الكتاب : مطلع البدور ومجمع البحور
المؤلف : العلامة المؤرخ أحمد بن صالح بن أبي الرجال

مطلع البدور ومجمع البحور
تأليف العلامة المؤرخ أحمد بن صالح بن أبي الرجال
الجزء الأول
تحقيق عبدالسلام عباس الوجيه………محمد يحيى سالم عزان
مركز التراث والبحوث اليمني
بسم الله الرحمن الرحيم(1)
المقدمة:
الحمد لله الذي جعل علماء العترة للحق علماً، وجعلهم سفناً للنجاة [من الأهوال](2) وعِصَماً، وأبقاهم حفَّاظ الكتاب وتراجمه، ورُقَى الجهل الذي هو الدَّاء الدوى(3) ومراهمَه، فهم عند كل بدعةٍ يُكاد بها الإسلام يُظهرون الحقَّ، ويعلون، وينورونه، ويعلنون، ويردُّون عنه كيد الكائدين، وزيغ المبطلين، وانتحال الجاهلين، فهم على ذلك بوعد الصادق المصدوق لا يزالون على الحق ظاهرين. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله وصفيُّه، وحبيبه، ونجيبه، ونجيه الذي اختاره على علمٍ، وزينه بالكمال والحلم، فلم يزل مصفياً لشرائع الإسلام لكل وارد، صادعاً بالحق في كل المصادر والموارد، حتى إذا أكمل الله به الدين، ورجُحت من الحق الموازين، ندبه الله إلى قربه فانتدب، وأحبَّ له دار الجزاء ونعم ما أحب، بعد أن أو ضح المحجَّة، وصرَّح الحجَّة، وقام خطيباً يوماً بعد يوم في ملأ بعد ملأ، وقوم بعد قوم، في ذلك يقول ما رواه مسلم في صحيحه، والترمذي، وأحمد في مسنده، والطبراني في الأوسط، وأبو يَعلَى، والحاكم في المستدرك مِن ثلاث طرق، قال في كل واحدة منها: صحيحة على شرط الشيخين، ولم يخرجاه - يعني من تلك الثلاث - وابن عقدة في الموالاة، والطبراني في الكبير والضياء في المختارة، وأبو نعيم في الحلية، وعبد بن حميد بسندٍ جيد، وأبو موسى المدني في الصحابة، والحافظ أبو الفتوح العجلي في كتابه الموجز في فضائل الخلفاء، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه بسندٍ جيَّد، والدَّولابي في الذرية الطاهرة، والبزَّار، والزرندي الشافعي،
__________
(1) في (ب): رب يسر وأعن يا كريم.
(2) سقط من (أ) وهو في (ب).
(3) الدوى: المَرَ. (القاموس المحيط – ص 1180).

وغيرهم بألفاظ مختلفة متفقة المعاني: ((إني تارك فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إنَّ اللطيف الخبير نبأني(1) أنهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض))(2). إلى غير هذا الحديث مما طار كل مطار، وملأ النواحي والأقطار، فحفظت العترة الزكيَّة ما استُحفظت، وأحسنت الخلافة فيما عليه استخلفت؛ فهم علماء الملَّة الأعلام، وهم الملوك و(هم)(3) الحكام، وهم أهل العهدة في الإقدام والإحجام، ولذلك كان التجديد لأديان هذه الأمَّة من خصائصهم، ومن شأن المجدِّد لصنعة من مضى أن يكون هو العالم بمقدمات الصنعة وموادّها، بحيث يرضاه الصانع الأول خليفةً، وذلك فيما أخرج أبو إسماعيل الهرَوي من طريق حميد بن زنجويه، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: يروى(4) في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ((إنَّ الله يمنّ على أهل دينه من رأس كل مائة سنة برجل من أهل بيتي يبيّن لهم أمر دينهم))(5)، وروَاه
__________
(1) في (أ): أنبأني.
(2) حديث مشهور رواه أغلب المحدثين أصحاب الصحاح والمسانيد بطرق شتى وألفاظ مختلفة فمن أخرجه وفيه لفظ العترة الإمام زيد عليه السلام في المجموع 404، والإمام علي بن موسى الرضا في الصحيفة 464، والدولابي في الذرية الطاهرة166 رقم (228) والبزار 3/89 رقم (864) عن علي عليه السلام وأخرجه مسلم 15/179 والترمذي 5/622 رقم (3788 وابن خزيمة 4/62 رقم (2357) والطحاوي في مشكل الآثار 4/368-369، وابن أبي شيبة في المصنف 7/418، وابن عساكر في تاريخ دمشق 5/369 "تهذيبه، والطبري في ذخائر العقبى 16، والبيهقي في السنن الكبرى 7/30 والطبراني في الكبير 5/166 رقم (4969) والنسائي في الخصائص 150 رقم (276).
(3) زيادة في (ب).
(4) في (أ): يروي، وفي (ب): يروي، وفي (ب): نروي.
(5) الحديث جاء في سنن أبي داوود بلفظ: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها..)) برقم (4291).

العلامة السبكي من طريق أبي هريرة، (وأبو نعيم)(1)، وذكره الجلال السيوطي في منظومته، قال: وهو قويٌّ، وفي مرقاة الصعود وغيرها أيضاً، وكان أيضاً خاتمة الأئمة الذين تُمْلأُ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً منهم؟ وتنقطع في وقته المقالات إلا مقالته، وتضيع الدلالات إلا دلالته، وذلك آية (بينة)(2) وبرهان ظاهر أن مذهب أهل البيت هو المذهب، ولو لم يكونوا هم الأمناء والخلفاء لأعيى الخطب في حل مشكل ما رواه البخاري في صحيحه: ((لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم(3) اثنان)) ولهذا، أعوزت المسالك من تصدَّى لشرح البخاري حتى هُدِي لذلك الشيخ ابن حجر في فتح الباري، فإنه قال ما لفظه: ويحتمل أن يكون بقاء الأمر في بعض الأقطار دون بعض، فإن البلاد اليمنيَّة وهي النجود فيها طائفة من ذرية الحسن بن علي لم تزل مملكة تلك البلاد معهم من أواخر المائة الثالثة، إلى أن قال: فبقي الأمر في قريش في قطر من الأقطار في الجملة، إلى آخر كلامه، ولو لم يكن العترة في هذه المثابة لكان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قد تركنا في طخيَاء مظلمة نتهارج، ونتفانى - والعياذ بالله - بغير هدًى ولا كتاب منير، ولم يصدق قوله - عزَّ وجلَّ -: ?الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي? (المائدة: 3)، ولا قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ((ما عملت(4) شيئاً يقودكم إلى الجنة إلاَّ وقد دللتكم عليه))، وأيّ ضيعة؟ والله يصون مقامه أعظم من أن تبقى هذه الحنيفيَّة بغير أعلام هدى، يدعي كل أحدٍ أنه الحافظ لها والحائط لأكنافها، وهم مع ذلك شاهرو سيوف المخاصمة، ومشرعو سهام المكالمة، في التخطية والتصويب، والتصديق والتكذيب، قد تفرَّقوا فرقاً كثيرة وادَّعى البعض أنه صاحب السنة والجماعة، وخصمه صاحب البدعة والفرقة، ولم يكن المسمَّى بهذا الاسم
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) زيادة في (ب).
(3) في (أ): منها.
(4) لعلها ما علمت.

المستحق له مجهولاً عند العلماء، ولا متروكاً عن البيان، بل قد بينته الأخبار، فروى أبو داود: ((من أحب حسناً وحسيناً وأباهما وأمهما كان معي في الجنة، ومات متبعاً للسنة)) (1).
وفي ((الكشاف)) عند تفسير قوله تعالى: ?قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى? (الشورى: 23)، وروي أنَّها لما نزلت قيل: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودَّتهم؟ قال: ((علي وفاطمة وابناهما))(2) ثُمَّ ساق الكلام حتَّى قال: وروي أنَّ الأنصار قالوا: فعلنا، وفعلنا كأنهم افتخروا، فقال عباس أو(3) ابن عباس: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فأتاهم في مجلسهم فقال: ((يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي)) (4)؟ فقالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي))؟ فقالوا: بلى يا رسول الله. قال: ((ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي))(5)؟ فقالوا: بلى يا رسول الله. قال: ((ألم تكونوا ضلاَّلاً فهداكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله))، قال: ((أفلا تجيبونني))؟ قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: ((ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟ أو لم
__________
(1) الحديث بلفظ مقارب عزاه في موسوعة أطراف الحديث إلى سنن الترمذي (3733) مسند أحمد بن حنبل 1/76،77، كنز العمال 34161، 37613، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر 4/206، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 13/288.
(2) الكشاف 4/ 223 ـ 224. طبعة دار إحياء التراث العربي، بيورت ـ لبنان. الطبعة الثانية 1421هـ ـ 2001.
(3) في (أ): وابن عباس.
(4) الحديث بلفظ مقارب عزاه صاحب الموسوعة إلى مسند أحمد بن حنبل 3/57، منصف عبدالرزاق 19918، تفسير الطبري 25/16، الدر المنثور للسيوطي 6/6.
(5) ملاحظة: قوله: ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي، فقالوا: بلى يا رسول الله. فكررت هنا ثلاث مرات ولم ترد في الكشاف إلا مرة واحدة.

يكذبُّوك فصدَّقناك؟ أولم يخذلوك فنصرناك))؟ قال: فما زال يقول حتى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا ومافي أيدينا لله ولرسوله فنزلت الآية))(1) وقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ((من مات على حبِّ آل محمد مات شهيداً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حبِّ آل محمد مات تائباً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة، ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان(2) إلى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة))(3) انتهى. فتدبر قوله: مات على السنة والجماعة.
وروى ابن يزداد في المصابيح، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: الجماعة ما وافق طاعة الله، وإن كان رجلاً واحداً.
__________
(1) المصدر السابق 4 /224.
(2) في (ب): فتح له بابان في قبره إلى الجنة.
(3) المصدر السابق 4/ 225.

وسأل ابن الكوَّا أمير المؤمنين - عليه السلام - عن السنَّة والبدعة والجماعة والفرقة؟ فقال: ((السنة ما سنَّه محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - ، والبدعة ما خالفها، والجماعة جماعة أهل الحق وإن قلوا، والفرقة متابعة أهل الباطل وإن كثروا)) وفي الجامع الكبير للجلال السيوطي من طريق وكيع أن علياً - كرَّم الله وجهه - كان يخطب فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني من أهل الجماعة؟ ومن أهل الفرقة؟ ومن أهل السنة؟ ومن أهل البدعة؟ فقال: ((ويحك أما إذا سألتني، فافهم عني ولا عليك أن تسأل عنها أحداً بعدي، فأمَّا أهل الجماعة فأنا ومن اتبعني وإن قلوا، وذلك الحق عن أمر الله وأمر رسوله، وأمَّا أهل الفرقة فالمخالفون لي ولمن اتبعني وإن كثروا، وأمَّا أهل السنة فالمتمسكون بما سنَّه الله لهم ورسوله وإن قلّوا، وأما أهل البدعة فالمخالفون لأمر الله وكتابه ورسوله، القائلون برأيهم وأهوائهم وإن كثروا، وقد مضى منهم الفوج الأول، وبقيت أفواج، وعلى الله قصمها واستئصالها عن حَدبَة الأرض)).

وروى ابن حجر الهيثمي الشافعي، عن أحمد بن حنبل أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال لعليٍّ - كرَّم الله وجهه -: ((أنتَ أخِي، وأبُو ولدي، وتقاتل على سنّتي)) (1) انتهى. وأخرج الدار قطني في الفضائل عن معقل بن يسار، قال: سمعت أبا بكرٍ يقول: علي بن أبي طالب - كرَّم الله وجهه - عترة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أيَّ الَّذي حثَّ على التمسك بهم، وعلي هُو يعسوب المؤمنين، وهو رأس أهل البيت المطهَّرين؛ ولهذا قد روى ابن عقدة الحافظ أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - لمَّا وصَّى بأهل البيت في أحد ألفاظ الحديث المتقدم فسَّره بعلي - كرم الله وجهه - وأقامه للناس، ولا ريب أن أهل البيت لا يخالفونه، ويحرصون(2) على الرواية عنه والانتماء إليه، وأمَّا العامَّة فلا تخصصون(3) مقامه تخصيصه، وإن ادَّعوا قيامهم بحقه فدعوَى عاطلة عن البرهان، بل قام البرهان من فعلهم على خلاف دَعوَاهم.
__________
(1) عزاه في موسوعة أطراف الحديث إلى: كنز العمال 36491.
(2) في (أ): ويحرضون.
(3) لعلها بخصيصة.

فإن قائلهم يقول: لو شهد عليّ في باقة بَقْلٍ ما قبله، وجمهورهم إن لم يكونوا أجمعين يزنونه بميزان معاوية الطليق، ولا يجعلون لعلي - كرم الله وجهه - مزيّة، بل قالوا: كلاهما في الجنة، وهي شهادة منهم لغير مدعي، فإن معاوية لا يساعدهم على ذلك، فكيف بعليٍّ - كرَّم الله وجهه - وكيف يساعدهم معاوية وخطباؤه يشهرون اللَّعن لعلي - عليه السلام - على آلافٍ من المنابر؟ وكيف يساعدهم علي - كرم الله وجهه - وهو يقنت في صلاته بلعن معاوية؟ فهذه الطوائف زادت في معاداة علي - كرم الله وجهه - على معاداة معاوية له، فإنهم صوَّبوا معاوية في جميع معاداته لعليٍّ، فكانوا شركاءه فيما صنع، وزادوا على (1) ذلك بإرغام أنف أمير المؤمنين - صلوات الله عليه، وصانه عن الإرغام - بأن قالوا: عدوك الذي لعنته، ولعنك من أهل عليين، من الذين أنعم الله عليهم من الصديقين والشهداء والصَّالحين. ولقد أحسن كرَّم الله وجهه في جوابه على من انتحل هذه المقالة في زمانه، فإنه حكى الماوردي صاحب (أدب الدين والدنيا) من الشافعية أنَّ رجلاً قال لأمير المؤمنين - كرَّم الله وجهه -: أنا أحبك، وأحب معاوية، فقال له - عليه السلام -: ((إذاً أنت أعور، فإمّا أحببتني وكنت صحيحاً، وإلاَّ أحببت معاوية وكنت أعمًى))، أو كما قال، فهي رواية بالمعنَى.
__________
(1) في (أ): في.

وقد قال الحكماء: صديق عدوك عدُوك، وليت شعري ما أبقى القوم لما رواه مسلم في صحيحه من قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - لعليٍّ: ((لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلاَّ منافق)) (1) مِنْ معنًى، وما أبقوا للحديث المتقدم المشتمل على التوصية بأهل البيت من معنىً أيضاً(2) مع تظاهر طرقه ووضوح معاني ألفاظها، مع حاجة كل فريق منهم إلى نصرة إمامه برواية لا تصح، أو برواية لا ظهور لها في ذلك الإمام، أو بكثرة الأتباع، كما حكى نجم الدين البغدادي في ((شرح الأربعين النووية)) أنه رأى كتاباً لبعض الحنفيَّة في مناقب أبي حنيفة - رضي الله عنه - وافتخر فيه بكثرة الأتباع وجلالتهم، ثم قال معرضاً بباقي المذاهب(3):
أولئك أصحابي فجئني بمثلهم… إذا جمعتنا يا جرير المجامع
__________
(1) الخبر: أخبرجه الطبراني في المعجم الأوسط (2/337) عن عمران بن الحصين، والهيثمي في مجمع الزوائد (9/133)، والترمذي في السنن (5/643) برقم (3736) وصححه، ومن صحيح ابن حبان (15/367) رقم (6924) عن علي - عليه السلام - وفي مسند أحمد (1/128) رقم (1062)، وفي السنن الكبرى للنسائي (2/137) رقم (8485)، سنن ابن ماجة (1/45). هداية الراغبين ص(163 – 164).
(2) في (أ): من معنى أيضاً بظاهر طرقه.
(3) في (أ): معرضاً في المذهب.

ثم ساق البغدادي كلاماً غريباً من هذا القبيل حتى قال ما لفظه: وحتى جعل كل فريقٍ يروي السنة في تفضيل إمامه، فالمالكيَّة رووا: ((يوشك أن يضرب الناس الإبل فلا يوجد عالم مثل عالم المدينة)) (1)، قالوا: وهو مالك. والشافعيَّة رووا: ((الأئمة من قريش، وتعلَّموا من قريش، ولا تعلموها، وعالم قريش يملأ الأرض علماً))، قالوا: ولم يظهر من قريش بهذه الصفة إلا الشافعي. والحنفيَّة رووا: ((يكون في أمتي رجل يقال له: النعمان(2)، هو سراج أمتي، ويكون فيهم رجل يقال له: محمد بن إدريس هو أضرّ على أمتي من إبليس)). والحنابلة رووا: ((يكون في أمتي رجل يقال له: أحمد بن حنبل يصبر على سنتي صبر الأنبياء)) أو كما قال ذهب عني لفظه. انتهى ما أردت نقله من كلام نجم الدين البغدادي، وهو رجُل جليل، ترجم له الأسيوطي، وعدَّله من التصانيف مختصراً (الروضة) في الأصول، و(شرح الأربعين)، و(شرح التبريزي في مذهب الشافعي)، وغير ذلك، مات في رجب سنة عشر وسبعمائة، ومثل ما ذكره بل أضعافه قد ذكره الجويني، ولو لا خوف الإطالة لذكرت بعض ما قال.
وأمَّا الاستقصاء فهو يخرج بنا عمَّا أردناه، فإنه صنَّف كتاباً على أبواب الفقه في إظهار عوار مذهب الإمام أبي حنيفة، وقد أجاب عليه بمثل ذلك من الحنفيَّة الشيخ الكردي، ولقد تكلم الجويني بمثالب للإمامَين مالك وأبي حنيفة، لا يجوز تقليدهم معها، والله يصونهم عنها، وليس هذا من غرضنا، لكن الحديث (ذو)(3) شجون.
__________
(1) الحديث بلفظ مقارب عزاه في موسوعة أطراف الحديث إلى التمهيد لابن عبدالبر 6/35، والانتقاء لابن عبدالبر 19،20.
(2) عزاه في موسوعة أطراف الحديث إلى الموضوعات لابن الجوزي 2/49، الكامل في الضعفاء لابن عدي 1/182.
(3) سقط من (ب).

ولمَّا اطلعت فيما يسره الله لي من المطالعات على ما وضعه كل فريق لجماعته من التراجم البسيطة وغير البسيطة، وقد كان لأهل البيت من ذلك أكثر مما للفقهاء، فإن كل إمامٍ داعي من أئمتهم له في إمامته وصفاته الخلْقيَّة والخلُقيَّة مجلدات تساوي السيرة التي اعتنى بها ابن هشام، بل رُبَّما كان للإمام ثلاث سير يعتني بها ثلاثة من العلماء، ولكن الزيدية - كثرهم الله - اقتصروا على هذا النوع في ذكر علمائهم، ورأوا أنَّ العناية بالمتبوع تغني عن التابع، فإنَّ رؤساء الأمَّة هم دعاة آل محمد - صلوات الله عليه وعليهم - فاقتصروا على ذلك، ووقع الإخلال بذكر جماعَة من العلماء النبلاء أهل الكمالات في العلميَّات والعمليَّات ممن تشد إليهم الرحال (وتثني(1) عليهم الخناصر عند تعداد الكملة من الرجال)، مع أنهم ليسوا كغيرهم بل لهم مقام أجل إذ هم الأتباع الموافقون لآل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - في الأقوال والأفعال.
وقد روى الحسين - عليه السلام - عن جده - صلى الله عليه وآله وسلم - فيما رواه الطبراني في (الأوسط): ((الزموا مودتنا أهل البيت، فإنه من لقي الله - عزَّ وجلَّ - وهو يودّنا دخل الجنَّة بشفاعتنا، والذي نفس محمد بيده لا ينفع عبداً عملُه إلا بمعرفة حقنا)).
__________
(1) وتثني عليهم الخناصر عند تعداد الكملة من الرجال) غير موجود في (أ).

وعن أبي رافع - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال لعلي - رضي الله عنه -: ((أنت وشيعتك تردون عليّ الحوض رواء مرويين مبيَضَّة وجوهكم، وإن عدوك يردون عليّ الحوض ضمأى مقبحين)) (1) أخرجه الطبراني في (الكبير) من حديث محمد بن عبدالله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده، وفي بعض الروايات: ((وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا))، ومن حديث علي - رضي الله عنه -: ((إن الله قد غفر لشيعتك ومحبي(2) شيعتك)).
وروى المحبّ الطبري عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - : ((لا يحبنا أهل البيت إلا مؤمن تقي، ولا يبغضنا إلا منافق شقي)).
وروى ابن عدي في الكامل عن أنس، عنه - صلى الله عليه وآله وسلم-: ((أحبوا أهل بيتي، وأحبوا علياً، من أبغض أحداً من أهل بيتي فقد حرم شفاعتي)).
وروى البخاري مرفوعاً: ((حب آل محمد خير من عبادة سنة))، وعن علي - كرم الله وجهه (في الجنة)- (3) ورواه أيضاً معاوية، وهو عجيب منه قال - صلى الله عليه وآله وسلم - : ((حبي وحب أهل بيتي نافع في سبعة مواطن أهوالهنَّ عظيمة)) ذكره الديلمي في (الفردوس)، وذكره ولده أيضاً.
__________
(1) عزاه صاحب موسوعة أطراف الحديث إلى مجمع الزوائد للهيثمي 9/131، المعجم الكبير للطبراني 1/298، الدر المنثور للسيوطي 6/379، واللآلئ المصنوعة للسيوطي 1/197، تنزيه الشريعة لابن عراق 1/366، الفوائد المجموعة للشوكاني 380.
(2) سقط من (أ) ومحبي شيعتك.
(3) زيادة في (ب).

وروى القاضي عياض في (الشفاء): ((معرفة آل محمد براءة من النار، وحب آل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - جواز على الصراط، والولاية لآل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - أمان من العذاب))، وعن علي صلوات الله عليه، قال - صلى الله عليه وآله وسلم - : ((يرد أهل بيتي ومن أحبَّهم كهاتين السبَّابتين))، ذكره المحب الطبري. وعن زين العابدين أنه قال: من أحبنا نفعه الله بحبنا ولو أنه بالديلم، أخرجه الجعابي في (الطالبيين)، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: ((أنا شجرة، وفاطمة حملها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرها، والمحبون أهل بيتي ورقها، هم في الجنة حقاً حقاً)) (1)، أخرجه الديلمي، وعن علي - صلوات الله عليه - رفعه: ((يا علي، إن أهل شيعتنا يخرجون من قبورهم (يوم القيامة)(2) على ما هم من الذنوب والعيوب وجوههم كالقمر ليلة البدر)) (3) الحديث رواه السخاوي. وعن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ((من مات على حب آل محمد(4) مات شهيداً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً))، وفيه: ((مات مؤمناً مستكمل الإيمان))، وفيه: ((بشره ملك الموت،، ومنكر ونكير))، وفيه: ((يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها))،
__________
(1) عزاه في موسوعة أطراف الحديث إلى اللآلئ المصنوعة للسيوطي 1/210، تذكرة الموضوعات 99، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر 4/321، تنزيه الشريعة لابن عراق 1/414، الموضوعات لابن الجوزي 2/5، ميزان الاعتدال 1896، 8981، لسان الميزان لابن حجر 2/98، الكامل في الضعفاء لابن عدي 6/2451.
(2) سقط من (ب).
(3) الحديث عزاه في الموسوعة إلى الموضوعات لابن الجوزي (2: 7).
(4) الحديث عزاه في الموسوعة إلى تفسير القرطبي (16: 23)، وأخرجه ابن المغازلي برقم (52) ص 54، قال محققه وهو تفسير الكشاف للزمخشري ج/3 ص 82.

وفيه: ((فتح له في قبره بابان إلى الجنة))، وفيه: ((مات على السنة والجماعة))، وفيه: ((من مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة وبين عينيه آيس من رحمة الله)) أخرجه الثعلبي.
ولأحمد في مناقبه عن الحسين - عليه السلام -: ((من دمعت عيناه فينا قطرة آتاه الله - عزَّ وجلَّ - الجنة)) والأحاديث في (هذا)(1) المعنى كثيرة، ومن ذلك عن علي - عليه السلام - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: ((من أحبنا بقلبه، وأعاننا بيده ولسانه كنت أنا وهو في عليِّين، ومن أحبّنا بقلبه، وأعاننا بلسانه، وكفَّ يده فهو في الدرجة التي تليها، ومن أحبنا بقلبه، وكفَّ عنَّا لسانه ويده فهو في الدرجة التي تليها)) (2)، رواه نعيم بن حماد.
وعن أبي هريرة قال(3) - صلى الله عليه وآله وسلم - : ((خيركم خيركم لأهل بيتي من بعدي)) (4) رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات.
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال(5) - صلى الله عليه وآله وسلم - : ((إن لله - عزَّ وجلَّ - ثلاث حرمات فمن حفظهن حفظ الله دينه، ومن لم يحفظهن لم يحفظ دنياه ولا آخرته))، قلت: وماهنَّ؟ قال: ((حرمة الإسلام، وحرمتي، وحرمة رحمي)) (6)، أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط، وأبو الشيخ في الثواب.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) الحديث عزاه في الموسوعة إلى كنز العمال (37513)، والضعفاء للعقيلي (2/ 331).
(3) لعلها: قال: قال.
(4) الحديث عزاه في الموسوعة إلى السلسلة الصحيحة للألباني (1845)، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (7/277)، مستدرك الحاكم (3/311)، مجمع الزوائد للهيثمي (9/174).
(5) لعلها: قال: قال.
(6) الحديث عزاه في موسوعة أطراف الحديث إلى المعجم الكبير للطبراني 3/135، مجمع الزوائد للهيثمي: 1/88، 9/168، كنز العمال 308، أمالي الشجري 1/152، ميزان الاعتدال 6308، لسان الميزان لابن حجر 5/1.

وعن عليٍّ - كرَّم الله وجهه-: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول : ((من لم يعرف حق عترتي والأنصار والعرب فهو لأحد ثلاثة: إمَّا منافق، وإمَّا لز نية، وإمَّا امرؤ حملت به أمه في غير طهر)) (1) أخرجه أبو الشيخ في الثواب.
وعن الحسين - عليه السلام -: ((من والانا فلرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - والى، ومن عادانا فلرسول الله صلى الله عليه /8/ وآله وسلم عادى)).
وعن عبد الله أظنه الكامل - عليه السلام -: (كفى بالمحب لنا أنسه إلى من يحبنا، وكفى بالمبغض لنا بغضاً أنسه إلى من يبغضنا) رواه الجعابي.
وروى الجعابي - أيضاً - عن يحيى بن زيد بن علي - عليه السلام -: (إنما شيعتنا من جاهد فينا، ومنع من ظلمنا حتى يأخذ الله - عزَّ وجلَّ - لنا بحقنا) والأحاديث في الباب كثيرة والقليل يدل على الكثير.
وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ((والذي نفسي بيده لا يبغضنا، أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار)) أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وأخرجه ابن حبَّان في صحيحه من طريق أخرى عن أبي سعيد - رحمه الله - بلفظ: ((لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا أدخله الله النار)) (2) وترجم عليه إيجاب الحلول في النار لمبغِض أهل البيت، وفي مسند الديلمي: ((من أبغضنا فهو منافق)) (3).
__________
(1) عزاه في موسوعة أطراف الحديث إلى الكامل في الضعفاء لابن عدي 3/1060.
(2) عزاه في موسوعة أطراف الحديث إلى الدر المنثور للسيوطي 6/7، كنز العمال 34203.
(3) عزاه في الموسوعة إلى الدر المنثور للسيوطي 6/7.

وعن الحسن بن علي - عليهما السلام - أنه قال لمعاوية بن خديج: يا معاوية، إياك وبغضنا، فإن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: ((لا يبغضنا ولا يحسدنا أحد إلا ذيد عن الحوض يوم القيامة بسياط من نار)) (1) أخرجه الطبراني في الأوسط.
وعن علي - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ((اللهم، ارزق من أبغضني وأهل بيتي كثرة المال والعيال كفاهم بذلك أن يكثر مالهم فيطول حسابهم وأن يكثر عيالهم فتكثر شياطينهم)) أورده الديلمي وابنه أيضاً.
وعن جابر أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: ((من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهودياً وإن شهد أن لا إله إلا الله)) أخرجه الطبراني في الأوسط والعقيلي.
وعن ابن عبَّاس أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: ((يا بني عبد المطلب، إني سألت الله أن يجعلكم جوداء نجداء رحماء(2)، فلو أن رجلاً صفن(3) بين الركن والمقام يصلي(4) وصام ثم لقي الله (وهو)(5) مبغض لآل بيت محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - دخل النار)) أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم(6).
__________
(1) عزاه في موسوعة أطراف الحديث إلى الدر المنثور للسيوطي 6/7.
(2) في (ب) ساقطة.
(3) صفن: صَفَّ قدميه. (القاموس المحيط) ص 1116).
(4) لعلها: فصلى.
(5) زيادة في (ب).
(6) في المستدرك 3/148،149: ((يا بني عبد المطلب، إني سألت الله لكم ثلاثاً: أن يثبت قائمكم، وأن يهدي ضالكم، وأن يعلم جاهلكم، وسألت الله أن يجعلكم جوداء نجداء رحماء، فلو أن رجلاً صفن بين الركن والمقام فصلى وصام ثُمَّ لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمد دخل النار)).

وعنه - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((من سبَّ أهل بيتي فإنما يريد الله والإسلام)) أخرجه الجعابيّ في الطالبييِّن، وأخرج أيضاً(1) ((من آذاني في عترتي فعليه لعنة الله))(2)، فدعتني الرغبة في الخبر إلى كتابة أسماء جماعة ظفرت بأسمائهم في كتب مفرَّقة على جهة التقريب لا التحقيق والاستقصاء، فإنه محال لكثرة عددهم مع تعدد الأزمنة، فإن الزيدية أقدم المذاهب أصلاً، فإن إمامهم - عليه السلام - هو شيخ الإمام أبي حنيفة، وأبو حنيفة أقدم الفقهاء الأربعة، وبلاد الزيدية متشتتة بالعراق وهم العدد، وبالحجاز فإن بوادي المدينة المشرفة على أصل الفطرة الأولى من مذهب آل محمَّد؛ لأنهم في باديتهم لا يخالطون، فبقوا على /9/ صفتهم، ومنهم من هو في اليمن النجود منه والعوالي وبعض بطون تهامة كما سيمر بك - إن شاء الله تعالى - بعض أحوالهم، وأمَّا المغرب فذكر من هنالك الدامغاني، وذكر بعض العلماء أنهم العدد الكثير، فإن(3) زيدية اليمن بالنسبة إليهم كالشعرة البيضاء في أديم الثور الأسود، هذا كلامه، فالاستقصاء محال لا سيما لمثلي، فإن التصدي لهذا الشأن يحتاج إلى همَّة سامية(4)، وإلى ترحل إلى مقامات أهل الإفادة، ووجدان أمهات وأسفار، وكل ذلك (عني)(5) بمراحل، غير أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: ((قاربوا وسدِّدوا))(6) وفي أمثال العامَّة: (غبار العمل خير من زعفران البطالة)، ولقد حدا بي(7) إلى هذه البغيَة أمران:
__________
(1) عزاه في موسوعة أطراف الحديث بلفظ (من آذاني في أهلي) إلى كنز العمال 6/469.
(2) في (ب): من آذى عترتي.
(3) في (ب): وإن.
(4) في (ب): فإن المتصدي لهذا الشأن محتاج إلى همة سامية.
(5) سقط من (أ).
(6) عزاه صاحب الموسوعة إلى مسند أحمد بن حنبل 2/248.
(7) في (ب): ولقد حداني.

أحدهما: التبرك بذكر العلماء والصَّالحين، والتسبب للدعاء لهم ولي من الراغبين في الخير، فإن هؤلاء الأجلاء محلهم عند الله مكين، فقد روي عن بعض السلف - رحمهم الله تعالى - في تفسير ?وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ? (الفتح: 4) جنود السماء: الملائكة، وجنود الأرض: الزيدية. وروي عن بعض السلف أيضاً: لو نزلت رايات من السماء نزلت على علماء الزيدية. وروي أيضاً فيهم: لو كان في الأرض ملائكة يمشون لكانوا علماء الزيدية، أو كما قال كل ذلك من كلام السلف الكرام - رضي الله عنهم - فهذا الأمر الأول.

الأمر الثاني: تعريف الطالب الراغب بما عليه سلفه من الكمال، فقد جعل ذلك من طرق المقلدين إلى الترجيح للأئمة، فتقليد هؤلاء الأجلاء لأولئك الأئمة أعظم دليل على فضل الأئمة، مع أنه قد توهم كثير من الجهال أنه ليس لأهل البيت ولا لشيعتهم بسطة في الحديث والتفسير والأدوات، وذلك الظان أتي من قبل نفسه، ومن جهة قصور همته، فإن القصور لا ينتج الكمال، فإنه ما من علم عقلي أو نقلي إلا ولهم فيه السَّابقة الأولى واليد الطولى، كما سترى نعت جماعة – إن شاء الله تعالى - بالتحقيق في اللغة، وبعضهم في الأصول، وبعضهم في التفسير، وغير ذلك من العلوم الإسلامية، فلهم مثلما لغيرهم، فإنَّ هذه العلوم لم تختص بفريقٍ بل كل علم لَهُ رجال من جميع الطوائف، فمنهم من له في علم واحدٍ حظ كامل، فبرع فيه، ولم تشغله (عنه)(1) الشواغل، ومنهم من تَعدَّاه إلى ثانٍ أو ثالث، والعلوم هبَات، وكم من محقق لا يلحق، قد زاغ عن الحق، وقد قال أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - كما رواه القضاعي: (العلم نقطة أكثرها(2) الجهل) أو كما قال. وأهل البيت وشيعتهم همهم العمل، والناس صنفان: منهم من همَّه الرواية، ومنهم من همه الرعاية، وقليل العلم مع العمل كثير. وهاهنا كلام /10/ نفيس ذكره الحافظ السيد محمد بن إبراهيم، وعبّر عن هذا المرام بأوفى عبارة، والحق ما قال والله يحب الإنصاف، قال السيد المذكور في عواصمه ما لفظه: الإنصاف لا يشك من أنصف من نفسه، وترك العصبية في رأيه أن هذه الأمة المرحومة قد تقسمت الفضائل، وانتدبت كل طائفة منها لإتقان عمل فاضل، فأهل الأدب أتقنوا الإعراب، وأتوا في جميع أنواعه بما يأخذ بمجامع الألباب، وأهل القراءات حفظوا الحروف القرآنيَّة وبيَّنوا المتواتر والصحيح والشاذ في إعراب الآي السماوية؛ وأهل الحديث ضبطوا الآثار والسنن، وأوضحوا أحوال الرجال، وبيّنوا العلل؛ والفقهاء أوعبوا الكلام على
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (ب): كَثَّرها.

الحوادث، وأفادوا معرفة اختلاف الأمة واجتماعها؛ وأهل الأصول ذللوا سبل الاجتهاد، ومهَّدوا كيفية الاستنباط، وكذلك سائر أهل الفنون المفيدة والعلوم النفيسة، وكل أبدع، وأجاد، وأحسن، وأفاد، وأكمل ما تعرَّض له، وزاد.
وممَّن ذكر هذا المعنى الإمام المؤيَّد بالله في كتابه في (إثبات النبوءات)(1)، والشيخ الصَّالح الشهرودي صاحب (عوارف المعارف)، فإذا عرفت هذا فلا يعزب عنك معرفة خصيصتين:
__________
(1) هو كتاب النبوات، طبع بعنوان: (إثبات نبوة النبي) بتحقيق خليل أحمد إبراهيم الحاج، وصدر عن دار الباز السعودية للطباعة والنشر.

الخصيصة الأولى: أن أهل البيت - عليهم السلام - اختصوا من هذه الفضائل بأشرف أقسامها وأطول أعلامها، وذلك لأنهم كانوا على ما كان عليه السَّلف الصالح من الصحابة والتابعين من الاشتغال بجهاد أعداء الله، وبذل النفوس في مرضاة الله، مع الإعراض عن زهرة الدنيا، وترك المتشابهات(1)، والاقتصاد في المأكول والملبوس، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والقيام بالفرائض والنوافل في أفضل أوقاتها على أتم هيئاتها، وتلاوة القرآن العظيم، والتهجد آناء الليل والنهار، والتحري والخوف من الله تعالى، والدعاء إلى الله - عزَّ وجلَّ - بالحكمة والموعظة الحسنة، وبذل النصيحة للناس، وتعليمهم معالم الهدى، والاقتصار في العلم على ما اقتصر عليه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- ،(2) وعلى ما اقتصر عليه أصحابه المشهود لهم في كتاب الله تعالى بأنهم خير أمة أخرجت للناس، وعلى ما اقتصر عليه التابعون الذين شهد لهم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بأنهم من خير القرون(3)، فإن جميع هؤلاء ما تشاغلوا بالإكثار من التواليف والتفاريع وجمع الحديث الكثير، وقد قال العلماء - رضي الله عنهم -: إن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم، والإفضل للمسلمين الاقتداء بالسلف، فإنهم كانوا على طريقة قد رآهم عليها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فأقرَّهم عليها، والله ما يعدل السلامة شيء.
__________
(1) لعله: المشتتهيات.
(2) في (ب): صلى الله عليه وعليهم أجمعين.
(3) حديث ((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم))، عزاه صاحب الموسوعة إلى: سنن الترمذي (2302)، (2303)، فتح الباري لابن حجر (7/6) (13/21)، إتحاف السادة المتقين للزبيدي (2/323)، تلخيص الحبير لابن حجر (4/204)، البداية والنهاية لابن كثير (6/286)، تفسير ابن كثير (7/493) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (2/53)، الأسرار المرفوعة لعلي القاري (271).

فنسأل الله السلامة، ولا شك أن عنايتهم بعد تحصيل ما لا بدَّ منه /11/ من العلم إنما كانت بالجهاد وافتقاد العامَّة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والمحافظة على أورادهم في التهجد وقيام الليل ومناقشة النفوس وتهذيبها، وذلك أفضل مما كان عليه أكثر(1) المحدِّثين والفقهاء من الإخلال بكثير من هذه الفضائل الجليلة والنعوت الجميلة التي وردت نصوص الآيات القرآنية في وصف المؤمنين بذكرها، ولم يشتغل السلف الصَّالحون بغيرها، والذي كانوا عليه أولى من الإخلال به ، بسبب الاشتغال بجمع العلم الزائد على الكفاية، وقد نص الإمام المنصور بالله - عليه السلام - على مثل هذا الكلام في كتاب (المهذب)، واحتج بفعل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وفعل السلف الصَّالح، ولله دره ما كان أحسن استخراجه للفوائد من أفعال السلف الصالح وأحوالهم - رضي الله عنهم -، ثم ساق السيد محمد في هذا المساق كلاماً حسناً حتى قال: وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه ذكر أويساً القرني، وأخبر أنه يشفع في مثل ربيعة ومضر، وجاء في فضله مالم يحضرني الآن، مع أن بعض أهل الحديث من أهل الحفظ الواسع والاطلاع التام على معرفة الرجال، ذكر أنه لم يرو عن أويس حديث قط، ولقد كان السَّلف يقلون الرواية جداً، فعن أبي عمرو الشيباني، قال: كنت أجلس إلى ابن مسعود حولاً لا يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فإذا قال: قال رسول الله استقبلته الرعدة، وقال: هكذا أو نحو ذا أو وهذا، مع أن ابن مسعود كان من أوعية العلم وأعيان علماء الصحابة وأهل الأصحاب والتلامذة، فلم تزد مروياته على ثماني مائة حديث وثمانية وأربعين حديثاً، وكذلك أضرابه من السَّابقين الأولين ونبلاء الأنصار والمهاجرين؛ هذا أبو ذر الغفاري الذي ((ما أظلت الخضراء أصدق لهجة منه)) (2)
__________
(1) في (ب): كثير من.
(2) الحديث عزاه في الموسوعة إلى: البداية والنهاية لابن كثير 7/165.

روى مائتي حديث وثمانين حديثاً؛ وهذا سلمان الفارسي الذي قال فيه عليٌّ - عليه السلام -: (إنه أدرك العلم الأوَّل والعلم الثاني)، روى ستين حديثاً، وهذا أبو عبيدة بن الجراح أمين الأمة روى أربعة عشر حديثاً، وأمثال هؤلاء السَّادة النجباء والأعلام العلماء الذين نص المصطفى عليه الصلاة(1) والسلام على أن غيرهم: (لو(2) أنفق مثل أُحُدٍٍ(3) ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصفه)(4)، ولقد روَى أبو أسامة عن سفيان الثوري أحد أقطاب الحديث التي تدور رحَاه عليها أنه قال: ليس طلب الحديث من عدَّة الموت، لكنه علم يتشاغل به الرجل، قال بعض حفاَّظ الحديث: صدق والله سفيان، فإن طلب الحديث شيء غير الحديث؛ فطلب الحديث اسم عرفي لأمور زائدة على تحصيل ماهيَّة الحديث وكثير منها مراقي إلى العلم، وأكثرها /12/ أمور يستعف بها المحدث، من تحصيل النسخ المليحة، ويطلب المعالي وتكثير الشيوخ والفرح بالألقاب والثناء وتمني العمر الطويل ليروي، وحب التفرد إلى أمور عديدة لازمة للأغراض النفسَانية لا للأعمال الرَّبانية، فإذا كان طلب الحديث النبوي محفوفاً بهذه الآفات فمتى خلاصك منها إلى الإخلاص؟ ومتى كان علم الآثار مدخولاً؟ فما ظنك بعلم المنطق والجدل وحكمة الأوائل التي تسلب الإيمان، وتورث الشكوك والحيرة؟ انتهى
__________
(1) في (ب): - عليه السلام -.
(2) الحديث عزاه في الموسوعة إلى: السنة لابن عاصم 2/478.
(3) زيادة في (ب): ذهباً.
(4) في (ب): ولا نصيفه.

قلت: والذي(1) اشتغل به أهل البيت - عليهم السلام - هو العلم النافع الذي روي فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: ((العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنَّة قائمة، أو فريضة عادلة)) (2) رواه أبو داود في سننه إلى آخر كلام هذا السيَّد الحافظ، وحاصل كلامه أن الأئمة اشتغلوا بالعمل، وكذلك أقوال(3) أتباعهم، فإنهم لا يجيزون التخلف عنهم، وطريقهم في الورع مشهورة حتى إن بعض المتكلمين في الرجال جعل الدَّليل على أن عقدة والد الحافظ أحمد بن عقدة - رحمه الله - زيدي المذهب بأنه ضاع له درهم أو قال دينار، فطلبه الحاضرون حتى وجدُوه فلم يقبَله، وقال: من أين لي أنه درهمي؟ أو قال: ديناري، قال: وهذا يدل على أنه زيدي المذهب، فإنَّ هذه طريقة (علماء)(4) الزيدية، ومع هذا فلهم في العلم اليد المبسوطة.
هذا عبد السلام القزويني الزيدي ذكر ابن الدَّماميني الشافعي أنه جمع تفسيراً للقرآن لم يجمع في الإسلام مثله، فرغ منه في سبعمائة جزء، وسيأتي ذكره – إن شاء الله تعالى -، وهذا الإمام يحيى بن حمزة تعمَّر نيفاً على ثمانين سنة، قالوا: وعدَّت أيام عمره وكراريسه فأنافت الكراريس على عدَّتها، وفي ذلك يقول بعض العلماء:
لو عمرُه عدّ والتأليف منه أتى…لكل يوم كما قالوا بكرَّاس
__________
(1) في (ب): فالذي.
(2) الحديث عزاه في الموسوعة إلى: سنن أبي داود 2885، السنن الكبرى للبيهقي 6/208، جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر 2/23، سنن الدار قطني 4/68، كنز العمال 28659، أمالي الشجري 1/53، تفسير ابن كثير 2/195، تفسير القرطبي5/65.
(3) في (ب): وكذلك أقول: أتباعهم.
(4) زيادة في (ب).

وقال يوسف بن كنج الشافعي: إنه لا ينبغي أن يُفتى في مذهب الشافعي بحضرة السيّد المؤيد بالله والقصَّة مشهورة، وفي التحقيق أنَّ الزيدية منتسبون إلى علي بن أبي طالب وسبطيه وأمهما لإجماعهم على أنَّ الحق معهم، وإن انتسبوا إلى زيد بن علي - عليه السلام -، فما ذاك إلا لأنها وقعت فترة بعد قتل الحسين - عليه السلام - كادت تنسى أشهر صفات أهل البيت - عليهم السلام - وهي الجهاد، فقام زيد بسنة آبائه، فانتسب من وراؤه إليه لهذه الخصيصة، كما قال الإمام المهدي محمد بن عبد الله النفس الزكية: [فتح لنا والله زيد بن علي باب الجنة، وقال: ادخلوها بسلام آمنين] (1)، فلولا هذه لكان انتساب هذه العصابة إلى علي بن أبي طالب أولى، فإنه لا يستجيز زيد بن علي - عليه السلام - ولا غيره مخالفته، ولذلك ترى مجموعيه(2) /13/ مُنْتَسِبِيْن إلى عليٍّ - كرَّم الله وجهه -، وإن اختلف أهل البيت، فكما اختلف الفقهاء عن أئمتهم، بل اختلفت الأمة بعد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في التحليل والتحريم، فكما أن ذلك الخلاف لا يخرج الأمَّة عن كونها أمة، ولا الشافعي عن كونه شافعياً بمخالفته لإمامه، لوجهٍ، كذلك هؤلاء، فإن الاختلاف منشؤه قواعد أصولية في ترجيح القول الأوَّل لقوة دليله، كما قال قوم، والآخر لكونه ناسخاً كما قال آخرون، ولا شك أن زيد بن علي بعد سلفه شمس العترة المضيَّة آتاه الله مالم يؤت غيره، فهو كما قال الذهبي: جبل من علم، وكما قال هو في نفسه - عليه السلام - فيما رواه سهيل بن سليمان الرازي، عن أبيه، قال: شهدت زيد بن علي - عليه السلام -
__________
(1) رواه في هداية الراغبين عن النفس الزكية ص 178، وروى مثله في الروض النضير عن الإمام الحسين الفخي 1/105.
(2) أي المجموع الحديثي والفقهي للإمام الأعظم زيد بن علي - عليهما السلام -، طبع أكثر من مرة، وطبع مؤخراً عن مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية بتحقيق الأستاذ عبدالله حمود العزي.

يوم خرج لمحاربة القوم، فلم أرَ يوماً كان أبهى، ولا رجالاً أكثر قُرّاءً ولا فقهاً ولا أوفر سلاحاً من أصحاب زيد (بن علي)(1) - عليه السلام -، فخرج على بغلة شهباء وعليه عمامة سوداء، وبين يدي قربوس سرجه مصحف، فقال: (أيها الناس، أعينوني على أنباط الشام، فوالله لا يعينني عليهم أحد إلا رجوتُ أن يأتي يوم القيامة آمناً حتى يجوز على الصراط، ويدخل الجنَّة، فوالله ما وقفت هذا الموقف حتى علمت التأويل والتنزيل والمحكم والمتشابه والحلال والحرام بين الدفتين.. وقال: نحن ولاة أمر الله، وخزَّان علم الله، وورثة وحي الله، وعترة نبي الله، وشيعتنا رعاة الشمس والقمر)). قال الناصر للحق - عليه السلام -: معنى رعاة الشمس والقمر: (2) المحافظة على الصلاة. انتهى.
ومقام زيد (بن علي)(3) غني عن الإطناب والإكثار، وقد بسط العلماء في مصنفاتهم القول في الثناء عليه بإجماع منهم، ولو كتب ما في تأريخ الإسلام للذهبي من ذكره لخرج في مجلَّد.
قال في (هداية الرَّاغبين): وفي بعض كلام الباقر دليل عظيم على علم زيد - عليهما السلام - فإن الباقر إنما سمي بهذا الاسم لتبقره في العلم، والتبقر: التوسّع، فإذا اعترف الباقر لزيد بالسيادة فقد اعترف له بالزيادة(4).
قلت: يعني بقول الباقر هذا قوله فيه: (هذا والله سيّد بني هاشم)، وقوله لأبي خالد وأبي حمزة: (يا أبا خالد ويا أبا حمزة، إن زيداً أعطي من العلم علينا بسطة). انتهى
__________
(1) سقط من (ب).
(2) ما بين القوسين سقط من (أ) وهو في (ب).
(3) سقط من (ب).
(4) هداية الراغبين ص:182.

قلت: فما ظنك برجل يقول فيه الباقر هكذا، والباقر من لا يخفى مكانه على أحد، ولقد ذكر الذهبي أن جابر الجعفي حفظ عن الباقر سبعين ألف حديث، ولنتبرَّك الآن بمن حضر اسمه الشريف من علمائنا، والرجاء في الله أن أقف على ما يكون به الكتاب حافلاً كافلاً لفوائد(1)، فإنه قد يتوهم المتوهم أني تصدَّيت للاستقصاء، فهذا ظن معلوم البطلان، ولقد تجاسرت على هذا النقل لما رأيت لبعض العلماء من الحنفية مثله، وابتدأت بإبراهيم بن أبي الفتوح وإن /14/ لم يكن محله على قواعد أهل المعجمات، تيمناً بالفتوح (إن شاء الله)(2) الرحماني، والله المستعان.
[حرف الألف]
إبراهيم بن أبي الفتوح(3) [ - ق 8] (4)
إبراهيم بن أبي الفتوح. قال السيد العلامة يحيى بن المهدي الزيدي نسباً ومذهباً في كتاب (الصِّلة): (كان هذا القاضي إبراهيم - نفع الله به - من علماء الكلام المبرِّزين فيه المحلقين، وفي أصول الفقه والفقه والعبادة وتلاوة الكتاب العزيز. وله من الخوف والزهد والحجا مالم(5) يمكن شرحه. كان حيّ الإمام الناصر يودّه ودّاً شافياً، وينشر من فضله، ويتفقد أحواله، ويعاتبه إذا طال(6) الغيبة عنه)، وكان له وَلد عارف ناسك، له يد في العلوم، درس على الفقيه الإمام أحمد بن مرغم بشبام. وحكى الفقيه العابد إمام العبَّاد إبراهيم الكينعي عن ولده محمد هذا حكاية عجيبة وكرامة لهذا ابن أبي الفتوح غريبة(7).
__________
(1) في (ب) بالفوائد.
(2) زيادة في (ب).
(3) مصادر ترجمة إبراهيم: أعمدة الطالب ص 205.
(4) مصادر الترجمة: صلة الأخوان في حلية بركة علامة الزمان (سيرة إبراهيم الكينعي) تحت الطبع (بتحقيقنا).
(5) في الصلة: مالا.
(6) في (ب): أطال.
(7) في (ب): كرامة عجيبة وحكاية لهذا ابن أبي الفتوح.

روى إبراهيم الكينعي - رحمه الله - عن القاضي محمد بن إبراهيم الأجازي(1)، قال: ووجدتها معلقة معه، وكان - رضي الله عنه - يحب إظهاره، لأنه كل ما كان يقرب إلى الله يحب(2) إظهاره ما لفظه: أقول وأنا العبد الفقير إلى الله محمد بن إبراهيم بن أبي الفتوح الزيدي، كنت واقفاً أنا ووالدي إبراهيم ووالدتي وامرأة لأبي أيضاً في صرح دارٍ نحن فيه(3) ساكنون ببيت حاضرِ(4)، من أعمال صنعاء، وفوق الصَّرح مخزان مغلق، وفوقه سقف آخر، والشمس حامية، ولا سحاب في السماء نراه، إذ نبع علينا ماء من وسط الخشبة لا من حولها بل من نفسها حتَّى سال من الخلوة(5) إلى الحجرة، ومن الحجرة إلى الدَّرج، فارتعنا وحارت أفكارنا، فهمَّت والدتي أن تصيح بالناس،(6) فقال والدي - رحمه الله -: اسكتوا ما أحد دارٍ بهذا غيري، فقلنا: أخبرنا، ولازمناه، فما أجابنا مدَّة مديدة نحواً من خمس أو ست سنين، حتى أتيت من شبام، من القراءة على حيِّ الفقيه الإمام أحمد بن مرغم، فلقيني والدي إلى قريبٍ من صنعاء، فوقفت معه تحت حجرة في بلاد سنحان، فسألته بالله ليخبرني عن ماء الخشبة، فقال: يا ولدي، إني ختَمت القرآن في تلك الليلة، وسألت الله إن كان راضياً عليَّ وراضياً بفعلي واعتقاداتي أن يريني آية باهرة أزداد بها يقيناً، وتكون لي بشارة، فخرج الماء من الخشبة، وأنا أشهد لكم بهذه الشهادة عن أبي، وعن مشاهدة الماء يخرج من [نفس] (7) الخشبة، فقلت له: يا أبة، كيف اعتقاداتك أعتقد بها؟ فقال: يا ولدي كما قيل:
لو شق صدري للقي وسطه ... سطران قد خُطَّا بلا كاتب
__________
(1) في الصلة: الأحادي، في نسخة، والأحاديث في نسخة أخرى.
(2) في الصلة: أحب.
(3) في الصلة: فيها.
(4) بيت حاضر: قرية أثرية في وادي الإجبار (وادي التناعم سابقاً) من بلاد سنحان، وهي منطقة غنية بالآثار الحميرية (معجم المقحفي ص: 145).
(5) الخلوة: الغرفة.
(6) في الصلة: في الناس.
(7) زيادة في الصلة.

العدل والتوحيد في جانب ... وحبَّ أهل البيت في جانب
إن كنت فيما قلته كاذباً ... فلعنة الله على الكاذب
/15/
إبراهيم بن الإمام الناصر [ - ] ه
السيد الأمير، الفارس الخطير، حامي الحقيقة، إبراهيم بن أمير المؤمنين أحمد الناصر بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم - عليهم السلام - كان وجه أهل بيته، عَلَماً، نَيِّراً، بطلاً، شجاعاً، مقدماً، وجيهاً، مقداماً نبيهاً، كان يكنَّى: أبا الغِطمَّش، قال ابن عنبة: كان فحلاً، وكان فارس أهله، وحكى عنه أنه كان يمس الناصر - عليه السلام - النَّقْرِسُ(1) فيمنعه عن القتال، فجاء خصم، فوثب عليه أبو الغطمَّش فقتله، وكثر عليه العدوَّ فجالد حتى رجع، فقال الناصر:
إن لا أثب [فقد](2) ولدت من يثب ... كل غلام كالشهاب ملتهب(3)
إبراهيم بن أحمد بن عامر [1018 - 1056] تق(4)
__________
(1) النَّقْرِسُ: بالكسر ورم ووجع في مفاصل الكعبين وأصابع الرجلين (القاموس المحيط ص: 746).
(2) كذا في الأصل وقد سقط من عمدة الطالب.
(3) في عمدة الطالب: الملتهب.
(4) من مصادر ترجمته طبقات الزيدية الكبرى (تحت الطبع)، بغية المريد خ وبهجة الزمن خ ، ملحق البدر الطالع ص3، طبق الحلوى، خ بغية الأماني والأمل خ، الجواهر المضيئة خ، أعلام المؤلفين الزيدية وفهرست مؤلفاتهم ترجمة رقم (5)، الجوهرة المنيرة (سيرة الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم) خ.

السيد السند الشريف الفاضل إبراهيم بن أحمد بن عامر بن علي بن محمد بن علي بن الرشيد بن أحمد بن الأمير الحسين بن الأمير(1) علي بن يحيى العالم البر بن محمد العالم التقي بن يوسف الأشل بن الإمام الداعي إلى الله يوسف الأكبر. كان من أعيان الوقت علماً وحلماً، وزهادة وكرماً، يقل نظيره في جميع ذلك، وبه في الكرم تضرب الأمثال. نشأ - رحمه الله - على طريقة سلفه الكرام في السمت(2) والصمت والعفَّة والعبادة وعزة النفس عن المطامع والرأفة بالمسلمين والتقلل من زينة الدنيا، مع تمكنه من ذلك، فإنه ربى في الأيام المسعودة التي فاض ظِلاَلهُا على كل حاضر وباد، وأثرى فيها الكل، وهو مع ذلك في بحبُوحة ذلك البيت المشيَّد، فإنه من فصيلة الإمام(3) وبمنزلة الولد له، ونشأ في حجره، وهو ابن أخت الإمام المؤيد بالله، وأمهما وأم الحسن والحسين واحدة، وعامر المذكور عمَّ الإمام القاسم - عليه السلام -.
__________
(1) في (ب): بن الأمير بن، وهو خطأ.
(2) السمت: هيئة أهل الخير. (القاموس المحيط ص 155).
(3) في (ب) زيادة: المؤيد بالله.

وكان الإمام المؤيد بالله - عليه السلام - يخصّ إبراهيم بمزيد التكريم والتعظيم كما يقتضيه علوّه وشرفه، وكان الإمام حريصاً على إنزال الناس منازلهم، وكان لا يفارق الحضرة، ودرس على الإمام دروساً نافعة في كل فنّ، وعلى الشيوخ القادمين من الآفاق والملازمين للحضرة أيضاً، فما من فنٍّ في الغالب إلا وقد لقي الكمَلة من شيوخه؛ لأن الحضرة كانت مجمعاً للعلماء من الأعارب والأعاجم، ولمَّا اتفق في جهات(1) آنس وما صاقبها(2) من بغي بعض شيوخها، وجهه الإمام إلى تلك الأقاليم لتأديب أهل العُدوان بجيش كثيف فيه من عيون الدولة وأعيان المسلمين من يظن فيه الكفاية لذلك، كالسيِّد العلامة عز الدين ابن دريب الحسني الآتي ذكره، وغيره، فاستصلح السيد أحوال البلاد، وعاقب من يستحق العقوبة، وقبض شيئاً من سلاح البغاة، واستقر بالجهة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولمَّا ظهر صيت كرمه /16/ في الأقاليم جاء الناس على اختلاف أنواعهم إليه أفواجاً، فأماح(3) المستمنح(4)، وبذل الجزل حتَّى استأصل الموجود من المال في الجهة، ثُمَّ عين للوفد من ثمار ما قد بذرت حتَّى ضاقت الحال، فعاد إلى القرض فتناول أموالاً يجل حصرها، فلمَّا بلغ الإمام استدناه إلى الحضرة، وناصحه مناصحة الأب والأم التي ترأب وناصحه سيدنا العلامة حواري أمير المؤمنين أستاذ العلماء أحمد بن سعد الدين - طوَّل الله عمره - بمناصحة أهل الصدق والصداقة، ولمَّا اشتدَّ المرض بالسيِّد - رضي الله عنه - قال له القاضي كالمعتذر: بأن تلكم المناصحات وإن اشتدت عباراتها فمصدرها لله - عزَّ وجلَّ - فأجابه السيد بصوت خفي: إني أعدَّ ذلك من الإحسان، وإن ذلك طريق السلف الصَّالح أو كما قال، وأنشد:
ما ناصحتك خبايا الود من رجل ... مالم ينلك بمكروه من العذل
__________
(1) في (ب): في جهة.
(2) أي ما داناها وقرب منها.
(3) ماحه: أعطاه.
(4) في (ب): المستميح.

محبتي فيك تأبى أن تسامحني ... بأن أراك على شيء من الزَّلل
وكان له خط حسن على أسلوب المشق(1)، كما كان كخاله(2) الحسين بن القاسم - عليهم السلام - ورزق كتباً واسعة، اجتمع عنده مالا يجتمع عند غيره من نظرائه، وبلغني [عنه](3) - وأظنَّه(4) الذي أخبرَني - أنَّ هذه الكتب اجتمعت من فضلِ الله كسبب(5) الدُّعاء إلى الله، وذلك أنه استعار كتاباً من بعض أصدقائه فمنعه، فاشتدَّ غمه، وخلَى بنفسه، وبكى، ثم سأل الله أن يمنحه الكتب فامتلأت جوانب داره من طيِّها، ولهُ كرَامَات أخبرني [العبد الصالح](6) الفقيه إسماعيل الشبامي، وكان من عباد الله الصَّالحين الأخيار، وكان كثير الملازمة له لجامعَة التقوى أنه أخبره - قدَّس الله روحه - أنه مرَّ في بعض الأزقَّة بقرطاسٍ فنقله إجلالاً لاسم الله، وكان ذلك دأبه، فلمَّا نظر فيه لم يجد فيه كتابة فألقاه ومضى، ثم خطر بباله أن هذا قرطاس مظنة أن يكتب فيه اسم الله، فينبغي تكريمه، فرجع والتقطه، وإذا قد كتب في القرطاس بخط سويِّ ما لفظه: ولو بياض. وكان له شعر كثير. ورثاه جماعة من الفضلاء، ومولده…… (بياض) (7).
ووفاته في سادس عشر من شهر رجب سنة ست وخمسين وألف [وممَّا قاله السيد حسين الصاعي مؤرَّخاً لوفاته في آخر مرثيته قوله:
بسادس عشر في الأصم وفاتُه ... فتأريخه جا(8) خير بر بكى حدَّا](9)
__________
(1) المشق في الكتابة: مدُّ حروفها (انظر القاموس المحيط ص: 1192).
(2) في (ب): لخاله.
(3) زيادة في (ب).
(4) في (ب): وأظن أنه.
(5) في (ب): بسبب.
(6) زيادة في (ب).
(7) مولده في شوال سنة ثماني عشرة وألف كما في طبقات الزيدية عن ولده محمد.
(8) تحذف الهمزة ليستقيم الوزن.
(9) ما بين المعكوفين سقط في (ب).

ودفن في الحجرة عند باب قبَّة الإمام القاسم بشُهَارة(1) بجوار والده السيِّد العلامة شمس الإسلام أحمد بن عامر المتوفى في صفر سنة اثنتين وعشرين وألف، وكان عالماً عاملاً فاضلاً، وله بمكة مقام مع بعض علمائها، يقضي بشرف العلم وبشرفه أعاد الله من بركته.
إبراهيم بن أحمد بن مفضَّل [ - ] ه
السيد العالم الفاضل إبراهيم بن أحمد بن مفضَّل(2)، قال السيد أحمد بن عبد الله /17/: كان سيداً فاضلاً عاملاً، درس على الإمام المهدي علي بن محمد، فجوّد في علم الفقه والفرائض، وكان جامعاً لمحاسن الخلال، زاهداً متوكلاً، نسخ مدَّة ختماً كثيرة وكتباً عديدة، سكن بهجرة اللحمرة(3).
إبراهيم بن أحمد بن علي العبالي [1049 - 1071] ه (4)
__________
(1) شُهارة بضم الشين المعجمة وقد تفتح: جبل مشهور في بلاد الأهنوم شمالي حجة، وهو من معاقل اليمن المشهورة، (انظر معجم البلدان اليمنية ص: 365 - 366).
(2) في (ب): المفضل.
(3) في (ب): اللحم.
(4) أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (2) ومنه تاج العروس مادة (عبل) الجامع الوجيز خ، بغية الأماني والأمل خ، الجواهر المضيئة في معرفة رجال الحديث عند الزيدية خ، مصادر الحبشي 385 معجم المؤلفين 1/6، هداية العارفين ج 2/23، إيضاح المكنون 2/529، وأغلبها تستند إلى ترجمة المؤلف في كتابه هذا.

السيد النجيب إبراهيم بن أحمد بن علي العبالي، - رحمه الله ورضي عنه- نشأ في مهاد العلم مرتضعاً لثدي التقوى، لم يعرف من الدنيا غير العلم وإحيائه، والمذاكرة لأربابه في صباحه ومسائه، حتَّى بذَّ(1) الأقران، وصار على صغره كبير الشأن، قرأ العربية، وحقق، ووضع على (المغني لابن هشام) ما يجري مجرى الحاشية، ولم يرتبها، بل جمعها، وأراد درس الكتاب والتهذيب لها وقت القراءة، وقرأ الفرائض على أهلها، وكان له في القسمة والجبر والمقابلة تحقيق نافع، وقرأ في الفقه وحشَّى بخطه على شرح الأزهار، وهو خط مشق في الحسن العجيب، وقد وضع بخطه في غالب الفنون حواشي مفيدة، ولم تكن له [لهجة](2) بغير العلم وأهل العلم، حتَّى قال بعض العارفين: لم يخلق هذا السيد لغير هذه الوظيفة ولغير الجنة، وتوفي - رحمه الله تعالى - ولم يزد عمره على اثنتين وعشرين سنة، وكانت وفاته عند طلوع الشمس نهار الخميس في سابع وعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وألف سنة، وقراءته جميعها على شيخه وأستاذه ووالده المربي له عمَّه أخي أبيه السيد العلامة المحقق شيخ أهل زمانه في الأصول والعربيَّة [شجاع الدين](3) عزِّ الدين بن علي العبَالي(4) - أبقاه الله، ونفع بعلومه - وشيخ السيِّد شجاع الدين مولانا الحسين بن أمير المؤمنين - رضي الله عنه -.
إبراهيم بن أحمد [ - ]
السيد العلامة صارم الدين إبراهيم بن أحمد عمُّ الإمام أحمد بن الحسين، كان عالماً ويعرف شيئاً من الحساب على قواعد(5) الزيج، وكان يقول: نعم هذا المكان يشير إلى محل هجرة(6) كوم، ويولد فيه إمام في عينه كسرة وفي جنبه علامة. انتهى
إبراهيم بن أحمد بن ساعد [ - ]
__________
(1) بذَّ: أي غلب.
(2) سقط من (أ).
(3) سقط من (أ).
(4) انظر طبقات الزيدية الكبرى، القسم الثالث 2/ 67 ت (399).
(5) قواعد الزيج: الزِّيج (بالكسر) خيط البنَّاء. (القاموس المحيط ص189).
(6) هجرة كوم.

القاضي العلامة صارم الدين إبراهيم بن أحمد بن ساعد، عالم كبير ونحرير خطير، له عبارات فائقة ومعان في الإنشاء رائقة، تدُلُّ على كمال الذَّات وعلم بالأدوات - رحمه الله تعالى -.
إبراهيم بن أحمد الشظبي [ - ](1)
القاضي العلامة إبراهيم بن أحمد الشظبي، توَّلى القضاء للإمام المنصور بالله، ذكره أبو فراس بن دعثم. انتهى
إبراهيم بن أحمد الحاشدي [ - ] ه
القاضي العلامة إبراهيم بن أحمد الحاشدي، عالم كبير، تولَّى القضاء للإمام المنصور بالله أيضاً - رحمه الله - ذكر هذا والذي قبله فاضل بن عياش بن علي بن محمد بن أبي القاسم بن أبي عمره ولعله أبو فراس، فيحقق(2).
إبراهيم أحمد الراغب [ - 983]ه(3)
__________
(1) السيرة المنصورية ج1 ص383 و ج2 ص 965 باسم إبراهيم بن أحمد وسيأتي بعده، ولعلهما واحد هو إبراهيم بن أحمد بن أبي الأسود الأقهومي، قال في السيرة المنصورية ص 354: وهو من خير عباد الله زهداً وورعاً وعلماً، وهو قاضي الإمام - عليه السلام - في تلك الجهات (أي جهات شظب).
(2) في السيرة المنصورية ذكر أبو فراس القاضي الفاضل شرف الدين إبراهيم بن أحمد بن أبي الأسد القهمي الذي حضر إلى مسجد قاعة لمناظرة المطرفية، ويظهر أنه والأول شخص واحد، كما ذكر إيضاح السيرة المنصورية باسم إبراهيم بن أحمد بن أبي الأسود الأقهومي وأنه قاضي الإمام في جهات شظب، وقال محقق السيرة: الأقهومي نسبه إلى الأقهوم من بلاد شظب.
(3) ملحق البدر الطالع (4)، طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث (تحت الطبع) وفيه إبراهيم بن أحمد بن الورد الحجي المحلي الظفيري، ومن مصادر ترجمته أيضاً الجامع الوجيز للجنداري، والجواهر المضيئة للقاسمي.

الفقيه الجليل، العابد الناسك، الجامع بين فضيلتي العلم والعمل، إبراهيم بن أحمد المعروف بالراغب، كان من عيون الفضلاء في وقته في طريقتي العلم والعمل /18/، ولقي الشيوخ الأجلاء(1)، وأخذ عنه علماء أجلاء، وكان صنوه عبد الله بن أحمد على منهاجه، وكان عبد الله يسمَّى بالناصح وإبراهيم بالراغب، والذي سمَّاهما بهذين الاسمين الإمام المتوكل على الله يحيى شرف الدين - عليه السلام - ترجم لهما محمد بن داود المحلي، والسيد عبد الله العلوي شيخ أهل وقته، وذكر المحلي أن موتهما سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة بالطاعون، وذكر السيِّد فخر الدين عبد الله العلوي أن موتهما سنة أربع وثمانين. ومن تلامذة الرَّاغب الفقيه الفاضل عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن مسعود الحوالي، ولعلَّنا - إن شاء الله - ننقل ترجمة الفقيه عبد الله بن سَعيد التي وضعها الفقيه اللغَوي عبدالله بن المهدي - رحمه الله -.
إبراهيم بن أحمد الكينعي [ - 793]ه(2)
__________
(1) من مشائخه السيد عبد الله بن القاسم العلوي، والسيد الحافظ عبد الله بن الإمام يحيى شرف الدين.
(2) الكينعي: صلة الإخوان في حلية بركة أهل الزمان (سيرة إبراهيم الكينعي) تأليف السيد يحيى بن المهدي (تحت الطبع بتحقيقنا)، وهي الأصل الذي استند عليه مترجموه ومنهم المؤلف، والسيد إبراهيم بن القاسم في طبقات الزيدية (تحت الطبع)، والشوكاني في البدر الطالع 1 /4، وانظر أعلام المؤلفين الزيدية وفهرست مؤلفاتهم ترجمة (3) وبقية المصادر هناك.

الفقيه الإمام، المتَألِّه الربَّاني، صارم الدين إبراهيم بن أحمد بن علي الكينعي - رضي الله عنه - كان من عبَّاد وقته المجتهدين في الطاعة على اختلاف أنواعها، من فكرٍ وذكرٍ وخشوع وخضوع وتذكّر بحقوق الله تعالى بالقول والفعل وهدَاية بالعلم، فإنه كان من أعيان علماء وقته، وممَّن تقل العبارات في كنه أحواله في المعامَلة الربَّانيَّة، وكان على ذلك من أوَّل نشأته - رحمه الله تعالى - وهو من بيت معمور بالعلم والعمل، كان أبوه أحمد من علماء وقته وعبَّاد دهره، وأمَّه كانت موصوفة بالإيثار، حميدة الآثار، وأخته مريم الآتي ذكرها - إن شاء الله تعالى - ومن عرف أحوال هذا الإمام عرف أنّ للَّه تعالى صفوَة من عباده علم قلوبهم، وأنَّها أصداف لجوَاهر الألطاف، فأرسل ودقه(1)، فسبحان المانح، وقد عني بترجمته جماعة منهم العلامة الأصولي ابن أبي الخير - رحمه الله تعالى - وللسيّد الهادي بن إبراهيم شيء في ذكر أحواله.
__________
(1) ودقه: الوَدْق: المطر. (القاموس المحيط ص 854).

وترجم له السيد العلامة المتقن يحيى بن المهدي بن قاسم بن المطهَّر بن أحمد بن أبي طالب بن الحسن بن يحيى بن القاسم بن محمد بن القاسم بن يحيى بن الحسين بن الحسين ذي الدمعَة بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - كرَّم الله وجهه في الجنَّة وعليه وعلى عقبه السلام - الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى - وبسط في الترجمة حتى كانت مجلداً حافلاً اشتملت على عجائب وغرائب، وعلى شيوخ إبراهيم وتلامذته وكثير من أحواله، قال فيها: أمَّا صفة ذاته الكريمة(1) المقدَّسة بالرَّحمَة والتحيَّة، فهو من أحسن الناس وجهاً وأتمهَّم خلقة وأقرب إلى الاصفرار والرِّقة، ربعة [من القوم] (2) ليس بالطويل ولا القصير، كأن بنانه الأقلام، ترعف بالبركة لمن قصده من الأنام، بوجهٍ أبيض قد غشيَه(3) نور الإيمان وسيما الصَّالحين، قد أحاط بذاته من كل مكان، صفاء قلبه على وجهه يلوح، ونوافح مسك الحكمة من فيْهِ تفوح، رقيق القلب، دائب الأطراق(4)، ذو سكينة ووقار، وحياء ما عليه غبار، سريع المشية، غير ملتفت إلا إلى قصده، إذا مشى كأنه راكع من الإطراق، أو خائف من ضارب الأعناق، إذا خرج نهاراً /19/ ازدحم الناس على تقبيل يده والتشبث بأهدابه والتبرك برؤية وجهه، وهو يكره ذلك، وينفر عنه، يغضب إذا مدح، ويقول: يا فلان، دع هذا، وكان يفرح، ويستبشر إذا نصح غير مرَّة، يقول: يا ليت لي مؤدِّباً(5)، ما وضع يده على قلبٍ قاسٍ إلا رقّ، ولا على أليم إلا برئ(6)، إذا تلا القرآن سمعت في جوفه
__________
(1) في صلة الإخوان: الزكية.
(2) زيادة من صلة الإخوان.
(3) في الصلة: غشاه.
(4) في الصلة: ذائب الأطراف.
(5) في الصلة: يا فلان، دع هذا لامرئ يفرح به، ويسر إذا نصح، سمعته يقول غير مرة: يا ليت لي مؤدباً، من رآه بديهة هابه، وانفتح له قلبه محبة [وساق كلاماً]إلى قوله: ما وضع يده.
(6) في الصلة: إلاَّ رَقَّ، واشنرح، ولا على أليم إلاَّ سرَّى عنه، ولعينيه فتح.

الأزيز، إذا رآه العلماء تواضعوا لرُؤيته [وعكفوا على اقتطاف حكمته] (1)، وإذا رآه أهل الدُّنيا حقروها، وعافوها، وإذا رآه أهل المعاصي أعجمهم(2) القلق.
ثم ساق السيد يحيى - رحمه الله - من هذا وأمثاله إلى أن قال: ولمَّا بلغ التكليف، وكمل عقله الشريف، وتوفي والداه - رحمة الله عليهما وعليه وعلينا معهم- ضرب أكباد المطيِّ بالارتحال إلى صنعاء اليمن ليرقى إلى درج الكمال، فأناخ مطيِّ سفره بعقوة(3) من استنار بعلمه، واستصبح بمصباح حكمته وفهمه، إمام أهل الشريعة المحمَّدية وسلطان علماء الحقيقة الربانية، السجَّاد في الليالي، والبكاء في صلواته من خوف البارئ، حاتم بن منصور الحملاني - قدس الله روحه - في الجنان - فحلق(4) عليه في الفقه مدَّة من الزمان، حتى حصَّل الفائدة من فقه آل محمد - عليه وعليهم السلام - قدر عشر سنين، فظهرت فائدته فحلق عليه، وأقرى فيه برهة من الزمان، وقرأ في الفرائض على الشيخ الأجل الخضر بن سليمان الهرش، حتى برز فيها على مشائخه، سمعت من القاضي العالم أحمد بن محمد الشامي - رحمة الله عليه ورضوانه - قال: ما في الجيل واليمن أفرض من إبراهيم بن أحمد سيما في الجبر والمقابلة، وسمعته يوماً قال: يمكنني أن أفهم ما في هذه البِرْكَةِ من أرطال الماء بالمساحة، وطالت صحبته مع الشيخ الخضر، ولم يفترقا حتى الممات، حجّا معاً سبع سنين، وتوفي خضر في البحر، ودفن في جزيرة، وأوصى إلى إبراهيم بكتبه. ثم إنَّ إبراهيم اتخذ صنعاء مسكناً؛ لأنها مجمع الفضلاء، فسكن في درب الفقيه أحمد بن حميد الآتي ذكره، وكان يتكسب على من يجب عليه ثُمَّ على إخوانه في الله تعالى بالتجارة، وكان يسافر إلى مكة المشرفة، وكانت له
__________
(1) ما بين المعقوفين زيادة في الصلة.
(2) في (أ): أعجلهم.
(3) بعقوة: العَقْوَة: شجرٌ، وما حول الدال والمحلة. (القاموس المحيط ص 1206).
(4) حلق: تحلَّقوا: جلسوا حَلْقَةً حلقة. (القاموس المحيط ص 808).

عجائب في تجارته من الصِّدق، حتَّى كان يقول للمشتري: انظر في السُّوق لعلَّ فيه أحسن من سلعَتي(1)، قال السيد يحيى: فلمَّا انتهى في التجارة على هذه الصِّفَة المحمودة والسيرة المفقودة، وجمع مع علمه مالاً من حلّه، وعاد به على إخوانه وأهله بقصده الحسن وببركة البيت العتيق الراحض(2) للفقر والمحن، لحظته عين الرَّحمَة من ربّ العباد، وأدركته عناية القرب والوداد، وقرأ كتاب الله بالتدبّر والخشوع، فعند ذلك وجل قلبه، ولبس سرابيل أهل الورع، وخالط أهل الخوف والعبادة، وقلق منه الوضين(3)، واستوحش من كل صديق أمين(4)، حتَّى شرب من عين الحياة شرب الهيم، وراض نفسه حتَّى كأنَّها حبة مقلاة وريشة في فلاة، فشرب بالكأس الرويَّة، وعكف على خدمة مولاه بالجارحَة والروية، سمعتُه يوماً يقول: أنا وقلبي في علاج أريْده لا يدخل إليه شيء /20/ إلا لله تعالى. ولا يخرج منه شيء إلا لله تعالى، قال السيد: ولقد سمعته مراراً يحاسب نفسه فأظن معه رجالاً معه يحاسبونه، قال لي يوماً: لو أعطيت الدنيا بجوانبها ومفاتيح الجنة كلها لما اخترت إلا وقوفي بين يدي الله تعالى(5) ساعة أناجيه فيها، ولا تخرج النفس الأمَّارة إلى النفس اللوَّامَة إلى النفس المطمئنة إلا بعد الرّياضة التَّامّة والمثاغرة(6) القويَّة والمخاصمة(7) العظيمة، والحرب خدعَة، والخير عادة. وكان - رحمه الله - يصوم الأبد إلا العيدين والتشريق، وترك إدام عشائه لئلاَّ يثقله
__________
(1) صلة الإخوان: الفصل الثاني والثالث بتصرف من المؤلف وحذف لبعض العبارات.
(2) الراحض: الغاسل.
(3) الوضين: بِطَانٌ عريضٌ منسوج من سيور أو شعر، أو لا يكون إلا من جلد. (القاموس المحيط ص1141).
(4) المؤلف ينتقي من عبارات صلة الإخوان هنا، ويختصر الكثير، وينتقل من فصل إلى آخر مقتطفاً.
(5) كلمة تعالى محذوفة من (أ) في مواضع كثيرة.
(6) في الصلة: المثاغرة، وفي النسخ المشاعرة.
(7) في الصلة: والمجاشمة.

عن القيام، ثم قال: كان يؤخِّر العشاء حتَّى قال: كم من ليلةٍ أسابق الفجر على عشائي، فتارة أسبقه، وتارة يسبقني، وكان إذا جاءه العشاء مأدوماً تركه وآثر به بعض إخوانه. وقال يوماً لتلميذه: إذا دخل عليك فقير فأعطه شيئاً، وإذا دخل عليك عالم فراجعه في المسائل، وإذا دخل عليك من أبناء الدُّنيا فاحتشمه، وعظمه(1)، واضرب له الأمثال. وكان إذا دخل عليه أحد من إخوانه أقعده على مصلاَّه ووقف بين يديه مطرقاً لعلَّها تطرق سمعَه كلمة حكمة، وكان كلامه - رحمه الله - نافعاً، فمن كلامه: (ليس الزاهد من لا يملك شيئاً، إنما الزاهد من لا يملكه شيء)، ومن كلامه - رضي الله عنه -: (بالفقر والإقتار والذُّل والإنكسار تحيا قلوب العارفين)، ومن كلامه - رضي الله عنه -: (يا أخي، جدّد السفينة فإن البحر عميق، وأكثر الزاد فإن الطريق بعيد، وأخلص العمل فإن الناقد بصير)، ومن شعره ما كتبه في ضمن كتاب إلى تلميذه السيد يحيى المؤلف لسيرته الذي عنه هذا النقل، وكتابه إليه من مكَّة من جُملته: (سلام عليك من قلب مشغول ومن نفسٍ معلول، أحوالي جميلة فوق ما تظنه من سكون قلب وقرار ودعة، وما طعمت لذّة الحياة إلا في مجاورتي هذه المباركة، حالي في مكة كبعض الزيالع ما بيني وبين أحد معرفة، ومن عرفني قطعته إلا هذا السيّد محمّد وإخوانه، وهم قوم عجم انتفع بهم، ولا يضرونني بشيء ، والنفس متطلعة إلى قدُومك إلى هذا البيت [الشريف](2)، وتزور جدَّك - صلى الله عليه وآله وسلم - [وعليكم أجمعين](3)، وقد صدر لك مَحبَى(4) من السيد وكوفية ومسبحة وسجَّادة.
إن كنت تسمع ما أقول وتعقلُ ... فارحل بنفسك قبل أن تك ترحلُ
ودع التشاغل بالذنوب وخلها ... حتَّى متى وإلَى متى تتعلَّلُ
تلهو وعمرُك يضمحل وينقضي ... والظَّهر منك بما قضيت(5) مثقلُ
__________
(1) في (ب): وعظه.
(2) سقط من (أ).
(3) سقط من (أ).
(4) مجبى: أي عطاءً.
(5) في (ب): كسبت.

كن كالذي حذر البيات فلَم يزل ... في ظلمة اللَّيل الطويل يقلقلُ
يدعُو الإله بذلةٍ وتملق
ٍ ... وإليه ممَّا قد جنى يتنصَّلُ
فغداً يقوم من الحفيرة آمِناً ... يعلو النحيب ووجهه يتهلل(1)
إن كان جاهي أخلقته خطيئتي ... فبجاه أحمد راغباً أتوسّلُ
يُدنيك منَّا عن قريب عاجلٍ ... والله يستر أمرنا ويجمِّل
واعلم يا أخي أن ذكر الله منك من علامة ذكره لك فاستكثر منه، وأن اكتسابك الطاعة من علامة التوفيق فاستكثر منها، ووقوعك في الغفلة وكسب الذنوب علامة الخذلان فاجتنبها، والزّهد في الدنيا ممَّا يريح قلبك وبدنك فاطلبه، والتوكل على الله شرف الدُّنيا والآخرة فالزمْه، والموت آت غير فائت فالزم ذكره(2)، والدّنيا حانوت الشيطان فاخرج منها، والناس فتنة فالزم الخلوة(3)، ويا ليتك يا يحيى تأخذ معنا ممَّا أنعمَ الله علينا من برد اليقين وقرار الدِّعة ولذّة العيش وصفوة النعم من البارئ - جلَّ وعز - ثم ساق - رحمه الله - في الكتاب بعد هذا كلاماً نافعاً. ومن شعره - قدَّس الله روحه - وأعاد من بركاته من (4) المناجاة:
ببابك عبدٌ واقف متضرّع ... مقلّ فقير سائل متطلّعُ
حزينٌ كئيبٌ من جلالك مُطرق ... ذليل عليلٌ قلبُه متقطعُ
أنا الضَّارع المسْكين ممدُودة يديّ ... إليك فمالي في سوائك مطمعُ
أعنِّي أعني(5) من علاك بنظرَة ... إليَّ فقَلبي مستهام مفجعُ
فؤادي محزُون ونومي مشرَّد ... ودمعي مسفوح وقلبي مرَوعُ
فلا تبلني بالبُعد منك فإنَّه ... أشدُّ بلاء الخائفين وأوجعُ
إذا رجع القصَّاد منك بسُؤلهم ... فيا ليت شعري كيف عبدك يرجعُ
__________
(1) في (أ): يتهلهل.
(2) في صلة الإخوان: فأدم ذكره.
(3) في (ب): وفي صلة الإخوان: فافزع إلى الخلوة.
(4) في (ب): في المناجاة.
(5) في صلة الإخوان: أغثني أغثني.

وكان له رضوان الله عليه أدعية للحوادث والسَّاعَات محلها سيرته، فهيَ جامعَة للكثير الطيب. وكان في أوَّل أمره يغشى عليه، وتوجعه الغشاوة، وكان يخاف عليه التلف، لا سيما في المحل الأوعر والأموَاء(1)، وكثرت عليه الغشاوة حتَّى كانت تأتيه الفينة بعد الفينة، وحكى السيد عماد الدين أنه في آخر الأمر كان يغشى عقيب الصلاة ساعة أو ساعتين، وربَّما اتصَلت الغشاوة من الصلاة إلى الصلاة، ولكنَّه قال: لا يجد لذلك ألماً، وإن كان لا يستطيع لذلك حركة عضو ولو بالغ أشدَّ المبالغة، لكنَّه قال: عقلي معي بحيث إنه لا ينقض وضوئي ذلك الإغماء - رحمه الله تعالى - وكان له كرامات واستقصاؤها يخرجنا عن المقصود، إلاَّ أنا نذكر منها بركة أوقاته، وملكته لنفسه بحيث أنه لا يُمكن أن يخطر بالبال شيء من الأفعال والتروك الشرعية إلا وقد أجهد نفسه في موافقة أمر الشارع، وكان تلاوته كل يوم لختمتين كاملتين، وفي رمضان لثلاث ختم مع تسبيح وأذكار وفكر وغشاوات، ومع هذا فكان يشارك إمام وقته النَّاصر - عليه السلام - /22/ في غزو أعداء الله الباطنية وغيرهم، وكانوا يعدونه في سفرهم حرزاً - رضي الله عنه - ومن كراماته الاستسقاء بدُعائه على الاستمرار وما يعلم أنه يخلف، ومنها تأييد الله له بألطافه في حالاته، فكان لا يأكل إلا حلالاً، واجتمع بحصن المصاقرة(2) هو وأستاذه العبَّادة الحسن بن سلمان وجماعة من إخوانهما الأصفياء، فحضرت عصيدة فعوَّلوا على إبراهيم في الإفطار معهم فأسعدهم فمدَّ يده فلم تمتد، وكأنها عود يابس، فقال: قد ترجح لي الصيام، ثم بحث عن العصيدة فوجدها لوالٍ كان حاضراً يحرم عليه النزول على أولئك، وله نظير هذا في جهة الحيمة، ومنها الرؤيا الصَّالحة من الصَّالحين، فمنها الرؤيا الآتية - إن شاء الله - في ترجمة ابن هشيم، ومنها رؤيا العبد الصَّالح
__________
(1) الأمواء:
(2) حصن المصاقرة كذا في النسخ، وفي صلة الإخوان: حصن المصاقر ببلاد مذحج.

الطاهر بن أحمد عمر البحار الضمان(1)، أنه رأى بعد موت إبراهيم الكينعي الجنة وما وعد الله المتقين فيها من أنهار وقصور وثمار، ورأى منازل الأنبياء والصالحين، ورأى منزلة عالية قيل له: هذه منزلة إبراهيم بن أدهم، ثم رأى قصوراً عالية وأنهاراً جارية، ورأى فيها شيخه إبراهيم الكينعي وهي أعلى من منزلة إبراهيم بن أدهم، فقال: سبحان الله منزلة إبراهيم الكينعي فوق منزلة إبراهيم بن أدهم، فقال له قائل: لولا أنَّ منازل الأنبياء لا يحلها أحد من الآدميين لكان بها إبراهيم الكينعي، ومرَّ بين يديه تلميذه العارف عبد الله بن قاسم البشاري على كتاب (عوارف المعارف) فقال لشيخه إبراهيم: هل تسرّنا بكرامة لك لتشرح صدورنا؟ فقال: ما لي كرامَة إلا أني إذا أردت أمراً أو سفراً، وسألت الله الخيرة سمعت شخصاً يقول: افعل، أو لا تفعل، ومقامه - رضي الله عنه - شهير لا حاجة بنا إلى التطويل. وقد ترجَم له من سبق ذكره وترجَم له السيِّد العارف بالله النازل بِحَرم الله محمد بن علي التجيبي الحسيني البخاري - رحمه الله -. وكانت وفاته - رحمه الله - بصعدة المحروسة. قال السيِّد الكبير الخطير الهادي بن إبراهيم الوزير - عادت بركاته: أعلم وفقك الله أنه لمَّا وصل من جوار البيت العتيق، وقد وقف به ثلاث سنين ابتدأه المرض بحَلْى(2) ورفيقه العبد الصَّالح التقي العابد صبيح مولى آل ريدان، ولمَّا وصل إلى ناحية جازان شكا أهل الجهات تلك الجدب والعطش فدعا لهم ولسائر أهل البلدان فحصل ببركته ذلك المطر العظيم الذي عمَّ البلدان كلها يوم الأربعاء في شهر ربيع الأوّل، هكذا حكاه صبيح - رحمه الله -
__________
(1) في (ب): الطاهر أحمد بن عمر النجار الصنعاني. وفي صلة الإخوان: أحمد بن عمرو البخاري الصنعاني.
(2) حَلْى: بفتح الحاء وسكون اللازم، بلدة تهامية على شط البحر الأحمر في جنوب القنفذة، ويقال لها: حلى بن يعقوب. (معجم البلدان والقبائل اليمنية للمقحفي ص: 189).

فلمَّا وصل قريباً من صعدة، قال لصبيح: إني رأيت لعشرة من إخواني الجنة، وأمرت أن أبشرهم، فقال صبيح: من هم؟ فقال: السيد محمد بن حسن بن ثافي، والسيد قاسم بن أحمد /23/ القاسمي، والقاضي محمد بن حمزة، والفقيه أحمد بن يحيى الشرفي، والفقيه محمد بن صالح، والفقيه أحمد بن موسى بن درين، والفقيه علي بن جعفر الزوام، وأخوه سليمان بن جعفر، والفقيه سليمان الزعيتري، وأنت يا صبيح بن عبد الله.
قال السيد الهادي في هذا الكتاب الذي ذكرناه وهو إلى السيد يحيى بن المهدي: ولما توفي - رحمه الله تعالى - خرج أهل صعدة كافَّة العلماء والسادة والفضلاء والأمراء، وكان ذلك بُكرَة نهار الأربعاء سابع وعشرين من ربيع الأوَّل سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، وفي يوم موته أكسفت الشمس، وتقدَّم السيِّد داود بن يحيى بن الحسين فصلى عليه، وهذا السيد هو الذي أوصَى إليه(1) الإمام المهدي علي بن محمد أنه يتولى الصلاة عليه، وقُبر رأس الميْدان غربي مدينة صعدة [وعمر عليه صبيح مشهداً] (2)، ووقف صبيح بعده أياماً ثم توفي، ودفن بمشهد الفقيه - رحمهم الله تعالى - قال السيِّد الهادي: ثُمَّ إني أنشأت أبياتاً رُسمت في حَجَر ضريحه:
يا زائر القبر فيه بهجة الزَّمن ... العابد الصدر نور الشام واليَمن
هذا(3) الذي صَحِبَ الدُّنيا بلا شَجنٍ ... فيها وكان بدار الخلد ذا شجن
هذا نظير أويس في عبادَته ... قدكان والقرني المشهور في قرَنِ
وكان كالحسن البصري في ورَعٍ ... وفي علوم هدًى تُعزَى إلى الحسن
إذا تضمخ محزون بتربته ... زالت عن القلب منه لوعة الحزن
__________
(1) في (ب): سقط إليه.
(2) في (ب): عمر عليه صبيح مشهداً، وهو هنالك مشهورٌ.
(3) في (أ): هو.

قال السيد الهادي - رحمه الله - للسيد يحيى: وأمَّا ذكرك من أَلْحده فهو الفقيه الفاضل يعقوب بن هبة الفاقي(1) وهو رجل من حَمَلة كتاب(2) الله العزيز، له تقوى ودين ويقين متين، أخبرني أنَّه لمَّا كشف وجهَه في لحده وجَد وجهه كأنه قطعة النور أو السراج المستنير شيئاً لم يُرَ في ميتٍ قبله - رحمه الله تعالى - ورثاه السيِّد الهادي بهذه القصيدة - رحمهم الله أجمعين -:
شجر الكرَامَة والسَّعادَة أينعي ... للقاء سيِّدنا الإمام الكينعي
وتزَّيني دار النَّعيم لِوَافِدٍ ... وافاك بالعمَل الزّكي المقنع
خَطب المليحَة فاستجاد صداقها ... بتزهُّدٍ وتعبّدٍ وتورع
لاحت له الدُّنيا تُريد خدَاعَه ... لكنَّه بغرورها لَم يخدَع
وتحسنت بزخارفٍ لوصَالهِ ... فأَبَى وطلَّقها طلاق مودِّع
قالت له: مالي أراك مولِّيا ... عنِّي وقد طابت مراعي مرتعي
وأنا المعجلة(3) المزيّنة التي ... تهوَى العقول لمنظري ولمسمَعي
فأجابَها أنت المليحَة برقعاً ... والشين كل الشين تحت البُرقعِ
أنت التي(4) فتنت عقول عبيدها ... جهلاً ويعرفها الذَّكي الألمعي
دار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت غداً أفٍّ لها من مَربعِ(5)
وقراره الأحزَان والأوجَال والأو ... جاع والأشجان والمتوجع(6)ِ
أين الذين خدعتهم بحلاوةٍ ... وطلاوَةٍ ومصانعٍ وتصنعِ
ومَحافلٍ محشودةٍ ومنازِلٍ(7) ... مَعمُورة ومعَاقِلٍ وتمنَّعِ
كانوا مُلوْكاً فيك ثمت أصبحوا ... تحت الثرى في كل قبر(8) بَلقعِ
شربوا بكأس مرَّة ما دونها ... من مَلجإِ أبداً ولا مِن مَدفعِ
__________
(1) في الصلة: يعقوب بن هبة القلوة.
(2) في (ب): من حملة أهل الكتاب العزيز.
(3) في (أ): المعلجة.
(4) في (أ): الذي.
(5) في الصلة: مرتع.
(6) في الصلة: وقرارة الأحزان والأوجال والأفزاع والأوجاع والمتوجع.
(7) في الصلة: وجحافل محشودة ومجادل.
(8) في نسخة من الصلة: قفر.

أتغرّني دارُ الفناء بزينَةٍ ... مقطوعَةٍ في ظلها المتقطعِ
هَيهَات ذاك وقَد سمعت صفاتها ... بكلام مولانا البطين الأنزعِ
هذَا جَوابُ الكينعي وإنَّه ... بلسان حال أخِي العفاف الأورعِ
العالم العلم التقي الفاضِل ... المتنفل المتبتل المتطوع(1)
العابد المتزهِّد المتجرد المتجه ... ـد(2) المتسجّد المتركع
ما زال بين عبَادةٍ وزهَادةٍ ... وتلاوَةٍ وتخضُّه وتخشُّعِ
كانَت إذا قرَعت مسَامِع أذنهِ ... عظة يود بأنها لم تقرعِ
إذ كان من خوف يموت بجسمه ... والقلب منه في المحَلّ الأرفعِ
وإذا ذكرت الله جَلَّ جلالُه ... أسقى بهاء خدوده بالأدمعٍ
فكأنما وقفَت به أفكاره ... فوق الجحيم وفي الجنَان الأربعِ
فيذوب مِن وجَلٍ ويَهفو قلبه ... بالشوق بين تخوُّفٍ وتطمُّعِ
كان الظلام إذا سَجى أبصَرته ... كالقَوس بين تسجّد وترَكعِ
حيناً وقام إلى الصلاة وساعَة ... وجثا جَثو السَّائل المتضرِّعِ
وَيُسَرُّ لو أن يستطيل له الدُّجى ... ويسُوؤُه في الفجر قرب المطلعِ
وإذا رَأيت رَأيت أصفَر خاشعاً ... كمقَدَّم للقتل بين الأقطعِ(3)
قد ماتَ إلاَّ أنَّ في أعضَائِه ... حركات حيِّ القلب واعي المسمعِ
متبَلّداً في أمْرِ دنياه وَفي ... أخرَاهُ يَا لَك مِن ذكيٍّ لوْذعي(4)
عبد(5) الصلاة وسيِّد السَّادَات في ... فَضْلٍ وفي كرَمٍ ومجْدٍ أرفع
وأخو مرَقَّعَةٍ أحبُّ إليهِ مِنْ ... إكليل قيصَر في الملوك وتبع
حفظ الحديث مِنَ الوَصيِّ وقولَه ... رقَّعتُ واستَحيَيْت من مترقعِ
وتراهُ مِن صَومٍ كأَنَّ عظامَهُ ... قطع الأخِلَّة آذنت بتقطعِ
وأضالعٍ دقت لدقة فكره ... والفضْل أجمَع تحت تلك الأضلعِ
__________
(1) في (ب): المتوضع.
(2) لعلها: المتهجِّد.
(3) في الصلة: فوق الأنطع.
(4) لوذعي: اللوذعيّ: الخفيف الذكي، الظريف الذهن، الحديد الفؤاد، واللسن الفصيح، كأنه يلذع بالنار من ذكائه. (القاموس المحيط ص702).
(5) لعلها: عند.

يأيها القَبْرُ الَّذي في صعدة ... لأجلِّ مقبور به ومودعِ
أعلمت أنك روضة مخضرة ... مفترة في زهرها المتضوع(1)
بالمودع الملحود فيك ويا له ... من مودع بك ياله من مودع
فيك الزَّهادة والعبادَة كلّها ... والعلم والورع الشحيح بأجمَعِ
تاللَّهِ إنّك قد جمعتَ من التقى ... وعبادة الرَّحمنِ مَا لم يجمَعِ
كُن مضجَعاً لفتىً مضت ليلاته ... متجانفاً(2) عن طيبات المضجَعِ
يا يَوم إبراهيم كُل مفجَّعٍ ... بسوَاك في التحقيق غير مفجَّعِ
مِن أين مِثل أبي السَّعادَة في الورى ... يهْدِي إلى نهج الْهُداة الأوْسَعِ
إن العبادة بعده محزُونَة ... محرَابُهَا يبكي بأغْزَر مَدْمَعِ
وكذَا التلاوة والذين أفدتهم ... منهاج فضلك يا لهُ من مهْيَعِ(3)
يحيَى الَّذي يحيَا الْهُدى بحيَاتِهِ ... أعني رضيع هُدَاك أزكى مرضعِ
ما زَال مقطوع الفؤاد موَلعاً ... رغباً لمقطوع الفؤاد مُوَلِّعِ
يبكي عليك بقلبه وبعينهِ ... جزعاً ومن هذا الذي لم يجزعِ
لكن تجرَّع من فراقك غُصَّة ... هي عنده سلسَاله المتجرعِ
قد قال إذ عذلوه من برحائه ... ودموعُه كاللؤلؤ المتقطعِ
ليسَت دمُوعي هَذِه بمَدامعٍ ... لكنَّها كَلِمُ الخطيب المصقعِ
كانت فرائد لؤلؤٍ من وَعظهِ ... في مسمَعي فتحدَّرت من مدمَعي
قد كان واعظي الخطيب ولم يكن ... في جمعَةٍ أبداً ولا في مجمَعِ
لكن بأوقات السَّعَادَة كانَ لي ... فيهَا محاسِن وعظه المتفرعِ
ومنَ البَليَّة غِيْبَتي عن قَبْرهِ ... في صَعْدَةٍ قد كانَ يوم تجمع
خرجُوا بهِ في صُبح يومٍ أكسَفت ... شمس النهار بهِ لأمْرٍ مفضِعِ
يا ليت أني كنت حاضرِ موتهِ ... فأكُونُ بينَ مودّعٍ ومشيعِ
وأكونُ من حمَّالة النعش الذي ... حمَلته أجنحَة الكرام الرّكعِ
__________
(1) في (ب): المتقطع أو المتنوع.
(2) متجانفاً: تجانف: تمايل. (القاموس المحيط ص 736).
(3) المهيع: الطريق.

أصرَيع آيات الوعيد إذا تلا التَّـ ... ـالي وردَّد(1) منطق المترجعِ
وطبيب أسْقام الذنوب وراهم الأقراح من نغل الفؤاد الموجعِ
[مَنِ تصْرَعُ الآيات بعدك خشية ... هيهَات بعدَك ما لها من مصرعِ](2)
ومَن المداوي ذي القلوب إذا شكت ... رين الذنوب وشرب سمّ منقعِ
يا نفس إبراهيم أنت كريمة ... في داره بدعائه لمَّا دُعِي
أنت المرادة عند ربّك فاسمعي ... بالمطمئنَّة حين قال لك(3) ارجعي
صَلَّى عليك الله نفساً أزلفت ... في الخلد في غرف القصور الرَّفعِ(4)
قال السيد الهادي بن إبراهيم بن الوزير: لكل بيتين(5) عارفة من جزاءٍ، وعارفتي في هذه الأبيات على الله. انتهى

إبراهيم بن أحمد بن علي الأكوع [ - ق 7](6)
__________
(1) في الصلة: ورجَّع.
(2) البيت ليس في صلة الإخوان، وفيها بيت آخر وهو:
وطبيب أسقام الذنوب ومرهم الـ أفراح من ثفل الفؤاد الموجع
(3) في الصلة: لها.
(4) لعلها: الرُّفع.
(5) في (ب): لكل تأبين عارفه.
(6) من مصادر ترجمته أيضاً طبقات الزيدية الكبرى (تحت الطبع) ترجمة رقم 14 قال إبراهيم بن علي بن الحسن بن أحمد الأكوع، ويقال: إبراهيم بن أحمد بن علي، والأول أشهر، أخذ على عمه أحمد بن محمد الأكوع (شعلة) قال: مما سمع عليه (المجموع) لزيد بن علي و (أمالي أحمد بن عيسى) و (حديقة الحكمة) وكتاب (الشهاب) للقضاعي، وكتاب أنساب الطالبية، قراءة وإجازة ومناولة وغير ذلك، وأخذ عنه الإمام المطهر بن يحيى، والسيد محمد بن المرتضى الحسيني، أخذا عنه كتاب الأنساب، قلت: وعن الطبقات ومطلع البدور ترجم له السيد القاسمي في الجواهر المضيئة والأكوع في أعلام الأكوع ص 26 وفي هجره.

الفقيه العارف القاضي إبراهيم بن أحمد بن علي الأكوع - رحمه الله - كان شيخاً معمَّراً عالماً، أخذ عن الحافظ شعلة وعن غيره، وأخذ عنه الإمام المطهر بن يحيى - عليهم السلام - ورأيتُ له ترجمَة - رحمه الله - وفيها ذكر مبلغ عُمُرِه، وأنه تعمَّر كثيراً وقبره بِحُوث(1)، ولم تحضرني الترجمة - رحمه الله تعالى -.
إبراهيم بن أرج العراقي الزيدي [ - ق 5] (2)
الشيخ العالم إبراهيم بن أرج العراقي الزيدي - رحمه الله تعالى - كان فاضلاً، وهو الذي رَوَى أنَّ متظلماً شكا إلى المؤيَّد بالله من علي بن سرحان(3) على عظيم منزلته وكونه الأمير على ناحية سنحان(4)، فأمر الإمام - عليه السلام - علي بن سرحان أن يقف مع خصمه، فادَّعى عليه بقرة، فأنكر علي بن سرحان، ولم يكن للمدَّعي بينَة فحلَّف الإمام علي بن سرحان(5) المذكور، ثم قال المدعي: ما غرضي هذا إلاَّ ليعرف الناس أن في الزَّمان إماماً يتساوى عنده الملِك والبقار. انتهى
إبراهيم بن إسحاق [ - ق 4]
الشيخ العلامة(6) الكبير إبراهيم بن إسحاق، صاحب الهادي - عليه السلام - وعين وقته، واستمرت أيامه حتى بايع للناصر، وكان من عيون زمانه، ذكر ذلك عبد الله بن عمرَ - رضي الله عنه - وجعله من نضراء محمَّد بن سَعيد، وأبي جعفر محمد بن سليمان الكوفي رحمهما الله تعالى.
__________
(1) حوث بضم الحاء المهملة وسكون الواو بلدة مشهورة في الظاهر الأعلا من بلاد حاشد (معجم المقحفي ص: 198).
(2) سيرة الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسن الهاروني خ، تأليف الإمام المرشد بالله خ.
(3) في سيرة المؤيد بالله: علي بن سرجاب.
(4) في (ب): منتحان.
(5) في سيرة المؤيد بالله: علي بن سرجاب.
(6) في (ب): العالم.

إبراهيم طباطبا بن إسماعيل الديباج [ - ق2ه] (1)
سيد السَّادات، أبو الأئمَّة، بركة المسلمين، إبراهيم طباطبا بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي وصي رسول الله صلى الله عليه وابن عمّه، فضله أشهر من الشمس، فلا حاجة إلى التطويل لقصد التعريف بحاله، وإنما هو للتبرك باسمه عليه وعلى سلفه الصلاة والسلام، قالوا: لُقَّب بطباطبا؛ لأن أباه أراد يقطع له ثوباً وهو طفل، فخيَّره بين قميص وقبا، فقال: طبا طبا، يعني: قبا قبا، وقيل: بل السواد، وطباطبا بلسان القبطيّة سيّد السَّادات ، نقَل ذلك أبو نصر البخاري /27/ عن الناصر للحق(2)، وكان ذا خطر وتقدم ورياسة، وعقبه أنفع عقب كما تراه، وتشاهده، وإن كان أهل بيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كلهم بركة للإسلام ونفع، شملنا الله ببركاتهم.
__________
(1) إبراهيم طباطبا من مصادر ترجمته: عمدة الطالب ص 199، وفيها نص سبب تسميته عن أبي نصر البخاري عن الناصر للحق سيرة الإمام المنصور بالله القاسم العياني تأليف القاضي الحسين بن أحمد بن يعقوب تحقيق الحسني ص 143، وفي مشاهد العترة الطاهرة لعبد الرزاق كمونه ص 288، ونقل عن حميد المحلي في الحدائق أنه مات في حبس الهاشمية.
(2) عمدة الطالب ص 199.

كان سكنه - عليه السلام - بوادٍ في شامي ينبع(1) يسمَّى العيص(2)، وذكر المنصور بالله الإمام القاسم بن علي - عليه السلام - فيما رواه الحسين بن أحمد بن يعقوب حكاية له غريبة، قال الحسين بن أحمد: وسألناه - يعني القاسم بن علي - عن روايةٍ رويت عن جدّه القاسم بن إبراهيم - عليهما السلام - أنه صحبُه إنسان شيعي له، فلمَّا خلوا اغتر الإمام، فأنشط في حلقه وتَراً معه فقطع(3) الإمام القاسم بن إبراهيم الوتر بمبرأة كانت معه، وقتله، فسألناه ما صحة ذلك؟ فقال: ما نعرف هذه الرواية ولا روَى لنا أحد من سلفنا أنه قتل في عصره أحداً، ثم ذكر أباه إبراهيم بن إسماعيل فقال: كان أبوه إبراهيم بن إسماعيل بوادٍ في شامي ينبُع يسمَّى العيص يعمر(4) بعض ضياعه، وكانت قد ظهرت دعوته، وشهر استحقاقه للمقام، فكان الخليفة يخافه لذلك، فلم يزل يعمل فيه حتى أرسل من أحاط به في ضيعته وهو في غفلةٍ من أمره، فقُبِض - عليه السلام - ومضوا به حتى أوصلوه الخليفة، فلمَّا وصل(5) جعلوه في السجن والخليفة يومئذٍ ببغداد في سجن العَامَّة فطوَّلوا سجنه، وأثخنوه بالحديد،
__________
(1) ينبع، قال في معجم البلدان 5 /450 هي عن يمين رضوى لمن كان منحدراً من المدينة إلى البحر على ليلة من رضوى من المدينة على سبع مراحل وهي لبني حسن بن علي، وكان يسكنها الأنصار وجهينة وليث، وفيها عيون عِذاب صغيرة، وواديها بليل.. الخ، قلت: وهي اليوم مدينة شهيرة في السعودية.
(2) والعيص، من أودية المدينة كما في هامش سيرة الإمام المنصور ص163 نقلاً عن وفاء الوفاء 4/ 1270، وفي معجم البلدان 4/173: موضع بلاد بني سليم، به ماء يقال له ذيبان العيص، قال: وقال ابن إسحاق في حديث أبي بصير: خرج حتى نزل بالعيص من ناحية ذي المروة على ساحل البحر بطريق قريش التي كانوا يأخذون منها إلى الشام.
(3) في النسخ: فقطعه، وفي سيرة الإمام المنصور: فقطع.
(4) في السيرة: يغمر.
(5) في السيرة: وصلوا.

وكان أخذه وولده القاسم حمْل في بطن أمِّه، فأقام في السجن سبع عشرة سنة، ثم عمل فيه رجل من شيعته من أهل المدينة مع بعض الحبَّاسين، فلمَّا أسعفه، واستخرجه في ساعة غفلة من الناس، وكان شيعيَّه هذا حطاباً والحطب هنالك يجمع، ويحتكر حتَّى ربما اجتمع عند صاحبه مثل التلِّ، فعمل في وسط ذلك الحطب بيتاً من الحطب، وفيه مصالحه ثم أدخله إياه، فلمَّا فقد من الحبس طلب، وحفظت أقطار الدُّنيا عليه، وقلبت المدينة كلها خزائنها(1) ودهاليزها(2) ومنازلها فلم يجدوه مع ستر الله وعونه لوليّه، فأقام في ذلك الحطب سنَة، فلمَّا دار عليه الحول اكترى له صاحبه في الموسم محملاً، وجعل كراءه لامرأة، فكان في ذلك المحمل يحجب، ويصان كما تصان الامرأة حتى وصل مكة، ودخل في الناس، وتنكَّر، وخرج يلتمس أهله وأولاده، وكان ولده القاسم لمَّا ولد بعده شبَّ، ونشأ أديباً لبيباً عالماً جواداً، فانتقل بأهله إلى جبال الأشعر(3) وتحرَّز فيها من الظالمين، فلم يزل أبوه يسير حتى وصل منازل أهله، فأتى فنَاء ولده، ووجده قاعداً في حلقةٍ في جماعة وهو فيهم منظور إليه، مردود مجلس الجماعة عليه، فتوسمه فقال: إن كان عاش ولدي فهو هذا. فسلَّم على الجماعة فردُّوا أحسن التحيَّة عليه وقال: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا القاسم بن إبراهيم، قال: فأين أبُوك؟ قال: في رحمة الله، قال: فأنا هو، قال: غلطت [قال] (4) ليس كما قلت إن له منذ قبض وقتل ما يداني العشرين سنة، قال: فأنا هو قد حبست، وطال ذلك،
__________
(1) في السيرة: خرابها.
(2) الدهليز بالكسر ما بين الباب والدار، فارسي معرَّب، والجمع الدهاليز (مختار الصحاح 213).
(3) الأشعر: بالفتح ثم السكون وفتح العين المهملة وراء الأشعر: جبل جهينة ينحدر على ينبع من أعلاه هامش السيرة ص 144 عن وفاء الوفاء 4/ 1126، وفي معجم البلدان 1/ 198: الأشعر بالفتح ثم السكون وفتح العين المهملة وراء.
(4) سقط من المطلع وهو في السيرة.

وسلمَّ الله، ثم أخلاه من الجمَاعة، ثم سأله أعاد عمتك فلانة وأمَّك فلانة وأختك، وسأله عن أهله، فقال [له](1): دع عنك هذا، فإنه ربَّما يأتي بعض مردة بني آدم بمثل هذا، ولم يقربه إلى معرفة فقال: امض إلى أهلك فأعلمهم بما ذكرت لك، فمضى إلى أهله فأخبرهم بخبر أبيه ونكرته له، فقالت له أمّه: على أبيك علم لا ينكر(2)، قالت: في صدره ضربتان بسيف معترضتان على ثدييه(3) أثرهما لا يغبا، فإن كان ذلك فهو أبوك. فعاود إليه فقال له: في صدرك ضربتان أثرهما بادٍ ؟ فقال: نعم، فأراه ذلك، فلمَّا أراه حق معرفته، وتبادرت عيناه لذلك، واعتنقه، وقدَّمه إلى فلم ينكروه حينما رأوه، فهذا ما يجري على الصَّالحين في جنب(4) الله من أعدائه.
إبراهيم بن إسماعيل بن علي بن إبراهيم [ - ]
الإمام الكبير شيخ الأئمَّة والعلماء، صدر زمانه إبراهيم بن إسماعيل بن علي بن إبراهيم بن الحسن بن عبد الله بن العبَّاس بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - إمام كبير وأستاذ خطير، أخذ عنه جلة من العلماء وهو شيخ شيخ أبي العبَّاس الحسني، وذلك أنَّ أبا العبَّاس تلميذ أحمد بن سهيل(5) الرازي، وأحمد بن سهيل(6) أخذ عن إبراهيم هذا.
إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم الحياني [ - حياً 595ه]
__________
(1) سقط من المطلع وهو في السيرة
(2) لعل هناك كلاماً سقط بعد قوله: لا ينكر، فلعله قال: وما هو ......
(3) في السيرة: ثديه.
(4) في السيرة: في حب الله.
(5) لعله: سهل، انظر أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (84).
(6) لعله سهل.

السيد الإمام الحافظ إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم الحياني، كبير العلماء ورحلتهم، قرأ عليه عمرو بن جميل النهدي الزيدي شيخ الإمام المنصور بالله، وسمع عليه عمرو بن جميل أمالي السمَّان الزيدي بقرية الحي من رستاق الري(1) سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وقال عمرو: هو الإمام العالم الزاهد الورع التقي النقي شهاب الدين عماد الإسلام والمسلمين، مفتي الشريعة، مقتدَى علماء الشيعة، وسنذكر - إن شاء الله - شيخه عمرو بن جميل في ترجمة يحيى بن إسماعيل الحسيني الإمام الكبير(2).
إبراهيم بن إسماعيل المعروف ببارستان(3)
الشيخ المحدّث الثقة مسند العراق إبراهيم بن إسماعيل المعروف ببارستان(4) الاستراباذي(5)، كان شيخاً عالماً إماماً في الحديث، قراءته على المستعين بالله علي بن أبي طالب بن القاسم الحسني الذي ترجم له الحفاظ، ومن تلامذته الشيخ الإمام أستاذ العارفين(6) عبد الحميد بن عبد الغفار بن أبي سعد الاستراباذي أستاذ الكني - رحمهم الله جميعاً - ذكر ذلك الشيخ علي بن حميد القرشي.
إبراهيم بن أحمد بن أبي الأسد [ - ]
__________
(1) الري: مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن بينها وبين نيسابور مائة وستون فرسخاً وإلى قزوين سبعة وعشرين فرسخاً، سميت الري أي (العجلة) بالفارسية، وقيل: وللري قرى كبار كل واحدة أكبر من مدينة، والري ذات تأريخ كبير، انظر معجم البلدان 3 /116 - 122.
(2) هو ومن يليه واحد كما ترجمه في الطبقات الكبرى رقم (5) تحت الطبع.
(3) انظر الطبقات الكبرى ترجمة (5).
(4) في (ب): ببارسان.
(5) الاستراباذي، نسبة إلى استراباذ، وهي بلدة من بلاد حازندران بين سارية وجرجان، انظر الأنساب للسمعاني 1/ 130 - 132.
(6) في (ب): أستاذ العراقين عبد المجيد بن عبد الغفار بن أبي سعد الاستراباذي، وفي طبقات الزيدية الكبرى 1/67: عبدالمجيد بن عبدالحميد الاستراباذي.

القاضي العلامة إبراهيم بن أحمد بن أبي الأسد، ولي جهة شظب من جهة الإمام المنصور بالله، ولعلنا قد نقلنا له ترجمة، وكان إليه الخطبة، واتصل بحصونه، وقبض الحقوق(1).
إبراهيم بن بالغ الوزيري [ - ق5ه تقريباً](2)
الفقيه العالم الكبير إبراهيم بن بالغ الوزيري، من أهل مدر(3) من المشرق من أرض حاشد، صحب أبوه الهادي إلى الحق - عليه السلام - /29/، فأخذ عنه أصول الدين سماعاً، واستثبت في علمها حتى كان إماماً، وتفرد(4) بنفسه، وانقطع عن الناس في كثير من أمره، ولزم الخمول، ولم ينتصب للرِّياسَة انتصاب من يحب الثناء ويريد السمعة، فغفل عنه من تعرَّض لغيره من أهل الدنيا، وجعل الهمَّ هماً واحداً حتى لقي ربَّه نافعاً منتفعاً في دينه مستريحاً من أذيَّة الطغام وسفهاء العوام، وبسببه - والله أعلم - صارت مدر من منازل الصَّالحين.
إبراهيم بن بشر القاسمي [ - ]
__________
(1) سبقت ترجمته باسم إبراهيم بن أحمد الحاشدي، وقد ذكر في السيرة المنصورية في أكثر من موضع باسم إبراهيم بن أحمد بن أبي الأسد القهمي، وباسم إبراهيم بن أحمد بن أبي الأسود الأقهومي، وسبق الكلام عنه.
(2) ترجمه في الطبقات الكبرى القسم الثالث، تحت الطبع برقم (9)، ومن مصادره طبقات مسلم اللحجي خ، والجواهر المضيئة عن الطبقات خ، قال في الطبقات: يروي أصول الدين سماعاً عن أبيه عن الهادي للحق، وسمع عليه علي بن محفوظ الزيدي، قال: وذكره مسلم اللحجي، وذكر في موضع أن إبراهيم يروي عن الهادي وعن المرتضى محمد بن يحيى.
(3) مدر بفتح أوله وثانيه قرية باليمن على عشرين ميلاً من صنعاء، وهي قرية عامرة في أرض كانت هجرة علم، وبها آثار قديمة تعود إلى ما قبل الإسلام (مجموع الحجري 4/ 698).
(4) في الطبقات الكبرى 1/ 261: يتفرد بنفسه.

السيِّد العلامة النسَّابة إبراهيم بن بشر القاسمي - رحمه الله - كان من علماء أهل البيت - عليهم السلام - مطلعاً على الأنساب، مرجوعاً إليه فيها وفي غيرها، وهو من أولاد أحمد المعروف بالخضر بن جعفر بن الإمام القاسم بن علي.
إبراهيم الغمر بن الحسن [76 - 145ه تق](1)
السيّد الطيّب المطيب الزاكي إبراهيم الغمر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، إمام جليل القدر عظيم المنزلة، وناهيك بشرفه وتبسطه في بحبوحَة الشرف العالي، وسمِّي بالغمر لجوده، ويُكنَّى أبا إسماعيل.
قال السيد النَّسابة ابن عنبة: وكان سيداً شريفاً، روى الحديث، وهو صاحب الصندوق بالكوفة مزار قبره(2)، وقبض عليه أبو جعفر المنصور مع أخيه، وتوفي في حبسه سنة خمس وأربعين ومائة، وله تسع وستُّون سنة، وروى ابن عنبة عن بعض المتكلمين في شأنه: أنه مات قبل الكوفة بمرحلة، وسنُّهُ سبع وستون، وكان السَّفاح يكرمُه، وهذا الإمام أشهر من أن يذكر، وإنما هذا تبرك بذكره - عليه السلام - وعلى سلفه وعقبه الطاهر سلام الله ورحمته وبركاته.
إبراهيم بن حميدان القاسمي
السيد الجليل العالم إبراهيم بن حميدان القاسمي - رحمه الله تعالى - ذكره أبو فراس بن دعثم، ووصفه بالفضل والصدق، وروي عنه أنه قال: كنت شاكاً في أمر الإمام - عليه السلام - مخطئاً في أفعَاله وأقواله وأنا أسر ذلك من العوَام، وأظهره على من أثق به وأنا أظن أني مصيبٌ، فرأيت في النوم ذات ليلةٍ شخصاً ينشد بصوتٍ حسن:
الحمد لله عزَّ الدين وارتفعا ... ونصر آل رسول الله قد طلعَا
__________
(1) عمدة الطالب ص 78/ مقاتل الطالبيين 172، أعيان الشيعة 2/124 - 125. (التحف شرح الزلف ص: 91).
(2) في عمدة الطالب: وهو صاحب الصندوق بالكوفة يزار قبره، قال محقق عمدة الطالب: قبره قريب من كرى سعد بن أبي وقاص المعروف على يسار المجنة الجديدة للذاهب إلى شريعة الكوفة وهو مزار معروف حتى اليوم.

والأرض معشبَة من بعد ما مَحِلت ... وراح عن جانبيها الظلم وانقشعَا
وذا بعبد الإله الطهر مالكنَا ... العالم العلم العلاَّمة الورعَا
فيا لآل عليٍّ آل فاطمةٍ ... يا(1) آل هاشم يا للمسلمين معَا
أوبُوا إليهِ معاً من كل ناحيةٍ ... بالصَّافِنات وخلو الكبر والطمعَا
قال الشريف المذكور: فعُدت على ما كنت عليه، وعلمت أن قد أخطأت في أمري، وظلمت نفسي، وأثمت في اعتقادي في الإمام - عليه السلام - وعلمتُ أن هذه الرؤيا لطف من الله، فتبت إليه من سوء فعلي.
إبراهيم بن حسن
الفقيه الفاضل العالم إبراهيم بن حسن من هجرة الأوطان، ترجم له ولأخيه موسى (وابن أخيه موسى)(2) وابن أخيه الحسن السيد العارف العابد يحيى بن المهدي، قال في حق إبراهيم: كان من العلماء الأفاضل، وكان من عيون القادة الأماثل، وكان درسه هو وأخوه موسى على السيد الإمام المهدي بن القاسم(3) - عليه السلام - والتحيَّة والرضوان./30/
إبراهيم بن الحسن بن سعيد(4) [ - 1071]ه
__________
(1) في (ب): يال هاشم.
(2) زيادة في (أ).
(3) في (ب): بن قاسم.
(4) من مصادر ترجمته: تحفة الأسماع والأبصار (سيرة الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم)، وأعلام المؤلفين الزيدية ص: 48، ترجمة (8)، ومنه: ملحق البدر الطالع ص: 5، وفهرس مكتبة الأوقاف بالجامع الكبير ص: 176، هامش تاريخ اليمن (مختصر عن طبق الحلوى لابن الوزير ص: 100، 172) ومؤلفات الزيدية 3/152، بغية المريد - خ - ومطلع البدور - خ - (وهو هذا الكتاب الذي بين يديك).

القاضي العالم حوَاري أمير المؤمنين صارم الدين إبراهيم بن الحسن بن سعيد بن محمد بن جابر بن علي بن عواض بن مسعود بن علي بن حسن العتابي النوفي المعروف بالعيزري، ونسبه إلى بني نوف بطن من همدان يسكنون جبل أهنوم، كان رفيع المنزلة كثير المكارم، مراقباً لحقوق الله - عزَّ وجلَّ - توَلَّى القضاء والكتابة لإمام الزمان المتوكل على الله - أيَّده الله وحفظه - وانتقل إلى جوار الله بصنعاء المحميَّة في شهر ربيع الأوَّل(1) سنة إحدى وسبعين وألف عند وفادة الإمام - سلام الله عليه - إليها متوجهاً إلى شهارة، ولم يكن بينه وبين السيِّد العلامة أحمد بن الهادوي بن هارون الهادوي في الوفاة إلا أيام قليلة، وكان صديقاً له، واتعظ القاضي بموت السيد رحمهما الله، وبلغني أنه لمَّا تم قبر السيد - رحمه الله - تفوَّه القاضي - عادَت بركاته - كالمتمني لجواره، وقبره بجوار قبره، فما كان إلا أيام نحو أسبوع أو أكثر بقليل، وقد نقل إلى جوار الله - رحمة الله عليه -.
إبراهيم بن الحسين بن محمد
الفقيه الفاضل المحقق صارم الدين إبراهيم بن الحسين بن محمد بن علي النحوي، ومحمد بن علي هذا هو محمد بن علي بن أحمد بن أسعد المشهور بسابق الدين بن يعيش إمام النحو وسلطان علمائه، وسيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى - ترجم للفقيه صارم الدين بعض أولاده العلماء الكملاء آل النحوي أعاد الله علينا من بركاتهم، وهؤلاء أهل بيتٍ شهير فضلهم سامٍ وللَّهِ الحمد، قدرهم أهل عبادة وزهادة وفضل واسع، ولم يذكر المترجم له متى كان مولده ولا وفاته - رحمه الله تعالى -.
إبراهيم بن حثيث الذماري(2) [ - 1041]ه
__________
(1) زيادة في (ب): من شهور.
(2) من مصادر ترجمته: طبقات الزيدية الكبرى (القسم الثالث) 1/68 ترجمة (8) ومنه: النبذة المسيرة - خ - المستطاب - خ - الجامع الوجيز - خ - ملحق البدر الطالع ص: 4.

الفقيه العارف المذاكر حجَّة أهل الفروع إبراهيم بن حثيث الذماري، من قرية ذي العليب من بلاد جهران، وليس من الفقهاء(1) بني حثيث أهل القبَّة(2) الذين ينتسبُون إلى الفقيه محمد بن حثيث، فإن محمد بن حثيث أصله من قايفة(3)، وكان فاضلاً أيضاً، كان إمام الفقه محققاً مناظراً قليل النظير في الإصابة والحفظ وجودة النظر، وعليه يُعوِّل الفقهاء، ورجع شيوخه إليه في أوائل أمره وغصن علومه رطيب، واتفق في أوائل مَنْشَئِهِ تردد مع فقهاء مدينة ذمار وهم أهل الورع والتحفظ إلى حدٍ تقصر عنه العبارة، سمعتُ شيخنا العلاَّمة إبراهيم بن يحيى السحولي عند ذكر أحوالهم في بعض الأيام يقول: لو اتفق أولئك العلماء في(4) مسألة ما استجزت خلافهم، لما يراه من الحفظ للعلم والتحفظ في العَمل، فدار بينهم إشكال أوجب أنهم يتجنبون الوضوء بماء المدرسة الشمسية بذمار، وذلك أنه تولَّى نزع الماء من البئر ولد دون التكليف، فقالوا: هذا(5) على أصل الإباحة، والمباح يملكه الناقل له أو المحيي على قواعد المذهب فهو إذاً ملك للصبي فبأي وجهٍ خرج من ملكه وإباحته، كلا إباحةٍ فتنبَّه القاضي إبراهيم للمسألة وقال: إن ذلك فيما كان مباحاً لم يسبق فيه حق، أمَّا ما قد سبق فيه حق فلا يملكه الفاعل، فطالبوه بالمأخذ فأبرزه من كتب المذهب الشريف فتوضؤوا، واطمأنت نفوسهم. وتعمَّر القاضي صارم الدين مدة وتأخرت به الأيام /31/ حتى وفد على الإمام الأجل المؤيَّد
__________
(1) لعلها: فقهاء.
(2) ذكرها المقحفي في معجم البلدان والقبائل اليمنية ص: 506 باسم قبة حثيث، وقال: قرية في قاع جهران وتعرف باسم عليب، تهدم منها 98 منزلاً في زلزال ديسمبر 1982ه. انتهى
(3) قائمة: وتسمى أيضاً قيفة من قبائل رداع وهي بطن من مراد، ومن أقسامها: قيفة ولد ربيع، وقيفة آل غنيم، وقيفة آل محسن يزيد، وقيفة آل مهدي (انظر المصدر السابق ص: 528).
(4) في (ب): على.
(5) في (ب): زيادة: الماء على أصل.

بالله ابن الإمام المنصور بالله - عليهما السلام - وأجلَّه الإمام وعظَّم قدره، وكان في الحضرة علماء منهم القاضي العلامة سعيد بن صلاح الهبَل - رحمه الله - وكان إمام الفقه، فأثنى على القاضي صارم الدين، وشوَّق ألباب الطلبة للقائه، وحثهم على سماع (معيَار النجري) عليه؛ لأنه خرِّيته(1) الماهر فعوَّل(2) عليه إمامنا المتوكل على الله حفظه الله، فاشترط للسَّماع حضور نسخة صحيحة معيّنة، وقرؤوا عليه، وحضر الأعيان، ولم يبعد القاضي سعيد عنهم وقت السماع، ولكنه استنكر تبلد طبع القاضي وأنه لم يبق على عهده، وكان القاضي صارم الدين لا يبالي بالجهال ومن لا يتحرَّز في دينه، وكان يأخذ دراهم على الفتيا، فذاكره تلميذه القاضي العلامة محمد بن صلاح الشامي(3)، فقال: هؤلاء بأيديهم حقوق لله تعالى وولاتهم يومئذٍ الأتراك، وأظهر للقاضي محمد بن صلاح شواهد أن تلك الدراهم كانت [تصل](4) إلى الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد - أعاد الله من بركته - ولم أتيقن اسم والده فكتبته في هذا المحل والله الهادي، ووفاته يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة إحدى وأربعين وألف.
إبراهيم بن خيران [ - ](5)
الشيخ العلامة ترجمان علوم الأئمة صارم الدين إبراهيم بن خيران، من أجلاء العلماء والأعلام الأجلاء، وهو الذي ينسب إليه بعض العلماء (الكامل المنير)، وبعضهم ينسبه إلى نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم، وناهيك بهذا الشيخ الذي التبس ما صنفه بما صنفه هذا الإمام الجليل - رحمهم الله جميعاً - ومن اطلع على هذا الكتاب علم محل الفقيه المذكور من العلم.
إبراهيم بن سليمان بن أحمد [ - 722ه]
__________
(1) خرِّيته: الخِرِّيت كسكّيت: الدليل الحاذق. (القاموس المحيط ص152).
(2) في (ب): معول.
(3) في (ب): محمد بن صلاح السلامي.
(4) سقط من (أ).
(5) أعلام المؤلفين الزيدية ص: 50 ترجمة (11).

الفقيه الفاضل العارف إبراهيم بن سليمان بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن المعروف بأبي الرجال بن سرح بن يحيى صنو الفقيه الفاضل إمام المذاكرين صاحب (الروضة)(1) محمد بن سليمان، ترجم لإبراهيم صنوه العلامة موسى بن سليمان الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى - وأثنى عليه بما يستحقه، وقال: توفي في أوَّل يوم من ربيع الأول من شهور سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، قلت: وقبره بالطفّة المشهورة بظفار - رحمه الله تعالى -.
إبراهيم بن طماح [ -]
الفقيه العالم إبراهيم بن طماح من هجرة ذي حُوْد(2) من بلاد المقُري، عالم تقي له خزانة كتب ومقام فاضل - رحمه الله تعالى -.
إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أبي النجم [ - ]
القاضي العلامة حاكم المسلمين إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أبي النجم، قاضي صعدة المحروسة وحاكمها ومفتيها في الحلال والحرام وعالمها، كان قاضياً فاضلاً ممدحاً بالشعر، وأهل بيته أهل مكارم عديدة، وسيمر بك ذكر جماعة من أهل بيته في أثناء هذا الاختصار، وذكر نسبهم وتوليهم للقضاء كما سيأتي من أيام عمر بن الخطاب، ولله القائل:
الأسعدون بنو أبي النجم الأُلى ... ظعنوا وثوب الدهر منهم عاطرُ
المنعمُون ولا جواد منعم ... والمطعمون ولا كريم ناحرُ
والطيبون فلا فعال آثمٌ ... والحاكمون فلا قضاء جائرُ
__________
(1) ويسمى الروضة في فروع الفقه، لمحمد بن سليمان بن أحمد المعروف بابن أبي الرجال، جمعها عنه تلميذه محمد بن أحمد بن سلامة بن أبي الحبيش (انظر أعلام المؤلفين الزيدية ص: 903).
(2) هجرة ذي حود هجرة عامرة معروفة من مخلاف المنار (مخلاف مقري) وأعمال آنس في الغرب من ذمار مع ميل نحو الشمال، وتبعد عنها بنحو ثلاثين كيلو متر (هجر الأكوع 2/ 760).

إن أصبحوا تحت التراب فذكرهم ... مثل على ظهر البسيطة سائر(1)
ولم يمرَّ بي في بيوت الزيدية بعد آل محمَّد - صلوات الله عليه وعليهم - أكثر مناقب من أهل هذا البيت، وكان هذا القاضي صارم الدين ممدّحاً بالشعر، فمن ذلك ما قاله السيد إبراهيم بن محمد بن مدافع الديلمي:
إما بلغت إلى شريف مقامه(2) ... فالثم ثراه تشرفاً بترابه
وانزل بساحة سيِّد من سادةٍ ... يَعلو الأنام بفضله ونصَابه
تلقى لإبراهيم نشر عوارفٍ ... كالمسك ينفح في فناء(3) جلابه
في بُعده ودنوّه ومقاله ... وفعَاله وشفاهه وكتابه
وخلائقاً تحكي الرياض ونائلاً ... متواصلاً والفضل في آدابه
صنو التقى وأخو المكارم والعطا ... وأبو الحيا والمجد من أترابه
إلى آخرها، وقال فيه آخر:
يا أيها القاضي الذي لم يزَل ... في كل حال خلقه مرتضَى
ومن نداهُ عارض واكف ... وعزمُه كالصَّارم المنتضَى
ومن حمَى أحسَاب أسلافهِ ... وحاطها بالفضل أن تقبضَا
ومَن يؤمُّ المجد إن غيره ... عن غيره جنَّب أو أعْرضَا
إنِّي لم أمدحك للمرتجى ... لكنني أثني على ما مضَى
لا زلت أهلاً للهدى والحدَا ... وللمعالي والحجَا والقضَا
واختصرنا ما قيل فيه - رحمه الله تعالى - من التقريض خوف الإطالة، ولمَّا مات أبَّنهُ جماعَة منَ الفضلاء فقال فيه القائل:
لئن غاب من أبنا أبي النجم كوكبٌ ... كريم إلى كل القلوب محبَّبُ
__________
(1) حاشية في (ب)، قوله: الأسعدون إلى آخره، هذه هي في القاضي العلامة صارم الدين إبراهيم بن يحيى بن أبي النجم لا في إبراهيم بن عبد الله كما ذكر المؤلف - رحمه الله - كما هو موجود الآن والحمد لله تمت، وكذلك كلمة السيد إبراهيم بن مدافع الديلمي وما بعدها والترثية في إبراهيم بن يحيى بن أبي النجم، وأمَّا كلمة الإمام المعتضد بالله فهي في إبراهيم بن عبد الله هذا، والجواب عليها وما بعدها فلينظر تمت والله الموفق.
(2) في (ب): إلى شريف جنابه.
(3) في (ب): قناء.

له خلق بالمكرمَات مفضَّضٌ ... وعلم وحلم بالحيَا مذَهَّبُ
حَميٌّ كميّ أريحيّ مشيّع ... عليم بأعقاب الأمور مهَذَّبُ
وَفي قومهِ بأسٌ وعزّ ونجدة ... وليسَ لنا عن مذهب القوم مذهبُ
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دُعوا ... أجابُوا وذكراهم من المسك أطيَبُ
أئمتنا الهادون والسَّادَة الأُلى ... لنا عندهم حقٌّ عظيم ومرحَبُ
زكيُّ الهُدَى والمجد منهم وصنوه ... سُلَيمان والباقون صِيْدُ وأسحبُ
وقد كان إبراهيم للنَّاس عنْ يَدٍ ... وكانَ لنا منه من الماء أعذبُ
/33/
فغادرنا فيه الزمان فيا لها ... مقدرة في صادق ليس يكذبُ
وقد كان إبراهيم جفنة طارق ... إذا جاء والليل البهيم مطنبُ
وقد كان إبراهيم سم محارب ... إذا الحرب يوماً جمرها يتلهَّبُ
فيبكيه خطيُّ وسيف ومنبر ... وكتب وأفراس وحيه ومذهبُ
إلى [آخر] ما قاله ورثاه الإمام المعتضد بالله أمير المؤمنين الداعي بن المحسن:
أرى الموت كل به مرتَهنْ ... فصبراً على حادثات الزَّمنْ
أوائلنا ظعنوا قبلنا ... ونحن بِأثْرِ الذي قد ظَعَنْ
فما أحسن العيش لو أنَّه ... يدوم شِرينا بأغلى الثمنْ
ولكن رأيت صروف الزما ... ن لا تتقى بحصين الْجُنَن(1)
أطفن ببلقيس في عرشها ... وأخرجن من قصره ذا يزنْ
ورعن سلامة ذا فائش ... وأنزلن في هوَّةٍ ذا جَدَنْ
وقيس المتوَّج في حضرمو ... ت وقد عزَّ عصراً فما يمتهنْ
وأقصد أسهمها التُّبَعِيْن ... وزلزلنهم من سوامي القَنَنْ
فهل بعد ذلك مستعتبٌ ... على الدهر في سارح أو يَفَنْ(2)
نظنُّ المنازل أوطاننا ... ونجهل أن القبور الوطنْ
فنخربُ داراً إليها المعاد ... ونعمُر من دارسات الزمن(3)
فمن مبلغٍ قاضي المسلميـ ... ـن وعلام شيعتنا باليمنْ
__________
(1) الجُنن جمع جُنَّة بالضم وهو ما استترت به من سلاع، والجُنَّة: السترة (انظر مختار الصحاح ص: 114).
(2) الشارخ: الشاب، واليَفَنُ محركة الشيخ الكبير.
(3) جاء في حاشية (أ)، (ب): الدمن.

عزاء إليكم تقي الهدى ... بسبطك وارث علم السنن
فنعم السّمي سميَّ الخليل ... رضيع لبَان السخا والمنن
يعزُّ هداك مليك السما ... فإنَّ العزاء يزيلُ الحزَنْ
بموت الرسول وهلك البتو ... ل ومثوى الحسين الرضي والحسنْ
فما دُمت دامت مباني العلا ... لآل أبي النجم في كل فنْ
فقوَيتهم في مساعيهم ... وشدَّدت من أزرهم ما وَهَنْ
وكنتم قضاةً لآل الرسو ... ل تقفُون آثارهم في السننْ
وما لامكم قبلها لائمُ ... ولا شاب إعراضكم من دَرَنْ
فتعساً لقاضٍٍ يباري علا ... كِ بصعدة كالبلس وسط القرنْ
ولا نابك الدهر من بعدها ... وسلمت من طارقات المحنْ
وأجاب والد القاضي صارم الدين وهو القاضي الوحيد عبد الله بن محمد بن حمزة بن أبي /34/ النجم عن هذا الشعر فقال:
كتابك يا ذا الوفا والمننْ ... يفرّق جمع جيوش المحنْ
ويأسو القلوب ويَنْفِي الكرُو ... ب ويقطع سبل دواعي الإحنْ(1)
ويشفي الصدور وينمي الحبو ... ر(2) ويهدي السرور وينفي الحزنْ
ولِمْ لا وأنت وحيد الأنا ... م وعالم عصرك في كل فنْ
وربك غشَّاك من نوره ... بهاءً فأنت فريد الزّمنْ
وكم لك من أثر ظاهرٍ ... خلفت الحسين به والحسنْ
وأشبهت قاسم في فعله ... ويحيى الإمام مقيم السُّننٍ
دَعوت إلى المنهج المستقيم ... وهدم كنَائس أهل الوثنٍْ
وبايعك النَّاس ثمَّ انثنوا ... وأسقط أكثرهم في الفتنْ
فيا ليت شعريَ فِيْمَ النجاة ... وطوبَى لمن قرَّ ثم اطمأنْ
علينا ملائكة حافظون ... وكل بما قد جنى مُرْتَهِنْ
فيا ربِّ عوناً فإنَّ الكريم ... يجيب الحزين ويهدي السنن
عسَى ولعَلَّ مليك السما ... يُجمِّع شمل بني المؤتمنْ
ويحرسهم من مهاوي الهلاك ... ويوقظهم من سِنَاةِ الوَسَنْ(3)
غبطت أبا النجم لما أتا ... ه داعي المليك ومسدي المننْ
وكان كبدرٍ عراه المحاق ... لِسَاناً فصيحاً ووجهاً حسَنْ
__________
(1) الإحن: جمع الإحنة وهي الحقد.
(2) الحُبور: السرور.
(3) السِنَّةُ والوَسَن: النعاس.

وكنت أرجِّيه بعد المما ... ت يقضي الدّيُون وينفي الدَّرنْ
فحالَ القضَاء على شخصهِ ... حميد السجايا رحيب العطنْ(1)
إلى الله أشكو الذي نالني ... عسَى الله يجبر هذا الوَهَنْ
يُهوِّن وجدي أني امرء ... أُرَجي المنيَّة أن تأتَينْ
أجاوره في ثرى قبره ... وأشتمَّ أعظُمَه والكفَنْ
وأرجُوه يشفع يوم الحساب ... فيسكنني الله فيما سكَنْ
ولولا الإجابة حتم لما ... جَعَلْتُ الجواب لقَلبي شجنْ
سلام الإله ورضوانه ... عليك فأنت رضيع الفطنْ
وما زلت تكسو الجيوب العراة ... كسيت من الرِّيش غالي الثمنْ
وقال والده فيه رحمهما الله تعالى /35/:
وخير لنا منه ثواب ورحمة ... وخير له منَّا الإله مجَاوِرُ
رضيت قضَاء الله فيه وإنني ... لرَبي على إحسَانِه اليوم شاكِرُ
وقال فيه:
لئن كانَ إبراهيم وَلَّى بيومهِ ... فما أنا عَن ريب الزَّمان جزوعُ
أيا وحشة فارقت شخصك سيّدي ... فراق حبيب ما إليه رجُوعُ
لو(2) كانَ يغنيني البكا لتفجَّرت ... عيُوني دماً إذ ما بهنّ دموعُ
لئن غبت عن عيني حبيبي فإنني ... أراك بقلبي والأنام هجُوعُ
وأرجُوك في يوم القيامة شافعاً ... وإنَّك من هَول الحساب شفيعُ
رضيت قضاء الله في كل حادِث ... وقلبيَ من حزنٍ عليك وجيعُ
فلا تبعدن إنَّ المنيَّة دعوَة ... يجيبُ لها كل الأنام مطيعُ
يُهوِّن وُجْدي أنَّني بك لاحق ... وأنّي إلى ما أنت فيه سريعُ
وقد كنت أرجو أن تكون مشيِّعي ... وقاضي ديُوني والدموع هَمُوْعُ(3)
فحال قضاء الله دون إرادتي ... وكل لحكم الحادثات صريعُ
ولو(4) كنت تُفدَى ياأبا النجم بالفدا ... بذلتُ الفدا والأقربون جميعُ
أقمت فروض الله قبل وجوبها ... ولا يستوي عبد وفى ومضيعُ
__________
(1) أي رحب الذراع، وهو كناية عن سعة صدره ولطف أخلاقه.
(2) في (ب): ولو.
(3) الهموع بفتح الهاء: السائل، وبالضم: السيلان، وقد هَمَعَت عينه أي دمعت (مختار الصحاح ص: 699).
(4) في (ب): فلو. وهي الصواب.

ورثاه يوسف بن جعيد وغيره - رحمهم الله أجمعين -.
إبراهيم بن علي بن المرتضى [741 - 782]ه(1)
السيد العالم الكامل إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضَّل(2) - رضوان الله عليه ورحماته - كان إماماً، جليلاً، عَلَماً، عالماً، نبيلاً، مفخراً للإسلام - قدس الله روحه - ترجم له جماعة أجلاء، منهم السيد العابد يحيى بن المهدي الزيدي، قال فيه: كان عالماً فاضلاً زاهداً عابداً، قد براه الخوف، وأنحلته العبادة، وكان وجهه يتلألأ نوراً، وكان يُرى نور وجهه من بعيد، وكان مصفار اللون من خوف الله تعالى، وله وظائف في العبادة والتلاوة، وله ولأهل بيته ما يعجز إلا من وفقه الله، روَى لي السيد الأفضل أحمد بن الهادي بن أمير المؤمنين يحيى بن حمزة - عليه السلام - أنَّ هذا إبراهيم - أعاد الله من بركاته - كان يؤثر بطعامه وطعام أهل بيته الفقراء، ورُبَّ ليلةٍ يضمرونها، وكان من لبَاسهِ العَبَاء والخشن من الصوف، قال: وكان يلبس الشملة، فإذا كان الليل طرحها على أولاده من شدة البرد وفراشه الحصير، وعبادته وزهادته وأوراده الصَّالحة قبلة للصَّالحين وقدوةً للعارفين، وله كرَامَات ظاهرة وفضائل باهرة. انتهى كلامُه. توفي - رحمه الله - يوم الاثنين في رجب سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة بهجرة الظهراوين(3) من أعمال شظب(4)
__________
(1) صلة الإخوان (تحت الطبع) الفضائل (خ)، المستطاب (خ)، الطبقات الكبرى القسم الثالث تحت الطبع ترجمة (20) وفيها مولده 741ه.
(2) في (ب): مفضل.
(3) الظهراوين، كانت هجرة عامرة تدعى هجرة شظب نسبة إلى الجبل الذي يقع فيه، وأحياناً تدعى هجرة بني حجاج نسبة إلى العزلة التي يقع فيها جبل شظب، وهي شرق السودة وجزع عناش مقبرة شهيرة تقع بين هجرة الظهراوين وجبل سرارة وتسمى اليوم عشان (هجر الأكوع 3/ 1340).
(4) شظب جبل قرب السودة من محافظة عمران، وإليه تنسب سودة شظب من مدارس العلم في اليمن، وفيه قبور جماعة من العلماء، وهو جبل واسع يطل على مركز السودة (المقحفي 356، مجموع الحجري 3/ 452).

ودفن مع كرام /36/ بجزع عناش - رحمه الله -. انتهى
وترجم له غيره، قال ولده السيد العلامة الهادي بن إبراهيم - رحمه الله - عند أن ذكر طرفاً من أحواله، وقال معتذراً عن الاستيعاب والإطناب: تركنا ذلك لأنه لا أقبح من ثناء الأبناء على الآباء، وإن كنت لا أذكر إلا حقاً كان - رحمه الله - عبداً صالحاً مطيعاً لمولاه، مخبتاً من مخافته، ثم قال: لم يكن فنُّ من الفنون إلا وله فيه اليد الطولى، وتمكنت قراءته في علوم العربيَّة والآداب والأصولين، وكانت قراءته على شيوخ أعلام، وأئمة علم كرام، منهم السيد محمد بن الحسن بن باقي من آل الهادي - عليه السلام - ومنهم السيد العلامة الكلامي القاسمي في علم الكلام محمد بن يحيى بن مكني(1)، ومنهم القاضي العلامة محمد بن حمزة بن مظفر في علوم العَربيَّة، والفقيه الأفضَل الأعمَل الأكمل، إمام علم الحديث أحمد بن سليمان الأوزري، والفقيه العالم يحيى بن حاتم الجنبي، وكانت قراءته في الفقه على شيوخ كثيرة، وكان وسيم الخلق، طويلاً، بادياً، أشم الأنف، واسع الجبين، ماكن الأعضاء، سبط الأنامل، أقرب إلى النحافة في جسده من دون رقه كثيرة، كان يمشي الهوينا، وقال له بعض الفضلاء في ذلك، فأجابه مبتسماً: ?الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا? (الفرقان: 63) ولم يكن في فنٍّ من فنون العلم إلا وله شاة في قطيعه، وكان معظم قراءته في الهجرة اليحيويَّة، وكان فصيحاً بليغاً خطيباً مِصْقعاً مجيداً في الشعر ومن شعره:
وجدنا هذه الأجسام تملي الأدلَّة للعقول على الحدوثِ
يعاورها اجتماع وافتراق ... ونيطت بالتحرك والمكوثِ
أيعقل أنها من غير شيءٍ ... أقيمت في الأماكن والحيوثِ
وكتب إليه ابنه العلامة الهادي بن إبراهيم من صعدة شعراً، وطلب جوابها فأجابه بقوله:
هزَزت حساماً مشرفيّاً من الفم ... صليل غراريه فصيح التكلُّم
__________
(1) في طبقات الزيدية الكبرى 1/79: مكين.

وأبرزت للأبصار إبريز منطقٍ ... فكان سلاف السامع المتفهِّم
وجئت بألفَاظٍ رقاق تضمنت ... بديع معانٍ كالرحيق المختم
وكنت إذا المعنى تمنع صَيده ... أصبت بسَهم(1)اللفظ شاكله(2) الرمي
ومنها:
ألا إنَّ لي سبطاً تسمَّى تيمُّناً ... بكنيته(3) يحيى بن الحسين المعَظِّم
ففاضَ عليه النور من اسم جّده ... فجاء جوَاداً مَصْقعاً علماً كَمي
قَرأ (استبقوا الخيرات) قبل احتلامه ... فعَضَّ على الماضي بنان التندمِ
وأنشد له بعض العلماء من أولاده وقد أقام بحوث أيام الخريف:
إذا ما شئت من عللٍ تداوَى ... فخيَّم بالخريف لدى شراوَى(4)
به عنب يحاكي التبر لوناً ... وأحلا في المذاق من الحلاوَى
وحكى بعض الفقهاء أهل المعارف وهو الفقيه الفاضل أحمد بن يحيى الزباري /37/ - رحمه الله - أنه صحب السيد عادت بركاته في بعض أسفاره وقد تقدَّم من شظب إلى ذمار إلى حي الإمام الناصر ، فلمَّا وصلوا الصَّرارة رأوا حصن ثلا فقال السيد - رحمه الله تعالى -:
كأنه طائر هيَّا قوادمه ... لئن يطير ولمَّا ينشر الرِّيشا
قال الفقيه: فرويت ذلك لصنوه السيِّد شمس الدين أحمد بن علي، فاستجاده، وقال: ينبغي أن يكون قبله:
أما رأيت ثلا في نصب قامته ... يبدي لنا عن حضيض الأرض تكميشا
إبراهيم بن علي بن أمير المؤمنين [ - 978]ه(5)
__________
(1) في (ب): سهم.
(2) ينظر في صحة البيت.
(3) لعلها: بكنية، وإلاَّ فلن يستقيم الوزن.
(4) شراوَى: اسم منطقة ينظر إليها في المعجم.
(5) روح الروح خ، السلوك الذهبية خ، المذاهب السنية خ (أعلام المؤلفين الزيدية ص: 58 ت: (19).

السيد الكامل إبراهيم بن علي بن أمير المؤمنين يحيى شرف الدين بن شمس الدين بن أمير المؤمنين المهدي لدين الله أحمد بن يحيى بن المرتضى بن أحمد بن المرتضى بن المفضَّل المنصور بن المفضَّل بن الحجاج بن علي بن يحيى بن القاسم بن يوسف بن يحيى بن أحمد بن الهادي إلى الحق - عليهم السلام -. كان عارفاً محققاً لعلوم المعقول، مرجعاً للشيوخ فيها، وله ما يجري مجرى التحشية على كتابي نجم الأئمة في النحو والصرف، ومن شيوخه والده علي بن أمير المؤمنين، وكان علي المذكور أستاذاً محققاً، وكان لأبيه فيه ظنُّ حسَنٌ لعلوّ منصبه وقوَّة ذهنه، ومن شعره فيه:
أعظم بدارٍ حوت بحوراً ... ثلاثةً وهيَ وسْطُ بَر
فبحر جودٍ وبحر علمٍ ... وبحر نزْلٍ لوفد بِرٍّ
شيدتْ بخير الشباب طراً ... الأعلم الحصْرم الأبرِّ
عليٌ المرتضى المرجَّا ... لحفظ دين الهدى الأغرِّ
الباقر العلم في صباه ... والفارس الأغلب الأكرِّ
بلغ فيه الإله سُؤلاً ... لكُلِّ مجدٍ وكل فخرِّ
ولا ريب أنه أحاط بعلوم غير أنَّ قدميه لم يثبتا في المزالق الدحضة، فكان منه ميل في العلوم وتمذهب، واشتغال بالتصوف المتعارف به، وشرح شيئاً من كلام ابن العربي، وما أبقى من أنوار سلفه في صدره ما يعوَّل عليه كما قيل والله أعلم، وجفا والده جفوة لا تليق بالعلم كما فهمتُه من هذا الشعر الحميني أوَّلُه:
جانا(1) من سواد الاكباد والاعيان ... مرتضانا وعين الاطهار الاعيان
جرح ينكى جروح من قبله ألوان ... وانتكاء الجروح بالجرح ميزان
ومنها:
لم يكن في الحساب خيبة ظنوني ... لا ولا جري أدمعي من جفوني
من ثمر مهجتي وقرَّة عيوني ... الظنون تنعكس وذا الدهر قبان(2)
أنت يا مهجة الفؤاد ... يا علي الفتى الجواد
إنما العلم يُستفاد ... من به خص إن له صان
إنما العلم عند أهله وديعة ... وإلى الفوز في القيامة ذريعة
/38/
__________
(1) لعلها: جاءنا.
(2) لعلها: قدبان.

ربَّما تكره النفوس الرفيعة ... ما به الفوز واتلُ إن شئت قرآن
صلحكم يا علي على أني أهجر ... وتهتك محارمي ثم أحصر
وتضيع حقوقي الله أكبر ... بيننا يا علي رقيب وديّان(1)
انتهى، وقد ذكره القاضي أحمد بن صلاح القصعة فأحسن ذكره، قال: قرأت عليه (أصُول الأحكام)(2) إلا أنها لم تكمل قراءتي عليه، وكان فيه من محبَّة المذاكرة والمراجعَة والمساءلة وحسن الإنصاف في ذلك من نفسه ما يقتضي الترغيب في ذلك، وكانت له اليد الطولى في السماعات في كل فنٍّ على حيّ والده وغيره من أكابر علماء العترة وشيعتهم، وطلب الإجازة منهم ومن غيرهم من مشاهير العلماء، من علماء العامَّة، وقد كان جمع شرحاً عجيباً في تخريج أحاديث (أصول الأحكام) من (شرح التجريد)(3) و(شرح الأحكام)(4)
__________
(1) انظر ذيل البسامة للسيد العلامة داود بن الهادي، والمطبوع مع مآثر الأبرار للزحيف 3/1401 - 1402.
(2) كتاب أصول الأحكام في أحاديث الحلال والحرام، للإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان - عليه السلام - المتوفي سنة 566ه، وهو مشهور، احتوى على (3312) حديثاً، ونسخه الخطية كثير’ (انظر أعلام المؤلفين الزيدية ص: 114) وكتاب أصول الأحكام، هو الىن تحت الطبع بتحقيق الأستاذ عبدالله حمود العزي.
(3) كتاب شرح التجريد في الفقه، للإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني - عليه السلام - المتوفي سنة 411ه، شرح فيه كتابه التجريد في فقه الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين وجده القاسم الرسي - عليهما السلام - وهو من أشهر كتب الزيدية في الفقه، وقد طبع مصوراً على مخطوط ضمن منشورات دار أسامة - دمشق.
(4) كتاب شرح الأحكام في الفقه للعلامة علي بن بلال الآملي - رحمه الله تعالى - من أعلام القرن الخامس الهجري، وهو شرح لكتاب (الأحكام) للإمام الهادي يحيى بن الحسين، قال الجنداري: من أجل الكتب، مسند الأحاديث، وفيه ما يكشف عن معرفته وحفظه للأسانيد وإطلاعه على علم الحديث (المصدر المذكور ص: 662) وقد قام العلامة المجتهد محمد بن الحسن العجري حفظه الله تعالى بتأليف كتاب أسماه: (أعلام الأعلام بأحاديث شرح الأحكام) وقد طبع مؤخراً وصدر عن مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية.

وغيرهما من كتب أئمتنا - صلوات الله عليهم - وله أشعار منها: …… (بياض)
وفاته(1) في جبل حبّ(2) من أعمال بَعْدَان في رجب سنة ثمان وسبعين وتسعمائة، رجعنا إلى ذكر إبراهيم، تخرج على أبيه، قالوا: ولبس الخرقة والله أعلم بحقائق الأحوال، وكتب إليه الإمام الحسن بن علي - عليه السلام - لإجابة الدعوة فيقال: إنه اعتذر بعدم المعرفة بكماله، ومن تلاميذه الشيخ لطف الله بن الغياث، وفي أوَّل مجلس جلس بين يديه لم يتأهب له السيد حق التأهب لظنه أنه لا يحوجه إلى العناية، وكانت القراءة في الرضي، فلمَّا عرف همّة الشيخ وإتقانه استمهل منه للغد وتهيَّأ له واستعدَّ، ومن شعره:
لا تعذلاني إذا غلطت فقد ... يغرق في اليم مبتغي الدرر
ما أجدر الوهم في العلوم بمن ... يقارع المشكلات بالنظر
وقبره بشبام، وعليه قبَّة عمرها الأمير أحمد بن محمد بن شمس الدين، توفي بتأريخ……… (بياض)
إبراهيم بن علي بن الحسن بن العفيف [ - ]
السيد العالم إبراهيم بن علي بن الحسن بن العفيف - رحمه الله - قال السيد العلامة أحمد بن عبد الله: كان سيداً كاملاً، له معرفة جيَّدة وخط جيِّد، نسخ كتباً كثيرة، وله وضعة حسنة. انتهى
إبراهيم بن علي بن يحيى المذحجي [ - ]
الفقيه الفاضل(3) إبراهيم بن علي بن يحيى المذحجي، كان فقيهاً عارفاً أستاذاً محققاً، من تلامذة السيد العلامة يحيى بن صلاح بن محمد الآتي ذكره.
إبراهيم بن علي العراري [ - ق 8ه] (4)
__________
(1) حاشية في (ب): وفاته بالسم والأتراك محيطون بحصن حب من جميع جوانبه، فسمه بعض خواصه رجلٌ يسمى ابن عرجلة كما ذكره السيد عيسى بن لطف الله بن المطهر بن شرف الدين - رحمه الله -.
(2) حبَّ بفتح الحاء وتعشديد الباء، حصن من عزلة سِيْد في بَعْدَان (انظر معجم المقحفي ص: 147).
(3) في (ب): الفاضل أبو إسحاق إبراهيم.
(4) مصادر ترجمة العراري: صلة الإخوان (تحت الطبع) طبقات الزيدية الكبرى ترجمة (12)

الفقيه العالم إبراهيم بن علي العراري، كان عيناً من أعيان وقته، ترجم له السيد يحيى بن المهدي الزيدي - رحمه الله تعالى - فقال ما لفظه: الفقيه الإمام شحَّاك الملحدين، وناظورة المسلمين /39/ إبراهيم بن علي العراري - رضي الله عنه وأرضاه - وكان جامعاً للعلوم، مجتهداً فيها محلقاً، لم يسبقه أحد من أهل زمانه، انتهى بلفظه.
قلت: وكان له مناظرات مع فضلاء زمانه يطول شرحها، وكان يقول: لا علم إلا بالعمل، وجوَّز أن يكون أحد الفقهاء أفضل من أحد الأئمة السابقين، وردَّ عليه السيد الحجَّة علي بن المرتضى، والإمام الواثق، والشريفة صفيَّة بنت المرتضى، ولها كتاب في الرد عليه سمته: (الجواب الوجيز على صاحب التجويز).
إبراهيم بن علي بن أحمد الأكوع(1)
العلامة الفاضل إبراهيم بن علي بن أحمد الأكوع العالم المحقق، أستاذ الإمام المظلل بالغمام، وهو يروي عن غير شعلة - رحمهم الله جميعاً -(2).
إبراهيم بن فليح [ - ق 7ه]
__________
(1) طبقات الزيدية الكبرى (القسم الثالث) 1 /71 ترجمة (14) ومنه: الجواهر المضيئة - خ - أعلام آل الأكوع ص: 26، هجر الأكوع 1/496.
(2) تقدمت ترجمته.

الفقيه العالم إبراهيم بن فليح بن أسعد بن منصور بن الجوفي - رحمه الله - كان من أكابر العلماء، وكان محققاً في الفقه …… (بياض) مستنداً(1) بالأدلة على قواعد الأصول، له كلام واسع في مسألة من أقرض غيره عشرين صاعاً فطلب من المستقرض أن يردَّ مثلها وقت الغلاء، فقال: بع مني عشرين صاعاً حتى أقضيك إياها فباعها منه وقضاه إياها، ولها أطراف تكلم فيها بكلام العلماء واستدل بالدليل [قال المصنف - رحمه الله - في هامش المسودة](2): واعلم أن الفقيه إبراهيم بن فليح ممن خدعه الشيخ أحمد الرصّاص فخالف على الإمام المهدي ثم لمَّا اتفقت الغزوة التي غزاها داود بن المنصور وعلي بن وهَّاس عن أمر أخيه الحسن إلى درب السوق، وكشفت حرم الفقيه إبراهيم وأخواته، فكانت لطفاً للفقيه وراجع نفسه، واستغفر ربَّه، وأناب، واعتزل الناس حتى مات.
إبراهيم بن قاسم [ - ق6ه] (3)
السيد العالم الخطير إبراهيم بن قاسم - رحمه الله - من ولد الإمام يوسف، كان من العلماء النقَّاد، ومن أهل الذكاء الوقَّاد، وهو الذي جمع كتاب (العقد) في أصول الدين إلى باب الإرادة، وتتمة الأمير الحسن بن أحمد الآتي ذكره، وكان له خط حسن ومن شعره وفيه التجنيس المقلوب:
يا من غداً لي ضائماً ... نفسي لهجرك ضامية
ما زال حسنك قائماً ... ولظى اللوائم قامية
والوجد مني دائماً ... والعين منهم دامية
أيلام مثلي هائماً ... بك والمدامع هامية
مذ غبت لم أك نائماً ... وثمار وجدي نامية
في بحر دمعي عائماً ... أرعى العهود العامية
وجواد طرفي سائماً ... في روض خدٍ سامية
كالطير يغدو حايماً ... وشريعة الماء حامية
ما انفك طرفي شايماً ... تلك البروق الشامية /40/
__________
(1) في (ب): مستدلاً.
(2) زيادة في (ب).
(3) إبراهيم بن قاسم: أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (22) ومنه الترجمان خ والمستطاب في تأريخ اليمن الفكري في العصر العباسي ج1/ 551، شعراء اليمن من اسمه إبراهيم ص 34.

طلباً لوصلك رايماً ... ويد النوى لي راميَة
قال - رحمه الله -: هذه العشرة الأبيات فيها أربع صناعات، وقد أمنت من الحادي عشر أن يأتي لأحدٍ من البشر.
الأول منها :لزوم ما لا يلزم من آخر النصف الأول في أربعة حروف ألف وياء وميم وألف. الثانية: مسألة آخر البيت. الثالثة: القلب المعروف عند أرباب البديع. الرابع: كمال كل نصف شعراً على انفراده عن الآخر، وأمَّا تعذر الحادي عشر، فأمر زائد على جميع هذا فاعرفه موفقاً.
إبراهيم بن محسن الحسني [ - ](1)
السيد الأمير المقدام إبراهيم بن المحسن بن الحسين بن علي بن عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - أمير منشور الرَّايات والأعلام، مشهور الآراء والعلوم، عدَّه في (طبقات الزيدية) من كبارهم، وذكره في خيارهم، وسرد له ملاحم في القرامطة مع الناصر أحمد بن يحيى. قال مسلم: وأنا أحسب أن إبراهيم بن المحسن هذا أحد العلويين الذين بورور(2) ونواحيها من بلاد بكيل وحاشد، أخبرني بذلك رجل منهم فيه خير يقال له: أحمد بن محمد بن أحمد بن علي بن إبراهيم بن المحسن.
قلت أنا: وفي ظني أن المحسنين من العبَّاسيين منسوبون إليه - رحمه الله تعالى - ومما قيل فيه من الشعر قول (أبي)(3) عبد الله التميمي:
ما زلت بالسيف تمضي جاهداً قدُماً ... حتى ملَكتَ قنان الرأس من شظب
دون الذي شرف الإسلام صارمُه ... ومجده وحمَى بحبُوحَة العرب
الناصر الدِّين أعلى دين والده ... عن القرامط بالهنديَّة العضب
إلى آخر الأبيات.
__________
(1) طبقات مسلم اللحجي، طبقات الزيدية الكبرى (القسم الثالث) 1/ 72 ترجمة (15)، ومنه: الجواهر المضية، وهجر الأكوع.
(2) ورور: جبل من بني جُبَر حاشد من ناحية ذيبين وهو المعروف الآن بظفار داود (مجموع الحجري 2/766)، وفي معجم البلدان: ورور بفتح الواو وسكون الراء حصن عظيم باليمن من جبال صنعاء في بلاد همدان.. إلخ.
(3) سقط من (ب).

قلت: وحفيده أحمد بن علي بن إبراهيم كان موصوفاً بالعلم إلا أني لم أثق له بالسلامة من مذهب مطرَّف بن شهاب، ولم أعرف حاله، ولعله مصون - إن شاء الله - وأحمد هذا حكى أخبار جدِّه إبراهيم صاحب الترجمَة، وقال: إنه ولي للناصر أعمال المشرق والجوف الأعلى ومطرة(1) وملَح(2) وبران(3) ومسورة(4)، ثم ولي أعمال ريدة والبون، وقال: مسكنهم بأرض مال الله، وإن جده المحسن والد إبراهيم، هاجر إلى الهادي - عليه السلام - وذكر ……(5) وأحمد بن علي بن إبراهيم المذكور أنه اجتمع الأشراف وسائر الناس إلى طلحة الملك بناحية الجراف(6) من ظاهر بني صريم وهم لا يرون إلا أن الحسين بن القاسم - عليهما السلام - قتل بذي عرار(7) فعزوا فيه إلى أخيه علي بن القاسم بن علي والأشراف لم ينصرفوا حتى أقبل أخوه الأمير جعفر بن القاسم من بلاد خولان، فلمَّا تلقاه الأشراف معزِّين غضب وقال: لا يكون - إن شاء الله - ومال ناحية بوجوه أهله وبوجوه الأشراف فلامهم على الاعتراف بقتل الحسين، وقال: بمثل هذه العقول تلاقون الناس، إن همدان وكرنا، فإذا نسبنا إليهم قتله ونقمنا بالثأر لم يصلح، وإن كتمنا لحق النقص، فأظهروا حياته.
__________
(1) مَطَرة بفتح الميم والطاء، وقد تكسر الطاء كما في معجم استعجم: وادٍ بين نهم وأرحب (معجم المقحفي ص: 605.
(2) مُلَح: محلة في نهم من عزلة عيال غفير في بوادي المنيح (الوادي الرابع من أودية الجوف) (المصدر السابق ص: 627).
(3) بران: بلد في ناحية نهم في السوق الشمالي من صنعاء على بعد يومين (معجم الحجري 1/107).
(5) بياض في (أ)، وفي (ب): ذكر أحمد بن إبراهيم.
(6) الجراف: قرية حميرية في بلاد حاشد على مقربة من خَمِرَ في شرقيها (المصدر السابق ص: 116).
(7) عرار: بلدة من ناحية ريدة البون (المصدر السابق ص: 435).

إبراهيم الْمُلَيْح بن المنتصر بالله [ - ](1)
السيد الكبير، المقدم الخطير، عاقد الألوية، زينة الأندية، إبراهيم الْمُليح - بالتصغير - بن المنتصر بالله محمد بن المختار بن الناصر بن الهادي، جليل المقدار، جليل الآثار على منهاج سلفه، وله شأن عظيم وخطر جسيم.
إبراهيم بن محمد الوزير (صارم الدين) [834 - 914]ه(2)
__________
(1) إبراهيم بن محمد المختار، ورد ذكره في سيرة الإمام المنصور القاسم العياني ص 28، 64، 69، 84، 112، وفي صفحات كثيرة، انظر فهرس السيرة، ففي كتاب الإمام القاسم العياني إلى كافة أهل نجران، ذكر أنه قد ولى المترجم وشريف آخر وأمرهم بطاعته ص 28 ولقي الإمام إلى مذاب سنة 389ه بعد أن فرط في الولاية، ثم عزم الإمام ألاَّ يرده إلى ولايته في نجران، كما عزم على عزل أخيه يحيى بن محمد من ريدة، فولاية البون، ثم عاد وعطف عليهما، وبقي والياً على نجران، ونزعه الإمام من التصرف في الخراج في ولايته، فعاتب الإمام وحاول الخروج عن طاعته، وجرت له من الإمام أمور كثيرة وحروب، وكان شوكة في طريق الإمام - عليه السلام - وحرباً عليه، انظر سيرة المنصور القاسم العياني.
(2) المصادر: الطبقات الكبرى القسم الثالث ترجمة (21) المستطاب خ الترجمان خ، مآثر الأبرار خ تحت الطبع، اللآلئ المضيئة خ تحت الطبع، تأريخ بني الوزير خ، أئمة اليمن 1/374، وانظر بقية مصادر ترجمته في أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (30) وفي مقدمة الفلك الدوار للمترجم بتحقيق الأخ/ محمد يحيى سالم عزان ط1 ص 16 - 27.

