الكتاب : مطلع البدور ومجمع البحور
المؤلف : العلامة المؤرخ أحمد بن صالح بن أبي الرجال

الإمام المسند أبو يعلى حمزة بن محمد الزيدي العلوي، هو شيخ الحفاظ وحافظ الشيوخ وبهجة الأسناد ومفخر العصابة. قال الشيخ أبو يعلى الخليل بن عبد الله الخليلي في كتابه الإرشاد [إلى علماء الحديث](1): كان عالماً فاضلاً حافظاً للحديث، سمع بقزوين أحمد بن محمد الذهبي وإبراهيم الشهرزوري ومحمد بن مسعود الأسدي من بعدهم، وبالري أبا العباس الحمال(2) وابن أبي حاتم، ودخل نيسابور، فسمع الأصم، وكتب عنه أهل نيسابور، ورأيت الحاكم أبا عبد الله أدخله في تاريخ نيسابور. وروى عنه أحاديث وحكايات، ومن شعره، مات قبل الأربعين.
قلت: أظنه يعني وثلاثمائة.
حمزة بن محمد بن سليمان [ - 401هـ]
الإمام المحدث الكبير أبو يعلى حمزة بن محمد بن سليمان بن حمزة المذكور آنفاً، قال الخليلي أيضاً: أدركته وكان من كبار أهل العلم، سمع (بقزوين) ميسرة بن علي وأبو رزمة، وبالعراق حمله أبوه وهو صغير، فسمع ابن خلاد وعيسى الطوماري ومحمد بن عمر بن غالب وإبراهيم بن محمد بن يحيى النيسابوري، وبمكة إبراهيم بن محمد الدميلي، وبجرجان العطريفي(3)، وكانت له فوائد انتخبها ابن ثابت البغدادي سمع منه (الغرباء) في شبابه، وسمعنا منه، مات سنة إحدى وأربعمائة.
حمزة بن محمد بن حمزة [ - ق 7 هـ]
__________
(1) سقط من (أ): إلى علماء الحديث.
(2) في (ب): الجمال.
(3) في (ب): العطريفي.

القاضي العلامة الصدر نجم الدين حمزة بن محمد بن حمزة بن أبي النجم - رحمه الله - من عيون العلماء القادة، وممن تيسرت له أسباب السعادة، وانقادت له السيادة ، وكان من أعضاد الإمام الشهيد أحمد بن الحسين - عليهما السلام- وكان على طراز سلفه ممدحاً بالشعر مرتفع(1) الصيت صادق(2) التشيع والولاء، وممن مدحه الشيخ الكامل مراثد بن أحمد بن محمد بن نشوان بن سعيد الحميري - رحمه الله - في قصيدة جمع بينه وبين إسماعيل بن أبي النجم وعلي وجعفر طالعها:
أقاسم بلغ الأحباب عني ... وإن بعدوا التحية والسلاما
سلاماً طيباً أرجاً ذكياً ... (كريِّ)(3) المسك خالطه الخزاما
وأقرهمُ التحية لي جميعاً ... وخص بني أبي النجم الكراما
فهم أعلام قحطان بن هود ... قضاة سادة فاقوا الأناما
وأبلغ حمزة القاضي سلامي ... أجلهم وأعلاهم مقاما
وهي قصيدة حسنة، لعلنا نذكرها - إن شاء الله - في ترجمة الشيخ مراثد وعلي بن أبي النجم إن شاء الله.
حمزة بن منصور [429 - 523هـ]
العلامة حمزة بن منصور، من وجوه العلماء وساداتهم، وجلتهم، وقاداتهم، وأحسبه من بني الثمالي /113/ البيت المعمور بالفضل السابقين إلى ولاية آل محمد - عليهم السلام- ومنهم جماعة واسعة على مذهب زيد بن علي - رضي الله عنه - ترجم له البغدادي وغيره.
حمزة بن هبة الله بن محمد
الإمام الكبير المحدث ابن المحدث حمزة بن هبة الله بن محدث نيسابور محمد بن الحسين بن داود العلوي الحسيني النيسابوري.
قال الذهبي في النبلاء: شيخ حسن السيرة، سمع ابن مسرور وعبد الغافر الفارسي وعبد الرحمن بن محمد الأنماطي صاحب الإسماعيلي ومحمد بن الفضل، وسمع ببغداد، وكان زيدياً.
__________
(1) في (ب): رفيع الهمة.
(2) في (ب) زيادة: رفيع الهمة.
(3) الري: المنظر الحسن، تاج العروس، باب الواو والياء.

قال السمعاني: حدثنا عنه جماعة عاش ستاً وتسعين سنة، توفي في المحرم سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وفي مرآة الزمان لسبط بن الجوزي: حمزة بن هبة الله بن محمد بن الحسين بن داود بن علي بن عيسى بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب أبو الغنائم بن أبي البركات بن أبي الحسن، من أهل نيسابور، ولد سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وسمع الكثير، وحدث بالكثير، وضم إلى شرف النسب شرف التقوى، وكان زيدي المذهب، ومات في المحرم سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، انتهى.
والسبط المذكور هو الشيخ شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قرغلي بن عبد الله سبط الشيخ جمال الدين أبي الفرج، ذكره ابن خلكان في ترجمة ابن هبيرة، وذكر أنه رأى مرآة الزمان بدمشق في أربعين مجلداً جميعه بخطه.
حمزة الخشبي [ - ق 4 هـ]
حمزة الخشبي، نسبه إلى (الخشب) - بالخاء المعجمة بعدها شين - قبلي صنعاء، كان في طبقة عالية من الفضل من أصحاب أبي الحسين الطبري، وكان له ذرية صالحة أمدهم الله بمواهب سنية، ففاضت أيديهم، ولما احتاج عبد الله بن أبي عبد الله الخراساني الزيدي - رحمه الله - بعض السنين(1) اختار من أصحابه لحاجته حمزة الخشبي، فأرسل إليه بكتاب يستعينه، فاطلع على الكتاب ابن حمزة الخشبي فبادر إلى حمل بعير طعاماً من ماله، وتوجه به إلى عبد الله، فكتم(2) الكتاب من أبيه، ولما رجع أعطى والده كتاب عبد الله، فسأله ما صنعت، فأخبره فقال: ما حملك على هذا، فقال: مسارعة إلى الخير وخوفاً من أن يستغني، وروى أنه لما وصل ابن حمزة وجد عبد الله في شجرة تين يجتني منها، ولم يبق منها إلا بقايا ضعيفة، وهو يجمعها ويتمثل:
لا تأسَ في الدنيا على فائتٍ ... وعندك الإسلام والعافيةْ
من اسمه حميدان
حميدان بن يحيى بن حميدان [ - ق 7هـ]
__________
(1) في (ب): السنن.
(2) في (ب): وكتم.

السيد العلامة الإمام الكبير البليغ المتكلم الأصولي لسان العترة نور الدين أبو عبد الله حميدان بن يحيى بن حميدان بن القاسم بن الحسن بن إبراهيم بن سليمان هذا هو الصحيح، وقد جعله بعضهم من ولد جعفر بن القاسم، وهو غلط، ابن القاسم بن علي بن عبد الله بن محمد بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - سلام الله عليهم - صاحب التصانيف في علم الكلام، والمترجم عن أهل البيت المصرح بمذهبهم.
قال السيد الهادي بن إبراهيم الصغير: هو ممن عاصر حي الإمام المهدي أحمد بن الحسين - عليهم السلام- وكان علامة في الكلام مطلعاً على أقوال أهله ومتبحراً في ذلك، متقناً غاية الاتقان.
قال: وكان السيد الإمام علي بن المرتضى - رحمه الله - يحفظه غيباً، وإليه لمح الواثق - عليه السلام- بقوله في الأبيات الفخرية:
أما حميدان من شاد الهدى فلقد ... أحيا بهمته قولاً لهم بالي
وهذه الأبيات الفخرية شهيرة شرحها السيد العلامة محمد بن يحيى بن الحسين القاسمي، ومجموعات السيد حميدان فيها نقول مذهب(1) الأئمة، روى السيد العلامة /114/ محمد بن إبراهيم عن الإمام أحمد بن الحسين والإمام المنصور بالله الحسن بن بدر الدين والإمام المتوكل على الله المطهر بن يحيى وابنه محمد بن المطهر أنهم كتبوا على مجموعه - رضي الله عنه - أنه معتقدهم، إلا أن الإمام محمد بن المطهر استثنى الجوهر وقال إن لي فيه نظراً، والإمام الحسن بن بدر الدين استثنى الإرادة، فإنه كان يتوقف في كيفيتها، ومن شعره في الإمام أحمد بن الحسين - عليه السلام-
(فراغ)(2)
__________
(1) في (ب): مذاهب. قلت: ومجموع السيد حميدان طبع بتحقيق أحمد بن حسن الحمزي وهادي أحسن الحمزي عن مركز أهل البيت للدراسات بصعدة سنة 1424هـ - 2003م.
(2) . لعل البياض لما قاله السيد حميدان - عليه السلام- للإمام أحمد بن يحيى - رضوان الله عليه وسلامه - من كيد الحشيشي، وهو قوله.
لما قهرت الظالمين تأملوا
حيلاً يصد ذكا الحليم فيذهل
سَّوا الحشيشي المضلل سعيه
سراً وبالصلح الشهير تعللوا
أعظم بتلك مكيدة وخديعة
لولا الإله لأدركوا ما أملوا
نقض الإله بلطفه ما أبرموا
والله يحفظ من يشاء ويكفل
كل ……………………

وتوفي - رحمه الله - بهجرة الظهراوين من أعمال شظب في شهر (فراغ) (1).
من اسمه حميد
حميد بن أحمد بن جعفر [ - 621هـ] ت
الشيخ الحافظ المحدث موئل العلماء مثابة أهل الإسناد كعبة المسترشد للنجاة محي الدين حميد بن أحمد بن جعفر بن الحسن بن يحيى.
قال بعض النسابين: بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أحمد، وبعضهم أسقط إبراهيم بن محمد، وجعل يحيى بن إبراهيم المسمى بالأنف ابن أحمد بن الوليد بن أحمد بن محمد بن عاصم بن أبي عاصم بن الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، كان من كبار العلماء، له مشائخ وتلامذة، وهو والد الجامع (لشمس الأخبار)، وتخرج ولده رحمة الله عليه، وسمع عنه الحديث، قال: قرأ عليه أمالي المرشد كرات، ختم الثالث من السماعات في عام اثنين وثلاثين وستمائة، وحميد من تلامذة القاضي جعفر، وصنوه محمد بن أحمد بن الوليد سيأتي ذكره، وهذا مبني على أنهما أخوان، كما قاله ابن المظفر، واشتهر عند العلماء، وفي المشجرات.
وقرر السيد العلامة الهادي بن إبراهيم وغيره من المتقدمين وبعض شيوخنا المتأخرين أن حميداً ومحمداً علمان لرجل واحد، توفي حميد المذكور سنة إحدى وعشرين وستمائة، وهذا محتاج إلى(2) التأمل، فقد سبق أن ولده قرأ عليه في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة فيحقق، ولعل الغلط في تاريخ سماع ولده؛ لأن الأمير الناصر لدين الله بن الإمام المنصور بالله رثاه بقصيدة سنذكرها، وموت الأمير الناصر في ثلاث وعشرين وستمائة، والقصيدة هي هذه كتبها الأمير من صعدة إلى قرية حوث:
إن الرزية لا رزية مثلها ... نفس يموت لموتها الإسلامُ
حيت فحي بها الهدى وتضعضعت ... فتضعضعت لمصابها الأعلامُ
يا ليلة القدر التي غادرتنا ... فوضى كسلك زال عنه نظامُ
لم يلق هذا الناس مثل محمد ... شيخاً يساس به الهدى ويقامُ
__________
(1) فراغ في (أ) و (ب). وانظر ترجمته في الطبقات ق3 ح1 ترجمة 245.
(2) في (ب): للتأمل.

فالحق أبلج ما حييت مثمراً ... فينا وأصحاب النبي قيامُ
فعليك من صلوات ربك كلما ... لبَّى الحجيج مكبرين وقامُوا
كنت الشفاء لكل من حادثته ... تُشفى بفضل حديثك الأسقامُ
ونراك ركناً عند كل ملمةٍ ... خرساء يخرس حوفها الأيامُ
/115/ حبلاً يُعاذ به وحصناً شامخاً ... من دونه يتخطف الأقوامُ
وكأنما تلك المحاسن لم تكن ... وكأنها لمفكر أحلامُ
أيلذ بعدك للمسامع مسمع ... أم يُستلذَّ النوم وهو حرامُ
ويقوم بعدك في مقامك قائم ... علماً يؤم سناءه الحكامُ
فجزاك ربك صالحاً ترضى به ... وسقى صداك مجلجل سجَّامُ
وعليك منا كلما جنح الدجى ... ودنا الأصيل تحيةٌ وسلامُ
إن العيون مجلل إحرامها ... فليهن وابل دمعها السجامُ
ثم كتب الأمير الناصر في آخر التعزية قبل الأبيات هذه ما لفظه: ولقد كرم الله تعالى تلك الروح الزكية، والنفس الشريفة المرضية بما هي أهل من الاختيار، وشرفها بما يتنافس فيه الأخيار بالوفاة في ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، فهنيئاً له بما يقدم عليه من العمل الصالح، ويا أسفا عليه أسفا تضيق (له)(1) الجوانح، ثم تلا هذه الشذور والأبيات.
قلت: وصرح الأمير بأن حميداً محمد، والله أعلم.
حُميد بن أحمد الشهيد المحلي [582 - 652 هـ]
العلامة الإمام الفقيه المحدث شيخ الإسلام حسام الدين لسان المتكلمين [ولي أمير المؤمنين](2) حميد الشهيد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد الرزاق بن إبراهيم بن أبي القاسم بن علي بن الحسن بن إبراهيم بن محمد بن يزيد المحلي - بفتح الميم - فيما ضبطه السيد العلامة محمد بن عز الدين المفتي - رحمه الله - وبذلك سر اللطيفة سيدنا(3) العلامة محمد بن إبراهيم السحولي - أدام الله عافيته - في تقريضه لكتاب (محاسن الأزهار) في قوله:
محل دونه أوج الثريا ... ثراه المسك بورك من محل
به لمحاسن الأزهار نورٌ ... وللنور الحلي به يحلي
__________
(1) سقط من (ب).
(2) سقط من (أ).
(3) في (أ): سيدنا.

إذا طالعته يوماً فسلم ... على من حله وعلى المحل
فإن قوله: وعلى المحل، فيه معنيان، أحدهما المحلي العلامة المذكور، والمحل الذي يسكن فيه، وقد أرصد له بقوله: على من حله. ولسيدنا بدر الدين في هذا الكتاب أيضاً بعد أن وجد بخطي:
بمحاسن الأزهار طاب مقيلي ... وذهلت عن غنج أغن كحيلي(1)
ثم عقلت عن تمام الشعر، فكتب سيدنا - أجزل الله مثوبته -:
لم لا وقد أيقنت أن وروده ... شَرْحُ الصدورِ وَبرْدُ كل غليلِ
لم أعترض في ذكر كامل وصفه ... لبسيطه ولوافرٍ وطويلِ
والشمس لا تحتاج في راد الضحى ... إيراد برهانٍ ونصب دليلِ
لولا محبة أهل بيت محمدٍ ... لقليت قالي في القريض وقيلي
بحديث حبهم الصحيح تَعَلُّلِي ... حسن لأن به شفاء غليلي
لولا محاسن آل أحمد لم يكن ... بمحاسن الأزهار طاب مقيلي
__________
(1) لعلها: كحيلِ.

وضبطه بعض أولاد حميد بضم الميم يعرف بالهمداني الوادعي الصنعاني - رحمه الله - كان من كبار العلماء وأعيان أهل الطريقة والزهد مع كمال الرئاسة والصدارة والرجوع إليه في مهمات الإسلام، وكان ممن حضر مقام المنصور بالله ويعد من عيون الحضرة، ثم استمر على حال الكمال، وتولى تهذيب الإمام أحمد بن الحسين أيام قراءته، وللإمام إليه مكاتبات /116/ تدل على علو قدر حميد - رحمه الله - يسميه بالوالد ويراجعه مراجعة المؤدب، وهو كذلك، وألفاظ الإمام في المراسلات من أعذب الألفاظ، ولما قام الإمام بأعباء الإمامة عضده حميد باللسان والسنان، وقام معه قيام أمثاله، فكان عليه فلك الإمامة يدور، يتولى مهماتها من: وزارة(1) وكتابة وفتيا، وفصل، وهو على حال لم يتحول في الزهد حتَّى إنَّ الإمام لما ملك صنعاء انحل الحفيد داراً من دور أصحاب السلطان بآلاف من الدراهم كثيرة، ولم يعط الفقيه حميداً شيئاً من ذلك، لعلمه بحال الرجلين، وكان يقول: أنا أخاف على دعوة الإمام إن حدث بي حدث، وكان كذلك، فإنها انهارت بعده أمور وامتدت أعناق، وقد حاجم الفقيه حميد من ذلك أشد المحاجمة، واستُشهد بالحصبات(2) بقرب هجر بني قطيل، كما سيأتي، ورأى الإمام في الليلة التي أسفر عنها صباح الشهادة أنه سمع قائلاً يقول: يقتل هذا اليوم شبيه الحسين بن علي السبط، أو كما قال، فظن الإمام أنه نفسه يستشهد، فاستشهد الفقيه - رحمه الله -.
__________
(1) في (أ): وزرائه.
(2) الحَصَبَات: مرتفع جبلي يقال له: (نقيل الحصبات) يقع في بلاد السَّوَاد. جنوب شرق مدينة ثلا. (معجم المقحفي ص469).

وله كرامات، منها ما اشتهر من تأذين رأسه بألفاظ الأذان بعد أن قطعه، وجرف الأذان معروف إلى الآن، ومنها ما كان في هذه الأعصار المتأخرة من نزول طير يشبه النسر ينزل في كل سنة فيما مضى يزور القبر، وروى الثقات أنه غسل رجليه في بركة الطهور، وتعمد الطريق الطاهرة حتى دخل إلى عند القبر، وفعل ما يشبه فعل الزائر، ولبث أياماً يتمسح به الناس، فأطعموه(1) فأكل، وأذن المؤيد بالله - عليه السلام- بإطعامه من النذر، فإن لقبَّته - رحمه الله - نذوراً واسعة وأموالاً للتدريس، ومقامه عظيم، وله في الإسلام عناية، وكان يتشابه فضله وفضل القاضي العلامة عبد الله بن زيد العنسي - رحمه الله -.
قال بعض العلماء إلا أني أحسب حُميداً أعلم بالمنقول والقاضي عبد الله بالمعقول، ولهما جملة مصنفات، واختص الله حميداً بالشهادة، وذلك في يوم الجمعة من شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وستمائة في المعركة التي كانت بين أصحاب الإمام أحمد بن الحسين - عليه السلام- وبين الأمراء الحمزيين، ورئيس جماعة الإمام السيد الإمام الكبير أحمد بن يحيى بن حمزة بن سليمان بن أخي المنصور بالله، وكان من فضلاء وقته، ولما حقت الهزيمة أركب حميداً معه على الفرس، فلم يخف مكانه، فقتله غلام تركي، وكان رئيس البغي أحمد بن الإمام المنصور بالله ومحمد بن حسن بن علي بن رسول المكنى أسد الدين، ومن كلام أولاد المنصور بالله بعد قتله: لو أطاعنا حميد ما قتل، ولا كان الذي كان، ومن كلام الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام أنه لم يرض بقتل حميد ولم يرض بهذه الميتة، وأنه كان من طلبة الدنيا ودلاه هذا الرجل بغرور وأوقعه في المحذور.
فقال الإمام المهدي في جوابه لهذا الكلام قوله: لم يرض قتله كلام غير مستقيم؛ لأنه قاتله الذي أجلب عليه بخيله ورجله، وقتل بقوة سلطانه، والأمة مجمعة أن يزيد بن معاوية - لعنه الله - قاتل الحسين بن علي، وهو بالشام والحسين قتل بالعراق.
__________
(1) في (ب): وأطعموه.

وقال - عليه السلام- في جوابه عليه بعد كلام حذفناه: رادفت المحنة، وراكبت سحائب الظلمة، وقتلت رباني هذه الأمة رجلاً أفنى عمره في الذب عن الدين، ونشر علوم أهل بيت محمد الأمين، ولأبيك أمير المؤمنين من مقاماته غررها ومن مقالاته شذورها ودررها.
قلت: وقد ترجم له - رحمه الله - غير واحد.
قال شيخنا الحافظ أحمد بن سعد الدين - رحمه الله - ما لفظه: هو الفقيه العلامة /117/ بحر العلوم الزاخر، وبدر الفضائل السافر، حميد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد الرزاق بن إبراهيم بن أبي القاسم بن علي بن الحسن بن إبراهيم بن محمد بن يزيد بن يعيش المحلي الوادعي الصنعاني الهمداني، كذا كتب لي نسبه الفقيه العلامة بدر بن محمد من ذريته، وقال إن الموجود بخط حميد - رحمه الله - ضم ميم المحلي في مواضع، وأما المحفوظ والمسموع من ألسن العلماء - رضي الله عنهم - فبفتحها، ولعله من التغيير الطاري على النسب، والله أعلم.

كان - رحمه الله - وحيداً في عصره، فريداً في دهره، شحاكاً للملحدين، وغيظاً للجاحدين، وسيفاً صارماً لا ينبو في الذب عن الدين، أنفق عمره في العلم والعمل والرد على المخالفين لأهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - والنشر لفضائل آل محمد، وله المصنفات الرائقة، والمعلقات الفائقة والرسائل التي هي بالحق ناطقة، كان من أعيان شيعة الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة - سلام الله عليه - على صغر سنه، ثم جد في نصرة الإمام الشهيد المهدي لدين الله أحمد بن الحسين - سلام الله عليه - حتى أكرمه الله بالشهادة بين يديه في سنة اثنتين وخمسين وستمائة، وأمره - رحمه الله - عند أهل البيت - عليهم السلام- وشيعتهم - رضي الله عنهم - أحوج من أن يحتاج إلى ذكر، ومن أجل مصنفاته (الحدائق الوردية في ذكر أئمة الزيدية) في مجلدين(1)، وكتاب (العمدة) في نحو أربعة مجلدة في أصول الدين و(محاسن الأزهار في فضائل إمام الأبرار)(2) وغير ذلك مما لا ينحصر، أخذ عن أئمة كبار، ومشائخ بحار، أحدهم(3) المنصور بالله، وناهيك به، وشيخه محمد بن أحمد بن الوليد القرشي والشيخ أحمد بن الحسن الرصاص والفقيه علي بن أحمد الأكوع، والشيخ الحافظ عمران بن الحسن، والفقيه عمر بن جميل النهدي، والشيخ تاج الدين زيد بن أحمد البيهقي الوارد إلى اليمن عام عشر وست مائة، والفقيه محمد بن إسماعيل الحضرمي الشافعي وغيرهم، وأخذ عنه علماء كبار، منهم ولده أحمد بن حميد، والسيد الجليل يحيى بن القاسم الحمزي، وقد ذكره المؤرخ أبو محمد الطيب بن عبد الله بن أحمد بن علي أبي مخرمة الحضرمي الشافعي في تاريخه (قلادة النحر في وفيات أهل العصر)، فقال فيه أبو عبد الله حميد بن أحمد المحلي الزيدي مذهباً الملقب حسام
__________
(1) طبع بتحقيق د. المرتضى المحطوري، مركز بدر العلمي صنعاء.
(2) طبع بتحقيق محمد باقر المحمودي، وطبع ثانية بتحقيق مركز أهل البيت بصعدة.
(3) في (ب): الإمام.

الدين، كان من علماء الزيدية وأفاضلهم، وله التصانيف المحمية والرسائل الدقيقة، قتله الأشراف بنو حمزة في حرب الإمام أحمد بن الحسين بالبون في سنة اثنتين وخمسين وستمائة، وفي الليلة التي قتل بصبحها(1)، رأى الإمام قائلاً يقول: يقتل اليوم نظير الحسين بن علي أو علي بن الحسين، فقتل الفقيه حميد في ذلك اليوم قبل الإمام أحمد بن الحسين - رحمهم الله - انتهى كلامه بلفظه.
وتحقيق تاريخ قتله - رحمه الله - لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وستمائة، وعمره نحو من سبعين سنة، وكان مصرعه قريباً من قرية (الهجر) أعلى وادي (عفار)، قتله مملوك تركي أو رومي يسمى قيصر الأبهر للأمير أسد الدين محمد بن الحسن بن رسول صاحب الجيش الذي استدعاه الأشراف بنو حمزة والوقعة غربي قرية الحصبات إلى الهضب المطل على بني شاور، واستشهد في ذلك اليوم الفقيهان الفاضلان أحمد بن موسى النجار وعيسى بن جابر الصعديان من أعيان شيعة الإمام المهدي - عليه السلام- في (2) قبائل من جهات الطرف وغيرها إلى نحو من العشرين، والله أعلم.
حميد بن أحمد بن حميد [ - ق 8 هـ]
العلامة الكبير حميد بن أحمد بن حميد بن أحمد - رحمهم الله - هو حفيد الفقيه حسام الدين الماضي ذكره(3)، وكان مبرزاً محققاً.
حميد بن قائد [ - ق 743 هـ]
العلامة النحرير حميد بن قائد، من علماء المائة السابعة، كان فاضلاً /118/ كاملاً وله إخوة علماء، وابن فاضل كامل - رضي الله عنهم - وله مصنفات ، وقبره في قبة والده، وتوفي لعشرة أيام من جمادى الآخرة عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة.
حنبص [ - ]
__________
(1) في (ب): بصبيحها.
(2) في (ب): في جماعة من قبائل جهات.
(3) في (ب): آنفاً، قال في الطبقات: ترجمة 248: سمي حميد الصغير يروي عن أبيه، عن جده، وأخذ عنه ولده أحمد والقاضي حسن بن محمد النحوي، ذكره في شرح الحفيظ.

العلامة الكبير حنبص صاحب سفيان الثوري، كان من كبار الزيدية كما كان أستاذه سفيان ومؤمل بن إسماعيل تلميذ سفيان وصاحبه الذي روى عنه الكتاب الجامع وغيره، وسئل أبو نعيم عن حنبص هذا، فقال: كان جليلاً من أصحاب سفيان، وفيه يقول الشاعر:يا ليت قومي كلهم(1) حنابصة. قتل حنبص المذكور، ومؤمل مع إبراهيم قتيل باخمرا - رضي الله عنهم -.
العلامة حنظلة(2) [ - ق 6هـ]
حنظلة بن الحسن الفقيه العالم الحافظ المسند شيخ الشيوخ عفيف الدين حنظلة بن الحسن بن شعبان عالم كبير مسند، لقي الكملاء، وأخذ عنه الفضلاء، من تلامذته الإمام المنصور بالله - عليه السلام- وكثير من أهل طبقته، وقرأ على العلامة الحافظ جعفر بن أحمد بن عبدالسلام الأنباري - رضي الله عنه -. انتهى(3)
حنظلة بن الحسن بن شعبان (4) [ - ق 6 هـ]
حنظلة بن الحسن الفقيه العالم الحافظ المسند، شيخ الشيوخ، عفيف الدين حنظلة بن الحسن بن شعبان، عالم كبير مسند، لقي الكملاء، وأخذ عنه الفضلاء، من تلامذته الإمام المنصور بالله - عليه السلام- وكثير من أهل طبقته، وقرأ على العلامة الحافظ جعفر بن أحمد بن عبد السلام الأبناوي - رضي الله عنهم -. انتهى
حورية بنت محمد بن يحيى القاسمي [ - ق 8 هـ]
__________
(1) سقط من (أ): كلهم.
(2) هذه الترجمة ساقطة من (أ) وموجودة في (ب).
(3) ترجمة حنظلة بن الحسن بعد ترجمة الشريفة حنه. وفي الطبقات: حنظلة بن الحسن بن شعبان قيد بمعجمة ثم موحدة الغساني الصنعاني الفقيه العالم، أحد تلامذة القاضي جعفر، مما سمع عليه المجموع والنكت وأمالي أحمد بن عيسى، وكان سماعه على القاضي سنة 571هـ وأجل تلامذته المنصور بالله عبدالله بن حمزة والفقيه غران بن الحسن السنوي، وكان سماعه عليه سنة 601هـ.
(4) هذه الترجمة ساقطة من (أ).

الشريفة الطاهرة حورية بنت محمد بن يحيى القاسمي - رحمهم الله -. قال العلامة ابن الوزير في تاريخهم: ليس في الحسينيات في زمانها فيمن عرفناه أكمل ولا أفضل ولا أعلم منها، لها أخلاق شريفة، وشمائل ظريفة، ومروة طائلة، فاقت بها أهل الزمان، وعبادة لا يختلف في فضلها اثنان في العلم والفضل(1) ما لم يكن لأحد من نسائها إلا حي والدتها صفية بنت المرتضى، وليست من أخلاق النساء في شيء، وإنما(2) همها الأعمال الصالحة، والعلوم الراجحة، سمعت كتاب المنهاج الجلي على السيد الواثق، ولها إجازة منه، ولها مطالعة للدفاتر، ومصاحبة للأقلام والمحابر، ولها في الفقه يد قوية وقراءة محققة، وفي سائر العلوم مطالعة ومدارسات، ولها من الزهد ما يتساوى به عندها الشدة والرخاء، والفقر والغنى، والفضة البيضاء والمدرة من الحصباء، وعلى الجملة فهي بجميع محاسن الخلال مشهورة، وبإحراز أنواع الكمال مذكورة.
حنة بنت عبد الله بن حسين(3) [ - 500هـ]
الشريفة العابدة ذات الكرامات حنة بنت عبد الله بن حسين(4)، من آل أبي السعود من بني الهادي - عليه السلام- كانت من الفضل بمحل شهير، ومن العبادة بمقام خطير، وتسمى صاحبة السنام، وإنما سميت بذلك لأنه يروى أنه كانت تبيت(5) في موضع طهورها مثل سنام الجمل ملحاً، وكلما أعيد زال(6) لينتفع بها، وأظنها من ولد المرتضى من آل أبي السعود ظناً مني لسماعي له ممن يوثق به، توفيت سنة خمسمائة، وقبرت بمقبرة العرار من مقابر صعدة - أعاد الله من بركتها -.
أبو حجنة الأجلح [ - ق 2 هـ]
__________
(1) في (ب): ولها في العلم والفضل.
(2) في (ب): إنما.
(3) قال في (ب): هذه الترجمة محلها بعد حورية؛ لأنها وردت بعد حميد.
(4) في (ب): بن الحسين.
(5) في (ب): كان ينبت.
(6) في حاشية (ب): كلما أزيل عاد. ولعله الصواب.

أبو حجنة الأجلح(1)، من أصحاب الإمام الأعظم زيد بن علي - عليه السلام- وممن أخذ عنه، ذكره العلامة البغدادي - رحمه الله تعالى -.
حرف الخاء المعجمة
خاتم [ - ق 4 هـ]
العلامة خاتم معلم الخير وصفوه بالعبادة والفضل. قال بعض السادة آل الوزير: هو شيخ الحسين بن القاسم بن علي في القرآن خاصة، وقيل: في العلوم، ومن العجيب أن الحسين عزله من (الصيد) (2) إلى (ريدة)، فقتله، والله أعلم بحقائق الأحوال.
خباب بن زيد بن معيب [ - ق 2هـ]
خباب بن زيد بن معيب من رجال الزيدية، كان فاضلاً، شهد مع زيد مقتله.
خباب السلمي [ - ق 2 هـ]
خباب السلمي - رحمه الله - من علماء الزيدية مجاهداً سابقاً في الخير، صحب زيداً وكان من وجوه أهل وقته - رحمه الله -.
الخضر بن أحمد بن محمد [ - ق 7 هـ]
السيد الكبير الأمير العالم الخضر بن تاج الدين أحمد بن الأمير بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى - عليهم السلام-. قال العلامة ابن مظفر - رحمه الله -: كان من العلماء الفضلاء الأخيار(3) صنف في أصول الدين والفرائض، وقبره في المقبرة التي على(4) باب المسجد الذي لوالده تاج الدين بهجرة رغافة.
قلت: وأثنى عليه ابن الجلال أو من تمم كتابه في التشجير - رحمه الله تعالى -(5).
الخضر بن الحسن بن بدر الدين [ - ق 7 هـ]
الأمير الجليل السيد السند النبيل الخضر بن أمير المؤمنين المنصور بالله رب العالمين الحسن بن بدر الدين - عليهم السلام-. قال ابن المظفر: كان من العلماء الزاهدين والرؤساء المرضيين، له من التصنيف كتاب (الروضات في علم الفرائض)، وقبره بهجرة تاج الدين برغافة.
__________
(1) في (ب): ابن عبد الله الكندي.
(2) الصَيد: بلاد الصَيد بالشرق من مدينة ريدة في مديرية خارف. (معجم المقحفي ص928).
(3) في (أ): كان من العلماء الأخيار.
(4) سقط من (أ): على.
(5) انظر أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 410.

قلت: وأثنى عليه /119/ ابن الجلال. وقال من نقل عنه: كان ذكياً زكياً عابداً زاهداً، له تصانيف وفضائل كثيرة، انتهى(1).
الخضر بن سليمان الهرش [ - ق 8هـ]
الفقيه الفاضل العالم العامل الخضر بن سليمان الهرش - رحمه الله - ترجم له صاحب الصلة(2)، وأثنى عليه، وذكر عبادته وعمارته لبيت الله أعواماً للحج والعمرة، وكان فريداً في الفرائض، وهو قرين القاضي العلامة إبراهيم الكينعي في أسفار طاعته، وتوفي آيباً من الحج، وقبره بسيف البحر، وله في الفضل مقام عظيم، وقد أثنى عليه غير صاحب الصلة - رحمه الله تعالى -.
خليفة بن حسان الخثعمي [ - ق 2هـ]
خليفة بن حسان الخثعمي العلامة الكبير الفاضل الشهير، أظنه يعرف بالكيال، ترجم له في رجال الزيدية عالمهم الكبير القاسم بن عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر البغدادي - رحمه الله - قال: وكانت له اختيارات.
قلت: يعني في المذهب - رضي الله عنه - وخرج خليفة ابن حسان مع زيد، وخرج أيضاً مع إبراهيم بن عبد الله، ذكره الأصبهاني(3).
خليفة بن الناظري بن محمد [ - ]
__________
(1) أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 411.
(2) صلة الإخوان في بركة حلية علامة الزمان إبراهيم الكينعي (تحت الطبع) وانظر أيضاً طبقات الزيدية ترجمة 251.
(3) أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 412.

خليفة بن الناظري بن محمد (بن محمد)(1) بن منصور بن محمد المعثور بن جعدان بن علي بن الصياد بن الدقاق بن علي بن عبد الله بن جابر بن فاتك بن فيصل بن محمد بن زيد بن حسن بن نشوان بن منصور بن الأجعد بن عبد الله بن عروة بن مالك بن هلال بن عميرة بن يوسف بن الضحاك بن معيار بن كعب بن مسلم بن معمر، وابن منصور بن شاور بن قدم بن قادم بن زيد بن غريب بن جشم بن حاشد الأكبر، كان عالماً فاضلاً صالحاً(2)، يروى أنه سعى بين الإمام المظلل بالغمام المطهر بن يحيى - عليهم السلام- وبين السلطان يوسف المظفر الغساني، وأن السلطان التزم طاعة الإمام وبايعه، وهذه غريبة لم أرها إلا في ترجمة هذا الفاضل.
قلت: وأخلاق الإمام المطهر تقتضي انجذاب السلطان إلى ذلك، يدلك على ذلك كتاب الإمام - عليه السلام- إلى السلطان الملك الأشرف يعزيه في والده الملك المظفر المذكور. قال - عليه السلام-: أما بعد حمداً لله على كل حال، والصلاة على محمد وآله خير آل، فإن الدنيا سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، كثيرة التنقل والاختلال، استنزلت الملوك عن الممالك، وصرعتهم حتوفها فألقتهم في المهالك، لم تمنعهم حصونهم المانعة، ولا دفعت عنهم عساكرهم الدافعة، ولا نصرتهم سيوفهم القاطعة، ولا حمتهم رماحهم، فهي في(3) الحقيقة منام، والعيش فيها أحلام:
أحلام نومٍ أو كظلٍ زائلٍ ... إن اللبيب بمثلها لا يخدعُ
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (أ): صالحاً.
(3) في (أ): فهي الحقيقة.

، والموت فيها غاية كل حي، والفناء نهاية كل شيء، والباقي في أثر الماضي، وإلى الله المصير، فريق في الجنة وفريق في السعير، ?كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ? [آل عمران:185]. ولما بلغ أمد الله المقام الشريف الأعظم الغياثي السلطاني الأشرفي الأغري الأكرمي بأطول الأعمار، وصرف عنه صروف الأقدار، وحماه طوارق الليل وحوادث النهار، ما كان من حكم الله الواحد القهار، وقضائه النافذ في البادين والحضَّار، وذلك وفاة حي والده سلطان اليمن وملكها المطاع من مكة إلى عدن، كان ذلك الملك المظفر تلقاه الله بما يستحقه من العفو والغفران، وأولاه بما هو أهله من البر والإحسان، وأحسن للمقام الشريف فيه العزاء، وجبر ببقائه عظيم هذا المرتزا، وعصمني وإياه بالصبر على ممضات البلا وفادحات اللأوى، ولكل أجل كتاب، والصبر أولى يا أولي الألباب، ?إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ? [الزمر:10]، وأسأله تعالى أن يجعل الآخرة لي وله خيراً من الدنيا التي هي مر السحاب، ولمع السراب، وأن يلهمنا الاستعداد للمعاد، والتزود من التقوى /120/ التي هي خير زاد، فبين أيدينا أهوال تكحل الجفون بالسهاد، ونفاد الأفئدة وتفتت(1) الأعضاد، موت يختلج الأحياء من القصور إلى القبور، وفناء يمزق أوصالهم في الثرى بعد الثروة والحبور، ويلي ذلك ما هو أعظم من هذه الأمور، قبور تبعثر، وعظام تحشر، وصحائف تنشر، وستائر تظهر، وحكم عدل يجزي العبد بما قدم وأخر، فيزف المحسن إلى جنة يسلو فيها ويجتر، ويدع المسيء في نار يسجن فيها ويسجر، ?إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ? [الطارق:13-14]، ?وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ? [الحاقة:51]، (?لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ? [البقرة:2])(2)، فبادر بنا(3) يا أيها الملك والخطاب (لكل)(4) واقع، يدخل فيه الواعظ
__________
(1) في (ب): وتفت.
(2) زيادة في (ب).
(3) في (أ): فبادر.
(4) سقط من (ب).

والسامع، فكأنا بالموت قد أطل، وبكاذب الأمل قد بطل، واغتنم بنا صالح العمل، في بقية المهل، ولا نعلل نفوسنا بعسى ولعل، فما نعلم متى نعثر بالأجل، فنتأسف على التسهيل في طاعة الله - عز وجل - ونندم وقد سبق السيف العذل، واستقبل الدولة السعيدة - إن شاء الله تعالى - بتوطيد قواعدها على العدل في البلاد، وتشييد صواعدها بالعفو عن ذي العناد، يحوز بذلك في الدنيا ملكاً عظيماً، ويفوز في الآخرة فوزاً عظيماً، ولا تضرب عن نصيحة والدك صفحاً، فلم يأل في محضها لك نصحاً، ولولا أن العزاء سنة مأثورة، وبذل الموعظة شرعة مبرورة، لكان حلمك الوافر كافياً، وعلمك الطاهر شافياً، إ ذ دون الولد المقام الأعظم ما يكفيه من سيف الوعظ هزة وعبرة لا يردعه إلا حره(1)، ?هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ? [إبراهيم:52]. ووالده يهدي إليه سلاماً يؤذن بالسلامة، وإلماماً يلم باليمن والكرامة، والحمد لله وحده، وصلاته على سيدنا محمد وآله وسلامه.
قلت: فهذا الكتاب يدل على تواصل ٍما، وأن التقاطع غير حاصل في تلك الحال.
قال السيد الإمام الحافظ الهادي بن إبراهيم بعد هذا الكتاب: اشتمل هذا الكتاب على فوائد دينية، رأيت التنبيه عليها، ثم ساق السيد كلاماً حسناً - رحمه الله -.
قلت: وقد كان الملك المجاهد علي بن داود بن المظفر من أهل البيت الرسولي مشهور المحبة لأهل البيت الرسولي - عليهم السلام- وعاصره من الأئمة الإمام يحيى بن حمزة والإمام علي بن محمد، وكان من العلماء.
قال الدميري بعد ثنائه على الملك المؤيد والد المجاهد ما لفظه: وأبوه الملك المظفر، وولده الملك المجاهد، كانا في العلم أرفع منه درجة، وأذكى قريحة، وأشهر فضلاً، تغمدهم الله برحمته، انتهى.
__________
(1) في (ب): جزه.

قلت: فلا يبعد صدق ما نقل من بيعته المظفر؛ لأنه نتيجة العلم الذي وصفه به الدميري والذكاء والفضل، والمجاهد قد نقل عنه بظهور واشتهار حبّ أهل البيت كتب إليه الإمام الواثق:
أترضى أن يُعد أبو حسين ... رباعياً وأنت له سمي
فأجابه بقوله:
أيا ماء العذيب وأنت عَذْبٌ ... تعرض دونك الماء الوبي
يشير إلى أن أهل اليمن وماهم عليه من النصب وكراهة أهل البيت - عليهم السلام- يمنعه من التصريح بذلك خشية على سلطانه، وقال بعد ذلك البيت:
قالت الضفدع قولاً ... فهمته الحكماءُ
في فمي ماء وهل ينـ ... ـطق من (في) (1) فيه ماءُ
حرف الدال المهملة
داود بن أحمد بن الناصر [ - ]
السيد الكبير الخطير أبو الحمد داود بن أحمد بن الناصر بن الهادي إلى الحق، كان من شيوخ أهله وفضلائهم، ترجم له بعض أهل العراق أيضاً(2).
داود بن أحمد الجني [ - ]
/121/ الفقيه (العلامة) (3) لسان أهل الكلام داود بن أحمد الجني، علاَّمة محقق في الكلام، قرأ عليه العلامة السيد علي بن صلاح - رضي الله عنهما -(4).
داود بن أحمد بن عبد الله
__________
(1) سقطت من (أ) وهي في (ب).
(2) في (ب): وذكر أنه كان بالعراق أيضاً، سقط من (أ).
(3) في (ب): العالم.
(4) لعله داود بن أحمد بن إبراهيم بن عبدالله اليمني الزيدي صارم الدين، ذكره كحاله في معجم المؤلفين عن البغدادي، ومن مؤلفاته شرح القلائد المنتزع من الدرر الفرائد في تصحيح العقائد. انظر أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 415.

الفقيه العلامة المذاكر ضياء الدين داود بن أحمد بن عبد الله السَّلفي، نقل بعض النسَّابين أن نسبهم ينتمي إلى أسعد الكامل، والظاهر أن السلف بن زرعة بن سبأ الأصغر بن كعب كهف الظلم بن سهل بن زيد الجمهور، ويقال: ابن الجمهور بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم العظمي بن سبأ الأوسط، وهو عبد شمس بن وائل بن الغوث بن حيدان بن قطن بن غريب الأكبر بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير الأكبر بن سبأ الأكبر بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان هذا الفقيه فاضلاً عالماً، أثنى عليه الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى، ومن شهد له خزيمة فهو حسبه.
داود بن الحسن بن الحسن(1) [ - ق 2 هـ]
السيد البقيَّة فخر آل الرسول داود بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام- يكنَّى أبا سليم(2)، كان من عيون العترة، وسادات الأسرة، كان ينوب عن أخيه الكامل - عليهم السلام- في صدقات أمير المؤمنين - كرَّم الله وجهه - وكان قد حبسه المنصور العبَّاسي، فجاءت أمَّه إلى الصادق جعفر بن محمد، وشكت إليه حالها، فعلمها دعاء الاستفتاح فدعت به كما علمها في منتصف رجب، فيسَّر الله لولدها الخروج من الحبس، ولهذا سُمِّي دعاء الاستفتاح، ودعا أم داود، وتوفي داود في المدينة، وهو ابن ستين سنة.
داود بن الحسن بن إبراهيم [ - ]
السيد العالم الفاضل داود بن الحسن بن إبراهيم بن سليمان بن القاسم بن علي الحسني الرسي، كان عالماً فاضلاً، يسكن بيت [غريب(3) من ناحية الباقر] (4)، وكان مرجوعاً إليه، وحصلت مناظرة محمد بن الحسن الغريب المطرفي وشيخ الزيدية المحقة يحيى بن عمار بحضرته.
داود بن أحمد [ - ق 8 هـ]
__________
(1) هذه الترجمة في (ب): متأخرة إلى بعد ترجمة داود بن حاتم.
(2) في (ب): أبا سليمان.
(3) في (ب): غريت.
(4) ما بين القوسين مشكل عليه في (ب) × × × هكذا.

السيد العابد العلامة داود بن(1) أحمد صاحب الكرامات، كان فاضلاً عالماً، ترجم له السيد العلامة الهادي بن إبراهيم وابن المظفر وغيرهما، وهو الذي وجه إليه الإمام المؤيَّد بالله يحيى بن حمزة الرسالة الوازعة في أمر الطهارة، وانتفع بها، فكان سريع الوضوء حتى قيل إنه كان يقف في محل الطهارة لئلا يتوهم جاهل أنه ما قد توضأ.
ومن كراماته أن بعض الناس وضع على قبره مسحاة من حديد أو نحوها، ثم حملها إلى الحداد ليصلحها فلم تؤثر فيها النار.
وقبره - رضي الله عنه - بثلا مشهور مزور، وقد روي أن هذه القضيَّة اتفقت بذمار عند الإمام يحيى بن حمزة في قبته الشريفة، ذكره العلامة عبد الله بن يحيى بن الهادي(2) - عليهم السلام-.
داود بن حاتم [ - ]
الفقيه الفاضل العالم داود بن حاتم الجني - رحمه الله - كان عالماً كثير العلم توسم بالاجتهاد، وقبره في غرثومان في (الحوطة)، وهو والد علي بن داود وزير الإمام المطهر بن محمد بن سليمان - عليهم السلام-.
دواد بن الحسن المؤيَّدي [ - ]
السيد العلامة صاحب البراعة واليراعة، ومفخر العصابة والجماعة، داود بن الحسن المؤيَّدي - عليه السلام- كان من كبار العلماء حرر وقرر واشتهر ذكره، وهو من بيتٍ أشهر من نار على علم.
داود بن عبدالرحمن الحسيني [ - ق 4 هـ]
__________
(1) في (ب): داود بن حميدين.
(2) في (ب): عبد الله بن الهادي بن يحيى.

السيد الفاضل العالم الكامل داود بن عبد الرحمن الحسيني - رحمه الله - كان من الكبار له مقام في الفضل رفيع، وله مسائل أوردها إلى الإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني - عليهم السلام- وأجاب عنه إجابة الحميم للحميم، وكاتبه مكاتبة الأكفاء، وكان الشريف داود أوفد ابنيه مهاجرين إلى /122/ الإمام لتعذر الهجرة عليه، وكأنهما ضجرا من الإقامة، ثم ثابت أحلامهما واستقرا في الحضرة المنصورية، فقال الإمام في كتابه إلى داود: ولا يكن لسيدي - أعزَّه الله سبحانه - مهم من سيدي ولديه فهماً - بحمد الله - يزينان من حلا بأرضه، ويظهران كل سوح نزلا به، وقد نبوا نبوةً ثم اطمأنا، وطابت أنفسهما بالمقام.
داود بن ببيد الزيدي [ - ق 7هـ]

القاضي العلامة الفاضل داود بن عبيد من أهل خيبر الزيدي - رضي الله عنه - كان من علماء وقته وفضلاء زمانه، ولمَّا وصلت دعوة الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن رسول الله صلى الله عليه وعلى عقبه الطاهر إلى خيبر والمدينة وتلك النواحي المباركة لبَّاها تلبية لبيب، وعضّ عليها بناب منيب، ووصل إلى الإمام - عليه السلام- وجاهد في سبيل الله، وصدق في الله وأقام يدرس في علم التوحيد، وينسخ الكتب التي يحتاج إليها، وكان شديد الاجتهاد في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان يختلف في قرى الظاهر ويأمرهم بالصلاة والحضور للجمعة، ولم يكن الأكثر يعرف الصلاة لفترة وقعت فأخذهم باللين والشدَّة وجعل على من قطع الصلاة عشر جلدات، فصلّى الناس رغبة ورهبة، وكان للشريف الأمير شجاع الدين جعفر بن الحسين بن القاسم بن الحسن بن حمزة غلام يترك الصلاة، فسأله القاضي داود في مجمع أهل صليب أن يصلي فأبى، وقال: لست أصلي، وأغلظ في الجواب، فأمسكه وجلده عشر جلدات، فذهب يشكو إلى مولاه فأتاه وقد حمله الغضب ومعه غلامان، فأمسكا الفقيه وضربه بعمود الدبّوس، فأنكر الناس ذلك، ولمَّا وصل العلم إلى الإمام - عليه السلام- حكى بعض من حضر أنه أمسَى ليلته تلك يتململ، وما ذاق فيها النوم غضباً لله سبحانه، ووافق ذلك وصول الأمير المذكور بكرة يوم تلك الليلة، وقد كان الإمام أمر الأمير ذا الكفايتين محمد بن إبراهيم بالركوب إلى حوث ليؤدِّيه إليه، فلمَّا حضر في مجمع كبير حضر الأميران الكبيران شيخا آل الرسول يحيى ومحمد أبناء أحمد وطائفة من الشرفاء آل الهادي وآل حمزة وقاضي الشرع محمد بن عبد الله بن حمزة والشيخ محيي الدين محمد بن أحمد النجراني، وأهل المدرسة المنصورية بصعدة، وهو المدرِّس بها، واجتمع بها خلق كثير من أهل البلد وغيرهم، ومن رؤساء الناس وغصَ المسجد والحجرات وقد أمَّ الباب بالناس، فسأله (الإمام)(1) - عليه
__________
(1) سقط من (ب).

السلام- عن القصَّة بعد كلام شرحه في ذلك المقام، فأنكر وقال: إن شهد عليّ شاهد من أهل المدرسَة قبلت شهادته، وقد كان وصل منهم رجل ممن حضر القصَّة فدعاه الإمام فشهد بما حدث، فلمَّا رأى ما عند الإمام من الغضب تقدَّم إلى بين يديه، ووضع(1) سيفه وسوطه واستَسلم للحق، وقال: امض حكمك بما تراه، فأمر الأمير صفيَ الدين ذا الكفايتين يجلده عشرين جلدة تأديباً، وأمر بقبض فرسه ودرعه وأحضر أحد غلاميه فجلده ثلاثين جلدة وحلق رأسه وأمر الأمير جعفراً بالصدور إلى حوث ليبلغ الفقيه ما يجب له بحكم الله تعالى، ففعل، وحضر إلى المسجد الجامع بحوث - عمره الله بالصالحين - وأحضر غلامه الثاني وذلك في حال عمارة المسجد ولم يسقف بعد وحضر خصمه بين يدي القاضي ركن الدين عمرو بن علي العنسي وحضر الشيخ محمد بن أحمد العبشمي والقاضي شرف الدين إبراهيم بن أحمد بن أبي الأسد وأهل المدرسة ومن بلغته صلاة الجمعة من أهل البلاد /123/ فادعى الفقيه ما لحقه من الأمير والغلام فاعترفا بذلك فتراجع من حضر من العلماء في أمر الغلام فأجمع رأيهم على الاقتداء بما فعله الإمام - عليه السلام- في الغلام الأول في صعدة(2)، فأمر القاضي بحلق رأسه وجلده ثلاثين جلده، وبقي الأمير فقام إليه الأمير بعد وجوب الحق واعترافه فلزم على يده ووهب له حقه، وافترق الناس على ألسنَةٍ داعيةٍ للإمام - عليه السلام- بالنصر، معلنة لله تعالى بالحمد والشكر.
داود بن غانم بن الفضل [ - ]
الفقيه الفاضل العلَم العامل(3) داود بن غانم بن الفضل الشقري، من علماء الحديث، كان فاضلاً قرأ عليه داود الجيلاني - الآتي ذكره - الشفاء، وقرأ عليه أجلاء - رحمهم الله جميعاً -.
داود بن نجم آل الرسول [ - ق 3هـ]
__________
(1) في (ب): ووصف.
(2) في (ب): بصعدة.
(3) في (ب): الكامل.

السيد الشريف الحجَّة بن الحجَّة صدر العترة داود بن نجم آل الرسول، ترجمان الدين شبيه إبراهيم الخليل القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام- كان على منهاج سلفه القويم، من الهداة إلى صراط مستقيم، أحد رواة علوم أهل بيته. قال الإمام الأعظم محمد بن القاسم بن محمد: روى صاحب الجامع مذهب القاسم من طريقه.
قلت: وذكروا أنه أقام بمصر، وأعقب بها، وله عقب بالرملة ومكة.
داود بن القاسم الجعفري [ - ]
الأمير الكبير السيد الإمام العالم داود بن القاسم الجعفري - عليه السلام- عالم كبير، قالوا: شهد قضية إدريس بن عبد الله، قالوا: وكان عالماً فاضلاً مباركاً - رضوان الله عليه -.
داود بن محمد الجيلاني [ - بعد سنة 736هـ]

العلامة الفاضل الكامل داود بن محمد الجيلاني - رحمه الله - الواصل إلى اليمن ومن العراق، كان من علماء زمانه، وأبدال أوانه، صالحاً فاضلاً، عالماً عاملاً، وهو(1) الذي اختصر شرح الإمام يحيى على الأحاديث الأربعين، سمَّى شرحه (المقاصد الأخروية المنتزعة من كتاب الأنوار المضيَّة)(2)، قال في خطبته: إني لمَّا طالعت (الأنوار المضيئة شرح الأربعين السيلقية) تصنيف الإمام المؤيد بالله أمير المؤمنين يحيى بن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وجدته قد احتَوى على علوم باهرة، وحكم ظاهرة، من نفيس اللغة العربية، والأحاجي النحوية، والمعاني والبيان وبديع البديع، وفصيح النثر المريع، وأنا على ظهر السفر باطناً وظاهراً وصعب علي حمل الخزائن، فاستخرت الله سبحانه بنسخ كل ما قصد الإمام - عليه السلام- من شرح مقاصده - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -(3).
داود بن الهادي بن أحمد [980 - 1035هـ]
الشيخ(4) العلامة شيخ شيوخ الزيدية داود بن الهادي بن أحمد بن المهدي بن أمير المؤمنين عز الدين بن الحسن بن الإمام الأعظم علي بن المؤيَّد بن جبريل بن المؤيَّد بن أحمد بن يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى بن الناصر بن الحسن بن المعتضد بالله عبد الله بن الإمام المنتصر لدين الله محمد بن الإمام المختار لدين الله القاسم بن الإمام الناصر لدين الله أحمد بن الإمام الهادي إلى الحق - عليهم السلام- كان من فضلاء أهل البيت وعلمائهم ومشيختهم وذوي الأقدار فيهم لا يتصدَّر أحد في مجلس هو فيه لكمال علمه وفضله.
__________
(1) في (ب): هو الذي.
(2) المقاصد الأخروية المنتزع من كتاب الأنوار المضيئة، انتزعه في جماد الآخرة سنة 736هـ في حصن المحطوري الشرفي، الجزء الثاني منه بمكتبة الجامع الكبير رقم 84 خط سنة 1082هـ وبآخره قراءة سنة 1132هـ.
(3) انظر الطبقات ترجمة 254 وأعلام المؤلفين ت 419، وبقية المصادر فيهما.
(4) في (ب): السيد الشيخ.

قال السيد العلامة أمد بن الهادي بن هارون - رحمه الله -: عجبت من السيد داود بن الهادي يتلطف لكل أحد، ويجري مع كل أحد، ويلاطف العامَّة والخاصة، ويخلطهم بنفسه، ويمازحهم الممازحة اللطيفة، وما ينحط شيء من قدره بذلك، فإنه ما حضر محضراً وتقدَّمه غيره، قال: وظني أن ذلك لسعة أذكاره وأدعيته وقيامه بالليل.
قلت: وما ذكره السيد أحمد - رحمه الله - سمعته عن غيره، وكان حليفاً للقرآن لا يزال يتلوه، وكان يمضي في جامع الهادي بين الأساطين، ويتردد في ساحات الجامع بمشي لطيف وهو يتلو القرآن، وكان له زميل في التلاوة فتلا معه /124/ ليلة بمدينة (ساقين) شيئاً من القرآن أثناء الليل، فوقع منهما القرآن بموقع عظيم فاضَت به نفس ذلك الزميل - رحمه الله تعالى - وكان السيد إمام العربيَّة وغيرها، وهو كالأصل للعلماء في وقته، فإنا أدركنا المشائخ كلهم وقفو بين يديه - رحمه الله - كالقاضي العلاَّمة أحمد بن حابس، والقاضي العلامة أحمد بن سعد الدين، والفقيه الفاضل محمد بن يحيى الكليبي، وخلائق، وغيرهم، وله شرح على (الأساس)(1) ولكنه لم يحظ عند الطلبة، ومن وجوه تلامذته القاضي أحمد بن علي بن أبي الرجال، وكتب إليه القاضي - رحمه الله - بعد مفارقته.
سُؤلي وجُل مطالبي ومرامي ... تقبيل كفَّ الأروع الصمصامِ
العالم العلم الحميد فعاله ... نور الأنام وسيد الأقوامِ
ذاك الذي بكماله ومكانه ... أخذ المكارم كلها بزمامِ
نسل الأطايب من نشا في دوحةٍ ... ما بين حِبرٍ عالمٍ وإمامِ
داود من أحيا الإله بعلمه ... وبه أقر قواعد الأحكامِ
وأطاب في يمنِ البسيطة ذكره ... وبمشرقٍ وبمغربٍ وبشامِ
__________
(1) نسخة بمكتبة الأستاذ عبدالله محمد الحسيني، وله ذيل البسامة وصل فيه إلى حوادث سنة 1024هـ طبع مع مائدة الأبرار، وله أيضاً مرقاة الوصول شرح معيار العقول خ ص مجموع بمكتبة السيد يحيى بن محمد عباس، وأخرى بمكتبة السيد محمد عبدالعظيم الهادي.

لكن تناءت بي الديار عن اللقا ... وبدت عليَّ شواغل الأيامِ
فجعلت طرسي نائباً عني كما ... ناب التيمم حالة الإعدامِ
ما زالَ مخدوماً بألف كرامَةٍ ... عني وألفا(1) تحيَّةٍ وسلامِ
وللسيد - رضي الله عنه - جواب عنها حسن، لكنه ليس بنظم، ومن تلامذته ابن أبي السعود الضمدي، وله فيه الأبيات المشهورة التي منها:
يا ليلة في الهجرة الغرَّاء ... فاقت ليالي الدَّهر في السرَّاءِ
هي ليلة ما قد ظفرت بمثلها ... عند الغمطمط(2) من بني الزهراءِ
ومنها:
داود ما داود إلا منهلِ ... للعلم والفقراء والضعفاءِ
وهي مشهورة في أيدي الطلبة بنواحي صعدة - حرسها الله تعالى - وللسيد العلامة الفاضل يحيى بن صلاح القطابري - رحمه الله - فيه القصيدة الفاضلة بعد عوده من ساقين التي منها:
رُب غزال غدت تعنفني ... وعن بكاء الطلول تعذلني
وتكثر العَذْلَ وهي ضاحكة ... لم تدر أني بكيت من حزَن
ومن مديحها:
من أدْرَك الفضل يافعاً فغدا ... على يفاع للمكرمات بني
العالم العامل الحلاحل من ... قر وبرج السماك في قرن
حماه رب العلا وسلمه ... من طارقات الزمان ذي المحن
مبلغاً فيه ما يؤمله ... إحياء كتب الإله والسنن
وفاتحاً قفل كل مسألة ... بقول حبر محقق فطن
وهذا القدر من القصيدة ينبِّه على ما تركناه - أعاد الله من بركتهم - وله - رحمه الله - شعر ومنه:
إلى الله أشكو عالم السر والنجوى ... تحمل هم لا يطيق له رضوى
وجور زمان دأبه خفض كامل ... ورفع الذي لا خير فيه ولا جدوى
فيحظى لديه جاهل ومغفل ... ومن كان قرماً لا يقيم له دعوى
/125/
عتبت على دهري وقلت إلى متى ... تعاملني بالضد في كل ما أهوى
فقال مجيباً لي بعنفٍ وغلظةٍ ... وأيَّ كريم قد أجبتُ له شكوَى
فعُدت إلى الإخوان أشكو فعاله ... بقولٍ يُذيب الصمّ أحلى من الحلوى
فقالوا جميعاً لا تلمه فإننا ... لأعوانه فاصبر على هذه البلوى
__________
(1) لعل الصواب: ألف ليستقيم الوزن.
(2) لم أجدها في القاموس.

ومالوا إلى غمرٍ يرون فعاله ... وأقواله أحلَى من المنِّ والسلوى
وأمَّا كلامي فهو صاب وعلقم ... يقولون أوجز قد أطلت فلا نقوى
فلمَّا رأيت الأمر وعراً سبيله ... فزعتُ إلى مولاه أطلبُه التقْوَى
وقلت إلهي لم يكن لي مفزع ... سواك لدفع الهم والضُّر والأسوَى
فلا تلجني ربي إلى الناس كلهم ... فلم يبق لي في غيرجودك من رجوى
فلما أطلع عليه العباد وإمام الزهاد وصيرفي الانتقاد، القاضي العلامة علي بن الحسين بن محمد المسوري - رضي الله عنه - قال:
تعزّ فهذا دأبُ من ولدت حوَّا(1) ... وهل غير ما قد قلته عنهمُ يُرْوَى
فعالمهم يأوي الحضيض كما ترى ... وجاهله من دون أخمصه العوَّا
وهل سمعت أذناك يوماً بذي حجا ... ولو مرَّة من دهره ترك الشكوى
أبوك رسول الله لم يخل من أذى ... وما زال يحسو الضيم من دهره حسواً
ومن قومه لاقَى أمُوراً لو انَّها ... أصيبَ بهارضوَى لهَاضت قُوَى رضوى
كذاك أمير المؤمنين وصيُّه ... أصيب بما يُوهي قوَى الأسد الألوى
وأخَّره عن رتبة هوَ أهلها ... وكان ظلوماً لو سواه بها سوَّى
وفاطمة الزهراء أغرى خطوبه ... بها وكذاك الدَّهر عادته العدوى
وكان عليه أن يراعي حُقوقها ... ولكنه عبد الضلالة والاهوا
وبالحسنين السيدين تحكمت ... كلابٌ له شيطانه لهم أغوى
تقدَّمه(2) من ليس إن قسته بهم ... ولو نال دنيا ترب أنعلهم يسوَى
كذلك أهل البيت لم يحظ منهمُ ... إمامٌ و إن حاز الفخار بما يَهوَى
فكيف يرجي المرء أن يبلغ المنى ... وسيف خطوب الدهر كم فاضل أقوى
وما أهله إلا ذوو الجهل إنَّه ... لهم والدٌ بَرٌّ يغذيهم الحلوى
فصبراً جميلاً إنما الصبر جُنَّةٌ ... لأهل النهى يستدفعون به البلوى
وما الخير إلا الفوز بالجنَّة التي ... لدى كل ذي عقل هي الغاية القصوى
وأمَّا التي منها جناح بعوضة ... أعز فإن الله قد عدَّها لَهْوَا
__________
(1) في (ب): حواء.
(2) لعل الصواب: تقدمهم.

وما خير عيش لا يدوم فخلِّ ذا ... لذاك فما كالحمية المن والسلوى
وما العمر إلا مدَّة ثم تنقضي ... فيخسر ذو الأهوَا ويربح ذو التقوى
ولمَّا اطلع تلميذهما شيخنا حواري آل محمد شمس الشريعة أحمد بن سعد الدين - رضي الله عنه - كتب:
من الله رب العرش فالتمس الرجوى ... لتبلغ أقصى السؤل من فاتق الأجوا
ولا تكترث من ريب دهرك إنَّه الـ ... ـزمان لأرباب الحجا لبس العدوى
/126/
وللجاهل الغمر اللئيم مبلغ ... (1)
ترى كل ذي فضل به وهو معدم ... وكل جهول نال غاية ما يهوى
وليس ببدع ذاك منه فيرتجى ... ارعوَاه إذا عاتبت يوماً ولا سهوَى
ولكنه طبع له في الألى مضوا ... كماجاء في النقل الصحيح الذي يروى
وليس له عن طبعه متحوَّل ... فلوم الفتَى في الدهر(2) ليس له جدوى
وفي جدك المختار أعظم قدوة ... يجلَى بها كرب ويُؤسَى بها الأسوا
أقام له الدهر الخؤون عداوةً ... وصب عليه دهره الضر والبلوى
أعان عليه فاستعان بصبره ... فكان له من دهره الغارة الشعْوَ
وفي صنوه المخصوص من فضل ربه ... من المصطفى المختار بالسر والنجوى
أما خانه في عهده بعد موته ... صريحاً وما استغنى بلحنٍ ولا فحْوَى
ونال من الزهراء بنت محمد ... منالاً به أنهت إلى ربنا الشكوَى
ونال من السبطين ما طفقت له ... مراجل تغلي في صدور ذوي التقوى
إذا ما ذكرت الطفّ هيّج عبرتي ... وحمَّلني مالا أطيق ولا أقوى
فصبراً على جور الزمان وبغيه ... وإن كان قد أصمى الفؤاد وما أشوى
فعاقبة الصبر الجميل مثابة ... يُنالُ به من ربنا جنَّة المأوى
فذلك فاطلب فهو أعظم مطلب ... ودع هذه الدنيا التي مُلِئت أدوَا
ودم سالماً يا بن الكرام مبلغاً ... من الله رب العرش سُؤلك والرَّجوى
__________
(1) فراغ في (ب)، وقال فيها بياض في الأم.
(2) في (ب): للدهر.

توفي - رحمه الله - بدرب الأمير بحضرة الإمام المؤيَّد بالله، وصلى عليه الإمام، وعمرت عليه قبَّة بجوار الجامع المقدَّس، وذلك ضحوة يوم الأربعاء لست بقين من شهر ربيع الأول من عام خمسةٍ وثلاثين وألف، ومولده - رضي الله عنه - في أوَّل عام ثمانين وتسعمائة.
داود بن يحيى بن الحسين [720 - 796هـ]
السيد العلامة الإمام الصدر داود بن يحيى بن الحسين بن يحيى بن علي بن الحسين، هو العالم الكبير الفاضل الشهير، والده مؤلف (الياقوتة) و(الجوهرة)، وجده علي بن الحسين حافظ المذهب صاحب (اللمع) و(القمر) و(المذاكرة)، وقد ترجم للسيد داود جماعة، وذكروا فضله وعلمه، وكان مشهور الفضل كثير البركة، وهو الذي صلى على العالم الرباني صارم الدين إبراهيم الكينعي.
قال السيد الحافظ الهادي بن إبراهيم: وأوصى الإمام علي بن محمد أن هذا السيد يُصلي عليه، قال ابن المظفر: أنه ولد عام عشرين وسبعمائة، وتوفي في رجب سنة ست وتسعين وسبعمائة، وقبره مع أخيه العلامة الهادي بن يحيى بمشهد الإمام الهادي إلى الحق بصعدة(1).
داود بن يحيى [ - ]
السيد العلامة داود بن (يحيى)(2) المدفون بعرقه(3) عفار، له فضل كبير وعلم، وله نظم (……)(4)
داود بن يحيى بن داود [ - ق 9هـ]
السيد الكبير العلامة داود بن يحيى بن داود بن يحيى حفيد السيد الذي ذكرناه آنفاً، كان أحد الدعاة السبعة الذين دعوا في سنة أربعين وثمانمائة، ولكنه مات ولم يثبت، فلهذا ذكرناه مع من عنينا بذكره من المقتصدين.
داود المحلي(5) [ - ]
__________
(1) وانظر عنه الطبقات ق3 ج1 ت256 وأعلام المؤلفين الزيدية ترجمه 418.
(2) فراغ في (ب): بياض في الأم.
(3) في (أ): بعرفة.
(4) في (ب): بياض في الأم.
(5) قال في حاشية في (ب): هذه الترجمة محلها قبل داود بن يحيى.

العلامة داود المحلي هو من بني نعيم، ولعله يقرب الراغب، كان من العلماء، وله في علم الطريقة قدم ألَّف فيها، وقبره بالذنوب من أعمال (حجة)، وله هنالك /127/ قبَّة شهيرة، يزار قبره - رضي الله عنه -.
دهماء بنت يحيى بن المرتضى [ - 837 هـ]
السيدة العالمة العاملة الناسكة الحافظة لعلوم أهلها دهماء بنت يحيى بن المرتضى أخت الإمام المهدي أحمد بن يحيى مؤلف الأزهار - سلام الله عليهم-(1)، ترجم لها العلامة السيد أحمد بن عبد الله الوزير - رحمه الله تعالى - لها العلوم الواسعة، والتصانيف النافعة، لها (شرح الأزهار) أربعة أجزاء(2) و(شرح منظومة الكوفي) في الفقه والفرائض) و(مختصر المنتهى في أصول الفقه)، وكتاب (الجواهر) في علم الكلام، وكانت قراءتها على أخيها.
قلت: لعله - يعني السيد الهادي بن يحيى - قال: وعلى أخيها المهدي - عليه السلام- قرأت عليه هي والإمام المطهر.
ومما يحكى من عظيم ملازمتها للعبادة أنها إذا أكثرت المراجعة، وطالت بين(3) الإمام المهدي(4) وبين الإمام المطهر (- عليهما السلام-)(5) قامت تصلي حتَّى يفرغ تحريرهم تلك(6) المسألة فتأخذها صفواً، ولم تكن ترضى أحداً يعينها في عبادة الله سبحانه بشيء كتقريب الوضوء، وقد أراد ذلك الإمام المطهر - عليه السلام- في بعض الليالي، وفعله، ومنعته، وكرهت فعله، والقصد الإشارة وإلا فشرح أحوالها الصالحة طويل - أعاد الله من بركاتها - أقامت في ثلا للتدريس حتى ماتت - رضوان الله عليها - وقبرها مشهور مزور وعليها قبة حسنة، وقد ضمَّ إليها الإمام المتوكل على الله شرف الدين - عليه السلام- مسجداً عظيماً، ووسع القبَّة.
__________
(1) في (ب): عليهما.
(2) يوجد نسخة منه مصورة بمكتبة السيد محمد بن عبدالعظيم الهادي، ولكن لا تأكيد أنها للمؤلف، بل رواية عن السيد محسن أبو طالب.
(3) في (ب): بين يدي الإمام.
(4) في (ب): صلوات الله.
(5) سقط من (ب).
(6) في (ب): لتلك.

قلت: وقد تقدَّمت الإشارة إلى أنه تزوجها السيد المقام محمد بن أبي الفضائل وأولدها ولداً سمى(1) أدريس بن محمد.
قلت: ولها شعر ومن شعرها قولها في كتاب أخيها الأزهار:
يا كتاباً فيه شفاء النفوس ... أنتجته أفكار من في الحبوس
أنت للعلم في الحقيقة نور ... وضياء وبهجة كالشموس
قلت: وعلى ذكر الأزهار وإيمائها - رضي الله عنها - إلى أن أخاها صنفه في الحبس، أذكر ما ذكر في الكنز تأليف ابن الإمام، وهو الحسن بن أمير المؤمنين الماضي ذكره، فإنه قال ما حاصله: إن أصحاب الإمام علي بن صلاح الدين منعوا من دخول الكتب وآلة الكتاب إلى الإمام المهدي وخشي الإمام أن يغفل عن محفوظاته في الفقه، فألهمه الله إلى اختصار الكتاب الذي كان قد جمعه في الفقه واستقصى فيه الخلاف بين المذاكرين، فحذف الخلاف وجمع ما صحَّحوه لمذهب الهادي - عليه السلام- في لفظ وجيز واضح المعنى، وكان كيفيَّة جمعه أن يلقي على السيد علي بن الهادي عبارته وهو يكتبها في أبواب المجلس المسمورة عليهم، ومداده جص يأخذه من الجدار إلى شقف من مدر ويكتب بعود فإذا امتلأ الباب نقل الذي فيه جميعاً حتى صار غيباً، ثم يمحوه، ويكتب غيره، ويفعل ذلك حتى تم الكتاب، وكمل محفوظاً غيباً غير مكتوب في كتاب قدر حولين كاملين ما وضع في كاغد حتى خرج السيد علي بن الهادي وهو متغيب له، فكتبه وسمي كتاب (الأزهار في فقه الأئمة الأطهار) فاستحب به كل من رآه، فانتشر انتشاراً جلياً، ثم سخر الله الخدم فساعدوا على إدخال آلة الكتابة من كاغد ومداد، فشرع في كتاب (الأنوار في الآثار الواردة لمسائل الأزهار) حتى أتمه، ثم أخذ في جمع شرح الأزهار المسمى (بالغيث المدرار الفاتح(2) لكمائم الأزهار)، قالوا: وكانت البداية في تأليف (الغيث) في السجن في سنة ست وتسعين وسبعمائة، قالوا: وصنف البحر في ثلا، وكانت إقامته فيه من سنة اثنتين وثمانمائة إلى سنة ست عشرة
__________
(1) في (ب): يسمَّى.
(2) في (ب): المفتح.

وثمانمائة، وارتحل منه إلى مسور وصنف(1) (الغايات) وأفرغ فيه (درر العقائد في شرح القلائد)، ثم (دامغ /128/ الأوهام) حتى بلغ فيه باب الاعتقاد، وفي القلعة - يعني قلعة أبي يزيد - صنف (التكملة)، وارتحل إلى حراز وألف فيه (شرح المعيار) و(التاج) و(القانون) و(القسطاس) و(قاموس الفرائض) (وإكليل التاج) في النحو، وصنف في الحيمة (القمر النوار) وفي الدقائق (حياة القلوب) ذكر هذا عن الكنز لولده.
قلت: ومن شعر الإمام أيام حبسه - عليه السلام-:
يا من لعينٍ لم تزل عبرا ... وحشاشة قد أودعت جمرا
وفؤاد ذي قلقٍ يحاول أن ... يُقضى عليه فلم يطق صبرا
حيران قد ضلت مسالكه ... سكران كربٍ لم يذق خمرا
يمسي يرجي الليل ترجية ... ويظن ساعة ليله شهرا
فإذا اعترت ذكرى أحبّته ... جاشت عليه كآبة تترى
يا راكباً يرجي مطيّته ... هلاَّ ارتحلت مطيَّة أُخرَى
هَوجاء مرْقالاً عذافرة ... شملال ضمراً إن ترد مَسْرَى(2)
فاقصد مدينة يثرب فإذا اسـ ... ـتقبلت فيها ذلك القبرا
فاسفح دموعاً في جوانبه ... والثمه عشراً بعدها عشرا
وأطل بكاءك حوله فإذا ... زجروك عنه فلا تطع زجرا
فإذا أفقت فقل لهم قلقاً ... إني رسول عصابةٍ أسرى
علمين من أعلام أمَّته ... وسلالتيه من بني الزهرا
خلفتهم يتضوّعون ولم ... يسطع سواك لضعفهم نصرا
وانهض(3) ونهض صاحبيك على ... فور فقد مسّتهم الضرّا
أبو دلهم الوالبي [ - ق 2 هـ]
أبو دلهم الوالبي من خيار الكوفة، من أصحاب إمام الأئمَّة زيد بن علي - عليه السلام- ذكره البغدادي.
حرف الراء
راشد بن الحسن بن أبي يحيى [ - ق 7 هـ]
__________
(1) في (ب): فيه.
(2) مرقالا: ناقة مرقال: مسرعة (القاموس المحيط ص 926). عُذَافِرة: العذافر: العظيم الشديد من الإبل. (المرجع السابق، ص408). شملان: ناقة شملان: سريعة. ( المرجع السابق ص939).
(3) في (ب): فانهض.

القاضي العلامة قاضي أمير المؤمنين حاكم المسلمين راشد بن الحسن بن أبي يحيى الصنعاني - رحمه الله - كان من العلماء الكبار الجُلَّة الفضلاء، ولاه الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة القضاء، ذكره ابن دعثم وغيره، وله شعر حسن من ذلك:-
كيف اصطبار محب ماله جلد ... ولا له بدنوِّ الظاعنين يدُ
بان الأحبَّة عنه فهوَ بعدهم ... صب بهم مستهام مغرم كمدُ
يا أيُّها البرق سائل بالحمَى طللاً ... أقوى وأقفر حتى ما به أحدُ
ومنها:
وهل أقاموا على العهد القديم لنا ... منهم فإنا على العهد الذي عهدوا
إن يقربوا فمراد القلب قربهمُ ... أو يبعدوا فهو منهم حيثما بعدوا
ومنها في مدح الإمام المنصور بالله - عليه السلام-:
القائم الأوحد المنصور والعلم الـ ... ـمشهور قول صحيح ما به فندُ
قد أجمع الناس طرًّا في خلافته ... وفي خلافته الإجماع منعقدُ
راشد بن علي بن الحسين [ - ق 7 هـ]
الشيخ العلامة راشد بن علي بن الحسين بن عبد الرحمن صاحب ريمة الأشاطب، من أهل الرصانة والدين والثبات واليقين، شديد العناية بتشييد الإسلام وهدم قواعد ما خالفه، من حماة المذهب الشريف وأهل الأنفة لله عز وجل، وكان عظيم الشأن رئيساً/129/ كبيراً، وله أشعار كثيرة منها:
سرى طيف أسما وهو طيف مسلم ... وزار سحيراً والحواسد نُوّمُ
ألمَّ بنا والحي منهم مهوِّم ... بنجدٍ ومنهم راحل ومخيمُ
أحنُّ اشتياقاً والركائب في الفلا ... تحن من الجهد الضليع وتزرم(1)
تبارى بمرتُ البيد سعياً كأنها ... سفائن بحر وهو برد مسهم
تمرُّ كأخداج النخيل رقابها ... ويشكل إشكال الظريف فيرسم
تيممت فيها ربع صنعا إلى الذي ... صنائعه للمعتفين تُيمم(2)
أناخت بأثواب الخلافة حيثما ... أناخ الهدى مستكملاً والتكرم
__________
(1) في (ب): وترزم.
(2) كذا وفي (ب): يُيَمَّم.

ثم ساق في مدح إمام زمانه - عليه السلام- وهو الإمام الشهيد صاحب الكرامات أحمد بن الحسين سلام الله عليهما، ومن شعره إلى الإمام يستنهضه على مبغضي عترة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -:
اشتقت طيفاً طائفاً وخيالا ... وطللت دمعك بالحمى أطلالا
ووقفت تسأل عن قديم قطينها ... عجباً فما ردت عليك سؤالا
ولقد عذلت عن الصبابة والصبا ... فعصيت في فرط الهوى العذَّالا
ومنها:
رقصت على آل الفلاة فخلتها ... وحداتها العادين فيها آلا
لَمَّا رأت معنى أزال تيقنت ... أن العنا عنها اضمحل وزالا
أمَّت أمير المؤمنين وأمَّلت ... من أحمد أن يدرك الآمالا
ومنها:
من مبلغ أحياء ريمة أنها ... لو شاهدتك لزلزلت زلزالا
الباغضين لأهل بيت محمد ... والجائرين عن اليمين شمالا
قوم تأنّف عن رضاك ولو مضت ... فيهم ضباك(1) لقسمت أمثالا
عدوا الجبال الشامخات وما دروا ... أن قد ملكت السهل والأجبالا
فمتى أرى الجرد الجياد كأنها ... حور النعام تراسَلَت إرسالا
تطأ الربا من ريمةٍ وتهامة ... وتعد هام المعتدين نعالا
راشد بن محمد نشيب [ - 795هـ]
الفقيه العالم الفاضل، شديد الورع كثير الخوف، راشد بن محمد نشيب - رضي الله عنه، وأعاد من بركته - ذكره السيد الإمام الهادي بن إبراهيم في (رياض الأبصار في ذكر الأئمة الأقمار والعلماء الأبرار)، وذكره صاحب (الصلة) - رحمه الله - قال: كان هذا راشد بن نشيب من المشمِّرين في ليله ونهاره في حوائج المسلمين، وإخوانه في الدين، أشد الناس ورعاً، وأقلهم طمعاً، وأكثرهم للمسلمين نفعاً، وله من شدَّة التحرز في الورع ما يخرجنا عن المقصود، وكان إذا شرى حطباً مشتركاً لم يقسمه إلا بالميزان، وكان على وجهه نور الإيمان، وفي وجهه - رحمه الله -علامة عيشة من تحت أنفه إلى أسفل ذقنه وعلماء اليمن يروون فيه خبراً عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - والله أعلم بصحته. انتهى كلام الصلة.
__________
(1) في (أ): ضباؤك.

وقد ذكر هذا الحديث وأومأ إليه السيد الهادي.
قلت: وكان له ولد فاضل اسمه عبد الله حري بإفراد ترجمة، وقد اكتفينا بذكره - رحمه الله - هنا، وقبر راشد وعبد الله ابنه بصنعاء عند السيد الهمام العابد عاقل اليمن وعالمها وزاهدها المهدي بن قاسم الزيدي نسباً ومذهباً، وحكى الفقيه /130/ العارف علي بن طاهر بن سعيد بن علي منصور الخولاني - وكان من أهل الطريقة - أنه أخبره الثقة الذي يرضاه أنَّه قد سمع القرآن من قبريهما جميعاً - رحمهما الله -.
قلت: وقد ذكر بعض الناس أن نسبه - رحمه الله - ونسب بني الزرزار وبني القصف وبني الضياء يرجع إلى جبلة بن الأيهم، قال: ويقال لهم جميعاً بنو سعيان(1). توفي راشد - رضي الله عنه - ليلة الاثنين لتسع وعشرين من شهر ربيع الأوَّل سنة خمس وتسعين وسبعمائة.
راشد بن محمد الكينعي [ - ق 7 هـ] ت
__________
(1) في (ب): شيعان.

الفقيه العابد راشد بن محمد الكينعي - رحمه الله - كان من علماء الطريقة وأهل الفضل وصحبه(1) العلامة إبراهيم الكينعي - رحمهم الله - وهو من أحد العمد في الصَّلاح مع إبراهيم؛ لأنه كثر اتباع إبراهيم ومال كثيراً عن الشهوات بسببه، وكان لهذا - رحمه الله - مزيد مزيَّة كأنه لرحامة(2) بينهما، ولمَّا أراد إبراهيم الخروج من العمران ولزوم الفيافي والسياحَة جمع أموال التجارة من الورق والعين، وقال: تباً لمن يفتح تلك العين وأسلمها إلى أخيه هذا، وقال: دونك هذا المال اصرفه في نفسك وفي أطفالك وإخواني وإخوانك وأرحامي وأرحامك، وخرج من كل ما يملك حتَّى نعله وثياب بدنه وطلق نساءه ولبس من أخشن الصوف، وكان من مهيجات هذا لإبراهيم - قدس الله روحه - ما أثمر في قلبه من سحر الحكمة، واتفق أنه دخل يوماً إلى ابنته وكانت له بنيَة تقيم البيت، وتفتح الباب فلقيته وقالت: يا أبه من أخذ ثيابك البيض؟ وودعها وخرج إلى الله فاراً لا يلوي(3) إلى أحدٍ سواه، واتخذ ركوة وعصا وحبلاً وقدحاً وهام على وجهه يريد مكة والعراق وبيت الله المقدس، فخرج من صنعاء وشعر به أخوه في الله هذا راشد بن محمد وإخوانه في الله الجميع، فلحقوا به حتى أدركوه قريباً من ظفار فتعلقوا به تعلق المُرضع بأمِّه وكثر منهم البكاء والضجيج وأقسموا بالأيمان المغلظة لئن لم يرجع لا رجعوا بل يصحبونه، فعاد معهم إلى صنعاء واعتكف بمسجد الرصاص - أعاد الله من بركتهم -.
الربيع بن محمد بن الروية
__________
(1) في (ب): وصحب.
(2) في (ب): لرجاحة.
(3) في (ب): على أحد سواه.

الشيخ ناصر الدين السابق، ولي آل رسول الله الربيع بن محمد بن الروية - رحمه الله - أحد أشراف اليمن وعظمائها، كان مقدم مدحج وصاحب الكلمة فيهم، ونصر العدل والتوحيد ونشر ألوية آل محمد - عليهم السلام- ولم يؤثر عنه إلا الصالحات من ابتداء أمره إلى انتهائه، وكان محموداً عند الأئمَّة، وكان يسكن بلاد مدحج، وربمَّا سكن بمأرب، وبلغه وهو بمأرب خروج آل الدَّعام إلى قومه المراديين من مدحج، فلم يلبث - رحمه الله - أن خرج في جيش معه مبادراً لآل الدَّعام خوفاً من خدعهم لقومه؛ لأن آل الدعام يومئذٍ نافروا الناصر للحق - عليه السلام- فوجد قومه على ما يريد من عدم المبادرة إلى سواء(1)، فضرب رأيهم في ذلك، ورغبهم في الحق وأهله، وفيه يقول الشاعر:
ابن الروية قرم مدحج لم يدع ... محض الوفاء لقرم آل محمدِ
إن الربيع نصيرهم ووليهم ... وسنامهم يوم الوغى في المشهدِ
إن الوفاء إذا الرجال سموا به ... كان الربيع مقدماً في المسندِ
رجاء بن هند البارقي [ - ق 2 هـ]
رجاء بن هند البارقي، من أصحاب الإمام الأعظم زيد بن علي - عليه السلام- ذكره البغدادي.
رزين بن أحمد [ - 430 هـ]ت
__________
(1) في (ب): سوء.

القاضي الرائس المقدَّم صاحب العلوم والأعلام رزين بن أحمد المكنى أبا العبَّاس - رحمه الله - كان من العلماء الكبار الجامعين بين وظائف الأمراء والعلماء، تولَّى الحجاز /131/ للإمام المنصور بالله القاسم بن علي كرَّة أولى، ثم تولَّى نجران فخرج أهل الحجاز يطلبون ولايته من الإمام، فولاَّه (الحجاز) و(جنب) وبلاد(1) (يام) و(وادعة)، ولاه أعمالها جميعاً، وأمَّره عليها وأضاف إلى ذلك القضاء، فكان أميرها وقاضيها، وليس آل رزين المنتقلين إلى صعدة من ولده كما وهمت ذلك بديهة، وسيأتي ذكرهم، فإن فيهم العلماء، ولهم العناية بعلوم آل محمد، وأكثر كتب الأئمة بخط يحيى بن محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن أبي رزين، وهو في حد(2) ثلاثين وأربع مائة، ونبَّهت على ذلك لتبادره إلى الذهن وذكر بعض من اعتنى بنحو ما أعتنيت به أنَّ آل أبي رزين قوم……(3) صنعاء وشبام وصعدة، وأن بعضهم نسب نفسه إلى الأزد.
__________
(1) في (ب): بلد.
(2) في (ب): في حدود ثلاثين.
(3) في (ب): هذا البياض قد ذهب من الأم.

قلت: وكان علي وموسى ابنا أحمد بن أبي رزين من رجال التطريف، وكانا وحيدين في علم العربية، فأمَّا علي فإمام لا يلحق في النحو ورغب في شرح كتب نحاة اليمن، نحو كتب آل أبي عباد، فأتى فيها بالعجائب، ولمَّا مال إلى الورع أقفرت معالم النحو، فرحل الطالبون عن اليمن نحو العلامة سليمان بن يحيى بن عبد الله البحتري(1) رحل إلى مصر إلى محمد بن عبد الملك الشنتريني، وكان يخط علي بن أبي رزين كتاب (أقليدس) في الهندسة، فلما مات بيع بثمن صالح، فكان يتأسف عليه الفضلاء؛ لأن كتبه لا تحتاج إلى مذاكر ولا معلم، ومن كلامه وهو حكمة: لا تتكلموا مع العوام في الدقائق ولا تناظروا خصماكم بين أيديهم فيما يدق عليهم فتنفروهم عن الحق وأهله وتقوى الشبه عندهم فتهلكوهم ، ولكن ليكن كلامكم في ذلك مع العلماء منكم وكلامكم مع العامَّة فيما يسرع إليهم فهمه ويقرب عليهم تناوله، ثم أنشد:
تحل عن الدقيق فهوم قوم ... فيحكم للمجل على المدق
رشيد بن صلاح بن سليمان [ - ]
العلامة رشيد بن صلاح بن العلامة سليمان بن ناصر السحامي صاحب شمس الشريعة، عالم كبير راويَة لأخبار أهل البيت، نقل عنه الفضلاء، وهم بيت فضلٍ مشهورون، وسيأتي ذكر جده - رحمه الله -.
الرشيد بن منصور بن الفضل [ - ]
السيد العلامة الرشيد بن منصور بن الفضل بن الحجاج - رحمهم الله - ترجم له السيد ابن الوزير - رحمه الله - وقال: كان سيداً فاضلاً أديباً شاعراً، وبيض لشعره - رحمه الله - قال: أقام بسمر، وكان له منزل يعرف بمنزل الرشيد، وكان فيه عناية كلية.
قلت: وسمر المذكور من جهة (بني مطر) بقرب (وقش)، كان يسمَّى قديماً بالعشة، ثم هجَّره السيد يحيى بن منصور وعمره وآوى إليه هذا البطن الشريف، وهو مسكن الإمام علي بن محمد وولده - عليهما السلام-.
رضي بن ناصر الناصري [ - ق 5 هـ]
__________
(1) في (ب): البجيري.

السيد الشريف رضي بن الناصر الناصري الحسني(1) - رحمه الله - عالم كبير، له كتاب (تفضيل الناصر للحق - عليه السلام-)، وهو الذي روَى عنه أبو طالب الفارسي أن المؤيَّد بالله - عليه السلام- قال عند موته أو في بعض أوقاته: لو تمكنت من فتاواي التي أفتيت بها لأحرقتها، واعلم أنه قد يلتبس الشريف رضي المذكور بالسيد الإمام المعروف بكنيته أبي الرضى الحسيني الكيسمي المدفون بكيسم - قرية معروفة بجيلان - وقد كان في بداية أمره من أعوان الحسين الناصر من أولاد الناصر الكبير، فلمَّا قبض إلى رحمة الله أحبَّ أبو الرضى البقاء على الولاية؛ لأنه لا يرى بطلانها بالموت، مع أنه صالح في نفسه جامع للشرائط.
__________
(1) في (ب): الحسيني.

قال العلامة الحافظ محي الدين يوسف بن أبي الحسن الجيلاني - رحمه الله -: وأبو الرضى هذا ربَّما يوجد ذكره في حواشي الإفادة /132/ والزيادة عند المسائل المشكلة فيهما، واتفق بينه وبين الإمام الحقيني مقال أثرته الوشاة فتشاورا فراسله في موعدٍ يوماً بالاجتماع لتدبير صلاح أمرهما، فاجتمعا يوماً في موضع، وكان بينهما وادٍ وعلى الوادي قنطرة فتسارع بعض من خاف من اختلاط الفريقين بالكريهة إلى القنطرة فهدم وسطها بحيث لم يمكن العبور عليها لراجل ولا فارس، فكان فارقاً بين الفريقين، فتعاين الشريفان - رضي الله عنهما - وسلم كل واحدٍ منهما على صاحبه، ثم قال أحدهما مخاطباً لصاحبه: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((عليكم بالتواصل والتوازر والتبادر وإياكم والتقاطع والتدابر والتحاسد فكونوا عباد الله إخواناً)) وأظن قائل ذلك الإمام الهادي - رضي الله عنه - [وقال الآخر](1) وقال - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((المسلم أخو المسلم لا يخونه(2) ولا يخذله ولا يظلمه ولا يستحقره ولا يقبل عليه قول النمَّام وأسَّ التقوى هاهنا - وأشار بيده إلى صدره - فحسب امرئٍ من الشر أن يحقر المؤمن، دمه حرام وعرضه حرام وماله حرام، وحرام أن يظن به ظن السوء)) ثُمَّ انصرف الفريقان إلى وجههما، ولمَّا استشهد الهادي - رضوان الله عليه - تمحضت ذروة الإمامة للإمام أبي الرضى، فاعتلى عليها ودعا الخلائق إلى نفسه واستَولى على جميع أقطار جيلان وديلمان إلى حدود (طبرستان)، وكانت المملكة القاسطة الجائرة إذ ذاك في ديلمان لآل حوَّاء كانوا ناصريين في الدعوَى فرعونيين بالغشم والظلم، فنابذهم الإمام منابذة علويَّة، واتفق له معهم أنه كان في مسجد قرية يقال لها: (أملس)، فأراد بعض آل حواء الهجوم عليه، فتكاً (ونهباً)(3)، وقال: اليوم أفقأ عينه للإمام، فهجم على المسجد بغتة بقضّه
__________
(1) سقط من (أ).
(2) لعل الصواب: لا يخنه بالجزم.
(3) سقط من (ب).

وقضيضه، فوثب الإمام وأصحابه، فكان في أصحابه صاحب يقرأ في إصلاح المنطق، فرماه الظالم بمزراق فاتَّقاه الصاحب لكتاب الإصلاح، ثُمَّ عطف على الظالم بالمزراق فضربه على عينه ففقأه بعزة الله تعالى، ولقد بلغني أن فرس الظالم أعانه على فقئ عينه بأن دنا إلى جدار المسجد حتى توكأ ذباب المزراق بالجدار فلج به الفرس حتى تفقأت العين.
أبو الرضى بن أبي المحاسن [ - ]
الفقيه العلامة أبو الرضي بن أبي المحاسن(1) بن أبي رشيد اللنجائي(2)، العالم الكبير الفاضل الشهير، له (حاشية الإبانة)، وكتاب (رد الملاحدة).
الرضي بن الحسين بن المرتضى [ - بعد سنة 417]
السيد الأمير الرضي بن الحسين بن المرتضى بن الهادي، إمام العلوم، لقيه أبو الغنائم الزيدي الآتي ذكره، وروى عنه، قال: لقيت الرضي بالرّي سنة سبع عشرة وأربعمائة، فعرضت عليه نسبه(3) فأقر به، ورأيت عليه الخير، وأجاز لي كتاب الأحكام لجده مما سمعته عن أبيه عن جده(4)، عن يحيى الهادي - عليهم السلام-.
حرف الزاي
زياد بن أدهم [ - ق 2هـ]
زياد بن أدهم بن درهم(5)، ذكره أبو القاسم البغدادي، وذكر فضله وعلمه وأنه من جملة الزيديَّة - رضي الله عنه -.
زياد بن المنذر الكوفي(6) [ - ق 2هـ]
__________
(1) في (أ): المجاشن.
(2) في (أ): اللنجأي.
(3) في (ب): عليه نسبه.
(4) في (ب): عن أبيه وجده.
(5) في (ب) زيادة: بن درهم.
(6) ترتيب هذه التراجم مختلف في نسخة (ب) على النحو التالي:
1 - زياد بن درهم.
2 - زيد بن الأنماطي.
3 - زيد بن أحمد بن الحسن البيهقي.

أبو الجارود زياد بن المنذر الكوفي الهمداني، وقيل: الثقفي، وقيل: النهدي، وإليه تنسب الجارودية من الزيدية، روى له الترمذي، وكان عالماً عاملاً، ترجم له غير واحدٍ، قال نشوان وغيره والزيدية الآن على رأيه(1).
زرقان بن أسفيحا [ - ]
العلامة زين العارفين بهاء الدين أبو الفوارس زرقان بن أسفيحا أحد علماء العراق، وإذا قال في زوائد الإبانة: المشائخ، فهو يعني بهم صاحب المسفر الأبوابي وشيبة بن محمد وأبو طالب الفارسي صاحب (الهداية)، وعلي بن بلال، وأبا القاسم البستي، ويُعد من جملة المشائخ(2) السيدان الإمامان /133/ أبو عبد الله صاحب المرشد وأبو الفضل الناصر، وهو من أولاد الناصر للحق - عليهم السلام-.
زين الأنماطي [ - ق 2هـ]
زين الأنماطي(3)، من أصحاب الإمام الأعظم زيد بن علي - عليه السلام- وممن أخذ عنه، وكان فاضلاً ناسكاً (……)(4) وهو الذي روى مناظرة زيد بن علي - عليه السلام- للزنديق عند هشام بن عبد الملك - لعنه الله -.
زيد بن أحمد بن الحسن [ - ق 7 هـ]
العلامة الرحال الفاضل شيخ الشيوخ تاج الدين زيد بن أحمد بن الحسن البيهقي.
__________
(1) أن القول فيه إجحاف ونسبة الزيدية إلى أبي الجارود بعيدة كل البعد عن الحق والصواب، وكان أحد تلامذة الإمام زيد ودعاته، وقد عرف بصلابته في الحق، روي عن الإمام زيد كما ذكر أبو عبدالله العلوي وصاحب الجداول والطبقات، وعده أبو القاسم عبدالعزيز بن إسحاق البغدادي والمزي فيمن روى عن الإمام زيد، وانظر أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 426.
(2) في (ب): من حملة المشائخ أيضاً.
(3) في (ب): زيد بن الأنماطي.
(4) فراغ في النسختين (أ) و (ب).

قال العلامة شعلة - رحمه الله -: وكان له اسم آخر وهو أحمد بن أحمد الروفاتي، قدم هجرة حوث سنة عشر وستمائة في أيام المنصور بالله، فأجاز للعلامة بن الوليد، وللعلامة حميد بن أحمد، وأجاز لشعلة وأثنى عليه العلماء - رحمه الله - قال شعلة: كان حافظاً(1).
زيد بن إسماعيل الحسني [ - ق 4هـ]
السيد الأستاذ الفاضل أبو الحسين زيد بن إسماعيل الحسني - رحمه الله - تلميذ الإمام السيد أبي العباس - رضي الله عنه - وهو إمام جليل تتلمذ به الفضلاء، ونقل عنه النبلاء، ومن تلامذته الشيخ أبو الحسن علي بن أبي طالب أحمد بن القاسم الحسني الملقب بالمستعين بالله، والشيخ العالم أبو الحسن علي بن الحسين بن محمد شاة سريحان صاحب كتاب (المحيط بالإمامة) (2).
زيد بن جعفر الباقري [ - ق 7هـ]
العلامة الفاضل اللسان البليغ زيد بن جعفر الباقري، ثم الصعدي - رحمه الله - من علماء أوائل المائة السابعة، فاضل عالم مجيد، لقي الإمام أحمد بن الحسين - عليهما السلام- وكان له شعر فائق، ومن شعره:
أهاب بمسلوب الحشاشة مسبوت ... معاهد بالمروُّت سقياً (لمروُّت)
فلبّيتها مستمطراً(3) ظهر لوعةٍ ... من الشوق لامستمطيا ظهر مخروت
قلت: المخروت بالخاء المعجمة بعدها راء مهملة أي المخطوم في أنفه.
فجئنا نجوب البيد ليس يهولني ... تنائف يعمى دونها كل خريت
دليلاي طيف لا يزال مسامري ... وريَّا رباها حين يأتي بتفنيت
أرى أن إلمامي بها أعظم المنى ... ولو جئت سبروتاً إلى كل سبروت(4)
بقاع إذا اهتزت بوصل فنبتها ... فرائد من درٍ بديع وياقوت
ومنها:
__________
(1) وانظر الطبقات ترجمة (259).
(2) قال في الطبقات ترجمة 260: سمع كتاب الأحكام للهادي عليه السلام على السيد أبي العباس، ورواه عنه محمد بن علي الجيلاني.
(3) في (ب): قال في الأم: لعله مستمطئاً.
(4) سبروتاً: السُّبْرُوتُ: القَفْر لا نبات فيه، والشيء القليل التافه، والفقير. (القاموس المحيط، ص 154).

ويفعل أعيان لعين بحلها ... بألباب من يفعل(1) بها فعل هاروت
فحبل سلوي دونها قد بتته ... وحبل اشتياقي دونها غير مبتوت
أمامي وخلفي حاديان تخالفا ... فلست بمصغ لا إلى غيرها ليتي
سوَى العرصَات الزاكيات التي سمت ... بأفضل منظور وأفضل مسموت
وأعلى الورَى كعباً وأفضلهم أباً ... وأرفعهم في العالمين مدا صيت
[ثم أطال في مدح إمامه عليه السلام] (2).
زيد بن الحسين الأشتري [ - ق 5هـ]
السيد الأجل الفاضل أبو الحسين زيد بن الحسين الأشتري الجرجاني سيد فاضل من علماء العراق، له روايات وأخبار، وروَى شيئاً من مناقب المؤيَّد بالله أحمد بن الحسين الهاروني - عليهم السلام- ومما حكى عنه قصة عياض الثعلبي نقل عنه ابن الشجري - رحمه الله - أنه حكى أن عياضاً المذكور حضر مجلساً بجرجان جرى فيه ذكر السيد المؤيَّد بالله، وذكر بعضهم أن الله سبحانه يعينه على الحق وينصره، فقال العياض الثعلبي: برئت من إله يعنيه، وقال عقيب هذا القول: أوجعني بطني، وتعلق ببطنه، وعاد إلى داره ومات في تلك اللَّيلة /134/ قال: وسمعت هذا السيد يقول: إن أبا عمرو الفقيه القصَّار الجرجاني حضر مجلساً بجرجان في أيام الأمير فلك المعالي، فذكر بعضهم أن السيد أبا الحسين الهاروني إنما يطلب بما يفعل الدنيا، وليس يعمل لله سبحانه، فقال أبو عمرو وكذلك أبوه علي بن أبي طالب، كان يحارب معاوية وعائشة للدنيا لا للآخرة، وفارق ذلك المجلس وعاد إلى داره وفلج في الوقت، وما برز من داره بعد ذلك، ومات من تلك العلة. وللسيد أبي الحسين روايات منقولة في التواريخ - رحمه الله -.
زيد بن صالح الزيدي [ - ق 5هـ]
__________
(1) في (ب): يلمم.
(2) سقط من (أ).

أبو القاسم العلامة زيد بن صالح الزيدي العراقي، ذكره العراقيون وأثنوا عليه، وممّن ذكره يوسف الحاجي، وذكره السيد الشجري - رحمهم الله - وفي سيرة المؤيَّد بالله من أصحابه أبو القاسم بن زيد بن صالح ويوسف حاجي، ذكره في أصحاب المؤيَّد بالله، فلعله سقط عليه لفظ ابن، والله أعلم.
ومن أصحاب الناصر للحق زيد بن صالح من كبارهم وأجلائهم، يروي عنه المؤيَّد بالله أحمد بن الحسين - عليهما السلام-(1).
زيد بن علي بن الحسين [ - ]
السيد الكبير زيد بن علي بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام- عالم كبير فاضل شهير، وهو راوي خطبة الزهراء عن مشيخة آل الرسول.
وقد وهم بعض الناس أن الراوي هو الإمام الأعظم زيد بن علي بن الحسين، فاستشكل ذكر أبي العيناء في روايته، وهذه جلية الحال فليعلم ذلك.
زيد بن علي الحسني [ - ق 5هـ]
الشريف العالم المتكلم زيد بن علي الحسني، إمام الزيدية بالمسجد الجامع بصنعاء، من الرؤساء العلماء الكبار الجلة الخيار، أحسبُه بعد أربعمائة من الهجرة، ناظر قدماء المطرفيَّة - أقماهم الله - كالشيخ عطاف وغيره، وكانوا يعترفون بفضله - رضي الله عنه -.
قلت: لعله زيد بن علي بن الحسين بن الحسن بن محمد بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد بن جعفر بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام- صاحب كتاب (الرد على عامر بن عبد الله الظليمي) فيمن طعن فيه على الهادي إلى الحق - عليه السلام- في كتاب بسيط، ويحتمل أن زيداً هذا غيره، وقد اكتفينا عن ترجمة زيد بن علي هذا المجيب على عامر الظليمي بذكره هنا.
زيد بن علي الزيدي [ - ق 5هـ]
القاضي أبو الفضل زيد بن علي الزيدي المعروف بابن النجار الرازي - رحمه الله - كان من عليّة أصحاب المؤيد بالله.
قال السيد الإمام ابن الشجري - رحمه الله -: كان من بيت العلم والرئاسة.
__________
(1) في (ب): وولاه الناصر القضاء.

زيد بن علي بن الحسن [ - 551هـ]
العلامة شيخ الحفَّاظ إمام المعقول والمنقول زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أحمد بن عبد الله الخراساني الزيدي، واشتهر بنسبته إلى جده الحسن، فالموجود في الكتب زيد بن الحسن(1) البروقني(2)، ويقال: البروقاني، هو إمام في العلوم، كثير العبادة، واسع الهمَّة، تخرج عليه علماء العراق واليمن، وهو كثير الالتباس بتاج الدين زيد بن أحمد بن الحسن البيهقي، ولذلك تعرَّض للفرق بينهما المشائخ - رضي الله عنهم - وترجم لزيد هذا الجُلّة من الأصحاب.
قال السيد الصارم في علومه: وصاحب المقصد والمسلك أيضاً ناقلاً عنه زيد بن الحسن الخراساني البيهقي الزيدي، شرف الأمَّة حافظ الآثار، ناقل علوم الأئمة الأطهار، وهو الذي يذكر في إسناد مجموع زيد بن علي وصَل من بلده لزيارة قبر الهادي وعقد مجلساً /135/ لإملائه فضل العترة بالمشهد المقدَّس بصعدة، وكان يملي في كل خميس وجمعة مدَّة سنتين ونصف، فما أعاد حديثاً، وسمع منه الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان - عليهما السلام- والقاضي جعفر بن عبد السلام الأبناوي(3) البهلولي، واستجازوا منه، وهو الذي يذكره أهل التعاليق في صفة صلاة التسبيح، وليس بالبيهقي الشافعي.
__________
(1) في الطبقات زيد بن الحسن بن علي البيهقي البروقني نسبة إلى بروقن من قرى خراسات، انظر الطبقات ق3 ج1 ص446 ترجمة 261.
(2) في (أ): التروقني.
(3) في (ب): الأبناوي.

وقال في النزهة: ومن مشائخ الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان أبو الحسن زيد بن علي البيهقي التروقاني الوارد إلى اليمن في سنة أربعين وخمسمائة، وهو الذي مات في تهامة بموضع يقال له: السيحتان من مخلاف الشرفاء آل سليمان الشرط(1) من اليمن وكان موضعاً خالياً، فأصبح مأهولاً ، وقبره به مشهور مزور، وذلك وقت رجوعه من اليمن إلى بلاده، فإن الإمام أخذ عنه وهو أحد طرقه، وكان شيخ زيد هذا الفضل بن الحاكم أبي سعيد المحسن بن محمد بن كرامة الجشمي البيهقي، وكان شيخ ولده الفضل أباه المذكور.
__________
(1) في (أ): مخلاف الشرط.

وقال السيد الإمام لسان المعقول والمنقول أحمد بن محمد الشرفي - رضي الله عنه - زيد بن الحسن البيهقي الزيدي - رضي الله عنه - قدم اليمن من خراسان في سنة إحدى وأربعين وخمس مائة، أظنه بجمادى الأولى منها، وكان الشريف علي بن عيسى بن حمزة السليمان رئيس(1) العلماء، وعالم الرؤساء بمكّة المشرفة، وهو الذي صنف جار الله له الكشاف، قد قدم كتاباً إلى المتوكل على الله أحمد بن سليمان - سلام الله عليهما - يخبره بقدوم الشيخ وبالثناء عليه وأن مقدمه من خراسان، فوصل إلى الإمام في هجرة(2) محنكة من بلاد خولان مغارب صعدة، ومعه كتب غريبة وعلوم حسنة عجيبة، فسُرَّ به الإمام - عليه السلام- وتلقاه بالبشر والإتحاف وخلَّى له موضعاً في منزله، فأقام به مدة، وكان شديد الورع والعبادة وحسن الطهارة، وكان ربَّما يتوضأ لصلاة الظهر فيصلي بذلك الوضوء الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثُمَّ يصلي به آخر ليلته إلى أن يطلع الفجر فيصلي به الفجر، وكان يؤيّد الإمام - عليه السلام- ويحضّ الناس على طاعته، وقال يوماً للقاضي الأجل سليمان بن شاور: إنا يا معشر الزيدية بالعراق نتطوَّل بهذا الإمام ونزداد به على جميع الفرق في الآفاق، ثُمَّ أقام - رحمه الله - مجاوراً لقبر الهادي إلى الحق مدَّة من الزمان، وكان يتفرغ يوم الخميس وليلة الجمعة في رواية الأخبار في فضل آل محمد لا يخلط مع ذلك سواه، وأقام سنتين ونصفاً يروي الأخبار في ذلك، فما أعاد خبراً فيه مرتين، ويقال: إن الذي استدعاه من العراق الشريف علي بن عيسى السليماني لمَّا ظهر مذهب التطريف في اليمن(3) المحروس، فخرج أنفة للشرع وحميَّة عليه وغضباً لله - جل علاه - فلقي شدائد، ونهب أكثر كتبه بين مكة والمدينة، وكانت وفاته - رحمه الله - في تهامة بموضع يقال له السنحتاني من مخلاف الشرفاء آل سليمان، وكان ذلك الموضع خلاء فأصبح
__________
(1) في (ب): رائس.
(2) في (ب): إلى هجرة.
(3) في (ب): باليمن.

مأهولاً، وقبره به مشهور مزور، وذلك رجوعه من اليمن إلى بلاده، وهو ممَّن قرأ على الحاكم أبي سعيد المحسن بن كرامة - رحمه الله - هذا كلام السيد: أنه قرأ على الحاكم نفسه، وقد تقدم كلام النزهة أنه قرأ على ولده الفضل.
زيد بن علي الهوسمي [ - ق 5 هـ]
الشيخ العالم الورع زيد بن علي الهوسمي - رحمه الله- (1)، ذكره القاضي العلامة عبد الله بن علي العنسي - رحمه الله - في رحلته إلى العراق، وحكى عنه ما يدل على ورعه، قال: أتيت بلاد الديلم، وكان المسلمون يأتونني بما آكل من الخبز، فربَّما يبقى منه ما لا آكله إلى أن يجف ويتعذر عليَّ شهوته ونحو ذلك، وكنت بمسجد يصلي فيه الفقيه زيد /136/ أو قال القاضي زيد، فدخل المتوضأ وأنا هناك، فأقبل كلب من الكلاب، فرميت بحرف خبزه بقي عندي لم أشته أكله، فجعل يكسره بفمه ويلوكه، فسمعه الفقيه زيد فقال: ما هذا؟ قلت: أطعمته كسرة بقيت عندي، فقال: ما أقل ورعكم يا أهل اليمن، ويحك يا عبد الله متى تعينت عليك فريضة الكلاب، وهذا خبز يأتيك به المسلمون لتأكله. انتهى كلامه
قلت: يعني إنما يقرب إليه من الطعام إباحَة لا تمليك، وهذا من جمود الفقهاء على ظواهر القواعد، ولكنه يدل على ورع وحيطة، جزاه الله خيراً(2).
زيد بن علي بن هبة [ - ]
العلامة بدر الإسلام زيد بن علي بن هبة الراوي، فاضل عالم وإليه لمح في رياض الأبصار بقوله:
وبالبدر زيد من إذا الكتب عقدت ... هتفن به الأقطار يا زيد أحلل
زيد بن علي الخولاني [ - ق 7هـ]
الفقيه الفاضل زيد بن علي الخولاني - رحمه الله - ذكره السيد العلامة يحيى بن القاسم الحمزي - رحمه الله - وأثنى عليه، وهو من أعيان المائة السابعة.
زيد بن علي بن الحسين [ - 1040هـ]
__________
(1) في (أ): الهومسي.
(2) انظر المزيد من روايته وشيوخه في طبقات الزيدية الكبرى ق3 ترجمة 262.

القاضي البليغ، كاتب الإنشاء، بديع زمانه، زيد بن علي بن الحسين المسوري، هو العالم بن العالم بن العالم، كان صحيح العقيدة، صالح الحال، صادق الودّ لآل محمد - عليهم السلام- على طريق سلفه وأهل بيته، وكان بديع زمانه، فريع(1) أوانه، مجيداً في الإنشاء، غاية الإجادة، وله في النظم يد طولى، قال الشعر من صغره، وظهر صيته وتقدم على النظراء، وصحب سيف آل محمد سلطان الإسلام مولانا الحسن بن القاسم، وكان أبرع أهل الحضرة، ولو أظفر بشيء من كتبه عند كتابة هذه غير ما كتبه لوالدي - رحمه الله - عن رأي مخدوم الجميع سيف الإسلام - رحمه الله - لمَّا ولاه أعمال (بعدان) ووجهه لفتح حصنه (جبل حب) فقال في العهد بعد البسملة(2) والصلاة والسلام على محمد وآله: من فاز في محبَّة الآل(3) بالسبق، وعرف عند جميع الناس بالإتصاف بمحاسن الخلق، وكان من ورق الشجرة التي بها يستظل من طلب الحق، فإنه حقيق بأن يحمل أعباء الولاية، أهل لتعظيم شأنه إلى غير نهاية، جدير باستنابته منابنا في السياسة والرعاية، ولمَّا كان المتوَّج بهذا التاج والمرتقي بعقله وكماله درج هذا المعراج، هو القاضي الرئيس الندب الحلاحل، النفيس المجاهد المناضل، المعاضد المناصر الباسل، علم الدين والناشئ في طاعة رب العالمين، صالح بن محمد بن أبي الرجال أصلح الله له وبه الأعمال، وبلغ فيه وبلغه قصارى الآمال، استخرنا الله سبحانه وهو خير مستخار، واخترناه بعد أن ساغ لنا اختياره بطول الاختبار، للنيابة عنَّا والمقام مقامنا، والكفاية لنا، والتكفُّل بما يتعلق بنا من أعمال الجهة البعدانية، وولايتها القاصية والدانية، يتصرّف فيها كما أمرناه، ويقوم من أمرها بما سنذكره - إن شاء الله- وما ذكرناه، يقدم ويحجم، ويحل ويبرم، ويحل ويحرم، ويضع ويرفع، ويضر وينفع، مطلق اليد في التصرف، نافذ الكلمة من غير تعجرف، راعياً لحق
__________
(1) لعلها: فريد.
(2) في (ب): التسمية.
(3) في (أ): بقصب السبق.

علام السرائر، متحرياً رضاه ورضا خليفته، ورضانا في الباطن والظاهر، سالكاً في بيوت الأموال سبيل الحفظ والصيانة، محافظاً على ما نعرفه منه من الدين والأمانة، ثابتاً في حسن الطاعة لله ولرسوله ولإمامه ولنا مكانه، ناظراً إلى من فوقه بعين الإجلال، وإلى من دونه بعين البر والشفقة في جميع الأحوال، سائراً في الرعية بغاية الرفق، واسعاً لمطيعهم وعاصيهم بالصبر وحسن الخلق، آمراً لهم بما أوجبه الملك الحق، ناهياً لهم عما لا يرضى به /137/ خالق الخلق، معرفاً لهم بما هو عليهم من الواجبات، آخذاً عليهم في المحافظة على الصلوات، ساعياً في هدايتهم بالتي هي أحسن في جميع الأوقات، ذاباً عنهم بالحق كل مريد، كافاً عنهم(1) كل شيطان مريد، موقراً لكبيرهم، وراحماً لصغيرهم، راعياً لحقوق أرباب البيوت، أصمَّ الأذن عن أقاويل أهل الغيبَة والقتوت، مُساوياً بينهم في نظره وقوله وفعله، شاملاً للأعلى والأدنى منهم بإحسانه وفضله، مدافعاً عن الأيتام والحرم، رافعاً عن الضعفاء منهم ظلم من ظلم، ثابتاً على(2) أوساط الأمور، لابساً حلة الحلم والوقار عند ورود ما تحرج منه الصدور، (نُطْنَا) به هذا الأمر ركوناً على ما ظهر من رفقه وعدله، واتكالاً على ما نعهده من وفور دينه وعقله، وألقينا ما خفا علينا إلى علام الغيوب، وعملنا بما أوجبه حسن الظن به والمطلع الله على سرائر القلوب، وهو حسبنا ونعم الوكيل ونعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد وآله وسلم، حرر بتاريخ سادس عشر من شهر شعبان عام ثمانية وثلاثين وألف.
__________
(1) في (ب): عنهم حدّ كل شيطان.
(2) زيادة في (ب): صراط.

وله أشعار في معاني عديدة، وهو من بيت سخر الله لهم الكلام، ويسر لهم المفاخر العظام، أعاد الله من بركتهم، ومن شعره وهو أوّل ما قال حتى روي عنه أنه كان لا يحب نسبتها إليه؛ لأن شعره من بعد هذه حسن كثيراً لكني لم أظفر عند الرقم إلا بهذه وهي طويلة نتبرّك ببعضها وهي في المولى سيف الإسلام الحسن بن أمير المؤمنين - عليهما السلام-:
تقوى الإله وإصلاح السريراتِ ... هما السبيل إلى نيل السعاداتِ
وخير ما قدّم الإنسان من عمل ... ما كان لله عن إخلاص نيَّات
فما اتقَى الله عبد فاستعان به ... إلاَّ تأتى سريعاً كلما يأتي
ومكَّنته الأماني من أزِمّتها ... وجاءه الدهر يسعى بالإرادات
انظر إلى حُسْنِ فعلِ الله في حسنٍ ... وما تبيّن فيه من كرامات
في أمره لأولي الألباب مدَّكر ... وللمريبين فيه آي آيات
هل نال ما ناله من قبله أحد ... إن كنت برّزت في علم الروايات
حاشاه من أن يضاهى في مكارمه ... أو في مناقبه أو في السيادات
فقل لمن رام..... للحوق به ... أقصر فما أنت من أهل السموات
إن امرءًا صار فوق الشمس مقعده ... هيهات إدراكه هيهات هيهات
بلى إذا شئت أن تحظى برتبته ... وإن ذلك من أقصى المحالات
انصب زمانك في درس العلوم معاً ... وانح الذي قد نحاه في الديانات
انصب زمانك في درس العلوم معاً ... مع اشتغالك فيه بالجهادات
كن في النهار لأمر الملك تنظمه ... والليل قم في محاريب العبادات
وهذا القدر كافٍ وهو شعر رائق كما ترى، وكان - رحمه الله - حسن الأخلاق، مسكيّ الشمائل لطيف الممازحة، وانتقل إلى جوار الله في شهر جمادى الآخرة سنة أربعين وألف، وقبره(1) في قبة الشيخ الغيثي برباط المعاين بين مدينتي إب وذي جبلة من مدائن اليمن - رحمه الله تعالى -.
/138/ زيد بن محمد الداعي [ - ق 3 هـ]
__________
(1) في (ب): وقبر.

الشريف الكبير الأعظم أبو الحسين زيد بن محمد الداعي الأديب العارف، من بيتٍ (ربحت) أنف الفخر به وشمخت، وثبتت قوائم مجده ورسخت، فهم أحد مفاخر الزيدية بل أحد مفاخر الإسلام.
قال الحاكم في الجلاء(1): كان قاضياً نبيلاً، وكان شاعراً مجيداً، لا يلحق ، أنشد له ابن الشجري وغيره.
قال الناطق بالحق أبو طالب - عليه السلام-: أنشدني مشائخنا بطبرستان لزيد بن الداعي محمد بن زيد ماقاله وهو محبوس ببخارى بعد قتل أبيه - رضي الله عنه -:
إن يكن نالك الزمان ببلوى ... عظمت شدة عليك وحلتْ
وأتت بعدها نوازل أخرى ... خضعت بعدها النفوس وذلت
وتلتها قوارعٌ ناكباتٌ ... سئمت عندها الحياة وملت
فاصطبر وانتظر بلوغ مداها ... فالرّزايا إذا توالت توّلت
وإذا أوهيت قواك وحلتْ ... كشفت عنك جملة وتجّلت
انتهى، وأنشد لي ابن الشجري في الأمالي ما كتبه إلى بعض أصدقائه بعد قتل أبيه، وأسره في الحرب التي وقعت بينهم وبين الخراسانية أصحاب إسماعيل بن أحمد الساماني صاحب ما وراء النهر من أعمال خراسان سنة سبع وثمانين ومائتين وهو يقول:
أسجنٌ وقيدٌ واشتياقٌ وغربةٌ ... ونأيُ حبيبٍ إنَّ ذا لثقيلُ
أيا شجرات الحور من شط هرهرٍ ... لشوقي إلى أفيائكن طويلُ
ألا هل إلى شم البنفسج في الضحى ... لحشْكَرْدَ(2) من قبل الممات سبيلُ
فبلغ الشعر إلى إسماعيل بن محمد فرَق له ودعاه، وخيَّره بين الرجوع إلى وطنه وبين الإقامة ببخارى، فقال: لا قد تغيَّرت تلك الأحوال عمَّا كانت عليه واختار الإقامة ببخارى، وصاهر حمويه بن علي وهرهر(3) الذي ذكره آمل وحشكرد قرية على شط هرير.
__________
(1) في (أ): الحلاء، ولعله جلاء الأبصار للحاكم المحسن بن كرامة الجشمي.
(2) كذا في (ب) و (أ).
(3) في (ب): وهرهر هرير.

قلت: وأبوه وعماه سلطان الإسلام وعلماهُ النَّيِّران، ولهما عجائب وغرائب، وتولى الناصر الكبير القضاء لمحمد بن زيد ورثاه بمراثي طويلة، وللحسن بن زيد مصنفات في فقة الزيدية منها (البيان).
زيد بن محمد الكلاري [ - ق 5 هـ]
القاضي الإمام، حجَّة المذهب، شيخ الشيوخ، وحيد أهل الرسوخ، زيد بن محمد الكلاري - رحمه الله - هو حافظ المذهب وعالمه الذي لا يبارى ولا يمارى ولا يجارى ، حقق القواعد وقيَّد الأوابد ووضَّح الأدلة والشواهد، حتى استغنى بتحصيله المحصلون، وانتفع بتفصيله المفصلون، وليس لشرحه(1) بعد ذهاب الشرحين شرحي (التجريد) و(التحرير) للأخوين - عليهما السلام- نظير، أقرّ له المخالف والموالف حتى إن شيخنا المحقق أحمد بن محمد الشابي - بالشين المعجمة - بعدها ألف بعدها باء بواحدة من أسفل مشدَّدة - القيرواني المالكي، اطلع عليه فبهره، وتعجَّب من تحقيقه وجودته، واستنكر تضعيفه حديث القلتين بالاضطراب، وقال: قد خرجه الأربعة وصححه خزيمة، فكيف يكون فيه اضطراب، ثم اطلع(2) السهيلي من أصحابهم وغيره للإضطراب، فعاد إلى التعجب من القاضي - رحمه الله - وجميع مشائخ الزيدية يغترفون من رحيقه، ويعترفون بتحقيقه، ولقد مرَّت مسالة في البيان بمجلس الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن أمير المؤمنين - عليهما السلام- وشيخه العلامة عامر بن محمد الذماري - رحمه الله - في (البيان الشافي)، فتبادر القاضي إلى تضعيفها /141/ ومعارضتها، وقد كان المرجوع إليه في وقته، فلمَّا قال ابن مظفر - رحمه الله - ذكره القاضي زيد في الشرح هاب القاضي عامر التكلم وقال: الشرح جُهمَة، وقد ذكره الملا يوسف الجيلاني في تراجمه: القاضي زيد مع جماعة من المؤيَّدية، وقد ذكر الفقيه العلامة الحسن بن
__________
(1) شرح القاضي زيد يسمى الجامع في الشرح، وهو في عدة مجلدات، انظر الطلبقات وأعلام المؤلفين الزيدية ومصادر التراث في المكتبات الخاصة في اليمن.
(2) سقط من (ب).

محمد النحوي - رحمه الله - في تعليقه على (اللمع) ما نصّه: من كتب المؤيد بالله (التجريد) وشرحه و(الإفادة) و(البلغة) و(الزيادات) ويسمَّى (الملحق على الإفادة) ويسمى (المسائل) ويسمَّى (المفرد من الأدلة والتفريعات) و(المسترشد والنيروسيات) و(الوافر على مذهب الناصر)، و(تعليق ابن أبي الفوارس على التجريد) و(تعليق الإفادة للقاضي زيد)، ولها تعليق آخر لابن عبد الباعث وشرحها للأستاذ، و(شرح أبي مضر للزيادات)، وقبله (شرح الحقيني) عليها و(المجموع بين الإفادة والزيادات، وأوَّل التحرير)، وهو لعلي بن محمد الخليل والأستاذ وابن أبي الفوارس، والقاضي يوسف ممن عارض المؤيَّد بالله، وقرأ عليه، وباحثه، وأمَّا القاضي يوسف فقرأ عليه قليلاً وعلى أبي طالب أكثر وأكثرها على الأستاذ، وبعدهم على خليلٍ، وهو قبل القاضي زيد، فكأن القاضي يروي عنه وأبو مضر اسمه شريح بن المؤيَّد، وأبوه قاضي المؤيَّد بالله، وكان طال به الدَّهر إلى زمان القاضي زيد، فانه يروي عن القاضي زيد، والله أعلم، وأبو جعفر في زمان أبي طالب، وهو قاضيه. انتهى

قلت: وعلى ذكر هذا البحث أذكر (شرح القاضي زيد على التحرير) وهو معروف بالتعليق، وقد تعرض علماؤنا للفرق بين الشرح والتعليق، فنقل شيخنا القاضي الوحيد العلامة أحمد بن سعد الدين - رحمه الله - عن بعض العراقيين، قال: نقله من خطه من ديباجة شرح القاضي زيد - رحمه الله -: اعلم أن الفرق بين الشرح والتعليق أن الشرح فيه ذكر المذهب وحده، ليس فيه اعتراض ولا مطالبة ولا نوع معارضة في مجموع المسائل، والتعليق يذكر(1) فيه المخالف والموالف تارة على طريق الاعتراض، وتارة على سبيل الاستدلال، فتعليق التحرير ثمانية كتب مجلدة، وشرحه دون ذلك، ويستفاد من التعليق معرفة علم الجدل، ومدارك الخطأ والزلل، وأمَّا (تعليق التجريد) فتصنيف أبي يوسف، وأمَّا (شرح البلغة) فتصنيف القاضي أبي(……)(2) بن محمد بن مهدي الحسني المدفون في بلد (بكشا)، وأمَّا (الإبانة) فتصنيف الشيخ الأجل أبو جعفر بن علي الديلمي على مذهب الناصر - عليه السلام- وشيعته، أربعة كتب مجلدة.
قلت: ونقل العلامة شيخ الشيوخ القاضي أحمد بن يحيى(3) حابس - رضي الله عنه - في (المقصد الحسن) ما لفظه: فإن قلت: ما بالهم في شروح الكتب يذكرون تارة شرحاً وتارة تعليقاً؟ قلت: اصطلح العلماء - رحمهم الله - أن الكتاب إذا شرحه شارح ثم جاء غيره فانتزع منه منتزعاً أنه يسمى ذلك المنتزع تعليقاً أي تعليق الشرح المنتزع منه، فحيث أضيف ذلك التعليق إلى الكتاب فهو على حذف مضاف أي تعليق شرحه.
__________
(1) زيادة في (ب): كلام.
(2) في (ب): كذا في النسختين.
(3) زيادة في (ب): بن.

قال الدواري(1): اعلم أن الشروح التي توجد لأصحابنا - يعني في زمانه - (شرح التحرير لأبي طالب)، و(شرح التجريد للمؤيَّد)، و(شرح الإفادة للأستاذ)، و(شرح النصوص لأبي العبَّاس)، و(شرح الأحكام لأبي العبَّاس أيضاً)، و(شرح أبي مضر)، ومثله (شرح الحقيني) كلاهما على الزيادات، و(شرح لابن عبد الباعث على التحرير) والمشروحات ستة (التحرير) و(التجريد) و(الأحكام) و(النصوص) لأبي العبَّاس و(الإفادة والزيادات للمؤيَّد) والتعاليق أربع: (تعليق ابن أبي الفوارس منتزع من شرح التجريد)، و(تعليق القاضي زيد منتزع من شرح أبي طالب) /142/ و(تعليق الإفادة للقاضي زيد منتزع من شرح الإفادة)، و(تعليق الإفادة لابن عبد الباعث على الإفادة)، انتهى.
زيد اليامي [ - 122هـ] وقيل سنة 123هـ
زيد اليامي من أصحاب الإمام الأعظم زيد بن علي - عليه السلام- ذكره البغدادي - رحمه الله -(2).
زيد بن موسى الكاظم [ - ]
زيد بن موسى الكاظم الذي كان يلقب بزيد النار، كان عالماً كبيراً من وجوه أهله، ولمَّا تَولى محمد بن محمد بن زيد - عليه السلام- عقد له على (الأهواز)، فلما دخل البصرة(3) وغلب عليها حرق دور بني العباس وأضرم النار في نخيلهم، ولذلك سمَّى زيد النار فحاربه الحسن بن سهل، فظفر به وأرسل به إلى المأمون، فأدخل عليه (بمروٍ) مقيداً، فأرسل المأمون إلى أخيه علي الرضا، ووهب له جرمه، فحلف على الرضا ألا يكلمه أبداً، وأمر بإطلاقه، ثم إن المأمون سقاه السم فمات وقبر بمرو، وكان هذا السيد الجليل حافظ الزيدية، ذكره البغدادي وغيره.
__________
(1) في (ب): الدواري.
(2) زيد بن الحارث بن عبدالكريم بن عمر بن كعب اليامي أبو عبدالرحمن الكوفي، كان شيعياً ورعاً زاهداً من ثقات التابعين، ذكره المزي فيمن روى عن الإمام زيد، وكذلك أبو عبدالله العلوي، توفي سنة 122هـ وقيل سنة 123هـ وقيل سنة 124هـ. انظر تسمية من روى عن الإمام زيد ترجمة 12.
(3) في (أ): ببصرة.

زيد بن مقبل(1) [ - ق 7 هـ]
العلامة الكبير، من علماء صعدة، وذكر أحواله بعض علمائنا - رحمهم الله - وقال: قتله أحمد بن المنصور بالله وأسد الدين التركماني حين دخلا صعدة، وكشفوا النساء، وانتهبوا بيوت المدينة، وأسروا طائفة، وأقاموا بالمدينة.
زينة بنت حمزة بن أبي هاشم [ - ق 6 هـ]
الشريفة الفاضلة العابدة زينة بنت حمزة بن أبي هاشم ذات الشرف والعفاف، والمجد الذي أناف على ذرى آل أبي(2) مناف، كانت غوث اللهيف، عون الضعيف، ولها حسنات وإحسان، وأياد لم تكن في حساب ولا حسبان، وكيف لا وهي من البحبُوحة العالية، والدوحة الرفيعة السامية، وفد إليها الناس، ولاذوا بها في الأزمة والبأس، وكانت بحيط حمران من (ذيبين) ولها منازل للضيوف وأبواب يدخل منها الوفد للقراء(3) وأبواب يخرجون منها، ويروى أن أغلب الضيف المشهورة بشعاب علي من فوق الشعب المعروف شعب خديجة إنما سيمت غلة الضيف لأنه يأتي إلى هنالك من به حاجة إلى القراء.
قال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة أخبرنا الشريف العالم العامل الورع الكامل القاسم بن يحيى بن موسى بن يحيى بن علي بن المحسن بن الحسن بن يحيى بن عبد الله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام- عن عمه داود بن موسى، قال: وفدت إلى الشريفة الفاضلة زينة بنت حمزة - رضي الله عنها - وكانت تقصد كما يقصد الملوك، وتعطى فوق عطائهم، مشهورة بالعلم والفضل، فامتدحتها بشعر رواه لي فضبطت منه:
يا ربة الدين والتوحيد والأدبِ ... ويا مؤمل أهل الفقر في الحقبِ
ويابنة الملك والأطهار من حسن ... من آل حمزة والعالين في الرتبِ
بنت الشفيع الذي يرجو شفاعته ... كل الخلائق من عجم ومن عربِ
لولا أبوك الذي أحيا لنا شرفاً ... وشاده طيباً في الناس لم يطبِ
__________
(1) في (ب): زيدان بن مقبل.
(2) في (ب): آل عبد مناف.
(3) في (ب): للقرى.

حكى(1) الشريف الفاضل العالم أنها وصلته بستين ديناراً وما يتبعها من كسوة، وجملت(2) حاله.
حرف السين المهملة
سالم بن أبي حمزة الثمالي [ - ق 2 هـ]
سالم بن أبي حمزة الثمالي العالم العامل، ذكره أبو القاسم البغدادي في رجال الزيدية وغير البغدادي أيضاً وهو(3) من أجلاء وقته ونبلاء زمانه، ولقي زيداً - رضي الله عنه -.
سالم بن أبي حفصة [ - 140 هـ] ت
سالم بن أبي حفصة - رحمه الله - ذكره البغدادي أيضاً في رجال الزيدية وأهل الإسناد لهم - أعاد الله من بركته -(4).
سالم بن أحمد بن سالم [ - بعد سنة 600هـ]
العلامة سالم بن أحمد بن سالم البغدادي(5)، ذكره ابن جميل النهدي في رحلته، قال الشيخ (……)(6)
/143/ قال: اجتمع به سادياح بنيسابور في مدرسة الصدر يحيى بن إسماعيل مبلغ دعوَة الإمام المنصور بالله في الصفة الشرقية بشهر رمضان سنة ستمائة.
سباع بن محمد الحراني [ - أوائل ق 7 هـ]
__________
(1) في (ب): فحكى.
(2) في (أ): وحملت.
(3) زيادة في (ب): وكان.
(4) انظر المزيد عنه في أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 441.
(5) في (ب): البغدادي الإمام الكشيري.
(6) فراغ في النسخين (أ) و (ب).

سباع بن محمد الحراني، الشريف الفاضل الشجاع الباسل، قال أبو فراس بن دعثم: كان عبداً صالحاً ورعاً كثير الصيام، أتى إلى الإمام(1) المنصور بالله عبد الله بن حمزة قاصداً للجهاد بعد أن تخلَّص عن ماله، وقضى الحقوق التي عليه في بلده، فلمَّا وصل استأذن الإمام - عليه السلام- للتقدم عليه للبيعة، فأذن له فبايعه وقال له الإمام: بارك الله فيك، وحكى أنه رأى مناماً أنه يبايع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فلما فرغ من بيعته قال له: بارك الله فيك كما قال له الإمام فحمد الله وأثنى عليه وازداد يقيناً، قال: كنت أنظر قول الإمام بعد البيعة يُوافق قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في المنام، وأقام ملازماً مع الإمام صابراً مرابطاً حتى استشهد في سبيل الله إلى - رحمه الله - بغزاة نجران الثانية،وهو من جملة أشراف الحجاز القادمين من آل الحسن، ومنهم الحسن بن طامي، ومفرح ويمين ابنا الحسن بن ثابت وعلي ومحمد ابنا الحسن بن مفرح الخراسان وسالم بن عمرو وعلي بن الرأس(2)، وحظي منهم بالشهادة محمد بن الحسن بن مفرح في غزاة سراقة، وهذا الشريف سباع - رضي الله عنه -.
سالم السلولي [ - ق 2 هـ]
سالم السلولي، كان من تلامذة الإمام، عظيم الشأن، وهو الذي خرج زيد بن علي من داره يوم قتل - عليه السلام-.
سري بن إبراهيم بن أبي بكر [ - 626هـ]
سرى بن إبراهيم بن أبي بكر بن علي بن معاذ بن مبارك بن تبع بن يوسف بن فضل العرشاني - رحمه الله - كان من العلماء الكبار، أهل النباهة والأخطار، تولى قضاء صنعاء لبني أيوب، واستمرَّ بها إلى أن فتحها الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة، ذكره السيد العلامة أحمد بن عبد الله بن الوزير. وذكر السيد شمس الدين أنه ممن كان يعترض معاملة الإمام للمطرفية، وله (رسالة) في هذا المعنى.
__________
(1) في (ب): الإمام.
(2) في (ب): الرائس.

قلت: ذكره الشيخ اللسان العالم ابن العالم علي بن نشوان الحميري، فقال: كان عالماً فاضلاً، وكان أكبر من بصنعاء من العلماء مقاماً ومعرفة وعلماً، ورجع إلى مذهب الزيدية عن مذهب الجبر، وكانت له في الفقه يد قويَّة، وله تثبت في الخصومات وحذاقة، فولاه الإمام المنصور بالله - عليه السلام- القضاء بمذهب آل محمد - عليهم السلام- وأن يرجع إلى أمير المؤمنين فيما التبس عليه من القضايا والأحكام، وكتب له بذلك عهداً، وفي أيام القاضي سري بن إبراهيم (بنى وردسار) المنارتين في الجامع، وأصلحه وبنى الجبَّان، وسري هو الذي بنى المطاهير والبركة بجامع صنعاء، ولم يكونا قبل ذلك ابتداء العمل سنة سبع وستمائة، روي من أخباره أنه كان له عنب، فحكم على إنسان فجاءه في الليل يناديه يا قاضي، قال: ما تقول؟ قال: هذا شريم معي كذا كذا سن وأنا عازم على قطع عنبك فلم يزل يتلطف له حتى ترك، ولمَّا أصبح باع العنب، وقال: لا يصلح لحاكم مزرعة، توفي قاضياً بصنعاء سنة ست وعشرين وستمائة.
سالم بن مرتضى بن غنيمة [ - ق 10هـ]
سالم بن مرتضى بن غنيمة(1)، صاحب (التفسير)، فقيه فاضل، وله (كتاب في التفسير)، وله (كتاب في الحديث على أبواب الفقه)، مخرّج من الست الأمهات، وأحسب أن هذا الفقيه هو الذي اختصر (المعتمد) لابن بهران في الحديث، والمعتمد هو جامع الأصول لابن الأثير، إلا أن ابن بهران جعله على أبواب الفقه، وهذا الفقيه الذي ظننته سالماً المذكور، اختصره اختصاراً يقرب - إن شاء الله - إلى الصواب، رأيته ولم أطالعه وبنو غنيمة(2) من أهل حبور بيت شهير.
سري بن منصور [ - ]
__________
(1) في (أ): عينمة.
(2) في (أ): عينمة.

أبو السرايا قائد المقانب، وزائد المناقب أسد الله الهصور، سري بن منصور، هو أحد الأعلام، الناشرين للأعلام /144/ وأوحد الحكام، المنفذين للأحكام، وأخباره أشهر من الشمس في الضحى، إذا انطمست آثار السلف فما انطمس أثره ولا انمحى، فما أحراه بقول من قال:
وإذا(1) سمعت برحا منصوبة ... للحرب فاعلم أنني قطب الرحا
وهو أحد بني ربيعة بن ذهل بن شيبان، ولمَّا رجع الإمام محمد بن إبراهيم صنو القاسم - عليهما السلام- من الجزيرة، وقد أخلفه نصر بن شيث(2) الزيدي ما وعده لأسباب من قومه، لقي أبا السرايا في الحجاز في ناحيةٍ من السواد، قد أوَى إليها خوفاً على نفسه، لأنه قد نابذ السلطان ومعه غلمان له فيهم أبو الشوك وأبو هرماس، وكان علوي الرأي ذا همَّةٍ سامية، فدعاه الإمام إلى نفسه، فأجابه وقال له: انحدر في القراء حتى أوافي على الظهر، وموعدُك الكوفَة، فسبقه الإمام إلى الكوفَة، وتعرَّف أحوال الناس ودعاهم، قال نصر بن مزاحم: فحدَّثني رجل من أهل المدائن(3)، قال: إني لعند قبر الحسين - عليه السلام- في ليلة ذات ريح ورعد ومطر، إذ بفرسان(4) قد أقبلوا فترجلواـ ودخلوا إلى القبر فسلموا، وأطال رجل منهم الزيارة، ثم جعل يتمثل بأبيات منصور بن الزبرقان النميري:
نفسي فداء الحسين يوم غدا ... إلى المنايا غدو لا قافل
ذلك يوم أنحى بشقوته ... على سنام الإسلام والكاهل
كأنما أنت تعجبين ألا ... ينزل بالقوم نقمة العاجل
لا يعجل الله إن عجلت وما ... ربك عما ترين بالغافل
مظلومة والنبئ والدها ... تدير أرحى مقلة حافل
ألا مساعير يغضبون لها ... بسلة البيض والقنا الذابل
__________
(1) في (ب): وإن.
(2) في (ب): نصر بن شبث.
(3) في (أ): المدارس.
(4) في (أ): بفارسين.

ثم أقبل عليَّ وقال ممن الرجل؟ قلت: من الدهَّاقين من أهل المدائن، قال: سبحان الله يحن الولَي إلى وليِّه كما تحن الناقة إلى حوارها، يا شيخ إن هذا موقفاً يكثر لك عند الله شكره، ويعظم أجره، ثُمَّ وثب وقال: من كان هاهنا من الزيّدية فليقم إليَّ، فاجتمع إليه جماعة، فخطب خطبة طويلة ذكر فيها أهل البيت وفضلهم، وما جرى عليهم، وذكر الحسين - عليه السلام- وقال: إن لم تنصروه لأنكم لم تحضروه، فما عذركم فيمن لحقتموه من أهل البيت وهو غداً خارج طالب بثأر الإسلام، وإني خارج في وجهي هذا إلى الكوفة لنصرته، فمن كان يريد ذلك فليلحق بي، فمَضى من وقته، فخرج الإمام للقائه في اليوم الذي واعده ومعه أهل الكوفة كالجراد المنتشر، لكنَّهم بغير سلاح، فأبطأ أبو السرايا - رحمه الله - فتكلم الناس فيه، وتعب الإمام فبيناهم كذلك إذ طلع عليهم علمان أصغران وخيل فنادى(1) الناس بالبشارة، وكبروا وتبصروا، فإذا هو أبو السرايا، فلما بصر الإمام ترجل له وأقبل إليه فاعتنقه الإمام ثم قال للإمام: ما يمنعك من البلد أدخل فدخل وخطب ودعا الناس، ثم أرسل إلى الفضل بن العباس، فوجده قد خرج من البلد، فوجَّه إليهم الحسن بن سهل بن زهير بن الشيب، فوصل إلى قصر ابن هبيرة، ووجَّه لقتال أصحاب الإمام ابنه أزهر فاتفقوا عند سوق أسد فقتلهم أبو السرايا ومزقهم، فتوجَّه زهير بنفسه فلقيهم أبو السرايا فقتلهم ونهبهم وتبعهم إلى (شاهي)، فالتفت زهير إلى أبي السرايا، وقال: ويحك تريد هزيمة أكثر من هذه، فوجَّه الحسن بن سهل عبدوس بن عبد الصمد فلقيه أبو السرايا فنكل به وقتل أصحابه وهرب عبدوس في الجامع فلحقه أبو السرايا وهو /145/ يقول: أنا أسد بني شيبان، فلحقه وهو يهرب، فضربه حتى فلق هامته وخرَّ صريعاً، ثم وجه الحسن هرثمة، بن أعين، فكانت حروب تشيب الذوائب وأسر أبو السرايا هرثمة ودارت على هرثمة دائرة الحرب فحصل من بعض أهل الكوفة مخالفة عند
__________
(1) في (ب): فتنادى.

الحرب، فافترق الجميع(1) على أبي السرايا، فمضى في كتيبة من خيله على طريق خراسان حتى نزل قرية يقال لها: (بوقانا)، فبلغ حماد الكندوس خبرهم فركب بنفسه حتى لقيهم فأمنهم على أن ينفذ بهم إلى الحسن بن سهل فقبلوا ذلك منه، فحفظ محمد بن محمد بن زيد - عليهم السلام- وأنفذه إلى الخليفة، وأمَّا أبو السرايا فأعطاه هارون بن خالد وقال: اقتله بأخيك عبدوس بن عبد الصمد، فضرب عنقه - رحمه الله - ونصب رأسه في الجانب الشرقي من بغداد وصلب بدنه في الجانب الغربي، وقتل غلامه أبا الشوك، وصلب معه، وحمل محمد بن محمد بن زيد - عليهم السلام- إلى خراسان فأقيم بين يدي المأمون، فصاح الفضل بن سهل: اكشفوا رأسه فكشفوه وتعجب المأمون من صغر سنه، ثم أمر له بدار وجعل له فيها فرشاً وخادماً فكان فيها على سبيل الاعتقال والتوكيل، فأقام على ذلك مدَّة يقال إن مقدارها أربعون يوماً، ثم دست إليه شربة فمات - رحمه الله -.
سعد الدين بن الحسين المسروي [ - 1031هـ]
__________
(1) في (ب): الجمع.

القاضي العلامة بديع زمانه، لسان المتكلمين، نصيح العترة المكرَّمين، العلاَّمة بن العلامة أبو العلامة سعد الدين بن الحسين المسوري - رحمه الله - كان من أفراد وقته في الفضائل، مشار إليه في جميع الخلال الحميدة، وله في العلوم حظ واسع، وله مشائخ أجلاء وتلامذة منهم ولده العلامة شمس الدين أحمد بن سعد الدين - رحمه الله - رحل سعد الدين(1) إلى صنعاء للقراءة، وسكن (قملا) من بلاد خولان، وله أشعار دارت بينه وبين السادات(2) النحويين(3) مفاكهات، وله إجادة في الشعر ومكنَة عظيمة، وهذه القصائد الملموح إليها تدل على ذلك، وكان من أهل مكارم الأخلاق والمؤثرين على أنفسهم في الشدَّة، وكان عين الحضرة المنصورية - أعاد الله من بركة صاحبها- تولى بها الكتابة والخطابة، ووجَّهه الإمام كرتين فيما أحسب إلى الباشا للصلح؛ لأنه كان نبيهاً(4) حسن الأخلاق واسع الصدر، وكان لا يغضب لأمر يخصّه، وما علمت له في هذا المعنى غضبة، وكان شديد الصولة في ذات الله، يضرب بغضبه المثل ويحسب الناس أنه لا يحسن شيئاً من الصبر لما يرون من غضبه لله، وكان مقبولاً في جميع حالاته مع شدته وشراسته في جنب الله، وأمَّا فيما يخصه فحكى ولده صدر الإسلام ما ذكرت عنه أنه لم يحضر له غضبه، وكان يقول: أنا أطالب سادتي آل القاسم وأغضب عليهم أطلب منهم الأحسن ولا أرضى منهم بالحسن ولم أغضب عليهم لقبيح فهم منزهون عنه، وكان يقول للوفد إلى الحضرة(5) الأماميَّة، أمَّا وقت الغداء والعشاء والمبيت فلا يمتنع أحد منكم (مني)(6) عن مجلسي، وأمَّا سائر الأوقات فأطلب فراغ المنزل لأشتغل بمهمَّاتي، أتلو وأفعل ما شئت، ليس لكم في ذلك نصيب، فإن الأعمار لا تضيع، وكان يقول: أنا في وقتين أنفس الناس(7)
__________
(1) في (أ): رحل إلى صنعاء.
(2) في (ب): السادة.
(3) لعلها اليحيوين.
(4) زيادة في (ب): وجيهاً.
(5) في (أ): إليه الحضرة.
(6) ساقط من (ب).
(7) في (ب): وها وقت الطعام.

وقت الطعام والمبيت، ليس لي فيهما مع جميع من حضر(1) إلا حصتي، وأمَّا سائر الأوقات فلا أقبل السمر والإطالة فيما لا طائل تحته، وكان حافظاً يملي(2) الغرائب والنوادر العلميَّات والأدبيات، مما أخبرني به ولده صدر الإسلام - رضي الله عنه - قال: أخبره أن بعض الفضلاء مرَّ على بعض أولاد الرؤساء فحرَّضه على القراءة، وقال: بديهاً أبياتاً تشبه أبيات عبد الهادي السودي الموشحة: هذا المصلى وهذه الكثب وذا النقا. وهي مشهورة، وكان العلامة المهلا بالقرب /146/ من محل ذلك الطالب، فقال ذلك الفاضل لمن وصاه: هذا المهلا، وهذه الكتب وذا السقاء.
ولم يحضرني إلا هذا، وقد قيدته ولعلي أثبته - إن شاء الله- والمراد أن هذا الأستاذ وهو المهلا، وكان إمام العربيَّة وهو المعروف بالنيسائي، وسيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى-.
وهذه الكتب جمع كتاب يعني للدرس، وذا السقاء يريد السليط أو الزيت، وهذا عارض من القول.
وأخبرنا سيدنا ولده - رضي الله عنه - يروي عنه قال: عاد بعضُ الأفاضل بعضَ الأفاضل في مرض، فسأله عن حاله في الصلاة فأنشده:
وكرر ثناه ما استطعت وذكره ... ولا يلهك المولى تليد وطارف
ثُمَّ بيتاً آخر لم يفهم عنه لضعف قواه وثقل لسانه غير لفظة المسايف، فأجاز ذلك بعض الفضلاء، فقال:
إذا ما ابتلاك الله فاصبر لحكمه ... على كل حالٍ فهو للضر كاشف
وكرر ثناه ما استطعت وذكره ... ولا يلهك المولى تليد وطارف
وحافظ على فعل الصلاة ولا تدع ... فرائض أدَّاها منيب وخائف
ولا تلغ فيه سنة مستحبَّة ... إذالم يكن عن ذاك في الحال صارف
وإن كنت في حالٍ ضرير فأدها ... ولو مثل ما أدى وصلَّى مسايف(3)
قال سيدنا: أخبرني بذلك والدي سعد الدين بن الحسين برد الله مضجعه، ونوره، ورأيته أيضاً(4) مكتوباً بخط بعض أهل العلم - رحمهم الله -. انتهى
__________
(1) في (ب): وفد.
(2) في (أ): على.
(3) في (ب): المسايف.
(4) سقط من (ب): أيضاً.

قلت: ومن شعره(1) أيضاً في أسنان الإبل:
حوار مخاض واللبون وحقها ... كذا الجذع الثني الرباع سديسُ
وبازل تسع ثم مخلف عاشر ... وبازل عامين وذاك مقيسُ
ومخلف عامين كذاك ثلاثة ... ومازاد زده والقياس مقيسُ
وأخباره الصالحة كثيرة - رضي الله عنه - توفي بهجر (المكردم) من أعمال هنوم بين صلاتي العصرين يوم الأربعاء الحادي والعشرين من ذي القعدة عام إحدى وثلاثين وألف، ودفن إلى جهة الجنوب من الجامع المنصوري بجوار القاضي الفاضل محمد بن سليمان الروسي، ويُسمَّى ذلك المحلّ شرف الغرفة - أعاد الله من بركتهم آمين-.
سعيد بن أحمد الفتوحي [ - ق ]
الفقيه العلامة(2) الكبير سعيد بن أحمد الفتوحي المعروف بسعيد الدار، وهو من دار عمرو من بلاد (سنحان)، ذكره ابن حميد واثنى عليه في التحقيق والعلم وهو من آل أبي الفتوح بيت شهير، وما أبعد أن يكون من آل أبي الفتوح الذي كانت سلطنة خولان العالية إليهم، وملك منهم من ملك صنعاء، وكانت مساكنهم بمسور المشرق، وفي بعض (……)(3)
وأمَّا هذا الفاضل فسكن دار عمرو، وقال السيد الهادي بن إبراهيم الصغير - رحمه الله -: كان سعيد تلميذ السيد جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم وزميلاً لولده صلاح بن علي، وهو من آل أبي الفتوح، وسكن بدار عمرو وإليها نسب، وكان عارفاً أديباً لبيباً، ومما يحكى ويحفظ من آدابه أنه خرج هو والسيد أحمد بن محمد الأزرقي، وجماعة إلى بلاد سنحان، فلما رأوا براشاً وانتصابه، قال السيد أحمد بن الأزرقي:
كان براشاً خيل بن أكامه
فقال الفقيه سعيد:
من غير رَوِيَة بليل غزال روَّعته القوانصُ
ولمَّا بلغ القراءة عليه السيد محمد بن المطهر بن علي بن المرتضى إلى البدل، قال له الفقيه سعيد الدار:
يابن الهداة السادة الأبدال ... احفظ هديت مسائل الإبدالِ
سعيد بن برية [ - ق 5 هـ]
__________
(1) في (ب): - رحمه الله -.
(2) في (ب): العالم.
(3) فراغ في النسختين (أ) و (ب).

العلامة المحقق الحجَّة سعيد بن برية - بالباء بواحدة /147/ من أسفل بعدها راء مهملة - الزيدي، هو شيخ الزيدية وعالمهم، كان معظماً في رجاله ذا جاه ومحل عند كثير من الناس، تولَّى القضاء (بريدة وأثافت)، وله بأثافت مزيد اختصاص، وله فتاوى في الفقه نقلها محمد بن يحيى بن محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن أبي رزين الصعدي، وكان سيفاً صقيلاً على المطرفية، وصاولهم وردَّ بدعهم، كما حكاه القاضي العلامة عبد الله بن زيد العنسي - رحمه الله - وكانت له في الصدق آثار(1) يحمد أثرها منها أنه لمَّا قدم المعيد عند مصيره إلى اليمن أثافت وبها ابن برية فسمع المعيد يقول:
تباً لأقوام غرار إمامهم ... وقد أكثروا أقوالهم في ابن مريم
فلا ثم من ثوب ولا ثم ناقة ... ولا ثم لو تدرون من عود جرجم
__________
(1) في (ب): مقامات يحمد.

فجعل ابن برية يقول: معطل معطل يكررها، وقيل: إنما أنكر على المعيد هذا لأنه رمز منه عن آيات الرسل - عليهم السلام- وإنكارها يريد أنه ليس قميص يوسف بثوب ولا ناقة صالح من جنس الإبل، وكانت هذه من مناقب ابن برية - رضي الله عنه - لشدة عتوّ المعيد وطغيانه بأنه ما ورد اليمن من القاهرة إلا لذلك، كما روى يحيى بن مسلم الساري الصعدي عن مشائخه أن المعيد بعث داعياً إلى رأي الباطنية في اليمن،، وأنه كان يراسل ويراسل من القاهرة، وحكى من بعض ذلك أنه كتب إلى السلطان في القاهرة كتباً، وسفر بها رجلاً فأدخل على السلطان هناك وسلم الكتب إليه ولم يجبه بشيء موافق لغرض المعيد، ثم إنه تصفح المعيد للجواب(1) فأنكر معناه لعدم الملائمة للبلاغة، فدعا بالرسول فقال: دخلت على مولانا؟ قال: نعم، قال: أفرأيت شيئاً تنكره أو تستحسنه، ونادرة تعجبنا منها؟ قال لا: إلاَّ أني رأيته استدعى بقلاً في طبق فيه شيء من فجل فيه صغار جداً وكبار جداً وبين ذلك فتناول شفرة أو مقلمة فأخذ الكبار منه فقطع رؤوسها(2)، ثُمَّ شققها وبالغ في ذلك كاللعب، ثُمَّ رمى بها(3)، وتناول الصغار فأكل منها فسكت المعيد وفهم الرمز ويقال: إن ذلك إيماءٌ إلى قتل الكبار ويأكل من أموال الرعايا الصغار، فمن هذا كان مقصده، فلله در ابن برية، وقد وقع مع المعيد جماعة ووقاهم الله شره كالحسن بن أبي الشوك الرجوي، والقاضي تبع، فإنه جاءه همدان يسألونه الدخول معهم إلى المعيد لينظر مقامه في العلم، قال: تبع لست آتيه، لكني أكتب إليه مسائل إن أجابها فهو عالم، فوجَّه إليه بمسائل وأصحبهم دواة وقرطاس، فلمَّا وقف المعيد على المسائل، قال: لا يحضرني من الورق شيء، فقالوا: معنا ورق، فقال: لا دواة، قالوا: هي هذه، قال المعيد: هذه سماقيات تبع والله لأن ظفرت به لأخرجن لسانه من قفاه، فاعتزله تبع خائفاً فانتثر نظام ملك
__________
(1) في (ب): الجواب.
(2) في (ب): رواسها.
(3) زيادة في (ب): بها.

المعيد بمجرد بعده عنه، وهو لابس للصوف مقبل على العبادة، ولقد تعجب السلطان حاشد بن الضحَّاك من خوف المعيد من القاضي تبع، وقد دخل المعيد صنعاء بعشرة آلاف سيف، فلمَّا قال المعيد للسلطان حاشد إنه يتوسل به إلى مسالمة القاضي، فقال له السلطان لمكان تعجبه فقال: نعم: قد أفسد ببعده أعمالي، قال أبو بكر محمد بن الحسين الكلاعي الزيدي، سألتُ المعيد عن نسبه، فقال: هو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن إبراهيم بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
قلت: وهذا نسب لم يثبته علماء النسب وسئل عنه القاضي أحمد بن عبد السلام، فلم يثبته لكنه، قال: هو من الريّ، وذكر أبو السعود علي بن أحمد بن جعفر بن الوليد الصنعاني المعروف بابن الآنف، وهو الذي رباه العلامة /148/ محمد بن أحمد اليامي أن المعيد المذكور اجتمع بعلي بن محمد التهامي الشاعر المداح لآل دعبل بن الجراح الطامين ونحوهم بمصر في وزارة آل العربي بالقاهرة المعربة، وأنهما اعتقلا معاً بخزانة البنود وهو السجن الأعظم الذي يقال فيه المثل المشهور داخلها مفقود وخارجها مولود، فخرج المعيد وقد درس مذهب القوم.
قلت: وكان بارعاً في الأدب، حكى نشوان أنه كان واقفاً بالمنقب وحاول الزيدية يأتونه فإذا أتاه أحد أدناه وقربه، وإذا أتاه رجال الباطنية أقصاهم، وينشد مشيراً إلى ما يفعله:
ألا رُبَّ نصح يغلق الباب دونه ... وغش إلى جنب السرير يقرب
وقد ذكرنا من أحواله شيئاً في ترجمة إسماعيل الأصبهاني، ثم الصنعاني - رحمه الله -.

قلت: ولم يزل(1) سعيد بن برية على قدم الشريعة قائماً ولم يرم عن منهاجها دائماً واشتجرت رماح المشاجرة بينه وبين(2) المطرفيّة الطبيعية، فله(3) إليهم أجوبة ومن رسالة له إليهم ما رأيت نقله إلى(4) الإمام الأعظم زيد بن علي - عليهما السلام- ليشرف هذا النقل به، ولفظه: ليس شيء أولى بالمسلم من إصلاح نفسه ومعرفة قدره في علانيته وسره، والبحث عمَّن طلبته كطلبته، فإذا ظفر بأخيه المسلم كان عنده أنفس فائدة أفادها وأوجبه حقاً أو كانت الطلبَة طلبة واحدة، والمراد مراداً واحداً، ولقد عدم(5) التوفيق من عدم أخاً يبصره بعيوبه، ولا يذكره(6) عند غفلته، ويتلافاه عند زلته. انتهى
سعيد بن خثم(7) [ - ق 2 هـ]
سعيد بن خثم الهلالي صاحب الإمام الأعظم، ذكره البغدادي - رحمه الله - فيمن اشتهر بعد موت الإمام - عليه السلام-. انتهى
سعيد بن الحجاج(8) [ - ق 2 هـ]
الشيخ العالم سعيد بن الحجاج، صاحب زيد بن علي - عليه السلام- ذكره شيخ الإمام الناطق بالحق أبو القاسم في علماء الزيدية - رحمهم الله تعالى -.
سعيد بن الدعوس [ - ]
سعيد بن الدعوس العالم الكبير الرئيس، قال في الصلة: إنه كان [من] فضلاء العصر، وأوتاد الدهر المشمرين من أصحاب الإمام الناصر، قال: وكان عالماً فاضلاً زاهداً، وكان والياً لبلاد عنس والمتصرف على خراجاتها وواجباتها.
سعيد بن داود بن داود(9) [ - 1010هـ]
__________
(1) في (ب): ولم يزل القاضي سعيد.
(2) في (ب): وبين طائفة المطرفية.
(3) في (ب): وله.
(4) في (ب): عن.
(5) سقط من (أ): عدم.
(6) في (ب): ويذكره عند غفلته.
(7) متأخرة في (أ) فهي قبل سعيد بن عطاف بن قحليل.
(8) في (ب) هذه الترجمة قبل سعيد بن برية.
(9) هذه الترجمة بعد ترجمة سعيد بن خثم الهلالي.

الفقيه العالم النحوي المقرئ شيخ القراءات السَّبع إنسان أهل الطريقة على الحقيقة التارك للدنيا سعيد بن داود اليمني الآنسي، كان عالماً كاملاً جامع القلب مولعاً بالقرآن، أقام بمسجد النور بصعدة منقطعاً إلى العبادة، وكان إذا مرّت به الزواجر كثر بكاؤه وإذا ذكر الألفاظ المشجية بكى، حكي عنه أنه قرب له عنب من نوع يسمَّى الغريب في صعدة، فقال : ما اسم هذا؟ قالوا: غريب، فقال: غريب يأكل غريب وبكى كثيراً، وله بلاغة فائقة في النظم والنثر وأشعار كثيرة حكميَّة وحمينيّة على منهاج الصوفية، وله تخميس قصيدة العلامة ابن بهران اللامية، وله جواب على من أجاب على الزمخشري - رحمه الله - بقوله:
عجباً لقوم ظالمين تلقبوا ... بالعدل مافيهم لعمري معرفة
فأجابه الفقيه بآبيات كثيرة أولها:
قال الخبيث تعصباً وجهالة ... لمقالةٍ عدليّة مستظرفة
إلى آخرها سنكتبها - إن شاء الله - توفي يوم الخميس حادي عشر من شهر جمادى الأولى سنة عشر بعد الألف.
سعيد بن صلاح الهبل [ - 1037هـ]
القاضي العالم الفاضل المذاكر، شيخ المتأخرين، سعيد بن صلاح الهبل - رحمه الله - كان من الفقهاء المحققين والعلماء المبرزين، قرأ على الفاضل الجربي - رحمه الله - وأوصى الجربي - رحمه الله - بنيه بالقراءة على القاضي المذكور، وقد سبقت ترجمة الجربي، وذكر ولديه العالمين الفاضلين الزاهدين، ولهما الآن عقب أكثرهم سلك مسلك أهل الطريقة الزهاد، وبعض منهم علق بالهجرة عن القريب والبعيد والعزلة.

ومن شيوخ القاضي سعيد العلامة السنحاني الآتي ذكره - إن شاء الله - والسيد الإمام العالم عبد الله بن أحمد المؤيدي وله معه /149/ النادرة الآتية: فإن القاضي - رحمه الله - شبيه السجايا بعامر الشعبي - رحمه الله - ومن تلامذته كبراء أهل الإقليم، ومنهم إمام الوقت المتوكل على الله - أيده الله - تروَّى من معين علومه، وروى منها الكثير الطيب، ولا يزال يعطر المجالس بذكره، فإنَّ القاضي - رحمه الله - كانت سجاياه نبويَّة، وأخلاقه علويَّة، كان لأصحابه كأحدهم يمازحهم ولا يقول إلا حقاً، وقد كان الإمام المتوكل على الله تتلمذ للعلامة الضيائي عامر بن محمد الصباحي والقاضي عامر - عادت بركاته - كثير الصمت والتهيب على الطلبة، وكان يوصي بذلك ويقول: الطالب إذا أمليت له مسألة وعاودك فيها على الصواب فاقبل الحق بوجهٍ لا يفهم الطالب أنك قد أخطأت يقل أدبه، فإن الطالب كالمعز(1) لا تقر في أماكنها، فلمَّا مضت مدّة والإمام يقرأ في البحر على شيخه القاضي (سعيد)(2) اقتضى الحال ترحل القاضي (سعيد)(3) فقال للإمام - عليه السلام- على من تقرأ في غيبتي؟ قال: على القاضي (عامر)(4)، قال: ما أحسن هذا، لكنَّها لا تطمئن نفسي حتَّى تقرؤوا (في حضرتي)(5) لأعرف أسلوب القراءة، ففعلوا، والقاضي سعيد حاضر يسأل الإمام عن مواضع من مباحث القراءة، فاستحسن ما سمع وما رأى، واطمأنت نفسه، ولمَّا أخذوا في القراءة على القاضي عامر بسط لهم أخلاقه وجرأهم على المباحثة والمعاودة بينهم للبحوث والتخطئة والتصويب حتى توجّع إليه من ذلك القاضي صلاح الذنوبي - رحمه الله - وكان جامعاً لعلوم الاجتهاد، فقال له كلاماً معناه: التصويب لما فيه من شحذ الهمم كما جرت عادة الطلبة الكلفين بالعلم سيما من الزيدية، فإن حالهم كما قال المتوكل على الله
__________
(1) في (ب): كالمعجزة.
(2) مشكل عليه في (ب).
(3) مشكل عليه في (ب).
(4) مشكل عليه في (ب).
(5) في (ب): إلا وأنا حاضر.

شبيه بموسى(1) مع الخضر لا يسكنون على أمر حتى يتحققوه، وفي أيام القراءة على القاضي سعيد - رحمه الله - رأى القاضي من بعض الطلبة المشاركين في القراءة تقبض واستحياء فتكلم القاضي أيضاً بما يجريهم على المباحثة، فطالت مجالس القراءة المذكورة، فكان القاضي عادت بركته يقول: أنا السبب فتحت لكم أبواب القول، لو تركتكم(2) مثل عامر مضينا في القراءة، وكان مع هذا كل الطلبة تنشرح صدورهم بهزله وجده.
__________
(1) في (ب): شبيه بحال موسى.
(2) في (أ): قدتكم.

ومن تلامذته أولاده العلماء الكبار، ولقد أنجب - رحمه الله - فإن بنيه هم العيون الناظرة منهم شيخنا القاضي أحمد بن سعيد الماضي ذكره، ومنهم حاكم المسلمين علي بن سعيد الآتي ذكره، ومنهم من نسأل الله إمتاع المسلمين به وجيه الإسلام عبد القادر بن سعيد فإنه كما قال إمامنا المتوكل على الله: حافظ المذهب، وهو من أهل الورع وطيب الطويّة بحيث يقل نظيره، ومنهم الفاضل الرئيس محمد بن سعيد - عافاه الله- فقيه في الفروع، له مكانة في الرئاسة، إلا أنه كلف بالزهد والتخلي، ومنهم العلامة المهدي بن سعيد عارف حازم، وكان أبوه يتوسم فيه الكمالات، وكان صادق التوسم، روى عنه أنه كان يتوسم في كل أحد(1) من أولاده شيئاً فما كذب ظنه، ومما شاع عنه أنه لمَّا أراد أولاده الحج في أفراد ثلاثين وألف، وكان الحاج يومئذٍ محتاجاً إلى الحزم فأوصاهم بوصايا منها أنه قال لهم: اخف ذهبك ومذهبك وذهابك، وقال لهم: متى احتجتم إلى صلاة الجماعة فليؤمكم علي بن سعيد، ومتى احتجتم الفتيا فليفت أحمد بن سعيد، ومتى احتجتم إلى ترميم معاشكم ونظم حالكم فالمهدي، وإن احتجتم الخصام والدفاع بالجد فالقاضي أحمد بن عامر، وهو الذي قد أسلفت ذكره في باب الهمزة، فإنه كان /150/ على(2) جلالة علمه ونباهة شأنه مقداماً رئيساً(3)، له سطوة، وأمره في ذلك ظاهر لو لم يكن إلا خروجه من بين جنود الأروام، وقد ربطوه كتافاً، وذلك أن الأروام غزو القضاة إلى هجرة شوكان في صباح عيد الفطر فصبَّحوهم، فأمَّا المهدي بن سعيد فسلَّ السلاح بغير اختيار منه، لذلك أخذ الجنبية وبعض العكسر الجهاز، وكانت في يده مسلولة، فارق(4) العسكر الذين في المسجد وفرَّ بعضهم إلى الصرح، فانغلق الباب، فلم يمكنه النفوذ إلى الصرح، قال: ولو نفذ إليه لم يخلص لكثرة العسكر، فعاد إلى طاقة في المجلس(5) فخرج
__________
(1) في (ب): واحد.
(2) في (ب): مع.
(3) في (ب): الرائس.
(4) لعلها: ففرق.
(5) في (ب): المسجد.

منها، فكان ذلك سبب نجاته والحمد لله، حكى هذا عن نفسه، وأمَّا القاضي أحمد وجماعة من الفقهاء، فوقعوا في أيديهم فأخذوا في الطريق إلى قرب صنعاء [وأراد الموكل به أن يشرب من بريكة قريب صنعاء](1)، فأعطى الحبل المربوط به القاضي من يحفظه له حتى شرب فجذبه من يده وفرَّ هارباً، ولحقته الخيل والرجل فصعد الجبل ناجياً والحمد لله، وكان الرجل الموكل به قد انتقوه منهم لما شاهدوا من كمال خلق القاضي الدال على قوّته وسرعة عدوه فلحق الموكل به وحصلت مع الحاضر منهم روعَة وفاتهم بالجد، وأمَّا بقيَّة الفقهاء فحبسوا وشدد عليهم، ومنهم من دخل (السويس) وناحية مصر وخرج على حال عجيب.
__________
(1) سقط من (أ).

عدنا إلى ذكر أولاد القاضي، ومنهم العلامة النجيب الحوَّلُ القلَّبُ يحيى بن سعيد، هو الآن مدرس بصعدة مع كمال واسع، ومنهم عبد الله قاضي كامل الصفات فقيه عارف، وللقاضي أولاد غير هؤلاء نبهاء فقهاء، إلا أن هؤلاء الذين ذكرناهم يستحق كل واحد منهم إفراد ترجمة، وكلهم يروي عن والده المذكور، ومن التلامذة الأجلاء عبد الرحمن بن المنتصر، عالم الشيعة ورئيسهم، وسيأتي - إن شاء الله - ذكره، وكانوا يقرؤون على القاضي بكحلان وفيهم من هو حري بأن يكون أستاذاً لولا جلالة القاضي سعيد كما يقال: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، فاتفق أن القاضي سعيد غاب الحلقة، فاستناب الفقهاء للتدريس عبدالرحمن بن المنتصر المذكور، فدرسهم يوماً ثم حضر القاضي، فكان لا يزال يتلهف على فوت ذلك المعشر، وهذه نكتة ظريفة، وكانت حالاته - رحمه الله - غريبة، ومن ملحه ما وعدنا به عند ذكر شيخه السيد عبد الله بن أحمد، وفي ذكرها تأديب وأحماض، حكى لنا الأصحاب الذين قرؤوا عليه - عادت بركته - أنه لما وقف عند السيد عبد الله للقراءة علق السيد المذكور بالقاضي لما رآه من جودة فهمه وكماله، فكان يعده العين الناظرة في الحضرة، فاتفق أن القاضي احتاج إلى تعريف الدولة بأمرٍ لأنه خرج من عمّالهم من آذى من يتعلق بالقاضي، فأنهى ذلك إلى السيد عبد الله، واستعان به، فرأى السيد - رحمه الله - أن صيانة مثل القاضي وإزالة الظلم متوجهة، وإن دخل على الظلمة، فدخل إلى صاحب الأعمال الخزرجي أو المحرقي، غاب عني، فلما أخبر المذكور بقدوم السيد - رحمه الله - منسه شيئاً، ثُمَّ فتح الكلام تلقاه بالإكرام وأنزله في الصَّدر من المجلس وتصاغر له، ثم أحضر طعاماً لم يذق السيد - رحمه الله - منه شيئاً، ثم فتح الكلام في شأن القاضي وإن هذا رجل الزمان ووحيده، عالم خطير ممن ينبغي أن يرعى ويحتشم من تعلق به، وأطال في هذا المعنى، وهو - رحمه الله - لا يعرف اسم القاضي سعيد؛ لأنه اشتغل

بكماله عن سؤاله عن اسمه، فلمَّا سمع المحرقي أو الخزرجي تلك الصفات اشتغل بالسؤال عن الاسم، فقال: صدقتم ومن سيدنا هذا؟ فقال السيد - رحمه الله -: وما تعرف اسم سيدنا؟ فقال: لا، ثم قال له السيد مرَّة أخرى: أما تعرف اسم سيدنا؟ فكررها كالمنكر لجهالة المذكور لاسم القاضي، ففهم القاضي سعيد النكتة /151/ وكان إياس وقته فقال: يا مولانا، ما أدراه بسعيد بن صالح الهبل، فقال السيد للمذكور: ما تعرف سيدنا هذا سيدنا سعيد بن صلاح الهبل، وكانت أعجوبة مع السيد والقاضي، وكان للقاضي من الذكاء ما يعجب له، وكان السيد العلامة محمد بن عز الدين المفتي - عادت بركاته - يتعجب من ذكائه.

ومن أعاجيبه - رحمه الله - أنه حضر بعض المدعيين في مقام القاضي عامر - رحمه الله - بشهادة رجل من عتاة العرب أهل الشنآن والظلم، فاحتاج المشهود عليه إلى جرحه وعواقب ذلك الجرح من الجارح مخوفة مع ضعف السلطان يومئذٍ، فقال المشهود عليه: عندي جرح هذه الشهادة، وسأل القاضي سعيد عن الجرح وهو في الحضرة فتجاهل القاضي سعيد - رحمه الله - عن الرجل الشاهد، وقال: ومن هذا فلان؟ فقال الشاهد: نعم يا سيدنا(1) لا إله إلا الله بعد العهد بك لنا منك من يوم فعلت كذا وكذا، فقال: نعم يا سيدنا يذكر له قضية لا تستنكرها القبائل من قتل أو غزوٍ أو نحوه، فلم يزل القاضي يذكره بالعهود وهو يقر ففهم القاضي عامر ومن حضر، وقال القاضي عامر: يكفي هذا يا سعيد أو كما قال. وله من هذا المعنى أشياء، وكان لا يمتنع عليه باب مرتج بل يفتح الأبواب جميعاً وما عرف الوجه في ذلك، وكان إذا أمسى بحصن(2) سعدان بشهارة وقام في الليل فتح جميع الأبواب وخرج فقال الإمام - عليه السلام-: أما فتح باب الحصن فهو خلل، وكانت وفادته - رحمه الله - إلى الإمام إلى بلاد الأهنوم أحسبه إلى بلاد (سيران)، فأجله الإمام وأعطاه عمامته، وتنقل في البلاد للعلم والجهاد، ثم سكن صعدة بأولاده وعاد شهارة، وبها كانت وفاته - رحمه الله - توفي في نهار الأحد تاسع وعشرين من شوَّال سنة سبع وثلاثين وألف، وقبر بالسرار من شهارة، وقبره مشهور مزور - أعاد الله من بركته، وبارك في عقبه - فإن في الدرجة الثالثة من عقبه فضلاء علماء بارك الله للمسلمين فيهم(3).
سعيد بن عطاف بن قحليل [ - 1023هـ]
__________
(1) في (ب): قال لاء لاه إلا الله.
(2) في (ب): في حصن سعدان.
(3) في الأصل يوجد بعد هذه الترجمة ترجمة سعيد بن حثيم الهلالي، وقد تقدمت.

الفقيه الفاضل الكامل سعيد بن عطاف بن قحليل - بالقاف بعدها حاء مهملة - القداري - بالقاف بعدها دال مهملة بعدها ألف بعدها راء مهملة ثم ياء النسبة - عالم كبير وأجاز لإمام زمانه مجدد الألف الإمام الأعظم المنصور بالله القاسم بن محمد - عليهما السلام- وكان من أهل الفضل والزهد والورع، ولم يكن نسبه في بني القداري إنما نسب إليهم للمصاهرة، وهو من بلدٍ في بني الدولابي، تسمَّى هجرة الميو - بكسر الميم بعدها ياء مثناه تحتية مفتوحة مخففة - وتوفي في الثاني والعشرين من المحرَّم سنة ثلاث وعشرين وألف وقبر ببيبت القداري، ومن شيوخه السيد العلامة القاسم بن محمد العلوي، وفي أصول الدين السيد المطهر بن محمد بن تاج الدين والفقيه الوردسان.
سعيد بن علي الشهابي [ - ق 8 هـ]

إمام أهل الطريقة العالم الفاضل سعيد بن علي الشهابي - رحمه الله - قال في الصلة: العالم الفاضل الزاهد العابد سعيد بن علي الشهابي الساكن بثلا، كان من علماء الشريعة وفضلاء أهل الطريقة من تلامذة إبراهيم الكينعي، بلغ معه الزهد غاياته، والورع نهاياته، وأحرق قلبه الخوف حتى الموت حكى لي - رحمه الله - أنه تزود من مكة إلى صعدة صاعاً من قليّ الشعير، وجمع حجارة على ظهره المبارك في ثلا، وعمر بها مسجداً كبيراً، وزاد آخر وزاد مئذنة، وزاد خانكات وهو الآن مسجد مقصود مهاجر للصالحين والعابدين والزاهدين، وقبره ثمة مشهور مزور /152/ وببركته وسرِّه، وقوفات فتح الله بها لهذين المسجدين في حياته وبعد وفاته ما يسُد، والله أعلم حال من يقف فيه، ويقصده من الصَّالحين وذوي التقوى واليقين، وروى لي الأخ الصّالح يحيى بن أحمد الصنعاني، وكان من تلامذة إبراهيم الكينعي، قال: قلت: لسيدي هل رأيت في عمرك الخضر؟ قال: كنت في ثلا فدخل عليّ رجل عليه سيما الصالحين، ومنظر الخائفين، له شيبة وضيّة فسلم علي، وصافحني وقال لي: أتأذن لي أن آكل من هذا العيش؟ فقلت: نعم، فقال: أتأذن لي أن أشرب من هذا الكوز؟ قلت: نعم، فأكل ثلاثة لقمات وشرب ثلاث أنفاس، فقلت: من أين أنت؟ فقال: من الغرب أتيت من زيارة الفقيه محمد بن أحسن السودي - نفع الله به - فخرج معي وتنبهت ولم أشك أنه الخضر.
سعيد بن منصور الحجي [ - 791هـ]
الفقيه العالم العابد سعيد بن منصور الحجي - رحمه الله - قال في الصلة: كان فاضلاً عابداً زاهداً أنفق أكثر ماله على إخوانه المسلمين، والفقراء والمحتاجين، وكان يتخذ الضيافات العظيمة للسادات والعلماء، ويفكههم بأنواع الطيبات واللذات، فجزاه الله عنا وعنهم خيراً. انتهى

قلت: ورأيت بخط الفقيه الزاهد علي بن طاهر بن سعيد بن علي بن منصور بن حنظل الخولاني الزيدي - رحمه الله - أنه توفي لأربع خلون من شهر ربيع الأول من شهور سنة إحدى وتسعين وسبعمائة - رحمه الله -.
قلت: وهو الذي بنى المشهد المشهور الذي أشبه جنة المأوى بجربة الروض يماني صنعاء، فإنه عمره في محبّة صديقه وأخيه في الله وسيده الإمام الكامل عدل أهل الأرض المهدي بن القاسم بن المطهر الزيدي نسباً ومذهباً - أعاد الله من بركته - قال في الصلة في ترجمة السيد المهدي: واتخذ عليه مودة في الله ومعينة على طاعة الله وعونه على مآربه(1) كلها حبيب آل محمد وولي صالحي أوانه عن يد عفيف الدين ذي الدين القويم، والقلب السليم، والإحسان العميم، والورع المستقيم، سعيد بن منصور الحجي مشهداً بالآجر والقضاض على قبره، ودفن بالقرب منه حاتم - رحمه الله - وبعده الفقيه الإمام شحاك الملحدين، وناظورة المسلمين، إبراهيم بن علي الغرازي - رضي الله عنه وأرضاه -.
__________
(1) في (ب): على حماريّة.

وكان عالماً جامعاً للعلوم مجتهداً فيها محلقاً لم يسبقه أحد من أهل زمانه، وقبر بعده فيه السيد الفاضل العابد الزاهد المجاهد ربيب القرآن، وحليف الأحزان، الحسن بن المهدي بن محمد بن الهادوي، وقبر فيه السيد الفاضل العابد، الراكع الساجد محمد بن علي الأعقم - رحمة الله عليه ورضوانه - وقبر فيه الفقيه الإمام العلامة فخر العصابة الزيدية، وتاج إكليل الفرقة الناجية، محمد بن زيد بن ذاعر(1) - رضي الله عنه وأرضاه - وكان محلقاً مجتهداً سيما في أصول الدين، زاهداً عن الدنيا متورعاً عنها بسَّاماً في وجوه الناس أجمعين، وقبر فيه المقرئ الأفضل، العابد الأكمل، عمر بن أحمد الشرفي، وكان من عباَّد الله الأتقياء الأخفياء(2)، أنحله الخوف، وقطع أوصاله الحياء من الله والشوق إلى لقائه، وقبر فيه راشد بن محمد نشيب(3)، وولده عبد الله بن راشد، وكانا من أفاضل المسلمين، من ذوي التقوى واليقين، والورع الرصين، والنفع لإخوانهما في الدين، ما يفوزان به عند رب العالمين، ودفن فيه العالم يحيى بن محمد التهامي، وكان عالماً في الأصولين والفرائض علماً راسخاً وتحقيقاً بالغاً شيخه فيها السيد الإمام المهدي بن قاسم - رحمه الله - وكان حسن الخلائق، لطيف الطرائق، محسن الظن في الله(4) - تبارك وتعالى - قال السيد يحيى /153/ في الصلة، وبقي في المشهد المقدس موضع دفن فيه عامره سعيد بن منصور، انتهى ما أردته من كلامه - رحمه الله -.
سعيد الآيلي
العلامة سعيد الآيلي - رحمه الله تعالى - ذكره القاضي العلامة عبد الله بن زيد - رحمه الله - في الرسالة المنقذة من العطب(5).
سفيان بن أبي السمط [ - ق 2 هـ]
__________
(1) لعلها: داعر.
(2) لعل الصواب: الأحفياء.
(3) في (ب): بشيب.
(4) في (ب): بالله.
(5) في (أ): الغضب. العَطَب: الهلالك.

سفيان بن أبي السمط عالم كبير، وفاضل شهير، ترجم له البغدادي - رحمه الله - في رجال الزيدية، والله أعلم، وفي إسناد مذهب الزيدية ممن أخذ عن الإمام الأعظم زيد بن علي - عليه السلام- سفيان بن السمط، قال: وهو الذي روى عن جعفر الصادق أن زيداً لم يخرج لجهاد هشام بن عبد الملك حتى رأى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في المنام يقول: يا زيد جاهد هشاماً ولو بنفسك، انتهى.
ذكره الشيخ العالم ولي آل محمد القاسم بن عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر البغدادي - رحمه الله تعالى -.
سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري [95 - 161هـ]
إمام أهل الحديث العالم الرباني سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهبة بن أبي عبد الله بن منقذ بن نصر بن الحكم بن الحارث بن ثعلبة بن ملكان بن ثور بن عبد مناة بن أدّ بن طانحة بن إلياس بن مضر الثوري الكوفي - رحمه الله - هو علامة العلماء وعبادة العباد، أنفق على فضله أهل الخلاف والوفاق، قال ابن خلكان: كان إماماً في علم الحديث وغيره من العلوم، وأجمع الناس على دينه وورعه وزهده وثقته، وهو أحد الأئمَّة المجتهدين.
قلت: روى الإمام أبو طالب في الأمالي أنه كان زيدياً، وروى الحاكم في الجلاء بإسناده عن أبي عوانة، قال: كان أبو سفيان زيدياً، وكان إذا ذكر زيد بن علي - عليه السلام- يقول: بذل مهجته لربه، وقام بالحق لمخالفه، ولحق بالشهداء المرزوقين من آبائه، قال الحاكم وعن الواقدي: كان سفيان زيدياً، وقد عرف أن الزيدي من وافق في أصول من الكلام، وقد ترجم له أصحابنا كالسيد الصارم في كتاب (علوم الحديث)، والقاضي في (المقصد).

قال السيد الصارم: كان عالم عصره وزاهده، الإمام الثبت الحجة، كان يقول: حب بني فاطمة والجزع لما هم عليه من الخوف والقتل يبكي من في قلبه شيء من الإيمان. ولمَّا قتل إبراهيم بن عبد الله - عليه السلام- قال سفيان : ما أظن الصلاة تقبل إلا أن فعلها خير من تركها. ودخل عليه عيسى بن زيد والحسن بن صالح ، وقد اختلفا في مسألة مما يتعلق بأمر السلطان فاحتشم من عيسى إذ لم يتحقق معرفته، وكانت الغيبة قد نكرت حاله، فلما تحققه قام من مجلسه وأثبته فيه وجلس بين يديه، وأخبره بما عنده في المسألة، وودعه وانصرف. وتشدُّد سفيان على أئمة الجور وكلامه في حقهم معروف لا يستطيع الناصبيَّة إنكاره، ولا يحتاج الشيعة دليلاً على إظهاره، روى له الجماعة.
قلت: كان شحاكاً للظلمة غصَّة غير سائغة في حلوقهم، وحكى القطني(1) في أعلامه أن المنصور أراد قتله في حرم الله فدعا عليه سفيان في المطاف فسقط المنصور لحينه من حينه، فهي كرامة له عظمى، ولفظ القطني في الإعلام بأعلام البلد الحرام، وفي سنة ثمانٍ وخمسين ومائة عزم على الحج أبو جعفر المنصور، وكان يريد قتل سفيان الثوري - رضي الله عنه - فلما وصل إلى بئر ميمون بعث إلى الخشابين، وقال: أنتم إذا رأيتم سفيان الثوري فاصلبوه، فجاؤوا، ونصبوا له الخشب، وكان جالساً بفناء الكعبة، ورأسه في حجر فضيل بن عياض، ورجلاه في حجر سفيان بن عيينة، فقال له: يا أبا عبد الله قم واختف ولا تشمت بنا الأعداء فتقدم إلى أستار الكعبة وأهدابها، ثم قال: برئت منه إن دخلها أبو جعفر فعاد إلى مكانه فركب أبو جعفر المنصور من بئر ميمون، فلمَّا كان بين /154/ الحجرتين سقط عن فرسه فاندقت عنقه، فمات لوقته في سابع ذي الحجَّة وقت السحر فحفروا له مائة قبر ودفنوه في أحدها ليغمّوا قبره على الناس، وبر الله تعالى قسم عبده سفيان.
__________
(1) لعله: القطبي وهو الأصح.

قلت: ومن تشدده عليهم ما حكى المسعودي في مروجه، قال القعقاع بن حكيم: كنت عند المهدي فأتي بسفيان الثوري، فلما دخل عليه، سلم تسليم العامَّة، ولم يسلم بالخلافة والربيع قائم على رأسه متكئاً على سيفه يرقب أمره، فأقبل عليه المهدي بوجهٍ طلق ، وقال: يا سفيان تفر منا هاهنا وهاهنا وتظن أنا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك فقد قدرنا عليك الآن، فما تخشى أن نحكم فيك بهوانا، قال سفيان: إن تحكم فيّ يحكم فيك ملك قادر يفرق بين الحق والباطل فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟ ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال له المهدي: أسكت ويلك وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم(1) فنشقى بسعادتهم، اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على ألاَّ يُعترض عليه في حكم فكتب عهده، ودفع إليه فأخذه وخرج، فرمى به في دجلة وهرب، فطُلِبَ في كل بلدة فلم يوجد.
قلت: وكان موته متوارياً من السلطان بالبصرة أوّل سنة إحدى وستين ومائة، وقبر عشاء وقيل إنه توفي سنة اثنتين وستين ومائة والأول أصح.
__________
(1) في (أ): إلا تقتلهم.

قلت: وانتسابه على جلالته إلى الزيدية غير هين على من يكاثر بالرجال، ولم يقنع بهذه النسبة إلا بعد رواية الإمام الناطق بالحق مع شهرته بهذه الطريقة التي هي طريق الزيدية، وقد أجمع الناس على تشيعه وحَبَّه لإمام الزيديّة علي بن أبي طالب - كرَّم الله وجهه - كما قال المؤرخون، وذكره النووي(1) في (الفتاوى)، ومع ذلك فهو كوفي وأكثر أهل الكوفة على هذا المذهب، وأمَّا تظهره بمذهب فلا يقدح في ذلك لأن المراد أنه يفرع على أصول زيد (بن علي)(2) - عليه السلام- كما يفعل أئمَّة الزيدية، يوافقون زيداً في أصولٍ هي الجوامع وإن اختلفوا في الفروع كما يقع ذلك في المذاهب كالخراسانية والمراوزة، وأضرابهم من أصحاب الشافعي - رحمه الله - وكذلك أصحاب أبي حنيفة، وقد كان هذا العالم حجَّة من حجج الله، كما قال أبو صالح شعيب بن حرب المدائني، وكان أحد الأئمَّة إني لأحسب أنه يُجاء يوم القيامة بسفيان الثوري حجَّة لله على الخلق، يقال لهم: إن لم تدركوا نبيئكم - عليه أفضل الصلاة والسلام - فقد أدركتم سفيان الثوري ألا اقتديتم به؟
قلت: ومولده في سنة خمس وقيل سنة(3) ست وتسعين من الهجرة - رضي الله عنه -.
سلم الحذاء [ - ق 2هـ]
سلم الحذاء الفقيه العالم المحدث الشهير، كان من تلامذة الإمام الأعظم، وشهد معه الحرب ثم شهد بعد قتيل باخمراء - عليه السلام- الحرب كما حكاه ولده إبراهيم بن سلم - رحمهما الله تعالى -.
سلمة بن ثابت الليثي [ - ]
سلمة بن ثابت الليثي - رحمه الله - عدَّه البغدادي - رحمه الله - في كتابه الجامع لإسناد مذهب زيد وأصحابه وحفاظ مذهبه - رضي الله عنه -.
سلمة بن كهيل الحضرمي [ - ]
__________
(1) في (ب): النواوي.
(2) ما بين القوسين ساقطة من (ب).
(3) سقط من (ب): سنة.

سلمة بن كهيل الحضرمي - رحمه الله - ترجم له السيد الصارم في علومه والقاضي في (المقصد) وتقارب لفظهما، قال في المقصد ما لفظه: سلمة بن كهيل إمام نبيل له مائتان وخمسون حديثاً وهو من أفاضل الزيدية، روى عنه الجماعة، وهو من رواة حديث ((أنا مدينة العلم وعليِّ بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها)).
قلت: وكان ولده يحيى بن سلمة(1) من كبار الشيعة ولم يصرح فيما علمت أحد في ترجمته أنه من الزيدية إلا أنه من ثقات الشيعة، ذكره في (المقصد) و(العلوم)، قال: ومنهم يعني من /155/ الشيعة(2)، ولد سلمة يحيى بن سلمة، وهو الراوي عن أبيه عن ثوبان ((النظر إلى عليّ عبادة))، ورواه الترمذي، وممَّن صرح بأن سلمة بن كهيل من الزيدية الحاكم في العيون ولفظه: ورجال الزيدية من السلف سوى من ذكرناه ابن تمار وعلي بن صالح والحسن بن صالح ووكيع بن الجراح ويحيى بن آدم وعبيد الله بن موسى والفضل بن دكين وسلمة بن كهيل والأعمش وعن سفيان قال: كان طاووس يتشيع، وحكى أبو القاسم عن أبي حنيفة - رحمه الله - كان يذهب مذهب البترية. انتهى
قلت: والبترية هم طائفة من الزيدية أصحاب سليمان بن جرير واختلف في تسميتهم بذلك.
سليم بن ابي الهذام بن سالم الناصري [ - ]
__________
(1) في (ب): قال: ومنهم - يعني من الشيعة - ولده، يعني ولد سلمة يحيى بن سلمة.
(2) في (ب): ولده يعني ولد سلمة يحيى بن سلمة.

سليم بن أبي الهذام بن سالم الناصري - رحمه الله - هو من العلماء الجلة المحققين، أفادني ذكره مولانا السيد الحافظ زينة الأيام يحيى بن الحسين بن أمير المؤمنين المؤيّد بالله بن أمير المؤمنين المنصور بالله القاسم بن محمد - عليهم السلام- وأثنى عليه بالتحقيق، قال: وله كتاب ((المحقق المنير في مذهب الناصر الكبير)) مجلدان، وله كتاب ((الأزهار في مناقب إمام الأبرار وصي الرسول المختار))، ووفد إلى الديار اليمنية، ومن كتاب الأزهار المذكور، روي أن الضحاك سأل أبا سعيد الخدري عمَّا اختلف فيه الناس بعد الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال: والله ما أدري ما الذي اختلفوا فيه؟ ولكني أحدثك بحديث سمعته أذناي، ووعاه قلبي، ولن تخالجني فيه الظنون أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - خطبنا على منبره قبل موته في مرضه الذي توفي فيه، لم يخطبنا بعده فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال: ((أيها الناس، إني تارك فيكم الثقلين)) ثم سكت فقام إليه عمر بن الخطاب فقال: ما هذان الثقلان؟ فغضب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - حتى احمر وجهه وقال: ((ما ذكرتهما إلا وأنا أريد أن أخبركم بهما، ولكن أضرَّني وجع فامتنعت عن الكلام، أمَّا أحدهما فهو الثقل الأكبر كتاب الله سبب بينكم وبين الله طرفه بيده وطرفه بأيديكم، والثقل الأصغر عترتي أهل بيتي عليٌّ وذريته والله إن في أصلاب المشركين لمن هو أرضى من كثير منكم)). انتهى
سلام بن السري الجعفي [ - ق 4 هـ]
سلام بن السري الجعفي - رحمه الله - عالم عامل فاضل كامل ذكره البغدادي في رجال المذهب - رحمه الله تعالى -.
سلام بن الحداد الزيدي

العلامة الأديب سلام بن الحداد الزيدي الصنعاني، كان أديباً شاعراً عارفاً من شعره ما أنشده العلامة الحسن بن يعقوب الزيدي - رضي الله عنه - في القاسم بن علي بن المنصور المعروف بالعياني - عليه السلام- والقاسم الزيدي الذي ولاه القاسم العياني صنعاء وقدومه من الطائف قال:
قسم القاسمان فينا الأمانا ... فبلغنا من الصلاح رضانا
وأزالا دهراً أذيل(1) علينا ... وعليه (برافةٍ دولانا)
أمَّنا سربنا وصانا حمانا ... وأخافا من كان قد أشجانا
وأعادا مذاهب العدل فينا ... وأزالا الطغاة والطغيانا
منَّ ذو العرش بالإمام علينا ... إن ذا العرش لم يزل منانا
حَسَنيٌ أتى فأحسن فينا ... والحسيني زادنا إحسانا
نِعَمٌ إثرها على إثر بعضٍ ... قد سررنا بها وساءت عدانا
نحمد الله ذا الجلال فبالحمـ ... ـد يرجى تمام ما أولانا
زمنٌ صالح وأمنٌ وخفض ... لم ير الناس مثل هذا زمانا
/156/ سليمان بن إبراهيم النحوي(2) [ - ]
سليمان بن إبراهيم النحوي - رحمه الله - هو الفقيه العالم المحقق المتكلم إمام الأصول سليمان إبراهيم بن حسين أستاذ شيخ العدلية الفاضل القرشي والسيد الإمام المحقق أحمد بن علي بن المرتضى - رضي الله عنه - وإليه لمح السيد في أرجوزته بقوله:
وهو الذي أفتى به قديما ... القاسم الحبر بن إبراهيما
هو الذي قال به المنصورُ ... العالم العلامة المشهورُ
وكان لي شيخي الفقيه يروي ... ابن سليمان الهمام النحوي
بأنه إجماع أهل البيتِ ... لكل حي منهم ومَيْتِ
قلت: وإليه لمح السيد جمال الدين في رياض الأبصار بقوله:
وبالعلم النحوي أصلاً أخي التقى ... سليمان من صار الجدال المجدل
سليمان بن أحمد بن القاسم [ - ق 7 هـ]
__________
(1) لعلها: أديل.
(2) قال في حاشية في (ب): هذه الترجمة محلها قبل ترجمة السيد سليمان بن أحمد بن القاسم. انتهى

السيد الإمام العابد العلامة سليمان بن أحمد بن القاسم من آل أبي البركات، وهو عم الإمام الشهيد أحمد بن الحسين - عليهم السلام- وهو الذي كفل الإمام صغيراً بعد أن انتقل والد الإمام إلى جوار الله ودار كرامته.
قال السيد يحيى بن القاسم: وكان السيد سليمان هذا - رضي الله عنه - أحد الزهاد في زمانه، رفض كثيراً من ملاذ الدنيا من مناكحها وملابسها والعزلة عن الناس. انتهى
سليمان بن أحمد بن محمد [ - ق 7 هـ]
سليمان بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن الحسن المعروف بأبي الرجال بن شريح بن يحيى بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، كان عالماً كاملاً من شيوخ العدل والتوحيد، ذكره السيد يحيى بن القاسم الحمزي - رحمه الله -.
سليمان بن أحمد بن سليمان(1) [ - ق 8 هـ]
سليمان بن أحمد بن سليمان بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن الحسن المعروف بأبي الرجال - رحمه الله - حفيد الذي سبق ذكره آنفاً، كان عالماً كاملاً، رحل إلى الحجاز، وقرأ على عمه العلامة نجم الدين موسى بن سليمان بن أحمد بن أبي الرجال، وقرأ عليه بالحجاز موطأ الإمام مالك بن أنس، وتمَّ لهما في شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وسبعمائة(2)، وشاركه في السماع للموطأ أيضاً على الشيخ علي بن داعس البخاري الزيدي، واجتمعا في سماع أمالي أبي طالب على علي بن داعس المذكور، وأجاز لهما إرشاد العنسي - رحمه الله تعالى -.
سليمان بن أحمد بن داعر [ - 715هـ]
سليمان بن أحمد بن داعر بن محمد بن أبي الميمون البخاري(3) الأنصاري من الزيدية - رحمه الله تعالى - لعله توفي في شهر جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وسبعمائة هجرية.
سليمان بن إسماعيل الثائري [ - ]
__________
(1) هذه التراجم ترتيبها مختلف في (ب): عن ترتيبها في (أ).
(2) في (ب): سنة خمس عشرة وسبعمائة سنة.
(3) لعله: النجاري.

السيد الإمام الكبير النبراس الهمام المقدّم في العلوم أبو طالب سليمان بن إسماعيل الثائري - رحمه الله - هو رئيس العراق الإمام الجليل الوجيه المقدم، ترجم له الشيخ الفقيه الإمام الحافظ محي الدين يوسف بن الحسن بن أبي القاسم الجيلاني اللاهجاني - رحمه الله - وأثنى عليه كثيراً، وذكره في ترجمة الإمام أبي طالب الصغير، وهو الإمام أبو طالب يحيى بن أبي الحسين أحمد بن أبي القاسم الحسين بن المؤيَّد بالله أبي الحسين الهاروني - قدَّس الله روحه -.
قال الشيخ محي الدين: كان - يعني سليمان - رجلاً عظيم الجاه، له حظ وافر في العلم والسياسة. انتهى
سليمان بن بدر [ - ق 7 هـ]
الأمير سليمان بن بدر، أمير كبير علامة خطير، ذكره ابن نشوان، وأثنى عليه.
قلت: هو من أعيان السادة القاسميين، كان سكن(1) جهة الأهنوم، وكان صنوه علي بن بدر فاضلاً يقظاً قدم الأمير سليمان إلى المنصور بالله - عليه السلام- للمناظرة، وصحبه كبار أهله وعيون الشيعة بالأهنوم، فتجلَّى لهم الحق فأذعنوا وبايعوا، ومن شعره - رضي الله عنه -.
شم البرق أن الشيم للبرق معجبُ ... فما كل برقٍ شيم في الجو خُلّبُ
بدا لامعاً فاستوضحت سبل الهدى ... وجلَّى(2) به من معظم الظلم غيهبُ
/157/
سرى فجلا عن ساكني اليمن العنا ... وقد تعبوا مما عراهم وأتعبوا
وأومض في جنح من الليل فامترمت ... سحائبة صوباً من المزن تسكبُ
سليمان بن جاوك [ - ق 5 هـ]
العلامة المحدث الحافظ البكيا(3) أبو داود سليمان بن جاوك، علامة كبير حافظ، قرأ على المؤيَّد بالله، وسمع عنه، وأخذ عنه العلامة الحسين بن محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن مردك والد الأستاذ علي بن الحسين - رحمهم الله تعالى -.
سليمان بن جرير الزيدي [ - ]
__________
(1) في (ب): كان يسكن جهة الأهنوم.
(2) في (ب): وحُلَّ به.
(3) في (ب): البكيا.

