمالكم نفاق، ودينكم زيغ وشقاق، وماؤكم أجاج وزُعَاق، وقد ذم عليّ أهل البصرة بعد هذا الموقف مراراً كثيرة.
بين ابن عباس وعائشة

وبعث بعبد اللّه بن عباس إلى عائشة يأمرها بالخروج إلى المدينة، فدخل عليها بغير إذنها، واجتذب وسادة فجلس عليها، فقالت له: يا ابن عباس أخطأت السنة المأمور بها، دخلت إلينا بغير إذننا، وجلست على رحلنا بغير أمرنا فقال لها: لو كنت في البيت الذي خلفك فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما دخلنا إلا بإذنك، وما جلسنا على رحلك إلا بأمرك، وإن أمير المؤمنين يأمرك بسرعة الأوبة، والتأهب للخروج إلى المدينة، فقالت: أبَيْتُ ما قلت وخالفت ما وصفت، فمضى إلى علي، فخبره بامتناعها، فردَه إليها، وقال: إن أمير المؤمنين يعزم عليك أن ترجعي، فأنعمت وأجابت إلى الخروج، وجهزها علي وآتاها في اليوم الثاني ودخل عليها ومعه الحسن والحسين وباقي أولاده وأولاد إخوته وفتيان أهله من بني هاشم وغيرهم من شيعته من هَمْدَأن؛ فلما بصرت به النسوان صحن في وجهه وقلن: يا قاتل الأحبة، فقال: لو كنت قاتل الأحِبَّةِ لقتلت مَنْ في هذا البيت، وأشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه مروان بن الحكم وعبد اللّه بن الزبير وعبد الله بن عامر وغيرهم، فضرب مَنْ كان معه بأيديهم إلى قوائم سيوفهم لما علموا مَنْ في البيت مخافة أن يخرجوا منه فيغتالوه، فقالت له عائشة بعد خطب طويل كان بينهما: إني أحب أن أقيم معك فأسير إلى، قتال عدوك عند سيرك، فقال: بل ارجعي، الذي، البيت الذي تركك فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فسألته أن يؤمِّنَ ابن أختها عبد الله بن الزبير، فأمنه، وتكلم الحسن والحسين في مروان، فأمنه، وأمن الوليد بن عقبة وولد عثمان وغيرهم من بني أمية، وأمَّنَ الناس جميعاً، وقد كان نادى يوم الوقعة: من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن.
حزن علي على القتلى
واشتد حزن عليٍّ على من قتل من ربيعه قبل وروده البصرة، وهم الذين قتلهم طلحة والزبير من عبد القيس وغيرهم من ربيعه، وجدَّد حزنه قتل زيد بن صوحان العبدي قتله في ذلك اليوم عمرو بن سبرة، ثم قتل عمار بن ياسر عمرو بن سبرة في ذلك اليوم أيضاً، وكان علي يكثر من قوله:
يالَهْفَ نفسي على ربيعه ... ربيعه السامعة المطيعه
وخرجت امرأة من عبد القيس تطوف في القتلى، فوجدت ابنين لها قد قتلا، وقد كان قُتِلَ زوجها وأخوان لها فيمن قتل قبل مجيء علي البصرة، فأنشأت تقول:
شهدت الحروب فشيبنني ... فلم أر يوما ًكيوم الجمل
أضر على مؤمن فتنةً ... وأقتله لشجاع بطل
فليت الظعينة في بيتها ... وليتك عسكر لم ترتحل
وقد ذكر المدائني أنه رأى بالبصرة رجلاً مصطلم الأذن، فسأله عن قصته، فذكر أنه خرج يوم الجمل ينظر إلى القتلى، فنظر إلى رجل منهم يخفض رأسه ويرفعه وهو يقول:
لقد أوردَتْنَا حومَةَ الموتِ امُنَا ... فلم تنصرف إلا ونحن رِوَاء
أطعنا بني تَيْمٍ لشقوة جدنا ... وما تيم إلا أعبدٌ وإماء
فقلت: سبحان اللّه! أتقول هذا عند الموت؟ قل لا إلهَ إلا اللّه، فقال: يا ابن اللَّخْنَاء، إياي تأمر بالجزع عند الموت؟ فولَّيْتُ عنه متعجباً منه، فصاح بي ادْنُ منى ولقني الشهادة، فصرت إليه، فلما قربت منه استدناني، ثم التقم أذني فذهب بها، فجعلت ألعنه وأدعو عليه، فقال: إذا صرت إلى أمك فقالت مَنْ فعل هذا بك؟ فقل عمير بن الأهلب الضبي مخدوع المرأة التي أرادت أن تكون أمير المؤمنين.
خروج عائشة من البصرة

وخرجت عائشة من البصرة، وقد بعث معها علي أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر وثلاثين رجلا وعشرين امرأة من ذوات الدين من عبد القيس وهَمْدَان وغيرهما، ألبسهن العمائم وقلدهن السيوف، وقال لهن: لا تُعْلِمْنَ عائشة أنكن نسوة وتَلَثَّمْنَ كأنكن رجال، وكُنَّ اللاتي تلين خدمتها وحملها، فلما أتت المدينة قيل لها: كيف رأيت مسيرك؟ قالت: كنت بخير واللّه، لقد أعطى علي بن أبي طالب فأكثر، ولكنه بعث معي رجالا أنكرتهم فعرفها النسوة أمرهن، فسجدت وقالت: ما ازدَدْتَ واللّه يا ابن أبي طالب إلا كرماً، وددت أني لم أخرج وإن أصابتني كيت وكيت من أمور ذكرتها شاقة، وإنما قيل لي: تخرجين فتصلحين بين الناس، فكان ما كان، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب أن الذي قتل من أصحاب علي في ذلك اليوم خمسة الاف نفس ومن أصحاب الجمل وغيرهم من أهل البصرة وغيرهم ثلاثة عشر ألفاً، وقيل غير ذلك.
ووقف عليٌّ على عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية وهو قتيل يوم الجمل فقال: لهفي عليك يَعْسُوبَ قريش، قتلت الغطاريف من بني عبد مناف، شفَيت نفسي وجدعت أنفي، فقال له الأشتر: ما أشد جَزَعَكَ عليهم يا أمير المؤمنين وقد أرادوا بك ما نزل بهم! فقال: إنه قامت عني وعنهم نسوة لم يقمن عنك وقد كان قَتَلَهُ في ذلك اليوم الأشتر النخعي وأصيب كف ابن عتاب بمنًى وقيل باليمامة ألقتها عُقَاب وفيها خاتم نَقْشُه عبد الرحمن بن عتاب وكان اليوم الذي وجد فيه الكف بعد يوم الجمل بثلاثة أيام.
ودخل علي بيت مال البصرة في جماعة من المهاجرين والأنصار، فنظر إلى ما فيه من العين والورق فجعل يقول: يا صفراء، غُري غيري ويا بيضاء، غري غيري وأدام النظر إلى المال مفكراً، ثم قال: أقسموه بين أصحابي ومن معي خمسمائة خمسمائة، ففعلوا فما نقص درهم واحد، وعدد الرجال اثنا عشر ألفاً.
وقبض ما كان في معسكرهم من سلاح ودابة ومتاع وآلة وغير ذلك فباعه وقسمه بين أصحابه، وأخذ لنفسه كما أخذ لكل واحد ممن معه من أصحابه وأهله وولده خمسمائة درهم، فأتاه رجل من أصحابه فقال: يا أمير المؤمنين إني لم آخذ شيئاً، وخلفني عن الحضور كذا، وأدْلى بعذر، فأعطاه الخمسمائة التي كانت له.
وقيل لأبي لَبيد الجهضمي من الأزد: أتحب عليا؟ قال: وكيف أحب رجلاً قتل من قومي في بعض يوم ألفين وخمسمائة، وقتل من الناس حتى لم يكن أحد يعزي أحداً، واشتغل أهل كل بيت بمن لهم؟
مسيره إلى الكوفة
وولّى علي على البصرة عبد الله بن عباس، وسار إلى الكوفة، فكان دخوله إليها لأثنتي عشرة ليلة مضت من رجب؛ وبعث إلى الأشعث بن قيس يعزله عن أذربيجان وأرمينية، وكان عاملاً لعثمان عليها، وصرف عن همدان جرير بن عبد اللّه البجلي، وكان عاملاً لعثمان، فكان في نفس الأشعث على عليّ ما ذكرنا من العزل، وما خاطبه به حين قدم عليه فيما اقتطع هنالك من الأموال.
علي يبعث إلى معاوية

ووجَّه بجرير بن عبد اللّه إلى معاوية وقد كان الأشتر حَذره من ذلك، وخوفه من جرير، وقد كان جرير قال لعليّ: ابعثني إليه، فإنه لم يزل لي مستنصحاً وواداً، فاتيه وأدعوه إلى أن يسلم لك هذا الأمر، وأدعوا أهل الشام إلى طاعتك، فقال الأشتر: لا تبعثه ولا تصدقه، فواللهّ إني لأظن هواه هواهم ونيته نيتهم، فقال علي: دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا، فبعث به وكتب إلى معاوية معه يعلمه مبايعة المهاجرين والأنصار إياه واجتماههم عليه، ونكث الزبير وطلحة، وما أوقع اللهّ بهما، ويأمره بالدخول في طاعته، ويعلمه أنه من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، فلما قدم عليه جرير دافعه وساءله أن ينتظره وكتب إلى عمرو بن العاص على ما قدمنا فقدم عليه فأعطاه مصر طُعْمَة على ما قدمنا في صدر هذا الباب، فأشار إليه عمرو بالبعث إلى وجوه الشام وأن يُلْزِم علياً دم عثمان، ويقاتله بهم؛ فقدم جرير على علي فأخبره خبرهم، واجتماع أهل الشام مع معاوية على قتاله، وأنهم يبكون على عثمان ويقولون: إن علياً قتله، واوى قتلته ومنع منهم، وإنهم لا بُدَّ لهم من قتاله حتى يفنوه أو يفنيهم، فقال الأشتر: قد كنت أخبرتك يا أمير المؤمنين بعداوته وغشه، ولو بعثتني لكنت خيراً من هذا الذي أرخى خناقه وأقام حتى لم يدع باباً نرجو روحه إلا فتحه، ولا باباً يخاف منه إلا أغلقه، فقال جرير: لو كنت ثم لقتلوك، والله لقد ذكروا أنك من قتلة عثمان، قال الأشتر: لو أتيتهم والله يا جرير لم يُعْيِنِي جوابهم، ولا ثقل علي خطابهم، ولحملت معاوية على خطة أعجلْتُه فيها عن الفكر، ولو أطاعني أمير المؤمنين فيك لحبسك وأشباهك في محبس فلا تخرجون منه حيت يستقيم هذا الأمر.
فخرج جرير عند ذلك إلي بلاد قرقيسيا والرحبه من شاطئ الفرات، وكتب إلى معاوية يعلمه بما نزل به، وأنه أحَبًّ مجاورته والمقام في داره، فكتب إليه معاوية يأمره بالمسير إليه.
بين المغيرة ومعاوية
وبعث معاوية إلى المغيرة بن شُعْبة الثقفي - عند منْصَرَف علي من الجمل، وقبل مسيره إلى صِفَينَ - بكتاب يقول فيه: لقد ظهر من رأي ابن أبي طالب ما كان تقدم من وعْده لك في طلحة والزبير، فما الذي بقي من رأيه فينا؟ وذلك أن المغيرة بن شعبة لما قتل عثمان وبايع الناسُ علياً دخل عليه المغيرة فقال: يا أمير المؤمنين، إن لك عندي نصيحة، فقال: وما هي؟ قال: إن أردت أن يستقيم لك ما أنت فيه فاستعمل طلحة بن عبيد اللّه على الكوفة، والزبير بن العوام على البصرة، وابعث إلى معاوية بعده عَلَى الشام حتى تلزمه طاعتك، فإذا استقر قرارها رأيت فيه رأيك، قال: أما طلحة والزبير فسأرى رأي فيهما، وأما معاوية فلا واللّه لا يراني اللّه أستعين به ما دام على حاله أبداً، ولكني أدعوه إلى ما عرفته، فإن أجاب وإلا حاكمته إلى الله، فانصرف المغيرة مغضباً وقال:
نصحت علياً في ابن هند مقالَة ... فردت، فلا يسْمَعْ لها الدهر ثانيه
وقلت له: أرسل إليه بعهده ... عَلَى الشام، حتى يستقر معاوية
ويعلم أهْلُ الشام أن قد مَلَكْته ... وأم ابن هند عند ذلك هاويه
فلم يقبل النصح الذي جئته به ... وكانت له تلك النصيحة كافيه
قال المسعودي رحمه اللّه: وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب ما كان من المغيرة مع علي، وما أشار به، وهذا أحد الوجوه المروية في ذلك.
فهذه جوامع ما يُحْتَاج إليه من أخبار يوم الجمل وما كان فيه، دون الإكثار والتطويل وتكرار الأسانيد في ذلك والله ولي التوفيق.
ذكر جوامع مما كان بين أهل العراق
وأهل الشام بصفين
قال المسعودي رحمه الله: قد ذكرنا جملا وجوامع من أخبار علي رضي الله عنه بالبصرة، وما كان يوم الجمل؛ فلنذكر الآن جوامع من سيره إلى صِفينَ، وما كان فيها من الحروب، ثم نعقب ذلك بشأن الحكمين والنَهْرَوَان، ومقتله عليه السلام.
مسيره إلى صفين
وكان سير علي من الكوفة إلى صِفِّينَ لخمس خَلَوْنَ من شوال سنة ست وثلاثين، واستخلف على الكوفة أبا مسعود عُقْبَة بن عامر الأنصاري فاجتاز في مسيره بالمدائن، ثم أتى الأنبار، وسار حتى نزل الرقة، فعُقِدَ له هنالك جسر، فعبر إلى جانب الشام.
عدد جيشه