السيد الحافظ إمام المحققين، صارم الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن علي بن المرتضى الوزيري، الإمام الكبير، الحافظ الشهير، ترجم له تراجمة أعلام، كولده الهادي بن إبراهيم، والعلامة السيِّد أحمد بن عبد الله وغيرهما، وقد عوَّلت على نقلهما، فنقلت منه شطراً قال السيد الهادي - رحمه الله تعالى -: قرأ بمدينة صنعاء وصعدة على عدَّة من المشائخ في الأصُولين والعربية والفروع الفقهية والأخبار النبويَّة والسير والتفاسير وجميع الفنون في سائر العلوم، فمن شيوخه السيد الإمام المبرِّز [جمال الدين](1) علي بن محمد بن المرتضى من أولاد المرتضى بن مفضل جد الإمام المهدي أحمد بن يحيى، ومنهم الفقيه العلامة المحقق أحد الأعلام فخر الدين مطهَّر بن كثير بن(2) الجمَل، ومنهم الإمام فخر الإسلام ملحق الأصاغر بالأكابر عبد الله بن يحيى بن المهدي الحسيني، ومنهم الإمام المتوكل على الله المطهر بن محمد بن سليمان(3)، ومنهم القاضي العلامة جمال الدين خاتمة العلماء المحققين علي بن موسى الدواري، قرأ عليه بصنعاء وصعدة في الأصولين جميعاً والعربيَّة، ومنهم والده - رحمة الله عليه - قرأ عليه (شرح الجمل) وبعض كتب الحديث بسندها إلى جده السيد عزّ الدين محمد بن إبراهيم، ومنهم العزولي(4) الواصل إلى صنعاء من الديار المصريَّة، وقرأ عليه (جمع الجوامع) و (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر)، ومنهم الشيخ العلامة بقيَّة العلماء الكبراء المحققين المكثرين إسماعيل بن أحمد بن عطيَّة، وقرأ عليه في التفسير
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) في (ب): بن كثير الجمل.
(3) حاشية في (ب): ويروى بطريق أبي العطايا عبد الله بن يحيى بن المهدي الحسيني، عن الإمام الواثق بالله المطهر بن محمد بن المطهر بن يحيى - عليهم السلام - كما هو معلوم للمطلع، والله الموفق كتبه محشياً يحيى محمد المؤيدي.
(4) في (ب): الغزولي، وفي طبقات الزيدية الكبرى 1/ 80: العرولي.

والأصول وفي الفرائض وأخبار الناس وعلم الأنساب، وكان الشيخ في ذلك منفرداً لا يشق غباره، ومنهم ولد أخي الشيخ إسماعيل، وهو أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن عطيَّة، وقرأ عليه في الكلام أيضاً، وكثير من الكبراء والفضلاء وأهل الأسنان، وبارك الله تعالى فيما حصَّله فانتفع به، ونفع على يده عدَّة من الطلبة والمسترشدين، وصنَّف تصانيف مفيدة في أصول الفقه وغيره، وصارت كتبه السماعيَّة والنظرية أمَّهات معتمدة له فيها عناية تامَّة، عضدت تلك العناية عناية سماويَّة، وجمع من الفوائد، وقيَّد من الشوارد ما غاب عن أذهان الأذكياء، وذهل عنه كثير من الحفَّاظ، وله أبحاث واعتراضات صحيحة على كثير من الأئمة المصنفين، واستدراكات في أوهام صادرة عنهم، قد وضعها وبيَّنها وقيَّدها بالكتابة في مواضعها من الكتب، وله اطلاع كامل على أخبار المتقدمين والمتأخرين من أهل البيت وغيرهم، وفي علم رجال الحديث وغيرهم، والأنساب العامَّة والخاصَّة وأحوال الناس وأيَّامهم والمصنفين، وأسماء الكتب وأخبار التواريخ، وله مشائخ وطرق في علم الأسماء وعلم الصنعة وإجازات في ذلك، وفي سائر ما ذكرنا من العلوم من جميع أولئك المشائخ الذين سمع منهم(1)، ومن غيرهم من علماء ذلك العصر في الجهات، ومن مشائخه الفقيه العلامة شمس الدين أحمد بن سلميان العسكبة /42/، والقاضي صارم الدين إبراهيم بن يحيى الشامي(2)، والفقيه الفاضل محمد بن سليمان الحجي، والقاضي العالم يحيى بن قاسم العذري، والقاضي العلامة محمد بن سليمان النحوي في المنطق، وله في الفروع موضوع جيِّد هو على (الأزهار)(3) بمنزلة (المستدرك على
__________
(1) في (ب): عنهم.
(2) في (ب): الثائي.
(3) ويسمى هداية الأفكار إلى معاني الازهار في فقه الأئمة الأطهار - خ - وشرحه مؤلفه - رحمه الله تعالى - بشرح أسماه: منتقح الأنظار الموصل إلى هداية الأفكار - خ - (انظر عن النسخ الخطية للكتابين أعلام المؤلفين الزيدية 69 - 70).

الصحيحين)(1)، وله أيضاً موضوع في المعاني هو على (التلخيص)(2) بهذه المثابة، وله في الحروف العربيّة كتاب حسن(3)، وله في الفصاحة اليد الطولَى وله أشعار جيِّدة(4)، لكنها في الغالب ماهي إلاَّ في جمع الفوائد وتقييد الشوارد وسير الأئمَّة، منها القصيدة المسمَّاه (بجواهر الأخبار) المعروفة (بالبسَّامَة الجامعة لأخبار من قام من أهل البيت بالإمامة والاحتساب) وهي قصيدة فائقة رائقة جامعة نافعة شرحها بعض الفضلاء من الشيعة بصعدة بجزأين(5) وهي تحتمل أكبر من ذلك، وله في الخط وضعة حسنه قويَّة كخط والده في القوَّة، إلا أن خط والده أبهى وأجمل، وخطه أبقاه الله أجلى وأوفق بقلم النسخ، والخط الحسن يزيد الحق وضوحاً، وأمَّا السحر الحلال والعذب الزلال فهو ما يسقط من قلم شيخ أهل البيت المطهَّرين أبي عبد الله - رحمه الله تعالى - لكن ولده أربَى على الأوائل بكثرة الاطلاع وملازمة الدَّرس آناء الليل وأطراف النهار، وإمرار ذهنه على أكثر كتب المتقدمين والمتأخرين وقلمه على جميع ما وجده من فائدة فيها، وكان ذلك بداعٍ لم يعارضه صارف ولا
__________
(2) ويسمى التخليص على التلخيص في المعاني والبيان (انظر المصدر السابق ص: 70).
(3) وذكر الجنداري في الجامع الوجيز - خ - أن للمترجم له كتاب في علم الحرف.
(4) في (ب): وله في الفصاحة اليد الطولى شنشنةُ أعرفها من أخزم وله أشعار جيدة. وفي (أ): كذلك إلا أنه مسح قوله: أعرفها من أخزم.
(5) الذي شرح البسامة للسيد صارم الدين الوزير - رحمه الله - هو القاضي العلامة المؤرخ محمد بن علي بن يونس الزحيف الصعدي - رحمه الله - المعروف بابن فند، المتوفي بعد سنة 916ه، وسمى شرحه للبسامة: (مآثر الأبرار في تفصيل مجملات جواهر الأخبار) ويسمى أيضاً: ((اللواحق الندية بالحدائق الوردية) وقد طبع في ثلاثة مجلدات، بتحقيقنا بالاشتراك مع الأخ خالد قاسم المتوكل، وصدر ع نمؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية.

مانع، وإعراض عن جميع أشغال الدُّنيا وملاذّها، مع ما أمدَّه الله لذلك من إعانته، فله الحمد على ذلك كثيراً، والله يزيده من خيراته، ويفيض عليه من فواضل بركاته، وينفع به وبصالح دعواته. انتهى كلام السيد الهادي ابن إبراهيم في والده - رحمهما الله تعالى - نقلته بألفاظه.
قال السيد الجليل أحمد بن عبد الله - رحمهم الله - ما لفظه: وأقول إنَّى للإنسان لسان يفصح عن بعض فضائل هذا الإمام، أو قلم ينسج غلالة أوصافه الحميدة، كُلاَّ إنَّها لتكلَّ الألسنة والأقلام، أربى على نحارير علماء الأوائل، وحقق دقائق الفنون تحقيقاً يقال للمتطاول إليه: أين الثريَّا من يد المتناول؟ وجمع أسباب المحامد والفضائل جمعاً لا يدخل تحت رجاء الرَّاجي ولا أمل الآمل، ومصنّفاته شاهدة بصدق المقال، وضبط كتبه في جميع غرائب الفنون فضلاً عن مأنوساتها، ينادي على سعة تبحره في هذا المجال، قيَّد أوابد(1) الفوائد بقلمه في الهوامش والمتون، وحلَّ مشكلات الأمهات بنتائج فكرته الصَّافية في جميع الفنون، إعجامه إعراب، ورموزه كافلة بحلِّ المشكلات الصعاب، فمن كتبه صحِّحت الكتب من بعده، ومن نتائج فكرته نقلت الحواشي التي جرى بها قلم تصرّفه ونقده، ومن مصابيح عنايته أنارت أرجاء المدارس وورى زنده، وفي أثره سلك الناس وواضح قصده، فهم عَيَالٌ عليه، ومقتبسون منه، وراجعون إليه، هذا مع دين متين، وورع شحيح، وخُلُقٍ سجيح، وبرارة نبوءة، وتأله ولاية /43/ وعبادة علويَّة وزهادة هدويَّة، لا تراه أبداً إلا قارئاً أو مقرئاً، أو كاتباً أو مصلياً.
إلى الثمانين انتهى سنينه ... قد كاد يبلغها تماماً أو قَدِ
لم يلق إلا قارياً أو مقرياً ... أو كاتباً أو ساجداً في المسجدِ
__________
(1) الأوابد: الوحوش ومن أعجاز الأوابد هي الدواهي أو القوافي الشرَّد. تاج العروس ج4/328، باب الدال.

عطيَّة إلهية، ومنحه سماوية، وسعادة حقيقية، وخصائص مصطفوية، ?وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ? (البقرة: 105).
أخبرني المقري العالم محمد بن أبي بكر الجبني الشافعي أن سيّده الهادي بن إبراهيم أخبره بتعز حين بلغهم وفاة سيدي إبراهيم، قال: واجتمع الناس بالجامع بتعز للقراءة عليه ثلاثة أيام بأمر الشيخ عامر بن عبد الوهاب، وكان مجمعاً عظيماً، وفخَّم الشيخ موت السيد تفخيماً كثيراً، قال: أخبره سيدي الهادي أن والده كان لا يفتر عن المطالعة لحظة ولا ساعة، ولقد كان مع كبر السن وضعف البصر لا يصبر عن المطالعة حتى يؤتَى بالسراج وقت المغرب، بل يقرب إلى باب المنزل فيقتبس ما بقي من ضوء الحجرة. وأخبرني ثقة من الشيعة أنه سمع في حياة سيدي إبراهيم أنه لم يقبض درهماً [في](1) مدَّة عمره، وبلغني من شحيح ورعه أنه كان في منزله دارٌ يفد إليه الطلبة، وكان فيه بساطان من الصدقة، وكان يحتاج المرور فيه إلى كمَّة(2)، فكان لا يمرُّ حتى يُطوى البساطان عن موضع مروره لئلا يطأهما. وممَّا تفرد به من الفضائل، واختص به من المحامد الغَيرة المحمودة على الْمذَهَّب، والحميَّة والحماية لطرازه المذهب، وله على أعداء أهل البيت [من الردود](3) نظماً ونثراً ما يشفي وحر الصدور شفاء درك الثأر المثيم(4)، وتغلي منه مراجل أفئدة النواصب كغلي الحميم، وله التعليقات النفيسة في فضائل أهل المذهب وتراجمهم وغرائب مسائلهم وأقوالهم وكراماتهم، نقل في (الفصول)(5) نصوص الأئمة، وجرَّد كتاب (الهداية)(6) لهذا الغرض الخاص، فجاء كتاباً فرداً في جمع نوادر المسائل ونظم
__________
(1) سقط من (ب).
(3) سقط من (أ).
(5) الفصول هو كتاب للمؤلف - رحمه الله - ويسمى الفصول اللؤلؤية في أصول الفقه، طبع مؤخراً بتحقيق الأخ/ محمد يحيى سالم عزان (وانظر عنه أعلام المؤلفين الزيدية ص: 69).
(6) تقدم التعريف به.

أشتات أقوال الأئمة وشيعتهم، وفي حواشيه من التحف والفوائد والفرائد مالا يوجد في غيره أصلاً ولا يعلم مظانه من الكتب غيره، بل لا يعرف وجودها غيره، ولهذا قال الإمام المتوكل على الله شرف الدين - عليه السلام -: لا ينبغي لشيعي أن يخلو عنه، وأمر بتحصيله لنفسه [الكريمة](1)، وما أحسن قوله يشير إلى تفرده بما أشرت إليه:
وإني وحبي للنبي وآله ... وما اشتملت مني عليه ضلوع
وإن أفلَت منهم شموس طوالع ... يكون لها بعد الأفول طلوع
كما قال قيس بن الذريح ونظمه ... ألذّ من الماء القرَاح بديع
إذا أمرتني العاذلات بهجرها ... أبت كبدٌ من قولهنَّ صديع
/44/
وكيف أطيع العاذلات وهجرها ... يؤرِّقني والعاذلات هجُوع
أبى الله لي غير التشيع مذهباً ... ومن قال سني فلست أطيع
بنو المصطفى لي أسرة وجماعة ... ومذهبهم لي روضة وربيع
أصمٌ إذا حدثت عن قول غيرهم ... وإن حدثوني عنهم فسميع
وتالله إني في التشيع واحِد ... وإن كثرت منهم لديَ جموع
__________
(1) سقط من (أ).

وكان الفضلاء في زمانه يعترفون بفضله، ويخضعون لشرفه ونبله، فكان القاضي العلاَّمة محمد بن مرغم - رحمه الله تعالى - يزوه إلى منزله كثيراً، وكذلك الفقيه العلامة محمد بن إبراهيم الظفاري يزوره في كل جمعة في غالب الأحوال، وكذلك الفقيه العالم الصالح علي بن يحيى العلفي - نفع الله به - كان يزوره في كل جمعة، وكان يجهش بالبكاء حال رؤيته، إذ كان يرَى به ملكاً كريماً، وغيرهم من العلماء والفضلاء فيتبرك بزيارته القريب، ويرد سهل أخلاقه العذبة الأهيل والغريب، وتواصله من البعيد كتبه ورسائله، ويتبسَّم نظره من جواباته في رياض ما تمليه أفكاره، وتنمنمه أنامله، ومن أعذب ما جرى منه [في ذلك](1) ما أجاب به [على](2) الإمام الهادي عز الدين بن الحسن - رحمه الله ونفع به - وقد كتب الإمام إلى والده كتاباً فتولّى الجواب عن والده وكتبه والده بخطه، وقال: وهذا الجواب للوَلد إبراهيم، مالي فيه إلا الرَّقم بالقلم، ومن يشابه أباه فما ظلم، فكان من الجواب هذان البيتان:
أعزّ الهدى منَّا عليك تحية ... تخصُّك ما هبت صباً وجنوبُ
لئن بعدت منَّا ومنك منازل ... لما بعدت منا ومنك قلوبُ
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) سقط من (ب).

وعلى الجملة فخلائقه غرر وحجول، وطرائقه يعرض شرح محاسنها ويطول، هذا ولم يزل - رحمه الله - على ما وصفناه من أحواله، وشرحناه من جميل خلاله، مشتغلاً بالعلم والعمل، منقطعاً إلى الله - عزَّ وجلَّ - مجتمع الشمل بأولاده الكمَلة الذين لم يوجد مثلهم، قرير العين لمَّا رأى هديَه هديهم، وفضله فضلهم، حتّى كانت سنة عشر وتسعمائة، وطلع سلطان اليمن على صنعاء فملكها، وساوى حكم الزمان بين حدَّادها وملكها، ففرَّق السلطان بينه وبين أولاده، وأراد السلطان إنزاله اليمن، قال السيد يحيى بن عبد الله - رحمه الله -: فأجاب بأن أقسم بالله لا نَزَل فتركه السلطان وبرَّت قسمه بعد علم السلطان بما له من المنزلة الرفيعة والوجاهة عند الله؛ لأنه كان يأمر بتعمد بيته بالمدافع فيصرف الله ضرَّها لا بوجهٍ يظهر لأنه دار بارزه، فعلم أنَّ ذلك من دعائه - عادت بركاته -(1)، وأنزل السلطان ولده الهادي إلى رداع وأحمد إلى تعز، وبقي السيد الصارم بعد ذلك إلى سنة أربع عشرة وتسعمائة، وأسعد الله روحه الطاهرة إلى معارج قدسه، ونقلها إلى مستقر رحمته وأنسه، /45/ فكانت وفاته قبل العشاء الأخيرة من ليلة الأحد ثاني عشر شهر جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وقبره - رحمه الله - في جربة الروض المقبرة المشهورة بصنعاء عند قبور أهله - رضي الله عنهم - مشهور مزور - رحمه الله تعالى - ورثاه السيد البليغ المفوّه عز الدين محمد بن المرتضى بن محمد بن علي بن أبي الفضائل فقال:
نعم هكذا موت الْعُلاَ والمكارم ... ووقع الخطوب المعظلات العظائم
وغربة هذا الدين حتى غدا كما ... حكى المصطفى مستغرباً في العَوالم
يعزَّى بإبراهيم دين محمّد ... ومذهب يحيى بن الحسين بن قاسم
وتصنيف كتب في العلوم مفيدة ... وتحقيق أخبارٍ وضبط تراجم
وكل حديث ثابت الأصل مسند ... صحيح رواه محكماً كل عالم
ونحوٌ حكاه سيبويه وشيخه ... وتصريف ألفاظٍ وخط روَاقم
__________
(1) في (ب): بركته.

وتبكي أعاريض الخليل بن أحمد ... وعلم المعاني بعده أي هائم
وتندبه الأقلام والصحف جملة ... ويبكيه منثور ومنظوم ناظِم
ينوح عليه كل فضلٍ ورتبة ... تناهى لأولاد الوصي وفاطم
وَمِن فقده وجْهُ الفصاحَة عابسٌ ... وقد كان مسروراً ضحوك المباسم
يرى بعده روض البلاغة ذاوياً ... وقد كان مخضرّاً بديع الكمائم
وأمَّا تواريخ الزَّمان فقد خلت ... وعطَّل منها كل آتٍ وقادم
لقد كان للدين الحنيف دعامةً ... وهل قام بيت قد خلا عن دعائم
لقد كان عيناً للأنام وموسماً ... لأخذ أصول الدين أسنى المواسم
فحصت خوافي ريشه وتطايرت ... وألحق خافيها بقصِّ القوادم
أبا أحمد جُوزيت عنَّا برحمَة ... وقُدِّست من ساعٍ إلى الله قادم
ولو كان مقبولاً فداء لميتٍ ... فدَينَاك يا خير الهُداةِ الأكارم
وكنَّا بأموالٍ نقيك وأنفسٍ ... ولكنَّما الدُّنيا كأحلام نائم
فقد طال ما أحيَيْت في غسق الدُّ ... جى وقمت بها لله أفضل قائم
وبالصوم قد قضيت كل هجيرةٍ ... فبوركت من محي مُصًلٍِّ وصائم
ويا غائباً لا يرتجى منه أوبَة ... عليك دموع العين مثل الغمائم
لئن كنت عنَّا غائباً فقلوبنا ... لديك جزاك الله أزكى المراحم
هجرت وقد واصلت حوراً كواعباً ... وممدود ظلٍ سجسجي النسائم
عليك أبا الهادي سلام ورحمة ... من الله ما ناحت شوادي الحمائم
إبراهيم بن محمد بن الهادي الوزير [- 943ه](1)
صارم الدين إبراهيم بن محمد بن الهادي بن إبراهيم بن محمد المتقدم ذكره مؤلف (الفصول)، كان هذا [السيد جليلاً، نبيلاً، جواداً، سمحاً، عارفاً، فصيحاً، مقولاً، له غرر القصائد في إمام زمانه الإمام شرف الدين - عليه السلام - كما تخبر بذلك سيرة الإمام، ومن شعره:
جبين زمان الهنا مشرق ... وروض بلوغ المنى مورقُ
لملك على غرة الدهر من ... سواطع أنواره رونقُ

تزوج بنت الإمام شرف الدين، وكان هذا السيد من عيون زمانه واختصه الله بالشهادة في التُرَيبَة(1) من أعمال زبيد حين نزل مطهر بن الإمام وصنوه شمس الدين إلى هنالك، وكان استشهاده في يوم الأربعاء ثامن شهر جمادى الآخرة من سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة، ورثاه السيد الإمام شمس الدين أحمد بن عبد الله بن الوزير فقال:
إذا تذكرت إبراهيم عاودني ... من فقده نار حزن أحرقت كبدي
وما الليالي ولا الأيام مبلية ... حزني عليه ولكن إن تزد يزد
ظللت أسأل عنه داره حقباً ... عيت جواباً وما بالدار من أحد
واختاره الله جاراً في الجنان له ... أكرم وأعظم بجار الواحد الأحد
غدا شهيداً حميداً يوم ملحمة ... عظمى تفرق بين الأب والولد
وكان فيها لأحزاب الظلال يد ... كمثل ما كان للأحزاب في أحُد
ظلت تدوس جيوش الدم جثته ... فرداً وحيداً بلا عدِّ ولا عددِ
حري عليه ولهفي دائماً أبداً ... وقل لهفي عليه دائم الأبد
قد كان لي عضداً في كل نائبة ... فأفردتني يد الأيام عن عضد
هذا وإنِّي على ما قد بليت به ... من الحوادث ذو ظهر وذو جلد
لي عن أخي عوض في الله جلَّ فقد ... أعاض سبحانه بالأهل والولد
ثُمَّ الصلاة على المختار ما طلعت ... شمس النهار على الأغوار والنجد](2)
إبراهيم بن محمد بن أحمد [ - 832 ه]
__________
(1) التُرَيْبَة بضم التاء من فوق وتشديدها وفتح الراء وسكون الياء المثناه من تحت، وفتح الباء الموحدة، وسكون الهاء، بلدة عامرة بالشرق من زبيد بمسافة عشرة كيلو متر، وهي من بلاد الأشاعر (معجم المقحفي ص: 90).
(2) ما بين المعقوفين من ترجمة هذا السيد سقط من (أ).

السيد الجليل(1) صارم الدين إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمد المرتضى - رحمه الله - قال في ترجمةٍ له: كان من أساطين العلم والتقوى، وممَّن يفزع إليه في العلميَّات والعمليَّات للإفادة والفتوى، وأخذ عنه جماهير من العلماء، ولقي مشيخة من أهله الكرام، كانت وفاته - رحمه الله - في السَّادس والعشرين من محرَّم الحرام سنة اثنتين وثلاثين وثمانيمائة، وقبره بصنعاء المحروسة.
إبراهيم بن محمد بن محمد [ - 792ه]
السيد النجيب إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن المفضَّل، قال السيد أحمد بن عبد الله: كان ولداً صالحاً مجتهداً في العلم راغباً في تحصيله، فائقاً لنظرائه في علوم العربيَّة، ودرس في علومها، وأتقن أصولها، وكان له تقوى وخير كبير، وكان يُرجَّى أن يجعله الله تعالى بدلاً من سلفه، فاختار الله تعالى ما هو أولى، وفاته في سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة.
إبراهيم بن أبي الحسن العلوي [ - ]
السيد المسند أبو طاهر إبراهيم بن أبي الحسن محمد بن عمر العلوي الحسيني الكوفي، إمام جليل المقدار، نبيل الآثار، من أعمدة المذهب وأوتاده، ومن شيوخه وجهابذة إسناده، قرأ على الشيخ أبي الفضل محمد بن عبد الله الشيباني. انتهى
إبراهيم بن محمد الديلمي [ - ]
السيد البليغ المقول إبراهيم بن محمد بن الحسين الديلمي، أظنه المشهور بابن مدافع، سيد كامل الصنعة في النظم مجيد، وله المراثي والممادح الغر في القضاة آل أبي النجم، ومن جملة مرثيته للقاضي فخر الدين جعفر بن عبد الله:
إذا ما رأت عيناي حيّاً بغبطةٍ ... أتيح لهم خطب من الدَّهر فاجع
وإن عاش قوم في المسرَّة برهة ... أديلوا بغمِّ نازلٍ لا يدافع
أمن كلِّ وجْهٍ زائر الموت طالع ... وفي كلِّ دارٍ طائر الفوت واقع
وفي كل يوم للمنيَّة عسْكر ... له ذابلات في النحور شوارع
طمعنا ضلالاً في البقاء وإنما ... رأت أكذب الآراء تلك المطامع
__________
(1) في (ب): الماجد.

ورُمنا انصراف الحتف عنَّا وقد رأى ... وأسمع منه الصدق راءٍ وسامع
مضت قبلنا قوم تحدث عنهم ... بأخبارهم صدق الحديث المواضع
وباد الورَى قرناً فقرناً فلَم يصن ... عزيز ولم تدفع يد الحتف شافع
وَلم يُنج ملكاً خيله ورجالُه ... ولا دافعت عنه القرَى والمصانع
ولكنَّها الآجال تمضي بأوِّلٍ ... وآخِرنَا لا شك والله تابع(1)
إبراهيم بن محمد بن الجَدُوبَة [260 - 330 ه تقريباً] (2)
إبراهيم بن محمد بن الجدوبة الصنعاني الشاعر، وجدوبة بيت من الفرس، الذين يقال لهم: فرس العدن، والمراد بالعدن ثانية، وكان إبراهيم أشعر أهل عصره، وسلك في شعره مسلك الكميت، ومن ترثيته في الهادي - عليه السلام -.
وغالت بنيه في الزمان غوائله ... وهَت عضد الإسلام واندق كاهله
ذكر ذلك السيد صارم الدين - رحمه الله تعالى -.
قلت: وفي هذه الطبقة، وفي هذا القرن /47/ إبراهيم بن الجدّ شاعر مفلق، رثى الهادي - عليه السلام - بالقصيدة الرَّائيَّة التي أوَّلها:
دموع مرتها واستهل غزيرها ... حرارات ثكل ليس يخبو سعيرُها
هو الثكل الأثكل البنين وإنمَّا ... يعفى على ثكل البنين شهورُها
وثكل أمير المؤمنين مجدد ... على الأرض ما هبَّت عليها دبورُها
ألا خابت الأيام ماذا تعاقبت ... علينا به آصالها وبكورُها
برتنا كما تبرى القداح بدوها ... وكرَّ لنا بالمصمئل(3) كرُورُها
لقد ضُمِّن الهادي إلى الحق حفرة ... مطهرة طابت وطاب نشورها
فصارت بُطون الأرض تزهو وطالما ... زهت بأمير المؤمنين ظهُورُها
وكانت قلوب المؤمنين بعدله ... مطهرة طول الحياة ودورُها
__________
(1) في (ب): وآخرنا والله لا شك تابع.
(2) أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (27) ومنه مصادر الحبشي 313، صفة جزيرة العرب 87، مصادر الفكر اليمني في العصر العباسي 1/ 297، قصة الأدب في اليمن 157، الإكليل 1/441، شعراء اليمن في الجاهلية والإسلام من اسمه إبراهيم.
(3) المصمئل: المشتد. (القاموس المحيط ص 941).

فقد أصبحت من بعده اليوم إذ ثوى ... مطهرة أمواتها وقبورُها
وكان لأهل الأرض في الأرض رحمة ... فلما تولَّى فاجأتهم شرورُها
أتخلو قلوب المؤمنين من الأسى ... وقد مات يحيى بن الحسين أميرُها
وأصبحت الدنيا وأمَّة أحمدٍ ... مُعطَّلة أمصَارُها وثغورُها
ألا أبلغا خولان في مُستقرِّها ... وهمدان ما أهدَى إليها مسيرُها
أناشدُكم بالله في منع دينكم ... وفي حرَم غال عليكم مهورُها
وفي بلدة كانت لكم قبل تبع ... بكم منعت آطامها وقصورُها
متى وَلَّى ابن رسول الله بين ظهوركم ... وسيرة عدل كان فيكم يسيرُها
دعوا عنكم الشحناء في ذات بينكم ... وكونوا له عوناً على من يثيرُها
فقد طال ما ذدتم عن الدين بالقنا ... وبالخيل تغدو بالأعنَّة فورُها
فعودوا لها لله درٌّ أبيكم ... ودرُّ نساءٍ ربَّأتكم حجورُها
فما هذه الكفار إلا عصابة ... مجمَّعة من كل فج نفيرُها
كلابٌ تعاوت فاستجاشت جموعها ... على غير دينٍ وابن فضل عقورُها
أما فيكم يا قوم طرّاً قبيلة ... يغار لبيع المحصنات غيورُها
ألم يأتكم ما نال صنعاء إذ طغت ... وكيف على الطغيان كان نكيرُها
ألم تخربُ البنيان منها فأصبحت ... تعفى على تلك المحاريب مورُها(1)
ألم تحرق الدُّور المشيدة عنوة ... ويُهدم(2) من بعد المساجد سُورُها
/48/
ألم تذبح الأطفال ذبحاً كأنها ... عقائر تجري بالدماء نحورُها
ألم تنهب الأموال نهباً فأصبحت ... وأعداؤها منها غنيّاً فقيرُها
ألم تقتل الأبطال صبراً وذلة ... ويصلى بأصناف العذاب أسيرُها
ألم يغبنوا عن دينهم ونبيئهم ... وتحبط من بعد الشقاء أجورُها
ألم يطحن الشيخ الكبير برغمه ... تدير الرحى أرَابُه(3) ويديرُها
وإني لأخشى مثلها بعد برهةٍ ... عليهم وأياماً يطول قصيرُها
__________
(1) مورها بالضم: الغبار المتردد، والتراب تثيره الرياح. (المرجع السابق ص 444).
(2) في (ب): وتهدم.
(3) لعلها: أرْآبُهُ أو آرَابه ليستقيم الوزن.

يطوف عليهم فتنة مُرحجنَّة(1) ... تثير بقايا القوم فيها مثيرُها
ولو نصحوا لله في ابن رسوله ... كما نصحت قلف(2) العبيد حميرُها
لما زالت النعماء فيهم مقيمة ... طوال اللَّيالي ما أقام ثبيرُها(3)
ولكنَّها خانته واستنصرت بهم ... عليه فقد ذلَّت وذلَّ نصيرُها
وما غضبت صنعاء يوماً لربِّها ... فقد رضيت حولين عنها نشُورُها
فعوذا من البلوَى التي نزلت بهم ... فإني لكم يا قوم منها نذيرُها
وأنتم إذا ما الحرب شدت لدى الوغى ... وقامت على رجلٍ وفارَ قُدورُها
تخطفتم الأقران خطفاً كأنها ... محاسير عريان وأنتم صُقورُها
وقد كرهت عدل الإمام قبيلة ... ومالت بها لذَّاتها وخمورُها
وكانوا ذوي ملكٍ وعزٍّ ومنعَةٍ ... فأمسى أجيراً لابن فضل كبيرُها
وما غيَّر الله المهيمن نِعمَةً ... بقَومٍ ولم يبد الغيَار كفورُها
فائدة
وقد كان إبراهيم هذا يلتبس علي بابن أبي البلس الخيواني الزيدي الشاعر المجيد لجامعَة مدحهما ليحيى - عليه السلام - وكان بليغاً، والقصيدة السينيَّة التي منها:
لو كان سيفك قبل سجدة آدمٍ ... قد كان جرَّد ما عصا إبليس
من شعره - رحمه الله - وقد اكتفينا بذكره هنا.
إبراهيم بن محمد البوسي [ - ق8ه](4)
__________
(1) مرجحنَّة: رحى مُرْجَحِنَّةٌ: ثقيلة. (القاموس المحيط. ص 1105).
(2) قلف: الأقلف: من لم يُخْتن. (المرجع السابق ص 781).
(3) ثبيرها: ثبير الخضراء. (المرجع السابق ص336).
(4) أعلام المؤلفين الزيدية ص: 86 - 69 ترجمة (29) وانظر بقية المصادر فيه.

الفقيه العالم الفاضل زين الدين أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن سليمان بن علي بن محمد بن عبد الأعلى بن محمد البوسي - رضي الله عنه - قال بعض علماء (أهل)(1) المذهب فيه ما لفظه: القاضي الأجلُّ العلامة، الصَّدر الحبر المدرة(2) الأفضل النبيه البارع شرف الحفَّاظ، إمام الشريعة المحمّديّة، شيخ العصابة الزيديَّة صارم الدين، عمدة العلماء الراشدين، إبراهيم بن محمد بن سليمان، أعلى الله قدره ويسر بخير الدنيا والآخرة أمره، وساق استملاءه من شيخه إلى آخر كلامه.
قلت: هو مفخر للإسلام، ولهذه العصابة، له براعة وإتقان، وهو المتلقى لإملاء (الحفيظ)(3) من أستاذه لسان الشرع يوسف بن محمد الأكوع، وهذا (الحفيظ) من أجلّ كتب المذهب وأحواها للشوارد، بحيث لا ينبغي /49/ تركه لطالب تحقيق، وهو مخدوم بالشروح، وفيه يقول القاضي زين الدين المذكور:
حفظ (الحفيظ) مقال كل موافق ... وغدا يفيض بزاخرٍ متدافقِ
متوشحاً بمسائلٍ منثورةٍ ... متطوِّقاً بمسلسلٍ متعانقِ
مترادف متكانف متضمن ... لدقائق مشروحة وحقائقِ
جمعت علوم الفقه في أثنائه ... فتكللت بمحاسن وحدائقِ
لمهذَّبٍ حبرٍ نبيهٍ قد جلى ... جيد المسائل بالبيان الرَّائقِ
ونشا على عشق العلوم فلم يكن ... أبد الزمان لغيرها بالعاشقِ
فتطلّعت أنفاسه لسوابقٍ ... مأثورة وتفرَّدت بلواحقِِ
يا سالكاً في الفقه منهج مهتدٍ ... لا تقصدن سوَى (الحفيظ) الفائقِ
جمع (الكفاية) و(الزيادة) و(المنَى) ... حصر المسائل كلها باللاَّئقِ
سبعون ألفاً جرّدت في متنه ... من بعد ألفٍ بالمقال الصَّادقِ
__________
(1) زيادة في (أ).
(2) المدرة: تُراجع من الأصل.
(3) الحفيظ في الفقه منه نسخة بخط المؤلف في مكتبة السيد محمد بن محمد زبارة وأخرى خطت سنة 779 رقم (27) وثالثة خطت سنة 806ه برقم 134 فقه، ورابعة رقم 142 وخامسة خطت سنة 771، رقم 151 G، الأمبروزيانا.

أنشد هذا الشعر له الشيخ عبد الجليل بن حسين بن مشرع - قدَّس سرُّه - ولهذا الشيخ نسخة (الحفيظ لنسخة)(1) مخدومة أحسن الله جزاءه، وكان زين الدين ممن يسر له الشعر، وله (نظم التذكرة) على رويّ واحدٍ المسمَّى (بالزهرة الزاهرة) (2)، وإليها (الفرائض) (3)، وفي الأصول لكني لم أره، بل أخبرني بعض الشافعيَّة أنه في كتبه(4)، وكل ذلك على رويّ واحدٍ، ومن العجيب أنه الذي جمع (الحفيظ) والفقيه حسن بن محمد النحوي شرحه، والفقيه الحسن ألَّفَ (التذكرة) وزين الدين نظمها، ومن شعره - رحمه الله تعالى - تقريراً لقول الشيباني:
إن الثمانين وبُلِّغْتَها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
فقال:
وأحوجت عينَي بعد الضيا ... إلى سؤال الناس من بالمكان
وأحوجت رجلي بعد القوَى ... إلى التعصِّي وركوب الأتان
ولم يحضرني عند كتابة هذا تأريخ موته(5)، ولعلي أثبتها - إن شاء الله تعالى - وقد يوجد في تراجم الأصحاب الموثوق بهم أن البوسي ناظم التذكرة هذا اسمه محمد وتكرر هذا، ولكني وجدت هذا أثبت والله أعلم.
إبراهيم بن محمد بن إبراهيم [ - ]
__________
(1) سقط من (أ).
(2) الزهرة الزاهرة في فقه العترة الطاهرة نظمها في أربعة آلاف وخمسمائة وثمانين بيتاً على روي واحد، وعليها شرحٌ من نسخة في الامبروزيانا برقم 76 c وأخرى بالمتحف البريطاني برقم 429 ذكرها بروكلمان، وقد شرحها العلامة الحسين بن الناصر المهلا في أربعة مجلدات باسم المواهب القدسية شرح المنظومة البوسية.
(3) لم أجد له نسخة خطية، وفي طبقات الزيدية: وسماه بالزهرة الزاهرة في فقه العترة الطاهرة، وفيها الفرائض والأصولين.
(4) أي في الزهرة الزاهرة وليس كتاب ......... .
(5) بعد سنة 779 ه التي كتب فيها نسخة من كتاب (الحفيظ).

الفقيه العلامة إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد - كذا ذكره بعض النسَّابين مكرراً - ابن يوسف بن محمد بن يزيد بن مزهر بن كريب بن الوضاح بن إبراهيم بن ماتع بن عوار بن مانع الفياض بن عامر بن بطرس بن ذي حوال بن عوسجة، كان عالماً، وأهل هذا البيت سابقون في الفضائل، وسنكرر أخبارهم - إن شاء الله تعالى - ونسب هذا العلامة يلتقي بنسب أسعد بن أبي يعفر الذي عمر مجنب (جامع صنعاء الشرقي) في سنة نيف وستين ومائتين في كريب ابن الوضاح؛ لأنه أسعد ابن أبي يعفر إبراهيم بن محمد بن يعفر عبد الرحمن بن كريب بن الوضاح.
إبراهيم بن محمد الكرري [ - ](1)
الفقيه الإمام العلاَّمة إبراهيم بن محمد بن الكرري، شيخ العلامة علي بن إبراهيم بن عطيَّة - رحمه الله تعالى - في كتب المذهب وغيرها، وهو من تلامذة الحسين بن محمد بن علي بن يعيش النحوي.
إبراهيم بن محمد بن مسعود الحوالي [ - 1008] (2)
__________
(1) طبقات الزيدية الكبرى (القسم الثالث) 1/ 76 ترجمة (18).
(2) طبقات الزيدية الكبرى (القسم الثالث) 1/ 77 - 78 ترجمة (19) وانظر بقية مصادر ترجمته فيه.

الفقيه المذاكر صارم الدين إبراهيم بن محمد بن مسعود الحوَالي - رضوان الله عليه - قال الفقيه اللغوي الأديب عبد الله بن المهدي - رحمه الله تعالى - في ترجَمته ما لفظه: كان من حفّاظ مذهب أهل البيت الطاهرين، بل إمام حفّاظ المذاهب الأربعة - نفع الله بهم - وكان أوحد أهل زمانه حفظاً للأدلَّة ولأقاويل السَّلف - نفع الله بهم - إذا تكلم على المسألة من الفقه احتجّ لها بما عليها من الحديث النبوي، وبما تفرع عليها من أقاويل الصَّحابة والتابعين والفقهاء وأقوال أهل البيت حتى كأنَّما يغترف من بحر، ويحتج لكل صاحب مذهب من الكتاب والسنة في قوله، وينصف كل عالم من علماء الأمَّة، بريئاً من التعصّب لمذهبه أو مذهب غيره، قد ملئ يقيناً من فضل علماء المذاهب الأربعة مع قيامه بمذهب أهل البيت - عليهم السلام - الذي هو مذهبُه، وكان طول زمانه مشتغلاً بالتدريس والإفادة، يحكى أنه أقرأ (التذكرة) خمسة وخمسين مرَّة، مع إجماع فقهاء أهل البيت على فضله وإتقانه وتحقيقه، وكانوا يرجعون إليه في كل أمرٍ ينوبهم، لا يدفعون مسألة يمليها، أو يفتي بها مع بحثهم عنها أشدَّ البحث، يوردون الشُبَه فيحلُّها، ولا يستدركون عليه شيئاً في فتيا أو تدريس، وكان من تواضعه إذا وجد الفتوى من فقيه غلطاً لم يكتب جوابه عنده الذي هو الصَّواب، ويكتب الفتوى في ورقة أخرى ويقول: ربَّما وهم بعض الأصحاب بكذا.
وكان كثيراً ما يهمّ بالعزلة فيقف على شيء من أغاليط الفقهاء في فتاويهم وأقضيتهم فيقول: وجب عليَّ شرعاً ترك العزلة، ويجتهد في إفادة الطلبة، وكان أحسن الناس خلُقاً، وأسهلهم جانباً، وأكرمهم نفساً، صدقاته وأياديه تفيض فيض الوبل، وكان عذب الفكاهة كريم السجية، يتعهَّد أصحابه، ويزورهم، وكانت قلوب الخلق مجمعَة على محبته، وتعظمُه الملوك والرؤساء لدينه وعلمه وورعه، ولا يردُّون شفاعته، ويسترّون برؤيته، وكان محبوباً عند كل أحد، وإ ن لم يخل فاضل من حسدٍ.

قال السيد الأكرم فخر الدين كاتب ترجمته، وقرأت عليه (الأزهار) وشرحه (والتذكرة) وبعض (البحر) و (صحيح البخاري) جميعه، وكان يتكلم بما تفرع من فوائد الحديث، ويذكر احتجاج العلماء به من أهل المذاهب ومن السلف الماضين، يغرف من بحرٍ لا تكدِّره الدلاء، ويملي من سيب /51/ تتقاصر عنه الأنواء، وبالجملة ففي وصفه يحتار لُبُّ الواصف، وقد أردت أتبرك بقطرة من محاسن ذكره، فكتبت هذه الأحرف والله ينفعني به ويعيد من بركته، وكانت وفاته - رحمه الله - في شهر ربيع الأول من سنة ثماني وألف وقبره (بهجرة الظهرين)، - حرسها الله بصالحي عباده - إلى جنب قبر السيد الفاضل الجليل علي بن فاضل الحمزي - نفع الله به - في القبَّة المعروفة، كتب ذلك حفيده، وولده عبد الله بن المهدي بن إبراهيم عفا الله عنه، انتهى بحروفه، وفي أثناء الترجمة ما يدُل على أنه نقلها عبد الله المذكور: من ترجمة كتبها السيد فخر الدين، ويظهر أنه أراد منها شيئاً، قال حفيده المذكور وقد رثاه مولانا السيد المقام المنطيق المفوَّه علم الآل ومدرهم، عزَّ الدين محمد بن عبد الله بن الإمام شرف الدين - عليه السلام - بقصيدة مطلعها.
نبئت أنَّ الحبر إبراهيما ... ازْكَى الورَى سمتاً وأكرم سيما
علم الشريعة خير أرباب الحجى ... خُلقاً وخَلْقا كالربيع وسيما
بحر فرات بالعلوم تلاطمت ... أمواجُه لمَّا زخَرن علوما
قالوا: ثوَى فانحلّ سلك مدامعي ... وغدا فؤادي بالأسى مكلوما
أسفاً على علمٍ عَفَى لمَّا ثَوَى ... فمريع مرعَاهُ استحال هشيما
ومنها:
يا وجه آل حوال أرباب النُّهى ... وأَولى المعالي والفخار قديماً
إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى [100 تقريباً - 184ه]

الشيخ المحدث، إمام العدليَّة، وحجَّة أهل الحديث، إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى المدني، شيخ الإمام الشافعي - رحمه الله - كان من علماء الزيدية ورؤساء أهل العَدل، أمَّا كونه عدليّاً فأشهر من الشمس على رؤس الرّبا، كما ستعرفه من سياق ترجمته الآتية، وأمَّا كونه زيدياً فنقله الشيخ العالم الزَّاهد السَّعيْد وليُّ آل محمد القاسم بن عبدالعزيز بن إسحاق بن جعفر البغدادي - قدّس الله روحه في الجنة-. وهو من الحفاظ الأثبات، وممَّن لا يمترَى فيما نقله.

قال السيد السمهودي الشافعي: وثقه الشافعي، وابن الأصبهاني، وابن عدي، وابن عقدة، وغيرهم. قال الشيخ المحدّث أحمد بن سهل في قصصه لأيام فخ: إنَّه لما خرج يحيى وإدريس ابنا عبد الله بن الحسن من الحبشة كاتب يحيى الناس، فلقيه العلماء من أهل الأمصار، وأجابه خلق كثير، قال: وأظنه حاكياً عن المدايني: وقد أخبرني هارون بن موسى، قال: حدَّثني عبد العزيز بن يحيى الكناني، قال: لمَّا انصَرف يحيى وإدريس من أرض الحبشة، كاتب الناس، وواعدهم الموسم بمنى في شعب الحضارمة، قال: فوافاه سبعون رجلاً من خيار أهل الأرض في ذلك الزمان، قال: وكان فيهم جماعة من أهل مكة، قال هارون: وكأنه(1) أومَأ إليَّ أن أكون فيهم(2) ولم يصرّح بذلك، قال: فشاورهم، فأشاروا عليه، واتفق رأيهم على أن يوجَّه في أمصار المسلمين، ويستنصرهم على جهادهم، فإنه ما من أعمال البِّر شيء يعدل جهادهم ولا أفضل من نصرتهم عليهم، قال: فاستخار الله وكاتب أهل الآفاق، ووجَّه إليهم الرسل، فوجَّه إلى أهل العراق ثلاثة، وإلى أهل المغرب ثلاثة، ومعهم أخوه إدريس، قال له: يا أخي، إنَّ لنا راية في العرب(3) تقبل في آخر الزمان فيظهر الله الحق على أيدي أهلها، فعسى أن تكون أنت أو رجلاً(4) من ولدك فتوجَّه إدريس إلى المغرب مع أصحابه، فصار إلى القيروان، ثم إلى إلزاب(5)، ثم إلى مليانة(6)، ثم صار إلى طنجة، فأعظمه أهلها، وأكرموه، وقاتل عبد الوهاب بن رستم، فأزالهم(7) عن بعض تلك المخاليف، واتسع سلطانه، وتزايد أمره، وأقام زماناً حتى دسّ إليه هارون الرشيد من قتله بالسّم، وله قصة ولمن وجّه إليه سأذكرها - إن شاء الله تعالى -
__________
(1) في (أ): وكان.
(2) في أخبار فخ ص 163: وكان أومأ إلي أن يكون كان فيهم.
(3) في (ب): في الغرب، وفي أخبار فخ: في المغرب.
(4) في أخبار فخ: رجل.
(5) إلزاب: لعلها منطقة ببلاد المغرب.
(6) مليانة: لعلها منطقة ببلاد الغرب.
(7) في أخبار فخ: فأزاله.

قال: ووجَّه إلى مصر وما يليها ثلاثة، وكتب معهم الفقيه إبراهيم بن أبي يحيى الذي يقال: إنه أستاذ محمد بن إدريس الشافعي، وكان من دعاة يحيى وجُلة(1) أهل زمانه(2) إلى أبي محمد الحضرمي: (سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمدٍ عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى المستوجبين الصلاة من أهله. أمَّا بعد فقد بلغني حبك أهل بيت نبيئك عامَّة، ويحيى بن عبد الله خاصَّة، لمكان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - منهم، ولموضعهم الذي فضلهم الله به من بيننا، فلقد وفقت لرشدك بمودتك لهم؛ لأنهم أحقُّ الناس بذلك منك ومن الأمَّة، وأقمنهم(3) أن يقربك حبُّهم إلى ربِّك؛ لأنهم أهل بيت الرحمَة وموضع العصمة وقرار الرسالة، وإليهم كان مختلف الملائكة، وأهل رسول الله وعترته، فهم معدن العلم وغاية الحكم، فتمسَّك بصاحبك، واستظل بظله، وأعنه على أمره، وارض به محلاً، ولا(4) تبغ به بدلاً، فإنه من شجرة باسقة الفرع، طيَّبة النبع، ثابتة الأصل، دائمَة الأكل، قد ساخت عروقها فهي طيبَة الثرَى، واهتزت غصونها فهي تنطف النَّدى وأورقت مبصرة، ونورَّت مزهرة، وأثمرت موفِّرة، لا ينقص ثمارها الجناة، ولا تنزعها(5) السقاة، فمن نزل بها وأوَى إليها ورد حياظاً(6) تفيض، ورعى رياضاً لا تغيض، وشرب شراباً رويّاً هنيئاً مريئاً متلألئاً غريضاً فضيضاً، فروى وارتوى من قرار رواء بدلاء ملأى(7)، مبذولة غير ممنوعة، معروضةَ غير مقطوعة، فاستمسك بالعروة الوثقى من معرفة حق الله عليك في نصرة يحيى وتحريم حرمته، واستغنم الظفر بما يلزمك من حفظه لمكان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ومكان
__________
(1) أخبار فخ ص 164: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى.
(2) في أخبار فخ: ومن أجلة أصحابه وأهل زمانه.
(3) أي أجدرهم، ومنه القمين، بالشيء أي الجدير به.
(4) في (ب): ولم تبغ.
(5) في (ب): شرعها.
(6) لعلها: حياضاً.
(7) في أخبار فخ: ملأ.

الوصي بعده الإمام، ومكان أهله منه، واحفظ(1) دين الله فيه خاصَّة وفي أهل البيت عامَّة، وأحبَّهم(2) جميعاً حباً نافعاً، واجعَل حبّك إياهم حبّاً دائماً من غير تقصير ولا إفراط ولا احتراق ولا اختلاق، تجمعهم إذا تفرقوا، ولا تفرَّق بينهم إذا اجتمعوا، ولا تصدق /53/ عليهم أهل الفرية من الرَّافضة الغلاة، فإنَّهم أهل العداوة للقائمين بالحق من عترة الرسول، وسوء النيَّة فيهم، والجرأة على الله بالإفك والشنآن، وهم أهل الخلابة(3) وقلة المهابة للعواقب، واعلم أن من اعتقد ترك ما نهي عنه في السِّر الباطن، وأظهر الحق في المواطن، ولزم التقوى، وحفظ حق ذي القربى، وتجنب في حبِّهم الجور والحزونة، وسلك الطريقة الوسطى، وسارَ فيهم بالقسط والسهولة، وأقرَّ بالفضل لأهله، وفضَّل ذا الفضل منهم بفضله وتبريزه به، ودعا إلى الله وإلى كتابه وسنَّة نبيئه، ولم يرَ الإغماض في دينه، ولم ينقض مبرماً، ولم يستحل محرّماً، ومن كانت هذه صفته لحق بالصَّالحين من سلفه وبخير آبائه الطاهرين، فتدبَّر ما وصفت لك، وميّزه بقلبك، فإن كنت كذلك لحقت بأهل الولاية الباطنة والمودَّة الواتنة،(4) التي لم تُغيّرها فتنة، ولم تصبها أبنة(5)، فتسكن خير دارٍ عند أكرم جار، بأهنأ راحة وأفضَل قرار، في مقام لا يشوبه المكاره(6) والغل، ولا يعاب أهله بسوء الأخوَّة والبخل، يتلاقون بأحسن تحيَّة، بصُدورٍ بريَّة، وأخلاقٍ سنيَّة، لا تمازجها الريبة، ولا تَنْسَاغ فيها الغيبة، قد وصلهم الله بحبْله فاتصلوا به، وجمعهم على(7) جواره فاستبشروا به، فعلى ذلك يتآخون، وبه يتواصلون، ويتحابُّون بالولاية، ويتوادُّون بحسن الرعاية، فهم كما قال الله:
__________
(1) في أخبار فخ: وحفظ.
(2) في أخبار فخ: وأحببهم.
(3) في أخبار فخ: الخلابة، وفي نسخة: الخلافة.
(4) أي الثابتة.
(5) الأبنة: التهمة والعيب.
(6) في أخبار فخ: في مكان لا تشوبه الكاره والغل.
(7) في أخبار فخ: في.

?كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ? (الفتح: 29) الآية، وهم مثل من خلاَ من قبلهم مستهم البأساء والضراء، ونالهم المكروه واللأوى والشدَّة والأذى، وامتحنوا بعظيم المحن والبلوى، فصبَروا لله على ما امتحنهم به، وأخلصوا لله ما أرادوا منه، فجازاهم الله على ما أسلفوا(1)، وكافاهم بجميل ما اكتسبوا، وأحبَّهم لعظيم ما صبَروا له، والله يحب الصَّابرين، ورزقنا(2) الله وإياك تراحم الأبرار وتواصل الأخيار، الذين لهم عقبى الدار، وفتح لنا ولك أبواب الحكمَة، وعصمنا وإياك بحبل العصمَة، وشملنا بجميل النعمَة، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته(3).
إبراهيم بن محمد بن سلامة [ - ]
الفقيه العارف إبراهيم بن محمد بن سلامة، كان عالماً فاضلاً من عيون وقته، أخذ عنه فضلاء نبلاء، منهم السيد شمس الدين أحمد بن عبد الله بن الوزير - رحمه الله -.
إبراهيم بن محمد بن يوسف [ - ]
الفقيه النبيل إبراهيم بن محمد بن يوسف، كان من أعيان أعوان الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى - عليه السلام - وأسر معه يوم معبر، وسجن معه - رحمه الله تعالى -.
إبراهيم بن محمد بن نزار [ - ق8ه] (4)
__________
(1) في أخبار فخ: فحاباهم على ما أسلفوا.
(2) في (ب): رزقنا.
(3) أخبار فخ: من ص 163 - 168.
(4) أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (31)، المستطاب خ، مصادر الحبشي 414 مؤلفات الزيدية 3/179.

الفقيه العلامة المفسر، أوحد القضاة، إبراهيم بن محمد بن علي بن يحيى بن نزار الصنعاني. كان صدراً من صدور الشريعة وبدراً من بدور الشيعة، وله إجادة في الترسُّل - رحمه الله - وإحسان في العبارات، قرأ على محمد بن أحمد بن عمران، وعلى الإمام محمد بن المطهَّر كل ذلك في (الكشاف) /54/ وقرأ على علامة الزيدية الفضل بن أبي الحسين الدَّمتي - رحمه الله - وله رواية فيه عن الفقيه محمد بن أحمد العلماني، وعن الفقيه محمد بن سليمان بن أبي الرجال - رحمهم الله جميعاً - وله تلامذة فضلاء كملاء من أعلام المائة الثامنة، ومن كتبه (إشراق الإصباح في فضائل الخمسة الأشباح) (1).
إبراهيم بن محمد الضحاك [ - ]
ولي آل محمد، السلطان الكبير، المقدام الخطير، أبو حاشد، إبراهيم بن محمد الضحاك. ذكره صاحب الطبقات في الطبَقة الأولى معَ أخيه أبي جعفر وإبراهيم بن المحسن وأضرابهم. قال: وكان رجلاً له قدر ودرجة وشجاعة، وشرف في قومه، وطاعة في همدان، ورأي وديانة، ومودَّة خالصة لآل محمد - عليه السلام - ومواقف محمودة، انتهى.
وعدَّ عبد الله بن عمرو في كتابه أيام الناصر للحق أياماً لأبي حاشد، هي غرر في وجه الزمان وحجول، قال: وعقد له الناصر ولاية على القدمين(2)، وما قاربهم، وأخرج معه المتابعين(3) من همدان وأهل الفضل والبصائر، وأمر عبد الرحمن بن عبد الله بن الأقرعي معه.
إبراهيم بن محمد بن إسماعيل [ - ]
__________
(1) إشراق الإصباح في فضائل الخمسة وذويهم، قال الحبشي: نسخة خطية بقلم المؤلف سنة 753ه في 165 ورقة بمكتبة أحد أهالي صنعاء، مصورة بمعهد المخطوطات العربية.
(2) القدمين:
(3) في (ب): المبايعين.

الفقيه الفاضل المحقق صارم الدين إبراهيم بن محمد بن إسماعيل صاحب الظهرين، من شيوخ الإمام المتوكل على الله يحيى شرف الدين بن شمس الدين، وله إلى الإمام نصائح، وممَّا وجَّه إليه الإمام أيام سيَادته قبل الدعوة الميمونة بسبع عشرة سنة، وقد بلغ من العمر ثماني عشرة سنة:
شكراً لمن عرض لي في مقالي ... فنظم اللؤلؤ رطباً وقال
ما للفَتى بالجد فخرٌ ولا ... بثروة المال ولا بالجمال
ولا بقوم سابق أمرهم ... ولا بعزٍّ سابق الشأوِ عال
ولا بأن صار مليكاً ولو ... دَان له مرقا مهب الشمال
إن كان في مهوَى الرَّدى هاوياً ... مرتبكاً في لجِّ بحر الضَّلال
وإنما فخر الفتى إن غدا ... حليته الدفتر في كل حالِ
يفتض أبكار معانٍ له ... عزَّت على أفكار كل الرجال
ويقسم السَّاعات من عمره ... في طاعة الحيِّ الذي لا يزال
حتى يجوز السّبق من بين من ... جاراه في مضمار خيل المعال
ِ
يا نسل إسماعيل يا ذا الذي ... جالت به الأوهام كم من مجال
لا تحسبن أنيَ ممَّن إذا استميل عن علياه بالمال مال
فوالّذي أوسعني همَّة ... قعساء تسمو فوق شمِّ الجبال
ما أقْبَلُ الدنيا ولو أقبلت ... إن كان في أخراي منها اختلال
ولا أمنِّي النفس بالرزق إن ... لم يحصُل الرزق بدون السُّؤال
/55/
فهذه سُبْلي التي اقتفي ... أهليَ طراً في القرون الخوال
ثم صلاة الله تترى على ... محمدٍ مع آله خير آل
إبراهيم بن محمد حنش [ - 837ه] (1)
__________
(1) تاريخ شعراء اليمن من اسمه إبراهيم ص 57 - 61، قال الشامي: وقد نشأ في أواخر القرن الثامن الهجري، وتوفي في الثلث الأول من القرن التاسع عام 837ه قبل تلاشي دولة الرسوليين وظهور دولة بني طاهر 858ه، وهو عصر كانت العجمة فيه قد طغت على العالم الإسلامي وسادت الأدوات الصناعية والفنون اللفظية والبديعية، وأفرط الشعراء والكتاب في تعشقها وممارستها.

الفقيه العلاَّمة إبراهيم بن محمد بن يحيى بن محمد بن أحمد بن يحيى بن أحمد بن حنش - رحمه الله - عالم، من شعره:
أَلِفٌ، إلى ربي العزيز الكافي ... أقبلت طالب جوده (الوكافِ)
باءٌ، بليت بنفسِ سوءٍ همُّها ... كسبُ الذنوب وقلةُ الإنصافِ
تاء، تعبت من الذنوب وحملها ... قد (أنقضت) ظهري بحمل جافِ
ثاءٌ، ثرى قبري أصير موسَّداً ... فيه وأبعث يوم حشر حافيِ(1)
جيمٌ، جمال القوم مدح محمدٍ ... بدر الظلام وسيد الأشرافِ
حاءٌ، حماه الله عن أعدائه ... وكفاه شر (غوائل) الأسلافِ
خاءٌ، خيار الخلق طراً أحمد ... معطي العطاء بغير ما(2) إسرافِ
إلى آخر القصيدة، وأظنه صاحب المسائل إلى السيد علي بن محمد بن أبي القاسم، وله في المنصور بالله:
سلام الله طول الدهر مهما ... جرى في اليم بالريح الجواري
على من صار(3) للآتي مزاراً
ً ... بحصن ظفار يالك من مزارِ
وذلك سيد السَّادت تا ... ج الأئمة كلهم سامي النجارِ(4)
إمام العالمين بلا امتراءٍ ... حمام الظالمين ذوي الضرارِ
ملاذ الطالبين غياث عافٍٍ ... له فضل مع السَّارين ساري
غمام الجود قاموس الأمالي ... حليف المجد مرتفع المنارِ
أفاض على الورى علماً غزيراً ... أفاضة حافظ حفظ اقتدارِ
وصنَّف في فنون العلم جمّاً ... بتحقيق ببسط واختصارِ
وأضحى فائقاً عملاً وعلماً ... ومعروف المناقب باشتهارِ
فما أن فارق القضبان حتَّى ... أتاه الموت يا لك من فخارِ
فها هو شبه يحيى في زكاء ... وفي التطهير عن دنس الصَّغارِ
فها هو شبه عنترة شجاع ... يجل عن المبارز والمبَاري
هو المنصور بالرحمن حقاً ... به انتشر الهُدى أي انتشارِ
لقد عظمت فضائله وحلت ... وحلَّق ذكره فوق الدراري
بصدق وداده أرجو خلودي ... مع الأبرار في دار القرارِ
__________
(1) الصواب: حاف.
(2) في (أ): من غير ما.
(3) في (أ): على من هو للآتي مزاراً.
(4) النار: الأصل.

إبراهيم بن محمد التميمي [ - ](1)
ومنهم البليغ، المقول، ناصر الدين، إبراهيم بن محمد التميمي، صدر صدور الشريعة الذي لا يلحق، وبدر بدور الشيعة الذي لا يمحق، كان من أعيان زمانه فصيحاً بليغاً مفوَّهاً شاعراً مجيداً، له كل قصيدة غرَّاء، ومن شعره لمَّا بويع للناصر أحمد بن الهادي - عليهما السلام - بمسجده الذي فيه قبره بصعدة، ركب إلى صعدة القديمة في ذلك اليوم، فاجتمع إليه خلق كثير، قيل: إنهم كانوا فيما بين صعدة والغيل فقال إبراهيم المذكور قصيدة فائقة وكلمة رائقة، أولها:
عادات قلبك يوم البين أن يجبا ... وإن تراجع فيه الشوق والطربا
وخرج إلى المدح فقال:
قوم أبوهم رسول الله حسبُهم ... بأن يكون لهم دون الأنام أبا
من ذا يفاخر أولاد النبي ومن ... هذا يداني إلى أنسابهم نسبا
قوم إذا افتخر الأقوام واجتهدوا ... وجدت كل فخار منهم اكتسبا
لولا الإله تلافانا بدينهم ... لما فتينا عكوفاً نعبد الصُّلَبا
أقام جبريل في أبياتهم حقباً ... يتلو من الله في حافاتها الكتبا
أنتم أناس وجدنا الله صيَّركم ... لنا إليه إذا لذنا بكم سببا
لا يدفعُ السوء والبلوى بغيركم ... عنَّا ولا ينجز الوعد الذي كتبا
وأنتم حزبُه من دون غيركم ... ومن يكن حزبه منكم فقد غلبا
لا يصلح الدين والدنيا بغيركم ... ولا يقال لمن سامى بكم كذبا
من عابكم حسداً عاب الإله ومن ... عاب الإله فقد أودى وقد عَطَبا
ومن يكن سلمكم يسلَم بسلمكم ... ومن يُحاربكم جهلاً فقد حَرَبَا
لم يفرض الله أجراً غير حبِّكم ... لجدِّكم خاتم الرسل الذي انتخبا
حق الصلاة عليكم والدعاء لكم ... فرض على كل من صلَّى ومن خطبا
تشوف(2) الملحدون النوك مذ علموا ... أن الإمام علينا اليوم قد عتبا
__________
(1) شعراء اليمن من اسمه إبراهيم ص 31 - 33، قال: ولم يذكر ابن أبي الرجال سنة وفاته، ويظهر أنه عاش إلى سنة 325ه.
(2) في (ب): تشوق.

فقلت لا ترفعوا جهلاً رؤوسكم ... فيأخذ السَّيف من هاتيك ما انتصبا
إن الإمام وإن أبدى معاتبه ... منا ليشبه فينا الوَالد الحدبا
كانت أمور وكان الله بالغها ... ومحنة منه قد كانت لنا أدبا
وقد تولى أمور الناس خيرهم ... بعد الإمام فتمَّ الأمرُ أو كربا
صنو الإمام ومن سدَّ الإمام به ... نهج الثغور ولمَّ الصدع فارتأبا
هذا أبو حسنٍ والجود في قرن ... أمسى بذي يمنٍ أمْناً لمن رهِبا
ساس الأمورَ وكانت قبل مهملة ... وقام فينا بدين الله محتسباً
إذا تحجب أهل المال وامتنعُوا ... لم نلقه خشية الإنفاق محتجبا
/57/
صلب له شيم، أقواله نعم ... أفعاله كرم، يرتاح إن طلبا
يُعطي الجزيل ولا يرضى القليل ولا ... يجفي الخليل لذنب جد أو لعبا
لمَّا بدا ابن رسول الله منصلتاً ... يوم العروبة(1) في خولان إذ ركبا
تحفّه عصب ضاقت بهم عصب ... من حولهم عصب يتلو بها عصبا
رجال سعد بن سعد والربيعة إذ ... أتوا إليه جميعاً جحفلاً لجبا
كأنَّه اليمّ إذ جاشت غواربه(2) ... إذا تلاطم موج البحر وارتكبا
أو كالعريض إذا التفَّت سحائبُه ... وطبَّق الأرض والآفاق وانسكبا
راق العيون وسُرَّ المسلمون به ... وساء من عاند الإسلام فاكتأبا
كأن أشباب نار الحرب بينهما ... لو أنَّها اضطرمت كانا لها حطبا
على شفا جرفٍ هارٍ مواقفهم ... لا يستطيعون من (إسفائها)(3) هربا
حتى تداركهم منّا(4) فأنقذهم ... رب بجدك منها أنقذ العربا
فألَّف الله بالإحسان بينهما ... بنهيكم(5) فأماط الحرب واصطحبا
تلك الصنائع عند العالمين بكم ... لا يعدلون به(6) الأورَاق والذَّهبا
__________
(1) أي يوم الجمعة.
(2) في (أ): عوارمه.
(3) في التحف: إشعاعها.
(4) في (ب) والتحف: حتَّى تداركهم منها.
(5) في التحف: بيمنكم.
(6) في التحف: بها.

فأنتم رحمة فينا لأوَّلنا ... وآخرينا(1) فهذا الشكر قد وجبا(2)
إبراهيم بن مسعود بن أبي القرم [ - ]
العلامة، النحوي، برهان الدين، إبراهيم بن مسعود بن أبي القرم الربيعي، قرأ على الأمير أحمد بن القاسم الوهاسي (المفصل وشرحيه) لصدر الأفاضل وابن الحاجب، وعنه العلامة. ابن نزار الصنعاني - رضي الله عنهم -.
إبراهيم بن الإمام المنصور [ - ]
السيد الأمير الكبير صارم الدين إبراهيم بن الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن رسول الله، أثنى عليه بعض من ترجم له، وذكر أنه رأى رؤيا عجيبة للإمام أحمد بن الحسين، ولم يتصل بي من خبره غير هذا.
إبراهيم بن عيسى [ - ]
الفقيه الوحيد الزاهد، إبراهيم بن عيسى، من أعيان المائة السابعة. قال الشريف يحيى بن القاسم: هو إمام الجمعة الفقيه الزاهد الورع، تقي الدين، قدوة المسلمين، إبراهيم بن عيسى.
إبراهيم بن أبي المحاسن بن إبراهيم [ - ]
الفقيه المجاهد برهان الملة صارم الدين إبراهيم بن أبي المحاسن بن إبراهيم، علاَّمة شهير، جاهد مع الإمام أحمد بن الحسين - سلام الله عليه - وكان حجَّة من الحجج، وهو ابن عمّ العلامة الحسن بن أبي الفتح بن أبي القاسم بن أبي عمرو - رحمهم الله تعالى -(3).
إبراهيم بن المفضَّل بن منصور [ - 729ه] (4)
__________
(1) في النسخ: وآخرنا، وأثبته من التحف، فهو الصواب.
(2) انظر العقيدة هذه في التحف شرح الزلف ص: 193 - 195.
(3) حاشية في (ب): نقلت هذه الترجمة في هذا المحل كون المصنف - رحمه الله - لم يثبت اسم أبيه وإنما أثبت كنيته، وإذا وجدت كتبت في محلها إن شاء الله تعالى.
(4) تأريخ بني الوزير خ، المستطاب خ، طبقات الزيدية القسم الثالث تحت الطبع، الجامع الوجيز - خ -.

السيد، الفاضل، الورع، الكامل، إبراهيم بن المفضَّل بن منصور - رحمه الله تعالى -. قال السيد شمس الدين أحمد بن عبدالله - رضي الله عنه -: كان سيداً، عالماً، عاملاً، ماجداً، فاضلاً، ورعاً، زاهداً، عليه سيما السيادة والعبادة، مشهور بالعلم والورع والتقزُّز والطهارة والعفاف الذي لا وراءه، وكان تلو أخيه المرتضى في الفضل في محاسن الأخلاق، والانقطاع إلى العلم والاشتغال به والتحصيل لفنونه، ولازم الإمام المهدي لدين الله محمد بن المطهَّر - عليه السلام - وله عليه قراءة جيّدة وسماعات حسنة وكثرت ملازمته له، فلم يكن ليساوي به أحداً من الأقارب والأباعد، لما كان عليه من الفضل والبركة والصَّلاح العظيم، وكان جامعاً بين العلم والعمل، وله إجازات بخط الإمام - عليه السلام - وكان الإمام يعظِّمه نحواً من تعظيمه لأخيه المرتضى، ولا يكنِّيه إلا بجمال الدين، لا يذكره باسمه أبداً، ومن عظيم ورعه أنه لم يأخذ من الإمام شيئاً قط، ولا قبض منه ماله قيمة شرعيَّة، ووصل ولده المهدي بن إبراهيم ومعه كتاب قد ختمه يطلب فيه شيئاً من الإمام، فردَّه أبوه، وقال: لا سبيل إلى ذلك، ورجع لا سأل، ولا أعطي. وكان يُعرض عليه من الإمام وغيره أشياء كثيرة لا يأخذ منها شيئاً قط على نحوٍ من طريقة أخيه المرتضى - رحمه الله -. وكان يقتدي به في جميع أموره. وخرج زائراً له إلى (شظب) من (وقش) فأصابه ألمٌ هنالك، فتوفي هنالك وقبره (بجزع عياش(1)))، وتأريخ وفاته على حجر قبره منقوش سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وكان رجل يقال له: ابن الطواشي من خواصّه وممَّن يلازمه، قال: وصل السيد إبراهيم بن المفضل زائراً لأخيه المرتضى - رحمة الله عليهما - وهو راكب لبغلٍ عظيم الجثة والثمن، فلمَّا مات السيِّد، وأخرج - يعني ذلك البغل - لم يزل يضرب برأسه الحجر حتَّى مات، وقال: كان السيد آدم اللون، عظيم البر بأخيه، فخرج يوماً يصبّن ثياب أخيه
__________
(1) لعلها: عناش وقد مرت.

فمرَّ به رجل لا يعرفه، فقال له: أنت عبد السيد المرتضى؟ قال: نعم أنا عبْده. انتهى
إبراهيم بن منصور البشاري [ - ق 6ه] (1)
الشيخ الإمام المحقق شحاك الأعادي إبراهيم بن منصور البشاري العنسي - رحمه الله تعالى - الإمام المتكلم، كان يسكن (بشار) من بلاد (عنس)(2)، ولمَّا قدم مطرف رأس المذهب المنحوس ونهدابن الصباح إلى (ذمار)، لقيهما إبراهيم المذكور فناظرهما، ودارت بينه وبين مطرف مسائل في إدراك الأعراض، ولم يحصلا من إبراهيم على طائل، ثم توجَّها إلى بلد (التراحم) وهي خاو فجرى بينهما وبين الشيخ محمد بن أحمد الترجمي، كلام طويل، واستزلاَّه بغرورهما.
إبراهيم بن موسى الجون [ - ]
السيد الإمام الكبير إبراهيم بن موسى الجون - عليهم السلام - قال الشريف بن عنبة: كان سيداً شريفاً. انتهى
إبراهيم بن موسى الثاني [ - ]
ومن العلماء حفيده صارم الدين إبراهيم بن موسى الثاني بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن - عليهم السلام - مات في حبس المهدي العبَّاسي(3).
__________
(1) المستطاب خ.
(2) بشار قرية عامرة في عزلة الميثال من ناحية الحدا وأعمال ذمار، كانت هجرة مشهورة في المائة الرابعة والخامسة للهجرة (هجر الأكوع) عدها الهمداني من مخلاف عنس وبينون.
(3) في مشاهد العترة الطاهرة ص226 ودفن بالبقيع إبراهيم بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن - عليه السلام - قال أبو الحسن العمري: قبره بالبقيع، مات في حبس المهتدي، وقال أبو الفرج في مقتل الطالبيين ص 532: حبسه محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور عامل المهتدي على المدينة فمات في محبسه، ودفن في البقيع.

إبراهيم بن المهدي بن جحاف [ - 1011ه](1)
السيد العلامة إبراهيم بن المهدي بن علي بن المهدي بن أحمد بن يحيى بن القاسم بن يحيى بن عليان بن الحسن بن محمد بن حسين بن جحاف، وهو محمد بن الحسين بن محمد الأميرذي الشرفين - رحمهم الله -. كان عالماً كاملاً من عيون أهل زمانه الفضلاء، وحبس (بكوكبان) مع الجماعة الذين أسروا مع الإمام المؤيَّد بالله - عليه السلام - وأجلاء الأفاضل، ولكنه انتقل عقب الأسر في عام أحد عشر وألف، ودفن في (القبَّة) الجامعَة لقبور جماعَة من الأعيان، وهي قبَّة المطهر بن شمس الدين، وقبر السيِّد - رحمه الله تعالى - عن يسار الدَّاخل من بابها الغربي وثالث القبور، وإلى جنبه حيّ الفقيه الفاضل العالم الطاهر صلاح بن عبد الله بن داود بن أحمد الشظبي الموهبي العمري، شيخ الإمام المؤيَّد بالله - سلام الله عليه - ومؤدبه، ووفاته في جمادى الآخرة عام خمسة عشر وألف - رحمه الله تعالى - وكان من حكماء وقته وعلمائه، وله صناعة في تدبير العامَّة، ومعرفة الموَارد والمصادر على قانون العقل بحيث إن فطرته السليمة في ذلك تذكر بـ (كليلة ودمنة) و (سلوان المطاع) وأشباههما، وكان أسر السيد إبراهيم - رحمه الله - مع السادات ومع الإمام المؤيّد بالله في حياة والده من (حصن شهارة)، والقصة مستوفاة في البسائط، والسيّد المذكور من مشائخ الإمام القاسم بن محمد - عليه السلام - وفي السادات آل جحاف إبراهيم بن المهدي والد الهُدَى بن إبراهيم، وهو غير هذا - رضي الله عنهم - كما سيأتي عقيب هذه.
إبراهيم بن المهدي بن أحمد جحاف[ - 944ه](2)
__________
(1) من مصادر ترجمته: سيرة الإمام المؤيد بالله الجوهرة المنيرة خ، وفيها توفي بكوكبان سنة 1011ه لسبع ليالي بقين من شهر صفر، المستطاب خ، طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث (تحت الطبع) ملحق البدر الطالع 12.
(2) من مصادر ترجمته: الجامع الوجيز - خ - ملحق البدر الطالع 12، أئمة اليمن 1/416.

السيد العلامة إبراهيم بن المهدي بن أحمد بن يحيى بن قاسم بن يحيى بن عليان بن الحسن بن محمد بن الحسين بن جحاف محمد بن الحسين بن محمد بن جعفر بن الإمام القاسم بن علي - رحمهم الله تعالى -. قال السيد صارم الدين إبراهيم بن يحيى بن الْهدى: كان - رحمه الله - من أفاضل السّادة وأعيانهم، طلب العلم واشتغل به، وارتحل إلى البلاد، وصحب الإمام شرف الدين يحيى بن شمس الدين - رحمه الله - قبل الدعوة، ووصل معه الإمام إلى محروس (حبور) (1)، وأقام في بيت السيِّد إبراهيم الذي في الموقع عند بيت والده السيد المهدي بن أحمد في حافتهم المشهورة، وكان أولاد السيد المهدي بن أحمد الذين أدركوا الإمام شرف الدين يعيِّنون لأولادهم المجالس التي كان يقعد فيها الإمام شرف الدين ويتبرَّكون بها، من ذلك حجر أبيض في المجلس الذي قبلي الجامع(2) حجر معروف قعد عليه الإمام شرف الدين، وكان السيِّد إبراهيم من خواصّ أصحابه، وممن أخذ له البيعة من أعيان القبائل، ثم وجَّهه الإمام شرف الدين من صنعاء هو والسيد الفاضل قاسم بن عاهم إلى جهة (الأهنوم)(3) وبلاد القبلة، وكان في جبال الأهنوم إذ ذاك الإمام مجدالدين من آل المؤيد بالله، وكان السيد قاسم بن عاهم أمير العسكر، والسيد إبراهيم والي البلاد، ولمَّا وصلوا إلى أطراف بلاد (ظُليمة)(4)
__________
(1) حبور، بلدة مشهور من ناحية ظليمة، فيها مركز الناحية (وانظر معجم المقحفي ص: 150).
(2) لعلها: قبلي جامع حجر.
(3) الأهنوم: ناحية معروفة في الشمال الغربي من صنعاء (تتبع حالياً محافظة عمران) فيها قرى كثيرة وجبال شامخة، وحصون منيعة، ومدارس علمية، ومساجد عامرة، ومزارع طيبة، ومن بلدان الأهنوم المشهورة: معمرة، وعلمان، والمدان، وشهارة (وهي المعروفة قديماً باسم معنق، وتعدّ من أمنع حصون اليمن) والعيازرة، والجملول، والمحراب، وغيرها (انظر عن الأهنوم معجم المقحفي ص: 51 - 52).
(4) ظليمة بضم أوله، ناحية بالشمال الغربي من حجة، منها مدينة حبور، ولذلك يقال لها: ظُليمة حبور (انظر المصدر السابق ص: 414).

و(عُذَر)(1) وصل إليهم مشائخ البلاد وأعيانهم، وبايعوا للإمام شرف الدين، ورجع الإمام مجد الدين إلى بلاد (الشام) بغير حرب ولا قتال، كل ذلك بعناية السيد إبراهيم وحسن نظره ومحبته للصلاح وحسن التوسط، ولمَّا قرر أعمال البلاد وولاَّها رجع إلى عند الإمام شرف الدين إلى (صنعاء) وأقام عنده أياماً، ثم أمره بالخروج إلى (ظفار)، وولاَّه أعمال البلاد القبليَّة جميعاً، وفوَّضه في أمورها، وبلغ من حسن رأي الإمام في السيِّد أن وضع له علامته الشريفة بخط يده في أوراقٍ متعدَّدة ليكتب تحت العلامة ما عرف أنه الصَّلاح، وبقي منها بقيَّة، مات السيد وهي عنده، وتوارثها أولاده في أيديهم. قال السيّد إبراهيم بن يحيى - رحمه الله -. ولم يزل على ذلك إلى أن اختار الله له ما عنده، فتوفي في يوم الأحد لأربع وعشرين خلت من شهر رمضان المعظم في الأيام الفاضلة من الشهر الكريم عام أربعة وأربعين وتسعمائة سنة، وذلك بمحروس ظفار، وقبره مشهور مزور عند باب مشهد الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة أعاد الله من بركاته، وكان والده إذ ذاك مريضاً مدنفاً - أعني السيِّد الفاضل المهدي بن أحمد - فكتم أولاده عنه الخبر لئلا يجتمع عليه غمُّ ذلك مع كرب المرض، قال: وروي أن السيّد المهدي - رحمه الله - أفاق إفاقة فقال لهم: ما أتاكم من خبر من الوَلد إبراهيم؟ فقالوا: خير. فقال: قد أتاني من عزَّاني فيه وقد توفي، فعلموا أن ذلك لإرادة الله زيادة ثوابه على ما بلغه من خبر وفاته، ثم توفي بعد ذلك بسبعة أيام، وذلك يوم عيد الفطر غرَّة شوال من شهور السنة المذكورة رحمهما الله تعالى.
إبراهيم بن نعيم العبدي [ - ق2ه] (2)
__________
(2) معجم أصحاب الإمام زيد بن علي.

الشيخ الأجل فخر عباد الله الصَّالحين إبراهيم بن نعيم العبدي، من أجل فقهاء تابعي التابعين، كان من الخارجين مع زيد بن علي - عليهما السلام - مع العصابة المكرَّمة الخارجة لله - عزَّ وجلَّ - معه أشباه أهل بدر - رضي الله عنهم - وهم عدد تتزيّن الأيام بذكرهم(1)، ذكره في علماء الزيدية الشيخ العالم القاسم بن عبد العزيز البغدادي - رحمه الله -.
إبراهيم بن الهادي [ - ]
السيد العلامة الفاضل إبراهيم بن الهادي بن الإمام إبراهيم بن تاج الدين - عليهم السلام - كان كاملاً فاضلاً(2) فصيحاً مجوداً، يفتخر به أهل عصره الشريف أعاد الله من بركاته.
إبراهيم بن يحيى بن الحسين [ - ]
السيد العلامة الأمير الخطير إبراهيم بن يحيى بن الحسين بن حمزة بن أبي هاشم - رحمه الله تعالى - كان عالماً، عاملاً، مجاهداً، سابقاً، وله روايات في محامد الإمام المنصور بالله ومكارمه وكراماته.
إبراهيم بن يحيى بن محمد [ - 803ه] (3)
__________
(1) في (ب): تتزين بذكرهم الأيام.
(2) في (ب): كان فاضلاً كاملاً.
(3) تأريخ بني الوزير، اللآلئ المضيئة - خ -.

السيِّد المقدام، العالم الهمام، إبراهيم بن يحيى بن محمد بن أخي الإمام علي بن محمد المهدي لدين الله سلام الله عليه. كان هذا السيد كما قال السيد شمس الدين: أحد العلماء الزعماء، وتولَّى الجهاد مع الإمام في (صعدة) ونواحيها، واشتدت يده على الأشراف بني حمزة، وكان مقيماً بمسجد دبة(1) بمدينة صعدة المحروسة، فلما دخل الإمام المهدي وأعوزته الحال إلى سائس لجنوده ومقدَّم على ألويته وبنوده، أخرجه من ذلك المسجد وهو على حال الطلب، فألفاه على أحسن ما طلب، حرّك أسداً باسلاً، وهزَّ رمحاً عاسلاً، وقال له - رحمه الله -: ما حاصله: سترى نفعه فأنجز الله عدته. وقال السيد شمس الدين في حقه: كان من أكمل الناس وأعلاهم مرتبة ومنزلة، إنما كان في عداد الأئمَّة، لا في عداد السادات والأمراء، اشتغل بالعلم، فبرَّز فيه غاية التبريز وأحرز فنونه جميعها، وكان السيد الإمام عبد الله بن يحيى من تلامذته، ويسند إليه في كثير من مسنداته، وبلغنا أن من حوامله على طلب /61/ العلم الطلب الشديد ما لزمه من الأنفة من حديثٍ وقع إليه من ابن عمه الإمام الناصر صلاح بن علي، وذلك أن السيد إبراهيم بن يحيى قال له في أيام الطلب والقراءة: ما هذا بيدك؟ يشير إلى كتاب كان بيده، فقال: هو نحو بعيداً منك، فقال: أو تقول ذلك؟ ستعلم به. فأمعن في الطلب للعلوم حتَّى حوَى المنطوق والمفهوم، ثُمَّ إنَّه كان في صعدة والإمام المهدي علي بن محمد بها مقيم مشتغل بحرب الأشراف، والسيد مقيم في طلب العلم، وكان الأمير يحيى بن أحمد القائم بأمر الإمام ومقدّمهُ على العسكر، وكان الأمير لا يزال يغضب، ويرضى، ويطلب المطالب الشَّاقة، فشقّ ذلك على الإمام، فأمر لولد أخيه السيد
__________
(1) حاشية في ورقة منفصلة في النسخة (ب): مسجد دبة هذا الجامع في حارة الجربة، واقع في جهة الغرب من هذه الحارة، وهو مغلق الآن لا تقام الصلوات فيه، وقد كانت النساء يؤدين الصلاة فيه ثُمَّ أغلق.

إبراهيم بن يحيى من المسجد المعروف بمسجد دبة، وقال له: قد عرفت فعل الأمير يحيى بن أحمد معنا، ولم نجد في الأصحاب من يكفينا، ويقوم مقامه، فهل من همَّةٍ تدعوك إلى أن تكفينا هذا الأمر، وتحدوك إلى فضيلة الجهاد، وكان الإمام يخيل فيه بعض ما يروم، فقال له: إنك ستجد - إن شاء الله - مني ما هو فوق ظنك. ثم قام فقاد العسكر (والمقانب) والجيوشُ وأغرق في نكاية الأشراف، وتبعهم في البلاد، وكمُل في أمر السيَاسَة لما لم يكمل له الأمير يحيى بن أحمد ولا غيره من الناس، وكانت له فراسة جيدة وهمَّة عالية، ونزل بلاد السَّلطنة وبلغ أقصى التهائم، وأقام (بحرض)، ودخل (زبيد)، وركب بها في وقتٍ يسير سبعين رأساً من الخيل، وأقام على ذلك في زمن الإمام علي وولده الإمام الناصر. ثم وقع في نفس السيد إبراهيم وأخيه محمد وولده علي بن إبراهيم ما وقع في أوَّل أيام الإمام المنصور بالله علي بن صلاح، فرأى المصلحة في منعهم من صعدة فأقاموا بصنعاء من غير أن يظهر لهم تنكر ولا أمرٌ يشعر بدخول شيء في النفس، وترك أولادهم في (المنصورة)، وأقام في المدينة الأمير الباقر وغيره، وكانَ السيد إبراهيم بعد ذلك زعيم عسكر المنصور بالله بصنعاء، وله أيام وقتالات عظيمة للأمراء آل يحيى بن الحسن (والإسماعيلية)، منها الوقعَة العظيمة (بالحتارش) التي قتل فيها السيد محمد (بن)(1) السيد علي بن أبي القاسم، وأخبار السيِّد صارم الدين كثيرة وأوصافه (جميلة)(2) شهيرة، توفي بذمار في سنة ثلاث وثمانمائة وقبره - رحمه الله - بجربة صبير(3) بالقرب من قبر سيدي الهادي - رحمه الله تعالى -.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) زيادة في (ب).
(3) كذا في (أ)، وفي (ب): صنبر، قال في حاشية (ب): صنبر بالمعجمة مقبرة في ذمار الكبرى ذكره السيد أحمد بن عبد الله بن الوزير - رحمه الله -.

إبراهيم بن يحيى بن القاسم [ق9ه](1)
السيد العلامة المحقق، إبراهيم بن يحيى بن القاسم الهادَوي - رحمه الله، وأعاد من بركاته -؛ قال بعض الفضلاء عند ذكره: كان بحراً زاخراً، وخضماً لا يحد(2) لكنهه ماخراً(3)، وعلماً من الأعلام أضحى الدهر فاخراً، وتمنَّى المتقدم أن يكون معه آخراً، وله في صناعتي الشعر والإنشاء ما يبهر الألباب، ويسحر إن أحب ذلك وإن شاء. وفد إلى صنعاء كتاب (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب) في النحو لابن هشام في أيامه على يدي العلامة أحمد بن محمد اليريمي(4) الشافعي، وقد كان قدم به العلامة الرَّحال عبد الله النجري - رحمه الله - /62/ ولمَّا اطَّلع السيد صارم الدين على النسخة التي جاء بها اليريمي قرضها، وقال ما نصه: يقول الفقير إلى كرم ربه، اللائذ بعفوه عن ذنبه، إبراهيم بن يحيى بن قاسم الهادوي - عافاه الله في الدارين -: لمَّا وصل الأخ في الله الفقيه الأفضل، الأعلم الأعمل، النابه الأديب، الفطن اللبيب، شهاب الدين أحمد بن محمد اليريمي - أبقاه الله - إلى صنعاء (المحروس)، مصحوباً بما يشرح الصدور، من علوم الأعلام الصدور وبما يقرُّ العيون، من فنون الأعيان العيون، أولئك السَّادة المقيمون (ببغداد) المحروس، والرَّبع الخصيب المأنوس، قوم عليهم في معالم العلم يُعول، فيُجمل وصفهم، ولا يُفصل.
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها السَّاري
__________
(1) أعلام المؤلفين الزيدية ص: 75 ترجمة رقم (38) ومنه مصادر الفكر للحبشي ص: 328.
(2) في (أ) سقط: لا يحد.
(3) تحتاج إلى تفسير وتوضيح.
(4) حاشية في (ب): كان في نسخة الأصل التريمي، ثُمَّ صلح إلى ما تراه، وهو اليريمي من خط السيد إبراهيم بن يحيى صاحب الترجمة - رحمه الله - من هامش نسخة مغني اللبيب، ووجدته أيضاً بخط السيد إبراهيم بن محمد الوزير - رحمه الله - كذلك في تقريضة للمغني في هامش نسخة آل الوزير.

وكان مما استصحب من دفاتر علومهم وذخائر معلومهم كتاب العلامة ابن هشام المسمَّى بـ(المغني في دقائق مسائل الإعراب) فأتحفني بعاريته أياماً، وهو بغيتي المقصودة، وضالتي المنشودة، وكنت ولعت به أياماً سلفت في نسخة بديعة، ورَوضة مريعَة، فيما جلبه من (مصر) في أيامه إلى صنعاء الفقيه الأفضل(1) فخر الدين عبد الله بن محمد النجري أبقاه الله، وقفت معي مدَّة، فلمَّا وقفت على هذه النسخة المباركة عادني عيد من تذكار المعاهد الأدبيَّة، وشاقني شوق إلى مغاني معاني العربية فقلت:
شغلتني هموم قلب كئيب ... عن لحوق بكل حبر لبيب
وزمَانٍ غريبُه كأهيل ... متعد أهيْله كالغريب
ليتني بعت من زماني نصيباً ... من زمانٍ مضى ببعض نصيب
والغريب العجيب أن زماني ... منكر العرف كالغريب العجيب
أصلح الله أحوالي وأحوال المسلمين بمنّه وكرمه(2).
ثم هذه الأبيات قلتها في هذا الكتاب بعد هذه الأسطر، وهي كما يعلم الله من القلب (الوقيم)(3) إلى هذا (الرقيم)(4) مساعدة للفقيه شهاب الدين المذكور آنفاً أبقاه الله، والمأمول من الناظر فيها بسط العذر وقبول الاعتذار، فهذا مأقط عثار(5)، شائك(6) مضمار، والحمد لله الواحد القهَّار، وصلى الله على نبيئه المختار(7)، آناء الليل وأطراف النهار.
على حاجةٍ مني نظرت إلى المغني ... ولي نحوه شوق الفقير إلى المغني
فقلت لطرف الطرف أخليت فارتع ... المحاسن من مجنى البديع فما يجني
سمعتُ به حتى إذا ما نظرته ... رأت منه عَيني فوق ما سمعت أذني
__________
(1) في (ب) زيادة: العلامة.
(2) في (ب): أسأل الله صلاح أحوالي وأحوال المسلمين بمنه وكرمه.
(3) وقمه: إذا أحزنه أشد الحزن، والتوقيم أيضاً: الإطناب في الشيء، وتحفظ الكلام ووعيه (القاموس المحيط ص: 1507).
(4) الرقيم: المكتوب.
(5) المأقط كمنزل: موضع القتال أو المضيق في الحرب (المصدر السابق ص: 850).
(7) في (ب) زيادة: وآله الأخيار.

فهنَّيت نفسي وصله مُتَمثلاً ... ببيتٍ جرى قبلي كأني به المعني
إذا ازددت معنَى دونه كل شاعرٍ ... فإني نزيل لابن زائدة معن
ومن باد في الأعراب يطلب علمهم ... ويكتسب الإعراب في شاسع المدن
ومن تك(1) من مقصوده فهو ضائع ... وأسْرع ما ينحط لحناً إلى اللحن
/63/
ثنيت عناني نحوه فوجدته ... هو النحو لكني بأوصافه أثني
به أجتني الغصن الطري وأجتلي ... معارف عرفاني وأجلو به ذهني
كأَنَّ جميع الكتب في النحو قبله ... تراب على الصفوان(2) في وابل المزن
كَأَنّ الذي رام البلاغ بغيره ... إلى مشكلِ المعنى سراجٌ بلا دُهنِ
كأنَّ وجوه الكتب مالم يكن بها ... مجرَّدة عن مِلحها وعن الحسن
تغَرَّب إليه تعرب القول أينما ... أتاك وتنقاد المعاني بلا وهن
وتبني على التحقيق فيما تُبِيْنُه ... إذا سألوا عن معرب القول والمبني
على ابن هشامٍ رحمة الله حيثما ... ثوَى وسقَاه وابل المنِّ والأمن
ودام به(3) (المغني) عن الكتب مغنياً ... يعين على المعْنَى الدقيق ولا يُعني
__________
(1) في (ب): ولم يَكُ.
(2) الصفوان: الحجر الأصلي، والوابل: المطر الشديد.
(3) في (ب): ودام لنا.

انتهى كلامه، وهو سكر نباتي، لا يعرف لطائفه إلا من أدرَّ الله على قلبه سحائب الألطاف، وهذا الكتاب المسمّى بالمغني كتاب حَريٌ بالمقال، وقد قرّض له الفضلاء في كل عصر كالقيراطي والدّماميني، قال مصنف الكتاب - رضوان الله عليه - ما لفظه: وكاتب هذه العبد الحقير في أيام كلفه بالعربيَّة وحبِّه لها جرى مع أولئك قبل أن يعرف من سبقه بالتقريض، وممَّن قرَّضه أيضاً السيد العلامة صارم الدين إبراهيم بن محمد بن الوزير السَّابق ذكره في أيام كتابة السيِّد إبراهيم بن يحيى بن القاسم السابق ذكره كتبا التقريض في وقتٍ واحدٍ، فقال: لمَّا وصل الفقيه الأديب العارف النجيب شهاب الدين أحمد بن محمد اليريمي إلى صنعاء المحميَّة - حرسها الله بالإيمان- شرح وروده الصدور، وما أهداه من غرائب الأمور، وكان من جملتها هذا الكتاب البديع، وكان من تفضُّله أن آثرني به مدَّة على غيري من الأصحاب فقلت ذاكراً لتفضله مادحاً للكتاب:
سلام على المغني سلام مودع ... وإن كان تسليم المحبين لا يغني
تأمَّلته إحدى وعشرين ليلة ... أرُوضُ به فهَمي وأجلو به ذهني
وكنت إليه قبل ذلك صادياً(1) ... صدا الأرض إذ لم يأتها وابل المزن
فلمَّا حباني أحمد منه نظرة ... رأى منه طرفي فوق ما سمعت أذني
وما أحمدُ إلا لبيبُ مهذَّبٌ ... عليه لساني كل آونَةٍ يثني
حبا من بصَنعَاء اليمان بتحفةٍ ... وجاء بها يمشي إليهم على اليمن
كأن معانيه شموس طوالع ... تزيدُ على الشمس المنيرة في الحسن
تفجَّر بحر النحو منه فكله ... عيُون من الإعراب يذهَب باللَّحن
وحبّره لفظاً ومعنى مصنِّف ... بما صيغ من مدحٍ لمغن هو المغني
وسماه بالمغني وتلك إشارة ... فخذها إذا ما كنت حبراً من المعني
ونَصَّ عروساً فيه يُعرب إنه ... مبين خفايا معرب النحو والمبني
يقرّب للأفكار ما كان شاسعاً ... وليس عليها بعده عالم يبني
/64/ انتهى كلامه - رحمه الله -.
__________
(1) أي عاطشاً من الصدى، وهو العطش.

وممن كتب في التأريخ المذكور السيد السمتي ذو المقام الرَّفيع القدسي أحمد بن عبد الله بن علي بن محمَّد بن أبي القاسم الهادوي فقال ما صُورته: طالع في هذا الكتاب العبد الفقير إلى رب الأرباب، السَّائل من الله توفيقه بخير الأعمال والخواتم، أحمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن أبي القاسم، الهَادَوي نسباً ومذهباً، فوجَده اسماً على مسمًّى، وكاشفاً فنّه لكلِّ معنى، فللَّهِ درُّ مصنِّفه الحبر العلام، المعروف بابن هشام، لقد نسجه على أبدع منوال، وحبَّره بأبلغ مقال، فما أحقّه بقول من قال:
وفي كتابك فاعذُر من يهيم به ... من المحاسن ما في أجمَلِ الصُّور
كأنما صنعت يمناك منه لنا ... ثوباً من الوشي أو عقداً من الدُّرر
والله يحسن إلى مهديه، ويعطيه من فضله أفضل ما يعطيه، آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. من خط قائلها. انتهى كلامه.
ولعلها تأتي لهذا الشمسي ترجمة - إن شاء الله تعالى -.
ومن شعر السيد الفصيح المقول صارم الدين إبراهيم بن يحيى قوله يمدح [ابن] الناصر، وكان من فصحاء صنعاء:
أيدري ما الشجي به الخليُّ ... أجدك يستوي ظمأٌ(1) وريُّ(2)
يقول العاذلون هواهُ غيٌّ ... وقول العاذلين هو الغويُّ
وأولَى من يُرَقُّ له ويُرْثَى ... إذا اعتلق الغرامُ به البريُّ
وأرعى النجمَ من كلفٍ بسعدى ... لأرقب طيفَها وهو البطيُّ
وأنَّى زار طيفٌ ذا سهادٍ ... له قلبٌ بحرقته صليُّ
يُقلِّبه الهوى ظهراً لبطنٍ ... ويَخلقُ صدرَه(3) نشرٌ وطيُّ
لَجَاجُ اللاَّئمين عليَّ جهلٌ ... وداءُ الحب لو علموا دويُّ
بسمعي عن سماع اللوّم وَقرٌ ... وقَلبي لاتباعهُمُ عَصِيُّ
دعاني العاذلُون لترك وجدي ... لأحبابي فقلت: الرشد غيُّ
__________
(1) انظر القاموس هل هي (ضمأ) أم (ظمأ).
(2) وانظر قصيدة السيد إبراهيم بن يحيى التي أوردها المؤلف هنا في مآثر الأبرار للزحيف 3/1179 - 1192.
(3) في (ب): صبره.

أبي الحبِّ(1) ميلاً عن هواهم ... وهل يسلوا الهوى إلاَّ دعِيُّ؟
(فلمَّا استيأسوا خلصوا نجيّاً) ... وقلبي للغرام بهم نجيُّ
وما ذاك الغرام أردت لكن ... جرَى في كتبه القلم الوحيُّ
عزَلت (الاعتزال) إلى ذويه ... فهَل شعرُوا بأنِّي (أشعَريُّ)
أما لَو أبصروا قسمات حُبِّي ... لضلوا رشدهم وعمُوا وغيُّوا
وقالوا عند ذاك بلا مراءٍٍ ... وقد وضحَ الجمال اليُوسفيُّ
أصاب الشيخ إلاَّ فعل إلا ... بتقدير وأخطا (الجُبَّائيُّ) (2)
لعل الله يدركني بلطفٍٍ ... فمن عاداته اللطفُ الخفيُّ
أجب داعي الصبابة غير وانٍٍ ... فذا (الوسميّ) يعقبه الوليُّ
وذر ثوب الحيا خلقاً سليماً(3) ... وذا ثوب الربيع العبقريُّ
ربابُ المزن هاميةٌ حمانا ... وخدُّ الأرضِ عن طربٍ نديُّ
تضاحكت الرياضُ فثغر هذا ... لجينيٌّ وهذا عسجديُّ
وشقَّ شقيقُها الأكمامَ تيهاً ... وماد الغصنُ واهتزَّ النديُّ
وغُرَّد طيرِها شربوا كؤساً ... فخير العيش صرف (صرخديُّ) (4)
إذا ما سفَّها هَرِِمٌ أعادت ... له ما يفعل الناشي الصَّبيُّ
لعمرك ما ارتوَى منها بلالاً ... فَلِمْ يرجع لها خلقٌ وزيُّ
وكم (مُحدَودَبٍٍ) كِبَراً حساها ... فجاءك وهو معتدلٌ سويُّ
وكم من مصمتٍٍ شربٍ الحميّا ... فأصبح وهو منطيقٌ (بديُّ)
أدرها عانساً بكراً عجوزاً ... حَصاناً لا يقاربها الفتِيُّ
تَمشَّى في المفاصِلِ مشيَ بُرءٍ ... إلى سَقَمٍٍ فتاركها غَبيُّ
إذا حُسِِيَتْ من الإبريقِ ليلاً ... أتى الإصباحُ وانجابَ العشيُّ
لها روحٌ سماويٌّ بسيطٌ ... له جسمٌ زجاجيٌّ (كَرِيُّ)
وريحٌ لوْ أتَى الموتَى وحيُّوا ... بنهكته ولونٌ (عندميُّ)
عقيقٌ ذائبٌ تطفو عليهِ ... جُمَانٌ لؤلؤيٌّ جوهَريُّ
__________
(1) لعلها: الحبِّ.
(2) في (ب): الجَبيُّ، وفي مآثر الأبرار: وأخطأه الجنّي.
(3) في (أ): خلفاً سليماً.
(4) صرخدي: صَرْخَد: بلد بالشام ينسب إليه الخمر. (القاموس المحيط ص279).

فلو نظر (ابن سيَّارٍ) إليها ... لصحَّ الجوهرُ الفردُ الخفيُّ
تعرَّت عن شوائبِ كلِّ ذاتٍ ... فشاربُها عن البأسا عَريُّ
أماهي تكسب البخلاء جوداً؟ ... أما الغدَّار يشربها وقيُّ(1)؟
أما الهياب يأخذها فيسطو؟ ... أما الجافي بصنعتها(2) حفيُّ
محرَّمةٌ ولكن عن أُناسٍٍ ... وما يصفونه شيءٌ فريُّ
فلم يسعد بها إلا سعيدٌ ... ولم يشقى بها إلاَّ شقيُّ
فخذها من يدي رشإٍ أغنٍّ ... كأن جبينه قمرٌ مُضِيُّ
وطلعَةُ وجهه صُبحٌ ولكن ... أَثيثَ جعيدِه ليلٌ دجَيُّ
تبارك من برى هذا وهذا ... يَقلِّهما القوامُ السَّمهَرِيُّ
تناوَل خمرةً من وجنتيه ... ومن فيه فطعمُهما شهيُّ
ثلاثٌ كلها نشواتُ خمرٍٍ ... هنيُّ شربُها أبداً مَرِيُّ
وأفضلُ شِربِها مِنْ فيه يُسبي ... وأفضل ما اغتبطت به السبيُّ(3)
لقد بتنا وقصَّرَ طُولَ ليلي ... مُنادٍمتي الغزالُ (العوهجيُّ) (4)
له طرفٌ يُميت به ويُحيي ... وعتقٌ في الرشاقة (عيطليُّ)(5)
أُعاتبُه على مطلي فَيُغضي ... حياءً وهو عن ديني مَليُّ
ويعلم كنهَ فقري واحتياجي ... لِما يحويه وهو به غبيُّ
فقال: دع العتاب وغنِّ صوتاً ... أَعَارضكَ (العريفُ الجعفريُّ)
وجس العود رفقاً بعد سبر
ٍ ... وأنطقهُ فناطقُه الرويُّ
تعالى الله ذا عربيُّ لفظٍ ... يخاطب ذا وهذا أعجميُّ
وحرَّك رأسَهُ طرباً وغنَّى ... ألا يا دارَ ميَّةَ، أين ميُّ؟
وقلَّب طرفَه بفُتورِ لحظٍٍ ... له فتكٌ بعاشقه أريُّ(6)
كأنَّ على نواظره السَّواجي ... حساماً سلَّهُ البطلُ الكميُّ
__________
(1) في (ب) ومآثر الأبرار: وَفِيُّ.
(2) في (ب) ومآثر الأبرار: بصبغتها.
(3) في (ب): السني.
(4) العوهجي: الطويل العنق.. وفي حقوية خُطَّتان سوداوان. (المرجع السابق ص196).
(5) عيطليٌّ: العيطل: الطويلة العنق في حُسْن جسم. (القاموس المحيط ص951).
(6) أري: الأرُّ: السَّوْق. المرجع السابق ص 322.

أميرَ المؤمنين وخيرَ ملكٍ ... له في الدَّولَةِ الحظُّ السنيُّ
مليكٌ هاشميٌّ طالبيٌّ ... إمامٌ فاطميٌّ حيدَريُّ
هِزَبْرٌ (هيزريٌّ)(1) أصيَديٌّ ... خِضَمٌّ أوحديٌّ أمجديُّ
لبيبٌ نابِهٌ يقظٌ أريبٌ ... أديبٌ سيّدٌ مَلِكٌ (سريُّ)
وقورٌ ناهظٌ يَمٌّ لِهامٌ(2) ... زكيٌّ ماجدٌ (ندسٌ(3)) ذكيُّ
بليغٌ مصقعٌ حرقٌ هضُومٌ ... أبيٌّ طائعٌ عفٌّ جريُّ
له خَلْقٌ وخُلْقٌ ذا وضيٌّ ... يلين له الجمادُ وذا رضيُّ
له أيدٌ(4) وأيدٌ في المعالي ... وناهيك الحليمُ الأجوديُّ
تقيٌّ لا يُعابُ ولا يَعيبُ الأنَامَ سميدُعٌ شهمٌ نقيُّ
يَطُولُ وجدُّه المختارُ فخراً ... ولا يُعلَى ووَالدُهُ عليُّ
حكى جَدَّيه مذ كنَّى وسمَّى ... وبيَّنَ مُلْكَه ريٌّ وزيُّ
فذا المنصورُ بالمنصورِ سُمِّي ... لوالدِهِ بكنيته سَميُّ
همُ الشمُّ الأولى سادوا وشَادوا ... فنشرُ فخارِهم عبقٌ ذكيُّ
تليدُهمُ لعافيهم (ثواءٌ) ... وطارفُهم لمن ينتاب فيُّ
همُ خيرُ الأنام بلا مراءٍٍ ... وأفضلُ من بهم تُحدى المطيُّ
تعنعن ملكه (شأوًا) بشأوٍٍ ... وليٌّ أو وَصيٌّ أو نبيُّ
فسلني عن مناقبه بياناً ... فعند (جُهينة) الخبرُ الجليُّ
لهُ فضلٌ تَقَرُّ به الأعادي ... وكفّ بالنَّدى سمحٌ سَخِيُّ
وعلمٌ لو تقسمه البرايا ... لأصبح كلُّ ميت وهو حيُّ
وبأسٌ ضمه كرمٌ تليدٌ ... تُقِرُّ بِهِ [له](5) (عبسٌ) و(طيُّ)
وحِلمٌ لو تعلّمه (ابن قيس) ... لما قاسته (تيمٌ) أو (عديُّ)
وفَهمٌ لو تأمَّله (إياسٌ) (6) ... لآيس أن يقال له: ذكيُّ
وحزمٌ خصَّه (العباسُ) منه ... بأوفَره وعزم (مُوسَويُّ)
وتدبيرٌ أنافَ على (ابن حَربٍ) ... حنيفيٌّ حفيٌّ أحنَفيُّ
__________
(1) هيزري: لم أجدها في القاموس.
(2) لهام: كثير الخير. (المرجع السابق ص1070).
(3) ندس: فَهِمٌ. (المرجع السابق ص533).
(4) أيَدٌ: قوة.
(5) سقط من (ب) وفي مآثر الأبرار: تقوُّله.. الخ.
(6) إياس: لم أجدها، ويبدو أنه اسم رجل ذكي.

وخلُقٌ من رسول الله سبطٌ ... وخَلْقٌ منه معروفٌ بهيُّ
أميرَ المؤمنين فدتك نفسي ... لما هذا النّوالُ (البرمكيُّ)
وكم هذي العزائمُ والسيُّوفُ الـ ... صَّوَارمُ والعواسِلُ(1) والقِسِيُّ
وكم هذي الذَّوابلُ والدُّروعُ الـ ... سَّوابلُ والحميصُ(2) (اليحصبيُّ)
وكم هذي الجواشنُ والخيولُ الـ ... صَّوافنُ منتهاها أعوَجيُّ
وكم هذي المغافرُ والمواضي الـ ... بواترُ والحناجرُ والمُدِيُّ
وكم هذي البوارقُ أعقبتها الـ ... صَّواعقُ ما مُقاوِمُها حجيُّ
وكم هذي الترائكُ قد تلتها الـ ... عواتكُ والشواقصُ والنصيُّ(3)
وكم هذى الصواهلُ جللتها الـ ... قساطلُ إن ذا أمرٌ بهيُّ(4)
وذي السيدانُ بالآسادِ تسعى ... وهذي (العيسُ) رَقَّصها الحَديُّ
وكيف ترى يغاث الطير مهما ... دنا منها الغداة (المصرحيُّ)
فإن يك رأي من فيها عناداً ... فذاك الرَّأيُ مسفوهٌ رديُّ
وإن العدلَ مشرَعُهُ زُلالٌ ... وإن البغيَ مرتعُه (وبيُّ)(5)
(وَرُبَّتما) رعيت(6) لذاك لكن ... ليحمدك المقام الهادويُّ
أزرها (مكة) فلقد تسامت ... إلى مرآك واشتاقت (حَلِيُّ(7))
وجَدَّ (بجُدَّةٍ) للقاك وجدٌ ... وهام بك المقام الأبطحيُّ
وطاب (لطيبةٍٍ) منك اقترابٌ ... وأسْعَفك الجنابُ اليحيَويُّ
ولجت في مجيء منك (لنجا(8)) ... ورَجَّى ذاك (آملُ) و(الغَرِيُّ)
__________
(1) العواسل: عَسَل الرمحُ: اشتد اهتزامه. (القاموس المحيط جزء 95).
(2) الحميص: لم أجدها في القاموس.
(3) عواتك: عتكت القوس: احمرّت قِدَما. (المرجع السابق ص873). والشواقص: الشِّقْصُ بالكسر: السهم.. والفرس الجواد (المرجع السابق ص574). النصي: حقاق الإبل (المرجع السابق ص584).
(4) في (ب): بعضها: ولم، وبعض الأبيات: وكم.
(5) بعده في (ب) ومآثر الأبرار: زيادة البيت الآتي:
أجدك كل ذا من أجل هذا……فلا واهٍ يراك ولا وَنيُّ
(6) في (ب) ومآثر الأبرار: رغبت.

وأذعن ما (وراء النَّهر) طوعاً ... فسرو الحال فيه أسعديُّ
ودونك خذ مفاتيح الدُّنا عن ... تداني ذا وأنت بها حريُّ
وإني قائلٌ بك عن يقينٍ ... وإن ضلَّ الكفورُ الملحديُّ
وإني عارفٌ بصلاح فعلٍ ... وإني عن سواك إذاً بريُّ
وخُذْهَا بنت ليلتها عروساً ... لها من درِّ ألفاظِي حُلِيُّ
لها الأقلامُ أعلامٌ وفكري ... حسامٌ والبُحورُ لها الدويُّ
يُقَصِّرُ عندها الضليل(1) نظماً ... و(همَّام) المجيد (الحنظلي)
وأعيت (جرولاً) وكذا (جريراً) ... ولم ينطق بمشبهها (الرضيُّ)
وأنست بالقريض(2) (أبا نواس) ... ولم يبلغ بلاغتها (الصفيُّ)
فللقلب الترقرقُ والتعفي ... وللبحر التدفقُ والأذيُّ
ودم والوقت زهر فيه زهو ... وعزك أقعَسِيٌّ سَرْمَدِيُّ
ودام لأحمدٍ مني صلاةً ... مدى الأيَّام ما غنَّى الحديُّ
وقد ترجم لهذا السيد صارم الدين أحمد بن عبد الله فقال: هو السيد إبراهيم بن يحيى بن القاسم بن أحمد، كان شاعراً، أديباً، عارفاً، مشاركاً في العلوم، وله أدب وظرف.
قلت: وقفت على إجازة له من الشيخ العلامة نظام الدين إسماعيل بن أحمد بن عطيَّة النجراني في علوم العربيَّة جميعها وغيرها، تدلَّ على جلالة قدره في العلم وسعة مسموعاته، وأمَّا بلاغته فهي شهيرة.
ومن شعره ما نقلته من خطه ولفظه لمَّا وقفت على قصيدة الصنو صارم الدين إبراهيم بن محمد بن الهادي كتبت على ظهر القصيدة(3):
هذا هو السحر الحلال وإنني ... حاوَلت أقرب منه شأواً فابتعد
وأجابني لمَّا دعوتُ شبيهة ... ما الأسدُ يا مسكين أكفأ النقد(4)
فأتيت ساحل بحره مُلتقطاً ... لفاظ(5) ما عنه تعاظم فانتقد
هذا أبوه لسان آل محمدٍ ... لا غرو في صدق المخيلة في الولد
ومن شعره هذه الأبيات:
__________
(1) الظليل: امرؤ القيس الشاعر الجاهلي.
(2) في مآثر الأبرار: في القريض.
(3) في (ب): الكتاب.
(4) غير موزون ولا مفهوم. يراجع.
(5) في (ب): لقاط.

يا من يدوم وتفنى الخلق قاطبة ... وعنده خلقهم والبعث سيان(1)
اغفر ذنوببي وكن عوني وهب أملي ... ورَمَّ(2) حالي وأصلح سيدي شاني
واكتب نجاتي من النيران يوم غدٍ ... واطمس صحيفة إجرامي وعصياني
وكن معيني إذا ما الموت حاضرني ... وابتزَّ ثوب حياتي ثوب أكفاني
وكن أنيسي إذا أودعت مقبرتي ... وصدَّ عني أحبابي وإخواني
وخلَّفوني وحيداً رهن جَندَلَة ... وحشو ثوب ومأكولاً لِدِيدان
وجاءني للسؤال المنكران فما ... عذري وأنت ثبتي ثُمَّ تبياني
وصاح في الصور إسرافيل صيحته ... للبَعث إذ كل قاصٍ عنده داني
فالوَزْن يومئذٍ بالحقِّ تنصُبه ... رجِّح بجودك يا ذا الجود ميزاني
وسيق ناسٌ لجنَّاتٍ مزخرفةٍ ... وسيق ناس لتعذيبٍ بنيران
يا سيدي فاعفُ عني قبل ذاوية(3) ... وقل لرضوان ذا في جمِّ رضواني
وقد تشفع فيه جدُّه ولَهُ ... مقام فضلٍ لدينا عامرُ باني
لا ذخر لي غير ظنِّي فيك تغفر لي ... بجاه خير البرايا سر عدنان
ثم الصلاة عليه والسلام وكل الآ ... ل ما عُدَّ بعد الواحد الثاني(4)
انتهى، وتوفي بصنعاء وقبره على يسار الخارج من باب اليمن، وهو أقرب إلى الباب، وعليه قبَة ولوح، وهو مشهور - رحمه الله تعالى -.
إبراهيم بن يحيى بن صلاح بن أبي الفضائل [ - ]
__________
(1) في (أ): وعنده خلفهم والناس شتان.
(2) معنى قوله: رمّ حالي أي أصله.
(3) في (ب): قبل ذاوية.
(4) بين هذه الأبيات وبين القصيدة الأولى بون شاسع جداً، فلعل هذه من محاولاته الشعرية الأولى.

السيد الأديب، حسنة الأيام، إبراهيم بن يحيى بن صلاح بن محمد بن أبي الفضائل، قال السيد الهادي بن إبراهيم: ولد نجيب، تربَّى في حجر المملكة، ونشأ بها وهو في حكم الملوك، وله نزاهة وشرافة في النفس ونفس توَّاقَّة، متعلق بالعلوم والقراءة والمطالعة والكتب، لا يلوي على غير ذلك، ولم يزل على تلك الصِّفة مع خاله المؤيَّد بالله محمد بن الناصر أيام صنوه المنتصر أحمد بن الناصر، ولمَّا ملك السلطان عامر صنعاء، ونقل الأشراف إلى تعزّ، وكان هذا السيِّد من أعاظم أشرافها بل ملوكها، نقله إلى تعز فتعاورته العلل، وتجرَّع الصّاب)(1) نهلاً بعد عل(2)، فأذن له السلطان عامر بالانتقال إلى (جُبن)(3) فأقام [بها](4) إلى سنة عشرين وتسعمائة، ثم طلع صحبة عامر في تلك السنة إلى صنعاء، فحدث به ألم فاجع أُسْكِتَ به من أول وقوعه، وكان طلع إلى القصر ليتفق بعامر، فعاد إلى بيته عليلاً، ومات عشيَّة يومه ذلك، ودفن بقبَّة خاله السيد المؤيَّد، وقبره مشهور، وعليه لوح فيه شعر حسن، وكلام حسن، ويقال: إن عامر أسقاه السمَّ لما كان يراه من تعظيم أهل صنعاء له، وكان له أبَّهة وجلالة، وسماة ملكية، فلا يمرّ بأحدٍ إلا قبَّل(5) يده، وكبَّره، وعظَّمه، والله أعلم.
__________
(1) الصَّاب بتخفيف الباء: عصارة شجر مُرٍّ (مختار الصحاح ص: 372).
(2) النَّهَلُ: الشرب الأول، والعُلَلُ: الشرب الثاني، يقال: علل بعد نهل (المصدر السابق ص: 683 ، 451).
(3) جُبَن: بضم الجيم وفتح الباء، مدينة من قضاء رداع بالجنوب الغربي منها، سكنها السلاطين بنو طاهر (858 - 933ه = 14454 - 1517م) وبها قبورهم (معجم المقحفي ص: 109).
(4) سقط من (ب).
(5) في (ب): وقَبَّل.

إبراهيم بن يحيى بن الهدى الجحافي [991 - 1065ه] (1)
السيد العلامة، الناسك، صارم الدين، إبراهيم بن يحيى بن الهدَى بن إبراهيم بن المهدي بن أحمد الحجافي - رحمه الله تعالى -. كان هذا السيِّد الجليل من أهل الملكة لنفسه والرِّياضَة الكليَّة بحيث لا يُروَى عنه رواية في الغالب لكثرة حفظه للسانه، وإنما يجري مع الأصحاب بالتبسّم والاستماع لمقالهم وإظهاره التعجب والاستغراب لما يُروَى كأنه لا يعرف شيئاً.
/70/
فتراهُ يُصغي للحديث بسمعه ... وبقلبه ولعلَّه أدرَى بهِ
__________
(1) أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (40) شعراء اليمن من اسمه إبراهيم ترجمة (18) ص 81 ، 82، طيب السمر خ، طبقات الزيدية القسم الثالث تحت الطبع، الجواهر المضيئة خ، خلاصة الأثر 1/404، مصادر العمري 271، مصادر الجبشي 27، 226، 494، ملحق البدر الطالع 13، وغيرها وكلها عن هذا الباب.

وكان مع ذلك متقناً(1) لأمور دينه ودنياه، عاكفاً على كتب الطريقة، مواظباً على الجماعة في المسجد الجامع (بحبور)؛ حتَّى [إنه](2) لا يروي أحد أنه تخلَّف عن المسجد في وقت صلاة إلا لعذرٍ عظيم، وذلك مشهور من حاله، وكان متوليّاً للقضاء، راضية عنه قلوب الناس، لما يعلمون من صدقه وإنزاله الناس(3) منازلهم، ووقوفهم عند صميم الشرع، وله (شرح على المفتاح في الفرائض)(4)، أجاد فيه، وقرأت عليه الناس، وانتفعوا به، وأتى فيه باصطلاحاتٍ غير اصطلاحات الأصحاب، ثم جعل لذلك مقدَّمة ليعرف الناس منها مقاصده، وله (شرح لأبيات الجعبري في التلاوة لآي الفاتحة)(5) ومخارج حروفها، وله أشعار فائقة رائقة وخمَّس قصيدة الصَّفي الحلّي النبويَّة التي طالعها:
فيروزج الصبح أم ياقوتة الشفق ... بدت فهيجت الورقاء في الورق
وأحسن في ذلك كل الإحسان، وهي دائرة بأيدي الأدباء بصعدة وبلادها، وممَّا نقل ولده العلامة إسماعيل بن إبراهيم من خطه قال: وأظنه من شعره:
وإذا أسبَل الظلام رِوَاقاً(6) ... وهدا معشر به فاستراحوا
فأنا رافع الأكف إلى من ... خطرة القلب عنده إيضاح
قائلاً: رب أنت تعلم بالحال ... ففيم السّؤال والإلحاح
وإذا اليأس رام هدم رجائي ... قال حسن الرَّجا له: لا براح
ولعمري ما يهزم اليأس ظنِّيَ ... والإله المؤمَّل المستماح
لو تكون السماء والأرض رتقاً ... أو تحول السيوف والأرماح
هذه نيّة الكرام لعمري ... وبها طال ما استراحوا وراحوا
كلما جاءهم من اليأس كأس ... فلهم من رجائهم أقداح
__________
(1) في شعراء اليمن نقلاً عن مطلع البدور: متقياً.
(2) سقط من (أ).
(3) في (ب): للناس.
(4) فتح الفتاح الفائض في شرح مفتاح الفرائض خ، منه نسخة في المتحف البريطاني رقم 3995 وأخرى في الفاتيكان فهرس ثالث برقم (1134/2).
(5) لم أجد له نسخة خطية.
(6) الرِواق بالكسر: ستر يمدَّ دون السقف (مُختار الصحاح).

وكان بينه وبين السيدين السبطين الكريمين الحسن والحسين ابني الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد - سلام الله عليه - غاية التحابِّ والتصادق والمفاكهات الأدبيَّة، وكان بينه وبين الفاضل العارف عبد الحميد بن أحمد المعافا مراسلة تشتاقها أعناق الغيد أطواقاً، وتنافس فيها الحور أنطاقاً، ومولده - رحمه الله تعالى - في رمضان عام واحدٍ وتسعين وتسعمائة، وتوفي وقت الظهر يوم الخميس رابع عشر شهر شعبان سنة خمس وستين وألف في مدينة حبور المحروس، وله أولاد نجباء قد أحرزوا قصب السبق في الفضائل بلا مدافعة، منهم مولانا السيِّد ضياء الدين(1) حواري أمير المؤمنين المتوكل على الله:
[إسماعيل بن إبراهيم جحاف]
إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى(2) المذكور، علامَة محقق في الأصول والفروع والعربيَّة والطب مع آداب وحافظة، يقلُّ نظيره في ذلك، أطال الله للإسلام عمُره، وقد تولى القضاء بالحضرة المتوكليَّة /71/ وله شعر جيد الصنعة، فمن ذلك قوله:
لقد آن أن تُعصى النفوسُ الطوامحُ ... وتُرْدعَ بالتقوى القلوبُ الجوامحُ
فقد أنذَر الشيبُ الملمُّ وصرَّحت ... زواجره والشيبُ لا شك ناصحُ
أُعاتِبُ نفساً لا أعاتبُ غيرَها ... على اللَّهو حتَّى طوَّحتها الطوائحُ
وأزجر قلبي عن هوَاه بوعظه ... وهل ريض ياللناس بالسوط فارح(3)
إلى كم أُرجِّي عزمةً أنتهي بها ... إلى الخير والآمال غادٍ ورائحُ
ويمنعني من ذاك أمرٌ كتمته ... ودهرٌ عن الأحرار ناءٍٍ وجانحُ
فوا أسفا أن لا حياة لذيذةً ... ولا عملٌ يرضى به الله صالحُ
وله في هذا المعنى:
يا فارجَ الهمّ بتيسيره ... وكاشف الشدَّة والبأسِ
خذ بيدي يارب وانظر إلى ... ضعفي وإخباتي وإبلاسي
ولا تكلني يا إلهي إلى ... نفسي وتدبيري وإحساسي
__________
(1) في (ب): ضياء الإسلام.
(2) حاشية في (أ): السيدان الإمامان إسماعيل بن يحيى بن إبراهيم بن الهدى، ولم يترجم لهما القاضي ترجمة مفردة لتأخر وفاتهما.
(3) في (ب): قارح.

فالعجز والظلم معاً شيمتي ... نتيجتا جهلٍ وإلباس؟
وله في الرقائق(1) والإخوانيات ما يفوق، ويروق، مع أنها بداية على طرق التمام(2)، وأرسلت إليه مفاكهاً على يد فتىً اسمه عنبر بقليل من العود الرطب فأجاب مع الرسول بديهياً:
يا واحد العصر بلا مِرية
ٍ ... ومعدن الجود بلا منكر
أحسنت إذا أرسلت يا ذا العُلا ... هَديَّة العود مع عنبرِ
ولم تزل بيننا المفاكهة - أدام الله حياته - فهو حياة الأرواح.
[استطراد في ذكر أخي المترجم له، واسمه يحيى بن إبراهيم جحاف]
__________
(1) قلت: ترجمه زبارة في ملحق البدر الطالع ص55، فقال: مولده سنة 1024ه، وأخذ عن والده والحسين بن علي جحاف والسيد عبد الرحمن بن حسين جحاف وغيرهم، وأورد بعض أشعاره وقال: ومات المترجم له بحبور في شعبان سنة 1097ه.
(2) في (ب): الثمام.

وله أخ اسمه يحيى سيد أبناء وقته علماً وعملاً، يذكر بالأوائل من سلَفهِ الكرام في كل طرائقه، وهو المتولي للقضاء بقرية حبُور في هذه الأعصار، بعد أن كان عزف نفسه عن الخلطة، وأراد السكون في شواهق الجبال فلزمه تكليف الإمام، فعاد إلى وطنه، ونشر العلم، وأحيا المعالم، وهو في النحو الغايَة، وله (شرح على الحاجبيَّة)، عظيم الشأن، لُبَاب نجم الدين وخلاصه، وهو الآن في الفقه المجلّي في رهانه، وله ما يجري مجرى (الشرح لنهج البلاغة)، وله خط عجيب قد كتب به غرائب وعجائب(1)، وله شعر في الذَّروة ينهج فيه منهج العرب الأولى، والله يديم حياته للإسلام(2)، ولهما أخ [محمد](3) ثالث من الفضلاء النبلاء، وهذا البيت معمور بالفضلاء في كل عصر، والله يؤتي فضله من يشاء.
__________
(1) في (ب): عجائب وغرائب.
(2) السيد يحيى بن إبراهيم بن يحيى جحاف، قال زبارة في ملحق البدر الطالع ص 226، مات في حدود سنة 1103ه، وانظر ترجمته في أعلام المؤلفين الزيدية رقم 1162وكتابه في شرح نهج البلاغة هو باسم (إرشاد المؤمنين إلى معرفة نهج البلاغة المبين) خ، سنة 1093ه، موجود بالأمبرزيانا، وأخرى بمكتبة الجامع الكبير في ثلاثة مجلدات، ومن مصادر ترجمته مصادر الحبشي 131، 337 وطبقات الزيدية الكبرى خ تحت الطبع، ونشر العرف 2/814، 3/ 298 - 300، زهر الكمائم خ، النفحات المسكية خ، بغية المريد خ، الجواهر المضيئة خ، معجم المؤلفين 13/182، الأعلام 8/134.
(3) زيادة في (ب).

إبراهيم بن يحيى الشجري السحولي(1) [987 - 1060ه]
القاضي، الفاضل، صارم الدين، إبراهيم بن يحيى بن محمد بن صلاح الشجري، السحولي، - رضي الله عنه - كان من السَّابقين في الفضائل، العلماء العاملين الأفاضل، قال ولده العلامة الخطيب، زينة الوقت محمد بن إبراهيم أسعده الله في ترجمته ما لفظه: مولده - قدس الله روحه - ليلة الجمعة ثالث /72/ وعشرين من جمادى الأولى عام سبعة وثمانين وتسعمائة بمدينة ذمار، وسَمعت منه، ووجدته بخطه، وأظنُّه له:
مسقط الرأس ذمار ... وهي من خير الديار
وفاته ضحوة يوم السبت لعشرين خلت من جمادي الأولى سنة ستين وألف، ودفن بعد صلاة الظهر بالمقبرة المعروفة بجربة الروض بباب اليمن، عدني مدينة صنعاء، ونقل إلى مشهده المزور بجنب مسجده المبارك (بمحروس السَّعدي) ليلة سابع عشر من شوال من تلك السنة، ووجد على حاله التي وضع عليها لم يتغيَّر شيء من جسده المكرَّم ولا من كفنه المبارك، تصديقاً لما ورد في العلماء سيما علماء العدل والتوحيد أن الأرض لا تأكل أجسادهم.
__________
(1) إبراهيم السحولي من مصادر ترجمته: شعراء اليمن من اسمه إبراهيم ترجم (17) مصادر العمري ص 262 البدر الطالع 1/197، مساجد طيب 53، 57، الإعلام 1/80، بغية المريد خ، المستطاب خ، طبقات الزيدية الكبرى خ، مصادر الحبشي 218، 127، معجم المؤلفين 1/127، معجم المصنفين 4/48، الجواهر المضيئة خ، تاريخ اليمن، طبق الحلوى ص 123، وهامش ص 66، تاريخ اليمن لأبي طالب ص 26، بغية الأماني والأصل خ، وانظر بقية مصادره ومؤلفاته في كتاب أعلام المؤلفين الزيدية ترجمه رقم 39 ص 75 - 76.

قلت: ورثاه ولده محمد أبقاه الله جامع الترجمة بقصيدتين طويلتين، وابن أخيه حسنة الزمان الأديب المنشئ أحمد بن الحسن بن يحيى - رحمه الله - وكلاهما مجيدان، والسيد البليغ أحمد بن محمد الآنسي - رحمه الله تعالى - وغير هؤلاء من الفضلاء. قال ولده محمد أيده الله: منشؤه مدينة ذمار، وقرأ بها القرآن قراءة مجوَّدة، وقرأ الفقه والفرائض والكلام وطرفاً من العربيَّة، ونظم الشعر الكثير، إلا أنه غرَّقه حين غرَّق ما اجتمع عنده من الأوراق مخافة عثور الظلمة فيها على ما يوجب عندهم القتل، وحصَّل شطراً صالحاً من علم الفلك، ومن الغرائب أنَّه عرَّفه المنازل رجل مكفوف البصر.
شيوخه بذمار: والده، والقاضي محمد بن علي الشكايذي، والقاضي المعافا بن سعيد، والقاضي محمد بن ناصر الدين الفلَكي وغيرهم.
أخبرني أن من جملة ما قرأ على الفلكي (اللامع)(1) في الفرائض للعصيفري، وكان القاضي صلاح بن محمد يحضر مستمعاً بلا نسخَةٍ، وكان يسبق إلى فهم بعض الدَّقائق فينشد:
تبارك الله ربي في تصرّفه ... هذا يصيد وهذا يأكل السَّمكة
واشتهر من تجرُّده للطلب وهمته العاليَة مدَّة إقامته في ذمار مالم يشاركه فيه أحد، حتى إنه كان قليلاً ما يطفئ السِّراج، وكان والده إذا احتاجه لحاجة مهمَّة خرج يطلبه في المسجد على وجهٍ لا يشعر به فيجده مكبّاً على الكتاب، فيرجع قبل أن يراه يقضي الحاجة بنفسه على جلالة قدره.
قالوا: مثلاً يذهب إلى الوادي لقضب البقرة؛ لأنهم - قدَّس الله أرواحهم - كانوا أهل الزهد، كما جاء في عيسى - عليه السلام -: (خادمه يداه، ودابَّته رجلاه) وكان يُعيد ستين شرفاً، وكان يُعيد في الخميس والجمعة قراءة الأسبوع، وأعاد أظنَّه في ثلاثة أيَّام انقطعت القراءة فيها من أوَّل الكتاب إلى كتاب الحج.
__________
(1) كتاب اللامع شرح مفتاح الفرائض، ويسمى أيضاً: شرح المفتاح في الفرائض - خ - منه نسخة رقم (16)، مجاميع بالمكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء.

ومن كراماته في طفولته ما سمعت منه: أنَّ والده قال: إنه أخرجه معه أول خروج إلى المدرسة الشمسَّية بذمار، فلمَّا وضعه بباب المسجد جرى إلى المحراب وسجد فيه سجدة طويلة، قال: قال والده: فحصل معي من السرور ما لا مزيد عليه، وكان ما كان، أَلِفَ النُّسك والعبادة والخلوة طفلاً، وهكذا النجباء. أقول: وعند هذه الكرامة التي ذكرها ولده أبقاه الله تعالى /73/ أذكر كرامة له أخبرني بها بعض السَّادة، قال: إنه كان هذا السيِّد عاملاً ببلاد (سنحان)(1)، فحصل شجار بين أهل قريتين في مراعي، فجاء كتاب من الإمام المؤيَّد بالله - عليه السلام - أن القاضي يخرج لافتقاد ذلك بنفسه، فخرج - رحمه الله - وبات ببعض القرى، ثم توجَّه إلى محل الشجار، فوصله ضحوة فمرّ ببعض الشعاب، وقضى الحاجة، ثم أحسن وضوءه وصلَّى ما تيسَّر له، فذهب السيد المذكور من محلٍ ينظر ما يصنع، فرآه بعد الصلاة يدعو مستقبل القبلة ويبكي بدموع غزيرة، فلمَّا تمَّ له ذلك أشرف على الموضع المتشاجر فيه، فخرجت ظبية من تحت حجر بالقرب منهم وتوسطت محل الشجار، فقال القاضي والناس ينظرونها: ما اسم المحل الذي هي فيه؟ قالوا: كذا، قال للكاتب: اكتب اسم المحل، ثُمَّ أخذت في المحل فسألهم فقالوا: اسمه كذَا، فأمر الكاتب فلم تزل الظبية حتَّى قطعت محل الشجار، فقال لهم: ما ترون هل هذا يصلح فقد يسّر الله هذه الظبية بفضله، فقالوا وقال الحاضرون: هذا أحسن حكم وأعدله لأمور عديدة، فعاد من ذلك المحل.
__________
(1) سنحان، بفتح السين وسكون النون وفتح الحاء المهملة وبعد الألف نون، اسم مشترك بين عدد من البلدان والقبائل اليمنية، أشهرها قبيلة سنحان في الجنوب الشرقي من مدينة صنعاء (انظر معجم المقحفي ج 327 - 328).

رجعنا إلى ما قال ولده حفظه الله، قال: وما زالت تسمو حاله في العلم والعمل وجميع الكمالات حتَّى انتقل والده(1) إلى صنعاء بأهله في عام عشرة بعد الألف، واستكمل(2) فيها العلوم، وما زال في درس وتدريس إلى أن استوفى ما وهبه الله له من العمر النفيس.
مشائخه في صنعاء والده، والمفتي، والقاضي أحمد بن معوضة الحربي، والفقيه إبراهيم بن يحيى حميد، والفقيه أحمد الضمدي، والسيد الحسن بن شمس الدين بن جحاف، والسيد صلاح المضواحي، والسيّد محمد بن الناصر، والسيد صلاح بن الوزير، والفقيه عبد الرحمن بن محمد الحيمي الآخر، وأمَّا الفقيه عبد الرحمن بن عبد الله الكبير فلم يدركه؛ لأن وفاته سنة ثلاث بعد الألف وغير هؤلاء المذكورين، وخاتمة شيوخه القاضي عبد الهادي بن أحمد الحسوسة، قرأ في صنعاء النحو، والصَّرف، والمعاني، والعروض، واللغة، والتفسير، والحديث، والأصولين، والمنطق، وكان له في كل فنٍّ من هذه الفنون اليد الطولى، فأمَّا الفقه والأصولان فلا يشق فيهما غباره، سمعت(3) أنه قرأ (الكافية) على الضمدي، وكان يطالع ثلاثة عشر شرحاً، ومن جملة ما قرأ على المفتي (الكشاف)، ورأيت بخطه المبارك أنه قرأه في أربعة أشهر، قال: وكان والده يحضر هذه القراءة بلا نسخة ولا درس، وكثيراً ما يذكرهم أشياء قد مرَّت في مواضعها المعينة فيعجبون من حفظه.
__________
(1) والده: زيادة في (أ).
(2) في (ب): فاستكمل.
(3) في (ب): سمعت منه أنه.

قلت: وعلى ذكر قراءته - رحمه الله تعالى - (الكشاف)، بلغني أنه رأى قبل فتحها بيويمات(1) أن الزمخشري - رحمه الله - درس في (الكشاف) بالجامع، لعلَّه في الموضع الذي قرأوا فيه ولم أتحققه، رجعنا إلى كلام ولده: ولمَّا ظفر بالقاضي عبد الهادي الحسوسة أيام إقامته بصنعاء حاكماً، وهو الرحلة في علم الكلام، أعاد عليه سماع كتب الكلام من (الخلاصة) إلى (تذكرة /74/ ابن متويه)، وجملة ما قرأ عليه ثلاثة عشر كتاباً من الكبار، وكان القاضي عبد الهادي يقول: ما رأيتُ ممَّن قرأ عليَّ على كثرتهم مثل القاضي إبراهيم، وكان له أحوال في الدَّرس والتدريس يختصّ به، كان يقوم إلى الجامع من آخر الليل، فإذا صلَّى الفجر وضعت له الإزار مطويَّة على نحو ثوب حتى تكون كالوسادة الصَّغيرة، فيقعد عليها قِعدة واحدة من عقيب الفجر إلى أن يتعالى النهار، يقرأ عليه في (الأزهار) طلبَة يزيدون على المائة في أكثر الأحوال، يملي عليهم املاءً في غاية الحسن والسعة (والسهولة)(2) وجميع الفوائد، يسمع من مؤخر الجامع إلى المقدَّم على جهة التفصيل، وكثيراً ما يقوم بعد تمام القراءة إلى القراءة على القاضي عبد الهادي في نحو (الغايات) إلى قريب الظهر، وكثيراً ما يخرج من هذه القراءة لصلاة الظهر ويدرس عقيبها في نحو (البيان) و(الفصول) فلا يتناول في هذه الحال طعاماً إلا بعد العصر، ولا يخلو في غالب الوقت عن مذاكرة بعد العصر وبعد العشاء الآخرة في البيت، وأمَّا بين العشائين فلا يخليه عن صلاة التسبيح وغيرها من النوافل، وأكثر هذه القراءات لا تخلو عن تعليق، هذه أحواله فيما يتعلق بالدَّرس والتدريس على وجه الاختصار، وأمَّا التصنيف فاشتغاله به قليل، ألَّف (الدُّر المنظوم في معرفة الحيّ القيّوم) في سنّ الصغر؛ لأنه قال فيه:
نظمتُه نظمُ اللآلئ والدُرر ... قصْداً لعفو الله في شهر صفر
__________
(1) تصغير الأيام.
(2) سقط من (أ).

من سنة السبع عقيب الألفِ ... من هجرة المختار فاسمع وصفي
وهذا الكتاب لم ينقله من المسوّدة ولم يهذِّبه ولم يطلع عليه أحد، وكأنه رأى تركه أولى ووضع (حاشيه على الثلاثين مسألة) جعلها في هوامش نسخةٍ بخطه لبعض المبتدئين فنقلها الناس نقل الشروح فتصرفوا فيها وغيَّروها عن وضعها، فهذا سبب ما قد ترى فيها من الخلل(1)، وعلَّق (حاشية على الأزهار) وشرحه لم ينقلها أيضاً من المسوَّدة، ولم يرتِّبها حقّ ترتيبها، ولا أعاد فيها نظر، ولا قرئت عليه وتناقلها الناس بعده، فقدَّموا وأخَّروا، وكثيراً ما صحَّف النسَّاخ فيها، والله المرجو أن يقيّض لها من يداوي عللها، ويسدُّ خللها(2)، وله السؤالات إلى الإمام القاسم - عليه السلام - المعروفة (بالسؤالات الصنعانية)(3)، وآخر مؤلفاته - قدَّس الله روحه - (الطراز الْمُذهب في إسناد المذهب) (4)
__________
(1) الدر المنظوم في معرفة الحي القيوم خ، وهو نفسه شرح مصباح العلوم (الثلاثين المسألة) مخطوط منه نسخ في مكتبة الجامع الغربية برقم 94 ، 150 علم كلام، ورقم 62 نحو، ورقم 63، 167 مجاميع، وفي المتحف البريطاني نسخة رقم 3989 وأخرى بمكتبة السيد محمد بن محمد الكبسي، وانظر كتابنا مصادر التراث في المكتاب الخاصة.
(2) حاشية السحولي على الأزهار وتعرف باسم القدر المختار من نفحات الأزهار، منه خمس نسخ في الجامع الكبير المكتبة الغربية من رقم 114 إلى 118، ورقم 99 فقه، وثلاث نسخ في المتحف البريطاني، إحداها باسم هداية الأفكار، وأخرى مصورة بمكتبة السيد محمد بن عبد العظيم الهادي، ونسخة خطت 1074ه في مكتبة السيد محمد بن عبد الملك المروني بصنعاء وأخرى خطت في سنة 1178ه في مكتبة آل الهاشمي بصعدة، وأخرى بمكتبة السيد عبد الرحمن شائم هجرة فللة صعدة، وأخرى بمكتبة السيد محمد بن محمد الكبسي بصنعاء خطت سنة 1065ه.
(3) انظرها في مؤلفات الإمام.
(4) الطراز المذهب في معرفة أسناد المذهب، منه أربع نسخ خطية ضمن مجاميع (17، 71، 68، 118) المكتبة الغربية الجامع الكبير، ونسختان في المتحف البريطاني ضمن مجموعين رقم 2076 ، 3908، وفي الأمبروزيانا برقم 2567، والفاتيكان رقم 1198 - 2، وفي جامعة الرياض رقم 1272، وعلى هذا الكتاب شرح بعنوان (التثبت والجواز عن مزالق الاعتراض على الطراز) ليحيى صالح السحولي خ، الأمبروزيانا، ونسخة مصورة بمكتبة السيد محمد بن عبد العظيم الهادي.

.
وأمَّا صفاته الشريفة فلا نطوِّل ذكرها(1)، وصفات ضوء الشمس تذهب باطلاً، وفضلاء عصره مجمعون على زهده وورعه، ووقاره وخشوعه، وجلالة قدره، وشفقته بالمسلمين، وبرَّه بالأقربين والأبعدين، وكثرة عبادته، وغير ذلك من الأوصاف الجميلة. من مواظبته على العبادة أنه ما طلع الفجر فيما أعلم وهو نائم، وأمَّ الناس في الجامع منذ ملكت اليَدُ الإماميَّة صنعاء سنة تسع وثلاثين إلا مدَّة قليلة في آخر عمرة، عَسُرت عليه الموَاظبَة لعوائق /75/ عديدة، وما سجد للسَّهو في هذه المدَّة كلِّها إلا مرَّة [واحدة](2) في وفاة صنوه الحسن - رحمه الله - سلم في صلاة العشاء على ركعتين وسلم معه أكثر الناس، فأعاد الصلاة وأعادوا جميعاً، وقرأ ?أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ? (الماعون: 1).
ومن خشوعه وخشيته أنه كثيراً ما سمع منه البكاء، فمن ذلك ما سمعته ورأيته أنا وغيري، كنا نقرأ عليه (شرح القلائد) للنجري، فبلغنا مسألة إنطاق الجوارح، فوضع الكتاب، وما زال يبكي بأعلى صوته(3) حتى سمعه من مرَّ على الباب، والقراءة كانت في البيت بصنعاء، وكلما فتح الكتاب غلبه البكاء، فقام وتركنا القراءة ذلك اليوم، ما رأيت، ولا سمعتُ في أهل عصرنا بمثل هذا، ولها نظائر.
ومن تقليله للطعام ما قد ذكرته، بل ما قد علمت منه، ترك الطعام أياماً متوالية، وفي شهر رمضان يفطر بلحوح ولبن، ثم يقوم للصلاة فلا يفرغ الناس من العشاء إلا وقد أكمل صلاة التسبيح، ثم يقوم الليل فلا يتسحَّر إلا بالقهوة. ومن إكثاره للذكر أنه كان يقرأ في شهر رمضان في المدَّة السَّابقة خمسة وأربعين ختمة، وسمعت منه في معرض الزجر عن الاشتغال بما لا يحتاج إليه من كثرة الكلام مع الناس لا سيما في الطريق، قال: الإنسان يقرأ من الجامع إلى البيت حين يخرج من صلاة العشاء سورة يس ثلاث مرَّات، وكم بين الجامع والبيت.
__________
(1) في (ب): بذكرها.
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): بأعلى الصوت.

ومن إيثاره للزهد تأخيره التأهّل إلى سن الكهولة مع وفارة المقتضيات وكثرة المرغبات رغب كثيراً في بعض قرابته، فاشتغل عنها بما هو بصدده، فتزوجت بعد أن أذن، وولدت وبلغت ابنتها سنّ الزواج فتزوجها، ولم يعرف غيرها مدَّة حياته. ومن زهده أنه لم يمدَّ عينه إلى شيء عرض عليه، وكثر عليه في قَبوله من زهرة الدُّنيا من الدُّور والعقار وغيرها، مع أن يده العليا في ذلك، وكان يقول: أعظم مفسَدة في طلب العلم الخروج من صنعاء للخريف. ومن حسن خلقه الكريم مخاطبته للكبير(1) والصغير بيا أخي، وكان للطلبة في الغاية من اللطافة وهم له في غايَة المهَابَة، وكان إذا سأل المبتدئ سؤالاً ركيكاً وجهه [له](2) بأحسن(3) توجيه، وقال: مراد أخي فلان كذا وكذا. وأمَّا ذكاؤه وحفظه فمِمَّا لا يختلف فيه اثنان. وأمَّا بلاغته فقد عُرِفَتْ في خطبه ورسائله وفتاويه ومحاورته أشعاره. ومن جملة شعره تبرّكاً بذكره نقلته من خطه قاله في آخر مدَّته:
يا ربّ إني ضعيف ... لا ذخر عندي ولا زاد
وقد قصَدتك ضيفاً ... فاصنع معي صنع الاجوَاد
ومنه:
رَفعَ الله المصطفى جنَّة الخلد ... وأبقَى لنا ذوي الفضل آله
فهم الإِنس بل هم الإنس كل الإنس لا أوحشوا على كلِّ حاله
/76/ ومنه:
يا سَادَتي لي عليكم ... في كشف ضرِّي مُعوَّلْ
وقد علمتم منَ الحال ... (المختصَر) و(المطوَّلْ)
ومنه:
يا سيدي لي إليك حاجة ... وعندكم تكره اللَّجاجة
فأنجزوني بما وعدتم ... ولا يكن وعدكم (إزاجة)
ومنه:
صُرِفْتُ عن بابك يا سيدي ... ظلماً وإبراهيمُ لا ينصَرفْ
يا عجباً للدَّهر في حكمه ... هل من مَجير منه أو منتصفْ
يمنع منعاً طالبٌ(4) للهُدى ... منكم ويحظى بكم المنحرف
ما سمِعَت أذناي(5) ببحرٍ غدا ... يمنع منه من أتَى يغترِف
__________
(1) في (ب): للصغير والكبير.
(2) سقط من (أ).
(3) في (ب): أحسن.
(4) في النسخ: طالباً، والصحيح طالبٌ، نائب فاعل.
(5) لعل الصواب: أذني لئلا يختل الوزن.

ومن شعره:
إليك علوم العقل منظومة على ... مراتبها فاتبع بها الرسم بالقلمْ
فعِلمٌ بحالِ النفس ثُمَّ مشاهدٌ ... بَديهتُها والحصرُ في سائر القسمْ
تَعلُّقُ فعلٍ فهمُ قصدِ مخاطبٍ ... جليٌّ أمُورٍٍ فاستَمع نظمَ من نظمْ
وثامنُها علمُ اختيارٍ وتاسعٌ ... به ميّز الإحسان عن ظلم من ظلَم
وآخرُها علمُ التواترِ رُتبةً ... بها كملَ المقصودُ من حصرها وتمْ
[استطراد ذكر عيسى بن لطف الله]
قلت: نظم علوم العقل ما كان من نظم السيد بديع الزمان عيسى بن لطف الله مؤلف (روح الروح)(1) في التأريخ، وهو تأريخ بديع ألَّفه للوزير محمَّد، لكنه جعله لدَولة الأروام صورة، وهو لأهل بيته آل الإمام شرف الدين حقيقة، ونحا فيه نحو (قلائد العقيان) من التسجيع، وكان هذا السيِّد آية من آيات الله في آدَابه وحفظه ومفاكهاته، كل من أدرك عصره من الفقهاء والنبهاء يُروي عنه غرائب وعجائب، وكان من أحفظ الناس للتواريخ (والماجريات)، وطال عمره، وكان في آخر عمره مع المولى شرف الإسلام الحسن بن أمير المؤمنين القاسم بن محمد، وكان سلوة الهموم وجلوة الغموم، ازدادت أيام المولى الحسن حسناً، وارتفعت صفاتها الحسنَى بحسن الأداب(2)، وكان لا يجر على أحد ضرراً مع تمكنه، وكان علمه حقيقة التنجيم والاصطرلاب، والذي جرَّ إلى ذكره أنه كان يلبس لباس الأمراء والكبراء من أصحاب الدَّولة من الجوخ وغيره، فمرَّ ببعض الطلبة بشهارة، فتكلموا في شأنه فقال بعض الطلبة: كأني به ما يعرف علوم العقل فنظمها أرجوزة، فقال:
وضعتُ شيئاً للثقاة البررة ... نظم علوم العقل تلك العشرة
/77/
أوّلها يا جعفر بن عيسى ... لقيت خيراً ووُقيت بُؤساً
__________
(1) كتاب روح الروح فيما حدث بعد المائة التاسعة من الفتن والفتوح، وهو كتاب في تاريخ اليمن من سنة (965ه)، (انظر عنه كتابنا أعلام المؤلفين الزيدية ج (739 - 740).
(2) في (ب): الأدب.

علمي بنفسي في الطوى وفي الشبَعْ ... كذاك في الصحَّة أو وقت الوجَعْ
بَديهَةٌ: فخمسَةٌ في العددِِ ... أقل من عدَّة عشر فاقتدي
وخبرةٌ: كسر الزجاج بالحجر ... فاعلم بهذَا نلت غاياتِ الوطر
مُشَاهدٌ: هذا(1) السماء فوقنا ... والأرض ذات الصَّدع صارت تحتنا
دائرةٌ: زيد غدا في الدَّارِ ... أم خارجُ الدَّار فلا تمار
والقصدُ: في معرفة الخطاب ... في الابتدا منه وفي الجوابِ
تواترٌ: كمكة(2) في الأرض ... وقصْدُها من لازمات الفرض
جَليُّ أمرٍٍ: علمُه بما أكَل ... وقت الغداء والعشا وما فعل
الحسنُ: الصِّدقُ من الإنسان ... كذا القبيحُ: الكذبُ باللسّان
ولمَّا مات رثاه مولانا العلاَّمة محمد بن إبراهيم بن المفضل بن علي بن الإمام شرف الدين وأحد علماء المعقول والمنقول وبقيَّة الزمان - أدام الله إسعاده - فقال:
ورْقَاء بانات اللوى والأجرعِ ... لفِراق خيرَ بني الْهُدَى نُوحِي معي
نجمٌ ثوى ما كنت أحسب قَبله ... أن النجومَ تغيبُ تحت اليرمِع(3)
ما كان يقصر عن بلاغة لفظه ... (قُسٌّ) (4) ويعني في الرواة (الأصمعي) (5)
وإذا تكلَّم ناظماً أو ناثراً ... فالْمُوسَويّ(6) لديه عيُّ مُدَّعي
عيسى بن لُطف الله زينة وقته ... وحفيد من أزرَى بنحب وتبع
وهي طويلة توفي في [سنة1084ه ومولده سنة 986ه] (7).
__________
(1) لعلها: هذي.
(2) في النسخ مكة، والصحيح ما أثبتناه لأجل الوزن.
(3) اليرمع:
(4) قس بن ساعدة الأيادي، المتوفى نحو سنة 23 قبل الهجرة، من حكماء العرب وكبار خطبائهم في الجاهلية (الأعلام 5/196).
(5) عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي [122 - 216ه] أحد أئمة اللغة والأدب (الأعلام 4/162).
(6) لعله الشريف الرضي.
(7) ما بين المعقوفين بياض في النسخ، وهو زيادة من كتابنا (أعلام المؤلفين الزيدية).

ولنعد إلى تمام الترجمة الشريفة للقاضي العلاَّمة صارم الدين، قال وَلده: من كرامَاته أنه حفظ القرآن غيباً في شهر في سنِّ الكهولة، كان يُسْمِعُ له أخوه أحمد كل يوم جزءاً، فلمَّا ختم أضاف الأصحاب فقال له والده: ما هذه الضيافة يا إبراهيم؟ فقال: قل للوالد يا أخي أحمد، فقال: ختم أخي غيب القرآن فبكى - قدس الله روحه - من السرور.
يا عين صار الدمع عندك عادة ... تبكين في فرحي وفي أحزاني
هذا وابتلي قدّس الله روحه في آخر مدَّة بولاية القضاء بمدينة صنعاء في أواخر خلافة مولانا أمير المؤمنين المؤيد بالله وأوائل خلافة مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم - عادت بركاتهم - واستمرَّ عليها إلى وفاته قدر عشر سنين، فأوَّل دخوله في ذلك أصابه من الاهتمام والاغتمام، ما حرمه الهجوع ونفى عنه المنام، /78/ وترك لأجله أياماً وليالي الشراب والطعام، وكان إذا دخل المنزل لا يغلق بابه لاشتداد الغمِّ، وحين علم الله حسن نيته وصلاح طويته أفرغ عليه الصَّبر، وشرح منه الصَّدر، ويسَّر له الأمرَ، فنهض بذلك العناء نهوضاً أنبأ عن علم غزير، وورع كثير، وكمال كبير(1).
__________
(1) في (ب): وورع كبير وكمال كثير.

وكان يقول: (القضاء صناعة العلم جزء منها)، وكثيراً ما كان يطيل مجلس الحكم حتى إنَّه ربما جلس مجلساً واحداً من بُعِيْدِ الشروق إلى قُبِيْلِ الغروب، ومع اشتغاله بهذا التكليف قلباً وقالباً ما ترك التدريس، بل كان لا يخلو عن ثلاثة أربعة دروس، وأمَّا في أيامه الخالية التي أسلف فيها أعمَاله الزاكية، فقد كان يجمع فوق العشرة الدُّروس درساً وتدريساً، وحين مرض مرَضَ الوفاة وعليه قراءات إحداها في (منهاج القرشي)(1).
هذا ما سنح من أحواله رحمه /79/ الله تعالى على وجه الاختصار، ولفظ (السحولي) ليس كما يظنّ إلى الجهة المعروفة، وإنما سببه أنه وَلِد والده يحيى بن محمد في يوم وصول قافلة من السحول فأطلق عليه هذا اللفظ لهذا السبب، ثم غلبت حتَّى كادت تنسِي النسبَة الحقيقيَّة، وهي (الشَجَرِي) - بالمعجمة والجيم مفتوحتين والمهملة - نسبة إلى (بني شجرة)(2) بطن من (عنس)(3) الحي المعروف باليمن من مشارق ذمار.
قلت: وفي علماء مقري من يتسمَّى بالشجري وهوَ (……)(4).
__________
(1) منهاج القرشي يسمى كتاب: منهاج التحقيق ومحاسن التلفيق، ويسمى أيضاً: المنهاج تقويم الاعوجاج، وهو من الكتب المعتمدة في أصول الدين، ومؤلفه هو القاضي العلامة يحيى بن حسن القرشي المتوفي سنة 780ه، (عن الكتاب ومؤلفه انظر كتابنا أعلام المؤلفين الزيدية ص 1097 - 1098.
(2) بنو شجرة: بلدة في عنس شرقي ذمار، إليها ينسب بنو الشجري (معجم المقحفي ص: 345).
(3) عنس: بفتح العين ثم سين مهملة، ناحية واسعة غربي ذمار بمسافة 41 كيلو متر، تبعها الأخباريون إلى عنس بن زيد بن أدد بن زرعة بن سبأ الأصغر، وهي من المناطق الغنية بالآثار القديمة (انظر المصدر السابق ص 468).
(4) بياض في النسخ جميعها.

وأقول بعد هذه الترجمة الشريفة: من كرامات هذا القاضي - عادت بركاته - هذا الولد العلامة الفارس في علوم الاجتهاد، فإنه الآن عين الوجود بصنعاء، وهو خطيبُها، وهو ينحو بتأديتها نحو والده، ويقتفيه، والولد كما قيل سر أبيه، وهو مدرس في الأصولين والنحو والتصريف والمعاني والبيان والتفسير والفقه، وله النظم البديع والروض المريع، وله كل معنىً عجيب أينما توجَّه في معاني الشعر، ومن أراد الإشراف على شريف صنعته فعليه بتلويح المشوق، وله إليَّ - حفظه الله - جملة قصائد، ومن شعره إلى بعض إخوانه:
أعيدَا لسَمعي ما حلا لي وما مرَّا ... أحاديث حالٍ كنتُ فيه وقد مرَّا
زمان تقضَّى بالأماني والمنى ... ولم يبق لي ممَّا ذكرت سوى الذِّكرى
بسفح اللِّوى عصر الصَّبابة والصَّبا ... سقى الله ذاك السفح والناس والعصرا
مضى ومحيّا العيش أبيض مشرقٌ ... كأنِّي به قد كنت في الجنَّة الخضرا
أجرّ ذيول العجب من خفض عيشتي ... كأني في مُلكٍ وفي رفعَةٍ كَسْرَى
يُطاوعني دهري إذا ما أمرته ... ويقسم أني لستُ أعصِي له أمرا
وهي طويلة، وكم أعدُّ من فرائده - أدام الله أيامه وكثَّر أمثاله -(1).
إبراهيم بن يحيى الثائي [ - ]
__________
(1) حاشية في (ب): ذكر القاضي العلامة محمد بن إبراهيم السحولي عافاه الله ورحمة الله وبركاته عليه: كانت وفاته يوم …… في شهر …… من سنة 1110 ه بمحروس رداع في مقبرة العابد، وبجواره القاضي حسن الثلائي - رحمه الله - وذلك في أيام مولانا أمير المؤمنين الناصر لدين الله محمد المهدي، وكان مقيماً لديه وملازماً حضرته، حتَّى توفاه الله سبحانه قدس الله روحه.

الفقيه الفاضل، إبراهيم بن يحيى الثائي. كان من العلماء المبَّرزين /78/، مدَرساً، حافظاً للشريعة، تَخرَّج عليه فضلاء، منهم السيد صارم الدِّين - رحمه الله - وظني أن والده هو العلاّمة يحيى بن محمد الثائي المرادي المذحجي، شيخ الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - ولعَلَّ هذه النسبَةَ بالمثلثة بعدهَا ألف ثم هاء، وهي من بلاد العَرش(1) من أحسن البلاد وأطيبها، وهي بلاد رداع.
إبراهيم بن يحيى بن المتميز [ - 1037ه]
إبراهيم بن يحيى بن المتميز الصعدي، كان من عباد الله الصَّالحين وأهل التقوى والخشوع، مدرساً وقلَّ ما دخل أحد من الطلبة في أيامه إلا ودرس عليه، وكان كثير التبسُّم، ثُمَّ يبكي بعد ذلك بكاءً شديداً، وكان حليفاً للقرآن مع كثرة البكاء عند التلاوة، حتى إنه روي أنه كان في آخر عمره يقرأ كل يوم ختمة - رحمه الله - وله أولاد نجباء منهم محمد بن إبراهيم، كان على منهاج والده فاضلاً مدرّساً بسَّاماً خشوعاً - رحمه الله - توفي - رحمه الله - في شهر رجب سنة سبع وثلاثين وألف.
إبراهيم بن يحيى بن محمد [ - ]
الفقيه المحقق إبراهيم بن يحيى بن محمد بن حسن بن حميد بن مسعود المقرائي بلداً، الحارثي المذحجي نسباً، كان علامة في الفروع والفرائض مشارفاً على غيرهما، وكان محققاً لعلوم الفرائض والجبر والمقابلة، أخذ عن والده المحقق خاتم الفرضيِّين يحيى بن محمد الآتي ذكره، وقرأ عليه العلماء خاصَّة في هذا الفن الشريف، وتوفي في …… وقبر (بجربة الرَّوض) - رحمه الله تعالى -.
إبراهيم بن يحيى بن عبد الله [ - ]
__________
(1) العَرْش: عزلة من ناحية رداع في الجنوب منها (المصدر السابق ص ص438).

الفقيه الفاضل إبراهيم بن يحيى بن عبد الله بن أبي النجم قاضي صعدة وحاكمها، ومفتيها وعالمها، قال بعض من ترجم له: كان بصعدة يشد(1) إليه الرحال، ويضرب أكباد الإبل إليه العيونُ من الرجال، كان في رأس سبعمائة من الهجرة النبوية، وجه صعدة وعينها، وغرَّتها الشادخة وزينها، ممدحاً بالشعر الغالي السعر، ومن جملة ما قيل فيه عند بنائه الذي أعرب عن السعادة، وجرى في مجاري اليُمن على أحسَن عادة، ما يذكر بما قيل من التهاني، إلى ابن سهل الحسن بن هاني فقال بعضهم:
يَا لهَا من مسرَّةٍٍ ونعيمٍٍ ... وسُرورٍ وطالعٍٍ مستقيمِ
فبِها صعدَةُ أنارت رُباها ... واستَطاب السرورُ طيبَ النسيمِ
وتغَنَّى الحمامُ شجواً وبشراً ... بمسرَّات ذي الفخارِ الصَّميمِ
ابن يحيى الجوادُ تربُ المعالي ... الحليمُ العليمُ نجلُ العليمِ
الحسيبُ النسيبُ عمّاً وخالاً ... الكليمُ الكريمُ سبطُ الكريمِ
أشرفُ النَّاسِ عُنصراً وفخاراً ... ومحلاًّ من حادثٍٍ وقديمِ
هوَ غيثٌ إن ظنَّ غيثٌ غياثٌ ... للحيّ وغوثُ قلبِ اليتميمِِ(2)
وحِمامُ العداةِ سُمُّ الأعادي ... ومرَامُ (العُفَاةِ) مُغْنِي العديمِ
ذو حفاظٍٍ وعفَّةٍٍ ووَقَارٍٍ ... وسخاءٍٍ ورَبٍُّ دين قويمِ
/80/ حاكمٌ حكمهُ على الناس حتمٌ ... أعدَلُ الناسِ عن يدٍٍ في الخصُومِ
ثاقبُ الفهمِ ثابتُ العزمِ ركنٌ ... كلُّ يومٍ ملابسِ التعظيمِ
ومنها:
يا مدَاوِي الكلومِ يا سِبْطَ يحيى ... يا كريمَ الأكُفِّ بحرَ العلوم
يهنك العرسُ يا كريمَ المحيَّا ... يا عزيزَ القضاة(3) يا ابن الزَّعيمِ
يا بني النجمِ قد علوتُم وطلتُم ... بالمعالي على رؤوس النجومِ
عَقُمَ الدَّهرُ ما أتى بكرامٍٍ ... مُذْ نشأتم ولم يكن بعقيم
فإليكم ألوكة(4) ذات نظمٍ ... كاللآلي من الصديقِ الحميمِ
__________
(1) في (ب): تشد.
(2) عجز البيت غير موزون.
(3) في (ب): يا زعيم القضاة.
(4) هكذا في النسختين.

وقال الفقيه الجليل علي بن زيد بن علي بن قرَّة:
أحسِن بمعهد (رامَةٍ) من منزلِ
ٍ ... وبعيشنا الماضي القديم الأوَّلِ
ومعاهد الغِيدِ الأوانسِ والدُّمَى ... يمشين بين (مُدَملجٍ) ومَخلخَلِ
ومن(1) سقاهن (العهادُ) بصوبه ... من كل عاد في السحابِ مجلجل
يا راكباً إمَّا عرضت فبلغاً ... منّي السَّلام على الجواد المفضل
وانزل بإبراهيمَ فخرِ زمانِه ... الماجد ابن الماجد ِ المتطوّلِ
غصنٌ نما في دوحَةٍٍ قضويَّةٍ ... أغصانُها فوقَ السّماكِ الأعزَل
ومفاخرٍٍ ومكارمٍٍ شرفُوا بها ... إرثاً من النجم الكبير الأوَّلِ
فرووا شريعة أحمدٍٍ وعلومِه ... بعليّ اسنَادٍٍ نَمَوْهُ إلَى عَلي
ولاهمُ عمر القضا فكساهُم ... ثوباً قشيباً في القضاءِ فما بَلي
فهمُ نجوم الأرضِ في غسقِ الدجَا ... يحمونها من ملحدٍٍ ومُعطِّل
وسماحةٍ ورجاحَةٍٍ وعدالةٍٍ ... طَالت على فلك العلومِ الأطولِ
وليُهنهم عرسٌ لهم في ضمنهِ ... شرفٌ أبرَّ على المعادي والولي
عُرسٌ ملائكةُ السماءِ شهوده ... والناسُ بين مكبِّرٍ ومهَلِّلِ
ومسرّة علمَ الزمانُ بأنَّها ... زارت على شرطِ السرور الأكملِ
فلأنتم ساداتُ أهل زماننا ... المنعمُون على الزّمان (الْمُمحل)
وبدُورُ علمٍ لا تغيبُ ومعشرٌ
ٍ ... غيثٌ لسائلِ نائلٍٍ ومؤمِّلِ
ما زارهم للجود يوماً قاصدٌ ... إلاَّ وقُوبِلَ بالنوَالِِ الأجزَلِ
أيدٍٍ تفيضُ ببرها لوُفودها ... والكاشفون لكلِ خطبٍٍ معضَل
ومهابةٍٍ وسماحةٍٍ وعزَائمٍٍ ... يغنيك عن حد الحرار المنصل
/81/
ما زلتم في حفظ عيشٍ دائمٍٍ ... في نعمةٍٍ تترى وعمرٍٍ مقبلِ
وقال القاضي محمد بن يوسف:
مرحباً بالوصالِ بعدَ الصدودِ ... واتفاق بمرهفاتِ القدودِِ
فاترات العيونِ بيض التَّراقي ... باسمات الثغور زهر الخدودِ
إلى أن قال:
وأهنِّي فخر الهدى القاضيَ الندبَ حليفَ النَدَى (بخودٍٍ خرودِ)
__________
(1) لعلها: وبمن ليستقيم الوزن.

غادَةٍ تنتهي إلى شرف الأصل ... وتزهُو على الغزال بجيدِ
ومنها:
هم نجوم القضاة قدماً لعمري ... (عُمَرٌ) قد أقامهم بشهودِ
والحر يريُّ في (المقامات) أثنى ... فيهم في كتابه المشهودِ
يا بني النجم أنتم أنجم الأرض ... وأهل السِّباق في كل جود
ولنقتصر على هذا القدر من ترجمته.
إبراهيم اليوناني ومحمد اليوناني [ - ]
[العلامة الفقيه إبراهيم اليوناني، وكذلك محمد اليوناني، كانا عالمين من عيون وقتهما، شهدا بيعة المتوكل على الله المطهر بن محمد] (1).
قال المصنف - رحمه الله تعالى -:
من اسمه أحمد
أحمد بن إبراهيم أبو العباس الحسني(2) [ - 353ه]
__________
(1) هذه الترجمة موجودة في حاشية (ب).
(2) طبقات الزيدية خ الجداول خ، الفلك الدوار ص 103، اللآلئ المضيئة خ، ج 2/42، المستطاب خ، رجال الأزهار، أعيان الشيعة 2/465، التحف شرح الزلف 74 ، فهرس أسماء علماء الشيعة ومصنفيهم 21/34، معجم المؤلفين 1/136، طبقات أعلام الشيعة، نوابع الرواة 17، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (42) وانظر فيه بقية المصادر هناك.

تاج الأمّة وسراج الأئمَّة، حافظ الشرائع ومفتيها، خافض البدائع ومفنيها، مطلع أشعَّة (المصابيح) ومظهر موازين التراجيح، ترجمان السنَّة، المعمل في الخصوم مواضي السيوف والأسنَّة، السيد الشريف، الإمام أبو العبَّاس، أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسني - رضي الله عنهم - هو حجَّة لله باهرة، ومحجَّةٌ إليه ظاهرة، له العلوم الواسعة، والمؤلَّفات الجامعَة كـ(المصابيح) (1) و(النصوص) (2) وغيرهما، والذي ألَّف من (المصابيح) هو إلى خروج يحيى بن زيد - عليهما السلام - والتتمَّة لأبي الحسن علي بن بلال الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى -.
قال علي بن بلال: كان الشريف أبو العبَّاس الحسني - رضي الله عنه - ابتدأ هذا الكتاب فذكر جملة أسامي الأئمَّة في أوَّل ما يريد (ذكر) خروجهم، فلمَّا بلغ إلى (ذكر) (3) خروج يحيَي بن زيد إلى (خراسان) حالت المنيَّة بينه وبين إتمامه، فسألني بعض الأصحاب إتمامه، فأجبت إلى ملتمسهم محتسباً للأجر، وأتيت بأسمائهم على حسب ما رتّب هو، ولم أقدِّم أحدهم على الآخر.
__________
(1) كتاب المصابيح في سيرة الرسول وآل البيت، منه نسخة خطية بالجامع الكبير المكتبة الغربية رقم (79) تاريخ، وأخرى بمكتبة السيد محمد بن عبد العظيم الهادي، ونسختان بمكتبة السيد محمد بن حسن العجري، ونسخ كثيرة مصورة خطية، وهو تحت الطبع، بتحقيق الأخ/ عبد الله بن عبد الله الحوثي، تحت إشراف مؤسسة الإمام زيد.
(2) النصوص لم أجد له نسخة خطية، وقد ذكره المؤلف، والسيد يحيى بن الحسين في المستطاب، وسماه (شرح النصوص) وهو في مجلد.
(3) زيادة في (أ).