العلامة سليمان بن جرير الزيدي علامة مشهور مذكور، إليه تنسب جماعة من الزيدية، قيل: إنه كان من دعاة يحيى بن عبد الله إلى أخيه إدريس، وروى أن موسى الجون لامَ يحيى بارساله إلى إدريس، وقال: اتق الله، تبعث مثل هذا الفظ إلى غلام حدث، لعله أن يخالفه فيقتله.
قال أبو نصر البخاري: هرب إدريس بن عبد الله إلى بلد فاس(1) وطنجة مع مولاه راشد، ودعاهم إلى الدين فأجابوه، وملكوه، فاغتم الرشيد بذلك حتى امتنع من النوم ودعا سليمان بن جرير متكلم الزيدية وأعطاه سماً فذهب سليمان إلى إدريس متوسماً بالمذهب فسرَّ به إدريس بن عبد الله، ثُمَّ طلب منه غرة ووجد خلوة من مولاه راشد فسقاه السم وهرب فخرج راشد خلفه فضربه على وجهه ضربَة منكرة(2) وعاد وقد مضى إدريس لسبيله. انتهى
وقد نزَّه بعض العلماء سليمان بن جرير من هذه القضية وحكى قصة، والله أعلم.
سليمان بن حمزة بن علي [ - ق 6 هـ]
__________
(1) في (ب): إلى بلد فاس.
(2) في (ب): وفاته وعاد وقد مضى.

الأمير سليمان بن حمزة بن علي بن حمزة بن أبي هاشم النفس الزكية الحسن بن عبد الرحمن - أعاد الله من بركتهم - هو من فضلاء آل محمد ونبلائهم ، وهو جد الإمام الأعظم المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان المذكور، وروى(1) العلامة علي بن نشوان الحميري عن الشيخ الأجل عواض بن مسعود بن عبد الله بن عيسى بن هارون الحسني، وكان من أهل الصلاح والمعرفة والديانة الكاملة أنه اجتمع الأميران الفاضلان يعقوب وإسحاق ابنا محمد بن جعفر بمسجد (شوابة) فأتاهما خبر موت سليمان - رضي الله عنه - فقالا: الآن أيسنا من القائم من أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في عصرنا، فقيل لهما: هل كان يصلح لهذا الأمر؟ فقالا: نعم، وكان له أهلاً، وروي عن عواض بن مسعود، قال: اجتمع إلى مسجد ريدة في وقت قبره(2) من رؤساء الشرف وعلماء المسلمين قدر ثمانين، فيهم الشريف الفاضل عبد الله بن الحسين بن حمزة بن أبي هاشم وأخوه يحيى بن الحسين، فتراجعوا في من يقوم فقالوا: ما بقي إلا المنصور والمهدي - عليهما السلام-.
قلت: يعنون بالمنصور والمهدي الموعود بهما في الآثار، قال: ونظروا - يعني الجماعة المجتمعين بمسجد ريدة - فيمن يصلح للقيام في الوقت، وقالوا: ماله غير سليمان بن حمزة أن يبع (3) وبلغ، فقال أحمد بن داود، ويحيى بن عمر، وابن شاور، وأكثر الفقهاء والمسلمين قم يا عبد الله بن الحسين فقال: لست أقوم. فقال بعضهم: ما صفة المنصور بالله؟ ومن أين يظهر؟ فقال: عبد الله بن الحسين: روي لي أنه شابٌ شطن، عالم فطن، يظهر من شعاب علي، فظنَّ بعض الحاضرين أن شعاب علي شعاب مكة - حرسها الله - فقال عبدالله بن الحسين ما أظن لها غير صاحبنا [لأن المنصور](4) يمان والإيمان يمان والحكمة يمانية، قال نظام الدين علي بن نشوان.
__________
(1) في (ب): روى.
(2) في (ب): فترة.
(3) كذا، وفي (ب): إن متع وبلغ.
(4) سقط من (أ).

قلت: وكان خروج(1) المنصور بالله من شعاب علي - يعني ذيبين - مأوى جده وسلفه علي بن حمزة - عليهم السلام-. انتهى
سليمان بن حسن النحوي [ - ]
العلامة سليمان بن حسن النحوي - رحمه الله - هو من بني عم صاحب التذكرة [لأن صاحب التذكرة](2) من ولد الحسن بن محمد سابق الدين، وهذا من ولد صنوه الحسين، ترجم لسليمان، هذا بعض النحويين(3).
/158/ سليمان بن حمزة الحسني [ - ق 7 هـ]
الأمير النبراس الخطير سليمان بن حمزة الحسني السراجي، هو العالم الكبير، والإنسان الخطير، ذكره القاضي نظام الدين علي بن نشوان وغيره.
__________
(1) في (ب): وكان خرج.
(2) سقط من (أ).
(3) كذا، وفي (ب): بعض آل النحوي.

قلت: قال بعض العلماء: كان عالماً منصفاً راوية(1) للأخبار، مقداماً في الحروب شهد الحروب، وكان مشاراً إليه بين العلماء - رضي الله عنهم - وهو الذي أرسلته المطرفية إلى الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليهما السلام- يطلبون موقفاً يختبرون الإمام فيه، قال الأمير سليمان المذكور ما نصُّه: وصلت مشائخ من الزيدية المطرفيَّة إلى دار البستان بصنعاء، ثم أرسلوني إلى الإمام - عليه السلام- في إجماعهم للمناظرة ليصح لهم هل وجبت عليهم الحجَّة؟ قال: وكان ممن حضر ذلك اليوم الأمير الأجل الفاضل العفيف بن محمد، والشيخ أحمد بن أسعد الفضيلي، والشيخ ناصر بن علي الأعروشي، وسعيد بن عواض الثآبي،(2) وجماعة من أصحابهم، والشيخ علي بن إبراهيم الحجلم، وجماعة من العارفين من أهل الجبجب، والسلطان محمد بن إسماعيل، والفقيه علي بن يحيى في جماعة من علماء وقش، ومحمد بن ظفر، وجماعة من علماء سنحان، والسلطان يحيى بن سبأ الفتوحي، وأحمد بن مسلم في وجوه أهل مسور، والشريف علي بن مسلم، وجماعة من شيعة بلد الأبنا، وشيعة بني حبيب وبني سحام، فلقيهم الإمام في المجلس الذي عند البركة على يمين الداخل إذا أراد دار الإمام، فتكلموا على مراتبهم وقالوا: نريد نختبر فأجاب الإمام - عليه السلام- بعد الحمد والثناء والصلاة والسلام على محمد وآله ثم قال: يا قوم أنا حجَّة الله عليكم، وإمام سابق أدعوكم إلى بيعتي ونصرتي على أعداء الله سبحانه، وإنصاف المظلوم، وقمع الظالم، ولا أعدو بكم كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - فمن كان منكم شاكاً في أمري، أو منكراً لإمامتي، أو مستقصراً لعلمي فليسأل عمَّا بدا له ولا يستحيي مني، فإن الله لا يستحي من الحق، هأنذا ذا قد نصبت نفسي للمعترضين غرضاً، لأؤدي مفترضاً، وأشفي من شك مرضاً، وأطلب بذلك(3) من الله رضا، فقال
__________
(1) لعلها: راوية.
(2) في (ب): الثآئبي.
(3) في (ب): واطلب من الله بذلك.

الجميع: ما وصلنا إلا ليعجم(1) عود مخبرك، ونستقصي غاية خبرك، ونأخذ في أمر ديننا باليقين، ونستوضح سبُل الحق المبين، فانصت لسؤالنا، واصغ لمقالنا، وارفع عنا المنقود في هذا الباب، فهو مرفوع في هذا الأمر عند ذوي الألباب، فقال: اسألوا عما أحببتم، وبالله لا أخرتم شيئاً من مسائلكم ولا كتمتم (فانحل قيد المحاباة) (2) وخرجنا إلى باب التعنت والمعاياة، فسأل كل من الجماعة المذكورين وغيرهم عن مسائل من غوامض العلوم، قد أعدت لليوم المعلوم(3) من العلوم، وأغرقوا في البحث عما لا يفهمه إلا الأئمة السابقون، والعلماء المحققون، والإمام - عليه السلام- يوضح لهم السبيل، ويحقق لهم الدليل، حتى إذا أوعب مسائلهم، وحصر مسائلهم، قالوا مجتمعين: نشهد أنك إمام الخلق أجمعين، فبايعوه أجمعون. انتهى
سليمان بن شاور [ - ق 6 هـ]
سليمان بن شاور العلامة الفاضل تلميذ البيهقي وأحد أعيان زمانه، كان من أفراد الزمان وأصحاب الإمام المتوكل على الله، ولعله أحد من حضر بريدة بمسجدها(4) للمفاوضة في القائم بعد الإمام أحمد بن سليمان، وله كتب وفضائل جمَّة - رضي الله عنه -.
سليمان بن عبد الله الكامل [114 - 169هـ]
السيد الإمام الجليل سليمان بن عبد الله الكامل - عليهم السلام- كان جليلاً نبيلاً من وجوه أهله وعيونهم وساداتهم، ويكنَّى أبا محمد، قتل بفخ أيام الهادي موسى بن المهدي، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة.
سليمان بن عبد الله السفياني [ - ق 7 هـ]
الفقيه الفاضل سليمان بن عبد الله السفياني - رحمه الله، وأعاد من بركاته - /159/.
قال القاضي نظام الدين علي بن نشوان بعد أن وصفه بالعلم والركانة والثبات في الفضل والمكانة ، قال: وكان من كبار المسلمين وعيون أهل الدين، وولاه الإمام المنصور بالله بلاد بكيل كافَّة - رحمه الله -.
__________
(1) في (ب): لنعجم.
(2) في (أ): فما يحل فيه المحاباة.
(3) في (أ): من العلوم.
(4) في (ب): مسجدها.

سليمان بن عبد الله الخراشي [ - ]
الشيخ الفاضل العالم الكامل سليمان بن عبد الله الخراشي، من العلماء الكبار، وهو من مشيخة السيد العلامة علي بن خميس رحمه(1) الله تعالى.
سليمان بن فضل [ - ق 6هـ]
الشيخ الفاضل سليمان بن فضل - رحمه الله - كان من كبار العلماء وفضلائهم، عاصر الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان - عليهما السلام- وله شعر من ذلك:(2)
سليمان بن القاسم بن إبراهيم [ - ق 3 هـ]
السيد الكبير حافظ علوم آبائه سليمان بن القاسم بن إبراهيم نجم آل الرسول - سلام الله عليهم - ترجم له(3)
سليمان بن محمد بن المطهر [ - ق 5 هـ]
الأمير الأعظم الجليل سليمان بن محمد بن المطهر بن علي بن الناصر - عليهم السلام- كان من بحار العلم ونحارير العترة، يصلح للإمامة العظمى، ترجم له غير واحدٍ من الأصحاب كحميد الشهيد وابن فند وابن مظفر، وذكروا محلَّه من العلم.
من جملة ما حكوا عنه - رضي الله عنه - (أنه)(4) رأى في منامه في حال حمل زوجته بولده الإمام أحمد بن سليمان - عليهما السلام- من ينشده:
بشراك يابن الطهر من هاشمٍ ... بماجدٍ دولتُه تحمدُ
بأحمد المنصور من هاشمٍ ... بورك فيمن اسمه أحمد
توفي في (……)(5) - رحمه الله تعالى -(6).
سليمان بن محمد بن الحسن [ - ق 7 هـ]
الشريف المكرَّم الجهبذي سليمان بن محمد بن الحسن القاضي من بني الهادي إلى الحق - عليهم السلام- كان سيداً سديّاً بطلاً قسورياً، عالماً أحوذياً، ترجم له ابن دعثم وغيره، وهو ممن شهد حرب براش صنعاء، مع المنصور بالله عبد الله بن حمزة، وكان يوماً مشهوداً أبلى فيه هذا الأمير، وظهر فيه إقدام الإمام - عليه السلام-.
سليمان بن محمد بن سليمان [ - ]
__________
(1) في (ب): رحمهما.
(2) فراغ في النسختين (أ) و (ب).
(3) فراغ في النسختين (أ) و (ب).
(4) سقط من (ب).
(5) فراغ في النسختين.
(6) قال في حاشية (ب): بياض في الأم.

العلامة السيد الإمام سليمان بن محمد بن سليمان جد الإمام المتوكل على الله [المطهر بن محمد أبو أبيه، قال مؤلف سيرة الإمام المتوكل على الله:(1) الثاني جدّه الفاضل العالم العامل الورع الكامل سليمان بن محمد الذي ظهرت له الكرامة بين أقاربه لما يروى أنه كان له ولأقاربه تلم في كل موضع من أطيان بلاده برٌ من أهلها، وكان عادة أقاربه أن يصيروا الأمر في ذلك وفي تفريقه إلى أحدهم، فجعلوا ذلك إلى السيد سليمان بن محمد، وكان - عليه السلام- يكره ذلك له ولهم، وأراد ترك ذلك احتياطاً في الدين، فلما طفق الناس يحصدون أتاه قرابته فأجاب عليهم أن جمع ذلك من الجرن أولى [فلما صارت في الجرن كلموه وأشار بتأخيره إلى وقت الحاجة لتؤخذ من البيوت أجمل](2)، فلما دخل البيوت ألَحُّوْا عليه فوعظهم فلم يقبلوا منه فسار بهم إلى منزله ولم يكن في بيته من الحب إلا القليل إلا أنه عزم - عليه السلام- على تسليمه إليهم وانتظاره من باقيهم، فلما /160/ وصل منزله أخبر والدته وأهله فشق عليهم ذلك لقلة ما عندهم، ثم أخذت والدته تناول زوجته ذلك الحب الذي عندهم حتى أوفت كل إنسان منهم، فسأل والدته من أين ذلك الحب؟ فلم يكن حبهم يفي إلا بالقليل، فقالت: إن حبنا الذي عندنا لم ينقص مما أخرجنا منه.
سليمان بن محمد العنسي [ - ق 7 هـ]
__________
(1) سقط من (أ).
(2) سقط من (أ).

العلامة البليغ(1) سليمان بن محمد العنسي، كان عالماً عاملاً مناصراً للحق مناضلاً عنه، وله شعر حسن من ذلك قصيدته التي قالها في قتل سعيد الشنبكي من أمراء الغز، وذلك أنه كان بتنعم عند بني مطعم لقبض المال فيها(2)، فعاث الشنبكي وأصحابه في الزروع وغيرها فقام جبير بن سالم المطعمي شيخ تنعم في ذلك واستمد من الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة رجالاً أمده بعشرين، ثم إن جبيراً قال لأصحابه يقفون موقفاً عينه لهم، وقال إذا سمعتم الصيحة فأوقعوا بالغز، ثم جاء جبير يتخطى الخيام ودعا الشنبكي، فخرج من خيمته وقد ملأ جبير يديه نزعاً في قوسه فأرسل السهم فقتله وفتك أهل تنعم بباقي الغز، فقال سليمان المذكور قصيدة أولها:
خلي الملام فغير همي همكِ ... إن شئتِ فازدادي به أو فاتركي
وقال فيها مخاطباً لوردسار رئيس الغز:
وأراك تطلب من أسنة يعرب ... ماكان يطلبه سعيد الشنبكي
ظلت سيوف الهند تطلب بطنه ... ضرباً كأشداق الهجان الموركي
سليمان بن محمد بن الزبير [ - ق 685 هـ]
الفقيه العالم المحدث الأديب نجيب الدين سليمان بن محمد بن الزبير بن أحمد الشاوري، ثم الحبشي عالم كبير، وفاضل شهير، وكان شفعوياً فمال إلى آل محمد - عليهم السلام- ومال معه جماعة من أصحابه دانوا بتعديل الله، ونزهوا الجناب القدسي، ووصل إلى الإمام أحمد بن الحسين، وبايع وتابع وشايع - رضي الله عنه -.
سليمان بن مفرح بن منصور [ - ق 6 هـ]
__________
(1) في (ب): المتكلم.
(2) في (ب): منها.

الشيخ العارف سليمان بن مفرح بن منصور بن جعفر، هو أخو سبأ بن المفرح، نقل شيئاً من حالهما السيد صارم الدين وسيأتي أنه ذكر سكونهما بلاد ثلا، وأنشد - رحمه الله - لسبأ بن المفرح القصيدة المرثية الفائقة الرائقة في السلطان بشر بن حاتم اليامي، وكان السلطان بشر عظيم الشأن رفيع المكان بيده جنود وحصون، وللإمام المنصور بالله إليه قصائد فيها ثناء عظيم، وله انتساب إلى مذهب العترة والظاهر عند الناس أنه غير زيدي، وفي معاملات الإمام التصريح بزيديته، وكان جليلاً ملكاً سامياً، واتفق بينه وبين السلطان إسماعيل الغزي حروب وهو فيها منتسب إلى الإمام المنصور بالله - عليه السلام- فلما مات رثاه سبأ المذكور بقصيدة يذكر(1) فيها جفنة السلطان بِشْر المعروفة بعيشة(2)، ومنها:
هذي قواعد مجد يعرب نلت ... وذراه من فوق الكواكب حزت
ومنها في وصف الجفنة:
من موسع الأضياف ترحيباً وتأ ... هيلاً أمام قدومه بمعيشةِ
دهماء من وَدِكِ السدائف طال ما ... نهلت به منَّ الزمان وغلتِ(3)
ما زال يملؤها الثريد مكللاً ... أشلاء كل (كهاة) برك أبقتِ
وترى (القيوز) تصب في أنحائها الـ ... إنحاء لو سقت الحضيض لأروتِ
ومنها /161/:
(فتخالها من وردها وصدورها ... كسجال دولاب الطوي أَمرَّتِ
هذي تصبُّ وتلك مناقد وتا ... طلعت وذي أَفَلَتْ وتلك تولَّتِ
فكأنها في القد وهي تمجه ... حبشية كسيت حلاً من فضةِ
لولا تراكم ما أقلَّته عدا ... ة القبض كاد يقلها ما مجت
طخياء مكسبها وضوحاً ما حوت ... كالهالة ارتشفت سنىً فتجلت)(4)
كمقامه في يوم حذان الذي ... فجأته خيل الغز فيه فأكدت
سليمان بن موسى الدواري [ - ]
__________
(1) في (ب): ذكر.
(2) لعلها: بمعيشة، انظر ما بعد ذلك من الأبيات .
(3) لعلها: وعَلَّتِ.
(4) الأبيات ما بين القوسين ساقطة من (أ) وموجودة في (ب).

(السيد)(1) الكبير العلامة الخطير سليمان بن موسى الدواري - رحمه الله تعالى - ذكره المقرئ في نزهته، وكان عالماً كبيراً من تلامذته القاضي جمال الدين علي بن أسعد الحطوار، وله تلامذة وشيوخ.
سليمان بن مهران الأعمش [60هـ - 148هـ]
شيخ أهل الحديث وإمام القديم منهم والحديث العلامة سليمان(2) بن مهران مولى بني كاهل المعروف بالأعمش، أحفظ أهل وقته، إليه النهاية في الحديث حفظاً وجرحاً وتعديلاً، وهو رئيس الكوفة وعالمها، وكان يعرف بالكوفي عدَّه الحاكم في (العيون) في رجال الزيدية، وكان أهل الكوفة إذ ذاك رجال الزيدية وأئمة الشيعة المخلصين، وقد يكبر على غير ذوي الإطلاع، جعله في فريق الزيدية كما يكبر عليهم سفيان وشُعبَة وأضرابهم، وذلك لجهلهم بالتواريخ والأحوال، وجعلهم طريق عرفان الحق بالرجال(3) والرجال يعرفون بالحق، وقد سبق كلام الحاكم فإنه قال عند ذكر البتريَّة من الزيدية أصحاب سليمان بن جرير وكثير النوى ما لفظه: ورجال الزيدية من السلف سِوَى من ذكرناه ابنا تمار وعلى بن صالح ووكيع بن الجراح ويحيى بن آدم وعبيد الله بن موسى والفضل بن دكين وسلمة بن كهيل والأعمش، ثم ساق وحكى عن أبي القاسم(4) الكعبي البلخي أنه قال: كان أبو حنيفة - رحمه الله - يذهب مذهب البترية، وحكى - رحمه الله أعني الحاكم - عن سفيان في حق طاووس - رضي الله عنه - شيئاً من هذا، قلت: ويدل على ما حكوه عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - من مشايعة أئمة الزيدية وإفتائه بالخروج مع أئمتهم سراً وجهراً حتَّى حكى في (الكشاف) أنه أفتى بعض المسلمين بالخروج مع أئمتهم أحسبُه أحد أولاد عبد الله الكامل، وقتل ذلك الإنسان، وكانت له أم فعاتبت أبا حنيفة في ذلك وقالت: أفتيت ولدي بالخروج فقتل، فقال: وددت إني مكان ولدك، وعنه في بعض أيامهم: هي والله بدر الصغرى، وبايع لزيد
__________
(1) في (ب): الفقيه.
(2) في (ب): الحافظ.
(3) في (ب): الرجال.
(4) زيادة في (ب): أظنه.

بن عليّ إمام الزيدية، ذكره ابن حجر، قال ابن الجوزي: كل إمام من الأئمة المتبوعين في المذاهب بايع لإمام من أئمة أهل البيت، فبايع أبو حنيفة لإبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وبايع مالك لأخيه محمد، وبايع الشافعي لأخيهما يحيى، نقل ذلك العامري في (الرياض المستطابة).
قلت: وقد حكى بيعة الشافعي - رضي الله عنه - ليحيى الذهبي في (النبلاء)، وحكى بيعة أبي حنيفة لإبراهيم في (الضياء المعنوي) شرح مقدمة الغزنوي (1) تأليف الشيخ محمد بن أحمد القرشي الحنفي، وهو من أجلَّ كتب الحنفيَّة.
قلت:وحكى ذلك الطحاوي أيضاً، وحكى العلامة البغدادي ما لفظه: كان أكثر الفقهاء في الصدر الذي فيه زيد بن علي - عليه السلام- على رأيه، ثم بعده كذلك فأبو حنيفة من رجاله وأتباعه في كل كتاب من كتب أهل المقالات، وكذا صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي تلميذ لمحمدبن الحسن، وكان داعياً ليحيى بن عبد الله بن الحسن الإمام في زمان هارون الرشيد وشر……(2) بنو العباس لأجل ذلك وكذا كانت ……(3) في غير الفقه على رجلين من أتباع زيد بن علي وهما أجلاء أهل الحق أحدهما يحيى بن خالد الرنجي، والآخر إبراهيم بن يحيى المدني، وكذا مالك الفقيه، كان يفتي من سأله بالقيام مع محمد بن عبد الله النفس الزكية على المنصور أبي الدوانيق وشيخه جعفر الصادق /162/ في الحديث فلا مذهب أقدم من مذهب زيد بن علي - عليهما السلام- ولا أفضل، وكيف لا يكون كذلك؟ وهو يرويه عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ليس بينه وبينه إلا رجلان، انتهى بلفظه.
__________
(1) كذا في (أ) وفي (ب): الغربوي.
(2) فراغ في (أ)، (ب)، ولعلها: وشرره.
(3) فراغ في (أ)، (ب).

ولأبي حنيفة - رحمه الله - مشيخة من سادات الزيدية، قال القريني الحنفي: منهم زيد بن علي وأخوه الباقر وابنه الصادق والحسن بن الحسن وعبد الله الكامل، وقد كان للأعمش - رحمه الله - في ولاء أولاد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - مقامات لا تنكر.
وتخوَّف على نفسه من الخلفاء، وقد ترجم له المعادي والموالي، وذكره السيد الصارم في (العلوم) والقاضي في (المسلك)، ولفظهما سليمان بن مهران الكاهلي الأعمش، وهو من أعلام الزيديَّة، قال عيسى بن يونس: حدثنا الأعمش بأربعين حديثاً فيها ضرب الرقاب لم يشركني فيها غير محمد بن إسحاق، وقضيته مع المنصور مشهورة، روى عنه الجماعة.

قلت: وقولهما: قضيته مع المنصور مشهورة هي ما حاصله أن المنصور طلبه ذات ليلةٍ قال الأعمش: ففكرت في نفسي، فقلت: ما دعاني في هذا الوقت لخير، ولكن عسى أن يسألني عن فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فإن أخبرته قتلني، قال: فتطهرت ولبست أكفاني وتحنطت، ثم كتبت وصيتي ثم صرت إليه فوجدت عنده عمرو بن عبيد فحمدت الله على ذلك، فقال لي: ادن يا سليمان، فلما دنوت فاح له ريح الحنوط فقال: ما هذه الرائحة أصدقني وإلا قتلتك فصدقته فحوقل، ثم قال: تعرف يا سليمان ما اسمي، فأخبرته أنه عبد الله الطويل بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبَّاس، قال: صدقت، فأخبرني بالله وبقرابتي من رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كم رويت في عليّ من فضيلة من جميع الفقهاء؟ وكم يكون؟ قلت: يسيراً يا أمير المؤمنين، قال: علي ذلك، قلت: عشرة آلاف، قال: فقال يا سليمان لأحدثنك في فضائل علي - عليه السلام- حديثين(1) يأكلان كل حديث رويته عن جميع الفقهاء فإن حلفت لي ألاَّ ترويه لأحد من الشيعة حدَّثتك، فقلت: لا أحلف، ولا أخبر بهما أحداً، فقصَّ له المنصور الحديثين في سياق قصَّة طويلة هي موجودة في كتب الحديث، ذكرها الحاكم في (الجلاء) وحُميد في (الحدائق)، وفي آخر الحديث أنه لما ورد الشام وأهله كلهم نواصب اجتمع برجل محب لأمير المؤمنين له شأن عظيم فتهاداه هو وأخواه وأحد الأخوين كان منحرفاً عن أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - وكان إماماً لقوم، وكان إذا أصبح لعن علياً - كرَّم الله وجهه - ألف مرَّة كل غداة وأنه لعنه يوم الجمعة أربعة آلاف مرّة فغير الله ما به من نعمة، فتاب، وصار يحب علياً، وواعده الشيخ الذي قدم عليه أولاً ليتصل بأخويه فوافق أحدهما فأجازه عشرة آلاف درهم، ثُمَّ واعده لغده إلى مسجدٍ يصلي فيه أخوهما الذي كان يلعن (علياً)(2) أمير المؤمنين، قال: فلما أصبحت في الغد قصدت المسجد فتشابهت
__________
(1) في (أ): حديثان.
(2) سقطت من (ب).

عليَّ الطريق فسمعت إقامة الصلاة في مسجد، فقلت: والله لأصلين مع هؤلاء القوم، فنزلت عن البغلة ودخلت المسجد فوجدت رجلاً قامته مثل قامة صاحبي، قلت: لعله يعني الأخ الأول ويحتمل الثاني فصرت عن يمينه، فلمَّا صرنا في ركوع وسجود إذا عمامته قد رمى بها من خلفه فتفرَّست في وجهه فإذا وجهه وجه خنزير ورأسه وخلفه ويداه ورجلاه، فلم أعلم ما صليت وما قلت في صلاتي متفكراً في أمره، وسلم الإمام وتفرس في وجهي وقال: أنت الذي أتيت أخي بالأمس فأمر لك بكذا وكذا؟ قلت: نعم، فأخذ بيدي وأقامني فلما رآنا أهل المسجد /163/ تبعونا فقال للغلام: أغلق الباب ولا تدع أحداً يدخل علينا، ثم ضرب بيده إلى قميصه فإذا جسده جسد خنزير فقلت: يا أخي ما هذا الذي آرى بك؟ قال: كنت مؤذن القوم وكنت كل يوم إذا أصبحت ألعن علياً ألف مرَّة بين الأذان والإقامة، قال: فخرجت من المسجد ودخلت داري هذه، وهو يوم جمعة وقد لعنته أربعة آلاف مرَّة، ولعنت أولاده فاتكأت على الدكان فذهب بي النوم فرأيت في منامي كأنما أنا بالجنَّة قد أقبلت فإذا علي فيها متكئ والحسن والحسين معه متكئين، بعضهم ببعض مسرورين تحتهم مصليات من نور وإذا أنا برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - جالس والحسن والحسين قدَّامه وبيد الحسن كأس فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - للحسن: اسقني. فشرب، ثم قال للحسين: اسق أباك علياً. فشرب، ثم قال للحسن: اسق الجماعة. فشربوا، ثم قال: اسق المتكئ على الدكان.

فولَّى الحسن بوجهه، وقال: يا أبة كيف أسقيه وهو يلعن أبي كل يوم ألف مرَّة، ولقد لعنه اليوم أربعة آلاف مرَّة؟ فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: مالك لعنك الله تلعن علياً، وتشتم أخي لعنك الله، تشتم أولادي الحسن والحسين، ثم بصق النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فملأ وجهي وجسدي فانتبهت من منامي فوجدت موضع البصاق الذي أصابني من بصاق النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قد مسخ كما ترى، ثم قال: يا سليمان أسمعت في فضائل علي أعجب من هذين الخبرين؟
قلت: هما خبران طوينا ذكرهما للإختصار، يا سليمان حب علي إيمان، وبغض علي نفاق، لا يحب علياً إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا كافر، فقلت: يا أمير المؤمنين الأمان، قال: لك الأمان، قال: قلت: فما يقول أمير المؤمنين فيمن قتل هؤلاء؟ قال: في النار لا أشك، قال: قلت: فما تقول فيمن قتل أولادهم وأولاد أولادهم؟ قال: فنكس رأسه، ثم قال: يا سليمان الملك عقيم، ولكن حدث عن فضائل علي بما شئت، قال قلت: فمن قتل ولده فهو في النار، قال عمرو بن عبيد: صدقت يا سليمان، الويل لمن قتل ولده، قال المنصور: يا عمرو اشهد عليه أنه في النار، فقال: أخبرني الشيخ الصدوق - يعني الحسن- عن أنس أن من قتل أولاد علي لا يشم رائحة الجنة، قال: فوجدت أبا جعفر قد خمص وجهه، قال: وخرجنا قال أبو جعفر لولا مكان عمرو ما خرج سليمان إلا مقتولاً.

ويشبه هذه القصة ما حكاه التنوخي قال: حدث أبو الفرج عبد الواحد بن نصر المخزومي المعروف بالببغاء، وكتبه بإملائه، قال: كنت بصور في سني نيف وخمسين وثلاثمائة عند أبي علي بن محمد بن علي المستأمن، إنما لقب بذلك لأنه استأمن من عسكر القرامطة إلى أصحاب السلطان بالشام، وهو على حماية البلد، فجاءه قاضيها أبو القاسم بن أبان، وكان شاباً أديباً فاضلاً جليلاً واسع المال عظيم الثروة ليلاً، فاستأذن عليه، فأذن له، ولمَّا دخل إليه قال: أيها الأمير قد حدث الليلة أمر مالنا بمثله عهد وهو أن في هذه البلد رجل ضرير يقوم كل ليلة في الثلث الأخير ليطوف بالبلد، ويقول بأعلى صوته: يا غافلين اذكروا الله، يا مذنبين استغفروا الله، يا مبغض معاوية عليك لعنة الله، وإن رابيتي(1) التي ربتني كانت لها عادة في أن تنتبه على صياحه، فجاءتني الليلة، وأيقضتني، وقالت لي: كنت نائمة فرأيت في منامي كأن الناس يهرعون إلى المسجد الجامع، فسألت عن السبب، فقالوا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - هنالك فتوجهت إلى المسجد ودخلته ورأيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - على أعْلى المنبر /164/ وبين يديه رجل واقف، وعن يمينه ويساره غلامان واقفان والناس يسلمون على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ويرد - عليهم السلام- حتى رأيت الضرير الذي يطوف في البلد ويذكر ويقول: كذا وكذا وأعادت ما يقول في كل ليلةٍ فدخل فسلم على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فأعرض عنه، وعاوده فأعرض عنه، وعاوده ثالثة فأعرض، فقال الرجل الواقف: يا رسول الله رجل ضرير من أمتك يحفظ القرآن يسلم عليك فلم حرمته الرد عليه؟ فقال له: يا أبا الحسن، هذا يلعنك ويلعن ولدك منذ ثلاثين سنة، فالتفت الرجل الواقف فقال: يا قنبر فإذا بالرجل قد بدر فقال أصفعه فصفعه صفعة خرَّ على وجهه، ثم انتبهت فلم أسمع صوتاً، وهذا الوقت الذي جرت عادته فيه بالصياح والطواف
__________
(1) في (أ) و (ب): رابتني.

والتذكير.
قال أبو الفرج الأصبهاني(1): أيها(2) الأمير فتنفذ من يعرف خبره فأنفذنا في الحال رسولاً قاصداً يخبر أمره فجاءنا يُعرفنا أن امرأته ذكرت أنه عرض له في هذه الليلة حكاك شديد في قفاه، فمنعه من الطواف(3) والتذكير، فقلت: لأبي علي المستأمن أيها الأمير هذه آية ونحب أن نشاهدها، فركبنا وقد بقيت من الليلة بقية يسيرة وجئنا إلى دار الضرير، فوجدناه نائماً على وجهه يخور، فسألنا زوجته عن حاله فقالت: انتبه وحك هذا الموضع وأشارت إلى قفاه وكان قد ظهر فيه مثل العدسة وقد اتسعت الآن وانتفخت وتشققت، فهو الآن على ما تشاهدون يخور ولا يعقل، فانصرفنا وتركناه، فلما أصبحنا توفي وأكب أهل (صور) على تشييع جنازته وتعظيمه.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (ب): وسندها.
(3) في (ب): التطواف.

قال أبو الفرج: واتفق أني لما وردت إلى باب عضد الدولة بالموصل في سنة ثمانٍ وستين وثلاثمائة لزمت دار خازنه أبي نصر خرشد بن ديارما(1) فيه، وكان يجتمع فيها كل يوم خلق كثير من طبقات الناس، فحدثت بهذه الحكاية جماعة في دار أبي نصر منهم القاضي أبو علي التنوخي - رحمه الله - وأبا القاسم الحسين بن محمد الحياني وأبا إسحاق(2) النصيبي وابن طرفان وغيرهم، فكلهم رد علي واستبعد ما حكيته على أشنع وجهٍ غير القاضي أبي علي - رحمه الله - فإنه جوز أن تكون هذه القصة صحيحة، وشيّدها(3) وحكى في معناها ما يقاربها، ثم مضت على هذه مدَّة يسيرة فحضرت دار أبي نصر على العادة، فاتفق (أكثر)(4) حضور الجماعة، فلما استقر بي المجلس سلم علي فتى شاب لم أعرفه فاستبنته فقال: أنا ابن القاسم بن أبان قاضي صور، فأقسمت بالله يميناً مكرَّرة مؤكدة وبأيمان كثيرة مغلظة محرجة إلا صدق فيما أسأله عنه، فقال: نعم عندي أنك تريد أن تسألني عن المنام والضرير الذكر وميتته الظريفة؟ فقلت: نعم هو ذلك فبداهم فحدثهم بمثل ما حدثتهم به فعجبوا من ذلك، واستظرفوه.
__________
(1) في (ب): ديار بن ما فيه.
(2) في (ب): إسحاق.
(3) في (ب): وسندها.
(4) ساقطة من (ب).

ويشبه هذا ما حكى العلامة المهدي بن أحمد الرخمي - رحمه الله - أنه اطلع على نسخة أنوار اليقين في شبابه فوجد حاشية فيها بخط ابن معتق الصعدي، يروي عن خاله أنه سافر إلى أرض الحسا(1) والقطيف فوجدهم يسبون علياً - كرم الله وجهه في الجنة- ثُمَّ سافر مرة أخرى فوجدهم يرضون عنه فسألهم عن قضيتهم أنهم يسبون في السنة الأولى، ويرضون في الثانية فأخبروه أنه أراد رجل منهم الحج، وكان لهم قاضٍ يسب علياً، ويسبون معه، فلما خرج الذي أراد الحج من بيته قاصداً مكة والمدينة خرج معه أهل البلد والقاضي معهم فودَّعهم وودعوه، وقال له القاضي: متى قدمت المدينة ودخلت قبَّة الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - فأبلغه مني /163/ السلام، وسلم على أبي بكر وعلى عمر، ثم تصعد منبر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - والعن علياً ثم إن الرجل عزم لوجهه فلمَّا [بلغ] المدينة دخل المسجد وسلم على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وعلى أبي بكر وعمر وأبلغ السلام عن القاضي من ذكر، ثم صعد المنبر فأراد(2) يلعن علياً عن القاضي فارتعدت فرائصه، وخاف خوفاً شديداً، ولم يتكلم بالسب، ثم إنه أقام تلك الليلة في مسجد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فرأى في المنام أنه في بيت القاضي وإذا علي - عليه السلام- قد دخل عليه منزله وهو غضبان، وفي يده اليمنى مدية وفي اليسرى قطنة، فوثب على القاضي فذبحه بالمدية ومسح المدية بالقطنة وتركهما في كوّة قرب سقف المنزل فانتبه الرجل من ساعته فأرَّخ الوقت والساعة، وقضى وطره، ورجع إلى بلده فلقيه أهل البلد وتخلف القاضي لم يرَه، فقال لهم: نريد بيت القاضي للسلام عليه فقالوا: إن القاضي قتل غيلة في منزله فقال: ندخل المنزل فلما دخل بهم المنزل أخبروه بما كان وأنه كان في ساعة كذا في ليلة كذا وهي الساعة التي رآها في النوم فقال لهم: ائتوني بمعراج ففعلوا فرقا فيه فوجد
__________
(1) لعلها: الاحساء.
(2) في (ب): وأراد.

المدية في الكوة والقطنة فقص عليهم الرؤيا فتركوا السب، وأبدلوه بالترضية.
قلت: كان القاضي المهدي من أجلاء العلماء، وهو أحد شيوخ الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد - رضي الله عنه - وسيأتي له - إن شاء الله - ترجمة.
وقريبٌ منها ما حكاه العلامة الحسن بن علي بن حنش - رحمه الله - وحكاها أيضاً غيره حتى إنها قريب التواتر، فلقد رأيتها من عدة طرق ولكني أحببت نقلها من هذه الطريق وأمثال هذا يكفي فيه الطريق الظنيَّة، بل قالوا: يكفي في الفضائل ما هو دون هذا، قال العلامة الحسن بن علي روى الشيخ العلامة عبد الله بن بدر الشرفي عن السيد الفضل بن يحيى الحسيني أنه قال: كنت أنا ورجل من أصحابنا الزيدية في (تعز) العدينية، فدخلت أنا وهو بعض مدارسهم، وحضر بعض الصلوات، فقال صاحبي في أذانه: حي على خير العمل، فسمعه بعضهم فقال لشيخ تلك المدرسة: ما هذا المذهب الذي يذكر فيه حي على خير العمل؟ فقال له الشيخ: هذا مذهب الزيدية، فقال: وإلى من ينتسبون؟ فقال الشيخ إلى رجل يقال له زيد بن علي، ولعنه المقرئ وأنا أسمع أنا وصاحبي فهممنا بقتله، وخرجنا من المسجد، فلما بلغنا المنزل الذي نحن فيه أدركتنا الندامة على عدم(1) قتله، فأمسينا نعمل كل حيلة ثم عزمنا على أن نقتله الصبح وإن قتلنا غضباً لله ولابن بنت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فلما طلع الفجر عدَونا عليه وإذا قد رمي به إلى مكان عالٍ مذبوحاً والأبواب من المسجد مغلقة موثقة، وطلب لينال فلم يمكن الصعود إليه إلا بالسلاليم، وبلغ ذلك السلطان المجاهد، فوقع عنده غاية الموقع وجاؤوا وموضع القطع أسود لم ينزل منه قطرة دم، كأنه حسم بنار، وهذا قليل من فضائله - عليه السلام- وهذا وأمثاله(2) كثيرة لو أردنا نقل فضائل تشبه هذا استوعبنا (الكاغد) والله المستعان.
__________
(1) سقط من (ب): عدم.
(2) في (ب): ومثاله.

رجعنا إلى ذكر الأعمش - رحمه الله - كان عالماً ثقة فاضلاً، وكان أبوه من ديناوند(1) وقدم الكوفة وامرأته حامل بالأعمش، فولدته بها، قال السمعاني: وهو لا يعرف بهذه النسبة بل يعرف بالكوفي، وكان يقارن بالزهري في الحجاز.
قال ابن خلكان: وكان لطيف الخلق مزاحاً، جاء أصحاب الحديث(2) ليسمعوا عليه، فخرج إليهم وقال: لولا أن في منزلي من هو أبغض إلي منكم ما خرجت إليكم. وجرى بينه وبين زوجته يوماً كلاماً فدعا /166/ رجلاً ليصلح بينهما فقال لهما الرجل: لا تنظري إلى عمش عينيه، وحموسة ساقيه، فإنه إمام وله قدر، فقال له: أخزاك الله ما أردت إلا أن تعرفها عيوبي.
وقال له داود بن عمرو الحايك ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟ فقال: لا بأس بها على غير وضوء، قال فما تقول في شهادة الحائك؟ قال: تقبل مع عدلين.
__________
(1) في (ب): دبناوند.
(2) في (ب): يوماً.

ويقال: إن الإمام أبا حنيفة - رضي الله عنه - عاده يوماً في مرضه فطوّل القعود عنده، فلما عزم على القيام قال: ما كأني إلا ثقلت عليك، فقال: والله إنك لثقيل عليَّ وأنت في بيتك. وعاده أيضاً جماعة فأطالوا الجلوس عنده فضجر منهم فأخذ وسادة وقال: شفا الله مريضكم بالعافية. وقيل عنده يوماً قال - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((من نام عن قيام الليل بال الشيطان في أذنه)) فقال ما عمشت إلا من بول الشيطان في أذني. وكانت له نوادر كثيرة، وقال أبو معاوية الضرير: بعث هشام بن عبد الملك إلى الأعمش أن اكتب إليَّ مناقب عثمان ومساوئ علي، فأخذ الأعمش القرطاس وأدخله في فم شاة فلاكته وقال لرسوله: قل له هذا جوابك، فذهب الرسول، ثم عاد وقال: إنه ذهب إلى أن يقتلني إن لم آته بالجواب ويحمل عليه بإخوانه، فقالوا له: أفده من القتل، فلما ألحوا عليه كتب له: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فلو كان لعثمان - رضي الله عنه - مناقب أهل الأرض ما نفعتك، ولو كان لعليٍّ مساوئ أهل الأرض ما ضرتك فعليك بخويصة نفسك والسلام.
مولده سنة ستين من الهجرة، وقيل: إنه ولد يوم مقتل الحسين - رضي الله عنه - وذلك يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وكان أبوه حاضراً قتل الحسين - عليه السلام- وعدَّه ابن قتيبة من جملة من حملت به أمه سبعة أشهر. توفي سنة ثمانٍ وأربعين(1)، وقيل سنة تسع وأربعين.
قال زائدة بن قدامة: تبعت الأعمش يوماً فأتى المقابر فدخل في قبر محفور فاضطجع فيه، ثم خرج منه وهو ينفض التراب من رأسه ويقول: يا ضيق مسكناه - رحمه الله - ودُنْبَاوَنْد - بضم الدال المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة وبعد الألف واو مفتوحة ثم نون ساكنة بعدهما دال مهملة - وهي ناحية من رستاق الري في الجبال وبعضهم يقول: دمناوند والأول أصح.
__________
(1) زيادة في (ب): ومائة، شهر ربيع الأول، وقيل سنة سبع وأربعين، وقيل: سنة تسع وأربعين.

قلت: ومن شعره ما كتب به إلى بعض إخوانه يعزيه:
إني أعزيك لا أني على ثقةٍ ... من الحياة ولكن سُنَّة الدينِ
فما المعزَّى بباق بعد مَيِّتَهُ ... ولا المعزِّي وإن عاشا إلى حينِ
سليمان بن موسى الدواري [ - ]
سليمان بن موسى الدواري - رحمه الله - العالم الكبير الفاضل الشهير سليمان بن موسى - عادت بركاته - ذكره المقرائي بما يدل على جلالة قدره، وعظم شأنه.
قلت: وهو شيخ العلامة علي بن أسعد الحظوار.
سليمان بن ناصر الدين بن سعيد السحامي [ - ق 7 هـ]
شيخ العصابة، وإمام(1) الإصابة مطلع (شمس الشريعة)، ومظهر عجائب الإسلام البديعة، سليمان بن ناصر الدين بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن أحمد بن كثير السحامي، عالم العلماء وواحد الفضلاء، أحد أساطين الفقه، حفظ القواعد، وقيَّد الشوارد، وهيمن على كتب العراقين واليمن، واستخلص من ذلك كتاب شمس الشريعة الفائق في أسلوبه الغريب في جمعه وجودة تركيبه، وفيه يقول إمام زمانه المنصور بالله عبدالله بن حمزة - عليهما السلام-.
أهلاً بصدر شريعةِ الإسلامِ ... وبأوحدٍ في ديننا علاَّمِ
/167/
أعني سلالةَ ناصرٍ علم الهدى ... حِلف التقى ومبيَّن الأحكامِ
نجل ابن ناصر علم آل محمد ... فأتَى بياقوتٍ ودرَّ نظامِ
فجزاك ربك عن سلالة أحمد ... خير الجزا وحباك بالإنعامِ
وهو من بيت علم وفضل ومحل منيف، يسكنون صُرحَة(2) - بالصاد مهملة مضمومة بعدها راء مهملة مفتوحة ثم حاء مهملة - من جهة بني مسلم، كذا ذكره علي بن نشوان بن سعيد، وقد نقل بعض المعتنين بهذه أن مسكنه هجرة شوحط قرب (قرَن)، وولده بها وذريته.
__________
(1) في (ب): أهل.
(2) صِرْحَة: بكسر فسكون، قرية أثرية بسفح جبل بني مسلَّم، تبعد عن مدينة ((يريم)) بمسافة 17 كيلو متراً غرباً، (معجم المقحفي، ص902).

قلت: ولا يمتنع اجتماع الأمرين، وكان للقاضي عادت بركاته عناية كاملة في استصلاح العامَّة والدعاء إلى الحق وإشادة الآثار الصالحة، فصلح بحميد سعيه في ذلك الإقليم خلائق دعاهم إلى مذهب العترة - عليهم السلام- فدانوا بذلك، واشتهر العدل والتوحيد وتنزيه الله (سبحانه)(1)، وكان يحمل إلى المنصور بالله - عليه السلام- الأموال الواسعة، ويحملها الجمال والدواب أثقالاً كثيرة، وكان أحد المجاهدين المناصرين المراغمين لأعداء الله، ففاز بحلّتي الجهاد والاجتهاد، قال بعض شيوخنا: إن مؤلف البيان المعروف (ببيان السحامي) أخوه وهو علي بن ناصر، وتعقبه بعض المطلعين من شيوخنا بأنه ابن أخيه، فهو علي بن الحسن بن ناصر الدين.
قال السيد العلامة علي(2) بن عبدالله بن الوزير: إنه أخوه كما حكيناه عمن سبق، وكان شيخنا القاضي أحمد بن سعد الدين يرجح الثاني، وفي هذا نقل مفيد غاب عني عند الرقم.
قال السيد شمس الدين: وكانا مطرفيين فرجعا إلى الحق، وصنف سليمان (شمس الشريعة) في فروع الفقه و(النظام) في أصوله، وكانا من تلامذة الإمام الأعظم المتوكل على الله أحمد بن سليمان - عليهما السلام- وتوفي في ……(3) ودفن بقرية (جبن) (4).
سليمان بن هيجان بن القاسم [ - ]
السيد العلامة الكبير صدْر المفرعين سليمان بن هيجان بن القاسم بن يحيى بن حمزة بن أبي هاشم - عليهم السلام- هو صاحب المذاكرة المشهورة، وكان عالماً كبيراً.
قال شيخنا شمس الدين - رحمه الله -: هذه المذاكرة هي بيان ابن معرف، وهو المسمى (بالمنهج المنير الجامع لفوائد التحرير)، سمي بالمذاكرة لمذاكرة السيد سليمان به شيخه ابن معرف رحمه لله، وقال ابن نزار - رحمه الله -: إن البيان غير المنهج، والله أعلم.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (ب): أحمد بن عبد الله الوزير.
(3) بياض في النسختين.
(4) جُبَن: بضم ففتح، مدينة في الجنوب الغربي من مدينة رداع بمسافة نحو 50 كيلو متراً. (معجم المقحفي، ص 286).

سليمان بن يحيى الثقفي [ - ق 6 هـ]
الشيخ الهمام العارف ولي آل محمد سليمان بن يحيى الثقفي، جامع سيرة الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان - سلام الله عليهما - وهي دالة على تمكنه في العلم، وحسن تعبيره في القول يدل على فضلٍ ومكانة في العلم - أعاد الله من بركته-(1).
سليمان بن يحيى بن الحسين الحمزي [ - ]
السيد الإمام سليمان بن يحيى بن الحسين الحمزي، أحد جدود الإمام المتوكل على الله المطهر بن محمد.
قال مؤلف سيرة المتوكل عند عدّه للجدود، الرابع جده السيد الفاضل العالم العامل الورع الكامل ذو الكرامات الباهرة والفضائل الطاهرة الذي سخر الله له ولزوجته الشريفة الفاضلة مهدية بنت فليتة نمراً يسرح مواشيهما ويرعاها، ثم يروحها، استمرت بذلك عادته كالأجير الناصح المواظب، وكانا يكرمان الضيف لأن منزلهم على ممر أهل المشرق والمغرب، وكانا يفعلان لأهل كل جهة ما يوافقهم من المعيشة إكراماً لهم، بذلك اشتهر، وانتشر فضلهم.
سليمان بن يحيى القاسمي [ - 815هـ]
السيد الفاضل الكامل شيخ العترة سليمان بن يحيى /168/ القاسمي - رضي الله عنه - كان من عيون الأعيان، ومن أفراد الزمان، ذكره السيد العلامة الحافظ الهادي بن إبراهيم بن الوزير، وإليه لمح في قصيدته المسمَّاه رياض الأبصار بقوله:
وبالقاسميّ بن الأئمة والندا ... سليمان من علياه للنجم يعتلي
قلت: سكن حبور وأوطنها وبها توفي - رضي الله عنه - وممَّا كتبه إليه بعض شيوخ العترة، وقد فارقه بحبور:
تودعتُ الأحبَّة من حبورٍ ... أظل زمانهم مزن الحبورِ
فكنت كمن يودع روح صدر ... وهم لا شك أرواح الصدورِ
فرعياً ثم رعياً ثم رعياً ... لمن هم كاللآلئ في النحورِ
خلائقهم رياض الروض نوراً ... ومن أخلاقهم نور البدورِ
__________
(1) في (أ): عاد الله من بركته.

جَحاجِجَةٌ غطارفةٌ كرامٌ(1) ... تفيض أكفهم فيض البحورِ
أفاض الله مالاحت بُروق ... عليهم دائماً سحب السرورِ
ولا سيما سليمان بن يحيى ... فعمره الإله مدى الدهورِِ
نشأ طهراً ولا عجب إذا ما ... (2)
حوى علماً وحلماً واحتمالاً ... وإصلاحاً ونظماً للأمورِ
أليف الضيف تلقاه ضحوكاً(3) ... يلُوح بوجهه نورُ السرورِ(4)
فدام معمراً ما لاح برقٌ ... وما صدحت حمامات الزهورِ
سليمان بن يحيى بن محمد الصعيتري [ - 815هـ]
العلامة المحقق وجيه الإسلام، وحيد المفرعين، ولسان المحصِّلين، سليمان بن يحيى بن محمد بن يحيى الصعيتري بن بنت العلامة الحسن بن محمد النحوي، هو (5) مؤلف (البراهين)، وناهيك بذلك دليلاً على علمه وتحقيقه، وله شرح آخر على (تذكرة) جدِّه - رحمه الله - ومن شروح التذكرة [المصابيح](6) لمحمد بن حسن المقرائي والد الفقيه يحيى و(الرياض) للفقيه يوسف و(الكواكب) ليحيى بن مظفر و(تعليقة ابن مفتاح) و(التبصرة) للسيد الحمزي وللخالدي تعليق ومما كتب على صخره الموضوع على قبره:
قد كان أشهر من نارٍ على علم ... بين الرجال ومن داع على فننِ
أحاط بالفقه حتى صار مجتهداً ... ونال ما عجزت عنه بنو الزمنِ
مع الحداثة في سنٍ فوا أسفا ... عليه لو عاش ما أحيا من السننِ
ما زال بالعلم مشغوفاً ومعتمداً ... فيه إلى أن ثوى في اللحد والكفنِ
قد كان في دهره بحراً وطود هدى ... لطالب العلم من شام ومن يمنِ
__________
(1) جَحَاجِحَةٌ: مفردها: جَحْجَح: السَّيِّد. (القاموس المحيط، ص 209). غَطَارفةٌ: مفردها: غِطْريف، والغِطْرِيْف: السيد الشريف، والسخيُّ السَّرِيُّ، والشاب. (المرجع السابق ص 777).
(2) فراغ في (أ) و (ب).
(3) في (أ): ضحاكاً.
(4) هذا البيت سقط من (أ).
(5) في (أ): هو من مؤلف.
(6) سقط من (أ).

كانت وفاته - رحمه الله تعالى - ليلة الثلاثاء، لعله ثاني عشر من جمادى الأخرى سنة خمس عشرة وثمانمائة، ودفن بجربة الروض في حوطة القاضي الحسن بن محمد النحوي - رحمهم الله تعالى -.
سليمان بن يحيى النحوي [ - ]
العلامة الفقيه سليمان بن يحيى النحوي، ترجم له بعض آل النحوي، وأثنى عليه بالعلم - رحمه الله تعالى -.
سليمان بن يحيى العاضل [ - ]
العلامة الفاضل سليمان بن يحيى العاضل من أهل (منقذة)، وهو من تلامذة أحمد بن علي البشاري، قرأ عليه هو والفقيه يوسف بن أحمد - رحمه الله -.
سورة بن كليب الزيدي [ - ق 2هـ]
العالم الكامل حجَّة الإسلام سورة بن كليب الزيدي - رضي الله عنه - أحد أعلام الزيدية، وصاحب العناية بلسانه وسنانه، صحب الإمام الأعظم زيد بن علي بن الحسين بن علي - عليهم السلام- وكان ثقة في أموره، ومفزعة في مهمَّاته البشرية، ترجم له في رجال الزيدية البغدادي وغيره.
أبو السعود بن عبد الله [ - ق 7هـ]
أبو السعود بن عبد الله الإمام العالم الفقيه من أعيان المائة السابعة، ذكره السيد يحيى بن القاسم - رحمه الله -.
/169/ أبو السعود بن فتح [ - ]
شيخ الزيدية العلامة أبو السعود بن فتح، هو إمام اللغة، وسيبويه اليمن، فاتح المرتجات، صاحب التصانيف، ذكره المقرائي في نزهته، وقال: صاحب موضوعات وتصنيفات(1)، وهو أحد رجال الزيدية فضلاً وعلماً، وكان مسكنه ببلاد (آنس)، قال: قيل هذا وهو الذي ذكره الأمير الحسين في (الشفاء).
__________
(1) في (ب): وتأليفات.

قلت: يلمح إلى ما في كتاب الحيض من كتاب الشفاء، فإنه لمَّا قال الأمير: إن الشطر في لغة العرب لا تحيض بمعنى النصف، قال: ومما يحكى في ذلك أن الشيخ أبا السعود بن فتح النحوي استزاد رجلاً إلى بلدٍ جوَّز حصول رزق منها، وشرط له شطر ما يحصل له، فلما حصل له ما توسمه وحضرا جميعاً للمقاسمة فقسم له أبو السعود بعض ما حصل له دون النصف، فاختصما، وترافعا إلى أهل العلم، فقرر عليه أبو السعود، أنه شرط شطر المحصول، فلما قرره عليه حكم العلماء بثبوت ما فعله أبو السعود وسقط ما توهمه صاحبه. انتهى
وقال ابن الوزير في تاريخ أهله عند تعداد جماعة من علماء الزيدية.
أبو السعود بن المبارك:
ومنهم أبو السعود بن فتح شارح مختصر أبي عباد: له معرفة جيدة في اللغة والعربيَّة، وقال بعض أصحابنا في ترجمة له: إنه سكن (ألهان).
قلت: مختصر أبي عباد كتاب في النحو معتمد.
قال السيد شمس الدين أحمد بن عبد الله فيما أحسب له عدَّة شروح، وكان آل أبي عباد نحاة اليمن والجلال السيوطي، ذكرهم فقال: إبراهيم بن أبي عباد التميمي النحوي، وهو ابن أخي الحسن بن إسحاق بن أبي عباد النحوي.
قال ياقوت من آل النحويين باليمن: وله تصانيف في النحو مختصرات سمَّى أحدهما (التلقين) والآخر يعرف (بمختصر إبراهيم)، ومات متأخراً بعد الخمس المائة، ولهم التحقيق البليغ، وممَّن شرح مختصر أبي عباد العلامة علي بن رزين(1)، وكان إمام وقته في لسان العرب والعروض والحساب والهندسة، قال القاضي أبو الخير أحمد بن عبد السلام بن أبي يحيى والد القاضي جعفر إنه لا يعلم أحداً ممن أدرك في اليمن كعلي بن أبي رزين وأخيه موسى، وقال إبراهيم الصبري مثل ذلك وابنا رزين والصبري من رجال المطرفية، وفي المطرفية من يعرف بأبي السعود جماعة منهم أبو السعود بن المبارك، وهو من أقدم طبقاتهم.
أبو السعود بن زيد بن الحسن
__________
(1) في (ب): بن أبي رزين.

ومنهم أبو السعود بن زيد بن الحسن بن علي، نسبته في بني مطعم من أهل تنعم من مشرق خولان العالية، وكان رجل هذه الطائفة بليغاً إلى الغاية، له شعر سيال ودارت بينه وبين العلامة محمد بن حميد الآتي ذكره مشاعرة، ولابن حميد أرجوزة في أصول المطرفية وأجابه أبو السعود هذا وأقذع في حق محمد بن حميد على جلالته، ومنها في ذكر محمد بن حميد - رحمه الله -.
هل أنت إلا ابن حميد لا غير ... فاعرف مدا قصدك(1) واقصد في السير
أولا فهملج ممعناً فلا ضير ... فالطرف لا يبهره جري العير
فيقال: إن محمد بن حميد سلط عليه من قتله، وكان محمد بن حميد إماماً في العلوم وجيهاً مسموع الكلمة، واشتد غضب السلاطين مع ابن حميد على أبي السعود لقوله في الأرجوزة:
يا لهف نفسي واضطرام وجدي ... على القنا السمر وبيض الهندِ
ومقربات كالسعال جردي ... تردي بأبطال كمثل الأسدِ
في جحفل ذي لجب جرارِ ... بين يدي مُهذَّب مغوارِ
/170/
محمدي ساطع الأنوار ... يثأر للحق بذي الفقار
فيقال: إنهم دسوا عليه من قتله بتفاضل من قرى جهران أرسلوا رجلين فوجدوه قد خرج لغسل ثيابه على بعض المياه فقتلاه، ومن هذه الأرجوزة:
ويل لمن لم ينتفع بعقله ... ويجتنب باب الردى ونقله(2)
ولم يزعه علمه عن جهله ... ويعتبر بمن مضى من قبله
كم ملكٍ قد كان إذا واعده ... واستصهد البلدان بالبطش الأ(شد)(3)
آلت يد الأيام ما كان أجد ... وافترسته بشبا الناب الأحد
أين ملوك حمير وكهلان ... والفرس والروم معاً ويونان
والأولون من ملوك كنعان ... أضحوا رفاتاً في رميم الأكفان
قد ضيعوا ما جمعوا من مالِ ... وأصبحوا رهائن الأعمالِ
ليوم بعث الأعظم البوالي ... والعرض في الموقف للسؤال
ومن جملتها:
آمنت بالله وبالشريعة ... مقتدياً بعلماء الشيعة
الفرقة السامعة المطيعة ... أرجو بذاك الدرج الرفيعة
__________
(1) في (ب): قدرك.
(2) في (ب): ويقله.
(3) سقطت من (أ).

بالطيبين من بني الفواطمِ ... بني النبي الأبطحي الهاشمي
كمثل يحيى والإمام القاسمِ ... والمرتضى البر التقي العالمِ(1)
ما ضل دين أبرموا أحكامه ... عن ربهم وأحكموا إبرامه
وهي طويلة جداً، ومما كتبه السيد الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير صاحب العواصم من شعره
ابدأْ من العلم بالتوحيد مجتهداً ... في علمه تعرف الأقوال والمللا
حتى إذا اطَّرد التوحيد منبسطاً ... في القلب منك وأجني غرسه وحلا
فاعرف من الفقه حظاً يستضاء به ... وحاذر العجر والتفريط والكسلا
من لم يعاود نضالاً ثم ناضله ... معاود ذات يوم جهرَة بصلا
أبو السعود بن المنصور
ومنهم أبو السعود بن المنصور أبي ثور الأبهري الحنبصي، وكان من كبار أهل التطريف، ومن شعره إلى عليان بن سعد رئيس المطرفيَّة:
بلغ الأريحي عليان عني ... وجميع الإخوان مما يليهِ
إنني(2) مصطفٍ من الدين ما كا ... ن نبي الهدى لنا يصطفيهِ
مذهبي مذهب الأئمة زيد بـ ... ـن عليٍ وقاسمٍ وبنيهِ
لستُ إن كنت ذا اعتراض أرى
الجبـ ... ـر أو الاختراع والتشبيهِ
عذت بالله من مقالٍ بديعٍ ... واعتقاد لديه لا يرضيهِ
أنشد له بهذا الشعر السيد الإمام المعروف حافظ الإسناد محمد بن عبد الله بن الهادي الوزير.
__________
(1) زيادة في (ب): إلى قوله.
(2) في (ب): إنني.

قلت: وآل أبي ثور من حمير، ثم من آل ذي يَهرم ولد أبي نصر الحنبصي محمد بن سعيد النسابة أحد اليمن الذين ذكرهم الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني النسابة في كتبه نحو كتاب الإكليل في أنساب أهل اليمن وأخبارهم، وذكر أنه أعلم من كان بذلك، وعنه كان يأخذ وهو شيخ الهمداني، قال: كنا نرد منه بحراً لا تكدره الدلاء، وهاجر أبو نصر إلى الناصر لدين الله أحمد بن الهادي إلى الحق - عليهما السلام- إلى صعدة أيام بن فضل، وأخرب بن أبي الملاحف القرمطي داره، وكانت دار جده ذي يهر الحميري ببيت(1) حنبص، فاقامت النار في قصره أربعة أشهر تتبع خشيه في رواية القاضي نشوان وستة أشهر في رواية السيد العلامة أحمد بن عبد الله بن الوزير، قال نشوان: وكان أبو نصر ورعاً عفيفاً ديناً ولأبي السعود المذكور /171/ ببيت حنبص مسجد معروف.
قال السيد أحمد بن عبد الله في بعض مجاميعه: وانقطع نسل أبي ثور في عام أربعين وتسعمائة في الفناء الأعظم الذي كان فيه الطاعون، وهلك فيه الخلق أجمعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
__________
(1) بيت حَنبصَ: بفتح فسكون، والعامة ينطقونها بالضم: بلدة مُسَوَّرة في ظاهر جبل عيبان، بالغرب الجنوبي من مدينة صنعاء. (معجم المقحفي، ص 518).

قلت: وقد كان يقال إن أبا السعود بن فتح هذا ليس بمطرِّفي إلا أن الظاهر هذا. يقال: إنها لما قدمت الكتب العراقية التي تتضمن شرح التجريد والتحرير ونحوها من التعاليق، وما ينسب إلى السيدين الإمامين الهارونيين أبي الحسين أحمد وأبي طالب يحيى بن الحسين بن هارون ونحوها من السَّادة - رضي الله عنهم - وتكلم أبو السعود في شيء من مسائل الخلاف التي في هذه الكتب ونصرها فبادر قوم من المطرفية إلى النكرَة عليه وصادف قدوم الشيخ الفقيه محمد بن عيسى من فقهاء الجيل والديلم، فلجأ إليه أبو السعود، وسأله عن شيء من تلك المسائل، فحققها له ولازمه فازداد نفار المطرّفية عنه وساءت ظنونهم، فلزم بيته وهاجرهم، ثم زعم أبو الغمر وشيوخ التطريف أنه سكن بعد هذا في هجرة (الهراثم) من بلاد وادعة وأوَى أيضاً إلى بعض بلاد الأهنوم، ودرس في كتبهم، والله أعلم بصحة ذلك. قلت: وقد عنّ هنا ذكر ابن الحائك مُصنف (الإكليل) وهو من علماء اليمن، وقد تكلم فيه الإمام شرف الدين بما يَدلّ على انحلال في دينه، لكنَّا نذكره بما ذكره المؤرخون معرضين عن سيء حاله وكفى بقدح الإمام له جارحاً، وقد ترجم له ياقوت الحموي والتكريتي والسيوطي في (بغية الوعاة).
قال الحسن بن أحمد بن يعقوب بن يوسف بن داود الهمداني: هو الأوحد في عصره الفاضل على من سبقه المبرز على من لحقه، لم يولد في اليمن مثله علماً وفهماً ولساناً وشعراً ورواية، وفكراً وإحاطة بعلوم العرب من النحو واللغة والغريب والشعر والأيام والأنساب والسير والمناقب والمثالب مع علوم العجم من النجوم والمساحة والهندسة والفلك، ولد بصنعاء ونشأ بها ثم ارتحل، وجاور بمكَّة، وعاد فنزل صعدة، وهجا شعراءها، فنسبوا إليه أنه هجى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فسجن، وله تصانيف منها (الإكليل في الأنساب)، وله ديوان نحو ستة مجلدات. انتهى ما أردت نقله من بغية الوعاة.

قلت: وذكر بعض مؤرخي أصحابنا في تاريخ له أن المذكور اعتقل لسيئات في دينه، قيل بصعدة، وقيل بصنعاء أيام الناصر للحق بن الهادي، وأيام أسعد بن أبي يعفر، واستعان بأبي الحسن علي بن أبي القاسم المنصور من بني منصور اليمن، ومنصور اليمن هو الحسن بن فرج بن حوشب، ذكره القاضي النعمان وغيره، وذكر الحسن بن جعفر الأنصاري أن منصور اليمن هو أبو القاسم الحسن بن علي بن محمد بن الفرح(1) بن المبارك، ولقبه حوشب، وسمَّي منصور اليمن لأنها كانت بينه وبين أسعد بن أبي يعفر وقعات انتصر فيها، وقد خرجنا عن المقصود.
قلت: لهج ابن الحائك بتفضيل قبيلته قحطان على عدنان، وحقر ما عظم الله، وتجاسر على انتقاص ما اصطفاه الله، فمن ذلك جوابه للكميت بقصيدة قالها:
ألا يا دار لولا تنطقينا ... فإنا سائلون ومخبرونا
بما قد عالنا من بعد هندٍ ... وماذا من هواها قد لقينا
ومنها: (2)
لقد جهلوا جهالة غير سوءٍ ... بسفر عاش يجمله سنينا
لقد جعلوا طعام سيوف قومي ... فما بشِوى أولئك تغتدينا(3)
/172/
كما الجرذان للسنور طعم ... وليس بهائب منا مبينا
وأخذ على هذا الأسلوب وحقر ما عظم الله، ومن ذلك قوله:
كأنهم إذا نظروا إلينا ... لذلتهم (قرود خاسِئونا)(4)
وغرهم نباح الكلب منهم ... وظنونا لكلب هائبينا(5)
وإنْ تنبح كلابٌ من نزار ... فإنا للنوابح محجرينا
وله قصيدة تسمَّى قصيدة الجار أنشأها وهو مسجون بصعدة أوّلها:
خلَيليّ إني مخبر فتخبرا ... بذلَّة كهلان وحيرة حميرا
__________
(1) في (أ): الفرج.
(2) في (ب): ومن جملتها.
(3) هذا البيت زيادة في (ب).
(4) في (ب).
(5) في (ب): ومنها.

فحبسه الناصر للحق بيد أسعد بن أبي يعفر، فلما كثر تهييج ابن الحائك لقحطان دخل بعض(1) آل أبي فطيمة فطلب الشفاعة فأعلمهم أنه لم يسجنه وأن أسعد حبسه لجرمٍ اجترمه إليه، فركب الحسن بن محمد بن أبي العباس من أهل (العشة) إلى أسعد، فأفهمه أنه لا يخرجه إلا بأمر الناصر للحق، فعادوا إلى الناصر فأغلظ لهم وخرجوا من عنده، وأظهروا الخلاف وقاد له الحسن بن أبي العباس جمعاً من بني جماعة، وقاتله (بمصنعة) كتفا، فسأل الناصر أخوه خولان أن يصرفوه عنه، ويعلموه أنه قد أخرجه من السجن، ثم توهم الحسن بن أبي العباس أن خروج ابن الحائك ليس بشفاعته، بل بشفاعة ابن زياد صاحب زبيد، فأدبر عن الناصر واستدعى حسان بن عثمان بن أحمد بن يعفر، وكان عدواً للناصر، فكانت حروب من جملتها حرب الباطن، وقد مضى ذكره.
أبو السعود العنسي
قلت: ومن المطرَّفيّة أبو السعود بن محمد بن وضاح العنسي، وكان من أكابرهم، وله شعر من مشهوره القصيدة الطويلة التي أولها:
بأبي وأمي معشر واليتهم ... لله ذي الملكوت والسلطانِ
لله لا لهوى النفوس فإنها ... أمارة بالظلم والعدوانِ
وهي طويلة جداً لا حاجة إلى ذكرها، حاصلها ذكر جماعته والله حسبنا وكفى.
سيبويه بن صالح الثلائي [ - ق 10 هـ]
__________
(1) زيادة في (ب): بعض.

العلامة النحوي الرحلة سيبويه بن صالح الثلائي من بني النفوري، نسبه في آل ذي حوال الحميري، إمام العربية ومحققها، اشتهر في البلاد، وعلا صيته، وذكره البريهي في تاريخه، والذي أحسبه أن شهرته بسيبويه لبلوغه في النحو مبلغاً عظيماً، شابه إمام أهل الأمصار في العربية عمرو بن عثمان بن قُنبر - بضم القاف - المشهور صاحب الكتاب. وظاهر عبارات المترجمين له أنه اسمه علماً لا لقباً، كان إليه النهاية في علم العربيَّة، وشديد المقالة على أهل الجبر والتشبيه، يضاهي جار الله العلامة في ذلك، ودارت بينه وبين أهل هذه المقالة مراجعات أغلظ عليهم فيها ذكر الإمام الناصر للحق ذلك الإغلاظ حرصاً على جذب القلوب، وكان شيخا معمّراً، وله شعر.
قال سيدنا العلامة المعروف أيضاً بسيبويه: والمشتهر بعين(1) الإمام وهو الحسن بن علي بن يحيى بن محمد بن حنش - رضي الله عنه - أنشدني صنوي العلامة عين أعيان وقته عز الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن حنش (حفظه الله تعالى- في شوال سنة سبع وخمسين وتسعمائة، قال: أنشدني والدنا العلامة عماد الدين يحيى بن محمد بن صالح بن حنش - رضي الله عنه - قال: أنشدني الفقيه المعمّر العالم الأديب سيبويه بن صالح الثلائي - رحمه الله - لنفسه، وقد وقف علينا ونحن ندرس إذ ذاك في كتاب (التذكرة) فقال لي في هذا الكتاب /173/ أبيات وهي:
دق عني فهم معنى التذكرة ... ذا ولي في كل معنى تذكرة
ليت شعري عدم الفهم لها ... سقم الفهم وسوء التبصرة
أم من التكرير في ألفاظها ... أم من التعقيد فيما حبره
أم حظوظ قسمت بين الورى ... فلكلٍ بكتاب مخبره
توفي - رحمه الله - في تاريخ……(2) وقبره بثلا المحروس.
حرف الشين المعجمة
شاكر بن عبد الله [ - ق 2 هـ]
__________
(1) كذا، وفي (ب): بغير الإمام.
(2) فراغ في النسختين (أ) و (ب).

شاكر بن عبد الله الفقيه العالم المحقق المجاهد، أحد تلامذة الإمام الأعظم، ذكره الشيخ أبو القاسم البغدادي في رجال الزيدية أهل الجهاد منهم والاجتهاد.
شرف الدين إدريس بن جابر العيزري النوفي [936 - 999هـ]
القاضي العلامة الفقيه المحقق شرف الدين إدريس بن جابر بن علي بن عواض بن مسعود بن علي بن حسن العيزري النوفي، كان إماماً في فروع الفقه والخلاف، مدرساً محققاً يزاحم المذاكرين، دُرِست عليه التذكرة مراراً تنيف على أربعين مرَّة، وكان صدر البلاد متبوعاً مرجوعاً إليه، وكان من(1) أعضاد الإمام الناصر الحسن بن علي بن داود، ودعا الناس سراً وجهراً، وتمَّ به للإسلام نفع كثير، وكان الإمام يكاتبه مكاتبة حسنة، ويسميه بالوالد، ثم إنها جاءت أمور اقتضت الوحشة، وأفضت إلى الخلاف، وذكر عن القاضي في ذلك أمور، والله أعلم بالحقائق، ودخل صنعاء إلى الأروام وخلعوا عليه، وكان له أخ يؤثر فيه رأيه نسب إليه التهييج لذلك، فكان القاضي يدعو عليه والكائن من تلك الأمور ظاهر إلا أن السيد العلامة محمد بن عبد الله المعروف بأبي علامة لمَّا دنت وفاته بصعدة في حدود سنة تسع وأربعين أو ثمانٍ وأربعين، ذكر للسيد العلامة صلاح بن أحمد بن المهدي، ومن حضره حديثاً في ذلك حاصله: أن الأمير عبد الله بن المعافى برأ ساحة القاضي وأن تلك الكائنات مفعولة بيد غيره، والله أعلم.
توفي بمحروس العيازرة من أعمال (جبل سيران)، وقبر(2) عدني المسجد في شهر ربيع الأول من شهور سنة تسع وتسعين وتسعمائة وعمره ثلاث وستون سنة، وجده جابر المذكور، كان فاضلاً عالماً، له خزانة كتب وعمر مساجد الأهنوم، يقال إنها ثلاثمائة مسجد، وقبر بالعيازرة ويقال: إنه يطلع النور من قبره. انتهى
شرف شاة اللياهجاني [ - 502هـ]
__________
(1) في (ب): من أقوى أعضاد.
(2) كذا، وفي (ب): وقبره عدني المسجد.

العلامة الشيخ المحقق شرف شاة اللياهجاني الناصري منسوب إلى (لياهجان)، كان عالماً كبيراً شهيراً في الناصرية، ولما قام الإمام أبو طالب الصغير وهو يحيى بن الحسين بن أحمد بن أبي القاسم الحسين بن المؤيَّد(1) أبي الحسين الهاروني بقرية (حومة)، رائس (حايكحنا) سنة اثنتين وخمس مائة، ودانت له بلاد الجيل إلا ما كان من شريف من بني الثائر من جدود الأمير أبي طالب سليمان بن إسماعيل المتقدم ذكره، قام الشيخ شرف شاة معهم، وحشد لذلك فأحرق الإمام لياهجان وأسر الشيخ، وملأ داخل سراويله حجارة، وأرسبه في البحر، وأغرقه فيه.
شريح بن المؤيَّد [ - ق 5 هـ]
القاضي أبو مضر، مفخر الزيدية وحافظ مذهبهم، ومقرّر قواعدهم، شريح بن المؤيَّد، العالم الذي لا يمارى، ولا يشك في بلوغه الذروة ولا يتمارى، عمدة المذهب في العراق واليمن، وكل الأصحاب من بعده عالة عليه ومقتبسون من فوائده - رضي الله عنه -.
قال الجيلاني في عداده لأصحاب المؤيَّد بالله - عليه السلام-: هو من نافلة جعفر الصادق، له /174/ (شرح الزيادات)، هكذا كلامه، وذكر أيضاً في أصحاب المؤيد بالله رجلاً كنيته أبو مضر واسمه زيد بن الرازي.
قلت: ولعله سهو وهو أبو الفضل زيد بن الرازي، قال الفقيه حسن النحوي - رحمه الله - في تعليقة على اللمع: ومثله ذكر القاضي في (الديباج) والفقيه يوسف في (الزهور) أن أبا مضر هو شريح بن المؤيّد، وأبوه قاضي المؤيد بالله، وكأنه طال به الدهر إلى زمان القاضي زيد، فكان يروي عن القاضي زيد، والله أعلم. وذكروا جميعاً أن له شرح الزيادات.
قال القاضي عبد الله الدواري :اعلم أن الشروح التي توجد لأصحابنا ثمانية: (شرح التحرير) لأبي طالب، و(شرح التجريد) للمؤيّد، (والإفادة) للأستاذ، و(شرح النصوص) لأبي العباس، و(شرح الأحكام) لأبي العباس أيضاً، و(شرح أبي مضر) ومثله (شرح الحقيني) وكلاهما على الزيادات.
__________
(1) كذا في (أ): وفي (ب): المؤيد بالله.

قال سيدنا شمس الإسلام أحمد بن يحيى حابس - رحمه الله -: أراد القاضي أن هذه المشهورة في زمانه - يعني وأما اليوم فهي أكثر -.
قلت: ولما ورد (شرح أبي مضر للزيادات) إلى اليمن اختصره شيخ الشيوخ محمد بن أحمد بن الوليد العبشمي - رحمه الله - في كتاب سماه (الجواهر والدرر المستخرجة من شرح أبي مضر)، وللقاضي أبي مضر مقالات كالمستقل بنفسه(1) فيها لجزمه بتصويب المجتهدين جميعاً في الأصول، فإنه قصره في الشرح وغير هذه، وقد تعقبه الكني - رحمه الله - بكتاب سمَّاه (كشف الغلطات)، ذكر فيه أنه غلط في مواضع، ثُمَّ تعقبهما الفقيه العلامة يحيى بن أحمد بن حنش الكندي بكتاب (أسرار الفكر في الرد على الكني وأبي مضر)، وذكر(2) على أن الكني تحامل على أبي مضر وغلط الكني في مواضع.
قال سيدنا العلامة أحمد بن سعد الدين - رضي الله عنه -: وقد يتوهم بعض الناس أن أبا مضر هذا شيخ الزمخشري - رحمه الله - الذي رثاه بقوله:
وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقط من عينيك سمطين سمطين
فقلت هي الدر التي قد حشا بها ... أبو مضر قلبي(3) تساقط من عيني
وربما تأيد هذا الوهم بالزمان، فإن زمان الرجلين واحد وهذا وهم فهو غيره، والله أعلم.
قلت: ومما ينبغي التنبيه عليه أن في المنتسبين إلى مذهب الزيدية - كثرهم الله - من اسمه شريح غير القاضي أبي مضر - رحمه الله - وكان عالماً إلا أنه مال مع المطرفية.
قال الشيخ أبو الغمر: أخبرت أنه من العباد منزلهُ (بيت سبطان)، وصح ذلك لي وأخبرني يحيى بن يوسف العنسي أنه كان يحل (بخشران) أو ناحية قريبة منه، قال: وله أدب وفصاحة وشعر وفقه وورع وزهد معروف، قال: وكان لا يزال ينشد:
الدين صعب عسر لحوقه ... يهمه النذل ولا يطيقه
__________
(1) سقط من (أ): بنفسه.
(2) كذا في (أ)، وفي (ب): وذكر أنَّ الكني.
(3) في (ب): المسموع، أذني.

قال ما معناه: وكان كثير الاشتغال بما كلف به، معرضاً عما لا يكلفه، قابلاً لآداب الله، وحكي عنه أنه خرج مسافراً في شهر رمضان إلى ناحية من بلاد (عنس) فصحبه غلام من فتيان الزيديَّة المجتهدين في عبادة الله، فلمَّا صارا بحيث يجوز لهما الإفطار مرَّا بماءٍ فأخذ منه شريح شيئاً وعدل عن الطريق إلى حيث يتوارى والغلام معه، ثم وضع سفرة زاده وقال للغلام: كل فكأنه ارتاع وقال: أكل في رمضان من غير تعب ولا مشقة، وأنا أقوى على الصيام، وقال(1): يا بني، إن الله سبحانه لم يتعبَّد بالشيء يزداد به ملكاً وما يخاف لتركه في ملكه نقصاً، وإنما /175/ طلب لنا النفع بذلك لا له، ولم يكلفناه إلا على ما يسهل بنا ويخف علينا لنسلم أنفسنا من سرعة الهلكة، ويتطاول لنا البقاء في الطاعة، كي نصيب بذلك سعة الأجر وعظيم الفضل عنده، وهو يقول: ?يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ? [البقرة:185] في كلام نحو هذا، فأبى الغلام أن يأكل فأكل شريح وشرب في يومه ذلك، وفعل مثل ذلك في اليوم الثاني، والغلام صائم، فلما وصلا بلادهما مرض الغلام الشهر كله وافطره مريضاً ، ومرض بعده زماناً وقضى شريح حوائجه ورجع إلى (سناع)، فلما دخل شوال وانقضت أيام العيد فيه صام(2) ما كان أفطر، فكانت هذه عظة يتزاجرون عن كراهيَّة التوسع فيما وسع الله على عباده. انتهى
قلت: وسيأتي لشريح هذا ذكر في ترجمة الفقيه العلامة عبد الله بن أبي القاسم البشاري.
شعيب بن داسون الجيلي [ - ق 5 هـ]
__________
(1) في (ب): قال: يا بني.
(2) في (ب): عدة ما كان أفطر.

العلامة عالم الفرقة الناجية شيخ الشيوخ شعيب بن داسون الجيلي - رحمه الله - أحد علماء الإسناد وشيخ مشائخ العراق واليمن، روى عنه البيهقي تاج الدين المتأخر شيخ حميد الشهيد من ذلك (إفادة التاريخ) للإمام أبي طالب.
قال حميد: أخبرنا به الفقيه الأجل تاج الدين أحمد بن الحسن البيهقي (بحوث)، قدمها سنة عشر وستمائة عن عالم الزيديَّة وزاهدهم في قومه شعيب بن داسُون الجيلي بإسناده إلى أبي طالب.
شنيروز الجيلاني [ - ق 5 هـ]
القاضي العلامة أحد علماء العراق شنيروز(1) الجيلاني(2) - رحمه الله - ذكره الملا يوسف حاجي الجيلاني في أصحاب المؤيّد بالله - رحمه الله - ولم يبين شيئاً من أحواله، والله أعلم.
شكر بن أبي الفتوح الحسن [ - 503 هـ] ت
__________
(1) في (ب): شفيروز.
(2) سقط من (ب).

الأمير الخطير حامي الحرمين سلطان الحجاز العلاَّمة تاج المعالي أبو عبد الله شكر بن أبي الفتوح الحسن بن جعفر بن محمد بن الحسين بن محمد الأكبر بن موسى الثاني الحسني - رضي الله عنه - كان من أوعية العلم ومن صدور الملك وغايات العترة موئلاً للعصابة الزيدية فكانوا يأتون إليه من كل فج عميقٍ، وكان يكرمهم، وكان شيخ الزيدية أبو الهيثم يوسف بن أبي العشيرة الوادعي إذا قدم إلى مكة حاجاً يخرج شكر المذكور للقائه بالطبول والأرياح تعظيماً للزيدية، وهو آخر من ملك مكة من الجعافر من بني موسى الثاني بن عبد الله بن موسى الجون، وبعده انتقلت إلى حمزة بن وهاس السليماني، وكان شديد الإنكار على المطرفية، وحج مطرف بن شهاب في أيامه، وكانت مدة الحرب بين بني موسى وبين بني سليمان سبع سنين حتى خلصت مكة للأمير محمد بن جعفر بن محمد بن عبدالله بن أبي هاشم، وكان أول من ملك مكة من بني الحسن جد شكر المذكور جعفر بن محمد، وكان حاكم مكة قبل ……(1) أنكحور التركي من قبل العزيز بالله……(2) فقتله الأمير أبو محمد جعفر وقتل منهم خلقاً كثيراً واستقرت له تلك النواحي، وبقت في يده نيفاً وعشرين سنة.
__________
(1) فراغ في النسختين (أ) و (ب).
(2) فراغ في النسختين في (أ) و (ب).

قلت: وكان شكر - رحمه الله - أميراً جليلاً جواداً، ومن أخباره أنه سمع بفرس عند بعض العرب موصوفة بالعتق والجودة لم يسمع بمثلها قد أقسم صاحبها ألاَّ يبعها إلا بعشرين فرساً جواداً وعشرين غلاماً وعشرين جارية وألفي دينار ذهباً ومائة ألف درهم، وكذا وكذا ثوباً إلى غير ذلك، فأرسل الأمير تاج المعالي شكر بعض غلمانه بثمن الفرس الذي طلبه صاحبها ليشتريها منه فوافق وصول غلام الأمير تاج المعالي شكر إلى منزل(1) الرجل وقد ضعن أهله وجماعته وبقي هو وحده لغرض كان له /176/ فوافى عشاءً فأضافه تلك الليلة، وقام بما ينبغي لنزولهم، فلما أصبحوا حكى لهم الغلام غرضه الذي جاء لأجله، وعرض عليه المال، وطلب الفرس، فقال له ذلك البدوي: إنك لم تذكر لي لمّا جئت له ساعة وصولك لأترك لك الفرس فإنكم نزلتم عليَّ وليس عندي شيء(2) فذبحتها لكم ثم أحضر جلد الفرس ورأسها وقوائمها وذنبها وما بقي من لحمها، فلما رأى غلام الأمير تاج المعالي ذلك قال: إني ما جئت وأرسلني الأمير إلا لذلك(3) لأجل الفرس، وقد وصلت إليَّ فدونك الثمن ودفع إليه ما كان حمله لشراء الفرس، ثم رجع إلى مكة، فلما سمع الأمير تاج المعالي بوصوله خرج فرحاً بالفرس، فلما رآه سأله فأخبره بما صنع الرجل فقال له: وما صنعت بالمال الذي أرسلته معك، فأخبر أنه دفعه إلى صاحب الفرس، فأقسم الأمير تاج المعالي أنه لو جاء بشيء منه لأرجعه(4).
انتهى وله شعر من ذلك:
قوض خيامك من أرضٍ أهنت بها..
الأبيات إلى آخرها. وكان يسمى محمداً أيضاً، وما كتبه السيد الأمير شكر إلى علي بن محمد الصليحي قصيدته الفاخرة التي أولها:
لتفليق الجماجم والرؤوس ... وإقحامي خميساً(5) في خميسِ
__________
(1) في (ب): إلى منزل ذلك الرجل.
(2) في (ب): وليس عندي غيرها.
(3) سقط من (ب): لذلك.
(4) في (ب): لأوجعه.
(5) خميساً: جيشاً.

وهي طويلة وأجابها علي بن محمد بجواب من جنس هذا، توفي سنة ثلاث وخمسمائة سنة وقد ذكر في تاريخ وفاته غير هذا مع تفاوت كثير، وذلك إني وجدت بخطي أن وفاته سنة أربع وستين وأربع مائة.
قلت: لعل هذا تاريخ مولده، وما ذكرناه تاريخ وفاته.
شمس الدين بن أمير المؤمنين [ - 910هـ]
السيد العلامة الفاضل شمس الدين بن أمير المؤمنين المهدي لدين الله أحمد بن يحيى بن المرتضى، هو ابو الإمام شرف الدين وابن الإمام المهدي، فهو مقتعد لبحبوحة الشرف.
قال ابن فند: هو من عباد الله الصالحين الأخيار المفلحين، قال: وله أولاد فضلاء سكنوا بحجَّة.
وقال السيد شمس الدين أحمد بن عبد الله بن الوزير ناقلاً عن السيد العلامة الهادي بن إبراهيم بن محمد - رحمهم الله - شمس الدين بن أمير المؤمنين أحمد بن يحيى: كان أديباً شاعراً كاملاً.
قال السيد شمس الدين: قلت: كان على منهاج سلفه الأبرار وآبائه الأطهار، تربّى في حجر والده - عليه السلام- عشر سنين، ومات والده - عليه السلام- وقد ختم القرآن الكريم، ونقل مفتاح الفرائض غيباً وشرع في غيره، ويحكى عن أبيه - صلوات الله عليه - أنه قال: إذا عشت لهذا الولد سبع سنين بلغ رتبة الاجتهاد، ثم إنه بعد موت والده نقل كتاب (الأزهار) و(التاج) من مصنفات والده و(تلخيص مفتاح السكاكي) للقزويني، وكتاب (الكافية) و(التصريفية) و(الرسالة الشمسيّة) و(مقدمة البحر)، وكانت هذه الكتب في حفظه حتى مات لم يقطع درسها إلا (كافية بن الحاجب) و(الرسالة الشمسيّة) و(مقدمة البحر)، وله الفصاحة والخطابة، كان يخترع الخطب العجيبة على المنبر على حسب الحال الداعية، وله شعر، من ذلك جوابه على الأمير المفضَّل عبد الله بن أمير المؤمنين بن المطهر وأوَّل قصيدة المفضَّل:
سرى البرق من هران وهناً فزادني ... جوًى واشتياقاً ذلك البرق إذ سرى(1)
سرى برق هرانٍ فأرعد أكبداً ... وساق سحابات العيون فأمطرا
ومنها:
__________
(1) في (ب): شرى.

وكم تحت ذاك البرق من عيطلية(1) ... يحق لها الإسناد أن يتحقرا
ومنها:
ويوماً تظل الخيل فيه عوابساً ... تناهب أعماراً وتقصر أعمرا
من الناكثين المارقين فكم ترى ... به من قتيل بالعجاج تعفرا
/177/ فأجاب شمس الدين - رضي الله عنه -:
بنفسي من أهدى كتاباً محبرا ... يرى جسد البين الذي بيننا انبرا
ونقح عقياناً به ولآلئاً ... ودر قصيدٍ فاق حسناً ومنظرا
فلله من طرس تضوع نشره ... سحيقاً وريَّاه عبيراً وعنبرا
ومنها:
ألمَّ فوافانا على حين غفلةٍ ... فألبسنا نوراً من الشمس أنورا
فيا راكب العيس التي لا يؤودها ... يعودها سير المهامه والسرا
تحمّل هداك الله مني ألوكة ... جواب نظام جاءنا متحيرا
حبانا به الملك المفضل بعد أن ... تبحر في علم البديع تبحُّرا
ومنها:
لقد حاز فخر الدين أنصبَة العلا ... فلا غرو أن يعلو علينا ويفخرا
وما كان من أحداث أعدائه فلم ... ينالوا بها إلا صَغَاراً مُصغَّرا
وذلاً وقلاً واحتقاراً مؤبدًا ... وناراً وعاراً قادماً ومؤخرا
ومنها:
فلا تكترث من سوء أفعالهم فما ... أفادوا بها إلا وبالاً مدمرا
ولا بد من يوم أغرّ محجّل ... كأيام أحد أو كأيام خيبرا
به ننقم الثارات منهم وننثني ... عليهم فنجزيهم جزاءً موفرا
بسمرٍ وبيض يفلق الهام وقعها ... يرون بها منا نكيراً ومنكرا
وهي طويلة حسنة، وشيخه في علم العربيَّة الإمام المطهر بن محمد - عليهما السلام- توفي سنة إحدى وتسعمائة، وقبره بقبَّة والده بظفير حجَّة.
شمس الحور بنت الهادي بن إبراهيم [806 - 894هـ]
السيدة الطاهرة المطهرة شمس الحور بنت الهادي بن إبراهيم بن علي المرتضى - رحمه الله - أعاد الله من بركاتها - هي فريدة وقتها، ونسيجة وحدها.
__________
(1) عيطلية: العطيل من الإبل: الطويلة العنق في حُسْن جسم، أو كل ما طال عنقه. (القاموس المحيط، ص 951).

قال السيد شمس الدين أحمد بن عبد الله: كانت - رحمة الله عليها - أكمل من الرجال الكملة. مولدها بصعدة، لها نشوء صالح، واستمرت عليه حتى الممات، ولها مطالعة في الكتب ومحاجاة حسنة ومحاسن من أبيها وعمها، وممن خالطها من العلماء من الأخوال والأعمام والإخوان، وحفظ للأخبار والأنساب والأشعار، وتحسن المكاتبات، بما لا يتمكن منه أهل المعارف، على حسب مقتضيات الأحوال والمقامات، ولها نفس كريمة شريفة بسببها أنفقت أموالاً جزيلة في ذلك، وتوسعت وبلغت الأيتام والضعفاء والوفاد، ولم يكن يمنع من منزلها قاصد من أي جهة، فنفع الله بها من شاء أن ينتفع من خلقه وهي تنفق سراً وجهراً، وتبيع سلعة وتبيع أخرى، حتى جاءها الممات وهي مستورة لم يبد لها حال، وعلى الجملة لو رزق الله عباده رجلاً مثلها لم يشك في صلاحه للإمامة، وكان لها - رضي الله عنها - مكارم أخلاق، وطرائق محمودة لا تطاق، وإقبال على التلاوة وتنقل الختمة الشريفة وقيام في الليل تداوم عليه وصيام وطاعات كاملة - تقبل الله منها ذلك، وأثابها - وتزوجت بعد الفناء الأعظم لا رغبة في الزواجة ولكن لعظم الوحشة وكثرة الوحدة والدَّهشة ابن عمها السيد أحمد بن صلاح بن إبراهيم ولم يكن في محل ذلك، ولو أنه عظيم لكن محلها وقدرها وعظم شأنها لا يقتضي ذلك، وقد كان خطبها عدَّة من الأعيان مثل حي الإمام المطهر /178/ بن محمد وكتب بكتاب تمثل فيه بقوله:
تخيرت من نعمان عود أراكة ... لهندٍ فمن هذا يبلغه هندا
ومثل السيد أحمد بن عبد الله بن أبي القاسم وغيرهم.

وكانت لها حافظة جيدة لأخبار أهلها وآثارهم وأحوالهم ولغيرهم من سائر الأشراف والعرب، ولهذا السبب بلغت من الفصاحة(1) والرجاحة المبلغ الذي لم يبلغه غيرها، ولها أشعار من مكاتبات ووسائل نبويَّة، وقصائد وأبيات أدبيَّة، واستعمال ألفاظ لغويَّة، واعتماد إعرابيات نحويَّة، ولا أعدد أوصافها وإنما اعد منها، ولو لم يكن من فضائل أعمالها إلا كفالة الأيتام، وبذل الإنعام، من الخاص والعام، كان ذلك كافياً في فضلها، وشرفها ونبلها، وارتفاع قدرها ومحلها، وماتت بصنعاء وقبرت بين الأهل - رحمهم الله تعالى - وقبرها مشهور مزور، وكانت وفاتها بكرة الاثنين خامس عشر شهر رجب الأصب، أحد شهور سنة أربع وتسعين وثمانمائة وعمرها ثماني وثمانون سنة - رحمها الله، ورضي عنها -.
أخبرني المقرئ علي بن حسن بن محمد بن إبراهيم الشاوري - رحمه الله تعالى - أن بعض الشرايف من أهلنا رثت سيدي(2) عز الدين محمد بن إبراهيم بأبيات منها:
رحم الله أعظماً دفنوها ... بالرَّويَّات عن يمين المصلَّى
والذي يغلب على ظني أن هذه الأبيات للوالدة شمس الحور بنت الهادي رحمها الله، ولها من أبيات [إلى ابن أخيها سيدي عز الدين محمد بن عبدالله](3):
محمد أفديك من وراثٍ ... لآبائك السادة المجدَّ
ورثت البلاغة يا سيدي ... مع العلم(4) والحلم والسؤددِ
فلله درك من مقتفٍ ... لآثارهم وبهم مقتدي
ولكنني يا حبيب الفؤاد ... خشيت عليك أعين الحسّد
لأني وقفت على أسطرٍ ... أتت منك تروى الفؤاد الصدي
فرائد درٍ أتى بعضها ... جواباً وفي بعضها مبتَدى
الشمسية بنت إبراهيم بن الحسن [ - ]
الشريفة العالمة العابدة الصالحة الشمسيَّة بنت إبراهيم بن الإمام الحسن بن بدر الدين.
__________
(1) في (ب): من الفصاحة والصلاحية.
(2) زيادة في (ب).
(3) سقط من (أ).
(4) في (ب): مع الحلم والعلم.

قال السيد العلامة صلاح بن الجلال - رحمه الله -: كانت هذه الشمسيَّة عظيمة ذات فضل وبصيرة، مشهورة معروفة بالبركة.
قلت: وهي زوجة للأمير الجليل المؤيَّد بن أحمد أولدها محمداً الأصغر.
شهردبير بن الشيخ أبي باسكوري
العلامة شهردبير بن الشيخ أبي باسكوري، كبير أستاذ الشيخ شهراشويه، وتلميذ صاحب التعليق الكبير على الإبانة يعقوب بن الشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب صاحب الإبانة، قالوا: ومعنى دنير بالفارسية شيخ.
شهردبير بن علي [ - ]
العلامة المحقق شهردنير بن علي العلامة المحقق، ذكره السيد أحمد بن مير الحسني، قال: وهو شهردبير بن علي بن شهردنير بن أبي الشيخ أبي ثابت كوريكير الديلمي - رحمهما الله - قال: وهو عم العلامة مهدي بن أبي طالب وشهردبير بن علي المذكور من تلامذة شهراشويه. انتهى
شهردوير بن علي بن ثابت [ - ]
العلامة الفاضل مرجع العلماء أبي ثابت شهردوير بن علي بن ثابت - رحمه الله - علامة صاحب روايات ودرايات، وصاحب آيات، وسباق غايات، وهو أستاذ بهاء الدين يوسف المدفون في (سير الجيب) له [المختصر في الفقه] وهو جد شهراشويه أبو أبيه.
شهردوير بن بهاء الدين [ - ]
العلامة المحقق مفخر /179/ العراق شهردوير بن بهاء الدين يوسف بن الحسن بن أبي القاسم الديلمي المرفاني، إمام فاضل وأستاذ كامل، له (لوائح الأخبار في بحث الروح والنور وعذاب القبر). وهو من بيت فضلٍ شهير، وأهل مقامات يسير إليها الفضل بل يطير، والده بهاء الدين يوسف علامة تشد إليه الرحال وهو المدفون في (شكيل)، له (تفسير القرآن) و(سمط الدرر) شرح التحرير و(عمدة الوافي)، وسير الأئمة، ولعلنا نذكره في محله - إن شاء الله تعالى- ولشهردوير ولدان أبو الفضل صاحب (دلائل التوحيد في الكلام وتفسير القرآن) وإسماعيل، ولعلنا - إن شاء الله - نفرد لكلٍ ترجمة.
شهراشويه أبو الفضل [ - ]

العلامة الكامل البحر الذي ليس له ساحل، والجم الذي ليس له محافل، شهراشويه أبو الفضل علامة شهير، وإمام خطير، له مسائل في الخلاف مشهورة، ومقالات في كتب المذهب مسطورة، وهو من نافلة الشيخ أبي ثابت، له حاشية الإبانة، توفي (بمالفحان)، ودفن بها - رحمه الله تعالى-.
شهراشو
العلامة الكبير شهراشو، هكذا ذكره الأصحاب العراقيون، وفهمت أنه غير شهراشويه، ولم يذكره العلامة يوسف الحاجي الجيلي، وله خلاف ذكره بعض العراقيين فيما إذا انقطع مصرف الوقف رجح شهراشو المذكور أنه لا يعود ملكاً، وتابعه، وتقدمه أجلاء من علمائنا هنالك كالشيخ أبي الرضا والفقيه أبي منصور، وجمال الدين والأستاذ أبي يوسف، والشيخ أبي ثابت، والشيخ الحافظ، وشهردوير بن علي والصيرفي، ونور الدين مهدي بن طالب، وعلي بن أموج، والفخي صاحب التلعيق، والفقيه أبو علي، والعلامة كوركة، وأحمد الكوكبي، والشيخ نعمة. انتهى
قالوا: ومعنى شهراشرو بالفارسي فتنة البلد يعني أنه يفتتن به لعلمه أو جماله أو خصاله الحميدة.
الشهاب بن عبد الله البارقي [ - ق 2هـ]
الشهاب بن عبد الله البارقي، من أصحاب الإمام الأعظم زيد بن علي - عليه السلام- ذكره البغدادي.
شهرمرن [ - ]
العلامة الفاضل شهرمرن ترجم له من اعتنى باسم جماعات من علماء العراق، قال: وله حاشية على الإبانة [وقيل: إنه أخ لشهراشويه](1).
شيبة بن محمد [ - ]
العلامة(2) المتقن المحقق المتقن الحافظ المدقق المتفنن، شيبة بن محمد - رحمه الله - من علماء العراق، ذكره الملا يوسف وقال: له (مختصر الكافي) - رضي الله عنه -.
حرف الصاد المهملة
من اسمه صالح
صالح بن أحمد المحبشي [ - ق11هـ]
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) في (ب): العلامة المحقق المتقن الحافظ.

القاضي العلامة المحقق الزاهد الورع صالح بن أحمد المحبشي، كان عالماً عاملاً محققاً محلقاً، تولى القضاء بجهة(1) الشرف، وحمدت سيرته، وكان في الحقيقة كالأستاذ للسيد العلامة صلاح بن عبد الخالق؛ لأنه كان يقرأ في العضد على عبد الله بن المهلا في (الشجعة)، وينزل إلى بلدة (الجرد)، ثم يلقاه السيد صلاح ويقرأ عليه تلك القراءة، ويوردان المشكلات، ويكتب له بين يدي الشيخ المذكور فيجيب، وله أخ فاضل شديد الورع شحيحه، يسمَّى القاضي صلاح بن أحمد، بلغ في الورع مبلغاً عظيماً، وكان فقيهاً في الفروع - رضي الله عنه -.
صالح بن أسعد بن نوف [ - 717هـ]
صالح بن أسعد بن نوف من فقهاء الزيدية وعلمائهم، توفي - رحمه الله - يوم الاثنين الخامس شهر رجب سنة سبع عشرة وسبعمائة، وله أخ عالم فاضل اسمه علي بن أسعد، توفي أيضاً بعد صلاة العشاء ليلة الثلاثاء لأربع بقين من جمادى الأخرى سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، ذكر ذلك طاهر بن علي بن أسعد المذكور.
صالح بن ذيبان [ - ق 2 هـ]
العلامة الفاضل صالح بن ذيبان، ذكره العلامة أبو القاسم البغدادي في جماعة زيد /180/ وتلامذته - رضي الله عنهم -.
صالح بن سليمان الحويت [ - ق 7 هـ]
__________
(1) في (أ): بجمعة الشرف.

العالم الكامل السابق إلى الفضائل، المقدَّم على الأواخر والأوائل، صالح بن سليمان الحويت - رحمه الله - كان إماماً في العلوم الإسلامية، مرجوعاً إليه في اللغة، محققاً، قرأ عليه الإمام الشهيد أحمد بن الحسين - سلام الله عليهما - كتاب (أدب الكاتب) لابن قتيبة، وكتاباً صنفه العلامة المذكور - رحمه الله - سماه (الزبد الضربية)، وكان من أهل الرغبة في الجهاد، والنكاية لأهل الفساد، كما جرت عليه عادة(1) علماء الزيدية من قود المقانب، وتكتيب الكتائب، ومن شدَّة رغبته في ذلك أنه كان رأساً لمقري، مقدماً ملحوظاً إليه بعين التفضيل، ولمَّا قام العبد الصالح مرغم بن منيف ودعا إلى طاعة الله تعالى وطاعة أهل البيت - عليهم السلام- وهو مع ذلك قليل العلم لا يوزن بميزان الفقيه صالح، لكنه بحسن طويته كان مقبولاً عند العامة فلم ير الفقيه صالح خلافه وشقاقه بل جنح إلى المقصد الأهم وهو نكاية الأعداء فزاد بذلك جاه مرغم المذكور واجتمع إليه الشرفاء والشيعة، وأقبل إليه أهل البلاد.
__________
(1) في (ب): عادات.

قال الفقيه صالح بن سليمان في صفة مرغم وشأنه: أنه كان رجلاً صوفياً فارق قومه وهم رؤساء ظلمة فسقة، فأنكر عليهم وهو لا يقرأ ولا يكتب، وكان يسمع قائلاً يقول له ولا يراه يتقدم إلى جهة يحصب، ويظهر الحق فيها، وبلده قريب من نعمان وصاب فتقدم إلى بلاد يحصب، ودعا من أجابه إلى حرب الباطنية، وأكره اليهود على الإسلام أو القتل(1)، وكنا نؤويه وينفر الناس عنه حتى ظهر أمره واضطربت البلاد وادعت القوم مالم يدعه من المعجزات وكذبوها له، وحدثت أشياء من الله تعالى من الكرامات عوينت وشوهدت منها أنه جمع له حزماً من قصب الذرة وأحرقت، ثم خلع ثيابه وتزمَّل بثوب واحدٍ وتمرَّغ فيها وتقلب فيها فما حرق هو ولا ثوبه، وكل علَّة تحدث غير قويَّة إذا مسح على صاحبها عوفي فاشتهر ذلك منه في اليمن كله، فتقدمت إليه وكتبت إليه يلقاني إلى (شحم)(2) فالتقينا في قريَة شحم فطلب مني أبايُعه فذكرت له أهل البيت - عليهم السلام- وما يجب على الخلق من حقهم وراجعته في مسائل الخلاف بيننا وبين المجبرة فتبرى من اعتقادهم واعترف بفضل أهل البيت، فطلبت منه البيعة للإمام الناصر محمد بن المنصور(3) فبايعني له على أنه ناصر ومعين وخادم ثم بايعته بعد ذلك على الغُزّ وهم حطوط في الحقل وصاحب المحطة عمر بن رسول في ثلاثمائة وستين فارساً منتقاة مختارة، وسمعتُ من يحكي عنه أنه طلع من اليمن الأسفل بهذه الخيل وثلاثة(4) عشر ألف راجل، فكسرهم الله وثبت الأمر بيني وبين
__________
(1) في (ب): ثُمَّ يعرض الزيدية.
(2) لعلها: شَحَمَّر بتشديد الميم: قرية في عرض جبل بني مُسَلَّم، غرب مدينة يريم بمسافة 20 كيلو متراً. سكنها في أول القرية السابع الهجري مرغم الصوفي الحميري. كان من كبار الصوفية في عصره، وكان يلقب بالعبد الصالح، ناهياً عن الظلم العسف والجبروت، إلى أن قُتل بعد سنة 622هـ. (معجم المقحفي ص، ص 775).
(3) في (ب): المنصور بالله.
(4) في (ب): وبثلاثة عشر ألف.

مرغم، وكتبت إلى قبائل العرب كلها أطلب منهم الإعانة وأشراف البلاد وشيعتهم فلم يجبني أحد من الأشراف، وأجابتني العرب، وكانت محطتنا في قرية شحم والغز في شق الجبل مما يلي شحم، وكنا نلتقي للحرب ولسواها وهم يطمعون بالمصالحة ولم نفعل، وألقى مرغم أمره كله بيدي ولم يكن له خبره بالناس ولا مخالطتهم، وساعدتني يحصب وغيرها من العرب، وما شعرنا إلا والشيخ راشد بن مظفر الهرش السنحاني قد أقبل مغيراً من صنعاء ناصراً للغز، وكان مستهيناً بالناس، ووصل بخمرٍ أهداها، وكان وصوله نهار السبت وسقاهم(1) يوم الأحد وحملهم على الطلوع لحربنا نهار الاثنين، وقد رفعنا محطتنا من قرية شحم التي في الوادي إلى رأس الجبل، فلما طلعوا /181/ بخيلهم ورجلهم قصدوا حصن البياض، فلم يحسنوا منه حيلة، وقد أمرنا العسكر بحربهم في جناب الوادي، فألقى الله في قلوبهم الرعب فانهزموا، ومنح الله أصحابنا أكتافهم وظهورهم فقتلوا من الغز أربعين فارساً من جيادهم وأمرائهم وشجعانهم، والشيخ راشد رمي ورجم حتى سقط هو وفرسه وقتل معه عربي وحبشي، وأخذ أصحابنا جمالهم وأثقالهم وقتل من قتل، ولو تبعوهم لأخذوا محطتهم إلا أنهم اشتغلوا بالغنيمة، وكان يوم الثلاثاء، ورجعنا إلى محطتنا الأولى، ونزلت إلى الحقل، ووقف مرغم في المحطة فتسايرنا في قاع الحقل ما بيننا وبينهم إلا مشوار فرس، ما علمت أن فارساً أقبل منهم نحونا، وكان الشيخ راشد قد لزم قوماً من بني سيف من يحصب فلح على مشائخ يحصب على أني أعود إلى المحطة بالعسكر ويتقدمون يخرجون أصحابهم بخطاب فساعدتهم وحط الغز في (الصنميّة)، وأقبلت قبائل مدحج إلينا فتقدمنا إلى دار الضيف وحاربنا حصن يريم، وفيه رتبة للغز، ولمَّا قتل الشيخ راشد والغزّ أقبلت الأشراف والشيعة وقبائل العرب من كل جهة وحططنا في دار الضيف ونقل السلطان محطته إلى تحت باب حصن ذروان، فقصدناهم نهار الاثنين ثامن قتل راشد،
__________
(1) في (ب): فسقاهم نهار الأحد.

فأخذنا محطتهم وسمعت من يقول: إن فيها مائتي خيمة وثلاثين خيمة، وما بقي لهم جمل ولا دابة أكثر من قريب مائة رأس خيل وبغال، فسقط في يد السلطان، ثم عدت المحطة وصدرت في الحال لذمار، فأخذتها وأقمت فيها وفي حصن هران وشحنت فيها الطعام ، ووقف مرغم في المحطة على ذروان في منكث، ووصل إليه مشائخ مدحج ومعه فقهاء وقضاة، وظنوا عند مرغم شيئاً من العلم، فوجدوه أميّاً فنفروا عنه، ونفروه فصدر هارباً إلى بلاده وصالحوا السلطان وأنا مقيم في ذمار وديارها حتَّى أغار حسن بن رسول من صنعاء بمائتي فارس، وكنت في قرية صنعاء ونحوها، فلما استقر أمر الغز على صنعاء كاتبني الفضل بن غانم أني آخذ مغارب ذمار وأترك الأشراف من النصرة فلم أجبه على شيء منها.
ثم وصلت كتب الفقيه صالح بن سليمان يستنهض الأمير الناصر لدين الله محمد بن المنصور، ويستزعجه فكتب إليه الناصر أبياتاً هي مثبتة في ديوانه منها:
لا تلمني على الوقوف فإني ... غير وانٍ إن قَلَّتِ الأخيارُ
فأجابه الفقيه صالح بن سليمان الحويث الخمري بقصيدة منها:
كيف لومي أبيت يوم ذوي العد ... ل وهذى قدور حرب تفارُ
كيف لومي وقد منحت المواضي ... والعوالي ما تحيمي(1) المختارُ
كيف لومي والأرض ترجف خوفاً ... لمواضيك بدوها والقرارُ
كيف لومي وفي حريت معار ... وجهاد وفي حرارى معار
لك من بيشةٍ إلى باب صنعا ... ومن مأربٍ إلى البحر دارُ
كيف لومي وكل نزلاء خطب ... فلها في يديك قتل معارُ
كيف لومي وأحنف وابن هندٍ ... وإياس لو شاهدوا أعمارُ
كيف لومي ولم يضع مذ سللت الـ ... ـبيض دين ولا أضيع ذمارُ
/182/
كيف لومي وبين جنبيك للعلـ ... ـم وللحلم والذكاء بحارُ
كيف لومي وقد تياسر(2) بالفتـ ... ـح حصون البلاد والأمصارُ
كيف لومي والخيل مثل صقور ... ببلاد العذا لها أوكارُ
كيف لومي وقد وعدت بيومٍ ... فيه نقع كأنه الإعصارُ
__________
(1) في (ب): ما يحتمي به المختار.
(2) في (ب): تباشر.

والمواضي في الهام والمح رارٍ ... والقنا في الكلا لينقم ثارُ
ولتحيي الهدى ويقمع ضد ... وتقضي بمكَّة الأوطارُ
كيف لومي وقد جلا قولك الريـ ... ـب كما أوضح الظلامَ النهارُ
فاصطبار الكريم للضيم إلا ... ريثما يستعد خزي وعار
إن يحاورهمُ فعما قريبٍ ... يغل من حتفه الحوار خوارُ
أو يحاورهم(1) فما ذو لسانٍ ... يابن بنت النبي منه حوارُ
خضعت حولك الملوك فأصبحـ ... ـت لديهم كالموت ما فيه عارُ
فأقم سوق بيع نسوَة قومٍ ... عاهرات فسوقهن البوارُ
وأقم دين جدَّك المطهّر بالسـ ... ـيف جهاراً حتى متى ذا السرارُ
كيف لومي فتىً ملائكة اللـ ... ـه إلى باب حده زُوّارُ
يخدمون النبي والآل منه ... بضعة أنت أنت منها الخيارُ
إن يكن لي لديك ودٌّ وحقٌ ... قرَّ منه فوق النجوم قرارُ
فودادي والله غير معارٍ ... لو تعار النفوس والأعمارُ
ودكم واجبٌ ولا من عقبا ... ه نعيم عقبى الشناءة نارُ
إن نفسي تفدي الأمير وعرضي ... دون عرض كالشهد حين يشارُ
ولطيمان بيت وزيادا ... زين فض الختام عنها البحارُ
إن أبياتك التي ألبستني(2) ... حُلَّة فهي لي شعار دثارُ
أنطقتني كمثل يرمعة(3) الأمعر ... جاورتها الدراري الكبارُ
أو كما قيل قرَّبوا الخيل تحذى ... فثنى رجله إلى القوم فارُ
فتعمد(4) لجهدي الاعتذار ... دمت تقفو مرادك الأقدارُ
__________
(1) في (ب): تحاورهم.
(2) في (ب): لبستني.
(3) في (ب): برمعة.
(4) في (ب): فتغمد.

قال صالح بن سليمان: وأمَّا قصة هذا الشعر والأبيات التي هي جواب لها فإن الأمير الناصر لمَّا عزم على محاربة عسكر الغز، وخالفه على ذلك السلاطين بنو شهاب أهل (بيت ردم)، وأمر إليهم بالمال والرجال وأجلب سلطان اليمن إليهم(1) بعسكره ودارت رحى الحرب بينهم، وقد كتب - عليه السلام- إليَّ أن افتح علَى الغز حرباً يشغل خواطرهم وأنا في بلاد مقرى(2)، وكان الشيخ راشد بن مظفر الهرش السنحاني قد بنى فيها حصنين خيران وكهلال(3)، وكان ولده الرياحي(4) في كهلال(5) ورتبه في خيران فجمعت من /183/ أمكنني من أشراف مقري وشيعتها وقبائلها وحصرنا خيران في جهة (خبان) وأقمنا في حصاره خمسين يوماً، فأخذناه وأخربناه، وكنا قد لزمنا حصن كهال وفيه الرباحي بن راشد في قوم كثير، فحصرناهم حتى كدنا نأخذهم، والشيخ راشد زعيم الغز في محطة بيت ردم، فسعى في الصلح والدخول للأشراف فيما أحبوا وغرضه الغارَة علينا، فما شعرنا ونحن في وطيس الحرب إلا بالخيام مضروبَة والعساكر مغيرة ونحن نراهم والرباحي وأصحابه لا يرونهم، فأمرت من دخل بيننا وبينهم في صلح باقي ذلك اليوم، وهو وقت العصر ثم طلعوا إلى حصنهم كهال وعدنا إلى محطتنا، فصدرنا(6) منها الأول، فالأول ووقف معي أجواد من حضر في آخر الناس، ولم يعلم الرباحي وأصحابه بغارة الغز حتى استقروا في الحصن، وقد تعبوا من الحرب والحصار، فنزلوا لاحقين للناس، وقد صدروا وصدرنا(7) إلى ناحية بلادنا بلاد (الأصابح)، ولم يكن للغز عليها قدرة، فكتبت إلى الأمير عز الدين أعاتبه، فكتبت الأبيات ثم أجبتها، فهذه قضيتها وهي قبل قضيَّة(8)
__________
(1) في (ب): وأجلب سلطان اليمن بعسكره إليهم.
(2) مُقري: زِنَةَ معطي، هو الاسم القديم لما يدعى اليوم (مغرب العنس) من بلاد ذمار. (معجم المقحفي. ص 1616).
(3) في (أ): كهلان.
(4) في (ب): الرباحي.
(5) في (أ): كحلان.
(6) في (ب): وصدرنا.
(7) في (ب): وقد صدر وصدرنا إلى ناحية.
(8) في (ب): قصة.

مرغم بمدَّة، وقصَّة مرغم في سنة ثلاث وعشرين وست مائة.
صالح بن سليمان الآنسي [ - ]
العلامة الفاضل الكبير صالح بن سليمان الآنسي، ذكره في تحفة الأهدل في علماء الزيدية.
صالح بن عبد الله القاسمي [960هـ - 1048هـ]
السيد العلامة الكبير نصير الأئمة وظهيرها، وصدر مجالسهم وكبيرها، العابد(1) المجاهد صالح بن عبد الله المعروف بابن مغل القاسمي - قدس الله سره -.
قال سيدنا العلامة أستاذ الإسلام حافظ المذهب أحمد بن سعد الدين - أعاد الله من بركته -: هو صالح بن عبد الله بن علي بن داود بن القاسم بن إبراهيم بن القاسم بن إبراهيم بن الأمير محمد ذي الشرفين: كان إماماً محققاً وعابداً متألهاً، له عناية بالخير على أنواعه - رضي الله عنه - مولده في رجب سنة ستين وتسعمائة في بلدة حبور من جهة ظليمة في الحصب، منها ببيت يعرف ببيت الحداد، وكانت وفاته - رضي الله عنه - يوم الثلاثاء تاسع رجب الأصب، عام ثمانيةٍ وأربعين [وألف عن ثمانٍ وثمانين](2) بشهارة حرسها الله، وقبره عند قبر جده ذي الشرفين متصلاً قبره من جهة الشرق بقبر ذي الشرفين - عليهم السلام-. انتهى ما وجدته مقيداً بخطي عن أستاذي المذكور(3)، وكنت رأيت بخطه، وسمعت من لفظه ما هو أبسط من هذا في لقب هذا السيد الجليل، وطال ما ذكره شيخنا في مقام التعجب من عبادته وصبره، واستمراره على وظائف(4) الطاعة، قال: كان الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد وجعل مقامه في الديوان في أي جهة، كان الإمام - عليه السلام- إذا نزل ببلدة، وفرش الديوان الذي هو للحفل فرش للسيد في جانب منه، وقد أمر الإمام السقاء الذي يحمل الماء أنه يبادر عقيب النزول يحمل الماء إلى قرب المحل، فإذا نزلوا آوى السيد إلى قطعة فراشه(5) في الديوان، وفتح كتابه للرقم والدرس
__________
(1) في (ب) زيادة: المتأله.
(2) سقط من (أ).
(3) في (ب) زيادة: عادت بركتُه.
(4) في (ب): وصائف الطاعة.
(5) في (ب): في جانب الديوان.

والتلاوة(1)، فإذا برز الإمام في ليل أو نهار كان السيد - عادت بركاته - هو المتولي للكتابة في غالب الحال لجليلها ودقيقها.
قال سيدنا - رضي الله عنه -: ,إن نسيت شيئاً لا أنس قيامه في السحر وأنا مضطجع وهو قائم يصلي بصوتٍ خفيٍّ كأنما يلقي على صدري ماء(2) مخلوطاً بالثلج، وحكى له كرامة قد قيدها سيدنا بخطه ولم أجدها فيما قيدت عنه، وهو أنه كان القاضي في صناعة الكتابة ما يخرق العقول في السرعة مع جودة وحسن وألفاظ دريّة ووفاء بالمقاصد كما علم ذلك كل أحد، فكان يكتب في الوقت الواحد /184/ مالا يظنه ذو همَّةٍ فأصيب في يمينه بألمٍ قطع الناظرون أن ذلك من العين التي نطقت السنَّة أنها حق، ولم يزل ألمها ينتابه ويقعده ويصحب ذلك ألم شديد(3) فقبضها السيد - عادت بركته - وقرأ عليها أم الكتاب، فكأنما سل الألم منها سلاً - ولم يعاود القاضي حتى مات.
قلت: وحظي - رضي الله عنه - بصحبة الإمام الناصر الحسن بن علي وصحبة الإمام(4) المنصور بالله وصحبة الإمام(5) المؤيَّد بالله، وفي جميع أيامه هو واحد الكفاة، وبآخرة من أيامه انقطع بمنزله، ودخلت إليه متبركاً به في شوال سنة إحدى وأربعين وألف، ودعا لي وبرَّك. وقد كانت تنوبه غفلة مع كبر السن، فكان إذا عرض عليه الشعر المستجاد والكلم الفائق اهتزَّ له فقد يعرض عليه شيء من شعره يستجيده ويستحسنه ولا يعرف أنه له.
قلت: وأخبرني شيخي القاضي الأديب الحفظة صاحب المكارم حفظ الله أحمد(6) بن سهيل قاضي الهجر أنه رآه في المنام بعد موته - رحمه الله - وكأنه قد حاول كتابة كتاب عن أمر الإمام فأدرك من بعض الحاضرين أنهم تغامزوا بأنه قد كبر وهرم ولم يثبت الكتابة ويجدها فقال في الحال:
__________
(1) في (ب): للرقم أو الدرس أو التلاوة.
(2) في (أ): يلقى على صدري ماء مخلط بالثلج.
(3) في (ب): وجع شديد.
(4) سقط من (أ): المنصور بالله.
(5) سقط من (أ): المؤيد.
(6) في (ب): حفظ الله بن أحمد سهيل.

يعيبون يا رب أني هرمتُ ... وما عيبهم لي ولكن لك
لأنك يا رب أهرمتني ... وأيام عمري نقضين(1) لك
ولم يكن القاضي - أبقاه الله - يحفظ هذا الشعر، وكان - رحمه الله - فيما بلغني كثير التمثل بقوله:
لما عدمت وسيلة ألقى بها ... ربي تقي نفسي أليم عذابها
صيّرت رحمته إليه وسيلة ... وكفى بها وكفى بها وكفى بها
وهو شعر مسموع، وبلغني أن السيد رآه في النوم أيضاً وهو من قبل هذا معروف للناس لا لهُ - رحمه الله تعالى - وله شعر عظيم المقدار بليغ العبارة والأسلوب جزل الصناعة عليه مسحة من شعر أبي فراس وأضرابه، ولم يحضرني عند الرقم إلا قصيدته التي تناقلها الناس وعرفها العام والخاص يتجرَّم للإسلام وينوح على الكَرم والكرام(2):
ضاع الوفاء وضاعت بعده الهممُ ... والدين ضاع وضاع المجد والكرمُ
والجور في الناس لا تخفى معالمهُ ... والعدل من دونه الأستار والظلمُ
وكل من تابع الشيطان محترمٌ ... وكل من عبد الرحمن مهتضمُ
وليس تلقى بهذا الدار مؤتمناً ... في نصحه لك إلا وهو متَّهَمُ
آذانهم لسماع الفحش واعيةُ ... وعن سماع الذي يُنجي بها صممُ
يشاهدون ضلالاتٍ بأعينهمْ ... وإن تجلى لهم وجه الصواب عموا
الغدرُ والمكرُ والأضغانُ طبعهمُ ... والزورُ والبغيُ والبهتانُ نطقهمُ
والزَّمرُ والطارُ والدانات ديدنهمْ ... كذلك الرقص والتصفيق والنغمُ
أحكامهم في أمور الدين منبعها ... آراؤهم وكتاب الله بينهمُ
كأن آل رسول الله عندهمُ ... لم يفرض الله في القرآن ودهمُ
لا يعرفون لهم حقاً بلى عرفوا ... لكنهم تركوا الحق الذي علموا
إذا دعاهم إمام الحق ما سمعوا ... وإن أجابوا فلا سعيٌ ولا قدمُ
/185/
إن صالحوا نقضوا أو عاهدوا نكثوا ... أو ناصحوا خدعوا أو عوملوا ظلموا
وجملة الأمر أن القوم ليس لهم ... على الحقيقة لا عهد ولا ذممُ
__________
(1) في (أ): تقصير.
(2) في (ب): وهي على رويَّ قصيدة أبي فراس - رحمه الله - المتقدمة.

لو اهتدوا بايعوا سفن النجاة أولي ... الأمر الذين هم للناس معتصمُ
لكنَّهم قلدوا الأهوا فما سلموا ... واستدرجتهم على هذا نفوسهم
لذاك ذلت جميع العرب وانخدعتْ ... واستحكمت فيهم الأوغادُ والعجمُ
وصيّرتهم سواماً لا رعاة لهمْ ... والراع إن غاب يوماً ضاعت الغنمُ
وقد رُوي أن تسليط الأعاجم لا ... يأتي على العرب إلا من فسادهمُ
أشكو إلى الله من هذا وأسأله التـ ... ـوفيق للرُشد فهو الحاكم الحكمُ
يا أيها الناس خافوا الله واتبعوا ... مرضاته وأنيبوا لا أبا لكمُ
لعل أفراجه تأتي إذا صلحت ... نيّاتكم وأزحتم ما يشينكمُ
ولُذتم بالذي نرجو بأن له ... عناية بسناها تهتدي الأممُ
الأرْوعُ الماجدُ الميمونُ جانبه ... الكيّسُ الفَطِنُ العلامةُ العَلَمُ
مؤيّد الرأي من أبناء حيدرةٍ ... ماضي العزائم ما في بأسه سأمُ
سهل الشمائل محمود الفضائل مأ ... مون الغوائل من يشفى به الألمُ
إنا لنأمل أن يحيا الزمان به ... ويشرق الحق والإسلام يبتسمُ
وتمتلي الأرض عدلاً بعد أن ملئت ... جوراً وأحوال هذا الناس تنتظمُ
فقد رأيناه أهلاً للزعامة والـ ... ـبرهان فيها جلي ليس ينكتمُ
وما بقي شخصه فالجرح مندملٌ ... والكسر منجبرٌ والصدع ملتئمُ
وكل آل رسول الله قد علموا ... بأنه الغيث أمّا أصحت الديمُ
وأنه نور هَديٍ يُستضاءُ به ... وأنه فيهم الصمصامة الخذمُ
يا سيدي يا أمير المؤمنين ويا ... من شأن همَّته تدنو لها الهمم
كيف البقاء وأهل البغي في دعةٍ ... ونار جورهم في الأرض تضطرمُ
أليس ذكركم أوهى قواعدهم ... فبعد عزمكم لا شك ينهدمُ
فاصدع بأمرك إن الهمَّ منفرجٌ ... على يدَيك وحبل الجور منصرمُ
وآية الفتح قد لاحت علامتها ... والناصر الله لا الأجناد والخدمُ
وثق بربك في كل الأمور فما ... أمَّلت منه تعالى فهو منبرَمُ
ولا يصُدَّنك عن عزمٍ مكارههم ... فإنه يتلاشا ثمَّ ينهدمُ
وصاحبُ الحق غلاّبٌ وإن كثرتْ ... أعداؤه فهي عند الصدق تنهزمُ

قد كان في يوم بدرٍ ما علمت به ... وأيد الله من بالحق يلتزمُ
وخيَّب الله أهل الكفر وانهزمت ... طوائفُ الشرك واشتَّت جموعهمُ
/186/
هذا وأنفع ما لازمت صحبته ... بعد التقى النصح ثم الحزم يلتزمُ
والعزم إن كان إمكان ومقدرة ... والصفح إن لاح ممن قد أسا ندمُ
قلت: وله أشعار واسعة، ولمَّا توفي - عادت بركاته - رثاه سيدنا العلامة أحمد بن سعد الدين - رحمه الله تعالى - فقال:
أجدك مات العابد المجتهدُ ... ومن فيه للخيرات والبر مقصدُ
ومن كان ذا قلب سليم مطهرٍ ... ووجه تقي نوره(1) يتصعدُ
إذا ما ادْلهمَّ الليل واحلولك الدجى ... سمعت دوي النحل منه ترددُ
يراوح ما بين الجبين وجبهة ... ويتلو مثاني ربه وهو يسجدُ
ويقسم وهو البر بالله ربه ... لشيبة حمدٍ لا يزال يحمدُ
وقد قبضتها كفه من يمينه ... على ثقةٍ من ربه لا يفندُ
لئن أنا لم أنقذك من حر ناره ... وما فيه للعاصين منه توعدُ
لقد ضل سعيي والمعاذ بربنا ... وليس إذاً جدي النبي محمدُ
قلت: لمح سيدنا إلى ما أخبرنا به - قدس الله سره - قال: كان السيد عادت بركاته يقبض على لحيته وهي بيضاء نقيَّة ويقول: والله يا هذه لأبالغنَّ في نجاتك من النار وإلا فلست من ولد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أو كما قال:
بقيَّة آل المصطفى ووصيه ... وشيخهم العلامة المتفردُ
وحافظ آثار الأئمة والهدى ... وكتبهم والدرس فيهن يشهدُ
خطيبهم الوعاظ غير منازع ... ومفتيهم بالحق يهدي ويرشدُ
فدين دعاة الحق حافظ حقهم ... وعهدهم والحق بالحق يعضدُ
نعم جاء أمر الله جلَّ جلاله ... وليس لنا عمَّا قضا الله مسند(2)
فسمعاً وطوعاً ربنا وولينا ... ونحن لك اللهم ذا العرش أعبدُ
ومرجعنا طراً إليك وحسبنا ... ثوابك ذو نرجو وإياك نعبدُ
قضيت علينا الموت حتماً وإنما ... قضيت رضا يا بر يا متحمدُ
وهي طويلة وختامها:
__________
(1) في (ب): أنواره تتصعدُ.
(2) في (ب): مسند.

وما عند رب العرش خير وما قضى ... رضينا به فهو الحكيم الموحدُ
ونسأله صدر الكلام ووسطه ... وآخره ما دام طود مؤطّدُ
دوام صلاة الله ثم سلامه ... لمن في مقام الحمد يدعو ويحمدُ
وعترته كيما يجيب دعاءنا ... فإنا إلى الرحمن نسعى ونحفدُ
وأزكى سلام الله تبلغ صالحاً ... ورحمته تترى له وتردّدُ(1)
صالح بن عبد الله بن حنش [ - ق 11هـ]
القاضي العلامة اللسان البليغ صالح بن عبد الله بن حنش - رحمه الله - كان جم الفضائل، واسع المكارم لساناً بليغاً خطيباً مقولاً، وله شعر منسجم، وكان من عيون العلماء، ووجوه الفضلاء، عالماً بالأدب فقيهاً، وله في الخطب صناعة فائقة تشتمل على المواعظ والنصائح، مع سهولة وعذوبة وقصر في الفقرات مع وفاء المعنى، وكان يسكن (ذيبين) (2) /187/ ويفصل الخصومات بعض المدَّة وتردد إلى حضرة الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد، وله فيه غرر قصائد، ودرر فرائد، وكان حسن الأخلاق سمح الطبيعة مزاحاً على منهاج العلماء الأخيار من السلف، وله أولاد نجباء منهم العلامة حاكم المسلمين محمد بن صالح، وسيأتي - إن شاء الله - ذكره، ومنهم أحمد بن صالح من عباد الله الصالحين، كان مدرساً في الفقه، ولم تطل أياَّمه، وكان غزير العبرة لا يزال بين العشائين باكياً، ولما مات - رحمه الله - رثاه الصنو العلامة محمد بن الهادي بن أبي الرجال - رضي الله عنه - بأبيات كتبت على الصخر عند ضريحه وهي:
يا صاحب القبر كم أحرزت من أدبِ ... ومن عفافٍ ومن فضلٍ ومن حسبِ
وكم وضعت على القرطاس من حكمٍ ... وكم أفدت ذوي الرغبات والطلبِ
لله من طود علمٍ شامخٍ علمٍ ... وبحر علمٍ خضم زاخرٍ لجبِ
بدر كريم بهي أروع ندس(3) ... فذ أبيّ حميد الفعل منتجبِ
__________
(1) في (ب): وتتردد.
(2) ذِيْبِين: مدينة شرق (خَمِر) وشمال (رَيْدَة) بمسافة 20 كيلو متراً. (معجم المقحفي، ص657).
(3) في (ب): مدر كريم بهي أروع فدس.

مهذب أحوذي(1) كامل ورع ... خدن العبادة والطاعات والقرب
يا رحمة الله زوري رمسه أبداً ... ويا سحائب جود الله فانسكبي
ولم يحضرني من شعر القاضي صالح إلا ما كتبه إلى بعض السادة من ولد الإمام يحيى بن حمزة وإلى رجل من آل الرصاص والقاضي محمد بن أحمد بن أبي الرجال المعروف بالحاج، وكان محمد بن أحمد من عيون الزمان وفضلائهم، حميد الخصال، مرجوعاً إليه للدين والدنيا، فكتب إليه القاضي في قضيَّة وقعت بين رجل من أولاد ذي حوال وهم الفقهاء بالملاحة هجرة العلامة علي بن أحمد الأكوع، ورجل من آل القعيد من بني صريم فإن الحوالي قتل القعيد فاستماح الثلاثة لخلاص الحوالي فقال:
إلهي بالرسول وخير آلٍ ... وبالضحَّاك في يوم النزالِ
أقلني عثرة أشفقت منها ... على ديني وأخلاقي ومالي
ترامت بي الحوادث في أكف ... عراها الدهر بالحرب السجالِ
لقد أفنيت يا زمن الرزايا ... أهيل الفضل من صحبي وآلِ
وأنهلت الفؤاد كؤوس حزنٍ ... أمرَّ عليه من سمر العوالي
ولم تترك علي لباس صبرٍ ... ولا جسماً من الآلام خالِ
لحاك الله يا زمني تأنى ... فقد أدركت حظك من قبالي
وما أعناك حتى لم تدع لي ... يميناً تستريح إلى شمالي
وكان العدل طبعك بعد حين ... فقل لي ما لخطبك والتوالي
وما ذنبي إليك فأتقيه ... سوَى قولي بتحريم السؤالِ
وبعدي عن بني زمني جميعاً ... لأمرٍ ما ولو كانوا عيالي
خلا أني أنست إلى رجالٍٍ ... هم أسباط أرباب الكمال
بني القوم الأفاضل من نزارٍ ... وأندى العالمين يدَانوَال
وأعلمهم بتحريمٍ وحلٍ ... وأشكرهم على الرزق الحلالِ
/188/
وأبعد عن مقارفة الدنايا ... وعن جهلٍ وعن زور المقالِ
وهم ضد الزمان ومن عليه ... من الأوباش في كل الخصالِ
بني يحيى بن حمزة من ترقّى ... بهمَّته على هامِ الهلالِ
__________
(1) أحوذي: الأَحْوَذِيُّ: الخفيف الحاذق، والمشمر للأمور القاهر لها، لا يشذ عليه شيء. (القاموس المحيط، ص 314).

وعلاَّمين من ذروات قوم ... كرامٍ في المقال وفي الفعالِ
لهم في كل واردة جوابٌ ... يسكّتُ كل منتحل وغالِ
أريد أخا بني الرصاص يحيى ... عماد الدين وابن أبي الرجالِ
إذا ما الدهر أبقى القوم فينا ... وأفنى آخرين فلا نبالي
جزاك الله بدر الدين عني ... جميلاً في الحياة وفي المآلِ
وبلغَّك المهيمن ما ترجي ... وزادك رفعةً في كل حالِ
وساء فتىً يسوق إليك سوءاً ... وحمّله ذنوباً كالجبالِ
وكنت لك الفدا من البلايا ... ومن أحبَبْت من عمٍ وخالِ
عرفت بخلتي فأزحت عني ... هموماً طال منهنَّ اعتلالي
عجيب سعيك الميمون فوراً ... بتلك الأرض منخفض وعالِ
ونظمك للأمور بحسنٍ رأي ... كنظم الدر في سلك اللآلي
حقيق يا أبا حسن مقاماً ... يقوم به بحسن الامتثالِ
حمدت الله إذا أبقاك ركناً ... ومثلك فوق ظهر الأرض عالي
ومالي والتعجب من حليم ... تريه سوابق الأمر النوالي
(كأني ما شهدت له مقاماً ... يزيل الكرب في آل الحوالي)(1)
وقد أضحى لديه أبو عليٍ ... كئيبَ القلبِ منبتَّ الحبالِ
فساهمه الهموم وذبَّ عنه ... بأقوالٍ وأفعالٍ ومالِ
وقاه الله أسباب الرزايا ... وما حملت به سود الليالي
وأسكنه الجنان غداة يقضي ... على العاصي بتضييق المجالِ
وإني والذي خلق البرايا ... أحق عباده بالاشتغالِ
وأحوجهم إلى كرمٍ وعفوٍ ... إذا وافيت والميزان خالِ
فيا ليت المنيَّة أدركتني ... وما عندي لمخلوقٍ ولالي
وصلى ربنا أبداً على من ... تفرَّدَ بالمحاسنِ والمعالي
رسول الله أحمد خير ماشٍ ... على صفحات مخصوف النعالِ
ومن ولاه يوم غدير خُمٍّ ... وحر الجو يلعب بالغزالِ
ونادى في الهجيرة غير وانٍ ... ولم يعدل إلى برد الظلالِ
عدُوي كل من عادى علياً ... ومن والاه فهو لي الموالي
وتوفي - رحمه الله - فيما أحسب بذيبين في ……(2)
/189/ صالح بن علي الدقم [ - ]
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) في (ب): بياض في الأم.

(الفقيه)(1) العلامة الكبير صالح بن علي الدقم الصنعاني - رحمه الله تعالى - هو من العلماء الكبار الجلة الخيار، له في العلم رسوخ، وله تلامذة وشيوخ. من تلامذته عالم الزيدية إبراهيم بن نزار - رحمه الله تعالى -.
صالح [ - ]
الفقيه العالم صالح بن أخي العلامة عبد القاهر الذي ذكره الأهدل، قال: ومن علماء الزيدية يوسف بن عبد القاهر، وابن أخيه صالح ومحمد بن صالح الموجود بعصرنا، يدرس ويفتي وهم بيت علم، اجتمعت بأخٍ لمحمد هذا عبد القاهر، وسمعت من غيره أيضاً أنهم بيت علم.
صالح بن ملكان الناصري [ - ق 5 هـ]ت
علامة العراق صالح بن ملكان الناصري - رحمه الله - ذكره في شرح الإبانة، وحكى عنه حكاية في علم الناصر للحق، قال: رأيت شخصاً(2) منسياً من العلويّة قد أتى عليه من السنين مائة سنة وثماني عشرة سنة، وكان قد صحب الناصر للحق والهادي إلى الحق - عليهما السلام- وستة أئمة(3)، فسألته عنهما فقال: ألفيت الهادي كوادٍ عظيم مستطيلاً، وألفيت الناصر للحق كبحر زاخر بعيد القعر.
أبو الصباح الحوثي [ - ]
العلامة أبو الصباح الحوثي، هو من كبار الزيدية وجلَّتهم، ومن العيون الناظرة والمشيخة الكبار، له عقب بحوث من أعمال البون يعرفون بآل الصباح فيهم العلماء، إلا أنهم دخلوا في التطريف، فلم نشتغل بذكرهم، من وجوههم يحيى بن الصباح عالم المطرفيّة، كان فاضلاً فيهم، حريصاً على الفوائد، روى عليان بن إبراهيم من كبار المطرفية، قال: كان يحيى بن الصباح لا يفارق دواته أينما سار، فإذا سمع حكمة يخاف أن يفوته تحفظها بالنسيان كتبها، فإن لم يجد ما يكتبها فيه كتبها في عصاه.
__________
(1) ساقط من (ب).
(2) في (ب): مسناً.
(3) في (ب): وستة أئمة سواهما.

قلت: وأما الصباح هذا فكانت أيامه وما قد أظلم غسق التطريف، وكان من كملة الرجال وحلمائهم وتعمر كثيراً، وحكي أنه كان له عشرة بنون كلهم يركب الخيل، واتفق في بعض الأزمنة أن رجلاً أبطرته النعمة فتربص خلوة للصباح فوجده فوق بركة (جوب) يغتسل أو يريد الاغتسال وقد كشف رأسه وكان خليقاً فصفعه ذلك الغمر الجاهل فتلفت الصباح هل يراه من أحد، ثم قال له: قد صنعت ما صنعت فاذهب بنفسك فأبى ذلك الغمر أن يهرب ولبث مكانه فبلغ الخبر بني الصبَّاح فأقبلوا يبتدرون لقتل ذلك الغمر فبدر أبوهم فأقسم لئن صنعوا به شيئاً لا جمعهم وإياه محل فتركوا، ثم إن ذلك الجاهل ندم، واستقبح ما صنع فاستصحب جماعة ممن يعز قدره عند الصباح وبنيه حتى أتى منزله معتذراً فعفا عنه، فلما عفا عنه حلف ذلك الرجل ليكونن خادم بغلته، فأبى عليه الصباح فلم يقبل وخدمه.
صباح المزني [ - ق 2 هـ]
العلامة الفاضل صباح المزني، من جماعة الإمام الأعظم وتلامذته، ذكره الشيخ حافظ الزيدية أبو القاسم البغدادي - رحمه الله -.
أبو الصبار [ - ق 2 هـ]
العالم أبو الصبار، ويقال: أبو الصباد العبدي، عالم كبير من جماعة الإمام الأعظم وتلامذته، حكاه أبو القاسم - رحمه الله -.
صديق بن رسام السوادي [ - ق 11 هـ]

العلامة الفقيه الفاضل صديق بن رسام السوادي - رحمه الله - هو شيخ العربية، كان مبرزاً فيها إليه النهاية في السماع والتحشية والتصحيح لكتبها، وهو أشهر تلامذة شيخ الشيوخ لطف الله بن الغياث - رحمه الله تعالى - رحل إليه إلى الظفير وعلق على بابه، ووقف بأعتابه، حتى مضى سماعه على كتب العربية بأنواعها مع ضبط وتصحيح، وكان يتعلق بخدمة الشيخ - رحمه الله - ورحل بعد ذلك إلى شيوخ فلم ير بعد الشيخ لطف الله أستاذاً، ثم أقبل على الفقه حتى حقق وبرع وصار أحد أعلامه، وكان من الصلحاء متوسط الحال في كل شيء، وولاه الإمام المتوكل على الله أيده الله قضاء جهة خولان /190/ بمغارب صعدة، ولم يزل على طريقة السداد يحاسب نفسه في أكثر الوقت حتى لقي الله(1) في ……(2) ولم يخلف من العروض ما يعود بعائدة إنما كان له داره بصعدة، ومخترف أولاده.
صفية بنت المرتضى [ - 771هـ]
السيدة العالمة الفاضلة صفيَّة بنت المرتضى.
قال السيد شمس الدين: هي العالمة الفاضلة السيدة الكاملة فضلاً وعلماً وبركة وحلماً وزهداً ومجداً وشرفاً ونبلاً وعقلاً ونقلاً وأصلاً وفرعاً، فاقت فضائلها، وراقت شمائلها، عظمت في النساء، كعظم جدتها خامسة أهل(3) الكساء، جمعت إلى العلم العمل، وبلغت في مدارك العلوم منتهى الأمل، وعلى الجملة ينعت في فضلها على فضلاء الرجال فضلاً عن ربات الحجال وما أحقها بقول المتنبي:
ولو كن النساء كما ذكرنا ... لفضلت النساء على الرجال
__________
(1) زيادة في (ب): تعالى.
(2) فراغ في (أ) و (ب).
(3) في (ب): أصحاب.

اشتغلت بالعلم من أوان الحداثة، ودرست على والدها قراءة محققة، وحققت وحصلت بالقلب والقلم، وفاقت في الفقه والأصول والعربية والإخباريات، ولم يكن لها شغل غير العلم والاجتهاد فيه ولا تتعلق بشيء غيره من أعمال النساء والرجال، وكان لها عند والدها مكان مما هي عليه في ذلك الإقبال المفيد، وكانت كاتبة فصيحة تقول الشعر ولها أشعار محكمة جيدة، كان خطها أحسن من خط والدها وهو المعروف في كتب جمَّة، فقد حصلت بخطها كتباً كثيرة.
قال الفقيه الأفضل العلامة أحمد بن يحيى الآنسي، قال الإمام علي بن محمد - عليه السلام-: لو كانت الشريفة صفية بنت المرتضى ذكراً، ودعى إلى الإمامة ما شككت في صحة إمامته، وكانت مقتدرة على الفتوى والإقراء، بالغة درجة الكمال في التصنيف والتأليف، ولها رسائل ومسائل، ومن رسائلها الرسالة الموسومة (بالجواب الوجيز على صاحب التجويز)، ولها رسالة بديعة جعلتها وصيَّة لابنتها الشريفة حورية بنت محمد بن يحيى القاسمي فيها ما يشهد بالتبحر في العلم وسعة الإطلاع، ولمَّا وصل الإمام المهدي - عليه السلام- إلى الهجرة، وأقام مع أخيها السيد علي بن المرتضى برهة كانت في أكثر أيام إقامته، تراجع الإمام في كثير من المسائل العلمية.

قال مولانا الإمام الناصر: كانت الشريفة صفيَّة بنت المرتضى فائقة لنساء زمانها، بل كانت في فضلها خارجة عن النظراء والأشباه، وصلت منها كتب إلى حي والدنا الإمام المهدي إلى ثلا وفيها من الكلام العجيب، واللفظ الغريب، والصناعة الفائقة، والبلاغة الرائقة، ما لم يكن لأحد من الفضلاء، فلما وصلت إليه أوقفني عليها وقال: هذا خط امرأة وكلامها وبلاغتها يحثني على الاجتهاد، وهكذا روت الشريفة فاطمة بنت أمير المؤمنين عن أخيها الإمام الناصر، ووصفها عدة من العلماء، قالوا: كانت لكشف المعظلات وفك المشكلات، تزوجت بعد أن بلغت ثلاثين سنة بالسيد(1) محمد بن يحيى القاسمي لا رغبة في الزواج، لكن رغبة في أن تقرأ عليه علم الكلام، وكان ذلك السيد من درسة والدها، فكانت(2) ذات معرفة بالنحو وهو عري عنه فأفادته وأفادها، وكانا زوجين صالحين عالمين، وكانت من الورع الشحيح في أعلى طبقاته.
الصلت بن الحرب بن إياس [ - ق 2 هـ]
العلامة الصلت بن الحرب بن إياس الجعفي أحد أركان المذهب وأعضاده، وأعمدته وأوتاده، من تلامذة الإمام الأعظم وأصحابه، ذكره العلامة البغدادي - رحمه الله تعالى -.
/191/ صلاتي بن إلياس الملائي [ - ق 7 هـ]ت
الشيخ الإمام الفقيه صلاتي بن إلياس الملائي - رحمه الله - هو من شيوخ العراق ومن أجلائهم، نقل عنه العلامة يوسف الجيلاني وذكره في جوابه لعمران بن الحسن بن ناصر، وحكى عنه حكاية في انحلال أمر الدين في العراق بعد الإمام أحمد بن سليمان - عليه السلام-؛ لأن دعوة الإمام كانت بالعراق منشورة اللواء بيد السيد الإمام علي بن محمد الغزنوي، فعارضه محمد بن إسماعيل الطبري، فكانت أمور.
__________
(1) في (ب): بالسيد العلامة.
(2) في (ب): وكانت.

قال الملا يوسف: فقد سمعت عن شيخ من شيوخنا - رحمه الله - وهو الفقيه الإمام العالم صلاتي بن إلياس الملائي أن سبب انحسار إسلام ديلمان تخاصم السيد أبي طالب الأخير والسيد الحسن الجرجاني، وسبب إنحسار إسلام جيلان تخاصم السيد علي الغرنوي والسيد الداودي، وأحببت ذكر الخلاف لتنبيه الناظر على قبح مغبة الخلاف - نعوذ بالله منه -.
صلاح بن إبراهيم بن علي المرتضى الوزيري [ - ق 9هـ]
السيد الهمام العالم الكبير حافظ علوم آبائه محيي مآثر الكرم العابد الزاهد صلاح بن إبراهيم بن علي بن المرتضى صنو السيد الحافظ الهادي بن إبراهيم بن علي المرتضى الوزيري.

قال السيد العلامة الهادي بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن صلاح بن إبراهيم، هو تلو أخيه الهادي في السن، قرأ في صعدة على القاضي عبد الله في الأصولين، وكان يستجيده القاضي ويعظم أنظاره، وفي علوم الأدب على صنوه الهادي وعلى غيره، وكذا في سائر الفنون، وقرأ بصنعاء تذكرة النحوي إلى الشفعة، وكانت له في الفروع يد قويَّة، وقرأ على الفقيه العلامة علي بن عبد الله بن أبي الخير في الأصولين ومهر في الفنون وفي البلاغة والأدب واللغة العربية، وكان له الشعر الجيد، وكان بينه وبين الإمام المهدي أحمد بن يحيى - عليه السلام- مودة عظيمة، وخرج معه إلى بيت بوس ثم انقطع إلى العبادة والذكر، وحج حجتين إلى بيت الله الحرام ماشياً، ولزم مسجد الهجرة بشظب يقوم فيه بعض الليل وأكثر النهار لا يكلم أحداً حتى ولده، وحكي أنه أذَّن خمسين سنة في ذلك المكان للفروض الخمسة، وكان يربع التكبير في الأذان، كثير الصمت إذا نطق فمن أحسن الناس وأسرعهم جواباً وأكثرهم إصابة في المراجعات والمحاورات، وكان خطيباً أديباً أريباً، وتوفي والده - رحمه الله - فكان أخوه الهادي هو الذي يتولى أمر أخويه لصغرهما، وكفلهما مدَّة حتى بلغا مبلغ السادة، وأحرزا قصب السبق في السيادة، فكان من حي سيدي صلاح ما يقع من بعض الإخوة من قساوة الطبع وعدم التوقير الكلي ومعرفة الحق العارض والأصلي، فكتب إليه أخوه الهادي أبياتاً عتابية منها:ـ
أُخيَّ لنكتة(1) ترك التواخي ... وليس أخو الفتى إلا المؤاخي
رجوت تكون(2) لي ولداً وصنواً ... وعوناً في الشدائد والرواخي
وإن أحد علي بغى بظلمٍ ... صرخت إليه فاستمع اصطراخي
وإن يوماً تكدر لي شرابٌ ... أفاض عليَّ عيناً من نفاخ(3)
أتعرف يا صلاح أبي تولى ... وخلفكم أرَق من الفراخِ
وكنت لكم مكانته فلما ... ترعرعتم قرعتم لي صماخي
__________
(1) في (ب): لنكتةٍ.
(2) في (أ): يكون.
(3) الصواب: نُقَاخ.

بأقوال لو اعترضت شماماً ... لساخ بها ويالك من مساخِ
ولو مرت بأرض ذات زرع ... لعادت بعد ذاك من السباخ
على أني كما قد قيل قدماً ... جذيل للتحكك في المناخ
/192/ ومن شعر السيد صلاح الدين - أعاد الله من بركاته - ما نقله السيد صارم الدين بخطه عنه، وقال: هذه الأبيات الفائقة، والكلمات الرَّائقة للوالد صلاح الدين سليل الأئمة الهادين صلاح بن إبراهيم بن علي بن المرتضى - رحمه الله - وهي آخر ما قاله:
أثرها تبلغ القصوى ودعها ... سدى ترمي الغروب به الشروقا
فلم يشفق على حسب كريم ... يكون على ركائبه شفيقا
وإني ذاهب أرمي بنفس(1) ... مراميها وألزمها الحقوقا
فكم حاقت وكم خدعت وكم ذا ... تجرعني القطيعة والعقوقا
أجاهدها(2) بصبرٍ واحتشامٍ ... إلى أن تسلك الجرد الطريقا
وأضربها بجد العزم حتى ... أقطع من ترائبها العروقا
أروح فلا أشم على بلاد ... ولدت بها المخائل والبروقا
وأنسى الأهل والأحباب طراً ... وأنسى الجار فيها والصديقا
وأنسى أحمداً ولدي وابناً ... له براً بوالده شفيقا
وأنسى شمس حور العين حقاً ... وسبط أخٍ له عضداً وثيقا
وأعناباً تحاكي التبر لوناً ... وتحكي في منافعها الرحيقا
خرجت إليك يا ربي فكن لي ... إذا شطَّ المزارُ بهم رفيقا
وأدخلني الجنان بفضل جودٍ ... فأصبح في المعاد به حقيقا
ولاطفني وعاملني بعفو ... فمن لا طفت لم يذق الحريقا
وصل على محمدٍ كل حينٍ ... وبلغني بغرته اللحوقا
لأنظر غرَّة كالبدر خلقاً ... وأخلاقاً بها أضحى خليقا
انتهى الموجود.
__________
(1) في (ب): بنفس.
(2) في (ب): بنفس.

قال السيد الهادي بن إبراهيم بن محمد: كانت طريقة حي سيدي صلاح الحدة والإصابة في الجواب على أهله وولده وغيرهم من أوان صغره، ومما يحكى أنه طلب من الإمام الناصر ولاية فرآه الإمام وهو صغير السن قريب من التكليف، فكتب له ولاية، وقال فيها: قد فعلنا للولد صلاح الدين ولاية في المصالح، فقال: يا مولانا، أما المفاسد فأنا لا أحتاج فيها إلى ولاية فتبسَّم الإمام وتعجب من حدته توفي ……(1)
صلاح الدين صلاح بن إبراهيم [ - بعد سنة 704هـ]
السيد الإمام العلامة الأمير صلاح الدين صلاح بن أمير المؤمنين إبراهيم بن تاج الدين أحمد بن محمد - عليهم السلام- عالم كبير، ونحرير خطير، له رسائل ومسائل(2)، وكان حجَّة ومحجَّة.
قال السيد أحمد بن عبد الله: إنه كان من وجوه أهل البيت وعلمائهم، وإنه في زمان الإمام المهدي لدين الله أحمد بن الحسين، وكان كثير المحبَّة للأمير يحيى بن منصور ومعظماً له، مثنياً عليه، وسكن الشرف الأعلى، وبينه وبين الأمير المنتصر بالله مفضل بن منصور وأخيه مكاتبات ومراسلات. انتهى
قلت: وهو الذي تمم كتاب الشفاء؛ لأن الأمير الحسين بدأ بالجزء الأخير منه حتى تمَّ له، ثم ابتدأ بتأليف الجزء الأول فبلغ فيه إلى أوائل النكاح ونقله الله إلى جواره فتمّمه صلاح الدين إلى باب النفقات، ثم تممه السيد صلاح بن الجلال - رحمه الله تعالى -.
__________
(1) في (ب): بياض في الأم.
(2) انظر مؤلفاته، وأماكن وجودها في كتاب أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (498).

قلت: ولما وردت الرسالة القادحة من الباطنية إلى الإمام المطهر بن يحيى المظلل بالغمام أمره الإمام /193/ برد جوابها، وهتك حجابها، فكشف النقاب، وأتى بالعجب العجاب، وما أحسن قول الإمام المظلل بالغمام حين وصلت إليه هذه الرسالة فإن من لفظه في جوابهم على(1) الكتاب: أمَّا بعد فإن الرسالة القادحة وردت إلى المشهد المقدَّس المنصوري سلام الله على ساكنه بمحروس ظفار حاسرة للثامها، عاثرة بزمامها، كاشرة في ابتسامها، ترمي في غير سدد، وتكبُو في القاع الجدد، لابسَة في ظهرها(2) ثوب الدين الشريف، يشف من تحتها مذهب ميسمها(3) السخيف، قد جمع فيها من أغباش جهالاته، وآجن ماء ضلالاته، ما يدل على باطن إلحاده، ويشهد بعناده وإحجاده، تارة يشير إلى صفات النقص والكمال، ومرة يقدح في عدل الكبير المتعال، وأخذ الإمام على هذا حتى قال: إلى غير ذلك من الترهات، وزخارف الجهالات، ويُصور أن ذلك يخفى على أهل العقول، وأن أحداً عندها لا يحسن أن يقول، ولا في ميدان نقص بشبهته يجول:
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا
فكان كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفّه.
ومن لم يتق الصحصاح زلت ... به قدماه في البحر العميقِ
وللسيد صلاح الدين - رضي الله عنه - جواب على السيد العلامة الأمير محمد بن الهادي بن تاج الدين؛ لأنه اعترض باعتراضات على الإمام المطهر بن يحيى - سلام الله عليه - فتولى الجواب هذا الأمير الخطير، والقرن بالقرن ينطح، والحديد بالحديد يفلح.
__________
(1) في (ب): عن.
(2) في (ب): طهرها.
(3) في (ب): منشمها.

وهذا الأمير أبو إمام وابن إمام، أما ولداه فالإمام إبراهيم بن تاج الدين المقبور بالأجيناد مقبرة تعز أسرة السلطان المظفر، وأما ابنه فالإمام علي بن صلاح المقبور بالجبوب(1) بمدينة (السودة) وهما من أعلام الأئمة ومن عجائب الإمام علي بن صلاح أنه يعبق من قبره ريح عند دخول الزائر القبة، ذكي العرف لا يمكن يشتبه إلى شيء من الطيب، هذا في الغالب قلَّ ما يتخلف، ورأيت من يأمرني بزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وهداني إلى قبَّة الإمام علي بن صلاح فدخلتها لظني أنها القبة المصطفويَّة.
وأما السيد صلاح بن إبراهيم فقبره بالوعليّة من بلاد الشرف، وهو ممن تمم كتاب الشفاء للأمير الحسين بن محمد بعد موته - رضي الله عنهم -.
صلاح بن أحمد بن عبد الله الوزير [945هـ - ]
السيد العلامة خاتمة النجباء، وكعبة العلماء والأدباء ذو الخلائق السنيَّة، والطرائق السنيَّة، أوحد العلماء، صلاح بن أحمد بن عبد الله بن أحمد الوزير - رضي الله عنهم - كان أفضل أهل زمانه وأورعهم وأفصحهم في صناعات الكلام جميعاً وأبرعهم، وهو من بيت سمت شرفات شرفه، وأنافت على الشموس علالي غرفه، وكان هذا السيد بقيتهم المحيي لمآثرهم الصالحة - رضي الله عنهم - وكان محققاً في جميع العلوم سيما علوم القرآن، صادعاً بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان سجح الأخلاق، عذب الناشئة، غريب النادرة، يأتي على سهولة ناحيته وعدم اكتراثه في المقال بكل عجيب، فالمقال كما قيل مسخر له، وله في هذا المعنى أبيات لم تحضرني عارضها بمثلها في المعنى وإن خالفها في الرويّ السيد الأديب محمد بن عبد الله الحوثي، وكان سكون السيد الصلاحي - قدس الله سره - (بكوكبان)، وأمَّه وأم أخيه عبد الإله - رحمهما الله تعالى - بنت الإمام شرف الدين - عليه السلام-.
__________
(1) في (ب): في الجبوب.

وكانت له جراية كاملة من الأمير أحمد بن محمد فائضة، فاتفق فيما سمعت من الألسن أنه تفكر يوماً في تعطله عن العلم وطالبته همته بالرحلة /194/ إلى صنعاء لإحياء الشريعة أيام الأروام، فأفاض ذلك على صديق له، فقال له: هذا نعم الرَّأي غير أنك ذو تقرير من الأمير إذا انقطع عنك شق الأمر عليك، فسكت عنه حتى اجتمع أهل السوق بمدينة شبام وأظهره على ظهر دكان وسأله كم تحرز هذا الجمع وتقدره؟ فقرب ذلك الرجل أنهم نحو ألفين، فقال: كم لكل واحدٍ منهم من الأمير؟ قال: ليس له شيء، قال: فمن أين يأتيهم رزقهم؟ قال: من الله، فقال: سبحان الله يا فلان يرزق الله هؤلاء ولا يرزق صلاح بن أحمد - يعني نفسه - أو كما قال، فدخل صنعاء فنشر العلم، وأحيا مآثر السلف، ولم يشتغل بمكسب، وأقبل إليه الأروام، وعظموا شأنه، ولم يكن يداجيهم في مسألة، بل يصارحهم بالحق، وله جوابات عليهم مسكتة، روى أنه قال له الباشا جعفر: وكان من كبار العلماء، من أفضل الصحابة، يا سيد صلاح؟ فقال: أبو بكر. قال الباشا: تفضله على علي - كرم الله وجهه -؟ قال: أنت سألتني عن الصحابة، وأمَّا القرابة فأمرهم آخر، عليٌّ يُعد في القرابة، فسكت. واستشكل الباشا فعلاً فعله(1) الإمام المنصور بالله - عليه السلام- من تعزيره لمن لعب بالشطرنج تعزيراً مخصوصاً قد ذكره صاحب الشفاء من أئمتنا، وأن علياً - كرَّم الله وجهه - فعله من إيقافه بالشمس معقولة رجله، فاستغرب الباشا هذا، وفرح ظنّاً منه أن الإمام لا سلف له في هذه، وأنها هفوة، فسأل الأصحاب فما أجابوا، فلمَّا دخل السيد صلاح قال: بلغك يا مولانا ما فعل الإمام؟ قال السيد: ما فعل الإمام - صلوات الله عليه-؟ قال: فعل كذا وكذا، قال: أصاب الإمام أصاب الله بآرائه، قال الباشا: من أين لك أنه أصاب؟ قال: هذا فعله جده أمير المؤمنين وأسند له الرواية، وبلغني أن السيد نسب روايتها إلى الزمخشري، فتعجب
__________
(1) في (ب): فعله من إيقافه بالشمس.

الباشا من استقامة الإمام.
وعرض عليه الباشا الشعر الداير بين الناس في التوجيه بأهل المذاهب الذي أوَّله.
حبَّك ذا الأشعري حنفني ... وذاك من أحمد المذاهب لي
حبك ما زال شافعي أبداً ... يا مالكي كيف صرت معتزلي
ثم قال الباشا مداعباً للسيد صلاح: أين ذكر الزيدية في الشعر؟ قال السيد ارتجالاً:
زاد غرامي به فزيَّدني ... بُعداً عن المكثرين في عذلي
فتعجب الباشا من سرعة السيد وجودة قريحته.
وأخبرني شيخنا الوجيه عبد الرحمن بن محمد الحيمي - نفع الله بصالح عمله - أنه كان في بعض الأيام عند السيد صلاح الدين، وهو يحلق، فأصاب المزين عند حلق الشارب شفته فجرحها فالتفت السيد إلى شيخنا وقال: أفلحتُ، قال سيدنا: ففرحت بهذه اللطيفة واجتمعت بالسيد صلاح الدين(1) الحاضري، فأعلمته فقال: بديهة أعلمت والله، قلت: وهذه لطيفة حسنة، فإن معنى قوله - رضي الله عنه - أفلحتُ - بضم التاء - أي صرت أنا أفلح بذلك الشق الواقع من المزَين، فإن الأفلح مشقوق السفلى، والعامة يقولون لمن أصابه أمر يكفيه من السوء والخير أفلح فلان، يعني أنه لا يحتاج بعد هذا شيئاً من هذا الجنس، وقال السيد صلاح الحاضري: أعلمت أي أخبرتني والأعلم مشقوق الشفة العلياء - رحمهم الله تعالى -.
وأقام بصنعاء عن رأي الإمام القاسم واستجاز منه الإمام، فأجازه، ومولده - رضي الله عنه - ليلة الجمعة السابع والعشرين من شهر شعبان الكريم /195/ سنة خمس وأربعين وتسعمائة، وله شعر في كل معنى، فمن ملحه أنه استعار من بعض أصدقائه حماراً فأكثر في الاعتذار فقال:
يا سيدي ما موجب الاعتذار ... تكلف الأعذار في الغير عار
أهون به شيئاً وأحقر به ... لا تحمل الصعب لأجل الحمار
وله - رحمه الله - مخمساً لبيتي عبد الله بن الإمام شرف الدين، وهما:
بدت تختال في سكر(2) الدلالِ
إلى آخرهما، فقال السيد الصلاحي - قدس الله سره -:
وعابثة بأحلام الرجالِ
__________
(1) في (ب) زيادة: الدين.
(2) في (ب): بكر.

تريك الصدق في عين المحالِ
ويسقى الهجر في كأس الوصالِ
بدت تختال في سكر الدلال ... وتبسم عن شنيب(1) كاللآلئ
أرتني من سماحتها غريباً
وأبدت من محاسنها عجيباً
وصورت المنى الأقصى قريباً
وقالت من أكون له حبيباً ... ببذل الروح قلت لها: ألالي
ومن شعره:
ولي حبيب كأن الله صوّره ... من ناضر الزهر أو من ناضر البردِ
أو أنه صافي البلور أودع في ... أحشائه الورد محمر النطاق ندي
إذا تذكرت أني عنه منترح ... ضممت كفي إشفاقاً على كبدي
وإن أشرت إلى أرضٍ أقام بها ... قبَّلت من فرط أشواقي إليه يدي
وله:
أهابه عند أفراح اللقا وأرى ... للظبي ما يتَّقيه الناس في الأسدِ
فيعجم الروع مني كل ناطقةٍ ... وإن أغبْ عنه غاب الروح عن جسدي
وله في مِرَاءَة:
أشاهدةَ الشمس في حسنها ... على مثلها فاشهدي أو دعي
وإني بذاك من الشاهدين ... ولكن جرحت فلا أدعي
وله أيضاً فيها:
يا حاكي الصور الجميلة أنقها ... ما في المروة أن تضيع جميلا
علل بها بعض النفوس فإن في ... تعليلها أجراً هناك جزيلا
وله فيها:
تحكي وتنسى فليتها حفظت ... لي بعض ما قد حكته أحيانا
حكاية تلك لو ظفرت بها ... جعلتها في العيون إنسانا
ومن شعره السائر:
لله أيامي بذي مرمرٍ ... وطيب أوقاتي بربع الغراس
والشمل مجموع بمن أرتضي ... والسر فيه السر والناس ناس
والجنس منظوم إلى جنسه ... وأفضل النظم نظام الجناس
وزهر زهران لنا مجتنى ... وقاته الهازم جند النعاس
وسفح حذان إلى جانبي ... غضران من تلك الربوع الأناس
/196/
ملاعب تجري بها خيلنا ... في السلم والحرب الشديد المراس
والشامخ الفرد لنا موئلٌ ... يمنعنا الله به كل بأس
له من الزهر نطاق ومن ... عوالي السحب العوالي لباس
والقلب يقظان لرمز الهوى ... يعرف ما يلقيه قبل الحواس
والطرف مشغول ببدر الدجى ... والفكر مشغول بظبي الكناس
وللصبا غصن إذا هزَّه ... نسيم أنفاس صبا(2) الوصل ماس
__________
(1) في (ب): شنيب.
(2) في (ب): ضنا.

ولما تكلم الزمخشري - رحمه الله - في تفسير قوله عز وجل: ?وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ? [الأعراف:43]، فقال: وهذا يدل على أن الجنة مستحقة بالعمل لا بالتفضل. انتهى
وكتب السيد الحافظ محمد بن إبراهيم ما لفظه: نعم يا شيخ المحقة، قلت: الجنة بالعمل فالعمل بماذا؟ قلت: بالاختيار والاختيار بماذا؟
رأى الأمر يفضي إلى آخر ... فصيّر آخره أولاً
?وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ? [الأعراف:43] انتهى، ?وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ? [النور:21] ?نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا? [هود:58] في آياتٍ كثيرة، وإنما أتي المخالف من توهمه أن الآية نص في العوض، وهي في السببيَّة ظاهرة شهيرة.
قال السيد العلامة صلاح بن أحمد مراد الزمخشري - رحمه الله -: إن العمل الصالح سبب في دخول الجنة والتوفيق إليه تفضل من المولى - تبارك وتعالى- نسأل الله التوفيق والمغفرة، قال: وقلت أنا:
علقوا الفضل بأسباب تقى ... يا ترى الأسباب ما الأسباب فيها
ليس إلا الفضل فيها سبب ... قف هنا إن شئت أو فازداد تيها
توفي - رحمه الله - في ……(1) وقبره بجربة الروض يماني صنعاء المقبرة المشهورة، وقد روي أنه يسمع القرآن من قبره - رضي الله عنه -.
صلاح بن أحمد بن عبد الله [ - بعد سنة 893هـ]
__________
(1) فراغ في النسختين قال في (ب): بياض في الأم.

السيد العلامة صلاح بن أحمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن أبي القاسم - رحمه الله - سيد عالم من بيت العلم المعمور، كان عالماً عاملاً فاضلاً من أهل تسعمائة، أظنه في سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة في قيد الحياة، ويدل على ذلك قصيدة له في الشريفة الطاهرة بدرة بنت أمير المؤمنين زوج الإمام المطهر ذات الحسب الشريف والمقام الزليف التي رثاها الفضلاء منهم هذا العلامة وهي:
لعمرك ما من هاجم الموت أجزع ... ولكن ليوم بعده نتوقعُ
ليوم يشيب الطفل من هول ما يرى ... به وله كل الخلائق تجمعُ
لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها ... لنفسي بنفسي شاغل لي مروعُ
صلاح بن أحمد بن المهدي [1010 - 1048هـ]

السيد العلامة البحر الحبر منقب المناقب، ومقنب المقانب، رئيس الرؤساء، ومفخر الكبراء، صلاح بن أحمد بن المهدي المؤيَّدي - عليهم السلام- كان من محاسن الزمان، ومفاخر الأوان، منقطع القرين في كل فضيلة، يعده المنصف من معجزات النبوة، فإنه - قدس الله سره - كان محارة لذوي الألباب في فصاحة منطقه وسعة حفظه وعلوِّ همته /197/ وكرم طبعه وسعادة جده، أناف على الشيوخ طفلاً، فكيف يزاحمه أحد في الفضائل كهلاً، وعمره - عليه السلام- تسع وعشرون سنة، أحيا فيها من العلوم ما أشرق المبطلَ بريقِهِ، وسقى كل محق برحيقه، ودوخ العلوم وحقق وقرّر وناظر(1) وناضل، وهو في كل ذلك سابق لا يجارى، وناطق لا يمارى، وكان فهمه جذوة قبس، وهذا العمر القصير الذي هو من أطول الأعمار نفعاً اشتمل على قراءة وإقراء وجهاد وغزو وتصنيف، وتأليف، فمن جملة مصنفاته (شرح شواهد النحو)(2) واختصار شرح العيني لشواهد التلخيص وشرح الفصول شرحاً وافياً كافياً(3) وجمع القنطرة في أصول الفقه(4) وشرح الهداية)(5)، فبلغ إلى أوائل الكتاب في ستين كرَّاسة من ذلك شرح الخطبة مجلد، وله مع هذا ديوان شعر(6) زاحم به الصفي(7) وأضرابه، وعارض مشاهير القصائد للأوائل، النبويَّات والإخوانيات والغزليات.
__________
(1) في (أ): باطل.
(2) لم أجد له نسخة خطية.
(3) شرحه على الفصول هو (الدراري المضيئة الموصل إلى شرح الفصول اللؤلؤية، منه نسخة خ سنة 1067هـ في الجامع، وأخرى خطت سنة 1035هـ بمكتبة المولى مجد الدين المؤيدي، وانظر نسخاً أخرى في أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 497.
(4) لعل منه نسخة خطية في دار الكتب المصرية رقم (97) مصور، انظر المصدر السابق.
(5) لطف الغفار الموصل إلى هداية الأفكار، خ في عدة مكتبات خاصة، انظر المصدر السابق.
(6) خ مكتبة السيد العلامة عبدالرحمن محمد شائم هجرة فللة.
(7) الصفي: صفي الدين الحلي، الشاعر المعروف.

ومع هذا فهو الثابت لحصار صنعاء فإنه كان الموليان الحسن والحسين ابنا الإمام بحدّه، وهو في الجراف يشن الغارة، ويصابح الأروام ويماسي، وافتتح مدينة (أبي عريش) بعد منازلة لجنود الأروام، وغزا إلى (السراة) وجهات (المنبر) غزوات عدَّة، وكان منصوراً في جميع ذلك، وكان يحف به من السادات والعلماء من يفرد لهم التراجم، وتزين بذكرهم الأوراق مثل مولانا صارم الدين حامل لواء العلوم، وإمام منطوقها والمفهوم.
إبراهيم بن محمد بن عز الدين:
إبراهيم بن محمد بن أحمد بن عز الدين فإنه جبل من جبال الحلم، وبحر من بحار العلم، يفزع إليه في العظائم، وقد صنف للإسلام كتباً عديدة (كشرح الكامل(1) المسمَّى بالروض الحافل) وشرح (الهداية المسمَّى بتنقيح الأنظار) من أجلّ كتب الإسلام قدراً، يخرج في أربعة أجزاء كبار، وله منسك منظوم، (وله القصص الحق المبين في البغي على أمير المؤمنين)، وله في كتابه المصحف العثماني موضوع أو موضوعان، وغير هذا - كثر الله فوائده - وله شعر وبلاغة، وطرائقه كلها حميدة في زهده وعلمه ومواظبته على الصالحات، وكالسيد الرئيس صدر العترة صلاح بن علي بن عبد الله بن الحسين المؤيَّدي رجل فاضل نبيه فاضل(2) جليل القدر، شرح الكافل بشرح عظيم، وكان تعلقه بأصول الفقه أكثر من تعلقه بغيره، وكان رئيساً كاملاً.
صلاح بن أحمد بن عز الدين
__________
(1) في (ب): كشرح الكافل.
(2) في (ب): رجل نبيه فاضل جليل القدر.

وكالسيد البليغ بديع الزمان صلاح الملة صلاح بن أحمد بن عز الدين المؤيَّدي رجل كأنما خلق للأدب(1)، من أعذب الناس ناشئة، وأرقهم حاشية، حافظاً للآداب حريصاً على الوظائف، وهو مجيد الشعر، وبينه وبين السيد الصلاحي مفاكهات وأدبيات قد فاتت علي بعد إطلاعي عليها وحرصي على حفظها فالله المستعان، من ذلك ما حضرني عند الرقم لهذه، وأظنني لا أثبت ألفاظه على صفتها، لكني رأيت إثباتها ليكون سبباً - إن شاء الله - لتثبيتها، وأخبرني سيدي صلاح الدين صلاح بن أحمد بن عز الدين - أسعده الله - قال: كنت أقرأ في المطوّل على سيدي الصلاحي أنا والسيد العلامة الهادي بن عبد النبي بن حطبة في بلاد الشام جبال العر وصور ونحوها، لم يحضرني الآن اسم المحل فمرَّت بنا لفظة في المطول في قوله تعالى: ?..فَتَشْقَى? [طه:117] (2) فحصل التردد ما الثابت في النسخ؟ فسألت مولانا الصلاحي: ما الذي في نسخته؟ فقال: /198/ أما عندي فيشقى، وقد كانت تقدمت عتابات بيننا وشكايات إليه في أمور، فقلت له: نعم، أما عندي فتشقى فتغيظ السيد الصلاحي، وكان حاد المزاج وترك محل القراءة، وقال: لا خير لي في حضور من لا يرعى مجلس الأدب أو كما قال، فقمنا من المحل، ولم أتفق به بعد ذلك، فجاء إليه - أعاد الله من بركته - طعام على يد خادم من خدامه يعتاد صنعَة الطعام، فأراه حضوري فكتب:
رُبَّ طعامٍ حَسُنَتْ ألوانهُ ... قد جاءنا على يَدَي ممنطقِ
يأكل منه شابعٌ وجائعٌ
__________
(1) في (ب): للآداب.
(2) كذا في (أ) و (ب).

وترك بياضاً، وقال للأصحاب: الصنو صلاح بن أحمد بن عز الدين - عافاه الله - سيكتب هنا: ويستوي فيه السعيد والشقي، فلما وصل الرسول كتبت ذلك بديهة، ثم كتب بعد ذلك: نقي جد عجلاً قد جاءني، وترك بياضاً وقال: سيكتب الصنو صلاح، يا حبّذا ذاك الحثيثُ والنقي. وللسيد صلاح بن أحمد معاني حسنة ومقاطيع فائقة وسلك مسلك الأدب على شروطه ويعجبني إيداعه لصدر قصيدة بن الفارض، فإنه قال - ولله دره -:
وصغيرة حاولت فض ختامها ... من بعد فرط تحنن وتلطفُ
وقلبتها نحوي فقالت عند ذا ... قلبي يحدثني بأنك متلفي
وهذا معنى يهتز له اللبيب وقائل: هذا في الزمان غريب، وله في السيد الصلاحي ووالده مراثي مشجية.
مطهر علي الضميري

ومن جملة أهل الحضرة العلامة الحافظ بهاء الدين مطهر بن علي النعمان الضمدي، وكان من صدور العلماء ووجوه الزمان، وقوراً حافظاً للشريعة وآدابها، وكان لا يفارق الحضرة إلا قليلاً، وبينه وبين السيد الصلاحي مفاكهات، وللفقيه مطهر(1) مسائل في الاعتقاد جانب بها أهل المقالة - رضي الله عنهم - وقد كان السيد الصلاحي كاد أن يتلقى بعض ما عنده بقبول ثم عادا بعد ذلك إلى بعض التنافر بعد أن استفحل علم السيد، وعظم تحقيقه، وتعاودا بعد هذا إلى الوفاق إلا أنه لم يتيسر لهما الاجتماع، بل جاء الفقيه من وطنه ليعزي السيد الصلاحي بوالده، فلما وصل (الحدب) - بالحاء والدال مهملتين - بلغه خبر موت السيد - رحمه الله - فكان كما قال في كتابه: لما وصلت الحدب، انسل عليّ البلاء من كل حدب. وكان بينهما مراجعات واجتمعا في بعض الأيام، فحررا مسألة حررها الفخر الرازي، وقالا: نوردها على القاضي العلامة أحمد بن يحيى بن حابس - رحمه الله - فوفدا إلى بيت القاضي أحمد فأجلهما، وأنس بمقدمهما، فذكرا له المسألة. فقال: هذه مسألة لا جدوى للخوض فيها إلا مع الإنصاف، فقالا: أجل الإنصاف متوجه، ونحن - إن شاء الله - فاعلوه، فلما أخذ عليهما الوثيقة في الإنصاف جلَّى المسألة أبهى تجلية، فقاما من المجلس فقال الفقيه مطهر: أما أنا فما عندي إلا الإنصاف قد علمته من كلام القاضي وتوضح لي الحق فلا غضاضة في الرجوع، وقال المولى الصلاحي بمثل هذا، لكنه عظم عليه ما قد نوّه به من إشكال المسألة وتصوره أنه لا سبيل إلى حلها، فتوجَّه القاضي لحلها في بديهته فاستحيا وتعب، ولَمَّا رحل إلى العلامة مفتي اليمن السيد محمد بن عز الدين - أعاد الله من بركته - وقرأ عليه (المطول) و(جامع الأصول) و(الدامغ) و(الغايات) و(شرح بن بهران) على الأثمار ازداد علمه وواصله العلماء وأذعن له كل أحد، وكان /199/ يسميه السيد محمد بن عز الدين بالبحر، وعاد إلى صعدة بعد
__________
(1) في (ب): المطهر.

هذه الرحلة الأخيرة، وهو يقول: كنت أظن مذهبنا الشريف لم يعتن أهله بحراسة الأسانيد لأحاديثه، فتحققت ومارست الكتب فوجدت الأمر بخلاف ذلك، ولقد كنت في بعض المذاكرات استضعف حديثاً من أحاديث أهل المذهب، ثم بحثت فوجدته من خمسة عشر طريقاً كلها صالحة ثابتة على شروط أهل الحديث، وعمل - رحمه الله - في هذا قصيدة فائقة رأيته تجرَّم فيها من ميل الناس عن علوم آل محمد وهي من غرر القصائد، بل كان السيد العلامة محمد بن عز الدين - رحمه الله - يقول: هي من أفضل ما قال.
محمد بن عبدالله
ومن جملة من كان في حضرته الشريفة السيد الأديب الفاضل الذكي محمد بن عبد الله بن علي(1) بن الحسين، سيد جليل، فاضل نبيل، حريص على الطاعة مواظب على أنواعها، متواضع، حسن الأخلاق، يعز نظيره، وهو من أذكى الناس.
وكان يسميه السيد الصلاحي المعري لتوقد فهمه ويلقبه بالحكيم، ونقل عنه السيد الصلاحي مسائل من ذلك أنه استشكل السيد - رضي الله عنه - ما روى الوائدة والموءودة في النار فإن الرازي جعل الموءودة هنا الطفلة المستخرجة بالعرك من البطن، وهذا مشكل على قاعدة العدل.
__________
(1) في (ب): محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله.

قال السيد محمد بن عبد الله: ليس المراد بالموءودة الطفلة بل المعروكة وهي الحامل، فالمعنى حينئذٍ العاركة والمعروكة في النار، وهذا لا غبار عليه، فإن المعروكة تستحق النار لتمكينها العاركة وغير هذا، وأخبرني السيد عز الدين - أسعده الله - قال: قد كان الصنو الصلاحي - رحمه الله - أخبرني أن ابن حجر العسقلاني الشافعي ذكر أن الاستثناء في قوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم)) مدرج في قوله غير فحفظت هذا ورويته عنه ، فدارت المسألة بعد موته - رحمه الله - في حضرة المولى العلامة محمد بن الحسن بن أمير المؤمنين - أعاد الله من بركته - فرويت هذا ونسبته [إلى من نسبه] إليه(1)، وهو ابن حجر، فطلب التلخيص فلم يوجد بعد كثرة البحث شيء من ذلك، فافترقنا، وفي النفس شيء، فلما كنت في المنام رأيته - رضي الله عنه - فقال لي: رويت عني كذا وكذا ولم تجده فلعله توهم فيك متوهم فقلت: نعم، فقال: هو في نسخة التلخيص في المحل الفلاني في الصفح الفلاني، وعين المحل، فلما أصبحت وجدته كما قال كأنه أرانيه عياناً، وعلى ذكر هذه الرؤيا أذكر ما أخبرني به السيد عز الدين أيضاً قال: كان بعض الشيوخ من الأعراب أهل التقوى والتمسك بالأمور الجلية من الشرع يحضر محضر الصنو صلاح الدين فيذكر أنه رأى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ويخبر بأشياء فيرتاب السادة الحاضرون في خبره، بل ربما قربوا من التصريح برد ما يحكيه فجاء يوماً إلى السيد صلاح الدين، وقال: يا مولانا قد رأيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وقال لي: يا فلان، تردد الجماعة في خبرك وقولك أنك رأيتني، فقال: نعم يا سيدي، فقال له: اذهب - إن شاء الله - إلى الولد صلاح بن أحمد وأخبره بكذا وكذا، وقل له: قال لي النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: أمارة صدق هذه الرؤيا أنك رأيته هذه الليلة بصفة كذا وكذا وقال لك كذا
__________
(1) سقط من (أ).

وكذا وكذا، قال الشيخ: فقد رأيت هذه الرؤيا يا مولاي أن تصح الإمارة صحت رؤياي وإلا لم أعد إلى ذكر شيء.
قال السيد صلاح الدين: بلى والله صدق صدق حديثك وصدقت /200/ رؤياك رأيته - صلى الله عليه وآله وسلم - هذه الليلة بصفة ما ذكرت.
وكان مجلس السيد الصلاحي محط الرحال للفضلاء معموراً بالمكارم، ينافس فيه أهل الهمم، ولقد رأيته في بعض الأيام خارجاً إلى بعض المنتزهات بصعدة، فسمعت الرّهج وقعقعة المراجعة مع حركة الخيل من محل بعيد، فوقفت لأنظر فخرج في نحو خمسة وثلاثين فارساً إلى منتزه بئر رطفات، وهم يتراجعون في الطريق بالأبيات(1)، ومنهم من ينشد صاحبه الشعر، ويستنشده، وكان هذا دأبه، وكان كلفاً بالعلم، كان إذا سافر فأوّل ما تضرب خيمة الكتب فإذا ضربت دخل إليها ونشر الكتب والخدم يصلحون الخيم الأخرى، ولا يزال ليله جميعه ينظر في العلم، ويحرر ويقرر مع سلامة ذوقه الذي ما يوجد لها(2) نظير، وكان مع هذه الجلالة يلاطف أصحابه وكتابه بالأدبيَّات والأشعار السحريَّات، فكلهم راوٍ من معين آدابه، من ذلك ما كتبه إلى السيد العلامة الجليل الحسن بن أحمد بن محمد الجلال - عافاه الله تعالى -:
أفدي الخيال الذي قد زارني ومضى ... ولاح مبسمه كالبرق إذ ومضا
نضَا عليَّ حساماً من لواحِظه ... فظلْتُ ألثم ذاك اللحظ حين نضا
وحين ودّع مشغوفاً به دنفاً ... ألقى من الصبر أثواباً له وقضا
فليته دام طول الليل يصحبني ... بطيفه وشفى(3) من حبه الغرضا
أحببت كل لطيفٍ في محبته ... وكل وهمٍ على قلب الشجي عرضا
حتى لقد شغفت نفسي بجوهرهم ... وصرت من أجل هذا أشتهي العرضا
وكيف لا أشتهي طول(4) الخيال وقد ... وافى خيال كريم زار حين قضا
قضى عليّ بإنشادي وأخبرني ... بأنه لقديم العهد ما نقضا
ذاك ابن أحمد زاكي الأصل من قصرت ... عنه المصاقع حتى بذهم ومضا
__________
(1) في (ب): الأدبيات.
(2) في (ب): له.
(3) في (ب): وسقى.
(4) في (ب): طيف.

ومن كسا الروضة الغنَّاء بهجتها ... بخلقه وحبا الهندي حسن مضا
يا سيداً وطئ الجوزا بأخمصه ... اسمع مقال فتى ذكراك ما رفضا
في كل وقتٍ له ذكرى تهيجه ... حتى إذا سعر الهيجاء زار وضا
إني بعثت بها غراء صادرة ... عن خاطرٍ من عوادي الدهر قد مرضا
أبغي رضاك إذا أسعدت طبعك في ... إنشادها وخيار الصحب رام رضا
فأجابه السيد العلامة الحسن بن أحمد وهو ممن استعبد البلاغة، وسحب ذيل التيه على سحبان ومرَّغ بتراب العجز ابن المراعة:
قد لاح سعدك فاغتنم حسن الرضا ... من أهل ودك واستعض عما مضا
لما بعثت لهم بطيفك زائراً ... تحت الدُّجى ولفضلهم متعرِّضا
بعثوا عليك كتائباً من كتبهم ... هزموا بها جيش اصطبارك فانقضا
لكنها أبكار أفكار لو ان ... البدر قابلها بليلٍ ما أضا
/201/
درر كست زهر الدراري رونقاً ... ثم اكتست ما للصوارم من مضا
لمَّا أقامت للوفاء شرائعاً ... نصبوا لها بالطرس ثوباً أبيضا
وأتت إليَّ فبت ألثم صدرها ... حتى تناثر عقدها وتنقضا
وحكت فرائده فرائد أدْمعٍ ... أرسلتها مزناً لبَرقٍ أومضا
من نحو أحباب تناءت دارهم ... عنا فعوضنا النوى ما عوضا
لكن محبتهم بقلبي دائماً ... ما والمهيمن عنه يوماً قوضا
فلهم ضلوعي منحنى وعقيقهم ... في مقلتي وبمهجتي لهم غضا
من كان يعرض عن أحبَّة قلبه ... بعد الفراق فإنني لم(1) أعرضا
ولو ان طيفهمُ شفا لكنَّهم ... بخلوا بذاك وناظري ما أغمضا
رحلوا وما رحلوا عن القلب الذي ... ما زال إشفاقاً عليهم ممرضا
فاستوطنوا الصّهوات ثم تظللوا ... تحت الرماح وكل سيفٍ منتضا
سيما صلاح الدين صفوة أحمد ... غيث الوجود ورأس آل المرتضا
طعان أفئدة الصفوف إذا دجا ... ليل العجاج وحار فرسان الفضا
وإذا أغار بفيلقٍ هو رأسهم ... نحو الكريهة هاله صرف القضا
يابن الأئمة والملوك ومن له ... شرف به شرف الزمان وقُرِّضا
وافى كتابك معلناً بأخوَّةٍ ... وبأن ودك لي غدا متمحضا
__________
(1) لعلها: لن.

ويقول ذكرى ما نقضت وإنني ... لجميلِ ذكرك دائماً لن أنقضا
واستخبر الطير الذي وافاك هل ... أعرضت عن ذكراك أم لم أعرضا
ولقد تعاطاني الجواب ولست من ... فرسان ميدان غدا لك مركضا
هيهات ما العيس الفواضل في الفضا ... تجري مع الخيل العراب فتنهضا
والبحر ما وشل يباري موجَه ... فاعذر فقد حملتُ أمراً مبهضا(1)
ولو ان حقك لم يكن مستعظماً ... لغفلت عن رد الجواب المقتضا
لاعن قلا بل صار دهري نائماً ... عن نصرتي ولشغلتي متيقضا
ولقد غفرت له سوى شحط النوى ... وزرا جناه لطهره قد انقضا
بأبي رمَى وبأسرتي مرمى به ... فترى الفؤاد مقطعاً ومقرّضا
عاينت سبعة أشهر من عهدهم ... والدمع يجري في الخدود مفضضا
فإذا ترى نقصاً فذلك أصله ... ولقد جعلتك للصلاح(2) مفوَّضا
ومن جملة ما كتبه العلامة الفقيه مطهَّر بن علي إلى السيد الصلاحي بأبي عريش:
إن كان أحبابنا بالهجر قد طابوا ... قلباً فسيَّان أعداءٌ وأحبابُ
وهل يريد بك الأعداء أقتل من ... هذا المصاب الذي من دونه الصابُ
/202/
شدوا المطايا غداة البين فانزعجت ... نفسي كأنَّ غرابَ البين أقتابُ
وثارت العيس بالأضعان راعية ... يوم النوى فاستوى راعٍ ونعَّابُ
لله روحي وقلبي بعد بعدهمُ ... ورحمة لعيُوني غبَّ ما غابوا
فالروح طير والقلب قد فتحت ... سماؤه فهو يوم البين أبوابُ
والعين كالعين من بعد الرحيل فما ... ينفك من جفنها فيضٌ وتسكابُ
وكل جارحة مجروحة بسكا ... كين الفراق كأن البينَ قصَّابُ
أحبابَنا إن نأت عنَّا دياركمُ ... وقوَّضت من خيام الوصل أطنابُ
فالقلب قد ضربت فيه خيامكمُ ... ومالكم عند طول الدَّهر إضرابُ
وكيف أسلو أخلاءَ الصفاء وقد ... شبوا الجوَى ولمحض الود ما شابوا
وإن أهل جنان الخلد في غرفٍ ... مبنيَّةٍ تحتها نخل وأعنابُ
لهم فواكهُ مما يشتهون ومِنْ ... صافي الشراب أباريقٌ وأكوابُ
__________
(1) في (ب): منهضاً.
(2) في (ب): في الصلاح.

يطوف غلمانهم بالراح بينهمُ ... وعندهم قاصراتُ الطَّرْفِ أترابُ
وكل ذلك لا يسليهمُ أبداً ... عن اجتماع بإخوانٍ لهم طابوا
وأقرأ على عذلي القرآن ما(1) سمعوا ... في الريح والطور والتطفيف ما عابوا
فأجابه السيد الصلاحي - رضي الله عنه -:
ما طبت من بعد أصحابٍ لنا طابوا ... نفساً ولا آب نومي بعد ما غابوا
فالقلبُ والعينُ والأحشاءُ بعدهمُ ... لها خفوقٌ وتسكابٌ وتلهابُ
والصبرُ والوجدُ والأشواقُ قد فُتِحَتْ ... وأُغلِقَتْ مُذ نأوا من تلك أبوابُ
أقمارُ تَمٍّ غدا في القلب برجهمُ ... إذاً يكن(2) لهمُ في الطرف حسَّابُ
ومنها:
يا عاذليَّ دعاني بعد بعدهم ... وأقصرا عذلاً أدناه إطنابُ
فما على فاقد الإخوان إن هتكت ... من صبره أدباً وأعن ذاك أبواب
وهل يعوض عنهم شادن غنج ... كلاَّ ولا قاصرات الطرف أرتاب(3)
ومنها:
وحدثانَي عن صحبٍ نأوا فنأتْ ... عنا علومٌ وأخلاقٌ وآدابُ
لا أوحش الله منهم إنهم نفرٌ ... ما إن يناط بهم شينٌ ولا عابُ
إن غار إخواننا فالدمع بعدهمُ ... ما غار بل هو في الخدَّين سَكَّابُ
ومن شعره - رحمه الله - في التضمين:
بأبي وردة على الخد حمر ... اء لها في القلوب أي اشتعالِ
لم أكن من جناتها علم اللـ ... ـه وإني لحِرها اليوم صالي
وله - رحمه الله -(4):
وفتاة جنسوها إذا(5) مشت ... بفتاة قلت ذا التجنيس خطي(6)
أرسلت من ليل هدبٍ أسهماً ... وسهام الليل قالوا ليس تخطي(7)
أبرزت شرطاً بخدٍ ناعمٍ ... فحبتني علماً من فعل شرْطِ
/203/
قدحت نار جوًى إذ نهضت ... فاعجبوا يا رفقتي من أي(8) سقطِ
ولوت حين سألنا جيدها ... ثم قالت حين أعطوا لستُ أعطي
__________
(1) في (ب): القرآن يستمعوا.
(2) هكذا في (أ)، ولعل الصواب: إن لم يكن، كما جاء في (ب)، أو إذ لم يكن ظن في (ب) أيضاً.
(3) لعلها: أتراب.
(4) زيادة في (ب): تعالى.
(5) لعلها: إذ أو إن.
(6) في (ب): حظى.
(7) في (ب): تخطى.
(8) في (ب): أي.

وقال - رضي الله عنه - لمَّا مررنا في قراءة المطوَّل بقول الشاعر:
إن دهراً يلم شملي بسعدا ... لزمانٌ يهم بالإحسانِ
قال شيخنا في هذا إخفاء فقلت في ذلك:
إن خلاً يقول هذا لخلٍ ... وإلهي من الجفا بمكانِ
ليس بعد اجتماع صبٍ بحب ... غير فعل الزمان للإحسانِ
وقال في التورية، وقال ليس المقصد إلا لها:
ومائس أرشفني ريقه ... لله من غصنٍ رطيبٍ وريق
نقي خدٍ فوقه جمرةٌ ... ففزت مابين النقا والعقيق
مثل سحيق المسك أصداغه ... واحسرتي من بعد ذاك السحيق
أغرقت في حبي له فانظروا ... إنسان عيني من هواه غريق
عتيق وجهٍ منهلي(1) ريقه ... لا غرو(2) وهذا زمزم والعتيق
رقيق حسنٍ رقه سيد ... مملَّك فاعجب لهذا الرقيق
قد فتق القلب غرامي به ... مذ باح [لي](3) واطرباً للفتيق
وله في الاكتفاء والاقتباس:
وغيد بأبيات العروض غرامها ... خرقن شغاف القلب فاتسع الخرقُ
وزنت بيوت الشعر يوم رحيلها ... الا فاستروا فالوزن يومئذٍ حقُ
وله فيها والاقتباس ورد العجز على الصدر:
ليت شعري متى أفوز بصحبٍ ... مزجوا كأس وصلهم زنجبيلا
وأرَى معشراً خفافاً لطافاً ... خلفوا للورى يوماً ثقيلا
وألاقي أحوَى أغن غضيضاً ... ردفه قد غدا كثيباً مهيلا
سل سبيلاً منه إلى كأس ثغرٍ ... تلقها إن شربتها سلسبيلا(4)
وله في التورية:
وربَّ غزالٍ فاتر اللحظ(5) فاتنٍ ... زكت منه أخلاق كما قد زكا بحرا
أتى نحو كهفي سارياً فشكرته ... لأنيَ أهوى الكهف والله والإسرا
وله فيها:
حمَى ثغرَه لمَّا أردتُ ارتشافه ... بسيفٍ بجفن منه جُرِّدَ للفتكِ
كذاك سيوف الهند تحمي بها الورى ... ثغور ذوي الإيمان خوف ذوي الشرك
وله فيها:
رُمْتُ أنفالاً من الخلِّ فما ... جادلي والله إلا ببراءة
ليته يؤنس بالوصل فتىً ... يتمنى أبد الدهر لقاءه
__________
(1) في (ب): منهلى.
(2) في (ب): لاعز.
(3) لعلها كلمة ساقطة.
(4) هذا البيت زيادة في (ب).
(5) في (ب): اللخط. ولعل الأصوب ما أثبتناه.

/204/ وهو مكثر من هذا المعنى، وله قصائد نبويات كثيرة، منها معارضة لقصيدة الإمام شرف الدين:
لكم من الحب صافيه ووافيه
ومعارضة لقصيدة الصفي الحلي:
فيروزج(1) الصبح أم ياقوتة الشفق
وغيرها ولم تزل حاله قرينة السداد بالسعادة محفوفاً بالفضل والفصل مخدقاً(2) نافذ الكلمة إلى أن دخل من صنعاء بعد خروجه إليها مغيراً لما نهض الحسنان - عليهم السلام- لأخذ زبيد فاستنهضه الإمام فنهض وأقام بصنعاء كالموئل والعدة لأنها نجمت من قبائل صنعاء نواجم. ومن عجائبه - رحمه الله - أنه لما استنهضه الإمام طالع شيئاً من الجفر فقال لخواصه: أنا لا أتجاوز الجبال إلى تهامة، أو ما هذا معناه. ومن عجائبه أنه استخرج في بعض الأيام غزو الأروام لحيس، وكان فيها عضد الدين الشيخ علي بن شمسان فإنهم حملوا عليه إلى البلد حملة منكرة، وضربت الخيل بسنابكها في البلد وطعنوا الخيم، وكان الذي استخرجه السيد لفظة خيل دقي حيس وأخبر بذلك، وكان له بهذه العلوم إلمام وتلقاها عنه بعض تلامذته، ولقد رآه الصنو العلامة محمد بن الهادي بن أبي الرجال في المنام بعد مماته - رحمه الله - فسأله أن يوصيه، فعجل رجل كان حاضراً بذكر تقوى الله والتوصية بهذا، فقال له السيد: هذا رجل ا مثله يوصى بهذا التمكنة منه، لكن أبلغ عني الصنو إبراهيم بن محمد السلام وقل(3): طفا(4) موقود في فم موقود، فكتبها الصنو بدر الدين، وحفظها حتى اجتمع بالسيد الصارم فطلب دواة ونقش نقوشاً وكتب حروفاً يستخرج منها ما لفظه: قل لإبراهيم يسكن (يسنم) (5)، ويسنم بلد من مساكن السادة، وهجرها لعلنا نذكر أوّل من هجرها منهم في ترجمته - إن شاء الله تعالى -.
__________
(1) لعلها: فيروزة.
(2) في (أ): محدماً.
(3) زيادة في (ب): له.
(4) ظفاً.
(5) يَسْنم: وادٍ من مديرية باقم في شمال صعدة. (معجم المقحفي، ص 1911).

قلت: فما زال السيد على ما وصفته من الحال الحسنة حتى عاد هذه العودة من صنعاء، فوافى السيد العلامة شيخ آل محمد محمد بن عبد الله المعروف بأبي علامة مريضاً، فانتقل إلى جوار الله وهو حاضر له، ثم توجَّه إلى مقام والده، فلم يلبث والده أن نقله الله إلى جواره، فاجتمع الناس إلى السيد الصلاحي فتفوَّه بأقوال حاصله(1) أنه لا يستطيع الولايات ولا يستطيع الخروج عن طاعة الإمام، فهو يسأل من الله تعجيل رحلته، فلم يكن إلا نحو ثلاثة أيام، وقد قضى نحبه، ولقي ربه، وهؤلاء الثلاثة السادة كانوا عيون الزمان وإليَهم يلمح سيدي الصارم في مرثيته التي أوَّلها:
أرى بصري قد زاغ واستعظم الأمرا ... نعم قد أراه الله آيته الكبرى
تتابع ساداتٌ كرامٌ غطارفٌ ... جحاجحةٍ غرٌّ قد استوطنوا القبرا
وكانت وفاته - رحمه الله -(2) سنة ثماني وأربعين وألف بقلعة غمار من جبل رازح، وقبر بالقبَّة التي فيها السادة الأجلاء - رحمهم الله - السيد أحمد بن لقمان والسيد أحمد بن المهدي، ورثاه جماعات كالعلامة المطهر بن علي بقصيدة فاضلة لم يحضرني منها إلا هذا القدر:-
مصاب جل في كل النواحي ... فلم يملك به غير النواحِ
ورزءٌ فتَّ أفئدة البرايا ... ولا سيما قلوب ذوي الصلاحِ
/205/
أردنا أن نكتمه احتساباً ... فلاحَ لأهل حيَّ على الفلاحِ
هي الأيام تخفض كل عالٍ ... وتلطم بالمسا وَجْهَ الصباحِ
شغلنا عن مصاب أبي صلاحٍ ... بموت أبي محمد الصلاحي
فتى فات(3) الورَى علماً وحلماً ... وأشجع من مشَى يوم الكفاحِ
__________
(1) لعلها: حاصلها.
(2) بياض في (أ)، (ب).
(3) لعلها: فاق.