وقد تنوزع في مقدأرما كان معه من الجيش، فمكثر و مقلل، والمتفق عليه من قول الجميع تسعون ألفاً، وقال رجل من أصحاب علي لما استقروا مما يلي الشام من أبيات كتب بها إلى معاوية حيث يقول:
اثْبُتْ معاوي قد أتاك الْحَافِلُ ... تِسْعُونَ ألفاً كلهم مُقَاتِلُ
عَمَّا قليل يَضْمَحِل البَاطِلُ
جيش معاوية
وسار معاوية من الشام، وقد تنوزع في مقدار من كان معه أيضاً فكثر ومقلل، والمتفق عليه من قول الجميع خمس وثمانون ألفَاَ، فسبق عليّاً إلى صِفينَ، وعسكر في موضع سهل أفْيَحَ اختاره قبل قدوم علي، على شريعةٍ لم يكن على الفرات في ذلك الموضع أسهل منها للوارد إلي الماء، وما عداها أخراق عالية، ومواضع إلى الماء وَعْرة، ووكل أبا الأعور السلمي بالشريعة مع أربعين ألفاً، وكان على مقدمته، وبات عليٌّ وجيشه في البر عطاشاً قد حيل بينهم وبين الورود إلى الماء فقال عمرو بن العاص لمعاوية: إن علياً لا يموت عطشاً هو وتسعون ألفاً من أهل العراق وسيوفهم على عواتقهمِ، ولكن دَعْهُم يشربون ونشرب، فقال معاوية: لا واللّه يموتوا عطشاَ كما مات عثمان، وخرج علي يدور في عسكره بالليل. فسمع قائلاً وهو يقول:
أيمنعنا القوم ماء الفرات ... وفينا عليٌّ وفينا الهدى؟
وفينا الصلاة، وفينا الصيام ... وفينا المناجون تحت الدجى
ثم مر بآخر عند راية ربيعه، وهو يقول:
أيمنعنا القَوْم ماء الفرَات ... وفينا الرِّمَاح وفينا الْحَجَف
وفينا علي لَهُ صولة ... إذا خَوَّفُوه الدرى لم يخف
ونحن غادة لقِينَا الزبير ... وطلحة خُضْنَا غِمَارَالتلف
فما بالنا أمْس أسْدَ العرين ... وما بالنا اليوم شَاءَ النَّجَفْ
وألقى في فسطاط الأشعث بن قيس رقعة فيها:
لئن لم يُجَلِّ الأشعثُ اليومَ كربة ... من الموت فيها للنفوس تَفَلُّت
فنشرب من ماءِ الفراتِ بسيفه ... فَهَبْنَا انَاساً قَبلُ كانوا فموتُوا
فلما قرأها حَمِيَ وأتى عَلِيّاً رضي اللّه عنه، فقال له: أخرج في أربعة آلاف من الخيل حتى تهجم بهم في وسط عسكر معاوية فتشرب وتستقي أصحابك أو تموتوا عن أخركم، وأنا مُسَيّر الأشترَ في خيل ورَجَّالة وراءَكَ، سار الأشعث في أربعة آلاف من الخيل وهو يقول مرتجزاً:
وْرِدَنَّ خيليَ الفراتا ... شُعْثَ النَّوَاصِي أو يُقال ماتا
ثم دعا عليّ الأشتَرَ فَسَرَّحه في أربعة آلاف من الخيل والرجَّالة، صار يؤم الأشعث وصاحب رايته وهو رجل من النَّخَع وهو يرتجز ويقول:
أشتر الخيرات يا خير النَّخَع ... وصاحِبَ النصر إذا عًمّ الفزع
قد جَزِعَ القَوْمُ وَعُمُّوا بالفزع ... إن تَسْقِنَا اليوم فما هو بالبدع
ثم سار عليّ رضي اللّه عنه وراء الأشتر بباقي الجيش، ومضى الأشعث فما رد وَجْهَه أحد حتى هجم علىِ عسكر معاوية، فأزال أبا الأعور عن الشريعة، وَغَرَّقَ منهم بشراً وخيلاَ، وأورد خيله الفرات، وذلك أن الأشعث داخلته الحمية في هذا اليوم، وكان يقدم رمحه ثم يحث أصحابه فقول: ازحموهم مقدار هذا الرمح، فيزيلوهم عن ذلك المكان، فبلغ ذلك من فعل الأشعث عليّاً، فقال: هذا اليوم نصرنا فيه بالحمية، وفي ذلك يقول رجل من أهل العراق:
كَشَفَ الأشعث عنا ... كُرْبَةَ الموت عِيَانَا
بعد ما طارت طلاقا ... طيرةً مست لهَانَا
فلهُ المَنٌّ علينا ... وبه دارت رَحَانَا
وارتحل معاوية عن الموضع، وورد الأشتر، وقد كشف الأشعث القوم عن الماء، وأزالهم عن مواضعهم، وورد علي فنزل في الموضع الذي كان فيه معاوية فقال معاوية لعمرو بن العاص: يا أبا عبد اللّه، ما ظنك بالرجل أتراه يمنعنا الماء لمنعنا إياه؟ وقد كان انحاز بأهل الشام إلى، ناحية في البرَنائية عن الماء، فقال له عمرو: لا، إن الرجل جاء لغير هذا، وإنه لا يرضى حتى تدخل في طاعته أو يقطع حبل عاتقك، فأرسل إليه معاوية يستأذنه في وروده مشرعته واستقاء الناس من طريقه ودخول رسله في عسكره، فأباحه عليٌّ كل مل أسأل وطلب منه.

ولما كان أول يوم من ذي الحجة - بعد نزول عليّ على هذا الموضع بيومين - بعث إلى معاوية يدعوه إلى اتحاد الكلمة والدخول في جماعة المسلمين، وطالت المراسلة بينهما، فاتفقوا على الموادعة إلى آخر المحرم من سنة سبع وثلاثين، وامتنع المسلمون عن الغزو في البحر والبر لشغلهم بالحروب، وقد كان معاوية صالح ملك الروم على مالٍ يحمله إليه لشغله بعلي، ولم يتم بين علي ومعاوية صلح على غير ما اتفقا عليه من الموادعة في المحرم، وعَزَم القوم على الحرب بعد انقضاء المحرم ففي ذلك يقول حابس بن سعد الطائي صاحب راية معاوية:
فما دون المنايا غير ُسبع ... بقين من المحرم أوثمان
مبدأ الحرب
ولما كان في اليوم الأخر من المحرم قبل غروب الشمس بعث عليٌّ إلى أهل الشام: إني قد احتججت عليكم بكتاب اللّه، ودعوتكم إليه، وإني قد نبذت إليكم على سَوَاء، إن اللّه لا يهدى كيد الخائنين، فلم يردوا عليه جواباً إلاَّ السيف بيننا وبينك أو يهلك الأعجز منا.
وأصبح علي يوم الأربعاء - وكان أول يوم من صفر - فعبأ الجيش، وأخرج الأشتر أمام الناس، وأخرج إليه معاوية - وقد تصافَّ أهل الشام وأهل العراق - حبيبَ بن مسلمة الفهري، وكان بينهم قتال شديد سائر يومهم، وأسفرت عن قتلى من الفريقين جميعاً، وانصرفوا.
فلما كان يوم الخميس - وهو اليوم الثاني - أخرج علي هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري المِرْقَال، وهو ابن أخي سعد بن أبي وقاص، وإنما سمي المِرْقَالَ لأنه كان يرقل في الحرب، وكان أعور ذهبت عينه يوم اليرموك، وكان من شيعة علي، وقد أتينا على خبره في اليوم الذي ذهبت فيه عينه، وحسن بلائه في ذلك اليوم، في الكتاب الأوسط في فتوح الشام، فأخرج إليه معاوية أبا الأعور السُلَمي وهو سفيان بن عوف وكان من شيعة معاوية والمنحرفين عن علي، فكانت بينهم الحرب سِجَالاً، وانصرفوا في آخر يومهم عن قتلى كثير.
وأخرج علي في اليوم الثالث - وهو يوم الجمعة - أبا اليقظان عمار بن ياسر في عدة من البدريين وغيرهم من المهاجرين والأنصار فيمن تسرع منعهم من الناس، وأخرج إليه معاوية عمرو بن العاص في تَنُوخَ وبَهْرَاء وغيرهما من أهل الشام، فكانت بينهم سجالاً إلى الظهر، ثم حمل عمار بن ياسر فيمن ذكرنا، فأزال عمراً عن موضعه وألحقه بعسكر معاوية، وأسفرت عن قتلى كثيرة من أهل الشام ودونهم من أهل العراق.
وأخرج علي في اليوم الرابع - وهو يوم السبت - ابنه محمد بن الحنفية في هَمْدَان وغيرها ممن خفَّ معه من الناس، فأخرج إليه معاوية عبيد الله بن عمر بن الخطاب في حمير ولْخَم وجُذَام، وقد كان عبيد الله بن عمر لحق بمعاوية خوفاً من علي أن يقيدة بالهرمزان - وذلك أن أبا لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة قاتل عمر، وكان في أرض العجم غلاماً للهرمزان، فلما قُتل عمر شدَ عبيد الله عَلَى الهرمزان فقتله، وقال: لا أترك بالمدينة فارسياً ولا في غيرها إلا قتلته بأبي، وكان الهرمزان عليلاً في الوقت الذي قتل فيه عمر - فلما صارت الخلافة إلى عليّ أراد قتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان لقتله إياه ظلماً من غير سبب استحقه فلجأ إلى معاوية، فاقتتلوا في ذلك اليوم، وكانت عَلَى أهل الشام، ونجا ابن عمر في اخر النهار هرباً.
وأخرج عليّ في اليوم الخامس - وهو يوم الأحد - عبد الله بن العباس فأخرج إليه معاوية الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط، فاقتتلوا، وأكثر الوليد من سب بني عبد المطلب بن هاشم، فقاتله ابن عباس قتالاً شديداً، وناده ابرز إلي يا صفوان، وكان لَقَبَ الوليد، وكانت الغَلَبة لابن عباس، وكان يوما ًصعباً.
وأخرج علي في اليوم السادس - وهو يوم الاثنين - سعيد بن قيس الهمداني، وهو سيد همدان يومئذ، فأخرج إليه معاوية ذا الكَلاَع، وكان بينهما إلى أخر النهار، وأسفرت عن قتلى، وانصرف الفريقان جميعا.
وأخرج عليّ في اليوم السابع - وهو يوم الثلاثاء - الأشتر في النخعَ وغيرهم، فأخرج إليه معاوية حبيب بن مسلمة الفهرى، فكانت الحرب بينهم سجالاً، وصبر كلا الفريقين وتكافئوا وتواقفوا للموت ثم انصر الفريقان وأسفرت عن قتلى منهما، والجراح في أهل الشام أعم.
خروج علي للقتال
وخرج في اليوم الثامن - وهو يوم الأربعاء - علي رضي اللّه تعالى - بنفسه في الصحابة من البدريين وغيرهم من المهاجرين والأنصار وربيعه وهمدان.

قال ابن عباس: رأيت في هذا اليوم عليَاَ وعليه عمامة بيضاء، وكانَ عينيه سراجا سَليطٍ، وهو يقف على طوائف الناس في مراتبهم يحثهم و يحرضهم، حتى انتهى إلي وأنا في كثيف من الناس، فقال: يا معشر المسلمين، عموا الأصوات، وأكْمِلوا الأمة، واستشعروا الخشية، أقلقوا السيوف في أجفان قبل السَّلة، والحظوا الشَّزْر، واطعنوا لهبره، ونافخوا بالظباء، وصلوا السيوف بالخط والنبال بالرماح، طيبوا عن أنفسكم أنفساً، فإنكم بعين الله، ومع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عاودوا لكرَّ، واستقبحوا الفرَّ، فإنه عارٌ في الأعقاب، ونارٌ يوم الحساب ودونكم هذا السواد الأعظم، والرواق المُطَنَّب، فاضربوا نَهْجَه، فإن الشيطان راكب صعيده، مفترش ذراعيه، قد قَدَّم للوثبة يداً وأخَّرَ للنكوص رجلأ، فصبراً جميلاً حتى تنجلي عن وجه الحق، وأنتم الأعلون واللّه معم ولن يَتِرَكم أعمالكم.
وتقدم علي للحرب على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشَّهْبَاء، وخرج مُعاوية في عدد أهل الشام، فانصرفوا عند المساء وكلٌّ غير ظافر.
وخرج في اليوم التاسع - وهو يوم الخميس - عليّ، وخرج معاوية، فتتلوا إلى ضحوة من النهار، وبرز أمام الناس عبيد اللّه بن عمر بن لخطاب في أربعة آلاف من الخضرية معممين بشقاق الحرير الأخضر مقدمين للموت يطلبون بدم عثمان، وابن عمر يقدمهم وهو يقوك:
أنا عُبَيد اللّه يَنْمِيني عُمَر ... خير قريش مَنْ مضى ومن غَبَرْ
غير نبي اللّه والشيخ الأغر ... قد أبطأت في نصر عثمان مضَر
ْوالربعيون، فلا اسقوا المطر
فناداه علي: ويحك يا ابن عمر، علام تقاتلني؟ واللهّ لو كان أبوك حياً ما قاتلني، قال، أطالب بدم عثمان، قال: أنت تطلب بدم عثمان واللهّ يطلبك بدم الهرمزان، وأمر عليّ الأشْتَرَ النخعي بالخروج إليه فخرج الأشتر إليه وهو يقول:
إني أنا الأشتر معروف السير ... إني أنا الأفعى العراقيًّ الذكر
لستَ من الحي ربيع أو مضر ... لكنني من مَذْحِج البيض الغرر
فانصرف عنه عبيد اللهّ ولم يبارزه، وكثرت القتلى يومئذ.
عمار بن ياسر
وقال عمار بن ياسر: إني لأرى وجوه قوم لا يزالون يقاتلون حتى يرتاب المبطلون، واللّه لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سَعَفَات هَجَر لكنا على الحق وكانوا على الباطل.
وتقدم عمار فقاتل ثم رجعٍ إلى موضعه فاستسقى، فأتته امرأة نساء بني شيبان من مصافهم بُعسّ فيه لبن، فدفعته إليه، فقال: الله أكبر اللّه أكبر، اليوم ألقى الأحبة تحت الأسنة، صدق الصادق، وبذلك أخبرني الناطق، وهو اليوم الذي وُعِدْتُ فيه، ثم قال: أيها الناس، ! من رائح إلى اللهّ تحت العوالي؟ والذي نفسي بيده لنقاتلنهم على تأويله كما قاتلناهم على تنزيله، وتقدم وهو يقول:
نحن ضربناكم على تنزيله ... قاليوم نضربْكُم على تأويله
ضرْباً يزيل الهام عن مَقِيلِه ... ويُذْهِلُ الخليلَ عن خليله
أو يرجعَ الحقُّ إلى سبيله
فتوسط القوم، واشتبكت عليه الأسنة، فقتله أبو العادية العاملي وابن جون السكسكي، واختلفا في سَلَبه،فاحتكما إلى عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فقال لمهما: أخرجا عني، فإني سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول، أو قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وولعت قريش بعمار " ما لهم ولعمار؟ يدعوهم إلى جنة ويدعونه إلى النار " وكان قتله عند المساء وله ثلاث وتسعون سنة، قبره بصفين وصلى عليه عليّ عليه السلام ولم يغسله، وكان يغير شيبه. قد تنوزع في نسبه فمن الناس من ألحقه ببني مخزوم، ومنهم من رأى أنه من خُلَفَائهم، ومنهم من رأى غير ذلك، وقد أتينا على خبره في كتاب أخر الأخبار وطرائف الآثار عند ذكرنا الاشتراط الخمسين الذين بايعوا عليّاً على الموت، وفي قتله يقول الحجاج ابن عُزَية الأنصاري أبياتاً رَثَاه بها:
يا للَرِّجَال لعين دمْعُهَا جاري ... قَدْ هَاجَ حُزْنِي أبو اليقظان عَمَّار
أهوى إليه أبوحَوَّا فوارسه ... يدعو السكون وللجيشين إعصار
فاختلَّ صدر أبي اليقظان معترضا ... للرمح، قد وجَبَتْ فينا له النار