قال الحاكم - رحمه الله - في حقّه: هو فاضل عالم، يجمع بين الكلام وفقه الزيدية، وكان السيد أبو عبد الله بن الداعي في أول أمره اختلف إليه يتلقن منه مسائل الفقه، ثم خرج إلى فارس فأكرمه عماد الدَّولة علي بن بويه، ثم خرج إلى (بغداد) واختلف إليه السيدان أبو طالب وأبو الحسين، وبلغ أبو العباس في فقه الزيدية مبلغاً عظيماً، وله كتب في ذلك، وشرح كتب الهادي كـ(الأحكام) (1) و(المنتخب)، وله (كتاب في النصوص) وغير ذلك، انتهى كلام الحاكم.
قلت: شرحه (للأحكام) موجود، وأمَّا شرحه (المنتخب) فغير موجود، ولم أعرف (النصوص) له /82/، إلا أني رأيت له كتاباً في غاية الحسن مبوَّبٌ على أبواب الفقه يذكر فيه الخلاف بين القاسم والهادي وبين أبي حنيفة والشافعي ويورد الحجَّة، وإذا روى الحديث ساقه بإسناده، ويعبِّر فيه عن أبي حنيفة بالكوفي(2).
__________
(1) شرح أحكام الهادي، وقف عليه المؤلف، وقال يحيى بن الحسين في مجلدين: الأحاديث التي أوردها فيه مسندة كما روي.
(2) هو كتاب ما تفرد به القاسم والهادي - صلوات الله عليهما - دون الفريقين من مسائل الحلال والحرام وغيرها من الأحكام مخطوط، ضمن مجموع بمكتبة السيد المرتضى بن عبد الله بن علي بن عثمان الوزير، هجرة بيت السيد، وادي السر بني حشيش، في مجلد منزوع الغلاف.

ومن شيوخه عبد الرحمن بن أبي حاتم، والقاسم بن عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر البغدادي وغيره، وله تلامذة أجلاَّء - رضي الله عنه - واشتهر عند الناس أنه خال السيِّدين، وممن ذكر ذلك السيد(1) الإمام المهدي في ديباجَة (الغايات) في شرح قوله: أكابر الأئمَّة، والمشهور عند النسابين غير هذا، قالوا: أمَّ السيدين حُسَينيَّة وأبو العباس حسني، وهي أم الحسن بنت(2) علي بن عبد الله الحسني العقيقي، قال بعضهم: يحتمل أن يكون أخاً لأمهما من أمَّها، وفي (تعليق الفقيه يوسف) - رحمه الله - بعد أن ذكر أن أبا طالب صنَّف (التحرير): وقد أقام في الدرس والتدريس ثمانين سنة، وأنه دعا إلى الإمامة وهو شيخ كبير، وأنَّه كُنِّي أبا طالب بولد صغير أو كنية لا غير، وأنه قد روي أنه أكبر من المؤيَّد بالله، وأن علم أبي طالب كان عقداً وحصراً، وعلم المؤيَّد بالله كان نثراً، ما لفظه: وكان درسهما على أبي العباس وهو خالهما، وقيل: عمهما، ودرسا على قاضي القضاة عبد الجبار.
أحمد بن إبراهيم تاج الدين [ - ]
السيد العلامة، أحمد بن أمير المؤمنين إبراهيم بن تاج الدين - عليهم السلام - كان فاضلاً، عالماً، مبرزاً، - رضي الله عنه -.
أحمد بن إبراهيم الوزير(3) [862 - 916ه]
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في النسخ: ابن.
(3) تأريخ آل الوزير، طبقات الزيدية الكبرى، تحت الطبع، الجواهر المضيئة خ، تحت الطبع، أئمة اليمن 1/378، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (43).

السيِّد العلامة(1)، أحمد إبراهيم بن محمد بن عبدالله الوزير - رحمه الله -. ترجم له صنوه السيد الجليل الهادي بن إبراهيم - رحمه الله تعالى - فقال: له معرفة تامَّة، وفصاحة، ورجاله، وكفاية لأهله ووجاهة (ورجاحة)(2) ونزاهة، وعلوّ منزلة، وشعر ومكاتبات حسنة، ومعرفة بالأساليب، وله عند الناس معرفة وحظ لا يكاد يتعسَّر عليه مطلب، وله همَّة عليَّة، ونفس أبيَّة، وعزيمة هاشميَّة علويَّة هادويَّة، وله حسب على جميع أهله ومن يتعلق به، وله نفع كنفع الملوك، ويُخاف ويُرجى، وسمع على أبيه في الفنون جميعها، ولكنَّه لم ينقطع إلى ذلك مع فراغه(3) والعلوم بالتكرار، وتكرر الأنظار، انتهى ما ذكره السيد جمال الدين.
__________
(1) في (ب): السيد الجليل أحمد.
(2) زيادة في (أ).
(3) في (ب): بعد فراغه.

قال السيد العلامة، شمس الإسلام، أحمد بن عبد الله بن الوزير - رحمه الله تعالى -: ولا بدَّ من زيادة يُعرف بها تأريخ وفاته وحاله بعد ذلك، مولده - رحمه الله - يوم الجمعة منتصف شهر محرَّم سنة اثنتين وستين وثمانمائة، ولم يزل - رحمه الله - على ما وصفه به صنوه - رحمه الله - من محاسن الخلال وجلالة الأحوال، ولمَّا سطعت أنوار الدعوة المنصوريَّة دعوَة محمد بن علي السِّراجي - صلوات الله وسلامه عليه - كان سيِّدي أحمد أوَّل من لبَّى نداءها، وأعظم الأركان الذي تشيَّد به هداها، ناصر وعاضد، ونابذ وجاهد، وجمع وحشّد، وجدَّ واجتهد، لا سيما أيام المحطتين على صنعاء المحروسة بالله، وقيام الإمام لحرب السلطان فإنه قام أتمَّ القيام، ونفع أتمَّ النفع، في حشد /83/ الجنود، وجمع العروض والنقود، وكان عند الإمام - عليه السلام - وعند العظماء من أهل تلك العصور والأعوام بالمحل المنيف والمنزلة العاليَة، وكان السلطان ينحرف عنه، ويبغضه لما سبق منه من السَّعي في حربه، ويتحامل على أهله بسببه، فلما نقل الأشراف من صنعاء نقله إلى (تعز)، فتعاورته الآلام، وتداولته الأسقام، وهو مع ذلك مقيم على التدريس في جامع تعز، ومنقطع إلى الإقراء وتحصيل الكتب بخطه، وكان والده السيد صارم الدين يَرق له، فأكثر شعره في أيام تلك المحنَة إليه، فمنه:
على أحمدٍ منَّا سلامٌ مضاعفٌ ... سلامُ خَليلٍ غابَ عنه خليلُه
وقفنا على نظمٍ أتى منه رائقٍ ... تضمَّن ما يُشفي القلوبَ فصُولُه
وبالغ في شكوَى تفرُّقِ(1) شملِنا ... وشقَّ به أمرُ البعادِ وهَولُه
فاذهب عنه الله ذلك عاجلاً ... فقُوَّتُه تكفيه ذاكَ وحولُه
وما الأمرُ إلاَّ مثلما قال جَدُّه ... وقد راق في أسماعنا ما يقولُه
إذا كنتَ عبداً للإله ولازماً ... لنهج قويم مستبينٍ سبيلُه
ومالي إلاَّ أن يشاء مشيئةٌ ... كذلك قال الله ثم رسولُه
__________
(1) في (ب): نفرق.

فقد نلت ما تَرجوه(1) منه بفضله ... وذُلِّلَ لي صَعبُ النَّوى وسهُولُه
فبشراي بعد اليَأس وهي خطيئةٌ ... بوجدان ما كان العُدول تحيلُه
وكم سائلٍ مولاه تفريج(2) كربَةٍ ... فأُعْطِي ما يَهوى ووافاه سُؤلُه
وله إليه - رحمه الله - عليهما:
كُلَّما هبَّت جنوبُ وصِبا ... من تعزٍّ زاد قلبي وصَبَا
وتذكرت أحيباباً بها ... لهمُ عامٌ بهاتيك الرُّبا
لم تزل أنفسنا تذكرهم ... مثلما تذكر أيام الصِّبا
ليت من عادت له أيَّامُه ... وحللنا في نواديه (الحبَا)
وشربنا منه كأساً مسكراً ... ولثمنا منه ثغراً أشنبا
يا ليالينا التي قد سلفت ... وقضينا منه فيها عجبا
يا رعا كُنَّ إلهي كلَّما ... فرخُ قُمَريٍّ تغنَّى طرَبا
هل أراكنَّ لعهدي حُفَّظاً ... أم تناسيتنَّ ما قد ذهبا
واجتماعاً بالأحيباب معاً ... بُرهَة لم نلق فيها نصبا
ثم حال الحال منَّا بعدها ... بافتراقٍ مثلما أيدي سبا
/84/
لا يَرى الظاعن من بَلدته ... منه إن أُزعج عنها كوكباً
قد رضينا ما قضا الله لنا ... وبما قدَّر أو ما كتبا
ولعلَّ الله أن يُعطيَنا ... ما سألناهُ ويَقضِي الأرَبا
ويُديلُ البعد بالقرب لنا ... ويُهيِّيي منه سَهلاً طلبا
برسَولٍ صادِقٍ أرسلَه ... وبنيه الأكرمين النُّجبا
نحن منه بضعَةٌ صالحةٌ ... وهو لا ينجب إلاَّ طيِّبا
وكفانا شرفاً في قومنا ... أنَّنا نَدعُوه جداً وأبا
من دعى منَّا إليه يستجب ... وإذا يُدْعا إلى الغيرِ أبى
يعرف العاقل منَّا رُشْدَه ... ويُطيعَ الحقَّ فيما وجَبا
__________
(1) في (ب): ما أرجوه.
(2) في (ب): تنفيس.

وله إليه قصائدٌ كثيرة(1) وأظنه سمع بتعزّ على علمائها شيئاً من كتب السنَّة، فقد وقفت على إجازات له منهم؛ وكانت وفاته - رضوان الله عليه - في اللَّيلة التي أسفر صباحها عن اليوم الخامس والعشرين من شهر ربيع الأوّل أحد شهور سنة ستّ عشرة وتسعمائة، وقبر (بالأُجَيْنَاد)(2) مع من هنالك من الأشراف، - قدَّس الله أرواحهم -.
أحمد بن إبراهيم العراري [ - ]
الفقيه الفاضل أحمد بن إبراهيم العراري(3) - رحمه الله - ذكره السيِّد العلامة عبد الله بن الهادي بن يحيى بن حمزة(4)، وهو الرَّاوي للكرامة العظمى للإمام يحيى بن حمزة - عليه السلام - بسندها إلى الفقيه العلامة يحيى بن سعيد الشظبي أنَّه رأى في ورق الذرة مكتوباً ما لفظه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، يحيى بن حمزة إمام حقٍّ، أو قال: إمام عدل، شكَّ أحمد بن إبراهيم المذكور في اللَّفظ.
أحمد بن إبراهيم الميتكي
الفقيه الفاضل العارف أحمد بن إبراهيم الميتكي، كان عالماً، عابداً، - رحمه الله تعالى -.
أحمد بن إبراهيم بن أحمد
الشيخ العالم، محيي المآثر والمعالم، غصن الفضل الباسق، وواسطة العقد المتناسق، أحمد بن إبرهيم بن أحمد بن عطية بن أخي الشيخ إسماعيل، كان شيخاً جليلاً وعالماً نبيلاً، وله تلامذة وشيوخ، ومن تلامذته السيِّد صارم الدين وغيره.
أحمد بن أبي الفضائل
__________
(1) مجموع من أشعاره مخطوط بمكتبة السيد المرتضى عبد الله الوزير هجرة السد بني حشيش.
(2) الأُجَيْنَاد: هي مقبرة تعز (معجم المقحفي ص15).
(3) في (ب): الغزاري.
(4) لعله في كتابه المفقود سيرة الإمام يحيى بن حمزة وأولاده.

الشيخ جمال الدين، أحمد بن أبي الفضائل بن أبي عبد الله السقرطي - رحمه الله تعالى - من زيديَّة الكوفة وعيُونهم، أخذ عن السيِّد تقي الدِّين أبي الغنائم ابن [……](1) بن أحمد بن أبي الفتوح الحسني، وأخذ عنه عدَّة منهم الشيخ محي الدين صالح بن منصور بن أبي الطاهر الخطيب بالكوفة وغيره. انتهى
أحمد بن الكني(2) [ - ق6ه]
الإمام الرحال الفقيه الكبير المقدم الشهير تاج الدين أحمد بن أحمد بن الحسن، وربمَّا قيل: أحمد بن الحسن البيهقي البروقني القادم من العراق /85/ إلى حوث سنة عشر وستمائة في زمن الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليه السلام - وسمع عليه المشيخة هنالك، وله سماعات منها على عالم الزيدية شعيب بن بيسنون(3)، وذكره أيضاً شعلة، وقال: يقال له: أحمد بن أحمد، وقد يقال له: زيد بن أحمد، فله اسمان حينئذٍ، وهو غير البيهقي الراوي لحديث صلاة التسبيح، وهو شيخ الإمام أحمد بن سليمان قدم اليمن سنة أربعين وخمسمائة، وستأتي ترجمته، وبيهق: قرى مجتمعة بنواحي نيسابور، خرج منها عدَّه علماء من أصحابنا - رحمهم الله تعالى - وغيرهم، وستأتي ترجمتهم.
أحمد بن أبي الحسن الكني [ - ]
__________
(1) بياض في النسخ.
(2) طبقات الزيدية الكبرى (القسم الثالث) 1/103 ترجمة رقم (34).
(3) كذا في النسخ، ولعله شعيب بن داستون.

الشيخ الإمام، الأستاذ الهمام، أبو العبَّاس، ويقال: أبو الحسن أحمد بن أبي الحسن بن علي القاضي الكني(1) - رحمه الله -. هكذا ذكر نسبه الشيخ عطيَّة وغيره، وذكر في نسبه غير هذا، وهو أنه قطب الدين أحمد بن الحسن بن أحمد بن أبي الفتح بن عبد الوهاب الكني الأردستاني(2) - بفتح الهمزة وسكون الرَّاء والدال والسين المهملات ثُمَّ مثناة من فوق ثُمَّ ألف ونون، نسبة إلى أردستان، بلد على ثمانية عشر فرسخاً من أصفهان.
كان من أساطين الملَّة وسلاطين الأدلة، وهو الغاية في حفظ المذهب، لقيَه بعض شيوخ اليمن بمكة، وأجاز لجميع من في اليمن شبيه ما فعل ابن مندة وغيره، ومن شيوخ الكني - رحمه الله تعالى - الشيخ أبو منصور عبد الرحيم بن المظفر بن عبد الرحيم بن علي الحمدوني الزيدي - رحمه الله - قراءته عليه في ذي الحجَّة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، (وكنَّ) قرية من قرى (الري).
أحمد بن تُبَّع [ - ] (3)
__________
(1) طبقات الزيدية القسم الثالث تحت الطبع، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمه (54)، رجال الأزهار الجواهر المضيئة تحت الطبع، لوامع الأنوار 1/295، إجازات المسوري خ، وفي أعلام المؤلفين. له كتاب: المناظرة بين المشرقي الاثني عشر مع المغربي الشيعي والرد عليهما جميعاً خ، 772ه في 30 صفحة ضمن مجموع مكتبة السيد المرتضى الوزير، وكتاب كشف الغلطات، ذكره بعض مترجميه.
(2) كنّ بالتشديد اسم جبل، وكنَّ أيضاً من قرى قطران، كما في معجم البلدان 4/484، وأردستان: مدينة بين قاشان وأصبهان أهلها كلهم أصحاب الرأي ولهم رساثيق كثيرة، وينسب إليها طائفة من أهل العلم في كل فن انظر معجم البلدان 1/146.
(3) لعل مصدر الترجمة طبقات مسلم اللحجي.

العلامة الفقيه الكبير، أحمد بن تُبَّع، عالم كبير، مسكنه الهجرة من ظاهر (بلد بني شاور)(1)، وهو من طبقة العلامة الحسن الظهري الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى - قال ما معناه: هذا أحمد، وله أخ غاب عني اسمه، اشتهرا بابني تُبَّع، تنعت الزيدية بذكرهما فتحسن، وبصفتهما فتجيد، وروى بإسناده عن مطرف ابن شهاب شيخ المطرفية، قال: كان بهجرة بني شاور (أخوان) من المسلمين يقال لهما: ابنا تبع، وكان أحدها يقال له: أحمد فأتاه بعض فقراء المسلمين فأعطاه شيئاً وهو ساهٍ، ثم ذكر أنه أعطاه من غير نيّة، فقال: تفضَّل يا أخي واردد عليَّ ما أعطيتك، فردَّه عليه والناس ينظرون إليه، فلمَّا صار في يده دفعه إلى السائل مرَّة ثانية، فأخذَه وانصرف، فعجب الناس بما صنع، وقيل له في ذلك، فقال: نعم أعطيته أوَّل مرَّة وأنا ساهٍ، فأردت أعطيه عن نية مني، فإنه قد جاء عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: ((الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى))، وكذلك في الحديث عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: ((يا أبا ذر، وليكن لك في كلِّ شيء نيّة حتى في الأكل)).
أحمد بن أسعد اليمني [ - ]
__________
(1) بني شاور قرية وحصن في عزلة بني القدمي من ناحية لاعة، تقع شمال بني العوام من أعمال حجة، وبني شاور عزلة تابعة لناحية كحلان عفار، تتكون من حصن عزان وبيت قدم وبيت الظربي، هجر الأكوع 1/148.

الفقيه المنطيق، العارف العلامة، أحمد بن أسعد اليمني الزيدي(1) - رحمه الله تعالى - /86/ كان ذكاؤه شعلة قبس من تراجمة الحكمة، وله مقامات، وممَّا استحسنه من قوله، ما كتبه بعد أن فعل الأمير شمس الدين أحمد بن المنصور بالله القصيدة المشهورة إلى سلطان اليمن، فعارضه المذكور وبلغني عن بعض شيوخي أن هاتين القَصيدتين أرسل بهما إلى العراق؛ لأنه بلغ العلماء باليمن أن الأمير شمس الدين راسل أهل العراق وتجرَّم(2) من حجّة الله عليه الإمام المهدي، فخشي العلماء أن تقدح الشبهة في قلوبهم على بعد الشقة فأرسلوا بقصيدة الأمير وعراضها، ليعلموا أن الأمير قد انحط عن ذروته، وتهافت بالوفادة إلى سلطان اليمن التركماني المعروف بالغسَّاني، وقضية نزول الأمير إلى اليمن: أنه بعد أن كان ما كان من تلك الأمور الموجعة والنكوص على الأعقاب - نسأل الله السَّلامة - نهض الأمير شمس الدين فيمن معه قاصداً(3) إلى مدينة (زبيد)، وهنالك السلطان، فلما هبطوا (نقيل صيد) علم السلطان بإقبالهم إليه، فأمر بإنصافهم في الطرقات، وساروا حتى بلغوا زبيد لأيام دون نصف شهر، فلمَّا علم بهم السلطان خرج من مدينة زبيد في لقائهم، وقد كان أمر جنده وأهل تلك النواحي بلقائهم إلى جانب الطريق، وعظَّم شأنهم، ورفع في أعيان الناس مكانهم، فلمَّا التقى الأمير شمس الدين رحَّب به، وعظَّمه، وأمر له بالمضارب والخيام، وأمر بالسماطات والألوان الأنيقة إلى محطتهم وهي خارج الباب المسمَّى بباب الشبارق، وأقام
__________
(1) حاشية في (ب): لعل محل هذه الترجمة بعد ترجمة أحمد بن أسعد المفسر، وهي الثالثة منها، قلت: وأحمد بن سعد وردت بعض قصائد في سيرة الإمام المهدي أحمد بن الحسين خ، وفي اللآلئ المضيئة للشرفي، وكلاهما تحت الطبع والتحقيق، وفيهما وفي غيرهما من كتب التأريخ الفترة قصة نزول أحمد بن عبد الله بن حمزة إلى سلطان بني رسول.
(2) وتجرَّم: تبرَّم واشتكى.
(3) في (ب): قاصدين.

الأمراء عنده تنقل الكرامات المختلفة، ولم تمض إلا الليالي القلائل حتى عرضت لهم الحمَّى الوبائية فلم يبق منهم إلا القليل، فتوفى منهم الأميران جعفر بن عبد الله بن الحسن بن حمزة، وأحمد بن جعفر بن الحسين، وجماعة من أجنادهم وأخدامهم، ثم إن السلطان لمَّا رأى ما نزل بهم خلا بالأمير شمس الدين، وراجعه فيما لا بدَّ لهم منه، ثم أمر للأمير شمس الدين بنيف وأربعين ألف دينار من الدَّنانير الملكية، كل دينار أربعة دراهم، كل درهم ثلثا قفلة، وأمر لهم جميعاً بالكساء النفيسة، وخصَّ البعض بشيء وحده، وأمر معهم بعصابة من جنده، فصدروا عنه شاكرين لإحسانه، وكان السلطان يأمر له بالافتقاد والملابس حالاً بعد حالٍ، وكتب الأمير شمس الدِّين هذه القصيدة إلى السلطان يستنجده، وإليها يسَاق الحديث هذا بطوله، فقال:
لعلَّ الليالي الماضيات تعودُ ... فتبدُو نجوم الدَّهر وهيَ سُعُود
عفى منزل ما بين نعمان واللّوى ... وجرت به للرامسات برود
وكانت به العين الغواني أوانساً ... فأضحت به العين الوحوش ترود
مجرُّ أنابيب الرماح ومبتنى ... قباب ظبا ريقهنَّ برود(1)
/86/
فيا دارنا بين العيينة والحما ... هل الرَّوض روضٌ والزرود زرودُ
وكيف بمن أضحى ظفار محلَّه ... ومن بات قد حالت عليه زبيدُ
هوايَ بنجدٍِ والْمُنَى بتهامةٍ ... متى يلتقي بالمتهمين نجودُ
وإن امرءً تبقي مواثيق عهدِه ... على مثل ما لاقيتهُ لجليدُ
فهل لجنوب الريح أن تلثم الثرى ... بنشر تحيَّاتٍ لهنَّ صعود
على أربعٍ بين الصعيد وصعدة ... وبين (براشٍ) لي بهنّ عهود
مشاعر حج الطالبين فلا إذاً ... قريبٌ ولا نجح الرجاء بعيد
كَرُمْنَ فلا يخشى الغوائل عندها ... مبيتٌ ولا يخشى الهَوانَ طريد
ملاعب أمهَار الجياد ومنتهى ... مجامع لا تشقى بهنَّ وفود
وأبراج أشباه المها في كناسها ... عليهنَّ من نسج العفاف برود
__________
(1) العجز غير موزون.

نعمنا بها أيام لا البغي نافث ... بنار، ولا بين الرجال حَقُود
ظلاليَ فيها للورى غير (قالصٍ) ... وبرِّي حوضٌ لستُ عنه أذود
وقَوميَ يوم الرَّوع جنْ(1) وفي الندى ... بحورٌ وحلمٌ كالجبال ركودُ
فنحن نطولُ الشهبَ عزّاً وتنتهي ... إلى الأفق أيدينا ونحنُ قعودُ
إلى أن دعا داعٍ إلى البغي في الورى ... وأعلن منهم كاشحٌ وحسود
ودلَّ عليَّ الحلمُ قومي وانتشت ... ممالك لم تنظم لهنَّ عقود
وأنكر إحساني الذين جلودهم ... عليهم إذا استشهدتهنَّ شهود
لقد كفرتنا الناس كلَّ صنيعة ... كأنَّا نصارى مِلَّةٍ ويهودُ
وكم مات من قومٍ فحيوا بحلمنا ... وكم أخلفت سحبٌ وَنحنُ نَجُودُ
بسطنا على العربِ المكارمِ بسطةً ... لنا أبطرَتْهم والضَّلولُ جحودُ
ولمَّا صبرنا ظنَّت الناسُ أننَّا ... على كل خسفٍٍ سادرون هجودُ
ولما قصدت الملك ذا التاج يوسفاً ... علمت بأن الهم ليس يعودُ
دعوت فلبَّاني فتى لا مزيد ... ملولٌ ولا واهي اليدين بليدُ
ومالي لا أزجي الركاب إلى ذرى ... به الشهب شهبٌ والصعيد صعيدُ
أعان وأعداني على الدَّهر من له ... مكارمُ لا يُحصى لهنَّ عديدُ
وألقَيت كفِّي في أناملَ لم تخن ... عهوداً ولم تُخلف لهنَّ وعودُ
وما ابن أبي حفصٍ بدون الذي دعا ... به الحميري الملك وهوَ فريدُ
/88/
أعاد إليه ملك غمدان وابتنى ... مفاخرَ في الدنيا لهنَّ خلودُ
مكارم سنَّتها الملوك ويوسفٌ ... لآثار ما سنَّ الملوك يشيدُ
صبرت على حمل العظائم فانتهت ... إليك العُلا إن الصبُورَ سعيدُ
فسوحُك مقصودٌ وكفُّكَ قاهرٌ ... وجندُكَ منصورٌ وأنت حميد
وفي كلِّ يومٍ أنت تبدُو على العدا ... بخطبٍ وتُبدي بالندى(2) وتعيدُ
سبيل فتىً لا العيش يطرق همّه ... ولا الموت مما يتقيه يحيدُ
ويعلم أن الدهرَ ليس بدائمٍٍ ... وأن خلودَ المكرماتِ مفيدُ
أنخنا بك(3) الآمال وهي ركائبٌ ... لأرسانها لطف الإله يقودُ
__________
(1) لعلها: جنٌّ
(2) في (ب): في الندى.
(3) في (ب): لك.

وقد كنتُ عرَّيت الرَّكائب برهةً ... وأطرقتُ حتَّى لا يقال: مُريد
وداويت لابن العم داءً وجدته ... على الخطبِ ينمُو خطبُه ويزيد
فأدنيت من أمواج بحرِك لُجَّة ... أصولُ بها فيهم معاً فأبيدُ
وحفَّ بسرحي العرب والعجم واغتدى ... بعزك ركني اليوم وهو شديدُ
كذا يستعين الحُرُّ بالحرِّ واثقاً ... بربٍّ له كل الملوك عبيدُ
بمن بشَّرَ المظلوم في كلماتهِِ ... بنصْرٍ له أهل السماء جنودُ
إذا أمطرت منّا ومنك سحابةٌ ... لها الدَّم قطرٌ والصليل رُعودُ
تولَّت أسودُ الغابِ وهي فرائس ... وظلت جبال الأرض وهي تميدُ
ولما اشتهرت هذه القصيدة وما تضمنته من الرموز والكنايات أجاب عنها الفقيه الأجل العالم أحمد بن أسعد اليمني المذكور، فقال:
منازل فيها(1) قائمٌ وحصيدُ ... قفارٌ بها عوذ الوحوش هجودُ
وآثارهم بين العيينة والحما ... عليهنَّ من نسج العقاب برودُ
ولم يَبق ما بين الصعيد وصعدةً ... أنيسٌ من الحيِّ الذين تريدُ
ينوح عليها المترفون فوُجدهم ... إذا ذكروا تلك العهود جديدُ
ويبغون في الدُّنيا خلوداً وجنَّةً ... وليس لحيٍّ في الحياة خلودُ
يوَدُّون من فرط الصَّبابة والأسى ... لو انَّ الليالي الخالياتِ تعودُ
قضى الله أن تَفْنَى الديارُ وأهلُها ... وردَّ الذي يُفني القضاءُ بعيدُ
تبدَّلَ شمس الدينِ بعد يقينِه ... من الرَّيبِ مالا يرتضيه مجيدُ
ولما دعا داعٍ إلى الحق صادقٌ ... سرت فيه أضغانٌ له وحُقُودُ
ووالَى عليه الكافرين ولم يزل ... لكل إمامٍ كائدٌ وحسُودُ
/89/
وفي صونه(2) ما زال يعمل كيده ... ومن كايدَ الرحمن فهو مكيدُ
فأهلك أخيار الوَرى وهُداتهم ... كما فعلت بالأنبياء يهودُ
وكم نالت الأحياء منهم فبعضهُم ... قتيلٌ وبعضٌ في البلاد طريدُ
وشاد مع الكفار مهدوم دينهم ... وهدم ما كان الهداةُ تشيدُ
__________
(1) في (ب): منها.
(2) في (أ): وفي (صوته)، وفي حاشية على (أ): (منونه)، وفي (ب): في مندنه - بدون نقاط وغير واضح.

ومالت(1) به الأهوا شمالاً وإنَّها ... لعارٌ عليه والذَّوائبُ سودُ
فكيف بشيخ قد حنى الدهر قدحه ... كفى ذائداً بعد المشيب يذودُ
وما انفك يقتاد الجنودَ لقائمٍ ... كريمٍ له أهلُ السماءِ جنودُ
إمامٌ دعا بالحق لمَّا تنكرت ... رسومُ الهُدى وانهدَّ منه مشيدُ
إذا سار سار النصرُ أو صال صولةً ... غدت عدنٌ مرعوبةٌ وزبيدُ
فساد الورى طُرّاً غلاماً ومثلُه ... إمامٌ لأولاد البتول يسودُ
وأضحى زمامُ الملكِ بين أناملٍٍ ... له كغوادي المزن حين يجودُ
ودانت له الأملاكُ قسراً فمنهم ... شقيٌّ ومن شاء الهُدى فسعيدُ
وطرَّد شمس الدين كل مُطرّدٍ ... فأمسى بأطرافِ البلاد يرودُ
وأصبح يرجي(2) الأرحبيات وافداً ... خميلاً كما يزجي الركاب وفودُ
يحن إلى سوح المظفر مُولَعاً ... بتقريضه حتَّى يقال لبيدُ
وحفَّت به غلفُ العلوجُ وحولُه ... دنانٌ وأوتارٌ تَرُنُّ (وغيدُ)(3)
فمن مبلغاً عنِّي الأميرَ وحزبَه ... لقد مرَّ نهجاً ما اقتفاه رشيدُ
وكاثرَ ما قد شاءَه لوليِّه ... مليكٌ له كلُّ الملوكِ عبيدُ
(وأعْوا) (4) رجالاً من قريش كأنهم ... إذا شجَّرت سُمر الرِّماح أسودُ
بها ليل من آلِ النبيء عليهم ... سرابيلُ من نسج الحديد سرُودُ
وقد كان يرجو من بنيه مشيعاً ... فأدَّى القضا ما كان عنه يجيدُ
فيا ليت شمس الدين أمسى محلُّه ... ببلقَعَةٍ يحوي عليهِ لُحودُ
ألم يأنَ أن تخشى القلوبُ وتتقي ... سعيراً له صُمُّ الصخورِ وقودُ
وأن ينتهي أهلُ النهى عن جرائرٍ ... عليها رقيبٌ لا يضلُّ عتيدُ
ويكفي بني الزَّهراءِ أنَّ نحوسَهم ... لقائمهم لو يعلمون سعودُ(5)
وأن قتيلَ الظالمين معَذَّبٌ ... وأن قتيلَ المؤمنين شَهيدُ
/90/
وأنَّ لهم فيه سموّاً وعزَّةً ... يدين لها نافي الإله جحودُ
إمامكمُ المهديُّ حقًّا وإنه ... لأكرَمُ من تهفو عليه بنودُ
__________
(1) في (ب): ومرَّت.
(2) لعلها: يزجي.
(3) في (ب): وعود.
(4) في (ب): وأغوى.
(5) في (أ): سعيد.

له شرفٌ يعلو الورَى وجدُودُه ... لكم حين تعداد الجدود جدودُ
تقيٌّ نقيُّ العرضِ قد تعلمونه ... بكسب المعالي مبدئٌ ومعيدُ
لأهل التُّقى منكم شفاءٌ ورحمةٌ ... وللضِّد منكم علقمٌ وصديدُ
مَلِيكٌ تحامته الملوكُ مهَابةً ... وكادت له شمُّ الجبالِ تميدُ
ودانت له الأقدارُ عفواً فلم يعش ... له بين قطر الخافقين نديدُ(1)
وأشبه ذي وَجهٍٍ بوجه محمدٍ ... وفيه علاماتٌ عليه شهودُ
مُطهرَةٌ أخلاقهُ وطباعهُ ... وعلمٌ على علم الأنام يزيدُ
فضائلُه سارت بها الركبُ في الورَى ... ومنكم عليها حاضرٌ وشهيدُ
دعاكم إلى نفي المعاصي فمنكمُ ... وليُّ حما عن دينه ومريدُ
وهامت بكم آراؤكم فكأنكم ... عن الرُّشدِ أغلالٌ لكم وقيودُ
وسامحتم في دينكم كلَّ ملحدٍ ... وما الناس إلاَّ ملحدٌ وعنيدُ
وكانت لكم في الاحتساب زخارفٌ ... من القول لم تُنظم لهنَّ عقودُ
أبحتم بها الأرواحَ والمالَ بُرهةً ... عليها رجالٌ راكعونَ سجودُ
فلمَّا دعا من أكملَ الله أمرَه ... نأى منكمُ مستنصرٌ وعنودُ
أذب عن المهدي ديناً وإنني ... إلى الله بالود الصحيح أهودُ
وإن حال من دون الإمام مخاوفٌ ... عسيرٌ علينا جوَبهنَّ وبيدُ
لعمرك ما قد قلتُ فيه مقلِّداً ... ولي بصرٌ لولا الخطوبِ حديدُ
وصاحبتُه عشرين عاماً وإنّه ... ليُقبسُ من أنوارِه ويُفيدُ
أتوقُ إلى نفي المناكيرِ شيِّقاً ... ولكن حظِّي في الأمورِ زهيدُ
عند(2) بني الزهراء من دون دينهم ... طعانٌ ومني خطبةٌ وقصيدُ
على آل طه رحمَة الله إنّهُ ... حميدٌ لطيفٌ بالعبادِ مجيدُ
قلتُ: وهاتان قصيدتان فائقتان، وقد كان أخبرني شيخي الذي نسبت إليه الرواية أن القصيدة التي أرسل بها إلى العراق وهي هذه القصيدة للعلامة البليغ الحجَّة القاسم بن أحمد الشاكري - أعاد الله من بركته - وهي على هذه الزنة والقافية(3)/91/:
__________
(1) في (ب): ضديد.
(2) غير موزون بسبب هذه الكلمة.
(3) في (ب): والتقفية.

أحبابنا إن الهوى لجديد ... وإن مكاني منكما لبعيدُ
وإنَّ رُبا صنعاء وهي محلتي ... وداركم وهي اللَّوى وزرودُ
وكم رمتُ لقياكم وقد حال بيننا ... أساودُ تلقى دونكم وأسودُ
وزورا يغواها القطا ليلَ وردِه ... ويعيا بها الخرِّيتُ(1) وهو جليدُ
ولم ينسني شحطي(2) هوى (مي) نازحاً ... ولا نبذت منها لديَّ عهودُ
ولم أنسها يوم النوى ودموعُها ... عقيقٌ على لبَّاتها وفريدُ
وغيضت من دمعي أكفُكفُ دمعها ... ومن لي بكفٍّ السحبِ وهي تجودُ
وقد جعلت تسري يديها على يدي ... دلالاً ويمناها عليَّ برود
وأدنيتها شماً وضمًّا فساعفت ... وحالت برودٌ بيننا ونهودُ
لها عقدات الرملِ ردفٌ وملدهُا ... قوامُ ونوَّار الشقيقِ خدودُ
وقافيَةٌ غرَّاء ما حاك نسجَها ... عبيدٌ ولا ألقى عليه هبيدُ
سهرت لها ليلَ التمامِ فلم أنم ... غراراً وأصحابي لدَي هجودُ
يبيت فؤادي يجمع الفكر شملها ... ويضحي بنظم الشعر وهيَ عقودُ
قريضاً أعارته المحاسن حسنها ... وقامت بإحساني عليه شهودُ
وألحمته بالليل نسجاً ونُشِّرتْ ... صباحاً على المهدي منه برودُ
ملابسُ أبلغن العنايةَ حقَّها ... قشائبُ لا يبنى لهنَّ جديدُ
عقائلُ أبكارٍ المعاني كأنَّها ... من الحورِ لم تُهصر لهنَّ قدودُ
وكم طلبت أكفاءها قبل وقته ... فأكدت واض الزند وهو صلودُ
فحلَّت على كفؤٍ كريمٍ فخيَّمت ... وحان لها بعد الهيام ورودُ
بأفصحَ من يرقى المنابرَ خاطباً ... وأهيبَ من رفَّت عليه بنودُ
فتىً لا يهابُ الجيشَ يطفو حبابُه ... حديداً ولا يثني خطاهُ وعيدُ
وقد جمع اللهُ المحامدَ كلَّها ... له وله كل الأنام عبيدُ
وملَّكُه الدُّنيا مع الدين فاغتدى ... يُحَكّمُ فيما يشتهي ويزيد
وأضحى له في الفضلِ والبأسِ والنَّدَى ... مكارمُ لا يُحصى لهنَّ عديدُ
أقام على صنعاءَ يومَ قيامِه ... بجيشٍ تكاد الأرضُ منه تميدُ
/91/
__________
(1) الخريت: الدليل الحاذق.
(2) شَحْطي: بُعْدِي. (القاموس المحيط ص620).

وزلزلها بالحربِِ من كل جانب ... وفيها جيوشٌ جمَّةٌ وجنودُ
وأنزل أربابَ الحصونِ أذِلَّةً ... أسيرٌ ومغفورٌ له وطريدُ
وقاد إلى الأعداء جيشاً كأنه ... خِضَمٌّ له من حافتيه مدودُ
وما كان غير ابن الحسين بعزمه ... بشيرٌ ولا تلك الجياد يقودُ
فأدركتهم عن سبع عشرة ليلة ... صوارمَ لم تنقض لهنَّ لبودُ
ولم يشعروا حتى مدت جنباتهُا ... وثارَ لها نقعٌ ولاح حدِيدُ
بدت والمعادي يَقرعُ السِّنَّ نادماً ... وقد جاءهُ ما كان منه يحيدُ
ولاذوا(1) بعفو الله ليلاً وأصبحوا ... يخبُّ بهم قب الأباطل قودُ
ولولا نجو أصبَّت عليهم سيوفُه ... ونال شفاها سيدٌ ومسودُ
وكانوا لها في الناس ذكرى وعبرة ... كما ذكرت في الهالكين ثمود
قلت: وهذه القصيدة لا يناسب إرسالها إلى العراق كما ترى، ولعلَّه وقع اللَّبس والله أعلم.
أحمد بن أبي السعد العصيفري [ - ق7ه]
الشيخ الطاهر العالم، أحمد بن أبي السَّعد العُصَيفري - رحمه الله تعالى -. من أعلام المائة السابعة، كثير العلم، أظنه صنو الشيخ الفضل بن أبي السعد بن عزوي بن أحمد - رحمهم الله تعالى -.
أحمد بن أسعد المفسر [ - ق9ه](2)
الفقيه العلامة الأصولي أحمد بن أسعد المفسر - رحمه الله - كان من أعيان المائة التاسعة، وهو الذي لخص عنه الفقيه العلامة مَعُوضة بن صالح الشيعي كتاب (مراقي الأصول إلى كشف أسرار جوهر الأصول)(3) تأليف العلامة ابن أبي الخير - رحمه الله تعالى - قال الفقيه معوضة: إنه قرأ الكتاب الملخَّص المذكور على العلامة أحمد بن أسعد سنة ثماني وثمانين وثمانمائة.
أحمد بن جعفر [ - ق 7ه] (4)
__________
(1) في (ب): فلاذوا.
(2) أعلام المؤلفين الزيدية ص 86 ترجمة 52، تأريخ اليمن الفكري في العصر العباسي 4/15، مؤلفات الزيدية ج 1/324، ج 2/255.
(3) سقط من (أ).
(4) السيرة المهدية، خطية.

السيد الفاضل العلامة أحمد بن جعفر، من عيون المائة السابعة، ذكره السيد العلامة يحيى بن القاسم الحمزي - رحمه الله تعالى -.
أحمد بن جناح الضمدي [واستطرد في علماء ضمد]
السيد(1) الفاضل شهاب الدين، أحمد بن جناح الضمدي - رحمه الله -. هو من بيتٍ ثابت العماد في التشيّع والولاء لآل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - وفي أهل بيته الجلة الكبار والخيرة الخيار، وسيأتي ذكر قوم منهم، وهذه الهجرة الضمديّة(2) - عمرها الله بالتقوى - مطالع لشموس العلم والآداب، حتى اشتهر أنه لا يخلو عن مجتهدٍ وشاعر، وهو كذلك لم يعرف ولم يسمع أنه قد خلي، هذا زماننا فيه العلامة الصَّدر وجيه الإسلام عبد العزيز بن أحمد النعمان:
[عبد العزيز أحمد النعمان الضمدي المتوفي سنة 1078ه] (3)
__________
(1) في (أ): السيد، وفي (أ): الفقيه.
(2) ضمد بفتح الضاد والميم ثم دال مهملة، قرية من تهامة الشام في المخلاف السليماني (انظر معجم المقحفي ص 397).
(3) هو عبد العزيز بن محمد، انظر عنه: البدر الطالع 1/357، وطبق الحلوى ص 20، 32، والجواهر المضيئة خ، والجامع الوجيز خ، وبهجة الزمن خ، وتحفة الأسماع والأبصار سيرة المتوكل إسماعيل خ، وتأريخ اليمن لمحسن أبي طالب ص 107، ومعجم المؤلفين 5/223، وفيه عبد العزيز بن أحمد، وانظر عن مؤلفاته ومصادر ترجمته أعلام المؤلفين الزيدية ص 550، ترجمة (551).

من كبار العلماء وصدور الحكام، إليه قضاء (زبيد) المحروسة وبندر (المخا) - عمرها الله بالعَدل - وهو من عباد الله الصَّالحين وفضلاء الكملاء، (بليغ) (1) مجتهد(2) متظلع من العلوم، وله مؤلفات منها (شرح على الموشح) في النحو، سمَّاه (البغية)، ومنها (السلم) في أصول الفقه شرح (المعيار) /92/ كتاب الإمام المهدي - عليه السلام - ومنها تخريج أحاديث (الشفاء) في الحديث(3)، من كتب المحدِّثين وعزو كل حديثٍ إلى كتاب من كتبهم، وإن كان أئمتنا لهم روايات ورجال غير أولئك، إلا أنَّ هذا من فضل الله اتفاق المروي، وقد اعتنى أيضاً بحاشيَة على (الشفاء) وعلى ذكره أذكر رؤيا رآها أطال الله عمره؛ لأنها موعظة وهو وحيد الزمان كامل الصفات، لقيته بصعدة وهو من عيون العلماء، وأنا إذ ذاك حدَث السن، وله تلاوة وخشوع وصفات حميدة، وله عدَّة رسائل في أمور متعددة، منها: رسالة في المقامات المعروفة عند الكعبة، ومنها رسالة ينحو منها نحو الملائمة للأقوال، ورسالة أرسلها إليَّ فيما يأخذه الإمام من الرعيَّة، نعم، وهذه الرؤيا هي ما حكاه أبقاه الله، قال: نمت ليلةَ السَّبت ثاني عشر(4) من صفر سنة ثمان وثلاثين وألف، حصل معي ألم فأمسيت تلك الليلة قلقاً متكدِّر الخاطر، فرأيت بتلك الليلة من يُعطيني ثلاثة أبيات، ثُمَّ بعد مضي ثلث الليل أعطاني ثلاثة أبيات
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (ب): مجيد متظلع.
(3) تخريج أحاديث شفاء الأوام للأمير الحسين لعبد العزيز الضمدي، منه نسخة في مكتبة الأوقاف رقم 310، وثانية ج2، ج3 رقم 303، وفي المكتبة الغربية ج1 رقم 37 حديث، وج2 برقم 73، ومجلد رقم 157، حديث وهو نسخة كاملة من الشفاء وتخريجه، ونسختان من المجلد الأول خطتا سنة 1163ه بمكتبة آل الهاشمي بصعدة) ونسختان من المجلد الثاني إحداهما بنفس التاريخ، والأخرى مصورة بمكتبة السيد محمد بن عبد العظيم الهادي عن مخطوطة بمكتبة آل الجلال.
(4) في (ب): تاسع عشر.

أخرى، وهي المتأخرة في الرقم على هذا الترتيب وهي:
أرجن(1) على طاعة الرحمن واصطبر ... واذكر منازل أهل الفضل والنظر
فليس يدرك إلا من له سبقت ... عناية من ذوي الألباب والفكر
اجعل حياتك في الدُّنيا منغَّصة ... تعلو بذلك في الأخرى على البشر
يا نائماً كم قيام الليل تتركه ... وأنت في نومك الموفور(2) لم تدر
لله درُّ أناسٍ خوطبوا فلهوا ... واستيقظوا حين كان الليل بالسحر
إنَّ الزمان تقضَّى وانتهى عجباً ... والذَّنب أضحىكعدِّ الرَّمل والحجر
انتهى. ولا بدَّ من كتابة من عرفت اسمه من علماء أولئك، وقد كان القاضي فخر الدين عبد الله بن علي النعمان.
[عبدالله بن علي الضمدي المتوفي نحو 1057ه] (3)
__________
(1) كذا في النسخ: أرجن.
(2) حاشية في (ب) وكذلك في (ب): في يومك الموفور. قال في الأصل: الموعور.
(3) عبدالله بن علي بن محمد بن علي بن سن بن النعمان الضمدي الشقيري، من أهل شقير بغرب ضمد، توفي نحو سنة 1057ه وقيل: نحو: 1050ه، وفي مجلة العربي 6/152، إنه أنجز العقيق اليماني سنة 1068ه، ومن مصادر ترجمته أعلام المؤلفين الزيدية ص 605، ومعجم المؤلفين 6/93، والأعلام 4/106، والموسوعة اليمنية 2/622، ومؤلفات الزيدية 2/279.

كتب كتاباً سمَّاه (العقيق اليماني في ذكر أهل المخلاف السليماني) (1) وقفت عليه مرَّة بأبي عريش ولم يتيسَّر لي النقل منه، وهذا ابن جناح لا أعرف جناح المذكور، هل هو اسم(2) أو لقب، فقد أثبت اسمه هكذا، ومن جملة أهل بيت هذا (ابن)(3) جناح المقبور بصنعاء الذي يعتقد فيه الناس وعليه مسجد معمور، وكان عامياً لا فضيلة له، وأظنَّ القاضي أحمد بن جناح هذا في زمان(4) الإمام صلاح الدِّين - عليه السلام - والقصيدة التي إلى الإمام استنصاراً على صاحب جازان التي أوَّلها:
ببيض المواضي لا ببيض الكواعب
وهي من غرر القصائد له، وأغارت خيل الإمام معه من صعدة، ولكنَّها سبقت غارة صاحب مكة قبل غارة الإمام والقصَّة مشهورة /93/ وعلى ذكر ضمد هذه البلدة المباركة أذكر ما حضرني من شعر العلامة ابن قنبر فيها، وكان ابن قنبر من علمائها وفصحائها، له قصائد سحارة(5) إن يسَّر الله نقلت شيئاً منها، قال - رحمه الله -:
ما ضمد يا صاح إلاَّ جنة ... وهل تُساوي جنةً جهنم
نسيمها وتربها من عنبر ... وماؤها الكوثر عذبٌ شبم
إذا تغنَّى سحراً قُمرِيُّها ... أيقظ منها من نيام نَغَم
وإن تلا الأسحار في مسجدها ... تالٍ به عنك يزول السقم
ومنها:
لا يهتكون حُرمة الجار ولا ... يُعرف عيب منهم وفيهم
__________
(1) العقيق اليماني في وفيات وحوادث المخلاف السليماني تأريخ إلى سنة 1057ه منه نسخة خطت سنة 1086 بمحروس قرية شقير بمكتبة السيد محمد بن محمد الكبسي، أخرى مصورة بمكتبي صورها الأخ وليد الربيعي من أبناء مدينة زبيد وللمؤلف أيضاً كتاب الوافي بوفيات الأعيان المكمل لغربان الزمان خ، رقم 218، 219 تأريخ المكتبة الغربية، وله كتاب جوهرة المغاص في معرفة الخواص خ بمكتبة السيد محمد بن محمد الكبسي.
(2) في (ب) أو عالم.
(3) زيادة في (ب).
(4) في (ب): في زمن.
(5) كذا في النسخ.

ولعلها طويلة ولنعد إلى ذكر أحمد بن جناح - رحمه الله - كان مجيداً في الشعر، ومن شعره ما أفاده بعض شيوخي - رحمه الله - وقال: هي أطوَل من هذه:
ركنت إلى الدُّنيا مع العلم أنني ... سأصبح في بطن الثرى متوسدا
وجاهرت بالعُصيَان(1) للَّهِ عالماً ... عقوبته للظالمين له غدا
وخضت بحور المهلكات تعمداً ... مع العلم مني أنَّ في خوضها الردا
علمت طريق الحق ثم هجرتها ... عياناً ولم أمدُد إليها له يدَا
وكم من كبيرٍ خنته متيقّناً ... وملتبس والَيته متعمّدا
وما جئت شيئاً جاهلاً بصفاته ... ولا سرت في اثنائه مُتَرَددا
بغير حياءٍ أركب الذنب عارفاً ... مُجازات ربي ضاحكاً متمردا
إذا ما رآني من رأى قال جيِّدٌ ... ولي مخزيات لو رآها تردَّدا
أُصَلِّي صلاتي غير دارٍ بفرضها ... وما سنَّ فيها معرضاً متعمدا
ً
صيامي وذكري لا لربي وإنما ... أُريد به كيما أُرى متعبدا
أيفعل هذا من يخاف عقوبةً ... ويأتيه من يخشى به أن يخلَّدا
وأفتي بما لا علم عندي وإنما ... أردت به فوق السماكين مقعدا
وألاَّ يقول الناس لي أنت جاهل ... فأركبُ نفسي شعثها متجردا
أقوم بجوف الليل أتلو محبة ... لرؤية أهل الفضل لي متهجّدا
وأصغي إلى الخيرات للناس مظهراً ... وباطن أمرٍ لا أفارق معبدا
وأظهر للإخوان وُداً وإن نأوا ... طعنت بهم طعناً على الناس موردا
/94/
أقول بهم قول الصداقة حاضراً ... وإن غبت عنهم كنت بالذَّم منشدا
كلامي لأرباب الوفاء خديعة ... ووعدي لهم بئس المواعيد موعدا
أُرَى أنني في الصَّالحين ولو أُرَى ... على عثراتي كنت عنهم مطردا
فظاهر أمري مؤمن وخفيَّه ... ظلوم غشوم ذا مشيب وأمردا
إذا ما ذكرت النار والحشر في غد ... وتعذيب أهل الظلم فيها مؤبدا
حزنت لذكر النار لا عن مخافة ... وقمت كئيباً مغضباً متنهدا
أطأطئ رأسي ثم أطرق خاشعاً ... كأني إذ أبصَرتني ممن اهتدى
__________
(1) لعلها: بالعِصيَان.

وبالله ما ذئب بأسرع وثبة ... على غنمٍ مني إلى الظلم إن غدا
صلاتي وتسبيحي وذكري حبائلٌ ... أصيَّد فيها الرزق زوجاً ومفردا
ومهما خلت في الدَّار منفرداً بها ... هجمت على اللَّذات غاوٍ ومرشدا
أصاغر خدِّي مُعرضا متكبراً ... على الناس(1) ......................
وإن يك لي ذنب سترت عظيمة ... وكنتُ لعَيب الغيرفي الأرض منشدا
أرىفي عيون الناس من جهلي القذا ... وأترك جذعاً بين جُفنَيّ مسَندا
قبيح على الإنسان يرفعُ نفسه ... ويُلبسُها علماً وفضلاً وسؤددا
مع العري من ثوب الفضيلة ساترٍ ... بغير إزارٍ منه فيها ولا ردا
وأقبح من هذا وأشنع أنه ... من الفضل عار لائم من تزودا
فيا رب لا طفني إذا جئت حاملاً ... كتابي بكفّي يوم حشري مسوّدا
حفيظاً محيطاً لا يغادر جامعاً ... من الفعل ما قد كان فيه مرصدا
أقلب وجهي حيث لا ذي صداقة ... بمغنٍ ولا خلّ بكفيه لي ندا
عليّ(2) لربي في القيامة رتبة ... أود بها لو كنت من عظمها سُدى
فكن لي إلهي عند ذلك راحماً ... ولا تخزني واغفر ذنوبي تمجُّدا
بحقك لا واخذتني بجريمةٍ ... ولا راعني يوم الندا منكم الندا
وقل قدّموا عبدي إلى جنة العلا ... بعفوي وغفران الذنوب مخلدا
فإذ جاءنا مستغفراً متعذراً ... تركنا له في جهله ما تعمّدا
وكل أخٍ أو صاحبٍ أو قَرابةٍ ... سمحنا لهم ماكان في الكتب مُرصدا
/96/
وحاشاك أن تبدي إلى الناس في غد ... من الشر ما بيني وبينك قد بدا
رجائي وظنيِّ فيك غفران زلَّتي ... إذا جئت في الأخرَى بها متقلِّدا
وستر عيوني المفضحات تكرماً ... وتفريج كربي راحماً متغمدا
أحمد بن الناصر الكبير [ - ق 4ه]
__________
(1) بياض في (أ) و (ب).
(2) غير موزون.

الشريف الخطير، شهاب الدين، أبو الحسن(1)، أحمد بن الناصر الكبير الحسن بن علي بن الأشرف(2) - عليه السلام - كان عالماً كبيراً، طُلب للإمامة بعد أبيه فامتنع، وله أخ أديب بليغ لكنَّه جنح إلى مذهب الاثني عشريّة، ووضع لسانه حيث شاء من أعراض الناس، ولهما أخ وهو أبو القاسم، كان بليغاً، ذكره صاحب (اليتيمة)، وذكر مكاتبته للقاضي علي بن عبد العزيز، ولعلنا نذكره - إن شاء الله تعالى -.
أحمد بن الحسن بن أحمد [ - 1080ه] (3)
__________
(1) لعل الصحيح أبو الحسن؛ لأن المكنَّى بأبي الحسن من أولاد الناصر الأطروش هو علي الشاعر.
(2) في النسخ: الأشرف، ولعل ما أثبتناه الصحيح.
(3) ومن مصادر ترجمته: البدر الطالع 1/45، ونفحة الريحانة 3/331، وطيب السمر - خ - ومعجم المؤلفين 1/189، ومصادر الحبشي 335، وإيضاح المكنون 1/284، والأدب اليمني في عصر خروج الأتراك 259 - 265 وتأريخ أبي طالب ص 74، وانظر بقية المصادر في أعلام المؤلفين الزيدية ص 88 ترجمة 55.

السيد، العلامة، شمس الدين، أحمد بن الحسن بن أحمد بن حميد الدين بن مطهر بن أمير المؤمنين يحيى شرف الدين - عليه السلام -(1). كان هذا السيد زينة الأوان، وفريد الزمان في آدابه حفظاً وإنشاء، مع تقوى وصلاح وخيريَّة كاملة، لا يحب إلا شعار العلم مع تمكنه من المقامات الملوكيَّة، لاقتعاده على صهوَة(2) الملك من جهات عديدة، فهو من الزهاد على علم - جزاه الله خيراً - وكان له معرفة بالأدوات، محافظاً على قوانين العلم، وما أحقَّه بقول أخيه وابن عمِّه مولانا بهجة الزمان حافظ العلوم محمد بن إبراهيم بن المفضَّل - أدام الله حياته- في مساق تقريض كتابه المسمَّى (بترويح المشوق في تلويح البروق) (3) بعد كلام باهر، وسحر ساحر: واحد الزمان علماً ونظراً، وحامل لواء المعارف النقليَّة حديثاً وأثراً، ومحقق دقائق العلوم العقليَّة، فكأنه المراد بالحادي عشر، وجامع العلوم الأدبيّة الذي أقام قناتها، ونشر أعلامها وبثَّ في البلاد دعاتها، فهو إمام الاثني عشر(4). وساق من هذا السلاف إلى أن قال: ذلك الماجد العلامة ذو الفطنة المشتعلة، والهمَّة التي للنجوم منتعلة:
أحمد نجل الحسن المرتضى ... بدر كمال الآل شمس العلا
من فاق علماً ورقا مرتقى ... على سماوات المعالي علا
كم سائل هل أنجبت ماجداً ... أمّ الليالي مثله؟ قلت: لا
__________
(1) في (ب): - عليهم السلام -.
(2) أي مقعده، استعارة من صهوة الفرس، وهو مقعد الفاسر منه (انظر القاموس المحيط ص 1682).
(3) ترويح المشوق في تلويح البروق، ذكر فيه ما دار بينه وبين أدباء عصره من مساجلات، منه نسختان في المكتبة الغريبة رقم 10 أدب، وفي مجموع (25) ص 56 - 129، وثانية خطت سنة 1066ه بقلم المؤلف في دار الكتب المصرية رقم (136) أدب، وله أيضاً شرح قصيدة له اسمها أرج الفرج التالية، منهج المهج خ المكتبة الغربية برقم 112.
(4) حاشية في (ب): وأراد بالاثنى عشر علوم الأدب فإنها اثني عشر.

فالدهر إذ جاء به آخراً ... يودّ لو صدرَه أوَّلا
جدَّد مجداً لبني المصطفى ... أقام فخر السابقين الألى
روَى أحاديث عُلاهم وقد ... صحَّحها أسندَها سَلسَلا
وجملة المدح لهم والثنا ... ذيَّلها تمَّمها كمَّلا
/97/
يا شايد البيت الرفيع الذي ... علا على هام السهى منزلا
جادَ بك الدهر على بخله ... وحقَّ في مثلك أن يبخلا
أنت خضم العلم تيَّاره ... وأنت بدر الأدب المجتلا
لا فقدت بدرك دار العلا ... وبيت آل المصطفى لا خلا
قلت: وهذا الكتاب آية تنبه على جلالة قدر هذا الشريف، فقد جمع غرائب عجاب، وغرائب كعاب، ومغزاه فيه يظهر من قوله في خطبته بعد الحمد والثناء ومِمَّا ينبغي في الخطبَة: فإني ممَّن منحه الله وله المنَّة الرَّغبة في نيل الآداب، والتقاضي لأسباب النظم على شرائط أربابه، ولا بدَّ للنظم من أسباب، وما زلت أروض جامح الطبع في الصبا، وأتدرب في صناعة الشعر، واتخذ سبيلي في بحر أعاريضه سرَباً، تارَة ألتقط درة النحر، وتارة استخرج حصاً وجزعاً من تيَّار ذلك البحر، حتى شهد لي بالإجادة والوجادة أهل الحل في هذا الفن والعقد، وكل نقاب ألمعي يميز معيار فكره مبهرج الألفاظ ومغشوش المعاني بالوزن والنقد، فانخرطت في سلك الأدباء، وتأخرت عن مزاحمة أكابرهم إجلالاً وأدباً، وحين ربَّيت (بنات)(1) فكري في حجر القريحة، وجلوت منها للسَّامعين دُمَى تترك كل قريحة بحبرتها قريحة، تخوّفت عليها من الضياع بعد بروزها إن لم يضمها ديوان المجلَّد، وتبوأ من الطروس جناب(2) ليبقَى في أعقاب الباقين ذكرها المخلد؛ لأني لست بأبي تمام فيُشرح شعري المنسي بذكري(3) حبيب، ولا أبي الطيب المتنبي فيشرح بمعجز أحمد.
وكم من سمي ليس مثل سميّه ... وإن كان يُدعى باسمه فيجيب
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (ب): جنات.
(3) لعلها: بذكرى.

فما زلت أستخير الله دهراً، وكلما قدَّمت في هذا العزم رجلاً أخَّرت أخرى، لعجزي عن ترصيف أسطار البلاغة، وقصور فهمي عن إدراك فضيلتي الصناعة والصيَاغة، فأزمعت على إتمام(1) هذا الخاطر، وأقدمت على ما لستُ من أهله إقدام المخاطر، وأنشدت بيتاً أشجِّع (به)(2) جبان(3) عزيمتي الذي نكص، وانتهزتُ الفُرصَة من هذا الخاطر المنبه، والحازم من افترص الفرص.
وكن ماضياً كالسَّيف فالمقت في عسى ... ودع عنك عسى فهيَ أعظم علَّة
فاجتهدت في جمع ما شذَّ من أشعاري، واقتديت بأبي العلاء في (سقط زنده)، وإن كان زندي لا يُسمَّى واري، فوقع اختياري على أن أفتح باب ترتيبه، وأبذل الطاقة في أسلوبه المنظور بعين القبُول -إن شاء الله - وتبويبه، بتقديم المدح النبَوي، والبداية بذكر ذلك الجناب المصطفوي، لعَليِّ أكون في عداد خدَّام هذه /98/ الحضرة لتجذبني كفُّ العنَايَة المحمَّدية، ويلحظني مقلة الحظ بنظرة:
هاك شعراً لولاك ما كان يسوى ... دانقاً لو أسام فيه الشراء
غير أنّي لكونه فيك أسمو ... وأسامي بفضلك النظراء
__________
(1) في (ب): على تمام.
(2) سقط من (أ).
(3) في (ب): جنان.

ثم ما دار بيني وبين أساطين هذا الفنّ من المبَادي والمراجع، وما تحلَّى به عاطل هذا الدَّهر من سموط(1) المبادي والمراجع، فإن ذكر الفتى عمره الثاني، ومنازل الدَّفاتر تحفظ أخبار الأمم من الباقي والفاني، فابتدأت بمن هو لكتاب النبلاء عنوان، ولعين أعيان الفضلاء في عالم الإنسان إنسان، من تبلَّجت من سماء معارفه مطالع البدور في منازل(2) الكمال، وتنزهتا(3) الألباب من آدابه في منازل السرور التي طاب نشرها، وطال، ناظم اللآلئ المتسقات في نظم الورقات(4).
إمام المعارف نقَّادها ... وناهيك في نقدها من إمام
إمام اطلع ذهنه شمس العلوم على كل أفق، وسلسل أحاديث الدراية والرواية عن أوثق نقله(5) وأكرم طرق.
دار الثناء على القطب الَّذي اتفقت ... فيه العقولُ فما قولُ لمختلف
قد قدَّمته على السَّادات همَّتُه ... في الفضل تقديم بسم الله في الصحف
ما ارتدى إلا بثوب علا، ولا ترددت مناسبه الكريمة إلا بين بيوت مفاخر هي أشرف كل قبيل وملأ.
قوم لذكراهم على صحف العلا ... أصل الفخار وكل ذكر ملحقُ
حافظ مآثر آبائه، ومعيد على وجه المعارف نَظْرَة نعيمه وبهائه، أمَّا الآدات فقد وقف على(6) نقطة بيكارها، واختصَّ من مقصورات حور الأفكار (بعون الله)(7) بعونها وأبكارها.
إمام إذا هزَّ اليراع مفاخراً ... بيمناه قال: الرمح لست هناكا
وقالت له العليا: فداك ذوو العلا ... وإن قلَّ شيء أن يكون فداكا
علوت فأدركت النجوم فصغتها ... كلاماً ففقت العالمين بذاكا
وحزت معاني القول من كل وجهةٍ ... فألق علينا نبذة لثناكا
__________
(1) سموط: مفردها: سِمْط: قلادة أطول من المِخْنَقَة. (القاموس المحيط ص619).
(2) في (ب): في منازه السرور.
(3) لعلها: تنزهت.
(4) حاشية في (ب): ناظم اللالئ فيه التورية لأن للسيد عز الإسلام كتاب اللالئ المتسقات في نظم الورقات.
(5) لعلها: نقلة.
(6) في (ب): في.
(7) زيادة في (ب).

عزُّ الإسلام، واسطة عقد بني الإمام، محمد بن إبراهيم بن المفضَّل بن علي بن أمير المؤمنين، - حرس الله خلقه - الذي تشتاق إلى وجهه الأرواح، ويثني عليه بنو الدنيا والآخرة، ولسان الإمساء والإصباح، وأدام شخصه الكريم، فبه عرفت الفاعل والمفعول، وفرقت بين الفاضل من هذا الناس والمفضول./99/
آمين آمين لا أرْضى بواحدة ... حتَّى أضيف إليها ألف آمينَ
ثم ذكر حال التَّالي، المقدَّم في مفاخره ومن غرائب كراماته اجتماع المقدم فيه والتالي، إمام ألسنة النقال النقاد، عالي الإسناد المقصر عنه صاحب (فتح الباري) و(فتح الجواد)، ما فاهت بمثل ذكره أفواه المحابر، ولا كسرت على مثل مديحه صفحات الدفاتر.
بحر علم وإن نشأ(1) فابن(2) بحر ... في ضروب البيان والتبيين
سابق في ميدان الاجتهاد لا يجارَى في ميدانه، ولا يُروَى (بدايع البداية) إلا عن زهره وحسانه، إن حلَّق قصر عنه أهل الطول والطُّول، وأفاد في دروسه العامرَة بأهل الفضائل (جامع الأصول)، و(منتهى السؤل)، يملك الأدب بلا إملال، وينثر من كلماته الجامعَة للبلاغة جواهر عوالي عوال(3)، إن كتب كبت خيل(4) العبدين(5) خلفه، وأغضَى (ابن مقلَة) على قذائه(6) وشجى قلبه من الحيرة (طرفة)، من رام لحاقه في ذلك رأى إعناته(7)، وسلم لما قاله في مشابهه، واستغفر الله (جمال الدين ابن نباتة).
يا كاتباً تبَّ مسعى من يناضله ... فراح يحمل من أقلامه حطبا
حلفت أنك أذكى من حوى قلماً ... ينشي البديع وأزكا من نحا أدبا
__________
(1) في (ب): تشأ.
(2) ابن بحر: يقصد الجاحظ و(البيان والتبيين) أحد مؤلفاته.
(3) في (ب): غوال.
(4) في (ب): جيل.
(5) يقصد با العبدين: عبد الحميد الكاتب وابن أبي الحديد.
(6) يقصد: طرفة بن العبد، الشاعر الجاهلي.
(7) العنت: لقاء الشدة أو الفساد، ومنه: عنت فلان فلاناً إعناتاً أي أدخل عليه مشقة. تاج العروس ج3/93، باب التاء.

وعلى الجملة فما رأى مثل نفسه، ولا رأيت نظيره، فما أشبه يومه في الفضل بأمسه، وإلى الله المشتكى من دهرٍ أبعَدني عنه، فما ذكرت قُطر سكناه إلا وجفوني تقطر، ولا تفكَّرت في مجالس أنسه إلا وعليها سحاب شوقي تمطر.
من لي بقيلة ذاك الباب تأدية ... فاغتدى ساجد الأمداح مقتربا
عبد الرحمن بن محمد الحيمي أعاد الله عليَّ أيام أفراحي بقربه، وعمرَ فؤادي الخافق بجناح الشوق لفراقه بحبِّه، فلا أنسى جميل أياديه، وما استفدته من عوارف المعارف في سدته العليَّة وباديه:
إذا تذكرتها ناديت من حرق ... ودمع عيني على الخدِّين في سبق
يا جنَّة فارقتها النفس مكرهة ... لولا الترجِّي لأفنت لوعتي رمقي
ثم اذكر الثالث الوارث مجد آبائه لا عن كلالة، فأكرم بفخري الموروث والوارث، روضة العلم المتفتقة أكمامها عن أفانين الكلام، وربوة الأدب ذات القرار العاليَة على شامخ يذبل وشمام، بدر المنير الطالع في أشرف الدَّرج، وبحر البلاغة الَّذي صدق من قال حدث عن البحر ولا حرج، فاضل يطير قلبي عند ذكره، وأسلسل أحاديث المعالي عن حسي نظمه ونثره، جمال الإسلام الذي أحيا مأثري أسلافه، وحوى فصول البدائع الجامعَة لأنواع البيان وأصنافه.
إنّي إذا صغت في قاضي القضاة حُلا ... مدحيَ يظهر فكر بارع وفم
رام الأقاصيَ حتَّى حاز غايتها ... تبارك الله ماذا تصنع الهمم

/100/ محمد بن إبراهيم بن يحيى(1)، نشر(2) الله ببقائه موات العلم والآداب وأحيا، وذكره الله فيمن عنده، فكم ذكرني على البعد بمكتوب، وأهدَى إليَّ سطور بلاغةٍ آراءه بجميع المحاسن واللَّطائف مصحوب، وكم أنزل عليَّ من (سماء)(3) عارضته الفيَّاضة مع عبور الأوراق.
أكرر ذكراه فيحلو ويغتدي ... له دمع عيني مُرسَلاً يخجل القطر
فكيف تزول عن ذكرى مجالسه المعمورة بالعلوم والآداب، ومفاكهته الشهيَّة التي تبيّن مجمل السنَّة ومخصوص الكتاب، فهو الذي اختصَّني من بين أقرانه بأخوَّته، وآثرني في حالتَي البعد والقرب بفتاويه وفتوِّته، جمع الله به ثانياً كما بدأ، وثبت فؤادي على حبِّه دائماً أبداً.
ثم السيد المفوَّه، الآخذ كتاب البراعة بحذاقةٍ وقوَّة، الفطن الأحوَذي(4) الأديب، الرامي عرض البلاغة بقوس فكرته المصيب، روض الأدب الذي هو بالفصاحة مكتسٍ، صديقي ومؤنسي، أحمد بن محمد الآنسي، ذو معانٍ ألفاظها ينفث السحر على بُعدها من التعقيد، وأمَّا مجالس أنسه ومحاضرته، ومواطن آدابه الغضِّ، وبديع مذاكرته، فقد اجتنيت من زهرها زهراً، سقى الله صنعاء والأخلاء والدَّهرا.
__________
(1) السيد محمد بن يحيى بن إبراهيم صاحب العارضة، سيد جليل فاضل، لا يختلف فيه اثنان، كانت وفاته رحمة الله عليه في أبي عريش أمام الإمام الناصر محمد بن المهدي، وكان ملازماً له رحمة الله عليه (هامش في ب).
(2) في (أ): نشر، وفي (ب): نعش.
(3) سقط من (أ).
(4) الأحوذي: الخفيف الحاذق، والشمر للأمور القاهر لها، لا يشذ عليه شيء. (القاموس المحيط ص314).

ثم أذكر حال الصَّاحب الكافي، والصَّديق الَّذي هو على مرِّ البُعد في كلِّ حالٍ مصافٍ، من تخرج في الآداب فأبدع، ووضح بدره في المعارف فأشرق في آفاقها وترفع، فكم شاهدت له مسطور، ومهرق بلاغته إن لم يكن سورة النور، فإنه صورة النور، من بمجالسته فرغت هضاب السرور، ورباه محمد بن لطف(1) الله للَّه أيامه في (الجراف)، وتناولي من رياض مفاكهته غصناً بلا خلاف، وقد شد الروض على فضل السحب المنسكب، وتلا قارئ الأطيار على قدَّ القضيب الذابل (اسجد واقترب)، وقد أسكن تلك الجنات ممّا كتبه حوراً عين، واسند فرائد قلائده إلى (السبكي) تارة وأخرَى إلى (زين الدين).
إيهٍ بعيشك بدر الدين سد فلقد ... أدلجت في الفضل فينا أيَّ مدلج
هذا وليل الشباب الجون مقتبل ... فكيف حين يضيء الشيب بالسُّرج
يسر الله لنا إلى (شريف)(2) تلك المعاهد الإسعاف، وجمع لنا فيها مفترقات الأماني من سائر الأوساط والأطراف:
إذا ذكر الجراف صبت قلوب ... إلى أوطانه سُقِيَ الجرافُ
انتهى ما بلغ إليه علمي من مناقب هؤلاء الخمسة أمراء الكلام.
خمسةٌ أمجادهم ماهم ... أكرَم من يشرب صوبَ الغمام
وربَّما أذكر غير هذا على سبيل الاستطراد، ومن الله أستمدُّ التمام وعليه التوكُّل والاعتماد /101/.
قُلْتُ: وهذه الخطبَة غرَّة في الخطب وشامة، وقد أخذتها قبساً من نور ذلك الترويح لمن لفت عنقه نحو ذلك التلويح وشامه، وينبغي أن أذكر شيئاً من ملح الكتاب وهي عديدة كثيرة؛ لأنه - عادت بركته - ملأه بالفوائد من كل نوع فمن المديح النبوي:
__________
(1) حاشية في (ب): محمد بن لطف الله الخواجة، كان من الكمال الأدباء وهو ممن وفد للتجارة - أعني والده لطف الله الخواجة - إلى صنعاء اليمن، فكان له هذا الولد ممن تأدب وقرأ في صنعاء وصار معدوداً من أهل المعارف والكمال، واخترمته المنية وهو شاب في محروس الجراف وقضى نحبه في شهر …… (بياض) من سنة 1069ه.
(2) سقط من (أ).

لولا الحِما القبلي والأبرقُ ... ما بات قلبي راجفاً يخفقُ
ولا تولَّهتُ بأهل النَّقَا ... جادهم المستَرسل المغدق
ولا تمسَّكت بذَيل الصِّبا ... لعلَّني من طيْبَةٍ أنشقُ
أحبابنا هاجرتم عبدكم ... ما آن أن تحنوا وأن ترفقوا
وهبكم(1) أدبتموه فلا ... تجاوزوا فيه ولا تغرقوا
فكاتبوه إن علمتم به ... خيراً ومُنُّوا حرِّروا واعتقوا
إذا تذكرتُ زماني بكم ... كدتُ بدَمعي حسرة أشرَق
ميقات وصلٍ كادَ من ذكره ... كَلِيمُ قلبي بعده يصعَقُ
أشكوكم جداً عثوراً وكم ... يوقعه المدحض والمزْلِقُ
إن لم يساعدني وإلا فلا ... شكاية تَحدي(2) بها الأينقُ
إلى جناب العزِّ رحب الذرا ... من رَوضه بالأمن لي تورقُ
محمد المختار أزكى الورى ... فإنه بي منكم أشفقُ
أرسله الله على فترة ... فانتعش المغرب والمشرقُ
وجاء والكفر له ظلمةٌ ... أشرق فيها وجهُه المشرِقُ
وكم له من غزوة فيهمُ ... وفيلق يتبعه فيلقُ
وخصَّه الله بفرقانه ... فكلّ مقدام له يفرَقُ
وليلة الإسرا التي حاز في ... مضمارها السبق فلا يُلحقُ
وفات فيها الكل حتى أمين الوحي فهو السَّابق المطلقُ
أدناه مقداراً إلى القاب أو ... أدنا وهذا الشرف المغرقُ
مرتبةً ما نالها قبله ... شخص ولا من بعده يُخلقُ
ومنها:
يا مالكي كن شافعي في غدٍ ... إن أجحم الشافعُ والمشفقُ
فلِي ذنوب لم أطق حملها ... يعنَى بها الأشقر والأبلقُ
إن عنَّ لي في خلوة ذكرها ... رأيتني من خجلة أطرقُ
/102/
وقع على حط ذنوبي إذا ... ما أوثقتني في غدٍ تطلقُ
فإنَّ آمالي غدت جمَّة ... فيك وقطعي أنها تصْدُقُ
فجاهُك الواسع لي عدَّة ... به غِنَى الدارين استرزقُ
صلَّى عليك الله في حضرة الـ ... ـقدس صلاة نشرها يعبقُ
والآل والأصحاب ما حنَّت الـ ... ـعيس فحنَّ المغرم الشيَّقُ
__________
(1) لعلها: وَهَبْكُمُ.
(2) لعل الصواب: تُحدى أو تُحدا.

ومن المراسلة بينه وبين أخيه مولانا الحافظ(1) العلامة محمد بن إبراهيم ما كتبه مولانا شمس الدين يستنجزه تمام قراءة (المنتهى) سنة إحدى وستين وألف.
أُنْهي حديث (المنتَهى) ... إليك فهو مُعضل
فأوضحوا لي متنَه ... فإنه مُعَلَّلُ
فأجابه المولى العزي أدام الله فوائده:
يا عالماً عاد به ... لنا الطراز الأوَّلُ
أمَّا حديث (المنتَهى) ... فالوقف عنه أجملُ
قال السيد شمس الدين - رحمه الله -: وكتب إليَّ يستدعِيني في بلد (شبام) - حرسها الله -:
يا شمس هذا الأوان ... وعين أهل الزمان
ومن له في المعاني(2) ... بيت رفيع المباني
إن تسعدوا بحضورٍ ... ففيه كل الأماني
ونحن إن غبت عنَّا ... لفظ بغير معاني
قال فأجبته:
يا فائق الارجَاني(3) ... بالنظم والهمذاني
ومن إذا قال شعراً ... أزرى بشعر ابن هاني
أمرتني بتدَانٍ ... والحظ لي في التداني
قد قلت للقلب بشرى ... بالقرب بل بشرَيان
قال: واستصحبت هذه الأبيات ولبست الثياب، وكنت قبل الجواب جواب، كما قال سيدنا وجيه الإسلام، وقد استدعاه بعض الأدباء فكتب إليه:
كتبت إليَّ ترغب في حُضوري ... وربَّ الفضل دعوته تجابُ
فقبَّلت الكتاب وقلت سمعاً ... لأمرك مالكي وأنا الجواب
ومن مراسَلة السيد شمس الدين(4) قدَّس الله روحه وأستاذه عبد الرحمن ما كتبه عبد الرحمن إليه من صنعاء إلى كوكبان سنة ستين وألف عقيب فراقه لحضرته حين سماعه للكشَّاف /102/:
سارَ دمعي مني إليك رسولاً ... حين أخليت ربعهُ المأهولا
وفؤادي استقرَّ إذا أنت فيه ... يتراءاك بكرة وأصيلا
ونسيم الصَّبا تحمل من وصف اشـ ... ـتياقي فيه حديثاً طويلا
حبَّذَا قربك الذي كان أندى ... في فؤادي من النَّسيم بليلا
قرب الله عهدكم من ليالٍ ... لم أكن لاقترابهنَّ مَلُولا
__________
(1) في (ب): العلامة الحافظ.
(2) في (ب): المعالي.
(3) لعلها: الجرجاني، فهو شيخ البلاغيين.
(4) في (ب): ومن مراسلة السيد الشمسي.

أتلظَّى جَوًى وفرطَ حنينٍ ... إن تذَكَّرت ظلَّهن الظليلا
وإذا ما احترقت شوقاً فقولي ... ليت لم أتخذ فلاناً خليلاً
كنت أجني ثمار أنسك فيهنَّ ... فبدَّلت بالنَّوَى تبديلا
فأجابه السيد قال: والقلم يعثر في البطاقة، وولجت من الجسارة باباً ليس له من طاقة:-
طلب الشوق من فؤادي كفيلاً ... مذ تَرَاءى وجه الرَّبيع صقيلاً
ومشَى الغصنُ في المطارف لمَّا ... عقد الطَّل فوقه إكليلا
صاحبي صاح بي لواعج شوقٍ ... يا أخا الصَّبوة الرَّحيل الرحيلا
آه والشَّوق ما تأوَّهت منه ... لزمانٍ ذكرت منه الجميلا
أي دهرٍ أسدَى إليَّ جميلاً ... مُذ أرآني ذاك الكريم الجليلا
وخليلاً ما قلتُ لمَّا افترقنا ... ليت لم أتَّخذ فلاناً خليلا
كان يومي به كلمحَة طرفٍ ... فغدا للفِرَاق حَولاً كميلا
لإمامٍ حازَ العلوم فروعاً ... باسِقاتٍ قد أينعت وأصُولا
كم أرتنا فصوله اللُّؤلؤيّات ... إلى منتهى الأصول وصولاً
حجَّة صيَّر المفاخر أوضا ... حاً على طرف عزمه وحجولا
راسخ في العقول لو فاخر السيـ ... ـف(1) لأغضى في جفنه مفلولا
جمع الله شملنا وأرانا ... من أسارير وجههِ المأمُولا
وللفقيه عبدالرحمن إلى السيِّد مقاطيع، وحقَّ لهما فلقد كان مقامهما رحلة للطالبين ونزهة للناظرين، وأمَّا مراسلته هو والعلامة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن يحيى السحولي، فهي أشهى من السُّلاف المروَّق، أشجى من سجع المطوق، وقد كتبت هذه القصيدة الأصل للسيِّد والتخميس للقاضي:
ألممت بالرَّوض حيَّاهُ وحيَّاكا
فقابل الشمس بدر كان إياكا
فكان منك وإن لم تدر حيَّاكا(2)
/105/
في النرجس الغضِّ إلمام بريَّاكا ... وفي الغزَالة شبْهٌ من مُحيَّاكا
ما ماس قدُّك في برديك وانعطفا
ولا انثنى منك خصرٌ خلته اختطفا
إلاَّ وكاد القنا يحكيك لو لطفا
وكاد يحكيك غصن البان منعطفا ... هيهات ذلك ما حاكاك من حاكا
__________
(1) حاشية في (ب): السيف يعني الآمدي.
(2) حاشية في (ب): حياكا أي قبيلتاك.

يا تَائهاً ليس يدري من يلاحظه
يا من يُغالظ رقّاً لا يُغالِظه
يا غائظاً قاتلاً من أنت غائظه
يا شادناً فتكت فينا لواحظه ... ظلماً ومدَّت لأهل الظلم أشراكا
أظلنا لحظك الساجي وأذهلنا
لكنَّه بعظيم السِّحر أخبلنا
وطال مطل فأبلانا وبلبلنا
رفقاً ولا تتعالى في المطال لنا ... يكفيك ما صنعت في الناس عيناكا
قولوا لطرفٍ حماني رقدتي ورقد
وسدَّدَ السهم ينوي قتل كل أسد
وقدَّ قلباً شجياً في هواه وقد
يا طرفة قد تجاوزت الحدود وقد ... أسرت في الناس سفاحاً وسفاكا
أنهي الدِّماء فكم فتكاً وسفك دما
ولا تراعي ذماماً أو ضعيف ذما
ولا ليالي مرّت في منيع حما
مرَّت لياليك بالأثل الخصيب فما ... أمرَّها حين ما مرَّت وأحلاكا
أيام تسرع إسعافاً بمطلبنا
أيام تسعدنا الدنيا بمأرَبِنا
أيام يمرح مشجينا بمطربنا
أيام يأمرك الحسن البديع بنا ... والتيه يا ساحر الألفاظ ينهاكا
ظلمت بالهجر فالأرجاء مظلمة
وملت من مللٍ والنفس مؤلمة
نسخت آيات ود وهي محكمة
/104/
يا ليت شعري وبعض الظنّ مأثمة ... من بالمتيم في ذا الهجر أغراكا
قبلت ما قاله ذاك الحسود وذا
وقول باغضني الباغي كذا وكذا
فالقلب والطرف مني في أذى وقذا
أهملت دارك أعني القلب وهو إذا ... عمرته كان فيما مرَّ مرعاكا
ياشُهد يامسك في ذوقٍ وطيب شذا
يامن رضاب ثناياه ألَذّ غذا
يا حبَّذا منك ثغراً لا يقول بذا
شش
يا ضيعة العمر للصب المشوق إذا ... ما اعتاض نور الأقاحي من ثناياكا
ياحسرة القلب إن لم أشف طول ألم
وزلَّت النّعل إن جار الهوى وظلم
وخيبة السَّعي إن عصر المشيب ألم
وصفقة الغبن إن مر الزمان ولم ... أبلغ رسيس فؤادي مرَّة فاكا
واشتفي من جَوَى وجدٍ قد اشتعلا
ولوعةٍ تركتني في الهوى مثلا
أحيَى وأيسر ما لاقيت ما قتلا
لولاك ما سفحت عيني العقيق ولا ... لثمت ثغر عذولي حين سمَّاكا
أرسلتَ طيْفك والأجفان قد رقدت
يهديه نار جوًى في أضلع وقدَت
فدتك نفسي يا طيف الحبيب فدت

يا طيف من أنا أهوَاه لقد حسدَت ... شهب الدَّياجي جنح اللَّيل مسراكا
أذكيت نار غرامي كي تحرقني
أبكيت عيني مريداً أن تغرقني
من الفراق ابتغاءً أن تعرقني
خُضْتَ المفاوز نحوي كي تؤرِّقني ... أهلاً وسَهلاً لقد أبعدتَ مرماكا
يا طيف من بثنيَّات العراق ثوى(1)
إذكرتني حلو عيش مرَّ قبل نوى
ياطيف ما حال رملي (مكثب)(2) ولوى
/106/
يا طيف شرَّفتني جدَّدت عهد لوى ... حيَّا الحيا عهده الماضي وحيَّاكا
فديت مرسل ذاك الطيف ما فعلت
ألحاظه سلسلت دمعي وما سألت
فديت غرَّة بدر مهجتي نزلت
يا بدر أفق سما قلبي لقد جعلت ... لك الجوارح أبراجاً وأفلاكا
انتهى ما نقلته من شعرهما، وبالجملة فهما للبلاغة عينان نضَّاختان، ومراسلتهما جنتان ذواتا أفنان، فيهما من كلِّ فاكهةٍ زوجان، ما شدا على أغصانهما إلا قمري فضل وعندليب، بدائعهما معجزات للمتنبي، ناسخات لذكرى حبيب.
وأمَّا ما كتبه إلى السيِّد الأديب شمس الدين أحمد بن محمد الآنسي فمن ذلك جواب قصيدة أرسلها السيِّد شمس الدين أحمد بن محمد الآنسي إلى شبام مبنيَّة على التلميح مطلعُها:
غرام ألَمَّت بي طلائعها شمسا ... ووجد على الجودي من مهجتي أرْسا
وشوق تجلَّى للقلوب لو انَّه ... أصاب جبال الطور قد بسَّها بسَّا
ومن لي وطوفانُ الصَّبابة قد طغى ... وفار به التنّور مستملكا حسّا
ومنها في المديح:
وما الحمدُ إلاَّ للذي وقف الهوَى ... على أحمدٍ من أفقه أطلع الشمسا
وهي طويلة والميل إلى الاختصار وجواب السيد شمس الدين أحمد بن الحسن - رحمه الله تعالى -:
أبدر سماء أطلع الطرس(3) أم شمسا ... أم الزهر قد ألمستها راحتي حتَّى لمسا
أم السحر فاجاني على غير عوده ... فأذهلني عقلاً وأفقد لي حسا
ومنها في المديح:
__________
(1) في (ب): نوى.
(2) الكثب: الجمع ومنه الحديث (جئت علياً قرنفل مكثوب). تاج العروس ج2، باب الباء.
(3) الطرس بالكسر: الصحيفة. (القاموس المحيط ص512).

ولم لا وقد قاسى فراق أخي الِّذي ... فِرَاق له جرح بطيب اللِّقاء يؤسى
أخو فطنةٍ ما نالها هرمسٌ ولا ... إياسٌ ولا النظَّام حزراً ولا حدسا(1)
وهذا القدر كافٍ إذا المقصد التنبيه، وبينهما قصائد، هي للمعاني البديعة شباك ومصائد. وأمّا الأديب محمد بن لطف الله الخواجا - رحمه الله تعالى - فممَّا كتبه إلى السيد من صنعاء إلى كوكبان قصيدة يلغز فيها بذكر الغيل الذي خرج إلى الجراف من قريب سور صنعاء المحميَّة على يد مولانا العلامة عزّ الدين محمد بن الحسن بن أمير المؤمنين - سلام الله عليهم أجمعين -.
أوُّلها:
فؤاد له في الظاعنين مسير ... وجسم بصنعا موثقٌ وأسيرُ
أأحبابنا إن فرَّق(2) الدَّهرُ بيننا ... وعاد صفاء العيش وهو كديرُ
/107/
وذبت اشتياقاً للقا وصبابة ... وهاجَ بقلبي لوعةٌ وزفيرُ
فكم رُمت أن أمضي إليكم مع الصّبا ... فيمنعني دهري وتلك تسيرُ
ومنها:
وقالوا أتبكي في أزال من الأسى ... وعنها جيوش النائبات تسيرُ
فنحت وأسرابٌ من الطير عُكَّفٌ ... وعبرت والريح السحاب تثيرُ
وهل نافعي أن الرياض تدبجت ... وطال بها للسَّاجعات هديرُ
وألبسها فصل الرَّبيع برودُه ... وفاح شذَاها صنْدَل(3) وعبيرُ
وغنَّت على رقص الغصون حمامُها
... وصفَّق فيها جُدوَلٌ وغديرُ
وللبُعدِ في الأحشاء ما لو أقَلَّه ... الرَّواسي لنادَى بالثبور ثَبِيرُ
وفارَقت مخدوماً رَعَى الله عهده ... وداناه سعدٌ مقبلَ وسرورُ
ومنها في المديح:
إذا زار روضاً ذاوياً حنَّ جذعه ... كما اهتزَّ تيهاً منبرٌ وسريرُ
فنعماه عن أحمد مالك النّدى ... يسلسل أخبار الندى ويدَيرُ
ألا يا بني يحيى الكرام علوتم ... على رتبٍ ما طالهنَّ (ثبيرُ)(4)
ومنها في صفة النَّهر:
__________
(1) هرمس: لم أجدها في القاموس. إياس: لم أجدها في القاموس. النظّام: شيخ الجاحظ.
(2) في (ب): باعد.
(3) وفي (ب): مندل. والصندل: نوع من البخور العطرة.
(4) الثبير: الجبل.

جواد على الجيران لكنَّ فيضه ... إذا جاءت السحب الغزار غزيرُ
بسيطٌ مديدٌ وافرٌ متداركٌ ... طَويلٌ ومن جاراه فهوَ قصيرُ
فأجابه السيد شمس الدين بقصيدة طالعِها:
ألاطفُ فيك الرّيح حين تسيرُ ... وأفهمُ رَمْزَ البَرق حينَ يشيرُ
(وألتاح) نحوَ الشرق إن عبر الصبا ... وعبَّر عنها في العبور عبيرُ
وأطوى بها نشر السلام وإنما ... لِمَيِّتِ صبري عند ذاك نشورُ
إلى أن قال في حلِّ لغزه في النَّهر:
وإن شئت حلاً للذي قد عقدته ... لظنك بي أني بذاك جديرُ
فذلك صبٌّ في سواقيه هائمٌ ... يمرُّ على ساحاتِها ويَمُورُ
إلى هنا ما أردت نقله للترويح من (الترويح)، وفي ذلك التصريح، بذكر(1) هذا الفاضل يستفاد من (التلويح).
قال هذا الفاضل - رحمه الله -: وسميته بترويح المشوق انتظاراً لرَوح الله وفرجه الَّذي أنا فيهما طامع، وفي (تلويح البروق) تشبيه لأذهان الأذكياء بالبروق لظهور الجامع. قال - رحمه الله -: ولو قيل (تلويح البروق في ترويح المشوق) لاستقام، ومن لطائف هذه التسميَة أن(2) جاء التأريخ فيها لتمام الكتاب عفواً، انتهى.
/108/ قلت: توفي - رحمه الله - بداره بروضة حاتم(3) وحُمِل إلى روَضه خزيمة(4) لهذا اتفقت اللطيفة للفقيه بديع الزَّمان حسن بن علي بن جابر الهبل، حيث قال: بيتين مرثياً بهما هما أفضل من قصائد للَّه درّه:
يا قبر أحمد كم حويت ... مكارماً ومحامداً
شهدت بذاك خزيمة ... وكفى خزيمة شاهدا
__________
(1) في (ب): بفضل.
(2) في (ب): أنه.
(3) روضة حاتم وتسمى روضة أحمد، شمال صنعاء بمسافة خمسة كيلو متراً في الطريق إلى مطار الحربة، واسمها القديم (المنظر)، وعرفت بروضة حاتم نسبة إلى ما فيها السلطان حاتم بن أحمد اليامي (السلطان الثالث من سلاطين آل الصليحي)، (انظر معجم المقحفي ص: 276).
(4) خزيمة بضم الخاء وفتح الزاي: اسم المقبرة صنعاء الغربية، ما زالت إلى اليوم تحمل هذا الاسم، (المصدر السابق ص: 214 - 215).

ووفاته - رحمه الله - في [بياض في المخطوطة والمعروف أنه توفي سنة 1080ه].
ورثاه العلامة محمد بن إبراهيم السحولي - رحمه الله - بقصيدة بليغة فقال:
جزعي عليك مدى الحياة معي معي ... حتى أوارَى في الضريح البلقع
ويقل أن تجري عليك حشاشتي ... ونَفيض(1) بعدك مهجتي في أدمعي
ويقل فيك إذا هجرت مشاربي ... ومطاعمي وهجرت بعدك مضجعي
ويقل أني لا يمرُّ بخاطري ... أحدٌ سواك ولا يمرُّ بمسمعي
لو أنني وفِّيت حقك كان في ... ميعاد مصرعك المروع مصرعي
ليت المنون تريد منَّا فِدية ... حتَّى بمثنى أو ثلاث ومربَع
أوْلَيتُها(2) طوعي فكنت أمرتُها ... لبقاك تنزع مهجتي من أضلعي
فجع على فجع ولا مثل الَّذي ... ألقى لفقدك من فضيع تفجُّعِ
لولا التيقن أنني بك لا حق ... وكربعك الخالي سيخلو مربعي
لقتلت نفسي أو أرحت مع الوحو ... ش العصم في شم الشوامخ أربعي
سحقاً ليوم جا بأشأم طالع ... ولليلة طلعت بأنحس مطلع
صُمَّتْ عليك جميع آذان الورى ... تنعي وأتقى من نُعي
ما مثل يومك مرَّ يوم في وجيع الر ... زء حقّاً أو فضيع الموقع
صدع القلوب ومادت الدنيا به ... وله الشوامخ أوشكت بتصدع
والشمس كاسفة وقد طلعت على ... الآفاق وهي كأنها لم تطلع
ما مثل يوم رحلْت نحو خزيمةٍ ... وعلى سريرك رحت خير مشيَّع
قد شيعتك صواهلٌ وذوابلٌ ... ومناصلٌ مثل البروق اللُّمع
وأئمَّة من آل أحمد سلسلوا ... لحديث يومك مُرْسَلات الأدمع
فارقْتَنا كرهاً برغم أنوفنا ... وبرغم كم من أصيَدٍ سميدع(3)
ما كنت أخشى أن أودع مالكي ... هذا الوداع ولا أراه مودع
هذا وداع لا تلاقيَ بعده ... إلا إذا ما حان يوم المفزع
يا خيرة الأطهار يا ابن مُطهَّرٍ ... وابن الإمام الحبر يحيى الأورع
/109/
يا أحمد المسعود وقت حياته ... ومماته حقاً وزاكي المنبع
ما قبل لحدك ملحد شمس الضحى ... هبطت إليه من المحل الأرفع
__________
(1) لعلها: وتفيض.
(2) لعلها: أوْ لَيْتَها.
(3) العجز غير موزون.

ما مت أنت وإنما مات التقى ... حقاً وكل تحرج وتورع
والعلم والعمل الَّذي هو صالح ... والحلم مشفوع بخلق أوسع
يا قادر الدُّنيا الدنيَّة قدرها ... يا ذاخر الدُّنيا(1) ليوم المرجع
لله درك من إمام عاملٍٍ ... علاَّمةٍ (ندسٍ) (2) ذكيٍ ألمعي
كم قد رأيت بلطف ذهنك مرَّة ... ما لا يُرى وسمعت مالم يُسمع
من للمعارف والعوارف والمعا ... لي والمعاني والبيان الأبدع
من للبلاغات التي عزباؤها ... وصلت إليك عن البطين الأنزع
من للعلوم دقيقها وجليلها ... ولحلِّ مشكلها بفهمٍ مسرع
جمت مناقبك التي لم يُؤتها ... أحد سواك ولا وعاها من يعي
طابت وطبت (ورقتما) كل الورى ... في منظر أبد الزمان ومسمع
طُوِيَ البساطُ بساط كل فضيلة ... لا يدَّعيها بعد يومك مدَّعي
بأبي من الخلائف من تراه خليفة(3) ... وتراه يأسو كل كلم موجع
ما غير صنويك اللذين هما هما ... علياهما طبع بغير تطبَّع
ما غير نجليك اللذين نراهما ... رقيا إلى أعلى محلٍ أرفع
ورثاك ما أورثته عن سيد الكونين والثقلين خير مشفع
صلى عليه الله ثم عليك يا ابن الأكرمين صلاة غير مودَّع
وعليك لا برحت عزالي رحمة ... تسقي عبير ترابك المتضوع
والله ندعوه بجبر مصابنا ... بك فهو أولى من أجاب ومن دُعي
وهو الذي نرجوه يجمع شملنا ... في جنَّة الفردوس أسنى المطمع
وإلى هنا أرثيك واعلم أنني ... جزعي عليك مدى الحياة معي معي
أحمد بن الحسن المؤيَّدي [ - 1003ه](4)
__________
(1) في (ب): الحسنى.
(2) الندس: الفهم الفطن الكبير. تاج العروس ص9، باب السين.
(3) الصدر غير موزون.
(4) أحمد بن الحسن بن علي بن صلاح المؤيدي الضحياني المتوفى بضحيان في ذي القعدة سنة 1003ه من مصادر ترجمته أعلام المؤلفين الزيدية ص 95 ترجمة (65)، وذروة المجد الأثيل خ، سيرة الإمام الحسن بن علي بن داود خطية (مؤلفات الزيدية 2/150، تراجم آل المؤيد - خ - 103.

السيد العلامة، أحمد بن الحسن المؤيَّدي الضحياني، عرف بطالب الخير، كان من أعيان وقته وعلماء زمانه، وصحب الإمام الحسن بن علي بن داود، ثم الإمام القاسم - عليهما السلام - وهاجر إلى (العُصَيْمات)(1)، واتفق له هنالك كرامَة، وهو أنَّ بعض الناس سبَّه - رحمه الله - فجاء كلب جرَّ لسانه، أخبرنا بذلك ولده السيد الفاضل محمد بن أحمد، وكان من الفضلاء، وله معرفة، وتعمَّر كثيراً رحمهما الله جميعاً، وللسيِّد أحمد بن الحسن (شرح على الحاجبية)، وهو في التحقيق حاشية السيد محمد بن عز الدين، إلا أنه هذَّب وزيَّد /110/، ونقص وهيَ أجمع للفوائد، ولعلَّه ما فعل ذلك إلا لوصيَّة السيد محمد بن عز الدين - رحمه الله - فإنه ذكر ذلك، وفي آل المؤيَّدي من اسمه أحمد بن الحسن طالب الخير من أعيان الرؤساء، شجاع باسل، وهو غير هذا فاعرفه.
أحمد بن الحسن الشاوري [ - 916ه]
الفقيه، العلاَّمة، البليغ شمس الإسلام، أحمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم الشاوري. خطيب الجامع بصنعاء صاحب اللَّسن والبلاغة، والخطب التي هي أساور مصاغة، ترجم له العلامة أحمد بن عقبة، وأنشد له قصيدته التي وجَّهها مرثية في العلامة محمد بن الحسن بن أحمد بن عقبة الآتي ذكره، وهي قصيدة تدُلُّ على كمال وبراعة أوَّلها:
سلام على الدنيا سلام وداع ... فما عيشها إلا قليل متاع
سهام المنايا في مقاتل أهلها ... صوائب قد أعيوا(2) لها بدفاع
وأيدي الرَّزايا كل يوم تنالهم ... بخطب له يرتاع كل شجاع
وما برحت أحداثها تستفزهم ... وتصرع من أمسى شديد صراع
وتفرق منهم كل شمل مفرق ... وتننزلهم في الوهد(3) بعد يَفَاع(4)
__________
(1) العُصيمات بضم العين وفتح الصادر، بطن من بطون حاشد (معجم المقحفي ص: 449).
(2) في (ب): عيَّوا.
(3) الوهد: الحفرة.
(4) اليَفَاع: المرتفع من كل شيء، يكون في الشرق من الأرض والجبل والرمل وغيرها (معجم الوسيط 2/1065).

وتقصي عن الأبناء وجه أبيهم ... وما بينهم إلا كقيد ذراع
وكم قرعت من مسمعٍ لملمَّة ... وقارعة تنسي بيوم قراع
وصالت على أهل الممالك صولة ... تقود برغم الأنف كل مطاع
وألوت بمن في الأرض شرقاً ومغرباً ... وأوَدت بمرَعيٍ ومن هوَ راعي
وما الناس نحو الموت إلا كمثلِ ما ... ترى مرَّ طير في الهواء سراع
فهل يا عباد الله معتبر بما ... يراه وبالأخبار عند سماع
وهل صارف عن هذه الدار وجهه ... وساعٍ إلى مافيه يُحمد ساعي
له من عقال العقل عنها صوارف ... ونحو الذي يبقى لديه دواعي
فما النَّاس إلا هالك وابن هالكٍ ... وما بين منعي إليه وناعي
وقد صح أن الموت قالع كل من ... أقام ولو في شامخات قلاع
وأن ليس للأعلين يعرف رتبة ... ولا للذمام الماضيات يراعي
ولو ذاده فضل عن المرء أو تُقى ... ونجَّاه مجد أو تطاول باعِ
لجانب سوح الماجد الأكرم الذي ... فضائله تُروَى بغير نزاع
إلى آخرها، وأحسن غاية الإحسان، وستأتي ترجمة محمد - رحمه الله - ووفاة محمد المذكور سنة ست عشرة وتسعمائة.
أحمد بن الحسن الفرزاذي(1)
الشيخ الأجل أحمد بن الحسن بن علي بن إسحاق الفرزاذي العراقي - رحمه الله تعالى - من أهل التحقيق، لقيه القاضي الصَّدر جعفر بن أحمد اليمني في رحلته إلى العراق، وهو شيخه في (الجواهر والدرر) وغيرها(2).
أحمد بن الحسن بن أبي القاسم [ - ]
الشيخ المحقق المسنِد أحمد بن /111/ الحسن بن أبي القاسم بابا الأزوني(3) - رحمه الله تعالى - من تلامذة الإمام المرشد بالله - عليه السلام - وهو شيخ الكني المتقدم ذكره - رحمه الله -.
أحمد بن الحسن بن عواض [ - ق7ه]
__________
(1) سند أمالي المرشد، طبقات الزيدية الكبرى (القسم الثالث) 1/110 ومنه: الجواهر المضيئة، لوامع الأنوار، الأمالي الصغرى للإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني - عليه السلام -.
(2) في (أ): وغيرهما.
(3) في حاشية (أ): الأذوني.

الفقيه الفاضل الكامل، أحمد بن الحسن بن عواض السفياني، كان فقيهاً صالحاً، وله مسائل، ووجَّه إليه الأمير الحسين (الأجوبة العقيانية في المسائل السفيانية في مخالطة الظلمة) (1) وله الشروح الستة انتزعها من شرح القاضي زيد، ذكر ذلك ولده العلامة محمد بن أحمد بن حسن بن عواض - رحمهم الله - ونقل عنه أنه أفتى بجواز نكاح زوجة الجدِّ أبي الأم، ووافقه على ذلك السيد العالم يحيى بن الداعي، قال في (الروضة). و(الغدير): وقد أحسن الأمير الحسين في (التقرير) الرَّد عليهما.
أحمد بن الحسن الرصاص [ - 621ه] (2)
__________
(1) الأجوبة العقيانية خ، سنة 1063ه، ضمن مجموع بمكتبة الأوقاف رقم 662.
(2) من مصادر ترجمة الرصاص أعلام المؤلفين الزيدية ص 91 ترجمة 62، الحدائق الوردية خ، المستطاب خ طبقات الزيدية خ، الجامع الوجيز خ، الجواهر المضيئة خ سيرة الإمام عبدالله بن حمزة في 156 وغيرها، انظر أعلام المؤلفين.

الشيخ الأصولي المتكلم، شحاك الملحدين، شفاء الموحدين، الشهاب، المتقد، النقاب المنتقد، أحمد بن الشيخ الجليل الحسن بن محمد الرَّصاص، مؤلف (الخلاصة) في علم الكلام(1)، كان من أهل العلم الغزير والمجد الخطير، وله في الأصولين مؤلفات كثيرة(2)، وفاته - رحمه الله تعالى - عشية [السبت](3) لثمان ليال بقين من محرم أول شهور إحدى وعشرين وستمائة - رحمه الله - وله (كتاب مناقب أمير المؤمنين) (4) وهو غير صاحب (الفعلة)(5).
أحمد بن حجلان الوادعي [ - ق6ه]
__________
(1) الخلاصة النافعة بالأدلة القاطعة في قواعد التابعة (علم الكلام) منه ست نسخ خطية في مكتبة الأوقاف بالجامع، وثلاث نسخ في المكتبة الغربية، ونسخة في الإمبروزيانا، ونسخة بمكتبة السيد محمد بن عبد العظيم الهادي، وأخرى بمكتبة السيد المرتضى بن المفضل هجرة السر خطت سنة 813ه.
(2) من أهم مؤلفاته مصباح العلوم في معرفة الحي القيوم، والدرر المنظومات في سلك الأحكام والصفات، والوسطة في مسائل الاعتقاد الهادية إلى سبيل الرشاد، وحقائق الأعراض وأحوالها وشرحها، والتذكرة وغيرها، انظر تفاصيلها وأماكن مخطوطتها في أعلام المؤلفين الزيدية.
(3) ما بين المعقوفين بياض في المخطوط، وأثبته من طبقات الزيدية الكبرى (القسم الثالث) 1/109.
(4) اسمه الشهاب الثاقب في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، منه نسخة في مكتبة الأوقاف برقم 16 في مجاميع ونسختان في الغربية ضمن مجموعي (10) (17) ونسخة بمكتبة السيد محمد بن عبد الملك المروني بصنعاء، وأخرى بنفس المكتبة.
(5) ما بين القوسين سقط من (أ) وهو في (ب) وصاحب الفعلة هو الذي نكث بيعة الإمام أحمد بن الحسين المعروف بأبي طير - عليه السلام - واشترك في قتله.

الفقيه العلامة، ظهير الدين، أحمد بن حجلان الوادعي، عالم كبير، رأس خطير، من بيتٍ ورثوا الرياسة كابراً عن كابر، وكانت تناط بهم الأمور، ويستصلح بهم الجمهور، ويفهم من كلام العلامة أحمد بن محمد بن حسن بن عقبَة أن مسكنهم الأصلي هجرة مُعِين(1) من جبل صعدة، ولي أحمد بن حجلان هذا نواحي صعدة ومخاليفها جميعها(2) لقبض الواجبات وحفظ بيت المال والتصرّف به على مقاصد الشرع بأمر الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليهما السلام - قال العلامة علي بن نشوان: كان (العلامة)(3) أحمد بن حجلان رجلاً عالماً ورعاً، حليماً مجرِّباً، جيّد المعرفة، حسن السياسة، عدل القضيَّة، رؤوفاً بالرعيّة.
قلت: وله - رحمهم الله - مآثر صالحة وأخبار طيبة - رضي الله عنه -.
أحمد بن الحسين بن الأكوع(4) [ - ]
الفقيه الأستاذ شيخ الإمام المنصور بالله أحمد بن الحسين الأكوع الحوالي - رحمه الله تعالى - كان من أئمَّة الأثر الحفَّاظ، ومن شيوخ الأئمة - عليهم السلام -.
أحمد بن الحسين بن عيسى [ - ]
الفقيه الفاضل الصالح العالم شهاب الدين أحمد بن الحسين بن عيسى البارقي(5) - رحمه الله تعالى - ذكره العلامة يحيى بن محمد بن الحسن بن حميد المقرائي، وعدَّه في تلامذة الفقيه يوسف - رحمهم الله جميعاً -.
أحمد بن حميد بن سعيد [ - 773ه]
__________
(1) ولعلها التي ينسب إليها بنوه مُعِينَ بضم الميم وخفض العين وسكون الياء - وهم قوم من خولان بن عمرو بن الحاف في صعدة، إليهم ينسب الصوفي الكبير مدافع بن أحمد بن محمد المعيني، ثم الخولاني، عاش في القرن السابع الهجري (معجم المقحفي ص: 614).
(2) في (ب): جميعاً.
(3) زيادة في (أ).
(4) من مصادر ترجمته طبقات الزيدية الكبرى (القسم الثالث) 1/115 - 116 رقم (42).
(5) في (أ): الباقري.

شيخ الأئمَّة وترجمان علومهم، الفقيه الإمام، العابد الناسك، أحمد بن حميد بن سعيد الحارثي - رضي الله عنه - هو كما قال الواثق في حقه: ينبوع العلم الفوَّار، وزبرقان الفلك الدَّوار، طراز علالة الكراسي وطود الحكمة الراسي.
أريب رست للعلم في أرض صدره ... جبال جبال الأرض في جنبها قفُّ
يحل العقود الفلسفيَّات فكره ... ويستغرق الألفاظ من لفظه حرفُ
فاتح الأرتاج ودرّة التاج.
وإنَّ صخراً لتأتم الهداة به ... كأنَّه علم في رأسه نار
/112/ واسطة العقد الفريد أحمد بن حميد بن سعيد مدَّ الله مدَّته وحرس مهجته، وترجم له السيد العلامة يحيى بن المهدي الحسيني(1) في كتاب (الصلة) والمقرائي في (النزهة).
__________
(1) في (ب): يحيى بن المهدي بن الحسين.

قال السيد عماد الملَّه - رحمه الله - ما لفظه: كان أحمد بن حميد أعاد الله من بركاته عالماً فاضلاً ورعاً، يرى لأهل بيت محمدٍ أبلغ ما يرى لنفسه، ويهتش عند رؤيتهم اهتشاش النّهم الصرم مالم أرَه في غيره، كافاه الله عنَّا بالحسنى، حكى لي أنه قرَأ سورة (كهيعص) وانتهى إلى ذكر الأنبياء - عليهم السلام - إبراهيم الخليل، وإسماعيل، ويعقوب، وموسى، وهارون، وإدريس - صلوات الله عليهم أجمعين - فارتعش قلبُه وقال: يا لك من شرفٍ يعظِّمهم الله، ويذكرهم عنده، أو ما معناه هذا، فسمع قائلاً لا يراه يقول: وأنت منهم وأنت منهم، وكان نفع الله به في علم الكلام كعبدالجبار قاضي القضاة، وفي ولاء الورع كعمرو بن عبيد، وفي ولَاء أهل البيت كالصَّاحب الكافي - رضي الله عنه -. انتهى(1)
أحمد بن حميد المحلي [ - 701ه](2)
__________
(1) من مصادر ترجمة أحمد بن حميد بن سعيد الحارثي المتوفى 773ه، صلة الإخوان خ، والنزهة لابن حميد خ، وطبقات الزيدية خ، الجواهر المضيئة، ولوامع الأنوار 2/315، والمستطاب خ، ومصادر الحبشي 158، وأعلام المؤلفين الزيدية ص 105، ترجمة (77)، وانظر بقية مصادر ترجمته هناك، ومن مؤلفاته: قنطرة الوصول إلى تحقيق جوهرة الأصول فرغ من تأليفه سنة 752ه خ، منه نسخة بخط المؤلف في 191 ورقة رقم (1795) مكتبة الأوقاف الجامع الكبير، مصورة بدار الكتب المصرية رقم (263).
(2) من مصادر ترجمة المحلي، الطبقات الكبرى خ، إجازات القاضي أحمد بن سعد الدين المسوري خ، وأعلام المؤلفين الزيدية ص 105 ترجمة76.

القاضي، المحقق، الجليل، شهاب الدين، أحمد بن حميد بن أحمد المحلي - رحمه الله تعالى - كان من عيون وقته علماً وفضلاً، وتولَّى القضاء، وله مقالة مشهورة في العتق، توفي يوم الجمعة ثاني شهر صفر سنة إحدى وسبعمائة، وقبره بجميمة سخدا(1) مشهور مزور، عليه مشهد هنالك، وكان من أكابر شيعة الإمام المطهر بن يحيى، وذكره في كتابه إلى (جيلان) الموجَّه إلى الفقيه العلامة الصدر شمس الدين داعي أمير المؤمنين أبي محمد القاسم بن أحمد بن سليمان الجيلي الزيدي الناصري صاحب (بيهجان)، فقال: وقد ذكر بعض من في عصره من علماء أهل البيت - عليهم السلام - وشيعتهم: ونحن نعلمكم أيّدكم الله والحمد لله رب العالمين أن فينا من العلماء المبرزين والحكماء المميزين عدداً كثيراً وجمّاً غفيراً من العترة الهادية المهدية، وأشياعهم من الفرقة الناجيَة الزيدية، فمنَ العترة شموس علم باهرة، وأقمارُ فهمٍ زاهرة، فمنهم من أولاد القاسم بن إبراهيم جماعة وافرة، يُرَجّون للإمامة، ويؤهلون للزعامة، ويحف بهم من علماء الزيدية نجوم علم منيرة، وأقمار فهم مديرة وعيُونهم المشاهير:
أحمد بن حميد
الفقيه العالم ابن العالم جمال الدين، أحمد بن حميد، محيط بالأصولين إحاطة الهالة بالقمر، ومحتَوٍ على الفروع احتواء الأكمام على الثمر، ضارباً في علم الفرائض بالحظ الوافرِ، ومن العربيَّة بنصيب غير قاصرٍ، أشبه أباه الشهيد خُلُقاً وعلماً وماثله خَلْقاً وحلماً، ومن أشبه أباه فما ظلم، ثم ساق الإمام علي هذا النمط وذكر جماعة من الشيعة - رضي الله عنهم - ورثاه السيِّد سليمان بن محمّد الحمزي - رحمه الله - فقال:
بحر من العلم عمَّ الدين زاخره ... وبدْر تمٍّ أضاءتنا بوَادره
وطود حلم تذرى الشمّ راسخة ... وغيث جود أغاث الأرض ما طره
/113/
__________
(1) في (أ): تخذا، وهو تصحيف، والصحيح ما في (ب)، وهي جميمة سخدا بمهملتين بينهما معجمة.

وذو شمائل مثل الروض ضاحكة ... جناته(1) حاكياً للزهر زاهره
أحيا الإله به الإسلام ثم مضى ... فمات عن موته البادي وحاضره
من للمنابر حقاً لا يلم بها ... من المصاقع خطيب لا يناظره(2)
ومن لمثكلةٍ أو من لأرملة ... بعد الجمال ومن للعرف أمره
لا مثل ذلك يأتينا الزمان به ... ولا قريع له في الدهر قامره
فإن مضى فحميداً عاش ثم بقت ... عنه مآثر لا زالت مآثره
ولم يزل من حسام الدين والده ... ذا همَّةٍ عالم للحق ناصره
فكل عين لفقد الفذ باكية ... وكل قلب قريح منه ذاكره
ذاك الصراط جميع الخلق سالكه ... ومنهل وارد فيه وصادره
سقَى الضريح الذي وارَى صفائحه ... وجهاً كريماً من الوسمي باكره
ولا ألم بآل بعده أبداً ... رزءٌ ولا كان إلا ذاك آخره
أحمد بن حميد بن أحمد [ - 802ه]
الفقيه الفاضل، أحمد بن حميد بن أحمد بن حميد، كان من العلماء - رحمه الله تعالى - سمع من والده حميد الصَّغير، توفي - رحمه الله - يوم الأربعاء سابع وعشرين من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانمائة، وقبره ببيت النجار.
أحمد بن حنش الكندي [ - نحو670ه] (3)
__________
(1) في (ب): ضاحكة أزهارها.
(2) العجز زائد على الوزن.
(3) أحمد بن حنش، من مصادر ترجمته: أعلام المؤلفين الزيدية ص 106 ترجمة 78، طبقات الزيدية خ، الجواهر المضيئة خ، مؤلفات الزيدية 2/325، 350.

الفقيه الفاضل الرئيس(1)، أحمد بن حنش الكندي الشهابي - رحمه الله - نسبه إلى شهاب بن العاقل الأكبر بن ربيعة بن وهب بن ظالم بن معاوية بن كندة، واسمه ثور بن عقير بن عدي بن الحارث بن مرَّة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، هذا هو الصَّحيح في نسبهم ونسب بني شهاب لا إلى الأشعث بن قيس، هكذا حقّقه المحققون، ونسب الأشعث منحط قد وصمه أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - وكفى به، كان عالماً، قال في تأريخ السَّادة ما لفظه: أحمد بن السلطان حنش الكندي الشهابي، كان وصل أحمد هذا من بلاده يجاهد مع الإمام المنصور بالله - عليه السلام - بآلة الحرب على ما كانت عليه قبائل الزيدية، وكان يسكن الحيمة(2) وفيها واد ينسب إليه ويعرف الآن بوادي حنش، فساقه اللطف إلى طلب العلم الشريف والرغبة فيه إلى أن بلغ به وبأولاده إلى حيث عرف في أمر الدين. انتهى
قلت: ويقال: إنه - رحمه الله - صنّف كتاباً في الفقه(3)، وقبره بظفار، وفاته(4) في عشر السبعين وستمائة.
أحمد بن داود بن يحيى [ - ] (5)
__________
(1) في (ب): الرائس.
(2) الحيمة: بلاد واسعة بالغرب الجنوبي من صنعاء بمسافة 37 كيلوا متر إلى أوائلها، وهي قسمين: الحيمة الداخلية، والحيمة الخارجية (انظر عن تفاصيل ذلك معجم المقحفي ص: 204 - 205).
(3) لم أجد له نسخة خطية، وتنسب إليه القصيدة المعشرة (قصيدة طويلة في مدح الإمام يحيى بن حمزة - عليه السلام - في كل قافية عشرة أبيات من قافية الهمزة إلى قافية الياء) خ، منه نسخة بمكتبة السيد محمد بن عبد العظيم الهادي بضحيان منسوبة على أحمد بن حنش الكندي، فعله من أحفاده.
(4) بياض في المخطوطة.
(5) أحمد بن داود من مصادر ترجمته الترجمان خ، ومآثر الأبرار 3/1079.

السيد الفاضل الكامل أحمد بن داود بن يحيى بن الحسين، قال ابن المظفر - رحمه الله -: هو علامة وقته وفقيه أهل البيت - رحمه الله - وقد ترجم له غير ابن المظفر، وأثنى عليه كثيراً - رحمه الله - وأعاد من بركاته.
أحمد بن داعي الديلمي [ - ق5 تقريباً](1)
الفقيه الإمام أحمد بن داعي الديلمي البيهجاني - رحمه الله تعالى - هو المعروف بداتشي، قال يوسف حاجي الناصري يقال له: فقيه داتشي(2)، قبره في بيهجان في بلكر مزور، له من الكتب (تعليق الإبانة) و(تعليق التحرير)، وكتاب جوابات (تعليق)(3) الملاحدة.
قال يوسف بن الحسن الجيلاني في ردّه على أبي مضر: إن كتابه في تحريم مصالحة الملاحدة./114/
أحمد بن راشد الينبعي [ - 819ه]
الفقيه العالم، الزاهد، شمس الدين: أحمد بن راشد الينبعي، الزيدي، قال الشريف محمد بن أحمد الفاسي المالكي في تأريخ مكة المسمَّى (بالعقد الثمين في تأريخ البلد الأمين): كان قاضي ينبع، وكان يتولى الأحكام بوادي ينبع من (بلاد)(4) الحجاز بولاية من الإمام الزيدي صاحب صنعاء، ولي ذلك سنين كثيرة حتى مات، وكان يتوقف في شهادة كثير من المخالفين لمذهب الزيدية، حجَّ سنة تسع عشرة وثمانمائة فأدركه الأجل بعد الحج يوم النفر الأول أو الثاني من هذه السنة، ودفن بالمعلامة، وبني على قبره نصب.
__________
(1) أحمد بن الداعي، من مصادر ترجمته: طبقات الزيدية خ، اللآلئ المضيئة خ، الجواهر المضيئة خ، تأريخ الأئمة الزيدية في الجيل والديلم ص 163، وانظر عنه وعن مؤلفاته أعلام المؤلفين الزيدية ص 107 ترجمة (79).
(2) في أعلام المؤلفين الزيدية: داتش.
(3) زيادة في (أ)، وفي أعلام المؤلفين الزيدية.
(4) في (ب): من وادي الحجاز.

أحمد بن رميح النخعي(1) [ - 375ه]
الشيخ الإمام الكبير، المحدِّث الخطير، أحمد بن رميح النخعي المروزي، صاحب التصانيف المفيدة والمحاسن العديدة، قال الحاكم: أقام باليمن (بصعدة)، ثم قدم (بغداد) فأكرموه وأخذوا عنه، قال الذَّهبي: ما المثَل فيه إلا كما قال ابن معين في عبد الرزاق: لو ارتدّ ما تركنا حديثه، واستَدعاه أمير صعدة من بغداد فأدركته المنية في (الحجفة)، وثَّقه الحاكم وغيره.
أحمد بن الريان [ - ]
الفقيه العلامة، أحمد بن الرَّيان عالم كبير، كان ينزل (بمدر)(2) من بلاد (حاشد)، وكان مألفاً للزيدية ومجمعهم للفضائل، وينفق عليهم، ولا يفارقون مجلسه في السمر للتلاوة والصَّالحات، ويعطيهم زبيباً، ورؤي أن زوجته تولت إخراج الزَّبيب لهم فأرادت أن تكيل لهم فمنعها وقال: الله أعطانا بغير كيل وأهل هذا البيت أهل نعمة، وكان ذكرهم مستمر إلى الأعصر المتأخرة نحو سبعمائة أو ثمانمائة سنة، وتزوج القاضي أحمد بن سليمان بن أبي الرجال - رحمه الله - منهم(3)، ولهم أخبار، وسيأتي ذكر بعضهم.
أحمد بن زيد البيهقي(4) [ - ق7ه]
__________
(1) من مصادر ترجمته: أعلام المؤلفين الزيدية ص: 167 - 168 ترجمة رقم (155) واسمه فيه: أحمد بن محمد بن رميح بن عصمة النخعي النسوي ثم المروزي، أبو سعيد (وانظر بقية مصادر ترجمته فيه).
(2) مدر: مدينة أثرية في أرحب شمالي صنعاء (معجم المقحفي ص: 574).
(3) في ب: فيهم.
(4) من مصادر ترجمته طبقات الزيدية الكبرى (القسم الثالث) 1/120 - 121 ترجمة رقم (47).

الشيخ الأكرم معين الدين، أحمد بن زيد البيهقي الحاجي(1) المروقني(2) الزيدي، ذكره الشريف المرتضى بن شراهنك، وأثنى عليه، وقال: وهو من تلامذة الشريف المرتضى حسيب الأبوين، أكرَم من تحت الخافقين، ملك السَّادة والنقباء علي بن ناصر الحسيني السرخسي، مؤلف (أعلام نهج البلاغة) وأحمد بن زيد المذكور، اجتمع به عمرو بن جميل النهدي العازم إلى (قطَابر)(3) المجيز للإمام المنصور بالله وابن الوليد، وكانت الإجازة صحوة النهار يوم الاثنين الثالث من شهر ربيع الآخر سنة ست وستمائة، وكان اجتماعهما بشاذاباج نيسابور في مدرسة الصَّدر يحيى بن إسماعيل بن علي(4) الحسيني في الضفة الشرقيَّة في شهر رمضان سنة ستمائة، وحضر معهما تاج الإسلام سالم بن أحمد بن سالم البغدادي، والشيخ العالم افتخار البحار أحمد بن محمد الواسطي، وقرؤوا جميعاً (نهج البلاغة) على تاج الشرف(5) يحيى بن إسماعيل، فالمملي هو الشيخ معين الدين أحمد بن زيد صاحب الترجمة ويحيى بن إسماعيل، هو الإمام الفاضل المبلغ دعوة الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة إلى مَلِك خوارزم، وهو علاء الدين - رحمه الله - وسيأتي ذكره، فإنه من مفاخر الزيدية. انتهى
أحمد بن ساعد بن فليته [ - ]
الفقيه العلامة، روض الأدب المتفتق، وبحر العلوم المتدفق، أحمد بن ساعد بن فليته بن أسعد بن علي الهاشمي نسباً، والهمداني بلداً، والعدلي مذهباً، الحاكم - رحمه الله - بذمار، من تلامذة القاضي العلامة عبد الله بن الحسن الدواري.
__________
(1) في (ب): أحمد بن زيد الحاجي البيهقي.
(2) في طبقات الزيدية: البروقني.
(3) قُطَابر بالضم: ناحية من قضاء جماعة في بلاد صعدة، بالجهة الشمالية من مدينة ساقين (معجم المقحفي ص: 518) تسمى اليوم قَطَابر بالفتح.
(4) سقط من (ب).
(5) في (أ): على باب أشرف.

قال السيِّد العلامة عماد الدين يحيى بن المهدي: فيه من العلم والفضل والورع والزهد ما شهرته تغني عن ذكره. قال السيِّد العلامة الهادي ابن إبراهيم: هو /115/ حملاني.
قلت: لعله نسبه إلى البلد، ورأيت بخط الحاكم المذكور أنه هاشمي النسب، همداني البلد. انتهى
أحمد بن سعد القدم [ - ق7ه] (1)
العلامة الأجل اللسان البليغ، وجه الزيدية وعالمها، أبو الحسن، أحمد بن سعد القدم. كان من الكمال بمحل عظيم، له في الأدوات والعلوم العقلية والشرعية القدم الراسخة، ترجم له فاضل بن عباس أبو دعثم الزيدي - رحمه الله - وأنشد من شعره في الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة.
رد من هواك لأسمى حيثما وردا ... واسمح بدمع غريب طال ما جمدا
لا تنه قلبك عن أمرٍ تحاولُه ... واقصُد به من رياض الحب ما قصدا
وقل لذي كبدٍ بالشوق قطعها ... من أين تلقى إذا قطعتها كبدا
بدت عشاء فقلت الشمس قد رجعت ... لأي حالٍ أم البدر التمام بدا
نصت قضيباً وعنَّت فوقه قمراً ... وجللته من اللَّيل البهيم رِدا
وهذا شعر فائق كما تراه ومن مديحها:
ولو رأيت أمير المؤمنين بجيش الـ ... ـكردي(2) والمورد الصعب الذي وردا
وأنفسُ الخلق والأكباد قد مُلِئت ... والأرض ترفل من أقطارها زردا
أبصرت صورة إنسانٍ على فرس ... قد أُلبِسَت تحت أثواب التقَى أسدا
انتهى.
أحمد بن سعد الدين المسوري [1007 - 1079ه]
__________
(1) من مصادر ترجمة أحمد بن سعد القدم: السيرة المنصورية 1/117، تأريخ اليمن الفكري في العصر العباسي 4/15، وأورد له في السيرة المنصورية أو الموجود منها قصيدة أخرى رائية غير التي أوردها المؤلف هنا.
(2) زائدة عن وزن البيت.

شيخنا العلامة، وسيدنا الفهّامة، حجّة الإسلام، وفخر الملة، شمس الدين، أحمد بن سعد الدين بن الحسين بن محمد بن علي بن محمد بن غانم بن يوسف بن الهادي بن علي بن عبد العزيز بن عبد الواحد بن عبد الحميد الأصغر بن عبد الحميد الأكبر المسوري - حفظه الله تعالى -(1)، هو شيخنا وشيخ الشيوخ، وأستاذنا وأستاذ أهل الرسوخ، العلامة الذي تعطو له أعناق التحقيق، وتكتنف بساحاته أنوار التوفيق حافظ الشريعة، حائط علوم الأئمة والشيعة الوسيعة، الماضية سيوف أقلامه في الأقاليم، والمحكمة آراؤه وعلومه في أنواع التعاليم والتحاكيم، فهو الذي يسَّر الله له العلم فصار جُمَّاعَه، وهيَّأ له أسبابه فهو أستاذ الجماعة، أمَّا الحديث فهو (الحاكم) المستدرك، وأمَّا التفسير فهو (محمود) الرواية والدراية المدرك، وأمَّا علوم المعقول فهو المطلق التصرَّف فيها، فهي بين مقيَّد ومعقول. وأمَّا الكتابة فهو المقتعد لمهادها الوثير، وهو قاضيها الفاضل الأثير فيها و(ابن الأثير)، رسائله المثل السَّائر في الأطراف، وأمرها ونواهيها الفلك الدائر القاطع لدابر أهل الخلاف، مقتبسُة من أنوار الكتاب، ناطقة بالحكمة وفصل الخطاب، يتشعشع منها البارق النبوي ويلوح، ويتضوّع منها العابق العلوي ويفوح، فكأيّن من مرفوع بالباطل خفضته، ومخفوض بعوامِل النصب وأهله رفعته، لا
__________
(1) من مصادر ترجمة المسوري: المستطاب خ، طبقات الزيدية خ، النبذة المشيرة في سيرة الإمام القاسم خ، بغية المريد خ، الجوهرة المنيرة خ، البدر الطالع 1/58، جامع المتون خ، بهجة الزمن خ، خلاصة الأثر 204 - 207، نفحة الريحانة 3/529، طبق الحلوى 98 ، 37، تأريخ اليمن لأبي طالب 82، 109، المؤرخون اليمنيون في العصر الحديث 48، مصادر أيمن السيد 238، الجواهر المضيئة خ، الأدب اليمني في عصر خروج الأتراك 238، مصادر الحبشي 334، 56، 57، 128، أعلام المؤلفين الزيدية ص109، ترجمة 82، وانظر بقية مصادره ومؤلفاته هناك.

جرم أن خطه هو الخطى العاسل، وكلمه السديد هو الأسد الكالم الباسل، مع لطافة طبع تكاد تسيل، ولين جانب يتعطف بالرفق /116/ ويميل.
وفضاضة يَلقى بها العاصين لا ... يلويه كونهم ذوي إكرَامهِ
فلا ريب أنَّ هذه الأمَّة كالمطر، وأنَّ هذا العيان يصدق ذلك الخبر، ومع ذلك فهو يباري بكرَمه الرياح الموارة، فهو غياث النزول وعتاد السيارة، كم انحل بكرمه وشفقته من أسير، وكم انحلَّ بميسور كرمه من عسير.
كأنَّ للمال في كفيه أجنحة ... فإن يقع منه شيء فيهما يطر
مع ثبات لِوَثبات النوازل، وتحمُّل لإثقال تئط منها البوازل، فالعجب من تلك الصَّلابة مع طبعه الشفيق الرقيق، ومن تلك الجلادة مع لطافَة فهمٍ كأنَّما ينظر إلى الغيب من سَترٍ رقيق، مع زهدٍ وورع شحيح، وعزف نفسٍ عن العاجل الذي صار الناس له بين قتيل وجريح، مع تمكنه من نفيس أعلاقه، وقبضه بالبنان لو شاء على مفاتيح أغلاقه، فإنه لم يزل في دور الخلافة آمِراً في مهمَّات الأمور، على رأيه المسَدَّد لولب فلكها المسعود يدور، غير أنه علم الغَاية، فلَوَى لِوَاء عزمه وطوَى عن المطامع رأيه، وأقبل على مأدبة القرآن، فاستبطن وامتلأ، وكادت تناجيه معاني القرآن إذا تلا، ونظر في العلوم الإسلاميَّة فاستخلص الزَّبد من لبنه، وأسَّس قواعدها بجواهر النبوءة لا بآجره ولبنه، ومع ذلك يقوم الليل إلا قليلاً، ويقطع أيامه صلاة وتلاوة وتسبيحاً وتكبيراً وتهليلاً، فقد ظهرت عليه آثاره، وزهرت على جبينه أنواره، ولم يزل يقرع المنابر، ويحلِّلها ويكلِّلها بإبريسم الوعظ والجواهر، بكلمٍ نبويَّة، وحِكَمٍ علويَّة، تهد الصلد الصفوان، ولا يقاس بها حكم (قيس) ولا (خالد بن صفوان).
بمعانٍ لَو كنَّ في سالِف الدهر ... لسكت مسامع (السكاكي)

وبالجملَة فينبغي لي قبض عنان القلم، فإني لا أجد عبارة لوصفه فهو أشهر من نارٍ على علم، رُبِّي أيّده الله في(1) مهاد الهدى، ورضع من أخلاف أخلاق الأئمة الذين بهم يهتدى، اتصل بالإمام المجدد المنصور، علم الهداية الظاهر المشهور، الإمام القاسم بن محمد بن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله (وسلم)(2)، المنعوت في الملاحم المذكورة، وغصن شبابه رطيب، وبُرد كماله قشيب، فبسق غصنه ودوَّح، وسبق جواده القرح، وكتب للإمام في الإنشاء، وأحسن فيه ما شاء، وكان الإمام يؤثره على الكفاة بكتب الوزير والباشا، ثم لمَّا أفل ذلك البدر استهلَّ الناس الهلال، فاجتمع الفضلاء للخوض في الجامع لخصال الكمال، فاجتمعت الكلمة من الكملة، أن جملة الشروط في المؤيَّد بالله من غير استثناء، متصلة(3) غير منفصلة، فحث القاضي - أيده الله - (في عقد الإمامة)(4) وأوضع، وسعى إلى أن أجمع فريق العلماء على ذلك أجمع، فعُقدت الولاية المسعودة، ونصبت أعمدَة أفياء ظلالها الممدودة، ثم وازر وظاهر، وجاهد وناصر، بعزماتٍ تعدَّ عندها العزمات /221/ زمعات(5)، وسطوات أصبحت لها جميع الأعداء جموع تكسير منهزمات، فكم نُشرت برأيه من رايات، وقامت(6) للحق بسعيه من علامات وآيات، بهمَّةٍ من فوق الفلك، وفكرة من تحت الدَّرك، وكم حظ الناس على حظوظهم من المناصرة، وكم أطال في شحذ الهمم القاصرة، وفي خطابهِ وخطبه ومنظومه وكتبه كقصيدته إلى بعض الأمراء.
كل يوم على الأعادي إغاره ... فسحاب على العدى مطَّاره
__________
(1) في (ب): ربي - رحمه الله - في مهاد المهدي. وفي الحاشية أيده.
(2) سقط من (ب).
(3) في (أ): المتصلة.
(4) سقط من (أ).
(5) حاشية في (ب): قال: (ظ) زعمات.
(6) في (ب): يسرت للحق.

ونحو قصيدته التي إلى سيف آل الرسول الحسن بن القاسم - عليهما السلام - يستنهضه على الأروام، وكان ولله الحمد على يدي ذلك السيِّد السريِّ بلوغ ذلك المرام، وأنشأ القصيدة وما قد كان شيء من ذلك، وأوَّلها:
كذا وأبيك تقتنص المعالي ... وتنتج للَّذي صبر اللَيالي
ويثمر(1) غرسُ من بذَرَت يداه ... سيوف الهند والقضب العوالي
ويحرز كل خصل ذو هموم ... يسابقها إلى أسنى الخصال
فضمر خيله ليحوز جنَّـ ... ـات عدن لا إلى ذات الوصال(2)
ومن يغضب لرب العرش يجزى ... السلامة والعلو بكل حالِ
ومنها:
ومن يقد الجيوش إلى عداه ... ينَل ما ليس يخطره ببالِ
ومن يخرج إلى الرحمن تنقد ... له الأعداء كرهاً كالموالي
كمثل أبي محمدٍ المؤدَّى ... بهمته فريضة ذي الجلال
سليل القاسم الحسن المرجَّى ... ضحوك السن إن دُعِيت نزال
فريد شدَّ عزمة هاشمي
ّ ... تزلزل حوبها أرض الجبال
وكما كمل به قصيدة السيد المجتهد الهادي بن إبراهيم - رحمه الله - التي قدمها إلى بين يدي الإمام الناصر - عليه السلام - وأسّس عليها كتابه (نهاية التنويه في إزهاق التمويه)، وكمَّلها(3) القاضي - أيده الله تعالى - وخمسَّها، وقدَّمها إلى بين يدي إمامه المؤيَّد بالله - عليه السلام - ثم وجَّهها الإمام - عليه السلام - إلى الشاه عبَّاس وهي من غرر القصائد وأول تكميل القاضي هوَ:
معاذاً برب العرش جل جلاله ... فموعدُه فيكم صريح مقاله
فحجَّته(4) فينا النبي وآله ... وكيف وفيكم للإله حباله
وما لحبال الله في الناس قاصمُ
بكم حجج الله المنيرة تظهر ... ودين الهدى في الشرق والغرب يوزر
ليصدق فيكم إنما أنت منذر ... وفيكم دلالات لقوم تذكروا
/118/
علومكم للعالمين مراهمُ
بذاك استمرّت فيكم دعوة الهدى ... يقوم بها من يشهر السيف للعدى
إذا ما مضى ماضٍ تلاه مجددا ... وعمَّا قليل يظهر الله مرشدا
__________
(1) في (ب): وتثمر.
(2) في (ب): الآصال.
(3) في (ب): فكملها.
(4) في (ب): وحجته.

تزول به في العالمين المظالم
ولم تزل المملكة المؤيَّديّة مؤيّدة وأعمدتها بحمد الله مثبتة موطدة، حتَّى إذا آنَ لصَدرها القفول، وحان لبدرها الأفول، وطلعت شمس الخلافة المتوكليَّة، وأضاءت أنوارها الشاملة الكليَّة، وهكذا البيت النبوي يلوح شارقُه إذا أفل غاربُه.
نجوم سماء كلما انقضَّ كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
فاستنار بالقاضي - أبقاه الله -(1) أبراقها، وتدلت من رياض عدلها غصونها وأوراقها، فهو الآن عذيقها المرجب، وجذيلها المحكَّك، يصدق لي ما رأيته في المنام، في سابقاتٍ من الأيام، وهي أني رأيت سيّد الجميع إمام المسلمين المتوكل على الله رب العالمين - حفظه الله - يستخلص فضّة من معدن، والقاضي أيّده الله تعالى يسبك تلك الفضَّة ويُصفيها، ويتمم محاسنها ويوفيها، رأيتها قبل أن يكون لمجلس الإمامة حلساً ولجسم وزارتها نفساً، فهو الآن مدره الحضرة، وعمدة تلك الأسرة، وكان مَولده - أيَّده الله تعالى- في ثاني شهر شعبان سنة سبع وألف، وتولى تربيته والده سعد الدين، علامة الإسلام وفخر المسلمين، فغذاه بعلومه النافعة، وأفعم صدره بالحكم الجامعَة، كان والدُه العالم الربَّاني، نسيج وحده في العالم الإنساني، أعاد الله من بركته ورحمه، وأخذ عن عمِّه عبَّادة الزمان، وعلامة الأوان، حواري أهل بيت النبوءة الأخيار (وواسطة عقد العلماء الأحبار)(2) علي بن الحسين بن محمد المسوري، - رضوان الله عليه - فاستمرأ من علومه سحائب، واستثمر من رياض علمه الغرائب ثمار الرغائب، ولقي مع ذلك عدَّة من الشيوخ الجلَّة، وثافن بركبتيه البراجمة الأدلة، حتَّى سبق في العلوم وحده، وميَّزته نقطة البيكار بالوحدة، ودرس عليه العلماء النبلاء، وتخرج عليه الكملاء الفضلاء، وتجمَّل بين يديه الأحبار بتجمُّل المحابر حتى لحق الأصاغر منهم بالأكابر، ولا جرم(3) أنه الحافظ للجواهر،
__________
(1) في (ب): أيده الله.
(2) سقط من (أ).
(3) في (ب): فلا جرم.

وكان غيره حاطب ليل، وأنه أحد الكمَلة الذين لمح إليهم أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - في كلامه لكميل: أولئك الأقلُّون عدداً والأعظمون عند الله قدراً، إلى آخر كلامه.
ومما تطوقته من النعم التي لا أطيق شكرها، ومن منن الله العظيمة القدر التي لا أقدر قدرها، اتصالي بجنابه، ومثولي برحابه، ينهلني من صفي علومه ويعل، ويكثر لي من فوائده ولا يقل، فتارة ألقَى القاضي (أحمد بن أبي داود) في الأيادي، وآونة ألقى به (قُساًّ الحكيم الإيادي)، وحينا ألقى به (مالك بن دينار)، قد ترك الدنيا فما أراه /119/ مالك درهم (كإبراهيم بن أدهم)(1) لغير العطاء ولا مالك دينار (كمالك بن دينار)(2)، وتارة ألقى به (الضحَّاك بن قيس) حلماً، غير أنه قد امتلأ من بحر (علي بن أبي طالب) علماً.
لو زرتَه لرأيت الناس في رجُل ... والدَّهر في ساعة والأرض في دار
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) زيادة في (ب).

ولقد أريت في بعض المنامات، ما يقضي أن السعادة لي بلزوم تلك المقامات، رأيت هوَّة حاجمة(1) ذات أخطار، قد وقع فيها رجال ذوو أخطار، ومن الناس من يمرّ عليها ويجوز ويفوز بالنعمة في جناتٍ هنالك ويحوز، فبينا أنا في حيرة الإبلاس، أضرب أخماساً من الفكرة بأسداس، وإذا بوالدي قد حضر عادت بركاته، وهذا الأستاذ دامت نعمته فأنقذاني من تلك الهوة، وعلمت أن ذلك بدعائهما لا بحولٍ مني ولا قوَّة، ولم أزل ما ثلاً بين يديه متشرفاً بالوقوف لدَيه، فقرأت عليه من عوين العلم ما أسأل الله أن يبارك لي فيه كـ(الكشاف) لجار الله إلى أوَّل سورة الأحزاب، وشطراً من تفسير الإمام أبي الفتح الديلمي المسمَّى (بالبرهان)، و(البساط) للناصر و(الإفادة) لأبي طالب و(الأسانيد اليحيويَّة) إلا قليلاً منها، و(الأساس) متناً من غير شرح مع معرفة المعاني، و(أمالي المؤيَّد بالله)، و(أمالي أبي طالب)، كراراً، و(أمالي المرشد الخميسيات)، والموجود في حضرته من (أمالي قاضي القضاة)، و(نهج البلاغة)، والكثير من (محاسن الأزهار)، وكتاب الشهادات خاصَّة من (الشفاء)، وبعض (أصول الأحكام)، ولمعا من (مجموع القاسم) ومن (أسنى المقاصد وجميع الشمائل) لابن عفيف، و(الأربعين حديثاً) للشريف السَيلقي - رحمه الله تعالى - و(الأربعين حديثاً الجزرية من رواية آل محمد)، و(سلسلة الإبريز)، و(القصَص الحق) للإمام (شرف الدين)(2) - عليه السلام - وأشعار جده الحسين بن محمد المسوري - رحمه الله تعالى - الملصَقة إلى (قواعد عقائد آل محمد) - عليهم السلام - للدَّيلمي نسخة سيِّدنا الحسين بن محمد المسوري - رحمه الله تعالى - وأشعاره حفظه الله الآلهيَّات والنبويَّات والحكميّات، وهي أشعار كثيرة عوذة من البلايا، ولقد أخبرني الثقة أنه أرسل بعض قصائده إلى الحرم النبوي، ولمَّا أدخلت من الشبَّاك أخبر الرائي لذلك الراوي، أنها انجذبت إلى قبر(3)
__________
(1) في (ب): جاحمة.
(2) سقط من (أ).
(3) في (ب): قرب محله.

محله صلوات الله عليه وعلى آله، وقرأت عليه رسائله وهي واسعة في علوم عدة لا آتي على حصرها، ومن كبارها وهي كتب لا رسائل: (الرسالة المنقذة من الغواية في طرق الرواية) (1) و(مختصر جلاء الأبصار) المسمَّى [تحفة الأبرار](2) و(تنوير البصيرة إلى أتقى سريرة) (3)، وغيره(4)، وله حضارة في الأجوبة علويَّة، كقوله لبعض علماء نجد من بلد الأحساء، لمَّا سأله عن الفلك الأعلى الذي كلف به من لم يكلف به، واستغرق أعمار الأعمار، فقال له القاضي: أنا مشغول في الأرض، فليس لي عهد بالسماء، وهذه على أساليب الأجوبة العلويَّة، نحو قوله - عليه السلام - لما سُئل كم من المشرق إلى المغرب. فقال: مسير الشمس يوماً أو كما قال.
__________
(1) انظر نسخها الخطية في أعلام المؤلفين الزيدية وقد طبعت محققة سنة 1417ه.
(2) بياض في المخطوط وهو تحفة الأبرار المنتزعة من جلاء الأبصار في أخبار العترة الأطهار خ، منه نسخة في مجموعة 122 مكتبة الأوقاف، وأخرى ضمن مكتبة السيد العلامة محمد بن محمد الكبسي - رحمه الله - مصورة بمكتبة السيد محمد بن عبد العظيم الهادي.
(3) منه نسخة خطت سنة 1071ه ضمن مجلد رقم (700) مكتبة الأوقاف، وأخرى مصورة ضمن مجموع بمكتبة السيد محمد بن عبد العظيم الهادي.
(4) وله من المؤلفات أيضاً: مجموع إجازات وأسانيد القاضي أحمد بن سعد بن المسوري خ، عندي نسخة مصورة منه وديوان شعره جمعه أحمد بن محمد الضبوي الضحياني بعنوان الدر الثمين من أشعار القاضي أحمد بن سعد الدين خ، بمكتبة المؤرخ زبارة، وغيرها انظر أعلام المؤلفين الزيدية.

ومن لطائف سيدنا - أبقاه الله تعالى -: أن بعض العلماء عاد من صنعاء بعد قراءة علوم الأدب، فذكر للقاضي ما ناله من التحقيق، والقاضي - أيَّده الله تعالى- في المهمَّات /120/ التي وصفنا، ثم قال للقاضي: ومن جملة ما حققنا مسألة أشياء هل هي لفعاً أو فعلاً، ثم وجَّه السؤال إلى سيدنا عن هذا البحث فقال له عافاه الله سريعاً: لا تسألوا عن أشياء، وأنا أسأل الله العظيم البر الرؤوف الرحيم أن يصلي ويسلم على سيدنا محمد، وعلى آل محمَّد وأن يمتع الإسلام بوجوده، وأن يشمله وإياي ببِّره الهامل(1) وجوده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
[قال المصنَّف - رحمه الله - بخط يده الكريمة بعد موت القاضي - رحمه الله - ما لفظه](2): يقول المكلوم قلبه، المثلوم لبّه، الجزع لفراق الحبيب، المتجرع من كأس الأسى بما كان يرجو أنه ليس للكرام فيه نصيب، أحمد بن صالح بن أبي الرجال، كاتب هذه كنت حرَّرت هذه السطور، والقاضي عادت بركاته صدر الصدور ونور هالات المحافل والبدور، قبل أن تمد إليه المنية يدا، ولا سمع من تلقاء ربه للرحيل نداء، وذلك في عصور شهر شوال من سنة ثماني وسبعين وألف، وكان - رضي الله عنه - كتب إليَّ في شعبان من هذه السنة ما هذا حاصله: (وصلت كتب سيِّدي الكريمة، الحديثة والقديمة، واقتضى الحال التسامح عن الجواب، لعوَارضٍ وأسباب، وعجز فيما تحت الثياب، وأسأل الله لي ولكم ولوالدينا وللمؤمنين والمؤمنات الثبات، والمغفرة لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات، وهذه الثانية والسَّبعون من السنين أشرف طلوعها مع ثاني شعبان، أدخله الله على الجميع بالرضوان، وغفر لنا ورحمنا وكتبنا في الأبرار، الذين كتبت لهم رحمته التي وسعت كل شيء، وقد قال الناصر بن الهادي -صلوات الله عليهما -:
أبعد الأربعين رجوت خلداً ... وشيبك في المفارق قد علاكا
__________
(1) في (ب): الكامل.
(2) العبارة التي بين المعقوفين ليست للمصنف ولعلها لأحد النساخ.

كأنك بالذي لا بدَّ منه ... من امر الله ويحك قد أتاكا
وأحسن طلائع (ابن رزيك) حيث قال:
أبعد خمسٍ وأربعين لقد ... ما طلت إلا أن الغريم كريم
فكيف وكيف) هذه ألفاظه - رحمه الله تعالى - إلا لفظة الثبات فأظنها سقطت فعوضتها والمسلمين والمسلمات بدل على المؤمنين والمؤمنات، فأثار لوعظه هذا كميناً، وأظهر من العبرة والإدكار داءً دفينا وبعد هذا عرض له ألمٌ في الحضرة المتوكليَّة لم تستقرَّ الأغذية في معدَته فدخل إلى (شهارة) المحروسة، وجاءنا كتابه يذكر ذلك العارض ووهن القوى، فلم تزل قلوب المسلمين به مشتغلة، ونيران الوجد منهم مشتعلة، حتى لم نشعر إلا بكتب الأصحاب الجلَّة الخيار بمعمور شهارة يخبرون بانتقال روحه الكريمة من هذه الدار إلى الآخرة التي هي دار القرار، وأنه توفي - رضي الله عنه - يوم الثلاثاء سادس عشر شهر محرم غرَّة سنة تسع وسبعين وألف، وقبره في جوار المنصور بالله والمؤيَّد بالله - سلام الله عليهما - وعليه، وأخرجت المصاحف للتلاوَة /121/ في الجامع، واجتمع الخلق يقرأون القرآن ووجهه الكريم مقابل القبلة وبقي على هذا ساعات طويلة حتى يصلح التجهيز؛ لأن الوقت لم يكن وقته - أعاد الله من بركته ورضي عنه -.
قال المصنف - رحمه الله -: وكتبت أنا هذه القصيدة على عادة الفضلاء وهي:
رُوَيدكما فالصَّبر لا أستطيعه ... تمنع عن قلبي وكان يطيعُهُ
وقد كنت جلداً يألفُ الصبر خاطري ... يقولون لي رحب الجنان وسيعهُ
فها أنا يرثى لي عدوي من الأسى ... فؤادي تُشوَّى بالجحيم طلوعهُ
وذاب فؤادي فالدموع نجيعة ... فهذا فؤادي في دموعي(1) جميعُهُ
يحق لمثلي ما لَقيت وإنَّه ... ليخفَى على غيري فلست أُذيعهُ
فلَولا دُموع العين أبدَت سرائري ... كتَمت ولكن ضرَّ سري دمُوعُهُ
وهل ينبغي لي أن أرى متبسماً ... وقد هُدَّ من حصن الكمال منيعُهُ
__________
(1) في (ب): في عيوني.

ومال شمام العلم وهو شمارخ(1) ... وما كان ظَنِّي أن يميل رفيعهُ
وغاض خضم البحر(2) وهو (عطامط)(3) ... وغاب عن الأفق اليماني ربيعهُ
وغيب شمس الدين شيخ شيوخنا ... وأقوت من العلم الشريف ربوعهُ
وقد كان بحراً لا يجف عبابُه ... وقد كان بَدراً لا يزال سُطوعهُ
يترجم عن آي الكتاب بمنطقٍ ... يزيد على نظم البديع بَدِيِعهُ
فيظهر من سرِّ الكتاب عجائباً ... إذا ما رآها الألمعي تروعهُ
يراها لعجز الناس حجراً ممنعاً ... عليها من السَّتر الغليظ منيعهُ
إلى أن تجلى فانجلت مثل غيَهب ... تحلت به للناظرين شموعهُ
وكم معجزٍ أبداه كالشمس واضحاً ... أضاء الفضا لمَّا استبان طلوعُهُ
ودعا كل معنًى للكتاب ... (4)
أهاب بمعنى الذكر يأتي فجاءه ... البطيء كما قد جاء طوعاً سريعُهُ
فبخ لمن معنى الكتاب يطيعه ... ألا إنه فرد الزمان فزيعهُ
ووالله ما أغرقت في وصف حاله ... وذلك أدنى الوصف كيف رفيعُهُ
وإن أنس لا أنس الأصول فإنه ... حسام ومن ضلَّ الرشاد صريعُهُ
هو الليث والتوحيد والعدل غيله ... إذا صال في غيٍّ يفر قطيعُهُ
وهيهات لا يبقى من السرج طالعٌ ... وقد جاء من بطن العرين ضليعُهُ
ومن عجب أقلامه حين تنبري ... بميدانها والخير فيها جميعُهُ
من الصمّ إذ تدعو الصواب يجيبها ... فذاك أصم والصواب سميعُهُ
/122/
فكم رايةٍ تلوَى بميمون رايه ... وحسن قضاء الله جل مطيعُهُ
برأي يشق الشعر شقاً وإن مضى ... على صم صفوان يكاد يميعُهُ
وتوفيق رب لم يفارقه ساعة ... إذا نام فالتوفيق ذاك ضجيعُهُ
وكيف يرى التوفيق يترك سوحَه ... كبيراً وفي منشاه كان(5) رضيعُهُ
وحب بني المختار كان غذاؤه ... إذا ضيَّعته الناس ليس يضيعُهُ
__________
(1) شمارخ: الشمراخ: رأس الجبل، وأعالي السحب. (القاموس المحيط ص 245).
(2) في (ب): الجود.
(3) عطامط: لم أجدها في القاموس.
(4) الشطر الثاني من هذا البيت بياض في الأصل.
(5) في (ب): وفي منشأة وهو رضيعه.

قرَا ودرَى واستخلص الزبد وانتقى ... وشتَّان شهد المجتني وضريعُهُ
تنوح عليه الصَّالحات جميعها ... نواح ذليلٍ هدَّ منه منيعُهُ
وتبكي عليه المكرمات لأنها ... صنيعته فليبك فيه صنيعُهُ
وتبكي محاريب بها كان باكياً ... وكان بها جنح الظلام ركوعُهُ
وتبكيه أعواد المنابر كلِّها ... فما منبر إلا بكته فرُوعُهُ
لعمري لم أسمع خطابة خاطبٍ ... يشابهه ألفاظه وخشوعُهُ
دعوني وشأني فالبكا بعض حقه ... ولم يقض حقّاً من يفيض دموعُهُ
وما أنا والسلوان لو كان مسعدي ... وأملكه ملكاً لكنت أبيعُهُ
ولكنَّ لي عند الحوَادث أسوة ... إذا ذكرت في الخطب هانَ فضيعُهُ
ممات صفيِّ اللَّه والآل بعده ... ولي أمل أنَّ النبيَّ شفيعُهُ
وإن له في جنَّة الخلد منزلاً ... يروق جميع العالمين رفيعُهُ
وكان لدينا كالهلال وديعة ... فرد بكره ذا الهلال وديعُهُ
وصار إلى أهلٍ وسهلٍ ومرحبٍ ... وروض يروق الناظرين مريعُهُ
عليه سلام الله ما عقب الضحى ... ظلاماً وما وافى بليلٍ هزيعُهُ
أحمد بن سعيد بن صلاح [ - 1061ه] (1)
__________
(1) من مصادر ترجمته: سيرة الإمام القاسم بن محمد النبذة المنيرة خ، سيرة الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم الجوهرة المنيرة خ، بغية المريد خ، بهجة الزمن خ، الجامع الوجيز خ، طبقات الزيدية خ، ملحق البدر الطالع 23، وغيرها.

القاضي العارف شمس الدين، أحمد بن سعيد بن صلاح الهبَل، كان من العلماء الكبار والنحارير الخيار، حافظاً لقواعد المذهب غاية الحفظ، وله تقريرات على والده - عادت بركاته - ثم أعاد القراءة على السيِّد العلامة محمد بن عزِّ الدين المفتي - رحمه الله تعالى - وكان السيِّد يعدُّه أجل تلامذته ويعدُّه لتهذيب مسائله(1)، وكان له في أصول الفقه قدم ثابتة ومشاركة في سائر العلوم.
توفي - رحمه الله - بصنعاء المحميَّة في [جمادى الآخرة عام واحدٍ وستين وألف](2)، وقبر بجوار السيِّد عبد الله بن إبراهيم الديلمي الفتحي رحمهما الله تعالى بتربته التي بجوار مسجد الأبهر على يمين الداخل، ورأى بعض الفضلاء قبل موته انهدام الجامع الكبير من الجهة التي كان يدرس فيها - رحمه الله تعالى -.
أحمد بن سليمان الأوزري [ - 810ه تقريباً](3)
__________
(1) كما قرأ على القاضي إبراهيم بن يحيى السحولي، ومن تلاميذه المؤلف، والسيد محمد بن الحسين الكبسي، والسيد أحمد بن القاسم، والسيد صالح السراجي، والأمير محمد بن الحسن، وعبد الله الصعيتري وغيرهم.
(2) بياض في المخطوطتين، وأثبت تاريخ وفاته من طبقات الزيدية.
(3) من مصادر ترجمة الأوزري: طبقات الزيدية الكبرى خ، المستطاب خ، الجواهر المضيئة خ، الجامع الوجيز خ، تحفة الزمن خ، لوامع الأنوار 2/71، مجموع بلدان اليمن وقبائلها 1/930 وأخذ علم الحديث على الشيخ إبراهيم بن محمد بن عيسى بن مطير الحكمي، والشيخ محمد بن خير الجبرتي، وأجازه الإمام يحيى بن حمزة في كتابه الانتصار، ومن تلاميذه المطهر بن محمد بن سليمان، والقاضي يوسف بن أحمد، قال في الطبقات: ولعله توفي في العشر بعد الثمان والمائة.

الفقيه الإمام المحدِّث شمس الإسلام، أحمد بن سليمان الأوزري، من علماء صعدة المحروسة /123/ وكان إمام الحديث، رحل إليه العامَّة والخاصّة وهو الذي حكى عنه في (الغيث) ما حكاه من الصبر على كلفة الركوع، وله إلى الإمام يحيى بن حمزة - عليه السلام - سؤالات أجاب عنها الإمام - عليه السلام - وقرأ عليه الإمام صلاح الدين محمد بن علي بن محمد كتاب (البخاري) في المنصورة بصعدة، وحضر تلك القراءة أجلاء الوقت، وكانت للإمام - عليه السلام - في تلك القراءة العناية الكاملة، قال الأوزري - رحمه الله -: ما قرأ عليَّ قط أحد أبلغ من قراءة مولانا - يعني الإمام الناصر - ولا سمع عليَّ مثل سماعه، وروى الفقيه - رحمه الله - للإمام كرامَة في وقت القراءة.
ويقال: إن قبره - رحمه الله - في (حمراء علب)(1) بالقرب من صنعاء، رأيت ذلك بخط بعض الطلبة (والله أعلم بصحته)(2)، وقيل قبره في صعدة في مقبرة الفرضين، روى بعض المشائخ أنه قد شاهد ضريحه مكتوب عليه اسمه، وهو معروف مشهور مزور، كذا روى عن السيّد العلامة عبدالله بن المهدي الكبسي - رحمه الله - والله أعلم بصحَّته.
أحمد بن سليمان العلوي [ - ]
السيد الشريف، العلامة، البليغ، اللسان أحمد بن سليمان العلوي العباسي - رحمه الله -. كان من وجوه العلماء وعيون البلغاء، له القصائد الغرّ والمقام المنيف، ومن شعره في الإمام السعيد أحمد بن الحسين - عليه السلام - تهنئة:
ألذّ الهَوى ما كان أعرَى عن الهجر ... وأسلم من ليل التباريح والهجر
وما أخلَصت فيه العذَارى ودادها ... ولم تطو أسرار القلوب على غدرِ
طربت وقد ولّى الشبابُ وقلَّما ... أرَى طَرباً بعد الشباب لذي حجر
وكان زجرت النفس عن سرعة الهوى ... مراراً فلم يقصر فصمت عن الزجر
__________
(1) حمراء العَلِب بفتح العين وكسر اللام: قرية في بلاد سنحان في السفح الجنوبي من جبل نقم (معجم المقحفي ص: 191).
(2) زيادة في (ب).

فكن لي عذيراً في البكاء فإنني ... أسير هوًى أولى من العذل العذري
فلست بناسٍ عهد ليلَى وحبَّها ... ولا تاركاً تذكار من حلَّ في حجري
ولا صارفاً عن حبّ أحمد مهجتي ... إمام الهدَى المهدي ذي العزّ والفخر
مجدد رسم الحق بعد دروسه ... وكالي سرح الدين من شيع الكفر
لك الله كم أقررت من عين مسلم ... وأبكيت عيناً من غَويٍّ أخي فجر
وعطَّلت داراً من ضلالٍ فأصبحت ... بسعدك داراً للتلاوة والذكر
وكم مأتمٍ للنائحات أقمته ... على الكفر بالبيض المشطبة البتر
وثغر ضلالٍ خضته فأبحته ... كفلت به للذئب زاداً وللنّسر
/124/
وأن ابن أم خاضَ ما خضت جهرة
... لسنحان مطبُوع الفؤاد من الصَّخر
وقد حار فكري في مديحك أنه ... يقصر عنه واسع النظم والنثر
وأعوزني تعداد وصفك فانطفا ... ذكائي ولم أبلغ عشيراً من العشر
وكيف وأنت الجامع الفضل كله ... كريم المساعي وافر الصيت والقدر
مُهين نفيس المال حتى تركته ... لغَيرك راضٍ بالقليل عن الكثر
فلم يتخذ غير المعالي خبيَة ... ولم يكتسب غير المكارم من ذخر
وطبت ثناء طبَّق الأرض نشره ... وراحت(1) به الأفواه في البدو والحضر
أجلَّك رب العرش في الرتبة التي ... تقاصر عنها رتبة الأنجم الزهر
وآتاك ما لم يُؤت قبلك داعياً ... من الفضل حتَّى قيل ذا آية الدهر
وأورثك العلم العظيم ومكنت ... يمينك من نهَي الخلافة والأمر
وجاءتك طوعاً كل دارٍ منيعةٍ ... فصار ذلولاً ذو الشراسة والقَسر
وألقى هداد طوعه متقاصراً ... لبَأسك منفض الردود من الذَّعرِ
وأصبح لمَّا صار ملكك عالياً ... على الشهب مفتر البشاشة والبشر
تطأطأ فروعُ الرَّاسِيَات لفرعه ... وأقصر عن أقدامه قمَّة النَّسر
وأضحى (بَراش) دار نُسكٍ تحلّه ... نجوم الهُدى أهل الشفاعة في الحشر
وبدل بالإلحاد دين محمدٍ ... ودرس المثاني بالمزَامير والخمر
وكان من العنقاء أبعد مطلباً ... وأصعَب من نيل الكواكب والبدر
__________
(1) في (أ): وراحت، وفي (ب): ورحت.

فجاء مُطيعاً يستشيط لما مضى ... له آنِفاً في عين ملكك من عصر
وقد بذل المأمون غاية جهدهم ... لكي يملكوه وامتطوا كاهل العسر
فلم يبلغوا منه مراماً وقهقروا ... وما قصَّروا بل أعوَزت ساعة البر
وقد عرضت لي برهة لم أقم له ... بمدحٍ ولم أفرغ لتقريضه فكري
ولم أنسه لكن عرتني حيرة ... (وقوذعت) حتَّى خلتني جئت بالنكر(1)
وليس براش غاية القصد كله ... ولا هو شاد للسَّهام التي تسري
وكيف ومن دون الذي أنت طالب ... ممالك كسرَى والممالك في مصر
وقد أهلَك الله الضلال وأهله ... وأفنيتهم بالمشرفيَّة والسمر
انتهى، ووراء هذا القدر أبيات، وكان الشريف تخلَّف عن حضور وقعة براش، فعتب عليه.
أحمد بن سليمان العنسي(2) [ - ]
القاضي، الهمام، الرئيس(3)، العابد، العالم، اللسان، شمس الدين أحمد بن سليمان العنسي - رحمه الله - حاكم صنعاء وعالم الديار، كان يجمع مع العلم التيقظ والنباهة، ولذلك جعله /124/ الإمام المهدي أحمد بن الحسين حاكماً بصنعاء بعد فتحها مع ما يرقب(4) من الدوائر، كما كان ذلك، وقد كان بليغاً مجيداً منطيقاً.
ومن شعره يهنئ الإمام بفتح صنعاء وهرب أسد الدين التركماني عنها:
أرأيت كيف ترنح الأغصان ... تحت الشموس تقلها الكثبانُ
أم هل رأيت جآذراً ألحاظها ... من سحرها روت لها أجفانُ
لا تعذُلنّ أخا الصبابة في الهوى ... يغري لعذل العاذل الولهانُ
يا حبَّذا وادي الغوير فإنه ... لملاحة البيض الدمَى ميدانُ
لَم أغش أفنية الملوك زهادة ... فالربح من دنياهم خُسرانُ
حتَّى بلغت إلى زمان خليفةٍ ... أعلى وأشرف من نمت عدنانُ
الهاشمي(5) وحبَّذا من منصب ... هو للمكارم والعلا عنوانُ
نصّ النبي عليه نصاً ظاهراً ... من فضله في كفه برهانُ
__________
(1) في (أ): بالفكر.
(2) هو المذكور في مآثر الأبرار 2/872 في أخبار الإمام أحمد بن الحسين أبو طير.
(3) في (ب): الرائس.
(4) في (ب): ما يرتقب.
(5) في (أ): القاسم.

هي آية من معجزي المهدي لا ... يسطاع في إعجازها جحدانُ
لولا النبوة بالنبي محمد ... ختمت، لنصَّ بأحمد القرآنُ
يكفي أمير المؤمنين بأنه ... خير الأنام اختَاره الرحمنُ
لا يستقيم لمسلمٍ إسلامه ... إلا بطاعته ولا كتمانُ
وملاحم شهدت بها البيض الضَّبا ... والصَّافِنَات الْجُرد والمرَانُ
بلغت ثلاث مئين من سطواتها ... خضع الملوك وذلَّت الأقرانُ
انظر إلى أسدٍ يحاول ثعلباً ... من بأسه تاهت به الغيظانُ
لم يحمه سهل ولا وعرٌ ولم ... يسلم له قصرٌ ولا إيوانُ
مطرت عليه سحائب بنوائب
ٍ ... من أحمدٍ فطغى به الطوفانُ
هدمت أكفَّ الحق شيد بنائه ... فتشابه الصحراء والعمرانُ
نصر من الله استتب وبعده ... فتح تدينُ لقهره البلدانُ
صنعاء مشرقة بأيمن مقدمٍ ... للحق في أثنائه سُلطانُ
لبست مطارف بهجة تطريزها ... من كل مجدٍ فخره أفنانُ
زحفت رسيس الرجس من قوم بها ... كانوا كأنَّهم بها ما كانُوا
والأرض للمهدي ختم ملكها ... فله ملائكة السما أعوانُ
واستبشرت ببقاء مملكةٍ علت ... شرفاتها وعلت بها أركانُ
لا تسمع الطارات في غرفاتها ... أبداً ولا العيدان والألحانُ
/126/
فالملك مبتهج وَآلُ محمدٍ ... والعلم والإسلام والقرآنُ
وكأنني ببراش ملك أميره ... كف الأنام يقوده الإذعانُ
هُنيتها من أوبَة ميمونة ... يدنو لأدنى مجدها (كيوانُ)
لا زلت للإسلام بدر خلافةٍ ... لا يعتري تكميله نقصانُ
أحمد بن أبي الرجال [ - ق8ه]

القاضي الصدر، جليل الرتبة والقدر، شمس الإسلام، أحمد بن أبي الرجال - رضي الله عنه -. كان صدراً جليلاً وبدراً جميلاً، وتسمَّى بقاضي القضاة، ووسع الله في عمره وذات يده، وجمع من الكتب مالا يجمعه إلا القليل من علماء الديار اليمنيَّة - حرسها الله تعالى - ووقف لها الأوقاف النافعة، وكان قبل ظهور الإمام يحيى بن حمزة - عليه السلام - قائماً بوظيفة القضاء، ووقع من الإمام (- عليه السلام -)(1) معارضته في قضاء دار (الضريوة) بثلا، ثم بعد الدعوة، تولى له القضاء وعرف بقاضي القضاة، وهو فيما يحكي السَّبب المهيج لأخيه محمد بن سليمان على الرحلة للعلم إلى صعدة، ثم إلى مكة وغيرها، وله قضيّة فيها بعض الطول، وقلَّ ما حكى عنه الخلاف لاشتغاله بالقضاء، وقد نسب إليه وجوه من ذلك في الشركة وفي الزكاة وفي الأيمان فيمن قال: هو بريء من الإسلام. وله تكميلات لما لم يجب عليه الأمير علي بن الحسين في (القمر المنير)(2)، وكان الأمير علي بن الحسين قد أذن له في إصلاح (القمر المنير) خاصَّة للإمام أحمد بن الحسين - عليهما السلام - ومقتضى ذلك أن هنالك ما يجب التنبيه له، والله سبحانه أعلم.
أحمد بن سليمان [ - ق7ه]
__________
(1) سقط من (أ).
(2) القمر المنير في حل عقود التحرير في الفقه (حاشية على كتاب التحرير للإمام أبي طالب الهاروني) قال الحبشي: - خ – سنة 659ه جامع 314، لعله (المنهج المنير) ج2، مكتبة جامع الإمام الهادي بصعدة.