وهي طويلة، ونسج على منوالها العلامة المحقق القاضي محمد بن عيسى بن شجاع الشقيقي - بقافين - التهامي، ورثاه أبو القاسم المصري فأجاد كثيراً، وأمّا السادة فناحوا عليه بما يلين الصخر وما ينسي بما قالته الخنساء في صخر، وللسيد الصارم مرثية، وللسيد الهادي بن إبراهيم بن عبد النبي أخرى، وللسيد صلاح الدين صلاح بن أحمد أكثر من قصيدة.
قلت: ومن شعر السيد الصلاحي - رحمه الله، وأعاد من بركته -.
حسبي بسنَّة أحمد متمسكاً ... عن كل قول ٍفي الجدال ملفقِ
أو ردْ أدلتها على أهل الهوى ... إن شئت أن تلهوا بلحيَة أحمقِ
واتركْ مقالاً حادثاً متجدداً ... من مُحْدِثٍ متشدقٍ متفهقِ
ودع اللطيف وما به قد لفقوا ... فهوَ الكثيف لدى الخبير المتقي
ودع الملقب حكمَة فحكيمه ... أبداً إلى طرق الضلالة يرتقي
قد جاء عن خير البريَّة أحمد ... إن البلاءَ موكَّلٌ بالمنطقِ
والله ما كان الجدال بعصره ... لا في رُبا بدرٍ ولا في الخندقِ
ما كان إلا سنةٌ نبويةٌ ... عن صادقٍ في قوله ومصدقِ
ووميض برق سيوفه في جيشه ... يهمي من الأعداء ماء المفرقِ
قامت شريعته بكل مذلقٍ ... ذرت شباه لا يذل (منمقِ)
صلى عليه الله ما برق شرى ... أو ما شدت ورق بغصن مورقِ
قلت: وعلى ذكر هذا الشعر إذكر ما قاله السيد الحافظ محمد بن إبراهيم الوزيري يخاطب بعض الراغبين لقراءة المنطق(1):
يا طالب العلم والتحقيق في الدينِ ... والبحث عن كل مخزون ومكنونِ(2)
أهلاً وسهلاً عسى من رام تبصرةً ... مني وهدياً إلى الخيرات يهديني
لكن أطعني وأنصف في الدليل معي ... فمن يقلد فيه لا يوَاتيني
أُمِرْتَ أن تطلبَ الدينَ الحنيفَ ولو ... بالصينِ أو بالأقاصي من فلسطينِ
والعلم عقل ونقل ليس غيرهما ... والعقل فيك وليس العقل في الصينِ
وفي حديث بن عمرانٍ لنا عبرٌ ... فانظر إلى شأن موسى صنو هارونِ
__________
(1) في (ب): فقال.
(2) في (ب): مكنون ومخزون.

من رام سعياً إلى معقوله حقباً ... فعنده العقل بل عند الشياطينِ
بل رام مكنون علم ليس يدركه ... فهم العقول بمعلوم البراهينِ
مواهب من يقينٍ غير ممكنة ... للخلق يهجم في يُسرٍ وتهوينِ
وواردات من الإيمان ليس تطيـ ... ـق النفس حجر هدى منها وتبيين
/206/
يكون عند وقوع الخارقات وعنـ ... ـد الفكر فيها وبالإخباتِ واللينِ
وبالتضرُّعِ عن ذلٍ ومسكنةٍ ... يمكنُ العبدُ منها أيَّ تمكينِ
وانظر كلام عليٍّ في وصيته ... ريحانة المصطفى خير الرَّياحينِ
به اطمأنَّ خليلُ الله حين دعا الـ ... ـموتى فأحيا له الأطيار في الحينِ
ومؤثر الحق أغناهم بغير غنى ... ثعبان موسى المبين(1) في الفراقين
وقوم عيسى أرادوا منه مائدةً ... ليطمئنوا بها لا وضع قانونِ
وقوم أحمد لمَّا جاء ذكرهمُ ... أعيت طوائنه عن ظل المساكينِ(2)
ولم يجبهم أمين الله مكتفياً ... به إذا لم يكن فيهم بمأمونِ
وأم موسى اطمأنت حيثما طرحت ... في اليم موسى بوحيٍ غير تخمينِ
ومريم حين جاء الروح في مثل ... لها بسرٍ من الرحمن مكنونِ
وقومها حين لاموها فبرَّأها ... في المهد أيُّ مزكى الذات ميمونِ
وفتية الكهف قد نص الإله لنا ... حديثهم وأحاديث الميامينِ
هذي الخصائص والمعقول نعمته ... مبذولة بين مهدي ومفتونِ
فواضح العقل معروفٌ وغامضه ... مواقف ومحارات لذي الدينِ
وكيف يهدي لي اليونانُ علمهمُ ... لاهتدي وهمُ في دينهم دوني
لو كان يعصم لم يكفر مصنفه ... ولم يكن أهله روس الملاعينِ
أو كان جاهله في الدين محتقراً ... لكان خير البرايا في المعانين(3)
أو كان أفلاط في أعلى الذرا شرفاً ... والفيلسوف ابن سينا غير مغبونِ
قليت ذا العلم من بعد الرسوخ به ... واعتضت بالذكر منه غير محزونِ
ما فيه إلا عباراتٌ مزخرفةٌ ... أبادهن ابن حزم بالتبايينِ
__________
(1) في (ب): المثنى.
(2) كذا في (أ) و (ب).
(3) المغابين. ظ

كم من فتى منطقي الذكر ما خطري(1) ... بالبال منه اصطلاحات القوانينِ
وكم فتىً منطقي كافر نجس ... كالكلب بل هو شر منه في الهونِ
يدري وساوس أهل الكفر متقنةً ... فهماً ويسخر من طه ويسينِ
لذلك الرسل لم يعنوا بذاك إلى ... محمدٍ من سليل الماء والطينِ
بل اكتفوا بالذي فينا مع نظرٍ ... سهلٍ بغير شيوخٍ كالأساطين(2)ِ
مع اعتراض شياطين الكلام لهم ... وشهرة الطعن في كل الأحايينِ
فاطلب معي علم خير الرسل إنَّ به ... دواء داءين مكشوفٍ ومدفونِ
علومه استغرقتني ليس بي سعة ... لغيرها وبها فرضي ومسنوني
ففي أسانيدها تأسيس معرفتي ... من علم جرحٍ وتوثيق وتليين
/207/
وفي المتون التي صحت بلا عللٍ ... دواء داءٍ وفيها الفقه في الدينِ
وفي الشواهد والأسماء تكملةٌ ... وفي الغريب وفي شرح الدواوينِ
هناك عقلي يهديني إلى طرقٍ ... في الحق لا يهتديها كل مأفونِ
وأطرح الزيف والمنسوخ مجتنباً ... للحيف هذا في ديني قوانيني
وإن أردت سواها لم أزدك وإن ... أردتها كنت دون الناس تعنيني
هذا واختم بأبياتي بقول فتى ... يزين شعري ختاماً آيّ تزيينِ
إن اشتغلت بعلم الناس أحرسه ... عمري فذلك شيء لا يواتيني
وإن رجعت على علمي لأحرسه ... فطالب العلم يمضي ليس يأتيني
ثم الصلاة على أعلى الورَى شرفاً ... في العلم والعقل والأخلاق والدينِ
قلت: وقد أحببت نقل هذا الشعر؛ لأنه مما يليق بالكتاب إذ هو من أخبار الناس، وهو بمثل هذا المحل يليق، وقوله: قليت ذا العلم من بعد الرسوخ به، هو كما قال قد زاحم فيه أربابه وأرسخ في أرضه أطنابه، وبعد ذلك صنف كتباً فيها كما قال: قل سفه الفلاسفة ونحوه، وقوله:
لذلك الرسل لم يعنوا بذاك إلى ... محمد من سليل الماء والطين
__________
(1) لعلها: خطرت.
(2) الأساطين: الأسطونة بالضم: السارية، مُعَرَّب، وقوائم الدابة، وأساطينُ مُسَطَّنَةٌ: موطدة. (القاموس المحيط، ص1111).

هو كما قال: واذكرني ذلك بما أملاه شيخنا الوجيه عبد الرحمن الحيمي، قال: ذاكرت السيد العلامة محمد بن عز الدين المفتي فرأيته نادرة في الفهم وسرعة الانتقال، فلما ذاكرته في فضائل المنطق، قال: إذاً علم الأنبياء وأصحابهم قاصر لعدم العاصم، ونحن أثبت منهم، قال: ثم رأيت هذا البحث للفخر الرازي، وقد أجاب عنه لكنني أحسب ابن الخطيب لم يحل ذلك إلا بعد نحو شهر، هذا كلامه، وقد أوسع الناس في الكلام على حسن هذا العلم، وقبحه، وناهيك بذلك وصمةً حيث التردد حاصل بين الحسن والقبح، مع العلم بأنه ناشئ في الإسلام في زمان المأمون بعد رسوخ الحق، وهو مع ذلك من صناعة اليونان، قالوا إنه لمَّا أراد والي المأمون إخراجه من خزائن اليونان إلى الديار الإسلامية صعب عليهم، فقال منهم قائل: دعوهم يخرجوه فإنه ما دخل ملة إلا فرق أهلها، وقد استوفى(1) في الكلام على هذا بن الصلاح والنووي والقزويني والجلال الأسيوطي، وعد بتصنيف كتاب في أسماء من حرَّمه وأئمتنا الجلّ منهم يحرمون قراءته، والله أعلم.
صلاح بن داهم المرهبي [ - ق 10هـ]
__________
(1) في (ب): وقد استوفى.

الفقيه الماجد فخر الكتاب أوحد المؤرخين صلاح بن داهم المرهبي(1)، كان عالماً كبيراً متبحراً في أنواعٍ من العلم واشتهر منها بالنجوم حتى يظن بعض الناس أنه محصوله من العلم، وليس كذلك إلا أنه شرع في هذا العلم وحقق، وما يلحق به من العلوم الزيارج وغيرها، وكان له خط مشهور بالجودة، ووضع تاريخاً لأيَّامه، ولعله لم يتم لأنا لم نعرف منه إلا كراريس، وهي لأيام(2) المتوكل على الله يحيى شرف الدين - عليه السلام- خاصّة جعله على الأيام، وكان من أعيان الوقت، وقد أثنى عليه السيد عيسى بن لطف الله وغيره من المطلعين /208/ على التاريخ، وله شعر من ذلك ما كتبه عقيب ما كمل به السيد فخر الإسلام عبد الله بن الإمام شرف الدين - عليهما السلام- لقصيدة والده وهي الوسيلة التي منها:
فإنك ملجانا وفيك رجاؤنا ... وفيك لنا ما نرتجي ونرومُ
فقال الفقيه صلاح الدين:
لكم(3) شمس نصر أشرقت بعدما دجى ... من اليأس ليل قبل ذاك يهيمُ
وكم أضرم الباغون ناراً لحربنا ... فحاق بهم منا لظىً وجحيمُ
وكم فتحوا باباً لشرٍ وفتنة ... فرُدُّوا بغيظ(4) خائبين ضيموا
وكان بذاك الفتح من فضل ربنا ... لنا جُلَّ فتحٍ من لديه جسيمُ
وأعقَب بعد العسر يسراً(5) وراحةً ... ونصر وتمكين تلاه عظيمُ
كفانا تعالى قبل ما قد أهمنا ... ونرجوه في الحالين فهو كريمُ
فراجُوه صدقاً لا يخيب رجاؤهم ... لدَيه ومن لم يرج فهو رجيم
فيا رب يا ربَّاه يا رب إننا ... رجوناك فارحمنا فأنت رحيمُ
توفي - رحمه الله - في …(6)
صلاح بن عبد الخالق بن يحيى بن جحاف [ - 1053هـ]
__________
(1) في (ب): صلاح بن داود بن علي بن داعر المرهبي.
(2) زيادة في (ب): الإمام.
(3) في (ب): بكم.
(4) في (ب): بغيضٍ.
(5) في (ب): يسرٌ وراحة.
(6) في (ب): بياض في الأم.

السيد اللسان، العالم المحقق العابد المتأله، البليغ الحاوي لغرائب الخصال، صلاح بن عبد الخالق بن يحيى بن الهدى(1) بن إبراهيم بن المهدي بن أحمد بن يحيى بن القاسم بن يحيى بن عليان بن الحسن بن محمد بن الحسين بن جحَّاف - رضي الله عنه - هو السيِّد الجليل حسنة الأيام، وزينة الدنيا، الحاوي لكل غريب، والآتي بكل عجيب، وعلى تفنن واصفيه بوصفه يفنى الزمان، وفيه مالم يوصف. كان نادرة الوقت في جميع أنواع الخصال واتساعه للناس على أنواعهم واختلاف طباعهم، فأمَّا العلماء فهو صاحب البيت ولا غرو أنْ يألفهم ويألفوه، فكان مدرساً في العلوم، وكان وحيداً في علوم الأدب وأيام الناس، يذكر به الأوائل من الحفاظ ومفردات اللغة، قلَّما يوجد له نظير كما أخبرني بذلك شيوخ يعوَّل على نقلهم، وكان فقيهاً عارفاً بالفروع مرحولاً إليه، ومعولاً عليه، سيما في (البحر الزخار)، فهو أستاذه، وكان كثير الولوع به، وكان في علم الطريقة إماماً كاملاً، وشرح التكملة بشرح عظيم(2) مفيد يدُلّ على علو منزلته، وارتفاع فطنته، ولمَّا اطلع على هذا الشرح مولانا وحيد العلماء الحسين بن القاسم أثنى عليه ومدحه، ورأيت بخط السيد صلاح الدين - رضي الله عنه - كتاباً إلى شيخنا العلامة شمس الإسلام أحمد بن سعد الدين - رضي الله عنه - فيه ما حاصله أنه صدر هذا الشرح لتطلعوا عليه، وتصفحوا ما فيه، وكأني بفلان يقول: كذا يلمح إلى عبارات من سيدنا العلامة علي بن سعيد الهبل - رحمه الله - يلاطفه بها، ثم قال: قد فرقت عليكم هذا الشرح وكلفتكم به ثم انثنى إلى ما يعتاد من ملاطفته، فقال: وعند التحقيق هو شرح مفيد قد أثنى عليه فلان، وذكر سيدي الحسين - رحمه الله تعالى - وكان سيدنا شمس الإسلام إذا ذكر هذا السيد الجليل ذكر(3)
__________
(1) كذا في (أ) و (ب).
(2) هو نهاية الأفهام لمعاني تكملة الأحكام للإمام المهدي نصر بن يحيى المرتضى، قال الحبشي في مصادره: خ - جامع 206 تصوف.
(3) في (ب): روى.

عنه عجائب ونوادر وعلميَّات وأدبيات، هزليات وجديَّات، ويقول: أنا أعجب من ذلك الإنسان، يتسامح في مجلسه ويتواضع مع العامة، ويمر السوق لحاجته، ويقضي /209/ مهم أهله بنفسه، واضعاً للكبر متواضعاً متبذلاً في الثياب، ومع ذلك لا يزال قدره في علوٍ وسموٍ إذا دخل حضرة الإمام كان صدرها، قال: وكان يلاطف كل أحد بما يليق به، ويمزح المزح اللطيف، وكان سيدنا - قدس الله سره - من تلامذته، وأخذ عنه، وروى وما علمته توسَّع في الثناء على أحدٍ(1) ما توسع في الثناء عليه، ويحكى من لطائفه ما يشرح القلوب، ومضى - رحمه الله - على حال الزهد والتقشف والتكفف يكتب بقلمه بالأجرة على أنه لو أراد أن يأخذ من الدنيا بغير وزن فضلاً عن العدد لنال من الإمام المؤيَّد بالله والحسنين، ولم يكن له إلا خمسة أحرف من الإمام، ولا يطالب بغيرها، فإذا انقطعت راسل سيدنا - عادت بركاته - وعرف الإمام بعباراتٍ تهز الأعطاف متحفة، وكان الإمام لا يود فراقه، ولا يسمح إلا أن السيد - رضي الله عنه - كان لا يرضى بغير الخمُول والسكون في بلده بين أولاده على طريق قد راض نفسه عليها وعند التحقيق هي من أحسن الطرق وأسناها، فكان الإمام يطلبه عند المهمات لمشاورة وخوض فإذا اقضى الأمر الذي وصل له عزم ولا يبلغ الإمام التحيَّة إلا من أثناء الطريق فتكون تلك أحد(2) الطرق المقبولة، وكان الإمام - عليه السلام- إذا وصل أرسل بفراشه وما يحتاج إليه فإذا عزم السيد على ما وصفناه توصَّا(3) إلى الإمام: فراشكم، اقبضوه، وهذه من عباراته - رضي الله عنه - ولولا خوف الإطالة لكتبت من الحكايات ما يتزيَّن به التاريخ عند الأدباء، وكان له تلاوة ومواظبة على القرآن العظيم كليَّة، وتصميم على الحق وثبات عليه.
__________
(1) في (ب): إحدى.
(2) لعلها: إحدى.
(3) في (ب): نؤصى.

وكانت له رؤيا صادقة لا ريب أنها من الوحي وهي كثيرة جداً من ذلك ما كان يعجب به سيدنا - رحمه الله - قال: كنت كثيراً ما يدور في خلدي الإعتراض على أهل المذهب في انفرادهم بحيّ على خير العمل دون الفقهاء جميعهم، فرأيت الشيطان في المنام - نعوذ بالله منه - فذكرت فضيلة الأذان، وأنه عند تغوُّل الغيلان ينبغي الجهر بالأذان والإقامة، فأذنت فمكث الشيطان يتسمع ألفاظ الأذان حتى سمع حيَّ على خير العمل، ثم هرب وله ضراط. وغير هذه الرؤيا من المعجبات له - رحمه الله -.
وكان له شعر في الذروة العالية، وكان مكثراً في الحكمي والحميني، وكان يتجارى هو والفقيه(1) العارف محمد الرداعي، وكان الرداعي هذا من فصحاء الزمان وأدباء الوقت حافظاً للآداب، ومطلعاً على اللغة حتى قيل في حقه: إنه يحفظ صحاح الجوهري، وكان لا ينوب السيد صلاح الدين نائبة، قلَّت: أوجلت إلا وكتب إليه الفقيه منتهزاً للفرصة ويلمح بعبارات عجيبة من أنواع الحميني ومن الحكمي أيضاً، وكان لا يتفق مع الفقيه شيء إلا وانتهز(2) السيد - رحمه الله - الفرصة، وكان(3) لا يحتشمان في المجاراة الأدبية، بل يرخون العنان على طريقة الأدباء، وهكذا كان السيد - رضي الله عنه - على جلالة قدره يجاري بالملح الهزليات، ولا ينقص ذلك من قدره شيئاً، ولما اطلع سيدنا على شيء من أحوال ابن الخشاب النحوي قال في تبذله وعلمه: ما يشبه أحوال السيد وإن كان الأعداء قد نقلوا عن ابن الخشاب ما هو عنه بريء من الأدب الذي يستبعده العلماء.
/210/ وللسيد ديوان شعرٍ كامل جمعه ولده السيد الأديب عبد الخالق بن صلاح - رحمه الله -(4)، فمن ذلك ما كتبه في مدح مصحفه الكريم:
حبّذا مصحفي الذي اجتمعت لي ... فيه كل الشرائط المعجباتِ
عرضي المحاسنِ انضمَّ فيه ... باعتدالٍ إلى الجمالِ الذاتي
__________
(1) في (ب): والأديب.
(2) في (ب): وانتهض. أو انتهز ظن في (ب) أيضاً.
(3) لعلها: وكانا.
(4) في (ب) زيادة: تعالى.

فبه معجز العناية خطاً ... ونقوشاً ومعجز الآياتِ
وبه جُلّة المشائخ والقر ... اءة وأهل الخلاف في الحركاتِ
مثل قالون والإمام أبي عمـ ... ـرو وحفصٍ وحمزة الزيَّاتِ
وبه الوقف والإمالة والإخـ ... ـفا وحكم التسهيل للهمزاتِ
وعشور منبثة كزهورٍ ... في رياضٍ أنيقة غدقاتِ
فبه للقلب والسمع واللحـ ... ـظ ضروب شتى من الشهواتِ
فهو مما اصطنعتُ حقاً لنفسي ... أبتغي منه أقربَ القرباتِ
وهو لا شك روضتي وغديري ... فيه حقاً تكاملت لذاتي
وهو أنسي إذا عدمت أنيسي ... وسميري الشهي في خلواتي
وشفيعي إلى الإله وجيهاً ... في الذي أبتغيه من حاجاتي
وهو فوز أرجوه في اللحد ينجا ... ب به عنه موحش الظلمات
وأمامي يوم المعاد وذخري ... في حياتي الدنيا وبعد مماتي
ومن ملحه ما كتبه عقيب فراغه من كتابه ترجمة الحسين بن حجاج الأديب في كتاب اليتيمة للثعالبي:
الحمد لله تخلَّصت من ... حنث مقالات ابن حجاج
غسلت أقلامي ومن ليفتي ... عصرت ماء العفص والزاج
كنيف سوق من يرد حوضه ... لم يك مما فيه بالناجي
ما كان للناس إلى غيره ... في شعراء العصر من حاجي
وله قصائد غر يشحذ بها العزائم أيام الجهاد وأثارت وأثرت، من ذلك إلى سلاطين الإسلام أولاد القاسم المنصور، وإلى الأمراء كالأمير الحسين بن محمد بن الناصر شعر يفوق أشعار العصر وما قبله، وكمل قصيدة السيد الهادي بن إبراهيم الوزيري التي بنى عليها كتابه (نهاية التنويه) وذلك بإشارة سيدنا شمس الإسلام والتكملة الطويلة لسيدنا كما ذكرناها في ترجمته - رحمه الله تعالى - ومما حضرني عند الرقم ما كتبه إلى سلطاني المسلمين الحسنين، وهما بحدة حاصران لصنعاء وملوك الأروام بها ولم أنقلها اختياراً فكل شعره مختار إلا أنها حضرت عند الرقم:
بالصبر حيث ترى الأبطال تنهزمُ ... يستوجب الذكر بين الناس والكرمُ
وما يبيِّنُ َمقدار الرجال سوى ... وقائعٌ شبن من أهوالها اللممُ

كم مدَّعٍ رُتبةَ الإقدامِ ما ثبتتْ ... له مع صاربي(1) هام العُدا قدمُ
/211/
لو لم يرض في ميادين الوقائع لم ... يسكت له عن دعاوى المقدمين فَمُ
وقائد الجيش من لم يثنه مَلَلٌ ... عن المصاع ولم يعلق به سَأَمُ
ولم يهيجه ذِكْرٌ للنمارقِ في ... أعلى العلالي ولا الأطفال والخدمُ
ولا يخير أصناف المطاعم والـ ... ـلذات حيث ينال الناس ما احتكموا
سمت به نفسه عن قود شهوته ... ورفعته ولم تقعد به الهممُ
ولم يزل بأقاصي كل ناحيةٍ ... يشبّ ناراً على الأعداءِ تضطرمُ
ما سار في أرضهم جيش إلى بلدٍ ... فطنبت لهمُ في سوحهم خيمُ
إلا أزارهمُ(2) الجيش اللهام فأضحـ ... ـى وهو في لهواتٍ منه ملتهمُ
كالضيغم الحسن الضرغام من حسنت ... منه المآثر والأخلاق والشيمُ
ليث الوقائع محمود الصنائع مر ... هوب الروائح أمَّا تلتقي البهمُ
وكالحسين أخيه من به فخرت ... على ذوي جنسها المران والخدمُ
الطاعني كل قرنٍ في الهياج وشخـ ... ـص الموت يسفر أحياناً ويلتثمُ
والضاربي هامَهم والخيل واقفة ... خوف الطعان وموج الموت يلتطمُ
جيشاهما بهما إن حاربوا اعتصموا ... وكل ملكٍ بدفع الجيش يعصتمُ
هما استلانا الدلاص الزعف سابغة ... وما يناسبهما في مثلهم أدُمُ
هما استخفَّا ثقيلان(3) الترائك إذ ... لم يقدر البيض من أمثالهم قممُ
وأفحما الخيل إذ يثني مقدمها ... يوم الكريهة حر الطعن لا اللجمُ
حتى إذا ما صفا شرق البلاد لهم ... وغربها وأطاع العرب والعجمُ
تيمما شطر صنعاء المدينة قد ... غصت بجيشهمُ الغيظان والأكمُ
حتى استدارت بصنعاء جيوشهم ... تتلوهم أممٌ من خلفها أممُ
وصار في حدَّة الغنَّا معسكرهم ... وهي التي كسواد العين يحترمُ
ما دار في أمَلٍ غشيان تربتها ... ولا يُمثِّله في الرقدة الحلمُ
رعى مصُون حماها كل ذي قدمٍ ... تسعى وغاب بها المخدوم والخدمُ
__________
(1) في (ب): صارمى.
(2) في (ب): أزارهم.
(3) في (ب): ثقيلات.

تلك البقاع التي كانت ممنعة ... يحيل موثقهن الأعبد القزمُ(1)
مرانة لخيول المسلمين وقد ... كانت ترن بها الأوتَار والنغمُ
أبلغ إلى حيدرٍ مني مُغَلغلة ... وإن تمادى به من طائفٍ لممُ
وقل أطل دم أهراقها سفهاً ... أم مسَّه من تعاطي سفكه ندمُ
أم صبَّحته الجياد الجرد حاملة ... أسداً لها لِدَم في قلبها قدمُ
زارته في عقر صنعاء تبتغي ترة ... وخير من يطلب الأوتار مغتشمُ
طافت بصنعاء فانسدَّت مسالكها ... وضاق منها خناق الخلو والكظمُ
أين المفر إذا ما كنت تطلبه ... والبحر لا أمم والبر لا أممُ
/212/
إن كان ألهتك صنعاء إذ رتعت بها ... كما تُسام بلا عقلٍ لها النعمُ
فأنشدن(2) ما تقول العرب في مثل ... وأين من مثلك التمييز والفهمُ
لا حبَّذا أنت يا صنعاء من بلد ... ولا شعوب هوَى مني ولا نقمُ
ولا يحاول قتالاً كان حاصله ... عليك لا لك لا يذهب بك الصممُ
لا يفسدن نية التقيا عليك فقد ... حلَّت بسوحك فاستسلم لها نقمُ
لو أنت سالمت أو أبقيت لانقشعت ... عنك الصواعق وانهلت لك الديمُ
لكنه من أراد الله فتنته ... فليس يملك منه البرء والسقمُ
يا سادة زين مدح المادحين بهم ... بمدحهم يُبتدا شعري ويختتمُ
ليهنكم وافد العيد الشهيد بأن المجد(3) ... والفضل ما بين الورى لكمُ
وأنكم قد صدقتم في عهودكمُ ... حقاً وبرّ لكم من خلفكم قسمُ
رددتم عهد صفين فبينكم الـ ... ـمر قال والأشتر القوم الذين همُ
فمنهمُ من قضى نحباً فقد ربحوا ... وفي رياض جنان الخلد قد نعمُوا
ومنهمُ ناظرٍ باقٍ فما وهنوا ... لما أصاب ولا بانوا ولا سئمُوا
فكل كفٍّ تقي يستمد لكم ... نصراً إذا ما توارى شخصُها الظلمُ
وكل خاطب قوم فوق منبره ... فشطر خطبته في نصر جيشكمُ
حماكم الله ما غنَّت مطوقة ... وما مشت في الفلا الوخادة الرسمُ
__________
(1) في (ب): الأعبد القوم.
(2) لعلها: فأنشدت.
(3) في (ب): الأجر. نخ

وهذه أرجوزة أجاب بها سيدنا العلامة الناصر بن عبد الحفيظ المهلاَّ - حفظه الله - وهو أحد العلماء العاملين محقق كامل بليغ، قد صنف في العلوم ووضع للزيدية كثرهم الله طبقات، وأحضر الياقوت المعظم، وصنف في علم القراءة (المحرر) و(المقرر) وغير هذا، وقرأت عليه كثيراً من المصحف بروايتي قالون وورش ووضع لي أرجوزة أولها:
سألتني يابن أبي الرجالِ ... يا سامياً في رتب المعالي(1)
وأنت في هذا السؤال عندي ... كسائل كيف طريق نجدي
أهل طويل ذاك أم قصيرُ ... تَعَلُّلاً وهو بها خبيرُ
حتى قال:
قد كنت ألّفت لها المقررا ... ثم اختصرت بعده المحررا
وأخذ على هذا الأسلوب، وهو من أنبل العلماء وأحسنهم طريقة وسماحة وتواضعاً واطلاعاً على العلوم، وسيأتي ذكر والده عبد الحفيظ - إن شاء الله - وسبب الأرجوزة الواصلة من سيدنا ضياء الدين إلى السيد صلاح الدين أنه اجتمع السيد صلاح الدين بالسيد الرئيس أحمد بن صلاح بن الهادي والي جازان في الشجعة من الشرف عند موت السيد التقي ابن إبراهيم - رحمه الله - في سلخ صفر سنة خمسين وألف فوصف السيد أحمد للسيد صلاح سمكة قذفها البحر إلى موضع قريب من جازان من عجائب الوجود، فطلب السيد صلاح من السيد أحمد زيادة وصف السمكة فأمر سيدنا حسام الدين - عافاه الله - فكتب هذه الأرجوزة عنه:
/213/
الحمد لله على نعمائهِ ... حمداً على السابغ من آلائه
نسأله المزيد من إنعامهِ ... وأفضل الصلاة مع سلامهِ
على النبي المصطفى وآله ... سفن النجاة التابعي مقاله
ما سارت السفن على البحارِ ... وكور الليل على النهارِ
وبعد وافانا كتاب معجز(2) ... من ابن من له الكتاب معجز
وروده لمثلنا صلاحُ ... وكيف لا يفيدنا صلاحُ
وبحره من الأنام تغترف ... وفضله به الجميع يعترف
من ذا يحيط كابن عبد الخالقِ ... بما حواه البحر من دقائقِ
__________
(1) في (ب): الكمال.
(2) تمامه في (ب): من ابن من له الكتاب معجز.

تضمن السؤال عن شيء عجب ... أُلقي في الساحل في شهر رجب
في عام تسع بعد أربعينَ ... وبعد ألف قد مضت سنينَ
في دولة المولى الإمام الأعظمِ ... محمد نجل الإمام القاسمِ
وقلت صف فلي على الوصف حجج ... حدث عن البحر فما فيه حرج
نعم فقد أصبح في الغشيمة ... ما رأسه في الشكل مثل الخيمة
وهذه الدابة ذات الشحمِ ... كأنها مثل الكثيب الضخمِ
وطولها خمسون بالذراعِ ... وخمسة والعرض ذو اتساعِ
أما ارتفاعها فقدر تسعة ... وطول عظم كل لحي سبعة
كأنه في جرمه دعامة ... وقس على اللحى اتساع الهامة
وإنه لخمسة قد يثقلُ ... ودونهم للحيها لم ينقلوا
وعينها تدويرها ذراعين ... شاهدت ما أخبرت عنه بالعين
وقلت لي كيف فقار الظهرِ ... فقلت قدر العظم مثل الصخرِ
لسانها يشبه طرف العظبِ ... وذاك عن جرمٍ كبير ينبي
وكل ضلع طوله كاللحي ... وذا من الأوصاف بعض الشيء
قد اكتفيت فيه بالإشارة ... عن كله قد تقصر العبارة
وما رواه الحبر عن ذي البحر(1) ... في السمك المنبوذ عند البحر
وليس بحر الشام قد عرفتم ... بأنه البحر الذي ذكرتم
وما أتى في مثله عن جابرِ ... من أكله وسيفه المسافرِ
فذاك ممن قد عرفت أكبر ... ولحمه من لحم هذا أكثر
لأن وقب عينه كبيرُ ... ودهنه متسع غزيرُ
وضلعه من تحته مَرُّ جَمَلْ ... وفوقه فتى طويلاً قد حمل
وقد روى لنا الفقيه يوسف ... بأنه مثل الكثيب يوصف
ذاك الكثيب الضخم في الرواية ... والشهر للأكل رواه الغاية
لا مثل ما أوردت نصف شهرِ ... ثم أتوا إلى النبي الطهرِ
وقد رواه حجة للشافعي ... فخذ بتوجيه مفيد نافعِ
فأكلهم إن كان للضرورة ... كما روي في القصة المشهورة
ما أكل المختار من باقيهِ ... كلا ولا أدخله في فيهِ
وإن يكن ذلك ليس طافيا ... فبينوا لنا بياناً شافياً
وما الذي عليه في هذا البنا ... ومن بدا وجهه من صحبنا
[فبينوا توجهه تفضلاً ... وأحسنوا وبادروا تطولا](2)
__________
(1) لعلها: الحبر.
(2) سقط من (أ).

ووإن عرفتم طوله والعرضا ... ذكرتم من وصف ذاك بعضا
فإن فيه عبرة للسامعِ ... بها يزيد شكره للصانعِ
فأجابه السيد - رحمه الله -:
أهلاً بما وافى به النظامُ ... يخجل منه البدر التوامُ
من المعاني الغضَّة المبتكرة ... وجل أنواع البديع العطرة
تورية فيه وفيه إبهام ... إلى اقتباس أدركته الأفهام
وفيه نظم النثر وهو متعب ... إن لم (يلكه) مفلق مجرب
واللفظ فيه تابع للمعنى ... لا العكس فهو ساقط وأدنى
بَرَّزَ فيه الناظم المنطيق ... وجاء في النظم بما يليق
فاق على مستعملي اليراعة ... في جودة الخط وفي البراعة
آنق فاستعبد ذوق الذائقِ ... /214/ جاء بمثل الزهر في الحدائقِ
والزهر في جنح الظلام الغاسق ... أحسن من ذكر (اللوى) وبارق
أحكم وصف النون في نظامه ... بما يفوق الورد في أكمامه
بغير تعقيد ولا تكلف ... وغير تقعير ولا تعنف
فراقنا أكثر مما فيهِ ... من عجب البحر الذي يكفيهِ
أشبه زين الدين بن الوردي ... إذا غمصوا(1) كماله بجحدِ
فقال في المكتوب هذا ما اشترا ... محمد بن أحمد بن شنقرا
وكلها معروفة بين الورى ... فلا يرى أعجب منها محضرا
وذا لعمر الناظم الأديبِ ... لقد أتى بالعجب العجيبِ
لله من أنابه منابه ... لقد تحرَّى موضع الإصابة
واستكمل الوصف الذي يريده ... (2)
وكان قصدي بحديث جابر ... تصديقه والردع للمكابر
ثم أردت أنني أستوضح ... ذاك المقال في كلام يفصح
وأن يتم باقيَ الحكاية ... فإن فيها للإله آية
وما طمعت أن يكون نظماً ... ولم أحط بما هناك علماً
وكم خبايا قيل في الزوايا ... ممن حوى الفضل على البرايا
أحيت بما أهديت لي يا أحمدُ ... غار له الياقوت والزبرجدُ
ومثله في دفتر يجلدُ ... إذا قراه القارئون وحدوا
وقد ذكرت أن فيه حجَّة ... للشافعيِّ تشبه المحجة
وإنما قيل من التأويلِ ... ليس بشافٍ قط للغليلِ
وظاهر السنة والتنزيلِ ... يقضي له بواضح الدليلِ
__________
(1) في (ب): غمضوا.
(2) فراغ في (أ) و (ب).

وإنني أوجدك الانصافا ... لتستبين بعده الخلافا
فإنني عن ذا المقام قاصر ... وليس لي سهم اجتهاد قامر
لكنني أنفق مما عندي ... والله للقول الصواب يهدي
أقول ذا فعلٌ وللأفعالِ ... محتملات ليس كالأقوالِ
وعلة في أول الإسلامِ ... وكان قد وسع للأنامِ
وبعد جاء الشرع بالتشديدِ ... بنص كل عالم مفيدِ
والحل تعميم له تخصيصُ ... جاء عن الطهر به تنصيصُ
فمنه قول حيدرٍ في الطافي ... ولم يكن بدٌ من الإيقافِ
له على هذا فلا اجتهادُ ... ما مثل ذا عن نظر يفادُ
وانظر إلى ما خص معنى لا أجد ... مع عموم النفي من حصر وجد
كمثل ذي ناب وذي مخالب ... ومثل ما صف فلا تكاذب
فمثل جري وما رِما هي ... مستخبث من جملة المناهي
والسمك الأبيض ذو الفلوسِ ... يلذ عند الأكل للنفوسِ
والعلماء كلهم مصيبُ ... بعد اجتهاد ولهم ترتيبُ
من الصواب البعض لا الإصابة ... هذا الذي أحسن في الإجابة
والله بالقول الصواب أعلم ... وفوق ذي العلم عليم يعلم
قلت: ومن ملحه - قدس الله سره - أن العلامة الفقيه الأديب محمد الرداعي كان يتعلق بكتابه الكتاب المعروف (بكتاب العصا) ويهديه إلى الرؤساء من الأصحاب، فكتب إليه السيد - رحمه الله تعالى -.
أفشيت في الأرض كتاب العصا ... ففات في الكثرة عد الحصا
ما زلت تستجدي به دائماً ... ممن دنا منك وممن قصا
حتى غدا فخاً لقبض الذي ... أمثاله بالفخ لم يقنصا
إن الذي حن إلى مرقص ... كطالب في رأسه (مروصا)(1)
/215/
لا يكتم(2) الأمر على عارفٍ ... فالحال أن الحق قد حصحصا
ولا تهن عرضك بل أخلص الـ ... ـود فخير الناس من أخلصا
وصون عرض المرء قد قيل من ... أفضل ما ظن به فانتصا
ورحمة الله على آدم ... رحمة من عم ومن خصصا
لو كان يدري أنه خارج ... مثلك من أولاده لاختصى
فأجاب عليه:
أعني عليك النظم لا بل عصا ... فقلت لما عَنَّ واستوعصا(3)
__________
(1) مروصاً: لم أجدها في القاموس.
(2) في (ب): لا تكتم.
(3) في (ب): واستعوصا.

إنك روح الله عيسى الذي ... أحيا به الأكمه والأبرصا
نبوة منك على فترةٍ ... مات بها الفضل وحي العصا
إرهاصها شيء بلا موجب ... يا من غدا بالسب مستنقصا
خرجت بالزنبيل حمّلته ... لا تجداً(1) عن حمله مخلصا
وكل دهرٍ أنت من رفده ... فذاك دهر قالصاً (مهجصا)
ورحمة الله على آدم ... رحمة من عم ومن خصصا
توفي في الثلث الأخير من ليلة الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى عام ثلاثة وخمسين وألف ببلدة حبور(2).
صلاح بن عبد الله بن علي الشجري الحضاري [ - ]
__________
(1) لعل الصواب: تجدنْ.
(2) في (ب): اتفق موته وموت السيد الحسين بن علي في ليلة واحدة، ووقت واحد وعام واحد، فسبحان من لا يزول ملكه. انتهى

السيد العلامة الأديب المنطيق صلاح بن عبد الله بن علي بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن عبد الله بن علي بن يحيى بن القاسم بن محمد بن إدريس بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن عبدالله سراج الدين الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسين بن علي بن محمد بن حفيد بن عبدالرحمن الشجري بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - نسبه إلى الإمام سراج الدين الحاضري، نسبه إلى بيت حاضر من بادية صنعاء، كان ممن ألِيْنَ له من الكلام شديده، وقرب له من جميع أنواعه بعيده، وكان عالماً بالآداب لَسِناً فصيحاً، يروي عن الخاصة والعامة لطائف الكلام وملح النوادر مع وقار ووقوف على مقتضيات الأحوال، إنما يورد اللطائف عند أهلها ويخفي على العامة، كقوله في يوم عيدٍ اشتدَّ برده: هذا يوم برد وسلام، وقد اتفقت اللطيفة لغيره وهي موضوعة على طرف التمام، غير محجوب عنها أحد يمكن من باشقها وصقرها كالسيد - رحمه الله - وكقوله وقد دعاه رجل يسمى(1) بالقعود فلما آذن مجلس الضيافة بالتمام، وكان الجماعة من أهل الأدب قال: الفاتحة بنية القعود أن الله يجمّله ويرعاه، ففهمها الأديب وارتاح لها، وذلك دعاء للقعود أن يجمله الله أي يصيره جملاً ويرعاه من الرعي، والمعنى الآخر ظاهر، وكقوله لمولانا ضياء الإسلام إسماعيل بن إبراهيم بن جحاف وكان يتردد إلى الجامع بصنعاء لقراءة رسالة السمرقندي في الاستعارة على الشيخ العلامة عبد الرحمن الحيمي، فاتفق به السيد صلاح(2) وقال: كثر ترددكم إلى الجامع، فقال: معنا قراءة في علم المعاني على شيخنا فلان في الجامع، فقال بديهة: لا بأس فإن لصاحب علم المعاني فضل احتياج إلى معرفة الجامع. وكقوله لما قال بعض النواصب: علم أهل البيت - عليهم السلام- لا يوقر حمار، فقال: (وكّف /216/ ظهرك).
__________
(1) في (ب): يُعرف.
(2) في (ب): الدين.

وهذه من محاسن الأجوبة، ومعنى وكِّفْ: أي اجعله مهيئاً وكأنه أخذ من الأكاف الذي يوضع على الحمار، وكان لا يفارق السيد العلامة محمد بن عز الدين المفتي ولا يزال يستمري سحائب علمه، وكانا زينة لمحافل العلم شيخين من آل محمد، وإذا خرج السيد محمد من الجامع تقدَّمه السيد صلاح الدين وقدَّم له نعاله في بعض الأيام إجلالاً(1) للسيد محمد، وهو حريٌّ بذلك، ومن لطائفه في حضرته أنه كان السيد محمد يكتب شيئاً من الورق بقواعد أهل المحاضر، فأمر الشهود أن يشهدوا وطلبوا أمراً كما يقول أهل علم المحاضر مذاكير ونحو هذه العبارة، يعني أن الشهود يحتاجون لأمر غريب يذكرهم فمرّ في الجامع رجل مسلوب العقل قد تعرَّا عن ثيابه وانكشفت عورته، فقال بعض الحاضرين: إنا لنحتاج أمراً نتذكر به مجلس الشهادة، فقال السيد: هذه المذاكير وأشار إلى المعتوه المذكور، وكان السيد يتوسط في الإصلاح بين الإمام والباشا رئيس الأروام، وله قصائد حسنى ومدائح وإخوانيات، ومن شعره:
لوكان يرجى لليل الوصل طول بقا ... أمددته بسواد القلب والبصرِ
وكان ليل اللقا والهجر منعكساً ... فالطول للوصل والهجران للقصرِ
قلت: والبيت الأخير يتحصل معناه من غير تكلف للقلب. ومن شعره في بعض كتب سادات العترة:
فصول بأجناد(2) العلوم تزينت ... أئمتنا فيها الوسائط في السلكِ
إذا ذكرت أوطان ناظم سلكها ... تقول بحور السحب وجداً: قفا نبك
توفي - رحمه الله - في ……(3) ودفن بجربة الروض يماني صنعاء بين المنارتين، وقبره مشهور، وينبغي ذكر السبب لما يعتمده أهل صنعاء من الدفن بين المنارتين، يعني منارتي الجامع، فإنهم يعتمدون أن يسامتوا بينهما.
__________
(1) في (ب): إجلالاً للسيد.
(2) في (ب): بأجياد.
(3) فراغ في النسختين.

قال مولانا السيد العلامة أحمد بن محمد الشرفي - رحمه الله -: إن ذلك طلب منهم للقبلة المنصوص عليها من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فإن المنارتين من الجهة التي اتفق فهم من أمره - صلى الله عليه وآله وسلم - فإنها هي القبلة لمن بصنعاء، وذلك لما رواه ابن هشام في السيرة أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - أمر ببناء جامع صنعاء بين الحجر الململم وبين غمدان، وهذا الحجر باقٍ، قال يحيى حميد بعد أن ذكر ما نقلته عن ابن هشام: وأن الحجر المذكور في الصرح الغربي مغروز في الأرض مقضض عليه وغمدان هو الذي فيه الجزّارون - يعني بالجيم بعدها زاي بعدها ألف بعدها راء، وهم القصابون - وبيوتهم شرقي الجامع، قال: وقد ذكر علي بن سليمان النهمي الشافعي في كتابه (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) عروس بن عيسى الخزاعي، قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((إذا بنيت مسجد صنعاء فاجعله عن يمين جبل يقال له ظين)) رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن، قال: ومثله رأيته عن ابن إسحاق في السيرة الحميدة، وذكر لي أنه ذكره في تاريخ صنعاء، هذا معنى كلام يحيى حميد - رحمه الله -.
صلاح بن أمير المؤمنين عز الدين المؤيدي [ - ]

السيد العلامة الكبير الفاضل شيخ المحققين صلاح بن أمير المؤمنين عز الدين بن الحسن المؤيَّدي /217/ - عليهم السلام- كان علامة مرجوعاً إليه فاضلاً كاملاً، له شيوخ أحبار، وتلامذة أخيار، والإمام عز الدين من أئمة أهل البيت المنتجبين، وهي أحد ما خصَّه الله به من التفضلات، ومن ذلك دعوته واستقامة أمر الأمَّة به، ووالده حي - قدس الله سره - فأولاد الإمام أولهم(1) الحسن مؤلف (القسطاس)، كان بمحلٍ لا يخفى من العلم والتبحر، ولقد رأيته في النوم وهو يذكر لي شيئاً من أحواله، حتى قال: إن في أصول الفقه مسألة لم يحررها أحد من النظار غيره، ثم السيد الأفضل طراز المجد الأول الحسين بن أمير المؤمنين، ثم السيد الأوحد المعروف بسيبويه لتبحره في العربية أحمد بن أمير المؤمنين، ثم السيد العلامة صلاح الدين المهدي بن أمير المؤمنين - عليهم السلام- هؤلاء الأربعة الكرام أمهم واحدة وهي الشريفة فاطمة بنت عبد الله بن صلاح بن محمد بن الحسن بن زيد.
ومن أولاد الإمام السيد العلامة عبد الله بن أمير المؤمنين، وأمه الشريفة بدرة بنت الحسن بن محمد بن صلاح من أخوال الإمام، ومن أولاد الإمام السيد الجليل الأديب اللبيب صاحب هذه الترجمة صلاح بن أمير المؤمنين أمَّه من الشرف، وقد رأيت التبرك بذكرهم هنا، وكنت قد أفردت لكل ترجمة(2) - أعاد الله من بركاتهم - ومما رأيته ببعض الرسائل المطولة في ذكر السيد صلاح بن الإمام المذكور أنه كان إذا استشاره إنسان في أمر لم يقل أنا أشير عليك ، بل يقول: هذه القضيَّة لو كنت مكانك فيها - يعني أني المكلف بما كلفت به - لكنت أفعل كذا وكذا، وجعل صاحب الرسالة هذا من الآداب الحسنة.
صلاح بن علي المضواحي [ - ق 11 هـ]
__________
(1) في (ب): الإمام الحسن.
(2) في (ب) زيادة: فأمَّا أحمد بن أمير المؤمنين سبقت ترجمته.

شيخ شيوخنا السيد العلامة الورع الزاهد صلاح بن علي المضواحي العلوي - رحمه الله - كان عالماً فاضلاً زاهداً متقنعاً لا يلبس إلا ثوباً يلتف به ليس عليه قميص، وقرأ عليه سيدنا صارم الدين إبراهيم بن يحيى الشجري وغيره، وكان شيخ الأصولين، وله شرح على مقدمة الأزهار، سماه مرقاة الأنظار(1)، وله موضوع في أصول الفقه(2)، وموضوع في أصول الدين، وله غير ذلك، وقبره بجميمة(3) ثلا في رأس عقبة الحمَّام، وفاته في ……(4)
صلاح بن الجلال بن صلاح [744 - 910هـ]
__________
(1) مرقاة الأنظار في شرح مقدمة الأزهار خ سنة 1105هـ مجموع رقم (4) بمكتبة الأوقاف ورقم (86) فقه غربية، في مجموع (83) غربية أيضاً، أخرى مصورة بمكتبة السيد محمد بن عبدالعظيم الهادي.
(2) مخطوط بمكتبة ابن المرعشي 9015 مجاميع.
(3) في (ب): بجهة.
(4) في (ب): بياض في الأم.

السيد الكبير الأمير العظيم النسَّابة صاحب الشيوخ والإجازات، حافظ علوم آل محمد صلاح بن الجلال(1) [بن صلاح بن جلال الدين] محمد بن الحسن بن المهدي بن الأمير علي بن المحسن بن يحيى بن يحيى، هو الإمام العلامة المعروف بابن الجلال، صاحب (التتمة للشفاء)، فإن السيد صلاح الدين بن إبراهيم بن تاج الدين بعد عنايته بتمام ما تخلف عن الأمير الناطق بالحق من كتاب الشفاء أبقى السيد صلاح بن إبراهيم كتاب الرضاع فلما قرأ السيد العلامة شارح التسهيل عبد الله بن الهادي بن إبراهيم الوزيري على السيد صلاح بن الجلال كتاب الشفاء شحذ همته واستحثه فتمم كتاب الرضاع وقرأه عليه والأمير صلاح له (اللمعة) في الفقه فليحفظ منه والأمير صلاح بن الجلال ممن حضر دعوة الإمام علي بن صلاح، وصل من صعدة بعد وفات الإمام الناصر مع السيد داود بن يحيى بن الحسين والقاضي عبد الله الدواري، والشيخ إسماعيل بن إبراهيم النجراني سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، ومولده - رحمه الله - بهجرة رُغافة - بضم الراء بعدها غين معجمة وبعد الألف فاء /218/ ثم هاء من بلاد بني جماعة - سنة أربع وأربعين وسبعمائة، ومات عن إحدى وستين سنة، وقبره بمشهد الهادي إلى الحق - عليهم السلام-.
صلاح بن محمد بن سليمان [ - ق 8 هـ]
السيد العلامة صلاح بن محمد بن سليمان، ذكره صاحب (التحفة) الأهدل في علماء الزيدية أهل المائة الثامنة، قال: كان عالماً، وكان أبوه عالماً.
صلاح بن محمد الغزي [ - ]
العلامة الكبير الفاضل صلاح بن محمد الغزي، نسبه إلى غز ذمار - رحمه الله - سكن هجرة الروس مع القضاة إلى آنس في جبل الأهنوم.
صلاح بن محمد بن ناصر الدين الفرائضي [ - 1040هـ]
__________
(1) ما بين المعكوفين زيادة في (أ) وسقط من (ب).

القاضي العلامة المحقق مفخر الزيدية صلاح بن محمد بن ناصر الدين الفلكي المعروف بالفرائضي، نسبه إلى علم الفرائض لتبحر جده فيه، ولم يزل على أهل هذا البيت التعويل في هذا العلم، كان القاضي صلاح الدين منقطع القرين ممن لا يزاحم في الفضائل، يذكر بالأوائل - رحمهم الله - وكان فهَّامة إلى الغاية، وقد سبق ما حكيناه في ترجمة سيدنا إبراهيم بن يحيى - رحمه الله - وكان مع اتساع علمه في الفقه والفرائض والكلام عارفاً بالأدوات كامل الصناعة في الشعر والإنشاء، وكان أحد الحلماء والمرجوع إليهم في مهمات الإسلام فإن له رأياً رصيناً وتوسط بأمر الإمام في إصلاح بينه وبين الأروام، وحمد سعيه.
قال شيخنا شمس الدين أحمد بن سعد الدين - رضي الله عنهما -: وكان أشبه الناس خلقاً بالسيد العلامة صالح بن عبد الله بن مغل - رحمه الله - وورد القاضي إلى حضرة الإمام وكانت ولاية القضاء بذمار إليه، وكان للبلاد اليمنيَّة سراجاً منيراً للفتيا، وما احتاج لمشلكة أن يفتح كتاباً، قال ولده القاضي محمد بن صلاح - رحمه الله تعالى -: قال لي والدي: ما احتجت إلى فتح كتاب في الفتيا إلا في الخيارات إذا جاءت مسألة منها طالعت الكتب، ولمَّا أراد الأروام نكاية العلماء بذمار أوَى إلى بلاد آل(1) عمار، ووقاه الله شرهم، وله قصيدة يتوسل إلى الله بالإمام يحيى بن حمزة بن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأنجح الله طلبته وله شعر في الغاية حضرني منه ما كتبه في غرّة سنة من السنين إلى سيف الإسلام وسلطان المسلمين الحسن بن القاسم وهي:
هي المرام وإن لام العُدَا فيها ... فالراح والشهد ممزوجان من فيها(2)
وأعجب الأمر أن الأسد تقتلها ... لحاظها وسيوف الهند تحميها
أعندها قامة هيفا مهفهفة ... وللرماح نصيبٌ من تثنيها
__________
(1) آل عمَّار: بطن من قبيلة دُهْمَة بن شاكر من بكيل، يسكنون مديرية الصفراء بجنوب صعدة. (معجم المقحفي، ص 1115).
(2) في (ب): في فيها.

لا يعمل السحر(1) ما تجني لواحظها ... السحر ما ترجمت عنه أماقيها
زارت وسادي وأسد الغاب تحرسها ... وأقبلت وقميص الليل يخفيها
أحيت فؤادي كما أحيا الهدى ملك ... حاز المفاخر قاصيها ودانيها
أعداؤه لم تزل من خوف سطوته ... تفر علّ الجبال الشم تنجيها
هيهات أن تمنع الفيفا النزيل بها ... ممن تدانت له فيفا ومن فيها
لما رأى السلمى الجيش بان له ... ما كان يزعم وسواساً وتمويها
ظن البليد بأن الركب يمنعه ... ممن يدك الصياصي حين ينويها
/219/…
فيا بن طه ويا سبط الوصي ويا ... فخر الفواطم يا مردي أعاديها
ليهنك النصر إذ صبحت من نكثوا ... بغارة أيد الرحمن داعيها
فاصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ... ذلت نفوس وخانتها أمانيها
وليهنك السنة الغرا التي وردت ... فأنت للسنة الغراء محييها
دامت معاليك في عز وفي دعةٍ ... مكرماً قاسر الأعداء مرديها
وله قصائد فائقة أعاد الله من بركته، توفي يوم الأربعاء رابع صفر سنة أربعين وألف.
صلاح بن محمد بن الحسن [ - ]
السيد العلامة صلاح بن محمد بن الحسن بن المهدي بن علي بن المحسن بن يحيى بن يحيى - على جميعهم السلام - وهو شيخ السيد عبد الله بن الهادي الوزيري، والسيد عبد الله شيخ ولده محمد حافظ الإسناد ومحمد شيخ ولده صارم الدين مؤلف الفصول، وكان السيد صلاح الدين فاضلاً عالماً.
صلاح بن نهشل الذنوبي [ - ق 11 هـ]
القاضي العلامة النحوي الفقيه صلاح بن نهشل الذنوبي - رحمه الله - كان عارفاً متقناً(2) عالماً بالعربية مطلعاً على نجم الدين، وكان في أوّل أمره يقال: إنه يحفظه غيباً، اشتهر هذا عند الطلبة بصعدة، وكان بلا ريب محققاً في العربية كاملاً وحقق في الفقه، وجود فيه، وقرأ الكلام على شيخه عبد الهادي الحسوسة، وكان يناظر به إلى القاضي صارم الدين إبراهيم بن يحيى، وكان حليفاً للصلوات والتلاوة والذكر - رحمه الله تعالى -.
__________
(1) في (ب): لا تعمل السمر.
(2) في (ب): متفننا.

توفي بجهة الأهنوم في……(1) أيام إمامنا المتوكل على الله - حفظه الله تعالى -.
صلاح بن الهادي بن الجلال [ - 793هـ]
السيد العلامة الأمير صلاح بن الهادي بن الجلال الفاضل العالم الحاوي لخلال المكارم، ترجم له الفضلاء، وذكروا عنه الجميل - رضي الله عنه - ووصفوه مع العلم بالهمَّة العالية، ومات بصعدة - رحمه الله - سنة(2) ثلاث وتسعين وسبعمائة وعمره نيف وعشرون سنة.
صلاح بن الهادي بن إبراهيم [ - ]
السيد العالم صلاح بن الهادي بن الإمام إبراهيم بن تاج الدين، سيد خطير، مقدم كبير.
قال السيد صلاح بن الجلال - رحمه الله -: كان له بصيرة ودراية بالعلوم، وكان شاعراً، مات قبل أبيه الهادي بعشرين نهاراً، وقبره مع قبر أبيه، وأظن أن عمره قليل.
قلت: وقبر أبيه بجبل رازح، وستأتي له ترجمة - إن شاء الله تعالى -.
صلاح بن الهادي الشظبي [ - ق 11هـ]
__________
(1) فراغ في (أ) و (ب).
(2) في (ب): ومات بصعدة - حرسها الله -.

العلامة الفقيه النبراس الكامل صلاح بن الهادي الشظبي - رحمه الله (تعالى)(1) - شيخ الإمام المؤيّد بالله محمد بن المنصور بالله القاسم بن محمد، كان هذا العلامة من فضلاء الزمان، ونبلاء الأوان، لا يزال حليف القرآن ليلاً ونهاراً مع كمالٍ في الأمور الدينيَّة والدنياوية، يعد في العلماء والعباد والوزراء، وكل خصلة كاملة كانت فيه - رحمه الله - وجعله الإمام القاسم قرين ولده المؤيد بالله، فجرى مع الإمام مجاري العلماء والمؤدبين وانتفع به، وكان لا يزال يحكي عنه غرائب، وكان - رحمه الله - له صنعة في التأديب، وكان حلو الشمائل عذب المفاكهة، ومع ذلك فإن أولاد الإمام(2) تولى تأديبهم لم يعرفوا شيئاً من هذه الشمائل اللطيفة، وما ظنوه إلا على جبلة الصمت والكلام عند الحاجة، وكان حازماً في الأمور صادقاً مع الله ومع العباد، وينطق /220/ بذلك ما قاله السيد العلامة صلاح بن عبد الخالق في مرثيته - رحمه الله - وهي:
العلم يذري الدمع من جفنيهِ ... والجود مرغ في الثرى خديهِ
ونَدِي درس الذكر عطل بعد أن ... قد كان يزدحم الرجال عليهِ
أفلت لفقد صلاحٍ الحبر الذي ... لفّ الحجى والمجد في ثوبيهِ
أفبعده أحد لعلمٍ أو لمعـ ... ـروف يهز لسائلٍ عطفيهِ
هيهات كانا صاحبيه حياته ... وكذاك صارا في الثرى جاريهِ
ليت ابن حجاج رثاه بقوله ... في المغربي وزير آل بُويهِ
ذهب الذي أضحى الثناء وراءه ... والعفو عفو الله بين يديهِ
هدم الزمان بموته الحصن الذي ... كنا نفر من الزمان إليهِ
ما بين دعوته وبين الله من ... حجب إذا هو باسط كفيهِ
فهو الحري بذا الثناء ومن عنى ... يا ليته أضحى فدا نعليهِ
أرعاه ميتاً مثل رعيي حقه ... إذ كنت أقتطف السرور لديهِ
لم أنس حق أخوَّة الرجل الذي ... قد كان يحسبني ضيا عينيهِ
صلى عليه الله قدس روحه ... لقَّاه أنساً في لقا ملكيهِ
__________
(1) سقطت من (ب).
(2) في (ب): الذين، نخ.

توفي - رحمه الله -……(1)
صلاح بن يوسف بن المرتضى [ - 901هـ]
السيد العلامة البحر الحبر صلاح بن يوسف [بن صلاح](2) بن المرتضى، قال السيد العلامة أحمد بن عبد الله: كان عالماً كاملاً مثل أخيه لا سيما في علم الكلام، ويلحق به في سائر العلوم وإن لم يبلغ شأوه، وكان حسن الإخاء بينه وبين أخيه غاية المحبَّة والملازمة والمتابعة والآراء واتحاد المرادات والاعتقادات والأهواء حتى لشدَّة الملازمة له من صلاح لزم مكان أخيه بعد موته حتى لحقه ودفن بالقرب منه، وكانت وفاة صلاح بن يوسف بين الصلاتين يوم الجمعة من شهر شوال سنة إحدى وتسعمائة.
قلت: وأخوه الذي لمح إليه هو السيد الإمام المحقق(3) محمد بن يوسف.
قال السيد شمس الدين في حقه: بلغ في العلم مبلغاً أربى فيه على أقرانه، وجميع أهل زمانه، أقام بصنعاء وصعدة، ودرَّس بمسجد الأبهر حتى مات حي المتوكل على الله واستدعاه بعض شيعته للخروج والدَّعوة فخرج إلى ثلا ودعا، وليس في علو شأنه شك إلا أنه لم يؤت حظاً وتكنَّى بالناصر ودفن بقبته المعروفة(4)، وكانت وفاته يوم الخميس تاسع وعشرين من شعبان سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة.
* * * (5)
كمل الجزء الثاني من مطلع البدور ومجمع البحور بحمد الله ومنِّه وفضله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وكان الفراغ من رقم هذا الكتاب الجليل بين العصرين لعلهَّ ثامن شهر ربيع الأول ثامن وعشرين من شهر ربيع الأوَّل سنة تسع وتسعين ومائة وألف غفر الله لكاتبه ولمالكه.
__________
(1) فراغ في (أ) و (ب).
(2) سقط من (أ).
(3) سقط من (أ).
(4) زيادة في (ب): بثلا.
(5) قال في (ب): كمل الجزء الثاني من مطلع البدور ومجمع البحور في سلخ شهر القعدة سنة خمس وتسعين وألف سنة بخط الفقير إلى الله محب محمد وآله الحسن بن محمد بن صالح بن محمد بن أبي الرجال - غفر الله لهم أجمعين - وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

مطلع البدور ومجمع البحور
تأليف العلامة المؤرخ
أحمد بن صالح بن أبي الرجال
الجزء الثالث
تحقيق
عبدالسلام عباس الوجيه………محمد يحيى سالم عزان
مركز التراث والبحوث اليمني
بسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر، وأعن يا كريم.
حرف الطاء المهملة
الطاهر بن يحيى بن الحسن
السيد الطاهر بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - قال في (الَّلآلئ)(1): كان سيداً فاضلاً، وقد روَى عن أبيه، وعن غيره من أهل العلم، وروى عنه العلماء من أهل العدل والتوحيد. قال: قتله وَالي المدينة.
الطاهر بن عبد الله الإدريسي(2)
السيد العالم الطاهر بن عبد الله الإدريسي، من آل شكر الله، وصل إلى حضرة سيدي شرف الإسلام الحسن بن أمير المؤمنين - عليهما السلام - إلى (ضوران)، فأجزل جائزته، وأكرم وفادته، ونوع صِلاته، حتى اجتمع له مال يجل حصره.
وأخبرني شيخنا أحمد بن أحمد القيرواني، أنه لما دخل بذلك المال، افتتح حروباً، وطلب بثأر مملكة أهله؛ لأنه من بيت رئاسة، وكان أصل مقدمه إلى بيت الفقيه ابن عجيْل، اتفق بالسيد الهاشم بن حازم، ثُمَّ طلع الحضرة، واجتمع بفضلائها، وكان يؤنسه القاضي أحمد بن يحيى بن حنش - رحمه الله - فروَى عنه عجائب، وقرأ عليه، وقال له: إن مذهبه على مذهب آل محمد، غير منتسب إلى غير مذهبهم، وهذا يدل على ما ذكره الدامغاني وغيره من ظهور مذهب آل محمد في (المغرب).
__________
(1) كتاب اللآلئ المضيئة للعلامة أحمد بن محمد الشرفي، وهو شرح على منظومة البسامة للسيد صارم الدين الوزير في السير والتاريخ.
(2) هذه الترجمة كاملة ليست في (ب).

قال: وهو من مدينة (شنقيط) - بالشين المعجمة وبعدها نون ثم قاف ثم مثناه تحتية ثم طاء مهملة - بينها وبين البحر المحيط ثلاث ليال، وعمدة كتبهم من كتب أهل البيت (المعتمد)، وهو (كالأزهار) حتى سمعت مولانا المتوكل على الله - سلام الله عليه - يقول: إن مواضِع الخلاف في (اليمن) مواضع خلاف عندهم، والتخريجات، واتفاقات كليَّة، ومصنف الكتاب: الإمام يحيى بن الحسين الإدريسي، وروى إلقاء الجن بكتاب إلى الشعراني صاحب (الميزان)، وأنَّ فقههم فقه الفقهاء الأربعة، ومعتقداتهم في ذلك الكتاب معتقدات الأشعرية، إلا في الشفاعة، وكان قدومه سنة ثمان وأربعين وألف وارتحل في نصف شهر رمضان منها.
أبو طالب الفارسي
الشيخ الإمام المحقق أبو طالب الفارسي - رحمه الله تعالى - أحد علماء (العراق)، من فضلائهم، له (حاشية على الإبانة)، وله (مجلس الغدير) في إمامة علي بن أبي طالب - عليه السلام - وله (شرح على التحرير) لأبي طالب الهاروني - عليه السلام -سماه: (التقدير).
ولأبي طالب الفارسي سيرة جامعَة لأحوال الإمام الكبير المؤيَّد بالله أحمد بن الحسين الهاروني - عليه السلام - ولعل أبا طالب الجامِع للسيرة هو صاحب هذه الترجمة - حسباناً مني - وهو الذي نقل عن المؤيَّد بالله أنه ودَّ أنَّ(1) يجمع فتاواه التي أفتى بها، ويحرقها، حكاه أبو طالب الفارسي المذكور عن الشريف المقدم في العلوم رِضَا بن الناصر الناصري الحسيني.
وقد تكلم في أيام هذا الإمام(2) الشهير - أعني المؤيَّد بالله - جماعة من كبَار العلماء، أبو طالب هذا أحدهم، وفي أخبار المؤيَّد كتاب يسمى (الذخر المؤيَّد في سيرة(3) المؤيَّد)، لا أدري هو(4) كتاب هذا الشيخ، أو غيره.
ن - 1 [نبذة من سيرة الإمام المرشد بالله، والموفق بالله]
__________
(1) في (أ): أنه.
(2) في (أ): الأمير.
(3) في (أ): سير.
(4) في (ب): هل.

ومنهم السيد الإمام الحجَّة المعدود من معجزاته - صلى الله عليه وآله وسلم - كما ذكر ذلك بعض الحنفيَّة - الإمام المرشد بالله أبو الحسين يحيى بن أبي(1) عبد الله.
وأبو عبد الله هو الإمام الموفق بالله المعروف بالجرجاني صاحب (السلوة) وهو: الحسين بن إسماعيل، المعروف بأبي حرب الخوارزمي، ابن زيد، ويُكنَّى بأبي القاسم العالم /2/ ابن الحسن، ويُكنَّى بأبي محمد ابن جعفر، ويُكنَّى بأبي الحسين الدنسي، ابن الحسن، ويكنى بأبي محمد بن محمد ويعرف بمحمد الأكبر، بن جعفر بن عبد الرحمن الشجري - بالشين المعجمة والجيم والراء - نسبة إلى (الشَجَرة) قرية قرب (المدينة)، بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام -.
كان الموفق بالله هذا من نبلاء أهل البيت. قال المرشد بالله: حكى أبو عتاب الزيدي، وغيره من أصحابنا أنه سُئل (بفرزادٍ) عن والدي، فقال: هو أفقه من القاسم بن إبراهيم.
قلت: وله كتاب - يدل على فضله - في كون إجماع الآل حجة.
وأمَّا ولده المرشد، فهو صاحب (الأمالي الإثنينيات والخميسيات). قال الحاكم: إليه تشدُّ الرحال في طلب العلم، وهو غاية في الزهد، وعليه سيماء النبوءة، وقد اعتزل، واختار العبادة، والعلم، والعمل، على ما يليق بأهل العلم والأشراف، وله كتب جمَّة، ولقي جماعة من المشائخ. انتهى كلام الحاكم في (العيون).
وقد ذكر - أيضاً - بعض أحواله في (المراتب) للبستي. وله كتاب (الاستبصار(2) في أخبار العترة الأطهار).
__________
(1) سقط من (ب): أبي.
(2) في (ب): الاستنصار.

قلت: ومن عجيب أمره ما حكاه بعض تلامذته، قال: آخِر حديث أملاه لنا المرشد بالله حديث ثابت، قال: أتينا أنس بن مالك يوماً وهو شاكٍ(1)، فقال: إني أكون شاكياً، فإذا اجتمعنا وذكرنا الله كأني أجده أهون عليَّ، قال: ولمَّا أملى - رحمه الله - هذا المجلس، وهذا الخبر الأخير كان شاكياً، فبقي بعده - رحمه الله - إلى يوم السبت الخامس عشر من ربيع الآخر سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وكان إملاؤه(2) لهذا المجلس الأخير يوم سابع وعشرين من المحرم من السنة المذكورة، وكان وفاته - رحمه الله - في هذا اليوم - يعني يوم السبت - الخامس عشر من ربيع الآخر، وصلى عليه - عليه السلام - الشيخ الإمام الحسن بن علي بن إسحاق الفرزادي الزيدي الذي سبق ذكره. ودفن في دار أخته التي جعلتها خانكات في (الري) في سكة الفرانين، وكان مولده - رحمه الله - سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.
قلت: ولمَّا تيسر لنا إملاء الأمالي الخميسيات بين يدي شيخنا شمس الدين - رضي الله عنه - كنا نتعجب من مواقف السماع فإنه تارة يقول: أخبرنا (بواسط)، وتارة (ببغداد)، وتارة (بمصر)، وتارة (بالكوفة)، وتارة بـ(مكة)، وتارة بـ(المدينة)، فعجبنا من كثرة رحلته - رحمه الله - وأحواله غنية عن الإسهاب، وإنما ذكرناه لمَّاكان هو أحد المعنيين بأحوال المؤيَّد بالله، ولم أفرد له ترجمة لاحتمال دعوته، ولم أتعرض للدُّعاة.
ن - 1[نبذة من أخبار الإمام المؤيد بالله]
__________
(1) يعني مريض.
(2) في (ب): - عليه السلام -.

وهو - عليه السلام - ينقل عن أبي طالب(1) شيئاً من أحوال المؤيد بالله، من ذلك ما حكاه في فضل العلم، قال: حكى الشيخ أبو طالب ابن أبي شجاع عن الشيخ أبي رشيد أنه قال: لم أر السيد أبا الحسين - يعني المؤيَّد بالله - منقطعاً(2) قط مع طول مشاهدتي له في مجلس الصَّاحب، وكان(3) لا يُغْلَب إن لم يَغْلِب، وكانا يستويان إن لم يظهر له الرجحان.
قلت: وأبو رشيد هذا من جملة العلماء، وهو صاحب (المقالة في الأصول)، وهو: سعيد بن محمَّد النيسابوري، من أصحاب قاضي القضاة، مات بـ(الري)، وقد شهد هو وأضرابه للمؤيَّد بالله، واعترفوا بفضله، من جملتهم الحناطي - بالحاء المهملة(4) - الشافعي، ويوسف بن كج.
وكان الصاحب يقول: الناس يتشرفون بالعلم والشرف، والعلم يتشرف بقاضي القضاة /3/، والشرف ازداد شرفاً بالشريف أبي الحسين.
قلت: وقاضي القضاة على جلالته يعترف له، وروي أنه بايعه، وسئل مرَّة عن الخوارج من هم؟ فقال: نحن! لتخلفنا عن أبي الحسين.
ن - 2[القاضي عبدالجبار]
وقاضي القضاه المذكور هو عماد الدين أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني، يعدُّ من معتزلة (البصرة) من أصحاب أبي هاشم، قال الحاكم: وليست تحضرني عبارة تنبي عن محله في الفضل، وعلوّ منزلته في العلم، فإنه الذي فتق الكلام ونشره، ووضع فيه الكتب الجليلة التي سارت بها الركبان، وبلغت الشرق والغرب، وضمّنها من دقيق الكلام وجليله مالم يتفق.
قلت: وفيه يقول الشيخ أبو السَّعد في قصيدة له في التوحيد والعدل:
أم لكمُ مثل إمام الأمّة ... قاضي القضاة سيِّد الأئمَّة
من بث دين الله في الآفاق ... وَبتَّ حبل الكفر والنفاق
__________
(1) يعني: والمرشد بالله ينقل عن أبي طالب صاحب الترجمة.
(2) متقطعاً يعني: عاجزاً عن الجواب.
(3) في (ب): وكانا.
(4) في (ب): والنون.

قلت: وقد يلتبس قاضي القضاة هذا عند أصحابنا بقاضي القضاة ابن أبي علاَّن لتَسَمِّي كل منهما بقاضي القضاة، واتحاد الزمان، واختصاصهما بالمؤيَّد بالله، وقراءته عليهما، فأما عبد الجبار فكان ممن بايع كما حكاه الحاكم، وكان يفسر الخوارج بنفسه وأمثاله قبل البيعة - رحمه الله -.
ن - 2 [القاضي بن أبي علان]
وابن أبي علاَّن المذكور، هو: قاضي القضاة أبو أحمد بن أبي علاَّن، درس بـ(الأهواز)، وكثر الانتفاع به، وله تصانيف وتفسير، وكان يتعصَّب لأبي هاشم على الأخشيدية، وقرأ على الشيخ أبي عبدالله البصري، ورحلة المؤيد بالله المشهورة إليه، لا إلى القاضي عبد الجبار.
ن - 3 [لقاء المؤيد بالله بالقاضي بن أبي علان]
وهي(1) ما حكاه المرشد بالله بن الموفق بالله، قال: حكى المؤيد بالله أنه قال: عزمت على أن أسافر إلى (الأهواز) للقاء قاضي القضاة أبي أحمد بن أبي علان، وسماع (مختصر الكرخي) عنه، فأنهيت إلى الصاحب ما وقع في قلبي، فكتب كتاباً بخط يده، وأطنب في وصفي، ورفع من قدري(2)، حتى كنت استحي من إيصال ذلك الكتاب، فأوصلت الكتاب إلى قاضي القضاة، فقال: مرحباً بالشريف، فإذا شاء، افتتح المختصر، ولم يزد على ذلك، ولا زارني بنفسه مع تقاعدي عنه من الغد، ولا أزارني أحداً من أصحابه، فعلمت أنه اعتقد في كتاب الصاحب أنه صدر عن عناية صادقة، لا عن حقيقة(3)، فقعدت عنه، حتى كان يوم الجمعة، حضرت الجامع بعد الظهر، ومجلسه غاص بكبار العلماء، فقد كان الرجل مقصوداً من الآفاق، فسئل القاضي أبو أحمد عن مسألة كلامية، وكان قد لقي أبا هاشم، فقلت له لما توسط في الكلام: إن لي في هذا الوادي مسلكاً، فقال: تكلم، فأخذت في الكلام، وحققت عليه المطالبات، ثم أوردت مسألة عَرِق فيها جبينه، فامتدت الأعين نحوي، فقلت بعد أن ظهرت المسألة عليه: يقف على فضلي القاضي.
__________
(1) أي الرحلة.
(2) في (أ): رفع قدري.
(3) يعني مجاملة ومجرد صداقة، لا أنه كما وصفه.

وسئل شيخ إلى جنبه عن مسألة من أصول الفقه، فلما أنهَى السائلُ ما عنده قلت له: إن لي في هذا الجو متنفساً، فقال القاضي: والأصول - أيضاً -! فحققت تلك المسألة على ذلك الشيخ، فظهر ضعفه، فسامحته.
وسئل شيخ عن يساره عن مسألة في الفقه، فقلت: لي في هذا القطيع شاة، فقالوا: والفقه - أيضاً -! فأوفيت الكلام في تلك المسألة - أيضاً - حتى تعجب الفقهاء من تحقيقي /4/ وتدقيقي، فلمَّا ظهرت المسألة، كان المجلس قد انتهى إليَّ، فقام القاضي من صدره، وجاء إلى جنبي، وقال: أيُّها السيد، نحن ظننا أن الصدر حيث جلسنا، فإذا الصَّدر حيث جلست، فجئناك نعتذر إليك من تقصيرنا في شأنك(1)، فقلت: لا عذر للقاضي في استخفافه بي مع شهادة الصَّاحب بخطه، فقال: صدقت لا عذر لي، ثم عادني من الغد في داري مع جميع أصحابه، وبالغ في التواضع، فحضرته، فقرأت عليه الأخبار المودعة في (المختصر)، فسمعتها بقراءته، فأمدني(2) بأموال من عنده، فرددتها، ولم أقبل شيئاً منها، وقلت: ما جئتك عافياً مستمنحاً، فقد كانت حضرة الصاحب أدنى(3) حالاً، وأسهل منالاً، ولم يكن هناك تقصير في لفظ، ولا تفريط في لحظ، ففارقته، فشيعني مع أصحابه مسافة بعيدة، وتأسفوا على مفارقتي. انتهى
قلت: وفي هذا وأمثاله تأدب شرعي، وأذن للمقتدي بأمثاله - عليه السلام - بمثل هذا عند ورود سببه، وقد فعله الأنبياء والعلماء - رضي الله عنهم -.
__________
(1) في (أ): بابك.
(2) في (أ): وأمدني.
(3) في (أ): أوفى.

حرف العين المهملة
عامر بن تميم العذري
عامر بن تميم العُذَري، العالم الكبير الفاضل في حَسَبه ودينه، أحد علماء الزيدية، وحافظ مذهب العترة، ووارث علوم الهادي - عليه السلام - له مكارم وفضائل عديدة، وعلوم واسعة، وهو من (عُذَر المشرق) وأهل التو، وله عقب، دخل التطريف فيهم، وأحسب أن حفيده عامر بن صعتر بن عامر بن تميم لم يسلم من هذه الوصمة، فلا يغب عنكم(1) أنهما رجلان، وأنَّ عامراً هذا الجليل القدر جدُّ ذلك، والله أعلم.
عامر بن الربيع العذري
عامر بن الربيع العذري الزيدي، صاحب الإمام زيد بن علي، ذكره البغدادي(2)، قال: وكان بطلاً شجاعاً.
عامر بن علي بن محمد (الشهيد) [965هـ -1008هـ]
__________
(1) في (ب): عنك.
(2) المراد به: عبد العزيز بن إسحاق البغدادي المعروف بابن البقال، وهو من كبار علماء الحديث الزيدية، وله كتب منها كتاب في ذكر أصحاب الإمام زيد بن علي.

السيد الشهيد العالم الأمير الكبير عامر بن علي بن محمد بن علي بن الرشيد بن أحمد بن الأمير الحسين بن الأمير علي بن يحيى العالم البر بن محمد العالم التقي بن(1) يوسف الأشل بن الداعي الإمام يوسف الأكبر - عليهم السلام - كان فاضلاً رئيساً سريا(2) عالي الهمَّة عارفاً، نهض مع ابن أخيه الإمام القاسم بن محمد، فنازل الملوك، وطاوح الكبار، وفلَّ الشوكة، وعلا صيته، وارتفع الحق، وكانت له مشاهد عظيمة مع الأمراء أهل (كوكبان) وجنود (الأروام)، وأفضى أمره إلى السعادة، وآل أمره إلى الشهادة، على نهج سلفه الكرام، غير أنه زاد بالْمُثْلَة، فإنه سُلِخَ جلده(3)، وذُرَّ عليه الملح، ولم يزل كل يوم يؤخذ منه شيء، حتى سلخ جلده - رضي الله عنه - وقبره (بخمر)، وكان ما وصفناه من المثلة (بحمومة) من أعمال (خَمِر)، ويقال: إن رأسه الشريف (بصنعاء)، وقد بنى ولده عبد الله الآتي ذكره عليه قبَّة، وله ترجمة وضعها شيخنا العلامة شمس الدين أحمد بن سعد الدين - رحمه الله - تُنقل - إن شاء الله-.
__________
(1) في (ب): أبو.
(2) السَري هو النفيس. تاج العروس ج/19. السَّرِيُّ: ذو مروءة في شَرَف. القاموس المحيط. 1190.
(3) سقط من (ب): خلده.

وترجم له بعض أحفاده(1)، فذكر شيئاً من جميل حاله، وقال: مولده - عليه السلام - في سنة خمس وستين وتسع مائة، ونشأ - عليه السلام - على السيادة والطهارة وطلب العلم الشريف على منهاج سلفه الأكرمين، فقرأ على القاضي العلامة عبد الرحمن الرخمي بمخرفة(2)، هكذا قال عبد الرحمن، ولم يكن مرَّ بسمعي، فهي فائدة أخرى، وقرأ كتب النحو والأدب جميعها و(الكشاف) على السيد الفاضل عثمان بن علي بن الإمام شرف الدين (بشبام) قبل دعوة الإمام القاسم، وسكن بأهله هناك(3) /5/ لطلب العلم.
ولمَّا دعا الإمام ببلاد (قارة)، كتب إليه، فوصَل إلى (سودة شظب)، وتوجَّه بجنود فافتتح من بلاد الأمراء آل شمس الدين كثيراً، وكانوا أعضاد الوزير الحسن والكيخيا(4) سنان، فما زال كذلك من سنة ست وألف إلى سنة ثمان وألف، ثم عاب فيه جماعة من أهل (قاعة)، وكان قد تزوج امرأة هنالك، وتفرَّق عنه أصحابه، ولم يبق إلا هو، وقصده جماعة من الأتراك، فأحاطوا به، ثم أسروه، وأدخلوه (شبام)، فطافوا به في (كوكبان) و(شبام) على جمَلٍ، وأمير كوكبان يومئذٍ الأمير أحمد بن محمد بن شمس الدين، ثم إإن(5) علي بن شمس الدين أرسل به مع جماعة من الترك إلى (حمومة) من (بني صريم) إلى الكيخيا سنان، فأمر بأن يُمثل به - عليه السلام - فسلخ جلده.
__________
(1) في (ب): أصحابه.
(2) مَخْرَفَة: قرية في مركز رُغَيْل، من مديرية مَسْوَر، وأعمال محافظة عمران. سكنها طائفة من علماء آل الحوثي، لذلك قصدها طلاَّب العلم، لذلك يقال لها اليوم: قرية الهِجْرَة. معجم المقحفي – 1451.
(3) في (ب): هنالك.
(4) الكيخيا: لقب عسكري يعني رتبة معينة عند الأتراك.
(5) في (أ): أنه.

قال الإمام القاسم - عليه السلام -: وصبر فلم يسمع له أنين ولا شكوى إلا قراءة: ?قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ? [الإخلاص:1]. وكان سلخ جلده يوم الأحد الخامس عشر من شهر رجب عام ثمانية وألف. ثم إنَّ سنان ملأ جلده الشريف تبناً وأرسل به على جمل إلى صنعاء إلى الوزير حسن، فشهر(1) جلده الشريف على الداير على ميمنة (باب اليمن) ممَّا يلي الشرق، وسائر جسده - عليه السلام - دفن (بحمومة)، ثم نقل إلى (خمر) بأمر الإمام القاسم - عليه السلام - وقبره مشهور مزور له النذور والتعظيمات. ثم احتال بعض الشيعة في الجلد، فأسقطه إلى تحت الداير، ودفنه على خفيه، وعليه ضريح وقبَّة على يسار الخارج من باب اليمن.
وقد ترجم له الإمام القاسم - عليه السلام - ترجمة بخط يده الكريمة في نسخة (البحر) التي للإمام، وترجم له السيد العلامة صدر العلماء أحمد بن محمد الشرفي - رحمه الله - والقاضي العلامة أحمد بن سعد الدين، ورثاه بقصيدة منها:
أزائر هذا القبر حييت زائراً ... ونلت به سَهماً من الأجر قامِرا
وأدَّيت حق المصطفى ووصيه ... ودفيت(2) لمَّا زُرت في الله عامرا
سليل الكرام الشم من آل أحمد ... ومن كان للدين الحنيفي عامرا
وعمَّ الإمام القاسم بن محمَّد ... إمام الفِدا(3) من قام لله ناصرا
ومن شَدَّ أزراً منه حين دعا إلى ... رضا ربه أكرم بذلك آزرَا
تقلده المنصور سَيفاً مهنّداً ... وكان له في وجه أعداه شاهرا
فجاهد في الرحمن حقَّ جهاده ... وباين من أضحى عن الحق سادرَا
وكان له من موقف شهدت به ... أعاديه أن فاق الأوائل آخرا
عامر بن محمد الصباحي [ - 1047هـ]
__________
(1) في (ب): يشهر.
(2) في (ب): وسبطيه.
(3) في (ب): الهدى.

القاضي العلامَة المذاكر، شيخ الأئمة، لسانُ الفقه، وإنسان عينه، عامر بن محمد الصباحي - رحمه الله تعالى -. نسبه إلى (بيضاء صباح) قرية مشهورة في مشارق (اليمن) تقرب من (قَرَنَ) المنسوب إليها أويس القرني - رضي الله عنه - على نحو مرحلتين. كان هذا العلامة وحيد وقته، وفريد عصره، إليه النهاية في تحقيق الفروع، ينقل عنه الناس ويقرؤون عليه قواعد المذهب.
رحل في مبادئ أمره إلى (ذمار)، فقرأ، ولقي شيوخها المحققين، وحصل على قَشَفٍ في العيش، وشدَّة في الأمر، يروَى أنه كان لا يملك غير فروٍ من جلود الضأن، وكان إذا احتلم غَسله للتطهير، ثم(1) يلبسه أخضر(2)؛ لأنه لا يجد غيره، وكان موَاظباً على العلم أشد المواظبة أيام هذه الشدَّة المذكورة، وكان أبوه من أهل الثروة والمال، لكنه حُبس، وأوذي في الله بأيدي الأتراك لموالاته أهل البيت /6/.
ثم رحل القاضي - رضي الله عنه - إلى (صنعاء) وأقام بها، ودَرَس، ودرَّس، ورحل إلى شيخ الزيدية إمام الفروع والأصول إبراهيم بن مسعود الحميري إلى (الظهرين)، وكان إذ ذاك بقية العلماء، وله (بالتذكرة) خصوصاً فرط ألفه، فطلبه القاضي عامر أن يقريه فيها، فأجابه، ولم يستعدَّ لتدريسه؛ لظنه أنه من عامَّة الطلبة، فلما اجتمعا للقراءة، رأى في القاضي عامر حضارة وحافظة، ومعرفة كاملة، فقال له: يا ولدي لست بصاحبك اليوم، فاترك القراءة، فتركها، ثم استَعدَّ لها، فاستخرج ببحثه من جواهر علم القاضي نفائس وذخائر، وعلق به، ثم إنه عاوده بالرحلة إليه للزيارة، فأكرمه الفقيه صارم الدين، وأمر الناس بإكرامه، ورحل إليه من (صنعاء) لمسألة واحدة أشكلت عليه، غابت عني مع معرفتي لها لولا طول العهد، روي أنها أشكلت عليه(3) فلم يبت إلا في الطريق قاصداً إلى (حجَّة).
ورحل القاضي - رحمه الله - إلى (صعدة).
__________
(1) سقط من (أ): ثم.
(2) أي مبتل.
(3) سقط من (أ): عليه.

قرأ الحديث على شيخه الوجيه: عبد العزيز البصري المعروف ببهران، ولقي الإمام الحسن، وصحبه، وما زال حلفاً للصالحات، مواظباً على الخير.
ولمَّا دعا الإمام القاسم المنصور، وكان(1) يومئذٍ بـ(صنعاء) فخرج إليه، وصحبه، وقرأ عليه الإمام كتاب (الشفاء)، ثم وُلي القضاء ولاية يعزُّ نظيرها، ولا تقدر العبارة للوفاء بوصفها، فإنه كان من الحلم والأناة والوفاء بمحَلٍّ لا يُلحق، وكان وحيداً في العلم، وصادقاً في كل عزيمة قولية وفعلية، فزاده الله الجلالة والمهابة في الصدور، إذا برز في الجامع، خضع الناس شاخصين إليه، مع كمال صورته، وطول قامته، وكان لذلك الجلال الرحماني لا يحتاج الأعوان، بل يبرز للقضاء، وإذا أراد حبس أحد من أجلاء الرجال، وأعيان الدولة، التفت إلى أقرب الناس إليه كائناً من كان، فأمره بالمسير به إلى الحبس، فلا يستطيع أحد الامتناع عن أمره.
وهو الذي قَوَّى أعضاد الدولة المؤيَّدية، وكان الصَّدر يومئذٍ غير مدافع، واستقر بحضرة الإمام المؤيَّد بالله مدَّة، ثُمَّ نهض إلى جهة (خولان العالية)، فاستوطن (وادي عاشر)، وابتنى بها داراً عظيمة من أحسن المنازل، تولَّى بناءها ولده العلامة الأمير قاضي المولى شرف الدين الحسن بن أمير المؤمنين أحمد بن عامر الماضي ذكره، فهيَّأها للضيوف على قدر همته، وكان مضيافاً كريماً.
ولمَّا استقر القاضي بـ(عاشر)، انتفع العامَّة بهِ والخاصَّة، ورحل إليه(2) الفضلاء للقراءة، كالقاضي المحقق محمد بن ناصر بن دغيش الغشمي - رحمه الله - وكان أحد رواة أخباره، وكان(3) لا يترك الإشراف على (التذكرة) في الفقه كل يوم يطالع فيها.
__________
(1) في (ب): وهو ضعيف.
(2) في (ب): إليها.
(3) في (ب): قال وكان.

ومن رواة أخباره تلميذه سيد المسلمين، وإمام المتقين، خليفة العصر، المتوكل على الله بن المنصور بالله - عليه السلام - فإنه الذي تولى تهذيبه، وكان مولعاً به، ويخصصه بمزايا حتى إنه كان(1) لا يقبل في مجلس القراءة أموراً يعتادها الطلبة إلا من الإمام - عليه السلام - فكان يقبلها منه؛ لكثرة محبته له وتنويره - رحمه الله -.
وكانَ يتولى عظائم الأمور، ورحل إلى (صنعاء) لعقدٍ عقده بين الأروام والإمام، واستنهض الإمام لحرب الأروام، ولمَّا كثرت كتب (خولان العالية) و(الحدأ)، ومن قاربهم من قبائل الزيدية، إلى القاضي عامر، يستنهضونه لاستنهاض الإمام للخروج على الترك، وكان الإمام قد فعل، لكنه احتاج إلى الكتم حتَّى من القاضي على جلالته /7/، فدخل يوماً إليه، وعنف على الإمام؛ فأخبره الإمام بأن أخوته سيُوف الإسلام قد خرجوا، منهم من جاء من المغرب وهو الحسين، ومنهم المشرِّق وهو الحسن، ومنهم المتوسط بينهما وهو أحمد، قام القاضي - رحمه الله - على وقاره وكبر سنه فحجل(2)، كما فعل جعفر بن أبي طالب - عليه السلام - وهو أحد السنن المأثورة، ولم يكن(3) بين وفاته - رحمه الله - وبين وفاة ولده إلا أيام قليلة.
__________
(1) سقط من (أ): كان.
(2) يعني جرى على رجل واحدة.
(3) في (ب): وكان.

وممَّا ينبغي نقله - وإن كان بترجمة ولده أحمد أليق، لكنه اقتضى الحال كتابته هنا - وهو أن أحمد بن عامر، لمَّا تمَّ له الحضور مع أبناء الإمام في حروب (زبيد)، استأذن مولانا شرف الإسلام في زيارة والده، فقال له ابن الإمام: قد عزمنا على الطلوع جميعاً، فتأخر له يويمات(1)، فرأى القاضي أحمد(2) - رحمه الله - في المنام رجلين يقول أحدهما للآخر: اقبض روحه، فيقول الآخر: لا اقبض روحه، فإن له أباً شيخاً كبيراً، قد سأل الله أن يريه إياه، فلا أقبض روحه حتى يصل إليه، فلمَّا استقر هذا في ذهنه - رحمه الله - دخل إلى مولانا شرف الإسلام(3)، وألَحَّ عليه في الفسح، ولعله أسرَّه بذلك، فأذن له، فطلع حتَّى وصل (ذمار)، وكان هنالك مولانا صفيُّ الدين أحمد بن الإمام المنصور بالله - عليهما السلام - فأكرمه وعظمه، وعوَّل عليه في الإقامَةِ عنده أياماً؛ ليتصحح، ويزول عنه وعثاء السفر، وكثَّر عليه في ذلك، فرأى القاضي الرجلين الأوَّلين، يقول أحدهما لصاحبه: اقبض روحه، فإنه أبطأ وتراخى، ولم يبق له في الأجل سعة، فأجابه الآخر بما أجاب به أولاً، فتيقض القاضي لنفسه، وعزم على المبادرة، فلما وصل إلى هجرة (شوكان) - وهي بالقرب من (وادي عاشر) مسكن والده - رضي الله عنه - وصل إليه القبائل والشيوخ، فإنه كان صدراً من الصدور، فَصَدُّوهُ عن زيارة والده، فرأى الرجلين، فقال أحدهما: ما قال أولاً، وذكر أن القاضي تراخى، فأجابه الآخر بما أجاب، ثُمَّ قال: يكون له مهلة حتَّى يزور والده، ويبقى خمسة أيام، ثُمَّ تقبض روحه، فتوجه القاضي مبادراً(4) إلى حضرة والده، فتلقاه، وحصل به الأنس، ثُمَّ أوصى وصيَّةً عظيمة وهو كاملُ الحواس، ليس به بأس، ولمَّا كان اليوم الخامس، أشعر والده وتودعه، ثُمَّ قبض الله روحه إليه، فتولى والده أعماله،
__________
(1) يعني أيام قلائل.
(2) سقط من (أ): أحمد.
(3) في (أ): علامة العصر فرد الدهر أوحده.
(4) سقط من (ب): مبادراً.

ودفنه بقبَّة هنالك، وقام كالخطيب في الناس، ووعظهم وذكرهم؛ حتَّى بكى الحاضرون - رحمة الله عليه-.
وكان القاضي عامر لا يترك(1) كل يوم ثلاثة أجزاء من القرآن على الاستمرار، ويدعو بدعاء الصَّحيفة، ويقول: أنا أستحي من الدُّعاء بها؛ لما فيها من التذلل، وذكر البكاء، والتحول، ولسنا كذلك، يتصاغر - رضي الله عنه - كما جرت عادة الفضلاء.
كانت وفاته - رحمه الله - في حادي عشر من شهر رمضان سنة سبع وأربعين وألف، وقبر في القبَّة التي قبر فيها عبد القادر التهامي، وقبر فيها ولده أحمد بن عامر - رحمه الله - من أعمال (عاشر) من جهة (خولان العالية).
وهو يلتبس بشيخ الإمام القاسم، وهو: الفقيه العلامة المهاجر(2) شيخ القراءات السَّبع.
عامر بن علي البصير الحججي
الفقيه الناسك عامر بن علي البصير الحججي الحيمي - رحمه الله - كان من المحققين لعلم القراءة، فقيهاً فاضلاً، قرأ عليه الإمام وأصحابه، وأقام (بشهارة) مهاجراً، وكان له عزيمة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولمَّا فتحت (صنعاء)، دخل إليها، وتولى الإمامة في (قبة البكيرية)(3)، ولم يزل يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، نافذ الكلمة، حتى توفي بـ(صنعاء)، ودفن بجوار /8/ النحوي - رحمه الله تعالى- بـ(جربة الرَّوض).
عباد بن يعقوب الرواجني الأسدي
عباد بن يعقوب الرواجني الأسدي الكوفي الحافظ المحقق المدقق، ترجم له السيد الصارم(4)، وصاحب (المقصد)(5)، قالا: هو الحافظ المحقق المدقق مُحدِّث الشيعة، وكان محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول فيه: حدثني الصدوق في روايته، المتهم في دينه.
__________
(1) سقط من (ب): لا يترك.
(2) في (ب): الماهر.
(3) جامع معروف بصنعاء بناه الأتراك.
(4) في الفلك الدوار ص103.
(5) يعني ابن حابس في المقصد الحسن.

قال السيد صارم الدين - رحمه الله تعالى -: كذب ابن خزيمة، فإنه المتهم في دينه، كيف وقد روي عنه(1) التجسيم، وأنه قال في قوله تعالى: ?يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ? [القلم:42] قال: ساق كساقي هذه. قال الذهبي: إن صحت الرواية عنه فبعداً له، وسحقاً.
قالوا فيه(2): شيعي جلد. وعدَّه الحاكم في (العيون) من رجال الزيدية.
قال ابن معين: (3)عبد الرزاق أعلى منه في التشيع بمائة ضعف، روى عنه البخاري، والترمذي، وابن ماجة. انتهى
عباد الأحول الهمداني أبو عبيدة (4)
أبو عبيدة عباد الأحول الهمداني - رحمه الله - من أصحاب الإمام الأعظم زيد بن علي - عليهما السلام - الخارجين معه، ذكره البغدادي في عدادهم.
عباد بن منصور(5)
عباد بن منصور - رحمه الله - عالم وقته، الصادق، من أعيان الناصحين للإمام إبراهيم بن عبد الله، وتولى قضاء (البصرة).
العباس بن أحمد الظافر
العباس بن أحمد الظافر الزيدي - رحمه الله - أحد رجال الدين وأنصاره، ومن أهل الرغبة في مرضاة الله، والفضل، والخير، تولى (خولان قضاعة)، وترجم له عبد الله بن عمر الزيدي شيخ وقته، وأثنى عليه - رحمه الله -.
العباس بن إسحاق
السيد الشريف، الطاهر الكريم، العالم، العباس بن إسحاق، الذي يقال له: الملهوف(6) بن إبراهيم بن موسى بن جعفر - رحمه الله - ترجم له المنصور بالله - عليه السلام - وقال: قتل أيام المقتدر.
العباس بن عيسى الأوقص
العباس بن عيسى الأوقص الهاشمي العَقِيْلي الزيدي، منسوب إلى عقيل بن أبي طالب، كان من العلماء، تولى القضاء للداعي الكبير الحسن بن زيد الحسني - رحمه الله - وكان مشاراً إليه بالعلم، عظيم المقدار - أعاد الله من بركته -.
عبد الجليل القزويني
__________
(1) أي ابن خزيمة.
(2) أي المترجم له.
(3) في (ب): قال.
(4) سقطت هذه الترجمة من (ب)، وله ترجمة موسعة في معجم أصحاب الإمام زيد والرواة عنه، تحت الطبع.
(5) سقطت هذه الترجمة من (ب).
(6) في (أ): المهلوس .

العلامة الكبير عبد الجليل القزويني، ورد (اليمن) مع أبي طالب بن أبي نصر الرازي صاحب (الهداية)، الداعي إلى أبي طالب الصَّغير، وورد معهم من العلماء سيد جليل من ولد الهادي الأصغر يحيى بن محمد بن يحيى بن الهادي، يقال له: الحسين، وعالم من علماء الناصرية يقال له: الحسين بن أبي يوسف، والعلامة الفقيه عبد الله البرجي، وكل منهم حريٌ بترجمة، غير أني لم أعرف تفاصيل أحوالهم - رحمهم الله - وسنذكر وصول الشيخ أبي طالب إلى (اليمن) في محله - إن شاء الله تعالى-.
عبد الحفيظ بن عبد الله [ - 1077هـ]
العلامة البليغ المحقق: عبد الحفيظ بن عبد الله بن عبد الله المهلا(1) بن سعيد بن علي النيسائي(2)، ثم الشرفي. الشيخ المعمَّر الصالح المتواضع، كان - رحمه الله - يسبح وحده في دماثة الخلق، وملاطفة الصَّديق، وصلة الرحم، وتعمَّر كثيراً، وكان يقصد الرحم إلى منازلهم بعد الشيخوخة، ويصلهم بممكنه، وتولى الخطابة (بزبيد) المحروسة وغيرها أيام ولاية السيد الهاشم بن حازم الحسني - رحمه الله - لتلك الجهات، وينشئ الخطب من نفسه فيجيدها، وله (كتاب في الفقه) ابتدأ فيه بذكر اللباس؛ لأنه أوَّل ما يباشره المكلف في يومه، وأحسن في ذلك الاعتبار، وكمَّل كتاب (الأوائل) للعسكري، وله شعر جيِّد، وكان صديقاً لأبي - رحمهما الله جميعاً -. توفي بجهة (الشرف) في [سنة سبع وسبعين وألف](3) - أعاد الله من بركته -.
عبد الحميد بن أحمد المعافا
__________
(1) في (ب): ابن المهلا.
(2) في (أ): النسأي.
(3) فراغ في (أ) و (ب). وما بين المعكوفين في ملحق البدر الطالع 112.

العلاَّمة بَديع الزمان البليغ المنشئ: عبد الحميد بن أحمد بن يحيى بن عمرو بن المعافا - رحمه الله تعالى - كان من عيون الزمان، وأفراد الوقت، بليغاً منطقياً ناظماً ناثراً، من بيتٍ معمور بالفضل والكمال، من بني عبد المدان، كما صرح /9/ به النَّسَّابون، وصرَّح به ابن عقبة، وذكره هذا العلاَّمة في منظومة له، وفيهم العلم والرئاسة، واستمرت له الأمارة وعلوُّ الكلمة مع الأئمة، فكانوا علماء أمراء، تنفذ أحكامهم بجهتهم.
ولم يزالوا كذلك حتى تولى الأمير عبد الله بن المعافا (للأروام)، وزاد في عتوه ، وبالغ فيما لا يليق بمنصبه، فكان أمير الأمراء مع الترك وُلِّيَ أكثر ذلك الإقليم إلى نواحي (الأهنوم، ووادعة، وعذرين) وغير ذلك، فمالت به شهواته حتى عادى الإمام المنصور بالله، فكان ما كان، وخِتَام ذلك قتله (بغارب أثلة)، في الحرب المشهورة هنالك، فتضاءل منصب القضاة المذكورين على جلالتهم، وفيهم بقية صالحة.
وأحيا مآثرهم عبد الحميد المذكور، فإنه كان أحد العلماء، سيما في العربيَّة، شرح (الملحة)، وكتب حواشي وأجوبَة مفيدة في النحو، وشرح (الهدايَة) في الفقه، ولا أعرف هل تيسَّر له التمام، أو لا؟ وشَرَحَ (الأزهار) بشرح اعتنى فيه بموافقة إعراب الأزهار، فإن (شرح ابن مفتاح) - رحمه الله - قد لا يناسب(1) إعراب المتن مع الشرح إلا بتحويل للمتن من رفع إلى نصب، أو نحو ذلك. وله شعر جيد، وخط حسن، وكان يتأنى في الكتابة؛ فيجيد في الإنشاء كثيراً، وله تخميس قصيدة الصفي:
فيروزج الصبح أم ياقوتة الشفق
ومن شعره في راية للإمام(2) المؤيَّد بالله - عليه السلام -:
أيا رايةً أصبحْتِ في الحسن آيَةً ... وفاق على الأعلام حُسْنكِ عَن يدِ
قُرنتِ بنصر الله حين صَنَعْتِ للإ ... مام أمير المؤمنين المؤَيَّدِ
إمام حَلَى جِيْد الزَّمان(3) بجوده ... محمَّدٍ ابن القاسم بن محمَّدِ
__________
(1) في (ب): يتناسب.
(2) في (ب): الإمام.
(3) في (ب): الكمال.

ومما اتفق أنه لمَّا مات السيد العلامة إبراهيم بن الإمام المتوكل على الله، وكان هذا السيد من حسنات الأيام، حُفْظةً قد ألمَّ بكل غريبة من علوم القراءة، والنحو، وأشعار الحكمة، والأدعيَة، وبالجملة فكان من أوعية العلمِ، ومع ذلك فهو أكمه، وكان من أصلح الناس على صغر سنه، وقد(1) اتصل به الفقيه العلامة صلاح بن نهشل الذنوبي، وغذاه بالفوائد، ولكن الذي قد حفظه السيَّد صارم الدين عن غير شيخه المذكور (جمٌ غفير)(2)، فإنه كان وحيداً، فلمَّا مات، عظم الخطب على(3) المسلمين، فكتبت أنا إلى الإمام أبيات الإمام شرف الدين التي أوَّلها:
حمدت الله ربي يا بنيَّ ... على يومٍ(4) نُعِيْتَ به إليَّا
نفضت حشاشتي والروح لمَّا ... نفضت تراب قبرك من يديا
ولمَّا أن خَتمتَ الذكر غيباً ... قَدِمتَ بِهِ علَى الباري صَبِيّا
وكنَّا في زفاف الختم نسعى ... وقال الرَّبُّ زَفَّتُهُ إليَّا
لإحدى عشرة مع نصف عامٍ ... وطئتَ بهمَّةٍ هام الثُّريَّا
وكنت قَدِ امتلأت من المعالي ... فلم تترك من الإحسان شيَّا
وحسن الصبر دَأب العبد إلاَّ ... على صابي فقدك لو تهيَّا(5)
يقول الصبر للزفرات مَهْلاً ... وقال اللاعج الأسفيّ هيّا
ولمَّا لم أجد لي عنه بُداً ... صَبَرتُ تكلفاً بعد اللَّتيَّا /10/
ومأتيّا بتصغير لهَا مِنْ ... رزيَّة هالك حسن(6) لتيَّا
ومهمَا رَام قلبي الصبر كيما ... أثاب كوَاه عند الوجد كيَّا
وكيف يلام ذو وجدٍ على من ... يميِّز في الصِّبا رُشداً وغيّا
وكم يومٍ ملأت بما أرَى منْ ... مخايل فيك صَالحَةً يديَّا
(يعزّ عليَّ رسفك خلت قلبي ... حميّا الموت تلك هيَ الحميَّا
وأن يحثى عليك الموت حثواً ... فإن تحيَّة الموتَى تحيَّا
__________
(1) في (ب): وكان قد.
(2) ما بين القوسين في (أ): وهو بياض في (ب).
(3) في (ب): في نفوس.
(4) في (ب): علم.
(5) سقط هذا البيت في (ب).
(6) في (أ): حرى.

ويا أسفا مني عليك مَهمَا ... تصوَّر منك ذيَّاك المحيَّا(1))
فلا زالت بقاع غبت فيها ... بجود مدامع الوسميِّ(2) رَيَّا
ولا زَالت ركاب الشكر تطوي ... القضا لله ذي الملكوت طيَّا
وأوَّلها تحط لديه وقراً(3) ... وآخرها تحمَّل من لدَيَّا
ثم لم أشعر إلا بكتابٍ إلى الإمام - عليه السلام - من عبد الحميد بالأبيات، (فعجبت من توارد الخواطر على التمثل.
ثم ذكرت قضيّة لهذه الأبيات)(4)، وهي: أنه لما مات ابن الإمام شرف الدين المسمَّى بعبد القيوم، وكان من سادات العترة وأناجبهم(5)، ولم يبلغ عمره إلا إحدى عشرة سنة ونصف، وقد كان يجاري العلماء، ويستحق أن نذكره ونفرده بترجمة، وقبره - عليه السلام - في القبَّة - قبلي(6) (الجراف) مِن أعمال (صنعاء) - مشهور مزور، وممَّا يروى أنه حضر في مسجد الحشحوش بـ(الجراف) والعلماء يخوضون في مسألة البهائم إذا تم سؤالها وحسابها أين تصير؟ فذكروا المقالات، ولم يذكروا أشهرها وأحسنها، وهو أن الله يخلق لهن رحبة في الجنة، فلما كثر الخوض، قال السيد عبد القيوم: وما يشكل عليكم من أمرهن؟ لعل الله يخلق لهن رحبة يتنعَّمن فيها، فأعجب الحاضرون بذلك، وكتبوه عنه.
__________
(1) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(2) الوَسْمِيّ: مَطَرُ الربيع الأول. القاموس المحيط 1075.
(3) في (ب): وفراً.
(4) ما بين القوسين ليس في (ب).
(5) سقط من (ب): وأناجبهم..
(6) في (ب): في.

قلت: ولما مات عبد القيوم المذكور أنشد الإمام هذه القصيدة، وأكثرها من شعر الأمير صلاح الدين الأريلي، وفيها بيت مشهور متقدِّم على الأمير صلاح الدين، وهو: حمدت الله ربي يا بنيّا.. فإن أصله: حمدت الله ربي يا عليا. كما(1) قاله بعض الناس في أمير المؤمنين - كرَّم الله وجهه - وهذه الألف في قوله يا عليّا ألف الندبة، فلما أخرج الإمام القصيدة، أخرج السيَّد العلامة عبد الله بن القاسم العلوي القصيدة - أيضاً - اتفقت خواطرهما وذلك من العجائب.
توفي عبد الحميد [في نيف وخمسين وألف](2) ودفن بـ(السودة) عند القبة عند باب (السودة) القبلي.
عبدالرحمن بن أبي ليلى(3)
عبد الرحمن بن أبي ليلى، من جماعة الإمام الأعظم زيد بن علي - عليه السلام - ذكره العلامة البغدادي - رحمه الله -.
عبد الرحمن بن الحسن القاسمي الجحافي
__________
(1) في (ب): مما.
(2) ما بين المعكوفين بياض في النسخ، وما أثبته من ملحق البدر الطالع 113.
(3) سقطت هذه الترجمة من (ب).

السيد العلامة الشهير وجيه الدين: عبد الرحمن بن الحسن القاسمي الجحافي - رحمه الله - من أهل البراعة والفهم، والحافظة والعلم الغزير، والتمكن من الفضائل، يُضرب به المثل، قرأ العلوم وحققها، ودرس (العضد) على الإمام الناصر الحسن بن علي - عليه السلام - (بصعدة) بمسجد النزاري، وحضر ذلك المجلس علماء الوقت، وأدرك المجلس طفلا شيخنا الحسن بن شمس الدين الماضي ذكره، وكان الإمام وحيداً في العلم، سيما في علم الأدوات، وأمَّا المنطق فإليه الغاية فيه، قرأ على /11/ رجل من (شيراز) وجوَّد، وحقق، وأما التفسير فهو إمامه، فكان يُدَرِّس السادة المذكورين في (العضد)، ويأتي بغرائب وعجائب. والسيد عبد الرحمن كثير الصمت، وكانت له علاقة بالسيد الأمير المفضال أحمد بن الحسين المؤيدي، فكان يسمر عنده، ويأتي للقراءة من غير درس، فلامه الأصحاب، ونسبوه إلى التفريط وعدم الحفظ لما أملاه الإمام، فقام واتكأ إلى السَّارية التي يتكئ إليها الإمام عند التدريس، وقال: اسمعوا مني معاشر أمس جميعها(1) غيباً، فقرأ لهم الدرس كما أملاه الإمام لم ينقص حرفاً، ولمَّا وصل إلى حرفٍ من الكلام، قطعه الإمام عند الإملاء لشرقة بريقه، تشارق السيد بريقه، وقطع الحرف من حيث قطعه الإمام، فقال له الإمام: يا عبد الرحمن، اسمر عند أحمد بن الحسين كيف شئت، وكان الإمام يذكره بالحافظة والذكاء(2)، ولمَّا دخل بلدة (حبور) أوصى السادة بالعلم، وقال: يا سادة، اللهَ اللهَ في العلم، فإني أعرف فيكم رجلاً ليس له نظير، وهو السيد عبد الرحمن بن الحسن.
وبالجملة، فالعبارة تقصر عن وصف حاله تحقيقاً، وله شعر حسن من ذلك:
أولى وأحرى بالملامة لوَّمي ... مني وأجدى بالجدال المبرم
لاموا علي أن ظل دمعي ذارفاً ... (والحق أن أبكي دموعاً من دمي)(3)
بل لو بكيت دماً لقل لحادث ... أضحى لدَيهِ كل ذي بصرٍ عمي
__________
(1) سقط من (أ) جميعها.
(2) سقط من (أ): الذكاء.
(3) مطموسة في (ب).

ومن شعره في السيد الرئيس علي بن إبراهيم بن جحاف المدفون في ظاهرة رأس جبل هنوم، وكان من عيون الزمان وأهل الكمال الواسع:
ألا أيها البرق الذي لاح من بُعْدِ ... فهيَّج أشجاني وجدد لي وجدي
وميضك من قلبي وغيثك أدمعي ... ومن زفراتي والبكا حنَّة الرعدِ
وقد أنحلت جسمي حرارة أدمعي ... ومنهمر الأعيان قد خدَّ في خَدِي
عساك إلى الأحباب تهدي تحيتي ... وتخبرني عن دار هند وعن هندِ
توشيح:
ما حال رسم الخل والبوادي ... وما خدود الجوذر النوادي
بل كيف تلك الدور والنوادي ... وكيف كعبا خِلِّيَ البوادي
تقميع:
يا ليت من زارهْ إلى ربا دارهْ ... وأفتَح أزرارهُ واجني من أزهارهْ
بيت:
وابلغ بلقيا فاتني مرادي ... واضُمّ صدره يشتفي فؤادي
بيت:
ففي مهجتي من طول ذا البعد والنوى ... بنار وقد ذاب الفؤادمن الفقدِ
فيا ليت أحبابي لما بيَ شاهدوا ... ويا ليت شعري كيف حالهمُ بعدي
توشيح:
الحب أظنى خاطري وأتعبْ ... والهجر أفنى مهجتي وأذهبْ(1)
والقلب من طول النوى مذبذبْ ... مسكين من هو في الهوى معذب
تقميع:
ويشفي الناظر، من خدك الناضر، فانا لِذَا ناظر، يا محظئ الناظر
من طول هجرك ما أذوق زادي ... ولا حَلا لي بَعدكم رقادي
بيت:
منامي طريد من فراق أحبتي ... وقلبيَ لا يقوَى وقيتم على الصَّدِّ
فهل منكم للعهد عند وداعنا ... وفاء فإني لا أحول عن العَهْدِ
توشيح:
هل عهدكم عند الوداع باقي ... وشوقكم هل يشبه اشتياقي
والخل ماذا نال من فراقي ... أو هل يلاقي مثل ما ألاقي
تقميع:
هجر الحبيب اضنى، قلبي ولي عنا، وبعدُكم عنَّا، للصبر قد أفنى
يا من جبينك مثل بدر بادي ... لي منك مَن لي عند كل بادي
بيت:
ومن أرتجيه بعد ربي لمطلبي ... ومن أرتجيه في أموري وفي قَصدي
جمال الهدى محي المروءة والنَّدى ... وكاسب أنواع المفاخر والمجدِ
توشيح:
من المعالي طينته وعوده ... ومن يُنَجِّز بالوفا وعوده
__________
(1) في (ب): وأتعب.

ومن تُرجَّى(1) نفحته وجوده ... أدام لي رب السما وجوده
تقميع:
لا زال في أفراح، ولا برح مرتاح، واعداه في أتراح، من فالق الإصباح
جمَّ الندى والمجد والأيادي ... ومرغم الحسَّاد والأعادي
بيت:
علي محبّ الوافدين كأنما ... يجود له حسَّاده بالذي يجدي
فإن شئت أن تهدي إليه فأهده ... سُؤالاً تجده عنده خير ما تهدي
توشيح:
لا زال إقباله عظيم دائم ... وعاش من صرف الزَّمان سالم
محيي(2) رسوم المجد والمكارم ... سبط الأكابر صفوة الأكارم
تقميع(3):
سلالة الأمجاد، يدوم ما يعتاد، ولا برح يزداد، من غاية الإسعاد
وافضل صلاتي ما يشن غادي ... على النبي المختار خير هاد
وقُبر - رحمه الله - في ثلا.
عبد الرحمن بن عبد الله بن داود دعيش [ - 1003هـ]
العلامة المحدث، المجتهد العابد، السَّائح المتأَلِّه، عبد الرحمن بن عبد الله بن داود بن إبراهيم بن أحمد بن علي بن سُليمان بن محمَّد بن عبد الله بن دعيش بن غيثان بن محمَّد الشطي(4)، ثم الخولاني، ثم الحرازي - رحمه الله -.
__________
(1) في (أ): يُرجَّى.
(2) في (ب): يحيى.
(3) سقط من (ب).
(4) في (ب): السعبي، وما أثبته من أعلام مؤلفي الزيدية.

هو شيخ الشيوخ، وإمام الرسوخ، صاحب العبادة والزهادة والسياحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكان لا يُلحق في علم الكلام، إماماً في العربيَّة، مفسراً للقرآن، صنف تفسيراً وكتبه في مصحف، جمع فيه صناعات المصاحف، وصيَّره إماماً يقتدى به، واستقصى على ما في المصحف العثماني، وجمع فيهِ ما لا يوجد لغيره، واصطنع الكاغد(1) بيده، والحبر ليكون طاهراً بالإجماع، وخدمه خدمة فائقة، وهو مرجع قد كتب عليه بعض العلماء مصحفاً، وأمر إمامنا - عليه السلام - بكتابة مصحف - أيضاً - بجميع ما فيه، ولم أتيقن تمام ذلك، وصار هذا المصحف بيد مولانا صفي الدين أحمد بن الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد، استهداه من ابنةِ العلامة المذكور، فإنها عاشت مدَّة مواظبة على العبادة.
وكان عبد الرحمن المذكور يسيح في البلاد، ويمضي في مواقف العلماء والهجر، ويصحح النسخ /13/، ويُحشِّي عليها، إذا مرَّ بخزانة كُتب في بعض الهجر، أقام حتى يمرَّ(2) عليها، ويصحح فيها، مع اطلاعه بكل كتاب قد مرّ عليه، فهو إمام غير محتاج إلى أستاذ.
وكان يلبس الخشن، ويحمل معه آلة النجارة، ويصلح بها أبواب المساجد ونحوها، ولعله يسترزق منها، وكان في الحديث إماماً جليلاً، كان شيخنا الوجيه عبد الرحمن بن محمَّد يثني عليه، إلا أنه زعم أنه حفظ المتون حفظاً عظيماً، ولم يطلع على شروح الحديث.
__________
(1) الكاغَد هو: القِرطاس. القاموس المحيط 298.
(2) في (ب): تم.

وله كتب نافعة، من مشهورها رسالته في (نظر الأجنبيَّة)، وتضعيف الرواية عن الفقهاء الشافعيَّة والحنفيَّة بجواز ذلك، واستظهر بالأدلة وبأقوال الفريقين، وأحسن ما شاء، ولا جرم أن تلك الرواية غلط عليهم، وقد حرَّر المؤيد(1) بالله - عليه السلام - سؤالاً إلى شيخ الشافعيَّة محمد بن الخالص بن عنقاء، فأجاب بجواب بسيط حاصله ما ذكرناه، وأنا لم أطلع عليه، لكنه أفادنيه شيخي شمس الدين - رحمه الله - وعبد الرحمن المذكور هو شيخ الإمام القاسم، وشيخ العلامة عبد الهادي الحسوسة.
توفي - رحمه الله - في ثالث عشر شهر شوال سنة ثلاث وألف، وقبره بـ(جربة الروض)، وهو يلتبس برجلين من (الحيمة):
أحدهما القاضي العلامة: عبد الرحمن بن عبدالله الآتي ذكره.
عبدالرحمن بن محمد الحيمي:
والعلامة الكبير: عبد الرحمن بن محمد شيخ المعقول والمنقول، كان حافظاً، وإن لم تكن(2) له قوَّة إدراك في النقد والاستنباط، وتعلق بكتب الأشاعرة وحفظ منها، قرأنا عليه، فهو أحد شيوخنا في (المنتهى) و(العضُد) إلى المقاصد(3)، وفي كتاب (نجم الأئمة) إلى التوابع و(المغني) إلى اللام، و(الألفية) للعراقي و(الألفية) للأسيوطي وغير ذلك، وكان والده محمد المذكور فيما حكاه سيدنا سعد الدين والد القاضي(4) - رحمهم الله - من صالحي الشيعة، ومن أهل المودة لعترة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قرأ عليه سيدنا سعد الدين في الفرائض.
توفي شيخنا عبد الرحمن بن محمد في سابع وعشرين شهر ربيع الأول سنة ثمانية وستين وألف، ومن مؤلفاته: (حاشية جليلة على بلوغ المرام) لابن حجر في الحديث، وكان حسن الخط، وله اليد الطولى في النظم والنثر) ودفن بـ(جربة الروض) - أيضاً رحمه الله تعالى -.
عبد الرحمن بن عبد الله
__________
(1) في (ب): الإمام المؤيد.
(2) في (ب): تأن.
(3) سقط من (ب): إلى المقاصد.
(4) في (ب): القاضي أحمد.

القاضي العلامة عبد الرحمن بن عبد الله بن صلاح بن سُليمان بن محمد بن داود بن إبراهيم بن أحمد بن علي - رحمه الله - كان فقيهاً عارفاً، وَلي القضاء بجهة (الحيمة) للإمام المؤيَّد بالله، والإمام المتوكل على الله - عليهما السلام - وكان نبيهاً(1) فاضلاً، حسن التلاوة للقرآن العظيم، مؤدياً تأدية حسنة، ويلتقي نسبه ونسب العلامة عبد الرحمن بن عبد الله شيخ الإمام القاسم الذي سبق(2) ذكره في داود بن إبراهيم المذكور، وجدهما سليمان المذكور، يجمع نسبهم ونسب فقهاء (حصبان)، وفقهاء (العيانة)، ومشائخ (سماة) بني النوار، وفقهاء (الرجم)، هكذا قاله عبد الرحمن صاحب هذه الترجمة، وبنو النوار فيما أحسب ينسبون أنفسهم إلى غير هذا النسب، والله أعلم، توفي (……)(3) بعد أن اختلط - رحمه الله تعالى -.
عبد الرحمن بن محمد
السيد العلامة إمام المعقول عبد الرحمن بن محمد بن(4) شرف الدين الجحافي، كان عالماً فاضلاً يضرب به المثل في الذكاء، وكان يُشَبَّه بجده من قبل الأمهات السيد عبد الرحمن الماضي ذكره، وكان محققاً في الأصول والمنطق، واشتغل بالتفسير في آخر عمره، وله (شرح على غاية السؤل)، كتاب مولانا الحسين بن القاسم - عليهما السلام - وأجاد فيه، وكان متولياً لأعمال (حفاش)، ثم استقر بـ(صنعاء)، وكان لا يطمع في شيء من زينة الدنيا، ولا هم له بغير العلم - رحمه الله - توفي (بالحشيشية) من مخاليف (صنعاء) في (……)(5) - أعاد الله من بركته -/14/.
عبد الرحمن بن المنتصر
__________
(1) في (ب): نبيلاً.
(2) في (ب): مر.
(3) ما بين القوسين بياض في النسختين، وتاريخ الوفاة من...
(4) سقط من (ب).
(5) ما بين القوسين فراغ في النسختين، وتاريخ الوفاة من..

العلامة الفقيه المجاهد عبد الرحمن بن المنتصر - رحمه الله -(1)، كان فقيهاً عارفاً، له قَدَمٌ في الجهاد وسابقة، يقود العسكر، ويباشر الحرب، ويجاحمها، وذهبت إحدى كريمتيه في سبيل الله سبحانه، وكان يُعد في أضراب العلامة سعيد بن صلاح الهبل، وهو أحد تلامذة القاضي سعيد، ومن جملة الذين قرؤوا عليه بمدينة (كحلان)، واتفق أن القاضي سعيد غفل يوماً، فاستناب للتدريس عبد الرحمن(2)، فدرَّسهم، ولم ينتظروا الشيخ، وكانت إحدى العجائب التي يتعجَّب بها الطلبة، وكان القاضي سعيد يقول: إن تلك القراءة التي ناب عنه فيها عبد الرحمن في ذلك اليوم يجدها عَلماً في الكتاب المقروِّ، ولا أدري في (شرح الأزهار) أو غيره، فإنه فاته فيها التحقيق، وكان عبد الرحمن فصيحاً له قصيدة طنانة حسنة إلى الفقيه العارف يحيى بن أحمد المخلافي - رحمه الله - وتوفي في (الشرف)، وعُمل عليه مشهدٌ (أعاد الله من بركته)(3).
عبد السلام بن محمد القزويني [393هـ - 488هـ]
العلامة الحافظ صاحب التفسير، أبو يوسف عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار القزويني الزيدي، نزيل (بغداد)، قال الذهبي في (النبلاء): سمع أبا عمرو بن مهدي، والقاضي عبد الجبار بن أحمد.
__________
(1) ما بين القوسين سقط من (ب).
(2) في (ب): بعض الحاضرين.
(3) في (ب): - رحمه الله -.

(قلت)(1): هو راوي (الأمالي) عنه - رحمه الله - قال: وسمع بـ(همذان) من أبي طاهر بن (سلمة)(2)، وبـ(أصفهان) عن أبي نعيم، و(نجران) عن أبي القاسم الزيدي وطائفة. قال السمعاني: كان أحد الفضلاء المقدمين، جمع التفسير الكبير الذي لم يُرَ في التفاسير أكبر منه، ولا أجمع للفوائد. قال محمد بن عبد الملك: ملك من الكتب ما لم يملكه أحد، قيل: ابتاعها من مصر بالخبز وقت القحط، وحدثني(3) عبد المحسن بن محمد أنه ابتاعها(4) بالأثمان الغالية، كان يبتاع من كتب (السيرافي)، وكانت أزيد من أربعين ألف مجلد، فكان أبو يوسف يشتري في كل أسبوع بمائة دينار، ويقول: قد بعت رحلي وما في يدي، وكان الرؤساء يصلونه، وقيل: قدم (بغداد) بعشرة أحمال كتب، وأكثرها بخطوط منسوبة، وعنه(5) قال: ملكت ستين تفسيراً، قال ابن عبد الملك: وأهدَى للنظام (غريب الحديث) لإبراهيم الحربي في عشر مجلدات، وشعر الكميت في ثلاث عشرة مجلدة، و(عهد القاضي عبد الجبار) بخط الصاحب إسماعيل بن عباد، كل سطر في ورقة، وله علاق من أبنوس في غلظ الأسطوانة، وأهدى له مصحفاً بخط منسوب بين سطوره القراءات بأحمر، واللغة بأخضر، والإعراب بأزرق، وهو مُذهَّب، فأعطاه النّظام ثلاثمائة دينار، وما أنصفه، لكنَّه اعتذر، قال: ما عندي مال حلال سواها. قال محمد بن عبد الملك: وكان فصيحاً، حلو الإشارة، يحفظ غرائب الحكايات والأخبار، زيدي المذهب فسر (القرآن)(6) في سبعمائة مجلد كبار.
__________
(1) في (ب): فراغ.
(2) في (ب): فراغ.
(3) في (ب): فحدثني.
(4) ليس في (ب).
(5) ليس في (ب): عنه.
(6) فراغ في (أ).

قيل: دخل الغزالي إليه وجلس بين يديه، فقال: من أنت؟ قال: من الدرسة(1) بـ(بغداد)، قال الغزالي: لو قلت: إني من (طوس) لذكر تغفيل أهل (طوس) من أنهم سألوا(2) المأمون، وتوسَّلوا(3) بقرابته عندهم، وطلبوا أن يحولَ الكعبة إلى بلدهم، وأنه جاء عن بعضهم أنه سئل عن نجمه فقال: التيس. فقيل له، فقال: كان من سنين يعرف بالجدي، والساعة قد كبر. قال أبو علي بن سكرة: أبو يوسف كان معتزلياً، داعية يقول: لم يبقَ من ينصر هذا المذهب غيري، وقد كانَ أسنَّ(4)، ويكاد أن يخفى في مجلسه، وله لسان (شاب)، ذكر (لي)(5) أن تفسيره ثلاثمائة مجلدة فيها سبعة في سورة /15/ الفاتحة، وكان عنده جزءًا من حديث أبي حاتم الرازي عن الأنصاري، فقرأت عليه بعضه عن القاضي عبد الجبار، عن رجل ، عنه، قرأته لولدَي شيخنا ابن سوار المقري، وقرأت لهما جزءاً من حديث المحاملي، وسمعه في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة (وهو ابن أربع سنين أو نحوها، وقيل: ولد سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة)(6)، قال ابن ناصر: مات في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة(7). انتهى
عبد السلام بن ميمون البجلي
العلامة السيف المجاهد في الله تعالى، عبد السلام بن ميمون البجلي، أحد رجال الزيدية وفضلائهم، وهو من تلامذة الإمام زيد بن علي، وشهد معه الواقعة، ذكره البغدادي - رضي الله عنه -.
عبدالرزاق الصنعاني(8): [126هـ - 211هـ]
__________
(1) في (ب): المدرسة.
(2) في (ب): أتوا.
(3) في (ب): وتوسَّلوا الله.
(4) في (ب): وكان قد أسَنَّ.
(5) ما بين القوسين فراغ في (أ).
(6) ما بين القوسين ليس في (ب).
(7) في (أ): ثمان وأربعمائة، وهو غلط؛ لأن المشهور أنه ولد سنة ثلاث بعد تسعين وثلاثمائة.
(8) هذه الترجمة ليست في (ب).

أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني، مولى حمير، قال أبو سعد السمعاني: ((قيل ما رحل الناس إلى أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - مثل ما رحلوا إليه، كانت ولادته في سنة ست وعشرين ومائة، وتوفي في شوَّال سنة إحدى عشرة ومائتين، والصنعاني - بفتح الصاد المهملة، وسكون النون، وفتح العين المهملة، بعد الألف نون - هذه النسبة إلى مدينة (صنعاء)، وهي أشهر مدن (اليمن)، وزادوا النون في النسبة إليها، وهي نسبة شاذة، كما قالوا في بهر: بهراني)). انتهى
عبد العزيز بن إسحاق
العلامة الحافظ المحدث، عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر البغدادي - رحمه الله - والد الشيخ القاسم الآتي ذكره - إن شاء الله - هو شيخ العلامة أحمد بن محمد البغدادي الآبنوسي، الذي قرأ عليه الإمام أبو طالب الحسني، والبغدادي الآبنوسي المذكور شيخ أبي العباس الحسني - رحمهم الله تعالى -.
عبد العزيز بن أبي عثمان
العلامة عبد العزيز بن أبي عثمان الزيدي المعروف بالبارقي، أحد تلامذة الإمام الأعظم [زيد بن علي]، حكاه البغدادي - رحمه الله تعالى - ووصفه في ضمن وصف غيره بالعلم - رضي الله عنه -.
عبد العزيز بن محمد التميمي [ - 1016هـ]
القاضي العلامة، صدر الحكام، عبد العزيز بن محمد بن يحيى بن بهران التميمي البصري، ثم الصعدي، العالم الكبير، كان متضلِّعاً من كل العلوم، قال شيخنا العلامة أحمد بن يحيى حابس: إنه كان يعرف جميع علوم الاجتهاد علم إتقان، لكنه لا يستنبط الأحكام، وهو شيخ الشيوخ في الحديث والتفسير، وكان من كراماته أنه في آخر عمره لا يستضيء إلا العلم، حكى تلميذه السيد داود بن الهادي - رحمه الله - أنه كان يقرأ عليه في (الذويد بصعدة)، فكان يومئذٍ ينظر في حواشي الكتاب لا يميزها إلاَّ حاد البصر، وأدرك ذلك، ثم خرجا، فأصابا جملاً يحمل فحماً أو حطباً، فقال له في ذلك، فقال مُقْسماً: ما مَيَّزْتُهُ.

وله في الفقه قدم راسخة، وهو الذي أجرى القوانين في آبار (صعدة) في المساني، وقدَّر الأجباب(1) المعروفة من الماء، وجعل المغارم تابعة للعروقين - أيضاً - مسألة (……)(2) الشارح مقالتهم على نظم محكم، وذلك أنه عرف جميع الضياع تحقيقاً، وذرع الماء على الطين، والشارح كذلك. وجرت بينه وبين السيد الناصري مناظرة في (الصحابة)(3)، فأحصره السيد؛ لأنه كان لبقاً محجاجاً، ثم إن العلامة عبد العزيز كتب شيئاً من الحجج، ومدحه ابن عمر الضمدي بقوله:
لله درك يا عبد العزيز لقد ... وضعت هذا الدوا في موضع الوجعِ
الأبيات. بعد أن كان ابن عمر منعه من المناظرة.
ومما يروَى عنه أنه تشاجر إليه بعض العتاة أهل السطوة، فلما أراد الحكم على ذلك الطاغي أشار إليه أنه سيغيَّر عليه عنبه(4) إذا حكم، فقال القاضي: أخروا الحكم، ثم طلب بعض الناس، وباع منه العنب جميعه، وطلب الخصم /16/ وحكم عليه، وقال له: العنب قد بعناه من فلان، لا تغلط - أعاد الله من بركته - توفي يوم الأربعاء ثامن رجب عام ستة عشر وألف(5) بمدينة (صعدة).
عبد العزيز بن محمد النعمان الضمدي
__________
(1) في (ب): الأجناب. والأجباب: جمع جُبّ: البئر. القاموس المحيط 74.
(2) بياض في (ب)، وهو مهمل في (أ).
(3) فراغ في (ب).
(4) سقط من (أ) عليه، ومعنى ذلك يحدث فساداً في في بستان عنب له.
(5) في (ب): ثامن رجب سنة عشر وألف.

العلامة عبد العزيز بن محمد النعمان الضمدي، قاضي القضاه عين الأوان، المتضلِّع من العلوم، شيخ المعقول والمنقول، كان من أفراد وقته، ولي القضاء بـ(تهامة) في المخلاف السليماني، ودخل (زبيد) مراراً، وولي بها القضاء، ثم تركها لأمرٍ استنكره، واستمر على القضاء ببندر (المخا) المحروس، وحمدت طريقته وعفته، فإنه كان من ذلك بمحل، وكان حليف القرآن، يؤدي تأدية تسهي الراكب(1)، وله مشايخ، وأكثر قراءته بـ(صعدة)، وكان حسن الخط، ولمَّا ضربت يده اليمنى من بعض المردة في الطريق عند العنق(2) وهو متوجِّه إلى (صعدة) للقراءة تعذرت عليه الكتابة بيمينه، فكتب بيساره، فأجاد وأحسن، وله شرح على (الخبيصي)، شرح (الكافية)، سماه (البغية)، وله (السلم) على (معيَار الأصول) للإمام المهدي، وتخريج أحاديث (الشفاء) وأجاد فيه، وأراد شرحه - أيضاً - وله عدَّة رسائل ومقاولات، وقد سبق ذكر له عند ذكر ابن جناح - رحمه الله -.
العلامة عبد العزيز بن المطلب المخزومي
العلامة عبد العزيز بن المطلب المخزومي - رحمه الله - من كبار الزيدية، ولي قضاء (المدينة)، من قبل إمام الحق المهدي لدين الله النفس الزكية محمد بن عبد الله - سلام الله عليهما -.
عبد القادر بن حمزة التهامي [ - 1014هـ]
__________
(1) في (ب): الركب.
(2) في (ب): المعنق.

العلامة الفقيه وجيه الدين عبد القادر بن حمزة التهامي البيهي - بالياء باثنتين من أسفل بعد باء تحتية موحدة بعدها هاء - نسبة إلى (بيه) من قرى (حلي)(1)، يمر بها الحاج اليماني - كان عالماً زاهداً محققاً في الفروع، صاحب عدَّة من الكتب، انقطع إلى (اليمن)، وتزوّج، ثم انقطع إلى (البجلي)، وأقام (بعاشر) من مخلاف خولان العالية، وقرأ عليه الناس وحققوا عنه(2)، وله تلامذة أجلاء من جملتهم - فيما أحسبه - القاضي عامر، ولا أثبت ذلك يقيناً، ومنهم يقيناً والدنا القاضي العلامة علي بن أحمد بن أبي الرجال - رحمه الله - وخلق كثير، ومن شيوخه ابن راوع، وله حاشية على (الأزهار) مفيدة، وفتاوى مبوَّبة على أبواب الفقه، وكانَ من عباد الله الصَّالحين، ولمَّا دخل سنان باشا إلى بلاد (خولان العالية) مرَّ به وهو متوجّه إلى القبلة للعبادة، وقد كان أُلقِيَ إلى سنان أنه يتناول الزكوات، ويصرفها، وأنه يثبط عن الأروام، وقد كان مثل ذلك موجباً لفرار الفقيه - رحمه الله - لكنَّه لجأ إلى الله سبحانه، فلمَّا مرَّ به سنان أرسَل إليه، ثم دعا بالرسل، وقال: اتركوه، فتركوه(3).
توفي - رحمه الله - في (عاشر)، وقبر بالقبَّة التي قبر فيها القاضي عامر - رحمه الله - وأصاب التهامي آخر أيَّامه طرش قوي، وعُمِّر حتى أدرك دعوة الإمام القاسم بن محمد، وكان يقول: احملوني على قعادة أو نعش مع من تجهز للقتال حول (صنعاء) من أصحاب الإمام، (وكان من عجائبه كثرة التسعّط بالسمن(4)، يروى أنه كان يتسعط بنحو ربع رطل صنعاني، أعاد الله من بركته، وفاته في ربيع الأوَّل سنة أربع عشرة وألف)(5).
عبد القادر بن علي المحيرسي
__________
(1) في (ب): اليبهي - بالباء باثنتين من أسفل عدها باء تحتية موحدة بعدها هاء – نسبة إلى بيه من قرى (حلي).
(2) سقط من (ب): عنه.
(3) سقط من (ب): فتركوه.
(4) التسعط بالسمن استنشاقه.
(5) ما بين القوسين ليس في (ب).

القاضي العلامة عبد القادر بن علي المحيرسي، العالم الفقيه، أكثر قراءته في الفقه، ولذلك كان يقال له: حنش الفقه، وتمكن منه، وشرح (الأزهار) بشرح مبسوط، تكلم فيه على (شرح الأزهار) لابن مفتاح، وأورد فيه مسائل حسنة، وكان من المجاهدين، وأهل السبق في نكاية الأعداء، وكان شجاعاً يقود عساكر من (الحيمة)، كما كان والده - رحمه الله - فإنه كان يستقل بحرب الأمراء الكبار، واستشهد في حروب كانت بينه وبين الأمير صاحب (كوكبان)، وله علم وفضل، وكان معه هيكل، لا يمسه سوء وهو معه، وكان يمارس الحرب ولا يصيبه شيء، فاحتالوا في أخذه /17/ فأصيب، وأظنه رجع إلى وَلده، وسمعته يذكر ذلك.
وقد سأله بعض الأعيان عن سلامة مكانه في الحمى(1) عن الحريق، وقد عمَّ لم يبق إلا مكانه، وقد أطاف به الحريق. وكان مطعاماً منفقاً، صادعاً بالحق، وذكر لي القاضي العلامة الحسن بن أحمد الحيمي - رحمه الله - أنه كان له صاحب من مؤمني الجن يصلي معه جماعة.
توفي - رحمه الله - ببلدة (المحيرس) في (.........)(2)
__________
(1) في (أ): الحمأ.
(2) فراغ في (أ) و(ب).

وكان له أخ من نوادر الزمان، نبيهاً، ذكياً، أحاط بعلوم جمَّة، وتمكن من قواعد المذهب، ثم قرأ كتب الحنفيَّة، وولي القضاء للأروام بـ(صنعاء)، وقضى بمذهبهم، وكان في علوم المعقول والأدوات نسيج وحده، وكان يفتي الأروام بلغتهم، والفارسيين بلغتهم(1)، والعرب بلغتهم، وكان من أعيان الزيدية، قرأ على المفتي - رحمه الله - ثم اختلط بآخره(2)، قال لي بعض شيوخ الشافعيَّة: اختلط(3) المحيرسي بجودة ذكائه، أحرقت(4) الألمعيَّة عقله، وكان يذكر أنه المهدي المنتظر، وتارة يقول: هو الدابَّة التي تَكلم وتُكلم، وله أجوبة مسكتة، وأشعار فائقة في ضبط العلوم والأجوبات، ثم دخل (مكة) فاشتغل به العلماء هنالك، وكان مكي فروح الحنفي على جلالته يخدمه بالطهور، ثم توفي بـ(مكة) في أفراد خمسين وألف سنة.
عبد القادر بن محمد الذماري
العلامة المصنف البارع المحقق عبد القادر بن محمد بن الحسين الذماري - رحمه الله - ويقال له: الهِرَّاني، وكلا النسبتين صحيح؛ لأنه من (هرَّان ذمار)، كان عالماً عاملاً بليغاً متيقظاً، نشأ مع الإمام عزَّ الدين بن الحسن، فكان في سرعة البادرة، وجودة النادرة، يشبه السادة، فإنَّ لهم في ذلك ما ليس لغيرهم، وله إلى الإمام أشعار يستنهضه (للقيام، من ذلك ما قاله في قصيدة إلى والد الإمام - عليهما السلام - وذكر فيها الإمام يستنهضه، ومنها)(5):
فيا بحر دين الله بادر بدعوةٍ ... فكل لها من نحوكم متوقع
فإنا لنرجو أن تجاب وإنها ... تكون لها من حين يظهر موقع
ولمَّا نهض الإمام كان كاتبه، ومتولي مهمَّات كثيرة للإمام، وكان ملياً بذلك، ومن ملاطفاته مع الإمام، أنه اتفق أحدهما بالآخر في (الصعيد) من أعمال (صعدة)، وهو راكب على حمار، فقال له بديهة:
__________
(1) ليس في (ب): والفارسيين بلغتهم.
(2) بآخره فراغ في (ب).
(3) في (ب): اختلط أحمد.
(4) في (ب): أحرقت.
(5) ليس في (ب).

(أتركب في الصعَّيد على حمارِ ... وأنت من الحجاحجة الكَبارِ
فأجابه بديهة)(1) - أيضاً -:
ركبت على الحمار وليس عاراً ... فقد ركب النبي على حمارِ
ومما ذكر عنهما أنهما خرجا من (صعدة) راكبين على حمارين، فقال الإمام للفقيه يتأخر عنه؛ لأنه فضلة، فأجابه بأنه عمدة كالفاعل، وإن تأخر لفظاً، فهوَ مقدَّم رتبة. وكان العلماء منَ السَّادة - رحمهم الله تعالى - إذا استنكروا في كتاب غلطاً، قالوا: يكشط بمكشطة عبد القادر، يلمحون إلى ما كان يقوله، إذا لقي غلطاً عند أحد الطلبة، فإنه كان يقول: اكشط هذا الغلط بحافر بغلتي. وله عجائب حسنة، وكان سريع الإنشاء للكتابة والشعر، ومن ملح مكاتباته إلى الإمام، ما روي أن الإمام لمَّا طاف البلاد كما وصفه في القصيدة الدالية، وصل إلى (الهان) في بلاد (آنس) فتلقاه جميع أهلها بالإكرام، وأمر إليه القضاة الجلة آل عقبة السَّاكنون بـ(هجرة الأريم)، وسط جهة (بني خالد)، بضيافات سنيَّة هنيَّة، واستأذن خواص الإمام لأنفسهم أن يبقوا عند القضاة المذكورين، فأذن لهم، فأقام عندهم هذا العلامة، ويحيى بن محمد بن صالح بن حنش، والقاضي الزعيم محمد المنقدي وغيرهم، ثم كتب العلامة عبد القادر إلى الإمام هذا الكتاب /18/.
يا حبَّذا اللَّيلة مرَّت لنَا ... في هجرة الشمِّ بني عقبة
رعياً لها من بلدة ما(2) مضَى ... مِثْل لها في هذه الغربَة
وحبَّذا (الأريم) من بلدة ... صحيحَة الأهواء والتربَة
وَاهاً لهَا واهاً لها إنَّها ... من جنة الخلد لها نسبة
قصورها حفَّت بجنَّاتها ... تجري بها أنهارها العذبَة
وجوَّها منحرف واسع ... للقلب في السكنى بها رغبَة
طابت بها أنفسنا وانجلت ... عنها غمام الغم والكربة
خيَّم فيها عصبة دَأْبُهم ... أن يُكْرموا الأضياف في (اللزبة)
سقَى فروَّى مصلحاً هامِع ... من الحيا أفياءها الرحبة
__________
(1) ما بين القوسين ليس في (ب).
(2) في (ب): قد.

فيا أمير المؤمنين الذي ... له سمت فوق السُّهى رتبة
ائذن لنا في اللبث يومين في ... أوطانهم أيتها العصبة
وابسط لنا العذر وإن لم يكن ... فراقكم من مقتضى الصحبة
لا زال مَلْك العصر في نعمةٍ ... ولا رأى في دهره نكبة
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه، سلام ساطع نُورُه، متضاحك نَورُه(1)، أعذب من بارد سلسبيل أمواه الأنهار، وأطيب من ترشاف سلاف أفواه الأبكار، وأعبق من شميم الزهور الندية، وألذّ من تقبيل صدور الخرائد الورديَّة، ورحمة الله المتفجرة عيُونها، المثمرة شؤونها، وبركاته الواسعة الأفياء، الكافلة ببلوغ المنى على مولانا أمير المؤمنين، الهادي إلى الحق المبين، عز الدين بن الحسن بن أمير المؤمنين، أمَّا بعد: فإنا لمَّا سرنا من المخيَّم المنصور، والمقام المحجوج المزور، وصلنا إلى هجرة لا يحصرها المقال، ولا يبلغ إلى كنهها تصوُّر الخيال، جمعت غرائب العجائب، وعجائب الغرائب، وتعرَّت عن المساوي والشوائب(2)، وحميت عن سطوات المحن والنوائب، رياضها مفترة، وغياضها مخضرَّة، وأنهارها متدفقة، وأحوالها منتظمة متسقة، طيبة المثوى والمستقر، أنيقة المرأى والمنظر، فهي تنشد بلسان حالها مطربة، متبجحة ببديع مقالها معجبة:
أنا خير الأرض مالي ... شعب بوَّان يداني
لا ولا الغوطة مثلي ... أنا من بعض الجنانِ
فعيوني جارياتٌ ... كل حين وأوانِ
وقطوفي دانياتٌ ... يجتنيها كل جانِ
جانبي أضحى منيعاً ... فحلولي في أمانِ
كل من حلَّ بربعي ... فلقد نال الأماني
__________
(1) نَوْرُه: زَهْرُهُ. القاموس المحيط 454.
(2) في (ب): المشائب.

نعم، وحين كانت هذه نعوتها أتحفنا المقام النبوي الإمامي المولوي، بشرح شيء من تلك الصفات، وذكر طرفٍ من هاتيك السمات، لما نعرفه من تطلعه - أبقاه الله - إلى مثل ذلك، وإن لم نستطع استقصاء ما هنالك، والمأمول من طوله - أيَّده الله تعالى - القبول والاحتمال، /19/ وتستر(1) ما تقف عليه من الاختلال، تفضُّلاً وتكرماً وتطولاً، والسلام والدعاء مسؤول، وصلى الله على سيدنا محمد وآله). انتهى ما كتبه - رحمه الله - وله نظم في آداب الأكل، سائرٌ في الفقهاء، وهو مصنِّف (السلوك)، وهو كتاب عظيم نافع، ومن شعره في الإمام عزِّ الدين بن الحسن - عليهما السلام -:
يا أيها المولى الَّذي شأوه ... في المجدِ أسما من مدار الفلك
أنت الذي من يمتثل أمره ... يهدى ومن لم يمتثله هلك
فأغنني إني مقل فقد ... أعطاك من للأمر ذا أهَّلك
وأولني منك الذي أرتجي ... فإنما جملني جمّلك
واقض ديوني يا ملاذي وقل ... أبشر سنقضي عنك ما أثقلك
ولا تدعني معدِماً مقتراً ... وقل سنعلي في الورى منزلك
فإن يكن ذاك ولي لائق ... أو لا فإن الأمر والرأي لك
وقبره بمدينة (ثلا) في صرح مدرسة الإمام، وعنده - أيضاً - (ولده خطيب)(2) الإمام شرف الدين - عليه السلام -.
عبد الكريم بن أحمد الحميري [ - 1045هـ]
العلامة عبد الكريم بن أحمد بن محمد بن مسعود الحميري الحوالي - رحمه الله -. كان متولياً للقضاء، مرضي الفضل، كان له ثبت في الفتيا، وبأن أثنى عليه عبد الله بن المهدي - رحمه الله -.
وتوفي في شهر ربيع الآخر(3) سنة خمس وأربعين وألف سنة.
عبد الكريم بن صلاح الحيمي
__________
(1) في (ب): وستر.
(2) فراغ في (ب).
(3) في (ب): ربيع الأول.

العلامة عبد الكريم بن صلاح الحيمي - رضي الله عنه - كان فاضلاً عابداً صالحاً، طلب العلم بـ(صعدة) المحروسة، وبها توفي، وقبر بجوار الكينعي، وهو مزور مشهور، ولا أعرف ما مقدار(1) ما حصله من العلم، غير أني رأيت إليه قصائد، ورأيت تعلق الفضلاء بزيارة قبره، فمما كتب إليه من الشعر ما كتبه القاضي العلامة علي بن محمد بن سلامة:
أيا عبد الكريم حماك ربي ... وسلّمك المهيمن كل حربِ
وحقك أن لي شوقاً عظيماً ... أذاب جوانحي وأذاب قلبي
ترجيت اللقاء والقرب يوماً ... فلم أسعد بإسعافٍ وقربِ
فيا ليت الزمان يجود صدقاً ... بقرب أحبَّتي ويزيل كربي
أعاني ما أعاني من نواكم ... وأضنى والنوى يضني ويسبي
فرفقاً بي ولا تصلوا التنائي ... وحسْبي مدَّة الهجران حسبي
متى شمس الهدى يروي ضمائي ... بإقبالٍ وأبيات وكتبِ
جفا وأطال قطع الكتب دهراً ... بلا سبب لذلك غير عتبِ
عليكم ما سرى برق سلام
ٌ ... يحاكي الوبل في مسكٍ(2) وصبِ
ولا برحت تحيَّات عظام ... تخصكمُ على بُعدٍ وقربِ
قلت: وأراد بشمس الهدى: الوالد العلامة أحمد بن علي بن أبي الرجال، وأجاب الوالد شمس الدين بهذه الأبيات:
أتى المسطور من تلقاء ندبِ ... يخبر عن براعته وينبي
جمال الدين دام مدى الليالي ... معافى في صفا عيش وخصب
إلى آخر الأبيات، وعلي بن سلامة المذكور من فضلاء الوقت، عارف، له (شرح الفصُول اللؤلؤيَّة)، و(شرح الهداية)، وله سَمَاعات عدَّة، وهو الآن في الوجود - أطال الله بقاه - ولمَّا توفي عبد الكريم /20/ المذكور كتب شيخنا(3) العلامة محمد بن الهادي بن جحّاف، إلى الوالد شمس الدين أبياتاً منها:
الموت لا والداً أبقى ولا ولدا ... والمرء إن لم يمت في اليوم مات غدا
الموت حوض وكل الناس وارده ... فهات شخصاً لحوض الموت لن يردا
مات النبي أجل الناس مرتبة ... وكان أعظمهم عند الإله يدا
ومنها:
__________
(1) في (أ): ما مقدار.
(2) في (ب): سبك.
(3) زيادة في (ب): السيد.

فحين ذاق النبي الموت كان لنا ... أقوى دَليل على ألاَّ يَدع أحدا
فعزِّ نفسك عن إِلْفٍٍ تودَّعه ... وقم لتحصيْل زادٍ بَعد مجتهدا
فأنت في إثره - وَاللهِ - مرتحِل ... فهيئ الزَّاد إن حاديْ الرحيل حدا
فأجابه الوالد شمس الدين - رحمهما الله تعالى -:
أفاض دمعي وأوهى منيَ الجلدا ... علم أتاني فصبري عنده نفدا
من صعدةٍ جاءني رقٌّ فأرقني ... وندَّ نوميَ عن عينيَّ وابتعَدا
رفعت يا كاتباً ما كنت أحذره ... من فرقة الإلْف والحوض الذي وردا
وفاة من كان في الأيام غرَّتها ... وكوكباً لضياء العالمَين بدَا
شام الأنام بروقاً فيه صادقة ... فأقصَرته المنايا عن بلوغ مدى
مالي أرَى الموت لم تظهر فتاكته ... إلاَّ بِمَن كانَ نورًا للورى وهُدى
يا ليت علمك يا عبد الكريم طُوِي ... عني لأسلم حزناً فتت الكبدا
والحمد لله قد أمْضَى قضاه وما ... يلقى العباد من المقدور ملتَحدا
عبد الملك بن عبد الرحمن الأنباري [ - 206هـ]
عبد الملك بن عبد الرحمن الأنباري الذماري، العالم الكبير المحدث، بقية أهل الإسناد صاحب المسند، ترجم له السيِّد الصَّارم، وصاحب (المقصد)، قالا: هو صاحب المسند، قاضي إبراهيم بن موسى بن جعفر - عليه السلام – بـ(صنعاء)، داعي الإمام محمد بن إبراهيم بـ(اليمن)، قتله ابن ماهان، وكان إبراهيم بن موسى قد قضَّاه على (صنعاء)، ولمَّا قدم ابن ماهان من قبل المأمون نقل إليه أن عبد الملك يكرهه، ويميل إلى إبراهيم بن موسى الطالبي، فقتله يوم الجمعة في شهر رمضان سنة ستَّ ومأتين، وأقام مطروحاً على وجه الأرض ثلاثة أيام، ثم قبر - رحمه الله - أخذ عنه أحمد، وسأله عن بلد (طاووس)، فقال: الجند، روى عنه النسائي، وأبو داود. انتهى
عبد الملك بن الغطريف

العلامة عبد الملك بن الغطريف الصَّائدي، فقيه (همدان)، وأحد علمائها، من عيُون زمانه، وأعيان أوانه، له مقاوَلاَت ومقالات، وهو الذي اعترض الإمامَ القاسم بن علي - عليهما السلام - بمخالفة الهادي في شيء من الاجتهاديَّات، وأجابه القاسم عن ذلك، واعترض - أيضاً - ولدَه الحسين بن القاسم، وطالما كتب إليه الحسين بالتبري من المخالفة، ثم من بعد ذلك تكلم في الشيخ عبد الملك بكلام فيه شراسة، وظني أنه ابن الغطريف الصَائدي الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى-.
عبد المنصور الجيلاني
العلامة(1) عبد المنصور الجيْلاني من العلماء(2) الكبار، وصل مع الشيخ محمود بن علي الديلمي، إلى الإمام أحمد بن الحسين - عليه السلام - وكانا فاضلين عالمين(3) - رضي الله عنهما -.
عبد الوهاب بن سعيد [الحميري الحوالي] [ - 1018هـ]
__________
(1) ليس في (ب): العلامة.
(2) ليس في (ب): من العلماء.
(3) في (ب): عاملين.

العلاَّمة عبد الوهَّاب بن سعيْد بن عبد الله بن مسعود الحميري الحوَالي - رحمه الله - كان عالماً مجتهداً، من بيتٍ شهير بالعلم، معمور بالفضل، نسبهم إلى ذي حوَال، فهم وآل يعفر والفقهاء آل الأكوع في نسب واحد، وكان عبد الوهَّاب من فضلاء وقته، وتسمّى الصنعاني نِسبَة إلى أمِّه، وكان متعلقاً بالسياحة، وكان دمث الأخلاق سهل(1) السجايا /21/، وله مكارم وآداب، وكان يأتي إلى (ذيبين) للتنزه أيَّام الخريف، فيجتمع به الفضلاء، ويتم لهم به الأنس، وكان جميل الثياب، حسن الهيبة، ويقال: إنه يعرف (السيميا)، ولمَّا اعتقل بـ(كوكبان) ظهر هذا منه، فإنه كان يخرج من المنصورة، ويضع ثيابه عند أرباب السجن، ويغفل اليوم واليومين، ثُمَّ يرجع ويفارقهم من محل وعر لا يمكن النفوذ منه، وله صناعة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ممَّا يدل على ذلك ما اشتهر عنه أنه طلع إلى بعض جبال (ذيبين)، فوجد في بعض الكهوف امرأة تبكي، وعندها رجل رقيب عليها، فسألها عن شأنها، وما سبب بكائها؟ فأخبرته أنها امرأة محتشمة ليست من ذوات الريب، وأنه اتفق بها نحو ثمانية نفر من العتاة العصاة، فاغتصبوها نفسها، وأمروا ذلك الرجل رقيباً بحفظها، وعزموا ليأتوا بما يليق بمعصيتهم من لحم يسرقونه ونحو ذلك، فلما أطال معها الحديث، جاء ذلك الرقيب، واستنكر الخطاب، فقال القاضي المذكور له: يا مسكين، ترضى لنفسك بهذه الحال الدنيَّة، والحال العليَّة تمكنك، قال: وما هي؟ قال: أزوجك هذه المرأة تكون(2) لك خاصَّة، قال الرجل: وهذا يتم، قال: نعم، فعقد له بغير شهود، فلمَّا وصل أصحاب ذلك الرجل، لقيهم، وقال لهم: هذه صارت زوجَتي بحكم القاضي، فلا يقربها أحد، فمنعهم، ثم نزل القاضي، وعقد له عقداً جديداً، وكان يزورها كل سنة - رحمه الله - مع هذا الحلم الكبير(3) بينه وبين العلامة إبراهيم بن
__________
(1) في (أ): شجج.
(2) في (ب): وتكون.
(3) في (ب): وكان مع هذا الحلم الكبير.

مسعود الماضي ذكره وحشة، وذلك من العجائب، وقد روي أنه صلح أمرهما وتراضيا - رحمه الله -.
وتوفي بـ(الظهرين)، هجرتهم المعروفة بـ(حجَّة)، في تاسع وعشرين من رجب سنة ثماني عشرة بعد الألف، وقبره إلى جنب السيَّد الفاضل شرف الدين محمد(1) الحمزي من جهة القبلَة. ورثاه السيد العلامة علي بن صلاح العبَالي - رحمه الله تعالى - فقال:
عين جودي بدمعك الهتَّان ... واندبي ماجداً عظيم الشانِ
فاضل طلَّق الدنا وتخلَّى ... عالم عامل بكل مكانِ
لم يَدع بغية من الفضل إلاَّ ... نالها بالسباق طلق العنانِ
يا له من مبرّزٍ في علومٍ ... ما حواها سواهُ من إنسانِ
فلفقدانه ثوت بفؤادي ... لوعَة دونهَا لظى النيرانِ
آه أضحى الأنام عمياً عليهِ ... لا يرون الضيَا منَ الصنعاني
رحم الله تربة ابن سعِيدٍ ... وسقى من لديه بالأمزانِ
ويغشّى ضريحه بصلاة ... إنه كان طيب الأردَانِ
عبد الهادي بن أحمد بن صلاح [ - 1048هـ]
العلامة المتكلم شحاك الملحدين، وقرَّة عيُون الموَحِّدين، شيخ العلماء، وقدوة الراسخين، عبد الهادي بن أحمد بن صلاح بن محمَّد بن الحسن الثلاثي المعروف بالحسوسة - رحمه الله - كان منقطع القرين في علومه - حفظه الله - (2)، يُملي من صَدره ما لا تسعُه الأوراق.
قال سيدنا أحمد بن سعد الدِّين - رحمه الله -: كان هذا القاضي - رحمه الله - يحفظ مجموعات القاسم والهادي - صلوات الله عليهما - وغيرهما من الأئمة - عليهم السلام - ويمليها عن ظهر قلب غيباً بما يبهر العقول مع علوم سائر أهل الكلام، فهو أحقُ بما(3) تمثل له بما قيل في أبي الهذيل:
أطلّ أبو الهذيل على الكلامِ ... كإطلال الغمام على الأنام
__________
(1) في (ب): بن محمد.
(2) هكذا في (أ)، وفي (ب): الثلاثة ولواحقها.
(3) في (ب): من.

وكان يحفظ أحوال الناس، ولقي العلماء الفضلاء، وقرأ عليهم، ومن جملة شيوخه عبد الرحمن /22/ الحيمي، وعيسى ذعفان فيما أظنه، وعلي بن الحاج، وسيأتي ذكر عيسى ذعفان، وأما علي بن الحاج، فهو من جهة (الطويلة)، كان عارفاً، إلا أنه كان يخف في خطابه وأخلاقه، وكان بارعاً في علم الكلام، ويحمل القاضي عبد الهادي من جليل الكلام ودقيقه ما لا يشبهه فيه أحد، حتى إن الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد - عليه السلام - لمَّا اجتمع به في (ذيبين) ببيت الفقيه الفاضل محمد بن يوسف الشرعي وراجعه، وكان معه ابنه أحمد بن الهادي، وكان فاضلاً في هذا العلم، فلما افترقوا، قال الإمام: ظني أن عبد الهادي أوسع علماً من أبي الهذيل؛ لأنه اطلع على ما حصَّله أبو الهذيل وغيره، وكان مطلعاً على قواعد (البهشميَّة)، لا يند عنه منها شيء، ولا يخفى عليه شيء من أحوال أهل هذا العلم الكلامي، يحفظ قواعد أهله وأخبارهم ووفياتهم(1)، وإذا أملى(2) في ذلك، أفعم الأسماع، ومع ذلك فهو في علم آل محمد الخرِّيت الماهر عن سماع ورواية، روي أن(3) شيخنا العلامة أحمد بن سعيد بن صلاح الهبل - رحمه الله - لمَّا بلغه أن عبد الهادي - رضي الله عنه - درس في (مجموع القاسم الرسّي)، قال: هذا الكتاب ليس من كتب المعتزلة، كالمعرّض بعبد الهادي أنه لا يعرف علم الأئمَّة، فبلغ ذلك عبد الهادي، فضجر لذلك، وقال: والله إني لأعرف علم آل محمّد، وأبوه القاضي سعيد في (بدبدة)، غير متعلق بالعلم، أو كما قال. وقد كان يظن بعض الناس لكثرة حفظه لقواعد المعتزلة أنه يميل عن مذهب العترة، وهو ترجمان ذلك وحافظه.
__________
(1) ووفياتهم فراغ في (ب).
(2) في (ب): ابتلى. ولعل الصواب أملى.
(3) ليس في (ب): أن.

روي أنه ذكر بعض تلامذته شيئاً من أحواله، فنسب إليه الميل عن أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - كما تميل المعتزلة، فاتّفق أن القاضي أملى في فضائل أمير المؤمنين ما لا يعرفه إلا هو، وأطال، وأتى بكل عجيب وغريب، وكان في التلامذة الفقيه علي الشارح، وكان شيعياً كما يقال جلداً، فقام وحجل على رجله، أو نحو ذلك فرحاً بما سمع، فسألهم القاضي عن سبب ذلك فأخبروه بما قَد حصَل من الظنون في اعتقاده - رحمه الله - في أمير المؤمنين، وأنَّه نسب إليه ما ينسب إلى غيره، فبكى من ذلك، وتجرَّم من القائل - رحمه الله - وهو شيخ الشيوخ، وانقطع(1) إليه العلماء، وقرؤوا عليه، كالقاضي إبراهيم بن يحيى، والقاضي أحمد بن صالح العنسي، وآل الجربي وغيرهم، وسيّدنا شمس الدين أحمد بن سعد الدين المسوري - رحمه الله - وكان يعطِّر المجالس بذكره، ويملي عنه غرائب، وولي القضاء بـ(صنعاء) المحروسة، فتمَّ بسعيه أمور عظيمة للإسلام بحذاقه ومهارَة، وصناعة خارقة - رضي الله عنه - وله في السيَاسة ما لا يبلغه أحد، وقصصه في ذلك مشهورة، وله أولاد نجباء، منهم علامة الزمان حافظ المذهب: المهدي بن عبد الهادي، هو على منوال والده في التحقيق والحذاقة، ومنهم: علي بن عبد الهادي من العلماء الكملة، والحسين من فضلاء الوقت - أبقاهم الله تعالى- وانتقل من (صنعاء) إلى (ثلا) في أوائل مرض موته.
ثم توفى بـ(ثلا) المحروس نصف ليلة الجمعة الثاني عشر من ذي الحجَّة، عام ثماني وأربعين وألف - أعاد الله من بركته -.
عبد الله بن إبراهيم الفتحي (أبو شملة)
__________
(1) في (أ): انقطع.

السيد العلامة المتأله، ذو الكرامات، عبد الله بن إبراهيم الديلمي الفتحي المعروف بأبي شملة - رحمه الله - قال السيِّد العلامة الهادي بن إبراهيم الصغير عند ذكره السيد عبد الله بن إبراهيم: العابد العالم، المشهور بالفضل والكرامات الشهيرة الواضحة، منها أنَّ حيَّ الإمام المنصور بالله علي بن محمد بن علي لمَّا حط على حصن (ذي مرمر)(1) وقام معه الزيدية - رضوان الله عليهم - بقلوبهم وأيديهم /23/ حتى إن ممَّا وقع في ذلك أنَّ حيَّ الإمام المهدي، والإمام علي بن المؤيَّد - رحمهم الله جميعاً ونفع بهم - تركوا المحاربة والإغارة بالمرَّة، وأعانوا بالرَّواتب، وكان السيَّد المذكور ممَّن أمدَّ بالقراءة والحظور، والرواتب(2) المستمرَّة، وملازمة الله سبحانه وتعالى، فمِمَّا رواه (الإسماعيلية) بعد خروجهم؛ لأنهم خرجوا من غير قلة من القوت والماء،(3) ولا العدد ولا العدة(4)، بل كان فيه(5) كل شيء فوق الحاجة، ومن العدد و(العدَّة)(6) شيء لا يوصف، ولا طالت عليه مدَّة الحصار، بل كانت تسعة أشهر وأيام، والمشقة بأهل (المحطة) (7) أكثر، لكثرتها واتساع الأجناد فيها، وكانت ألفاً وتسعمائة محرس من غير المحاط، في كل محرس اثنا عشر رجلاً، ولكن أعانه الله، وتظافر القلوب بالدعاء، فكانوا يذكرون - يعني هؤلاء الخارجين من الحصن - أنهم كانوا يشاهدون السيّد عبد الله يضرب أعينهم بأهداب شملته، فكان يقع معهم تغيّر في أبصارهم، وألم، وموت فاظع، وكان السيّد - رحمه الله - ملازماً في (المحطة) حتى فتح الله، وهذه من أوضح الكرامات، وأعلاها وأنفعها للمسلمين.
__________
(1) في (ب): ذمرمر.
(2) في (ب): الراتب.
(3) في (ب): والعدد.
(4) في (ب): ولا الماء.
(5) في (ب): العددفيه من كل شيء.
(6) في (ب): والعدد.
(7) الْمَحَطَّة: من قرى بني السيَّاغ في الحيمة الداخلية، بالغرب من مدينة صنعاء. معجم المقحفي 1430.

قلت: ومما يروى أنَّ المحشة (بوادي ظهر) سميت بذلك لأنها كانت فوقها صخرة هائلة قد أشرفت على السقوط، فصعد السيَّد العلامة المذكور إليها(1)، وكان أهل البلد أهموا بالانتقال، فأمرهم بالبقاء، وقرأ على الصخرة، فصارت كالجشيشة التي تجش من الحب، فوقع في كل بيت من البيوت(2) شيء من تلك الجشيشة. وللسيّد هذا - رحمه الله تعالى - (3) كرَامَات كثيرة، منها أن بعض الأروام اقتعد قبره الشريف لقضاء الحاجة استخفافاً بمقامه، فمات على ظهر القبر لوقته، ومن كراماته أنه لا يحدث بـ(صنعاء) حدث عظيم في الغالب إلا وسمع من القبر همهمَة، وقد ضُبطت في بعض الأوقات وحفظت، ورأيتها بخط مولانا المجتهد صلاح الدين صلاح بن أحمد بن المهدي المؤيَّدي - عادت بركاته - ومن المروي عنه في أمر (صنعاء) ما رواه الإمام علي بن صلاح في منامه، وهو بـ(ذمار)، أن حجارة سقطن من السماء على (صنعاء)، وأنَّ رجلاً يلتقي الحجارة إلى حِجْره، فلم يقع على صنعاء منها شيء، فقال: من هذا؟ فقيل له: هو السيّد عبد الله بن إبراهيم الديلمي، ولم يعرفه قبل ذلك، فكتب إلى والدته وإلى الفقيه علي بن يحيى العمراني، فسألهم هل في (صنعاء) أحد هذه سمته واسمه؟ فأجابوه: إن هذا السيَّد موجود من أهل الورع والعبادة والزهادة.
قلت: ولهذا سميّ - رحمه الله - حافظ (صنعاء). وتوفي بها، وقبر في التربة الطاهرة في (الأبهر).
عبد الله بن إبراهيم بن عز الدين
__________
(1) زيادة في (ب): فقرأ عليها.
(2) سقط من (ب): من البيوت.
(3) سقط من (ب): رحمه الله تعالى.

الفقيه العلامة الفاضل عبد الله بن إبراهيم بن عزَّ الدين بن علي بن داود الحييّ - رحمه الله - عالم فقيه، كان يعرف الفقه، والفرائض، والجبر، والمقابلة، والمسَاحَة، وكان لا يلحق في ذلك، وكان يعرف علم الأسماء معرفة متقنة، ويركب الأوفاق، ولها آثار، وكان كثير المحبَّة لآل محمّد - صلى الله عليه وآله وسلم - ناصر الإمام القاسم، فهدمت الدولة بيته، وضرب بالسياط، وحبس بمدفن، وأخرج لنكتة وقصَّة فيها ما ذكرناه من تركيب الأوفاق، وقبره في (الهجرة) في صروح(1) القبة (بعرثومان).
عبد الله بن أحمد بن الحسين المؤيدي
السيّد العلامة المتواضع الدَّمث الأخلاَق، عبد الله بن أحمد بن الحسين المؤيَّدي - رحمه الله - كان عالم وقته، وسيّد عصره، ووالده هو الرئيس المستماح، والجواد الذي يباري الرياح، وكانَ هذا السيِّد - رضي الله عنه - ممن تيسر له العلم وسخر له، كان يأتي في الإملاء بالعجائب والغرائب، مع أنه لا يشتغل بالدَّرس في /24/ اللَّيل، ولا يفتح الكتاب إلا عند الدرس، وعلق عنه الفضلاء، وصححَّوا قواعد، وقيَّدوا شوارد، وأنبل تلامذته السيَّد العلامة محمد بن عز الدين المفتي، وكان - رحمه الله - محيطاً بعلوم الاجتهاد إلا واحداً منها، قال: خفت أن يجب عليَّ فرض الإمامة، هكذا روي عنه، وكان عفيفاً زاهداً، وهو الذي عمر القنطرة النافذة من (قرية الدجاج) بقرب (صنعاء) إلى نحو (الحصبة)، كان يجمع هو وأهل بيته ما يحصل لهم، ثم عمرها، وهي من المحاسن، ولا تقوم إلا بمالٍ واسع، وكان من جلالة قدره لا يمر(2) العلامة أحمد بن معوضة الحربي - رحمه الله - بعد أن عمي وكفّ بصره من الطريق إلى مصلاه في مسجد داود إلا من وراء السيد، لا يمرَّ بين السيد والقبلة تعظيماً له وإجلالاً.
توفي - رحمه الله - (......)، ودفن بجربة (الروض) - رضي الله عنه -.
عبد الله بن أحمد بن سلام
__________
(1) في (ب): صرح.
(2) في (ب): لا تمر العلماء.

العلامة أبو محمَّد القاضي عبد الله بن أحمد بن سلام - رحمه الله - كان كامل الورع والعلم بارع الصفات، مرجوعاً إليه في العظائم، ولسعَة علمه وشحه وورعه، جنح إلى الحسن بن القاسم الداعي بن الحسن بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - وكان ما كان من الداعي إلى إمام (العراق) الناصر الكبير، وذلك لأجل أولاد الناصر وعدم استقامتهم، وكان وثوق الناس(1) ورجوعهم إلى الشيخ أبي محمَّد، وآلت الأمور إلى السَّلامَة، وآضت القناة إلى الاستقامة.
عبد الله بن أحمد التميمي
العلامة الرئيس الفاضل اللسان البليغ، عبدالله بن أحمد التميمي - رحمه الله - أحَد رجال الزيدية في عصر الهادي إلى الحق وابنيه(2) - عليهم السلام - وله شعر، قالوا: وعدُّه في العلماء أولى(3) من عدِّه في الشعراء، وإن كان له شعر، فتناهيه في العلم، وعلوّ مكانه، قد أناف بقدره عن هذه الحطة(4)، وكان يقول الشعر الجيّد، قال الشيخ أبو الغمر: وأحسبه صاحب المسائل التي في تفسير آي من غريب القرآن وغوامض معانيه وهي كثيرة، سألته عنها (الإباضيَّة)، فسأل عنها الناصر لدين الله أحمد بن يحيى - عليهما السلام - فأجاب في ذلك الجواب المعروف بأيدي الزيدية اليوم، وهو من جلائل الكتب في علم التفسير؛ لأنه قد جاء في الخبر أنه كان يأتي نواحيهم من بلادنا هذه، (انتهى)(5)
ومن شعره يوم بيعة الناصر بن الهادي إلى الحق، وذلك في يوم الجمعة شهر صفر سنة إحدى وثلاثمائة، وكان يوماً مشهوداً(6)، أوَّلها:
نُصح المشيب أراح اللهو والطربا
ومنها:
إذا عدا(7) تخفق الأعلام عادية ... من فوقه وتظل البيض والشربا
لم يبق طاغ يكيد الحق معتمداً ... إلا هوى ونجا من خوفه هَربا
__________
(1) في (ب): الناس في ذلك.
(2) في (ب): وابنه.
(3) في (أ): أول.
(4) في (ب): الخطة.
(5) ليس في (ب).
(6) في (ب): مشهوراً.
(7) في (ب): إذا غدا.

بسط البنان إذا لم يبد شاتمه ... ماضي الجنان إذا حدُّ الحسام نبا
إذا ارتدى ابن رسول الله مُدَّرعاً
ً ... بحاد سيف أذل الجور والرتبا
دافعت عن فئة الإسلام حاسدها ... فما تركت له رأساً ولا ذنبا
أنت النجيب الذي اختار الإمام لنا ... كما أخاك لنا الهادي الرضا انتجبا
ذكرتنا سيرة الهادي وقمت بها ... وسرت فينا بعز الدين والحسبا
مكارم علويات نهضت بها ... سامي الحجا(1) تقفو الآباء والرتبا
ورثتها عن رسول الله لا خطلاً ... رجا عدوك أن تغتالها فنبا /25/
حطت البرية والإسلام متبعاً ... أفعال جديك تنفي الهم والكربا
لمَّا وهت عروة الإسلام قمت بها ... بساعدٍ لم يكن فحشاً(2) إذا ضربا
حفظت جدك في أقطار أمته ... هذا وسيفك يكلا العجم والعربا
جلست مجلس هادينا وصرت لنا ... حصناً وأدنيت تقريباً من اقتربا
الحامل العبء لا يسطاع محمله ... والتارك القرن بين الخيل مستلبا
عظيم هاشم والميمون طائره ... وفارس(3) الحرب إن محدورها رهبا
يزهو به منبر الإسلام إنَّ له ... فضلاً على الناس إن أثنى وإن خطبا
يكاد ينحاس بالكفار أرضهم ... من صولة ابن رسول الله إن قطبا
قرم تلافى به الإسلامَ خالقُنا ... بعد الضلال وقد أودى وقد خربا
أنت الخليفة للهادي الخليفة والـ ... حامي الذمار إذا سُمْر القنا سحبا
تزين (خولان) من حَوليك قاطبة ... وحي (همدان) تمضي دونك(4) القضبا
كن الإمام أمير المؤمنين كذا ... أراك تقدمهم في الله محتسبا
حتى تذل الأولى عزوا بذكركمُ ... جل العباد وجازوا الهزل والكذبا
وصيروا قَدَراً رَبّاً وخالقه ... كوني وقد قسم الأرزاق واحتجبا
نبرا إلى الله منهم من زنادقة ... للنار قد جعلوا أتباعهم حطبا
وأنت مهلكهم بالله معتصما ... حتى تبيدهم للنصر مرتقبا
__________
(1) الحِجَا: العقل، والفطنة، والمقدار. القاموس المحيط 1170.
(2) في (أ): فاحشاً.
(3) في (أ): والفارس.
(4) في (ب): حولك.

قوله: قدراً وكوني كلمتان للقرامطة القدماء من أسرار دينهم.
قال عبد الله بن عمر الزيدي الهمداني - رحمه الله -: يقول القرامطة لمن بلغوه بعد أن يأخذوا منه أحد عشر ديناراً: إن الآلهة سبعة، في كل سماء إله، وإن أولهم وأعلاهم هو الذي في السماء العليا يقال له: كوني، وأنه خلق قدراً وهو في السماء الثانية منه، وأن قدراً هو الذي خلق من تحته من الآلهة، وهم الحد، والاستفتاح، والجبال، وغيرهم من جميع الخلائق، وكانت هذه الألفاظ للقدماء منهم، وقد غيرها من بعدهم إلى ألفاظ قريبة منها، وذلك أنهم قالوا بدل كوني: سابق، وبدل قدر: ثاني، وفي بعض كلامهم: كوني وقدر سبعة أحرف، يدل على سبعة جدود علوية ينتهي إليها طبقات أفاضلهم، والسابق والثاني يقولان لهما الأصلان الأولان، ويقولون: هما العقل والنفس. والحد والفتح والجبال منها كالانبعاثات.
عبد الله بن أحمد الناصح [ - بعد 980هـ]
الفقيه العالم البارع التقي الصَّالح عبد الله بن أحمد الناصح - رحمه الله - من العلماء الكبار، وهو صنو إبراهيم بن أحمد الراغب المقدم(1) ذكره، وكان من العلماء، وسمَّاه(2) بالنَّاصح الإمام شرف الدين - عليه السلام - وهو من مشيخة العلامة عبد الله بن مسعود الحوَالي، شيخ العلامة عبد الله العلوي، ووفاته بالطاعون، بعد ثمانين وتسع مائة سنة من الهجرة - رضي الله عنه -.
عبد الله بن أحمد الوردسان
الفقيه العالم الفَاضل عبد الله بن أحمد الوردسان - رحمه الله تعالى - أحد تلامذة المقراي، كان فاضلاً، ذكره في (التوضيح)، وهو الذي توجَّه إليه السؤال عن معنى النسبة إلى زيد بن علي في قولهم زيدية، وتولى الجواب شيخه المقراي - رحمه الله - ومن /26/ تلامذته سعيد بن عطاف القداري، شيخ الإمام القاسم بن محمد - عليه السلام -.
عبد الله بن أحمد بن ساعد
__________
(1) في (ب): المتقدم.
(2) في (ب): سماه.

العلامَّة القاضي الهمام الكامل، عبد الله بن أحمد بن ساعد، حاكم المسلمين، ذكره غير واحدٍ من المؤرخين، ممن ذكره الأهدل، وذكر صنوه الحسين، ولعلّي قد ذكرت الحسين، وشهرتهم ظاهرة، وولي بعضهم قضاء (صنعاء)، وبعضهم قضاء (ذمار).
عبد الله بن إدريس بن يحيى بن حمزة
السيَّد الهمام الفاضل، عبد الله بن إدريس بن(1) يحيى بن حمزة - عليهم السلام - قال السيد الإمام المجتهد عبد الله بن الهادي بن يحيى بن حمزة: كان عبد الله بن إدريس له معرفة صالحة، ودرية راجحة، فطناً ذكياً، بارعاً خطيباً، حافظاً للقرآن عن ظهر قلبه، كثير التلاوة، عظيم القيام لله، سكن (صنعاء)، وتوفي بها، ولا عقب له، وله أخ اسمه محمد بن إدريس، كان صالحاً فاضلاً، خطيباً يحفظ الأبيات النادرة الصَّالحة الشعرية، والحكم العجيبة الوعظيَّة، سَكن هجرة (حوث).
قلت: وهو والد الأزرقي - رحمه الله - صاحب (جامع الخلاف)، وللأزرقي أخ اسمه إدريس، عابد فاضل عارف، تعلق بالأسماء والأوفاق.
عبد الله بن الحسن
أبو الغنائم السيِّد العالم الفاضل النسَّابة عبد الله بن الحسن، قاضي (دمشق)، يكنَّى(2) أبا محمد بن أبي عبد الله محمد بن الحسن بن الحسين، ويعرف بالأحول بن عيسى بن يحيى بن الحسين، ويعرف بذي الدمعة، وبذي العبرة، ابن الإمام الأعظم زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - هو إمام العلوم، وأحد حفاظ الزيدية ونسابهم، قرأ على الشريف الرضي بن الحسين بن المرتضى بن الهادي، وعلى الإمام الناطق بالحق أبي طالب، مما رواه عنه كتاب (الأحكام).
__________
(1) في (ب): بن أمير المؤمنين يحيى..
(2) في (ب): ويكنى.

قال أبو الغنائم: أخبرني به جماعة من ولده - يعني ولد الهادي - وغيرهم، منهم أبو طالب الهاروني الحسني، قال: أخبرني به يحيى بن محمد المرتضى، عن عمِّه الناصر عن الهادي، لأبي(1) الغنائم كتاب مبسوط في النسب الشريف، يزيد على عشر مجلدات، سمَّاه (نزهة(2) المشتاقين إلى وصف السَّادة الغرِّ الميامين).
قال بعض شيوخ الزيدية في تاريخه ما لفظه: لقي جماعة من النسَّابين، أخذ عنهم علم النسب، وسافر البلاد، ولقي الأشراف والعلويين، واستقصى أنسابهم.
قال الشريف أبو الغنائم: ثم أردت المسير إلى (دمشق)، فودعت الشريف أبا يعلى حمزة(3) بن الحسن بن العبَّاس القاضي المعروف بفخر الدَّولة، وكانَ إذ ذاك بـ(مصر)، فقلت وقت توديعي:
استَودع الله مولاي الشريف وما ... يحويه من نعمٍ تبقى ويبليها
كأنني وقت توديعي بحضرته ... ودعت من أجله الدنيا ومن فيها
قلت: وفي أهل البيت - عليهم السلام - نسَّابة - أيضاً - أبو الغنائم، لكنه حسني من ولد الحسن بن علي - عليه السلام - لقي ابن خداع النسابة، ومنهم أبو الغنائم حسيني من ولد الحسين بن علي - عليه السلام - (4)، هو محمد بن أحمد بن محمد بن محمَّد الأعرج بن علي بن الحسن بن علي بن محمد بن جعفر الصَّادق، نقيب عسكري(5).
قلت: وقولنا في نسبه قاضي (دمشق) هو صفة أبيه الحسن - رحمه الله -.
عبد الله بن الحسن الأيواري
__________
(1) في (ب): ولأبي.
(2) نزهة عيون المشتاقين…
(3) في (ب): أبا يعلى بن حمزة.
(4) سقط من (ب): عليه السلام.
(5) في (ب): عسكره.

العلامة المسنِد شيخ (العراق) عبد الله بن الحسن الأيواري الروباني - رحمه الله - هو من أساطين الإسلام، وسلاطين العلم الذين منهم يستماح ويستفاد، قرأ على الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش، ولازمه، وقرأ عليه النصوص، ترجم له (1)يوسف حاجي الديلمي، وذكره(2) السيد العلامة أحمد بن مير الحسني القادم بـ(جامع آل محمَّد)، وهو أحمد بن مير بن الناصر بن مارسا بن المرتضى بن أبي زيد بن الحسن بن إسماعيل (بن الناصر بن أبي الحسين بن الداعي بن أبي يعلى بن خليفة بن أبي زيد أحمد بن إسماعيل الفتي)(3) بن القاسم بن أحمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن /27/ بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام -.
قال السيد المذكور في إسناد المذهب الشريف: إن أبا العباس الحسني - رضي الله عنه - يروي عن عبد الله الأيواري ظناً من السيد أحمد بن مير، قال: خصوصاً في سماع نصوص الناصر للحق، والأيواري سمعها تحقيقاً من(4) الناصر.
قال شيخنا العلامة أحمد بن سعد الدين - رحمه الله -: قوله: إن سماع أبي العباس من الأيواري ظن لا غير، أقول: بل سماع أبي العباس من الأيواري هو حق اليقين، قال: وقد روى الأيواري عن جعفر بن محمد بن شعبة النيروسي، صاحب (المسائل النيروسيات) المنسوبة إلى القاسم، وروى النيروسي عن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن أبيه عبد الله بن الحسن.
__________
(1) في (ب): ترجم له - رحمه الله -.
(2) في (ب): ذكره.
(3) زيادة في (ب)، وفراغ في (أ).
(4) في (ب): على.

قلت: وقد يقع الوهم في النيروسي، فإن للأيواري تلميذاً هو أحمد النيروسي، شيخ علي بن الحسين الأيواري الذي قرأ عليه أبو جعفر محمد بن يعقوب جامع (الإفادة)، فتوضح لك أن أحمد النيروسي، قرأ على عبد الله الأيواري، وعبدالله(1) قرأ على جعفر النيروسي، وعلى الناصر، والناصر على(2) محمد بن منصور، ومحمد بن منصور(3) على القاسم الرسي - سلام الله عليهم -. ممَّن أفاد ذلك يوسف حاجي، وعبد الله الأيواري هو الذي حكى العلامة يوسف بن أبي الحسن بن أبي القاسم الجيلاني - رحمه الله - في بعض كتبه المصنفة عنه أنه قال: كنت حملت إلى الناصر شيئاً من الفواكه إلى (شالوس)، فامتنع من قبوله، فدنوت منه، وقلت: إن فاطمة - عليها السلام - قبلت من سليمان هديته، وأنت تمنع مما عملت فاطمة، وأخذت واحداً منها، وأدخلته في يديه حتى قبضه، وأخذه.
عبدالله بن الحسن الأفطس(4)
__________
(1) في (أ): وعبيد الله.
(2) في (أ): على ابن محمد بن منصور.
(3) سقط: ومحمد بن منصور من (أ).
(4) هذه الترجمة ليست في (ب).

عبد الله بن الحسن الأفطس، قال ابن عنبة: هو أحد أئمة الزيدية، وأمه على ما قال شيخنا العمري من النوفل بن عبد مناف، خرج مع الحسين بن علي صاحب فخ، متقلداً بسيفين يضرب بهما، وما كان فيمن معه أشدَّ منه ولا أشجع، وحَسن بلاؤه يومئذٍ، وقال: إن الحسين بن علي صاحب فخ أوصى إليه، وقال: إن حدث بي حدث، فالأمر إليك، وكان الرشيد قد حبسه عند يحيى البرمكي، فقال يوماً - بحضور جعفر بن يحيى - اللهمَّ اكفنيه على يد ولي من أوليائي وأوليائك، فأمر جعفر ليلة النيروز بقتله، وحزَّ رأسه، وأهدى به إلى الرشيد في جملة هدايا النيروز، فلمَّا رفعت المكنة عنه، استعظم الرشيد ذلك، فقال جعفر: ما علمت أن شيئاً أعظم لي من حمل رأس عدوك وعدوّ آبائك، فلما أراد الرشيد قتل جعفر بن يحيى قال جعفر لمسرور الكبير: بِمَ يستحل أمير المؤمنين دمي؟ قال: بقتل عبد الله بن الحسن بن علي بن علي بن عمه بغير أمره، ويلقب عبد الله الأفطس بالشهيد.
عبد الله بن الحسن الطبري
العلامة المهاجر(1) المجاهد، إنسان عين العلم، وأهل(2) فخر الملة، عبد الله بن الحسن الطبري - رحمه الله - أحد العلماء الراسخين، لقي الأئمة الكبار، وهو صاحب المسائل الستمائة التي أوردها على المرتضى لدين الله محمد بن يحيى، وأجاب عنها بالجامع للستمائة(3) من جملتها، وكلها غرائب.
__________
(1) في (ب): الماهر.
(2) في (ب): وأهله.
(3) في (ب): للست المائة.

وسألت عن الإمام يسلم بعد كمال صلاته. وفراغه منها، هل يقعد في موضعه وعلى مكانه فيسبح ويدعو؟ قال محمد بن يحيى - رضي الله عنه -: يجب للإمام إذا سلم من صلاته أن ينحرف يسيراً عن مقامه، ويدعو بما أحبَّ من دعائه، وكذلك رأينا السلف - صلوات الله عليهم - ورأينا الهادي - صلوات الله عليه - إذا سلم انتقل إلى جانب المحراب، حتى يخرج من وسطه، ويصير جالساً إلى حرفه، ثم كان - صلوات الله عليه - يدعو بما أحبَّ وبدا له، ثم ينصرف، وبذلك نأخذ، وعليه نعتمد، والله الموفق للصَّواب، والمعين على السداد. انتهى. ونقلت هذه لبُعد عهد أهل الزمان لهذه الكيفيَّة.
عبد الله بن الحسن الدواري [715هـ - 800هـ]
القاضي الإمام العلامة المعروف /28/ بسلطان العلماء، عبد الله بن الحسن الدواري - رحمه الله - هو إمام الأصول والفروع، وترجمان المعقول والمسموع، لا أجد عبارة تفي بحقه، لكنه يليق بوصفه ما قال بعض علمائنا في (العراق) في العلامة على بن أصفهان: كان في عصره كالنبي (1) في أمته، أو كما قال، وما أحراه بما قال السيد العلامة الهادي بن إبراهيم بن علي بن المرتضى في وصفه، في شرح منظومته (الخلاصة) بعد أن أطنب في الثناء ثم قال:
وهذا خلاصات المسائل لم تكن ... عليَّ عزيز نظمها لك في شعري(2)
هرقت لها كأس الكرى بقراءة ... وبحث وتحقيق على العالم الصَّدرِ
هو القدوة العلاَّمة الحبر إنَّه ... ليبهر فضلاً كلّ علامة حبرِ
وقاضي قضاة المسلمين وسيّد الـ ... أكابر والشمس المضيئة في عصرِ
مؤيَّدة أقواله بأدلةٍ ... تقوم مقام النصر للعسكر المجري
هدانا إلى سبل الرشاد ولم يزل ... يبيح لنا وفراً يزيد على الوفرِ
جزاه إله العرش من (3) فيض علمه ... وتعليمه المشكور من أفضل الأجرِ
__________
(1) في (ب): ص.
(2) في (ب): الشعر.
(3) في (ب): عن.

قال السيد جمال الدين - رحمه الله -: كانت قراءتي عليه لكتاب(1) (الخلاصة) سنة ثماني وسبعمائة بمسجد الهادي - عليه السلام – بـ(صعدة) حرسها الله بالأئمة الهادين، قال: وكنا بين يديه - رحمه الله - جماعة من طلبة العلم، يملي علينا من بحر علمه الفرائدَ المنتقاة، ويمطر علينا من شآبيب فهمه المستقاة، وكان العلم في زمانه(2) كالحديقة المزهرة، ووجوه العلوم(3) الدينية بنور وجهه ضاحكة مستبشرة، وكانت ركائب الطلبة تحدى إلى سوحه من أداني الأرض وأقاصيها، وبلغ في العلم والتعليم وحياطة الدين مالم يبلغه أحد، جمع بين محاسِن العلم والعمل، ونال من الله سبحانه في المآثر الصَّالحة نهاية السؤل والأمل.
__________
(1) في (ب): الكتاب.
(2) في (ب): زمنه.
(3) ليس في (ب): العلوم.

قلت: كان هذا القاضي - رحمه الله - مرجعاً للعلماء، ومثابة لهم عند المهمَّات، وحسبك برجُل يرسل إليه علامة (اليمن) الحسن بن محمد النحوي (من يسأله، فإنه لمَّا دخل (صنعاء)، أرسل الفقيه حسن بعض الطلبة)(1) من يسأله عن إجازة الإجازة، فوقف في الطريق، ووضع دقنه على عصاةٍ يتوكأ بها(2)، وسكت ساعة، فلما وصل الرسول إلى الفقيه حسن، ووصف له سكتته وتأمله، فأقسم الفقيه(3) أنه تلك الحال كالناظر في بحرٍ من علمٍ، وقد كان أهل وقته يحتجون بأفعاله، وفي تثنيه لإمامة الإمام المنصور بالله(4)، ووقوف العلماء منتظرين له ما يدلك على ذلك، وقد يعدُّها بعض الناس ثلباً في حقه، وليس كذلك، فمثل هذا الجليل يصان عن الثلب، وما أتى في هذا ببدع من القول، بل القائل بذلك جمّ غفير. وقد روي أنه لمَّا دنت وفاته ذكر له بعض أولاده هذه القصَّة ليذكره لعله يستغفر في حق الإمام المهدي - عليه السلام - فحلف القاضي أنها أرجى شيء أرجوه عند لقاء الله تعالى؛ لأني ما أردت إلا حفظ الإسلام، وما أقدمت بغير بصيرة.
__________
(1) ما بين القوسين ليس في (ب).
(2) في (ب): عليها.
(3) في (ب): الفقيه حسن.
(4) سقط من (ب): بالله.

قلت: ومصنفاته في الأصول والفروع تدل(1) على فضل كبير، فإن (شرح الجوهرة) غطَّى على شروحها، وما تعلق الناس بعده بغيره، ولشيخه قاسم المحلي على (الجوهرة) تعليق، ومنها تعليق للعلامة محمد بن حليفة، ومنها تعليق أحمد بن حميد الحارثي، ومنها ما وضعه العلامة ابن أبي الخير، وفي ظني أنها ثلاثة شروح، ومنها للقاضي جار الله بن عيسى، ومنها للقاضي محمد الثاي /29/ شيخ الإمام المهدي أحمد بن يحيى، وشيخ عمه القاضي جار الله بن عيسى، وللمصنف (للجوهرة) الشيخ الحفيد كتابان جعلهما كالشرح للجوهرة، وهما (الوسيط) و(غرة الحقائق)، ومنها تعليق لبعض الفقهاء من الجهة الأنسيَّة - لعلّي أذكره في ترجمته إن شاء الله(2) - فإنه غاب عني عند الرقم، ومنها تعليق لرجل يسمى ابن أبي ليلى، وهو خفي كان فيما عندنا من الكتب، ثم لم نجده بعد، فكل هذه التعاليق تركت بعد ما ألفه القاضي، وله - رحمه الله - (شرح الأصول الخمسة) في الأصول و(شريدة القناص)، فيها(3) التحقيق والتدقيق، وفي الفروع (الديباج النضير)، ولعمري أنه مفقود النظير، جمعه وقت قراءته (لِلُمَعِ) الأمير علي بن الحسين - عليهما السلام - وكان سمَّاه (الطراز)، ثم سمَّاه (الديباج)، من أجل الكتب، كان الإمام المؤيَّد بالله محمد بن القاسم لا يفارقه، ثم تلاه صنوه المتوكل على الله، أثنى عليه كثيراً، (وللُّمع) شروح وتعاليق، منها (اليواقيت) للعلامة محمد بن يحيى بن حنش، وتعليقان آخران.
__________
(1) في (ب): تدلك.
(2) في (ب) زيادة: تعالى.
(3) في (ب): فيهما.

قلت: أحسب أحدهما المسمَّى (بالكواكب)، وليحيى بن حسن البحيبح(1) تعليقة، و(الزهرة) للوشلي، وتسمَّى (اللمعة)، فليحفظ هذا، و(الزهور) للفقيه يوسف، و(الديباج) للقاضي، وشرح السيد الهادي بن يحيى، وتعليق الفقيه حسن النحوي، وتعليق الصعيتري - أيضاً - فليحفظ، و(اللمعة المضيَّة) للسيد صلاح الجلال، وهي غير لمعة الفقيه علي الوشلي، وللعلامة ناجي بن مسعود (الجمع على مشكلات اللُّمع)، وللفقيه معيض تعليق، وللعلامة علي بن سليمان الدواري مذاكرة على (اللمع)، وتعليقه لولده موسى بن علي، قال سيدنا العلامة أحمد بن يحيى بن حنش: إن للفقيه حسن النحوي تعليقة تسمَّى (الروضة) على (اللمع) غير تعليقه الذي سبق ذكره المسمى (منتهى الغايات)، وتعليقة لابن السقيف، والتعليقة المعروفة (بالشرقية) للسيد الهادي بن يحيى - عليهما السلام - وللقاضي - رحمه الله - مسائل، وللإمام صلاح الدين إليه رسائل غرر(2)، كلماتها جواهر ودرر(3)، كأنه أبوه الذي رباه، ومن أفاد إنساناً صار أباه.
من علم الناس فهو خير أب ... ذاك أبو الرّوح لا أبو البدن
قلت: وكان علماء وقته يطالبونه بتأليف تفسير على القرآن؛ لما رأوه من تمكنه، من جملة من ذكر ذلك(4) السيد الهادي بن إبراهيم، فأشار - رحمه الله - إلى الاكتفاء بما صنَّفه علماء الإسلام، توفي رضوان الله عليه بـ(صعدة)، بكرة نهار الأحد، سادس شهر صفر، سنة ثمانمائة، ومولده سنة خمس عشرة وسبعمائة، فكان عمره خمساً وثمانين سنة، ورأيت في تاريخ وفاته أبياتاً وهي:
ألا إن فخر الدين حاكم صعدة ... تقضَّت لياليه عقيب المحرم
لسبع مئين قد تقضت عديدها ... إلى مائةٍ وفَّى بها العمر فاعلم
وعاش من الدنيا ثمانين حجَّة ... وخمساً وفت والمرء غير مسلم
انتهى، ونسبه إلى دوار بن أحمد أحد جدوده - رحمهم الله جميعاً -.
عبد الله بن الحسن الرصاص
__________
(1) في (ب): البحيح.
(2) في (ب): غر.
(3) في (ب): ودر.
(4) في (ب): ذلك له السيد.

العلامة عبد الله بن الحسن(1) الرصَّاص، كان عالماً فاضلاً، ذكره غير واحدٍ من أصحابنا - رحمه الله -.
عبد الله بن الحسين بن القاسم الرسي
السيد الإمام الحجَّة عبد الله بن الحسين العالم، بن القاسم ترجمان آل الرسول، بن إبراهيم بن إسماعيل، صنو الهادي إلى الحق - عليه السلام - والوارد معه إلى (اليمن) المسمَّى بصاحب الزعفرانة؛ لرؤيا رآها بعض الصَّالحين، أنه عاتبه في ترك زيارته، مع أنه لم ينبت الزعفران في قبر أحد غيره، كان عالماً مستجمعاً لخصال الفضل، وجعله العلماء أحد فضائل يحيى بن الحسين، وقالوا: حسبُه مطاوعة عبد الله له على جلالة قدره، فإنه(2) أعلم أهل زمانه، وأفضلهم، وله كتاب (الناسخ والمنسوخ).
وتوفي بـ(اليمن) في تاريخ (.........)، وقبره بـ(صعدة)، وعُمر عليه قبة الأمير الأعظم ياسين بن الحسن الحمزي، وهو من عقبه؛ لأن جميع (الحمزات) من نسله - عليه السلام -.
عبد الله بن حمزة بن أبي النجم
الفقيه العلامة رئيس (صعدة) في وقته، عين علماء الزيدية عبد الله بن حمزة بن أبي النجم - رحمه الله - كان عالماً، فاضلاً، مرجوعاً إليه، وكان قد غرق في بحار التطريف، ثم استنقذه الإمام الفقيه زيد بن الحسن البيهقي، فرجع إلى مذهب العترة الطاهرة، كما رجع حسين بن حسن بن شبيب التهامي - رحمه الله -.
عبد الله بن الزبير
العلامة عبد الله بن الزبير، عمَّ أبي أحمد الزبير(3)، ذكره البغدادي - رضي الله عنه - من الزيدية في موضعين من كتابه - رحمه الله -.
عبد الله بن زيد العنسي
الفقيه العلاَّمة، ركن الإسلام، عبد الله بن زيد العنسي - رحمه الله - هو حافظ علوم العترة، وحامِي حمى الأسرة، علاَّمة خطير، وإمام في الشريعة كبير، قدم من (العراق) بـ(علوم آل محمّد) - عليهم السلام - سنة إحدى وخمسمائة - أعاد الله من بركته - وقد علمت أنه غير مؤلف (الإرشاد).
__________
(1) في (ب): حسن.
(2) في (ب): فإنه من أعلم.
(3) في (ب): عمر بن أحمد الزبيدي.

عبد الله بن زيد بن أحمد العنسي [593هـ - 659هـ]
القاضي العلامة، إمام الزهاد، ورئيس العُبَّاد، ولسان المتكلمين، وشحاك الملحدين، عبد الله بن زيد بن أحمد(1) بن أبي الخير العنسي - رحمه الله - هو مفخر الزيديَّة، بل مفخر الإسلام، جمع ما لم يجمعه غيره من العلوم النافعة الواسعة، والأعمال الصَّالحة، وصنف في الإسلام كتباً عظيمة النفع، رأيت بخط بعض العلماء أن كتبه مائة كتاب، وخمسة كتب، ما بين صغير وكبير، وفيها من النفع العظيم، وكان جيد العبارة، حسن السَّبك، كلامه كأنما ينحط عن صبب، وكان هو والعلامة الشهيد كالنظيرين، إلا أنَّ تصرفات ابن زيد في المعقولات أكثر من الشهيد، وتصرّفات الشهيد في المنقولات أكثر من ابن زيد، هكذا كان يقول شيخنا شمس الدين - رحمه الله -.
__________
(1) سقط من (أ): بن أحمد.