الله عن جمعهم لاشك كان عَفَا ... أتَتْ بذلك آيات وآثار
من ينزع اللّه غلا من صدورهم ... على الأسرة لم تمسسهم النار
قال النبي له تقتلك شرذمة ... سيطت لحومهمُ بالبغي، فُجَّار
فاليوم يعرف أهل الشام أنهم ... أصحاب تلك وفيها النار والعار
ولما صرع عمار تقدم سعيد بن قيس الهمداني في همدان، وتقدم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري في الأنصار وربيعه، وعدي بن حاتم في طيى وسعيد بن قيس الهمداني في أول الناس، فخلطوا الجمع بالجمع، واشتدَّ القتال وحطمت همدان أهل الشام حتى قذفتهم إلى معاوية، وقد كان معاوية صَمَدَ فيمن كان معه لسيعيد بن قيس ومن معه من همدان، وأمر عليّ الأشتر أن يتقدم باللواء إلى أهل حمص وغيرهم من أهل قنسرين، فأكثر القتل في أهل حمص وقنسرين بمن معه من القراء، وأبْلى المِرْقَال يومئذ بمن معه فلا يقوم له شيء، وجعل يرقل كما يرقل الفحل في قيده، وعليُّ وراءه يقول له: يا أعور، لا تكن جباناً، تقدم، والمِرْقَال يقول:
قد أكثر القومُ وما أقَلّاَ ... أعور يبغي أهله محل
ا قد عالج الحياة حتى مَلّا ... لا بدَ أنْ يَفُلَّ أوْ يُفَلّا
أشُلُّهُمْ بذي الكعوب شَلا
ثم صمد هاشم بن عتبة المِرْقال لذي الكَلاَع وهو في حمير، فحمل عليه صاحب لواء ذي الكَلاع، وكان رجلا من عُذْرَة وهو يقول:
أثبت فإني لست من فَرعِيْ مضر ... نحن اليمانيون ما فينا ضجر
كيف ترى وقع غلام من عذر ... ينعى ابن عفان ويَلْحى من غدر
يا أعور العين رمى فيها العور ... سيان عندي من سعى ومن أمر
مصرع هاشم المرقال
فاختلفا طعنتين، فطعنه هاشم المرقال فقتله، وقتل بعده تسعة عشر رجلا، وحمل هاشم المرقال وحمل ذو الكلاع ومع المرقال جماعة من أسلم قد ألوا أن لا يرجعوا أو يفتحوا أو يقتلوا، فاجتلد الناس، فقتل هاشم المرقال، وقتل ذو الكلاع جميعاً، فتناول ابن المرقال اللواء حين قبل أبوه في وسط المعركة وكر في الْعَجَاج وهو يقول:
يا هاشم بن عتبة بن مالِك ... أعْزِز ْبشيخ من قريش هالك
خبطه الخيلاتُ بالسنابك ... أبْشِرْ بحور العين في الأرائك
والرّوْح والزيحان عند ذلك
ووقف علي رضي اللّه عنه عند مصرع المِرْقَال ومَنْ صرع حوله من الإسلاميين وغيرهم، فدعا لهم وترحَّمَ عليهم، وقال من أبيات:
جزى اللّه خيراً عصبة أسلمية ... صباح الوجوه صُرِّعُوا حول هاشم
يزيد وعبد اللّه بشر بن معبد ... وسفيان وابنا هاشم ذي المكأرم
وعروة لا ينفَدْ ثناه وذكره ... إذا اخْتُرطت يوماً خفاف الصوأرم
حذيفة بن اليمان، وابناه
واستشهد في ذلك اليوم صفوان وسعد ابنا حذيفة بن اليمان، وقد كان حذيفة عليلاً بالكوفة في سنة ست وثلاثين، فبلغه قتل عثمان وبيعة الناس لعلي فقال: أخرجوني وادعوا الصلاة جامعةً فوضع على المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على النبي وعلى اله، ثم قَال: أيها الناس، إن الناس قد بايعوا عليّاً فعليكم بتقوى اللّه وانصروا عليّاً ووازروه؛ فواللّه إنه لعلى الحق أخرا وأولاً، وإنه لخير من مضى بعد نبيكم ومن بقي إلى يوم القيامة، ثم أطبق يمينه على يساره ثم قال: اللهم أشهد، إني قد بايعت عليّاً، وقال: الحمد للهّ الذي أبقاني إلى هذا اليوم، وقال لا بنيه صفوان وسعد، احملاني وكونا معه، فستكون له حروب كثيرة فيهلك فيها خلق من الناس، فاجتهدا أن تستشهدا معه، فإنه واللّه عَلَى الحق، ومن خالفه عَلَىِ البَاطل، ومَات حذيفة بعد هذا اليوم بسبعة أيام، وقيل: بأربعين يوماَ واستشهد عبد اللّه بن الحارث النخعي أخو الأشتر واستشهد فيه عبد اللّه وعبد الرحمن ابنا بَدِيل بن ورقاء الخزاعي في خلق من خزاعة، وكان عبد اللّه في ميسرة عَليّ وهو يرتجز و يقول:
م يبق إلى الصبر و التوكل ... وأخذك الترس وسيف مصقلْ
ثم التمشيَ في الرعيل الأولْ
فقتل ثم قتل عبد الرحمن أخوه بعده، فيمن ذكرنا من خزاعة.

ولما رأى معاوية القتل في أهل الشام وكلَبَ أهل العراق عليهم استدعى بالنعمان ابن جَبَلة التنوخي - وكان صاحب راية قومه في تنوخ وبَهْرَاء - وقال له لقد هممت أو أولي قومك من هو خير منك مقدماً، وأنصح منك ديناً، فقال له النعمان: آنا لو كنا ندعو قومنا إلى جيش مجموع لكان في كسع الرجال بعضُ الأناة فكيف ونحن ندعوهم إلى سيوف قاطعة، ورُدَيْنية شاجرة، وقوم ذوي بصائر نافذة، واللهّ لقد نصحتك على نفسي، وآثَرْتُ ملكك على ديني، وتركت لهواك الرشد وآنا أعرفه، وجِدْتُ عن الحق وأنا أبصره، وما وُفِّقْتُ لرشد حين أقاتل على ملكك ابن عمّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأول مؤمن به ومهاجر معه، ولو أعطيناه ما أعطيناك لكان أرأف بالرعية، وأجزل في العطية، ولكن قد بذلنا ذلك الأمر ولا بد من أتم أمه كان غياً أو رشداً، وحاشا أن يكون رشداً وسنقاتل عن تين الغوطة وزيتونها إذ حرمنا أثمار الجنة وأنهارها، وخرج إلى قومه، وصمد إلى الحرب.
مقتل عبيد اللّه بن عمر
وكان عبيد الله بن عمر إذا خرج إلى القتال قام إلية نساؤه فشددن عليه سلاحه، ما خلا الشيبانية بنت هانى بن قبيصة، فخرج في هذا اليوم، وأقبل على الشيبانية، وقال لها: إني قد عَبَّأت اليوم لقومك، وأيم اللهّ إني لأرجو أن أربط بكل طُنب من إطناب فُسْطَاطي سيداً منهم، فقالت له: ما أبغض إلا أن تقاتلهم قال: ولم؛ قالت: لأنه لم يتوجه إليهم صنديد في جاهلية ولا إسلام وفي رأسه صعر إلا أبادوه، وأخاف أن يقتلوك، وكأني بك قتيَلاَ وقد أتيتُهم أسألهم أن يهبوا لي جيفتك، فرماها بقوس فشجَّها وقال لها: ستعلمين بمن آتيك من زعماء قومك، ثم توجَّه فحمل عليه حريث بن جابر الجعفي فطعنه فقتله، وقيل: إن الأشتر النخعي هو الذي قتله، وقيل: إن عليّاً ضربه ضَرْبَةً فقطع ما عليه من الحديد حتى خالط سيفه حُشْوة جوفه، وإن عليّاً قال حين هرب فطلبه ليقيد منه بالهرمزان: لئن فاتني في هذا اليوم لا يفوتني في غيره، وكلم نساؤه معاوية في جيفته، فأمر أن تأتين ربيعه فتبذلن في جيفته عشرة آلاف، ففعلن ذلك، فاستأمرت ربيعه علياً، فقال لهم: إنما جيفته جيفة كلب لا يحل بيعها، ولكن قد أجبتهم إلى ذلك؛ فاجعلوا جيفته لبنت هانئ بن قبيصة الشيباني زوجته، فقالوا لنسوة عبيد اللّه: إن شئتن شددناه إلى ذَنَبِ بغل ثم ضربناه حتى يدخل إلى عسكر معاوية، فصرخن وقلن: هذا أشد علينا، وأخبرن معاوية بذلك، فقال لهن: ائتوا الشيبانية فَسَلُوها أن تكلمهم في جيفته، ففعلن، وأتت القوم وقالت: أنا بنت هانئ بن قبيصة وهذا زوجي القاطع الظالم وقد حذرته ما صار إليه فَهَبُوا إلي جيفته، ففعلوا، وألقت إليهم بمطرف خز فأدرجوه فيه ودفعوه إليها فمضت به، وكان قد شد في رجله إلى طنب فسطاط من فساطيطهم.
ولما قتل عمار ومن ذكرنا في هذا اليوم حرض علي عليه السلام الناس وقال لربيعه: أنتم درعي ورمحي، فانتدب له ما بين عشرة آلاف إلى أكثر من ذلك من ربيعه وغيرهم، قد جادوا بأنفسهم الله عز وجل، وعليٌّ أم أمه م على البغلة الشهباء، وهو يقول:
من أي يومَيّ من الموت أفر ... أيومَ لم يقدر أم يوم قُدر
وحمل وحملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهلي الشام صف إلا انتفض، وأهمدوا كل ما أتوا عليه، حتى أتوا إلى قبة معاوية، وعلي لا يمر بفارس إلا قَدَّه وهو يقول:
أضربهم ولا أرى معاويه ... الأخْزَر َالعين العظيم الحاويه
تهوي به في النار أم الهويه
وقيل: إن هذا الشعر لبديل بن ورقاء، قاله في ذلك اليوم.
ثم نادى علي: يا معاوية، علام يقتل الناس بيني وبينك؟ هلم أحاكمك إلى اللّه فآينا قتل صاحبه استقامت له الأُمور، فقال له عمرو: قد أنصفك الرجل، فقال له معاوية: ما أنصفت، وإنك لتعلم أنه لم يبارزه رجك قط إلا قتله أو أسره، فقال له عمرو: وما يحمل بك إلا مبارزته، فقال له معاوية: طمعت فيها بعدي، وحَقَدَها عليه.
وقد قيل في بعض الروايات: إن معاوية أقسم على عمر ولما أشار عليه بهذا أن يبرز إلى علي، فلم يجد عمرو من ذلك بداً، فبرز، فلما التقيا عرفه علي وشال السيف ليضربه به، فكشف عمرو عن عورته، وقال: مُكْرَهٌ أخوك لا بطل فحول عليٌّ وجهه عنه، وقاك: قبحت! ورجع عمرو إلى مصافه.

وقد ذكر هشام بن محمد الكلبي عن الشرقي بن القطامي أن معاوية قال لعمرو بعد انقضاء الحرب: هل غششتني منذ نصحتني؟ قال: لا، قال: بلى واللّه يوم أشَرْتَ علي بارزة علي وأنت تعلم ما هو، قال: دعاك إلى المبارزة فكنت من مبارزته على إحدى الحسنيين: إما أن تقتله فتكون قد قتلت قاتل الأقران وتزداد شرفاً إلى شرفك، وإما أن يقتلك فتكون قد استعجلت مرافقة الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، فقال معاوية: يا عمرو، الثانية من الأولى.
وكان في هذا اليوم من القتال ما لم يكن قبل، ووجدت في بعض النسخ من أخبار صفين أن هاشماً المِرْقَال لما وقع إلى الأرض وهو يجود بنفسه رفع رأسه فإذا عبيد اللّه بن عمر مطروحاً إلى قربه جريحاً، فحبا حتى دنا منه، فلم يزل يعض على ثدييه حتى ثبتت فيه أسنانه لعدم السلاح والقوة، لأنه أصيب فوقه ميتاً هو ورجل من بكم بن وائل، قد زَحَفَا إلى عبيد اللّه جميعاً فنهشاه، وانصرف القوم إلى مواضعهم، وخرج كل فريق منهم يحملون ما أمكن قتلاهم.
ومر معاوية في خواص من أصحابه في الموضعِ الذي كانت ميمنته فيه، فنظر إلى عبد اللّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي فعَفّراَ بدمائه، وقد كان على ميسرة علي، فحمل على ميمنة معاوية فأصيب على ما قدمتا آنفاً، فأراد معاوية أن يمثل به، فقال له عبد اللّه بن عامر وكان صديقاً لابن بديل: والله لا تركتك وإياه، فوهبه له، فغطاه بعمامته وحمله فواراه، فقال له معاوية: قد والله واريت كبشاً من كباش القوم وسيداً من سادات خزاعة غير مدافع، واللّه لو ظفرت بنا خزاعة لأكلونا، ولو أنا من جَنْدَل، دون هذا الكبش، وأنشأ يقول متمثلاً:
أخو الحرب إن عضَّت به الحرب عضها ... وإن شَمَّرت يوماً به الحرب شمّرا
كليث هِزَبْرٍ كان يحمي ذِماره ... رمته المنايا قصدها فتقَطَّرَا
ونظر على إلى غسان في مصافهم لا يزولون، فحرض أصحابه عليهم، وقال: إن هولاء لن يزلوا على موقفهم دون طعن يحرج منه النسيم، وضرب يفلق الهام ويصجُّ العظام، وتسقط منه المعاصم والأكف، حتى تشدخ جباههم بُعُمد الحديد، وتنتثر لممهم على الصدور والأذقان، أين أهل الصبر وطلاب الأجر؟ فثاب إليه عصابة من المسلمين من سائر الناس، فدعا ابنه محمداً، فدفع إليه الراية وقال: امْش بها نحو هذه الراية مشياً رويداً، حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح، فأمسك حتى يأتيك أمري، ففعك، وأتاه عليٌّ ومعه الحسن والحسين وشيوخ بدر وغيرهم من الصحابة، وقد كَرْدس الخيل، فحملوا على غسان ومن يليها، فقتلوا منها بشراً كثيراً، وعادت الحرب في أخر النهار كحالها في أوله، وحملت ميمنة معاوية وفيها عشرة الاف من مذحج وعشرون ألفاً مقنعون في الحديد على ميسرة علي، فاقتطعوا ألف فارس، فانتدب من أصحاب علي عبد العزيز بن الحارث الجعفي، وقال لعليٍّ: مرني بأمرك، فقال: شَدَّ اللهّ ركنك! سِرْ حتى تنتهي إلى إخواننا المحاط بهم، وقل لهم: يقول لكم علي: كبروا ثم احملوا ونحمل حتى نلتقي، فحمل الجعفي، فطعن في عرضهم حتى انتهى إليهم، فأخبرهم بمقالة علي، فكبروا، ثم شدوا حتى التَقَوْا بعلي، وشَدَخُوا سبعمائة من أهل الشام؛ وقتل حوشب ذو ظليم، وهو كبش من كباش اليمن من أهل الشام، وكان على راية ذُهْل بن شيبان وغيرها من ربيعه الحُضَيْنُ بن المنذر بن الحارث بن وعلة الذهلي، وفيه يقول علي في هذا اليوم:
لمن راية سَوداء يخفق ظلها ... إذا قلت قدمْهَا حُضَيْنُ تقدما
ليلة الهرير
فأمره بالتقدم، واختلط الناس، وبطل النبل، واستعملت السيوف، وجَنَهم الليل، وتنادوا بالشعار، وتقصفت الرماح، وتكالم دم القوم، وكان يعتنق الفارسُ الفارسَ ويقعان جميعاً إلى الأرض عن فرسيهما، وكانت ليلة الجمعة - وهي ليلة الهرير - فكان جملة من قَتَلَ عليُّ بكفه في يومه وليلته خمسمائة وثلاثة وعشرين رجلاً أكثرهم في اليوم، وذلك أنه كان إذا قتل رجلاً كبر إذا ضرب، ولم يكن يضرب إلا قتل، ذكر ذلك عنه مَنْ كان يليه في حربه، ولا يفارقه من ولده وغيرهم.
وأصبح القوم على قتالهم، وكسفت الشمس، وارتفع القَتَام، وتقطعت الألوية والرايات ولم يعرفوا مواقيت الصلاة، وغدا الأشتر يرتجز وهو يقول:
نحن قتلنا حَوْشَبا ... لماغَدا قد أعلما