الفقيه الفاضل الكامل، أحمد بن سليمان صاحب الحليلة. كان عالماً فاضلاً، وهو ممن كتب وراء كلام الإمام أحمد بن الحسين - عليه السلام -(1) في المسألة المشهورة وذلك أنه كتب الإمام ما نصُّه: من خالف الإمام وانتصر (بالغزِّ) ونصرهم ونصروه، إن ذلك يقتضي الكفر، وإذا كان كذلك ثم تابوا سقط عليهم ما تعلق بذممهم من حقوق الله المحضَة، ومن المظالم أيضاً، ولم يبق عليهم غير الدَّين والوديعَة، فإن تغلبوا أو شهروا سيوفهم وفي أيديهم الودائع والدَّين في ذممهم فهي لازمة عندنا، وما كان تحت أيديهم من الطين يوم التغلب، ثم أسلموا عليه وقرره الإمام في أيديهم فهو لهم والإسلام يجُب ما قبله، وما ثبت في الذمَّة بالرضى كالدّين والوديعة والمهر وجب قضاؤه، وعلم الإمام المهدي علامته الشريفة، والكلام منقول بخط أبي الفتح بن أبي الفضائل وقرره الفقيه أحمد بن سليمان صاحب الحليلة المذكور، وقرره أبو الفتح بن مدافع، والسيد سليمان بن هيجان، والفقيه سعيد بن محمد الحارثي، والفقيه محمد بن سعيد الشظبي، والإمام الحسن بن محمد، والفقيه عبد الله بن زيد، والإمام المطهر بن يحيى، ثم كتب القاضي أحمد بن سليمان بن أبي الرجال بعد علامتهم فقال: ما فعله الإمام وحكم به في أموال المرتدين فهو ثابت لا يجوز لأحد نقضه؛ لأنه إمام زمانه وحجة أوانه، وساق كلاماً بعد هذا، والله أعلم./127/
أحمد بن سليمان العسكبة [ - ]
الفقيه العارف شمس الدين أحمد بن سلُيمان العسكبة، كان عالماً صالحاً كبيراً ذكره صاحب (الصِّلة)، قال السيد أحمد بن عبد الله بن الوزير - رحمه الله تعالى -: وأحسب أنه الرَّاوي لكرامة الإمام الناصر، وذلك أن بعض أهل الفساد وقف بالقرب من قبر الإمام بجوار قبته، فرأى الإمام في بعض الليالي يقول له: أسأت جوارنا، وآذيتنا بفسادك، إن انتهيت وإلا ضربت عنقك بهذا السيف وشهره عليه، فلمَّا أصبح انتقل عن البيت مرعوباً.
__________
(1) في (أ): أحمد بن سليمان.

أحمد بن سليم النحوي
الفقيه الفاضل شمس الدين أحمد بن سليم النحوي(1)، كان عالماً كبيراً، وتولَّى القضاء، وأخذ عنه جماعة من الأئمة، ترجم له بعض عقبه، - رحمهم الله تعالى - وذكره ابن مظفر.
أحمد بن سهل الرازي [ - ق4ه] (2)
العلامة الفقيه المحدث، أحمد بن سهل الرازي. صاحب أيام فخ(3)، أحد الحفَّاظ، لقي الشيوخ وتلقف عنه الجلة، أخذ عن السيد الإمام الحسين بن القاسم الرسي والد الهادي، وعن محمد بن القاسم، وعن سليمان بن موسى، وعن محمد بن يوسف، وعن موسى الثاني، وعن إبراهيم بن إسماعيل بن علي بن إبراهيم بن الحسن بن عبيدالله بن العباس بن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه في الجنَّة - وعن محمد بن منصور وحمدان، عن محمد بن منصور، عن القاسم بن إبراهيم، هؤلاء شيوخه من أصحابنا وغيرهم، وأخذ من المحدّثين عن أبي عمر بن شيبة، وحسن بن عبد الواحد الكوفي، وأحمد بن حمزة الرازي، وعيسى بن مهران، وهارون الوشا، ومحمد بن عمرو بن خالد أبو علامة، والحسن بن إبراهيم بن يونس وغيرهم جمٌّ غفير، وأخذ عنه شيخ العلوم بالريّ أبو زيد عيسى بن محمد بن أحمد بن عيسى بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب سلام الله عليهم، وكان أبو زيد هذا عالماً كبيراً - رحمه الله تعالى -.
أحمد بن شايع اللوزي [ - 1080ه]
__________
(1) في (ب): أحمد بن سليمان النحوي.
(2) من مصادر ترجمة أحمد بن سهل الرازي: المستطاب خ، مقدمة أخبار فخ طبعة دار الغرب الإسلامي بيروت، أعلام المؤلفين الزيدية ص 113 - 114، ترجمة 74، وله كتاب أخبار فخ، وخبر يحيى بن عبد الله - عليه السلام - وأخبار إدريس بن عبد الله من نسخة خطية في مكتبة الأوقاف رقم (2347) وعندي نسخة مصورة من ضمن مجموع بخط العلامة شيخ الإسلام أحمد بن سعد الدين المسوري، وقد طبع بتحقيق ودراسة الدكتور ماهر جرار سنة 1995م ثم طبع ثانية من مركز آل البيت بصعدة.

الفقيه العارف، الناسك العابد، أحمد بن شايع اللوزي - رحمه الله تعالى -. كان عابداً، وكان يسكن مدينة ثلا، منزله قريباً من المدرسة، وكان ورعه شحيحاً، لم يبايع الإمام القاسم - رضوان الله عليه - لعدم إياسه من الإمام الحسن بن علي بن داود - عليه السلام - وله كتاب مجلد جمع فيه نصوص العلماء في تخطئة(1) الصوفية، وذكره الإمام القاسم - عليه السلام - في (الكامل المتدارك) بقوله:
زجروا الَّذي ينهاهم عن منكرٍ ... مثل ابن شايع التقي المهتدي
وصنَّف سيرة تشتمل على أيام الإمام الناصر الحسن بن علي بن داود - عليه السلام -(2).
أحمد بن صلاح بن الهادي [ - ]
السيد العلامة أحمد بن صلاح بن الهادي بن الإمام إبراهيم بن تاج الدين، كان من العلماء الأخيار أهل البيت من الصلحاء، وكان مجيداً في الشعر مسخراً له.
أحمد بن صلاح القصعة [ - 1018ه] (3)
__________
(1) لم أجد له نسخة خطية.
(2) سيرة الإمام الناصر الحسن بن علي بن داود من سنة 976 - 993 خ، المكتبة الغربية كما في مصادر الحبشي، وأخرى بالأمبروزيانا رقم 135، أخرى خطت سنة 1131 بخط أحد أحفاد صاحب السيرة بمكتبة آل الهاشمي، مصورة بمكتبة السيد عبد الرحمن شايم، ومن مصادر ترجمة اللوزي المستطاب خ، البدر الطالع 1/204، خلاصة الأثر 2/29، مصادر الحبشي 287، 431، الموسوعة اليمنية 1/52، المؤرخون اليمنيون في العصر الحديث 37 ، 38، أعلام المؤلفين الزيدية - ص 116 - 117 ترجمة 86.
(3) من مصادر ترجمة القصعة: سيرة الإمام الحسن بن داود خ، ملحق البدر الطالع 36، مؤلفات الزيدية 1/441، ذيل أجود المسلسلات ص 260، طبقات الزيدية الكبرى 1/148 - 151 ترجمة رقم: 55، أعلام المؤلفين الزيدية ص 121 - 122 ترجمة (91)، مجموع إجازات القاضي أحمد بن سعد الدين المسوري خ.

القاضي العلامة بصري زمانه، بلخي أوانه(1)، حاتم السماح، وأحنف الرحاح، عمار التشيّع، شمس الدين، أحمد بن صلاح بن الحسن(2) بن محمد بن علي بن المهدي(3) بن علي بن حسن بن عطية بن محمد بن المؤيد الدواري /127/ المعروف بالقصعة(4)، كان من كبار العلماء الأخيار، زاهداً في الدنيا، كثير الإحسان صادق المودة لأهل بيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ولقي لذلك تعباً شديداً حتى إنه كسر ظهره بعض الأروام في محبتهم، وكان لا ينظر إلى الظلمة، دخل كراراً إلى أمير صعدة المحروسة، وجرى بينهما عتاب وأمور يطول شرحها، ومع ذلك لم يعرف وجه الأمير، لقيه في الصحراء فعدل إليه وخاض معه ثم انصرف، وكان مع القاضي رجل من الأشراف(5) الحمزيين، فسأله كيف وجه الأمير وأشاب أو لم يشب(6)، وكان يسمَّى المقشقش - بقافين وشينين معجمات - لأنه كان إذا حضر طعامه - رحمه الله - بصعدة أمر رسوله يحفل بمن في الجامع من الغرباء. وكان في العلوم بحراً لا يجارَى سيما في علوم أهل البيت - عليهم السلام - ذكر القاضي العلامة أحمد بن يحيى حابس عنه أنه كان عند الإملاء في علم الكلام يزبد من أشداقه، وكان مع الإمام الحسن في سماع شرح الرسالة الشمسيَّة على الرجل الشيرازي القادم إلى صعدة، وكان يقول الشيرازي: إن عاش السيد وقاضيه كان لهما شأن عجيب. وصنف كتاباً في أنواع الحديث مبسوطاً(7)، وله كلامات متفرِّقة في علوم متعددة، وقبره بصعدة، وتوفي ليلة الثلاثاء ثالث وعشرين من شوال سنة ثماني عشرة وألف، وأمُّه - رحمه الله - جارية هندية؛ لأن والده كان كثير السفر إلى الهند.
__________
(1) في (ب): أمانة.
(2) في (ب): بن حسن.
(3) في (ب): بن مهدي.
(4) في (ب): القضعة.
(5) في (ب): من أشراف.
(6) في (ب): أو لما يشب.
(7) لم أجد له نسخة خطية.

قال سيدنا أحمد بن سعد الدين - رحمه الله -: وأحفظ أن مولده في (كنباية)، ومن مشيخته العلامة الحسين المسوري، والسيد العلامة محمد بن عز الدين المفتي مؤلف (الحاشية على الكافية)(1)، قرأ عليه (الحاجبية) وحاشيته عليها، وبعض (المفصل)، وبعض (مقدَّمات البحر) و(الأزهار)، وشرع عليه في (أحكام البحر)، ثم عاق الحمام، ومن مشيخته علي بن الإمام شرف الدين، والسيّد فخر الإسلام مطهّر بن تاج الدين، وأثنى عليهم بما سنذكره - إن شاء الله - في تراجمهم، وقرأ على إبراهيم بن علي بن الإمام، وعلى العلامة ابن نسر الأهنومي.
أحمد بن صلاح بن مرغم [ - ]
القاضي الورع، شمس الدين، أحمد بن صلاح بن مرغم - رحمه الله - كان عالماً بالفقه محققاً، قرأ في (التذكرة) أربعين سنة، وكان من القائمين بالقسط، الصَّابرين على ما أصابهم في جنب الله لا تأخذه في الله لومَة لائم، وكان من الزهد بمكانٍ لا يلحق، وكان يأتزر - رحمه الله - ويلتف بكساء، ويعتم في العام القابل بفضل كسائه الذي كان يلتف به في العام الأوَّل، وكان يتورع من أخذ الزكاة؛ لأن نسبه - رحمه الله تعالى - إلى سلمان الفارسي - رضي الله عنه - وقد قال - صلى الله عليه وآله وسلم - : ((سلمان منَّا))، وبنو مرغم بصنعاء نسبهم غير هذا النسب، وكان هذا القاضي آية من آيات الله في ورعه ودينه - رحمه الله تعالى -.
أحمد بن صالح [ - ]
الفقيه الفاضل شمس الدين، أحمد بن صالح، - رحمه الله - من علماء حوث - المحروسة بالله - ولم أظفر بشيء /129/ من أخباره الصّالحة، إلا أنه ذكره السيد العلامة المطلع المتضلع الهادي بن إبراهيم الوزيري - رحمه الله - في وسيلته فقال:
وبابن عواض وابن صالح الذي ... بحوث غدا في الفضل غير ممثل
وذكر في شرحها أنه أحمد بن صالح - رحمه الله -.
__________
(1) الحاشية على الكافية، منه نسخة خطية بمكتبة آل الهاشمي بصعدة، خطت سنة 1067ه.

قلت: ومن بني الحملاني عالم شهير فاضل كبير - رحمه الله - وهذه الوسيلة وسيلة عظمى من نظم السيد جمال الإسلام، علامة العترة الكرام الهادي بن إبراهيم، رويّها اللام أوَّلها:
إليك إله العالمين توّسلي ... بأحمد المختار أكرَم مُرسَل
وهي مشهورة عليها حواشٍ ولها شرحٌ رأيته بصعدة، ولم أظفر به بعد وقوفي عليه، وسمَّاها (رياض الأبصار في ذكر الأئمة الأقمار والعلماء الأبرار) (1) أعاد الله من بركته وبركتهم.
أحمد بن صالح العنسي [ - 1069ه] (2)
__________
(1) سيأتي ذكرها في ترجمة السيد الهادي.
(2) من مصادر ترجمة العنسي: النبذة المشيرة سيرة الإمام القاسم بن محمد خ، طبق الحلوى، وفيات سنة 1069ه، الجامع الوجيز خ، بهجة الزمن خ، الجواهر المضيئة خ، طبقات الزيدية الكبرى 1/ 147 ترجمة: 53 ، أعلام المؤلفين الزيدية ص 122 ترجمة 92، وله شرح على المؤثرات في أصول الدين.

القاضي، العلامة، المتكلم، الأصولي، العابد، الزاهد، أحمد بن صالح العنسي - رحمه الله - كان من أجلاء العلماء وأخيارهم، وأهل الإلتفات إلى الله، والحلم الكبير، والعقل الراجح، وشاهد ذلك زهده في هذه العاجلة، كان من خواص مولانا العلامة الحسين بن الإمام القاسم - عليهما السلام - وعيبة سرَّه، وقرينة في قراءته على الشيخ العلاَّمة لطف الله بن الغياث - رحمه الله تعالى - ثُمَّ انقطع بآخَره إلى العبادة ببئر العزب غربي صنعاء، واشتغل بجليل الكلام ودقيقه وبذكر قول قاضي القضاة أن الفقه قد يقرأه أهله لمقاصد، وأمَّا علم العدل والتوحيد فلا يقرأ إلا لله(1) وشرح الرياضة، ولعله لم يتم شرحه - رحمه الله - وله كرامات منها رؤيته لنور في مواضع ومناجاة بعض الجنِّ له بأخبار خاصَّة (به - رحمه الله -)(2)، (و)(3) نقل إلى جوار الله في [آخر] صفر سنة تسع وستين وألف، وقبر بخزيمة مقبره صنعاء المشهورة، قريب من قبر السيد محمد المفتي - رحمهم الله -.
أحمد بن عامر الصباحي [ - 1045ه]
__________
(1) في (ب): فليس إلا لله.
(2) سقط من (أ).
(3) سقط من (ب).

القاضي العلامة المجاهد شمس الدين أحمد بن عامر بن محمد الذماري الصبّاحي - رحمه الله تعالى - كان من أهل العلم بالفروع، والثبات في الأمور، مقداماً، رئيساً(1)، صادعاً بالحق، جواداً متلافاً، له مع علمه بمعالم الدين علم بمعالم الرمي بالبندق، فكان يضرب به المثل، وله في البسالة آثارٌ، وحسبه أنه لمَّا غزا الأروام (هجرة شوكان) (2)، ووقع في أيديهم وكتفوه خرج من بينهم هرباً مع وجود أهل النجدة فيهم والقوَّة، وتولى القضاء لمولانا سيف الإسلام الحسن بن أمير المؤمنين، وكان مع ذلك من رؤساء الجند - أعاد الله من بركته - توفي قبل والده بعد أن طلع من الحما ليلة الأحد من شهر رجب الأصب سنة خمس وأربعين وألف ودفن (بقبَّة التهامي في عاشر).
أحمد بن عبد الرحمن المؤيدي [ - ]
السيد العارف شمس الدين، أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبدالرحمن المؤيَّدي - رحمه الله تعالى - كان من غصون الدَّوحة المصطفويَّة /131/ وعيون الأسرة المرتَضويَّة، كان مُطلعاً على الأخبار والأذكار، وله معرفة بالعربيَّة والفقه، وعاجله الموت ولم يقض وطره من الفقه - رحمه الله - وله شعر حسن في أنواع مختلفة، لم يحضرني منه إلا بيتان لاطف بهما بعض أترابه السَّادة العلماء - رحمهم الله جميعاً - لمَّا كثر عليه ذلك السيد - رحمه الله تعالى - كتابه اسمه في كتبه العلمية، فقال:
يا كتاباً لست أدري كم به ... من رسوم ضاق منها الورق
إن يكن تقبل منه فدية ... فقليل فيه يعطى الورق
وكان مهيمناً على أخبار أهله حُفظَهَ لآثارهم - رحمه الله تعالى -.
أحمد بن عبد الله بن محمد [ - ]
__________
(1) رائساً في (ب).
(2) شوكان: بلدة في بني سحام من خولان العالية، ينسب إليها بنو الشوكاني. وشوكان أيضاً: قرية في مخلاف منقذة من بلاد ذمار، منها بعض آل الشوكاني الساكنون في صنعاء (معجم المقحفي ص: 368).

السيد الكبير المسنِد الإمام الحجَّة أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - من عيون أهل البيت وشيوخهم وحفَّاظ علومهم، أخذ عنه أحمد بن شهاب الرازي الزيدي الحافظ وغيره.
أحمد بن عبد الله الوزير [921 - 985ه] (1)
__________
(1) من مصادر ترجمة الوزير: المستطاب خ، طبقات الزيدية خ، الجواهر المضيئة خ، الجامع الوجيز خ، الفضائل تاريخ بني الوزير للمترجم له خ، أئمة اليمن 1/483 - 488، ملحق البدر الطالع 36، الأمالي الصغرى رجال السند 59، الأعلام 1/166 وغير ذلك انظرها في أعلام المؤلفين الزيدية ص 129 - 130 ترجمة 101.

السيد العلامة مفخر العصابة المطهرة شمس الدين أحمد بن عبد الله بن محمد(1) بن إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن الهادي بن إبراهيم بن الوزير بن علي بن المرتضَى بن مفضّل بن منصور بن العفيف محمد بن مفضل بن الحجاج بن علي بن يحيى بن القاسم بن يوسف بن يحيى بن أحمد بن الهادي إلى الحق - عليهم السلام - كان من العلماء الفضلاء، الجلَّة النبلاء، أثنى عليه المخالف والموالف، وله في كلِّ فنٍّ قدم راسخة، وله النظم الرَّائق، وقد ذكر شيوخه - رحمه الله - في كتاب أهله الذي قضى فيه على أثر السيد الهادي بن إبراهيم - رحمه الله - فقال: أمَّا أحمد بن عبد الله - عفى الله عنه - فمولده في ليلة اليوم الثاني عشر ليلة الأحد بعد صلاة العشاء من شهر ذي القعدة من شهور سنة إحدى وعشرين وتسعمائة. سمع علوم العربيَّة على جملة مشائخ العصر الفقيه العلامة نسر بن أحمد الطربي، والسيد العلامة النحوي المحقق صلاح بن الإمام عزِّ الدين بن الحسن، والقاضي العلامة محمد بن عطف الله البركي(2)، والسيد العالم الفاضل شرف الدين بن محمد الحميري، والسيد العلامة المفوَّه عبد الله بن أمير المؤمنين، هؤلاء مشائخه في علم النحو، والسيد العلامة البقيَّة فخر الدين عبد الله بن القاسم في علم الصرف والمعاني وأصول الفقه والنحو، والسيِّد العلامة البليغ المطهر بن محمد بن تاج الدين الحمزي في علم المعاني وأصول الفقه، والفقيه المقرئ العلامة محمد بن أبي بكر الحرازي، سمع عليه (مشكاة المصابيح) في علم الأثر، ومن مشائخه في الحديث الفقيه العلامة صالح بن الصديق النمازي، وفي الفقه شيخه المحقق العلامة يحيى بن محمد بن حميد، وفي الفرائض الفقيه المذكور والقاضي العلامة إبراهيم بن محمد بن سلامة، والله تعالى أسأل،
__________
(1) في (أ): بن محمد.
(2) في (أ): التركي بالتاء. وفي (ب): البركي، وفي (ب) أيضاً حاشية: البركي بالباء موحدة من أسفل بعدها راء مهملة بعدها كاف وياء نسبة.

وبحق كتابه العظيم ونبيئه الكريم أتوسَّل أن يفقهني في دينه، ويعلمني تأويل تنزيله، ويصرف عني ما صرفني عن ذلك، ويقدر لي ما رجوته من فضله، وأمَّلته من كرمه من صلاح النفس /130/ والأهل والولد، ومن التوفيق إلى الأعمال المقربَة إلى سعادة الأبد، إنه جواد كريم.
انتهى كلامه - رحمه الله تعالى - ولم يذكر من محامده شيئاً، وهو الذي يليق بمقامه، ويكفيه فخراً أنه كان إذا دخل إلى مقام الإمام شرف الدين، وتكلم معه ثم خرج، قال الإمام: هكذا فلتكن السادة، ويثير همم أولادهم(1) بذكر السيد والثناء عليه، ولولا استياق الكلام إلى ذكر نفسه في الكتاب المشتمل على نسبهم الشريف ما ذكر نفسه وذكر النفس غير مستنكر، فقد ترجم لنفسه الحافظ ابن مندة، والجلال السيوطي في حسن المحاضرة وغيرهما، وقد ترجم للسيد شمس الدين السيِّد العلامة محمد بن عبد الله بن علي المعروف بأبي علامة المؤيدي أعاد الله من بركته، - وقدَّس روحه - فقال: لقد كان هذا السيد الفائق على أقرانه بل هو الغرَّة في دهره والفريد في عصره، والذي جمع بين العلم والعمل، وحاز الفضائل عن كمل، إليه انتهت العلوم النبويَّة، وعليه عكفت المفاخر والشمائل الحسنيَّة، ومنه تفجرت ينابيع البلاغة والفصاحة والحِكَم العلويَّة، فهو إمام أهل الطريقة، ويعسوب أهل الحقيقة، ولقد كان موزّعاً لأوقاته في أنواع الطاعات، فليله للصلوات، ونهاره للإقراء والقراءات، كثير الحنين غزير الدموع، شمس الهدى وبه الإسلام يفتخر، وكان في سنة أربع وثمانين وتسعمائة تهيَّأ للحج إلى بيت الله الحرام، فتمّ له ذلك على أحسن حال وأشرف مقام، وأدَّى المناسك العظام على الوفاء والتمام، وأراد المجاورة ثم الزيارة لجده سيد الأنام - عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام - فعرَض ما منع عن ذلك، وصُدَّ عن الوقوف هنالك، فنهض راجعاً إلى بلاده لما نبا صرْف الدَّهر عن مراده، ونوى أن يقيم باقي عُمُرِه بين
__________
(1) في (ب): أولاده.

أولاده، فلمَّا انتهى إلى المدينة (الصَّعديَّة)، وشاهد القراءة في جميع المشاهد الهدوية، وحفَّ به عيون السادة اليحيَويَّة، وعكفوا عليه يستصبحون من أنواره، ويلتقطون نفيس الدرر من تياره، فوقف بها للتدريس والإفادة بكل معنًى نفيس، ولازمه حيّ الإمام المتوكل على الله عبد الله بن علي بن الحسين بن الإمام عزالدين في أيام سيادته، وكانا لا يفترقان أكثر أوقاتهما، قرأ عليه في علم الحديث وغيره، ولقد كان يتمنَّى في أكثر أوقاته أن يقبر في مشهد جدّه الهادي بن الحسين - رضوان الله عليه - ومن العجائب أنَّه كان كثير الصلوات في الليل تحت الصَّومعة الصغرى، قريباً من المكان الذي قبر فيه فاستجاب الله دعاءه، وأعطاه ما تمنَّاه، ولمَّا توفي في شهر ربيع الأوَّل سنة خمس وثمانين وتسعمائة، اعتنَى السيد الإمام بخراب منزلتين كانتا هنالك وجعل قبره في موضعهما، وعمر حي السيد شمس الدين أحمد بن الحسين بن عزالدين وهو يومئذٍ رئيس صعدة عليه مشهداً، وانتظم في سلك ذلك النادي بمشهد الإمام الهادي، وله من المصنفات شرح أرجوزة النمازي في نسب الإمام /132/ شرف الدين(1) وهو يدل على غزارة علمه بحسن سبكه، وصناعة نظمه، ومنها في الحديث (الأحاديث المستحسنة الدائر على الألسنة) (2)،
__________
(1) شفاء الصدور بشرح سلسلة النور خ، الجامع الكبير الغربية رقم 106 تأريخ، وأخرى بمكتبة السيد المرتضى الوزير بالسر – خ - سنة 1291ه منسوبة لعبد الله بن علي الوزير.
(2) - خ - مكتبة الجامع الغربية رقم 33 حديث، وأخرى بمكتبة الأوقاف رقم 437، وله أيضاً ترجمة السيد العلامة علي بن المرتضى بن المفضل خ، ضمن مجموع إجازات القاضي أحمد بن سعد الدين، ونظم حِكم الإمام علي خ، مكتبة الجامع 36 مجامع، والإقناع في قطع الأطماع خ، في 290 صفحة بمكتبة جامع الإمام الهادي بصعدة، والرسالة المضيئة في التنبيه على عقائد أئمة الزيدية خ، بمكتبة هولندا، وانظر أعلام المؤلفين الزيدية.

أخذه من كتاب (السخاوي). انتهى
قلت: وهو مكثر في الشعر مجيد، وله قصيدة سينيَّة مطلقة مكسورة الرويّ أوَّلها(1):
ممَّن سقاهم ربهم جنَّة ... من خمرةٍ شفافة الكأس
ودخل صعدة المحمية مستنصر بالإمام أحمد بن الحسين لما اشتد الحصار في قاع حوشان(2) على مطهر بن الإمام - رحمه الله - وعمل في هذا لمعنى قصيدته التائية التي أولها:
هات الأحاديث عن أحبابنا هات ... ما حال أهلي وجيراني وساداتي
ومنها(3):
ومنها(4):
قال سيدنا العلامة أحمد بن سعد الدين - رحمه الله -: لمَّا قال السيد القصيدة اعترض بعض الأدباء في مؤآخاة العجز للصدر فحوّله السيد - رحمه الله - فقال:
هات الأحاديث عن أحبابنا(5) هات ... يا نسمة روحت قلبي بنسمات
ولسيدنا العلامة الحسين بن محمد المسوري قصيدة مع هذه القصيدة إلى الأمير أحمد بن الحسين مساويَة في الوزن والرويّ والمقصد أوَّلها:
إن النفوس النفيسات السريَّات ... هيَ المرادة في بعث السريَّات
وهي التي إن تراخت عن إغاثة من ... يرجو إغاثتها غير الحريات
وهذا كتاب كتبه إلى السيد الإمام العارف عبد الله بن الإمام شرف الدين - عليه السلام - تهنئة للسيد - رحمه الله - بالحج، وفيها دلالة على جلالته في صناعة الإنشاء:
__________
(1) بياض في الأصل.
(2) حوشان: هو القاع الفسيح فيما بين شبام وكوكبان، ومدينتي ثلا وحبابة (معجم المقحفي ص: 200).
(3) بياض في الأصل.
(4) بياض في الأصل.
(5) في (أ): أخبارنا.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده، أمَّا بعد، أهدى سلاماً يحكي رقَّة أخلاق (من تحلى /133/ بأخلاق النبوة)(1)، وطيب أعراق من استولى على أقطار الشرف في العترة الطاهرة بنوةً وأبوَّة، وإكرام يحكي ذكاء نشر الألوّة(2)، وصفاء لون المرآة المجلوة، وتحيَّات مباركات، وصلوات متداركات إلى مقام سيدي حقاً، ومالكي صدقاً، سيد سادات العترة، ووجه شرفها الواضح التحجيل والغرَّة، ولسانها بلاغة وبراعة، وعالمها المقدَّم في شرف تلك الصناعة، فخر الدين، سليل الأئمَّة الهادين، عبد الله بن أمير المؤمنين، فإن أحق الخلق أن تهدي إليه جليل التهاني، وتنضى براعات البلاغة في وصف ما أوتي من الفضل الرحماني، ومنح من الألطاف الهادية إلى قطع علائق الأماني الباطلة لاجتناء ثمرتي الأمان والأماني، من سمعت أذناه في عالم الذر أذان إبراهيم الخليل، فأناب وأجاب في عالم الكون بالحج لبيت الله الملك الجليل، قد قدح زناد التوفيق نار أشواقه الكامنة، وأثارت رياح الأرياح بواعث أتواقه الباطنة، وقطعت عنه حبائل التسويف لِسَنةٍ بعد سنة، وأيقضه عن سنَة الغفلة عمَّا أوجبه على الفور مع الاستطاعة من لا يأخذه نوم ولا سنة، فانحدر بمروة الوجوب جايباً، واستمر ليؤدي فرضاً واجباً.
وهمَّ فألقى بين عينيه همَّه ... ونكب(3) عن ذكر العواذل جانباً
فأعرض عن الأوطان والإخوان، وتجشم من متاعب الأسفار ما خضع له الجلد من الرجال واستكان، وبذل النفس والنفيس في تحصيل هذا المرام عظيم الشأن، وأنشد لسان حاله (وقد والى بين الوجيف)(4) من ترحاله والوجدان:
فواللَّهِ لولا الحجُّ ما اعتضت باللِّوا ... لواءً ولا بالود عن أهله وداً
ولا وجدت أيدي المطايا عشيَّة ... بنا وهيَ أدنى ما يسير بنا وخدا
تأمُّ بنا البيتَ الحرامَ كأنَّها ... قسيٌّ ترامى في أعنتها جردا
__________
(1) سقط من (أ).
(2) الألوة: العودة الهندية.
(3) في (أ): وذكر.
(4) سقط من (أ).

إذا لفحت(1) الهجير جبينَه الوضاح، وألغب تواصل المسير جواد همته الوقاح، وشكا إليه فلذة كبده الصغير سموم تهامة اللفاح، ورقت سِنَة الكرى في عينه، وأظهر السري ما أبطن من كلاله وأينه، ضرب همته بسوط الأشواق، وأقام نفسه في مقام العبودية على وثائق الأسواق، وحداها بقول من قال من الحذَّاق:
أسعِد أخي وغنِّني بحديث من ... حل (الأباطح) إن رعيت إخائي
وأَعِده عند مسامعي فالروح إن ... بعد المدى يرتاح للأنباء
وإذا إذا أَلَمٌ ألمَّ بمهجتي ... فشذا أعيشاب الحجاز دوائي
وإذا أنضى طي المراحل ركائبه الرواحل وأنصب، تطلع قطع السبائب بواضحة /134/ النجاب، فلم يبق منها إلا جلود على عظام شواحب، حاطت ضميره المليحة المحجوبة، والكعبة المنصوبة التي وجَّه إليها وجه شعره وصلواته، وواصل إليها السُّرى في روحاته وغدواته:
أتيناك نجتاز الفيافي طلائحاً ... قلائصُنا حتَّى لقد أدَّها الرحلُ
إذا ما ذكرنا في ضنى الحزن أننا ... إليك قصدنا عاد وهو لنا سهلُ
فكأنما أنشط ذكراها عقاله، وأذهب ما تجلَّى من أنوارها في أسراره (أينه وكلاله)، فأهرق كأس منامه، وانتهز فرصَة اغتنامه، إذا صعد (نشزاً) هلل وكبّر، وإذا هبط لبَّى تلبيَة، بعد تلبيَة وأسديت إليك مقتدياً بابن عمر، إليك تعد قلقاً وضينها، معترضاً في بطنها جنينها، مخالفاً دين النصارى دينها، وإذا أسهل وأصعد، فكأنه سيف على علمٍ يسلّ ويغمد، ترنحه القلاص في (وخدانها)، وتمايله تمايُل الغصون على كثبانها، فمَا أحقَّه بما تمثل به أبو حفص عمر حين جعلت ناقته تعليه وتخفضه، وتبسطه وتقبضه:
كأن ركابها(2) غصن بمروحةٍ ... إذا تمشت به أو راكب ثمل
__________
(1) في (ب): نفحت.
(2) في (ب): كان راكبها.

حتى إذا شارف مواقيت الحج الأكبر، وورد مشارع المشاعر الشريفة أشعث أغبر، والتزم في (يلملم) بغرر السعادة العظمى، فما أجل وأطهر، فحينئذٍ تطَهَّر من أوضاره(1)، وحلَّ إزاره ملابسه وأوزراه، وتجرَّد عن أثواب إجرامه، ودخل بسلام إلى الحرم الأمين في ثوبَي إحرامِه، قد أحرم بحجَّة الإسلام، وتسنم ذروة الفوز الأكبر بذلك الإحرام، يكرِّر التلبية خاضعاً مستكيناً، ويكرر(2) التكبير فينة ففينة وحيناً فحيناً، حتى إذا انجلى له جمال الكعبة البيت الحرام، وظهر له جلال متنزل ملائكة الله تعالى ومطاف أنبيائه - عليهم السلام - أدهشته(3) أسرَّه(4) ذلك الجمال البديع، وأخرسه أنوار ذلك المشهد المريع، (فارفضت) عبراته لا يملك نظامها المحلول، واستعرت زفراته وأنَّ أنين (الوالهة) الثكول، وناداه ما عاوده من معقوله بقول من يقول:
هذه دارهم وأنت محب ... ما بقاء الدموع في الأجفان
ثم أتى بتحيَّة البيت في طواف القدوم، والتمس الأركان الشريفة، واعتنق ملتزمها ودمعُه (مسجوم)، وصلَّى واجب ركعتيه خلف المقام المعلوم، وورد سقاية الذبيح صلوات الله عليه وعلى نبيئنا وعلى آله مطلعاً على مائها متضلعاً منه، فهو (لما يشرب(5) منه) كما قال نبينا - صلى الله عليه وآله وسلم - ما زهرت النجوم، وانقضَّت الرجوم، ثم نهض للسَّعي بين الصّفا والمروة مبتهلاً من الدُّعاء بما استحسن الهادي - عليه السلام - إلى الحي القيوم.
قد فاز من قبَّلها ومن مسح ... ومن على أركانها للدَّمع سح
/135/
ومن أصح نية ومن نصح ... في عمَل ومن لحن فيه يصح(6)
وقبَّل الركن الشريف الأسحما ... وأسبل الدمع عليه مسجما
__________
(1) الأوضار: الأوساخ.
(2) في (ب): ويردد.
(3) في (ب): أدهشه.
(4) لعلها: (أسره) بين قوسين.
(5) في (أ): فوقف اليوم الحج الأكبر.. إلخ، وهي زيادة غير مستحسنة لأنها سترد في الفقرة التي تليها.
(6) العجز غير موزون.

ملتزماً من خلفه ملتزما ... ينجي من الهلك إذا البحر طما
بحر الذنوب إن في أموَّاجه ... ما ليس ينجي منه في ارتجاجه
إلا الطواف إن في مُوَّاجه ... فلك النجا للوفد من حجَّاجه
فازَ فتى عن القبيح أقلعا ... وبالطواف في الدُّجا تولَّعا
ومن نمير زمزمٍ تضلَّعا ... وأفرغ الدَّمع وفيها اطَّلعا
ثم سعى بالمروتين والصَّفا ... وكان من جملة إخوان الصَّفا
متبعاً هدي النبيء المصطفى ... وسالكاً شعب الهداة الحنفا
ثم نهض يوم التروية إلى منى، فصلَّى بها العصرين والعشائين وفجر يوم السعادة والهناء، ونهض إلى عرفات بالتهليل والتكبير والتلبية معلناً، فوقف في ذلك الموقف المشهود، وتحرَّى لوقوفه، فوقف يوم الحج الأكبر ما بين الصَّخرات السود، فذلك موقف النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - المحمُود، رافعاً يديه بالدُّعاء المأثور، واضعاً خدَّيه على العفر مستغفراً للعزيز الغفور، جامعاً للعصرين بأذانٍ وإقامتين، مفيضاً إلى مزدلفة بعد الغروب من بين العلمين، فلمَّا وصل جُمعا، وبات فيها جامعاً بين العشائين تأخيراً جمعاً، دفع قبل الشروق إلى منى دفعاً، ذاكراً لله كما أمر سبحانه عند المشعر الحرام وبمحسره يسعَى، ولمَّا استقرَّ بمنى ثلاثها المعدودات، وبات واجب لياليها الثلاث المباركات المشهودات، ورمَى جمارها الثلاث بسبع سبعٍ مرتبات، قضَى تفثه مُحلِّقاً مقصراً، وفكَّ زرار إحرامه محلِّقاً لا مقصراً، ونفر يوم الصدر إلى بيت الله مع وفَّاده وحداناً وزمراً، فطاف طواف الزيارة المفروض، وفض قماع دمع عينه المفضوض، مواضباً على الفرائض والنوافل، مغتنماً لفضيلة الصلاة في بيت الله الحرام التي تفضل مائة ألف صلاة في غيره كما قال سيد الأواخر والأوائل، متنعماً بمشاهدة الكعبة البيت الحرام في البُكر والأصايل، مجانباً لمحظوري الحرم والإحرام، لئلا يخدش جبين ما ساق الله إليه من الفضائل الحلائل، فذلك لعمري، بل لعمر الله هو الحري بأن يُهنَّى بقول

القائل:
هنيئا مريئاً قد نزَلتم بسَاحَة
س ... يعم جميع العالمين نوالُها
هنيئاً لكم زُرتم لذي العرش كعبة ... مباركة طابت وطاب حلالهُا
ألا ليت شعري كيف أنتم وقد بدا ... لكم وتجلَّى نورها وجمالُها
/136/
وكيف بكم لمَّا حواكم مقامها ... وجل لكم عند الطواف جلالُها
وكيف سمعتم ضجة الوفد حولها ... وقد رفعت أستارها وحجالُها
وكيف رأيتم كعبة الحسن تجتلَى ... وقد لاح من خدِّ المليحة خالُها
وكيف شربتم شربة من سقايَة ... يطفي حرارات النفوس زلالُها
وما حال هاتيك المواقف خبِروا ... ألا خبِّروا من حالها كيف حالُها
وحين قضى مناسكه التسعة، وأزمع على الصدور، واطمأنَّ بما سناه الله تعالى له من تمام الحج المبرور، وسعيَه المشكور، أكمل عدَّة المناسك بطواف الوداع، وآب إلى أوطانه بأرباح السعادة الأبدية لا أرباح المتاع، وأنشد لسان حاله لمَّا استقلت ركائب ترحاله ما يلذ في الأسماع:
ولمَّا قضينا من منى كل حاجةٍ ... ومسح بالأركان من هو ماسحُ
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطيِّ الأباطحُ
ولمَّا كان سيدي فخر الدين - حفظ الله مهجته من الأسواء، وأقرَّ قراره في دياره على ما يحب ويهوَى - قد أحلَّته العناية الإلهية من هذه الفضلة(1) العظمى ذروة سنامها، ومنحته الألطاف الرَّحمانية الإتيان بفرائضها ومندوباتها على كمالها وتمامها، ونشرت عليه يد التوفيق خوافق رَاياتها وأعلامها، وألبسته في عوارض الأسفار مطارف وقايتها وعافيتها وسلامتها، وجَّه إليه مملوكه هذه القطعة نائبة عنه في أدّاء حق التهنئة، لاثمةً أكفه بالتسليم مائة بعد مائةٍ، مخاطبة له بما قال الإمام المنصور في نظمه المشهور:
آبت بأوبتك العلياءُ والظفرُ ... إلى منازلنا والشمسُ والقمرُ
__________
(1) في (ب): الفضيلة.

جامعة له بين تهنئتين، لما جمع الله له (في عام)(1) حجتين مبرورتين، ووسيلتين مقبولتين، شفع حجه بحج زيارة والده وإمامه، وساوَى بين حالي بدء سفره الميمون وختامه.
تمام الحج أن تقف المطايا ... بسوح أبيك يا فخر الأنامِ
فما بدأت به تلك المطايا ... كما عادت له حين الختامِ
لقد وردت إلى بلدٍ حرامِ ... كما صدرت إلى سوح حرامِ
وقد صدرت بخيرات جسامٍ ... كما وردت بخيرات جسامِ
ليهنك ثم يهنك نيل فضلٍ ... توام نلته في فرد عامِ
وعمَّك ذو الجلال بكل خير ... وخصك بالتحيَّة والسلامِ
وهذا جواب السيد فخر الدين عبد الله بن أمير المؤمنين عليه رحمهما الله تعالى/137/: بسم الله الرحمن الرحيم، مني إلى صنوي ورفيقي البر الرفيق، وقسيم روحي الشفيق(2)، زيت ثمرة زيتونة الشجرة النبوية، ونور مصباح مشكاة الكعبة العلويّة، مهجة أنسي، ومنية حسي، ومَنْ نفسُه أخوَّةً وأبوَّةً ومحبَّةً وبنوَّةً نفسي، بل هو في الحقيقة حقيقتي، وفضلي المميز لي عن جنسي، والأخص من صفتي المشخصة لي في أنسي، فهو الذي أعبر(3) عنه بأنا، ويشير إليه غيرُنا بألقابنا والكنى، أوما تراه حين جردني عنه في مثال خياله، رأى صفه نفسه فأطلق في المدح شقشقة مقاله، فكان الذي أثنى على نفسه بما رأى بي من أسمائه وصفاته:
كما يعجب الحسناء صورة وجهها ... بما حكت المرآة من قسماته
__________
(1) زيادة في (ب) وفي (أ): لما جمع الله بين حجتين مبرورتين.
(2) في (ب) زيادة: الشقيق.
(3) في (ب): يعبر.

ولولا خوف الوقوع في دركات الإلحاد، لرفعت بحالنا في درجات قول أهل الاتحاد، وذلك سيدي وحياة روحي وجسدي، وباعتبار أخي ووالدي وولدي، من هو بين الأنام في الكمال أحمد، أحمد بن عبد الله بن أحمد، أحمد الله مساعيه، وبلغه آماله وأمانيه، وأطال في التوفيق والخيرات بقاءه، وعجَّل في الأوطان والأوطار لقاءه، فلقد نشر بنشر ذلك الكتاب رفاتي، ونفث في روعي وسمى(1) روح قدس بلاغته ما نفخ في مواتي روح حياتي، ما ذاك إلا لإقامة شخصي مثالاً في سره الحيِّ الحيي، فحرك خامدي وأذكى تذكار كلامه ظلام ذهني الغبي، فصاحة أساليبه (وحصافة تراكيبه)(2) ورصانة مبانيه، وحصانة معانيه، كطيور إبراهيم الخليل الأربعة، أراني الله بها كيف يحيي الموتى، ومعنى ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله معه، فعلى كريم غرته، وبهي بهجته، سلام يحاكي أزهار روض كلامه بهجة وطراوة(3)، وعبقة ورقّة وطلاوة، وإكرام يشابه فواكه فكاهات قطوف جنان خطابه لذّة ذوق وحلاوة، ورحمة من الله واسعة الأرجاء، رحبة الفناء، شاملة كلما يشار إليه بِهُنا وهنا، وتحيَّات طيبات مباركات تحياتها ترتاح بها الأرواح، وتحيا بها القلوب وتنزاح بها الأتراح، وتفرج بها الكروب على مرِّ الليالي والأيَّام، وكرِّ الشهور والأعوام، وما تفضَّل به سيدي من الدعاء بالهناء على ما منَّ الله تعالى به من تلك النعمة التي أنعمَ بها من قضاء فرِيَضة الحج إليه، والتلبية لندائه على لسان خليله صلى الله عليه، وشفعها بإتمام ما ذلك متوقف عليه الإسعاد والتوفيق واللطف الكريم إلى حضرة والدنا القدسيَّة، والتبرُّك بالتملِّي(4) بغرته الكريمة النبوية، وتطهير السرائر بمشاهدة أسارير وجهه الوضيَّة، والتقدس في نمير كوثر أخلاقه الرضيَّة، وتكفير الذنوب بالتشرف بما أمكن من خدمته التي هي البغيَة السنيَّة، الغنيمَة البادرة الهنيَّة
__________
(1) لعلها: وسمعي.
(2) سقط من (أ).
(3) في حاشية (ب): جزالة.
(4) في (أ): والتملي.

/138/ فلله الحمد على نعمه الشاملة، وفواضله الكاملة، وعوارفه الجليلة الموَاقِع، ومعارفه الجميلة البدائع، فما زالَ سيدي متلَبّساً بكل فضيلة، وملبساً غيره خبر تفضلاته الفضيلة، تلك نعمَة لا يؤدى شكرها إلا بالاستكانة والخضوع، في أرض العجز والخشوع والخنوع، فلله الحمد كما هو أهله لا نحصي ثناء عليه، وهو كما أثنى على نفسه تقدس وتحمَّد، وتنزَّه وتفرَّد، وأفضَل صلواته وبركاته وسلامه على أفضل أنبيائه محمدٍ وعلى آله، ثم ليعذرني المولَى المالك، في قصُوري لا تقصيري عن مجاراته من البلاغة في تلك المسالك، فما كان ومتى كان وأنَّى يكون كمال أحد ككمالك، سيما مع أحوال أجمدن شعاع الأذهان، وأخمدن نيران البلاغة والبيان، حتَّى كلَّ اللَّسن وانعقد اللِّسان، والمملوك ممتثل لما أشرت إليهِ، وهو الذي كان مبناه قبل ذلك عليهِ، لا برحتم راشدين مُرشدين، مُسْعِدين مُسْعِدِين(1)، ولا بد - إنشاء الله - من الإتفاق قريباً بمنِّ الله وحوله، وفضله وطوله، ثم رجوع إلى مقام الإمام، - عليه أفضل التحيَّة والسلام - هذا وسيدي بحفظ الله وحسن رعايته وأولاده ومن تحوطه شفقة قلبه، ومن بحضرته متحفون بشريف السلام، الخاص والعام، وعليه أفضل السلام والإكرام، والدعاء منكم مسؤول، كما هو لكم مبذُول، كتبنا الله من أحبَّائه، وخصَّنا جميعاً بأفضل حبائه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
ولمَّا استبطاه مطهر بن الإمام وعاتبه كتب إليه كتاباً تمثل فيه بقول طرفة بن العبد:
كليني لهمٍ يا أميمةَ ناصب ... وليلٍ أقاسيه بطيِّ الكواكب
وفتح التاء من أميمة، فلمَّا رأى ذلك السيد الأديب محمد الحوثي الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى - اعترض بأنه مفرد ومبني على الضم، فقال السيد شمس الدين - رحمه الله -: عرفت هذا قبل أن تخرج من بطن أمِّك.
__________
(1) لعل إحداهما بفتح العين.

قلت: والوجه في الفتح أن التاء مقحمة بين الميم والفتحة بعد الترخيم، فكان أصله يا ميمة فحذفت(1) التاء للترخيم ثم أقحمت هذه التاء مزيدة بين الميم وحركتها؛ لأن الحركة بعد الحرف، فحركت بحركة الميم وصارت الميم ساكنة، ثم فتحت لأجل تاء التأنيث، وهذا رأي أبي علي الفارسي.
وقال بن مالك: إن هذه الفتحة على التاء لاتباعها حركة ما قبلها فهي كفتحة دال يا زيد بن عمر(2)، وجوّز أبو حيان الفتح والضم في كل منادَى معرفة مختتم بتاء التأنيث.
انتهى، وهذا عارض من القول.
أحمد بن الإمام عبد الله بن حمزة [ - 656ه] (3)
الأمير الكبير، الشريف الخطير، المتوكل على الله أحمد بن أمير المؤمنين المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي بن حمزة القائم بأمر الله ابن الإمام النفس الزكيَّة أبي هاشم الحسن بن عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الله بن الحسين بن /139/ القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - كان من كبراء الأمراء والسراة الجلة العلماء، محقق في اللَّغة والنحو والأنساب وأيام العرب، وله في سائر العلوم قدم ثابتة مع ولوع بالمكارم والشرف وفصاحة أبطحيَّة، وكان أبوه أمير المؤمنين نصحَه في صباه، وألهمه طريق أهله الهداة، فتلقَّى البعض وأعرض عن البعض والقصيدة التي نصحه بها هي:
ألا ليت شعري يا أحمدُ ... وللقول ناقده ينقدُ
أتصبح كالبيت للزائريـ ... ـن وكالبدر حفَّت به الأسعدُ
وكالليث يزأر في الدارعيـ ... ـن ونار الحروب بهم تُوقدُ
__________
(1) في (ب): فحذف.
(2) في (ب): عمرو.
(3) من مصادر ترجمته: مآثر الأبرار للزحيف خ، طبع في ثلاثة مجلدات، اللآلئ المضيئة للشرفي خ تحت التحقيق، السيرة المنصورية (انظر الفهرس) أنباء الزمن ليحيى بن الحسين خ، الجامع الوجيز للجنداري خ، أعلام المؤلفين الزيدية ص 132 ترجمة 105 تأريخ اليمن الفكري في العصر العباسي 3/66، 211 - 215، وغيرها.

وكالبحر تطفو قراقيره(1) ... ويدفعها اللجب المزبدُ
وتُعرف بالعلم والصَّالـ ... ـحات ويحمدك الوفد إن أوفدو
وتحمي حماكَ وتبني علا ... ك ويزهو بك (الدَّست) والمسجدُ
وتعتقب الخيل عند الصبا ... ح وقد صرَع الأصيدَ الأصيَدُ
وتردي الكمي بفوَّارة ... وتقحم فيها السنانَ اليَدُ
وتضرب بالسيف ثبت الجنا ... ن وكفَّ الشجاع به ترعدُ
وتلوي جيادك خلف الجيا ... د وقد ضاق بالشارد المشردُ
فتمنعها وهيَ مطرُودةٌ ... فترجع من حينها تطرُدُ
وتعلم حين يطيش الحليـ ... ـم وتصدر قومك إن أوردوا
ويأتيك للعلم مسترشد ... ويأتيك للمال مُسترفدُ
فتنبي أخا العلم بالغامضا ... ت حتَّى يعود بها يرشدُ
وتعطي أخا المال ما يبتغي ... من المال فهو غداً ينفدُ
وتحمي على الظالمين الجها ... د بضَربٍ يشيب له الأمرَدُ
وتخفض للصالحين الجنا ... ح وإن لامك القوم أو أحمدوا
وتغلظ رُكناً على الفاسقيـ ... ـن وإن شايعوك وإن أسعدوا
إذا كنت مضطلعاً بالقيا ... م عليهم وسيفك لا يُغمدُ
ودَينُ جدودك دين الإلـ ... ـه وغيرهم جاحدُ مُلحدُ
وجدُّك يحيى سليل الحسيـ ... ـن وهادي الأنام فلم يهتدُوا
وجدك حمزة من جانبٍ ... فهذا الهلالُ وذا الفرقَدُ
فما عذر مثلك إن لم تكن ... كآبائك الشم إن عددوا
__________
(1) قراقِيره: القُرْقُوْر: السفينة. (القاموس المحيط. ص429).

/140/ ولقد كان من الشرف بمكانٍ عظيم وله وقائع عظيمة، ولم يضع من مقداره إلا ما كان من أمر الإمام الشهيد السّعيد أحمد بن الحسين سلام الله عليه، وقد نقل عنه التبرِّي وما يدَلُّ على الندم والله أعلم، وكان من خلصان أعوان الإمام، وله فيه المدائح وحسبه الرِّسالة التي وجهها إلى الناس، وهي من أعجب الرسائل وغررها مع اختصارها، ولم تحضر لي(1) عند الرقم، وهو ممَّن ذكر قضيَّة التنين، وحاصلها ما كتبه الشيخ أحمد بن محمد بن الحسن الرصاص المعروف بالحفيد بخط يده، لم أنقض(2) منه حرفاً أعلمه ولا زدت عليه: (حسبنا الله وحده مسح الإمام المهدي لدين الله أمير المؤمنين أحمد بن الحسين بن أحمد بن القاسم بن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - على المقعد الزمن (بصعدة)(3) وهو المشهور بالتنين ومشيه على الأربع لا يعرف إلا كذلك معلوم بالتواتر لنا وللخلق بصعدة، ومن وردها عياناً، وقد كان بلغ أن ناساً من شامي صعدة يقولون: إن كان يمسح على الزَّمن فليمسح على التنين، واتفق ورودهم صعدة في ذلك الأوان، فحين مسح عليه قام يرتعش وانصب عرقاً كما شاهده من حكى قضيته، وصار في تلك الأيَّام سليماً يمشي على قدميه قائماً متنصباً، وفي ذلك يقول الأمير المتوكل على الله أحمد بن الإمام المنصور بالله أمير المؤمنين - عليه السلام - شعراً:
أضاء على الإسلام نورُك وانجلَى ... بوجهك ليلُ الهم وابتسم الدَّهرُ
وقد علمت آل النبيء محمدٍ ... بأنك أنت الفُلْكُ لما طغى البحرُ
وإنَّك لأوَانٍٍ ولا أنت طائشٌ ... ولا مضمرٌ سرّ الحقودِ ولا وغْرُ
ولا عجبٌ إن زادك الله حجَّةً ... سماويَةً ما بعدها للورى عذرُ
رآك لها أهلاً فزدت تواضعاً ... فزادك تكبيراً به من له الكبرُ
__________
(1) في (ب): ولم تحضرني.
(2) لعلها: أنقص.
(3) زيادة في (ب).

وكانت له في الإمام قصائد غرّ، ولم يزل كذلك والأمور تشتد وهو يستعطف الإمام - عليه السلام - وينسب إيغار الصدور(1) إلى أصحابه، حتَّى عظم الخطب فمن استعطافه للإمام:
أُعيذك أن تنافسني مطالاً ... وقد صدقت سواي بك الظنونُ
وكان الحقُّ إن أنصفت أني ... وقد أُخِّرت أولهم أكونُ
يعزّ عليّ أن ترضى بسخطي ... على زمني وإرضائي يهونُ
ذوَى غصني بحبسك من سماءٍ ... وكم تبقى على العطش الغصونُ
سأستر تحت أثوابي هُزالاً ... إذا أبديتُه شمت السمينُ
ومهما يستعن غيري فإني ... عليك بحسن رأيك أستعينُ
وأمَّا شعره في نسبَة إيغار الصدر إلى أصحاب الإمام فقوله إلى القاضي ركن الدين مسعود بن عمر العنسي - رحمه الله تعالى - /141/:
يا خليلاً مولعاً بالوفاء ... وصفيي إذ خانني أصفيائي
ليت أنَّ النسيم إن هبَّ وهناً ... من ظفارٍ ينبيك عن إنبائي
لا الديار الديار بعد التنائي ... يابن عمرو ولا الورى بالوراء
جهل الناس حقنا وتناسوا ... كلَّ عهدٍ وأعلنوا بالجفاءِ
ما ذنوب الذين هم في المحاريـ ... ـب سجودٌ وما ذنوب النساءِ
ويتيمٍ ومقعدٍ وضريرٍ ... من غصون النبوءة الكرماءِ
ظلموا الفاطميين ظلماً وألغوا ... فيهما اليوم حقَّ أهل الكساءِ
تلك في صعدة بتول وهذى ... في ظفارٍ شبيهَة الزَّهراءِ
قل لعلوان ما جرائم قومٍ ... لم يكونوا للدين بالأعداءِ
أنبهِ بالّذي ذكرت وكرر ... فعساه يشجيه بعض شكائي
وعليه مني سلام محبٍّ ... ذاكرٍ في الصباح والإمساءِ
وإمام الزمان كرّمه اللـ ... ـه بريءً فاعلم من السفهاءِ
خالفوا أمرَه وحاشوا بما قا ... ل ومالم يقل من الأسْواءِ
غير أن الإنكار قد كان فرضاً ... من إلهِ السماء على الزَّعماءِ
فكأني يابن الأكارم ما ألبـ ... ست قومي ملابس النعماءِ
كيف كانت رعايتي لبني الده ... ـر وحفظي لحرمَة العلماءِ
وظلالي الظليل في كل حي ... من نزارٍ ويعرب العُرَباءِ
__________
(1) في (ب): إيغار الصدر.

ظنَّ قوم أني عجزت وما حا ... ولت إلا السكون للدَّهماءِ
وتفصيل هذه الأمور مبسوط في السير البسيطة، وحكى في (السمط الغالي الثمن) أنه لمَّا: قتل الإمام السعيد بيد هذه العصابة المركوسة الناكصة على الأعقاب، كتب أحمد بن الإمام صاحب هذه الترجمة إلى سلطان تعز ما لفظه: نجدد الخدمة، ونشكر النعمة، للِّه تعالى، للمقام العالي السلطاني، خلد الله مُلكه، وينهي صدورها من المصنف بِشُوَابة(1) ورأس الإمام أحمد بن الحسين بين يدي وخاتمه في إصبعي:
وأبلجَ ذي تاج أشاطت رماحُنا ... بمعترك بين الفوارس اقتما
هوى بين أيدي الخيل إذ فتكت به ... صدور العوالي ينضح المسك والدما
وكان من سعادة السلطان ويمن طيره، أن قُتل عدوُّه بسيف غيره، انتهى والله المستعان من هذه الشنعاء والزلَّة التي ساءت منظراً وسمعاً، وكتب الأمير علي بن يحيى والي الملك بصنعاء ما لفظه شعراً:
قتل ابن الحسين قدس الله رب السماء ترابه
قتلته يأيها الملك الندب بنوحمزة بوادي شوابه
/142/
فتبًّا لها ولا بيض الله تعالى وجوهها من عصابة(2)
__________
(1) شُوابة، بضم الشين المعجمة وفتح الباء: واد مغيول من أعمال (ذي بين) في بلاد بكيل، ينحدر ماؤه إلى الجوف، وإليه تنسب قرية شوابة شرقي ريدة (معجم المقحفي ص: 366).
(2) في (ب): تبالها لا بيض الله تعالى وجوهها من عصابة. وفي (ب): حاشية لفظها يستقيم بيتاً أن يقال ثم تبالها ولا بيض الله تعالى.. الخ، وأقول: وجزاهم رب الأنام عن الإسلام والمسلمين حق عقابه، قاتل الله قاتليه فما راعوا لربي حقاً ولا للقرابة، كتبه الفقير إلى الله مجد الدين بن محمد المؤيدي عفا الله عنه سنة 1365ه، وهذا الذي يدخل تحت ........ من الغضب لله تعالى ولرسوله، وقد أنصف ربنا من الباغي على إمام المسلمين ........... من أبناء النبيين عاجلاً ولعذاب الآخرة أشد وحسبنا الله ونعم الوكيل.

قلت: كلام علي بن يحيى هذا فات عني من أين نقلته، والذي في (السمط الغالي الثمن) أن لفظه قتل ابن الحسين لا قدس الله.. الخ (بزيادة لا)(1) وهو الأظهر من أحوال العدو.
وكتب العلامة الحسن بن أحمد الحيمي، بقلمه على السمط أصل الشعر بإثبات حرف النفي لا قدس الله تراب القائل والمقول إليه، توفي صاحب الترجمة في …… ودفن بصعدة في جبانة العيد، ورثاه القاضي ركن الدين مسعود بن عمر فقال:
يا زفرة في الحشا تعلو وتنحدرُ ... ترفقي فعسى أن يكذبَ الخبرُ
يا قائلاً قال: مات ابن الإمام عسى ... تعني سواه بفيك التربُ والحجرُ
ما بي وبالدين والدنيا لآفكة ... عمياء ظلت لها الأقطار تستعرُ
مالي إذا بان في أمنيَّة أربٌ ... ولا لنفسي عن مكروهةٍ حذرُ
آل النبي أبو دهماء كلهمُ ... فإن تولى فلا عين ولا أثرُ
وقال فيه أيضاً:
يا دهر حسبك من توهين أسبابي ... يا دهر أفنيت أركاني وأحبابي
يادهر يادهر كم ضعضعت من جلد ... يادهر يا دهر كم فللت من ناب
يأيها الدَّهر لو مهَّلتني بهم ... شهراً لعلي أقضي بعض (أوصابي)
ما بي على المجلس المحروس جانبه ... عن السفاه وداء اللّوم والعاب
مابي على دفعات الجود زاخرة الـ ... أمواج ما دونها للناس من باب
أحمد بن عبد الله بن الإمام يحيى بن حمزة: [ - ](2)
السيد العالم العابد أحمد بن عبد الله بن أمير المؤمنين يحيى بن حمزة. كان عالماً فاضلاً. ذكره السيد العماد في كتاب (الصلة) - رحمه الله -.
أحمد بن عبد الله أبي القاسم [ - ] (3)
السيد الإمام النحوي الكبير أحمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن أبي القاسم. كان - رحمه الله - كاملاً فاضلاً، وقد سبق ذكره عند ذكر السيِّد إبراهيم بن يحيى في تقريظ كتاب (المغني) لابن هشام.
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) صلة الاخوان في حلية بركة علامة الزمان إبراهيم الكينعي للسيد يحيى المهدي (تحت الطبع بتحقيقنا).

أحمد بن عبد الله القاعي [ - 390ه] (1)
الفقيه البليغ المجاهد، أبو الفلاح، أحمد بن عبد الله القاعي - رحمه الله -. كان من عيون الشيعة المعتنين بأمرهم، ومن وجوه أصحاب الإمام المنصور بالله القاسم بن علي، وشهد معه المشاهد، وكان فصيحاً جيّد البديَهة، يستحضر الكلام الفائق عند تلاحم المضايق، حكي عنه أنه لمَّا ثار من ثار بصعدة المحروسة على الإمام وغلقوا أبوابها، فخرج القاسم - عليه السلام - عجلاً على قدميه حتى لحقه خادمه في فناء الحصن بفرسه، فسار حتَّى صار على باب الحدبة في غربي صعدة، فألفى الباب مصفَّداً موصدا، فأمر به فكسر، فارتجز أحمد بن عبد الله المذكور عند خروج الإمام من الحصن:
نحن مفاتيح الدروب والدير(2) ... والمنجنيقات لها نحن الحجر
كم من قتيل قد قتلنا(3) لم يحر ... يشهر عينيه وقد زاغ البصر
/143/
نحن الذي نوردها خيراً وشر ... إذا تلظت مثل نيران الحفر
يقودنا الطاهر مولانا الأغر ... القاسم المشهور يُدعى مشتَهر(4)
وقال بعد ذلك في مكانه:
قد علمت ذات وشام حففا ... كأنه الشهد الذي فيه الشفا
أنا حماة الدين أصحاب الوفا ... نكفيك ما همَّك يابن المصطفى
أيماننا والبيض تبدي ما خفى ... من كُلِّ من عاند أو من خالفا
نروي السنان والحسام المرهفا ... ونترك الطير علينا عُكَّفا(5)
وقال أيضاً عند كسر الباب:
نهوي مع القاسم في دهم الظلم ... كبارق القبلة يهوى لم ينم
نتم بالعهد ونوفي الذِّمَم ... والسُّمر في إيماننا يرعفن دم
__________
(1) سيرة الإمام المنصور القاسم العياني، تأليف الحسن بن أحمد بن يعقوب، طبعت بتحقيق الأستاذ عبد الله بن محمد الحبشي ص 103، 104، 183، 187، وذكر له أراجيز غير التي أوردها المؤلف - رحمه الله -.
(2) في سيرة المنصور: والزبد.
(3) في (ب): قد صرعنا وكذا في سيرة المنصور.
(5) تكملتها في السيرة المنصورية ..............

والقاسم المنصور فينا كالعلم ... يحكم بالحق ويجزي من ظلم(1)
أحمد بن عبد الله الدواري [ - 807ه] (2)
__________
(1) في سيرة المنصور بعد هذه المقطوعة: فأمر بكسر الباب أصحابه فكسروه، ودخل منزله في دار بني الملاح، ودخل معه أصحابه، ثم أمر بالفلاح أحمد بن عبد الله القاعي أن يسير في أسواق صعدة ومعه جماعة من أصحابه، وينادي بالأمان في الأسواق، ويأمر الناس بالسكينة وينهي بعضاً عن مضرة بعض، ففعل ذلك، فبينما هو يدور في الأسواق ويصيح بالأمان بأمر الإمام - عليه السلام - إذ عدا عليه وعلى أصحابه جماعة المليح والحسن بن محمد الذين معهما من خدمهما ومن مال من أهل القرية إليهما، فهزموهم إلى دار الإمام - عليه السلام - ولحقوا أبا الفلاح في أعقاب الناس فقتلوه - رحمه الله -. سيرة الإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني ص 184.
قلت: وكان نهوض الإمام - عليه السلام - من عيان إلى صعدة في يوم الأربعاء لثلاث عشرة باقية من شهر جمادى الأولى سنة 390ه وبهذا يتضح أن المترجم له قد استشهد في نفس السنة.
(2) من مصادر ترجمته: طبقات الزيدية القسم الثالث خ تحت الطبع ج 1/325، 360، المستطاب خ، ج 2/52، اللآلئ المضيئة للشرفي خ، ملحق البدر الطالع ص 38، معجم المؤلفين 1/278، مصادر الحبشي 117، 193 أئمة اليمن لزبارة 1/294، الجامع الوجيز خ، الجواهر المضيئة خ ص 2، أعلام المؤلفين الزيدية ص 131، ترجمة 104.

الفقيه الكامل، العلامة ابن العلامة، أحمد بن عبد الله بن الحسن الدواري - رحمه الله -. كان من كبار العلماء الفضلاء - رحمه الله تعالى - ترجم له جماعة، وهو المؤلف لكتاب (التلفيق بين اللمع والتلعيق(1)) (2)، وله (الجزاز المصقول شرح وازعة ذوي العقول)، و(الوزاعة) هذه تأليف السيد العلامة الهادي بن إبراهيم رحمهما الله جميعاً وممن ترجم له السيد القاضي تقي الدين محمد بن أحمد الفاسي المالكي في تأريخه (العقد الثمين)، فقال ما لفظه: أحمد بن عبدالله بن الحسن بن عطيَّة بن محمَّد بن المؤيَّد الزيدي، توفي محرماً ملبياً، توفي في ليلة الخميس الرَّابع من ذي الحجَّة سنة سبع وثمانمائة، ودفن بالمعلاة. انتهى
__________
(1) لعلها: التعليق.
(2) التلفيق الجامع بين مسائل اللمع والتعليق (فقه)، منه نسخة خطية في 238 صفحة، مكتبة جامع الإمام الهادي بمدينة صعدة.

وكان حجَّه - رحمه الله - هو وصهره السيد العلامة الهادي بن إبراهيم الوزيري، زَوج أخت القاضي المذكور، وهيَ الفاضلة العالمة مهديَة بنت القاضي عبد الله بن الحسن، وهيَ من الفضليات، قال بعض العلماء: حكمها في الفضل على النساء كحكم أبيها وفضله على الرجال، وصحبهما في ذلك السفر السيد المرتضى بن الهادي بن إبراهيم، وحصل لموت القاضي - رحمه الله - موقع عظيم لجلالته ومكانته، سيما عند السيد الهادي لمكان الصداقة وعلمه حقيقة بفضله ولصهره، وكانت بينهما رحمهما الله أيام الحج مراسلات وأشعار منها القصيدة الآتية، ولمَّا وصل السيد الهادي إلى (فلَلة)(1) عند رجوعه التقاه الإمام علي بن المؤيَّد وخطب كل واحدٍ منهما خطبة بليغة، متضمنة تهنئة وتعزيَة وترحيباً وفنوناً كثيرة وفصولاً عديدة لم يسمع بمثل ذلك فيما بين أحد من أهل ذلك العصر، ورثاه السيد - رحمه الله - ولم أظفر بترثيته. /144/ ورأيت بمدينة (إب) قصيدة من السيد الهادي حرَّرها بحلي من أعمال تهامة يذكر فيها صنعاء و (طيب أوقاتها و) (2) ساحاتها وساعاتها، فأجابه القاضي بقصيدة بليغة وذكر فيها صعدة، ولم يحضرني ما نقلته في إب، ثم رأيت القصيدتين في تأريخ السادة، إلا أنه ذهب أوَّل قصيدة السيِّد نحو عشرة أبيات أو أكثر، ولعلِّي أكتبها من نسختنا وأظن أولها:
نسيم الصّبا هل تحملين لنا عهدا
وذكر في تأريخ السادة أن الشعر والجواب(3) لم يكن للقاضي شمس الدين، لكنه صنعه له بعض الفقهاء آل النعمان من (ضمد) وهذا الموجود من شعر السيد:
(4)
وأصفر من لون السفرجل لونه ... يحاكي من البيض الترائب والنهدا
__________
(1) فللة: هجرة علم قديمة في بني جُماعة بصعدة، بالقرب من هجرة قُطابر، يقال: إن أول من اختطها هو الإمام علي بن المؤيد سنة 836ه (معجم المقحفي ص: 497).
(2) سقط من (أ).
(3) في (ب): إن الشعر الجواب.
(4) بياض في المخطوطتين مقدار نصف صفحة.

وقان من الرّمان يحكي احمراره ... من البيض في صنعا الأنامل والخدَّا
ومن عنبٍ كل الفواكه حوله ... تراه أميراً وهو ينظرها جندا
فلله صنعا ما ألذَّ سكونها ... وأطيَب معناها وأحسنها مهداً
فلا ماؤها مرٌ ولا جوُّها وبا ... ولا قيضها جمراً ولا عيشها كدا(1)
وما هي إلا جنَّة الخلد في الدُّنا ... إذا بلدٌ في حسنها تشبه الخلدا
ولا سيما أن صافح الغيث أرضها ... وكاد الثرَى منها يكون لها ندا
قلت: أذكرني كلام السيد - رحمه الله - في طيب ترب صنعاء ما ذكره أبو حيَّان التوحيدي(2) أنه سأل بعضهم عن صنعاء فوصفها ومما وصف تربها، فقال: إذا سجد المصلي لم يرفع رأسه إلا كرها لطيب العَرف من ترابها نقلت هذا بالمعنى:
وتالله لولا الحج ما كنت سامحاً ... بها غير أنَّ الله ألزَمَه العبدا
وقائلة: كيف الذين ترحَّلوا ... إلى الحج أشياخاً وأصبيَة مُردا
فقلت لها: ما حال من قذفت به ... شطون النوى فازداد من أهله بعدا
وكم نفنف(3) قد جازه بعد (نفنف) ... ونبَّه في أقطاره الجثم (الربدا)
/145/
وكم قطع البيداء تعلى شموسها ... وعين المها من حرّ رمضائها رمدا
وكم قذف الحر بأحر(4) هجيرها ... وقد وقيد الشمس ناظرها قدا
__________
(1) حاشية في (ب): حق الإعراب الرفع في قوله: ولا قيضها جمراً ولا عيشها كدا؛ لأن لا لا تعمل في المعرفة إلا شذوذاً كقوله: فلا الحمد منسوباً ولا المال باقياً، أما كذا فوجهه أن يكون من الاقواء، وورد في كلام الفصحاء كقول امرئ القيس:
عوجا على الطل المحيل لعلنا
نبكي الديار كما بكى ابن جذام
قامت لتصرعني فقلت لها اقصري
إني امرؤ جزعي عليك حرام
وغير ذلك أو ثبوت العمل لا للضرورة في المعرفة والله الموفق. كتبه المفتقر إلى ربه مجد الدين محمد بن منصور المؤيدي.
(2) راجع تأريخ بني الوزير.
(3) نفنف: كل مهوى بين جبلين.. والمفازة. (القاموس المحيط ص 792).
(4) لعلها: بحر ليستقيم الوزن.

إلى أن بلغنا بطن مكة ترتمي ... بنا العيس نبغي من مشاعرها قصدا
ولمَّا بلغناها على دلج السرى ... نشد إليها كل دعلية شدا
رأينا بها ما يملأ العين قرَّة ... ويطوي من البين المشيب ما أسدا(1)
فشكراً لأيدي العيس إذ بلغت بنا ... وحمداً لمن في السَّير سخرها حمدا
بلغن بنا البيت الذي حج آدم ... من الهند لمَّا اعتاض بالجنة الهندا
إلى حرَم شاد الخليل أساسه ... وشرَّفه قدراً وعظمه مجدا
إلى قبلة الإسلام والحرَم الذي ... يحج إليه الناس إلا من ارتدا
إلى حيث أهدى البدن أحمد رسَّفاً ... فيانعم ما أهدى ويانعم من أهدى
ولمَّا رأينا كعبَة الحسن خلتها ... عرُوساً وفيها الخال قد زين الخدَّا
نقبل منها خالها الأسود الذي ... يبيض من وجه الأماني ما اسودا
وطفنا ببيت الله نلثم ركنه ... نمسحه كي ندرك الفوز والرشدا
فيا ربّ زده هيبة وجلالةً ... وجدد لنا من لثم أركانه عهداً(2)
قال السيد الهادي بن إبراهيم - رحمه الله تعالى -: قلت هذه القصيدة من المخلاف السليماني، ونحن متوجهون إلى مكة المشرفَّة - حماها الله تعالى - فلمَّا وقف عليها الفقيه (……)(3) بن النعمان الضمدي عارضها بمدح صعدة وطيبها وطيب مائها وجوّها على لسان القاضي شمس الدين أحمد بن عبد الله الدواري وبرأيه، وقد رأينا إثباتها في هذا الديوان المبارك لحسنها ورشاقة مساقها وترصيفها واتساقها:
إذا هب من نجد نسيم الصبا ندا ... وصافح منه ذيله الآس والوردا
بكيت كما يبكي الحمام صبابة ... وذبت بها شوقاً وذاب الحشا وقدا
وما زلت يشجيني بكاهنَّ كلما ... بكين على الأغصان ذكَرنني نجدا
إذا ما ذكرنا بير حوجل قطعت ... بها النفس أوكادت تذوب لها وجدا
وإن لاح برق بالصعيد فمقلتي ... على الخد مني خد مدمعها خدا
يشوقني من بئر عائد ماؤها ... فاشتاق منها ماءها البارد العدا
__________
(1) في (ب): ما أشدا.
(2) في (ب): العهدا.
(3) بياض في المخطوطتين.

منازل ما أشهى هواها وماءها ... وأطيبها عيشاً وأعذبها وردا
ويحجب عنها دوحها الشمس إن بدت ... وتسحب من برد النسيم بها بردا
وتالله ما أنسيت عهداً وإنما ... من البعد لم أحدث بساكنها عهداً
/146/
ولا اعتضت من ماء العذيب ومائه ... عذيباً ولا (بالشيح) شيحاً ولا رمدا
أحنّ إليها وهي منِّي قريبة ... فكيف إذا ما ازددت من أرضها بعدا
ولولا وجوب الحج ما اعتضت بالّلوا ... لواءً ولا بالوُد من أهله وُدا
ولا وخدت أيدي المطايا عشيَّة ... بنا وهيَ أدنى ما تسير بنا وخدا
نؤم بها البيت الحرام كأنها ... قسيٌ ترى ما في أزمَّتها جردا
يشوقها برق(1) الحجاز إذا بدا ... فيبدي شجاها وهو أهون ما أبدى
ولمَّا نزلنا الغور غور تهامةٍ ... ذكرنا الصَّعيد الطيب الأخضر الأندا
ورقراق أمواه عذاب بصعدةٍ ... كأنَّ فتيت المسك من فوقها مُسدا
نزف إليها الشوق من كل جانبٍ ... وجدّ بنا لما المسير بنا جدا(2)
ولكننا نرجو من الله عفوه ... ونطلبُه فضلاً ونطلبه رُشدا
ونطلب من ألطافه البر والهدى ... ولا يهتدي من ليس من ربه يُهدى
أمعلمنا(3) من صعدةٍ كيف صعدةٌ ... أفدنا بما عاينت من وصفها الأندا
وهل ماؤها السلسال شهد كعهدنا ... أم الدَّهر ضرَّ البارد السلسل الشهدا
وهل طلها طلق وطل غصونها ... إذا حرَّكته الريح تحسبه عقدا
بلاد تحاكي جنة الخلد حسنها ... وتحسبها من حسن بهجتها الخلدا
أحمد بن عبد الله بن أبي القاسم [ - ] (4)
السيد العلامة، الصدر، المفيد، أحمد بن عبدالله بن أبي القاسم - رحمه الله تعالى -. ترجم له السيد شمس الدين أحمد بن عبد الله، وذكر في موضع ما يدل على أنه من أعيان الوقت وأهل الرفعة - رحمه الله تعالى -.
أحمد بن عبيد [ - ] (5)
الفقيه العالم شهاب الدين أحمد بن عبيد - رحمه الله تعالى - ذكره السيد العلامة في وسيلته فقال:
__________
(1) في (أ): برد.
(2) في (ب): حدا.
(3) في (أ): أيعلمنا.

وبابن عبيد والشقيفي ذي النهى ... أبي القاسم الكشاف كل مجمل
ولم أتحقق شيئاً من حاله - رحمه الله تعالى -.
أحمد بن عبد الأعلى الضميمي [ - ق7ه] (1)
الفقيه، الإمام، العلامة، الأجل، الأفضل، الأكمل، أحمد بن عبد الأعلى الضميمي - رحمه الله -. شيخ معمَّر جليل القدر جميل الذكر، بحر من بحار العلم الزاخرة، وهو (مذحجي) الأصل، سكن بلاد بني (حُبيش)، وهو من جهة(2) العلامة أحمد بن علي الآتي ذكره، وفد هذا العلامة - رحمه الله - على الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليهما السلام - إلى (براقش)(3)، وبايع وأعلم الإمام أن عشيرته وجميع جهته سامعون له مطيعون، ثم قام أعاد الله من بركته بين يدي إمامه بهذا الشعر:
الله أكبر روح القدس أم بشر ... أم كوكب ضوؤه في الأفق منتشرُ
في حلقة القوم نور ساطع شرق ... حسناً وآيات مجد ليس تنحصرُ
/147/
لمَّا علا ورأت عيني طلائعه ... غشوته وغشاه البدو والحضرُ
فكم تجشمت من تيهاء مظلمة ... كالترس(4) ليس لأنسيٍّ بها أثرُ
وكم توردت والآمال طامحة ... منها موارد لا يرجى لها صدرُ
حتَّى انتهيت إلى من لا يقاس به ... إلا أوائله الوضاحة الغرَرُ
أنشدتُ نفسي وقد عاينتُ غرَّته ... هذا الإمام الذي قد كنت أنتظرُ
هذا ابن حمزة سيف الله مشتهرٌ ... في كفِّه مرهف العرنين مشتهرُ
هذا ابن حمزة عبد الله يشهد بالـ ... ـفضل المبين عليه الخبر والخبرُ
__________
(1) في السيرة المنصورية المطبوعة ذكره مع أخيه محمد بن عبد الأعلى، وذكر للأخير أكثر من قصيدة، وهذه القصيدة للمترجم ربما في الجزء المفقود من السيرة.
(2) حاشية في (أ)، (ب): معنى من جهة: من قرابة.
(3) براقش: من أهم المدن الأثرية في اليمن، وتقع بالجهة الجنوبية الغربية من مدينة معين، ضمن مدن وادي الجوف، وقد عرفت براقش قديماً باسم (يثل)، (معجم المقحفي ص: 67).
(4) الترس: التُرْس من جَلَد الأرض: الغليظ منها. (القاموس المحيط. ص 495).

هذا ابن فاطمة الداعي وطائره الـ ... ـميمون في كلّما يأتي وما يذرُ
هذا الَّذي أفصحت عن ذكر والده ... وفضله محكمات الآي والسورُ
مهذَّب الجد وضاح شمائله ... يغضي لها الأبهيان الشمس والقمرُ
إذا تهلل مثل البدر مبتسماً ... تهللت من نداه البدن والبدرُ
وإن يُدَمِّر(1) مات الموت من فرَق ... ومار بالأرض منه الخوف والحذرُ
إن صال أو قال أو جادت أنامله ... فالغيث والليث (والصمصامة) الذكرُ
يفتر مبتسماً والحربَ عابسةٌ ... إذا هي ابتلت الأعطاف والعدرُ(2)
أغر تحسب نصل السيف في يده ... جماً يجول به في الحومَة القمَرُ
يا آل ياسين أنتم في الورى وزرُ ... وملجأ حين لا ملجا ولا وزرُ
أنتم ينابيعُ علمٍ لا تغيض وفي ... أيديكمُ القضب المشطوبة البترُ
أنتم أناس أقام الدين صعدته ... بكم وفيكم وأنتم ظفرة الظفرُ
ولا تظلكم الرايات في رهجٍ ... إلا أطل عليها الفتح والظفرُ
وكم لكم يا بَني الزهراء من شرفٍ ... صاف تبسم عنه(3) بارق كدِرُ
فالحمد لله قد قامت قناتكم ... آل العباء وقام العدل والظفرُ
يا آل أحمد أنتم خير من وخدت(4) ... به الركاب ومن سارت به السيرُ
وأنتم عصمة المستعصمين وأمن المؤ ... منين وأنتم للورى عصرُ
في منشأ نشأت منه التلاوة لا ... حيث المزاهر والعيدان والوترُ
وأذهب الله عنه الرجس تطهرة ... له وجاء به القرآن والأثرُ
والأمر والدين والبيت العتيق لكم ... وزمزم والصَّفا والحجرُ والحجَرُ
بحر تغلغل في كنه العلوِّ إذا ... تغلغلت قصرت من(5) دونه الفكرُ
/148/
يا آل احمد إن الله خصَّكم ... دون الأنام بمالم يُؤته بشرُ
وقال قومٌ هم في الفضل مثلكم ... ولا أرى اليوم تحقيقاً لما ذكروا
أنَّى وطينة عليين طينتكم ... وطينة الناس إلا أنتم العفَرُ(6)
__________
(1) في (ب): وإن تذمر.
(2) العدر: لم أجدها.
(3) في (ب): مازق.
(4) في (ب): وجدت.
(5) في (ب): في.
(6) في (ب): الغفر.

الناس أرض وأنتم آل أحمد في ... أفق العلو عليهم أنجم زهرُ
وذكركم بعض أركان الصلاة وما ... رأيتهم قط في أذكارها ذكروا
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... وذلك الدين ليس الجبر والقدرُ
انتهى، وأقول لله در هذه القصيدة التي بنيت بيوتها بالجواهر، ونورت من أرضها الزهور، وأنورت من سمائها الزواهر، والحمد لله رب العالمين.
أحمد بن عبيد المعلم[ - ق3ه]
الفقيه، الإمام، الحافظ، مسند المذاهب، أحمد بن عبيد المعلم - رحمه الله تعالى - من كبار الزيدية وجلّهم، جعله في طبقات الزيدية من نقَلَةِ علوم آل محمد؛ لأنه قال في ترجمة الإمام الفقيه أبي الحسن علي بن أحمد بن (أبي)(1) حريصة - رحمه الله - ما لفظه: وقد كانت له، وابن(2) الفتح، وابن الطهري، وأحمد بن عبيد المعلم، ومحمد بن طالب عناية بالرواية، وقراءة كتب آل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - (3) وسماع، الحديث عنهم وعن شيعتهم إلى آخر كلامه.
أحمد بن عبد ربه(4) [ - ق7ه]
الشيخ العالم أحمد بن عبد ربه - رحمه الله تعالى - من تلامذته محمود بن يحيى بن علي بن الحسين الجيلاني، قرأ عليه، ومن جملة مقروءاته مجموع زيد بن علي - عليهما السلام - والأربعين العلويَّة، وأجاز الشيخ أحمد لتلميذه المذكور بشهر القعدة سنة تسع وخمسين وستمائة.
أحمد بن الإمام عز الدين(5) [873 - 940ه]
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) في (ب): ولابن الفتح.
(3) في (ب): كتب آل محمد صلى الله عليه وعليهم.
(5) ملحق البدر الطالع 38 - 39، معجم المؤلفين 1/312، مصادر الحبشي 209، الجامع الوجيز - خ - الجواهر المضيئة - خ - 12، 13، أئمة اليمن 1/411، التحف شرح الزلف 149، ذروة المجد الأثيل - خ - 58 - 59، 90 - 91، مطمح الآمال - خ - تراجم علماء آل المؤيد - خ - مشجر السيد صلاح الجلال - خ - مؤلفات الزيدية 1/398، مصادر التراث اليمني في المكتبات الخاصة، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (116).

السيد الكبير النحوي أحمد بن الإمام عز الدين بن الحسن - عليهم السلام - كان من العلماء الكبار محققاً في الأدوات، وقد كان يقال له: (سيبويه)(1) لعلوِّ شأنه في النحو وتعمَّر - رحمه الله - كثيراً، ورحل للحديث إلى المدينة المصطفوية، واستصحب كتباً من خزانة والده وغيرها، فنهبت في ديار حرب، وله أسئلة على (خطبة الأثمار) أجابها السيد العالم عبد الله بن الإمام شرف الدين نيابة عن والده، وذكره السيد العلامة محمد بن عز الدين في (شرح التكملة) - أعاد الله من بركاتهم - وتَولى القضاء لأخيه الإمام الحسن ولابن أخيه الإمام مجدالدين، وله (مصنَّف حاشية على تذكرة الفقيه حسن النحوي)، و(كتاب في أحوال الإمامة)، وما يلزم الإمام وما لا يلزمه.
قال شيخنا: كان الإمام المؤيَّد بالله يحبُّه ويولع به، وروَى شيخنا عن شيخه السيد العلامة داود بن الهادي أنَّ السيد شمس الدين هذا لم يكن في صغره متعلقاً بالعلم كإخوته - عليهم السلام - فأمره أبوه عز الدين وهم إذ ذاك (بساقين) (2) أن يكون إمام الصلاة للإمام وإخوته الكرام وغيرهم فامتنع فلم يعذره، فأقبل على العلم حتى بلغ الغاية، ومولده ضحى يوم الخميس لثمان بقين من شوال سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة، وتوفي في الفناء الكبير سنة أربعين وتسعمائة، وكان ابتداء الطاعون بهجرة فلَلة غرَّة شهر الحجّة سنة أربعين وتسعمائة وانقطع /149/ نصف (شهر)(3) صفر سنة إحدى وأربعين.
أحمد بن عز الدين الحميري(4) [ - ق7ه]
__________
(1) سقط من (أ) وهو في (ب).
(2) ساقين: بلدة في الجهة الغربية من صعدة، من قضاء خولان بن عمرو بن الحاف، بها مركز قضاء خولان (معجم المقحفي ص: 298).
(3) سقط من (ب).

الفقيه الأصولي المحقق شهاب الدين أحمد بن عز الدين الحميري - رحمه الله تعالى - من المصنفين المتبحرين في أصول الفقه، ولعلَّه صاحب المجموع في الأذكار، وإن لم أتحقق ذلك، وهو من ساكني هجرتي (حوث) ومسلت، وصحب الإمام أحمد بن الحسين - عليه السلام - وكان خدينه، وله عليه حق التربية، فإن القاضي هذا كان خدناً كلفاً بالإمام أيام سيادته - أعاد الله من بركتهم - وهو من علماء صعدة المحروسة، وهم أهل بيت فضل، والله أعلم.
أحمد بن العفيف بن منصور(1) [ - ق 8ه]
السيد العلامة النبيل، أحمد بن العفيف بن منصور - رحمه الله تعالى -. ترجم له بعض السَّادة آل الوزير، قال: كان سيداً، فاضلاً، ورعاً، له بصيرة وافرة، ومعرفة كاملَة، وفضل غير قاصر سكن (بالشرف)(2)، وسبب ذلك أنه زوّج ابنته من الإمام المهدي لدين الله محمد بن المطهر - عليهما السلام - وكان الإمام - عليه السلام - في ذلك الزمان ساكناً في (مفتاح الشرف) (3)، ونقلت إليه زوجته الشريفة المذكورة، وكان أبوها يتردد إلى الإمام لزيارة ابنته، فعوَّل الإمام(4) عليه السكون في الديار الشرفيَّة فساعده، وسكن (الرحاء)، وكان له في الفقه معرفة كاملة جيدة، وأراد الإمام - عليه السلام - إحياء تلك الجهات بالفتيا لأهلها، وتوفي في الشرف في زمن الإمام - عليه السلام -.
أحمد بن علي بن الهادي(5) [878 - 924ه]
__________
(1) المستطاب - خ - تأريخ بني الوزير - خ -.
(2) الشرف: ويسمى شرف حجور، وهو جبل واسع في الشمال الغربي من حجة، ويشكل أحد قضواتها (معجم المقحفي ص: 351).
(3) مفتاح الشرف، وتعرف بالمفتاح ناحية من قضاء الشرفين وأعمال حجة، بالشمال منها (المصدر السابق ص: 617).
(4) - عليه السلام -: زيادة في (ب).
(5) المستطاب - خ - طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث - ترجمة رقم (65).

السيد العلاَّمة الكامل، أحمد بن علي بن الهادي بن علي بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن أحمد بن حسن الملقب زغيب بن علي بن عبد الله الملقب أيضاً زغيب بن أحمد بن يحيى بن القاسم بن الإمام يوسف الدَّاعي بن يحيى بن المنصور بن أحمد بن الناصر بن الهادي إلى الحق - عليه السلام -.
قال الفقيه ابن المظفر في (ترجمانه): هذا السيِّد ممن جمع بين العلم والعمل والجود والكرَم، (ولهم) الهمَم العلويَّة، والشناشِن(1) والمكارم الحاتمية والأخلاق النبوية والآداب السنيَّة (والوصائف السنية)(2) والنفوس العصامية، والروايات الأصمعيَّة، والأعراف الزكية، والأحوال الرضيَّة، والحالات المرضيَّة، محيي علوم الدين، وارث علوم آل طه وياسين، كعبة القاصدين، كهف الوافدين والمسترشدين، رحب الباع ، خصيب الرباع، هاشمي النسب والطباع، أمتع الله الإسلام والمسلمين بحياته، وأعاد من فضله وبركاته، وأسعده الله وأسعد به في جميع أوقاته، ثم قال ابن المظفر - رحمه الله تعالى - بعد هذا، وفاته - قدس الله روحه ونوّر ضريحه - في شهر رجب سنة أربع وعشرين وتسعمائة (سنة)(3) سعيداً شهيداً، في (قفل مدوم) في الشرف، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وصائرون ومنقلبون، رزقنا الله شفاعته وشفاعة آبائه الأبرار الأطهار، وجمع بيننا وبينهم في دار النعيم والقرار، انتهى.
أحمد بن علي الضميمي(4) [ - نحو 656ه]
__________
(1) الشناشن:
(2) سقط من (أ).
(3) زيادة في (ب).
(4) الجواهر المضيئة رقم (79)، سيرة الإمام عبد الله بن حمزة (انظر الفهرس)، سيرة الإمام أحمد بن الحسين (خ)، طبقات الزيدية الكبرى - القسم الثالث - ترجمة رقم (75).

الفقيه العالم الزاهد أحمد بن علي الضميمي - رحمه الله - أظنه من قرابة العلامة المعلي وهما شهيران كبيران، وهذه نسبة إلى وادي ضميم، وأظنه بالضاد المعجمة /150/ قرب بلاد الأعماس(1) شرقي ذمار، وكان من خلصان الزيدية وأولياء الإمام أحمد بن الحسين - عليهما السلام - وجاهد معه، وكثرت رحله في الجهاد - رضي الله عنه - وقد ذكره أبو فراس في جماعة المنصور بالله، وله شعر من ذلك:
متى يعل(2) بمواحي(3) النسك(4) الخدم ... من الخميسين في اللبَّاتِ والقممِِ
متى تجردها كالملح صافية ... بيضا وتغمدها مخضوبة بدمِِ
متى أرى أسلات(5) العرب مشرقة(6) ... مما يسيل عليها(7) أنفس العجمِ
فيستقي عللاً من بعدما صديت ... دهراً ويشفي غليل المجد والكرمِ
من كل نكس(8) سفيه الرأي ليس له ... في المجد من قدم صدق ولا قِدمِ
يا ما لدهري لقد أنكرت حالته ... أكلُّ أيامهِ في الأشهرِ الحرُمِِِ
مالي أرى جمراتِ الحربِ ليس لها ... في ظلمة الخطْبِ من ضوءٍ ولا ضرمِ
وقد تلفَتُّ في قيس أحرضها ... قومي وما كنت في قيسي(9) بمتَّهمِ
وقمت بين ذرا(10) عيسى(11) فما سمعت ... نصحاً وقد أصبحت لحماً على وضمِ
وقلت للقلب(12) من ذهل وإخوتها ... على مقالٍ نصيحٍ واعظٍٍ فهمِ
وقلت كم تشتكي سود المنون إلى ... سيوفهم ما بها من سورة القزمِ
وقلت من تحلى بين الملوك بني ... أبي الكراديس أهل البأس والكرمِ
إن الجياد إذا راحت مسلمة ... من قادح الكلم لم يسلم من الكلمِ
أحمد بن علي بن أبي الفتح(13) [ - ق8ه]
__________
(1) الأعماس: عزلتان في الحداء: أعماس الجبل، وأعماس الضَلع (معجم المقحفي ص 39).
(6) في (ب): مشرفة.
(7) في (ب): عليه.
(8) نكس: المقصر عن غاية الكرم (القاموس المحيط ص 535).
(9) لعلها: قيسٍ.
(10) لعلها: ذوي.
(11) في (ب): عنس.
(12) في (ب): للغلب.

السيد العلامة، شمس الدين، أحمد بن علي بن أبي الفتح - رحمه الله -. كان عالماً كبيراً، ذكره الإمام(1) في (الغيث)(2)، وذكر المسائل الدائرة بينه وبين العلامة ابن تريك الآتي ذكره - رحمهم الله جميعاً -.
أحمد بن علي بن عمران(3) [ - ق8ه]
الفقيه الإمام العلامة أحمد بن علي بن عمران الشتوي الهمداني، علامة خطير، وإمام نحرير - رحمه الله تعالى -.
أحمد بن علي بن غراب(4) [ - ]
الفقيه العالم النبراس أحمد بن علي بن غراب - رحمه الله تعالى - ذكره صاحب (صلة الإخوان)، قال: وكان معروفاً بالبصيرة والفضل والفهم الوافر، وذكره ابن عمار(5)، حضره الإمام الناصر - عليه السلام -.
أحمد بن علي بن مرغم(6) [ - بعد سنة 790ه]
الفقيه العلامة شمس الدين أحمد بن علي بن مرغم - رحمه الله -. عالم كبير، من تلامذة العلامة جار الله الينبعي - رحمه الله - ذكره المقراني.
__________
(1) أي الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى - عليه السلام -.
(2) كتاب الغيث المدرار، المفتح لكمائم الأزهار في الفقه، تأليف الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى المرتضى - عليه السلام - المتوفي سنة 840ه، شرح فيه كتابه المعروف (بالأزهار في فقه الأئمة الأطهار)، وكتاب (الغيث) شرح كبير في أربعة مجلدات ضخمة، منه نسخ كثيرة مخطوطة في مكتبتي الأوقاف والغربية بالجامع الكبير بصنعاء، وفي المتحف البريطاني، وفي عشرات المكتاب الخاصة منها نسخة بمكتبة السيد العلامة المجتهد الكبير مجد الدين المؤيدي خطت سنة 886ه (وانظر عن نسخة المخطوطة كتابنا مصادر التراث في المكتبات الخاصة في اليمن).
(3) الجواهر المضيئة ترجمة رقم (75)، طبقات الزيدية الكبرى - القسم الثالث - ترجمة رقم (71).
(5) في (ب): وذكره من عاد.
(6) طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث 1/ 169 - 170 ترجمة رقم (72)، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (131) وانظر بقية مصادر ترجمته فيه.

أحمد بن علي بشاري(1) [ - 998ه]
الفقيه القاضي العلامة أحمد بن علي بن بشاري بن يحيى بن إدريس بن داود بن سلامة بن محمد بن يحيى بن عمرو بن علي بن أسعد العنسي - رحمه الله تعالى - عالم ترجم له بعض قرابته، قال: توفي يوم الثلاثاء ثامن شهر رجب سنة ثمان وتسعين وتسعمائة.
أحمد بن علي الشامي(2) [ - 1071ه]
__________
(2) بغية المريد - خ - طبق الحلوى (انظر الفهرس)، الجامع الوجيز - خ - ملحق البدر الطالع ص 36، نشر العرف 1/148 استطراداً في ترجمة أحمد بن عبد الرحمن الشامي، طبقات الزيدية الكبرى - القسم الثالث - ترجمة (67).

السيد العلامة شيخ العلوم شمس الدين أحمد بن علي الشامي، كان من أوعيَة العلوم يتوقد ذكاء، عالي الهمَّة في جميع الأمور، وله قدم سابقة في الجهاد، وولي أموراً كثيرة للإمام المنصور بالله القاسم بن محمد كنواحي الحيمة وخولان، وكان له في أيام الإمام القاسم عمل مشكور، وفتح حصن /151/ جبل اللَّوز(1) على يده و (على)(2) يد القاضي العلامة علي بن أحمد بن أبي الرجال - رحمه الله - وكان القاضي جماعته (بنو جبر) وجماعة السيِّد - رحمه الله - (بنو شداد)، إلا أن اليد كانت لبني (جبر)، وفي أيام الإمام المؤيد بالله شهد المشاهد مع شيخه مولانا (الإمام)(3) السيِّد العلامة الحسين بن القاسم - عليهما السلام - وكان ينوب في القضاء، وأثرى - رحمه الله - ثروة واسعَة، يضرب بها المثل، ثم كفَّ بصره، فوقف بصنعاء - المحميَّة بالله - متوفراً على إحياء العلم الشريف ونشره بهمَّةٍ ساميَة، وقرَّر عليه الطلبة مفيدات التقارير، وكان سريع الفهم، فقد يرى في اليوم الثاني غير ما رآه في اليوم الأوَّل، وما فتح قراءة في كتاب إلا وأتمَّه معونة من الله - عزَّ وجلَّ - ولهمَته فإنه على الاستمرار، وما دخل وقت الظهر إلا وهو على طهارة في المسجد، مسجد البستان، وأوقاته الأخرى كذلك، وكان له حظ في الفتيا - رحمه الله - بحيث إنه يفهم مقصد السائل قبل تمام قراءة السؤال، ولقد عجبت من فهمه للمقاصد حتى إنَّ بعض أهل الفتيا يأتي ليتلقن حيلة في دعوَاه فيصرح في الجواب بالتحرير من الحيلة - رحمه الله -.
وشيوخه جماعة أجلاء منهم: السيد العلامة محمد بن عز الدين المفتي، والسيد العلامة الحسين بن (الإمام)(4) القاسم، والقاضي إبراهيم السحولي عالى،- رضي الله عنهم -.
__________
(1) جبل اللوز: من جبال خولان الطيال في بني سحام، (معجم المقحفي ص: 552).
(2) زيادة في (ب).
(3) زيادة في (ب).
(4) زيادة في (ب).

وتوفي بصنعاء في منزله (ببئر العزب)، ودفن في البستان في (حوطة)(1) عدني مسجد سيدي الحسين بن القاسم - رحمه الله تعالى - (……)(2) (توفي السيد العلامة شمس الإسلام الصدر علي الشامي - رحمه الله تعالى - في شهر شوال من شهور سنة إحدى وسبعين بعد ألف سنة)(3).
أحمد بن علي المعافى(4) [ - 1000ه]
السيد العلامة شمس الدين أحمد بن علي المعافى الحسني. من ولد عبد الله بن الحسن الكامل، كان سيداً عالماً من عيون وقته، وراسله بعض العلماء للدعوة قبل دعوة السيد العلامة عبد الله بن علي بن الحسين المؤيَّدي، وكانت بينهما مراسلة شافية حاصلها إذعانه للسيد عبد الله بن علي، وكان هذا السيِّد من تلامِذَة العلامة محمد بن علي بن عمر الضمدي - رحمهم الله تعالى - وله شعر حسن، من ذلك ما أنشده في يوم السبت في صبحة(5) الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين وتسعمائة بهجرة (الجراف) بحضرة الإمام شرف الدين - عليه السلام - يمدحه - سلام الله عليه - منها:
تلألأ الأفق نوراً وازدهى طرباً ... وماس في حللٍ منشورةٍ عجبا
وطار هذا الزمان الغضُّ منظره ... للمسلمين وراقت عيشه الأدبا
وفاقت الأرض فخراً بالذي لبست(6) ... من التفاخر حتَّى طالت الشهبا
وعزَّ دين إله العرش وانتضيت ... سُيُوفه واستقام الحق وانتصبا
وافترَّ عن لؤلؤٍ رطبٍ وعن بردٍ ... ثغر الخلافة حتَّى ضاء والتهبا
وجرَّت الحورُ أذيالَ السرور ضحىً ... ولم تؤد من الأفراح ما وجبا
__________
(1) في طبقات الزيدية الكبرى 1/166: ودفن في خزيمة، وقيل: بل قبره في حوطة مسجد البستان، والله أعلم عدني مسجد سيدي الحسين بن القاسم.
(2) بياض في الأصل.
(3) ما بين القوسين زيادة في حاشية في (ب)، قلت: وذكر في طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث 1/ 166 وفاة المترجم له سنة ثلاث وسبعين وألف سنة.
(4) المستطاب - خ -.
(5) لعلها: صبيحة.
(6) في (ب): كسبت.

فلا أثام على بيضاء إذا برزت ... ولا جناح على حبر إذا لعبا
/152/
إن كان فيما مضى من دهرنا عجبٌ ... للسالفين فقد ردَّ الذي ذهبا
بأعظم الخلق طرّاً منصباً وعُلاً ... وأشرف الناس جداً فاضلاً وأبا
وهي طويلة.
أحمد بن علي بن المحسن(1) [ - ]
السيد الأمير بن الأمير أحمد بن علي بن المحسن بن يحيى بن يحيى - عليهم السلام - أثنى عليه ابن السيد جلال الدين، وترجم له، ووصفه بالعبادة والعلم - رضي الله عنه -.
أحمد بن علي بن المرتضى(2)[ - ق8ه]
السيد العالم، الفصيح، الحجَّة، شمس الدين، أحمد بن علي بن المرتضى بن المفضل - رحمهم الله - قال السيد العلامة الهادي إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن الوزير: هو - رحمه الله - معروف بالفضل مشهور في علمه وجوده وسخائه وطهارته وعبادته، نشأ على منهاج قويم وطريق مستقيم، وولع بالقراءة والتحصيل والاجتهاد في طلب فنون العلم، وهو تلو المرتضى أخيه في فضله وقراءته، ومعرفته في العربيَّة أكمل من معرفة أخيه المرتضى، له فيها معرفة كاملة وتحقيق تام، وله منظومة في الكلام بديعة بليغة (وكاملة)(3)، سماها (منظومة الأدلة في معرفة الله)، وله في الشعر يد طولى، ولو أوردنا كثيراً من محاسنه لطال الكلام، ولكن لا بد من التنبيه والقصد من السياق كله الإشارة لا الاستقصاء والاستيعاب، فذلك لا يمكن، فمن جملة أبياته قوله:
إذا مستحقٌ لم ينل ما استحقَّهُ ... وأصبح ذو حقدٍ له منه مانعاً
فقد ظلموا خير الأنام ابن طالبٍ ... وعدوه في دست الخلافة رابعا
وله:
__________
(2) مؤلفات الزيدية 3/70، مصادر الحبشي 115، المستطاب - خ - الجامع الوجيز - خ - الجواهر المضيئة - خ - ترجمة رقم 74، تأريخ بني الوزير - خ - الروض الأغن (1/64)، طبقات الزيدية الكبرى - القسم الثالث - ترجمة رقم (70)، مصادر التراث في المكتبات الخاصة (طبع مؤخراً)، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (130).
(3) زيادة في (ب).

يقولون ما أوصى الرسول إلى امرئٍ ... إليه أمور المسلمين تؤولُ
فيا عجباً أبقى الرسول عظيمةً ... وعلَّمنا المختار كيفَ نبُولُ
وله:
نصحت ومن حق النصيحة أنها ... تفيد الذي يوماً لها منك يقبلُ
ويورثك التهمَى ويمنعك الإخا ... وهذا لعمري في النصيحة مشكلُ
فإن تخفها تحرمْ صديقك نفعها ... وإن تبدها ما إن عليها معوَّلُ
وله محاسن وقصائد، وخشية التوسعة يمنع عن ذكر ذلك، وهو صاحب البئر الذي في طرف الجراف إلى ناحية ذهبان(1) المعروفة الآن ببئر السيد، وهو المقصود بالنسبَة إليه، وكانت ملكه، وهو الذي حفرها، واستخرج ماءها، وجاء الإمام الناصر (- عليه السلام -)(2) إليه وهو يحفرها، ويبنيها، ووقف عليها، واستحسنها ودعا له بالبركة فيها والإعانة على عمارتها. انتهى كلام السيد جمال الدين
قال السيد شمس الدين أحمد بن عبد الله بن الوزير - رحمه الله -: وهذه البئر المشار إليها صارت إلى سيدي أمير المؤمنين شرف الدين - عليه السلام - وهي موضع هجرته، ومكان نزهته، وقد أحدَث هو وأولاده - أيدهم الله تعالى - آباراً كثيرة، ودوراً عظيمة /153/ وغروساً وسيعَة، وصار هذا المكان من أحسن متنزهات الدُّنيا أدام الله تعالى ملك مالكه أمير المؤمنين، وحرس بحراسة ذاته سرح(3) المسلمين. انتهى كلام السيد أحمد.
__________
(1) ذهبان: قرية شمالي صنعاء فيما بين ثقبان والجراف، وقد اتصل عمرانها بمدينة صنعاء، وهي منسوبة إلى ذهبان بن نوف بن ثعلبان بن شرحبيل بن الحارث بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة، (معجم المقحفي ص: 252).
(2) سقط من (أ).
(3) سرح: السرح: المال السائم (القاموس المحيط ص 217).

قلت: وأفادني حيُّ السيد العابد علي بن لطف الله بن المطهر بن الإمام، وكان تأريخاً جامعاً؛ لأنه تعمَّر مع يقظته ومحاضرته لأهله، والكملة من الرجال، فتلقف عنه الأصحاب مُلَحاً وفرائد كثيرة، فأفادني - رحمه الله - أن الدور الشامخة العالية العلالي الملوكيَّة، كانت ستاً وأربعين، فهدَمتها (الأروام) حسداً لملوك العرب أن يكون لهم مثل ذلك كما فعلوا في دار السلطان عامر في (ثلا)(1).
أحمد بن علي الدواري(2) [ - بعد سنة 884ه]
القاضي العارف شمس الدين أحمد بن علي الدواري الهاجري - رحمه الله - كان عالماً محققاً مدرِّساً في صنعاء المحميَّة بالله تعالى في عام أربعة وثمانين وثمانمائة. قرأ عليه جمهور من الفضلاء منهم الفقيه يحيى بن محمد بن أحمد بن أبي الرجال - رحمهما الله تعالى - قرأ عليه صدر المفصّل إلى التصريف والموشح، وكتاب الموطَّأ لمالك بن أنس الأصبحي. ومن شعر القاضي أحمد بن علي المذكور مقرِّضاً للخبيصي شرح الحاجبيَّة:
ألا حبّذا شرحُ الخبيصي فإنَّه ... لشرحٌ لتبيينِ الغوامضِ ضامِنُ
حوَى نُكتاً مرويةَ عن أئمَّةٍ ... لهم في بحار النحو خاضت سفائنُ
فلا تعرضنْ عن درسه متكاسلاً ... ولاتسمعنْ من هو عن النصح راعنُ
وطوبى لمن شرح الموشح شغله ... ومن هو على شرح الموشح راحِنُ(3)
ولعله - رحمه الله - شارح (المدخل في علم المعاني والبيان) تصنيف عضد الدين الأيجي، وكان فراغه من تسويده في أواخر شهر جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وثمانمائة بالجراف قبلي مدينة صنعاء، وهو أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد الدواري.
__________
(1) ثلا: بالضم وينطقونها اليوم بالكسر. مدينة وحصن بالشمال الغربي عن مدينة صنعاء بمسافة 45 كيلو متراً، سميت نسبة إلى ثُلا بن لباخة بن أقيان بن حمير الأصغر. (معجم المقحفي ص 258).
(2) مؤلفات الزيدية 2/76، مصادر الحبشي 380، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (127).

أحمد بن علي بن سابق الدين النحوي(1) [ - ]
(العلامة الفاضل أحمد بن علي بن إدريس بن حسين بن محمد بن سابق الدين النحوي - رحمه الله - كان علامة فاضلاً، صنَّف في علم القراءة، وكان كاتباً مجيد الخط، محققاً في العلوم، ترجم له بعض أولاده، والله أعلم)(2).
أحمد بن علي التوتو(3) [ - ]
الفقيه (العلامة)(4) الفاضل الكامل شمس الدين أحمد بن علي التوتو - رحمه الله تعالى -. كان من فضلاء وقته، وكان على طريقة(5) أستاذه العابد إبراهيم الكينعي - رحمه الله - وكان - رحمه الله - من أهل الدنيا والثروة فيها، فلمَّا رأى الكينعي زهد فيها وعفَّ، وعلى عوارف شيخه عكف، وهو حدث السن، فخالط قلبه الخوف، وأشرب قلبه حبَّ الله والدار الآخرة، واقتدى بأحوال شيخه إبراهيم وأقواله وأفعاله، وهو من فضلاء وقته وعبَّاد دهره، تستميح منه الدعاء والبركات، وتقتدي به في الباقيات الصَّالحات. انتهى بلفظه من كتاب (الصِّلة).
أحمد بن علي بن أبي القاسم(6) [ - ]
الفقيه، الفاضل، النبيه، أحمد بن علي بن أبي القاسم بن محمد بن الحسين اليمني، - رحمه الله - المعروف بابن الشقيف، ترجم له العلامة القاضي (الفاسي)(7) المالكي، وذكر نسبه هكذا، ثم قال: المكي الزيدي، عني قليلاً بالعربيَّة والشعر، ومدح السيِّد حسن صاحب مكة وغيره وهجا صاحب ينبع. قتل غيلة، ولم يعرف قاتله.
/153/ أحمد بن علي بن عمر(8) [ - ق 8ه]
__________
(2) الترجمة سقطت من (أ) وهي في (ب).
(4) سقط من (ب).
(5) في (أ): وعلى طريقة أستاذه، وفي (ب): وكان على طريق أستاذه.
(7) سقط من (أ)، وهو في (ب).
(8) تقدمت ترجمته باسم أحمد بن علي بن عمران الشتوي، ومن مصادر ترجمته: الجواهر المضيئة ترجمة رقم (75)، طبقات الزيدية الكبرى - القسم الثالث - ترجمة رقم (71).

الفقيه العالم أحمد بن علي بن عمر - رحمه الله - كان عالماً محدِّثاً من شيوخ الشفاء وأرباب الإسناد، وعنه أخذ الحسين بن معين، وعنه أخذ سليمان بن فاضل الحجازي - رحمهم الله - وأظنه أحمد بن علي بن عمران بن الحسن، وإنما يقصر على الكاتب ألف ونون من جده، والله أعلم.
أحمد بن علي بن أحمد(1) [1003ـ 1040ه]
القاضي العلامة الفاضل شمس الدين أحمد بن علي بن أحمد بن إبراهيم بن أبي الرجال - رحمهم الله تعالى - كان من الفقهاء النبلاء الفضلاء، وأتقن من العلوم جملة واسعة، قرأ علوم العربيَّة بأنواعها، وعلم الكلام على مذهب الأئمة وقرأ الفقه، وأتقن فيه، وجوَّده. وله مشائخ أجلاء في كل علم، منهم الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد - عليه السلام - وفَد إليه إلى (وادعَة)(2)، فلما عرف الإمام نباهته وأهليته، جعل له منزلاً قريباً من منزله، وأمره بنقل جميع مصنفات الإمام الموجودة يومئّذٍ بخطه، وخطه من أجلِّ الخطوط وأنهاها(3)، وأبينها وأجلاها، ثُمَّ قرأها جميعاً على الإمام، ثُمَّ أذن له فدخل صعدة فقرأ علوم العربيَّة على السيد العلامة صارم الدين داود بن الهادي المؤيدي - رحمه الله تعالى - وعلى القاضي شمس الدين أحمد بن يحيى حابس، وقرأ عليه علم الكلام، وكتب مقروءاته جميعها بيده وخطه، ثُمَّ رحل إلى (شهارة) فقرأ أصول الفقه على السيد المجتهد العلامة أحمد بن محمد بن لقمان - رحمه الله - وكتبها بخط يده، وقرأ أيضاً في علم الكلام
__________
(1) الجامع الوجيز - خ - المستطاب - خ - 2/169، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (119).
(2) وادعة: من قبائل حاشد الهمدانية، تنسب إلى وادعة بن عمرو بن عامر بن ناشج بن دافع بن مالك بن جشم بن حاشد، وهم يتوزعون في جهات مختلفة، منها وادعة حاشد في بلاد حاشد على مقربة من خمر، ومنها وادعة الشام شرقي صعدة من ناحية الصفراء، ومنها وادعة عسير شمالي نجران بغرب (معجم المقحفي ص: 687).
(3) في (ب): وأبهاها.

على القاضي العلامة بقيَّة المتكلمين عبد الهادي بن أحمد الحسوسَة - رحمه الله - وأثنى عليه بعبارة تفيد أنه من أجلَّ من قرأ عليه في هذا العلم، روَاها سيّدنا العلامة علي بن سعيد الشريحي المقري - رحمهم الله جميعاً - وتولى القضاء بأمر إمامه المؤيَّد بالله - عليه السلام - بجهات عديدة منها حَيْس(1) من نواحي تهامة، وصلح بواسطته خلائق؛ لأنه كان حسن الأخلاق كامل الصنعة في جذب القلوب إلى الحق، ومن عجيب ما اتفق أن بعض تلامذته من الشافعيَّة أحب أهل البيت - عليهم السلام - وتمسَّك بولائهم، فاتفق أن حضر ذلك الشافعي في حضرة بعض ساداتنا الأعلام بمدينة تعز، وحضر يومئذٍ بعض الناصبيَّة فقرأ الناصبي: ?مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ..? (الأحزاب:40) الآية، ومقصوده معروف بهذا، فقرأ الفقيه المتخرج بالقاضي شمس الدين على الفور عقيب قراءته: ?فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ? (آل عمران:61) وهذه ملحة حسنة استفدتها من سيدي أمير المؤمنين المتوكل على الله إسماعيل بن أمير المؤمنين المنصور بالله - سلام الله عليهم -. وله أشعار حسنة، منها جوابه على السيد الناصر بن محمد صبح الغرباني الخارج أيام الإمام القاسم /155/ - عليه السلام - وادَّعى أنه الإمام المنتظر، ورام من والد القاضي المذكور المناصرة، فخذل عنه لوجوب ذلك شرعاً عليه وعلى السيد أيضاً، فإنه كان قد التزم أحكام
__________
(1) حَيْس بفتح الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحت، ثم سين مهملة، مدينة بالجنوب من زبيد بمسافة 35 كيلومتر، نسبت إلى بانيها الحيس بن يريم بن ذي رُعين بن كريب بن نعامة بن شرحبيل الحميري، وهي بلدة اشتهرت بالصناعات الفخارية خاصة آنية (الحيس) وكذا اشتهرت بزراعة القطن (المصدر السابق ص: 203).

الإمام القاسم - عليه السلام - ولكنَّها غرَّته الأماني، ولمَّا لم يطاوعه القاضي كتب إليه:
قل لعلاَّمة هلمَّ إلينا ... نحن ساداتكم عيال الرسولِ
عندنا العلم لا تطولوا علينا ... تصبحوا في الهوان يوم القفولِ
قال ربي بأننا طاهرينا ... فعل ربي وهل له من مثيلِ
نحن لحم الرسول بحور علوم(1) ... وارثون(2) الرسول خير الكهولِ
إن تميلوا عن الدلالة يوماً ... عن إمام الزمان زاكي الأصولِ
سوف تأتونه وعما قريبٍ ... تطلبون الوصال عند الوصولِ
نصرنا كائن بأمر عزيز ... قاهر قادر كثير الفصولِ
ليس أمثالكم لنا من نصير ... حسبنا ربنا مزيل الطلولِ
كيف حال امرئٍ يقول مقالاً ... باهتاً خائناً لآل الخليلِ
نحن في هذه أئمة حق ... رغم أنف البغيض شبه الهبولِ
نحن في الحشر شاهدون عليكم ... عند ربي وعند جدي الرسولِ
وتركت بيتين لركتهما، فأجابه القاضي شمس الدين - رحمه الله تعالى - بأمر إمامه المؤيد بالله؛ لأن السيد ناصراً استمر على استمرار الخلاف مدة خلافة الإمام القاسم، وصدر من خلافة ولده فأمره الإمام بالجواب، وقد كان اقتصر على البعض من هذا الجواب، ولم يذكر مآثر سلفه وسابقتهم، فأمره الإمام بزيادة قوله:
وسمعنا مقالة منك تنبي ... بمفاهيمها عن التغفيلِ
قولكم ما لمثلنا النصر فيما ... رمت من ارتكاب خطب جليلِ
إلى آخر القصيدة وهي هذه:
عترة المصطفى الكرام دليلي ... وهُداتي إلى سواء السَّبيلِ
اتبع السَّابقين منهم مطيعاً ... عادلاً عن مسالك التعطيلِ
وإذا كان منهم ذا اقتصادٍ ... كنت ممَّن يراه بالتبجيلِ
وأناوي سواهم لا أبالي ... لكثير تقوله أم قليلِ
وإذا طلت كان طولي بحقٍ ... عد عن قولك العريض الطويلِ
/156/
لست في ابتداع قال وقيلٍ ... من فريق يخوض في التطويلِ
كن من الآخرين إن شئت إمَّا ... رتبة لا تنال بالتبجيلِ
__________
(1) لعلها: أبحر علمٍ ليستقيم الوزن.
(2) هكذا: مع أن الإضافة تتطلب حذف النون.

فاطوٍ عمَّا تريد من تلك كشحاً ... قد سبقتم وقنتم بالفحولِ
سَبق علمٍ ودرية واختبارِ ... حسبما قد علمت بالتفصيلِ
ومع السبق لا سباق(1) وإلاَّ ... فهوَىً والهوَى من التضليلِ
وسمعنا مقالةً منك تنبي ... بمفاهيمها عن التغفيلِ
قولكم ما لمثلنا النصر فيما ... رمت من ارتكاب خطب جليلِ
نحنُ أنصار قائم الحق لا من ... ليس في وقتنا لها بأهيلِ
وبنا تنصر الخلائف قدماً ... وسوانا يُعاب بالتخذيلِ
سل تخبرك عن مواقف صدقٍ ... عزَمات لنا بحدّ الصقيلِ
هِزمٌ(2) كان فيه هزم الأعادي ... وكشهران(3) والرجو(4) والنقيلِ(5)
وسواها وكم أعدُ حروباً ... كم أسيرٍ بها وكم من قتيلِ
كم جرت من وقائع نحن فيها ... رُؤساء لحاشد وبكيلِ
تحت رايات من بهم ظهر الدين ... واستوى عدلهم على كل جيلِ
نحن ممن يشن غارات قوم ... ويقود الرعيل بعد الرعيلِ
وبهذا وذاك نبغي رضا الله ... وما قد قضاه في التنزيلِ
لا لدنيا كما زعمت لدينا ... أي دنيا رأيت تقضى بميلِ
وسلام الإله كل غداةٍ ... تبلغ المصطفى وكل أصيلِ
وكانت وفاته - رحمه الله - في صنعاء المحروسة، ودفن عند العلامة النحوي، وكتب عليه سيدنا العلامة وجيه الإسلام عبد العزيز بن محمد النعمان الضمدي أبياتاً وهي:
__________
(1) في (ب): شقاق.
(2) هِزَمٌ: بكسر ففتح. قرية كبيرة في أرحب شمال مدينة صنعاء بمسافة 38 كيلو مترا. (معجم المقحفي ص:1821).
(3) شَهران: قرية في جبل عيال يزيد. (المرجع السابق ص 882).
(4) الرَّجو: قرية في أرحب شمال صنعاء بجوار قرية (مُدَر) الأثرية. والرَّجو: من قرى الأشراف في مأرب. (المرجع السابق 675).
(5) النَّقِيْل: بفتح فكسر. قرية في بلاد الروس من أعمال محافظة صنعاء. (المرجع السابق ص 1760).

يا قبرُ حلَّ بك الأديب اللَّوذعي(1) ... وثوَى بلحدك ذو المقام الأرفعِ
وعلا بتربتك اليفاع مهذب ... كانت محاسنه تعز على النعي
أضحى لك الفخر العليُّ بأحمدٍ ... وبما أنيل من المفاخر أجمع
حمداً لوجهِ الله إذ أمضى لنا(2) ... ما يرتضيه وإن علا في المفجع
مولده - رحمه الله - في عشيَّة الجمعة حادي شهر شعبان سنة ثلاث وألف، ووفاته ليلة الجمعة سادس شهر ربيع الآخر سنة أربعين وألف سنة.
أحمد بن علي الوعلاني(3) [ - ]
الفقيه العلامة شمس الدين أحمد بن علي الوعلاني - رحمه الله - ذكر لي بعض مشائخي شيئاً من محاسنه /157/ ثم وجدت أبياته، وقد كان أفادني بعضها شيخي المذكور، وقد اقتصرت من ذكره على هذه الأبيات الموجهة إلى السيد محمد بن عبدالله بن الهادي بن إبراهيم - رحمهم الله تعالى -:
أهدِي إلى نجران بسراً ومن ... نجران في الأيام يُهدَى الرُّطَبْ
رثاث طرحها قد وجب وأقصد الهندِ بأخلاق أثوابْ
لكنَّه من لم يكن واجداً ... وعارض المُهدين أهدَى الحطبْ
أيا ابن عبد الله نجم العلا ... منزه العرض كريم النسبْ
يا بن النجوم الزهر من هاشمٍ ... أشرف من في عجمها والعربْ
محبكم يرغب في مدحكم ... يذكركم في نظمه والخطبْ
وما له في غيركم حاجةٌ ... لو كان يعطيه كنوز الذهبْ
لم تسمح النفس بمدحي الذي ... لا يعرف الحق لأهل الأدبْ
ولا بإعطاء الدر من لم يكن ... يعرف قدر اللؤلؤ المنتخبْ
ودهرنا صار عظيم الجفا ... لم يبق في أبنائه من يهبْ
ولم أكن ممَّن له حيلة ... في مهنَة الكسب وسُوء الطلبْ
فقمت للحرث بلا طاقةٍ ... والحرث يا مولاي فيه النصبْ
فما الذي تنظر في شأننا ... لا عظَّك الدهر بناب النوبْ
انتهى الموجود، ولعله من آل المكين وهم من ولد فروة بن مسيك الصحابي - رضي الله عنه -.
__________
(1) اللّوذعي: الخفيف الذكي، الظريف الذهن، الحديد الفؤاد، واللسن الفصيح، كأنه يلذع بالنار من ذكائه. (القاموس المحيط ص 703).
(2) في (ب): بنا.

أحمد بن علي بن سلامة(1) [ - ]
القاضي العلامة المفيد شمس الدين أحمد بن علي بن سلامة القيسي - رحمه الله تعالى - من أعيان أعلام المائة الثامنة، وكان حاكماً بشظب، ذكر ذلك السيد العلامة الهادي بن إبراهيم في (رياض الأبصار)(2) هو والقاضي العلامة أحمد بن علي بن حرمل، كما سنذكره (إن شاء الله)(3) عند ذكره قريباً.
أحمد بن علي بن حرمل(4) [ - ق 8ه]
الفقيه الجليل النبيل أحمد بن علي بن حرمل - رحمه الله - وهو أيضاً من أعلام المائة الثامنة كما ذكره السيد جمال الدين حيث قال:
وفي شظب بالحبر نجل سلامةٍ ... وبابن السعود المحتبى(5) وابن حرمل
وهذا ممن ذكره (من)(6) أهل وقته، وهو من أعلام المائة الثامنة، وكان ابن حرمل حاكماً أيضاً.
أحمد بن علي بن محمد(7) [ - ق 9ه]
__________
(2) رياض الأبصار في ذكر الأئمة الأقمار والعلماء الأبرار وشيعتهم الأخيار (أرجوزة) للسيد العلامة الهادي بن إبراهيم الوزير المتوفى سنة 822ه، ورياض الأبصار، خطي منه نسخة خطت سنة 1055ه ق 217ـ 231 رقم (3154)، مكتبة الأوقاف، أخرى (197 مجاميع، ثالثة 255 مجاميع غربية، رابعة امبروزيانا 119، أخرى بمكتبة السيد محمد بن محمد الكبسي خطت سنة 1139ه ضمن مجموع، أخرى ضمن مجموع بمكتبة السيد عبدالرحمن شايم خطت سنة 1173، أخرى مصورة بمكتبة الهادي.
(3) زيادة في (أ).
(5) لعلها: المجتبى.
(6) كذا في (ب)، وفي (أ): ممن ذكره أهل وقته.
(7) مؤلفات الزيدية 2/309، نشر العرف 3/316 (طبع مركز الدراسات) استطراداً في ترجمة يحيى بن حسن الآنسي، صلة الإخوان - خ - أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (126).

الفقيه الفاضل العالم أحمد بن علي بن محمد بن علي الأعقم (- رحمه الله -)(1) من قَريَة مسطح(2) من بلاد (آنس)، كان عالماً عابداً، له تفسير مفيد مشهور عند الزيدية -كَثَّرهم الله - يكتبونه في هوامش المصاحف. وأخبرني بعض من ينتمي إليه وهو الأخ الفقيه العلامة محمد بن عبد الله الآنسي - رضي الله عنه - أنه من عقبه، وأن قبره بصنعاء عند قبر السيد المهدي وابن حجاج، وأنَّ له ابناً عالماً فاضلاً قتل بمعبر(3) مع جماعة الإمام المهدي /158/ - عليه السلام - ووالده علي المذكور له إجازة من العلامة أحمد بن سليمان الأوزري في السير(4) والرياض للفقيه يوسف - رحمه الله - وذكره بعض المنتمين إليه أن اسمه ونسبه كما ذكر هنا.
أحمد بن علي مرغم(5) [ - ]
__________
(1) سقط من (أ).
(2) مسطح: بلدة قبلي جبل الشرق آنس، كانت قديمة من هجرات العلم التي يقصدها الطلبة (معجم/ المقحفي ص: 591 - 592).
(3) معبر بفتح الميم وسكون العين وفتح الباء الموحدة بعدها راء، مدينة بالجنوب من صنعاء بمسافة 68 كيلومتر في وسط قاع جهران، عليها تشرع طريق صنعاء - تعز، وقيل: إنها سميت كذلك لأن الطريق كان يفترق عندها إلى صنعاء شمالاً، وإلى عدن جنوباً (المصدر السابق ص: 609).
(4) لعلها: السنن كما في أعلام المؤلفين الزيدية ص: 148 ترجمة رقم: 126.
(5) صلة الإخوان - خ - المستطاب خ - مكنون السر - خ - مصادر الفكر العربي والإسلامي للحبشي ص 46، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم 131، مؤلفات الزيدية 1/265، 3/75، هجر الأكوع ص 23، مكتبة الأوقاف 314، فهرس المكتبة الغربية ص 62، الروض الأغر 1/64، وطبقات الزيدية الكبرى (القسم الثالث) 1/ 169 - 170 ترجمة رقم : 72.

القاضي الإمام الكبير، شيخ الشيوخ، أحمد بن علي مرغم من مراغمة صنعاء، شهير كبير، قرأ عليه الإمام علي بن محمد، والسيد محمد بن الحسن بن أبي الفتح - رحمه الله - وأجاز للسيد محمد في الثالث من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة بمسجد الخراز بصنعاء. ومن شيوخه - رحمه الله - الشيخ علي بن إبراهيم (بن)(1) عطيَّة، والشيخ علي تلميذ الإمام يحيى، والإمام يحيى - عليه السلام - قرأ على علي بن سليمان البصير، وعلي بن سليمان، قرأ على الشيخ محمد بن سليمان بن جعيد، وابن جعيد قرأ على شعلة.
أحمد بن علي المعروف بابن الفصيح(2) […ـ …]
الفقيه العلامة شهاب الدين عين زيديَّة الكوفة أحمد بن علي المعروف بابن الفصيح - رحمه الله - ذكره العفيف الصراري في أشياخ مشيخته - رحمه الله - وذكره السيد أحمد بن عبد الله في إسناد مختصر جامع آل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - .
أحمد بن علي بن جعفر(3) [ - ]
الفقيه العلاَّمة العارف شمس الدين أحمد بن علي بن جعفر بن تريك الصعدي - رحمه الله - هو من فصيلة العلامة المطهَّر بن محمد بن حسين بن محمد بن يحيى بن تريك الشهير الآتي إن شاء الله ذكره، وكان لأحمد فضيلة في العلم، ورأيت لوالده علي - رحمه الله تعالى - حسباناً مني أنه والده أثراً ودلائل على مكانة في العلم والله أعلم.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) طبقات الزيدية الكبرى (القسم الثالث) 1/ 170 - 171 ترجمة رقم: 73. قلت: وترجم له خير الدين الزركلي في الأعلام 1/175 باسم أحمد بن علي بن أحمد الكوفي البغدادي، أبو طالب فخر الدين بن الفصيح، وذكر مولده سنة 680ه ووفاته سنة 755ه، وذكر أنه من فقهاء الحنفية.

أحمد بن عيسى بن زيد(1) [ 158 - 240ه]
الإمام السيد الحجَّة، فقيه آل الرسول أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، سلام الله عليهم(2)، كان يلقب بفقيه آل محمد، ويعرف بالمختفي لأنه اختفى ستين سنة، قال الشريف ابن عنبة: وأمه عاتكة بنت الفضل بن عبد الرحمن بن العبَّاس بن الحارث هاشميَّة، وهو عالم فقيه كبير زاهد ورع، مولده سنة ثماني وخمسين ومائة، ووفاته سنة أربعين ومائتين، عمي في آخر عمره، وكان أحمد بن عيسى قد بقي في دار الخلافة منذ تسلمه الهادي بعد وفاة أبيه عيسى، ولمَّا مات الهادي كان عند الرشيد إلى أن كبر، وخرج، ثُمَّ اختفى، فقال شيخنا أبو نصر البخاري: طلبَه المتوكل فوجده في بيت ختنه بالكوفة، وهو إسماعيل بن عبد الله بن عبيد الله بن الحسن بن عبد الله بن العبَّاس بن علي بن أبي طالب وكانت تحته أمة الله بنت أحمد بن عيسى بن زيد، فوجده وقد نزل الماء في عينيه فخلى سبيله، وحكى الشيخ أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني الكبير أنه توفِّي إسحاق الموصلي المغني في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومائتين، نعي إلى المتوكل فغمه، وحزن عليه، وقال: ذهب صدر عظيم من جمال الملك وبهائه وزينته، ثُمَّ نعي إليه بعده أحمد بن عيسى بن زيد - عليه السلام - فقال: تكافأت الحالتان، وقام الفتح بوفاة أحمد، وما كنت من وثبته على مقام الفجيعة بإسحاق، فالحمد لله على ذلك، /169/ هذا كلامه، وأوَّل ما طالعت هذه الحكاية في
__________
(1) معجم رجال الاعتبار (طبع مؤخراً)، معجم الرواة في أمالي المؤيد بالله، رأب الصدع ج 3/118، ربيع الأبرار ج 8/399، أعيان الشيعة ج 3/56 - 59، الأعلام ج1/192، مقاتل الطالبيين 399، طبقات الزيدية - خ - لسان الميزان لابن حجر ح 1/62، مشاهد العترة الطاهرة 200، 38، عمدة الطالب 321، سر السلسلة العلوية 89، الفلك الدوار 62، التحف 45، مؤلفات الزيدية ج1/153، 195، ج 2/218.
(2) في (ب): - عليهم السلام -.

كتاب الأغاني كتبت على حاشية الكتاب بيتاً بدهني في الحال.
يرون فتحاً مصيبات الرسول ويغـ ... ـتمون إن مات في الأقوام عَوَّادُ
هذا كلام الشريف بن عنبة - رحمه الله - وكتب شيخنا وسيدنا شمس الدين أحمد بن سعد الدين بعد هذا (البيت)(1) ما لفظه: قال الفقير إلى الله تعالى أحمد بن سعد الدين بن الحسين بن محمد المسوري - ثبته الله وغفر له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات -: ولمَّا وقفت على هذا البيت تقَّربت إلى الله - عزَّ وجلَّ - وإلى رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأهل بيته بإجازته بخمسة أبيات هي:
لأنهم لا يرون الدين غير هوى ... وأنهم لكتاب الله جحادُ
وأن همَّة أهل البيت شامخة ... إلى الهدى وأماني القوم إلحادُ
كم بين من شغله القرآن يدرسه ... وللورى منه تعليم وإرشادُ
وبين من بالملاهي كان مشتغلاً ... وسعيه في بلاد الله إفسادُ
شتَّان كلٌ له هم يؤرقه ... وعنده فيه أغوار وأنجاد
__________
(1) سقط من (أ).

قال سيدنا - رحمه الله -: وما أنسب هذه الأبيات بما في كنز الأخبار في الأخبار في ترجمة المتوكل العباسي المذكور، قال فيه: ولم يكن فيه أحد ممن تقدّمه من أهل بيته ظهر في مجلسه العبث والهزل والمضاحك مثله، وسعى إليه بأبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا وأن في منزله سلاحاً وكتباً من أهل قم وغيرهم من شيعته، وأنه قد عزم على الخروج والوثوب بالدَّولة في دار الخلافة، فوجَّه إليه ليلةً عِدَّةٌ من الأتراك، فهجموا منزله على غفلةٍ، فوجدوه في بيتٍ منه مغلق عليه وعليه دراعة صُوف مفترش الرمل والحصى، صافّاً قدميه في الصلاة، يترنَّم بأياتٍ من الوعد والوعيد، ولم يوجد في منزله شيء مما قيل، ولا حالة يتعلق بها عليه، وحملوه إلى المتوكل على حالته تلك، فلمَّا دخلوا عليه أعظمه، وأكرمه، وأجلسه إلى جانبه، ومدَّ يده إليه بكأس خمر كان في يده، فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما خالط لحمي ودمي قط فأعفني منه فأعفاه، وقال: أنشدني شعراً استحسنه، فقال: إني لقليل الرواية للشعر، قال: لا بدَّ أن تنشدني فأنشده:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرقاب فلم ينفعهم القللُ
واستنزلوا بعد عزٍّ من معاقلهم ... وأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا ... أين الأسرَّة والتيجان والحللُ
أين الوجوه التي كانت منعمة ... من دونها تضرب الأستار والكللُ
/160/
فأفصح القبر عنهم حين ساءله ... تلك الوجوه عليها الدود تقتتلُ
قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا ... فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا

قال: فأشفق من حضر على علي بن محمد - رضي الله عنه - وظنوا أن بادرة ستبدر إليه على سكره، قال: فوالله لقد بكى بكاءً طويلاً حتى بلت دموعه لحيته، وبكى من حضر، وأمر برفع الشراب، ثم قال: يا أبا الحسن، لقد لينت منَّا قلوباً قاسية، وذكَّرتنا ما أنساناه النعيم، فأقسم بالله عليك دين؟ قال: نعم أربعة آلاف دينار، فأمر له بها ورُد إلى منزله من ساعته مكرماً.
وتوفي أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى المذكور - عليهم السلام - في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين ومائتين بسامراء.
أحمد بن عيسى بن عبد الله(1) [ - ]
السيد الكبير حافظ الزيدية ومسندهم أبو الطاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - قال الشريف ابن عنبة ما معناه: وكان شريفاً جليلاً، زاهداً، نسَّابة، عالماً يلقب بالفنفنة، قال أبو عبد الله بن طباطبا: الفنفنة لذي قد تفنن في العلوم.
قال شيخ الشرف: فما رأيت في صفَة عيسى عليه الصلاة والسلام ابن(2) الخصال الفنفنة حينئذٍ سكنت إلى اللقب - يعني هذا - ومن عقب هذا الشريف الشريف أبو طاهر أحمد بن عبد الله بن أحمد بن عيسى المعروف برغوث، كان له قدر .
أحمد بن عيسى الملقب(3) بجار الله [ - ق 8ه]
القاضي العلامة الجليل أحمد بن عيسى الملقب بجار الله - رحمه الله -.
قال السيد عماد الدين يحيى بن المهدي الحسيني: كان جامعاً للعلوم حاز من الكمال والإفضال ما لم يسبقه إليه أحد، مشمّر في الجهاد والقيام في حرب الباطنية، ونصر الإمام(4) علي بن محمد مع فضل ظاهر مشتهر. انتهى
__________
(2) لعلها: من.
(3) الجواهر المضيئة، ترجمة (81)، صلة الإخوان - خ - طبقات الزيدية الكبرى القاسم 1/ 176 - 177 ترجمة رقم: 78.
(4) سقط من (أ): المهدي وهي في (ب).

وذكره السيد الهادي بن إبراهيم - رحمه الله - وذكر أيضاً السيد يحيى بن المهدي في الصِّلة أحمد بن عيسى الشجري، وأفرده بذكر فقال في سياق لا بالاستقلال: وكان متولياً حافظاً للأموال والواجبات، ولعله هذا - رحمه الله تعالى - ويحتمل أنه غيره، والله أعلم.
أحمد بن عيسى(1) بن محمد [ - ]
العلامة الصالح الفقيه أحمد بن عيسى بن محمد المدحجي(2)، كان هو وصنوه محمد بن عيسى من العلماء الصَّالحين وهما الروائيان(3) لكرامة الإمام يحيى بن حمزة المشهورة، وذلك أنهما شهدا على شهادة جماعة ثقات يشهدون أنَّ رجلاً وصل لزيارة قبر الإمام - عليه السلام - وبيده قطعة حديد، فوضعها على قبر الإمام، ثم خرج بها إلى الحداد ليصنعها له شيئاً، فأوقد عليها الحداد فلم تعمل فيها النار شيئاً.
أحمد بن الفهد(4) [ - ]
الفقيه العامل العالم(5) أحمد بن الفهد - رحمه الله تعالى - كان هو وصنوه (محمد)(6) عالمين فاضلين، وهما من (كحلان) تاج الدين، وصحبا الإمام عز الدين بن الحسن، واستشهد أحمد - رحمه الله - في يوم (نسرين) (7)، وقبره مشهور مزور.
أحمد بن القاسم بن يوسف(8)
السيد الجليل العلامة شمس الدين أحمد بن القاسم بن يوسف بن المرتضى بن المفضل. كان سيداً عالماً بليغاً منطيقاً، له همَّة ساميَة ومعرفة بالعلوم، ولمَّا قتل بنو الروية أباه القاسم كما يأتي - إن شاء الله تعالى - ذكره، وجَّه الإمام الناصر - عليه السلام -/161/ هذه الكلمة البليغة أثار بها حفيظته أوَّلها:
لا تؤثرن على النهوض مقاماً ... إن اللَّيالي منك والأيَّاما
ولك الزَّمان فما أبحت محلل ... منه وما حرَّمت كان حراما
ولك النجوم فسعدها لك لاحقٌ ... إن سرت سار وإن أقمت أقاما
__________
(2) لعلها: المذحجي.
(3) لعلها: الراويان.
(4) مكنون السر.
(5) في (ب): الفقيه العالم العامل أحمد.
(6) سقط من (أ).
(7) نسرين: موضع شمالي صعدة (معجم المقحفي ص: 658).

أولست من شهب السماء تعلقت ... فذّا سوالف مجده وتواما
وهوت(1) من فرقٍ خلافتك التي ... هويت لقربك إذ أتتك غلاما
فأصبت منها ما سليمان بن دا ... ود أصاب وما بلغت فطاما
لا تنس ثأراً منك عند رُؤية ... جهلت به وأضاعت الأحلاما
وأرت رؤية قاسماً من غيِّها ... بمناصل غادرنه أقساما
طمأنه(2) هجر النجيع متونها ... أفطرن من دمه وكنَّ صياما
خفروا ذمام الله إذ فتكوا به ... والله أو قالوا أراد ذماما
ما ضرَّ(3) من لاقَى الحمام وشكره ... باقٍ فلو دام الزمان لداما
فبنوا الرويَّة في المظالم قد غدت ... غوغاً قياماً يبتغون قياما
وبغت على آل الرسول سفاهة ... منها وعدَّتها له إكراما
يا من أقام قناة دين محمدٍ ... ما زلت ملكاً تعمر الإسلاما
مِل مَيلَةً تدع النواصب سُجَّداً ... طوعاً لأمرك والفسوح قياما
حتى كأنَّ بني الروية بعدها ... مرُّوا بمقَلة نائم أحلاما
استنجد الثقلين عن كَثَبٍ إلى ... ظفرٍ فما رضيَا سواك إماما
حصن على كل الحصون معظم ... تذري ثبيراً في العلا وشماما
والأرض ترجف والعيون سواهر ... والأرض نار والنهار ظلاما
ما نال ابني قاسم بأبيهما ... لقيَا هواناً في الملا وملاما
وتأمَّلا وعداً منيت(4) به فما ... وجدا له نقضاً ولا إبراما
كن حيث حلَّ بك الرجاء فإنه ... يحيي النفوس ويشفي الأسقاما
فالله يا مهدي الكتائب بعدها ... يُهَدى إليك تحيَّة وسلاما
__________
(1) لعلها: وهويت، ليسقيم الوزن.
(2) لعلها: ظمآنة.
(3) في (ب): من ضر.
(4) في (ب): مننت.

وبعد هذه الإثارة نهض الإمام ونكاهم، وقتل منهم سبعين رجلاً، وحمَّلهم سبعين ديَة لاستخفافهم بالشريعة وبابن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عقوبة لهم، وكان قتلهم له - عليه السلام - في موضع يسمَّى (ظلامة) من بني قشيب بجهة آنس، وهو جدّ الأشراف بني المنتصر السَّاكنين في الدروع(1) والعزِّ، وجدّ السيد محمد بن عبد الله جدّ السادة الساكنين بهجرة(2) بني جرموز.
/161/ أحمد بن القاسم بن محمد
السيد الإمام الكبير العالم الشهيد أحمد بن القاسم بن محمد بن جعفر الصَّادق (- عليهم السلام -)(3)، ترجم له المنصور بالله، وقد رَسَم على نفسِه أن لا يذكر إلاَّ فاضلاً وشهيراً، قال: قتل على ثلاث مراحل من الرَّي، وكان متوجهاً إلى (نساولورود) (4)، وكان صالحاً فاضلاً كاملاً، وقتله أيَّام المقتدر العبَّاسي.
أحمد بن القاسم
الشريف الهمام، الأمير الأجل الشمسي أحمد بن القاسم بن عم الإمام أحمد بن الحسين - سلام الله عليهم- أحد أعضاد الحق، استقام له بعد ابن عمِّه الإمام المهدي مقام عظيم بحجَّة وما والاها، وبعد قتل الإمام قصده الأمير المبارز ابن طاس(5)، ثم رجع عنه وتعقبه الأمير علي بن يحيى العنسي من قرَابة القاضي عبد الله بن زيد، كان من أعيان السلطان المظفر، أقطعه صنعاء، وأقطعه مواضع عدِّة، ولمَّا وصل الأمير علي بن يحيى إلى وادٍ يقرب من بلاد حجَّة كتب إلى الأمير الشمسي بيتاً واحداً وهو:
__________
(1) الدُرْوَع: بضم الدال وسكون الراء وفتح الواو ثم عين مهملة: حصن من مخلاف بني قشيب في آنس (معجم المقحفي ص: 234).
(2) هجرة بني جُرْمُوز: مركز إداري من مديرية بني الحارث، وأعمال محافظة صنعاء. يبتعد عن صنعاء شمالاً بنحو 25 كيلو متراً. (المرجع السابق ص 319).
(3) سقط من (أ).
(4) نسا ولورود: لم أجد لها ترجمة في معجم المقحفي.
(5) في (ب): بن برطاس.

أبا حسن ما جئت طالباً بمقترف ... لكن غير مقترف أطلب(1)
فأجابه العلامة نظام الدين قاسم بن أحمد الشاكري على لسان الشمس - رحمهما الله تعالى -:
أبا حسن قد يجلب اليوم ما ترى ... وقد ربّما احتكت بالأفعى عقرب(2)
ثم رجع الأمير علي بن يحيى ولم يصر كبيرة.
أحمد بن القاسم بن وهاس [ - ]
السيد الإمام اللغوي الأديب أحمد بن القاسم بن وهاس بن أبي هاشم، كان عالماً أديباً، قرأ على عمِّه الأمير الحسن بن وهَّاس، وقرأ عليه في العربية برهان الدين بن الربيعي - رحمه الله -.
أحمد بن عبد الله بن إسماعيل [ - ]
السيد الأمير الخطير شمس الدين، أحمد الطاهر الحسيب النجيب بن القاسم، قدوة أهل عصره بن عبد الله بن القاسم بن أحمد بن إسماعيل أبي البركات (بن أحمد بن القاسم المجاهد بن محمد بن القاسم بن إبراهيم - عليه السلام - قال السيد يحيى بن القاسم الحمزي)(3) - رحمه الله - كان من أعيان أهل الزمان وأهل الفضل والإحسان.
أحمد بن القاسم المنصور بالله(4)[1007 - 1076ه]
__________
(1) يستقيم الوزن إذا صار: أبا حسنٍ ما جئت أطلب مقترفاً ولكن جئت غير مقترفٍ أطلبُ
(2) في (أ): أبا حسن قد يجلب اليوم ما ترى. وفي (ب): أبا حسن قد يجلب النوم ما ترى. ولعل (بالأفعى): بالأفاعي ليستقيم الوزن.
(3) سقط من (أ) وهو في (ب).
(4) طبقات الزيدية الكبرى (القسم الثالث) 1/ 178 - 179 ترجمة رقم (80) ومن هامشه: بهجة الزمن - خ - اللطائف السنية - خ - الجامع الوجيز - خ - ملحق البدر الطالع (42)، سيرة المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم - خ - الجواهر المضيئة، ترجمة رقم (84)، إجازات الأئمة - خ - .

السيد السامي النبراس شمس الدين، أحمد بن القاسم المنصور بالله بن محمد بن علي اليوسفي - رحمه الله - كان رئيساً جليلاً سامياً مهيباً، من أعضاد الدين، وأعمدة المسلمين من أهل الحميَّة على الإسلام، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وتولَّى الأعمال الكبيرة في صعدة لوالده - رحمه الله - ولأخيه، وكمل، وسارت بذكره الركبان، وقد كان تولَّى (الشرف)، ثم تولَّى صعدة المحروسة، وكانت أيام الشدَّة وهو أميرها وسلطانها، فأحفل(1) إليه القريب والبعيد وآوى إليه أرباب البيوت، فأنزل الجميع منازلهم، وأطعم الطعام، وكان وجوده من رحمة الله بخلقه في تلك الشدَّة، وكان يأمر باصطناع الطعام الواسع، ثم يأمر بتفريقه بالليل على أيدي أهل الفضل، وممّن أحب أن يتولى ذلك القاضي الرئيس الحسن بن علي الأكوع، والفقيه الفاضل صالح (بن صلاح)(2) العفاري، واستمرَّ على ذلك الإحسان حتَّى عطف الله بعواطفه، ومع ذلك فهو يجيز الشعراء بالمنح والرَّغائب إلى صنعاء وغيرها، ولذلك مدحه الكثير من الفضلاء. وادَّخر عدَّة للحرب كاملة، ولمَّا كان الفتح على أعداء الله الّذي /163/ تعقبه الفتح المبين، كان من حسن تدبير الله ما ألهم إليه الإمام المؤيَّد بالله الذي هو خرِّيت(3) البهم الماهر، فجعل إخوته الثلاثة قلباً وجناحين، فجعل هذا الشمسي في أوساط الجهة في السمت ما بين صعدة وصنعاء، وجعل الحسن - رضي الله عنه - الآتي ذكره في الجانب الشرقي، والحسين - أعاد الله من بركته - في الجانب الغربي، وأوقعوا بأعداء الله الوقائع، وأنزلوا بهم الرَّوائع حتى استقامت القناة العلوية، والحمد لله رب العالمين، ثم استقرت ولايته على بلاد حاشد وبكيل والمغرب إلى ما يصاقب (كحلان) من (ثلا) وبلادها (وقارن)(4)
__________
(1) في (ب): فأجفل.
(2) سقط من (أ).
(3) الخرِّيت: الدليل الحاذق.
(4) قارن: قرية في البون الأعلى، تتبع إدارياً ناحية جبل عيال يزيد، بالشمال الغربي من عمران (معجم المقحفي ص: 501).

وغير ذلك، وكان أيام إقامته بصعدة قرأ على شيوخ قرنَه بهم والده، ثم أخوه - عليهم السلام - من أجلاء العلماء كالقاضي علي المسوري وصنوه سعد الدِّين فإنهما كانا من أهل العهدة الدينيَّة والدنياوية، والقاضي سعيد الهبل، وكان محفوفاً بعلماء أكابر كالسيد داود بن الهادي، والسيد علي بن إبراهيم الحيداني، وكان عنده من أهل الرَّأي والحرب من ذكرنا، والحاجَّان الكاملان أحمد بن عواض الأسدي، وأحمد بن علي بن دغيش الصريمي العبشمي(1)، وكان إليهما النهاية في الحزم والكمال، فأما الحاج أحمد بن عواض فما أشبهه بأبي السرايا - رحمه الله تعالى - وله مع ذلك تفقه وعرفان على قواعد الأئمَّة، وأمَّا الحاج أحمد بن علي فكان صاحب رأي يشبه الحباب بن المنذر كما قال بعض أعيان وقته جهلت من هو، وهو أحد رجلين القاضي عامر بن محمد أو الحاج أحمد ما لفظه أو معناه: الرَّأي عند الحاج أحمد بن علي بن دغيش أو كما قال. وكان متورعاً، ولا يأكل من ذبائح العامَّة المحكمين للطواغيت كبلاد بني جماعة وبني خولي(2)، وصبر على ذلك، وكان لا يتوضأ من آنية الأدم التي من ذبائحهم، وكان الإمام القاسم - عليه السلام - يتوضأ منها، ويتعمّد أن يفعل ذلك، والحاج - رحمه الله - يرى عند أن يقوم الخطيب إلى المنبر، وكانت الجن يقرأون على الحاج المذكور - رحمه الله - وهذا عارض لكنه مقارب لما نحن فيه، فلمَّا سكن السيد شمس الدين أحمد بن الإمام بعد وضع الحرب أوزارها بصنعاء قرأ على القاضي العلامة إبراهيم بن يحيى السحولي والقاضي العلامة أحمد بن سعيد الهبل، وكان يحضر مقامهم الفضلاء، وعمر الجامع المقدس في الروضة وهو من عجائب الدنيا، أمَّا في الإقليم اليماني فما له نظير وإن كانت البلاد اليمنيّة المباركة معمور فيها المساجد الكبار، فهذا فيه كيفيّات،
__________
(1) في (ب): الغشمي.
(2) بنو خولي: - بفتح الخاء – قبيلة من قبائل مُنَبِّه، شمال غرب مدينة صعدة. (معجم المقحفي ص 588).

وما ترك وجهاً محسناً إلا فعله، فهو في الغاية، ووقف له أوقافاً واسعة - أعاد الله من بركته- وتولَّى قبله(1) ذلك الجامع الفضلاء، وهو الآن نقطة البيكار ودرة التقصار، وكما يقال: روضة في الروضة، بلغنا أن الأعاجم/164/ يكتبون في نقوشهم صُورته. وبعد موت الإمام المؤَّيد بالله دعا دعوة، اختلفت ساحَاتها بالإجابة، وخطب له على المنابر جميعها إلا ما كان بالمدن الوسطى من اليمن وضوران، ثم كانت أمور عادت إلى السلامة واستقرت هذه الدعوة المتوكلية المسعودة عمر الله بها الإسلام وأهله، وتولَّى المولى شمس الدين صعدة وبلادها عن أخيه، ثم انتقل إلى جوار الله بها، وعمرت عليه قبَّة فائقة الشكل بحيث إنها زينة(2)، وقد ذكرنا أنها قيلت فيه المدائح فلنذكر من ذلك ما تيسر - إن شاء الله تعالى - من ذلك ما مدحه به السيِّد العلامة صلاح بن عبد الخالق الحجافي(3) - رحمه الله تعالى -:
ما أصبح الجود يدعى أشرف الرتبِ ... إلا وفي نيله الأقصى من التعبِ
ولو حوى كل مجدٍ غيره ملك ... من السياسة والإقدام والأدبِ
__________
(1) لعلها: قبلة.
(2) حاشية في (ب): ومن كراماته ما روي عن السيد العلامة إبراهيم بن محمد الملقب (ابن حورية) وذلك أنه كان بينه وبين الوالد أحمد بن القاسم - رحمهم الله - في الحياة شيئاً، وكان السيد إبراهيم بعد موت الوالد أحمد إذا دخل صعدة لا يزوره، ويتعمد ترك دخول قبته، فرأى في بعض لياليه في منامه كأنه مارٌّ من تحت قصر من عقيق أحمر لم ير مثل ذلك العقيق، فعجب في نفسه ثُمَّ رفع نظره فإذا أحمد بن القاسم - رحمه الله - في كوةٍ مشرفة، فسأله لمن ذلك القصر؟ فقال: لي، أكرمني به بسبب إطعامي الطعام في سنة المجاعة، وما عَدَّ لي الله على عمارة جامع الروضة فوق ذلك، فدخل السيد إبراهيم - رحمه الله - صبح تلك الليلة قاصداً زيارته وداره، فلما خرج منها سأله بعض من كان عنده فأخبره السبب، ولله الحمد كثيراً.
(3) لعلها: الجحافي.

لعد عطلاً من المجد الرفيع وإن ... حوَى يسيراً فليس الرأس كالذنبِ
هي المواهب للجزل النفيس على ... حرص الملوك على الأموال والنَّسبِ
وما رأيت مدى عمري ولستُ أرى ... أهدى لمجدٍ على لطف من السببِ
ولا أقل اعتلالاً حين يسأله ... وقد توارى الملوك الصَّيد بالحجبِ
ولا أهش لبذل العرف حين غدا ... من يسأل العرف يخشى ذروة النوبِ
ولا أشد ادكاراً للصَّديق وقد ... جرَى التناسي من ابنٍ مشفق لأبِ
من أحمد بن أمير المؤمنين ومن ... سارت مناقبه في العجم والعربِ
الأشرف النسب بن الأشرف النسب بن الأشرف النسب بن الأشرف النسبِ
مؤيَّد(1) الرأي ماضي العزم إن وقفت ... سياسة العز بين العجز واللعبِ
قد جرَّبته خطوب الدهر فانفرجت ... عن فارجٍ لم يَخَفْ خطباً ولم يهبِ
وهزَّ منصلة المنصور والده ... فما مقالك في الصمصام ذي الشظبِ
ثم المؤيَّد مولانا المؤيَّد مُذ ... دعاه كشف عنه ظلمة الكربِ
وقال فيه العلامة العابد علي بن الحسين المسوري - رحمه الله تعالى -:
أنت لهذا الأنام سيدُهُ ... وأنت في ذا الزمان أوحدُه
(وأنت شمس الهدى المضيَّة إن ... ليل ظلال أظل أسودهُ)(2)
وأنت سيف الإله سلك في ... رؤوس أهل العناد يغمده
ليث على المعتدين مرتعه ... لحومهم والدماءُ مورده
سهم إله السماء رائشه ... إلى نحور العُدَى(3) يسدده
إن طال من فاسقٍ تمرُّده ... فأنت تعينه(4) ثم تنجده
/165/
جودك في العالمين ينعش من ... كانت خطوب الزمان تقعده
فطالب العرف أنت ترفده ... وخائف الجور أنت تنجده
أنت الذي فعله علا وزَكا ... كمثل ما طاب قبل محتده
صفات علياك لستُ أحصرها ... والرمل والقطر من يُعدده
ألبسك الله ثوب مفتخرٍ ... ما الدَّهر يبليه بل يجددُهُ
كفاك فخراً بأن نماك إلى الـ ... ـعلياء من ذا الزمَّان(5) أسعده
__________
(1) في (ب): مؤيدي.
(2) في (ب): تقدم البيت الثالث على الثاني.
(3) لعلها: العدا.
(4) لعلها: تغنيه.
(5) في (ب): الأنام.

إمامنا من سمت مكارمه ... أجلُّ هذا الورى وأرشده
خير بني أحمد النبي ومن ... لدينه لم يزل يشيده
القائم القاسم بهزه ... لباب أوصافه وسؤدده
واسمح الناس بالعطاء إذا ... عضَّ زمانٌ بما حوت يده
يبذل ما ليس ينتهي أمل ... إليه ممن أتاه يقصده
أيده الله من بنيه لمن ... طاب علاه وطاب مولده
فمن إذا قيل من لحاجتنا ... قلنا وحيد الزَّمان أوحده
بلّغه الله ما يؤمِله ... وشاد بنيانه وخلَّده
أحمد بن القاسم الشامي(1)
الفقيه النبيل عضد الدين أحمد بن القاسم الشامي - رحمه الله تعالى - كان من العلماء (النبلاء)(2) الكملاء البلغاء المجيدين المكثرين في الشعر، وله غيرة وحميَّة على الإسلام لا يألو في العزيمة لله جهداً وسنذكر من شعره ما يدل على علوِّ منزلته في كل ما وصفناه به، وله في الإمام المهدي علي بن محمد قصائد مستجادة، وله إلى الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى متاحفات، وكان من أشياعه ومحبيه، ولهما الكرامة المشهورة، وذلك أنه كان(3) الإمام يخرج هو وشيعته، ومنهم الفقيه المذكور من المسجد ليلاً والجو تضطرب رياحه، وذلك في جهة المغرب وهي من حزون البلاد(4)، وهذا الإمام مكين الجاه عند الله عظيم المنزلة أودع الله فيه(5) أسراراً كثيرة، وكفى بأمرين، أحدهما: علومه فإنها أشهر ما في أيدي أهل اليمن بل والحجاز والعراق، كما أشار إلى ذلك - عليه السلام - بقوله:
قد صار ما منعُوه في حَلي وفي البيت العتيق وينبع وعراق
__________
(2) سقط من (ب).
(3) المفروض: أنّ الإمام كان يخرج.
(4) في (ب): فيرون ضياءً يأتمون به إلى منزل الإمام.
(5) في (ب): لخلقه.

والثاني: ذريته: فإن له عقباً واسعاً مباركاً - رضي الله عنهم - وكان له شيعة أطهار، منهم هذا العلامة، قال في اللآلئ المضيَّة حاكياً عن الإمام شرف الدين - عليه السلام - ما لفظه: وكان الفقيه أحمد بن قاسم من الفضلاء العلماء البلغاء المصنفين /166/ وممَّن كان يعتقد عليه أنه متمكنٌ من الاسم الأعظم حتى روى له بعض مشائخي أنَّه أخبره فاضل من تلامذة الفقيه أحمد المذكور أنه احتاج إلى طير عقيب دواءٍ استعمله ولم يجد ثمنه، فقال له الفقيه: مرّ إلى ذلك السرب(1) إلى سرب طير من اليعاقيب، وخذ واحدة منها، ولا تزد، فسار ذلك التلميذ، وجعل يجس الأسمن من تلك اليعاقيب وهي ساكنة حتى أخذ خيرته منها، وله في أحجار قبره من جبل جح جح من (الحيمة) كرامَة باقية، وهي أن يخرج من ذلك الحجر بلَّة لمن أراد الاستشفاء ببركته لأي ألم يصيبه فياخذ بقطنة من تلك البلة، ويمسح به موضع الألم فيشفيه الله تعالى. انتهى
__________
(1) في (ب): الشرف.

قال السيد أحمد في اللآلئ: وكان للفقيه أحمد هذا من الحث على جهاد الباطنية مالم يكن لأحدٍ غيره مما يطول ذكره مع الأئمّة - عليهم السلام - والمحتسبين، ومات مثاغراً (1) في جبل جح جح، ومنهم ابن الغياث المشهور، كان فقيهاً فاضلاً عالماً نسخ (الغيث) بخط يده نسخة هي أصح ما يوجد، ومن عجيب أمره أنه - رحمه الله - دفن بعد موته في موضع فنبع من عنده ماءٌ، وكان لورثته أرض تحت ذلك الماء غير أن أرض غيرهم أقرب، فجاء ورثته يطلبون من الأقربين أن يشاطروهم في الماء فمنعوهم، فقال الورثة: هذا ببركة والدنا فما ينبغي أن نحرم منه، فأجابهم الأقربون إلى الماء بما معناه: ?ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ? (الحديد:21) هذه هبة لنا من الله، فاستأذن ورثة الفقيه أولئك أن ينقلوا ابن الغياث المذكور، فأذنوا لهم فنقلوه إلى أرض لهم، فانقطع الماء ونبع من عند قبر الفقيه - رحمه الله - وهذه قضيَّة مشهورة متناقلة، ولقد أخبرني من انتفع بذلك الماء، والله حسبي وكفى. وهذا عارض من القول فلنرجع إلى ذكر الشامي - رحمه الله - ومفاكهته للإمام المهدي، كتب إليه أبياتاً يستعير منه نسخة (البحر)(2) فقال:
يا من غدا للهدى كالروح في البدن ... لا تسترد كتاباً أنت عنه غني
فإن في بحرك الزخَّار ما جمعوا ... في الشرق والغرب والشامات واليمن
زدني كميعاد موسى أستفيد(3) به ... بحق سبطيك شمس الدين والحسن
فأجابه الإمام المهدي - عليه السلام - بقوله:
__________
(1) في (ب) زيادة: لهم.
(2) هو كتاب (البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار) موسوعة فقهية أصولية رائعة، من تأليف الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى المرتضى - عليه السلام - المتوفي سنة 840ه، وكتاب البحر الزخار، طبع وهو مشهور.
(3) المفروض: (استفدْ)؛ لأنه فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الطلب. ولكن الوزن يتطلب (استفيد).

نفيسُ درٍّ علا عن أنفس الثمن ... لو انه ملك داودٍ وذي يزن
أفاضه بحر(1) من حجر المعارف ربّـ ... ـاه بأغذية القرآن والسنن
محيي إياساً وسحباناً وأحنف والـ ... ـنعمان والفضل والبصري والقرني
واهاً لمن كان هذا حاله ويرى ... أن يستعير كتاباً وهو عنه غني
لكن أهلاً وسهلاً أنت في سعة ... خُذ ما التمست من الإمهال في الزمن
/167/
لولاه وقف لمحصور سمحت به ... عطيَّة وهو عندي أيسر المنن
ولما وقع من السيد الحافظ محمد بن إبراهيم انحراف عن الإمام المهدي أحمد بن يحيى - عليه السلام - بعد أن كان متعلقاً بمحبَّة الإمام، مثنياً عليه كما روي في سيرة الإمام أن السيد قال في وصف الإمام:
إذا كان فضل المرء في الناس ظاهراً ... فليس بمحتاج إلى كثرة الوصفِ
ألم تر نور الشمس في الأفق بادياً ... غنياً من المدح المرصَّع بالرصفِ
وروى غير صاحب السيرة من شعر السيد مثنياً على الإمام ومادحاً لكتابه البحر:
غَرق الضلال ببحرك الزخَّارِ ... فافخر على الأقران(2) أي فخارِ
أوتيت من بين الأئمة آية ... تبقى مع الأقران في الأعصارِ
لم يؤتها بعد النبيء خليفة ... كلا ولا حبر من الأحبارِ
بهرت فلم يسطع عدوك ردها ... بتهاونٍ فيه ولا إنكارِ
شهدت بأنك بعد جدك أحمد ... مهدينا المشهور في الآثارِ
فلقد أصيب(3) معانديك مصيبة ... ما فوقها إلا عذاب النارِ
فافخر وقل موتوا بغيظكم أسىً ... كمداً فقد نقم الإله بثأري
لا عيب لي إلا تمام فضائلي ... وظهورها فيكم ظهور نهارِ
هذا كتاب البحر فارعوا سمعكم ... في جنةٍ وقلوبكم في نارِ
هيهات لا يأتي الزمان بمثله ... لو أجمع الثقلان في الأقطارِ
بخٍ(4) لهذا الملك لا من ملكه ... فرس وبغل وانتجاب حمارِ
قال الفقيه أحمد بن قاسم أبياتاً يعنِّف السيد في انحرافه بعد هذا المدح فقال:
محمد حاق بك الافتضاحْ
__________
(1) لعلها: البحر.
(2) في (ب): مع القرآن.
(3) في (ب): أصاب.
(4) لعلها: وبَخٍ.

... بجحد وضوح ضياء الصباحْ
أتنكر فضل الَّذي فضله ... سرى في الأقاليم مسرى براحْ
وقد كنت من قبل أن تشتري ... بدينك دنياك وقت الصلاحْ
شهدت بتفضيله في الملا ... وتصنيفه الموجزات الصحاحْ
فإن كنت أنكرت ما قلته ... فأنت مُسيلمة أو سجاحْ
فيا من تبرأ من دينه ... ليحظى لدى مَلك ذي سماحْ
فأعطاه بعض دنانيره ... ليهجو إمام الهدى فاستباحْ
لقد بعت ثوب الهدى بالعمى ... وبدلت ثوب الجزا بالفلاحْ
فبع بعدها ملبس المؤمنين ... بزنار أهل الخطايا القباحْ
/168/
فقد عرف الناس منك الوفا ... لإبليس بالعهد حتى استراحْ
وإنَّ الذي نلته بالأذى ... هو البدر تلهثه بالنباحْ
قلت: والذي نسبه الفقيه شمس الدين إلى السيد عز الدين من ثلب الإمام هو ما في القصائد الضاديات المشهورة، وهي مقاولات أفحش السيد على الإمام بما لا يليق في القصيدة الآخرة، وهي مائة وأربعون بيتاً والموجب لتلك الحدَّة الغضب، والإمام - عليه السلام - قد قال في قصيدته للسيد محمد بالموجب الغضب وهي من قبل قصيدة السيد، ولو لم يكن إلا قوله - عليه السلام -:
هذا مقال(1) من زلّت به القدم ... عن منهج(2) الحق أو في قلبه مرض
ولمَّا وقف عليها السيد - رحمه الله - ما ترك من التهجين ممكناً، وقد كان أهل عصره يناصحونه بترك الغضب لجلالته كالسيد الإمام علي بن محمد بن أبي القاسم وصنوه السيد الهادي - رحمه الله تعالى - وله إليه جملة نصائح، فمن ذلك قوله:
مالي أراك تقول فيهم هكذا ... وبغير مذهبهم تدينُ وتقتدي
__________
(1) في (ب): هذي مقالة.
(2) في (ب): مسلك.

ولم يكن المتصدي لمقاولة السيد ومناضلته(1) الفقيه أحمد الشامي فقط، ولكن جرت عادة الزيدية أنهم لا يبقون على أشياعهم، ولا يقيلون لهم عثرة، ولذلك خرج من التشيع جماعات لسُوءِ مقالة الجهَّال، فالواجب معرفة فضل هذا الفقيه وقدحه في السيد قد سبقه ولحقه الإمام المهدي، والإمام شرف الدين والسيد الهادي وغيرهم، ويجب علينا أن نعلم فضيلة السيد في العلم وأنه سابق لا يجارَى، وأنه قد كان هجن على أهله، وأساء القول، ثم رجع، وله العبادة والصيام والقيام والعلم الواسع، ولكنَّه غير معصوم(2).
ومما اتفق لي أني رأيت في النوم أني في مسجد الطاي بصعدة وأنا يومئذٍ أريد كتابة ترجمة للسيد محمد - رحمه الله - ورأيت الاضطراب الحاصل، فحبست قلبي فرأيت أني في المسجد المذكور والسيد الهادي بن إبراهيم حاضر، وحضرت الصلاة فقدّمني للإمامة فتقدّمت، وصليت، ثم تنحيت عن موقف الصلاة، فأقبلت الشريفة صفيَّة أخت السيدين رحمهما الله وعليها لباس سابغ لا يُرى منها شيء، ثم قالت لي: محمد بن إبراهيم فاضل أو قاربت التصريح بأنه أفضل من الهادي رحمهما الله، وقد تركت ما كان بين الفقيه أحمد الشامي والسَّادة بعد علمي بحمد الله لمقصد حسن من ذلك أنه كما قال الله: ?تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ? (البقرة:134)، ومنها أن السيد قد راجع بالإنابة، ومنها أن الفقيه أحمد ليس هو الناقم على السيد بل غيره، ولم أترك ذلك إلا لقصد ولا سيما وجهَّال الزيدية /169/ لا يعرفون صنعة التأريخ، فترى كتبهم محشوة بالطعن واللَّعن، وما هذا آداب المؤرخين، والله المستعان. وقد كان السيد صحب الإمام وأنفذ إليه هذه الأبيات إلى ثلا وأظنها من أوّل ما كان بينهما:
أعالمنا هل للسؤال جواب ... وهل ينهل العطشان منك عبابُ
وهل تكشف الظلماء منك بصائر ... يدلُّ عليه سُنَّة وكتابُ
__________
(1) في (ب): ومناصلته.
(2) زيادة في (ب): - رحمه الله -.