قلت: وقد ترجم له غير واحدٍ، وهذا ما كتبه شيخنا من ترجمته، ولفظه: كان القاضي(1) عبد الله بن زيد العنسي مؤلف (الإرشاد) - رحمة الله عليه - من أوعيَة العلم، وأجل علماء الزيدية - كثرهم الله -. وله المؤلفات الجليلة ككتاب (المحجَّة البيضاء) في علم الكلام، كتاب حافل بسيط، أربعة مجلدة، وغيره، وله كتاب (التحرير) في أصول الفقه، كتاب نفيس، والرَّجل حافل الرواية، متين الدراية، رائق المباحث، دقيق النظر، أحد الزهاد المشهورين بالورع، وله في نصرة الإمام الأعظم المهدي لدين الله أحمد بن الحسين - سلام الله عليه - اليد الطولى، والسَّهم المعَلى، حتى إنه - عليه السلام - كان لا يعدل به أحداً، ويسميه داعي أمير المؤمنين، ويصفه بالدين الرصين، والورع المتين، وبعثه إلى (صعدة) - حرسها الله - في سنة أربع وخمسين وستمائة، وكتب إلى عمَّاله أن يقفوا على رأيه، فظهر سعيُه في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وراسل بذلك عمال (نجران)، وكتب رسالة جيدة إلى قاضيه الجليل محمد بن المؤيَّد الدواري، /31/ ولمَّا كان من السيد الحسن بن وهاس، والشيخ أحمد بن محمد الرصاص، والفقيه أحمد بن حنش، والفقيه أحمد بن علي الضميمي، والفقيه حنظلة بن أسعد الحارثي، والقاضي إبراهيم بن فليح وغيرهم، ما كان في حق الإمام المهدي - سلام الله عليه - من الاعتراض عليه، والمخالفة له، خرج من صعدة إلى الإمام - عليه السلام - إلى (مدع) ساعياً في إصلاح أمرهم، وكتب إليهم رسالة بليغة، ولمَّا كان ما كان من قتل الإمام المهدي - عليه السلام - لم يزل الفقيه يراجع الحسن بن وهاس، ويستظهر عليه بالحجج في حق الإمام - سلام الله عليه - حتى فلجه، قيل: إنه أورد عليه خمسمائة إشكال، فأمر شمس الدين أحمد بن الإمام من يتهدده مراراً ولم يجد سبيلاً إلى قتله لعلمه (......) ظاهره مع إرادته ذلك، فخرج الفقيه - رحمه الله - إلى بلاد (خولان) سنة ست
__________
(1) في (ب): القاضي العلامة.

وخمسين وستمائة، وهي السنة التي استشهد فيها الإمام المهدي لدين الله، فأقام (بفللة)، ونشر العلم هنالك، وكانت لزمته ديون في نصرة الإمام المهدي تقارب عشرة آلاف درهم، وتخوَّف مع ذلك الغيلة، فاضطَرَّته الحال إلى أن قصد سلطان اليمن المظفر، فتوجَّه لذلك يوم عاشوراء من عام تسع وخمسين وستمائة، وكانت طريقه من (حرض)، فتلقاه عاملها الأمير فيروز بالقبول والإكرام، فلم يأكل الفقيه من ذبائحهم، وتقدم إلى زبيد، فكانت بينه وبين علمائها كابن حنكاش مراجعة، كان الفلج عليهم فيها.
وابن حنكاش هو أبو العتيق أبو بكر بن عيسى بن عثمان اليقرمي - بياء مثناه من أسفل بعدها قاف ثم راء مهلمة بعدها ميم ثم ياء النسبة - نسبة إلى اليقارم بطن من الأشاعرة، مولده سنة تسعين(1) وخمسمائة.
وتوفي في(2) يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وستمائة، وكان يدرَّس مذهب الشافعي(3) - أيضاً - وهو من مشاهير الحنفية بـ(زبيد)، له أتباع وأصحاب.
ثم تقدم القاضي إلى (تعز)، وقد وصل إلى السلطان قبله كتاب من بعض أعاديه ينفره عنه، فأمر بإكرامه، ولم يتصل به، ولا قضى له حاجة، وأقام على ذلك مدَّة، فكاتب السلطان بالنصائح الدينية، ونبَّهه على العقائد الصحيحة، فأجابه بجواب حسن، فعاد الفقيه وقد ضاقت به الحال؛ لدَينه وكثرة عائلته، فإنهم بلغوا نحو خمسة وعشرين، وكانت له دار بـ(صعدة)، خاف عليها ولده أن يأخذها الأشراف، فهدمها من غير إذن أبيه، وفارقه بسببها.
__________
(1) في (ب): تسع.
(2) ليس في (ب): في.
(3) ليس في (ب): الشافعي.

قلت: وكان رجوع عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - من باب السلطان مثلبة للسلطان، ولمَّا بلغ العلامَّة مسعود بن عمرو - عمَّ القاضي عبد الله - ما كان من رجوع القاضي، كتب إلى الأمير العالم علي بن يحيى العنسي من أهل بيتهما، وكان عظيماً خطيراً، يلي عظائم الأمور، وما يتولاه السلطان بنفسه، وقد كان وليًّا للسلطان من خلصَائه، فكتب إليه مسعود بن عمرو - رحمه الله تعالى -:
بَكَرَتْ(1) تقول أبعد عهد العاهد ... أصبحت تصحب في زمام العابدِ
أم بعد ما اهتدت الكهول بحلمك الـ ... مأثور تعنو للغزال القاردِ
فأجبتها إنَّ الصدور برَى بها(2) الـ ... ـباري قلوباً لم تكن بجلامدِ
منع التحمل سحر طرفٍ فاتر(3) ... قد ظل يغري بي وثدي ناهدِ
وكثيف أردافٍ وخصر مخطف ... يتجاذبان قوام غصن مائدِ
وحديث فاتنة الحديث كأنَّه ... قطر تحدَّر أو عقود فرائدِ
يا صاحبَي رأيت من نحو الحمى ... برقاً رفعت إليه طرف السَّاهدِ
فاستوكفا(4) لي الدَّمع أو فتوقفا ... ما حد أيسر(5) وقفةً للنَّاشدِ
فإذا أنختم بالمكنة فارويا ... عند ابن يحيى من كريم قاصدِ
|
ملحاً يفوح(6) على عليّ نشرها ... مسكاً وكافوراً بطيب محامدِ
قولا يقول لك الَّذي موَّلته ... بجميع مالك طارفٍ أو تالِدِ
أمقيل عثرة كل حرٍّ ماجدٍ ... ومقيل كل مديح بيت شاردِ
ومنزل الغُرف التي قد عُوليت ... شرفاً بها فوق السحاب الرَّاكدِ
ومدَبّر الملْك العقيم بفكرةٍ ... تجري العيون من الْحَديد الجَامدِ
وبصبر حر لا يقوم بصبره ... ركنا ثبير(7) حول برج عطاردِ
وعزيمة لو زاحَمت أركانها ... جَبلاً لأصْبَح كالصَّعيد الهامدِ
وصفاء سِرٍ للملوك كأنه الـ ... ـسلسال صفَّق بالنسيم الباردِ
__________
(1) بَكَرَتْ: بادرتْ.
(2) سقط من (أ): بها.
(3) طرف فاتر: ليس بحادِّ النظر. القاموس المحيط 423.
(4) استوكفا: اسْتَقْطِرَا. القاموس المحيط 795.
(5) في (ب): يسر.
(6) في (أ): يلوح.
(7) في (أ): يثير.

يا من أجاب من المظفَّر دَعوَة ... بيدي سعيداً في الثغور مساعدِ
حتَّى جَذَبت الشَّامخَات فأصبحت ... من بين أنياب الهزبر الصَّائدِ
بنمير(1) يوسف المليك وماله ... وبسَيفه المطفي لنار الكائدِ
أنشاك سيفاً يا ابن يحيى صارماً ... فكفيته عن كل حِسد الحاسدِ
فغدوت منه كناظرٍ من مقلة ... دون الأنام ومعصم من ساعدِ
ماذا تقول لحبر(2) أسرتك الَّذي ... نزلت ركائبه نزول الوافدِ
خير الأعاظم وارث الحجج التي ... قامت على الدُّنيا مقام الشاهدِ
جاءت به نزل الركاب مشحة ... لمآربٍ ومراتب وفوائدِ
ورمى إلى الملك الأغرِّ بطرفه ... وبنفثه من مستهامٍ رائدِ
فأتى جوابٌ لا سبيل إلى اللِّقا ... فابعث (بحاجك) نحونا في كاغدِ(3)
حاشا لخلق ابن الرسول وجوده ... وحياته وعلائه المتصاعدِ
ولسوحه الرحب الذي من يأته ... لم يرتحل إلا بحظ الحامدِ
وبحرمة الرحم الذي ما سوقها ... في البر والوصل الجميل بكاسدِ
فالحن لسلطان الأنام معرِّضاً ... بأنيق لفظك للحليم الرَّاشدِ
حتَّى ترد على ابن عمَّك جاهه ... غضاً وترغم فيه أنف الحاسدِ/33/
لا غرو أن أضحى ابن زيدٍ قاعداً ... عند المظفر فهو أزكى قاعدِ
بحر المحابر المساير(4) فضله ... ما ليس يذهبه جحود الجاحدِ
ثم ساق مسعود بن عمرو القصيدة.
رجعنا إلى كلام شيخنا - رحمه الله - في ترجمة العلامة ابن(5) زيد - رحمه الله - قال: ولمَّا قام الإمام الأعظم المنصور بالله الحسن بن بدر الدِّين محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى - عليهم السلام - نهض الفقيه بدعوته الشريفة ونصرته، ونزل معه إلى (ضمد)، ولعل عود الفقيه - رحمه الله -(6) إلى (كحلان تاج الدين)، كما يقتضيه تاريخ ما كتبه من خطه، فإنها السنة التي نزل فيها إلى (اليمن).
__________
(1) في (ب): بيمين.
(2) في (ب): الحبر.
(3) كاغَد: قرطاس.
(4) في (ب): عبيد الله بن (ظ).
(5) ليس في (ب): ابن.
(6) في (ب): كان.

وتوفي وقبرهُ(1) بـ(كحلان تاج الدين)، قِبلى البرْكة التي تسمَّى رحبة، مشهور مزور.
قلت: وذكر سيدي جمال الإسلام الهادي بن إبراهيم، في (المسائل المذهبة) وغيرها ما حاصله أنَّ الفقيه - رحمه الله - كان في مقام التدريس صحيحاً، فاستدعى بدوَاة وقرطاس وكتب وصيَّته لأولاده، حتى بلغ إلى ذكر(2) ما في المصحف من الحديث القدسي: ((إنه من لم يَرض بقضَائي، ويصبر على بلائي، فليتخذ له ربّاً سواي))، مات وانحط القلم في الكاغد، وذكر سيّدي(3) هذه القصَّة مع قصَّة موت الغزالي، فإنَّها من العجائب.
رجعنا إلى كلام شيخنا قال: وله رسائل عظيمة على المطرَّفيّة - أقماهم الله - منها (الرسالة المنقذة من العطب السَّالكة بالنصيحة إلى أهل شظب)، رأيتها بخطه، وقال: فرغت منها في شهر ربيع الآخر من شهور سنة ستين وستمائة، بالحصن المحروس (كحلان)، وله (الرسالة الداعيَة إلى الإيمان) وغيرها، وله (الإرشاد) المشهور في علم الطريقة والزهد، ومن الشعر المشهور عنه قوله، ويروى(4) أنه لأخيه.
قلت: لعله أراد المسعود بن عمرو، فإنها تروَى له وهي ثابتة في ديوانه:
إلهي ذا الجلال أرى القوافي ... تهزَّ بها العباد الناسَ هزّا
فمالي لا أهزّ جناب ملك ... تبارك ما أجلَّ وما أعزَّا
إذا اتخذ الأنامُ لهم كنوزاً ... جعَلتك لي من الحدثان كنزا
وإن سألوا العبادَ سألْتُ من لا ... أخافُ لديه عرضي أن يُرَزَّا
أشير إليه حاجاتي فتقضى ... ولو لم تسمع الآذان ركزا
واخضع في يديه فترتقي في ... جلالة مجده شرفاً وعزّا
إذا ما استنزل القرآن حزني ... به أيقنت أني سوف أُجْزَا
أعيذ بنور وجهك نور ديني ... وثوب جلالتي من أن يُبَزَّا
__________
(1) في (أ): وقبر.
(2) في (ب): حكر.
(3) في (ب): السيد.
(4) في (ب): ويرى.

ومن شيوخه في العلم، الأمير الكبير، شيخ آل الرسول، بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى - عليهم السلام - ومما ذكره القاضي عبد الله - رحمه الله - في ديباجة مؤلفه الذي سمَّاه (اللائق بالأفهام في معرفة حدود الكلام) بخط يده ما لفظه: ألَّفه(1) في حال التدريس(2) وقبل نبات اللحيَة، وكتب هذه النسخة وقد بلغ ستاً وستين سنة من العمر بـ(كحلان) المحروس سنة تسع وخمسين وستمائة. فمولده - رحمه الله - سنة أربع(3) أو ثلاث وتسعين وخمسمائة سنة، ووفاة المنصور بالله /34/ والفقيه في نحو إحدى وعشرين سنة؛ لأنها في سنة أربع عشرة وستمائة، والمشهور من أهل هذا البيت يومئذٍ العلامة عمرو بن مسعود الآتي ذكره، واشتهر القاضي عبد الله بزمن الإمام أحمد بن الحسين - عليه السلام - وهو أسنَّ منه - عليه السلام - بهذا القدر؛ لأن الإمام ولد سنة وفاة المنصور بالله - عليهم السلام جميعاً - أو في السنة التي قبلها، على اختلاف الروايتين.
عبد الله بن سليمان
عبد الله بن سليمان، صنو الإمام أحمد بن سليمان - عليه السلام - كان عالماً فاضلاً، من وجوه آل محمَّد، ولهم أخ ثالث اسمه يحيى، مقامه ذلك المقام، ذريَّة بعضها من بعضٍ - أعاد الله من بركتهم-.
عبد الله بن سليمان بن موسى
السيد الأمير عبد الله بن سليمان بن موسى، كان أميراً، خطيراً، عارفاً، مقدَّماً، متبوعاً، وله مواقف حميدة، وأدبيَّات، وإخوانيات(4) مع جلالة قدره، من ذلك ما كتبه - رحمه الله - إلى القاضي مسعود بن عمرو، لمَّا خرج لزيارة أخيه زيد بن عمرو، وقد بلغه أنه مرض:
أمسعود إن زرت الخيام فزارها ... من الغيث وكَّاف أجش(5) هطولُ
فرد على زيد السلام وقل له ... له الله مني بالوداد كفيلُ
__________
(1) ليس في (ب): ألف.
(2) في (ب): الدرس.
(3) في (ب): .. - رحمه الله - على هذا سنة ثلاث.
(4) في (ب): وأخويات.
(5) أجش: هو الغليظ الصوت من الرعد. القاموس المحيط 543.

(وما عاقني من زوره واعتهاده ... سوى أنه هذا النقيل طويل
عَسير علينا طلعُه وهبُوطه ... لأنيَ في هذا الزَّمان عليلُ) (1)
فأجابه القاضي ركن الدين بأبيات يقول فيها، وقد جاد المطر الخيام، وأجيبت دعوة الإمام(2) - رحمه الله -:
دعوتَ لنا بالغيث يا من هو الحيا ... إذا لم يرج للمرضعات فصيلُ
فكنت كموسى حين فجَّر بالعَصَا ... عيُوناً من الماء القراح تسيلُ(3)
ومالك تستسقي(4) الحيا لمنازل ... بهنَّ الحيا من راحتيك وكيلُ(5)
كرمت فلا حوض الندى بمكدَّر ... علينا ولا حوض السماح محيلُ
وجُدتَّ فأخلاق السحاب بخيلة ... بجنبك والبحر الخضم قليلُ
حنانيك يا فخر(6) الهدى ابقِ رحمه ... على المال إن المستقال يقيلُ
وكتب إليه القاضي ركن الدين وقد بعث الأمير له بشيء من العنبر:
بعثت بالعنبر الشحري تتحفني ... وطيب ذكرك عنه كانَ يغنيني
ما عنبر الشحر أو ما المسك ذو النفحات الثبتي إذا ما مر تصبيني(7)
(8)نفسي الفداء لفخر الدِّين مِن علمٍ ... للمجد والحمد والدنيا وللدينِ
ومما كتبه القاضي ركن الدين إليه، وقد صحبه إلى جبل (صباح)، ففرَّق الأمير عساكره للضيافة، ووجَّه القاضي ركن الدين إلى محلٍ وعر مع شدَّة برد:
لعمري لقد حزنا الجروم لأكلة ... طوينا لها ثوب الظلام على الجرد
ببيت يغشيها الهضاب على الوجا ... كمثل الوعول العضم تهوى على جرد
وقد كان أولى أن تصان وإننا ... نصون ثبات المدحجين عن العضد/35/
فحق علينا صون هذا وهذه ... بما جل من مال وما جلَّ من حمدٍ
عبد الله بن سليم الحضرمي
__________
(1) ما بين القوسين ليس في (ب).
(2) في (ب): الأمير.
(3) في (ب): يسيل.
(4) في (ب): تستقي.
(5) في (ب): كفيل.
(6) في (ب): يا بحر..
(7) تصبيني: تشوقني، وتدعوني إلى الصِّبا، فأحن إليها. القاموس المحيط 1196.
(8) سقط في (أ): البيت التالي:
كمثل ذكرك إذ أمسيت من…بين الركاب ولا نشر الرياحين

العلامة عبد الله بن سليم الحضرمي - رحمه الله - من أعيان أصحاب الإمام الأعظم زيد بن علي - عليه السلام - ذكره البغدادي - رحمه الله - في كتابه.
عبد الله بن عامر بن علي [ - 1061هـ]
السيَّد الجليل العارف عبد الله بن عامر بن علي - رحمه الله - هو ابن عمّ الإمام القاسم بن محمد، كان سيداً متيقظاً، ذكياً فصيحاً، مجيداً في الشعر على منهاج العرب الأولى، كان شيخنا شمس الدين - رحمه الله - يثني على شعره، ويقول: السيد مُجيدٌ، وهو كذلك، ولم يظهر شعره إلاَّ في آخر أيَّامه، بعد موت ولده أبي تراب علي بن عبد الله، فإنه كثَّر فيه المراثي، وناح عليه بشعر كثير، ولعله كان يكتم شعره في مبادئ أمره، وكان له ثلاث خصال، استأثر بها:

منها جودة خطه، فإنه فائق عجيب، ومنها جودة الرماية بالبندق، فإنه كان أستاذاً (بارعاً)(1) في صنع الرِّماية(2) لم يسبق إليه، ويعالج البنادق، ومنها ركوب الخيل، كان وحيداً في ذلك، وأخبرني أنه لم يترك في تعلم الكتابة والرِّماية مجهوداً؛ حتَّى إنه بلغه أنَّ في مشهد الإمام أحمد بن الحسين رجلين، أحدهما يجيد الكتابة، والآخر يجيد الرمي، فبالغ في وصوله إلى (ذيبي)ن لامتحان الرجلين، فوجدهما كما وصف، لكنَّه فاق عليهما، ووقف بـ(ذيبين) أياماً على(3) رأي الإمام القاسم - عليه السلام - أرسله إلى عند القاضي العلامة الهادي بن عبد الله بن أبي الرجال، فاستقر عنده مدة، وكان لا يزال يحدث عن القاضي - رحمه الله - بعجائب من السعادة، ومطاوعة حيّي (حاشد) و(بكيل) له، وهو كذلك، فإنه ما اتفق لأحدٍ ما اتفق له، وكان والدنا القاضي العلامة علي بن أحمد صديق السيّد المذكور؛ لأنه - عادت بركته - تولى (وادعة)، والقاضي علي كان(4) يلي أمر القضاء كما ستراه في ترجمة السيد علي العبالي، وكان بينهم من التحاب والتواصل أمر عجيب، واعتنى السيَّد - رضي الله عنه - بالجمع بين (المنتخب) و(الأحكام)، وفي بالي أنه أراد التصرَّف بالاختصار لأحد الكتابين، وسمَّى الكتاب المذكور بـ(التصريح بالمذهب الصحيح) والاختصار الذي في ذهني، تحققته فوجدته في أسانيد (المنتخب)، تركها ولم يستحسن(5) الإمام المؤيَّد بالله - عليه السلام - ذلك(6) ومن شعره(7):
وكانت وفاته بـ(حوث)؛ لأنه استوطنها، واستوطن (هجرة الحموس) ببلاد (عذر)، وذلك في سنة إحدى وستين وألف - أحسبه في رجب منها - رحمه الله تعالى- (8).
عبد الله بن عبد الله الخراساني
__________
(1) في (أ): ينكر.
(2) في (أ): مالم.
(3) في (ب): عن.
(4) في (أ): ما كان.
(5) في (ب): يستحسن ذلك.
(6) ليس في (ب): ذلك.
(7) فراغ لما يقارب الخمسة الأبيات.
(8) سقط من (ب): تعالى.

العلامة عبد الله بن (1) عبد الله الخراساني الزيدي - رحمه الله تعالى - كان من عِليَة(2) أصحاب أبي الحسين(3) الطبري - رضي الله عنه - ونظرائه، وكان لهم (4) فضل مشهور، وطبقة عالية في الزهد، والعبادة، والقراءة، والفقه بالدين، وحبُّ آل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وعداوة من أضاع لهم حقاً، وكان يسكن (حمدة) بالبون الأسفل، ثم صار إلى (مسور)، ثم آل أمره إلى أن نزل موضعاً من أعلى وادي (بيت شهر)، وابتنَى فيه صومعة يعبد الله فيها، ونزل هنالك بولده، ويقال: إنه مات هنالك - رحمه الله - والموضع الذي سَكنَه يعرف بـ(ضواض) - بضادين معجمتين - (وبهجرة)(5) آل أبي عبد الله (وله عقب، فيهم العلم والزهد، منهم سليمان بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي عبيد الله)(6)، وقد سعد بصحبة عبد الله خلائق، وكان لا يأخذه في الله لومة لائم، وكان لا يتم معه ولا حيث يسمع كلمة(7) حيلة لمدلس ولا في الدين، ولا لمدَّعي قضاء بالباطل، ولا سلطان مفسد، ولا مموّه بالمحال، وروي أن المنصور بالله القاسم، بن علي كان يحب أن يعاضده، ويناصره، فإنه حكى الحسين بن يعقوب الزَّيدي - رحمه الله - أنه لمَّا بلغه زهد عبد الله، وعزلته، وأنه في شواهق الجبال، قال: والله ما تغنيه تلك العبادة شيئاً إن لم يأتِ بما فرض الله لنا عليه، وأمَّا ولده المهدي الحسين بن القاسم، فكتب كتاباً إلى الناس ليعرفوا فضله، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم، سلام عليكم أيها الإخوة ورحمة الله وبركاته، وبعد. فقد كنا جاهلين لفضل شيخنا وسيدنا أبي محمد عبد الله بن(8) عبد الله - رضي الله عنه - حتى خبرناه، وتبيّن لنا أمره حين بلوناه، ولعمري لقد كنا بسياحته عالمين، وعن خشوعه لله
__________
(1) في (ب): بن أبي عبد الله.
(2) في (ب): جملة.
(3) في (ب): الحسين.
(4) في (ب): له.
(5) فراغ في (ب).
(6) ما بين القوسين ليس في (أ).
(7) في (ب): كلبه.
(8) في (ب): بن أبي عبدالله.

وهجرته(1) غير غافلين، ولكن تحقق عندنا أمره، وبان وظهر لنا فضله وخطره، وأنا أدين الله بولايته، وأتقرب إلى الله بمودّته، فمن كان يتعلق بولايتي، فليعرف حقه، ويعتقد ولايته، وحقيقته، وصدقه، ويجب على جميع المسلمين أن يعرفوا فضله، وقد عرفتم أيها الإخوة موضعه ومحلّه، وعرفتم هجرته إلى الله عز وجل ومنزلته، وقد وجب عليكم أن تنقذوه، ويلزمكم في حكم الله(2) أن تعينوه، فعليه مؤنة وعيال، وليس له نشب ولا مال، وهو مشتغل بطاعة الله ذي الجلال، قد شغله ذلك عن جميع الأحوال، فلما علمت ذلك، رأيت أن أعلمك بحاله، وانقطاعه إلى الله - عزَّ وجل - واشتغاله، فاللهَ اللهَ اعجلوا إلى ما يقربكم إلى الرحمن. انتهى
وكان عبد الله هذا من أشد الناس حرصاً على طلب العلم، والتواضع للعلماء، والصَّبر على المشقة، وبعد الشقة في ذلك، وكان من أقرأ الناس لكتاب الله - عز وجل- فأتى (مكة) في بعض حجَّاته، فقعد بين يدي قارئ الحرم، ثم سأله أن يستمع منه سورة، فقال: لا، فقال: عشر آيات، فقال: لا، قال: فخمساً، قال: لا، قال(3): فآيتين، قال: لا، قال: آية، قال: لا، قال: فنصف آية، قال: اقرأ، فلما قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، قال: مرَّ في قراءتك، فاندفع يقرأ البقرة، فقرأ حتى انتهى إلى قوله، ?وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً? [البقرة:171]، فقطع عليه القراءة، وقال(4): أنت عبد الله بن أبي عبيد الله(5) الخراساني صاحب (اليمن)؟ قال: نعم، قال: قد عجبت، إنه(6) لا يذكر إلا شيء.
__________
(1) في (أ): وعن خشوعه وبهجرته.
(2) زيادة في (ب): سبحانه.
(3) ليس في (ب): قال لا قال.
(4) في (ب): فقال.
(5) في (ب): عبد الله.
(6) في (أ): إن.

وروي أنه كان بمجلس أبي الحسين الطبري بـ(صنعاء) للقراءة والمذاكرة في العلم، ثم إنه في بعض أسفاره إليه نشط إلى الرجوع إلى أهله ببيت (حمدة)(1) من البون الأسفل بعد إقامةٍ كانت منه، فلما انتهى في مسيره إلى رأس (جبل صليل)، ونظر إلى بيوت أهله، ذكر مسألةً بقيت عليه يجب السؤال عنها، وخاف الله في الجهر بها، فرجع من حيث بلغ إلى (صنعاء)، وما استحل أن يتقدم إلى أهله، فسأل الطبري عن المسألة، ثم انصرف.
وكان قوي القلب متيقظاً شجاعاً، بصيراً بعمل السِّلاح وآلة الحرب، رامياً تارساً.
وقد كان رحمه الله(2) حفر قبره بيده، فكان يبرك فيه، ثم يقعد فيه(3)، فيقرأ القرآن به، فقيل له: وما يدريك بأي أرض تموت؟ فقال: إني سألت الله(4) تعالى حوائج فقضاها، وهذه مما سألته، وأرجو أن يقضيها سبحانه، فمات هنالك، ودفن فيه، وكان إذا نظر إليه، قال: نعمَ البيت.
وحكي أن أمير (مكة) في زمنه كان يرسل إليه بهديَّة من ثياب فاخرة، فكان يبيعها، ويتصدَّق بأثمانها، فرأت امرأته في بعض ذلك قميصاً منها، فسألته بالله أن يهبه لها، ففعل، وقال: لولا ذكرك الله ما فعلت.
وروي أنه كان بمسجد (حمدة) بعشر ذي الحجَّة معتكفاً، فكان في بعض تلك الأيام وهو يذكر الله أقبل سائل فأعطاه ذخيرة أهله للعيد من الدقيق، فأرسلت إليه امرأته تطالبه بحاجة العيد من الطعام وغيره، فلم يلتفت إليها، فلمَّا أكثرت الرسائل، خرج يريدها، فبينا هو في الطريق إذ أقبل رجل يسوق دابَّة عليها حمل بر، ويقود كبشاً، ويحمل حوائح من حوائج العيد، وإذا هو رسول من علي بن أبي الفوارس اللغوي، قد بعث إليه بتلك الأشياء لعيده، فأقرأه منه السلام، وسلم إليه(5) ذلك، وأمر من قبض منه ذلك، وقال: اذهب به إلى كبيرة البطن.
__________
(1) في (أ): شهير.
(2) سقط من (أ): لفظ الجلالة.
(3) ليس في (ب): فيه.
(4) زيادة في (ب): تبارك.
(5) في (ب): عليه.

وحكي أنه - رحمه الله - كان يصلي الفجر بوضوء المغرب، وله نومة يسيرة عند الظهيرة، وكان له شعر، وممَّا نقل من خطه، ولعله من شعره:
مَن أحسن الظن بمعبودهِ ... جاد ولم يبخل بموجودهِ
من طلب الجنة من طالبٍ ... فإنها في بذل مجهودهِ
فليبلغ الطالب في جهدهِ ... ما يبلغ النجار في عودهِ
وروي أنه كمل قول من قال:
وإذا غلا شيء عليَّ تركتهُ ... فيعود أرخص ما يكون إذا غلا
فقال(1):
إلا الطعام فإن فيه حياتنا ... فإذا غلا يوماً فقد وقع البلا
وروى أبو الجيش بن العلاء الثمالي الزَّيدي، أنَّ بعض إخوان عبد الله أرسل له بورق؛ لينسخ له فيها أخبار الجمل وصفين، فكتب له فيها كتاب (الأحكام) للهادي(2) - عليه السلام - ومصحفاً فيه كتاب الله - عز وجل - وكتب إليه على بياضٍ ضمَّه إليهما ما لفظه: وأمَّا أخبار الجمل، فإنهم التقوا في يومٍ من الأيام، فافترقوا عن خمسة وعشرين ألف قتيل، وأخبار صفين، فإنهم التقوا أربعين يوماً، فافترقوا عن سبعين ألف قتيل، فهذه جملة الأخبار. انتهى
عبد الله بن عثمان النهدي
عبد الله بن عثمان النَّهدي - رحمه الله - ذكره البغدادي - رضي الله عنه - في رجال الزيدية.
عبدالله بن عثمان الأشجعي(3)
عبد الله بن عثمان الأشجعي من أصحاب الإمام زيد بن علي - عليه السلام - ذكره البغدادي - رحمه الله -.
عبد الله بن عطيَّة بن أبي النجم الحميري
العلامة البليغ الفاضل، قطب الدّين، عبد الله بن عطية بن أبي النجم الحميري - رحمه الله - من البيت الذي أشرقت علاليه، وأشرفت معاليه، كان عالماً كبيراً فاضلاً بليغاً(4)، وأظنه من أعلام المائة الثامنة، وهو صاحب القصيدة التي مطلعها:
أمعلمها على اسم الله حرفاً ... من الإسناد في طول المرامي
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) في (ب): أحكام الهادي.
(3) هذه الترجمة ليست في (ب).
(4) ليس في (ب): بليغاً.

وله المرثية في العلامتين عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد(1) بن أبي النجم، وولده جعفر، ومطلعها:
تعزّ(2) وإن جلت خطوب بواترُ ... فما هانَ خَطْبٌ حيث حَلَّتْ عناصرُ
عبد الله بن علي بن يحيى بن القاسم
السيد العلامة، عبد الله بن علي بن يحيى بن القاسم بن يوسف الداعي بن يحيى المنصور بن أحمد الناصر بن الإمام الهادي إلى الحقِّ - عليه السلام - المعروف بالحجاج، جدُّ السادة آل الوزير، يسمَّى بالحجاج؛ لكثرة حجِّه إلى بيت الله الحرام، قال بعض أولاده: رأيت(3) في ألواح ضرائح آبائنا - عليهم السلام - مفضَّل بن عبد الله بن علي، فسألت سيّدي ووالدي علي بن المرتضى عن ذلك، فقال: اسمه الحجاج، ولكن يسمَّى عبد الله، كراهةً لاسم غلام ثقيف لعنه الله، وهذا لا معنى له، فالأسماء موضوعة.
وكم من سميٍّ ليس مثل سميِّهِ ... وإن كان يُدْعَى باسمه ليجيبا
عبد الله بن علي بن محمد بن أبي القاسم [ -829هـ]
السيد العلامة، العابد العالم، عبد الله بن علي بن محمد بن القاسم(4) مصنف (التجريد). قال الإمام عز الدين فيما أحسبه: هو الفاضل العابد الورع، توفي في حياة(5) والده بصنعاء سنة تسع وعشرين وثمانمائة.
عبد الله بن علي بن محمد العباسي
العلامة الشريف، عبد الله بن علي بن محمد العبَّاسي - رحمه الله - كان عالماً كبيراً، قرأ على العلاَّمة يحيى بن محمد(6) بن محمد بن يحيى حنش(7) في مسجد (الغلاب) بصنعاء، (أصول الأحكام) و(شرح التحرير)(8)، وحضر تلك القراءة الشريف علي بن محمد بن علي من هجرة (سمر).
__________
(1) ليس في (أ): بن عبدالله بن محمد.
(2) في (أ): يعز.
(3) في (ب): ورأيت.
(4) ما بين القوسين ليس في (أ).
(5) فراغ في (أ) و(ب).
(6) ليس في (ب): بن محمد.
(7) في (ب): بن حنش.
(8) في (ب): التجريد.

قلت: هو الإمام المهدي لدين الله - عليه السلام - والسيد المهدي بن قاسم من هجرة (صوف) (1) (بحضور) (2)، والقاضي أحمد بن عيسى من (ثاه) (3)، والقاضي علي بن قاسم من (الحناق)(4) من بلاد (عنس)، والفقيه محمد بن أحمد بن حنش من (ظفار)، والسيد سليمان بن محمد بن المطهَّر بن أبي الفتح - عليهم السلام -.
عبد الله بن علي بن أبي النجم
العلامة ركن(5) الدين، ويقال: تقي الدين - أيضاً - عبد الله بن علي بن أبي النجم، قاضي قضاة المسلمين، وواحد أركان الإيمان والمؤمنين، كان عالماً عاملاً، ممدوحاً بالشعر، وصولاً، ولذلك ناح عليه الفضلاء ونظمت فيه قلائد المراثي، من ذلك ما قاله محمد بن إسماعيل بن أبي النجم:
لعمري لفي المختار أحسن أسوةٌ ... لمن ضامه الدَّهر المسيء(6) وروعا
وفي آله الغرِّ الكرام فإنهم ... طريق لمن يبغي إلى الحق متبعا
لئن نابنا ريب الزمان وصرفهُ ... بموت تقي الدين فذّاً سميدعا/39/
أتاهُ الردى كالبدر ليلة تمّهِ ... وكالغصن الميال حين تزعزعا
وفارق آباء كراماً وإخوة ... وما فيهمُ قالٍ(7) له حين ودَّعا
وهي طويلة، وفيه يقول الشريف الكبير محمد بن جعفر بن أبي وهَّاس - رحمه الله تعالى -:
تأسَّوا فأنتم بدُور(8) السماء ... وأنتم لعمري ضياء الضياء
__________
(1) صَوْف: قرية خاربة في منطقة بني سُوَار، من مديرية بني مطر في غربي صنعاء. ومكانها تحت جسر (عُصْفُرَة). في الجنوب الغربي من قرية (يازل). معجم المقحفي. ص924، 925.
(2) حَضُور: جبل شامخ في بني مطر، غربي صنعاء. المرجع السابق ص479.
(3) ثَاهُ: وادي ثاة: قرية تقع في الشمال الغربي من مدينة رداع. معجم المقحفي 250.
(4) في (ب): الحناف. والحنَاك: موضع جوار قرية (دار الحنش) من قرى (جبل الدار) في عنس. معجم المقحفي 518.
(5) في (ب): زكي الدين. ظ.
(6) في (أ): المسمى.
(7) أي مفارق أو تارك.
(8) في (ب): نجوم.

ومِِنْ عندكم تستفاد العلوم ... ويُشفى بها كل غلٍ وداء
تأسَّوا بأحمد ثمَّ الوصي ... وأسباطه السَّادة الأصفياء
فأنتم لهم شيعة خيرة ... مدى الدهر في شدة أو رخاء
ولما سمعت بأن الزكي ... رمته المنون بسهم الرداء
جفاني المنام وعادى الجفون ... وأذريتُ منها نجيع الدّماء
وقلتُ لناعيه تنعي الهدى ... وتنعي الندِيَّ فَزِدْ في النعاء
فقد شيَّد الدين في عصره ... وأرسى قواعده في السماء
وخلف من بعده معشراً ... مصاليب يوم النَدى والنِّداء
قضاة هداةٌ لمسترشدٍ ... وللطَّالبين كصوب الحياء
وإن دُعيوا عند ضيق المجال ... أجابوا بجردٍ وسُمْر القناء
بَنُو النَّجم أكرَم كل الورى ... وأهل القراءة أهل القِرَا
فلا غالهم بعدهم غائل ... من الدّهر يوماً بسوء القضاء
فما القلب يا أيها الأكرمون ... على البعد والله منكم بناء(1)
وقال في بعض آل أبي النجم، وأجاد - رحمه الله -:
صفو المعيشة ممزوج به الكَدِرُ ... والموت غاية ما الأحياء تنتظرُ
ومن تفكَّر في الدنيا غدا وله ... فيها وفيمن مضى من أهلها عِبَرُ
كم أخلقت من جَديد في تقلُّبِها ... وهدَّمَت طود جودٍ(2) وهو مُعتَمرُ
لو أنَّ مَيتاً يفَادَى بالعُلا سمحت ... بكُلِّ ما عَزَّ فيها(3) أنفس صبرُ
ومن عزيز عزيز الجار ذي حذرٍ ... لم يرفعِ الموتَ عنه العزُّ والْحَذَرُ
ومن مُلوكٍ عنت غلب الرقاب لهم ... أضحوا وليس لهم عَين ولا أثرُ
ومن نبيئين لم تَرْثِ الخطوب لهم ... وهُم منَ النَّاس صفو الله والخيرُ
وإلفةٍ من جميع الشمل فرَّقها ... ريبُ الزمَان وأوهى سلكها القدرُ
وكُل حيٍّ وإن طالَت سلامتُه ... لا بُدَّ يَوماً يواري شخصَهُ الحفرُ
وإنما الموت أفنى الناس عن كملٍ ... فما عَنِ الموت لا كفل ولا /40/ وزرُ
فإن تولَّى أمير المؤمنين فقد ... أورى حميد المساعي ذكره عطرُ
__________
(1) بناءٍ: بمبتعد.
(2) في (ب): مجد.
(3) في (ب): فيه.

وإن(1) رمَى الحادث المكروه أوحدنا ... واغتيل بالكره منا الكوكب الزهرُ
وقارعت حاكم الإسلام قارعة ... قد غصَّ كل البرايا طعمها المقرُ(2)
وغيبت في ثرى المنهال أعظمه ... وغرةً طاب منها الْخُبر والخَبَرُ
فيا له طود حلمٍ لا كفاء لهُ ... لا الطيش من خُلقه يوماً ولا الضجَرُ
وبحر علم إذا ما عز مشتبهٌ ... وغيث جود إذا ما أمحَل المطَرُ
عالي المنار شريف القدر منتجب ... ما زال يأمر بالتقوى ويأتمرُ
ونعم ما يأمن الخلان جانبه ... وليس في قلبه حقد ولا وغرُ
حلاَّل معظلةٍ فكَّاك مشكلة ... وفي التشاجر يرضى حكمَهُ البشرُ
ومَفْزَع إن عرَا خَطْبٌ ومعتصَم ... للناس يقصده البادون والحضرُ
فيا زكي الهدى يا مَن مناقبُه ... يحدو(3) بها العِيْسَ نجديٌّ ومغتورُ
كم منَّة لك حُسْنَى(4) يا أبا حسنٍ ... ومحفل لك ما أزرى به الحَصَرُ
وليلة لك قد أحييت ميتها ... وقمت منها وجُنح اللَّيل معتكرُ
فالله يسقي ضريحاً أنت ساكنه ... من صَادق الغيث جون صَونُه مَطرُ
إنَّا وإن زَارنا دهر بنائبةٍ
ٍ ... يبقى لها الصَّبر ثوباً ما بقي العُمرُ
ولا نخالف نهجاً كنت سالكه ... بل نقتفي(5) سيرة الأستاذ نقتفرُ(6)
وقد بقت سادَة منا غطارفة ... شمٌّ إذا يسأل المعروف ينتدرُ(7)
طابوا فعالاً كما طابت عناصرهم ... شوس العزائم ما في عودهم خورُ
وسيِّدُ الكلِّ مَن سادتْ مكارمهُ ... ومَن بهِ العصر أضحى وهوَ يفتخرُ
زاكي النجار(8) طويل الباع ساحته ... للوَافدين بها حج ومعتمرُ
محيي العماد الذي عمَّت نوافله ... وراح بالجود بين الخلق يشتهرُ
__________
(1) في (ب): فإن.
(2) الْمَقِرُ: الحامض أو المرّ. القاموس المحيط 444.
(3) يَحْدُو: يحدو الإبل: يزجرها ويسوقها. القاموس المحيط 1171.
(4) في (ب): عظمى.
(5) في (ب): نكتفي.
(6) نَقْتَفِرُ: نتبع. القاموس المحيط 433.
(7) في (ب): تبتدر.
(8) النِجار: الأصل.

واري الزناد وكافي كل معضلةٍ ... عطاؤه الجزل - أيضاً - وهو يعتَذرُ
وما سليمان إلاَّ سيد عَلَمٌ ... ما دام فينا فكسر الدَّهر ينجبر
فيا لقومي الأباة الغرِّ من لهم ... ذكر غدا بالثنا في الأفق مشتَهرُ
لا راعكم بعدها خطب ولا برحت ... ساحاتكم من رخام الوفد تنغمرُ
ودمتم الدَّهر في عزٍّ وفي نعمٍ ... ما أشرق النَّيِّران الشمس والقمرُ
عبد الله بن عمر الهمداني
رئيس العصابة، وسهم الإصابة، ليث العرين، وحتف /41/ القرين، عبد الله بن عمر الهمداني - رحمه الله - هو صاحب المناقب والمقانب، الأسد(1) الباسل، مُؤلِّف (سيرة الناصر للحق) أحمد بن الهادي إلى الحق - عليهم السلام - كان عالماً عاملاً، مقدماً(2) في كل فضيلة، مدرباً مجرباً، يقود العساكر، له الوقائع الغر، وحسبه قضية (نغاش) (3) - بالنون بعدها غين معجمة بعدها ألف ثُمَّ شين معجمة - فإنه أبو عذرها، وهي قضية قلَّما(4) يوجد لها نظير، علت بها كلمة الحق، وقتل فيها من الباطنية نحو سبعة آلاف رجل، ولم يقتل من جماعة الزيدية إلا رجل واحد، بعد أن اجتمعت الباطنية قضها بقضيضها مع رؤساء (مسور) آل المنتاب وغيرهم، وجاؤوا بجموع هائلة، وشارة(5) تروع الألباب، وقال قائلهم في بعض الأوقات وقد ضربت خيام الفريقين: اللهم انتقم لدينك، وانصر(6) من كان على الحق، فأمَّنت الزيدية من مضاربها، وكان ما كان، ولولا خوف الإطالة؛ لشرَّفت هذا المسطور بشيء من ذكرها، وكان محشر(7)
__________
(1) في (أ): الأسل.
(2) في (ب): مقداماً.
(3) في معجم المقحفي: نُفَاش: بلدة في جبل عيال يزيد، من بلاد الأشمور، وأعمال محافظة عمران. اشتهرت بالحرب الفاصلة التي قامت فيها عام 307هـ بين جيش عبدالحميد المنتاب، وجيش الإمام الناصر أحمد بن الهادي، وقد أسفرت عن قتل أكثر جيش المنتاب.
(4) في (ب): قلَّ أن.
(5) الشَّارَة: الهيئة، واللِّباس، والزينة. القاموس المحيط 392.
(6) في (أ): وانصر مِنَّا.
(7) فراغ في (ب).

هذا الحرب، المسعر لناره، هذا الرجل الجليل، فإنه ذكر أنه مرَّ بباله فكرٌ في أمر القرامطة ونكايتهم، (1)في باله أن يأخذ (حصن مدح)، ويسكن فيه، فهاجت القرامطة لذلك، ولم يفعله إلا لذلك، فلقوا إلى (نغاش) بجموعهم الكثيفة كما وصفناه، ولقي من أمراء الناصر للحق - عليه السلام -(2) هذا الرئيس الجليل، والسيد الكبير إبراهيم بن المحسن العبَّاسي، من ولد العباس بن علي - عليهما السلام - الماضي ذكره، وعبد الله بن محمد السَّعدي - رحمه الله - الآتي ذكره، فاجتمعوا في (نغاش)، وكان ما كان، وكان هؤلاء الرؤساء الثلاثة ممن يتزين بهم الإسلام؛ لمكانهم في العلم والعمل، وكانت(3) القرامطة تتجرَّم من عبد الله بن عمر هذا، ففيه يقول زاجرهم لما تضايفت الخيام، وكادت القيام أن يحطم القيام في رجز طويل حفظ منه:
اسمعوا قولي وقولوا ما الخبر ... قد هيج الحربَ عليك(4) ابن عمر
ازداد في ذاك علواً فانحدر ... وطال ما راحلنا على دبر
لا بدنا [من] مركزٍ رأس مدر ... والمركز الثاني بتوعيد البقر
حتى يعد أحوساً من الخبر ... وننصب الرايات في أرض عذر
فأجابه زاجر الزيدية الغطريف الصَّايدي - رحمه الله تعالى - فقال:
يا أيها القائل صدقاً لم تجر ... قد هيَّج الحرب علينا ابن عمر
فليس من أفعاله فعل نكر ... فاسأل به إن كنت ترتاد الخبر
أيام (ذي الطوق) بحجر وشعر ... ويوم (حيسان) فأدهى وأمر
وفي (السحول) و(غلاس) كالصبرِ ... و(بالظفارية) يوم مشتهر
و(بالشوافي) كان يوم مستمر ... من كفِّه كان لكم فيها العبر
كم يوم فخرٍ كان لليث الأغر ... ويوم معموم(5) له يوم بكر
حين تلاقى الجيش يوماً(6) يبتدر ... وكانت الكثرة(7) فيها كالشرر
وأقبل الأعور يعدو ويكر ... فردَّه بطعنه على قفر
__________
(1) في (ب): فمر في باله.
(2) زيادة في (ب): عليه السلام.
(3) في (ب): فكانت.
(4) في (أ): علينا.
(5) في (ب): يعموم.
(6) في (ب): سعياً.
(7) في (ب): الكرة.

ففرج الكربة في وقت السعر(1) ... يشهد هذاك جميعاً من حضر/42
فاعمل بما شئت وما شئت فذر ... ولا تقل قول جهول ذي أشر
ازداد في ذاك علواً فانحدر ... لكن سما ثم علاكم وقهر(2)
قد بذل المهجة في وقت الذَّعر ... ولو نظرت في صحيحات الأثر
وجدته آلَ النَّبي قد نصر ... وقام لله بما فيهم أمَر
ذلك عبد الله ينميه النفر ... قائدنا المهيوب معروف الخطر
نحو بنو همدان سادات صُبر ... الناصرون الحق من كل بشر
والضاربون من على الكفر أصر ... ولا نوالي من بها ديناً غدر
فالغدر ملعون ومأواه سَقر ... يا قرمطي أثبت فمامنَّا وزر
بنو رسول الله أولى بالظفر ... فالبيع (تأتيك)(3) فلا تشك الضجر
لا بدنا من مركزٍ ومستقرّ ... في (بيت علمان) فدع عنك (مدر(
(ومسور) لا بد من (رأس الحجر) ... والعير في ملكي فخذ منا الحذر
وفي (طمام) سوف يأتيك الخبر ... إنَّا كما قال حكيم ذو بصر
إذا التقينا فالجبان من نفر
انتهى. وعبد الله(4) المذكور صحب الهادي - عليه السلام - وابنيه، وهو صاحب السؤال لأحمد بن يحيى - عليهما السلام – وله الجواب(5) عن كلام عبد الله بن يزيد البغدادي في الجبر والعدل، وهو الجواب المعروف بكتاب (الدَّامغ)، وهو كتاب (النجاة) من جلائل كتب آل محمد - عليهم السلام - ولعبد الله النهمي العلامة مديح في عبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - أجمعين.
عبد الله بن عواض الزيدي
القاضي العلاَّمة العارف عبد الله بن عواض الزيدي - رحمه الله - ذكره السيد صلاح بن الجلال - رحمه الله - فقال: وكان عالماً فاضلاً.
عبد الله بن غانم الخولاني الزيدي
العلامة عبد الله بن غانم الخولاني الزيدي، كان أديباً شاعراً من أهل ستمائة. من شعره - رحمه الله -:
ما صيَّر الحبَّ سلطاناً على جلدي ... حتَّى غسلت من الصبر الجميل يدي
__________
(1) في (ب): العسر.
(2) في (ب): فقهر.
(3) زيادة في (ب).
(4) في (ب): عبد الله بن عمر.
(5) سقط وله من (أ).

قد جلَّ ما بي فخلِ العذل عن أذني ... ورقَّ صبري فراق الحزن في جلدي
وأعين البيض بيض غير مغمدة ... سود منَ السحر نفَّاثات في العُقدِ
ألقت على القلب ثقل الهجر تاركةً ... ضعف الحتوف وضعف الخصر في جسدي
إن بت في غمر من بعدها خلق ... فالقلب في حرق من بعدها جُدَدِ
لا ترثَ للعين إن جادَت بعبرتها ... فالعين لولا أليم البين لم تجدِ
عبد الله بن القاسم بن محمد بن الهادي
السيد العالم الوحيد عبد الله بن القاسم بن محمد بن الهادي بن الأمير المؤيَّد - عليهم السلام - قال بعض علماء آل يحيى بن يحيى: هو من وجوه السَّادة وأعيانهم، وله قراءة /43/ وألمعيَّة، وهو الذي يلي أمر السياسة، والنظر في أحوال مدينة (المحط)، وسائر الجهة (اليسنميَّة)، وإقامة (الجماعات)(1) فيها(2)، والحدود فيها، وتنفيذ أحكام الشريعة المطهرة، وأخذ الحقوق من أهلها عن أمر قائم عصره، أمير المؤمنين الهادي إلى الحق المبين عزِّ الدين بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن المؤيَّد - سلام الله عليهم -.
عبد الله بن القاسم السليماني
السيد العلامة عبد الله بن القاسم السليماني - رحمه الله - كان من أعلام العترة الكرام، فاضلاً، من ولد عبد الله بن الحسن - لعله من المخلاف السليماني - ذكره بعض علمائنا وأنشد له:
بحقك يا من تعالى وعزَّا ... فكل مقاليدنا في يديك
أقل عثرتي واغتفر زلَّتي ... فما مهربي منك إلا إليك
ولا تأخذَنِّي بما قد جنيت ... فليس اتكاليَ إلا عليك
فلا الذنب مستنكر من لدي ... ولا العفو مستنكر من لديك
عبد الله بن القاسم
__________
(1) في (أ): الجهات.
(2) سقط من (ب): فيها.

السيد الأمير البليغ الهمام، لسان العترة عبد الله بن القاسم بن محمد بن جعفر بن القاسم بن علي - رحمه الله - كان عالماً فاضلاً بليغاً، وهو الذي كان يهاجي نشوان بن سعيد الحميري، وله الشعر الذي أوله: (أمَّا الصحيح فإن أصلك فاسد) وغير هذه القصيدة، ثم آل أمرهما إلى المحاسنة، وقال الأمير عبد الله بن القاسم قصيدة منها:
فليهن ندباً سيداً شرفت به ... من حمير الأحياء والأموات
وأجابه نشوان بأبيات تأتي – إن شاء الله - في ترجمته.
عبد الله بن المختار
الشريف الكبير، الإمام الحافظ لعلوم آل محمد، عبد الله بن المختار، وهو القاسم بن الناصر للحق أحمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، العالم بن القاسم نجم آل الرسول - سلام الله عليهم - كان أوسط أهل زمانه، وخيار أهل أوانه، في بحبوحة الشرف الوسيعة، وعلى ذروة المجد المنيعة، كان غير مجهول المحل عند جلة العلماء، مثابة لهم، مرجوعاً إليه، تشد إليه الركاب، وما علق بغير العلم، فَسادَ أقرانه الذين اشتغلوا بالرتب، وكان أخوه محمد بن المختار، الملقب بالمستنصر بالله من أهل الكمال، إلا أنه خالط الناس، وولده عبد الله بن محمد المختار الملقب بالمعتضد كبير المحل، إلا أنه كوالده نشر ألوية الرياسَة، وتصدَّر في دست الإمارة، ولم أتيقن له ولوالده دعوة، وأمَّا عبد الله هذا، فكان للعلم لم يتعلق بغيره، ولمحمد وعبد الله بنونٌ هم زينة الأيام في كل زمان، أوجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأكفهم للسماحة - أعاد الله من بركاتهم -.

ولعبد الله بن المختار فتاوى نقلها العلاَّمة يحيى بن محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن أبي رزين(1) الصعدي، أرخ كتابتها لسنة ثلاثين وأربعمائة، وفي هذه المسائل(2) ما هو تخريج(3) على أصل يحيى - عليه السلام -. ومنها ما هو استنباط من كلام الأئمة، ومنها ما يدل على رجوعه إلى نفسه لكمال الأهليَّة. من مسائله تلك لمَّا سئل عن الرجل يصوم، وهو لا يصلي، ويكذب، هل يجب عليه إذا تاب أن يقضي صيامه؟
الجواب في ذلك: أنه ليس عليه قضاء، وهو يجزئه، وإن كان لا يقبل منه، إلا أنه(4) لا يسأل عنه، مثل صلاة العاصي والفاسق؛ لأنه ليس عليهم بعد أن يتوبوا قضاء ما كانوا صلوا في معصيتهم وفسقهم.
ومنها: وسألتم عن الجرَّة التي خالطها الشرفين /44/ ثم أوقد عليها، هل يحل فيها شرب أم لا؟
الجواب عن ذلك: أنه ليس على من شرب فيها بأس، ويعمل فيها ما أراد، وليس الشرفين بضاير له؛ لأن النار قد أكلته.
ومنها(5): وسألتم عن مقام علي بن أبي - طالب صلوات الله عليه - والحسن والحسين - رضي الله عنهما - مع ما كان في عصورهم من الظالمين؟
الجواب: أن الذي فعلوا هو الصواب بعينه؛ لأنهم كانوا أعرف بالله، وأورع في دين الله، فكما صحَّت إمامتهم عندكم، وقلتم بذلك، فيهم(6)، يجب عليكم أن تعلموا أن كل ما عملوا فهو جيد، وهذا الجواب فهو لكم، ولمن يقول بقولكم.
فأما جواب الضد والمخالف، فهو غير هذا، ويتسع فيه الكلام والمناظرة، وأرجو أنَّ ذلك غير غائب، ولا خافٍ عنكم.
قلت: وهذا الجواب شبيه بجواب المرتضى بن الهادي، لمَّا سأله عبد الله بن الحسن الطبري، عن فتوح عمر بن الخطاب ما يفعل فيها؟ قال: يفعل فيها ما فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليهم السلام -؛ لأن ذلك قد جرى على يده.
__________
(1) في (أ): بن رزين.
(2) في (ب): منها.
(3) في (ب): تصريح.
(4) في (أ): أن.
(5) سقط من (أ): وسألتم.
(6) في (أ): فهل.

وسأله الطبري: هل كان أمير المؤمنين والحسنان يأكلون من تلك الغنائم، فما وجه ذلك؟ فقال المرتضى: نعم، قد كانوا يفعلون ذلك، وإذا صحت لك عدالتهم، ووثقت بدينهم، فلا تسأل عن دينهم، فإنهم لا يدخلون إلا فيما يجوز لهم عند الله تعالى.
وسئل عبد الله بن المختار: عن رجل نُبِّه وقد طلعت الشمس، أيصلي ساعة نبه، أم يصبر حتى تبيض الشمس ويرتفع النهار؟ الجواب: أنه يصبر حتى ترتفع الشمس ويبيض النهار، انتهى. وكتبناه هنا لشهرة والده القاسم بالمختار. فاعرف ذلك.
عبد الله بن قاسم [ - 1029هـ]
السيد العلامة شيخ شيخنا عبد الله بن قاسم صاحب (ربح) - بالراء المهملة بعدها باء بواحدة من أسفل بعدها حاء مهملة - هو عبد الله بن قاسم بن يحيى بن محمد بن يحيى بن محمد بن علي بن نشوان بن علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن نشوان بن علي بن الأمير محمد ذي الشرفين،ترجم له تلميذه شيخنا شمس الإسلام - قدس الله سره - قال: كان عالماً، شيخاً للقرآن، تولى القضاء في (الهجرة)، من بلاد (الأهنوم)، بأمر الإمام القاسم بن محمد - عليهما السلام - وأصله من (هنوم)، ثُمَّ انتقل إلى (ربح) بوادي (رجم)(1) من جبل (سيران)، في صفر سنة تسع(2) وتسعمائة، وتوفي يوم السبت رابع ذي الحجة سنة تسع وعشرين وألف، وكان(3) من العبَّاد الفضلاء النسَّاك، انتهى.
عبد الله بن قاسم بن الهادي العلوي [8890هـ ]
__________
(1) بوادي رجم زيادة في (ب).
(2) في (ب): تسع وتسعين وتسعمائة.
(3) في (ب): كان.

السيد العالم إمام التحقيق، عبد الله بن قاسم بن الهادي العلوي، كان من نوادر الزمان وعجائبه، محققاً حافظاً، ترجم له علي بن الإمام شرف الدين بترجمة حافلة، وذكر عنه في الحافظة ما يند عن الألباب، قال: ومولده ليلة عرفة سنة تسع وثمانين وثمانمائة، وابتدأ القراءة سنة ست وتسعمائة على الفقيه عبد الله بن مسعود، قال: وكان بحراً لا يساجل في جميع العقليات والنقليات، وكانت وقعت بينه وبين الإمام شرف الدين وحشة، ثم وفد إلى الإمام سنة خمس وثلاثين، وصلحت الحال بينهما، وانتقل بأولاده أخيراً إلى هجرة الإمام في سنة تسع وأربعين، وكان طلبه ليس بالكثير، لكن(1) فتح عليه، ثم قال علي بن الإمام: لم أر أحفظ منه، يحفظ(2) من الأبيات والأمثال والشواهد شعراً ونثراً ومثلاً وتاريخاً، بحر لا ينزف، لازمته خمس سنين، فلم أزل أطلع منه على فوائد ما طرقت مسمعي(3)، ولا سمعته يعيد شيئاً، ولا مثالاً، ولا رواية، بل كل يوم ولي منه عجب، وقد جمعت ما أملاه علي من أدب وحكمة في جزءٍ مفرد، وجمعت الشواهد والفوائد النحوية في مجلد، قال: وأما ورعه، فكلمة إجماع، لقد رأيته /45/ تباح له الأموال الجليلة، بطيبة نفس من مبيحها، ولا(4) يأخذ منها مثقال ذرة، قال: وأما عبادته، وحسن معاشرته، ومراعاته للحقوق، فذلك أمر لا يتصور لإنسان، ومن شعره في الإمام:
هنَّاك ربك ما أولاك من رتبS ... ونلت ما كنت ترجوه من الأربِ
وزادك الله في عمر وفي سعةٍ ... في الملك يصلح منا كل مضطربِ
أحييت هجرة يحيى بعدما ظلمت ... دهراً طويلاً بلا جرم(5) ولا سببِ
__________
(1) في (ب): لكنه.
(2) سقط من (أ): يحفظ.
(3) في (ب): سمعي.
(4) في (ب): فلا.
(5) في (أ): هجر.

قلت: كانت هذه صفاته، ومما يدل على معرفته بالمعقولات تكلمه في تفسير حديث ((أنا مدينة العلم وعلي بابهاِ))، فإنه يجاري(1) فيه السباق، فكتب المقرائي رسالة، وعلي بن الإمام رسالة، وهذا السيد رسالة دالة على وفارة علمه في البيان.
قلت: وسبب الوحشة الواقعة بينه وبين الإمام، أن هذا السيد على جلالته جنح إلى التصوف والتضعيف(2)، وطرائق الرموز التي تخالف ظاهر الشرع، وكان الإمام حريصاً على حفظ الشريعة المحمدية، فاشتد على أهل زمانه، وقتل الفقيه المسمى بالجدر القرشي، وضرب العلامة ابن عطف الله التركي وعزره، وكان هذا السيد مكرماً عند الإمام مقرباً، فلما علق بقلبه التصوُّف بسبب رجل يقال له الشيخ على الجبرتي، وصل إلى (الظهرين) من بلاد (حجة)، والسيد عبد الله هناك، فمال معه السيد، ولازمه ودار معه في الأمصار، ويقال: إنه لم يلازمه للتصوف، بل ظن عنده شيئاً من صنعة الكيمياء، فلما ظهر منه اعتقاد الصوفية، حبسه الإمام في حصن (العروس)(3)، وأغلظ عليه، ففعل السيِّد عبد الله رسالة يتنزه(4) عن أوضار الصوفية، وذكر أنه مخدوع في صحبة الجبرتي، ولمَّا اطلع على رسالة ابن عطف الله التي فعلها في أحوال الصوفية، والتبري منها، تحقق الحال، فأخرجه الإمام من الحبس، وأكرمه، وخلع عليه، وكتب السيَّد هذه الرسالة من (العروس) بعد أن وصلت رسالتا التركي والجدر: بسم الله الرحمن الرحيم، أحمدك اللهمَّ حمداً كثيراً عدد كلماتك التي تنفد البحار ولا تنفد، وأشكرك على توالي نعمك، شكراً يقيد ما وجد منها، ويستَدعى ما فقد، أو شرد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الواحد الأحد، الفرد الصَّمد، ونصلي على نبيئه المصطفى، ورسوله المجتبى، المبعوث إلى الأحمر والأسود، وعلى آله
__________
(1) في (ب): تجارى.
(2) في (ب): والتصفيق.
(3) العَرُوس: جبل من بني مطر في غربي صنعاء، يحاذي جبل كوكبان من جهة الجنوب. معجم المقحفي 1055.
(4) في (ب): لم يتنزه.

الأطهار، المقتفين لآثاره المحبين لسبقه السَّالكين الطريق الأسد، صلاة دائمة متصلة يزيدهم بها شرفاً إلى شرفهم، لا حد لمنتهاها ولا أمد، وبعد، فإن لله حماية وعناية يحفظ بها بيضة الإسلام، وله على عباده نعم، أجلُّها الأئمة الأعلام؛ إذ بسياستهم تعمر المعاهد والمعالم، وينتصف المظلوم، ويقمع الظالم، وبنور هدايتهم يهتدي الجاهل، ويستقيم كل معوج عن الدِّين مائل، فهم الأساة(1) لداء الجهل، ولو أعيى الأطبَّاء وطال، وهم العلماء والهداة، فلا يقاس بهم غيرهم من علماء الأمَّة، ولو نال ما نال، ومذهبهم الشريف خير المذاهب، ومنار منهجهم المنيف يلوح لكل سارب، ومنهلهم العذب النقاح يروى منه كل شارب، اللهم كما رزقتنا اتباع مذهبهم، فثبتنا عليه حتَّى لا يروج لنا غيره، ولا نميل إلا إليه، وقد فعلت ذلك إذ ولَّيت علينا إمام الزمان، الذي زدته بسطة في العلم والسلطان، فكم نقم بسيفه للآل الكرام من /46/ ثأر، وكم ظالم منه صار على شفا جرفٍ هار، أذاق أعداء الله الظلمة الحتوف، وملأ بمن بقي منهم المنازل والكهوف، وأمن بحميد سعيه كل مخوف، وآوَى إلى ظله الظليل كل ملهوف، هذا تلذذ بذكر ما ظهر من مناقبه واشتهر، وإلا فلا فائدة بعد المعاينة إلى الخبر، وكم أحيا بعلمه من دارس(2)، وكم أضاءت به المحافل والمجالس، وكم تجلَّت به من مشكلات الحنادس(3)، وزالت به من شبهة وساوس، فَنَهْج هؤلاء الأئمة - عليهم السلام - هو المنهج القويم، الذي قال فيه تبارك وتعالى ?اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ? [الفاتحة:6]، وهو الذي بعث إليه ودعا إليه النبي الكريم، عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم، هذا ما نعتقده، وبه ندين، ويعلمه الله وهو خير الشاهدين، هذه مقدمة لبيان ما صار عليه مولانا أمير المؤمنين، وخليفة الرسول الأمين، شرف الدين(4) شمس الدين بن أمير
__________
(1) الأساة: الأطباء.
(2) في (أ): مدارس.
(3) في (ب): حنادس.
(4) في (أ): ابن شمس الدين.

المؤمنين، من الذب عن الدين، وحياطة المسلمين، من لدن دعوته الحميدة الميمونة، التي بالصلاح والفلاح وبلوغ الآمال في رضا الله مقرونة، اللهمَّ فاجزه أفضل ما جزيت إماماً(1) عن رعيته، وحياطة هذا المذهب الشريف وهمته، برحمتك يا أرحم الراحمين، نعم لم يزل من بعيد دعوته - عليه السلام -(2) يذكر أمر هذه الفرقة المتصوفة لما ورد عليه سؤال في شأنهم(3)، وهو في حال مقاومة الدَّولة الظالمة الظاهريَّة التي انتقم الله منها؛ لأنه كثر في تلك الأيام ذكرهم، والتعلق بهم، فأجاب - عليه السلام - برسالة طويلة بيّن فيها - عليه السلام - ما يعرفه ويتحققه من قبح سيرتهم، وخبث سريرتهم، فمن أراد الاطلاع عليها، فهي موجودة، وكنت في ذلك الوقت بتفضله وعميم إحسانه أحد ملازميه، وأخص خلصائه، وفي تلك الأيام وصل إلى جهتنا بعض من يعتزي إلى هؤلاء المتصوفة، وتوهمنا فيه معرفة في الأسماء، ولم يكن لي اطلاع على كتبهم، ولا مارست أحداً ممن يخالطهم، فتعلق بقلبي منهم خيال، وأنس القلب إليهم(4) بعض أنس، وكنت كما ذكره - عليه السلام - في كتابه إلا في(5) هذا الشهر المبارك رجب كلما عرض ذكر ماهم عليه من نحس الكفر في كتاب أو خطاب، لم يصدر مني ما يطيب به خاطر الإمام - عليه السلام - مع علمه - عليه السلام - بتقدم تلك الصحبة، والإمام - عليه السلام - بحسن أخلاقه، وكثرة حفائه، وطيب أعراقه، لم يراجعني مراجعة حد يزيل عني الشبهة، ولا اطلعت على كتبهم التي فيها المقالات الكفريَّة، فلمَّا تقرر في نفس الإمام - عليه السلام - وجوب الهداية عليه بعد افتساحي منه - حفظه الله - فأمر بي إلى محروس (العروس)، وكتب إليَّ بخط يده الكريمة ما لفظه: لما علمنا علماً يقيناً حال هؤلاء المنتسبين إلى التصوّف، وخروجهم عن الدين
__________
(1) في (ب): وزد اللهم في رعيته.
(2) في (ب): لم يزل - عليه السلام - من بعيد دعوته.
(3) في (ب): شأنه.
(4) في (ب): لهم.
(5) في (أ): إلى هذا.

لا شك فيه، وخروج من انتسب إليهم بقول أو فعل أو تصويب، أو شك في كفرهم الآن، ومن وقت ما جرى منه الأقوال والأحوال المخرجة من الدين، وقع الخوف الشديد من الله الحميد، من المداهنة في الأمر وعدم الشدَّة. انتهى كلامه - عليه السلام -. وشدته - حفظه الله - رخاء وعاصفة، الذي عصفنا به إلى منهج الحق رجاء، وعد - عليه السلام - بوصول رسالة من القاضي محمد بن عطف الله، ورسالة من الفقيه حسن بن يحيى الجدر، فلما وصلت الرسالتان، وتحققت ما وضع الفقيهان مما ينسب إلى هؤلاء المتصوفة من /47/ المقالات التي تهول، والكفر الصريح الذي لا تقبله العقول، مثل القول بالحلول وتفضيل(1) الوَلي بزعمهم على الرسول، ظلمات بعضها فوق بعض، وضلالات تزلزل منها الأرض، فحينئذٍ علمت صدق عموم كلام الإمام - عليه السلام - بكفرهم، ومن انتسب إليهم، أو شك في كفرهم، علماً يقيناً لا شك معه ولا ارتياب، وكيف لا وقد خالفوا صريح السنة، ومحكم الكتاب، وعلمت بعد هذا أن التسامح في حقهم الصَّادر مني فيما مضى قبيح، وأنَّ الميل إليهم والتحسين وقع بغير تحقيق لقواعدهم ولا تصحيح، ولو كان الإنسان على ما يجده من نفسه لا ينخدع لهذه المجالات، لعلمه بما يجوز على الله ومالا يجوز من الصفات، فمن حام حول الحما يوشك أن يقع فيه، ومن يقارب الشك كيف يمكنه توقيه، ألا وإن(2) ذلك تحميل، فإن من أنس بشيء استحسنه، وإذا استحسنه، لهج به عند من يصحبه ويجالسه، والطبع سرَّاق، فيأخذ منه مالا يعرف في حق الله مالا يجوز، ومما(3) لا يجوز، ويتلقن منه ما يظن أنه بتلقنه يفوز، ثم يسمع هذه المقالات الكفرية ويظنها من الدِّين، فيهلك مع الهالكين، ويحشر في زمرة الكافرين، وذلك هو الخسران المبين، فيكون هلاكه على يديه، ويعود وباله عليه، فبعد تحقق هذه المقالات، وما يتبعها من الضلالات، يجب الإظهار للتوبة والأصحار والتبري من
__________
(1) في (ب): وبفضل.
(2) في (ب): فإن.
(3) في (ب): وما لا.

المتصوفة آناء الليل وأطراف النهار، وأُشهد الله، وملائكته أجمعين، وكافَّة المسلمين، أني إلى الله من النادمين، من الأنس الصادر مني(1) والاستحسان، وإني لا أعود إلى شيء من ذلك إلى لقاء الله الملك الديَّان، هذا مع أن الله سبحانه يعلم أني لم أسمع منهم من المقالات هذه الشنيعة إلى الآن، إلا ما سمعته من سيدي أمير المؤمنين(2) من تفضيل الولى على الرسول بزعمهم وطيبائه(3) كلام سمعه الإمام - عليه السلام - وهو عنهم تقول، وإلا ما سمعته من كلام المقري إسماعيل، صاحب (الإرشاد) في قصيدته التي ذم فيها المتصوفة، فإنه حكى فيها حكاية سبق حكايتها، وقال عقيب قوله:
أستغفر الله من ذكري مقالتهم ... فالْحَرُّ يلهف(4) من يدْنو من اللَّهب
__________
(1) سقط من (أ): مني.
(2) في (ب) زيادة: - عليه السلام -.
(3) في (ب): وهو.
(4) في (ب): يلفح.

هذا. ولولا ما جبَل(1) الله الإمام - عليه السلام - عليه من المحبَّة للهداية والإرشاد، ومصابرته على معالجة أخلاقنا السيئة، وجموحنا عن الانقياد، لبقينا على ذلك التساهل والغفلة، حتى - والعياذ بالله - تنقضي المهلة، وبدا لنا من الله مالم يكن في حساب، ووضع الميزان والكتاب، ووقعت المناقشة من ربّ الأرباب، اللهم فاحفظ علينا إمامنا - عليه السلام - وزده من التوفيق، وبلغه ما يؤمِّل(2) من خير الدنيا والآخرة، فهو له حقيق، وأطل عمره للمسلمين والإسلام حتى يعود كما كان في الصَّدر الأوَّل، ويبطل ما رسمه أمراء الظلم والجور، ويتحول بحولك وقوتك، يا أرحم الراحمين، هذا ما نسخ بقدر الإمكان، من مملوك الوداد والإحسان، عبد الله بن قاسم بن الهادي، وفقه الله وجاد عليه بالغفران؛ ليعرض على الحضرة النبوية الطاهرة، فإن جاء مطابقاً، فبركاته ذلك المقام المقدس، وإن قصر، فهو على متن الركة والفتور مؤسَّس، فليعتمده - عليه السلام - ولو هو بشهير عواره عالم، ويجر عليه بإحسان ذيل المكارم، وبعد السَّلام تقبيل الأكف الكرام، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وسلم.
قُبر السيد عبد الله العلوي (في القبة في القرية التي فوق بلد (عجرمة)، من جانب القبلة بجهة (حجَّة) قريب حصن (بنين) من جهة الشرق)(3) من بلاد (الحبر).
عبد الله بن أبي القاسم بن مفتاح [ - 877هـ]
__________
(1) في (ب): أجل.
(2) في (ب): ما يأمل.
(3) ما بين القوسين ليس في (ب).

الفقيه المفيد النافع ميمون المقاصد عبد الله بن أبي القاسم بن مفتاح - رحمه الله تعالى- صاحب (التعليقة المفيدة)، ومصنف (المنتزع من الغيث شرح الأزهار)، الذي(1) كثر النفع به(2)، واشتهر بعبد الله بن مفتاح، ويسقط اسم أبيه، كان من عباد الله الصَّالحين، ومن أهل التحقيق في الفقه، وشرحه للأزهار(3) من أحسن الكتب، وأعظمها نفعاً، مع أنه قد شرح (الأزهار) جملة(4) من العلماء الكبار، ونهجوا فيه مناهج لم يكن في شرح بن مفتاح منها شيء، لكن الفقهاء لم يرفعوا لها رأساً، ولكنه وافق مراد الإمام - عليه السلام - قال العلامة يحيى بن محمد بن صالح بن حنش - رحمه الله -: أخبرني الفقيه عبد الله بن أبي القاسم بن مفتاح - رحمه الله - أنه رأى في المنام أن حيَّ الإمام المهدي أحمد بن يحيى - عليه السلام - في أرض بيده مسحاة من حديد، وهو يعمل في تلك الأرض، ويساوى حُفَرَهَا، فأخذت تلك المسحاة من يده، وسويت تلك الحفر، وفعلت كما يفعل، وروى لي - أيضاً رضي الله عنه - أنه رأى في المنام، أنَّ الإمام - عليه السلام -(5)، سأل رجلاً من السَّادة الذين تعلقوا بقراءة (الأزهار)، عن مسألة في الحيض، فأجبت عليه في تلك المسألة، فقال: أحسنت أحسنت مرتين أو ثلاثاً، وروَى لنا - رحمه الله تعالى - عن الفقيه زيد، أنه يروى عن الإمام المهدي - عليه السلام - أنَّ من استقبل القطب حال صلاته، صحَّت صلاته، ولمَّا وصل الفقيه المذكور، ذاكره في ذلك، فسمعنا عن الفقيه زيد - رحمه الله - عن الإمام انتهى. توفي - رحمه الله - يوم السَّبت سابع شهر ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وثمانمائة، وقبره يماني (صنعاء)، وكان عليه مشهد قد تهدَّم، ولديه قبور غيره، وهو شرقي قبور(6) السَّادة آل الوزير، قال العلاَّمة سعد الدين المسوري،
__________
(1) في (ب): أنه الذي.
(2) في (أ): فيه.
(3) في (ب): وشرح الأزهار.
(4) في (ب): جلَّة.
(5) زيادة في (ب): كأنه.
(6) ليس في (ب): قبور.

أنه يعرفه، وزاره، وكذا أخبرني قاضي (صنعاء) العلامة حسين بن يحيى السحولي - رحمه الله - ورثاه محمد بن علي الزحيف - رحمه الله - فقال:
سقى جدثاً أضحى بصنعاء ثاوياً ... من الدَّلو والجوزاء غاد ورائحُ
كأن لم يمت حيٌّ سواك ولم يقم ... على أحدٍ إلا عليك النوائحُ
لِيبكِ ابن مفتاح فقير ومعول ... ومختبط ممَّا تطيح الطوائحُ
وتذكرة ثم الزهور وبحرهم ... فما الكتب غير البحر إلا ضحاضحُ
ورثاه - أيضاً - العلامة يحيى بن محمد بن صالح بن حنش - رحمه الله - فقال:
أمَّا عليك فقلبي دائم الفزعُ ... وكيف أسلو ووجدي غير منقطعِ
ولي فؤادٌ بنار الغمِّ محترقٌ ... ومقلة كُحِّلََت بالسّهد والوجَعِ
ومهجة فزعت ممَّا ألمَّ بها ... وأي حوباء لم يفزع ولم ترعِ
أم أيَّ عين تُرى ضنَّت بأدمُعها ... وأي قلب عليه غير منصَدعِ
كيف البقاء وأرضُ اللَّه مُظلمة ... مِنْ بعد سيدنا العلاَّمة /48/ الورعِ
الأوحد القدوة المفضَال أفضل من ... يمشي على الأرض من كهلٍ ومرتضعِ
الصَّائم القائم البر التقي له ... طرائق حمدت في الضيق والوسعِ
ترب العبادة يحكي في تقيده ... وفضله الحسن البصري والنخعي
وفي الزهادة عمرو بن العبيد فلا ... يرنو بطرف إلى شيء من الطمعِ
وفي الحلوم كقيس المنقري فلا ... يطيش إن طارت الألباب بالفزعِ
على طرائق أتباع النبيء مضى ... كأنه منهمُ من خير متَّبعِ
واحسرتاه(1) ولي قلب ندامته ... عليه تقصر عنها حسرة الكسعي
قد كان في الأرض نور يستضاء به ... فعمَّت الظلمات الأرض حين نُعِي
وكان عوناً على الأحداث إن نزلت ... يلوذ منها بطودٍ شامخ منِعِ
وكان في العلم كالرَّوض الأنيق لنا ... إليه منتجع في كل منتجعِ
إذ كان في حلق التدريس بهجتها ... كالبدر في هالة الأنوار منصدعِ
فخاننا ودهانا بعد إلفتنا ... ريب المنون فلم نترك ولم ندعِ
__________
(1) واحسرتاه.ظ

ثُلَّتْ عروش الهدى من بعد غيبته ... وأصبح الدين نهباً غير متبعِ(1)
عبد الله بن أبي القاسم البشاري
علاَّمة الزيديَّة، شحاك المبتدعين، عبد الله بن أبي القاسم البشاري - رحمه الله - كان لسان الزيدية في وقته، شحاكاً للمطرفية، وله ولهم مقامات، وردَّ عليهم إلى (وقش) بعد أن كان لقي مطرف بن شهاب، ثم ناظرهم في وقش، ومن عباراته ما حكاه محمد بن رؤَاد(2) المطرفي، قال: قدم علينا عبد الله بن أبي القاسم البشاري إلى وقش، فتكلم مع المشائخ في اختراع الأعراض من الله تعالى في الأجسام التي وجدت مقرونة بأعراض توصف بها، فقاولهم، قال: فما يقال في مثل ذلك؟ قالوا: يقال: تغيرت الأجسام، واستحالت بقدرة الله ومشيته، فقال لهم: لا يستحيل إلاَّ الثور، أراد - رحمه الله - بذلك معنىً يستعمله أهل اليمن في الدَّابة إذا أعيت، فلم تبرح مكانها، أمَّا من ضعف، أوكَدَّ في عمل، أو نحو ذلك، فيقال حينئذٍ: استحالت.
وروى زيد بن أحمد بن عبيد الله بن الخطاب من علماء التطريف، وأصله من أهل (عجار)، من مشرق حاشد من (همدَان)، ونسبته في (شاور)، قال: سمعت محمد بن إبراهيم بن رفاد، يحكي أنه دخل عبد الله بن أبي القاسم البشاري(3) أيام سليمان بن عامر الرواحي، وبه جرب، فماطله الطبيب عن الدَّواء؛ لعله(4) بمخالفته لهم في الإحالة والاستحالة، ولم يرض أن يداويه حتى يقر بمذهبهم، فترك التداوي وانصرف.
قال بعض السَّادة آل الوزير - رحمهم الله -: وكانت بين عبد الله بن أبي القاسم وبين علامة التطريف شُريح بن سعد الشهابي مراجعات، ولعبدالله قصيدة أجاب بها شريحاً(5):
أمَا والَّذي أرجوه لا زلت منكراً ... على من بغى في الدين واغتاب وافترى
وحَسْبي إلهي منصفاً لي وحاكماً ... عليَّ ولي في كل ما بيننا جَرَى
وهي طويلة /50/ وفيها:
__________
(1) في (ب): ممتنع.
(2) في (ب): آماد.
(3) في (ب) زيادة: شبام.
(4) في (أ): لعلمه.
(5) في (ب) زيادة: أولها.

ألستم ترون الفضل للفعل لاحقاً ... جزاء لأهل الفضل كالبيع والشرا
ونحن نرى التفضيل للفضل سابقاً ... فقيسوا بمن شئتم عليّاً وجعفرا
قلت: وشريح بن سعد هذا قد مضى له ذكر عند ترجمة القاضي العلاَّمة شريح بن المؤيد - رحمه الله - وله شعر إلى التوسط، أقرب منها قصيدته الطويلة يذكر إخوانه:
تستاع وجهته ... [الماتيك للدار الجلية
ومنها في صفتهم]: (1):
أناس خير من ضمت يمان ... وأطهره وأظهره نقيَّة
وأفضل بعد أهل البيت حالاً ... وأنزهه عن الدنيا الدنيَّة
ومنها:
ديارٌ كنَّ من ورع وعلمٍ ... وبذل ندى بواديها نديَّة
ومن تنفيس مكظوم ونهض ... لمهضوم(2) وصقل نهىً عمية
ومنها في تحذير الشهابين(3) من الصليحيين، فلم يعملوا بها، فأصابهم ما حذرهم:
وليس بقادر أبداً عليكم ... سوى خدع يحاولها خفية
فإن مكنت خدائعه طلاكم ... تمكنها حداد المشرفية
وصارت أرضكم نهباً وسيقت ... عقائلكم مذللة سبية
أباحت دولة الأصلوح قهراً ... حمى ما بين صعدة والطرية
وله من أخرى في ذكر إخوانه - أيضاً -:
ألا ليت شعري هل أرى بين أحبابي ... أولي المجد والإحسان والحسب الرابي
ألا ليت شعري هل أرى بين عصبة ... يُجلون همَّ المرهق الأورق الكابي
__________
(1) ما بين القوسين ليس في (ب).
(2) في (ب): لمظلوم.
(3) في (ب): الشهاديين.

إلى آخرها، وهي طويلة، وقد ذكرنا في هذه الترجمة محمد بن رفاد، وكان على طريقة شريح في التطريف، وأصله من أهل (صنعاء)، ثم انتقل إلى (شبام)، ثُمَّ إلى (وقش)، وبها مات في صفر سنة أربع عشرة وخمس مائة،وكان من أجلائهم، ونسبه في بني مشير(1) بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأول من وفد اليمن من أهله وفد إلى (صنعاء) من (اليمامة)، أو من (الفلح)، فلما رأى الصومعتين بجامع صنعاء قال: أيش هاتان المطوللتان؟، فكان أهل (صنعاء) يمزحون(2) به، ومما يستحسن من روايته قال: كان بـ(صنعاء) في زمن(3) قريب من زمانه أدركه أو كاد غلام عابد من أحداث الزيدية، قوي الإخلاص لله، صادق السر فيما بينه وبين ربه، وكان إسكافاً، يعمل لبعض كبار الأساكفة(4) في دكان بأجرة ويأخذها(5) منه، قال: فكان لا يزال يتعاهده النعاس في نهاره حتى يخفق برأسه من شدة ذلك، ولا يزال صاحب الدكان يصيح به، ويرفع صوته عليه، ويشتد غيظه لذلك، ويسأله عن شأنه، وعن(6) سبب ما هو فيه، فيرفق به، ويداريه في الجواب، ويعتذر إليه، وقد كان /51/(7) بقي للغلام أم، فأتاها الإسكاف صاحب الدكان؛ فكلمها، وشكى عليها ما يراه من ابنها، وأنه قد شق عليه ذلك منه، ولا يحب مفارقته، وسألها هل ينام أم لا؟ فقالت: لاأدري إلا أنه لا يزال صائماً، فإذا كان الليل أفطر على بعض قوته، وأخذ بعضه، وخرج عني ولا أراه حتَّى الصبح، قال: فوقع في نفس الإسكاف من الغلام شيء، فرصده في ليلة من لياليه، فلما دخل الغلام إلى أمه، أمهله، حتَّى إذا خرج سار خلفه حيث يسير، واحترز من أن يراه جهده قال: فسلك الغلام شارعاً من شوارع صنعاء حتَّى انتهى إلى عجائز، وأرامل، من فقراء الناس، فتصدق عليهن بما حضره، وقسم بينهن باقي طعامه، ثُمَّ سار والإسكاف
__________
(1) في (ب): قسير.
(2) في (ب): يعجبون لذلك و.
(3) في (ب): زمان.
(4) في (ب): الاسكافة.
(5) في (ب): يأخذها.
(6) في (ب): وما.
(7) في (ب): قد بقي.

يتلوه حتَّى خرج من عمران القرية، إلى أن أتى الغيل البرمكي، فتوضأ، ثُمَّ سار إلى أن دخل المسجد المعروف هناك بمسجد الحرة أسماء بنت شهاب الصليحية، وهي زوج علي بن محمد الصليحي، وأم المكرَّم، فقام يصلي فلم يزل مصلياً ليلته والإسكاف ينظر، إلى أن طلع الفجر، فصلى صلاة الصبح، وانصرف الإسكاف، ورجع الغلام إلى (صنعاء)، والتقى هو والإسكاف على دكانه(1) فأخذا في العمل الذي كانا يعملانه إلى أن أتى الغلام النعاس الذي يعتاده، فجعل يخفق رأسه(2) تارة بعد أخرى، ويدافع ذلك بما أمكنه، فلما رأى ذلك منه الإسكاف، قال له: يا حبيبي، إن أحببت أن تنام فنم بارك الله لك في ذلك، قال: فامتنع الغلام من النوم، واستنكر ذلك منه، ولم يدر ما سببه، فأحسبه قال فلبث الغلام يسيراً من الوقت، ثم عاد إلى ما كان عليه من النعاس ومطالبة النوم له، فأعاد عليه الإسكاف مثل قوله(3)، فسأله الغلام عن سبب ذلك منه، وما الذي دعاه إلى أن يسمح له ما كان يمنعه منه من النوم، فأخبره الإسكاف الخبر في رصده له واتباعه إلى بيوت الأرامل(4) ثم(5) إلىمسجد الحرة، وما رآه من صلاته، وما أخبرته أمه من صومه، فلما علم الغلام أن ما بينه وبين ربه قد ظهر للمخلوقين ساءه ذلك، فلما أعاد عليه الإسكاف الأمر له بالنوم قام فاضطجع كأنه يريد النوم، ثم قال: إلهي وسيدي إن كنت رضيت عني بما كان من عملي، وتقبلته مني، وغفرت لي، فاقبضني إليك الساعة، قال: فما قام من مضجعه ذلك، ولما طال علىصاحب الدكان نومه وأنكره، (نظر)(6) فإذا هو ميت، فقام في جهازه حتى واراه في قبره - رحمة الله عليه - انتهى.
__________
(1) زيادة في (ب): فإذا في العمل.
(2) في (ب): برأسه.
(3) في (ب): مثل قوله الأول.
(4) ليس في (ب): إلى بيوت الأرامل.
(5) في (ب): ثُمَّ إتيانه.
(6) في (ب): حركة.

قلت(1): ومسجد الحرة، قال بعض السادة العلماء آل الوزير - رحمهم الله - ما لفظه : هو المسجد الذي فوق كظائم(2) البرمكي بطريق(3) (حدة) القريب من محاريق الآجر، وقد بقي إلى زماننا منه جدار وآثار أخربها(4) عامر بن عبد الوهاب، أيام محطته على (صنعاء) سنة تسع أو عشر وتسع مائة(5).
عبد الله بن محمد بن يحيى بن حمزة
الشيخ(6) الكبير، مفخر آل محمد - صلوات الله عليه وعليهم - عبد الله بن محمد بن أمير المؤمنين المؤيد بالله يحيى بن حمزة بن رسول الله - صلى الله عليه وعليهم - قال السيد الحافظ عبد الله بن الهادي: اشتغل بالعلم من صباه إلى كبره، حتى تبصر في العلوم، وتضلع منها، وبلغ مرتبة الاجتهاد، وكان ممن يشار إليه بالتأهل للإمامة، والقيام بأمر الأمة، ولما توفي الإمام(7) علي بن محمد بن علي - عليه السلام - واضطرب أمر الناس بعده، وسار ولده الناصر إلى (ظفار) للاجتماع(8) والنظر فيمن يصلح للقيام، /52/ وكان علماء الظاهر لا يعدلون عن السيد صلاح الدين المذكور، ويتفوهون بأنه لا يصلح لهذا الأمر سواه، فلما فهم ذلك منهم، اعتذر من المسير إلى (ظفار) مع والده وأعمامه والذين ساروا من هجرة (حوث) من الفضلاء، فلم يعذروه، فسار معهم وسمعوه في أثناء المسير وهو يتضرع إلى الله سبحانه ويقول: اللهم أمتني في هذه السيرة، فامسوا في تلك الليلة في الكساد من بلاد (مرهبة)، وكان في آخر الليل، وحدث مع السيد المذكور وجع في بطنه، لم يستطع منه قياماً ولا قعوداً، فحملوه في شقدف، وردوه إلى (حوث)، ووقف إلى بعد صلاة العشاء الآخرة(9)، وتوفي وله في العمر دون ثلاثين سنة، وقبره بمسجد المدرسة بحوث مشهور مزور، بحذاء قبر والده.
__________
(1) في (ب): فراغ.
(2) زيادة في (ب): عبل.
(3) في (ب): بريق.
(4) في (ب): أخربها الشيخ عامر.
(5) في (ب) زيادة: سنة.
(6) في (ب): السيد.
(7) في (ب): الإمام المهدي.
(8) في (ب): للاجماع.
(9) في (ب): الأخيرة.

عبد الله بن محمد
السيد العلامة عبد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن - عليهم السلام - ذكره المنصور بالله، وقتل أيام المقتدر.
عبد الله بن محمد بن يحيى القاسمي
السيد العلامة(1) فخر الإسلام عبد الله بن محمد بن يحيى القاسمي العياني - رحمه الله - قال بعض من ترجم له كان من أكابر أهل البيت وأعيانهم، أحيا معالم آبائه الطاهرين، وسلك مسلك الأئمة الهادين، وتخلق بأخلاق المقربين، وحذا حذو العلماء الزاهدين، بعد أن بلغ رتبة المجتهدين، ولله دره من مبلغ مكين، وله قراءة جيدة، ومعرفة طائلة في كتب الأصول، والفروع، واللغة، والنحو، هكذا ترجم له بعضهم، وانقطعت(2) الترجمة، قال: وتولى الخطابة والإمامة بجامع (صعدة) المشرفة، ودفن عند الصومعة الصغيرة، جنب قبر العلامة أحمد بن عبد الله بن الوزير، وأحمد بن صلاح الدواري، وأنشد له شعراً وهو:
ألا يا نفسي المرجوُّ آتٍ ... من الوعد المقدر والوعيدِ
فإيماناً بربك كل حينٍ ... على الوجه الذي هو لم تريدي
ومنهاج الأئمة فاسلكيه ... ولا تنأي عن النهج الرشيدِ
فهم سفن النجاة لراكبيها ... بإجماع الموافق والعنيدِ
قلت: وهو ابن السيد الإمام العلامة الفقيه محمد بن يحيى، مصنف (الأنوار)، ولعله يذكر في بابه.
عبد الله بن محمد بن عمر ، وعبيد الله بن محمد بن علي
السيد الإمام عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وصنوه العلامة السيد الإمام عبيد الله بن محمد بن علي - رضوان الله عليهما - كانا سيدين إمامين في الفضائل، شهدا مع زيد بن علي الإمام الأعظم مشهده المشهور، وكانا أحد الوجوه فيهم، وهما أحد تلامذته، ذكرهما في رجال الزيدية الشيخ الإمام(3) العالم ولي آل محمد القاسم بن عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر البغدادي - رحمه الله - في كتابه وقال: كانا آية زمانهما.
__________
(1) سقط من (أ): السيد العلامة.
(2) في (ب): وانقضت.
(3) ليس في (ب): الإمام.

عبد الله بن محمد بن عبد الله الأشتر
السيد الإمام الحجة، علم آل محمد، حافظ علومهم، عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - الملقب بالأشتر، كان إماماً جليلاً فاضلاً نبيلاً يصلح للسبق، وكان قد هرب بعد قتل أبيه إلى (السند)، وحكى أبو الفرج الأصفهاني، وأبو عبد الله الصفواني الأصم، أن عبد الله الأشتر قتل (بكابل)، وحمل رأسه إلى المنصور، فأخذه الحسن بن زيد بن الحسن /53/ فصعد به المنبر، وجعل يشهره للناس، وقيل: إن لعبد الله الأشتر دعوة، وأنه ظهر بعد قتل أبيه بخمس سنين، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.
عبد الله بن محمد السعدي
الفقيه العلامة شيخ شيوخ آل محمد عبد الله بن محمد السعدي - رحمه الله - قال عبد الله بن عمر الهمداني الزيدي: كان عبد الله السعدي من أفاضل أصحاب الهادي - عليهم السلام - وأخيارهم، وأهل البصائر منهم، وذوي السابقة في الهجرة إليه(1)، والمشاهد(2) الشريفة معه، وهو من بني سعد بن بكر بن(3) هوازن، وكانت له المنزلة الرفيعة عند الإمام المرتضى لدين الله محمد بن يحيى.
قلت: وهو أحد رؤساء العساكر الناصرية يوم (نغاش)، وأبلى بلاء حسناً، وجرح، وثبت بعد الجراحة في المعترك(4)، وثبت جنوده حين سقط، وانصبت القرامطة عليه رشقاً بالسهام، ورمياً بالحجارة، وهو يقول لأصحابه: اثبتوا، وإذا مت فهذا محل قبري، فكان فوقه عراك كثير، وكان من أهل السن العالية حينئذ(5) - رحمه الله تعالى -.
عبد الله بن محمد النجري [825هـ - 877هـ]
__________
(1) ليس في (ب): إليه.
(2) في (ب): والمشاهدة.
(3) في (ب): من.
(4) في (ب): المعتكر.
(5) في (ب): يومئذٍ.

الفقيه الرحال المتكلم عبد الله بن محمد النجري، كان من حسنات الأيام، ومفاخر الزيدية، بل مفاخر الإسلام، رحل إلى البلاد، ولقي الشيوخ، وحقق وكان ثبتاً في جميع أموره، ترجم له جماعة منهم السيد الكبير صلاح الدين عبد الله المفضل بن أمير(1) الدين المطهر بن محمد بن سليمان الحمزي - رحمه الله -.
قال: كانت وفاة الفقيه الحبر المدرة الصدر، فخر الدين عبد الله بن محمد النجري - رحمه الله - سنة سبع وسبعين وثمانمائة في قرية (القابل) من وادي ظهر، وهو عبد الله بن محمد بن أبي القاسم بن علي بن ثامر بن فضل بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الزيدي العبسي من (عبس حجة). قيل: إنهم انتقلوا من (وادي مر) إلى (الفجار) تحت (حجة)، ثم تفرعوا إلى حجة وحبع (لاعه)، قرأ الفقيه على الإمام المطهر بن محمد بن سليمان، وعلى أخيه علي بن محمد في الأصولين والفقه، وعلى الدواري، ويحيى بن مظفر، ونقد على الدواري في عدم تثبته في القراءة، انتهى.
قلت: وكان(2) العلامة محمد بن صلاح الفلكي الفرائضي يروي(3) عن مشائخه في ترجمة للنجري والبكري - رحمهما الله -. قال: كان البكري أعلم من العلامة النجري في أصول الدين، والنجري أعلم منه في أصول الفقه، وصنفا جميعاً شرحاً لمقدمة (البيان)، والبكري شرح أصول الدين، والنجري شرح أصول الفقه، وكانا جميعاً من(4) شيعة الإمام المطهر بن محمد بن سليمان، وكانا مع الخالدي - رحمه الله - قطبي الدولة.
__________
(1) في (ب): أمير المؤمنين.
(2) في (ب): وقال.
(3) ليس في (ب): يروي.
(4) في (ب): في.

قلت: وترجم له جماعة من أهل الآفاق، فمن ترجمةٍ له لبعض المصريين(1) ما نصه: وُلِد في أحد الربيعين سنة خمس وعشرين وثمانمائة في قرية (حوث) بقرى (اليمن)، وبحث على والده في النحو، والفقه، والأصولين وعلى أخيه علي بن محمد، ثم حج سنة ثمان وأربعين، ثم دخل البحر ثم (القاهرة)(2)، فوصل في ربيع الأول(3) فبحث بها(4) في النحو والصرف على ابن فديد وأبي القاسم النويري(5)، وفي المعاني والبيان على الشمسي(6)، وفي المنطق على التقي الحصني، (وفي علم الوقت على العز عبد الإسلام الميقاتي)(7)، وحضر في الهندسة عند أبي الفضل المغربي، وكان يطالع بذلك، وما أشكل راجع به فطالع(8) شرح الشريف على(9) الجرجاني(10)، و(التبصرة) لابن(11) أفلح، (وفي الفقه على الأمير الأقصراني)(12) وفي(13) (العضد) على الصَّيرَفي، وتقدَّم في هذه العلوم، حسب ما قاله النفاعي(14)، واشتهر فضله، وامتد صيته لا سيما في العربيَّة، وكتب عنه في سنة ثلاث وخمسين قوله/54/:
بشاطئ حوث من ديار بني حرب ... لقلبي أشجان معذبة قلبي
فهل لي إلى تلك المنازل عودة ... ليفرج عن همي ويفرج عن كربي
انتهى.
__________
(1) في (ب): وممن ترجم له بعض المصريين.
(2) في (ب): في البحر ثُمَّ دخل إلى القاهرة.
(3) في (ب): التي يليها.
(4) ليس في (ب): بها.
(5) سقط: وأبي القاسم النويري من (أ).
(6) في (ب): الشمني.
(7) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(8) في (أ): واطالع.
(9) ليس في (ب): على.
(10) في (ب): على الحقيني.
(11) في (ب): كابر بن أفلح.
(12) سقط من (أ) ما بين القوسين.
(13) ليس في (ب): في.
(14) سقط: حسب ما قاله النفاعي من (أ).

قلت: وله جملة تآليف، منها: (مختصر الثمرات على آيات الأحكام)، ومنها (المرقاة) في علم الكلام جعله شرحاً للمقدمة مرقاة إلى الغايات، شرح الإمام المهدي، ومنها كتاب في النحو، وكتاب في المنطق، وشرح مقدمة (التسهيل) لابن مالك، ومنها (المعيار) الكتاب الجليل المنبي على(1) تحقيق وتدقيق وتوفيق، يقل في كتب الإسلام نظيره، ومن أراد انتخاب قواعد للمذهب كقواعد ابن عبد السلام، فهذا نعم المعين على ذلك، ومن أراد كتابه (الأشباه والنظائر) كما فعل السبكي والسيوطي(2) لأصحابهما، وابن نحيم للحنفية(3)، أمكن (4) من هذا الكتاب، فلله دره، (5)وهو أول من قدم (بمغني اللبيب) من (مصر) إلى (اليمن)، ثم وصل به الريمي الشافعي بعده إلى (صنعاء)، وكان تأليفه لشرح المقدمة عند قفوله من (مصر).
قال العلامة الحسن بن علي بن حنش: روى(6) عن شيخنا السيد العلامة فخر الدين المطهر بن محمد بن تاج الدين الحمزي، قال: أروي عن شيخنا العلامة المرتضى بن قاسم أنه قال: أروي عن شيخنا العالم عبد الله بن محمد بن أبي القاسم النجري أنه قال: صنفت شرح مقدمة (البحر) في سفري قافلاً من مصر. قلت: والنجري نسبة إلى (نجره) ببلاد المغرب عند قراضة (لاعه)، سكنوا بها.
قلت: ومما كتبه - رحمه الله - من مصر إلى والده:
فراقك غصّتي ولقاك روحي ... وقربك لي شفاء من قروحي
وما إن أذكر الأوطان إلا ... تَضَيَّق بي من الأحزان سوحي
وما فيها أحسّ سواك شوق ... إليه فأنت يا مولاي روحي
فعفوك والدي عنّي وإلا ... فنوحي يا عيون عليَّ نوحي
عبدالله بن محمد [ - 647هـ]
__________
(1) في (ب): عن.
(2) في (ب): والبوطي.
(3) في (ب): نجم للحقيقة.
(4) لم أتمكن من قراءتها في (ب).
(5) في (ب): وغير هذا.
(6) في (ب): أروي.

قاضي القضاة العلامة، خلاصة الأئمة، تقي الدين عبد الله، بن ركن الدين محمد بن عبد الله بن حمزة بن إبراهيم بن حمزة بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن حمزة بن علي بن إسحاق بن أبي النجم، من أعقاب الملك وليعة، بن الملك مرثد، بن الملك عبد كلال، قد تكرر ذكر أهل هذا البيت الشريف لكثرة فضلائهم، كان عبد الله عالماً فاضلاً، مرجوعاً إليه، مقدماً في كل شيء، له أخلاق العبَّاد والعلماء في مظهر الملوك وإفاداتهم، وهكذا الغالب على أهل هذا البيت، ولي القضاء بعد أبيه تقي الدين بجهة (صعدة)، وكتب له الإمام المنصور بالله عهداً بليغاً، ثُمَّ استمر على ذلك إلى زمان الإمام المهدي لدين الله أحمد بن الحسين، وكتب له عهداً أبلغ من العهد المنصوري، وكان موئلاً للبلاد والعباد - رضي الله عنه - وتوفي(1) في نصف شهر رجب(2) المعظم سنة سبع وأربعين وستمائة، وولي بعده القضاءَ ولده ركن الدين محمد بن تقي الدين - رضي الله عنهم - ولاه الإمام أحمد بن الحسن - عليهما السلام - القضاء في تاريخ رجب سنة ست وأربعين وستمائة، وفيه وفي حفيده مراثي لعلماء زمانهما، والتبس عليَّ ما الذي قيل في تقي الدين المذكور، وفي حفيده الآتي ذكره.
عبد الله بن محمد بن أبي النجم
__________
(1) في (ب): توفي.
(2) في (ب): ربيع.

العلامة القاضي الكبير فخر الإسلام/55/ عبد الله بن ركن الدين محمد بن تقي الدين عبدالله بن ركن الدين(1) بن محمد بن عبدالله بن حمزة بن أبي النجم - رحمهم الله -. قد مضى ذكر جده تقي الدين آنفاً، وكان هذا وارث علومه، وهو الذي التبس عليَّ هل المراثي قيلت فيه، أو في جده - رحمهما الله -؟ من ذلك مرثيه عبد الله بن عطية بن أبي النجم التي أولها: تعزَّ وإن جلت خطوب بواترُ.. وقد مضت في ترجمة عبد الله بن عطية، (ولكن الأشبه بهذه المرثية أنها في هذا؛ لتأخر عبد الله بن عطية)(2)، ثم وجدت ذلك بخطي فوثقت به، ومن ذلك مرثية الشريف(3) السيد الأمير بدر الدين محمد بن علي بن أمير المؤمنين التي طالِعُها:
هو الدهر لا يرثى لحالٍ سليمة ... فيبرى ولو يوسى لطب كلومه
ولم أرَ كالإنسان يجزع للقضا ... ويبغي انتصافاً والزمان غريمه
ولم يزل هذا الاحتمال معي، ثم ظهر لي أنها في عبد الله بن علي بن أبي النجم الماضي ذكره، فليعرف هذا. والله أعلم.
عبد الله بن محمد بن أبي الرجال
العلامة الفقيه عبد الله بن محمد بن أبي الرجال - رحمه الله - كان عالماً بعلوم العربية والمنطق وغيرها من العلوم، وهو مصنف (أكسير الذهب) في النحو. قال البهاء العلفي - رحمه الله - ما لفظه: تألف فيه الفضل الواسع، وغدا علماً في عصره للعلم الجامع، نبراساً لعلماء الأدب، ثم ذكر له من التأليف (أكسير الذهب في علم كلام العرب)، قال البهاء - رحمه الله -: وتم له في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعمائة(4).
عبد الله بن مسعود الحوالي [867هـ - 936هـ]
__________
(1) ليس في (ب).
(2) ليس في (ب): ما بين القوسين.
(3) في (ب): ... مرثية الشريف، ولكن الأشبه بهذه أنها في هذا لتأخر عبد الله بن عطية، السيد.
(4) في (ب): وتسعمائة.

العلامة الكبير شيخ الشيوخ عبد الله بن مسعود(1) الحوالي - رحمه الله - كان عالماً كبيراً متبحراً، ترجم له العلامة اللغوي عبد الله بن المهدي الحوالي - رحمه الله -. قال: وكانت وفاته في صنعاء اليمن، وقبره في (خزيمة)، في سنة ست وثلاثين وتسعمائة، وولد في شهر جمادى الآخرة سنة سبع وستين وثمانمائة سنة، وترجم له السيد الإمام الحافظ المرتضى علي بن أمير المؤمنين يحيى شرف الدين بن شمس الدين بن أمير المؤمنين، فقال: هو الإمام المجتهد العلامة، ذو الفنون والأخلاق الرضية، والعلم الكامل، سيد الفقهاء، وخيرة الشيعة، وإمام المعارف بلا مدافعة، شيخاه في علوم العربية وأصول الفقه: السيد الإمام الهادي، وأبوه سيد العترة، وقدوتهم المدرة، ومحيي آثارهم بعد الفترة، صارم الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم بن علي بن المرتضى - نفع الله بسرهما - وكفى بهما فخراً وعزاً وذكراً، ولم يأخذ عن غيرهما، سوى أنه قرأ (شرح التلخيص الصغير) على مولانا الهادي إلى الحق عز الدين بن الحسن - عليه السلام - وقال له الإمام: لا تظنن قراءتنا كقراءة السادة، يعني السيدين العلمين المذكورين.
عبد الله بن الإمام المطهر الحمزي
العلامة الكبير، الأمير الأجل، صلاح الدين عبد الله المفضل بن أمير المؤمنين المتوكل على الله المطهر بن محمد بن سليمان الحمزي - عليه السلام - كان من حسنات الأيام، ومفاخر آل محمد الكرام، جامعاً لكل فضيلة، شفيقاً على المسلمين، حائطاً لمذاهب أهله، حريصاً على نصرة الملة، قد جمع بين الفراسة والنفاسة، والقياسة والدراسة.
__________
(1) في (ب): مسعود بن الحوالي.

كذا قال مصنف سيرة والده /56/ قال: وله الذكاء والفطنة، وكان رأى والده قبل مولده أن تحت والدته - السيدة الفاضلة بدرة بنت محمد بن علي بن الإمام الناصر صلاح بن علي - نوراً، أو مثل النور، ففتش عليه فقال ذلك النور: أنا الطاهر، أنا الظافر، فاستبشر الإمام المطهر، وسماه عبد الله المفضل، وكان أحب أولاده إليه، وكان مولده في (المنصورة) بصعدة. ورأينا في بعض التواريخ أنه استمر على الإمارة بـ(ذمار) مدة، ثم نكث(1) على بدو(2) بني طاهر، وذكر في تاريخ السادة آل الوزير أن عامراً لما اشتدت وطأته، لم يأذن للسيد عبد الله أن يفارقه خوفاً منه. وله أشعار جيدة واسعة، إخوانيَّات، ورسائل، وحماسة، ونحو ذلك، ونتبرك بذكر قصيدته المسماة بالنفحات المسكية، والسمحات المكية(3):
أومى النسيم(4) يبلغن إذا سرى ... طرساً إلى صنعاء من أم القرى
بلد النبي محمدٍ ووصيّه ... ومقام إبراهيم أعراق الثرى
ومحل صفوته سلالة هاجر ... ونتيجة الشيخ الذي سن القِرَى
بالمسك مختوم(5) ومكتوب بذا ... ك السد والسرين(6) مازج عنبرا
وقد انطوى طيّاً على ما ينبغي ... من كان يسأل عن (سفر قد سرى)(7)
باغي رضا مولاه باذل نفسه ... في الله لم يلويه(8) تفنيد الورى
فتراه طوراً في الشواهق منجداً ... وتراه طوراً في المفاوز مغورا
يرمي به البلد الحرام على الدجا(9) ... (معلس)(10) موار اليدين إذا انبرى
فالرجل (يقعد)(11) ذاك والإخلاس مجـ ... ـلسه ومنبره إذا طال السُّرى
لما نعقه عن الذي يبغي الطوى ... ومقاطع (الأنواء مع وصل الثرى)(12)
__________
(1) في (ب): نكب.
(2) في (ب): يدي.
(3) في (أ): قالها في مكة.
(4) لم أتمكن من قراءتها في (ب).
(5) في (ب): مكتوم.
(6) في (ب): والنيرين.ظ.
(7) فراغ في (ب).
(8) كذا في (أ) و (ب)، والصواب: لم يلوهِ.
(9) فراغ في (ب).
(10) فراغ في (ب).
(11) فراغ في (ب).
(12) فراغ في (ب).

كلاَّ ولا مالت به سنة وقد ... وصل السهاد إلى (مساعدة)(1) الكرى
ومسايريه(2) جلهم قد نوموا ... فوق الرغام فهم كأعجاز ترى
فإذا(3) الهجائر مالت الحربَا لها ... ما مال للتهجير فيمن هجرا
وإذا أتاه المرجفون وقولهم ... قد يصدقن أباً وقد يتأخرا
ولقد تبادرت الطغاة لسلبه ... فأبى الإله وسل سيفاً أبترا
يا ليت ناظر من أظن به القضا ... حين اهترت فيما الحجارل أبصرا
غدرت وخانت(4) شعبة في دارها ... لما رأتني لا أقود العسكرا
فأتت لنا في الليل هاجمة لنا ... لم تدر شعبة أننا أسد الشرى
فبقى التحامل بيننا في معرك ... صعب وحمل من لعاكمه ثرى
ألفى البريق من الحجون كأنه ... ثغر يشابهه البريق إذا شرى
ومن العجيب تذكري في ساعتي ... خلا وإن لم تدر فالبادي درى
ومع ارتكاب البحر في طغيانه ... لم أنس من ملك الحشاشة واشترى/57/
في ساعة ينسى الفتى عن بعضه ... يا حاكم الإنصاف ما في ذا ترا
أمن النصيف(5) بأن تهنى شربه ... علميَّة ها تلك تحكي الكوثرا
__________
(1) فراغ في (ب).
(2) في (ب): ومساير..
(3) في (ب): وإذا.
(4) في (ب): فخانت.
(5) غير واضحة في (ب).

وهي طويلة، والقليل يشير إلى الكثير، قال في (اللآلي المضيئة): وأظنه مذكوراً في اللواحق - أيضاً - عند ذكر الإمام المتوكل على الله المطهر بن محمد بن سليمان، وكان أكمل أولاده، وأشهرهم شجاعة، وفصاحة، وصيتاً عبد الله بن المطهر، خلف والده على ولاية (ذمار)، ثم تغير ما بينه وبين أهل (ذمار)، وما بينه وبين بني طاهر، وجرت قصص يطول شرحها، حتَّى آل الأمر إلى أن أخرجوه منها، ودخل (صنعاء)، وأخذوا عليه من دروعه وآلة ملكه أشياء كثيرة، وفي خلال تلك الوقعات أخرب دائر(1) ذمار، وعُمِّر مراراً، فلما دخل (صنعاء) بأهله، لم يمنعه صاحب (صنعاء)، ولا أخذه بما فعل أبوه مع أبيه، فعجب الناس من صفح صاحب صنعاء وهو يومئذٍ محمد بن الناصر(2) بن أحمد بن الإمام المطهر بن يحيى، وعدّوا ذلك من مناقبه، وكانت دولة الإمام المطهر وولده على (ذمار) سبع عشرة سنة، فبقي عبد الله بن المطهر في (صنعاء) إلى أن ملك (صنعاء) عامر بن عبد الوهاب، وسيّره وأولاده مع من سيّر من الأشراف، وبني أسد إلى (تعز)، فأسكنهم هنالك، وتوفي عبد الله بتعز.
قلت: وحسبه دليلاً على الكمال(3) (الياقوت المعظم) الذي هو كاسمه، شرح به قصيدة والده الإمام - قدس الله روحه - فأتى بكل عجيب، فهذا الكتاب مما يدل على همّةٍ سامية، فهو وحيد في بابه، كما أن القصيدة المشروحة من غرر القصائد ودررها، وهي شهيرة مطلعها:
بالحرب قد عزّ حزب القوم من قدم
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (ب): محمد بن الناصر بن محمد بن الناصر بن أحمد بن الإمام.
(3) سقط الكمال من (أ).

(وقد رأى والده رؤيا دالة على نجابة هذا الفضيل، لم تحضرني عند الرقم، وله نباهة في العلوم، وإطلاع كامل، ولطال ما قيل: ابن عالم خير من متعلم سنة، وأما هذا فجمع بين الطارف والتالد وهو ابن عالم، وهو في نفسه عالم)(1) ومن مؤلفاته: كتاب (رياحين الأنفاس المهتزة في بساتين الأكياس في براهين رسول الله إلى كافة الجنة والناس) كتاب عجيب غريب - أحسن الله جزاءه - وما أحسن قوله في خطبة هذا الكتاب: أما بعد فإني نظرت إلى سيئاتي قد سوّدت الصحائف، وإلى حسناتي فلم أجد منها سالفاً ولا خالفاً إلا ما هو زائف، فضقت ذرعاً، وسؤت مرعاً، حتى نظرت إلى رحمة ربي، فوجدتها وسيعة، فسلّيت النفس بأن جعلتها ذريعة إلى عفوه وأي ذريعة، معتمداً على قوله تعالى: ?وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ?[الأعراف:156]، وقوله تعالى: ?لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ? [الزمر:53]، وقوله: ?وَلاَ تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ? [يوسف:87]، فقادني منها قائد اللطف الخفي، وساقني سائق التوفيق الوفي، وحداني حادي التسديد الشفي إلى التوسل إلى الله سبحانه وإلى رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - بلف مجه من لجّه مما أكرمه الله تعالى به لعل الله تعالى يشرح بها صدري، ويضع وزري، الذي أنقض ظهري، فتوكلت على الله، واستخرته، واستهديته - تقدس - واستعنته، وجعلت ذلك خمس مقالات:
المقالة الأولى: في خَلْقه - صلى الله عليه وآله وسلم -.
الثانية: في خُلُقه - صلى الله عليه وآله وسلم -.
الثالثة: في أسمائه.
الرابعة: في كراماته /58/ - صلى الله عليه وآله وسلم - في المعجزات وغيرها.
مبوّبة ثمانية أبواب:
الباب الأول: فيما أكرمه الله به قبل خلق العالم.
الثاني: بعد خلق العالم إلى آدم.
الثالث: بعد خلق آدم إلى أن ولد - صلى الله عليه وآله وسلم -.
الرابع: في ميلاده - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى بعثهِ رسولاً.
__________
(1) ما بين القوسين سقط من (ب).

الخامس: في نبوته إلى موته - صلى الله عليه وآله وسلم -.
السادس: من موته - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى أن تقوم الساعة.
السابع: من قيام الساعة إلى دخول الجنة.
الثامن: من ما له في الجنة من الكرامات.
فهذه ثمانية عدد أبواب الجنة، وحملة العرش، نرجو من الله وبركاتها الاستظلال بظل العرش، ودخول الجنة إن شاء الله.
الخامسة: في فضل الصلاة عليه وآله(1) وسلم، تَيَمُّناً بالخمسَة الأشباح، وتبركاً بالأيام المعدودات التي ذكرها الله سبحانه وتعالى.
وله - رحمه الله - ردود على المخالفين، وذبٌ بالحق عن الحق وأهله، وأجاد فيه(2)، وله شعر في معانٍ مختلفة، منها: المراثي ، أجاد فيها، وأحسب أن له قصيدة غراء يصف فيها قضيّة اتفقت له عام حجه، شَهر نفسه في سوق القتال، وجال في مجال الحرب الذي ينكبت عنه الرجال ومن شعره إلى جده وأهله يومئذ بها، وأظنها من طريق الحج والزيارة:
حي الغداة وأقرِ الحل والحرما ... عني السلام سلاماً زاده حرما
فالبيت فالحِجر فالأركان فالعلما ... فالمشعرين ببطن الواد فالأكما
وحي(3) عسفان فالأقواز منه إلى ... وادي العقيق إلى الحرات فالحرما
وقف بموارة الصبعين مقتبساً ... نور النبوءة ممن قد علا وسما
وقبّل العتبات الطاهرات لدى ... باب السلام وأم الجود والكرما
من النبي الذي ترجى شفاعته ... صلى الإله على من زاده شمما
ومن غدا في بقيع الغرقد النفر الـ ... ـبيض الوجوه سقوا من رحمة ديما
يا أهل يثرب أنتم معشر نجب ... لكم على الله كل الحق لا جرما
إذ سيد الكون أملا الخلق قاطبة ... بالحمد أمسى وأضحى بينكم علما
بها المنائح أما شئت تجذبها انـ ... ـقادت إليك وجلّى فضله البهما
__________
(1) في (ب): في فضل الصلاة عليه - عليه السلام -.
(2) في (ب): أجاد فيه.
(3) في (ب):
وحي عسفان فالأقواز منه إلى…هما قد بد منذر حيث سال دما
فالخيف فالشعب فالفرع المنيف إلى…وادي العقيق إلى الحراتِ فالحرمَ

يا سلم هل تتناسين الوداد لمن ... صفى لك الود يا سلماء واحتكما
حاشا وكلاّ وأنت العدل أجمعه ... لا سيما بمحب(1) طاف واستلما
يا حاملاً كلمات ناسبت حكماً ... قل للبنين لماذا شقوا الظلما
تيمموا حدة الحضراء لا بعدوا ... عنا وكان أبوهم يشتكي ألما
فأخذ(2) على هذا الأسلوب - رحمه الله - وله قصيدة يذكر الساحات الذمارية، والشعاب هنالك والأودية، ومصافحة يد الغمام لها، وأجاد، منها:
ديار الحي من كيفي(3) ذمار ... سألتك كيف حال /59/ الجانبين(4)
هل الودق الهتون سقى رباها ... وعم عراص بين الخافقين
أم الوسمي باكرها عهاداً ... فأدجن ثم أغبط كل عين
وهل وبل العوادي والنوادي ... سقاها من حريب إلى الحصين
إلى هضبات جنب(5) الشم ابنا ... عبيدة طيبين المنصبين
قلت: أضاف الطيبين إلى المنصبين مع بقاء النون كقول الشاعر:
رب حي عريدس ذي ظلال ... لا يزالون ضاربين القباب
وأبناء عبيدة المذكورون في شعره هم من بني سعد العشيرة من (مذحج)، وأمهم عبيدة بنت مهلهل بن ربيعة، نسبوا إليها، رجعنا إلى الشعر له - عليه السلام -:
إلى حُمات عنس أبي وهيب ... إلى شحاطها وإلى يمين
إلى أبناء منية آل سعد ... إلى الحقل الخصيب إلى رعين
وهل عمد المنيف وهل يفاع ... وهل شمسان عالي القبتين(6)
تحدر من شواهقها سيول ... يكتب من رعين في رعين
فيتمم قاع ذي هينان منها ... عباب أم وادي الملتين
وهي طويلة، وله أخ سيد فاضل عالم اسمه يحيى بن أمير المؤمنين المطهر بن محمد بن سليمان - عليهم السلام - حريٌ بإفراد ترجمة، وكان يلقب بالمختار، ومن شعره - رحمه الله - في ولدٍ(7) له اسمه محمد أرداه حصان في باب شعوب من (صنعاء)، فكتب إليه(8) بعض إخوانه:
__________
(1) في (ب): لمحبٍ.
(2) في (ب): وأخذ.
(3) في (ب): ديفي.
(4) في (أ): الجانيين.
(5) في (ب): حيث.
(6) في (ب)ك القنتين.
(7) في (أ): وولد له.
(8) في (ب): إلى.

ألم تعلما أن ابن عمكما ثوى ... قتيلاً بلا سيف ولا بسنان
وأم عبد الله المفضل المذكور السيدة العقيلة المطهرة فريدة وقتها، بدَرة بنت الإمام محمد بن(1) الإمام الناصر علي بن الإمام المهدي، وكانت من عجائب الزمان، تزوجها الإمام المطهر، وكانت أنفس الدنيا لديه، وله إليها غر القصائد، منها:
عجبت لمن قد حل قلبي إنه ... مذ حلَّه قد جَدَّ في تعذيبه
قد جَدَّ في تعذيبه بصدوده ... عني وما ذنب سوى ولعي به
ولعي بريم مولع ببعاده ... عني كما أولعت في تقريبه
وكذاك شيمة كل ريم في الفلا ... وظباء أنس الحي تستهدي به
ومعذبي يختار ظلمي وهو من ... قوم أقاموا العدل واشتهروا به
ملكوا الرقاب وذا تملك مهجتي ... عدلوا وجار فجاره من حوبه
هو مسقمي وهو الطبيب فمن يرى ... مثلي عليلاً من حياة طبيبه
وللإمام فيها قصائد عجيبة، ولما ماتت كثر فيها مراثي الفضلاء العلماء، كأحمد بن أبي القاسم النعمان، والسيد صلاح بن أحمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن أبي القاسم، وغيرهم.
عبد الله بن موسى الحسني
/60/ السيد الكبير الهمام المقدَّم عين آل موسى بن عبد الله الكامل، فخر الملة، عبد الله بن موسى بن محمد بن سليمان بن محمد بن سالم الحسني، عالم بعلوم أهله، شهد الموالف والمخالف بفضله.
قال في (التحفة): كان فقيهاً بمذهبه، له طريقة مرضية، وكلمة مسموعة، قتله قومه ظلماً، وشلت يد قاتله، ومرض حتى مات، وله أخ جليل نبيل يعرف بخبارش، واسمه محمد، كان أكبر قومه سناً وقدراً، وفيه سماحة وخلق حسن، قتله - أيضاً - أهله ظلماً وعدواناً خوفاً منه أن ينقم بثأر أخيه، - رحمهما الله -.
عبد الله بن موسى العنسي
__________
(1) في (ب): بن علي بن الإمام الناصر علي [وزاد في الناسخ] الناصر صلاح.ظن.

العلامة الكبير المحدث، شيخ الشيوخ، إمام الإسناد عبد الله بن موسى العنسي الكوفي الحافظ، ترجم له السيد الصارم، وصاحب (المقصد)، قال: هو الكوفي الحافظ، شيخ البخاري، ومن كبار علماء الشيعة، وعلماء الزيدية، قال أحمد السلمي: كتبت عنه ثلاثين ألف حديث، كان ذا زهد، وإتقان، وعبادة، عالماً بالقرآن رأساً فيه، ما رؤي ضاحكاً، وهو أول من صنف (المسند) على تراجم الرجال. قال أبو داود: وكان شيعياً محترقاً، روى عنه الجماعة.
عبد الله بن المهدي بن الإمام يحيى بن حمزة
العلامة السيد السند الفاضل المؤيد للتحقيق عبد الله بن المهدي بن الإمام يحيى بن حمزة، كان عالماً كبيراً فاضلاً، ووالده المهدي من أجلاء الحسينيين، وكبراء العلويين - عليهم السلام - ولم يبق لعبد الله هذا عقب إلا من محمد، وسكن عقبه بـ(خيار) ببلاد (بني قيس)، وقد ذكر السيد عبد الله في تراجم أهله أن عبد الله بن الهادي - أيضاً - عقبه هنالك، والله أعلم.
عبد الله بن المهدي بن إبراهيم الحوالي

سيبويه زمانه، وخليل العلوم في أوانه، إمام الآداب، الفاضل المحقق، الحافظ البليغ، عبد الله بن المهدي بن إبراهيم بن محمد بن مسعود الحوالي - رحمه الله تعالى - كان - أعاد الله من بركته - عَلَماً في العلوم، أديباً لبيباً، مطلعاً على أفراد اللغة وعلم تراكيبها، حافظاً لأيام الناس في الجاهلية والإسلام، واشتهر باللغة، وكان برز فيها، واستدرك على المحققين من أهلها، كصاحب (الصحاح) و(القاموس)(1) وأضرابهما، وكان بعض مشائخنا يسميه بالبحر، ورأيت استدراكات منه على أئمة اللغة فقلت: فكم ترك الأول للآخر، وكان من لين العريكة، وسهولة الناحية، وعذوبة الحاشية، بمحل يكاد يسيل لديه طباعه سيلاناً، ويتوحد للإهيات، ويهتز للأدبيات، ولم تطمح نفسه - مع أهليته - إلى شيء من المراتب، ولقيته بوطنه (الظهرين) بحجه، ورأيت(2) فوق ما سمعت، وعلمت أن الله لم يعطل الزمان، وكان له شعر في الذروة، وله القصيدة الطنانة الطائرة في الآفاق، يمدح بها الإمام المؤيد بالله وإخوته الحسنين وأحمد أيام الجهاد، وأجاد ما شاء وكان يقول: إنها ليست من جيد شعري، وهي طويلة مطلعها:
عن سعاد وحاجر حدثاني ... ودعاني من الملام دعاني
واذكرا بُرْهَةً من الدهر مَرَّتْ ... كنت أُدْعَى بها صريع الغواني
/61/ وأعيدا حديث بان المصلَّى ... والربوع الرحاب من نعمانِ
أنا لا أكتفي بنأي رخيمٍ ... عن سعاد ولا بعود مثاني
قد سقتني بكأسها من مدامٍ ... هيم القلب لونها الأرجواني
عتقت في الدنان من عهد كسرى ... فهي تنمى إلى أنو شروانِ
بهرت في الصفاء(3) حمراء صفرا ... ء سرور القلوب والأبدانِ
[قد] صفى وقتها فلم يبلغ الهم ... بساحاتها ولا الأحزانِ
يا عذولي ولست للعذل أصغي ... غير قلبي يهم بالسلوانِ
أنا خريج عروة بن حزام ... منهج الوالهين فني وشأني
__________
(1) زيادة في (ب): ونحوها.
(2) في (ب): فرأيت.
(3) في (ب): الصفان.

ولو أني رزقت حظاً لما صر ... ت أعاني من الهوى ما أعاني
ولأبرزتُ حاجة في فؤادي ... صُنْتُهَا عن فلانة وفلانِ
وسأقضي لبانتي عن قريب ... بنجيب شمردل(1) غير آني
ومنها في المديح(2):
صال هذا المصال يبغي رضا اللّـ ... ـه ونلنا به المنى والأماني
وانقضت دولة العلوج وزالت ... ساسةُ الملك من بني عثمانِ
وتولى ديارَهم عبقريٌّ ... ليس يفري فريَّة الثقلانِ
ركن ذو فراسة يتقيها ... صادق الظن كامل العرفانِ
ومنها(3):
قسماً بالإمام غوث البرايا ... وهو عندي من أعظم الأيمانِ
لقد اقتاد عنوةً كل صعبٍ ... ولقد عم صولةً كل جاني
أيها الناس هل علمتم بذا الفتـ ... ـح وذا الفتك في قديم الزمانِ
يا لفخر سما له الحسنان ... فُسِحَ الظنُّ بعده بالعيانِ
نهضا بالهدى أدَارَا رحا الحرب ... وقاما ببكرها والعوانِ
ومنها:
فسقوا من دم الأعادي صبوحاً ... كل عضب مهند وسنانِ
أقحموا خيلهم غمار المنايا ... وأبادوا الجيوش بالهندوانِ
ولقد حاق بالعدا يوم روع ... وسقوا أحمراً من الدم قاني
يا لها صولة شفت غلة القلـ ... ـب وأهدت من المنى ما كفاني
/62/ حين شدت (لريم بنت حميد) ... كل (جرداء) ضمرةٍ وحصانِ
طار فيه النزال والطعن والضر ... ب وأعمال عامل وتماني
واذكر السيد الهزبر المحامي ... من أدار الرحا على (عمران)
أحمد بن الإمام غيظ المعادي ... ناصر الدين قاهر الأقرانِ
أعجز المفسدين أن يطمعوا فيـ ... ـه وأخنى على ذوي الشنآنِ
يا بني القاسم الإمام حماكم ... ربنا بالزبور والفرقانِ
فبإقدامكم حيى(4) ميت المجد ... وقمتم بنصرة الأديانِ
إلى أن قال:
فكفى الله كل ضيرٍ وهولٍ ... بإمام الهدى كمالِ الزمانِ
فكمالاته(5) غدت خارقات ... وهو لا غرو مظهر البرهانِ
ومنها:
فليفز بالنجاة قوم تولو
__________
(1) الشَّمَرْدَلُ: الفَتِيُّ السريع من الإبل وغيره.
(2) في (ب): الصفان.
(3) في (أ): منها.
(4) في (ب): حيا.
(5) في (ب): فكراماته.

... وقاموا بطاعة الرحمن
ولولا اشتهارها، لذكرناها(1) بطولها، وله مقاطيع في كل(2) معنى حسن، وله ذو بيت:
يا جود حيًّا على الجناب الغربي ... قد أنعمه بواكفات السحب
أحببت الأرض في رباه فمتى ... يحيا بالوصل من حبيبي قلبي
توفي بوطنه - رحمه الله - في تاريخ ( ..فراغ..) (3)
عبد الله بن المهلا بن سعيد الشرفي [950هـ - 1028هـ]
الشيخ العلامة، الفقيه، النحوي، اللغوي، الأصولي، المحدث، المفسر، ثابت اللب، عبد الله بن سعيد بن علي النيساي، ثم الشرفي - رحمه الله - هو العلامة المحقق المدقق، الحافظ لعلوم المعقول والمنقول، شيخ شيوخ زمانه، رحل إليه الطلبة، وانتفعوا به، واستقر (بباب الأهجر) زماناً، ووفد إليه الطلبة، وكان نظيراً للسّعد التفتازاني في علوم العربية والتفسير، وله أجوبة مسائل تدل على علم واسع، ومن تلامذته الإمام القاسم - عليه السلام - وأكثر الفضلاء في زمانه عيال عليه، وتشوق للقائه الباشا جعفر عند إقامته بصنعاء فلم يتيسر له لقاؤه، حتى نكب الفقيه بنكبة من الولاة بمطالبته، أو مطالبة شركائه في المال بخراج، فتمنع، ورحل إلى الباشا بعدها، فعدها الباشا من سعادات الأيام، فأجله وأعظم محله، وساق إليه من النفقات ما يجل خطره، واستمر على ذلك، ورسم له بإعفاء شركائه من المطلوب منهم، وكان يعده الباشا عين أهل الحضرة مع كثرة العلماء فيهم، واتفق أن الباشا أراد امتحان أهل حضرته بحديث اختلقه من عند نفسه، نمق ألفاظه، فلما أملاه ابتدر الحاضرون من الفقهاء إلى(4) كتابته، وأثنوا على الباشا بروايته، وقالوا: نتشرف بعلو إسناده، فلم يتحرك المهلا بشيء(5) من ذلك، فسأله الباشا لم لا تكتب كالأصحاب؟ قال: يا مولانا قد أفدتم، والجماعة كتبوا، ونحن حفظنا، فقال الباشا: هذا والله هو العالم، وأثنى عليه. /63/ وذكر لهم
__________
(1) في (أ): ذكرناها.
(2) في (ب): وكل معنى.
(3) فراغ في الأصل.
(4) في (ب): لكتابته.
(5) سقط من (ب): بشيء.

أن الحديث حديث، وإنما المراد به الاختبار(1). وكان له أولاد علماء نبلاء، وله أحفاد فيهم الفضيلة والعلم المتبوع(2).
وقال سيدنا العلامة أحمد بن يحيى بن حنش - رحمه الله -: سألت الفقيه العلامة بدر الدين محمد بن عبد الله المهلا عن أحوال والده ومشائخه ووفاته، فأجاب بما لفظه: والدي الفقيه العلامة عبد الله بن المهلا بن سعيد بن علي النيساي، ثم الشرفي، ولد في شهر صفر سنة خمسين وتسعمائة في بلد (الوعيلة) من (الشرف الأعلى)، طلب العلم في حداثته، وأخذ عن جماعة من كبراء العلماء، وأدرك السيد عبد الله بن قاسم العلوي - رحمه الله - ولم يتأتَّ له الأخذ عنه، وارتحل للعلم إلى الأقطار، فأول قراءة على والده، المهلا بن سعيد في الفرائض، وفي أصول الدين؛ ثم ارتحل إلى (الظفير)، صحبه والده وقرره في المشهد المقدس، وأقام سبع سنين، فأخذ النحو عن الفقيه عبد الله الراغب، وصنوه إبراهيم الراغب، ثم قرأ على السيد هادي الوشلي (المطول) و(العضد) و(الكشاف)؛ ثم ارتحل إلى (الشرف)، وارتحل لقراءة الفقه إلى (عرفة عفار)(3)، وقرأ على القاضي علي بن عطف الله، ثم ارتحل إلى (الظفير)، وقرأ (البحر) على السيد أحمد بن المنتصر الغرباني، ثم تزامل هو والإمام الحسن بن علي في قراءة (العضد) مرة أخرى، وكذلك (الكشاف) على السيد الهادي الوشلي - رحمه الله - وكانت قراءتهما في (الوعيلة)، ثم ارتحل لطلب الحديث، فقرأ كتب أهل البيت - عليهم السلام - على والده، وعلى القاضي علي بن عطف الله، وسافر إلى القرى(4) من (جبل تيس)، وقرأ (البخاري) و(مسلماً) و(تجريد الأصول) على الفقيه عبد الرحمن النزيلي، وأجاز له، ثم رجع إلى (الشرف)، وأخذ عنه الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد - عليه السلام - والسيد أمير الدين في أصول الفقه ، وطلع إلى (صنعاء)
__________
(1) في (أ): الاختبار، وكتبت اسم والده محمد بالظن.
(2) في (أ): والعلم المتبوع.
(3) في (ب): ظفار.
(4) فراغ في (ب).

سنة خمس وتسعين وتسعمائة، وأقام(1) أياماً، وأخذ عنه جماعة، ثم انتقل بأولاده إلى (الأهجر) من بلاد (كوكبان)، وأقام فيه تسع سنين، وارتحل إليه الطلبة من (صنعاء)، و(الأهنوم)، وبلاد (آنس)، و(الحيمة)، و(الشرف)، و(شبام)، و(كوكبان)، واستفاد عليه خلق كثير، وفي خلال ذلك قرأ (الرسالة الشمسية) على الشيخ نجم الدين البصري الواصل إلى (اليمن) سنة ألف، ثم رجع(2) إلى وطنه بنية الإمام القاسم بن محمد - عليه السلام - وأقام بقية عمره بـ(قرى) حتى توفي في ذي الحجة سنة ثماني وعشرين بعد الألف في (الشجعة) (3)، وقبره بها، وكان عمره ثماني وسبعين سنة، انتهى.
قلت: وولده عاقد هذه الترجمة، كان(4) عالماً لساناً بليغاً، له خط عجيب، وله في الأدب مع جودة العلم أوفر نصيب، وكان كثير الْمِلَح واللطايف، نزهة من النزه، تعلق به الأدباء، ويروي عنه الفضلاء، وكانت كلماته تهز أعطاف الأدباء، ومن شعره فيما أحسب:
وأغيد معسول الشنائب واللمى ... يُسائِلُني عن شرح جمع الجوامع
فقلت له والعين تسكب عبرة ... نعم يا خليلي شرح جمع الجوا معي
وهذه رأيتها بخطه، ولم ينسبها إلى أحد، ومن شعره:
شريف تهامي أتاني وقال لي ... أريد من المولى نوالاً وناموساً
فقلت له ما الاسم قال(5) أنا موسى ... فقلت لقد أوتيت سؤلك يا موسى
/64/ وهو من مشائخ إمامنا المتوكل على الله - عليه السلام - وأوصى إلى الإمام أنه كلما ذكره، دعا له بالرحمة، ففعل ذلك أمير المؤمنين - جزاه الله خيراً -.
عبد الله بن الناصر
عبد الله بن الناصر، ختن الإمام علي بن صلاح - رحمه الله - ذكره في (التحفة) للأهدل في علماء الزيدية، وهو … (بياض)
عبد الله بن الهادي الوزير
__________
(1) في (ب): وأقام فيها أياماً.
(2) في (ب): ثم رحل.
(3) الشِّجْعَة: قرية غربي مدينة المحابشة من بلاد الشرف الأعلى. وهي محل سكن بني الشرفي، وبني الْمُهَلاَّ. معجم المقحفي 850.
(4) في (ب): كانا.
(5) في (ب): فقال.

السيد العلامة، عبد الله بن الهادي بن إبراهيم بن الوزير - رحمه الله – العالم ابن العالم، وأبو العالم(1)، إنسان زمانه، وواحد أوانه.
قال السيد العلامة الهادي بن إبراهيم بن محمد: كان ممن كمله الله في خَلقه، وخلُقه، وكرم طبايعه، وحسن طرائقه، وآدابه، له مهابة في القلوب، وجلالة في النفوس، وشارة(2) حسنه، وخلق جميل، وأدب وبراعة، وقلم وإحسان، وفراسة وثبات، على ظهور المقربات، وكذلك لولده وسائر أولاده، ولد بـ(صعدة)، ونشأ بها، وتزوج، وأولد فيها، وقرأ على علمائها، فقرأ على خاله القاضي أحمد بن عبد الله بن حسن في الفقه، وكان القاضي فقيهاً مجوداً، وهو جامع كتاب (التلفيق بين اللمع والتعليق)، و[قرأ] على غيره، وقرأ على القاضي أحمد بن حابس في الفرائض، وكان حي القاضي أحمد في ذلك مجوداً، وإليه(3) سند الناس في ذلك الوقت في فن الفرائض، وقرأ على السيد صلاح بن الجلال في علم الحديث، وكان بعنايته زيادة السيد صلاح كتاب الرضاع في كتاب (شفاء الأوام)؛ لأنه لما قرأه عليه وكان متروكاً في (الشفاء)، سعى سيدي عبد الله في أنه يزيد ذلك الباب فزاده، وأسمعه سيدي تلك الزيادة، وأجازها له من جملة الكتاب، وقرأ - أيضاً - على الفقيه بدر الدين محمد بن عبد الله النجاري مفتي (صعدة) في زمانه، وقرأ في تفسير السيد جمال الدين على السيد - رحمه الله - وقرأ الأصولين، وقرأ الختمة الشريفة، وفي علوم القرآن على حي المقري الشاودي، وكان حسن الصوت في تلاوة القرآن، فإذا قرأ في محراب، أو بعد صلاة، هدأت الأصوات له، وكان إماماً في علم اللغة وله في علوم العربية جميعها بسطة، وله على أبيه وعمه سماع في الكتب، وليس بالكثير، وليس في غاية الجودة، وفيه الحسن، (وله شعر، ولكنه لا يبلغ ولا يقارب شعر أبيه وعمه، ولا شعر ولده وولد ولده) (4)، ومن شعره
__________
(1) في (ب): ابن العالم.
(2) شارة: هيئة.
(3) في (ب): شد الناس. ظن.
(4) ما بين القوسين ليس في (ب).

قوله:
مالي مع الناس مِنْ ناصر ... إلا النبي المصطفى الهادي
وصنوه من بعده حيدر ... ثم التزامي مذهب الهادي
قلت: ومما أنشده له ولده العلامة محمد بن عبد الله - رحمهما الله تعالى - ومن خط محمد نقلت:
أما والذي لا يعلم السرَّ غيرهُ ... ومحيي العظام البيض وهي رميمُ
ومن يجمع الشمل الشتيت بفضلهِ ... ونرعى كلا إحسانه ونسيمُ(1)
لقد صرت أهوى كل أمر مقربٍ ... إلى طاعة الرحمن وهو عليمُ
فأسأله أن يغفر الذنب كله ... فمعروفه قد عم وهو رحيمُ
ومما قاله سنة خمس وثلاثين وثمانمائة:
من كان يوقن بالغيوب وصدقها ... لم تَلْقَه أَسِفاً على ما فاتا
قدر بلوغك للذي أمَّلْتَهُ ... كمؤملٍ قد نال ذاك وماتا
/65/ سيان نيلكه(2)وموتك بعده ... وفواته قدرتها أحواتا
فأعجل إلى نيل المراضي من لدن ... رب قديرٍ يبعث الأمواتا
فلقاؤه حقٌ ووعد جزائه ... صدقٌ وعند صدورنا أشتاتا
وسل المهيمن يغفر الذنب الذي ... أذنبته ويقيلك الزلاتا
فهو الذي يهب الذنوب جميعها ... ويقدر الآجال والأقواتا
__________
(1) نُسيم: نرعى.
(2) في (أ: نيلك هو.

وكان له أشياع وأتباع كالعلامة يحيى بن جابر بن جحاف الصعدي البصري، كان زميلاً له، وكان فقيهاً مجوداً، شرح (التذكرة) النصف الأول منها، وكان ناقلاً للكتاب العزيز، وأخوه حسن بن جابر، وكان فاضلاً، ومن أهل الثروة والمال، وله الفندق المعروف بـ(صعدة)، وكان من أشياعه وأتباعه الفقهاء آل علوان بـ(صعدة)، والمشائخ بنو بدر، وأمه - رحمه الله - مهدية بنت القاضي عبد الله الدواري، وكان لها في النساء مثل ما لابنها في الرجال، وماتت بعد ولدها السيد عبد الله بمدة يسيرة في (صنعاء) بالفناء الأعظم، وكان بينه وبين الإمام علي بن المؤيد، والإمام المهدي مصافٍ ومكاتبة، وكان له - رحمه الله - فصاحة في الخطاب والخطابة بارعة، وهيبة وجلالة، رائعاً لا يشق غباره، ولا يلحق في ذلك آثاره، وكان له - رحمه الله - معرفة بالأنساب، وأحوال المتقدمين، وأيام المؤرخين، وقبر هو ووالدته بباب اليمن من (صنعاء)، وأولاده عنده بمصرع(1) النوبة، عليهم ألواح عفاها بنو طاهر أيام حطاطهم على (صنعاء)، ومما رثي به - عليه السلام -:
أما عليك فصار الدمع كالمطر(2) ... جود يجود بِمُنْهَلٍّ(3) ومنهمرِ
والحزن في كل وجه غير منكتمٍ ... والوجد في كل قلب غير مستترِ
والحال بعدك أضحت غير صالحةٍ ... لما تبدّل صفو العيش بالكدرِ
وكل طرف لفرط الحزن قد كُحِلَتْ ... أجفانه بعد طيب النوم بالسهرِ
وكل ذي حاجة يبكي لحاجته ... حزناً عليك ويبكي كل ذي وطرِ
فيا ضريح صلاح الدين لا برحت ... نهل سرح الرضا في تربك العطرِ
فإنما أنت برجٌ حله قمرٌ ... فافخر فدونك برج الشمس والقمرِ
والصبر أحسن مالاً والمصاب به ... ألا عليك فطعم الصبر كالصَّبِرِ
والحمد لله حمداً دائماً أبداً ... ثم الصلاة على المختار من مُضَرِ
__________
(1) بياض في (ب).
(2) في (ب): كالمطري.
(3) مُنْهَلٌّ: انهَلَّ المطر: اشتد انصبابه. القاموس المحيط 990.

والآل ما طلعت شمس وما غربت ... والصحب عد الحصى والرمل والحجرِ
قلت: وللسيد صلاح الدين عبد الله بن الهادي - رحمه الله - شرح على (التسهيل) أجاد فيه.
عبد الله بن الهادي بن الإمام يحيى
السيد الكبير المحقق، الإمام فخر الدين، عبد الله بن الهادي بن الإمام يحيى، ترجم له السيد الهادي بن إبراهيم بن محمد تراجم مختصرة، قال: كان يسكن (خبان)، وهو أحد العلماء الشيوخ المنتفع بهم، وقراءته بـ(صعدة) على الشيخ إسماعيل، والقاضي عبد الله، وغيرهما، ولا عقب له.
قلت: وهو الذي جمع كتاباً يشتمل على أحوال الإمام يحيى وأولاده الكرام إلى زمانه، وأجاد فيه، وترجم له بعض أولاد الإمام يحيى المتأخرين، وجعله خاتمة ذلك الكتاب، فقال ما لفظه: هو جامع هذه النبذة /66/ كان - رحمه الله - للعلم جماعاً، وفي الكلام شجاعاً، شهد له موضوعاته وتعليقاته في كل فن، وهو مصنف (الجوهر الشفاف) و(الكاشف لمعاني الكشاف)، وكفى به دليلاً على علمه، وله منتخب من شرح ابن أبي الحديد يسمى (الدر النضيد(1) من شرح ابن أبي الحديد) على نهج البلاغة، توفي - رحمه الله - بمدينة (صنعاء)، ودفن في مسجد الأحدم.
قلت: يعني به المسجد المعروف اليوم بالوشلي، وله من النسل أحمد بن عبد الله، والهادي بن عبد الله، وفاطمة، فأما أحمد، فكان له بالعلم أعظم تعلق، وله الخط البليغ، لم يوجد في خطوط آبائه مثله، وأما الهادي، فكان له إطلاع عجيب خصوصاً باللغات العربية، وأما فاطمة فكانت كاملة بليغة(2)، لها اطلاعات عظيمة، وخط عظيم(3)، وبلاغة في النظم والنثر، - رحمهم الله، وأعاد من بركتهم-.
__________
(1) في (ب): المنضد (وزاد الناسخ) النضيد (ظن).
(2) غير موجود في (ب): بليغة.
(3) غير موجود في (ب): عظيم.

قلت: ولعل قول السيد الهادي بن إبراهيم بن محمد: إن عبد الله لم يعقب (1) أولاده الآن، وفاطمة المذكورة تزوجها السيد علي بن عبد الله بن محمد بن الإمام يحيى بن حمزة، وكانت كاتبة لفاطمة بنت الحسن بن علي أخي الإمام الناصر لدين الله صلاح بن علي، وكانت سيدة فاضلة كاملة راجحة لا نظير لها، ساست البلاد، وأصلحت العباد، وملكت (صنعاء) و(صعدة)، وأحوالها غنية عن البسط.
عبد الله بن الإمام يحيى بن حمزة [ - 788هـ ] ت
السيد العلامة، عبد الله بن أمير المؤمنين يحيى بن حمزة بن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ترجم له السيد العلامة عبد الله بن الهادي بن يحيى صاحب (الجوهر الشفاف)، فقال: كان رجلاً صالحاً عالماً فاضلاً تقياً زكياً ممن يشار إليه بالإمامة، واستكمل شرائط الزعامة، كثير الصلاة والدعوات، والشكاء في دياجير الظلمات، سكن هجرة (حوث) أكثر مدته إماماً للصلاة في الجماعات، مواظباً على لزوم أوائل الأوقات، ثم انتقل إلى مدينة (صنعاء) اليمن، فطلبٍ من حي الإمام الناصر، وقام بأحواله أحسن القيام، وأفاض عليه من العطاء والإنعام، والإتحاف والإكرام والتجليل والإعظام، ولم يزل على هذه الصفة مع إحرازه فضائل العبادات والقيام المذكور، وكان وفاته - قدس الله روحه - في جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، ودفن في المسجد المنسوب إلى بني الفليحي، وبنى عليه صاحب المسجد قبة عظيمة صرف عليها أموالاً جسيمة، وهو بها مشهور مزور.
قلت: ومن أولاده السيد العلامة علي بن الباقر بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن الإمام يحيى بن حمزة - عليهم السلام -.
عبد الله بن يحيى بن المهدي [ - 893هـ] ت
__________
(1) ما بين القوسين زيادة في (أ).

السيد الإمام الكبير، ملحق الأصاغر بالأكابر، شيخ شيوخ العترة، ومفخر العصابة والأسرة، عبد الله بن يحيى بن المهدي الزيدي نسباً ومذهباً، شيخ كبراء العترة، وحافظهم، متفق على جلالته، تخرج عليه العلماء، وانتفعوا به، وهو [يعد] موئلاً للتحقيق، وبالجملة، فلا تفي عبارة بوصف حاله، وله كرامات وفضائل، وهو معروف بأبي العطايا، ومما قيل فيه:
أبا العطايا يا صلاح الهدى ... لا زلت في خير من الباري
توجاً تاج التقى والنهى ... وعارياً من حلة العار
من جملة تلامذته العلامة حافظ الإسناد محمد بن عبد الله بن الوزير - رحمه الله - والد السيد صارم الدين، قرأ عليه في علم العربية بمسجد نصير من ساحات القطيع بـ(صنعاء) /67/؛ لأن السيد عبد الله أول أمره أقام هنالك، ومن تلامذته السيد الإمام الحافظ صارم الدين مؤلف (الفصول). قال السيد العلامة أحمد بن عبد الله بن الوزير - رحمه الله - في عدده لشيوخ السيد صارم الدين ما لفظه: وكالسيد العلامة الإمام، ربانيّ العترة الكرام، الذي بشر به والده ولي الله الشيخ حسن بن محمود الشيرازي قبل وجوده، وأمره أن يسميه أبا العطايا، كما أمره بذلك الملائكة - عليهم السلام - صلاح الدين إمام علوم الاجتهاد... الإمامة الكبرى(1) بإجماع علماء عصره أجمعين، أبي العطايا عبد الله بن يحيى السيد المتأله الزاهد العابد، بن السيد الإمام العلم الولي الزاهد المهدي، بن قاسم الحسيني الزيدي، ثم أنشد السيد أحمد شيئاً مما رثاه به السيد الصارم - رضي الله عنهم وأرضاهم - وهو:
يا شيبة الحمد من أبناء فاطمة ... ويا بقية أحبار وأخيارِ
علامة العصر(2) فرد الدهر أوحده ... فلا يجاريه ذو علم بمضمارِ
محقق في فنون العلم مجتهد ... وأوحد في المعالي قارئ قاري
__________
(1) في (أ): الكبراء.
(2) في (ب): الدين.

إلى آخر ما أنشده - رحمه الله - توفي في سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، وقال من ترجم له غير هؤلاء: العالم الشهير، الفاضل الكبير، درس في العلوم بعد الفنا سنة أربعين وثمانمائة نحواً من ثلاث وثلاثين سنة، وقبلها نحواً من نيف وعشرين سنة، وكان مجتهد زمانه وعالم أوانه، وأظن هذه الترجمة واضعها الإمام عز الدين بن الحسن - عليهم السلام -.
عبد الله بن يحيى بن شمس الدين [ - 973هـ]ت
السيد الهمام، العالم الكبير، الفاضل الشهير، جامع لعلوم سلفه، والمحقق لسائر العلوم الإسلامية، فخر الدين عبد الله بن أمير المؤمنين الإمام شرف الدين يحيى بن شمس الدين بن أمير المؤمنين المهدي لدين الله أحمد بن يحيى بن المرتضى - عليهم السلام - كان من سادات الأسرة النبوية، ووجوه علماء العصابة الزيدية، ومفاخر الملة(1) المحمدية، له في كل علم سابقة أولى، ويد طولى، وهو من الكرام في ذروته العالية، فهو من هذا البيت الذي ارتفع وأناف، وأقر له الغر من آل عبد مناف، وكان مع هذا النسب الشريف والحسب المنيف متواضعاً، حسن المعاملة للمسلمين كافة، ولا ينزل نفسه الشريفة منزلتها التي يقضي بها المقامات والعرفيات، فإنه يعد من الملوك والعلماء، ولكنه رأى لباس السلوك أبيض لوجهه يوم القيامة، وأبقى له.
__________
(1) في (ب): الأُمَّة.

وله عناية بالعلوم، وكتب مسائل، وحرر تراجم لكثير من فضلاء الزيدية - رحمهم الله - وكان قد أراد شرح (المعيار) للمناسبة(1)، واشتغل بذلك، وحرر شيئاً مفيداً، ومما نقلته مما كان جمعه أنه ذكر عند كلام النجري - رحمه الله - في السُّبْحَة كلاماً رواه عن بعض من وفد إلى والده - سلام الله عليه - من الشافعية، وهو عبد القادر بن محمد بن عطية، فقال في حكاية ذلك: روى أنه لما دخل علي بن الحسين - رضي الله عنه - إلى يزيد بن معاوية، وقد هم بقتله، وجعل يكلمه يستنطقه بكلمة توجب قتله، فجعل علي بن الحسين - سلام الله عليه – يجيبه، ويدير سبحة صغيرة في يده، وهو يتكلم، فقال يزيد: لِمَ تدير السبحة(2) وأنت تكلم(3)؟ فقال: حدثني أبي، عن جدي أنه كان إذا صلى الغداة، وانتقل، لا يتكلم حتى يأخذ سبحة بين يديه، فيقول: اللهم إني أسبحك، وأمجدك، وأحمدك، بعدد ما أدير سبحتي، ويديرها، وهو يتكلم بما يريد من غير أن يتكلم بالتسبيح، وذكر أن ذلك مستحب له، وهو حرز له إلى أن يأوي إلى فراشه، ومن قال مثل ذلك، ووضع السبحة /68/ تحت رأسه، فهو محسوب له من الوقت إلى الوقت، فاقتديت به في ذلك، فقال يزيد: لست مكلم أحداً منكم إلا ويجيئني بما يفوز. وأطلقه، ووصله، والله أعلم. انتهى.
__________
(1) في (ب): شرح (المعيار) للنجري في المناسبة.
(2) في (أ): المسبحة.
(3) في (ب): تتكلم.

وكان السيد فخرالدين ابتدأ شرحاً على (نظام الغريب) في اللغة، ومن أحسن ما ذكر فيه حنشي رُطْبان - بالراء المهملة مضمومة بعدها طاء مهملة ساكنة بعدها باء موحدة من أسفل بصيغة التثنية - ورطبان المذكور، وادٍ في (حجة)، فقال السيد ما معناه: إنه واد فيه حنشان، أحدهما أسود، والآخر أبيض، يخرجان في فصل من فصول السنة على الاستمرار من مدة قدرها أربعمائة سنة من الهجرة النبوية، فإذا كان الأسود من فوق الأبيض، كانت السنة إلى الجدب، وإن كان الأبيض فوق الأسود، فالخصب أغلب، ويتمسح الناس بهما، ولا ينفران من أحد، وحديثهما عجيب.
وكان السيد فخرالدين عبد الله بن الإمام ابتدأ كتاباً على القاموس سماه (أكسير(1) الناموس)، وله شرح على قصيدة والده الشهيرة المسماه (بالقصص الحق)، أجاد غاية الإجادة، وأحسن غاية الإحسان، وأنبا عن إطلاع كثير، ومما أفاد فيه أن السيوف القلعية المشهورة في المغرب(2) منسوبة إلى قلعة (وادي ظهر)، وأن هنالك معدن حديد يقال: إن الجن تغلبت عليه، ثم كتب على الشرح في الهامش أن صنوه المطهر بن أمير المؤمنين استخرج المعدن، وفعل منه مرآتين لفرسين في الغاية، لكنه لا يتم إلا بمغرم يساوي المغنم، أو كما قال.
وله شرح على مقدمة (الأثمار) لا نظير له، جمع فأوعى، ودل على تضلع كثير، واطلاع باهر، ومما أفاد فيه أنه عام حجه لقي بعض سادات (العراق) من الزيدية - رحمهم الله - في الحرم عابداً(3) لا يأكل إلا من كسب يده، فكان ينسخ بالأجرة، وكان يومئذ يكتب لبعض الحنفية كتاباً أحسبه في المقالات، فذكر في ذلك الكتاب أن الزيدية طائفة من الشيعة يقولون ببعثة نبي بعد محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - فتعجب ذلك السيد الجليل من هذا البهتان، فدعا السيد عبد الله، وقال: يا مولانا انظر هذا الإفك المفترى، أو كما قال.
__________
(1) في (أ): كسر.
(2) في (ب): العرب.
(3) في (ب): عابداً صالحاً.

وله - عليه السلام - عدة رسائل، وأما النظم، فهو إمامه، وبيده زمامه، ومما شاع على الألسنة: أن الإمام شرف الدين - عليه السلام - على إجادته في النظم يُفضِّلُ(1) شعر عبد الله على نفسه، ويقول لا يعرض شعره عليه، وأرجوزته التي ذكر فيها محاسن (صنعاء) ورياضها، وهي معدودة في كتب العلم، أدل دليل على فضيلتي العلم والفصاحة، ومن شعره - عليه السلام -:
سقتني رضاب الثغر من كأس مبسم ... برقّته والله قد ملكت رقّي
ونحن بروض قد جرى النهر تحته ... فساقية تجري وجارية تسقي
ومن شعره:
صحا القلب عن سلمى وماكاد أن يصحو ... وبان له في عذل عاذله النصحُ
ولا غرو في أن يستبين رشاده ... وقد بان في ديجور عارضه الصبحُ
شموس نهار قد تجلت لناظري ... وأضحت لليل الغي في جلدي تمحو
إذا كان رأس المال من عمريَ انقضى ... ضياعاً فأنَّى بعده يحصل الربحُ
شباب تقضَّى في شباب وعره ... وشيخوخة جاءت على أثر تنحو
ومن شعره وأحسن كثيراً:
/69/ ناصية الخير في يد الأدبِ ... وسره في قرائح العربِ
فاعكف على النحو والبلاغة والـ ... آداب تَحْظَى بأرفع الرتبِ
وتعرف القصد في الكتاب وفي السنة من وحي خير كل نبي
بقدر عقل الفتى تأدبهُ ... وصورة العقل صورة الأدبِ
وله إلى والده - عليه السلام - وقد استجار به مستجير:
إني لأكرم من أبي سفيانِ ... لقرابتي في الطهر مع إيماني
فاجعل أمير المؤمنين كبيته ... بيتي وحصن جواره بأماني
وكان - رضي الله عنه - يجاري والده، واتفق من ملاطفاته ومتاحفاته أنه لما أخر عنه والده بعض بره المعتاد، ورزقه المجرى له، في سنة سبع وثلاثين وتسع مائة كتب إليه:
أيا والداً أربى وجودي بجوده ... وأصلاً نما في رأس دوحته فرعي
لما تمنعوني الصرف من غير علة ... ومعرفتي قد لازمت مانع المنعِ
وقد أذهبت تنوين فضلي إضافة ... ملازمة للاتصال بلا دمعِ
__________
(1) في (ب): كان يفضل.

وإني عبد الله والملك ملكه ... يصرفني في النصب والجر(1) والرفعِ
وبلغني(2) في أيام انقطاع معلوماته هذه أجر دسوتاً من النحاس من أهل المهنة بـ(صنعاء) الذين يحتاجون ذلك فقامت حاله بذلك، وتيسرت له الكفاية، فلم يشعر يوماً إلا وقد جاء نائبه، وقال: يا مولانا المستأجرون للدسوت أرجعوها، فسأل عن السبب، فلم يظهر له، فقال: سريعاً: أظن الإمام قد أذن بإجراء المقرر، وإنما أجرى الله لنا هذه المادة عوضاً مع الانقطاع، فانكشف له صدق ظنه.
وقد كان دخل (مكة) بأولاده وخدمه وأثقاله، كما حكى ذلك الإمام المهدي لدين الله الحسن بن حمزة بن علي بن محمد بن سليمان بن إبراهيم بن إسحاق بن سليمان بن علي بن عيسى بن القاسم بن علي بن محمد بن صلاح بن القاسم بن إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن القاسم بن إبراهيم الرسي الداعي في أيام المطهر، وكان فاضلاً كاملاً عالماً، قال: إنه كان عبد الله بن الإمام أراد الإقامة بـ(مكة) المشرفة، فسمعنا أنها وقعت معه مكدرات من قبل الأتراك، وبعض مراجعات من علماء (مكة)، فعاد بقضه وقضيضه إلى (الوعيلة) من بلاد (الشرف)، ومخلاف (بني هلان)، فهنيناه برسالة تركنا ذكرها، وقصيدة قلنا منها:
تشعشع نور من جهات المغاربِ ... وذلك من بدر بها غير غاربِ
فلما بدا منها على غير عادةٍ ... خجلنا وقلنا تلك إحدى العجائبِ
فقيل لنا ما ذاك بدر وإنه ... سنا وجه عبد الله لا من كواكبِ
أتى من جهات الشام من بعد ما قضى ... فرائضه في الحج من كل واجبِ
فخيم بين السادة الغر وانتقى ... بلاد بني هلان بين الأطايبِ
إلى آخرها، وهي أربعة وثلاثون بيتاً، فأجاب عبد الله بن الإمام بقصيدة ورسالة، قال في القصيدة:
سلام على نسل الكرام الأطايب ... حليف التقى والعلم زاكي المناسبِ(3)
أجل بني الزهراء فضلاً وسؤدداً ... وأصلاً كريماً من لؤي بن غالبِ
__________
(1) في (ب): الخفض.
(2) في (ب): وبلغني أنه.
(3) في (ب): المناصب.

هو الحسن البدر الإمام بن حمزة ... حميد السجايا من سما في المراتبِ
/70/ ونخبره أنا وجدنا بمكة ... وساحاتها الغراء نجح المآربِ
بها الكفر مقهور بها الحق ظاهر ... بها العدل منشور اللوا والذوائبِ
أقمنا بها ستين يوماً كأنها ... فراديس جنات الهنا والأطايبِ
أقمنا بها في المال والأهل والإخا ... وفي العز والإكرام من كل جانبِ
ملوكاً وإخواناً إذا ما لقيتهم ... فحاضرهم يغنيك عن كل غايبِ
ولم نرتحل منها ملالاً ولا قَلىً ... ولا صدنا عنها اختلاف المذاهبِ
ولا خوف مكر الماكرين وغدرهم ... ومن ربُّه يحميه ليس براهبِ
ولكنها الأوطان تطلب حقها ... وحق أب بر وحق الأقاربِ
وإنا من الرحمن نرجو عودة(1) ... وليس الرجا في الله منا بخائبِ
ومن محاسن شعره ما وجه إليه بكتب جده الإمام المهدي أحمد بن يحيى - عليهما السلام - وسنذكر أن التتمة للقاضي العلامة علي بن الحسين المسوري - رحمه الله -:
قبلته في فيه وهو نائم ... فقال قوموا طالبوا بالحدِ
قلت(2) له أفديك إني غاصب ... وما على الغاصب غير الردِ
قال نعم لو كنت غير نائم ... لكان غصباً يا قليل السدِ
قلت أفي الفقه قرأت قال لا ... أما ترى (الأزهار) فوق خدي
قلت وهذا (الغيث) فيْض أدمعي ... والغيث للأزهار معنى يبدي
و(البحر) - أيضاً - من دموعي حاضر ... إن شئت أن تقرأه فعندي
تيار سقي قد غدا بذكره ... لمن يجيء في الزمان بعدي
لي في هواك (مللٌ ونحل) ... اشرحها يوم اللقا بوجدي
عقائدي في حبّكم (قلائد) ... في عنقي نظمتها في عقدي
جعلت تعريضي لكم رياضة الـ ... أفهام من عواذلي في قصدي
وجهك (معيار العقول) إنه ... لضعف عقل قايسه يسدي
أما وجدي وانتقاد مذهبي ... خمس مئينٍ للرشاد يهدي
وسيرتي في حبكم جواهر ... ودرر تشهد لي بالرشدِ
وتاج علم أدبي أكليلة ... كتمي هواكم عن أناس لدِ
__________
(1) في (ب): عوادة.
(2) في (أ): فقلت.

قال بعض الفضلاء: إلى هنا نظم السيد فخر الدين - رحمه الله - ثم تممه القاضي العلامة(1) (علي بن) الحسين المسوري - رحمه الله تعالى - فقال:
و(غاية) الغايات شرحي حبكم ... و(منية السؤل) وحفظ العهدِ
وإن ترد (فرايد) الدمع على ... (قلائد) فضمها في العدِ
وادفع بها الأوهام واعلم أنها ... (أنوار) سهل الأرض بعد النجدِ/71
والحق إن رمت الهدى (منهاجه) ... فالزمه تظفر بالمنا والمجدِ
ورض سواد العين في (مكلل) ... و(تحفة) تنظر كزهر الوردِ
و(الكوكب الزاهر) قد جلا لنا ... منظومة فائقة في السردِ
وخذ (يواقيتاً) بها عجائب ... في حصر تصنيف الإمام المهدي
وشكر من أحيا القلوب ذكره ... أردف تعظيماً له بالحمدِ
توفي - رحمه الله - في (شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة) (2)، وقبره بمدينة (ثلا) المحروسة.
عبد الله بن يحيى الناظري
__________
(1) في (ب): ثم تممه العلامة القاضي الحسين بن محمد المسوري.
(2) ما بين القوسين سقط من (ب).

القاضي العلامة فخر الإسلام عبد الله بن يحيى الناظري بن محمد بن الناظري بن محمد بن أحمد بن خليفة بن الناظري بن محمد بن منصور بن محمد بن المعتق(1) بن جعدان بن علي بن الصياد بن الدقاق بن علي بن عبد الله بن جابر بن فاتك بن فيصل بن محمد بن زيد بن حنش بن نشوان بن منصور بن الأجعد بن عبد الله بن عروة بن مالك بن هلال بن عمرة بن يوسف بن الصماك بن معيار بن كعب بن سلم بن عمرو بن منصور بن شاور بن قدم بن قادم بن زيد بن عريب بن جشم بن حاشد الأكبر، كان القاضي المذكور عالماً جليلاً فاضلاً نبيلاً، له سؤالات إلى الإمام عز الدين بن الحسن - عليهما السلام - أجاب عنها الإمام، وتولى القضاء للإمام شرف الدين، وكان من أعيان الوقت وفضلائهم، وله خلاف ذكره صاحب شرح (الفتح) في مواضع، منها في باب المأذون في قوله: ويستويان في ثمنه، ومنها مسألة من ملَّك غيره الطلاق لم يصح منه التطليق بعد، ودار بينه وبين الإمام شرف الدين مراجعة كثيرة فيمن شرى لنفسه ما عينه له الموكل، وهي مسألة مشهورة تراجعا مراجعة كثيرة، وفيها دلالة على فضله - رحمه الله تعالى - قبره - رحمه الله – بـ(ثلا) عند مدرسة الإمام جنب المسجد من جهة الغرب، وعنده من العلماء اللوزي، والصعدي، والقاضي عبد الهادي الحسوسة(2) - رحمهم الله تعالى -.
أبو عبد الله اليمني(3)
__________
(1) في (ب): المعبود.
(2) سقط من (ب): الحسوسة.
(3) هذه الترجمة غير موجودة في (ب) كاملة.

أبو عبد الله اليمني المناصر، البطل المشهور، فارس الإسلام، المعروف بفارس يحيى بن الحسين - عليه السلام - كان من أعيان أصحاب الهادي - عليه السلام - وهو الذي روي عنه أنه قال: شهدت مع يحيى بن الحسين ثلاثاً وسبعين وقعة مع القرامطة، وكان يحارب بنفسه، قال: وإذا قاتل، قاتل على فرس يقال له أبو الحماحم، ما كان يطيقه غيره من الدواب؛ لا لسمن كان له، بل كان وسطاً من الرجال، لكنه كان قوياً شديداً، وكان يعرف بالشديد ، قال: ورأيته - عليه السلام - يشال برمحه رجلاً كان طعنه به عن فرسه ورفعه، فانثنى قضيب الرمح وانكسر، وهو الذي روى - رحمه الله - أنه كان يسمع الهادي إلى الحق يقول: أين الراغب؟ وأين من يطلب العلم؟ إنما يحبنا(1) مجاهد راغب في فضله فيحرما(2) عند الله لأهله، ولعمري إنه - أي الجهاد - لأكبر فروض الله على عبده، وأحق ما كان من تقدمة يده، ولكن لو كان مع ذلك رغبة في العلم، وبحث عنه، لصادفوا من يحيى بن الحسين علماً جماً. انتهت روايته.
عبيد الله بن جعد البارقي
العلامة المجاهد عبيد الله بن جعد البارقي، أحد أعيان الإمام الأعظم زيد بن علي - عليه السلام - ذكره البغدادي في عددهم.
عثمان بن عائشة
العلامة(3) المجاهد عثمان بن عائشة، أحد المجاهدين السابقين مع الإمام الأعظم زيد بن علي - عليهما السلام - ذكره /72/ البغدادي - أيضاً -.
عثمان بن محمد
العلامة الفقيه، السابق المجاهد، عثمان بن محمد، كان أحد الزيدية السابقين أيام الإمام أحمد بن الحسين - عليه السلام - وهو من قرابة يحيى بن حشيم(4). قال السيد يحيى بن القاسم - عادت بركاته ـ: إنهم أحد من حضر الدعوة، ومنهم من تولى القضاء.
عزّان بن سعد الحبيشي
__________
(1) في (أ): يجينا.
(2) في (أ): متحرياً.
(3) في (ب) زيادة: من اسمه عثمان وعزان وعز الدين.
(4) في (أ): حشم.

الرئيس الكبير، المقدام الخطير، عزّان بن سعد الحبيشي، ثم المذحجي - رحمه الله - قال العلامة علي بن نشوان(1): هو رجل رئيس عظيم الشأن، كبير المكان، مقدم في قومه، معظم في عشيرته، له حسب وكرم ودين، وتقى وشجاعة وحلم ووفاء، وله حدس ونظر، وتنحل في أمور الأديان، وكان أبوه على رأي الجبرية، فلم يزل ينظر ويبحث عن(2) الحجج والبراهين، ويتحلل أقوال العلماء في الدين، حتى آل به نظره إلى الخروج إلى مذهب الزيدية، وقوي عنده قولهم، وتقرر مذهبهم.
__________
(1) في (ب): نوان.
(2) في (أ): على.

قلت: وحكى نظام الدين علي بن نشوان - أيضاً - أنه وفد على الإمام المنصور بالله إلى (براقش)، وكان عزان عازماً على الحج تلك السنة، فتقدم إلى (بيحان)، ثم إلى (مأرب)، ثم إلى (الجوف)، فلما عرف موضع الإمام من الفضل، وعلم به في (الجوف)، تقدم وفد إليه وبايعه، وترك الحج، وقال: تعينت فريضة الجهاد. وكانت قد سبقت له مع العجم حروب، ومصافة، ومغازات، ومواقف مشهورة، وأبلى في قتالهم بلاءً حسناً، وقتلهم وطردهم ببني عمه من بلاد (مذحج)، ولم يبق للغز(1) عليهم سبيل ولا إمرة وكانت لعزان بن سعد هيبة عند العجم عظيمة؛ لما قد علموا من فتكاته وشدة صولته، وكانت له صنعة كاملة بالرمي بالسهام، لم تكن لعجمي ولا لعربي ما كان له في ذلك، خرج يوماً بعد طلوع الفجر، إلى ماء قريب موضعه(2) ليتوضأ لصلاة الفجر فدهمه غزاة من الغز أهل خيل جياد، وسيوف حداد، ونبل وعدة الحرب الكاملة، فرآهم وهو في حال الوضوء، فما راعته غارتهم، ولا قطع وضوءه، حتى وصله أولهم، فالتفت حينئذ(3) إلى قتالهم وحده، فخرج منهم، فانفكوا عنه صاغرين فصلى صلاة الفجر، ثم وقف يدعو الله سبحانه وتعالى، وعاد الغز، فحاربوا أصحابه وهو ممسك ينظر ما يفعلون، فاشتدت صولة العجم على أصحابه فأتوه هاربين، فلما رأى ذلك نهض في وجوههم، ورماهم رماة من أصحابه باسهم، فقتلوا خمسة من الغز، فلما رأوا ما صنع هربوا، ولم يلتفتوا بعد للقتال. ومما يحكى عنه أن إسماعيل بن طغتكين الأيوبي وسوس وادعى لنفسه أنه أموي النسب، وتسمى بأمير المؤمنين، وتلقب بإمام الأمة المستخرج من السلالة الطاهرة والمعز والناصر والعزيز والقاهر وغير هذه الألقاب، ثم بعد ذلك وجه عسكراً إلى بلاد (مذحج) فلقيهم عزان بن سعد في رجال قومه أربعة آلاف راجل ومائة فارس، وتقدم إلى جند إسماعيل بالتهليل والتكبير، فقتلهم عزان، وفرقهم،
__________
(1) الغُزُّ: جنس من الترك. القاموس المحيط 481.
(2) في (ب): من موضعه.
(3) في (ب): حي.

وانجلى آخرهم(1)، واقتلع منهم مائة وعشرين فرساً، ومن الإبل خمسمائة، ومن البغال ثمانين، ومائة خيمة، ومن الآلات والدروع والذهب والفضة ما لا يحصر، وفي ذلك يقول الإمام المنصور بالله - عليه السلام - قصيدته التي أولها(2):
كما(3) جاءنا عنكم تكون الوقائعُ ... ويطمع في العلياء من هو طامعُ
وبالكر دون الفر يلتمس الغنا ... ويزداد طولاً بالنداء الصوامعُ
أتاني ورحلي في (براقش) وقعة ... يشيب لها في الظالمين الرواضعُ
/73/ لمذحج حيا الله أحياء مذحج ... سقت أرضَها وطفُ الغمامِ الهوامعُ
بأيدي رجال ناصحوا لإمامهم ... ونالوا منال الخير والخير واسعُ
إلى آخر القصيدة.
عز الدين بن المهدي بن أحمد(4)
لسيد عز الدين بن المهدي بن أحمد، كان فاضلاً عالماً عاملاً، تولى القضاء ببلاد (ظليمة) للإمام شرف الدين، ونقل بـ(حبور) في ( )، وقبره شرقي جامع حبور.
عز الدين بن الحسن بن عز الدين بن الحسن
السيد الهمام الكامل، عز الدين بن أمير المؤمنين الناصر لدين الله الحسن بن أمير المؤمنين الهادي إلى الحق عز الدين بن الحسن - عليهم السلام - رأيت له ترجمة في آخر ما وضعه صاحب (السلوك) متمماً للسيد صلاح بن الجلال، والإمام عز الدين في السحير والأنساب(5)، ولعله لغير صاحب (السلوك)، فقال: هو من أفاضل الآل، وممن اشتهر بالفضل والكمال، واستخلفه والده - رحمه الله - في الجهات اليمنية، وكانت إقامته بـ(كحلان تاج الدين)، واستولى على كثير من تلك الجهة، وافتتح (مدعاً)، وستة(6) من الحصون، وغيرها من المعاقل، وتمكنت بسطته، واشتهر بالشجاعة والكرم، وحسن السياسة.
عز الدين بن دريب بن مطهر
__________
(1) زيادة في (ب): هرباً.
(2) في (أ): أولها وهو المقبور بملاح من عرش.
(3) في (أ): لقد جاءنا.
(4) في (ب): هذه الترجمة سقطت من (ب).
(5) سقط من (ب): السحير والأنساب.
(6) في (ب): وغيرها.

السيد العالم، النسابة الفاضل، الحريُّ بأن يسمى بهاء الدين، عز الدين بن دريب بن المطهر بن دريب بن عيسى بن دريب بن أحمد بن محمد بن مهنا بن سرور بن وهاس بن سلطان بن منيف بن يحيى بن إدريس بن يحيى بن علي بن بركات بن فليتة بن زين العابدين بن يوسف بن نعمة بن علي بن داود المحمود بن سليمان الشيخ الكريم بن عبد الله البر الملقب بالشيخ الصالح بن موسى الجون بن عبد الله الكامل شيبة الحمد بن الحسن المحصن بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - كان سيداً سرياً، فاضلاً عارفاً(1) صبياً، وكان مسعوداً ميموناً، رحل إلى (صعدة)، فقرأ بها، وتم له فضل، وعرف بالعلم، ثم لازم السيد الإمام أحمد بن محمد بن لقمان - رحمه الله - واختص به كلية الاختصاص، وانتفع به، وذلك سبب سكون السيد عز الدين في (الطويلة)، فإنه سكنها، وولي أمورها وتمول، وكان هو المرجع لأهل الإقليم في القضاء والفتيا، وفيما يعوز من أمور السياسة والولاية، يجتمعون عنده لكل مهم، وهو فيهم نافذ الكلمة رحب الفناء، وله أموال هناك، ودور، ومقام عظيم، وابتنى (بالطويلة) جامعاً عظيماً ووقف عليه أوقافاً، وكان من أسعد الناس باعتبارات كثيرة من ذلك خزانة الكتب، فإنه اجتمع عنده مالا يجتمع عند نظرائه، أكثرها بخطوط المصنفين، من كتب المخالفين والموالفين، وله معرفة بأنساب أهل البيت، وسماع في الحديث، وقرأت عليه بعض (صحيح البخاري) بـ(صنعاء) - حرسها الله - وله كتاب في الأصول يجري مجرى الشرح (ثلاثين مسألة)، ويتعرض فيه لفوائد كثيرة، وله على الأنساب اطلاع، ولما توجهت العساكر المتوكلية إلى (حضرموت). صحبة سيف الإسلام أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين - عليهم السلام - كان هذا الشريف أحد الأعضاد، ونزل إلى هنالك، وعاد مسعوداً، ثم نقله الله إلى جواره في (...)
__________
(1) زيادة في (ب): بالفقه، مشرفاً على غيره، ممتلئاً من الوقار والحشمة، وهو - رحمه الله - من بلد (الحمالة).

ودفن بقرب الجامع الذي بناه في (الطويلة).
عز الدين المفتي
السيد المفتي العارف، عز الدين بن محمد بن عز الدين بن صلاح بن /74/ الحسن بن الحسن بن الإمام عز الدين المؤيدي(1) عالم، وابن عالم، وأبو عالم، والده مؤلف الحاشية على (الكافية)، وولده خاتمة المحققين محمد بن عز الدين صاحب (البدر الساري). كان السيد المذكور فقيهاً محققاً ينوب للقضاء عن ولاة الأروام، وتارة- وهو الغالب - ينوب في الفتيا، وكانت بينه وبين أهل عصره الفضلاء ملاحات وتخاصم، وفاته (.........)، ومن المشهور أن أهل هذا البيت، يكون (2) الأب الأعلى على صفة في التحقيق في العلم، فيكون ولده أقل منه، أو يكون الوالد متوسط الحال، فيكون ولده أكثر تحقيقاً منه، والله أعلم.
وأما عز الدين بن محمد(3) حفيد هذا، فهو في التحقيق أجل من هذا؛ لأنه وإن كان مقدار العلم والتفاوت فيه غير محقق عندي، لكن الأصغر كان متقناً ذكياً، وختم له بالصالحات، وراجع أمره مراجعة الفضلاء، وفارق الدنيا على حال جميل، ومن شعره، وله أشعار كثيرة يذم (ذهبان المخترف) بصنعاء:
(ذهبان) أخبث مكسب كسب الفتى ... لله در رياضها والوادي
بلد بها حل السقام مع الضنا ... فكأنما كانا على ميعادِ
بلد بها نكد(4) المعاش أما ترى ... سخط الإله لأهل ذاك النادي
فعليه مني كل يوم لعنة ... ما غرد القمري وزمزم حادي
وله أشعار أخرى حسنة، وكان يملي الحديث وقت الأصيل بجامع صنعاء، ويحسن الإملاء، ويجيده بإعراب فائق وحروف بينة، توفي في (.......) - رحمه الله -.
عصير بن سلمة بن ثابت الليثي(5)
عصير بن سلمة بن ثابت الليثي. من أصحاب الإمام الأعظم زيد بن علي - عليه السلام -. ذكره البغدادي - رحمه الله -.
عطية بن محمد النجراني[603هـ - 665هـ]
__________
(1) في (ب): المؤيد.
(2) سقط من (أ): يكون.
(3) زيادة في (ب): بن عز الدين.
(4) في (ب): نكب.
(5) هذه الترجمة ليست في (ب).

الفقيه الإمام، المفسر العارف، إمام المفرعين، ورئيس المذاكرين، عطية بن محمد النجراني بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن الربيع(1) بن عبيد الله بن عبد الله بن يزيد بن الأسد بن الحارث الأصغر بن مالك ملاعب الأسنة بن ربيعة بن كعب بن الحارث الأكبر بن كعب بن عمرو بن علية(2) بن خالد بن مذحج، هكذا نسبه، وقد وهم بعض الناس أن نسبه يلتصق بآل الدواري، وليس كذلك، لكن نسبهم يلتقي في الحارث الأصغر، وليس آل النجراني من بني عبد المدان كما وُهم، وهم والقضاة آل الدواري من بني عبد المدان نسبهم شريف، وحسبهم منيف، وقد وَهِم في نسبهم بعض شراح (رياض الأبصار) في ذكر الأئمة الأقمار، والعلماء الأبرار، ويشارك آل الدواري في نسبهم أهل أبي الحسين القضاة بـ(خبان) وبـ(أضرعه) من بلاد (عنس)، و(بنو النقر)، وبنو كحيل بـ(ذمار)، و(بنو عز الدين)، ومنهم بنو السمان في (سودة شظب).
__________
(1) في (ب): بن علي بن الربيع.
(2) في (ب): علة.

نعم، كان الشيخ عطية من العلماء الكبار، ومن الأحبار الخيار، علامة متضلع، بحاث مطلع، له في الفقه مقالات مشهورة ولأهل بيته عدة كتب مصنفة في الإسلام نافعة - جزاهم الله خيراً - وللشيخ عطية (البيان في التفسير)، رأيته كتاباً جليلاً، واسعاً مبسوطاً، وهو في الطبقة الأولى شهير بالديار الصعدية، ينسبون إليه الفوائد، ويفزعون إليه عند الحاجة، وتوفي - رحمه الله – بـ(صعدة)، وقبره إلى الجانب الغربي القبلي منها شهير - رحمه الله تعالى - /75/ ورحل الشيخ محي الدين(1) إلى (حراز) عن أمر الإمام أحمد بن الحسين - عليه السلام - وتلقف الإسناد من أهله هنالك، وله المسائل المشهورة(2) وعددها (.....)، ثم إنه يقال إنه حصل بينه وبين الإمام وحشة، ولما دخلت جيوش الإمام (صعدة)، ادعى القاضي أنه هضم في ذلك، وراسل الإمام، وأجابه(3)، توفي بعد العشاء الأخيرة من ليلة الأحد لتسع خلون من جمادى الآخرة سنة خمس وستين وستمائة(4)، والله أعلم. وكان مولده - رحمه الله - بعد وفاة والده محي الدين - رحمه الله - بستة أشهر - رحمهما الله جميعاً -.
عطية بن محمد بن حمزة بن أبي النجم
__________
(1) انظر فإنه… في ترجمة ذلك أنه عرف كل منهما محيي الدين.
(2) في (ب): إلى الإمام.
(3) في (ب): وأجابه وله (……)
(4) في (ب): ومولده في أول سنة ثلاث وستمائة.

القاضي العلامة، ركن الدين، أبو الشهيد عطية بن محمد بن حمزة بن أبي النجم - رحمه الله - هو أحد أعلام العلماء وأكابرهم، كان فاضلاً محققاً، سابقاً إلى الخير مرجوعاً إليه، كما دانت السعادة له ولأهل بيته الكريم، وتولى القضاء بحلي بن يعقوب للإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليه السلام - وتحت(1) نظر السيد يحيى بن علي السليماني - رحمه الله - ووصل القاضي بأموال كبيرة للإمام من واجبات(2)، وولده الذي كني به هو أحد أعلام العلماء الحاضرين بيعةَ الإمام أحمد بن الحسين - عليهما السلام - وكان للقاضي عطية ولد لعله قد ذكر في بابه، وهو عبد الله بن عطية، كان بمنزلة من العلم رفيعة، وله شعر منه القصيدة التي طالعها:
أمعلمها(3) على اسم الله حرفاً ... من الإسناد في طول المرامي
وتعزية أهل (قطابر) الغراء في القاضي عطية - رحمه الله - مشهورة، وأجاب فيها العلامة عبد الله بن محمد بن أبي النجم - رحمه الله تعالى -.
العفيف بن الحسن المذحجي الصراري
العلامة المحقق المحدث، العفيف بن الحسن المذحجي الصراري، صاحب (المختصر الجامع لمذاهب زيدية كوفان)، كان بـ(مكة)، وكان عالماً نبيلاً، وله عقب علماء.
عفيف بن منصور
__________
(1) سقط من (ب): عليه السلام، وتحت.
(2) في (ب): واجبات ذلك الجناب و …… أحد أعلام.
(3) في (ب): أمعملها.

السيد الكبير الإمام الفاضل الشهير العفيف بن منصور - رحمه الله - قال السيد شمس الدين: كان سيداً فاضلاً، زاهداً عابداً ورعاً، اشتهر بالعبادة والورع والزهادة، وبلغ في الورع مبلغاً لم يبلغه أحد، وذلك أنه كان يحاسب نفسه كل يوم في آخر نهاره، وكان من طريقته أن يكتب جميع ما يقع منه، وتصرف فيه، وكان عظيم الخوف من الله، يتوقع الموت في كل وقت، وكان له مروءة فائضة، ومكانة في القلوب، تُلتمس بركته في(1) الأقطار النازحة، وهو سبب(2) من انتقل من الأهل إلى (شظب) من(3) (وقش)، وكانت له كرامات واضحة كما يقال، يستسقى به القطر، وشوهد ذلك منه مراراً لا يقوم من مقامه حتى يمنح الله عباده ما سأله من المطر (المغيث، وسالت الأودية والشعاب)(4)، توفي بـ(شظب)، وقبره بالموضع المسمى بسهل (البون) بالقرب من قبر أخيه يحيى بن منصور - رحمهما الله -.
عقيل بن محمد
العلامة الفقيه، عقيل بن محمد، أحد مشيخة السيد يحيى صاحب (الياقوتة) و(الجوهرة)، كان عالماً فاضلاً - رحمه الله -.
أبو علي بن الآموج الجيلي
__________
(1) في (ب): من.
(2) في (ب) زيادة: انتقال.
(3) من فراغ في (ب).
(4) مابين القوسين فراغ في (ب).

العلامة واسطة الإسناد، حجة المذاهب، مفخر العراقيين، علي، ويقال: أبو علي بن آموج - بوزن فاعول بعد الهمزة ألف - الجيلي، المنالفحي، هو الشيخ المسند الكبير، ملحق الأصاغر بالأكابر، درة تقصار(1) الإسناد العجيب، وعمود سببه المتصل الغريب، أستاذه القاضي زيد، ومن تلامذته ابن أبي الفوارس توران شاة بن خسروشاه، وذكر العلامة المذاكر محمد بن سليمان بن أبي الرجال - رحمه الله - أن ابن أصفهان - رحمه الله - قرأ على أبي علي بن آموج /76/ المعروف بصاحب (التعليق) بكبلاته، وابن آموج قرأ على القاضي زيد الكلاري - رحمه الله – بـ(لنجا)، قال يوسف حاجي في تراجمه، دفن ابن آموج في تربة (مالفحات)(2) بجوار مشهد العالم الزاهد إسماعيل، وكان معاصراً للسيد أبي طالب الأخير الهاروني، وله حاشية على (الإبانة) وتعليق الفقه، انتهى.
علي بن إبراهيم الشرفي [903هـ - 1006هـ]
السيد العلامة الفاضل، علي بن إبراهيم بن علي المعروف بالعالم الشرفي - رحمه الله تعالى - هو أحد السادة المعروفين بالفضل، الموسومين بالخير، وكان السيد العالم، والسيد العابد الآتي ذكره، فرسي رهان في الفضائل، وذكرهما ملأ الآفاق، وكان السيد العابد قد رأى في النوم أنه نزل بالمسلمين خَطْب عينه في الرؤيا لم يحضرني ما هو، فهرب الناس، ونجا هو بنفسه معهم، وأما السيد العالم، فاشتغل بإطلاع الناس من مواضع الهلكة إلى النجاة، فعرض الرؤيا عليه، فقال: الأمر كذلك، أنت مشغول بنفسك، وأنا مشغول بالمسلمين.
__________
(1) تِقْصَار: قِلادَة. القاموس المحيط 431.
(2) في (ب): مالفحان.

والعالم أحد شيوخ الإمام القاسم - عليه السلام - وقد كتب السيد العلامة شمس الدين، قرة عين الأفضلين، أحمد بن الحسين بن إبراهيم بن علي العالم حفظه الله، ترجمةً لجده هذا فاصلة(1) وهي ما لفظه: ذكر طرف من أحوال السيد العلامة جمال الدين علي بن إبراهيم بن علي العالم الشرفي القاسمي، أما نسبه الشريف، فهو علي بن إبراهيم بن علي بن المهدي بن صلاح بن علي بن أحمد بن الإمام محمد بن جعفر - ومحمد بن جعفر هذا هو المقبور في (جبل حرام) من (الشرف) مشهور ومزور عليه قبة عظيمة - بن الحسين بن فليتة بن علي بن الحسين بن أبي البركات بن الحسين بن أبي البركات بن الحسين بن يحيى بن علي بن القاسم بن محمد بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - سلام الله عليه(2) ورضوانه - مولده - عليه السلام - في يوم الخميس ثالث عشر شهر صفر سنة ثلاثين وتسعمائة سنة، ونشأ ببلده بهجرة (الجاهلي) من (الشاهل)، ورباه عمه السيد العلامة الأفضل صلاح الدين صلاح بن علي بن المهدي، وكان هذا السيد صلاح بن علي من أعيان أعوان الإمام المتوكل على الله شرف الدين بن شمس الدين - عليهم السلام - وتولى القضاء بجهات (الشرف) والأوقاف للإمام - عليه السلام - ثم ارتحل السيد علي بن إبراهيم المذكور إلى (صنعاء) لطلب العلم، وأقام مدة حتى فتح الله عليه بمعرفة تامة في قواعد فقه أهل البيت - عليهم السلام - ثم رجع إلى بلده، وقد كادت تضعف دولة الإمام شرف الدين - عليه السلام - فحصّل على كثير من علماء (صعدة) ما أوجب الهجرة من أوطانهم من تغلب أهل الجور، فوفد إلى السيد علي بن إبراهيم جماعة من أعيان أهل التقوى والعلم من بعض أهل (علاف) وبعض بني عقبة، فأفادوا السيد المذكور علماً إلى علمه، وكان - أعاد الله من بركته - مورداً للطالبين، وكعبة للمسترشدين، وشحاكاً للملحدين، وأباً براً(3)
__________
(1) في (ب): حاصلة.
(2) في (ب): عليهم.
(3) في (ب): باراً.

للضعفاء والمساكين، وتخرج على يديه جماعة من أهل الفضل والعلم والعمل، منهم السيد العلامة الهادي بن الحسن من (هجرة بني أسد)، ومنهم السيد رأس العبَّاد، وعين الزهاد، وخاتمة أهل التقوى واليقين، شمس بن صلاح بن يونس، صاحب (هجرة أسلم ناشر)، من أولاد الإمام المتوكل على الله المظلل بالغمام المطهر بن يحيى - أعاد الله من بركاته -. ومنهم السيد العلامة أحمد بن الحسين بن علي، صاحب هجرة (الخواقعة) (1) من جبل (الشاهل)، تولى القضاء للإمام المنصور بالله القاسم بن محمد - أعاد الله من بركاته - وغيرهم من الفقهاء من أهل هجرة(2) (الشرف) وغيرها، ودرس في (شرح ابن مفتاح) على (الأزهار) /77/ و(التذكرة) و(البيان) مدة مديدة، ولما مات السيد الأجل المجاهد المطهر بن الإمام شرف الدين - رحمه الله - ظهر بجهة (الشرف) من أنواع المنكرات ما لا يقدر قدره، وذلك سنة ثمانين وتسعمائة، فوصل قبائل تلك الجهات إلى السيدين، العالم المذكور - أعاد الله من بركاته - والسيد العابد العالم علي بن إبراهيم - رحمه الله - يستغيثون بهما في دفع ما حصل من الظلم والجور، فلم يجدا عذراً عند الله في الترك، ومن أعظم الأسباب في قيامهما أن مرجان شاوش متولي تلك الجهة من أعمال غوث الدين بن المطهر بن الإمام(3) شرف الدين - رحمه الله - تظاهر بفعل المنكرات، وعسف وأفرط في ظلمه، فاجتمع من قبائل (الشرف) إلى السيدين، قدر خمسمائة مقاتل، فقصد إلى (المحابشة) بمن اجتمع إليها(4) إلى موضع يقال له (جبل الفايش)، وطلع مقدماتهم إلى حصن (القاهرة) من (المحابشة)، فلقيهم مرجان شاوش بمحطة من الجند، فناوشهم القتال، فقتل من القبائل خمسة رجال، ثم انهزم القبائل، ولم يثبت منهم أحد، وغدر أهل (المحابشة) بما قد تعاهدوا عليه من القيام بالأمر بالمعروف، ومعاونة السيدين، ثم قصد مرجان
__________
(1) في (أ): الجوامع.
(2) في (ب): هجرة.
(3) سقط من (ب): الإمام.
(4) في (ب): إليهما.

المذكور قبيلة (الأمرور)، فقتل منهم عشرين رجلاً، فهاجر السيد العلامة علي بن إبراهيم العابد - رحمه الله - إلى (عفار) للقراءة والإقراء، وأما السيد علي بن إبراهيم العالم - رحمه الله - فلم يزل يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدرس العلوم بهجرته، ثم هاجر بأهله وأولاده إلى حجور (الإسلوم)(1)، ووصل إلى السيد غوث الدين بن المطهر إلى قفل (مدوم)، فوضع له موضوعاً في الاستمرار على حالته من التدريس واحترام جانبه، ومن يلوذ به، حتى دعا الإمام الناصر لدين الله الحسن بن علي بن داود - عليهم السلام - فقام بها في تلك الجهة الشرقية، ولما أُسِرَ الإمام الحسن - عادت بركته - أخذ السيد علي بن إبراهيم - رحمه الله - في معاونة الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد على القيام بالإمامة، وجمع له من أموال فضلات الوقف(2) والزكوات ونذوراً كثيرة، وحشد له من بلده أهل السلاح قدر ستين رجلاً، وكان الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد - أعاد الله من بركته - ممن أخذ عنه العلم، قرأ عليه (الأزهار)، وعاونه على طلب العلم من صغره، وكان كثير تلاوة القرآن والعبادة، وله كرامات مشهورة في حياته وبعد وفاته، مات - رحمه الله - في شهر ربيع الآخر سنة ست بعد الألف بعد ظهور دعوة الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد، - أعاد الله من بركاته - واستجاب الله دعاءه ألاَّ يميته إلا بعد ظهور قائم أهل البيت - عليهم السلام - وقبر بـ(هجرة الجاهلي)، وعليه مشهد مزور، وخلّف(3) ولدين، السيد العلامة الأوحد بدر الدين محمد بن علي بن إبراهيم، وكان عالماً نبيلاً مدرساً للفقه والفرائض، وهو شيخ علامة الآل إمام العلوم الحسين بن المنصور بالله القاسم بن محمد في فن الفرائض، وتولى القضاء للإمام المنصور بالله - عليه السلام - في الجهات الشرقية، فأرسله(4) - عليه السلام - إلى
__________
(1) غير موجود في (ع).
(2) في (ب): الأوقاف.
(3) سقط من (ب): خلف.
(4) في (ب): وأرسله.

عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن المطهر في الصلح الأول، وتم على يديه، واستمر على حاله من الاشتغال بأمور المسلمين وتدريس العلم، إلى أن اختار الله له ما عنده من الانتقال إلى دار القرار سنة اثنتين وثلاثين وألف سنة تقريباً، وعقبه في هجرة (الجاهلي) من (الشاهل)، وقت رقم هذه سنة إحدى وثمانين حول ثلاثين رجلاً منهم العلماء العاملين كالسيد العلامة الفقيه المدرس شمس الدين أحمد بن صلاح بن محمد بن علي بن إبراهيم، أخذ العلم عن حافظ علوم الآل الطاهرين علامة اليمن السيد الإمام محمد بن عز الدين /78/ المفتي - رحمه الله - بمدينة (صنعاء)، ثم رجع إلى بلدة (الهجر) بعد أن أقام بصنعاء سبع سنين، فأخذ عنه جماعة من الطلبة علم الفقه بتحقيق قواعده، واستمر على ذلك إلى وقتنا هذا، وولي القضاء بجهة (الشرف الأسفل)، مع مكارم أخلاق، وإكرام للوافد - أطال الله في طاعته عمره - والولد الآخر من ولدي السيد علي بن إبراهيم - رحمه الله - هو السيد صارم الدين إبراهيم بن علي بن إبراهيم - رحمه الله - مات مهاجراً بمدينة (حوث) سنة اثنتي عشرة وألف سنة، وله العقب الأطيب الأكثر(1)، خلف ستة أولاد، منهم السيد العلامة شرف الدين بن إبراهيم، وهو أكبر أولاده، وكان من أعيان أهل البيت علماً، وعملاً، وسعة صدر، وعبادة، وتولى القضاء للإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم - أعاد الله من بركاته - بعد وفاة عمه محمد بن علي، واستمر عليه إلى أن مات سنة أربع وتسعين وألف وعمره ست وثمانون سنة، وخلف أربعة عشر ولداً، ومنهم السيد العلامة المحقق في الأصول والفروع ضياء الدين شمس الدين بن إبراهيم بن علي العالم، كان من العبَّاد الجامعين بين فضيلتي العلم والجهاد، ولم يتولَ شيئاً من الأعمال إلى أن اختار الله له الانتقال إلى دار القرار سنة أربع وخمسين عاماً، وعمره أربع وستون سنة، وللسيد إبراهيم أربعة أولاد غير هذين، وهم السيد محمد بن إبراهيم،
__________
(1) في (ب): الأكبر.

والسيد العابد شمس الدين أحمد بن إبراهيم، والسيد صلاح بن إبراهيم، والسيد الحسين بن إبراهيم، وكل منهم خلف جماعة من الأولاد عدة ذكورهم في تاريخ رقم هذه الأحرف خمسة وسبعون ما بين كهل وشاب وصغير، ولم يُخلِّ الله سبحانه أولادهم من التمسك بالعلم، وسلوك طريق سلفهم الطاهرين - رحمهم الله تعالى - كتبه ولد ولده الفقير إلى الله أحمد بن الحسين بن إبراهيم بن العالم، لطف الله به، انتهى.
علي بن إبراهيم العابد [ - 983هـ]ت

السيد العلامة الزاهد، بقية الأبدال، علي بن إبراهيم العابد - قدس الله روحه - هو صاحب الكرامات والمقامات السامية في العبادة والزهد، كانت له عجائب، ومن عجائبه أنه كان يتسوق الأسواق لا لحاجة دنيوية، بل ليصلي في كل مسجد على الطريق، وليدعو في السوق بالمأثور، وهو ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير))، وهذا مشهور من حاله، وله كرامات، منها قضية الأسد المذكورة، روي أنه عام حجه انقطع عن القافلة، فلقيه أسد يتنصنص(1) له بلسانه، ويعسل بذنبه، كالشاكي عليه، ويتألى أن دموعه سائلة، فسار معه والأسد يتقدمه، فإذا أبطأ السيد - رحمه الله - انتظره الأسد حتى بلغ(2) إلى الأجمة، وإذا هنالك لبوة في يدها شظية قد شاكتها، وورمت يدها، فوثب الأسد على ظهر اللبوة ليحفظها حتى يتمكن السيد من إخراج الشظية، وأخذ السيد شفرة حادة مرهفة كانت معه، وشق يدها، واستخرج الصديد، ثم استخرج الشظية، وعزم، وصحبه الأسد حتى ألحقه(3) بالقافلة. وقد ترجم له السيد العلامة شمس الدين أحمد بن الحسين بن إبراهيم الشرفي حفظه الله، طلبت منه كتابة ذلك، فكتب ما لفظه: هو السيد العلامة العابد السجاد، بقية الأبدال، ورأس الزهاد، جمال الدين علي بن إبراهيم - الملقب العابد لفظاً ومعنى - بن علي بن محمد بن صلاح بن أحمد بن محمد بن القاسم بن يحيى بن الأمير داود المترجم بن يحيى بن /79/ عبد الله بن القاسم بن سليمان بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن القاسم الحرازي بن محمد بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم جميعاً الصلاة والسلام- (4)، غلب عليه اسم(5) العابد؛ لكثرة عبادته، واعتزاله الناس، وتلاوة القرآن بتأدية لم يسمع في وقته أحسن
__________
(1) في (ب): يبصبص.
(2) في (ب): بلغ به.
(3) في (ب): لحق.
(4) في (ب): أفضل الصلوات والتسليم.
(5) في (أ): غلب عليه العابد.