وذا الكَلاَع قبله ... ومعبدا إذ أقْدَمَا
إن تقتلوا منا أبا اليقظان شيخا مُسْلمما
فقد قتلنا منكُم ... سبعين رأسا مجرما
أضْحَوْا بصفين وقد ... لاقوا نكالا مؤلما
خدعة رفع المصاحف
وكان الأشتر في هذا اليوم - وهو يوم الجمعة - على ميمنة علي، وقد أشرف على الفتح، ونادت مشيخة أهل الشام: يا معشر العرب اللّه اللهّ في الحرمات والنساء والبنات، وقال معاوية: هلم مخبآك يا ابن العاص فقد هلكنا، وتذكر ولاية مصر، فقال عمرو: أيها الناس، مَنْ كان معه مصحف فليرفعه على رُمْحه، فكثر في الجيش رفع المصاحف، وارتفعت الضجة ونادوا: كتاب اللهّ بيننا وبينكم، مَنْ لثغور الشام بعد أهل الشام؟ ومَنْ لثغور العراق بعد أهل العراق؟ ومن لجهاد الروم؟ ومن للترك؟ ومن للكفار ورفح في عسكر معاوية نحو من خمسمائة مصحف، وفي ذلك يقول النجاشي بن الحارث: -
فأصبح أهل الشام قد رفعوا الْقَنَا ... عليها كتاب اللّه خير قُرَان
نادوا علياً: يا ابن عمّ محمد ... أما تتقي أن يَهْلِكَ الثقلان؟
ِ ؛ فلما رأى كثير من أهل العراق ذلك قالوا: نجيب إلى كتاب اللّه ونُنِيب إليه، وأحَبَّ القوم الموادعة، وقيل لعلي: قد أعطاك معاوية الحق، ودعاك إلى كتاب اللهّ فاقبل منه، وكان أشدهم في ذلك اليوم الأشعث بن قيس، فقال علي: أيها الناس، إنه لم يزل من أمركم ما أحب حتى قرحتكم الحرب، وقد واللّه أخذت منكم وتركت، وإني كنت بالأمس أميراً فأصبحت اليوم مأموراً، وقد أحببتم البقاء، فقال اللأشتر: إن معاوية لا خَلَفَ له من رجاله، ولك بحمد اللهّ الخلف، ولو كان له مثل رجالك لما كان له مثل صبرك ولا نصرك، فاقرع الحديد بالحديد واستعن باللّه، وتكلَّم رؤساء أصحاب عليّ بنحو من كلام الأشتر، فقال الأشعث بن قيس: أنا ذلك اليوم على ما كنَّا عليه أمس، ولسنا ندرى ما يكون غداً، وقد واللّه فُلَّ الحديد، وكَفَت البصائر، وتكلم معه غيره بكلام كثير، فقال علي: ويحكم إنهم ما رفعوها لأنكم تعلمونها ولا يعلمون بها، وما رفعوها لكم إلا خديعة ودهاء ومَكِيدة، فقالوا له: إنه ما يسعنا أن نُدْعَى إلى كتاب اللّه فانأ بي أن نقبله، فقال: ويحكم إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم الكتاب، فقد عَصَوُا اللّه فيما أمرهم به، ونبذوا كتابه، فامْضوا على حقكم وقصدكم، وخذوا في قتال عدوكم،فإن معاوية وابن العاص وابن أبي مُعَيْط وحبيِب بن مسلمة وابن النابغة وعدداً غير هؤلاء ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأنا أعْرَفُ بهم منكم؛ صحبتهم أطفالا ًو رجالاً، فهم شر أطفال و رجال، وجرى له مع القوم خطب طويل قد أتينا ببعضه، وتهددوه أن يُصْنَع به ما صنع بعثمان، وقال الأشعث: إن شئت أتَيْتُ معاوية فسألته ما يريد، قال: ذلك إليك فآتِهِ إن شئت، فأتاه الأشعث فسأله، فقال له معاوية: نرجعِ نحن وأنتم إلى كتاب الله، وإلى ما أمر به في كتابه: تبعثون منكم رجلاَ ترضونه وتختارونه، ونبعث برجل، ونأخذ عليهما العهد والميثاق أن يعملا بما في كتاب الله ولا يخرجا عنه، وننقاد جميعأ إلى ما اتفقا عليه من حكم الله، فصَؤَبَ الأشعث قوله، وانصرف إلى علي، فأخبره ذلك، فقال أكثر الناس: رضينا وقبلنا وسمعنا وأطعنا، فاختار أهل الشام عمرو بن العاص، وقال الأشعث ومن ارتد بعد ذلك إلى رأي الخؤارج: رضينا نحن بأبي موسى الأشعري، فقال على: قد عصيتموني في أول هذا الأمر فلا تعصوني الآن، إني لا أرى أن أولي أبا موسى الأشعري، فقال الأشعث ومن معه: لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري، قال: ويحكم! هو ليس بثقة: قد فارقني وخَذَل الناس مني وفعل كذا وكذا، وذكر أشياء فعلها أبو موسى، ثم إنه هرب شهوراً حتى أمنته، لكن هذا عبد الله بن عباس أوَلٌيه ذلك، فقال الأشعث وأصحابه: والله لا يحكم فينا مُضَريان، قال عليّ: فالأشتر، قالوا: وهل هاج هذا الأمر إلا الأشتر، قال: فاصنعوا الآن ما أردتم، وافعلوا ما بدا لكم أن تفعلوه، فبعثوا إلى أبي موسى وكتبوا له القصة، وقيل لأبي موسى: إن الناس قد اصطلحوا، فقال: الحمد الله، قيل: وقد جعلوك حكماً، قال: أنا لله لانا إليه راجعون.
ذكر الحكمين وبدء التحكيم

كان أبو موسى الأشعر يحدث قبل وقعة صِفِّينَ ويقول: إن الفتن لم تزل في بني إسرائيل ترفعهم وتخفضهم حتى بعثوا الحكمين يحكمان بحكم لا يرضى به من اتبعهما وإن هذه الأمة لا تزال بها الفتن ترفعها وتخفضها حتى يبعثوا حكمين يحكمان بما لا يرضى به من اتبعهما، فقال له سويد بن غَفَلة: إياك - إن أدركت ذلك الزمان أن تكون أحَدَ الحكمين، قال: أنا؟ قال: نعم أنت، قال: فكان يخلع قميصه ويقول: لا جعل الله لي إذاً في السماء مَصْعَداً، ولا في الأرض مقعداً، فلقيه سويد بن غَفَلة بعد ذلك فقال: يا أبا موسى، أتذكر مقالتك؟ قال: سَلْ رَبك العافية.
شروط الحكم وموعد الاجتماع
وكان فيما كتب في الصحيفة أن يحيى الحكمان ما أحيا القران ويمتا ما أمات القرآن، ولا يتبعان الهوى، ولا يُدَاهنان في شيء من ذلك فإن فعلا فلا حكم لهما، والمسلمون من حكمهما بَرَاء، وقال عليُّ للحكمين حين أكره على أمرهما ورد الأشتر وكان قد أشرف في ذلك اليوم على الفتح فأخبره مخبر بما قالوا في علي وأنه إن لم يُرِده سُلم إلى معاوية يفعل بهما فعل بابن عفان، فانصرف الأشتر خوفاً على عليّ فقال لهما علي: على أن تحكما بما في كتاب اللّه، وكتابُ اللّه كلُه لي، فإن لم تحكما بما في كتاب فلا حكم لكما، وصَيَّرُوا الأجل إلى شهر رمضان على اجتماع الحكمين في موضع بين الكوفة والشام، وكان الوقت الذي كتبت فيه الصحيفة لأيام بقين من صفر سنة سبع وثلاثين، وقيل: بعد أهذا الشهر منها، ومًرّ الأشعث بالصحيفة يقرؤها على الناس فرحاً مسرورا، حتم انتهى إلى مجلس لبني تميم، فيه جماعة من زعمائهم، منهم عروة بن أدية تميم، وهو أخو بلال الخارجي، فقرأها عليهم، فجرى بين الأشعث وبين أناس منهم خطب طويل، وإن الأشعث كان بدء هذا الأمر والمانع لهم من قتال عدوهم حتى يفيئوا إلا إلى أمر اللهّ، وقال له عروة بن أدَية: أتحكمون في دين اللهّ وأمرِه ونهيه الرجال؟ لا حكم إلا للهّ، فكان أولَ من قالها وحكم بها، وقد تنوزع في ذلك، وشد بسيفه على الأشعث فضم فرسه عن الضربة فوقعت في عجز الفرس ونجا الأشعث، وكادت العصبية أن تقع بين النزارية واليمانية، لولا اختلاف كلمتهم في الديانة والتحكيم.
وفي فعل عروة بن أدَية بالأشعث يقول رجل من بني تميم في أبيات:
عُرْو يا عرو كلُّ فتنة قوم ... سَلَفَتْ إنما تكون فَتِيَّهْ
ثم تَنْمِي ويعظم الخطب فيها ... فاحذرنْ غِبَّ ما أتيت عُرَيَّه
أعلَى الأشعث المعصب بالتا ... ج حملْتَ السلاح يا ابن أدَيه؟
إنها فتنة كفتنة ذي العج ... ل، أيا عروة العَصَا والعصيَّه
فانظر اليوم ما يقول عليّ ... واتَّبِعه، فذاك خيرُ البرية
عدة قتلى صفين
وقد تنوزع في مقدار من قتل من أهل الشام والعراق بصفين: فذكر أحمد بن الدورقي عن يحيى بن معين أن عدة من قتل بها من الفريقين في مائة يوم وعشرة أيام مائة ألف وعشرة آلاف من الناس: من أهل الشام تسعون ألفاً، ومن أهل العراق عشرون ألفاً، ونحن نذهب إلى أن عدد من حضر الحرب من أهل الشام بصفين أكثر مما قيل في هذا الباب، وهو خمسون ومائة ألف مقاتل، سوى الخدم والأتباع، وعلى هذا يجب أن يكون مقدار القوم جميعاً مَنْ قاتل منهم ومن لم يقاتل من الخدم وغيرهم ثلثمائة ألف، بل أكثر من ذلك، لأن أقل من فيهم معه واحد يخدمه، وفيهم من معه الخمسة والعشرة من الخدم والأتباع وأكثر من ذلك، وأهل العراق كانوا في عشرين ومائة ألف مقاتل دون الأتباع والخدم.
وأما الهيثم بن عدي الَطائي وغيره مثل الشرقي بن القطامي وأبي مخنف لوط بن يحيى فذكروا ما قدمنا، وهو أن جملة من قتل من الفريقين جميعاً سبعون ألفاً: من أهل الشام خمسة وأربعون ألفاً، ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً، فيهم خمسة وعشرون بَدْرِياً، وأن العدد كان يقع بالتقصّي والإحصاء للقتلى في كل وقعة، وتحصيل هذا يتفاوت، لأن في قتلى الفريقين من يُعْرَف ومن لا يعرف، وفيهم من غرق، وفيهم من قتل في البر؛ فأكلته السباع فلم يدركهم الإحصاء، وغير ذلك مما يعتور ما وصفنا، وسمعت امرأة بصفين من أهل العراق وقد قتل لها ثلاثة أولاد وهي تقول:

أعينيَّ جُودَا بدمع سَرِبْ ... على فتية من خيار العرب
وما ضرهم غير حنّ النفوس ... بأي امرئ من قريش غَلَب
بعد التحكيم
ولما وقع التحكيم تباغض القوم جميعاً وأقْبَلَ بعضهم يتبرأ من بعض: يتبرأ الأخ من أخيه، والابن من أبيه، وأمر عليٌّ بالرحيل، لعلمه باختلاف الكلمة، وتفاوت الرأي، وعدم النظام لأمورهم، وما لحقه من الخلاف منهم، وكثر التحكيم في جيش أهل العراق، وتضارب القوم بالمقارع ونعال السيوف، وتسابوا، ولام كل فريق منهم الأخر في رأيه، وسار علي يؤم الكوفة، ولحق معاوية بدمشق من أرض الشام، وفَرَّقَ عساكره فلحق كل جند منهم ببلده.
ولما دخل عليّ رضي اللّه عنه الكوفة انحاز عنه اثنا عشر ألفاً من القراء وغيرهم فلحقوا بحَرَوْرَاءَ - قريةِ من قرى الكوفة - وجعلوا عليهم شبيب بن ربعي التميمي، وعلى صَلاَتهم عبد اللّه بن الكَوَّاء اليشكري من بكر بن وائل، فخرج عليّ إليهم وكانت له معهم مناظرات، فدخلوا جميعاً الكوفة، وإنما سموا الحرورية لاجتماعهم في هذه القرية، وانحيازهم إليها.
وقد ذكر يحيى بن معين قال: حدثنا وهب بن جابر بن حازم، عن الصَّلْتِ بن بهرام، قال: لما قدم عليّ الكوفة جعلت الحرورية تناديه وهو على المنبر: جزعت من البلية، ورضيت بالقضية، وقبلت الدنية، لا حكم إلا اللّه، فيقول: حُكْمَ اللّه أنتظر فيكم، فيقولون: " ولقد أوحِيَ إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " فيقول علي: " فاصبر إن وعد اللّه حق، ولا يستخلفنك الذين لا يوقنون " .
التقاء الحكمين