وهل حسنٌ مني إذا كنت سائلاً ... أم البحث يا بحر العلوم يعابُ
وهل جاء في شرع التناصُف أنه ... يُكدر من صافي الوداد شرابُ
وهل قد سعى بيني وبينك جاهل ... ظنين يُريك الماء وهو سرابُ
فهل غرَّكم فيَّ الخمول فإنما ... أنا السيف خبراً والخمول قِرابُ
وهل يُزدرَى بالسيف من أجل غمده ... ويحقر من وهن المحل عقابُ
وهل لكثير الشوق والوجد راحم ... وهل للمساكين الضعاف صحابُ
وهل عابد في الدَّهر ودّك عامراً ... فهاهو ذا يا بن الكرام خرابُ
وهل مثمر حوكي مُلاءً رقائق ... تهزُّ صلاب الصخر وهي صلابُ
وهل عاطف للودِّ منك تلطف ... وهل قاطع للهجر منك عتابُ
وهل لمحلاتي إذا لم يحلها ... رجوع إلى من خطها وإيابُ
وهل لسلامي منك ردٌّ فإنه ... يخصك مني ما استهل سحابُ
قلت: وقد تعقب هذا ما حكاه السيد العلامة محمد بن عبد الله بن الهادي والد السيد صارم الدين فإنه قال: لمَّا كان في سنة تسع وثلاثين وثمانمائة في سنة الفناء سعى الفقيه الأفضل العابد الزاهد المحاسب لنفسه المجاهد محمد بن علي بن إسماعيل - رحمه الله - فيما بين الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى بن المرتضى - رحمه الله - وبين السيد الإمام الحجّة حافظ العصر محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى - رحمه الله - في المباراة فيما جرَى بينهما من المسائل والرسائل والقصائد والمخالفة في العقائد، فكان ذلك وتم، واجتَمع شمل أهل البيت، وانتظم والحمد لله رب العالمين، ليعلم ذلك من وقف عليه من الأولاد والسَّادة الأمجاد والأصحاب، وطُوي ما جرى فيما بينهم طيَّ السجل للكتاب.
قلت: وما كان بين السيد محمد بن إبراهيم والسيد العلامة حقاً وصفه بهذه الصفة بعض أهل الأنساب علي بن محمد بن أبي القاسم الآتي ذكره، فإنه عاد أمرهما إلى الوفاق.

قال السيد محمد بن عبد الله بن الهادي: لما كان في سنة نيف وثلاثين وثمانمائة اتفقت مباراة فيما بين الوالد عز الدين محمد بن إبراهيم بن علي بن /170/ المرتضى - رحمه الله - وبين السيد العلامة جمال الدين علي بن أبي القاسم بن محمد بن جعفر - رحمهم الله - فيما جرى بينهم من المراسلات والعقائد العلميات والمسائل العمليات، وكانت هذه المباراة في مواقف متعددة، وأمر السيد جمال الدين ولده صلاحاً يقرأ عليه كتاب (التلخيص) في علمي المعاني والبيان، فقصده لسماع هذا الكتاب، وكذلك الفقيه أحمد بن قاسم الشامي طابت نفسه وأمر ولده بالقراءة على السيد، ومدحه بالقصيدة الكافية، لكن السيد محمد تعب من قوله:
وما زال يحكي ضعفها وهو ضاحك
وبالجملة فختام أحوال السيد محمد خير أعماله وفضله في العلم والعمل واسع، ومن كان له فطنة وذكاء عجل بالمقالات وتنقل فيها كما قاله اليافعي وغيره في الغزالي - رحمه الله - وأخبار الفقيه شمس الدين - رحمه الله - كثيرة، وأشعاره في نكاية الظالمين واسعة القوافي مشحونة بها التواريخ.
قال بعض علماء التواريخ: كان الفقيه أحمد بن قاسم نقمة على الباطنية، وتوفي - رحمه الله - في …… ودفن …… في قرية تسمَّى مصنعة الحجادب من بلاد (الحيمة)، وقبره مشهور مزور. انتهى
أحمد بن أبي القاسم الضمدي(1) [ - ]
الفقيه البليغ المقول العارف أحمد بن أبي القاسم الضمدي، كان من أعيان وقته وفضلاء الشيعة، صحب الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد، وله فيه أشعار حسنة بليغة فيها الحماسة والمدح، وهو الذي روى وكان من عباد الله الصالحين أن السحاب ظللت الإمام القاسم في بلاد (عذر) وأنه حرص على معرفة حقيقة ذلك، فرأى السحاب تدور حيث يدور، ومن أشعاره: (2)
__________
(2) بياض في (أ) و (ب).

أحمد بن أبي القاسم بن صلاح(1) [ - ق 9ه]
الفقيه العلامة الفاضل أحمد بن أبي القاسم بن صلاح، مؤلف كتاب (سلوة الأحزان /171/ في سيرة أهل البيت - عليهم السلام - وأخبارهم الحسان)، كتاب يدل على علو طبقته - رضي الله عنه -.
أحمد بن قاسم بن أحمد(2) [ - ]
الفقيه العلامة أحمد بن قاسم بن أحمد بن صبرة الحميري نسباً، العدلي مذهباً، تلميذ السيد الصارم إبراهيم بن محمد، قرأ عليه جامع الأصول، وأجازه، وأثنى عليه السيد كثيراً.
أحمد بن قاسم الخولاني(3)[…ـ ق11ه]
__________
(1) مؤلفات الزيدية ج 2/98، مصادر الفكر العربي والإسلامي في اليمن للحبشي ص 424 - 425، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم : 137.
(3) مؤلفات الزيدية ج 2/131، مصادر الحبشي 218، طبقات الزيدية - خ -.

القاضي الكامل شمس الدين أحمد بن قاسم الخولاني المعروف بالسباعي - رحمه الله تعالى - كان من خلصان الشيعة وأهل العلم والسَّابقة وتعويله(1) على الفقه، إلاَّ أنه وَاسع الرّوايات لالتفاته إلى ذلك، مع ما أمتعه الله به من العمر، ولقي جماعة كثيرة، فكان يَروي عن أجلاء كالسيد العلامة صلاح بن أحمد بن الوزير، كان راويَه لأخبار السادة من طريق هذا السيد، ولقي العلامة صارم الدين إبراهيم بن يحيى بن الحسن المقرائي المعروف بابن حميد، وسمع عليه شرح الفتح، وقال لي - رحمه الله - في معبر بحضرة مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله: إنه ليس لأحدٍ سماع في شرح الفتح غيره فيما يعلم، وإنما الطريق للناس الإجازة، وكان خطه حسناً، وتولى القضاء بمدينة رداع للإمام المؤيَّد بالله(2) في صدر خلافته، ولمَّا نقله الله إلى جواره تَولَّى القضاء ولده القاضي العلامة علي بن أحمد السباعي، وهو عند كتابة هذه حاكم ذلك الإقليم، وهو من عيون الوقت - أمتع الله تعالى به - وشرح القاضي أحمد بن قاسم الأزهار، وأظنه لم يتم، ومما ذكر في ذلك الشرح مسألة ما لو سقي الزرع بالغرف بالقصاع، كان حكمه حكم الدَّوالي والخطارات في أنه يجب فيه نصف العشر، وكان القاضي شجاع الدين عامر بن محمد - رحمه الله - إذا أملأ هذه المسألة يقول: هي مسألة السباعي، والمسألة منصوصة، في الكتب معروفة، - رحمهم الله جميعاً - توفي في…… ودفن بمدينة رداع المحروسة بالله. انتهى
أحمد بن الأمير بدر الدين(3) [581 - 644ه]
__________
(1) في (ب): وتعويله في العلوم.
(2) زيادة في (ب): وصنوه المتوكل على الله.
(3) من مصادر ترجمته: مآثر الأبرار 2/818، أعلام المؤلفين الزيدية ص: 160 - 161 ترجمة (147، وانظر بقية مصادر ترجمته فيه.

الأمير الخطير الكبير السامي تاج الدين ويكنى بالمقتدر بالله أحمد بن الأمير بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى - عليهم السلام -(1)، هو والد الإمام إبراهيم بن تاج الدين.
قال الفقيه محمد بن فند: كان من سادات العترة وعلماء الأسرة، وكان من المجاهدين في سبيل الله والبائعين أنفسهم من الله، له كرامات مشهورة، وله تصانيف في أصول الدين، وتوَلى للإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بصعدة بعد أخيه مجد الدين إلى أن مات الإمام المنصور بالله، ثم تولاها بعده أولاد الإمام المنصور بالله، ثم مات في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وستمائة، وقبره بمسجد الهادي بصعدة.
قال ابن فند: ومن كرامات الإمام إبراهيم أنه ابن تاج الدين هذا، وأن جده بدر الدين وعمُّه الأمير الكبير شرف الدين الحسين بن محمد، وعمُّه الثاني الحسن بن بدر الدين، وعمه الثالث الأمير الشهير الشهيد /172/ مجد الدين يحيى بن محمد، فإنه بلغ مع صغر سنة في العلم والجهاد مبلغاً لم يبلغه غيره. انتهى(2) وسنذكرهم - إن شاء الله تعالى -.
قلت: وعمر السيد تاج الدين - رضي الله عنه - ثلاث وستون سنة.
أحمد بن محمد بن الهادي(3) [ - 710ه]
السيد الأمير العظيم المكانة في الفضائل أحمد بن محمد بن الهادي بن تاج الدين، أثنى عليه السيد الأمير صلاح بن الجلال، ووصفه بمكارم الخلال وبالجملة فكان من أهل التبريز، ومات بالشرف - رضي الله عنه -.
أحمد بن محمد بن أحمد(4) [ - ]
__________
(1) زيادة في (ب): الصلاة.
(2) مآثر الأبرار 2/ 921 - 922.
(3) طبقات الزيدية الكبرى (القسم الثالث) 1/ 185 - 187 ترجمة رقم: 83، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم: 175، ومنه الجواهر المضيئة - خ - .

السيد العالم التقي الزاهد أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن المطهر الزيدي نسباً ومذهباً، من أفاضل أوانه وعيون زمانه، كان أبوه من العلماء الكبار، هاجر إلى (يناع)(1)، وتلا السيد شمس الدين تلو أبيه وحذَا حذوه، وتوفي (بيناع) من أعمال (الحيمة) أو قريباً منها، وأمَّا أبوه فقبره (بيناع)، وأمَّا هذا فذكر بعض المؤرخين أنه كان قريباً من يناع مهاجراً، وبها توفي - هذا لفظه - وهو مجمل.
أحمد بن محمد بن المطهر(2) [ - ]
السيد الإمام الصوَّام القوَّام أحمد بن محمد بن المطهر بن الحسين الزيدي نسباً ومذهباً، المدفون ببيت بحر، كان من علماء العترة وسادات الأسرة، ذكره السيد الهادي بن إبراهيم الصغير - رحمه الله تعالى -.
أحمد بن محمد بن المرتضى(3) [ - ]
السيد العلامة أحمد بن محمد بن المرتضى - رحمه الله تعالى - قال السيد الهادي بن إبراهيم - رحمه الله -: كان - رحمه الله - شريف الهمَّة، ناهض العزيمة، طامح الأمل في الزكي من العمل، وكان إلى الجهاد أميل، وكان يعتني باقتناء السلاح والعدَّة للحرب وحُبِّب إليه الطيب، قال - رحمه الله -: وكان خطيباً مصقعاً مهيباً جانبه.
أحمد بن محمد بن الإمام يحيى(4) [ - ]
السيد العلامة شمس الدين احمد بن محمد بن الإمام يحيى بن حمزة - رحمه الله تعالى - ترجم له السيد العلامة عبد الله بن الهادي بن يحيى بن حمزة - عليه السلام - فقال: كان عالماً فاضلاً صالحاً، اشتغل بالعلم والقراءة حتى استفاد فائدة ظاهرة في العربيَّة وأصول الدين والفقه، وكان فيه زهادة كليَّة وخير كثير، وتوفي - رحمه الله تعالى - (بحوث) وقبر في (مروانة) المقبرة المعروفة (بحوث).
__________
(1) يناع: حصن منيع في عزلة الجدعان بالحيمة الداخلية، وحو حصن شاهق فيه آثار خرائب قديمة، وفي عرضه الجروف الواسعة المنحوتة نحتاً (معجم المقحفي ص: 717).
(4) طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث - ترجمة رقم (88).

أحمد بن محمد بن إدريس (1) [ - نحو 850ه]
السيد الإمام العلامة شمس الدين محمد بن محمد بن إدريس بن الإمام يحيى بن حمزة - رحمهم الله تعالى - المعروف بالأزرقي الأخير.
قال السيد العلامة عبد الله بن الهادي بن يحيى بن حمزة: نشأ في طلب العلم والفائدة، واشتغل بالقراءة، وله فهم حسن وطريقة صالحة ومكارم أخلاق وفضل كثير، لم يزل مشتغلاً حتى استفاد في العربية، وقرأ فيها كتبها المعروفة، وجوّد فيها وفي علم الكلام وأصول الفقه، وقرأ في كتب الفقه، وهو الآن مشتغل به بعد إحرازه لما ذكر أوّلاً من الفنون مع رغبَة ووفور فهمه، وله من التصانيف (جامع الخلاف)(2) زاده(3) من توفيقه السماوي وبسط له من المدد الإلهي. انتهى بحروفه
ورأيت بخط القاضي العلامة الهادي بن عبد الله بن أبي الرجال شعراً نسبة إليه مرثية في السيد العلامة علي بن محمد بن أبي القاسم - رحمهم الله جميعاً - أوَّلها: /173/
لقد أصبح الإسلام وهو مصابُ ... لمن جلَّ فيه نازلٌ ومصابُ
أصيبت به أعلامه وعلومَه ... وكلٌّ بسهم النائبات مصابُ
وهدَّ له ركن ودكَّت شوامخ ... وثل له عرش وحل حجابُ
وأقماره قد أكسفت وشموسه ... وأنجمُه غارت وغار شهابُ
ولم لا وقد أحلَى على ابن محمد ... وأقفر عنه مسجد وكتابُ
__________
(1) فهرس الغربية، فهرس الأوقاف، مصادر الحبشي 186، المستطاب - خ - رجال الأزهار (6)، الجواهر المضيئة ترجمة 99 ص 18، لوامع الأنوار ج 2/260، طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث، ترجمة رقم (89)، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (149).
(2) ويسمى: جامع الخلاف، وصادع الأصداف عن فرائد الدر الشفاف ورفع أطراف الطراف عن تخقيق مذاهب العترة والفقهاء من جميع الأطراف - خ - منه نسخة خطت سنة 851ه برقم: 1183 أوقاف، ثانية غربية رقم (275) فقه، ثالثة في مجموعة (1228) غربية الجامع الكبير، ويسمى أيضاً: جامع آل محمد، منه نسخة مصورة بدار الكتب المصرية.
(3) في (ب): زاده الله.

وصارت قفاراً سملقات(1) مهامهاً ... معاني علوم ضمهن ترابُ
وهي أطول من هذا القدر - رحمه الله تعالى - وللسيد الأزرقي الصَّغير (جامع الخلاف) كتاب مشهور مفيد، وعاجَله الأجل قبل إتمامه؛ لأنه شرع فيه حال الدرس في ذلك العام، فكان تصنيف بإزاء كل عشر عشراً، فإذا تقدم أهل القراءة بعشور كثيرة انتقل إلى حيث بلغوا، وتمَّمه مطهر الجمل - رحمه الله تعالى - نعم، وأمَّا(2) الأزرقي الكبير فهو المعروف بالمنتقم لدين الله - أي الذي أخذ بثأر الدين - ممن طمس آثاره، وهو أحد دعاة جيلان في المائة السادسة، والله أعلم.
أحمد بن محمد بن حمزة [ - ]
السيد العلامة أحمد بن محمد بن حمزة بن يحيى من خلصان أهل العلم والفضل، ومن تلامذته إمام الحديث الأمير الحسين صاحب الشفاء، وله عنه روايات.
أحمد بن محمد بن علي [ - 1007ه]
السيد العالم الفاضل شمس الدين أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن الهادي الهروي الحسيني(3) - رحمهم الله - كان عالماً جامعاً لفضائل عديدة، وذكره الوالد الفاضل الهادي بن عبد الله بن أبي الرجال - رحمه الله - وأنشد له شعراً:
العلم من أفضل الأعمال والقربِ ... بذاك قد قال أهل العلم في الكتبِ
ومن يوفق بالنيّات يحرسه ... فأجره أجر من صلَّى على الكثبِ
ومن تراه صموتاً في المجالس ذا ... لُبٍ يفوه بذكر الله لَم يخبِ
من لم يُحط بالأمانات التي وضعت ... من الإله عليه باء بالغضبِ
أنا مشير فإن المستشار له ... حق فإقبَلٍ وسلم يا أخا الأدبِ
خير العباد فتىً مستأمنٌ ورعٌ ... يقوم في آلِهِ بالعدل والحسبِ
__________
(1) سملقات: السَّمْلَق: كجعفر: القاع الصفصف. القاموس المحيط ص825.
(2) في (ب): وأما أحمد الأزرقي.
(3) في (ب): الحسني.

هذا(1) ذكره القاضي الهادي، وذكر في موضع آخر السيد العلامة أحمد بن محمد بن الهادي المحرابي - رحمه الله - وأنشد له هذه القصيدة الآتية، ولعله هذا الذي له الترجمَة، وكان السيد شمس الدين أحمد المحرابي من أمراء العترة وشرفائهم(2) وكبرائهم، ملموحاً إليه بعين الاجتهاد، ولم يرض الإمام القاسم بالدعوة إلى نفسه إلا بعد عرض الدعوة على هذا السيد الجليل، وكان قد اشتهر ذكره، وبَعُدَ صيته، وقام مع الإمام قيام السَّابقين، وله مآثر حميدة، واستشهد - رحمه الله - في (مسور المنتاب)(3) ومعه صنوه علي، وكان تلوه في الفضائل، كانت شهادتهما - أعاد الله من بركتهما - في (بيت عِذَاقة)(4) في حرب كبيرة، واستشهد /174/ معهم عشرة رجال صبح يوم السبت تاسع شهر ربيع الآخر سنة سبع وألف، والمعتني في القبَّة عليهما السيد المجاهد عامر بن علي - رحمه الله - ومما يذكر من علمه أنه شرح قصيدة امرئ القيس بن حجر اللاميَّة: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل، ولم يفتح كتاباً. ومن شعره - رحمه الله -:
ما بال عينيك منها الماء ينحدر ... كأنه سائل في الجوِ ينهَمرُ
وما لجسمك أمسَى ساحباً(5) ونبت ... بك المضاجع ثم اعتادك السهرُ
وبت ترعى السُّهى في الليل ترقبُه ... والقلب حيران طول الليل يفتكرُ
أذاك مِن أنْ نأى خِلٌّ شغفتَ به ... صافي الوداد حسين طيب عطرُ
__________
(1) في (ب): هكذا.
(2) في (ب): وسرواتهم.
(3) سميث مسور المنتاب لتمييزها عن غيرها من البلدان المعروفة باسم مسور في اليمن، ومسور المنتاب ناحية كبيرة من توابع محافظة صنعاء، وكانت من قبل من توابع محافظة حجة (انظر معجم المقحفي ص: 594).
(4) بيت عِذَاقة بكسر العين، وقد تضم مدينة كبيرة في جبل مسور، بها مركز قضاء مسور التابع لمحافظة صنعاء، وتنسب إلى عذاقة بن مسور بن عمرو بن معدي كرب بن شرحبيل بن ينكف، وهي بلدة جميلة ذات غيول وينابيع غزيرة (المصدر السابق ص: 434).
(5) لعلها: شاحباً.

حوراء قدزانها قدٌّ تميله ... إن جدت السير كاد الردف ينهصرُ
كأنما الشمس تبدُو في الجبين ضحى ... والخد ورد بهيُّ اللَّون منتشرُ
ونحرها مشرق والجيد منتصبٌ ... كأنها ظبية قد مسَّها ذعرُ
غيداء لا تنزل الأكدار ساحتها ... إذا بدت من حياهَا تخجل القمرُ
لمياء في شفتيها حوة(1) لعس(2) ... قد زانها دعج العينين والحوَرُ(3)
هيفاء خطارة درم مرافقها ... كأنما ريقها بالخمر مُعتصرُ
إذا نظرت إليها وقت خطرتها ... مع التبرُّج يوماً رابك النظرُ
لو ناجت العصم من أعلى مناكبها ... حنَّت إليها وزال الرعب والحورُ(4)
أو راهبين لمالوا نحوها وصبوا ... وضيَّعُوا الدين والأحساب وابتدرُوا
أم كنت تعرف آيات فقد جعلت ... أطلال ألفك بالمرتاع تعتذرُ
فأنتَ في الدَّهر في ضيقٍ وفي تعب ... من أجل ذَلك مهمُومٌ ومعتمرُ
فقلتُ كلاَّ فإني عنه في شغلٍ(5) ... بحادث دونه الأهوَال والخطرُ
تحار فيه عقول العارفين به ... من خطبه تحدث الأفزاع والفكرُ
لا تعذُلوني فإني مشفق حذر ... لو كان ينفعني الإشفاق والحذرُ
الدينُ مخترمٌ والحقُّ مهتضم ... وفضلُه في جميع الأرض مُحتَقَرُ
عفَت رسوم الهدَى أقوت معالمه ... كأنَّه ما مضَى الأنباء والنُّذُرُ
مِن بعد ما مات خير المرسلين معا ... شجى(6) به الثقلان الجنُّ والبشرُ
صلَّى عليه إله الخلق ما طلعَت ... شمس النهار على الأرضين والقمرُ
وساق على هذا السياق، وذكر الحوادث التي كانت بعد جدِّه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - .
/175/ أحمد بن محمد بن أحمد(7) [ - ]
__________
(1) حُوَّة: حمرة إلى السواد. (المرجع السابق ص 1175).
(2) لَعَسٌ: بالتحريك سواد مستحسن في الشفة. (المرجع السابق ص 530).
(3) في (ب): والخور.
(4) لعلها: والخور.
(5) في (ب): عنه مشتغل.
(6) في (أ): سحى.
(7) الجامع الوجيز.

السيد الزكي العلامة الأزهد شمس الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن عز الدين المؤيَّدي - رحمه الله تعالى - كان من العلماء الأخيار أهل العمَّة(1) في تحصيل العلم والرئاسة وحصَّل كثيراً طيِّباً، وقد كان أراد وضع شرح على الشافية، وكان فضله - رحمه الله - كلمة إجماع، بل قد كان يقول بعض أهل زمنه: إنه منقطع القرين، سمعت السيد العلامة أحمد بن الهادي بن هارون - رحمه الله - مع كونه من الكمال ومعرفة أحوال الناس بحيث هو، يقول: عندي أن السيد أحمد بن محمد رجل اليمن، ما كان في وقته من يبلغ حيث بلغ، فذكرت له رجلاً كان السيِّد يثني عليه فقال: (لا)(2) ولا فلان، وكان ورعاً لا يأكل إلا من الحلال الطيِّب، وكان إذا خرج بالعساكر إلى البلاد الشامية (بني جُمَاعة)(3) (وبني خُولي(4)) و(العروصور) (5) لا يأكل إلا من طعام يخصّه، ويفعل للجند الموائد الواسعة، ولقد كانت توضع بين يديه قطعة لحم منتنة؛ لأنه كان يذبح لنفسه ويقسم له ذلك، أعاد الله من بركته، وله شعر عظيم. من شعره(6):
وتوفي - رحمه الله - بصعدة في (……)(7) ورثاه، صنوه الصَّارم مولانا السيد الإمام المجتهد صارم الدين إبراهيم بن محمد بن أحمد حفظه الله بقصيدة وهي:
صبٌ بأهل الحما هاجت صبابته ... فدمعه لا يرى إلا صبابته(8)
__________
(1) في (ب): الهمة.
(2) سقط من (ب).
(3) بنو جُمَاعة بضم الجيم وفتح الميم، بطن من خولان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، لهم بلاد واسعة من أعمال صعدة، تعرف ببلاد بني جُماعة (معجم المقحفي ص: 126).
(4) بنو خولي: قد تثرجمت ص 191.
(5) لعلها: والعرّ وصور. والعُرّ: بلدة في جبل ساقين. (المرجع السابق).
(6) بياض في (أ) و (ب).
(7) بياض في (أ) و (ب).
(8) بياض في (أ)، (ب).

/177/ ومولانا الصارم ناسخ برود هذه المرثيَّة(1) هو زين الوجود وعين الموجود، ترجمان الشريعة، متبحر في العلوم جميعها، مصنف، له (شرح الهداية(2) بتنقيح الأنظار)(3) في ثلاثة مجلدات حافلة كل، مجلد يأتي مثل (شرح الأزهار لابن مفتاح)، وله (الرَّوض الحافل شرح الكافل)(4)، وله كتاب في (صناعة خط المصاحف)(5)، وله (القصص الحق المبين في البغي على أمير المؤمنين) وغير هذه، وله أشعار عظيمة، وهو أحد شيوخي، والحمد لله رب العالمين.
وكان والدهما السيد محمد بن أحمد رايساً(6) من أعيان آل محمد، مملوءاً بالوقار والرجاح، وهو الذي فتح صعدة للإمام القاسم أعاد الله من بركتهم.
أحمد بن محمد بن صلاح(7) [ - 1069ه]
__________
(1) في (ب): الترثية.
(2) في (ب): المسمى بتنقيح.
(3) ويسمى تنقيح الأنظار شرح هداية الأفكار (فقه) نسخة منه في المكتبة الغربية بالجامع الكبير صنعاء برقم (100) فقه، وأخرى في (257) ورقة برقم (1118) في مكتبة الأوقاف بالجامع الكبير، وأخرى بمكتبة آل الهاشمي صعدة، أخرى ج3 خط بعناية المؤلف سنة 1078ه في (965) صفحة من كتاب العارية إلى باب ميراث الملاعنة، مصورة بمكتبة السيد محمد بن عبدالعظيم الهادي، ومكتبة السيد عبدالرحمن شايم، أخرى الجزء الثاني في (608) صفحات جامع الإمام الهادي بصعدة.
(4) ويسمى أيضاً الروض الحافل الجامع لما شئت من معاني الكامل في أصول الفقه، منه نسخة خطية في (186) صفحة بمكتبة جامع الإمام الهادي بصعدة.
(5) ويسمى خط المصحف العثماني، ولعله: اللمعة الذهبية في شيء من القوانين الخطية، ذكره في ذروة المجد الأثيل.
(6) لعلها: رئيساً.
(7) الدرة المضيئة.

السيد الهمام العالم شيبة الحمد أحمد بن محمد بن صلاح القطابري - رحمه الله - من شيوخ شيوخنا المحققين، وأجلاء العلماء المتقنين(1)، وكان في العربيَّة إماماً محققاً سيما في أيام شبيبته - رحمه الله - وكان شيخاً معمراً، واتَّصل بالإمام القاسم، وكان من المناضلين عن منصب الإمام والمتكلمين معه، وله قصيدة جواب على السيد العلامة عبدالله بن علي بن الحسين المتعارض هو والإمام القاسم، فمن جواب السيد أحمد بن محمد بن صلاح القطابري - رحمه الله - وقد أجاب(2) عنها جمَّ عددهم، فقال السيد من جملة قصيدته:
وتقول في الأشعار أحدث قاسم ... سُوءاً وما حدَث أتى من قاسمِ
إلا الحروب المضرمات على العِدا ... الناقمات بكل عادٍ ظالمِ
من جرَّع الأعداء سُماً ناقعاً ... في كل مأقط(3) مضرم متلاحمِ
بأسنَّةٍ عند اللقا وصوَارمٍ ... ورداه حرب مقدمين بقاصمِ
وبنادق تحكي الرعود قواصفا ... ورصاصها حتف العدو اللاحمِ
وشوازب(4) كالشهب تهوي في الهوى(5) ... رصداً يخاطف خطفه من راجمِ
يحملن كل فتىً هزبرٍ(6) أروعٍ ... ثبت الجنان لدى الوقائع باسمِ
سَل عنه ذات السَود أو أسنافهم ... (وثُلا) و(ذَا مُدَعٍ)(7) و(ذات مرازمِ) (8)
/177/
تخبرك عن نبأٍ يقين أنها ... سقت العدو بها كؤوس علاقمِ
وهي طويلة ختمها بقوله:
والله يرعى للشرائع حقه ... ويديم بهجته بعزٍّ دائمِ
__________
(1) في (ب): المتقين.
(2) في (ب): وقد أجاب علماء جم عددهم.
(3) مأقط: أضيق المواضع في الحرب. (المرجع السابق ص 634).
(4) شوازب: جمع شازب: الأتان الضامر.
(5) لعلها: الهوا.
(6) الهزبر: اسم من أسماء الأسد.
(7) مُدَع بضم الميم وفتح الدال جبل منيع يطل على مدينة ثلاء من الغرب الشمالي، وفي سفحه تقع قرية مُدَع، وهو منسوب إلى مُدَع بن سعد بن عوف (معجم المقحفي ص: 575).
(8) أسماء معارك حدثت بين الإمام القاسم وخصومه.

ما دام فهو حتُوف كل معاند ... وشحاك(1) أفئدَةٍ وشجو حلاقمِ
والله يختم بالرِّضا أعمالنا ... والمؤمنين وتوبة للنادمِ
ثم الصلاة على النبي وآله ... ما غرَّدت في الأيك ورق حمائمِ
وله مرثية في الإمام - عليه السلام - جمع فيها الرثاء والتهنئة بقيام وَلده إمام اليمن ناعش الحوزة المؤيَّد بالله - عليه السلام - وتعمَّر - رضوان الله عليه- وكان في أيام الإمام المؤيَّد بالله من عيون أهل بيته، وتولَّى جهة (بلاد)(2) آنس المحروسة، ثم استقرَّ ببلاده منوطة أعمالها به حتَّى كانت أيام هذه الإمامة المسعودة النبوية أيام مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله - صلوات الله عليه- وأخذ منها بشطر صالح، ثم انتقل إلى جوار الله في شهر ربيع الآخر من عام تسعة وستين وألف في وادي(3) (قراض) من بلاد (آل أبي الخطاب)، وقبره بصرح المسجد بقرية (آل يعيش) مشهور مزور - رحمه الله تعالى - وتجاوز عنه، وزار السيد العلامة شرف الدين الحسن بن أحمد الجلال - أمتع الله بنافع علومُه - إلى (رُغَافة)(4). قال السيد الحسن عافاه الله تعالى:
فأهلاً بأقدامٍ حَبَتْني زيارةً ... وما كنت أهلاً للنهوض إلى عندي
ولا غَرو إن زار العظيم محقراً ... فقد ينهض المولَى إلى ساحَة العبد
فأجابه السيد شمس الدين - رحمه الله تعالى -.
بل أنتم النفر المستوجبون لأن ... نمشي إليكم ولو مشياً على الخدِّ
لأنكم من سلالات النبي وقد ... حزتم بفضلكم مجداً إلى مجد
أحمد بن محمد بن أحمد [ - ]
__________
(1) الواو زائدة عن الوزن.
(2) سقط من (ب).
(3) وادي قُرَاض: بضم ففتح فسكون – وادٍ معروف في مديرية باقم، شمالي مدينة صعدة، ومن أعمالها. (المرجع السابق ص 1258).
(4) رُغَافة بلدة في أرض بني جماعة بالغرب الشمالي من مدينة صعدة بمسافة (37) كيلومتر (معجم المقحفي ص: 271).

الفقيه العالم أبو إسحاق أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الملك بن عبد الباعث - رحمه الله - من بحار العلم وكبار العلماء، وولده إسحاق أشهر منه على أن هذا في الفضل شهير، ترجم له السيد الهادي، وابن المظفر، وغيرهما.
أحمد بن محمد بن أحمد [ - ]
العالم الكبير الفقيه الأجل شمس الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن عبدالواحد بن عبد الرزاق بن إبراهيم بن أبي القاسم بن علي المحلي الصنعاني - رحمه الله - والد الفقيه الإمام العلامة حميد بن أحمد، كان الفقيه شمس الدين عالماً كبيراً، وجهه الإمام المنصور بالله - عليه السلام - إلى بلاد (قاعة)(1)، - كما ذكره بعض أولاده - لمناظرة الباطنية، وقبره - رحمه الله - (بثلا) خارج باب المناخ(2) من مدينة ثلا، ويقال: قد سمعت تلاوة القرآن من قبره، وأظنه وجَّه الإمام لمناظرة المطرفيّة على الباطنية، والله أعلم.
أحمد بن محمد بن أحمد [ - ]
الفقيه الفاضل العلامة أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن الحسن المعروف بأبي الرجال بن سرح بن يحيى بن عبد الله بن عبد الله العمري - رحمه الله آمين - كان عالماً فاضلاً، وهو جد الفقيه محمد بن سليمان المذاكر - رحمه الله - وكان من جماعة المنصور بالله، ويقال: إنه كان/177/ يشبهه في الخلقة، وأمره بالوقوف بهجرة قاعة لمناظرة المطرَّفيّة. وانتقل إلى جوار الله بقاعة، وقبره هناك، وقاعة بلدة من محاسن البلاد، غربي (البون)، وقد كانت عامرة آهلة ثم خربتها همدان وانتقم الله منهم، ثم عمرت، وسكنها بعد ذلك طوائف مطرفيَّة ومخترعة.
__________
(1) قاعة حصن وبلدة غربي عمران، تشرع منها الطريق إلى حجة (معجم المقحفي ص: 504).
(2) في (ب): المياخ.

روى ثعلب أحمد الزيدي الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى - فيما رواه عنه محمد بن أبي الخير بن زريون الصنعاني المعاصر للإمام أحمد بن سليمان أن عبد الملك بن وهيب خرب قاعة، وأذل أهلها، لأنهم قتلوا أهله، فرأى ثعلب المذكور في النوم سبعة رجال عليهم ثياب نظيفة في أوَّلهم رجل بيده عصا قد أقبل حتى وقف على ماجل قاعة على الحاجب، وأشار بعصاه إلى قريَة قاعة، وقال:
ألا أيَّتها القريَة أما متّ أياماً ... فلا بد إله العرش أن يحييك أعواما
وأن يُهلك أقواماً بما أولوه أقواما ... وأن ينصر مظلوماً وأن يهلك ظلاَّما
فلم يلبث أن خرج علي بن محمد الصليحي فقتل همدان، وذلل بني وهيب، وكان قيس بن وهيب سيد همدان في عصره فقتله بحاز،(1) ودوخ البلد، ثم عمرت قاعة إلى الآن، والله أعلم.
أحمد بن محمد بن أحمد(2) [ - ]
الفقيه الفاضل العالم أحمد بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن المعروف بأبي الرجال - رحمه الله - كان عالماً، قال الفقيه محمد بن سليمان المذاكر صاحب الروضة: إنه كان من تلامذة القاضي جعفر بن أحمد - رحمه الله تعالى -.
أحمد بن محمد بن الحسن(3) [ - 656ه]
__________
(1) حاز: قرية أثرية مشهورة في ناحية همدان طرف قاع المِنَقَّبْ (المصدر السابق ص: 142).
(3) أئمة اليمن ج 1/171 - 176، معجم المؤلفين ج 2/90، مصادر الحبشي 156، مطلع البدور - خ - المستطاب - خ - طبقات الزيدية - خ - الموسوعة اليمنية ج 1/62، تأريخ اليمن الفكري في العصر العباسي ج 3/209 - 211، الجواهر المضيئة ص 19، مؤلفات الزيدية ج1/381 ج2 /123 ، ج3/77، مصادر التراث اليمني في المكتبات الخاصة (تحت الطبع)، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم 151.

الشيخ العالم المجتهد الأصولي أحمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد بن أبي طاهر محمد ابن إسحاق بن أبي بكر بن عبد الله بن الرصاص، نسبه من جهينة بن زيد، ابن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، وكان بعض أجداده مع الهادي إلى الحق - عليه السلام - المشهور بالحفيد، كان عالماً متبحراً لا يشق غباره في العلوم، من أساطين العلماء وسلاطين الكلام وآية العدل والتوحيد، وله في العلوم القدم الرَّاسخة، وله على ذلك آيات بينات منها الجوهرة(1) التي هي مدرس العصابة، وله ثلاثة كتب تجري منها مجرى الشرح، هكذا رأيته(2) ثلاثة كتب وبخط بعض مشائخنا، له كتابان كالشرح للجوهرة وهما (الوسيط) و(غرَّة الحقائق) لها، وله كتاب (الشجرة) في الإجماعات ولم نره إلى الآن، ولعله قد فقد والله المستعان، وما كان مثله مما يغفل عنه، وله في كل شيء من العلم قدم مع بلاغ(3) في إنشائه رائعة، وله رسالة تخرج في مجلد متوسط إلى العلامة عبد الله بن زيد العنسي - رحمه الله - سمَّاها (مناهج الإنصاف العاصمة عن شب نار الخلاف) وذلك بسبب رسائل دارت بين القاضي عبد الله - رضي الله عنه - وبين الفقيه العلامة علي بن يحيى الفضلي، وكان الشيخ وجيهاً رئيساً /179/، ولذلك كان منه ما كان إلى الإمام الشهيد السَّعيد أحمد بن الحسين - عليه السلام - فالله المستعان.
__________
(1) ويسمى جوهرة الأصول وتذكرة الفحول في علم الأصول (أصول فقه) منه نسخة خطت سنة 866ه برقم (1524)، وأخرى برقم (1529) بمكتبة الأوقاف جامع صنعاء، ومنه نسخة في مكتبة آل الهاشمي بصعدة رقم (164) خطت سنة 698ه.
(2) في (ب): مذكوراً زيادة.
(3) لعلها: بلاغة.

إذا تأمل المتأمل مكانة هذا الشيخ في العلم، وما يشيده(1) من ذكر آل محمد في رسائله، ويعطر بذكرهم المجالس، ثم كانت هذه الهفوة - وأعوذ بالله من حب الدنيا - وقد كان الإمام يعرف من الشيخ شيئاً من هذا، وكان يجزل عطاءه حتى إنه أقطعه في صنعاء المحميَّة بعض منازل الملحدة الباطنية.
قال السيد يحيى بن القاسم: وقيمة ذلك نحو ثلاثين ألفاً ولم يعط(2) حميداً شيئاً، وقد ترجم للشيخ شمس الدين الخزرجي وغيره، ووصف خلقته وزرقة في عينيه.
ومن إنشائه كتابه إلى جيلان وديلمان.
قال السيد العلامة يحيى بن القاسم - رحمه الله -: وقد نقلنا منه ما يتعلق بسيرة المهدي أحمد بن الحسين - عليه السلام - فأفهمت عبارته أنه أوسع من هذا، من الفقير إلى الله تعالى أحمد بن محمد بن الحسن إلى جهة الجيل والديلم مع الأخ البر رحيم داد:
هل رَكْبُ مكةَ حاملون تحيَّةً ... تُهدَى إليكم من محبٍ مغرَمِ
أغضَى الجفون على معينٍ ساجمٍ ... وطوى الضلوع على جَوى متقدمِ
إن لم يبلِّغها الحجيج فلا رمَوا ... بالجمرتين ولا سقوا من زمزمِ
__________
(1) في (ب): شيده.
(2) في (ب): ولم يعط الإمام حميداً شيئاً.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله، كتابي إليكما أيُّها الحِبران الكاملان، و(1)الصدران الفاضلان، شيخا الإسلام الداعيان إلى الله وإلى أرباب الفضل، وولاة العقد والحل.. إلى قوله: ?سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ? (يس:58)، تحيَّة من عند الله مباركة (طيبة)(2) تفيض بالخيرات أنوارها(3)، ويتوالى من ذي العرش حياؤها، وتضيء حنادس البعاد لآلئها. سلام على معاهد العلم وربوعه الذي طهر البر عراصها وأنديتها، وأزاح الدين الحنيف عن بشر التقوى ساحاتها وأفنيتها، وساد على دعائم الْهُدى سادات الورى ذراها وأبنيتها، بقرارة جيلان وديلمان، وذات الرسم الباقي الأثر الخالد من حديث الطوفان؛ فهناك حط الفضل رحله، وطنّب رواقه، وألقى الفقه بعاعه(4) وأرخى عن عزٍ إليه دقاقه. وإنّ أرضاً كان الناصر للحق - عليه السلام - مرسي أوتادها، وضارب أسدادها، وخائض غمارها، ومعين فوَّارها، ومشكاة أنوارها، وناهج محجتها على واضحة ليلها كنهارها، لأرض محفوفة بفخامة خطرها، ونماء سعيها، وبجليل ذكرها، و(5)لا جرم أنه لأثرٌ شامخ الشرفات، باذخ القذقات، راسخ القواعد والأساس، محكم القرائن والأمراس..
__________
(1) سقط (الواو) في (ب).
(2) سقط في (ب).
(3) في (ب): أنواها.
(4) يقال: ألقى عليه بعاعه أي نفسه، والسحاب ألقى بعاعه أي كل ما فيه من المطر (انظر القاموس المحيط ص: 909).
(5) سقط (الواو) في (ب).

إلى قوله: فهو - عليه السلام - أبو عذرها، وطليعة سرها، التي هتفت به الصحف الغوائر، وآذنت به قبل أوانه البشائر، وترتبت(1) بذكره الأسفار وابتهجَت الدَّفاتر؛ حتَّى رعف به الزمان، وتبلج به ذلك /180/ الأوان، فلم يزل يدندن حول تلك الدِّيار، ويحوم عليها بأسفار وتطيار وعقر وأمرار، وعزم لا يلويه وكل، وحزم لا يلقيه(2) دجل، حتى أعطي مقاليدها إذِ رام إصلاحها، ونبذ إليه الأسعاد مفتاحها، إذ حاول افتتاحها..
إلى قوله: فورد ضريح صريبتها من ورد من أئمَّة الْهُدى، وأقمار الدُّجى، الذين أضاءت أنوارهم المشارق والمغارب، ورتع في رياض علومهم الأعاجم والأعارب، سلام الله وبركاته(3) على تلك الأرواح في مساءٍ وصباح ما انفك السلف من أئمتنا ينحو من ذلك المنهاج، وتلمع ضوء لآلئهم من تلك الهالات والأبراج، وتنبأ(4) نورها من العراق تناويب وإدلاج، فأوَّل من عشا إلى ضوء نارها فاتبعه، وسام برق الحيا في رباها فانتجعه، السيد الإمام أمير المؤمنين المهدي لدين الله أبو عبد الله محمد بن الحسن الدَّاعي - عليه السلام - فأحيا تلك المآثر التي ما يفنى(5) على مر الجديدين أثر.
__________
(1) لعلها: وتزينت.
(2) في (ب): لا يثنيه.
(3) في (ب) زيادة: وصلواته.
(4) في (ب): ويتناوبوها.
(5) في (ب) زيادة: لها.

إلى قوله: ثم تلاه الإمامان اللَّذان هما هلالا هالة الملة المحمدية، وواسطة عقد النحلة الحنيفية، كما أن قطر اليمن ما زال فكر أئمة الزيدية وأشياعهم من لدن الهادي إلى الحق - عليه السلام - إلى هذا الأوان، ينادون فيه بالصوت العالي، ويخفق فيه كوكب مذهبهم المتلألي، ويرث الأول التالي، فهم كذلك يأثرون فيه قرناً بعد قرن، ويروونه خلفاً بعد خلفٍ من آل القاسم - عليه السلام - وأشياعهم الكرام.. إلى قوله: ولقد جمع الله تعالى للإمام المنصور ذي المجد المعمور، والشرف الموفور، والعلم المأثور، والسيف المشهور، أمير المؤمنين والخليفة الصَّادع بالحق المبين، حليف القرآن، ماضي الجنان واللسان، أبي محمد عبد الله بن حمزة بن سليمان، كريم الحظين، من أحيا دين آبائه الأكرمين، في هذين القطرين، واقتفى سنن هذين الإمامين المحتذي لمثالهما، الناسج على منوالهما، حتى اشتدَّ الأمر، وانتظم البحر، واتصل السؤدد والمجد فحق حينئذٍ على كل ناحيَة أن يكون له على كل من فيه طليعَة ورقيباً، وأن يسمعهم صوته مؤذناً ومهيباً، أن هلم فإن طالع سعدنا قد بارى فلق الصباح، وإن أملنا الذي كنَّا نعدُّ له الأيام ونستهل له طوالع الشهور والأعوام، قد أذن بالنجاح، وحيعل بالفلاح، نعم فأصدرنا - أعزكم الله - هذه الكلمة المسطورة، والأحرف المزبورة، عجالة من مستوفر، وقبساً من مختار، ولمعة من بارق، ونبذة من طارق، وغرفة من بحار، وصبابة من تيار، كم أشاهد متحملها - أحسن الله توفيقه، وأبهج له طريقه - على حين أزمع الترحال، وشد الرحال، في يوم الأربعاء من ذي القعدة سنة ست وأربعين وستمائة /181/ عن نعم صفا الله بالإقبال مشارعها، وقرن بالسعود مطالعها، وروض بنيل الأماني مكارعها ومرابعها، وحقق من آمال المخلصين دانيها وشاسعها، وأرى قرَّة العين شاريها وبايعه(1)، وفتح عن أجفان السرى وأضمحها أبصارها ومسامعها.
__________
(1) لعلها: وبائعها.

فحمداً لله(1) سبحانه يدر بالمدرار المزيد غمائمه، ويفوح بنهج القبول لطائمة. أسعدت فوائد الزمن، بقيام قائمنا باليمن، فصاح طائر آل زيد على فَنَنٍ(2).
فليهنكم ما سناه الله وأدناه، وحبانا وإياكم من هذه الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، التي قضى الإيمان ديانها(3)، ووصل بعز السعادة أسبابها، وضرب على العز قبابها، ومدَّ بالتمكين وشدَّ - وله الحمد - أطنابها. ولا بد من إيداع هذه المكاتبة طرفاً من تعريف نعوته وسماته التي حاكت ضياء الغزال، وأعشب لوردي الهالة حدودها، قطرة من مطرة، ومجَّة من لُجَّة، وهاؤم اقرأوا كتابيه، ثم استقرئوه تجدوه علانية، فليس الخبر كالعيان، وما أفلح من (مان). هو الإمام المهدي لدين الله أمير المؤمنين أبو الحسين أحمد بن الحسين بن أحمد بن القاسم بن عبد الله بن القاسم بن أحمد بن أبي البركات، وهو إسماعيل بن أحمد بن القاسم بن محمد بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليه السلام -.
__________
(1) في (ب): له سبحانه.
(2) الفَنَن: الغصن.
(3) ذبابها: الحرف الأول والثاني غير معجمين في الأصل.

نشأ - عليه السلام - بين التنزيل والتأويل، ودرج بين التحريم والتحليل، بين آباءٍ بررة، وأجداد طهرة، ما بعد هؤلاء الذين سميناهم إلا من ينفحُ عرف الصلاح من ثيابه، ويشد(1) حبائل التقوى بأهدابه. فنسبه كله سلسلة الذهب الصريح غير المؤتشب، بين إمام سابق، ومقتصد لاحق، وغصن (سامر) (2)، عن أصل في ذروة المجد باسِق. ولمَّا ترعرع غصناً سَرَعْرَعاً(3)، سلك من وراية آبائه الأكرمين طريقاً متبعاً، وسبلاً مهيعاً(4). فلم يتوقل(5) في درج العلم حتَّى تسنَّم ذراها. وتفيَّأ في ظليل ذراها، ثُمَّ لان له من الغوامض جامحها، فأسلس قيادها، ووطئ شدادها، وأعلى نجادها، وأسال وهادها، وجاش خلالها، وخاض أعدادها وأوسالها. فهذا علم الكلام وأصول الدين قد قرأ فيه فصّل وحصّل، ودقّق وحلّل حتَّى وقف منه على المكنون، وجمع أبكاره والعون. ثُمَّ أصول الفقه وهو النمط الأوسط بين التصرف العقلي والتحكم الشرعي، فلقد جلَّى جوَاده في مضماره، وتغلغل في أنجاده وأغواره، وتكشف له دقائق غرائبه وأسراره. وأمَّا في الفروع فلَه اليد الطولى والقدم الرَّاسخة. وأمَّا الفرضيات فله فيها أوفر الحظ والنصيب، وقد رمَى في أغراضها بالقدح القامر(6) والسهم المصيب، وله فيها غوص الماهر الألمعي، ومحض الناظر اللوذعي. وأمَّا علوم الأدب فقد مَتَّ(7) فيها بحبل متين، ونسب من مبادئ اللغة ومعرفة مفرداتها، ثم معرفة حركاتها وأوزانها إلى حد الكفاية وزيادة. ثم علوم /180/ القرآن الكريم، فقد اندرجَت تحت هذه وازداد من وراء ذلك قراءة ما وضعه
__________
(1) في (ب): وتشد.
(2) لعلها: سامق بمعنى طويل.
(3) السرسرع: الطويل، والثياب الناعم اللدْن، والسرعرع كالسرع، أيضاً، وهو قضيب الكرم الغض ليَستَثنيه، أو كل قضيب رطب (انظر القاموس المحيط ص: 940).
(4) المهيع: الطريق الواسع البين.
(5) وقَلَ في الجبل بَقِلُ: صعد (القاموس المحيط ص: 1381).
(6) أي الغالب.
(7) المتُّ: المدُّ.

المفسّرون من أهل البيت - عليهم السلام - وأشياعهم من علماء الإسلام، فاطلع ذلك الفجاج، وأخذ يعرى تلك الأدراج، حتَّى أضحى مجاله فيها رحيباً، وجواد حلبته لعوباً. ثم الآيات النبويّة، والأحاديث الصحابية، والسير المقتضية، فقد أخذها أخذ مثله، وعلقت بخاطره إلى حد أعوز الطوف بمثله وشكله.
هذه - رحمكم الله، وأعز بكم دينه - أودية العلم وغيطانه وحدائق الحكم و(مصلاته)، قد ملك رباها وحمى حماها، ورعَى كلاها، وملاك ذلك جودة الاستنباط وحضور البال ويقظة الخاطر وانتباه الذهن، وحسن الفحص عن لطائف المغمضات، واستثارة دقائق العوص المهمَّات(1)، ولقد رأينا منه عجائباً في كتاب (بغية المرتاد)، وهو جواب عن مسائل فقهيَّة وهي عديمة النص في الأغلب، سأله عنها الشيخ الصدر العالم محي الدين عطية بن محمد بن أحمد النجراني، فحلَّل عقدها، وفتح سددها، وقوم بالإيضاح أودها، وأفاض عليها خليجاً من بحر علمه الزخَّار، وفيض مدده التيَّار، وينبوع علمه الفوَّار، حتى حسرت عن لثامها للاختبار، وكشفت برقعها للنضار(2)، قد نظم في سلكها اللؤلؤ والنضار، وكاد برقها يذهب بالأبصار، ثم فاتحَه الكلام من فاتحه (من)(3) علماء اليمن، فرأى منه ما يبهر العقول نوراً، ويرُد الطرف دونه حسيراً.
__________
(1) لعلها: المبهمات.
(2) لعلها: للنظار.
(3) في (أ): سقطت (من).

وأمَّا ورعه وعفافه، وزهادته وعبادته، وسلامَة السريرة وصفاء الطويَّة، والخشية الدخيلة لبارئ البريَّة، فشيء ظهر ظهور النهار، واشتهر اشتهار دجلة في الأنهار. متقنّع بالحياء، تلمع من جبينه أشعَّة التقوى. ذو سمتٍ قويم، وهدي مستقيم. لم يعرف المجون، ولا شِيْنَ بالمتحفات ولا اقتحمته العيون. نور النبوَّة في أثناء قسماته، وماء الخلافة مطرد على صفحاته. ما زال منذ نشأ يفعة(1) تلحظه العيون بالجلالة، وتهيب إليه القلوب بالزعامة، وتهشُّ نحوه النفوس للإمامة، وتشير إليه الأصابع الخاصَّة والعامة. ولقد تمخضت به الليالي شمساً في أفق العلياء، وسراجاً من مشكاة الضياء، وأصلاً مغرسه سرة البطحاء، وغصن شجرة طيِّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. ولقد عاشرناه من لدن الحداثة حتَّى الغاية المعاشرة وألطفها، فما رأيناه ضاحكاً بصوتٍ عال، إنما ضحكه(2) التبسم، ولا واعلا في ود المزاح، ولا مكاثراً في الكلام، ولا أزرابه الباءة(3) والحال، أنصع الناس خلقاً، وأثقلهم طبعاً، وأكرمهم نفساً، وأنداهم كفاً، وأحفصهم(4) طاشراً، وأهداهم مجلساً، وألينهم عريكة، وأوطاهم جناباً، وله من تعظيم جلال الله وهيبة أمر الله، والجنوح لسلطان حقه، والطوع لحقه، والمسارعة إلى رضاه، والكلف بإحياء دينه ونصرته على حرب الباطل وشياطينه، والإعراض عمَّا سوى ذلك من القبيح وكثير من المباح والمكروه في الأقوال والأفعال والأحوال، مالا ينادي(5) المعرفة /183/ بالصفة، ولا يقوم فيه الكتاب بالخطاب. وهذه نعوته وسماته قبل تصديه للزعامة، واضطلاعه بأعباء الإمامة،
__________
(1) يفع الغلام إذا راهق العشرين (وانظر القاموس المحيط).
(2) لعلها: واغلاً.
(3) لعلها: الحاجة، من قولهم: حاجة مبيئة أي شديدة.
(4) ينظر وقوله وأحفصهم لعله من حفصه يحفصه: جمعه الاسم الحفاصة بالضم، وحفص الشيء من يده ألقاه.، وقوله: ظاهراً: لم اهتد لمعناها فتراجع المخطوطات.
(5) في (ب): منه المعرفة.

عرفنا ذلك، وعرفه غيرنا ممن شاهده وعاشره.
ولمَّا تمَّ بنعمة الله نوره، وامتدَّ صوته وصيته، وسار ذكره في الآفاق، واصطحبت بتمجيده زمر الرفاق، وقد شخصت نحوه الأبصار، وامتدَّت إليه الآمال في كشف الغمَّة، وهداية الأمَّة، وعلم هو بعين الفرض، وسعى من يقوم بنصرته إليه بالنّص والنهض، من أكابر آل محمد - عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام - وعيون العلماء الأعلام، ما هم ملؤوا مسامعه بالبعث والحث البليغ على تلافيه الدماء، وقيامه بأمر الدهماء، كالأمير الكبير المتوكل على الله الداعي إليه أبو محمد أحمد بن الإمام المنصور بالله أمير المؤمنين، فإنه لحظه بمخايل النجابة، فصدقت مخيلته، ودعاه إلى القيام والتصديق للأمر العام، وبذل ما يجب من نصرته. وكذلك الأمير الكبير شيخ العترة ذي الشرفين عماد الدين صنو أمير المؤمنين، وجلَّة العلماء وهاماتهم دعوه إلى ذلك، وسلكوا بتوجيه الآمال فيه أوضح المسالك. وفي أثناء ذلك يظهر من كراماته وفضائله وبركاته والشفاء بثنائه، وأدرك كثير من الناس حاجة وطره على وفق الندر له ما جبلت(1) القلوب معه على محبته، وتواطأت الألسنة على معرفة حقه. وهو بحر لا يساجل(2)، لو ذهب ذاهب يصف ما اتفق له من ذلك لاستوعب الطوامير(3). ثم قوى في خاطره إتيان ثلاء من البلاد الحميرية لحاجةٍ عرضت، (ولُبَانة)(4) سنحت. فخرج من (ذي بين)(5) وكان قد نزله وأقام فيه سنين، فتسامع به الناس في طريقه، فحفوا به، واكتنفوا بركابه حتى دخل ثلاء في خلقٍ كثير، وحفل عظيم، وتحدث الناس عن لسان حال الإمام
__________
(1) أي خلقت.
(2) لا يساجل بالجيم أي لا يكاثر، أصله من النزع بالسجل، وهو الدلو المليء.
(3) الطوامير، جعم الطومار، وهو الصحيفة (القاموس المحيط ص: 554).
(4) اللُّبانة بالضم: الحاجة.
(5) ذي بين: مدينة بالشمال الغربي من صنعاء بمسافة 94 كيلومتر، بها مركز مديرية ذي بين التابعة لمحافظة عمران (انظر معجم المقحفي ص: 254).

لما كانوا يرتقبونه، ويؤملونه؛ وتلقاه إذ ذاك المشائخ الأجلاء آل منصور بن جعفر - ورئيسهم يومئذٍ الشيخ سيف الدين صدر العرب منصور بن محمد - بالإنصاف والإتحاف، وألقوا بنفوسهم منحطين بين يديه باذلين له النصرة بالنفوس والحصون والأموال، فلم ير إلا القيام مستخيراً لله تعالى، واثقاً به، ومتوكلاً عليه، ومتبرئاً من الحول والقوة إلا به، فقام داعياً إلى الله تعالى على سنن آبائه الأكرمين، متحلياً بحلية الإمامة، ناهضاً بأثقال الزعامة، مشتمراً(1) على نصف السَّاق، سائقاً أعداء دين جده - صلى الله عليه وآله وسلم - أعنف مساق، غير واهٍ ولا وَانٍ حتى أسمع الناس من قاصٍ ودانٍ، لم يعقه(2) ريب المبطي ولا أناة الملتكي.، حتى خفقت بنوده، ووفرت جنوده، وأرعدت فرائص الكافرين، وزلزلت أقدام الجاحدين، ولمَّا ولي هذا الأمر العام ازدادت جلالة(3) الفضل، وحصا البندقية على الحك وضوحاً وظهوراً، واستطارت في الآفاق نوراً، فصار له من سعة /184/ الصدر ولين الجناب، ودماثة(4) الأخلاق، واحتمال السداد، والاضطلاع بالأعباء الثقال ما يشينه الشامة، ولا يزري في الخاصة والعامة قال:
متبذل في القوم وهو مبجَّلٌ ... متواضع في الحي وهو معظَّمُ
يعلو فيعلم أن ذلك حقه ... ويذلّ فيهم نفسه فيكرَّمُ
لا يحسب الإقلال عدماً بل يرى ... أن المقلَّ من المروءة معدمُ
تفيض يداه على العفاة، لا ينحو به التعقيب ولا يرهقه.
تعود بسط الكفِّ حتى لو انه ... ثناها لقبضٍ لم تطعه أناملُه
عطاء لو اسطاع الذي يستميحه ... لأصبح من بين الورى وهو عاذله
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والبحر ساحله
وله من دماثة الرأي، ورصانة الحلم، ورسوخ النظر، ويقظة القلب ما هو ظاهر السبيل، واضح الدليل. [انتهى ما نُقِلَ من إنشاء الشيخ أحمد الرصاص].
__________
(1) في (ب): مشمّراً.
(2) في (أ): لم يعقه المنظي، ولعله تحريف.
(3) في (ب): خلال.
(4) الدماثة: سهولة الخلق.

وهذا الشيخ كان آية من آيات الله فصيح اللسان، لا يتردد أحد في سعة علمه، لولا ما كان منه من قضية إمامه الذي شهد باستحقاقه الإمامة، وقام خطيباً له من غير ما مجلس ومحفل، وتكلم بكلام هو حجَّة عليه، وقد ذكر بعض العلماء وأظنه الفقيه الحسن بن علي حنش - رحمه الله - أنه كان ندم، والله أعلم، ولفظ الفقيه المذكور: الشيخ الإمام العلامة المجتهد شمس الدين، وشحاك الملحدين أحمد بن محمد بن الحسن الرصاص - رحمهم الله - كان له من غزارة العلم وسعة المعرفة ما يبهر العقول، ومن المصنفات الوسيعة المفيدة ما يريع العقول، ومن الرسائل القاطعة شبهة(1) الملحدين، والنافعة لأهل اليقين ما شهد له بحسن المقصد والاعتقاد، روى أن دَرَسته كانوا خمسمائة، وكان فيهم سبعون أحمد، وله من الخطب والحكم والمواعظ ما شهدت بغزارة علمه وسعة معرفته وجودة فهمه، لولا ما نقم عليه في شأن الإمام الذبيح الشهيد أحمد بن الحسين - عليه السلام - ولكن قد رويت(2) توبته وهو الأولى بمثل هذا الرجل، ولقوله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ((يحمل هذا العلم من أمتي عدولها)) إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة، فمِمَّن روَى توبته الفقيه محمود الجيلاني - رحمه الله - قال: روى لي الفقيه العلامة عيسى بن يحيى أن الشيخ جمال الدين أحمد بن محمد الرصاص - رحمه الله تعالى - عرف أنه قد ندم وتاب من قيامه على الإمام المهدي - عليه السلام - فلمَّا مرض أخبره بمثل هذا، وأخبره بالتوبة من ذلك، قال له الفقيه عيسى: لعلك أن تعرِّف الناس، فقال الشيخ: تكون تأتي إليّ إما البكرة أو قال العشي، فأتاه وقد صار على حالةٍ لا يتمكن من الكلام، وروى هذا الفقيه محمود الجيلاني أن الفقيه أحمد بن حنش قال له: أشهد أني من التائبين من قيامي على المهدي، فإنه قد كان مصيباً من المحقين.
__________
(1) لعلها: شبهة.
(2) في (ب): روت.

قال الفقيه العلامة عبد الله بن زيد صاحب (الإرشاد)(1)، قلت: وقد ثبت /185/ أنه يقبل خبر الواحد في التوبة ولا يقبل خبره في التكفير والتفسيق، وقد نقل توبة الحفيد العلامة حميد(2) بن أحمد بن حميد - رحمه الله تعالى - ومما قيل في أمره مع المهدي - عليه السلام - قصيدة أوَّلها:
الويل كل الويل للرصاصِ ... ولحزبه الداني معاً والقاصي
ومنها:-
يا ويلهم يوم القيامة من لظَى ... من شد أغلال وسفع نواصي
يدعون يوم الدين هل من منقذٍ ... طلب المناص ولات حين مناصِ
حرصوا على قتل الإمام وهم على ... الكفار والفساق غير حراصِ
ومنها:ـ
رخصت نفوس بني النبيء عليهم ... ونفوسهم في الشرع غير رخاصِ
فأذاقهم ذو العرش غب فعالهم ... وكذاك سوف يذيق كل معاصي
لم تمض خمسة أشهر حتى فني ... من لم يكن في التوب والإخلاصِ
وهي طويلة لا حاجة إلى ذكرها، وعند الله الفصل بالعدل سبحانه وتعالى.
قال السيد العلامة صلاح بن محمد بن صلاح بن علي بن عبد الله بن محمد بن أمير المؤمنين يحيى بن حمزة - عليه السلام -: كانت وفاة الشيخ أحمد الرصاص المعروف بالحفيد ضحوة يوم الخميس التاسع عشر من شهر رمضان سنة ست وخمسين وستمائة.
ومن مشائخه الشيخ محي الدين محمد بن أحمد الوليد القرشي، والشيخ حسام الدين حميد بن أحمد المحلي. انتهى
أحمد بن محمد بن نشوان(3)[ - ق 7ه]
__________
(1) هو كتاب الإرشاد إلى نجاة العباد، للاقضي العلامة عبدالله بن زيد العنسي - رحمه الله - وموضع الكتاب في الزهد والإرشاد إلى مكارم الأخلاق وغير ذلك، وقد طبع بتحقيقنا بالاشتراك مع الأخ العلامة المحقق محمد قاسم الهاشمي، وصدر عن مكتبة التراث الإسلامي - صعدة.
(2) في (ب) زيادة: بن أحمد رحمهما الله.
(3) الجواهر المضيئة ترجمة (102)، إجازات الأئمة (خ)، طبقات الزيدية الكبرى - القسم الثالث - ترجمة رقم (92).

القاضي العلامة شمس الدين أحمد بن محمد بن نشوان بن سعيد بن سعد بن أبي حمير بن عبيد بن القاسم بن عبدالرحمن الحميري - رحمه الله تعالى - من أئمَّة العلوم وحفَّاظ اللغة والشرعيات، كان من شيوخ الناطق بالحق الأمير الحسين بن محمد - عليهما السلام - ولأحمد هذا ولد علامة اسمه مراثد من كبار العلماء بمراثد، هذا عالم ابن عالم بن عالم بن عالم، ولنشوان ولد علامة غير محمد، وعلي اسمه مراثد أيضاً.
أحمد بن محمد بن مطهر(1) [ - ]
العلامة المحقق شيخ التفسير أحمد بن محمد بن مطهر النحوي، كان عالماً عاملاً، من شيوخه السيد علي بن محمد بن أبي القاسم، والفقيه جار الله الينبعي، وكان من عيون وقته.
أحمد بن محمد ين يحيى(2) [ - ]
الفقيه العلامة الخطير أحمد بن محمد بن يحيى بن محمد بن حنش، فقيه عالم كبير، من تلامذة أحمد بن محمد بن مطهر النحوي السابق قبله.
أحمد بن محمد بن لقمان(3) [ - 1039ه]
__________
(1) الجواهر المضيئة ترجمة (105)، نزهة الأنظار - خ - طبقات الزيدية الكبرى - القسم الثالث ترجمة رقم (94).
(3) بغية المريد - خ - البدر الطالع 1/118، مصادر العمري 158، المستطاب - خ - 2/165، معجم المؤلفين 2/146، خلاصة الأثر 1/302، هدية العارفين 1/157، مصادر الحبشي 129، 161، 384، 499، الجواهر المضيئة - خ - ص 16، ذروة المجد الأثيل - خ - مؤلفات الزيدية 1/408 ، 413، 414، 2/140، 147، 366، 381، 3/113، سيرة الإمام القاسم - خ - طبقات الزيدية - خ - الجامع الوجيز - خ - التراث الإسلامي في المكتبات الخاصة، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم 171.

السيد الإمام المحقق الأستاذ شمس الدين أحمد بن محمد بن لقمان بن أحمد بن شمس الدين بن الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى - عليهم السلام - كان علماً من أعلام الشريعة المصطفوية، وصدراً في صدور العصابة الهاشمية، محققاً في كل العلوم الإسلامية معقولاتها ومنقولاتها، وأمَّا أصول الفقه فروَى عنه القاضي العلامة أبو القاسم البيشي - رحمه الله - أنه قال: هو عندي بمثابة الفاتحة، ووصفه مولانا السيد العلامة الحسين بن أمير المؤمنين القاسم بن محمد بالاجتهاد، وناهيك به، ومن شهد له /186/ خزيمة فهو حسبه، وكان استقراره بشهارة إماماً بجامعها، مدرساً بالجامع جميع الأوقات، واتفق له في اليوم الواحد ثمانية دروس مع درس وغيب، ومحله - رحمه الله - نازح عن الجامع بمسافة بعيدة، ويصلي الصلاة في الجامع، ومع ذلك فإنه كان مقتر العيش إلى الغاية، وما زاده ذلك إلا كلفاً بالعلم وحرصاً عليه، وألَّف في الفنون منها (شرح الأساس)(1) في علم الكلام (وشرح الكافل) (2)، وهو شرح مفيد موافق للكتاب بتعريه عن ذكر الخلاف ونهى - رحمه الله - أن يكتب في هذا الكتاب صورة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بغير لفظها كما يتعارف الناس من كتابة هذه الصورة (صلعم) ونحوها، وأمر فيه بإثبات الترضية على الصحابة إذا ذكروا مجتمعين؛ لأنهم مع الإجماع جماعة معصومة، وشرح
__________
(1) ويسمى كشف الإلباس عن قواعد الأساس، منه نسخة خطية في (219) وثقه برقم (618) بمكتبة الأوقاف بالجامع الكبير، أخرى مصدرة عن مخطوطة خطت سنة 1046ه بمكتبة السيد محمد بن عبدالعظيم الهادي.
(2) ويسمى الكاشف لذوي العقول، عن وجوه معاني الكافل نبيل السؤل في علم الأصول، في أصول الفقه، وهو كتاب شهير، طبع مراراً، ويدرس في مدارس العلوم الشرعية، ونسخة الخطية في الكثير من المكتبات، ومنه (27) نسخة في المكتبة الغربية بالجامع الكبير، و(11) نسخة في مكتبة الأوقاف بالجامع الكبير أيضاً.

(تهذيب المنطق) وحشا على (المفصّل) و(الفصول اللؤلؤية)، وأول (المنهاج) لجده، ونظم (الشافية) وشرح (البحر) بجزءٍ كتبه من أوساطه، كأنه جعل ذلك إمَّا تتميماً لأحد الشروح، أو وافق قراءة من ذلك المحل، رأيته بخطه - رحمه الله تعالى - [وله (البحار المغرقة في الرد على صاحب الصواعق المحرقة)] (1) ولم يزل على ما وصفناه بشهارة حتى كانت الفتوحات ا لإمامية في الإقاليم جميعها، فاقتضى نظر الإمام المؤيَّد بالله - عليه السلام - أن يرسله إلى الطويلة(2) فتوجَّه السيد - رحمه الله - فكان(3) على يديه فتح، وانضافت إليه عساكر من وجوه أصحاب الدَّولة بكوكبان؛ لأن الرجل جليل القدر نسباً وحسباً، وكان له سعي صالح وعزيمة صادقة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتولى الخطبة بنفسه غيباً - رحمه الله - وكان عنده من العلماء أعيان كثيرون، ثم لمَّا اقتضى نظر الإمام - عليه السلام - التوجه إلى مكة المشرفة بعد دخول الإصباحية إليها وجههُ بعسكرٍ كثيف، وبلغ الليث على مراحل يسيرة من مكة، وكان بينه وبين (الإصباحية) هنالك حرب بحضرة الشريف الأجل زيد بن محسن سلطان مكة أخيراً - رحمه الله -.
__________
(1) ما بين المعكوفين ذكر في حاشية (ب)، وكتاب البحار المغرقة للصواعب المحرقة (رد فيه على كتاب ابن حجر الهيثمي في كتاب الصواعق المحرقة) ومن كتاب البحار المغرقة نسخة خطية برقم (27) علم الكلام - بالمكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء، خطت 1332ه في (131) ورقة.
(2) الطويلة: مدينة بالغرب من كوكبان بمسافة 25 كيلومتر في سفح جبل القرانع، بها مركز قضاء الطويلة المطل على بلاد المحويت من الغرب، وإلى الجنوب على بلاد حراز والحيمة (معجم المقحفي ص: 405).
(3) في (أ): فكانت.

ومما روي عن الشريف زيد أنه قال: ما رأيت أشجع من السيد أحمد بن محمد بن لقمان، وحكوا عنه أنه قال للشريف زيد حين تلاحم الحرب: يا زيد، أنا وأنت من ذرية علي بن أبي طالب فما يليق بنا الفرار، فثبتا ثبات الأشراف، ولمَّا كانت الدائرة على أصحابهما، وكذلك عادة الحرب لا تزال دولاً أبى السيد أحمد من الفرار، واستقر في محل يرمي بالبندق.
وأثبت في مستنقع الموت رحلَه ... وقال له من تحت أخمصك الحشرُ(1)
__________
(1) ورد البيت في ديوان الشاعر كما يلي: وأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت أخمسك الحشرُ

فجاء بعض الشيعة من أهل تهامة فحملوه، ثم رجع إلى بلاد تهامة المخلاف السليماني، وتولى أعماله، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وأزال كثيراً من بدع الجهال، ومن أنفع ذلك قضيَة مرجانة، وصفة ذلك أنه كان بجهة (بيش) أو قريب منه رجل يدَّعي أنه امرأة وتسمَّى بمرجانة، فكان الناس يأتون إليه بالحريم للمداواة /187/ من الحبل يظنونه امرأة، ومن عجيب الامتحان أنه قد يتفق ذلك، فلبث الأمر على اللبس حتَّى جاء بعض الأشراف من أهل تهامة - رحمه الله - بامرأته إلى محل المذكور يريد المداواة، وكانت الشريفة رحمها الله من الطاهرات، فعرفت حقيقة الحال، فدافعت حتى اتصلت بزوجها، وأخبرته بالحقيقة، فعرَّف السيد، فاستجلى السيد - رحمه الله - حقيقة الحال فاتضحت، فقتله، وكان من العجائب أن الله كشف ستره، ورمَى به السيل إلى موضع عال، وانتفخ ذَكَرُهُ وكبر. ومن عنايات السيد - رحمه الله - مسألة الختان فإنهم بتهامة وأطراف الحجاز يسلخون الجلد عن الذكر والعَانة إلى قريب من السرة كما يسلخ أديم الكبش، فيفنى بهذا من يفنى، وإنما السلامة مظنونة، ويمقتون من لم يفعل ذلك، وينسبونه إلى الْخَوَرِ(1) في طبعه، فأزال ذلك، واستقر أياماً، فعرضت له عوارض من المرض، اقتضت طلوعه إلى قلعة غمار(2)، فمرض أياماً، ثم نقله الله إلى دار كرامته في وقت الفجر من يوم الخميس تاسع شهر رجب من عام تسع وثلاثين وألف، ودفن عند مسجد غمار بالقبَّة التي فيها السيد العلامة أحمد بن المهدي، وولده صلاح الدين - رحمهم الله جميعاً - ووفاة السيد صلاح الدين ووالده في ذي الحجة عام أربعة وأربعين وألف، وموت السيد أحمد بن المهدي قبل ولده.
__________
(1) الخور بفتحتين: الضعف.
(2) غَمَار: قلعة في جبل رازح من بلاد صعدة، وهي غير (غَمَر) القبيلة المعروفة هناك. (معجم المقحفي ص 1183).

أحمد بن محمد بن يحيى(1) [ - ]
الفقيه العالم العابد الفاضل أحمد بن محمد بن يحيى بن محمد بن أحمد بن يحيى بن أحمد حنش، كان عالماً فاضلاً موصوفاً بالخير والصلاح، وهو صنو إبراهيم السابق ذكره رحمهما الله، وهما من عقب أحمد بن يحيى المذكور صنو العلامة المجتهد و(2) محمد بن يحيى حنش وإليهما عدد من أهل بيتهما والكثير من أهل هذا البيت من عقب محمد بن يحيى المذاكر، وكان أحمد بن يحيى صنو محمد بن يحيى عالماً أيضاً، ولمَّا حج الفقيه أحمد بن محمد بن يحيى المذكور صاحب الترجمة هذه، وعاد من الحج، كتب إليه الإمام العلامة الحافظ(3) الإسناد محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم بن الوزير والد السيد صارم الدين إبراهيم بن محمد مؤلف (الفصول) هذه القصيدة.
ساق السرور إليَّ في الأحداجِ ... ما جاء من خبر مع الحجاج
قالوا لنا عن أحمد بن محمدٍ ... بمقالة كالشهد بعد أجاجِ
في مكة وافوه فاز بحجة ... لصعود يرقَى الفضل كالمعراجِ
كم طاف بالبيت العتيق وكم سعى ... ودموعه كالعارض الثجاجِ
يبكي سروراً بالوصال وربما ... أبكى السرور الطرف غير مداجِ
يا فوز من أمسى وبحر غرامه ... يوم اللقا متلاطم الأمواجِ
نعمت يدٌ من نعم نالت أنعماً ... بعناقها في حلة الديباجِ
بالله عن سلمَى سلوا لي أحمداً ... هل لم يفز منها بما هو راجِ
قالوا لنا ما زال يسكب دمعه ... خوف الفراق وصولة الإزعاجِ
/188/
وأقام(4) في عرفات يدعو ربه ... بلسان صدق واضح المنهاجِ
ويقول للحجاج سلمى قد سبت ... لبى بنا ظرها الغضيض الساجي
فهم لفرط هواه قد رقوا له ... لكنهم حسدوه لبس التاجِ
حسدوه فوزاً قد حواه وغبطةً ... طالا به شرفاً على الأبراجِ
__________
(1) الجواهر المضيئة ترجمة (106)، هجر الأكوع (3/1309)، طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث، ج1 ترجمة رقم 95.
(2) الواو زيادة في (أ).
(3) في (ب): حافظ.
(4) في (ب): ورأوه.

وله أرى في قلب سلمى فوق ما ... في قلبه من صبوةٍ ولجاجِ
ولسوف يبلغنا هوى سلمى له ... وسؤالها عنه مع الحجاجِ
للفضل أهلٌ يعرفون بوسمه ... والروح يحفظه دَمُ الأوداجِ
يا شمس دين الله يا بن محمدٍ ... يا خير محجاج وخير محاجي
يا من حوى العلم الشريف ومن سما ... ببراعة وفصاحةٍ وأحاجي
ومن الذي في الحلم يسبق أحنفاً ... وله لسان بلاغة العجاجِ(1)
وإذا دجا الديجور بات ملازماً
ً ... محرابه جنح الظلام الدَّاجي
لتنسُّكٍ وتعبُّدٍ وتهجدٍ
ٍ ... وتلاوةٍ من قلب عبدٍ ناجي
يا من يقابل ضيفه ببشاشةٍ ... عن نور وجهٍ واضحٍ وهَّاجِ
إني لمحتار البديهة باهتٌ ... ماذا أقول وكيف عنه أحاجي
أأكون بالفوز العظيم مهنئاً ... لك يا سما ملجا اللهيف اللاجي
أم أمنح الفوز الهني ليحبني(2) ... بالاعتراف مخاطباً ومناجي
لا بل أهنيه بأنك زرته ... شرفاً فعاج الفوز خير معاجِ
لما رجعت عقيب حج نلته ... متتوجاً عنه بأعظم تاجِ
أما الهني(3) فلكل أخوتك الأولى ... نعموا بقربك حين جئت مناجِ
سروا بذاك فهاهم في لذَّةٍ ... مزجت من العليا بخير مزاجِ
يحيى وصالح والفتىِ ابراهيمهم ... في الفضل فتَّاحون كل رتاجِ
قد تمم الخلاَّق جمعك شملهم ... بالقرب في (الاغلاس) والإدلاجِ
لا زلتم في نعمةٍ وسعادة
ٍ ... ما عجَّ في الفلوات ركب (نعاجِ)
ثم الصلاة على الذي لو زرته ... للقاك في الأولاد والأزواجِ
فأجابه صنوه صارم الدين إبراهيم بن محمد بن يحيى بن أحمد بن حنش الماضي ذكره - رحمه الله -:
كشف الهموم بصنعَةٍ وعلاج ... طرس(4) حكته فرائد المواجِ
ما إن يقاس به أزاهير الربا ... من بعد غيث هامر ثجاجِ
وكأن لذته وطعم مذاقه ... عسل مصفَّى لم يشب بمزاجِ
/189/
وأريجه كالمسك فض ختامه ... عطر فنفحته بكل فجاج
بهر العقول فما يُطاق لوصفه ... بل يعجم الفصحا بغير حجاج
__________
(1) في حاشية (ب): الحجاجي.
(2) ليحيبني.
(3) لعلها: الهنا.
(4) طرس: صحيفة.

لو أنَّ كعباً كان شاهد نظمه ... لغدا جزيل الصمت غير ساحي(1)
ولذاب من كمدٍ ومن حسدٍ أسىً ... وكذاك رؤبة والد العجاجي
لله ما أهداه من متفضل ... أضحى علاه واضح المنهاج
متزهدٍ متواضعٍ متهجدٍ ... سبط الخلائف خيرة الأفواج
نشر الكمال عليه رائق برده ... وغدا لهُ ملكاً بغير لجاج
ملك العلوم بفهمه وذكائه ... وسما بسؤدده على الأبراج
عز الهدى والدين ذاك محمد ... سبط الخلائف عصمة المحتاج
لله أيام به سمحت لنا ... كالخابطي الظلما أتوا بسراج
أهدى نظاماً كالجواهر نضدت ... فعددته من جملة الإفراج
الحج للبيت العتيق وأوبةٌ ... بسلامةٍ ميمونة الانتاج
والله يشكر سَعيه وصنيعه ... وينيله في الدَّهر ما هو راجي
ويمنُّ باللقياء في عجلٍ علَى ... حالٍ حلا بتفاكهٍ وتناجي
والله أسأل أن يجيب دعاءه ... بنبيئه المختار ذي المعراج
صلَّى عليه إلهنا مهما سرَى ... برق فأشرق في الظلام الداجي
هذا وسلمَى بعد تركك وصلها ... تشكو البعاد إلى ذوي الأخداج
وتقول علَّ محمداً يدنو لنا ... في إمرَة الزوار والحجَّاج
فلقد تقدم حبَّه من بعده ... والفضل للمتقدم (الهملاج(2))
وتقول حاشاه يبدل عهدنا ... في مشهد العجاج والثجاج
فلقد عرفنا من صحيح وداده ... ما يوجب التشمير في الإدلاج
أرجو إلهي أن يبيح(3) بجوده ... وصلاً له عن كل شوق ناجي
ويزور أحمد جدَّه خير الورَى ... ويعود عوداً (فالج(4) الفلاجي)
وعليك ما أملا السلام مكرراً ... ما عُدَّ بالأفراد والأزواج
__________
(1) هكذا في الأصل. ولعلها مساجي ليستقيم الوزن.
(2) الهملاج: بالكسر، من البراذينِ: المهملج (المرجع السابق ص 205).
(3) في (ب): يتيح.
(4) فالج: الفالج: الفائز من السهام. (المرجع السابق ص 197).

أحمد بن محمد بن القاسم(1) [975 - 1055ه]
__________
(1) البدر الطالع ج 1/119، معجم المؤلفين ج 2/112، نشر العرف ج 1/67، مصادر الحبشي 55، 127، 118، 384، 437، 456، المستطاب - خ - بهجة الزمن - خ - الجواهر المضيئة ص 16 - خ - طبق الحلوى هامش ص 8، المؤرخون اليمنيون ص 44، مؤلفات الزيدية ج 1/500، ج 2/184، 209، 256، 397، ج 2/239، بغية المريد - خ - بغية الأماني والأمل في تراجم أولي العلم والعمل - خ -. وانظر أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم 158.

السيد العالم الزاهد شمس الدين أحمد بن محمد بن صلاح بن محمد بن صلاح بن أحمد بن محمد بن القاسم بن يحيى بن الأمير داود بن المترجم بن يحيى بن عبد الله بن القاسم بن /190/ سليمان بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن القاسم الحراري، نسبه إلى (حرارة قرية بالبون) بن محمد بن القاسم بن إبراهيم - سلام الله عليهم - الشرفي - رحمه الله - كان خاتم المحققين، فصيحاً، بليغاً، مطلعاً، شديد الفهم، له عناية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان جليل القدر في صدور العامَّة والخاصة، وكان من أعيان أصحاب الإمام القاسم وتولَّى له، ثُمَّ صحب الإمام المؤيّد بالله - عليه السلام - وفي أوائل الدعوة المتوكلية أدام الله ظلالها وانتقل أيام المؤيد بالله من (شهارة) إلى معمرة من بلاد هنوم(1)، وكان مقصوداً إلى هنالك بالنذور وللتبرك والأدعيَة ولحلّ المشكلات، وكان من التقشف والورع بمكان عظيم، وصنَّف في أصول الدين (شرح الأساس الكبير)(2) ، و(شرحه الصغير)(3)، و(شرح الأزهار) بشرح سمَّاه (ضياء ذوي الأبصار)(4)
__________
(1) كذا في (أ) و(ب) ولعلها الأهنوم.
(2) ويسمى (شفاء صدور الناس في معاني الأساس)، الشرح الكبير على الأساس في علم أصول الدين للإمام القاسم بن محمد - عليه السلام - كتاب شهيد، وفير النسخ في المكتبات الخاصة (انظر عنه كتابنا أعلام المؤلفين الزيدية ص: 171، وكتابنا مصادر التراث الإسلامي في المكتبات الخاصة).
(3) ويسمى (عدة الأكياس المنتزع من شفاء صدور الناس) ص: 1414ه، وانظر عن نسخة الخطية المصدرين المذكورين.
(4) ويسمى ضياء ذوي الأبصار في الكشف على أدلة الأزهار، منه نسخة خطت سنة 1061ه برقم (1163) مكتبة الأوقاف بالجامع الكبير، وفي المكتبة الغربية بنفس الجامع برقم (169) منه، ومن المجلد الأول برقم (170 - 171)، ومن الثاني برقم (171 - 172) فقه، ونسخة من المجلد الأول خطت سنة 1075ه إلى باب الرضاع، بمكتبة السيد محمد بن عبدالملك المرواني، وثلاث مجلدات مصورة عن نسخة بخط المؤلف سنة 1041ه برسم الحسين بن القاسم - مكتبة السيد العلامة عبدالرحمن بن حسين شايم، وثلاثة مجلدات مصورة في مكتبة السيد العلامة محمد بن عبدالعظيم الهادي، وأخرى مصورة عن نسخة فيها المؤلف بمكتبة السيد العلامة محمد بن حسن العجري، أخرى في مجلدين مصورة بمكتبة السيد العلامة يحيى راوية.

، وله رسائل كثيرة، وشرح (البسَّامة) بشرح متوسط يخرج في أربعَة مجلدة كبار،(1) وتمم البسَّامة أيضاً وله أشعار من ذلك ما كتبه إلى صنوه السيد العلامة التقي الرائس الحسن بن محمد الشرفي - نفع الله ببركاته - وذلك أن السيد الحسن نزل إلى الشرف، وتزوج فيه، ولم يرجع إلى(2) ما هو بصدده، فكتب إليه يحثه على الرجوع:
أيا صاح كم بين امرئ ذي شهامةٍ ... له همم تعلو على الكوكب العالي
عشيق جنيات المعالي متيَّمٌ ... بأبكارها صب بها غير مكسال
يرى حلق التدريس جنة روحهِ ... يقطف من حافاتها الثمر الحالي
يحكم عقلاً قد أنار على هوى ... خذول غرور للمطيعين قتال
وآخر أعشاه امرؤ القيس إذ عشا ... بعشق هوى نفس لربات أحجال
فقال: يمين الله أبرح قاعداً ... ولو قطعوا رأسي هناك وأوصالي
ومن شعره - رحمه الله تعالى - تمام(3) البسَّامة قصيدة السيد الإمام صارم الدين - رضي الله عنهما - وذلك بدعوة الإمام القاسم - عليه السلام - وولده المؤيَّد بالله:
ثم ابتدا الدعوة الغرَّاء من قمرٍ ... إمامنا القاسم المنصور في صفرِ
من قام لله لا يلوي على أحدٍ ... وباع مهجته من ربه فبري
__________
(1) ويسمى اللآلئ المضيئة في أخبار أئمة الزيدية، مخطوط اختصر فيه شرح البسامة للزحيف، وزاد عليه الحوادث المتأخرة، انتهى فيه إلى سنة 1053ه، منه نسخة بالجامع (107) تأريخ، أخرى امبروزيانا (101)g، ثالثة مصورة بمعهد المخطوطات العربية رقم (1945) تأريخ، والمجلد الأول منه إلى عهد الإمام الهادي - عليه السلام - بكتبة الوالد العلامة محمد بن قاسم الوجيه، ولدي نسخة مصورة منه، ونسختان مصورتان للمجلد الأول والثاني بمكتبة السيد العلامة محمد بن عبدالعظيم خطتا سنة 1034ه بمكتبة آل الهاشمي بصعدة، ونسخة بمكتبة المولى العلامة مجد الدين المؤيدي، ونسخة من المجلد الثاني خطت سنة 1069ه) بمكتبة جامع المدان.
(2) في (ب): لما هو بصدده.
(3) وطبعت بآخر مآثر الأبرار 3/1426 - 1429.

والأرض ترفض بالفجَّار قد ملئت ... بالظلم والجور والعدوان والنكرِ
وكان أول نشر الحق رَايته ... من قارة وبدا نور لذي بصرِ
فسلَّ سيفاً على الأتراك قاطبة ... وصب عزماً على الفجَّار كالقدرِ
وكان منه عليهم كل ملحمةٍ ... يشيب من هولها الأطفال في الصغرِ
حكت وقائع صفين التي سلفت ... والنهروان فكم يومٍ حمَى وعري
/191/
منها نغاش وأسناف وريشتهم ... أضحوا بها فوق ظهر الأرض كالجزرِ
وكان منه بنجد السلف(1) محلمة ... لكنها بين آل الطهر بالغررِ
ومن يحدثك مما كان في مُدَعٍ ... وفي ثلا قلت ماذا الفعل من بشرِ
وفي المرازم(2) من خولان ملحمةٌ ... لكنها بين آل الطهر بالغررِ
أما مواطن ساقوفٍ وفي هِزَمٍ ... وفي الجبال اضطرام البعض في الأخرِ
وحاز عم إمام الفصل واشتهرت ... له المناقب مثل الشمس والقمرِ
وحجة النصب والفجار كان بها ... وقائع ومصاب السَّادة الطهرِ
وكان في الفايشي ما كان من خبر ... وبعده يوم غربان على الأثرِ
وسودة ابن المعافا كم بها عبراً ... أفنت خلائق وانهدَّت على الأثرِ
ونكَّس الله رايات الضَّلال معاً ... وجاء بالنَّصر من غزوٍ لمنتصرِ
وقبل غزوٍ تلاقَى القوم في حمكٍ ... ففاز فيه جنود الحق بالظفرِ
وبالحضائر في واديه كان به ... حصد الأعاجم حصد(3) اليانع الثمرِ
ويوم أثلة يومٌ هال مشهده ... والموت يحدو بهم من عرصة الهجرِ
وكم أعد وأحصي من وقائعه ... بالظالمين أولى الفحشاء والنكرِ
نيفاً وعشرين عاماً لم تزل نقماً ... سيوفه في ذوي الإفساد كالشَّررِ
وفي مواطن للتمحيص قد شهدت ... لأهلها بعظيم الشأن والظفرِ
وبالشهادة فيها فاز فائزهم ... بأعظم الحظ عند الله والذخرِ
كيوم رحبان والشامات لا سقيا ... ونوعه(4) وشفيع مقتضى الغيرِ
__________
(1) لعلها: السقف.
(2) في (أ): الملازم، وهو تحريف.
(3) في (أ): حصْيد.
(4) لعلها: ونوعه.

وكان فيها وما في بينهما(1) عجب ... للناظرين أولي الألباب والفكرِ
كم من خوَارق للعادات باهرة ... كرامة الله يأتيها(2) على قدرِ
كالجمع ولَّوا بلا حربٍ وقسهم(3) ... والأسد مذعورة ذلَّت من البقرِ
هذا ولم يولد الدهر الخؤون صفا ... ولا رثا للورَى من بعد فاعتبرِ
وقام من بعده من خصَّه كرماً ... إلهه بعظيم الفضل والخطرِ
مؤيّد الدين حامي سرحه بضبا ... هنديَّة وقناً خطيَّة سمرِ
كهف الأنام وغوث المسلمين معاً ... سبط الأنام فتى الصمصامة الذكرِ
والله يحفظه والله يكلؤه ... كلاءة لكلا الإسلام والبشرِ
/192/ ومن شعره - قدس الله روحه -:
قل للذين يسرهم ما غمّنا ... ممن رواه بشرهم يرمينا
من حاسدٍ أو من عدوٍّ ظالمٍ ... لم يخش من ربِّ البرية فينا
لا تعجلُوا فالصبر أفضل جنةٍ ... ولنا عوائد لم تزل تأتينا
وإذا تأخَّر نصرنا من ربّنا ... لمصالحٍ واختار ذاك رضينا
ووفاته في ثلث الليل الأخير من ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من ذي القعدة عام خمسة وخمسين وألف بمعمرة من جبل هنوم، وقبره مشهور مزور، ومولده سنة خمس وسبعين وتسعمائة.
أحمد بن محمد بن المنتصر(4) [ - 1016ه]
__________
(1) لعلها: (بينها) ليستقيم الوزن.
(2) في مآثر الأبرار: تأتيه.
(3) في مآثر الأبرار: تقتهم.
(4) بغية المريد، طبقات الزيدية الصغرى، طبقات الزيدية الكبرى ترجمة رقم (84)، الجامع الوجيز.

السيد العالم الكبير شيخ البحر الزخَّار ومدرسة، مستند الأصحاب أحمد بن محمد بن المنتصر بن نهشل بن داود بن جعفر بن قاسم بن يحيى بن جعفر بن الحسين بن الأمير ذي الشرفين محمد بن جعفر بن الإمام القاسم بن علي بن عبد الله بن محمد بن القاسم بن إبراهيم - عليهم السلام - كان هذا السيِّد جليل أوانه ونبيل زمانه، من تلامذة الإمام شرف الدين - عليه السلام - وقرأ عليه شيخ الأئمة الحسن بن شرف الحمزي، وتوفي سنة ست عشرة وألف سنة، ودفن بقبَّة الحويت في (الظفير) (1)، وفي هذه القبَّة جده جعفر بن قاسم وبجنبه الفقيه مسعود بن محمد الحويت صاحب المدرسة والفقيه ناجي، وبعد ذلك دفن فيها السيد يحيى بن أحمد(2) بن المنتصر المذكور(3).
/192/ أحمد بن محمد بن الناصر(4) [ - ]
__________
(1) الظفير: جبل وبلدة في الجهة الشمالية من حجة بمسافة 17 كيلو متر، وهي من الهجر العلمية القديمة التي كان يقصدها الطلبة، وشهدت العديد من الملاحم العظيمة بين الأتراك وأهل اليمن، وفيها قبر الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، المتوفي سنة 840ه، مؤلف البحر الزخار، والأزهار وغيرهما، وُلد الإمام شرف الدين المتوفي سنة 965ه، وينسب إلى الظفير العلامة لطف الله بن محمد الغياث الظفيري المتوفي سنة 1035ه، وكان من كبار علماء العربية المحققين، وله فيها وفي غيرها مؤلفات، (وانظر معجم المقحفي ص: 413).
(2) في (ب) زيادة: بن محمد بن المنتصر.
(3) بياض في (أ) و(ب).

السيد الجليل الإمام الورع شهاب الدين أحمد بن محمد بن الناصر بن أحمد بن الحسين - عليهم السلام - كان من سادات آل محمد صلى الله عليه وآله(1) وسلم، كان عابداً زاهداً ذكره صاحب (الصلة)، وذكره بالفضل، وحكى أن الإمام المهدي علي بن محمد كان يجلّه ويعظمه، وهو الذي جاء إلى الإمام رسولاً من الشريفة بنت الإمام يحيى بن حمزة تطلب أن يتوجه إلى ولدها يحيى بن المهدي أن يلبس الثياب للتجمل، فإنه كان يلبس شمةه - رحمه الله - فقال له الإمام: سبحان الله مثلك ومثلها من يتكلم بهذا من زهد في هذه الحرمة التي افتضح الناس بأكلها يقوم في وجهه حتَّى أهله، إنَّا لله وإنا إليه راجعون، صدق الإمام المؤيَّد بالله حيث يقول في (سياسة المريدين): من دخل في طريقنا هذه، نسبه أهل الزمان إلى استيلاء السوداء عليه وتغير المزاج.
__________
(1) في (ب): وآله الأخيار، كان عابداً.

قال السيد يحيى بن المهدي: حكى لي السيد أحمد بذلك، فلمَّا كان بالغد دخلت على الإمام مع السيد أحمد - رحمه الله - فاستفتح الإمام كلامه بحمد الله والصلاة على رسوله، وتبسم طويلاً، وقال: يا ولدي إن السيد شمس الدين ذكر أن /194/ والدتك الشريفة المطهرة قابلية تقاتلنا(1) نقابلك أن تسر قلبها، وتلبس الثياب، وتترك الشملة، وقد ساعدناها، وكلمناك، وإن كانت هذه عندي فرية مرية في كل شيء، وكشف الشملة عن عنقي، وقبله بنفسي(2) من شقيق، فإني لأجد برد شفتيه إلى وقتي هذا، وفاضت عيناه بالدموع، وقال: هذه مناقلة خير يا شمس الدين إن لم تنفعه وتعينه، فلا تضرّه، فكأنه وقع في قلبه أن السيد - رحمه الله - وقع في نفسه شيء من كلام الإمام، فقال الإمام: إنَّا كلنا ما فينا خير مَنْ كزين العابدين وعبد الله بن الحسن؟ أشر أحوالهم عندهم هي أحسن أحوالنا اليوم، فقال بعض الحاضرين: كيف ذلك يا مولانا؟ قال: أشر أحوالهم عندهم وهي أحسن أحوالنا تنسم(3) الحفظة من سيئآت لم تكن، انتهى كلام الإمام. ونقلته للتبرك به أعاد الله من بركته.
أحمد بن حاتم بن الحسين [ - ]
__________
(1) في (ب): يقاتلنا.
(2) في (ب): نفسي.
(3) في (ب): ينسم.

السيد الشريف الباسل العلم العلامّة العامل أحمد بن محمد بن حاتم بن الحسين العلوي العباسي، من ولد العباس بن علي بن أبي طالب، قمر آل الرسول - سلام الله عليهم أجمعين - كان عالماً فاضلاً، كامل الصفات، حميد الذات بليغاً مفوهاً، ومع ذلك فله الهمَّة العالية في الجهاد، وتكتيب الكتائب، وتقنيب المقانب له البلاء الحسن في المشاهد الهائلة مع الإمام أحمد بن الحسين - عليهم السلام - وكان من أهل التقدم والحفاظ يلي أمر الجند في بعض الغزوات، وكان له من أهل بيته الكريم حاشية، ومن شعره في الإمام أحمد بن الحسين يوم (حضور) من الأيام المشهورة بين الإمام وسلطان اليمن الأسفل، وذلك أن سلطان اليمن طمع في أخذ حصن الشيخ سيف الدين منصور بن محمد المسمى بالنوّاش، فرد الله كيده فأعمل الحيلة بخراب حضور الشيخ(1)، فجهّز عساكره، وقوَّاهم بالسلاح، وجعل كميناً في سوق(2) القرية يقطع المادة من قبل الإمام، وتقدَّم السلطان إلى نقيل كثير، فلمَّا بلغ أصحابه تقدمه أخربوا(3) القرية، ثم قدَّم الإمام الكتائب كتيبَة بعد كتيبة فيهم أهل النجدة، وفي كل كتيبة رئيس من الكفاة، فتلازم الناس بالقتال إلى قريب من نصف النهار، ولحق أعداء الله الفتور والملل ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فانكسر أصحاب السلطان وقتِّلوا تقتيلاً، ونهبت أسلحتهم وأثقالهم، وذلك يوم الأحد لليالٍ خلون من جمادى الآخرى سنة ستمائة وست وأربعين:
__________
(1) حضور الشيخ جبل شامخ في الغرب الشمالي من صنعاء، يطل على مدينتي ثُلا وعمران، ويصالي المصانع من الجنوب الشرقي، ولذلك يدعى حضور المصانع، وبينما أسماه الهمداني حضور بني أَزْد، وارتفاعه (3200) متراً عن سطح البحر، وفي الجنوب منه تقوم قرية حضور الشيخ التابعة إدارياً لناحية ثُلا (معج المقحفي ص: 180 - 181).
(2) في (ب): شق القرية.
(3) في (ب) زيادة: في.

كذا فليكن شد(1) العلا والمكارم ... لمن يبتغي ملك الملوك الأكارمِ
ومن رام إطفاء الضَّلالةِ لم يجد ... سبيلاً لغير المرهفات الصوارمِ
وبالسَّمهرِّيات الدقاق لدى الوغى ... وبالأعوجيَّات الجياد الصلادمِ
وكل طويل الباع أروع باسل ... جميل المحيَّا من ذؤابة هاشمِ
خليليَّ إمَّا تسألاني فإنني ... خبيرٌ بأن العزَّ تحت اللَّهاذمِ(2)
/195/
ألم تريا جُند الإمام وقد أتت ... إليهم جيُوشٌ من جنود الأعاجمِ
فلم تك إلاَّ لحظة العين بيننا ... وهبَّت رياحُ النصر عند التفاقمِ
فولَّى جنود الظلم والله ناصر ... ونحنُ عليهم كاللِّيوث الضراغمِ
نسوقهم بالسَّيف كالشاء ساقَها الـ ... ـذئاب وسوق الصقر بكم الحمائمِ
فلم تتجلَ الحرب إلا وقد غدت ... جماجم أرحاسٌ) عقيب جماجمِ
فكم من قتيل ٍفي الفلاة مجدَل ... ومستسلم من ماله غير سالمِ
وكم من جواد أعجمي مطهم(3) ... وأسمر خطيٍّ وأبيض صارمِ
وفضفاضة مثل (الأضاة) وبيضهر(4) ... تلوحُ كما لاحت نجوم النعائمِ
فآبت جيوش الظالمين بحسرةٍ ... وأُبْنَا إلى أوطاننا بالغنائمِ
وولَّى ابن يحيى هارباً متحفراً ... وقد كان معدوداً لكشف العظائمِ
وقال ألا يا ليتني متُّ قبلها ... ولم يك مالي قسمة في الغنائمِ
وليت (حضوراً) لم أكن حاضراً بها ... ويا ليتها كانت كأحلام نائمِ
ويا ليت أن ابن الرسول وملكه ... هباء ولم يلبث(5) ثياب الهزائمِ
وهذا القدر كافٍ دليلاً على فصاحته - رحمه الله تعالى -.
أحمد بن محمد بن الضحاك(6) [ - ]
__________
(1) في (ب): شيد.
(2) اللهذم كجعفر، والذال معجمة: القاطع من الأسنة (القاموس المحيط ص: 1498).
(3) المطهم: السمين الفاحش السمن (المصدر السابق ص: 1464).
(4) فضفاضة: درع فضفاضة: واسعة. المرجع السابق ص599). الأضاءة: المستنقِع من سيل وغيره. (المرجع السابق ص 1159).
(5) في (ب): يلبس.
(6) الإكليل 10/67 - 68، مآثر الأبرار 2/ 646.

العلامة الخطير الأمير الشهير، زعيم الجنود النَّاصريَّة، حتف الطائفة القرمطية، ثقة أمير المؤمنين أبو جعفر أحمد بن محمد بن الضحاك بن العباس الهمداني، ذكره في طبقات الزيدية مع الطبقة الأولى، وذكر له عبد الله بن عمرو الزيدي مشاهد حميدة ولأخيه أبي حاشد إبراهيم بن محمد، وكان يلي ما يليه السلاطين الكبار وما يتولاه العلماء الخيار، وينيبه الناصر بن الهادي مناب نفسه، قال في الطبقات: كان من فصحاء الناصر وأهل الثقة عنده والزعامة وجودة الرَّأي وصدق المودة، ومن عظماء الأقدار.
أحمد بن محمد بن سعيد(1) [249 - 332ه]
__________
(1) معجم الرواة في أمالي المؤيد بالله 136 - 140، طبقات الزيدية القسم الثاني - خ - الجداول - خ - أعيان الشيعة ج 3/112 - 116، تأريخ بغداد ج 5/14، تذكرة الحفاظ 1/39، العبر في تأريخ من غبر (5/230)، معجم المفسرين1/56، بغية الوعاة 1/410، رجال النجاشي 1/103، فهرست العلوي 228، منهج المقال 43، هدية العارفين 1/80، المنتظم 6/336، روضات الجنات 58، معجم رجال الحديث 2/274، لسان الميزان 1/263، الضعفاء الكبير 1/69 - 70، المجروحين 2/111، ميزان الاعتدال 1/72، الضعفاء المتروكين 41، الكامل في الضعفاء 1/137، الأنساب 4/112، منتهى المقال 43، تنقيح المقال 1/85، مؤلفات الزيدية، انظر الفهرس، إيضاح المكنون (انظر الفهرس)، معجم المؤلفين 2/106، الوافي 7/365، الفلك الدوار 147، البداية والنهاية 11/209، فهرست الطوسي 28 - 29 الوافي بالوفيات 7/ 995، مرآة الجنان 2/311، النجوم الزاهرة 3/281، الأعلام 1/217، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (156).

إمام المحدثين ابن عُقْده، هو أبو العبَّاس أحمد بن محمد بن سعيد، مولى بني هاشم، المعروف بابن عقدة، الحافظ العلامة المتقن البحر، كانت كتبه ستمائة حملة، وكان يجيب في ثلاثمائة ألف حديث من حديث أهل البيت - عليهم السلام - وبني هاشم، ويحفظ مائة ألف حديث بأسانيدها، وقيل: كان يذاكر في ستمائة ألف حديث، كان حافظاً عالماً مكثراً، جمع التراجم والأبواب، وانتشر حديثه في البلاد، وهو أحد أعلام الشيعة المحدثين، خرَّج حديث غدير خم من مائة طريق وخمس طرق، وكان سبقه إلى ذلك محمد بن جرير الطبري، خرَّجه من سبع وسبعين، وألَّف في ذلك كتاباً سمَّاه كتاب الولاية. ولد سنة تسع وأربعين ومأتين، ومات /196/ سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وعُقْدَة - بضم العين المهملة وسكون القاف وفتح الدال المهملة.
ومن مشائخ ابن عُقْدَة محمد بن منصور المرادي عالم الشيعة - رحمه الله تعالى - وممَّن أخذ عن ابن عقدة أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني، قال الشيخ جمال الدين(1) مطهر محلي الأماني في كتابه المسمَّى بخلاصة الأقوال في أسماء الرجال: أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن زياد بن عبد الله بن زياد بن عجلان بن سعيد بن قيس الشيعي الهمداني الصوفي(2) المعروف بابن عُقْدة، يكنَّى أبا العباس، جليل القدر عظيم المنزلة، كان زيدياً جارودياً، وعلى ذلك مات، وإنما ذكرناه من أصحابنا لكثرة روايته عنهم، وخلطته بهم وتصنيفه لهم، روَى جميع كتب أصحابنا، وصنَّف لهم وذكر أصولهم، وكان حفظة.
__________
(1) في (ب): قال الشيخ جمال الدين الحسن بن مطهر الحلي الإمامي.
(2) في (ب): الكوفي.

قال الشيخ الطوسي: سمعت جماعة يحكون عنه أنه قال: أحفظ مائة وعشرين ألف حديث بأسانيدها، وأذاكر ثلاثمائة ألف حديث، له كتب ذكرناها في كتابنا الكبير، منها كتاب أسماء الرجال الذين رووا عن الصَّادق - عليه السلام - أربعة آلاف رجل، وله كتاب سمَّاه (التأريخ الكبير)، ذكر من روى الحديث من الناس كلهم وأخبارهم، ولم يكمل، وكتاب (السنن)، قيل: إنه حمل بَهْمة(1)، وله كتاب(2) مروي عن علي - عليه السلام - وكتاب (الجهر بالبسملة)، وكتاب (أخبار أبي حنيفة)، وكتاب (الشورى)، وذكر أشياء كثيرة.
قال الغوري: قال لي عبد الغني: سمعت الدار قطني يقول: ابن عُقْدَة: يعلم ما عند الناس، ولا يعلم الناس ما عنده، انتهى.
[وقال الدار قطني: أجمع أهل بغداد أنه لم يُرَ بالكوفة من ابن مسعود إلى زمن ابن عقدة أحفظ منه. انتهى] (3) وذكره الذهبي في (النبلاء) وأطال جداً، وذكر تزيده وتزيد أبيه وساق قضية أبيه في الدِّينار الذي ضلَّ عليه، فطلبه حتى وجده فلم يقبضه وقال: من أين لي أنه درهمي؟ قال بعض العلماء: وهذا دليل على أنه زيدي لورعه، فإنَّ هذا دأب علماء الزيدية، والله أعلم. ونقل أن ابن عُقْدَة - رحمه الله - من ولد سعيد بن قيس الهمداني صاحب أمير المؤمنين - عليه السلام -.
__________
(1) في أعلام الزيدية: بهيتمة فيحقق.
(2) في (ب): مَن روى.
(3) ما بين المعكوفين موجود في (ب).

قلت: وقضيَّة(1) الدينار ما حكاه أبو علي النقال، قال: سقطت من عُقْدَة دينار(2) فجاء بنخال ليطلبها، قال عقدة: فوجدتها ثم فكرت فقلت: ليس في الدنيا غير دينارك، فقلت للنخال هي في ذمتك وذهبت وتركته، قال البقال: وكان يؤدب ابن هشام الجرار فلما حذق الصبي وتعلم وجه إليه أبوه بدنانير صالحة فردها، فظن ابن هشام أنها استقلت فأضعفها له، فقال: ما رددتها استقلالاً ولكن سألني الصبي (إذا علم القرآن)(3) فاختلط تعليم النحو بتعليم القرآن فلا استحل أن آخذ منه شيئاً لو دفع إليَّ الدنيا، قال ابن النخال الراوي عن أبي(4) النفال: كان عُقْدَة زيدياً ورعاً ناسكاً، سمِّي عُقْدَة لتعقيده في التصريف، وكان ورَاقاً جيد الخط، وكان ابنه أحفظ من في عصرنا للحديث. انتهى
/196/ أحمد بن محمد الزمخشر(5)[ - ]
الشيخ المحدث المتكلم أستاذ الحاكم شهاب الملة أبو حامد أحمد بن محمد بن إسحاق النجار - رحمه الله - قرأ عليه الحاكم الإمام أبو سعد المحسن بن محمد بن كرامة الجشمي البيهقي رحمهما الله وتخرج عليه، ولمَّا توفاه الله قرأ الحاكم على الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الله، وأبو حامد المذكور هو الذي روى أنه بعث السيد أبو الحسين المؤيَّد بالله(6) قاضي القضاة عماد الدين يلتمس البيعة، قال: وكان قد قرأ عليه وفي مجلسه تخرج بعد أن قرأ على أبي العبَّاس.
__________
(1) في (ب): وقصة.
(2) في (ب): دنانير.
(3) في (ب): أن أعلم القرآن.
(4) في (ب): أبي علي البقال.
(6) في (ب): إلى قاضي القضاة.

قال الحاكم: وسمعت أبا حامد يقول: إن المؤيَّد أتى باب قاضي القضاه في وقت اختلافه إليه بعد هزيع من الليل، وقرع الباب ففتح ودخل وعرض شبهةً عرضت له فحلّها، وقال: في مثل هذا الوقت يتعنَّى السيد، فقال: خفت أن أموت على هذه الشبهة فأكون شاكاً، وهذا أستاذ الحاكم، ومن الاتفاق الغريب أن للحاكم - رحمه الله - تلميذاً هو الشيخ أحمد بن محمد بن إسحاق الخوارزمي المقيم بجشم فاتفق اسم التلميذ والأستاذ والأب والجد - رحمهم الله -.
أحمد بن محمد بن سليم(1) [ - ]
الفقيه الفاضل أحمد بن محمد بن سليم(2) - رحمه الله - ذكره السيد العلامة يحيى بن قاسم الحمزي في جماعة الإمام أحمد بن الحسين - عليه السلام - وأثنى عليه بالعلم.
أحمد بن محمد بن القاسم(3) [ - 640ه ت]
__________
(2) في (ب): سليمان.
(3) المستطاب - خ - إجازات الأئمة للمسوري - خ - نزهة الأنظار ليحيى بن محمد بن حميد - خ - أعلام آل الأكوع (42)، هجر الأكوع 1/496، سيرة الإمام أحمد بن الحسين أبو طير - خ - ثبت الذريقي - خ - الجواهر المضيئة - خ - لوامع الأنوار (انظر الفهرس) طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث ترجمة رقم (90).

الشيخ العلامة المحدث حافظ الشريعة أحمد بن محمد بن القاسم بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن يوسف بن محمد بن عبيد بن زيد بن مزهر بن كريب بن الوضاح بن إبراهيم بن ماتع بن عون بن ماتع الفياض بن عامر بن فطرس بن ذي حوال بن عوسجة بن أبي زاد بن ذي حوال بن يريم بن ذي مقار، وأحمد هذا هو المشهور بشعلة، وأبوه محمد بن القاسم كان من الفضلاء، عمِّر خمساً وثمانين سنة، وقبره (بحوث) حول البركة المسمَّاه (المصكعة) من جهة المشرق، وأبوه القاسم بن محمد، هو المعروف بالأكوع، ومحمد بن إبراهيم والد القاسم هو الذي هاجر إلى (شهارة)، وفي آل الأكوع شعلة آخر، وهو شعلة بن محمد بن علي بن إبراهيم الأكوع - رحمه الله - من شيوخ الأئمة الكبار، وإليه الإسناد في كثير من الكتب، وعدَّه السيد علم الدين يحيى بن القاسم في شيوخ الإمام أحمد بن الحسين.
قال يحيى بن محمد بن حميد المقرائي: وقبره بحوث في المحابر - رحمه الله -.
أحمد بن محمد الكوفي[ - ]
الشيخ العارف الفاضل أحمد بن محمد بن التلام(1) الكوفي - رحمه الله تعالى - من أتباع الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، قال الشيخ الفاضل يوسف حاجي الناصر - رحمه الله -: هو الذي جمع بين (المنتخب) و(الأحكام) كتابي الهادي - عليه السلام - وقد عدَّ يوسف المذكور من أصحاب القاسم بن إبراهيم - عليه السلام - أحمد بن محمد الحسيني، وجعل نسبه كما ترى حسينياً، ولعله الذي سبق ذكره في كلام ابن حميد.
أحمد بن محمد بن علي(2) [ - ق 9ه]
__________
(1) سقط في (ب): التلام.
(2) أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (166)، المستطاب - خ - مصادر التراث اليمني في المكتبات الخاصة، مصادر الحبشي ص: 421.

الشيخ العلامة أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن محمد بن أحمد الرصاص الجهني من البيت الشهير/198/ بالعلم: كان عالماً فاضلاً، قرأ على السيد العلامة علي بن محمد بن أبي القاسم الكشاف وأجازه له بعد السماع، وهو الذي له القصيدة النونيَّة في ذكر السودة وأحوال المعافا. وانتهى
أحمد بن محمد بن حسين(1) [879 - ]
الفقيه الفاضل أحمد بن محمد بن حسين بن أحمد بن محمد بن حسن بن عقبة بن أحمد بن علي بن يحيى بن سليمان بن عبد الله بن عمرو بن معدي كرب الزبيدي، وعمر(2) وهو أبو ثور صاحب النجدة، ومالك الصمصامة ذو الآثار والمشاهد في الجاهلية والإسلام، كان أحمد المذكور رفيع الهمَّة شريف المنزلة، له النظم والنثر، وهو صاحب القصيدة الشهيرة النبويّة المسمّاة بالعرائس العقبية في الجهات الشظبيَّة من البحر الكامل التي أوَّلها:
أَلِهمَّةٍ سَامَتْ سهيلاً في اليمن ... وعزيمة منك اشترت شرخ الزَّمن
وهي في مقاصد عدَّة وذكر فيها العلامة معافا بن عمرو صاحب السَّودة، وقرأ بصنعاء على العلاَّمة محمد بن أحمد بن مرغم وعلى الفقيه علي بن عبد الله الرقيمي، وله إليه أبيات عديدة تنقل - إن شاء الله تعالى-.
مولده - رحمه الله - تعالى نصف الليلة المسفر عنها صُبح ثالث أو رابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة تسع وسبعين وثمانمائة - رحمه الله - وحقق المذكور في علوم الأدوات والنجوم على قواعد الإسلام، وشرح التذكرة شرح(3) عاقت عنه محاجزات الأيام، وتوفي بصنعاء وقبر عند باب اليمن.
أحمد بن محمد البغدادي الأبنوسي(4) [ - ]
الشيخ المحدِّث الرحلة شمس(5) أحمد بن محمد البغداذي الأبنوسي - رحمه الله - شيخ الإمام أبي طالب، ومن تلامذة شيخ الزيديَّة عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر البغداذي - رحمهم الله جميعاً -.
__________
(1) أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (150)، وانظر بقية مصادر الترجمة فيه.
(2) لعلها: عمرو هو.
(3) لعلها: شرحاً.
(5) في (ب): شمس الدين.

أحمد بن محمد بن داود(1) [ - 880ه]
الفقيه الفاضل شمس الدين أحمد بن محمد بن داود الخالدي - رحمه الله تعالى -.
قال القاضي العلامة محمد بن صلاح الفلكي الفرائضي - رحمه الله - كان من الأعيان وزينة الأوان، قطباً من أقطاب الإسلام، ودارت بها رحى عَدل الإمام المطهر بن محمد بن سليمان - رحمه الله - قال في آخر كتابه الذي صنفه في الفرائض: كان الفراغ من تأليفه يوم الإثنين ثالث شوال سنة سبع وستين وثمانمائة، وذكره الفقيه محمد بن فند، وأنه ممن لقي الإمام عزِّ الدين بن الحسن من شيعة اليمن، وكان هذا الفقيه عالماً كبيراً، له مسائل في اللغة غريبة، له شرح المفتاح في الفرائض.
[وله كتاب معتمد في علم المنطق يسمى بـ(الجوهر الشافي)(2) ذي النكت اللطاف)، وذكر فيه أن معتمده في النقل (شرح المطالع) وهو كتاب جليل جداً غاية ونهاية، ومن عاين رأى لأكثر مما سمع في حق هذا الكتاب. ولهذا الفقيه العلامة كرامةٌ كبرى ذكرها سيدي العلامة فخر الدين عبدالله بن الإمام شرف الدين، نقل من خطه وفيها طول ولم يحضرني الكتاب التي نقلت فيه بخط ابن الإمام] (3).
قلت: وله(4) شرح على كافية ابن الحاجب، وكان سيدي الحسين بن الإمام القاسم - رحمه الله - يثني عليه كثيراً، وهو حري بذلك.
__________
(1) المستطاب - خ - الجواهر المضيئة ترجمة 107، مصادر التراث في المتحف البريطاني 228 - 230، أئمة اليمن 1/346، مصادر الفكر للحبشي 264، 379، 204، 499، أعلام المؤلفين الزيدية (153)، معجم المؤلفين 2/101، الأعلام 1/83، الروض الأغن 1/17، مؤلفات الزيدية 1/184، 264، 385، فهرس المكتبة الغربية، فهرس مكتبة الأوقاف، طبقات الزيدية الكبرى (القسم الثالث) ترجمة رقم (96)، كتابنا مصادر التراث في المكتبات الخاصة (طبع مؤخراً).
(2) في أعلام المؤلفين الزيدية: الجوهر الشفاف، والنكت اللطاف.
(3) ما بين المعكوفين موجود في حاشية (ب).
(4) في (ب) زيادة: وله شرح على التذكرة.

أحمد بن محمد النجري(1) [ - ]
الفقيه الفاضل العالم أحمد بن محمد النجري النسَّاخ - رحمه الله - من كبار العلماء، قرأ عليه الإمام المهدي أحمد بن يحيى - عليه السلام - الكشاف، ذكره ابن فند، وإليه لمح السيد العلامة الهادي بن إبراهيم - رحمه الله - بقوله:
ويا ابن الفتى النسَّاخ أحمد ذي الثنا ... سليل التهاليل الخشوع المرتل
/199/ وذكره الأهدل في تأريخه، وقال: أصله من (خُبَان)(2).
أحمد بن محمد سابق الدين(3) [ق 7ه - ق 8ه تقريباً].
الفقيه العالم المصنف شمس الدين أحمد بن محمد سابق الدين بن علي بن أحمد بن سعد بن أبي السعود بن يعيش الصنعاني(4) العنسي المدحجي - رحمه الله - علامة محفوف في علوم الإسلام، ذكره(5) فضائل نسبها بعض ولده إلى كنز الأخبار وغيره، وقال له مصنفات.
أحمد بن محمد المقري(6) [ - ]
الفقيه الفاضل العالم شمس الدين أحمد بن محمد المقري - رحمه الله تعالى - قال فيه بعضهم مترجماً له: هو الفقيه النبيل، جليس بيت الكرم، والناشئ في البيت الذي طهَّره الله كما طهر الحرم، كان للإمام الناصر خديناً، وله في الفضائل قريناً انتهى، وقد ذكره السيد الهادي بن إبراهيم - رحمه الله - أيضاً.
قلت: وظني أنه الذي حكى بعض شيوخنا أن العلامة الحسن النحوي أجاز له تعليقة على (اللمع)، وكان القاضي الحسن - رحمه الله - ممتنعاً من إجازة ذلك، كما حكاه في خطبة (الزهور).
__________
(1) تحفة الزمن، الجواهر المضيئة (111)، مآثر الأبرار - خ - إجازات الأئمة - خ - طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث، ترجمة رقم (100).
(2) خُبَان بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة، ناحية واسعة بذي عين شرقي ظفار وجنوبه، وهي تعرف اليوم باسم السدة (معجم المقحفي ص: 210.
(3) أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (164).
(4) في (ب): الصنعاني اليمني العنسي.
(5) في (ب): ذكر له.

أحمد بن محمد السلفي(1) [ - ]
الفقيه الفاضل شهاب الدين أحمد بن محمد السلفي الحميري - رحمه الله - من العلماء المتمكنين، قرأ على الشيخ العلامة علي بن إبراهيم بن عطيَّة في الحديث، وأثنى عليه الشيخ ثناءً كثيراً - رحمهم الله جميعاً -.
أحمد بن محمد بن عثمان(2) [ - ]
الفقيه الفاضل أحمد بن محمد بن عثمان - رحمه الله - كان عالماً له فتاوى واختيارات، نقلت عنه في الإيمان، وذكره فيما أحسب ولده - رحمه الله تعالى - وذكر أن هذا العلامة أحمد بن محمد بن عثمان، كان يسكن (المصنعة) ببلاد خبان، فأشار الإمام الناصر صلاح الدين بانتقالهم إلى جهة ثلاء، قال الفقيه يوسف - رحمه الله -: رأيت خط سيدي ووالدي أحمد بن محمد بن عثمان يروي عن العلامة الحبر محمد بن يحيى بن حنش، ثم أسند المذهب بطريق الإسناد المعروف - رحمه الله تعالى - وقبر أحمد بن محمد بن عثمان في ثلا بموضع يقال له: قسم الصليحي في أسفل المدينة.
أحمد بن مسعود(3) [ - ]
الفقيه العلامة شمس الدين أحمد بن مسعود - رحمه الله - ذكره العلامة ابن المظفر وعدَّه في تلامذة شيخ الإسلام شمس الدين جعفر بن أحمد - أعاد الله من بركاتهم-.
أحمد بن مسعود الرشيدي[ - ق 6ه]
__________
(1) الجواهر المضيئة ترجمة 108، طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث ترجمة (97).
(3) طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث ترجمة رقم (103)، أعلام المؤلفين الزيدية.

الفقيه الفاضل المجاهد شمس الدين أحمد بن مسعود الرشيدي - رحمه الله - كان من العلماء الأخيار وحظي بالشهادة بسيوف الملاحدة الباطنيَّة (بحراز)(1) مع الإمام علي بن محمد في غزوته التي غزاها أيَّام سيادته واقتصاده، ولعلنا نذكرها - إنشاء الله - في ترجمة السيد المهدي بن إبراهيم أبو الفضل - إن شاء الله تعالى-.
أحمد بن المفضل بن العفيف(2) [ - ]
السيد الإمام الرئيس(3) العلامة أحمد بن المفضل بن منصور بن العفيف بن مفضل - رحمه الله - قال السيد شمس الدين أحمد بن عبد الله - رحمه الله -: كان سيداً فاضلاً عالماً ورعاً كريماً، طابت أعراقه، وحسنت أخلاقه، وفاقت شمائله، وظهرت فضائله، وكان على منهاج سلفه الأطهار في الفضل والورع، وكانت إقامته (بوقش) (4)، قال بعض شيوخ وقش: لم يكن لأحد من الشارة الحسنة والهيئة الرائقة والجلالة والمهابة ما لأولاد مفضل بن منصور، وكانت أسنانهم مرتبة: المرتضى ثم أحمد ثم إبراهيم ثم منصور.
__________
(1) حراز بفتح الحاء والراء المهملتين صقع واسع غربي صنعاء بمسافة 18 كم، مركزه مناخة في رأس جبل حراز، ويشمل قضاء حراز التابع إدارياً لمحافظة صنعاء على ناحيتي مناخة وصعفان (وانظر معجم المقحفي ص: 164 - 165).
(2) طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث ترجمة رقم (105).
(3) في (ب): السيد الإمام الرائس.
(4) وقش: محل أثري في ناحية البستان (بني مطر اليوم) غربي صنعاء (انظر معجم المقحفي ص: 701).

قال سيدي الهادي: حدَّث(1) الوالد العلاّمة السيد عزالدين/200/ محمد بن إبراهيم بن مفضل، قال: حدثني الفقيه العلامة شرف الدين حسن بن محمد النحوي، صاحب التذكرة، قال: كنت صبياً في سن التعليم فرحت مع أبي إلى جامع صنعاء، فاتفق مرَّة بهؤلاء السادة، فرأيت منه تعظيماً كلياً وتجليلاً سنياً، لم أر منه مثل ذلك لأحدٍ فقلت لأبي: من هؤلاء يا أبت؟ فقال: أولاد مفضل بن منصور. قال الفقيه حسن: وكان هؤلاء الإخوة كالملائكة في الناس. وقال الفقيه: كان السيد المرتضى يُعرف بالوسامة الباهرة والفضل العظيم وما كأنَّه إلا ملك يمشي على الأرض، وكان المرتضى أعلمهم وأشهر بالعلم، وأحمد أشهرهم بالمروَّة والإتقان، وإبراهيم أكثرهم مواظبة على الجهاد، وكان المرتضى لهم في محل الوالد يعترفون بفضله، ويشهرون(2) بارتفاع قدره ومحله، لا يعرض بينهم شيء مما يعرض بين الإخوة قط، وكان أحمد بن مفضل له نفاسة عظيمة، ووجه عند الناس وإجلال كليٌّ، فكانت تأتيه الأموال من جميع جهات المغارب المحاذية لهم و(حضور) كله وبني شهاب(3) والخيام(4) وسائر البلاد التي هو فيها والمتباعدة عنها والقريبة منها، فيصرف جميع ذلك في مستحقه، ولا يترك منه شيئاً، فكانت نفسه شريفة، ومقاصده صالحة زليفة، وكان مع هذا صاحب معرفة وبصيرة تامَّة، وتولَّع بالعلم، وقرأ على الأمير صلاح الدين، صلاح بن إبراهيم تاج الدين ونسخ (شرح الجمل)، ووصل هو وأخوه إبراهيم لزيارة أخيهما المرتضى إلى (شظب)، وكانت أختهم الشريفة الفاضلة أم البركات في (الشرف) زوجَة لابن عمهم أحمد بن العفيف، فأمرهما أخوهما المرتضى أن يتقدَّما إلى الشرف لزيارتها، فامتثلا أمره ورجعا بعد تأدية
__________
(1) في (ب): حدثه.
(2) لعلها: ويشهدون.
(3) بنو شهاب عزلة من ناحية بني مطر (المصدر السابق ص: 364).
(4) في المصدر السابق ص: 4265: بيت خيام بضم الخاء المعجمة بلدة عامرة بالسكان في وادي الأهجر من أعمال شبام كوكبان.

الحق، وتوفي أحمد بن مفضل بوقش بعد أن عمرَّه(1). ومن عجيب ما روي عنه ما اتفق له مع الشريف المرتضى - رحمه الله - حين توجَّه إليه للعلم، وذلك أنه لمَّا سار إليه لطلب العلم أكرمه، ورفع محله، وقال له لمكان قرابته منه: هل لك في الزواجَة؟ قال: لا أكره ذلك، قال: فإني قد زوجتك ابنتي فلانة، فعقد له في تلك الحال، ودخل بأهله - رحمه الله -.
وقريب من هذه القصة قد اتفق لمفضل بن منصور وذلك أن السيد محمد بن المطهر الحسيني الزيدي خطب إليه ابنته فأجابه، وأضافه، فلمَّا أمسى ودخل معهم لأكل الطعام، قال له: قف في المنزل، ثم قال لامرأته أصلحي شأن ابنتك ولا يكن بد من ذلك، فاعتذرت بعدم الإمكان لأمور، منها أنها لا تجد قميصاً لها، فقال: ألبسوها قميصي - جزاه الله خيراً -.
قلت: واعلم أنه قد يتكرر ذكر وقش في هذه التراجم، وهو بالواو بعدها قاف بعدها شين معجمة من أطراف بلاد بني شهاب، كانت مطالع الكمال، وغاية شد الرحال، فيها الخطيب الملاق(2)، والعالم الزاخر الأمواج، والزاهد الناسك /201/، وفيها قبور جلة من العلماء من السَّادة وغيرهم، وإلى ذلك يشير بعض السادة - رضي الله عنهم -:
في الشعب من وقشٍ عقول راجحة ... ومشائخ سلكوا الطريق الواضحة
والآن قد صارت خربة بقول القائل:
مدارس آيات خلت عن تلاوة ... ومنزل ذكرٍ مقفر العرصات
وفيها يقول السيد الحافظ محمد بن إبراهيم الوزيري:
لا تجزعي إن ضمئت يا وقشُ ... أو امتحى من بناك ما رقشُوا
أو(3) غاب عنك الأولى دعوا شفقاً ... تعاهدتك العهاد يا وقشُ
فقد عفت مثلك البلاد معاً ... ومسَّها مثل مسك العطشُ
غارت بحار العلا وأنجمها ... معاً فعم العطاش والعطشُ
مكة تشكوهما وطيبة والأمـ ... ـصار لا جرعة ولا غَبَشُ
داعي العلا والعلوم ليس له ... بها مجيب قد عمَّها الطرشُ
__________
(1) في (ب): عمر.
(2) كذا في (أ)، وفي (ب): المسلاق.
(3) في (ب): إذْ غَابَ.

فانتظري كانتظارها فرجاً ... من الذي الميت منه ينتعشُ
ومسجد الشمس منك لا كسفت ... له شموس ولا انطوت فرشُ
يا باكياً من مضى اعتبر بهم ... فقد تفانى السَّادات والحبشُ
وبادر الفوت لا تطع أملاً ... مثبطاً فالحليم منكمشُ
وافزع إلى الله من مساخطه ... كعاقل(1) القلب راعه الحنشُ
وذكرها في القاموس فقال: وقش قرب صنعاء(2).
قلت: والذي اتخذها مهاجراً الشيخ العارف أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الهيثم بن كهلان بن محمد بن أبي البعير، والظاهر أنه حميريّ النسب، وكان رئيساً في الزيدية(3)، وله حميَّة على الإسلام وصناعة في الدعاء إلى مذهبه، وله آثار. وسبب عمارتها أنه كان مقيماً مع جماعته من الزيدية (بسناع)(4) فلحقتهم نكبات من الدولة ولم يأمنوا على أديانهم مع شحّهم في الدين المعروف، فاضطروا إلى الخروج عن سناع، ولم يسمح أحد منهم بفراق أخيه، وقالوا: نخشى أن نموت في شعاب الأرض، وتضرَّنا الأودية بالوباء فترددوا في الرحلة، فقال لهم إبراهيم بن أبي الهيثم: ويحكم اطلبوا الموت ما دمتم تجدونه قبل ألاَّ تجدوه إذا طلبتموه - يعني في النار - ففطنوا لمقالته فبكوا، ثم تفرَّقوا.
__________
(1) في (ب): كغافل.
(2) القاموس المحيط ص: 787.
(3) في (ب): أهل التطريف، ولكنه كان عجيب الحال والمعاملة لله - عزَّ وجلَّ - وللناس. اه
(4) سناع بفتح السين والنون، ثم ألف وعين مهملة، وقد تحذف الألف فيقال: (سنع) وهي قرية شراقي حدة على بعد خمسة كيلومتر من صنعاء، وكانت هجرة علم، وبها قبر القاضي العلامة جعفر بن عبدالسلام الأنباري، المتوفي سنة 573ه، وكان عالم الزيدية (وانظر معجم المقحفي ص: 328).

قال الحسين بن عبد الله الأصبحي أحد الزيدية ببلاد حاشد: فصار إبراهيم بن الهيثم إلى (مدر) من مشرق حاشد فابتنى بها داراً جيدة، فاعتقد أهل مدر أنه قد استوطنها، ففرحوا، فقال لهم: ماهي وطني إلا ما دمت لا أرى الله يُعصى، ثم إنه بلغَه أن قوماً من أهل القرية شربوا خمراً فارتحل. انتهى كلام الحسين بن عبد الله.
ثم إن الشيخ إبراهيم جعل يجول في البلاد، فطلب ما يصلح له ولإخوانه /202/ خالياً من السكان، له جيران يسلم أذاهم، لهم حماية وكفاية، فأصاب وادي وقش فأعجبه، وأعجبه جيرانه من بني شهاب وحمير من أهل البروية وأهل حَضُور وقومهم من قضاعة نحو بني مطر فإنهم من خولان قضاعة وبني سويد وهم منهم، وحرثان وهم قوم من نهد، فاستوطنها، وعمر بها مسجده المشهور، ولقد كان مؤلفاً وله شهرة ولمسجد الشمس أيضاً، وفيهما يقول الشاعر:
العبد(1) يشهد أن العبد أنت له ... شهادة عدلت في مسجدي وقشِ
وفيه يقول السيد العلامة إبراهيم بن محمد الوزير - رحمه الله تعالى -:
ألا يا(2) مسجد ابن أبي الهيثم ... حليف التقى الأمجد الأعلم
الأبيات إلى آخرها، وأقام إبراهيم بها حتى مات، وقبره كان في الأعصر الآخرة مشتهراً، قالوا: ولم يشتهر من قبور من سكن وقش من مخترعة ومطرفية من الشيعة غير قبره.
أحمد بن مقبل بن زيدان [ - ]
__________
(1) في (ب): العيد.
(2) كذا في (أ) و (ب). ولعلها: (أيا) وإلا فلن يستقيم الوزن.

العلامة الشهير أحمد بن مقبل بن زيدان الطائي العالم الكبير، من أعيان زمانه، ومن(1) عيون أهل أوانه، صحب الإمام أحمد بن الحسين - عليهما السلام - وأهل هذا البيت يتكرر ذكرهم، وسنذكر نسبهم - إن شاء الله - وقد أثنى عليه السيد يحيى بن القاسم الحمزي، وعدَّه من وجوه الحاضرين لدعوة الإمام المهدي، ولمَّا فتح الله صنعاء للإمام المهدي - عليه السلام - ولَّى أعمالها الأمير الخطير الحسن بن محمد بن إبراهيم القاسمي، وجعل هذا العالم من قرنائه.
أحمد بن معوضة الجربي(2) [ - 1015ه]
__________
(1) في (ب): وعيون أهل أوانه.
(2) طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث ترجمة رقم: 104و الجواهر المضيئة عن الطبقات، ترجمة رقم (155).

الفقيه العالم المذاكر أحمد بن معوضة الجربي - رحمه الله - منسوب إلى الجربتين بالقرب من بلاد آل عابس أقرب إلى شرقي الجهة الذمارية، كان عالماً عابداً ورعاً في الغاية من الورع، وكان إمام الفقه. قرأ عليه السيد العلامة عبد الله بن أحمد المؤيَّدي - رحمه الله - واستقرَّ الفقيه بذمار، ثم دخل صنعاء واشتهر مقامه، وصيَّر إليه الناس واجباتهم ليصرفها في أربابها، فكان لا يقبل ذلك، ويتولى قبضه بل يتركه عند أربابه، ثم يفعل للمستحقين ورقاً بأيديهم، وكان لا يجعل لنفسه مع فقره - رحمه الله - ما يفعل لرجل من ضعاف المسلمين، وأضر في آخر زمانه، فتوجَّه للعبادة بمسجد داود بصنعاء، وكان من رعايته للعلم - رحمه الله - ولأهل بيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إذا دخل مسجد داود السيد العلامة عبد الله بن أحمد المؤيَّدي في أوساطه، لم يأت من جانب القبلة وإن كان بينه وبين السيد مسافة من المسجد، بل يأتي من ورائه ويلزم قائده - رحمه الله - بذلك، ويعلل ذلك بما ذكرته - رضي الله عنه - وله ولدان عالمان نجيبان الأكبر منها محمد بن أحمد، كان على طرز(1) أبيه في الورع والتقشف، مبارك العلم، من قرأ عليه منحه الله، وكان إمام المسجد بداود ولا يفارق المسجد إلا عند مبيته، وكان متواضعاً يقضي حوائجه بنفسه، وكان لا يسأل أحداً، وله من وظيفة المسجد شيء يسير /203/ يكتفي به، ولم يتكفف أحداً مع سعة جاهه واعتقاد الناس فيه، ثم ولده العلامة عبد الله بن أحمد، كان عالماً يتوقد ذكاء، وله في علم الكلام جليله ودقيقه اليد الطولى، وله في الفقه ترجيحات، وهما حريان بإفراد التراجم لهما رحمهما الله، فإن أمكن فهو ذكر نعمان، وانتقلا جميعاً إلى جوار الله - عزَّ وجلَّ - بالروضة(2) من صنعاء، وقد استفاض عند كثير ممن يثق به رؤية
__________
(1) الطراز والطراز: الهيئة، وقال الأزهري: الطرز: الشكل (انظر مختار الصحاح ص: 390).
(2) في (ب): بالروضة من أعمال صنعاء.

النور من عند قبورهم - رحمهم الله -.
وكانت وفاة العلامة أحمد الجربي - رحمه الله - سنة خمس عشرة بعد الألف، وقبره بجربة الروض بصنعاء.
أحمد بن منصور صاحب الكينعي(1)
الفقيه، العابد، العالم، أحمد بن منصور صاحب الكينعي رحمهما الله، كان من علماء الطريقة، ذكره السيد في كتاب الصلة، وحكى عن الكينعي - رضي الله عنه - أنه قال: ما رأيت مثل أخي الفقيه أحمد بن منصور - رحمه الله - في المراقبة في الخطاب، كانت إذا خرجت من فيه اللفظة لاحظها، وانزعج إن لم تكن لله - رحمه الله تعالى -.
أحمد بن منصور بن أحمد(2) […ـ 770ه تقريباً]
أحمد بن منصور بن أحمد اللاهجي الناصري، علامة كبير من شيوخ أحمد بن مير الحسني، وذكره السيد فقال: الفقيه العالم الفاضل الكامل المحقق المدقق الشهابي شهاب الدين أحمد بن مسعود(3) بن أحمد اللاهجي الناصري - حرس الله نقطة الإسلام بطول بقائه-.
أحمد بن موسى الطبري(4)[268ه - 340ه]
__________
(2) الجواهر المضيئة عن الطبقات (117)، إجازات الأئمة (خ)، طبقات الزيدية الكبرى (القسم الثالث) ترجمة رقم 106.
(3) في (ب): منصور.
(4) أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (180)، مطلع البدور (خ)، المستطاب (خ)، تأريخ مسلم اللحجي (خ)، الجواهر المضيئة ترجمة (120)، تأريخ اليمن الفكري في العصر العباسي (1/159 - 166)، مصادر الفكر العربي والإسلامي للحبشي (194)، الروض الأغن (1/286)، مؤلفات الزيدية (1/169، 174، 2/411)، طبقات الزيدية الكبرى (القسم الثالث) ترجمة رقم (108).

علامة الشيعة الفقيه الرباني الراجح أبو الحسين أحمد بن موسى الطبري - رحمه الله تعالى - حافظ السنن الماضي على أقوم سنن، شيخ الإسلام - رضي الله عنه - كان له من العناية بإحياء الملَّة بعد موت ابني الهادي إلى الحق - عليهم السلام - أضعاف ما كان في حياتهم، وكان أحمد بن موسى من الطبريين القادمين إلى اليمن، فقتل في سبيل الله منهم من قتل، ورجع منهم إلى طبرستان من رجع بعد سقوط فرض الجهاد لفقد سادات الأمَّة في ذلك العصر من الأئمة - عليهم السلام - وكان أحمد بن موسى أراد الرجوع إلى طبرستان مع من رجع، وذلك بعد أن ساء ظنه بشيء من أمور اليمن، فهمَّ بالرجوع فهبط إلى تهامة يريد الاستعانة على سفره بنائل سلطان زبيد الحسين بن سلامة مولى المظفر بن علي بن زياد، وكان جليل القدر وصنوه شعيب كان نائبه بعدن، وكان الكلاعي الآتي ذكره - إن شاء الله - من كتَّابه، فلمَّا قدم زبيد أمسى بدارٍ من دور ناحيتها(1)، فرأى في نومه الهادي إلى الحق قد وقف عليه وقال: يا أبا الحسين، تخرج وتترك التعليم لأصول دين الله في اليمن، اتق الله ودع عنك هذا، فكرَّ راجعاً إلى صنعاء وصعدة وأعمالهما، ولم يتفق بملك زبيد لإضرابه عن السفر.
قال - رحمه الله -: فلما رجعت فكرت في الإقامة باليمن فرأيت أربعة: أسد، وذئب، وثعلب، وشاة، فتفكرت في أثبتهم، فوجدته الأسد، فكان أحبهم إليَّ فنزلت صنعاء، وجاورت ابن الضحاك فقال لي: ادع إلى مذهبك، وأظهر حبَّ أهل بيت نبيئك صلى الله عليه وعليهم، وتكلَّم بما تريد /204/، ولا تخف من هذه العامّة فدخل جامع صنعاء، وتكلم، ودعا إلى مذهب الهادي إلى الحق فاستجيب له، ولم يلبث أن صار له حزب وشيعة، فصلى بهم في المسجد، ولأبي الحسين المذكور أخبار وغرائب.
وله محاسن بعدن وصنعاء تدُل على تيقظ كامل ونباهة لا يلحق(2).
__________
(1) في (ب): أمسى بدارٍ من دورها ومن دور ناحيتها.
(2) لعلها: لا تلحق.

ومن ملح أخباره - رضي الله عنه - أنه كان له جار من اليهود بصنعاء، وكان داره - رحمه الله - بقرب من مسجده بالسَّائلة عند سمرة غربي صنعاء، وكان سطح الدار لذلك اليهودي، وكان لأبي الحسين منزل تحت ذلك السطح، وكان فيه خرق يتغوّط فيه اليهودي، ويبول هو وأولاده، فأضرَّ ذلك بأبي الحسين، وعسر عليه التحول في ذلك الحال، فأمر من فعل له في ذلك الخرق كهيئة القصب وجعل بعضها فوق بعض إلى ذلك الفتح المفتوح، ثم أمر بها فجصصت وأحكمت، فكان يقع ما يتغوطونه في ذلك القصب، فاتفق أن أبا الحسين - رحمه الله - مرض فدخل جيرانه وأصحابه يعودونه، وكان اليهودي المذكور ممن دخل ، فرأوا ذلك القصب فأنكروه، فسألوه عن ذلك، فقال: ما هو إلاَّ خير، كان هناك خرق فربَّما مر به صبي فيكون فيه شيء، فلمَّا سمع ذلك اليهودي فكر في نفسه وقال: ما هذا الاصطبار إلا عن دين صحيح، وما هذه إلا أخلاق الأنبياء، وآلُ الله، فأسلم، وحسن إسلامه - رحمه الله -.
وهذه القصَّة قد اتفق نظيرها لشيخ الشيعة إمام الشيعة بالعراق محمد بن منصور المرادي صاحب القاسم - عليه السلام - مع جارٍ مجوسي بالكوفة على هذه الصفة وأسلم المجوسي، حكى هذه القصة عن محمد بن منصور السيِّد أبو العبَّاس أحمد بن إبراهيم الحسني في كتابه في الرد على (ناجل) الخلاف بين القاسم ويحيى وبين الناصر للحق - عليهم السلام - وقد اتفق مثله لأبي حنيفة - رحمه الله - وما ذاك إلا أن المعلم والأستاذ واحد، وهو المبعوث لتمام مكارم الأخلاق - صلوات الله عليه وعلى آله -.

ومن عجائب الاتفاق والشيء بالشيء يُذكر ما حكي عن ابن أبي عباد التميمي وزير الأمير أبي العتاهية عبد الله بن بشير بن طريف صاحب الهادي إلى الحق - عليه السلام - وهو في طبقة عالية في الفضل حري بإفراد ترجمة، فإنه من كبار الأمراء وعظماء السلاطين، وكانت تحت يده مملكة، وهو المستدعي للهادي إلى اليمن، ونسك وأذاب شحمه، وقلل لحمه بالصوم، وكان يقول: اذهب الشحم واللحم النابتين من السحت، فما زال كذلك مصابراً مجاهداً محتسباً خاشع القلب، مكافحاً لأعداء الله، متعرضاً(1) لنفسه لطلب الشهادة حتى ختم الله بها، وأعطاه طلبته، وقصَّة ابن أبي عباد معه أنه خلا مجلس أبي العتاهية يوماً من الغلمان، وقد اشتد عطشه واشتاق إلى الماء وطلبه فقام الوزير إلى البرادة فأتاه بكوز من ماءٍ، فلما دنا منه أمسكه في يده ولم يناوله إياه، ثم قال: سألتك بالله أيَّها الأمير لو منعت هذه الشربة /205/ بِمَ كنت تشتريها؟ قال: بنصف مملكتي هذه، فسكت ثُمَّ ناوله وقال: اشرب يهنا، فلما فرغ أخذ منه الكوز، وقال: سألتك بالله لو حبست في جسدك هذه الشربة فحصرت فيه بِمَ كنت تشتري خروجها من بدنك؟ قال: بالنصف الثاني من المملكة، فقال: أصلح الله الأمير مملكة لا تساوي إلا شربة من ماء، ما هي من شيء، فانتبه الأمير وقال: لا شيء، ويحك: فما نصنع، وكيف السلامة مع ما نحن فيه، وكيف الخلاص منه؟ فقال: تبعث إلى شريف فاضل قد بلغنا خبره من آل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ينزل بنواحي الرس وأعمال المدينة، يقال له: يحيى بن الحسين، فلعل الله ينجيك به وعلى يديه، فاستدعاه من الحجاز، وأعطاه مملكته بصنعاء، وقد ذكر الشريف علي بن محمد بن عبيد الله العلوي العباسي ما يدل على فضل هذا الوزير بهذه القصة، اتفقت بصفتها مع محمد بن أبي السماك مع الرشيد.
__________
(1) لعلها: معرضاً.

وكان هذا الشيخ أبو الحسين - رضي الله عنه - بمقام الوراثة النبوية حقاً، فإن أخلاقه ودعاءه إلى الله من العجائب على صنوف شتى، وسنذكر من ذلك طرفاً، فمن ذلك مناظرته للنَقوي عبد الله بن كليب أو ابنه سلمة في القَدَرِ، فإنه لما أحصر النقوي تفل بوجه أبي الحسين، بعد أن ظهر للعامة إحصار النَّقَوِي، ولم يبق إلا الجهالة، فلاذ بها، فبزق إلى وجهه، فضحك أبو الحسين وقال: أجمعت العلماء أن الريق طاهر.
وحكي أنه كان بناحية أثر من الخشب رجل تاب على يده - رحمه الله - وكان عامياً جاهلاً، فمكث أبو الحسين يداريه، ويرفق به لئلا يظهر له من أمر الدين شيء يشق عليه، فيرجع على عقبيه، ويعصي ربه، فاتفق أنه أصاب الناس مجاعة عمت الناس، وكان الخشبي المذكور من أهل النعم والثروة، فرزق الله أهل جهته ثمرة صالحة وزراعة ثقيلة راحت بها حالهم والناس في الشدة، فأتى هذا الرجل أبا الحسين وقد رأى غلاء الطعام وقد غلبه شح النفس وثقل عليه إخراج زكاة البر من البر، فقال: يا أبا الحسين هل تكون زكاة البر من الشعير؟ ففطن أبو الحسين فقال: نعم، فأخرج مكان مكيال من البر مكيالاً من الشعير ودفعه إلى المساكين، فحيي به بشر كثير من ضعفاء المسلمين ذلك الوقت، فأنكر أصحاب الحسين ذلك عليه، وأتوه في ذلك فقال: يا قوم، هذا شيء قلته عن رأي لا عن شرع، غلب على ظني أني لو قلت لا يجزي على البر إلا البر ثقل عليه، فأخل به وبخل، وإ ذا بخل قالت له نفسه قد عصيت الله في واحدة ومن عصاه في واحدة كمن عصاه في أكثر، فيترك الصلاة ويرتكب المعاصي، وإذا ثبت على الديانة فسيتعلم - إن شاء الله - ويخلص نفسه، ونظرت إلى المساكين، فعلمت أن الشعير أنفع لهم من العدم، فكان الأمر كما قال أبو الحسين صلح ذلك الرجل، واستدرك أمره، وعوّض الزكاة براً، ورسخ في قلبه حب الله، وصلحت حاله.

وحكي عنه - رضي الله عنه - أنه كان له جار بصنعاء /206/ يشرب الخمر ويؤي شُرَّابها، وكان يخفى على أبي الحسين أمره في أوائله، ثم إنه بلغ أبا الحسين أنه قد جمع جماعة من الفسقة لشرب الخمر، فذهب أبو الحسين يستكشف الحال وليؤدي ما يجب لله، فقضى نظره بأخذ كبش وقصد ذلك الجار إلى بيته، فقرع الباب، فخرج إليه الجار وهو لا يظنه جاء إلا يريد الإزالة، فقابله أبو الحسين بالمعروف من خُلقِه، وقال: بلغني أن عندك ضيفاً والجار مسؤول عن جاره، فهذا كبش استعن به، فاستحيا الرجل، وخرج، فلما أصبح نحا ما في منزله، وغسل ثيابه، واستغفر، وأناب.

وحكي عنه أنه مر بشريف سكران قد تضمخ بقيئه أو بوله، وهو ملقى في شارع من شوارع صنعاء، فلما رآه حزن لذلك ورأى بهداية الله وتثبيته أن أخذ قناعه فمده ووضع فيه الشريف، ثم لفه به واستعان بمن يحمله إلى منزله - أعني منزل الشريف - فقرع الباب، فأجابت امرأته فأمرها بالفتح وأن تنحى من البيت(1)، ففعلت، ثم دخل فألقاه في جانب وأمرها بإغلاق الباب حتى يفيق، فلما أفاق أخبرته امرأته ولامته أشد اللوم، وقالت: يراك الطبري على هذه الحال، فاستحيا كثيراً، وندم ندامة كبيرة، وتاب توبة نصوحاً، ثم اعتزل الناس بعد صحبته لأبي الحسين مدة، وسكن في عزلته بدار الشريف ما بين حدين(2) والحمراء(3) أقرب إلى محاذاة الحمراء على غيل ابن برمك(4) تعرف بدار الشريف - رحمه الله -.
__________
(1) في (ب): وأن تنتحي جانباً من البيت.
(2) حدين: موضع غربي صنعاء (معجم المقحفي ص: 163).
(3) وتسمى حمراء العَلِب بفتح العين وكسر اللام وهي قرية في بلاد سنحان في السفح الجنوبي من جبل نقم (انظر المصدر المذكور ص: 191).
(4) في المصدر السابق ص: 487: غيل البرمكي، وقال في تعريفه: هو من المنابع المائية التي كانت تسقي القاع الشمالي لصنعاء، وكان مأتاه في قرية بيت عُقَيب، وقرية غيمان شرقي صنعاء، ونسبته إلى محمد بن خالد البرمكي الذي استخرجه لما ولّي صنعاء للرشيد سنة 183ه. انتهى بلفظه.

وحكي عنه - رحمه الله - أنه كان واسع الجاه مقبول الشفاعة، وكان بصنعاء من ضعفاء المسلمين ومساكينهم خلق كثير، ومن الأشراف أرامل وأيتام، فكان يتكسب عليهم، وكان له إخوان باليمن يرون له حقاً عليهم، فكان يزورهم ويلتمس للضعفاء المذكورين شيئاً منهم، فخرج في بعض السنين إلى إخوانه باليمن فاستماحهم للمساكين، ففعلوا وعاد بأكسية وأمتعة ونقد، ورجع إلى صنعاء، فلما وصل إلى طرف الحمراء وهو الجبل الذي يتصل بجبل نقم المطل على صنعاء مما يلي علب من أرض (الأبناء)(1) فخرج عليه لصوص، فأخذوا ما معه، فلما حازوه قال: يا وجوه العرب هل لكم في رأي من المروة والكرم، قالوا: وما هو؟ فقال: قد صرت كما ترون في أيديكم، وما أحد يتوهم أنكم تتركوني إلا تكرماً منكم عليّ، وأنا قد جئت من بُعدِ أهوي بهذه العروض لمساكين خلفي أعينهم ممدودة إليه، فهل لكم في رأي تحوزون به شرف الذكر والشكر مني ما بقيت، وذلك أن تجعلوني بمثابة واحد منكم أحوز سهماً أعود به على من خلفي، فيثيبكم الله، وتأخذون هذا حلالاً، فرقوا لكلامه، وقسموا له نصف المتاع، وكانوا قد تركوا ثيابه لم يسلبوها عنه تكرماً منهم واستحياء لجلاله وهيبته، وكان تحت ثيابه وعاء دنانير، فأخرج /207/ إليهم الدنانير [بعد أن قسموا له النصف] (2) وقال: قد بقي نصيبكم من هذه الدنانير، فأعجبهم ذلك، ثم بايعهم بنصيبه من الدنانير في نصيبهم من العروض والثياب التي هي أنفع للمساكين، فبقي عليه من ثمنها ثلاثون ديناراً، فقال : لو تبعني أحدكم لهذه البقية لم ير إلا خيراً، فقد لزمني لكم ذمام الصحبة والمعرفة، فقال أحدهم: هذا شيخ لا يأتي منه إلا خير، فسار معه حتى دخل صنعاء فتلقى الشيخ أبا الحسين أصحابه وسلموا عليه، ثم استلف تلك الدنانير ثم عمد إلى كبش فأمر بذبحه، فذبح وطبخ وأرسل
__________
(1) الأنباء: قرية في بني حشيش التابعة لمحافظة صنعاء (انظر المصدر السابق ص: 9).
(2) ما بين المعكوفين زيادة في (ب).

بطعام، وذلك اللحم والدنانير مع ذلك الرجل، وقال: هذا الطعام لأصحابك لأني أظن عهدهم بالطعام بعيد، فلما وصل ذلك الرجل إلى أصحابه رقت قلوبهم، وخشعت، وأناب منهم من أناب، وصار أولئك من أصحاب الطبري - رحمه الله - ومع هذا الحلم الكثير وامتلائه من الحكمة كان يتطلبها من صغير وكبير.
روي أنه خرج يوماً من منزله بصنعاء ومعه بعض أصحابه، فرأى الطبري بعض السكارى أمامهما فقال لصاحبه: أسرع بنا فلعلنا ندرك من هذا فائدة وحكمة، فالتفت إليه صاحبه متعجباً من قوله ذلك، فقال: وما يستفاد من مثل هذا؟ قال(1): يتسمع، فلما أدركا السكران قال له الطبري: يا غلام، احذر تسقط، فالتفت إليه وقال: احذر أنت أن تسقط، فأما أنا فإذا سقطت سقطت من طولي، وأنت إذا سقطت سقطت من بنات نعش، فالتفت الطبري إلى صاحبه وقال: سمعت ما هاهنا، فأخذها موعظة في نفسه وانصرف.
ومما حكي عن الطبري - رحمه الله - من سعة الصدر والتأدب بقوله(2): ?وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ? (لقمان:17) ما روته أعيان الزيدية أنه استدعي - رحمه الله - بصنعاء المحروسة إلى مناظرة قاضيها، ولعله من آل النقوي، وأحسبه عبد الله بن كليب أو ولده سلمة، ولما حصره في المسألة، وذلك بمشهد من أهل صنعاء واجتماع(3) العامة والخاصة خرج وضاق صدره، فبزق في وجه أبي الحسين فضحك إليه، ومسح البزاق(4)، فلما رأى سعة صدره وقوّة قلبه مع جرحه هو وإساءته إليه بكى فيما يقال.
__________
(1) في (ب): فقال.
(2) في (ب) زيادة: تعالى.
(3) في (ب): من.
(4) في (ب): ومنع البزاق.

وروي أن الطبري - رحمه الله - قال: أجمعت العلماء أن الريق طاهر، كان جواب المسألة، فلما انصرف الطبري عن ذلك المجلس قال لبعض أصحابه وكان قد أحس منه التزكية لذلك القاضي في باب العبادة والزهد وحسن الظن له بالسلامة، وأقسم الطبري - رحمه الله - قسماً (لعَتُلٌ) وهو خمّار كان بصنعاء يدعو إلى منزله وبنات كنَّ له الفسّاق وشراب الخمور فيما يذكر ، أقرب إلى الله من هذا القاضي، ثم أخذ بيده فأتى عتلياً فقال له: ويحك ما دعاك إلى ما أنت عليه من شرب وفسق، فقال: سوء الرّأي وخبث النفس وسقوط الهمة، فقال له الطبري: أفتقول: الله جبرك على ذلك؟ قال: معاذ الله، الله أكرم من ذلك، فقال الطبري لصاحبه: أما تسمع /208/ ما قال هذا إذ قد سمعت ما قال ذلك.

قلت: ويشبه هذا ما حكى محمد بن أسعد الجنبي من جنب جهران وذمار، وكان من الجند، ثم تاب وتاب معه ولده، وكانا على طريقة الفقه والتعبد لكنهما لبسا ثوب التطريف، وكان محمد بن أسعد متوسعاً في العبادة، ثم سكن شظب مهاجراً، ثم اعتزل الناس، وسكن بأهله في جانب بعيد على مُزْدَرَعْ ليبعد عن العصاة، وكان له مولى حبشي يقال له فرج قد صحب من أعلام الزيدية بشراً، وأخذ عنهم في أصوله وفقهه، وتخلق بأخلاق العبادة والفضل، وكان ببلاد شظب مزيِّن قد صحب فرجاً - المذكور - وانتفع به، وكان المزيّن يدخل السوق ليعمل شيئاً ينتفع به، فمر به أبو العمر اللحجي شيخ المطرفية، فوقعت عين أبي العمر على رجل من عبّاد الأباضيّة ومجتهديهم قد نهكته العبادة، فصار أسود كأنه خشبة محرقة، وهو يتمشى في السوق برفق، وقد رفع أطراف ثيابه لئلا يصبها شيء يكرهه، وتواضع وتخشع فقال أبو الغمر: وكان يومئذ شاباً حدثاً ينخدع لمثل هذا المزيِّن، وكان شديد البغضة للخوارج والمجبرة والمشبهة، فيقطع عليهم بالنار، ويتبرأ منهم، ويتهلل بالدعاء عليهم، وكان اسمه سليمان بن صبيح، فقال له أبو الغمر: يا سليمان، أنا أوافقك في ضلال الإباضية إلا هذا الشيخ العفيف الخاشع لله، أما ترى ما هو عليه من الصورة وأنت تزعم أنه هالك، فقال سليمان: ويحك، أرأيت إن كان يقول بالجبر وينسب إلى الله أفعال خلقه، ويعتقد منه خلق الفساد في الأرض ماذا ترى؟ قلت: أرى أنه هالك إذا كان هذا منه، فقال: أدركه، ثم اسأله عن ذلك، فأدركه أبو الغمر وكان الرجل من بطن من (الحائريين) بينهم وبين أبي العمر رحم، فرفق به وقال: يا خال، ما تقول في الكفر والإيمان، مَن خلقهما؟ فقال: الله يا بني، فأكد عليه أبو العمر حتى تيقن دخيلته، وعاد إلى المزيِّن فأوسع المزيِّن في سبه، وكان هناك عبد زنجي يعرف بالحمّامي لم يفصح كما ينبغي، يقول(1) في ناحية السوق غير مستر(2) بين الخمارين،
__________
(1) يبول. ظ
(2) مستتر. ظ.

ويعصر لهم الخمر، ويكسح لهم الدور وبيوت الماء، يعيش في أخبث مهنة يكون ولا يكاد يلقى إلا سكران أو حامل نجاسة، وعلى أقبح صورة في الدين والدنيا، فقال المزيِّن حالفاً بالله العظيم: إن الزنجي أقرب إلى الله من هذا الأباضي وأهون عذاباً في النار منه، الذي قد أعجبتك هيئته وخشوعه، ثم التفت المزين إلى الحمامي فرفع بصره عليه سريعاً فدعاه فقال: يا حمامي، أخبرني من حملك على ما أنت عليه من شرب الخمر، وقطع الصلاة، والتمرغ في النجاسات والأوساخ وحمل الأقذار، أنت أم الله تعالى، فكأنه ارتاع ثم رفع صوته هاشي أنبيلاً هاشي أنبيلا، يكررها ويرددها، ومعناها: حاش لله حاش لله، وأنبيلاً عندهم: اسم الرب سبحانه، ثم التفت، فقال: يا سليمان، هملتني نفسي، هملتني نفسي، همامي كيبة همّامي كيبة، معناه: حملتني نفسي، حملتني نفسي، حمامي خيبة، وخيبة بمعنى خبيث يستعمله العامة.
محفوظ [ - ]
/209/ محفوظ، هو شيخ الزيدية، رحل إليه الطبري - رحمه الله - لسعة كتبه، فإنه كان وأهل بيته من أهل الرئاسة، وكان أكثر ذخرهم الكتب الإسلامية، كتب آل محمد أصولاً وفروعاً، ومحفوظ المذكور جد آل محفوظ علماء ريدة من أعمال البون، واتفق أن الطبري - رحمه الله - أيام إقامته عندهم اشتهى اللحم، فأخذ درهمين وشرى بهما لحماً من السوق، وكان محفوظ لا يرى ذلك ولا يفعله، فقالت له امرأته: أنت لا تأكل لحم السوق، وهذا الطبري أكل منه، أنت(1) أعلم أم هو؟ فقال: بل هو، لكني أورع، فلفضل القوم معاً ذكر ذلك محفوظ لأبي الحسين الطبري، فقال: صدقت يا بني، ودليل ذلك قول الله سبحانه: ?إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ? (فاطر:28).
أحمد بن موسى النجار [ - ]
__________
(1) في (ب): أأنت أعلم.

الفقيه المكين العالم الأفضل تقي الدين أحمد بن موسى النجار الصعدي - رحمه الله - من أعلام المائة السابعة، كان عالماً صدراً - رحمه الله - من فقهاء صعده المحروسة، من المجاهدين في سبيل الله مع الإمام أحمد بن الحسين - عليه السلام - واستشهد في حرب الحصبات(1) يوم استشهد رايس(2) الشيعة حُمَيْدُ المحلّى - رحمه الله - وهو حرب بين أصحاب الإمام والبغاة أحمد بن المنصور وأسد الدين التركماني، ورايس المسلمين الأمير الكبير أحمد بن يحيى بن حمزة، وأسر الأمير - رحمه الله - ذلك اليوم.
أحمد بن موسى بن عمران (3) [ - قبل 801ه]
الفقيه العلامة العابد شهاب الدين أحمد بن موسى بن عمران بن عيسى العباسي - رحمه الله - فقيه محقق عالم عامل حليف القرآن، كان من أصفياء الإمام المهدي أحمد بن يحيى - عليهما السلام - وأود أنه ذكره الفقيه العلامة ابن المظفر وغيره، وكنت رأيت له ترجمة، ذكر فيها وردهُ من القرآن، وأنه كان حليفاً للقرآن، وكان إماماً في العلوم محققاً في الفرائض مؤلفاً(4)، له شرح على الدرر، وكان مع الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى في يوم (معبر)، وحبس مع الإمام هو والعلامة سليمان النحوي، والعلامة إبراهيم بن محمد بن يوسف، والمقري معوضة بن حسين، والمقري الورد العماد(5)، وقيد هؤلاء الجلة - رحمهم الله تعالى - بقيود ثقيلة، ومات هذا العلامة أحمد بن موسى في الحبس أعاد الله من بركته، ورثاه الإمام المهدي بقصيدة مطلعها:
يا عين جودي بدمع منك مدرار(6) ... على تقي صبور خير أخيار
__________
(1) الحصبات: مرتفع جبلي يقال له (نقيل الحصبات) يقع في بلاد السواد، جنوب شرق مدينة ثلا. (معجم المقحفي ص 469).
(2) لعلها: رئيس.
(3) المستطاب - خ - 2/17، مصادر الحبشي 263، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم 181.
(4) في (ب): مؤلفاً فيها.
(5) في (ب): الورد بن العماد.
(6) في (ب): مدراري.

وهي تنيف على عشرين بيتاً، وهو الذي دار بينه وبين الإمام المقاولة التي حكاها في (الغيث)(1) في قوله تعالى: ?رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ? (إبراهيم:40) إنه إذا قنت به المصلي فأثبت الياء حال الوقف.
قال الإمام - عليه السلام -: الأقرب عندنا على أصول المذهب أن صلاته لا تفسد؛ لأن لذلك نظيراً، وهو لو وصل لأن المقصود صورة اللفظة. وخالفه الفقيه العلامة أحمد بن موسى المذكور - رحمه الله - ووقعت بينهما مراجعة معروفة.
قلت: قال إمام زماننا المتوكل على الله إسماعيل بن أمير المؤمنين - عليه السلام -: في هذه /210/ المراجعة غفلة، فإن إثبات الياء وصلاً ووقفاً ثبت رواية عن أحد السبعة (القراء)(2)، رواها البزي، والله أعلم. والعلامة المذكور هو مصنف (أسرار الفكر في كشف معاني الدرر) (3)، والمراد بالدرر(4) كتاب الأمير علي بن الحسين في الفرائض، قال في ديباجته - رحمه الله -: وقد صار هذا الاسم علماً لهذا الفن؛ لأنه قد غلب عليه كما أن الفقه قد صار علماً لعلم الحلال والحرام، وإن كان في الأصل لكل مفقوه، وكذلك علم الكلام لعلم التوحيد، وإن كان في الأصل لكل كلام، وكذلك علم النحو لعلم العربية، وإن كان في الأصل لكل منحو أي مقصود.
__________
(1) وهو الغيث المدار المفتح لكمائم الأزهار في الفقه، للإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى - عليه السلام - المتوفي سنة 840ه، وهو شرح كبير لكتاب (الأزهار) في أربعة مجلدات ضخمة (انظر عن نسخه الخطية كتابنا أعلام المؤلفين الزيدية ص: 207).
(2) سقط من (ب).
(3) لم أقف له على نسخة خطية.
(4) ويسمى: درر الفرائض في الجلي منها والغامض - خ - قال الحبشي: منه نسخة خطت 811ه، جامع (24) فرائض، أخرى خطت سنة 834 نفس المكتبة (32) فرائض، ثالثة خطت سنة 709ه المتحف البريطاني رقم (3788)، أخرى خطت سنة 868ه في (282) صفحة، بمكتبة جامع الإمام الهادي - عليه السلام - بصعدة.

وهذا الفن ينطلق في لسان العلماء على أربعة فنون: الأول: التوريث.
والثاني: الجذور، والكعاب، والدقائق، والثواني، والهندسة، واستخراج الخبي، والأعداد المضمرة وغير ذلك مما دَّونه الحساب.
والثالث: المساحة، وعلم اليد، وهو الوهم في الضرب والقسمة والنسبة والجمع والتفريق والتضعيف والتنصيف والجربانات والزكوات وملاقاة الأنهار، وهذه الثلاثة لم تخل من الوجود وإن عز تحريرها.
والرابع: علم الرّمل، فإن بعض العلماء قد عدَّه من علم الفرائض، والأمير لم يقصد إلا الفن الأول.
أحمد بن موسى بن مقبل سهيل [ - 1045ه]

الفقيه العارف شهاب الدين أحمد بن موسى بن مقبل سهيل (- رحمه الله -) (1)، هو من أجلاء الشيعة وأهل الصدق لله تعالى والاستقامة الكلية، وكان شيخاً معمراً، حضر بيعة الإمام الحسن بن علي - عليه السلام - واستقامت الدعوة المؤيدية، وبسط الله ظلالها، وتفيأ المذكور في رافع الظل منها، وكان يلي قبض زكوات بصعدة وبيوت أموال، ويبرى عن شيء منها لولاية صحيحة، وعمله أكثر من علمه، وكان وافر العقل إلى الغاية، فهو مصداق قولهم في الفقه: أزهد الناس أعقلهم، وكان من شيوخ الطريقة، كان يدخل إلى محله لهذه الأعمال الصالحة، وغداه خبز قفار بغير إدام، يدخل في كمه ولا يزال تارة تنزع نفسه إلى الأكل، فيمنعها ويقول لها: الصدقة أفضل، فإذا تمكن منها تصدق بقوته، وقد يؤثر الأكل لمصالحه، وكان مشرفاً على الطب، وعلى يديه الشفاء، وله مسائل أوردها إلى الإمام القاسم، وهو ممن سمعته يروي أنه اطلع هو والقاضي العلامة أحمد بن صلاح الدارري(2) على حديث في الإمام القاسم بن محمد، وكان من أهل الود الخالص لآل محمد يؤثرهم على نفسه وأهله، وكان بنو الهادي بالضيعة يرونه أباً لهم، واتفقت له كرامة، وذلك أنه كان ليلة في مضجعه وليس عنده شك في صحة العمارة بالبيت الذي هو فيه، فرأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - يقول له: قم فإن بيتك سيخرب، فاستيقظ الفقيه، واستعاذ بالله من شرها، وظن ذلك عبارة عن أمر دينه، وعاد إلى نومه فرأى أمير المؤمنين مرة أخرى يناجيه بمثل ذلك، فاستعاذ، ثم نام مرة أخرى، فرأى أمير المؤمنين جذب بيده حتى لم /211/ يستيقظ الفقيه إلا وهو قائم، فخرج من المكان ثم انهدم سريعاً، - رحمه الله - توفي بصعدة المحروسة، ودفن بموضع، ثم نقله ولده العابد يحيى بن أحمد إلى محل آخر بعد سبعة أشهر فوجده على صفته لم يتغير منه شيء، وفاته في تأريخ سنة خمس وأربعين وألف، وقد ذكر في المشجرات تقريب من
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) كذا في (ب).

هذا نسب إلى نزار، والله أعلم.
أحمد بن مهدي الحسيني(1) [ - ]
السيد، العابد، الزاهد، العالم، أحمد بن مهدي الحسيني نسباً ومذهباً - رحمه الله - قال - في ترجمته - بعض المعتنين بهذا الشأن:كان من عباد الله الصالحين، ومن علماء آل محمد العاملين، وأحسب أنه صنو السيد العلامة يحيى بن المهدي الزيدي - رحمه الله -.
قال السيد يحيى بن المهدي: أخي وقرة عيني أحمد بن المهدي بن قاسم، وهو مبرز في العلوم مستمر(2) في طاعة الحي القيوم، نشأ على العلم والعبادة منذ بلغ عشر سنين، وحج(3) ابن ست عشرة سنة.
أحمد بن المهدي بن الهادي(4) [ - ]
السيد العالم أحمد بن المهدي بن الهادي بن الإمام إبراهيم بن تاج الدين - عليه السلام - كان فاضلاً عالماً صالحاً براً، من عيون أهل البيت، أعاد الله من بركته، كذا ترجم له بعض السلف من أهل بيته - عليهم السلام -.
أحمد بن المهدي بن المحسن(5) [ - ]
السيد العلامة شمس الدين أحمد بن المهدي(6) بن المحسن - رحمه الله تعالى - قال ابن مظفر - رحمه الله تعالى -: كان عابداً زاهداً فاضلاً عالماً، وللأمير تاج الدين مرثية فيه تنبئ عن(7) فضله.
أحمد بن المهدي بن محمد(8) [ - 1044ه]
__________
(2) في (ب): مشمَّر.
(3) في (ب): وحج وهو ابن ستة عشرة سنة.
(6) في (ب)زيادة: بن علي.
(7) في (أ): على.
(8) الدرة المضيئة.