منه بترتيل وتأمل للمعاني، وكان من أعيان العلماء، له في كل فن مشاركة حسنة، وارتحل لطلب العلم إلى الجهات النائية، أخذ القرآن على بعض علماء (بيت الفقيه) بن عجيل بتهامة، وأقام فيه مدة لقراءة القراءات السبع والعربية، وشارك السيد العلامة علي بن إبراهيم العالم في كل فضيلة، أقاما بـ(صنعاء) لقراءة الفقه، الاشتغال بأنواع الطاعات، واستفاد عليه خلق، وكانت له هيبة أهل التقوى، وجلالة في القلوب، واستمر في آخر عمره على التدريس بهجرة (كحلان تاج الدين)، وكان يحيي الليل عبادة، وتلاوة للقرآن، ومات - أعاد الله من بركته - ببلاد (عفَّار(1)) في (صيرة) بألم الطاعون في سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة، وأوصى(2) أن يقبر بجوار القاضي العلامة عبد الله بن زيد العنسي - رحمه الله - عند بركة(3) رحبة يماني (كحلان)، فحاول أهل كحلان إنفاذ وصيته، فتحزب بنو موهب وقبائل (عفار) ومنعوهم من ذلك، وقبر بـ(عرفه عفار) بعد أن كادت الفتنة تثور بين القبائل لولا حضور الوالي، وهو السيد عبد الله بن علي بن الإمام المطهر بن محمد الحبري، وبقي في (عفار) إلى ثاني عشر في شهر شوال سنة ثلاث وثلاثين وألف سنة، ونقله ولد ولده (4) ليلاً إلى (الهجرة القولعة)، وعمرت عليه بها قبة عظيمة، وعمر حفيده المذكور عندها جامعاً(5) كبيراً، وصارت من أحسن هجر (الشرف)، ولم تزل مأهولة مقصودة لقراءة القرآن والعلم إلى وقتنا هذا، وخلَّف ولدين، السيد الحسين بن علي، والسيد الحسن بن علي، والحسين بن علي، أعقب خمسة أولاد، وأما الحسن فلم يعقب إلا ولداً
__________
(1) عَفَّار: جبل ومركز إداري، يقع في نواحي مدينة حجة الشرقية، بالقرب من حصن ((كحلان تاج الدين)). معجم المقحفي 1086.
(2) في (أ): وأوصى إلى أن.
(3) في (ب): بريكة.
(4) في (ب): ونقله ولد ولده السيد علي بن الحسين بن علي العابد - رحمه الله - وجماعة من قبائل الكاهل من الشرف ليلاً إلى هجرة القولعة.
(5) في (أ): جامعاً.

اسمه عبد الله بن الحسن بن علي وانتقل من بلده إلى (ضوران) للملازمة عند مولانا سيف الإسلام الحسن بن علي بن أمير المؤمنين - سلام الله عليه - ومات ولم يعقب أحداً، والله أعلم.
علي بن إبراهيم بن عبد الله
السيد العالم المجاهد السابق المعمر علي بن إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم بن صلاح بن المهدي بن الهادي بن علي بن محمد بن الحسن بن يحيى بن علي بن الحسن بن عبيد الله بن إسماعيل بن عيسى بن عبد الله بن عيسى بن إسماعيل بن عبد(1) الله بن الإمام القاسم الرسي - عليهم السلام - المشهور بالحيداني، وكان سيداً هماماً ذا عزيمة خارقة، ونية صادقة، وكانت له في الجهاد وقعات، هو المجلي فيها، وكانت(2) أيام دعوة الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد - عليهما السلام - أحد أعيان السادة الذين يشار إليهم بالفضل والعلم، فوصل إلى جبل قمر(3) راكباً على فرس، وعليه قميص أبيض، ولم يحضر أحد من السادة بهذه الصفة غيره، فلم يرضَ الإمام بالعقد حتى عرض على السيد فامتنع، وظني أن عرض هذا من الإمام لتدبير محكم، وهو تأكيد بالحجة عليه؛ لأنه كان لا يلين لعارك، وله كلمة نافذة بـ(خولان)، وإلا فجملة معلوماته الفقه، كان مبرزاً محققاً، يعارض بأنظاره المذاكرين، وأصول الدين على قواعد أهله الكرام، والفرائض، ولم يكن له في علوم الاجتهاد قدم، ولم يزل السيد بعد عقد البيعة مناصراً، وحيناً يلازم الحضرة، وكان بينه وبين السيد العلامة علي بن صلاح العبالي محبة كلية، وكانت بينهما وبين إمامهما مراجعات كثيرة لا يزالون(4) يوردان عليه، ولا يلتقيان ما عليه إلا بعد /80/ أن يوردا عليه ما أمكنهما، وقراءته على القاضي المذكور(5) المحتسب علي بن قاسم السنحاني - رحمه الله - شيخ الزيدية في وقته، وحكى عن القاضي المذكور عجائب ومناقب وذكر أنه لبث
__________
(1) في (ب): محمد.
(2) في (ب): وكان.
(3) قمر) فراغ في (ب).
(4) في (ب): لا يزالان يوردان.
(5) سقط من (ب).

نحو أربعة أشهر لا يأكل إلا لقاطة البقل عند مواضع الماء الذي يغسل فيها البقل، ثُمَّ إنه طلب من الإمام القاسم بن محمد (بن علي)(1) - عليه السلام - قراءة (البحر)، أو يأذن له بالعزم لقراءته من (شهارة) إلى (حوث)؛ ليقرأه على السيد أمير الدين، فقال الإمام - عليه السلام -: الخروج من حضرتنا، (وتقليل أهلها الكملة لا يليق)(2)، ولا يحل، لكن اقرأ على ولدي محمد بن أمير المؤمنين، والعهدة علي، وإني لأثق به في العلم كنفسي، فساعده، فكانت من عجائب القراءات مشهودة(3) مفيدة فيها إيرادات وتفهمات، وما رجعوا إلى الإمام إلا في نحو مسألتين، وكان السيد - رحمه الله - من أهل الأيد والقوة، مع أنه لم يكن ربعة، فضلاً عن أن يكون طويلاً، بل إلى القصر، ومما حكاه عن نفسه غير مرة أنه عزم صبحاً من (صعدة)، وأمسى ذلك اليوم بـ(سودة شظب)، وقطع هذه المسافة في يوم، لكنه اتفق أنه صادف مكامن، نحو أربعة عشر كميناً، فأوجبت(4) التهمة(5): وتوفي بـ(ذيبين) المحروس، (وقبر في باب مئذنة الجامع بذيبين، وإلى جنب قبره جماعة من الفضلاء، فعله عند داره)(6)، وما زال ملازماً في جميع مدته على وظائف الطاعة حتى كبر وهرم، وحصل معه بعض تغير، ونقل إلى جوار الله الكريم في نحو مائة سنة، وكان حزبه من القرآن سبع القرآن(7)، أعاد الله من بركاته، ووفاته في تاريخ ……
علي بن إبراهيم بن عطية
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (ب): وتغليل الكلمة لا يليق.
(3) في (ب): مشهورة.
(4) كذا.
(5) في (ب): الهمة.
(6) في (ب): وقبر في مشهد له هنالك فعله عند داره.
(7) زيادة في (ب): دائماً.

العلامة الفقيه الفاضل علي بن إبراهيم بن عطية - رحمه الله - من الجلة العلماء، قرأ على الإمام يحيى عن العلامة علي بن سليمان البصير، عن الشيخ محمد بن سليمان بن حفيد، عن شعلة، ومن تلامذة علي بن إبراهيم العلامة أحمد بن علي(1) مرغم، ومن شيوخ علي بن إبراهيم العلامة حسين بن محمد بن علي بن أحمد بن نعيش، وولده محمد بن حسين - أيضاً - وحسين بن محمد يروي عن والده محمد.
علي بن إبراهيم المحربي
__________
(1) في (ب): بن مرغم.

القاضي العلامة المجاهد علي بن إبراهيم المحربي - رحمه الله -(1)، هو القاضي الفاضل العابد الناسك، صاحب الاحتياط والعزيمة، ولي القضاء زماناً بمدينة (ساقين)، وحمد المسلمون أثره، وانتفعوا بحميد مقصده، وكان من أهل الزهد، ومن أصحاب الشهيد علي بن أمير المؤمنين المنصور بالله القاسم بن محمد - عليهم السلام - وأصحابه جميعهم يضرب بهم المثل في العبادة، ولهم - أيضاً - كرامات - رضي الله عنهم - من جملتهم ابن محمود العابد، ومنهم الحاج عبد الله المحمدي الذي سُمع الأذان والإقامة من قبره، وكان سيدهم علي بن أمير المؤمنين صاحب المقام العظيم والعبادة والصلاح، كان عين أعضاد والده، نكى الأعداء نكاية عظيمة، وكان يباشر الحرب بنفسه الكريمة، وقعت وقائع هو صاحبها من قبل أبيه، وله الكرامة في جبل (شظب)، وذلك أن الأعداء دخلوا عليهم بغتة، فرأى التحيز إلى فئة من المسلمين، فطلع من جبل هنالك وعر، ودعا بذلك الجبل دعوة ظهر أثرها، لم يزل ينصب وتتهادى أحجاره وترابه إلى يوم(2) الناس هذا، وقتل - عليه السلام - في (الشفات)(3) من أعمال بلاد (خولان والربيعة) مشرفاً على (الصحن)، ونواحي الصعيد، ودفن (بعلاف) وقبره مشهور، واحتز /81/ رأسه الكريم، وذهب به الأروام إلى كبرائهم، فلقيهم شيخان من ذوي عكام من حاشية بلاد (سفيان)، فأخذوا الرأس بعد قتل الحامل له، وكانت قضية من العجائب؛ لأنه جالد مجالدة مثله، وعرف مكانه، ولم يخف على الأعداء، وطلبوا منه أن يستأسر لهم، فقال في وقت الحرب: ((القتل أشرف)). وإلى هذه لمح العلامة الفقيه مطهر الضمدي في مرثيته حيث يقول:
................... ... مالوا إليك فلم تجزع ولم تمل
وحين أبصرك الأعداء منفرداً ... راموا الإسار فقلت ((القتل أشرف لي))
علي بن إبراهيم بن علي الصعدي
__________
(1) زيادة في (ب): تعالى.
(2) في (ب): يومنا.
(3) في (ب): الشقات.

الفقيه(1) العلامة علي بن إبراهيم بن علي بن شيان الصعدي - رحمه الله -
كان عالماً محققاً، محلقاً، مرجوعاً إليه، من تلامذة السيد الكبير المهدي بن صلاح بن محمد بن الحسن - رحمهم الله -.
علي بن إبراهيم بن ماطر
العلامة الفقيه الفاضل علي بن إبراهيم بن ماطر - رحمه الله - ذكره السيد أحمد بن عبد الله - رحمه الله - وأثنى عليه بالعلم، وهو أحد شيوخ السيد الهادي بن إبراهيم الصغير، - رحمهم الله - (2).
علي بن أحمد بن عبد الله طميس
السيد العلامة علي بن أحمد بن عبد الله طميس - رحمه الله - هو إمام الحديث، قرأ عليه الإمام المطهر بن يحيى، وهو من تلامذة علي بن أسعد المنعم.
علي بن أحمد بن الحسن بن الهادي المؤيدي [ - 903هـ]
السيد العالم الشهير، جمال الإسلام علي بن أحمد بن الحسن بن الإمام الهادي علي بن المؤيد بن جبريل - رحمه الله - ذكره في (اللآلي)، وأثنى عليه، وقال: قبره في (الرجاء) من بلاد (الشرف) في القبة التي فيها السيد إدريس صنو الوشلي، توفي في شهر ربيع سنة ثلاث وتسعمائة.
علي بن أبي طالب المستعين بالله
السيد الكبير المسند، شيخ الخلفاء، أبو الحسن علي بن أبي طالب أحمد بن القاسم بن أحمد بن جعفر بن أحمد بن عبيد الله بن محمد الشجري الحسني، الملقب بالمستعين بالله، أحد رجال الزيدية وأعلامهم، قرأ على الشريف أبي الحسين زيد بن إسماعيل الحسني، وزيد قرأ على أبي العباس أحمد بن إبراهيم، ومن تلامذة المستعين أبي الحسن صاحب كتاب (المحيط).
علي بن أحمد الفتحي
السيد العلامة الفاضل علي بن أحمد الفتحي من أولاد الإمام الناصر الديلمي، قال السيد ابن الجلال هو أحد أشراف الروضة (بالسر)(3)، وكان مشهوراً بالفضل غير منكور.
علي بن أحمد الشاوري
__________
(1) في (ب): العلامة الفقيه.
(2) سقط من (ب): رحمهم الله.
(3) كذا

العلامة الفقيه الفاضل اللسان، علي بن أحمد الشاوري(1) - رحمه الله - كان من العلماء الكبار من أهل الستمائة، وكان هو(2) وأهل بيته(3) من بيت الرئاسة يتسمون بالمشائخ، ومن شعر علي بن أحمد المذكور في المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليه السلام -:
خليلي هل في الدار عيب لعايبِ ... وهل تنجح الآمال مطلب طالبِ(4)
وهل عائد غض الشباب الذي مضى ... وهيهات بل هيهات عودة ذاهبِ
تمنيني الأحلام من آل زينب ... مطامع تحدي بالظنون الكواذبِ
وآمل وصل العامرية والنوى ... تقاذف بي والبين من كل جانبِ
فيا صاحبي من آل فهر بن عامر ... أَعنِّي بفيض الدمع إن كنت صاحبي
وقف نسأل الأطلال أين تحملت ... بأحبابنا الغادين حوض الركائبِ
سرت عيسهم تحت الدجا بأهلَّة ... غوارب في أكبادها والغواربِ
وعقل(5) طياً من عقيل بن عامر ... رقاق الثنايا واضحات الترائبِ
/82وفيهن ميلات القناع بزينها ... بياض التراقي في سواد الذوائبِ
تبدلت من تلك الديار وأهلها ... حنيناً وتهياماً إلى كل غائبِ
ومما سرى عن(6) آل زينب عارض ... ولكنها الأيام ذات عجائبِ
وليل كليل العاشقين قصرته ... ببيض المهادي(7) واعتساف السَباسِبِ(8)
أصوغ القوافي في الإمام وأمتلى ... مناقبه لا زال جم المناقبِ
وادعو أمير المؤمنين ولم يزل ... غياثاً لملهوف وحصناً لهاربِ
ومن ذاك أولى منه بالمدح هل ترى ... ضياء لغير الزاهرات الثواقبِ
أشم طويل الساعدين إذا اجتثى ... رأيت علياً في لوي ابن غالبِ
كريم من القوم الكرام وطيب ... نمته منيفات الفروع الأطائبِ
علي بن أحمد بن الحسين بن مبارك الأكوع
__________
(1) في (ب): الشاوي.
(2) سقط وكان من (أ).
(3) في (ب): من أهل الرئاسة.
(4) في (أ): لطالب.
(5) في (ب): وعفر طيبناً.
(6) في (ب): من.
(7) في (ب): المهاري.
(8) في (ب): الشنائب.

العلامة المجاهد، إمام الناسكين، وسيد السالكين، صاحب الجهاد والاجتهاد، والسبق لأهل الفضل والاقتصاد، علي بن أحمد بن الحسين بن المبارك بن إبراهيم الأكوع - رحمه الله - ورضي عنه، هو سيد الشيعة، وإمامهم، وحجتهم، كان عمار زمانه، وسلمان أوانه، بطانة خالصة لآل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - بقول وفعل، ناصر الإمام المنصور بالله، وشاركه في فعله المشكور، وكان اجتماعه به بـ(شوابه) بعد الرؤيا الصالحة التي رآها، وهي ما حكاه العلامة علي بن نشوان، قال: روى لي الفقيه الفاضل الصادق علي بن أحمد بن الحسين بن المبارك بن إبراهيم الأكوع، وهو فقيه عابد عالم فاضل ممن يوثق به، ويعمل على قوله، ويصدق في كلامه، قال: لما كان قبل موت سيف الإسلام بأيام قلائل، رأيت في المنام كأني في سفح جبل، وإذا بناس أقبلوا من جهة الشام عليهم نورٌ، وهم يمشون في نورهم، وهم طوال، على كل رجل منهم إزارٌ ورداء، ومعهم غنيمة يسوقونها، فمروا بي وهم يسلمون عليَّ مصافحة، حتى كأني حاذيت أوساطهم، وإذا برجل معتدل القامة، صبيح الوجه، حسن الْخَلق، رقيق الخلق، جاء فسلم علي، وسلمت عليه سلام المحب على حبيبه الذي طالت غيبته عنه، وقلت في سلامي: سلام على من يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وسر كل(1) منا بصاحبه سروراً عظيماً، وفرح فرحاً شديداً، ولم يكد يفارقني، فلما انتبهت، علمت أنه لا بد من إمام يقوم مقام علي بن أبي طالب؛ لأن الخبر ورد فيه عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: سلام على من يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فانتظرت بعد ذلك قائم الحق، واستبشرت به، فلم يكن بعد ذلك إلا يسيراً، وقد ظهرت دعوة المنصور بالله - عليه السلام - فاجتمعت به في (شوابة)، هذا معنى الرواية، ولم يزل مصاحباً للإمام في المنشط(2) والمكره، وباشر معه الحروب، وتجلت به الكروب، ومع خوضه هذه الغمرات(3)
__________
(1) في (ب): كل واحدٍ منا.
(2) في (أ): البسط.
(3) في (ب): الغمارات.

، وتوليه لعالي المقامات، قد حكي أنه صرف الإمام - عليه السلام - فيه كفارة(1) في محطة النطية(2) لفقره، وكان الإمام يوافق رأيه رأي الحنفية في صرف الكفارة في فقير واحد، وفي بعض كتب المذهب أن (3) الإمام أمره بصرفها ولم يصرفها فيه، وقرأ على الإمام كثيراً من العلم، وقرر(4) مذهب الإمام، وجمع كتاب (الاختيارات المنصورية) /83/ عن أمر الإمام حتى بلغ في تحريرها إلى كتاب الكفاءة(5)، وكان ذلك بعد قراءة على الإمام عظيمة في (شمس الشريعة) تأليف شيخ الإسلام ركن الدين سليمان بن ناصر الدين - رحمه الله - ابتدأ ذلك في غرة شهر ربيع الآخر من شهور سنة إحدى وستمائة بحصن ذي مرمر، ولما بلغ(6) كتاب الكفاءة نجم ناجم العجم، فحطوا على (ظفار)، فخرج الفقيه جمال الدين لمظاهرة الوالي في (ظفار) من قبل الإمام، وهو مولاه الشيخ دحروج بن مقبل - رحمه الله - وقد كانت الأبصار زاغت، والأنصار ارتاعت، فخرج في نحو أربعين من الشيعة، وهو رئيسهم، فخذل الله العجم، وفي ذلك يقول الإمام - عليه السلام -:
ظفرت بمدح المادحين ظفارُ ... لما حمى عرصاتها الأخيارُ
جاءت جنود الظالمين كأنها ... ليل وأنوار الحديد نهارُ
جيش يظل(7) التلو(8) في حجراته ... حال المذاهب أرعن جدارُ(9)
فيه الأعارب والأعاجم عن يد ... والأعوجية والقنا الخطارُ
وبه الجماعة من ذؤابة هاشم ... والمسلمون الغر والأنصارُ
ولى الإمام وأرعبوا إلاَّ هُمُ ... والناس(10) عبدان وهم أحرارُ
صبروا على الأرجاف وهي كثيرة ... فيما حكاه الواحد القهارُ
لله در عصابة زيدية ... نزل العلى فيها وزل العارُ
__________
(1) سقط من (ب): فيه كفاره.
(2) في (ب): اللطية.
(3) سقط من (ب): أن.
(4) في (أ): وأقرر.
(5) في (ب): الكفارة.ظ
(6) في (ب): ولما بلغ الكفارة.
(7) في (ب): تظل.
(8) كذا في (أ) وفي (ب).
(9) في (ب): جزار.
(10) في (ب): فالناس.

وهي طويلة في ديوان الإمام - عليه السلام - وكان القاضي أحد حفاظ المذهب المنصوري، وهو واسع الفقه، قد صنف فيه المعتصم بالله الأمير محمد بن إدريس كتاباً سماه (النور المنظور في فقه المنصور)، وفيما حكى الفقيه علي بن أحمد من قواعد المنصور بالله - عليه السلام - أنه قال: ما وجد لي منصوصاً، وإلا فرأيي فيه كرأي المؤيد بالله - عليه السلام - قال: وسمعته يقول: إن الظاهر(1) أن مذهب أهل البلاد هذه مذهب الهادي - عليه السلام - فالمرجع بأحكامهم إلى ذلك إلاَّ مَنْ ألزمناه، أو التزم العمل بمذهبنا، عمل بما نختاره وعمل(2) به، قال العلامة علي بن أحمد المذكور، وروى الشيخ الأجل السيد العالم الفاضل محيي الدين محمد بن أحمد بن الوليد - أدام الله عزه - أنه قال - عليه السلام -: إذا كانت المسألة تخريجاً للمؤيد بالله، وللسيد أبي طالب على مذهب يحيى - عليه السلام - فاختياره - عليه السلام - تخريج المؤيد بالله، وكذلك روى عنه - عليه السلام - الفقيه الأجل العالم عمران بن الحسن بن ناصر العذري الزيدي - رحمه الله -.
قلت: وكتابهُ (الاختيارات) كتاب جليل، وللإمام فتاوى عدة غيره، ومما قاله العلامة أحمد بن علي الدواري - رحمه الله - في كتاب (الاختيارات) شعراً:
ليت المرادات جاءت باختياراتي ... إذاً لَتَمَّ كتاب (الاختيارات)
أكرم بخير كتاب فيه ما ذهبوا ... إليه عن خير محكي(3) وآيات
لله در إمام كان صنفه ... ودر تلميذه في جمع أشتات
/84/ ورحمة الله زارته بمشهده ... لدى (ظفار) على مر العشيات
وقبر تلميذه في حيثما دفنوا ... والمسلمين من الماضين والآتي
__________
(1) في (أ): في (ب): إن الظاهر من أهل البلاد هذه مذهب الهادي.
(2) كذا، وفي (ب): وعلم به.
(3) في (ب): عن خبر يحكى.

وقبره - رحمه الله - في الملاحة عند مسجده بجبل (مرهبة)، وهو مسجد عظيم على قدر الكعبة المشرفة، وهو والضياع(1) النبوي أحد عجائب (الهجرة) كما حكاه العالم الدريقي(2)، وكان له تلامذة كثيرون، منهم ولده محمد، ومن قرابته يحيى بن محمد بن مسعود بن الحسين، ومسعود بن علي بن مسعود بن الحسين، والشيخ المحقق الأجل عبد الله بن الدعيدع الحرازي، والقاضي العلامة علي بن حاتم بن عامر بن أحمد بن أبي يحيى، وغيرهم، ودخل - رحمه الله - حراز، وتلقف الإسناد، وهو أحد أساطينه، كانت وفاته……
علي بن أحمد بن الشظبي
شيخ الأئمة، وقطب الإسناد، علي بن أحمد بن مكاثر الشظبي - رحمه الله - شيخ الإمام شرف الدين، وتلميذ علي بن زيد، - رحمهم الله تعالى - كان عالماً كبيراً، وله شهرة، وعنه الروايات، وقد ذكرنا شيئاً من أحواله في ترجمة شيخه - رحمه الله تعالى -.
علي بن أحمد بن محمد عقبة [ - 840هـ]ت
__________
(1) في (ب): والصَّاع.
(2) في (أ): الزريقي.

العلامة الفقيه علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن حسن بن عقبة - رحمه الله تعالى - كان - رحمه الله - كما قال بعض العلماء الجلة فيه - إمام العلوم، ترجمان المظنون منها والمعلوم، فنيت كهولته وشيخوخته في طاعة خالقه، ومضى من الشرع الشريف على حقائقه، توفي - رحمه الله - في شهر ذي الحجة سنة أربعين وثمانمائة، وقبر شرقي جامع (ساقين)، وقبره مشهور مزور، وهو أول من نزل بساقين من هذا البيت المبارك، وكان أصل مساكنهم مشارق (صنعاء)، ثم افترقوا صنفين، صنف سكنوا (هجرة بني خالد) من جهة (آنس)، وصنف سكنوا (ساقين). قال العلامة أحمد بن محمد بن الحسن - رحمه الله -: وعقبة أشهر جدودهم، وهو الملك الهمام المتأمِّر على مدينة صنعاء وأعمالها في بعض مدته، وهو الذي(1) بنى المساجد العظيمة، سيما بوطنه، ومسقط رأسه بجهة (قروي) شرقي مدينة (صنعاء)، وداره بها مشهور يسمى دار المناحل - بميم ونون بعدها ألف وبعد الألف حاء مهملة - وسط وادي قروَى قبلى، ولعله قرية (الحميرا)(2)، وغربي مسجده، وانحاز عقبة إلى قرية (الحميرا)؛ لتحصنها عند قبائل من عدوان(3) بني بهلول وبني نصر، بنو بهلول غصبوا غنمه، وبنو نصر غصبوا مواضع دار المناحل وما حولها، وارتحل بعض الفقهاء بلاد (آنس)، والبعض (ساقين) بعد أن سكن المنتقلون إلى ساقين بهجرة (معين) يماني (صعدة) قرب (الحناجر)، وسنذكرها إن شاء الله في ترجمة العلامة معين بن الحكم.
علي بن أحمد بن أبي حريصة
__________
(1) سقط من (أ): الذي.
(2) في (ب): وسط وادي قروي قبلي قرية الحميرا.
(3) سقط من (أ): قبائل من.

العلامة الفاضل الحافظ، إمام أهل الشريعة، أبو الحسن علي بن أحمد بن أبي حريصة - رحمه الله - قال الشيخ أبو الغمر: قرأت في بعض (كتب اليمانيين)(1) أنه صحب الهادي إلى الحق - عليه السلام - وابنيه - رضي الله عنهم - وظهر فضله في أشكاله وأزمانه، ونطق أثره ببرهانه، وقد روت الزيدية عنه كثيراً من أخبار الهادي إلى الحق - عليه السلام - وقد كانت له، ولابن الفتح(2)، وابن الظهري، وأحمد بن عبيد المعلم، ومحمد بن طالب عناية بالرواية، وقراءة كتب آل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - وسماع الحديث عنهم، وعن شيعتهم، وقد يوجد ما يدل على ذلك في مواضع إلا أن قلة الرغبة من أهل اليمن في إحياء(3) ما يكون في بلادهم، ومن أهلها من الأخبار والآثار /85/ ولهم من الفضائل والمحاسن، والعجائب والنوادر، ما قد عرفت، فلذلك حي الناس(4) وماتوا، وقد روى كتاب (الأحكام) الذي وضعه الهادي إلى الحق - عليه السلام - أمير المؤمنين يحيى بن الحسين - عليه السلام - في أصول الدين وأصول الفقه خاصة، ورتبه ترتيباً حسناً، ومن كلامه في صدره ما يدل على طبقته في رجال العلم، وأهل النباهة، والنبالة في الدين، وكذلك ما رواه محمد بن فتح بن يوسف عن المرتضى لدين الله محمد بن يحيى - عليهما السلام - ومحمد بن طالب - رحمهم الله - عن محمد بن يحيى، - أيضاً - وابن أبي حريصة، فقد صنف كتباً أُخَرَ(5)، منها كتاب في الزهد والإرشاد، فإنه من الكتب المحيية للقلوب، المذكرة بالله، الداعية إليه ، وكان أديباً فقيهاً شاعراً، سلك في شعره طريق أبي العتاهية في نظم منثور الحكم، والآداب، والحديث عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مثال ذلك من شعره قوله في نظم الحديث: [من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه].
__________
(1) في (أ): الكتب الثمانين.
(2) في (أ): وأبي الفتح.
(3) في (أ): أحنى.
(4) زيادة في (ب): في البلاد.
(5) في (ب): أخرى.

ما ليس يعنيه إذا ما نطق ... من حسن إسلام الفتى تركه
كخائض لجة بحر الغرق ... وخائض في الأمر لم يعنه
وله - أيضاً - في نظم قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: (ما ضاع امرؤٌ عرف قدره)، وقول الأحنف: عجباً لمن جرى في مجرى البول مرتين، ثم هو يتكبر:
قال رسول الله نور الهدى ... وخاتم الأنبيا خير البشر
ما ضاع مرؤ(1) عارف قدره ... فاقنع بما أوتيته واقتصر
لا يلبس الكبرَ كريمٌ ولا ... يطاوع التيه فتى ذو خطر
يجري الفتى في مبول مرة ... من بعد أخرى ثم لا يعتبر
وله في نظم ما روى من بعض الصحابة: (عجباً لمن يضحك بملء فيه، والمنايا ترصده):
يبسم المرء ضاحكاً بملء فيهِ ... والمنايا وراءه تلتقيه(2)
عجباً إننا لنخشى من الموت ... وإنا نلهو ولا نتقيه
وقال في نظم قول كسرى: من لم يكن العقل أكثر ما فيه قتلته أكثر ما فيه:
إذا لم يكن عقل الفتى أكثر الفتى ... فأكثر ما فيه لا شك قاتله
هل العقل إلا حجة مستنيرة ... ونور هدى ما أن تضل دلائله
فأوصيك(3) أن العقل زين لأهله ... وأن ليس في الخيرات شيء يعادله
(4)وفي نظم الحديث عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: (كم(5) أشعث أغبر ذي طمرين لا يوبه له، لو أقسم على الله لأبره):
ألا رُبّ ذي طمرين أشعث أغبراً ... خفي على النظار(6) لم يبغ منظرا
ولو أقسم (الحاني لظل وراءه)(7) ... على الله ذي النعماء أعطى فأكثرا
ولكن زوا الدنيا الدنية دونه ... ليوفيه الحظ الجزيل الموفرا
فلا يغبط الدنيا امرءٌ ذو بصارة(8) ... يصير إلى قعرٍ من النار أحمرا
وكن واثقاً بالله واعمل فإنما ... يفوز غداً من سام هدياً فشمرا
__________
(1) في (أ): امرؤ.
(2) في (أ): تقفيه.
(3) في (ب): بحسبك.
(4) زيادة في (ب): وقال.
(5) في (ب): كم من.
(6) في (ب): الأنظار.
(7) سقط من (أ).
(8) في (ب): نظارة.

/86/ وإذا(1) قد ذكرت هذا طرفاً من شعره مما لم يعرف نظم منثور، ومما فيه دلالة على فضله وحكمته وزهده، نسخت له من كتاب(2) ابن دانه الصعدي - رحمه الله - قال:
ليس بحر ولا كريم ... من غيرت وده الدهور
الحر حرٌّ وإن جفاه(3) ... دهر وحالت(4) به الأمور
ليس الفتى من إذا ألمت ... أزمة دهر به يجور
ولا الذي إن به تراخت ... حال رآى أنه الخطير
وإنما(5) الحر عند هذا ... مصطبر أوفتى شكور
وقال - أيضاً، وأحسبها من أبيات -:
فمن رآى ما لم يراه طغى ... وصار يمشي كالمجانين
كأنه قارون في سكره ... بخبطة(6) من الشياطين
فهو على ما نال من أمره ... كبعض أعوان الفراعين
يديره(7) الدهر بتصريفه ... فليس ذا دنيا ولا دين
قوله: ما لم يراه، يصلح فيه الهمز؛ لأنه قد جاء راء يرآء، ورأى يرى، وراء يرى.
ألا إنما الأيام يوم وليله ... ومن يحيى في الأيام يرأى ويخبرا
موضع قوله يخبر بياض يحتمل أنه يخبر أو يبصر، أو يعلم ………… وقال عبد يغوث:
وتضحك مني شيخة عبشمية ... كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانياً
وقال - أيضاً رحمه الله تعالى -:
أيها الساخر مما قد ترى ... نوّب الدهر على مثلي تمر
ويروى أيها العاجب وهو مستنكر:
كم لئيم سب مثلي بانحا(8) ... لم يشنه أو تعاطى فعقر
ورماه بالذي فيه لكي ... ما يقال المرء بر ذو خطر
[و] إذا ينبح كلبٌ ماجداً ... ينبح(9) الماجد ماذا في الأثر
وقال - أيضاً -:
رضيت لنفسي بعين الرضا ... كأنيَ امرؤ حاله لا أموت
فما أنا في الدين من أهله ... ولا ليَ ذنباً فماذا هويت
فأقسم بالله لو أنني ... تملكت هذا الورى ما حظيت
__________
(1) في (ب): وإذا فذ.
(2) زيادة في (ب): بخط.
(3) في (ب): شناه.
(4) في (ب): جالت.
(5) في (ب): فإنما.
(6) في (ب): تخبطه.
(7) في (أ): يدييره..
(8) في (أ): ناحبا، وفي (ب): نائحاً.
…قانحاً: قال في القاموس المحيط 208: بَنَحَ اللحم: قَطَعَه وقسَّمَه.
(9) في (ب): نبح.

إلى الله أشكو فنعم النصير ... فمني غويت ومنه هديت
وقال - أيضاً -:
قد كنت أفرح بالشباب وريعه ... حتى اكتسيت وقار شيب لايحِ
وتبسمت بهجاته في مفرقي ... بجلالة ومهابة ومصائحِ
أجري إذا حدق(1) الصبا طوعاً له ... حلف الهوى لا أرعوي للناصحِ
/87 فالآن ما سمت الهدى وسبيله ... وفرغت من يقق(2) المشيب الأسبحِ
أوفوت رشدي في زمان فايتٍ ... وذهاب حظ في الشبيبة صائحِ
علي بن أحمد الحملاني
الفقيه العلامة علي بن أحمد بن أسعد الحملاني - رحمه الله تعالى - من بيتٍ بالفضل معمور، ومنصب مشهور، غير مغمور، كان مألفاً للفضلاء، وزينة للكملاء، وهو الذي وجه إليه محمد بن أحمد بن عقبة الأبيات الآتي ذكرها في ترجمته - إن شاء الله - لما أهدى له نسخة (الكشاف) ستة أجزاء، فكتب إليه ابن عقبة القصيدة، وهي هنالك في ترجمته، طالعها:
برق سرى فرمى الأحشاء بالألمِ ... وضعضع الجسم بالتبريح والسقمِ
علي بن أحمد بن ذئب
الشيخ العالم الفاضل علي بن أحمد بن ذئب - رحمه الله تعالى - عالم كبير، فصيح بليغ، كان من أعيان أصحاب الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليه السلام - ولم يحضرني الآن شيء من شعره ولا أخباره.
علي بن أحمد بن الحسن
العلامة(3) أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن بن(4) أبي حنجرة، عالم فاضل من كبار أهل الفقه والعرفان، ولعله عراقي، والله أعلم.
علي بن أحمد بن عليان
__________
(1) سقط من (أ): أجري إذا حدق.
(2) في (ب): مرتفق.
(3) في (ب): بن أبي الحسين بن عثمان بن أبي حنجرة.
(4) في (ب): بن أبي الحسين بن عثمان بن أبي حنجرة.

العلامة الشيخ المقري، الزاهد الكبير الفاضل(1)، جمال الإسلام علي بن أحمد بن عليان، أحد وجوه العلماء، ومرجع المحققين سيما للقراءة بـ(صعدة) المحمية، ومن تلامذته العلامة محمد بن صلاح مداعس مصنف (المختصر في علم القراءة)، وينقل عن شيخه(2) هذا من جملة ما نقله عنه التكبير أواخر القرآن، فينقل من ترجمة ابن مداعس - إن شاء الله - ولعل القضية المتناقلة هي له، وهو صاحبها، وذلك أنه قرأ عليه في إحدى القراءات السبع، أو كلها جماعة من الإنس، وكان يحضرهم رجل من الجن يقرأ قراءة حسنة بصوت دقيق، ولما كان الختم، قال الجني المذكور للفقيه: تفضلوا انتظروا بالختم إلى(3) غدٍ - إن شاء الله - إلى ضحوة النهار، فانتظروا جميع(4) الناس، ثم وصل الجني بعود رطب أخضر، وبعد ذلك سأله الفقيه أن يريه صورته، فاستعفاه، فلم يعفه، فبرز له على صورة كريهة - رحمه الله -.
علي بن أحمد بن إبراهيم [ - 1051هـ]ت
__________
(1) زيادة في (ب): الشهير.
(2) في (ب): نسخه.
(3) في (ب): إلى ضحوة النهار.
(4) في (ب): واجتمع الناس.

القاضي العلامة المحقق، جمال الدين علي بن أحمد بن إبراهيم بن أبي الرجال -رحمه(1) الله - كان فقيهاً عالماً بالفروع الفقهية، وحقق فيها وبرز، ويقال: إنه حفظ (شرح الأزهار) غيباً، وكنا نمليه عليه(2)، ومما شاع في ألسن الفقهاء أنه لولا الجهاد، كان القاضي علي بن أحمد بمنزلة الفقيه علي بن يحيى الوشلي صاحب (الزهرة)، ولقد تعجب منه كثيرٌ من المحققين في مسائل وتحصيلات أملاها في المغصوب(3) والرهن، ومع ذلك فقد قرأ في الفنون الأخرى، قرأ (مستقصى)(4) الغزالي في الأصول على السيد العلامة علي بن صلاح العياني - رحمه الله - وهما في صف الحرب، كان إذا سكن عنهم العدو، قرؤوا، فإذا كر عليهم العدو، أقبلوا عليه، ولما أمر الإمام المؤيد بالله - عليه السلام - السيد العلامة علي بن إبراهيم الحيداني الماضي ذكره بولاية (حاشد) و(بكيل)، أمر القاضي - رحمه الله - أن يقرأ عليه (البحر)، فكانت من أعجب القراءات، كانوا(5) يلبثون في البحث من عقيب صلاة الفجر إلى ظهيرة النهار، واتفق /88/ أنه وفد إلى حضرة الإمام إلى (شهارة) بعض العلماء الكبار من أهل الأقاليم، وخفي على الإمام - عليه السلام - ما يستحقه ذلك العالم من التعظيم مع حرص الإمام على إنزال الناس منازلهم، فبادر بإرسال السيد العلامة صلاح بن عبد الخالق الجحافي وهذا القاضي إلى ذلك العالم ليعرفوا فضيلته، فوجدوه لما يستقر وخدمه في أثناء التنظيف للمحل، فحيّوه، ورحبوا به، وتعرفا له، فقال القاضي لذلك الرجل: هذا السيد صلاح بن عبد الخالق من كبار العلماء ونسب(6) الإمام ونحو هذا، ثم قال السيد(7): وهذا قاضي الإمام أحد العلماء، ووصف بما ينبغي، فأجاب ذلك الرجل: إنكما لستما ممن يعرف الأدب، ولا يستحق
__________
(1) في (ب): زيادة في (ب): تعالى.
(2) في (أ): وكنا نسمعه عليه مما.
(3) في (ب): الغصوب.
(4) في (ب): مستصفى.
(5) في (أ): كان.
(6) في (أ): ونحو.
(7) زيادة في (ب): - رحمه الله -.

هذه الصفات، فكيف(1) تكون منزلتكما هذه المنزلة، وتفدان عليّ وأنا مدهوش لم أستقر في رحلي، ولا يتم لي مجازاتكم بالأنس، فاستحيا السيد والقاضي، ثم عزم القاضي إلى (ذيبين)، وأخذوا في قراءة (البحر) هذه المذكورة، وكان فيها البقية من شيعة الطاهر يومئذ، كالقاضي العلامة محمد بن صالح بن حنش، والقاضي العلامة الحسن بن محمد(2) سلامة وغيرهم، فوفد إلى المسجد الجامع، وهم يخوضون بحار التحقيق، ويأتي كل منهم بالإشكال، ويحله الآخر، وذلك العالم يتفكر فيهم، فلما أتموا القراءة، أنزله السيد منزلاً يليق به، فإنه عظيم الشأن، وأنسه القاضي لسابق تلك المعرفة، فقال ذلك العالم: يا قاضي، أنتم معاشر اليمنيين لا تنزلون العلم منزلته، فقال(3): ما استنكرت من طريقتنا؟ قال: رأيت اليوم مجلسكم للقراءة، فرأيت ما لم أره من الاطلاع على الفقه والتحقيق بحيث أن كل إنسان من الحاضرين لو برز بإقليم، لعلا صيته، وقل نظيره، ومع هذا فأنتم لا تعتمون إلا بعمائم سود، ولا تلبسون الجيد من الثياب، فلم يبد له القاضي حقيقة العذر في ذلك، وكان المقتضي لمرور هذا العالم (ذيبين) أن (السودة) يومئذ في أيدي الأتراك و(صنعاء)، فمر (ذيبين) مجتازاً، وكان عنده من ضربة الإمام دراهم جعلها في (ذيبين) سبائك، وكانت قراءة القاضي - رحمه الله - على عبد القادر التهامي التنهي (4) رحل إليه إلى (عاشر)، وقرأ على الشكايذي الكبير بـ(ذمار)، وأحسن الشكايذي رعايته، وحين أراد الإنصراف خرج ولده العلامة الشهيد لتجهيز القاضي، وأعطاه زاداً، ثم قرأ على العلامة علي بن قاسم السنحاني، ومن جملة ما قرأه (مقامات الحريري)، وفي بالي أنه قرأ (مفتاح السكاكي) عن أمر شيخه السنحاني على بعض الأفاقيين(5)، ولم يكن له في العربية ذوق، وقد كان اشتغل بشرح (الأزهار)، بلغ فيه
__________
(1) في (ب): وكيف.
(2) زيادة في (ب): بن.
(3) زيادة في (ب): له.
(4) التنهي فراغ في (أ).
(5) في (ب): الأفاقين.

التيمم حتى مر عليه السيد العلامة أحمد بن محمد الشرفي إلى (سوات) من بلاد الصيد(1)، فأعلمه بعنايته بشرح الأزهار(2) مع كمال أهليّة السيد، فأضرب عن ذلك، وكانت عند القاضي عدة كبيرة من الكتب من خزانة السلف، وكانت له همة في الجهاد، وشجاعة مع قوة في بدنه، وهو أول من يسارع إلى الجهاد قبل ابن عمه القاضي الشهيد الهادي بن عبد الله - رحمهما الله - فإنه نهض في سنة ست وهي سنة الدعوة (بخارف)، وأعيان قبائل (بكيل) نحو ألف رجل، ودخل هزم(3)، وانضاف إليه /89/ الأعيان لا على جهة الاستقلال منهم، بل على جهة الغارة كالسيد الأعضب من (حوث)، استدرجه القاضي حتى أدخله (هزم)، وأما الحاج الكامل أحمد بن عواض (فوصل بعد أمن لهم)(4) ووقف خارج البلاد على رأس الأكمة المشرفة على القرية وغير هؤلاء من الرؤساء، وكانت الحروب المشهورة نحو أربعة أشهر، والقاضي أبو عذرها - رحمه الله - واتفق في هذه النهضة قضية تعد في كرامات الإمام الشهيد(5) - عليه السلام - وذلك أن القاضي(6) وصل إلى (ناعط) (7) من بلاد (حاشد)، وحطط الناس، فتفقدوا رجلاً يسمى التهامي من أهل (ظفار) وكان له خبير يعرف بجوال، فبحثوا، عنه فلم يجدوا له أثر، فاتفق عند مجيء الناس من الحطاط أن بعض الناس سمع صوتاً في شعب، فأخبر القاضي، فأمر القاضي - رحمه الله - من يذهب إلى هنالك، فوجد التهامي المذكور في محل، وعرف، أتى به إلى القاضي، فأخبر القاضي بقصته، وهو أنه خرج من مسجد (ناعط)، فأحسَّ بحال غير معتادة، فلم يفقد نفسه إلاَّ في عالم آخر غير هذا العالم، وفيهم رئيس كبير بين يديه خلق قيام، فاشتكى رجل من أولئك أن هذا التهامي رجمه، فأنكر التهامي ذلك، فقال له: بلى، أنت رجمت(8)
__________
(1) الصيد غير موجود في (ع).
(2) سقط من (أ): الأزهار.
(3) في (أ): هو.
(4) في (ب): فوصل بغير أمرهم.
(5) زيادة في (ب): أحمد بن الحسن.
(6) زيادة في (ب): - رحمه الله -.
(7) سقط من (ب).
(8) في (أ): رجمته.

خشبة حطب في القنة - بالقاف والنون- وهو جبل هنالك، وعندك من عبيد المشهد فلان بن فلان، قال التهامي: نعم هذا اتفق، لكني غير عارف بمحلك، فقال ذلك الرئيس: يا معشر الجن، نزهوا أنفسكم هؤلاء المساكين لا يرونكم، ثم التفت إلى التهامي، فقال له: من أنت، قال: مسكني (ذيبين)، والأصل من (ظفار)، إلا أني مقيم بمشهد الإمام أحمد بن الحسين(1)، قال: فلأي شيء وصلت إلى (ناعط)؟ قال: صحبت القاضي علي بن أحمد مغيرين مع الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد(2)، فقال ذلك الرجل الكبير: قد التزمت ما(3) لزم هذا من الأرش رعاية لحق الإمام الشهيد أحمد بن الحسين - عليهما السلام - وأبلغ القاضي علي السلام الكثير(4)، وهذه قضية مشهورة تناقلها الفقهاء وغيرهم، ويسمعها(5) من غير واحد من الفضلاء، منهم من شهد المقام، والله أعلم.
__________
(1) سقط من (ب): أحمد بن الحسين.
(2) سقط من (ب): المنصور بالله القاسم بن محمد.
(3) في (ب): بما.
(4) في (ب): وأبلغ عني القاضي علي السلام الكثير.
(5) في (ب): وسمعتها عن.

وللقاضي في مقامات الجهاد مساعي مشهورة، تولى بلاد (حاشد) و(بكيل)، وتولى بلاد (خولان الطيال)، وافتتح (حصن جبل اللوز) وغنم منه غنيمة، وكان السيد العلامة أحمد بن علي الشامي شريكه في حصار الحصن، غير أن أصحاب القاضي (بنو جبر) وأصحاب السيد غيرهم، فكانت اليد للقاضي، وجعل سلب الأمير وسلب الشاوش للسيد - رحمهم الله تعالى - وكان الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد يفضله بالشجاعة على غيره، بل نقل السيد الأمجد عبد الله بن عامر بن علي - رحمه الله - أنه سمع الإمام يحكي أن القاضي أشجع من رآه الإمام، وحكى له قضية، واجتمعت بالقاضي في منزل السيد عبد الله بن عامر بـ(الجراف) من مخارف (صنعاء)، فسأله(1) السيد عن القضية، فأخبره وأنا أسمع، قال: توجهت العساكر من جهة الترك على السيد المجاهد محمد بن عامر إلى محل بجهة (وادعة) سماه، وفاتني اسمه، فأغار الإمام، وأغرنا معه، فوجدنا(2) في الطريق قصبة معمورة على رأسها كالصفيف قد دخلها نحو سبعة /90/ نفر رماه الذي في ذهني من الرواية أنهم سبعة، وذكر مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله حفظه الله أن القاضي ذكر أنهما رجلان فقط، لكنهما قد قتلا سبعة نفر، فلعل الذي في ذهني ذكر السبعة، فمنعوا جيش الإمام من الغارة، فتخوّف الإمام على السيد محمد بن عامر الاستئصال، فقال - عليه السلام -: من يحب الله ورسوله حمل على هؤلاء، فسمعها القاضي، وأعلنها في الناس لعل راغباً يرغب، فلم ينهض أحد، فوضع شملة سوداء على عمامته، وحمل منفرداً، ولحق به رجل من (ظفار)، فرموه من القصبة، فسلمه الله، ثم نفذ إلى تحت القصبة، وقال لصاحب (ظفار): أعطني ظهرك أصعد عليه، فارتقى حتى عَلاَ، ووضع عمامته تحت الصفيف، ونطحه حتى انتشر البناء، وهو من البناء المعروف بجهة البادية، فألقى الله الرعب في صدور أولئك، فانهزموا منه، ووثب إلى داخل القصبة، ثم دعا بأصحاب الإمام،
__________
(1) في (أ): فسألت.
(2) في (ب): فوجدناه.

فأقبلوا، وظفر ببعض أولئك، وقتل بعضهم صبراً بين يدي الإمام، قتله مولانا السيد الجليل الحسين بن أمير المؤمنين - عليهما السلام - وحج القاضي المذكور مع الإمام القاسم، واتفق له أن بعض المفسدين عاث في الحجاج، وآذاهم، ونهب من نهب، فتجرد له القاضي، وارتبطه ارتباطاً وفي آخر أمره تولى القضاء(1) بجهة (وصاب) بعد أن شهد المشاهد الإمامية جميعها، وتوفي - رحمه الله - (بالدن) وقبر بـ(الروضة) هنالك في شهر ربيع سنة إحدى وخمسين وألف سنة، ورثاه سيدنا(2) العلامة علي بن محمد(3) سلامة - أبقاه الله - بقصيدة مستجادة، ورثاه سيدنا المقري الفاضل الصالح، صلاح بن محمد السودي الصعدي - رحمه الله - وجعلها على قصيدة القاضي علي بن سلامة فقال:
هو الصبر ما كافاه ملجا ولا كهفُ ... إذا لم يطق منعاً وقد وقع الصرفُ
ألم به عند الملمات واحتسب ... به لامة من دونها البيض والزعفُ
أخي ألو(4) أعباء الأسى لا مجهلاً ... وخذ في الأسى نهجاً فمثلك لا يهفو
فما جزع يغني فتيلاً لجازعٍ ... ولا عبرة تجدي ولو جادها الوكفُ
وأما الفتى الماضي لوجه سبيله ... فما رِزْؤُهُ في الدين إلا البلا الصرفُ
لئن غاب نور الدين وانهدَّ طوله ... فهذا الكسوف الحق عمرك والخسفُ
وما الموت إلا للأكارم واصلٌ ... ولكنه عن وصل غيرهم يجفو
فلله ما أحلى الثرى من صفاته ... صفات علاً فوق الثريا لها وصفُ
فتى قد نمته من عدي غطارف(5) ... ضراغم(6) غلاّبون شم الذرا أنفُ
مفاخرهم كالشمس نوراً ورفعة ... وفيهم بحسن الذكر أنعمت الصحفُ
فتى إن دجا في العلم والمحل مشكلٌ ... فمن عنده للحالتين لها كشفُ
فينحل معقود ويرتاح منكد ... وينهل مطرود ومنهله يصفو
__________
(1) في (أ): وافى آخر أمره تولى القضاء.
(2) في (ب): السيد.
(3) زيادة في (ب): بن.
(4) في (ب): الق أعباء.
(5) غطارف: جمع غِطْرِيْف: وهو السيد الشريف، والسخي السَّرِيّ. القاموس المحيط 777.
(6) ضراغم: أُسُود.

يفيدك من علم وحلم معاون(1) ... إليه تسل كف فمنه تسل كفُ
/91/ شمائله تروي(2) النسيم وبأسه ... يمزق من شمل المعادين ما لفوا
ففي السلم والحرب(3) الرخا وعقيمها ... فللمهتدي لطفٌ وللمعتدي حتفُ
وأيامه في المعتدين شهيرةٌ ... يخبر عنهن المخالف والإلفُ
فللَّه من ليث الملاحم منهس ... به شرب الخصم المكاره واشتفوا
رأوا عزمه والسيف لما تكافN ... مضاء فما للأشقيا [عنه](4) ما كفوا
فتهمي له الأقلام والصحف عبرة ... إذا بكت الأشقا المزاهر والدفُ
ويبكي له الملهوف للعلم والندى ... يحق له فيها التأسّفُ واللهفُ
وتبكيه بيض الهند والسمر والشرا ... ويرتاح منه الطرف إن سحر الطرفُ
وما الموت إلا كل حي يذوقه ... وآخرُ هذا الخلق أولَه يقفو
لئن سنت الأبكار عظم مصابه ... ففيه جميع الوصف بالحق ملتفُ
عليه سلام الله ما فاه عارفٌ ... بأوصافه الحسنا وفاح(5) لها عرفُ
علي بن أحمد بن جابر الوادعي
القاضي العلامة البليغ، لسان زمانه، وإنسان أوانه، علي بن أحمد بن جابر الوادعي، أحد العلماء، وأوحد(6) البلغاء، وله قصائد غر، وفرائد در، من ذلك قصيدته التي كانت بعد قضية الغز التي في (المولدة) من أطراف بلاد (حاشد)، وكانت بينه وبين الإمام الناصر بن المنصور صدق فيها العراك وتحقق الضرب والطعن(7) الدراك، وسقط الشيخ مخلص الدين - رحمه الله - عن جواده، وحامت عليه صقور الخيول، وحامت عليه الآساد والشبول، وكان هنالك أمر يهول، وخطب شرحه يطول، فلله در أولئك، والله يجزيهم عن سعيهم زرابي الجنة والأرائك، فقال القاضي - رحمه الله – قصيدته منها(8):
حشاشة نفس ودعت يوم(9) ودعوا ... أهابت بقلب في الهوى متقلبِ
__________
(1) في (ب): معاً وإن.
(2) في (أ): يروي.
(3) في (أ): الحلم.
(4) في (ب): معنى فما للأشقيا عنه ما كفوا.
(5) في (أ): فاه.
(6) في (ب): وواحد.
(7) سقط والطعن من (أ).
(8) سقط من (أ): منها.
(9) في (ب): حين.

فلله ما يخفي فؤادي من الجوى ... وقد ركبوا يوم اللوا كل مركبِ
(1) ألا قف برسم الدار مستخبراً لها ... وروق بها جفنيك طوراً وصوبِ
واهرق بها ماء الجفون فإنها ... ستكشف عن مكنون سر محجبِ
أقم يا غراب البين ما شئت وارتحل ... إذا شئت واهتف ما بدا لك وانعبِ
فقد كنت أخشى البين حتى وجدتها ... مفاجئة لا درَّ درُّك فاذهبِ
وإن غراباً صاح للبين مرة ... وسابح يمن مر ليس بأعضبِ
أفادا نوى ميمونه فرقت بنا ... إلى مشعب يفضي إلى خير مشعبِ
إلى سوح عز الدين خير بني الورى ... حليف المعالي الأريحي المهذبِ
(2)ويوم تلاقت بين ركني شوابة ... وذيبين من محض ومن متأشب(3)
كتائب زفتها إلينا وأجلبت ... بنو يافث أطراف أبناء يعربِ
على كل جرداء الأهاب ظميرة ... ومنجرد عبل الذراعين سهلبِ/92/
وجاشت أسود الغاب من كل جانبٍ ... بجرد تسامي في الأعنة شُزَّبِ(4)
ألم يخش درع الهاشميِّ وسرجه ... بذي لبد من أسد حقان أغلبِ
إذا الخيل كرت كرة فلَّ حدها ... بناب ضروب للرجال ومخلبِ
فما ابن طفيل عامر وابن حارث ... عتيبة في جون من النقع أشهبِ
وما كان بسطام بن قيس بن خالد ... إذا ما انتمت فرسان بكر وتغلبِ
ولا ذو لوا الوهاب أعني عمارة ... غداة رمت عبس تميماً بمقنبِ(5)
ولا عنتر والخيل تغزو عوابساً ... عليها من الفتيان كل مجربِ
بأطعن منه والقنا متشاجرٌ ... واضرب للمستليم المتلببِ(6)
علي بن أسعد بن إبراهيم
__________
(1) زيادة في (ب): ومنها.
(2) زيادة في (ب): وقال في وصف القضية.
(3) متأشب: مُخْتَلِط.
(4) شُزَّبٌ: جمع شَازِب، وهو الخشن، والضامر اليابس. القاموس المحيط 107.
(5) مِقْنَب: مِخْلَب الأسد. ومن الخيل: ما بين الثلاثين إلى الأربعين، أو زهاء ثلاثمائة. القاموس المحيط 131.
(6) في (أ): الملبب.

القاضي العلامة الكامل، ولي آل محمد، علي بن أسعد، من ولد الدعام بن إبراهيم من (الجوف)، وهو صهر السيد الكامل إبراهيم بن أحمد بن الحسن بن مجد الدين يحيى بن محمد بن أحمد بن يحيى - عليه السلام -.
علي بن أسعد بن المنعم
العلامة البليغ اللسان، جمال الدين علي بن أسعد بن المنعم بن طويلة الصعدي - رحمه الله - كان عارفاً بليغاً، وآل طويلة بيت بـ(صعدة) قد قلوا، كما قل آل فند، والمذاهبي، وآل زيدان، وآل عليان، وآل شيبان، وآل أبي النجم، فإن هؤلاء بيوت (صعدة) لم يبق منهم إلا النزر، وكان لعلي بن أسعد شعر مما قاله في القاضي العلامة يحيى بن أبي النجم، وأسقطت بيتاً(1) لخفائه عليّ فقال منها:
فقلت لها أرض النبوة أرضنا ... وحكامه الأخيار آل أبي النجمِ
صناديد قد صفاهم الله في الملا ... عن البخل والترديد في العيب والذمِ
نجومٌ كشهبٍ في السماء توقَّدَتْ ... وبدر الدجى فيهم تتوج بالحلمِ
عماد لدين الله يحيى الذي له ... جفان بخبز البر والسمن واللحمِ
(2)له همة فوق السماكين سمكها ... وعزم كعزم المنذرين أولى العزمِ
هو البحرُ علماً والقضاةُ جداولٌ ... وسيماه في وجه غني عن الاسمِ
وأمتعه رب البرايا بسبطه ... أخي المجد إبراهيم ذي الحسب الضخمِ
ولا زال في عز عزيز ونعمة ... مدى الدهر ما هب النسيم على رسمِ
ولعلها طويلة، وهذا القدر كاف.
علي بن أصفهان
__________
(1) سقط: بيتاً من (أ).
(2) زيادة في (ب): ومنها.

شيخ (اليمن) و(العراق)، وإمام العلماء على الإطلاق، علي بن أصفهان، ويقال أصفاهان - رحمه الله - هو واسطة عقد الزيدية النظيم، وآية مفخرهم العظيم، ترجم له غير واحد من علماء (العراق) ممن ترجم له يوسف حاجي الزيدي العراقي، ومنهم يوسف اللاهجاني في كتابه إلى العلامة عمران، ذكره عند ذكر الناصر الرضا، ورواية ولده العلامة أبي المنصور في كتابي(1) أصفهان لكون العلامة(2) الغزالي مات زيدياً /93/، قال: ومكان الفقيه أبي منصور هذا في زمرة الناصرية كالنبي في أمته، وكان تلميذاً لأبيه علي بن أصفهان، وكان أفضل من ابنه أبي منصور بدرجات، وكان تلميذاً للرضى الناصر(3) - رضي الله عنه - وهو كان تلميذاً للغزالي - رحمه الله تعالى - قال يوسف حاجي - رحمه الله -: الشيخ الحافظ علي بن أصفاهان الديلمي ثم الجيلي المدفون في (لاهجان) في موضع يقال له (باكي دشت)، له (الكفاية) - رحمه الله -.
علي بن بلال
__________
(1) في (ب): بن علي بن.
(2) زيادة في (ب): أبي حامد.
(3) سقط من (ب): الناصر.

العلامة الفقيه أبو الحسن علي بن بلال - رحمه الله - هو العلامة المحقق، صاحب التصنيف، فضله(1) في المذهب يلحق بسادته الهارونيين، وله عدة كتب في المذهب منها (الوافر) بالراء المهملة بعد الفاء(2) في مذهب الناصر - عليه السلام - كتاب جليل، وله كتاب (الوافي) على مذهب الهادي - عليه السلام - فلا يذهب عنك أن (الوافر) غير (الوافي) وكلاهما له، فالوافر - بالراء المهملة على مذهب الناصر، والوافي على مذهب الهادي، وله كتاب (المؤخر الصغير)، وأظنه الذي نقل عنه بعض شيوخنا مسألة الهدية، وقبول الناصر لها حيناً، ورده(3) لها حيناً، فإنها نقلت من كتاب ابن بلال ثم قال (4) الناقل من شيوخنا: ثم أنقلها من (الوافر) بل من غيره لابن بلال، ولم أجد في الفقه بعد (الوافر) و(الوافي)(5) غير (المؤخر)، والرواية هي: حدثني حسين الحجام قال: كنت جمعت بالجيل والديلم سبعة آلاف درهم بأجرة الإحتنان حملت من ذلك إلى الناصر ثلاثة آلاف درهم صحاح هدية له، فلم يقبل، وقال: أنا أحتاج أن(6) أعطيك يا حسين، فكيف آخذ منك؟ ثم قال في الكتاب(7) هذا: حدثني أبو داود، قال: جاء رجل جيلي (8) شكسكوهي بزقٍ فيه رُبٌّ إلى الناصر هدية، فقبلها الناصر، وأمر بأن يسلمه إلى خادم له يقال له (لهو)، ثم جاء صاحب الرب بعد ثلاثة أيام بخصومة ودعوى له على رجل، فلما قدم صاحب الرب خصمه إلى الدعوى، أمرنا الناصر أن ندعو خادمه، ونأمره برد رُبِّه(9)، فجاء خادمه به فأبى الرجل أخذه، فامتنع(10) أن يأخذه، فلم يتركه الناصر دون قبضه وأخذه. وحدثني أبو جعفر الفقيه سولس بنحوه، ونظير ذلك ما حدثني به أبو العباس المعروف بنير قال: جاء
__________
(1) في (أ): فمثله.
(2) في (ب): بعد الألف [ولعل الصواب بعد الفاء].
(3) في (أ): ومرده.
(4) في (ب): وقال.
(5) في (ب): والكافي.
(6) سقط من (أ): أن.
(7) سقط من (ب): في الكتاب.
(8) سقط من (ب): جيلي.
(9) في (ب): رب.
(10) في (ب): وامتنع.

رجل ودفع إلى الناصر سفرجلة، فأخذها الناصر، وشمها، ووضعها بين يديه، فلما كان بعد ساعة، جاء صاحب السفرجلة بخصم له مُدَّعىً عليه، فلما بصر به الناصر كذلك رد إليه سفرجلته من ساعته. ونظير ذلك ما حدثني به أبو موسى الشيخ سلوس قال: هيأ أخي بالجيل للناصر مائدة من الطعام وحملاً وسموكاً وغيرها، فذهب بها إليه، فقال له الناصر: ألك مع أحد دعوى وطلبة؟ فقال: لا، فلما علم ذلك قبلها. وحدثني عبد الله بن الحسن الإيواري قال: كنت حملت إلى الناصر شيئاً من الفواكه إلى (شالوس)، فامتنع من قبوله، فدنوت منه، وقلت: إن فاطمة - عليها السلام - قبلت من سلمان هديته وأنت تمتنع مما عملت فاطمة /94/ وأخذت واحداً منها، وأدخلته في يده حتى قبض واحداً، ثم إن علي بن بلال حقق هذه المسألة بعد نقل هذه الروايات ونحوها، وهو - رحمه الله - الذي(1) تمم (المصابيح) كتاب أبي العباس أحمد بن إبراهيم الحسني - عليه السلام -؛ لأنه نقل إلى جوار الله، وهو في ترجمة يحيى بن زيد. قال ابن بلال ما لفظه: كان الشريف أبو العباس الحسني - رضي الله عنه - ابتدأ هذا الكتاب، فذكر جملة أسامي الأئمة في أول ما يريد ذكر خروجهم، فلما بلغ إلى خروج يحيى بن زيد إلى (خراسان) حالت المنية بينه وبين إتمامه، فسألني بعض الأصحاب إتمامه، فأجبت إلى ملتمسهم محتسباً للأجر، وأتيت بأسمائهم على حسب ما رتب هو، ولم أقدم أحدهم على الآخر. قال يوسف الحاجي الزيدي: دفن ابن بلال في قرية (وارقويه حالة زر). انتهى.
علي بن جبريل بن الحسين
السيد الأمير الكبير علي بن جبريل بن الأمير الحسين بن محمد مؤلف (الشفا) - عليهم السلام - ذكره ابن الجلال فيما أحسب قال: كان زاهداً عارفاً كاملاً، مات بهجرة (رغافة) - رضي الله عنه - ورحمه(2) آمين.
علي بن جعفر الصادق
__________
(1) في (أ): التي.
(2) في (ب): - رحمه الله - ورضي عنه آمين.

السيد الحجة الإمام الخطير برهان الحق لسان العترة على ابن جعفر الصادق بن محمد الباقر - عليهم السلام - يكنا بأبي الحسن ويلقب بالعريضي قرية على أربعة أميال من المدينة، وكان أصغر ولد أبيه وخرج مع أخيه محمد بن جعفر بمكة، ثم رجع عن ذلك ولم ير أباه جعفر الصادق، وكان عالماً كبيراً وأكثر روايته عن أخيه موسى الكاظم وابن عم أبيه الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - وعاش إلى أن أدرك الهادي علي بن محمد بن علي بن موسى الكاظم، ومات في زمانه، قال الشريف ابن عنبة: قال (شيخنا) (1) العمري: حدثنا شيخنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن إبراهيم الفقيه المصري، وكان لا يسأل إذا أرسل، (ثقة) (2) واطلاعاً أن أبا جعفر الأخير وهو محمد بن علي بن موسى بن جعفر الصادق، و(3)دخل على العريضي فقام له قائماً وأجلسه في موضعه ولم يتكلم حتى قام فقال له أصحاب مجلسه: أتفعل هذا مع أبي جعفر وأنت عم أبيه، فضرب بيده على لحيته وقال: إذا لم ير الله تعالى هذه الشيبة(4) أهلاً للإمامة أراها أنا أهلاً للنار.
علي بن جهشيار
__________
(1) سقط من (ب).
(2) فراغ في (ب).
(3) سقط من (ب).
(4) في (ب): المشيبة.

علي بن جهشيار العالم الكبير صاحب القاسم - عليه السلام - وراوي مسائله، وقد عددنا أصحاب القاسم - عليه السلام - في موضع، منهم علي هذا وأولاد القاسم جميعهم، محمد والحسن والحسين واود وسليمان، ومنهم محمد بن منصور المقري والحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي عم يحيى بن عمر الخارج بالكوفة، ويحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله صاحب الأنساب المعروف بالعقيقي، وله إليه مسائل، ومنهم عبد الله بن يحيى العومسي(1) العلوي الذي أكثر الناصر للحق الرواية عنه، ومنهم محمد بن موسى الحواري العابد، روي عنه فقهاً كثيراً، وأبو عبد الله أحمد بن محمد بن سلام الكوفي صاحب فقه كثير، وممن لازمه وخدمه أبو عبد الله الفارسي - رحمه الله - كان يخدمه /95/ ويلازمه في أسفاره وحضوره وانتفع بعلوم القاسم وعادت عليه بركاته، وكان يحكي من أخبار القاسم - عليه السلام - ما هو نافع للمتبصر، حكى أنه حج مع القاسم قال: فاستيقظت من النوم بعض(2) فافتقدته، فخرجت فأتيت المسجد الحرام فإذا أنا به وراء المقام لاطئاً بالأرض ساجداً وقد بل الترب(3) بدموعه وهو يقول: من أنا فتعذبني(4)، فوالله ما يشين(5) ملكك معصيتي ولا يزين ملكك طاعتي. وروى الفارسي - رحمه الله - أنه لما اشتد الطلب للقاسم - عليه السلام - أظنه قال في أوائل بلاد مصر، فانتهى إلى خان فأكترى خمس حجر متلاصقات فقلت له: يا ابن رسول الله، نحن في عوز من النفقة ويكفينا حجرة من هذه الحجر، ففرغ حجرتين عن اليمين وحجرتين عن اليسار ونزلنا معه الوسطى منهن وقال: هو أوقى لنا من مجاورة فاجر وسماع منكر.
علي بن الحسن بن علي
__________
(1) في (ب): القومسي.
(2) في (ب): بعض الليل.
(3) في (ب): الثرى.
(4) في (ب): ما أنا.
(5) في (ب): تشين.

السيد الإمام الكبير المجتهد الحافظ شيخ الشيوخ علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - والد الناصر الكبير شيخ العترة، كان من المحدثين والفقهاء، ناظورة زمانه، وكان محدث أهل البيت الحسين بن علي المصري صنو الناصر يروي عنه مشافهة، وكذلك السيد الإمام المحدث أحمد بن محمد بن عم الناصر، وعن طريقهما روى الناصر ما حكاه صاحب الحاصر عنه، وهو أنهما رويا للناصر عن أبيه علي بن الحسن المذكور أنه قال: حدثنا علي بن عبد الله بن الحسين عن موسى بن جعفر في قوله تعالى: ?وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً?[آل عمران:97]، فهذا لمن له مال يسوقه من أجل تجارة فلا يسعه، فإن مات على ذلك فقد ترك (شريعة)(1) من شرائع الإسلام إذا ترك الحج وهو واجد ما يحج به وإن دعاه قوم إلى أن يحج فاستحيا من ذلك فلا يفعل فإنه لا يسعه إلا أن يخرج ولو(2) على حمار أبتر أجدع، وقول الله تعالى: ?وَمَنْ كَفَرَ?، فإنما يعني من ترك الحج وهو يقدر عليه، انتهى.
علي بن الحسن بن الحسن
السيد الكريم بركة آل محمد الأطهار ونور تلك الشموس والأقمار علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - قال في ترجمة له بعد ذكر نسبه ما لفظه:
خير الرجال تجارة خير الورى ... لكنه جهل الرجال محله
صلى الإله عليه بعد جدوده ... والله يكرمه ويكرم أصله
كان يكنى أبا الحسن، قال ابن عنبة: هو العابد ذو الثفنات، استقطع أبوه عين(3) مروان، فكان لا يأكل منها تحرجاً، وكان مجتهداً في العبادة وحبسه المنصور الدوانيقي مع أهله، فمات في الحبس - رحمه الله - انتهى.
علي بن الحسن الحسني
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) زيادة في (ب): كان.
(3) في (ب): غير.

السيد العلامة علي بن الحسن الحسني النعمي - رحمه الله - قاضي المخلاف وعماد إقليمه، كان - رحمه الله - سيداً سرياً فاضلاً كاملاً يهتز للأدب والعلم ويحفظ الأخبار والآثار ويطلع على القصص المتقدمة والمتأخرة، وكان يأتي على …… /96/ أكثر الكشاف غيباً، وعمر فانتفع به أهل الإقليم، ومسكنه جهة سلفة بنحو (شرف والسلام) (1)، واتخذ بيتاً (بعتود)، وكان عليه مدار ذلك المخلاف، وكان واسع الصدر، وله فصاحة، ومن شعره (قصيدة نبوية وهي) (2):
(……)(3)
وله أولاد نجباء علماء أعيان، منهم السيد العالم عز الدين بن علي قاضي أمير المؤمنين المتوكل على الله الموجه كل عام لفصل الخصومة مع ركب الحج وهو من نجباء السادة وفضلائهم، وله شعر متين وأخوته الأجلاء شمس الدين أحمد والحسن وإبراهيم وجماعة فضلاء - رضي الله عنهم -.
علي بن الحسن
__________
(1) في (ب): فراغ.
(2) فراغ في (ب).
(3) بياض في (أ) وفي (ب).

السيد الجليل عالم المدينة النبوية وواسطة عقد العصابة الحسنية والحسينية علي بن الحسن النقيب بن علي النقيب بن الحسن بن علي بن شدقم بن طامن بن محمد بن عرمة بن مكيثة بن ثوبة بن حمزة بن علي بن عبد الواحد بن الأمير مالك بن الأمير شهاب الدين بن الأمير أبي عمارة المهنأ الأكبر بن الأمير أبي هاشم داود بن الأمير أبي أحمد القاسم بن عبد الله بن طاهر بن يحيى النسابة بن الحسن بن جعفر الحج بن عبد الله الأعرج الأول(1) ابن الحسين الأصغر بن علي بن زين العابدين بن الحسين السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليهم السلام - هو كما قال بعض علمائنا عند ترجمته: هو عالم المدينة في زمانه وعين أهل البيت - عليهم السلام - في أوانه وأكثر أهل بيته على مذهب الإمامية وبيدهم الغلبة على الحرم النبوي كما ذلك معروف غير أن هذا الشريف سدده الله فحرص على علوم أهل البيت الأئمة وراسل الإمام القاسم واستجاز منه وعوجل الإمام عادت بركته قبل كتابتها فكمّل ذلك ولده المؤيد بالله في عام أربع وثلاثين وألف ونسبه المذكور نقله الفقيه محمد بن أبي القاسم المطهري التهامي الزيدي، قال: كتبه له ولده شدقم بن علي - رحمه الله تعالى -.
علي بن الحسن بن محمد(2)
السيد العالم علي بن الحسن بن محمد بن أحمد بن وهاس الحسني من المعافية سادة المخلاف، كان عالماً عاملاً رحل إلى صنعاء وقرأ في السر ببلدة (عيال الشيخ)، وكان نبيهاً نبيلاً فاضلاً - رضي الله عنه -.
علي بن الحسن بن سرح
__________
(1) كذا
(2) هذه الترجمة ساقطة من (ب).

العلامة الفقيه الفاضل جمال الإسلام علي بن الحسن بن سرح بن يحيى بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي - رحمه الله - هو علامة وفاضل شهير ترجم له العلامة المجتهد محمد بن سليمان صاحب (الروضة) المعروف بإمام المذاكرين قال ما لفظه: كان علي بن الحسن معروفاً بالفضل مشهوراً موصوفاً بالعلم قاضياً للهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم - عليهم السلام - في مسجد الجامع بقرية مدر، وله أعمال هنالك شاهدة بذلك من أمواله ودوره (قارين والحضيرة(1)) مذكورة في بصائر وتواقيع، ومن دوره القصر الأبيض الذي كان فيه صورة الشمس والقمر وكانت طاقاته مخروطة(2) من حجارة منجورة كأنها صنعت من عود وهما مما يلي القصر الأسود /97/ انتهى.
__________
(1) في (ب): والحضيرين.
(2) في (ب): محروقة.

وعلي بن الحسن هذا يجمع نسب آل أبي الرجال الذين في الرياضة في الحجاز والذين في (بيش) والذين بظاهر بلاد الأشراف، قال الشيخ عبد الله بن العباس السرجي: ذلك(1) في كتاب (لطائف المنن) في ذكر من دخل من قريش الشام و(2)اليمن، وكذلك في (العقد الفريد في أنساب بني خالد بني أسيد) أن الحسن المذكور والد علي جد القضاة آل أبي الرجال دخل العراق في دولة بني العباس، فسكن في (الحيرة)، وكان من أهل الفضل والعلم والشجاعة والكرم والصدقات، فمال إليه الناس بالإحسان، وكانت امرأته من الصالحات الكاملات، ولم يرزق منها ولد إلا بعد مدة طائلة، فلما بلغ الولد سنتين جمع أهل بلاده وكان يملك(3) من الخيل قدر مائة وصاحب آلاف فاراد ختان ولده هذا في يوم عيد عرفة، فجلس في يوم الوقوف في بعض أماكن البيت، والولد نائم عنده، فقام يصلي فدخل ثعبان من طاقة المكان فلدغ الولد وأدبر الثعبان فافتقد الحسن ولده فألفاه ميتاً، فصلى ركعتين وحمد الله وأثنى عليه ولم يظهر(4)، ثم أنه طلع إلى عند زوجته وقال لها: أما تعلمين أن جميع ما نملكه من الخيل والرزق والبلاد من الله ونحن وصلنا فقراء؟ فقالت: نعم. قال: فإذا أخذ منا ما أعطانا وتركنا فقراء كما كنا ماذا يكون؟ قالت: نحمده ونشكره. قال: والولد الذي أعطانا كذلك؟ قالت: نعم. قال: قد استرجع الولد علينا فلا تغيري سرور الناس بالعيد، واظهري الفرح والسرور وقولي في وقت آخر نختنه. فقامت فصلت ركعتين وحمدت الله(5) تعالى وأثنت عليه. وأظهرت السرور وقبر الولد خفية في الليل ولم يطلع عليه أحد، ثم أنه باشر زوجته ثالث العيد فحملت فولدت(6) أربعين ولداً ذكوراً في قرعة واحدة ففرقهم في بلاده فأرضعوهم فعاشوا جميعاً ما مات أحد منهم حتى ركبوا الخيل وأولدوا وما مات
__________
(1) في (ب): ذكر.
(2) في (ب): أو اليمن.
(3) في (ب): يملك.
(4) في (ب) زيادة: لأحد.
(5) في (ب): حمدت الله سبحانه.
(6) في (ب): فولدت له أربعين.

الحسن أبو هم إلا وقد ولد لكل ولد من عياله خمسة أولاد، فسمي بأبي الرجال. (1)
قلت: ونظير هذا ما ذكره الذهبي في النبلاء في ترجمة أبي عبد الله البجلي قال: قال البجلي: كان ببغداد قائد من قواد المتوكل، وكانت امرأته تلد البنات، فحملت مرة فحلف القائد إن ولدت هذه المرة بنتاً قتلتك بالسيف، فلما جلست للولادة هي والقابلة ألقت مثل الجراب وهو يضطرب فشقوه فخرج منه أربعين ابناً وعاشوا كلهم (وأنا رأيتهم) (2) ببغداد ركباناً فرساناً خلف أبيهم، وكان اشترى لكل منهم ظيراً ونحوه، ما حكاه أحمد بن ركانة قال: أخبره الإمام الكرماني أن عندهم امرأة بكرمان ولدت كيساً(3) خمسة وأربعون ولداً عاش أكثرهم ورأيت بعض نسلهم ويعرفون ببني الهريس. ونحو ذلك ما ذكره البريهي في بعض علماء الحجرية وبلاد المعافر.
__________
(1) في (ب) زيادة: لهذا.
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): كيساً فيه.

قلت: وقد تسمّى بأبي الرجال جماعة ذكرهم النسّاب، منهم بعض بني الحسين السبط كمحيي الدين الجيلاني عند من أثبت نسبه وهو الأظهر، ومنهم من ولد عمر بن علي بن أبي طالب - عليه السلام - ذكره بقية النقباء المرتضى الحسيني في شجرته، ومنهم محمد بن عبد الرحمن الأنصاري أحد رجال الصحيح، ومنهم بطن بالأحساء أحسبهم من (طي) والله أعلم. ومنهم المنتسبون إلى عمر بن الخطاب ولعمر بن الخطاب عقب كثير، قال في (قلائد /98/ الجمان): العمريون موجودون الآن بكثرة بمصر والشام وغيرهما، وقد ذكر في (مسالك الأبصار) أنه وفد منهم طائفة على الفائز الفاطمي بالديار المصرية في وزارة الصالح طلائع(1) بن رزنك في طائفة من قومهم بني عدي ومقدمهم شمس الدولة خلف ابن نصر، ثم ذكر في مسالك الأنصار أن آل عمر بن الخطاب جماعة واسعة بثغر (دمياط) و(الرلس)(2)، وأحال في بسط ذلك على كتابه المسمى (بفواضل السمر) (3) في فضائل آل عمر، وذكر أن بوادي بني زيد من بلاد الشام فرقة منهم، وكذلك بالقدس و(عملون(4) و(البلقى)، انتهى. قال في القلائد: ومن المنتسبين إلى عمر بنو فضل الله كتّاب السر الشريف بمصر والشام، وذكر المعز السهامي أنهم من ولد حلف بن نصر المقدم ذكره، ومن العمريين القاضي شمس الدين العمري والقاضي ناصر الدين الدلسي(5) الكاتبان، ومنهم الحفصيُّون ملوك أفريقية، وهم أولاد أبي حفص أحد العشرة أصحاب ابن تومرت، لكن في نسبهم شيء قيل هم من قبيلة عمر لا عقبة، وقيل: من البربر، انتهى. ومنهم بصنعاء العدد الكثير منهم أبو زيد محمد(6) بن الخطاب العدوي الآتي ذكره في ترجمة محمد بن الوقار والله أعلم.
علي بن الحسن النعمي
__________
(1) في (ب): طلاح.
(2) كذا.
(3) في (ب): الفواصل السمر.
(4) كذا.
(5) كذا.
(6) في (ب): أبو زيد بن محمد بن أبي الخطاب.

العلامة الفاضل علي بن الحسن النعمي - رحمه الله - أحد العلماء الفضلاء وفد(1) إلى الإمام شرف الدين مع الفقيه محمد بن أحمد بن إبراهيم والي (ينبع) للإمام - عليه السلام -.
علي بن الحسن الدواري
العلامة الفقيه الفاضل علي بن الحسن(2) الدواري - رحمه الله تعالى - من شيوخ السيد صلاح ابن الجلال، كان عالماً كبيراً، وله ترجمة تنقل إن شاء الله.
علي بن الحسين بن يحيى
الأمير الفاضل سلطان المحققين علي بن الحسين بن يحيى بن يحيى صاحب (اللمع) و(الدرر) إنسان العترة وسيدهم وفاضلهم في وقته جدد الآثار وقرر العلوم واتفقت على فضله الزيدية واعتمدت كتبه، وكان متواضعاً، ودليل ذلك جوابه على العلامة حميد الشهيد لما قام(3) الأمير بمسجد الغزالي بصنعاء أيام الغز وكتابه اللمع أجل كتب الزيدية، وهي مأخوذة من التجريد والتحرير للسيدين، وله (الكوكب) وله (القمر المنير) على التحرير، وله مذاكرة لعلها غير القمر المنير، وله (الدرر في الفرائض)، وله غير ذلك، ومن وجوه تلامذته العلامة بن معرف، وروى السيد يحيى بن القاسم الحمزي أن الأمير علي أذن للإمام أحمد بن الحسين في إصلاح القمر المنير وقبره - رحمه الله - في (قطابر) شهير مزور.
علي بن الحسين بن محمد
__________
(1) في (ب): من.
(2) في (ب): الحسين.
(3) في (ب): أقام.

القاضي العلامة بحر العلوم الطامي وجبل الحلوم السَّامي صاحب العبادة والزهادة وخلوص الطوية علي بن الحسين بن محمد بن علي بن محمد بن غانم بن يوسف بن الهادي بن علي بن عبد العزيز بن عبد الواحد بن عبد الحميد الأصغر بن عبد الحميد الأكبر، هكذا رقم نسبه القاضي شمس الدين أحمد بن سعد الدين - رحمه الله - إلى عبد الحميد، ولم يزد عليه ونسب عبد الحميد مشهور مذكور من بني المنتاب سلاطين مسور، ولهم عقب هنالك مشهور منهم من سكن وادي عيال علي ببلاد مسور وسكن هؤلاء القضاة (وادي صارة) (1)، فهم بيت شهير، لهم في التشيع نمط متحد لا يختلفون فيه وخاتمة بيت العلم منهم عقب القاضي حسين بن محمد - رحمه الله - فأما عقب سعد الدين فقد /99/ انقطع بموت القاضي أحمد بن سعد الدين - رحمه الله - وأما عقب علي المذكور فبقي منهم طفل صغير بتعز العدنية ابن لمحمد بن علي بن الحسين ثم درج وكان محمد هذا ديناً لبيباً يجيد الترسل ويحسن الشعر على نهج أهله وتعلق بالطب وهو الذي لمح إليه والده في قصيدته التي أنشأها(2) بالقدوم وهي (3) واستقر القاضي علي بن الحسين رضي(4) الله عنه مدة بجهة (فملا(5) الوعلية) من مسكن الشرف الأعلى ورحَل إلى صنعاء وقرأ بها وحقق في جميع العلوم سيما في المعقولات وكان مع ذلك كثير العبادة حسن السمت محبوباً عند كل أحد، ومما شاع في الألسن على العموم لو أن في الأرض ملائكة يمشون كان القاضي علي بن الحسين منهم، ورويت هذه اللفظة عن إمامه المنصور بالله القاسم بن محمد - عليه السلام - وهو شيخ شيخنا العلامة شمس الدين في كثير من العلوم، كان يأتيه القاضي صفي الدين من (تهجر)(6) ابن المكردم إلى القدوم أيام سكونه فيه كل يوم فيقرأ عليه جميع نهاره، ثم يعود إلى الهجر وأخبرني القاضي صفي الدين أنه
__________
(1) في (ب): وادي صارهم.
(2) في (ب): أنشدها.
(3) بياض في (أ) و (ب).
(4) في (ب): - رحمه الله -.
(5) كذا.
(6) في (ب): هجرة.

كان يشاهد من يصحبه من الجن ويسير بسيرته، قال القاضي صفي الدين عند ذكر مشيخته عند ذكر والده وعمه المذكور أما عمي ووالدي علي بن الحسين بن محمد المسوري وسعد الدين بن الحسين المسوري نور الله قبورهما وبيض وجوههما فإنهما - بعد الله ورسوله وأئمة الهدى - أصل هدايتي وعنوان رحمة الله لي بما رزقني من تأديبهما وتهذيبهما وتعليمهما وإرشادهما وتلقينهما إياي فوائد العلم وغرائب الحكم وتغذيتهما إياي بحب الله عز وجل وحب رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - وحب أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، انتهى. وكان القاضي - رحمه الله - حليف القرآن رطب اللسان به لا يزال مواجهاً للقبلة وكان له في الشعر قدم راسخة، وقد تكرر ذكر شيء من أشعاره في هذا التاريخ، ومن مخترعاته قوله في كرسي النسخ:
صبرت على شقي بنشر وإن لي ... بيحيى نبي الله أسوة عارف
فجوزي جنات النعيم بصبره ... وجوزيت عن شقي بحمل المصاحف(1)
وصرت خليل الأتقياء ولم أزل ... على حالةٍ يرضى بها كل عارف
وله قصيدة يستحث بها الإمام القاسم - عليه السلام - على شرح الأساس، توفي - رحمه الله - بمدينة صبياء من (المخلاف السليماني) الثاني عشر من ذي القعدة من عام أربع وثلاثين وألف، وهو متوجه لفريضة حج البيت الحرام وقبر - رحمه الله - عند المسجد المعروف بمسجد السيد عقيل من مساجد سادة الزيدية - رحمهم الله -.
علي بن الحسين بن محمد شاة
__________
(1) في (ب): بنات المصاحف.

العلامة الكبير رئيس العراق حجة الزيدية أبو الحسن علي بن الحسين بن محمد شاة شين ……(1) بيحان الزيدي، هو صاحب (المحيط بالإمامة)، وهو كتاب حافل في مجلدين صخمين أو أكثر على مذهب الزيدية كثرهم الله تعالى جمعه الشيخ أبو الحسن المذكور وهو كالشرح لكتاب (الدعامة) للإمام أبي طالب وإن كان على غير ترتيبه(2)، وقرأ على أبي الحسن علي بن أبي طالب الملقب بالمستعين.
علي بن الحسين الأثري
الأستاذ الشيخ المحقق علي بن الحسين الأثري الأيواري، شيخ العلامة أبي جعفر صاحب الإبانة، كان علي بن الحسين عالماً كبيراً /100/ قرأ على الأستاذ أحمد النيروسي الروياني وهو قرأ على عبد الله بن الحسن الأيوازي الروياني وهو قرأ على الناصر - عليه السلام - والناصر - عليه السلام - قرأ على محمد بن منصور، ومحمد بن منصور قرا على القاسم(3) - عليه السلام - وبذلك اجتمع إسناد أهل اليمن.
علي بن حمزة بن أبي هاشم
__________
(1) كذا في (أ) و (ب).
(2) جاء في حاشية (ب): وقرأه عليه العلامة زيد بن الحسن البيهقي، قراءة فهم وضبط، هكذا حققه القاضي أحمد بن سعد الدين، والعلامة صاحب المحيط... [بقي كلمتين لم أتمكن من قراءتها].
(3) زيادة في (ب): بن إبراهيم.

السيد الإمام المتقن علي بن حمزة بن أبي هاشم بن الحسين بن عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الرسي - رحمه الله - روى أبو فراس بن دعثم عن الشريف الفاضل قاسم بن يحيى عن عمر بن سليمان بن قاسم قال: كان علي بن حمزة بن أبي حمزة بن أبي هاشم(1) رجلاً فاضلاً عالماً ورعاً وحيداً في عصره، يومى إليه بالقيام، وأنه لما دعا الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين - عليه السلام - في ناحية العراق وسأل عن أفضل أهل البيت في ناحية اليمن فقيل له أفضل آل رسول الله (- صلى الله عليه وآله وسلم -) (2) في اليمن علي بن حمزة بن أبي هاشم، فأمر الإمام(3) المؤيد بالله بدعوته إليه لينشرها في اليمن، فوصلت إليه فكره القيام بها لما كان قد عرف من سيرة أهل البلاد وقلة وفائهم؛ لأنه قد كان قام محتسباً وجاهد بني الرواحي وحصرهم وقال: لكني أعين من قام فقام بها المحسن بن الحسن - رحمه الله - ولم يزل معه ومع أولاده إلى وقت قيام المنصور بالله، انتهى. وروى القاضي علي بن نشوان عن عواض بن مسعود أن علي بن حمزة بن أبي هاشم كان صاحب دين وطهارة مذ نشأ ودرس في العلوم ومحبة لأهل الدين ورحمة للمساكين وإحسان جم إليهم مع ثروة ويسار في عصره، وكان يُمدح بالأشعار ويجيز عليها بالجوائز السنية فوفد إليه والي أخيه يحيى بن حمزة شاعر من أهل صنعاء يقال له: علي بن زكري فامتدحهم بشعره وذلك في أيام الشريفة الكاملة زينة (بنت) (4) حمزة بن أبي هاشم رضي الله (عنهم)(5)، وكانت مشهورة بالفضل وسماحة النفس والمروءة الفاضلة والرأفة بالمساكين والعلم وكان لها (بن كثير ومحصول واسع)(6) في سبيل الله فذكرها الشاعر في شعره (فكسته) (7)
__________
(1) في (ب): علي بن حمزة بن أبي هاشم.
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): فأمر الإمام من ولد المؤيد بدعوته.
(4) في (أ): ابنة.
(5) سقط من (ب).
(6) في (ب): بر كثير مع محصول واسع.
(7) في (أ): فسكته.

- رحمها الله - وأجازه كل واحد من الشرفاء وأجازه الشريف الفاضل علي بن حمزة بجائزة سنية وحمله على بغلة أو راحلة قال علي بن نشوان غاب عني أيهما كان ومما حفظ من الشعر:
دع الشعر وامدح(1) خير هاشم عنصراً ... علياً حمام الضد عند التكافح
فتىً فاضلاً يسمو على الناس كلهم ... بعلم وعقل في البرية راجح
غياث اليتامى مشبع الضيف باذل ... العطايا لغادٍ في الأنام ورائح
ترى الناس أفواجاً لدى سوح داره ... كحجاج بيت الله عند الأباطح
وقال الشيخ أبو الغمر مسلم(2) في السيد الإمام علي بن حمزة المذكور يستنهضه للقيام:
مرت على الحارة في سحرة ... وسات(3) الشمس ينسري (وبيق)
وفي عجيب رقصت ساعة ... كفعلها في غيره ما تطيق
وفي شعاب وضعت رأسها ... يحسو زلالاً بارداً ما يفيق(4)
مرت بأبيات بني قرود ... وهيا(5) وسودان تؤم الطريق
ولم تعج بالحي من محزر ... لا يبلغ الحادي على الأنزريق
واستقبلت ذيبين مسرورة ... إذ نزلت بالفاطمي العتيق
/101/ أشوس من غر بني هاشم ... مستنقذ الجاني وغوث الرفيق
فشدَّ كالصارم في العزم بل ... كالبحر يلقاك بوجهٍ طليق
لم يصبح الكأس ولا هاجه ... نوح حمامات بوادي العقيق
ولا دعا الساقي في سحرة ... أن هات صرفاً من عصير الرحيق
قم فانعش الحق وأشياعه ... فأنت بالمرجو منه خليق
توفي الإمام السيد علي بن حمزة في شوال سنة سبع وسبعين وأربعمائة وقبره غربي هجرته وهجرة سلفه، بحيط حمران مسكن القضاة آل أبي الرجال بذيبين مشهور مزور، وله كرامات.
علي بن حميد بن أحمد
__________
(1) في (ب): وامتدح... [لم أتمكن من قراءتها] وذكر في الحاشية: ينظر في أول المصراع.
(2) في (ب): مسلم اللحجي.
(3) في (ب): وسامت.
(4) في (ب): ما تفيق.
(5) في (ب): وهنا.

العلامة المحدث الشيخ الأجل علي بن حميد بن أحمد بن علي بن أحمد بن جعفر بن الحسن بن يحيى بن إبراهيم وإبراهيم هذا هو المعروف بالأنف بن أحمد بن الوليد بن أحمد بن محمد بن عاصم بن الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي - رضي الله عنه - هو علامة وقته وخالص المودة لأهل بيت نبيئه على(1) منهاج محمد بن أحمد بن الوليد شيخ الإسلام وحافظ الزيدية في كل طرائقه وطرائق محمد بن الوليد هي المثلا وخصاله بلا ريب هي الفضلاء، وقد سبقت ترجمة حميد والد علي هذا وحكينا الخلاف، هل هو أخ لمحمد بن أحمد أو حميد اسم آخر، وهو الأظهر، وكان علي هذا فاضلاً كاملاً مشرفاً على علوم آل محمد، والعجب من أهل هذا البيت المبارك كيف صدقوا في ولاية آل محمد صلوات الله عليه وعليهم وبلغوا في الشفقة عليهم والرأفة بهم مبلغاً ما بلغه غيرهم مع كون سلفهم في الطرف الاخر، فلسان حالهم(2) كما قال بعض الموالين للعترة من بني أميَّه:
يا بني هاشم بن عبد مناف ... إنني منكم بكل مكان
ولئن كنت من أمية إني ... لبريء منها إلى الرحمن
__________
(1) زيادة في (ب): كان.
(2) زيادة في (ب): يقول.

ومن مصنفات علي بن حميد (شمس الأخبار)، وهو كتاب كاسمه، وهو خميص بطين ينتفع به الفقيه والزاهد وطبقات الراغبين في الخير مع جودة اختصار ونجابة في الأمهات، ولما فرغ من أربعة كراريس منه حملها إلى الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليه السلام - فسر بها سروراً عظيماً وتهلل وجهه فرحاً، ثم تبسَّم ورفع رأسه إلى والد علي الشيخ محي الدين، ثم قال: هذا مصنف (منفرد)(1)، ثم التفت إلى علي وقال: له: اجعل نوبك(2) من معاونتنا أن تطلب لنا من ينسخ لنا هذا الكتاب، ثم أمر لي بالورق والأجرة، ثم قال: تؤثر نساخته على سائر النساخات، فأجبته إلى ما سأل وكانت نسخته - عليه السلام - أول نسخة لهذا الكتاب، ثم قال لي - عليه السلام - بعد ذلك: قد صار معك (ما يكفي من الأخبار)(3)، وفوق الكفاية، فازدد من علم أصول الدين واقرأ في كتب أصول الفقه من غير شيخ تقرأ عليه، فإن أصول الفقه معان قريبة المتناول، هذا كلامه بلفظه، واتفق في أثناء هذا التأليف انكسار خاطر هذا الفاضل واشتغال باله بالحادث الذي عم غمّة المسلمين وهو قتل الغز أخزاهم الله للأمير مجد الدين، قال الشيخ علي ما لفظه: هذا آخر شمس الأخبار، قضيت فيه جميع الأوطار، بأحاديث نبوية أنوار، في الترغيب والإنذار لمن يصدق ويخاف عذاب النار، ويلتمس رضاء الله العزيز الغفار، والحمد لله على ما أعان في /102/ الابتداء والتمام وصلى الله على سيدنا ونبيئه محمد خير الأنام(4) وعلى المطهرين من آله الكرام وعلى الصحابة والتابعين مدى الأيام، صلاة لمحمد خاصة ولأولياء الله بالإعمام، ?إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ?[الأنبياء:106] ?إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ?[ق:37]، ولا حول ولا قوة إلا
__________
(1) في (ب): متقن.
(2) في (ب): نوبتك.
(3) في (ب): من الأخبار ما يكفي.
(4) في (ب): وصلى الله على نبيه خير الأنام.

بالله العلي العظيم، وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه وهو التواب الرحيم، كان الابتداء من(1) تأليف هذا الكتاب في شهر الحجة أُخر شهور سنة ست وستمائة سنة ووافق الفراغ من مسودته غير مرتبة وقصاصة تلك المسودة وتبويب أحاديثها في مسودات آخر - أيضاً - وإلحاق كل حديث ببابه وبموضعه، إما في أول الباب أو وسطه آو آخره حسبما اقتضاه النظر والتمكن، ثم نساختها على ذلك ثابتاً إلى النسخ المرتبة، كان ذلك ليلة الجمعة المسفر عنها اليوم الرابع عشر (والثالث) (2) عشر من شهر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - شعبان من شهور سنة ثمان وستمائة، وفي هذا اليوم المذكور خرج مولانا أمير المؤمنين إلى شظب وبلاد قحطان وحجور فما رجع حتى فتح الله على يديه والحمد لله رب العالمين، ولعل قائلاً يقول: ما هذه المدة الطويلة في ذلك، ويجاب بأنه كان يتخلل في هذه المدة (سفر وتبطيل)(3) للعناية في ذلك بسبب التحيّر والتنقل من شر الغز أعداء الله وأعداء أمير المؤمنين عبد الله بن حمزة - عليه السلام - زاده الله نصراً وتمكيناً، وهو - عليه السلام - أقام قواعد الدين وأحيى مآثر الأنبياء والمرسلين، وكان مما أنعم الله به وعلى يديه - عليه السلام - إن من أسباب حصول هذا التصنيف سعايته وعنايته بإقامة المدرسة المنصورية بحوث، جزاه الله عن الإسلام خيراً، وصل الله على محمد وآله (وسلم)(4)، و- أيضاً - كان طول المدة في هذا التصنيف لأني انفردت بالعناية(5) في ذلك وحدي بغير معين من المخلوقين و- أيضاً - فلو تدبر من يقف على هذا المجموع من له بصيرة وتجربة في أمثال ذلك لعرف أن هذه(6) قليلة في جنب ما يحاول من العناية في هذا الكتاب حالاً بعد حال حتى أن بعض الأخوان
__________
(1) في (ب): بتأليف.
(2) في (ب): أو الثالث.
(3) في (ب): سفير وتبطل.
(4) في (ب): وصلى الله على نبيه خير الأنام.
(5) زيادة في (ب): فيه.
(6) زيادة في (ب): المدة.

أيدهم(1) لما نظر إلى مسودة هذا الكتاب قبل ترتيب أحاديثها قال لي: إنك تحتاج في ترتيبها لبث سنين، وإنما قال ذلك لما رأى تلك الأحاديث متداخلة مشتبكة غير متميز فن منها عن فن، فمن الله عز وجل وأعانني وحصل نقلها مرتبة في شهرين عوضاً عن السنتين فالحمد لله رب العالمين، و- أيضاً - فكان مما أبطاني عن تمام هذا الكتاب أن فقدت كمال عقلي مدة أيام في وقت معظم الحاجة إلى إنشراح الخاطر وذلك في حالة الترتيب، فأمسكت في ذلك وكيف لا أمسك وقد استرخت مفاصلي وحصل معي الوهى واقتباس(2) الأبناء فلا أهتدي للوجه المقتضي للنظم والاتصال، وكان ذلك عند وصول العلم (بنقل)(3) الأمير مجد الدين سيف أمير المؤمنين ليث المجاهدين حليف اليقين العلامة مرتضى الخلافة البائع نفسه من الله المشهد على نفسه بذلك يحيى بن محمد بن أحمد بن يحيى /103/ بن يحيى بن الناصر بن الهادي إلى الحق - عليه السلام - جعلنا الله عنده من خواص أتباعهم وحشرنا في زمرتهم مع الذين أنعم الله علهيم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، ?ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا?[النساء:70]، والحمد لله رب العالمين، وصلواته(4) على محمد الأمين، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأخيار، وسلام عليهم أجمعين، وصنف الشيخ علي بن حميد كتاباً في سيرة والده - رحمه الله تعالى -.
قلت: ومصنفات والده سبعة وعشرون مصنفاً.
علي بن داود بن أحمد الحسيني
__________
(1) في (ب): أيدهم الله.
(2) في (ب): والتباس.
(3) في (ب): بقتل.
(4) في (ب): بقتل.

العلامة الفقيه المتكلم المحقق جمال الدين علي بن داود بن أحمد الحسيني - رحمه الله - كان من كبار العلماء وخيارهم صدراً في أهل وقته صحب الإمام المطهر بن محمد بن سليمان ولقي الإمام شرف الدين بآخرة من أمره، وكتب له، وله شرح على مقدمة البحر الكلامية المسماة (بالقلائد)، اختصر فيه شرح الإمام المسمى بالغايات، وكان الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم - عليهما السلام - يثني على هذا الكتاب ويشيد ذكره، ومن عقبة - رحمه الله - القاضي العارف الفاضل صلاح(1) بن عبد الله بن إبراهيم الحيي قاضي بلاد (المحويت)، كان من فضلاء الوقت وأهل الخشية لله والخشوع، وله عبادة ووظائف حسنة وتواضع كلي، وكان رحب الفناء للضيف، يخدمهم بنفسه ويبسط أخلاقه للمتحاكمين ويتوسع لهم وينفقهم، وكان مسكنه مسكن سلفه (عرثومان) ويقضي بمسجده هنالك وينزل بعض السنة إلى المحويت - رضي الله عنه - توفي في ………، ولعله صاحب (المصحف الشهير الجامع للصنع العلمية المتعلقة بالقرآن)، فيه تفسير من جمعه ونحا نحوه عبد الرحمن الحيمي الكبير - رضي الله عنهما -. وقبره في عرثومان مشهور وعليه قبة.
علي بن زيد الشظبي
__________
(1) زيادة في (ب): أحمد.

العلامة الفقيه المذاكر المحقق المجتهد علي بن زيد(1) الشطبي - رحمه الله تعالى - هو شيخ الزيدية في وقته، كان عالماً بالفروع وغيرها، وله ترجمة ذكر فيها صاحبها أنه أحاط فيها بعلوم الاجتهاد، ولم تحضرني عند الرقم وهو صاحب (التذكرة) التي ينسب الناس إليها الفوائد، يقولون: تذكرة علي بن زيد، وله مشائخ في العلم فضلاء، ومن عجيب أمره وإسناده أنه يروي شرح الفقيه علي بن محمد النجري عن والده الفقيه علي وهو محمد النجري، وكان قد أراد الرحلة عن صنعاء إلى مصر، قال السيد أحمد بن عبد الله (الوزير)(2) - رحمه الله -: خرج الفقيه العلامة علي بن زيد من صنعاء قاصداً إلى مصر قاصداً لطلب العلم، وفيها السيد أبو العطايا عبد الله بن يحيى بن المهدي الزيدي نسباً ومذهباً، فرأى في النوم قائلاً يقول له: خرجت من صنعاء لطلب العلم وفيها أبو العطايا، فرجع من فوره إلى السيد، وقرأ عليه واستفاد وأفاد، وكان علامة عصره في علم الفقه واستوطن صنعاء إلى أن مات - رحمه الله - وكف بصره في آخر عمره، وعنه أخذ الفقيه العلامة المحقق علي بن مكاثر الشيخ(3) شيخ الإمام شرف الدين - عليه السلام - في البحر، وأخبرني القاضي الفاضل إبراهيم بن محمد بن سلامة أنه لما كف بصر الفقيه علي بن زيد، كان الفقيه علي بن مكابر يدرس الشروح للفقيه علي بن زيد لأجل الإقراء فكان ذلك سبباً لتجويد(4) ابن مكابر وتحقيقه - رحمهما الله جميعاً -، انتهى كلام السيد الشمسي - رحمه الله تعالى - قال بعض من ترجم /104/ لعلي بن زيد أخذ عن علي بن زيد جماعة من الأكابر، منهم السيد العلامة الناصر بن يحيى بن محمد بن المهدي بن علي بن المرتضى، وكان سيداً عالماً ورعاً زاهداً، وكان الإمام الوشلي يشبهه بأصحاب الإمام المطهر بن محمد؛ لأنهم كانوا أهل فضل كامل، وكان السيد الناصر من أعيان أصحاب
__________
(1) زيادة في (ب): بن حسن.
(2) في (ب): الوزيري.
(3) في (ب): الشظبي.
(4) في (ب): لتحوير.

الإمام شرف الدين، وحضر دعوته وولي له شظب وهنوم وحجور وغيرها، توفي ليلة الاثنين في العشر الأخرى من جمادي الأولى سنة أربع وعشرين وتسع مائة بصنعاء اليمن، وأما الفقيه علي بن زيد فكانت وفاته في العشر الأولى من ربيع الآخر سنة اثنين وثمانين وثماني مائة، وقبره وقبر تلميذه علي بن أحمد بن مكابر بجربة الروض بصنعاء، وقال بعض من ترجم لابن زيد: هو علي بن زيد بن حسن الصريمي أحد علماء وقته، بايع الإمام الهادي لدين الله عز الدين بن الحسن وشايعه وناصره وأخذ على القاضي العلامة يحيى بن أحمد بن مظفر في التذكرة، وعلى السيد أبي العطايا، وكان توجه لطلب الحديث، فلما وصل إلى مكة رأى في النوم وهو في المسجد الحرام أن السيد عبد الله بن يحيى هو الذي ينبغي الرحلة إليه، فعاد وقرأ عليه في النحو والتفسير والفقه والحديث، وقال فيه أبياتاً، منها:
بشراي هذا أوان الفوز بالظفر ... ما كنت أبغي كموسى فاز بالخضر
ظفرت بالغاية القصوى لطالبها ... فمن ينلها يكن من أسعد البشر
وقرا عليه ابن مكاثر وزوَّجه بن زيد بنته، وله شرح على (التكملة)، وله تعاليق وأمالي وفوائد، - رحمه الله - وقبره عند العلامة النحوي، انتهى.
علي بن فند الصعدي
الأديب اللسان الفقيه علي بن زيد بن علي بن فند الصعدي - رحمه الله - كان عارفاً لبيباً من بيت علم، وله شعر، من ذلك ما وجهه إلى العلامة يحيى بن أبي النجم قصيدة طالعها:
أغواك من أغراك يوم البين ... إذ حال بينك يا رباب وبيني
فصلي كئيباً مغرماً بودادكم ... بحياتكم وبحرمة الثقلين
أخلفت وعدك يوم جد رحيلنا ... وتباعد الأحباب قلع العين
وقبلت قول الكاشحين ولم أكن ... أهوى الفراق وأنت قرة عيني
أو ما علمت بأن حبك سالب ... ثوب السلو وطالب للحين
أسفرت عن مثل الصباح وفوقه ... ليل(1) دجوجي على المتنين
وحواجب مثل القسي وأسهم ... من مقلة ترمي على الجفنين
__________
(1) في (ب): ليله.

وفي(1) المدح:
شهدت سراويل المليحة أنها ... لتقية ونقية البُر دَين
لكنها لما رأت كلفي بها ... تاهت علي وأمضت الحكمين
وخشيت منها فالتزمت بسيد ... من آل نجم أبيض العرضين
يحيى الذي شاد العلاء وأهله ... رب المكارم فايض الكفين
علي بن زيدان الطائي
/105/ العلامة المجاهد الرئيس المسمى نظام الدين علي بن زيدان الطائي الصعدي، قال بعض علمائنا في ترجمة له - رحمه الله -: هو القاضي الكامل الرئيس الجلاجل ذو الجد والاجتهاد في مشاعر الإسلام ورفع مناره وفي هدم الباطل ومحو آثاره، شعر:
فتارة بعلوم بحرها لجب ... وتارة بجيوش كلهم نجب
وتارة برجاح راية فلق ... فقام لله مولاه بما يجب
تولى القضاء وشارك في الأمور مع الإمام المنصور بالله (- عليه السلام -)(2) وجرت على يده المباركة ومساعيه الحميدة إصلاح ومصالح أعاد الله من بركته انتهى.
واعلم أن القاضي نظام الدين الطائي قل ما اشتملت التراجم على مثله، ولو استوعبت كثيراً من أخباره لكانت سيرة حافلة؛ لأنه طال عمره وما ضيع منه ساعة، بل كان همه العلم(3) والإعلام، فما كان حرب في أيام المنصور بالله في الغالب إلا وهو قطب رحائها(4) ومسعر ذكاها، ثُمَّ كانت أيام الأمير الناصر بن المنصور وهو قائد الكتائب إذا كان وقت التعبية(5) فهو القائم بأحد الجانبين، إما الميمنة أو الميسرة، كان فارساً مقداماً عالماً مبرزاً نحريراً، ذكره المنصور بالله - عليه السلام - في جواب القاضي الأسعد بما يدل على فضل كبير ومقام خطير، ?ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ?[المائدة:54].
علي بن سعيد بن صلاح الهبل(6)
__________
(1) في (ب): ومنها في المدح.
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): العلوم.
(4) في (ب): رحاها.
(5) في (ب): النعمة.
(6) هذه الترجمة في (ب): متأخرة، حيث جاءت بعد ترجمة العلامة علي بن سليمان صاحب المنحول الآتي ذكره.

القاضي الفاضل المخلص الكامل علي بن سعيد بن صلاح الهبل - رحمه الله تعالى - هو قاضي أمير المؤمنين وزير حضرته العبد الصالح الطاهر باطناً وظاهراً، قليل النظير - رضي الله عنه - ولي قضاء الحضرة المؤيدية فحمد العالم أثره، وكان من الزهد والورع بمحل عظيم، لم يزل كذلك قرين إمامه في مجالسه وأعماله حتى نقل الله الإمام - عليه السلام - (إلى جواره)(1) فانتقل القاضي بعد أن خرج مع مولانا صفي الدين أحمد بن القاسم إلى ثلا، وحضر حضرة المولى أمير المؤمنين المتوكل على الله - سلام الله عليه - ثم ولاه جهة خولان، فاستقر بها، ثم كف بصره فانتقل إلى الروضة ولازم الجامع المقدس يتلو القرآن ليلاً ونهاراً حتى نقله الله إلى جواره إلى دار الكرامة في …………، وقبر في المقبرة التي شرقي الروضة الجامعة للفضلاء كالحاج أحمد بن عواض وغيره، وله كرامات - رحمه الله - منها ما ذكر عنه (أنه)(2) كان إذا عرض له ألم يتخوف(3) الموت منه فسأل عن ذلك قال: قد رأيت رؤيا أني لا أموت حتى أسمع ألفاظ الأذان من أعضائي، فلما مرض هذه المرضة التي فارق فيها قطع بالموت وصرح (به) (4)، فقال: قد سمعت تلك العلامة - رحمه الله - ورثاه الفقيه الفاضل بديع الزمان الحسن بن علي بن جابر الهبل - رحمه الله تعالى - بترثية فاضلة، وهي:
أتدري من تخرمت المنون ... ومن أرقت لمصرعه العيون
ومن ذا أثقل الأعباء حملاً ... وخف لحزنه العقل الرصين
ومن ملأ القلوب أساً وحزناً ... فكل فتىً لمصرعه حزين
ومن في جنة الفردوس أضحى ... لديه الظل والماء المعين
/106/ وأي هلال أفق غاب عنه ... وكان لأُفُقِه أبداً يزين
وإنك بالذي أحدثت فينا ... جدير أن تُسَاء بك الظنون
أتدري يا زمان بمن دهتنا(5) ... صروفك أنك الزمن الخؤون(6)
__________
(1) سقط من (ب).
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): ألمٌ لم يتخوف.
(4) سقط من (ب).
(5) في (أ): ذهبتا.
(6) في (ب): هذا البيت متقدم على سابقه.

لئن كدرت من عيش البرايا ... فمبدأ خلقهم ماء وطين
هو البدر الذي قد كان حقاً ... به نهج الهداية مستبين
هو الجبل الذي قد كان يأوي ... إليه الملتجي والمستكين
هو (القرم) الذي قد كان ذخراً ... يناط به الحوائج والشؤون
فأي سحاب دمع ليس تهمي ... وأي حصاة قلب لا تلين
وليس يرد سهم الموت درع ... مزردة ولا حصن حصين
سقيت الغيث قبراً حل فيه ... تقاً وعلاً وإيمان ودين
…………………(1)
(توي) فيك الذي ما كان فيه ... لطالب فضله شكر يزين
رجعنا عن ثراه بجيش حزن ... له في كل جانحة كمون
وأجرينا حياد الصبر عنه ... ولكن شوط مرزئة(2) بطين
فيالك ميتاً قد بان عنا ... تكاد لموته الأحشاء تبين
وآه لطول بعدك من حبيب ... وهل يجدي التأوه والحنين
ووا لهفي عليك وقد تدانا ... خروج النفس وانقطع الأنين
وأُسكنت التراب برغم قوم ... محلك في قلوبهم مكين
يكاد النوم أن يغشى الأماقي ... فتلفظه لذكراك الجفون
اهنأ إذ دفنت عقود دمع ... مخبَّأة لغيرك لا تهون
وكلفنا الجوانح عنك صبراً ... فقالت لا قرار ولا سكون
وخانتنا بك الأيام لكن ... بحسن الصبر بعدك نستعين
وكيف الصبر عنك أو التسلي ... جميل الصبر بعدك لا يكون
فهل يدري سريرك من علاه ... علاه العلم أجمع واليقين
وهل يدري ضريحك من يغشى ... ومن هو تحت تربته رهين
قرنت بصالح الأعمال فيه ... وحسبك أنه نعم القرين
يعز على العلوم نواك عنها ... فأنت لبحرها الطامي سفين
(3)هلال كنت غالته الليالي ... ولنا كنت أسمه العرين
جعلت وداد أهل البيت ديناً ... لعلمك إنه الحبل المتين
وكنت من التشيع في محل ... تسافر دون غايته العيون
__________
(1) هذا البياض غير موجود في (ب) وغير موجود في (أ).
(2) في (ب): مرزايه.
(3) في (أ): (هلال كنت غالته الليالي لعلمك أنه الجبل المتين) وجاء في الحاشية ما لفظه: لعل هنا ربش وتقديم وتأخير لعله من الناسخ أو من النسخة الأم والله أعلم.

فيهنيك القدوم على كريم ... خزائن ملكه كاف ونون
/107 ويهنيك الدعاء نجوت عبدي ... فعفوي لا تكيفه الظنون(1)
ويهنيك ادِّخارك حسن كسب ... وكل فتىً بمكسبه رهين
وأخذك للصحيفة يوم حشر ... إذا ابتدأت لتأخذها اليمين
سأنظم فيك ما يحلو(2) ويغلو ... ويرخص عنده الدر الثمين
وأسقي ترب قبرك غيث دمع ... يقصر دونه الغيث (الهتون)
فمثلك ما سمعنا في البرايا ... ولا قد كان قط ولا يكون
عليك سلام ربك بعد طه ... وعترته فأنت به (قمين(
قلت: وناظم هذه الأبيات القصيدة هو الناظم لكل فريدة، بديع الزمان وفريع الأوان من لا عيب فيه سوى قرب بلاده وقرب(3) ميلاده، فالمندل الرطب في أوطانه خشب (إلا عند) (4) قوم ميّزوا ما خلص مما انشب، وفرقوا بين الدر النفيس والمخشلب غير معولين على البلاد ولا ناظرين إلى الميلاد، فلله أبو الطيب يقول:
ليس الحداثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب
وأما بعد الميلاد فأمر لا يعتبره الحذاق، وإن قالوا الأمر المفرط مانع لإدراك الأحداق، وقال بعض الناس:
عذيري من عصبة بالعراق ... قلوبهم بالجفا قلب
يرون العجيب كلام الغريب ... وأما القريب فلا يطرب
وعذرهم عند توبيخهم ... مغنِّيَه الحي لا تطرب
__________
(1) في (ب): هذا البيت متأخر عن الذي بعده.
(2) في (ب): ما يعلو.
(3) ترجمة الأديب حسن بن علي جابر الهبل صاحب الديوان، لعل المصنف - رحمه الله - ابن دلة ترجمه لاعتقاد أنه ليس من علماء الزيدية، وفي ترجمته في غير يدي ما يدل على أن له يد في العلم.
(4) في (ب): ولله.

لكن (الفاضل العاقل) لا يجنح إلى التقليد حتى في تفضيل الحصباء على لآلي الجيد، فإن الإنصاف من أجمل الأوصاف، نشأ - رحمه الله - على العبادة والزهادة وعلى مودة آل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - لا يلويه عن ذلك لاوٍ، واشتغل بالعلوم والآداب حتى برع عن(1) المشيخة القرح فضلاً عن الأتراب، فله ديوان شعر فائق وسحر حلال رائق في كل معنى مليح نهج منهاج(2) الأدباء وجاراهم في رقيقهم وجزلهم وجدهم وهزلهم وهو مع ذلك السابق المجلي، ولقد رأيت له مقاطيع وقصائد باهرة (ونفسة) أشبه بشعر الأديب الحسين بن حجاج غير أنه مصون من الإقذاع وإنما الفصاحة والنصاحة وجودة الصناعة، وقد كان يقال: إن ابن حجاج نفسه نفس امرء القيس ابن حجر، فمن شعر الحسن بن علي - رحمه الله تعالى - في الوعظيات:
أين استقر السفر الأول(3) ... عما قريب بهم ينزل(4)
مرّوا سراعاً(5) نحو دار البقاء ... ونحن في آثارهم نرحل
ما هذه الدنيا لنا منزلاً ... وإنما الآخرة المنزل
قد حذرتنا من تصاريفها ... لو أننا نسمع أو نعقل
يطيل فيها المرء آماله ... والموت من دون الذي يأمل
يحلو له(6) ما مر من عيشها ... ودونه لو عقل الحنظل
ألهته عن طاعة خَلاَّقه ... والله لا يلهو ولا يغفل
/108/ يدبرهم الموت إن أدبرت ... ويقبل الهم إذا تقبل
يا صاح ما لذة عيش بها ... والموت لا ندرى متى ينزل
يدعو إلى الأخيار من بيننا ... يجيبه الأول فالأول
يا جاحداً تجهد في كسبها ... أغرك المشرب والمأكل
ويا أخا الحرص على جمعها ... مهلاً فعنها في غد تسأل
لا تتعبن فيها ولا تأسفن ... لما مضى فالأمر مستقبل
ما قولنا بين يدي حاكم ... يعدل في الحكم ولا يعدل
ما قولنا لله في موقف ... يخرس فيه المصقع المقول
إذا سألنا فيه عن كلما ... نقول في الدنيا وما نفعل
__________
(1) ط: على.
(2) في (ب): مناهج.
(3) في نسخة: السلف الأول.
(4) لعل الصواب: تنزل.
(5) في (ب): سريعاً.
(6) في نسخة: حلاله، وهو أنسب.

ما الفوز للعالم في علمه ... وإنما الفوز لمن يعمل
وله لله(1) دره:
أضعت العمر في إصلاح مالك ... وما فكرت ويحك في مآلك
أراك أمنت أحداث الليالي ... وقد صمدت لغدرك واغتيالك
وملت لزخرف الدنيا غروراً ... وقد جاءت تسير إلى قتالك
وقد أتعبت بالآمال قلباً ... يحمل ما يريد على احتمالك
ولم يكن الذي أملت فيها ... بأسرع من زوالك وانتقالك
فعش فها خميص البطن واعمل ... ليوم فيه تذهل عن عيالك
تجيء إليه منقاداً ذليلاً ... ولا تدري يمينك من شمالك
إليها في شبابك ملت جهلاً ... فهلا ملت عنها في اكتهالك
فمهلاً فهي عند الله أدنى ... وأهون من تراب في نعالك
وإن جاءتك خاطبة فأعرض ... وقل مهلاً فما أنا من رجالك
ألي تزينين(2) لتخدعيني ... فما أبصرت أقبح من جمالك
أما لو كنت في الرمضاء ظلاً ... إذا ما ملت قط إلى ظلالك
صلي ما شئت هجراني فإني ... رضيت الدهر هجراً من وصالك
فليس النبل (مرتعل) إذا ما ... رمت يوماً باصماً من نبالك
حرامك للورى فيه عقاب ... عليه والحساب على حلالك
وكن منها على حذر وإلا ... هلكت فإنها أصل المهالك
فمن قد كان قبلك من بنيها ... زوالهم يدل على زوالك
فكم شادوا الممالك والمباني ... فأين ترى المباني والممالك
وأنت إذا عقلت على ارتحال ... فجد في جمع زادك لارتحالك
ودع طرق الضلال لمبتغيها ... فطرق الحق بينة المسالك
إلامَ وفيمَ ويحك ذا التصابي ... وكم هذا التمادي في ضلالك
تنبه أن عمرك قد تقضى ... فعد وعد نفسك في الهوالك
وعاتبها على التفريط وانظر ... لأي طريقة أصبحت سالك
وقل لي ما الذي يوم التنادي ... تجيب به المهيمن عن سؤالك
/109/ وماذا أنت قائله اعتذاراً ... إذا نشروا كتابك عن فعالك
فخف مولاك في الخلوات واجأر ... إليه بانتحابك وابتهالك(3)
وراقب أمره في كل حال ... يفرج في القيمة ضيق حالك
__________
(1) في (ب): وله در دره.
(2) في (ب): تتزينين.
(3) غير موجودة في (أ).

ولا تجنح إلى العصيان تدفع ... إلى ليل من الأحزان حالك
وإن أمراً بليت به فصبراً ... لعل الله يحدث بعد ذلك
فرب مصيبة مرت ومرت ... عليك كأنما مرت ببالك
وكم قد نفقت منك الرزايا ... وأحكمت الليالي من صقالك
وله - رحمه الله تعالى -:
لا تعتبر ضعف حالي واعتبر أدبي ... وغض عن رث أطماري (وأسمالي)
فما طلاتي للدنيا بممتنع ... لكن رأيت طلاب المجد أسمى لي
وله - رحمه الله -(1):
ما زلت من درن الدنايا صائناً ... عرضاً غدا كالجوهر الشفاف
فإذا جرى مرحاً بميدان الصبا ... مهر الهوى ألجمته بعفاف
وإذا هم وصفو محاسن شادن ... مستكمل لمحاسن الأوصاف
أبديت فيه من الشيب غرائباً ... ووصفت فيه ما عدا الإرداف
(وله - رحمه الله -)(2):
تغزلت حتى قيل إني أخو هوى ... وشببت حتى قيل فاقد أوطاني
وما بي من عشق وشوق وإنما ... أتيت من الشعر البديع بأفنان
وله - رحمه الله -:
الموت حق فاستعد ... وجد إن الأمر جد
(سوف ترى عما قريب ... وارداً فيمن ورد)(3)
واعلم بأن الله لا ... يخلف حقاً ما وعد(4)
لازم بني المختاران ... من يلازمهم سعد
وله من قصيدة:
حتام عن جهل تلوم ... مهلاً فإن اللوم لوم
طرفي الذي يشكو السهاد ... وقلبي المضنى الكليم
إن الشفاء(5) في الحب ... عند العاشقين هو النعيم
ما الحب إلا مقلة عبراء ... أو جسم سقيم
يا من أكتم حبه ... والله بي وبه عليم
يا هل تراه يعود لي ... بك ذلك الزمن القديم(6)
وبلابل بين الجوانح ... لا تنام ولا تنيم
(مالي وما للوئمي ... عليك ذو عقل يلوم)(7)
وهني عيشي باللوى ... لو أن عيش هنا يدوم
وبرامة إذنلت من ... وصل الأحبة ما أروم
__________
(1) في (ب): وله - رحمه الله - في العفاف.
(2) في (ب): وله في قريب من المعنى.
(3) سقط من (ب).
(4) في (ب): يعد.
(5) في (أ): الشقاء.
(6) هذا البيت سقط من (أ).
(7) سقط هذا البيت من (أ)، وهذا البيت والذي قبله متقدمان في (ب) على البيت الذي قبلهما.

يا حبذا تلك الربوع ... وحبذا تلك الرسوم
يا تاركين بمهجتي ... شرراً تذوب لها الجحيم
طال المطال ولم تهب ... لصدق وعدكم نسيم
مطل الغريم غريمه ... حاشاكم خلق ذميم(1)
توفي - رحمه الله - في شهر صفر سنة تسع وسبعين وألف، وقبر عدني القصر السعيد بصنعاء.
علي بن سليمان بن حمزة الحمزي
السيد العارف الأديب مصنف سيرة الإمام الناصر للحق علي بن سليمان بن حمزة الحمزي المعروف بابن الزفوف(2)، كان فاضلاً عارفاً، وكان بينه وبين السيد الهادي بن إبراهيم الكبير محبة كلية(3)، وكان إذا مر بدار السيد الهادي بصعده ينشد قول مجنون ليلي:
أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
وكتب إليه السيد الهادي - رحمه الله - شعراً حمينياً، من جملته:
صدور الخدمة القاصرة من بيت حنبص ... إلى حدة إلى صاحب الدار المجصص
إلى من بالعلا من بني حمزة تقمص
__________
(1) قصيدة علوية ومخلصها قوله:
بأدلة المطل من قال الغري له عديم
(2) في (ب): المزفون.
(3) في (ب): محبة كلبة عجيبة.

وكانت داره (بحدة) بجنب المسجد المنسوب إليه، وكان سبب طلوع السيد الهادي إلى بيت حنبص مرض السيد الفاضل الناسك الطاهر كاسمه المطهر بن أحمد عم السيد الهادي، وهو مرضه الذي مات فيه، وكان في بيت حنبص بعض الشرائف من قرابة السيد الهادي - رحمه الله - وأثنى السيد الهادي على المطهر المذكور، وأما السيد علي بن سليمان فهو الذي لا يجهل مكانه في الفضل، قتله محمد بن داود الحمزي بيده عند باب اليمن، وقد وصل إلى هنالك في عسكر كثير من عسكر الإمام، فكمنوا في وهب في بستان المسجد وتخلص الأمير محمد من قتله واستغفر وتاب توبة خالصة منه ومن غيره على يدي العلامة (1) النحوي مصنف التذكرة، روي أن بعض أهل صنعاء دخل الجامع والنحوي يصلي على الأمير محمد، فاستقبل الصنعاني الأمير وقال: صنعاء والجنة يا محمد بن داود، فقال القاضي حسن: نعم، وعلى رغم أنفك.
علي بن سليمان بن الحيدرة
__________
(1) في (ب): حسن بن محمد النحوي.

العلامة المحقق إمام النحو فريد زمانه علي بن سليمان بن الحيدرة - رحمه الله - هو أحد علماء الزيدية وفضلائهم وفصحائهم، وهو أحد مفاخر اليمن، ترجم له المؤرخون كالخزرجي أو الجندي، غاب عني، وترجم الجلال الآسيوطي الشافعي في كتاب (بغية الوعاة) والكل مثبتون عليه سيما في العربية، وترجم له الشيخ المتقن المحقق صاحب الجوهرة المعروف بالحفيد أحمد بن محمد بن الحسن الرصاص، أثنى عليه بعبارات تنيرين(1) الدفاتر، قال: وكنت ظننته من المطرّفيه حتى تيقنته من الزيدية المخترعة(2) - رضي الله عنهم - وطول وأحسن في عبارته وحكى براعته وما اتفق له على البديهة من فن البديع المعروف عندهم بالعكس، وذلك أنه آوى إليه بعض أدباء وقته من الزيدية فضيفه وكانا (يتعاوران) كؤوس الأدب، فقرع الباب طالبٌ فقال ابن سليمان: هذا للرجل الضيف أعطه (خبزاً)(3) من هذا (الخبز)(4) ليكون لنا ثوابه ولك ثواب المناولة، فقال له الرجل شعراً:
فقال ابن الحيدرة بديهة ... لا عهد لي بثواب مذ أتيتكم
ولا له بكر(5) عهداً
قال الحفيد: وهو الذي أنشأ الرجز الذي رجز به الفضلاء في كوكبان عند عمارة الإمام المنصور بالله، فإنهم كانوا(6) يحملون الحجارة ويرتجزون بأراجيز فاخرة، فأقبل ابن الحيدرة بحفل من الفضلاء يحملون حجارة وقد أبطأ عنهم الغداء وهو يقول ويقولون:
يا إمام الهدى هديت ... إلى كل أوسع
قل لدحروج مثل ما ... قال موسى ليوشع
فقال الإمام للأمير دحروج ابن مقبل: آتنا غداءنا، ولابن حيدرة منظومات واسعة سيما في العربية، وله ضبط الممدود والمقصور، وهي مشهورة أولها:
وفي الممدود والمقصور علم
__________
(1) في (ب): فتزين بها.
(2) ثلث حكى في أن مناصله عزائه.
(3) سقط من (ب).
(4) سقط من (ب).
(5) في (ب): ولا له بك عهد (......) [لم أتمكن من قراءته].
(6) سقط من (ب): كانوا.

وسأجمعها بمختصر قصير(1)… /111/ الأبيات، وهو مصنف(2) المشكل الكتاب العجيب الفائق إحدى محاسن الدنيا حلا وجمعاً، وقرض(3) له الفضلاء وأثنوا عليه كثيراً، وهو حري بذلك، وله شعر حسن جيد، من ذلك قصيدته في الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة (- عليه السلام -) (4) بعد فتح ذمار من أيدي الغز (أخزاهم الله)(5):
هنيت فتح ذمار إذ أحاط بها ... جيش له صخب في الحق (صهصلق)
كما أحاط بياض العين مشتملاً ... على السواد وقد كض العداء الفرق
والخيل مثل السعالي فوق أظهرها ... أسود معركة قمصانها الحلق
مستأمنين فلا يبدوا لناظرهم ... إلا بنان أكف القوم والحدق
والرحل ينشال(6) من كل الجهات كإرداف السحائب حتى أظلم الأفق
والنقع يسطع (والكوشات) (7) تقرع ... والأسياف(8) تلمع والرايات تختفق
واليوم أشنع والهامات تصدع ... والأعناق تقطع والفرسان تعتنق
والبيض والسمر هذا حده غضض ... لحماً ولهذم هذا من دم شرق
والضد مستأسر ضاقت بحيلته ... جوانح ملبسات ملؤها حرق(9)
يرجون صفحاً ويخشون الصفائح فما ... يجدي عليهم رجاء دونه شفق
ورايد العفو والقتل المبيح وسو ... ء الأسر في السعي نحو القوم يستبق
فأدركتهم من السلطان رحمته ... ومن إمام له حسن اللقاء خلق
فسلماهم ولولى الله ما سلموا ... واعتقاهم ولولا العفو ما عتقوا
__________
(1) في (ب): سأجمعه بمختصر قصير.
(2) في (ب): كشف المشكل.
(3) في (ب): وقص.
(4) سقط من (ب).
(5) سقط من (ب).
(6) في (ب): ينثال.
(7) لم أتمكن من قراءتها في (ب).
(8) ط: سياف.
(9) في (ب): خرق.

وهذا القدر كاف عن ما رواه لميلنا إلى الاختصار، وإلا فإن هذه كلمة فائقة تتزين بها التواريخ، والمراد بالسلطان الذي ذكر خادم الإمام المنصور بالله وهو سلطان الإسلام الملك الناصر سيف الدين عضد أمير المؤمنين حكو(1) ابن محمد المرواني، كان من أعيان الغز ووجوه سلاطينهم، خرج مع جنود بني أيوب فاهتزت أعطافه إلى الحق من أول ما سمع بالإمام، فما لواه لاوٍ عن الموالاة، فعضد الإمام بجند فيه أرباب الشكائم والعزائم فنكى الغز وأوجعهم، وفيه يقول العلامة ابن سبيب - رحمه الله تعالى -:
وناصر الدين أعلى الناس مرتبة ... سيف الإله وملجأ كل معتصم
حكو الذي سيم الأفلاك سؤدده ... وبر(2) حزماً وعزماً كل معتزم
فليس منتهياً حتى يزين(3) معاً ... جرد الجياد ربا بغداد والحرم
واستشهد السلطان المذكور في قاع (قتاب) حول (الضمية) - رحمه الله تعالى -.
علي بن سليمان الكوفي
علامة الزيدية ونور هالتهم القاضي الكبير جمال الإسلام علي بن سليمان الكوفي - رحمه الله تعالى - هو حاكم الهادي - عليه السلام - وقاضيه، وكان له ترجيح في المذهب وتصرف حسن يدل على طبقته والله أعلم.
علي بن سليمان البصير
الفقيه العالم علي بن سليمان البصير - رحمه الله - أحد العلماء، أخذ عنه الإمام يحيى، وأخذ هو عن الشيخ محمد بن سليمان بن حفيد /112/ - رحمه الله تعالى -.
علي بن سليمان بن أبي الرجال
__________
(1) في (ب): حلو.
(2) كذا.
(3) ط: زين له.

العلامة الفاضل علي بن سليمان بن أبي الرجال صنو العلامة محمد بن سليمان - رحمه الله - كان عالماً عاملاً فاضلاً، له تحقيق في الأصول، وكان محققاً في الفروع، وله مشايخ وتلامذة من شيوخه العلامة السيد الأمير الخطير الهادي بن المقتدر بالله تاج الدين - رحمهم الله جميعاً -، وملك على المذكور كتباً منها (بيان ابن معرف) باقي في الخزانة المباركة بيد بعض القرابة، وله كتاب (المستصفى) في أصول الفقه بخط يده، وله كتاب أظنه (برهان الجونبي) و(كتاب الملخص) في(1) الجدل للشيرازي)، وكان يسكن (فملاً) من بلاد خولان، وأرخ بعض كتبه ببكرة السبت أواخر شهر الله الأصب سنة إحدى وثمانين وستمائة، وكان له اختصاص كلي بأخيه محمد بن سليمان المذاكر في المسكن وغيره، والأشبه أنهما من أم، وكان بين إبراهيم الماضي ذكره وموسى الآتي ذكره اختصاص ومثل ذلك أعاد الله من بركتهم.
علي بن سليمان
العلامة علي بن سليمان صاحب (المنحول) - رحمه الله تعالى - كان عالماً فاضلاً، وهو الذي اختصر اللمع كتاب الأمير الحسين ويسمى (المختصر المنحول)، انتهى.
علي بن سليمان بن داعس(2)
العلامة علي بن سليمان بن داعس(3) بن سليمان بن أحمد بن داعس(4) بن محمد بن أبي الميمون بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبيد البخاري الخزرجي الأنصاري - رحمه الله تعالى - الزيدي من بيت كبير ذوي فضل شهير - رحمهم الله تعالى - وشيخ والدنا القاضي موسى هو علي بن أحمد بن داعر - رحمهم الله تعالى - وكان سماعه عليه بمكة المشرفة، سمع عليه أمالي الإمام الناطق بالحق أبي طالب رضوان الله عليه (وإرشاد) العلامة العنسي في /113/ طرائق الآخرة والزهاد (وموطأ الإمام مالك) وطريقه - رحمه الله - في (الأمالي) على عمه محمد بن أحمد بن موسى البخاري عن مؤيد الدين محمد بن أسعد المنعم.
علي بن سلامة الضرعي
__________
(1) في (ب): من.
(2) هذه الترجمة سقط من (ب).
(3) في (أ): داعر.
(4) في (أ): داعر.

العلامة الفقيه(1) علي بن سلامة الضرعي - رحمه الله تعالى - من أعيان أصحاب الإمام أحمد بن الحسين - عليهما السلام - ولعله جمع بعض فتاوى الإمام - عليه السلام -.
علي بن شمس الدين
السيد الفاضل الكامل علي بن شمس الدين بن أمير المؤمنين المهدي لدين الله أحمد بن يحيى - عليهم السلام -. قال (الشيخ) الشمسي قدس الله روحه: كان له فضل ودين ووجاهة عند المسلمين، وكان له معرفة بالفقه والفرائض ومسكه في العربية، وفي(2) سنة سبع وعشرين وتسعمائة، وقبره في خزيمة المقبرة(3) المشهورة غربي صنعاء، ورثاه السيد العالم محمد بن المرتضى بقصيدة جيدة، والعلامة محمد بن بهران(4) - رحمه الله تعالى - فمن قصيدة السيد - رحمه الله - (تعالى)(5):
نعم هوت للعلا والفضل أركان ... وانهد بعد علي منه بنيان
جل المصاب وغاض(6) الدمع فابك دماً ... لكل شأن على قدر الأسى شأن
مات الذي كان صوام الهجير تقي ... قوام جنح الدجا والليل وسنان
عريان من كسوة الآثار مكتسياً ... من التقى فهو كاسٍٍ وهو عريان
استبدل الخلد من دار الفناء له ... فيها ملائكه الرحمن إخوان
وحل في قبره لما أقام به ... علم وحلم وإحسان وإيمان
ومن قصيدة ابن بهران - رحمه الله تعالى -:
إيهٍ على فقد من أضحت مزخرفة ... له الجنان وقد صفت له السرر
وصافحته بها الحور الحسان وقد ... جاءت لخدمته الولدان تبتدر /114/
فكيف نبكي عليه وهو في فرح ... لا غم فيه ولا في وصفه(7) كدر
هو السعيد بلا شك ولا ريب ... له فضائل شتى ليس تنحصر
كانت تبين لنا الدنيا بطلعتها ... عند الخطوب ويُستسقي به المطر
برٌّ تقي نقي فاضل ورع ... جليسه الذكر والآيات والسور
ما زال يحتقر الدنيا وزهرتها ... حتى تساوى لديه التبر والحجر
__________
(1) في (ب): العلامة الفقيه علي بن سلامة الصرمي.
(2) في (ب): توفى سنة سبع.
(3) في (ب): في المقبرة.
(4) في (ب): مهران.
(5) سقط من (ب).
(6) في (ب): وفاض.
(7) في (ب): صفوه.

لا فارقت رحمة الرحمن مضجعه ... ولا عداه(1) ملت(2) القطر منهمر
علي بن شهر
العلامة المجاهد بالحجة رئيس الطائفة علي بن شهر - رحمه الله تعالى - كان من كبار العلماء وخيارهم مستقيم العقيدة صحيح الطريقة صادعاً بالحق، وهو من أهل بيت وهب من ظاهر همدان، ويقال: إنه جابري النسب من ولد هلال(3) بن عوف بن جابر بن عبد الله بن قادم بن زيد بن غريب بن جشم بن حاشد(4)، لقي جماعة من كبار الزيدية المخترعة، كابن برية (- رحمه الله تعالى -)(5)، وعمار العلم من اهل ناعظ(6) وهو جد آل عمار والقاضي تبع بن المسلم وغيرهم، وكان بينه وبين أوائل الفرقة الغوية من المطرفية أمور طوال وتنصل لمناظرتهم كبيرهم علي بن(7) حرب، وكان هذا في أوائل أمرهم، فإنه ما اشتهر التطريف إلا من بعد هذا - رضي الله عنه - وحصل بينه وبين عبد الله بن موسى بن عيسى بن عبد الرحيم بن موسى بن هارون العوفي قاضي الأباضية مناظره، وكان اجتماعهما ببيت أكلب، وحضر المناظرة عمر والقاضي من المطريفية(8)، انتهى.
علي بن صالح بن مسلم بن حبان الهمداني
العلامة المحدث العابد علي بن صالح بن مسلم بن حبان الهمداني من ثور همدان ولقيه حي الفقيه المحدث أخو العلامة الحسن بن صالح بن حي صهر أحمد بن عيسى بن زيد، كان عالماً عابداً، وكان قد أقسم(9) هو وأخوه وأختهما /115/ الليل أثلاثاً للعبادة، فمات علي قبل الحسن، فقام بوضيفته، وماتت(10) أخته - أيضاً - فقام بوضيفتهما، فكان يقوم الليل كله، وقد سبقت ترجمة الحسن - رحمه الله تعالى -.
علي بن صلاح بن الحسن بن علي
__________
(1) في (ب): عراه.
(2) في (ب): ملت.
(3) في (ب): هلان.
(4) في (ب): حازم.
(5) سقط من (ب).
(6) في (ب): ناعط.
(7) سقط من (أ): بن.
(8) في (ب): المطرفية.
(9) في (ب): اقتسم.
(10) في (ب): فماتت.

السيد الهمام المكرم العالم الفاضل علي بن صلاح بن الحسن بن علي بن المؤيد - عليهم السلام - قال العلامة الرزيقي - رحمه الله تعالى -: هو السيد الأجل الأكمل الأعلم الأعمل الغرة الشادخة في وجه الشرف الأكمل والذروة الباذخة في آل النبي المرسل، وإنسان عين السادة العارفين، هذه عبارة الزريقي، وذكر كتابه (الجواب على الإمام شرف الدين - عليه السلام -) لما كتب إليه الإمام يخبره بفتح (جبن خير)(1) وصول(2) يافع مواجهين على يد الشريف السري الخطير سيف الإسلام المطهر بن أمير المؤمنين، وأجابه السيد على الجواب(3) وافي الإشارات شافي العبارات، ومن جملة شعر السيد علي في مدح مطهر بن الإمام - عليه السلام -:
إذا اعتلا من سنام المجد ذروته ... فالمجد عال به حقاً ومفتخر
هو غرة في جبين المجد شادخة ... ما إن يشابهها في نيلها الغرر
هو المطهر أزكى من مشى ونشأ ... ملك حليم فلا يبدو له ضجر
طلق اليدين إذا ما جاء سائله ... للنشيب ما آب إلا وهو منجبر
ابن الإمام الذي سادت عناصره ... وطاب منه لعمري الْخُبر والْخُبر
فإن يكن آل طه أنجم سكنت ... أفق السماء فهو في أبراجها القمر
وكان له أخ جليل اسمه الحسن بن صلاح من وجوه السادة - رحمه الله تعالى -.
علي بن صلاح بن محمد العبالي
__________
(1) في (ب): حين.
(2) في (ب): ووصول.
(3) في (ب): بجواب.

السيد المجتهد العالم الكبير لسان آل محمد جمال /116/ الدين علي بن صلاح بن محمد العبالي بن أحمد السيد القادم من أهل هذا البيت من (محلاه) من بلاد الحرجة إلى جهة (عبال حجة)، ابن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن يحيى بن علي بن الحسن بن عبد الله بن إسماعيل بن عيسى بن عبد الله بن عيسى بن إسماعيل بن(1) محمد بن القاسم بن إبراهيم - عليهم السلام - كان وجه(2) وقته وسيد أبناء عصره بحراً يزخر عبابه بالفرائد وتفيض جوانبه بالفوائد حسبه قول الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد - عليه السلام -(3) أنه لا يتخوف على أهل اليمن وهو فيهم، وكان قد حقق العلوم على أنواعها، ويسرها الله له تيسيراً عجيباً، فحفظ الغرايب والعجايب والآداب، لما وجهه الإمام المنصور بالله - عليه السلام - إلى العلامة المجتهد يوسف الحماطي يطلبه البيعة قال القاضي - رضي الله عنه -: ما قد عرفت ما عند الإمام من العلم فلا بد لي من الإيراد عليه، وكان هذا القاضي من المحققين الكملة، فقال السيد جمال الدين: أورد شيئاً مما في نفسك، فأورد مشكلها(4)، فسارع السيد إلى حلها في الحال من غير تريث، فعجب القاضي، وقال: أنت محل هذا الشأن، أمدد يدك، فقال: لا تفعل، فما علمي عند علم الإمام شيء، فاستثبت القاضي سنة(5) في تصحيح ذلك واطمأنت نفسه وبايع فلم(6) يزل السيد جمال الدين بطانة للإمام، وتولى للإمام بلاد (وادعة الظاهر)، وكانت هي وجه البلاد يومئذ، وتولى له القاضي العلامة علي بن أحمد بن أبي الرجال - رحمه الله تعالى - الماضي ذكره، وكانت لهما عجائب ولطائف؛ لأن السيد - رضي الله عنه - على جلالته كان عذب الناشئة لطيفاً ملاطفاً غير متكبر ولا متعالي يخلط نفسه بين الناس ويلاطفهم، وكان واسع الشعر يطاوعه /117/ على
__________
(1) زيادة في (ب): عبدالله بن.
(2) في (ب): وحسيد.
(3) في (ب): - عليهما السلام -.
(4) في (ب): مشكلات.
(5) في (ب): منه.
(6) في (ب): ولم.

البديهة، وله أشعار في معاني كثيرة ومقاطيع، وما رُأى إلا متبسماً إلا أن يكون المقام لله فهو أغلظ الناس فيه، ولقد كان يجري بينه وبين الإمام - عليه السلام - من القول الجد والمناصحة الصادقة ما يظن الجاهل أنهما لا يرضيان الألفة بعدها، وكل منهما لا يزيده(1) ذلك إلا حرصاً على الألفة، روي أنه جرى بينهما مراجعة في الليل في أمر يعم، فخرج السيد مغضباً، وقد غلقت الأبواب فطلب لنفسه موضعاً يبيت (فيه) (2) عند ذي الشرفين بشهارة، فأرسل إليه الإمام بما يحتاج، وأصبح إلى الحضرة أول داخل، ووقع في بعض المجالسة نحو من ذلك، فظن الإمام - أيضاً - كما يظن الناس أن السيد قد تعب، فخرج إلى الباب فصادف فيه بعض أهل الحاجات، فرجع في الحال، تكلم في شأنهم واعتنقه الإمام (ودعا له) (3) واتفق له بسبب مقامه الشريف وعنايته بالإسلام أذية من عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن مطهر بن الإمام، وكان حال هذا الرجل غير سديد، ووقى الله السيد جمال الإسلام شره مع سرعة عبد الرحيم إلى الشر وما قد فتحه من أبواب الشر لا يغلقه حتى يبلغ منتهى(4) الشر(5)، وفتح على السيد أبواباً لم يبلغ النهاية بل وقاه الله تعالى، وله عقب سادة أجلاء فضلاء قد تقدم ذكره السيد العلامة شيخ المحققين الحسن بن علي - رضي الله عنه - وولده السيد الأجل الحسين بن علي، كان من وجوه أهل البيت يحفظ مذاهب العترة ويقف عند نصوصهم، وله شرح على (الحاجبية)، كمل به ما كان السيد لطف الله فعل، وله همة في الخير وصنوهما محمد بن علي هو من وجوه زماننا على منهاج آل محمد، يعرف نصوص الأئمة وأحوالهم وآثارهم ولكل /118/ من هؤلاء الثلاثة أولاد نجباء، والسيد(6)
__________
(1) في (ب): يزيد.
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): ورضي عنه.
(4) في (ب): منتهاه.
(5) سقط من (ب): منتهاه.
(6) في حاشية (ب): توفي السيد العلامة محمد بن علي بن صلاح العبالي المذكور - رحمه الله تعالى - بمحروس صنعاء يوم (بياض) ودفن في خزيمة غربي مدينة صنعاء حرسها الله تعالى.

محمد بن علي هو الآن موجود بصنعاء، وله شعر استحسنت كتابة هذه الأبيات الجناسية:
من خالفت أقواله أفعاله ... تحولت أفعاله أفعى له
من أظهر السر الذي في صدره ... لغيره وهى له أو هاله
من لم يكن لسانه طوعاً له ... فتركه أقواله أقوى له
ومن نئا عن الحرام طالباً ... من رشده حلاله(1) حلاله
وأما السيد علي بن صلاح صاحب الترجمة فكان الشعر ميسراً له، ولم يحضرني عند كتابة هذه الأحرف غير قصيدة له يهني بها الإمام المنصور بالله - عليه السلام - عند فتحه لشهاره:
هنيئاً لهذا الفتح يا ابن محمد ... وحمداً لمن أولاك سؤلي ومقصدي
على بعد عهد في الزمان وموعد ... وبعد إياس من ولي ومعتدي
وثبت إلى العليا بصدق عزيمة ... فنلت المنا والنصر والفتح عن يدي
ورام جميع الناس صدك دونها ... ولم تستمع أقوالهم في التردد
وكان جواب الكل منك عليهم ... دعوني فإني بالحوادث مرتدي
وقلت لهم بالأمر كلمة جازم ... فلا تيأسوا ما يحدث الله في غد
على أنني فيما مضى كنت راجياً ... لنيلك هذا في مغيب ومشهد
وصدق ربي موعد الحق إنه ... يجيب دعاء العالم المتهجد
سقى الجبل (المشطور)(2) جنبي شهارة ... شآبيب جود مصلح غير مفسد
لقد جاءهم نيل المنى يوم جاءهم ... غياث الورى ورد لهم أي مورد
إمام هدىً منَّ الإله به لنا ... يقي كل ذي جور وذي عمل (ردي)(3)
هو القاسم المنصور من آل حيدر ... هو العالم الفياض من آل أحمد
نشأ في التقى والعلم والفضل والنهى ... وأغنى اليتامى من ندى كفه الندى
ليهن جميع العالمين ظهوره ... على رغم قوم من أعاد وحسد
هو الحجة الكبرى على أهل عصره ... حليف الوفى والصدق في كل موعد
أيا سيدي لا تنس لي فيك صحبة ... ووداً قديماً خالصاً في التودد
فإني وأولادي وأهلي ووالدي ... فداك من الأسوى وما ملكت يدي
بحقك والسبطين منك وصحبتي ... أغثني فإني هاهنا كالمقيد
__________
(1) في (أ): جلاله (ولعل الصواب حلاله).
(2) في (ب): أعني.
(3) في (أ): بذي.

وحق سليل منك في الحبس موثق ... وآخر في بحر العدى متجلد
وبادر بوال للبلاد معجلاً ... ولا تتركني كالبعير المقيد
لقد كنت في الماضي على الضر صابراً ... رجاء رضاء الواحد المتفرد
وبعد زوال الخوف إني لعاطش ... إلى الشرب من حوض لديك مضمد لديك
بقيت بقاء الدهر يا غوث أهله ... وهذا دعاء للبرية عن يد
وفي آخر الأمر حصل له من الحمّى الحادة حصل معه غفلة من شدة الحمى، فسقط من طاقة داره فمات - رحمه الله تعالى - وقبر في مسجد الميدان بشهارة، توفي في شهر رجب سنة تسع عشرة وألف، وقد أوفى(1) - رحمه الله تعالى - إلى فتح شهارة، وهذا إيماءٌ منا باختصار إلى شيء من ذلك لما وفدت محاط الأتراك إلى شهارة في شهر شوال سنة عشر بعد الألف، خرج الإمام إلى جبل برط وصحبه من أولاده علي والحسنان وبقي ولده عز الإسلام في شهارة، فألجأ به الحال إلى الخروج برفاقه الشيخ عبد الله الرواس من أصحاب الأمير أحمد بن محمد بن شمس الدين، وكذا برفاقه من الأمير عبد الله بن المعافى؛ لأنه كان كبير الجيوش من قبل الوزير حسن وسنان باشا، فخرج الإمام المؤيد(2) صنوه أحمد بن أمير المؤمنين ومعهما /120/ السيد صالح بن عبد الله الغرباني، والسيد عبد الله بن محمد المحرابي ومحمد بن الحسن بن شرف الدين، وصنوه علي والفقيه صلاح بن عبد الله بن داود الشظبي، وكان الخطاب والمواضيع على يديه؛ لأنه كان أستاذ مولانا عز الدين - عليه السلام - ومن جملة السادة المقبوضين السيد محمد بن الناصر الغرباني، وصنوه صالح بن ناصر والسيد العلامة إبراهيم بن المهدي بن جحاف، فساروا مجللين مكرمين حتى انتهوا بهم إلى حضرة الأمير أحمد بن محمد (الكوكباني) (3)، فأكرمهم وأجلهم ومنعهم من الأتراك وأنزلهم في المنصورة بكوكبان، وبعد دخولهم بكوكبان مات السيد العلامة إبراهيم بن المهدي وقبر هنالك، ثم إن الإمام - عليه
__________
(1) في (ب): وافى.
(2) في (ب): ومعه صنوه.
(3) في (ب): إلى كوكبان.

السلام - نهض في شهر جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة وألف من برط إلى وادعة، فأطاعوا وآووا ونصروا وأعمل الإمام النظر في دخول عبد الرحيم بن عبد الرحمن السابق ذكره في الطاعة، فلما كثرت سيئات عبد الرحيم إلى سنان لاذ بالإمام مع إظهار(1) الخدع للإمام فبادر بمحطه إلى السودة ومحطه إلى الصرحة ما بين جرح(2) وكحلان، وأرسل صنوه مطهر بن عبد الرحمن إلى جبل الأبرق من (ظليمة) في عدد ليس بالكثير، لكنها واجهت الأهنوم وظليمة وعذر عند وصوله، وكان الأمير عبد الله بن المعافا في (حمومة) وولده إبراهيم في الهجر فطلع إبراهيم إلى نجد بني حمزة؛ لأنه بلغه أن الفقيه علي الشهاري قد وصل في نحو أربعين رجلاً من وادعه، حتى وصل (حاشف) وقت المغرب ونفذ في حينه إلى (سيران) وأصبح في بني سعيد بمغربه الشاوري، وبقي أكثر نهاره ينتظر موعد الأهنوم بالموالاة فتخلفوا عن الموعد لقلة من معه، فسكن في محله إلى أول المغرب، ثم كر راجعاً، وأهل وادعه رجعوا بلادهم فنفذ ابن /121/ المعافى من حمومة جيشاً كثيفاً إلى سيران فصبحوا بسيران فواجهوا من غير أن يقع فيهم جرح، وبعض محطته جبل شبام(3) الذي فوق الحبس، وخرج من في شهارة، فأباحوا بلاد بني سعيد ثلاثة أيام نهباً، وقتلوا جماعة، ثم أن مطهر بن عبد الرحيم(4) بعد وصوله الأبرق الذي ذكرناه آنفاً أرسل أربعين رجلاً من الأهنوم فحملوا على الفقيه إبراهيم بن المعافى إلى النجد مع بجميع(5) الأهنوم معهم، فانهزم(6) شهارة وأخذت بقية محطته، ثم جازوه في شهارة حتى بلغت وقية الملح ثلاثة كبار، فاحتازوا سنة أو (أكثر و) (7) يزيد قليلاً على السنة، فأرادوا التسليم فطمع عبد الرحيم في تولي ذلك، فأعماه الله بشواغل وحروب، فجاء الإمام إلى الأهنوم بنفسه الكريمة، فتسلم شهارة وأخذ
__________
(1) في (ب): إظماره.
(2) في (ب): جزع.
(3) في (ب): سام.
(4) في (ب): عبدالرحمن.
(5) في (ب): كذا.
(6) كذا في (ب).
(7) سقط من (ب).

السلاح إلا من كان من حاشد وبكيل وحبس الفقيه إبراهيم بن المعافا، وهذا ما أوفى إليه السيد - رحمه الله تعالى - ومحل هذا السيرة المنصورية(1).
علي بن العباس بن إبراهيم
الحافظ الواعي لعلوم العترة المترجم عنها العلامة المبرز علي بن العباس بن إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - كان علي بن العباس قاضياً بطبرستان (من) (2) الداعي الصغير، وله تصانيف كثيرة في الفقه وغيره، منها كتاب (اختلاف الفقهاء(3) أهل البيت)، يذكر المسألة ويقول فيها: قال الحسين قال جعفر قال زيد قال فلان، وهو كتاب كبير، ومنها كتاب ما يجب أن يعمله المحتسب، وكتبه مشهورة بطبرستان، ذكر ذلك جميعه ابن عنبه النسابة.
قلت: قد غلط يوسف حاجي في تراجمه فقال علي بن محمد العلوي العباسي صاحب إجماعات أهل البيت من ولد العباس بن علي، وقال بهاء الدين: إنه كان حسنياً(4)، وقال ناصر الرضى: إنه من /122/ ولد القاسم - عليه السلام - فهذا غلط، اللهم إلا أن يكون (ثمة) (5) غير هذا وهما رجلان.
قلت: وعلي بن العباس صحب الناصر للحق والهادي - عليه السلام - قال في حواشي الإبانة: إن علي بن العباس سئل عن الإمامين فقال: كان الهادي فقيه آل محمد، و(كان) (6) الناصر عالم آل محمد، انتهى.
__________
(1) في حاشية (ب): التي جمعها السيد الجليل مطهر بن يحيى الجرموزي - رحمه الله -.
(2) في (ب): زمن.
(3) في ب): فقهاء أهل البيت.
(4) في (ب): حسينياً.
(5) في (ب): فراغ.
(6) سقط من (ب).

قلت: والناصرية تفضل الناصر - عليه السلام - على الهادي - عليه السلام - في العلم، روى في حواشي الإبانة - أيضاً - عن صالح بن ملكان قال: رأيت شيخاً مسناً من العلوية قد أتت عليه من السنين مائة وثمان عشرة، قد صحب الناصر والهادي - عليهم السلام - فسألته عنهما فقال: ألفيت الهادي كواد عظيم عريض الحافة مستطيل وألفيت الناصر للحق كبحر زاخر بعيد القعر، انتهى.
علي بن عبد الله بن محمد
السيد العابد الزاهد العالم المحقق علي بن عبد الله بن محمد بن أمير المؤمنين يحيى بن حمزة - عليهم السلام - قال صاحب الصلة: كان آية زمانه وبركة أوانه، ونقل عنه أنه حكى أن أخاً في الله لشيخه شيخ الطريقة الحسن بن سلمان الماضي ذكره مات، وكان صالحاً عابداً، فجاءه وهو مسجاً ميت، فقال: السلام عليك يا فلان، ففتح عينيه ساعة، ثم طبقها.
علي بن عبد الله بن الحسن

الأمير السيد الناصر الجمالي عضد الإسلام علي بن عبد الله بن الحسن بن حمزة بن سليمان بن علي بن حمزة - رحمه الله تعالى - هو الأمير الكبير صاحب حصن المنقاع والد السيد إدريس صاحب (الكنز)، كان هذا الأمير من وجوه أهله وعيونهم وكبرائهم، وله وقعات بينة وبين سلاطين اليمن وغيره، وكانت أحواله تختلف باعتبار الزمان تارة يهادن السلاطين وتارة يخالفهم، وكان في مقام عظيم، ولما كان من داود بن المنصور من الصلح بينه وبين السلاطين ما كان، وخرج داود(1) الإمام المطهر بن يحيى بقي هذا الأمير حافظاً لحصون كثيرة /123/ من حصون الزيدية، وبقي يتردد بنفسه من كوكبان إلى ردمان إلى القاهرة وإلى(2) عزان، ثُمَّ أن سحر(3) في سنة ست وسبعين حاصر القاهرة وعزان من حصون حضور، فاستمد الأمير بالأشراف(4)، فلم يمده أحد منهم إلا الإمام المطهر بن يحيى - عليه السلام - فإنه جمع جمعاً عظيماً وقصد الشعبي إلى محطته، فلم يحصل المقصود من التنفيس على الحصنين فرجح الأمير على الصلح بينه وبين السلطان وأخذ مالاً في تسليم الحصون وتوجه الأمير إلى الظاهر والإمام المطهر إلى المغارب وناصر الوابق - عليه السلام - وهو الذي أخرج الحسن بن وهاس من السجن لتجتمع كلمة الأشراف لقتال أعدائهم، وكان باسلاً شجاعاً كريماً عالماً، وهو صاحب القصيدة الناجزة في إمامة علي بن أبي طالب التي أولها:
موت النبي ولاية لوصية ... سبقت عقودهم ومن أختاروا
وأجابها السيد العلامة الصدر محمد بن جعفر بن أبي هاشم الحمزي بقصيدة تؤكد معنى شعر الأمير (ويبرزه) (5) ويثني عليه أولها:
هذا مقالة أهل بيت محمد ... حقاً وإنك بحرها (النيار)(6)
العالم الصدر النبيه ومن غدا ... في كفه الإيراد والإصدار
__________
(1) في (ب): إلى الإمام.
(2) في (ب): إلى.
(3) كذا.
(4) في (ب): الأمير علي بالإشراف.
(5) في (أ): ويقرره.
(6) في (أ): التيار (ولعلها الصواب).

وهَّاب جرد الخيل كل مطهم ... لم يثنه عن جوده الإقتار
وهي طويلة شرحها الإمام الأعظم المهدي لدين الله محمد بن المطهر بن يحيى بشرح نفيس سماه (الكواكب الدرية في شرح الأبيات البدرية)، قال في اللآلي: إنه تكلم في إعرابها ورد من أقوال النحاة ما يشهد له بالتبريز في هذا الفن، ثم خاض في شيء من الكلام ومسائل الإمامة، توفي في جمادي الآخرة سنة تسع وتسعين وست مائة، وفيه تمثل أخوه بقول زياد الأعجم:
مات المغيرة بعد طُول تعرض ... للموت بين أسنه ورماح

وقال الجندي: وكان فارساً شجاعاً كريماً، صحب الملك المظفر ولاذ به فأحبه ورفع له (طبلخانه) ولقبه نجم الدين وذلك عاشر المحرم سنة ست وثمانين وست مائة، ولم يزل على الإعزاز حتى توفي المظفر، ثم لما صار /124/ (الملك) (1) إلى الملك الأشرف ونازعه فيه أخوه المؤيد استنجد بهذا علي فأنجده بجيش حميد، ونزل إلى لحج فانكسر عسكر المؤيد وقبض فأنعم الأشرف على هذا الشريف بنعم كثيرة منها حصنان في بلدة يعرفان بالعظيمة والمنقاع، فطلع من اليمن وقبضهما وعتب الناس على الأشراف بذلك، فلما صار الملك إلى المؤيد بعد وفات الأشرف لم يكن له مخرج إلا في طلبهما، فخرج في سنة سبع وتسعين وست مائة، وحاصره فيها أربعة أشهر، ثم تركا عدالة على يد ولده إدريس، (ثم نزل الشريف صحبت السلطان اليمن)(2)، ثم نزل معه تهامة، ثم عاد إلى تعز، ثم طلع إلى بلده فتوفي بها سنة ثماني وسبعين(3) وستمائة، ثم إن ولده إدريس نزل إلى السلطان المؤيد وسلم له الحصنين فرفع له السلطان طبلخانة كما كان لأبيه وأقطعه تهامة إقطاعاً حاملاً(4) ولم يزل على الإعزاز، والإكرام، وكان فاضلاً تفقه بمذهب الزيدية، وكان عارفاً بأصولهم وعارفاً بالنحو معرفة شافية، وله شعر جيد ودرية بالتاريخ، وله فيه تصنيف شاف جمعه بإشارة الملك المؤيد، وكان شجاعاً جواداً لا يكنز درهماً سمعت كثيراً يفضلونه على أبيه بالشجاعة والكرم، وأما العلم فأهل مذهبهم يقولون لو كانت أمه شريفة لاستحق الإمامة، وكانت وفاته بتعز ليلة السبت العشرين من ربيع الآخر سنة أربع عشرة وسبعمائة، انتهى كلام الجندي، وقوله: لو كانت أمه شريفة (لاستحق الإمامة)(5) عند الزيدية جهلٌ بما عليه الزيدية فإنهم لا يشترطون ذلك، فإن الإمام الأعظم زيد بن علي - عليه السلام - أمه أمة وأم إسماعيل
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (ب): ثم نزل، صحبه الشريف السلطان اليمني.
(3) في (ب): تسعين.
(4) في (ب): حافلاً.
(5) في (ب): لصلح للإمامة.

نبي الله، فهذه عادة القوم لا يعرفون شيئاً من مذهب أهل البيت - عليهم السلام - وأم السيد إدريس المذكور ليلى الشريحية الصانعة(1) وأم والده الأمير /124/ على أم الدرر(2)، ومنه اسمها خاتون.
علي بن عبد الله بن أحمد
علامة الأصول والفروع وحجة المنقول والمسموع سيد أرباب الشريعة وإمام أهل الحقيقة على الحقيقة علي بن عبد الله بن أحمد بن أبي الخير الصايدي - رحمه الله -(3)، لم يبلغ أحد في وقته ما بلغ، ولا انتهى إلى ما انتهى، جمع الفضائل عن يد وحاز الكمال وانفرد لم يبلغ الحلم حتى صار عالماً محلقاً مصنفاً، نقل شرح الأصول غيباً وقرأه شرفاً ونصف شرف، وبلغ الحلم هكذا، روى لي ولم يبلغ عشرين سنة إلا وقد صار مجتهداً في العلوم في أصولها وفروعها وجليها وغامضها، وله في كل فن تصنيف وموضوع في الأصولين والفروع، والرد على المجبرة والفرق الإسلامية والملاحدة وعلوم المعاملة والزهد وحكايات الصوفية المحمودة منها والمذمومة، (إلى) (4) زهى خمسة وأربعين موضوعاً(5) ومن طلبها وجدها واستضاء بنورها واستصبح في ديجور جهله بضيائها إن شاء الله، فلما بلغ من العلوم المنتهى وفاز فيها بالقدح المعلا جاءه مخاطب التوفيق والارتقاء إلى سنام التحقيق العلم يهتف بالعمل إن أجابه وإلا ارتحل، عكف على كتب التقوى واليقين وواضب عليها مدة من السنين وراض نفسه رياضة يعجز عنها من عرفها وسمع بها دقق فيها وحقق، وفيها ما راق وأشرق، فهو إمام أهل الشريعة وشيخ أهل الطريقة، روى إبراهيم الكينعي قال: إن عبد الجبار قاضي القضاة أبلغ الناس في علم الكلام وعندي أن علي بن عبد الله أبلغ منه وأغزر علماً وأعظم فهماً، لكنه في زمانٍ أهله عفواً أو ما معناه هذا، وسمع علي بن عبد الله
__________
(1) في (ب): الصاغية.
(2) في (ب): الدر.
(3) في (ب): قال السيد العماد في الصلة هو سلطان العلماء الأبرار، وملاذ علماء الأمصار (زيادة).
(4) سقط من (ب).
(5) في (ب): موضعاً.

تلقين الشهادة وكيفية الطريق إلى الله على المقري العلامة شمس الدين بركة أهل المذاهب من المسلمين أحمد بن النساخ /126/ بسنده إلى جعفر الصادق وزين العابدين إلى علي - عليه السلام - إلى نبينا - صلى الله عليه وآله وسلم - وسمع إبراهيم الكينعي ما ذكر على الفقيه الإمام علي بن عبد الله وأخذ عنه التلقين وكيفية الطريق إلى الله عز وجل وإخلاص الذكر، فهو شيخ إبراهيم في زهده وورعه، وقدوته في أفعاله وأقواله، وكان لا يفارقه الفينة بعد الفينة لما يرد عليه من مسائل الشريعة وطرائق أهل العبادة والذكر وما يرد عليه من أحوال المريدين وما يطرق عليهم من الشبه فيحلها بعلم وبحرية وكيفية التلقين موجود في خزانة إبراهيم الكينعي وأنا أذكر طرفاً من ذلك من إملائه على إخوانه وسماه (المقدمة)، و(الوضائف في طريق المريد والطائف): ((بسم الله الرحمن الرحيم (الحمد(1) لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وصل الله على محمد وأله)(2)، اعلم أرشدك الله وإيانا أن من نظر في عاجل أمره وعاقبة حاله لم يقربه قرار، ولا تؤيه دار، وإنه ليطمئن إلى الفرار، ويأوي إلى الفيافي والقفار، ويأنس بالسباع، وينفر عما تتوق إليه الطباع، إذ العاقل إذا شاهد الموت والفوت، وما بعد ذلك من الأهوال لا بد له من أن يبني نفسه ويوطنها على أحد ثلاثة أقسام:
الأول إما أن ينكر ذلك وهذا هو الهلاك الأكبر مع أن العقلاء لا تقبله وهيهات ما أبعده.
الثاني: أن يقر به ولا يتحرك فيه ولا يعد له عدته، فهذا أقرب.
الثالث: أن يتحرز ويعد له فهذا هو السعيد.
__________
(1) في (أ): والحمد لله.
(2) في (ب): والحمد لله وصلى الله على محمد وآله.

فإن قيل: كيف لا يختار العقلاء مع كمال عقلهم(1) طول السعادة؟ قلت: منعهم بل أعماهم حب الهوى وطول الأمل كما قال - صلى الله عليه وآله وسلم - (حقيقة(2) الأمر المهلك إنه حب الدنيا كما قال حب الدنيا رأس كل خطيئة)، ولقد تكلم العلماء في ذلك كلاماً وعرفوا فيه أن الخطايا من حب الدنيا، فإن قلت /127/ وما الدنيا؟ قلت: قد قيل فيه معاني كثيرة، لكن الذي يليق بالحال أن يقول الدنيا ما بعدك عن مراد الله وعن الأفضل مما يريده. فإن قيل: فما مراد الله والأفضل؟ قلت: الطاعة كلها، لكنها (كلها)(3) بعضها أفضل من بعض والأفضل يختلف بالأزمان والأشخاص والأحوال والأفعال وغير ذلك من القرائن التي لا حصر فيها والبعد عن الأفضل نقص، فإن قيل: فبما أخرج حب الدنيا عن قلبي؟ قلت: بمعرفة آفاتها ووخم عواقبها مع أن التكليف لم يرد بإزالة الشهوة والشيء عن القلب، لكن بالصبر عنه والكف وسياسة النفس حتى ترجع المشتهى مكروهاً ويكون الرغبة والشهوة في الأمور النافعة لا الضارة بعون الله. فإن قلت: فبما أصل إلى ذلك؟ قلت: تصل إن شاء الله بقطع ثلاث عقبات، نذكرها على سبيل الجملة، الأولى: عقبة الصبر، وهي الصبر عن(4) القيام بالواجبات واجتناب المقبحات، وعلى ما أتاك من الامتحانات من قبل الله أو من الخلق، ومجاهدة النفس على ذلك أولى، فإنه يعود بعد ذلك رضاً خالصاً بعون الله. العقبة الثانية: عقبة الزهد، فتزهد أولاً في الشبهات، ثُمَّ في الحلال، ثُمَّ في كل شيء إلا الله، فإذا لم يبق في القلب إلا الله فذلك غاية السعادة، لكن بثلاثة شروط: الأول، التزام الطاعة والشريعة، والثاني أن لا يكره الدنيا ولا يحبها، فإن ذلك شغل وغرور، الثالث: أن لا تعلق قلبك بذات الله على الحقيقة بمعنى التصور والتكييف، فإن من نظر في الذات ألحد، ومن نظر إلى المخلوقات وحد، لكن على سبيل التعظيم
__________
(1) في (ب): عقولهم.
(2) في (ب): وحقيقة.
(3) سقط من (ب).
(4) في (ب): على.

والامتثال لأمره والاستعانة به والحاجة إليه في كل حال. العقبة الثالثة: عقبة المواضبة، وهي أن تواضب على عشر خصال: الأولى: الندم على كل قبيح لقبحه وعلى كل إخلال بواجب لوجوبه. الثانية /128/ العزم على (أنه) (1) لا يعود إلى شيء من ذلك. الثالثة: الملجأ(2) إلى الله في كل حال، والتعويل عليه في كل أمر. الرابعة: الرجاء له ولكرمه وإحسانه في كل شيء إلا عند الذنب وذكره في الأولى(3) الخوف. الخامسة: الشكر، وهي أن تشكر الله على (السراء والضراء)(4) والشدة والرخاء وعلى كل حال من الأحوال. السادسة: الذكر، وهو بالقلب واللسان والأفعال جهدك. والسابعة أن ينوي كل ما زال عنك من مالك من غير اختيار منك ونية حاضرة فيه أنه من أوجب حق كان أو يكون للأخذ وإلا فمن حقوق الله إن لم يكن في معلومة أن يعود أو عوضه. الثامنة: أن تقصد أن كلما فعلته أو تركته فإنه لكل وجه حسن يريده الله على الوجه الذي يريده، الواجب لوجوبه، والمندوب لندبه، واجتناب القبيح لقبحه، والمباح لما يقترن به من القرائن التي تصيره مندوباً قربة. التاسعة: أن تقدم الأهم فالأهم مما يعنيك. العاشرة: أن تعرض عما نهيت عنه وما لا يعنيك(5)، فإذا فعلت هذا فأنت إما متشرع أو متصوف، وهذا التقسيم إنما هو في الطريقة، وأما(6) الحقيقة فهما لا يختلفان قط أعني الشريعة والتصوف(7)، فإذا كنت متشرعاً فخذ بالأفضل، فالأفضل في حقك من الشريعة تبلغ خصال المتصوف إن شاء الله تعالى، وإن كنت متصوفاً فحبذا لكن تجنب مقالاتهم المخالفة للشريعة، وقد أشرنا إليها في بعض
__________
(1) في (ب): أنه.
(2) في (ب): اللجأ.
(3) في (ب): فإن الأولى الخوف.
(4) في (ب): الضراء والسراء.
(5) زيادة في (ب): وبعد إذا فعلت هذه العشر لا يزال خادماً عارفاً لاجياً راجياً شاكراً ذاكراً ناوياً قاصداً مقدماً للأهم فالأهم مما يعنيك، معرضاً عن القبيح وما لا يعنيك.
(6) في (ب): وأما في.
(7) في (أ): والمتصوف.

المواضع تكن من الواصلين إن شاء الله تعالى، ونشير إليها هاهنا ونأخذ(1) من ذلك فتقول: اجتنب مذهب بعضهم في أن الإنسان قد يبلغ إلى درجة يكون فيها قريباً من النبوءة أو مثلها في بعض الأمور وأن التكليف قد يسقط عن بعض فضلائهم فلا يصلون ولا يأتون بواجب، وعن اللوامة الذين يفعلون الذنوب /129/ حتى يلوموا أنفسهم، وعن من يصوم إلى آخر النهار ثم يفسده لدفع العجب وعن من يعلق العظام برقبته في الأسواق لدفع الكبر، وعن المذاهب الفاسدة من التشبيه والجبر والإرجاء، وعن تمثيل(2) الوسواس والخواطر الفاسدة بالإلهام والوحي والمكاشفة والحضرة، وعن امتناعهم من(3) الجهاد مع أهل البيت وإجابة دعاتهم المحقين، وعن السماع والرقص والوجد ومشاهدة الجنة والنار، وعن أفعال (الحلولية) الذين يقولون إن الله (سبحانه)(4) عرض يحل في الصورة الحسنة تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
وبعد، فإن حدثتك(5) نفسك بأنك قد بلغت المراد بعد الجهد في قطع هذه العقبات فأعرض عليها أموراً، فإن وجدتها منقادة سلسة فقد بلغت، وهي: أن تختار الفقر على الغنى، والشدة على الرخاء، والجوع على الشبع، والألم على الصحة، والذل على العز، والغربة على الأهل، وغير ذلك من المشاق في طاعة الله، وقتل النفس فإنه (من أدين) (6) القوم، ويُرجَالك أن تكون من الواصلين(7) إن شاء الله تعالى، فإنك تبلغ، ثم (تصل ثم تحقق) (8) إن شاء الله.
__________
(1) في (أ): وتأخذ.
(2) في (ب): تمثل.
(3) في (ب): عن.
(4) سقط من (ب).
(5) في (أ): حدثت.
(6) في (ب): فإنه في دين الله.
(7) في (ب): الواصلين.
(8) في (ب): ثم تصل ثم تصل.

ولما كان الاجتماع من التائبين لا يخفى وقد قال - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((عند ذكر الصالحين: تنزل الرحمة))، فكيف عند اجتماعهم والنبأ على وظائف يكون لهم فيه إن شاء الله أحب أضعفهم في الطريقة إلا ما رحم الله الفقير إلى الله علي بن عبد الله أن يجعل هذه كالمقدمة لتلك الوظائف التي يختارونها(1)، وذكر تلك الوضائف بعدها ليذكرهم أن يشركوه في صالح دعائهم ولسان حاله ولفظه يقول: قد استوصيت جميع المسلمين بالدعاء بما أمكن من القربات في الحياة وبعد الممات، وماأصبنا فيه فالحمد لله، وما أخطأنا فنستغفر الله، والحمد لله(2) غوثك، اللهم وصل على محمد وآله، (اللهم)(3) بلغنا رضاك واختم لنا به يا كريم وجميع المسلمين واكفف جميع الأسواء /130/ بمحمد وآله، وتلك الوظائف ثلاث، منها ما يرجع إلى الأوقات وهي التي قد ترتبت الليل للعبادة قدر الإمكان، والنهار للصوم قدر الإمكان، ومن صلاة الفجر إلى طلوع الشمس للذكر(4)، وبعده للعلم إلى وقت الضحى، وبعده لحوائج الدنيا ولإخوانه وبعده القيلولة إلى الصلاة، وبعده العلم إلى العصر، وبعد العصر للذكر ولحاجة مما يتوب له، ولغيره من المسلمين، ومنها يرجع إلى الأحوال وهي أن لا يخصَّ(5) أحد بشيء من رئاسة الدنيا ولا شيء منها جهده، وأن يكون (اللباس الصوف)(6) وشبهه والأكل أي (شيء(7) كان،) ومنها ما يرجع إلى الأشخاص، والواقفون هذا حكمهم، والزائر يكرم ويوعظ والمريد الوقوف يختبر حاله، ثم يعلم ثم يدخل في الجملة وظابط الجميع أن لا يشتغل بشيء من الدنيا، وهو يقدر على أفضل منه ولا يقارب شيئاً من الدنيا الجائرة وهو يمكنه الصبر عنه. تمت المقدمة والوظائف جزاه الله عن نفسه خيراً وعن إخوانه وعن المسلمين كافة
__________
(1) في (ب): اختارونها.
(2) في (ب): والحمد لله على.
(3) في (أ): فراغ.
(4) في (ب): لذكر أو لحاجة.
(5) في (ب): لا يختص.
(6) في (ب): اللباس من الصوف.
(7) في (أ): شيء يحضر كان.

الجزاء الأوفى وحباه بالخير كله والحسنى وله من هذا القبيل موضوع حسن يسمى (عقد اللآل في العشر الخصال في التزود للمآل(.
قلت: ونقل السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزيري الحافظ، وكان أحد تلامذته الفقيه علي - رحمه الله تعالى - انه حدثه أنه قال: نظرت مرة ما بذكره(1) من الأدلة على إثبات الصانع بما يورده الفلاسفة من الشبه، فإذا كل دليل قد عارضوه بشبهة(2) فاضطرب خاطري لذلك وإن كانت شبهتهم باطلة، وبقيت مدة أسأل ربي أن يلهمني إلى دليل لا يستطيع أهل الكفر وأهل التعطيل أن يشبهوا فيه فرأيت في ليلة شخصاً يقول لي في المنام: ?مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ?[الرحمن:19]، فعرفت في حال النوم أن هذا هو الذي سألته الله؛ لأن من طبيعته الاختلاط، فكيف لا يختلطان وأمواجهما متلاطمة وعواصف الرياح تصفق أمواجهما المتراكمة وهما بحران يلتقيان كما حكى الله: ?هَذَا /131/ عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ?[الفرقان:53]، ولا شبهة ترد على أنه لا بد من فاعل مختار منعهما من الاختلاط مع شدة الاضطراب والاصطفاق في أمواجهما، فسبحان من أظهر الأدلة على ثبوت ذاته، وله الحمد على ما عرفناه من عجائب مخلوقاته حمداً طيباً مباركاً فيه وصل الله على سيدنا محمد وآله وسلم(3).
علي بن عبد الله بن علي راوع
__________
(1) في (ب): فيما يذكره.
(2) زيادة في (ب): قال.
(3) في (ب) زيادة: توفي - رحمه الله - في [بياض].

القاضي العلامة علي بن عبد الله بن علي راوع - رحمه الله تعالى - قاضي الإمام شرف الدين - عليه السلام - علامة وقته شارح (الأثمار)، كان أحد الأعيان بحضرة الإمام - عليه السلام - وتولى قضاء صنعاء، وكان وجه (أهل) زمانه واتفق بينه وبين الإمام شيء فتجنب الحضرة وسكن في عاشر من بلاد خولان وبه توفي في (فراغ) وتسعمائة، وله شرح على الأثمار عظيم بلغ فيه إلى البيع وشرح لطيف قال في خطبته ما لفظه: وبعد فإني كتبت(1) شرح الأثمار حتى بلغت كتاب البيع، ثم عرض ما صد عن الإتمام حتى مضى بضع من الأعوام، ثم أشار مؤلفه بإنشاء شرح ثاني لما تعقب ذلك الشرح في لفظ الأثمار من زيادة ونقصان وأجبته إلى ذلك ميلاً إلى إسعاده ومسارعه إلى تنفيذ مراده متجنباً للتطويل الممل والاختصار المخل، فمن أراد الاطلاع على الأسانيد والأقوال والرموز والقواعد والفوائد فعليه بالشرح الكبير يجد ما طلبه محققاً مستوفاً، ويظفر بمراده مبيناً مستوفاً، فقد بذلت فيه التحقيق والتدقيق وبالله الثقة والتوفيق.
قلت: وبلغ في الشرح هذا إلى الزكاة، فقط ومن كلام العلامة علي بن أحمد الشظبي في وصفه - رحمه الله تعالى - لما ذكر جواب السيد المرتضى بن قاسم والعلامة محمد بن راوع والفاضل محمد بن سليمان النحوي - رحمه الله - في الوقف المشتمل على التجويز و(2)قال الشظبي: وجواب العلامة علي بن راوع يجري مجرى النص ويؤيد ما زعمت أني سمعت من بعض درسته أنه أعرف من كثير من المذاكرين، فلما تم الجواب قال الشظبي: فعلى ابن راوع بالنسبة إلى من أجاب عن هذا السؤال كما قال المنصور بالله في رسالته إلى بني العباس /132/:
وإن كنتم كنجوم السماء ... فنحن الأهلة للأنجم
__________
(1) في (ب): كنت شرحت.
(2) سقط من (أ): الواو.

وحاصل هذا الجواب الذي أجاب به أن التحويز(1) لا يصير(2) بوقف ولا غيره إلا الإقرار لكونه يكشف عن كذب المقر، وكان فيه - رحمه الله - نباهة، وله شعر من ذلك ما كتبه إلى العلامة محمد بن يحيى بهران - رحمه الله -:
سلام وما التسليم يقضي لنا فرضاً ... إذا لم نقبّل بين أيديكم الأرضاء
فلا تحسبوا طول المدى عن مزاركم ... لأجل ملال في القلوب ولا بغضاً
ولكنها الأقدار تجري على الفتى ... ضراراً بما لا يشتهيه ولا يرضى
فأجابه العلامة ابن بهران - رحمه الله تعالى -:
حرام على عينيّ أن تطعم الغمضا ... إذا لم أرى وجه التواصل مبيضاً
أحبة قلبي شرفوني بزورة ... يعض بها الحساد أيدهم(3) عضا
ولا برحت مني إليكم رسائل ... يموت بها أهل العداوة والبغضاء
وكيف يلذ النوم لي ويزورني ... وأحلام قرض الشوق تقرضني قرضاً
وكان سبب وفاته - رحمه الله - أنه سقط من سطح داره بعاشر ورثاه بعض تلامذته فقال:
فيض الدموع على الخدّين أغرقني ... ونار جمر الغضا في القلب أحرقني
(وصفو عيشي أضحى ضيقاً كدراً ... ومشربي من قراح الماء غير هني)(4)
والشمس والبدر مسودان قد كسفا ... لحادث جل في الأمصار والفنن
بموت شيخ العلوم القطب سيدنا ... علي المرتضى علامة اليمن
ذاك ابن راوع المشهور من عميت ... بموته عين هذا الدهر واحزني
ذاك الذي ملأ الأقطار معرفة ... وخير من ضم في لحد وفي كفن
العالم العلم النحرير عمدتنا ... آهٍ عليه أنيسي كربتي حزني
لما رمته سهام الموت قائلة ... رمت فؤادي وقلبي أسهم المحن
وحين ما سمعت أذناي نائحة(5) ... أغشي علي وزال العقل من بدني
/133/ أقمت صحبته دهراً فانحلني ... من المسائل دراً غالي الثمن
وكان لي والداً براً غنيت به ... عن الديار وعن أهلي وعن سكني
__________
(1) لعلها التجويز.
(2) في (ب): لا يضر.
(3) في (أ): أيديهم.
(4) هذا البيت سقط من (ب).
(5) في (ب): ما تتزين.

أبكي عليه وتبكيه العلوم ومن ... قد استفاد عليه من بني الزمن
كانت وفاته في (فراغ)
علي بن عبد الله بن المهلا
بديع الزمان وقريع الأوان صاحب الأخلاق العاطرة والآداب الزاهرة الناظرة جمال الدين علي بن عبد الله بن المهلا بن سعيد بن علي الشرفي ثم النساي - رحمه الله - كان من حملة الأداب وكملة الأصحاب مولده بكوكبان ونشأ فيه، وقرأ بصعده والشرف - أيضاً - ثم قرأ بصنعاء مدة، ثم عاد كوكبان فتزوج به، ثم حمل أهله إلى صنعاء، وترجم له ولده عبد الله بن علي أسعده الله قال: كان عالماً في كل فن في الفقه والنحو والمعاني والبيان والمنطق والتاريخ، وأخذ على جماعة من المشايخ مثل الوالد العلامة محمد بن عبد الله المهلا(1) وسيدنا العلامة علي بن محمد الجملولي والسيد العلامة محمد بن عز الدين المفتي والسيد العلامة عيسى بن لطف الله رحمهم(2) الله تعالى وغيرهم من العلماء.
__________
(1) زيادة في (ب): - رحمه الله - والوالد العلامة عبد الحفيظ بن عبدالله المهلا.
(2) في (ب): - رحمه الله -.

قلت: وكان محبباً إلى الفضلاء بمكارم أخلاقه طال ما سمعت سيدنا العلامة المحقق الحسن بن أحمد الحيمي يحن إليه وينوح بعد فراقه عليه، ويذكر من مكارم أخلاقه ما تزين(1) به الأوراق، وله شعر سيال قليل النظير في عصره، أخبرني السيد البليغ صلاح بن أحمد بن عز الدين المؤيدي - رحمه الله - قال: قلت قصيدة في المولى شرف الإسلام الحسن بن القاسم - عليهما السلام - فلما عرف أني أريد القراءة لقصيدتي قال لي إنه قد قال فينا الفقيه علي بن عبد الله قصيدتين بليغتين يطلع عليهما، قال السيد صلاح: وعرفت أنه أراد ان يعرفني أنه يعرف جيد الشعر /134/ من رائفه(2) فقرات القصيدتين فرأيت العجب، وكان مولانا الحسن يذكرهما للأدباء لهذا المقصد، توفي - رحمه الله تعالى - بصنعاء سنة تسع وأربعين وألف سنة، ودفن بخزيمة، والقصيدتان الأولى منهما في فتح زبيد، وهي:
لا تحسبوه عن هواكم سلا ... كلا ولا فارقكم عن قلا
ولا بنت وهناً به قلبه ... هضيمه الكشح صموت الحلا
يفصح بالقد غصون النقاء ... ليناً ويحكي الشادن الأكحلا
نشوانه ما شربت قرقفاً ... سحارة ما عرفت بابلا
أهلة الدار بأترابها ... لا عفت الريح لها منزلاً
نسيمها حدث عن مسكها ... فخالة أهل الهوى مترسلا(3)
دع التصابي في مقام الذي ... فاق سناء واقصد الأفضلا
وقل بأعلا الصوت إن جئته ... يا مالكاً(4) حاز جميع العلا
هنيت هذا الشرف الأطولا ... فالمفخر الباذخ فوق الملا
أدركت مجداً عشر معشاره
... قد أعجز الآخر والأولا
ما أنت إلا آية أنزلت ... بقمع من خاف ومن أبطلا
يشهد ما في الأرض عن علمه ... أنك صرت الأوحد(5) الأكملا
نور هدىً يهدي به ذو التقى ... نار وغىً حاميه المصطلا
وبحر علم ما له ساحل ... يزخر إن فَصَّل أو أجملا
دقيق فكر ما رأى مشكلاً ... إلا وحل المشكل المعضلا
__________
(1) في (ب): ما تتزين.
(2) في (ب): من زائفة.
(3) في (ب): مرسلاً.
(4) في (ب): يا ملكاً.
(5) في حاشية (أ): الأوجد.

يا ابن أمير المؤمنين الذي ... ما برح النصر له مقبلا
رمحك لا يألف إلا الحشا ... سيفك لا يعشق إلا الطلا
طرفك يختاض دماء العداء ... كأنها كانت له منهلاً
منتعلاً في الروع هاماتهم ... مجللاً أكبادهم والكلا
/135/ نهدت للترك وقد حزبوا ... أجنادهم تملأ عرض الفلا
تغص قيعان زبيد بهم ... يخال فرسانهم أجبلا(1)
فدارت الحرب وقد أملوا ... رأياً وقد يعكس من أملا
وزاولوا منك فتىً ماجداً ... لا يرهب الموت إذ أقبللا
يستحسن الدرع على جسمه ... ثوباً ويستخشن لين الملا
سابغه تسحر في الهيجاء ... ويستزري القنا الذبلا
فجرعوا من بأسه علقماً ... معتصراً من شجرات البلا
واستبدلوا عن صهوات الذرى ... والضمر الجرد بطون البلا
فمنهم من جاء مستسلماً ... ومنهم من طار خوفاً إلى
فهكذا فلتكن الهمة العقسى ... والفخر وإلا فلا
فانقشعت تلك العنايات عن ... مهذب كالقمر المجتلا
عن فاطمي ذكر أيامه ... تفعل في السامع فعل الطلا
الحسن بن القاسم الندب من ... غار على الإسلام أن يهملا
وشاد ركناً لبني هاشم ... طاول من رفعته يذبلا
ساس من الشحر إلى مكة ... إلى المخا عمرانها والخلا
ودوخ الأرض (فلو رام) نحت ... الشام بله(2) الروم والموصلا
لأقبلت بالطوع منقادة ... لأمره أسرع من لا ولا
ونال منها كلما يبتغي ... وحازها بالسيف أو بالجلا
وما هي الأرض وما قدرها ... عندك يا من قدره قد علا
لو أنها عندك مجموعة ... وهبتها من قبل أن تسألا
ولو أمرت الشهب إقبالها ... نحوك لم تلبث أن تنزلا
/136/ وضيغم الأفلاك لو رمته ... جعلت من فروته أنعلا
ولو نهيت الدهر عن فعله ... بالحر لاستعبد واستمثلا
وإن يرد منه على نجله ... يوليه براً كاد أن يفعلا
دمت لدين المصطفى معقلاً ... وللهيف المعتفا موئلا
وله - رحمه الله تعالى - وهي الأخرى من القصيدتين:
هام وجداً ساكني نعمان ... حسبه من أحبة ومكان
__________
(1) في (ب): أخبُلاً.
(2) سقط من (أ).

جيرة خيموا فخيم قلبي ... واستقلوا فهام في الأضعان
ألفتهم روحي فهانت عليهم ... قل ما يسلم الهوى من هوان
الهوى شأنه عجيب فكم من ... مسبل ماء شأنه إثر شاني(1)
علق القلب منهم بدر تم ... ساحر اللحظ فاتر الأجفان
وافر الردف كامل الطلعة الغراء(2) مرَّ الصدود حلو اللسان
من لقلبي بعضّ تفاحة الغصن ... وتقبيل خده الأرجوان
فأداوي الفؤاد من ألم الحب ... ليشفى معذب الهجران
مالكي ما تريد أصلحك الله ... بإتلاف مطلق الدمع عاني
نم هنيئاً ملأ الجفون فإن ... عاود طرفي الكرى فقل لا هناني
(يطّبيني) هوى الحسان ولكن ... ما راني ربي بحيث نهاني
بل يحامي القريض نفسي فيد ... نيها إليه يشبهها(3) بالغواني
أجماح مع الصبى بعد ما لا ... حت ثلاث بيض ثنين عناني
فاتني ريق الشباب وأرجوه(4) ... عودة من أكف فرد الأواني
يا أبا أحمد بقيت فما غيرك ... يدعا إذا التقى الجمعان
ذد عن الدين واحمه بالصفاح ... البيض والصافنات المران
أنت مهدي هذه الأمة ... المرجو إحياؤه عقيب الزمان
/137/ لك من قول جدك الصادق ... الهادي ومن قول حيدر شاهدان
رمز الدهر عندما رمز(5) الحق ... فمذ جئت عاد في العنفوان
غيرك المدعي علاك لقد مد ... يداً ويحه إلى (كيوان(
يرتجي شأوك الرفيع لقد ظل ... وغرته نفسه بالأماني
رفع الله منك راية حق ... يتقي بأسها أولو الطغيان
سل زبيداً والنجد نجداً المخيريب ... وقاع القباب من سنحان
لو تصدّا لها سواك إذا آل ... كسير القنا قتيل طعان
طفق الروم تحت سيفك أفوا ... جاً يخرون منه للأذقان
إن أعداءك البغاة لفي النار ... يطوفون بين حميم آن(6)
ألفت خيلك الوغا فهي من شو ... ق إليه تهم بالطيران
كم جيوش غادرتها للأعادي ... جزر للنسور والعقبان
__________
(1) في (أ): شانِ.
(2) سقط من (أ).
(3) في (ب): [لم أتمكن من قراءتها].
(4) في (ب): وأرجو.
(5) في (ب): عندما درس الحق.
(6) في (ب): يطوفون في حميم آن.

من رأى بأسك الشديد وإقدامك ... يوم الوغا على الأقران
معلماً تلتقي الكتائب فرداً ... حيث تنسى مودة الإخوان
لا يرى غير هامة ونجيع ... أو قتام أو صارم أو سنان
علم الناس أن مالك ثاني ... واستبانوا أن الفخار يماني
الغنا والقنا يكفيك موجودان ... فذا للمعافا وذا للجاني
ولك المحتد الرفيع وعلياك ... على الخلق ما لها من مداني
راق مدحي فيمن حوى قصب السبق
... ودانت لأمره الخافقان
الهمام الذي له الوقعات السود ... في أهل الزيغ والعدوان
ملك يقهر الجبابرة الصيد ... ويعنوا له ذوو التيجان
حسن بن المنصور سبط السحايا ... مريع الفضل منبع الإحسان
سن للناس مذهب الجود والبأس ... فما زيد الخيل وابن سنان
/138/ نشر الله عدله في البرايا ... ليفوزوا بالأمن والإيمان
وأعاد الأعياد تترى عليه ... أبداً ما تعاقب الملوان
علي بن عبد الله بن الحسن الدواري
العلامة ابن العلامة علي بن عبد الله بن الحسن الدواري - رحمه الله - كان عالماً عاملاً فاضلاً، مات في حياة والده سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ورثاه العلامة محمد بن أحمد بن عقبة - رحمه الله تعالى - بقصيدة عددها (ثلاثة)(1) وأربعون بيتاً طالعها:
الدهر للخلق مغتال وخوان ... يضمهم بالمنايا وهو(2) فتَّان
ما جاد يوماً على الأحيا بأنعمه ... الا تعقبه بؤس وأحزان
ولم يتيسر نقل جميعها وفيها دلالة على علم المذكور وفضله - رحمه الله تعالى -.
علي بن عبدالله الرقيمي:ـ
العلامة الفقيه علي بن عبد الله بن سليمان الرقيمي - رحمه الله تعالى - علامة فاضل، وهو ليس بأخ لمحمد بن عبد الله، وستأتي ترجمته، قرأ على عبد الله الحملاني الآتي ذكره، وعلي يحيى بن أبي بكر العامري مصنف البهجة.
علي بن عبد الله الحملاني
الفقيه العالم علي بن عبد الله الحملاني - رحمه الله - كان فاضلاً كاملاً عارفاً، وهو شيخ الرقيمي الذي قبله، اعاد الله من بركتهم.
__________
(1) فراغ في (ب).
(2) في (ب): فهو.

علي بن عبد الواحد الكوفي
العلامة القاضي الرئيس همام الزيدية ونبراس أنوارهم علي بن عبد الواحد الكوفي الأسدي - رضي الله عنه - هو الذي كتب إليه الأمير الناصر محمد بن المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليه السلام - قصيدته الفاخرة فقال:
متى أرى الأرض بلا ناصب ... ولا حروري ولا مجبري
متى أرى في كل أقطارها ... حب علي غير مستنكر
برئت من شيخ بني حنبل ... ومن ضرار ومن الأشعر
وناصب مستضمر حقده ... كالكلب قد فقح لم يبصر
مضطغناً يصرف أنيابه ... حران لم يعرف ولم ينكر
/139/ حتام ضرب الناس في طخية ... عمياء للسالك لم يبصر
قد جعل الناس لهم حجة ... سبق أبي بكر إلى المنبر
من يعذل القوم به جاهلاً ... فالصخر قد يعدل بالجوهر
وأعجب من البتري(1) في قوله ... ما أشبه البتري بالأبتر
ما ذنب عثمان يرى عنده ... قد نال منه صفقة الأخسر
شيعة زيد أصبحوا بعده ... مختلفي المورد والمصدر
جرى أبو الجارود في غاية ... يرزقها جري (لا)(2) مقصر
والآخرون اتبعوا قائداً ... مال عن المقصد لم يشعر
فحج ركاب الخيل ميمونة ... تهدى إلى الرشد وعج بالغري
واعلم بأن الطف من زاره ... يستحقب(3) الإيمان لم يخسر
يا معشراً بالطف قد أصبحوا ... أكرم من بالطف من معشر
ومن بكوفان ومن مثله ... لهفا لمن حرق لم يفتر
وزر بطوس خير(4) خير الورى ... وشر من يبعث في المحشر
قبران هذا روضة(5) محتداً ... وهوه(6) من حفر المنكر(7)
وعج بأهل الرس وأسفح بها ... دمعك ما فاض ولا تقصر
علي بن عطف الله:
__________
(1) في (ب): المنتري.
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): مستحقب.
(4) في (ب): قبر خير.
(5) قبر محمد وعلي بن موسى الرضى.
(6) في (ب): وحفره.
(7) في (ب): النكر.

العلامة المجتهد علي بن عطف الله الشاوري الشرفي الهلالي - رحمه الله تعالى - كان من أكابر العلماء وفضلائهم موصوفاً بالاجتهاد، (و)(1)في تراجمه التي وقفت عليها وممن وصفه بذلك شيخنا العلامة أحمد بن سعد الدين - رحمه الله - (تعالى)(2) وهو جد والده سعد الدين أبو أمَّه، وقد يلتبس بابن عطف الله التركي، وهو محمد بن عطف الله مع أنهما في زمان متقارب، وستأتي ترجمته، وكان شيخنا شمس الدين - رحمه الله - حريصاً على الفرق بينهما، فيقول ابن عطف الله - بفتح الفاء - هو التركي لم يجز على آخره الإعراب للحكاية، وابن عطف الله الشاوري صاحب هذه الترجمة - بكسر الفاء - لأنه لم يكن /140/ علماً - بالفتح ـ، وهذه مسالة ذكرها العلماء، وممن صرح بها العلامة في كشافه في تفسير(3) سورة أبي لهب، والله أعلم.
علي بن عمرو بن مسعود العنسي
الفقيه العلامة علي بن عمرو بن مسعود العنسي - رحمه الله تعالى - صنو مسعود بن عمرو، كان فاضلاً عارفاً، توفي قبل أخيه مسعود - رحمه الله تعالى - ورثاه بقصيدة أولها:
ميعادنا للوصل يوم المعاد ... أي بعاد مثل هذا البعاد
أصابني الدهر بما لو به ... يصاب أركان ثبير لماد
رزية لو بعت نفسي بها ... عددتها صفقة من قد أفاد
أي أخ أودعته حفرة ... ليس له دون الثرى من وساد
أنضد صم الصخر من فوقه ... منفرداً عني أي انفراد
رزيته لا فاحشاً طائشاً ... ولا هدايا(4) غير وارى الزناد
هو الفتى إن قيل ركب أوى ... يبغي القرى أو قيل خيل تقاد
يعلو على المنبر حلو الجنا ... ويشهد الروع جري الفؤاد
وهي حسنة (طويلة) (5) جيدة، وهكذا شعر مسعود بن عمرو عالي الطبقة - رحمه الله تعالى -.
علي بن عيسى بن حمزة بن وهاس
__________
(1) سقط من (ب).
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): وفي تفسير.
(4) في (ب): ولا هدانا.
(5) سقط من (ب).

السيد الكبير الأمير الأعظم الخطير مفخر الحرمين الشريفين واسطة عقد الشرفين المنيفين أحد مناقب العترة عُلَيَّ بن عيسى بن حمزة بن وهاس بن أبي الطيب داود بن عبد الرحمن بن أبي الفاتك عبد الله بن داود بن سليمان بن عبد الله ويعرف بالشيخ الصالح ويلقب - أيضاً - بالرضا ابن موسى الجون بن عبدالله المحض الكامل بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - وهو بالتصغير(1) - بضم العين وفتح اللام - لم يكن على اسم جده علي بن أبي طالب، كان عالماً فاضلاً شاعراً جواد وهو أحد شيوخ العلامة القاضي جعفر بن أحمد بن عبد السلام /141/ - رضي الله عنه - وتولى الرد على المطرفية واستدعى البيهقي - رحمه الله - من العراق ليخرج إلى اليمن للمدافعة عن الحق، ولما وصل مكة بشر به إلى الإمام أحمد بن سليمان إلى اليمن كما سبقت إشارة إلى ذلك في ترجمة البيهقي - رحمه الله - وورد الزمخشري - رحمه الله - مكة في أيامه وصنف بعنايته الكشاف ومدحه بقصائد موجودة في ديوانه، ومن شعره:
جميع قرى الدنيا سوى القرية التي ... تبوا بها دار فدار زمخشرا
وحسبك أن تزهي زمخشر بامرئ ... إذا عد من أسد الشرى رمح الشرى
ومن شعر الزمخشري - رحمه الله - فيه:
ولم يتزيد قط في قيلة وإن ... تذوكر أقوال الهداة تزيدا
ومعنا قوله: ولم يتزيد، أي لم يتكلف، وقوله: تزيدا أي صار زيدياً متبعاً لزيد بن علي - عليه السلام - ومن شعره فيه:
ولولا ابن وهاس وسابق فضله ... عددت(2) هشيماً واستقفت(3) مصردا
__________
(1) في (ب): وهو بلفظ التصغير.
(2) رغبت.
(3) استقيت.