وفي سنة ثمان وثلاثين كان التقاء الحكمين بدومة الجندل، وقيل: بغيرها، على ما قدمنا من وصف التنازع في ذلك، وبعث عليّ بعبد اللهّ بن العباس وشريح بن هانئ الهمداني في أربعمائة رجل فيهم أبو موسى الأشعري، وبعث معاوية بعمرو بن العاص ومعه شرخبيل بن السمط في أربعمائة، فلما تَدَانى القوم من الموضع الذي كان فيه الاجتماع قال ابن عباس لأبي موسى: إن علياً لم يرض بك حكماً لفضل عندك والمتقدمون عليك كثير، وإن الناس أبَوْا غيرك، وإني لأظن ذلكَ لشر يُرَاد بهم، وقد ضم داهية العرب معك، إن نسيتَ فلا تنس أن علياً بايعه الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، وليس فيه خصلة تباعده من الخلافة، وليس في معاوية خصلة تقربه من الخلافة، ووصى معاوية عمراً حين فارقه وهو يريد الاجتماع بأبي موسى، فقال: يا أبا عبد اللّه، إن أهل العراق قد أكرهوا علياً على أبي موسى، وأنا وأهل الشام رَاضُونَ بك، وقد ضم إليك رجل طويل اللسان قصير الرأي، فأخِّر الحز، وطبق المفصل، ولا تَلقهَ برأيك كله، ووافاهم " سَعد بن أبي وقاص وعبد اللّه بن عمر وعبد الرحمن بن عوف الزهري والمغيرة بن شعبة الثقفي وغيرهم، وهؤلاء ممن قَعَدَ عن بيعة علي، في آخرين من الناس، وذلك في شهر رمضان من سنة ثمان وثلاثين، فلما التقى أبو موسى وعمرو قال عمرو لأبي موسى تكلم وقل خيراً، فقال أبو موسى: بك تكلم أنت يا عمرو فقال عمرو: ما كنت لأفعل وأقدم نفسي قبلك، ولك حقوق كلها واجبة لسنك وصحبتك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وأنت ضيف، فحمد اللّه أبو موسى وأثنى عليه، وذكر الحديث الذي حَلَّ بالإِسلام، والخلاف الواقع بأهله، ثم قال: يا عمرو هلم إلى أمر يجمع اللهّ به الألفة، ويلم الشَّعَثَ، ويصلح ذات البين. فجزاهَّ عمرو خيراً، وقال: إن للكلام أولاً وأخرا، ومتى تنازعنا الكلام خطباً لم نبلغ آخره حتى ننسى أوله، فاجعل ما كان من كلام بينا في كتاب يصير إليه أمرنا،. قال: فاكتب، فدعا عمرو بصحيفة وكاتب وكان الكاتب غلاماً لعمرو، فتقدم إليه ليبدأ به أولاً دون أبي موسى؛لما أراد من المكر به، ثم قال له بحضرة الجماعة: أكتب فإنك شاهد علينا ولا تكتب شيئاً يأمرك به أحدنا حتى تستأمر الأخر فيه، فإذا أمرك فاكتب وإذا نهاك فانته حتى يجتمع رأينا، اكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه فلان وفلان فكتب، وبدأ بعمرو، فقال له عمرو: لا أم لك! أتقدمني قبله كأنك جاهل بحقه؟ فبدأ باسم عبد اللّه بن قيس وكتب: تقاضَيَا على أنهما يشهدان أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله: أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ثم قال عمرو: ونشهد أن أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل بكتاب اللهّ وسنة رسول اللّه حتى قبضه اللّه إليه وقد أدَى الحق الذي عليه، قال أبو موسى: اكتب، ثم قال في عمر مثل ذلك، فقال أبو موسى: اكتب ثم قال عمرو: واكتب وأن عثمان ولي هذا الأمر بعد عمر على إجماع من المسلمين وشُورَى من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ورضاً منهم، وأنه كان مؤمناً، فقال أبو موسى الأشعري: ليس هذا مما قعدنا له، قال عمرو: واللهّ لا بد من أن يكون مؤمناً أو كافراً فقال أبو موسى: كان مؤمناً، قال عمرو: فَمُره يكتب: قال أبو موسى أكتب قال عمرو: فظالما قتِلَ عثمان أو مظلوماً، قال أبو موسى: بل قتل مظلوماً، قال عمرو: أفليس قد جعل اللهّ لولي المظلوم سلطاناً يطلب بدمه؟ قال أبو موسى: نعم، قال عمرو: فهل تعلم لعثمان ولياً أولى من معاوية؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: أفليس لمعاوية أن يطلب قاتله حيثما كان حتى يقتله أو يعجز عنه، قال أبو موسى: بلى، قال عمرو للكاتب: اكتب، وأمره أبو موسى فكتب، قال عمرو: فإنا نقيم البينة أن علياً قتل عثمان، قال أبو موسى: هذا أمر قد حَدَثَ في الإسلام، وإنما اجتمعنا لغيره، !فهلم إلى أمر يصلح اللّه به أمة محمد، قال عمرو: وما هو؟ قال أبو موسى: قد علَمت أن أهل العراق لا يحبون معاوية أبداً، وأن أهل الشام لا يحبون علياً أبداً؛ فهلمَّ نخلعهما جميعاً ونستخلف عبد اللّه بن عمر؟ وكان عبد اللهّ بن عمر على بنت أبي موسى، قال عمرو: أيفعل ذلك عبد اللهّ بن عمر؟ قال أبو موسى: نعم إذا حَمَلَه الناس على ذلك فعل، فعمد عمرو إلى كل ما مال إليه أبو

موسى فصَؤَبه، وقال له: هل لك في سعد؟ قال له أبو موسى: لا، فعدد له عمرو جماعة وأبو موسى له ذلك إلا ابن عمر، فأخذ عمرو الصحيفة وطواها وجعلها تحت قدمه بعد أن ختماها جميعاً، وقال عمرو: رأيت إن رضي أهل العراق بعبد اللّه بن عمر وأباه أهل الشام أتقاتل أهل الشام؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: فأن رضي أهل الشام وأبى أهل العراق أتقاتل أهل العراق؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: أما إذا رأيت الصلاح في هذا الأمر والخير للمسلمين فقم فاخْطُب الناس، واخلع صاحبينا معاً وتكلم باسم هذا الرجل الذي تستخلفه، فقالَ أبو موسى: بل أنت قم فاخطب فأنت أحق بذلك، قال عمرو: ما أحب أن أتقدمك، وما قولي وقولك للناس إلا قول واحد، فقم راشداً.وسى فصَؤَبه، وقال له: هل لك في سعد؟ قال له أبو موسى: لا، فعدد له عمرو جماعة وأبو موسى له ذلك إلا ابن عمر، فأخذ عمرو الصحيفة وطواها وجعلها تحت قدمه بعد أن ختماها جميعاً، وقال عمرو: رأيت إن رضي أهل العراق بعبد اللّه بن عمر وأباه أهل الشام أتقاتل أهل الشام؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: فأن رضي أهل الشام وأبى أهل العراق أتقاتل أهل العراق؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: أما إذا رأيت الصلاح في هذا الأمر والخير للمسلمين فقم فاخْطُب الناس، واخلع صاحبينا معاً وتكلم باسم هذا الرجل الذي تستخلفه، فقالَ أبو موسى: بل أنت قم فاخطب فأنت أحق بذلك، قال عمرو: ما أحب أن أتقدمك، وما قولي وقولك للناس إلا قول واحد، فقم راشداً.
تمام الخدعة
فقام أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أيها الناس، أنا قد نظرنا في أمرنا، فرأينا أقرب ما يحضرنا من الأمن والصلاح ولَم الشَّعَثِ وحَقْن الدماء وجمع الألفة خَلْعَنَا علياً ومعاوية، وقد خلعت علياً كما خلعت عمامتي هذه، ثم أهْوَى إلى عمامته فخلعها، واستخلفنا رجلا قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم، فبرزَ في سابقته، هو عبد الله بن عمر، وأطْرَاه،ورغَبَ الناس فيه، ثم نزل. - فقام عمرو فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أيها الناس، إن أبا موسى عبدَ الله بن قيس قد خلع علياً وأخرجه من هذا الأمر الذي يطلب، وهو أعلم به، ألا وإني قد خلعت علياً معه، وأثبتُ معاوية علي وعليكم، وإن أبا موسى قد كتب في الصحيفة أن عثمان قد قتل مظلومأ شهيداً وأن لوليه سلطاناً أن يطلب بدمه حيث كان، وقد صحب معاوية رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بنفسه، وصحب أبوه النبيَ صلى الله عليه وسلم، وأطراه، ورغَّب الناس فيه، وقال: هو الخليفة علينا، وله طاعتنا وبيعتنا على الطلب بدم عثمان، فقال أبو موسى؛ كذب عمرو، لم نستخلف معاوية، ولكنا خلعنا معاوية وعلياً معأ، فقال عمرو: بل كذب عبد الله بن قيس، قد خلع علياً ولم أخلع معاوية.
قال المسعودي رحمه اللهّ: ووجدت في وجه آخر من الروايات أنهما أتفقا على خلع على ومعاوية، وأن يجعلا الأمر بعد ذلك شورى: يختار الناس رجلاً يصلح لهم، فقدمَّ عمرو أبا موسى، فقال أبو موسى: إني خلعت علياً ومعاوية، فاستقبلوا أمركم، وتنحَى، وقام عمرو مكانه فقال: إن هذا قد خلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فقال أبو موسى: ما لك لا وفقك اللّه غدَرْتَ وفَجَرْتَ؟ إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً، فقال له عمرو: بل إياك يلعن اللّه، كذبت وغدرت، إنما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلِهث، ثم وكز أبا موسى فألقاه لجنبه، فلما رأى ذلك شريح بن هانئ قنَع عمراً بالسوط، وانخزل أبو موسى، فاستوى على راحلته ولحق بمكة، ولم يَعُدْ إلى الكوفة، وقد كانت خطته وأهله وولده بها، وألن أن لا ينظر إلى وجه علي ما بقي، ومضى ابن عمرو سعد إلى بيت المقدس فأحرما.
ما قيل من الشعر في التحكيم
وفي فعل الحكمين يقول أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي:
لو كَانَ للقوم رأي يعصمون به ... عند الخطوب رَمَوْكم بابن عباس
لكن رموكم بِوَغْدٍ من ذو يمن ... ولم يدر ما ضَرْبُ أخماس لأسداس
وفي اختلاف الحكمين والمحكمة يقول بعض من حضر ذلك:
رضينا بحكم اللّه لا حكم غيره ... وباللّهِ رَبّاً والنبي وبالذكر

وبالأصْلَع الهادي عليّ إمامنا ... رضينا بذاك الشيخ في العسر واليسر
رَضِينا به حَياً وَمَيْتاً؛ فإنه ... إمام الهدى في موقف النهى والأمر
ولأبي موسى يقول ابن أعين:
أبا موسى، بليت وأنت شيخ ... قريب العفو مخزون اللسان
وما عمرو صَفَاتُكَ يا ابن قيس ... فيا لله من شيخ يَمانِي
فأمسيت العشيَّةَ ذا اعتذار ... ضعيف الركن منكوب الجنان
تعض الكف من ندم، وماذا ... يرد عليك عضك للبنان؟
وقيل: إنه لم يكن بينهما غير ما كتباه في الصحيفة وإقرار أبي موسى بأن عثمان قتل مظلوماً وغير ذلك مما قدمنا، و نهما لم يخطبا، وذلك أن عمراً قال لأبي موسى: سمَ من شئت حتى أنظر معك، فسمى أبو موسى ابن عمر وغيره ثم قال لعمرو: قد سميت أنا فَسمِّ أنت، قال: نعم، أسمي ذلك أقوى هذه الأمة عليها، وأسدَها رأياً، وأعلمها بالسياسة، معاوية بن أبي سفيان، قال: لا والله ما هو لذلك بأهل، قال: فآتيك بآخر ليس هو بدونه، قال: من هو؟ قال: أبو عبد الله عمرو بن العاص، فلما قالها علم أبو موسى أنه يلعب به، فقال: فعلتها لعنك الله، فَتَسَابَّا، فلحقَ أبو موسى بمكة.
فلما أنصرف أبو موسى انصرف عمرو بن العاص إلى منزله، ولم يأت إلى معاوية، فأرسل إليه معاوية يدعوه، فقال: إنما كنت أجيئك إذ كانت لي إليك حاجة، فأما إذا كانت الحاجة إلينا فأنت أحق أن تأتينا، فعلم معاوية ما قد دُفع إليه، فخمر الرأي وأعمل الحيلة، وأمر معاوية بطعام كثير فصنع، ثم دعا بخاصته ومواليه وأهله، فقال: إني سأغدو إلى عمرو، فإذا دعوت بالطعام فَدَعُوا مواليه وأهله فليجلسوا قبلكم، فإذا شبع رجل منهم وقام فليجلس رجل منكم مكانه، إذا خرجوا ولم يبق في البيت أحد منهم فأغلقوا باب البيت، واحذروا أن يدخل أحد منهم إلا أن آمركم.
خدعة معاوية لعمرو بن العاص
وغدا إليه معاوية وعمرو جالس على فراشه، فلم يقم له عنها، ولا دعاه فجاء مُعاوية وجلس على الأرض، واتكأ على ناحية الفراش، وذلك أن عمراً كان يحدث نفسه أنه قد ملك الأمر وإليه العقد، يضعها فيمن يرى، ويندب للخلافة من يشاء، فجرى بينهما كلام كثير، وكان مما قال له عمرو: هذا الكَتاب الذي بيني وبينه عليه خاتمي وخاتمه، وقد أقرَّ بأن عثمان قتلِ مظلوماً، وأخرج علياً من هذا الأمر، وعَرَض عليَّ رجالا لم أرهم أهلا لها، وهذا الأمر إلي أن استخلف من شئته، وقد أعطاني أهل الشام عهودهم ومواثيقهم، فحادثه معاوية ساعة وأخرجه عما كانوا عليه، وضاحكه وداعبه، ثم قال: يا أبا عبد اللّه، هل من غداء؟ قال: أمَا شيء يشبع مَنْ ترى فلا واللّه، فقال معاوية: هلم يا غلامي غداءك، فجيء بالطعام المستعد، فوضع، فقال: يا أبا عبد اللّه، أدع مواليك وأهلك، فدعاهم، ثمِ قال له عمرو: وادع أنت أصحابك، قال: نعم يأكل أصحابك أولاَ ثم يجلس هؤلاء بعدُ، فجعلوا كلما قام رجل من حاشية عمرو قعد موضعه رجل من حاشية معاوية، حتى خرج أصحاب عمرو وبقي أصحاب معاوية، فقام الذي وكله بغلق الباب، فأغلق الباب، فقال له عمرو: فعلتها، فقال: إي واللّه بيني وبينك أمران فاختر أيهما شئت: البيعة لي، أو أقتلك، ليس واللّه غيرهما، قال عمرو: فأذَنْ لغلامي وردان حتى أشاوره وأنظر رأيه، لا تراه واللّه ولا يراك إلا قتيلاً أو على ما قلت لك، فالوفاء إذن بطعمة مصر، قال: هي لك ما عشت، فاستوثق كل واحد منهما من صاحبه، وأحضر معاوية الخواصَّ من أهل الشام، ومنع أن يدخل معهم أحد من حاشية عمرو، فقال لهم عمرو: قد رأيت أن أبايع معاوية، فلم أر أحداً أقوى على هذا الأمر منه، فبايعه أهل الشام، وانصرف معاوية إلى منزله خليفة.
بين علي وأصحابه
ولما بلغ علياً ما كان منَ أمر أبي موسى وعمرو قال: إني كنت تقدمت إليكم في هذه الحكومة ونهيتكم عنها، فأبيتم إلا عصياني، فكيف رأيتم عاقبة أمركم إذ أبيتم علي؟ والله إني لأعرف مَنْ حملكم على خلافي والترك لأمري، ولو أشاء أخذه لفعلت، ولكن الله من ورائه، يريد بذلك الأشعث بن قيس والله أعلم، وكنت فيما أمرت به كما قال أخو بني خثعم:
أمَرْتُهُمُ أمري بمنعرج اللوَى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضُحَى الغد