السيد الكريم العالم أحمد بن المهدي بن محمد بن علي بن الحسين بن الإمام عز الدين بن الحسن المؤيدي - رحمه الله - كان عارفاً في الفروع موصوفاً بالتدريس لكتاب (البحر)، وقرأه عليه الفضلاء، واشتهر بالرئاسة والإمارة، تغفل(1) الناس عن وصفه بالعلم إلا الخواص كما ذكر في الأمير بن مأكولا، وكان من كملاء الرجال البارعين في الرئاسة القائمين بوظائفها، واسع الأخلاق، واجتمع لديه من آل يحيى بن يحيى خلق كثير، وغزا غزوات إلى نواحي الشام وتهامة، وكان رحب الفناء مطعاماً موصوفاً بالحلم، وسيأتي ذكر ولده خاتمة المحققين صلاح بن أحمد - رحمه الله - توفي بجبل رَازِح(2)، ودفن بالقبة عند المسجد المشهور بقلعة غمار - رحمه الله - وهو أحد الذين افتتحوا صعدة، وكان مناط الأمر بيد السيد العلامة محمد بن أحمد بن عز الدين أحد أفراد وقته علماً وفضلاً، وهو والد(3) الإمام المحقق إبراهيم بن محمد المؤيدي، وكان هذا السيد الجليل من أهل الوفاء والرياسة مقدماً في الفضائل، ولم يرض السيد أحمد بن المهدي أن يلي شيئاً من الأمور مع وجوده، وإنما كان تبعاً له، وفتح صعدة، هذا من العجائب؛ لأنه توجّه السيدان من شهارة وبين يدي السيد محمد مرفع يضرب وليس معه عسكر، فقال الأمير قرأ جمعه من أمراء الأتراك(4)، وكان محبوساً بشهارة: عرفت دوائر صعدة مستهزءاً بهم، فلم يصل السيدان إلى صعدة إلا بإمارة كاملة، ودخلوها عنوة من سورها واجتمع بهم شيوخ سحار، وكانوا من الكمال بمحل عظيم، ودخلوها في صبيحة واحدة على وجه لا يخطر ببال. ومن عجيب ما اتفق ما أخبرني به شيخي العلامة /212/ أحمد بن سعد الدين - قدس الله روحه - قال: دخل السادة صعده وقت الفجر، وبلغني الخبر إلى
__________
(1) في (ب): فغفل.
(2) رازح بفتح الراء بعدها ألف ساكنة ثم زاي مكسورة فحاء مهملة، هي أحد قضوات محافظة صعدة (معجم المقحفي ص: 258).
(3) في (ب: وهو والد السيد الإمام.
(4) في (ب): الترك.

هجرة(1) ابن المكردم ببلاد الأهنوم، ذلك الوقت عقيب صلاة الفجر، وامتلأت الأسماع من العامة والخاصة بذلك الخبر، ولم يزل الناس يتحدثون بذلك حتى كاد يظهر لهم أنه لم يأت الخبر من جهة معروفة، فكادوا يتشككون في ذلك، فوصل الخبر وقت العتمة، والله أعلم.
أحمد بن المهدي البهكلي
الفقيه العلامة شهاب الدين أحمد بن المهدي البهكلي(2) - رحمه الله - كان فقيهاً فاضلاً موصوفاً بالعلم، قرأ في المشاهد النحوية(3)، ومن شيوخه السيد العلامة محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى بن القاسم، والسيد محمد بن صلاح بن يحيى بن محمد بن يحيى بن القاسم - رحمهم الله - وله إليهما أبيات شعرية أعاد الله من بركتهم أجمعين، وهي:
أمحمد ومحمد لله من ... جبلين يحمَى كل من بكما احتمى
هل عطفه بالوصل تشفي غلتي ... ويلذَّ عيشي حيث كنت وكنتما
وتعود أعيادي بطيب وصالكم ... وأرد أنف من اعتداني مرغماً
قد كنتما عيشاً يمدَّ ظلاله ... ستراً على مثلي ويمطر أنعما
كم عمَّ برُّكما وأيم الله من ... كلف إليه ونال فضلاً منكما
وعدت رياض الناس روضانية ... بكما تشعشع نورها متبسما
فشربتما كأس الوصال روية ... في حضرة قدسية جمعتكما
ولبستما من عبقري كرامة ... حلل الرضا لا العبقري المعلما
كان(4) الولاية حلقة مرقومة ... بكما وعز في سموّكُما سما
والهدي تاجاً للزمان مرصعاً ... بجواهر العلم الذي علمتما
ومتى أعود إلى (قطابر) نازلاً ... بالربع من ذاك الجناب مسلما
وأهلُّ بالإحرام زائر سادة ... من زار تربتهم أهل وأحرما
هي روضة مزجت بطينة طيبة ... وسمت فناسبت الحطيم وزمزما
وعراصها غنم الغنا ومنى المنى ... وحطيم(5) بحر في البرية قد طما
وأبلَّ خدي بالدموع لفقد من ... بكت الأنام لهم كما بكت السما
__________
(1) هجرة ابن المكردم: لم أجد لها ترجمة في معجم المقحفي.
(2) في (ب): البهلكي التهامي.
(3) اليحيوية.ظ
(4) لعلها: كأن.
(5) في (ب): وخضم.

قمران بالذكر الجميل تجملا ... وتجللا وتسربلا وتعمّما
غوثان إن عرت الخطوب وإن قسا ... قلب الزمان فما أبر وأرحما
فلذا وذا خلق أرق من الصبا ... وألذ من ماء العذيب مع الظما
فعليهما مني السلام ورحمة الـ ... ـرحمن ما صلى الإله عليهما
أحمد بن مير الحسني(1) [ - ]
السيد الإمام شمس الملة أحمد بن مير الحسني الجيلي القادم بجامع آل محمد من العراق(2) /213/ إلى اليمن إمام عظيم المقدار تفتخر به العصابة، قدم اليمن من العراق، فزهت به البلاد لمكان علمه وعمله، وصحبه عند خروجه إلى اليمن عالم كبير يسمى الحسن، وإليهما لمح السيد الهادي بن إبراهيم بقوله:
وبالحسنيين الذين تغشمرا(3) ... إلى خير داع كل مرتٍ وهو جل(4)
__________
(1) الفلك الدوار ص 236، التحف، ص 121، الجواهر المضيئة - خ - ص 21، مؤلفات الزيدية 2/230، المستطاب 2/12 - خ - أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (182)، طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث ترجمة رقم (109).
(2) ويسمى: الجامع الكافي في فقه آل محمد في الحديث في ستة مجلدات، لأبي عبدالله العلوي محمد بن علي بن الحسن بن علي المتوفي سنة 445ه (انظر كتابنا أعلام المؤلفين الزيدية ص: 946).
(3) الْمَرْتُ: المفازة بلا نبات، أو الأرض لا يجف ثراها ولا ينبت مرعاها (المصدر السابق ص: 205)، والهوجل: المفازة البعيدة لا علم بها (المصدر السابق ص: 1382).
(4) أي أقبلا، من قولهم إشمر السيل أي أقبل، (وانظر القاموس المحيط ص: 579).

وهو أعني السيد شمس الدين - رحمه الله - الذي روى أن أبا الطاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله كان يناظر علماء المدينة ويقول بقول علماء الكوفة، فقال له بعضهم: يا أبا الطاهر، لا تفعل، فإن الوادي من هاهنا سال، فقال: أجل من هاهنا سال، لكنه استنقع عند أولئك، وبقيتم بغير شيء، انتهى. يعني بالوادي علياً - عليه السلام - وقد ترجم له السيد يحيى بن المهدي الحسيني، فقال: كان هذا السيد من العلماء المبرزين الراسخين المجتهدين العباد الزاهدين الورعين المتقشفين، خرج من الجيل والديلم لزيارة الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة بن رسول الله، وقد توفي - عليه السلام - فزار الإمام المهدي لدين الله علي بن محمد بصعدة، وسار إلى اليمن لزيارة ولده الإمام الناصر، وهو سيد يقرئ في (مصنعة(1) بني قيس)، ولزيارة القاضي الحسن بن سلمان الآتي ذكره - نفع الله بهم الجميع - ولهذا السيد تصانيف في العلوم، وفي الزهديات ما يشفي، رأيت له كتاباً نفيساً في مكة المشرفة يسمى (صفوة الصفوة) في زهد الصحابة - رضي الله عنهم - وفي علم المعاملة وفيه ما يدل على فضله وكرم أصله.
قال في آخره أبياتاً، قال: قائلها أحمد بن مِيْر الحسني استحسنتها وهي:
يا(2) نفس(3) إن تطلبي عافيةْ ... لا بد أن تلزمي(4) زاويةْ
فأكثر أبناء هذا الزما ... ن سباع إذا فتشوا ضاريةْ
أكفٌ عن الخير محبوسة ... وألسنة بالخنا(5) جاريةْ
فطوبى لمستحلس(6) بيته ... قنوع له بلغة كافيةْ
نداماه دون الورى كتبه ... فلا إثم فيها ولا لاغيةْ
فإن ضاق يوماً بها صدره ... تضجَّر من خفية خافيةْ
ومير - بكسر الميم وبعدها ياء تحتانية وراء - بمعنى سيد.
__________
(1) مصنعة بني قيس: من قلاع بني قيس في الرَّضْمة، جوار قرية الوَشَل. (معجم المقحفي ص 1549).
(2) لعلها: أيا. ليتقيم الوزن.
(3) في (ب): أيا نفس.
(4) في (أ): تلتزمي.
(5) الخنا: الفحش.
(6) أية يعكف ببيته ولا يفارقه.

أحمد بن نسر بن مسعود(1) [ - 670ه ت]
القاضي الفرضي العلامة أحمد بن نسر بن مسعود بن عبد الله بن عبد الجبار العنسي مؤلف (الوسيط)(2) - رحمه الله - كان عالماً خطيراً، ويشهد بذلك كتاب الوسيط المذكور، ألفه للعلامة الشاكري - رحمه الله - قال في خطبته: وبعد فإنه لما سمع عليّ الفقيه الأجل الأكمل رفيع القدر والمحل نظام الدين ولسان المتكلمين وقريع الميادين القاسم بن أحمد الشاكري - طوّل الله عمره، وأعلى في الدارين درجته - مذاكرة في الفرائض ألقيتها عليه على وجه الإجمال، من غير أن آتي له في شيء منها بمثال على الحد الذي كنت سمعته عن شيخي - جزاه الله عني خيراً - فسألني بعد ذلك المساعدة إلى تعليقها، وبيان كل مسألة منها وتحقيقها /214/، فأجبته إلى ما قال، وأسعفت له بالسؤال وأوضحت كل مسألة منها بمثال، انتهى ما أردت نقله، وقد نقل الفقيه العلامة(3) تأريخ إلتماس الشاكري لذلك قال: في سنة خمس وستين وستمائة، قال: نقله من خطه - رحمهما الله جميعاً -.
أحمد بن الهادي بن علي(4) [ - 1042ه]
__________
(1) الجواهر المضيئة ترجمة (123)، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (185)، مصادر التراث في المكتبات الخاصة في اليمن (تحت الطبع)، الروض الأغن 1/88، مصادر الحبشي 216 باسم الحسن بن أحمد بن نسر ، مؤلفات الزيدية 3/148، نزهة الأنظار - خ - طبقات الزيدية الكبرى قسم الثالث ترجمة رقم (112).
(2) الوسيط في علم الفرائض كتاب شهير، منه نسخة خطية برقم (3) فرائض المكتبة الغربية، بالجامع الكبير بصنعاء، وأخرى ضمن مجموع مكتبة آل الوزير في هجرة السر، خط سنة 812ه بخط ممتاز، ثالثة بمكتبة السيد العلامة محمد بن محمد المنصور ضمن مجموع، ونسخة مصورة عنها بمكتبة السيد محمد بن عبدالعظيم الهادي خطية سنة 1073ه.
(3) في (ب): العلامة المقراي.
(4) طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث ترجمة رقم (114).

السيد العلامة شمس الدين أحمد بن الهادي بن علي بن مهدي بن محمد بن الهادي بن محمد بن الحسن أبي الفتح بن مدافع بن محمد بن عبد الله بن محمد بن الإمام الناصر أبي الفتح الديلمي المدافعي، نقل ترجمته ولده السيد العارف الهادي بن أحمد. كان سيداً عارفاً في الفقه، قرأ على القاضي العلامة شيخ المشائخ عامر بن محمد الذماري، وكان يثني عليه القاضي، واشتهر على ألسنة الفقهاء تسميته بالباقر لتبقره في العلم، وقد كان يضرب به المثل، سمعت السيد العلامة صلاح بن علي بن عبد الله بن علي بن الحسين المؤيدي (شارح الكافل) - رحمه الله - يصف بعض العلماء الأجلاء ويقول: علمه يشبه علم هذا السيد، وكان للسيد خصال حميدة، وخرج للجهاد بالديار الصنعانية، وكان له تلامذة رحلوا إليه منهم الفقيه العلامة محمد بن الهادي بن أبي الرجال، وتخرج عليه ووقف عنده بالهجرة، اليحيوية مدة، وعلق كل منهما بصاحبه لعلاقة الفقه حتى إنه أخبرني الفقيه محمد الخشب من ملازمي خدمة السيد - رحمه الله - أنه لما وصل السيد هجرة سناع تمنى الانقطاع إلى العلم والكون(1) في تلك الهجرة بشرط كون الفقيه محمد بن الهادي عنده - أعاد الله من بركتهم - وأمليت في حضرة إمامنا المتوكل على الله رب العالمين - حفظه الله تعالى - مسألة في الطمأنينة بعد تكبيرة الإحرام في سجود السهو، هل يثبت أو لا؟ فقال الإمام - أيده الله - هذه مسألة كان الفقهاء يختبرون فقه الرجل بها. قال: ولما وصل السيد العلامة أحمد بن هادي الديلمي إلى شهارة رصده الطلبة في هذه المسألة، ففعل ما هو الصواب، فعرفوا فقهه - رحمه الله تعالى - توفي أحد شهري ربيع في سنة اثنتين وأربعين وألف.
أحمد بن الهادي بن هارون [ - ]
__________
(1) في (ب): والسكون).

السيد الجليل شمس الدين أحمد بن الهادي بن هارون الهدوي - رحمه الله تعالى - كان سيداً سرياً ذكي القلب، ثابت الحصاة(1)، له فراسة صادقة، ينبغي أن يقال فيه: إنه(2) من المحدثين بهذه الأمة، وله في العربية مسكة حسنة وفي الفقه، واشتغل بأمور الإسلام العامة، فإنه كان من أهل الكمال والرئاسة والسد للثغور، ينوب في مقامات لا ينوب غيره فيها، ولو توفر على العلوم مع سعة ذكائه أنسى بالأوائل. وكان اشتغاله - مع الجهاد وعلو الهمة - بالتقوى. وكان جزل الطباع، مسدد الرأي، ليس فيه ولا في آرائه رعونة؛ لأنه كان ذكي القلب، واستفاد التجارب مع ترو(3)، من المأثور عنه في التروي: إذا شريت عنزاً سهرت ليلة، يريد أنه لا يقدم على الأمور جزافاً. وكان الإمام المؤيد بالله يرعى مقامه، ويعده لمهمّات كثيرة، وولي أمر صعدة شهوراً بالنيابة عن مولانا العلامة محمد بن الحسن بن أمير المؤمنين /215/ بأمر الإمام، ووجهه الإمام في غزوة نجران التي أذلت الملحدين، جعله نائباً عن مولانا عز الإسلام المذكور - حماه الله - ولكنه لم يكن بد من توجه المولى العزي بنفسه الكريمة؛ لأن النصاب من العسكر ما اجتمع عند تجهز السيد - رحمه الله - فاقتضى بطريق مولانا عز الإسلام النفوذ بنفسه، وولي السيد شمس الدين ذمار المحروسة عن أمر إمامنا المتوكل على الله. ولبث - رحمه الله - مدة عاملاً ببلاد خولان، سكن حيدان(4)، وحف به علماء لم يدخل في العمل إلا بهم، منهم القاضي محمد بن الهادي بن أبي الرجال - رحمه الله - الماضي ذكره قريباً، ولي القضاء، ومنهم القاضي العلامة الرايس المجتهد محمد بن علي بن جعفر - رحمه الله - ولي قبض بيوت الأموال، وكانت الأعمال علوية نبوية تزين بها التواريخ،
__________
(1) الحصاة: العقل والرأي. المرجع السابق ص (1172).
(2) في (ب): أنه.
(3) في (ب): تروي.
(4) حيدان: مدينة مشهورة بالغرب الجنوبي من صعدة، بمسافة 70كم (انظر معجم المقحفي ص: 201).

وذكر الإمام المؤيد بالله أنه لما ألح على السيد في هذا العمل واستدناه، رأى ليلة وصول السيد إلى حضرته قائلاً يقول له:
بشراك يا بن الطهر من هاشم ... بما جد دولته تحمد
بأحمد المنصور من هاشم ... بورك ممن(1) اسمه أحمد
وهما البيتان اللذان رآهما السيد الأمير سليمان بن محمد بن المطهر والد الإمام أحمد بن سليمان - رحمهم الله جميعاً - وكان هذا السيد الجليل لا يعرف أحد كنه ما عنده من العلم، لذكائه، فإذا(2) توسط في المسألة مع أي عالم فَهِمَ المقاصد والمتفرعات على البحث فيمليها آخذاً لها من كلام معارضه. وكان له في تعبير الرؤيا حظ سيما في أول أمره، وإلا فإنه أخبرني بآخره من الأمر أنه قلَّ ما عنده من المدد في ذلك، فمن عجيب تأويله الرؤيا أنه عرض(3) الفقيه محمد بن الهادي بن أبي الرجال رؤيا فقال له: هذا الرائي في بيته خشبة انكسرت فليفتقدها، فعزم الفقيه فوجد الخشبة انكسرت تلك الليلة، فأخبر السيد - رحمهما الله - بذلك. فقال السيد: وينبغي أن أصلح الخشبة أنا لأني الذي عبّرت الرؤيا. ومن عجيب ما اتفق وهو إلى وصفه بالفراسة أقرب أنه كان القاضي العلامة الحسن بن أحمد الحيمي - رحمه الله - وزيراً لمولانا سيف الإسلام عضد أمير المؤمنين أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين - حفظهما الله - وأبقاهما عند دخوله بالجنود إلى (وصاب)(4) وديار الشام، وكان مولانا صفي الدين يعوِّل على آراء القاضي، وحق له أن يعوِّل(5)، فإن هذا القاضي كان عذيقها المرجب وجذيلها المحكك(6)
__________
(1) في (ب): في من.
(2) في (ب): فإنه إذا توسط.
(3) في (ب): عرض عليه.
(4) في (ب): بوصان، قلت: ووصاب: جبل متسع بالغرب الجنوبي من صنعاء بمسافة 182كم، ويشمل ناحيتين: وصاب العالي، ووصاب السافل (انظر معجم المقحفي ص: 699).
(5) في (ب): يقول.
(6) قوله: كان عذيقها المرجب، وجذيلها المحلك، هو من كلام الحباب بن المنذور، قاله في سقيفة بني ساعدة، وهو بلفظ: أنا عذيقها... الخ، وصار مثلاً، والعذيق: تصغير العذق، والمرجب: المسند بالرجبة، وهي خشبة ذات شعبتين، وذلك إذا طالت الشجر وكثر حملها اتخذوا ذلك لضعفها عن كثرة حملها، والجذيل: تصغير الجذل، وهو عود ينصب للإبل الجرباء تحتك به، فتستشفي به، والمحلكة الذي كثر به الاحتكاك حتى صار أملس، والمعنى: فهو أني ذو رأي يستشفى به في الحوادث، لا سيما في مثل هذه الحادثة، وإني في ذلك كالعود الذي يشفي الجرباء، وكالنخلة بكثرة الحمل من توفر مواد الآراء عندي (هامش في مآثر الابرار 1/ 229 - 230).

، فرأى القاضي في النوم أنه والمولى صفي الدين تحت ثوب واحد، فأراد أن يعرض الرؤيا، فقال للسيد أحمد بن الهادي: يا مولانا رجل رأى أنه وآخر قال له السيد - رحمه الله -: اترك قصص الرؤيا وأنا أقصها وأعبَّرها لك، قال القاضي: هات تمم الرؤيا. قال: نعم، رأيت أنك أنت وسيدي أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين تحت ثوب واحد، قال القاضي: والله ما غادرت شيئاً /216/، وابتهر القاضي لذلك، فقال له السيد: لا تعجب هذه رؤيا قد رأيتها لنفسي أنا وسيدي زعيم المسلمين الحسن بن الإمام، وأوَّلها لي شيخي أحمد بن موسى سهيل(1)، وكان من الحسن مكانك لابنه(2). وله من هذا القبيل شيء واسع، ومن عجائبه أنه لما عمر داره التي في الضيعة خرج مولانا الحسن بن أمير المؤمنين - عليه السلام - لطيافتها فوجده قد جعل ساحة تحت الدار واسعة وهيّأ فيها مرابط الخيل، ولم يكن له إذ ذاك شيء، فتعجب المولى شرف الدين فقال له السيد: إن شاء الله ننتقم من الأتراك، ونملأ هذه خيلاً، فمن عجيب الاتفاق أن السيد دخل بعد قضية نجد محترب(3) بخيل عدد تلك الرباطات التي هيأها، ذكر لي هو - رحمه الله - ذلك. وكان له كرامات ودعوة مستجابة، وكان له في أعلا بيته بالضيعة غرفة، ذكر لي أنه إذا غفل عن بيته ظهر فيها سراج وتلاوة، ومثل هذا سيأتي في ترجمة القاضي محمد الجملولي - رحمه الله - وذكر لي أنه جاءه رجل له مقام عجيب في الاتصال بعالم الجن له نكت تشهد بهذا، فقال: إن بعض الجن توصَّى إلى السيد - رحمه الله - أنه إذا صرع أحد من المسلمين كتب له السيد - رحمه الله - ثلاث عشرة مرة، قل هو الله أحد، ثم يكتب اسمه أحمد بن الهادي بن هارون، وفعل ذلك السيد، وشفي به من شفي. كانت وفاته - رحمه الله - بصنعاء المحمية في (……)(4) ودفن بخزيمة - رضي الله عنه - وأمرني
__________
(1) في (ب): بهذا التأويل.
(2) في (ب): وكان مكاني من الحسن مكانك من ابنه.
(3) في (ب): مخيرب.
(4) فراغ في (أ) و (ب).

المولى السيد الكريم بن الكريم بن الكريم محمد بن المتوكل على الله بن المنصور بالله - سلام الله عليهم - أن أكتب شيئاً يكتب(1) على صخرة، فكتبت:
هذا الضريح الذي فوق الضراح سما ... وحاز من بعد أفلاك السماء سما
فيه الهمام ضياء المكرمات(2) ومن ... للذكر والغزو شق (الحندس) البهما
ما زال بالحرب والمحراب مشتغلاً ... إن قيل ماذا الذي تهواه قال هما
قد حالف الخط والخطي مدته ... ما زال ينشر فيها العلم والعلما
عليه أسنا سلام الله ما حمدت ... فيه الصفات وما مزن السحاب همى
__________
(1) في (ب): يرقم.
(2) في (ب): المبهمات.

وذكرت بعد هذا النظم شيئاً يسيراً من النثر، وكان بينه وبين مولانا العلامة محمد بن أمير المؤمنين(1) المذكور أنس لا يقاس به غيره، وكان خريجه تهذّب بكثير من طباعه؛ لأنه لما وجهه والده أمير المؤمنين إلى (البيضاء) بجنود وافرة إلى ناحية البيضاء أصحبه هذا السيد الجليل، وكان له بمنزلة الأب الذي يرأب، واتفق رأيهما، وتطابقت مقاصدهما، وحمد /217/ أثرهما، وممن صحب المولى العزي في هذا السفر القاضي العلامة الزاهد المحقق محمد بن علي بن صالح العنسي - أسعده الله -(2)، وتخرج عليه(3) أيضاً المولى العزي، فهو أستاذه في المعقول والمنقول، وهذا السيد الجليل من سلاطين الإسلام، ومن حسنات الأيام، لم أر أحرص منه على دينه، ولا أوقف منه عند الشبهة، ولا جرم أنها شنشنة من أخزم، وكان اقترانه بهذين الفاضلين أتم وأحزم، فهكذا القرناء الصالحون والله حسبنا وكفى. وتوالى موته - رحمه الله - وموت القاضي العلامة حواري أمير المؤمنين إبراهيم بن الحسن العيزري، وكان صديقاً للسيد والقاضي العلامة الحسن بن أحمد الحيمي - رضي الله عنهم - والسيد الأديب أحمد بن الحسن بن حميد الدين السابق ذكره، وكان هؤلاء أعيان الوقت، ولي بهم الجميع - رحمهم الله - الأنس الكبير والألفة، فاقتضت الحال كتابة هذه الأبيات، وذكر تواليهم - رحمهم الله تعالى -:
نوا(4) زال غابت عندهن الطوالع ... فهاهي سود أوجهاً والمطالعُ
وها كل مجد قد وهى منه طوده ... وغاض من الشرع الشريف مشارعُ
وكل فؤاد للغضى فيه منزل ... وكل المآقي للعقيق مواضعُ
ففي كل قلب نار حزن تذيبه ... فذا كل قلب في العيون مدامعُ
فكيف سلوي بعد فقد أحبتي ... وقد حال صخر دونهم ويرامعُ(5)
وصاروا بعيداً والمزار مشاهد ... نيام لهم بين التراب مضاجعُ
__________
(1) في (ب): - رضي الله عنه -.
(2) في (ب) زيادة: تعالى.
(3) في (ب): وتخرج أيضاً عليه المولى.
(4) في (ب): نوازل.
(5) يرامع: لم أجدها في القاموس.

أناجيهم والقلب قد عبثت به ... سيوف هموم كلهن قواطعُ
أأحبابنا هل تسمعون نداءنا ... أم استك منكم يا رفاق مسامعُ
أما كنتم من قبل ذا فصحاءنا ... ومفخرنا إذ تحتوينا المجامعُ
أما كنتم نور البلاد جميعها ... بدور كمال في البلاد سواطعُ
فما ذاك المجد(1) بعد ثباته ... أجيبوا فإني للمقالة سامعُ
عليكم سلام الله عندي جوابكم ... إذا حال من دون الجواب موانعُ
قضيتم وقد قضيتم كل مأرب ... وسارت لكم بين الأنام شوايعُ
فطوبى لكم طبتم على كل حالة ... مقالة صدق ما بها من ينازعُ
ونحن بلينا بالمصيبة بعدكم ... ننوح كما ناح الحمام السواجعُ
218/ولو أننا نقضي لكم بعض حقكم ... لما ذاق منا بارد الماء ناقعُ
ولا جال في مجرى سوى ذكر عهدكم ... ولا نام ليلاً في المضاجع هاجعُ
فأنتم لنا والله كنتم أحبة ... منابرنا تزهو بكم والجوامعُ
ولكننا نأوي إلى حصن ربنا ... فذلك حصن في الحوادث مانعُ
هو الصبر إن الصبر حصن ذوي الأسى ... يقاتل عن أصحابه ويمانعُ
وإن لم يك الصبر الجميل يطيعنا ... وذاب بنار تحتويها الأضالعُ
رجعت(2) إلى التفكير في كل أسوة ... فيأتي لنا صبر سوى الصبر طائعُ
ألم يك قد مات النبي وآله ... وعطل عنهم في المعالي المرابعُ
وما المال والأهلون إلا وديعة ... ولا بد يوماً أن ترد الودائعُ
وما المرء إلا كالشهاب وضوؤه ... يحور رماداً بعد إذ هو ساطعُ
فلي أسوة في واحد بعد واحد ... وثالثهم يتلوه في العد رابعُ
بها ليلُ بسامون في كل حالة ... سواء رخاء حركت أو زعازعُ
على كل حال هم جبال جهينة ... وهل حركت رضوى الخطوب الروائعُ
على أنهم في الخصب والجدب أبحر ... فمن أين تأتيهم(3) فنعم الشرائعُ(4)
فقل لابن هارون الذي هو أول ... تلاك رجال للزمان صنائعُ
وفَوالَك لَمَّا أَن رأوك سبقتهم ... إلى مورد منه النفوس كوارعُ
__________
(1) في (أ): فما ذاك المجد.
(2) في (ب): رجعنا.
(3) في (ب): تأتيها.
(4) في (ب): المشارع.

لأنك سباق إلى كل غاية ... وغيرك في مجرى الفضائل تابعُ
سبقتهم جرياً إلى الجنة التي ... جناها لمن يجنيه دانٍ ويانعُ
تلاك حواري الإمام أخو العلا ... وصارمنا السيف الذي هو قاطعُ
وقاضي قضاة المسلمين خطيبهم ... إذا خاض قاضيهم وخاض المصافعُ
زهود عن الدنيا الجميع بأسرها ... وليس له عنها إذا رام دافعُ
وثلثه الحيمي عالمنا الذي ... يناضل عن عليائنا وينازعُ
عليم حليم في الأمور مجرب ... محكك قد حكّته دهراً وقائعُ
أعان أمير المؤمنين بعزمه(1) ... بها في جنان الدهر منه مجامعُ
تجاوز براً بعد بحر ومجهلاً ... على مجهل فيها أمور روائعُ
إلى أرض سنار وجاوز أرضها ... إلى سجد والأمر و(2)الله فاجعُ
فصاول قوماً أهل مكر وسارعوا ... إلى خدعه والله عنه يدافعُ
/219/ وكم من أمور كان فيها مجلياً ... وبرهانه فيها لمن شك قاطعُ
وجدد وجدي والأسى يبعث الأسى ... نعي شريف منه سكت مسامعُ
وأرسل جفني (عندم) الدمع عن دمي ... يسلسله والطرف دام ودامعُ
شريف رضي مرتضى في خصاله ... بديع معان منه تنشا (3) البدائعُ
حكى فعله ماضي الجدود فأمره ... يشابه حسناً أمرهم ويضارعُ
سليل حميد الدين أحمد من له ... محامد إن عددتها ضاق واسعُ
عليهم جميعاً ألف ألف تحية ... تزورهم ما خرَّ لله راكعُ
واطلب من ذي العرش جبر قلوبنا ... فتلك خطوب للقلوب صوارعُ
واطلب منه اللطف في كل حالةٍ ... يلين به قاسٍ ويقرب شاسعُ
فإنا على تصميمنا في أمورنا ... وما ردنا(4) عنهن للرشد وازعُ
كأنا على أمر من الموت كلنا ... وما نبهتنا ذي الخطوب القوارعُ
فنحن كسرح إن ير الذئب مقبلاً ... يرعها وإن ولَّى فهن رواتعُ
على أننا قد ندعي في حلومنا ... دعاوي وهذا الفعل فيها ينازعُ
ولكن لنا في الله جل مطامع ... وليس بظني أن تخيب المطامعُ
__________
(1) يعني عزمه إلى أرض الحبشة.
(2) في (ب): تالله.
(3) في (أ): ينسى.
(4) في (ب): ومازدنا.

إلهيَ وفقنا لتقواك إنها ... لأربح شيء إذ تعد البضائعُ
وقدس بروضات الفراديس صحبنا ... تداني لهم فيها الثمار اليوانعُ
فقد قدموا ضيفاً يجودك سيدي ... وقبلهم طه المشفع شافعُ
وأحسن لنا منك الختام تفضلاً ... فأنت جواد ما لجودك مانعُ
أحمد بن يحيى بن يحيى(1) [ - ]
السيد الأمير الكبير ينبوع العلم شمس الدين أحمد بن يحيى بن يحيى بن الناصر بن الحسن بن الأمير العالم المعتضد بالله عبد الله بن الإمام المنتصر لدين الله محمد بن الإمام المختار لدين الله القاسم بن الإمام الناصر لدين الله أحمد بن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم ترجمان آل الرسول بن رسول الله - صلوات الله عليه وعليهم- كان هذا الأمير الخطير من أكابر العلماء فاضلاً، ترجم له ابن المظفر، وقال: كان عابداً، ورعاً، زاهداً، انتهى.
قلت: وهذا والد الأميرين الخطيرين شيبتي الحمد محمد ويحيى المعروفين بالأميرين بدر الدين وشمس الدين - رضوان الله عليهم -. وأُمُّ هذا الأمير وأم إخوته الحسين والمحسن ومحمد وعلي والحسن عربية من الجوف، وهي مريم بنت ناصر /220/ من بني عمران.
أحمد بن يحيى بن أحمد(2) [ - ]
الأمير الشريف شهاب الدين أحمد بن الأمير شمس الدين يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى - عليهم السلام - ترجم له ابن المظفر - رحمه الله - فقال الأمير الفاضل العالم ترجمان الدين أحمد بن(3) المهدي بن شمس الدين، قال: ومحله من الفضل معروف، وترجم له غيره، فأثنى عليه كثيراً.
قلت: وهذا والد الأمير المؤيد - أعاد الله من بركتهم -.
أحمد بن يحيى بن حمزة(4) [ - 748ه]
__________
(3) في (ب): أحمد المهدي.
(4) صلة الإخوان، طبقات الزيدية الصغرى.

السيد العلامة الأسعد شمس الدين أحمد بن أمير المؤمنين يحيى بن حمزة بن رسول الله - سلام الله عليهم - ترجم له السيد العلامة يحيى بن المهدي في كتابه (صلة الإخوان)، فقال: كان عالماً فاضلاً زاهداً عابداً متواضعاً متحنناً على المسلمين، خادماً للدرسة والمساكين بنفسه، زاهداً في اللباس وركوب الخيل، انتهى كلامه.
وترجم له السيد فخر الإسلام عبد الله بن الهادي بن الإمام يحيى - عليه السلام - فقال - ما لفظه - كان عالماً صالحاً فاضلاً زاهداً، اشتغل بالعلم وطلبه، وأخذ عن والده، وكانت فيه نصاصة نبوية وبهجة مؤيدية(1)، وجمال فائق، وكمال رائق، وكان أحب أولاده إليه(2)، ولم يزل في أخذ العلم وإعطائه، ملازماً لوالده، مشتغلاً بالقراءة عليه حتَّى توفي [في] عنفوان الشباب وبلوغ الكمال، ولما توفي - رضي الله عنه - في حياة والده وجد عليه موجدة شديدة حتَّى روي عنه - عليه السلام - أنه دخل عليه بعد موته وهو مسجى بثوب، فكشف عن وجهه وأخذ يُقَبِّلُه وهو يقول: والله يا أحمد ما أرضى عليك ثواباً إلا الجنة، ثُمَّ صلى - عليه رحمة الله ورضوانه عليه - وكانت وفاته بهرّان(3) عند الزوال من يوم السبت يوم ثاني شهر ربيع الآخر سنة ثماني وأربعين وسبعمائة رحمة الله ورضوانه عليه (……)(4).
أحمد بن يحيى بن صلاح(5)[ - 933ه]
__________
(1) في (أ): نبوية.
(2) في (ب): وكان أحب أولاده يعني الإمام إليه.
(3) هران: جبل بركاني شمال مدينة ذمار (معجم المقحفي ص: 677).
(4) فراغ في (أ).
(5) الفضائل (تأريخ بني الوزير - خ ـ).

السيد النجيب الأروع شمس الدين أحمد بن يحيى بن صلاح بن محمد بن أبي الفضائل - عليهم السلام - ترجم له السيد العلامة الهادي بن إبراهيم بن محمد بن الوزير، وهو حين كتابة الترجمة حي، فقال بعد أن ذكر السيد صارم الدين إبراهيم بن يحيى بالنجابة، وذكر أنه رُبِّىَ في حجر المملكة، ونشأ بها، وهو في حكم الملوك، وله نزاهة وشرافة في النفس، ونفس تواقة تتعلق بالعلوم والقراءة والمطالعة والكتب لا يلوي على غير ذلك، ثم قال في صنوه أحمد صاحب الترجمة هذه، وله مثل أخيه في الجلالة والمنزلة الرفيعة والحالة، واشتغل بالعلم وطلبه في أوائل صباه، ومال إليه كل الميل، وأقبل كل الإقبال، وله همة وقَّادة(1)، وقريحة منقادة، واستنفاد(2)، وهو الآن في زمان الطلب، وبر والده وكفاه وهو رجل لبيب أديب مدبر، محكم لا يفوته شيء من أعمال الدين ولا من أعمال الدنيا(3) على صغر سنه غاية الأحكام، وله أخلاق حسنة وطرق في المحاملة(4) والمخالقة والمقابلة، انتهى.
__________
(1) في (ب): وله فطنة وقادة.
(2) في (ب): واسناد.
(3) في (ب): ولا من أعمال الدنيا له على صغر.
(4) في (ب): المجاملة.

قال السيد شمس(1) الدين أحمد بن عبد الله(2) الوزير - رحمه الله -: ذكر سيدي الهادي - رحمه الله - سيدي أحمد بن يحيى - رحمه الله تعالى - وهو في سن الصغر، ولم يختلف حاله عما ذكر سيدي الهادي /117/ حتى توفي والده - رحمه الله - وملك عامر البلاد، فأنزله اليمن، وكان يسكن بأولاده (رداع)(3)، ويلازم عامراً في أسفاره وفي حضره في غالب الأحوال على سبيل الرهائن، وإن كان يظهر لهم خلاف ذلك فإنه كان يجلهم ويكرمهم ويفعل إليهم من المعروف ما لا مزيد عليه، وكان قد قاسى شدائد هائلة لما طلع الأتراك إلى رداع وأهله بها، وسلمه الله، وسلم أولاده، وانتقل إلى صنعاء في أيام تلك الفتن والزلازل موفور العرض والمال بحمد الله تعالى، وحفظ خزانة الإمام الناصر صلاح بن علي وأرجعها إلى صنعاء على مشقة عظيمة، ولم تزل تحت يده حتى توفي في صنعاء بطاعون سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة - رحمه الله - وقبره بقرب المحاريق، انتهى.
أحمد بن يحيى اليحيوي(4) الرغافي [ - ]
__________
(1) في (ب): شمس الإسلام.
(2) في (ب): بن الوزير.
(3) رداع: مدينة كبيرة شرقي ذمار بمسافة 35كم، وتعرف برداع العرش (معجم المقحفي ص: 265).
(4) الدرة المضيئة.

السيد العارف صاحب المكارم شمس الدين أحمد بن يحيى اليحيوي الرغافي - رحمه الله - كان - رحمه الله - من شيوخ العلم، إماماً في الفقه مدرساً، له جماعة من الطلبة، يتعلقون به من أعيان الوقت، كانوا عنده (بهجرة رغافة)، وكان كريماً طاهر القلب واسع الأخلاق وكثير(1) الشفقة على المسلمين قليل الشكوك في الطهارات الظاهرة، وإنما يتحرز ويتورع في المأكل وحل الأموال، وكان عفيفاً حسن الظن بكل أحد - رحمه الله تعالى - وهو جد السيد العلامة النحرير الحسن بن أحمد الجلال، - عافاه الله - من قبل أمه الشريفة الطاهرة العابدة - أعاد الله من بركتهم أجمعين- واشتهر ظهور النور من قبره - رحمه الله - وقيلت في ذلك الأشعار الفائقة.
أحمد بن يحيى بن أسعد الصعدي [ - 646ه]
الفقيه الشهيد الرائس العلامة أحمد بن يحيى بن أسعد بن يحيى بن الحسين بن حليفة(2) الصعدي قرين الكتب والكتائب، خدين المناقب والمقانب - أعاد الله من بركته - من جملة(3) العلماء وكبار الفضلاء عالماً عاملاً، وكان خاصة أمير المؤمنين الشهيد أحمد بن الحسين - عليهما السلام - ولأجله أظهر الله كرامته لعبده وابن بنته الإمام أحمد بن الحسين - عليه السلام - وذلك أن أسد الدين محمد بن الحسن التركماني خرج من (براش) يريد اليمن يستنصر بالملك المظفر، فأمر الإمام من أعيان دولته الأمير الكبير المقدم أسد الدين محمد بن سليمان بن موسى يحفظ حصن وادي (الزيلة) بأعلى وادي يكلا (4) ، وأمر هذا العلامة أحمد بن يحيى بعسكر كثيف إلى محل آخر وهو الناظر من قبل الإمام في أعمال البلاد السنحانية.
__________
(1) في (ب): كثير الشفقة.
(2) لعله: خليفة.
(3) في (ب): من جلة.
(4) يكلا: مدينة خربة أعلا عزلة الكميم بالحدا، وتعرف خرائبها اليوم بالنخلة الحمراء، رواديها يسمى الزيلة (معجم المقحفي ص: 716).

قال السيد يحيى بن القاسم: وكان حسن السيرة، شديد العزيمة على أعداء الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، فحط في موضع يسمى (سيّان)(1) من بلاد سنحان، واجتمع عنده شيوخهم مظهرين النصيحة ومبطنين للنفاق، ولم يزل الإمام يكتب إليه بكتب التحذير من غدرهم، فحسن الفقيه بهم الظن، فلما وفر لهم أسد الدين التركماني الجعل طلبوا من الفقيه - رحمه الله - أن يبرز لهم لمشورة ابن عمهم، فخرج إلى سفح جبل شامي قرية سيّان /222/ قبره معروف هنالك، غير بعيد من القوم، فلما برزوا للمشورة وثب عليه جماعة من شيوخهم الضلال والفقيه في خلال ذلك يكبر، ويذكر الله تعالى، وكان ذلك بكرة الخميس لست ليال خلون من شهر جمادى الآخرة(2) سنة ست وأربعين وستمائة، والكرامة التي لمحنا إليها هي انهدام الصخرة التي كان الفقيه يعقد فيها العقود لربه - عزَّ وجلَّ - ولأمير المؤمنين، وصفة القصة ما ذكره السيد يحيى بن القاسم، وصفة(3) القصة في ذلك: أنه كان في بعض الليالي وسمعنا هدة عظيمة في الليل ونحن في محطة العمري، فمن الناس من ظنها رجفة إذ لم يكن ذلك الوقت فيه مطر ولا شيء مما يدل على ذلك، فلما كان من الغد تحدث الناس بأن الصخرة المعروفة وهي الصخرة التي كان حي الفقيه شمس الدين أحمد بن يحيى الزيدي ثم الصعدي يجمع سنحان عندها لكونها ذات كهوف وظلال وراحة في أيام الصيف، وقد أخبرني غير واحد ممن أثق به أنه كان إذا جمعهم أكد عليهم الأيمان والمواثيق لأمير المؤمنين، فلما كانت تلك الأيام بعد قتله بمدة وهي دون الشهر لا أحفظ عدد أيامها تحدث الناس بذلك وأكثروا، فسار أمير المؤمنين في تلك الأيام لينظر إلى هذه العجيبة، وسار معه خلق كثير من الناس، قال السيد شرف الدين - رضي الله
__________
(1) سيان بفتح السين المهملة وتشديد الياء المثناة من تحت قرية عامرة جنوبي صنعاء من بلد ذي جُرْت سنحان بالقرب من مقولة (معجم المقحفي ص: 336).
(2) في (ب): الأخرى.
(3) في (ب): ولفظه.

عنه - وكان بينها وبين المحطة مقدار ميل أو يزيد عليه، والله أعلم. فلما وصلنا إليها رأينا عجيبة لا يبلغها الواصف، وهو أن هذه الحجرة تفلقت شعوباً كأنما هي حجر النورة إذا رشت بالماء، ولعل مساحة هذه الحجر مائة ذراع، والله أعلم.
قال السيد شرف الدين - رضي الله عنه -: سألت أمير المؤمنين ما الذي يروى عنه في ذلك، فقال: إني لا أتحقق إلا أن رجلاً من العسكر عند أن أشرفنا على وادي العمري وقابلنا تلك الحجر التي كان الفقيه أحمد بن يحيى يجمع إليها سنحان ويحلفهم تحتها، فقلت له كلاماً فيه معنى الدعاء، وقد أنسيته، ثم روى الناس عن الإمام - عليه السلام - أنه دعا على الحجر وعلى سنحان، فكان ما كان من أمر الله.
قلت: وقد ذكرها علماء ذلك العصر، من ذلك قول العلامة اللسان ركن الدين مسعود بن عمرو العنسي:
ألم تبصر التنين فارق سقمه ... على طول عهد منهما متقدمِ
دعوت فصارت في مفاصل جسمه ... حياة الذي أفنى قبائل جرهمِ
وهضبة سنحان التي قد دعوتها ... فجاءت وكانت منتمى كل أعصمِ
وأعمى كساه النور رب دعوته ... وقد كان في جنح من الليل مظلمِ
وأرضاً وطئت الترب منها فأعشبت ... وغيثاً دنا لما دعوت ألا أقدمِ
وهذه قضايا لمح إليها القاضي - رحمه الله - من قصيدة طويلة، وذكر ذلك السيد الإمام /223/ يحيى بن القاسم الحمزي من قصيدة فقال - رضي الله عنه -:
أوما إلى هضب الكميم بكفه ... فتبددت أحجاره تبديداً
وقال العلامة عيسى التهامي - رحمه الله - الآتي ذكره: وأومأ إلى فضائل أيضاً منها قصة الملك عمر بن علي بن رسول، وأرسل هذه الأبيات مع ابن صغير له طال سقمه(1):
ألمي لا يطاق مالي سوى اللـ ... ـه إذا ما دعوته يشفيني
فادع لي الله دعوة تبلغ العر ... ش سريعاً كدعوة التنينِ
كم سقيم ومقعد عاد هذا ... ذا شفاء وذا كبعض الغصونِ
وعدو لما دعوت عليه ... قصدته الأحباب بالسكينِ
__________
(1) زيادة في (ب): فقال.

وإلى الآن قرب يكلي بسنحا ... ن على مهيع بها مستبينِ
جبل بايعوا عليه وخانوا ... فتداعى وانقض رأي العيونِ
ولعلنا نذكر شيئاً بالعرض من هذه الفضائل لهذا الإمام - عادت بركاته- (1).
أحمد بن يحيى الذماري(2) [ - ]
الفقيه العالم الفاضل شمس الدين أحمد بن يحيى الذماري - رحمه الله - كان فاضلاً، ذكره بعض العلماء بالتبع لطريقة لطيفة، وذلك أن السيد العلامة إبراهيم بن علي بن المرتضى تقدم من شظب إلى ذمار قاصداً للإمام الناصر - عليه السلام - فلما وصلوا الصرارة(3) أو حصن ثلا فقال السيد صارم الدين - رحمه الله -:
كأنه طائر هيا قوادمه ... لأن يطير ولما ينشر الريشا
قال الفقيه شمس الدين المذكور، فرويت ذلك لصنوه السيد شمس الدين أحمد بن علي بن المرتضى، فاستجاده، وقال: ينبغي أن يكون قبله:
أما رأيت ثلا في نصب قامته ... يبدي لنا عن حضيض الأرض تكميشاً
انتهى، وقد أثنى بعض السادة الكبار على الفقيه المذكور - رحمه الله تعالى -.
أحمد بن يحيى بن أبي النجم(4) [ - ]
القاضي العلامة أحمد بن يحيى بن أبي النجم - رحمه الله تعالى - ذكره بعض القضاة آل أبي النجم، وأثنى عليه، وذكر نسبهم - رحمهم الله - في ترجمة القاضي المذكور، فقال: هو القاضي عماد الدين عمدة القضاة الأمجدين أحمد بن يحيى بن محمد بن حسن بن أحمد بن محمد بن علي بن سليم(5) بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حمزة بن إبراهيم بن حمزة بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن حمزة بن علي بن إسحاق بن أبي النجم، وأبو النجم يمني يعربي من ولد الملك وليعة، وابن(6) الملك مرثد ابن الملك عبد كلال، وهو ملك مؤمن صالح بن التبع عمرو بن تبع بن حسان بن أسعد، وأنشد ذلك الفاضل:
ثلاثة يشرق أنوارها ... لا بدلت من مشرق مغرباً
__________
(1) في (ب): بركته.
(3) الصرارة: قرية في جبال عيال يزيد غرب عمران (معجم المقحفي ص: 378).
(5) في (ب): سليمان.
(6) في (ب): ابن.

/220/ آل أبي النجم لقد طبتم ... أصلاً وفرعاً وثناً أطيبا
لكم شهود بالذي حزتم ... بيض الأيادي ثم بيض الطبا(1)
مزقتم المال لشيد العلا ... حتى غدا شتى كأيدي سبا
وغيركم يجمعه جاهداً ... فحاز في الدارين منه شبا(2)
وليدكم يزهو به منبر ... يثغر للعلياء قبل الصبا
فخلد الله مساعيكم ... في المجد ما هبت نسيم الصبا
أحمد بن يحيى بن حنش(3) [ - 737ه]
الفقيه العالم المحقق أحمد بن يحيى بن حنش، صنو الفقيه العلامة المذاكر المجتهد مؤلف (التمهيد)(4) و(القاطعة)(5) محمد بن يحيى بن أحمد بن حنش، وسيأتي ذكره وذكر والدهما إن شاء الله، يحيى بن أحمد صاحب كتاب (أسرار الفكر)، ولأحمد هذا عقب، وكان عالماً كبيراً يقال إنه تغيب (اللمع)، وتوفي في الرابع عشر من محرم سنة سبع وثلاثين وسبع مائة، وقبر إلى جنب والده يحيى بن أحمد رحمهما الله.
__________
(1) الطبا: لعلها الظُبَا: حدُّ سيف أو سنان ونحوه. (المرجوع السابق ص 1202).
(2) شبا: جوانب أسَلَة النعل. (المرجع السابق ص 1193).
(4) ويسمى: التمهيد والتيسير لفوائد التحرير (مجلدات) شرح فيه كتاب التقرير للأمير الحسين بن بدر الدين، وهو شرح كتاب التحرير للإمام أبي طالب الهاروني - منه نسخة خطية خطت سنة 800ه أمبروزيانا (83).
(5) ويسمى القاطعة في الرد على الباطنية (مجلدان) ولم أجد له نسخة خطية.

أحمد بن يحيى بن سالم الذويد(1) [ - 1020ه]
__________
(1) الأعلام 1/271، ومنه تحفة الإخوان للقاضي الجرافي 32 - 37، 55، شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز 1310ه - 1312ه بلوغ المرام، المقتطف، تأريخ الواسعي، الموسوعة اليمنية 1/65، أئمة اليمن في القرن الرابع عشر لزبارة، المستطاب (خ)، الجامع الوجيز (خ)، مصادر الفكر العربي والإسلامي في اليمن 373، مصادر الحبشي، مصادر العمري، مصادر التراث الإسلامي في المكتبات الخاصة في اليمن، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم 197. طبقات الزيدية الكبرى ترجمة رقم 116.

الفقيه المحدث إمام المعقولات أحمد بن يحيى بن سالم (بن موسى)(1) الذويد بن علي بن محمد(2) الصعدي - رحمه الله - كان عالماً غريب الصفات، قليل النظير في وقته، جمع أنواعاً من العلم، أما الشرعيات فإمامها على الإطلاق، وله (شرح على تلخيص) المفتاح تأليف القزويني، بسط فيه، وفي كل علم له قدم راسخة، ولقد بلغ في الطب(3)، كما قيل مبالغ ابن زهر، وعلم الرمل ولواحقه والزيجات، وحل السحر، وقرأ التوراة، وكان آية من آيات الله مع مكارم أخلاق، يفصح النسيم العبور لطفاً ويخجل شميم العبير عرفاً، روي أنه قدم صعده من صنعاء المحروسة ضحوة نهار، ولم يصل إلى منزله إلا وقد آن وقت العصر يقف مع كل من لقيه، ويوفيه حقه، وكان من أهل الثروة والمالية الواسعة، ولكنه كلف بالكتب وتحصيلها، وكان بعض إخوته كلفاً بالتجارةووالدهم إذ ذاك حي، فاجتمع للفقيه شمس الدين خزانة ملوكية من غرائب الكتب، وكانت قد تفرقت في الخزائن بعد موته؛ لأنه - رحمه الله - وقفها، ثُمَّ اجتمع منها بواسطة الفقيه الأديب اللبيب أحمد بن عبده الطحم الجافي جمهور بعد المائة(4)، في ذهني أنه أخبرني أن الكتب أربعمائة وخمسون مجلداً، ولعله أخبرني عن الموجود في أيدي الناس لا عما جمعه، وكان الفقيه العلامة سيبويه زمانه أحمد بن علي دياس المعروف يعارضه منقطعاً إليه يكتب له الكتب ويحشيها، وكان هذا المعروف بديَّاس آية من آيات الله في علم العربية لا يلحق، ولقد رأيت له تحشية على (الموشح) وافية من كتب لا يعرفها أهل اليمن، ومن الدائر على الألسنة أنه حفظ (الكشاف) غيباً، ولكنه غير ستير الحال، ولا يسلك(5) مسالك العلم، ألقى نفسه /225/ ببير الدرب بصعده، وأما
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (ب): أحمد بن يحيى بن سالم الذويد بن علي بن محمد بن موسى الصعدي.
(3) في طبقات الزيدية الكبرى: الطب، كما أثبته، وفي النسختين: الطلب.
(4) في (ب): يعدُّ بالمائة.
(5) في (ب): بسالك مسالك العلم.

هذا الفقيه شمس الدين فكان من أهل الاستقامة، وسمع الست الأمهات واستجاز منه، وقرأ عليه شيخ الشيوخ السيد العلامة محمد بن عز الدين المفتي - رحمه الله - وكان له تلامذة، ولما مات فر منهم هائماً على وجهه من فر بعد أن رثاه بقصيدة لم تحضرني عند الرقم، وكان من تلامذته الفقيه مهدي الشعيبي، ورثاه بأبيات أيضاً، ومن المراثي المقولة فيه من تلامذته:
سل المجد هل أضحى مقيماً بصعده ... وهل ضربت بالسوح فيها(1) مضاربه
ومن عجيب أمر أحمد بن يحيى بن سالم - رحمه الله - أنه كان يعرف الأكسير، طلع إلى براش بقرب الغيلي، وهو شرقي الغيلي جبل أسود، ومعه القاضي العلامة حاكم المسلمين يحيى(2) بن أحمد بن حابس، فقال له: في هذا المحل قدر ذراع(3) مقدرة الأكسير الذي يخلص به الأمر، فحاوله أن يعرفه فلم يفعل، وتجاوزا إلى محل آخر، وعرفه بذلك، وفاته - رحمه الله - في يوم الاثنين خامس عشر من جمادى الأولى سنة عشرين بعد الألف، ودفن في قبة قبلي القرضين(4) من جهة الغرب - رحمه الله تعالى -.
أحمد بن يحيى الضيائي الأهنومي(5) [ - ]
__________
(1) في (ب): منها.
(2) لعل الصواب: أحمد بن يحيى بن أحمد.
(3) في (أ): قدر أذرع.
(4) لعله: الفرضتين.
(5) المستطاب - خ - 2/92، أعلام المؤلفين الزيدية، وفهرست مؤلفاتهم ترجمة رقم (201)، وهو فيه باسم أحمد بن يحيى الضبياني الحاتمي، طبقات الزيدية الكبرى ترجمة رقم 119.

العلامة المتكلم لسان التوحيد أحمد بن يحيى الضيائي الأهنومي، ثم الظليمي، إمام المتكلمين وشيخ شيوخهم، قرأ عليه المحققون، وكان مترجماً عن الحق صادعاً به، وله مقامات في ذلك، ومن شيوخه سراج العطار، منها قيامه في المسجد الجامع بحضرة الإمام شرف الدين، وقد خطب بعض الخطباء معلناً بنسبة الأفعال إلى الله، فقام في الحال وضرب بثوبه، ومنها قضيته ببلاد ذي جبلة حكاها لنا شيخنا أحمد بن يحيى حابس، قال: حكاها له الإمام القاسم - عليه السلام - ليلة عيد بحبور، وصفتها أن الضيائي خرج إلى بادية صنعاء، ثم تشوقت نفسه إلى التجاوز إلى ذمار، فلما وصل(1) إلى ذمار حربه الشوق، فما زال حتى وصل إلى ذي عقيب من أعمال ذي جبلة، فدخل المسجد، ولما آن تغليقه أمر السادن أن يخرج كل أحد فدخل الضيائي بين الحصير، فلم يشعر به السادن، فاستقر ساعة، فدخل شيخ معه شابّان(2)، فقرأوا في علم الكلام، وكلما مروا بمسألة بين العدلية والأشعرية قال الولدان لشيخهما: فما قالت المعتزلة بعد هذا؟ قال: لا أدري، فقالا: ليت إنا نجد رجلاً منهم ليعرف هل يقر لهم حجة، فلما كثر هذا قام الضيائي وقال: أنا معتزلي يريد أنه عدلي؛ لأن مقالة المعتزلة موافقة للعدل، فأعادوا المعشر، وكان الضيائي يحفظ (الخلاصة) و(الغياصة)(3) غيباً، فرد الحجج وجاء بالمطالبات، فتعلق به الولدان، وقالا: الحق معك لا يجوز لك أن تتركنا، فمنع، وكان يتندم على عدم المساعدة، وكان بحراً من بحار العلم. وله نكتة ظريفة، أخبر بها القاضي العلامة الهادي بن عبد الله بن أبي الرجال - رحمه الله - قال(4) لما زار قبر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - دعا عند الشباك بدعاء، فهم بعض الجهال أنه محب لآل محمد، فقال: هذا الزيدي، وصاح به، /226/ وآذاه، فضربه القاضي، فاجتمع الناس، وقالوا: ما هذا؟
__________
(1) في (ب): فلما وصل ذمار.
(2) زيادة في (ب): معهم شمعة.
(3) في (ب): أو الغياصة.
(4) زيادة في (ب): إنه.

قال القاضي: هذا رجل يسبني ويقول يا زيدي(1)، فقال الرجل: هو والله زيدي، فقالوا له: يا قليل الخير، تسبه عند رسول الله، وقالوا للقاضي: اضربه، فكان يضربه، ويقول عند أذنه أنا والله زيدي. وله نكتة حسنة مع الإمام مجد الدين بن الحسن، وقبره - رحمه الله - بصنعاء، ويقال: إن الذي سماه الضيائي الإمام شرف الدين.
أحمد بن يحيى حابس(2) [ - 1061ه]
__________
(1) في (ب): ويقول أنا زيدي.
(2) الجوهرة المنيرة (سيرة المؤيد - خ ـ)، سيرة المتوكل على الله إسماعيل - خ - بغية المريد - خ - المستدرك على معجم المؤلفين ص 112، ومنه المورد مجلد (3) العدد (1) ص 228، سيرة القاسم بن محمد النبذة المشيرة (خ)، البدر الطالع 1/127، مصادر العمري 266، هداية العارفين 1/159، الأعلام 1/257، معجم المؤلفين 2/202، طبقات الزيدية القسم الثالث، المستطاب - خ - مصادر الحبشي 219، 162، 385، الجواهر المضيئة - خ - ص 22، تاريخ اليمن طبق الحلوى 128، مؤلفات الزيدية انظر الفهرس، مصادر التراث الإسلامي في المكتبات الخاصة (باليمن). وانظر أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم 193.

القاضي العلامة حافظ علوم الزيدية شمس الدين أحمد بن يحيى(1) حابس - رحمه الله - عالم كبير، وإمام شهير، تولى القضاء بصعدة المحروسة بعد موت أبيه يحيى بن أحمد، وولي الخطابة بجامع الهادي - عليه السلام - والإمامة، ونشر العلوم، ويسَّر للطالبين مظنونها والمعلوم، وكان في صغره سريع البادرة يلتهب ذكاءً، ولم يكن له في صغره همة تتعلق بغير العبادة والعلم، حتَّى إني سمعته - رضي الله عنه - يقول: ما كنت أظن أني أخالط أحداً، ولا أخوض في مجال دنيوي، بل قد كان راض نفسه على(2) العزلة وآوي(3) إلى كهف بجهة قراض، وما صاقبها، وشرح (تكملة الأحكام)(4) المعروف بالفائدة، وعمره ثماني عشرة سنة، وهو الذي ينقل عنه شيخ الشيوخ السيد محمد المفتي، ويسميه الشارح المحقق، وشرح (الشافية)(5) في التصريف بشرح لم يتمه؛ لأنه رأى (المناهل) للشيخ لطف الله، فوافق مراده وفي شرحه فوائد، رأيت منه شيئاً مفيداً.
__________
(1) في (ب): بن حابس.
(2) في (أ): عن العزلة.
(3) لعلها: وأوى.
(4) ويسمى: شفاء الأسقام في توضيح التكملة للأحكام مخطوط منه نسخة بخط المؤلف كتبها سنة 1019ه بمكتبة السيد محمد بن عبدالملك المروني، وثانية وثالثة في المكتبة الغربية جامعة صنعاء برقم (52) تصوف ورقم (26) بلاغة ونسخة كثيرة، انظر: كتابنا أعلام المؤلفين الزيدية ص: 200 - 201.
(5) لم أجد له نسخة خطية.

وكان إماماً في العربية، ولما بلغ الأمير رحب مكانته في العلم سيما التصريف، توسل إليه بالوسائل ليجتمع به، فازداد بعداً - أعاد الله من بركته - وقرأ في الشام قراءة نافعة، ثُمَّ رحل إلى الإمام القاسم بن محمد - عليه السلام - وتلقى منه فوائد غريبة. مما سمعه من فِيْهِ - أعاد الله من بركته - أنه كان له في حبور مكان بالقرب من مكان الإمام القاسم، فخرج الإمام ليلة العيد للسمرة، فوافق القاضي في مكانه، فأخذ معه في المذاكرة، فأحب الإمام الإلقاء عليه، فأملى له عدة فوائد، من جملتها جواب الإمام - عليه السلام - على العلامة ابن الصلاح الشافعي في الجزم بتعديل الصحابة جميعاً، وهو الذي نقله القاضي شمس الدين في شرحه على (الكافل)(1) واشتغل الإمام عن السمرة بإملاء تلك الفوائد، لكنه استحضر الأعيان إلى مكان القاضي - رحمه الله - ودار - رحمه الله - في جهة الأهنوم هو والسيد العلامة شمس الإسلام أحمد بن محمد بن لقمان الماضي ذكره، والسيد ناصر صبح(2) الغرباني، فكانوا مجتمعين، وكل واحد يقري الآخرين في فن، وشرح الكافل الذي ذكرناه شرح مفيد مبسوط، ولم يكن قبل
__________
(1) ويسمى الأنوار الهادية لذوي العقول إلى نيل الكافل بنيل السؤل، خطي، منه نسخة خطت سنة 1091ه برقم (1467ه)، وثانية خطت سنة 1080ه، برقم (1466)، وثالثة برقم (1512ه) مكتبة الأوقاص بالجامع الكبير بصنعاء، وف يالمكتبة الغربية بنفس الجامع نسختان منه برقم (22 ، 23) أصول ثقة ومنه نسخة خطت 1340ه في مكتبة السيد محمد بن يحيى بن عباس، وأخرى في مكتبة العبيكان برقم (78)، وأخرى مصورة من نسخة خطت سنة 1341ه بمكتبة القاضي عبدالله بن أحمد الرقيحي في مركزية، وهناك نسخ خطية كثيرة من مكتبة آل الهاشمي، والسيد محمد بن عبدالعظيم الهادي، والعلامة حسن بن يحيى سهيل، والعلامة عبدالرحمن شايم كل ذلك بصعدة، وانظر كتابنا مصادر التراث الإسلامي في المكتبات الخاصة باليمن.
(2) في (أ): صبيح.

سنة ثماني وأربعين، خرج إلى صنعاء، فيسر الله لي إخراجه من صعدة فاشتهر بصنعاء، واطلع عليه سيدنا العلامة صارم الدين إبراهيم بن يحيى السحولي، ودرس فيه ولده العلامة محمد بن إبراهيم، وقال لي القاضي صارم الدين: يا ولدي كنت جاهلاً لمقام القاضي شمس الدين، ولقد عرفت فضله، فأنا في كل يوم أبتهل إلى الله أن يمتع المسلمين بوجوده - رحمهم الله أجمعين - وللقاضي (التكميل)(1) /227/ كتاب جامع حافل في الفقه، كمل شرح ابن مفتاح بحواصل وضوابط وتقريرات على مشيخته الأجلاء القاضي سعيد الهبل وغيره، وكان يستحضر بعض الأيام جماعة من الفقهاء كالفقيه علي القصار - رحمه الله - والفقيه علي الخيواني، فكان هذا الكتاب مغنياً عما سواه لمن أراد الوقوف على نهوض(2) المفرعين - رضي الله عنهم - وله كتاب (المقصد الحسن والمسلك الواضح السنن)(3) وكتاب (سلوة الخاطر)(4) لا يستغني عنه فقيه سيما من علقت
__________
(1) التكميل على شرح ابن مفتاح (تكملة شرح الأزهار) منه نسخة خطية في مكتبة جامع شهارة، خطت سنة 1064ه في مجلدين، ومثلها في مكتبة الأوقاف برقم (1093) و(1092)، وفي المتحف البريطاني نسختان، انظر مصادر العربي، ونسخة في مكتبة جامع المدان الجزء الأول إلى كتاب الطلاق.
(2) كذا في (أ) وفي (ب). والظن أنها: نصوص.
(3) المقصد الحسن والمسلك الواضح السنن (من أجل وأهم مؤلفاته) منه نسخة خطية بمكتبة السيد محمد بن محمد الكبسي، وسبع نسخ بمكتبة الأوقاف من رقم (1034) على الرقم (1037) وبرقم (1039) إلى الرقم (1041)، وسبع في الغربية من رقم (222) إلى الرقم (225) فقه، وأيضاً برقم (98) فقه، وفي مجموعة 82، ومنه نسخة أخرى امبروزيانا 99، أخرى بمكتبة العلامة محمد بن علي بن لطف الشامي، مركز بدر، أخرى ضمن مكتبة آل الهاشمي بصعدة، خطت سنة 1083ه، مصورة بمكتبة السيد العلامة يحيى راوية - رحمه الله - أخرى خطت 1364ه بمكتبة جامع المداني.
(4) لم أجد له نسخة خطية.

به أمراس القضاء، وولاية الأحكام، جمع فيه غرائب، وابتدأه بطبقات، وختمه بسيرة لآل محمد - عليهم السلام - الدعاة، وأدخل فيه شطراً من المساحة وما يحتاج إليه المتدين من معرفة الطالع والغارب، وقد عَلِقَ به الفضلاء وصار متناقلاً - أعاد الله من بركته - وكان تأليفه ونحن بصعده، وربما أمرني بكتابة شيء يمليه علي وأنا إذ ذاك صغير السن، وكان يضرب به أعاد الله من بركته المثل في سعة الصدر والاحتمال والإغضاء، وله شرح على الثلاثين المسألة(1)، جمع فيه فأوعى، وتخرج عليه خلائق، وكان باخرة لا يتوسع للمناظرة، ولا في الإملاء، بعد أن كان الغاية في ذلك، ولعله جنح إلى ذلك حفظاً للنفس من الوقوع في أخطار لا ينجو منها إلا من أخذ الله بيده، توفي - رحمه الله - قبيل الفجر يوم الاثنين رابع عشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وألف، ودفن عند قبور سلفه الأخيار، وكان يقول لتلامذته: إذا زاروا المشاهد هذا قبر فلان الحاكم، وهذا قبر فلان من آبائه، حتى يأتي على آخرهم ويشير إلى فراغ، ويقول: وهذا قبري، - رحمه الله - وكان كذلك، وله شعر قليل، وقع في يدي منه أبياته في كتابه الشفاء شرح التكملة، وهي (……)(2).
أحمد بن يحيى بن أحمد بن مظفر(3) [ - بعد 855ه]
__________
(1) ويسمى كتاب الإيضاح في شرح المصباح الشهير بشرح الثلاثين المسألة في أصول الدين، وقد طبع بمراجعة وتصحيح حسن بن يحيى اليوسفي، وصدر عن دار الحكمة اليمانية بصنعاء (ط1 سنة 1420ه - 2000م)، (وانظر عن نسخه الخطية كتابنا أعلام المؤلفين الزيدية ص: 2000).
(2) فراغ في (أ) و (ب).

القاضي العلامة شمس الدين أحمد بن يحيى بن احمد بن مظفر فقيه محقق عالم، قرأ على والده مصنف (البيان)(1)، وفرغ من سماع (البيان) على والده في مسجد الإمام عبد الله بن حمزة بظفار في صفر سنة خمس وخمسين وثمانمائة(2).
أحمد بن يحيى بن حنش(3) [ - 1054ه]
__________
(1) ويسمى: البيان الشافي المنتزع من البرهان الكافي، في الفقه، من أشهر كتب الفقه على مذهب الإمام زيد بن علي - عليهما السلام - وقد طبع مصوراً على مخطوطة في مجلدين، وطبع ثانية في أربعة مجلدات عن وزارة العدل، وانظر أعلام المؤلفين الزيدية ص: 1093.
(2) وهو والد القاضي العالم الكبير محمد بن أحمد صاحب الترجمان، وفي الذهن أن أحمد توفي في حياة والده (من حاشية (أ) ).

القاضي العلامة المجاهد شمس الدين أحمد بن يحيى بن حنش - رحمه الله - كان فاضلاً تقياً صالحاً مرضي الحال مجاهداً في سبيل الله، وولي القضاء لسيف الإسلام مولانا الحسن بن أمير المؤمنين، وكان له عنده مقام رفيع يفوّض إليه أعمالاً، وكان أهلاً لذلك، وتولى للإمام المؤيد بالله - عليه السلام - (يَريم)(1) و(الشِعِر)(2) (وخبانين)، وحضر في فتح عدن مولانا صفي الإسلام أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين عند افتتاحها عن أمير المؤمنين المتوكل على الله - حفظهما الله تعالى - ثُمَّ سكن القاضي (بظفار)، ونقله الله إلى جواره في مشاهد سلفه، ودفن بالقرب من المشهد المنصوري، ثُمَّ بدا لهم نقله لما عرفوه من مقصده أو ما ينزل(3) منزلة الوصية منه بأنه يقبر في (الظفة) المقبرة المشهورة، فأخرج بعد /228/ (......)(4) (وألفوه لم يتغير - رحمة الله عليه-)(5). قال القاضي أحمد بن يحيى بن حنش - رحمه الله - ذكر لي الصنو القاضي أحمد بن سعد الدين أن ميلاده في شهر شعبان من سنة سبع وألف، وأنا ولدت في شهر شوال منها، انتهى من خطه، توفي وقت الظهر يوم الخميس سادس عشر شهر ريبع الآخر سنة 1054ه.
أحمد الفحاش(6) [ - ]
العلامة الشاعر البليغ المعروف بأحمد الفحاش، من حمير من بني صريم، أحد الناقمين على الحسينية مذهبهم، كان شاعراً مجوداً بليغاً والله أعلم.
أحمد النيروسي الروياني(7) [ - ]
__________
(1) يريم بفتح الياء المثناة من تحت وخفض الراء ثم ياء ساكنة ثم ميم، مدينة في قاع الحقل جنوبي ذمار بمسافة 40 كم، وفي سفح جبل يصبح المطل عليها من ناحية الشمال الشرقي (معجم المقحفي ص: 710).
(2) الشِعر بكسِر الشين المعجمة والعين ناحية تابعة للنادرة، وهي منطقة غنية بالآثار، كتاب المنتوجات الزراعية والغيول (انظر المصدر السابق ص: 257).
(3) في (ب): أو ينزل.
(4) كذا في (أ) وفي (ب).
(5) ما بين القوسين حاشية (ب).

الشيخ العارف شهاب الدين أحمد النيروسي الروياني - رحمه الله - ترجم له العلامة يوسف حاجي الناصري - رحمه الله - قال: وهو تلميذ لعبد الله بن الحسن الإيوازي الروياني، وأستاذ لعلي بن الحسين الآبري الأيوازي، وهو منسوب إلى النيروس قرية من قرى الرويان، نسب إليها هذا، والحسن بن زيد الآتي ذكره، وأبو جعفر، وغيرهم.
أحمد الفرضي الحوالي(1) [ - ]
الفقيه العلامة شمس الدين أحمد الملقب بالفرضي الحوالي(2) - رحمه الله - عالم كبير تخرج به خلق، وانتفعوا به.
قال السيد صارم الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله - عليهم السلام -: هو الذي عرفت كتبه في السودة(3)، ووقع في جانبه ما وقع، ثم فر مهاجراً إلى مكة، ثم دخل مصر واستقر هناك، قال: وكان قد قرأ علم الفرائض وأحكمه، ثم إنه حصل كتب الاجتهاد وقرأها على رجالها، انتهى.
أحمد الكوكبي(4) [ - ]
الشيخ الفقيه العارف أحمد الكوكبي - رحمه الله - من علماء العراق، وأهل الفتوى والترجيح، عارض الأستاذ في مسألة ما إذا انقطع المصرف للوقف فرجح تبعاً لغيره مرجحاً بالدليل أنه يعود إلى المصالح وقفاً، وذلك خلاف ما رجحه الأستاذ وزمانهما مختلف، غير أنه كتب أحمد الكوكبي،(5) والله أعلم.
من اسمه أحوز - بالحاء المهملة بعدها واو ثم زاي معجمة -
أحوز(6) [ - ]
__________
(2) في (ب): الخولاني.
(3) السودة بضم السين المهملة آخرها هاء مدينة كثيرة في ذروة جبل حجاج من متوسط جبال السراة في بلد حاشد وبالشمال الغربي من محافظة عمران بمسافة 44كم. (المقحفي ص: 333).
(5) في (ب): أحمد الكوكبي على الأستاذ.

أحوز، الشيعي الكبير، من جهابذة أصحاب الهادي - عليه السلام - كان من أهل المحل عنده وسأله يوماً عن الخليفة بعده والقائم بالأمر من آل الرسول - صلى الله عليه(1) وآله وسلم - بعد وفاته، فأبطى(2) عنه في الجواب، ثم أعاد السؤال فقال: يا أخي، محمد - يعني ابنه - عليه السلام - قال: ثم من: قال: يا أخي، أحمد - يعني ابنه الناصر لدين الله - عليهم السلام - قال: ثم من قال: حسبك إن عمرت عمر ثلاثة أئمة.
من اسمه إسحاق
إسحاق بن إبراهيم بن الحسن(3) [ - ]
السيد الإمام إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن - عليهم السلام - من أسلاف الزيدية وكبارهم، هلك شهيداً بيد المنصور العباسي.
إسحاق بن جعفر(4) [ - ]
الشريف الأمير العامر إسحاق بن جعفر الصادق، ويكنى أبا محمد ويلقب المؤتمن، ولد بالعريض، وكان أشبه الناس برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ومرض آخر عمره، وزَمِن(5)، وادّعت فيه طائفة من الشيعة أنه كان إماماً، وكان محدثاً فاضلاً، روى عنه سفيان بن عيينة قال: حدثني الثقة الرضي، انتهى.
إسحاق بن أحمد بن محمد(6) [ - 555ه]
القاضي العلامة ركن الدين إسحاق بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الملك بن عبد الباعث - رحمه الله - كان من أجل العلماء قدراً، ومن حجج الله، لقي الحاكم أبا سعيد - رضي الله عنه -.
__________
(1) في (ب): صلى الله عليهم أجمعين.
(2) في (ب): فأبطأ.
(5) يقال: رجل زَمِن أي مبتلى.
(6) الترجمان - خ - المستطاب - خ - الجواهر المضيئة - خ - نزهة الأنظار (خ)، اللآلئ المضيئة - خ - 2/235 - 236، مؤلفات الزيدية 1/294، لوامع الأنوار 1/300، 2/40، تأريخ اليمن الفكري في العصر العباسي 1/517، مصادر الفكر العربي والإسلامي في اليمن للحبشي (173)، معجم المؤلفين 2/231، رجال الأزهار 7، الروض الأغن 1/96، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (208)، وانظر طبقات الزيدية الكبرى - القسم الثالث - بتحقيقنا ترجمة رقم (124).

قال السيد الهادي بن إبراهيم: كان القاضي إسحاق من علماء /229/ الزيدية، وعظماء أنصار العترة النبوية، وله في الإمامات تصانيف جمة ورسائل كثيرة، وكانت زيديته خالصة، وهو صنو القاضي جعفر في العلم والبراعة إلا أن أكثر مصنفاته في الإمامات وأحكامها، ورسائله في سيرها وأغراضها، وله رواية واسعة عن أكابر العترة النبوية، ومن طالع رسائله ومصنفاته(1) عرف صحة محبته لأهل البيت - عليهم السلام - وأنه فيها السابق المجلي.
يحكى أن الشيخ الكبير المعظم الخطير المسمى السعد بن أبي الليل الحائري ثم الخولاني وصل من مغارب صعدة فدخل مسجد الهادي - عليه السلام - قاصداً للقاضي إسحاق المذكور، وكان إمام محراب الهادي - عليه السلام - والخطيب بصعدة للإمام - عليه السلام - فقال للقاضي: قد كنت أتمنى أن ألقاك وحدك وأنا رجل جاهل لا أقرأ ولا أكتب، وقد قمنا مع هذا الإمام وقتلنا وقتلنا وأعطيناه الزكاة من أموالنا، ولا ندري أنحن على صواب أم على خطأ؟ وأنت اليوم أكبر علمائنا، وقد أردت ان أجعلك بيني وبين الله، وما هديتني إليه فعلت وإن استكتمتني حديثاً كتمته، وأقسم له على ذلك بأيمان مغلظة من أيمان وطلاق ونذر أنه لا يخرج له سراً، استكتمه إياه فغضب عند ذلك القاضي إسحاق، وقال: أفأكون على هذا السن في هذا المكان الشريف أخطب له في مسجد الهادي على منبر المرتضى والناصر - عليهم السلام - في كل جمعة في مثل هذه المدينة، وأدعو له، ويكون عندي له غير ما أبدي، أتجعلني منافقاً، وتعب من كلامه تعباً عظيماً فاستعطفه واعتذر إليه، وقال: قد قلت لك في أول كلامي: إني رجل جاهل، فأقبل إليه القاضي فقال: أنت مصيب في جهادك ، وهو الإمام فزد في جهادك جهاداً أو مع اجتهادك اجتهاداً. انتهى.
__________
(1) في (ب): مصنفاته ورسائله.

قال السيد الهادي: وسمعت من يروي أن الدعاء عند قبره مستجاب، قد جرب ذلك، قال: وقبره - رضي الله عنه - تجاه المنصورة بصعدة إلى جهة المغرب، وهو مشهور مزور، وفاته(1) - رحمه الله - سنة خمس وخمسين وخمسمائة. قال: وله تعليق معروف على الإفادة، وكان فقيهاً بارعاً - رحمة الله عليه -.
قلت: وهذا المنبر موجود، الآن في المقدم الذي عمره شمس الدين بن الإمام وهو الجامع المسمى بذي النورين، وفيه مكتوب: هذا ما أمر به أحمد بن يحيى أن يوضع في المسجد، وقد ذكر ذلك الأمير الحسين في كتاب (الشفاء) في باب صلاة الجمعة.
إسحاق بن الحسن بن محمد(2) [ - ]
إسحاق بن الحسن بن محمد صنو العلامة علي بن الحسن، يعرفان جميعاً بابني صيني؛ لأن أباهم كان أصلع أو حليقاً، فكان يبرق بريقاً يشبه الصيني، وهما من العلماء من قرابة القاضي تبَّع، كانا يسكنان حجر بني صارم من مشرق حاشد، ونسبهم من بني عباد من حمير.
إسحاق بن محمد بن القاسم القاسمي(3) [ - ]
الشريف الأمير العالم إسحاق بن الأمير محمد بن القاسم القاسمي - رحمه الله - كان نبيلاً جليلاً، ذكره العلامة عبد الله بن زيد العنسي - رحمه الله -.
إسحاق الجيلي(4) [ - ]
القاضي العلامة إسحاق الجيلي - رحمه الله - كان قاضياً للمؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني - عليه السلام - ذكره الملاحاجي يوسف الناصري - رحمه الله -.
من اسمه إدريس
إدريس بن إدريس بن عبد الله(5) [ - ]
/226/ الإمام السيد مفخر العترة الطاهرة إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - كان من عيون آل محمد الناظرة، علماً واسعاً وفصاحة وعبادة، وإقداماً وعزيمة، قد افتخر به وبأهل بيته العلماء.
__________
(1) في (ب): توفى.
(5) مآثر الأبرار 1/463 - 465، الزيدية لصبحي ص: 113، التحف شرح الزلف ص: 143، ومنه الأعلام 1/278.

قال ابن أبي الحديد في معاريض مفاخرة بين بني هاشم وبني أمية: فإن افتخرت بنو أمية بملوكها في الأندلس من ولد هشام بن عبد الملك واتصال ملكهم، وجعلوهم بإزاء ملوكنا بمصر، قالوا لهم: إلا إنا الذين(1) أزلنا ملككم بالمغرب كما أزلنا ملككم بالشام والمشرق كله؛ لأنه لما ملك قرطبة الظافر من بني أمية خرج عليه علي بن حمود بن منصور بن أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فقتله وأزال ملكه وملك قرطبة، دار ملك بني أمية، وتلقب بالناصر، ثم قام بعده أخوه القاسم بن حمود، وتلقب بالمأمون، ثم قام بعده يحيى بن علي بن حمود، وتلقب بالمعتلي، فنحن قتلناكم وأزلنا ملككم في المشرق والمغرب، انتهى(2). والظاهر أن إدريس بن عبد الله قام ودعا، ولهذا لم نترجم له وإن كنا غير محيطين بالخمس أو السدس من أعداد الأهلة والنجوم - أعاد الله من بركتهم- وهو الذي في (العيون)، وكلام (البحر)، والسيد صارم الدين أنه دعا وولده إدريس صاحب الترجمة في ذهني أنه قد ذكر له دعوة، ولم نجد عند الرقم لها ذكر بعد البحث، لكنه من القائمين بالقسط، وكانت تحت يده ممالك ونحوت(3) لما مات والده بالسم، وذلك أنه بعد قضية الفخي - عليهم السلام - انهزم إدريس بن عبد الله إلى المغرب بعد أن كان انهزم إلى فارس(4) وطنجة، ومعه مولاه راشد، فدعاهم فأجابوه فاغتم الرشيد، وساقته سجايا غدره إلى إرسال سليمان بن جرير الرقي متكلم الزيدية، وأعطاه سماً فورد سليمان إلى إدريس متوسماً بالمذهب فَسُرَّ به، وأقام يرتقب الفرصة حتى دخل إدريس الحمام فأرسل إليه سليمان بسمكة، فحين أكل منها هو ومولاه راشد أنكر نفسه، وقال: بطني أدركوا سليمان، فطلب فلم يوجد، فخرجوا في أثره فأدركوه، وقاتلهم، فضرب في وجهه وفي يديه
__________
(1) في (أ): إن الذي.
(2) انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 15/287.
(3) في (ب): وثخوت.
(4) لعلها: فأس.

ضربتين وانقطعت إحدى أصابعه، وفاتهم هرباً، وفي ذلك يقول بعض شعراء العباسيين:
أتظن يا إدريس أنك مفلت ... كيد الخليفة أو يقيك فرار
فليدركنك أو تحل ببلدة ... لا يهتدي فيها إليك نهار
إن السيوف إذا انتضاها شخصه ... طالت فتقصر بعدها الأعمار
ملك كأن الموت يتبع(1) أمره ... حتى يقال تطيعه(2) الأقدار(3)
قلت: وكان الجعل لسليمان بن جرير مائة ألف درهم، فالله المستعان، وقد قيل: إن الذي سمه الشماخ(4) مولى لبني العباس، وأرجو أن يصح، وإن كانت الرواية لما تقدم متظاهرة، (كان ابنه إدريس بن إدريس)(5) غير أن الزيدية - صانهم الله - لا يسودون غررهم الواضحة /231/ فلما كان من أمر إدريس بن عبد الله ما وصفناه كان ابنه إدريس بن إدريس حملاً في بطن أمه، و[أمه] أم ولد بربرية، فوضعت المغاربة التاج على بطنها فولدته بعد أربعة أشهر، قال الحافظ داود بن القاسم الجعفري: ما رأيت أشجع منه ولا أحسن وجهاً، قال علي الرضا بن موسى الكاظم - عليه السلام -: إدريس بن إدريس بن عبد الله من شجعان أهل البيت، والله ما ترك فينا مثله، قال أبو هاشم داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر الطيار: أنشدني إدريس بن إدريس لنفسه:
لو مال صبري بصبر الناس كلهم ... لَكَلَّ في روعتي وضل في جزعي
بان الأحبة فاستبدلت بعدهم ... هماً مقيماً وسلماً غير مجتمعِ
كأنني حين يجري الفم(6) ذكرهم ... على ضميري مجبول على الفزعِ
يأوي همومي إذا حركت ذكرهم ... إلى جوارح جسم دائم الجزعِ
انتهى.
__________
(1) في (ب): متبع.
(2) في (ب): يطيعه.
(3) انظر الأبيات في مآثر الأبرار 1/462.
(4) في (ب): السماح.
(5) ما بين القوسين سقط من (ب).
(6) في (ب): يجري الهمَّ.

قلت: وقبر إدريس بن إدريس بفاس، وقبر والده بموضع يقال له: زرهون، (وهذا البيت الإدريسي أعاد الله من بركته - معمور بأنواع الفضائل، ولهم الأقدام الراسخة في كل مقام شريف، وفيهم إدريس المتلقب بالمتأيد، وإدريس بن يحيى الغيلي وغيرهم إلا أنهم تسموا بالخلافة، وقد ذكر منهم الذهبي في (النبلاء) الجم، وذكر مآثر حميدة.
قال السيد محمد بن إبراهيم في عواصمه: وقد ذكر ابن حزم في جمهرة النسب: له خلائق لا يحصون من آل محمد في الغرب، سابقين ومقتصدين، وذكرهم الدامغاني في رسالته، وإلى تأريخ هذه الأوراق والغرب مشرق بوجوههم غاية الإشراق، وبأيديهم - ولله الحمد - فتح مدنها الكبار والإغلاق، قدم منهم السيد الشريف المسمى بالطاهر بن عبد الله بن الحسني الإدريسي، قدم اليمن في حدود سنة ثماني وأربعين وألف، واجتمع بالسيد العلامة هاشم بن حازم الحسني سلطان زبيد عن أمر الخليفة المؤيد بالله، وكان من أعيان الأسرة الطاهرة، كلفاً بالعلم كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - ذكره، فاجتمع به السيد الطاهر وقرَّت عين كل منهما بأخيه، ثم نهض إلى الحضرة الحسنية بحصن ضوران وأجازه المولى شرف الدين بجوائز ما يخطر ببال ذي همة من الملوك، فضلاً عن أن يفعلها، ثم توجه إلى محل الخلافة المؤيدية، فرأى من الإحسان ما هاله، ثم عاد إلى الغرب فأخبرني شيخي المحقق أحمد بن أحمد الشامي القيرواني القادم عام أربع وخمسين وألف أنه من أهل هذا البيت الشريف من أوساطهم وملوكهم، وأنه لما دخل من اليمن بهذه المواهب أحرب بها هنالك طوائف بغت عليه، قال: ولكنه لم ينتصر، وكان هذا السيد علامة يحفظ (جمع الجوامع) في أصول الفقه غيباً، أخبرني بذلك غير واحد، وممن أخبرني به شيخي القيرواني وكان له في علوم المغاربة ثبات، ومن شعره مما كتبه إلى سيدي الأديب صلاح الدين صلاح بن أحمد بن /232/ عز الدين المؤيدي - أمتع الله بلطائفه، وأمتعه بإلطافه - لما كتب السيد صلاح الدين ببيتين

ملغزاً باسم الشريف الطاهر المذكور:
اسم الذي محبته ديني في ... يوم تمتحن السرائر
بالغت في تصحيفه فرأيته ... للعين مثل الشمس ظاهر
فأجابه السيد الطاهر:
مولاي بالصدر الذي من صحبتي ... وبقلب آلاف وثاني محبتي
إلا عطفت على متيمك الذي ... قد صار رقا في هواك توقفه
مراده بصدر صحبتي الصاد، وقلب الألف لام ألف، وثاني محبتي الحاء، ومجموع ذلك صلاح، انتهى.
إدريس بن الحسن بن علي بن المؤيد(1) [ 853ه - ]
السيد الفاضل الكامل إدريس بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن المؤيد، قال الإمام عز الدين - عليه السلام -: ولد في شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة، وهو من أعيان السَّادة وأهل الفضل والورع، وانتقل إلى يسنم(2) بأمر صنوه الإمام عز الدين بن الحسن المترجم له - عليهما السلام - فأقام مدة، ثم أمره بالانتقال إلى مدينة الدهشاه من أودية آل جابر، وانتقل إليها وولاه الإمام النظر في أمورها وإقامة حدودها وجمعها، وإمامة الصلاة في جامعها الذي عمره الإمام، وسياسة أهلها وتنفيذ أحكام الشريعة فيها، وقبض الأخماس وكمل في ذلك ووافق رأي الإمام - عليه السلام -.
إدريس بن سليمان بن أحمد(3) [ - ]
الأمير الكبير العالم إدريس بن سليمان بن أحمد بن يحيى بن الحسن بن الناصر بن محمد بن عبد الله بن المختار بن الناصر بن الهادي إلى الحق - عليهم السلام - ذكر بعض أحواله بعض ولده السادة، ووصفه بالعلم الكثير والرياسة وعلو المحل، وذكر السيد العلامة أحمد بن عبد الله بن الوزير - رحمه الله - أنه جد الإمام الناصر لدين الله من قبل الأم؛ لأن والدة الإمام الناصر صلاح الدين دهماء بنت إدريس المذكور.
إدريس بن موسى الثاني(4) [ - 300ه]
__________
(2) يسنم: من قبائل صعدة في الشمال الغربي منها، يسمى بها دار عظيم في وسط جُمَاعة، ويسقى بالآبار، ويصب ماؤه إلى نجران (معجم المقحفي ص: 712).

السيد الإمام إدريس بن موسى الثاني - عليهما السلام - كان جليلاً، قال ابن عنبة: أمه أم ولد مغربية، وكان سيداً جليلاً، مات سنة ثلاث مائة فأعقب وأكثر.
إدريس بن علي بن عبد الله(1)[ - 714ه]
الأمير الخطير الشهير العلامة المعتصم بالله إدريس بن علي بن عبد الله بن يحيى بن الحسن بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي بن حمزة بن أبي هاشم الحسن بن عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - المعروف بالحمزي - رحمه الله - علامة كبير جليل المقدار وحيد زمانه، ترجم له جماعة.
قال الخزرجي في تاريخه: هو مرتب على السنين - ما لفظه - وفي العشرين من شهر ربيع الآخر.
__________
(1) المستطاب (خ)، أئمة اليمن (1/218)، مصادر الحبشي (412)، مصادر العمري (52 - 54)، العقود اللؤلؤية (1/324، 325، 410)، قرة العيون (انظر الفهرس)، العسجد المسبوك حوادث سنة 714ه (خ)، السلوك 2/309، العطايا السنية (87) استطراداً في ترجمة أبيه، طراز أعلام الزمن (خ)، ملحق البدر الطالع (53)، معجم المؤلفين 2/218، ومنه الدرر الكامنة 1/345 ، 346، كشف الظنون (1512)، اللآلئ المضيئة 2/435 (خ) مؤلفات الزيدية 2/86، 388، تراثنا (فصلية) العدد الأول السنة الثالثة ص (56)، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (206)، الروض الأغن (1/96)، وانظر طبقات الزيدية الكبرى - القسم الثالث - ويسمى (بلوغ المراد إلى معرفة الإسناد) طبع بتحقيقنا ترجمة رقم (123).

قلت - يعني بعد سبع مائة - توفي الشريف عماد الدين إدريس بن علي بن عبد الله بن الحسين بن حمزة بن سليمان بن علي بن حمزة، وكان شريفاً ظريفاً شجاعاً كريماً (متلافاً)، كان عالماً عاملاً لبيباً أريباً(1) متصفاً بصفات الإمامة، وكان شاعراً فصيحاً بليغاً، وهو مصنف كتاب(2) كنز الأخبار، وهو كتاب كبير ممتع، وله عدة تصانيف /233/ في فنون كثيرة ومدحه عدة من الشعراء، فكان يجيزهم الجوائز(3)، وكان رحمة الله عليه غاية في الجود والكرم والشجاعة. انتهى
قلت: وكتابه (الكنز)(4) من أجل كتب التواريخ قدر أربعة مجلدة، فرغ من تأليفها يوم الإثنين في رجب الأصب من سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وأظنه غريباً في بابه، يألفه كل أحد، وله كتاب سماه كتاب (السبول في فضائل البتول)(5).
ومن فوائده: أن أحاديث أصول الأحكام ثلاثة آلاف حديث وثلاثمائة حديث واثنا عشر حديثاً.
قال السيد صارم الدين: وذكر مثل هذا ولده محمد بن إدريس صاحب التفسير.
ومن شعره في سيف:
ومنصلت يبكي الدماء وقلما ... بكت عينه إلا تبسم عن نصرِ
من البيض إلا أنه كلما انبرى ... يحادثه يختال في حلل حمرِ
ومن شعره:
ونحن لمن يبغي الهدى ويريده ... سفينة نوح عصمة للخلائقِ
ومن ضل عنا راكباً غير فلكنا ... هوى ثاوياً في موجه المتدافقِ
وسيان في الرشد الكتاب وهدينا ... بذلك جاء النص من خير صادقِ
__________
(1) في (أ): أرباً.
(2) في (أ): كتاب الأخبار.
(3) في (ب): الجوائز السنيّة.
(4) يسمى: كنز الأخيار في معرفة السير والأخبار (في أربعة مجلدات مرتبة على السنين، ذكر حوادث كل سنة مع عناية تامة بتراجم رجال الزيدية وأئمتهم، فرغ من تأليفه سنة 713ه)، منه نسخة خطية بالمتحف البريطاني، وأخرى خطت 729ه مصورة بمعهد المخطوطات العربية (1184) تأريخ.
(5) لم أجد له نسخة خطية.

وقد سبق ذكر وفاته ووجدت في موضع أن وفاته - رحمه الله - في شهر ربيع الآخر سنة أربع عشرة وسبعمائة، ولعل فيما نقلناه عن الخزرجي سقط، ووالده الأمير علي بن عبد الله سيف الإسلام الناصر للحق، توفي في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وستمائة، وفيه تمثل أخوه بقول زياد الأعجم:
مات المغيرة بعد طول تعرض ... للسيف بين أسنة ورماح
وكان السيد إدريس المذكور يخالط السلاطين باليمن، وروي أنه لم يمت حتى تاب إلى الله من ذلك توبة نصوحاً، وعاهد الله مراراً، وله مسائل على الجبرية في فنون غلطاتهم حيرت ألبابهم - رضي الله عنه -.
وممن روى هذا العلامة علي بن محمد بن داعر، وممن ترجم للأمير إدريس السلطان الأشرف(1) بن العباس الرسولي، وأجاد في وصفه، وذكر شيئاً من محاسنه - رضي الله عنه -.
إدريس بن علي[ - 603ه]
السيد الكبير إدريس بن علي من ذرية الإمام السراجي، وإدريس صنو الإمام الوشلي، وكان عالماً فاضلاً، قبره في الرجا من بلد بوسان من الشرف الأعلى، وهو المقدم من القبرين إلى جهة القبلة في قبة الرجا، كانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستمائة، والقبر الذي عنده المؤخر قبر السيد العلامة علي بن أحمد بن الحسن بن علي بن المؤيد، وسيأتي ترجمته - إن شاء الله تعالى -.
__________
(1) في (ب): إسماعيل بن العباس.

واعلم أنه قد يقع اللبس بين هذا الأمير والأمير المعتصم بالله إدريس بن عبد الله بن داود الحمزي لاتحاد النسبة والزمان وللجلالة(1)، وكانت بيده حصون وممالك، وله هبات وعطايا، وبينه وبين سلاطين اليمن علقة، وهو الذي مدحه العلامة أحمد بن قاسم الشامي في /234/ القصيدة التي مدح بها الإمام علي بن صلاح، ويناقض شعر ابن الأنف الذي وجهه إلى الإمام والأمير من حصن ذي مرمر(2) بعد طول الحصار له فقال:
سلام على الدار التي في عراصها ... منازل قوم لا يذم لهم عهد
منازل أولاد النبي محمد ... وحيدرة نعم الأبوة والجد
فحاتم هذا العصر إدريس ذو الندى ... وأولاده الأملاك ليس لهم ند
إذا جئتهم يا صاح فالثم أكفهم ... ولم لا ومن راحاتها يطلب الرفد
وهن لهم بالعيد ما زال عائداً ... عليهم بأحقاب وطالعه السعد
وقل إن نوى(3) دار وشط بنا النوى ... فودكم لا يستحيل له عهد
ولكن عدتنا من لقاكم جحافل ... وهندية بيض وخطية ملد
وخيل كأمثال السعالي شوازب ... وفرسان هيجاء لباسهم السرد
جنود أمير المؤمنين التي اعتدت ... فضائله في الناس ليس لها عد
أحاطوا بنا من كل باب ووجهة ... وصاروا وهم من دون حاجاتنا سد
ولكننا من(4) شامخ متمنع ... يقصر عنه الشامخ الأبلق الفرد
ندافعهم بالله جل جلاله ... وجند إلهي جند من لا له جند
وصلى إلهي كل يوم وليلة ... على أحمد المختار ما سبح الرعد(5)
فأجابه الشامي فقال:
أتتحف داراً بالسلام وأهلها ... أحق بها إذ فاتك الهم والرشد
كأنك أبصرت المنازل قفرة ... فحييتها لما ألم بك الوجد
وكيف وهم فيها حلول وإنما ... تحيا إذا لم يبق منهم بها فرد
__________
(1) لعلها: والجلالة.
(2) ذي مرمر حصن تأريخي شهير بالشمال الشرقي من صنعاء بمسافة 18كم ويرتفع الحصن عن سطح البحر بنحو 2547 متراً (معجم المقحفي ص: 255).
(3) في (ب): ثوى.
(4) في (ب): في شامخ.
(5) انظر العقصيدة في مآثر الأبرار 2/1068ـ1069.

تقر بأولاد النبي محمد ... وتنكرهم سراً وهل تنفع الجحد
أينكر ضوء الشمس من هو مبصر ... وقد لا ترى أنوارها الأعين الرمد
ووبخت إدريس المتوَّج ذا العلا ... بقولك قوم لا يذم لهم عهد
كأنك قلت العهد منك مضيع ... بإهمالكم لكن سرك لا يبدو
وقلت أمير المؤمنين له اغتدت ... فضائل لا تحصى ولا هي تعتد
وذا منك إقرار وعلم بأنه ... إمام فلم عن دينه الحق ترتد
أتزعم أن السر في قائم لكم ... هو الغاية القصوى التي ما لها حد
يجيء على ظهر البراق وكفه ... به ذو الفقار العضب فارقه الغمد
/235/ وهي طويلة جيدة(1)، ويقرب من ذلك الأمير إدريس بن علي والأمير إدريس بن عبد الله بن داود ذكراً.
إدريس بن عبد الله بن علي بن وهاس(2) [ - ]
الأمير الخطير العلامة إدريس بن عبد الله بن علي بن وهاس - رحمه الله -. قال في تاريخ السادة آل الوزير: إنه دعا قبل السيد محمد بن يوسف، ولفظه بعد ذكر السيد محمد: وقد كان دعا قبله السيد الإمام بقية كبراء أهل البيت - عليهم السلام - إدريس بن عبد الله بن علي بن وهاس، وتكنى بالمهدي، ولكن لم تنقض له الدنيا بشيء منها وانزوت عنه أيضاً، ومات قبل محمد بن يوسف، وكان كريماً عظيماً، سليم الصدر، كثير الشفقة والحنو على أهل البيت وشيعتهم، وكان ركناً من أركان البيت الأعز الأطول، وبقية صالحة من أهل ذلك الطراز الأول.
إدريس بن محمد بن يحيى بن عبدالله(3) [ - ]
__________
(1) انظر العقيدة في المصدر المذكور 2/1069 - 1070.

السيد الإمام الحجة إدريس بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن - عليهم السلام - كان من الكبار الجلة الخيار، وهو الذي حكى عنه محمد بن منصور أنه كان يصلي صلاة الضحى على أنها تطوع، قال بعض العلماء: وقد نقل مثل هذا عن إدريس بن عبد الله، ولعل إدريس بن محمد هو المراد، وصلاة الضحى روى أبو الجارود فيها عن جعفر بن محمد - عليهما السلام - أنه كان يراها أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لما قدم إلى المدينة قال: ((صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة فيما سواه، إلا الكعبة))، فكانت الأنصار إذا زارت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أو جاء أحد منهم من ضيعته صلاها في المسجد، فرآهم الناس يفعلونها فاعتقدوها سنة، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فلم يصلها.
إدريس بن محمد بن علي السليماني(1) [ - ق 7ه]
السيد الشريف العلامة ركن الدين إدريس بن محمد بن علي السليماني - رحمه الله - إمام عظيم القدر متكلم في العلوم، له في المذهب ترجيحات، وهو المشهور بإدريس التهامي، وكان في أيام الإمام أحمد بن الحسين - عليهما السلام - وتخلف عن بيعته بعد اتفاق الكل عليها، له كتاب في (أحكام الدور دار الإيمان والكفر والفسق)، - رحمه الله -.
__________
(1) مؤلفات الزيدية 1/82، مصادر الحبشي 507. (أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم 207).

قال بعض المطلعين على أحواله: كان مسكنه الحميمية بلدة بين العترة(1) والدهناء بلدة عظيمة واسعة، وكانت ولايتها للسيد وأهل بيته، فخرج عليهم السيد البعجلي، وكان السيد حويسة وابن أخيه من قرابة السيد إدريس بمحروس صعده للقراءة، فلما خرج البعجلي قتل السيد إدريس والسيد وهاس وغيرهم، فخرج السيد حويسة من صعده، وكانت طريقه الحجاز، ومرَّ على الأمراء بني يعقوب بحلى، فاستنصرهم، فأغاروا معه، وأنشد السيد حويسة قصائد طنانة في هذا المعنى، وهلك السيد حويسة قبل النصفة التي طلبها من اليعقوبي، ولكنها تمت النصفة من اليعقوبي، وقام بما أمله فيه الشريف، ومن قصائد الشريف حويسة قوله:
عنت لنا بخيمات اللوى بقرُ ... للأنس والجن في ألحاظها حَورُ
وكل أبيض بالقيراز مقتفر ... كأنه قمر بالليل مقتفرُ
/236/ وكل أبيض مسود غدايره ... كأنهن على رحن الدجى عذرُ
يلوح(2) منها مساويك الأراك على ... ما في السواد وبيض ظلمه السكرُ
فقمت معترضاً للشرب من كلف ... أطفو على الأرض أحياناً وأستترُ
لأنظر الأغيد الميّاس نظرة ذي ... ود فقلت لعيني لأبقي النظرُ
فصادفتني بوجه ما به كلف ... كأنه في تلالي نوره قمرُ
أو الغزالة من ديجور فاحمها ... مرت بنا وعليها الليل معتكرُ
تقول: هيهات أنا(3) عيسى فمنك على ... فوديك(4) للشيب نار منه تستعرُ
فقلت: ما في بياض الشيب من عتب ... وصاحب الشيب رب الحلم ينفرُ(5)
وفي الصبا طرق للجهل بينة ... وصاحب الجهل ممقوت ومحتقرُ
كان السواد سراجاً بيناً فخبا ... فاستسود الحب لما استبيض الشعرُ
دع الحسان وخل البيض إن لها ... جيشاً من الشعر المبيض ينكسرُ
__________
(1) في (ب): العثيرة، ينظر ففي أعلام المؤلفين: العنيزة.
(2) في (ب): تلوح.
(3) لعلها: يا ليستقيم الوزن.
(4) الفود: معظم شعر الرأس مما يلي الأذن وناحية الرأس (القاموس المحيط ص: 392).
(5) العجز غير موزون.

ولا تعد عتادات سوى بتر ... كالملح منها عظيم العظم ينبترُ
أو شزَّب(1) كالسعالي فوقها جَرَدَ(2) ... كالجن نحو حياض الموت تبتدرُ
والخيل والليل والأساد في قمص ... من السوابع والصهالة الذمرُ
ولي من المجد بيت ما له عمد ... إلا الذوابل والهندية الذكرُ
بنيته بسيوف من مهندة ... والناس غيري بناهم كله مدرُ
أنا الجواد وكل الناس عن طرف ... على البسيطة حاشى من صفا حمرُ
ورثت جدي في شيد العلا وأبي ... إن الأصول عليها تنبت الشجرُ
أقمت بعمة حتى زاد زائدها ... وكان من خصمها قد مسها ذعرُ
فأصبحت دورهم قفراً معطلة ... يرعى فلاها حمير الوحش والبقرُ
فما جزتني إلا بالخبيث على ... ما جئت من طيب والله مختبرُ
أصغو لقول حسود خاب ما صنعوا ... فينا ونم لئيم كاذب أشرُ
لكي يفرِّق شملاً كان مجتمعاً ... والله يترك شملاً منه ينتثرُ
ويترك القرية الزهراء مظلمة ... عيونها الشمس قد أزرى بها العورُ
وإن يكونوا بني أعمامنا ظفروا ... بنا العداة فلا والله ما ظفروا
فكيف يظفر قومٌ بعدما نشبوا(3) ... فينا ونحن ذعاف السم والصبرُ
نحن الأسود ولكن ما لنا ظفر ... سوى السيوف ونعم الناب والظفرُ
وبعد مقتل إدريس وبعد أخي ... العلياء وهاس يرجى العظم ينجبرُ
/237/ وفرحة وبنية نلتقي أبداً ... إلا على الشر حتى ينقضي العمرُ
ثلاثة قتلوهم من لطائفنا ... ورابع قبر الإحسان إذ قبروا
فهدم المجد تهديماً لفقدهم ... وحير النيران الشمس والقمرُ(4)
فإن سلمت وأبقاني الزمان لهم ... وطال لي ولهم في دهرنا عمرُ
فوا (السلاهب)(5) و(اللدن) الرواعب ... والبيض القواضب عند الروع تشتجرُ
__________
(1) شزَّب: جمع شازب، وهو من الأُتُن، الضامر، والسعالي، الغول (انظر المصدر السابق).
(2) الجَرَد: عيب معروف في الدواب (المصدر السابق).
(3) في (أ): يشبوا.
(4) العجز غير موزون.
(5) السلاهب: جمع السهلب، وهو من الخيل ما عظم، وطال عظامه (انظر القاموس المحيط ص: 126).

لأمطرنَّ عليهم من أسنتها ... وعربها سحباً بالودق تنهمرُ
كما بدوا بأناس طال ما صفحوا ... عن قتلهم وعفوا من بعدما قدروا
انتهى.
إدريس بن عبد الله بن أحمد الصنعاني(1) [ - 855ه]
الفقيه القاضي العلامة إدريس بن عبد الله بن أحمد بن ساعد الصنعاني - رحمه الله - قاضي صنعاء وحاكمها، ومفتيها وعالمها، من بيت محتفل بالعلماء، توفي - رحمه الله - سنة خمس وخمسين وثمانمائة، ومن شيوخه العلامة حسين بن أحمد بن ساعد الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، وأجازه بإجازة قال فيها: في شأن (الغياصكة) في علم الكلام و(الغياصة) التي وضعها شرف الدين محمد بن يحيى بن حنش، وضع أكثرها وباقيها وضعه والده(2) يحيى بن محمد.
إدريس بن الإمام يحيى(3) [ - ]
الشريف(4) السامي ركن الدين إدريس بن الإمام يحيى بن حمزة بن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وكان من حماة الإسلام وجلة العترة الكرام، شحاك أعداء الله بقوله: ولعله ترجم له صاحب (الصلة)، فقال: كان عالماً فاضلاً، حاز خصال الكمال برمتها، وله جهاد عظيم كر على مائة فارس وخمسمائة فارس(5)، وهو في قدر عشرين فارساً ومائة رجال، فلحقهم وكسرهم وقتل منهم وأسر من الغز والأشراف والعرب، وكانت له كرامات وبركات، انتهى كلام السيد عماد الدين في كتاب الصلة - رحمه الله -.
__________
(2) في (ب): ولده.
(3) صلة الاخوان، طبقات الزيدية الصغرى.
(4) في (ب): السيد الشريف.
(5) في (ب): قانس.

وقال السيد الإمام العلامة عبد الله بن الهادي بن يحيى بن حمزة في ترجمته إدريس بن أمير المؤمنين: كان عالماً فطناً ذكياً، واشتغل على والده - عليه السلام - وقرأ عليه من تصانيفه في العربية أكثرها، ومن تصانيفه في علم الكلام وأصول الفقه وغيرها، وكان فارساً شجاعاً كاملاً في موافقة الناس وملاقاة القبائل ومصادمة الحروب، ومع ذلك لا يخلو من العبادة وأفعال الخير وملازمة القراءة، ورزقه الله من صناعة الخط حظاً وافراً، وأعطاه منه نصيباً كاملاً، وكتب من تصانيف والده - عليه السلام - كتباً، وقرأها عليه وأجازها له، وأثنى عليه في تحقيقها وبحثها وتنقيرها(1).
قلت: وكان الإمام يحيى يكنى بابنه إدريس هذا ، من ذلك قول بعض العلماء من عقب الإمام يمدح الإمام حين اطلع على (الإيجاز)(2) في المعاني والبيان:
لله در أبي إدريس إن له ... فكراً يلين له المستصعب القاسي
كم في مؤلفه الإيجاز من نخب ... تكررت بين أنواع وأجناس
لو عمره عد والتأليف فيه أتى ... لكل يوم كما قالوا بكراس
إدريس المغبري(3) [ - ]
__________
(1) لعلها: وتنقيحها.
(2) ويسمى الإيجار لأسرار كتاب الطراز في علوم البيان ومعرفة الإعجاز في البلاغة للإمام يحيى بن حمزة - عليه السلام - المتوفي سنة 749ه، وكتاب الإيجاز مخطوط منه نسخة خطت سنة 744ه بخط المؤلف بالمكتبة الغربية رقم (1) بلاغة، أخرى رقم (1830)، ثالثة رقم (1610) مكتبة الأوقاف، رابعة ذكرها الأستاذ المحبشي بمكتبة دار التراث برقم (4299).

/238/ السيد العالم الفاضل إدريس المغبري - رحمه الله تعالى - كان عالماً عاملاً تقياً معاصراً للإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى - عليه السلام - وهو الذي نقل عنه العلامة(1) عبد الله بن مفتاح بن أبي القاسم بن مفتاح أن مسائل (الأزهار) منطوقها ومفومها سبعة وعشرون ألف مسألة، وروى ذلك عنه الفقيه سليمان الجهراني - رحمهم الله جميعاً -.
قلت: هذا العدد كما تراه، وقد روى القاضي العلامة عامر بن محمد لمسائل (الأزهار) و(التذكرة)(2) عدداً، وقد كتبته في كتبي إلا أنه غاب عني وقت الرقم، وقد عد الفقيه العلامة الحسن العدوي البكري - رحمه الله - مسائل التذكرة، فقال في آخر نسخته التي كتبها لنفسه:
تمت ونسأل من ذي العرش معناها ... والحمد لله أولاها وأخراها
نسخاً وضبطاً وتصحيحاً على مهل ... أيضاً سماعاً على تفحيص فحواها
أيضاً ونظماً كحرز آخر لجب ... عشرين ألفاً وبل يا صاح ضعفاها
تمت على كف عبد خائف وجل ... لكن له رحمة في قصده الله
بالله يا من رأى تنظيمه ادع له ... ليدخلا(3) من جنان الخلد أعلاها
فليس ذا بعزيز إن نظرت إلى ... عفو الذي صاغ أنفاساً وسواها
وقد عد مسائل (الحفيظ)(4) العلامة زين الدين أبو القاسم إبراهيم بن محمد البوسي، فقال:
__________
(1) في (ب): وهو الذي نقل عنه العلامة الفقيه.
(2) ويسمى التذكرة الفاخرة في فقه العترة الطاهرة في الفقه لمؤلفه العلامة الحسن بن محمد النحوي، المتوفي سنة 791ه، فرغ مؤلفه من تصنيفه سنة 790ه، ولا زال مخطوطاً منه (17) نسخة في مكتبة الأوقاف، وخمس نسخ بمكتبة جامع شهارة، ونسخة بمكتبة المرتضى المحطوري، ونسخة كثيرة (انظر كتابنا مصادر التراث الإسلامي في المكتبات الخاصة في اليمن).
(3) لعله: لتدخلا.
(4) هو كتاب الحفيظ في الفقه، لمؤلفه العلامة يوسف بن محمد الأكوع المتوفي بعد سنة 749ه، وكتاب الحفيظ لا زال مخطوطاً، ومنه نسخة بأمبروزيانا (2184).

يا سالكاً في الفقه منهج مهتد ... لا تقصدن سوى الحفيظ الفائق
جمع الكفاية والزيادة والمنى ... حصر المسائل كلها باللائق
سبعون ألفاً جردت في متنه ... من بعد ألف بالمقال الصادق
انتهى.
من اسمه أزهر
أزهر بن راوع المرادي(1) [ - ]
أزهر بن راوع المرادي - رحمه الله - ذكره في علماء الزيدية، الشيخ العالم القاسم بن عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر البغدادي - رحمه الله - قال: من تلامذة الإمام زيد بن علي، وكان فاضلاً نبيلاً - رحمه الله تعالى -.
من اسمه أسعد
أسعد بن أحمد(2) [ - ]
السطان البليغ الفاضل أسعد بن أحمد صنو السلطان حاتم، كان من الزيدية، موالياً للعترة، بليغاً منطيقاً في الغاية من البلاغة، وللسلطان أسعد أشعار منها ترثيته في المنصور بالله.
أسعد بن الحسن العذري(3) [ - ]
القاضي العلامة أسعد بن الحسن العذري، كان فاضلاً عالماً من وجوه أهل العلم.
أسعد بن الحسن بن ناصر الشتوي(4) [ - ]
الشيخ الفقيه العالم أسعد بن الحسن بن ناصر الشتوي، صنو العلامة عمران، كان عالماً مرجعاً قبلةً للطالبين، إلا إن شهرته في الفضل دون أخيه عمران، وقد يكون للظهور والخفاء أسباب، وهذه النسبة المشهورة على الألسنة أنها بكسر الشين المعجمة وسكون المثناة الفوقية، ورأيت بخط عمران ضبطها بفتح الشين والتاء، ولعلها أثبت، ونقلت في ظني أن هذه النسبة إلى بني شتي بطن من عذر من قبائل (همدان)، والله أعلم.
أسعد(5) بن الحسين العباسي(6)
__________
(4) سيرة الإمام أحمد بن الحسين.
(5) في (ب): قدم الشريف أسعد بن الحسين على الشيخ الفقيه العالم أسعد بن الحسن بن ناصر الشتوي.

الشريف أسعد بن الحسين العباسي - رحمه الله - ذو مناقب /239/ دثرة، ومفاخر كثرة، وأحد الفصحاء والأبطال النصحاء، وحسبه أنه في قضية يوسان من أعمال الشرف لما توافقوا للحرب بباب الحصن المعروف بالمحراس، وخرج البغاة من الحصن لقيهم الشريف أسعد بوجهه البسَّام وحسامه القصَّام، وهو يقول - رحمه الله -:
لمثل هذا اليوم سميت الأسد ... أضرب ضرباً لم يعانيه أحد
بسعد مولانا الإمام المعتمد ... أرجو بذاك الفوز من فرد صمد
لم يتخذ صاحبة ولا ولد ... (……)
فطرد البغاة - أحسن الله جزاءه -.
أسعد(1) بن علي المري(2) [ - ]
القاضي العلامة أسعد بن علي المري، ذكره الشيخ أبو فراس، وأثنى عليه، وترجم السيد يحيى بن القاسم للقاضي أسعد بن علي العنسي وأثنى عليه وزمانهما واحد، فلا أدري هما رجلان أم واحد.
أسعد بن علي العنسي(3) [ - ]
الفقيه الفاضل والقاضي الكامل أسعد بن علي العنسي قاضي صنعاء، ولاه قضاءها الإمام أحمد بن الحسين - عليهما السلام - وكان من كبار العلماء وخيارهم.
أسعد بن عمرو(4) [ - ]
__________
(1) في (ب): ذكر بعد القاضي العلامة أسعد بن الحسن العذري.
(3) انظر طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث ترجمة رقم (125)

الفقيه الأفضل أسعد بن عمرو من علماء الزيدية، والذي يظهر لي من حاله أنه كان يميل إلى التقشف، وإن لم يحقق التحقيق الذي ينبغي، وكان يستقل بآراء في العلم، ويستظهر لذلك، إلا أنه يلوح مما بينه وبين الإمام المنصور ما ذكرته، وله مسائل منها ما يصرح بأنه لا يثنيه عنها جواب مجيب، وأجاب عليه الإمام في مسائل بالجواب المشهور (بالرسالة القاهرة)، قال في خطبة تلك الرسالة: أما بعد، فإن مسائل الشيخ المكين الموفق - إن شاء الله - أسعد بن عمرو - أرشده الله - وصلت إلينا إلى صنعاء اليمن، ونحن في أشغال تبلبل البال، وتسدُّ منهاج الجواب والسؤال، فرأيت إيثار النظر فيها من مهمات الدين وموجبات رضا رب العالمين؛ لأنه أوردها إيراد المسترشدين، فأمرنا الإخوان، أرشدهم الله بتوفيقه وتأييده ولا أخلاهم عن عونه وتسديده، والشيخ(1) الأجل الأوحد عمدة الموحدين محيي الدين ولي المؤمنين محمد بن أحمد بن الوليد القرشي، والقاضي الأجل نظام الدين عمدة المجاهدين سيف أمير(2) علي بن زيدان الطائي في جماعة من الإخوان - أكثر(3) الله أعدادهم ولا قطع إمدادهم بقراءتها، فقرؤوها علينا على(4) مسألة مسألة، ونحن نلقي على أذهانهم ونفرغ في آذانهم الأجوبة على تلك الأسئلة مبرهنة معللة، إما مفصلة وإما مجملة، على قدر احتمال الحال(5)، وأخذ الإمام علي هذه الصفة، ثم وصف الاشتغال فقال: كم بين من لا همّ له إلا النوم، والاغتسال والعوم، ومن يقطع بعض ليله في تسيير المقانب، وجل نهاره في تكتيب الكتائب، فتارة يفوز سهمه، وتارة يخيب، ومرة يخطئ، ومرة يصيب.
فلا تعذليني في الهدايا فإنما ... تكون الهدايا من فضول الغنائم
وليس بمهدٍ من يضل نهاره ... جلاداً و يمسي ليله غير نائم /240/
__________
(1) في (ب): الشيخ.
(2) في (ب): سيف أمير المؤمنين.
(3) في (ب): كثر.
(4) في (ب): لا توجد لفظة على.
(5) في (ب): إجمال الحال.

خميص الحشا إما على السرج حانياً ... وإما على فضل من الترس عائم
وأنشد:
يا قوم قد أكلتموني(1) باللوم ... وما لقيت عامراً قبل اليوم
والآن قد لقيتهم فلا لوم ... سيان(2) هذا والعتاب واللوم
والمضجع البارد في ظل الدوم
أسعد(3) بن منصور(4) [ - ]
أسعد بن منصور، عالم كبير فاضل شهير، قبره في السودة.
من اسمه إسماعيل
إسماعيل بن أحمد بن القاسم(5) [بعد 300ه - ]
الشريف الفاضل العلامة أبو البركات إسماعيل بن أحمد بن القاسم بن محمد بن القاسم بن إبراهيم، شريف كامل المنصب عالي الهمة شريف المنزلة، كان بعد ثلاث مائة من الهجرة.
إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن(6) [ - ]
الإمام العلامة أبو الأئمة الكرام إسماعيل الديباج بن إبراهيم الخضر(7) بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - شهرته مغنية عن الإطناب، وظهور أحواله الكريمة مجزية عن الإسهاب، كان يسمى بالديباج مطلقاً، وأخوه محمد - عليهما السلام - يسمى بالديباج الأصفر؛ لأنه كان كل منهما كسبيكة الذهب، وكان يكنى أبا إبراهيم ويسمى الشريف الخلاص، وشهد فخّاً - رحمه الله - وذهب إلى جوار الله أيام المنصور العباسي.
إسماعيل بن إبراهيم بن عطية(8) [ - 794 ه]
__________
(1) في (ب): أكلهتموني.
(2) في (ب): شتان.
(3) في (ب): ذكر بعد القاضي العلامة: سعد بن علي المري.
(4) نفحات العنبر - خ - أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (212).
(6) مآثر الأبرار 1/425 - 427.
(7) في (ب): إبراهيم المحض.
(8) طبقات الزيدية القسم الثالث ترجمة رقم (128)، مؤلفات الزيدية 1/191، 2/175، ملحق البدر الطالع ص 56، معجم المؤلفين 2/255، كشف الظنون 1376، مصادر الحبشي 376، وفيه إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم النجراني، المستطاب - خ - 2/50، الجواهر المضيئة - خ - ص25، لوامع الأنوار 2/72.

الفقيه الفاضل الشيخ الكامل إسماعيل بن إبراهيم بن عطية من آل النجراني - رحمه الله - كان جامعاً للعلوم من أعلام المائة الثامنة، وهو من تلامذة مطهر بن تريك، وأظنه شارح الحاجبية، فإنه كان إماماً لا يلحق في علوم القرآن، ومن تلامذته محمد بن داود النهمي، والسيد الكبير العلامة الهادي بن إبراهيم رحل إليه إلى صعدة فقرأ عليه كما قال السيد الهادي الصغير في علوم العربية نحواً(1) ومعانياً وبياناً، وكذا تفسير القرآن، وقال في صفته: الشيخ العلامة، إمام المحققين، وترجمان أهل عصره أجمعين.
قلت: وكان من تلامذته السيد علي بن محمد بن أبي القاسم، والسيد علي - رحمه الله - شيخ علي بن موسى الدواري، وعلي بن موسى شيخ السيد صارم الدين، ومن مصنفاته (الأسرار الشافية والخلاصات الكافية)(2)، وله على (الكافية) شرح أخصر من هذا، توفي سنة أربع وتسعين وسبعمائة عن نيف وسبعين سنة، وهو ممن حضر بيعة الإمام علي بن صلاح، خرج من صعدة مع الذين خرجوا إلى صنعاء، منها لذلك المهم.
إسماعيل بن أحمد بن عبد الله بن إبراهيم(3) [ - 808ه]
__________
(1) في (ب): نحواً و تصريفاً ومعانياً وبياناً.
(2) في (ب): في كشف معاني الكافية، قلت: ومن الكتاب نسخة خطية بالمكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء برقم (492)، مجاميع، والكتاب تحت التحقيق تقوم بتحقيقه طالبة في جامعة صنعاء، رسالة ماجستير.
(3) طبقات الزيدية القسم الثالث ترجمة رقم (129)، هداية الراغبين - خ - لوامع الأنوار - خ - الجواهر المضيئة - خ - وانظر كتابنا أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (215).

الشيخ الجليل العلامة إسماعيل بن أحمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عطية النجراني المداني، شيخ العربية والتفسير، مكانته في الفضائل مكانة عمه السابق ذكره، وله مشائخ عدة وأحفاد وتلامذة، فمن مشائخه السيد أبو الحسن علي بن محمد بن أبي القاسم، وقرأ عليه الكشاف والتجريد، ومن شيوخه السيد عبد الله بن يحيى بن المهدي الزيدي المعروف بأبي العطايا، ومن تلامذته السيد العلامة المعروف بحافظ الإسناد محمد بن عبد الله بن الهادي الوزيري - رضي الله عنهم -.
إسماعيل بن أحمد البستي(1) [ - 420ه تقريباً]
الشيخ الإمام لسان المتكلمين إسماعيل بن أحمد البستي /241/ - رحمه الله - حافظ المذهب وشيخ الزيدية بالعراق، وإليه نسبة المذهب كما في تعاليق العلماء على (الزيادات) وعلى (اللمع)، وشهرة ذلك أظهر من الشمس، وإن كان قد وهم بعض علمائنا بجعله جامع (الزيادات)، وجامع (الزيادات) هو الشيخ الأستاذ ابن تال - رحمه الله -.
قال الحاكم - رحمه الله -: أخذ البستي عن القاضي، وله كتب كثيرة وكان جدلاً حاذقاً يميل إلى الزيدية، وصحب قاضي القضاة، وكان إذا سئل بمسألة(2) أحال عليه، وناظر الباقلاني، فقطعه لأن قاضي القضاة ترفع عن مكالمته.
إسماعيل(3) بن جعفر الصادق(4) [ - 138ه]
__________
(1) أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (235) واسمه فيه: إسماعيل بن علي بن أحمد بن محفوظ البستي الزيدي، أبو القاسم، ومنه: معجم المؤلفين 2/279، ورجال الأزهار 7، مؤلفات الزيدية 1/147، 308، 2/455، 3/85، الجواهر المضيئة - خ - ص: 26، المستطاب - خ - معجم المفسرين 1/91.
(2) في (ب): إذا سئل عن مسألة.
(3) في (ب): ذكر بعد الإمام إسماعيل الديباج.

السيد الكبير الإمام الشهير إسماعيل بن جعفر الصادق، يكنى أبا محمد، ويعرف بالأعرج، كان من أكبر أولاد أبيه وأحبهم إليه، وكان(1) يحبه حباً شديداً، وتوفي في حياة أبيه بالعريض فحمل على رقاب الناس إلى البقيع فدفن به سنة ثماني وثلاثين ومائة قبل وفاة أبيه جعفر الصادق بعشرين سنة.
إسماعيل بن شهردوير بن يوسف(2) [ - ]
الشيخ الأكمل الأعلم بهاء الدين إسماعيل بن شهردوير بن يوسف بن الحسن بن أبي القاسم الديلمي المرقابي - رحمه الله - كان هو وأبوه وجده وأخوه من بيت علم خطير، ذكرهم الملا يوسف حاجي الناصري - رحمهم الله جميعاً -.
إسماعيل بن عبد الرحمن السدي(3) [ - 167ه]
الفقيه الكبير المحدث إمام التفسير إسماعيل بن عبد الرحمن السدي - رحمه الله - إمام كبير وعلامة شهير، من أجلاء العلماء، وأظنه ذكره في تلامذة زيد وأتباعه الإمام العلامة، ولي آل محمد القاسم بن عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر البغدادي - رحمه الله -.
__________
(1) في (ب): كان.
(3) أسماء التابعين الرواة عن الإمام زيد - عليه السلام - 15، ومنه الجداول - خ - طبقات الزيدية - خ - حياة الإمام زيد دراسة وتحليل (قسم أصحاب الإمام ورواة حديثه)، تهذيب الكمال 3/132، ومنه الجرح والتعديل 1/185، الميزان 1/236، الكامل 1/274، التأريخ الكبير 1/361، سير أعلام النبلاء 5/264، ثقات ابن حبان 4/220، التابعين 2/23، تقريب التهذيب 1/273، أعيان الشيعة 3/378، شذرات الذهب 1/174، الكنى والألقاب 2/311، طبقات المفسرين 1/110، معجم المفسرين 1/90، معجم المؤلفين 2/276، معجم الأدباء 7/13 - 16، الأعلام 1/313، تأريخ أسماء الثقات ص50، طبقات ابن سعد 6/323، طبقات خليفة 163، تأريخ ابن معين 1/249، ترجمة رقم 1637، روضات الجنان 101، 102، لوامع الأنوار 1/353، وانظر أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (231).

قال ابن الجوزي: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة المعروف بالسدي، مولى بني هاشم، كوفي، يروي عن أنس.
قال يحيى القطان: ما رأيت أحداً يذكره إلا بخير، ما تركه أحد، وقال أحمد بن حنبل: هو ثقة.
قال المنذري: السدي هذا(1) أخرج له مسلم في صحيحه. قال ابن عدي: هو عندي صدوق لا بأس به.
وقال في (بغية الألباب) تأليف أحمد بن علي بن عبد السلام التكريتي المختصر من معجم الأدباء لياقوت:
إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب السدي الأعور، صاحب التفسير، يكنى أبا محمد، وقيل عبد الرحمن بن أبي كريمة مولى زينب بنت قيس بن محرمة(2) من بني عبد مناف، حجازي الأصل، سكن الكوفة، مات سنة 167ه. روى عن أنس بن مالك وغيره، وهو السيد(3) الكبير، روى عنه الثوري وغيره، كان إسماعيل بن أبي خالد يقول: السدي أعلم بالقرآن من الشعبي، وإنما سمى السدي؛ لأنه نزل (بالسدة)، وكان أبوه من كبار أهل أصبهان، لقي جماعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وقيل: لأنه كان يبيع الْخُمُر، يعني المقانع في سدة الجامع - يعني باب الجامع -. وقيل: لأنه كان يجلس في المدينة بموضع يقال له: السدة، وكان شريك يقول: ما ندمت على رجل لقيته ألاَّ أكون كتبت كل شيء لفظ به إلا السدي.
__________
(1) في (أ): وهو.
(2) لعلها: مخرمة بالخاء المعجمة.
(3) في (ب): وهو السدي الكبير.

إسماعيل بن عباد(1) [324 - 385ه]
__________
(1) مقدمة ديوانه 6 - 9، ومنه أخبار أصبهان 2/138، البداية والنهاية 11/314، بغية الوعاة 196، شذرات الذهب 2/163، معاهد التنصيص 2/152، وفيات الأعيان 1/206، الأنساب للسمعاني، معجم الأدباء 6/168، معجم البلدان 6/8، النجوم الزاهرة 4/170، معالم العلماء 136، يتيمة الدهر 3/267، تأريخ أبي الفداء 2/130، لسان الميزان 1/414، كتاب (الصاحب بن عباد، تأليف محمد بن حسين آل ياسين)، أنباء الرواة 1/202، تأريخ بن خلدون 3/108، الإمتاع والمؤانسة 54، الضرير 4/40 - 81، فهرست ابن النديم 194، مرآة الجنان 2/441، تأريخ ابن كثير 11/314، تأريخ الأدب العربي 1/136، مقدمة رسائل الصاحب، ظهر الإسلام 1/133 - 134، تأسيس الشيعة 161، كشف الظنون 1/796، هداية العارفين 1/209، طبقات الزيدية - خ - معجم المؤلفين 2/274، المستدرك على معجم المؤلفين 124، ومنه مقدمة حسين علي محفوظ لرسالة في الهداية والضلال للصاحب 326 - 385، وانظر كتابنا أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (230).

فخر الملة جامع المحامد، ولي آل رسول الله، شحاك الأعادي، الصاحب كافي الكفاءة إسماعيل بن عباد - رحمه الله - كان نسيج وحده في كل فضيلة، ما ظننته خلا عن ذكره كتاب من كتب التواريخ، إن ذكر الأدباء فهو إمامهم وحجتهم، أو المتكلمون /242/ فعليه تعويلهم، والوزراء فما يمشون إلا تحت لوائه، ولا يتفيّأون إلا في ظل فنائه، أو الفقهاء من جميع المذاهب، فحضرته منبع أعين(1) جميع العلوم، وصنف له الإمام الكبير أحمد بن الحسين الهاروني المؤيد بالله - عليه السلام - (البلغة)(2) على مذهب الهادي - عليه السلام - وهي كتاب لطيف محتفل بفوائد وزوائد، وناهيك لهذا الصاحب الجليل بعناية هذا الإمام العظيم شأنه وحضوره مجلسه المعمور بالفضائل،بل مدحه بقصيدته الزهراء(3) الشهيرة الطائرة السائرة، وكان الإمام(4) أبو طالب من أهل الحضرة، وأيضاً وينقل عن الصاحب وقاضي القضاة وغير هؤلاء، وكان إذا تمنى الناس المراتب والأموال تمنى لقاء السيد المؤيد يحل له الشبه، ومن كلماته: ما تحت الفرقدين مثل السيدين يريد المؤيد بالله والناطق بالحق، ومن كلماته المستحسنة حين توسط بينهما لإصلاح شيء وقع يشبه ما وقع بين الحسنين السبطين - عليهما السلام - فلم يتيسر للصاحب ما رام فقال: شأنكما، وما قد شانكما، وكان الكلام مسخراً له، ولقد أحسن القاضي الجرجاني - رحمه الله - فيه حيث يقول في وصفه بالسبق في ميدان الفصاحة:
ولا ذنب للأفكار أنت تركتها ... إذا احتشدت لم تنتفع باحتشادها
سبقت بأفراد المعالي وألفت ... خواطرك الألفاظ بعد شرادها
فإن نحن حاولنا اختراع بديعة ... حصلنا على مسروقها ومعادها
وفي كتب هذا الشأن ما يغني عن الإطالة، وما أحراه بقوله:
أولم تر الدنيا تطيع أوامري ... والدهر يلزم كيف شئت جنابي
__________
(1) في (ب): منبع لمعين.
(2) لم أجد له نسخة خطية.
(3) في (ب): الزهراء الفائقة.
(4) في (ب): وكان الإمام وكان أبو طالب.

والعيش غض والمسارح(1) جمة ... والهم أقسم لا يطور ببابي
وولاء آل محمد قد حيز لي ... والعدل والتوحيد قد سعدا بي
من بعد ما اسودّت مطالب طالب ... باب الرشاد إلى هدى وصواب
عاودت عرصة أصبهان وجهلها ... ثبت القواعد محكم الإطناب
والجبر والتشبيه قد جثما بها ... والدين فيها مذهب النّصابي
فكنفتهم دهراً وقد ثقفتهم ... إلا أراذل من بني الأذناب
ورويت من فضل النبي وآله ... ما لا يبقِّي شبهة المرتاب
وذكرت ما خص الوصي بفضله ... من مفخر الأعمال والأنساب
ودرى الذي كان التعرف دأبه ... أن الشفاء له استماع خطابي
وله في العدل والتوحيد رسائل وقصائد شغل بها قلوب الأعداء، وأشعلها ناراً بفصاحة وبلاغة وإبراز البراهين العقلية والنقلية بتلك العبارات، ولله /243/ دره حيث يقول:
لو قيل للمجبر المعتوه إن له ... أباً يريد فساداً طاح من عصبه
وظل يدفع ما قد قيل من أنف ... مجدداً عجبه فيه إلى عجبه
فكيف قال يريد الله فاحشة ... يذمها من رياء العبد أو كذبه
لولا التجاهل عز الله معتلياً ... عما يفوه ذوي الأجبار في خطبه
وهو المريد صلاح الخلق أجمعهم ... كذاك أنبأنا في النص من كتبه
والذم يلحق عند الناس(2) موجبه ... والإثم يحصل في ميزان مكتسبه
وما أدل قوله في هذه القصيدة على فضله وشرفه وهي طويلة أولها:
لو كانت الدنيا كنوزاً في يدي ... لوهبتها من حيث لا تكفيني
ما قدر منقرض وقيمة نافد ... ومحل ماض أن يليق يميني
العدل والتوحيد كل معاقلي ... وولاء آل الطهر جل حصوني
لا علم إلا ما أناضل دونه ... وأفاضل الدنيا يناضل دوني
يا آل أحمد قد جددت لمدحكم ... لما رأيت الحق جد مبين
سبق الوصي إلى العلا طلابها ... حتى تملكها بغير خدين
شمس ولكن ليس يعرف قرصها ... وضبارم(3) لم يستتر بعرين
__________
(1) في (ب): والمفارح.
(2) في (ب): عند الخلق.
(3) الضُّبارم: الأسد، والرجل الجريء على الأعداء (القاموس المحيط ص: 1460).

جذب النبي بضبعه(1) يوم الغديـ ... ـر ووكَّد التعريف بالتعيين
ختم الرقاب بنصه لولاية ... ختم الرقاب خلاف ختم الطين
يوم أغر أضاء غرة هاشم ... يوم هِجَان(2) ساء كل هجين(3)
أذكر له بدراً وسعي حسامه ... في هجر روح أو وصال منون
واذكر له أحداً وقد أرضى الردى ... ورضي الردا أسخاط كل وتين(4)
ثم اذكر الأحزاب واذكر سيفه ... أسد يلاقي الحرب (بالتبين)(5)
واذكر يهود بخيبر إذ شلها ... مثل البغاث يشل بالشاهين
وأذكر حنيناً حين أصبح سيفه ... يلقى المناحر عن هوى وحنين
أجرى دماء المشركين فلو جرت ... في موقف لرأيت ألف معين
واذكر مؤاخاة النبي وقوله ... ما قال في موسى وفي هارون
قد سدت الأبواب إلا بابه ... لو كان يُعْرَفُ موضع التبيين
وبراءة ارتجعت وملك أمرها ... يا رب شأن ناسخ لشاءون(6)
يا هل أتى يوحي بمفخر ما أتى ... ليغض طرف الناصب المغبون
أرواة أثار النبي من الذي ... يدعى قسيم النار يوم الدين
من بابه في العلم وهو مدينة ... إيهٍ وصاحب سره المخزون /244/
من زوَّج الزهراء حين تزاحموا ... في خطبة كشفت عن المكنون
من(7) جذ أصل الناكثين وجذ حبـ ... ـل القاسطين وحاط عز الدين
من كان حتف المارقين الفاسقيـ ... ـن وجسهم في دمنة التحسين
يا أمة ملك الضلال زمامها ... وتهالكت في حالها الملعون
أجزاء من هذا ذوائب فضله ... وثمار علياه بغير غصون
__________
(1) الضَّبع: العَضُد، والجمع أضباع كفرخ وأفراخ (مختار الصحاح ص: 376).
(2) أي كريم من قولهم: امرأة هجان أي كريمة.
(3) يقال: رجل هجين بيّن الهُجْنَة، والهجنة في الناس والخيل إنما تكون من قِبَل الأم، فإذا كان الأب عتيقاً أي كريماً والأم ليست كذلك كان الولد هجيناً، والإقراف من قِبَل الأب (المختار الصحاح ص: 691).
(4) الوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه (المصدر السابق ص: 708).
(5) لعلها: بالتبيين.
(6) كذا في (أ) و (ب)، ولعل الصواب: لشئون.
(7) الجذَّ: القطع.

ألا يقدَّم والفضائل شَهَدٌ ... والفخر أقعس(1) مشرف العرنين
وتراق مهجته ويقتل نسله ... وتباح(2) مهجته لشر قطين
أجرى الشقي دم الوصي فشفقت ... حلل الجنان أكف حور عين
وكذا الدعي ابن البغي سطا على ... ولد النبي بحقده المدفون
فبكت ملائكة السماء بكربلا ... والدين بين محرق ورئين(3)
وجرى على زيد ويحيى بعده ... ما ألبس الإسلام ثوب شجون
هاتا أمية راجعت ثأراتها ... فيها بسمل ضلالها الموضون(4)
فيقول: لم تسلم ولم تؤمن ولم ... تعصم بحبل في اليقين متين
فإذا بنو العباس تحذو حذوها ... فأسأل عن المنصور أو هارون
وأسأل ولا يغررك ما قد لبَّسوا ... أو دلَّسوا من قصة المأمون
وهلم جراً فالجرائر بينهم ... فوضى وكم من زفرة وأنين
آل الهدى من بين مقتول ومأ ... سورٍ ومسموم إلى مسجون
والله يجزي الظالمين بناره ... كي يعلموا الأنباء بعد الحين
يا سادتي إن ابن عبَّاد بكم ... يرعى رياض العز والتمكين
وبكم يدافع ما ينوب وعنكم ... يرجو الشفاعة عن أصحِّ يقين
هذى قريعة(5) وقتها وافتكم ... في معرض التحسين والتزيين
إن قِسْتَ أشعار الفحول بحسنها ... فَقِسْ القَتَادَ(6) بروضة النسرين
وإليك يا كوفي أنشد واتّئد ... وأجد على التطريب والتلحين
وله مقاطيع من الشعر في معنى سري، فمن ذلك في أمير المؤمنين كرم الله وجهه:
ما لقوم إذا يقال علي ... صار في ورد خدهم يا سمين
كل هذا لمولد فيه خبث ... وعلى الحق شاهد مستبين
وله:
عليك بالعلم فادخره ... فعنده الفضل والكمال
__________
(1) أي المرتفع.
(2) في (أ): وتباج.
(3) في (أ): ورائن.
(4) السمل: الخلق من الثياب، وقوله: الموضون أي المنسوج من وضن الشيء يضنه فهو موضون، ووضين: ثنى بعضه على بعض وضاعفه ونضَّده، والنسع: نسجه (وانظر القاموس المحيط).
(5) أي خيار الشعر: إشعاره له من القريعة، وهي خيار المال.
(6) القتاد: شجر له شوك، والنِّسرين بالكسر: ورد.

/245/ العلم إما افتقرت مال ... وإن حويت الغنى جمال
وله:
الزم الصدق إنه ... طية العلم والأدب
كذب المرء شينه ... لعن الله من كذب
وله:
احذر الغيبة فهو الفسق لا رخصة فيه ... إنما المغتاب كالآكل من لحم أخيه
وله:
إذا هممت بأمر ... فقدِّم الاستخارةْ
وإن عزمت عليه ... فكرِّر الاستشارةْ
وله:
يا طالباً سمت السداد والرشد ... لا تحسدنَّ كيف ما كنت أحدْ
كي لا تضيف كمداً إلى كمد ... فليس للحاسد إلا ما حسدْ
وله:
حفظ اللسان راحة الإنسان ... فاحفظه حفظ الشكر للإحسان
فآفة الإنسان في اللسان
وله:
إياك والحرص إن الحرص مهلكة ... فاقنع بما هو مرزوق ومقسومُ
ما زاد حرص امرئ في رزقه وكفى ... إن الحريص على العلات محرومُ
وله:
إذا ما دهاك الخطب تخشى ضراره ... فلا تنتظر نصراً سوى نصر خالقك
فإن قلَّ مال أو تأخر وقته ... فلا تترقب غير إحسان رازقك
وله:
احفظ السر وارعه ... إن إظهاره خطرْ
لا تذعه وإن وثقـ ... ـت بمن يكتم الخبرْ
فقديماً رووا لنا ... عن ذوي العلم بالأثرْ
احفظ السر مثلما ... تحفظ السمع والبصرْ
وله:
إذا أدناك سلطان فزده ... من التعظيم واحذره وراقبْ
فما السلطان إلا البحر عظماً(1) ... وقرب البحر محذور العواقبْ
وله - رحمه الله - إلى بعض الطالبيين مرض فزاره الصاحب وقال:
يا سيداً أفديه عند شكائه ... بالنفس والولد الأعز وبالأبِ
لم لا أبيت على الفراش مسهداً ... وقد اشتكى عضو من اعضاء النبي
/246/ وله - رحمه الله - في الشمعة:
ورائق القدِّ مستحبِ ... يجمع أوصاف كل صبِّ
صفرة لون وصب(2) دمع ... وذوب جسم وحر قلبِ
وله إلى بعض الأشراف لما تأخر عن زيارته:
إذا لم يكن لركوب الشريـ ... ـف سوى أن يلم بداري غرض
وأفقده الدهر مركوبه ... فإن عليَّ احتمال العوض
وله في السيد الإمام المؤيد بالله - عليه السلام -:
__________
(1) لعلها: غطماً بالغين المعجمة في أوله والغطم: البحر العظيم.
(2) في (ب): وسكب دمع.

سقم الشريف سقامي ... يضيق عنه مقامي
ولو تحملت عنه ... عوارض الأيام
وكان يفديه روحي ... من كل داء عقامي(1)
لما قضيت حقوقاً ... لمشيتي واهتمامي(2)
ففضله ضوء بدر ... يجلو سحاب ظلام
وحلمه الحلم يزري ... بيذبل وشمام
وعلمه سيح بحر ... أو لا ففيض غمام
يأتي بسحر حلال ... في لطف سحر حرام
واليت أبناء طه ... فهم موالي الإنام(3)
أذبُّ عنهم بكفي ... وصارمي وكلامي
وأصطفيهم لودي
ذ ... ومدحتي وسلامي
وشانئاً لرجال ... قالوا بنكث الذمام
وليس غير علي ... بعد النبي إمامي
إن شئت فأكتم حديثي ... أو شئت أظهر كلامي
وله فيه:
كيف كان الشريف أيده اللهْ ... فهو نجم النجوم بدر الأهلهْ
ولو اني استطعت كلَّفت نفسي ... سقمه كله وخففت كلهْ
قصر الله عنه باع الليالي ... وفداه النصاب من كل علةْ
وبعيد أن يقبلوا في فداء ... فعلى الحال حالهم لعنة الله
قلت: وهذا الرجل لم يكن همه إلا المكارم ولا عشقه إلا الأكارم، فكان بابه مطافاً للنبلاء، ومقاماً للفضلاء، إليه يسعون، ثم يقفون ويحجون، ويعتمرون، وما بلغه ذكر فاضل إلا واستدناه وراسله، كأن ذلك الفاضل هو المتفضل، وقد مرَّ ما حكيناه من تمنيه لقاء المؤيد بالله، ولما استدنى القاضي أبا بشر الفضل بن محمد الجرجاني فحين وصل إلى باب الري كتب إليه الصاحب ممتثلاً:
سقى الله دارات مررت بأرضها ... قادتك نحوي يا زياد بن عامرِ
أصائل قرب أرتجي أن أنالها ... بلقياك قد زحزحن حرّ الهواجرِ
__________
(1) العَقام بالفتح: الداء الذي لا يُبرأ منه، وقياسه الضم إلا أن المسموع هو الفتح (مختار الصحاح ص: 448).
(2) في (ب): باهتمامي.
(3) في (أ): الإمام.

قال هارون بن علي المنجم: وكان الصاحب يستحسن هذين البيتين، ويقول: هذا الشعر إن أردت كان أعرابياً في شملته، وإن أردت كان عراقياً في حلته هو في نقاء شعر العرب، وسلامه شعر الحضر، وقد ذكر الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين مراسلته هو والإمام /247/ أبو أحمد العسكري، ولكني أذكرها من رواية الشيخ محمد بن معين التي رواها في كتاب (زاد المسافر)؛ لأنها أبسط، ولفظه: روينا عن السلفي رواية(1) وهو أن الصاحب أبا القاسم إسماعيل بن عباد كان يتمنى لقاء أبي أحمد العسكري، ويكاتبه على ممر الأوقات، ويستميل قلبه فيعتل بالكبر والشيخوخة، إذ عرف أنه يعرض بالقصد إليه والورود عليه، فلما أيس منه الصاحب احتال في جذب السلطان إلى ذلك الصوب، وكتب إليه حين قرب من عسكر مكرم كتاباً يتضمن علوماً نظماً ونثراً ومما ضمنه من المنظوم قوله:
ولما أبيتم أن تزوروا وقلتمُ ... ضعفنا فما نقوى على الوجدانِ
أتيناكم من بعد أرض نزوركم ... وكم منزل بكر لنا وعوانِ
نسائلكم هل من قرى لنزيلكم ... بملئ جفون لا بملئ جفانِ
فلما قرأ أبو أحمد الكتاب أقعد تلميذاً له، فأملى عليه الجواب عن النثر نثراً وعن النظم نظماً، وبعث به إليه في الحال، وكان في آخر جواب(2) أبياته التي ذكرها على الارتجال:
وقد حيل بين العبر(3) والنزوان(4)
__________
(1) في (ب): قصة.
(2) لعلها: جوابه.
(3) في (ب): العير.

وهو تضمين إلا أن الصاحب استحسنه ووقع ذلك موقعاً عظيماً، وقال لو عرفت أن هذا المصراع يقع في هذه القافية لم أتعرض لها، وكنت قد ذهلت عنه، وذهب عليَّ ثم إن(1) أحمد قصده وقت حلوله عليه ومعه أعيان أصحابه وتلامذته في وقت لا يمكن الوصول إليه إلا لمثله، فتلقاه وأقبل عليه بالكلية بعد أن أقعده في أرفع موضع من مجلسه وتفاوضا في مسائل، فزادت منزلته عنده، وأخذ أبو أحمد منه بالحظ الأوفر وأجرى على المتصلين به إدراراً كانوا يأخذونه إلى أن توفي، وبعد وفاته قال الحاكم في (العيون): وكان بويه بن الحسن ألقى إليه مقاليد أمره، وكذلك عضد الدولة فكان يسير سيرة تليق بأهل الدين من العدل في الرعية والأفضال على أهل الفضل ثم قال: ولقد صدق أبو بكر بن الخوارزمي حيث قال:
وكنت أطالب الدنيا بحر ... فكنت الحر وانقطع الكلام
وكنت أعد أفكاري لوقت ... فكان الوقت وقتك والسلام
وكان - رحمه الله - يهتز للمديح، ويظهر أريحيته، ولما أنشده خازنه أبو محمد الأصفهاني قصيدته التي طالعها:
ما بال قلبك نهباً بين أهوائي ... وما لرأيك شورى بين آرائي
[و] منها:
كنا نهيم بسعدى برهة وإذا ... هويت عزة يبغي وصل عفراء
صبية الحي لم تقنع بها سكناً ... حتى علقت صبايا كل أحياء /244/
ما مثل رامة داراً في الديار ولا ... مثل الرباب حبيباً في الأحباء
ولا يطيب الهوى إلا لمنفرد ... بالحب ناء عن العذال أباء
ومنها:
أما رأت عينه أسماء واحدتي ... وقد ثوت من فؤادي في السويداء
أدعي بأسماء نبزاً في قبائلها ... كأن أسماء أضحت بعض أسمائي
ومن مديحها:
نعم تجنب لا يوم الغطاء كما ... يجنب ابن عطاء لفظه الرائي
قالوا: فلما سمع الصاحب - رحمه الله - مديح هذه القصيدة زحف من دسته طرباً:
مفيد ومتلاف إذا ما أتيته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند
__________
(1) في (ب): ثُمَّ إن أبا أحمد.

وترجم الجلال الأسيوطي للصاحب ترجمة لطيفة، قال: إسماعيل بن(1) عباد الطالقاني، أبو القاسم الوزير، الملقب بالصاحب، كافي الكفاة، ولد في ذي القعدة سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وأخذ الأدب عن ابن فارس وابن العميد، وسمع من أبيه وجماعة، وكان نادرة عصره، وأعجوبة دهره في الفضائل والمكارم، حدث وقعد للإملاء، وحضر الناس الكثير عنده بحيث كان له ستة مستملون، وكان في الصغر إذا أراد المضي إلى المسجد ليقرأ تعطيه والدته ديناراً في كل يوم، وتقول له: تصدق بهذا على فقير ففير تلقاه، فكان هذا دأبه في شبابه إلى أن كبر وصار يقول للفرَّاش كل ليلة: اطرح تحت المطرح ديناراً أو درهما لئلا ننساه، فبقي على هذا مدة، ثم إن الفراش نسي ليلة من الليالي أن يطرح له الدرهم والدينار فانتبه وصلى وقلب المطرح ليأخذ الدينار والدرهم(2) ففقدهما فتطير من ذلك وظن أنه لقرب أجله، فقال للفرَّاش: خذوا كل ما هنا من الفراش وأعطوه لأول فقير تلقونه حتى تكون كفارة لتأخير هذا، فلقوا أعمى هاشمياً يبكي على يد امرأة، فقالوا: تقبل هذا؟ فقال: ما هو؟ فقالوا: مطرح ديباج ومخاد ديباج، فأغمي عليه، فأعلموا الصاحب بأمره، فأحضره ورش عليه، فلما أفاق سأله، فقال: اسألوا هذه المرأة إن لم تصدقوني، فقالوا له: اشرح، فقال: أنا رجل شريف لي ابنة من هذه المرأة خطبها رجل فزوجناه ولي سنتان، أخذ القدر الذي يفضل عن قوتنا، أشتري لها به جهازاً، فلما كان البارحة قالت أمها: اشتهيت لها مطرح ديباج ومخاد ديباج، فقلت: من أين لك ذلك؟ وجرى بيني وبينها خصومة إلى أن سألتها أن تأخذ بيدي وتخرجني حتَّى أمضي على وجهي، فلما قال هؤلاء هذا الكلام حق عليَّ أن يغشى عليَّ. فقال: لا يكون الديباج إلا مع ما يليق به، ثُمَّ اشترى لها جهازاً يليق بذلك المطرح، وأحضر زوج الصبية ودفع إليه بضاعة سنية، وبقي
__________
(1) قال إسماعيل بن عباد بن العباس بن عباد الطالفاني.
(2) في (ب): الدرهم والدينار.

الصاحب في الوزارة ثماني عشرة سنة /249/ وشهراً لمؤيد الدولة ابن ركن الدولة علي بن بويه وأخيه فخر الدولة، وهو أول من سمي بالصاحب؛ لأنه صحب مؤيد الدولة من الصبا وسماه الصاحب، فغلب عليه هذا اللقب، ولم يعظم وزيراً مخدومه ما عظمه فخر الدولة، ولم يجتمع بحضرة أحد من العلماء والشعراء والأكابر ما اجتمع بحضرته، وعنه أنه قال: مدحت بمائة ألف قصيدة عربية وفارسية ما سرني شاعر كما سرني أبو سعيد الرستمي الأصبهاني بقوله:
ورث الوزارة كابراً عن كابر ... موصولة الإسناد بالإسناد
يروي عن العباس عباد وزا ... رته وإسماعيل عن عباد
وللصاحب من المصنفات المحيط في اللغة عشرة مجلدات(1) [ومن] رسائله، (الكشف عن مساوئ المتنبي)(2) (جوهرة الجمهرة) (ديوان شعر)(3) وغير ذلك(4)، مات ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وأغلقت مدينة الري، واجتمع الناس على باب قصره ينتظرون جنازته فلما خرج نعشه صاح الناس بأجمعهم صيحة واحدة، وقبَّلوا الأرض، ثم نقل بعد ذلك إلى أصبهان، وشهرته تغني عن الإطناب ومن شعره:
قال لي: إن رقيتي ... سيء الخلق فداره
قلت: دعني وجهك الـ ... ـجنة حفت بالمكاره
انتهى كلام الجلال السيوطي.
__________
(1) قال في أعيان الشيعة: يوجد منه مجلد في دار الكتب المصرية، ومجلد في بعض مكاتب كربلاء.
(2) طبع في مصر.
(3) طبع بتحقيق الشيخ محمد بن حسن آل ياسين ثلاث مرات آخرها سنة 1412ه عن مؤسسة قائم آل محمد.
(4) ومن مصنفات الصاحب بن عباد - رحمه الله -: كتاب الوزراء، والإبانة عن مذهب أهل العدل، بحجج القرآن والعقل (طبع)، والتذكرة في الأصول الخمسة (طبع)، ورسالة في الطب (طبع)، ورسالة في الهداية والضلال (طبع)، وكتاب الإمامة، ونهج السبيل في الأصول، والإبانة في تفضيل أمير المؤمنين (انظرها كاملة في كتابنا أعلام المؤلفين الزيدية ص: 235 - 236).

قلت: وكان نقش خاتمه - رحمه الله -: شفيع إسماعيل في الآخرة محمد والعترة الطاهرة.
قال شيخ الزيدية محمد بن أحمد بن الوليد القرشي - رحمه الله -: ولما مات الصاحب رثاه أحمد بن إبراهيم الظبي(1)، فقال:
أيها الباب لِمَ علاك اكتئاب ... أين ذاك الحجاب والحجابُ
قل بلا ريبة وغير احتشام ... مات مولاي فاعتراني انتحابُ
مات من كان يفزع الدهر منه ... فهو الآن في التراب ترابُ
قال: ولأبي النجم المنجم في ترثيته:
لا تحد عنك ترهات أماني ... عز البقاء على الزمان الفاني
أنظر إلى كافي الكفاة وذله ... من بعد ذاك العز والسلطان
بطشت به الأيام بطش محكم ... فيه فاخلت منه كل مكان
أمسى مسمى في الحديث ولم يكن ... في الشعر يكنى قبل أخذ أمان
إن لم يكن في الناس أول نازح ... عن داره قسراً فليس بثاني
انتهى كلام ابن الوليد.
قلت: ومن أعجب ما روي أن أبا القاسم بن أبي العلا الشاعر الأصبهاني، قال: رأيت في المنام قائلاً يقول لي: لِمَ لا ترثي الصاحب مع فضلك وشعرك، فقلت /246/: ألجمتني كثرة محاسنه فلم أدر بما أبدأ، فقال: أجز:
ثوى الجود والكافي معاً في حفيرة
فقلت:
ليأنس كل منهما بأخيه
فقال:
هما اصطحبا حييَّن ثم تعانقا
فقلت:
ضجيعين في لحد بباب دريه
فقال:
إذا ارتحل الناؤون عن مستقرهم
فقلت:
أقام إلى يوم القيامة فيه(2).
قلت: وباب دريه محله عند باب أصفهان، ورثاه الشريف الرضي ذو الحسبين أبو الحسن محمد بن الطاهر ذي المناقب أبي أحمد الموسوي - رحمه الله تعالى -(3):
أكذا المنون يفطر الأبطالا ... أكذا الزمان يضعضع الأجبالا
أكذا تصاب الأسد وهي مذلة ... تحمي الشبول وتمنع الأغيالا
أكذا تقام عن الفرائس بعدما ... ملأت هما همها الورى أو جالا
أكذا تحط الزاهرات عن العلا ... من بعد ما شات العيون منالاً
__________
(1) في (ب): الضبي.
(2) قوله: القيامة فيه سقط من (أ).
(3) في (ب): فقال.

أكذا تكبُّ البزل(1) وهي مصاعب ... تطوي البعيد وتحمل الأثقالا
أكذا تغاض الزاخرات وقد طفت ... لججاً ووارده الظمي زلالا
يا طالب المعروف حلِّق بحمة ... حط الحمول وعطَّل الأجمالا
وأقم على يأس فقد ذهب الذي ... كان الأنام على نداه عيالاً
من كان يقرى الجهل علماً باقياً ... والنقص فضلاً والرجاء نوالا
ويجبن(2) الشجعان دون لقائه ... يوم الوغى ويشجع السؤالا
خلع الردا ذاك الردا أنفاسه ... عنا وقلَّص ذلك السر بالا
خبر تمخض بالأحبة ذكره ... قبل اليقين وأسلف البلبالا
حتى إذا جلَّى الظنون يقينه ... صدع القلوب وأسقط الأحمالا
الشك أبرد للحشا في مثله ... يا ليت شكي فيه دام وطالا
ذ
جبل تسنمت البلاد هضابه ... حتى إذا ملأ الأقالم زالا
إن قطع الآمال منك فإنه ... من بعد يومك قطع الآمالا
ما كنت أول كوكب نزل الدنا ... وسما إلى نظرائه فتعالا
أنفاً من الدنيا بتت حباً لها ... ونزعت عنك قميصها الأسمالا
ذا المنزل المطعان قد فارقته ... وغداً تبوأ منزلاً محلالا
لا رزء أعظم من مصابك إنه ... وصل الدموع وقطَّع الأوصالا
يا آمر الأقدار كيف أطعتها ... أو ما وقاك جلالك الآجالا
كم حجة في الدين خضت غمارها ... هدراً لفينق(3) يحمطا(4) وصالا /251/
فسنان رمحك أو لسانك موسعاً ... طعناً يشق على العدى(5) وحلالا
إن نكس الإسلام بعدك رأسه ... فلقد رزي بك موئلاً ومآلا
واهاً على الأقلام بعدك إنها ... لم ترض غير بنان كفك آلا
منها:
سلطان مجد كنت أنت تعزه ... ولرب سلطان أعز رجالا
إن المشمر ذيله لك خيفة ... أرخى وجلد(6) بعدك الأذيالا
ما كنت أخشى أن يزل لحادث ... قدم جعلت لها الركاب قبالاً
__________
(1) البُزْل: جمع بازل، وهو البعير، أو الناقة وذلك إذا كان تاسع سنيه، وليس بعده سن تسمى.
(2) في (أ): ويجبر.
(3) الفينق: الفحل المكرم لا يؤدذى لكرامته على أهله ولا يكرب.
(4) في (ب): تحطما.
(5) في (ب): وجدالا.
(6) في (ب): وجرّد.

دفع الزمان لك النوائب دفعة ... وتصوب الوادي إليك فسالاً
ومنها:
طلبوا التراث فلم يروا من بعده ... إلا علاً وفضائلاً وجلالا
هيهات فاتهم تراث مخاطر ... حفظ الثناء وضيع الأموالا
قد كان أعرف بالزمان وصرفه ... من أن يثمر أو يجمع مالا
مفتاح كل ندىً وكل معاشر ... كانوا على أموالهم أقفالا
ومنها:
يا طالباً من ذا الزمان شبيههُ ... هيهات كلفت الزمان محالا
إن الزمان أظن بعد وفاته ... من أن يعيد لمثله أشكالا
ومنها:
صلى الإله عليك من متوسد ... بعد المهاد جنادلاً ورمالا
كسف البلا ذاك الهلال المجتلا ... وأجر ذاك المقول الجوالا
ورأيت كل مطية قد بدلت ... من بعد يومك بالزمام عقالا
طرح الرجال لك العمائم حسرة ... لما رأوك تستروا إجلالا
قالوا: وقد فجئوا بنعشك سائراً ... من ميل الجبل العظيم فمالا
وتبادروا شق(1) الجيوب وعاجلوا ... عظ الأنامل يمنة وشمالا
ما شققوا إلاَّ كساك وألموا ... إلا أنامل نلن منك (سحالا)(2)
من ذا يكون معوضاً ما مزقوا ... ومعولاً لمؤمل وثمالا(3)
وهذا القدر من القصيدة، منبه على ما وراءه، وشعر الشريف شريف الشعر، ولله دره، والصاحب حري بأكثر من ذلك، وجملة عدد القصيدة هذه مائة بيت واثنا عشر بيتاً، رحمة الله عليهم أجمعين.
إسماعيل بن عباد بن محمد(4) [ - ]
وفي أهل الوزارة وعلوم الأدب من اسمه إسماعيل بن /252/ عباد بن محمد أبو القاسم الكاتب الأصبهاني، قال السلفي: من بيت الرياسة والكتابة، فاضل في الأدب والنحو، بارع في الترسل، وهذا مظنة الالتباس، ولهذا أنبهنا(5) عليه.
إسماعيل بن عبد الله بن أبي النجم(6) [ - ]
__________
(1) في (ب): وتبادروا عظ الجيوب.
(2) أي بيض، استعارة له من السحل، وهو الثوب الأبيض من الكرسف من ثياب اليمن.
(3) الثمال: الملجأ.
(5) في (ب): نبهنا.
(6) مآثر الأبرار 2/909.

القاضي الرائس حاكم المسلمين المجاهد في سبيل الله إسماعيل بن عبد الله بن أبي النجم رحمه الل،ه من البيت الذي لاح بشر مجده، وفاح نشر نده، وناهيك بقول الإمام إبراهيم بن تاج الدين سلام الله عليه، فيهم:
لآل أبي النجم الكرام مكارم ... تحل محل النيرات الثواقب
لهم عادة بذل النوال إذا سطت ... يد الدهر وانسدت وجوه المطالب
ونشر فنون العلم في كل مشهد ... إليهم له تحدى قلاص الركائب
وإخلاص دين للإله وعفة ... وفعل وقول صادق غير كاذب(1)
وكان هذا القاضي علامة صدراً مقدماً في وقته ذا مكانة في الفضائل على أنواعها وأجناسها، وله شعر كثير، من ذلك ما كتبه إلى الأمير الناصر للدين عز الدين محمد بن المتوكل على الله قصيدة منها:
أو كنت تعلم للنبي من معشر ... سلكوا سبيل الرشد للمتبصرِ
أشياعكم دون الأنام وحبذا ... أشياع والدك النبي الأطهرِ
من دوحةٍ قضوية علماء من ... أبنا ملوكٍ للورى من حميرِ
لما دعا المنصور جدك أقبلتْ ... منا إليه عصابةٌ لم تخصرِ
فحمى جوانبها وعظَّم شأنها ... وأحلَّها فوق السماك النيرِ
وكذاك والدي التقيّ وما جرى ... فيه لوالدك الغمام الممطرِ
مولى البرايا أحمد وغياثهم ... في النائبات وكل أمر يعتري
وأنا الذي عاينته وخبرته ... وبذاك يخبر غائبٌ عن حاضرِ(2)
ما إن كفرت صنيعكم وودادكم ... فاسأل به أهل البسيطة تخبرِ
تزهو المنابر من ثنائي فيكمُ ... بفرائد فاقتْ فريدَ الجوهرِ
وترى المحافل عند ذكري مدحكم ... تعلو على ضوء الهلال الأنورِ
فعلام يهضمني زنيمٌ رتبتي ... أو أن يؤخر في المقام تصدري
أو أن أعد مقصراً لما عدى(3) ... بصداي المعروف فوقَ المنكرِ
أو ان أضام وأنت ذخري والذي ... ألقى به ريب الزمان المعتري
أبذا رضيت فإنني أرضى به ... أم أسخطوك فماله من مصدرِ
يا ناصر الدين الحنيف ودافع الـ ... ـخطب الجليل وعصمة المستبصرِ
__________
(1) مآثر الأبرار 2/908.
(2) في (ب): عن حضر.
(3) لعلها: غدا.

253/ أنت المرجى في الخطوب إذا عرت ... واعتاض أبيضها بلونٍ أقترِ
والحاطم الجبار في وهج الوغا ... ومديره بالذل بعد تجبرِ
والواهب الجرد العتاق سوائماً ... والموقد النيران للمتنورِ
والكاشف الفحشاء لا فعّالها ... والباسط النعماء للمستمطرِ
إن كنت تنكر ما أقول فإنني ... أرضى التناضل في المقام الأشهرِ
ليفوز سابقه بأفضل سبقة ... ويؤخرن مقدماً بمؤخرِ
فلأنت عز الدين مولانا الذي ... ورث الخلافة عن أبيه وحيدرِ
فكفاك عاصمة(1) العلوم إذا عرت ... لا يستطاع لمنجد أو مغورِ
تنموك أبناء النبوة(2) الأوْلى ... شادوا منار الدين للمتبصرِ
كأبيك شمس الدين سيد هاشمٍ ... والناصر الملك الهمام القسوري
أو ذا المتوج من غدت أيامه ... تحدي بها حوض الركاب الضمّرِ
القائل الفعال داود الذي ... أحيا شجاعة حيدر في خيبرِ
سائل به صنعاء ثم برا شها ... وأسأل به القلاب أيَّة مخبرِ
واسأل به جيش الطغاة بصعدة ... ما ذا أنال من العذاب الأكبرِ
وقال - رحمه الله - في مقرعة لقريش: كانت له وهي في الرياض:
مجمعة آداب كل كريمة ... ومن شأنها إعطا الجموع قياده
إذا أسرعت يمنى يدي بشلها ... تناجي ضميري عندها وفؤاده
وله - رحمه الله - أبيات إلى الأمير نجم الدين محمد بن سعيد صاحب الحرم الشريف، وذلك أنه قبض على القاضي جعفر بن عبد الله صنو القاضي إسماعيل فقال:
ما بال عينك عنها(3) النوم ممنوع ... وحبل ودِّك بعد الوصل(4) مقطوعُ
وأنت تشكو أناساً كنت تمنحهم ... خلاصة الود فيما عنك مسموعُ
فقال: إن زماني السوء(5) روعني ... بحادث لم يحدثني به روعُ
سطت علينا أناس نحن شيعتهمْ ... قد طال مِنَّا لهم في الدين تشييعُ
وضيعوا حقنا في عقر دارهمُ ... وحرمة البيت هل في البيت تضييعُ
__________
(1) في (ب): غامضة العلوم.
(2) لعلها: النبوات ليستقيم الوزن.
(3) في (أ): منها.
(4) في (أ): الود.
(5) في (أ): السواء.