ومن أخباره ما ذكره عمارة بن علي بن زيد أن اليمني في كتابه (المفيد في أخبار صنعاء وزبيد)، وذكر فيه جماعة من الشعراء قال: ومنهم الشريف الأمير السيد العالم علي بن عيسى بن حمزة السليماني، وهو الذي رثى الماربي - بالراء (المهملة) (1) والباء الموحدة - نسبه إلى مأرب والده عيسى، حدثني الفقيه أبو علي الحسن بن علي الربعي، وفي نسخة: الزيلعي، قال: كنت في الحرم الشريف جالساً مع الشريف علي بن عيسى، وهو يومئذ رأس الزيدية بالحرمين حتى بلغه أن قوماً من الزيدية من خارج اليمن أمر بهم(2) السجن فكتب الأمير علي بن عيسى إلى الأمير هاشم بن فليتة بن قاسم أمير مكة يتشفع في القوم فوهبهم له وأمر بإخراجهم إليه منها:
أبا هاشم شكوى امرء لك نصحه ... تفكر فيها خطه فتحيرا
على أيما أمر تساق عصابة ... إلى السجن والواحد المتخيرا
142/ ولم يعدلوا خلقاً بكم آل أحمد ... ولا أنكروا إذ أنكر الناس حيدرا
إياك بهم ما ظن في مسمع الورى ... وسارت به الركبان عدلاً ومفخراً
يجرون أطراف الشريح على الوجى ... مناقلة بين الهواجر والسرا
لك الله جاراً من قليب تطايرت ... حشاه ومن جمع جرى فتحدرا
ومن كل أواه وأشعث مخبت ... إذا صد عن قصد البنية كبرا
ومن شعره البيتان السائران في آل محمد مسير الأمثال:
يا أبا حفص الهوينا فما كنت ... ملياً بذاك لولا الحمام
أتموت البتول غضبا ونرضى ... ما كذا تفعل البنون الكرام
ومن شعره - رحمه الله - ما رأيته مكتوباً بخط المنصور بالله عبد الله بن حمزة،
ومهدية عندي على نأي دارها ... رسائل مشتاق كريم رسائله
تقول إلى كم يا ابن عيسى تجنباً ... وبعداً وكم ذا عنك ركب نسائله
ويوشك أن يأتي زماناً خفية ... لديك ولَّما يات ما أنت فاعله
فقلت لها في العيش والبعد راحة ... لذي الهم إن عيت عليه مقابله
وفي كاهل الليل (الحداري) مركب ... وكم مرة يحبى من الليل كاهله
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (ب): أمر بهم إلى السجن.

إذا لم يعادلك الليالي يصاحب ... ولا سمحت بالنصف عفواً أنامله
فما الخير في إن ترَ أم الضيم ثاوياً ... وغيضا على طول الليالي يماطله
دعيني فلي نفس أبت لا يدبرها(1) ... عصاب وقلب يشرب الناس فاضله
إذا شم ورداً بعد خمسين شمرت ... عن الماء خوف المقدعات دلائله
(وله - رحمه الله تعالى - في جار الله) (2):
حليف التقى علامة العصر من له ... فضائل أدناهن مرو ومغدق
أتى حرم الله العظيم مجاوراً ... فلله ما أدنت جمالٌ وأنيق
فأحيا به ميتاً من العلم طامساً ... ورم به ما جلده متمزق
مفتق أبكار المعالي وجامع ... شواردها اللآتي أبت لا تلفق /143/
فمن حوضه عبث(3) ظماء ذوي النهى ... فآبت رواء وهي ملأن تفهق
صليت(4) قناة الدين في الله جاهداً ... إذا حان عزم أو تخلل موثق
وله - أيضاً - لما عزم الزمخشري على الرجوع إلى خوارزم وأراد الوداع:
لقد شجني في أم رأسي عزمه ... فأصبحت من عزم الإمام أهيما(5)
فديت امرأً يحشو الفؤاد فراقه ... كلوماً ولقياه حشته علوماً
رأينا من العلامة البحر طافحاً ... ينظم دراً في العقود يتيماً
كأيّن رأينا من أولى العلم والتقى ... رجالاً أناخوا بالحجاز قروماً
فمحمود أستاذ الزمان ضياؤهم ... وكان وكانوا شارقاً ونجوما
__________
(1) في (ب): لا أدبرها.
(2) في (ب): وله في جار الله تعالى.
(3) لعلها عَبَّت.
(4) في (ب): صليب.
(5) في (ب): أميما.

وله غير هذا، وأنشد له السلفي في معجم الشعراء أبياتاً عذبة الألفاظ رقيقة المعاني، توفي - رحمه الله تعالى - سنة ست وخمسين وخمسمائة، وقيل: سبع وخمسين في نصفها، انتهى، ووالده عيسى أحد رؤساء الحسنيين قتله أخوه يحيى بن حمزة، وذلك أن الغز أخذت يحيى بن حمزة أسيراً إلى العراق وبقي أخوه عيسى المذكور بعده والياً في البلاد وهي جهة (حرض)، وأعمالها ولم يزل يكاتب ويبذل الأموال لاستخلاص أخيه يحيى من العراق، ففك أساره وعاد إلى عثر - بالعين المهملة بعدها ثاء مثلثة مشددة - فأدار رحاء مكره على أخيه عيسى فقتله وبئسما فعل، فقال المأربي: ما لمح إليه الشيخ عمارة قصائد طويلة مما قاله قصيدة منها:
خنت المودة وهي الأم خطة ... وسلوت عن عيسى بن ذي المجدين
يا طف عثر أنت طف آخر ... يا يوم عيسى أنت يوم حسين
قد كان يشفي بعض ما بي من جوى ... لو طاح يوم الروع في الجبلين
هيهات إن يد الحمام قصيرة ... لو هز مطرد الكعوب رديني
أبلغ بني حسن وإن فارقتهم ... لا عن قلا وحللت باليمنين
إني وفيت بعهد عيسى بعده ... لا لو وفيت قلعت أسود عيني
/144/ وكان محمد بن زياد المأربي المذكور لكثرة وجده على عيسى نذر أن لا يرى الدنيا إلا بعين واحد فغطى إحدى عينيه بخرقة إلى أن مات، فقال قرب موته:
قرّت عيوني الشامتين وأسخنت ... عيني على من كان قرة عيني
ولما بلغ يحيى بن حمزة ما يقوله المأربي من الأشعار غضب وقال: جلدني الله جلدة المأربي لأسفكن دمه، فقال الماربي:
نبئت أنك قد أقسمت مجتهداً ... لتسفكن على حر الوفاء دمي
ولو تجلدت جلدي ما غدرت ولا ... أصبحت ألأم من يمشي على قدم

قلت: وقد جرى ذكر المأربي وهو حريّ بإفراد ترجمة بسيطة، فإنه من فصحاء الزيدية وبلغائهم، لكنه لما غلب عليه الشعر وصار أظهر أوصافه لم أستحسن ذكره في العلماء(1)، وقد كان بينه وبين المطرفيّة أقوال وصالوا عليه، وكانت قراءته في النحو واللغة على علامتي اليمن ابني رزين، وقرأ على موسى بن أحمد أكثر مما قرأ على عليَّ، واتصل المأربي بآل القاسم بن علي الرسي - عليهم السلام - واختص بجعفر بن محمد بن جعفر وأدناه وأكرمه ورفع صيته، ثم اتصل بعيسى بن حمزة والد الشريف علي صاحب الترجمة، فرفع منزلته واشتدت محبته وزعموا أن المأربي امتدح بعد سادته أهل البيت غيرهم، وأنه امتدح الرواحيين وسبأ ابن أحمد الصليحي يا شيخ والمفضل بن أبي البركات الحميري (بالتعكر) وسائر ملوك اليمن، ومدح آل رزيع، ومن شعره في أبي السعود ابن رزيع:
يا ناظري قل لي تراه كما هوه ... إني لأحبسه(2) تقمص لؤلؤه
ما إن بصرت بزاخر(3) في شامخ ... حتى رأيتك جالساً في (الدملوه)
__________
(1) جاء في حاشية (ب) ما معناه: أن المؤلف - رحمه الله - رجع وذكر ترجمةً له في حرف الميم، وكذلك جاء مثل هذا في نسخة (أ).
(2) في (ب): لأحسبه.
(3) في (ب): بزاخره.

قال القاضي أحمد بن عبد السلام والد القاضي جعفر أنه بلغه أن المفضل بن أبي البركات كان سُئل المأربي المذكور وأنه لما وصل المأذون الوادعي إلى المفضل بن أبي البركات برسالة من الأمير جعفر بن محمد بن جعفر بن القاسم /145/ من شهارة، دخل عليه ذات يوم وقد انتشى فأنشده من أشعار المأربي، وكان يحفظ كثيراً من شعره؛ لأنه كان صديقه، فقال: من يقول فيَّ هذا بعد أن اهتز وارتاع(1)، فقال(2): يقوله محمد بن زياد الماربي قال: لئن وقعت عيني عليه لأغنينه، فأمر له بألف دينار واتصلت به صلاته من ألف بعد ألف حتى صار (من)(3) أغنى الناس، لكنه كان جواداً متلافاً لا يبقى عنده المال وللماربي من هذا القبيل كثير، والظاهر أنه خالط ملوك اليمن جميعهم، ومن شعره:
ما لقينا من الضباء العواطي ... خافقات القرون والأقراط
هجنت بالبدور والدر والورد ... وازرت بالرمل والأحواط
علي بن أبي الفضائل
السيد الإمام القدوة علي بن أبي الفضائل - رضي الله عنه - قال السيد الشمسي - رحمه الله -: كان من أئمة أهل البيت - عليهم السلام - وعلمائهم وأهل الفضل والدين والتنوير وخلوص اليقين أفضى إليه الأمر بعد أخيه محمد في الجهات التي كانت تحت يده، فترك ذلك وطرحه ورأى في ذلك رؤيا هي من الوحي الباقي بعد ارتفاعه يقضي له بردعه وزجره وامتناعه وخرج مع الإمام المهدي.
__________
(1) في (ب): وارتاح.
(2) في (ب): قال.
(3) سقط من (ب).

قلت: قال المؤرخون: إنه كان الإمام الناصر لدين الله - عليه السلام - قد أشار إلى السيد علي بن أبي الفضائل هو أولى بالإمامة بعده لمحله في الفضل وللقرابة منه رفقاء بأولاده؛ لأنه ابن عمه، فطلب الوزراء منه القيام واستثنوا صنعاء لعبد الله بن صلاح وظفار لعلي بن صلاح، وذمار للحسن بن صلاح، فقال: هذا الأمر يفتقر صاحبه إلى النصرة الواقعة والمقصود به وجه الله، وفينا من هو أوقع مني نصره يشير إلى المهدي، ولم يكونوا يطمعون في دعوة أحد من أولاد الإمام، فلما (وصل) (1) العلماء من صعده أطمعوهم فيه، فبلغ السادة الفضلاء ما صمم عليه العلماء الواصلون فانزعجوا، وكان المشار إليه يومئذ ثلاثة هو السيد والإمام المهدي والسيد الناصر بن أحمد بن المطهر بن يحيى، فاجتمعوا بمسجد جمال الدين، فأبدى(2) كل منهم عذراً إلاَّ أنهم لم يقبلوا عذر الإمام المهدي /146/ - عليه السلام - فدعا.
علي بن أبي الفوارس الهمداني
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (ب): وأبدى.

العلامة الكامل الفاضل جمال الدين أبو الحسن علي بن أبي الفوارس الهمداني اللعوي نسبه إلى (العوة) - بالعين المهملة - نسبه إلى العوة بطن معروف، كان من عيون الزيدية ومن أوليهم، ولم يزن بوصمة تطريف، وهو معدود من تلامذة الطبري - رحمه الله تعالى - وابن أبي الفوارس لقب جماعة من الزيدية كثرهم الله، منهم صاحب (التعليق) وابن دعثم، وكان علي هذا فاضل زمانه، حميد الآثار، وكمل كماله الزوج الصالحة مريم بنت جهش - رحمها الله تعالى - صاحبة كرامات(1)، منها ما روى بعض الفضلاء قال: زرت قبر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ولبثت في جواره مدة فبينا أنا نائم رايت قائلاً يقول: بشر مريم بنت جهش(2) بالجنة، فقال: ومن مريم بنت جهش، فأخبره بها، فوصفها بما عرف به مكانها، فلما رجع ذلك الرجل إلى اليمن لم يكن له(3) إلا قصد منزلها فبشرها بذلك، ثُمَّ قال لها: سألتك بالله بأي شيء استحققت ذلك؟ قالت: لا أعلم شيئاً، فضلت به الناس إلا أنه ما أذن المؤذن في هذه الصومعة إلا وأنا في مصلاي على طهوري ولا عصيت بعلي(4) ولا سؤته.
__________
(1) في (ب): الكرامات.
(2) في (ب): جهيش.
(3) في (ب): له هم إلا قصد.
(4) في (ب): بعلي قط.

قلت: مصداق قيامها بحق زوجها ما روي عنها أنه كان قائماً معها في حجرة داره في كلام دار بينهما وقد دعاه داعي فقال لها: لا تبرحي، وخرج إليه ونسي مكانها وهي لم تستجز خلافه، فوقع عليها المطر حتى جرى الماء من متاعب الدار بصباغ ثيابها، وكانت مصبوغة بالزعفران، فدخل مبادراً فرآها لم تتجاوز محلها، فغضب عليها وقال: هتك الله سترك أفلا دخلت الدار، قالت: يا أبا الحسن لا يهتك الله لي ستراً فأنت ستري، ومن كمالها أن بعض المرجئة أورد علي بن أبي الفوارس حتى استدل عليه بقوله تعالى: ?حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ?[الأعراف:40] فقال المرجي: هذا هين على الله لقدرته إذا شاء أولج الجمل في سم الخياط، فحان انصرافهم من محل المناظرة، فوقف علي مفكراً في منزله فسألته مريم فأخبرها فقالت: قال الله: ?حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ? فاعلاً لا مفعولاً /147/ فانتبه لها وقرت عينه ونام، ثم بكر إلى أصحابه وأخبرهم بما يقطع المرجي.

ومن أخباره وأخبارها ما روي أن بعض الصلحاء المساكين في وقته من أهل الحسب كانت له امرأة من الجنات من أعمال البون فاستأذنت زوجها المذكور لزيارة أمها في الجنات فأذن، وكانت حبلى، فأقامت أياماً ثم أراد زوجها رجوعها فمنعته أمها وخشي أن يمسها الطلق في الطريق فاستعد لإقامتها، ثم نظر لنفسه فيما يحتاج لها عند الولادة، وكان من أهل الحاجة فأجمع رايه على قصد ابن أبي الفوارس، فخرج إليه، فلما كان في الطريق صادفه قاصداً لشراء بذر لماله؛ لأن البلد كانت قد عمها المطر، وكان لا يكفيه لماله إلا مائة مد بمكيال ريدة ومعه فرد سوار من ذهب يريد رهنه في ذلك، فلما لقيه الرجل وأخبره هان عليه بذر المال وأعطاه فرد السوار، ثُمَّ انصرف الرجل يريد ريدة لمصالحه، ففكر ثُمَّ قال: هذا الرجل أعطاني سوار امرأته بغير إذنها اين أكون من الله، فنفذ إليها من فوره فاستأذن وأدخل إلى مصلى الدار، فاستمعت كلامه، فأخبرها وقال: لم آت لهذا القدر إنما مقصدي سلف دينار أو حب أو عارية كساء فأعطاني الشيخ هذا السوار ولم أشك بأنه لك، وقد رايت الأقرب إلى الله أن أرده عليك، فقالت له: امسك على حالك حتى آتيك ولا تعجل، فأمرت له بطعام، فأكل فلما فرغ دفعت إليه السوار الآخر، وقالت: هذا نصيبي ونصيب أبي الحسن، فإنه لم يكن يأتي في دينه ما يخاف عليه منه، فكره الرجل أن يأخذ السوارين، فعزمت عليه حتى أخذ ذلك، ثم انصرف، فلما كان في بعض الطريق أخبره مخبر أن امرأته ولدت فبادر حتى إذا دخل عليها وجد عندها كساء ووسادة وفراشاً وسمناً وعسلاً وحملاً من دقيق وقدراً من لحم مطبوخ، فسأل عن ذلك، فأخبر أن رجلاً أقبل حتى استأذن، فلما تنحا النسوة عن الطريق دخل بتلك الأشياء ولم يعرفوه، فحمد الله على ذلك وأمهل حتى إذا وجد بعض من يثق به متوجهاً إلى جهة ابن أبي الفوارس فمضى إلى /148/ (حرروشى)(1) مما يشتهي من بذر الجنات، وجعله في جراب ولف
__________
(1) كذا في (أ) و (ب).

السوارين في خرقة، وأرجعهما في الجراب مع ذلك البقل فسأله أن يوصله إلى مريم بنت جهش، فلما وصل إليها الجراب فتحته وأخرجت ما فيه، ثم وجدت السوارين، فلما رأت ذلك أخذت على الرسول أن ياخذ لها على الرجل إذا بريت امرأته وخلى من شغلها أن يأتيها ففعل، فلما قدم على علي بن أبي الفوارس ومريم بنت جهش(1) قالا: قد حرم الله علينا هذين السوارين لما تقدم من الصدقة لوجه الله فلا تعد قولاً، فأخذهما وأتى بهما صايغاً بريده يقال له الميجاب، فسأله يبيعهما له، فكانا عنده مدة إلى أن بلغ ثمنهما ستين ديناراً وهو على أن يشاوره في ذلك ويأخذ أمره فبينما(2) هو كذلك إذ أتى أت بصرة من دينار قد أوصت بها امرأة من الصالحات من ناحية المغرب أن تسلم إلى ابنة جهش صلة لها وقربة إلى الله بذلك، وأخذ على الحامل أن يضعها من يده إلى يدها فقيل له: إنها لا تخرج إليك، قال: فلتلف على يدها خرقة، ففعلت، فلما فتحت الصرة وجدت فيها ستين ديناراً لا تزيد ولا تنقص، فأكرمت الرسول وقالت لزوجها قد عوضني الله سوارين (أن)(3) وهب لي هذه الدنانير، فاذهب فاطلب لي سوارين، ففعل، فلما أخذها أتى بها المنجاب، فسأله شراء سوارين من ذهب فقال: عندي سواران لرجل أعطانيهما للبيع فأخرجهما فاشتراهما بالدنانير، ونظر إليهما فإذا هما سوارا امرأته، فحين رآهما عرفهما وحمد الله على ذلك، وكانت من عجائب القصص.
__________
(1) في (ب): جهيش.
(2) في (ب): فبينا.
(3) في (ب): إذ.

ومن محاسن ابن أبي الفوارس أنه كان بالحائط من بلاد حاشد عبد لبعض أهلها، وكان العبد من الصلحاء فائت الجد منقطع القرين في الصلاح والرغبة في العبادة وطلب العلم مع شغله بخدمة مولاه، فكان يحرث نهاره ومعه لوح قد كتب فيه شيئاً يدرسه ويعلقه بين ثوريه أمام عينيه وينظر فيه ويقرأه كلما استمر سير الثورين في الجربة، فلا يزال كذلك يومه حتى يفرغ من الحرث ثم يصلي، فإذا كان الليل توجه إلى محل ابن أبي الفوارس فيتحدث مع أهل العلم هنالك ويأخذ عنهم ما ينفعه لدينه /149/ ويكتب في لوحة ذلك ما يتحفظه ثم يصبح عند مولاه لخدمته فرحمه ابن أبي الفوارس ورثا لكلاله وتعبه، فلم يزل - رحمه الله - يعمل الحيلة في خلاصه فاشتراه وأعتقه، وكان هذا العبد من كبار العلماء وخيارهم.
علي بن قاسم بن صلاح
السيد الكبير الأمير علي بن قاسم بن صلاح بن الهادي بن أمير المؤمنين إبراهيم بن تاج الدين - عليهم السلام - كان من عيون أهله فضلاً وعلماً ورئاسة، ويشهد بذلك قوله - رحمه الله تعالى -:
شغفي بكسب مكارم الأخلاق ... يفني الذي يأتي من الأرزاق(1)
وبجمع شيء سائر لذوي العلا ... في جملة البلدان والآفاق
كم لي حب لم يمسك يدي ما ... لاً وما الإمساك من أخلاق
إني امرء تاب اكتساب المال لي ... نفس إليه قليلة الإشراق(2)
علي بن قاسم بن الحسين
السيد الأمير الكبير علي بن قاسم بن الحسين - رحمه الله تعالى - كان في السبعمائة ، وكان عالماً، له مقام شهير، وله شعر وهو الذي عناه القاضي ركن الدين مسعود بن عمرو بقوله:
يا تحفة الدهر من زانت محاسنه ... الأيام يا علم القلب المراجيح
ويا سفينة نوح حين يحملها الطوفان ... والعالم اللاجي إلى نوح
وعصمة المهتدي والمستميح له ... إن أخلف الغيث والغر المساميح
وواسع الصدر والإحسان والخلق ... المزري بروض الربا والحلم والسوح
__________
(1) في (ب): الأوراق.
(2) في (ب): الأشواق.

ويا بقية من آي الكتاب لهم (بالعز)(1) ... بلَّغن عن مادح أوصاف ممدوح
أرواح أجسام أهل الفضل كلهم ... ومن يقايس بين الجسم والروح
علي بن قاسم السنحاني
علامة الزيدية القائم بالقسط القاضي الهمام الأورع جمال الإسلام علي بن قاسم السنحاني - رحمه الله -(2)، هو الحافظ لعلوم العترة والمحيي لآثارهم في الفترة، قرأ عليه كبارهم، وصغارهم، وتخرج عليه فضلائهم، ونهج تلامذته منهاجه في التحقيق والزهد والعزائم لله، ورأوا ذلك سجية لا يتخلفون عنه لما نشأوا في حجر هذا العالم وأصله من الحورة من بلاد /150/ سنحان، ولكنه ظهر صيته أيام الأروام بصنعاء في مسجد داود، فاجتمع العلماء لديه من الآفاق وبذل له الزيدية الأموال ليصرفها، فكانت توضع نفائس الثياب ونقود الدراهم في كوى مسجد داود، ومن طلبه من طلبة العلم شيئاً مما يحتاج إما كسوة أو نحو ذلك، قال: خذ حاجتك من الكوة الفلانية، فيذهب لها وكانوا صلحاء لا يأخذون إلا القليل الذي به استقامتهم ونبلوا وفصّلوا ولقد نشأ له من التلامذة ما يلحق بالأبدال وبالغ بعض الأروام أن يلقاه بعض تلامذته للسلام وبذلوا له مالاً من الذهب فأبى ذلك، فقصده التركي إلى المسجد فهرب، وكان هذا التركي هو القائم مقام مقالتهم؛ لأنهم يتركون رجلاً منهم عند إقبال باشا وإحفال باشا ليسكن في منزل الإمارة ويحفظ الأمور حتَّى يصل المتسلم من قبل الآخر، وكان أحد تلامذته - رضي الله عنه - شيخ الزيدية وسيدهم يوسف الحماطي، وكان يجله ويعظمه، فلما كثر أجلاله ليوسف وجد بعض العلماء في نفسه شيئاً لأنه كان القاضي علي يزيد على ما يظن في إكرام يوسف، ففهم القاضي على ما وجده مما ذكرناه من أعيان الحلقة، ففاتح القاضي يوسف وجاراه في المشكلات فأتى بالعجائب وبما يعرف كل الحاضرين مرتبته فصرحوا بأن القاضي خليق بتلك المنزلة وكان القاضي علي بن قاسم مفزع الزيدية في الفتيا،
__________
(1) زيادة في (أ).
(2) في (ب): - رحمه الله تعالى -.

وكان سريع الجواب، فكتب القاضي يوسف في رقعة لطيفة ما لفظه: أجراكم أجراكم، ووضعها في بهرت الحلقة مجهلاً لكاتبها، فلما استقر القاضي علي في صدره للتدريس وجدها فقال: هذه من يوسف حفظ(1) الله يوسف فعل الله ليوسف يجزيه خيراً، ثُمَّ قال: يا ولدي يخاطبه وهو في الحلقة، لو سألك رجل كم هذه الأصابع هل يقول خمس أو يحتاج لعدها مرة أخرى؟! قال: بل أقول خمس. قال: قد علم الله ما أجبت في مسالة إلا وهي في الجلاء عندي بهذه المثابة، وكان القاضي علي مع تقشفه وخوفه من الله يخوض غمرات الصدق بالصدق ويسلك مسالك تعجز عنها قلوب الفقهاء /151/ إنما تقوى عليها الأئمة من ذلك ما أخبرني به شيخي محمد الوجيه قال: أخبره بعض مشائخه أنه كان في أيام الدولة رجل له ولدان أمردان جميلان ففتح لهما حانوتاً وجعل لهما مهنة لا أعرف الآن ما هي، وكانت الحانوت من أحسن الحوانيت قريب سوق الملح بصنعاء، فكان كبراء الدولة وعظمائهم ينزلون عندهم والولدان عندهم(2) يضربون بآلات الملاهي وفشى ذلك وظهر، فطلب القاضي - رحمه الله - رجلاً من أهل السوق الراغبين في الخير، فقال: يا فلان ما يمكنك (أن)(3) تدعي الحانوت الفلانية (لك) (4) وأنا أهبها لك وأحكم لك بها؟ فقال: يا سيدي ليس لي فيها شبهة. قال: نعم، لكن الشرع يقبل هذا، ففعل له إحضار للولدين ووالدهما، فحضروا فطال بين الرجلين وبينهم الشجار ساعة، ثم قال القاضي للرجل المدعي الحانوت حانوتك وهذا خط إن هذا الرجل وأولاده لا يدخلونها بعد، ثم قام وعزر الولدين وعظم على كبراء الترك منعهم من الحانوت ولم يستطيعوا مخالفته - رحمه الله تعالى - والفقيه البحت لا يعرف أن للمحتسب التأديب وأن الدار يومئذ تقبل ذلك.
__________
(1) في (ب): حفظه الله.
(2) في (ب): بينهم.
(3) سقط من (ب).
(4) في (ب): أنها لك.

وأخبرني السيد العلامة علي بن إبراهيم الحيداني المتقدم ذكره وسيدنا الوجيه المتقدم ذكره بألفاظ متقاربة، والحكاية مني للحاصل غير قاصد لألفاظ أحد منهما والمعنى متحد أنه كان القاضي - رضي الله عنه - في مجلس القراءة فدخل بعض(1) إليه أخبره وقال في باب المسجد: أعني مسجد داود على الدكة بجنب العقد رجل تركي قد أمسك أمرأة محتشمة وأراد الفاحشة بها في الباب، فخرج القاضي - رحمه الله تعالى - فوجد الأمر كما قال الرجل والتركي من عظماء الدولة، فأقدم فيه القاضي واقدم(2) الطلبة وافتلتوا(3) المرأة، فذهبت حيث شاءت(4) والتركي توجه إلى القصر فشكى إلى الباشا وعظم مشكاه والأمر كما قال عظيم لولا عظم سيئته فتغيض الباشا وأمر للقاضي بعنف فجاء الرسول له إلى مجلس القراءة، فقام القاضي سريعاً وقال: يا إخوان، عليكم بالقرآن، فأخذ الأصحاب بالتلاوة وطلع القاضي فوجد الباشا قد نزل على منبر فكلمه وقال: تقدم /152/ يا فقيه في الطائفة ونحو هذا، فقال: نعم، فعلنا هذا لظننا أننا أمة واحدة نتبع لنبي واحد جاء من عند رب واحد لشرع واحد وظننت أن الذي فعلت غير مستنكر، قال الباشا: وكيف القضية؟ فوصفها له فرضي الباشا عنه ووصاه بمثل ذلك وخرج من عنده فأخبرني(5) سيدي علي بن إبراهيم قال: جاء إلى القاضي ولد شريف فسارره مسارره لطيفة وأخبره أنه كان في المطهار فلم يشعر إلا بتركي قد دخل عليه وأراد به الفاحشة فطعنه بسكين سالت بها نفسه فسر القاضي بما فعل الشريف، ثُمَّ طلب الساني الذي يسني للمسجد فسأله كم السواني؟ فقال: كيت وكيت، فقال: الآن يجب منك أن تسني بجميعها ويكثر لنا(6) لغرض، ثُمَّ أمر بتغليق الأبواب وانصب الماء دافقاً حتَّى ملأ ساحات المطاهر فائضاً وأمر بتقطيع التركي قطعاً صغاراً
__________
(1) في (ب): بعض الناس.
(2) في (ب): وأقدم فيه الطلبة.
(3) في (ب): وافلتوا.
(4) في (ب): جاءت.
(5) في (ب): وأخبرني.
(6) في (ب): لنا الماء لغرض.

وأخرج إلى محل بعيد وكانت هذه طريقته - رحمه الله تعالى - وكان لباسه من أضعف الثياب قيمة وجمالاً صغير الكمين صغير العمامة، وقد اتفق له من الأروام بعض أذية وصانه الله عن عداوتهم وذلك أن الزيدية (لا تطمئن نفوسهم) (1) إلا بحكمه وعقود الأنكحة لا تكون إلا في مجلسه وواجبهم لا يكون إلا إلى يده، فكان(2) يصل من الروم أفندي كبير وله في عقود الأنكحة دراهم يسلمها الزوج أو المتعاقدان لا أعرف طريقتهم، فنم إليه حي السيد العلامة عز الدين محمد بن عز الدين المفتي بأن في مسجد داود عالم الزيدية يعقدون عنده ويفصل خصوماتهم، فنزل الأفندي بين العصرين، فوجد المسجد حافلاً بمن فيه من طلبة ومستفتيين ومتحاكمين ونحو ذلك، فتكلم مع القاضي وذكر له أن هذه وضيفة لنا وعلينا فيها غرامة، ولا يتم لنا الخلوص(3) مما علينا مع توليك لهذه الأمور، فإن تعرض وإلا وصلك ما تكره وأغلظ بعض الإغلاظ فقال القاضي: نحن ما نتعرض لشيء وإنما هؤلاء مساكين إخوان في الله يستنفعون بنا فننفعهم ثم عزم من عنده فلبث القاضي يومان في بيته فلم يعذره المسلمون ولا رأى ترك التدريس فخرج إلى المسجد /153/ فعادت الحال كما كانت، فبلغ الفندى فجاء إليه في مثل ذلك الوقت فوجد الناس على تلك الصفة فجذب(4) القاضي وجر برجله وحصل مع الحاضرين أمر عظيم، ثم أن القاضي دخل بيته وسكن يومان ولم يعذره الناس، فخرج ووقاه الله الشر وكان لا يحضر جمعة الظلمة واعتذر لنفسه عن الحضور بعمل في الجراف، فأخذ له فيه جربة، وفتح فيها مقطع خيس كبير لا يتم إلا بعد عمر طويل، وكان يخرج كل جمعة يعمل فيه، فبلغ الباشا هذا وأنه إنما جعل ذلك لئلا يحضر الجمعة فعاتبه فقال: أنا رجل مسكين مشغول سائر الأسبوع بالقراءة، وهذا اليوم أفرغ من القراءة وأعمل هذا العمل ليعود على أهلي بنفع، فعذره الباشا
__________
(1) في (ب): كانت أنفسهم لا تطمئن.
(2) في (ب): وقد كان.
(3) في (ب): الخوض.
(4) في (ب): فحدث.

وأخبرني الوجيه - رحمه الله تعالى - برواية غريبة أذكرها والعهدة عليه قال لما دنت الوفاة من القاضي قال: لخاصته ستجدون من أذني هذه وأشار إلى أحد أذنيه نتناً فإذا غسلتموني تنبهتم لهذا، وذلك أني أصغيت بها خاصة لكلام خصم أكثر من خصمه ثم استغفرت الله، فقال الوجيه: فوجدوا ذلك أعاد الله من بركته ورحمه ووفقنا لمثل يومه بجاه محمد صل الله عليه وآله وسلم.
علي بن قاسم العنسي
الفقيه الورع الزاهد الناسك الصالح علي بن قاسم العنسي - رحمه الله تعالى - كان من عباد الله الصالحين ومن الفضلاء الفاضلين يخاف الله خوفاً ظهرت عليه آثاره وتورع في المعاملات جميعها ورعاً شحيحاً في المأكل والمشرب والملبس والقول والسمع وكان مشهوراً بالورع ودخل صعده في الأزمة التي وقعت في أواخر دولة محمد باشا، وكان الوالي لصعده مولانا صفي الإسلام أحمد بن أمير المؤمنين القاسم المنصور بالله رضوان الله عليه وكان علماً في الفضلاء المجتمعين مع أنهم كانوا أجلاء اليمن ووجوه الزيدية، وكان مشهوراً في تلك الشدة بالإيثار والتصدق، وهو والد القضاة العلماء (شمس الدين) (1) أحمد بن علي ومحمد بن علي، وهم على منهاجه في (العلم والفضل) (2)، ولهم الآن عقب نجباء فضلاء كثر الله أمثالهم وكانت وفاته في برط في (…… /154/ ودفن ……)(3).
علي بن محمد بن أبي القاسم
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (ب): الفضل والعلم.
(3) في (ب): سنة خمس وأربعين ومائة وألف ودفن بهجرة الرظمة عند مسجده بأوسط وادي العنان بجبل برط وقبره مشهور مزور.

السيد العلامة المجتهد في العلوم المجلي في حلبتها المعروف بالفضائل علي بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن جعفر بن محمد بن الحسين بن جعفر بن الحسين بن أحمد بن يحيى بن المنصور بن يحيى بن الناصر للحق بن الهادي لدين الله يحيى بن الحسين بن القاسم - سلام الله عليهم - من بيت علم شهير معمور بالفضل، وكان من المتكلمين بالعدل والتوحيد وإخوته الكرام وأولاده، وكان ملأ الصدور في زمنه يفزع إليه الناس ويحلون محله ويعظمونه تعظيم الأئمة السابقين، وكان بمحل عظيم من العلم، له مشيخة عدة وتلامذة جم غفير، وكان يسكن صنعاء وفتاواه تدل على تبحر كثير. قال السيد الهادي بن إبراهيم إنها مجلد كبير، وله التفسير المشهور (بالتجريد)، أثنى عليه الإمام عز الدين بن الحسن، وهو حري بما قال، قال الإمام لمن سأله عن أحسن التفاسير وأصحها تفسير السيد جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم المسمى بالتجريد.
قلت: فرغ من تأليفه يوم الجمعة مستهل شهر رمضان سنة خمس وتسعين وسبعمائة(1) بمدينة صنعاء، قال بعض المؤرخين: وله تفسير آخر أخصر من التجريد قال في (كاشفة الغمة) بعد أن ذكر التفسير وذكر أن له تفسيراً حافلاً في ثمانية مجلدة قال: لم يؤلف مثله قبله ولا بعده، جمع كل غريبة ومشكلة، وله في النحو شرح على كافية ابن الحاجب موسوم (بالبرود الصافية والعقود الوافية)، اختصره ولده الإمام صلاح الدين في كتاب مفيد سماه (بالنجم الثاقب) وكلاهما بمحل عظيم من النفع اعتمدها أهل الإقليم اليماني مدة، توفي - رحمه الله تعالى - (سنة)(2) سبع وثلاثين وثمان مائة، وعمره ثماني وستون سنة، وفي بعض التواريخ: عمره ثماني وثمانون، والله أعلم.
__________
(1) في (ب): وتسعمائة.
(2) سقط من (ب).

ومن جملة تلامذته وجلتهم: السيد محمد بن إبراهيم صاحب (العواصم)، قرأ عليه المنتهى وغيره، ثم دار بينهما كلام وطال في هذا المجرى الخوض، وكان السيد علي بن محمد بن أبي القاسم حريصاً على صيانة مذهب آل محمد، فمنع السيد محمد عن المخالطة لكتب غيرهم وأمره بالكون في السفينة فتلقى ذلك السيد محمد بن إبراهيم بالقبول حتى بلغه أن السيد /155/ قد صرح بأنه قد انحرف عن آل محمد، فأنف لهذه المقالة وتعب ثم دار بينهما ما هو معروف في الروض والعواصم وكتب المقاولة، ومن جملة ما كان السيد علي بن محمد - رحمه الله - يحتله على السيد محمد بن إبراهيم الاجتهاد وأنه بعده غاية التبعيد، وكان الإمام يتكلم في هذه المادة بالخصوص مع السيد محمد بن إبراهيم ويقرب الاجتهاد، ثم أنه توسط بينهما الفقيه الفاضل محمد بن إسماعيل الكناني وكان من أهل العبادة والفضل والكرامة، هو الذي أخبر في بلده بفتح حصن ذي مرمر يوم فتحه وكان محباً للسيدين فذكر لهما ما يقتضيه العلوم والحلوم والقرابة والنسبة والنسابة، فرغب كل منهما وقد ذكرنا هذا في ترجمة العلامة أحمد بن علي(1) الشامي، وأمر السيد علي بن محمد ولده صلاح الدين يقرأ على السيد محمد في المعاني والبيان، ومما نقلته من خط يد السيد محمد بن إبراهيم وهو خط باهر من عجائب الصنعة، وهو لدي باق (لدي)(2)، والظاهر أن (السيد)(3) الهادي منع أخاه من المجاراة في أوائل الأمر، وهذا كتاب السيد محمد إلى أخيه الهادي:
__________
(1) في (ب): العلامة أحمد الشامي.
(2) سقط من (ب).
(3) سقط من (ب).

(بسم الله الرحمن الرحيم وبه الثقة من ولده محمد بن إبرهيم المجبول طبعه على حب النصيحة المجروح قلبه من المقالة القبيحة الراجي من الله تعالى أن يعصمه من الطيش في الأمور، ويجعله من الأبرار الممنوحين بسلامة(1) الصدور، حتى يعاشر الناس بقلب سليم ?وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ?[فصلت:35] إلى والده وسيده وخلفه من سلفه جمال الدين الهادي بن إبراهيم والدي وحبيبي وتالدي وطريقي، أمتعني الله به وأبقاه ورضي عنه وأرضاه، وسلام عليه ورحمة الله وبركاته سلام متشوق إليه متحنن عليه سلام متألم لفراقه منشد لمن فارقه من رفاقه.
إذا ما بلغتم سالمين فبلغوا
... تحية من قد ظن أن لا يرى نحدا
__________
(1) في (ب): سلامة.

ويرفعها ولده حامد (الله) (1) على جزيل نعمه سائلاً له المزيد من فضله وكرمه بعد مداواة الصدر الجريح بمرهم(2) وعظه وأسامة الطرف(3) القريح في حدائق لفظه وما أشار إليه من ترك السباب وحض عليه من الصبر والاحتساب، فنعم ما أشار إليه وحبذا ما حث عليه ذلك، أمر قضى الله به حيث قال في /156/ كتابه الكريم: ?ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ?[فصلت:34]، وقد مدح الله سبحانه الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس وبشر الصابرين وأحب المحسنين، ولو لم ينزل من السماء في ذلك إلا قوله تعال: ?إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ?[البقرة:153] لكفى به قارعاً للخاشعين عن مجازاة الظالمين ومجاراة الجاهلين، وفي الحديث النبوي على صاحبه الصلاة والسلام من التوصية بهذه الخليقة الجليلة والفضيلة النبيلة ما بكل السنة الحسنة(4) وتفل أقلام الكتبة فجديران تطول بها النواصي إذ كانت من ذوائب الخير والنواصي كما قال العلامة - رحمه الله - ولأمر مَّا كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول في توجهه للصلاة: اللهم اهدني (لأحسن الأخلاق)(5) فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها فإنه لا يصرف عن سيئها إلا أنت، كما ثبت ذلك عن علي - عليه السلام - فملازمة هذا الدعاء عند كل توجه إلى الله ومع كل قيام إلى الصلاة إشعار من صاحب الشريعة - عليه السلام - بتعظيم شعائر هذه الخليقة وإعلان منه - صلى الله عليه وآله وسلم - يرفع منار هذه الطريقة جعلنا الله من المتحلين بفرائدها الفاخرة المتسلين عند الغيظ بذكر فوائدها العائدة في الدنيا والآخرة، هذا وأنه لما وصلني العلم بأن السيد العلامة جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم (أيده الله)(6)
__________
(1) في (ب): لله.
(2) في (ب): بمراهم.
(3) في (ب): الطريق.
(4) في (ب): الحسنة.
(5) في (ب): لأحسنها.
(6) في (ب): - رحمه الله -.

تعرض لي بما لا يليق لمثله مع وده وعلمه وفضله حتى نسبني إلى مخالفة أهل البيت الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام في الأصول والفروع والمعقول والمسموع بغير حياء من الله ولا مراقبة ولا مبالاة، عظم موقع هذا في صدري وكبر محله على صبري حتى تجاسر وهو الأفضل الأعلم على الرجم بما لا يدري، والهجوم بمالا يعلم، وعهدي به متورع(1) غير حشاف ولا متهور:
ولم أعهده إمَّعه غويا ... بظن الحج يلزم من جمادي
ويحسب أنه يحسو سويقاً ... إذا ما مات بالماء الرماد
ويجني كفه عنباً وتمراً ... إذا غرس الشكاعا والعراد
فحسبت أنه قد صار ممن لا ينتفع في دوائه(2) بشيء، وقلت: آخر الدواء الكي.
ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
/157/ فكتبت كتابي الصادر إلى سيدي أيده الله على حين امتلأ من الغيظ والحنق وانزعاج من البهتان وقلق، ثم بعد ذلك راجعني ذكر الموت الذي تموت بذكره الأحقاد وتبرد بالتفكر فيه لواهب الأكباد، فعن قريب وقد أنسانا هول المطلع عن هذه الترهات وألهانا عظيم الفزع عن هذه المقالات وبليت الأجساد بالقبور وانسلت الأحقاد من الصدور وتذكرت أبياتاً لي كنت قلتها في مثل ذلك وهي:
أعاذل دعني أرى مهجتي ... أذوق الممات وكيس الكفن
وأدفن نفسي قبل الممات ... في البيت أو في كهوف (القنن)
فإن كنت مقتدياً بالحسين ... فلي قدوة بأخيه الحسن
ثم انقطع الكتاب المذكور، وقد طال الكلام بذكره غير أنه لم يخل من علم وينسب إلى السيد علي بن محمد بن ابي القاسم شيء من الشعر، من ذلك القصيدة التي طالعها:
عذيري من دهر تخلق بالنكث ... وهي دائرة سائرة في الناس
فأجابه الفقيه العالم الحسن بن علي بن صالح العِدوي - بكسر العين - وقد مرت ترجمته:
صدقت بما تشكو من الحزن والبث ... كما طبت في أصل وفرع وفي بعث
وفي الحرب أمر جاء عن جدك الرضى ... ولولاه لم يسأل سؤالاً أخو بحث
__________
(1) في (ب): متورع متوقرٌ.
(2) في (أ): ممن لا ينتفع دواء له.

(1)وإن ضاقت الدنيا عليكم فجدكم ... مطلق دنيا مدانية على الحنث
فكم أسد طاو صبور على الطوى ... وكلب بطين لا يزال أخا لهث
وهي كثيرة، ورثاه العلامة الشامي بقصيدة طالعها:
خطب تكاد له الأفلاك تنفطر ... والشمس تنقض والأملاك تنتثر
والأرض ترجف لما مات عالمها ... يكاد يسطو عليها بعده القدر
(2)ولَّى عليٌّ وخلا في العلا خلفاً ... مثل النجوم هوى من بينها القمر
(3)مثل السحاب يخاف الخلق صعقته ... ويرتجي غيثه الأشجار والثمر
ومنها:
يروي (جميع)(4) أحاديث النبي ولم ... يروي الجميع أبو بكر ولا عمر
ويكشف اللبس عن معنى الكتاب ولم ... يقدر على فهمه الألباب والفكر
/158/من للكتاب محل بعد غيبته ... وللأحاديث في الدنيا فينتظر
وللأصولين من ينهى أدلتها ... عند الضرورة حتى يصدق النظر
ومن لعلم المعاني والبيان ومن ... على معاني لطيف النحو يقتدر
أمَّن يرد الفروع الغامضات إلى ... علم الأصول ويحصيها فتنحصر
قد حازها منه صدر كالخضم له ... موج على شبه الفجار ينفجر
والعلم كالروح للأحياء فإن عدمت ... لم يبق إلا شخوص الناس والصور
لئن بكوه بأكباد مقطعة ... وأعين دمعها ما زال ينحدر
وأنزفوا الدمع واستكت مسامعهم ... حتى يكاد يزول السمع والبصر
فليستعيروا دموعاً للنواظر من ... سحابة من لدنها الماء ينهمر
وليجعلن بكاهم والدموع على ... دين الإله إلى ان ينقضي العمر
فقد تضعضع دين الله وانهدمت ... أركانه وعفى من رسمه الأثر
وليس في الناس من يحيى معالمه ... إلا رجال بني الزهراء وإن قهروا
فهم أجل بني الدنيا وأفضلهم ... بذاك قد نطق القرآن والخبر
بنوا على العدل والتوحيد مذهبهم ... ونزهوا الله عما يفعل البشر
والأرض أكثر من فيها مقالتهم ... أن القبيح قضاء الله والقدر
وكل فعل فإن الله خالقه ... في العالمين ومنه النفع والضرر
__________
(1) في (ب): ومنها.
(2) في (ب): ومنها.
(3) في (ب): ومنها.
(4) سقط من (ب).

أما الأصول فأهل الحشو ما فهموا ... معناه لكنها ما تفهم البقر
لولاه ما عرف الباري (ولا)(1) عرفت ... آياته أنها منه ولا السور
وفرقة نفت الباري وبعضهم ... نفاه(2) جهلاً فلم يبقوا ولم يذروا
لولا أئمة أهل البيت تدفعهم ... لكان أكثر هذا الخلق قد كفروا
كمثل زيد ويحيى بن الحسين ومن ... آل النبي مصابيح قد اشتهروا
ولم يزل قائم منهم (على)(3) خطر ... بالحق ملتزم بالله منتصر
يحيى الجهاد ويستدعي العباد إلى ... فعل الرشاد كما جاءت به النذر
/159/ ودين جدهم المختار دينهم ... بذا تواترت الأخبار والسير
وأكثر الناس إيماناً لهم سلف ... فكيف يخفى عليهم وهو منتشر
خلائف الله من بعد النبي كما ... كان الخليفة موسى قبل والخضر
فالحق أولئك إن الدين دينهم ... لا دين من هو بالتقليد يعتذر
فهذه نفثه من صدر محترق ... تكاد تصعد من أحشائه الشرر
كيف المنام وأرض الله مظلمة ... من بعد أبلج يستسقى به المطر
بحر جواهره تبدو ولجته ... فيها لسائله الياقوت والدرر
لولا له فتية من نفس جوهره ... ما أورقت بعده من فقده الشجر
زاكي الطريقة في قول وفي عمل ... عذب الخليقة ما في صفوه كدر
وكم له من تصانيف محكمة ... تكل عن مثلها الأفكار والفكر
أفي المحرم أمر الله صادفه ... ليت المحرم يمحو رسمه صفر
لا أشرقت شمس مجد بعد غرته ... ولا استدل بها قلب ولا نظر
ورثاه السيد العلامة أحمد الأزرقي بمرثاة سبقت في ترجمة الأزرقي وصنوه السيد العلامة الرئيس يحيى بن محمد بن أبي القاسم، قال ابن فند: كان رئيساً ذا همة ولاه الإمام علي بن محمد ظفار وذكره غير ابن فند، والله أعلم، توفي بظفار سنة أربع وستين وسبعمائة، وقبره في (الطقة رأس العقبة) (- رحمه الله تعالى -) (4).
علي بن محمد الصوفي
__________
(1) في (ب): وما.
(2) في (ب): ثناه، وفي (أ): فراغ.
(3) في (ب): له.
(4) سقط من (ب).

السيد السند الشريف الطاهر الزكي جمال الإسلام علي بن محمد الصوفي - رحمه الله تعالى - كان مجتهداً ديِّناً أديباً وكان أخاً ليحيى بن عمر الشهيد الحسيني - رحمه الله تعالى - من أمه ولما قتل يحيى أنفذه المستعين إلى أهل الكوفة يخبرهم بقتل أخيه المذكور فصدقوه بعد أن كانوا يقولون في يحيى ما قتل ولا فر ولكنه دخل البر وأضر علي بن محمد في آخر عمره ويحيى بن عمر المذكور هو الداعي في الكوفة الخارج فيها في شهر (فراغ) من عام (فراغ) في أيام (فراغ) العباسي، ووجهه لقتاله /160/ محمد بن طاهر فقتله وقصته مشهورة، وهذا السيد الإمام يحيى بن عمر ما ناح الخاصة والعامة على أحد مثله وجاهرت الموالي بمدحه وترثيته ولم يبالوا بساداتهم بني العباس وكان خروجه والهادي إلى الحق يحيى بن الحسين - عليه السلام - في الحجاز إلا أنهم ذكروا أنه انتقل علم يحيى بن عمر(1) إليه، قال التنوخي في نشوات المحاضرة قال الصولي: حدثني عبد الله بن عبد الله بن طاهر قال: لما عاد محمد أخي من مقتل يحيى بن عمر العلوي بعد مديدة دخلت عليه يوماً سحراً وهو كئيب مطاطئ لرأسه في أمر عظيم كأنه قد عرض على السيف وبعض إخوته (حوليه) (2) قيام ما يتجاسرون على مسألته، وأخته واقفة فلم أتجاسر على خطابه وأومأت إليها(3) فقالت رأى رؤياً هالته فتقدمت إليه وقلت أيها الأمير روي عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - انه قال: (إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فليتحول على جانبه الآخر وليستغفر الله عز وجل ويلعن إبليس ويستعيذ بالله منه ولينم)، قال: فرفع راسه إلي وقال: كيف إذا كانت الطامة من جهة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقلت: أعوذ بالله. فقال: ألست ذاكر رؤيا طاهر بن الحسين. قلت: بلى، قال عبد الله: وكان طاهر ضعيف(4) الحال قد رأى النبي - صلى الله
__________
(1) زيادة في (ب): - عليه السلام -.
(2) في (ب): حوله.
(3) في (ب): إليها ماله. فقالت.
(4) في (ب): وهو.

عليه وآله وسلم - في منامه فقال: يا طاهر إنك ستبلغ من الدنيا أمراً عظيماً فاتق الله واحفظني في ولدي فإنك لا تزال محفوظاً ما حفظتني، فما تعرض طاهر قط لقتال علوي وندب إلى ذلك غير (وقعه)(1) فامتنع منه، (ثم قال) (2) لي أخي محمد بن عبد الله إني رايت البارحة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في منامي كأنه يقول لي: يا محمد نكثتم فانتبهت فزعاً وتحولت واستغفرت الله عز وجل واستعذت من إبليس ولعنته ونمت فرايته - صلى الله عليه وآله وسلم - الثانية وهو يقول: يا محمد نكثتم، ففعلت كما فعلت ونمت، فرأيته - صلى الله عليه وآله وسلم - وهو يقول لي: (3) نكثتم وقتلتم أولادي والله لا تفلحون بعدها أبداً، وانتبهت وأنا على هذه الصورة من نصف الليل ما نمت واندفع يبكي فما مضت على ذلك مديدة حتى مات محمد ونكبنا بأسرنا أقبح نكبة وصرفنا عن ولايتنا ولم /161/ يزل أمرنا يحمل حتى لم يبق لنا اسم على منبر ولا علم ولا في جيش ولا إمارةوحصلنا تحت المحن إلى الآن، انتهى.
علي بن محمد بن علي بن سليمان
السيد العلامة ترجمان علوم العترة وإنسان عيون أشرف أسرة أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن سليمان بن القاسم بن إبراهيم الرسي - عليهم السلام - هكذا ذكر نسبه الشيخ المحقق أحمد بن محمد بن الحسن الرصاص المعروف بالحفيد في كتابه (مقدمة المنهاج)، وله كتاب (الكافي) ينقل عنه الأمير الحسين في (التقرير) قال الفقيه محمد بن أحمد بن مظفر هو على فقه القاسم والهادي - عليهما السلام - جميعاً، وله كتاب (التفسير) كتاب عظيم المقدار وهذا السيد قد يعرف بالمفسر - رحمه الله تعالى -.
علي بن محمد بن علي بن المؤيد
__________
(1) في (ب): دفعه.
(2) في (ب): قال ثم قال.
(3) في (ب) زيادة: يا محمد.

السيد العلامة الكبير الفاضل جمال الإسلام علي بن محمد بن علي بن المؤيد بن جبريل - عليهم السلام - أحد علماء العترة وعين من أعيان تلك الأسرة - رضي الله عنه - وله المقالة في الوقف عندما أطلقه يحيى - عليه السلام - أن الوقف يعود للواقف وقفاً أو وارثه بزوال مصرفه او وارثه او شرطه أو وقته، فاتفق المتأخرون على أن مراد يحيى - عليه السلام - فيما ينتقل بالإرث(1) لا فيما ينتقل بالوقف فلا يعتبر في عودة لمن ذكر إلا بزوال المصرف دون وارثه واستمر على هذا الحكام، وقال الإمام شرف الدين: لا فرق وهو إطلاق المتقدمين من أهل المذهب قال بعض شيوخنا وهو ظاهر الأزهار؛ لأن عبارته تشتمل النوعين، وأيد هذا القول السيد علي بن محمد هذا والقاضي يحيى بن محمد بن موسى الدواري، وهو مقتضى كلام القاضي عبد الله الدواري (- رحمه الله -)(2).
__________
(1) زيادة في (ب): فقط.
(2) سقط من (ب).

قلت: والعراقيون قد رووا ليحيى - عليه السلام - وقرروه لأنفسهم أنه يكون للمصالح، ذكره ابو الرضى، والفقيه أبو منصور، وجمال الدين، وذكره الأستاذ أبو يوسف، والشيخ أبو ثابت، والفقيه شهراشويه، والشيخ الحافظ، والناصر للحق، والشيخ أبو جعفر، والمؤيد بالله، وأبو طالب، وابو الفضل الناصر، والناصر الرضى، وأبو طالب /162/ الصغير، وشهردوير بن علي، والصيرفي ونور الدين بن مهدي بن طالب، وعلي بن أموج، والفخي صاحب التعليق، ورووه عن القاسم والهادي قالوا: وهو إجماع سائر العترة وهكذا(1) مذهب الفقهاء - أيضاً - واختلف أصحابنا هل يكون رجوعه إلى المصالح (وقفاً أو ملكاً وهل يختلف حكم العلة والأصل فالأستاذ قال: يرجع إلىالمصالح)(2) ملكاً على معنى انه يجوز تسليمها إلى الفقير(3) ويملك الفقراء عينها ويبيعونها وأفتى (بذلك أكثرهم مثل شهراشويه) (4) والفقيه أبو علي والفقيه كوركة وبهاء الدين يوسف وقال الشيخ نعمة في (شرح الإبانة) يكون للمصالح وقفاً قال أحمد الكوكبي: ما ذكره الشيخ نعمه هو الفتوى عندي دون ما ذكره الأستاذ وروي عن الفقيه أبي علي أنه قال: (لا)(5) يكون الغلة ملكاً والأصل وقفاً وقرر الشيخ أبو ثابت وأولاده كلام الأستاذ.
علي بن محمد:
__________
(1) في (ب): وكذا.
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): الفقراء.
(4) في (ب): بذلك اشهراشو.
(5) سقط من (ب).

الشريف العالم الرئيس جمال الإسلام علي بن محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن(1) الحسن بن عبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - قال السيد العلامة محمد بن عبد الله بن الوزير هو مصنف سيرة الهادي - عليه السلام -(2). قال بعض المؤرخين: كان الهادي(3) - عليه السلام - استخلفه على القضاء بنجران، واستخلفه الناصر للحق على عر(و وهي) (4) مدينة الدعام وبنيه، وبها مملكته ومملكة أولاده(5) قريبة من جوف أرحب وتسمى اليوم سوق دعام، وعلى هذا هو أخو القاسم وأبوهما أحد ثقات الهادي - عليه السلام - قتل بنجران في قضية (متنحية)(6) شبيهة بيوم الطف، وثاربه الهادي - عليه السلام - فأوقع ببني الحارث ومن ظاهرهم قضية هائلة. ومن عقب السيد علي: هذا السادة الذين ينزلون بنواحي صنعاء وشبام والبون والرحبة، قال السيد محمد بن عبد الله: وفي ذمار ونواحيها.
قلت: هكذا ذكروا بنواحي صنعاء وشبام إلى آخره، والمشهور بجهة صنعاء آل المطاع، ومنهم الشريف زيد بن المطاع قاضي المنظر وهو الروضة من أعمال صنعاء والعلويون بالمأخذ والضلع وبني عفيف وحيفة ثلا هؤلاء منسوبون إلى علي ولعلهم من ولد هذا، وكنت ظفرت بنسبهم الشريف وهو مكتوب ولم يحضرني عند الرقم ويقال: إن من(7) حيفه /163/ ثلا (و)(8) الشيخ أحمد بن علوان المشهور باليمن والسيد علي بن أبي جعفر المدفون (بخيوان) الذي أصيب بنجران وحمل وقد أريث وقال فيه الهادي - عليه السلام -:
قبر بخيوان حوى ماجداً ... منتخب الآباء عباسي
من يطعن الطعنة خوارة ... كأنها طعنة جساس
__________
(1) في (ب) زيادة: عبدالله بن.
(2) وهو معروف من تصريحه في السيرة. وفي سيرة الهادي - عليه السلام - ما يدل على أنه أصحابه ومعه.
(3) في (ب) زيادة: إلى الحق.
(4) فراغ في (ب).
(5) وسيأتي ترجمته إن شاء الله في المحمدتين.
(6) فراغ في (ب).
(7) في (ب): أهل.
(8) سقط من (ب).

(1) قبر علي بن أبي جعفر ... من هاشم كالجبل الراسي
لعله غير هذا لأن هذا ذكر في ترجمته أنه تولى للناصر للحق - عليه السلام -.
علي بن محمد بن العفيف
السيد العلامة علي بن محمد بن العفيف - رحمه الله تعالى - كان عالماً فاضلاً ديناً ورعاً، سكن شعبان من بلاد الحدب(2) من حضور لمأرب وأموال جليل قدرها ومكاسب.
قال السيد شمس الدين وهو مصنف (السراج الوقاد في فضائل الجهاد) كتاب جليل في فضائل جهادالنفس وجهاد البغاة فأحسن وحث فيه على الجهاد مع الإمام المنصور بالله الحسن بن محمد، وذكره الإمام بما هو أهله من الثناء الحسن والوصف الجميل، وقد ذكره الإمام - عليه السلام - في قصيدته التي ذكر فيها من أسرع إلى إجابة دعوته والإهراع إلى نصرته فقال:
ومثل(3) العفيف أخي علي ... وحسبك عند معضلة عليٌ
عفيف الدين خيرة آل طه ... وربائبهم والسمهري
وظفرت بمصنفه المذكور ولم يكن أحد من الأهل - رحمهم الله تعالى - وقف عليه فيما يغلب على ظني؛ لأنهم لم يذكروه مع حرصهم على مثل ذلك، وله شعر يدل على تقدمه في البلاغة، ومن شعره ما حكاه - رحمه الله - في كتابه المذكور ولفظه: وقد قلت في بعض المجاهدين بين يدي أمير المؤمنين حامي ثغور المسلمين المهدي لدين الله رب العالمين - عليه السلام - من جملة أبيات:
فكم من شهيد قد تولى كأنما ... خضبن بماء الأرجوان ثيابه
فأودى كريماً ثم أمسى بمنزل ... حجارته در ومسك ترابه
فما ضره إن كان أحمد جاره ... غدا والقصور المشرفات مآبه
كفى شرفاً أن الجنان مقيله ... وأن كؤوس السلسبيل شرابه
/164 وحور كامثال اللآلي مضيئة ... هو ابن كريماً ليس يبلا شبابه
يُنبِّئنا الرحمن في ذاك معلناً ... وينطق بالبشرى إلينا كتابه
فرحمة رب العالمين تزوره ... وروح وريحان عليه حجابه
وجاد ثراه كل يوم وليلة ... من المزن غيداق تدر ربابه
__________
(1) في (ب): ومنها.
(2) فراغ في (ب).
(3) في (ب): ابن (زيادة).

انتهى لفظه، وهو يعني بالمهدي أحمد بن الحسين صلوات الله على روحه المقدسة، وهو يدل على أنه قد كان في زمن الإمام جليلاً قدره ظاهراً فضله وعلمه - رحمه الله - (تعالى)(1) ورضوانه عليه.
قال سيدي جمال الدين الهادي الكبير: وفي آخر الكتاب المذكور بخطه - رحمه الله - ما لفظه وافق الفراغ من تأليفه في شهر جمادي سنة ثمان وخمسين وستمائة بمحروس المصنعة بحجة، انتهت الزيادة.
قلت: وفي الكلام ما يدل على أن سلف السيد شمس الدين لم يذكروا الكتاب وهذا السيد الهادي الكبير ذكره فلعل في الأم المكتوب منها(2) شيء والله أعلم.
السيد عواض الله
السيد العلامة جمال الدين علي بن محمد الملقب بعواض - رحمه الله تعالى - كان سيداً كاملاً نبيلاً عالماً فقيهاً شيخاً في الفروع الفقهية لا يجارى، وأما في الفرائض فكان وحيداً قراءته بصعدة وشيخه احمد بن حابس فيها، وكان النهاية في ذلك، وهو شيخ الشيخ إسماعيل بن أحمد في الفرائض، وكان الشيخ إسماعيل فرداً في زمانه في ذلك، وأما العربية فقرأ فيها أبلغ قراءة وطلب أشد طلب وما فتح عليه بطائل.
قال المتوكل على الله المطهر بن محمد أنه كان يشاهده في مسجد الجاوي ومسجد الأحدم يقطع الليل كله درساً وأعاده أيام قراءته في العربية ولم يحظ فيها بمعرفة جيدة مع هذا الجهد الكلي والعلوم منح إلهية ومواهب اختصاصية، وقد حصل في العربية بعض تحصيل وقرأ(3) في كتبها، ذكر هذا السيد شمس الدين في تاريخ أهله.
علي بن محمد بن باقي
السيد العلامة الكامل علي بن محمد بن باقي - رحمه الله، ضبطه الأهدل بالباء الموحدة والقاف - وتكرر ذكره في (تاريخ السادة)، وذكره الأهدل في علماء صعده المحروسة.
علي بن محمد بن صالح
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (ب): عنها.
(3) في (ب): وأقرأ.

علامة العراقين علي بن محمد بن صالح /165/ بن مرتضى الجيلي - رحمه الله تعالى - و ابن محمد بن صالح المشهور الآتي ذكره واسمه (محمد) (1) صالح - مركب - وعلى هذا ولده ولدان آخران عالمان فاضلان الحسن والحسين رحمهما(2) الله.
علي بن محمد الزيدي(3)
العلامة الفاضل المفسر علي بن محمد الزيدي الملقب بسائر بيحان - رحمه الله تعالى - قد ذكرنا ترجمته في تيسير الأعلام مختصرة لعدم المعرفة تفصيلاً لأحوال العراقيين - رحمهم الله تعالى - وذكره الملا يوسف حاجي وقال: له (شرح تهذيب القراءة).
علي بن محمد الإيراني
العلامة الفاضل(4) علي بن محمد الإيراني - رحمه الله -(5) - هكذا ذكر الملا يوسف حاجي - وقال: له المفسر والله أعلم.
علي بن محمد بن فتين
__________
(1) في (ب): الهادي بن.
(2) في (ب): - رحمه الله -.
(3) سقطت هذه الترجمة من (ب).
(4) زيادة في (ب): المفسر.
(5) زيادة في (ب): تعالى.

العلامة الكبير (الفاضل)(1) الشهير ابو الحسن علي بن محمد بن فتين العبدي الكوفي الزيدي - رحمه الله - ذكره الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي الأصبهاني في (معجم الشفر المسمى نزهة القلوب والأبصار فيما سمعته في الأسفار)، قال: كان شيخاً كبير السن كثير البر، وصولاً للرحم، وكان زيدي المذهب عبدي النسب مثنياً علىالصحابة مع ميله إلى القرابة رضوان الله عليهم، وخرج السلفي عنه حديثاً فقال ما لفظه: (أنبأنا)(2) علي بن محمد بن فتين العبدي بالكوفة، أن أبو طاهر محمد بن محمد بن الحسين بن الصياغ المعدل القرشي قال: حدثنا أبو القاسم علي بن محمد بن الحسين الحرار، حدثنا أبي، حدثنا أبو القاسم الحضر بن أبان بن زياد الهاشمي المذكور، حدثنا أحمد بن عطاء، حدثنا يحيى بن المعلا، عن عبدالله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة(3). قلت: أظنه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((ادّهنوا بالزيت وأبتدموا(4) به فإنه مبارك)).
علي بن محمد بن جديد(5)
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (ب): أخبرنا.
(3) في (ب): هبيرة.
(4) في (ب): واتدموا.
(5) سقطت هذه الترجمة من (ب).

الفقيه الشريف الحافظ أبو الحسن علي بن محمد بن جديد بن عبدالله بن أحمد بن عيسى بن محمد بن علي بن جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وجده أحمد بن عيسى بن محمد بن علي أول من خرج من البصيرة إلى حضرموت خامس خمسة وتنقلوا في مواضع منها، ثم استقروا بتريم - بفتح المثناة من فوق وكسر الراء - وآل أبي علوي يجتمعون هم وابن جديد في عبيد الله بن أحمد بن عيسى ويقال له - أيضاً - عبد الله بصيغة التكبير ويقال له عبيد مصغراً بغير إضافة - أيضاً -؛ لأن له من الولد ثلاثة بصري جد الفقيه سالم بصيري، وجديد /166/ جد ابن جديد المذكور، وعلوي جد آل أبي علوي وقد ضبط حديد بالحاء المهملة وبعض النسابين بالجيم، ورجع إليه شيخنا قدس الله سره وأثبته في مواضع، وقد كان وقع في ذكر ابن حديد خلاف ليس من أجل الحاء والجيم بل من جهة أمر آخر أحسبه فيما نقلته هنا من النسب بين شيخنا أحمد بن سعد الدين، العلامة أحمد بن علي بن مطير، ورجع ابن مطير إلى كلام شيخنا واعتق رقبة كفارة والله حسبي وكفى.
علي بن محمد بن أبي القاسم
الفقيه العالم جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم بن علي بن ثامر النحوي(1) - رحمه الله - هو العلامة الفقيه المحقق المتقن شارح الأزهار ومحقق معانيه وله عناية بعلم الإمام المهدي أحمد بن يحيى في الفروع ولازمه وسأله عن مقاصده ولذلك كان شرحه عظيماً في بابه - رحمه الله تعالى - وأخذ عنه جماعة، منهم عبد الله النجري علامة زمانه ومنهم والده محمد بن أبي القاسم وهو الواسطة بينه وبين العلامة علي بن زيد في إسناده للشرح المذكور.
علي بن محمد الهاجري الصعدي
__________
(1) في (ب): النجري.

العلامة الفقيه الكامل علي بن محمد الهاجري الصعدي - رحمه الله تعالى - من علماء صعده ومشاهير الزيدية، له شرح مفيد على الأزهار، وهو من آل الدواري فإن نسبهم متصل بهم وسيأتي ذكر نسبهم إن شاء الله تعالى، وكان له ورع في الفتياء وأظن والده هو صاحب التفسير المسمى بالتقريب وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
علي بن محمد بن قمر
الفقيه العارف الفاضل علي بن محمد بن قمر - رحمه الله تعالى - هو فقيه فاضل عالم كامل مشهور الذكر ولم أظفر له بترجمة غير أن شرحه للأزهار يدل على جلالة قدره واتساع معرفته، ولقد نقلت عنه رسالة عن بعض شيوخه في بيع الرهان المعروف ببيع الإقالة يدل على أن ذلك الشرح من أجل الكتب ولمّا أعرفه وإنما عرفت فضله بهذه المسألة، وفي بيت وقع(1) عقب أفراد يذكرون أنهم عقبه وله مسجد هنالك شهير منسوب إليه، له أوقاف والأنوار لائحة على ذلك المحل والله أعلم.
علي بن محمد البكري
العلامة الفاضل الأصولي المتكلم رئيس الزيدية علي بن محمد البكري - رحمه الله - هو إنسان عين زمانه وفرد وقته واوانه اشتهر صيته في الكلام، ويد المتكلمين وتقدم على المتقدمين - رحمه الله -.
قال القاضي العلامة محمد /167/ بن صلاح الفلكي المعروف بالفرائضي حاكم ذمار الآتي ذكره، يروي عن مشائخه أن البكري أعلم من عبدالله النجري في أصول الدين والنجري أعلم منه في أصول الفقه(2) والنجري شرح أصول الفقه وللبكري شرح (المنهاج).
قلت: يعني شرح منهاج القرشي، وشرح مقدمة الأزهار، انتهى كلامه.
__________
(1) في (ب): دفع.
(2) في (ب): وصنفا جميعاً شرحاً لمقدمة البيان، قال: فالبكري شرح أصول الدين.

قلت: وقد تجارى الفاضلان هذان في مضمار واحد في مسألة الإمامة وهي مسائل دائرة بين الناس وللبكري إعراب أذكار الصلاة، كتاب جود فيه، ودل على معرفة بالعربية كاملة، وكان النجري والبكري من شيعة الإمام المطهر بن محمد بن سليمان، وكانا مع الخالدي - رحمه الله - قطب دولته، وهو الذي حكى صفة الكتاب الواصل إلى الإمام المتوكل على الله المطهر بن محمد بن سليمان عن الفقيه محمد بن الأصم أنه اتفق في زمان مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله رب العالمين المطهر بن محمد بن سليمان.

عجيبة(1) ونكتة غريبة في بلد شامي الحرجة تسمى (الحمرة) وذلك أنه كان فيها رجل من الزرعة وكان ذا دين وصدقة واتفق أنه بنى مسجداً يصلي فيه، وجعل ياتي ذلك المسجد كل ليلة بالسراج وبعشاه، فإن وجد في المسجد من يتصدق عليه أعطاه ذلك العشاء وإلا أكله وصلى صلاته واستمر على ذلك(2) الحال، ثم أنها اتفقت شدة ونضب ماء الآبار، وكانت له بير، فلما قل ماؤها أخذ يحفرها وأولاده يطلعون مايحفر منها ويجرون بالبقر، فخربت تلك البير والرجل في أسفلها خراباً عظيماً حتى أنه انعزل ما حوله من الأرض، فآيس اولاده منه، ولم يحفروا له، وقالوا: قد صار هذه(3) قبره، وذلك الرجل كان عند خراب البير في كهف فيها فوقع إلى بابه(4) خشبة منعت الحجارة من أن تصيبه، فأقام في ظلمة عظيمة، ثم أنه بعد ذلك القدر جاءه السراج الذي كان يحمله إلى المسجد وذلك الطعام الذي كان يحمله في كل ليلة، وكان به يفرق بين الليل والنهار، (واستمرت له كذلك حتى مضت ست سنين)(5) والرجل مقيم في ذلك المكان على تلك الحال، ثم أنه بدا لأولاده أن يحفروا البئر لإعادة عمارتها فحفروها حتى انتهوا إلى أسفلها فوجدوا أباهم حياً، فسألوه عن حاله فقال لهم: ذلك السراج والطعام الذي كنت أحمل إلى المسجد يأتيني على /168م ما كنت أحمله تلك المدة فعجبوا من ذلك فصارت قضية موعظة يتواعظ بها الناس في أسواق تلك البلاد حتى أن السيد جمال الدين علي بن صالح المجاهد مع الإمام المتوكل على الله المطهر بن محمد بن سليمان الذي استشهد - رحمه الله - كان يدخل الأسواق ويعظهم بذلك ويرغبهم في الصدقة ويعرفهم حسن المعاملة مع الرب الكريم تبارك وتعالى ويعرفهم فضل تسريج المساجد والإنفاق فيها، ومن جملة من زار هذا الرجل بعد طلوعه من البئر السيد الفاضل المجاهد جمال الدين علي بن
__________
(1) في (ب): قصة عجيبة.
(2) في (ب): تلك.
(3) في (ب): هذا.
(4) في (ب): في بابه.
(5) في (ب): واستمر له ذلك مدة ست سنين.

صالح(1)، وكذلك الفقيه بدر الدين محمد بن الأصم، انتهى الحديث العجيب، وليس ذلك من صنع الله بمستنكر، نسأل الله الهداية لاصطناع الخير. ومن شعر الإمام الهادي لدين الله عز الدين بن الحسن - عليهما السلام - إلى العلامة علي بن محمد البكري - رحمه الله تعالى - قبل دعوته - عليه السلام -:
دع ذكر ما بالحمى والبان والطلل ... وعد عن معهد بالأبرقين خلي
وقدم الخوض في المقصود مبتدئاً ... واعجل فقد خلق الإنسان من عجل
إن الأهم أحق بتقديم أحق فلا ... تعبأ بعادة أهل الشعر في الغزل
وافى نظام بديع اللفظ محكمه ... محبر صين عن هزل وعن خطل
له (معان)(2) عذاب ما بها لغز ... وخير معناً دعاه السمع وهو جلي
وأشفى وأحلى في مذاقته ... من بارد الماء بل من خالص العسل
ودونه زهر روض جاده مطر ... جود وعاوده علا على نهل
لما أتى رافلاً يزهو بخطرته ... من البلاغة في حلي وفي حلل
ولاح لي منه عنوان يبشرني ... بما حوى من تفاصيل ومن جمل
فارقت ما كنت قد لاقيت من كرب ... أصمت ولاقيت ما فارقت من جدل
وقلت لما فضضت الختم عن ملح ... الله أكبر هذا منتهى أملي
أهلاً وسهلاً بطرس جاء من ندس ... على البراعة والآداب مشتمل
قضى بمحض ولاء غير (موتشب) ... وحسن ود صحيح غير منتحل
وجاء نظماً كنظم الدر مبتدعاً ... مستغرباً مستجاداً غير مبتذل/169/
وسجع نثر كشذر راق منظره ... منقح لفظه ما فيه من خلل
تلك البلاغة أما شئت معرفة ... لها فهاك بلا كبر ولا ملل
وذلك السحر إلا أنه حسن ... ما فيه من حرج تخشى ولا زلل
وكيف لا والذي خطت أنامله ... سطوره رجل ناهيك من رجل
إمام علم له فضل ومكرمة ... من دونه علماء السهل والجبل
جمال دين الهدى السامي لهمته(3) ... وقدره الأرفع (السامي)(4) على زحل
أما تورطت في شك وفي شبه ... أعيت علىذي الذكاء والفهم والجدل
__________
(1) في (ب): صلاح.
(2) في (ب): مقالاتٍ.
(3) في (ب): بهمته.
(4) في (ب): الأسمى.

فاقصد علياً ولا تعباً بمشكلة ... إذا ادرعت فلا تخشى من الأسل
سل عنه واسمع به وانظر إليه تجد ... ملءَ المسامع والأفواه والمقل
أسنى وأبهج في الآفاق من قمر ... بدر وأسير في الآفاق من مثل
حوى المحامد من دين ومن ورع ... ومن عفاف ومن علم ومن عمل
يا من تصنع محتالاً ليشبهه ... ليس التكحل في العينين كالكحل
بل أيها العاذلي فيما أبوح به ... من وده كف عن لومي وعن عذلي
إني رضيت به خلاً ومعتمداً ... واخترته من جميع الناس عن كمل
وما رضيت سواه عنه لي عوضاً ... حاشاه عن عوض منه وعن بدل
فمن يكن عنه مزوراً ومنحرفاً ... فقد يضر رياح المسك بالجعل
أحن شوقاً إلى ميمون طلعته ... حنين عودتها شوقاً إلى الإبل
ولا أزال مشوقاً كل آونة ... إلى أزال ووجد الشوق لم يزل
أود لو أنني أسعى لأبلغها ... على جواد عظيم السبق ذي حصل
لكونها دار أعلى الناس منزلة ... في القلب ما أن يرى عنه بمشتغل
يا ما نحي صفوه وداً بلا كدر ... ومرتضى كل أحوال بلا علل
لولاك ما ها جنى شوق إلى يمن ... لا ناقتي في ربى صنعاء ولا جملي
فليت شعري أبعد البعد يجمعنا ... دار ويسعد دهر(1) بالتقارب لي
/170/فتستريح نفوس قد ألم بها ... عوارض الوجد والتبريج والوجل
لا تأس من روح رب الروح إن له ... عطفاً على كل دعاء ومبتهل
وقد دعوناه نرجو من إجابته ... جمعاً لشمل شتيت غير متصل
يا رب فاجعل رجائي غير منعكس ... لديك يا منشئ الأموال(2) والسبل
وامنن بتعمير ذي الفضل الشهير ومن ... أحيى بتدريسه العلم الشريف علي
لا زال في تحف تترا وفي شرف ... يعلو على الجدي والجوزاء والحمل
وفي سعود وإقبال وفي ظفر ... وخفظ عيش رغيد ناعم خضل
عليه مني سلام نشره عطر ... ملازم مستدام غير منفصل
ما شدت العيس في شام وفي يمن ... واطرب العيس حادي العيس بالزجل
علي بن محمد بن هطيل
__________
(1) في (ب): دهري.
(2) في (أ): الأمران.

علامة النحاة ومفخر اليمنين صدر العلماء جمال الإسلام علي بن محمد بن هطيل(1) - رحمه الله - كان أشهر من شمس النهار في علومه وفضائله، أتقن النحو إتقاناً عجيباً وبرز فيه وألحق الأصاغر بالأكابر، وجمع وفرق وعلل وتكلم عن ملكة راسخة في أصول النحو وفروعه وهو حري بان يسمى سيبويه اليمن، وقد ترجم له بعض الشافعية وأثنى عليه ولم أر في كتب أصحابنا له ترجمة إلا بالتبع ممن ذكره جامع سيرة الإمام المتوكل على الله المطهر بن محمد بن سليمان، وذكره السيد شمس الدين أحمد بن عبد الله بن الوزير وأنه جمع شرحه الصغير للإمام المنصور بالله علي بن صلاح الدين محمد بن المهدي علي بن محمد، وهذا الشرح من أفيد الشروح، وكان الطلبة باليمن لا بد لهم من حفظه غيباً كما يتحفظ المختصرات وهو شرح على الطاهرية، وأما شرحه على المفصل فهو شرح صدر الشروح (2) والآية الدالة على أنه بحر من البحور، وله قصيدة يثني بها على علم النحو، ويذكر علامة الأمة جار الله - رحمه الله - وهي كالذب عنه لما قال به الأندلسي، وله جواب على الأندلسي نثر فائق، وهذه القصيدة طالعها:
هل النحو إلا بحر علم يخوضه ... صبور علىدرس الدفاتر مقبل
توفي - رحمه الله - بصنعاء، وذكر من ترجم له من الشافعية أن موته في /171/ (بياض) وعند الناس من أخباره حكايات لم أثق بشيء منها، والله سبحانه وتعالى أعلم بما يذكرون، انتقل من حوث إلى شظب والله أعلم.
علي بن محمد بن هبة الدواري
__________
(1) في (أ): هصيل.
(2) في (ب): صدور الصدور.

الفقيه العلامة علي بن محمد بن هبة الدواري - رحمه الله - كان عالماً فاضلاً ديِّناً(1) له حمية على الإسلام، من ذلك لما(2) كثرت الفتن على الإمام علي بن محمد - عليهما السلام - داخل أهل صعده فتور وملل، وادعى بعضهم على بعض أنه لم يبق على قدر حاله وماله، فانضربت أمور العسكر وانقطعت موادهم،فاشتغل خاطر الإمام بذلك ولم يتمكن بما يقيم العسكر، فعول على القاضي جمال الدين علي بن محمد بن هبة الدواري أن ينشيء قصيدة يحرض الناس على الجهاد ويحثهم على الانفاق، فأنشأ قصيدة وأنشدها في محفل من كبار أهل صعده، فبكى عند سماعها جماعة من القوم حتى أخضلت لحاهم وتعاقدوا في ذلك الوقت على بذل الأموال والأرواح والصبر حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده، ويجعلون(3) ما يحتاجون من ذلك على عشرة مقاسم ألزموا أنفسهم في أموالهم ذلك الوقت مائة ألف درهم، فحمل الفقهاء آل علي بن حسن الهبتي خمسين ألفاً منها، وحمل علي بن موسى بن جمع(4) الطاي وآل الرازي وآل عليان عشرة آلاف وحمل آل فند وآل الطاهر وآل الذويد عشرين ألفاً وحمل آل عليس ومن في جانبهم من الحدادين عشرة آلاف وحمل أهل درب الإمام والفقيه قاسم قرة عشرة آلاف وتواطوا أنها إذا كملت عوضوها طالت الفتنة أم قصرت، والقصيدة هي هذه:
سرى همه ليلاً وهم الفتى يسري ... فأمسى نجياً للوساوس والفكر
وارقه خطب عظيم مؤرق ... لمن كان ذا دين وذا حسب عمر
تخاذل أهل الدين عن نصر دينهم ... وأجمع أهل المنكرات على النكر
وشدتهم في النائبات وصبرهم ... على البؤس والضراء والقتل والأسر
على قلة في مالهم ورجالهم ... وكثرة أهل الدين في البر والبحر
فقد أظهروا تيهاً(5) على كل مسلم ... وعجباً على عجب وكبراً على كبر
فنبه ما في القلب من لوعة الأسى ... ومن حرقة بين الجوانح والصدر
__________
(1) في (ب): أديباً.
(2) في (ب): أنها لمَّا.
(3) في (ب): ويجعلوا.
(4) في (ب): جميع.
(5) في (ب): [لم أتمكن من قراءتها].

فأين حماة الدين من آل أحمد ... وشيعتهم أهل الفضائل والذكر
وأين ليوث الحرب من آل حيدر ... وأبناء قحطان الجحاجحة الغر/172
وأين رجال الصبر من كل عابد ... ومن بطل شهم(1) ومن عالم حبر
وأين ذووا الإفضال والجود والسخا ... طلاباً لوجه الله في السر والجهر
وأين الكرام المنفقون تطوعاً ... لكسب المعالي والمحامد والذكر
ألا بايع في طاعة الله نفسه ... فيذهب بالسبق المكرر والفخر
ألا آخذ من ماله سهم نفسه ... فيحرزه من قبل حادثة الدهر
ألا خائف من نفخة الله راهب ... لنار تلظى بالشرور(2) وبالجمر
ألا راغب في طاعة الله طالب ... جناناً من الياقوت والقصب الدر
ألا بائعاً دار الغرور بجنة ... روائحها تسري وأنهارها تجري
ألا شارياً(3) ملكاً كبيراً ونعمة ... بعيش حقير لا يسوغ ولا يمري
قصوراً وولداناً وحوراً نواعما ... معرضة للبيع بالثمن النزر
فيا معشر الإسلام مالي أراكم ... غفولاً عن الفضل المضاعف والأجر
ألم يأن أن تستيقضوا عن منامكم ... فقد بان جنح الليل عن شفق الفجر
وأن تستجيبوا داعي الله إذ دعا ... فاسمع ذا سمع ومن كان ذا وفر(4)
ألم تسمعوا ما جاء في الكتب وارداً ... عن المصطفى المختار من ولد النظر
كأنكم لم تخبروا عن نبيئكم ... ولم تقرأوا ما جاء في محكم الذكر(5)
ألم تسمعوا ما جاء في الكنز والذي ... تولى فراراً عن وعيد وعن زجر
أمنتم عقاب المذنبين جهالة ... إلى أن حسبتم مثل راعيه(6) البكر
أفي فضله شك أفيه تردد ... فمن شك فيه شك في الشمس والبدر
أليس إمام الحق بين ظهوركم ... ينادي ويدعو بالجهاد وبالنفر(7)
أفي عصرنا قد كان أو هو كائن ... نظير له في العلم والحلم والصبر
__________
(1) في (أ): منهم.
(2) في (ب): بالشرار.
(3) في (ب): ألا شارباً.
(4) في (ب): ذا وقر.
(5) هذا البيت في (ب): متأخر عن الذي يليه.
(6) في (ب): راهبه.
(7) هذا البيت في (ب) تقدم عن الذي قبله.

عكفتم على دنياكم وإمامكم ... يجاهد أرباب الضلالة والكفر
حراصاً على أرواحكم وحطامكم ... شحاحاً وشح النفس من أعظم الوزر
خلى عصبه من آل صعدة صابروا ... على البؤس والضراء في العسر واليسر
لبوث(1) تبارى بالصوارم والقنا ... بحور تطامى باللجين وبالتبر
تواصوا على نصر الإمام وجاهدوا ... على الدين واختاروا الوفاء على الغدر
173/فيهنيهم(2) ما أحرزوا من فضيلة ... ومن شرف يعلو على قمة النسر
فهلا سعيتم سعيهم ونفرتم ... إلى نصره بالمرهفات وبالسمر
أفي الشرع أن يدعوكم وتثاقلوا ... وتستأخروا من غير شغل ولا عذر
أفي الدين أن يصلى الأمور بنفسه ... وحيداً وما منكم معين على أمر
وأن تبخلوا بالمال عنه وقد سخا ... بمهجته والروح أعلى من الوفر
أنيبوا أنيبوا قبل أن تمطر السماء ... عليكم بأنواع المصائب والفقر
وتنتزع الأرواح والمال عنكم ... علانية من غير شكر ولا أجر
بخلتم على الله الكريم بفضله ... عليكم ولم تجزوا بحمد ولا شكر
وآثرتم الدنيا وعاجل نفعها ... على جنة المأوى فيا بيعة الحسر(3)
وأحببتم دنياكم ونساءكم ... على مولاكم فيالك من وزر
كأنكم أرواحكم في حياتكم ... وأرزاقكم من عند أنفسكم تجري
ألا لا ولكن شح نفس نهاكم ... وقد جفت الأقلام بالرزق والعمر
ألم تعلموا كم من صحيح منعم ... أتته المنايا بغتة وهو لا يدري
وكم كادح في ليله ونهاره ... يريد الغنى والفقر في سيره يجري
فهل تائب من ذنبه أو فراجع ... إلى ربه قبل المصير إلى القبر
ومدكر يوم الحساب وهو له ... وموقف عدل في القيامة والحشر
فذو العرش أما تخذلوه يمده ... على عجل بالفتح منه وبالنصر
ولو كان سيف ينصر الدين واحد ... لقمت بسيفي لابساً حلة الصبر
ولو كنت ذا مال لأنفقت فضله ... وصدق فعلي ما تضمنه شعري
فجردت من غمد القوافي صوارماً ... أحد من البيض المهندة البتري
__________
(1) في (أ): ليوث.
(2) في (ب): فهنيهم.
(3) في (أ): الخسر.

ودونكم من فضل قولي مواعظاً ... ومن لم يجد ماء تيمم بالعفر
انتهت هذه الكلمة البليغة لله دره والله يحسن جزاءه عن الإسلام(1).
علي بن محمد بن إبراهيم
الفقيه العارف المجاهد القاضي جمال الدين علي بن محمد بن إبراهيم /174/ الجملولي الهنومي، نسبه إلى هنوم - بكسر الهاء وسكون النون - أحد جبال الأهنوم الثلاثة، ثم السيراني، كان عالماً كبيراً حافظاً لكل طريقة يجري مع الناس على طبقاتهم بما تتحيز به قلوبهم من غير أن يكون عليه وصمة وذلك من عجائبه - رحمه الله - وله تجربة في الأمور كاملة وآراء ثاقبة تجري كلامه مجرى الأمثال، وهو من بيت شهير بالفضل اصلهم من الجملول بهنوم، ثم سكنوا الجهوة (بسيران)، وله تلامذة كثيرون كالقاضي العلامة صفي الإسلام أحمد بن سعد الدين، والقاضي العلامة جمال الدين حفظ الله بن أحمد سهيل وهو كثير الرواية عنه توفي - رحمه الله - ليلة الأربعاء ثالث رجب من عام ثلاث وأربعين وألف بحصن كوكبان شبام كان مقيماً هنالك للقضاء والتدريس بأمر الإمام المؤيد بالله - سلام الله عليه -.
علي بن المحسن بن يحيى(2)
السيد الأمير الكبير المجاهد منصور الألوية مرغم الأعداء جمال الإسلام علي بن المحسن بن يحيى بن يحيى - عليهم السلام - كان طوداً من أطواد العترة الكرام سيداً سرياً علماً جهبذياً، كان يلي ممايليه الأئمة وولي أمر صعده للإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليهم السلام - واستشهد بنجران عند كوكبان أجفل عليه العسكر وتعقب في اخرهم للذب عنهم ثم لم يأت عنه نبأ إنما قال المحقق لقضيته من العسكر رأيته بعد الهرب يقاتل فانتقم بثأره الأمراء رضي الله عليهم وحزن الناس لمقتله وعمت غمته وضبط من كلامه في المعركة رجزاً لم يحضرني عند الرقم وولي بعده صعده الأمير أمير الدين ثم الأمير تاج الدين.
علي بن محمد الدثاني
__________
(1) زيادة في (ب): آمين.
(2) هذه الترجمة في (ب) متأخرة بعد ترجمة الدثاني.

القاضي العلامة(1) الكبير جمال الدين علي بن محمد الدثاني العارف الكبير - رحمه الله - قرأ على والده وأخذ عنه القاضي محمد النهدي الزيدي، وعن النهدي منصور بن محمد الزيدي وتخرج بإسنادهم حديث في فضل صلاة الجماعة رواه في (حدائق الياسمين) واستحسن الإمام صلاح ابن على ذلك الحديث.
علي بن القاضي بن علي المحسن
القاضي العالم المعمر أبو القاسم علي بن القاضي بن(2) علي المحسن بن التنوخي البصري ثم البغداذي صاحب كتاب (الطوالات)، وولده صاحب كتاب (الفرج بعد الشدة)، وغير ذلك، ولد في شعبان سنة خمس وستين وثلاثمائة (بالبصرة)، وسمع لما كمل له خمسة أعوام (من) (3) علي بن محمد بن سعيد الدارر(4) وغيره.
قال الخطيب: كان متحفظاً في الشهادة عند الحكام صدوقاً في الحديث /175/ تقلد قضاء (المدائن) وقرى (ميسين) و(البردان)، قال أبو الفضل بن خيرون: قيل كان رأيه الرفض والاعتزال ، قال شجاع الهذلي: كان يتشيع ويذهب إلى الاعتزال. قال شيخنا شمس الدين - رحمه الله -: كان زيدياً في الإسناد عن المرشد بالله في أوساط رجال الزيدية وكان التشيع دينه ودين أبيه وجده وجده علي بن محمد الأكبر هو صاحب القصيدة المشهورة في الذب عن أهل البيت علهيم السلام مجيباً على ابن المعتز في قصيدته التي أولها:
أبى الله إلاَّ ما ترون فمالكم ... غضاباً على الأقدار يا آل طالب
(فقال القاضي - رحمه الله تعالى -) (5):
من ابن رسول الله وابن وصيه ... إلى مدغل في عقدة الدين ناصبي
نشأ بين طنبور ونرد ومزهر ... وفي حجر شاد أو على صدر ضارب
ومن ظهر سكران إلى بطن قينة ... على شبه في ملكها وشوائب
تعيب علياً خير من وطئ الثرى ... وأكرم سار في الأنام وسارب
وتزري على السبطين سبطي محمد ... فقل في حضيضٍ رام نيل الكواكب
__________
(1) في (ب): العالم.
(2) في (ب): أبي.
(3) سقط من (أ).
(4) في (ب): الراراري.
(5) سقط من (ب).

وتنسب أفعال القرامط كاذباً ... إلى عترة الهادي الكرام الأطائب
إلى معشر لا يسرح الذم بينهم ... ولا تزدري أعراضهم بالمعاتب
إذا ما انتدوا كانوا شموس نديهم ... وإن ركبوا كانوا شموس الركائب
وإن عبسوا يوم الوغاء ضحك الرداء ... وإن ضحكوا أبكو عيون النوائب
وإن يسالوا سحباً(1) بماء أكفهم ... فأحيوا بميت المال ميت المطالب(2)
نشوا بين جبريل وبين محمد ... وبين علي خير ماش وراكب
وصي النبي المصطفى ووصيِّه(3) ... ومشبهه في شيمة وضرائب
ومن قال في يوم الغدير محمد ... وقد خاف من غدر العدا والنواصب
أما أنا أولى منكم بنفوسكم ... فقالوا بلى قول المريب الموارب
فقال لهم من كنت مولاه منكم ... فهذا أخي مولاه بعدي وصاحبي
تطيعوه طراً فهو عندي بمنزل ... كهارون من موسى الكليم(4) المخاطب
وقولا له إن كنت من آل هاشم ... فما كل نجم في السماء بثاقب/176
وإنك إن خوفتنا منك كالذي ... يخوف اسداً بالضباء الربارب
وقلت بنو حرب كسوكم عمايماً ... من الضرب في الهامات حمر الذوائب
صدقت منايانا السيوف وإنما ... تموتون فوق الفرش مثل الكواعب
أبونا القنا والمشرفية أمناً ... وإخواننا جرد المذاكي الشوازب
وما للغواني في الوغاء فتعودوا ... بقرع المثاني عن قراع الكتائب
وقلتم قتلنا عبد شمس فملككم(5) ... لنا سلب هل قاتل غير سالب
فيا عجباً من حارب ضل يدعي ... مواريث خير الناس ملكاً لحارب
هو السلب المغصوب لا تملكونه ... وهل سالب للغصب إلا كغاصب
أأثقال جدينا تحوزون دوننا ... بزعمكم الأنفال يا للعجائب
وهل لطليق شركة مع مهاجر ... فلا تثبوا في الدين وثب المواثب
أخو المرء دون العم يحوي تراثه ... إذا قسم الميراث بين الأقارب
وأولاده في محكم الذكر فاقرأوا(6) ... أحق وأولى من أخيه المناسب
__________
(1) في (أ): سحب.
(2) هذا البيت في (ب): متقدم عن الذي قبله.
(3) في (ب): وصفيه.
(4) في (ب): وصفيه.
(5) في (ب): فملكهم.
(6) في (ب): فارفقوا.

وجئتم مع الأولاد تبغون إرثه ... وأبعد بمحجوب لحاجب حاجب
ويوم حنين قال حزناً فخاره ... ولو كان يدري عدها في المثالب(1)
وما واقف في حومه الحرب حائراً ... وإن كان وسط الصف إلا كهارب
وما شهد الهيجاء من كان حاضراً ... إذا لم يطاعن قرنه ويضارب
فهلا كما لاقى الوصي مصمماً ... تعصب بالهندي كبش العصائب
وقلت أبونا والد لمحمد ... وأنتم بنوه دوننا في المراتب(2)
وأدناهما من كان بالسيف دونه ... يفل شبا سيف العدو المناصب
وشتان من أوى وواسى بنفسه ... ومزدلف يغزوه بين المقانب
أبونا يقيه جاهداً وأبوكم ... يجاهده بالمرهفات القواضب
فنحن بنو عم لنا فوق مالكم ... ونحن بنوه فوقكم في المناسب
وعبت علياً في الحكومة بينه ... وبين بني حرب الطغاة الأسائب
فقد حكم المبعوث يوم قريضة ... ولا عيب في فعل الرسول لعائب
/177/وعبت بعمينا أبانا سفاهة ... وكم لك من عم عن الدين ناكب
وميل عقيل عن(3) علي وطالب ... أبو لهب من جدكم في التقارب
ونحن أسرنا عمنا وأبوكم(4) ... فباتا بليل مكفهر الجوانب
ونحن حقنا بالفداء دماءكم ... فلا تجحدونا حق تلك المواهب
وقلتم أضعتم ثار زيد وكنتم ... كسالي كذبتم لا هدي كل كاذب
أما ثار فيه الطالبي ابن جعفر ... فذكرك ركن الملك من كل جانب
وأمطر في حي(5) وفي أرض فارس ... سحائب موت ما طرات السحائب
إلى ان رمته غازيات دعاتكم ... بسهم اغتيال نافذ النصل صائب
وقلت نهضنا ثائرين شعارنا ... بثارات زيد الحبر عند التجارب
وما ذاك من حب لزيد وآله ... ولكنها تشغيبة من مشاغب
دعوتم(6) إلينا عالمين بأنكم ... مكان الدنايا من ذراً ومناكب
__________
(1) في حاشية (أ) لو قال هنا:
فهلا تقدرتم أحد وخندق
فخرتم بها إذ كنتم في الأحازب
(2) في حاشية (أ): لو قال هنا:
أبو طالب أولى به إن أمهم
لأم أبيه دونكم في التناسب
(3) في (ب): من.
(4) في (ب): وأباكم.
(5) في حاشية (ب): فخ.
(6) في (ب): دعوتكم.

فهلا بإبراهيم كان شعاركم ... فيرجع(1) داعيكم بحلة خانب
بنا نلتم ما نلتم من إمارة ... فلا تظلموا فالظلم مرَّ العواقب
وكم مثل زيد قد أبادت سيوفكم ... بلا سبب غير الظنون الكواذب
اما حمل المنصور من أرض يثرب ... نجوم هدى تجلوا ظلام الغياهب
وقطعتم بالبغي يوم محمد ... قرائن أرحام لنا وأقارب
وجرعتم تحت التراب نبيئكم ... بكاسات ثكل لا تطيب لشارب
وفي أرض باحمراء مصابيح قد ثوت ... منزبة الهامات حمر الترائب
فيا لسيوف فللت بمعامد ... ويا لأسود صدعت بثعالب
وهارونكم أردأ بغير جريرة ... نجوم تقى مثل النجوم الثواقب
ومأمونكم سم الرضى بعد بيعة ... بأوددري شُم الجبال الرواسب(2)
فهل بعد هذا في البقية بيننا ... بني عمنا والصلح رغب لراغب
كذبتم وبيت الله أو تصدر الضبا ... شوارب من إمائكم والشوارب
ولينا فولينا أباكم فخاننا ... وكان بمال الله أول ذاهب/178
وكنا لكم في كل حال مناهلا ... عذاباً إذا يوردن خضر الجوانب
فلما ملكتم كنتم بعد ذلة ... أسود علينا داميات المخالب
فقل لبني العباس عم محمد ... وعم علي صنوه في المناسب
عزيز عليَّ أن تدب عقاربي ... إلى معشر الأدبا(3) دبيب العقارب
ولكن بدأتم فانتصرت فاقصروا ... فليس جناء الذنب مثل المعاقب
وليس سواء سب سيدة النساء ... وسب رماد بالصفا والأخاشب
وقد قال أصحاب النبي محمد ... له قد هجانا مشركو آل غالب
فقال لهم قولوا لهم مثل قولهم ... فما مبتد في الهجو مثل المحارب
فهذا جواب للذي قال مالكم ... غضاباً على الأقدار يا آل طالب
__________
(1) في (ب): يرجع.
(2) في (ب): الرواتب.
(3) في (أ): الأدنا.

انتهت هذه الكلمة وقد طال بها المجرى لأني لم أرها مستكملة إلا في قليل من الكتب مع أن علمائنا لا يتركون الإيماء إليها والذكر لها في مصنفاتهم وتواريخهم وفهمت ان سبب ذلك ما وقع من القاضي من التعرض(1) للعباس وابنه عالم الأمة - رضي الله عنهما - فمقامهما جليل غير أن البداية فيما أحسب اشتملت على شتمه للزهراء، فالجأت القاضي إلى ما قال ولم يقل إلاحقاً، غير أن هذين الرجلين من أعظم الأمة بعد آل محمد صلوات الله عليهم، وقد تعرض لهذا(2) المؤيد بالله في جواب القاضي عامر بن محمد الصباحي - رحمه الله - عن ابن عباس، فإنه ذهب عنه (بصره)(3) وذكر أنه عمي بالبكاء على علي بن بي طالب - رضي الله عنهما - فأعرف هذا، وفي قوله: إن الأخ في الميراث قبل العم، لعله يوافق أصول الحنفية إن المؤاخاة سبب للميراث، وقد صرح الذهبي في حق القاضي علي بن محمد هذا انه حنفي وأن كثيراً من الأصحاب يتستر بالتحنف في بلاد الأعداء وغشمة السلاطين، إلا أن المطلوب هنا ذكر علي بن المحسن حفيده - رحمه الله -.
علي بن المرتضى بن المفضل
__________
(1) في (ب): التعريض.
(2) زيادة في (ب): الإمام.
(3) سقط من (ب).

السيد الإمام العالم الكبير الرباني الفاضل المعروف بمؤمن الهادي - عليه السلام - جمال الدين علي بن المرتضى بن المفضل - رحمهم الله - (تعالى)(1)، قال السيد جمال الدين الهادي بن إبراهيم - رحمه الله - في حقه وأوصافه الجميلة كثيرة، ومحاسنه النبيلة شهيرة، ومحامده الجليلة منيرة، وجلالته(2) الرائقة ظهيرة /178/ ومناقبه الشاهرة السائرة أثيرة، وأنا أذكر جملاً من فضله وورعه وعبادته ومعرفته وزهادته وظرائف أخباره وشرائف آثاره، أما فضله فالمقصود بالفضل على إحدى تفسيريه المحافظة على الواجبات والرغبة في اكتساب الصالحات والمنافسة في الأمور الزاكيات، وقد كان - رحمه الله - بالغاً في هذه الأمور إلى أقصى نهاياتها وأبعد مساعيها وغاياتها وهذه جملة يأتي تفصيلها إن شاء الله، كان - رحمه الله - بصيرته(3) وسطاً لم يكن له ما كان لأخيه محمد المرتضى من العلم، وذلك بسبب أن حي والده المرتضى بن المفضل (- رحمه الله -)(4) تألم وطال ألمه قدر سبع سنين فاحتاج إلى الوقف مع والده لافتقاده (وصلاح)(5) شانه وكان أكثر أولاده براً به وملازمة له ثم لما توفي والده أراد الارتحال لطلب العلم كما كان سلفه، وقد ترك والده أخوات له مساكين لا إحسان لهن في شيء، فأمسكن بأهدابه وجذبن بثيابه وقلن لا سبيل إلى ذلك فرق لهن وعطفته عواطف الرحم فقرأ مع الاشتغال بهن قراءة متوسطة قرأ في العربية على حي الفقيه العالم العلامة جمال الإسلام علي بن أحمد سلامة(6) ولازمه واستفاد منه، وقال رحمة الله عليه: قرات على الفقيه الفاضل العالم شرف الدين حسن بن علي الآنسي في الفقه، وكان فقيهاً حافظاً متقناً ثم أنه - رحمه الله - أقبل على (العبادة)(7) ومطالعه الكتب المفيدة وتلاوة كتاب الله ليلاً ونهاراً،
__________
(1) سقط من (ب).
(2) زيادة في (ب): الفائقة.
(3) كذا في (أ) و (ب).
(4) سقط من (ب).
(5) في (ب): ولإصلاح.
(6) في (ب): بن سلامة.
(7) في (ب): القراءة.

وكان جامعاً بين أنواع العبادة والصلاة والصيام وسائر أنواع الخير، وكان كثير المطالعة والرغبة في العلم والتقاط (الفوائد)(1) حافظاً لما ينقله ويطالعه مبرزاً في أحوال أهل البيت - عليهم السلام - المتقدمين والمتؤخرين يحكي سيرتهم على ظهر الغيب ويحفظها، وكذلك كانت له مهارة في معرفة المخالفين والفرق الضالة واستظهار كلي على أخبار الصحابة وقصص أحوالهم ومقالات الأئمة فيهم، ومن رأيه التوقف ومَن رأيه غير ذلك، وكان نقالا لأخبار صفين ومن خرج على أمير المؤمنين كطلحة والزبير والخوارج باستيفاء واطلاع كأنما (كان)(2) يشاهد(3)، شديد الغضب في حق علي - عليه السلام - قد نقل الدلالات على إمامته وجوابات المخالفين فيها وله يد حسنة في علم الكلام وتحقيق لأصوله، وشيخه فيه السيد /180/ العلامة محمد بن يحيى القاسمي، وسمع جملاً من كتب أهل البيت - عليهم السلام - وكان له في تفسير القرآن وفي أسباب النزول يد قوية، جيدة واطلاع كلي، وكان تفسير الناصر الديلمي لا يفارقه وأسباب النزول للواحدي (وكثير)(4) من كتب المتقدمين والمتأخرين، وكان في حكم الناقل لكتاب السيد العلامة حميدان بن يحيى القاسمي، من ولد جعفر بن القاسم بن علي العياني، ممن عاصر(5) الإمام المهدي لدين الله أحمد بن الحسين - عليه السلام - وكان علامة في الكلام مطلعاً على أقوال(6) الناس وحكاية مذهبهم.
__________
(1) في (ب): الفرائد.
(2) سقطت من (ب).
(3) في (ب): شاهد.
(4) سقط من (ب).
(5) زيادة في (ب): حي.
(6) في (ب): أهله ومتبحراً في ذلك ومتقناً غاية الإتقان، وكتابه هذا المجموع المشتمل على أقوال الناس، وحكاية مذاهبهم تدل على ذلك. قلت:

قلت: صرح السيد جمال الدين أن السيد حميدان من ولد جعفر بن القاسم وهو من ولد صنوه سليمان بن القاسم، قال السيد جمال الدين: وكان لسيدي علي بن المرتضى شغف بالإمام المنصور بالله كلي وينقل من محاسنه شيئاً كثيراً، ويروي من قصائده وأشعاره ما لم يسمع من سواه، وكذلك غيره من الأئمة المطهرين إلى زمان الإمام محمد بن المطهر - عليه السلام - ولو ضبط ذلك كان تماماً للحدائق، وكان خطيباً مصقعاً ماهراً فارساً في الخطب يحفظ فيها (ما يحفظه)(1) سواه على مثل ما كان أخوه محمد، فإن أخاه محمد كان من أخطب الناس، ولقد حكى بعض الأهل عنه أنه احتاج إلى أن يخطب بعد أن شاخ وأغرب عن هذا الشأن وأهمل فلما فرغ بعد أن أتى بشيء بديع خارج عن الوصف قال هذه من كذا وكذا خطبة، وكذلك حكى عن السيد العلامة علي بن المرتضى والده في خطبة خطبها على مثل هذا الحال ولما دعى الإمام المهدي لدين الله علي بن محمد - عليه السلام - سار إليه إلى ثلا وبايعه وحضر معه الجمعة فأمر الإمام أن يتولى الخطبة ففعل واستوفى ذكر الأئمة الأطهار ووصفهم بأوصافهم الكريمة، فلما فرغ من صلاته قال الإمام المهدي لولده الإمام الناصر: أنقل من السيد جمال الدين ذكر الأئمة، وكان إذا بلغ في(2) تعداد الأئمة إلى ذكر شهدائهم استهل باكياً، وكان - رحمه الله - شاعراً مترسلاً، وجاداً سلس البراعة سهل الشعر له قصائد حسنة ومن أجود ما قاله القصيدة التي أنشأها إلى السيد الواثق بالله في حال إمامته وهي (معروفة محفوظة مشهورة)(3) أولها:
يا ابن المطهر والإمام الأبلج ... دع عنك ذا الأمر المريج اللجلج
وافزع إلى المهدي أخيك ولُذْ به ... أعني علياً فهو غوث الملتجي
181/ وهو الذي شهد الإمام(4) بفضله ... وكذا شهدت فكيف عنه (تجتج)
__________
(1) في (ب): ما لا يحفظه.
(2) في (ب): من.
(3) في (ب): محفوظة معروفة مشهورة.
(4) في (ب): الأنام.

من كار(1) فراق السراب بقيعة ... يحكي اللجين هو فئة موتوبخ(2)
وهي (من)(3) قصيدة طويلة، فلما بلغت الواثق ضاق بها ذرعاً؛ لأنه كان يحبه، وما كان يحسبه يواجهه بما فيها، فأجابها بقصيدة منها:
جاز الرجال على الطريق الأعرج(4) ... ومشوا على الشبهات مشي الأهوج
والناس هم صنفان من مستدرج ... صنف وصنف ليس بالمستدرج
شقوا عصى الإسلام واجتاحوا الهدى ... فتراهم في ليل معظلة دجي
شجح الغراب ببينها فتصدعت ... ليت الغراب ببينها لم يشحج
لما رأوني قائماً مستصحباً ... عزماً يفلق هام كل مدحج
قالوا عصيت كما دعوت وأحمد ... داع وليس لأحمد من مخرج
قلنا صدقتم دعوتي مشروطة ... بفساد دعوة أحمد البر النجي
حتى أتت أفواج حوث ثلة ... يحتال بين مقمص ومتوج
أبناء قبالة أحمد المهدي الذي ... أحيى الهدى وأقام كل معوج
فبأي شيء زحزحوها عن فتى ... متلفع بردائها متتوج
ورث الخلافة عن أبيه وجده ... وافقت عشك يا حمامة فأدرج
__________
(1) في (ب): كان.
(2) في (ب): من كان رقراق السحاب بقيعه…يحكى اللجين لفرقته من توبخ
(3) سقط من (ب).
(4) في (ب): الأعوج.

ودارت بين السيد جمال الدين علي بن المرتضى وبين السيد العلامة أحمد بن صلاح بن الهادي بن إبراهيم بن تاج الدين مراجعات، وللسيد علي قصيدة (حسنة)(1) بارعة في الانتصار لمذهب (أبي) (2) الحسين وابن الملاحمي، وكان السيد أحمد بن صلاح بهشمياً، والسيد علي حسينياً ملاحمياً، فقال القصيدة في ذلك المعنى، وهي عظيمة في بابها، ووقع بين السيد جمال الدين وبين العلامة الفقيه إبراهيم الغرازي مناظرة مشهورة أفضت إلى رسائل والبحث عن عدة مسائل منها مسائل الخلاف بين البهاشمة والملاحمة، ومنها أن الفقيه المذكور قال: يجوز أن يكون أبو علي وأبو هاشم أفضل من الهادي - عليه السلام - والقاسم - عليه السلام - قال: ولم يزل يناظره في كل مكان يجتمعان فيه فاتفقا في بعض الأسواق فتراجعا في تلك المسألة، فقال الفقيه: فما الدليل على أنك أفضل مني. قال: فقلت الكتاب والسنة والإجماع /182/، أما الكتاب فقوله تعالى: ?إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا?[الأحزاب:33]، وهذه إرادة مخصوصة لا مطلق الإرادة العامة وإلا فالله سبحانه يريد ذلك من كل مكلف، فما معنى التخصيص، وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: (ليس أحد يفضل أهل بيتي غيري)، قال: فنظر إلي نظر متعجب لحضور الحجة، قال: فالإجماع قال فقلت: (اسأل)(3) أهل هذا الجمع قال: فامتعص وسكت ولما اشتهرت المناظرة بينهما عمل العلماء في ذلك رسائل منهم الإمام المهدي علي بن محمد في حال سيادته سماها (النمرقة الوسطى في الرد على منكر فضل آل المصطفى) والواثق - عليه السلام - رسالة سماها (النصر العزيز على صاحب التجويز) وهي بديعة بناها على براهين وختمها بقصيدة عجيبة غريبة أولها: الحاسد القمر النوار في تعب. ومنها:
أشعة الفضل أعمت ناظريك فما ... فرقت بين حِصِيِّ الأرض والشهب
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (ب): ابن.
(3) في (ب): سل.

وأنشات الشريفة العالمة صفية بنت المرتضى رسالة فائقة رائقة مشحونة بالأدلة والبراهين ومحاسن الآثار وفرائد الأخبار سمتها (الجواب الوجيز على صاحب التجويز).
قال السيد الهادي - رحمه الله -: كتبت إلي جدي علي بن المرتضى أيام إقامتي بحوث أقرأ في علم الكلام جواباً على كتاب جاء منه إلى يشير علي ويومي إلى كلام يحيى بن منصور، فذكرت في جوابي انتصار البهاشمة ومدحت مشائخ الاعتزال وغلوت وكتبت أبياتاً إلى الوالد أحمد بن علي عمي، من جملتها هذا البيت:
هم سفن النجاة إذا ترامى ... من الإلحاد موج المعظلات
فأجاب الوالد شمس الدين بجواب غريب من جملته بعد أبيات:
ألا سفن النجاة بنو علي ... وهاني منك إحدى الكبريات
مدحت الاعتزال وقلت فيهم ... بأنهم هم سفن النجاة(1)
انتهى.
وكان السيد جمال الدين علي بن المرتضى محلاً للفضائل وأنواع العبادة، وكثيراً ما كان ينشده(2):
فوا عجباً كيف يعصى المليك ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
وكثيراً ما يتمثل بقول من قال:
ولربما عرضت لقلبي فكرة ... فوددت منها أنني لم أخلق
__________
(1) في (ب): هذا البيت متقدم على الذي قبله.
(2) في (ب): ينشد.

/183/ وكان كثير الإحسان وصولاً لما أمر الله به أن يوصل، وكان الله سبحانه يجري له الطافة وفق أفعاله، ولقد حكى - رحمه الله - أنه غطه(1) أمر ذات يوم فتحير فيه فجاءه رجل لا يعرفه بدراهم كثيرة لا يؤلف ولا يعتاد الصلة بمثلها، وكانت تأتيه أمثال هذه من الإعانة عند الحاجة، وكان شديداً صليباً في ذات الله في خطبه وأقواله وأفعاله، وهو الذي أزال دولة الظلم من (مذرح) وكان بيد الأمير(2) تاج الدين فسار بنفسه وجمع الجنود الوافرة حتى بادوا، وله كرامات منها ما حدث به - رحمه الله تعالى - قال: كنت ذات يوم في مجلس إذ جاءني شخص له صورة مخالفة، فقال لي: أتحب أن أكون لك صاحباً، فقلت: من أنت. قال: أنا شخص من الجن اسمي محمد بن عزان في قلعة خراسان، قال: فوجدت وحشة منه فقلت أحب أن لا أراك أبداً، فولى عني فلم أره بعد، ومنها ما حكاه - أيضاً - أنه في إحدى حجتيه؛ لأنه حج لنفسه مرتين وزار قبر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وقبور الأئمة بالمدينة وقبر القاسم ومن معه في جبل الرس، قال: ومعي عمي إبراهيم بن مفضل فوصلنا إلى مكان فخرجت عن الطريق لغرض، فوجدت الحاج قد ساروا ولم أسمع حساً مع ظلمة شديدة لا يستضيء الإنسان يده، فما كان مني إلا الاستسلام وبقيت أجبن من ضب فسمعت قائلاً يقول: يا حاج امض والطريق على يمينك وامض على حالك فإن أصحابك ينتظرونك في مكان كذا، فسرت كما قال حتَّى وصلت أصحابي وقد قلقوا واشفقوا فأخبرتهم بالقضية ولم يكن الصوت يسمع من محل أصحابي إلى حيث كنت ولا أحد غيرهم من الحاج يعرفني فعلمت أن ذلك من فضل الله، ومنها ما هو مشهور مأثور أنه خطب يوم العيد بمكة المشرفة في أصحابه وقد مالوا إلى جانب من وادي مِنى خطبة بليغة فيها مواعظ شافية، وبكى وأبكى مخالفاً للمعتاد، وكان مستقيماً على صفا فانفلقت حال خطبته وعاين ذلك جميع الحاضرين، ونظير هذا ما نقله الأثبات
__________
(1) في (ب): غصة.
(2) في (ب): علي بن تاج الدين.

العدول عن المعاينة أنها كانت صخرة عظيمة في وسط أرض لشخص فلم يستطع إزالتها فسأل من السيد الدعاء لزوالها، فسار معه حتى رقا على أعلى تلك الصخرة ودعا وابتهل إلى الله تعالى، ثم أذن عليها أذان الظهر في وقته المعروف فانصدعت /184/ تلك الصخرة بقدرة الله تعالى، وتشققت فامكنت زوالها، ومنها أنه دخل بعض مساجد ثلا فبات فيه وحده ولا صديق له، فأصابه ضمأ عظيم أجهده وانقطع رجاه من(1) الناس، قال: فقلت اللهم اسقني من عندك، فانصب له ماء من ناحية المسجد فتلقاه بيده وشرب منه، ومنها ما حكاه الواثق - عليه السلام - وكتبه بيده قال: رأيت في النوم قائلاً يقول لي: السيد علي بن المرتضى مؤمن بني الهادي، والسيد محمد بن حيى(2) مؤمن (آل)(3) القاسم، والسيد داود بن أحمد مؤمن آل حمزة، مولده سنة أربع وسبعمائة ووفاته - رحمه الله - سنة فتح الإمام الناصر - عليه السلام - صنعاء سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وكانت تلك السنة غزيرة المطر، فمرض الناس بالم النقضة، وكان موته بسبب ذلك.
قال السيد الهادي - رحمه الله - لما بلغنا ألمه ونحن (بالمحطة) عند الإمام أقمنا بعد ذلك أربعة عشر يوماً وحصل الفتح، ثم تقدمنا أنا وعمي صلاح الدين المهدي بن علي والصنو عز الدين محمد بن أحمد إلى الهجرة بشظب وأقمنا معه أياماً فاشتد عليه الألم، وكان عقله حاضراً لم يغب، فكان يوم الخميس من شعبان بالتاريخ المتقدم رايناه مستشعراً للموت، فحرض على السجود(4) كما حكى عن(5) الجنيد أنه كان يفعل، فقيل: يا أبا القاسم تفعل هذا (في الساعة)(6)، فقال: هذه الساعة أحوج ما كنت إليه، ففاضت نفسه الشريفة وهو على هذه الحال المذكورة.
قال السيد الهادي: وخطبت عند قبره خطبة مرتجلة عرفت فيها شيئاً من أحواله، وكتبت على قبره:
__________
(1) في (ب): عن.
(2) في (أ): يحيى.
(3) سقط من (ب).
(4) زيادة في (ب): والتلاوة.
(5) في (ب): من.
(6) في (أ): في هذه الساعة.

يا زائراً قبر الإمام المرتضى ... سبط الكرام علي بن المرتضى
ألثم ثراه وقل له يا ذا النهى ... ذهب التعبد بعد موتك وانقضى
علي بن موسى بن أبي جعفر
الشريف الفاضل جمال الإسلام علي بن موسى بن أبي جعفر محمد بن عبيد الله(1) العباسي - رحمه الله - هو سيد فاضل عالم من ولد العباس بن علي قمر آل الرسول وهو المقبور بجامع صنعاء غربي الصومعة الكبرى من ناحية الجنوب إلى جانب القبر القبلي، توفي سنة تسع وسبعين وثلاثمائة.
علي بن موسى الدواري
القاضي العلامة إمام الأصول شيخ المحققين جمال الإسلام علي بن موسى الدواري - رحمه الله تعالى - كان عالماً مبرزاً في العلوم محققاً في الأصول مرجوعاً إليه(2) /185/ الفضلاء وهو أستاذ الإمام صارم الدين إبراهيم بن محمد مصنف الفصول، وله في مدحه الكلمة السنية وهي (في)(3) ترجمة للسيد - رحمه الله تعالى - توفي القاضي في شهر صفر سنة إحدى وثمانين وثمانمائة.
علي بن موسى بن الحسين
العلامة الفاضل بهجة العلماء علي بن موسى(4) بن الحسين المحدث المصري - رحمه الله - قال الملا يوسف حاجي - رحمه الله تعالى -: هو ذو الآراء الثاقبات، وهو صاحب (المرشد).
قلت: (وقوله)(5) المحدث المصري يقضي أنه من قرابة الناصر - عليه السلام -.
علي بن موسى البائد
العلامة الفقيه الفاضل علي بن موسى البائد شيء نسبه إلى (البائد شت) قرية من قرى (آمل) - رضي الله عنه - صحب الناصر مدة مديدة، وله كتاب الإبانة في أصول الفقه وكتاب آخر في إثبات إمامة الناصر - عليه السلام -.
علي بن منصور بن عمير
الفقيه العلامة (علي بن منصور بن عمير)(6) أحد تلامذة الفقيه العلامة المحسن(7) ابن محمد النحوي - رحمه الله تعالى -.
__________
(1) زيادة في (ب): بن عبدالله.
(2) في (ب): رحل إليه الفضلاء.
(3) ساقطة من (أ).
(4) زيادة في (ب): بن محمد.
(5) في (ب): وهو له.
(6) في (ب): علي بن منصور بن محمد بن حمير.
(7) في (ب): الحسن.

علي بن منصور بن يوسف
العلامة القاضي الأجل علي بن منصور بن يوسف - رحمه الله - من أعيان المائة السابعة لقي الإمام أحمد بن الحسين وبايعه وتولى القضاء وهو والد عمران.
علي بن ناصر الدين السحامي
الفقيه المحقق الفاضل جمال الدين علي بن ناصر الدين المعروف بالسحامي صاحب (البيان) وهو على إحدى الروايتين أخو العلامة سليمان بن ناصر مصنف (شمس الشريعة)، وقيل هو ابن أخيه علي بن الحسن بن ناصر الدين وقد ذكرنا (مسكنهم صرحه)(1) وشيئاً من أحوالهم.
علي بن أبي النجم
القاضي العلامة الفاضل علي بن أبي النجم - رحمه الله - هو علامة كبير فيه وفي صنوه العلامة يحيى قصائد ومدائح، وهو أحد الثلاثة العلماء الذين ذكرهم السيد الأمير المرتجي للخلافة محمد بن الهادي بن تاج الدين حين استعار تهذيب الحاكم منهم، وهي رسالة نكتب منها ما أمكن، وهي: (بسم الله الرحمن الرحيم وصلواته(2) على سيدنا محمد وعلى آله وسلم في المثل السائر كثرة الانتظار يورث الاصفرار وقد طال ما انتظرت وجه اليسار، ليجلي دياجي الإعسار، ولست بمشتاق إلى الغناء إلا لبلوغ المنا في نساخة تفسير الحاكم، فاشتغل بهذا الكتاب الخاطر، وسهر الناظر وبقيت مذبذباً بين الرجاء واليأس، وقلت: من هو المقصود بهذه الحاجة من الناس، فلقد كسد سوق المروات، وعزَّ علي ظهر البسيطة من يقضي الحاجات، واخذ علي هذا الأسلوب والنمط الحسن، وسنذكر هذه الرسالة إن شاء الله(3) في ترجمة السيد محمد بن الهادي بن تاج الدين وكلامه في علي قوله:
فيهم العالم الجواد علي ... وعماد /186/ الهدى سليل الكرام
)، انتهى.
وفي علي - رحمه الله - وصنوه يحيى يقول ابن رفعان اليمني:
يا بني ابي النجم الدين قسماً ... شرفاً يطول بأخمصيه الأنجما
يا جامعي شرف العلوم جميعها ... بل يا أجل بني الزمان وأكرما
__________
(1) فراغ في (ب).
(2) في (ب): وصلاته.
(3) زيادة في (ب): تعالى.

أوضحتما سنن الهداية والتقى ... والعلم والدين الحنيف القيما
(1)(أحسنت يا قاضي القضاة شمائلاً ... شرفت أنت أفعالها أن تدمما(
وهي أكثر من هذا القدر.
علي بن نصر الأهنومي
الفقيه العلامة علي بن نسر الأهنومي - رحمه الله - (قال)(2): أظنه ذكره القاضي العلامة شمس الدين أحمد بن صالح(3) القصعة - رحمه الله - ولعله ذكره في مشيخته - رحمه الله -(4).
علي بن نشوان بن سعيد الحميري
العلامة القاضي جمال الدين علي بن نشوان بن سعيد الحميري علامة محقق من أجلاء وقته، وتولى أعمالاً كباراً وبقي على أعماله مدة طويلة، وجمع سيرة للإمام المنصور بالله سيرة حافلة عظيمة القدر، تدل على علو طبقته وسمو همته، وله شعر كثير يتخرج في أجزاء وأكثر المشاهد المنصورية والحروب الإمامية له في وصفها الشعر البليغ، ومن ذلك ما قاله بالجوف يحض قبائل همدان على الجهاد مع الإمام:
أرقت وما طربت إلى الغواني ... فأبكى في الربوع أو المغاني
ولا غدت المدامة لي ببال ... فأسأل عن معتقه الدناني
ولا طربت إلى الأوتار نفسي ... ولا سمع المجون ولا الأغاني
ولكني طربت بصوت داع ... من آل محمد سهم الجناني
إمام عادل بر زكي ... أمين لا يقول بقول مان
له علم ومعرفة ودين ... يفوه بذكره أهل الزمان
ومن شعره لله دره قالها على لسان الإمام ليقوى خاطره على النهوض:
يا موقد النار البعيدة أجَّج ... واشهر بمضمرها شعار المخرج
أشعل وشيكاً جذوة ببراقش ... ليضي ما بين العراق ومنبج
إن الإقامة قد نقضت شروعها ... ونسخت أوقات الضلال (السيسج)(5)
بشرائع التجهيز والتغليس والآ ... ساد حين أقول أدلج أدلج
والكر بين الفيلقين وصوله ... تحت العجاج وطعن كل مدحج
ولقد سئمت من المقام وظله ... وتتوقت نفسي لظهر الأعوج
__________
(1) سقط من (أ) هذا البيت: (لك يا علي فضائل وفواضلٌ ومكارمٌ يحكي الخضم إذا طمى).
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): صلاح.
(4) زيادة في (ب): تعالى.
(5) في (ب): السجيج.

/187/ولموقف حضي به سمر القنا ... وشبا الظبا وقرى الحصان المسرج
قامت سواني حين أنشد منشد ... الجم جياداً يا غلام وأسرج
وأرقت من طرب إلى غزو العدا ... بالجرد لا وصل العزال (العوهج(
يا مسعدي على مقارعت العدا ... ومسابقي إلى الضريح المزعج
ذهب السلو فودعا طيب الكرا ... وتتبعاً أثري وسيراً منهج
كلفي بطرف لاحقيّ مضمر ... نهد (المراكل) لا بطرف أدعج
وكتيبة موصولة بكتيبة ... تختال في حلق الحديد المدمج
وتطنبي بعجاج نقع ثائر ... ودم لأثواب الكمي مضرج
ولقد شهدت الخيل تقرع بالقنا ... في ما قط تحت(1) الوغا متوج
ولقد سريت(2) الليل حتى خلت ما ... أبقيت منه كالقميص المدبج
ولقد دخلت على السباع وحارها ... وولجت عبل ضراغم لم يولج
ولقد وردت أنا وأوس مورداً ... في مسلك من أمه لم يخرج
والشمس في وسط السماء مظلة ... والجو أقتم(3) بالعجاج المدهج
وكأن رفراف السراب بقيعة ... ذوب اللجين هرقيه مرتوتج
قوماً فشدا لي علي عبل الشوى ... غرر النسا صافي الأديم مدمج
نهدأ قب الإبطلين إذا عدا ... في البيد خلت ممر ريح سمهج
ارق(4) تجاذب للذبوب(5) عناية ... طرباً ويصهل عند صوت المسرج
وكأنه سيل إذا ناقلته ... وإذا مددت(6) فبارق زبرج(7)
توفي بجهة خولان في القد(8).
علي بن وهاس الحمزي
الأمير الكبير علي بن وهاس الحمزي(9) (فراغ) من كبراء آل حمزة ووجوههم، له مقامات تدل على نباهة شأن، وهو الذي كتب إليه الإمام يحيى بن محمد السراجي سنة (فراغ) وستمائة ظناً (مني)(10) بهذا البيت:
إذا أعطيت راحلة وزاداً ... ولم ترحل فلست من الرجال
فعكسه الأمير فقال:
__________
(1) في (ب): تحد.
(2) في (ب): رأيت.
(3) في (ب): قتم.
(4) في (ب): أرن.
(5) في (ب): للوبوب.
(6) زيادة في (ب): له.
(7) في (ب): زبرنج.
(8) في (ب): أظنه العدين بجهة بلاد زبيد.
(9) في (ب): بن وهاس بن [فراغ] الحمزي.
(10) لم أتمكن من قراءتها].

إذا لم تؤت راحلة وزاداً ... ولم ترحل فلست من الرجال
وهذا دليل على أنه نكص عن نصرة الحق.
علي بن الهادي القصار الصعدي
الفقيه المحقق الزاهد العابد جمال الدين علي بن الهادي القصار الصعدي - رحمه الله -(1)، كان من الفضلاء /188/ المعتبرين بصعده المفزوع إليهم للفتيا والتحقيق والأدعية، كان كثير العبادة يقطع ليله في الصلاة، وكان يكتم ذلك عن أهله وخاصته، وكان كما أخبرني مولانا السيد أحمد بن الهادي بن هارون - رحمه الله تعالى - يحتاج أهله للسليط للسراج فيأمرون صنوه أحمد بن الهادي يشتري فيستنكر ذهاب السليط سرعة(2)، فيقول الفقيه علي اشتر لهم يا صنو ويمنعه من التطويل في المجاراة لأهله، وكان في وقت القراءة ينعس ويهوم لطول سهره في الليل، وكان أهل صعده يعظمون فقهه كبيراً وهو حري بذلك، وكانت عيشته هينة ليس بالمستكثر من الدنيا وليس بملحف في المطالب مع تجمله ونظافة ثيابه ونسبه - رحمه الله تعالى - في بني عبد المدان من نجران، وأهل هذا البيت جماعة بصعده حرسها الله تعالى وتعلق الفقيه في مبادئ أمره بالتجارة ونزل الجوف وسافر وسمعت منه شيئاً من أحوال العلامة محمد بن بهران نقلته في محله وتوفي - رحمه الله - في الهجر هجر بني المكردم من بلاد الأهنوم، وهو قافل من حضرة الإمام المؤيد بالله - عليه السلام - وفي بالي أنه بعد عوده من سفر الحج، ولم أتيقن ذلك.
علي بن هادي
وفي أهل صعده الفقيه علي بن هادي - أيضاً - وهو السفري عارف فاضل، قرأ (البيان) و(التذكرة) و(البحر)، وكان صالحاً براً تقياً وزمانهما واحد، إلا أنه تأخر موت علي بن هادي السفري، وتولى شيئاً من الأعمال لمولانا(3) المتوكل على الله حماه الله (تعالى)(4).
علي بن يحيى بن القاسم
__________
(1) زيادة في (ب): تعالى.
(2) في (ب): بسرعة.
(3) في (ب): لإمامنا.
(4) سقط من (ب).

السيد النبراس الهمام الخطير جمال الإسلام علي بن يحيى بن القاسم بن يوسف الداعي الأكبر - عليهم السلام - كان من أمراء (الجبجب) المشهورين، وكان عالماً فاضلاً وهزبراً باسلاً، وكان في جماعة أخواله الهدويين في زمن فترة عظيمة بعد الحسين بن القاسم عيله السلام، (واستطرت)(1) الفترة إلى زمن قيام علي بن زيد (بن المليح)(2) الشهيد شظب(3) وعلي بن يحيى هو والد الحجاج.
علي بن يحيى بن علي
السيد الأكرم علي بن يحيى بن علي بن إبراهيم بن جحاف - رحمه الله - كان من فضلاء السادة وأهل السلوك والصلاح الكامل، تولى القضاء بمدينة (سلفه) قرية حبور وإمامة الجامع والخطبة إلى سنة سبع وستين وألف، ونقله الله إلى جواره ودار كرامته، وله شعر ليس بالكثير.
علي بن يحيى الفضلي
العلامة الفاضل الخطيب المصقع علي بن يحيى الفضلي، من العلماء الكبار، وكان على كبر سنه ملازماً للجهاد مع الإمام أحمد بن الحسين - عليهم السلام - وكان خطيباً وهو والد الحسن المشهور، وهذا الفقيه هو الذي دار بينه وبين العلامة عبد الله بن زيد الكلام في المنزلة /189/ بين المنزلتين وصنف القاضي(4) كتاباً في نفيها وجاوبه الحفيد بجواب سماه (مناهج الإنصاف العاصمة عن شب نار(5) الخلاف) أطال فيه وجعل له مقدمة مفيدة سماها مقدمة المناهج وللفضلي شعر حسن منه (……) (6).
علي بن الحسين النويري
__________
(1) في (ب): واستطالت.
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): بشظب.
(4) زيادة في (ب): عبدالله.
(5) فراغ في (ب).
(6) فراغ في النسختين.

الشيخ العالم الفاضل الأجل علي(1) بن الحسين النويري - رحمه الله تعالى - من علماء الزيدية وأعيانهم حضر مجلس الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة وزاحم أولئك القروم ولما أنشدت القصيدة الغراء التي قالها المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليهما السلام - بمحفل محفود ومشهد مشهود وهي التي أولها معار بعيد المرام بعيد، وكان في الحضرة العلامة المذكور فانتشا وأنشأ مرتجلاً:
مقال أنت قائله فريد ... وعصر أنت أوحده(2) حميد
فلا وأبيك لو يدري لبيد ... بهذا الشعر لم يشعر لبيد
ومن شعره قدس الله سره:
ليس الحسام بقاض للعلا أرباً ... إلا إذا كان مسلولاً ومختضبا
هو النذير بأيدي الضاربين به ... يتلو على الهام في يوم الوغاء خطباً
والجزم والعزم مقرونان في قرن ... هذا لهذا أخ في الناس إن نسبا
ولن ينال المعالي المرء معتقداً ... عجزاً ومبدأ(3) في الحرب إن حرباً
ما العز إلا (بشق)(4) النفس تدركه ... فتى إذا أمكنته فرصة وثبا
ولا تقضى له في بلده أرباً ... إلا تجدد في أخرى له أربا
علي بن يحيى بن الحسين
__________
(1) زيادة في (ب): بن يحيى.
(2) في (أ): أوجده.
(3) في (ب): ومبتدأ.
(4) في (ب): بشر.

الفقيه المذاكر أوجد المذاكرين وناظورة المتأخرين علي بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن محمد الوشلي بن عبد الله بن مريد بن عثمان بن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - هو الحجة في المذهب والمحجة في كل مطلب (نقح من الفروع دقيقها والجليل وبين التأويل)(1) والتعليل، وأتى في الفرق والجمع بين المسائل بما لم يأت غيره له (الزهرة على اللمع)، ويقال: له تعليق اسمه (اللمعة)، وقد قيل أن احدهما تسمى الزهرة الكبرى والأخرى (الزهرة الصغرى)(2) قال (فراغ) لم يضع الفقيه علي بن يحيى الوشلي(3) في كتبه إلا ما كان مذهباً للهادي - عليه السلام - توفي قدس الله روحه ليلة الاثنين خامس عشر من شوال سنة سبع وسبعين (فراغ) وقبره بصعده قبليها على طريق النافذ إلى ماجل المداهبي ثم (الصعيد) و(العشة).
علي بن يحيى بن محمد الصباحي
/190/ الفقيه العلامة الجليل العارف بأسرار التنزيل علي بن يحيى بن محمد (الصباحي)(4) - رحمه الله تعالى - علامة شهير له ترجمة (5)ومناظرات ومبرز في علوم(6) العربية، وكان في زمن الإمام المهدي لدين الله محمد بن المطهر، وكان كالمنحرف عنه ولا يزنه في ميزانه روي أنه أورد على الإمام محمد بن المطهر سؤالاً عن معنى (بسم الله الرحمن الرحيم) على طريق التهكم بمعرفة الإمام - عليه السلام - فشرع الإمام يبين له ذلك حتى عرف مقصده فترك.
قال السيد شمس الدين أحمد بن عبد الله: كان هذا الفقيه مجتهداً كاملاً يسلك مسلك المجتهدين في العمل برأيه.
__________
(1) في (ب): نقح الفروع وجلا وبين التأويل.
(2) في (أ): تسمى الزهرة الصغرى.
(3) زيادة في (ب): شيئاً.
(4) في (ب): بن البنا.
(5) في (ب): وله مناظرات.
(6) في (ب): علم.

قلت: وله كتاب (المنهج في التفسير) كتاب مفيد قد يشير فيه إلى قواعد فقهية وفرائد مما نقلته عنه عند تكلمه في الرباء ما لفظه تحصيلها أنها على خمسة أقسام، وهي أن المبيعين إما أن يتفقا على علتي الرباء ولا يكون فيهما شيء من علتي الرباء أو يتفقا في الكيل أو في الوزن ويختلفا في الجنس، أو يتفقا في الجنس ويكون أحدهما مكيلاً والثاني موزوناً أو يتفقا في الجنس ولا يكون واحد منهما مكيلاً ولا موزوناً.
والقسم الأول وهو ان يتفقا في علتي الرباء فإنه لا يجوز البيع فيه إلا مثلاً بمثل يداً بيد، ولا يجوز نسا كبيع الذهب بالذهب والبر بالبر.
وأما القسم الثاني، وهو أن لا يكون فيهما شيء من علتي الرباء فإنه يجوز فيه البيع يداً بيد متفاضلان(1) ونسا كرمانة بسفرجلتين.
وأما القسم الثالث، وهو إذا اتفقا في الكيل والوزن واختلفا في الجنس فإنه يجوز البيع يداً بيد متفاضلاً، ولا يجوز نسا كالبر بالشعير والتمر بالزبيب.
وأما القسم الرابع: وهو أن يتفقا في الجنس ويكون أحدهما مكيلاً والآخر موزوناً فإنه يجوز البيع يداً بيد متفاضلاً ولا يجوز نسا كبيع خبز البر بالبر.
وأما القسم الخامس، وهو: أن يتفقا في الجنس ولا يكون أحدهما مكيلاً ولا موزوناً فيجوز فيه البيع يداً بيد متفاضلاً ولا يجوز نسا كبيع رمانة برمانتين فيحرم النسأ في هذا القسم لحصول الجنس، انتهى.
توفي - رحمه الله - في (فراغ).
علي بن يحيى النعمان الضمدي
الفقيه العلامة الأصولي اللسان البليغ علي بن يحيى النعمان الضمدي، ذكره السيد صارم الدين وانشد له في مدح (المنتهى) في كتاب /191/ الأصول:
لا يلهينك عن كتاب المنتهى ... من رامه فبناه عجز ما انتهى
غص للجواهر من غوامض(2) بحره ... أكرم بتلك فضيلة أن نلتها
فإذا سئمت وخلت نفسك أعرضت ... عن صفحتيه ملالة أكرهتها
وإذا عصاك قياده متأبيا ... فاصبر فبالمكروه حف المنتهى
__________
(1) في (أ): متفاضلاً.
(2) في (ب): غطامط.

أكرم به سفراً فكم من حكمة ... يوتيكها أن غيره لم يؤتها
بهر العقول فكل مسألة به ... في النفع أكبر(1) موقعاً من أختها
علي بن يحيى بن إبراهيم الهذكي
الفقيه العلامة المحقق إمام العلوم بأسرها والملتقط لفرائدها من بحرها جمال الإسلام علي بن يحيى بن إبراهيم الهذلي الضمدي - رحمه الله تعالى - أحد عيون الزيدية الناظرة وأحد الداخلين في سفينتهم الماخرة، كان عالماً في العلوم سيما في النحو، قرأ على الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى وقرأ على الشريفة العالمة دهما بنت يحيى، وله فيها مدائح ومقاطيع مراسلة، غاب عني ما ينبغي رقمه ولم يبق في ذهني إلا ما أملاه الأخ الصالح العارف الحسين بن محمد بن يحيى الضمدي - رحمه الله تعالى - قال: كان علي بن يحيى الهذلي منقطعاً إلى الشريفة دهما، وكانت تجري نفقته من دارها فاتفق أن نائب البيت أنفذ إلى علي بن يحيى قوته من خمير الشعير فكتب إليها كلاماً من جملته:
يا بنت من حن إليه البعير ... عشاي بالأمس خمير الشعير
وأقام في الجبال مدة وتخرج فيها وحاضر الأئمة وجالس الأكابر وتعمر إلى زمان الإمام عز الدين بن الحسن، وكان من عيون (أصحابه)(2) ومما كتبه إلى الإمام قبل الدعوة أبيتاً(3) منها:
وإنا لنرجو عاجلاً أن يقيمه ... إله به قامت سماواته السبع
يعيد نصاب الملك في مستقره ... ويخلع عنه من يحق له الخلع
__________
(1) في (ب): أكثر.
(2) فراغ في (ب).
(3) أبياتاً.

ومن مقاماته في العلم المشهورة ما اخبرني به الأخ الصالح الحسين بن محمد - رضي الله عنه - وقد فاتني جمهور ما حكاه إلا أني أكتب الباقي لئلا يلحق بالماضي، فآفة العلم النسيان. قال: قدم إلى أبي عريش رجل واسع العلم في النحو خصوصاً من(1) البصرة فطلب علماء المخلاف السليماني لامتحانهم في هذا العلم، فوصل إليه المشار إليهم بها، فما قام في وجهه أحد منهم إلا وظهر عليه (القصور)(2) وانكسر /192/ علماء المخلاف وتنحح الأفاقي المذكور، ثم قال: الآن لم يبق في الجهة أحد، قال قائل: بل بقي الفقيه علي بن يحيى الهذلي في ضمد، فقال أرسلوا إليه، فأرسلوا إليه فوصل وهو رث الثياب كما قال العلامة في صفة أمثاله:
رث الثياب جديد القلب مستتر ... في الأرض مشتهر فوق السما شيمه
__________
(1) في (ب): في البصرة.
(2) سقط من (ب).

فدخل إلى حضرة الرجل فوقف في طرف المحل حيث انتهى به المجلس، وكان البصري على سريره، فقال له: من أنت، فتعرف له حتى قال: لعلك الفقيه الذي نعت لنا بأنه يعرف النحو، قال: نعم، قال: فيم قرأت؟ قال: في الحاجبية، قال: كتاب وضع لتأديب الأطفال ثُمَّ قال في أي شيء؟ قال في شرحه الموشح، قال: ارتفعت عن هذا الحضيض بقليل، ثم ما زال يذكر الكتب مترقياً في ذكرها حتى قال: ثم فيم؟ قال في التسهيل. فقال البصري: الله أكبر، كفؤ كريم، ووثب من ظهر السرير ثم أورد كل واحد وأصدر الفقيه بجلي عبارة(1) المشكلات الأكدر، ويضرب للبصري الأمثال، ومن جملة ما قاله في مسألة أعوزت إلى الحذف والتقدير ما لفظه لولى الحذف والتقدير لفهمته الحمير، وما زال العجاج يثور وبضاعة البصري تبور، فأنجزل البصري عن النصال وعرف أن أمام الرجال رجال غير أن المجرى(2) في الخلا يسر وإنما يعرف الذهب بالمحك ويختبر، فافترقا وأصبح(3) البصري خاوياً ومنزله عنه خالياً قد ركب من خوف العار عيرانه، وعرفه الفقيه علي - رحمه الله - ميدانه، وكان الفقيه - رحمه الله - مجاب الدعوة لما اتفق له من الشريف الأمير دعيس (فراغ) القطبي ما اتفق من الأذية، وقل ناصره فقال قصيدة وهي:
إذا لم أنتصف ممن تجنا ... علي فإن لي في الله ظنا
إذا استشعرت منه شعار خوف ... رجوت الله يبدل منه أمنا
سأطلب ذا المعارج كل يوم ... وأجأر بالدعاء إليه وهنا
فما خسر امرء في الله والى ... ولاذ بعزه في كل معنى
أفاطرهن سبعاً بعد سبع ... ومبتدي الورى إنساً وجناً
/193/ويا مفني القرون ومن تعاطى ... سياسة ملكها قرناً فقرناً
علمت ضرورتي ففرجت همي ... علي وكنت لي سنداً وركناً
وعاجلت المريد لنا بسوء ... يدوس قواه (فراغ) طحنا( (4) )
نوازل منك يا جبار تعمى ... نواظره بها وتصم أذناً
__________
(1) في (ب): غبار.
(2) في (ب): المجلي في الجلاء.
(3) زيادة في (ب): ربع.
(4) كذا.

ولا يبقى له يا رب داراً ... ولا بيتاً بوجه الأرض يبنا
فأنت الله أكبر كل شيء ... طوالعك القديمة فيَّ حسناً
لجأت إليك رب فلا تكلني ... إلى من كان أطعمني ومنا
ومن ضرب الوعود لنا فلما ... طلبنا الصدق شح به وظنا
فحسبي أنت لا زيد وعمرو ... رفضت بني الدنا لفظاً ومعنا
وقمت ببابكم لم أخش رداً ... وسمتك مهجتي لم أخش غبناً
إلهي يا جميل الستر ستراً ... علي ويا عظيم المن مناً
أجرني من عذابك واكتنفني ... إلهي وارزق الرزق المهنا
وبلغني الأماني في عدوي ... ولا تبلغ عدوي ما تمنا
بأرباب( (1) ) المآثر والمثاني( (2) ) ... بمن فرض( (3) ) الفروض لنا وسناً
بآل المصطفى والصحب طرا ... وبالحسن المثلث والمثنّا( (4) )
وأنشدها بباب المسجد بضمد فانهد بيت الشريف في الحال واحترق غاب عني وهو - رحمه الله تعالى - صاحب القصيدة الشهيرة السائرة الطائرة في مدح سيد البشر صلوات الله (عليه) ( (5) ) وآله وسلم( (6) )، وهي:
يا أيها الراكب (الغاديّ والساري)( (7) ) ... عرج قليلاً لأقضي بعض أوطاري
واحمل سلامي إلى أرض كلفت بها ... حيناً وطال بها شوقي وتذكاري
وانزل( (8) ) من الروضة الغناء بمسجدها ... تنزل هناك بجنات وأنهار
وعفر الوجه من قبر ابن آمنة ... تظفر بأمنك في العقبى من النار
محمد المصطفى المختار من مضر ... لله من مصطفى صاف ومختار
خير البريئة أعلاها وأعظمها ... من المهيمن في حظ ومقدار /194/
زكى طباعاً فلم يعكف على وثن ... كغيره وهو ناش بين كفار
حتى إذا ما أراد الله بعثته ... إلى الأنام بإعذار وإنذار
__________
(1) في (ب): بآيات.
(2) في (ب): وبالمثاني.
(3) في (أ): فروض، ولعل الصحيح ما أثبتناه.
(4) جاء في هامش (ب) بخط السيد العلامة مجد الدين المؤيدي (حفظه الله): وأنا أقول:
بآل المصطفى وخيار صحب وبالحسنين والحسن المثنا
(5) سقط من (أ).
(6) في (ب): وعلى آله.
(7) في (ب): والغادي أو الساري.
(8) في (ب): فانزل.

وجاءه الروح جبريل الأمين بما ... جلا العمى من كلام الخالق الباري
أحيى به الله من أحيا وأيده ... بكل أبلج نفاع وضرار
وبين الصدق منه كل معجزة ... كأنها علم باد لنظار( (1) )
برء الضرير إلى شكوى البعير إلى ... تكليم عضو إلى تسليم أشجار
فالجذع حن له والبدر شق له ... والماء ظل له من كفه جاري( (2) )
يا سيد الرسل إن أوجزت مختصراً ... فيك المديح ولم أجنح لإكثار
فإن صمتي ونطقي واكتتاب يدي ... فيكم ثناء وإعلاني وإسراري
فقد لجوت إليكم يا ابن آمنة ... جاراً فقل رب إني مانع جاري
فانهض وشمر لكشف الضر عن جسدي ... ومن عناني وكل بعده طارى
ومنها:
بأحمد وعلي والبتول معا ... بسيد في جنان الخلد طيار
بحمزة الليث بالعباس في نفر ... قرابة لرسول الله أخيار
وبالعتيق أبي بكر وصحبته ... مرافق المصطفى ثانيه في الغار
بالصفوة القدوة الفاروق خير فتاً ... وبالإمام قتيل البغي في الدار
بمن سواهم من الأصحاب قاطبة ... بكل أغلب في الهيجاء كرار
بشبر وشبير بالأولى قتلوا ... بالطف من أنجم زهر وأقمار
بالسيد البر زين العابدين معاً ... بزيد المنتقى العاري من العار
إمامنا البائع الرحمن مهجته ... لله من بائع من ربه شاري
بباقر العلم من جلت مفاخره ... وصار كعبة وفاد وزوار
بجعفر الصادق المصدوق من صغر ... من خص في العلم اكراماً بأسرار
بالكاظم الكاظم السجاد في سحر ... تبتلاً وبآصال وأبكار/195/
وبالرضى سبطه لله من قمر ... زاه وفي فلك العلياء سيار
نور الهدى( (3) ) من قضت آي الكتاب له ... على العداء بتفسيق وإكفار
__________
(1) في (ب): ونظار.
(2) في نسخة (ب) أدرج الناسخ قوله: عبارة لا يحسن مخاطبة الجليل لها، فلو قال له: (كن لي حافظ الجاري) متوهماً أنه شعر، وقد نبه أحدهم في الهامش على ذلك قائلاً: توهم الكاتب أنه شعر وليس بشعر إنما هو نثر..... الخ
(3) في (ب): برب الهدى.

لولا سناه ولولا أن يزار لما ... شدت مطي إلى طوس وأكوار( (1) )
بالشبل يحيى بن زيد من أحاط به ... في عسكر لجب نصر بن سيار
فرده وحمى منه حقيقته ... بكل أسمر خطي وبتار
ثم انثنى مرة أخرى فطاف به ... في عسكر كسواد الليل جرار
فاستشهدوه حميداً لم يحن فرقاً ... في شيعة كالنجوم الزهر أطهار
بكامل الفخر وابنيه الذين هم ... حاطوا بغاة وردوا كيد فجار
محمد المجتبى المهدي من دمه ... أمسى بيثرب يمشي فوق أحجار
وصنوه الصدر إبراهيم من عظمت ... فيه الرزية من بدو وحضار
بالمبتلى مبتلى هارون صنوهما ... في فتية من مواليه وأنصار( (2) )
ذوي المناقب من طارت مفاخرهم ... في الخافقين بأنجاد وأغوار
بالسادة القادة الأسرى بلا سبب ... إلى العراق كأن ليسوا بأحرار
فأوردوا المطبق الساجي بظلمته ... برأي شر إمام بين أشرار
بالزاهد الشبه بالديباج بضعته ... من آثر الزهد حقاً أي إيثار
وبالإمام الرضى وهو الرضى فلكم( (3) ) ... بانٍ على جرفٍ في دينه هار
مولى الفضائل مولى كل مكرمة ... مولى المناقب عن تصحيح أخبار
وبالإمام بن إبراهيم خير فتى ... محمد الناقم الطلاب بالثار
بالزاخر القاسم الرسي عمدتنا ... لله من زاخر في العلم تيار
وبالإمام الذي أحيى قرى يمن ... وأظهر الحق فيها أي إظهار
يحيى التقي النقي بن الحسين فقل ... في سيد ملؤ( (4) ) أسماع وأبصار
بالسيد الناصر الأطروش خير فتىً ... في الله ركاب أهوال وأخطار
لن يبلغ الناس من عجم ولا عرب ... من فضله وهداه عشر معشار
وبالإمامين حقاً من نما بهما ... بين الورى حسن إيراد وإصدار
195/محمد المرتضى والليث أحمد من ... صفّى بيوم يعاش كل أكدار
بالراغبين بمستهد بهديهما ... بالثائرين بثارات وأوتار
بالقاسم بن علي من له شرف ... على المنار وزند في العلى واري
__________
(1) في (ب): بأكوار.
(2) في (ب): وأنفار.
(3) في (ب): (وبالإمام الرضى فهو الرضى ولكم).
(4) زيادة في (ب): كل.

بالسيدين الإمامين الذين معاً ... طابا فخصا من الباري بأنوار
أعني المؤيد من أضحت مآثره ... في العلم ملأ سواد ملأ أبصار
وصنوه منشيء التحرير مرتدفاً ... من الشروح التي يشفي بأسفار
بأحمد بن سليمان وعترته ... بالديلمي الإمام الكوكب الساري
بالعالم العلم المنصور من ملأت ... بعدله كل آفاق وأقطار
من لم يزل من ذوي الإلحاد منتقماً ... في فتيه من بني الزهراء أبرار
وشيعة كليوث الغاب كان لهم ... حصل السباق معاً في كل مضمار
حتى أقر بحبل الله معترفاً ... من لم يكن ثاوياً منهم لإقرار
وبالشهيد الولي بن الحسين ومن ... له الفضيلة من خبر وإخبار
الأخضر السوح من لم يشك جارية ... من جيش عاد ولا من مس أقدار
وبالإمام بن تاج الدين من شهدت ... بالفضل عنه العدا من غير إنكار
وبالمطهر والمهدي إنهما ... بحرا ندا حال إعسار وإيسار
وبالمؤيد مولانا بن حمزة من ... له مكارم من عون وإبكار
وبالإمام علي وابنه فلقد ... سقوا كؤوس المنايا كل جبار
بابن المؤيد بالسادات عن طرف ... من كل منتجع للكوم مختار
بصاحب البحر والأزهار إن له ... فضل بما قال في بحر وأزهار( (1) )
يا مالك الملك بالسادات عن كمل ... بمن سمى بسهول أو بأوعار
بمن ذكرت ومن لم يجر ذكرهم ... فيما نظمت بعباد وأخيار
نَفِّس عَلَي وأنجح ما طلبت معاً ... في الحال من غير تأجيل وإنظار
يا أهل بيت رسول الله غارتكم ... فما استغرت لعمري غير مغوار
أنتم عتادي وحزبي في الأمور معاً ... ولي بكم علقة كل بها داري
/197/ أنا النزيل بكم من كل نائبة ... في النفس والمال والأهلين والجار
فاحموا حماي وقولوا أنت في حرم ... من خوف أقضية أو خوف( (2) ) أقدار
فلن يضام لكم جار ولا حشم ... ولا يهم بهم دهر بإضمار
__________
(1) زيادة في هامش (ب):
بقائم العصر مولانا وحجتنا أعني المطهر هادي كل محتار
فهو التقي النقي العرض من دنسٍ أكرم به من نقي العرض منحاري
(2) في (ب): أو خيف.

لا يخدع الناس عنكم ما ألم بكم ... من كل أحمق غدار ومكار
فإنما هي إحدى الحسنيين لكم ... وللطغاة خلود بعد في النار
ما نالكم غير ما نال الكرام وهل ... بالقتل في الله يا للناس من عار
لم تبعثوا الحرب لا بغياً ولا طلباً ... لنيل ملك ولا تحصيل دينار
ولا غضبتم لغير الله آونة ... ولا طربتم إلى دف ومزمار
بلى نصحتم بني الأيام فاتهموا ... كفعلهم بأبي ذر وعمار
وغرت القوم دنياهم وما علموا ... بأنها ذات إقبال وإدبار
فإن تكن زهرة الدنيا وبهجتها ... جنابكم منهما يا سادتي عار
لقد وعدتم بعقبى الدار وهي لكم ... بصبركم وهي عقبى( (1) ) كل صبار
اخترتم الصوم عن دار الغرور فهل ... ترضون إلا على العقبى بإفطار
دراسة الوحي في الأسحار دأبكم ... والغير يشدو بألحان وأوتار
وأنتم الناس ليس الناس غيركم ... ما كل ما شمت من مزن بمطار
وأنتم السادة الشم الذين بهم ... يوم القيامة أرجو حط أوزاري
وقد ركنت إليكم واعتصمت بكم ... طراً وأقرضتكم مدحي وأشعاري
فاحنوا علي وحوطوا أنكم ملأ ... لا تنسبون إلى عجز وإقصار
وسامحوا وأجيزوا خير جائزة ... فلستم عن جميل أهل أعذار
صلى الإله عليكم بعد جدكم ... ما استغفر الله أواه بأسحار
وبعد صحب رسول الله إن لهم ... فضيلة السبق هذا ما قضى الباري
ولعل وفاته - رحمه الله تعالى - بضمد ولم أتحقق ذلك، وفي ضمد علماء أكابر، فاتني ذكرهم وخبرهم الطيب الزاكي من حافظة الأخ الحسين بن محمد قدس الله سره وطال ما تطلبت ترجمة العلامة بن قنبر - رحمه الله - فلم أجدها والله سييسر ذلك.
علي بن يحيى الخيواني
__________
(1) في (ب): تجزي.

/198/ الفقيه الفاضل الشيعي المخلص الولاء لآل محمد علي بن يحيى الخيواني - رحمه الله - هو من فقهاء الزمان وأعيان الأوان من بيت رئاسة من (خيوان)، لهم منصب هنالك، فهو من ابناء الوجوه المقدمين في القبائل، ولكنه منح الحكمة وطلب العلم، وكان أيام مولانا العلامة الحسن بن القاسم المنصور بالله - عليهم السلام - في القصر بصنعاء هنالك فقرأ وعرف فضائل العلم وأهل العلم، وكان هماماً زكياً حفظه لا يشق له غبار ونور قلبه بأنوار المحبة لآل محمد، فما عكف على غير علومهم، ثم دخل صعده واستقر بها مدة ودرس، وكان في الفروع مثيلاً مفيداً، وله حاشية على الأزهار، ولما فتحت صنعاء أيام الإمام المؤيد بالله خرج إليها وقرا وحقق وأعاد شيئاً من المسموعات على السيد العلامة المحقق محمد بن عز الدين، وكان أحد عيون حضرة السيد فاستفاد وزاد علمه، مع أنه كان أيام إقامته بصعده من أعيانها، وكان القاضي العلامة أحمد بن يحيى بن حابس يخطره ويخطر سيدنا العلامة علي بن هادي القصار الماضي ذكره عند جمعه (للتكميل) ويسائلهم، فهو نتيجة فكرة هؤلاء، ولهم ثالث، كان القاضي يستدنيه ويسأله فات عني، وكان الفقيه علي بن يحيى مكفوف البصر ولم يزل موفور النعمة صالح الحال مقبلاً على العلم والأدب، فإنه كان يحن إلى الأدب ويشتاق إليه، ولقد كان من أهله - رحمه الله - حتى اختار الله له جواره بصنعاء المحمية في افراد ستين وألف فيما أحسب - رحمه الله تعالى -.
علي الشعاب
السيد الكبير الشهير علي المعروف بالشعاب من أهل المخلاف السليماني من صلهبة فاضل جليل، ومن الأجلاء ابن أخيه الشريف أحمد بن محمد، وفي كونه على مذهب أهله تردد.
علي الضبي
العلامة علي الضبي الطائي الأصغر، من ولد الطائي الأكبر صاحب الهادي - عليه السلام -.
(قلت)( (1) ): ذكر ذلك بعض المؤرخين وقال: إنه من ولد الطائي صاحب الهادي - عليه السلام -.
__________
(1) سقط من (ب).

قلت: وقد ذكرنا عند ترجمة جده جعفر أن نسبهم في بني ضبة وإنما نسبوا إلى طي لحلولهم في جبل طي، وهم جماعة، منهم أبو الغيث، ومحمد بن الوقار وغيرهم، ولم أظفر باسم أبيه، وكان كما وصف من ترجم له ذا عبادة وإحسان إلى /199/ المسلمين وأهل الدين ومعونة لهم في الله، وكان ذا (تجارة وغنى واسع)( (1) )، وأهل هذا البيت يتعلقون بالتجارة وقد مر ما سلمه بعضهم للإمام علي بن محمد في ترجمة علي بن محمد الدواري - رحمه الله - وكان المطرفية لا ينفرون إلا على الطائي لأنه( (2) ) لا يخوض مع الطائفتين( (3) )، ورحل إلى العراق وحكا عن نفسه، قال: كنت بالعراق فتذاكرنا الاستقاء بمشاعل الطهور التي توضع في المتوضيات التي تماط فيها النجاسات فقالوا لي ينجس به موضعه ثم يغترف من محل التنجيس الذي نجسه المشعل، فقلت: وهل يكون ذلك وأنا أحرك به الماء فيطلع الطاهر في كلام نحو هذا قال: وكانت معهم مشاعل طاهرة يستقون بها من البيار فأخذوا أحدها فجعلوه( (4) ) على قفاه من أسفله تيناً، ثم أدلوه في البئر وحركوه في الماء تحريكاً كثيراً، فما خرج بماء إلا وعليه شيء من ذلك التين، وقالوا هذا قياس ذلك لا بد أن يحمل (به)( (5) ) من النجس شيئاً كما حملت التين بهذا، انتهى.
عمرو بن أبي مر النخعي( (6) )
عمرو بن أبي مر النخعي، من تلامذة الإمام الأعظم زيد بن علي - عليه السلام - ذكره البغدادي - رحمه الله تعالى -.
عمرو بن جميل بن ناصر النهدي
__________
(1) في (ب): ذا غنى وتجارة واسعة.
(2) زيادة في (ب): كان.
(3) في (ب): مع الطائفتين جميعاً.
(4) في (ب): فجعلوا.
(5) سقط من (ب).
(6) سقط من (ب): هذه الترجمة.

العلامة العالم الرحال المسند عمرو بن جميل بن ناصر النهدي( (1) ) - رحمه الله تعالى - هو( (2) ) أحد( (3) ) مناقب الزيدية وواحد علمائهم، رحل إلى العراق ولقي الشيوخ وتلفق( (4) ) الإسناد وتتلمذ له الأئمة، وكان نبيهاً فاضلاً، ولقي بالعراق قمر هالة الزيدية وسيدهم وسندهم السيد العلامة الكبير يحيى بن إسماعيل بن علي بن أحمد بن محمد بن يحيى بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن الأفطس بن علي بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - (جميعاً) ( (5) )،و يحيى بن إسماعيل هو الذي بلغ دعوة الإمام المنصور بالله - عليه السلام - إلى ملك خوارزم علاء الدين وأجازه علاء الدين جائزة سنية عظيمة القدر، وأجل رتبته لرفعته في نفسه، فإنَّه من أعيان آل محمد وكبراء العلماء ولجلالة مرسلة، وكان الملك علاء الدين - رحمه الله تعالى - وأهل بلده من المحققين للعدل والتوحيد وحق أهل البيت ولهم استقامة عجيبة، وهم أعداء المجبرة والمشبهة الحشوية، ذكر هذا في الحدائق في صفة علاء الدين، قال عمرو بن جميل كتاب (جلاء الأبصار في تأويل الأخبار) قرأته بتمامه ببلدة (ساد باح نيسابور) على أستاذي وشيخي السيد الإمام مفخر الأنام /200/ الصدر الكبير العالم العامل مجد الملة والدين وافتخار طه ويسين ملك الطالبية شمس آل الرسول أستاذ جميع الطوائف الموافق منهم والمخالف قبلة الفرق تاج الشرف يحيى بن إسماعيل بن علي الحسيني برد الله مضجعه ونور مهجعه، والإمام السيد المذكور قرأ على عمه السيد الإمام الزاهد الحسن بن علي العلوي، قال عمرو بن جميل: وأمالي السيد الناطق بالحق على أستاذي يحيى بن إسماعيل بشاد باح بنيسابور غرة المحرم سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وهو يرويه عن عمه الزاهد الحسن بن علي
__________
(1) في (ب): الهدى.
(2) في (ب): هذا.
(3) في (ب): وأوحد.
(4) في (ب): تلقف.
(5) سقط من (ب).

الحسيني الجويني، قال عمرو: والصحيفة لزين العابدين، عن شيخي المذكور عن أبيه، قال: والصحيفة آل صوبة( (1) ) عن يحيى بن إسماعيل عن عمه الحسن بن علي عن الشيخ الإمام عمرو بن إسماعيل عن الشيخ الزاهد علي بن حسن( (2) ) الصيدلي - رحمهم الله تعالى - في تاريخ المحرم سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، قال: ونهج البلاغة بشاد باح نيسابور في مدرسة الصدر المقدم ذكره يعني يحيى بن إسماعيل في الصفة الشرقية شهر رمضان سنة ستمائة بقراءة الإمام الأجل الأعلم الأفضل معين الدين تاج الإسلام والمسلمين افتخار الأفاضل والأماثل في العالمين أحمد بن زيد بن علي الحاجي البيهقي بحضور الشيخ الإمام العالم العامل الفاضل البارع منتخب الدين تاج الإسلام والمسلمين سيد النحاة والقراء سالم البغدادي والشيخ الإمام العالم نجيب الدين جمال الإسلام افتخار البحار الحسين بن محمد الواسطي، قال عمرو: و(أمالي السمان) قرأته بتمامه على الإمام العالم الزاهد الورع التقي النقي شهاب الدين عماد الإسلام والمسلمين مفتي الشريعة مقتدى علماء الشيعة إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم الحباني( (3) ) بقرية الحي من (رشاق) الري سنة خمس وتسعين وخمسمائة، قال عمرو بن جميل بعد كلام من نحو هذا: عذب من الزلال وهو السحر إلا أنه حلال يدعو لشيخه الصدر يحيى بن إسماعيل جزاه الله خيراً ما اعظم شأنه في العلم وفي أمر الدين، ولقد استفدنا منه أشياء أخر ما لم نستفده من غيره، فجزاه الله أحسن جزاء، وكان اتقان ما أثبته - رضي الله عنه وأرضاه - من كتبه لهذه الإجازة آخر يوم الاثنين لأواخر القعدة سنة ستمائة (بطاهر شاد باج بنيسابور) حرسها الله /202/ في خائفات القباب عمرها الله تعالى، وهذه الإجازة التي تلفظ بها ليس مقصورة على بعض دون بعض، بل هي لجميع من رغب فيها من المسلمين والأشراف، وصلى الله على خير مبعوث من آل عبد مناف، وهذه
__________
(1) كذا في (أ)
(2) في (ب): الحسن.
(3) لعلها الحياني.

زبدة من كلام عمرو - رحمه الله تعالى - ورجع اليمن فاجتمع بالإمام المنصور بالله وبمحمد بن أحمد بن الوليد وحرر لهم إجازة بهجرة قطابر ضحوة النهار يوم الاثنين الثالث من شهر ربيع الآخر من (سنة ستمائة)( (1) ) - رحمه الله تعالى - وله مقامات حسنة وتأويلات لبعض الأحاديث موافقة تدل على ثبات قلبه ورجاح لبه.
عمرو بن خالد الواسطي
أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي - رحمه الله تعالى - أحد علماء الحديث وحملته صاحب زيد بن علي - عليهم السلام - وسأله عن منطوقات ومفهومات واستأثر بكثير من الرواية لسلامته من سيوف أعداء الله، ولذلك كان ينفرد بالرواية عن زيد بن علي( (2) )، وقد ذكر ناس أن التفرد( (3) ) يقدح، وصرح الأكثر المحققون على أنه ليس بقادح على أنه ما تفرد بالمجموع بل رواه يحيى بن زيد - عليهما السلام - وأما ترك الإمام أحمد بن عيسى والقاسم ويحيى - عليهم السلام - لحديثه في بعض المسائل فليس بالقادح؛ لأن الأحاديث الصحيحة الظنية تتعارض وترجع إلى الترجيح من غير جزم بكذب الراوي والمحدثون يفضلون حديث البخاري على مسلم لو تعارضا، وما اتفقا فيه على ما اختلفا فيه وعندهم إنما فيهما جميعه رتبته الصحة وقد روى الهادي - عليه السلام - من طريقه بضعاً وعشرين حديثاً، وقد (كثر) ( (4) ) من الموالف والمخالف الخوض في شأن أبي خالد، فأما أهل البيت فلم يكن أحد منهم مصرحاً بقدح، ولهذا حكى عنهم الإجماع على تعديله، وقد تكلم السيد الصارم بكلام حسن، وأحسن منه ما كتبه الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد - عليهما السلام - وقد أغنانا بنقله عن النقل من غيره، قال - عليه السلام -: (بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، اعلم وفقنا الله وإياك إلى ما يرضيه وعصمنا عن معاصيه أن أبا
__________
(1) في (ب): سنة ست وستمائة.
(2) زيادة في (ب): - عليهم السلام -.
(3) في حاشية (ب) زيادة: عند قوم (بالتظنين).
(4) في (ب): ذكر.

خالد عمرو بن خالد الواسطي مولى بني هاشم صاحب زيد بن علي - عليهما السلام -( (1) ) وثقه المؤيد بالله في شرح التجريد حيث قال: معناه أنه لا يروي إلا ثقة سمعه يحدث بالحديث، ثم عن ثقة يسمعه( (2) ) عن شيخه كذلك؛ حتى يتصل بالنبي /202/ - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا يجيز الرواية بالقراءة على الشيخ، وكان ممن اتصل به سنده أبو (خالد عمرو بن خالد الواسطي)( (3) ) الراوي عن زيد بن علي عن آبائه عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وكذلك الأئمة الهادون من آل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أخذوا عنه ولا يترك أحد منهم من حديثه شيئاً إلا لوجه من الترجيح لا لأنه غير ثقة، وروى لأبي خالد من أهل السنن ابن ماجة القزويني، وسئل يحيى بن مساور عن أوثق من روى عن زيد بن علي - عليه السلام - فقال ابو خالد الواسطي: فقال السائل له: قد رايت من يطعن على أبي خالد، فقال: لا يطعن على ابي خالد إلا مناصب.
__________
(1) زيادة في (ب): الراوي عن زيد - عليه السلام -.
(2) في (ب): يسمع.
(3) في (ب): عمر بن خالد أبو خالد الواسطي.

قلت: والذي قدح عليه النواصب بأمور اطلعت (عليها)( (1) ) منها تفرده بالرواية عن زيد بن علي - عليه السلام - وليس ذلك بقادح؛ لأن أهل السنن والصحاح (قدحاً هذا تفردوا)( (2) ) بكثير عن مشائخهم وأخذوا على من تفرد بالرواية كذلك، ولم يروا ذلك قدحاً، هذا البخاري قد أخذ عن من تفرد بالرواية في صحيحه ولم يرو عنهم سوى واحد كمرداس الأسلمي تفرد عنه قيس بن (أبي) ( (3) ) حازم وحرب المخزومي تفرد عنه ابنه ابو سعيد السيد بن حرب، وزاهر بن الأسود تفرد عنه ابنه مجراه وعبد الله بن هشام بن زهرة القرشي تفرد عنه حفيده زهرة بن معبد وعمرو بن ثعلب تفرد عنه أبو جميلة تفرد( (4) ) عنه الزهري وأبو سعيد بن المعلا تفرد عنه حفص بن عاصم وسويد بن النعمان الأنصاري تفرد عنه شحرى تفرد (بالحديث) ( (5) ) بشير بن بشار وخوله( (6) ) بنت تامر تفرد عنها النعمان بن عباس، وكذلك غيره من أئمة الحديث الذين يعتمد عليهم في الحديث كما تفرد عبد الواحد بن أيمن عن أبيه جابر بن عبد الله يقول: كنا يوم الخندق( (7) ) الخبر بطوله، وكما تفرد أبو العباس السائب بن فروخ الشاعر عن أبي( (8) ) عمر قال: لما حصر( (9) ) النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أهل الطائف فلم ينل منهم شيئاً قال: إنا قافلون( (10) ) إن شاء الله، الخبر بطوله رواه مسلم في المسند الصحيح عن أبي بكر عن أبي شيبة وغيره، ومنها انهم نقموا عليه، أعني أبا خالد عمرو بن خالد روايته لفضائل أهل البيت - عليهم السلام - التي تخالف مذهبهم، وهذه عادتهم أنهم يقدحون بسبب المخالفة للمذهب ولو كان حقاً، ويعدلون من روى لهم أصول مذاهبهم ولو كان فاسقاً فعدوا سيد /203/
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (ب): قد تفردوا.
(3) سقط من (أ).
(4) قال في (ب). هنا نقص فحقق.
(5) في (ب): بالحديث عنه.
(6) في (ب): ودولة.
(7) زيادة في (ب): نحو الخندق.
(8) في (ب): بن.
(9) في (ب): حاصر.
(10) في (ب): قائلون.

التابعين أويس القرني من الضعفاء، قال البخاري في إسناده نظر وعدلوا مروان بن الحكم ونظراءه، ومنها أنهم قالوا: إنه - أعني أبا خالد - وضاع يريدون لما خالف مذهبهم من فضائل آل محمد صلوات الله عليهم وسلامه، وقدحوا بذلك على جماعة من اهل الصدق منهم إسماعيل بن ابان وجرير بن عبد الحميد وخالد بن مجلد القطواني وسعيد بن عمرو بن اسوع وسعيد بن فيروز بن البحري وسعيد بن كبير بن عفير وعباد بن العوام وعباد بن يعقوب وعبد الله بن عيسىبن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، وعبد الملك بن أعين، وعبد الله بن عيسى العنسي، وعدي بن ثابت الأنصاري، وعلي بن الجعد وأبو نعيم الفضل بن دكين، وقطر بن ابن خليفة الكوفي، ومحمد بن جحادة الكوفي، ومحمد بن فضل بن غزوان، ومحمد بن إسماعيل أبو غسان، كل هؤلاء خرجوا بالتشيع وروايتهم لفضائل آل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - وكذلك خرجوا عدة من أهل هذا الشأن (بما لا) ( (1) ) أحصي ولا يسعه المصدور، وخرجوا كثير من العلماء الأخيار، هؤلاء الفقهاء الأربعة أخذوا في أعراضهم وتوهين مذاهبهم وقالوا في أبي حنيفة أنه يروي عن الضعفاء والمجاهيل، وضعفه في نفسه النسائي وابن عدي وجماعة، وقال في كتاب عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان أفرط أصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة وتجاوزوا الحد في ذلك وقالوا: إن مالكاً الفقيه فقيه دار الهجرة يروي عن جماعة متكلم فيهم كعبد الكريم بن ابي المخارق، قال ابن عبد البركان( (2) ) مجمعاً على تخريجه، وأن إمام الفقهاء محمد بن إدريس الشافعي يروي عن من هو مقدوح فيه بزعمهم كشيخيه الذين أخذ عنهما، وهما إبراهيم بن أبي يحيى، قالوا: كذاب وضاع قدري، كل بلاء فيه، ومسلم بن خالد الترنجي، ضعفوه بالقدر (وأكثر مذهب حجج الشافعي)( (3) ) تدور على هذين الرجلين، قال الفقيه يحيى بن
__________
(1) في (ب): مما لا.
(2) في (أ): البركات.
(3) في (ب): وأكثر حجج مذهب الشافعي.

حميد المقرأي في كتاب (توضيح المسائل) روى الحموي الشافعي في تاريخه أن الشافعي أسر إلى الربيع أنه لا ينقل شهادة أربعة من الصحابة، معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة، وزياد ، فلم يكن ذلك بقليل عند النواصب حتى ذكر في طبقات السبكي عن يحيى بن معين /204/ أن الشافعي ليس بثقة إلى أن قال: فإذا كان هذا في حق الشافعي وهو إمام الفضل والعلم وركن من الأركان حمل الخصوم النصب وحب معاويةوأشباهه (جرحه) ( (1) ) فكيف بما هدم نصبهم وكسير جبيرهم وقطع أرجاءهم قالوا: وإن إمام المحدثين أحمد بن حنبل روى عن جماعة كذلك كعامر بن عبد الله بن الزبير، قال بعضهم ما أعلم خلافاً في بطلان الاحتجاج به، قال ابن معين( (2) ): أحمد يروي عن عامر، وقال بعضهم: إن قول البخاري في صحيحه قال فلان، تدليس، وقال بعض المحدثين في الفقهاء جملة أنهم يحتجون بالأحاديث الصحيحه والضعيفة والمنكرة والواهية حتى لا يعرف لها أصل في الحديث، قالوا كما فعل الجويني في كتاب (النهاية) وتلميذه العراقي في (كتابه الوجيز) والرافعي في شرحه المسمى (بالفتح العزيز) وغيرهم من فقهاء المذاهب الذين لا عناية لهم في علم الحديث قالوا حتى هؤلاء الفقهاء يضيفون الحديث إلى الصحيح ويقولون متفق على صحته ولا يتطرق إليه التأويل، وينسبونه إلى البخاري ومسلم وليس فيهما، ويغيرون ألفاظه ويفسرونه بغير المراد، قال المحدثون وإنما أوقعهم في ذلك أطراح صناعة علم الحديث التي يفتقر إليها كل فقيه وقدح الفقهاء على المحدثين جملة فقالوا يروي الواحد منهم حديثاً ويروي نقيضه ويخلطون في العمل تخليطاً حتى أن بعضهم روى عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إذا استجمرت فأوتر يعني خذ وتراً من الحجارة، فكان هذا المحدث متى استجمر صلى الوتر عملاً بما سبق إلى فهمه وبعضهم صحف
__________
(1) في (ب): على جرحه.
(2) في (ب): قال بن معين: ابن أحمد يروي عن عامر، وفي (أ): قال ابن معين: (فراغ) أحمد يوري عن عامر.

كما يروى عن عمر أنه توضى في جريضة أنيه - بالجيم - فحرفه بعض المحدثين (بالحاء المهملة)( (1) ) مكسورة وبتخفيف الراء، ومنها أنهم قالوا لم يعتمد على حديثه أعني أبا خالد - رحمه الله - أهل الصحاح في شيء، وهذا فاسد فإن ابن ماجة قد روى له ولأن كثيراً من الثقات العدول لم يرووا لهم فإن تاريخ البخاري يشتمل على نحو من أربعين ألفاً وزيادة من المحدثين وكتابه في الضعفاء دون السبع مائة ومن خرج لهم في صحيحه دون الألفين، وقد حكى عن البخاري أنه قال ما تركت من الصحيح أكثر مما ذكرت في كتابي وقد روي جماعة من الصحابة الحديث فلم يخرج لهم /205/ في الصحيحين كأبي عبيدة بن الجراح أحد العشرة وغيره ممن شهد بدراً، وكذلك لم يرو عن جماعة من التابعين كمحمد بن طلحة وهو عدل عندهم وغير متهم فما قدحوا به على صاحبنا فهو مشترك الإلزام وعلى الجملة أنه لم ينج من قدحهم وجرحهم إلا من أحبوا كمروان بن الحكم وعمر بن سعد( (2) ) أمير الجيش الذين قتلوا الحسين - عليه السلام - توفي أبو خالد في (فراغ).
عرمو بن الزبرقان
عمرو بن الزبرقان - رحمه الله تعالى - أحد أصحاب الإمام الأعظم زيد بن علي - عليهما السلام - وتلامذته، ذكره البغدادي الزيدي - رحمه الله - وذكر معه أخاه يحيى فقال عمرو ويحيى أبناء الزبرقان المالكيان من خيار الكوفيين.
عمر بن صالح الأشجعي
عمر بن صالح الأشجعي - رحمه الله تعالى - قال البغدادي - رحمه الله تعالى -: هو من مشاهير تلامذة الإمام الأعظم - عليهما السلام -.
قلت: هو من مشاهير الفضلاء - رحمه الله تعالى -.
عمرو بن قيس
عمرو بن قيس - رحمه الله - عده البغدادي في تلامذة الإمام الباقين بعده المطهرين( (3) ).
عمر بن علي بن أسعد
__________
(1) في (ب): فجعله بالحاء مهملة.
(2) في (أ): سعيد.
(3) في (ب): الطاهرين.

قاضي القضاة صدر العلماء والحكام بهجة المحافل وزينة الأماثل عمر بن علي بن اسعد العنسي - رحمه الله تعالى - هو القاضي المحقق ناظر العلم المبصر المحدق صدر المجالس وبها المدارس قاضي الحضرة المنصورية وصدر صدورها، وكان مرجوعاً إليه في الأحكام والآراء مقدماً في الفضائل مشار إليه في العلماء وهو أول من اشتهر من اهل بيته بالعلم، وكان الغالب عليهم التصدر لغيره وتسمى (من تسما منهم) ( (1) ) بالإمارة فاستقر فخرهم بهذا القاضي عادة بركته وهو منتجب له أولاد نجباء يقضي علوّ طبقتهم بذكر من عرفناه في بابه وبعد صحبت القاضي للإمام المنصور بالله لم يؤثر عنه المعاودة إلى بلاد عنس، وسكن (المنظر) واسغل( (2) ) أموالاً بالسرّ من بني معمر، وكان يقف في المدرسة المنصورية ويلازم الحضرة، قال أبو فراس ابن دعثم: لم يزل قاضي الإمام المنصور بالله، ولما نقل إلى جوار الله ولي القضاء ولده مسعود، وله شعر جيد يدل على مكان في الفضل، (وجد) ( (3) ) من شعره في الإمام - عليه السلام -:
قضيت بصادق عزمك الأوطار ... ونبت إليك وجوهها( (4) ) الأقطار/206/
وجلى ظلام الظلم صبح جبينك ... الميمون وانجابت (الأصار)
حسن الزمان وأشرقت أوقاته ... وجرت بما تختاره الأقدار
لك يا ابن حمزة دان كل ممنع ... وسمت بسعدك يعرب ونزار
قد كنت عن نظم القصائد صائماً ... فالآن حان وحلى( (5) ) لي الإفطار
ووجدت نظم الشعر فيك مساعداً ... لما توافق معصم وسوار
ومن طالع قصيدة له - رحمه الله تعالى -:
سلب المحب حبيبه طيف الكرا ... وسرى السلو خياله لما سرى
(أخال حمل زدتني) ( (6) ) شغفاً بها ... واطلب هماً (متتبعاً لا أقصرى)( (7) )
__________
(1) في (ب): منهم من تسما.
(2) في (ب): واستغل.
(3) في (ب) [لم أتمكن من قراءتها].
(4) في (ب): وجودها.
(5) في (ب): جاز وحل.
(6) في (ب): احتال حمل زادني.
(7) في (ب): متعباً ما أقصرى.

رعياً لأيام الشباب وحسنها ... أيام اهصر غصن لهوى مثمراً
ما العيش إلا بالشبيبة حسنه ... فإذا مضى زمن الشبيبة أدبرا
وكان القاضي - رحمه الله - بمكان من الحلم وهو ممن كثر على الإمام المنصور بالله في إكرام الأمير الكبير يحيى بن أمير المؤمنين أحمد بن سليمان وسعى سعياً حسناً، وقال في ذلك شعراً بليغاً، وحكى السيد العلامة الهادي بن إبراهيم قدس الله سره أنه لما أمر الإمام المنصور بالله - عليه السلام - بضرب الدينار والدرهم لم يتسارع الناس إلى المعاملة بهما فأمضى بهما( (1) ) بالعزم عليهم والشدة، فقال القاضي عمر بن علي العنسي شعراً طويلاً في هذا المعنى من جملته:
حفظت المكارم من كل شين ... وما زلت بالمال سمح اليدين
ففاضت أياديك في العالمين ... وأقررت كل جَنَانٍ وعين
( (2) ) تطول المنابر ما ذكرت ... وتعلى مفاخرك الخطبتين
( (3) )وتممت أمرك يا ابن النبي ... بأمرك للناس بالدرهمين
أمرت بضربهما المخلصين ... فجاء كمثلهم خالصين
ولاح اسمك المرتضى فيهما ... فعزا وطالاً على الفرقدين
فكانا كحلمك( (4) ) بين الورى
ذ ... بسيفك عندهما نافذين
باسم النبي وآل النبي ... صارا بهيين كالنيرين
/207/ وتوفي - رحمه الله - في (فراغ) ، ورثاه ولده ركن الدين مسعود بن عمرو - رحمه الله تعالى - بقصيدة فاخرة لم أجد صدرها، غير أن منها هذا:
وجرا على أثر الذين تحملوا ... أمر العواصف بكرة وأصيلاً
حكم أصاب الأنبياء وباد من ... فوق البسيطة منه جيلاً جيلاً
يا عمرو إن ذقت الحمام فإننا ... سفر وراك مزمعون( (5) ) رحيلاً
يا عمرو لو عاينت كم من زفرة ... ملأت جوانحنا وصبراً عيلا
يا عمرو ما حملن من شيم التقى ... أبداً قلت( (6) ) نعشك المحمولا
__________
(1) في (ب): فأمضاهما.
(2) في (ب): إلى أن قال.
(3) في (ب): إلى أن قال.
(4) هذا البيت في (ب): متقدم على الثلاثة الأبيات السابقة له.
(5) في (أ): مزنعون.
(6) كذا في (أ) و (ب).

يا عمرو ودعناك( (1) ) لا متبدلاً ... عن وصله بدلاً ولا مملولا( (2) )
حملن نحريراً وطود رجاحة ... وعلا يكلل بالعلا تكليلا
من لليتامى الشعث بعدك عندما ... تغبر آفاق السماء محولا
والمرملين إذا الرياح تناوحت ... والمرملات إذا فقدن بعولا
والمعضلات إذا المعاول لم يجد ... للرأي إلا معلماً مجهولا
حملت أعباء الرياسة فاغتدت ... شرفات مجدك تنطح الإكليلا
ورأى أمير المؤمنين بدسته ... بحميد رأيك غرة وحجولا
نعم الرئيس يحل أمراً مبرماً ... في مجمع ويبرم المحلولا
واصلت منه أجل من تحت السما ... شرفاً ومجداً باذخاً وقبيلاً
ملك إذا وصل امرأ وكفى به ... أمسى بعروة جده موصولاً
فمضيت محمود الأمانة مدركاً ... في الصالحات رجآك (و)( (3) ) المأمولا
مستبشراً للقاء ربك لابساً ... حلل الوفود مبجلاً تبجيلا
فلئن مضيت فإن خلفك عصبة ... شادوا المكارم فتية وكهولا
حمال ألوية جبال عظيمة( (4) ) ... وعن الفواحش يهجرون القيلا
وتضي منهم في المحاريب الدجا ... مثل الكواكب ركعاً ومثولا
أبناء أبي عمرو الذين بنو لهم ... فوق المجرة منزلاً محلولا
قل للأكارم حاتم ومحمد ... وعلي صبراً للزمان جميلاً/208/
واحثث إلى منصور عني سرداً ... تطوى إليه حزونه وسهولا
يهوين نحو فتىً يمثل لبه ... الأحداث قبل نزولها تمثيلا... ( (5) )
عمر بن منصور بن جبر العنسي( (6) )
__________
(1) في (ب): أودعناك.
(2) هذا البيت في (ب): متقدم على الذي قبله.
(3) سقط من (ب).
(4) في (ب): عصيمة.
(5) زيادة في (ب): انتهى.
(6) هذه الترجمة في (ب): بعد ترجمة عمر بن صالح الأشجعي.

العلامة الشهير ركن الدين عمر( (1) ) بن منصور بن جبر العنسي - رحمه الله تعالى - من كبار الزيدية وخيارهم، ومن علمائهم المحلقين المحققين الملحقين لأكابرهم بأصاغرهم، قال السيد شمس الدين أحمد بن عبد الله أو ( (2) ) العلامة الهادي بن إبراهيم الصغير: كان عمرو أحد العلماء المشهورين واتفق له مع الإمام المهدي أحمد بن الحسين - عليه السلام - في أيام التدريس أنه قال له يا مولانا إذا وليت الأمر بعدت عنا، فقال الإمام - عليه السلام -: لا تظن ذلك على طريق المزاح( (3) )، فقضى الله بتولية الأمر، فوقع لعمر( (4) ) ما كان ظنه في الإمام - عليه السلام - فاستأذن عليه فبعد عنه بعض البعدثم لما دخل عليه عاتبه في ذلك فاعتذر عنه بعدم المعرفة في ذلك الوقت، فقال مرتجلاً:
جهلت اسمي وأنت بي الخبير ... وهل يخفى لمكي ثبير
أنا عمرو بن منصور بن جبر ... قليل في الرجال لي النظير
__________
(1) في (ب): عمرو.
(2) في (ب): والعلامة.
(3) في (ب): المزح.
(4) في (ب): لعمرو.

ومما يحكى عن عمرو أنه حج فلما قدم حاج مصر خرج لينظر إليه، فلما رآه سأل عنه قاضي القضاة، فاشاروا إلى محفة عظيمة وحولها غلمان وخدم فقصدهم، فلما دنا من المحفة سلم وقال مسألة فنهروه، فأعاد ذلك حتى سمع القاضي وهو ينهر ويزجر، فلما سمع قال له: ألق، فألقى مسألة فأجابها، فعل ذلك مرات ففتح القاضي باب المحفة فقال: أنت عمرو بن منصور فقال أنا عمرو بن منصور، قال أجل ما يقدر على ذلك غيره، وفي الزيدية علماء كثير، ولكنهم يضيعون أنفسهم فالله المستعان، انتهى كلام السيد - رحمه الله -( (1) ). (قال مولانا السيد الحافظ المطلع المتضلع من العلوم عبد الله بن الحسين بن علي جحاف طول الله عمره ما لفظه: ورأيت نسخة المثل السائر لابن الأثير بخطه والمنتخب في اشعار العرب بخطه - أيضاً - وله خط حسن وعناية تامة يضبط اللفظ أعجاماً وحركة وسكوناً ولا يكاد يغفل حركة أعرابيةولا بيانية ولا ما هو من أبنية الكلمة والعجب من صبره مع سعة الكتاب على المحافظة على تلك الطريقة إلى نهاية الكتاب، وذكر أنه فرغ من رقم ذلك بصنعاء اليمن في سنة خمس وثمانين وستمائة ونسخها لنفسه - رحمه الله تعالى -)( (2) ).
عمر بن إبراهيم بن محمد
__________
(1) زيادة في (ب): تعالى.
(2) ما بين القوسين سقط من (ب).

العلامة الكبير /209/ الحجة الشهير السيد السند قدوة النحاة كعبة الطالبين بغية الطالبين عمر بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - هو أبو البركات العالم النبراس محط رحال العلماء ومفخر الإسلام( (1) )، ترجم له الجلال الأسيوطي في البغية، قال ابن الأثير إنه الزيدي نسباً ومذهباً كوفي، روى عن الخطيب أبي بكر الحافظ وأبي الحسين بن النفور( (2) ) وغيرهما، وروى عنه أبو سعيد السمعاني وابوه أبو بكر السمعاني والخلق الكثير وعمِر، حتى روى عنه الآباء والأبناء.
قال الذهبي: السيد الإمام العلامة عمر بن إبراهيم بن حمزة العلوي الزيدي الكوفي الشيعي المعتزلي هكذا. وقال في الميزان، قال: توفي سنة تسع وثلاثين وخمس مائة، وذكر في نسبه مخالفة لما نقلناه عن ابن الأثير، ولعل في نسخة اللباب التي نقلت عنها غلط، قال الذهبي أجاز له محمد بن علي بن الحسن بن عبد الرحمن العلوي وسمع أبا القاسم بن المستور الجهني وأبو بكر الخطيب وجماعة من الشام في مدة، وبرع في العربية والفضائل، وكان مشاركاً في علوم وهو ثقة منصف خير (دين)( (3) ) وهو مفتي الكوفة، وكان يقول: افتى بمذهب أبي حنيفة ظاهر (أو مذهب)( (4) ) زيد تديناً، روى عنه السمعاني وابن عساكر وأبو موسى المدني.
قال السيد محمد بن إبراهيم في العواصم: وهؤلاء الذين رووا عنه حفاظ الإسلام في عصرهم. قال السيوطي: أحد أئمة النحو واللغة والفقه والحديث، وأخذ النحو عن زيد بن علي الفارسي، وعنه ابن الشجري.
__________
(1) زيادة في (ب): ترجم له الذهبي وترجم له ابن الأثير في كتاب (اللباب في تهذيب الأنساب).
(2) كذا في (ب).
(3) في (ب): و(فراغ).
(4) في (ب): وبمذهب.

قال السمعاني: وكان حسن العيش صابراً على الفقر، قانعاً باليسير زيدياً جارودي المذهب، سمع الخطيب البغدادي وابن النقوى، (ومنه)( (1) ) الحافظ ابن عساكر وغيره.
قال يوسف بن مقلة: قرات عليه جزءاً فمر بي ذكر عائشة فرضيت عنها، فقال أتدعو لعدوة عليّ، فقلت: حاشا وكلا ما كانت عدوته، وحج مع علي بن أبي طالب القرماش( (2) ) فصرح له بالقول بالقدر وخلق القرآن، فشق على علي بن أبي طالب وقال: إن الأئمة على غير ذلك، فقال له: إن أهل الحق يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بأهله.
صنف شرح اللمع وغيره، ومات سنة تسع وثلاثين وخمسمائة كما قال غيره. قال الذهبي /210/ في الميزان: مولده سنة اثنين وأربعين وأربعمائة، وترجم لوالده في البغية، فقال إبراهيم بن محمد بن محمد بن أحمد بن علي الهاشمي الحسيني الشريف أبو علي النحوي والد أبي البركات عمر النحوي الآتي قال: يا قوت له معرفة حسنة بالنحو( (3) ) وحظ من فرض الشعر جيد من مثله، سافر إلى الشام ومصر وأقام بها مدة، ثم رجع وطنه بالكوفة إلى أن مات في شوال سنة ست وستين وأربعمائة عن ست وستين سنة.
عمران بن يعلى
__________
(1) في (ب): وعن.
(2) في (ب): الهرماس.
(3) زيادة في (ب): واللغة والآداب.

الفقيه المتكلم عمران بن يعلى - رحمه الله تعالى - كان من علماء المائة السابعة كاملاً فاضلاً - رحمه الله تعالى - ذكره السيد العماد يحيى بن( (1) ) القاسم الحمزي - رحمه الله تعالى - شيخ شيوخ الزيدية حافظ الإسناد إمام المتكلمين شحاك الملحدين بهاء الدين عمران بن الحسن بن ناصر بن يعقوب (……)( (2) ) العذري الشتَوي (- رحمه الله -)( (3) )، رايته بخط يده بفتح التاء من (شتَوي)، والمشهور عند الناس إسكانها ولعل النسبة إلى بني شتا بطن من عذر والده الحسن، كان أحد الكتاب للإمام المنصور بالله، وقتل غيلة في (……)( (4) ) على باب صنعاء وصنوه أسعد كان من الكملة، وأما الفقيه عمران فهو من الكبار سمع بمكة برباط الزيدية وتلقف اسناداً كثيراً وأخذ عنه الإمام المنصور بالله، ومما حكى انه تكلم الإمام بكلام أو قضاء بحكم فاستنكره الفقيه فقال له الإمام - عليه السلام -: أنت رويت لي عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كذا، وساق الحديث فاعتذر الفقيه، وقال: رُبّ حامل فقه إلى من هو افقه منه ودارت بينه وبين الإمام مراجعة لا يعرفها إلا المحقق المدقق في أصول الدين وأصول الفقه في الواجب المؤقت مبنياً( (5) ) على مسألة الألطاف والمصالح، فدل كلامه على إتقان وتدقيق في الفنين، (و)( (6) ) له في العربية تمكن وله مصنف يسمى (التبصرة)، وله (الرسالة الهادية للصواب في أهل القصد والاحتساب) تدل على اطلاع عجيب وتمكن وسطوة في العلم كما يفعل المجتهد الراسخ نقل فيها محاسن وفوائد، ودارت بينه وبين السيد العلامة حميدان (بن يحيى)( (7) ) - رحمه الله - المقاولة المعروفة، وقد تجهل الناس منصب عمران من العلم وهومكين ولم يؤثر عنه إلا الصالحات وهو أحد الداخلين لعقد /211/ الأمر إلى
__________
(1) في (ب): بن أبي القاسم.
(2) فراغ في (أ) و (ب).
(3) سقط من (ب).
(4) فراغ في (أ) و (ب).
(5) في (ب): منهما.
(6) سقط من (ب).
(7) في (ب): بن الحسن.

قطابر للأمير عز الدين محمد بن المنصور وهو الذي قبل الأمير عز الدين، وله شعر ومما رأيته بخطه وهو خط في غاية الحسن، ( (1) )كثيراً من كتب المذهب وله عناية كاملة بالمذهب الشريف فرايت بخطه:
شيئان من يعذلني فيهما ... يبوء بالإثم وبالعدل
حب علي بن أبي طالب ... والدين بالتوحيد والعدل
والبيت الآخر معي وهم فيه فيحقق وهو مكتوب بخطه في سيرة المؤيد بالله الهاروني في خزائن السادة آل أبي علامة، وكان يحفظ الشعر كثيراً وله في هذا المعنى مع الإمام قصة توفي عمران - رحمه الله - في (فراغ) وعمران ابن الحسن المذكور غير عمران الزيدي الذي ذكره في بعض تواريخ مكة، وقال أنه كان يصلي بعصابة الزيدية ويدعولإمام المسلمين أجمعين المهدي لدين الله محمد بن المطهر بن يحيى - عليهم السلام - وفيهم عمران ثالث أيامه أيام المنصور الوشلي كان فقيهاً محققاً مرجوعاً إليه - رحمهم الله جميعاً -.
أبو العمير بن أبي طاهر
العلامة أبو العمير بن أبي طاهر - رحمه الله تعالى - كان عالماً شهيراً حريصاً علىالخير داعية إلى البر، وهو الذي عناه السيد الهادي الوزير - رحمه الله - في قصيدته رياض الأبصار بقوله:
وبالمشتري صوت الأذان بماله ... فيا نعم مشترياً جزيل التمول
وذكر في شرح هذه القصيدة وهو شرح رأيته بصعده أيام الصغر ولم أره بعد أنه جد آل الدواري وأنه من ذرية وهب بن منبه، ثم رأيت هذا بعينه في كتاب مسلم اللحجح( (2) ) وقد رأيت نقله؛ لأنه واف بالمقصود، وإن كان فيه وهم في نسبه فسننبه عليه، قال مسلم: كان أبو العمير ينزل نجران بين آل الربيع من بني عبد المدان ونسبه في أبناء فارس وأخبرت أن آل أبي طاهر من ولد عبد الكريم بن معقل بن منبه وسمعت بعض آل عقيل بصنعاء يذكر انهم بنو عقيل بن معقل بن منبه وأن معقل بن منبه أخو وهب بن منبه أحد التابعين.
__________
(1) زيادة في (أ): كتب.
(2) في (ب): اللحجي.

قلت: هذا كلام مسلم، وفيه مخالفة أولاً لكلام الشرح الذي ذكرته أولاً فإنه نسب أبا العمير إلى وهب نفسه وكلام مسلم يخالف كلام نشوان فإن نشوان أثبت نسب وهب في حمير، وقال: هو ابن( (1) ) عبد الله وهب بن منبه الحميري هكذا حكاه عنه صاحب الكنز ولا ريب أن كلام مسلم في نسب وهب أصح من كلام /212/ نشوان فنسبه في ابناء فارس بلا مرية وممن ذكره ابن خلكان في تاريخه.
قلت: ذكر بعض النسابين (بأنه) ( (2) ) وهب بن منبه بن كامل بن سنسخ - بمهملتين بينهما نون ثُمَّ خاء معجمة - ومعناه بلغة الفرس الأسواري الأمير كالبطريق عند الروم والقيل عند المغرب( (3) )، وذكر الرازي نسبه إلى ملوك الفرس المتقدمين ومولده ومنشأه صنعاء، وقد يقال له الذماري لعرف كان جارياً في مسمى( (4) ) ذمار غير ما يتعارفه الآن، مولده سنة أربع وثلاثين وقيل سنة ثلاثين، لقي عشرة من الصحابة، توفي سنة عشرين وقيل أربع وعشرين ومائة، وكان نقش خاتمه ((أصمت تسلم وأحسن تغنم)) واستشاره رجل في رجلين خطباء ابنته أحدهم مولى ذا مال والآخر همداني فقير، فقال عليك بالهمداني فإن الأموال تذهب وتجي والأحساب لا تذهب، فالظاهر أن هذا نسبه غير أن مسلم اللحجي خلط نسب آل الدواري وآل (أبي) ( (5) ) طاهر، وهذا خلاف المشهور، قال (آل أبي) ( (6) ) طاهر بيت مشهور قد استقروا بصعده ولا ينسبون أنفسهم إلا إلى الفرس غير أنهم يقولون من( (7) ) ذرية سلمان، ولعله وهم، وأما (آل) ( (8) ) الدواري فنسبهم في بني عبد المدان شهير، وليس آل النجراني منهم كما ذكره القاضي شمس الدين احمد بن يحيى حابس - رحمه الله تعالى - فلنرجع إلى أحوال أبي العمير، قال مسلم: كان أبو العمير من قدماء هذه الطبقة وأفاضل الزيدية وذي الحب في الله والولاية على
__________
(1) في (ب): أبو.
(2) في (ب): أنه.
(3) في (ب): عند العرب.
(4) في (ب): يسمى.
(5) سقط من (ب).
(6) سقط من (ب).
(7) في (ب): في.
(8) سقط من (ب).