مَنْ دعا إلى هذه الحكومة فاقتلوه قتله الله ولو كان تحت عمامتي هذه، إلا إن هذين الرجلين الخاطئين اللذين اخترتموهما حكمين قد تركا حكم الله، وحكما بهوى أنفسهما بغير حجة ولا حق معروف، فأماتا ما أحيا القران، وَأحْيَيَا ما أماته، واختلف في حكمهما كل أمه ما، ولم يرشدمها الله ولم يوفقهما، فبريء الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، فتأهبوا للجهاد واستعدو السير، وأصبحوا في عساكركم أن شاء الله تعالى.
قال المسعوسِ: وقد اختلفت الفرق من أهل ملتنا في الحكمين، وقالوا في ذلك أقاويل كثيرة، وقد أتينا على ما ذهبوا إليه في ذلك وما قاله كل فريق منهم، ومن أيد قوله من الخوارج والمعتزلة والشيعة وغيرهم من فرق هذه الأمة في كتابنا في المقالات في أصول الديانات وذكرنا في كتاب أخبار الزمان قول علي في مواقفه وخطبه، وما قاله في ذلك، وما أكره عليه، وتأنيبه لهم بعد الحكومة، وما تقدم الحكومة من تحذيره إياهم منها حين ألحوا في تحكيم أبو موسى الأشعري وعمرو، حيث قال: ألا إن القوم قد اختاروا لأنفسهم أقرب عهدكم بعبد اللّه بن قيس بالأمس وهو يقول ألا إنها فتنة، فقطعوا فيها أو تاركم وكسروا قسيكم، فإن يك صادقاً فقد أخطأ في مسيره غير مستكره عليه، وإن يك كاذباً فقد لزمته التهمة،. وهذا كلام أبي موسى في تخذيله الناس، وتحريضهم على الجلوس وتثبيطهم عن أمير المؤمنين عليّ في حروبه ومسيره إلى الجمل وغيره، ثم ما قاله في بعض مقاماته في معاتبته لقريش، وقد بلغه عن أناس منهم ممن قعد عن بيعته ونَافَقَ في خلافته كلام كثير، فقال: وقد زعمت قريش أن ابن أبي طالب شجاع ولكن لا علم له بالحروب، تَرِبتْ أيديهم! وهل فيهم أشد مرَاساً لها مني؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد أربيت على نيف وستين، ولكن لا رأي لمن لا يُطَاع.
قال المسعودي: وإذ قد تقدّم ذكرنا لجُمَلٍ من أخبار الجمل وصِفِّينَ والحكمين؛ فلنذكر الآن جوامع من أخبار يوم النهروان، ونعقب ذلك بذكر مقتله عليه السلام، وإن كان قد أتينا على مبسوط سائر ما تقدم لنا في هذا الكتاب وما تأخر، فيما سلف من كتبنا، واللّه أعلم.
ذكر حروبه رضى الله عنه مع أهل النهروان
وما لحق بهذا الباب من مقتل محمد بن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه والأشتر النخعي وغير ذلك
اجتماع الخوارج ومسير علي إليهم

واجتمعت الخوارج في أربعة آلاف، فبايعوا عبد اللّه بن وَهْب الراسبي، ولحقوا بالمدائن، وقتلوا عبد الله بن حباب عامل علي عليها: ذبحوه ذبحاً، وبقروا بطن امرأته وكانت حاملا، وقتلوا غيرها من النساء، وقد كان علي انفصل عن الكوفة في خمسة وثلاثين ألفاً، وأتاه من البصرة، من قبل ابن عباس - وكان عامله عليها - عشرة آلاف فيهم الأحْنَفُ بن قيس وحارثة بن قدامة السعدي، وذلك في سنة ثمان وثلاثين، فنزل على الأنبار، والتأمت إليه العساكر، فخطب الناس وحرضهم على الجهاد، وقال: سيروا إلى قتلة الله المهاجرين والأنصار قُدُماً، فإنهم طالما سَعَوْا في إطفاء نور الله، وحرضوا على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، ألا إن رسول الله أمرني بقتال القاسطين وهم هؤلاء الذين سرنا إليهم، والناكثين وهم هؤلاء الذين فرغنا منهم، والمارقين ولم نلقهم بعد، فسيروا إلى القاسطين، فهم أهم علينا من الخوارج، سيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جَبارين يتخذهم الناس أرباباً، ويتخذون عباد اللّه خَوَلاً ومالهم دُوَلاً، فأبوا إلا أن يبدوا بالخوارج، فسار علي إليهم، حتى أتى النهروان، فبعث إليهم بالحارث بن مرة العبدى رسولا يدعوهم إلى الرجوع، فقتلوه، وبعثوا إلى علي: إن تُبْتَ من حكومتك وشهدت على نفسك بالكفر بايعناك، وإن أبيت فاعتزلْنَا حتى نختار لأنفسنا إماما فإنا منك بَرَاء، فبعث إليهم علي: أن ابعثوا إلي بقتلة إخواني فأقتلهم ثم أتارككم إلى أن أفرغ من قتال أهل المغرب، ولعل اللّه يُقَلِّبُ قلوبكم، فبعثوا إليه، كلنا قتلة أصحابك، وكلنا مستحلّ لدمائهم، مشتركون في قتلهم، وأخبره الرسول - وكان من يهود السواد - أن القوم قد عبروا نهر طبرستان، وهذا النهر عليه قنطرة، تعرف بقنطرة طبرستان، بين حلوان وبغداد، من بلاد خراسان، فقال علي: واللّه ما عبروه ولا يقطعونه، حتى نقتلهم بالرميلة دونه، ثم تواترت عليه الأخبار بقطعهم لهذا النهر، وعبورهم هذا الجسر، وهو يأبى ذلك، ويحلف أنهم لم يعبروه، وأن مصارعهم دونه. ثم قال: سيروا إلى القوم، فوالله لا يفلت منهم إلا عشرة، ولا يقتل منكم إلا عشرة، فسار علي، فأشْرَفَ عليهم، وقد عسكروا بالموضع المعروف بالرميلة على حسب ما قال لأصحابه. فلما أشْرَفَ عليهم قال: اللّه أكبر، صدق اللهّ ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فتصافَّ القوم، ووقف عليهم بنفسه، فدعاهم إلى الرجوع والتوبة، فأبوا ورموا أصحابه، فقيل له: قد رمونا، فقال: كفوا، فكروا القول عليه ثلاثاً وهو يأمرهم بالكف، حتى أتي برجل قتيل متشَحِّطٍ بدمه، فقال علي: اللهّ أكبر، الآن حَل قتالهم، احملوا على القوم، فحمل رجل من الخوارج على أصحاب علي، فجرح فيهم، وجعل يغشى كل ناحية، ويقول:
أضربهم ولو أرى علياً ... ألبسته أبْيَضَ مَشْرَفيا
فخرج إليه علي رضي الله عنه، وهو يقول:
يا أئهَذَا المبتغي عليَّا ... إني أراك جاهلا شَقِيا
قد كنت عن كفاحه غنيا ... هَلَم فابرز هاهنا إليَّا
وحمل عليه عليٌّ فقتله ثم خرج منهم أخر، فحمل على الناس، ففتك فيهم، وجعل يكر عليهم، وهو يقول:
أضربهم ولو أرى أبا حَسَنْ ... ألبسته بِصَأرمي ثوب غَبَن
ْ فخرج إليه علي وهو يقول:
يا أيهذا المبتغى أبا حَسَن ... إليك فانظر أينا يلقى الغَبَنْ
وحمل عليه علي وشكه بالرمح، وترك الرمح فيه، فانصرف علي وهو يقول:
لقد رأيتَ أبا حسن فرأيتَ ما تكره.
المخدج ذو الثدية

وحمل أبو أيوب الأنصَاري على زيد بن حصن فقتله، وقتل عبد اللهّ بن وهب الراسبي، قتله هانئ بن حاطب الأزْدِي، وزياد بن حفصة، وقتل حرقوص بن زهير السعدي، وكان جملة من قتل من أصحاب علي تسعة، ولم يفلت من الخوارج إلا عشرة، وأتى علي على القوم، وهم أربعة آلاف، فيهم المخدج ذو الثدَيَّة إلا من ذكرنا من هؤلاء العشرة، وأمر علي بطلب المخدج، فطلبوه، فلم يقدروا عليه، فقام علي وعليه أثر الحزن لفقد المخدجِ، فانتهى إلى قتلى بعضهم فوق بعض، فقال: افرجوا، ففرجوا يميناَ وشمالاً واستخرجوه، فقال علي رضي اللّه عنه،: اللهّ أكبر، ما كَذَبْتُ على محمد، إنه لناقص اليد ليس فيها عظم، طرفها حلمة مثل ثَدْي المرأة، عليها خمس شعرات أو سبع، رؤوسها معقفة، ثم قال: ائتوني به، فنظر إلى عضده، فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة عليه شعرات سود إذا مدت اللحمة امتدت حتى تحافي بطن يده الأخرى، ثم تُتْرك فتعود إلى منكبه، فَثَنَى رجله ونزل، وخر للّه ساجداً.
ثم ركب ومر بهم وهم صَرْعَى، فقال: لقد صرعكم مَنْ غركم، قيل: ومَنْ غرهم؟ قال: الشيطان وأنْفُسُ السوء، فقال أصحابه: قد قطع الله دابر هم إلى آخر الدهر، فقال: كلا والذي نفسي بيده، وإنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء، لا تخرج خارجة إلا خرجت بعدها مثلُها حتى تخرج خارجة بين الفرات ودجلة مع رجل يقال له الأشمط يخرج إليه رجل منا أهل البيت فيقتله، ولا تخرج بعدها خارجة إلي يوم القيامة.
وجمع علي ما كان في عسكر الخوارج، فقسم السلاح والدواب بين المسلمين، ورَدَّ المتاع والعبيد والإماء إلى أهليهم، ثم خطب الناس، إن اللّه قد أحسن إليكم وأعز نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم، فقالوا: يا أمير المؤمنين قد كًلّت سيوفنا، ونفدَتْ نبالنا، ونصلت أسنة رماحنا، فدعنا نستعد بأحسن عدَتنا، وكان الذي كلمه بهذا الأشعث بن قيس، فعسكر علي بالنخيلة.
تفرق أصحاب علي وردتهم
فجعل أصحابه يتسللون ويلحقون بأوطانهم، فلم يبق معه إلا نفر يسير، ومضى الحارث بن راشد الناجي في ثلاثمائة من الناس فارتدوا إلى دين النصرانية، وهم من ولد سامة بن لؤي بن غالب، من ولد إسماعيل عند أنفسهم، وقد أبى ذلك كثير من الناس، وذكروا أن سامة بن لؤي ما أعْقَبَ، وقد حكى عن علي فيهم ما قد ذكرناه في كتابنا في أخبار الزمان.
ولد سامة بن لؤي وعلي
ولست تكاد ترى ساميّأ إلا منحرفاً عن علي: من ذلك ما ظهر من علي بن الْجَهْم الشاعر السامي من النصب والانحراف، وقد أتينا على لمع من شعره وأخباره في الكتاب الأوسط، ولقد بلغ من انحرافه العداوة لعلي عليه السلام أنه كان يلعن أباه، فسئل عن ذلك، وبم استحق اللعن منه؛ فقال: بتسميتهِ إياي علياً.
فَسًرّح إليهم علي معقلَ بن قيس الرياحي، فقتل الحارث ومن معه من المرتدين بِسيفِ البحر، وسبى عيالهم وذر أريهم، وذلك بساحل البحرين. فنزل معقل بن قيس بعض كُوَرِ الأهواز بسبي القوم، وكان هنالك مصقلة بن هبيرة الشيباني عاملا لعلي، فصاح به النسوة: امنن علينا، فاشتراهم بثلثمائة ألف درهم واعتقهم، وأدَى من المال مائتي ألف وهَرَب إلى معاوية، فقال علي: قبح اللّه مصقلة، فعل فعل السيد وفر فرار العبد، لو أقام أخَذْنَا ما قدرنَا على أخذه، فإن أعسر أنظر ناه، وإن عجز لم نأخذه بشيء، وأنفذ العتق وفي ذلك يقول مصقلة بن هبيرة، من أبيات:
تركت نساء الحي بكر بن وائل ... وأعتقت سَبْياً من لؤي بن غالب
وفارقت خير الناس بعد محمد ... لمالٍ قليلٍ لا محالة ذاهب
وفي ذلك يقول الأخر:
ومصقلة الذي قد باع بيعا ... ربيحا ًيوم ناجية بن س أمه
ولمصقلة أفعال أتاها، وحيل عملها قد ذكرناها وما قال في ذلك من الشعر في الكتاب الأوسط.
وقال علي بن محمد بن جعفر العلوي فيمن انتمى إلى سامة بن لؤي ابن غالب.
وسامة منَّا، فأما بنوه ... فأمرهُمُ عندنا مُظْلم
أناس أتونا بأنسابهم ... خرافة مضطجع يحلُم
وقلنا لهم مثل قول الوصِيّ ... وكل أقاويله مُحْكم
إذا ما سئلت فلم تَدْرِما ... تقول، فقل: ربنا أعلم
عمرو بن العاص ومحمد بن أبي بكر في مصر

وفي سنة ثمان وثلاثين وجه معاوية عمرو بن العاص إلى مصر في أربعة آلاف، ومعه معاوية بن خديج، وأبو الأعور السلمي، واستعمل عمراً عليها حياته، ووَفَى له بما تقدم من ضمانه، فالتقواهم ومحمد بن أبي بكر - وكان عامل علي عليها - بالموضع المعروف بالمسناة، فاقتتلوا، فانهزم محمد لإِسلام أصحابه إياه وتركهم له، وصار إلى موضع بمصر، فاختفى فيه، فاحيط بالدار، فخرج إليهم محمد ومن معه من أصحابه، فقاتلهم حتى قتل، فأخذه معاوية بن خديج وعمرو بن العاص وغيرهما، فجعلوه في جلد حمار وأضرموه بالنار، وذلك بموضع في مصر، يقال له: كوم شريك، وقيل: إنه فعل به ذلك، وبه شيء من الحياة، وبلغ معاوية قتل محمد وأصحابه، فأظهر الفرح والسرور. وبلغ عليّاً قتل محمد وسرور معاوية، فقال: جزعنا عليهِ على قدر سرورهم، فما جزعْتُ على هالك منذ دخلت هذه الحروبَ جَزَعِي عليه، كان لي ربيباً، وكنت أعده ولداً، وكان بي براً، وكان ابن أخي، فعلى مثل هذا نحزن، وعند اللّه نحتسبه.
ولاية الأشتر ومقتله بالعريش مسموماً: وولّى علي الأشتر مصر وأنفذه إليها فيجيش، فلما بلغ ذلك معاوية دسَ إلى دهقان كان بالعريش، فأرغبه، وقال: أترك خراجك عشرين سنة، واحتل للأشتر بالسم في طع أمه ، فلما نزل الأشتر العريش سأل الدهقانُ: أي الطعام والشراب أحبُّ إليه؟ فقيل له: العسل، فأهدى له عسلاً، وقال: إن من أمره وشأنه كذا وكذا، ووصفه للأشتر، وكان الأشتر صائمأ، فتناول منه شربة، فما استقرت في جوفه حتى تلف، وأتى مَنْ كان معه على الدهقان ومن كان معه، وقيل: كان ذلك بالقلزم، والأول أثبت، فبلِغ ذلك علياً، فقال: لليدين والفم، وبلغ ذلك معاوية، فقال: إن الله جنداَ من العسل.
وقبض أصحابه عن عليّ في هذه السنة ثلاثة أرزاق على حسب ما كان يحمل إليه من المال من أعماله، ثم ورد عليه مال من أصبهان، فخطب الناس، وقال: اغدوا إلى عطاء رابع، فوالله ما أنا لكم بخازن، وكان في عطائه أسوة للناس يأخذ كما يأخذ الواحد منهم.
ولم يكن بين علي ومعاوية من الحرب إلا ما وصفنا بصفين، وكان معاوية في بقية أيام علي يبعث سرايا تُغِيرُ، وكذلك علي كان يبعث من يمنع سرايا معاوية من أذيّة الناس، وقد أتينا على ذكر السرايا والغارات فيما سلف من كتبنا.
فرق المعاملة بين الجمل وصفين وسره
قال المسعودي رحمه اللّه: وقد تكلم طوائف من الناس ممن سلف وخلف من أهل الآراء من الخوارج وغيرهم في فعل عليّ يوم الجمل، وصفين، وتباين حكمه فيهما، من قتله من أهل صفين، مقبلين ومدبرين، وإجهازه على جَرْحَاهم، ويوم الجمل لم يتبعٍ مُوَلِّياً، ولا أجهز على جريح، ومن ألقى سلاحه أو دخل داره كان آمنا، وما أجابهم به شيعة علي في تبان حكم علي في هذين اليومين لاختلاف حكمهما، وهو أن أصحاب الجمل لما انكشفوا لم يكن لهم فئة يرجعون إليها، وإنما رجع القوم إلى منازلهم، غير محاربين ولا منابذين، ولا لأمره مخالفين، فرضوا الكف عنهم، وكان الحكم فيما رفع السيف إذ لم يطلبوا عليه أعواناً، وأهل صفين كانوا يرجعون إلى فئة مستعدة، وإمام منتصب، يجمع لهم السلاح، ويسنِي لهم الأعْطِيَةَ، وقسم لهم الأموال، ويجبر كسيرهم، ويحمل راجلهم، ويردهم، فيرجعون إلى الحرب، وهم إلى إمامته منقادون، ولرأيه متبعون، ولغيره مخالفون، ولإمامته تاركون، ولحقه جاحدون، وبأنه يطلب ما ليس له قائلون، فاختلف الحكم لما وصفنا، وتباين حكماهما لما ذكرنا، ولكل فريق من السائل والمجيب كلام يطول ذكره ويتسع شرحه، وقد أتينا على استيعابه، وما ذكره كل فريق منهم فيما سلف من كتبنا، فأغنى ذلك عن إعادته، واللّه أعلم.
ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
رضي اللّه عنه
المؤامرة