والظن فيما أتانا أنه خطأ ... لم يعتمد والخَطَا في الشرع مرفوعُ
وإن نجم الهدى تأسو عوارفه ... كلماً به لذوي الإسلام ترويعُ
وترأب الصدع إذ أعمارنا نفدت ... والأولون وما في العود تصديعُ
254/بل كم رأينا صدوعاً في الورى وترى ... عمودنا اليوم أضحى وهو مصدوعُ
لكنْ مكارمُ نجمِ الدينِ شاهدةٌ ... بأن في كفه الإحسانُ مجموعُ
سارتْ عوارفه في كل ناحيةٍ ... فكل ربعٍ بجودٍ منه مربوعُ
فاضتْ أياديه في الدنيا فكل يرى ... فيها ندى ما بقي سهل ولا ريعُ
وفارس الخيل يحمي المرهفات إذا ... خف الثقيل وفي الأعناق توديعُ
والخيل تبدأ مهاراً مقنعة ... من الشواني بثوب فيه تقطيعُ
حمي(1) الحجاز فلم يظفر به ملك ... وكم له نحوه حشد وتجميعُ
إلى أن قال:
أشكو إليك أبا المنصور قارعةً ... نالت أخي فكأني اليوم ملسوعُ
ولست في نقص مالٍ فهو محتقرٌ ... عندي ولكنْ لأمر فيه تشنيعُ
وإن توقيع ديوان الصغار حوى ... منا الأولى ما حواهم قبل توقيع
وكان القاضي إسماعيل بن عبد الله ممن عضد الإمام المهدي لدين الله إبراهيم بن تاج الدين - عليه السلام - واستشهد معه، لعل ذلك يوم قضية أفق(2) الكائنة في نهار الجمعة النصف من شهر جمادى الأولى من يسنة أربع وسبعين وستمائة، وهي قضية مشهورة بين الإمام وجنود السلطان المظفر يوسف بن عمر بن رسول، وكان المتولي للحرب من قبل السلطان الشعبي وتطرقت المحنة إلى جنود الإمام من حيث كانوا يظنون النجاة والله المستعان، واستشهد القاضي إسماعيل، ورثاه الإمام بترثية طنانة:
خطب ألم فأنساني الخطوب معاً ... وصير القلب في أشغافه قطعاً(3)
وهاض مني القوى حتى غديت أخا ... عجزٍ وقد كنت للأعباءِ مضطلعا
__________
(1) لعلها: حمى.
(2) أفق: قرية في ناحية معبر جهران وأعمال آنس بالقرب من ذمار بمسافة 13 كم، وتعرف قديماً باسم أفيق (معجم المقحفي ص: 41).
(3) وانظر القصيدة في مآثر الأبرار 2/909 - 912.

فصرت أظهر صبراً إذ شعرت به ... تجمّلاً وفؤادي مضمر جزعاً
وذاك قتل شجاع الدين أحمد من ... أمسى بكل خصال الفضل قد جمعا(1)
حاز السماحة والعلياء من قدمٍ ... والحلم والعلم والإقدام والورعا
ذو همة لم تزل قعساءَ ساميةً ... لو ضمها صدر هذا الدهر ما اتسعا
وعزمة مثل حد السيف ماضية ... لو لاقت الصخر يوماً لان وانصدعا
إن عد أهل السخا فهو السخي بما ... تحوي يداه إذا ما باخلٌ منعا
أو عد أهل الهياج المشعلين لها ... فهو الذي بلبان الحرب قد رضعا
وقتل قاضي أمير المؤمنين صلا ... ح الحق من لم يزل للدين متبعاً
سمح اليدين كريم الوالدين له ... كف يفرق في العافين ما جمعا/255
من لم يزل لجميع الخلق معتصماً ... عند الخطوب وللعافين منتجعاً
الصاحب الثقة المأمون جانبه ... والحافظ الود إن دانى وإن شسعا
وقتل نجل سعيد صارمي(2) بيدي ... إذا نبى(3) السيف واستعملته قطعا
كان الهزبر إذا ما الحرب مسعرة ... ولم يكن عندها نكساً ولا ورعاً
لهفي عليهم جميعاً لو شهدتهم ... لكنت أول من نحو الحمام سعى
وإنما الكل في بحر يعوم به ... من البلاد وطير الموت قد وقعا
ولم يولوا ولا وليت منهزماً ... وكلهم ذاق من كأس الردى جرعاً
ولم أظن(4) بنفسي عن مصادمة الـ ... ـموت الزؤام ولكن القضا دفعا
بل قد رميت بها(5) في جحفلٍ لجبٍ ... وبالجواد ولم أضمر بها فزعاً
فذدتهم عن دخول الباب إذ عزموا ... على الدخول وكلٌّ منهمُ رجعا
حتى إذا جاء من خلفي ومن قبلي ... عساكر يحمل الإنصاف والقطعا
فأمسكوا الرمحح من خلفي مغادرة ... والسيف قد أمسكوه والجواد معا
وكنت في موضع مستصعبٍ حرجٍ ... لم ألق فيه لسعي الطرف متسعاً
لم يبق لي حيلة في الدفع عن أحدٍ ... منهم وأُلقيتُ فوق الأرض منصرعاً
__________
(1) وانظر القصيدة في مآثر الأبرار 2/918 - 920.
(2) لعلها: صارم، ليستقيم الوزن.
(3) لعلها: نبا.
(4) لعلها: أضن، بمعنى أبخل.
(5) في (ب): لها.

ثم انتهيت إلى سوحٍ به ملكٌ ... يحل بيتاً من العلياء مرتفعاً
فجاد بالعفو والإحسان شيمته ... وكان للخير والمعروف مصطنعا
إني أقول ونار الحزن في كبدي ... سقياً ورعياً لعهد منهم ولعا
ورحمة الله لا تفنى مكررة ... عليهم ما خفى برق وما لمعا
هذا عزائي لكل المسلمين فمن ... يبلغه عني فربي حاطه ورعاً
ثم الصلاة على المختار من مضر ... وآله السادة المحيين ما شرعا
فأجابه بعض(1) الزيدية فقال:
أهلاً بطرسٍ(2) علينا نجمه طلعا ... نظماً ونثراً بطرس واحد جمعا
من أفضل الناس من عربٍ ومن عجمٍ ... وخير داع إلى الدين الحنيف دعا
خليفة الله من أحيا لنا سنناً ... ومن أمات لدينا سعيه بدعا
مهذباً نجل تاج الدين أشرف من ... أفنى وأقنى ومن أعطى ومن منعا
الباسط الكف للعافين باذله ... إذا السحائب ضنت جاد واندفعا
كهف الطريد إمام العصر سيدنا ... أعز من بالهدى والدين قد صدعا
رثى رجالاً أصيبوا فالقلوب(3) على ... ما نالهم ذهبت من أجله قطعاً
باعوا من الله أرواحاً فأسكنهم ... في الخلد أشرفها مرأى ومستمعا
سلوا السيوف ولم يخشوا ولا وهنوا ... في حومة الموت لا هدلاً(4) ولا فزعاً
فكل عين عليهم أمطرت ديماً(5) ... وكل نفس عليهم أشربت جزعاً
مالي وللدهر لا تنفك نائبة ... منه تنوب فهلا ارتدَّ وارتدعا(6)
وفي سلامة مولانا لنا عوض ... عما مضى أن تناسى الدهر أو فزعا
وهكذا الحرب ما زال الكمي بها ... يغشو(7) المهالك صراعاً ومنصرعاً
جاءت إليك من الرحمن عارفة ... كستك أمناً وثوب الأمن قد رفعا
لله ملك أفاد المسلمين معاً ... بعفوه عنك مجداً طال وارتفعا
أبو الهزبر الذي في ظل دولته ... أضحى نطاق العلا والفخر متسعا
__________
(1) في (ب): بعض علماء الزيدية.
(2) طرس: صحيفة.
(3) في (ب): بالقلوب.
(4) هدلاً: هَدِلَ المشفر كعرج: استرخى (المرجع السابق ص988).
(5) ديماً: سحباً.
(6) في (ب): ارتدَّ واندفعا.
(7) لعلها: يغشى.

خير الملوك وأعلاهم وأحسنهم ... تصرفاً في الورى إن ضر أو نفعا
يا ليت شعري والأوهام طامحة ... تساور الناس والآمال والطمعا
هل تشتفي من أمير المؤمنين ولو ... بنظرة تذهب الأوصاب والوجعا
للدين عبرة وجد قط ما رقأت ... وللمكارم طرف قط ما هجعا
وبارق للندى ما انفك مؤتلقاً ... فمذ أسرت خفى نوراً وما طلعا
عليك مني سلام الله ما ودقت ... وطف(1) وما انهل شؤبوبٌ وما لمعا(2)
إسماعيل بن علاء(3) [ - ]
الفقيه العلامة بهجة الإسلام إسماعيل بن علاء - رحمه الله تعالى - من كبار الزيدية ومشاهيرهم، كان عالماً عاملاً لغوياً أصولياً، ذكره العلامة عبد الله بن زيد العنسي - رحمه الله - وله رسائل وردود على المطرفية الغوية، ومن أرجوزة له:
يا أخويَّ من بني عقيل ... كم مشرك بالواحد الجليلِ
يزعم أن خلق كل جيل ... بحكمة الأربعة الأصولِ
بالماء والنار وبالفيول(4) ... وبالهوى المعلق المحمولِ
تحفظ في التقوى بلا دليل ... .. إلى قوله:
كنا وإياكم معاً إخواناً ... حتى نطقتم ذلك البهتانا
مقالة تخالف القرآنا ... ما قالها من عبد الأوثانا
وهي طويلة، وله قصيدة في الإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني - سلام الله عليه - في قضية بني ربيعة: /257/
ألا اقصرا عني لامكما(5) الهبل ... وكفا عناني في الملامة والعَذَلْ
ملامكما لي عنوة فتجنبا ... ملام فتىً عن ثوبه العار قد غَسَل
دعاني فقد أقصرت عن طرق الصبا ... وتبت عن اللذات واللهو والغزل
أراني مشغوفاً بحب فضيلةٍ ... وقد جاز عنها الناس وانقطع الأمل
أعاتب حاديها وأندب دارها ... وهل يرعوي الحادي لئن حل أو رحل
ويوم افتراق الحاد يوم فراقنا ... لأحبابنا لا عاش حاد ولا حمل
__________
(1) سحابة وطفاء: أي مسترخية الجوانب من كثرة مائها.
(2) في (ب): همعا.
(3) تأريخ اليمن الفكري في العصر العباسي 2/23 - 24، أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (234).
(4) لعلها: بالهيولي.
(5) لعلها: ملامكما.

وقائلة لي كيف حالك بعدنا ... هلم فخابرنا(1) فقد طالت الطول
أقد هدم المنصور آطام صعدة ... وأنكر في بعض الملامة أو قتل
فقلت لها سرباً عريضاً عرمرماً ... كعارض عاد ينسف السهل والجبل
عريضاً من البونين حوثاً مجلجلاً ... يعز(2) على من زار أوطانه الحيل
بوارقه لمع الصوارم والقنا ... وراعده زجر الصواهل والرحل
ومد له من أرض أفنان سيله ... ومن أرض بشَّان تنصف واستقل
ومن ولد الملطوم جر سحائباً ... وأسبل في بلدان سفيان واستهل
فلما لبسنا السرد والْتَفَّ جيشنا ... وصرنا بجنح الليل بالحنط والعقل
وشنت سواريه بكيل وحاشد ... وكل صريح الجد ضرغامة بطل
يقود بنا حامي الحقيقة ماجد ... حليف الندى المنصور والسيد الأجل
أبوه رسول الله لولاه لم يكن ... لنعلم ما دفع الزكاة ولم يصل
فصلى عليه الله ما ذر شارق ... وصلى على أرواح آبائه الأُوَل
وفينا رباط الخيل والزعف والفنا ... وفينا ذوو الرأي المراجيح والجهل
ولا تعد للهيجاء إلا بجاهل ... ورب حليم دبر الأمر فاعتزل
لنا عارض بالغيل أول خيله ... وآخر شعث الخيل يطلع من (أسل)
دلفنا إلى أوطان صعدة جهرةً ... ورايتنا فوق العجاجات(3) كالظلل
وقد هربوا أرض الربيعة أهلها ... وقد أسلموا البيض الكواعب والنفل
فلم نتكشف خيفة العار محرماً ... ولم يلهنا عن حرب أعدائنا الحول
شننا إلى أرض الربيعة غارة ... (شماريس) شوساً(4) ليس يقرعنا الوهل
وقد هبطوا مثل الزنابير باللقا ... وهم بين ذي الترس المفلس والمحل
258/ بصعب المراقي يحسر الطرف دونه ... مع النجم لو دب الذباب به لزل
فما كان إلا أن دلفنا إليهمُ ... وقد حصب السربال واختلف الأمل
__________
(1) في (ب): فجابرنا.
(2) في (ب): تعز.
(3) العجاجات: العَجاجة: الإبل الكثيرة العظيمة. (المرجع السابق ص 194).
(4) شماريس: لم أجدها في القاموس. شوساً: الشَوَس: محركة: النظر بمؤخر العين تكبراً أو تغيظاً. (المرجع السابق ص 511).

وقد قطرتْ منهم صفائحنا دماً ... وريان شريان الربيعة قد هطل
فلما رأيت الأمر قد جد جده ... ودارت كؤوس الموت واقترب الأجل
هتفت بهمدان بن زيد بن مالكٍ ... بقوم يرون الموت أحلى من العسل
فكان اعتناقاً بالصوارم والقنا ... منازلة الأبطال والموت قد نزل
فلما توجهنا تولوا حبالهم ... فلم ينجهم منا قرار ولا جبل
تقسمت الأسياف والسمر لحمهم ... فصار لكل في صناعته عمل
فصار لأطراف الرماح نحورها ... وللبيض أطراف الربيعة والقلل
وحال سواد الليل من دون مرتقى ... ولولاه لم نسأم طراداً ولم نمل
وَبِتْنَا نياماً بين لحم مترب ... بوادي(1) علاف في الأراجيز والرمل
وعدنا صباحاً فاستبحنا حصونهم ... ورحنا بحل طال ما(2) كان لم يحل
__________
(1) وادي علاف: بفتحتين، وادٍ في غربي مدينة صعدة بمسافة نحو 20 كيلو متراً (معجم المقحفي ص 1103).
(2) لعلها: طالما.

مما يدل على علو طبقة إسماعيل بن علاء في الفصاحة أنه رأى(1) أن علي بن محمد الصليحي دخل البون مرة فحط على بركة (جَوْب)(2)، فقام على رجليه، وكشف عن ساعديه، وأقبل على ملوك اليمن، وكان معه آل الكِرْندي وملوك المعافر(3) ومخلاف (الْتعْكَر)(4) ونواحيها وبنو مروان ملوك أَشْيَح(5) وأعمال ألهان(6) وبنو السخطي ملوك يحصب. وكانوا يسكنون منكث وذروان وبنوابي الفتوح ملوك خولان العالية وابن شاذل ملك عدن، ونحوهم كالحواليين والهياثم والأبنوع(7) وآل معن وغيرهم من أعاظم اليمن، فقال: يا سلاطين ويا مشائخ، من كان أشجع (من) (8) الجاهلية؟ قالوا: عنترة وفلان وفلان، قال: والله إن عند(9) الأكبر بن وهيب وبني رعفان - يعني الحمارين - أشجع من عشرة من أولئك، ثم قال: من أكرم من(10) الجاهلية؟ قالوا: حاتم، قال: والله إن أبا عفير اللغوي أكرم منه، رجل يقري(11) الحاج من عدن إلى ريدة من صميم ماله، ثم قال: من أشعر الجاهلية؟ قالوا: امرؤ القيس بن حجر. قال: والله إن إسماعيل(12)
__________
(1) في (ب): روى.
(2) جَوب بفتح الجيم وسكون الواو قرية في البون من محافظة عمران (معجم المقحفي ص: 134).
(3) الْمَعَافِر بفتح أوله وكسر الفاء، هو الاسم القديم لبلاد الحجرية (المصدر السابق ص: 607).
(4) التعكَر: جبل عال منيف يقع في أرض ذي القلاع من مخلاف جعفر، ويطل على مدينة ذي جبلة ومدينة إب من الجنوب، وعلى مدينة ذي سُفال والجند من الشمال، وكان من معاقل الصليحيين الهامة، (المصدر السابق ص: 91).
(5) أشْيَح بفتح أوله: حصن شهير بالمناعة والعزة، وموقعه في بني سويد من بلاد آنس، ويعرف الآن بحصن ظفار، وهو في الشمال الغربي من ضوران بمسافة 30كم (المصدر السابق: 34).
(6) ألهان: جبل في آنس (المصدر السابق ص: 46).
(7) يتحقق فلعلها: الأيفوع.
(8) سقط من (ب).
(9) لعلها: عبد.
(10) في (ب): من أكرم أهل الجاهلية.
(11) أي يحسن إليه.
(12) في (ب): لإسماعيل.

بن علاء أشعر منه، ثم قال: من أعلم(1) الجاهلية؟ قالوا: قس بن ساعدة الإيادي، قال: والله إن تبَّعاً لأعلم منه، ثم ركض برجله الأرض، ثم قال: اليوم ملكت اليمن، اليوم ملكت اليمن، يريد أنه لم يعتد بما كان قبل ملكه لأحياء همدان.
قلت: والقاضي تبع عالم كبير من الزيدية ستأتي(2) - إن شاء الله تعالى - ترجمته /259/ وإسماعيل بن علاء هو هذا - رحمه الله - وأبو العفر اللغوي - بالعين المهملة - كان سكن ريدة شهيراً في عصره وعبد الأكبر من آل وهيب رؤساء همدان الذين ذللهم الصليحي، ويدل على شجاعته أن قيس بن الضحاك سلطان همدان في عصره خرج بعد قتل أبيه وقومه للمختار بن الناصر بن الهادي للحق - عليه السلام - وكان قيس يتولاه، ويتعصب له، وقد علَّمه المختار القرآن أيام حبسه عنده بتَلْغُم(3) وهو حصن ريدة، فخرج قيس على أبيه وقومه حتى قتل قتلة المختار، وذكر أن أباه فيمن قتل، ودخل البون في جيوش كادت تملأ ما بين جبليه، فهرب منه الناس إلى جبال حضور المصانع فقصد آل ربيح بن حمار بصليت(4) من البون، فأتى آل وهيب إلى عبد الأكبر المذكور، فقالوا: ما وقوفك هاهنا وقد هرب الناس؟ فقال: إن لي صاحباً لا أعمل إلا برأيه، فاذهب فأشاوره. قالوا: فدخل على فرسه في معلفه، وكان مخاطباً للفرس أهرب أم لا؟ فصهل الفرس، فخرج إليهم، وقال: إن صاحبي أبى الفرار، وأنا له مطيع، ولم يبال بكثرة الجيوش، انتهى.
__________
(1) في (ب): من أعلم أهل الجاهلية.
(2) في (ب): سيأتي.
(3) تلغم بفتح المثناة من فوق وإسكان اللام وضم الفاء وقصر خرب كان قائماً في ريدة مقابل لقصر ناعط (معجم المقحفي ص: 93).
(4) في المصدر السابق ص: 383: الصلت بالكسر: بلدة خربة في حقل البون، ذكرها الهمداني، وبها آثار قديمة. انتهى

إسماعيل بن علي بن الحسين(1) [373ه تق - 445ه(2)]
الشيخ الإمام الرحال أبو سعد(3) إسماعيل بن علي بن الحسين بن محمد بن زنجويه الرازي السمان - رحمه الله - رئيس(4) الزيدية وعالمهم، صاحب الرحل الكبار، متفق على إمامته وجلالته. وكتابه (الأمالي)(5) من أجل كتب الزيدية في الحديث.
قال الحاكم في العيون: واحد عصره في أنواع العلوم، والكلام والفقه والحديث، دوخ البلاد، ولقي المشائخ(6) وهو في الزهد والورع ما يليق بأهل الدين، وكان يصوم الدهر، ولم يحظ من الدنيا بشيء، وربما درس بالري وربما درس بالديلم، وله كتب كثيرة في الكلام، انتهى.
وقال الذهبي: مولده سنة نيف وسبعين وثلاثمائة، وقال ابن عساكر: قدم دمشق طالب علم، وكان من المكثرين الجوالين، سمع من نحو أربعة آلاف شيخ. وأسند الذهبي عنه أنه قال: من لم يكتب الحديث لم يتغرغر بحلاوة الإسلام.
__________
(1) معجم المفسرين 3/209، ومنه العبر 3/209، الرسالة المنظومة 59، معجم المؤلفين 2/281، ومنه سير أعلام النبلاء 11/161، كشف الظنون 1890، ابن عساكر 8/35، طبقات الزيدية الصغرى، الوافي 9/156، تذكرة الحفاظ 3/300، الرسالة المتطرفة 59، أعيان الشيعة 2/389، لسان الميزان 1/321، ميزان الاعتدال 1/239، طبقات المفسرين 1/109، شذرات الذهب 3/273، النجوم الزاهرة 5/51، هداية العارفين 1/210، الأعلام 1/316، إيضاح المكنون 1/181، 602، 2/18، لوامع الأنوار 1/25، النابس 33/ وانظر كتابنا أعلام المؤلفين الزيدية ت (237).
(2) انظر آخر الترجمة.
(3) في (ب): أبو أسعد.
(4) في (ب): رائس.
(5) الأمالي في الحديث، وتعرف بأمالي السمان، لم أجد له نسخة خطية، وقد نقل منه العلامة علي بن حميد القرشي - رحمه الله - المتوفي سنة 635ه، نقل منه الكثير الطيب في كتابه مسند شمس الأخبار المنتفى من كلام النبي المختار، وهو مطبوع.
(6) في (ب): ثُمَّ هو.

قال عبد الرحيم بن مفضل: وفاته في سنة ثلاث وأربعين. قال: وكان عدلي المذهب.
قال الذهبي: يعني معتزلياً، وصنف كتباً كثيرة(1) ولم يتأهل. وقال أبو محمد عمر بن محمد الكلبي: وجدت على ظهر جزء مات الزاهد أبو سعد إسماعيل بن علي السمان في شعبان سنة خمس وأربعين وأربعمائة، شيخ العدلية وعالمهم وفقيههم ومحدثهم، وكان إماماً بلا مدافعة في القرآن والحديث والرجال والفرائض والشروط، عالماً بفقه الزيدية، وكان يقال في مدحه: إنه ما شاهد مثل نفسه، وكان تأريخ الزمان وشيخ الإسلام، انتهى.
إسماعيل بن المحسن(2) [ - ق 11ه]
العلامة الفاضل المناضل عن الشيعة(3) إسماعيل بن المحسن إمام، عالم له عناية /250/ بالشرع وحمايته، له ردود على المخالفين وإبطال لشبه أرباب البدع، وفيما وضعه من الرسائل دلائل على علم وسيع ومحل في الفضائل رفيع، أعاد الله من بركته.
إسماعيل بن محمد الأصبهاني(4) [ - ]
الشيخ الفاضل إسماعيل بن محمد الأصبهاني، كان من عيون العلماء وحفيده العلامة إسماعيل بن إبراهيم بن إسماعيل المذكور عالم أيضاً، وآل الأصبهاني الذين بصنعاء من عقبه، وكان فيهم الفقه والمعرفة.
[مع المعيد لدين الله]
__________
(1) انظر عن مؤلفاته صاحب الترجمة كتابنا أعلام المؤلفين الزيدية ص: 250.
(2) انظر كتابنا أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم (241).
(3) في (ب): الشريعة.

ولإسماعيل بن محمد النكتة الظريفة، وذلك أن المعيد لدين الله كتب من هران(1) ذمار إلى صنعاء كتاباً، فأجابوه بخط إسماعيل بن محمد، فشابه خطه خط المعيد، وكتب مثل كتابته، فحلف إن ظفر به ليقطعن يده، فلما دخل صنعاء دخل إليه إسماعيل بن محمد، وقال: يا بن رسول الله، روي في الحديث عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - : ((تشبهوا بالصالحين من أهل بيتي))، فإن كنت منهم فقد تشبهت بك، وإن لم تكن منهم فهذه يدي فاقطعها، فقال: بل منهم، وصفح عنه.
قلت: وكان المعيد متهماً في نسبه ودينه.
قال القاضي أحمد بن أبي يحيى والد القاضي جعفر: إنه من أهل الري، وروى غيره أنه حبس بمصر هو وعلي بن محمد التهامي المدَّاح لآل دعبل بن الجراح الطائيين بمصر، فاعتقلا معاً بخزانة دار البنود التي فيها المثل المشهور بين المصريين: خزانة البنود داخلها مفقود، وخارجها مولود، فدرس المعيد مذهب الباطنية هنالك، وذكر يحيى بن المسلم الساري الصعدي عن مشائخه أنه خرج داعياً للباطنية، وروى الكلاعي: أنه كان يقول: هو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن إبراهيم بن جعفر الصادق، وكان يقول في كتابه:(2) المعيد لدين الله الدامغ لأعداء الله، ووصل هران ذمار وقتل هنالك، وكان لا يزال ينشد - والبلاء موكل بالمنطق - هذين البيتين:
البدر في داركم يغيبُ ... وعندكم يقتل الغريبُ
يا قوم في داركم سقامي ... وعندكم يوجد الطبيبُ
فقتل غريباً كما قال، وقد روى هذا الشعر:
يا قوم قد كان لي حبيبُ ... وهوَّ من ناظري قريبُ
حتى قلاني وخان عهدي ... فالموت من دون ذا يطيبُ
__________
(1) هِرَّان: جبل بركاني أسود.. وقد اتصل عمران مدينة ذمار بجبل هران، وتقوم في مواجهة الجبل مباني جامعة ذمار [حالياً]، كما تمر بجواره طريق ذمار إلى صنعاء. (معجم المقحفي ص 1814).
(2) في (ب): وكان يقول في كتابه: اسمه المعيد لدين الله.

حبيَ في داركم ثلاثٌ ... النايُ والعودُ والقضيبُ
وكان كثيراً ما يتمثل:
لولاكم(1) كان يلقى كل ذي خطل ... للعلم منتحل بين النحاريرِ
ولم(2) أشد على من لا يقوم لها ... من وقعة السمر والبيض المنابيرِ
وكان ينشد:
نهج الهداية واضح لمريده ... والناس عن نهج الهداية في عما(3) /261/
ولقد عجبت لهالك ونجاته ... موجودة ولقد عجبت لمن نجا
وروي أنه كتب إليه بعض أهل صنعاء كتاباً فيه مسائل فاستحمقه، فقال مجيباً في ظهر الورقة:
كتابك أعمى لا المعاني مبينة ... ولا اللفظ مفهوم ولا الخط واضحُ
يلبس حتى كل ما فيه مشكل ... وهجن حتى كل ما فيه فاضحُ
وروى نشوان بن سعيد الحميري أن المعيد المذكور كان واقفاً (بالمِنَقَّب)(4)، وكان رجال الزيدية يأتونه فيدنيهم ويأتيه رجال الباطن فيقصيهم، ثم ينشد:
ألا رب نصح يغلق الباب دونه ... وغش إلى جنب السرير يقرب
قالوا: وهو أول من قدم اليمن برسائل إخوان الصفا، وإخوان الصفا أربعون رجلاً من أبناء العجم، وصنعوا هذه الرسائل، ودسوها على المسلمين.
إسماعيل بن محمد(5) [ - ]
__________
(1) في (ب): لولائم.
(2) في (ب): لم أشد.
(3) في (ب): عمى.
(4) المِنَقَّب: قاع متسع أسفل مدينة ثُلاء (معجم المقحفي ص: 636).

الفقيه الفاضل التقي إسماعيل بن محمد، من عيون أصحاب الإمام المهدي لدين الله علي بن محمد بن رسول الله صلى الله عليه(1) وآله وسلم، ذكره السيد العلامة يحيى بن المهدي الحسيني - رحمه الله - وقال: كان والياً للمغرب كِبَة(2) وعتمة(3) وأبزار(4) وبلاد سماه(5) وقفر حاشد(6)، وكان يأتي بالمال إلى الإمام على الجمال، والدواب - رحمه الله تعالى -.
إسماعيل الفزاري الطحان(7) [ - ]
السيد(8) المسند الإمام أبو سعيد إسماعيل الفزاري الطحان - رحمه الله تعالى - من كبار الزيدية وحفاظهم وأهل السابقة مع إمام الأئمة الولي زيد بن علي - عليهما السلام - وهو من أعيان من أخذ عنه. ذكره القاسم بن عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر البغدادي - رحمهم(9) الله تعالى-.
إسماعيل بن الميالهجي(10) [ - ]
__________
(1) في (ب): وعلى آله وسلم.
(2) يبحث عنها في معجم الحجري، فلعلها: كبة أدكنة.
(3) عُتُمة بضم العين والتاء المثناة من فوق وفتح الميم وسكون الهاء بلدة مشهورة بالغرب الجنوبي من ذمار بمسافة 62كم (معجم المقحفي ص: 427).
(4) أبزار: عزلة في بني بحر وأعمال عتمة، إليها ينسب حميد أبزار، وكذا مسجد الأبزر في صنعاء.
(5) سماه بفتح السين والميم عزلة من مخلاف الربيعة بناحية عُتمة وأعمال ذمار، وهي من الهجر العلمية الشهيرة، تخرج منها جماعة من العلماء والفضلاء والأدباء، وإليها ينسب بنو السماوي (انظر المصدر السابق ص: 324ـ 325.
(6) قفر حاشد: أرض واسعة من جبال يريم شرقاً حتى جبال وصاب العالي غرباً، ومن مغرب عنس شمالاً حتى المخادر جنوباً، وهي الآن مديرية القفر (وانظر المصدر السابق ص: 521).
(8) في (ب): الشيخ المسند.
(9) في (ب): - رحمه الله تعالى -.
(10) طبقات الزيدية الكبرى - القسم الثالث - بتحقيقنا ترجمة رقم (135).

إسماعيل بن الميالهجي عالم كبير، ذكره الشريف أحمد بن مير الحسني. قال: هو من مشيخة باجويه - رحمه الله - ووصفه بالعلم والزهد.
من اسمه الأشعث
الأشعث بن أبي صفية(1) [ - ]
الأشعث بن أبي صفية، إمام كبير حجة، ترجم له الحفَّاظ، وذكره في الزيدية، ترجم له البغدادي - رحمه الله -.
الأشعث الزيدي(2) [ - ]
الشيخ المحدث الأشعث الزيدي، عم سعيد بن حثيم - رحمهم الله - من أتباع زيد بن علي(3)، وحفاظ مقالته، ذكره البغدادي وغيره، -رحمة الله عليهم-.
[من اسمه امندوار] (4)
[امندوار] العراقي(5) [ - ]
القاضي العلامة العراقي ملخص المذهب القاضي: امندوار(6) الأفخر(7) - رحمه الله تعالى - ذكره بهذه العبارة بعض الناصرية، وعده في أتباع الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن رسول الله، وذكر في هامش (الزيادات) أنه ولي القضاء، وقيل: إنه القاضي الذي أوصى إليه الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني وصية موته التي في كتاب (الزيادات)(8)، وقيل: القاضي علي، وقيل: بندار - عليه وعلى آله الصلاة والسلام -.
__________
(3) سقط من (ب).
(4) ما بين المعقوفين زيادة في (ب).
(5) كتاب الزيادات في الفقه فتاوى ومسائل، للإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني - عليه السلام - المتوفي سنة 411ه مخطوط، وعليه زيادات وشروح وتعاليق عدة، منها شرح القاضي أبي مضر، في مكتبة الأوقاف عدة نسخ بأرقام (1132، 1133، 1134، 1135، 1136)، ونسخة في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء برقم (130) فقه.
(6) في (أ): مندوار، وما أثبته من (ب)، وقوله: القاضي أسقط من (أ).
(7) في (ب): الأفخم.

أمير الدين بن عبد الله بن نهشل(1) [ - 1029ه]
السيد الكبير العلامة الشهير شيخ الأمة، وحافظ علوم الأئمة، أمير الدين بن عبد الله بن نهشل بن المطهر بن أحمد بن عبد الله بن عز الدين بن(2) محمد بن إبراهيم بن الإمام المظلل بالغمام المتوكل على الله المطهر بن يحيى بن المرتضى بن المطهر بن القاسم بن المطهر بن محمد بن المطهر بن علي بن الناصر أحمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين - عليهم السلام - توفي بهجرة حوث /262/ ليلة الثلاثاء 29 جمادى الآخرى سنة 1029ه.
حرف الباء
بالغ الوزيري(3) [ - ق4ه]
بالغ الوزيري، من أهل مدر من المشرق من أرض حاشد، أخذ عن الهادي - عليه السلام - حقائق العلم وأصول العدل والتوحيد، واستثبت في علمها حتى كان إماماً، وتفرد بنفسه، وانقطع عن الناس في كثير من أمره، ولزم الخمول، وجعل همه واحداً حتى لقي ربه. وابنه إبراهيم قد سبق ذكره، وكان إبراهيم علامة، ولم ينشأ التطريف إلا من بعد أيامه. وكان بالغ الوزيري من أشد الناس عناية بمدر، وإن كانت من قبله مأهولَة، ومن المجامع لهمدان، ووصلها الهادي - عليه السلام - وولي قضاها العلامة علي بن الحسن بن سرح العمري، إلا أن الوزيري شاد فضائلها، وتركته عمرت بالصالحات.
__________
(1) النبذة المشيرة (سيرة الإمام القاسم بن محمد) - خ - الجواهر المنيرة سيرة الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم (خ)، تحفة الأسماع والأبصار بما في السيرة المتوكلية من الأخبار سيرة المتوكل إسماعيل (خ)، بغية المريد (خ)، اللآلئ المضيئة (خ)، خلاصة الأثر 3/52، المستطاب (خ)، الجامع الوجيز، ملحق البدر الطالع (131)، سيرة الإمام الحسن بن علي بن داود لأحمد بن شائع الدعامي (خ)، إجازات الأئمة (خ).
(2) في (ب): عز الدين محمد.
(3) الجواهر المضيئة (خ)، طبقات مسلم اللحجي (خ)، طبقات الزيدية الكبرى - القسم الثالث - بتحقيقنا، ترجمة رقم (139).

باجويه(1) [ - ]
الشيخ العالم باجويه، وحيد وقته، وهو والد الفقيه محمد بن باجويه، وقرأ عليه ولده المذكور، وهو من تلامذة إسماعيل الميالهجي السابق ذكره، والميالهجي من تلامذة العلامة أبي علي صاحب تعليق الإبانة.
بشير الرحال(2) [ - 145ه]
بشير الرحال - رحمه الله تعالى - كان من أتباع الأئمة الأعلام، ومن خلص الزيدية الكرام.
قال الحاكم: كان عالماً زاهداً، قال للمنصور: هذه الدنيا قد أصبتها، مالك في الآخرة من حاجة، حتى غضب عليه. وكان يقول: إن في قلبي حرارة لا يسكنها إلا برد العدل أو حر السيف.
__________
(1) الجواهر المضيئة (خ)، إجازات الأئمة، طبقات الزيدية الكبرى - القسم الثالث - ترجمة رقم (140) بتحقيقنا.
(2) مآثر الأبرار 1/434 - 345 والتحف شرح الزلف ص: 102، ومنه الجداول - خ - .

وقيل له: ما تسرعك إلى الخروج على المنصور؟ فقال: أرسل إليَّ بعد أخذه لعبد الله بن الحسن فأتيته، فأمرني بدخول بيت فدخلته فإذا بعبد الله بن الحسن مقتولاً، فسقطت مغشياً عليَّ، فلما أفقت أعطيت الله عهداً، ألاَّ يختلف في أمره سيفان إلا كنت مع الذي عليه منهما. وروي أن أهل البصرة قحطوا فخرجوا للاستسقاء، فلما استقر الإمام على المنبر ابتداء بشير، فقال: شاهت الوجوه، انتهكت لله كل حرمة وارتكبت له كل معصية، وأخذت الأموال من غير حلها، ووضعت في غير أهلها، فو الله ما أنكرتم ذلك بسيف ولا لسان، ولا قلتم يوماً هلموا إلى الجبانة لندعو الله يكشف عنَّا ذلك، حتى إذا غلت أسعاركم تقولون: اللهم، اسقنا الغيث. اللهم لا تسقهم، فخافوا من تعرض السلطان له، فسكتوا وسمي رحَّالاً؛ لأنه كان له في كل سنة رحلة إلى حج أو غزو. وكان بشير خرج فيمن خرج من المعتزلة مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن وبايعوه، وقاتلوا معه، فلما أصيب إبراهيم بباخمرا بسهم، أسنده بشير إلى صدره وجعل يردد ?وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا? (الأحزاب:38) حتى قضى نحبه، وكان حضر الوقعة مع إبراهيم عليه مدرعة صوف متقلداً سيفاً حمائله تسع يتشبه بعمار بن ياسر، وقتل بشير بعد ذلك، قتله المنصور(1).
بندار(2) [ - ]
__________
(1) ذكر الزحيف - رحمه الله - في مآثر الأبرار 1/435 أنه لما أخذ بشير الرحال الإمام إبراهيم بن عبدالله - عليه السلام - على حجره، وهو يقول: ((وكان أمر الله قدراً مقدوراً))، قال: ثم حمل عليه جند الظلمة، فحزوا رأسه، ورأس بشير الرحال، وأمروا بهما إلى أبي جعفر. انتهى. وذكر السيد العلامة المجتهد مجد الدين المؤيدي حفظه الله تعالى في التحف ص: 102 أن بشير الرحال استشهد مع الإمام إبراهيم بن عبدالله، في ذي الحجة 145ه، وذكر أنه الصحيح.

الشيخ القاضي الأمير خالصة أمير المؤمنين أحمد بن الحسين الهاروني، وبهجة محافلة بندار - رحمه الله - كان عالماً كبيراً، وكان يحفظ للإمام(1) /263/ أموال الله، ويعضده، وتولى له القضاء، وبندار بلسان فارس: الأمين، وكان كذلك - رحمه الله - وهو غير محمد بن بررس، فذاك من الفقهاء غير هذا، والله أعلم.
الباقر بن محمد بن يحيى(2) [ - ]
السيد العالم الأكرم الباقر بن محمد بن يحيى بن القاسم - رحمه الله - من تلامذة السيد إبراهيم بن محمد، مؤلف الفصول، قرأ عليه علوم العربية.
قال في تأريخ السادة: وكان سيداً منظوراً.
أبو بكر الموحدي(3)
أبو بكر الموحدي القاضي من العراقيين، مؤيدي المذهب، ذكره ملا يوسف، وذكره المرشد بالله أيضاً.
أبو بكر بن أبي القاسم بن أحمد(4) [ 986 - 1017ه]
الفقيه العالم رضي الدين أبو بكر بن أبي القاسم بن أحمد بن أبي بكر بن محمد بن علي بن محمد بن حسين بن يوسف بن علي بن يحيى العبيري، كان عالماً أديباً مهاجراً مجاهداً، مولده في شهر رمضان سنة ست وثمانين وتسعمائة سنة، وتوفي - رحمه الله - في سابع وعشرين من شهر رجب سنة سبع عشرة وألف سنة بشهارة.
حرف التاء باثنتين من أعلى
تاج الدولة أبو الحسين(5) [ - 387ه]
__________
(1) في (ب): - عليه السلام -.
(5) الأعلام 1/196، ومنه: يتيمة الدهر 2:5، والكامل لابن الأثير 9:15.

تاج الدولة أبو الحسين بن عضد الدولة من آل بويه الديلمي، ذكره في علماء الزيدية وأهل بيته في (الشافي)(1)، ولا جرم أن أهل الديلم خصوصاً الشيعة في جميع تلك الأزمنة زيدية لا يعرف أحد غير ذلك، وقد ترجم له جماعة.
قال الثعالبي في اليتيمة: هو آدب أسرته وأشعرهم وأكبرهم، وكان يلي (الأهواز) فأدركته حرفة الأدب، وتصرفت به الحال حتى أدركته النكبة والحبس من جهة أخويه أبي الفوارس وأبي الفخار، ولست أدري ما فعل الدهر به إلا أن أنشدني أبو سعيد بن دوست، قال: أنشدني محمد بن المظفر العلوي النيسابوري، قال: أنشدني أبو العباس البلخي القوال بسوق الأهواز، قال: أنشدني تاج الدولة أبو الحسين بن عضد الدولة لنفسه:
سلام على طيفٍ ألمّ فسلَّما ... وأبدى شعاع الشمس لمَّا تكلَّما
بدا فبدا من وجهه البدر طالعاً ... لذي الروض يستعلي قضيباً منعما
وقد أرسلت أيدي العذارى بخده ... هداراً(2) من الكافور والمسك (سحما)(3)
وأحسب هارُوتا(4) أطاف بطرفه ... فعلمّه من سحره فتعلما
ألمَّ بنا في دامس الليل فانجلى ... فلمَّا انثنى عنَّا وودع أظلما
وأنشدني بديع الزمان له هذين البيتين ثم وجدتهما لغيره:
هب الدهر أرضاني وأعتب صرفه ... وأعقب بالحسنَى من الحبس والأسر
__________
(1) كتاب الشافي في الجواب على الرسالة الخارقة للفقيه عبدالرحيم بن أبي القبائل، وكتاب الشافي من تأليف الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة - عليه السلام - المتوفي سنة 614ه، وهو في أربعة مجلدات طبع بتحقيق العلامة الكبير مجد الدين المؤيدي وعلماء آخرين في مجلدين كبيرين، وصدر عن مكتبة اليمن الكبرى سنة 1406ه، ونسخه الخطية كثيرة، انظر في ذلك كتابنا مصادر التراث الإسلامي في المكتبات الخاصة باليمن (طبع).
(2) في (ب): لعله عذاراً.
(3) لعلها: سجما بالجيم في ثابتة من سجم الدمع إذا سال فيحقق.
(4) صرفه للضرورة الشعرية.

فمن لي بأيام الهموم التي مضت ... ومن لي بما أنفقت في الحبس من عمري
ووجدت مجموعاً من شعر تاج الدولة بخط أبي الحسن علي بن عبدان فاخترت منه قوله في أرجوزة:
ألا شفيت غلتي
وصارم مهنَّد
وليلة أحييتها
كأنما نجم الثريا ... من العدا بآلة
ماض رقيق الشفرة
منوطة بلية(1)
في الدجى ومقلتيا
/264/
جوهرتا عقد على ... نحر فتاة طفلة
أنكرني ابن(2) أبي ... وفعل بعض إخوتي
يظن(3) أني أحمل الـ ... ـضيم فاين همَّتي
تقنع بالأهواز لي ... وواسط بالبصرة
لست بتاج الدولة ... سرير تاج الملة
إن لم يرد بغداد عمـ ... ـا كتب كتيبتي(4)
وعسكرٍ عرمرم ... يملك كل بلدة
حشوا الجبال والفلا ... مواكب من غلمتي
نصرتهم مني ومن ... رب السماء نصرتي
وقوله من قصيدة:
أنا ابن تاج الملَّة المنصور تا ... ج الدولة الموجود ذو المناقب
أسماؤنا في وجه كل درهم ... وفوق كل منبر لخاطب
وقوله من قصيدة:
أنا التاج المرصَّع في جبين الـ ... ـممالك سالكٌ سُبُلَ الصلاحِ
كتائبنا يلوح النصر فيها ... براياتٍ تطرز بالنجاحِ
تكاد ممالك الآفاق شوقاً
ً ... تسير إليَّ(5) من كل النواحي
ألا لله عِرض لي مصونٌ ... وقاه المجد بالمال المباحِ
وأنشد له الثعالبي بعد النكبة:
حتَّى متى نكبات الدهر تقصدني ... لا أستريح من الأحزان والفكرِ
إذا أقول مضَى ما كنت أحذره ... من الزمان رماني الدهر بالغِيَرِ
فحسبي الله في كل الأمور فقد ... بُدلت بعد صفاء العيش بالكدرِ
تُبَّع بن المسلم(6) [ - ]
__________
(1) في (ب): بليلة.
(2) في (ب): بنو أبي.
(3) في (ب): تظن.
(4) في (ب): كثيبي.
(5) في (ب): إليك.

القاضي تبَّع بن المسلم، علاَّمة همدان في عصره، وأحد شيوخ الزيدية المشهورين بالعلم والعمل، ونسبهم في قوم يقال لهم: بني(1) عباد من حمير، وأهل بيته من بيوتات العلم في البون في(2) المشرق من أرض حاشد، وكان يسكن جَوْب ابن الصباح، وله بها منازل، كان أخربها الصليحي ثم تداركها ولده العلامة محمد بن تُبَّع بالحضور عند الصليحي وتعريفه، وحرَّق منها البعض، وآل عباد كانوا كثيري المناظرة للمطرفية، ولهم الذبُّ عن مقالة الحق وفيهم العلماء، ومنهم من تعلق بالتطريف إلا أن غالب هذا البيت هو الاستقامة، ولهم مقامات عظيمة. وكان بحوث(3) عدد كثير من حملة القرآن وطلاب العلم والآداب وجماع الكتب الجليلة، وقالة الشعر، ورواة الحديث، ومن شعرائها ربيعة الشاعر الذي هجا الصليحي، وله معه خبر مذكور هرب منه إلى (الشِّحْر)(4)، فلم ينفعه فاستجار بسلمة بن محمد الشهابي.
__________
(1) لعلها: بنو.
(2) في (ب): وفي المشرق.
(3) في (ب): بجوب.
(4) الشِّحْر بكسر الشين المشددة وسكون الحاء مدينة وناحية منبسطة في محافظة حضرموت، تطل على البحر الهندي، وتعتبر ثاني ميناء في محافظة حضرموت (انظر معجم المقحفي ص: 347).

وكان تبع المذكور من أهل العلم الواسع كما أسلفنا، ذكره عن الصليحي في ترجمة إسماعيل بن علاء، وكان متواضعاً يتزيَّا بزيِّ الفقراء، ولباسه المرقعات، ولم يختلط بالسلاطين إلا أنه لقي الصليحي بقاعة(1) البون، وذلك أن وصيَّة حوث المشهورة التي كان الهادي إلى الحق - عليه السلام - /265/ يليها في أيامه أخذها الصليحي فلم يُرَ تبَّع - رحمه الله - إلا أن يطالعه فيها، وكان الصليحي بمسور أيام استفتاحه(2) لها، فلقيه قافلاً عنها بقاعة (البون) (3) فقيل له: هذا القاضي تُبَّع فرفع مكانه، وأقبل عليه يحدثه، وسأله عن حديث افتراق هذه الأمة فأجابه باختصار حسن، فصرفه مكرماً، وولاه القضاء والجمعة، وفارقه ولم يختلط به غيرها، وكان لا يرى جواز ذلك، وروي أنه - رحمه الله - دخل مسجد عقبات من سواد البون، فوجد فيه أحمد بن مظفر الصليحي أيام مخالفتهم للناس قبل أخذ جبل مسار(4) فسلم عليه تُبَّع وهو لا يعرفه، ثم قال له تُبَّع: من الرجل؟ فقال: رجل متطبب، فقال تبع: فأخبرني عن عظم كذا، وعرق كذا، وكم في الجسد عروق؟ وكم فيها كذا؟ وأتاه بغرائب. فلم يجبه بشيء، وكان يقول أحمد بن المظفر بعد أن عرفه يقول: تبع فيلسوف متضلع.
__________
(1) البون في (ب) ساقطة.
(2) في (ب): افتتاحه.
(3) البون في (ب) ساقطة.
(4) مسار: عزلة من ناحية مناخة وأعمال حراز، وإليها ينسب حصن مسارالمشهور الذي اتخذوه الصليحيون مركزاً لهم (معجم المقحفي ص: 589).

ولمَّا دخل المعيد لدين الله الذي سيأتي ذكره صنعاء في قوَّة سلطانه، جاء الناس إلى تُبَّع يستفتونه في خلطته، وهل هو إمام حق؟ وسألوه أن يجتمع به. فقال: ما اجتمع به، لكن هذه مسائل إذا أجاب عنها فهو عالم، فلمَّا وقف عليها المعيد وطالبوه الجواب اعتذر بعدم القرطاس فأحضروه، فاعتذر بالدواة، فأحضروها، فقال لهم: هذه (سماقيات) والله لئن ظفرت به لأخرجن لسانه من قفاه، فتخوَّف منه تُبَّع وسكن بجبل صليل، وكان المعيد يتقرب إليه أن يخالطه فأبى، وعوَّل على السلطان يحيى بن أبي حاشد بن الضحاك أن يتوسط، فقال له يحيى: وما تتخوف من تُبَّعٍ إنما هو متخلي، والعجب منك تدخل صنعاء بعشرة آلاف سيف ثم تخاف منه.
توران شاه بن خسروشاه(1) [ - ]
شيخ الزيدية، حافظ علوم الأئمة، مرجع الإسناد أبو الفوارس توران شاه بن خسروشاه المتلافحي العراقي - رحمه الله، وأعاد من بركته - هو قطب الإسناد للمذهب الشريف، وإليه يرجع أهل المذهب، وهو شيخ العلامة الكني و (قال)(2) ورزقان(3) بن اسفنجا كذا قال الملا يوسف الحاجي - رحمه الله - وتوسطه في إسناد المذهب وترجيحه المقالات في جميع كتب المذهب الشريف - رحمه الله -.
حرف الثاء المثلثة
ثابت بن أبي صفية(4) [ - ]
الشيخ الكامل ثابت بن أبي صفيَّة - رحمه الله - لعله أخو الأشعث بن أبي صفية الماضي ذكره، عدَّه في الزيديَّة الشيخ المخلص القاسم بن عبد العزيز البغدادي.
أبو ثابت بن محمد فوزية(5) [ - ]
__________
(1) الجواهر المضيئة (خ)، الطراز المذهب في إسناد المذهب (خ)، تأريخ قزوين في ترجمة محمد بن فضيل كما ذكر، لوامع الأنوار (خ)، وانظر طبقات الزيدية الكبرى - القسم الثالث - طبع بتحقيقنا ترجمة رقم (141).
(2) زيادة في (ب)، وفي الأم بياض.
(3) في (أ): وروفان بن اسفتحا.

الشيخ أبو ثابت بن محمد فوزية قين(1) - رحمه الله - علامة الناصريَّة، ومقرر علومهم، له التآليف(2) وإليه يرجع في الروايات وتقرير القواعد، وله تلامذة.
قال الملا يوسف: من تلامذته الأستاذ ابن الشيخ أبي جعفر صاحب تعليق الإبانة والجوابات.
حرف الجيم
الفقيه جابر […ـ…]
الفقيه الأمجد الأوحد جابر /266/ بن ……(3) - رحمه الله - مذكور في توقيع أسانيد السيد العلامة صلاح بن الجلال - رحمه الله تعالى -.
جابر بن مقبل(4) [ - 623ه]
الشيخ الرائس مولى آل محمد مخلص الدين جابر بن مقبل، كان عجيبة من العجائب في تقواه وصدقه وتحديثه، وثبات حصاة لُبِّه، لم يؤثر عنه إلا النباهة والكمال، وكان ممدحاً بالشعر من الأفاضل والعلماء والرؤساء، وكان يلي من عظائم الأمور ما لا يليه إلا صناديد(5) الأشراف. وله إجازات من الإمام المنصور بالله - عليه السلام - في عدَّة علوم. ومن شعره ما وجهه بعد قضيَّة بينه وبين الأروام إلى صديق له كان غائباً:-
عمران لو عاينت أقدامنا ... على خميس مرجحن طحونْ
وقد تدانت وتدانيتها ... بوارق تغشَى ضياء العيونْ
كباشه الروم أُسُود الوغى ... والترك والملحا ذات القرونْ
وصاح راعي الفرس في قومه ... بلفظة العجم ألا تعطفونْ
فلم يجيبوه وقد برقعتْ ... بمرهفات أخلصتها الفنونْ
فراح من ساعته قارعاً ... للسِّن منكوباً خليعاً حزينْ
جار الله بن أحمد الينبعي - رحمه الله -(6) [ - بعد 740ه]
__________
(1) كذا في (أ) و (ب).
(2) في (ب): التواليف.
(3) بياض في (أ) و (ب)..
(4) مآثر الأبرار 2/858.
(5) في (ب): إلا الصناديد الأشراف.
(6) الجواهر المضيئة (خ)، طبقات الزيدية الكبرى - القسم الثالث - ترجمة رقم (142)، المستطاب (خ)، نزهة الأنظار (خ)، وانظر أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (255).

الفقيه العلامة جار الله بن أحمد الينبعي - رحمه الله - من أعيان العلماء الأجلاء، من شيوخه…… ومن تلامذته…… وذكره……(1)
جبريل بن الحسين بن بدر الدين(2) [ - ]
الأمير المعظم العلامة زين الدين جبريل بن الحسين بن بدر الدين - رحمه الله - قال الفقيه العلامة ابن مظفر - رحمه الله -: له بسطة في العلم، وكان من الأخيار الصالحين الفضلاء المتقين، وقبره (برغافة).
جبريل بن المؤيَّد(3) [ - ]
السيد الكريم بهجة الدنيا زين الإسلام جبريل بن المؤيَّد - عليهما السلام - هو ولد الأمير المؤيَّد - رحمه الله - قال ابن المظفر: كان فاضلاً تقياً، براً زكياً، وأولاده نجباء قادة، فضلاء سادة.
قال السيد جلال الدين: وقبره بقطابر. انتهى
من اسمه جعفر
جعفر بن أبي هاشم [ - ]
السيد الأمير الكبير الخطير فخر الدين جعفر بن أبي هاشم، كان رائساً، مقداماً، عالماً، شجاعاً، قائداً للمقانب، وكان من دعاة الإمام أحمد بن الحسين، وفيه يقول العلامة عبد الله بن محمد بن أبي النجم حاكم صعدة:-
يا من له وعليه نورٌ يزهرُ ... لمَّا اصطفاه لفضله المتكبرُ
لمَّا دَعوت إلى إمامة(4) أحمد ... عزَّ الهدى بك واستطم المنكرُ
كل يباري من محاج بلاده ... يا فخر دين الله بل يا جعفرُ(5)
أعطاك ربك ما تشاء بفضله ... والله يفعل ما يشاء ويقدرُ
حزت المفاخر والمناقب كلها ... وخصائص الرحمن لا تستنكرُ
/267/
يا بن الأئمة من قريش ومن لهمْ ... شرفٌ أشم وعزة لا تقهرُ
ولهم من السلف الأكارم خير من ... ركب المطايا أحمد المتخيرُ
وعقيل والحسنان سبطا أحمد ... منهم وفارسها المسمَّى حيدرُ
__________
(1) كذا في (أ) و (ب).
(2) الترجمان (خ)، طبقات الزيدية الكبرى - القسم الثالث - طبع بتحقيقنا ترجمة رقم (144)، الجواهر المضيئة (خ).
(3) الترجمان (خ).
(4) ظنن في (ب) بقوله: إجابة.
(5) ورد هذا البيت في (ب) كما يلي: …كل ينادي من فجاج بلاده… يا ناصر الدين الذي لا ينكر.

خدمتْكُمُ الأملاكُ يا أهلَ الكسا ... والناس من طينٍ وأنتم جوهرُ
فبكم هدى الله الأنام لدينه ... وبكم يذل الظالمُ المتجبرُ
يا صفوة العلم المظلَّل بالغما ... مة والفضائل والمناقب سبرُ(1)
وكذاك سبط سليله المهدي من ... فاق الأئمَّة ظاهراً لا ينكرُ
وخليفة المنصور حيدر دهره ... نور الخلافة من جبينك يزهرُ
يا فخر دين الله يا خير الورى ... منك الفضائل والمناقب تنشرُ
والناس نحوك كالحجيج بمكَّة ... هذا يحط به وهذا يصدرُ
وإذا تصادمت الخيول بموقف
ٍ ... فلأنت أنت الفارس المتشهرُ
ولقد دعاك إمام حق سائق ... فأجبته ولك السنام الأكبرُ
فظفرت بالتوفيق من رب السما ... وشفيت مهجته وأنت مظفرُ
فقد الجيوش إلى العدا مستظهراً ... نور الهدى يبدو عليك وتظهرُ
بيديك كل قبيلة وفضيلة ... والرأي عندك والأوامر تصدرُ
والناس بين يديك يا فخر الهدى ... الخيل يمرغ(2) في الوغى والعسكرُ
وعدوك المخذول عند لقائه ... ولأنت تسعد باللقاء وتنصرُ
اسمع أمير المؤمنين مقالتي ... لا يشكر الرحمن من لا يشكرُ(3)
واصدع بأمرك ما عليك غضاضةٌ ... السيف(4) ينفذ كلما تتصورُ(5)
أعطاك شمس الدين راية ملكه ... لمَّا رآك بأمره تستظهرُ
والسيف في يمناك يعمل حده ... ولأنت تورد في الأمور وتصدرُ
ثم الصلاة على النبي وآله ... وعليك ألف تحيَّةٍ تتكرّرُ
__________
(1) كذا في النسختين.
(2) في (ب): الخيل تمرع.
(3) في (أ): لا تشكر.
(4) في (ب): فالسيف.
(5) في (ب): يُتصور.

جعفر بن أحمد بن يحيى(1) [ - 573ه]
القاضي(2) شيخ الإسلام ناصر الملَّة شمس الدين وارث علوم الأئمة الأطهرين، جعفر بن أحمد بن أبي يحيى بن عبد السلام - رحمه الله تعالى - شيخ الزيدية ومتكلمهم ومحدثهم.
قال العلامة ابن فند الصعدي ما لفظه: عالم الزيدية المخترعة وإمامها، وكان أبوه عالم الباطنيَّة وحاكمها وخطيبها، والذي إليه يصدرون، وعلى رأيه يعتمدون، وأخوه يحيى شاعرهم ولسانهم، قيل: قتله عبد النبي بن مهدي /268/، فهدى الله القاضي جعفر فانقطع إلى الزيدية، ورحل إلى العراق(3).
__________
(1) الأمالي الصغرى رجال السند 69 - 72، مصادر الحبشي 40، 96، 174، 69، 97، 98، مصادر العمري 128، 105، معجم المؤلفين 2/132، طبقات الزيدية - خ - رجال الأزهار 9، 10، الأعلام 2/121، مقدمة خلاصة الفوائد بقلم إسماعيل الوزير، الترجمان - خ - تاريخ اليمن الفكري في العصر العباسي 1/538، 552، 558، كاشفة الغمة للهادي بن إبراهيم - خ - المستطاب - خ - الجواهر المضيئة - خ - 27، الموسوعة اليمنية 1/320، مؤلفات الزيدية (انظر الفهرس)، الحدائق الوردية - خ - طبقات فقهاء اليمن 180، السلوك 1/343، العطايا السنية - خ - العقد الفاخر الحسن - خ - الفضائل (تاريخ بني الوزير) - خ - اللآلئ المضيئة - خ - مآثر الأبرار 2/769 - 477، الأنوار البالغة - خ - الجامع الوجيز - خ - هجر العلم 957، إجازات المسوري - خ - الفلك الدوار (انظر الفهرس)، وانظر أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 257.
(2) في (ب): القاضي الحجة.
(3) مآثر الأبرار 2/769.

قال السيد الهادي - رحمه الله - في كتاب (كاشفة الغمَّة): إن القاضي جعفر كان من أعظم أعضاد الإمام أحمد بن سليمان وأنصاره، قال: وطال ما ذكرهما الإمام المنصور بالله - عليه السلام - واحتج بكلامهما فيقول: قال: الإمام والعالم(1)، أفتى بذلك الإمام والعالم، وقد قيل: على أهل اليمن نعمتان في الإسلام والإرشاد إلى مذهب الأئمة - عليهم السلام -:(2) الأولى الهادي، والثانية القاضي جعفر - رحمه الله تعالى - وكان ابتداء وقفته للإمام - عليه السلام - بذمار وقت مخرجه إلى زبيد فاعتذر إليه من(3) أمور كانت منه مع المطرفيَّة فيما سبق، ولمَّا وصل العراق تبين له أنه على غير شيء، فعذره الإمام - عليه السلام - وجعله في حل، وقال له: هل علمت يا قاضي أحداً ممن لقيته بالعراق يقول شيئاً مما تقوله المطرفية، وتعتقده أو يعمل به، أو وجدث ذلك في كتاب(4)؟ قال: لا، قال: فإنه يجب عليك أن تردهم عن جهلهم، وتنكر بدعهم، فإن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: ((إذا ظهرت البدع من بعدي فليظهر العالم علمه، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله))، فقال له القاضي: قد عرفت ما تقول، ولكن القوم كثير، وقد صاروا مِلأَ يمننا هذا، ولو أنكرت عليهم لرموني عن قوسٍ واحدة، وأنت يا مولانا تقرب وتبعد(5)، وإني أخافهم، ولا طاقة لي بهم، فوقع كلام الإمام في أذن القاضي، وهو ممَّن علم وعمل فتقدم، وأظهر كتبه التي وصل بها من العراق، وتعرَّض للتدريس والتعليم في (سناع)، فلمَّا تسامع به الناس وصلوا إليه من بعيدٍ وقريبٍ فعند ذلك وقع مع أهل (وقش) من الغمِّ مالا مزيد عليه لوجهين: أمَّا أحدهما فغاروا منه، وعلموا أنه يستميل الناس عنهم، ويأخذ ما يعتادونه منهم، والثاني: أنه يبين للناس ما يكتمونه من
__________
(1) في (ب): ذكر الإمام والعالم أفتى بذلك الإمام والعالم.
(2) زيادة في (ب).
(3) في (ب): إليه في أمور.
(4) في (أ): أَوَحدث ذلك في كتاب؟
(5) في (ب): تبعد وتقرب.

مساوئهم وقبح اعتقادهم، فانصرفوا، وعملوا الملاقي، وكتبوا إلى جميع أصحابهم، وتكلموا على القاضي بما ليس فيه، وهجوه، وقالوا للناس: هو باطني ابن باطني.
فقال: هلموا إلى المناظرة، فأظهر(1) ما فيكم وأظهروا ما فيَّ بين يدي حاكم، فقالوا: ومن الحاكم؟ قال: إمام الزمان، فأبوا ذلك.
فقال: هلموا نتناقش عند العامَّة، [و]ضرب لهم مثلاً فقال: مثلي ومثلكم مثل رجال عشرة، صحبهم رجل أجنبي حتَّى دخلوا منزل رجل، فأضافهم ذلك الرجل، وأكرمهم، وتركهم في منزله آمناً لهم، فوجدوا له صندوقاً فيه ألف دينار، فقام العشرة، وكسروا قفل الصندوق، واستخرجوا الألف، فأخذ كل واحد منهم مائة، وصرَّها في ثيابه، وذلك الأجنبي ينظرهم، فلمَّا جاء صاحب البيت نظر الصندوق قد كسر، وأخذ(2) منه المال، فقال لهم: إنكم قد أخذتم من الصندوق ألف دينار وقد أمنتكم /269/، فقال العشرة: أما ترضانا شهوداً لك أن هذا الرجل الأجنبي أخذها ونحن ننظر، فقال الرجل الأجنبي: أمَّا أنا فلم آخذ شيئاً، ولا(3) أقول إنهم الآخذون، ولكن فتشنا فما قام أحد منا بعده، ففتشه فلم يجد معه شيئاً وفتشهم، فوجد مع كل واحد منهم مائة. ضرب(4) لهم القاضي هذا المثل فلم يستمعوا، ولجَّوا في جهلهم وطغيانهم، ونزل إليهم إلى وقش، وأمر لكتب الأئمة التي هي معهم في وقش، وقال لهم: تدبروا(5) ما في هذه الكتب ليُعرف الذي خالفها منَّا ومنكم(6).
__________
(1) في (ب): وأظهروا.
(2) في (ب): وقد أخذ منه المال.
(3) في (ب): ولا أنا أقول.
(4) في (ب): فضرب.
(5) في (ب): تدبر.
(6) انظر مآثر الأبرار 2/771 - 772.

قال مصنف سيرة الإمام أحمد بن سليمان - عليه السلام -: فلم يسمعوا كلام القاضي جعفر بل آذوه وقام في وجهه رجلان باطنيان: يقال لأحدهما: مسلم اللحجي من أهل شظب، والآخر يقال له: يحيى بن حسين، يلقب الفقيه، فآذياه، وسبَّاه، فعاد إلى سناع ومعه جماعة من الأشراف، منهم الأمير بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى، وغيره من أعيان السَّادة الهدويين والحمزيين والقاسميين، ومن أعيان الشيعة عدَّة.
وكان للقاضي في مسجد سناع مدرسة فعارضه المطرفية بمدرسة أخرى في جانب المسجد، فقام بعض الأشراف فأطفأ سراجهم، فقاموا فأطفؤوا مصباح القاضي، ووقع بينهم كلام، وارتفع القاضي إلى منزله فرجموا بيته بالليل. وقد كان القاضي - رحمه الله - ضرب لهم مثلاً آخر، فقال: مثلهم(1) ومثلي كمثل قوم عراة في مسجد في ظلمة وأصواتهم مرتفعة بالقراءة والصلاة وهم يصلون عراة إلى غير قبلة، فدخل عليهم رجل بمصباح فوجدهم على أقبح حال عراة فأجمعوا على الذي دخل بالمصباح يلعنونه ويسبونه، فقال: ليس لي جرم غير أني دخلت بالمصباح، فقالوا: بلى إنك أظهرت شيئاً كنَّا نكتمه. وآل الكلام إلى أن الإمام - عليه السلام - بعد أن بلغه ما لقي القاضي من المطرفية قال: قد وجب علينا نصرته، فلم يزل يطوف البلاد، وهو ينهى الناس عن مذهبهم ويحذرهم منه، حتَّى أثر ذلك مع أكثر الناس، ونفروا منهم إلا القليل كما هو مذكور في سيرة الإمام - عليه السلام -.
وللقاضي جعفر مصنفات في كل فنٍّ عليها اعتماد الزيدية، وكان له قصد صالح ووجاهة، ولهذا استفاد عليه جماهير علماء الزيدية في وقته، وصاروا أئمة يضرب بعلمهم المثل حتى قيل: هم معتزلة اليمن، وقبره مشهور مزور بسناع من أعمال صنعاء(2). انتهى
__________
(1) في مآثر الأبرار مثلكم.
(2) مآثر الأبرار 2/772 - 774.

وقال في تأريخ السادة - رحمهم الله -: كان القاضي العلامة شمس الدين جعفر بن أحمد - رحمه الله تعالى - في بدء أمره يرى رأي المطرفيَّة، حتى وصل زيد بن الحسن البيهقي من خراسان، وقرأ عليه القاضي جعفر فرجع عن مذهب التطريف إلى الاختراع، وأراد المسير مع البيهقي لما عزم لتمام أخذه عنه، فمات البيهقي بتهامة قبل وصوله العراق، وتقدم القاضي جعفر إلى العراق إلى تلميذ البيهقي الكني فأخذ عنه ورجع، وكان يقال: سار وهو أعلم أهل اليمن، ورجع وهو أعلم أهل العراق، وجعل الله البركة /270/ فيه.
وأبوه أحمد بن عبد السلام بن أبي يحيى قاضي الإسماعيليَّة وخطيبهم وصاحب رأيهم وأخواه علي ويحيى كذلك، وقتل يحيى المذكور أصحاب بن مهدي بحصن الجمعة، وكان شاعر الإسماعيلية وفصيحهم.

قلت: ونزل القاضي جعفر إلى إب لمناظرة العمراني صاحب البيان، الحنبلي الأصول، الشافعي الفروع، ولم يجتمع به، وإنما دارت بينهما مراسلة، وجَّه القاضي كتاباً ينصحهم فيه، وقال بعض المؤرخين لليمن الأسفل: إنه اجتمع بعلي بن الفقيه عبد الله بن (يحيى)(1) بن عيسى بن أيمن بن الحسن بن خالد اليرمي - بالياء بعدها راء مهملة نسبة إلى اليرمة قرية في وادي زبيد - وهو رجل كما قال ابن سمرة: نسبه في نزار، وكان الفقيه المذكور حنبلياً رأيه ورأي صاحب البيان المعروف بالعمراني، من شافعية الفروع، وهما حنبليان يكفِّران الأشاعرة، وكانت طائفة اليمن الأسفل تكفِّر الأشاعرة، واختلف العمراني وهو يحيى بن أبي الخير بن سالم بن أسعد بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عمران بن ربيعة بن عيسى، نسبته في عك بن عدنان، وولده طاهر المعروف بأبي الطيب، فكان يحيى يكفّر طاهراً ولده؛ لأنه أشعري، وطاهر يكفر يحيى؛ لأنه حنبلي، وكان طاهر من مذهب الأشاعرة، وقام خطيباً بذلك، ثُمَّ رجع بعد موت أبيه، فكان نزول القاضي جعفر لمناظرة يحيى بن أبي الخير، فحاص(2) ابن أبي الخير عن المجادلة، فوقف القاضي جعفر بإب على قلة من الصديق وعدم رفق، ثُمَّ أوى بعد أن بلغه تحزب الفقهاء وإرادتهم البطش كما يفعل العاجز عن الحجة، فأوى إلى الشيخ محمد بن أحمد بن إسماعيل المسكني صاحب حصن شواحط(3) بقرب الملحمة(4)، فآواه الشيخ المذكور، وعوَّل عليه في طلب القوم للمناظرة، فوصل إليه اليرمي، فأفحش على القاضي، وتسفه، وأضحك نفسه والحاضرين بحماقات لا تليق بالعلماء.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) أي فضاق.
(3) شواحط بفتح الشين المعجمة والواو وخفض الحاء ثم طاء مهملتين حصن مشهور في السحول فوق وادي الجنات (معجم المقحفي ص: 366 - 367).
(4) الملحمة: قرية بأسفل حصن شواحط، تقع في سفحه الشمالي الشرقي.. وهي في عزلة السحول بناحية المخادر وأعمال إب (المصدر السابق ص: 328).

فقال له القاضي بنصائح، ورام منه خُلِقَ العلماء، فما كفَّ. فقال الشيخ صاحب الحصن :كيف يقول هذا في مجلسك؟ فما أفاده، وأورد عليه الحنبلي قوله تعالى: ?وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ? (الصافات:96)، وزعم المؤرخون من أصحابه أنه لم يجر(1) جواباً، والذي روى أن هذا المجلس جملة ما اشتمل عليه التفحش من الحنبلي، وأن القاضي أرسل برسائل(2) العمراني، وهي عندنا موجودة مطوّلة، ويدلّ لهذا أن العمراني بعد هذا صنَّف كتاباً كالجواب عمَّا صدَّره القاضي إليه، واشتمل كتاب العمراني على الرد على الأشعرية والمعتزلة جميعهم.
ومن مصنفات القاضي - رحمه الله - (النكت وشرحها)(3) كتاب عجيب، وكتاب الحنابلة هذا وغيره وجملة ما وجَّهه إلى المطرفيَّة خاصة ما ذكر في كتابه (الدلائل الباهرة، في المسائل الظاهرة)(4)، وأن جملة ما وجهه إلى هذه الطائفة المطرفية الكتب ما سأذكره تشرفاً بذكره وهي: كتاب (تقويم المائل، وتعليم الجاهل)، وكتاب /271/ (قواعد التقويم)، وكتاب (أركان القواعد)، وكتاب (شهادة الإجماع)(5)، وكتاب (تعديل الشهادة)، وكتاب [الإحياء على الشهادة] (6) وكتاب (العمدة)، وكتاب في (إنجاز العدة)، وكتاب (منهاج السلامة)، وكتاب (الرافعة بالتنبيه، بشبهات التمويه)، وكتاب (تحكيم الإنصاف)، وكتاب (المسائل الكوفية)، وكتاب (الضامنة الوافية).
__________
(1) لعلها: يجد.
(2) زيادة في (ب): إلى.
(3) طبع مراراً.
(4) كتاب الدلائل الباهرة في المسائل الظاهرة (مخطوط) منه نسخة خطية في (76) ورقة ضمن مجلد رقم (647) بمكتبة الأوقاف بالجامع الكبير بصنعاء.
(5) ذكره الحبشي بعنوان: شهادة الإجماع على عقائد الزيدية، وذكر أن منه نسخة خطية: بمكتبة المدرسية الشمسية بذمار.
(6) ما بين المعقوفين زيادة في (ب)، قلت: وكتاب الإحياء على شهادة الإجماع منه نسخة خطية بالمدرسة الشَّمسية بذمار، ومصور بمعهد الجامعة العربية وذلك حسب مصادر الحبشي.

قال - رحمه الله - في هذا الكتاب: واتبعت هذه المصنفات البسيطة بمختصرات قريبة التناول منها: المسائل العقليَّة، ثم المسائل الإلهية، ثم المسائل النبويَّة القاسميَّة [ثم المسائل العلوية] (1)، ثم المسائل الهادويَّة، ثم المسائل المرتضاوية، ثم المسائل المهدية، ثم مسائل الهدية، ثم المسائل المسكتَة، ثم المسألة الشافية، ثم المسألة الوافية، ثم الرسالة الناصحة، ثم الرسالة الفاتحة، ثم الرسالة القاهرة، ثم الدلائل الباهرة، ثم الرسالة الجامعة، ثم المطيعة السامعة، ثم المسائل القاطعة(2)، ثم المسائل الرافعة، ثم رسالة المؤاخاة، ثم رسالة المصافاة، ثم المسألة النافعة، ثم المسائل المطرفيَّة. انتهى(3)
__________
(1) ما بين المعقوفين زيادة في (ب).
(2) المسائل القاطعة في أصول الدين (30) مسألة في الاعتقاد - خ - ضمن مجموع بمكتبة السيد المرتضى بن علي بن عبدالله الوزير بهجرة السر ببني حشيش محافظة صنعاء.
(3) ومن مؤلفات القاضي جعفر - رحمه الله -: كتاب شرح قصيدة الصاحب بن عباد في أصول الدين، وكتاب خلاصة الفوائد في علم أصول الدين أيضاً، وكتاب الأربعون الحديث وشرحها، وكتاب التقريب في أصول الفقه، وكتاب مسائل الإجماع، وكتاب النقض على صاحب المجموع المحيط فيما خالق فيه الزيدية في باب الإمامة، وكتاب نظام الفوائد، وتقريب المراد للرائد (أمالي)، وكتاب حدائق الأزهار في مستتحسنات الأجوبة والأخبار وغيرها (انظر عنها كتابنا أعلام المؤلفين الزيدية ص: 279 - 282).

ومن تلامذته السيد حمزة بن سليمان والد المنصور بالله عبد الله بن حمزة، وإبراهيم بن محمد بن الحسين، وعبد الله بن الحسين، والأميران الكبيران بدر الدين وشمس الدين، والسيد يحيى بن عمار السليماني، والأمير القاسم بن غانم السليماني، والشيخ الحسن بن محمد الرصاص، والشيخ محيي الدين حميد بن أحمد القرشي، وسليمان بن ناصر، وأحمد بن مسعود والقاضي إبراهيم بن أحمد الفهمي، وسليمان بن محمد بن أحمد بن علي بن أبي الرجال، والحسن بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن أبي الرجال، وأحمد بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن أبي الرجال، وعلي بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن أبي الرجال، وعبد الله ومحمد ابنا حمزة بن أبي النجم، وجماعة كثيرة من أهل صنعاء. وفاة القاضي جعفر - رحمه الله - سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
جعفر بن الحسن بن الحسن(1) [ - ]
السيد الإمام الكبير جعفر بن الحسن بن الحسن - عليهم السلام - كان يكنَّى أبا الحسن، وكان سيِّداً فصيحاً، يُعدُّ في الخطباء من بني هاشم، وله كلام مأثور، حبسه المنصور مع إخوته، ثم تخلَّص، وتوفي بالمدينة وله سبعون سنة، ذكره الشريف ابن عنبة.
جعفر بن الحسن الشمري(2) [ ـبعد سنة 470ه]
__________
(2) جاء في (ب): أبو جعفر الشيخ العلامة أبو جعفر الزيدي الآملي - رحمه الله تعالى - هو غير صاحب الإبانة، ذكره الملا يوسف وسيأتي ذكر صاحب الإبانة فيمن اسمه محمد، وذكر في الحاشية أن هذه الترجمة محلها آخر الكتاب كما هي القاعدة إلى الكنية بعد الاسم.

الفقيه شجاع الدين جعفر بن الحسن الشمري من علماء صعدة، كان عالماً، واتفقت منه هفوة أنه خطب للصليحيين الباطنية على منبر الهادي - عليه السلام -(1)، فأنف لذلك الأمير الفاضل، فنهض بنفسه، ولم يرض بنائب غيره حتى دخل صعدة فقبض على الشمري المذكور، ورجع به إلى شهارة، فلبث في سجنها إلى سنة سبعين وأربعمائة، وبقي محبوساً قدر ست سنين إلا شهرين، فتفادَى نفسه بقدر ثلاثة آلاف دينار، فأخرج هو ومن معه من المحابيس، فمدح الفاضل الشعراء من الزيدية بذلك فقال شاعرهم:
قُدنا من الجبل المنيع جيادنا ... لدن الأعنة كالصخور صلادما
فمضين شعثاً كالشعار(2) قواطناً ... وسلكن شرقاً كالضباء سواهما
/272/
يتبعن أشمط هاشم وإمامها ... نجل الأئمَّة ذا المهابة قاسما
الماجدَ الورعَ التقيَّ الزاهدَ البرّ الكميّ الأريحيَّ العالما
يقصدن هجرة جده الهادي بها ... أكرم بها وبه إليها قادما
متعصباً لمَّا طغت واستعملت ... سكان صعدة رأيها المتقدما(3)
ودعا المخلع فوق منبر جدنا ... قدماً إليه المارق المتلاحما(4)
فرجعن بالأسرى وكنَّ مرادنا ... دون الغنائم والآياب غنائما(5)
جعفر بن أحمد بن جعفر [ - ]
الأمير الكبير عضد الدين جعفر بن أحمد بن جعفر بن الحسين بن القاسم بن علي بن عبد الله بن محمد بن القاسم - عليهم السلام - أمير خطير وعلاَّمة شهير، فصيح متكلم، ومن شعره بعد قضيَّة الحشيشيين مع الإمام أحمد بن الحسين - عليه السلام - وسيأتي ذكرها - إن شاء الله تعالى-.
هنيئاً كلَّما كر الجديد ... بما أولاك ذو العرش المجيدُ
ولا زالت تصاحب كل يومٍ ... معاليك السعادةُ والسعودُ
أمير المؤمنين فداك قومٍٍ ... رضى فعالهم غدر عتيدُ
__________
(1) وذلك في 463ه (انظر مآثر الأبرار 2/722).
(2) في (ب): كالعشار.
(3) في (ب): المتقادما.
(4) الشطر هذا لفظه في مآثر الأبرار (قدنا إليه الماقط المتلاحما) والماقط: الحبل.
(5) وانظر الأبيات في مآثر الأبرار 2/722.

أراد الناكثون لك انتقاصا ... ويأبى الله إلا ما يريدُ
وصدق قول أهل الحجر فيهم ... فعال كلهم فيه مزيدُ
ملأت صدورهم خوفاً ورعباً ... فحلَّ لهم من الفرق العتيدُ
وكم للناكثين بعثت جيشاً ... تضيق به السهولة والنجودُ
فلا تغضِ على غدْرٍ لقوم ... قيامهم لذلك والقعودُ
فجيشك لا يزال له معار ... وخيلك ما يفارقها اللبودُ
وكم رامت بك الأعداء غدراً ... وفتكاً لا يحد له حدودُ
فحاق بهم وأفناهم جميعاً ... كما فنيت بأشقاها ثمودُ
وسلمك الإله ولا ظهير ... ولا حولٌ لديك ولا ودودُ
سوى ا لفذ النظام وأي كاف ... يقرُّ بفضله بيض وسودُ
وجاد بمهجةٍ كرمت وأنَّى ... بمهجته هنالك من يجودُ
وقام بكلما ترضى وتَهوى(1) ... مقاماً ماله أبداً جحودُ
فدمت مسلماً من كل سوء ... سنينا ما لأيسرها عديدُ
وأراد بالنظام العلامة نظام الدين القاسم الشاكري - رضي الله عنه - وقضية الحشيشيين مع الإمام أحمد بن الحسين، رأيت نقلها برُّمتها لغرابتها.
قال السيد الأمير يحيى بن القاسم الحمزي ما لفظه: نحن(2) نبرأ إلى الله من اختراع الكذب، ونسأله التوفيق للصدق، والسبب(3) /273/ أن أمير المؤمنين المهدي لدين الله لمَّا عظم أمره عند ملوك الأرض خاف كل منهم على ملكه، فاستغاث صاحب اليمن بخليفة بغداد، وأمعنوا في كيده بالسمومات وغيرها من أنواع المكر، فدسوا عليه الحشيشيَّة وهم فرقة من الملاحدة القرامطة المعطلة، قوم يأتون من تخوم(4) خراسان، يعرفهم أهل تلك الناحية إلى بلدٍ تعرف بالموت في نواحي الديلم، لا يسكنها إلا الباطنية المعطلة أعداء أهل الإسلام، ولهم ملك معروف يستعبدهم حتى يعتقدون وجوب طاعته في كل أمرٍ فيدسّهم على الملوك، ويأخذ بهيبتهم قطائع جليلة من الملوك.
__________
(1) في (ب): تهوى وترضى.
(2) في (ب): ونحن.
(3) في (ب) زيادة: في ذلك.
(4) في (ب): من تخوم بلاد خراسان.

قال السيد شرف الدين - أيده الله -: أخبرني من لا أتَّهم أن هؤلاء إذا أتى بهم(1) صاحب الموت أدخلهم إلى دار أعدَّها لهم، فيها أنواع الفواكه والملاذ والمآكل النفيسة الطيبة والأنهار المطردة، فيرون شيئاً لم يروه قبل، ولا يدخلون تلك إلا بعد أن يسقوا شيئاً من المسكرات تزول معه عقولهم، فلا ترجع عليهم عقولهم إلا في تلك الدار، ثم لا يخرجون عنها مدة، فإذا أراد أن يدس واحداً منهم أو جماعة أمرهم فسقوا شيئاً يزيل عقولهم، ثم يخرجون، فإذا خرجوا تركوا في أخس مكان، حتى يروا من الهوان ما تقطَّع قلوبهم معه حسرة لما كانوا عليه، ثم يدس إليهم من يسألهم عن حالهم؟ فيقولون: لا ندري كنَا في دار كذا وكذا من النعيم، ثم صرنا إلى هذه الحالة من الهوان فيقول لهم: فإني أدلكم على أمرٍ ترجعون به إلى دارٍ أعظم ممَّا رأيتم فيقولون: وكيف لنا بذلك؟ فيؤتى بهم إلى تلك الدار التي كانوا فيها، فيمتلون(2) فرحاً، ويفتح لهم باباً(3) إلى شيء ينظرونه من بعيدٍ، بينهم وبينه حجاب من زجاج، من ورائه صور ناس عليهم أنواع الملابس وحولهم من الملاذ وحلي الذهب والفضة والجواهر وتصاوير الأطيار وأشياء عظيمة يفتنون(4) بها، ويصبون إليها، ويستصغرون تلك الدار التي كانوا عجبوا بها فيقول لهم القائل: أرأيتم تلك الصورة؟ فيقولون: نعم، فيقول: ذلك فلان، كان أمره مولاه أن يقتل فلاناً الملك، فقتله وقُتل، وانتقل روحه إلى هذه الصورة ثم هو في هذه النعمة أبداً، فإن أردت تنال هذه الدرجة فامتثل أمر مولاك، فيقول: حبّاً وكرامة. فيقول: إن حدثت نفسك بالسلامة بطل أجرُك، وغضب عليك مولاك أبداً. وتنتقل إلى دار الهوان وتنتقل روحك إلى كلب أو خنزير وغير ذلك أبداً، فيقول: كلا، وربما يختبرهم سلطانهم فيشير إلى الواحد فيرمي بنفسه من شاهق أو يقتل نفسه، وهذا ما نقل إلينا من
__________
(1) في (ب): إلى صاحب الموت.
(2) في (ب): ليمتلؤون.
(3) في (ب): باب.
(4) لعلها: يفتتنون.

هؤلاء الذين لم يسمع بمثلهم في الدنيا ودسيستهم على الملوك، إما بأن يأتوهم في هيئة صناع من الصنع النفيسة الغريبة، وإمَّا في هيئة الغرباء والصوفة، وإما في هيئة /274/ المماليك الذين يباعون فيبيع الواحد منهم أخاه أو ابنه ممن يريد قتله من الملوك، فمنهم من يقتل بسكين تسمَّى الحوصة(1) محكمَة الصنعة طولها من نحو ذراع بمقبضها مسقيَّة مسمومة، ومنهم من يقتل بهيئة(2) على هيئة الإبرة، أو على القطبة الحسكة(3) من الحديد المسمومة، ويقيم الواحد منهم السنين الكثيرة حتى تمكنه الفرصة ممن يريد، ولهم حيل وتدخلٌ على الملوك لا يبلغ إليه أحد سواهم، ولم يعلم بدخولهم اليمن على أحد من الملوك قبل إمامنا إلا أن يكونوا غير قاصدين لأحد، هذا فيما ظهر، والله أعلم.
قال الراوي: والسبب في وصول الحشيشي إلى اليمن أن سلطان اليمن ذلك الأوان وهو يوسف بن عمر بن علي بن رسول لمَّا قام في حرب الإمام كتب إلى الخليفة، وأعلمه بما هو فيه من المدافعة عن مُلك الخليفة، وهو المعتصم بن المستنصر بن الناصر صاحب بغداد كتاباً، وأرسل إليه رسولاً وأموالاً وملابس نفيسة، وعقد له السَّلطة(4) في اليمن وولاَّه من تحت يده، فطال بذلك، فلمَّا كان في أيام طلوع هذا السلطان إلى صنعاء وخروج الإمام عنها وجَّه رسولاً إلى الخليفة يقال له: ابن أبي الفهم، فأمر الخليفة إلى صاحب الموت، فوجَّه إليه بحشيشيين: أحدهما رجل قد طعن في السنِّ أعوَر لعينٌ طويل القامة، جليل المشاس(5)، شيطاناً مريداً، والآخر غلام حدث السن في سن الشباب كامل الخلق، واسم هذا الشيخ فيما حُكي: يوسف بن حسن، زعم أنه من الموصل، والله أعلم.
__________
(1) في (ب): الحوصبة.
(2) في (ب): بهيئات.
(3) الحسك: ما يعمل من الحديد على مثال حسك السعدان، وهو من آلات العسكر (مختار الصحاح ص: 136).
(4) في (ب): السلطنة.
(5) المشاس: لم أجدها في القاموس.

فلمَّا وصل هذا الرسول إلى زبيد كتم السلطان أمر الحشيشيين، واستدعى رسولاً من الإمام وأظهر أنه راغب في الصُّلح، فوجَّه إليه الإمام القاضي التقي المخلص يحيى بن الحسين بن عمَّار من أهل الدين والعلم والحزم والثبات في أموره، وأمرَه أن يدري بأمر السلطان، فإن كان صادقاً كانت المراجعة والعمل على معلوم، وإن كان غير ذلك لم يكن قد ظهر، وهو - عليه السلام - مقيم في حصن حلب(1)، وفي حال ذلك استدعى السلطان للرسول [من عند الإمام](2) [و]وجْه الحشيشيين مع ابن أبي الفهم إلى صنعاء وأمر لهما بالملابس النفيسة والمركوب، ولم يدر أحد بهما، وأظهر أنهما رسولان مشرفان على خزائن الحصون أو نحو ذلك، فلمَّا وصل ابن أبي الفهم إلى صنعاء التقاهم السلطان أحمد بن علوان بن بشر بن حاتم بن أحمد بن عمران بن الفضل اليامي، وهو خلصَة السلطان وبطانته وموضع سرٍّ له وأمانة فأسَّر إليه ابن أبي الفهم الأمر، ووصل السلطان، وظهر من أمرهم أن هذا ابن أبي الفهم وصل بخزانه، وأنه يريد الصلح بين الإمام وبين السلطان، وأن هذين الرجلين شاهدان أو نحو ذلك، وربّما أظهروا أن تسليم حصن كوكبان للإمام وأن يؤخذ عوضه حصن هداد للسلطان، وانتشر الكلام، ومالت خواطر الناس إلى ذلك، واضطرب أشد الناس لذلك /275/ لأمرٍ يرجع(3) إلى نفسه من مكرٍ أو خديعة، وتقدَّم أحمد بن علوان والحشيشيان(4) إلى حصن كوكبان، وأظهروا للوالي تسليم الحصن، فاضطربت أموره، وأظهروا افتقاد الخزائن والشحن(5)، وكاتب ابن علوان الإمام، وأراه الرغبَة من السلطان في الإصلاح، وأظهر أنه يريد الوصول، وأنه يطلب الرفاقة والذمَّة الأكيدة، فلم يبق عند الإمام - عليه السلام - شك في رغبة القوم في الصلح وأن وراءهم
__________
(1) حصن حلب من حصون المصانع وأعمال ثُلأ، وهو خراب (معجم المقحفي ص: 187).
(2) ما بين المعقوفين زيادة في (ب).
(3) في (ب): راجع.
(4) لعله: والحشيشين مفعول معه.
(5) في (ب): والسجن.

أمرٌ أوجب ذلك، فأمر بالذمَّة فلم يلبث أن قدم الشيخ من الحشيشيين ومعه رجل من مولدي الغزّ يقال له: ابن التائه يقال: إنه خدع في صحبَة الحشيشي، والظاهر يحكم عليه بالبغي والعدوان، فوصل الرجلان آخر يوم الخميس، وهو السادس من ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وستمائة، فأذن أمير المؤمنين - عليه السلام - بإنصافهما وإكرامهما، واستأذن الرجلان في السلام، فأذن أمير المؤمنين - عليه السلام - لهما، وكان عنده السلطانان الأجلان الناصران شجاع الدين جابر بن أسعد، وأسد الدين محمد بن الوشاح في عصابة من أجواد قومهم قريب من الخمسين، فقيل لأمير المؤمنين في الحزم والحذر من كيد الحشيشية، وكان معه من الأجواد مالم يمكِّن الحشيشي معه أن يثب، فدخل الحشيشي وسلمَّ على الإمام هو وصاحبه والإمام على نهاية الحذر منهما في ذلك الأوان، وخرج هو وصاحبه بعد ساعة، وكان من الغد وهو صبيحة يوم الجمعة، فأظهر الحشيشي أنه مريض، فلمَّا حضر وقت الجمعة خرج أمير المؤمنين إلى موضعٍ في الحصن وصلَّى بالناس صلاة الجمعة، وجاء إليه رجل من أهل ثُلأ، فأشار إليه أن يحزم من الحشيشي، فلم يصدِّق الإمام وخصوصاً بعد ما لم يثب في الليلة التي وصل فيها. ثم إن أحمد بن علوان وصل إلى حصن ثلاء لمَّا علم من المشائخ أهل ثلاء أنهم اضطربوا من شائعَة تسليم حصن كوكبان، وهم في ذلك الأوان محاربون للإمام - عليه السلام - ومباينون له، فطيَّب نفوسهم وهو يقوم، ويقعد، ويتطلع الكائنة من الحشيشي، فلمَّا كان بكرة السبت عند طلوع الشمس حصل الحشيشي وصاحبُه، وأظهر أنه يريد صرم الأمور والوداع والرجوع إلى ابن علوان، وأنه ما وصل إلا شاهداً؛ لأن السلطان قد بلغه أن ابن علوان لا يريد صلحاً بين الإمام وبينه، فأمر الإمام أن يخلى له المكان، فلم يبق مع الإمام إلا ثلاثة، وهم عمدة خواصه: الفقيه العلامة الأوحد نظام الدين خاصّة أمير المؤمنين القاسم بن أحمد الشاكري، والفقيه الطاهر التقي

داعي أمير المؤمنين محيي الدين معلى بن عبد الله القسي، ثُمَّ البُهلولي، والشيخ الطاهر المخلص تقي الدين خاصَّة أمير المؤمنين عبد الله بن يحيى بن علي الصعدي، وأمر أمير المؤمنين أن تقف على السلاطين ومن معهم في مجلسٍ قريب منه وخدمه وأتباعه كل واقف في موضعه من القصر /276/، فلما دخل الرجلان على الإمام إلى مجلسه وهو على مرتبته التي ينام عليها والمجلس في طوله إلى مقدار خمسة عشر ذراعاً، فلما دخل الرجلان، وكان الإمام في شرقي المجلس وأصحابه في غربيه، فرد السلام وتحدث بحديث غير طائل ولا منظم، ثُمَّ استأذن الإمام وأصحابه أن يلقي إلى الإمام حديثاً سراً فتوهم الكل أن معه حديثاً من السلطان، فدنا من الإمام قليلاً حتَّى بقي بينهما نحو ذراع وبينه وبين أصحابه أذرع، هذا تقدير، ثُمَّ تحدث بحديث كحديث السكران، وقد قيل: إنه أكل ذلك اليوم من الحشيشة التي تسكر بها الصوفية وقطع للإمام، وكلما تحدث معه الإمام أو سامه أمراً احتمل بثيابه فاستنكر الإمام حديثه، ثُمَّ طلب من الإمام أن يكتب له ورقة أمان، وأن يكون يختلف هو وابن أخيه ولم يكن عنده أنه يظفر في كرّته، وأزمع على القيام والوداع على غير طائل ولا ريدة في أمر من الأمور. قصَّة وثبة الحشيشي على الإمام - عليه السلام - قال الراوي: ثُمَّ إن الإمام أشار إلى الفقيه نظام الدين أن يدنو ليحسن في خروج الرجلين بلطف وأدب لما رأى حديثه غير منتظم، وتزلجا عنه، ويخبرهم أن ما حديثه بطائل، فدنا الفقيه نظام الدين من الإمام فشاوره الإمام في أذنه اليسرى وعينه مع الرجل وهو باسط يديه على فخذيه، ثُمَّ إن الفقيه أراد الجواب على الإمام فشاوره مقابلاً لأذنه اليمنى، فعند ذلك ستر ما بين الحشيشي والإمام(1) لحظة، فحصلت له الفرصة فجذب سكيناً حوصبة عظيمة قريباً من عظم ذراع بمقبضها قد كان أعدها في باطن فخذه، ثُمَّ قام في أسرع ما يكون وانحط على الإمام بعد أن
__________
(1) في (ب): وبين الإمام.

رفع يده، وتطاول على قدميه خيفة أن يكون الإمام دافناً لدرع أو نحوه، فأحسَّ به الإمام - عليه السلام - فوثب قائماً في الأرض وفضل عمامته في الأرض فوقعت رجله فيها أو في ناحية الفراش، فسقط على جنبه الأيمن، فوقعت الطعنة في موضع المحجمة من كتفه الأيسر، فمرت نحواً من ثمان أصابع إلى نحو عظم صلبه بعد أن أخذت نيفاً وخمسين طاقاً في العمامة، وطاقات في فوطةٍ جديدة عليه، وثلاث طيارات في عطف سوحه والدراعة وما تحتها، ودنا عدو الله يطعن الثانية فوثب عليه الفقيه العلامة نظام الدين القاسم بن أحمد الشاكري، فقبض على السكين بيده، ووقعت الواعية في الدار، وصرخ الصارخ، وكانت ساعة لم ير الناس مثلها، ولم يشك أحد أن الإمام قد قتل، وقام الإمام وطعنته ترش من خلفه (دماً)(1)، فأحس بالحرائم أنها قد خرجت على الناس فشغله ذلك عما معه، فخرج فردَّهن، وقد كان ابن التائه دخل على الحرائم فقيل: إنه أراد أن يقتل ولد الإمام الصغير المسمى الناصر محمد بن أحمد، وقيل: أراد أن يستجير، والله أعلم.
ثُمَّ قال الإمام أمير المؤمنين لأصحابه: اقتلوا الرجل، واشتغل بستر الحرائم، ودخل الناس على الحشيشي /277/ وقد شدَّ الفقيه العالم يديه وضغطه إلى جدار(2) حتى ما استطاع حراكاً معه، فدخل عليه رجلان من خدم الإمام فضرباه على رأسه بالسَّيف حتى صرعاه، ثم وقع فيه من دخل، وعاب(3) الناس في الدار، فنهب من الدار شيء من الثياب والحرير، وقتل ابن التائه في دار الحريم بغير أمرٍ من الإمام وصرخ(4) الصَّارخ إلى ثُلاء في الحال، فوقع عند المشائخ من ذلك مصيبَة عظيمة، وخاف أحمد بن علوان على نفسه.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (ب): جدر.
(3) لعلها: وعاث.
(4) في (ب): وبلغ.

قال السيد شرف الدين - أيده الله- : وقد أخبرني من لا أتهم أنهم أهموا به عند ذلك، وراح من ساعته، وتفرق المبشرون من المفسدين والمعاندين إلى صنعاء وذي مرمر وغيرهما، وإلى اليمن وإلى بلاد الباطنية بقتل الإمام - عليه السلام - وتفرَّق المبشرون من عند الإمام - عليه السلام - بسلامته، وكانت الوقعة على مضي ساعة ونصف من يوم السبت ثامن ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وستمائة.
قال السيد شرف الدين يحيى بن القاسم - رضي الله عنه -: كنت ذلك اليوم قريباً من قرية نغاش قاصداً إلى الإمام - عليه السلام - ومعي من بني العم جماعة، فلم نشعر حتى لقينا البشير فظننا أنه مبشر بتسليم كوكبان، فبشر بسلامة أمير المؤمنين من الحشيشي، فأقسم بالله لقد ترآى لي عند ذلك ظلمة على الأرض، وأصابنا مالا يعلمه إلا الله، ولم نصدق للإمام بسلامة، وبقينا نقلب الأمر ظاهراً وباطناً هل نقدم، فإن كان الإمام قد قضى عليه فإنه لا يمكنَّا أن ندخل حصن حلب(1)، ولا ندري كيف يكون أو نعود فربّما الإمام سالماً فنندم، فرأينا القدوم، فأخذنا من ساعتنا تلك نثب في الجبل وثباً حتى وصلنا حصن حلب آخر النهار، فاسترَّ بوصولنا أمير المؤمنين ومن معه، وما صدقنا لمولانا الإمام بسلامة حتَّى رأيناه، وسقطنا عليه، ومنَّ الله علينا بمنَةٍ لا توازيها منّة فالحمد لله كثيراً، ثم أخذ أمير المؤمنين في علامات الكتب إلى أقطار البلاد إلى المشرق والمغرب، والظاهر وصعدة والجوف وحصون اليمن وبراش وغير ذلك يعلمهم بما منَّ الله عليهم من سلامة إمامهم وقتل عدوهم ويأمرهم بالشدَّة فإنه سالم، وفي أَجَلِّ نعمة، مع عظم(2) ما كان [فيع] من التعب.
__________
(1) في (ب): خلب.
(2) في (ب): عظيم.

قال السيد شرف الدين - رضي الله عنه -: كنت خشيت أن يكون السكين مسموماً، فأمرت للسكين وتدبَّرتها، فرأيت في فقارها شيئاً لاصقاً رقيقاً كالسندروس، والذي غلب على ظني أنها مسمومة، وقد أخبر بذلك عدَّة من الناس، وإنما دفع الله عن ابن نبيئه، وبيّن للخاص والعام عظيم فضله وبركته، وكنت كثيراً ما أساله - عليه السلام - هل يحس معه في قلبه ألماً أو ضعفاً؟ لأن السمَّ يسري ألمه إلى القلب. فيقول: ما أجد شيئاً من ذلك، فلمَّا مضت ليالٍ على شدة الوجع والألم قطعنا على السلامة من السم، ثم أقبلت القبائل من أطراف الأرض يهنئون بسلامته، ويحمدون الله على ذلك، وهو - صلوات الله عليه - يظهر التجلّد، /278/ ويقوم لكثير من كبار الناس على شدة التعب وسهر الليل، أقام القوم في صنعاء في فرحةٍ وسرور أياَّماً ويكسون وينعمون، ومن أخبر للإمام بسلامَة أهانوه، وكادوا يهلكونه حتى صح لهم أن الله تعالى ردَّ كيدهم، ووصل إليه أخوه أبو المظفر سليمان بن يحيى، بعد أيام وأقام أمير المؤمنين أياماً قريباً من نصف شهر، وخرج يسير إلى جانب الحصن فاسترَّ الناس، وكان يوم سرور وفرح، وإقامة الجراحة مانعة له من صلاة الجمعة قريباً من شهرين، ثم صلى بعد ذلك.

قال السيد شرف الدين - أيده الله -: وقفت معه خمسين يوماً أو قريباً منها ما فارقته ليلاً ولا نهاراً إلا في النادر، وباشرته بنفسي أنا وجماعة من الأبرار، فلم أر أحداً أصبر منه ولا أكثر منه تجلداً، وفي خلال ما هو فيه من التعب لا يترك حاجة لأحد إلا قضاها على أحسن ما يكون، فجزاه الله خيراً، ووصل في خلال ما حدث النوبة المشائخ الأجلاء أهل ثُلاء وتغمَّموا مما جرَى، وهنَّوا بسلامته، وأمروا بالغنم والضيافات، وتألموا، ولم يبق أحد من عيون الناس حتى وصل وهنأ ويشتفي بمقابلته - عليه السلام - وجاءت القصائد من العلماء، فمِمّن قال في ذلك مهنئاً السيد الشريف الأمير المنيف يحيى بن القاسم بن يحيى الحمزي - رحمه الله تعالى -:
عفا بالعقيق ربعه ومآثره ... وأقفر من ربع ببرقاء دائره
وودَّعت سلمى قبل ذاك ولم أكن ... أرى أن ذاك الرَّبع يرفض حاضره
وقد أد منها لاعج لا أرى له ... مكاناً ولا انفك منه أثابره
فلله عيناً من رأى مثل كله ... حجاب على بدرٍ بذلك قاهره
من العابريات(1) الرشوف كأنها ... عكوف على شربٍ دعتها جآذره(2)
لعوب هضيم الكشح يرميك طرفها ... بما اكتنفت تحت الحجاب محاجره
وأخذ على هذا الأسلوب ثم قال:
إلى خير من تهفو الخوافق فوقه ... إذا دلكت عند النزال عساكره
إلى الأفق البهلول خير بني الورى ... وخير مليكٍ حين تبدو بشائره
إلى من به أضحى لدين محمدٍ ... شعار على القطب الشمالي طائره
ومنها:
إليك أمير المؤمنين زففتها ... أساليب كالرَّوض الذي راض ناظره
ومنها:
وكم كربةٍ فرجتها بكتائب ... وقد علقت للموت فيها أظافره
بعزمٍ كحد السيف والسيف دونه ... رددت به الملك الذي أنت قاهره
__________
(1) في (أ): العابرات.
(2) الجآذر جمع الجؤذر بفتح الذال وضمها: ولد البقرة الوحشية (انظر مختار الصحاح ص: 90).

وكتب القاضي ركن الدين مسعود بن عمرو العنسي - رحمه الله - إلى خواص الإمام /279/ فسألهم(1) بأبيات طالعها:
بحق ذمام عهدكمُ وعهدي ... وحرمة صحبتي كيف الإمامُ
ألا كيف الذي تهوى الرواسي ... لدعوته وتنصدع السلامُ
وكيف(2) يد كمثل يمين عيسى ... إذا مسحت أزيل بها السقامُ
ظللت وقد أتاني العلم أخفى ... تردني عبرتي ولها انسجامُ
وبتُّ على الفراش كأنَّ جنبي ... تعرض دون مضجعه السهامُ
يوافيني السُّها(3) فأقول مهلاً ... ترفَّق بي فإني لا أنامُ
أأنسى أنعم المهدي عندي ... فأنكرها إذا يئس الذمامُ
ألا تبَّت يمين فتًى ترامت ... به من أرض بغداد الأكامُ
أراد السُوء بالإسلام كفراً ... وطغياناً فعاجله(4) انتقامُ
كما فعل ابن ملجم في علي ... وأخَّر عن خليفتنا الحمامُ(5)ُ
ومن الناظمين للتهاني الإمام المنصور بالله الحسن بن بدر الدين، وكان إذ ذاك أيام سيادته لكنَّه الغرَّة الشادخَة في العترة فقال:
رامُوك والله رام دون ما طلبُوا ... وكيف يُفْرَقُ شمل وهو جامعُهُ
عوائد لك تجري في كفالته ... لا يجبر الله عظماً أنت صادعه
كم قبل ذلك من فتق منيت به ... والله من حيث يخفى عنك راقعه
ضاقت جوانبه واستدَّ مخرجه ... وأنت فيه رحيب الصدر واسعه
رداً إليه وتسليماً لقُدرته ... فيما يحاوله أو ما يدافعُه
ولمَّا وصل هذا الشعر النبيل من هذا الرجل النبيل أمر الإمام من يجوب(6) عليه فقال بعضهم:
أهلاً بطالع ما قد سر طالعه ... طرس(7) من الشرف العالي يطالعُهُ
أهلاً بروضة لفظٍ جاد زخرفها ... (شابوب) صنعة من حلت ضائعه
شَمْلُ المسرَّةِ والسلوان مجتمعٌ ... عندي ومسطور سيف الدين جامعه
__________
(1) في (أ): فساهم.
(2) قبل البيت في (ب): ومنها.
(3) السُّها: كوكب خفي يمتحن الناس به أبصارهم (مختار الصحاح).
(4) في (ب): يعاجله.
(5) الحِما بالكسر: الموت.
(6) لعلها: يجيب.
(7) الطِّرس بالكسر: الصحيفة.

أهدَى لنا طبقاً من كاغدٍ(1) وبه ... من طيب الكلم الممنوع يانعه(2)
يشفي بموقعه مرْأىً ومستمعاً ... كأنما حسن الأفلاك طائعه
قلت: وقد يظهر للإمام المهدي أحمد بن الحسين شعر مع اقتداره عليه.
قال السيد الإمام يحيى بن القاسم: لقد رأيته يقول النظم ويصوغ القريض، ثم يقول: إن الشعر من مظان العتب والانتقاد، ولا أرى بتركه بأساً، أو كما قال في هذا المعنى /280/، وعلى ذكر أبيات المنصور بالله الحسن بن بدرالدين أذكر قصيدة له عذبة، الناشئة بتجارة لله دره ما أرق حاشيته وأعذب ناشيته وهي:
سقيا ورعياً لدارهم ورعى ... إذا سقى الله منزلاً ورعى
يا دار حور العين(3) ما صنعت ... أحبابنا باللَّوى وما صنعا
أرقني بعد بينهم وهنا ... برق على عقر دارهم لمعا
مثل حوانس الرداء ما هجعت(4) ... عيني له موهناً وما هجعا
وأين صنعاء من رغافة أو ... قطابر بعد ذا وذاك معا
أيعلم البرق حال ذي ولع ... صير ملتف قلبه قطعا
أربة الحال ما أرى كلفي ... بكم شفى غلة ولا نجعا
لولاك يا رملة المحجر ما ... رأيت خوطاً(5) من جوهر طبعا
ولا رأينا نخلة قمراً ... وجنح ليل وطفلة جمعا
لي عنك شغل لو تعلمين بما ... أوجبه ربنا وما شرعا
هذا إمام الزمان أحمد بالـ ... حق وأمر الإله قد صدعا
إن قال فالدرُّ لفظ منطقه ... أو صال فالليث حيثما وقعا
الصادق السابق المقابل في الـ ... ـمجد كما قيل في الذي سمعا
الألمعي الذي يظن بك الـ ... ـشيءَ كأن قد رأى وقد سمعا
طاب شمالاً(6) وعنصراً وزكا ... فرعاً وأصلاً فعد ممتنعا
الواهب الجرد في أعنَّتها ... والضارب الهام والطُّلَى(7) جمعا
__________
(1) الكاغد: القرطاس، ومعرَّب (القاموس المحيط ص: 42).
(2) في (ب): قانعة.
(3) لعلها: العيون، ليستقيم الوزن.
(4) الصدر غير موزون.
(5) الخوط: الغصن الناعم.
(6) في (أ): شمائلاً.
(7) الطُّلَى: الأعناق.

في ماقطٍ(1) لو يشق ذو الرعب القشعم(2) حتبي قياثة(3) وقعا
حيث ترى البيض وهي ساجدة ... والنقع بين الصفوف قد صدعا
حيث ترى الطير وهي رائعة ... دما عبيطاً(4) والنقع مرتفعا
يا سيد العالمين كلهمُ ... وخير من قام سابقاً ودعا
أحييت ميتاً من الهدى حقباً ... لولاك لم ينتعش ولا ارتفعا
فأمعن الكفر بعده هرباًً ... والفسق لا يلقيان منتجعا
وكنت كالنيرين ما طلعاً ... إلاَّ وطال الظلام وانقشعا
بل كنت كالليث حول أشبله ... والسيف مهما(5) هززته قطعا
بل كنت كالموت للعصاة إذا ... حل على معشرٍ فلن يدعا
/281/
لا أكذب الله إنني رجل ... وجدت خصل الكمال فيك معا
العلم والفضل والشجاعة والـ ... ـرأي وفيض السماح والورعا
وهي كما ترى قصيدة فائقة رائقة، ولهذا طولت بها هذا الترجمة إذ هي - إن شاء الله- زينة لهذا الرقيم، والقصيدة هذه نيف وخمسون بيتاً(6)، لكن هذا الذي ظفرت به، والله سبحانه أعلم.
وجعفر بن أحمد المذكور صاحب الترجمة هو الراوي عن الشريف، فليته بن جعفر أنه حدث في شهر المحرم سنة 596 ه على وفاء 23 شهراً من قيام الإمام المنصور بالله - عليه السلام - عبد الله بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي بن حمزة بن أبي هاشم الحسن بن عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليه وعلى آبائه الطاهرين أفضل الصلاة والسلام -. انتهى
__________
(1) المقط: الشدة، والماقط: أضيق المواضع في الحرب (وانظر القاموس المحيط ص: 889).
(2) القشعم: اسم من أسماء الأسد.
(3) في (ب): جنبي قبَابة.
(4) العبيط من الدم الخالص الطري.
(5) في (أ): كلما.
(6) قوله: بيتاً، سقط من (أ).

حبس الدخان ما غطى الأرض حتى إنه كان الإنسان لا يكاد يرى صاحبه إذا بَعُدَ عنه قليلاً، وأقام ذلك إلى شهر رجب سنة 597ه(1)، وكثرت في ذلك الأقاويل، وتحدَّث الناس بضروبٍ من الكلام والظنون، قال: ثم حدث في تلك السنة من الصواعق سيما في المغارب ومخلاف صنعاء .
قال الراوي: وكان في تلك السنة حدث في جهة الشام من راحة ونواحيها وجع الأريبة وأظنه من الطاعون ورم يصيب الإنسان في مراقه فربما مات في يومه، وربما مات في الثاني أو الثالث، ومنهم من ينفجر بماء ربما يسلم صاحبه، فروي أن بلاداً خلت من سكانها وأهلها وصارت ماشيتهم سائمة لا مالك لها، ثم تناقض(2) ذلك بعد وفاء سنة.
__________
(1) في (ب): 970ه. ولعله وهم من الناسخ.
(2) لعلها: تناقص.

قال السيد يحيى: وقد حدثني والدي عز الدين شيخ العترة الطاهرين القاسم بن يحيى بن حمزة بن أبي هاشم - رحمه الله - وكان من صلحاء أهل البيت - عليهم السلام - وأخيارهم وممن صحب الإمام المنصور بالله - عليه السلام - من وقت الدرس إلى أن توفي - صلوات الله عليه - في أوَّل سنة أربع عشرة وستمائة، وعاش بعده إلى شهر جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وستمائة، ومات وهو في سن كبير ابن تسع وثمانين سنة، وتوفي والده يحيى بن القاسم بن يحيى بن حمزة بن أبي هاشم مجداً مرابطاً صابراً مع الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان - سلام الله عليه - في دخلة صنعاء سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وأب أبيه هو الشريف العالم الإمام القاسم بن يحيى بن حمزة، وكان من أشرف أهل زمانه، ومن علماء أهل البيت والمشار إليه، وهو أول من أجاب(1) المتوكل على الله أحمد بن سليمان بن المطهر في عدَّة من أهله، وقعد بعد ذلك لعلةٍ عرضت له، وقد ذكره الإمام المتوكل على الله في أوّل سيرته: أخبرني والدي المذكور أولاً وساق الحديث لهذه الرواية أنه كان في سنة حدثت في المغرب صواعق لم ير الناس مثلها /282/، وأخبرني أنه سمع يوماً خريراً فرفع بصره فرأى مثل الجبل الأسود منقضاً في نهج (حجَّة) إلى نهج (لاعة)(2)، فلما صار إلى هنالك وقعت الصاعقة، وأخبرني بما كان في الشام من الورم.
__________
(1) في (ب) زيادة: الإمام.
(2) لاعة: بلدة معروفة من أعمال محافظة حجة في الجنوب منها، إليها تنسب عدن لاعة، التي هي اليوم خرائب وأطلال (معجم المقحفي ص: 547).

قال السيد يحيى: وأقام الناس في خطب وفزع من حدوث هذه الصواعق، ومن العجائب التي لم تجربها العادة أنك لا ترى بارقاً معترضاً في السماء، بل ينشق في الطول انشقاقاً منكراً، فلما كان في شهر شعبان اتصلت الكتب من مكة من زعيمها وهو الشريف الأمير أبو نمي بن أبي سعد بن علي بن قتادة بن إدريس بن مطاعن الحسني الموسوي، واتصلت الأخبار من غيره من العلماء من هنالك، وكثر الكلام بحدوث حادثة، قال في كتابه، وقال غيره ما هذا معناه: إنه لمَّا مضت ليلتان من شهر جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة وقعت الزلزلة العظيمة في مدينة الرسول (- صلى الله عليه (1)وآله وسلم-)(2) [ثم سكنت](3) وذلك يوم الثلاثاء، ثم كان بعد ذلك وقعت زلزلة عظيمة حتى سقط بعض قناديل الحرم المحمدّي - صلوات الله على صاحبه - واضطربت الجدرات(4) وتمايل بعضها، وظن أهل المدينة أنها القيامة، فلاذوا بالقبر الشريف، ثم استمرت الزلزلة إلى يوم الجمعة، ثم حدث دخان عظيم إلى الحمرة، وفي(5) شرقي قبا عند مآثر بني قريظة على أميال من المدينة، ثم طلعت منارات لها أعمدة صاعدة في الهواء، وكان لها قصيف ولجب، فأمر صاحب المدينة من يأتيهم منها بخبر، فما اسطاع(6) أحد أن يقربها فرقاً من قصيفها، وعند ذلك شاع ذكرها في البلاد، وأخذ الناس في الأهبة للمعاد، وروى أهل تلك الناحية أن ضوءها رئي على مسيرة أربع عشرة مرحلة، وأكثروا أصنافاً من الحديث. انتهى
جعفر بن أمير المؤمنين الحسن(7) [ - ]
__________
(1) سقطت ما بين القوسين من (ب).
(2) في (ب): ثُمَّ سكتت.
(3) ما بين المعقوفين زيادة في (ب).
(4) لعلها: الجدران.
(5) في (ب): في.
(6) في (ب): فما استطاع.

الشريف الأديب الرئيس(1) الكبير أبو القاسم جعفر بن أمير المؤمنين الحسن بن علي الناصر الكبير الأطروش، إمام الجيل وحجَّة الزيدية - عليه السلام - كان شريفاً ذا همَّة في الرئاسة، ترجم له صاحب (اليتيمة)، وذكر ما كتبه إلى القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني فقال(2):
/283/ وذكر الشريف ابن عنبة أنه لما مات الناصر أرادوا أن يبايعوا ابنه أبا الحسين أحمد بن الحسن فامتنع من ذلك، وكانت ابنة الناصر تحت أبي محمد الحسن بن القاسم الداعي الصغير، فكتب إليه أبو الحسن(3)، فاستقدمه وبايعوه، وغضب أبو القاسم جعفر بن الناصر، وجمع عسكراً وقصد (طبرستان)، فانهزم الداعي، ووافى أبو القاسم بن الناصر يوم النيروز سنة ست وثلاثمائة وسمَّى نفسه الناصر، وأخذ الداعي (بدماوند) وحمله إلى الري إلى ابن وهودان فقيَّده، وحمله إلى قلعة الديلم [فلما قتل علي بن وهودان خرج الداعي](4)، وجمع الخلق وقصد جعفر بن الناصر، فهرب إلى جرجان فتبعه الداعي، فهرب الناصر راجلاً إلى الري، وملك الداعي الصغير طبرستان إلى سنة ست عشرة وثلاثمائة ثم قتل بآمل، قتله مرداويح. انتهى
وذكر أحمد بن علي بن عبد السلام التكريتي في كتابه الذي اختصره من كتاب ياقوت الحموي المسمَّى (بمعجم الأدباء) وكتاب التكريتي اسمه (بغية الألباء من معجم الأدباء) ما نصه: ورد أبو القاسم جعفر بن الحسن الأطروش العلوي الملقب بالناصر جرجان مستولياً عليها، وكان أديباً شاعراً خطيباً، ومعه ابن أبي دهمان الأديب، فقال ابن أبي دهمان يوماً للسلامي: قلت - يعني الحسين بن أحمد بن محمد السلامي - إن الناصر مائل إليك، مقرب لك أفضل تقريبٍ، فأهد إليه من قولك هدية تكون لك عنده تحية، فأنفذ إليه السلامي بهذين البيتين:
__________
(1) في (ب): الرائس.
(2) قال في (ب): بياض في الأم، ولعله يوجد إن شاء الله.
(3) في (ب): أبو الحسن بن الناصر.
(4) ما بين المعقوفين زيادة في (ب).

شكا الدين والجود حاليهما ... فأشكاهما الله بالناصر
فأيَّد ركن الهدى بالتقى ... وعمَّ الورَى بالنَّدى الغَامر
فلما دخل السلامي من الغدّ إلى أبي القاسم قال: قد حملوا إليَّ هديتك، وتحيتك ووجدت حروفها قليلة جامعة، ومعانيها جليلة رائعة كالجوهر الخفيف وزنه، الغالي ثمنه، فبُّرك بهما عندنا مقبول، وحبلك موصول وذمامك محفوظ.
قال السلامي: أيها السيد، قد زينت تلك الهدية بجميل وصفك، وشهَّرتها بلطيف لطفك، وأعطيتني بها غاية الأعطية وحبوتني بها نهاية الأحبية، فما ربح أحد منتحلي هذه الصناعة ما ربحته على هذه الصناعة(1)، فعمل مبرور، وسعي مشكور، وأنا بحسن العوض مغمور، وبكريم المثوبة مبهور، فالتفت أبو القاسم على(2) من حضره وقال:
لا يكمل الفضل للمذكور بالحسب ... إلا بزينة فضل العلم والأدب
انتهى، قلت: والسلامي المذكور هو الأديب البليغ الحسين بن أحمد بن محمد السلامي الأديب المؤرخ، مات في سنة ثلاثمائة وهو من وجوه الأدباء ومشاهيرهم.
جعفر بن الحسين بن الحسن [ - ]
السيد الكبير جعفر بن الحسين بن الحسن الأفطس، ترجم له المنصور بالله، وقد ذكر أنه قتله المقتدر العباسي، وأثنى المنصور بالله عليه و- عليهم السلام -.
/284/ جعفر بن علي بن محمد(3)
__________
(1) في (ب): البضاعة.
(2) في (ب): إلى من حضره.
(3) هذه الترجمة لا توجد في (ب) على هذا الترتيب فهي متقدمة.

السيد الكبير جعفر بن علي بن محمد بن علي الرضا بن موسى الكاظم، كان سيداً فاضلاً كبيراً، وكانت الإمامية تسميه جعفر الكذاب، كأنهم يقابلون به جعفر الصادق - عليهما السلام - ووجه غضبهم أنه لما مات الحسن العسكري أخو جعفر المذكور، والإمامية تزعم أن الحسن هو والد محمد المنتظر، فاستحكم جعفر المذكور بانقطاع ذرية الحسن، وحاز جعفر ميراثه، وأظنه ورد اليمن أو أحد من ولده، فإنه جدّ آل الطيب بصنعاء وجدّ أهل حوث وجماعة بالظاهر، فمنهم الإمام يحيى بن حمزة، وإذا كان هو الوارد إلى اليمن فقد ذكر بعض المؤرخين خروج جد الفقهاء آل أبي الرجال مع رجل من هذا البطن من العراق.
جعفر بن عبد الله بن أبي النجم [ - ]
القاضي العلامة ركن الدين جعفر بن عبد الله بن أبي النجم - رحمه الله - كان عالماً عاملاً حاكماً محكماً، واتفق له بمكة المحروسة أن حبسه الأمير نجم الدين أبو نمي الحسني صاحب الحرم، وكانت هذه من الحوادث لعلوّ منصب أهل هذا البيت، وكتب صنوه إسماعيل الأبيات التي سلفت، وأظنه تعقب ذلك خروجه، وكان وصوله حرياً بما قال القائل فيهم من قصيدة أولها:
يا خليلي أسعداني فإني ... مهجتي جذوة ودمعي سجومُ
وقفا بي على الرسوم قليلاً ... ما عسى أن يغنيه عني الرسومُ
ثم قال مهنئاً:
فرح قد أظلهم ثم ثاني ... قد تلاه حواهما التنظيمُ
قادم الحج ثم تطهير سبطيـ ... ـه الزكيين غبطة ونعيمُ
ركن دين الله(1) صفوة عبد الـ ... ـله ذي العلم والأريب الحليمُ
زار ذات الأستار ثمت قضى ... وطراً منه ركنها والحطيمُ
وأتى الأعماد إذ سنه الـ ... ـله فباهى به الورى التنعيمُ
ولمَّا انتقل إلى جوار الله الكريم رثاه السيد العلامة إبراهيم بن محمد بن الحسين الديلمي - رحمه الله - الماضي ذكره فقال:
ينازع نفسي في الأسى ما ينازع ... وتخفق أعضائي وتهمي المدامعُ
وتسعر أحشائي بنارٍ كأنه ... من الوجد أضحت تحتويها الأضالعُ
__________
(1) لعلها: الإله ليستقيم الوزن.

تنكرت الأحوال فانحط شامخ ... وضيق معمور وضيق واسعُ
إذا ما رأت عيناي حياً بغبطةٍ ... أتيح لهم خطب من الدهر فاجعُ
وإن عاش قوم في المسرَّة برهةً ... أديلوا بغم نازل لا يدافعُ
أمن كل وجهٍ زائر الموت طالعُ ... وفي كل دارٍ طائر الفوت واقعُ
/285/
وفي كل يوم للمنية عسكرٌ ... لها ذابلات في النحور شوارعُ
طمعنا ضلالاً في البقاء وإنما ... أرى أكذب الآراء تلك المطامعُ
ورمنا انصراف الحتف عناوقد رأى ... وأسمع منه الصدق راءٍ وسامعُ
مضى قبلنا قوم تحدث عنهم ... بأخبارهم صدق الحديث المواضعُ
وباد الورى قرناً فقرناً فلم يصن ... عزيزٌ ولم يرفع يد الحتف شافعُ
ولم ينج ملكاً خيله ورجاله ... ولا دافعت عنه القرى والمصانعُ
ولكنها الآجال تمضي بأوَّل ... وآخرنا والله لا شك تابعُ
ولمَّا نعى الناعون نحوي جعفراً ... فزعت لفخر الدين والموت رائعُ
وأقلقني ما كاد تهوي لعظمه ... صخور أبانٍ أو تهد متالعُ(1)
على سيدٍ سمح الخليقة ماجد ... كريم المحيَّا أنجبته المراضعُ
أديب لبيب لم يزنَّ بزينة ... حليم عليم بارع إذ يراجعُ
له شرف سامٍ وفضل وعفَّة ... ولطفٌ وجودٌ فايض وتواضعُ
ومجد علَى مجد البريَّة باذخ ... أناف فلم يبلغ لأدناه قارعُ
قريع خطوب إن نزلن فجعفر ... يعود غنياً من لديه المقارعُ
وسبط صناديدٍ كرام جميعهم ... لآل النبيء الهاشمي بشائعُ
قفوا نهج أهل البيت حبَّاً وغيرهم ... إلى دينهم بالكرْه والرغم راجعُ
وما ضاع دين الله فيهم وأنه ... لفي الغير ممن قد عرفناه ضائعُ
فلا غروَ أن نرتاع مما يروعهم ... ونشرك في أحرابهم ونتابعُ
بكت جعفراً كتب العلوم وضيفه ... وبيت به يمضي الدُّجى وهو راكعُ
وكم منبرٍ يبكي عليه وجامعٍ ... ينوح وكم غصت عليه المجامعُ
فمن للقِراء(2) من للقراءة بعده ... ومن للقا إمَّا اقتربن المصارعُ
__________
(1) أبان ومُتَالِع: جَبَلان. (المرجع السابق ص1082).
(2) لعلها: للقِرى.

ومن يلتقي أخدانه ببشاشة ... ومن للأعادي بالمساءة قامعُ
وهذا القدر كافٍ من هذه القصيدة.
جعفر بن القاسم بن علي(1) [ - 450ه]
السيد الكبير الأمير العلامة جعفر بن القاسم بن علي - رحمه الله - كان عالماً مقداماً خطيراً، ولي صعدة عن أمر أبيه وهو والد الأميرين الفاضل وذي الشرفين، وتوفي بصنعاء، وقبره بمقابر آل الصليحي، وحضر علي بن محمد(2) دفنه، وحضره ولده السيد الفاضل، وكان أسيراً في يد الصليحي فأطلقه، ويروى أن من أسباب موت جعفر بن القاسم أن الصليحي لمَّا اشتدت وطأته(3) في اليمن /286/ أجمع(4) رؤساء اليمن من الأشراف ونحو بني السخطي والأينوع وبني عتمى ملوك مخلاف عتمة والحوالين والهياثم وبني مروان أهل أشيح، وآل أبي الفتوح سلاطين خولان العالية، وآل الروية سلاطين مذحج وغيرهم، وأمرهم ألاَّ يفارقوه خوفاً منهم، ثم إنه تجهز يغزو الكرنديين إلى قلعة السوا(5) والسمدان(6)، وهي بلاد وبيَّة ليهلك منهم من يهلك، فكان كما ظن هلك الناس وكان الصليحي لا يضرُّه الوباء؛ لأنه نشأ في بلاد (الأحروج)(7) من حراز، فلما حاصر (الكرنديين) نزلوا على حكمه بأمانٍ عقده جعفر بن القاسم، ثم قبر الصليحي في عهده فحصل مع جعفر أثر عظيم لذلك، فكان سبب ذلك.
موته في سنة خمسين وأربعمائة، ذكر ذلك مفرح بن أحمد الربعي وغيره.
جعفر بن محمد بن مفضل(8) [ - ]
__________
(2) في (ب): الصليحي.
(3) في (ب): على اليمن.
(4) في (ب): جمع.
(5) السوا: عزلة كبيرة من ناحية المواسط وأعمال الحجرية، اتخذها الملوك بنو الكرندي مركزاً لهم وذلك في القرن الرابع الهجري (معجم المقحفي ص 331).
(6) السَمَدان، بفتح السين المهملة حصن شامخ في بلد الرجاعية من بلاد الحجرية، غربي مركز تربة ذُبْحَان بمسافة 15كم (المصدر السابق ص: 325).
(7) الأحروج هو الاسم القديم لناحية الحيمة غربي حضور (المصدر السابق ص: 16).

السيد العلامة الشهير زين الدين جعفر بن محمد بن مفضل بن حجاج - رحمهم الله - كان جليل القدر واسع المعرفة مثرياً، وكان أخوه منصور بهذه المثابة إلا أن هذا الشريف أطول من أخيه عمراً، وأكثر معرفةً ومالاً.
قال السيد أحمد بن عبد الله - رحمه الله -: وله خط جيد، فيه حلاوة وقوَّة على الوضعة الأولى، وضعة نشوان وأهل ذلك الزمان، وله اتساع في العلوم كلي، وكان له ثروة وعبيد وأموال مختلفة في جهاتٍ عديدة، وتوفي بوقش - رحمه الله تعالى -.
جعفر بن محمد بن شعبة(1) [ - ]
الشيخ العلامة بهاء الدين جعفر بن محمد بن شعبة النيروسي - رحمه الله تعالى - صاحب الإمام نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم - عليه السلام - وهو صاحب المسائل(2) المشهورة بمسائل والنيروس(3) قرية من قرى الرويان، نسب إليها من أصحابنا جماعة، وكثيراً ما يلتبس صاحب القاسم هذا بصاحب المؤيد بالله، وهو الحسن بن زيد وسيأتي - إن شاء الله تعالى-.
جعفر بن محمد بن جعفر(4) [ - ]
السيد الأمير الكبير الخطير جعفر بن محمد بن جعفر بن القاسم بن علي الرسي، أحد أعيان العلماء وأكثر الناس زجراً للحسينية عن معتقدهم، وهو أمير شهارة المحروسة بعد سلفه.
جعفر(5) بن يحيى بن أبي يحيى(6) [ - ]
__________
(1) رجال الأزهار 10، لوامع الأنوار 1/342، مؤلفات الزيدية 1/75، المستطاب - خ - وانظر أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة رقم 260.
(2) في (ب): الرسائل.
(3) قوله: والنيروس، سقط من (أ).
(5) في (ب): هذه الترجمة متقدمة على السيد الأمير الكبير الخطير جعفر بن محمد.

القاضي العلامة المكين جعفر بن يحيى بن أبي يحيى، كان من عيون أصحاب الإمام المنصور بالله - عليه السلام - وعليه وقائع، ودخل الأعداء عليه حصن حقل على صفةٍ ذكرها أهل التأريخ، لكنَّه تحصَّن - رحمه الله - بقول وناسٍ ونجدة، ووثب من محلٍ بعيد هائل، وما تمكن الأعداء من دخولهم عليه إلى حقل إلا بمكائد وأغطية، وإلا فإنه من أمنع الجبال باليمن.
قال ابن الكلبي: إن الحبشة لم تتمكن من حقل مع استيلائها على اليمن.
أبو جعفر باجويه(1) [ - ]
أبو جعفر باجويه العلامة الكبير، ترجم له ملا يوسف حاجي في متأخري الناصريّة، وأحال على شهرته، والله المستعان.
أبو جعفر الزيدي [ - ]
السيد الكبير أبو جعفر الزيدي - أعاد الله من بركته - كان من أخدان المؤيدبالله أحمد بن الحسين الهاروني في العراق /287/ واستدعاه غير مرّة ليستخلفه، فأبى ولم يجبه لاشتغاله بنفسه وإقباله على زهده، ذكره المرشد(2) بالله بن الموفق - عليهما السلام -.
أبو جعفر الزيدي الآملي(3) [ - ]
الشيخ العلامة أبو جعفر الزيدي الآملي - رحمه الله تعالى - هو غير صاحب شرح الإبانة، ذكره الملا يوسف، وسيأتي ذكره صاحب الإبانة في محله فيمن اسمه محمد.
جعفر الطائي
__________
(1) طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث ترجمة رقم (140).
(2) في النسختين: المؤيد بالله، وظنن فوقها في (ب) بقوله: (ظ) المرشد بالله، وهو الصحيح كما أثبته.
(3) تأخرت هذه الترجمة في (ب) إلى ص 339.

جعفر الطائي ويقال له: الوقار، وهو والد العلامة محمد الوقار الآتي ذكره - إن شاء الله تعالى - الضبي النسب، وإنما نسب إلى طي لأنه كان وأهله ينزلون بجبل طي وهو من (ضبه تراد)، كان عالماً هاجر(1) إلى الهادي - عليه السلام - وكان يألفه السادة الأمراء الهاديون(2)، وكان وجيهاً لديهم لمكان علمه وهجرته إلى الهادي - عليه السلام - وأحسبه أوّل من وفد اليمن من هذا البيت المعروف بآل الطائي، كأبي العنب(3) وغيره.
جعيد بن الحجاج الوادعي(4) [ - ]
الفقيه الكامل جعيد بن الحجاج الوادعي صهر نشوان بن سعيد الحميري، كان هذا الفقيه عالماً بليغاً فصيحاً، وهو قائل الشعر الذي طار في الآفاق، واتَّهم الناس أنه لنشوان بن سعيد لما يعرفونه من حال نشوان، وذلك أن القاسميين قد كان فيهم من يعتقد أن الحسين بن القاسم بن علي - عليهما السلام - هو المهدي المنتظر، وأنه لم يقتل، وتلبس بهذا المقال جماعات فحول منهم كالأمير فليتة العالم الكبير، ولم نذكره في هذه التراجم لتصريحه بهذه المقالة، ومن شعره:
أنا شاهد لله فأشهد يا فتى ... لفضائل المهدي على فضل النبي
وهو الذي قبض الإمام أحمد بن سليمان وأسره بعد أن عمي، هكذا قال ابن فِنْدِ بعد أن عمي، فغضب لذلك رجال همدان عاصيها ومطيعها حتى قرامطتها، وأنفوا أشد الأنفة فنزلوا على فليتة مستشفعين في أمره بقولٍ يقول فيه قائلهم:
نحنُ بني هاشم لكم خدمٌ ... بحبِّكم نلتَوي ونلتزمُ
أنتم لنا كعبة نلوذ بها ... وسوحكم من جهاتنا حرَمُ
فلا ترد الوجوه عابسة ... عنك وقد قابلتك تبتسمُ
__________
(1) في (ب): عالماً عاملاً.
(2) في (ب): الهادويون.
(3) في (ب): الغيب.

فنزل إليهم فليتة، فحلفوا ألا يبرح حتى يرسل الإمام فأرسله على كره منه، وهذا عارض من القول، وأمَّا الفاضل وذو الشرفين فقد قيل: تركهما للدعوة لاعتقادهما حياة عمهما الحسين، وصرَّح بعض المؤرخين بهذا، وقال السيد العلامة صالح بن عبد الله الغرباني القاسمي(1) - رحمه الله - أنه يحفظ أنهما تركا الدعوة لأن أعيان الدولة ورؤساء القبائل كان فيهم من هذه عقيدَته، فلو صرح أحدهما بدعوته لصرَّح بتخطيئة هذه /288/ الدعوَى الفاسدة، فيعود الأمر إلى الشقاق، والعدُوُّ إذ ذاك قوي الشوكة، والشعر الذي ذكرنا لجعيد ونسب إلى نشوان قوله:
أما الحسين فقد حواه الملحد ... واغتاله الزمن الخؤون الأنكدُ
فتبصروا يا غافلين فإنه ... في ذي عرار ويحكم مستشهدُ
فلما ظهر هذا الشعر هاج القاسميون، وظنوه لنشوان، فقال الأمير عبد الله بن القاسم بن جعفر:
أما الصحيح فإن أصلك فاسد ... وجزاك منا ذابل ومهنّدُ
فأجاب نشوان يذب عن نفسه بقصيدة طويلة منها:
من أين يأتيني الفساد وليس لي ... نسب خبيث في الأعاجم يُوجدُ
لا في علوج الروم جدٌ أزرَق ... أبداً ولا في السود خالٌ أسودُ
إني من العرب الصميم إذا امرؤٌ ... غلبت عليه العجم فهو مولَّدُ
فدع السفاهة إنها مذمومةٌ ... والكف عنها في العواقب أحمدُ
والله ما مني نظام جاءكم ... فيه يقول حوَى الحسين الملحدُ
ولقد أتيت به فقمت مبادراً ... عجلاً أمزِّق طرسه وأقدِّدُ
فأشاعه من ظن أن ظهوره ... في الناس مكرمة عليها يُحسدُ
أغضبتم أن قيل مات إمامكم ... ليس الإمام ولا سواه يُخلَّدُ
لا عارَ في قتل الإمام عليكم ... القتل للكرماء حوضٌ يوردُ
إن النبوءة بالنبي محمد ... خُتمت وقد مات النبيء محمدُ
إلى أن قال:
فدع التهدد بالحسام جهالةً ... فحسامك القطاع ليس له يدُ
من قد تركت به قتيلاً أنبني ... ممن توعده ومن تتهددُ
إن لم أمت إلا بسيفك إنني ... لقرير عين بالبقاء مخلدُ
__________
(1) في (ب): القاسمي.

انتهى ما نقلناه، وقد آل أمر نشوان مع الأشراف إلى ما سيأتي تفصيله بعد [في] ترجمته، وتصافحوا، والحمد لله رب العالمين.
الجلال بن صلاح بن محمد(1) [710 - 784ه]
السيد الأمير الكبير علم الزيدية، ومفخر الأسرة اليحيويّة، الجلال بن صلاح بن محمد بن الحسن بن المهدي بن علي بن المحسن - رحمهم الله، وأعاد من بركتهم - قال ابن المظفر - رحمه الله -: كان من الفضلاء العُظماء العلماء وشيخ بني الزهراء، من عيون آل محمد ومن أنصار الإمام المهدي لدين الله علي بن محمد - عليه السلام - وُلد في جمادى سنة عشر وسبعمائة، وتوفي في شوال سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وقبره بمشهد الإمام الهادي إلى الحق بصعدة، واسمه /290/ محمد، لكنَّه اشتهر بالجلال، فذكرناه في هذا الحرف.
حرف الحاء المهملة
حاتم بن منصور(2) [ - 765ه]
__________
(2) أعلام المؤلفين الزيدية، ترجمة 264، المستطاب (خ)، الجامع الوجيز، صلة الإخوان (تحت التحقيق)، اللآلئ المضيئة (خ)، مآثر الأبرار (خ) طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث ترجمة رقم (148).

الفقيه الفاضل العابد بصري أوانه زين الدين حاتم بن منصور - رحمه الله تعالى - قال في ترجمته السيد العلامة يحيى بن المهدي بن القاسم الحسيني - رضي الله عنه - ما لفظه: الفقيه الإمام حاتم بن منصور الحملاني - رضي الله عنه وأرضاه- وهو كما وصفت في أوَّل الكتاب إمام من أئمة الشريعة المحمديَّة، سيد من أهل العبادة، وقدوة لمن أراد الزهادة، وغيث لمن أمَّه من أهل الفقر والفاقة، كان زميلاً في درس العلوم للإمام المؤيَّد بالله ذي العزة يحيى بن حمزة، وكان شيخهما في العلوم وقدوتهم في طاعة الحي القيوم الفقيه الإمام قدوة زمانه وغوث أوانه محمد بن خليفة بهجرة حوث - حرسها الله بالصالحين - وكان شيخ محمد بن خليفة السيد السند الإمام الصوام القوَّام، المتنزه عن قبض الحلال والحرام محمد بن وهاس، وروي(1) أنه - عليه السلام - ما نكح ولا ذبح ولا فتح باباً ولا قبض درهماً حتى لقي الله تعالى، وكان هذا حاتم بن منصور - رحمه الله - قد براه الخوف، وأنحلته العبادة حتى إنه كان يُرى كالشن (البالي)(2) من الخوف والبكاء، ما رُئي على رأسه عمامة قط، وكان يلبس الثوب إلى نصف ساقه، ولا يسدل الثوب في صلاته.
روى لي سيدي إبراهيم بن أحمد الكينعي - رحمه الله - قال: صلَّى حاتم بن منصور زُهَاء أربعين سنة بالجماعة إماماً، ما ترك صلاة واحدة بالجماعة يعلمها، ولا في مدَّة الأربعين سجد لسهوه إلا ستّ مرات، وما يدع البكاء في الصلاة الجهريَّة والمخافتة، وما يترك صلاة التسبيح في اليوم مرَّة(3) وقت الضحى ولا في الليل مرَّة حتى لقي الله تعالى.
__________
(1) في (ب): روي.
(2) سقط من (ب).
(3) زيادة في (ب): في.

روَى لي الثقة أنه قبض روحه وهو يصليها مستلقياً من المرض، وكان محلقاً وشيخ أهل زمانه في أصول الدين وأصول الفقه(1)، وله موضوعات ومسائل فقه مروية وأنظار واجتهاد، فعراه الخوف، وأذهل لبه، فترك نشر العلم، واشتغل بالعبادة، وقد أخذ منه بالنصيب الأوفر - إن شاء الله - وكان لا يدَّخر شيئاً حتى ليومه، بل يؤثر به إخوانه، ويواسي بما فتح الله له أهل الفاقة من المسلمين، وكان يدّان المئين والألوف من الدراهم والدنانير في تزويج الفقراء من دَرَسَتِهِ وإخوانه، ومن شكا عليه العنت وما خلَّف شيئاً من متاع الدنيا إلا ثوباً وكوفيَة ونعلاً، وكان تحته بساط خَلِقٌ وفروة عارية، وتولَّى قضاء ديونه، وتولَّى مشقة أطفاله ولده الفقيه الفاضل الزاهد محمد بن حاتم بن منصور.
روَى لي ولده هذا أن تاجراً من أهل صنعاء، وكان صالحاً فقيهاً جاءه ليودعه وهو يريد التجارة إلى مصر فقال له حاتم: يا فلان، لو خيرتُ بين أن أحوز هذا /290/ الذي يشغلك أو أكون أعمَى أصَمّ لاخترت العمى والصمم، وكان لا تأخذه(2) في الله لومة لائم، جاءه يوماً أمير صنعاء وملكها معتذراً في حد سارق وجده أخذ على أخ من إخوته ثوباً في الليل، فسلم على الفقيه، وأراد تقبيل يده، فانزوى عنه الفقيه، وعف عن مس يده كأنها ثعبان، فقال: يا سيدنا قد فعلنا بهذا السارق، وصنعنا، فقال له الفقيه - أعاد الله من بركاته -: يا عبد الله، هذا السارق يأخذ الناس بالليل، وأنت تأخذهم بالنهار، فبهت ذلك الأمير، وولى منكسر القلب مسود الوجه.
__________
(1) زيادة في (ب): والفقه.
(2) في (ب): لا يأخذه.

وله من مكارم الأخلاق ومحبَّة أهل البيت والإحسان إليهم سيما إلى آل الإمام يحيى بن حمزة مالا يمكن وصفه لكثرته، وكان للمسلمين ولإخوانه في الدين والأرامل والمساكين والضعفاء والمرملين كالوالدِ الشفيق يتحمَّل لمصالحهم ومرافقهم الصعب، فجزاه الله عن آل محمد وعن إخوانه المسلمين أفضل ما جزى محسناً على إحسانه آمين آمين. وقبره مشهور مزور بصنعاء على باب اليمن بمشهد الإمام الصوام القوَّام علم الإسلام خليفة زين العابدين المختص بالكرامات من رب العالمين المهدي بن قاسم بن المطهر بن أحمد بن أبي طالب بن الحسن بن يحيى بن القاسم بن محمد بن القاسم بن الحسين بن محمد بن القاسم بن يحيى بن الحسين بن الحسين بن زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - فهما ضجيعان وتوأمان وأليفان في حياتهما ومماتهما حباهما الله بالرضاء والرضوان وأسكنهما غرف الجنان.
رضيعا لبان ثدي أم تحالفا ... بأسحم داج عوض لا يتفرق
وكتب حيّ السيد الإمام عبد الله بن محمد بن أمير المؤمنين يحيى بن حمزة بخط يده الكريمة في لوح على قبر حاتم بن منصور هذين البيتين:
عمَّت فضائله فعمَّ مصابه ... فالناس فيه كلهم(1) مأجورُ
والناس مأتمهم عليه واحد ... في كل درا رنَّة وزفيرُ
انتهى كلام السيد يحيى - رحمه الله، وأعاد من بركته -.
قلت: وهذان البيتان اللذان كتبهما السيد فخر الدين - رحمه الله - على لوح حاتم من شعر التيمي كما حكاه القاضي التنوخي - رحمه الله - ولهما ثالث وهو:
ردَّت مناقبه إليه حياته ... فكأنه من نشرها منشورُ
وبخط بعض العارفين توفي ليلة الأحد الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وسبعمائة - رحمه الله تعالى -.
حاتم بن أحمد بن عمران(2) [ - 556ه]
__________
(1) في (أ): كله.
(2) الأعلام 2/151، ومنه: العسجد المسبوك - خ - واللطائف السنية - خ -.

السلطان البليغ الهمام شجاع الدين حاتم بن أحمد بن عمران بن المفضَّل بن علي بن زيد بن المعمر بن الصعب الفضل(1) بن عبد الله بن سعيد بن غوث بن الغز بن مدكر بن اليام(2) اليامي، كان عالماً /291/ باللغة محققاً حافظاً لأيام العرب وأمثالها وأشعارها، متكلماً في كل نوع من أنواع الكلام بعبارات ملوك العلماء، والمشهور أنه من غير طائفة الزيدية كثرهم الله وقوَّى أعضادهم، ويفهم ذلك أيضاً من قول الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان مجيباً عليه في كتاب وجَّهه السلطان إليه؛ لأنه أراد الدخول في طاعة الإمام، فلم يقبله لأمور عرفها، فتكلم السلطان بكلام جاف وتمثل بقول أبي الطيب:
كدعواك كل يدَّعي صحة العقل ... ومن ذا الذي يدري بمافيه من جهلِ
فأجابه الإمام - عليه السلام -:
إذا كنت لا تدري بما فيك من جهل(3) ... فذاك إذاً جهل مضاف إلى جهلِ
ولم أنتحل ما ليس فيَّ وإنما ... مقالي حق قد يصدقه فعلي
ومن جهل الرحمن والرسل لم يكن ... بمعترفٍ يوماً بحق بني الرسلِ
وكل بلاد الله غيرك عارف ... بما فيَّ من أصلٍ شريف ومن فضلِ(4)
فهذا من كلام الإمام - عليه السلام - فيه اللمح بقوله: ومن جهل الرحمن إلى آخره، إلا أن المذكور كما يقال: باطني، لكنه ذكر الأمير الحسين مؤلف الشفاء أن الأمير فليتة اعترض على الإمام أحمد بن سليمان بالاستعانة بالسلطان حاتم وولده علي، فرد عليه الإمام كلاماً قال فيه: فأما السلطان الأجل علي بن حاتم فإنه مبائن للباطنية بالقول والفعل، محارب لهم على ذلك هو وأبوه وجده، أمَّا هو فحربُه لهم ظاهر مشهور(5)، وأما أبوه حاتم فكان يمقت الباطنية، ويتبرأ منهم، وله شعر يقول فيه:
__________
(1) في (ب): بن الفضل.
(2) في (ب): بن يام اليامي.
(3) في (ب): ومآثر الأبرار إذا كنت لا تدري بما فيك من جهل، كما أثبته، ولفظ الشطر في (أ): إذا كنت لا تدري بأنك لا تدري.
(4) مآثر الأبرار 2/791.
(5) في (ب): مشهور ظاهر.

برئت من الذويب ومن علي ... ومن ماذون همدان بريتُ
موادين عموا وغووا هداهم ... فإن شايعتهم فلقد عميتُ
ظموا ورويت من ماءٍ معينٍ ... ولو أني صحبتهم ظميتُ
شقوا بخلافهم للدين حقاً ... وخالفت الغواه فما شقيتُ
ولو أني أشاء شهرت منهم ... فضائح لا تواريها البيوتُ
أأخشى الناس في ديني وأغضي ... كأني بعد ذلك لا أموتُ
وقومي مذكر وشبا حسامي ... لساني مثله لولا الصموتُ
فإن ترني وإياهم جميعاً ... فقل كيف التقَى ضبٌّ وحوتُ
ولو وردوا الفرات ونجَّسوه ... ولم يك طاهراً حتَّى تموتوا(1)
__________
(1) مآثر الأبرار 2/797 - 798.

الذويب المذكور في هذا الشعر الذويب بن موسى والذويب الماذون الوادعي، كان في /292/ عصر الإمام أحمد بن سليمان والسلطان المذكور، وكان ماذوناً له، وهي مرتبة من مراتب أهل الباطِن، يسمَّى صاحبها ماذوناً، وقبر الذويب المذكور بحوث، وكان باطنياً مع أن هذا المذهب في الظاهر غريب، لكن المال والسلطان أظهراه، وكان الذويب صاحباً لمحمد بن زياد الماربي الشاعر المفلق، ولعله يأتي ذكره، فقد ينسب إلى الزيديَّة - رحمهم الله - وإن كان متهتكاً ميّالاً إلى الدنيا، وقد مدح الناس والملوك، وأجاد ماشاء في مديح المفضَّل بن أبي البركات، ولم يحظ بطائل من نائل، فقدم الذويب بن موسى برسالة من جعفر بن محمد بن جعفر بن القاسم الحسني الرسي الأمير بشهارة علَى المفضل، فدخل عليه ذات يوم وعنده ندماؤه، وقد انتشى فأنشده من أشعار المازبي في مدائحه ما هزَّه، وارتاح له، فقال: ما تقول في هذا؟ قال: محمد بن زياد المازبي، قال: لئن وقعت عيني عليه لأغنيه(1)، فأمر إليه يصل من حيث كان، وكان بنجران فوصل، وامتدحه فأعطاه ألف دينار، ثم ألف بعد ألف حتى صار من أغنى الناس، لكنه كان المارني متلافاً لا يبقي لنفسه شيئاً، وعلي المذكور في شعر حاتم هو علي بن جراح(2) الشاكري، ومثل ما نقل الأمير الحسين، نقل السيد صارم الدين إبراهيم بن محمد الوزير - رحمه الله - ونقل عن الإمام أحمد بن سليمان ما نقله الأمير الحسين.
قال السيد الصارم، قال الإمام - يعني أحمد بن سليمان - السلطان علي بن حاتم مبائن للباطنيَّة وأبوه حاتم قتلوه(3).
__________
(1) في (ب): لأغنينه.
(2) في (ب): حراج.
(3) ظنن عليها في (ب) بقوله: ظ وأبوه حاتم قبله.

قلت: علي المذكور في الشعر علي بن حراج الشاكري، والذويب أظنه هو الماذون كما سبق، وفي عبارة السيد صارم الدين أن الذويب وعلي بن حراج وأحمد بن عبد الله هم المذكورون في هذا البيت، وهذا أصرح شيء مما هو عليه ولا سيما من هذه الطريق، وأمَّا عداوته للإمام ونكثه وبغيه فأمر لا يخرجه عن الانتماء إلى غير الباطنيَّة، فكثير من الزيدية المائلين إلى الرِّئاسة قد فعل، وأضله الله على علم، ومن شعر السلطان في الإمام قوله:
رأيت إماماً لم ير الناس مثله ... أبرّ وأوفى للطَّريد المشَّردِ
عفا ووفى حتى كأني عنده ... أخ أو حميم لستُ عنه بمبعدِ
ومما قاله أخوه أسعد:
ملكت فاسجح منعماً يا بن فاطمٍ ... وشيَّد مباني هاشمٍ ذي المكارمِ
إلى قوله:
فإن كنتَ قد بلغت عني مقالةً ... فقد تبت يا مولاي توبة نادمِ
وكان السلطان المذكور مع ما وصفناه من معارفه له معرفة بالطب والنجوم/293/ وغيرها، وله أشعار وأخبار، ولم أنقل له(1) إلا مستغرباً لزيديته، وفي أولاده من يتظهر بالتزيد والمحبَّة كعلي بن سعد بن علي بن حاتم، كان محباً مخلصاً، وعلي بن حاتم المذكور الذي استعان به الإمام أحمد بن سليمان جليل القدر، وكانت صنعاء بيده بعد أبيه، فلمَّا خرج سيف الإسلام تحصَّن بأهله بذي (مرمر)، وأمَّا محمد بن حاتم العالم الشاعر فهو مصنف كتاب (الصريح)، وعقبه على ما يقال قضاة غولة (سعوان)، وقد يلتبس السلطان حاتم بحاتم بن الغشم، وحاتم بن القبيب بجوامع جمعتهم توجب اللبس، فبنو القبيب نسبهم يلتقي بحاتم بن أحمد في الغوث بن الغز لأنهم بنو القبيب بن سعد بن الغوث، وأما بنو الغشم فهم من آل عبيد بن أوام بن حجور بن أسلم بن عليان بن زيد بن غريب بن جشم بن حاشد، هذا ما وضح لي من نسبهم، وقد نسبهم بعض السَّادة من آل الوزير جميعاً إلى الحجازيين القادمين لقصر الصليحي وهو مشهور، والله أعلم.
__________
(1) في (ب): ولم أنقل إلا مستغرباً.

حاتم بن الغشم(1)[…ـ 505ه]
/294/ حاتم بن الغشم اتفق له قضيَّة مع أبي السعود الأبهري، وفيها دلالة على كمال حاتم، وذلك أنه لما عقل ملوك همدان سباء بن أحمد بن المظفر الصليحي، وزريع بن العباس اليامي، والمفضل بن أبي البركات الحميري، والحرَّة الصليحيَّة عن صنعاء لسبب غزوهم لأبين ولحج تحدَّث بنو شهاب لغزو صنعاء لقلَّة من فيها، فاتفق حضور أبي السعود، فقال: يا مَوالي، هذا غير صواب؛ لأن صنعاء لا تفتح بالهوينا، وفيها حاتم بن الغشم، وأنتم غير مستبقين للمظفر، فإذا غلبتم قصدتم إلى بلادكم، وكانت الذلة، فسمعوا مشورته، ولم يكن لأبي السعود غرض غير النصح المحض لقومه، فبلغ حاتماً ذلك واتفق دخول أبي السعود صنعاء لبعض حوائجه، فلم يشعر إلا برسولٍ حاتم، ففزع فأمَّنه، ثم دخل إليه فتلقاه إلى الحجرة من داره بالترحيب والتكريم، وقال: أهلاً بك يا أبا حسَّان ثم أمره بالجلوس في موضع كرامَة من المجلس، ولم يدر أبو السعود ما السبب؟
وقيل: إنه أحضر طعاماً للإكرام، واعتذر أبو السعود عنه، ثم إن حاتماً أمر خادمه سعيد بن نصرة فأتى بدفترٍ تسميَه كتاب الحسنات والسيئات، فعلم منه على موضع من باب الحسنات، ثم ناوَله أبا السعود، وإذا فيه أبو السعود بن أبي ثور رجل من الشيعة حضر مشورة بني شهاب فقال: كذا وكذا، وإذا هو قد أثبت جميع كلام أبي السعود، ثم أمر له بمائة دينار وجبة وقميص وثوب وعمامة، فلم يقبل لكنه سأله أن يسهل له الحجاب.
الحارث بن سعيد بن حمدان(2) [320ـ 357ه]
__________
(1) الأعلام 2/152.
(2) الأعلام 2/155 وانظر بقية مصادر الترجمة فيه.

الأمير الهمام المتفق على جلالته، خاتمة الملوك الشعراء ولي آل محمد أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان - رحمه الله - من بيت أناف شرفه، وأشرقت على النيرات غرفه، جمعوا كل فضلٍ، وحازوا كل خصل، ألسنتهم للفصاحة، ووجوههم للصباحة، وأكفهم للسماحة، وكان أبو فراس في سماء معاليهم بدراً، وفي محافلهم الزاهرة صدراً، عدَّه في الزيدية، وعدّ أهل بيته الإمام المنصور بالله في كتابه الشافي، وغير الإمام أيضاً من علماء العراق.

قال الثعالبي في حقه: كان فرد دهره، شمس(1) عصره أدباً وفضلاً، وكرماً ونبلاً، ومجداً وبلاغة وفراعة،(2) وفروسيَّة وشجاعة ، وشعره سائر مشهور بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة والمتانة، ومعه رواء الطبع وسمة الظرف وعزّة الملك، ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز، وأبي فراس يُعَدُّ أشعر منه عند أهل الصنعة ونقَدة الكلام، وكان الصاحب يقول: بُدِئ الشعر بملك - يعني امرئَ القيس - وختم بملك - يعني أبا فراس - وكان المتنبي يشهد له بالتقدم ويتحامى جانبه، ولا(3) ينبري لمباراته، ولا يجتري على مجاراته، وإنما لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدان /295/ مهيباً له وإجلالاً، لا إغفالاً وإخلالاً، وكان سيف الدَّولة معجباً جداً بمحاسن أبي فراس وتميزه بالإكرام على سائر قومه، ويصطنعه لنفسه، ويصطحبه في غزواته، ويستخلفه على أعماله، وأبو فراس ينثر الدر الثمين في مكاتباته إياه ويوفيه حق سؤدده، ويجمع بين آدابي السيف والقلم في خدمته، حكى ابن خالويه قال: كتب أبو فراس إلى سيف الدولة وقد شخص من حضرته إلى منزله بمنبج كتاباً صدره: كتابي أطال الله بقاء مولانا من المنزل، وقد وردته ورود العالم(4) الغانم، مثقل الظهر وقراً وشكراً، فاستحسن سيف الدولة بلاغته، ووصف براعته، وبلغ أبا فراس ذلك فكتب إليه:
هل للفصاحة والسما ... حة والعلا عني محيد
إذ(5) أنت سيدي الذي ... ربيتني فإني(6) سعيد
في كل يومٍ استفيـ ... ـد من العلا(7) واستزيد
وكتب إليه يعاتبه:
قد كنت عدَّتي التي أسطو بها ... ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي
فرميت منك بغير ما أملَّته ... والمرء يشرق بالزلال الباردِ
__________
(1) في (ب): وشمس.
(2) في (ب): وبراعة.
(3) في (ب): فلا ينبري.
(4) في (ب): السالم الغانم.
(5) في (ب): إن أنت.
(6) لعلها: فأنا ليستقيم الوزن.
(7) لعلها: العلاء، ليستقيم الوزن.

وعزم سيف الدَّولة على الغزو واستخلاف أبي فراس(1)، فكتب إليه قصيدة منها:
قالوا: المسير فهزَّ الرمح عامله ... وارتاح في جفنه الصمصامة الخذمُ
حقاً لقد ساءنا قول أمرٌ ذكرت له ... لولا(2) فراقك لم يوجد له ألَمُ
لا تشغلن بأمر الشام تحرسه ... إن الشام على من حلَّه حرمُ
وإن للثغر سوراً من مهابته ... صخوره من أعادي أهله القممُ
لا يحرمني سيف الدين صحبته ... فهي الحياة التي تحيا بها النسمُ
وما اعترضت عليه في أوامره ... لكن سألت ومن عاداته نعمُ
أقول لله در هذه العبارة، ولقد علم اللبيب كيف يقول في هذا المقام العظيم وكتب إليه يستعطفه:
إن لم تجاف عن الذنو ... ب وجدتها فينا كثيرة
لكن عادتك الجميـ ... ـلة أن تغض على بصيرة
ومن شعره في الإخوانيات:
ما كنت مذ كنت إلا طوع خلاَّني ... ليست مؤاخذة الإخوان من شاني
إذا خليلي لم تكثر إساءتُه ... فأين موقع إحساني وغفراني
يجنى عليَّ وأحنو دائماً أبداً ... لا شيء أحسن من حانٍ على جاني
وقال: /296/:
ما صاحبي إلاَّ الذي من بشرهِ ... عنوانه في وجهه ولسانهِ
كم صاحبٍ لم أعنَ عن إنصافهِ ... في عشرة وعنيت عن إحسانهِ
ومن شعره في التشبيه:
كأنما الماء عليه الجسرُ ... درج بياض خط فيه سطرُ
كأننا لما تهيا الغيرُ ... أسرَة موسى حين شق البحرُ
وجلس يوماً في البستان البديع والماء يندرج في البرك، فقال في وصفه - وكل واصفٍ فإنما يشبه الموصوف بما هو من جنس صناعته - وبما تكثر رؤيته له-:
انظر إلى زهر الربيع ... والماء في برك البريع(3)
وإذا الرياح جرت عليـ ... ـه في الذهاب وفي الرجوع
نثرت على بيض الصفا ... ئح بيننا حلق الدروع
وله في الحكمة:
غَنا النفس لمن يعقل ... خير من غِنا المالِ
وفضل الناس في الأنفس ... ليس الفضل في الحال
وقال:
المرء نصب مصائب لا تنقضي ... حتى يُوارَى جسمه في رمسه
__________
(1) في (ب): على الشام.
(2) في (أ): لولى.
(3) ساقط من (أ).

فمؤجل يلقَى الردى في أهله ... ومعجَّل يلقَى الردى في نفسه
وقال:
أنفقْ من الصبرِ الجميلِ فإنه ... لم يخشَ فقراً منفقٌ من صبرهِ
والمرءُ ليس ببالغٍ في أرضهِ ... كالصقر ليس بصائدٍ في وكرهِ
وقال:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ... ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه
ومن دقائقه - لله دره -:
قمر دون حسنه الأقمارُ ... وكثيب من النقا يستعارُ
وغزال فيه نفار وما ينـ ... ـكر من شيمة الصباء النفارُ
ومن رومياته وهي قصائد ومقاطع من غرره - رحمه الله تعالى - لمَّا أسرته الروم في بعض وقائعها وهو جريح قد أصابه سهم في فخذه، فمن ذلك قوله:
فلا تصفنَّ الحرب عندي فإنها ... طعاميَ مذ بعت الصبا وشرابي
وقد عرفَتْ وقع المسامير مهجتي ... وشقق عن زرق فضول إهابي
ولججت في حلو الزمان ومُرِّه ... وأنفقت من عمري بغير حسابِ
/297/ وله القصيدة الميميَّة الدالَّة على وده الصادق لآل محمد - عليهم السلام - وذلك جواب على ابن سكرة العبَّاسي لمَّا فخر بقصيدته السينية المهملة التي أجاب عنها السيد الإمام المؤيَّد بالله - عليه السلام - قالوا: إن أبا فراس خالفه في الروي استحقاراً له:
الدين محترمٌ(1) والحق مهتضمُ ... وفيء آل رسول الله مُقْتَسَمُ
والناس عندك لاناس فتحفظهم ... سوى الرعاء (ولا شاء) ولا نعمُ
إني أبيت قليل النوم أرَّقني ... قلب تخالج فيه الهم والهممُ
وعزمة لا ينام الليل صاحبها ... إلا على ظفر في طيِّه كرمُ
يُصان مهري لأمرٍ لا أبوح به ... والدرع والرمح والصمصامة الخذمُ
وكل مائرة(2) الصبغين مسرجها ... ريب(3) الجريرة (والخذارف) (4) والقدم(5)
وفتية قلبهم قلب إذا ركبوا ... يوماً ورأيهم رأي إذا اعتزموا
يا للرجال أما لله منتصرٌ ... من الطغام ولا للدين منتقمُ
__________
(1) لعله: مخترم.
(2) مائرة الصبغين: لم أجدها في القاموس.
(3) في (ب): ريث.
(4) الخذراف: نبات رِبْعي إذا أحسن بالصيف يبس.
(5) في (ب): والقمم.

بنو عليٍّ رعايا في ديارهمُ ... والأمرُ يملكه النسوان والخدمُ
محلؤون(1) فأصفا وردهم كدر ... عند الورود وأوفى وردهم لممُ
في الأرض إلا على أملاكها سعة ... والمال إلا على أربابه ديمُ
وما البعيد بها إلا الذي ظلموا ... وما الغني بها إلا الذي حرموا
للمتقين من الدنيا عواقبها ... وإن تعجَّل منها الظالم الأثمُ
لا يُطغين بني العباس ملكهمُ ... بنو عليٍّ مواليهم وإن رغموا
وتفخرون عليهم لا أباً لكم ... حتى كأن رسول الله جدكمُ
وما توازن يوماً بينكم شرفٌ ... ولا تساوَتْ بكم في موطنٍ قدمُ
ولا لوالدكم مسعاة والدهم ... ولا ينيلكم(2) من أمهم أمم
قام النبيء بها يوم الغدير لهم ... والله يشهد والأملاك (والأجمُ(3))
حتى إذا أصبحت في غير صاحبها ... قامت تنازعها الرويان(4) والرخمُ
وصُيرت بعده شورى كأنهم ... لا يعقلون وُلاة الدين أين همُ
تالله ما جهل الأقوام موضعها ... لكنَّهم كتموا وجه الذي علموا
ثم ادَّعاها بنو العبَّاس إرثهم ... وليس فيها لهم قدمٌ ولا قدمُ(5)
لا يذكرون إذا ما عُصْبَة ذكرت ... ولا يُحَكَّم في مالٍ لهم حكم
/298/
ولا رآهم أبو بكر وصاحبه ... أهلاً لما طلبوا منها وما زعموا
فهل همُ يدَّعوها غير واجبةٍ ... أم هل أئمَّتهم في أخذها ظلموا
أمَّا عليّ فقد أدنى قرابتكم ... عند الولاية لولا تكفر النعمُ
أيُنكر الحبر عبدُ الله نعمته ... أبوكم أم عبيد الله أم قثمُ
بئس الجزاء جزيتم في بني حسن ... آباهم(6) العلم الهادي وأمَّهمُ
لا بيعة ردعتكم عن دمائهمُ ... ولا يمين ولا قرب ولا ذممُ
هلاَّ صفحتم عن الأسرى بلا سببٍ ... للصافحين ببدر عن أسيركمُ
__________
(1) في (ب): مخلأون.
(2) في (ب): ولا نتيلتكم.
(3) الأَجْم: بالفتح: كل بيت مربع مسطح. (المرجع السابق ص 992).
(4) في (ب): الزويان.
(5) في حاشية (ب): ومالهم قدم فيها ولا قدم.
(6) لعل الصواب أبوهم.

هلاَّ كففتم عن الديباج ألسنكم ... وعن بنات رسول الله شتمكمُ
ما نزهت في رسول الله مهجته ... من السياط فهلاَّ نُزّه الْحَرمُ
كم غدرة لكمُ في الدين فاضحة ... وكم دم لرسول الله عندكمُ
أأنتم آلَه فيما ترون وفي ... أيديكم من بنيه الطاهرين دمُ
هيهات لا قُرّبتْ قربى ولا رحم ... يوماً إذا أقضت الأخلاق والشيمُ
كانت مودَّة سلمانٍ له رحماً ... ولم يكن بين نوح وابنه رحمُ
ما نال منهم بنو حربٍ وإن عظمتْ ... تلك الجرائم إلا دون نيلكمُ(1)
ذاق الزبيري غب الحنث وانكشفت ... عن ابن فاطمة الأقوال والتهمُ
باؤوا بقتل الرضا من بعد بيعته ... وأبصروا بعض يوم رشدهم وعمُوا
عصابة شقيت من بعدما سعدت ... ومعشر هلكوا من بعد ما سلموا
يا بئس ما لقيت منهم وإن بليت ... بجانب الطف تلك الأعظم الرممُ
لا عن أبي مسلمٍ في نصحه صفحوا ... ولا الهبيري يحيى الحلف والقسمُ
ولا الأمان لأزد الموصل اعتمدوا ... فيه الوفاء ولا عن عمهم حلموا
أبلغ لديك بني العباس مالكة ... لا يدَّعي(2) ملكها أملاكها العجمُ
إن المنابر(3) أضحت في منابركم ... وغيركم آمنٌ فيهن محتكمُ
وهل يزيدكم من مفخرٍ علم ... وفي الخلاف عليكم يخفق العلمُ
خلوا الفخار لعلاَّمين إن سئلوا ... يوم الفخار وعمَّالين إن علموا
لا يغضبون لغير الله إن غضبوا ... ولا يضيعون حق الله إن حكموا
ولا ببيت لهم خنثى ينادمهم ... ولا يرى لهم قرد له حشمُ
ما في بيوتهم للخمر معتصرٌ ... ولا ديارهم للسوء معتصمُ
/299/
فالركن والبيت والأستار تعرفهم ... وزمزمٌ والصفا والحجرُ والحرمُ
تنشأ التلاوة من أبياتهم حقباً ... ومن بيوتكم الأوتارُ والنغمُ
منكم عليَّة أم منهم وكان لكم ... شيخ المغنِّين إبراهيم أم لهمُ
__________
(1) سقط بيت من (أ)، وهو في (ب):
يا جاهداً في مساوئهم تكتمها غدر الرشيد بيحيى كيف ينكتم
(2) في (ب): لا تدعي.
(3) في (ب): أي المفاخر.

إذا تلوا آيةً غنَّى أمامكم ... قف بالطلول التي لم يعفها القدمُ(1)
/300/ حاشد بن……(2) [ - ]
الفقيه العلامة حاشد بن ……، كان فقيهاً نحوياً مطلعاً فصيحاً من أدباء وقته، وله رسائل وآداب، وكان يسكن وقش المحروس، ومن غريب ما روي عنه المقامة المشهورة إلى الإمام محمد بن المطهر.
حكي أنه كان الإمام المطهر بن يحيى وولده محمد بن المطهر وصلا إلى وقش فدخل الإمام محمد بن المطهر مسجد الشمس - وكان يدعى يومئذ بالأمير عز الدين يريد الطهور - وترك في المسجد شملة صعدية، وفوطة حجية، كانتا عليه، فدخل القاضي حاشد المسجد المذكور، فأعجباه(3) فأنشأ في الوقت مقامة على لسان حالهما يريد الاستحصاء لهما. قال القاضي حاشد: كتبته في قرطاس وتركته عليهما، فلما فرغ الإمام - عليه السلام - من صلاته أعطانيهما ومائة دينار، واعتذر لقلة العطية، فقال: حدث بعض أهل الحضرة، قال: دعاني ولعي بالأسفار، إلى مداومة الأسفار وشجعني طمعي في نيل الأخطار إلى اعتساف ركوب الأخطار، فنهضت من مسقط رأسي، ومقرَّة ربوتي وكناسي، إلى أن أقصد بلداً أسلِّي بها نفسي، وأفرق بين غدي وأمسي، فبينا أنا أسير، وأنا في كهف الهمِّ أسير، إذ هجم السير إلى بلدة قديمة التأسيس، كثيرة الأنيس، قليلة الحسيس، رياضها مخضرَّة، وأزهارها مفترَّة، نسيمها عليل، وأنهارها تسيل:
بلد به ما تشتهي وتريدهُ ... مهج النفوس وما تلذ الأعينُ
الليل فيها مشرق والمزن فيها مغدق والطير فيها معلنُ
__________
(1) قال في (ب): إلى هنا انتهت القصيدة بعد المقابلة إلا أن في بعض أبياتها تقديم وتأخير.
(2) بياض في (أ) و (ب).
(3) لعلها: فأعجبتاه.