دين الله والعمل في إحيائه بما أمكنه من رأي وقول وعمل وبذل مال، وكان من أهل النعم الطائلة والأموال الضخمة، وكان بنو عبد المدان بل سائر تلحوث( (1) ) يتعصبون لولاية بني العباس ويتشددون في ذلك لوجوه منها ما كانوا يعتقدون من رأي العامة، ومنها ما كانت بنو العباس تكرم به أول أشرافهم من الولايات، وأضراب الكرامات، وقد كان من أول أسباب ذلك ولادة ريطة (بنت) ( (2) ) عبد الله بن عبد الله بن عبد المدان لأبي العباس السفاح أول خلفاء بني العباس، ثم ولايتهم بعد ذلك للعمل من قبلهم حتى شب على محبتهم الصغير ومات الكبير وخلف قرن بعد قرن على ذلك، ويحسب ما كان فيهم من( (3) ) عناد بني فاطمة - عليهم السلام - والبراءة منهم، فكان أبو العمير مع محبته لسكناء نجران واعتقاد مذهب الهادي - عليه السلام - شديد التشوق إلى إظهار شيء منه أو من إشعاره( (4) ) (وعلاماته)( (5) )، فكان يبذل في ذلك الأموال الرغيبة ويفعل الأفاعيل العجيبة، فأخبرني غير واحد من أهله وغيرهم والخبر في هذا إجماع لا خلاف فيه إلا ان ممن أخبرني جابر بن عبد /213/ المحمود بن أبي العمير بن أبي طاهر، وكان من أفضل من رايت بنجران من الزيدية عفة وعبادة وتفقهاً ونسكاً على سلفه، وأخبرني - أيضاً - أبو محمد اللحجي إلا أنه اجمل ولم يفصل. قال: كان التشيع بنجران لا يظهر والأذان بحي على خير العمل لا يقدر عليه بوجه ولا سبب حتى كان من ابي العمير - رحمه الله - بناء مسجد درب آل الربيع بمدينة نجران العظمى.
__________
(1) فراغ في (ب).
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب) زيادة: محبة بني العباس كان فيهم من.
(4) في (أ): شعاره.
(5) في (ب): وعلاماته بجهده.

قلت: هي قرية الفجر مسكن آل عبد المدان، وبذل الأموال في بني عبد المدان حتى كانوا يدعون( (1) ) حقه ويرون فضله، فلما رأى أن المال ينفعه في غرضه تطمع في شراء الأذان بحي على خير العمل من صومعة المسجد الذي بناه، فعمل في ذلك حتى أجيب إليه شراء بدنانير كثيرة، ذهب عني ذكر عددها، فلما أذن به في حياته جرت السنة بذلك فلم يعترض فيه أحد بعد، وقد أخبرني والدي وغيره من الناس أنه كان من بعد أبى العمير من آل أبي طاهر خلف رضى مثلهم ينوب عنه في حماية (تعز)( (2) ) الذي حلف عليهم نحو أحمد بن أبي القاسم قد تواترت اخباره عندنا بالسماحة الفائضة على الناس وسعة الرفد والقرى للوفود وحمل الأثقال المنقضة للظهور حتى كان يتسامع به الغرباء من الآفاق وينزل عليه المقلون بالعيال والأولاد فيوافق أملهم ويريح عللهم، وكان تعصبه للمذهب وتعصب أهل بيته وافياً تاماً ولشهرة أهل هذا البيت بالغضب لله وفي الله والحب لمن أطاعه والبغض لمن عصاه صنع العثماني وقال ما صنع، وقال (صنع العثماني ما صنع، وقال ما قال)( (3) ) كفراً لنعمهم واغتياضاً بهم النصارى أعداء ملته وملتهم، وكان العثماني فيما أخبرني به غير واحد منهم من أهل نجران أحمد بن عبد الله الهاشمي وأحمد بن محمد الدواري من آل أبي طاهر رجلاً شاعراً مداحاً، وكان يتسمى بالقصار( (4) ) اسمه أحمد بن محمد من ولد عثمان بن عفان فيما بلغني، وكان يقال القاضي العثماني، قالوا: فقدم اليمن من أرض العراق، وكان بالبصرة فامتدح قواد الحبشة وملوك عدن ونحوها والصليحيين، فلما قتل علي بن محمد الصليحي بالمهجم من سردود قلت المحن للإصلوح فهجاهم وهنى سعيد بن نجاح والحبشة بقتله في شعر له منه يقوله لسعيد بن نجاح.
قلت: أنه( (5) ) روي أنه قالها العثماني ارتجالاً عند دخول سعيد لزبيد ورأس الصليحي بين يديه.
__________
(1) في (أ): يرعون.
(2) في (ب): ثغره.
(3) سقط من (ب).
(4) في (ب): بالقضاء.
(5) سقط من (ب).

قلت: وقتل الصليحي في ثاني عشر من ذي القعدة من سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة:
يا سيف دولة دين آل محمد ... لا سيف دولة خيبر ويهودها
وافيت يوم السبت تقدم فتية ... تلقا الرداء بنحورها وخدودها
/214/ ومنها:
صبراً فلم يك غير حوله مرود ... حتى انطفت جمرات ذات وقودها
ورأيت أعداء الشريعة شرعاً ... صرعى وفوق الرمح رأس عميدها
أوردتها لهب الردا وصدرت (في)( (1) ) ... طلى مطلبها( (2) ) وخفق بنودها
يا عروة لعلي بن محمد ... ما كان أشام من صدى غريدها
بكرت مطلبه عليه فلم ترح ... إلا على الملك (السعيد أجلها)( (3) )
ما كان أقبح شخصه في ظلها ... ما كان أحسن رأسه في (عودها)( (4) )
وأراد ملك الأرض قاطبة فلم ... يظفر بغير الباع من ملحودها
أضحى على خلاقها متعظماً ... جهلاً فألصق خده بصعيدها
تعساً لأيام الروافض أنها ... (رفضت) ( (5) ) مروتها لنقض عهودها
ما كان أكذب شعرنا في مدحها ... ما كان أبرز حظنا (من)( (6) ) جودها
قلت: ومن هذه القصيدة البيت المشهور:
سود الأراقم قابلت أسد الشرى ... يا رحمة( (7) ) لأ سودها من سودها
قال مسلم: أخبرني مالك بن عبد الله بن الكناس المطعمي وغيره أن علي بن محمد الصليحي كان له زاجر من رجال العامة( (8) ) يقال له العديقي، وكان يدنيه ويحسن إليه، فلما برز من قصره في سفره هذا الذي لم يرجع منه صعد على موضع مرتفع أو قيل على عمدان وزجر فقال:
إن علياً والإله اقتسما ... فاستويا القسمة ثم استهما
فلعلي الأرض ولله السماء
__________
(1) في (ب): لي.
(2) في (ب): مطلتها.
(3) في (ب): الأجل سعيدها.
(4) في (ب): صاعودها.
(5) في (ب): نقضت.
(6) في (ب): في.
(7) في (ب): يا رحمتا.
(8) في (ب): العمامة.

فلهذا أو مثله قال العثماني أضحى على خلاقها متعظماً، قالوا: وإن العثماني روى عنه إلى المكرم أحمد بن علي بن محمد الصليحي وهو الملك بعد أبيه أنه هجاهم أو بلغه شعره فخاف فهرب فلم يلفه أرض حتى استأمن له القاضي عمران بن الفضل اليامي فيما ذكر، وله إليه يسأله ذلك شعر يصف فيه خوفه وجزعه، أوله:
ماذا يرد على الركبان عدنان ... إن لم يجد بجميل الصفح قحطان
يا ليت شعري بابن الفضل مالكنا ... هل عنده لعظيم الذنب غفران
ومنها:
قوما أحفرا جدثي أني يخيل لي ... من حيث ما سرت أن الأرض نيران
وكل صادحه للطير صارخه ... وكل نابيه في الأرض مران
وإن عنت لي عين قلت عينه ... وإن بدت لي ظباء قلت فرسان
حتى كأنَّ نجوم الليل من جزع ... ولامع البرق أسياف وحرصان
ومنها:
تقول بنتي أمغن في الفرار وهل ... من ابن أسماء يغني اليوم إمعان

/215/ قالوا وإن العثماني قدم إلى نجران وعليه تواضع وهيئة تعفف، فلجأ إلى (آل طاهر)( (1) ) إذ كانوا مقصد العافي وملاذاً للاجي وأمل الراجي، فتظاهر عندهم بما أقنعهم منه فعالوه وعياله وكانوا مآله وثماله إلى أن بلغ نصرانياً بنجران، كان من الأغنياء وأهل (البطر)( (2) ) والإسراف (واللعب بالأموال)( (3) )، يقال له رشد بن عبد الواحد أنه يتظاهر بالعفة تمويهاً على رأيه وتستراً (على)( (4) ) آل أبي طاهر، وأنه يرى شرب الخمر لو اتفق له ذلك، فاخبر أحمد بن محمد الدواري وغيره أن النصراني بعث إلى العثماني غلاماً له بقارورة من شراب صافي قد خفي لونه وريحه، وقال له: يقول لك مولاي ما هذا الدهن فإنه لم يعرفه، ودفع إليه رقعة وقال له إذا تعرف ما في القارورة فادفع إليه الرقعة، فأتى العثماني الغلام بالقارورة فصب مما فيها إلى راحته وتذوقه فعرفه ودفع إليه الرقعة فإذا فيها لست أدري من رقة وصفاء، هي (في الكأس أم)( (5) ) الكأس فيها، فشرب ما في القارورة وكتب على ظهر الرقعة:
قد أتتني يا ابن الأكارم راح ... هي راح( (6) ) لإبل علت تشبيها
ثم شعشعتها فلم أتبين ... هي (في الكأس)( (7) ) أم الكأس فيها
فتمنيت إن( (8) ) غدوت جليساً ... أو أنيساً عبْداً لمستعمليها
فلما رجع الغلام بالجواب بعثوا ببغلة فركب وأتى مجلس النصراني وفيه ندماه، وكان ينادمه سلاطين بني عبد المدان نحو منصور بن المهلب ونباتة ابن منصور بن منيع، فاختلط بهم فأنسوا إليه وقال أشعاره الجهرية السيارة( (9) ) في البلاد في منادمتهم وكشف قناعه لآل أبي طاهر حين وثق بأخا المدانين والنصرانين فراح إلى منزله بينهم جهاراً سكران ثم قال قصيدة أولها:
__________
(1) في (ب): آل أبي طاهر.
(2) في (ب): النظر.
(3) في (ب): وأهل اللعب بالأموال.
(4) في (ب): عن.
(5) في (ب): في كاسها أم.
(6) في (ب): روح.
(7) في (ب): في كاسها.
(8) في (ب): لو.
(9) في (ب): السائرة.

قم فاسقنيها يا ابن عبد لسوعي( (1) ) ... صهباً صافية كلون دموعي
واخلع عذارك عالماً إن الذي ... قد فاز باللذات غير( (2) ) خليع
واشرب بنا ما دام رشد باقياً ... في عزة ونباته( (3) ) ابن منيع
ومنها في كشف عبوده وعباده:
وشربت حتى صرت ليس( (4) ) بعارف ... من أين جئت ولا إلى أين رجوعي
وظللت أنشد من لقيت بسكرتي ... أين الطريق لدرب آل ربيع
غيظا لسني يحرم شربها ... بعد الصلاة وغيظ آخر شيعي
ثم تمرد وتجرد فقال من قصيدة تعرض بهم/216/:
حرموها بعدما قبضوا ... ثمن الطابة (ما طيبا)( (5) )
وأحلوا بيعها مرهوطة ... لو أرادوا الحل باعوا عنبا
رب من يجهل منا رشده ... لا يرى الحق إذا ما وجبا
تحتسيها( (6) ) وقت ريعان الصبى ... ويخليها إذا ما اضطربا
كالتي في رمضان لم تصم ... بلهاً منها وصامت رحبا
وقال قصيدته الرائية التي أولها:
ما العيش الاَّ كاعب وعقار ... وأكارم نادمتهم أخيار
ووصف( (7) ) فيها الخمر وبالغ ومدح منصور بن المهلب المداني ونباتة بن منصور بن منيع، ومنها:
خذها فإن حلت أصبت وإن تكن ... حرمت فمحو ذنوبها استغفار
( (8) )أفبعد ما صروا على إيمانها ... عابوا لقد قلبو الحديث وجاروا
فبالغ في الصد عن الله والدعاء إلى معصيته ونصر إبليس لعنه الله والحض على ظلمته( (9) ) في هذا، ومنها:
قُوما انحرا إبلي فقد طابت لنا ... نجر أنهم ورجالها والدار
جاورتهم ضيفاً فحين ألفتهم ... طابت لنا بلد وقر قرار
__________
(1) في (ب): يسوعي.
(2) في (ب): كل.
(3) في (ب): بنانة.
(4) في (ب): لست.
(5) في (ب): ماذا طيبا.
(6) في (ب): يحتسيها.
(7) في (ب): فوصف.
(8) في (ب): ومنها.
(9) في (ب): طاعته.

فكان هذا من كفر العثماني لنعم المنعمين عليه ناطقاً بأنما ادعا حراثة السابقين إلى الإحسان إليه وأبوابه في ديارهم المتعهدين والموالين عليه صيب أمطارهم آل أبي طاهر زور باطل ومحال حائل، ولقد عرف له منه حتى قال فيه أبو منصور البصري وهو رجل يقال له محمد بن عبدون قدم نجران فلجأ إلى أحمد بن أبي القاسم بن أبي طاهر آواه وأكرمه( (1) )، وكان يكتب له، وكان بينه وبين العثماني معرفة متقدمة بالعراق معارضاً لرائيته هذه:
لعبت بلبك كاعب وعقار ... وإيباح( (2) ) ما حباك الحمَار
وسرت إليك يد الأماني إذ سرت ... فأريك أن الموبقات صغار
فصبا( (3) ) فؤادك فاستقدت لمعشر ... حثوا الكؤوس فقلت هم أخيار
وأتاك إبليس يجر رداءه ... لما راك وما عليك وقار
فلقيته نشوان مسلوب الحجى ... في حاله تزهو لها الفجار
فحياك وصف سلافة قد أحكمت ... أو قد يبقى للبلوغ نهار
يا أيها القاضي المنوه باسمه ... أقصر فحق لمثلك الإقصار
واقصد سبيل الرشد ترشد أنه ... أفضى مدى ما أنت فيه النار
لا يجمع الشيب الذي هو نازل ... بك والمعاصي إن ذا للعار
وأستحي أن تلقى إلهك قائلاً ... في البيت من نفحاتها أنوار
/217/إن كان في الجنات منها أنهر ... (قد أعديت)( (4) ) أتقول تلك عقار
ينفي العقول وتجلب الخبل الذي ... إن مس ذا لب علاه هيار
إن كنت جازيت المطي بعقرها ... ورأيت أن ثوابها الجزار
فلقد جزيت علياً بن محمد ... وبنيه لما قربوا وأماروا
بأخس ما يجزى ولم تك راعيا ... لنداه لما أن عراه عثار
ورميته بنبال شعرك لم تدع ... لك من معاد والديار( (5) ) قفار
وزعمت أنك خفت سطوة مثله ... ونفار قادك خيفة ونفار
وكذاك من عادى الملوك فيومه ... نزر وحشو فؤاده استشعار
__________
(1) في (ب): فأكرمه.
(2) في (ب): وامتاح.
(3) في (ب): وصبا.
(4) فراغ في (ب).
(5) في (ب): فالديار.

قلت: وقد طال هذا المجال لما نقلت من كلام أبي (العمر)( (1) ) محمد بن (مسلم اللحجي)( (2) )، وهكذا عادته وإن كانت هذه المادة لم تخل من تاريخ وإن لم يكن من مقصدي، وأما تطويلاته في مواضع فما هي من مقاصدنا.
عواض بن محمد الطامي
القاضي الأجل عواض بن محمد الطامي( (3) )، كان من العلماء الكبار ومن علماء المائة السابعة، تولى القضاء للإمام المهدي لدين الله أحمد بن الحسين - عليهما السلام - وأثنى عليه السيد يحيى بن القاسم - رحمه الله -.
عيسى بن أسعد الزيدي
الفقيه العالم الفاضل عيسى بن أسعد الزيدي، من هجرة الأقشع - رحمه الله - من العلماء الفضلاء، وهو من أعلام المائة السابعة - رحمه الله تعالى -.
عيسى بن جابر الصعدي
العلامة الفقيه عيسى بن جابر الصعدي - رحمه الله - كان من العلماء الفضلاء وأعيان الزيدية، وله شعر من ذلك ما قاله إلى الإمام المهدي أحمد بن الحسين - عليهما السلام - على لسان (ولد) ( (4) ) صغير أصابه مرض وأقعده وطالت مدته فوصل إلى الإمام (- عليه السلام -)( (5) ) يستشفي به فقال (هذه) ( (6) ):
ألمي لا يطاق مالي سوى الله ... إذا ما دعوته يشفيني
فادع لي الله دعوة تبلغ العرش ... سريعاً كدعوة التنين
كم سقيم ومقعدعاد هذا ... ذا شفاء وذا كبعض الغصون
وعدو لما دعوت عليه ... قصدته الأحباب بالسكين
وإلى الآن قرر بكلي سنحان ... على مهيع بها مستبين
جبل بايعوا عليه وخانوا ... فتداعى وانقض رأى العيون
خارقات كالشمس لم يعرها ... اللبس ولم تفتقر إلى تبيين
عيسى بن حسين بن يوسف
__________
(1) سقط من (ب).
(2) سقط من (ب).
(3) زيادة في (ب): - رحمه الله -.
(4) في (ب): ولدٌ له.
(5) سقط من (ب).
(6) سقط من (ب).

العلامة رئيس المتكلمين وقبلة الموحدين لسان أهل العدل /218/ عيسى بن حسين بن يوسف بن ذعفان بن شوال باسم الشهر بن كليب - رحمه الله - كان أحد أفراد زمانه وفرد علماء أوانه محققاً في الأصول والفروع، قرأ عليه الكبار واستجاز وأجاز وروى أنه اجتمع بالعلامة القاضي محمد بن أحمد بن المظفر صاحب الترجمان فباحثه فلم ير عند ابن مظفر دريه بغير الفقه فلم يره بعين التجليل التي كان يراه بها، وهذا يدل على تمكنه وتفننه، وقيل: إنه كان يأتي للجمعة كل أسبوع من ثلا إلى صنعاء أيام إقامة الإمام شرف الدين - عليه السلام - وقبره في (لضلع)بين كوكبان وثلا بعد الانتقال إليه مدنفاً من أحد البلدين إلى الأخرى، هكذا ضبط والضلع فيما أحسبه ليس بين (البلدتين) ( (1) ) المذكورتين( (2) ).
عيسى بن زيد بن علي
__________
(1) في (ب): البلدين.
(2) في (ب): ويروى أنه كان يحضر جمعة الإمام شرف الدين كل أسبوع.

السيد الحجة المنيرة والآية الباهرة الكبيرة علم الأعلام العترة الكرام عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - هو الإمام الكبير والفاضل الشهير لا تفي عبارة بنعته وصفة كماله فالغاية الاختصار والأولى الاقتصار كان يكنا بأبي محمد أمه أم ولد نوبية اسمها سكن، ولد في المحرم سنة تسع ومائة، ومات بالكوفة، وله ستون سنة، واستتر نصف عمره وقيل ثلثه، وتسمى بغير اسمه، وامتهن بغير مهنته خوفاً من المتسميين بالإسلام اللابسين ملابس الأنام، وله في هذا قصص وأخبار، وكان قد خرج مع إبراهيم بن عبد الله قتيل( (1) ) باخمراء، وكان صاحب رايته وكان إبراهيم قد جعل له الأمر من بعده فلم يتم له الخروج، وكان استتاره أيام المنصور وايام المهدي وبعضاً( (2) ) من أيام الهادي، وصلى عليه الحسن بن صالح (بن حي) ( (3) ) الزيدي - رحمه الله - وكان يأوي بالكوفة إليهم ويعرف بمؤتم الأشبال، وذلك انه قتل لبوة لها أشبال، وذلك أنه لما انصرف من وقعة باخمرا وقد شهدها مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن - عليهم السلام - خرجت لبوة معها أشبالها فعرضت( (4) ) في الطريق وجعلت تحمل على الناس فنزل عيسى بن زيد - عليهما السلام - فأخذ سيفه وترسه ثُمَّ نزل إليها فقتلها، فقال له مولىً له أيتمت أشبالها يا سيدي، قال: فضحك( (5) ) فقال: نعم، أنا مؤتم الأشبال، قال الأصبهاني فيما أحسب فلزمه هذا الاسم، وكان بعد ذلك أصحابه إذا أرادوا أن يذكروه كنوا عنه فقالوا: قال مؤتم الأشبال كذا وفعل مؤتم الأشبال كذا فيخفى أمره، وذلك أنه لحقه -
__________
(1) في (أ): قتل.
(2) جاء في حاشية (ب) ما لفظه: ((ينظر فإنه - عليه السلام - توفي في مدة المهدي، وكذا الحسن بن صالح وبشير [فراغ] بموقعهما معاً فخر ساجداً في قصة طويلة كما ذكرها في مقاتل الطالبيين والله أعلم. كتب مجد الدين بن محمد عفا الله عنه.
(3) رحى.
(4) في (ب): تعرضت.
(5) في (ب): وقال.

عليه السلام - من المحنة بالاستتار من أعداء الله المارقين ما عظمت عليه بسببه البلوى، ولقد حكى الشيخ أبو الفرج في كتاب المقاتل عن محمد /219/ بن منصور المرادي، قال: قال يحيى بن الحسين بن زيد: قلت لأبي، يا أبت( (1) ) (إني أرى) ( (2) ) عمي عيسى فإنه يقبح بمثلي أن لا يلقى مثله من اشياخه، فدافعني مدة عن ذلك وقال هذا أمر يثقل عليه وأخشى أن ينتقل عن منزلته كراهة( (3) ) للقائك إياه فيزعجه فلم يزل( (4) ) به أداريه وألطف به حتى طابت نفسه لي بذلك فجهزني إلى الكوفة ثم قال: إذا صرت إليها فسل عن دور بني حي فإذا أدللت عليها فاقصده في السكة الفلانية وسترى في وسط السكة داراً لها باب صفته كذا وكذا فاعرفه واجلس بعيداً منه في أول السكة فإنه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مقصور مستور الوجه قد أثر السجود في جبهته عليه جبة صوف يسقي الماء على جمل، وقد انصرف يسوق الجمل لا يضع قدماً ولا يرفعها إلا ذكر الله عز وجل ودموعه تنحدر، فقم فسلم عليه وعانقه فإنه سيذعر منك فعرفه نسبك وانتسب له فإنه يسكن إليك ويحدثك طويلاً ويسالك عنا جميعاً ويخبرك بشانه ولا تضجر من جلوسك معه فلا تطل ودعه فإنه سوف يستعفيك من العودة إليه، فافعل ما يأمرك به من ذلك، فإنك إن عدت إليه توارى منك واستوحش وانتقل من موضعه، وعليه في ذلك مشقة، فقلت له: أفعل كل ما امرتني به، فجهزني( (5) ) إلى الكوفة وودعته فخرجت( (6) ) ولما وردت الكوفة قصدت سكة بني حي بعد العصر، فجلست خارجها بعد أن تعرفت الباب الذي نعته لي، فلما غربت الشمس إذا به يسوق الجمل وهو كما وصف لي أبي لا يرفع قدماً ولا يضعها إلا وحرك شفتيه بذكر الله ودموعه من عينيه تذرف أحياناً، فقمت فعانقته فذعر مني كما يذعر الوحش من الإنس، فقلت يا عم، أنا يحيى بن
__________
(1) في (ب): يا أبة.
(2) في (ب): إني أشتهي أن أوي.
(3) في (أ): كراهته.
(4) في (ب): أزل.
(5) في (ب): فمر بي.
(6) في (ب): وخرجت.

الحسين بن زيد بن أخيك، فضمني إليه وبكى حتى قلت قد جاءت نفسه، فأناخ جمله وجلس معي وجعل يسألني عن أهله رجلاً رجلاً وامرأة امرأة وصبياً صبياً، وأنا أشرح اخبارهم وهو يبكي، ثم قال: يا بني أنا أستقي على هذا الجمل الماء فأصرف مما اكتسبه أجرة الجمل إلى صاحبه واتقوت بباقيه، وربما عاقني عائق عن استقاء الماء فأخرج إلى البرية، يعني بظهر الكوفة، فألتقط ما يرمي به الناس من البقول وأتقوته، وقد تزوجت إلى (هذا ابنته)( (1) )، فهي لا تعلم من أنا إلى وقتي هذا، فولدت مني بنتاً فنشأت وبلغت وهي - أيضاً - لا تعرفني ولا تدري من أنا، فقالت لي أمها زوج ابنتك بابن فلان (السقاء لرجل)( (2) ) من جيراننا يسقي الماء فإنه أيسر (منا)( (3) )، وقد خطبها وألحت علي، فلم أقدر على /220/ إخبارها لأن ذلك غير جائز، ولا هو بكفو لها، فتشيع خبري، (فجعلت) ( (4) ) تلح علي فلم أزل أستكفي الله أمرها حتى ماتت بعد ايام، فلا أجدني آسى على شيء من الدنيا آساي على أنها ماتت ولم تعلم بموضعها من رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: ثم أقسم علي أن أنصرف وودعني( (5) )، فلما كان بعد ذلك صرت إلى الموضع الذي أنتظر فيه لأراه فلم أره، وكان آخر عهدي به.
وروى أبو نصر البخاري أنه خرج مع محمد النفس الزكية، قال الحاكم: وروى يعقوب بن داود قال: دخلت مع المهدي في طريق خراسان بعض الخانات، فإذا على حائط هذه الأبيات:
والله لا أطعم طعم الرقاد ... خوفاً إذا نامت عيون العباد
شردني أهلي اعتداء وما ... أذنبت ذنباً غير ذكر المعاد
آمنت بالله ولم يؤمنوا ... فكان زادي عندهم شر زاد
أقول قولاً قاله خائف ... مطرد قبلي كثير السهاد
منحرق الخفين يشكو الوجا ... تبكيه أطراف مروٍ حداد
شرده الخوف وأزرا به ... كذاك من يكره حر الجلاد
__________
(1) في (ب): هذا الرجل ابنته.
(2) في (ب): رجل.
(3) في (ب): منها.
(4) في (ب): فعادت.
(5) في (ب): فودعني.

قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد
قال: فجعل المهدي يكتب تحت كل بيت لك الأمان من الله ومني فاظهر مني متى شئت ودموعه تجري على خديه، قلت: من قائل هذه الأبيات يا أمير المؤمنين، قال: أتجاهل علي قائلها عيسى بن زيد.
قلت: وهذا من التضمين، فإن الأبيات الثلاثة التي أولها منخرق الخفين، قائلها محمد بن عبد الله النفس الزكية في ابن صغير من ام ولد له كان معه في جبل فهجم عليه الطلب فهربوا فسقط الصبي وتقطع ومات، فقال محمد ذلك قال الحاكم، وكان عيسى بن زيد والحسين بن زيد وموسى وعبد الله ابنا جعفر بن محمد - عليهم السلام - شهدوا مع النفس الزكية، وكان عيسى مع إبراهيم ثم توارى بعده.
عيسى بن عبد الله
السيد (الشريف الكبير) ( (1) ) المعظم أبو بكر عيسى بن عبد الله بن محمد بن عثمان بن علي والد السيد الحافظ أبو الطاهر أحمد بن عيسى شيخ محمد بن منصور وغيره، وأبو الطاهر كنية أحمد لا كنية عيسى، وما في أمالي أبي طالب وهم كان عيسى فاضلاً شاعراً راويه، وليس لعمر بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - عقب إلا منه فليعلم ذلك.
عيسى بن عنبة
عيسى بن عنبة - رحمه الله تعالى - ذكره البغدادي الزيدي /221/ - رحمه الله - في مشاهير تلامذة الإمام الأعظم - سلام الله عليه -.
عسيى بن علي الزيدي
الشيخ الفاضل عيسى بن علي الزيدي - رحمه الله - أحد مشيخة السيد صلاح بن الجلال، كذا أفاده شيخنا - رحمه الله -.
عيسى بن فروة الزيدي
العلامة المجاهد عيسى بن فروة الزيدي - رحمه الله - ذكره عبد العزيز البغدادي - رحمه الله تعالى -.
__________
(1) في (ب): الكبير الشريف.

قلت: ولعل والده هو أبو فروة الصقيل الزيدي صاحب الإمام زيد بن علي ( - رضي الله عنه -)( (1) ) الذي حكى الإمام المرشد بالله في أماليه أنه طبع لأصحاب زيد بن علي - رضي الله عنه - سيوفاً يقال لها الفروية قصار لم يضرب بها شيء إلا أهلكته لم ير مثلها وسميت الزيدية، ويقال لها: الغدوية( (2) ) كما تقدم في هذا النقل.
عيسى بن لطف الله
السيد المطلع ناظورة الأدباء وعين أهل زمانه المطلع المتضلع من الآداب عيسى بن لطف الله المطهر بن أمير المؤمنين يحيى شرف الدين - عليهم السلام - كان هذا السيد أديباً لبيباً رقيق الحاشية عذب الناشئة مفاكهاً ملاطفاً حافظاً للآداب والأمثال مجرباً لها في مجازها خارجه كلماته في الناس مخارج المثل بها يتمثل المتمثل، وكان يغلب عليه اللطافة وحسن الملاطفة للناس ويعم ذلك طبقاتهم، وكان مطلعاً على التاريخ لم يزل سيدنا شمس الدين أحمد بن سعد الدين - رحمه الله - يتعجب من اطلاعه وروايته، وله التاريخ المشهور صنفه في الظاهر للأروام وأفاد فيه أيام سلفه - رحمهم الله تعالى - وأحسن وأجاد، وكان عارفاً بعدة علوم يعد( (3) ) في علماء النحو وما يلحق به وغلب عليه علم النجوم فصار أظهر ما ينسب إليه وإلا فعنده علوم أخر وكنت أكتفيت بذكره في ترجمة القاضي العلامة إبراهيم بن يحيى السحولي - رحمه الله - حتى رأيت له قصيدة إلى الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد - عليهما السلام - يتنصل بها عما ينسبه الناس إليه فعلمت أن فضيلته محروسة، وكان توجيهها من كوكبان إلى شهارة في شهر ربيع( (4) ) سنة اثنين وعشرين وألف وهي:
ما شاقني سجع الحمامة ... سحراً ولا برق الغمامة
كلا ولا اذكا الجوا ... ذكر العذيب وذكر رامة
ودموع عيني ما جرت ... شوقاً إلى لقيا أمامه
هيهات قلبي لا يميل ... إلى مليج( (5) ) هز قامه
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (أ): الفروية.
(3) في (ب): يعده.
(4) في (ب): ربيع الآخر.
(5) في (ب): مليح.

ما شاقني إلا الذي ... نفسي عليه مستهامة
بر كريم ماجد ... حاز الجلالة والشهامة
وحوى الفخار جميعه ... حتَّى غدا في الدهر شامه
لبس الفضائل حلة ... فبدت له منها وسامة
فرد تفرد بالعلا ... ولديه للعليا علامة
أعني أمير المؤمنين ... مغيث أرباب الظلامة
/222/ القاسم المنصور من ... زان الخلافة والإمامة
ركن النبوءة شاده ... والبيت ترفعه الدعامة
عرج بمربعة الكريم ... ترى به وجه الكرامة
وترى جواداً دونه ... في الجود طلحة وابن مامة
أعداؤه شهدت له ... بالفضل طراً والزعامة
والفضل ما شهدت به ... الأعداء لا أهل الرحامة
احيا الجهاد فكم له ... يوم حكا يوم اليمامة
فطن يكون بسلمه ... بدراً وفي الهيجا أسامة
واسأل بذاك سيوفه ... كم أذهبت في الجو هامة( (1) )
مولاي يا قمر الهدى ... المذكور في وقت الإقامة
يا من أرى حبي له ... أسنى الذخائر في القيامة
وجهت نحوك سيدي ... عقداً أجرت به نظامه
عقداً من النظم الذي ... سلبت خرائده قدامه
يهدي إليك تحيتي ... ويزيل عن سري لثامه
- أيضاً - ويوضح حجتي ... والحق مسلكه أمامه
لا تأخذني سيدي ... بمقالة حازت ذمامة
وبقول واش قد حشى ... لضعيف فكرته أثامه
قد قال إني قائل ... بنجوم سعد أو شآمة
(ويعيب صنعه)( (2) ) ربنا ... ووثقت عمداً بالنجامة
لا والذي جعل النجوم ... بليلها تجلو ظلامه
ذ
ما قلت إلا أنها ... للناس والأنوا علامة
ولمن أتى مستغفراً ... لله رجوى في السلامة
مولاي واسال لائمي ... فلقد تهور في الملامة
ما صير القمر التمام ... محقراً يحكى القلامة
ولم الخسوف يصيبه ... في النصف إن وافا تمامه
والشمس والأفلاك ... توضح لي بهيبتها كلامه
فبها عرفت بأنها ... خلق الذي يحيي رمامه
في موقف لا ينفع الجاني ... به كثر الندامة
وعليك صلى خالقي ... وحبا ربوعك بالكرامة
واسلم ودم في نعمة ... يا خير من رفع العمامة
__________
(1) هذا البيت في (ب) متقدم على الذي قبله.
(2) في (ب): ونفيت صنعةَ.

ومن شعره لما مر ببعض مآثر جده( (1) ):
قلت لما رايت من تبع الملك ... بسوح المطهر الملك مخلى
ابداً تسترد ما تهب الدنيا ... فيا ليت جودها كان بخلاً( (2) )
توفي في (فراغ) ورثاه السيد الصدر الكبير حسنة الأيام بدر الملة والدين محمد بن إبراهيم بن المفضل بن علي بن أمير المؤمنين بقصيدة قد أومأنا بها( (3) ) وكتبنا بعضها عند ذكر السيد عيسى في ترجمة القاضي إبراهيم رحمهم( (4) ) الله تعالى.
عيسى بن محمد بن جعفر القاسمي
الشريف الأمير المقدم الكبير رئيس الرؤساء ذو الحسنيين عيسى بن محمد بن جعفر القاسمي - رحمه الله تعالى - رايت له ترجمة بخط بعض المؤرخين قال: (بحر لا يكدره الدلاء ميمون)( (5) ) مبارك كبركة لا ولا مقاماته في الحرب تقصر عنها المقالاتا، فطلب الحصر لمحامده طلب المحالات( (6) )، وفد إلى حضرت الإمام /223/ المنصور بالله، وهو في محطة النظية( (7) ) في بني عمه، وقال قصيدة أولها:
كتمت هواه والدموع تذيعه ... وما سر من نمت عليه دموعه
إذا عنّ ذكرى من تحب تبادرت ... سيون دموع ودها لا يطيعه
خفي الدمع ما أخفاه من كل كاشح ... وأعلن ما ضمت عليه ظلوعه
فكن عاذراً يا عاذلاً لمتيم ... يحب غزير الدمع وهو صريعه
فلو شهدت عيناك عين وزيريا ... لأشجاك إما سربه أو قطيعه
سويعة ما رسوا القلاص بجوذر ... سواء عليه قربه وشسوعه
منيع ببيض المشرفية والقنا ... منوع، فما غير العفاف ضجيعه
شجي الهائم المشغوف فرط جماله ... فلما نأى عنه شَجته ربوعه
لفرقتها إياه مثل فراقه ... وكلهما لم يدر أنا رجوعه
يحب الكرا كيما يراه وبعده ... أزال الكرا حتى تنأى هجوعه
__________
(1) زيادة في (ب): المطهر.
(2) في (ب): يخلا.
(3) في (ب): إليها.
(4) في (ب): - رحمه الله -.
(5) في (ب): بحر لا تدركه الدلا ميموم.
(6) في (ب): للمحالات.
(7) اللظيفة [ظن] في (أ) وفي (ب): اللظية.

وانقطع ما وراء هذا وله شعر عند نهوض الإمام المنصور بالله - عليه السلام - إلى بكر:
قد عاد جيشك بالتوفيق والظفر ... والصدر عاد بلا ناب ولا ظفر
يا ابن الأكارم والسادات من مضر ... شم العرانين خير( (1) ) البدو والحضر
لما رأى الظالم المأمون مقتحماً ... على المنون حليف السمر والبتر
ألقى النزال وقد جاشت قروبته ... وعاد للصلح إذ اشفى على القدر
كانوا كما قال قدماً شاعر يقض ... يحسوا المهاريق بالياقوت والدرر
هم قاوموك فلما شارفوا وقفوا ... كوقفة العين بين الورد والصدر
عيسى بن محمد بن أحمد
(السيد العلامة الإمام أبو زيد عيسى بن محمد بن أحمد بن عيسى بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي - عليهم السلام - قال ابن عنبة: عالم كبير من علماء الزيدية فقيه متكلم، توفي بالري سنة ست وعشرين وثلاثمائة)( (2) ).
عيسى بن محمد بن أحمد المدحجي
(العلامة عيسى بن محمد بن أحمد بن أبي الحسين المدحجي مؤلف الإكليل في فقه الزيدية، وهو كتاب (الإكليل في الحقيقة والدليل)، وهو على كتاب مصباح الشريعة)( (3) ).
عيسى الحلوي
الفقيه( (4) ) العلامة عيسى الحلوي نسبه إلى (حلي) المعروف بوادي كثابة( (5) ) ذكره صاحب التحفة من فضلاء الزيدية وعلمائهم، وقال الأهدل: إنه (من) ( (6) ) قرية قنونا.
قلت: بالقاف مفتوحة بعدها نون، ثم واو ثم نون بعدها ألف، وهي مشهورة شرقي (حلي).
* * *
(انتهى الجزء الثالث من مطلع البدور ومجمع البحور يوم الجمعة المبارك، لعله ثالث جمادي الآخرة سنة اثنتين ومائتين وألف سنة، فلله الحمد كثيراً بكرة وأصيلاً،
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله
ويتلوه الجزء الرابع بمشيئة الله وإعانته) ( (7) ).
__________
(1) في (ب): حين.
(2) سقطت هذه الترجمة من (ب).
(3) سقطت هذه الترجمة من (ب).
(4) في (ب): السيد.
(5) في (ب): كنانه.
(6) في (ب): في.
(7) سقط من (ب).

مطلع البدور ومجمع البحور
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة
الطبعة الأولى
1425ه/2004م
مطلع البدور ومجمع البحور
تأليف العلامة المؤرخ
أحمد بن صالح بن أبي الرجال
الجزء الرابع
تحقيق
عبدالسلام عباس الوجيه ... ... ... محمد يحيى سالم عزان
مركز التراث والبحوث اليمني
بسم الله الرحمن الرحيم
حرف الغين المعجمة
غالب بن عثمان الهمداني
غالب بن عثمان الهمداني المشعاري(2) الناعطي - رحمه الله تعالى - من عيون الشيعة وخيارهم، ولعل نسبته إلى ذي المشعار(3) الوافد على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في وفد حارف، وكان ذو المشعار بمكان عظيم من الرئاسة، وكان غالب هذا فصيحاً بليغاً، له في إبراهيم بن عبد الله قتيل باخمراء مرثية مستجادة منها:
وقتيل با خمرا الذي ... نادى فأسمع كل شاهد
قاد الجنود إلى الجنو ... د فرجف الأسد الخوارد
بالمرهفات وبالقنا ... والمبرقات وبالرواعد
فدعى لدين محمد ... ودعوا إلى دين ابن صائد
ومن شعره في محمد بن عبد الله النفس الزكية:
كيف بعد المهدي(4) أو بعد إبرا ... هيم نومي على الفراش الوتير(5)
وهم الذائدون عن حرم الإسـ ... ـلام والجابرون عظم الكسيرِ
حاكموهم لما تولوا إلى اللـ ... ـهِ بمصقولة الشفار الذكورِ
وأساحوا للموت محتسي(6) الأنـ ... ـفس لله ذي الجلال الكبيرِ
أفردوني أمشي بأعضب مجنو ... ناً (سناني الحروب)(7) ذات زفير
عيل فيها فوارسي ورجالي ... بعد عز وذل فيها نصيري
ليتني كنت قبل وقعة با خمـ ... ـرا توفيت عدتي وشهوري
وليالي من سني البواقي(8) ... وتكملت عدة التعمير(9)
الغياث
__________
(2) في (ب): السعاري.
(3) في (ب): السعار.
(4) في (ب): أو، في (أ): و.
(5) في (ب): الوثير، وهو الفراش الناعم.
(6) في (أ): بحسي.
(7) في (ب): سناني الحرب، وفي (أ): سنامي الحرب.
(8) في (ب): حرف الغين المعجمة.
(9) في (ب): التعير.

الشيخ العالم، الناسك المعروف بالغياث - رحمه الله تعالى - كان من عباد الله الصالحين، ومن العلماء العارفين، تلميذ الإمام المجتهد الصوام القوام أحمد بن يحيى مؤلف الأزهار، وبخط الشيخ الغياث المذكور نسخة الغيث غاية في الصحة. ولم أتحقق من أحواله السنية ما ينبغي، ومسكنه بجهة (مسور) المنتاب في عرض الجبل، وقبره هنالك مزور وعنده ما اشتهر عند أهل الجهة، وتناقلوا أنه من تكريم الله لهذا العبد الوجيه، وذلك أنه لما مات قبر في محل فنبعت عين ماء فرات عذب كثيرة الماء بحيث يسقى بها الزروع، ولورثة الغياث /2/ أرض تحتها فقالوا للمتوسط بين المنبع وبين أرضهم إنهم يجعلون لأنفسهم(1) نصيباً، وقالوا: هذا ببركة والدنا، فقال: المتوسطون هذا ماء من الله - عز وجل-، وليس كما ذكرتم من بركة والدكم. فقال أولاده: ننقل والدنا من هذا القبر فقالوا لا باس، فنقلوه فيبست تلك العين وثارت من عند قبر الشيخ واستمرت إلى الآن، فقال لي حي الفقيه ناصر بن الهادي الصلاحي - رحمه الله - شرب منها للتبرك في العام الذي أخبرني فيه وأحسبه من العشر السنين التي بعد السبعين وألف، وقد كان أخبرني بذلك السيد العالم العابد الحاكم عز الدين علي بن الحسن الحسني النعمي، ولكنه لم يعين الرجل ولا الجهة.
قال الفقيه ناصر بن الهادي: والقصة معروفة في الجهة متناقلة - رحمه الله تعالى -.
أبو الغيث بن جعفر الطائي
__________
(1) في (ب) لأرضهم.

الشيخ العالم، البليغ الخلاصة، سليل العلماء، حسام الدين أبو الغيث بن جعفر الطائي - رحمه الله تعالى - كان من فضلاء أوانه، ونبلاء زمانه، ولياً للعترة، صادقاً في المنشط(1) والمكره، وهو منسوب إلى طي، وهو من جماعة العلامة محمد بن الوقار، وسنذكر أول من خرج إلى الهادي - عليه السلام - لنصرة الحق منهم، ثم لم يزالوا أعمدة للحق، مجلين في السبق، ولبعضهم اختصاص بعلم القراءة وحراستها، وأظنه هذا وولده(2)؛ لأنه رحل إليه للقراءة والتجويد أبو الهيثم يوسف بن أبي العشيرة شحاك أعداء الدين، وسنذكر ذلك في محله - إن شاء الله تعالى-، ولأبي الغيث المذكور شعر حسن جيد يدل مع البلاغة على التفات إلى الله تعالى، وعلى عناية بأولياء الله، فمما قال في الإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني - عليهم(3) السلام- بعد أن أوقع بأهل (نجران)، وقال قصيدة أولها:
عجبت ولم أعجب لغير عجيب ... وعوفيت من سقمي بغير طبيبِ
ونلت الذي قد كنت أرجو نواله ... وأطفأت ناراً أوقدت لحروبِ
إلى آخرها، فقال أبو الغيث - رضي الله عنه -:
ما صبوتي باللهو بعد مشيبتي ... إلا لجاجاً بالهوى المعيوبِ
شيب الفتى داعي الوقار فمن يجب ... داعي الوقار يفز بخير نصيبِ
إن الفتى ما لم يرعه مشيبه ... عن كل فاحشة لغير مصيبِ
بُدِّلت شيباً مكرهياً لونُه ... من بعد بُردٍ للشباب قشيبِ
ومن القوى ضعفاً يخون كلاله ... ومن الشبيبة حادثات شحوبِ
/3/ ومن الأداني الأقربين بغربة ... والنقص مقرون بكل غريبِ
ليس الغريب وإن تجلد واثقاً ... بالمزلف المدني ولا المحبوبِ(4)
إن الإمام ابن الأئمة مزوراً ... أسلافه النجباء خير عقيبِ
القاسم المنصور بالله الذي ... ألقى إليه الأمر كل نسيبِ
ابن النبي وصنوه وابنيهما ... آباءَ كل فتىً أغر نجيبِ
أهل المفاخر والمآثر والعلا ... وذوي الطهارة والتقى والطيبِ
__________
(1) في (أ): فراغ.
(2) في (ب): أو ولده.
(3) في (ب): عليه.
(4) في (ب): المحجوب.

أرباب مجد أكرمون أعزة ... آساد أعيال غيوث جدوبِ
أعلام حق يستدل بها إذا ... عرت البريئة مشكلات خطوبِ
ألقوا منار الدين يلمع فاقتدوا ... في أمرهم بمناره المنصوبِ
تقفو سيوفهمُ خلوفهمُ على ... سنن من التأديب والتهذيبِ
إلى آخرها - رحمه الله تعالى -.
حرف الفاء
فاضل بن عباس بن علي
الشيخ المقدم، علم الشيعة الأعلام، ركن الدين أبو فراس بن دعثم، واسم أبي فراس فاضل بن عباس بن علي بن محمد بن أبي القاسم بن أبي عمرو، ولا أدري هل دعثم لقب لأبيه العباس أو وقع في المنقول(1) غلط، كان حاذقاً ماهراً، شاعراً فصيحاً، عالماً كاتباً من كتاب الإنشاء المجيدين مع الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان - عليهم السلام - وهو من خلصان الإمام، وكان سيفاً مسلولاً على المطرفية، وتجرَّم منه بعض السادة الجانحين إلى الإبقاء على المطرفية من السادة المتأخرين، وهو من آل أبي عمرو(2) بيت كبير بـ(صنعاء) يشتهرون بالكتابة والمعرفة أو كما قال، ومنهم محمد بن ذعفان البليغ وغيره، وله شعر في معان متعددة، فمن مديحه ما أنشده بين يدي الإمام المنصور بالله بـ(صعدة) (3) يوم الجمعة من محرم(4) سنة تسع وتسعين وخمسمائة من جملتها:
جياد تبارى في الشكيم بفرسانِ ... تخال(5) إذا جالت كواسر عقبانِ
سوامي(6) العوادي مقريات(7) كأنها ... هضاب ثبير أو شوامخ ثهلانِ
وكل رحيب الصدر القبْل(8) ذراعه ... له في مغار الخيل أرجاء(9) سرحان
تثير عجاجاً مثل ليل نهاره ... كواكبه لمع بأطراف مرَّان
__________
(1) في (ب): المنقول عنه غلط.
(2) في نسخة أخرى زيادة لفظها: وقال السيد الهادي بن إبراهيم بن الوزير آل أبي عمرو بيت
(3) سقط من (ب): بـ(صعدة).
(4) في (ب) من محرم الحرام.
(5) في (ب): دتخال.
(6) في (ب): سوام الهوادي.
(7) في (ب) مفرقات.
(8) القبْل: الضخم من كل شيء. القاموس المحيط (1028).
(9) في (أ): أرجاء.

عليها من السرد النسيج مضاعف ... يموج كماء صففت فيه ريحان
وهي طويلة غراء.
قلت: وذكر أبو فراس في آخر السيرة التي جمعها ما لفظه: وعند /4/ أن أنجز تأليف(1) ما تضمنه هذا الجزء من السيرة الشريفة المنصورية، وهو آخرها في شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة فاضل بن عباس بن علي بن محمد بن أبي القاسم بن أبي عمرو، وقد أحرصته(2) الأحزان، وتكاثفت عليه الأشجان، حتى ودَّ أنه ما كان، للمصيبة التي عمت وأهمت، وخصت الإسلام وعمّت، بفيض صاحبها الذي ألفت من فضائله، وحكى فيها بعض وقعات جنوده وقبائله، فيالها من مصيبة هدت بنيان المكارم، وصغرت مواقع النوازل العظائم، وعمت كافة الإسلام بالفواقر والقواصم، وذكرته ما قيل قديماً في قيس بن عاصم:
عليك سلام الله قيس بن عاصمٍ ... ورحمته ما شاء أن يترحما
فما كان قيس هلكه هلك واحدٍ ... ولكنه بنيان قوم تهدما
وكان يود عند إكمالها لو نزل به الحين المتاح، والقدر المجتاح، فيقضى نحبه(3) قضاء الصفاح، ولهاذم الرماح، دون أن يكون خاتمها، وحاكي وفاة صاحبها - سلام الله عليه - وراقمها، ولكن لن(4) يبلغ كل متعنٍ ما تعنَّى، ولن ينال كل متمنٍ ما تمنى، وقد قال تعالى: ?وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ?[الأنبياء:34]، قال عن قلب مجروح، ودمع مسفوح:
لو كان يومي قبل إكمالها ... لكان عندي مغنماً مستفاد
يكملها غيري ولا أصطلي ... بحسرة تشوي سويد الفواد
يهلك في (من) (5) ضمنها فضله ... كالشمس عم النور منها البلاد
تعطر الآفاق من طيبه ... ويرتدي بالحسن كل النواد
ويعتلي(6) العلب نزار به ... ذروة مجد مشمخر(7) العماد
__________
(1) سقط من (ب): تأليف.
(2) كذا في الأصل ولعل الصواب: أحرضته، بمعنى أهلكته.
(3) في (ب): فيقضي قضاة الصفاح.
(4) في (ب): لم.
(5) سقط من (أ).
(6) في (ب): وتعتلي الغلب.
(7) الْمُشْمَخِرُّ: الجبل العالي. القاموس المحيط 420.

فليت عمري زيد في عمره ... أو ليتني كنت فدىً لو أفاد
أو ليتني مت بأيامه ... بين الضبى البيض وسمر الصعاد
ولم أكن شاهد يوم به ... اختاره للقبض رب العباد
مضى فقيداً وغدا سعيه ... يحمد في الدنيا ويوم المعاد
(فيا لها من حسرة حرها ... حتى أُوارى للبلا والنفاد) (1)
فإن يكن ما رمته(2) فاتني ... من ميتة فوق متون الجياد
/5/ فكم(3) تبسمت لها شامخاً ... وكم لها فارق جفني السهاد
لكنني أرجو بأن يفتدي ... أوفى شفيع لي يوم التناد
صلى عليه الله من ذي علا(4) ... وجاد في مثواه وبل الغواد
فاطمة بنت أحمد بن يحيى(5)
الشريفة الفاضلة فاطمة بنت أمير المؤمنين المهدي لدين الله أحمد بن يحيى - عليه السلام - قال في تاريخ السادة آل الوزير ما لفظه: ومن ولد الإمام - عليه السلام - فاطمة بنت أمير المؤمنين أحمد بن يحيى، وهي الشريفة الفاضلة العالمة العاملة، راجعها والدها الإمام في مسألة الخضاب بالعصفر، فقال: إن فاطمة ترجع إلى نفسها في استنباط الأحكام، وناهيك بهذا الكلام دليلاً على علو محلها في العلوم جميعها، ولو قال الإمام كذلك في شأن إمام من الأئمة لارتفع محله إلى أعلى محل وأشرف مكان، زوّجها والدها بالإمام المطهر - عليه السلام - فكان يرجع إليها في المشكلات، وكان إذا أُشكل عليه مسألة وعلى أصحابه، خرج يحلها من عندها فيقول أصحابه هذا ما هو منك هو من خلف الحجاب، وإليها وإلى نسائه أشار الإمام المهدي بقوله:
ونساؤنا فاقت أئمة غيرنا ... في الفضل والتدريس والأخلاقِ
وماتت وهي عنده - رحمة الله عليها ورضوانه-، واشتد أسفه عليها لما كانت عليه من الكمال في الدين والدنيا، وزوجه الإمام بأختها ليلة موتها.
__________
(1) في (ب): ... فيا لها من حسرةٍ حرها ... يفض صم الصخريات الصلاد
... ... ... يبقى بقلبي شائطاً حرها ... حتى أوارى للبلا والنفاد
(2) في (ب) ما فوقها.
(3) في (ب): فكم.
(4) في (ب) من ذي العلا.
(5) في (أ): فقد.

فاطمة بنت علي بن محمد
البضعة النبوية، والفلذة العلوية، السيدة فاطمة بنت أمير المؤمنين المهدي لدين الله رب العالمين علي بن محمد، أخت الإمام الناصر لدين الله - عليهم السلام -.
قال السيد جمال الإسلام الهادي بن إبراهيم - رحمهما الله تعالى -: وأما أخت الإمام وكريمته الشريفة فاطمة بنت الإمام ذات التقى والكمال، والفضل على جميع النساء وأكثر الرجال، فكملت كمال الأئمة المعتبرين، في المعرفة والدين والتدبير والتوفيه والإجازة والنظر في أحوال الخاصة والعامة وأقامت بنت ابنها بالمنصورة في زمن أخيها الناصر، وهي ناظمة للأمر يستمد منها النظر السديد(1) إلى غير جهتها، ولها من المعرفة وحسن السياسة ما ليس عليه مزيد، ولها من الدين الصليب وكثرة الخشية لله تعالى وشدة الإقبال على أعمال الطاعة والخير ما لا يصفه الواصفون، ومن /6/ ذلك أنها كانت مزوجة لابن عمها السيد إبراهيم بن يحيى، وكان أمير (صعدة) من جهة الإمام(2)، فلما وقع موت الأشراف بالسم اتهم بذلك السيد إبراهيم فحلف بطلاقها ما علم بذلك إلا كعلم الطارف من الناس، وقد جعل الزعبري في طرف الناس، فلم تطب نفس الشريفة من(3) بعد ذلك، وانقطع ما بينهما(4) من الزواج بذلك السب(5)، ويدل على عظم شأنها أن الإمام الناصر أوصى إليها وصية خاصة في النظر في أحواله المختصة به لمعرفة كمالها الكمال الذي لا وراءه في دينها ودنياها، وماتت قبله واشتد أسفه عليها، وله فيها كرامات بديعة فائقة، رائقة مذكورة في مواضعها، وقال بعضهم فيها:
أمير المؤمنين أخوكِ فينا ... وأنتِ أميرةِ للمؤمنات
__________
(1) في (ب) إلى غير جهتها النظر السديد.
(2) في (ب) من جهة الإمام إليه.
(3) غير موجودة في (ب): من.
(4) لا توجد في (ب): بينهما.
(5) لعلها: السبب.

وأوصافها لا تعد ولا تحصى، وأمها بنت الإمام يحيى بن حمزة (- عليهم السلام -) (1)؛ لأن الإمام علي بن محمد تزوج بنت الإمام يحيى بن حمزة وهي أم هذه الشريفة فاطمة، وتوفيت فاطمة وقبرت في قبر أبيها الإمام - عليه السلام - وفي تابوته، وفي التابوت الكبير(2) ثلاثة: الإمام المهدي وابنته فاطمة والقاضي عبد الله - رحمة الله عليهم -، وأما أم الإمام الناصر - عليه السلام - فهي دهما بنت إدريس بن حمزة من آل المختار الساكنين (بمفحق) ونواحيها، وهي أول من قبر بقبة الإمام الناصر - عليه السلام - ثُمَّ ولدها الإمام الناصر، ثُمَّ السيد محمد بن يحيى، ثُمَّ الإمام المنصور، ثُمَّ والدته الحرة فاطمة بنت الأسد بن إبراهيم الأسد من آل أبي الهيجاء، ثم تبعهم من أولادهم بقية من في القبة، انتهى كلام السيد الهادي - رحمه الله تعالى -.
__________
(1) سقط من (ب) ما بين القوسين.
(2) في (ب): الكريم.

قلت: وفي القبة بعض العلماء آل أبي النجم أيضاً - رحمة الله عليهم -، وهذه القبة هي التي ينسب إليها مسجد الإمام الناصر في (القطيع)، فيقال مسجد القبة، قال السيد الهادي عند تعداده لما عمر(1) الإمام صلاح الدين قال: من ذلك في (ذمار) قصرها ومحاسنها العامة، وفي (صنعاء) المسجد المبارك مسجد القبة، وعليه مدار أهلها،وفيه محاسن لا توجد في غيره ولا يزال ماؤه جديداً ويسنى فيه لكل صلاة حتى لصلاة الليل، وله مستغلات وأموال عظيمة تقوم به وبمن أقام به، وتزيد على ذلك، وينتفع بفضلاتها خلق كثير، فجزاه الله خيراً، حياً وميتاً، وهو الذي صير الجامع بـ(صنعاء) على الحال الذي هو عليه الآن، وكان فراشه الحصا، وأحدث المطاهر الليلية والنهارية وأزيلت /7/ مواضع الغائط عن الاتصال بالبركة النهارية، وجعل موضعها المطاهرات، وأما البركة فهي قديمة عمرها ورد سار على أمر يطول شرحه، روي أن الإمام الناصر(2) صرف في ذلك عشرة آلاف أوقية، وأنه كنس تحت المطاهر خمسة آلاف حمل.
قلت: وتجدد بعد ذلك من الأنظار للإمام شرف الدين - عليه السلام - جعل طريق الليلية إلى مؤخر الجامع فتح الطريق في مسجد كان عمره الغز، وجعل الشراريف على جدار السطح والسلطان سليم(3) أصلح في المصفى طرف الليلية، ثم زيد في إصلاحه أيام الإمام الأعظم المتوكل على الله إسماعيل بن أمير المؤمنين -عليهما السلام -.
__________
(1) في (ب): عمره.
(2) غير موجود في (ب): الناصر.
(3) في (ب): سليمان.

قال السيد جمال الدين: ومحاسن المدينة كلها من آثاره وآثار زوجته الحرة بنت الأمير الأسد بن إبراهيم، فإن لها العناية في مسجد الأبهر وعمرته، وهو من محاسن (صنعاء) وأكثر مساجدها سرحاً(1)، وجعلت له من المستغلات مثل الذي جعل الإمام لمسجده، منها أربع بؤر أو خمس في (صنعاء) (أحدها بئر المسجد ثُمَّ المسنا ثُمَّ علم الدين وغير ذلك من أموال الجهات بـ(صنعاء) و(رداع) و(خبان) وحدوث أكثر المساجد بـ(صنعاء)(2) بعنايته وله - عليه السلام - بأهل (صنعاء) عناية عظيمة رفع عنه(3) كثيراً من مطالب الدولة الجائرة مثل إنفاق الأجناد وغير ذلك، وأمرهم بصرف بعض الحقوق بأيديهم واستمر ذلك إلى وقتنا، قلت يعني وقت السيد الهادي بن إبراهيم بن محمد حفيد صاحب الهداية وشيخ الإمام شرف الدين.
قال السيد الهادي بن إبراهيم بن محمد حفيد صاحب الهداية وشيخ الإمام شرف الدين. قال السيد: وللإمام - عليه السلام - عمارة في القصر في أعلاه وأسفله كالمنظرة منظر السلوان وغيرها من محاسنه، وكذا في(4) أبوابه وطرقاته، وكالعمارة(5) بالأحجار المرمر المذاب بينهما الرصاص وسائر ما فيه من المحاسن، وله في عمارة المعقلي(6) قصر في حصن (ظفار) منزل عظيم لا يوجد مثله، سمي باسم قصر بناه الملك المؤيد بـ(ثعبات)(7) بقي أهل التمويه والزخرفة بعد فراغه سبع(8) سنين، ووقف المؤيد بعد فراغه أشهر، فسبحان من له الملك الأبدي، وكان هذا المنزل بقصر (ظفار) من محاسن ما عمر، وهو الذي أراد الإمام المطهر بقوله:
فما بنت المقاول في(9) (ظفار) ... كما بنت الفواطم في (ظفار)
__________
(1) في (ب): شرحاً.
(2) ما بين القوسين زيادة في (ب).
(3) في (ب): عنهم.
(4) في (ب): من.
(5) في (ب): وكالأمارة.
(6) في (ب): العتقلي.
(7) في (ب): سعيات.
(8) في (أ): بسبع.
(9) في (ب): من.

وأما (صعدة) فقصرها(1) المنصورة من عمارة الإمام المهدي علي بن محمد، وأما زيادة المسجد مسجد الهادي - عليه السلام - في التنبيه بنفسها وما حولها من المفاسح والعمارة على المشاهد المقدسة، وأصل البئر، وكانت بئره تنزع منها باليد، وكل(2) /8/ هذه المحدثات ولواحقها من الأسباب التي للمسجد المبارك بإشارة الإمام المهدي علي بن محمد، وولده الناصر - عليهما السلام - والمتصدي لذلك، والمعتني به حي(3) القاضي العلامة فخر الدين عبد الله بن الحسن الدواري - رحمه الله -.
قلت: وكان أصل الجامع اليحيوي بـ(صعدة) المؤخر إلى الجانب الشرقي الذي فيه محراب مستقل من عمارة الناصر بن الهادي، ثم فعل فيه الإمام المهدي ما ذكر، وكمل محاسنه الإمام شرف الدين بعناية(4) السيد شمس الدين، ويسمى الجامع المذكور بذي النورين - أعاد الله من بركاتهم -.
__________
(1) في (ب) فقصرها المعروف بالمنصورة.
(2) في (ب): فكل.
(3) لا توجد في (ب): حي.
(4) في (ب) بعناية ولده شمس الدين.

قلت: وسمَّ الأشراف الذين ذكر السيد الهادي أنه اتهم به السيد إبراهيم بن يحيى زوج الشريفة فاطمة بنت الإمام - عليهما السلام - هو الذي يضرب به المثل فيقال قمقوم الزعبري، والزعبري - بالزاي بعدها عين مهملة بعدها باء موحدة من أسفل - من أهل (صعدة)، اتفق أن بعض الأشراف بني حمزة وكانوا قبل(1) الإمام علي بن محمد ولاة البلاد وسلاطينها فاتفق أن الأشراف هتكوا حرمة بعض نساء الزعبري فاتخذ هذا السم وفعله(2) في قمقوم، ولزم السيد إبراهيم هؤلاء الأشراف، وكانوا سبعة بـ(الروس) من جبل بني عوير، وكانوا متقدمين إلى السلطان الأشرف، ثُمَّ أطعموا طعام فيه شيء من هذا السم، فهلكوا، وكان بنو حمزة قد طال مكثهم(3) وتسلطنوا سلطنة غير شرعية، فتقضت دولتهم على يدي الإمام المهدي وولده الناصر، قتل منهم في (أيام حربه خلق كثير، ثُمَّ ولده الإمام الناصر وأهل القمقوم الزعبري في أيامه)(4)، وكان ذهابهم على الحقيقة أيام ولد الإمام (5) الناصر الإمام المنصور بالله، قلت: وقد اتسع القول في ترجمة هذه السيدة والشيء بالشيء يذكر.
ومما ينبغي أن يلحق بذلك أنها غير الشريفة الكاملة الملكة فاطمة بنت الحسن بن الإمام صلاح الدين - عليهما السلام - وهي حَرِيَّة بترجمة مفردة لكمالها، وشرف جلالها وسياستها، وفزع الفضلاء إلى كنفها وجوارها، منهم السيد الإمام الصارم صاحب الهداية والفصول، وله أيام رحلته القصيدة(6) المشهورة الحمينية التي أولها:
(بالله يا من سلي ما حال صنعا اليمن).
__________
(1) في (ب): بعد الإمام.
(2) في (ب) وجعله في قمقوم.
(3) في (ب) ملكهم.
(4) ما بين القوسين موجود في (ب).
(5) سقط من (ب): الإمام.
(6) في (ب): قصيدته.

وهي في اللواحق الندية في ترجمة السيد الحسن بن الإمام الناصر صلاح الدين ما لفظه: وأما أخو الإمام المنصور بالله الحسن بن الإمام صلاح الدين، فأمه بنت طاهر بن عامر صاحب المشرق /9/ وكان في ابتداء الشباب، وله همة ونفس طالعة إلى المعالي والاستقلال بأمره، تزوج بكردية بنت الأسد ولم يكن له منها إلا الشريفة فاطمة بنت الحسن، وأراد ريحان الكثير أن يقومه على أخيه.
قلت: يعني المنصور بالله علي بن صلاح، وأن يخرجه إلى (ذروان)، ويظهر الخلاف، فاختار الله له خلاف ذلك ونقله إلى ما هو خير له من هذه الدار، ولطف به عن تقحم الأخطار الكبار، وتوفي بـ(ذمار) ودفن بقبة الإمام يحيى بن حمزة (- عليه السلام -)(1)، وأما ولده الشريفة المطهرة(2) الكاملة الملكة فتزوجت ابن عمها محمد بن علي(3)، ثم لما دعا المهدي صلاح بن علي بن أبي القاسم تزوجها من ابن عمها محمد بن علي بعد ذهاب نكاح ابن عمها محمد بن علي، وكان للإمام صلاح بن علي منها ولد يسمى علي بن صلاح، توفي بـ(صعدة) وهو عروس بابنة الأمير الحسن بن أحمد، ودفن بالقبة الشرقية بمسجد الهادي - عليه السلام - ولما توفي زوجها ملكت ممالك أهلها من المداين والحصون من (صعدة) و(صنعاء) و(ذمار) وحصون تلك المداين وما بينها، وكان لها همة وقوة وشدة بأس، ثم تقاصرت عليها البلاد حتى استقرت بـ(صعدة) مدة طويلة فوق ثلاثين سنة، ثم استولى عليها حي المنصور بالله الناصر بن محمد، وأخذ المدينة ونقلها إلى (صنعاء) فأقامت بدار زوجها الدار الكبيرة التي فوق مسجد الأبرز(4) حتى توفيت وقبرت بالقبة التي فيها أهلها - رحمهم الله جميعاً -.
قلت: ومما قيل فيها من المراثي:
بلقيس هذا العصر يا من علت ... قدراً على بلقيس في عصرها
ومتعت في ملكها مدة ... في نهيها الماضي وفي أمرها
__________
(1) سقط من (ب): ما بين القوسين.
(2) في (ب): الطاهرة المطهرة.
(3) غير موجود في (ب): محمد بن علي.
(4) في (ب): الأبزر.

يا بنت مولانا صلاح الهدى ... وسيد السادات بل صدرها
مخيف(1) ذي بغي وذي ريبة ... ومؤمن(2) السكان في قفرها
وفاتح الشام بأسيافه ... واليمن الأعلى إلى شحرها
ومنفذ الأحكام في برها ... ونافذ الأقلام في بحرها
ويا ابنة المهدي الذي استظهرت ... به يد الخلق(3) على غيرها
مجاهد الكفار في أرضها ... وقاتل الفساق في عقرها
ومن به بشر آباؤه ... في الخبر المسطور في جفرها
بأنه يُحْيي رسوم الهدى ... ويبذل المجهود في نصرها
لم تسمح الدنيا بمثل له ... في البيض والسمر وفي حمرها
/10/ الحب في ولاده(4) سائقاً ... فقلَّ من(5) يقفو على إثرها
بيض بهاليلُ همُ ما همُ ... هم خير من يشرب من قطرها
ودرة من بعدهم قد مضت ... أربت على الشمس مع بدرها
بنت ثمان بهجة بعدما ... جاوزت التسعين من عمرها
بها نهى الآساد في (غابها) ... وهي كما العذراء في خدرها
كأنها الزهراء في حلمها ... أو مريم العذراء في صبرها
معروفها المعروف عم الورى ... فكلهم يطنب في شكرها
وكل داع نال من جودها ... وكل قاض نال من برها
واغتالها الموت على أنها ... أمنع من عنقاء في وكرها
وما رعى قدراً لمن قدرُها ... أعلا من الجوزاء في قدرها
ومنها:
يا ناعي الصفوة قم فانعها ... واحكِ الذي قد كان من أمرها
ولست بالمغْرب عن وصفها ... لو كنت كالخنساء في شعرها
قلت: وهي طويلة فلنقف على هذا، وشهرتها ظاهرة، وآثار(6) مجدها باهرة.
قلت: وتولى لها كتابة الإنشاء.
__________
(1) في (أ): تخيف.
(2) في (أ): وتؤمن.
(3) في (ب): الحق.
(4) في (ب): الجب في أولاده سابقاً.
(5) في (أ): لمن.
(6) في (ب) وآيات.

فاطمة بنت عبد الله بن الهادي
السيدة البليغة، المنشئة(1) الشاعرة المجيدة، عين زمانها فاطمة بنت عبد الله بن الهادي بن يحيى بن حمزة - عليهم السلام - والدها مصنف (الجوهر الشفاف)، وكانت هذه الشريفة من المفاخر، ومن الحجج على السابقين للأواخر، وتزوجها السيد العلامة محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن الإمام يحيى (2)بن حمزة، وقد استغنينا بهذا الذكر عن إفراد ترجمة للسيدة فاطمة بنت عبد الله صاحب (الجوهر الشفاف).
فاطمة بنت يوسف بن محمد الحسني
السيدة العالمة الفاضلة، فاطمة بنت يوسف بن محمد الحسني الهدوي - رحمهما(3) الله تعالى - كانت من الفضليات، أفادني ذكرها شيخنا - رضي الله عنه - ولم يزد في شرح حالها على ما يدل على الفضل جملة، قال: أطلعني مولانا أمير المؤمنين وسيد المسلمين المؤيد بالله محمد بن أمير المؤمنين القاسم بن محمد - سلام الله عليهم - يوم الأربعاء ثاني عشر من شهر جمادى الآخرة سنة ثماني وأربعين وألف بجوار مشهد الأمير الأعظم مجد الدين يحيى بن الأمير بدر الدين شيخ آل الرسول محمد بن يحيى بن يحيى - عليهم السلام - عند هجرة الحموس ببلاد (عذر)، وأراني خطها خطاً بيناً /11/ واضحاً كتبت كتاب (الجواهر(4) والمنن، المنتقى من كتاب السنن)، لأبي القاسم بن محمد بن الحسين اليمني المعروف في (الحجاز) الشُّقَيْفِي - بضم الشين المعجمة وفتح القاف وسكون المثناة التحتية ثُمَّ كسر(5) ثم ياء نسب - وكتبت في آخر الجزء الرابع، وهو الذي أطلعني عليه أمير المؤمنين - عليه السلام - دون سائر الأجزاء، هذين البيتين:
مرادي أن يرى بعدي رسومي ... فتى يدعو فينفعني الدعاءُ
فلا تجعل فراغك في فراغ ... فإن العمر ليس له بقاءُ
أعاد الله من بركتها.
__________
(1) في (ب) المنشدة.
(2) في (ب): يحيى - عليهم السلام -.
(3) في (ب): رحمها.
(4) في (ب): الجوهر.
(5) في (ب): ثم كسرفا.

أبو الفتح بن أبي القاسم بن أبي عمرو
القاضي العلامة، السابق في حلبات الفضل، المجلي لوجوه العلوم، المتسمى(1) بنصير الدين أبو الفتح بن أبي القاسم بن أبي عمرو النهمي، هو من أجلاء العلماء ونبلائهم مشهود له بالفضل المشهور، وتقدم عصره به على العصور، تولى القضاء للمنصور(2) بالله عبد الله بن حمزة بن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ووسع الله في أجله حتى وازر الإمام المهدي أحمد بن الحسين، وظاهره، وجاهد معه وناصره(3)، وقد سبقت ترجمته، ولا أدري هل ذكرت شيئاً من درر، كلامه أولا(4) فإنها كلمات در ونفائس غر، يقول فيها بعد أبيات سردها: (أما بعد يا بني الزمن، ومعاشر أهل (اليمن)، فقد أظلتكم طحنات الفتن، تبدي ما كمن، وتظهر ما بطن، وتقلقل ما سكن، وتسحب أذيال المحن، ولئن أغدقت سحائب أركانها(5)، وترادفت سدف ظلامها، فما يريد الله إغواءكم ولا ضلالكم(6)، ولا استمراركم فيما لا يرضى وإصراركم، إنما يريد الله(7) ليبلوكم حتى يعلم المجاهدين منكم والصابرين، ويبلو أخباركم)، وساق على هذا الأسلوب حتىقال: (فنجى امرؤ تليت عليه الآيات فتدبرها، وعرضت عليه الشبهات فأبصر الحجج البينات وآثرها، وعنَّت له الشهوات فنهى نفسه وزجرها، وعرف فئة الحق وإن قلت فصحبها، ورأى سفينة النجاة ولو صعبت فركبها، ?إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ (8) أُوْلُوا الأَلْبَابِ?[الرعد:19]، ثم ساق من الكلم الجوامع، والحكم النوافع، - رحمه الله تعالى- (9) .
__________
(1) في (ب): المسمَّى.
(2) في (ب) للإمام المنصور.
(3) في (ب): وقد سبقت ترجمة ولده وأخيه وفيه الحسن بن أبي الفتح وكان الحسن فريد وقته، ونسيج وحده.
(4) . ذكرها للحسن بن أبي الفتح، وترجم للحسن هناك في حرف الحاء..
(5) في (ب): ركامها.
(6) في (ب): إضلالكم.
(7) في (ب): أن يبلوكم.
(8) في (ب): يَذَّكر.
(9) سقط من (ب): تعالى.

أبو الفتح بن مدافع
الشريف السيد العالم المتكلم فريد الصفات، مرجع العلماء في المشكلات، ومفزعهم في المعضلات، أبو الفتح بن مدافع، قال السيد الإمام العلامة يحيى بن القاسم بن يحيى (بن القاسم بن يحيى)(1) بن حمزة بن أبي هاشم - رحمه الله - أنه أخو السيد البليغ محمد بن مدافع، وظاهر كلامه أن هذا أشهر، وله من العلم(2) ما تميز به على الأقران /12/ وهو من ولد الإمام الناصر للحق صاحب التفسير أبو الفتح بن الحسين بن الناصر بن محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - مقام هذا الأمير شهير، ومنزله في الفضائل خطير، ورد (اليمن) من (الديلم) فدعا، ولا يرتاب أحد في علمه ولا نسبه.
أبو الفرج بن هند
الشيخ الموفق، مكين الدين أبو الفرج بن هند، بارع وقته، وإنسان زمانه، كان قد حفظ المعقولات وتعلق بالفلسفيات حتى برع في ذلك، وصار برتبة لا يلحق، ثم تاب واستغفر، ورجع إلى مذهب الزيدية - كثرهم الله تعالى-، صحب(3) الإمام الناطق بالحق أبا طالب يحيى بن الحسين الهاروني صاحب (التحرير)، ومن شعره فيه:
سر النبوة والنبيا ... وزها الوصية والوصيا
إن الديالم(4) بايعت ... يحيى بن هارون الرضيا
ثم استردت(5) عادة الـ ... أيام إذ عانت عليا
آل النبي طلبتم ... ميراثكم طلباً بطيا
يا ليت شعري هل أرى ... نجماً لدولتكم مضيا
فأكون أول من يهز ... إلى الهياج المشرفيا
الفضل بن دكين
الفضل بن دكين المعروف بأبي نعيم. قال السيد الصارم إبراهيم بن محمد: إنه حافظ الشيعة وإمام زمانه، عده الحاكم في العيون من رجال الزيدية، ثم قال الذهبي: حافظ حجة، إلا أنه يتشيع من غير غلو ولا سب.
__________
(1) سقط ما بين القوسين من (ب).
(2) في (ب): وله في العلم.
(3) في (ب): وصحب.
(4) في (ب): إنَّ الديا.
(5) فراغ في (أ).

قال ابن معين: إذا ذكر نعيم(1) إنساناً فقال: هو جيد وأثنى عليه، فهو شيعي، وإذا قال: مرجي فهو سُنِّي. قال في الجامع: دُكين - بضم الدال المهملة وفتح الكاف وسكون الياء والنون - واسمه عمرو بن حماد بن زهير بن درهم مولى طلحة بن عبد الله التميمي.
الفضل بن أبي السعد العصيفري
الشيخ الفضل(2) بن أبي السعد العصيفري - رحمه الله - قال في (نزهة الأبصار) للعلامة المقرئ: هو الشيخ الفضل بن أبي السعد بن العروي بن الحسين بن أحمد العصيفري المعلي الريعي، وكان من المجتهدين الأحبار، والعلماء الأخيار، وكان ابن خوارزم وقته، له رسالة في الفرائض والحساب والمساحة وعلم الهيئة وما يتعلق بذلك، وقوله في هذه حجة ومحجة، وهو خدام الفرائض وابن(3) ثابتة، وكان آخره ابن السعد(4) كذلك، وكذلك له (الفايض في علم الفرايض) فوق عشرة /13/ أجزاء، والعقد أربعة، وشرحه القاضي الأعلم الأفضل جمال الإسلام والدين سلالة الأكرمين محمد بن حسن المذحجي، وشرح (البركات) الفقيه الرضى قاسم بن محمد بن قاسم الأعرج، وسماه بـ(الرياض الزاهرات الكاشف لمعاني البركات)، وله شرح على المفتاح، انتهى.
الفضل الدمتي
(5) الفقيه العارف الفضل الدمتي - رحمه الله تعالى - هو الشيخ الكامل، العلامة الفضل بن أبي الحسين بن أحمد الدمتّي - بالدال مهملة مفتوحة بعدها ميم ساكنة بعدها تاء مثناه من أعلى وياء النسب - نسبه إلى (دمت) المشهور، قرأ على أبي الغزال المصري القادم من (الكوفة)، و(العراق)، تفقه كثيراً من فقه الزيدية، وقرأ على الشيخ العارف محمد بن سليمان بن عبد الباعث كتاب (الجليل) للبطليوسي، وقرأ عليه العلامة إبراهيم بن محمد بن علي بن يحيى بن نزار - رحمه الله - وللفضل هذا خلاف في الفروع معروف.
__________
(1) في (ب): أبو نعيم.
(2) في (ب): أبو الفضل.
(3) في (ب): أبي.
(4) في (ب): أخوه ابن أبي السعد.
(5) في (ب): الشيخ الفقيه.

الفاضل الدمتي
العالم المحقق الفاضل(1) الدمتي ابن أخي الفضل المذكور آنفاً، عالم كبير، وصنوه أحمد من العلماء أيضاً، وقد اجتمعا في كتاب وجهاه إلى علمي العلم النيرين شيخي الفضل أحمد بن حميد بن سعيد الحاربي والمطهر بن تريك؛ لأنه بلغ الفضل وأخاه، أن هذين الفاضلين بايعا السيد شمس الدين أحمد بن قاسم الحسيني الزيدي في زمن الإمام محمد بن المطهر، فأجابهما ابن تريك بقصيدة فاضلة من جملتها:
فتوبوا عن ظنونكمُ الخواطي ... ليهديكم إلهكم الصراطا
أبو الفضل العباس بن سروين
الشيخ الوحيد، نادرة زمانه، قدوة الفضلاء أبو الفضل العباس بن سروين(2) سيرانا - رحمه الله -. قال الحاكم: عالم متكلم أديب فصيح زاهد. قيل: كان يحفظ مائة ألف بيت، وله كتب في الكلام حسان، مواعظه تشبه كلام الحسن، قرأ على قاضي القضاة، ورجع إلى بلده ودرس هنالك(3)، وقصر أيامه على العلم والعمل، وكان يدعو إلى التوحيد والعدل بقوله وفعله.
حدثني أحمد بن علي بن مخلد قال: اجتمع جماعة كنت فيهم، فأنشأنا أشعاراً، فعرضناها على أبي الفضل فحكم لي بالسبق، ثم قال لي: لا تضيع أيامك، واشتغل بالعلم، ثم أنشد:
ضاع عمر الشباب عني وأخشى ... أنَّ عمر المشيب أيضاً يضيعُ
قلت: ومما نقله العلامة محمد بن الوليد الزيدي(4) القرشي عنه من روائع(5) كلمه، ما /14/ أكلته راح، وما وهبته فاح.
قلت: ومقالات(6) هذا الفاضل شهيرة، وقد ينقل عنه النقل من الأصول إلى الفروع، فنسب إلى المعتزلة كما ذكره في التذكرة وغيرها في معنى ترك(7) السنن، وهو أحج(8) علمائنا بـ(العراق) - رحمه الله تعالى- (9).
قال العلامة محمد بن سليمان - رحمه الله - في (كتاب الروضة) أبو الفضل بن شروين من علماء الزيدية.
__________
(1) في (ب): الفاضل الفضل الدمتي.
(2) في (ب): شيروين.
(3) في (ب): هناك.
(4) سقط من (ب): الزيدي.
(5) في (ب): يوانع.
(6) في (ب): مقالة.
(7) في (ب): دترك.
(8) في (ب): أحد.
(9) سقط من (ب): تعالى.

قلت: وله كتاب يسمى (المدخل إلى مذهب الهادي(1) - عليه السلام -)، وقد سمي بهذا الاسم عدة كتب في فنون مختلفه، واسمه كما ترى العباس، لكنه إن(2) طلب لا يخطر بالبال إلا في هذا المحل لاشتهاره بالكنية، وهذه الكنية الشريفة قد اشتهر بها من أصحابنا العراقيين - رحمهم الله تعالى-(3)، منهم(4) أبو الفضل الناصر من الأجلاء الأماثل، وقد مر بذهني أنه دعا، وهو مصنف كتاب (الوافي) اسمه كاسم كتاب علي بن بلال، وله كتاب (كشف الحق)، ومنهم أبو الفضل شهراشويه المدفون في (مالفحان)، صاحب (حاشية الإبانة)، ومنهم أبو الفضل(5) شهردوير صاحب (دلائل التوحيد) في الكلام وتفسير القرآن، وله أخ اسمه إسماعيل، عالم كبير، وذكر الملا يوسف الحاجي الناصري الزيدي - رحمه الله - هذا، وذكر قبله شهردوير بن يوسف(6) الديلمي المرفاني صاحب(7) (لوائح الاختبار في بحث الروح والنور والقبر)، وقال: إن هذا المسمى بأبي الفضل أبوه(8) ولعله حينئذ شهردوير بن شهردوير بن (يوسف(9)، وقد ذكر) في حواشي الإبانة (في باب الوقف شهردوير بن علي هكذا في حواشي الإبانة)(10)، ولعله شهردبير - بعد الراء المهملة دال مهملة بعدها باء بواحدة(11) بعدها تحتية مثناة آخره راء مهملة - كما ذكر هذا السيد أحمد بن أمير(12) الحسني القادم من (العراق) في إجازته للشباطي.
قلت: قال بعض العلماء: دبير بمعنى شيخ، وشهرا اسم المدينة، أي شيخ البلدة(13)، قدم المضاف إليه على المضاف على عادة العجم.
__________
(1) زيادة في (ب): إلى الحق.
(2) في (ب): إذا.
(3) سقط من (ب).
(4) في (ب): جماعة منهم.
(5) في (ب): أبو الفضل بن شهردوير.
(6) في (ب) شهردوير بن يوسف بن الحسن بن أبي القاسم الديلمي.
(7) في (ب): صاحب كتاب.
(8) في (ب): ابنه.
(9) في (ب): علي هكذا.
(10) ما بين القوسين لا يوجد في (ب).
(11) في (ب) بواحدة من أسفل.
(12) في (ب): مير.
(13) في (ب): البلد.

الفضل بن العباس الأنصاري
الفاضل العلامة، بهاء الإسلام الفضل بن العباس الأنصاري، من أعيان أصحاب الهادي(1) (- عليه السلام -)(2) والملازمين لعلومه وأعلامه، وهو كثير الرواية لأحوال الإمام لكثرة اختصاصه به، وكثيراً ما يروي عنه أبو العباس الحسني تارة بواسطة، وتارة بغير واسطة، فمما رواه أبو العباس عنه قال: حدثني سليم مولى فلان سماه لي، وكان يلي خدمة الهادي - عليه السلام - في داره، قال: كنت أتبعه حين يأخذ الناس فرشهم بالمصباح في أكثر لياليه إلى بيت صغير في الدار كان يأوي إليه، فإذا(3) دخله صرفني، فأنصرف، فهجس بقلبي ليلة(4) أن أحتبس، وأبيت على باب المسجد، أنظر ما يصنع، قال: فسهر - عليه السلام - الليل /15/ أجمع، ركوعاً وسجوداً، وكنت اسمع وقع دموعه - صلى الله عليه - ونشيجاً في حلقه، فلما كان الصبح سمع حسي، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا، فقال: سليم، ما عجل بك في غير حينك؟ قلت: ما برحت من البارحة جعلت فداك، قال: فرأيته اشتد ذلك عليه وحرَّج عليّ ألاَّ أحدث به في حياته أحداً، فما حدثنا به سليم إلا بعد وفاة الهادي(5) - عليه السلام - في أيام المرتضى.
ومما روى السيد أبو العباس عن الفضل المذكور عن عبد الله بن أحمد الطيب قال: كان يحيى بن الحسين - عليه السلام - يقول كثيراً: أنا آخذ لنفسي مثل ما أعطي أحدكم، وأنه قسم يوماً شيئاً من التمر فحبس منه ضعفي ما أعطى الواحد منا فداخلني من ذلك شيء لقوله الذي كان يقوله، ورابني من(6) ذلك إلى أن قدم بعض الغُيَّب من أصحابه من وجه بعثه فيه، فأخرج إليه نصيبه مما كان حبسه فخنقتني العبرة، وجعلت أُقبِّل أطراف الهادي(7)، وأخبرته بالأمر، فقال: أنت في حل يا أبا العباس وسعةٍ من جهتنا.
__________
(1) في (ب): الهادي إلى الحق.
(2) سقط من (ب): عليه السلام.
(3) في (ب): وإذا.
(4) في (ب): فهجس ليلة بقلبي.
(5) في (ب) زيادة: على الحق.
(6) سقط من (ب): من.
(7) زيادة في (ب): واعتذرتُ إليه.

الفضل بن عبد الله بن الحسن
السيد العلامة البليغ، الفضل بن عبد الله بن الحسن بن محمد العباسي - رحمه الله - كان فصيحاً بليغاً أيام الإمام الواثق المطهر بن محمد، و(1) كان يسكن الجراجيش في (ذمار)، وكان جده الحسن بن محمد رئيساً كبيراً، وللحسن أخ اسمه صلاح، وكان رئيساً سامياً خطيراً، وفي ذلك (الصفة)(2) عدد كبير من أولاد العباس بن علي، منهم من يسكن جبل بني الجرادي غربي (ذمار)، ومنهم من يسكن خبان، (كالعلامة المجاهد السابق في الخير)(3).
الفضل بن الزبير(4)
العلامة المجاهد السابق في الخير، الفضل بن الزبير، المسمى بالرشان، ويقال: الرشاء، هو عم أبي أحمد الزبيري صاحب دعوة زيد بن علي - عليه السلام - ذكره البغدادي في موضعين، قال: إنه ممن اشتهر بالأخذ عن زيد بن علي - عليه السلام - وتأخر موته عن موت الإمام - عليه السلام -.
__________
(1) سقط الواو من (ب).
(2) فراغ في (ب).
(3) سقط من (ب): ما بين القوسين.
(4) هذا الترجمة غير موجودة في (ب).

الفضل بن الزبير
الفضل(1) بن الزبير، هو رسول زيد بن علي إلى أبي حنيفة للبيعة، قال فضل فأنَّبته، وأبلغته(2) رسالة زيد بن علي (3) فخرس لا يدري ما يرد علي، ثم قال: ويحك ما تقول أنت؟ فقلت لو نصرته، فالجهاد معه حق، قال: فمن يأتيه في هذا الباب من فقهاء الناس؟ قلت: سلمة بن كهيل، ويزيد بن أبي زياد، وهارون بن أسعد(4)، وأبو هاشم الرماني، وحجاج بن دينار وغيرهم، فعرفهم وقال لي: إذهب اليوم، فإذا كان الغد فأتني لا تكلمني بكلمة إلى أن يجيء فتجلس في ناحية فإني سأقوم معك، فإذا قمت فاقفُ أثري فاتيته من الغد، فلما رآني قام فتبعته فقال: أقرئه مني السلام وقل له: أما الخروج معك، فلست أقوى عليه، وذكر مرضاً كان به، ولكن لك عندي معونة وقوة على جهاد /16/ عدوك، فاستعن بها أنت وأصحابك في الكراع والسلاح، وبعث بها إلى زيد(5)، ويقال: إنه كان ثلاثين ألف درهم، ويقال: دينار.
__________
(1) في (ب): الفضيل.
(2) في (ب): فأبلغته.
(3) سقط من (ب): بن علي.
(4) . في الإفادة و (ب): هارون بن سعد.
(5) زيادة في (ب): فقوى بها أصحابه.

الفضل بن علي بن المظفر
الأمير نظام الدين الفضل بن علي بن المظفر العلوي العباسي - رحمه الله - كان أميراً كبيراً، متبوعاً حسن الاستقامة، وله إجازات في علوم عدة من إمامِه المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليهما السلام - تدل على جلالته، وكان شديد الاختصاص بالإمام يقرنونه(1) بأولاده في الذكر، وشهد الحروب، وحشد القبائل لنصرة الحق، وهو أحد الداخلين إلى الأمير بدر الدين محمد بن أحمد - رضي الله عنه - بعد موت الإمام المنصور بالله - عليه السلام - يطلبونه القيام وهو بهجرة (قطابر)، فاعتذر وجزم بأن المصلحة في عقد الحسبة(2)؟ الناصر لدين الله محمد بن أمير المؤمنين المنصور بالله - عليهما السلام - والداخل إلى ذلك(3) الأمير نظام الدين هذا، والأمير جعفر بن الحسين بن داود الحمزي، والفقيه العالم الزاهد علي بن أحمد الأكوع، فقال الأمير بدر الدين: أما أنا فلا أصلح لهذا الأمر لأمور أعرفها من نفسي ولا أعرف من يصلح لهذا الأمر من إمام سابق، وأنه لا يصلح لهذا الأمر إلا من اختاره الإمام المنصور بالله في حياته، وبرز في ميادينه(4) بعد مماته - سلام الله عليه - وعرف شجاعته وبسالته، إلى آخر كلام الأمير، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - لهذا ذكر.
__________
(1) في (ب): بقربه.
(2) في (ب): الحسبة للأمير الناصر.
(3) في (ب): إلى هنالك.
(4) في (ب): فيما يدينه.

أم الفضل بنت المرتضى [ - 773هـ]
الشريفة الطاهرة الزكية أم الفضل بنت المرتضى بن المفضل(1) بن منصور، هي أحد(2) الأخوات الفضليات الكاملة صفية - وقد أفردنا لها ترجمة - وفاطمة، قال السيد جمال الدين الهادي بن الوزير: كانت عابدة زاهدة تتلو القرآن، وتتحلى بطرائق الإيمان، وتحافظ على الصلاة بمعرفة وإتقان، وتمكين الأركان، وخشوع للرحمن، وإقبال على الملك الديان، وكانت لا تشاكل في شرف النفس وفي العبادة على أفضل الحالات وأجمعها للخيرات، من المؤمنات الطاهرات الفاضلات القانتات الصالحات، توفيت سنة أربع وستين وسبعمائة.
__________
(1) سقط من (ب): بن المفضل.
(2) في (أ): أحد.

وهذه أم الفضل هي ثانيتهن. قال السيد جمال الدين: كانت تلو أختها صفية في العبادة والزهادة والوصائف الحسنة، واختصت بأمور من الفضل، منها ترك الزواج للتخلي للعبادة، فلم تتزوج قط بعد أن خطبها فضلاء السادة، فرغبت في العبادة المرضية، والطاعة لباري البريئة، وكانت قرأت كتاب (جملة الإسلام) ليحيى بن منصور، و(نُكَت) القاضي جعفر /17/ بن أحمد، ولم يكن لها في سائر العلوم قراءة إلا مطالعة، وكانت ناقلة للكتاب العزيز، مقبلة على تلاوته في الأسحار، وآناء الليل وأطراف النهار، وابتليت بالشك، فكانت لا ترضى؟ طعام أحد خشية التساهل في الطهارة، ولا تكتسي إلا من غزل يدها، وكانت لا تخرج إلى النساء الغير المحارم واللاتي يختلفن في الدور حتى الممات، ولم تشتغل بغيرها، وكان لها خفر عظيم ليس لأحدٍ ولكن(1) كان محمد بن إبراهيم بن المفضل(2) ابن عمها وأخاها من الرضاعة، فكانت لا تواجهه إلا وعليها ثياب الخفر وخمارها على وجهها من شدة الحياء، وكانت قراءتها في شهر رمضان كل يوم ختمة قراءة متقنة معروفة(3) مرضية تتلا عن ظهر قلبها - رحمة الله عليها-، فهي كاسمها أم الفضل بلا شك ولا ريب، وأعطاها الإمام محمد بن المطهر شيئاً من الثياب وكذا الإمام علي في وصولها إليهما(4)، واستطابته وجعلته كفناً، وكان الذي أعطاها الإمام علي درعه(5) وشيئاً معها.
قال السيد الهادي الكبير - رحمه الله -: توفيت في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة.
الفضل بن يحيى بن جعفر
العلامة رباني العلوم، حافظ علوم العترة الفضل بن يحيى بن جعفر بن أحمد بن أبي يحيى - رحمه الله - ترجم له السيد العلامة يحيى بن القاسم الحمزي، وقال: إنه من مشيخة الإمام الشهيد أحمد بن الحسين - سلام الله عليه-، وإنه ممن تولى تدريسه وتخريجه.
__________
(1) في (ب): وقد.
(2) في (ب): مفضل.
(3) في (ب): معربة.
(4) سقط من (ب): إليهما.
(5) في (ب): دراعه.

فليتة بن أحمد بن سليمان
السيد الشهيد ربى حجر الخلافة بهاء الدين فليته بن أمير المؤمنين أحمد بن سليمان(1). قال السيد العلامة صلاح بن الجلال - رحمه الله - في حقه: إنه بلغ إلى رتبة الإمام، وأخوه المحسن مثله ونزلا لغرض إلى تهامة فقتلا، وأمهما بنت السلطان فليتة، وما يحضرني شيء من أحوال السلطان إلا صحبته للإمام ومبايعته، ثم ما جرى منه إلى الإمام في آخر الأمر، وقبضه للإمام في ثاقب.
فليتة بن جعفر القاسمي
الشريف الأمير فليتة بن جعفر القاسمي، كان خطيراً علامة شهيراً، من أنصار الدين إماماً في العلوم، فايق النظم والنثر، ومن شعره - رحمه الله - القصيدة المشهورة التي طالعها:
شجاك من الربع القديم التذكر ... وهيهات قد مرت ليالٍ وأعصر
وحالت به الحالات حتى تنكرت ... معالمه واستفهم المتحير
منازل كانت بالقطيع فأقفرت ... وقصر لذي غمدان شادته حمير
(بصنعاء) إذ صنعاء للملك منزل ... وللساكنيها جنة تتخير
منازل سام لم تزل مذ زمانه ... إلى اليوم بالأملاك والملك تعمرُ /18/
على عهد نوح والخليل وسبطه ... وموسى وعيسى عنده الدين مظهر
وأول أرض قيل فيها محمد ... نبي له في آل هود مبشرُ
بها الخير إما كنت للخير باغياً ... وإما شجاك المشرب المتكدرُ
إلى آخرها، وهي جيدة.
__________
(1) في (ب): الإمام أحمد بن سليمان - عليهم السلام -.

فياء حسن بن بوية [ - 372هـ]
السلطان الكبير عضد الدولة فباحسدو بن الحسن بن نوبة أبو شجاع بن ركن الدولة من بني ساسان الأكبر، هذا أظهر الأقوال في نسبهم، وقال في (قلائد الجمان): آل بويه من أولاد يافث، وقيل من بني باسل بن أسور بن سام، وقيل: هم من العرب، وهو قريب مما قبله، إلا أن هذا القائل نسبهم إلى باسل بن طائحة بن إلياس بن مضر، وضعفه أبو عبيدة(1)، قال الجلال الأسيوطي في (البغية): إنه أحد العلماء في العربية (2) والأدب، كان فاضلاً نحوياً شيعياً، له مشاركة في عدة فنون، وله في العربية أبحاث حسنة وأقوال، نقل(3) ابن هشام الخضراوي في الأفصاح أشياء، وكان كامل العقل، غزير الفضل، حسن السياسة، شديد الهيبة بعيد الهمة، ذا رأي ثاقب، محباً للفضائل، تاركاً للرذائل، نازلاً في أماكن العطاء ممسكاً (في أماكن الحزم، له في الأدب يد متمكنة ويقول الشعر، تولى ملك فاس ثُمَّ ملك الموصل وبلاد الجزيرة ودانت له البلاد والعباد)(4). وهو أول من خطب له على المنابر بعد الخليفة، وأول من لقب في الإسلام شاهنشاه، وله صنف أبو علي(5) (الإيضاح والتكملة)، وهو الذي أظهر قبر علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بـ(الكوفة) وبنى عليه المشهد، مات يوم الاثنين ثامن شوال سنة اثنين وسبعين وثلاثمائة بعلة الصرع بـ(بغداد)، ونقل إلى (الكوفة)، وعاش ثماني وأربعين سنة، انتهى ما أحببت نقله من كلام الأسيوطي(6)، قال عبد الله اليافعي في تاريخه: إنه كتم عن الناس موته إلى أول سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة حتى أحضروا ولده صمصام الدولة، فجلس للعزاء و جاء الطالع إلى صمصام فعزاه، ثم ولاه الملك وعقد له لوائين، ولقبه شمس الدولة.
__________
(1) في (ب): أبو عبيد.
(2) في (ب): بالعربية.
(3) في (ب): نقل عنه.
(4) مابين القوسين زيادة في (ب).
(5) في (ب): أبو علي الفارسي.
(6) في (ب): السيوطي.

قلت: ذكره في رجال الزيدية الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن رسول الله - عليه السلام - وهو الخريت الماهر.
قال الحاكم في العيون عند تعداد من قال بالعدل والتوحيد من الولاة ما لفظه: ومنهم آل بويه أكثرهم يميل إلى التوحيد والعدل ومذهب الزيدية، فمنهم عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه، وركن الدولة أبو علي(1) الحسن بن بويه، ومعز الدولة أبو الحسين بن بويه، وكان أبو الحسين يقيم بـ(بغداد) يقدم أهل /19/ الكلام، وكان يميل إلى الشيخ أبي عبد الله، ولما مرض مرض موته دعا الشيخ أبا عبد الله حتى لقنه بشرائط التوبة، ولزمه حتى مات، وقال يوماً للإمامية: أين إمامكم؟ فقيل(2): وأين إمامك؟ فقال: هذا، وأشار إلى أبي عبد الله بن الداعي، وتوافقت الرافضة والحشوية على قصد الشيخ أبي عبد الله، وأغرى أبو الحسن بن علي الطيب نقيب العلويين به أهل (كرخ) وبلغ ذلك معز الدولة، فاستعظم غاية الاستعظام، وأنكر ذلك عليهم إنكار مثله، وأمر برده إلى مجلسه، وأنفذ إليه أكابر دولته تعظيماً له، وكان يعظمه لعلمه واعتقاده، ولأنه أستاذ أبي عبد الله(3) الداعي، فأما عضد الدولة أبو شجاع فياخسرو بن الحسن فقد اشتهرت أخباره بالسياسة وحسن السيرة وبسط العدل، وله حظ وافر في العلم والأدب وشعر الملوك، وكان زيدياً يقدم أهل العدل، فلما دخل (بغداد) أحب أن يلقاه الشيخ أبو عبد الله، (وكان الشيخ يأبى ذلك حتَّى حمله الأصحاب على المصير إليه، وكان به النقرس فحمله الأشراف)(4) وكان المخالفون ينتظرون دخوله ويقولون: إن مدحه ودعا له ترك مذهبه وإلا أوقع به، فلما دخل داره استقبله عضد الدولة إلى صحن داره، وسأله عن حاله فقال: أصلح الله الأمير، وزينه بالعدل فإن الملك يبقى مع الكفر (ولا يبقى مع الظلم)(5)، ثم
__________
(1) في (ب): أبو علي بن الحسن.
(2) في (ب): فقيل له.
(3) في (ب): عبدالله بن.
(4) ما بين القوسين زيادة في (ب).
(5) مابين القوسين زيادة في (ب).

سأل عضد الدولة عمن كان معه من أصحابه واحداً واحداً، وأمر لهم بجائزة حسنة.
قال السيد أبو طالب: وكنت ممن حضر ذلك المجلس ووصل إلى جائزته وانصرف أبو عبد الله، (ومنهم مؤيد الدولة بويه بن الحسن أبو منصور، وهو خليفة عضد الدولة وزر له الصاحب، ومنهم)(1) فخر الدولة أبو الحسن بن علي بن الحسن بن بويه وزر له الصاحب مدة، وفي مؤيد الدولة يقول الصاحب:
مفاخر ما نالها قط أحد ... يحوزها المولى الهمام(2) المعتمد
مؤيد الدولة وابن ركنها ... وابن أخي معزها أخو العضد
وكان يقدم قاضي القضاة، ويعظمه إعظام مثله، وكذلك أمراء آل بويه بعده، ومنهم مجد الدولة بن فخر الدولة، وله صنف القاضي كتابه الملقب بالمحدى، وأما (مختار)(3) بن معز الدولة فخلط الرفض بالمذهب، وكان ماجناً. وكان المتقدمون منهم يذهبون مذهب العدل ويميلون إلى الزيدية إلى أن انتهى الأمر إلى أواخرهم فدخلوا في عهد القرامطة وانقطعت دولتهم.
__________
(1) سقط من (ب) ما بين القوسين.
(2) في (ب): الإمام.
(3) في (ب): يختار.

قلت: ومن عجيب أمر عضد الدولة ما حكاه الفاضل (السيوطي)(1) جريح الأئمة خلاصة العترة في كتاب (نشوات(2) المحاضرة) قال: حدث عضد الدولة قال: حدثتني أمي أنها كانت ولدت لأبي ابناً /20/ كناه أبا دلف، فعاش مدة يسيرة ومات فحزنت عليه ولحقني جزع كاد أن يأتي على نفسي إشفاقاً من أن ينقطع عقبي من(3) ركن الدولة، ولما في طبع النساء من استنكار المصائب، ثم إن مولاي ركن الدولة سلاني وأقبل عليّ، وتطاولت الأيام فسلوت وإني بعد ذلك ونحن بأصفهان فحملت حملاً، فلما عرك في فؤادي لحقني من الخوف والقلق والجزع أعظم شيء خوفاً من أن ألد بنتاً؛ فينقطع في الحقيقة رؤيتي لركن الدولة فضلاً عما سواها لشدة (كراهته)(4) في الإناث، وكنت أعزي نفسي بالمنى إلى أن دخلت في شهري فلم تقر بي الأرض خوفاً وجزعاً، وأقبلت على البكاء بين يدي الله - عز وجل - والصلاة كل ليلة أكثر الليالي، والدعاء أن يجعله ولداً سوياً محظوظاً، فكنت أسهر أكثر الليالي وأصلي وادعو، فلما كان بعض الليالي أكثرت ونمت على حصر المحراب، وكنت قد نقلت فرأيت في النوم كأن شيخاً نظيفاً عريض اللحية والأكتاف أعين قد دخل عليّ، فلما تَبينت صورته علمت أنها صورة غير ركن الدولة، فارتعت وقلت يا جواري من الذي يتجاسر أن يدخل إليّ غير مولاي ركن الدولة، فتساعى الجواري نحوي فزجرهن وقال: أنا علي بن أبي طالب، فقمت أسعى إليه وقبلت الأرض بين يديه، فقال: لا لا فقلت: يا أمير المؤمنين قد ترى ما أنا فيه؛ فادع الله - عز وجل - أن يجعل حملي ذكراً سوياً، فقال: يا فلانة، وسماني باسمي، قد فرغ الله من هذا، إنك ستلدين ولداً ذكراً(5) سوياً، سعيداً ذكياً، عاقلاً بارعاً في آداب وعلوم، كثير المال، عظيم الذكر، عالي السلطان، عزيز الشأن، شديد البطش، جليل الخطر في الملوك، متيقظاً في سياسته،
__________
(1) في (ب): التنوخي.
(2) في (ب): نشوان.
(3) في (ب): عن.
(4) في (ب): كراهيته.
(5) زيادة في (ب): نجيباً.

يملك هذه البلاد و(فارس) (وكرمان)(1) و(البحرين) و(عمان) و(العراق) و(الحيرة) إلى (حلب)، ويكون من حاله كذا، ويملك كذا، ويسوس الناس بالرهبة، ويغلب الأعداء، ويكون من أعظم الملوك شأناً، وأكثرهم أموالاً وفتوحاً، وذكر شيئاً طويلاً، ووصف أشياء كثيرة، ويعيش كذا وكذا سنة، ويملك بعده ولده، ويكون من حالهم كذا وكذا، ويكون آخر من يملك منهم شيخاً ينتقل الملك على يده. قال عضد الدولة: فلما ذكرت هذا المنام، وتأملت أمري، ووجدته كما قال حرفاً بحرف، ومضت السنون وانتقلت إلى فارس، لما استدعاني عماد الدولة واستخلفني عليها، ونشأت وصرت رجلاً، ومات أبي وخدمني أبو الحسين المنجم الصوفي(2)، وكان(3) أبو الحسين قد علم المنام ومضت سنون واعتللت علة ضعيفة آيس مني فيها الطبيب، وآيست من نفسي، وكان تحويل سنتي تلك في /21/ النجوم رديئاً جداً، وزادت العلة حتى أمرت أن يحجب الناس كلهم ولا يصل إليّ أحد البتة إلا صاحب النوبة في أوقات، ومنعت الطيب أيضاً فأقمت ثلاثة أيام وأربعة أيام، وأنا أبكي في خلواتي على نفسي، فجاءني صاحب النوبة فقال: أبو الحسين الصوفي منذ الغداة يطلب الوصول، وقد جهدنا به في الانصراف بكل طريق جميل ورفق فلم ينصرف وقال: لا بد لي من الوصول إليه، وقد عرفته أن قد رسم إلي ألاَّ يصل إليه أحد من خلق الله تعالى أجمعين، فقال الذي حضرت به بشارة لا يجوز تأخيرها، فعرفه هذا واستأذنه في وصولي. فقلت له: - بضعف صوت وكلام خفي - يريد يقول بلغ الكوكب الفلاني المكان الفلاني، ويهذي علي من هذا الجنس ما يضيق به صدري، ويزيدني على ما أنا فيه وما أقدر على سماع كلامه، فانصرف فخرج الحاجب ورجع متعجباً وقال: إما أن يكون أبو الحسين قد جن، أو معه أمر عظيم، وإنني عرفته ما قال مولانا، فقال: ارجع إليه وقل(4) له: والله لو أمرت بضرب عنقي ما
__________
(1) لا توجد في (ب): كرمان.
(2) في (ب): الصوفي المنجم.
(3) في (ب): فكان.
(4) في (ب): فقل.

انصرفت أو أصل إليك، ووالله ما أكلمك في معنى النجوم بكلمة واحدة، فعجبت من ذلك عجباً شديداً مع علمي بعقل أبي الحسين وأنه ممن لا ينحرف(1) معي في شيء، وتطلعت نفسي إلى ما يقوله؛ فقلت: ادخله، فلما دخل قبل الأرض، وبكى وقال: أنت والله في عافية(2) واليوم تبرأ، ومعي معجزة بذلك، فقلت: ما هي؟ فقال: رأيت البارحة علي بن أبي طالب - عليه السلام - والناس يهرعون إليه يسألونه حوائجهم، وكأني قد قدمت إليه(3)، وقلت: يا أمير المؤمنين أنا رجل غريب في هذه البلاد تركت نعمتي (بـ(الري)) وتجارتي وتعلقت بخدمة هذا الأمير الذي أنا معه وقد بلغ إلى حد اليأس من العلة، وقد أشفقت من هلاكه، فأهلك بهلاكه، فادع الله تعالى بالعافية له، فقال: تعني أبا الحسن بن بويه، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: امض إليه غداً وقل له: أنسيت ما أخبرتك به أمك في المنام عني وهي حامل(4)، أفليس قد أخبرتها عدة(5) عمرك وأنك ستعل(6) كذا وكذا سنة علة ييأس منك فيها أطباؤك وأهلك، ثم تبرأ وأنت تصح من هذه العلة غداً ويتزايد(7) صلاحك، وتركب وتعود عاداتك ولأقطع عليك قبل الأجل الذي أخبرتك به أمك عني. قال عضد الدولة: وكنت قد أنسيت المنام وأن أمي قالت لي في المنام إذا بلغت هذه السنة أمرض فحين سمعت الحال حدث لي في نفسي في الحال قوة ونشاط، فقلت: أقعدوني، فجاء الغلمان وأمسكوني(8) حتى جلست على الفراش (9) واستعدت حديث أبي الحسين فأعاده فقويت /22/ نفسي أيضاً، وتولدت لي شهوة الطعام واستدعيت الأطباء فأشاروا بتناول غداء وصفوة(10)، وعمل في الحال؛ فأكلته ولم ينقضٍ اليوم(11) الذي قال عنه أبو الحسين حتى
__________
(1) في (ب): يحرف.
(2) في (ب): في عافية لا بأس عليك.
(3) في (ب): تقدمت.
(4) في (ب): حاملة.
(5) في (ب): بمدة.
(6) في (ب): ستعتل.
(7) في (ب): وتزايد.
(8) في (ب): وأمسكوني وأقعدوني.
(9) سقط من (ب): الفراش.
(10) في (ب): غذاءه وصفوه.
(11) في (ب): وقال.

نالني من الصلاح أمر عظيم وأقبلت(1) العافية، فركبت وعاودت عاداتي، قال عضد الدولة: كنت أشتهي ألاَّ يكون في المنام شيء، وكنت أشتهي أن يكون فيه شيء، أما ما كنت أشتهي ألاَّ يكون فيه فهو أنه (وقف على(2) (حلب) أن أملكه)، ولو كان عنده أني أملك شيئاً من وراء (حلب) لقاله، وكأني أخاف أن يكون هذا حد ملكي من تلك الناحية، يعني(3) أنه لما جاء الخبر بإقامة سيف الدولة(4) لي بحلب وأعمالها ودخوله تحت طاعتي، وذكرت(5) المنام فتنغص عليّ لأجل هذا الاعتقاد، وأما(6) ما كنت أشتهي أن يكون فيه، فهو أني أعلم من هذا الذي يملك من ولدي وهو شيخ وينتقل الملك على يديه، فمات عضد الدولة بعد هذا بنحو سنتين.
__________
(1) في (ب): وأمسكوني وأقعدوني.
(2) في (ب): أني أملك حلب.
(3) في (ب): حتى.
(4) في (ب): الدعوة لي بحلب.
(5) في (ب): وذكر.
(6) في(أ): وأمَّا كنت.

قلت: هذه الرؤيا دالة على عناية أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - بمحبيه وإن فقدوا شيئاً من الاستقامة في المعاملة لله، فأقاموا(1) بأمر وهي المحبة إذا زلت بصاحبه قدم ثبتته أخرى، وهذا قد اتفق لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فيمن أحب ولده - عليه السلام - وإن كان في الولد جفاء واتفق أيضاً منه في المنامات غضب على من أساء إليهم، وقد أحسن أبو هاشم المعتزلي في قوله: لا يحل سب العاصي الهاشمي حشمة من(2) رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأحسن منه قول الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليه السلام -: إنه يتبرأ من فعل الفاطمي ولا يتبرأ منه، ومثله بالآية المنسوخة الحكم فإنه لا حكم لها، وحرمتها باقية لا يحل للجنب مسها، وكذلك كانت فاطمة - عليها السلام - تغضب لغضب ولدها ويشاهد منها في المنام ما هو أشد في الغضب من اليقظة، وكان يتفق لي (جزوء مجلده)(3) من هذا القبيل، حكى كثيراً منه السخاوي الشافعي، وقد اعتنيت بذكر(4) شيء عند ترجمة الأعمش - رحمه الله تعالى - وأذكر هنا كالبرهان لما قلته ما حكاه الشريف ابن عنبة في (العمدة) ما لفظه: ووجدت عن بعضهم أنه(5) لما قتل زيد بن علي - عليه السلام - وصلب، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - تلك الليلة مستنداً على خشبة وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون أتفعلون هذا بولدي؟!.
__________
(1) في (ب): قاموا.
(2) في (ب): حشمة لرسول الله…
(3) في (ب): جزء مجلد.
(4) زيادة في (ب): قال.
(5) في (ب): وقد كاد.

وحكى ابن عنبة في (العمدة) الكبرى أنه حكى شيخ الشرق النسابة وأبو علي النسابة العمري أن الشريف أبا القاسم بن أبي جعفر الأدرع الحسني أراد بيع جارية يقال لها فرعان، فرأى أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - في نومه يقول: لا تبع فرعان فهي حامل، ورأت أخته أم /23/ القاسم بنت أبي جعفر الأدرع فاطمة - عليها السلام - تقول لها: ذلك فأمسكها فولدت سمانة بنته.
قلت: وكان محب آل محمد أحمد بن موسى سهيل الرازي(1) من عيون المحبين لعلي وأسرته وهو بذلك مشهور، وقد مضت ترجمته، ولَعَلَي ذكرت القصة هناك، أخبرنا الثقات أنه بات بمنزله بـ(صعدة)، وقد أشفى على الانهدام، وهو لا يشعر، فرأى أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - يقول له: قم منزلك الآن يخرب، فقام وتفل عن يمينه ويساره وتحول عن الشق الذي كان عليه، وظن أن هذا كناية عن نقص في دينه، ثم أغفى فرأى ثانية، ثم فعل كذلك فرآه ثالثة جذبه بيده حتى استقام قائماً وانهدم(2) المنزل.
__________
(1) في (ب): النزاري.
(2) في (ب): وانحدم.

قلت: وفي (نشوات(1) المحاضرة) عدة من هذا القبيل، منها ما حكاه عن الصولي، قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن طاهر، قال: لما عاد محمد أخي من مقيل(2) يحيى بن عمر العلوي بعد(3) مدة مديدة دخلت عليه يوماً سحراً، وهوكئيب مطأطئ الرأس في أمر عظيم كأنه قد عرض على السيف، وبعض إخوانه حوله قيام ما يتجاسرون على مساءلته وأخته واقفة، فلم أتجاسر على خطابه وأومأتُ إليها: ماله؟ فقالت: رأى رؤيا هالته، فتقدمت إليه وقلت: أيها الأمير، روي عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فليتحول على جانبه الآخر ويستغفر الله - عز وجل - ويلعن إبليس، وليستعذ بالله منه ولينم، قال: فرفع رأسه وقال: كيف(4) إذا كانت الطامة من جهة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -؟ فقلت: أعوذ بالله، فقال: ألست ذاكراً رؤيا طاهر بن الحسين؟ فقلت: بلى، قال عبد الله: وكان طاهر وهو ضعيف الحال قد رأى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في منامه فقال له: يا طاهر، إنك ستبلغ من الدنيا أمراً عظيماً فاتق الله واحفظني في ولدي(5)، فإنك لا تزال محفوظاً ما حفظتني في ولدي، فما تعرض طاهر قط لقتال علوي، وندب إلى ذلك غير دفعه، فامتنع منه، قال: ثم قال لي أخي محمد بن عبد الله: إني رأيت البارحة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في منامي كأنه يقول لي: يا محمد نكثتم، فانتبهت فزعاً، وتحولت واستغفرت الله - عز وجل - واستعذت من إبليس ولعنته ونمت، فرأيته - صلى الله عليه وآله وسلم - الثانية وهو يقول لي: يا محمد نكثتم، ففعلت كما فعلت ونمت فرأيته - صلى الله عليه وآله وسلم - وهو يقول(6): يا محمد نكثتم وقتلتم أولادي والله لا تفلحون بعدها أبداً، وانتبهت وأنا على هذه الصورة من نصف الليل ما نمت، واندفع
__________
(1) في (ب): نشوان.
(2) في (ب): مقتل.
(3) سقط من (أ): مدة.
(4) في (ب): فكيف.
(5) سقط من (ب).
(6) في (ب): يقول لي.

يبكي، فما مضت على ذلك مديدة حتى مات محمد ونكبنا بأسرنا أقبح نكبة، وصرفنا عن ولايتنا، ولم يزل أمرنا يحمل حتى لم يبق لنا اسم على منبر ولا علم ولا في جيش ولا بإمارة، وحصلنا تحت المحن إلى الآن.
وحكى السيد الشريف النسابة أحمد بن علي /24/ بن الحسين بن علي بن مهنى بن عنبة الأصغر صاحب كتاب (العمدتين) الكبرى والصغرى عند تكلمه في أنساب أولاد داود بن موسى - عليهم السلام - قصة قال: ولبني داود بن موسى حكاية جليلة مشهورة بين النسابين وغيرهم، مروية مسندة وهي مذكورة في ديوان ابن عنين، وهي: أن أبا المحاسن نصر الله ابن عنين الدمشقي الشاعر توجه إلى (مكة) - شرفها الله تعالى - ومعه مال وأقمشة، فخرج عليه بعض بني داود، فأخذوا ما كان معه وسلبوه وجرحوه، فكتب إلى الملك العزيز ابن أيوب صاحب (اليمن)، وكان أخوه الملك الناصر أرسل إليه يطلبه ليقيم بالساحل المنيح(1) من الإفرنج، فزهده ابن عنين في الساحل ورغبه في (اليمن)، وحرضه على الأشراف الذين فعلوا به ما فعلوا، وأول القصيدة شعراً:
أعيت(2) صفات نداك المصقع اللسنا ... وحزت في الجود حد الحسن والحسنا
وما تريد بجسم لا حياة له ... من خلص الزبد ما أبقى لك اللبنا
ولا تقل ساحة الإفرنج أفتحه ... فما يساوي إذا قايسته عدنا
وإن أردت جهاداً روِّ سيفك من ... قوم أضاعوا فروض الله والسننا
طهر بسيفك بيت الله من دنس ... ومن خساسة أقوام له وخنا(3)
ولا تقل إنهم أولاد فاطمة ... لو أدركوا آل حرب حاربوا الحسنا
قال: فلما قال هذه القصيدة رأى في النوم فاطمة الزهراء - عليها السلام - وهي تطوف بالبيت، فسلم عليها فلم تجبه، فتضرع وتذلل، وسأل عن ذنبه الذي أوجب عدم جواب سلامه، فأنشدت الزهراء - عليها السلام -:
__________
(1) في (ب): المفتيح. ولعله: المنيع.
(2) في (ب): أغنت.
(3) هذا البيت زيادة في (ب).

حاشا بني فاطمة كلهم ... من خسة تعرض أو من خنا
وإنما الأيام في فعلها(1) ... وفعلها السوء أساءت بنا
أإن أسا من ولدي واحد ... جعلت كل السب عمداً لنا
فتب إلى الله فمن يقترف ... ذنباً بنا يغفر ما قد جنا(2)
أكرم لعين المصطفى جدهم ... ولا تهن من آله أعينا
فكلما نالك منهم غنى(3) ... يلقى به في الحشر منا هنا(4)
قال أبو المحاسن نصر الله بن عنين:فانتبهت من منامي فزعاً مرعوباً، وقد أكمل الله عافيتي من الجراح والمرض، فكتبت هذه الأبيات وعرضتها(5) وتبت إلى الله مما قلت وقطعت تلك القصيدة وقلت:
عذراً إلى بنت نبي الهدى ... تصفح عن ذنب مسيء جنا
وتوبة تقبلها من أخي ... مقالة توقعه في العنا
والله لو قطعني واحد ... منهم بسيف الهند أو بالقنا
لم أر ما يفعله سيئاً ... بل أره في الفعل قد أحسنا
__________
(1) في (ب): غدرها.
(2) هذا البيت زيادة في (ب).
(3) في (ب): عنا.
(4) في (ب): تلقى به في الحشر مناغنا.
(5) في (ب): وحفظتها.

/25/ قال الشريف ابن عنبة: وقد اختصرت ألفاظ هذه القصيدة، وهي مشهورة، وقد ذكرها(1) الشيخ أبو عبد الله محمد بن معية الحسني، وجدي لأمي الشيخ فخر الدين أبو جعفر محمد بن الشيخ الفاضل السعيد، وزين الدين حسين بن جديد الأسدي كلاهما عن السيد السعيد بهاء الدر(2) داود بن أبي الفتوح، عن أبي المحاسن نصر الله بن عنين صاحب الواقعة، وقد ذكرها البادراوي في كتاب (الدر النظيم)، وغيره من المصنفين، وفي كتاب الجليس والأنيس للعلامة المعافا ابن زكريا النهرواني - رحمه الله تعالى - وهو كتاب كاسمه، وصاحبه المعافا من أجل أهل وقته حتى قالوا(3) في زمنه: لأعلم الناس الصرف في المعافى ومن أوصى لأعقل(4) الناس صرف فيه، ومن أوصى لأزهد الناس صرف فيه، قال بعد إسناد ساقه إلى أحمد بن الخطيب قبل وزارته قال: كنت كاتباً للسيدة مشجاع(5) أم المتوكل، فإني لذات يوم قاعد في مجلس في ديواني إذ خرج علي خادم خاصة ومعه كيس، فقال لي: يا أحمد إن السيدة أم المؤمنين تقرئك السلام وتقول لك: هذا ألف دينار من طيب مالي، خذها وادفعها إلى قوم مستحقين يكتب لي أسماءهم وأنسابهم ومنازلهم، فكلما جاءنا من هذه الناحية صرفناه إليهم فأخذت الكيس وصرت إلى منزلي ووجهت حلفاء(6) ممن أثق به فعرفتهم ما أمرت به وسألتهم أن يسموا لي من يعرفون من أهل الستر والحاجة فسموا لي جماعة ففرقت فيهم ثلاثمائة دينار، وجاء الليل والمال بين يدي لا أصيب محقاً وأنا في (……)(7) وبعد أقطارها وتكاثف أهلها ليس بها محق يأخذ(8) ألف دينار وبين يدي بعض حرمي، ومضى من الليل ساعة، وغلقت الدروب، وطاف العسس وأنا مفكر في أمر الدنانير؛ إذ سمعت باب الدرب يدق، وسمعت البواب يكلم رجلاً من ورائه،
__________
(1) في (ب): ذكر.
(2) في (ب): بهاء الدين.
(3) زيادة في (ب): من أوصى.
(4) في (ب): لأفضل.
(5) في (ب): سجاع.
(6) في (ب): خلقاً.
(7) في (ب): وأنا أفكر في سير من رأى وبعد أقطارها.
(8) في (ب): تأخذ.

فقلت لبعض من بين يدي: اعرف الخبر، فعاد إلي فقال: بالباب فلان بن فلان العلوي يسأل الإذن عليك، فقلت: مره بالدخول، وقلت لمن بين يدي: كونوا من وراء هذا الستر فما قصدنا هذا الوقت إلا لحاجة، فدخل، وسلم، وجلس، وقال لي: طرقني في هذا الوقت طارق لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من ابنةٍ لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا والله ما عندنا ولا أعددنا ما يعد الناس، ولم يكن في جواري من يقرع عليه(1) غيرك، فدفعت إليه من الدنانير ديناراً فشكر وانصرف، فخرجت ربة المنزل فقالست: يا هذا أتدفع إليك السيدة ألف دينار تدفعها(2) إلى /26/ مستحق(3) فأي محق(4) من ابن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في الدنيا مع ما قد شكاه إليك؟، فقلت(5) لها: فأيش السبيل؟ قالت: تدفع الكيس إليه، فقلت: يا غلام رده فرده، فحدثته(6) الحديث ودفعت إليه الكيس فأخذه وشكر وانصرف، فلما ولىّ جاء إلي(7) إبليس - لعنه الله - فقال لي: المتوكل وانحرافه على هذا(8) البيت، تدفع إليك ألف دينار تدفعها إلى محقين تكتب أسماءهم وأنسابهم ومنازلهم، فبأي شيء تحج وقد دفعت إلى علوي سبعمائة دينار؟ فقلت لربة البيت: أوقعتني فيما أكره، فأما سبعمائة دينار أو زوال النعمة وعرفتها ما عندي. فقالت: اتكل على جدهم، فقلت: دعي هذا عنك المتوكل وانحرافه بأي شيء أحتج أيش أقول. قالت: اتكل على جدهم، فما زالت تمثل هذا القول ومثله إلى أن اطمأننت وسكنت وقمت إلى فراشي فما استثقلت نوماً إلا وصوت الفرائق على الباب فقلت لبعض من يقرب مني: من على الباب؟ فعاد إلي فقال رسول السيدة تأمرك بالركوب إليها الساعة، فخرجت إلى صحن الدار والليل بحالته والنجوم بحالتها، فقالوا: لا بد وأن تركب، فركبت فلم
__________
(1) في (ب): تفزع إليه.
(2) في (ب): فحدثه.
(3) في (ب): محق.
(4) في (ب): فأي محقٍّ أحق من...
(5) في (ب): قلت.
(6) في (ب): فحدثه.
(7) سقط من (ب).
(8) زيادة في (ب): أهل.

أصل إلى الحوش إلا وانا في موكب من الرسل، فدخلت الدار فقبض خادم على يدي فأدخلني إلى الموضع الذي كنت أصل، ووقفني وخرج خادم خاصه من داخل فأخذ بيدي وقال لي: يا أحمد إنك تكلم السيدة أم أمير المؤمنين، فقف حيث توقف ولا تكلم حتَّى تسأل، فأدخلني إلى دار لطيفة، فيها بيوت عليها ستور مسبلة وشمعة وسط الدار، فوقفني على باب منها فوقعت(1) لا أتكلم، فصاح بي صائح يا أحمد، فقلت: لبيك يا أم أمير المؤمنين، فقالت: حساب ألف دينار بل سبعمائة(2) دينار وبكت، فقلت في نفسي بلية علوي أخذ المال ومضى ففتح دكاكين العانسين(3) وغيرهم واشترى حوائجهم وتحدث به(4) وكتب به بعض أصحاب الأخبار فأمر المتوكل بقتلي وهي تبكي رحمة لي، ثُمَّ أمسكت عن الكلام، وقالت لي يا أحمد حساب ألف دينار بل(5) سبعمائة دينار، ثُمَّ بكت ففعلت ذلك ثلاث مرات، ثُمَّ أمسكت وسألتني عن الحساب فصدقها عن القصة، فلما بلغت إلى ذكر العلوي بكت وقالت: جزاك الله يا أحمد خيراً(6) وجزى من في منزلك خيراً. أتدري ما كان من خبري الليلة؟ فقلت: لا، فقالت: كنت نائمة في فراشي، فرأيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وهو يقول: جزاك الله خيراً وجزى أحمد بن الخطيب خيراً، وجزى من في منزله /27/ خيراً، فقد فرجتم الليلة عن ثلاثة من ولدي ما كان لهم شيء، خذ هذه الحلي وهذه الثياب وهذا المال فادفعه إلى زوجتك وقل يا مباركة جزاك الله عنا خيراً، فهذه دلالتك وخذ هذا يا أحمد لك، فدفعت إلي مالاً وثياباً، فخرجت تحمل ذلك بين يدي وركبت منصرفاً إلى منزلي، وكان طريقي على باب العلوي، فقلت: أبدأ به إذ كان الله - عز وجل - رزقنا هذا على يديه، فدققت الباب فقيل لي من هذا؟ فقلت: أحمد بن الخطيب، فخرج إلي وقال: يا أحمد هات ما معك، فقلت بأبي أنت
__________
(1) في (ب): فوقفت.
(2) في (ب): ألف مائة.
(3) في (ب): العاصيين.
(4) سقط من (ب).
(5) زيادة في (ب): حساب.
(6) في (ب): يا أحمد جزاك الله خيراً.

وما يدريك ما معي، فقال لي: انصرفت من عندك بما أخذته منك ولم يكن عندنا شيء فدخلت على ابنت عمي فعرفتها الخبر ودفعت إليها المال ففرحت وقالت: ما أريد أن نشتري شيئاً ولا آكل شيئاً ولكن فصل(1) وادع حتى أُأَمن على دعائك، فقمت وصليت ودعوت وأمنَت ووضعت رأسي ونحت فرأيت جدي - عليه السلام - في النوم وهو يقول لي: قد شكرتهم على ما كان منهم إليك وهم يأتونك بشيء فاقبله، فدفعت إليه ما كان معي(2) وانصرفت وصرت إلى منزلي، فإذا ربة المنزل قلقة قائمة تصلي وتدعو، فعرفت أني قد جئت معافاً، فخرجت إلي وسألتني عن خبري فحدثتها الحديث على وجهه فقالت: ألم أقل لك اتكل على جدهم؟، فكيف رأيت ما فعل؟ فدفعت إليها ما كان لها، انتهى.
__________
(1) في (ب): ولكن قم فصل.
(2) في (ب): مني.

وحكى المعافا ابن زكريا في هذا الكتاب بإسناده أن إسحاق بن إبراهيم قال: بينما أنا يوماً قاعد دخل علي رجل فقال: أنا رسول رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إليك، قال(1): أطلق القاتل المحبوس، فقلت: ليس عندي قاتل محبوس، قال: بلى، قال: فأمرت أن يفتش فذكر لي رجل، فأمرت بإحضاره، فرفع في قصته أنه رجل وجد معه سكين وأنه أُخذ والسكين معه، فقلت: ما قصتك؟ فقال: أنا رجل يتري(2) قد عملت كل بلية من الزنا والعشق والسرق(3)، كنا جماعة في دار فأدخلنا(4) امرأة فصاحت وقالت: يا قوم اتقوا الله فإني امرأة من ولد الحسين بن علي ومن ولد فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: فدفعتهم عنها، فقالوا: يا فاسق لما قضيت حاجتك منها تدفعنا عنها، فجاذبتهم وجاذبوني حتى قتلت رجلاً منهم وخلصتها من أيديهم فابتدروني ومعي(5) السكين وحبست، قال: قلت: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - جاءني وأمرني بإطلاقك، قال: فقال إني تائب إلى الله - عز وجل - وإلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من كل شيء كنت فيه، ولا(6) أعود في شيء منه أبداً. قال(7): فأطلقته، انتهى.
فوز بنت محمد بن حسن
السيدة الشريفة المطهرة فوز بنت محمد بن حسن بن يحيى بن علي(8)، من ولد العفيف بن منصور. قال السيد الهادي بن إبراهيم بن محمد بن الوزير - رحمه الله -: /28/ هي الشريفة العالمة صاحبة الخط البديع، وخطها مشهور معروف في مصاحف ومقدمات معنا ومع غيرنا، وكانت تقري في العربية محارمها من الرجال، قبرها بـ(صنعاء) بالمشهد الأحمر قريب من مسجد وهب.
__________
(1) في (ب): قال لك.
(2) في (ب): بتري.
(3) في (ب): والفسق والشر.
(4) في (ب): فأدخلنا على امرأة.
(5) في (ب): وبيدي.
(6) في (ب): فلا.
(7) سقط من (ب): قال.
(8) في (ب): بنت مفضل بن يحيى بن علي..

حرف القاف
القاسم بن إبراهيم اليوسفي
السيد العلامة، الحجة الحافظ، الورع الناسك المتعبد، رباني العلوم علم الإسلام القاسم بن إبراهيم اليوسفي - رحمه الله تعالى - كان فرد(1) زمانه وحيد أوانه، مرجعاً عند الخطوب، مفزعاً عندما ينوب، جالياً للمشكلات، ذكره السيد الحافظ جمال الإسلام الهادي بن إبراهيم في المسائل المذهبية، وأثنى عليه، وذكره في تاريخ آل الوزير في موضعين عند ذكر الإمام المهدي محمد بن المطهر، وأنه لما عقد صلحاً بينه وبين سلطان (اليمن) اعترضه فيه فأجاب عن الاعتراض، وقال فيه: وما فعلت هذا إلا عن رأي السيد الإمام مجد الإسلام المرتضى بن مفضل، وعن رأي السيد علم الدين قاسم بن إبراهيم والسيد قاسم كان إماماً ورعاً، وسكن الرحاء في (الشرف)، وهو صاحب الأبيات التي يغلط فيها كثير من الناس فينسبونها إلى القاسم بن علي العياني، وهي:
أصبحت يا مولاي جارك في الثرى.
الأبيات المعروفة، وقال في الموضع الثاني: كان السيد قاسم بن إبراهيم اليوسفي الهادوي علامة عصره، وآية دهره، و(2) له علم واسع وفضل باهر، سكن الرحاء، وله الأبيات المشهورة التي أولها:
أصبحت يا مولاي جارك في الثرى ... متوسداً جنب اليمين كما ترى
مستسلماً للأمر ما لي حيلة ... متقطع الأسباب منحل العرا
ولها تخميس حسن، وقد تقدم ذكر ذلك. (3) قلت: يعني السيد القاسم ممن عاصر هؤلاء السادة وعاضدهم في تقوية هذا المذهب، وكان بسبب هذه الخلطة دخول من دخل من الأصحاب إلى (الشرف) ومخالطة من فيه من العلماء وأهل الصلاح.
__________
(1) في (ب): فريد.
(2) في (ب): سقط من (ب): و.
(3) في (ب): فكان هذا السيد.

قلت: وأراد بهؤلاء السادة: الأمير صلاح بن تاج الدين والسيد الكبير يحيى بن منصور هذا ما ذكره السيد الهادي ولم يذكر نسبه السيد علم الدين، إلا بنسبته له يوسفياً، وذلك صريح أنه من ولد الإمام يوسف الداعي، وقد ذكر السيد صلاح الدين صلاح بن الجلال أن من ولد القاسم بن يوسف وولد ولده الحسين بن القاسم ساكني (الرحا) و(قِلْحَاح(1))، وقالوا: إن المراد بهجرة فلجال(2) أيضاً الرحا فإنه يقال لجميع (الشرف) شرف فلحاح وملحاح(3) أيضاً، كان(4) معين فيه كان مستقر السلاطين بني أبي الحفاظ، وفي (الرجاء) أيضاً أشراف من ولد القاسم بن علي العياني وبيت من الحمزات.
القاسم بن إبراهيم الحسيني(5)
__________
(1) قِلْحَاح: حصن في منطقة أفلح اليمن من بلاد حجة. يرجع تاريخ عمارته إلى القرن السادس الهجري، وهو في قمة تل مرتفع يشرف على سهل خطاب. معجم المقحفي 1293.
(2) في (ب): فلجاح.
(3) في (ب): فلجا.
(4) في (ب): مكان.
(5) لا توجد هذه الترجمة في (ب).

السيد الفاضل، /29/ الكبير وارث السلف، علم الدين القاسم بن إبراهيم الحسيني الزيدي نسباً ومذهباً بن إبراهيم بن المطهر بن أبي طالب يحيى بن الحسن بن يحيى بن القاسم بن الإمام محمد بن القاسم بن الحسين بن محمد بن القاسم بن يحيى بن الحسين بن الإمام الشهيد زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - ذكره في تاريخ السادة، وذكره الأمير صلاح الدين، قال في التاريخ: إنه سكن (ملاحاً) من أرض المشرق، وذكر أن ولده يحيى بن القاسم كتب إلى الواثق أبياتاً يعاتبه على النزول معنا على ابن ميكائيل، وكان ابن ميكائيل يدعي أنه شريف من أولاد الحسن بن علي، وكان والياً للمجاهد على تهامة، فلما قبض المجاهد تغلب على ما تحت يده، وحاربه الأفضل واستعان عليه بالأشراف فنزلوا معه، قال: وكان هذا السيد يعني يحيى ووالده يعني القاسم من عيون أهل البيت المطهرين، وهم من أهل بيت رئاسة في الأشراف يسكنون (ملاحاً) ويقسطون بها، قال السيد قاسم في ذلك:
من أحسن الأرض (مصراً) و(العراقان) ... أما (ملاحا) فما فيها لها ثان
وله - رحمه الله تعالى -:
يا خليلي بالدعاء ... شاركاني وقاسما
رحم الله قائلاً ... رحم الله قاسما
القاسم بن إبراهيم بن المفضل

السيد العالم الكامل، علم الدين القاسم بن إبراهيم بن المفضل بن منصور - رحمه الله تعالى-(1). قال السيد الهادي بن إبراهيم بن محمد فيما أظنه: كان من فضلاء أهل بيته كثير العبادة، والإخبات والزهادة، وكان متعلقاً بعمه المرتضى أكثر من تعلقه بأبيه، وزوجه ابنته الشريفة المطهرة فاطمة بنت المرتضى، وكان له انقطاع كلي إلى العبادة لا يكاد يفتر، وكان لكثرة ولعه بعمه المرتضى أنه في أعقاب كل صلاة، يستوصي، ويسأل الله في حاجة له، ولا يفصح بها أبداً، فأصابه ألم الموت فقال: أتدرون ما تلك المطلبة التي لازمت الله تعالى فيها، واستعنت بأهل الفضل في سؤال الله؟ قالوا: لا. قال(2): أن يتوفاني الله قبل(3) عمي المرتضى، وأظنها قد نفذت. فكان كما قال، وكان من فضله أن قام المرتضى على قبره، وصلى عليه، وشيع جنازته وقبره (بجرع عناش) بالقرب من قبر والده.
قلت: جرع عناش مشهد لأهل هذا البيت الشريف في جبل (بني حجاج) عند قبر السيد حميدان بن يحيى.
القاسم بن إبراهيم بن تاج الدين
السيد التقي الكامل، القاسم بن أمير المؤمنين بن إبراهيم بن تاج الدين - رحمه الله-.
قال السيد صلاح بن الجلال: كان معروفاً بالخيرات(4) والصلاح والتقى والبصيرة، قبره/30/ في المقبرة التي على(5) باب مسجد الأمير تاج الدين منفرداً الأمر ناحية المغرب، فهو متصل بقبر الأمير الخضر بن الإمام الحسن.
القاسم بن إبراهيم بن محمد بن الهادي [ - 851هـ]
السيد البليغ العالم علم الدين القاسم بن إبراهيم بن محمد بن الهادي بن إبراهيم بن المؤيد - عليهم السلام -.
__________
(1) سقط من (ب): تعالى.
(2) في (ب): قال هي:..
(3) في (ب): قبل موت عمي.
(4) في (ب): بالخير.
(5) في (أ): على مسجد.

قال في المشجَّر المنسوب إلى الأمير صلاح بن الجلال: وبعضه من تكميل الإمام الهادي لدين الله عز الدين بن الحسن، وبعضه من إملاء العلامة عبد القادر صاحب السلوك في الفقه ما لفظه: كان عالماً سيما في العربية، فصيحاً، ومات بأعلى (فللة)، ودفن بالمشهد المبارك حول قبة الإمام علي بن المؤيد سنة إحدى وخمسين وثمانمائة.
القاسم بن أحمد بن إسماعيل
السيد الكبير، العلامة السراج المنير، القاسم بن أحمد بن إسماعيل بن أبي البركات بن أحمد بن القاسم(1) بن محمد بن القاسم بن إبراهيم بن(2) إسماعيل بن إبراهيم(3) بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام -.
قلت: هو من علماء العترة النبوية، وسادات العصابة العلوية، وهو جد الإمام الشهيد أحمد بن الحسين - عادت بركاته-(4)؛ لأن أحمد بن الحسين(5) بن القاسم بن عبد الله بن القاسم هذا صاحب الترجمة.
قال السيد الإمام المتضلع في العلوم يحيى بن القاسم الحمزي: إنه دعا إلى كتاب الله وسنة رسوله بجهة (حراز)، وتكنى بالمنصور بالله، واستقر ملكه في أكثر (اليمن). وقال غير السيد(6) المذكور ما قاله السيد يحيى على السواء، وزاد فقال: وأعانه أخواله - السادة(7) الأمراء ذو الشرفين - والفاضل محمد، والقاسم ابنا جعفر بن الإمام القاسم بن علي، وابن عمهم الأمير الحسن بن إبراهيم بن سليمان بن الإمام القاسم الذي حصّن (ثلا).
__________
(1) سقط من (ب): القاسم.
(2) سقط من (ب): بن.
(3) في (ب): بن إبراهيم بن يحيى.
(4) في (ب): بركته.
(5) في (ب): أحمد بن الحسين بن أحمد..
(6) في (ب): السيد يحيى المذكور.
(7) في (ب): إعانة أخوال الأمراء السادة.

قلت: فما كان لهذا التاريخ لدعوته غير أنها كانت خفية، وكان الأميران وابن عمهما لا يعينانه على دعوة محققة؛ لأنهما تركا الدعوة في الظاهر لاعتقادهم حياة الحسين بن القاسم، والأظهر أن تركهما الدعوة لاعتقاد أنصارهما(1) ذلك وشيعتهما، فبكل حال ما يظهر دعوة لهذا(2) الشريف ويراد بها الإمامة؛ لأنهم مانعون متمنعون(3)، إما للوجه الأول أوالثاني.
القاسم بن أحمد الأمير
السيد الجليل العلامة النبيل القاسم بن أحمد(4) الأمير يحيى بن منصور.
قال في (تاريخ السادة) - رحمهم الله -: إنه العالم الكبير، والسيد الشهير، ولم يزد على هذا، وهذه كلمات دالة على نجابة وفضل، غير أن أعلام علمائنا لم يذكروا هذه الصفات إلا تبعاً لمقاصد من تشجير الأنساب أو مناضرة.
القاسم بن محمد بن سليمان الجيلي
__________
(1) في (ب): أنظارهما.
(2) في (ب): هذا.
(3) في (ب): ممتنعون.
(4) زيادة في (ب): بن.

الفقيه العلامة الصدر، شمس الدر، داعي أمير المؤمنين أبو محمد(1) القاسم بن محمد بن سليمان الجيلي الزيدي الناصري صاحب بلهجان - رحمه الله - من العلماء الكبار المعول عليهم في (العراق) وغيره، ووجه الإمام المظلل بالغمام رسالته ودعوته التي قال فيها: ونحن نعلمكم - أيدكم الله - /31/ والحمد لله رب العالمين، أن فينا من العلماء المبرزين عدداً كثيراً، وجماً غفيراً من العترة(2) الهادية المهدية وأتباعهم من الفرقة الناجية الزيدية، فمن العترة شموس علم باهرة، وأقمار تم(3) زاهرة، فمنهم من أولاد القاسم بن إبراهيم جماعة وافرة، يرجون للإمامة، ويؤهلون للزعامة، ويحف بهم من علماء الزيدية نجوم علم منيرة، وأقمار فهم مديرة، من عيونهم المشاهير الفقيه العالم ابن العالم جمال الدين حميد بن أحمد محيط بالأصولين إحاطة الهالة بالقمر، ومحتوي على الفروع احتواء الأكمام على الثمر، ضارباً في علم الفرائض بالحظ الوافر، ومن العربية بنصيب غير قاصر، أشبه أباه الشهيد حلماً وعلماً، وماثله خلقاً وخلقاً(4)، ومن أشبه أباه فما ظلم، ثم ذكر الإمام جماعة من فضلاء الشيعة.
القاسم بن أحمد بن عبد الله الشاكري
سيف الإسلام، ولسان الملة، العالم الكبير، الفقيه حقاً، البليغ المجاهد، المحقق في فنون العلم، القاسم بن أحمد بن عبد الله الشاكري(5)، نسبة إلى جبل يسمى شاكر من ظاهر همدان، يتصل بجبل الميفاع، هو لسان البلاغة، والمسور لها بأساوره المصاغة، إمام في العلوم بأسرها، وله صنف القاضي الأجل أحمد بن نسر كتاب (الوسيط) في الفرائض.
__________
(1) في (ب): أحمد.
(2) في (أ): العقلاء.
(3) في (ب): وأقمار منهم زاهرة.
(4) في (ب): خلقاً وحلماً.
(5) في (ب): عبد الله بن أحمد الشاكري.

قال في خطبة (الوسيط): وبعد فإنه لما سمع علي الفقيه الأجل الأكمل، رفيع القدر والمحل، نظام الدين ولسان المتكلمين وقريع الميادين، القاسم بن أحمد الشاكري - طول الله عمره، وأعلى في الدارين درجتة -، مذاكرة في الفرائض ألقيتها عليه على وجه الإجمال، من غير أن آتي له بمثال، على الحد الذي كنت سمعته من شيخي - جزاه الله عني خيراً -، فسألني بعد ذلك المساعدة إلى تعليقها، وبيان كل مسألة وتحقيقها، فأجبته إلى ما قال، واستعنت(1) له بالسؤال.
قلت: وأحمد بن نسر بن مسعود بن عبد الله بن عبد الجبار العنسي صاحب (الوسيط)، لعلها قد سبقت له ترجمة، وشيخه الذي لَمَّح إليه القاضي العلامة الزاهد علي بن مسعود النويرة تلميذ الفضل بن أبي السعد العصيفري، كما أثبت ذلك المقراي في نزهته - رحمه الله -.
قلت: والقاسم بن أحمد الشاكري أحد من صحب الإمام المهدي أيام دراسته، وتولى من أمر تدريسه وتهذيبه ما يحسن الله جزاءه، وصحبه في المشاهد، وقاول بلسانه، وقاتل بسنانه (2)، وكان يقود العسكر، للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى قتل في ناحية (الظفير) - رحمه الله - وقيلت فيه المراثي، وناح عليه الفضلاء، وهو الحاضر لقضية الحشيشيين الذين سطوا على الإمام أحمد بن الحسين، وقبض الشفرة، ودافع - رحمه الله - أحسن دفاع، وله شعر وجهه إلى (الجيل والديلم) وأرسل هو والعلماء بقصيدة المتوكل أحمد بن المنصور الذي امتدح بها الملك المظفر الرسولي التي منها /32/:
لعل الليالي الماضياتِ تعودُ ... فتبدو نجوم الدهر وهي سعودُ
عفا منزلٌ ما بين نعمان واللوا ... وجرت به للرامسات(3) برودُ
وكانت به العِيْنُ الغواني أوانساً ... فأضحت(4) به العين الوحوش ترودُ
__________
(1) في (ب): وأسعفت.
(2) في (ب): فقاتل بسنانه وقاول بلسانه.
(3) الرامسات: الرياح الدوافن للآثار. القاموس المحيط (549).
(4) في (ب): فأصبحت.

مجر أنابيب الرماح ومبتنى ... قباب ظباء ريقهن برودُ(1)
كأن غصون الدوح فوق عراصها ... (قنا الخط تهفو)(2) فوقهن برودُ(3)
فيا (دار ما)(4) بين العيينة والحمى ... هل الروض روض والزرود (زرودُ)
فكيف بمن أمسى (ظفار) محله ... ومن بات قد حالت عليه ((زبيدُ))
هوي بـ(نجد) والمنى بـ(تهامة) ... متى يلتقي بالمتهمين نجودُ
وإنّ فتىً تبقى مواثيق عهده ... على مثل ما لاقيته لجليدُ
ولما سرى البرق الشآميّ هاج لي ... جوى واشتياقاً ليس فيه مزيدُ
فهل لجنوب الريح إن تلثم الثرى ... بنشر تحيات لهن صعودُ
على أربع بين (الصعيد)(5) و(صعدة) ... وبين (براش) لي بهن عهودُ
مشاعر حج الطالبين ولا الأذى(6) ... قريب ولا نحح الرجاء بعيدُ
(7)ولما قصدت الملك ذا التاج يوسفاً ... علمت بأن الهم ليس يعودُ
دعوت فلباني فتى لا مُزيَّد ... ملول ولا واهي اليدين بليدُ
ومالي لا أرخي الركاب إلى ذرا ... به الشهب شهب والصعيد صعيدُ
__________
(1) بَرُود: بارد.
(2) في (أ): فبالحظ يهفو.
(3) بُرُود: أثواب مخططة، وأكسية يُلْتحف بها. المرجع السابق (267).
(4) في (ب): دارنا.
(5) في (ب): الصعد.
(6) ولا ألاذ.
(7) في (ب) يتخلل بين هذا البيت وسابقه: (ومنها في مدح السلطان المظفر).

ثم ساق في مدح الملك المذكور وتعقب ذلك الكائبات التي فيها الخطب العظيم من قتل الإمام أحمد بن الحسين، وفي أثناء كتابة هذه إلى الملك فعل أحمد بن المنصور رسالة إلى الجيل والديلم، وكان بليغاً متكلماً فصيحاً، فتظلم(1) وخشي العلامة الشاكري أن ينخدع أهل الجيل والديلم، فكتب قصيدة فائقة رائقة غابت عني عند كتابة هذه القصيدة مع أنها المقصد، لكن حال دونها بعد المحل الذي كتبها فيه فيها(2) ذكر أحوال المتوكل وميله إلى الدنيا، وأنه أوفد نفسه على السلطان وامتدحه بهذه القصيدة، وكان الشاكري كثير العناية بالدين والشرع، وشعره واسع كثير، فمما حضرني ما قاله من قصيدة في حرب (سناع)(3) مع الإمام المهدي أحمد بن الحسين - عليه السلام -:
أشوقاً إذا غنت بايكٍ حمائمه(4) ... لربع عَفَتْ آياتُهُ ومعالمهُ
بكت ساربات المزن بالقطر موهنا ... عليه وأضحت باسماتٍ كمائمهُ
نثرت(5) به الجون المداليح برهة ... فراقت معاينه(6) ورقت مباسمه
33/ إذا أنثرت(7) فيها السحائب لؤلؤاً ... بدا زهره رقماً مشوقاً دراهمه
ولما سرت فيها النسيم تأودت ... غصون روابيه وفاحت لطائمه
أشيم له البرق اللموح إذا شرى ... وهل يستقى من بارق لاح شائمهُ
يسامره ليل التمام متيم ... أخو زفرات موجع القلب هائمهُ
وما زلت أرعى العهد بيني وبينهم ... إذا ضيعت من حق عهد لوازمه
ومن يك ممزوق المودة ناسياً ... فما أنا إلا صادق الود دائمه
تذكرت عصراً في (سناعٍ) مضت به ... مدونة ألحانه(8) وملاحمه
أقام عليه الجيش ستة أشهرٍ ... أسنته مشهورةٌ وصوارمه
نلاقي به جيش العدو وننثني ... وقد أعولت في كل حي مآتمه
__________
(1) في (ب): متظلم.
(2) في (ب): كتبها فيه ذكر أحوال.
(3) في (ب): في أيام حرب سناع.
(4) في (ب): حمامة.
(5) في (أ): الثت.
(6) في (ب): معانيه.
(7) في (ب): نثرت.
(8) في (ب): أيامه.

فطوراً نعاديه إلى عقر داره ... وطوراً(1) يعادينا تبارى صلادمه(2)
وهي طويلة غراء - رضي الله عنه - وقد اقتصرنا على هذا. وعارض هذه القصيدة السيد الأمير البليغ يحيى بن القاسم الحمزي؟ بجامع سيرة(3) الإمام أحمد بن الحسين، وهو من أخوال الإمام، فقال قصيدة أولها:
هو الصب فاقصد بالذي أنت لائمه ... ودعه فيكفيه الذي هو كاتمه
فلو هصرت غصن الهوى منك لوعة ... عذرت فخل الدمع ينهلُّ ساجمه
وهي(4) طويلة، أيضاً طائله، استشهد هذا العلامة الشاكري في تاريخ (...).
القاسم بن أحمد بن حميد
__________
(1) في (أ): وحوراً.
(2) الصَّلادم: شديدة الحوافز. القاموس المحيط (1130).
(3) في (ب): جامع سنن.
(4) في (أ): وهو.

إمام المعقول والمنقول، ولسان فروع العلم والأصول، علم الدين القاسم بن أحمد بن حميد(1) بن أحمد بن حميد بن محمد بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد الرزاق بن إبراهيم بن أبي القاسم بن علي بن الحسن بن إبراهيم بن محمد بن يزيد النعيس المحلي الوادعي الصنعاني الهمداني، مطلع الخفيات في مطالع الأهلة، والكاشف لظلم الشكوك بشموس الأدلة، كان من أوعية العلم سيما في(2) الأصولين، وتكلم وسبق، واعترف له الناس بفخره، واغترفوا من بحره، له في علم الكلام على شرح الأصول الخمسة (الغرر والحجول) كتاب فائق، وله على (الجوهرة) في أصول الفقه تعليق سماه (الصامتة) أفاد فيه وأجاد، وانتقد غاية الانتقاد، وسماه بعض العلماء برازي الزيدية لتبحره في المعقول(3)، وقد ذكره صاحب (النزهة) وذكره السيد الهادي في التاريخ، وحكي(4) أن السيد محمد بن أبي القاسم كان إمام الصلاة في مسجد (حوث)، فالتفت بعد الإقامة فأمر بتعديل الصفوف كما جاءت به السنة النبوية، فقال له الفقيه قاسم المذكور العجب ممن يعرف من /34/ هو أعرف منه، وقبر الفقيه قاسم في مقبرة (صنعاء) حرسها الله تعالى(5).
أبو القاسم بن أحمد بن الهادي الصنعاني
العلامة(6) المحقق أبو القاسم بن أحمد بن الهادي الصنعاني - رحمه الله - شيخ الإمام القاسم في (الكشاف) وشيخ غيره فيه، كان عالماً فاضلاً خصوصاً في الكشاف، وقبره بجربة الروض.
القاسم بن أرقم
العلامة المجاهد، السيف المنتضى، القاسم بن أرقم - رحمه الله تعالى - من الذين أخذوا عن الإمام الأعظم زيد بن علي - عليهما السلام - ذكره القاسم بن عبد العزيز البغدادي.
أبو القاسم بن الأغر
__________
(1) زيادة في (ب): أحمد بن.
(2) سقط من(ب): في.
(3) في (ب): لتبحره في العلوم.
(4) في (ب) زيادة: عنه.
(5) في (ب): حرسها الله - رحمه الله تعالى -.
(6) في (ب): العالم.

العلامة الكبير، أبو القاسم بن الأغر(1) - رحمه الله - كان من شيوخ الزيدية وكبارهم، وكان بينه وبين الإمام المهدي الحسين بن القاسم محاولات ومقاولات.
القاسم بن جعفر بن القاسم بن علي العياني [ - 468هـ]
واسطة عقد الأمراء، ورابطة مجد الكبراء، سلطان الإسلام، وعلم العترة الأعلام، المعروف بالفاضل القاسم بن جعفر بن أمير المؤمنين القاسم بن علي العياني - رحمه الله - السابق الذي لا يبارى، والنير الذي لا يتوارى، الفاضل كاسمه، ترجم له العلماء بالتراجم الطوال، بل صنف الشيخ مفرح الريعي(2) كتاباً مبسوطاً في أحواله وأحوال أخيه ذي الشرفين، وقد وسع العلماء في شرح أحوالهما.
قال السيد الهادي بن إبراهيم الفاضل: هذا هو الذي نسب(3) إليه درب الفاضل بـ(الجوف)، وكان إماماً عالماً عاملاً، فارساً كاملاً، وكان أهل زمانه يفضلونه على حمزة بن أبي هاشم في كماله، وقتل بـ(الجوف) بالوادي، ونقل إلى (الحضن)(4) من بلاد (وادعة).
قلت: وقبره شهير مقصود من النواحي، وعنده عمارة، ومجامع للناس، وعمل هنالك بركة للماء وسيعة رميثة عن أمر الإمام أمير المؤمنين المؤيد بالله - عليه السلام - وكان هذا الأمير حتفاً لأعداء الله، وكانت في زمانه وقائع منكية لقلوب الأعداء، مبكية لعيونهم.
__________
(1) في (ب): أبو القاسم بن أبي الأغر…
(2) في (ب): مفرج الربعي.
(3) في (ب): ينسب.
(4) في (ب): الحضين.

قال الشيخ أبو العمر مسلم اللحجي: لم يكن في زمن حمزة بن أبي هاشم والفاضل من آل الرسول أقوم منهما بعبادة الله تعالى فيما بلغني، ولا أشد غضباً لله على المعاصي، وكان القاسم - يعني الفاضل - أعلاهما عند الناس درجة في ذلك، ثُمَّ قال: إنه وحيد في قرنه وأقرانه ورجاله وزمانه، معدوم المثل على كل حال، ومما يعرف به القاسم بن جعفر من الغضب لله مع قيامه على الصليحيين مرةً بعد أخرى أنهم لما صاروا إلى (شهارة) في شهر رمضان سنة ستين وأربعمائة، وذلك بعد قتل علي بن محمد الصليحي، وعجز المكرم ابنه وسائر ملوك الدعوة الصليحية عن الظفر، وقتلهم حاشد بن كديس، وحوله ابن محمد، وهما من سلاطينهم بالرحبة من (نجد الحبلة) تحت (شهارة)، وهزمهم هزيمة بعد أخرى، لبثوا إلى سنة ثلاث وستين، ودعا جعفر بن الحسن الشمري، وخطب للصليحيين على منبر الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين - عليهما السلام - بـ(صعدة) /35/ فنهض القاسم بن جعفر بنفسه ولم يرض بنائب عنه حتَّى دخل (صعدة) (1) فقبض علي الشمري ورجع به إلى (شهارة)، فلبث في سجنها إلى سنة سبعين وأربع مائة، وأظهر النكرة والغضب مما صنع حتى مدح بذلك، وقد قيل فيه الشعر، قال مفرح بن أحمد الريعي:
كن يا رسول إذا عزمت مشمراً ... وعلى السفارة بالبشارة عازماً
واقصص لمولانا الأمير محمد ... أخبار مخرجنا وأوب سالما
(2)قد نأمر الخيل المتبع(3) جيادنا ... لدن الأعنة كالصخور صلادما
فمضين شعثاً كالعشار مواظياً ... وسللن سرقاً كالظباء سواهما
يتبعن أسمط هاشم وهما مها ... نجل الأئمة ذا المهابة قاسماً
فدخلن هجرة جده الهادي بنا ... أكرم بها وبه إليها (قادما)
متغضباً لما طغت واستعملت ... سكان (صعدة) رايها المتقادما
فدعى(4) المجلع فوق منبر جدنا ... فدنا إليه المساقط(5) المتلاحما
__________
(1) سقط من (ب): دخل صعدة في.
(2) في (ب): ومنها.
(3) لعلها: المنيع.
(4) في (ب): ومنها.
(5) في (ب): الماقط.

ورجعن بالأسرى(1) وكانت عندنا ... دون الغنائم والإناث عقائما
قلت: ولبث الشمري بالسجن بـ(شهارة) في بعض الروايات ست سنين إلا شهرين، وفي أخرى سبع سنين، ولم يخرج إلا بعد تسليم ثلاثة آلاف دينار، وسنذكر شيئاً من أحوال هذين الأميرين وما أنفقاه في نكاية الأعداء عند ترجمة الأمير ذي الشرفين وما لقي منهما الصليحي على مساعدة الأيام من أحد ما لقي منهما.
وروى القاضي أحمد بن عبد السلام أن(2) أبا يحيى والد القاضي جعفر أن الشريف الفاضل كان يقول: أما أنا سأفقر بني الصليحي، فأما القتل لهم فلا أصل إليه، فتحرك لذلك بعد أن استقر الأشراف وشيعتهم بـ(شهارة)، فصادف(3) حركته مجاعة شديدة أتت على (صنعاء) وأعمالها خاصة، وعلى (اليمن) عامة، فسلم إليه قبائل (صنعاء) ما في أيديها من الجبال والحصون، وبقي (بيت بوس)(4) بأيدي الصليحيين، فلزم أصحاب القاسم بن جعفر جبلاً فوقه يعرف بـ(قرن عنتر)، وهو يسمى اليوم (ظفار) كما قال السيد محمد بن عبد الله الوزير(5)، وهو يحاذي (أرتل) و(سناع)، وبناه من بعد الملك المظفر وأخربه من بعد ذلك فحصرهم من ثمه ومن مقطوع (كنز)(6)، وكانت في طاعته (آل أبي الفتوح) و(خولان العالية)، وعسكر بعض أصحابه(7) بـ(نعمة) و(السر) و(المشرق) كله، وبعضهم بناحية (ثلا) لحصار الرواحيين بـ(شبام) و(كوكبان) وبنى ابن عمه الحسن بن إبراهيم بن سليمان بن القاسم بن علي جبل (ثلا)، وهو أول من بناه، فضايقوهم بـ(صنعاء) و(شبام) حتى أداهم ذلك بعد أن طال الحصار إلى الهرب عن (صنعاء) إلى (ذي جبلة)، وقد صار في /36/ أذان نساء الصليحيين أخراص الصفر، وبيعت الآلات والثياب والمراكب وحلي الأسلحة وغير ذلك، وكان من سبب ذلك أيضاً أن قبائل مشرق (همدان) من (عذر) و(ذبيان)
__________
(1) في (أ): بالأسر.
(2) في (ب): أبي.
(3) في (ب): فصادفت.
(4) في (ب): بوس.
(5) في (ب): الوزير.
(6) في (ب): كنن.
(7) في (ب): أصحابه بجبال بنعمة والشرق والمشرق.

كانت قد أقبلت إلى المكرم فحلفت على السمع والطاعة وحرب الأشراف، ولم يكن في خزائنه ما يعطيهم إياه، فضرب لهم قدر صفر دنانير، فاحتيل(1) على تلوينه بما صبغه حتى قبلوه، وكان العطاء أربعة أربعة، فأخذوا عطاهم ورجعوا إلى طاعته حتى أتوا سوق (حدفان) من (الرحبة) فتقدم بعض مشائخهم بدينار مما معه لشراء صوف استرخصه فأعطاه البيع(2) فرده ثم أعطاه آخر فرده ثم ثالثاً ورابعاً حتى رد ما معه، قال: كيف ترد دنانير مولانا، فادنوه من أنفه، فشم رائحة الصفر فالتفت إلى أصحابه فأخبرهم، فجعل كل ينظر ما معه من تلك الدنانير ويرمي به، ثم انصرفوا غضاباً على المكرم، وكانوا بعد من أشد أعوان القاسم - عليه السلام -.
قال: وإن القاسم ومحمد ابنا جعفر بن القاسم نظرا في أمر البلاد والحصون التي بأيديهما، وكانت نحواً من ثلاثين قلعة ومما يدخل عليها من جبايات(3) البلاد، وما يؤخذ من سائر البلاد، وكان قد تؤخذ معونة ثلاثة أرباع المال مع الإعسار، وما يصطفى من الصوافي قدره سبعون ألف دينار في السنة، فسقط في أيديهما، وأيقنا بالهلاك لمن معهما. فأخفيا الأمر وكتبا في ليلة واحدة إلى جميع النواحي يأمران أصحابهما بالتخلي عن المراكز والعساكر والقلاع والتخلص بالحيلة إليهما، وكانا بـ(مسور) المنتاب، فقلد أمر البلد المنصور بن الحسين بن المنتاب وأودعاه الحريم، وانسلاّ حتى هبطا بطن (شرس) وأدرك من علم بهزيمتهما من أصحابهما، فنهب نفر وقتل آخرون، فصارا إلى جبل (شهارة)، فأقاما فيه ولحق بهما أصحابهما، وكانت مدة كريهما(4) ثلاثون شهراً.
__________
(1) في (ب): واحتيل.
(2) هكذا في الأصل.
(3) في (ب): فوجد النفقة كل يوم سبعين ألف دينار وما يحصل من جبايات البلاد.
(4) في (ب): كرتهما ثلاثين.

قلت: والفاضل - عليه السلام - قد صار أهل هذه المملكة الصليحية، وفي ذهني أنه في أيام شباب دولتهم دخل (الحجاز) و(مكة)، واجتمع بالشريف شكر بن أبي الفتوح الحسني الزيدي - رحمه الله - ورأيت بخطي(1) ولعله منقول من (اللآلي) عن سيرة مفرح أنها كانت أيام عمر الفاضل قبل بلوغ الحلم خمس عشرة سنة، وفي سفر الشام سبع سنين، وفي حرب بني الصليحي بعد مراحه من الشام عشر سنين، وفي الدراسة ست عشرة سنة، وفي أيام حربه للسلطان علي بن محمد بني (الهرابة) وحصّنها، وأجرى إليها وشلا من موضع عندها، فسار إليه علي بن محمد الصليحي بجميع أهل (اليمن) وملوكه، فحاصره سبعين ليلة وقاتل عليها قتالاً شديداً، وقطع الماء عن السيد الفاضل حتى قال: والله ما أعلم أحداً بُلي /37/ قبلي بمثل ما بليت به، فإن الحسين - عليه السلام - منع الماء ثلاث(2) ليال وأنا منعت الماء سبعين ليلة، ولما دخل الصليحي (الهرابة) عقيب استيلائه عليها دخل وهو ضام لأنفه من رائحة جيفة الموتى وأخذ يتعجب من صبر من كان (3) بها حتى قال: والله لو ملكت رجالاً كرجال (الهرابة) لأملكن بهم (العراق)، ثم إن السيد الفاضل وقف في (صنعاء) محبوساً نحو عامين، وكانت زوجة الصليحي أسماء محسنة إلى الفاضل في أيام حبسه، ثم أطلقه الصليحي.
__________
(1) في (ب): أو أظنه.
(2) في (ب): ثلاث.
(3) سقط من (ب): كان.

قلت: وقد ذكر الإمام(1) صلاح بن الجلال أن الفاضل وذا الشرفين (حبسا بجميعاً)(2) كانا بـ(الهرابة) وحبسا جميعاً، وهكذا حكاه ابن المظفر عن غيره في (الترجمان)، وأن الشريفين حبسا جميعاً، ثم أطلقهما بشفاعة أبيهما جعفر بن الإمام(3)، والأشهر أنه الفاضل وحده، وكان الصليحي يعظم جعفر بن الإمام، وأنه في مقامه عنده ما سبقه إلى صباح قط بل يسبقه الصليحي فيصحبه، قيل: وكان موت جعفر عند الصليحي. وسبب موته فيما ذكره مفرح أن الصليحي جمع ملوك (اليمن) وحصر الكريدين ملوك المعافر في حصن (السواء) وحصن (السمدان)، فنازلهم الصليحي هنالك وجعل وباء البلاد وعفونتها كالسم لملوك (اليمن) الذين معه، فمرض الملوك وماتوا، وكان الأمير جعفر بن أمير المؤمنين من أجلهم، وهو أجلهم، فتوسط بين الصليحي وبين الكريديين(4) بأمان وضعه الصليحي لهم ثم غدر الصليحي في الأمان، فمات الأمير جعفر من الغيظ والشريف الفاضل يستغرق أحواله مجلدات، ولكن هذا اللائق بهذا التاريخ، ومن عجيب أمره أنه كان للدولة منجم يسمى بحرا، وهو مشهور، وكان متبحراً في علم الفلك، وكان يسأل في الموالد والعزاءات، فعرض رجل مولد الشريف الفاضل ولم يخبره من هو فلما نظر إليه تأمله وعرف مضمون دلالته، فقال بحر: لمن هذا الولد؟ فقال السائل: لرجل من أجاد الناس، فقال بحر: فكيف بك إذا خفقت الرايات فوق رأس هذا المولود وملك الناس والبلاد؟ حكى هذا عن بعض العلماء بني الوزير(5) - رحمهم الله تعالى-(6)، أعني ما قاله المنجم.
__________
(1) في (ب): الأمير.
(2) زيادة في (أ): حبساً جميعاً.
(3) . هو الذي خصه .... مفرح مؤلف سيرتهما.
(4) في (ب): الكريدي.
(5) في (ب): آل الوزير.
(6) سقط من (ب): تعالى.

استشهد الفاضل - رحمه الله - يوم الثلاثاء لسبع بقين من صفر سنة ثماني وستين وأربعمائة، كان ذلك بـ(الجوف)؛ لأنه أراد عمارة غيل (عمران)، وكانوا كارهين لذلك فاستجعلوا جعالة من أحمد الصليحي، فلما قتله المستجعلون وهم من قبائل (نهم) جاءوا إليه للجعالة، فقال(1): تقتلون ابن رسول الله(2)، ثُمَّ تأتون للجعالة، فرجعوا خاسرين للدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
القاسم بن جعفر
السيد(3) الأمير السامي القاسم بن جعفر، من أولاد ذي الشرفين، فاضل كامل صحب الإمام أحمد بن الحسين، وله(4) قصيدة مديح، ومما قاله في قصة(5) العلامة أحمد بن يحيى الصعدي الذي قتل بـ(سيان) من أعمال /38/ سنحان بعناية جعدان.
سيعلم قوم خالفوك وجانبوا ... سبيل الهدى أن قد ظفرت وخابوا
فما كل من جاؤا بذنب غفرته ... ولا كل ما خاضوا الجهالة تابوا
لقد شقيت طرّاً بجعدان قرية ... وحق عليهم أن يحل عذابُ
سطا سطوة عما قليل يروعه ... عليها لمولانا الإمام عذابُ
القاسم بن الحسن بن يحيى
السيد الوجيه، الصدر الرئيس، علم الدين القاسم بن الحسن بن الأمير شمس الدين يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى، - عليهم السلام - كان سيداً سرياً، كامل الصفات، حميد النعوت.
قال الأمير السيد صلاح بن الجلال، كان رجلاً وجيهاً بادياً مسوداً أسس هجرة الرواني في يسنم(6) ومسجدها، ومات في (الضيعة)، ضيعة الهادي إلى الحق - عليه السلام - وقبره فيها مشهور مزور.
__________
(1) في (ب): قال.
(2) زيادة في (ب): لم أتمكن من قراءتها.
(3) في (ب): الشريف.
(4) في (ب): وله فيه.
(5) في (ب): وله فيه.
(6) سقط من (ب): في سم.

أبو القاسم بن حسين بن شبيب الحسني
الحسام المشهور، وعلم الهداية المنشور، صاحب اللسان والسنان، والعلم والبيان، أبو القاسم بن حسين بن شيب الحسني التهامي - رحمه الله - أحد الأعلام وأوحدهم، ومقدم الفضلاء وسيدهم، صاحب البلاغة والفصاحة، والعلم الوسيع والرجاحة، الإمام البارع الأصولي المنطيق، وصل من تهامة إلى (براقش) من جهة (الجوف) إلى الإمام - عليه السلام - يقرأ عليه، ويذاكره، ويسأله عن دقائق العلوم، وله حدس وذكاء (ودس)(1) وهمة، وكان قد برع في الكلام وأصول الفقه والتوحيد، نقل(2) القاضي عبد الله بن زيد أن والده كان يرى التطريف، ثم رجع عنه بعد وصول البيهقي من (العراق)، ورجع لرجوعه خلق كثير؛ لأنه كان إماماً مرجوعاً إليه، وذكر القاضي علي بن نشوان مجالسته للإمام(3) واستقائه من معين فوائده، قال: كان يسأل ويستفيد ويبسط في كل ما يريد، والإمام - عليه السلام - يجيبه في دقائق العلوم وغوامضها، قال: وارتجل الإمام في ذات يوم بـ(براقش) بيتاً من الشعر، ثُمَّ قال للفقيه أتم عليه شعراً، فأجازه الفقيه بالقصيدة الآتية جميعها على لسان الإمام، والبيت الذي (ارتجله)(4) الإمام هو قوله:
أليَّة بالجياد الجرد ساهمة(5) ... تردي بكل طويل الباع دفَّاعِ
فقال الفقيه(6):
وكل مسرودة كالنهر سابغة ... وكل ماض رقيق الحد(7) قطاعِ
ومدلف الأسد نحو الأسد عابسة ... تحت العجاج وبيض فيه لماعِ
والسمر ترعف والأبطال طائشة ... وكل أزرق للأرواح نزاعِ
39/ لأبعثن على العجمان داهية ... رجافة في حزوم الحزن والقاعِ
شهباء ترفل في المادي فوارسها ... وفي الوشيح إلى الهيجا بإيضاعِ
__________
(1) في (ب): ودنس.
(2) في (ب): ونقل.
(3) في (ب): واستقائه لطلب علم الإمام واستقائه من معين...
(4) لا توجد في (ب): ويوجد بدلاً منها: والبيت الذي قبله هو قوله:…
(5) السَّاهمة: الناقة الضامرة. القاموس المحيط 1125.
(6) في (ب): فقال الفقيه بعده.
(7) في (ب): رقيق العضب.

كأنما البيض والنقع المثار(1) بها ... بوارق بين وطف ذات تهماعِ
قد طال ما ملكت خيلي مساجلها ... غيظاً عليهم وطالت منه أوجاعي
كم معلم لمنار الحق قد طمسوا ... وأهطعوا(2) في الخطايا أي إهطاع(3)
فدع ملاميَ إذ أمسيت(4) مرتقبا(5)ً ... أرعى النجوم بطرف غير هجاعِ(6)
فما يلذ لنفسي عيشها أبداً ... ولم يحل بهم بطشي وإيقاعي
ويصبح العدل في الآفاق قاطبة ... طلق المحيّا طويل الزند والباعِ
وقل إذا ما سمعت الدهر ذا عذل ... أقْصِرْ فكلُّ امرئٍ في شأنه ساع
يا حبذا الجرد تطعو(7) في أعنتها ... إذا دعى لقراع المقنب(8) الداعي
على مناسجها أسد جحاجحة ... بكل(9) بدر بأفق الحرب طلاَّعِ
يرى الغنيمة في ثجاج عارضها(10) ... والعين(11) إذ أذنت يوماً بإقلاعِ
وأسمعاني صليل السيف(12) لا نغم الأوتار ... إني له سماع(13) أسماعِي
وأورداني حياض الموت منزعة ... بين الخميسين لا أدنان نقاعِ
يا قاتل الله من يضحي بعيشته ... قرير عين أخا لَهْوٍ وتهجاعِ
ولم يكن برفيق العرب مرتقياً ... ذوائب العز والعليا بإزماعِ
على صها شطم(14) عبل الشوى نزف(15) ... قيد الأوابد(16) إذ يعدو بإرجاع
__________
(1) في (ب): المشار.
(2) أهْطَعَ: مَدَّ عُنُقَه، وصوب رأسه. القاموس المحيط (775).
(3) في (ب): هطاع.
(4) في (ب): أمسيت.
(5) في (ب): مرتفعاً.
(6) الْهُجُوع: النوم ليلاً. المرجع السابق (774).
(7) في (ب): تطفو.
(8) المِقْنَب من الخيل: ما بين الثلاثين إلى الأربعين، أو زهاء ثلاثمائة. القاموس المحيط (127).
(9) في (ب): من كل.
(10) في (ب): في سحاح عارضها.
(11) في (أ): فالعين إن.
(12) في (ب): صليل البيض.
(13) في (أ): سماع سماع.
(14) في (أ): شيْظم: الطويل الجسيم الفتيّ من الإبل والخيل والناس. القاموس المحيط(1126).
(15) نَزِفٌ: نُزِفَ: ذهب عقله أو سكر. المرجع السابق (855).
(16) الأوابد: الوجوش. وقيد الأوابد تدل على أن الحصان يقُيّد الوحوش بسرعته.

يكاد من لبده ينسل مبرزما(1) ... خوف القطيع ولم يذعر بإيجاع
أرساغه ركبت في جندل(2) شَظِفٍ ... يفلق الصخر في عدو وإسراع
بالأعوجيات قد (نيطت) مفارقة ... فهو الجواد على إحسانها راع
فمن يكن عادلاً يوماً بصهوته ... حسبته بين أسجاف وأوضاع
فقد دنت عن بروح المجد همته ... وإنني لعلاه نادب ناع
أنا ابن من أسمع الواعين حجته ... والسيف أسمعها من ليس بالواعي
فلا وربك لا أنفكُّ منصلتاً ... حتى يعز به ديني وأشياعي
ويصبح الحق عالي الكعب مبتهجاً ... وفيه يكثر أشياعي وأتباعي
__________
(1) في (ب): مبررما.
(2) جندل: الجندل: ما يُقِلُّهُ الرَّجُلُ من الحجارة. القاموس المحيط (980).

أقول - أيدك الله - أيها السامع: تدبر هذا النظام العجيب والأسلوب الغريب سبحان المانح، وهذا الفقيه من آيات الله الباهرة، وحسبه ارتجاله لخطبة يقصر عنها /40/ القاضي الفاضل، ويكاد أن يقال لا يقاس(1)بها خطب قِس، وتسحب عندها ذيل العجز سحبان وائل، وذلك أنه أحس في بعض المجامع الإمامية بتثاقل بعض الشيعة عن البيعة، وذلك بملقى (الأهجر)، فقام، وحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ثم قال: يا أمير المؤمنين لتطب نفسك، وليكثر أنسك، وليشرح صدرك، ولا يلتبس عليك أمرك، فإن من بايعك من سلاطين العرب وبني عمك وشيعتك هم أهل الهمم العالية، والعزائم الماضية، والليوث الهصر، والأبطال الجسر، والمصاليت البتر، والمساعير الصبر، أعلى الناس مقاماً، وأثبتهم أقداماً(2)، وأقلهم في الحرب إحجاماً، يرون طاعتهم لك فرضاً واجباً، ومعصيتهم لك إثماً لازبا، قد دعوتهم فأجابوك، وحضروا فبايعوك، واختبروك فوجدوك خضماً زخوراً، وبطلاً جسوراً، وليثاً هصوراً، وعاينوا منك وجهاً(3) صبيحاً، ولساناً فصيحاً(4)، فما عذرهم غداً إن جاثيتهم الخصومة بين يدي ربهم، يسألهم عن بيعتهم لك، وعقدهم إذاً يكونوا محجوجين، وعند ربهم مفلوجين، وكلا وحاشا أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسك، وأن يأنسوا بغير أنسك، وفي ذلك أقول - وانتضى سيفه من غمده-:
كيف فرار المرء عن إمامه ... والعار والإذلال عن إحجامه
والعز والإجلال في إقدامه ... والفوز بالجنات في صدامه
يا حبذا من كان عن حسامه ... يأخذ من يهواه عن مرامه
__________
(1) سقط من (أ): بها.
(2) زيادة في (ب): وأكثرهم إقداماً. وجاء في الحاشية وأكثرهم ليناسب أقلهم (ظ).
(3) سقط من (أ): وجهاً.
(4) زيادة في (ب): وشفيقاً نصيحاً.

انتهت هذه الكلمات الغرر(1)، والجواهر التي تصغر عندها كبار الدرر. وله من هذا القبيل، كل فاضل من الكلم نبيل، بما لا أعلمه لغيره من أهل عصره، ولا من قريب منهم، فلا يعيب عائب على من كانت هذه في حضره، فإنه وجد مكان القول فقال، ولا جرم أن الإنصاف سيد أخلاق الرجال. ومما اتفق له أنها لما اجتمعت القبائل والعشائر والسلاطين والأمراء بـ(مدع) من بلاد (حمير) وناحية (حضور المصانع) قام - رحمه الله - فحيا من حضر، ثم حمد الله تعالى، وأثنى عليه، وصلى على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ثم قال: يا معشر القبائل، ويا أسود الجحافل، ويا معشر المسلمين خاصة، دون الناس عامة، إني قائل فاسمعوا، فإذا سمعتم فعوا، إعلموا أن الأمر الذي كنتم تطلبونه، والنور الذي كنتم توقعونه، وتعدون له الليالي والأيام، والشهور والأعوام، ها هو في عترة نبيئكم - صلى الله عليه وآله وسلم - قد لمع، وضياؤه قدسطع، وقائمهم للفضائل قد جمع، وفي العلم قد برع، وفارق الطمع، وباشر الورع، وفارق الراحة، وجانب الاستراحة، واشتدت على الظالمين شكيمته، وتقوت عزيمته /41/ وغزرت ديمته، وعلت(2) قيمته، وقام لله تعالى راغباً، ولأعدائه مناصباً، ولصليب صلبه ناصباً (3)، حين بدلت الأحكام، وعطلت الشرائع، وشرب المدام، وارتكبت الآثام، واستغني عن الحلال بالحرام، وكثر الفساد بالبلاد، واستطالت أيدي أهل العناد، فبايعه السادة الأجلاء، والكبراء الفضلاء، أهل السؤدد الباذخ، والشرف الشامخ، والعلم البارع، والورع الدامغ، من أهل بيت محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - وغيرهم من أولياء الله المتقين، والعلماء المخلصين، وأهل الورع واليقين، بعد الاعتبار، والسبر والاختبار، فوجدوه خضماً لا تنزفه الدلاء، وطوداً لايناله الارتقاء، وليثاً لا تهوله الأهوال، ولا تقوم بصولته الأبطال، حساماً لا تقوم له الجبن؟ ولا
__________
(1) في (ب): الغر.
(2) في (ب): غلت.
(3) في (ب): ولصت جبينه ناصباً.

تروعه الفتن، وعزاماً لا يصاحبه الوسن، وجند له يدمي منها المهاجم(1)، وتتحاماها المراحم، فاقصدوا رحمكم الله ناجم الشك، وتعاونوا على حصاد أولي الإفك، وسابقوا إلى سمعته، وسيروا إلى طاعته، تحيوا سعداء، وتموتوا شهداء، فإن عترة نبيئكم - صلى الله عليه وآله وسلم - هم السادة القادة، الذادة الحماة، الأناة الكفاة، وسفن النجاة، التي من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى، لله أتوكم(2) من أي نور بعدهم تقتبسون، وبعد كتاب الله وسنة نبيئه تلتمسون، فمن كان منكم ذا شك وارتياب، ومستمسك من الخير بأسباب، فما هو في معرض الاعتراض، واقف نفسه لا يعبأ عن جواب، ولا يكل عن خطاب، عالم بالسنة والكتاب، وهو الجدير بقول جده - عليه السلام -:
دبوا دبيب النمل لا تفوتوا ... وأصبحوا في حربكم وبيتوا
فإنني قد طال ما عصيتُ ... قد قلْتُمُ لو جئتنا فجيتُ
ليس لكم ما شئتمُ وشئتُ ... بل ما يشأ المحيي المميتُ
ثم انتضى سيفه وقال:
ولو لم أكن فيكم خطيباً فإنني ... بسيفي إذا جد الوغى لخطيبُ
أخوض(3) به للضرب في كل غمرة ... فأثني به عن تلك وهو خضيبُ
__________
(1) في (ب): المحاجم.
(2) كذا بالأصل ولعل الصواب: لله أنتم.
(3) في (ب): أغوصُ.

ومن أخبار ابن شبيب - رحمه الله - أنه ولاه الإمام الخطبة بـ(صنعاء)، وتوجه الإمام إلى (ذمار) لأخذها وفيها رئيس الغز(1) شهاب، فلما بلغ شهاب الخبر رجح لنفسه أن تترك في (ذمار) أربعمائة فارس للقيا الإمام، وتقدم في مائتي فارس يخلف الإمام على (صنعاء)، فلم يشعر أهل (صنعاء) إلا بالخيل والألوية والبنود، فناداهم أصحابه أنا قد قتلنا الإمام والسلطان سيف الإسلام حكو - رحمه الله - فافتحوا المدينة، فكاد ينخدع للغز(2) من في قلبه /42/ مرض، وثبت الله الذين آمنوا، فخرج القاضي أبو القاسم(3) - رحمه الله تعالى – بتلامذته، وجماعة من المسلمين، قليل إذا عدوا، كثير إذا شدوا، وقد كثر الرهج والاضطراب، فانتضى سيفه، وانتضى أصحابه سيوفهم عند باب المدينة، ونادى - رحمه الله -: يا أهل البيعة يا أهل البيعة، أنا عبد بني حسن، أنا عبد بني حسن، ثم ارتجز على البديهة:
أنا الهزبر لا براح ... حتى تسل (بالرماح) (4)
وتخضب البيض الصفاح ... دون (صنعاء)
والله هذه السيوف يا أهل آزال، يا معشر الزيدية، كذبت والله الحياطة، وأخذ يجول في الناس طولاً وعرضاً، والأنفار الذين معه حتى تراجع إليهم الناس، وقد رد إليهم أرواعهم وشددهم فقرت قلوبهم ونزعوا سيوفهم، وأجمع أمرهم على طرد شهاب، وأصحابه فرجموهم وطردوهم وأغلظوا لهم في القول ولم يثبت من سحر شهاب شيء، فانقلب(5) صاغراً مخذولاً (6)، حكى هذا جميعه علي بن نشوان.
القاسم بن الحسين الزيدي
__________
(1) لعلها زيادة في (ب): السلطان.
(2) لعلها زيادة في (ب): الغزو من.
(3) لعلها زيادة في (ب): الحسني.
(4) في (أ): الرماح.
(5) في (أ): فانفلت.
(6) سقط من (ب): مخذولاً.

السيد الإمام الكامل السلطان الحلاحل القاسم بن الحسين، الزيدي نسباً ومذهباً، ورد (اليمن) من (الطائف) عقيب ورود المنصور بالله القاسم بن علي العياني - عليه السلام - فسالمه وعاضده وناصره فولى القاسم من نقيل عجيب إلى (عدن) فبقي على ذلك مدة من الزمان، ثم جرى الخلف(1) بينهما بعد ذلك، ويغلب(2) القاسم الزيدي على أكثر البلاد، وحبس أولاد القاسم - عليه السلام - جعفر والحسين وغيرهما وأمرهما وأمر بهم من (صنعاء) إلى (بيت حنبص)، فسكن الإمام ولم ينزعج ولا راجعه في ذلك بشيء، فأخرجهم(3) بعد ذلك على أحسن حال، وأمر بهم إلى والدهم، وكان القاسم الزيدي من كبراء العلماء، أجله الإمام القاسم العياني وسوده، وولاه الجهات المذكورة واستنبط غيل آلاف عدني (صنعاء)، وكان بعض الشعراء يدخله في المديح مع القاسم العياني، كقول سلامة الحداد:
قسم القاسمان فينا الأمانا..
إلى آخر القصيدة، وعظمت الوحشة بينهما؛ لتعرض القاسم الزيدي لرؤساء ناس وسلاطين كانوا أولياء للإمام، ثم طال العتاب، وخرج الإمام القاسم العياني من (صعدة) إلى (ريدة) ولقيه القاسم الزيدي مظهراً للرايات الصفر وشعار المملكة، واستغفر في حق الإمام فاعتذر إليه، واتفقا مرة أخرى في (ورور) في دار القرشي(4) العمري، وما زال الأمر بينهما يمدح(5) حتى توفي القاسم العياني في نحو من سنة أربعمائة من الهجرة، فدعا الإمام الحسين بن القاسم العياني، وكان صغير السن غزير العلم مصنفاته خمسة وسبعون مصنفاً.
__________
(1) الأرجح الخلاف.
(2) في (ب): وتغلب.
(3) في (ب) زيادة: القاسم.
(4) في (ب): في دار هارون القرشي.
(5) سقط من (ب): يمدح.

قال السيد صلاح بن الجلال وزعم:(1) أنه المهدي المنتظر الذي بشر به النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فافتتن الناس به، وأقبلوا عليه(2) مهرعين، فزعم أنه أفضل من الأنبياء /43/ وأن كلامه ومصنفاته أفضل من القرآن، وأنهر(3) في ظهور المعنى، وقطع كلام الخصم فنفر الناس عنه فجار على الناس في (صنعاء) وغيرها، وطلب منهم الأخماس في كل شيء من الحلية والأموال حتى في العبيد والإماء، والثلث في سائر الأشياء من الحبوب وغيرها، فمن ساعده في ذلك وإلاَّ حكم.
__________
(1) في (ب): وعزم.
(2) في (ب): إليه.
(3) في (ب): وأبهر.

والحكم عليه بحكم اليهود في ضرب الجزية وسلب السلاح، ومن تعذر عن ذلك قتله وصلبه أو حبسه أو نحو ذلك، فلحق الناس في أيامه ما لا يعلمه إلا الله حتى إنها وصلت رسالة من الإمام(1) يوسف الأكبر في هذا المعنى، فجوب عليه أقبح جواب، وسبه أعظم السب، وسماه الزنيم الأبتر إلى نحو ذلك، وقد بلغ المؤيد بالله الكبير دعوته إلى (هوسم)، وهو في الصحراء، والألوية منشورة فطوى الألوية وأرسل رحلين إلى (صنعاء) ليتحقق صلاحه للإمامة، فصادفا ما ذكر فرجعا إلى المؤيد بالله، فنشر اللأوية وقد حمله أكثر الشيعة على عروض نقصان العقل، واتسع الخرق بينه وبين الإمام القاسم الزيدي، فكانت بينهما حروب، ثم جاء القاسم الزيدي بجنود كثيرة من بلاد (مدحج)، ودخل (صنعاء) وتملكها، فجمع الحسين بن القاسم العياني جميع القبائل من النواب(2) و(الظاهر) و(المشرق) و((مأرب)) وجميع البلاد، ولم يعدهم بجامكية ولا إرصاد وإنما وعدهم بالإباحة لأموال(3) (فراغ)(4) وسبهم(5)، فتسارع إليه الناس، ووصل إلى (صنعاء) في عساكر جرارة كالعيون(6) المنهمرة، فتصاف هو والقاسم الزيدي عند طلوع الشمس لثماني بقين من شهر صفر سنة ثلاث وأربعمائة في حقل (صنعاء)، ووقع القتال واشتد القتام حتى دخل (صنعاء) من ناحية القطيع عند الزوال، وملكها وانهزم القاسم الزيدي إلى ناحية (الفح)، وسائر الجنود والرؤساء انهزموا في كل مذهب، وتشتتوا تحت كل كوكب، مع أنه قتل منهم خلق لا يحصى عددهم في حقل (صنعاء) وفي جنب القطيع في حال الانهزام، ولحقت الخيل القاسم الزيدي وهو منهزم نحو (الفح) حتى أدركوه، (فطعن)(7) وصرع وقتل عند أذان الظهر، وأمر الحسين بن القاسم أن تطأ الخيل جثة القاسم الزيدي المقتول
__________
(1) في ( ع): من الإمام الداعي يوسف..
(2) في (ب): الأنواب.
(3) في (ب): لأموال (صنعاء).
(4) الفراغ خالٍ من أي كلمة في (ب) و (ص).
(5) في (ب): وسبيهم.
(6) في (ب): كالغيوث.
(7) سقط من (ب): فطعن.

وسائر القتلى بسنابكها حتى مزقتهم في التراب كل ممزق، ووصل علم من (صعدة) بأن الإمام يوسف الداعي توفي في ذلك اليوم بعينه، ودانت البلاد للحسين بن القاسم العياني، ثم بعد سنة ثأر عليه أهل (ريدة) آل الضحاك، وأهل (البون) وجميع (همدان)(1)، فجمع الحسين جموعاً كثيرة من (الجوف) و(مأرب) والتقو بـ(ذي عرار) عند باب (ريدة) (رابع صفر سنة أربع)(2) وأربعمائة، فجعل الحسين يحمل بنفسه مرات كثيرة حتى احتوشوه، وقتل بـ(ذي عرار)، قتله رجل من بني زنيح، فزعمت شيعته وقرابته /44/ وجهال شيعته(3) أنه لم يقتل وأنه حي منتظر، وشاع هذا الاعتقاد الباطل في الناس وفي جهال الشيعة(4) إلى نحو من سبعمائة من الهجرة واضمحل وقل وتلاشى، وقد بقي منه بقية في جهال من الناس وفي عوام(5) الشيعة وغيرهم في (الخيام) ونواحيها ومغارب (صنعاء)، وقبره قد مر، وبعد ذلك ظهر في (ذي عرار) من رأس الثمان المائة، فصح خطأ خيالاتهم.
__________
(1) في (ب): وجميع همدان وأكثر أهل البلاد.
(2) في (ب): رابع صفر سنة أربعمائة.
(3) لا
(4) في (ب): في جهال الشيعة نحو من ثلاثمائة سنة على نحو من 700 من الهجرة.
(5) في (أ): في أعوام اليعة.

قال الفقيه حُميد الشهيد - رحمه الله -: وقد كتبنا رسالة في هذا المعنى وسميناها بالرسالة الزاجرة لذوي النهى عن الغلو في أئمة الهدى، هذا الذي ذكرناه من أن المعارض للحسين بن القاسم العياني هو القاسم الزيدي، وأنه قتله بهذه الكيفية، والذي عند غيره أن المعارض له ولده محمد بن القاسم الزيدي، وقد أومأ السيد الأمير صلاح بن الجلال إلى ذلك فإنه قال: وقد كان قبل ذلك أمر القاسم الزيدي ابناً له يسمى محمداً كان سيداً عالماً فاضلاً أن يدعو للإمامة ويعارض الحسين بن القاسم، فلما وصلت دعوته إلى الحسين أجابها بالمخاصمة واللعن والشتم والكلام القبيح، وقد وقعت(1) في المقبور بجامع (ذمار)، فالذي ذكره الأمير صلاح بن الجلال أنه قبر الحسين بن القاسم الزيدي المذكور ابن الحسين بن محمد بن القاسم بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - توفي يوم الأربعاء، لست وعشرين ليلة خلت من محرم سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، قيل: قتله الإمام المهدي الحسين بن القاسم العياني؛ لأنه نازعه الأمر وخالف(2) عليه (وقتله في الهان)(3)، وحمله شيعته إلى (ذمار)، ودفن في جامعها، (قال المؤلف في ترجمة السيد الكبير الحسين بن القاسم بن الحسين بن محمد بن القاسم بن يحيى بن الحسين بن الحسن بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - المذكور هنا ما لفظه: وقد استشكل بعض المؤرخين هذا وقال: الذي فيه الحسين بن القاسم بن علي هو القاسم الزيدي، وأنه الذي ما ذكرناه من البلاد، وولاه بني الضحاك وبني مروان أهل الهان، وأن القاسم الزيدي حبس أولاد القاسم بن علي: جعفر، والحسن وغيرهما، فكانت بينه وبين الحسين بن القاسم حروب، آخرها حرب أجلب فيه الحسين بن القاسم بجموع كثيرة كالسيول المتلاطمة، فوصل (صنعاء) في صفر
__________
(1) في (ب): أوهام.
(2) في (ب): وحالف عليه فقتله في الهام وحمله شيعته.
(3) في (ب): قبله في الهام.

سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، فالتقى هو والزيدي في حقل (صنعاء) واشتد القتال، فدخل الحسين (صنعاء) من ناحية القطيع وملكها فانهزم الزيدي وتشتت جنده وأدرك بـ(الفج) فقتل، فقال المستشكل لكون الذي قتله الحسين بن القاسم ما لفظه: فصح أن المقبور في جامع (ذمار) ليس بالذي قتله العياني؛ لأن تاريخ وفاته سنة أربع وتسعين وثلاثمائة.
قلت: وما ذكره المؤرخ يعظم إشكاله إذا تحققت عمر الحسين بن القاسم /45/ العياني، فإنه نيف وعشرون سنة، وبين قتل الحسين المذكور المقبور بـ(ذمار) وبين قتل الزيدي الذي قتل بـ(الفج) ثماني عشرة سنة، ومقتل الحسين بن القاسم العياني في سنة أربع عشرة وأربعمائة بـ(ريدة)، فلا كلام أن الحسين بن القاسم المقبور بـ(ذمار) لم يقتله الحسين بن القاسم العياني. قال بعض مشائخنا: الذي قتله الحسين بن القاسم هو محمد بن القاسم، قتله بقاع (صنعاء) عند الظهر يوم الخميس لسبع بقين من صفر سنة ثلاث وأربعمائة، وذلك أن محمد بن قاسم الزيدي المذكور دعا إلى نفسه، والقاسم الزيدي والد محمد الذي خرج من (الطائف) مناصراً للقاسم العياني توفي يوم الأربعاء لست وعشرين ليلة من محرم سنة اربع وتسعين وثلاثمائة، قال: وهو المقبور في عدني جامع (ذمار) وأشراف بيت نعامة من بلاد بني شهاب من نسبه، وفي (صنعاء) و(جهران) وهجرة (أورل) وادي الإجبار من جهة معري) (1).
__________
(1) ما بين القوسين غير موجود في (ب).

قال السيد(1) صلاح الدين: والتواريخ شاهدة بغير ذلك، وهو أن القاسم بن الحسين الزيدي كان سيداً رئيساً كبيراً ذا مملكة بـ(ذمار) وبلاد (مدحج) إلى (جهران(2) والهان)، وأنه كان يملك (صنعاء) وبلادها أكثر الأحوال، وكان يقود عسكر بلاد (مدحج) لكثرة، فبلغ(3) بهم إلى ما يريد، وتارة يسالمه ابن أبي الفتوح الأموي صاحب مشارق (صنعاء) وبلاد (خولان) وآل الضحاك آل (ريدة) وبنو مروان، كان هم(4) في (صنعاء) رائحة وهم مستولون على أكثر بلاد الهان وحصن اشح وما والاها من النواحي، وكانت (صنعاء) أعمالها كالخرقة الحمراء بين الآحدي لها في كل سنة أو شهر سلطان غالب عليها حتى ضعف أهلها، فانتجعوا إلى كل صقع وتوالى عليها الخراب، وقلة العمارة في كمال أربعمائة من الهجرة، حتى انتهى عدد دورها إلى نحو نيف وألف دار فقط بعد أن كانت دورها - في كمال المائتين من الهجرة في زمن هارون وابنه المأمون - نحواً من مائة ألف دار وعشرين ألف دار، ثم ساق الأمير صلاح الدين ما قدمنا ذكره من الكائن بين القاسم الزيدي والحسين بن القاسم العياني، وأن القاسم الزيدي هو المقتول لا ابنه(5)، ثم قال فصح الآن ان المقبور في جامع (ذمار) هو الحسين بن القاسم الزيدي، يكون إما أباً للقاسم الزيدي؛ لأن تاريخ وفاته في سنة اربع وتسعين وثلاثمائة أو ابناً له، فكل هذا منقول بالمعنى والتاريخ المحقق من(6) كتاب تاريخ (صنعاء)، فليعلم ذلك.
قلت: كونه أباً للقاسم الزيدي خفي، فقد سبق ذكر نسبه من كتاب الأمير صلاح، ليس فيهم الحسين بن القاسم.
أبو القاسم بن الصديق البيشي
__________
(1) في (ب): قاله الأمير.
(2) في (ب): هران وإلهام.
(3) فراغ في (ب).
(4) في (ب) هم.
(5) في (ب): لا ولده.
(6) في (ب): المحقق في كتاب تاريخ.

العلامة الفقيه الفاضل أبو القاسم(1) الصديق البيشي التهامي - رحمه الله تعالى-(2)، قال سيدنا العلامة محمد بن علي بن صالح العنسي - أبقاه الله -: نشأ /46/ في قرية (بيش) وطلب العلم في ابتداء أمره هنالك، ثم بعد أن أدرك(3) نصيباً من الفائدة طلع إلى مدينة (صعدة) للقراءة عند القاضي سعيد بن صلاح الهبل، فوافقه وهو يدرس، فألقى مسألة في الاعتكاف على بعض تلامذة القاضي سعيد، فأحضر التلميذ وفسرها القاضي سعيد(4) له، واعتنى بتربية الفائدة له، حتى إنه كان يكتب الحواشي له بيده، وبعد أن ظهرت فائدته ارتحل إلى (شهارة)، إلى حضرة القاضي عامر بن محمد الذماري، واتفق وصوله وهم في قراءة (التذكرة) وهو معمور بين الدرسة، فلما شرعوا في الدرس أورد مسائل، فالتفت إليه حي(5) القاضي أحمد بن عامر فعرفه، فقال لوالده: يا أبت(6) هذا أبو القاسم، وقد كانوا يسمعون فيه لحسن فائدته، فقال القاضي ... (7) رجلاي على الصفا، ثم قرأ عليه قراءة محكمة، يروى أن سادن الجامع كان يعلق السراج في الصباح(8) من عنده لأنه كان يقضي ليله درساً، ثم ارتحل بعد ذلك إلى سيدي شرف الدين الحسين بن أمير المؤمنين وقرأ عليه (البيان)(9) بمحروس البستان، وحضر قراءته جماعة من الأعيان، منهم السيد العلامة أحمد بن علي الشامي والقاضي عبد الرحمن بن العشي(10) وغير هؤلاء من الأعيان، وقرأ عليه بعد ذلك السيد العلامة الحسين بن محمد المفتي(11)، وكان أعجوبة في حفظه لقواعد الفقه وسرعة بادرته، وكان يحفظ القرآن غيباً(12)، ويحسن التعبير، وتولى في
__________
(1) في (ب): بن.
(2) سقط من (ب): تعالى.
(3) في (أ): بعد أن ترك.
(4) في (ب): القاضي سعيد وأعجب به واعتنى....
(5) في (ب): السيد.
(6) في (ب): يا أبه.
(7) في (ب): القاضي عامر وأبا عامر.
(8) في (ب): المصباح.
(9) في (ب): في البيان.
(10) في (ب): عبد الرحمن بن المنتصر العشي.
(11) في (ب): الفتي التهامي.
(12) في (ب): غيباً محكماً.

آخر مدته قضاء مدينة ((زبيد)) - رحمه الله -.
القاسم بن صلاح بن الهادي
السيد العارف البليغ القاسم بن صلاح بن الهادي بن الإمام إبراهيم بن تاج الدين - عليهم السلام - قال الأمير(1) صلاح الدين بن الجلال - رحمه الله تعالى-(2): كان كريماً بادياً مسوداً شاعراً كليماً، ولا أدري هل هو الذي كان في زمن الإمام الناصر لدين الله صلاح بن علي؛ فإنه كان في زمنه سيداً كاملاً فاضلاً، مما كتبه إلى الإمام صلاح الدين:
أنت العظيم ولم تزل ... تحلى بحليتك العظائم
وجمعت ما في الناس يا بن ... الأكرمين من المكارم
يتغنم الأموال أقوام ... يحبون الغنائم
حرصاً ومولانا يعد ... فراق مغنمه غنائم
وله فيه أيضاً:
هو الناس في المعنى وإن كان واحد ... فلله ذاك(3) الواحد المتفردُ
تفرد فيهم بالزعامة يافعاً ... أتاه بها حقاً (4) ابوه محمدُ
فماتت به الآثام والغي والردى ... وحيت له دنيا (5) ودين وسؤددُ
وأبيض يستسقى(6) الغمام بوجهه ... كما كان قبل (7) صادق الوصف أمجدُ
وإن كنت في ريعان رب أقامه ... فقلي في نادي (8) الإمام مقيدُ
/47/ والأظهر أنه هو.
قال السيد العلامة الهادي بن إبراهيم في (الكاشفة للغمة)(9): إنه عم السيد المهدي بن أحمد بن صلاح.
__________
(1) في (ب): السيد صلاح.
(2) سقط من (ب): تعالى.
(3) في (أ): فراغ.
(4) في (أ): فراغ.
(5) في (أ): فراغ.
(6) في (أ): مستسقى.
(7) في (أ):.... صدق.
(8) في (ب): في (ب): فقلبي في نادي الإمام مقيد.
(9) سقط من (ب): للعمة.