وفي سنة أربعين اجتمع بمكة جماعة من الخوارج، فتذاكروا الناسَ، وما هم فيه من الحرب والفتنة، وتعاهد ثلاثة منهم على قتل عليّ، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وتواعدوا، واتفقوا على أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه الذي يتوجَّه إليه، حتى يقتله أو يُقْتَلَ دونه، وهم: عبد الرحمن بن مُلْجَم، لعنه اللهّ! وكان من تُجِيب، وكان عدادهم في مُرَاد، فنسب إليهم، وحجاج بن عبد اللهّ الصريمي، ولقبه: البُرَكَ، وزدويه: مولى بني العنبر، فقال ابن مُلْجَم - لعنة اللهّ!: أنا أقتل عليّاً، وقال البرك: أنا أقتل معاوية، وقال زادويه: أنا أقتل عمرو بن العاص، واتَّعدُوا أن يكون ذلك ليلة سبع عشرة من شهر رمضان، وقيل: ليلة إحدى وعشرين.
ابن ملجم وقطام
فخرجِ عبد الرحمن بن مُلْجَم المرادى إلى عليّ، فلما قدم الكوفة أتى قطَام بنت عمه، وكان علي قد قتل أباها وأخاها يوم النهروان، وكانت أجمل أهل زمانها، فخطبها، فقالت: لا أتزوج حتى تسمي لي: قال: لا تسأليني شيئاً إلا أعطيته، فقالت: ثلاث الاف وعبداً وقينة، وقتل عليّ، فقال: ما سألت هو لك مهر إلا قتل علي، فلا أراك تدركينه، قالت: فالتمس غرَّته، فإن أصبته شفيت نفسي وَنَفَعَك العيشُ معي، وإن هلكْتَ فما عند اللّه خير لك من الدنيا، فقال: واللّه ما جاء بي إلى هذا المصر، وقد كنت هارباً منه إلا ذلك، وقد أعطيتك ما سألت، وخرج من عندها وهو يقول:
ثلاثة الافٍ وعبدٌ وقينَةٌ ... وقتلُ علي بالحسام المصمم
فلا مهر أغلى من علي وإن غلا ... ولا فتك إلا دون فتك ابن مُلْجَم
فلقيه رجل من أشْجَعَ يُقال له شبيب بن نجمة من الخوارج، فقال له: هل لك في شرف الدنيا والأخرة؛ فقال: وما ذاك؟ قال: تساعدني على قتل علي، قال: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئاً آدا، قد عرفت غَنَاءه في الإسلام، وسابقته مع النبي صلى الله عليه وسلم ِ، فقال ابن مُلْجَم: ويحك؛أما تعلم أنه قد حَكم الرجال في كتاب الله، وقتل إخواننا المصلينَ؛ فنقتله ببعض إخواننا، فأقبل معه حتى دخل على قَطَام، وهي في المسجد الأعظم، وقد ضربت كِلَّةً لها وهي معتكفة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، فأعلمتهما أن مجاشع بن وردان بن علقمة قد انتدب لقتله معهما، فدعت لهما بحرير فعصبتهما وأخذوا أسيافهم وقعدوا مقابلين لباب السدة التي يخرج منها علي للمسجد، وكان علي يخرج كل غداة أول الآذان يوقظ الناس للصلاة، وقد كان ابن مُلْجَم مر بالأشعث وهو في المسجد، فقال له: فَضَحَك الصبح، فسمعها حجر بن عدي، فقال: قتلته يا أعور قتلك الله، وخرج علي رضي الله عنه ينادي: أيها الناس، الصلاة، فشد عليه ابن مُلْجَم وأصحابه وهم يقولون: الحكم لله، لا لك، وضربه ابن مُلْجَم على رأسه بالسيف في قَرْنه، وأما شبيب فوقعت صربته بعضادة الباب، وأما مجاشع بن وردان فهرب، وقال علي: لا يفوتنكم الرجل، وَشد الناس على ابن مُلْجَم يرمونه بالحصباء، ويتناولونه ويصيحون، فضرب ساقه رجل من همدان برجله، وضرب المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وجهه فصرعه، وأقبل به إلى الحسن، ودخل ابن وردان بين الناس، فنجا بنفسه، وهرب شبيب حتى أتى رحله، فدخل إليه عبد الله بن نجدة - وهو أحد بني أبيه - فرآه ينزع الحرير عن صدره، فسأله عن في ذلك، فخبره خبره فانصرف عبد اللّه إلى رحله، وأقبل إليه بسيفه فضربه حتى قتله.
وقيل: إن علياً لم يَنَمْ تلك الليلة، وإنه لم يزل يمشي بين الباب والحجرة، وهو يقول: واللّه ما كذبت ولا كذبت، وإنها لليلة التي وعدلت فيها فلما خرج صاح بط كان للصبيان، فصاح بهنَّ بعض من في الدار، فقال علي: ويحك! دعهن فإنهن نوائح.
وقد ذكرت طائفة من الناس أن علياً رضي اللّه عنه أوصى إلى ابنه الحسن والحسين،لأنهما شريكان في آية التطهير، وهذا قول كثير ممن ذهب إلى القول بالنصّ.
وصية علي لأولده

ودخل عليه الناس يسألونه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، رأيت إن فقدناك، ولا نفقدك، أنبايع الحسن؟ قال: لا آمركم ولا أنهاكم، وأنتم أبْصَرُ، ثم دعا الحسن والحسين، فقال لهما: أوصيكما بتقوى اللّه وحده ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكماء، ولا تأسفا على شيء منها، قولا الحق وارحما اليتيم، وأعينا الضعيف، وكونا للظالم خَصما وللمظلوم عَوْناً، ولا تأخذكما في اللّه لومه لائم؛ثم نظر إلى ابن الحنفية فقال: هل سمعت ما أوصيت به أخويك؟ قال: نعم، قال: أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقر أخويك، وتزيين أمرهما، ولا تقطعَنَ أمرا ًدونهما، ثم قال لهما: أوصيكما به، فإنه سيفكما وابن أبيكما، فأكْرِمَاه واعْرِفَا حقه.
فقال له رجل من القوم: ألا تعهد يا أمير المؤمنين؟ قال: لا ولكني أتركهم كما تركهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، قال: فماذا تقول لربك إذا أتيته؟ قال: أقول: اللّهمَّ إنك أبقيتني فيهم ما شئت أن تبقيني، وقبضتني وتركتك فيهم فإن شئت أفسدتهم،، وإن شئت أصلحتهم،ثم قال: أما واللّه إنها الليلة التي ضرب فيها يُوشع بن نون ليلة سبع عشرة وقبض ليلة إحدى وعشرين.
وبقي علي الجمعة والسبت، وقبض ليلة الأحد، ودفن بالرحبة عند مسجد الكوفة.
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في أخباره تنازع الناس في موضع قبره، وما قيل في ذلك.
سنه وفضله
وقبض وقد أتى عليه اثنتان وسبعون سنة، وقيل: اثنتان وستون، وقد قدمنا تنازع الناس في مقدار سنة، وكان كما قال الحسن: واللّه لقد قبض فيكم الليلة رجل ما سبقه الأولون إلا بفضل النبوة، ولا يدركه الأخرون، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعثه فيكتنفه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فلا يرجع حتى يفتح الله عليه.
وكان الذي صلى عليه الحسن ابنه، وكبر عليه سبعاً، وقيل غير ذلك.
تركته
ولم يترك صفراء ولا بيضاء، إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه، أراد أن يشتري بها خادماً لأهله، وقال بعضهم: ترك لأهله مائتين وخمسين درهمأ ومصحفه وسيفه.
فعلهم بابن ملجم
ولما أرادوا قتل ابن مُلْجَم لعنه الله قال عبد اللّه بن جعفر: دعوني حتى أشفي نفسي منه، فقطع يديه ورجليه وأحمى له مسماراً حتى إذا صار جمرة كحله به، فقال: سبحان الذي خلق الإنسان، إنك لتكحل عمك بملمول الرصاص، ثم إن الناس أخذوه وأدرجوه في بَوَاري ثم طلوها بالنفط وأشعلوا فيها النار فاحترق، وفيه يقول عمران بن حِطان الرقاشي يمدحه في ضربته من شعر له طؤيل:
يا ضَرْبةً من تَقِيٍّ ما أراد بها ... إلا لِيَبْلَغَ من في العرش رضوانا
إني لأذكره يوماً فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا
فأجابه القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الشافعي:
إني لأبرأ مما أنت قائله ... عن ابن ملجم المعلونِ بهتانَا
يا ضربة من شقي ما أراد بها ... إلا ليهدم للإسلام أركانَا
إني لأذكره يوماً فألعنه ... دنيا، وألعن عمراناً وحِطَّانَا
عليه ثم عليه الدَّهَرَ متصلا ... لعائن اللّه إسراراً وإعلانَا
فأنتما من كلاب النار جاء به ... نص الشريعة برهاناً وتبيانَا
وزاد بعضهم على هذه الأبيات بيتاً آخر، وهو:
عليكما لعنة الجبار ما طلعت ... شمس، وما أوقدوا في الكون نيرانَا
معارضة لبيتي اللعين ابن حطان لعنه اللّه في ابن ملجم أخزاه اللّه:
قل لابن ملجم، والأقدار غالبة ... هَدَمْتَ ويلك للإسلام أركانَا
قتلت أفضل مَنْ يمشي على قدم ... وأول الناس إسلاماً وإيمانَا
وأعلم الناس بالقرآن، ثم بما ... سَنَّ الرسول لنا شرعاً وتبيانَا
ضهر النبي، ومولانا، وناصره ... أضحت مناقبه نوراً وبرهانَا
وكان منه على رغم الحسود له ... مكان هارون من موسى بني عمرانَا
وكان في الحرب سيفاً صأرماً ذكرا ... ليثَاَ إذا ما لقَى الأقرانُ أقرانَا
ذكَرْتُ قاتله والدمع منحدر ... فقلت: سبحان رب الناس سبحانَا

إني لأحسبه ما كان من بشر ... يخشى المَعَادَ ولكن كان شيطانَا
أشقى مراد إذا عُدت قبائلها ... وأخْسَرُ الناس عند الله ميزانَا
كعاقر الناقة الأول التي جَلَبَتْ ... على ثمود بأرض الحجر خسرانا
قد كان يخبرهم أنْ سوف يخضبهَا ... قبل المنية أزمانا فأزمانَا
فلاعَفَا الله عنه ماتحمله ... ولا سقى قبر عمران بن حطانَا
لقوله في شقي ظل مجترماً ... ونال ماناله ظلما ًوعدوانَا
يا ضربة من تقيّ ما أراد بها ... إلا ليبلغ من في العرش رضوانا
بل ضربة من غوي أورثته لظى ... مخلدا قد أتى الرحمن غضبانَا
كأنه لم يرد قصداً بضربته ... إلا ليَصْلَى عذاب الخلد نيرانَا
ولعمران بن حطان ولأبيه حطان أخبار كثيرة قد أتينا على ذكرها في كتابنا أخبار الزمان في باب أخبار الخوارج من الأزارقة والأباضية والحمرية والصفرية والنجدية وغيرهم من فرق الخوارج إلى سنة ثمان عشرة وثلثمائة. وكان آخر من خرج منهم ربيعه المعروف بغيرون، فأدخل على المقتدر بالله، بعث به ابن حمدان من كفرتوتا، وقد كان خرج في أي أمه أيضاً المعروف بأبي شعيب.
وقد رثى الناس أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه في ذلك الوقت وإلى هذه الغاية، وذكروا مقتله، وممن رثاه في ذلك الوقت أبو الأسود الدؤلي من أبيات:
ألا أبلغ معاوية بن حَرْب ... فلا قَرت عيونُ الشامتينا
أفي شهر الصيام فجعتمونأ ... بخير الناس طرا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطايا ... ودَللها و من ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حَذَأها ... ومن قرأ المثاني والمبينا
إذا اسقبلت وجه أبي حسين ... رأيت النور فوق الناظرينا
لقد علمت قريش حيث كانت ... بأنك خيرهم حَسبأ ودينا
البرك ومعاوية
وانطلق البركُ الصريمي إلى معاوية فطعنه بخنجر في آليته وهو يصلي فأخذ وأوقف بين يديه، فقال له: ويلك! وما أنت؟ وما خبرك؛ قال: لا تقتلني وأخبره، قال: آنا تبايعنا في هذه الليلة عليك وعلى عليّ وعلى عمرو؛ فإن أردت فأحسبني عندك، فإن كانا قتلا وإلا خليت سبيلي فطلبت قتل عليّ، ولك علي أن أقتله وأن أتيك حتى أضع يدي في يدك، فقال بعض الناس: قتله يومئذ، وقال بعضهم: حسبه حتى جاءه خبر قتل علي فأطلقه.
زادويه وعمرو بن العاص
وانطلق زادويه - وقيل: إنه عمرو بن بكر التميمي - إلى عمرو بن العاص، فوجد خارجة قاضي مصر جالساً على السرير يطعم الناس في مجلس عمرو، وقيل: بل صلى خارجة بالناس الغداة ذلك اليوم، وتخلف عمرو عن الصلاة لعارض، فضربه بالسيف، فدخل عليه عمرو وبه رَمَقٌ، فقال له خارجة: والله ما أراد غيرك، فقال عمرو: ولكن الله أراد خارجة، وأوقف الرجل بين يدي عمرو، فسأله عن خبره؛ فقص عليه القصة وأخبره أن عليا ومعاوية قد قتلا في هذه الليلة، فقال: إن قتلا أو لم يقتلا فلا بد من قتلك، فبكى، فقيل له: أجزعاً من الموت مع هذا الإقدام؟! قال: لا واللّه، ولكن غماً أن يفوز صاحباي بقتل علي ومعاوية ولا أفوز أنا بقتل عمرو، فضربت عنقه وصلب.
وكان علي رضي الله عنه كثيراً ما يتمثل:
تِلكم قريش تَمَنانى لتقتلني ... فلا وربك ما بَروا وما ظفروا
فإن هلكت فَرَهْنٌ ذمتي لهم ... بذات وَدْقَيْنِ لا يعفو لها أثر
وكان يكثر من ذكر هذين البيتين:
أشدد حيازيمك للموت ... فإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموت ... إذا حًلّ بواديكا
وسمعا منه في الوقت الذي قتل فيه، فإنه قد خرج إلى المسجد، وقد عسر عليه فتح باب داره، وكان من جذوع النخل، فاقتلعه وجعله ناحية، وانحل إزاره، فشدَّه وجعل ينشد هذين البيتين المتقدمين.

وقد كان معاوية دسَ أناسا من أصحابه إلى الكوفة يشيعون موته، وأكْثَرَ الناسُ القول في ذلك حتى بلغ علياً، فقال في مجلسه: قد أكثرتم من نعي معاوية، واللّه ما مات ولا يموت حتى يملك ما تحت قدمي، وإنما أراد ابن أكلة الأكباد أن يعلم ذلك مني، فبعث مَنْ يشيع ذلك فيكم ليعلم ويتيقن ما عندي فيه، وما يكون من أمره في المستقبل من الزمان، ومَر في كلام كثير يذكر فيه أيام معاوية ومن تلاه من يزيد ومروان وبنيه وذكر الحجاج وما يسومهم من العذاب، فارتفع الضجيج، وكثر البكاء والشهيق، فقام قائم من الناس فقال: يا أمير المؤمنين، ولقد وصفت أمورا عظيمة، الله إن ذلك كائن؛ قال علي: والله إن ذلك لكائن، ما كذبت ولا كذبت، فقال آخرون: متى يكون ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا خُضِبَتْ هذه من هذه، ووضع إحدى يديه على لحيته والأخرى على رأسه، فأكثر الناسُ من البكاء، فقال: لا تبكوا في وقتكم هذأ فستبكون بعدي طويلا، مكاتب أكثر أهل الكوفة معاوية سِرّاً في أمورهم، واتخذوا عنده الأيادي، فواللّه ما مضت إلا أيام قلائل حتى كان - ذلك، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب - بعد ذكرنا لزهده ولمع من كل أمه - جملاً من أخباره أيضاً في أيام معاوية بن أبي سفيان، والله ولي التوفيق.
ذكر لمع من كلامه وأخباره وزهده
رضوان اللّه عليه
خيار العباد
لم يلبس عليه السلام في أي أمه ثوباً جديدأ، ولا أقتنى ضيعة ولا رَبْعأ، إلا شيئاً كان له بينبع مما تصدق به وحبسه.
والذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف وثمانون خطبة يوردها على البديهة؛ وتداول الناس ذلك عنه قولأ وعملا.
وقيل له: مَنْ خيار العباد؟ قال: الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساءوا استغفروا وإذا أعطوا شكروا وإذا ابتلوا صبروا، وإذا أغضبوا غفروا.
وصف الدنيا
وكان يقول: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، الدنيا مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحيه، ومَتْجَر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، ورِبحوا فيها الجنة، ومن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، ونعَتْ نفسها وأهلها، ومثلت لهم ببلائها البلاء، وشوقت بسرورها إلى السرور، وراحت بفجيعة، وابتكرت بعافية؛تحذيراً وترغيباً وتخويفأ، فذمها رجال غبَّ الندامة، وحمدها آخرون غب المكافأة، ذكرتهم فذكروا تصاريفها، وصدقتهم فصدقوا حديثها، فيا أيها الذامُ للدنيا المغتر بغرورها، متى استدامت لك الدنيا؟ بل متى غرتك من نفسها؛ أبمضاجع آبائك من البلى؟ أم بمصارع أمه آتك من الثرى؟ كم قد عللت بكفك ومَرضْتَ بيدك من تبغي له الشفاء وتستوصف له الدواء من الأطباء! لم تنفعه بشفائك، ولم تسعف له بطلبتك، وقد مثلت ذلك به الدنيا نفسك، وبمصرعه مصرعك: غداً لا ينفعك بكاؤك، ولا يغنى عنك أحِبِّاؤك - ولا تسمع في مدح الدنيا أحسن فن هذا.
ومما حفظ من كل أمه في بعض مقاماته في صفة الدنيا أنه قال: ألا إن الدنيا قد ارتحلت مُدْبرة، وإن الآخرة قد دنت مُقْبلة، ولهذه أبناء، ولهذه أبناء، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا وكونوا من الزاهدين في الدنيا، والراغبين في الآخرة، إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطأ والتراب فراشاً والماء طيباً، وقَوَّضُوا الدنيا تقويضاً، ألا ومن اشتاق إلى الجنة سَلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن راقب الآخرة سارع في المخيرات، ألا وإن للّه عباداً كأنهم يرون أهل الجنة في الجنة منعدين مخلدين، ويرون أهل النار في النار معذبين قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، أنفسهم عفيفة، وحاجتهم خفيفة صبروا أياماً قليلة فصارت لهم العقبى، راحة طويلة، أما الليل فصافُّو أقد أمه م، تجري دموعهم على خدوهم، يَجْأرون إلى ربهم، ويسعون في فكاك رقابهم، وأما النهار فعلماء حكماء بَرَرَة أتقياء، كأنهم القِدَاح بَرَاهم الخوف والعبادة ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى، وما بالقوم من مرض، إن خولطوا فقد خالطهم أمر عظيم من ذكر النار ومن فيها.
وقال لابنه الحسن: يا بني، اسْتَغْنِ عمن شئت تكن نظيرهُ، وسل من شئت تكن حقيره، وأعط من شئت تكن أميره.

ودخل عليه رجل من أصحابه فقال: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ قال: أصبحت ضعيفاً مُذنباً، أكل رزقي، وأنتظر أجلي، قال: وما تقول في الدنيا؟ قال: وما أقول في دار أولها فم، وآخرها موت، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، حَلالُها حساب، ومراحها عقاب، قال: فأي الخلق أنعم؟ قال: أجساد تحت التراب، قد أمنت من العقاب، وهي تنتظر الثواب.
وصف علي عند معاوية
ودخل ضرار بن ضمرة - وكان من خواصِّ علي - على معاوية وافداً، فقال له: صف لي علياً، قال: أعْفِيِنِي يا أمير المؤمنين، قال معاوية: لا بد من ذلك، فقال: أما إذا كان لا بد من ذلك فإنه كان واللّه بعيد المدى، شديد القوى، يقول فَصْلا، ويحكم عدلاً، يتفجرً العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يعجبه من الطعام ما خشن، ومن اللباس ما قصر.
وكان والله يجيبنا إذا دعوناه، ويعطينا إذا سألناه، وكنا واللّه - على تقريبه لنا وقربه منا - لا نكلمه هيبة له، ولا نبتدئه لعظمه في نفوسنا، يَبْسِم عن ثغر كاللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويرحم المساكين، ويطعم في المَسْغَبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة، يكسو العُرَيَان، وينصر اللهفَان، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته، وكأني به وقد أرْخَى الليل سُدُولَه، وغارت نجومه، وهو في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غُري غيري، إلى تعرضت أم إليَّ تشوفت؟ هيهات هيهات!! لا حان حينك، قد أبنتك ثلاثاً لارَجْعة لي فيك، عمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك يسير، آه من قلَّة الزاد وبعد السفر ووَحْشَة الطريق.
من كل أمه
فقال له معاوية: زدني شيئاً من كل أمه ، فقال ضرار: كان يقول: أعجب ما في الإِنسان قلبه، وله مواد من الحكمة، وأضداد من خلافها، فإن سَنَحَ له الرجاء أمَا لَهُ الطمع، وإن مال به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه القنوط قتله الأسف، وإن عَرَضَ له الغضب أشتد به الغيظ، وإن أسعده الرضا نسي التحفظ، وإن ناله الخوف فضحه الجزع، وإن أفاد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة فضحه الفقر، وإن أجهده الجوع أقعده الضعف، وإن أفرط به الشبع كَظَّته البِطْنة، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد.
فقال له معاوية: زدني كلما وعيته من كل أمه ، قال: هيهات أن أتى على جميع ما سمعته منه، ثم قال: سمعته يوصي كميل بن زياد ذات يوم فقال له: يا كميل ذُب عن المؤمن فإن ظهره حِمى الله، ونفسه كريمة على اللّه، وظالمه خصم اللّه، وأحذركم من ليس له ناصر إلا الله.
قال: وسمعته يقول ذات يوم: إن هذه الدنيا إذا أقبلت على قوم أعارتهم محاسن غيرهم، وإذا أدبرت عنهم سَلَبتهم محاسن أنفسهم.
قال: وسمعته يقول: بَطَر الغنى يمنع من عز الصبر.
قال: وسمعته يقول: ينبغي للمؤمن أن يكون نظره عبرة، وسكوته فكرة، وكل أمه حكمة.
وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم - بعد أن قتل جعفر بن أي طالب الطيار بُمؤتة من أرضىِ الشام - لا يبعث بعلي في وجه من الوجوه إلا يقول: " رب لاَ تذَرْنِي فرداَ، وأنت خير الوارثين " .
وحمل علي يوم أحد على كردوس من المشركين خشن فكشفهم، فقال جبريل: يا محمد، إن هذه لهي المواساة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا جبريل إن عليّاً مني " ، قال جبريل: وأنا منكم، كذلك ذكره إسحاق عن ابن إسرائيل وغيره.
ووقف عَلَى عَلِيٍّ سائل، فقال للحسن: قل أمك تدفع إليه درهماً، فقال: إنما عندنا ستة دراهم للدقيق، فقال علي: لا يكون المؤمن مؤمنَاَ حتى يكون بما في يد الله أوْثَقَ منه بما في يده، ثم أمر للسائل بالستة الدراهم كلها، فما برح علي رضي اللّه عنه حتى مر به رجل يقود بعيراً؛ فاشتراه منه بمائة وأربعين درهماً، وأنسأ أجَلَة ثمانية أيام، فلم يحلَّ أجله حتى مر به رجل والبعير معقول فقال: بكم هذا؟ فقال: بمائتي درهم، فقال: قد أخذته، فوزَنَ له الثمن، فدفع علي منه مائة وأربعين درهما للذي ابتاعه منه، ودخل بالستين الباقية على فاطمة عليها السلام، فسألته: من أين هي؟ فقال: هذه تصديقٌ لما جاء به أبوك صلى الله عليه وسلم: " مَنْ جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " .

وَمَرَّ ابن عباس بقوم ينالون من علي وشبونه، فقال لقائده: أدْنِنِي منهم، فأدناه، فقال: أيكم الساب اللّه؟ قالوا: نعوذ باللّه أن نسب اللّه، فقال: أيكم الساب صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: نعوذ باللّه أن نسب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال: أيكم الساب علي بن أبي طالب؟ قالوا: أما هذه فنعم، قال: أشهد لقد سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: " من سبني فقد سب الله، ومن سب عليا فقد سبني " فأطْرَقُوا، فلَمَّا ولى قال لقائدة: كيف رأيتهم؟ فقال:
نظروا إليك بأعين مُزوَزَة ... نظر التيوس إلى شفار الجازر
فقال: زدني فداك أبي وامي، فقال:
خُزْرَ العيون مُنَكِّسِي أذقانهم ... نظر الذليل إلى العزير القاهر
قال: زدني فداك أبي وامي، قال: ما عندي مزيد، قال: ولكن عندى:
أحياؤهم تجني على أمواتهم ... والميتون فضيحة للغابر
وصيته يوم موته
وقد ذكر جماعة من أهل النقل عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي بن الحسين بن علي أن علياً قال في صبيحة الليلة التي ضربه فيها عبد الرحمن بن مُلْجم، بعد حمد اللّه والثناء عليه والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم: كل امرئ ملاقيه ما يفر منه، والأجل تُسَاق النفس إليه، والهرت منه موافاته، كم اطردت الأيام أتحينها عن مكنون هذا الأمر فأبى اللّه عز وجلّ إلا إخفاءه، هيهات علم مكنون، أما وصيتي فاللّه لا تشركوا به شيئاً، ومحمداً لا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين، حمل كل امرئ منكم مجهوده، وخفف عن الحَمَلةِ رب رحيم، ودين قويم، وإمام عليم، كنا في إعصار ذي رياح تحت ظل غمامة اضمحل راكدها فمحطها من الأرض حيا، وبقي من بعدي جُنَّة جأواء، ساكنة بعد حركة، كاظمة بعد نُطْق، ليعظكم هدوئي وخُفُوتُ أطرافي، إنه أوعظ لكم من نطق البليغ، ودعتكم وداع امرئ مرصد لتلاق، وغدا ترون ويكشف عن ساق، عليكم السلام إلى يوم المرام، كنت بالأمس صاحبكم واليم عِظَةٌ لكم وغداً أفارقكم، إن أفق فأنا ولي دمي، وإن أمت فالقيامة ميعادي، والعفو أقرب للتقوى، ألا تحبون أن يغفر اللّه لكم والله غفور رحيم.
تزهده في الدنيا
ومن خطبة قبل هذا وتزهده في هذه الدنيا قوله في بعض مقامات وخطبه: إن الدنيا قد أدبرت وأذنت بوداع، وإن الآخرة قد أشرفت وأقبلت باطلاع، وإن المضمار اليوم والسباق غداً، ألا إنكم في أيام أمل من ورائه أجل، فمن أخلص في أيام أمله قبل حضور أجله فقد حسن عمله وما قَصُرَ أجله، ومن قَصَّر في أيام أجله خسر أجله، ألا فاعملوا لله في الرغبة، كما تعملون في الرهبة، ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها، و كالنار نام هاربها، ألا إنه مَنْ لم ينفعه الحق يضره الباطل، ومن لا يستقيم له الهدى يخزيه الضلال وقد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد وإن أخوف ما أخاف عليكم إتباع الهوى وطول الأمل.
وفضائل علي ومقاماته ومناقبه ووصف زهده ونسكه أكثر من أن يأتي عليه كتابنا هذا أو غيره من الكتب، أو يبلغه إسهاب مسهب، أو إطناب مُطْنب، وقد أتينا على جمل من أخباره وزهده وسيره، وأنواع من كل أمه وخطبه في كتابنا المترجم بكتاب حدائق الأذهان، في أخبار آل محمد عليه السلام وفي كتاب مزاهر الأخبار، وطرائف الآثار، للصفوة النورية والذرية الزكية أبواب الرحمة وينابيع الحكمة.
فضائله رضي اللّه عنه
قال المسعودى: و الأشياء التي استحقبها بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

الفضلَ هي: السبق إلى الإيمان، والهجرة، والنصرة لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، والقربى منه والقناعة وبذل النفس له، والعلم بالكتاب والتنزيل، والجهاد في سبيل الله، والورع، والزهد، والقضاء، والحكم، والفقه والعلم وكل ذلك لعلي عليه السلام منه النصيبُ الأوفر، والحظ الأكبر، إلى ما ينفرد به من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين آخى بين أصحابه أنت أخي وهو صلى الله عليه وسلم لا ضد له، ولا ند، وقوله صلوات الله عليه: " أنت مني بمنزلة هرون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي " وقوله عليه الصلاة والسلام: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه، وعَادِ من عاداه " ثم دعاؤه عليه السلام وقد قدم إليه أنس ال