قلت: يعني خال السيد صاحب (الكاشفة للغمة)، وهذا يفيد اليقين أنه القاسم بن صلاح بن الهادي بن الإمام(1) إبراهيم(2)؛ لأن السيد المهدي - الذي قال السيد الهادي(3) بن القاسم عمه - هو المهدي بن أحمد بن صلاح بن الهادي بن الإمام إبراهيم بن تاج الدين - عليهم السلام - وقد أثنى السيد الهادي في (الكاشفة) على هذا السيد القاسم، قال: لكلامه؟ من السلاسة، وفيه من العذوبة، وعليه من الطلاوة ما إذا لز إليه كلام سواه، يحد الجبل وبعض القريبا، وله في الإمام الناصر - عليه السلام - من فرائد القصائد، ومحاسن النثر، ما يشهد له بصحة البراعة، والمباراة في هذه الصناعة، ولم أرِ أعذب من شعره ولا أغرب(4)، أذكر هاهنا ما كتبه إلى مولانا - عليه السلام - وكان ذلك عقيب موافقته لمولانا بمحروس (المنصورة)، وكان عظيم المحبة لمولانا شديد التولع به، فكتب هذا الكتاب وهو في حال مرض طال به في آخر عمره، وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - بعد حذف(5) البسملة، وما يتصل بها:
تقبل الأرض وتشكو إلى ... سيده المالك صنع الفراق
يوم الثلاثاء سار من (صعدة) ... والقلب من لوعته(6) ذو احتراق
كان الوفا(7) والعدل أيامه ... قليلة باحثة (8) من وفاق
وانسق من بعد ثمان له ... عود وما في شقه من شقاق
وانشق السوق فدانت له ... حوائج أودى بها الاتساق(9)
ومنها(10):
أفدي أمام الحق من زائر ... في عرض حماي(11) ولا زال باق
بعد عصير ثم بعد العشا ... والفجر بدر لا يجيه المحاق
يصحبني عند المزار الدعاء ... ومسيح كف فادبرا وساق
ومنها:
__________
(1) في (ب): بن الإمام الهادي.
(2) سقط من (ب): إبراهيم.
(3) في (ب): قال السيد الهادي: أن القاسم عمه.
(4) في (ب): أعرب.
(5) في (ب): حرف.
(6) في (ب): من ولعته.
(7) في (ب): كان الوفا العذب.
(8) في (ب): يا حبه.
(9) هذا البيت زيادة في (ب).
(10) سقط من (ب): ومنها.
(11) في (ب): حمادى.

أنا امرؤ ملكتك النفس تمليكاً ... فما أرضى لها بالعتاق(1)
عليك يا مولى الورى عن يد ... صلاة من أعطى أباك البراق
قاسم بن صلاح
السيد الأكمل الأفضل، علم الدر(2) قاسم بن صلاح من جهات المشرق(3) من (الوعلية) من تلامذة السيد العلامةأحمد بن علي حصير، ذكره(4) السيد العلامة مجد الدين المرتضى بن أحمد بن عاهم.
القاسم بن عبد الله بن حمزة
الأمير الخطير، الهمام الأسد الباسل الضرغام، علم الدين القاسم بن أمير المؤمنين المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان بن رسول الله، كان أميراً خطيراً بديع النظم فائقه، وكان محباً للفضلاء محبباً إليهم، أديباً لبيباً، من جملة ما دار بينه وبين الأدباء في عصره أنه كتب القاضي مسعود بن عمر العنسي المسمى بركن الدين في جدار مسجد الإمام القاسم بن علي(5) - عليهم السلام -(6):
عدنا ببيتك والثاوي بتربته ... مجددين لعهد الحب تجديدا
48/ علماً بأنا متى نقصدك في أمل ... لا نلق بابك دون العهد(7) مسدودا
فاطلع على ذلك السيد الأمير الجواد القاسم المذكور فكتب:
يا من يجيب دعا الداعي ويسمعه ... سراً تعاليت مرجواً ومقصودا
قد عاد عبدك خوفاً منك معترفاً ... فارحم إله السماء والأرض مسعودا
فأودع البيتين رسولاً إلى القاضي مع تحية ووصف للشوق، وكان اسم الرسول فريح. فقال القاضي:
فريح فرجت عني الهم لا علقت ... بك الخطوب ولا أودى(8) بك الكمدُ
أطفأت عني بذكراك التي ملأت ... أفق البسيطة نوراً بعض ما أجدُ
ذكرت قاسم فاشتق الدجا وبدا ... من نوره لمصابيح السما مددُ
وجئتنِي بنجوم(9) الليل قد نظمت ... عقداً وفوقك نور البشر يتقدُ
__________
(1) في (ب): بالعناق.
(2) في (ب): علم الدين.
(3) في (ب): الشرق.
(4) في (ب): وذكره.
(5) سقط من (ب): بن علي.
(6) زيادة في (ب): عند مشهده هذين البيتين.
(7) في (ب): لا نلقى بابك دون الخير مسدوداً.
(8) في (أ): أردى بك الكمد.
(9) في (ب): وحيثني بنجوم.

بالله كيف نجت كف لمست بها ... غوارب البحر يطفو فوقه الزبدُ
وكيف لم يغشك النور الذي نظرت ... إليه عيناك لا أغشاهما الرمدُ
يا آل حمزة ما لي لا أصوغ لكم ... شوارد السحر ما رسا لنا أحدُ
ولم تزل لي ذكرى في نديكم(1) ... تفوح مسكاً وبر ما به نكدُ
ونفثة من دعاء قد علمت بها ... أني غدات غد في حوضكم أردُ
ألم يشد لي شمس الدين مرتبة ... يبنى على كاهل الشعرى لها عمدُ
إنصاف من ليس يسعى في غوائله ... وجود من ليس مثلي عنده أحدُ
حللت منه بصدر الدست حيث ترى ... غلب الملوك فخاراً كلما سجدوا
ومما كتب من شعره وهو حسن لطيف، وكتبه السيد إبراهيم الوزير بخطه:
إن لذَّات الفتى في عمره ... ذاتُ دلِّ وكتابٌ وفرس
وله، وأظنها في ابن عمه الأمير عماد الدين يحيى بن حمزة - عليه السلام - (2):
إن يحيى بن حمزة بن سليما ... ن إلى كاهل الفخار نماها
تخجل الشمس نورها ويجلي ... غسق الليل حين جن سناها
إن لله حمزة بن سليما ... ن ويحيى العماد إذ أنجباها
طاب أصلٌ لها وطاب ثمار ... فزكا فرعها وطاب ثراها(3)
وله أيضاً - رحمه الله - وقد تزوج بـ(نجران):
خبروها لما نزلت بوادي الـ ... ـنخل أني نكحت فيه عروسا
فتصدت منهم وظلت كمن ظل ... يُسَقَّى من السموم كؤوسا
ثم قالت تصبراً ليته زا ... د إليها عشراً وكن شموساً
وأسرَّت إلى بنات أبيها ... بالذي عندها فظلن عبوسا
/49/ أخبرتهن أنها حازت الهم ... جميعاً ودونها أم موسى
فتباكين من بكاها وأعنيـ ... ـن نفوساً نفسي لهن نفوسا
القاسم بن عبد الرحمن الصهباني
العلامة الكبير المجاهد العابد القاسم بن عبد الرحمن الصهباني - رحمه الله - أحد تلامذة الإمام الأعظم وأصحابه - عليه السلام - ذكره البغدادي في رسالته.
القاسم بن عبد العزيز بن إسحاق
__________
(1) في (ب): ذكرٌ في يديكم.
(2) سقط من (ب): عليه السلام.
(3) هذا البيت زيادة في (ب).

العلامة الكبير، الفاضل الشهير، الشيخ العالم، الزاهد السعيد، ولي آل محمد القاسم بن عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر البغدادي، - قدس الله روحه-، كان رأساً في العلوم، مهيمناً على المظنون منها والمعلوم، له كتاب في إسناد مذهب الزيدية وتعدادهم، وذكر تلامذة زيد بن علي - عليه السلام - وأصحابه الذين أخذوا عنه العلم وشاركوه في العمل، روى عنه الإمام أبو طالب - عليه السلام – فأكثر، بواسطة شيخه أحمد بن محمد البغدادي المعروف بالأبنوسي، وروى عنه بواسطة شيخه الإمام الأعظم أحمد بن إبراهيم الحسني - رحمه الله -.
القاسم بن علي الذروي
الأمير الشريف الغطارف، صاحب (العوارف والمعارف)، علم الأعلام والصارم الذي ليس بالكهام: القاسم بن علي الذروي، صاحب المخلاف وسلطانه، وواحده بلا خلاف وإنسانه، كان جليلاً نبيلاً مفضالاً ممدوحاً بالشعر موفوداً إليه، ولعل ما في ديوان القاسم بن علي بن هتيمل من المدح فيمن هذا اسمه موجه إليه، من جملة القصيدة التي أولها:
الله أكبر هذا منتهى أملي ... هذا الجروم(1) وهذا قاسم بن علي
__________
(1) في (ب): الجروب.

وهي قصيدة غراء يحكى أنه أنشدها بين يدي الشريف المذكور والبقر تعمل في الجروم(1) - بالجيم بعدها راء مهملة - وكانت نحو المائتين، فأعطاه المقبل منها، إلى وجهه ثم أعطاه المدبر منها، وأحسبه لما تم القصيدة أعطاه الجروم(2) أيضاً، واتفق لهذا الشريف أن الملك المظفر الرسولي لما أراد الحج كتب إلى شريف (مكة) وسلطانها أن يتلقاه إلى (حلي) فأنفت نفوس الأشراف من ذلك، وكان ممن تكلم هذا الشريف، فأفضى الأمر إلى الشقاق، وقال الشريف أشعاراً، وقيلت فيه أشعار، فأسره السلطان المظفر وحبسه بـ(زبيد) فبقي في سجنه مدة حتى أيس من الخروج، ومما دار على الألسنة وسمعناه من فضلاء المخلاف: أن السلطان قال للشريف: لا تخرج من سجني حتى يلتئم هذا الصدع الذي في الحجر، وأشار إلى حجر هنالك يريد بذلك إحالة خروجه على نحو قوله تعالى: ?حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ?[الأعراف:40] فالتفت السيد إلى الله، وقال قصيدته الآتية، فأصبح الصدع ملتئماً، وقد لمح السيد إلى /50/ ذلك في القصيدة فخرج عنه السلطان وأخرجه وعاد(3) إلى بلده بعد اليأس منه، والقصيدة هي:
من لصبٍ هاجه نشر الصبا ... لم يزده البين إلا وصبا(4)
واسير كلما لاح له ... بارق القبلة من (صبيا) صبا
ولطرفٍ أرق إنسانه(5) ... دون من يشتاقه(6) قد حجبا
لم يزل يشتاق (نخلان) وإن ... قدم العهد وهوى الطيبا
ما جرى ذكر(7) المعالي في ربا ... صيرات الشط إلا انتحبا
حبذا صلب الفعيساوطني(8) ... ولييلات بها(9) ما أطيبا
وربا النيرين من قبلهما ... وزلال بهما ما أعذبا
يا أخلاي بـ(صبيا) واللوى ... وأحبائي بتياك الربا
هل لنا نحوكمُ من عودة ... ونرى سدركمُ والكثبا
__________
(1) في (ب): الجروب.
(2) في (ب): الجروب.
(3) في (ب): أعاده إلى بلده.
(4) في (ب): نصباً.
(5) في (أ): آسانه.
(6) في (ب): يشتافه.
(7) في (ب): أذكر.
(8) في (ب): العنيسا وطني.
(9) في (ب): بهما.

فلكم حاولت قلبي جاهداً ... يتسلَّى عن هواكم فأبى
فأذكروا صباً بكم ذا لوعة ... بان عنكم كارهاً مغتصبا
وإذا عنَّ له ذكراكمُ ... في أعيصار الشباب انتحبا
وإذا ما سجعت قمرِيَّةٌ ... صاح من فرط الأسى واحربا
هائم القلب كئيب دَنِفٌ ... لم ير السلوان عنكم مذهبا
ويرَى الحي الذي كنا وهم ... جيرة بالشام أيام الصبا
ليت شعري بعدنا هل طنبوا ... بربا (نخلان) بعدي طنبا
أو تناءت دارنا عن دارهم ... أو سبتهم بعدنا أيدي سبا
عجباً للدهر ماذا سنه ... ولأحداث الليالي عجبا
ما طلبت السهل إلا صَعُبَا ... وطلبت السلم إلا حاربا
ولقد حل بقلبي نُوَّب ... مضميات تستهل النوبا
ويلاتي(1) من زماني محن ... بلغ الضد بها ما طلبا
(فلعمري ما بني إلاَّ صفا(2) ... وانتضى إلا حساماً خشبا
لا ولا مكتئباً لو أنه ... نهب الحوباء(3) فيما نهبا
إخوتي بالشام بل يا سادتي ... وأعز الناس أمَّا وأبا
الشناخيب (4)الذرا من معشر ... الصناديد الكرام النجبا
51/ غير لا أنكر معروفاً ولا ... عابس الوجه إذا الدهر كبا)(5)
وأشد الناس بأساً لو على ... غارب المكروه يوماً ركبا
ومساعير الوغى من حسن ... وبني الحرب إذا ضاق القبا
إن قضيتم من هوانا أرباً ... ما قضينا من هواكم أربا
أو تناءت دارنا عنكم ولم ... يأتكم منا على البعد نبا
__________
(1) الأرجح أنها وبلائي.
في (ب): ببدركم.
(2) في (ب): ما بنت إلاَّ صفا.
في (ب): ببدركم.
(3) الحوباء: النّفْس. القاموس المحيط (77).
(4) الشناخيب: مفردها: الشَّنْخَب: هو الطويل. المرجع السابق ( 103).
(5) جاءت الأبيات الخمسة السابقة مرتبة في (ب) كالآتي:
غير لا أنكر معروفاً ولا
عابس الوجه إذا الدهر كبا
إخوتي بالشام بل يا سادتي
وأعز الناس أمّا وأبا
فلعمري ما بنى إلا صفا( )
وانتضى إلا حساماً خشبا
لا ولا مكتئباً لو أنه
نهب الحوباء فيما نهبا
الشناخيب الذرا من معشر
الصناديد الكرام النجبا
في (ب): ببدركم.

لا تناسونا وإن طال المدى ... كم نوىً بعدَ بِعداً قُرُبا
فإذا ريح جنوب جنبت ... فاسألوها كيف حال الغربا
فلديها من تناهي لوعتي ... وغرامي ما يحط الشهبا
حبذا لو أنني من دونكم ... خائضاً سمر العوالي والضبا
وجياد الخيل ينثرن على ... متنات الدارعين(1) العذبا(2)
لحق الأقران(3) شعثاً شُزَّبا(4) ... نتعاطى بالعوالي شُزَّبا(5)
أَوْ كسَهمٍ طار من محنبه ... ذات ذروين إذا ما ركبا
قل لمن كان لنا دون القضا ... ولاحداث الليالي سببا
والذي أوقد نيران الغضا ... زد على نارك يا ذا حطبا
واستلب ما شئت عمداً فعسى ... عن قليل ستحط السلبا
إن يكن سرك(6) ماساء فعش ... كي ترى من بعد هذا عجبا
أو أمنت الدهر يوماً واحداً ... فلقد حاولت ظناً كذبا
رب صدع كان أعيا شعبه ... أدركته رحمة فانشعبا
كم سرور بعد يأس قد أتى ... وزمان بعد بؤس أعشبا
فلكم فتح من الله أتى ... حيث لا يدرك ساعٍ هربا
فجلا هماً وطفَّى حرقاً ... وشفى غيظاً(7) وجلَّى كربا
وأعادت رحمة الباري على ... مؤيس من حاله ما ذهبا
إن خبوني عنك في مستودع ... فشهاب العزم مني ما خبا
أو ملا جفنيك لذات الكرى ... فجفوني والكرى ما اصطحبا
رب ليل بُتُّهُ مرتقباً ... لطلاب الثأر أرعى الشُهُبَا
أرقب النشر(8) هزيعاً(9) طالعاً ... وأراعي الغفر(10) مهما غربا
__________
(1) الدارعين: رَجَلٌ دارع، عليه درع. القاموس المحيط (714).
(2) العَذَبا: القذى.. المرجع السابق (112).
(3) في (ب): الأقراب.
(4) الشازب: الخشن، والضامر اليابس. القاموس المحيط (101).
(5) زيادة في (ب) بعد هذا البيت: أيها الرائح بالشام على ... ملق السير كهبات الضبا
(6) في (ب): شرك.
(7) في (ب): غِلاً.
(8) لعلها النشر: بمعنى: إذاعة الخبر، والحياة، وبدء النبات. ق/م (482).
(9) هزيع من الليل: طائفة. القاموس المحيط (775).
(10) الغَفْر: منزل للقمر ثلاثة أنجم صغار. المرجع السابق (451).

لنهار تنقط السمر به(1) ... في الوغا ما شكلت بيض الضبا
والمذاكي في لظى معركة ... مختبيات يثرن الغيهبا
رب إن يقض به ذو أرب ... موجع القلب أسير أربا
وينال المرتجي من ربه ... في أعاديه الذي قد طلبا
وصلاة الله تغشى دائماً ... أحمد المختار ما هب الصبا
أحمد المختار محمود الثنا ... من رقى السبع السما والحجبا
/52/ قلت: وهذه القصيدة تدل على عذوبة ناشئته، ورقة حاشيته، وقلَّ ما يكون ذلك فيمن كان مثل هذا الشريف من أحلاس الخيل، وسراة الليل، وروي أن السيد الحافظ شمس الدين أحمد بن عبد الله الوزير - رحمه الله - في عام حجه لما نزل مدينة (صبيا) صبا إليه كل أديب، وألمَّ بمنزله كل نجيب، ينزوون من معينه، ويروون من علومه، ولما خرج متوجهاً شيعه الفضلاء فاستقام عند جمله الذي ركب عليه العلامة محمد المحلوي الشافعي والد إسماعيل شارح (الملحة)، فاستودع السيد شمس الدين فقال له السيد: أنتم في حفظ الله، إن قضيتم من هوانا أربا، ما قضينا من هواكم أربا.
القاسم بن علي القاسمي
السيد الشريف، البليغ مقدم الرؤساء، علم الدين القاسم بن علي القاسمي - رحمه الله - كان من عيون زمانه، والسبق لأهل قرنه وأقرانه، وله أشعار تدل على فضل، من ذلك ما قاله بعد قضية الإمام أحمد بن الحسين - عليهما السلام - بعد قصة حضور التي زلزلت أركان البغي فقال:
شجا للكاشحين ولا سرورا ... ونصراً للإمام ولا ثبورا
على الإسلام واطردت قناهُ ... وهزَّ لواءه وازداد نورا
وهي طويلة.
القاسم بن علي بن هتيمل
__________
(1) في (أ): الشمس.

البليغ الذي يعد في البلغاء بالخنصر، والسابق الذي يطول على كل شاعر ولا يقصر، تصبو له المعاني إذا دعاها أجابه كاعبات ومعصر: القاسم بن علي بن هتيمل الضمدي الزيدي الفصيح - رحمه الله تعالى - هو أحد مفاخر (اليمن) على الشام، والمغنى بوميضه على كل بارق فما أحد لبارق من بعد بارقه(1) شام، روي أنه لما وصل ديوانه إلى (مكة) المشرفة اتفق أدباؤها على تفضيله على مشاهير الشعراء. قال(2) قائلهم: قد جاء ديوان من (اليمن) يغني عن كل هذه الدواوين، وقد نشد(3) من شعره العماد الكاتب وعصر به(4) شيئاً من الشعر ونسبه إلى غيره، وما أظنه إلا انتحال والانتحال كما قال السعد التفتازاني: إني(5) امرؤ يصبو إليه اللبيب، وللأرض من كأس الكرام نصيب، فذكر العماد القصيدة التي طالعها: أنا من ناظريّ عليك أغار.
وهي من غرر القصائد وأظن من جملتها في مديحه للإمام أحمد بن الحسين - عليه السلام -:
طالبيٌ يكاد من طلب الثأ ... ر تلظى من مقلتيه النيارُ
حسنيُّ لوجهه حَسُنَ الدهـ ... ـر ولولاه ما أقيل عثارُ
قاسميٌّ في كفه يقسم الرز ... ق ومنه تستوهب الأعمارُ
وكان ممدوحه في الجبال: الإمام الشهيد أحمد بن الحسين - عليهما السلام -(6) وأولاد الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليهم السلام - وفي الغور: الأشراف أهل المخلاف وأمراء حلي ابن يعقوب، وأخبرني بعض الحفاظ أن له قصة في مديحهم، وذلك إن كان له خصيصتان /53/ في المديح غير محمودتين، أحدهما أنه يبالغ في الممدوح حتى يهين من سواه، كقوله في الإمام - عليه السلام -:
إلى من لو وزنت الخلق(7) طراً ... بظفر منه ما وزنوا قُلامه
__________
(1) في (ب): لائحة.
(2) في (ب): وقال.
(3) في (ب): أنشد.
(4) في (أ): وهو عصير به.
(5) سقط من (ب): أني.
(6) سقط من (ب): عليهما السلام.
(7) في (ب): وزن الخلق، وفي (أ): وزنت الخق.

والثانية: أنه ما مدح أحداً إلا ورثاه؛ لأنه تعمر طويلاً، وقال في قصيدة له في صاحب (حلي):
إن الملوك بني يعقوب قاطبة ... طراً وكل ملوك غيرهم سُوَقُ
فبلغت السلطان المظفر الرسولي فأنف وأرسل(1) له خريدة خيل، فجاءوا به من قطر(2) (تهامة) والسلطان يومئذ بـ(زبيد)، فباتوا به ليلة في محل الشريف سليمان بن وهاس الحسني، وكان الشريف في حضرة السلطان، وليس في البيت إلا غلام من أولاده يفعة ما اختط له شارب، فشكا إليه ابن هيثمل فقال الولد للرسل: هذا(3) قد استجارني والسلطان يحب رعايتنا، وأبي(4) في حضرته، فاتركوه وللسلطان في القصة رأيه، فلم يساعده الرسل، فكان بينهم بعض الشر، وركب الولد، ونكاهم بعض النكاية فتركوا ابن هتيمل، وعزموا إلى السلطان، وذكروا أن سليمان بن وهاس لقاهم خيلاً استخلصوه من أيديهم، فعاتب السلطان الشريف سليمان، فقال: ما في بيتي إلا ولد ما يصلح لهذا ولا أمرته بشيء، فأمره السلطان بإحضاره، فلما حضر أنكر الرسل أنه الذي استخلص ابن هتيمل منفرداً، وأن عنده غيره من الفرسان، فقال الولد: هذا الفرس وهذا الميدان يخرج الرسل وأنا أخرج، فظهر(5) للسلطان نجابة الولد، فلم يعذر عن حضور ابن هتيمل، فحضر وعاتبه، فقال: ما قلت وكل(6) ملوك غيرهم سوَقُ، إنما قلت: وكل ملوك غيرهم سبقوا، فاستحسن ذلك السلطان وتركه للشريف، فقال في الشريف قصيدته السينية، وهي في الديوان، واستمر الشريف في الحضرة السلطانية من وجوه أهلها وأعيانهم، وكان على المظفر إلى (مصر) مال يسلم في السنة يأتي له رسول من صاحب (مصر)، من جملته دروع فيها أربعة مختارة، فاتفق أن السلطان لم يتيسر الرابع من الأربعة، ومن صفتها أن تكون في الأرض مرتفعه مثل المستقيمة(7)، فجمع المال في الديوان وأعيان الدولة
__________
(1) في (ب): فأرسل.
(2) في (ب): بطن.
(3) في (ب): هذا الرجل.
(4) في (ب): وأنا في حضرته.
(5) في (ب): وظهر.
(6) في (أ): في.
(7) في (ب): كالمستقيمة.

مجتمعون والمال في الوسط والسلطان في المخزان، فسأل الشريف ما بال السلطان لم يخرج، فقالوا: إنه مطالب في الدرع الرابع، فهو يطلبه، فسل الشريف سيفه وضرب أحد الأدراع(1) الثلاثة حتى قده(2) السيف، وقال: قل لصاحبك ليس عندنا غير هذا، فبلغ المظفر فقال - وقد أعياه وجود الدرع -: نعم ما قاله(3) الشريف، ليس عندنا غير هذه الضربات، فعزم رسول (مصر) ولم(4) يأت من بعده رسول، وهذا من إملاء بعض الشيوخ - رحمه الله تعالى - والقضية قد ذكرت بما هو أخصر من هذا، ولم أتيقن أيضاً(5) سليمان والد الولد /54/ أو اسم الولد نفسه، فالقصيدة التي من ابن هتيمل أن المخلص له سليمان بن وهاس، فتحتمل أنه الولد والذي في الذهن أنه والده - والله أعلم -، وكان بين ابن هتيمل وبين ابن حمير صاحب الحاج مشاعرات، وكان ابن حمير مجيداً غير أن هذا لا يلحق وما يناظر شعره(6) إلا شعر أبي فراس، ولقد امتحنت جماعة من الأدباء بأبيات من شعره أقول لمن تظنون هذا الشعر، فتقع في الغالب أفهامهم على أبي فراس والأبيات هذه:
أراني وإن كنتم(7) موالي دينه ... وأهلي فلي في دون أرضكم أهلُ
تقبل كفي قبل إبراك ناقتي ... وتنجح حاجاتي وما حط لي رحلُ
ويشتاقني المولى البعيد وسادتي ... عيونهم عني وعن نظري قبلُ
وأنتم أحق الناس لي لو عرفتمُ ... بحقي ولكن دون معرفتي جهلُ
فما حيلتي والحال لو قمتمُ(8) بها ... على جهة الانصاف أصعبها سهلُ
فما صنت نفسي عن قتال عدوكم ... ولا قلت ما لي في أموركم دخلُ
__________
(1) في (ب): أحد الأدراع الثلاثة.
(2) في (ب): قلم.
(3) في (ب): ما قاله.
(4) في (ب): فلم.
(5) في (ب): سليمان اسم والد.
(6) سقط من (ب): شعره.
(7) في (ب): وكتت.
(8) في (ب): قمتمو.

وله (شعر)(1) عالية الأشعار، وله في الغزليات ما يسترق الطباع، وكان يجاز بالجوائز السنيات الجزلة، ومع ذلك مات وهو من فقراء المسلمين المتربة، وقد سبق ما أجازه به القاسم بن علي الذروي، واشتهر في الناس جائزة الإمام له في قصيدته التي اشتهرت وطارت كل مطار، وهي:
إذا جئت الغضا ولك السلامة ... فطارح بالتحية ريم رامة
وهي شهيرة، فقال: إن الإمام أجزل عطيته ويذكر الناس قدرا ما رأيته في التاريخ، والله أعلم بالحقيقة، قال بعض الفضلاء يكفي هذه القصيدة قول السيد البليغ الهادي بن إبراهيم - رحمهما الله - فيما كتبه إلى الإمام المنصور متشفعاً في الإمام المهدي بقصيدة أجاد فيها:
وهاك قصيدة غراء تحكي ... إذا جئت الغضا ولك السلامة
وله درر من القصائد وغرر وأتبرك بمرثية الإمام الشهيد لا لأنها من يحب(2) شعره، بل للتبرك، قال - رحمه الله - بعد قتل الإمام - عليه السلام -(3):
أقسمت أحلف صادقاً وأنا الذي ... ما قط أحلف آثماً بيميني
إن الشجاعة والسماحة والندى ... حلت بقبرٍ في ربا (ذيبين)
في الدرب لا برح الغمام يجوده ... قبر به علم الهدى والدينِ
حيث الإمام ابن الحسين مخيمٌ ... يا حبذا من طاهر وأمينِ
(4) ذاك الذي أحيا شريعة جده ... بحسامه وأذل كل قرينِ
حيث ابن فاطمة الإمام مُضَمَّخٌ ... بدم الشهادة ثاوياً في الطينِ
ونفى الضلالة والجهالة وانثنى ... بجهاد أهل الشرك والتبطينِ
فبغت عليه أمة ظِلِّيلةٌ ... ظلماً بغير دلالة ويقينِ
55/ قتلت إماماً كان سيد مجدها ... وأعزها من هاضم ومهينِ
لله كف أبرأ التنين إذ ... مسحت أنامله على التنينِ
وجرت على الأعمى فعاد سناؤه ... ونفت عن المجنون طيف جنونِ
ما كان يوم (شوابة) في عصرنا ... إلا كيوم الطف أو صفينِ
ما كان أحمد حائداً عن ضده ... كلا ولا عند الندا بظنين
__________
(1) في (ب): أشعار.
(2) هكذا في الأصل.
(3) سقط من (ب): عليه السلام.
(4) في (ب): هذا البيت مؤخر إلى البيت الذي يليه.

أغنى الفقير ولم يرد مؤملاً ... لما أتاه خائباً بظنون
قد كانت الأيام مشرقة له ... وسنينه أزرت بكل سنين
فثوى فأظلمت البلاد وعطلت ... تلك الدسوت وخان كل أمين
وتفرقت آراؤهم وتشتت ... من بعد ذاك وخاب كل مكين
فعليه مني ألف ألف تحية ... وعدوه المسجون في سجين
من لم يزر قبر النبي بيثرب ... فعليه بالمهدي في (ذيبين)
هذا ما حضر من القصيدة أحسن الله جزاءه.
القاسم بن علي الأشرف
نخبة السادة(1) البليغ الفاروق القاسم بن علي الأشرف بن زين العابدين بن علي بن الحسين السبط بن علي وفاطمة الزهراء بنت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يكنى أبا علي، وهو شاعر بليغ مفلق عالم، اختفى ببغداد، أشخصه الرشيد من (الحجاز) وحبس وأفلت من الحبس، وهو والد الإمام أبي جعفر محمد الصوفي الصالح الخارج بالطالقان، لقب بالصوفي؛ لأنه كان يلبس ثياب الصوف وظهر بأيام المعتصم في الطالقان، وأقام أربعة أشهر، ثُمَّ حاربه عبد الله بن طاهر، وقبض عليه وأنفذه إلى بغداد، فحبسه المعتصم وهرب من حبسه، فأخذه وضرب عنقه صبراً وصلب بباب الشماسية، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وهو أحد أئمة الزيدية وعلمائهم، وزهادهم، ذكر هذا الشيخ القاسم البغدادي وابن عنبة.
أبو القاسم بن علي بن المؤيد
السيد الأمير، البحر الذي لا يساجل، والجم الذي لا يحافل: أبو القاسم بن أمير المؤمنين علي بن المؤيد بن جبريل سلام الله عليهم، كان كامل النعوت جميل المحامد دثن المكارم، قال الإمام عز الدين بن الحسن - عليه السلام -: كان سيداً كاملاً شهيراً يتبرك به وينذر له، وله خط حسن ما يعلم من أولاد الإمم وأولادهم من بلغ من حسن الخط ما بلغ، ولعله لو عاش لعظم شأنه، وعلا مكانه، ولم يدركه أقرانه، توفي في ذي القعدة سنة أربعين وثماني مائة في الفناء الكبير.
أبو القاسم بن علي بن عزان
__________
(1) زيادة في (ب): ومهجة السيادة.

الفقيه الفاضل العلامة أبو القاسم بن علي بن (عزان بن سليم)(1) بن أبي بريد بن أبي الخير بن أحمد بن روح بن قرش(2) بن مدرك بن عنس ابن مدحج /56/ عالم كبير (فاضل شهير)(3)، ترجم له بعض السادة، وقال: عاصر الإمام محمد بن المطهر، وأهل أبي الخير ينسبون إلى جده أبي الخير المذكور، وأهل هروج ينسبون إلى جده روح.
القاسم بن كثير
الحجة العالم الفاضل الناسك القاسم بن كثير، ذكره القاسم بن عبد العزيز البغدادي في أصحاب زيد الذين أخذوا عنه.
القاسم بن محمد بن عبد الله العلوي
السيد الكامل القاسم بن محمد بن عبد الله العلوي العباسي، رئيس كبير وعلامة شهير، وهو ابن السيد الإمام محمد بن عبيد الله الشهيد بـ(نجران) أيام الهادي إلى الحق، واستقر هذا الشريف - رضي الله عنه - بإناقب(4)، وكان محمود السيرة، طيب السريرة، عالماً خاشعاً، أعاد الله من بركته.
أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم [ - 760هـ]
السيد العالم المحقق الذي أذعن له أهل التحقيق، علم الدنيا وسراج الإسلام أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم، من ولد عبد الله بن يحيى بن الناصر بن الهادي - عليهم السلام - كان من أجلاء العلماء وكبرائهم، ذكره الأمير صلاح الدين بن الجلال وغيره.
قال السيد صلاح الدين: هو العالم المصقع، توفي في (صعدة) صغيراً، وقد حاز كل العلوم في نحو من ستين وسبعمائة، وله (شرح المفصل) وغيره، وهذا هو صنو السيد المفسر عالِم العالَم علي بن محمد بن أبي القاسم.
القاسم بن محمد بن منصور
السيد العابد، المتأله الناسك، علم الدين القاسم بن محمد بن منصور بن يحيى بن علي، كان عابداً فاضلاً، ذكره الأمير صلاح الدين بن الجلال، وقال: هو باق في سنة سبع وثمانين وثمانمائة.
القاسم بن محمد بن منصور
__________
(1) في (ب): غراب بن سليمان.
(2) في (ب): قرير.
(3) في (ب): شهير فاضل.
(4) في (ب): بايافث.

السيد العالم الرباني الملكي الإنساني صاحب المقامات(1) علم الدين القاسم بن محمد بن منصور بن محمد بن منصور بن علي بن منصور، من ولد القاسم بن يوسف الداعي، ذكره السيد العلامة المرتضى بن عاهم، وذكره في تاريخ السادة آل الوزير فقال فيه: هو السيد العابد المتأله الرباني، المتخلي السالك الناسك الولي، له أنوار فضل زاهرة، وكرامات عند أهل زمانه بينة(2) ظاهرة، أقام بـ(صنعاء)، وظهرت كراماته، وأقبل عليه الناس حتى صار عامتهم يقسمون باسمه، والله ييسر به(3) عند الأخطار، وركوب البحار، وكذلك أهل المواشي والفلاحة، واتضحت فضائله للخاص والعام، والمأموم من الناس والإمام، وصفات محاسنه كثيرة، وبراهينه وعلاماته عديدة شهيرة، ورأيت بخط الشيخ العلامة المحدث محمد بن علي بن إبراهيم الشهير بعبد الهادي السودي في نسخة من نسخ (النهاية) لابن الأثير، ما لفظه: هذا الكتاب الكاشف عن مخدرات الحديث كل نقاب، ملك السيد الأفضل، الأكمل الأنبل، النزهة الأكبر، والكبريت الأحمر، والياقوت الأزهر، والزمرد الأخضر، السر المصون، واللؤلؤ المكنون، من فهمه الله أسرار البدايات، وأطلعه على عالم النهايات، بحر الحقائق، وموضح الطرائق، صاحب الأسرار الصمدانية، والدعوة الرحمانية، واللطائف القربانية، والمعارف الفرقانية، والمواعظ اللقمانية، والفتوحات /57/ الربانية (شعراً).
ماذا أقول لمن تكامل وصفه ... فالمدح فيه وإن تكامل قاصر
عون الزمان، وقطب الأوان، زكي الأصول، وابن بنت الرسول، فاطمة البتول، الولي المشهور، في البراري والبحور، علم الدين، قاسم بن محمد بن منصور، نفع الله به، وأمدنا من أسراره وأنواره، وعطرنا بنسائم نفحات أزهاره، بحياة نبيه عليه، ومختاره لديه.
قال السيد المرتضى بن عاهم: إن السيد العلامة الحجة أحمد بن علي خضير صحبه.
__________
(1) سقط من (ب): المقامات.
(2) سقط من (ب): بينة.
(3) في (ب): والله ييسر به لأهل المدينة عند الأخطار.

قال المرتضى: صحب السيد الفاضل العابد الزاهد صاحب الدين الصحيح، والورع الشحيح، واثنى عليه، ثم قال: وقبره مشهور مزور في (صنعاء) فضائله كثيرة، وكراماته جمة غفيرة، وقرأ عليه في التزهد والطريقة، وزوجه شريفة قريبة له من آل المفضل بن الحجاج.
أبو القاسم بن محمد بن حسين الحميري
الفقيه العلامة، المحقق المطلع، علم الدين أبو القاسم بن محمد بن حسين الحميري - رحمه الله تعالى - كان من أعيان الزيدية وكبرائهم، عاصر الإمام المهدي لدين الله علي بن محمد، وهو صاحب (روضة المشتاق فيما بين الزيدية والاثني عشرية من الافتراق).
القاسم بن محمد بن قاسم
الفقيه العلامة، الفرضي المحقق، علم الدين القاسم بن محمد بن قاسم بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن إسماعيل الأعرج الحجي صاحب كتاب (المحيط لمعاني الوسيط)، وإنما شرح النصف الأخير من الكتاب فقط، قال بعض الشيوخ: يعني أنه لم يوجد غير ذلك، فيحتمل أنه ما شرح الكتاب جميعه، ويحتمل أنه شرح الجميع لكنه لا يوجد إلا الجزء الأخير، وله شرح على (الدرر) سماه كتاب (رياض الرايض في شرح مسائل درر الفرايض)، وله (المصباح الجلي) فيها، وله (كشف الغامض).
أبو القاسم بن محمد الشقيفي
العلامة الرحلة، شحاك الأعادي برهان الملة، علم الدين أبو القاسم بن محمد الشقيفي اليمني، اشتهر بـ(الحجاز) بالشقيفي - بالشين المعجمة بعدها قاف ثُمَّ ياء باثنتين من أسفل بعدها فاء ثُمَّ ياء النسب - وبيته بـ(اليمن) شهير، وقد ذكره المؤرخون للحرم الشريف، وذكر ابن الحرزي في ترجمة الشريف رحيبة بن أبي نمى أنه لما توفي في سنة ست وأربعين وسبعمائة بـ(مكة) وقت صلاة الجمعة والخطيب على المنبر قبل أن يفتتح الخطبة، وسكت الخطيب حتَّى فرغوا من الطواف به، وكان ابنه عجلان يطوف معه، وجعل في مقام إبراهيم وتقدم أبو القاسم بن الشقيف الزيدي للصلاة عليه، ومنعه من ذلك قاضي (مكة) شهاب الدين الطبري وصلى عليه بحضرة عجلان ولم يقل شيئاً.

قلت: لم يبسط ابن الجزري(1) في القضية، وقد حكيت وفيها طول، وإن أبا القاسم منع غيره من الصلاة عليه. وقال: الشريف على مذهبي، فكادت تكون فتنة، فترك ذلك ابن الشقيف، وفيما ذكروا أن هذه الصلاة في مقام الزيدية، واستغرب أن يكون هنالك موضع ينسب إلى الزيدية، وليس بغريب، فقد كان هنالك موضع - بين يدي الركن الأسود - يصلي فيه الشَّرفاء ووجوه الزيدية، ويعلن فيه بالدعاء لإمام الزيدية محمد بن المطهر - عليهما السلام - قال ابن الجزري، ووصل مرسوم كريم إلى السيد عطيفة بتبطيل مقام الزيدية والإنكار في ذلك، وفي أمور حدثت بـ(مكة)، فدخل السيد عطيفة عند وصول المرسوم الكريم، وأخرج إمام الزيدية إخراجاً عنيفاً، ثم حكى أو حكى غيره أن إمام مقام الزيدية الذي أخرجه السيد عطيفة شريف كان يصلي بالزيدية بين الركنين، فإذا صلى الصبح وفرغ من الصلاة دعا بدعاء وجهر به صوته وهو:
__________
(1) في (ب): الحوري.

(اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وعلى أهل بيته المصطفين الأطهار، المنتجبين الأخيار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. اللهم انصر الحق والمحقين، واخذل الباطل والمبطلين ببقاء ظل أمير المؤمنين ترجمان البيان، وكاشف علوم القرآن، الإمام بن الإمام بن الإمام محمد بن المطهر بن يحيى بن رسول الله الذي للدين أحيا، إمام المتقين وحجاب الظالمين. اللهم انصره، وشعشع أنواره، واقتل حساده، واكبب أضداده). مع زيادات على هذا، وكان إذا صلى صلاة المغرب دعا بهذا أيضاً وجهر به صوته في هاتين الصلاتين، وما زال على هذا الأمر إلى أن وصل إلى (مكة) العسكر المصري المجرد للـ(يمن) نصره للملك المظفر(1) صاحب (اليمن) في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، فعند ذلك خرج هذا الإمام من (مكة) وأقام بوادي مرة(2)، وما رجع إليها إلا وقت الحج، انتهى ما قاله ابن الجزري، وهذا يدل على إخراج الشريف عطيفة لإمام الزيدية غير هذا الإخراج الواقع بهيبة العسكر المصري، ولعله كذلك، فقد نقل أن الداعي بهذا الدعاء الفقيه أبو القاسم، فلعله كان هذا، وهذا وجماعة الزيدية المنفردة في الحرم كانت من قبل، قال الحافظ أبو الطاهر السلفي: إنه حج في سنة سبع وتسعين وأربعمائة، وأن الحنبلي أحد المذاهب الأربعة لم يكن موجوداً في هذه السنة، ورأى فيها محمد بن العرجاء الفروي المقدسي إمام مقام إبراهيم الخليل - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-، وذكر أنه أول من يصلي من أئمة الحرم المقدس قبل الحنفية والمالكية والزيدية. انتهى.
__________
(1) في (ب): المجاهد.
(2) في (ب): مر.

وقد حكى الإمام المهدي أحمد بن يحيى - عليه السلام - مراجعة أبي القاسم لبعض العلماء بـ(مكة)، أظنه من علماء (مصر) في (....) (1) وله كتاب (مؤازرة الإخوان) كتاب نفيس في بابه قليل النظير، فيه المعاملة الربانية والإنسانية، وله (كتاب السنام)(2)، وله كتاب (الجواهر /59/ والمنن المنتقى من كتاب السنن) وغير هذا.
أبو القاسم بن المطهر الهادوي(3)
أبو القاسم بن المطهر الهادوي، قال صاحب سيرة المتوكل على الله المطهر بن محمد بن سليمان: وكان هذا السيد أبو القاسم ممن في مرتبة الإمامة مالكاً(4) لطريقة الزهد والورع الشحيح، انتهى.
قال السيد المفضل عبد الله بن أمير المؤمنين فيما رأيته بخط ظننته خط السيد أبي القاسم: كانت أمه أم ولد، وأبوه كان مباركاً، قيل إنه كان في حياته يدعو إلى الله أن يجنبه القبر إذا مات فسافر فمات فأكلته السباع.
القاسم بن يحيى بن القاسم
السيد الكامل الأمير القاسم بن يحيى بن القاسم بن يحيى بن حمزة بن أبي هاشم - رحمه الله تعالى - كان عالماً فاضلاً، قال في حقه من ترجم له ما لفظه: رفيع الرتبة(5) والمنزلة، راوي لمجد آل محمد بسلسلة الإسناد المتصلة، هو الذي ترجم لوالد المنصور بالله - عليه السلام - فقال: كان رجلاً فاضلاً ورعاً تقياً خائفاً لله، فربى أولاده أحسن تربية، وهذبهم فما أفصحوا إلا بذكر الله تعالى والتعظيم له والتكبير والتسبيح والتهليل، انتهى.
القاسم بن يوسف بن المرتضى
__________
(1) فراغ في (ب).
(2) لا يوجد في (ب): كتاب السنام.
(3) هذه الترجمة مؤخرة إلى ما بعد الترجمة التي تليها في ب.
(4) في (ب): مرتبته الإمامة سالكاً.
(5) في (ب): القدر.

السيد العلامة الفاضل علم الدين القاسم بن يوسف بن المرتضى بن المفضل - رحمه الله تعالى(1) وأعاد من بركته-، قال في تاريخ السادة - رحمهم الله -: كان القاسم عالماً كاملاًن أديباً بارعاً في الأدب(2) والمعرفة، وله أشعار جيدة، وهو من أكابر أهل البيت وأهل الكمال، ومحاسن الأوصاف والخلال، أقامه الإمام الناصر في بلاد (آنس) وألقى إليه أمرها، فتعدى عليه بنو الروبة، واغتالوه، وقتلوه بين الشرائف المطهرات،وهو يتلو كتاب الله تعالى وبيده الختمة الشريفة، فلما فعلوا ذلك وتعدوا طورهم ولم يراعوا حق الله ورسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - في حق أهل بيته وحق إمام الزمان، قصدهم الإمام، ونكاهم، وقتل منهم سبعين رجلاً، وأخذ منهم سبعين دية عقوبة فيما استهانوا به من الله وحق نبيه بما استحلوه من دم ابن رسول الله وابن وصيه - صلى الله عليهما وعلى آلهما-.
قلت: وقد سبقت ترجمة ولده أحمد بن القاسم وقصيدته في هذا المعنى التي طالعها:
لا تؤثرن على النهوض مقاما.
القاسم بن يحيى بن المؤيد الفضلي(3)
الفقيه الفاضل العالم النحرير علم الدين القاسم بن يحيى بن المؤيد الفضلي، علامة كبير، ذكره صاحب (النزهة)، وهو من مشائخ العلامة إسماعيل بن أحمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عطية - رحمهم الله - وكان عصرنا للسيد أبي الحسن علي بن محمد بن أبي القاسم صاحب (التجريد).
القاسم بن معوض بن ناجي
__________
(1) سقط من (ب): تعالى.
(2) لا توجد في (ب): الأدب.
(3) هذه الترجمة مقدمة في (ب).

الفقيه العلامة الفاضل(1) علم الدين القاسم بن يوسف بن معوض بن ناجي بن مناح الهاني، نسبه إلى (الهان) من بلاد (آنس) علامة فاضل، أحسبه صحب الفقيه العلامة يوسف بن أحمد بن محمد بن عثمان - رحمه الله - وقرأ عليه (التذكرة) عند رجوع الفقيه يوسف - رحمه(2) الله - من الحج حين قرأ عليه العلامة محمد بن حمزة بن مظفر (بالمشاهد المقدسة بـ(صعدة) - رحمهم الله -) (3)، وصحب القاضي يحيى صاحب (البيان) ووضع له إجازة(4).
أبو القاسم العراقي
الشيخ /60/ العالم بهاء الدين الأبري(5) العراقي - رحمه الله - ذكره يوسف الحاجي العلامة المحقق، وعده من فقهاء المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني - عليه السلام -.
قتادة بن إدريس [ - 617هـ]
__________
(1) سقط من (ب): الفاضل.
(2) في (ب): - رحمهم الله -.
(3) لا توجد في (ب).
(4) زيادة في حاشية (ب): وله شرح على الحاجبية سماه (إيضاح المعاني السنية) اعتمد في أكثره على النقل شرح نجم الدين الرضي.. وفاته يوم الثلوث في شهر شوال سنة سبع عشرة وتسعمائة سنة وقبره في الحوطة المرتفعة التي على الداير بالقرب من باب (اليمن) على يمين الخارج ويليه قبر زوجته وعليه لوح فيه تاريخ وفاته كما ذكرنا وقد كتبت فيه بيتان وهما:
برسم قاسم من فاق الورى شرفاً ... وخاض بحر العلوم الكل واغترفا
ذاك من .....من بلا ...... قد عرفا ... وصار رسم اسمه للمشيعين سمعا
(5) في (ب): الشيخ العالم بهاء الدين أبو القاسم الأبري.

سلطان الحرمين الشريف أبو عزيز قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسن بن سليمان بن علي بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه-، كان من أكابر العلماء الرؤساء القادات، وكان يعرف بالنابغة عند كثير من الناس؛ لأنه بهمته علا على الأقران ودوخ البلاد، وأزال مملكة الهواشم، واستعظم(1) عن بني العباس مع تطبيقهم على ما قَصِىَ ودنا، وكانت أيامه أيام الناصر العباسي، وكان يصرح بأنه أحق بمنصب الخلافة منه، وهو كذلك، وكان في الحقيقة أحد أعضاد(2) المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليهما السلام - واستعان به الإمام وخرج من مواليه وقراباته جماعات بين يدي(3) الإمام المجاهر للجهاد والمثاغرة، وأنفذ إليه الإمام أعياناً من أصحابه، منهم البليغ(4) الحسام المرهف القاسم بن شيب(5) الماضي ذكره، وأهدى له الإمام(6) الفرس اليمنية التي ما ذكر في عصرها ولا بعدها لها ثان في الجودة، وكان من صفاتها أنها تخرج من الصف التي(7) هي فيه سابقة لأهله الجميع، حتى تدخل في الصف الذي قبلها وتمضي إلى الغاية في المضمار مجلية منفردة، ثم تعود إلى حيث كانت من الصف، فتسبق أخرى جميع أولئك الحاضرين. وأصحبها الإمام قصيدة فاخرة ورسالة غراء، ومن شعر الإمام إليه:
أبلغ لديك أبا عزيز مالكا ... بحر العطا ونظام آل محمدِ
الطاعن النجلاء في رهج الوغى ... والخيل يغسل بالحميم المزبدِ
والمخصب العرصات فيض بنانه ... والأفق مدرع كعين الأرمدِ
أسليل إدريس الفتى ابن مطاعن ... الطعان(8) في رهج العجاج الأربدِ
__________
(1) في (ب): واعتصم.
(2) زيادة في (ب): الإمام.
(3) في (ب): وجماعات استقروا بين يدي الإمام للجهاد.
(4) زيادة في (ب): العلامة.
(5) في (ب): شبيب.
(6) في (ب): الإمام له.
(7) في (ب): الذي.
(8) في (أ): الطاعن.

إني أتتني والديار(1) بعيدة ... أفعال محمود الشمائل فارددِ
وما أحسن قوله فيه من جملة القصيدة الفائقة التي أولها:
دعا(2) ذكر المنازل في مطارٍ ... أصابتها الغوادي والسواري
ولا تستنبحا في الليل كلباً ... ولا تتنورا إيماض نارِ
وبصا(3) العيس سامية الهوادي ... تبارا كالنقانق في البراري
إلى السادات من سلفي علي ... لباب اللب من سلفي نزارِ
أنيخا بالأباطح وانزلاها ... وقولا لا سبيل إلى السرارِ
بني حسن نداء من إمام
... يناديكم على نأي المزارِ
إلى أن قال - عليه السلام -:
أتاني منكم نبأ شفاني ... كحلك للأسير من الأسارِ
طهارة (مكة) من كل عاف ... ودحض عراصها من كل عارِ
61/ بعزم الطالبي أبي عزيز ... أبي الفتكات والهمم الكبارِ
شريف لم تدنسه الدنايا ... ولا مرت له بفناء دارِ
نشأ للمكرمات وأحرزتها(4) ... يداه قبل تلويث الإزارِ
وهي طويلة وأمره الإمام - عليه السلام -(5) ببناء مشهد الإمام الحسين الفخي - عليه وعلى سلفه السلام-، ففعل ذلك عن رأي الإمام، وقد ذكر مؤرخو (مكة) كيفية تحول المملكة إليه كالشريف القاسمي (6) والقطبي وغيرهما، قال في (قلائد الجمان): إنه أول من(7) ملك (ينبع) و(الصفراء)، ثم ملك (اليمن) المصافت لـ(مكة) و(الحجاز) وبعض أطراف المدينة وبلاد (نجد)، ثم ملك (مكة).
__________
(1) في (أ): والديا.
(2) في (أ): دع.
(3) بُصَّا: اعطيا. القاموس المحيط (613).
(4) في (ب): فأحرزتها.
(5) سقط من (ب): عليه السلام.
(6) في (ب): القاسي، ولعل الصحيح القاسمي.
(7) في (ب): ما.

قلت: صفة ملكه (مكة) معروفاً(1) مما ذكرنا(2) في تواريخها، حاصل ذلك أنه كان من قبله من الأشراف يخرجون من (مكة) للتنزه إلى التنعيم أو نحوه، وكانوا يحفلون بالعامة والخاصة ولا يتركون حافظاً لـ(مكة) فدخلها(3) وقت خروجهم، وأمسك طرقها، وصد(4) عنانها، فطاوعته الخاصة والعامة، وبقيت في يد ولده إلى يومنا هذا، ولم يبق للهواشم الذين كانوا قبله من الأشراف يد، وقتل رئيسهم يومئذ، وهو محمد بن مكين بن عيسى بن فليتة.
قال ابن عنبة: كان الخليفة الناصر العباسي قد استدعى الأمير قتادة إلى (العراق) ووعده ومناه، فأجابه وسار من (مكة)، فلما صعد من (النجف) خرج أهل (الكوفة) لتلقيه، وكان من جملة من خرج في غمار الناس جماعة معهم أسد في سلاسل، فلما رآه قتادة قال: لا أدخل بلداً يذل فيها(5) الأسد، ثم رجع من فوره إلى (الحجاز) وكتب إلى الناصر الخليفة هذه الأبيات:
بلادي وإن جارت علي عزيزة ... ولو أنني أعرى بها وأجوعُ
ولي كف ضرغام إذا ما بسطتها ... بها أشتري يوم الوغى وابيعُ
معودة لثم الملوك لظهرها ... وفي بطنها للمجدبين ربيعُ
أأتركها تحت الرجا ثم أبتغي ... خلاصاً لها إني إذاً لرفيعُ
وما أنا إلا المسك في أرض غيركم ... أضوع وأمَّا عندكم فأضيعُ
__________
(1) في (ب): معروفة.
(2) في (ب): ذكرناه من.
(3) في (ب): فدخلوها.
(4) في (ب): وحيد.
(5) في (ب): بها.

توفي الشريف قتادة في سنة سبع عشرة وستمائة بعد موت إمامه المنصور بالله - عليه السلام - لأن الإمام مات في سنة أربع عشرة وستمائة، هذا الذي ذكره بعض مؤرخي أصحابنا، وفي (قلائد الجمان) غير هذا، وكان له من الولد حسن وراجح وعلي، ولِّي بعده الحسن، وكان شجاعاً شديد الأيد(1)، فاتكاً ملك (مكة)، ثم وقع بينه وبين أخيه راجح خلف وافتراق، فكتب في ذلك السيد الأمير الناصر لدين الله محمد بن أمير المؤمنين المنصور بالله عبد الله بن حمزة كتابين أفرد إلى كل واحد كتاباً ورثىوالدهم بمرثية بليغة طالعها:
ألا إن زاد الركب أمسى بملحد ... لدى بلد خير البقاع بقاعها
/62/ وقال في فصل من كتاب حسن بن قتادة: وقد بلغنا ما كان بينه وبين صنوه الأمير الشريف المنتخب المحمود جمال الدين راجح بن أبي عزيز - شيد الله ملكه(2) الجميع - من الفرقة، وتشتت الكلمة، ولعمر الله إن هذا(3) يسوء الصديق، ويغص له كل ولي بالريق، وهم أولاد من ألف الشمل، وحاز في مضمار حسن السياسة ، وكرم الشمائل شريف الخصل، فهم أطواد الوقار والحلم، وينابيع الفضل والعلم، وإنا لنعيذ تلك الهمم السامية الحميدة، والشيم(4) الكريمة الرشيدة، عن(5) أن يميل بها ريح الطيش في كل جانب، ويذهب بها هديا عقارب الوشاة إلى مهالك المذاهب،
يا قوم بيضتكم لا تفحصن بها ... إني أخاف عليها الأزلم(6) الجدعا
يا لهف نفسيَ إن كانت أموركمُ ... شتى وأحكم أمر البين فاجتمعا
وما جئنا بشيء من ذلك إلا وقد بينت لنا مكنونه التجارب، وأبدت لنا أحوال الدهر منه العجائب.
وكم من أخ لي قد رأبت على الأذى ... كما ترأب الباز(7) ابنها وهو أجربُ
مزجت بحلمي جهله فعدلته ... وقد يمزج الماء الأجاج فيعذبُ
__________
(1) الأيد: القوة.
(2) في (ب): مجد.
(3) في (ب): ذلك.
(4) في (ب): والشيمة.
(5) في (ب): على.
(6) في (ب): الألزم.
(7) غير واضحة في الأصل.

والله تعالى يوفقهم في الموارد والمصادر، ويحوطهم من حوادث الدهر وصروف المقادر، ويُعلِي كلمتهم في البادي والحاضر، ويجمع شملهم على أحسن الأحوال، ويشيد(1) بهم أمر الدين ويطمس بهم رسم الضلال، وفي كتاب راجح لما بلغنا ما بين المجلس السامي وصنوه الأمير السيد الشريف الكبير المعظم الأعز الأكرم المحمود المؤيد الفاضل الأمجد أمير الحرمين شهاب الدين الحسن بن أبي عزيز قتادة بن إدريس، شيد(2) مجد الجميع من تشتت الكلمة، وركوب صعائب(3) ركوب الفتنة، واختلاف الأمر وتباين العشيرة، احتبينا بذكر المجلس السامي بما(4) ليس بغائب عن فطنته السنية، وألمعيته الحسنية، من معرفة ضعف هذا الرأي الذي لا يأتلف إلا من اختلال التدبير(5) وسوء القطيعة، وتضيق به مسالك الرئاسة وإن كانت أي وسيعة، وللأواخر عبرة في الأوائل، ولله القائل:
وإني لترَّاك الضغينة قد أرى ... ثراها من المولى فما استثيرها
مخافة أن يجني علي وإنما ... يهيج كبيرات الأمور صغيرها
وفي العدو متسع لهذا المجال، وغير ذات البين أولى بهذا الحال، وفي الألفة عز الذليل الحقير، وفي التشتت هوان العزيز الخطير،
وأحسن جهل القوم ما في عدوهم ... وأقبح أحلام الرجال غريبها
__________
(1) في (ب): ويشهد، (وأيضاً ويشد ظ).
(2) في (ب): شيد الله مجد.
(3) في (ب): صعاب ركائب.
(4) في (ب): ما.
(5) في (ب): لا يليق الأمر اختلال التدبير.

وهو - أدام الله معاليه - من سد هذا الفتق بما هو ربما يكون أعلم بسده، وكف(1) التباين والتضاغن، فقد آن أن يبلغ إلى حده والسلام. فلما وصلت الكتب إليهما لم تفد وتم الخلف بينهما، فاغتنم السلطان يوسف فرصة القوم ونهض من (زبيد) في جنوده /63/ وعظماء مملكته، فطوى المراحل إلى أن لقي راجح بن قتادة في (العسرين)(2)، فحلف له السلطان أني مسترجع لك (مكة) - حرسها الله تعالى - من أخيك ومسلمها إليك، فساروا جميعاً والحسن بن قتادة يومئذ أمير (مكة)، فلما وافاه الغز افترقت عليه عساكره وأسلمه من معه، وقد أحاطوا بـ(مكة) - حرسها الله تعالى - واستحلوا ما حرم الله ولم يكن همَّ الشريف الحسن(3) بن قتادة ومن بقي معه من خواصه إلا أن ركب فرسه وركبوا خيولهم، وخرجوا من بعض الأبواب فلم يعومهم(4) الغز وتموا على رواسهم، واحتوى الغز على ما بقي في دار آل قتادة في (مكة) وجرت بينهم وبين الغز وقائع كان فيها عليهم الدوائر، فنعوذ بالله من غضبه وقلة توفيقه، ونسأله التوفيق لما يرضيه، ثم إن السلطان يوسف لم يتم لراجح شرطه بل قصره على (السرين) و(حلي) ورضي بذلك حتى ضعف أمر أخيه الحسن، وانتهى به الحال إلى أن أوفد نفسه على الكريدي سلطان دمشق، فلم تفده الوفادة إليه للؤم الطبع، فتوجه بعد ذلك إلى محمد بن خوارزم العجمي، فأدركه الموت بـ(بغداد). وأرسل السلطان يوسف بن وردسان في مائتي فارس لقبض راجح، فأجلى من (السرين) هارباً وما بسطت هذا إلا عظة لمتعظ وعبرة لمعتبر، فكأنما الشريف أبو نمي قصد هذه الحال بقوله:
بني عمنا من آل موسى وجعفر ... وآل حسين كيف غيبتكم عنا
بني عمنا إنا كأفنان(5) دوحة ... فلا تتركونا تتخذنا القنا فنا
إذا ما أخ خلى أخاه لحادث ... تبدى به في الأكل ثم به ثنا
قيس بن الربيع
__________
(1) في (ب): حد التباين.
(2) في (ب): (السرين).
(3) في (ب): حسن.
(4) لعلها: يعرفهم، ولكنها في الأصل كما أثبتناه.
(5) في (ب): كاكناف.

العلامة المجاهد قيس بن الربيع - رحمه الله - كان أحد الأعيان الآخذين عن الإمام الأعظم، وبقي بعدما استشهد الإمام الأعظم - عليه السلام - ظاهر الفقه تام النفع، ذكره شيخ الإمام أبي طالب - عليه السلام - وهو العلامة أبو القاسم البغدادي - رحمه الله -.
حرف الكاف
كثير النوى
الشيخ مفزع العلماء كثير النوى، تلميذ الإمام الأعظم، اشتهر فقهه بعد موت الإمام - عليه السلام - ذكره البغدادي - رحمه الله -.
كوربكة الديلمي
الشيخ العلامة رئيس (العراق) جامع الفروع والأصول، وبرهان معلومها والمجهول، أبو ثابت كوربكة(1) الديلمي - رحمه الله - والد الشيخ العلامة المحقق شهر دبير، وعنه أخذ وهو تلميذ الأستاذ (صاحب تغليق الإبانة الكبير يعقوب بن أبي جعفر بن محمد بن يعقوب، ذكره العلامة)(2) أحمد بن أمير(3) الحسني - رحمه(4) الله-.
كوركة العراقي
الشيخ المفتي العلامة كوركة العراقي - رحمه الله - هو أحد علماء الجيل المبرزين، ذكره العلامة الشيخ نعمة شارح (الإبانة) ونقل عنه في عدة مواضع، مما نقل عنه أن /64/ الوقف إذا انقطع مصرفه رجع إلى المصالح ملكاً، على معنى أنه يجوز تسليمه إلى الفقير، أو يملك الفقراء عينها ويجوز بيعها وهبتها، ونقل الأستاذ هذا القول عن العلامة شهراشويه(5) وغيره، وأما الشيخ نعمة المذكور فاختار أنه يرجع إلى المصالح وقفا(6)، وقرره العلامة أحمد الكوكبي الزيدي - رحمه الله تعالى -.
حرف اللام
لطف الله بن محمد الغياث [ - 1035هـ]
__________
(1) في (ب): كوربكير.
(2) ما بين القوسين غير موجود في (ب).
(3) في (ب): مير.
(4) في (ب): رحمهم.
(5) في (ب): شهراشق.
(6) في (ب): وفقاً.

شيخ الشيوخ، وإمام أهل الرسوخ، الحري بان يسمى أستاذ البشر، والعقل الحادي عشر، بهاء الدين سلطان المحققين لطف الله بن محمد الغياث بن الشجاع بن الكمال بن داود الظفيري - رحمه الله - ليس عندي عبارة تؤدي بعض صفاته، ولا تأتي بالقليل من سماته في جميع أنواع الفضل، أما الحلم فكان بمحل لا يلحق(1) لا يذكر له سقطه في قول ولا فعل، وكان يحصر العلماء على كلماته لوقوفه في الكلام على ما يقضي به الرجاح، وكان في العلم غاية لا يصل إلى رتبتها في زمنه إلا القليل، قد استجمع العلوم الإسلامية والحكمية، وحققها وعارض أهلها واستدرك ما استدرك، ولم يكن لقائل بعده مقال فيما تلكم به، بل صار حجة إذا ذكر خضع لذكره النحارير، ولقد صار مفخرة للـ(يمن) على سائر البلاد، ونقل أهل الأقاليم الشاسعة أقواله وما وضعه من الكتب هو مرجع الطالبيين(2) في (اليمن)، منها (المناهل الصافية) كـ(المختصر) للرضي، فيها أبرز الفوائد من الرضي في صور تعشقها الأفهام، وأتى للمنتهي والقاصر بما يريده حتى لم يفتح الطالبون بعدها كتاباً في الفن إلا المتوسع المتبحر، وقد صارت الشروح كالمنسوخة بالمناهل، وكان العلامة أحمد بن يحيى حابس أراد التقريب لنجم الأئمة إلى أفهام الطلبة، فلما رأى هذا الكتاب أعرض عن ذلك وقال(3): إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وله عليها حاشية وولع بهذا الكتاب من رآه، ولقد جعله شيخنا القيرواني من فوائد سفره إلى (اليمن) واعتنى بتملكه، وله شرح على الكافية(4)، لكنه ما تم له، ومن أعجب كتبه (الإيجاز) في علمي المعاني والبيان، شرحه بشرح مفيد(5) فيه يزيد المقالات لأهل الفن، وله الحاشية المفيدة على شرح التلخيص الصغير، وهي حاشية مفيدة ما تناقل الناس بعدها غيرها، وكان حاشية الخطابي كثيرة الدوران، وإن لم تكن كاملة فألغاها الناس،
__________
(1) في (ب): لا يليق.
(2) في (ب): الطالبين.
(3) في (ب): فقال.
(4) في (ب): الكفاية.
(5) زيادة في (ب): أتى.

وحاشية ابن المصنف وغيرهما، ولم يسمها الشيخ - رحمه الله - باسم فسماها السيد صلاح الدين بن الجلال بن أحمد بن المهدي المؤيدي - رحمه الله - (بالوشاح(1) على عروس الأفراح)، والسيد - رحمه الله - اختار هذا الاسم بناءً منه أن الشرح الصغير يسمى بعروس الأفراح، وهو كذلك شائع في الطلبة، وليس كذلك إنما عروس الأفراح شرح السبكي ونعمّا هو، فإنه شرح مفيد جداً، وللشيخ لطف الله شرح على الفصول /65/ اللؤلؤية، ثم لم يتم له، لعله بلغ فيه إلى العموم، وهو كتاب محقق منقح مفيد، وكان قد اشتغل بكتاب فيه العبارات المبهمة من الأزهار بنحو غالباً ومطلقاً، ونحو ذلك، ومقاصد أخر(2) أرادها، ولم يكن قد علم بشرح الفتح لأنه كان يومئذ بـ(الطائف)، فلما وصل (اليمن) اطلع على كتاب يحيى حميد المسمى (بفتح الغفار) وشرحه المسمى (بالشموس والأقمار)، فاكتفى بذلك لموافقته لما أراد، وله في الطب ملكة عظيمة، كان القاسم - عليه السلام - وهو من علماء هذا الفن(3) يقول: الشيخ لطف الله طبيب ماهر، ومع ذلك(4) فلم يتظهر بهذا العلم ورعاً، وله في علم الجفر والزبجات وغيرها إدراك كامل، وكان قد أراد إلقاء شيء إلى تلميذه المولى العلامة الحسين بن أمير المؤمنين أرسل إليه قبل وفاته أن يبعث إليه بالقاضي العلامة أحمد بن صالح العنسي - رحمه الله - ليستودعه شيئاً من مكنون علمه، فوصل القاضي وقد نقله الله إلى جواره، ومما ينسب إلى الشيخ أرجوزة مثل الأرجوزة المسماة برياضة(5) الصبيان، وكان كابن الخوام في الفرائض والحساب، إليه(6) النهاية في هذا العلم، وكتب إليه جعفر بن وبير العيفاوي الحسني أيام إقامته بـ(مكة)، فإنه أسلف في
__________
(1) في (ب): باسم فسماها السيد الإمام صلاح الدين صلاح بن أحمد بن المهدي المؤيدي - رحمه الله - بالوشاح.
(2) في (ب): أخرى.
(3) جاء في حاشية (ب): وهو علم هذا الفن.
(4) سقط من (ب): ومع ذلك.
(5) في (ب): بنصات.
(6) سقط من (ب): إليه.

(مكة) أياماً غراء واختلط بالفضلاء، واختلط به الفضلاء، وكان مبجلاً مكرماً، فكتب الشريف المذكور كتاباً يلتمس منه تأليف كتاب الفرائض والفقه، ولفظ الشريف:
أيا شيخ لطف الله إني لقائلٌ ... بلا شك من سماك فهو مصيبُ
لأني رأيت اللطف منك سجيةً ... ولله في كل الأمور حبيبُ
سألتك سفراً أستعين به على ... عبادة ربي لا برحت تجيبُ
فتوضح لي يا شيخنا ما أقوله ... فأنت لداء الجاهلين طبيبُ
وأنت(1) لنا في الدين عون وقدوة ... بقيت على مر الزمان تصيبُ
فأجابه الشيخ - رضي الله عنه - ونظم له أرجوزة في الفرائض وكتاباً يتعلق بربع العبادة ككتاب أبي شجاع عند الشافعية، ولم يخرجا إلى (اليمن)، وأجابه الشيخ بنظم فقال:
أمولاي يا من فاق مجداً وسؤدداً ... وما ان له في الخافقين ضريبُ
أتانيَ عقدٌ يخجل الدر نظمه ... ويعجز عنه أحمد وحبيبُ
معان وألفاظ زكت وتنافست(2) ... فكل لكل في البيان نسيبُ
وما كان قدري يقتضي أن أجيبه ... ومثلي لذاك السمط ليس يجيبُ
وقلتم بأن اسمي بشير(3) بأن لي ... نصيباً وكلا ليس فيه نصيبُ
أيحسب ما أعطيت من لطف سمه ... يقصر عنها شمال وجنوبُ
تعدى إلى مثلي وأنى وكيف ذا ... وإني من أدنى الكمال سليبُ
ولكن حويت اللطف أنت جميعه ... فقلت على ذا الناس أنت عجيبُ
66/ وأمركم ماض وحظي قبولكم ... وإني على قدر القصور مجيبُ
__________
(1) في (ب): فأنت.
(2) تناسقت.
(3) في (ب): شبير.

وكان الشيخ مع سكونه في (مكة) وأهلها يتعلقون بأشياء قد استنكرها العلامة ابن حجر، وصنف للزجر عنها كتابه المسمى (بكف الرعاع عن تعاطي اللهو والسماع)، فقل من يسلم من ذلك إلا من توفرت أسباب تقواه كالشيخ، فإنه أعف خلق الله عن كل ريبة، وحكي أنه مرض مرضاً آل به إلى السكتة وتغير الحس، فقال بعض مهرة الأطباء أنه يفيده السماع، فقال المعتني بشأن الشيخ أنه لا يرضى ذلك، فقال: افعلوا مع غفلة حسه، ففعلوا فتحرك - رحمه الله تعالى - ثم استمروا فميز، فلم يكن المهم له غير سكتتهم - أعاد الله من بركته-، وله شرح على خطبة الأساس(1) كتاب الإمام القاسم - عليه السلام - وأجوبة مسائل منقحة، وتوفي - رحمه الله تعالى - في (ظفير حجة) في شهر رجب سنة خمس وثلاثين وألف.
لقمان بن أحمد بن شمس الدين
السيد الأديب العارف، ضياء الدين لقمان بن أحمد بن شمس الدين بن أمير المؤمنين المهدي لدين الله أحمد بن يحيى - عليه السلام - كان فاضلاً سيداً كامل الصفات، أديباً، لبيباً، عالماً بالعربية، لطيف الطباع والشمائل، أدركه شيخنا السيد الحسن بن أحمد الجحافي - رحمه الله تعالى - وصفا بينهما الود، ودارت بينهما مراسلات وأجوبات، وكان في ذلك الوقت عيناً من أعيان (كوكبان) المحروس، وكان أيضاً يتراسل هو والسيد محمد بن عبد الله بن الإمام شرف الدين، وأنشدني السيد الحسن بن شمس الدين قصائد بينهما، ولم أعتن في ذلك الوقت بالرقم، ولم يبق في ذهني إلا مطلع قصيدة لأحدهما:
حيا الديار وحيا من ثوى فيها
__________
(1) في (ب): أطابير.

وأما محمد بن عبد الله فممَّا دار بينهما ما نقلته عن السيد محمد، ولفظه: قال محمد بن عبد الله بن الإمام شرف الدين ما لفظه إلى سيده وأخيه لقمان بن أحمد بن شمس الدين بن أمير المؤمنين - أبقاه الله جلياً لعطل الزمن، وسناً لمحيا (اليمن) - وقد ذهب عني وأنا نائم فانتبهت وقلت وأرسلت بها إليه، وقد طلع إلى محروس (ذمر مر) – حرسه الله تعالى(1)-.
من عذيري مولاي منك فقد غا ... درت قلبي لما به من غرامِ
رحت عني في نومتي فتوهمـ ... ـت بأن اللقاء طيف منامي
وشجا نفسيَ الفراق فناجتـ ... ـني إن الفراق في الأحلامِ
زعمتني وسنان وجداً ومالت ... بيَ لما زخرفت من الأوهام
وأنا الآن لست أدري أيقضا ... ن أنا أم مهوم لهيامي
سكرة من جوى فراقك مولا ... ي ولا سكرة الرحيق المدامِ
فقال: أمتعني الله بطول محياه، وحياه عني بأشرف التحيات وأبقاه، آمين.
سيدي لا ترى عليّ فإني ... بطلوعي بادرت صوب الغمامِ
وبناني عما(2) عملت من الرقـ ... ـة قد أذنت بصدق انصرام
لو ترى السحب قد أطل لسالت ... فوق متني أتت ليل التمام
فابسط العذر يا أخي إن فعلى ... قد تجاوزت فيه حد احتشام
ونظامي هذا فقير إلى ستـ ... ـرك فاستر فأنت رب النظام
ومما كتبه السيد لقمان - رحمه الله تعالى - إلى محمد بن عبد الله بن الإمام، وهما بيتان قد طارا كل مطار
واسطة العقد متى تأتنا(3) ... فعقدنا أضحى بلا واسطة
وحالنا أضحت بلا صاحب ... وجمله الوصل بلا رابطة
لقمان الشريحي المؤيدي
__________
(1) زيادة في (ب): الله تعالى.
(2) في (ب): كما.
(3) في (ب): تأتيا.

القاضي العلامة بهاء الدين لقمان الشريحي المؤيدي - رحمه الله تعالى - من علماء (العراق) الكملة، قرأ على العلامة علي الدشلي، وقرأ عليه ولده العلامة يحيى بن لقمان الفاضل الكامل، ذكره الشريف أحمد بن أمير(1)، وقال: إن يحيى قرأ على والده (الإبانة) وزوائدها والمذاكرة التي زادها، وهذبها محمد بن(2) صالح -رحمه الله تعالى -.
أبو الليل الحرابي
السيد السري، الكامل الهمام، عين السادة النجباء فريد الدين أبو الليل الحرابي الحسني - رحمه الله -(3)، ذكره العلامة الحسين بن يعقوب الجامع لأيام المنصور بالله القاسم العياني - سلام الله عليه-.
قال: كان أبو الليل هذا من علماء آل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - وفضلائهم، وذكر أنه وفد والإمام في بلاد (الظاهر) في محل يسمى (أهل عامر)، وكان قدومه إليه من (الحجاز) ومعه صحابة له من أهل بيته، ومن يخدمه، فسلم على الإمام - عليه السلام -. وقال له: أتيتك(4) زائراً يا بن والدي مؤدياً لحقك لما أحلك الله فيه من المحل الجليل، وشريف المنصب في أهل بيتك والبراعة في العلم والفضل المشهور في الأمور، ولما اختصك الله به من المقام المحمود. فرد الإمام - عليه السلام - جوابه بالشكر والترحيب لقدومه وأنزله أكرم(5) منزلة، وقربه أفضل قربة، ثم رجع الشريف أبو الليل بعد أن شهد بفضل الإمام، وراح(6) إلى عيسى بن جعفر وجماعة من بني الحسن في (الحجاز) فنهاهم عن رفضه وأوجب عليهم طاعته وحجته وأنها لازمة لهم.
ليلى بن النعمان
__________
(1) في (ب): مير.
(2) سقط من (ب): بن.
(3) في (ب): زيادة تعالى.
(4) في (ب): أتيت لك.
(5) في (ب): وأكرم.
(6) في (ب): وارجعا.

ناصر الشريعة الغراء، عضد الخلفاء من بني الزهراء، سلطان الإسلام معز الدين، ليلى بن النعمان - رحمه الله - هو كبير الزيدية ومقدمهم، سلطان الجبال، ظهير الأئمة، كان فاضلاً كاملاً، سرياً زعيماً، صادعاً بالحق، قائداً للجنود، مناصراً للناصر للحق - عليه السلام - ترجم له الأصفهاني فأوسع، وذكره صاحب تاريخ بغداد، ومن جملة ما ذكر أنه أحد أسباب ضعف (بغداد)، وذكره المنصور بالله في (الشافي)، ولما اتفق من الإمام الداعي إلى الله الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - ما اتفق، وذلك أن الداعي - رحمه الله - كان صاحب(1) جيوش الناصر والمستولي على الأمر(2) لشهامته وحسن بلائه بين يديه وورعه ودينه؛ لأنه(3) لم يكن في أولاده من يعتمد للولاية؛ لأن أبا الحسن كان مع /68/ فضله في الأدب على غير طريقة السداد، وكان الناصر - رضي الله عنه - معرضاً عنه منكراً عليه، وأبو القاسم وأبو الحسين كانا صغيرين، فلما تزعزعا كان يستعين بهما فيما يجوز أن يستعان فيه لمثلهما من الثبات، فينفذهما في بعض السرايا، ويوليهما بعض الجيوش ولما فتح (آمل)(4) ودخلها تولى أبو القاسم سارية، ووقع بينه وبين الداعي تنافر ونزاع وطال في ذلك، ولما أوقع الناصر للحق - عليه السلام -(5) وأنفذ على مقدمته أبا القاسم إلى (آمل)، وكان الداعي - رضي الله عنه - يطمع في أن يختار للتقدم، فاستوحش من ذلك ولم يظهره، وكان أول نفوره عنه سراً، فقد كان - رضي الله عنه - له أثر ظاهر جميل في تحمل المبادرة بنفسه والتقدم إلى حيث لم يتقدم أحد، وكان أصحاب الناصر الذين هم أهل الدين والورع، مثل أبي محمد بن عبد الله بن أحمد بن سلام - رحمه الله - ومن دونه، يميلون إلى الداعي - رضي
__________
(1) في (ب): قائد.
(2) في (ب): الأمرة.
(3) في (ب): ولأنه.
(4) في (ب): فلما فتح آمل.
(5) سقط من (ب): عليه السلام.

الله عنه - لدينه وورعه واستقامة طريقته، وينحرفون عن أولاد الناصر - عليه السلام - لسلوكهم غير طريقة مرضية في الباطن(1)، واستوحش الداعي ونفر عن الناصر لمكان أولاده وقصدهم إياه، وأدى ذلك النفار إلى العفوة(2) التي اتفقت منه في القبض عليه وإنفاذه إلى قلعة اللادر، وقد ذكر من اعتذر عنه أنه كان كارهاً لما جرى وأن الإقدام على ذلك ندر من فقهاء (الجيل والديلم) الذين كانوا وردوا في صحبة الداعي - رضي الله عنه - فعند حصول هذه الحوادث كان ليلى بن النعمان قد قدمه الناصر إلى ناحية (جرجان) مع عسكر كثيف، فاتصل الخبر به وهو بساريه، فانصرف بجيشه ودخل على الداعي في مضربه وقال: ماذا صنعت بأبينا - يعني الناصر - هذا حقه عليك.
__________
(1) في (ب): لسلوكهم لطريقة غير مرضية.
(2) في (ب): الهفوة.

وعلى الجملة(1) فقال: إنه لم يفرج على المال، ولم يطعم العساكر ما لا بد لهم من الخبز، فقال له: والأب إذا لم يطعم الخبز يحبس، ثم ركب وعدل برايته إلى جانب وصاح من كان متبعاً للحق مريداً له فليعدل إلى هذه الراية، وقد كان أصحاب الداعي ندموا على ما بدر منهم إلا عدداً يسيراً هم خواصه، فعدل الجيش كلهم إليه إلا هذه الطبقة، ففزع الداعي حينئذ فقال له: هات خاتمك فأخرجه من يده وسلمه إليه فأنفذه في الوقت(2) مع جماعة من الثقات لإخراجه من القلعة ورده، وهرب الداعي في الوقت مع نفر من خواصه إلى (الديلم) فقال الإمام الناطق بالحق: أخبرني أبي - رحمه الله - بهذه الجملة وحدثني بأنه شاهده - عليه السلام - حين رد من القلعة (يوم دخوله (آمل) وقد استقبله أكثر أهل البلد صغيرهم وكبيرهم، وكان على بغلة) (3) فكاد الناس(4) يقلعون بغلته من الأرض لازدحامهم عليه وخدمتهم له، ورأيته وهو يدفع الناس عن نفسه بطرف مقرعته إذا تكابسوا عليه تمسحاً به وتقبيلاً لرجليه حتى كادوا يزيلونه عن الركوب(5) يسير بها وينحيهم عنه. وحصل الداعي بالديلم فلما حانت وفاته - عليه السلام - استؤمر فيمن يقيمونه مقامه إذا حدث به قضاء الله - عز وجل - /69/ وسأله بعضهم وهو وهري بن شهريار(6) أن يعهد إلى بعض أولاده، فقال - عليه السلام -: وددت أن يكون فيهم من يصلح لذلك ولكن لا استحل فيما بيني وبين الله - عز وجل - أن أولي أحداً(7) منهم أمر المسلمين. ثم قال الحسن بن القاسم الأحق بالقيام بهذا الأمر من أولادي وأصلح له منهم، فردوه ولم يمنعه ما كان أسلفه عندهم من إيثار الحق في المشورة به، وقد كان نفر عند الداعي - رضي الله عنه - قبل هذه الكناية(8) مرة أخرى، وخرج إلى
__________
(1) في (ب): الجماعة.
(2) في (ب): للوقت.
(3) ما بين القوسين غير موجود في (ب).
(4) سقط من (ب): الناس.
(5) في (ب): من المركوب.
(6) في (ب): شهريان.
(7) في (ب): واحداً.
(8) في (ب): الكانيه.

(الديلم) ثم توسط المشائخ والأشراف والفقهاء بينهما وعقدوا الصلح وردوه إليه، قال الإمام أبو طالب - عليه السلام -: وسمعت أبي يحكي عن عبد الله بن أحمد بن سلام - رحمه الله تعالى- (1) أنه قال: أردنا عقيب هذا الصلح أن نتوصل إلى تلقيب الداعي - رضي الله عنه - وقلنا للناصر أن أبا محمد قد شاع في الناس استيحاش الناصر منه فينبغي أن ينعته بنعت وترسم له لقباً يرفع به عنده، قال: ففطن(2) لما يريد ولم يكن ممن يذهب عليه لمثل هذه الأغراض ويتمكن من مخادعته، فقال: لقبوه بالتائب إلى الله، فقلنا: أيها الناصر نريد غير هذا، فقال: فالراجع إلى الحق، فقلنا: لا، فلم نزل به حتى تنجزنا منه، فلقبه(3) الداعي إلى الله، ثم ورد الداعي - رضي الله عنه – (آمل) شهر رمضان يوم الثلاثاء رابع عشر، فبدأ بقبر الناصر ومعه أولاده أبو الحسن وأبو القاسم وأبو الحسين، فألصق خده بالقبر وهو يبكي، فقام أبو الحسن ابنه وأنشد قصيدة في مرثيته أولها:
أيحسن بي ألاَّ أموت ولا أظني ... وقد بعدت عيناي من حسن حسنا
وقصيدة أخرى أولها:
دم الخوف يجري في الحشا متصعداً ... فينهل دمعاً صافياً متبدداً
وبويع للداعي في ثانية يوم الأربعاء(4)، فعدل واشتهر المثل بعدل الداعي، وخطب(5) ليلى بن النعمان بـ(نيسابور) ونواحيها مدة، وخطب له بـ(الري) ونواحيها، وبقي اثنتا عشرة سنة وأشهر.
قلت: قد اشتملت هذه الترجمة ذكر(6) جماعة، لعل ذا الهمة يتطلع على شيء من أخبارهم.
__________
(1) سقط من (ب): تعالى.
(2) في (ب): فقطن.
(3) في (ب): تلقيبه.
(4) في (ب): الربوع.
(5) زيادة في (ب): له.
(6) في (ب): على ذكر جماعة.

وأما أولاد الناصر - عليه السلام - فلهم في(1) العلم والأدب والنجابة الدنياوية ما لو كانوا في غير رجال الزيدية لطار ذكرهم كل مطار، وافتخرت بهم الأسفار غاية الافتخار، فإن كثيراً من أرباب التاريخ يزينونها بملح القول سيما الهزليات والمجونات وغرائب الماجريات، فتجد الناس يعكفون عليها لذلك، وانظر إلى عناية العلامة عمران بن الحسن - رحمه الله - بالسؤال عن أولاد الناصر لظنه أنهم من أهل العلم، فأجابه يوسف بن أبي الحسين الجيلاني أن مثل أولاد الناصر لا يذكر في التواريخ، ثم قال: هم موجودون حقيقة معدومون حكماً، هذا كلامه، وانظر إلى المؤرخين بعد هذا، ذكروهم بالتعظيم كما ترى شيئاً من كلام الثعالبي وغيره، وميلنا إلى الاختصار، وقد اشتهر عن الناصر أنه كان يقول: بيتان كبيران معموران بيتي وبيت القاسم بن إبراهيم، فأما بيتي فيخرب على قرب، وأما بيت /70/ القاسم فيبقى الدهر أو كما قال، فلنذكر شيئاً من أحوال أولاد الناصر - عليه السلام -(2) المذكورين في هذه الترجمة، وأذكر معهم من ظهر من إخوتهم ولا أتجاوز ذلك إلى غيره، أما أبو الحسن علي بن الناصر الذي ذكر في الترجمة أنه أديب، وكان الناصر معرضاً عنه، فقال ابن عنبة: إنه كان يذهب مذهب الإمامية الاثنا عشرية ويعاتب أباه بقصائد ومقطعات، وكان يناقض عبد الله بن المعتز(3) في قصائده على العلويين، وكان يضع لسانه حيث شاء من الناس.
قلت: وقد حكيت عنه حكايات طوينا ذكرها، فأنشد(4) له الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليهم السلام - في الشافي قصيدة يرثي بها محمد بن زيد الداعي، قال المنصور بالله: ورويناها بطولها لاستجادتنا لها.
قلت: وترجمة محمد بن زيد أحرى بذكر القصيدة فسنذكرها - إن شاء الله تعالى- هناك(5)، وطالعها:
__________
(1) في (ب): من.
(2) سقط من (ب): عليه السلام.
(3) لا توجد في (ب): بن المعتز.
(4) في (ب): وأنشد.
(5) في (ب): هنالك.

نأت دار ليلى بسكانها ... وأوحش معهد جيرانها
وعاقك من وصلها عائق ... يرد النفوس بأشجانها
وهي من غرر القصائد، وأما أبو الحسين أحمد بن الناصر فهو كان صاحب جيش أبيه فيما نقله ابن عنبة، ولما مات الناصر - عليه السلام - التفت الناس إليه للبيعة فامتنع، وهذا دليل كماله؛ لأنه لم يلتفت إلى غيرهن ثم إنه امتنع، وكان الحسن الداعي غائباً فاستقدمه أحمد هذا وبايعه، وأما أبو القاسم المذكور في الترجمة فاسمه جعفر ناصرك، لما كتب أخوه أبو الحسين إلى الداعي وبايعه غضب أبو القاسم هذا وجمع عسكراً وقصد (طبرستان)، فانهزم الداعي يوم النيروز سنة ست وثلاثمائة، وسمى أبو القاسم، نفسه الناصر، وأخذ الداعي (بدماوند) وحمله إلى (الري) إلى علي بن وهشودان، فقيده، وحمله إلى قلعة (الديلم)، فلما قتل علي بن وهشودان خرج الداعي وجمع الخلق وقصد جعفر الناصر فهرب إلى (جرجان) فتبعه الداعي فهرب ابن الناصر وأجلى إلى (الري) وملك الداعي الصغير (طبرستان) إلى سنة ست عشرة وثلاثمائة، ثم قتله من داوح، وقد ذكر الثعالبي في (يتيمة الدهر) أشياء من أحواله فقال: هو من بازلي (استراباذ) وأفاضل العلوية وأعيان أهل الأدب، كتب إلى القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز رقعه يشتمل على النظم والنثر استحسنها(1) الشيخ(2) - أدام الله عزه-، وقد أعلقني من مودته ما لا أزال أحرص عليه، وأفادني خطا كثرت مني المنافسة(3) فيه، إذ هو الأوحد الذي لا يجارى إلى غاية طول وكرم(4)، وإن من اعتلق منه سبباً واستفاد منه وداً فقد أحرز الغنيمة الباردة، وفاز بالخير والسعادة، ورجوت أن يكون الحال بيننا زائدة ومحله عندي المحل الذي لا يتقدمه فيه أحد، وشغل قلبي بانقباضه عني مع الثقة الوكيدة بأني معمور المحل عنده، وموفور الحظ من رأيه وعنايته، لا أعدمني الله(5)
__________
(1) سقط من (ب): والنثر استحسنها.
(2) في (ب): نسخها.
(3) في (ب): المنافسة مني.
(4) زيادة في (ب): طبع.
(5) سقط من (ب): لفظ الجلالة.

النعمة ببقائه ودوام سلامته، وانهضني بالحق في شكره /71/ وما هو إلا ولي من قصر النفس على مطلب محمدته، والسعي بها إلى مرضاته، وقد كتبت في هذه الرقعة أبياتاً مع قلة بضاعتي في الشعر وكثرة معرفتي بأن من أهدى إليه الشعر الجيد المطمع المتمنع(1) كمن حمل التمر إلى (هجر) والعضب إلى (اليمن)، وهي:
يا وافر العلم والإنعام والمنن ... ووافر العرض غير الشحم والسمنِ
لقد تذكرت بيت الموصلي لما ... أراه من لفظك العاري عن الدرنِ
يا سرحة الماء قد سدت موارده ... أما إليك طريقاً يا أبا الحسنِ
إني رأيتك أعلى الناس منزلة ... في العلم والشعر والآراء والفطنِ
فاسمع شكاة ودود ذي محافظة ... يصفي المودة عند السر والعلنِ
أنا بنفسي من لقياك أبخل من ... نصيب من وده سلم على إحنِ
لقد نمتك ثقيف يا علي إلى ... مجد سيبقى على الأيام والزمنِ
مجد لو ان رسول الله شاهده ... لقال إيه أبا إسحاق للفنن(2)
صلى الإله على المختار من رجل ... ما ناحت الورق فوق الإبل والفنن
فإن وقع فيها خطأ أو جاء بها زلل، فعلى الشيخ الاعتماد في إقالة العثرة وصرف الأمر إلى الجميل الذي لا يواري فضله ويشاكل نيله؛ لأني كنت من قبل أهدي البيت والبيتين إلى الإخوان، وبعد العهد به الآن، فإن رآه - أراه(3) الله محابة أن ما(4) يتأمل ما خاطبته به - فعل إن شاء الله تعالى.
قلت: وعلي بن عبد العزيز هذا الذي كتب إليه من رؤساء العدلية ووجوههم، وكان يتفقه للشافعي - رحمه الله - وله شعر كله في الذروة، منها ما أنشده الإمام ابن الشجري، وهي:
يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
وهي طويلة طائلة، ومن شعره:
قالوا توصل بالخضوع إلى الغنا ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر
وبيني وبين الحال سيان حرما ... علي الغنا نفسي الأبية والصبر
__________
(1) في (ب): الممتنع.
(2) في (ب): للفنن.
(3) في (ب): فإن رأى فجازه الله.
(4) سقط من (ب): ما.

إذا قيل هذا ليس أبصرت(1) دونه ... مواقف خير من وقوفي بها الضر
وله في تهنئة الصاحب - رحمه الله - بالعافية:
وفي كل يوم للمكارم روعة ... لها في قلوب المكرمات وجيب
تقسمت العلياء جسمك كله ... فمن أين للأسقام منك نصيب
إذا ألمت نفس الوزير تألمت ... لها أنفس تحيا به(2) وقلوب
وله - رحمه الله تعالى -:
ولا ذنب للأفكار أنت تركتها ... إذا احتشدت لم تنتفع باحتشادها
72/سبقت بأفراد المعالي وألفت ... خواطرك الألفاظ بعد شرادها
فإن نحن حاولنا اختراع بديعة ... خلصنا(3) علىمسروقها ومعادها
وله - رحمه الله -:
ما تطعمت لذة العيش حتى ... صرت للبيت والكتاب جليسا
ليس عندي(4) شيء أعز من العلـ ... ـم فما أبتغي سواه أنيسا
إنما الذل في مخالطة النا ... س فدعهم وعشاً رئيسا
وله كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، أبان فيه عن فضل غزير واطلاع كثير، ومادة متوفرة، توفي سنة ست وثلاثين(5) وثلاثمائة.
ومن ولد الناصر - عليه السلام - المشاهير: أبو علي محمد المرتضى، وإليه ينسب أبو القاسم عبد الله بن علي المحدث بن أبي علي المذكور، ومنهم زيد وغير هؤلاء فيما أحسب غير أن هؤلاء الذين اشتهروا، وقد اشتملت الترجمة على ذكر الحسين بن هارون والد الإمام المؤيد بالله والإمام أبي طالب - عليهما السلام - وقد سبقت ترجمته ولم يكن زيدياً، إلا أنه أخذ عنهم(6) في النقل لأخبار الأئمة، فالعذر في ذكره هو ما اعتذر به أبو جعفر الطوسي في ذكر ابن عقدة الزيدي في رجال الإمامية، والله الهادي سبحانه.
حرف الميم
محمد بن إبراهيم بن محمد بن الحسين
__________
(1) في (ب): ليس أبصر.
(2) في (‘): تحيا با وقلوب.
(3) في (ب): حصلنا على مسروقها.
(4) في (ب): ليس شيء أعز عندي من العلم.
(5) في (ب): ست وستين وثلاثمائة.
(6) في (ب): أحد عمدهم.

الأمير الخطير، مجمع الكبراء، ومرجع الأمراء، حاوي الدراسة والفراسة، المعروف بناصر أمير المؤمنين محمد بن إبراهيم بن محمد بن الحسين بن حمزة بن أبي هاشم - رحمه الله تعالى - قال من ترجم له - رحمه الله تعالى -: هو من أساطين الإسلام، وبراهين العترة الأعلام، له في الفضائل يد طولى، وسابقة أولى، وكان يعرف بناصر أمير المؤمنين؛ لنصرَه ابن عمه المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليهما السلام - وكان في الفضل بمحل مكين، وله مقامات حميدة، توفي (.....).
محمد بن إبراهيم بن المفضل [ - 781هـ]
السيد العلامة الموفق بدر الدين محمد بن إبراهيم بن المفضل بن منصور - عليهما السلام -.

قال السيد شمس الدين(1) أحمد بن عبد الله بن الوزير - رحمه الله تعالى-(2)، كان طراز (الغلالة)، وقمر الهالة، رشيداً صدراً زاكياً من النقصان، للفضل(3) درة، ولأبصار المجد قرة، له خلق مضيء، وخُلُق مرضي، وكمال هيبة، وجمال صورة، ووجه جميل، وفعل نبيل، على منهاج سلفه الأطهار في الطهارة والعفة والورع والفضل، وله في العلم مسة مطالعة، وشيمة مشارفة، وله في الأدب يد غير قاصرة، وفي الكتاب والبراعة صناعة فائقة باهرة، وكانت إقامته بـ(وقش) لم ينتقل عنها، وهو القائم بأمرها أحسن قيام، والمتولي للنقض والإبرام، وكان مرجوعاً إليه لرجاحته، وعقله، وفضله، وسماحته. وكان إذا حدث منح من المحاسن أزهاراً مؤنقة، وأثماراً مورقة، على كلامه حلاوة، وله رونق وطلاوة. وكان رقيق حواشي الكلام، أنيق /73/ نسائخ الأقلام، وكان له بالإمام الناصر لدين الله محمد بن علي اختصاص، وهو ابن خالته ويكثر منه الإدلال عليه والأنس به، حكى السيد المذكور: أنه كان عند الإمام بعد الدعوة، وقد قلق للمسير إلى أهله، قال: فأردت موافقته فلم يتيسر للازدحام حوله، فاعترضته وسلمت عليه بالإشارة، وأخذت في الهوى أكتب(4) بأنملي وهو يتأمل ذلك ويتبسم، وفهم المقصود ولم يكن إلا وقت يسير حتى(5) صدر ما طلبته، كانت وفاته - رحمه الله تعالى-(6) بـ(وقش) سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، وقبره بالموضع المسمى بالمقلة(7) عند قبر ابن عمه مطهر بن أحمد - رحمهما(8) الله تعالى-.
محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى [775- 840هـ]
__________
(1) في (ب): شمس الإسلام.
(2) سقط من (ب): تعالى.
(3) في (ب): الفضل.
(4) سقط من (ب): أكتب.
(5) في (ب): حتَّى صدر إلي بجميع ما طلبته.
(6) سقط من (ب): تعالى.
(7) في (ب): بالقلع.
(8) في (ب): حماهما.

السيد الحافظ خاتمة المحققين محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى المفضلي، الشهير بابن الوزير، المحيط بالعلوم من خلفها وأمامها، والحري بأن يدعى بإمامها وابن إمامها. كان سباق(1) غايات، وصاحب آيات وعنايات، بلغ من العلوم الأقاصي، واقتادها بالنواصي، فما أجد على قصوري عبارة عن طوله، ولا أجد في قوله سعة لذكر فعله أو قوله، قد ترجم له الطوائف، وقر(2) له المخالف والموالف، ترجم له العلامة الشهاب ابن حجر العسقلاني في (الدرر الكامنة)، وترجم له مصنف سيرة العراقي(3) علامة وقته بـ(مكة)، ونسب إليه مخالفة أهله، وله في ذلك شبهة وعذر، أما الشبهة فمخالطة هذا السيد لكتبهم وأكلها خبزاً، وقتلها تحقيقاً، وإرجاع زائفها إلى الصحيح، وإنهاء خفيّها إلى الصريح حتى أناف على أهلها.
__________
(1) في (أ): سمي.
(2) في (ب): وأقر.
(3) في (ب): الغزالي.

واما العذر فهو (أراد القوم إرادة مخالطة(1) أخذت من عزائمه) ووهت قواه في الانتصار لمذهبه، ولا سيما وقد وقع من أهل عصره النكير عليه بالمخالفة، وذكروا لأهل الحديث مثالب(2) الأشعرية، فانتصب هذا السيد للذب وتغلغل في النقل، وجعل الكلمة الواحدة من(3) الرجل الواحد مما يذب به عن الجميع، مثل تهجينه على المعتزلة بنسبة الأشعري إلى ما لا يليق بجناب الله تعالى، ولم يجد بداً من الاستظهار على كلامه الذي تكلم به على المعتزلة بكلام الفرد، ويجعله قول الطائفة جميعها، فاستدل على تنزيه الأشعرية بقول أحمد بن تيمية(4) في كتابه (الفرق بين الأحوال الرحمانية والأحوال السلطانية)، وأورد كلامه الذي يسود وجه الجبرية، ويبيض وجه الحق، ولله دره؛ واستظهر بكلام تلميذه محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية في كتاب (الجواب الكافي لمن سأله عن الدواء الشافي) وبكلامه في (حادي الأرواح إلى دار الأفراح) وهما كلامان مقنعان دالان على تحقيق وإنصاف /74/ ولكنهما غير الأشعري، فما باله يكذِّب من نسب إلى الأشعرية قولاً يطلع(5) وقوع الإنصاف من الحنابلة؟ ثُمَّ استدل بكلام إمام الحرمين في مقامات(6) كتابه (البرهان) وإنصافه، ولقد أحسن، غير أن الجويني: فرد من القوم، وقد طاح في المسألة طيحة توجب منه الصيحة بعد الصيحة حتَّى قال الماوردي(7): وددت لو محوتها بدمي، وذلك أنه قال الجويني إن الله يعلم الكليات لا الجزئيات، وهذه مقالة [من يقول الأمر أنف وهم القدرية حقاً بذلك فسرهم النووي في شرح مسلم وغيره)، فكيف يسوغ للسيد على جلالته تكذيب بمن(8)
__________
(1) في (ب): إرادة القوم للتكثر بأمثاله ولا جرم أن السيد خالط كتب القوم مخالطة أخذت من عزائمه..
(2) في (ب): مثالب وللأشعرية.
(3) في (ب): في.
(4) زيادة في (ب): الحنبلي.
(5) في (ب): بمطلق.
(6) في (ب): مقدمات.
(7) في (ب): المادري.
(8) زيادة في (ب): تكذيب من نقل عنهم مذهبهم المدروس بمطلق أنه قد يوفق الله للحق بعضهم كالجويني إذا صح ما نقله عنه.

نقله عنه السيد مع أنه قد تجرم السيد في (العواصم) من هؤلاء وقال في ذكر الرازي: أنه إذا تكلم في المسألة لم يفارق أصحابه، فإذا سنحت المسألة في غير بابها تكلم بما يوافق الأدلة، فهذا الذي ذكرناه هو الذي غر من نسبه إلى الخلاف لأهله، مع أنه دار بينه وبين أهل عصره ما أوحش، ثم رجع رجوعاً كلياً، وسننقل ذلك في الترجمة - إن شاء الله تعالى-، وكان السيد يتعب من نسبة الخلاف إليه لأسلافه، ويذب عن نفسه، وما أحسن قوله في هذا:
أولئك آبائي على رغم منكرٍ ... لكوني على منهاجهم في مذاهبي
وحسبي بهم إن رام نقضاً معاندٌ ... شجاً في حلوق الحاسدين النواصبِ
وأحسن منه قوله:
إني أحب محمداً فوق الورى ... وبه كما فعل الأوائل اقتدى
فقد انقضى خير القرون ولم يكن ... منهم بغير محمد لم يهتدِ
وأحب آل محمد نفسي الفدا ... لهمُ فما أحد كآل محمدِ
هم باب حطة والسفينة والهدىٍٍ ... فيهم وهم للظالمين بمرصدِ
وهمُ النجوم لخيِّرٍ متعبدٍ ... وهمُ الرجوم لكل من لم يعبدِ
وهم الأمان لكل ما(1) تحت السماء ... وجزاء أحمد ودهم فتوددِ
والقوم والقرآن فاعرف قدرهم ... ثقلان للثقلين نص محمدِ
وكفاهمُ(2) شرفاً ومجداً باذخاً ... شرع الصلاة لهم بكل تشهدِ(3)
ولهم فضائل لست أحصر عدها ... من رام عد الشهب لم تتعدد(4)
ثم أخذ على هذا النمط، وأخبرني شيخي العلامة أحمد بن سعيد بن صلاح الهبل - رحمه الله تعالى - أن الفقيه العلامة شحاك الملحدين أحمد بن القاسم الشامي، لما قال في هذا السيد(5) قصيدته التي أولها:
ألم بمحمود السجايا محمد ... يعنك وإن ضاقت عليك المسالكُ
فتقتبس الأنوار من روض علمه ... وتلتمس الأزهار وهي ضواحكُ /75
هو البحر علماً بل هو البدر طلعةً ... هو القطر جوداً وهو للمجد مالكُ
__________
(1) في (ب): من.
(2) في (ب): وكفاهم.
(3) في (ب): مشهد.
(4) هذا البيت غير موجود في (ب).
(5) في (ب): السيد الحافظ.

كفاه(1) كتاب الله والسنة التي ... أتانا بها من صدقته الملائكُ
ففاضت له من حضرة القدس مكنة(2) ... من العلم سراً فيضها متداركُ
فأشرق منها طور سينين بهجةً ... ونوراً تعاطته النجوم السوامكُ
فما شاطئ الوادي المقدس من طوى ... ولا نوره إلا عليك يباركُ
ولم يتبع نعمانهم وابن حنبل ... ولا ما يقول الشافعي ومالكُ
وأعلام أهل البيت رد علومهم ... وما زال يحكى ضعفها وهو ضاحكُ(3)
__________
(1) في (ب): كفاك.
(2) في (ب): مكية.
(3) . قد هدى أفكار لمشهور فضلهم في نهج الحق سالك.....

وهي قصيدة شهيرة أجاب عنها السيد الحافظ، ولكن لما وصل إلى جواب قول العلامة الشامي وأعلام أهل البيت رد علومهم إلى آخره أجابه بنحو خمسة وثلاثين بيتاً كلها تردد كلام الشامي على أي وجه يصح، يقول: ماذا أردت بردي لها، هل هكذا وكذا ثم تبرأ وأوسع في ذلك ولم أر القصيدة، وكنت أظنها في بعض مجامعي. وقال له العلامة ابن طهيرة في (مكة): ما أحسن يا مولانا لو انتسبت إلى الإمام الشافعي أو(1) أبي حنيفة، فغضب ولم يتوقر في حق الشيخ، وقال: لو احتجت إلى هذا(2) النسب والتقليدات ما اخترت غير مذهب نجم آل الرسول: القاسم بن إبراهيم أو مذهب حفيده الهادي إلى الحق - عليهما السلام - هكذا أو كما قال. ولنذكر شيئاً من ترجمته بعد هذا، فقد ترجم له من ذكرناه أولاً، والشريف القاسمي المالكي في تاريخ (مكة) (العقد الثمين)(3)، وترجم له الفقيه البارع عبد الرحمن(4) بن أبي بكر العطاب وترجم له البريهي. وهو حري بأن يدخل في كل الكتب المصنفة للتراجم إذا تعلقت بعلماء الشريعة، فهو في اللغة والأدب الإمام السابق، وفي الأصولين وفي التفسير والحديث وفي كل علم ينتسب إلى الشرع، وقد رأيت أن أكتب هنا ترجمته التي وضعها السيد شمس الإسلام أحمد بن عبد الله بن الوزير لثقته وعدالته، ولأن أهل (مكة) أعرف بشعابها، وعندي له ترجمة مبسوطة قد اشتملت على تراجم غير أني رجحت هذه.
__________
(1) في (ب): و.
(2) في (ب): هذه.
(3) ما بين القوسين لا يوجد في (ب).
(4) في (ب): عبد الله بن أبي بكر العطاب.

قال - رضي الله عنه - (1) ناقلاً عن السيد الهادي الصغير - رضي الله عنه -(2) محمد بن إبراهيم بن(3) عبد الله، هو أصغر إخوته سناً، وله في علوم الاجتهاد المحل الأعلى، والقدح المعلى، وبلغ مبلغ الأوائل، بل زاد وألَّف وصنَّف وأفاد، وجمع وقيد، وبنى وشيد، وكان اجتهاده اجتهاداً كاملاً مطلقاً لا كاجتهاد بعض المتأخرين، فإن ذلك يسمى ترجيحاً لأدلة بعض الأئمة المستنبطين على بعض، لابتداء اجتهاد واستخراج للحكم(4) كما(5) عرف عن غير معرف انتهاض ذلك الدليل عليه بعد معرفته للحكم نفسه، وللدليل ولكيفية الدلالة، وانتفاء المعارض وشروط الاستدلال في /76/ العقليات والسمعيات، والتبحر في علم الرواية ومعرفة الرجال أحوالهم في النقد والاعتلال(6)
__________
(1) في (ب): - رحمه الله - عنه.
(2) سقط من (ب): رضي الله عنه.
(3) في (ب): أبو.
(4) سقط من (ب): للحكم.
(5) في (ب): عما.
(6) في (ب): الاعتدال.

، والوفيات والأسباب والشيوخ، والتعمق في علم الأصولين والعربية والتوغل في معرفة الكتاب العزيز والاطلاع الشديد على تفسيره وكلام المفسرين، ولم يكن بهذه(1) الصفة بغير شك ولا مزية غير السيد الإمام الأكبر البقية في هذا الشأن، الذي يشهد له بذلك جميع أهل الزمان، من الأقارب والأباعد، والمخالف في الاعتقاد والمساعد، ولقد كان آية في زمانه لم يأت(2) الزمان بمثلها، ولقد (حكى لنا السيد الإمام علي)(3) بن أبي القاسم، وكان من أحد مشائخه سئل عنه وكان في نفسه عليه ما يقع في نفوس العلماء، فقال: هو أزكى الناس قلباً، وأذكاهم لباً(4)، كان فؤاده جذوة نار تتوقد ذكاء، وغيره أكبر منه سناً، ومثله، وأصغر، من علماء زمانه(5) المصنفين لم يبلغوا هذا المحل، إنما غاية اجتهاداتهم أن يقولوا هذا أولى لأنه خاص، وأقدم من الإباحة أو عام، ومعارضه خاص أو مطلق، ومعارضه مقيد ونحو ذلك. وأما تلك المقالات العالية، والاستخراجات الأصلية من الأدلة الكلية، مثلما وضعه في استخراجاته واختياراته في مسائل الاجتهاد، فهم عن ذلك بمراحل، وكيف يكون ذلك وهم يعطلون(6) في أسماء الرجال المشهورين، ويلتبس عليهم أزمانهم، ويصحفون في أسماء كبارهم، ومن جهل الاسم كيف يعرف الحال؟ وكثيراً ما يصدرون ألفاظاً في متون الأحاديث مصحفة تصحيفاً يفسد المعنى، ولا يعرف منه المراد، ولا يصح معه ظن، ولا يصدق عنده اعتقاد، وهو الخبير والخريت الماهر في ذلك المقصد، وبما يدور عليه من معرفة التخصيص والنسخ، أعرف وافقه والترجيح عند التعارض وغير ذلك من الأحكام، المترتبة على ذلك المرام، وله القوة والملكة في تقوية بعض الأدلة بالطريق التي يقويها على اختلاف أنواع ذلك بوجه صريح، وتصرف
__________
(1) في (ب): ولم يكن بغير هذه الصفة.
(2) في (ب): يأته.
(3) في (ب): حكى لنا أنَّ السيد الإمام علي..
(4) في (ب): هو أذكى الناس قلباً وأزكاهم لباً.
(5) في (ب): زماننا.
(6) في (ب): يغلطون.

صحيح، ولفظ فصيح، وحجة لازمة، وأدلة جازمة - عقلية ونقلية - وتضعيف في بعض الأدلة مثل ذلك، ولا يتبع في ذلك إلا محض الدليل، ولا يكتفي في ذلك(1) بمجرد أنه قيل على ما عليه(2) أكثر الناس تساهلاً، وعدم تمكن واقتدار، وأمره في التفسير لكتاب الله(3) كذلك في معرفته نفسه، ثم معرفة قرابة ومعرفة المفسرين، والنقل عنهم ومعرفة أحوال الجميع ومعرفة أسباب النزول وزمانه ومكانه، ومعرفة الألفاظ وكثير مما يتعلق بالتفسير وآيات الأحكام، ويبني عليه شرائع الإسلام مما يطول ذكره، وهو مذكور في الكتب المعروفة، وكان في كثرة تصفحه للكتاب لا يقرأ بين الظهر والعصر إلا ربع الجزء فقط /77/ ولا يزيد عليه، حتى إنه كان أنسه لمعرفة آيات الأحكام وما نزل منها على الأسباب وما نسخ منها وما لم ينسخ، والمتكرر منها وغير المتكرر، كمعرفة غيره وأنسه بلفظ فاتحة الكتاب، وإنما الغرض التعريف بأن حال هذا الرجل - رحمه الله - ليس كحال غيره، وأن اجتهاده كاجتهاد أئمة المذاهب لا كالمخرجين ومجتهدي المذهب ولا كالمخرجين الذين يرجحون تغير(4) المعقول ويشق عليهم معرفة الآثار النقلية والاطلاع على الإسنادات ومعرفة الرجال، ويعسر عليهم الأخذ من لطائف أدلة الكتاب والسنة، ومعرفتها، ومعرفة أنواع الحديث ومراتبه وأقسامه، من الصحة والحسن ونحوهما التي عليها مدار الاجتهاد، والترجيح والانتقاد، وليس لغيره مثل هذه الأهلية، ولا أعطاهم الله سبحانه مثل هذه العطية، وحكي عن السيد العلامة شمس الدين أحمد بن محمد الأزرقي أنه قال: لا يبلغ أحد في زماننا هذا من الاجتهاد ما بلغ إليه السيد عز الدين محمد بن إبراهيم، وقد أحسنا كل شيء إلا ما بلغ إليه، فلم نقدر عليه لتمكنه من معرفة الحديث ورجاله، وتبحره في السمعيات، ويحكى أيضاً: أنه سئل عنه رجل من فقهاء المالكية فقيل له: ما
__________
(1) في (ب): فيه.
(2) في (ب): يمليه.
(3) في (ب): رب العزة.
(4) في (ب): لا يرجحون بغير المعقول.

مذهب السيد محمد بن إبراهيم؟ فقال: وراء الدليل، وروى عن(1) شيخه العلامة علي بن أبي الخير قال له: لما استحكم اتقانه في علمي الأصولين لا يشتغل بعد ذلك إلا بالحديث، وكان عمدة قراءته التي أفنى فيها عنفوان شبابه، علم الأصول والعربية جود فيها غاية(2) التجويد وفحص وحقق، وبحث وبلغ الغاية القصوى، واطلع من أحوال(3) أهل الفنين على ما لا يكاد يعرفه إلا مثله، وحكى في مسألة خلق الأفعال خمسة عشر قولاً، ورد على الرازي في مسألة العلم بردود باهرة، ومن أحب معرفة ذلك طالع كتابه (العواصم)، وسئل عنه أخوه الهادي - عليه السلام - فقال له: يا مولانا السيد محمد عالم (اليمن)، فقال: وعالم الشام، وقال أخوه صلاح: أخي محمد عارض بأقواله مالكاً والشافعي، ولما ظهر منه الاختيار وصح منه عدم التقليد كما قال فيه بعض علماء الزيدية الأكابر، الطيبة معارفهم والعناصر، هذا رجل حسده الأكابر وجهله الأصاغر، فأرادوا(4) بتشييعات وتشنيعات وإلزامات صورية لا ظنية ولا قطعية ولا مسلمة، وليس لمخلوق قدرة على منع ما وهبه الله تعالى ولا وضع محل رفعه الله - سبحانه وتعالى- (5) رحمة الله عليه، أحب كثير من علماء المذاهب أن يكون من جملتهم وأن يميل إلى مذهبهم، وكوتب في ذلك من النواحي من علماء كل جهة، وكانت الجهات جميعاً مشحونة بالعلماء، وكان جوابه عليهم جواباً واحداً مسكتاً، وممن شافهه القاضي العلامة قاضي القضاة الشافعية بالحرم الشريف محمد بن عبد الله بن طهيرة - وهو أحد مشائخه - وقف عنده مدة لسماع الحديث النبوي، فلما رأى منه ما لم تره عينه ولا سمعته أذنه عن أحد من أهل الزمان، مع أنه في مكان يجتمع /78/ فيه الناس من طوائف المسلمين وأهل المذاهب أجمعين، وذلك أنه قال له ذات
__________
(1) في (ب): وروي أن شيخه الفقيه العلامة..
(2) في (ب): جرد فيها غاية التجريد.
(3) في (ب): أقوال أهل.
(4) في (ب): فأرادوا عرضه بتشييعات.
(5) سقط من (ب): سبحانه وتعالى.

يوم: أيها الشريف لو أنك تممت كمالك بتقليد الإمام محمد بن إدريس، فقال له: سبحان الله أيها القاضي! إنه لو كان يجوز التقليد لم أعدل عن تقليد جدي القاسم والهادي، إذ هما بالتقليد أولى من غيرهما؛ لمكان العناية - في أهل البيت – الإلهية، والمادة المعصومة السماوية. وما أحسن قول الوجيه عبد الرحمن بن أبي بكر(1) العطاب اليمني في كتابه عند(2) ترجمة سيدي عز الدين - رحمه الله تعالى- (3) في أثناء كلام(4) له في شأنه، قلد وما(5) قلد، وألفى جيد الزمان عاطلاً فطوقه بالمحاسن وقلد، إلى آخر كلامه. ولإسماعيل المقريء وغيره من علماء الشافعية(6)، وللعامة فيه وفي مدحه كلام يطول، ووقف - رضي الله عنه - في (فلة) مدة مع حي الإمام علي بن المؤيد على جهة الاعتبار(7)، ورافقه إلى بعض(8) بلاد (الأهنوم)، ولم يكن بينه وبينه شيء من المصنفات إلا شيء يسير، وقع فيه عتاب سهل، وكتب فيه(9) سيدي عز الإسلام(10) أبياتاً حسنة رقيقة من محاسن الشعر وأجود(11) قافية منصوبة الروي أولها:
ولو شئت أبكيت العيون معاتباً ... وألهبت نيران الوقود رقائقاً
__________
(1) سقط من (ب): عبدالرحمن بن أبي بكر.
(2) في (ب): عند ذكر ترجمة.
(3) في (ب): عليه.
(4) . أوله الإمام الحافظ أبو عبد الله العلوم وإمامها ومن في .... قلد فيها إلخ، صنف في سائر فنون كتباً تقدم فيها وما يخلف ول... النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - الباع المدبر و.... التعبد الذب ما عليه من ..... وله شعر تجسده زهر النجوم وتود لو أنها في سلكه المنظوم، ثم أورده، ثم أبنانا أولها: شجتني الديار الدارسات .....................
(5) في (ب): ولا.
(6) في (ب): الشيعة.
(7) في (ب): الاختبار.
(8) سقط من (ب): بعض.
(9) في (ب): وكتب فيه حي سيدي.
(10) في (ب): الدين.
(11) في (ب): وأجوده.

(وكان بينهما مودة أكيدة حتى نزل من عنده) (1)، وهي مذكورة من جملة أشعاره في ديوانه، ثم دخل إلى (ثلا) إلى حي الإمام المهدي أحمد بن يحيى - عليه السلام- (2)، ووقف عنده مدة يسأله ويراجعه ويباحثه، ومن جملة ذلك أنه سأله عن خمسة وعشرين سؤالاً في مسألة الإمامة فلم يجبها، فكتب إليه أبياتاً أولها:
أعالمنا هل للسؤال جواب ... وهل يروى الظمآن منك عباب
وكان بينهما مودة أكيدة حتى نزل من عنده وفتر ذلك الأمر، ووقع بين السيد عز الدين وبين شيخه جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم منازعة في مسائل، وكان من حي السيد جمال الدين - رحمه الله - طرف من الحيف في السؤالات، وتحويل لما يرويه عن حي سيدي عز الإسلام على صفة أنه يأخذ من كلامه مفهوماً لم يقصده، وقد(3) صرح بنفيه، والإجماع منعقد على عدم اعتبار مفهوم وقع التصريح بخلافه، وما كان(4) إلا لمكان دعوى الاجتهاد وفضل الله واسع، فكان بينهما ما كان، وترسل السيد جمال الدين برسالة حكى فيها كلام سيدي عز الإسلام(5)، فأجابه على حسب ما حكاه وطلح في مواضع التطليح وساقه(6) بسياقة العلماء وعلى منهاج الاستدلال، وادعى السيد عز الدين أن بعض ما نقله السيد علي بن محمد لا يقتضي ما فهمه من طريق المفهوم المعتبر، فلما بين له السيد عز الدين ذلك ولم ينجح، رجع جواب السيد محمد على شيخه بالتظلم منه لنسبته إليه من القول ما لم يقل به، ثم بإبطاله ما أخذه من كلامه على تقدير صدقه، مع كونه حياً يدفع عن نفسه هذه المقالة وينكرها(7)، وكيف يلزم الأمر من ينكره، ثم بعد ذلك بالمعارضات له بأقوال صدرت عنه لا ينكرها، وأوهام في معان، ونسبة /79/ أقوال إلى كتب ورجال لم تصدر عنهم، ثم الحجج، وبراهين واسعة اقتضت التطويل، فكان ذلك في كتب
__________
(1) ما بين القوسين لا يوجد في (ب).
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): أو.
(4) في (ب): وما كان ذلك إلاَّ.
(5) في (ب): الدين.
(6) في (ب): مساقة.
(7) في (ب): ويذكرها.

مجلدة ومقالات في بطون الأوراق مجلدة، واستدعى ذلك ذكر جمل من المسائل، وحكاية ما قال الأواخر والأوائل، وكان أعظم ما دعا إلى ذلك دعوى اللحوق بأهل السبق من المجتهدين والانعزال والارتفاع عن رتبة المقلدين، وبعَّد السيد جمال الدين الاجتهاد غاية التبعيد، ومنعه عن أكثر الأمة من أهل التوحيد، واستظهر بكلام الغزالي، وحكى في ذلك أقواله، وممَّن(1) منع من الفقهاء من الاجتهاد بعد محمد بن إدريس، وساق من الحكايات والمقالات ما يعضد ذلك ممن يسلك(2) هذه الطريقة، فكان حي الإمام المهدي مع سيدي في رد ذلك، وفي تقوية الدليل والاستظهار على صحة وقوع الاجتهاد وإمكانه وتيسره (3) وتسهيل طريقه، واستحجوا وأوضحوا الحجة، وأقاموا بالبرهان المحجة، وعارضوا تلك الحكايات بأكثر منها، وأوسع عن أكثر الأمة، وألزموا في ذلك إلزامات لا محيص عنها، وفي ارتكابها شناعة وبشاعة، ولما ظهر لحي الإمام المهدي (- عليه السلام -)(4) من سيدي عز الدين الانعزال، وسرى الأمر في المراجعة إلى بعض مسائل الكلام، أبحرت بينه وبينه المراسلة، ووقعت بينهما(5) المراماة والمناصلة في المنثور والمنظوم، وكل ذلك موجود في كتبه وأشعاره، حتى أزف الرحال، ودانا(6) الانتقال وتحول الحال، فاعتذر كل من صاحبه وقبل أعذاره، وأوضح اعتذاره، وكان الساعي بين حي سيدي عز الدين والإمام المهدي الفقيه العلامة العابد الزاهد أحد العلماء العباد المنورين جمال الدين محمد بن علي بن إسماعيل الكناني، وكان من تنويره أنه أخبر في بلده بحصن(7) (ذي مرمر) يوم فتحه. وقال: فتح حصن (ذي مرمر) في هذا اليوم، فكان ذلك كذلك، وهو(8) أحد عجائبه وكراماته، وكان صاحباً لهما جميعاً، فذكر لهما ما يقتضيه الحلوم والعلوم(9)
__________
(1) في (ب): وبمن.
(2) في (ب): سلك مثل.
(3) سقط من (ب): وتيسره.
(4) سقط من (ب).
(5) في (ب): بينه وبينه.
(6) في (ب): ودنى.
(7) في (ب): أخبر في بلده بفتح حصن.
(8) في (ب): وهذا.
(9) في (ب): العلوم والحلوم.

والقرابة والنسبة والنسابة، فرغب كل(1) إلى ما عرض عليه، وكان من كل منهما ما طيب(2) نفس الآخر، وأزال الوحشة الجارية والحمد لله على كل حال. وأما السيد جمال الدين فكان بينه وبين سيدي عز(3) الإسلام بعد هذا مواطن واجتماعات وطيبة نفوس ومباراة، كذا نقلته(4) من خطه، وأمر سيدي جمال الدين ولده صلاح بن علي بن أبي القاسم قرأ عليه في علم المعاني والبيان، وكان يمدحه السيد علي - رحمه الله - وينصحه، وروينا عنه أنه قال له: يا ولدي اتبعهم يتبعوك فإن لي مذهباً لا أخبر به محمداً ولا صلاحاً، وله إليه معاتبات في أبيات فريدة، منها:
عرفت قدري ثم أنكرته ... فما عدى بالله مما بدى
/80/ وكل يوم لك بي موقف ... أسرفت في القول(5) بسوء البدا
أمس الثنا واليوم سوء الأذى ... يا ليت شعري كيف تضحي غدا
يا شيبة العترة في وقته ... ومنصب التعليم والاهتدا
قد خلع العلم رداء الهدى ... عليك والشيب رداء الردى
فصن رداءيك وطهرهما ... من دنس الإسراف والاعتدا
__________
(1) في (ب): في عب.
(2) في (ب): ما يطيب.
(3) في (ب): عماد الدين.
(4) في (ب): نقله.
(5) في (ب): بالقول.

ثم إنه - رحمه الله - اشتغل بالذكر والعبادة، وملازمة الخلوات والأماكن(1) الخالية بمسجد وهب، ومسجد نقم، ومسجد الرونة، ومسجد الأخضر، وفي المنازل العالية على سطح الجامع، ينقطع في بعض هذه الأماكن ثلاثة أشهر، رجب وشعبان ورمضان، ويعتذر(2) فيها عن موافقة أهله وأرحامه، ويسألهم إسقاط الحق من الزيارة، وله من الكرامات والمنامات الصادقة ما يطول ذكره، وبعض ذلك مذكور في ديوانه وبعضها مرسوم بخطه بين كتب الأهل - رحمهم الله تعالى - وكان إذا اختلى في مسجد نقم وخرج في الليل إلى موضع نهر نازح عن المسجد لأن المسجد قد يخلو عن الماء يسمع أصوات الجان وبكاء أطفالهم فلا يجد وحشة ولا يداخله(3) رعب، ومما سمعناه(4) عن بعض سادة الخيمة(5) العلويين وكان رجلاً فاضلاً له به خلطة، إن سيدي عز الدين - رحمه الله - وقف بمسجد الرونة في بعض خلواته، ولم يكن في ذلك الزمان يوجد العنب في مكان قط، فتاقت(6) نفسه إلى شيء من ذلك فلم يلبث أن وجد في ناحية من ناحية المسجد عنباً حسناً كامل الطيب طري القطف، فأكل منه، وحمد الله ،وأثنى عليه.
قلت: ومصنفاته غرر، وكلماتها درر، و(7)تسفر عن شمس واضحة المعنى أو قمر، منها (العواصم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وآله وسلم -) أربعة أجزاء مجلدة، تشتمل على ما لم يشتمل عليه كتاب، ولا يحتاج الناظر فيه إلى غيره فهو مد بصر وختمه بأبيات نحو اثني عشر بيتاً منها:
جمعت كتابي راجياً لقبوله ... من الله فالمرجو منه قريبُ
ومنها:
ومهما رأيتم من(8) كتابي قصورة ... فستراً وغفراً فالقصور معيبُ
ولكن عذري واضح وهو أنني ... من اللائي أخطي تارة وأصيبُ
__________
(1) في (ب): في الأماكن.
(2) في (ب): ويعذر.
(3) في (ب): ولا يدخله.
(4) في (ب): سمعنا.
(5) في (ب): الحيمة.
(6) في (ب): ففاقت.
(7) سقط من (ب): ....؟
(8) في (ب): في.

ومنها كتاب (ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان) كتاب مفيد وختمه بعشرة أبيات منها:
منطق الأولياء والأديان ... منطق الأنبياء والقرآنِ
ولأهل اللجاج عند التماري ... منطق الأذكياء واليونانِ
وإذا(1) ما جمعت علم الفريقين ... فكن مائلاً مع الفرقانِ
ومنها: كتاب (البرهان القاطع في معرفة الصانع وجميع ما جاءت به الشرائع)، صنفه سنة إحدى وثمانمائة، ومنها (تنقيح الأنظار في علوم الآثار) صنفه في آخر سنة ثلاث عشرة وثمانمائة. ومنها كتاب (التأديب الملكوتي) مختصر فيه عجائب /81/ وغرايب. قال السيد صلاح الدين(2) بن أحمد بن عبد الله - رحمهم الله تعالى -: لم أجد هذا الكتاب في الخزانة ولا والدي، وإنما وجدت منه وريقات يسيرة من مسوّدته (زادت الأسف عليه) (3).
وله كتاب في التفسير من الكلام النبوي، ذكره في كتابه (إيثار الحق على الخلق)(4)، قال جمع ما في جامع الأصول وما في (5) الزوائد والمستدرك للحاكم. قال السيد صلاح الدين: ولم يوجد هذا الكتاب أيضاً.
__________
(1) في (ب): فإذا.
(2) زيادة في (ب): صلاح.
(3) فراغ في (ب).
(4) في (ب): إيثار الحق. (وجاء في الحاشية بدلاً من كلةم إيثار أثار).
(5) في (ب): مجمع.

ومنها: كتاب (الأمر بالعزلة في آخر الزمان). ومنها كتاب (قبول البشرى في تيسير اليسرى)(1)، ومنها كتاب (نصر الأعيان على شر العميان)(2) رداً على أبي العلاء المعري، قال فيه ما لفظه: قد ولع أهل الجهل والغرة بإنشاد الأبيات المنسوبة إلى ضرير المعرة، وهي أحقر من أن تصدر، وأهون من أن تذكر، لم يشعر هذا المسكين أن قائلها أراد بها القدح في الإسلام من الرأس، وهدم الفروع بهدم الأساس، وليس فيها أثارة من علم فيستعاد(3) بناؤها ولا إشارة إلى شبهة متوضح بطلانها، وإنما سلك قائلها(4) مسلك سفهاء الفاسقين، والزنادقة المارقين، وما لا يعجز عن مثله الأرذال من ذم الأفاضل، بتقبيح ما لهم من الحسنات، وتسميتها بالأسماء المستقبحات، تارة ببعض الشبهات، وتارة بمجرة(5) التهويل في العبارات، كما فعل صاحب الأبيات. فصدر الكتاب المذكور بهذه الأبيات:
ما شأن من لم يدر بالإسلامِ ... والخوض في متشابه الأحكامِ
لو كنت تدري ما دروا ما فاه بالـ ... ـعوراء فوك ولا صممت صمام
لكن جمعت إلى عماك تعاميا ... وعمومه فجمعت كل ظلام
فاخسأ فمالك في العلوم دراية ... القول فيها ما تقول حذام(6)
ما أذكر العميان للأعيان بل ... ما أذكر الأنعام للإعلام
وإذا(7) سخرت بهم فليس بضائر ... إن هر كلب في بدور تمام
من لم يكن للأنبياء معظماً ... لم يدر قدر أئمة الإسلام
(لم تدر تغلب وائل أهجوتها) (8) ... أم بلت تحت الموج وهي ظوام
__________
(1) في (أ): تيسير اليسر.
(2) زيادة في (ب): فيها.
(3) في (ب): فيستفاد.
(4) زيادة في (ب): فيها.
(5) في (ب): بمجرد.
(6) في (ب): فإذا.
(7) في (ب): فإذا.
(8) اقتبس هذا الشطر من قول الشاعر:
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها أم بلت حيث تناطح البحران

ومن كتبه كتاب (إيثار الحق على الخلق)، صنفه سنة سبع وثلاثين وثمانمائة رأى بعد فراغه من تسويده قوله تعالى، ?فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا?[الرعد:17]، وقوله تعالى: ?فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا?[النساء:69]، ورأى بعد الفراغ من تبييضه سورة النصر بكمالها، ومن سورة الضحى: ?وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ?[الضحى:11]، ومن سورة يس: ?قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ?[يس:26]، مرتين، ومرة ثانية(1):?إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ?[يس:25]، ورأى أنه أعطي فواتح كثيرة من فواتح السر(2).
قلت: ومن مصنفاته (التحفة الصفية في شرح الأبيات الصوفية) والمشروح قصيدة أخيه العلامة الهادي /82/ بن إبراهيم - رحمه الله - التي أولها:
تقدم وعدكم فمتى الوفاء ... وطال بعادكم فمتى اللقاء
__________
(1) في (ب): ثالثة.
(2) في (ب): السور.

قال السيد صلاح الدين - رحمه الله -: وقد سمى(1) هذا الشرح بالنسمات النجدية في النعمات الوجدية، وله تصليح نخبة الفكر الذي صنفه العلامة أحمد بن علي العسقلاني الشهير بابن حجر، وله حصر وسرد(2) آيات الأحكام، قال: ولم يستقص فيها، وكانت(3) ستة وثلاثين ومائتين. ومنها حصر الآيات الدالة عليه تعالى وعلى صدق أنبيائه(4) من الخوارق، فذكر العجيب من ذلك المفيد لله دره؛ ومنها الأبيات المبينات لقوله تعالى: ?يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ?[النحل:93] وفيه أن الإضلال من قبيل العقاب فلا يبتدي به قبل الذنوب، وأجاد في ذلك غاية الإجادة، وكنت على حقارتي كلفت بهذا المطلب ووددت أن أجمع لنفسي ذلك ولم أشعر بكتاب السيد - رحمه الله - فلما رأيته، قلت: (إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل).
__________
(1) في (ب): وقد كان سمي.
(2) سقط من (ب): وسرد.
(3) زيادة في (ب): جملتها.
(4) في (ب): أوليائه.

ومنها: كتاب (تحرير الكلام في مسألة الرؤية وتجويده، وذكر ما دار بين المعتزلة والأشعرية وتقييده)، وهذا الكتاب كان قد سبقه أخوه(1) جامع العلوم الهادي بن إبراهيم (- رحمه الله -)(2) إلى كتابه رد به(3) على متكلم الأشاعرة محمد بن عبد الكريم الشهير(4) (....)، ونقض عليه كثيراً مما أودعه كتابه نهاية الإقدام في علم الكلام فأورد السيد محمد كلامهما جميعاً، ثم جاء بما عنده. وله جزء في قوله تعالى: ?عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ?[الجن:26- 27]. وله كتاب في تخصيص آية الجمعة بحديث: (واعلموا أن الله فرض عليكم الجمعة). وله كتاب في حمد الله على الإيمان لما وقع في ذلك اختلاف، وله ديوان(5) شعر واسع منه ديوان مجمع الحقائق والرقائق في ممادح رب الخلائق، أتى فيه بإلهيَّات ومناجات، وفزع وخوف ورجاء وتوكل، وله مواعظ في النثر بليغة في ديوانه أيضاً، وله جملة كتب تشتمل على الرد على جماعات من الأشعرية والمعتزلة. قال من صنف في أحواله: إن هذا النوع لا ينحصر.
قلت: واستحسنت التقرب إلى الله بذكر جوابه على مروان بن أبي حفصة القادح على أمير المؤمنين الأنزع البطين صانه الله، تقرب بذلك مروان(6) إلى هارون المسمى بالرشيد، وذلك بما كان من خطبة أمير المؤمنين لبنت أبي جهل وتحكيمه الحكمين، وقد أجاب غير السيد على ذلك، وحسب مروان ما أعد الله له، وتكلم السيد بكلام بليغ قبل القصيدة، وقد طالت الترجمة فتركته، قال - رضي الله عنه -:
إلى الله أشكو من أذى الآل والرسل ... ولم يحفظ الحمقا على الله من يعلي
وأين علي من أذى كل ناصب ... هو العالم العلوي والناصب السفلي
__________
(1) في (ب): أخوه المحقق.
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): إلى كتابه كتاب ردَّ به.
(4) في (ب): [لم أتمكن من قراءتها].
(5) في (ب): كتاب.
(6) في (ب): مروان بذلك.

كفاه علاً أن النواصب لم تجد ... سوى همه لا العزم بالطيب الحل
83/ وأنهمٌ لن ينقموا منه غير ما ... يحوز ولا يقذي العيون من الرسل
وأن رسول الله بين حقّه ... بنص جلي في روايتهم مجلي
وبين عن منع الخلاف اعتذاره ... بتخصيصه من حكمه خيرة الأهل
يصون علي والبتول عن الذي ... عليه مضى كل القرابة والرسل(1)
أراد بذا إن صح إظهار هذه الـ ... ـفضيلة للزهراء فائقة الأصل
وقد كان بين المصطفى ونسائه ... أمور على هذا تزيد وتستعلي
فخيرها حيناً وطلق بعضها ... وحيناً وهو مرح وحيناً وهو مولي
وكم آية في الذكر في ذاك أنزلت ... وفي سورة التحريم ما بعضه يجلى
وكان القياس أن عترة فاطم ... لتلك السرايا لا تمر ولا تجلي
فظن علي أنها مثل نسوة الـ ... ـرسول محلا لا يقايس في الفضلِ
بحور على وجه الحياطة صونها ... ببعض النساء المستحقات للبدلِ
كما صين في الصدر الفؤاد محله(2) ... وبالجفن صين الحسن في الأعين النجل
وريب من أوتي الذي لا يطيقه ... وضاهى أخاه(3) المصطفى خير من أبلي
وكان له في ذاك قوة عدة ... يشاكله يا حبذا هو من شكلي
ألم يره من ذا شفق ظهره ... وشق عليه الشق من كثرة الغسل
وكان حيياً لم يشافه بهذه الـ ... أمور النبي المصطفى سيد الرسل
لذلك لم يسأله عن حكم ناقض الطـ ... ـهارة إجلالا يجل عن المثل
فهم لذوي(4) الأسباب بالحل همة ... تنزه فيها عن جفاء وعن جهل
فاضرب لما بيَّن الله أنها ... أجل وأعلا أن تشارك في البعل(5)
فظن حمير النصب فيه نقيصة ... وذلك شأن الأخسرين(6) ذوي الغل
وذاك بإجماع الهداة خصيصة ... لفاطمة الزهراء كالفطم للنسل
ولم يروِ نقصاً للوصي وإنما ... روى خارقاً في الفضل(7) باهرة الفضل
__________
(1) في (ب): الترابة والنبل.
(2) : تحلَّة.
(3) في (ب): أخيه.
(4) في (ب): لذي.
(5) زيادة في (ب) هذا البيت:
وواري خير المرسلين ولم يكن ... سبوقاً له يوماً بقول ولا فعلِ
(6) في (ب): الأخرسين.
(7) في (ب): فضل.

ونافى الحديث عن باهر فضلها ... له علل لم ينل منها لذي النبل
وكنت بسطت القول فيها فخفت أن ... يعاب بجهل أو بمل(1) من المملي
وقد وضعوه في مناقبها لذا ... ومنهم علي بن الحسين أبو الفضل
وفيها رواه الحاكم الحبر(2) قاصداً ... لتفضيلها وهو المحب بلا أزل
وفي ذاك تعظيم البتول وحقها ... وأعظم منها صاحب الطير والسطل
لما حاز مما حصره غير ممكن ... من السبق في كل المناقب للكل
84/ومن نصرة المختار في حومة الوغى ... وتعريضه للقتل عمداً بلا مطل
كيوم فدى المختار كنت له الفدا ... وقد بذل النفس النفيسة للقتل
وما صح فيه من محبة ربه ... له ومنا بها إلى الخصف للنعل
مناقبه كالوبل طيباً وكثرة ... وأين غزير الوبل من بلة الطل
لذا كان ضداً للنفاق وأهله ... ويعسوبنا مثل اليعاسب(3) للنحل
فطالع شوافي الحافلات بفضله ... وقم واحتفل إن كان لا بد من حفل
وأما اعتراض الآل بالصلح فهو من ... دليل خلو القادحين عن العقل
وما فعلوا إلا كفعل أبيهمُ ... لعمرته يوم التنازع في الحل
وذلك في يوم الحديبية الذي ... تواتر حتى لا يفوت ذوي الجهل
فكيف انتقاص الفاطميين بالذي ... تبين أن لا نقص فيه على الرسل
وليس عداة الله في الدين أهله ... فقد أخرج الله ابن نوح عن الأهل
ولا هم بحكم الله أهل لعهده ... لما علم الله الخليل من العدل
وضمنت في الذب البراهين عامداً ... لأكثر من أجر وأبعد من جهل
أنفت من الهجو المجرد إنه ... نهيق الرجال لا يمر ولا يجل
وإن كان أمراً واضحاً ليس محوجاً ... إلى ذكر معلوم من السمع والعقل
فافحش منه الشرك بالله ربنا ... وقد طال فيه خصمة الله والرسل
وما قلت إلا قربة ومحبة ... ووصلاً لمن ارجو جزاه عن الوصل
فهم وكتاب الله في قول أحمد ... لنا ثقلاً خير منج(4) من الثقل
__________
(1) في (ب): بميلٍ
(2) سقط من (أ): الخير.
(3) في (ب): اليعاسيب.
(4) في (ب): منهج.

على المصطفى التسليم ثم عليهم مدى ... الدهر ما اهتز الأراك على الرمل
قلت: وله شيوخ في العلم، أما العربية فصنوه السيد جمال الدين الهادي بن إبراهيم والقاضي العلامة جمال الدين محمد بن حمزة بن مظفر - رحمهما(1) الله تعالى-، وكان المشار إليه في علوم العربية واللغة والتفسير في تلك المدة، وأما علم الأصول، فالقاضي العلامة ملك العلماء وقاموس الحكماء عبد الله بن الحسن بن عطية بن محمد بن المؤيد الدواري، والفقيه العلامة جمال الإسلام والمسلمين علي بن عبد الله بن(2) الخير، وكان المشار إليه والمتصدر للتدريس بـ(صنعاء) (اليمن)، في علمي الأصولين(3)، فإنه قرأ عليه شرح الأصول، وهو معتمد الزيدية في البلاد اليمنية، والخلاصة والغياصة وتذكره الشيخ المتكلم بن مُتوَّية وغيرها في علم اللطيف، والسيد الإمام علي بن محمد بن أبي القاسم في مختصر المنتهى هكذا أقصر(4) بعض /85/ المؤرخين تلمذته للسيد علي - رحمه الله - على مختصر المنتهى، والذي ذكره السيد الهادي الصغير - رحمه الله - إنه شيخه في علم الأصولين والتفسير، وكذا قال أخاه(5) جمال الإسلام الهادي بن إبراهيم أستاذة في جميع العلوم، وأن السيد عز الدين لازمه وانتفع به، وهو الأوجه، وقرأ في الفقه بـ(صعدة) على مشائخ منهم: القاضي عبد الله بن الحسن وغيره، ومن شيوخه سيد المحققين العلامة الناصر(6) بن أحمد بن أمير المؤمنين المطهر - عليهم السلام - وأجاز له في سنة ثمانمائة؛ لأن السيد ناصر - قدس الله روحه-، توفي في القعدة سنة اثنتين وثمانمائة، وقد ذكر على وجه التخمين والحساب أن بين موته والإجازة سنتين، وكانت الإجازة في مسجد الأحدم
__________
(1) في (ب): رحمه.
(2) في (ب): ابن أبي الخير.
(3) في (ب): الأصول.
(4) في (ب): قصر.
(5) كذا في الأصل ولعل الصواب أخوه.
(6) جاء في حاشية (ب): وفاة الناصر كانت بحصن كوكبان.. في سنة 844 ونقل إلى (صنعاء) وقبره بها بمسجد القبة، العتيق اليماني.

بـ(صنعاء) (اليمن)، لأن السيد محمد بن إبراهيم أقام به تلك المدة طالباً للعلم إبان حداثته وعنفوان شبابه. ومنهم ابن ظهيرة(1) ونفيس العلوي، وخلق أجازوا له، ومدحه بالشعر الفضلاء من ذلك قول يحيى بن رويك الطويلي الزيدي وهو مقيم بـ(تعز) أرسلها إلى السيد:
أراك تلوم ولا أرعوى ... فخل الهدير وخل الدوي
(2)تملك قلبي حب الحبيب ... وصار على عرشه مستوي
ومنها:(3)
وما زال ينشر في السقام ... غرام عليه فؤادي طوي
وما ضحك البرق إلا بكيت ... بكا ما شفى لي قلب دوي
يلوح فيمطر من أعيني ... دموعاً كوبل السحاب الروي
وأتبعه من حنيني ومن ... زفيري ابن عبد الله يدي(4)
ومنها(5):
وساهرني البرق حتى الصباح ... كما ساهر الخل خل نوي
ويظهر لي كلما شمته ... تضرب من جُنَّ أو من جوي
كأن الذي بي من لوعة ... به فهو يقلق أو يلتوي
تصوب من صوب (صنعاء) لي ... فشب الهوى من فؤادي الهوي
وذكرني من ثوى ثم من ... أناس لهم في فؤادي ثوي(6)
ومنها في المدح:
وناشر سنة(7) خير الأنام ... وقد كان منشورها منطوي
ومحييها وبإحيا ئها ... جلا ذهب المذهب اليحيوي
__________
(1) في (ب): أبو ظهيرة.
(2) في (ب): ومنها.
(3) سقط من (ب): ومنها.
(4) في (ب): لا يوجد هذا البيت.
(5) في (ب): إلى أن قال.
(6) لا يوجد هذا البيت في (ب).
(7) في (ب): سيد.

وهي طويلة غراء، سنذكرها - إن شاء الله تعالى - بفضله وطوله في ترجمة يحيى - رحمه الله تعالى - مولده - رحمه الله - في شهر رجب سنة خمس وسبعين وسبعمائة بهجرة (الظهراوين) من (شظب)، وكانت وفاته في اليوم السابع والعشرين من المحرم(1) سنة أربعين وثمانمائة، وهو العام الذي وقع فيه الطاعون وهلك فيه الناس أجمعون، وفي هذا اليوم الذي مات فيه مات الإمام المنصور بالله رب العالمين علي بن محمد بن علي بن محمد - رحمه الله - انتهى ما أردنا نقله والحمد لله، وقد طالت الترجمة مع تركنا الكثير /81/ مما تتطلع النفوس إليه.
محمد بن إبراهيم بن محمد [865- 907هـ]
__________
(1) زيادة في (ب): غرة.

السيد العالم بدر الدين، سليل الأكرمين، محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم بن علي بن المرتضى المفضلي الوزيري - رحمه الله -(1) في تاريخ أهله، إنه أصغر أولاد الصارم سناً، وفيه نباهة كلية، قرأ جميع الكتب المذكورة المعروفة في الفنون، وصنف ودرس، وله شعر جيد، وخط يلحق بحظ جده محمد بن عبد الله، مولده - رحمه الله - في الليلة المسفرة عن يوم الأربعاء الثاني من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثمانمائة، واستشهد - رحمه الله - في يوم الاثنين ثاني شهر القعدة أحد شهور سنة سبع وتسعمائة(2) سنة أصابه المدفع في الدار مما يلي قبة بلال، والمحطة حينئذ على (صنعاء) محطة عامر بن عبد الوهاب، سمعت سيدي يحيى بن عبد الله يقول: كنا مجتمعين نحن والصنو محمد بن إبراهيم في بيتنا بـ(بير شميلة) إذ سمع لغطاً وأصواتاً عالية تشعر أن بين الفريقين حرباً، فأخذ قوسة ونبله، وكان قايساً، خرج إلى نوبة من نوب الدائر واجتمع فيها هو والسيد عبد الله بن محمد بن معتق الحمزي، فلم نلبث أن سمعنا أصواتاً عالية وضجة عظيمة، وظهور استبشار من(3) المحطة، فخرجت مبادراً، وفيّ حينئذ حدة الشباب، فعلمت الخبر وقد منعت الناس المدافع عن الوصول إلى الصنو محمد - رحمه الله - فلم أحفل بها، وتقدمت إلى النوبة فرأيته ميتاً، وإصابته خلف أذنه خواره مواره، فسجيته بثوبي، وحملناه إلى البيت - رحمه الله تعالى - وقبره بمسجد نصير، وكان والده - نفع الله به - قد أضرب عن الشعر، فلما استشهد ولده هذا وفارقه ولده الهادي وأحمد وأولادهما استروح بالشعر إليهم، فمن ذلك ما كتبه إلى ولده أحمد، وضمنه مرثاة سيدي محمد - رحمهم الله جميعاً -(4):
وكفانا المخوف من شر حرب ... لقحت بعد فترة عن جبال
__________
(1) قال السيد الهادي - رحمه الله - في تاريخ أهله إنه.
(2) في (ب): سنة سبعمائة سنة.
(3) في (ب): أهل المحطة.
(4) زيادة في (ب): من أبيات.

لم أكن من حبائها علم اللـ ... ـه بفعل أتيت أم بمقال
قتل ابني بها على غير جرم ... كان منه وقتله كان غالي
(رحم الله أعظماً دفنوها) (1) ... في نصير مقطوعة الأوصال
خلفت ابنة وشيخاً كبيراً ... مفرداً عن بنيه ذا أوجال
قائلاً في صباحه وعشاه ... ووقت الضحى وفي الآصال
ما له ملتجأ(2) سوى الله والصبـ ... ـر وفي الصبر حيلة المحتال
ربما تكره النفوس من الأمـ ... ـرله فرجه كحل العقال
هاكها يا بني من شيخ صدق ... تتلألأ منظومة كاللآلي
لم يسود لها بياض برق ... إنما كان قولها بارتجال
ومما رثاه(3) والده - رحمهما(4) الله - وأراد بصاحبه السيد عبد الله بن محمد بن معتق - رحمه الله -:
ذكرت محمداً وفراق بنت ... له في المهد ما بلغت فطاما
عدت كف المنون على أبيها ... وما بلغت من الأعمار عاما
/87/ بمدفع عامر شلت يداه ... ولا بلغ المراد ولا المراما
أصاب ابني وصاحبه اعتداء ... فذاق ابني وصاحبه الحماما
فتلك الدور بعدهما خلاء ... ومن فيها من الأبنا يتامى
فلو كان الحمام يطيع أمري ... طلبت من الحمام له ذماما
وكان محمداً فينا هلالاً ... فأكسف قبل ما بلغ التماما
دعاه لثالث(5) الحالين داع ... سميع فاستجاب له وقاما
وقال له: هلم إلى سبيل ... ترى المأموم فيها والإماما
سواء فيه محتصر صغير ... وشيخ عمره تسعون(6) عاما
فقل لمن ارتضى حرباً لقوم ... ومن في حربهم حسر اللثاما
وهم قربى(7) النبي بلا امتراء(8) ... وإن هو عن مودتهم تعامى
مخالف أمرهم لله عاص ... ومنكر حبهم يلقى أثاما
وليس بمسلم من قد قلاهم ... وعاداهم وإن صلى وصاما
__________
(1) هذا اقتباس من أبيات السيدة التي قالت: رحم الله أعظماً دفنوها.
(2) في (ب): ملجأ.
(3) زيادة في (ب) به.
(4) في (ب): رحمه
(5) في (ب): الثالث.
(6) في (ب): ستون عاماً.
(7) في (ب): قرنا.
(8) في (ب): بلا مراء.

قلت: ومما كتبه السيد محمد بن إبراهيم بن عبد الله - رحمه الله - إلى السيد الأمير المفضل عبد الله بن أمير المؤمنين المطهر بن محمد بن سليمان، مرثياً لوالدته عقيلة بيت النبوة ذات الحسب الوسيع، والنسب الرفيع، بدرة بنت (أمير المؤمنين المنصور بالله علي بن)(1) أمير المؤمنين الناصر(2) لدين الله محمد بن أمير المؤمنين المهدي لدين الله علي بن محمد - عليهم السلام - وكانت من أشرف ذوي الشرف، وأكمل النساء وأجملهن - رحمها الله تعالى -:
دموع في الخدود لها انحدارُ ... وقلب في جوانحه الشرارُ
ووجد ظل منه اللب حقاً ... وجسم لا يقر به قرارُ
وخطب فادح قد راع عقلي ... وغاب لأجله العقل المطارُ
وذلك موت من طابت أصولاً ... وطاب الفرع منها والنجار
أرومتها الخلائف من علي ... ومن آبائها القوم الخيار
إمامُ من إمامٍ من إمامٍ ... خيارٌ لا يقاس به خيارُ
قلت: و(3)قد صرح المحققون أنه إذا اختلف اللفظ بالتعريف والتنكير فليس نائطاً:
دعوا فأجابهم كل البرايا ... وزان الأمر عقد واختيارُ
وطبق عدلهم (يمناً) و(شاماً) ... وطال بهم من الدين المنارُ
وكانوا في بني الزهرا شموساً ... تضيء بها الليالي والنهارُ
لجدهم المفضل كل فضل ... فهم في تاج أسرته النضار
أقاموا المذهب الزيدي حتى ... غدا للدين عز وافتخارُ
وهي /88/ طويلة، فلنقتصر على هذا القدر، وقد رثاها جماعة كولدها المفضل والعلامة أحمد بن أبي القاسم بن النعمان والسيد صلاح بن قاسم الشظبي - رحمهم الله تعالى -.
محمد بن إبراهيم بن يحيى
__________
(1) ما بين القوسين لا يوجد في (ب).
(2) زيادة في (ب): الصغير محمد بن علي بن أمير المؤمنين الناصر.
(3) سقط من (ب).

السيد العلامة محمد بن إبراهيم بن يحيى بن صلاح بن محمد بن أبي الفضائل - رحمه الله تعالى-(1). قال السيد في تاريخهم: الولد النجيب، والسيد الجليل درة الأصداف، شريف الأوصاف، توفي والده وهو طفل صغير، وتوفي(2) في حجر عمه السيد شمس الدين أحمد بن يحيى، وكان اشتغال محمد بتدريس(3) العلوم، ومعرفة المنطوق منها والمفهوم، حتى لاحت عليه أنوار السمات الشريفة، وكملت فيه خصال الرتب المنيفة، من الدين المتين، والحلم الرصين، والأبهة والجلالة، قرأ علوم العربية، فأتقنها على الفقيه عبد الله بن مسعود الحجي، وما زال جاداً في الطلب، حتى اقتطعته المنية دون بلوغ الأرب، فتوفي بالطاعون الواقع في سنة ثلاث وثلاثين - رحمه الله - ونفع به شاباً لم يبلغ الثلاثين، وكان أحسن الناس وجهاً وأجملهم صورة، وله خط حسن، أخذ فيه طريقة السيد محمد بن المرتضى البليغ المشهور، ومحمد بن المرتضى أخذ طريقة السيد محمد بن عبد الله بن الهادي - رحمهم الله تعالى -.
محمد بن إبراهيم بن المفضل [1022- 1085هـ]
__________
(1) سقط من (ب): تعالى.
(2) في (ب): أو رُبي.
(3) في (ب): يدرس.

بحر العلم الخافق في الخافقين، وبدره الذي أنار المغارب والمشارق(1) (كالشارقين)(2)، إمام المعقولات والمنقولات، والمبرهن على حدودها وبراهينها والمعقولات، السيد العلامة صدر السادة وبدر القادة: محمد بن إبراهيم بن المفضل بن إبراهيم بن علي بن أمير المؤمنين المتوكل على الله يحيى شرف الدين - سلام الله عليهم-، كان - قدس الله سره - نسيج وحده وفريد وقته، وإنسان زمانه الكامل، والقاضي في العلوم على كل فاضل، والحاكم الذي لبه رزين، والواسطة التي بجواهر العقدين تزين، كان - رحمه الله - ربّاني وقته معمور الباطن والظاهر، مسعوداً في حالاته، ملحوظاً إليه بعين التكريم أينما توجه، مع كمال في سمته وجلالة باهرة، حتى قال بعض الفضلاء: أحسب أنه لو اجتمع الخلق في المحشر وخرج السيد محمد بينهم علم كل أحد أنه عالم، وكان مع تلك الجلال ملاطفاً سهل الأخلاق، غير مترفع ولا ينقص ذلك من مقداره شيئاً، وكانت له فكرة سليمة كما قال شيخه وشيخنا الوجيه عبد الرحمن الحيمي في صفته: إنه مستغرق الفكرة بالله تعالى(3)، وهو مع الناس ظاهراً، هكذا ذكره(4) شيخنا مشافهة أيام قراءته عليه في (الكشاف)، وكانت أحواله أحوال الأمراء، وصيته أعلى من ذلك، لما حواه من هذه الكمالات ولماله من النسب الشريف الذي لا(5) يسامى، وكان في أهل بيته الكرام كالبدر بين النجوم، ولم يزل مواظباً على العلم من صغره إلى كبره، يستفيد منه الطالبون، ويراجعه الفضلاء بالكتب من الآفاق، ويستمطرون ديمة آدابه، ويفجرون معين علمه، فيأتيهم من قبله - رحمه الله - كل عجيب غريب، وقراءته في الفنون جميعها بمدينة (صنعاء) المحروسة من(6) بلده المحروسة /89/ (كوكبان) و(شبام)، ورحل إلى (الطويلة) لسماع شيء من كتب أصول الفقه على السيد
__________
(1) في (ب): المغربين والمشرقين.
(2) سقط من (ب): الشارقين.
(3) سقط من (ب): تعالى.
(4) في (ب): ذكره لي.
(5) سقط من (ب): لا.
(6) في (ب): وبلده..

العلامة عز الدين دريب(1)، وأكثر ما تعلق به في (صنعاء) علم الأدوات والتفسير، وأما الحديث فأكثر قراءته على شيوخ وردوا إليه إلى محله المقدس، فقرأ في(2) كل فن وجوه كتبه، وهيمن على غرائبها، وكان واسع الحفظ، بادرة في ذلك، سيال الذهن، ولا يلقي المسائل إلا على جهة الإجابة، وقد أثبتنا له - رحمه الله - ذكراً في ترجمة صنوه السيد شمس الدين أحمد بن الحسن بن حميد الدين، وذكرنا شيئاً من شعره وكلمات من إنشائه، وما كنت أحسب أنا نكتبه في التاريخ لكثرة رجائنا في الله أن يطيل عمره، ولكنها خيرة الله العليم الحكيم، فلله الحمد على كل حال، واستوطن في آخر أيامه (وادي ظهر) وأنس به الناس هنالك، وازداد الوادي بهجة، وعلق به من لا علاقة له(3)، وكان - رحمه الله - استشارني لمكان المودة في إنزال أهله الوادي(4)، فما رجح لي وظهر له الرجحان فكان الصواب رأيه، وهو الحري بذلك، ومما كتبه إلى صديق أتشوق به إلى هذا السيد السري - رحمه الله - من النوع المسمى عند الأدباء دو بيت:
وادي ظهر أنت وادي صدري ... جادك وكاف غزير القطر
لو كنت تدري كفؤادي يدري ... أي حبيب فيك عظيم القدر
__________
(1) في (ب): بن دريب.
(2) في (ب): من.
(3) في (ب): علاقة له به.
(4) في (ب): إلى الوادي.

وله - قدس الله روحه - أجوبة مسائل، وله نظم الورقات للجويني في غاية الحسن، وكان شيخنا الوجيه يتعجب من حسنه، ويسر الله لي أيام القراءة أشرحها(1) بشرح مفيد، ولكنه لم يظهر وغاب عني بين الكتب بعد مطالبته - رحمه الله - لي بإظهاره وشرحها، رجل من بني النزيلي(2)، وله كرامة عجيبة لم أستثبت إلى الآن في نقلها وتحقيقها، كان مولده - رحمه الله - في سنة اثنتين وعشرين بعد الألف، ووفاته في نهار الاثنين غرة رجب سنة خمس وثمانين وألف بمنزله بـ(شبام)، وكان لموته موقع عظيم عند العلماء وغيرهم، وما أحقه - رحمه الله - بقول الزمخشري في الإمام بن سمعان:
مات الإمام ابن سمعان فلا نظرت ... عين البصير إذا ضننت بأدمعها
وأي حوباء ما صمت ولا عميت ... ولا استفادت بمرآها ومسمعها
أين الذي لو شريناه لما أخذت ... ببعضه هذه الدنيا بأجمعها
أين الذي الفقه والآداب إن ذكرت ... فهو ابن إدريسها وهو ابن أصمعها
من للإمامة ضاعت عند قيمها(3) ... من(4) للبلاغة عيب عند مصقعها
(5)سرد الأسانيد كانت قيد لهجته ... ككف داود في تسريد أدرعها
خلي الأئمة خيراً عند(6) أعلمها ... على اتفاق وأزكاها وأورعها
__________
(1) في (ب): شرحها.
(2) في (ب): نزيل.
(3) في (ب): قيمتها.
(4) في (ب): من البلاغة.
(5) في (ب): بيت زائد قبل هذا البيت:
من للأحاديث يمليها ويسمعها
بعد ابن سمعان ممليها ومسمعها
(6) في (ب): فقد.

قلت: وقد صار عند التاريخ يعمر عليه تربة، ورثاه من يعرفه ومن لا يعرفه و(1) من /90/ جملة من رثاه: القاضي العلامة بدر الدين محمد بن الحسن الحيمي، وجماعة من بلاد (كوكبان)، أجادوا، والشيخ البليغ إبراهيم الهندي، والصنو القاضي جمال الدين علي بن صالح بن أبي الرجال، ولم يحضرني من هذه المراثي غير ما يسره الله لي، ولست بكامل الصنعة في الشعر، وقد كتبت ذلك وبعض قصيدة الصنو علي - حماه الله-، وكان إنشائي لهذه المرثية عقيب سماع الخبر الرائع، قرأت الكتاب من ولده أحمد، وكتبت هذه الحقيرة والله يعيد من بركاته:
الله أكبر فلك الصالحات رسا ... الله أكبر زاد الأفق عاد مسا
والمجد هدت على رغم قواعده ... كم معلم بعد عز الملة اندرسا
ومسمع المجد والعليا به صمم ... ونطقه عن فصيحات اللغا خرسا
هي المصيبة عمت كل ناحية ... يا أيها الناس هذا البدر قد طمسا
فابكوا جميعاً فهذا الهول عمكمُ ... هد القوى من رجالٍ منكمُ ونسا
من ذا لعلم رسول الله ينشره ... يحييه يمليه يبدي منه ما التبسا
من للأصول ومن ذا للفروع ومن ... بالمنطق الفصل يمليها لمن درسا
لهفي عليه وما لهفي شفا كمد ... شوى فؤادي وأورى في الحشا قبسا
آه وما هي في خطبي بنافعة ... وإن رثى لي منه(2) الضد والجلسا
مصيبة قد دهت من قد قصا ودنا ... وأعظم الناس خطباً معشر الرؤسا
قد كان فينا كشمس الدّار مشرقة ... ما إن نخاف ظلاماً أو نرى غلسا
وكان فينا كثهلان نلوذ به ... إذ الزمان علينا بالخطوب أسا
وكان فينا فراتاً مروياً فإذا ... يدنس الدين أمرٌ طهر(3) الدنسا
ماذا أقول وقولي فيه ذو(4) قصر ... ومنطقي بعد إفصاحي قد انحبسا
بلى ألوذ بصبر فاز لائذه ... كم لان بالصبر ما بالنار لان قسا
مالي سوى الصبر في خطبي ألوذ به ... عسى يخفف من قلبي الهموم عسى
__________
(1) سقط من (ب): الواو.
(2) في (ب): منها.
(3) في (أ): أطهر.
(4) في (أ): ذا.

يا من نأى عن فؤادي وهو موطنه ... وفي سويداه حب منه قد غرسا
نأيت عنا إلى الجنات منتعماً ... مع الأحبة من آل(1) وأهل كسا
ونحن نبكي كما تبكي مولعة ... بنجلها إذ رأته صار مفترسا
لكننا قد رضينا حكم خالقنا ... وإن تجرع كل من نواك حسا
وسوف نفزع في ذا الخطب نحو أسا ... كم بردت من حرارات القلوب أسا
مات النبي وأهل الفضل قد عبروا ... انظر هل الموت حاشا سيداً ندسا
أين الملوك الأولى حاطوا البلاد معاً ... وأكثروا الجند والاتباع والحرسا
ما دافعت عنهم الأبراج موتهم ... ولا رأوا معقلاً يجدي ولا فرسا فرسا/91
وأين أهل الثرا والمال كم بخلت ... نفوسهم ثم لم يغنوا بما نفسا
وأين قوم لعز الله قد خضعوا ... وذللوا أنفساً كانت لهم شمسا
وحقروا الدار والدينار ما ذكروا ... لغير ما حاجة عشراً ولا خمسا
أهل المحاريب خير الناس قد جعلوا الـ ... ـذكر المنير لهم في ليلهم أنسا
راضون(2) عن ربهم في كل أمرهم ... فيما يدبر فيما(3) سر فيه وسا
هم الملوك وإن ذلوا لخالقهم ... ألفيتهم حين يبدو مرة(4) حمسا
لا يرهبون بني الدنيا وإن كثروا ... طوبى لمن بينهم والله قد جلسا
جليسهم ليس يشقى طاب ذكرهمُ ... ما زال ذكرهم كالشمس ما انطمسا
صلى عليهم إلهي كل آونة ... ما استنشقت أنف نجدي به نفسا
وإن عز الهدى هذا رئيسهمُ ... وفخرهم إن ذكرنا فيهم الرؤسا
صلى عليه إلهي بعد معشره ... من مجدهم فوق هامات النجوم رسا
وقال للصنو(5) جمال الدين(6) علي بن صالح(7) - حماه الله - مرثياً للسيد - قدس الله سره -:
ما زالت الأيام من قبل سام ... تسقى الكرام الغر كأس الحمام
وتزعج المرء(8) لترحاله ... فلا يرى للناس فيها مقام
كم من كريم قد مضى عاجلاً ... والله ما الدنيا محل الكرام
__________
(1) في (أ): مال.
(2) في (ب): رضوان.
(3) في (ب): مما.
(4) في (ب): أمره.
(5) في (ب): الصنو.
(6) سقط من (ب): جمال الدين.
(7) في (ب): صلاح.
(8) في (أ): المراء.

لو أن للموت دواء بها ... لمل جالينوس طول الحمام
واحربا من حكمه إنني ... أراه ماض في جميع الأنام
لا يرهب الضرغام فيها ولا ... يرثي لضعف الطفل عند الفطام
ولا يرى حقاً لذي شيبة ... أو ذي شطاط مثل غصن البشام
ولا مليك لاح في دسته ... قد غصّ ناديه بكثر الزحام
وافى سليمان على ملكه ... فعذب الجن بطول المقام(1)
ويوسف وافاه في مصره ... وهو كبدر التم عند التمام
فما ثناه الحسن عن قصده ... بل أنفذ الأمر وأمضى الكلام
وكان إدريس له صاحباً ... فما رعى للشيخ حق الذمام
واختار للمختار أن يرتقي ... من هذه الدار لدار السلام
ولاقت الزهراء من بعده ... ما يمنع الناظر طيب المنام
(مصائب صبت عليها فلو ... صبت على الأيام عادة ظلام) (2)
وها هو الآن تخطَّى إلى ... أعلى محل نيله لا يرام
/92/ سما لبدر المجد في أفقه ... حتى ثوى يا قوم بين الرغام
لهفي لبحر غاص في غرفة ... من غرف الجنة بعد الحمام
بحر يفيد الناس من علمه ... درًّا فريداً عند رجع الكلام
مهذب الأخلاق آدابه ... تفضح زهر الروض بين(3) الكمام
كم عقدة قد حل إشكالها ... لولاه أضحى حلها لا يرام
وليس للحق بساحاته ... إذا التقى الخصمان من إنكتام
لهفي عليه إنه ماجد ... ما جدّ إلا في طريق الكرام
مفضل تنبيك عن فضله ... جوانب المحراب حتى(4) الظلام
مصيبة جلاء قد أورثت ... في كل قلب من لظاها ضرام
مصيبة عمت جميع الورى ... ينهد منها زمزم والمقام
من أجلها يا صاح قد أصبحت ... تنوح في الأغصان ورق الحمام
والشامخات الشم قد زلزلت ... وكاد أن ينهد منها (شبام)(5)
حتى خشينا أن يوارى لها ... معقله الفرد نواحي (شبام)
لا برحت تبكي على قبره ... في كل يوم(6) هاطلات الغمام
__________
(1) في (ب): القيام.
(2) في هذا البيت اقتباس من بيت الزهراء سلام الله عليها:
صبت علي مصائب لو أنها صبت على الأيام عدن لياليا
(3) في (ب): وسط.
(4) في (ب): جنح الظلام.
(5) في (ب): شمام.
(6) في (ب): حين.

وزارت الرحمة من ربه ... في كل يوم روحه والعظام
وليهنه الفوز بما نال من(1) ... جنات عدن عند خير الأنام
وعظم الله لمن بعده ... فيه جزيل الأجر بعد السلام
محمد بن إبراهيم
الفقيه الفاضل العلامة محمد بن إبراهيم صاحب عرثومان علامة كبير، مقدم خطير، ترجم له سيدنا شمس الدين أحمد بن سعد الدين المسوري - رحمه الله - وغيره، ووصفوه بالعلم الواسع، وأجازله الإمام عز الدين - عليه السلام - إجازة عظيمة. وقال الفقيه العلامة أحمد بن مطير الشافعي: إنه انتقل من (الحيمة)(2) إلى (عرثومان)، وليس من الغر، وكان متولياً لأمور كثيرة من مصالح الإسلام، وتتلمذ له أجلاء فضلاء، منهم علي ومحمد ابنا داود بن حاتم، ومحمد بن سليمان بن سياس(3) عالم كبير، تولى القضاء للإمام شرف الدين - عليه السلام - ومن عجيب ما روي عن محمد بن إبراهيم، أنه كان له ثلاث بنات، وكان صاحب ثروة ومقام عظيم، ففعل طعاماً واسعاً وجمع الناس، ولم يعرف الناس(4) الوجبة، فلما تم الطعام وانقضى قال للناس: أريد أن الفقهاء الثلاثة علي ومحمد أبناء داود ومحمد بن سليمان يتزوجون بناتي، ففعلوا بعد أن اعتذروا لعلو مقامه، وراموا ان يقبض منهم أموالاً، فمنع - جزاه الله خيراً -، وقبر محمد بن إبراهيم في رأس الطود من (عرثومان).
محمد بن إبراهيم الظفاري
__________
(1) في (ب): في.
(2) في (أ): المحيمة.
(3) في (ب): ساس.
(4) سقط من (ب): الناس.

الفقيه الفاضل /93/ بدر الدين محمد بن إبراهيم الظفاري - رحمه الله - من وجوه العلماء أيام السيد الإمام العالم إبراهيم بن محمد صاحب الفصول، ذكره(1) بعض المؤرخين، ولم أطلع من فضائله على تحقيق، ولا أدري هو المشهور بعلم القراءة أو غيره، وصاحب علم القراءة هذا علامة محقق ، له كتاب لا يوجد في علم القراءة، أجمع منه، وسكن (حدة) أعني صاحب هذه الترجمة و(صنعاء)، ومؤلف الكتاب المذكور، سكن (حدة) المحروسة، وله(2) بها عقب.
محمد بن إبراهيم بن يحيى المتميز
الفقيه بدر الدين محمد بن إبراهيم بن يحيى (النمير)(3) المتميز الصعدي - رحمه الله - كان فقيهاً فاضلاً، درس في الفروع على شيخه العلامة علي القصار وغيره، وكان سهل الأخلاق كثير الخشوع.
محمد بن أحمد بن الناصر
__________
(1) في (ب): أعذروا.
(2) في (أ): ولد.
(3) سقط من (ب): النمير.

السيد الإمام العلامة مفخر الزيدية، ونور هالة العصابة الأحمدية: أبو القاسم محمد المسمى بالباني بن أحمد بن الناصر بن الهادي إلى الحق - عليهم السلام - ذكره القاضي أبو علي التنوخي في كتاب نشوات المحاضرة، فقال: ورد (اليمن)(1) وأقام بـ(البصرة) سنتين، وما رأيت بعد أبي عبد الله بن الداعي أفضل في العلم، والدعاء إلى الله - عز وجل - من أبي القاسم هذا، وكانت فيه فصاحة وتوئده، وكيس تام(2)، وكان كثير المواعظ، يخلط بها كلامه بذكر الله تعالى بأحسن عبارة في مجالس الأمراء والوزراء وغيرهم، ومجالسه في بيته، ولا يخلى(3) له مجلس من وعظ وذكر الله تعالى ودعاء إليه، وحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة أولي الأمر وجهاد من ليس بأهل، والأكثر في كلامه المواعظ والتخويف من الله تعالى، وذكر الآخرة، وكان مستقيم الطريقة، نظيف الباطن والظاهر(4) والمكسب، حسن الهدى، يلبس الطيلسان، قد درس الكلام على أبي إسحاق بن عباس التستري غلام أبي على بن خلاد العسكري، غلام أبي هاشم الجبائي، تعلم منه قطعة حسنة، وعرف من الفقيه(5) صدراً صالحاً، يخلط بهما كلامه ليبين عن محله فيهما، قال: وشاهدته يوماً بـ(الأهواز) وقد دخلها منصرفاً من حضرة الأمير عضد الدولة في مجلس كان أبو القاسم - علي بن الحسين بن إبراهيم الكاتب الشيرازي بن بنت أبي الفضل العباسي بن قبا - حسير عقده لنفسه في داره للجدل، وهو إذ ذاك(6) يتقلد الأشراف والاستنفاء على عمال(7) (كور الأهواز) لمعز الدولة، وقد سئل أبو القاسم عن رؤية العباد لله تعالى في القيامة، فقال: لا يرى الله عز وجل بالأبصار في الدنيا ولا في الآخرة، ثم قص مذاهب المعتزلة في الأصول كلها أحسن قصص وأبلغ كلام(8)
__________
(1) في (ب): ورد من (اليمن).
(2) في (ب): تامة.
(3) في (ب): ولا يخلى مجلساً له من وعظ.
(4) في (ب): نظيف الظاهر والباطن.
(5) في (ب): من الفقه.
(6) في (ب): إذ أدراك.
(7) في (ب): عمار.
(8) في (ب): كلامه.

، وأشد استيفاء للحجج، ثم قال: هذا مذهبي ومذهب آبائي وأجدادي، يروونه خلفاً عن سلف، وثان عن أول(1)، إلى أمير المؤمنين(2) - رضي الله عنه - ومن ادعى خلاف هذا فقد كذب، ثم بدأ يستدل على نفي الرؤية بأحسن دليل مما قد ذكره المتكلمين واستولى على المجلس، ونص المسألة إلى آخرها حتى انقطع السائل، فرأيت أبا القاسم علي بن الحسين وقد /94/ بكى استحساناً لما أورده، ثم قال: الحمد لله الذي أحياني حتى أراني في موالي(3) أهل البيت مثلك، قال القاضي علي(4): ورأيت بـ(بغداد) يوماً أبا القاسم بن الناصر هذا في مجلس أبي عبد الله بن الداعي، وقد جاء رجل بفتوى فطرحها إلى أبي عبد الله، فقرأها فإذا هي في رجل طلق امرأته ثلاثاً في لفظ واحد، فقال له: تريد أن أفتيك بما عندي وعند أهل البيت وما يحكيه غيرنا عن(5) أهل البيت؟ فقال: أريد الجميع. فقال: أما عندي وعندهم فقد(6) طلقت ولا تحل لك حتَّى تنكح زوجاً غيرك، وأما من روى غير هذا فهذا وأومأ إلى أبي القاسم إن شئت أن يفتيك به أو يرويه لك فعل، فقال(7): إن رأى الشريف أن يفتيني، فقال له أبو القاسم(8) بن إبراهيم وأهل البيت - رضي الله عنهم - فأفتيك به أنها قد طلقت منك واحدة، فإن شئت كانت على طلقتين وإن شئت راجعتها، فانصرف الرجل واستعظمت أن هذا التأكيد من أبي القاسم في الطلاق، فاستثبته فيه وأخذت أناظره عليه فأورد ما يورده أهل هذه المقالة مستوفى، ثم جنح إلى أنه يرويها عن أهل (اليمن) عن أهل البيت نقلاً وعملاً، وأن هذا أيضاً مذهب الناصر الطبرستاني، وأنه(9)
__________
(1) في (أ): عن وأول.
(2) في (ب): علي رضي الله عنه.
(3) في (أ): في حوالي.
(4) في (ب): أبو علي.
(5) في (ب): أو ما يحكيه غيرنا من أهل البيت.
(6) في (أ): فقط.
(7) في (ب): فقال الرجل لأبي القاسم.
(8) في (ب): فقال له أبو القاسم: الذي عندي وأرويه لك عن الهادي الناطق بحجة الحق وعن أبي القاسم بن إبراهيم.
(9) في (ب): وأنه يروي أنه أيضاً عن أهل البيت - رضي الله عنهم -.

يرويه أيضاً عن أهل البيت - عليهم السلام -(1).
محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى
الأمير الخطير الحجة، شيخ العترة، شيبة الحمد، بقية(2) بني الزهراء وسيدهم في عصره بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى بن الناصر بن الحسن بن الأمير العالم المعتضد بالله عبد الله بن الإمام المنتصر لدين الله محمد بن الإمام المختار لدين الله القاسم بن الإمام الناصر لدين الله أحمد بن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم - عليهم السلام - هذا الأمير الذي خضعت له العلوم، ونشر على رأسه ألوية المظنون منها(3) والمعلوم، وعكفت العلماء من الثقلين على بابه، وتشرفت بلثم أعتابه، ومضت به كلمة الشريعة في البلاد، وانخرطت الأمة فيما يقول سلسة القياد رجع الناس إليه مزاراً(4) للإمامة العظمى، فما طاوع لشيء من ذلك مع أهليته وكماله وقبول كلمته ونفوذها، ووجه(5) العذر هو وأخوه الأمير شمس الدين - رحمهما الله - بوجود الإمام المنصور بالله، واستمرت الشريعة بالجميع واستقامت القناة أحسن استقامة، وشهر سيفهما الأميران وأنفذا الكلمة على كل قاص ودان، ولهما عجائب وغرائب، وفيهما(6) ممادح غراء للعلماء والأئمة، وبالجملة فنظير الأميرين قليل، ولو أسعد الزمان لكانت هذه الترجمة بسيطة حافلة بفرائد، ودرر فقد كنت اطلعت على هذا، ولكنه تراخى الزمان عن الكتاب(7)، فذهب عن الذهن شيء، فالله المستعان.
__________
(1) في (ب): - رضي الله عنهم -.
(2) في (ب): بقية.
(3) في (ب): فيها.
(4) في (ب): مراراً.
(5) في (ب): ووجد.
(6) في (أ): وفيها.
(7) في (ب): الكتابة.

قال الأمير صلاح بن الجلال: كان الأمير داعياً للمنصور بالله - عليه السلام - وعمر خمساً وثمانين سنة /95/ إلا شهراً، وفي بعض نسخ(1) المشجر: إلا أشهراً بالجمع، وفي(2) غير المشجر بالإفراد، وتوفي في منتصف شهر رجب وهو يوم الخميس سنة أربع وعشرين وستمائة، وكانت وفاته ودفنه بهجرة (قطابر)، وقبره بها مشهور مزور بالقرب من باب المسجد الأعلى منها - رحمه الله -(3).
محمد بن أحمد بن يحيى
الأمير المقدام الرئيس العلامة بدر الدين محمد بن أحمد بن السادة الكرام(4) يحيى بن يحيى، هو من أجلاء الكبراء العلماء عضد الداعي إلى الله يحيى بن المحسن، ذكره السيد في (الكاشفة)، وذكر أن الرسالة التي فيها البسط من الداعي إلى الشيعة هي من صيغة هذا الأمير - قدس الله سره -، وأظنه محمد بن أحمد بن مجد الدين يحيى بن الأمير بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى - رحمهم الله - ومحمد بن أحمد بن مجد الدين هذا له قصيدة غراء في القاضي العلامة يحيى بن عبد الله بن أبي النجم طالعها:
لورد خدود أولدر لثاة ... حنينك أم للضال والثلات(5)
__________
(1) في (ب): النسخ.
(2) في (ب): وهو في غير المشجر.
(3) في (ب): تعالى.
(4) في (ب): آل يحيى بن يحيى.
(5) في (ب): الأثلات.

محمد بن أحمد بن المفضل
السيد الأديب العارف محمد بن أحمد بن المفضل - رحمه الله - قال السيد جمال الدين - رحمه الله -(1) في تاريخ أهله: كان سيداً فاضلاً، عالماً عاملاً، أديباً أريباً لوذعياً مطلعاً على المحاسن والغرائب، حسن المحاضرة، سلس الأخلاق عذب الشمائل، كثير المحاسن جم البوادر(2)، له في العلم وطأة حسنة، وفي السير على أنواعها، وكان عابداً زاهداً، نشأ على محبة العلم وطلبه، وحج إلى بيت الله الحرام، وكان فصيحاً شاعراً مجيداً، ومن شعره، وكانت عرضت بينه وبين شريف من بني معتق خصومة في حضرته المعروفة ببلاد (سنحان)، فسار إلى (ذمار) وطلب الدخول على الإمام الناصر - عليه السلام - فتعذر عليه في الوقت الذي أراد(3)، فكتب إليه هذه الأبيات:
أصبحت كالشمس لا تخفى على أحد ... لكنها وقعت في سرة الفلك
فليت ريح سليمان مسخرة ... إليك تبلغني(4) أو منكبي ملك
أوليت أني كقوم كان حظهم ... سهم النجيع فنالوا أرفع الدرك
فإن ظلمت فأهل الفضل قد ظلموا ... بنت(5) الرسول كما قد صح في فدك
محمد بن أحمد
الأمير العلامة بدر الدين محمد بن الأمير أحمد - رحمه الله -. قال السيد أحمد بن عبد الله في هامش كتابه(6) (المقاصد الحسنة) إن له تفسيراً لكتاب الله، وأنه الأمير محمد بن الأمير العلامة البليغ أحمد بن علي اليحيوي(7)، قال: وذكر في تفسيره عن الإمام محمد بن عبد الله النفس الزكية أنه قال آخر ربوع لا يدور ثقيل علينا أهل البيت. قال السيد شمس الدين: نقل(8) هذا من خط سيدي صارم الدين - رضوان الله عليه -، يعني صاحب (الفصول).
__________
(1) سقط من (ب): - رحمه الله -.
(2) في (ب): النوادر.
(3) في (ب): أراده.
(4) في (ب): يبلغني.
(5) في (ب): بيت.
(6) في (ب): كتاب.
(7) في (أ): التحتومي.
(8) في (ب): نقلت.

محمد بن أحمد بن المهدي
الأمير بدر الدين محمد بن أحمد بن المهدي بن الأمير شمس الدين يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى - عليهم السلام - قال الأمير ابن الجلال - رحمه الله - /96/ كان فقيهاً صالحاً ذا بصيرة، وولده الحسن من الأخيار - رحمهم الله تعالى -.
محمد بن أحمد بن علي بن أبي الفتح
السيد الكبير، العلامة الخطير، محمد بن الداعي أحمد بن علي بن أبي الفتح - رحمه الله - هو من كبار العلماء، ووالده الإمام أحمد الديلمي الفتحي، حضر هذا السيد الجليل دعوة الإمام الهادي لدين الله علي بن المؤيد بن جبريل، وكان عيناً من العيون الحاضرين، أعاد الله من بركته، قال في (اللآلي): كان محمد بن الداعي أحمد بن علي بن أبي الفتح آية في زمانه بلغ أنه كان يحيي الليل كله في ركعتين يتلو فيهما(1) القرآن كله، انتهى.
__________
(1) في (أ): فيها.

محمد بن أحمد بن الحسن
السيد السامي قدراً الطالع في سماء المجد بدراً بدرالدين محمد بن أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن المؤيد - سلام الله عليهم -، ذكره الإمام عز الدين(1) - عليه السلام - وقال هو أكبر أولاد أبيه وأنبلهم، له معرفة ونباهة وألمعيّة وفصاحة في الخطاب والكتاب، ولد في سنة خمسين وثمانمائة، وانتقل من الموطن(2) - وكان المنشئ(3) بعد أن تزوج وأولد - إلى (الغيضة) من بلاد(4) (بني سويد)، وأقام بها مدة ثم عاد إلى وطنه ومسقط رأسه، فأقام بين أولاده - رحمه الله تعالى - الأمير بن الأمير بدر الدين محمد بن المتوكل على الله(5) أحمد بن أمير المؤمنين المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، كان من(6) نجب الأشراف ونجب الأيام سيداً سرياً مقداماً عارفاً، ترجم(7) له محمد بن السلطان حاتم، وذكر(8) أحواله مفرقه وموافقه، وذكر أنه ولي أقاليم وحصوناً، وكان مرجوعاً إليه، وقد كان أيام الإمام المهدي لدين الله أحمد بن الحسين أحد الأعيان المشار إليهم، وله قصائد غر، ومن جملة شعره ما وجهه إلى الإمام المهدي - عليه السلام - أيام المحطة بـ(خدار(9))، وهي:
حي الطلول ومن بها من حاضر ... إن السلام أقل فرض الزائر
درست وغيرها الزمان فأصبحت ... كالرق أو كحلال جفن داثر
ما بين (بلسن) و(الزرود) معاهد ... يغنيك عن ذكر العقيق وحاجر
__________
(1) في (ب): عز الدين بن الحسن (ع).
(2) في (ب): الوطن.
(3) في (ب): المشي.
(4) في (ب): ببلاد.
(5) في (ب): المتوكل علي أحمد.
(6) في (ب): كان يحب الأشراف ويحب الأنام…
(7) في (ب): وترجم له محمد بن السلطان حاتم أحواله.
(8) سقط من (ب): وذكر.
(9) خِدَار: قرية جنوب مدينة صنعاء بمسافة 30كم، تقع على خط الطريق إلى (معبر) و(ذمار)، وهي من مديرية (بلاد الروس) شرق وادي الجار. معجم المقحفي (561).

قلت: (بلسن) بليدة في (سواد بني جبر(1)) و(الزرود) بـ(وادي هران).
ومن بهن جررت أذيال الهوى ... مرحاً وريعان الشباب الناضر
فسقى ثراها غير مفسد أرضها ... صوب الربيع وكل دجن ماطر
من كل داني(2) المزن هطال الحيا ... زجل الرواعد رائح أو باكر
مستخيفر لحب كان رسالة(3) ... كوم الهجان صغت لهدر الهادر
فلقد أراها والجديد إلى بلا ... لهو الحديث بها و(آنس) السامر
في حيف(4) لا يرميك مقلة أحور ... إلا إذا سفعت بطعنة ثائر(5)
كم قد عهدت بهن من خرعوبة(6) ... بيضاء كالقمر المنير الباهر
من كل فاترة اللحاظ كأنها ... ريم أحسّت نبأةً من زاجر
97/ ريا الروادف لين أعطافها ... تضني الحليم بسحر طرف فاتر
يا أيها المتحملون تحملوا ... منا السلام لمنجد من عائر(7)
يشفي الغليل وإن تقادم عهدكم ... زور الخيال لنا وذكر الذاكر
مالي أقيم على التهاون مغضباً ... مستنقصاً قدري بحظ قاصر
والأرض ذات الطول لي مستوطن ... والناس في كل البلاد معاشري
وإذا سددت ففوق كل مطيهم ... وإذا رحلت(8) ففوق كل عذافر
يحتال في سل(9) الوجيه ولاحق ... ويحب(10) في نسل الحدسل(11) وداعر
وإلى الإمام ابن الحسين بعثتها ... مثل الجنان لسامع ولآثر
__________
(1) هم الفرع الثالث من قبيلة خارف إحدى أقسام قبيلة حَاشِد، ومن أهم ديارهم: مدينة ذِيْبِين، دَرْب هَرّان، بيت الغِزَّي، مَجْزَر، الغُوْلة، بِلْسن، سُوْدَان، وَدْيَد، يَنْوَر، بيت شَلْوان، بيت النُفَيْش، الْمَليل، الحيط، بيت الغَرْنط، مَارِش، الرَّوْنَة.
وهي مناطق غنية بالآثار القديمة، ومنتوجاتها العنب الجُبَري... معجم المقحفي (282).
(2) في (ب): دان.
(3) في (ب): ريانه.
(4) في (ب): حيث لا ترميك.
(5) في (ب): ناثري.
(6) الخرعوبة: الشابة الحسنة الخلق.. القاموس المحيط (79).
(7) في (ب): عابر.
(8) في (ب): ارتجلت.
(9) في (ب): نسل.
(10) في (ب): وتحث.
(11) في (ب): نسل.

وهاب كل طمرة ملبوبة ... قماع صولة كل خب فاجر
الطيب بن الطيبين أرومه ... ومشيد(1) حرب الطيبين الآمر
ملك إذا ذكر الملوك فعنده ... غوث اللهيف وذلة المتصاغر
يغشى الأمور إذا تعاظم(2) خطبها ... روادي حبك وعيثم مخاطر
يجلى لغرته العمى(3) ويستقي ... ماء الغمام بجوده المتكاثر(4)
محمد بن أحمد بن محمد
السيد العلامة الفاضل العابد الوحيد محمد بن أحمد بن محمد بن المطهر الزيدي نسباً ومذهباً، كان مشتغلاً بالخيرات مبرزاً في العلم(5) إلى الغاية القصوى، سكن بباع المغرب مهاجراً، وبه توفي - رحمه الله -.
__________
(1) في (ب): ومشد.
(2) في (ب): تعظم.
(3) في (ب): بغرته الغمام.
(4) في (ب): المتواتر.
(5) في (ب): العلوم.

محمد بن أحمد بن عز الدين [1000هـ - 1053هـ]
السيد العلامة إمام العباد، وسيد الزهاد، بدر الدين محمد بن أحمد بن عز الدين بن الحسين(1) بن عز الدين بن الإمام الحسن بن الإمام عز الدين بن الحسن - عليهم السلام - المعروف في ألسن(2) العامة بابن المعنز؛ لأن أمه - رحمها الله - ماتت وهو يرضع، فعطف الله عليه عنزاً كانت عند حاجته تنفرد من الغنم من المرعى وتجري حتى تدخل إليه ثم تنفحج(3) له حتى يمكنه(4) الارتضاع. كان من عباد الله الصالحين وأهل التقوى والعفة على طريقة أهل الطريقة، كثير الصمت قليل الضحك، لم يسمع له قهقهة، وكان في أيام شبيبته يعتزل(5) الناس، ويمضي في الجبال والشعاب متخلياً متعبداً، ثم يعود إلى مسكنه برقع(6) ونحوه، وكان له أصحاب صالحون يتبركون بخدمته ولقائه ويصفون عنه تمكناً في علم الأسماء، وأنه كان يأتي من المسجد فيغلق مكانه على صفة الممازحة سويعة لم يفتح وهو متبسم ولا يعرف الفاتح ولا المغلق ولا يرى، وروي عنه أنه تمكن من الصنعة، وأنه استأجر حاجاً لأبيه وأعطاه أجرة من الفضة الخالصة المعدنية، وكانت له فكرة عجيبة في كل شيء، وعمل ناظوراً يدرك به البعيد، فأبصر به الناظرون من (صعدة) إلى (ربيع) أو من (ربيع) إلى (صعدة)، والحكم واحد، وشرح قصيدة الإمام الهادي عز الدين(7) /98/ - عليه السلام - الرائية التي طالعها:
اسمع هديت مقالة منظومة ... فبها فوائد في الحساب غزار(8)
__________
(1) في (أ): الحسنين.
(2) في (ب) بألسن.
(3) في (ب): تنفحيح.
(4) في (أ): مكنه.
(5) في (ب): ويعتزل.
(6) في (ب): برمع.
(7) في (ب): بن الحسن.
(8) لا يوجد هذا البيت في (ب).

وفيها معرفة المواقيت، فشرحها السيد، وتكلم على مواد نافعة من علم(1) الفلك الإسلامي، وما يحققونه في الكسوف غير متعرض للأحكام - صانه الله عنها -، وأعمال الربع المجنب، وحكى بعض الناس أنه صنف كتاباً في الفرائض، وأنا أحسبه(2) يريد هذا الكتاب؛ لأنا مع خلطة السادة لم نعثر على شيء، وأنه - رحمه الله - صنع البياض بصنعه من نفسه والمداد بصنعة مبتكرة، والتأليف من عنده، وأخرجه بعد إكمال أجزائه من صنعته - رحمه الله - مولده ببيت الوادي (ربيع) من أعمال (صعدة) في ثاني ذي القعدة سنة ألف من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام، ووفاته قدس الله سره(3) (بهجرة فللة)(4) مستقر سلفه الكرام في رابع وعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ثلاث وخمسين وألف، وقبر في قبة جده العابد العالم جمال الدين عز الدين بن الإمام الحسن إلى جنب السيد الكريم الحسن بن يحيى بن الإمام الحسن إلى جهة (اليمن).
وله أخ نشأ على الأدب والبلاغة، وكان صدراً في مجالس الكبراء مقدماً، حسن التعبير، وهو صلاح بن أحمد، مولده في اليوم الخامس عشر من شهر ربيع الأول(5) من عام خمسة عشر بعد الألف بدار الإمام شرف الدين - عليه السلام - بـ(صنعاء) المسمى بدار العلف، عند مسجد محمود؛ لأنه كان قد ملكه السادة الكبراء من أخواله(6) الأمراء آل المؤيد، وله أشعار في كل معنى، ولعلي قد ذكرت له ترجمة، إما مفردة أو بالتبع لغيره؛ لأن الله أمتع به إلى أواخر عشر السبعين بعد الألف ونتبرك بشيء من شعره، وذلك ما وجهه إلى السيد المليك الغطارف محمد بن الحسن بن أمير المؤمنين القاسم بن محمد(7) - رحمه الله - نقلها من خطه:
بنفسي ومالي خير ملك من الورى ... وأقومهم بالحق في كل موقف
__________
(1) في (ب): في علم.
(2) في (ب): أحسنه.
(3) في (ب): قدس الله روحه.
(4) في (ب): فللة.
(5) في (ب): الأولى.
(6) في (أ): أحاله الأمر.
(7) في (ب): أمير المؤمنين القاسم بن محمد.

رأى حزن يعقوب يساور مهجتي ... فأعطى لها من فضله حسن يوسف
فإن منحته شكر داود همتي ... فما منحت من واجب فعل منصف
فمن حلم إبراهيم حلم محمد ... ومن طبع إسماعيل علم أن يفي
صبور كأيوب خطيب كأنه ... شعيب أخو القول البهي المفوّف(1)
كريم كيحيى لم يهم(2) بريبة ... طبيب كعيسى كم به مدنف شفي
كإدريس صديق عزيز كصالح ... برهط كرام دافع كل مسرف
فيا رب ذي الخلق العظيم(3) محمد ... به وبهم نج المليك وشرف
وزد في بقاه عمر نوح وأوله(4) ... كملك سليمان لجان ومعيفي(5)
وصل على من قد ذكرناه أنهم ... هم خير هاد في البرايا ومقتفي
__________
(1) في (ب): المتوف.
(2) في (ب): مريبة.
(3) في (ب): الكريم.
(4) في (ب): وأوله.
(5) في (ب): ومعتفي.

محمد بن أحمد بن الحسن [1009- 1062هـ]
/99/ السيد الباسل الشجاع الحليم عز الإسلام محمد بن أحمد بن أمير المؤمنين الحسن بن علي بن داود بن الحسن بن أمير المؤمنين(1) الناصر بن أمير المؤمنين عز الدين بن الحسن - عليهم السلام - هو السيد الفاضل عين الزمان وفخره، بهجة المحافل صاحب الآراء الثاقبة والمحامد الداثرة الواسعة، نشأ على الصلاح والعلم بعد موت أبيه الرئيس أحمد بن الحسن، وصبر على مشاق الوقت، وقاسى في عنفوان شبابه أموراً صبر لها حتى أفضت به إلى محل من الخير ما يدرك. قرأ بـ(صعدة) و(صنعاء)، وكان كثير المذاكرة، وحضرته معمورة بالفضلاء ومع ذلك يقود(2) المقانب ويشارك في المهمات كأحد أولاد المنصور بالله القاسم بن محمد، وكان لا يعد(3) نفسه إلا منهم ولا يعدونه هم إلا من أجلائهم، وتولى في حصار (صنعاء) حصرها من (الروضة)، وحمد أثره ولم يزل مع السيد سيف الإسلام الحسن بن أمير المؤمنين في جميع المشاهد، ثم ولاه (العدين)، وهو إقليم متسع، فحسنت حالته، واستقامت حال خلائق معه، وعلا صيته بالعلم والجاه والرئاسة، ثم كان أحد أعيان دولة أمير المؤمنين المتوكل على الله إسماعيل بن أمير المؤمنين المنصور بالله، وكان بينه وبين الإمام ود أكيد، وتولى في أيامه مع (العدين) جهة (حبس) من تهامة، و(بندر المخا)، وألقت إليه الدنيا أفلاذ كبدها، وعاش حميداً ولم يشتغل بتكليفه، وشرح كافية ابن الحاجب بشرح سماه (تحفة الطالب وزلفة الراغب إلى معرفة كافية ابن الحاجب)، وشرح (الهداية في الفقه)، رأيت مجلداً ولم أعرف إلى أي محل بلغ فيه (4)، وله ديوان شعر فنونات وإخوانيات وغير ذلك، وكان يحب الأدب وأهله، توفي(5) يوم الأربعاء الثامن عشر من ذي الحجة
__________
(1) في (ب): علي بن المؤيد بن جبريل بن الناصر.
(2) في (ب): فهو يقود.
(3) في (أ): يعد.
(4) غير موجود في (ب): بلغ فيه.
(5) جاء في حاشية (ب): وكان وفاته بـ(المخا) ونقل إلى (حيس) ودفن هنالك بوصية وعليه مشهدٌ مشهور مزور.

الحرام سنة اثنتين وستين وألف، وعمره تقريباً من(1) ثلاث وخمسين سنة، بذلك يعرف سنة(2) مولده، ولما كان الحج الكبير الذي اجتمع فيه أعيان من آل القاسم وغيرهم من جملتهم السيد الرئيس أحمد بن الحسين، والسيد عز الإسلام محمد بن الحسين بن القاسم، والسيد الأنبل محمد بن أحمد بن القاسم، وكان فيهم أعيان من الشيعة، كالقاضي(3) أحمد بن سعد الدين - عادت بركاته -(4)، وأظنه في سنة (5) ثلاث وخمسين وألف، جعل الإمام المؤيد بالله أمير هؤلاء جميعهم محمد بن أحمد المذكور.
__________
(1) في (ب): وعمره ثلاث وخمسون سنة.
(2) في (أ): يعرف من مولده.
(3) في (ب): صفي الدين أحمد بن أحمد بن…
(4) في (ب): بركته.
(5) غير موجود في (ب): سنة.

محمد بن أحمد بن علي [ -623هـ]
شيخ الشيعة الحافظ لعلوم آل محمد المحدث الكبير الأصولي شحاك الملحدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن أحمد بن جعفر بن الحسن بن يحيى بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، وإبراهيم هذا الذي يعرف بالأنف(1) بن أحمد بن الوليد بن أحمد بن محمد بن عاصم بن الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف - رحمه الله تعالى -(2)، هو العلامة الرباني المجمع على جلالته وفضله لم يختلف فيه(3) اثنان، ويعرف بالعبشمي - بالعين المهملة بعدها باء موحدة بعدها شين معجمة بعدها ميم ثُمَّ ياء النسب - منسوب إلى عبد شمس على الطريقة المعروفة لأهل التصريف، ولم يكن لهذا العالم نظير ولا مشاكل في فضله وعنايته إلا مشائخه كابن عبد السلام الأنباري ومن /100/ ضاهاه، قرب العلوم، واشتغل بتحصيل كتب الأئمة كما فعل القاضي جعفر، وأفاد بذلك وبما تحمل من الاسناد غاية النفع، قد صنف في أخباره وأحواله ولده الشيخ المحدث علي بن محمد مصنف شمس الأخبار، ويقال: علي بن حميد، وذلك لأن لمحمد هذا اسمان كما صحح والله أعلم، وهو شيخ الإمام المنصور بالله، وتلميذ الإمام أحمد بن سليمان، ويعرف أيضاً بالشيخ محيي الدين، وفي أعقابه محمد بن أحمد أيضاً، وهو محمد بن أحمد بن علي بن محمد، هذا وقد يلتبس ذلك، ولهم عقب ظاهر، وكان يسكن في (حوث)، وله أولاد بـ(ظفار) و(صنعاء) يعرفون ببني الوليد، منهم بطن الآن يعرفون ببني القواس، وقد زاد في نسبه بعضهم بعد عاصم حذيفة والله أعلم، ومصنفاته المشهورة سبعة وعشرون مصنفاً، كلها مفيدة، وهو الذي جود صناعة الجواهر والدرر لأبي مضر شريح بن المؤيد، وله تحرير زوائد(4) الإبانة عن الإبانة، وذلك أن زوائد الإبانة في الأصل حواشي، وهوامش لجماعة من(5) أهل (العراق) لمحمد بن صالح وغيره، فلما وصلت نسختها
__________
(1) في (ب): هذا هو الذي يعرف بالألف.
(2) غير موجود في (ب).
(3) في (ب): في ذلك.
(4) في (أ): رواية.
(5) في (ب): من علما