فلما علقت بها ركابي، وتعلقتْ بمحبتها أسبابي، تقت إلى أن أحضر بها صلاة الجماعة، وأبدأ بتأدية الفرض في تلك الساعة، فدخلت المسجد محالفاً للخشوع، وراوحتُ منها ما بين السجود والركوع، وحين قضيت المفروض والمسنون، وجنحت من الحركة إلى السكون، نظرت إلى شملةٍ صعديَّة، وفوطة حجيَّة قد برزا للنضال، ومراجعة القيل والقال.
فقالت الشملة: ما أدق غزلي، وألذ وصلي، وأزكى أصلي، وهيهات أن تكون الفوطة مثلي؛ نسجت في علاف، وغسلت بالصَّابون الصاف، وتداولتني أيدي الأشراف، وجُعلت للتجمل فوق اللحاف.
فإذا التحفت فإنني ... لجلالتي فوق الفوطْ
أنا (والسقلاط(1)) المفـ ... ـصل للإمارة في نمطْ
من قال يفضلني الحريـ ... ـر فقد تكلم بالغلطْ
ثم سكتت. فلما سمعت الفوطة فخرها، وأنها تعدَّت طورها جرى دمعها /301/ من التبرم رذاذاً، وقالت: يا ليتني متُّ قبل هذا، أزعمت يا دليلة الحُرافُ ورديَّة الأوصاف، أن تردي بحري،(2) وأن تشركيني في أمري، وأنا من القطن النفيس، والمحمول في الأعنَّة على ظهور العيس(3)، غزلتني البنات الأبكار، ونسجتني أكف الأعمار، فريحي أرج، ومنظري بهج، وقدي غنج وصدر(4) من عدمني حرج، ولهت بمحبتي القلوب، ونسجت في قرية الذنوب، وتنزهت عن درن العيوب، ومن ألقاني عين الدرة، أجهلت هذا أيتها الغرَّة.
فتجهَّزي في خدمتي ... واستغفري عمَّا فَرَطْ
فلقد كذبْتِ وما صدقـ ... ـت وفهْتِ عمداً بالشططْ
وخلطت قولك بالمحا ... ل ولسْتِ أوَّلَ من خَلَطْ
واستخبري عني وعنـ ... ـك وسائلي أهل الشرطْ
__________
(1) السِّقِلاَّط: بكسر السين والجيم: الياسمين، وشيء من صوف تلقيه المرأة على هودجها أو ثياب كتان مُوَشِيَّة، وكأن وَشْيه خاتم. (المرجع السابق 2ص616).
(2) لعلها: بجري.
(3) العيس بالكسر: الإبل البيض يخالط بياضها شُقرة. (المرجع السابق ص518).
(4) في (ب): وبصدر.

ثم سكتت وهي للغيظ كاظمة، ومن حديث الشملة واجمة، فتبجحت الشملة تبجح المذنب، وقالت: يا سيدتي، لم أعتب، فإن كنت قد أخطأت في المقالة، فالإقالة الإقالة، غير أن العجب داخلني، والعقل المستعمل زائلني، حين رأيت شعرتي بيضاء، وحاشيتي سوداء، فظننت أني أحسن الملابس، وأزين ما دخل المجالس:
فالصَّفح أولَى إن سمحـ ... ـت عن التمادي في السخطْ
وعليّ أقسم لا رجعـ ... ـت إلى الذي قد قلت قط
فلما سمعت الفوطة اعتذارها، فاءت إلى صحبتها وجوارها. قال صاحب هذه المقالة: فناجاني وهمي أن أسألهما عن شأنهما، ومن الذي وضعهما في مكانهما.
فقلت لهما: أراكما متعريين عن المالك، متعرِّضين للمهالك، ألستما ممن يدخلكما في رقة، ويجعلكما من جملة رزقة؟ فبدرت الشملة تقول:
أنا في حمى الملك الذي ... لا يُستباح له حمى
نجل الخليفة والذي ... أعطى الجزيل وأنعما
عز الهدى وأعز من ... في كاهل العليا سما
من رام أخذي قاهراً ... رام السُّها والمرزما
ثم أنشأت الشملة تقول:
حمينا به من كل عادٍ وسارقٍ ... ومن ظالمٍ يخشى سطاه ومارقِ
بعزِّ أمير المؤمنين ومن غدَا ... يُقرُّ له بالفضل كلُّ الخلائقِ
ثم قالت: إن أردت التمالك فاسبق قبل أن يلحق، فمن هانت عليه هبَة الفرس والبغلة، هانت عليه هبَة الفوطة والشملة، ومولانا يهتز للنداء والسلام.
/302/ كمل الجزء الأول من مطلع البدور ومجمع البحور، ويتلوه الجزء الثاني(1) فلله الحمد وبه أستعين.
__________
(1) زيادة في (ب): وذلك بعناية سيدي الصنو القاضي العلم العلامة شيعي آل محمد أحمد بن الحسن صالح بن محمد بن أبي الرجال، وذلك بخط الفقير إلى الله تعالى الحسن بن محمد بن صالح بن أبي الرجال غفر الله لهم أجمعين.

مطلع البدور ومجمع البحور
تأليف العلامة المؤرخ
أحمد بن صالح بن أبي الرجال
الجزء الثاني
تحقيق
عبدالسلام عباس الوجيه………محمد يحيى سالم عزان
مركز التراث والبحوث اليمني
بسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر وأعن يا كريم
من اسمه الحسن
الحسن بن إبراهيم بن عبد الله
الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، كان وجيهاً متقدماً في الفضل ملموحاً إليه للمقامات العلية والرتب العلوية، وأمه - عليه السلام- أمامة بنت عصمة العامرية من بني جعفر بن كلاب، وكان المهدي العباسي خاف منه فأخذت له منه زوجته منه أماناً لما حج المهدي، وكان المنصور الدوانيقي قد بالغ في طلبه وطلب عيسى بن زيد بعد قتل إبراهيم قتيل باخمراء فلم يقدر عليهما.
الحسن بن إبراهيم بن سليم
الشريف الأمير الكبير الحسن بن إبراهيم بن سليمان(1) [بن الإمام القاسم بن علي بن عبدالله](2) بن محمد بن القاسم الرسي، كان من وجوه الكبراء وعيون الأمراء (فراغ) (3) تلافي مخلاف العضد أيام ابني عمه الأميرين الخطيرين [ذي الشرفين الفاضل] (4) وحصارهم للصليحي.
الحسن بن أحمد بن يحيى [ - 840هـ]
الحسن بن أمير المؤمنين المهدي لدين الله أحمد بن يحيى السيد الجليل العارف الحسن بن أمير المؤمنين(5) أحمد بن يحيى.
__________
(1) في (أ): سليم، والصحيح سليمان، وكذا في سيرة الأميرين الجليلين، وكان له وقعات كبيرة تضمنتها هذه السيرة، وهو شاعر مجيد انظر بعض شعره ص227 منها.
(2) فراغ في النسخ، ولعل ما أثبتناه هو الصحيح، وسليمان هو من أولاد الإمام القاسم العياني كما ذكره في الحدائق الوردية ص120.
(3) في (ب): ثلا في مخلاف.
(4) سقط من (ب).
(5) في (ب): المهدي لدين الله أحمد بن يحيى.

قال السيد العلامة الهادي بن إبراهيم بن محمد بن الوزير - رحمه الله -: كان سيداً كاملاً، وهو الذي تولى سيرة أبيه(1)، وغلب عليه حب الإمارة على ما عليه أولاد الأئمة. قال: وتوفي(2) ولا عقب له، وذكره ابن فند - رحمه الله - فقال: كان من الفضلاء الأعيان أهل العلم الكثير والإتقان، انتهى(3).
قال السيد أحمد بن عبد الله بن الوزير - رحمه الله -: قبره مع والده في تابوته يلي الجانب العدني، مات عقيب موت والده - عليه السلام- بأربعين يوماً. قال: وكذا أولاده في الفناء الأكبر سنة أربعين وثمانمائة.
قلت: ووفاة والده أمير المؤمين - عليه السلام- يوم السبت(4) عند طلوع الشمس قدر نصف منزله، ومرض ستة أيام، ومات في اليوم السادس وهو الثاني عشر من شهر صفر سنة أربعين وثمانمائة بالطاعون، وقبره بظفير حجة.
الحسن بن أحمد المهدي بن علي(5) [618 - 646هـ]
السيد العالم الحسن بن أحمد المهدي(6) بن علي بن المحسن، كان من أهل العلم والفضل، وله تصانيف(7) في أصول الدين، وهو تمام (العقد الثمين في معرفة رب العالمين)، صنف أول العقد السيد إبراهيم بن قاسم من ولد الإمام يوسف إلى مسألة الإرادة، وتممه هذا الأمير، كان مولده نصف ربيع الأول من سنة ثماني عشرة وستمائة، ومات سنة ست(8) وأربعين.
__________
(1) هو كنز الحكماء وروضة العلماء في سيرة الإمام المهدي، منه نسخة خطت سنة 1071هـ في 84 ورقة رقم (2376) مكتبة الأوقاف وثانية رقم (115) تاريخ المكتبة الغربية، وثالثة خطت سنة 1093 بمكتبة السيد محمد بن محمد الكبسي.
(2) في (ب): وتوفى.
(3) مآثر الأبرار ج ص ، مصادر الحبشي 491 التحف شرح الزلف 123، مؤلفات الزيدية 2/389.
(4) في (ب): الأحد.
(5) الجامع الوجيز في مصادر الحبشي 106 مؤلفات الزيدية 2/267 المستطاب. ح تحت التحقيق أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (279).
(6) في (ب): أحمد بن المهدي.
(7) في (ب): وله تصنيف.
(8) في (ب): سبع وأربعين.

الحسن بن أحمد بن قاسم بن علي
السيد الحسن بن أحمد بن قاسم بن علي بن تاج الدين، كان من العلماء الكملاء الفضلاء النبلاء، ذكره صاحب اليتيمة(1) - رحمه الله -.
الحسن بن أحمد بن يوسف
الحسن بن أحمد بن يوسف بن محمد الضهري(2)، هو من فقهاء الشيعة اليحيوية، وكانت له عناية بقراءة الكتب على السلف كمحمد(3) بن الفتح بن يوسف ومحمد بن الفتح، قرأ على المرتضى محمد بن يحيى - عليهما السلام- وكتب ابن الضهري نسخاً من الأحكام كثيرة، وهو من شيوخ الحسن بن داية الآتي ذكره.
قال الشيخ أبو الغمر اللحجي الزيدي: أحسب ابن الضهري ممن انتقل من ناحية صنعاء إلى صعده أو آباؤه.
قال أبو الغمر: ورأيت في كتب فقه مجموعة بخط يحيى بن محمد بن جعفر بن أبي رزين فتاوى وروايات كثيرة عن الأشراف من آل المختار وابن بريه /2/ (فراغ) الطائي وابن الضهري، ورأيت مكتوباً على ظهر نسخة من نسخ الأحكام عن ابن الضهري (فراغ) الهادي إلى الحق - عليه السلام- أكل لحيحاً(4) في موضع، ثم سئل عنه كيف يعمل (فراغ) يعمل بمخ الصلب، فقاءه - عليه السلام- فقأه وقال هذا هو الحرام المحض (فراغ) وهذه رواية لا أدري ما صحتها إذ ليس ما ذكر فيها حاله ظاهر (فراغ) (5) - عليه السلام- يقول عليه(6) إذ قد نص - عليه السلام- على الحلال والحرام (فراغ) والطحال وما أشبهها، ولم يفصح في المخ بشيء، انتهى.
__________
(1) في (ب): التتمة.
(2) نسبة إلى وادي ظهر المعروف من مخاليف صنعاء (طبقات الزيدية ق3 ترجمة 491ج1).
(3) في (أ): لمحمد.
(4) في (أ): نجيحاً، والصحيح لحيحاً أو لحوحاً، وهو رقاق الذرة المعروف يشت على إناء من الفخار ويدسم الإناء الذي توقد النار تحته بمخ دسم لكي ينزع القرص بسهولة.
(5) فراغ في (أ) و (ب).
(6) كذا.

قلت: على أن ذلك بجهة كفار التأويل عند يحيى - عليه السلام- أو أراد (فراغ)(1) السلام خاصة لشدة عيافته وتكرهه لذلك حتى يبلغ (فراغ) حكاية فعل، والله أعلم(2).
الحسن بن أحمد بن أفلح [بعد سنة 378هـ]
الفقيه العلامة الحسن بن أحمد بن أفلح - رحمه الله - أحد العلماء الكبار والمشيخة الخيار (فراغ) (3).
الحسن بن أحمد الحبيشي [ق8هـ]
__________
(1) كذا في (أ) و (ب).
(2) الفراغات في الترجمة من الأصل، وفي كتاب الطبقات سمع كتاب الأحكام، للهادي للحق يحيى بن الحسين بن القاسم - عليه السلام - على محمد بن الفتح بن يوسف، وصح له سماعه في شهر ربيع الآخر من شهور سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة ومحمد بن الفتح سمعه على الإمام المرتضى محمد بن يحيى الهادي للحق ومحمد بن يحيى سمعه من أبيه الهادي للحق وسمعه عليه جماعة منهم الشريف علي بن الحارث، ويوسف بن أبي العشيرة، والحسن بن محمد بن داية، وعبدالكريم بن حرار أو نزار، وكان سماعهما عليه سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. (طبقات الزيدية الكبرى، القسم الثالث ج1 ص85 ط1 بتحقيقنا.
(3) في الطبقات الكبرى: سمع الأحكام للهادي للحق من أوله إلى آخره على الحسن بن محمد بن داية، وهو سمعه على الحسن بن أحمد الضهري، وكان سماع الحسن بن أفلح في شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. قال أبو السعود محمد بن وضاح أخبرني علي بن مطهر بن شهاب، عن أبيه أن هذه الرواية محروسة محفوظة عن الثقاة من مشائخ المتقدمين. قال أبو السعود: نقلت هذه في سناع سنة 472هـ. (الطبقات الكبرى القسم الثالث ج1 ص293 ترجمة 155).

الفقيه العلامة المحقق الحسن بن أحمد بن داود الحبيشي - بالحاء المهملة بعدها باء موحدة من أسفل بعدها ياء مثناة تحتية بعدها شين معجمة - وهو بصيغة التصغير، قيل: منسوب إلى (الحبيشية) من مشارق بلاد يحصب، كان عالماً محققاً، قرأ على العلامة الحسن بن محمد النحوي - رضي الله عنه - وللحبيشي تعليق على الزيادات سماه منتهى الإرادات، أخذ فوائد عن شيخه النحوي - رحمهم الله جميعاً -(1).
الحسن بن أحمد العنسي [ق7هـ]
__________
(1) لعله من علماء القرن الثامن وأوائل التاسع الهجري، فشيخه النحوي توفى سنة 791هـ. من مؤلفاته: منتهى الإرادات في تحصيل مسائل الزيادات تعليق على الزيادات، أخذ فوائده من شيخه النحوي. قال الحبشي: في الجامع نسخة خطية بعنوان تعليق على الزيادات لعله كتابنا هذا جامع 319 فقه. انظر مصادر الحبشي ص192 المستطاب 2/4خ أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 273.

القاضي العلامة المحقق المتقن الحسن بن أحمد العنسي - رحمه الله - قيل في حقه: لو كان باليمن وحده لعلا صيته وارتفع ذكره، كان علامة محققاً، سكن مسلب من بلاد الظاهر، وهذا من أعلام المائة السابعة، والحسن بن أحمد العنسي العلامة هو الذي استوفد الإمام القاسم بن علي العياني إلى بلاد عنس، وكان قومه أعز أهل اليمن، ولم يكن لهم سلطان، فطلب من الإمام عزمه ففعل، وكان من كبار العلماء، وهذا (فراغ)(1)
__________
(1) خلط في هذه الترجمة بين علمين، لعلهما بنفس الاسم الأول، هو الحسن بن أحمد بن نسر بن مسعود بن عبدالله بن عبدالجبار العنسي، عالم فقيه فرضي، من علماء القر، السابع الهجري، تلقى علومه على العلامة أحمد بن القاسم الشاكري وعلي بن مسعود النويرة، ولعله عاش بعد سنة 665هـ التي فرغ فيها من مؤلفه الوسيط ومن مؤلفاته: الوسيط في الفرائض، ألفه لشيخه علي بن مسعود النويرة، ملخص من كتاب شيخه العصيفري، وفرغ من تأليفه 665هـ، ومن نسخه مخطوطة منها نسخة خطت سنة 953هـ برقم 46 فرائض، وأخرى خطت 1094هـ برقم 22 فرائض، مكتبة الجامع الكبير صنعاء، وأخرى ذكرها الحبشي في الإمبروزيانا، وأخرى خطت سنة 867هـ بمكتبة جامع الإمام الهادي بصعدة، وله أيضاً كتاب جامع الخلاف في الفرائض، مكتبة الجامع؟ رقم 27 فرائض، وله أيضاً (الدرر في الفرائض) خط سنة 822 مكتبة الجامع رقم 27 فرائض. وله أيضاً رسالة في الرد على من قال: إن الجمعة من فروض الأعيان في سنة 1083هـ بمكتبة آل الهاشمي ضمن مجموع برقم 153. انظر أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 282 ومصادر الحبشي 261، ومصادر التراث في المكتبات الخاصة في اليمن عبدالسلام الوجيه، انظر الفهرس.
أما الثاني الذي استوفد الإمام القاسم العياني إلى بلاد عنس، فهو غير الأول، وقد سهوت في كتاب أعلام المؤلفين فنقلت ترجمة ابن أبي الرجال ولم أتحقق؛ لأن الإمام القاسم العياني [310 - 393]هـ بينه وبين الحسن العنسي الأول حوالي 300 سنة تقريباً.

.
الحسن بن أحمد النعمان
العلامة الحسن بن أحمد النعمان، هو الفقيه اللسان البليغ الحسن بن أحمد النعمان الضمدي من مشاهير المخلاف وعيون أهله من البيت المعمور بالعلوم، قدم صنعاء، وله أشعار منها قصيدته في الإمام شرف الدين، وقرئت هذه القصيدة بمسجد الحشحوش (بالجراف):
على الرملة (الوعساء) رنَّح لي قدا ... فقد فؤادي قدَّة جهزةً قدا(1)
وأضرم نار الحسن في وجناته ... لقتلي فما كانت سلاماً ولا برداً
وأسبل ليل الجعد فوق متونه ... لزورة صب ذاب من صده وجدا
وحاول أن يخفي على رقبائه ... فنم به الخلخال إذ نضَّر اليدّا
فيا من لصب كل شيء يروده ... يردده عن سؤل مهجته رذا
غريق دموع مات إلا أقله ... له زفرات تحرق الحجر الصلدا
يهيجه سجع الحمامة في الضحى ... إلى (جؤذر) لو قابل القمر ارتدا
ثوى كنفي نجد وفي الغور مسكني ... ألا فسقت أمواج دمع الهوى نجدا
/3/ فوا حر قلبي ذيب من لاعج الجوى ... وندَّ لذيذ النوم عني إذا ندا
ووا رحمتا يا رحمتا لي من الهوى ... وقد كنت قبل العشق احسبني جلدا
فلما ابتلاني صرت رقاً لرقه ... فوا عجباً للغيد تستقنص الأسدا
ولست ببدع إن هلكت صبابة ... فدون الذي لاقيت يهلك من أبدا
ويا قاتل الله الغواني إنها ... لأعظم ذنباً من سفوك الدماء عمداً
أذاعوا بأني قد نقضت عهود من ... هويت معاذ الله أن أنقض العهدا
أمثلي لا يرعى مودة شادن ... على وفرة الواشين يمحض لي الودا
نعمت به والدهر مثل(2) جفونه ... وقد عقدت عنا صروف النوى عقداً
ولم أنس لا والله ليلة وصله ... فافرشني زنداً وألخفني نهدا
وبت به أحيا وأفنى صبابة ... واقطف بالتقبيل من خده الوردا
إلى أن بدت رايات صبح كأنه ... محيا أمير المؤمنين رأى الوفدا
إمام الهدى يحيى الذي ظهرت له ... مكارم شتى يحصر(3) الحصر والعدا
__________
(1) في (ب): فقد فوادي قده جهرة قداً.
(2) في (ب): نال.
(3) في (ب): تحصر.

ومن رام(1) عزاً لم يرم قط قبله ... ودوخ كل الأرض واخترم الأعدا
ورد على آل النبي خلافة ... تقمصها بعد الوصي من ارتدا
وألبسها صرف القضاء بزعمها ... سلالة مروان ألا بعدوا بعدا
وقال بنو العباس بل نحن أهلها ... لأنَّا ورثنا بعد خير الورى البردا
فقام أمير المؤمنين بنصرها ... وخلصها فيمن تعدى بها الحدا
وألبسها عزاً ورفعاً وبهجة ... وعدلاً به يستغرق الشكر والحمدا
فلله يحيى تاج آل محمد ... ومنعم من في الأرض من كفه رفدا
ومن سار فينا مثل سيرة جده ... فأصبح شرب الحق من سعيه شهدا
إمام براه الله للحق رحمة ... فكل غوي من هدايته يهدى
فطوبى لنا من معشر قام جدنا ... بيحيى الرضا بحر المكارم مذ جدا
وكف أكف الدهر عنا بسعيه ... كما فل عنا من ضروس الردا حدا
وحكمنا في كل ما كان طارفاً ... وكل (تلاد) لا رأينا له فقدا
فيا أيها البحر الذي موجه الغنى ... إليك نظاماً رائقاً يفصح العقدا
أتاك به عبد يدين بودكم ... فجد غير مأمور لمن أخلص الودا
ودم يا إمام الحق ترجى وتتقى ... وما زلت منصوراً على كافة الأعدا
الحسن بن أحمد بن محمد [ت856هـ]
/4/ العلامة الفاضل الحسن بن الزاهد أحمد بن العالم الشهير المحدث الحافظ محمد بن أحمد بن حسن بن عقبة، كان عالماً، توفي - رحمه الله - يوم السبت سابع وعشرين من شهر صفر سنة ست وخمسين وثمانمائة، ودفن (بالقرضين) بصعدة، وعنده ولده محمد العلامة - رحمهم الله - وإليه لمح العلامة أحمد بن محمد بن عقبة في قصيدته التي أولها:
أوان على صنعاءبالصرف قد (أخنا) ... وأبدلها عن سهل مرحبها حزنا
فأذكرني عصراً (بساقين) قد مضى ... حنانيك ما أمراه عيشاً وما أهنا
نشأت به حتى إذا ما تميمتي ... فراها شباب قلت هجراً لذا المغنى
إلى أرض صنعا مهرعاً متسرعاً ... لما فرض الباري علي وما سنا
لدى نجباء ماجدين فأمطروا ... نزيلهم من جود صيبهم مزنا
__________
(1) في (ب): نال.

هنيئاً مريئاً منبتاً درراً على ... صفائح سمعٍ حاصد محرز ذهناً
مشائخ تقوى قدس الله سرهم ... وأوسعهم من فيض رحمته منا
إلى أن قال:
ولما ارتقيت الأربعين شرحت من ... غوامض فن الفقه محتجب المعنى
بتذكرة النحوي رفوا محرراً ... فلا يجد النقاد في أيّه طعناً
وعاق عن الاتمام صول حوادث ... تعم وتعمي القلب والعين والأذنا
وأخذ على هذا الأسلوب يصف رحلته عن صنعاء الرحلة الثانية، وذلك بعد استيلاء الترك على صنعاء في رجب سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، فقال منها:
فأزمعت في أثناء ذاك زيارة ... رحلت لها صرفاً غزيرته وهناً(1)
إلى الحسن المذكور لمح بقوله:
بصعدة في القرضين حي سميدع ... وحي أبيه قادم الابن في السكنى
الحسن بن أحمد بن صالح اليوسفي(2)[ت1071هـ وقيل سنة 1070هـ]
القاضي العلامة الحسن بن أحمد بن صالح اليوسفي الجمالي المعروف بالحيمي، كان - رحمه الله - من عيون الزمان وحيداً في صفات الفضل منقطع القرين في كل فضيلة، يعد في الحكام، بل هو الحري بقول أبي الطيب المتنبي:
قاض إذا التبس الأمران عَنَّ له ... رأي يفرق بين الماء واللبن
__________
(1) في (ب): وحَناً.
(2) انظر مؤلفاته ومصادر ترجمته في كتاب أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 274.

وهو في العلماء الجلة محقق في الفقه، وأشرف على(1) العربية وبآخرةٍ من أيامه أعاد الله من بركته، أشرف على أيام العرب إشرافاً كلياً، وعلى الأمثال حتى كان يأتي على أمثال المستقصي غيباً مع علمه بصاحب المثل وقصته ، وعرف الحديث، ومع ذلك معدود في أعيان الدولة المحمدية /5/ النبوية، فإنه صحب [الإمام](2) المؤيد بالله وجعله سفيراً له إلى ولده سيف الإسلام أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين أيام بُعده إلى جهة يافع، فأحسن القاضي السفارة وحمد أثره وانتضمت به الأمور، وأما الإمام المتوكل على الله فكان القاضي أحد أساطين الدولة من الكفاة الناهضين في الوزارة والمشورة، وهو السابق في هذا المضمار، هو عذيقها المرجب وجذيلها المحكك، وهو من أبرع الكتاب في الحضرة، وله مع ذلك ولايات وأمور منوطة به نحو أقاليم الحيمة، وكانت أعمال كوكبان تصدر وتورد عن رأيه، ومع هذه الكلف كان صدره أوسع من الدهناء وعظائم الواردات لا تغير له ذهناً، لأصحابه منه الحظ الأوفر من الأدبيات والملاطفات الإخوانيات توالتدريس في العلوم على أكمل وجه، وكان مظهره مظهر أمير، وقلبه قلب مستكين خاشع فقير، أقول هذا ولا ينبئك مثل خبير، فلقد كنت منه بمنزلة الأخ(3) الشقيق، والحميم الرفيق الشفيق، أعرف أحواله - رضي الله عنه - إجمالاً وتفصيلاً، وكانت له في النظم[والنثر](4) يد طولى، وسابقة أولى، وبالجملة فما من فضيلة يحتاج أهلها إلى شيوخها عند مهماتهم [إلا] (5) وهو في ذلك بغية الطالب ووجهه الإمام المتوكل على الله - أدام الله أيامه، وأعلى على جميع الأعلام في الخافقين راياته الخافقة وأعلامه - إلى جهة حضرموت لما اتفقت الفرقة بين السلاطين آل كثير منهم من تخلف عن رسوم رسمت عليه، فقدمه الإمام يفتقد معالم الحق، ومن هو على قدم الصدق من السلاطين ، ومن تنكب عن
__________
(1) في (أ): في العربية.
(2) زيادة في (ب).
(3) في (ب): الصنو.
(4) زيادة في (ب).
(5) زيادة في (ب).

السداد منهم، ويزيل المناكير، ويظهر المعالم، ويقرر من القضاة من رضيه، ففعل - رحمه الله - ذلك، وكان فتحاً مبيناً ومقدمة لنزول الجنود المتوكلية تحت لواء المولى زعيم المسلمين أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين كما ذلك مبسوط فيما أحسبه بالسيرة المتوكلية، وكان الإمام - عليه السلام- قد وجه القاضي شرف الدين داعياً إلى مدينة دنيبا من أعمال الحبشة إلى السلطان سحيم(1) وذلك أن السلطان أرسل مراسلة أطمع في نفسه، وأفهم أنه قابل للحق، فسارع الإمام إلى إرسال رجل من ورثة الأنبياء، فإن ذلك كبعثه نبي مع اتساع الإقليم، فتوجه من بندر المخا نصف شعبان سنة سبع وخمسين وألف، وتقدم في طائفة من المسلمين نحو خمسين رجلاً، ولست بالمحصي لعدهم يقيناً، فاستقر(2) ببندر (بثلول)، وتزوج ابنة السلطان سعد الدين بن كامل الديلكي(3) صنو السلطان سحيم، وكان السلطان يومئذ هو سحيم المذكور، وأقام نحو خمسين يوماً، ثم توجه فلبث في الطريق مدة مجموعها من وقت شخوصه إلى دخوله محل السلطان تسعة أشهر، ولقي في الطريق أهوالاً جساماً، ولكن الله سبحانه تولاه وتولى من معه بحياطته، ولما وصلوا إلى السلطان كان ذلك اليوم(4) يوم عيد للنصارى، فتقدم القاضي وقد أظهر السلطان بشارته(5) وأبهته، وجَمعَ مرازبته /6/ وكبار مملكته، فدخل القاضي - رضي الله عنه - لابساً لشعار الإسلام من الثياب البيض، وكان معه من الفقهاء جماعة، فعظم وصوله، وكان السلطان غير مريد لما فهموه منه إنما مقصده مراسلة الملوك للملوك، وأنه يرسل إلى مقامه رسول يفاوضه(6) في إصلاح طريق الحبشة من أطراف الحبشة مما يسامت المخا إلى دنيبا، ومع ذلك فهو يريد الفخر بالمراسلة، فلما استقر القاضي أراد السلطان أن يخلع عليه فوجه بخلعة من الحرير الخالص وسوارين من ذهب خالص، فقال
__________
(1) في (ب): سجد.
(2) في (ب): واستقر.
(3) في (ب): الديلكي.
(4) سقط من (ب).
(5) في (ب): سشارته.
(6) في (ب): مفاوضة.

القاضي - رحمه الله -: هذا لا يحل في شريعتنا، فتوجه إليه بأعيان من أصحابه، فقال: هذا لا يحل، وأنا والحمد لله من حملة العلم المحمدي، فما أخالف، وقد كان النصارى غضبوا قبيل هذا على عالم لهم يسمى الأبون بلسانهم، وكل عالم يكون بذلك المنصب يسمونه الأبون، فعابوا عليه أشياء، ففعلوا به أموراً فات عني تحقيقها، فقال لهم القاضي لما لم يرضوا عنه: ألستم عبتم على الأبون مخالفته للشريعة العيسوية؟ قالوا: نعم، قال: وهذه إن فعلتها في الملة المحمدية هفوة أخاف ألاَّ أجد الإقالة فيها، فسأل السلطان رجلاً بخارياً يزعم أنه شريف، له بعض فقه عن هذا، فقال الأمر كما قال القاضي هو محرم في شرع محمد - صلوات الله عليه - فقال له السلطان: فما بالك تلبس الحرير؟ قال: أما أنا فوجدتكم على هذه الحالة، فتركت ديني أو كما قال، فأعفاه السلطان عن لبس ذلك حينئذ، ولكن القاضي تلقى ذلك بالقبول واتخذ به موئلاً لأولاده ومزدرعاً؛ لأنه استطاب ذلك الوجه واستقر عند السلطان وهو مبجل معظم لا يعبأ بالسلطان ولا أخلاقه الكافرة، بل ظهر صيته وعلت كلمته حتى كان أصحابه يبطشون بالنصارى ويضربونهم، وشاع عندهم أن العرب تأكل الناس، فهابوهم، ولقد وصف لي - رحمه الله - أن بعض النساء المسلمات رغبت في دين النصارى للتزويج(1) برجل منهم، وكان لها بنت رغبت(2) في البقاء في الإسلام، فرام النصارى الذين تزوجت أمها منهم إدخالها في دينهم قسراً فهربت إلى بيت القاضي، فجاؤوا إلى ذلك المحل في وقت الأصيل، والقاضي متنزه في صحراء أمام منزله وعنده أخوه الفقيه المجاهد محمد بن أحمد الحيمي.
__________
(1) في (ب): للتزوج.
(2) زيادة في (ب).

قال - رحمه الله -: وعليهم سلاحهم وعدتهم، وهم أهل أبدان بسيطة وروا وفيهم العدد، فتلقاهم محمد بن أحمد صنو القاضي بسيفه، فلم يستقم في وجهه أحد، وهم فيما أحسب أكثر من عشرين رجلاً، وضرب واحداً منهم بالسيف وهابهم الأقرب والأبعد، وخاف السلطان سطوة القاضي ولم يجد مناصاً، فتربص للقاضي - رحمه الله - الدوائر وتنزه السلطان إلى فوق بحر النيل وسعى بعض السفهاء بتحريق محل القاضي وهو من (الخص)، فاحترق مكان القاضي وبعض النفائس التي كانت معه من كتب وغيرها، ثم وقاه الله فتحرز، ثم أن القاضي طالب السلطان في إيابه إلى الديار الإسلامية /7/ فتثاقل عنه، فتوسل بوزير من الوزراء.

قال القاضي - رحمه الله -: هو أعقل من رأيت منهم. فقال للقاضي: يا قاضي هذا السلطان قد فضحنا إليك، ولكن متى كان في الظهيرة غداً، قلنا للسلطان يترك شرب الخمر لتجتمع به، فركن القاضي على هذا، فلما كان في الظهيرة أو قبيلها توجه في أصحابه لذلك الموقف كما سبق الوعد به من الوزير، فأقبلوا على دار السلطان وهي دار لا نظير لها ولا شبيه، عمرها بعض الأفاقيين للسلطان على أسلوب غريب، فوصل القاضي إلى قرب الدار وقد انتشر الخدم في الأبواب وفتحت الطاقات، وهيأت أحوال السكر، واجتمع أهله، فلم يشعروا إلا بالقاضي - رحمه الله - فعشر الرماة الذين بين يديه فهرب السلطان من إيوانه وهرب الوزراء والخدم وأجفلوا إجفال الظبا، فدخل القاضي والدار يباب لو أراد ما أراد تمكن، فلما عرف الوزير السابق ذكره أولاً النكتة سارع إلى القاضي واعتذر بأنه لما يتقدم إلى السلطان في هذا المطلب فأمهله القاضي، واجتمع بالسلطان وأخذ في أهبة توجيه(1) القاضي فوجهه بعد مدة، وكان مجموع مدة إقامته عند السلطان نحو ثلاث سنين، ووجه معه السلطان وزراء الضيافة فاتفقت في الطريق كائنات لولا وقاية الله والرجوع إلى الحزم والنجدة ما عادوا، فلله الحمد رب الإحسان، ووصل القاضي إلى شهارة، فلقاه الإمام - عليه السلام-(2) الطبول، وعظمه كثيراً، ثم لم يزل في الحضرة أو في منزله بشبام لمهمات لا يقوم بها غيره، وقد صنف رسالة مشتملة على أحوال هذه الرحلة، وفيها عجائب وغرائب(3)، ومن أعجب ما أكتبه هنا ما أخبرني به أن في إقليم الحبشة سحائب تمطر
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) في (ب): عليه الصلاة والسلام.
(3) تسمى (حديقة النظر وبهجة الفكر في عجائب السفر) من نسخة برقم 70 تاريخ غربية وأخرى ضمن مجموع 216 غربية باسم الروضة الندية في تحقيق الرحلة الحبشية) وقد طبع في ألمانيا ثم أعيد طبعه في مصر سنة 1958م و سنة 1972م ومنه نسخة خطية في مكتبة السيد العلامة محمد بن محمد الكبسي.

النار، وليس لها وبل غير النار، فيقع على البلد فيهلكه وسحائبها معروفة، وهي لا تزال على ذلك، ولا يستغرب أهل الحبشة أمرها، ومن شعره أيام إقامته هنالك:
على كل سعي في الصلاح ثواب ... وكل اجتهاد في الرشاد صواب
وليس على الإنسان إدراك غاية ... ودون مداها للعيون(1) حجاب
ولو علم الساعون غاية أمرهم ... لما كان شخص بالشرور يصاب
فقل لأمير المؤمنين لقد دعا ... وحق له بعد الدعاء يجاب
ولكن دعا قوماً يظنون أنهم ... رموا غرضاً في دينهم فأصابوا
تراءى لهم لمع فهم يحسبونه ... شراباً فأضحى ذاك وهو سراب
يقولون إن الله جل جلاله ... هو الروح عيسى إن ذا لعجاب
وحيناً وقالوا بالأقانيم فرية ... فيحصرها ضبط لهم وحساب
وقالوا هي الرب الثلاثة كلها ... بذلك أفتت فرقة وأجابوا
/8/ولكن يقولون الثلاثة واحد ... وهن لتكميل الإله نصاب
وهذا ضلال بَيّنٌ وجهالة ... تفطَّر منه الصم وهي صلاب
عذيري من دين خسيس مآله ... نكال وخزي دائم وعذاب
لقد ضاق ذرعي لاحتباسي بأرضهم ... وكدَّر مني مطعم وشراب
وحبَّب أوطاني إلي بأن لي ... بها جيرة طاب الزمان وطابوا
وللعدل والتوحيد منها مسارح ... وربع مُنيفٌ شامخ وجناب
فهل لي إلى تلك المنازل عودة ... وهل لي إليها مرجع ومآب
وهل أَرِدنّ للشرع مورده الذي ... تدل عليه سنةٌ وكتاب
وهل أسمعن؟ صوت المنادي بجمعة ... ينادي بأعلى صوته فيجاب
وهل أنظر الدار التي ضربت لها ... مدارس علم حولها وقباب
فإن لم يكن يا دهر عتباً فطالما ... عتبت فلم ينفع لديك عتاب
ولكنني أقفو مقالة شاعر ... فللقول حكم بالغ ولباب
إلى الله أشكو أنني في منازل ... تحكم في آسادهن كلاب
تمر الليالي ليس للنفع موضع ... لدي ولا للمعتفين جناب
أرى الكفر مقشوع القناع وأهله ... يظنونه خيراً فخاب وخابوا
فشمر أمير المؤمنين لحربهم ... فهم نقد(2) البيدا وأنت عقاب
__________
(1) في (ب): للعيوب.
(2) في (أ): بعد.

وأنت سليل القاسم القائم الذي ... رمت شهبه أهل الضلال فغابوا
إذا طلعت منهم طلائع مارد ... تلقاه من تلك الرجوم شهاب
وناد بني المنصور من آل قاسم ... تجدهم ليوث الحرب ليس تَهابُ
وقل يا بني الهادي أجيبوا إمامكم ... يجبك شيوخ منهم وشبابُ
يفادون بالأرواح دون إمامهم ... ويصدق طعن منهم وضراب
وناد بأبناء المكرم حمزة ... يجبك سيوف منهم وحراب
إذا صبح الأعداء منهم سرية ... تصب منهم جيشاً وليس تصاب
ولا تنس أشراف القواسم إنهم ... أسود لديها صولة ووثاب
هم السم للأعدا يرون قتالهم ... يسيراً وإن قالوا الحروب صعاب
وناد بني الحور الكرام بأسرهم ... لتجلب خيل منهم وركاب
هم القوم كل القوم يا أم مالك ... على الحرب شب الأصغرون وشابوا
/9/ ومن كان من آل الحسين فإنهم ... هم الغلب يوماً كان فيه غلاب
أولئك أبناء الشهيد الذي به ... أصبنا وكم غم القلوب مصاب
ومن بعد هذا ناد من كان يقتدي ... بزيد إماماً حبذاك صحاب
فهم نعم أشياعٍ لآل محمد ... ونعم رجال النائبات حساب
إذا أقبلت يوماً طوائف جمعهم ... يضيق لهم عن سبطهن رحاب
فحسبك بعد الله من قد ذكرته ... ويمطر بالنصر العزيز سحاب
ولا تسمعن قول العذول فربما ... يشير بقول بالخمول يشاب
يقول بلاد الكافرين بعيدة ... وقد حال من دون البعيد عباب
وكل مشير لا يرى غير ظنه ... وليس على ما يقتضيه يعاب
ورأي الذي قد شاهد الحال راجح ... على رأي من لم يشهدوه وغابوا
ولله علم سابق في أمورنا ... فما كان فيه ليس عنه ذهاب
فيا رب وفقنا وأيد إمامنا ... فأنت لكل في الأمور مثاب
وصل على المختار والآل ما جرى ... على كل حال في الزمان خطاب
وأصحابه الغر الذين مشوا على ... مناهجه فيما يدين وجابوا
وله - رحمه الله - أيام إقامته:
من لقلب ولطرف ما هجعٍ ... ولصب لم يزل حلف الوجعْ
ولمحزون نأى عن داره ... وعن الأحباب كيف المرتجع
كل يوم وله من همه ... ما أطار النوم عنه ووزع

وأشاب الرأس من أهواله ... وتجلّى بالجلا بعد الضلع
أنكرت عينيّ ما تألفه ... وتجافى الجنب طيب المضطجع
ولقد زاد فؤادي وصباً ... ما رأت عيناي من أهل البدع
صرت في أرض قليل خيرها ... وكثير الشر فيها يصطنع
أهلها صنفان أما فرقة ... فنفت خالقها فيما صنع
جعلت رباً نبياً مرسلاً ... جاء بالصدق وبالحق صدع
ثلَّثوه وهو رب واحد ... جل عن ذلك ربي وارتفع
لم يلد كلا ولم يولد ولا ... شاركه(1) [من] أحد فيما ابتدع
إن رباً صلبوه عنوة ... بيد الأعداء ما فيه طمع
/10/ كيف يرجى بعد هذا نفعه ... وهو لما احتاج ما قط نفع
قهروه وهو رب قاهر ... بطل الوصف بهذا واندفع
قد زعمتم ذاك فيما بينكم ... كيف رب ظلموه ما منع
وجهلتم أن ربي صانه ... وإلى السبع السموات طلع
جاءكم عيسى بقولٍ بيّنٍ ... سمع البعض وبعض ما استمع
إنه عبدٌ نبيٌّ مرسلٌ ... دينه التوحيد لكن لم يطع
إن ديناً هذه أحكامه ... ضيق ليس به من متسع
يفضح الإنسان إن دان به ... ويريه الخزي في يوم الفزع
ورأينا فرقةً ظالمة ... تركب الفحش وتأتي بالقذع
تدعي الإسلام لكن ما درت ... شارع الإسلام ما كان شرع
ينظر المنكر في ساحاتهم ... وعليه الناس جمعاً وجمع
لا ترى لله منهم طاعة ... سيما الاثنين وايام الجمع
رب مشغول بأسباب الهوى ... يَتبع اللهو تراه يتبع
عشق الخمرة لا يثنيه عن ... حبها لاح ولا عنه نزع
أبداً لا ترتجى توبته ... وإذا استرجع فيها ما رجع
وإذا بصَّرته سبل الهدى ... فبعينيه عن الرشد لمع(2)
قلبه الأغلف في حيرته ... ختم الله عليه وطبع
آمنوا بالجبت من طاغوتهم ... فهو في فصل الشجار المنتجع
ما لقول الله أو قول النبي ... أبداً عندهم من مستمع
آه من حزن لدين المصطفى ... قد رأيناه على صلع ربع
فلعل الله أن يرفعه ... ويرى الكفر يقيناً قد خضع
__________
(1) العجز غير موزون إلاَّ إذا سُكّنت الهاء.
(2) لمع: لَمَع بالشيء: ذهب. (القاموس المحيط، ص 703).

ويديل الحق من أعدائه ... وضليع الكفر يضحي قد ضلع
بيد القائم نجل المصطفى ... خير من صام وصلى وركع
كم جموعِ للخنا شتتها ... وشتات في رضا الله جمع
يا بني المنصور أنتم عصبة ... أسد حرب ليس يثنيها الجزع
فانصروا الداعي منكم واذكروا ... حرب بدر ثم ردوه جذع
/11/ فالذي قام بها والدكم ... وجبال الكفر فيها قد صدع
والفتى إن يتَّبع والده ... فهو شيء لم يكن بالمبتدع
جاهدوا الكفار في الله فقد ... شمت برق النصر عن ذاك لمع
طهروا بيعتهم عن رجسهم ... فعسى تطهر هاتيك البيع
أنتم السادات من كل الورى ... ورؤوس الناس والناس تبع
أنتم كالشهب مثلاً قاله ... جدكم والشيعة أمثال القزع؟
قل لمن فاخر آل المصطفى ... هل محل النجم يرقى يا لكع؟
فهم حراس دين المصطفى ... وبهم من عاند الشرع انقمع
وصلاة الله مني ما سرى(1) ... في الدجى برق وما الطير سجع
تبلغ المختار عني دائماً ... وعلى عترته أهل الورع
وعلى أصحابه أهل الهدى ... ما ارتدى الجو بسحب والتفع
وكانت له - رحمه الله - القصائد الغر الإخوانيات والحكميات، وطالما راسلنا(2) بالشعر، وله في الرؤيا ما يشهد أنه من نوع النبوءة (والحكم)(3)، ولما انتقل إلى جوار الله في ذي الحجة عام واحدٍ وسبعين وألف سنة، كان يقول عند النزع: بل الرفيق الأعلى. ورأيت له من الرؤيا الصالحة أشياء كثيرة حضرني ما أخبرني به السيد العالم محمد بن عبد الله القطابري اليحيوي - أبقاه الله -.
__________
(1) في (ب): شرى.
(2) في (أ): أرسلنا.
(3) ساقط من (ب).

قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فأمرني أن أكتب كتاباً إلى القاضي الحسن (بن أحمد)(1) الحيمي، كأنه أيام موته، فقال: اكتب إلى ولدي الحسن بن أحمد الحيمي، هكذا رواه. وعمر عليه ولده العلامة بدر الدين محمد بن الحسن بن أحمد الحيمي مشهداً رغبة في الطاعة حول أبيه، والولد المذكور العلامة(2) من عيون الوقت في علمه وأدبه(3) وفصاحته، وله أخوان نجيبان إن شاء الله، ورثى القاضي المذكور فُضلاَء، وقلت قصيدة لترثيته - رحمه الله - بل قصائد، ولكني أستحسن هنا ما كتبته عقيب موته واعظاً لنفسي لمكان خصوصته - رحمه الله - فهو مثير القريحة لهذه الكلمة المكلومة:
رويدكما فالعتب ضر فؤادي ... كفى ما ألاقي من عنا وسهادِ
إذا السحب شنت ماءها شن مدمعي ... أروّي كما رَوَّتْ فلا وبوادي
أنوح كما ناح الحمام لشجوه ... كلانا معنَّى بالغرام وصادي
ولكنها تبكي على الدوح إلفها ... من الورق(4) إذ كن الجميع شواد
يغنين فوق الأثل والأثل مائل(5) ... له من مغاني الساجعات تهاد
ليبكي لها من كان في الشجو مثلها ... وكل شجي للشجي ينادي
ومن طبع أرباب القلوب بكاؤهم ... إذا سمعوا بين الخمائل شادِ /12/
وإن عبرت ريح النسيم ترنحوا ... وباحوا بأسرار فهن بوادِ
وما أنا إلا واحد في عدادهم ... علقت بهم من بعد بُعد مهادي
ولكن لهم شجوٌ ولي غير شجوهم ... ويجمعنا أنا الجميع صواد
فإن(6) دموع العين مني ومنهم ... جواد جرى في الخد إثر جواد
ولكنني لم أبك من فقد لَعْلَعٍ ... ولا هاج قلبي ذكر عهد سعاد
ولكن تذكرت القلوب(7) فأفلقت ... فؤادي وعوَّضت الكرى بسهادي
مضى العمر مني والشبيبة أعرضت ... وغير صبغ الشيب صبغ فؤادي(8)
__________
(1) ساقط من (ب).
(2) في (ب): والوالد العلامة المذكور.
(3) في (ب): وآدابه.
(4) الورْق: جمع ورقاء، وهي اليمامة.
(5) في (أ): والأثل دونه.
(6) في (ب): وأن.
(7) في (ب): الذنوب.
(8) في (ب): سوادي.

وفي كل يوم ارتجي لي توبة ... وقلبي من وادٍ يسير لواد
كأني في أمن من الموت والبلى ... وكيف أماني والنذير مناد
وفي كل يوم من أخلاء راحل ... له قائد نحو الممات وحاد
وكانوا أخلاء الصفاء وجيرتي ... أود فداهم لو يساعد فاد
كفى واعظاً لي واحد بعد واحد ... ولو كان قلبي من أصن جماد
كفى واعظاً موت الذي قد ألفته ... وأمحضه في الله صفو ودادي
نزيل فؤادي قدس الله روحه ... وعظم أجري في نزيل فؤادي
تخيرته للود في الله والإخا ... فأسعفني سؤل ونلت مرادي
ونلت أخاً ليث وغيث وزاخر ... بعلم وبدر في الدياجر باد
فما خانني والله في العهد والإخا ... سقى قبره المسعود صوب عهاد
ففي موته لي عبرة إن عبرتها ... ففي موت أهل الود أنصح هاد
فيا رب وفقني لرشدي إنني ... أضعت بخبطي في الضلال رشادي
ويا سيدي يا مالكي قد تراكمت ... همومي لما أن ذكرت معادي /13/
وفكرت في سهوي ولهوي وغفلتي ... وتضييع نفسي يا إله لزادي
وإني جهول خابط في جهالتي ... بكفي ضلالي والخيال قيادي
أضيع ساعاتي على غير طائل ... كأني لنفسي مبغض ومعاد
قعاقع ما من خلفها المزن واكف ... وقدح وما خلفت غير رماد
فيا سيدي يا خالقي أنت ذخرتي ... وأنت عتادي دائماً وعمادي
تدارك مسيئاً أوقع الذنب قلبه ... فبات من البأساء فوق قتاد
يعاني أموراً في افتكار معاده ... وحق لمثلي ذكر حال معادي
وذكر لحود مظلمات جوانب ... أبيت بها وحدي بغير مهاد
يسائلني(1) فيها نكير ومنكر ... فيا رب يسر للجواب سدادي
ولو أن غايات المخوف وفاتنا(2) ... لكان وفاتي والممات مرادي
فليس بدنيانا الدنية غبطة ... سباع بلاياها الشداد عواد
لها في بنيها كل يوم وليلة ... هموم تماسي دورهم وتغادي
ولكن بعد الموت أشياء شرحها ... يطول فوالهفي لقلة زادي
وفي عرصات الحشر ضيق بأهلها ... ومن عطش يرجون كل ثماد(3)
__________
(1) في (ب): يسألني.
(2) في (ب): مماتنا.
(3) ثِماد: الماء القليل. (القاموس المحيط ص259).

ومن بعد ذاك الصحف تنشر كلها ... يرى كل شيء في الصحائف باد
وميزان قسط لا يحيس شعيرة ... يوازن ما بين الهدى وفساد
فطوبى لعبد مال بالغي رشده ... وقبحاً لغي مائل برشاد
ومن بعد ذا جنات عدن لأهلها ... يناديهم بالرحب خير مناد
لهم غرف ممهودة بأرائك(1) ... فبخ بخ بها من غرفة ومهاد
وإما جحيم شرها متراكم ... لسكانها بالويل أي مناد
عليها من الأملاك أَيَّةُ عصبة ... شداد على العاصين أي شداد /14/
فيا رب بالقرآن كن لي موئلاً ... ألوذ به مما يخاف فؤادي
ولي شافع فيما طلبت محمد ... فإن ولاه طارفي وتلادي
وحبي له كنزي فلست بمعدم ... فذاك غنا فقري وذاك عتادي
على بابه أبركت رحلي وقلت ذا ... مناي فعن رحلي أخفف زادي
وناديت يا مختار إني وافد ... فأصغ فما حي سواك أنادي
أغثني من الأمر الذي أنا أشتكي ... وشرد من عيني طيف رقادي
أعوذ بك اللهم من شر واحد ... مناه ضراري دائماً وعنادي
وقلبي في كفيه حاشاك لم يزل ... يقلب بين الأصبعين مقادي
وطاوعه جيش الهوى فهو جنده ... بكل مصاغ في الورى وجلاد
بأحمد خير المرسلين وآله ... وصل عليهم ما ترنم شاد
الحسن بن أحمد
القاضي العلامة الحسن بن أحمد، ذكره بعض علماء آل أبي النجم، كان عالماً مجوداً، وأنشد له من الشعر:
تراني عزمت مع من عزم ... وقوضت نحو السهول الخيم
وقصدي من الناس أهل العفاف ... وأهل العلوم وأهل الكرم
أريد بني النجم من فخرهم ... على النجم والنجم تحت القدم
هم القوم من فخرهم ظاهر ... فليس بمكتتم من كتم
ومن هو يكتم شمس النهار ... وبدر التمام إذا ما استتم
قضاة الأئمة والحاكمون ... كما أمر الله أو ما حكم
وفيهم عماد الهدى والرئيس ... وفيهم أخو النجدات العلم
وفيهم محمد بدر الهدى ... وصدر الهداة حميد الشيم
بحور العلوم دواء الكلوم ... ثقال الحلوم سوامي الهمم
هم الغيث في الجدب للعالمين ... وللوافدين إذا ما (سجم) /15/
__________
(1) في (ب): بنمارقٍ.

هم الأكرمون هم الأحلمون ... هم المنعمون على من ألم
الحسن بن إسحاق بن زيد [ق2هـ]
الحسن بن إسحاق بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، نجم من نجوم آل الرسول، وشمس ما يعتريها نقص ولا أفول، وهو أحد من قتل في قضية السوس في أيام أبي السرايا - رحمه الله تعالى(1) -.
الحسن بن البقاء [نحو 670هـ]
الشيخ الإمام الحسن بن البقاء هو الشيخ العلامة المفسر المحدث الفقيه المصنف في العلوم حجة الإسلام، الحسن بن البقاء بن صالح بن يزيد بن أبي الحياء التهامي ثم القيسي، كان آية من آيات الله البينات محققاً في العلوم جميعها، له التفسير والكامل في الفقه، لم ينسج شيء على منواله حافل يتخرج في مجلدات يستدل فيه بالأدلة الناصعة(2) النافعة، ويخرجها من أحاديث آل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - كالعلوم والأمالي المؤيدية والطالبية والسمانية والمجاميع والمسندات لآل محمد - عليهم الصلاة والسلام - وله في الفرائض(3)
__________
(1) في مقاتل الطالبيين: الحسن بن إسحاق بن علي بن الحسين، وأمه أم ولد قتل في وقعة البسوس مع أبي السرايا لما خرج عن الكوفة ص4230، وفي حاشية المقاتل شرح وتحقيق أحمد صقر: وفي نسخة والحسين بن إسحاق بن الحسين بن زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وفي الخطية (الحسن بن إسحاق بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ورفعه إلى السرايا حوالي سنة 200هـ.
(2) . في (ب): الناجعة النافعة. ولم أجد لهذين الكتابين نسخاً خطية.
(3) الوافي في علم الأدلة على الفرائض الجلي منها والغامض، ضمن مجموع خُطّ سنة 867هـ في 62 صفحة باسم الحسن بن البقاء، وأخرى باسم الوافي في علم الفرائض باسم الحسن بن صالح القيسي في سنة 714هـ في 112 صفحة، كلاهما في مكتبة جامع الإمام الهادي بصعدة.
وانظر عنه وعن مؤلفاته ومصادر ترجمته أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 272، والطبقات الكبرى القسم الثالث ترجمة 156.

كتاب الوافي، وهو كاسمه وافٍ، تعلق فيه بعلم الفرائض والأدلة عليها، وأقوال المخالفين والحجة عليها، والذي غلب في ظني أن هذا الكتاب هو عمدة البحر الزخار، وأصله الانتصار في علم الفرائض، فإني قابلته مقابلة، فلم يظهر تفاوت، وتولى القضاء للإمام أحمد بن الحسين، وله - رحمه الله - أشعار كثيرة، وكان بليغاً متضلعاً من اللغة، يزاحم كبار أهلها، ومن شعره - رحمه الله - في الإمام أحمد بن الحسين - عليه السلام-:
إن الحمائم يوم بطن سويقة ... أورثن سامع سجعهن سقاما
ذكرن ربعاً بالطويق ومنزلاً ... وبجنب رابية العوير خياما
قَذَفَتْ بساكنها نوى مشطوبة ... وبركن بعد قطينهن قياما
وبسفح أبنية العقيق تناضباً ... خضر الفروع نواعماً وبشاما
أشتاقها وأحب ساكن سوحها ... حباً أذاب جوانحاً وعظاما
يا عاذلي على الحنين لدمنةٍ ... درست لفقد أنيسها أعواما
سحبت(1) بها وطف السحاب ذيولها ... والعاصفات اجتثت الأعلاما
/16/ لم يبق فيها غير أشعث جادل ... جعلوا له يوم الرحيل حطاما
بل رب قائلة أفق عن ذكرها ... وامدح من القوم الكرام إماما
من عصبة شهد الرسول بفضلهم ... جعلوا لمن جحد الكتاب حماما
من آل أحمد سيداً من سيد ... سمح السجية ماجداً قمقاما
وهي طويلة، وله أشعار مستجادة - رحمه الله - توفي بظفار(2) وقبر في ساحة القبة المنصورية، وموته في(3) السبعين وستمائة، وكان موته وموت العلامة أحمد بن حنش - رحمه الله تعالى - في وقت متقارب، وقبرا متقاربين، وكتب على لوح العلامة أحمد بن حنش بن عبد الله بن سلامة السرياني التهامي(4) ما لفظه: والعبارة عنه من اللغة، وعن هذا العلامة حسن بن البقاء:
هذان قبران حل المجد قعرهما ... والمتقي والتقى والعلم قد لحدا
حازا اللذين أبانا للهدى سبلاً ... وآثرا العلم والتعليم فاجتهدا
__________
(1) في (ب): سحيت.
(2) سقط من (أ): بظفار.
(3) في (ب): وموته في عشر السبعين.
(4) في (ب): الشهابي.

كافاهما الله بالإحسان أنهما ... قادا إلى الخير واختارا لنا رشدا(1)
هذا قبر الفقيه الأوحد المهاجر عن أهله وأوطانه الراغب فيما وعد الله من جنانه، جمال الدنيا والدين أبي الحسن أحمد بن حنش بن عبد الله بن سلامة السرياني الشهابي والذي يليه من جهة الغرب إلى جانب القبة قبر الفقيه الفاضل العالم العامل شرف الدين حاكم المسلمين الحسن بن البقاء، وكانت وفاتهما رحمة الله عليهما في مدة متقاربة يجمعها عشر السبعين وستمائة سنة.
الحسن بن جعفر الحسني [ - 30هـ]
الحسن بن جعفر الحسني أمير مكة، هو أبو البركات، ويقال: أبو الفتوح الحسن بن جعفر بن محمد الأكبر والد الشريف شكر - رحمه الله - الآتي ذكره، قال ابن عنبة: كان صاحب الشجاعة والنجدة وقوة البدن والفصاحة، وله في الأيد(2) حكاية مع أخته كأنها أرسلت إليه دراهم يبيعها حنطة، فأخذ الدراهم ففركها بين أصبعيه حتى ذهب ما عليها من النقش وردها مع الحنطة، وقال: هي زيوف، فأخذت أخته كفاً من الحنطة ففركته بيدها حتى صار دقيقاً، ثم أرسلت به إليه وقالت: حنطة مغشوشة، ومن أشعاره - رحمه الله -:
وصلتني الهموم وصل هواك ... وجفاني الرقاد مثل جفاك
وحكى لي الرسول أنك غضبي ... يا كفى الله شرما هو حاكي
/17/ حكي أنه توجه إلى الشام سنة إحدى وأربعمائة، ودعا إلى نفسه، وتلقب بالراشد بالله، ووزر له أبو القاسم الحسن بن علي المغربي زمن الحاكم العبيدي، فكانت أمور آخرها اضمحلال أمره فاعتذر إلى الحاكم فقبل عذره وقتل وزيره المغربي ثم رجع الحجازي ولم(3) يزل حاكماً بمكة حتى مات في سنة ثلاثين وأربعمائة، ورثاه السيد رئيس الزيدية علي بن عيسى بن حمزة بقصيدة أولها:
__________
(1) في (ب): الرشدا.
(2) الأيد: القوة.
(3) في (ب): فلم يزل.

يا جادك الوابل من حفرة ... أي فتى واريت رحب الذراع(1)
الحسن بن جعفر القاسمي
الشريف الحسن بن جعفر القاسمي كان من عيون الرؤساء العلماء، وله أشعار مستجادة، ومن شعره يخاطب الأمير الأعظم محمد بن المنصور بالله عبد الله بن حمزة بعد قضية (عصر) التي أبلى فيها الأمراء، ولعلنا نذكرها بتيسير الله، فقال الشريف الحسن يخاطب الأمير الناصر لدين الله محمد بن الإمام:
عاداتك النصر والخطي مشتجرُ ... يا خير من قلدته أمرها مضرُ
لولا عزائمك اللاتي عرفت بها ... ما كان للدين عن أعدائه وزر
لكن حميت ببيض الهند حوزته ... والشاهدان بذاك السمعُ والبصرُ
أما المديح فلا يأتي بأيسره ... لأن كل مديح فيك مختصرُ
ماذا يقول ذوو الإسهاب في رجل ... آباؤه برسول الله تفتخرُ
أم ما الزيادة في وصف امرئ نزلت ... في وصفه وعلى آبائه السورُ
تالله ما غاصت الأفكار في طرق ... من غير مدحك إلا غاصت الفكرُ
لكن أردنا نؤدي بعض مفترض ... من التهاني فلا ألوت بك(2) الغير
كل الأنام سليم ما سلمت لهم ... وما بقيت فذنب الدهر مغتفر
عليك للمجد أن تبني قواعده ... وما عليك إذا لم يسعد القدر
إن النبوءة أعلى كل منزلة ... قد شاب رونقها التنغيص والكدر
هل كان مثل رسول الله من أحد ... أو كان يبلغه في وصفه بشر
فكان يوم حنين ما علمت به ... من العزيمة لولا معشر صبروا
هون عليك وإن تأتيك نائبة ... فالجرح مندمل والكسر منجبر
18/ والدهر يومان يوم مشرب آسن ... مر المذاق ويوم مشرب خصر
فارفض أحاديث هراجين لو قصدوا ... إحداث شيء من العليا ما قدروا
__________
(1) انظر المزيد عن ترجمته في أعيان الشيعة 5/38 وهو أبو الفتوح الحسن بن أبي محمد جعفر بن أبي جعفر محمد الأمير بن محمد الثائر، ابن موسى الثاني ابن عبدالله بن موسى الجوفي بن عبدالله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.
(2) في (أ): به.

فكم من الناس غال يدعي حكماً ... يقول لو كان لي التدبير ما قهروا
وفي الحقيقة لو نابته نائبة ... لم يدر فيها لما يأتي وما يذر
وهل أتى النقص إلا من زعانفه ... في السلم تسطوا وفي الهيجاء تنكسر
ضلوا السبيل فباعوا رشد أنفسهم ... في الغي تلك لعمري بيعة غرر
أما الرسول(1) فأهل الصبر ليس لهم ... عن مورد الحرب تعريج ولا صدر
وهي أكثر من هذا، وهي قصيدة شهيرة.
الحسن بن أبي الحسن الحسني
الشريف العالي العالم الفصيح الأمير الكبير الحسن بن أبي الحسن بن مسلم الحسيني أمير المدينة المشرفة، كان عالماً فاضلاً رئيساً(2) بليغاً عالي الهمة، ورد اليمن، وكان بينه وبين ابن عمه المهنا ابن أبي هاشم قطيعة وفتنة حاز المهنا البلد دونه، فاستنصر الإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني - عليه السلام- فعظمه الإمام وأخدمه نحو المائة، وكان يطلبه المعونة على المهنا فلم يسعفه الإمام، ومن شعره إلى الإمام أول وصوله:
رحل الأحبة غدوة(3) وتحملوا ... وجرى ببينهم غراب يحجل
القصيدة الفائقة بكمالها.
الحسن بن الحسن الهوسمي [ق5هـ]
__________
(1) في (ب): الرسوس.
(2) في (ب): رائساً.
(3) في (ب): غدوة.

الشيخ الإمام حافظ المذهب ولي آل رسول الله جامع الزيادات ومتمم المصابيح أبو القاسم بن تال - بالتاء المثناة من أعلى - هو الحسن بن الحسن الهوسمي علامة، تشد إليه الرحال، ويسند إليه الرجال، نسيج وحده، وفريد وقته، وقيل: إنه مولى السيدين أو أحدهما - رحمهما الله -(1).
الحسن بن أبي الحسن العلوي(2)
الشريف الخطير العلامة الكبير أبو محمد الحسن بن أبي الحسن محمد بن عمر بن علي العلوي الحسيني الزيدي - رضي الله عنه - عالم يهتدى بمناره، وعامل يقتدى بآثاره، قرأ على الشيخ أبي الفضل محمد بن عبد الله الشيباني الزيدي - رحمه الله - وغيره، وفي المشيخة. انتهى
الحسن بن الحسين بن زيد [199هـ]
__________
(1) وقيل: اسمه الحسين، روى مذهب المؤيد بالله ويحيى والقاسم، عن الإمام المؤيد بالله عن السيد أبي العباس الحسني عن يحيى بن محمد بن الهادي، عن عمه أحمد بن يحيى بن الهادي، عن أبيه الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، وله طرق أخرى عن المؤيد بالله إلى الإمام الناصر الأطروش، ومن طريقه إلى الإمام زيد بن علي عليه السلام، ويقال له أبو القاسم لا يوازي الجامع للإفادة، والجامع للزيادات، والإفادة في فقه المؤيد بالله الهاروني، منها خمس نسخ في مكتبة الأوقاف والجامع الكبير بأرقام بالأرقام 1174، 1175، 1136، 1213،1337، وسادسة في الغربية رقم (14) فقه، وأخرى مصورة بمكتبة السيد سراج الدين عدلان منسوبة إلى الحسين بن الحسن الهوسمي. انظر طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث بتحقيقنا ج3 ص1292، ترجمة 820، وأعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 291، وانظر مصادر ترجمته هناك.
(2) هذه الترجمة ساقطة من (أ).

الحسن بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام- كان مقداماً في الخطوب، كشافاً للكروب، محققاً في العلوم الإسلامية، حافظاً للقواعد، قتل يوم قنطرة الكوفة في الحرب القائمة بين أبي السرايا - رحمه الله - وهرثمة بن أعين(1).
حسن بن حسين السودي [ق8هـ]
الفقيه العلامة حسن بن حسين السودي - رحمه الله - كان من دعاة الحق القائمين بالقسط وأهل بيته كذلك، وكان مسكنهم بجهة المخالب، وذكر الشريف /19/ الأهدل أحواله فإنه(2) حصل بينه وبين أحمد بن زيد الشافعي(3) ما حصل لميل هذا العلامة إلى عترة الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم -.
قال الأهدل: إن حسناً المذكور وولده - الآتي ذكره إن شاء الله - أظهرا مذهب الزيدية (بالظافر وملحان(4)).
الحسن بن حميد بن مسعود المذحجي الحارثي [850هـ]
العلامة الحسن بن حميد بن مسعود بن عبد الله المقراي المذجحي الحارثي فقيه فاضل عالم كامل، له كتاب (المنهج المستبين) في أصول الدين، وشرح على الحاجبية بسيط وغير ذلك(5).
__________
(1) في مقاتل الطالبيين ص422: وهو القتيل يوم قنطرة الكوفة في الحرب التي كانت بين هزيمة والي السرايا، وأمه أم ولد، وانظر خبر تلك الحرب في الطبري حوادث سنة 199سنة 200هـ وفي أعيان الشيعة 5/510، روى عن أبيه الحسين، وروى الصدوق في الخصال بسنده عنه.
(2) في (ب): وأنه.
(3) كذا في النسخ، ولعله أحمد بن زيد بن علي بن حسن بن عطية الشاوري، قتل سنة 763هـ.
(4) مِلْحَان: سلسلة جبلية في غربي المحويت. (معجم المقحفي ص1635).
(5) قرأ على السيد أبي العطايا عبدالله بن يحيى في كتب أهل المذهب، وأخذ عنه ولده محمد بن الحسن، وله من المؤلفات أيضاً مجموع الفوائد، والإسرار فيما يتعلق بالفلك الدوار، وقد مات بصنعاء في ربيع الثاني سنة 850هـ، انظر طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث 1/299، ترجمة 160، وانظر أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 299 وفيهما مصادر ترجمته.

الحسن بن زيد النيروسي [ق5هـ]
العلامة الفاضل الحسن بن زيد النيروسي صاحب المؤيد بالله، من كبار أصحابه، وقد مضى النيروسي صاحب القاسم - عليه السلام - والنيروس قرية من قرى الرويان.
الحسن بن سلمان [ق 8هـ]
الحسن بن سلمان - رضي الله عنه - هو شيخ أهل الشريعة وإمام الحقيقة على الحقيقة، الزاهد الورع، إمام العلوم منبع الخيرات.
قال السيد الإمام يحيى بن المهدي الحسيني - رضي الله عنه - في رحل العلامة العبادة إبراهيم الكينعي وزياراته - رضي الله عنه -: كان - يعني الكينعي - يزور في كل عام شيخه في الدين، وقدوته في التقوى واليقين، إمام أهل السنة والكتاب، ولبابة أولي الألباب، زاهد اليمن والشام، والسيد الحصور القوام، المبرأ من مقارفة الآثام، ولي العترة الكرام، الباذل نفسه لهم من كافة الأنام، تاج أهل الإيمان القاضي حسن بن سلمان، تَوَّجهُ الله بتاج كرامته، وأزلفه بجواره وأعاد من بركاته، فهو منشأ البركات في اليمن والذي أسس الحسنات والسنن، ثم قال السيد عماد الدين - رحمه الله - وهو وأهله من خلاصة شيعة آل محمد الطاهرين، ومن المجاهدين لأعدائهم المعتدين، نشأ على الزهد والورع والخوف والفزع، ما لا يمكن شرحه، ولا يتكلف(1) وصفه، وحاز العلم والعمل، ما كان يوجد في وقته مثله من أحد في علم الفقه والأخبار النبوية والتفاسير سيما في فقه الناصر - عليه السلام - كان لباسه شملتين من خشن الصوف(2) وكوفية صوف، وكان يأكل الطيبات، ويقول هي تستدعي خالص الشكر. وكان يحيي الليل قياماً والنهار ذكراً وفكراً ودرساً للعلوم، وكان يلزم الخلوة، ويقف في المساجد المهجورة، ويغلق عليه فيها، وعمر مائة سنة ونيفاً وثلاثين سنة، فلما عجز عن القيام كان يحيي الليل صلاة من جلوس /20/ وكان له كرامات تروى، وفضل، يحكى منها أن خدم غز اليمن قصدوهم إلى بلدهم وادي الحار(3) فلزموه،
__________
(1) في (ب): يتكيف.
(2) في (ب): لا غير.
(3) جنوب غرب مدينة ذمار.

وساروا به نحو اليمن، كل رجل ممسك بيد وفارس من خلفه، قال لي - رحمه الله - رمحه بين جنبيه، فجعلت أقرأ سورة يس وإذا أنا مستقيم والرجلان سائران والفارس وأنا مستقيم حتى ولَّوا عني بحمد الله(1).
الحسن بن سليمان بن أبي الرجال [ق8هـ]
الفقيه العارف الحسن بن سليمان بن أبي الرجال - رحمه الله -(2)، أخذ عليه السيد صلاح بن الجلال وغيره، وهو صنو العلامة محمد بن سليمان الآتي ذكره، وسيأتي ذكر ولده محمد بن الحسن - إن شاء الله تعالى - وأهل الجب من تهامة يذكرون أنهم من عقبه، وهم عدد كثير بقرية بيش، يعرفون بآل المهتدي والمخابرة وآل الطيب وآل الحسن بن قاسم، وليس الأمر كما ذكروه، فإن الفقيه محمد بن سليمان نسبهم إلى جده الحسن بن سرح بن يحيى ، والله أعلم.
الحسن بن سعيد العيزري [ت1038هـ]
__________
(1) انظر: صلة الإخوان تحت التحقيق، الطبقات الكبرى 1/302، ترجمة 164.
(2) في (ب): هو فقيه كامل عارف.

القاضي العلامة الحسن بن سعيد العيزري - رحمه الله - هو القاضي النبيه العالم الفقيه أستاذ المشائخ المناصر المعاضد حميد المرادات والمقاصد، كان - رحمه الله - من أهل العقل الرصين والثبات في الأمور والشهامة الكلية، وكان حميد الرأي موثوقاً به في جميع علاَّته، وكان محققاً في علوم العربية والأصولين جميعاً، والفقه والفرائض، رحل إليه كثير، ومن تلامذته شيخنا العلامة أحمد بن سعد الدين المسوري - رحمه الله - قرأ عليه فيما أحسب إلى الكنايات في كتاب نجم الدين الرضي شرح الكافية، وتخرج عليه وانتفع بعلمه وحلمه(1)، وكثيراً ما يروي عنه. ومن تلامذته ولده صارم الدين المتقدم ذكره - رحمه الله - ورحل القاضي الحسن إلى عبد الله المهلا النيسائي إلى باب الأهجر، وقرأ على ابن قيس الثلائي في الفرائض، وشهد مواقف الجهاد وباشرها بل النصر الذي يسره الله للإسلام في المساوحة(2)، كان له فيه اليد البيضاء، وأمام الفتوحات كان بحضرة المولى شمس الدين أبي طالب أحمد بن الإمام القاسم متولياً للقضاء، ومن أبيات قالها إجازة لنصف بيت رآه في النوم السيد العلامة أبو طالب أحمد بن القاسم - عليهما السلام- بعد فتح عمران رأى أنه قال في منامه /21/:
أقمنا عار عَاثِرنا فقاما
فقال القاضي - رحمه الله تعالى -:
شددنا خيلنا العرب الكراما ... وحرمنا الإقامة والمناما
وجددنا عرار العزم حتى ... أقمنا عار(3) عاثرنا فقاما
وشردنا الأعادي وانتقمنا ... بمن الله أقواماً طغاما
بنصر الله دمرنا عدانا ... ونرجو أن يكون لنا لزاما
ونملك أرضهم شرقاً وغرباً ... مع السروات نمتلك التهاما
مع الحرمين نملك كل أرض(4) ... وبغداد ومصر والشآما
أسرنا من ثلا صفراً وقوماً ... من الأروام نحسبهم غماما
ومن عمران آية قسورى ... مع الأمرا تركناهم سواما
__________
(1) في (ب): بحلمه وعلمه.
(2) في (أ): المساحة.
(3) . ط: ثأر.
(4) مع الحرص نملك أرض بصرى.

توفي - رحمه الله - بكرة يوم الخميس التاسع عشر من المحرم سنة ثماني وثلاثين وألف، ودفن بالعيازرة عند المسجد المبارك(1).
الحسن بن شرف الدين الكحلاني [948 - 1028هـ]
السيد العلامة الحسن بن شرف الدين، هو السيد الميمون العلامة المجاهد صاحب المكارم والكرامات عضد أمير المؤمنين الحسن بن شرف الدين بن صلاح بن يحيى ويلقب بالهادي بن الحسين بن المهدي بن محمد بن إدريس بن علي بن محمد الملقب بتاج الدين أحمد بن يحيى بن حمزة [بن سليمان بن حمزة](2) بن علي بن حمزة بن أبي هاشم(3) النفس الزكية الحسن بن عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الله بن الحسين العالم بن الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي سلام الله عليهم، كان عالماً عاملاً زاهداً واسع الأخلاق دمثها متبلج المحيا للضيوف، حنقاً على أعداء الله، وهو الذي افتتح حصن ثلا وعفار على وجه تمنعه العادات، فإنه دخل حصن ثلا عنوة ودخل عفار على ضيق مسلكه على (……)(4) ومما روي عنه أنه حين تقدم على أحد الحصنين صلى ما شاء الله، ثم قال: استوهبت من الله هذا الحصن وسماه، فانفتح بيد القهر والعلو - بفضل الله سبحانه - مع سهوله على أهل الحق، ومن شعره - رحمه الله - يحرض المسلمين على الجهاد:
أمثلكم يطيب له المنام ... ويهناه الشراب أو الطعامُ
ويضحك ضاحكاً عجباً ولهواً ... حراماً ذلكم منكم حرامُ
/22/ وكيف يلذ للأحرار عيش ... وسوح ثلا تعاوره الطغامُ
وشرد ساكنيه بكل نجد ... وأعقبه لهم بُومٌ وهامُ
__________
(1) العيازرة قرية صغيرة في جبال الأهنوم جنوب غرب مدينة شهارة، كانت هجرة علم مشهورة وهي على رأس جبل عال يقابل مدينة شهارة. وترجمة المذكور في طبقات الزيدية 1/300 رقم (168) وانظر أيضاً المستطاب خ، والجوهرة المنيرة خ، وبغية المريد خ، والجامع الوجيز خ، وكلها تحت التحقيق.
(2) في (ب): أحمد بن يحيى بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي.
(3) في (ب): الإمام.
(4) في (ب): بياض في الأم.

فحيناً من يغاش الترك يعدو ... وأحياناً يعاديه شبامُ
أحصن ثلا حماه الله يرضى ... بأن يعلوه قهر واهتضامُ
ومولانا الإمام له جنود ... يضيق السهل منها والأكامُ
وسادات الأنام بكل قطر ... لكل منهم جيش (لهامُ)
فصِح فيهم واسمع إن أجابوا ... ونبههم إذا ما هم نيامُ
وقل أحبابنا كم توعدونا ... أما يرجى لموعدكم تمامُ
فيا أنصار مولانا قعدتم ... فليس يرى لقعدتكم قيامُ
غفلتم بل رقدتم ثم نمتم ... فكم ذا تغفلون وكم تناموُ
أجدوا في الجهاد فقد دعاكم ... إمام ما يقاس به إمامُ
إمام من بني المختار طابت ... أرومته وأسلمه كرامُ
وبدر من بني الزهرا تجلى ... يزول بنور غرته الظلامُ
فنحمد ربنا إذ قام فينا ... الأخ البر وهو منا غلامُ
فجازاه الإله جنان خلد ... تحيى حين يدخلها سلامُ(1)
توفي - رحمه الله - يوم الجمعة سابع ذي القعدة من عام ثماني وعشرين وألف، وصلى عليه الإمام القاسم - عليه السلام- عقيب خروجه من صلاة الجمعة، ودفن في مؤخر مشهد ذي الشرفين - عليه السلام- أيمن الباب الغربي من غير فصل، وعمره نحو ثمانين سنة(2)، وفي قبره يقول السيد البليغ محمد بن عبد الله الحوثي في آخر تعزيته للإمام القاسم - عليه السلام- عند موت السيد الحسن - رحمه الله تعالى -:
شرف على شرف بحصن شهارة ... فاعجب لقبة قبر ذي الشرفين
حوت المفاخر والمحامد والتقى ... والمجد أجمع من كلى الطرفين
__________
(1) في (ب): السلام.
(2) في طبقات الزيدية: قرأ على خاله أحمد بن محمد بن المنتصر الظفيري مما سمع عليه أصول الأحكام للإمام أحمد بن سليمان وغيره. وأخذ عنه حسين بن صلاح الشرفي، والقاضي سعد الدين بن الحسين المسوري، وولده القاضي أحمد بن سعد الدين. انظر الطبقات ترجمة 163ج1 ص301، والجوهرة المنيرة سيرة الإمام محمد بن القاسم، وكذلك النبذة المشيرة سير الإمام القاسم بن محمد، وملحق البدر الطالع 69.

وتوفي ولده السيد العابد الكريم المفضال، قرين العبادة وخدين الزهادة، محمد بن الحسن آخر يوم الجمعة آخر شعبان من عام ثلاثة وستين وألف، ودفن إلى جنب والده، وكان من وجوه /23/ أهل البيت المطهرين لا يغلق بابه دون طارق، ولا يفارق حضرة الإمام في سعة ولا ضيق، وكان إذا جاءه طلاب الإمام وما قد حضر طعامه أخذ من شيء يسمى الرهي - بالراء المهملة - وهو من مقدمات اللحيح فيتناول ما يسد الرمق، وكان ميموناً في مقاصده وعلمه، من قرأ عليه فتح(1) الله عليه، أعاد الله من بركته.
الحسن بن شمس الدين بن جحاف [ - ت1055هـ] (2)
__________
(1) في (ب): فُتِحَ عليه.
(2) انظر أيضاً عن مؤلفاته ومصادر ترجمته أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 302، طبقات الزيدية الكبرى 1/303 ترجمة 165.

السيد العلامة الحسن بن شمس الدين بن جحاف، كان سيداً عالماً، سهل الطريقة دمث الأخلاق متواضعاً، يألف الفقراء ويألفونه، أقام بصنعاء المحروسة بجوار مسجد الأخضر في الجانب القبلي من صنعاء، كان له بيت ملتصق بالمسجد من جهة اليمن ينسب إلى الإمام الفقيه العابد إبراهيم الكينعي، ولم يجدد السيد - رحمه الله - فيه عمارة إلا في آخر أيامه، عمر له السيد الرئيس(1) محمد بن الحسين بن علي بن جحاف غرفة، وكانت مأوى الفضلاء لا يزال مقامه محجوجاً مزوراً بعيون العلماء في غالب الأوقات كالقاضي صارم الدين إبراهيم بن يحيى، والقاضيين العالمين محمد وعبد الله ابني أحمد الجربي، والعلامة الوجيه عبد الرحمن الحيمي وأضرابهم، وكان مقامه مجمعاً لكل فضيلة، وأكثر هؤلاء تلامذة له، وكان يعول عليه في علم الكلام والعربية والمنطق، قرأ (الرسالة الشمسية) قراءة تحقيق على الشيخ الكبير الرحال أحمد بن علان الشافعي، قدم من مصر واستقر بمسجد الزبير - بالزاي بعده باء موحدة ثم(2) تحتية باثنتين ثم راء مهملة بصيغة التصغير - وكان إماماً في العلوم فاضلاً، وهو أخو الشيخ محمد بن علي بن علان الشهير بمكة، إلا أن الرتبة في الفضل متفاوتة، فإن هذا أحمد كان وحيداً مع عبادة تامة كاملة وانفراد عن الناس، فقرأ السيد الحسن والسيد العلامة علي بن بنت الناصر، والسيد العلامة محمد بن عز الدين المفتي - رحمهم الله - وتمموا (الرسالة الشمسية) في ثمانية عشر شهراً، قراءة تحقيق، وأجازهم الشيخ وقدمهم في الإجازة على ما عرفه في ترتيبهم(3) في التحقيق، فبدأ بالسيد علي بن بنت الناصر، ثم السيد العلامة محمد بن عز الدين، ثم السيد الحسن المذكور، وكنت من المواضبين لحضرته لكمال أنسه وحميد صفاته، فإنه كان روضة أريضة، وقرأت عليه (المطول) شرح سعد الدين التفتازاني للتلخيص وهو الشرح الذي يسمى بالهروي كا
__________
(1) في (ب): الرايس.
(2) في (ب): ثُمَّ ياء تحتية.
(3) من مرتبتهم.

قاله الدماميني، ولبثنا بقراءته تسعة أشهر، وكان يمتعنا بأخبار الفضلاء، فإنه تعمر كثيراً، وكان يروي عن السيد علي بن بنت الناصر /24/ ما تقر به العين، من الكمال والعقل الرصين، والعلم الراسخ والتحقيق والشرح المتين، ودارت بينهما أبيات تدل على فضل علي بن بنت الناصر، وذلك أن علي بن إدريس البعداني الذي كان بصنعاء كان لبقاً في المقال مسلطاً على الأعراض جسوراً على الفضلاء، فدار في مجلس السيد علي بن بنت الناصر بين جماعة من الفضلاء بمحضر السيد الحسن ومنزله، مفاكهة ومراجعات أدبيات وعلميات، فكان من الفقيه علي بن إدريس ما علق به من السخريات وما لا يليق بالفضلاء، فكان ذلك سبباً لتجنب السيد علي بن بنت الناصر لمجلس السيد الحسن فدارت بينهما معاتبات أنشدنيها السيد الحسن وفاتت عني لعدم التقييد، وأرجو من الله الظفر بها، فهي فيما جمعته (بحبور) عند أولاد حفيده السيد يحيى بن علي بن الحسن، ولم أحفظ إلا بيتاً من نظم السيد علي بن بنت الناصر، وهو:
بسوحك حيات وأنت ابن آدم ... وذاك اللعين المبتلى نجل إبليس
(1)وكان للسيد الحسن نظم حسن واتفق أن الباشا حبسه لما ظنه فيه من خلطته للإمام القاسم، فكتب من الحبس إلى تلميذه القاضي العلامة إبراهيم بن يحيى الشجري السحولي - رحمه الله -:
أيا صاحبي إما حبست فلا تكن ... قنوطاً فإن اللطف يا صاحبي ساري
لعل وراء الغيب أمر يسرنا ... بقدرة من في علمه الخالق الباري
فذيل البيتين القاضي صارم الدين - رحمه الله - فقال:
وإني لأرجو غارة نبوية ... تفك بعون الله عسري بإيساري
وعوناً على دفع النوائب عاجلاً ... فيا خالقي حقق رجائي وإضماري
ومما كتبه السيد إلى القاضي - رحمهما الله - ملاطفاً.
يا فقيه الأنام يا من عليه ... عمدة المسلمين فقهاً ونحوا
وله في الأصول حظ جزيل ... في قياس وفي صفات وفحوا
ما الذي يفعل المحب إذا ما ... شاقه شادن من الترك أحوا
__________
(1) قال في (ب): بياض في الأم.

وقوام كغصن بان ووجه ... من بدور الكمال أسنى وأضوا
هل له أن يقبل الثغر منه ... افعلوا للمحب في ذاك فتوى
فأجابه القاضي - رحمه الله تعالى -:
قد حكمنا بمنع ذاك وإن الـ ... ـحكم لا شك قاطع كل دعوى
فاسلُ عما ذكرت وادرع الصبـ ... ـر وخذ في نهج الشريعة مثوى
إنه عندنا حرام وأما ... عند أهل الهوى فخذ فيه فتوى
قلت: وهذه آداب العلماء(1) وملاطفاتهم، وقد ذكرني هذا ما كتبه بعض العلماء إلى الشيخ العلامة أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأزدي نسباً الطحاوي المنسوب إلى طحا من قرى الصعيد، المولود سنة ثمان وثلاثين أو تسع وثلاثين ومائتين المتوفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وهو:
أبا جعفر ماذا تقول فأفتنا ... إذا نابنا خطب عليك نعوّلُ
ولا تنكرن قولي وأبشر برحمة ... من الله في الأمر الذي عنه نسألُ
أفي الحب عارٌ أَمْ من العار تركه ... وهل من لحا أهل الصبابة يجهل
وهل ذا مباح فيه قتل متيم ... يهاجره أحبابه ويواصل
[فرأيك في رد الجواب فإنني ... بما فيه تقضي أيها الشيخ أفعلُ](2)
فأجابه الطحاوي:
سأقضي قضاءً في الذي عنه تسألُ ... وأحكم بين العاشقين فأعدلُ
فديتك ما بالحب عار علمته ... ولا العار ترك الحب إن كنت تعقلُ
ومهما (لحا) في الحب لاحٍ فإنه ... لعمرك عندي من ذوي الجهل أجهلُ
ولكنه إن مات في الحب لم يكن ... له قَوَدٌ عندي ولا منه يُقتلُ
ووصلك من تهوى وإن صدّ واجبٌ ... عليك كذا حكم المتيم يفعل
فهذا جواب فيه عندي قناعة ... لما جئت عنه أيها الشيخ تسأل
ونظير هذا ما حكاه المؤرخون ونقلته عن (تحفة الزمن) عن (طبقات الأشناني) في ترجمة أبي محمد البافي - بالموحدة والفاء - أنه جاءه غلام حدث بيده رقعة فدفعها إليه فنظر فيها متبسماً ثم أجاب عليها وردها وكان فيها بيتان وهما:
عاشق خاطر حتى اسـ ... ـتلب المحبوب(3) قُبله
__________
(1) في (ب): رحمهم الله.
(2) ساقط من (أ).
(3) في (ب): المعشوق.

أفتني ما زلت تفتي ... هل يبيح الشرع قتله
فأجاب:
أيها السائل عما ... لا يبيح الشرع قتله
قُبلة العاشق للمعـ ... ـشوق لا توجب قتله
ويشبه هذا ما نسب إلى أبي محمد عطاء بن أبي رباح - رحمه الله تعالى -
سألت الفتى المكي هل في تزاور ... وضمة مشتاق الفؤاد جُناحُ
فقال معاذ الله أن يُذهبَ التقى ... تلاصقُ أكباد بهن جراح
/26/ فقال عطاء: والله ما قلت هذا، ومما تقوَّله الشاعر على عطاء قوله:
سألت الفتى المكي ذا العلم ما الذي ... يحل من التقبيل في رمضان
فقال لي المكي أما لزوجة ... فسبع وأما خلة فثماني
قلت: وقد أحببت نقل هذا للأدباء وإلا فقد رأيت إنكاره من عطاء - رحمه الله تعالى -.
وأخبرني السيد الحسن - رحمه الله - أن مولانا السيد العلامة ضياء الدين إسماعيل بن إبراهيم بن جحاف - أبقاه الله - كان يتردد إلى منزله لسماع (الشرح الصغير على التلخيص) فجاء يوماً والسيد الحسن - رضي الله عنه - غائب، فكتب بخطه في الجدار:
وصلت إلى ربعكم سادتي ... فلم ألقكم في الجناب الرحيب
فعدت إلى منزلي آيباً ... وأيقنت أن اللقا عن قريب
قال: فكتبت تحته:
وصلت إلينا ولم تلقنا ... وكنا نحب لقاء الحبيب
فحظ حرمناه لكننا ... نفوز الغداة بأوفى نصيب

وأخبرني السيد الحسن - رحمه الله - قال: كنت يوماً بمنزلي هذا والسيد البليغ محمد بن عبد الله بن الإمام شرف الدين يصلي أحد العصرين إما الظهر أو العصر، غاب عني في ذلك المحل - يشير إلى الجانب الغربي إلى نحو القبلة من الحجرة بمسجد الأخضر قرب الباب الداخل إلى المسجد - قال: فأتم الصلاة ثم دخل إليّ وقال: يا مولانا اكتب ما حضرني الآن، فإنه حضرني حديث عبد الله بن عمر الذي رواه أئمتنا ورواه مسلم، قال: قال لي: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وأعدد نفسك في الموتى فإذا(1) أصبحت نفسك فلا تحدثها بالمساء، وإن أمسيت فلا تحدثها بالصباح..)) (2) إلى آخر الحديث، فعقدت ذلك فقلت:
صاح إياك والركون إلى الدنـ ... ـيا فإن الرحيل عنها قريبُ
كن بها مثل عابرٍ لسبيل ... أو غريب فأنت فيها غريبُ
فالحياة الدنيا طريق إلى الأخـ ... ـرى وما استوطن الطريق أريبُ
وكانت بينه وبين السيد لقمان - رحمه الله - مشاعرات حسنة، ومن شعره - رحمه الله - من قصيدة نبوية:
مالي أرى الغادة الحسنا فأهجرها ... وأهجر الكأس واللذات والطربا
وأهجر الخود معسولاً مقبلها ... وكنت من قبل أهوى أن يقال صبا
27/ ما ذاك إلا لأن الدهر يكسبني(3) ... حلماً وأفضله ما كان مكتسباً
وقال لي زاجر من نية صلحت ... والوجد يشرقني بالدمع منسكباً
لا درَّ دّرَّك يا هذا أما نظرت ... عيناك ما قد أتى في الدهر أو ذهبا
ومن شعره - رحمه الله تعالى -:
هذا الجفاء الذي ما دار في خلدي ... أذاب نفسي وأذكى النار في كبدي
وخانني كل من قد كنت آمله ... يا للرجال وحتى خانني جلدي
وصاحب كنت مغبوطاً بصحبته ... دهراً وكان عليه كل معتمدي
فخانني وده عمداً وصيرني ... مع الأسى ودواعي الشوق في صعدي
لكنه كان مطوياً على إحنٍ ... ولم يقل منشداً بيتاً ولم يزد
__________
(1) في (ب): وإذا.
(3) في (ب): أكسبني.

أبدي التجلد أحياناً فيفضحني ... ريق يجف وخدٌّ(1) بالدموع ندي
وله (شرح على لامية الطغرائي)، تم في سبعة عشر كراسة، لكنه لم يظهره - رحمه الله - ولكنه كان يملي من فوائده في المجالس كثيراً (2) مما سمعته عنه في شرح قول الطغرائي
أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل
قال: ذكرت في شرح هذا البيت رأي الأمير الحسن بن ناصر القاسمي الغرباني، فإنه لما أراد الإمام القاسم [بن محمد](3) - عليه السلام- الدعوة تردد من أي محل يظهرها، فكل أشار بما عنده، فقال الأمير الحسن، وكان متين الرأي ثابت الحصافة(4): الرأي أن تكون الدعوة من بلاد نازحة نحو بلاد أبي زيد بالحقار؛ لأنها إذا ظهرت الدعوة شنت (الأروام) (5) الغارات وتعطلت الأماكن المعمورة بهم، فنعقبهم عليها، وكان هذا من أحسن الآراء، توفي السيد الحسن في(6) (……)(7) ودفن بجربة الروض مقبرة صنعاء عند العلامة النحوي - رحمهم الله جميعاً -.
الحسن بن أبي الشوك الرجوي [ق ]هـ
الحسن بن أبي الشوك الرجوي، هو الشيخ الكامل الحسن بن أبي الشوك، كان ينزل الرجو (8) من مشرق حاشد، وكان له تصرف علم وديانة، وقدر عند أهل العلم، روى أنه كان في أيام المعيد لدين الله الذي قد سبق ذكره في ترجمة إسماعيل الأصبهاني، فسئل الحسن، هل هذا هو إمام أم لا؟ قال: ليس بإمام ولكن أكتم علي، فخرج الرجل من ساعته حتى أتى المعيد، فأخبره فأمر بإحضار الحسن، فلما دخل عليه قال: يا حسن أحقاً إنك قلت إني غير إمام، قال: نعم، للسائل وأمثاله إنما إمامه ثورُه وإنما أنت /28/ إمامي وإمام أمثالي، فضحك المعيد وقال: بارك الله فيك.
__________
(1) في (أ): وريقٌ.
(2) لم أجد له نسخة خطية.
(3) زيادة في (ب).
(4) . في (أ) و (ب): الحصاة.
(5) الأروام: الأتراك.
(6) في (ب): في.
(7) في (أ) و (ب): فراغ، ووفاته سنة خمس وخمسين وألف كما في المستطاب للسيد يحيى بن الحسين بن القاسم.
(8) الرجو:

الحسن بن صالح بن حي [100- 169]هـ (1)
الحسن بن صالح بن حي - رحمه الله - هو الإمام المحدث شحاك أعداء الله، ولي آل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الحسن بن صالح بن حي الزيدي صهر عيسى بن زيد - عليهما السلام-.
قال أبو سليمان الداراني: ما رأيت أحداً الخوف أظهر على وجهه والخشوع من الحسن بن حي، قام ليلة إلى الصباح بعم يتساءلون يرددها فلم يختمها حتى طلع الفجر.
وقال إسماعيل بن خالد: شكوت إلى الحسن بن صالح بن حي الفقر والحاجة، فقال: أما تخاف الغنى ثم لم يزل يحدثني في الفقر حتى تمنيت أني أحوج مما أنا فيه، ثم دخل البيت فأخرج عشرة دراهم، وقال: ما نملك غيرها فخذها.
وسئل الحسن عن غسل الميت فغشي عليه، وجعل يختلج بدنه كالسمكة يخرج من الماء.
وعنه، الناس يحتاجون إلى العلماء كما يحتاجون إلى الطعام والشراب.
ونظر إلى القبور فقال: ما أحسن ظاهرك وإنما الدواهي في باطنك.
وكان يقسم الليل بينه وبين أخيه علي وأخته - رحمهم الله - فمات علي وأخته، فقام بوظيفتهما الليل كله، وإلى الحسن تنسب الصالحية من الزيدية (2)، قال أبو نعيم: كتبت عن ثمانمائة محدث فما وجدت أحسن من الحسن بن صالح، وقال أبو زرعة: اجتمع فيه إتقان وفقه وعبادة وزهد، وكان مذهبه ترك الجمعة مع الظلمة، ويخرج عليهم بالسيف.
__________
(1) من مصادر ترجمته: طبقات الزيدية الكبرى القسم الثاني (خ) سير أعلام النبلاء 7/361 طبقات ابن سعد 6/374، حلية الأولياء 8/317 تهذيب التهذيب 1/139، مشاهير علماء الأمصار 110، لوامع الأنوار 1/329، وانظر بقية مصادر ترجمته ومؤلفاته في أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 303.
(2) والمبادئ والآراء التي تنسب إلى هذه الفرقة محل نظر، فهي من روايات الخصوم، وكذلك بقية الفرق المنسوبة إلى الزيدية التي تجادل أن تجعل الزيدية تابعين لغير آل البيت، بينما الحسن وغيره نسب إليهم ما نسب تبع لأئمة آل البيت فما وافق الأئمة من أقوالهم فهو منهم.

وروى عنه الذهبي حديث المنزلة بإسناد متصل، حكى ذلك في ترجمته، ولما نقل الزعفراني موته إلى المهدي العباسي خرّ ساجداً، وكان صهراً لعيسى بن زيد.
وروي أنه لما مات عيسى بن زيد - رحمه الله - صلى عليه الحسن بن صالح - رحمه الله - وتوفي بعده بستة أشهر، وقيل بشهرين، ووصل رجل إلى المهدي العباسي، فبشره بموتهما، فقال المهدي: جئتني ببشارتين يجل خطرهما، موت عيسى والحسن، ولا أدري بأيهما أنا أشد فرحاً، فاسألني حاجتك.
قال أبو مخرمة في اللطيفة العشرين من المائة الثانية: الحسن بن صالح بن مسلم بن حيان الهمداني من تور(1) همدان، فلقبه حي، سمع سماك بن حرب وإسماعيل السدي وعاصماً الأحول وغيرهم.
روى عنه عبد الله بن موسى بن جعفر ويحيى بن آدم الرقاشي(2) وغيرهم، وكان فقيه الكوفة وعابدها.
قال وكيع: كان يشبه سعيد بن جبير، كان هو وأخوه علي وأمهما قد جزأوا الليل ثلاثة أجزاء، فماتت أمهما فقسما الليل بينهما فمات علي فقام حسن الليل كله، توفي سنة سبع وستين ومائة، وقيل: توفي سنة تسع - بتقديم التاء - والله أعلم.
الحسن بن صلاح [ق10هـ]
السيد الحسن بن صلاح، السيد العلامة الحسن بن صلاح بن علي بن المؤيد سيد سَرِيّ عظيم المقدار، وهو صنو السيد الإمام العلامة علي بن صلاح الذي طالبه الإمام شرف الدين بالدعوة فلم يسعده.
الحسن بن عبد الله القطابري [ق10هـ]
__________
(1) في (ب): ثور.
(2) في (ب): الرقاشي.

السيد العلامة البليغ الحسن بن عبد الله القطابري - رحمه الله تعالى - /29/ كان سيداً عالماً عاملاً فاضلاً بليغ الشعر، ومن شعره المشهور ما هنأ به الإمام مجد الدين بن أمير المؤمنين الحسن بن أمير المؤمنين الهادي عز الدين بن الحسن - عليهم السلام- ورثى به والده الإمام الحسن، فاشتملت على التهنئة والتعزية مع حسن السبك، وقل ما يتفق هذا، قالوا: وأول من جمع بينهما عطاء بن أبي الصيفي مهنياً ليزيد بالخلافة ومعزياً في أبيه معاوية، وشعر السيد - رحمه الله - هو هذا:
الأمس يبكي وهذا اليوم قد ضحكا ... وضل يضحك من بالأمس كان بكا
يوم عزاء وتعديد على ملك ... ثوى ويوم نرى من بعده ملكا
بالأمس غيب في بطن الثرى قمر ... واليوم لاح هلال زين الفلكا
كذا الزمان وفي أفعاله عبر ... والشر والخير في أفعاله اشتركا
وهكذا الدهر ما زالت عجائبه ... حيناً تسر وحيناً تشرق الحنكا
لئن فقدنا إماماً كان عمدتنا ... فقد وجدنا إماماً للفقيد حكا
وإن مضى ناصر الدين الحنيف فقد ... أعاضنا الله بالداعي وما تركا
جلت خلافة مجد الدين كربتنا ... حتى كأن أباه القرم ما هلكا
وأصبح الدين من بعد العبوس به ... مستبشراً ضاحكاً لا يعتريه نكا
والشرك أصبح في ويل وفي حرب ... لما (رأى)(1)سيف مجد الدين وانتهكا
واستبشرت مكة عند القيام به ... وطيبة طار منها القلب إذ ملكا
لأنه صاحب العدل الذي وردت ... به الملاحم والنهج الذي سلكا
مهدي عيسى الذي جاءت به سير ... ولم أكن في الذي بينت مؤتفكاً
أما ترى الأرض قد عمت بدولته ... خصباً وشمر عنها الجدب وانفركا
__________
(1) سقط من (أ).

قلت: وهذا الإمام الممدوح حري بأن تمدحه الملائكة والروح، كان من العلم بمحل لا يلحق، ومن الهداية في فلك لا يغيب نوره ولا يمحق، وأما علوم العربية فكان نسيج وحده، وله (شرح على الموشح) (1)، وكان من الزهد والورع بمحل عظيم، وكانت بسطته على أكثر الإقليم المتوسط من اليمن، وكانت الحصون بيده، فلما اطلع على أمور من الأمراء تقضي بها السياسة منع منها، فكان بها إنحلال الحال وأعظمها مسألة الرهائن، فإنه لم يرض بهم، وقال: (لا تزر وازرة وزر أخرى)، وكانت له كرامات، منها: أن الشيخ بشار صاحب الدرب المشهور بدرب ملوح لما مر عليه هارباً إلى الحجاز في زمرة من الفضلاء طالبه بحصان نجيب كان الإمام يركب عليه، وقال: هذا لا ينبغي أن يكون إلا لمن عليه عهدة طريقة الحاج /30/ لنجدته، ولم يترك للإمام خيرته، فجمع الإمام أصحابه ورتبوا أشياء من الذكر، فلم يكن إلا إلى هزيع من الليل، وقد ورم الشيخ ثم انتقع، وكان بذلك هلاكه، ولما حضرت الإمام مجد الدين الوفاة جعل وصيه الإمام شرف الدين وأرسلوا إلى الإمام شرف الدين بسجادته وشيء من أعمال عبادته، فبكي الإمام شرف الدين كثيراً، ثم قال: لو علمت حال مجد الدين ما قمت هذا المقام، فذكر له العلامة الزريقي فضائل مجد الدين وبسط فيها كثيراً أعاد الله من بركاتهم. وكان للإمام مجد الدين في الأدب مع كمال رجاحته وزهده وفكرته حظ عجيب، وهذا ديدن أهل هذا البيت المؤيدي - عليهم السلام- روي أنه كان بعض أصحابه راكباً لحمار فتردى من فوقه فقال الإمام بديهاً ملاطفاً له:
أفي الصحيرات(2) ألقتك المقاديشُ ... ولم تكن تلقاك (3) العرب المطاييشُ
فظل بينك والبطحا معانقة ... فوها إلى فيك تقبيل وتخميشُ
__________
(1) لم أجد له نسخة خطية، وعن الإمام مجد الدين [886 - 942]هـ ومؤلفاته ومصادر ترجمته، انظر أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 857.
(2) في (أ): الصخرات.
(3) في (أ): يضنك.

كانت وفاته بالحرجة في (……)(1) وله عقب هنالك ومشهد مشهور مزور، وخزانة كتب - عليه وعلى سلفه السلام -.
أبو الحسن بن أبي العباس [ - ]
أبو الحسن بن أبي العباس، أبو الحسن العالم الكبير بن أبي العباس القرضي الكتكتاني(2)، نسبه إلى قرية من قرى قلوم رودما(3)، وبها قبره - رحمه الله - ترجم له الملا يوسف حاجي.
حسن بن عبد الرزاق [ - ق7هـ تقريباً]
العلامة الفقيه حسن بن عبد الرزاق صاحب الرد على المطرفية وأحد المنكرين عليهم، ذكره القاضي عبد الله في الرسالة المنقذة (4).
الحسن بن عبد الله بن زيد العنسي [بعد سنة 689هـ]
الحسن بن عبد الله بن زيد، القاضي العالم بن العالم الحسن بن عبد الله بن زيد العنسي - رحمه الله - كان عالماً عاملاً، قرأ على الإمام المظلل بالغمام المطهر بن يحيى - نور الله ضريحه - وأثنى عليه الإمام، ونوه بذكره، وصحبه في أيام (تنعم)، وقرأ عليه أيام الحرب هنالك أصول الأحكام والمجموع وكان الفراغ من السماع آخر شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وستمائة.
الحسن بن عز الدين بن المهدي الجحافي [ق10هـ]
السيد العالم الحسن بن عز الدين بن المهدي بن أحمد بن الجحافي - رحمه الله - كان عالماً فاضلاً جليلاً نبيلاً(5)، وهو والد السيد عبد الرحمن بن الحسن العالم المشهور الآتي ذكره وكان والده العلامة عز الدين بن المهدي، أحد العلماء الكملاء الفضلاء، تولى القضاء ببلاد ظليمة للإمام شرف الدين - عليه السلام- ولعلنا نذكره في محله إن شاء الله تعالى.
الحسن بن عزوي العصيفري [ق11هـ]
__________
(1) فراغ في (أ) و (ب)، ووفاة الإمام مجد الدين بن الحسن بن عز الدين في الحرجة من بلاد شريف سنة 942هـ، ومدة خلافته 14 سنة.
(2) في (ب): الكتاني.
(3) في (ب): رودمان.
(4) لعله من المعاصرين للإمام عبدالله بن حمزة عليه السلام.
(5) في (أ)، وفي (ب): تكيلا.

الحسن بن عزوي العصيفري، الفقيه البليغ فصيح آل محمد، كان عالماً فاضلاً، من بيت علم معمور بالخير حميري النسب شيعي الحسب، ومسكن أهل هذا البيت بميتك (1) بنواحي عفار، وأكثر شعره - رحمه الله - في نصرة الإسلام وتهييج أرباب الحق، وكان شعره واضح المعاني فصيح المباني، فمن شعره يوم فتح الإمام المنصور بالله (2) لصنعاء /31/:
ظهرت حجة العلي الكبير ... بالإمام المؤيد المنصورِ
بسليل النبي من طاهر العتـ ... ـرة من فرع شبر وشبيرِ
ألبس الناس من محياه نوراً ... قد بدا والأنام في ديجورِ
وعليه من الجلالة برد ... ليس من سندس ولا من حريرِ
ومحيط به مهابة عزم ... فهي سور عليه من غير سور
ذا ابن من سبح الحصى في يديه ... واستقى للحجيج وجه الهجير
ذا ابن خير الأنام عن وحي جبريـ ... ـل وقول النبي يوم الغديرِ
وهي طويلة، ومن شعره في الإمام المنصور بعد أخذ الإمام للسلطان شهاب في آخر القصة التي تمر - إن شاء الله - بعضها في ترجمة ابن ثسبيب، هي أن السلطان أوى إلى براش ثم استسلم للإمام:
أقمت من دين أحمدٍ أوده ... وأنجز الله فيك(3) ما وعَدَه
يا رافع الظلم عند شدته ... وماهد العدل خير من مهده
وأنت(4) أنت الذي لهيبته ... فرائص الظالمين مرتعده
ويلٌ(5) لمن خانه وعانده ... ويل لأعداء دينه المرده
ويل لمن لم يدن بطاعته ... وأنكر الفضل فيك أو جحده
كيف يحب النبي ويبغضه ... وقد رأى حب والد ولده
__________
(1) مَيْتك: هو الاسم القديم لبلاد عَفَّار، بالشرق الشمالي من مدينة حجة. (معجم المقحفي ص1693).
(2) الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي عليه السلام [967 - 1029هـ]
(3) في (ب): منك.
(4) سقط في (ب): أنت.
(5) في (أ): ويلي.

قلت: تأمل معنى هذا البيت، فإن مقصده - رحمه الله - كيف يجتمع حب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وبغض ولده الممدوح، وقد شاهد الناظر حب الوالد لولده، فما يرضي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بحبه وبغض أولاده:
طوبى لمن سار تحت رايته ... ومن حذا حذوه ومعتقده
طوبى لأرض مشت بها قدم ... له وطوبى لمنبر صعده
لا يعقد الدهر ما يحل ولا ... يحل ريب(1) الزمان ما عقده
وهي طويلة، وسيمر - إن شاء الله - في ترجمة جد الناظريين - رحمهم الله - شيء من شعره، وأحسب من أهل بيته الأديب الكاتب أحمد بن عزوي الصنعاني، خالط بني طاهر، وكان فصيحاً بليغاً، ومن شعره الجواب على الشيخ الحافظ عبد الرحمن الديبع في مدح زبيد وتعظيمها على الجبال، وقصيدته هي:
أسكن زبيد تجد ما تشتهي فيها ... فهي التي(2) تذهب الأسوا وتنفيها
زبيد لا شك عندي أنها خلقت ... من جنة الخلد يا طوبى لثاويها
وجودها(3) العين لا شيء يشابهها ... ولا يشابه معنى من معانيها
تنسى بكل بلاد الله ساكنها ... وليس شيء من البلدان ينسيها
وحسب هاتيك فخراً أن سيدنا ... محمداً قد دعا قدماً لواديها
وليلها طيب فيما رواه لنا ... الشيخان عن طيب الأخلاق زاكيها
/32/ وفي حديث سطيح أن بقعتها ... مرحومة رحم الباري محييها
كأنها حرم في الأرض قد أمنت ... تجبى الثمار إليها من بواديها
ونخلها يشبه الغادات زينها ... في جيدها حلية ذو العرش مبديها
وإن ترد علماء الدين تلق بها ... ما تبتغي منهم علماً وتفقيها
بها الأشاعر لا قلت جماعته ... يأتي إلى الصلوات الخمس يحييها
وجامع قد زهى أقطارها حسناً ... سامي المساجد من أقطارها تيها
أحياه مالكنا بعد الممات كما ... أحيا من السنة البيضاء باليها
العادل الظافر الميمون عامر من ... له البلاد قد انقادت نواحيها
ومن به أمنت كل البرية ما ... تخشاه واندفعت عنها مساويها
__________
(1) سقط من (أ): ريب.
(2) في (أ): الذي.
(3) في (ب): وحودها.

ما زال بالله محروساً وخالقه ... بكل ما يشتهي الأقدار يجريها
زبيد لا هم يغشى قلب ساكنها ... فالله يحرسها والله يكفيها
ينال كل امرئٍ ما يشتهيه بها ... وينجلي هم من أمسى يدانيها
من قاس أرض زبيد بالجبال فقد ... أخطا الصواب ولم يدرك معانيها
لا بارك الله في سكنى الجبال فما ... لذي تهامة يوماً راحة فيها
سوى الجبال التي في فضلها وردت ... أخبار خير عن المختار نرويها
أما (تعز) التي من فوقها (صبر) ... فلا سقى ربنا بالغيث ناديها
فيها صنوف من البلوى منوعة ... ما في الخلائق من بالعد يحصيها
من قمل وكتان خالدين بها ... لا يتركان دماً في جسم أهليها
وعسرة وعقاب في مسالكها ... بها يعاقب(1) من يا صاح يأتيها
وثقل ماء من الأحجار عنصره ... ذي قسوة لقلوب الناس يهديها
أنوف ساكنها طالت وأنفسهم ... حقيرة همها ما كان يرديها
في باعهم قصر عن كل مكرمة ... تطاولت نحوها الأيدي لتحويها
فعد عنها ولا تبغ المقام بها ... واسكن زبيد تنل كل المنى فيها
إلا إذا كان سلطان الوجود بها ... فإنه من أليم الداء يشفيها
الظافر الملك العدل الذي أمنت ... به البرايا جميعاً من أعاديها
ثم أخذ الشيخ على هذا النمط وهو مجيد فيه، إلا أن الشهاب بن عزوي حَبْلُ شعره أمتن وأقوى، وإن كان في الحديقة المسندة إلى الشيخ لين فإسناد حديقة الشهاب أنضر وأروى، وهي قوله /33/:
خفف على النفس من أشياء تخفيها ... فما ارتجالك نظم الشعر يشفيها
فأنت من غيظك المكروه في تعب ... فالله يطفئه والله يطفيها
من أنت حتى تذم الشم قاطبة ... وإنما ذمها ذم لمرسيها
لم تبلغ الشم طولاً يا بني ولم ... تخرق برجلك أرضاً أنت ماشيها
ما كنت تنقم إلا أنها ارتفعت ... على بلادك فخراً فهي تحنيها
إن البقاع إذا قام الوِهَادَ لَهُ ... بحجة أصبحت زوراً دعاويها
فالأرض من قبل قد كانت تمور على البحر المحيط بها لولا رواسيها
__________
(1) في (ب): معاقب.

فهل أتاك بها بالسبق شاهده ... فانظر إلى نصها إن كنت قاريها
وفي الأحاديث خير الناس ذوغنم ... بدينه فر يرعى في أعاليها
والوحي هل كان والتكليم في جبل ... مبداه حقق لنا إن كنت تقريها
لو شاد شداد في أرجائها إرماً ... ما كنت تنظرها بالخسف تمويها
أو كان يحصب من أرض الخصيب فقل ... سقى المهيمن بالأمطار ناديها
أو كان (غمدان) أو (غيمان) قد عمرا ... فيها فيا حبذا أرضاً تسميها
هل كان في أرضكم قصر يماثله ... فحجة لك في الدعوى تقويها
وأين تبع فيهم ذو الكلاع إلى ... خير الدلائل ما الإنسان مبديها
وكن بفضل(1) رجال الفضل مقتدياً ... واسكن بنفسك أرض القوم تنحيها
سل ابن يحيى الذي في ذي السفال ثوى ... هو ابن ابي الخير مولاها وواليها
أين ابن علوان قطب العارفين وأيـ ... ـن البحر علماً نفيس الدين مفتيها
أين الجنيد وأين الصردفي وأيـ ... ـن الأصبحي وسلمان الذي فيها
أين ابن حمزة يحيى أين ناصرها ... أين المؤيد والمنصور داعيها
أين المظلل بل أين المطهر بل(2) ... أين الممهد والهادي ومهديها
جبال علم على شم الجبال حووا ... من المفاخر ما لا الرمل يحصيها
لو لم يكن لجبال الأرض مفخرة ... إلا (تعز) لقال الناس يكفيها
أرض كساها الرضا من ربها حللا ... مطرزات بديعات حواشيها
الفخر ناسخها والعز ناشرها ... والسعد ملحمها والمجد مسديها
والأرض إن سعدت بالفضل أو شقيت ... فالله مسعهدها والله مشقيها
هذي تعز فقل لي ما ذممت بها ... أحسن شادنها أم حسن شاديها
ومنها:
أما يروقك أن الدهر مبتسم ... بين الثمار التي طابت لجانيها /34/
وروضة جمعت من كل مختلف الـ ... ألوان أعيت قوافي النظم منشيها
غصونها الخضر قد مالت على كثب ... قامات غزلانها باللين تحكيها
كأن أيدي الغمام الجون ترشفها ... من كأس خمر الحَيَا ريّاً وتسقيها
والياسمين على النسرين تنشره ... مر الرياح على الأغصان أيديها
__________
(1) في (ب): فكن بفعل.
(2) في (ب): أين.

والطل ناثر منثور ومنتظم ... لآلئ لم تك الأصداف تبقيها
والطير تسجع في أغصانه طرباً ... كأن قس عكاظ خاطب فيها
والنهر منهمر كالشهد من صبر ... وحكمة الله في الأضداد تجريها
جداول كالأفاعي السود في صبب ... تطاردت فهي تحكي جود مجريها
لها صليل كحلي الغانيات إذا ... أمسى يداعبها بالكأس معطيها
تسقي حدائق غلباً كل فاكهة ... فيها دنا يانعاً للقطف دانيها
والريح في لجج الغدران ناسجة ... سوابغاً لم يكن داود يصغيها
والنرجس الغض أعيان مكحلة ... مفتحات على الحاني مآقيها
والنوقر اصفر مما فيه من حرق ... فالماء ينفثها نفثاً ويرقيها
والفل نمت تحفيه لثته ... لما تضوع نشر المسك من فيها
وللسفرجل والرمان منظره ... يغري القلوب ويشهيها ويلهيها
والكرم قد فر منه النخل منهزماً ... إلى تهامة منه الله يقصيها
وللقصور اللواتي في أزقتها ... نور به زحزحت عنها دياجيها
تزهو بكل فتاة طرفها غنج ... تمسي الأعارب لا الأحبوش تسبيها
من كل من عينها نعساء فاترة ... كأن هارون بالأسحار يحظيها
وكل منعطف كالغصن قامتها ... تكاد أنك فوق الكف تلويها
كأنَّ مبسمها في الجيد حلبةُ ... والحسن عن ذات حسن الحسن يغنيها
لا فاتك الرشد قل لي ما الذي نقصت، عن جنة الخلد أو ما نقص أهليها
ثم أخذ على هذا الأسلوب، وهي قصيدة كما ترى فصيحة تدل على غزر ديمته.
الحسن بن علي بن علي الأفطس [ - ق2هـ]
السيد الإمام الحسن بن علي بن علي الأفطس، كان إماماً في كل فضيلة مقدماً في كل خصلة نبيلة.
قال أبو طالب - عليه السلام-: كان يحمل راية النفس الزكية. وقال ابن عنبة: قال أبو نصر البخاري: خرج الأفطس مع محمد بن عبد الله بن الحسن النفس الزكية وبيده راية بيضاء ولم يكن معه أشجع منه، ولا أصبر، وكان يقال له: رمح آل أبي طالب /35/ لطوله وطَوله.
وقال أبو الحسن العمري: كان صاحب راية محمد بن عبد الله الصفراء.

قال البخاري: ولما قتل محمد بن عبد الله، اختفى الحسن، فلما دخل الصادق العراق ولقي المنصور قال له: يا أمير المؤمنين تريد أن تسدي إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -؟ قال: نعم، يا أبا عبد الله. قال(1): تعفو عن ابنه الحسن بن علي بن علي، فعفا عنه(2).
الحسن بن علي الحسيني الجويني [ق6هـ]
السيد الإمام الحافظ الحسن بن علي الحسيني الجويني، كان من حفاظ العترة وبدور الإسناد المشرقة، قرأ عليه ابن أخيه العلامة يحيى بن إسماعيل رسول المنصور بالله - عليه السلام- إلى خوارزم شاه، (أمالي أبي طالب) و(الصحيفة) وغيرهما، وكان بحراً من البحار وحبراً من الأحبار(3).
الحسن بن علي الأشل [ - ]
__________
(1) في (ب): فقال.
(2) وفي مقاتل الطالبيين ص 250: كان مع الأفطس وهو الحسن بن علي بن علي بن الحسين، علمٌ لمحمد أصفر فيه صورة حيه، وكان مع كل رجل من أصحابه من آل علي بن أبي طالب علم، وانظر أعيان الشيعة 5/205 - 206، وفيه الكثير من التوقلات التي ردها الأميني ودافع عنه، وبقية مصادر الترجمة هناك.
(3) في الطبقات: الحسن بن علي بن أإحمد بن محمد بن يحيى بن محمد بن أحمد محمد بن أحمد بن عبدالله بن الحسن الأفطس بن الحسين بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب الحسيني الهاشمي العلوي، المعروف بالجويني: السيد بدر الدين. يروي صحيفة علي بن موسى الرضا، عن الشيخ الإمام عمر بن إسماعيل، عن الشيخ الزاهد علي بن الحسن العبدلي سنة 1598هـ وذكر بقية رواياته إلى أن يقول: وأخذ عنه جميع ذلك ما بين سماع وإجازة ولد أخيه عماد الدين يحيى بن إسماعيل بن علي بن أحمد الحسيني. (الطبقات الكبرى القسم الثالث 1/309، ترجمة 170.

السيد العلامة الحسن بن علي بن يحيى بن محمد الأشل. قال السيد الإمام يحيى بن القاسم: كان من عيون أهل البيت وأطهارهم، وصفه بالعلم الغزير، وأنه من ثقات آل محمد وعيون علمائهم، وروى عنه ملحمة من كتب سلفهم في الإمام أحمد بن الحسين - عليهما السلام-.
الحسن بن علي بن المؤيد [804 - 891هـ]
السيد الكبير الحسن بن علي بن المؤيد والد الإمام الأعظم الهادي لدين الله عز الدين بن الحسن - رحمهم الله - ترجم له العلامة ابن المظفر والزحيف الصعدي، فقال الزحيف ما لفظه: اعلم أن هذا السيد - رحمه الله - كان في عصره من أعيان السادة، والواسطة من القلادة، والمقصودين بالوفادة، والمعروفين من مكارم الأخلاق بالحسنى وزيادة، وكان من البقية المنظور إليهم بعد وفاة أبيه، وحاز قصب الرئاسة منهم، وهو الذي أتم أساس أبيه للمسجد(1) المقدس، ولد في شهر صفر سنة أربع وخمسين وتسعمائة(2)، فيكون ولد وأبوه حي خليفة في مدته نيف وثلاثون سنة، ومات بين الصلاتين يوم الخميس الرابع وعشرين من شهر محرم سنة إحدى وتسعين وثمانمائة، وكان في مدة حياته متأهلاً في مكانهم لنفع العام والخاص والداني والقاص، وأقام مدرسة القرآن الكريم ومدرسة لطالبي العلم الشريف والتعليم، وكان تجبى إليه زكوات كثيرة من الجهات في زمانه، فيصرفها في مستحقها إلى أن دعا ولده وألقى الأمر إليه في ذلك برمته وكفاه وشفاه وقرر ثناه وأحمد مسعاه وأنشد لسان حاله:
رقدت وطاب النوم لي وكفيتني ... وكل فتىً يكفى الهموم ينام
__________
(1) في (ب): للمشهد.
(2) هنا خطأ في الميلاد والصحيح كما في حاشية نسخة بقلم السيد سراج الدين عدلان أنه ولد سنة 804 في شهر صفر، وتوفي - عليه السلام - في شهر محرم 891هـ، فيكون عمره سبعة وثمانين سنة.

قد(1) كان - رحمه الله - اشتهر بالكرم المفرط حتى كان يفد عليه كثير من البلغاء والشعراء والأدباء من النواحي والأقطار، وقيلت فيه الأشعار، وكانت فيه مكارم أخلاق جمة.
قال الإمام عز الدين فيما نقلته من خطه: ما رأيت في زماني من هو أصدق لهجة منه، وأكثر مجانبة للكذب حتى في مخاطبات زوجاته وصغار أولاده. قال: ولا رأيت /36/ أقل فحشاء وتفاحشاً ولا أحلم ولا أصبر(2) وأوقر ولا أبر منه بأهله ولا أشفق وأرفق وأكثر تغاضياً واحتمالاً، ولا رأيت أكثر منه طهارة وصلاة وأعدل في ذلك، وله تهجد وذكر واستكثار من الصلاة، وحرص على تعهد المسجد والعبادة فيه مع كبر سنه وضعف بدنه وذهاب بصره.
قال: ومن سعادته أنه حظي في زمانه من المناقب بما لم يحظ به غيره منها، طول عمره في أفعال البر من الصغر إلى الكبر، ومنها كثرة الأولاد وتعددهم، وما رآه(3) فيهم من الكمال ومحامد الخلال، ومنها سلامته من نكبات الدهر ومعار أهله الطاهرة، فلم يسلط عليه عدو ولا ظالم ولا أحد من الدول والقبائل مع منابذته لهم في بعض الأحوال.
__________
(1) في (ب): وقد.
(2) في (ب): ولا أحلم وأصبر وأوقر.
(3) في (ب): وما رآه بعينه.

وأقول: صدق الإمام فيما يظن، فإنك إذا تفكرت فيما بلي به عبد الله بن الحسن بن الحسن الكامل من أبي الدوانيق وما أنزله به وبأهله من أنواع العذاب علمت أنه قد أصاب في لموحه إلى هذا الباب؛ لأن أهل المناصب العلية قل أن يسلموا من أن يقلب لهم الدهر ظهر المجن ويجرعهم أفاويق المحن، وانظر أيضاً إلى النقيب أبي أحمد والد المرتضى والرضي الموسوي فإنه ما سلم من طوارق الزمان ونوائب الحدثان، بل لما اشتهرت فضائله ثقل على عضد الدولة وهابه وكبر في صدره، فاعتقله في بعض قلاع فارس، وبقي محبوساً حتى مات العضد، ولولده الرضي في ذلك أشعار وأخبار قد أشرت أنا إليها في شرحي للمرثية التي أنشأها الإمام عز الدين بعد موت أبيه، وهي من (طنانات) المراثي ولمطابقتها للمقام أحببت الإتيان بها هنا فتكون لهذا الباب كالختام، وهي:
مصابك هد الشامخات الرواسيا ... وصير طرف الفخر والمجد باكيا
وضعضع بنياناً من المجد والعلا ... له كنت يا صدر الأفاضل بانيا
وسعَّر ناراً للكروب شديدة ... تذيب القلوب المصمتات القواسيا
وروعك جرح ليس جرح كمثله ... عدمنا له طباً نداويه آسيا
وفقدك منه اللب أصبح مدهشاً ... كحيران ملقى في قفار موافيا
وبعدك منه القلب قد صار موحشاً ... كئيباً وصار الدمع في الخد جاريا
وموتك خطب ألبس الأرض ظلمة ... وأكسفها بدر السما والدراريا
عدمنا سلواً حين غيبك الثرى ... فأمسيت منا غائباً فيه نائياً
أبا أحمد يا خير حي وميت ... ويا واحداً في الفضل براً وزاكيا
ويا شرف الدنيا ويا خير أهلها ... وفخر بني الأيام شيخاً وناشيا
لقد عشت ميمون النقيبة ناصحاً ... لرب السما في مكسب الحمد ساعيا
/37/ مصوناً عن الخلق الذميم مبوأ ... سريعاً إلى الخيرات لا متراخيا
غياثاً لوفاد مغيثاً ومنهلاً ... مراداً لورَّاد بنيل الأمانيا
كريماً جواداً مانحاً متفضلاً ... كسوباً ومتلافاً مضيفاً وكاسيا

فكم جائع أشبعته وهو ساغب ... وكم لابس لولاك أصبح عاريا
وما زلت لله المهيمن خائفاً ... يرى لبهيمات الليالي معانيا
تصلي على ضعف صلاة طويلة ... فلا فاتراً فيها ولا متوانيا
شكور على النعما تقدر قدرها ... ذكور لما أوليته ليس ناسيا
ورثت الندى والجود والمجد والهدى ... وشيدت بنياناً لها كان واهيا
وأسست يا خير الأنام مدارساً ... أفدت بها من كان فيهن قاريا
وربيت في حجر الخلافة راضعاً ... لأخلاقها وقتاً من الدهر خاليا
وربيت من أبنائك الشم قائماً ... بأعبائها كل الشرائط حاويا
أبوك إمام للأنام وبعده ... ولدت إماماً للبرية ثانيا
ووالدك الهادي إلى دين ربه ... وصار ابنك الهادي إلى الحق داعيا(1)
توسطت بين الهاديين مباركاً ... كواسطة العقد التي هي ما هيا
فيا لك فخراً لا فخار كمثله ... على البدر والشمس المنيرة ساميا
خصصت به دون البرايا مفضلاً ... فصير كل منه غيرك خاليا
وعمرت سبعاً مع ثمانين حجة ... حميداً سعيداً ظاهر الصيت عاليا
وما زلت محمود السجايا محبباً ... لكل البرايا لم نجد لك قاليا
وما مات من أبقى كمثلك سادة ... غطاريف صيداً يكسبون المعاليا
ثلاثين من أبناء صلبك لم يكن ... لهم أحد في الخافقين مساويا
كذا سبعة بعد الثلاثين أنجم ... ترى في سماء المكرمات بواديا
فمنهم إمام طبق الأرض ذكره ... يقود النواصي عنوة والصياصيا
إلى سيد صدر متى قام خاطباً ... على منبر عال يصوغ اللآليا
ومن قائد للجيش أروع ماجد ... يسر الموالي أو يسوء الأعاديا
ومن عابد لله بر مطهر ... وصاحب ذكر ليس ينفك تاليا
إلى طالب درّاس علم مسامر ... لدفتره حتى يرى الفجر(2) باديا
مكارم ذكراها يزين ونظمها ... يروق من الأسماع ما كان واعيا
وأبقيت من أبنا أبيك مكارماً ... فذكرهم يجلو القلوب الصواديا
__________
(1) في (ب): هادياً.
(2) . في (ب): النجم، وفي (أ) كذلك، وفوقها تصحيح بما أثبتناه.

38/ كهولاً وشباناً وشيخاً مبجلاً ... فأكرم بهم رهطاً سراة مواليا
وحزت وأحرزت المحاسن كلها ... فمن فرط تهذيب عدمت المساويا
فيا أبتا أدعوك دعوة شيق ... وهيهات يوماً أن تجيب المناديا
بكينا فلم يغن البكاء فإننا ... لنرضى بما كان المهيمن راضيا
لئن كنت لبيت المهيب(1) مسارعاً ... إلى غرف حزن الحسان الغوانيا
وغادرتنا في كربة وكآبة ... وقد صرت مسروراً بذاك وساليا
فما انس لا أنسى جميلاً صنعته ... إلي وبراً واسعاً وأياديا
فلما أتاني عنك أنك مدنف ... وما كنت بالإدناف من قبل داريا
نهضت من الأهنوم نحوك قاصداً ... ولو فاز قدحي كنت عندك دانيا
وبادرت في تلك المهامه سائراً ... على عجل مني وفي الليل ساريا
ولا علم لي أن الحمام مسابق ... عليك بخيل كل ما كنت ثاويا
ففاجأني علم(2) بموتك مؤذن ... ألا ليتني لم أستمع لك ناعيا
ويا ليتني أدركت ما كنت آملاً ... ويا ليته ما فات ما كنت راجيا
ويا ليتني كنت المباشر بعدما ... توفيت مرضياً عليك وراضيا
أرى غاسلاً في الغاسلين وبعده ... أرى حاملاً في النعش ثم مواريا
ألا ليس ليتَ نافعاً حر علةٍ ... ولا لسقام القلب والكرب شافيا
فصبراً فإن الصبر أوسع ساحة ... وخير الأسى والحزن ما كان خافيا
وصبراً على مر القضاء وصرفه ... وإن كانت الأجفان منا هواميا
وإن لنا في المصطفى خير أسوة ... وآل النبي الأرفعين مراقيا
عليك سلام الله ما هبت الصبا ... وزارك مني دائماً متواليا
وأسكنك الرحمن جنات عدنه ... تحل إذا ما صرت فيها العلاليا
ونلت الرضا والفوز فيها مخلداً ... ومن ثمرات للفواكه جانيا
ولا نلت مكروهاً ولا ما تخافه ... وكنت من الأهوال في الحشر ناجيا
انتهت القصيدة.
__________
(1) . كذا.
(2) في (ب): ناع.

قال الفقيه العلامة محمد بن علي بن يونس الزحيف - رحمه الله - محرر هذه الترجمة بهذه الألفاظ ما لفظه: ولما أنشأها الإمام وتناولها الخاص من شيعته والعام، قال لي: يا فلان ما نكره شرحها، فقد تضمنت(1) مدة السيد وأحواله من سيادته وتعديد قرابته وغير ذلك، فامتثلت رسمه ونفذت حكمه وشرحتها شرحاً لطيفاً /39/ وسميته (الرسالة الناطقة لشرح معاني الترثية الصادقة)(2)، فلما وقف - عليه السلام- على هذا الشرح استجاده وأمر بنسخه نسخاً متعددة، وكساني وأهل بيتي تكرمة لائقة وعلى حسب ما نريده منه مطابقة(3).
الحسن بن علي بن حمزة الحمزي [ق7هـ]
الشريف الحسن بن علي بن حمزة الحمزي، هو السيد الرئيس الأمير الخطير السامي الحسن بن علي بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي بن حمزة بن أبي هاشم - رحمهم الله تعالى - كان خطيراً كبيراً، له أشعار فائقة، ومن شعره لما فتح الله صنعاء على الإمام احمد بن الحسين المرة الثانية:
لقد آن يا صنعاء أن تتبدلي ... بسيد العلا ليث العرين الغضنفرا
وأن ترفضي لبس السواد وتتركي ... مدى الدهر في الأيام ما كان منكرا
وأن تسبقي بغداد بالفتح إنني ... أرى حظ أهل السبق أعلى وأوفرا
وحسبك بالمهدي في كل حالة ... إماماً إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقد أعربت بغداد أن سوا الذي ... بها من بني العباس قد صار أجدرا
ونادت إلى المهدي أهلاً ومرحباً ... وأعطته عن طوع سريراً ومنبرا
فلا تجمحي إني أحاذر صولة ... ترى لجموح الأصغر الخد أصغرا(4)
الحسن بن علي العبالي [ - 1056هـ]
__________
(1) في (ب): فقد تضمنت ذكر مدة.
(2) وفق عليه السيد أحمد الحسيني وذكره في كتابه مؤلفات الزيدية 2/44 بتحقيقنا.
(3) انظر مآثر الأبرار.
(4) انظر سيرة الإمام أحمد بن الحسين أبو طير تحت الطبع.

السيد العلامة الحسن بن علي العبالي، هو العلامة إمام المعقول والمنقول شيخ العلماء الجلة الجهابذة الفحول شرف الإسلام الحسن بن علي بن صالح بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد ومحمد بن أحمد هذا الأخير هو الذي خرج من محلاه من بلاد (الحرجة)، وهي هجرة مشهورة ويقربها هجرة (العشرة) التي فيها السادة المحنكيون وأحمد والد محمد المذكور هو ابن محمد بن الحسن بن يحيى بن علي بن الحسن بن عبد الله بن إسماعيل بن عيسى بن إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن القاسم بن إبراهيم - عليهم السلام- كان سيداً عالي المنزلة شريف الرتبة، حاوياً لفضائل دثرة من دماثة أخلاق وعذوبة ناشئة ورقة حاشية، وحفظاً ورواية، وإتقاناً ودراية، كان مرجوعاً إليه سيما في علوم القرآن، وله مشيخة أجلاء، منهم الشيخ العلامة شيخ الحرمين واليمن لطف الله بن الغياث الظفيري - رحمه الله - وكان الغاية في علوم الأدوات، وكان مدرساً في الأصولين أستاذاً محققاً، وفقيهاً فاضلاً، حضرت بعض الدرس عليه في البحر الزخار وهو أستاذ إمام الوقت المتوكل على الله رب العالمين بن أمير المؤمنين المنصور بالله رب العالمين مد الله مدته، وبسط في البسيطة بسطته، وكان ينوه بذكر الإمام، ويثني عليه، ويذكر بعباراته الوافية بعض ما يستحقه الإمام من التعظيم، وكان في صدر هذه الدولة النبوية المتوكلية من أهل المناقبة(1) والحضور بالمقامات المتوكلية مطاع الأوامر مبجلاً، وكان له حافظة وأدبيات، إلا أنه لا يبوح بعجائب ما عنده إلا للخواص، فهو روضة أريضة، وكان له شعر جيد حسن، أجاب علي في أبيات وجهتها جواباً عن الفقيه العلامة، وكان السيد - رضي الله عنه - استخلف بعض عبارات الفقيه فأجاب /40/ ولكنه بعد أن أطلعني على الجواب(2) مزقه وقال: أنا لا أظهر شعري وإنما فعلت هذا محبة للتواصل، وتوفي - رحمه الله - بظفير حجة، ودفن بالمشهد الأحمدي في جمادى الآخرة سنة
__________
(1) في (ب): المثافنة.
(2) في (ب): عن.

ست وخمسين وألف، وعملت أبياتاً تكتب في الصخر ولم يكتب أولها:
عج بالضريح فإن فيه واحداً ... طلق الجبين وشامخ العرنين
قد بذَّ في المنقول كل محقق ... وأغار في المعقول سعد الدين(1)
الحسن بن علي [ق8هـ]
السيد الحسن بن علي عم الإمام المهدي، هو إمام العلوم شيخ الأئمة، الكثير الفضائل، ذكره السيد شمس الإسلام أحمد بن عبد الله والسيد الهادي بن إبراهيم الصغير، وقال في حقه الشيخ العلامة نظام الدين إسماعيل بن إبراهيم بن عطية في سيرة الإمام المهدي علي بن محمد حيث عدد مشائخه في العلوم ما لفظه: وأقام - عليه السلام- في ملازمة العلم في جبل الشرف(2)، وأخذ في ابتدائه العلم عن(3) عمه علم الدين وشمس الظلام البحر الزخار والغيث المدرار حائز علوم الأئمة الأطهار من له الشرف الجلي الحسن بن علي، انتهى.
الحسن بن علي بن محمد [ - ]
__________
(1) في الطبقات: سمي العبالي لسكون والده في محل العبال من بلاد حجة مشهور، وقال قرأ في الأصول وغيرها كالتفسير على الشيخ لطف الله الغياث، ثم وصل إلى عند الإمام القاسم بن محمد إلى وادعة وقرأ عليه مجموع الإمام زيد بن علي إلا معشراً واحداً في آخره، ثم أجاز له إجازة عامة في جميع سموعاته ومؤلفاته وشجاراته، وكان له تلامذة أجلاء أعلمهم القاضي أحمد بن سعد الدين والإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم والسيد الحسين بن صلاح إلى أن قال: وهاجر إلى شهارة وزوجه الإمام القاسم بن محمد ابنته الشريفة جمانة، ولم يزل بها إلى قرب الوفاة، فانتقل إلى ظفير حجة وبه توفى. الطبقات الكبرى القسم الثالث 1/314 ترجمة 173، وانظر بقية المصادر هناك.
(2) وفي (ب): (الشرق).
(3) في (ب): على.

العلامة الفقيه الموفق شرف الدين الحسن بن علي بن محمد (بن محمد)(1) بن أبي النجم - رحمه الله - كان عالماً مجتهداً فاضلاً، ولما دارت مسألة الوقف المخرج منه البنات(2) ومنع منه المنصور واستدل بما هو مشهور عنه، بلغه في كتاب من الأمير تاج الدين أحمد بن محمد أنه وجد في كتب هذا العلامة ما يشبه كلام المنصور وأن ذلك وقف الجاهلية فسر الإمام لما وجدوه وحمد الله على ذلك.
الحسن بن علي بن صالح الأكوع [1000 - 1064هـ]
__________
(1) ساقط من (ب).
(2) في (ب): النبات.

القاضي العلامة العارف بدر المعارف وسحاب العوارف الحسن بن علي بن صالح بن سليمان الأكوع - رضي الله عنه - هو فريد أوانه، ووحيد زمانه، أحد حسنات الأيام، وأكثر مفاخر الشيعة، حوى من المكارم ما لم يحوه أبناء جنسه من الورع الشحيح، والتشيع الصحيح، والعزم(1) المصعد، والشأو في الكرم المسعد، هو أحد أجواد الزمان، وكرماء الأوان، لا يختلف في ذلك اثنان، ومع ذلك يتلطف بالسائلين كأنه يسألهم ما أعطاهم، ولطال ما سمعته يقول خذ مني وأنا أحق بما عندي منك. وكان من الشجاعة بمحل لا يلحق وحسبه ما قال رئيس الشعراء إمام المرابطين يحيى بن صلاح الثلائي، فإنه قال: الحسن [بن علي](2) أشجع من يوجد، وسمعت من والدي - رحمه الله - مثل هذا أو قريباً منه، وكان يطير للحرب طيراناً، ويفعل فعل من لا يهاب الموت، حتى إنه في حروب المقعد غلق عليه الدار لكثرة العدو فوثب من الطاق ودخل في القوم وأصابته رصاصة، وله من هذا عجائب وغرائب. وله أخلاق أرق من النسيم، وأروق من التنسيم، بسام في وجه كل أحد ملاطفاً، مزاح بالمزح(3) الشرعي، ألف مألوف، وكان الصبيان إذا رأوه تهافتوا عليه فيكون عنده منهم. ومن المساكين خلائق، ويرمي لهم بالنقد كالحجارة، وكان مسعوداً ذكر لي ابن أخيه الرئيس(4) الفاضل علي بن عز الدين - رضي الله عنه - وهو من أعيان هذا /41/ البيت الكريم أنه قال له لم يخل من كفي النقد مذ خرجنا من صعدة لجهاد الأروام، قال له هذا وهو متعطل عن الولاية والأمانة في الغالب، متولي دائماً، لكنها ولاية شبيهة بالاستقلال لحسن ظن الأئمة فيه ولوجه الخبرة وبآخره من الأيام قل في يده النقد، فوصل إلى سوحه ضيف كريم، فلم يجد سبيلاً لقرائه وهو لا يألف ذلك(5)، فبكي وتوجع، ثم أخذته سنة فاستيقظ وعنده خمسة وعشرون قرشاً، فاستأذن فيها الإمام(6)
__________
(1) في (أ): والعلم.
(2) سقط من (أ).
(3) في (ب): بالمرح.
(4) في (ب): الرائس.
(5) سقط من (أ): ذلك.
(6) سقط من (أ): الإمام.

المتوكل على الله، وبلغني عن الثقة أنه استمر له مثل هذه عند مهماته، وكان كثير الولوع بـ?قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ?[الإخلاص:1]، سورة الصمد، أعاد الله من بركتها، وبالجملة فليس عندي عبارة تفي بحقه، وله في الفقه والفرائض معرفة وسعها العمل، وإلا فإن اشتهاره بالعمل أكثر، وكان القاضي يحيى بن أحمد المخلافي على أنه من الكمال بمحل يعترف بفضله، ومما شاع عن بعض الفضلاء أنه قال: لو صلح أحد للإمامة صلح لها الحسن بن علي، توفي - رحمه الله - [في النصف الأخير من ليلة الجمعة، لعلها ثاني شهر ربيع الأول عام أربعة وستين وألف، وعمره نحو أربع وستين سنة](1)، ودفن بقبة ذي الشرفين (بشهارة)، ورثاه العلامة عبد الله بن المهدي صاحب (الظهرين).
الحسن بن علي الفزاري [بعد سنة 425هـ]
__________
(1) في (ب): ما بين المعكوفين فراغ في النسخة (أ) ومولده في هجرة الملاحة سنة 1000هـ. انظر بغية المريد استطراداً في ترجمة السيد أحمد بن الإمام القاسم بن محمد، وملحق البدر الطالع 73 - 74، وتاريخ أعلام آل الأكوع 55، وهجر العلم ص1080هـ.

الفقيه الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب الفزازي(1) المعروف بهاموسة العلامة الكبير والإمام الخطير، ويحمل أنه غير الإمام الشيخ الكبير الحسن بن علي بن إسحاق الفرزادي - رحمه الله - والأظهر أنه هو وإنما كنية جده إسحاق أبو طالب، وهو الذي صلى على السيد الإمام مفخر الأمة المحمدية المرشد بالله يحيى بن الموفق أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل بن زيد بن الحسن بن جعفر الجرجاني بن الحسن بن محمد بن جعفر بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام- صاحب (الأمالي الخميسيات) و(الاثنينيات) المنتقل إلى رضوان الله يوم السبت الخامس عشر من ربيع الآخر سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وكان آخر ما أملى يوم الخميس السابع والعشرين من المحرم من السنة المذكورة، حديث ثابت قال: أتينا أنس بن مالك يوماً فإذا هو شاكي، فإذا اجتمعنا وذكرنا أباه كأبي أجده أهون علي، ولما أملى الإمام الموفق(2) هذا الحديث كان شاكياً، فبقي بعده إلى تاريخ وفاته المذكور، ثم رفعت روحه إلى دار التكريم، ودفن في سكة الغرابين بدار أخته التي جعلتها خانقاً بالري، وكان مولده - عليه السلام- سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، ومعنى هاموسه طويل السكوت(3).
الحسن بن علي المحلي [ ق8هـ]
__________
(1) في الطبقات ق3 ج1 ص317، ترجمة 176، ويعرف بجاموش بجيم وآخره شين معجمة، وفي نسخة ضبط بالخاء معجمة، وفي نسخة يخيم، ثم مهملة، والله أعلم.
(2) في حاشية (ب): الصواب المرشد بالله - عليه السلام-.
(3) في الطبقات: روى أمالي المؤيد بالله عن الأستاذ الرئيس علي بن الحسين بن مردك في الجامع العتيق في ذي القعدة سنة ست وتسعين وأربعمائة، وبعد أن ذكر مروياته قال: وسمع منه القاضي أحمد بن أبي الحسن الكني، قال: أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد في رمضان سنة خمسة وعشرين وخمسمائة. فيحمل أن وفاته بعد هذا التاريخ.

الفقيه العلامة الحسن بن علي المحلي، هو العلامة الفقيه الحسن بن علي بن أحمد المحلي، من تلامذة الفقيه الرئيس عضد الملة قاسم بن أحمد الشاكري - رحمه الله -(1).
الحسن بن علي بن يحيى الفضلي [ق 11 هـ]
الحسن بن علي بن يحيى الفضلي، عالم كبير فاضل شهير، ووالده العلامة المجاهد - رحمه الله - وسيأتي ذكره(2).
الحسن بن علي اليحصبي [.......]
العلامة الحسن بن علي اليحصبي، هو الفاضل العالم بن العالم شرف الدين(3) الحسن بن علي بن ناصر اليحصبي عالم كبير، ذكره السيد يحيى بن القاسم الحمزي، وذكر أن والده مؤلف شمس الشريعة، ولعله وقع سهو من الكاتب، فإن علي بن ناصر هو مؤلف البيان المعروف ببيان السحامي، وهما أخوان فيما ذكره السيد العلامة أحمد بن عبد الله بن الوزير - رحمه الله - /42/ وذكر غيره من شيوخنا أنه ابن أخيه.
الحسن بن علي بن سيف [.......]
الفقيه العلامة الحسن بن علي بن سيف عالم فصيح بليغ من شعره الترثية في بعض القضاه الجلة آل أبي النجم - رحمهم الله - ومنها:
يقولون لي صبراً وقد عزَّ بي صبري ... وما صبر من يطوي الظلوع على الجمرِ
وإني رهين للردى غير كاره ... ملاقاة موت أو نداء إلى حشرِ
__________
(1) في الطبقات: الحسن بن علي بن أحمد المحلي، الفقيه رضي الدين. سمع سيرة ابن هشام على الفقيه قاسم بن أحمد الشاكري، وهو أحد تلامذته، وسمع عليه أحمد بن علي بن عمران الشتوي، كان فقيهاً عالماً. الطبقات الكبرى ق3 ج1 ص320، ترجمة 179.
(2) قال الأكوع في هجره: من أعلام المئة الحادية عشرة. عالم محقق في الفقه، من أهل السنة، شاعر أديب من شعره قصيدة انتصر فيها للخلفاء الراشدين رداً على الحسن بن علي بن جابر الهبل، إلى أن يقول: لم نجد له ترجمة في الكتب التي بين أيدينا، ولعله قد أهمل قصداً لدفاعه عن أصحاب رسول الله (ص)، كما أهمل ذكر كثير من أنصار الستة من قبل ومن بعد، انتهى كلام الأكوع.
(3) في (ب): أشرف الدين.

وكنت جليداً للخطوب إذا عرت ... إلى أن أتت جهراً بقاصمة الظهرِ
وأودت بمحمود الخلال وأنه ... لأرجح من رضوى وأوسع من بحرِ
وأجرى على المكروه عند نزوله ... من الأسد الصوال في البلد القفرِ
وأعطى من السحب الهطال سماحة ... والطف بالعافين من والد برِ
وكانت به الأيام غراً فأصبحت ... تروح وتغدو في ملابسها الغبرِ
وكان صلاح الدين للدين معقلاً ... وأزرا فسرح الدين أضحى بلا أزرِ
ومنها:
فمن مبلغ أبنا أبي النجم إنهم ... لأكرم حي في البداوة والحضرِ
مراجيح بسامون أهل فضائل ... لهم نخوة الحاني من البأس والعسرِ
بحار إذا جادوا بدور محافل ... صدور لدست المجد ناهيك من فخرِ
الحسن بن علي بن حنش

الحسن بن علي بن حنش - رحمه الله - هو العلامة الأديب اللغوي النحوي الحسن بن علي بن [يحيى بن محمد بن صالح بن محمد بن يحيى بن محمد بن أحمد بن يحيى بن أحمد](1) بن حنش - رحمه الله - كان لمعرفته الكاملة بالعربية يسمونه سيبويه، وكان متضلعاً من العلوم مطلعاً، وله عناية بالوفيات والتراجم، وكان ناظماً متعلقاً بنظم الفوائد، وجمع الشوارد على أسلوب بن مالك، وكان من أعيان أصحاب الإمام شرف الدين - عليه السلام- وكان يقال له عين الإمام، لأنه كان الإمام إذا احتاج البحث في كتبه أمره بالبحث، وله أشعار كثيرة، ومن شعره هذه القصيدة في الإمام الشهيد أحمد بن الحسين - عليهما السلام- يتبرك بذكرها، قال: ولم أظهرها إلا بعد رؤيا، وكنت مستحقراً لها، وهي أنه اخبرني من أثق بخبره ولا أتهمه برؤيا حسنة من جملتها أن رجلاً أنشدها عند رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وعنده رجلان آخران وهما الجميع بالجامع بذيبين، فلما تم إنشادها قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: (لله در قائلها) ثلاثاً أو أربعاً، ثم سأل الرائي، هل تحفظ شيئاً منها، فأخبره أنه يحفظ منها أبياتاً، فأنشدها والباعث على إنشائها أن الحسن بن علي - رضي الله عنه - كان ينزه الشيخ الحفيد الرصاص أو يروي توبته، فرآه الإمام أحمد بن الحسين يعاتبه في تنزيهه أو رواية توبته، وجدت هذا بخط القاضي أحمد بن يحيى حنش، والقصيدة هي هذه:
نسيم الصبا هبت على جبلي نجد ... فأرَّجت الأرجا بعنبرها(2) الهندي
ولاح بريق الغور في غسق الدجَى ... فهيَّج لي شوقي وحرّك لي وجدي
/43/ وأرّقني ذاك الوميض بلمعه ... وعني نفى السلوان فالصبر لا يجدي
على أدمع تجري كمنهل قطرة ... وبي زفرة بين الجوانح كالرعدِ
لشدة ما صاليت من ألم الجوى ... ومعظم ما ألقى من النأي والبعدِ
__________
(1) ما بين المعكوفين فراغ في (ب).
(2) في (ب): تعبيرها.

تذكرت أحباباً هم غاية المنى ... وهم منتهى الآمال والسؤل والقصدِ
تولوا فأولوني الغرام ببعدهم ... فيا ليت شعري كيف حالهم بعدي
أهم حافظوا عهدي الأكيد فإنني ... لحافظ ذاك العهد أم نكثوا عهدي
رعى الله أياماً حساناً بقربهم ... تقضت مع اللذات والهزل والجدِ
ودهر قطعناه بأنعم عيشة ... وقد غاب عنا النحس في مطلع السعدِ
فدع ذكر شيء قد مضى لسبيله ... ولا تذكرن سعداً وآل أبي سعدِ
وعد نحو ذكر(1) القائم العلم الفرد ... شهيد الرضا بدر السما أحمد المهدي
إمام الهدى قد خص من عند ربنا ... بأعظم برهان له حالة المهدِ
عليه تحياتي وتلك هديتي ... وإن ثواب الفضل يأمله الْمُهدي
هو ابن رسول الله وابن وصيه ... مديحهم أحلى لدي من الشهدِ
براه إله العرش للناس رحمة ... وإرشاد من قد ضل عن منهج الرشدِ
وإنصاف مظلومٍ وقمعٌ لظالم ... وإعطاء ذي الإقتار والبؤس والجهد
يجود على العافين بالمال باسماً ... فيعطيهم من غير مَنِّ ولا عَدِّ
فما حاتم يحكيه في الجود والندا ... وفي حوم الهيجاء كالأسد الوردي
وقائعه مشهورة وملاحم ... له شبه صفين وبدر مع أحد
فكم كان من يوم أغر كقارن ... كذا غيره من قبل ذاك ومن بعد
فذاك الذي قام الهدى بقيامه ... وذا في بني الزهراء واسطة العقد
قلوب عباد الله قد جبلت على ... محبته في الشرق والغرب والهند
فيا ابن الحسين الطهر إنك سيد ... شبيه الحسين السبط والسبط كالجدِ
لقد جاءت الآثار عن سيد الورى ... بأنك سباق إلى غاية الحمد
وأنك مهديُّ لآل محمد ... فبوركت من هاد وبوركت من مهدي
وأنك في الإسلام شمسٌ منيرة ... تزيل دياجي كل أدهم مسود
فجاهدت في الرحمن حق جهاده ... فكم فاسق عاص بسيفك قد أردي
وأهلكت أرباب الضلالة والشقا ... كفعلك بالفساق والغز والكردي
وأنت غياث الخلق حياً وميتاً ... ملجؤهم إذ قيل يا أزمة اشتدي
/44/ وأنت لهم غوث وغيث وملجأ ... يجيئون من قرب إليك ومن بعد
__________
(1) في (ب): مدح.

إذا ما امرؤٌ فاجاه أمرٌ يسوؤه ... وأعيى ذوي الألباب حل عرى العقد
أتى ضارعاً نحو الضريح منادياً ... بفضلك رب العرش يكشف ما عندي
فيشفي بك الأمراض والسقم عاجلاً ... ويكفى بك البلوى وغائلة الصد
وتستنزل الأرزاق من عند ربنا ... بفضلك يا ذا الفضل والفخر والمجد
فلولا رسول الله خاتم رسله ... وقال ألا لا من رسول لكم بعدي
لكنت نبياً مرسلاً بدلائل ... إلى منهج الحق الكريم بلا جحد
فكم آية أعطيتها وكرامة ... كرد ضيا الأعمى فيا حسن ما رد
كذا(1) المقعد التنين للناس عبرة ... يدب على أرباعه مشية القرد
فمسته من خير الأنام أنامل ... فقام كأملود(2) من الأغصن الملد
وأنبتت الأرضون إذ سار فوقها ... ودعوته هزت قوى الحجر الصلد
وبيتك محجوج إليه كأنما ... يأمون بيت الله للحج والقصد
وينتابك الوفاد من كل وجهة ... يؤمون للمأمول من طيب الرفدِ
وإن رجلٌ قد أعجزته معيشة ... أتى قاصداً ذيبين في جملة الوفد
(فذيبين) قد أضحى بقبرك جنة ... كجنة بوان وصعد(3) سمرقند
وإنك في العصر الأخير كأحمد ... نبي الهدى الهادي إلى جنة الخلد
فشابهته في الخلق والخلق والحيا ... وضاهيته في العلم والحلم والزهد
كسيرته قد سرت في أهل دينه ... وألبستهم من عدلك السابغ البرد
فيا زائر القبر الشريف بنية ... توسل إلى الديان ذي العزة الفرد
ينيلك ما تهواه من كل مطلب ... ويكفيك أهل البغي والحقد والحسد
ويقضي لك الرحمن كل لبانة ... ويفتح من أبوابه كل منسد
فيا سيد السادات إني لعائذ ... بكم من عنا الدنيا ومن ضنك اللحد
فكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة ... سوى جدك المختار أكرم ماجد
لأني عظيم الود والحب فيكم ... وحاشاكم لستم بناسين ذا الود
فحبكمُ شرعي وديني وملتي ... أكاد لفرط الحب أخرج من جلدي
__________
(1) في (أ): لك.
(2) أُمْلُود: الأُمْلُود، والملد: الناعم اللين منا، ومن الغصون. (القاموس المحيط ص303).
(3) في (ب): وسعط سمرقندي.

فلا تتركوا عبداً غريقاً بذنبه ... ولا تهملوا المولى وحاموا عن العبد
ومن شعره:
ثِقَةٌ مصدرٌ بكسرٍ ومهما ... فُتِحَتْ فاؤه فمعناه عَدلُ
هكذا قد روى الثقات يقيناً ... فإذا ما عكسته فهو عِدلُ
/45/ ومن نظم العلامة المذكور في حصر ييت المال:
خراجٌ وصلحٌ ثم فيٌ غنيمةٌ ... ولقطةُ أخماسٍ جزي(1) والمظالم
وله - رحمه الله - فيما يعتبر في اللفظ:
لعانٌ وإيْلاءٌ وقذفٌ شهادةٌ ... وإقرار زانٍ لا يصح بلا لفظِ
ومن أخرسٍ قالوا: تصح عقوده ... مشيراً سوى ما قلت إن كنت ذا حفظِ
وله - رحمه الله -:
ذهبٌ فضةٌ وبرٌ شعيرُ ... ثم ملحٌ أتت بهن النصوصُ
وله - رحمه الله -:
فسوخ عقود(2) المنكحات لحينها ... رضاعٌ وعيبٌ والكفاءةُ والعتقُ
فسادُ لعانٍ ملةٌ أي لآخر ... تخالفُ دينٍ والبلوغُ كذا الرقُّ
ومن أصله عيب على الوطء سابق ... فسادٌ بحكمٍ والذي قلته حقُّ
وله - رحمه الله - في الذي يجب رده إلى موضع الابتداء وما لا يجب:
معارٌ ورهنٌ ثم غصبٌ ومقرضٌ ... ودينٌ بنقدٍ عاجلاً ومؤجلا
مكفّلُ وجهٍ والمؤجلُ بعده ... يرد إلى حيث التقابض أولا
وأما اللوات ردها حيث أمكنت ... فدينٌ بلا عقدٍ مقودٌ ليقتلا
كذاك معيبٌ مودعٌ ومؤجرٌ ... عليه فكن ذا فطنةٍ فتأملا
وله - رحمه الله - في مسائل التمرين في النحو:
صدِّر كلامك بالموصول مبتدئاً ... وما عنيت به أخرته خبرا
مستخلفاً عنه في إعرابه أبداً ... بمضمر عائد على الذي عبرا
ومن شعره في حصر أجواد العرب، وبحار الكرم منهم:
عبيد الله عبدُ الله منهم ... سعيدُ كلهم بحر خضمُ
وطلحة وابن معمر(3) من قريش ... وسبطا عامر ويقنع سلمُ
وعكرمة وعتاب واسما(4) ... وهذا القول في التقريب نظمُ
__________
(1) لعلها: جزا.
(2) في (أ): عقد.
(3) لعلها: عمرو ليستقيم الوزن.
(4) في (أ): وسلماً.

أراد بعبيد الله بن عباس، وبعبد الله ابن جعفر وسعيد بن العاص وطلحة بن عبد الله وابن معمر عبد الله وسبطا عامر عبد الله، و (فراغ) وعكرمة بن (فراغ) وعتاب ابن ورقاء الرياحي، واسما بن (فراغ)(1)، وفاته - رحمه الله - في غرة المحرم سنة خمس وسبعين وتسعمائة بهجرة (شاطب).
الحسن بن علي بن ملاعب الأسدي [.... 550هـ] ت
العالم الكبير المسند المحقق أبو علي الحسن بن علي بن ملاعب الأسدي - رحمه الله - من رجال زيدية الكوفة الكبار، ونحاريرهم الخيار، قرأ على أبي عبد الله محمد بن أبي الغنائم وغيره(2).
الحسن بن علي بن صالح العدوي [.... ق 9 هـ]
__________
(1) هذه الفراغات موجودة في النسختين.
(2) في الطبقات الكبرى ق3 ج1 ص 316 ترجمة 175: سمع الجامع الكافي جميعه الأجزاء الستة على الشيخ أبي منصور يحيى بن محمد الثقفي بحق سماعه على مؤلفه أبي عبدالله محمد بن علي بن عبدالرحمن العلوي الحسني، وسمع (المقنع النافع المختصر من الجامع على أبي منصور أيضاً عن مؤلفه، وكان سماع ابن ملاعب عليه سنة ثلاث وخمسمائة، ذكره في النزهة. وسمع أمالي أحمد بن عيسى على الشريف عمر بن إبراهيم بن حمزة العلوي، وعلى أبي الحسن محمد بن أحمد بن بحشل العطار قراءة عليهما ، ثم سرد سماعه لكتاب الشهاب للقضاعي والأربعين السيلقية ورسالة الإمام زيد بن علي في تثبيت الإمامة والأربعين الفقهية لأبي الغنائم النرسي. قال: وأجل تلامذته القاضي جعفر ومحمد بن منصور المدلك، قال: ولعله موته في الخمسين بعد الخمسمائة.

العلامة الفقيه النبيل واسطة أهل الآداب الحسن بن علي بن صالح العدوي - بكسر العين المهملة وسكون الدال - البُكري - بضم الباء الموحدة والكاف - مؤلف (العباب)، عالم خطير، وهو شيخ الإمام المهدي أحمد بن يحيى، ذكره في شرح سيرة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وغيرها(1).
الحسن بن أبي الفتح الديلمي [..... ق 7 هـ]
السيد الأمير الكبير الحسن بن أبي الفتح بن مدافع الديلمي - رحمه الله - هو علامة كبير، وله رسالة غراء ويحتمل أنه مؤلف (الزبد المفيدة) (2) في مذاكرة (الخلاصة) للشيخ أحمد بن الحسن الرصاص والله أعلم.
الحسن بن أبي الفتح النهمي [ق 7 هـ]
__________
(1) في الطبقات الكبرى ق3 ج1 ص320 ترجمة 178، أخذ العلم عن الفقيه حسن بن محمد المذحجي عن الفقيه حسن بن محمد النحوي عن الإمام يحيى بن حمزة، وعنه أخذ الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، كان عالماً كبيراً خطيراً وفقيهاً نبيلاً، أديباً ألف العباب، قلت: ولم أجد كتاب العباب هذا نسخة خطية.
(2) لم أجد لها نسخة خطية.

/46/ الفقيه العلامة الحسن بن أبي الفتح بن أبي القاسم - رضي الله عنه - بن أبي عمرو النهمي العلامة الكبير، من أعيان المائة السابعة، وهو ابن عم إبراهيم بن أبي المحاسن الذي سبق ذكره، له الإنشاء البليغ المتضمن لغرائب البلاغة، فمن رسالة له إلى المسلمين في شأن الإمام أحمد بن الحسين - عليهما السلام- ما لفظه: (بسم الله الرحمن الرحيم، وصلواته على محمد وآله، ?الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ? [العنكبوت:1-6]، أما بعد: يا بني الزمن، ومعاشر أهل اليمن، فقد أظلتكم طخيات الفتن، تبدي ما كمن، وتظهر ما بطن، وتقلقل ما سكن، وتسحب أذيال المحن، ولئن أغدقت سحائب ركامها، وترادفت سدف ظلامها، فما يريد الله إغواءكم ولا إظلالكم، ولا استمراركم فيما لا يرضى، وإصراركم إنما يريد أن يبلوكم حتَّى يعلم المجاهدين منكم والصابرين ويبلوَ أخباركم، ويخرج من خياركم أشراركم، ?لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ? [الأنفال:37]، ?وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ? [آل عمران:141]، ?أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ

وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ? [التوبة:16]، فنجا امرءًا تليت عليه الآيات فتدبرها، وعرضت عليه الشبهات فأبصر الحجج البينات وآثرها، وعنت له الشهوات فنهى نفسه عن الهوى وزجرها، وعرف فئة الحق وإن قلت فصحبها، ورأى سفينة النجاة ولو صعبت فركبها، إنما يذَّكر أولو الألباب، وإني أراكم قد أصغيتم لناعق هذه الفتنة من آذانكم، وألغيتم وقد سمعتم واعية إمام زمانكم، وهو سفينة نجاتكم، وماء حياتكم، وحجة الله عليكم، وابن رسوله إليكم، يستنصركم وتخذلون، ويستنفركم(1) للقاء العدو وتتخلفون، ويدعوكم إلى اتباعه على الحق وأكثركم للحق كارهون، أفما أنتم بمؤمنين بما وعد الله الصادقين، وأعد للمتقين القائمين، بنصرة الأئمة السابقين، ومناصحي ولاة المسلمين، من الخير الجسيم في جنات النعيم؟ ?مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ? [محمد:15]، وما توعَّد به المتخلفين(2) المبطئين الراغبين بأنفسهم عن نفس إمام المسلمين، وسامعي الواعية غير مجنبين من الشر العظيم، والكب على المتأخر في نار الجحيم، والنكال بأصناف العذاب /47/ الأليم، كلاَّ أما لو آمنتم بذلك، وصدقتم، واطمأننتم إليه، وأيقنتم، فرجع عاصيكم وتاب من قريب ومن بعيد، ولازداد مطيعكم في الخير كل مزيد، فإن الإنسان عن الشر ليحيد، وإنه لحب الخير لشديد، ولكنكم فتنتم أنفسكم، وتربصتم وارتبتم وانتظرتم ما تتقلب به الأمور، وغرتكم الأماني وغركم بالله الغرور، فإن كنتم في ريب من رب العالمين فتفكروا ?إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
__________
(1) في (أ): ويستفزكم.
(2) في (ب): والمبطئين.

وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ? [البقرة:164]، ?وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ? [الجاثية:4]، وإن يك ريبكم في الكتاب والرسول ?فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ? [الجاثية:6]، وإن كان الريب في إمام عصركم وخليفة الله فيكم، المتقلد لأمركم، فما غركم به وقد نشأ بين أظهركم، وتربى في حجور علمائكم، وفضلائكم، أناشد الله من عرفه، أو سمع به قبل قيامه ألم يكن أشهر أهل وقته فضلاً وأكملهم نبلاً، وأبرهم وأتقاهم قولاً وفعلاً، وأقومهم طريقة، وأحبهم خليقة)؟ ثم أخذ على هذا الأسلوب، وهي من زهر الرسائل - رضي الله عنه -.
الحسن بن فالت
الحسن بن فالت - رحمه الله - هو الجامع للفوائد، الهمام الفقيه الحسن بن فالت بن عبد الله بن قحطان بن أحمد بن محمد الذهلي الشيباني من كبار الزيدية والجامع لفوائدهم بخط يده، وقد يوجد بخطه كتب عديدة في العلوم بأسرها، وكان يسكن درب الحديد بصعدة، ومما وجد بخطه، ولعله تمثل به:
ألا إن تقوى الله أفضل نسبة ... تسامى بها عند الفخار كريمُ
فيا رب هب لي منك عزماً على التقى ... أقيم به ما عشت حيث أقيمُ
ويا رب هب لي منك حلماً فإنني ... أرى الحلم لم يندم عليه حليمُ
إذا ما اجتنبت الناس إلا على التقى ... خرجت عن الدنيا وأنت سليمُ
كتبه في تاريخ (……)(1)، وقد نقل عنه الشيخ أبو الغمر وغيره - رضي الله عنه -.
__________
(1) في (ب): بياض في الأم.

الحسن بن القاسم الرسي [ق 3 هـ] ت(1)
السيد الكبير العلامة الحسن بن القاسم بن إبراهيم الرسي - رضي الله عنه - من علماء العترة الكبار، وخرج مع ابن أخيه الهادي إلى الحق - عليه السلام- إلى ديار اليمن، ورأيت من الجانب اليماني من قبة الهادي - عليه السلام- بجوار قبر المرتضى صخراً منقوراً فيه اسمه، وإن قبره الشريف هنالك، والله أعلم.
الحسن بن القاسم المنصور بالله [996 - 1048هـ]
__________
(1) وانظر ترجمته في الطبقات الكبرى ق3 ج1 ص323، ترجمة 193، والنبذة المشيرة (سيرة الإمام القاسم بن محمد) تحت الطبع، والجوهرة المنيرة (سيرة الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم) تحت الطبع، (تحفة الأسماع والأبصار سيرة المتوكل (طبع) بغية المريد تحت الطبع وغيرها.

السيد الهمام الحسن بن القاسم المنصور بالله بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن الرشيد بن أحمد بن الأمير الحسين بن علي بن يحيى بن محمد بن الإمام يوسف الأصغر الملقب بالأشل بن القاسم بن الإمام الداعي إلى الله يوسف الأكبر بن الإمام المنصور بالله يحيى بن الإمام الناصر لدين الله بن الإمام الهادي إلى الحق أمير المؤمنين يحيى بن الحسين الحافظ بن الإمام /48/ ترجمان الدين القاسم بن إبراهيم الغمر طباطبا بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الشبه بن الحسن الرضا المثنى بن الحسن السبط بن أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب وابن البتول سيدة نساء العالمين ابنة محمد الأمين سيد المرسلين صلوات الله عليه وعليهم، هو سلطان الإسلام عضد الملة، الجامع لغرائب العجائب وعجائب الغرائب، وكمال الخصال وخصال الكمال، ولا أجد عبارة للتعبير عن حاله فإنه آية من آيات الله في كل خصلة، أما الفقه فكان مذاكراً حسن المذاكرة، سمعت مولانا الإمام المؤيد بالله - عليه السلام- يقول للأخ الفقيه محمد بن الهادي بن أبي الرجال - رحمه الله - وقد طلبه ليستأجره لأداء فريضة الحسن المذكور - عليه السلام-و هو يثني عليه بالفقه، وكان شيخنا الوجيه عبد الرحمن الحيمي يذكر عنه في النحو، وأنه كان سريع الفهم، قال: كنت أحضر تدريسه لولده شمس الإسلام أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين بجهة (ضوران) في (الجامي شرح الكافية)، وكنت أدرس كتباً وأحضر، فإذا ذكرت أول المادة فهمها إلى آخرها وأملاها مستقلاً عني، وكان له في تلاوة القرآن بالروايات حظ لأنه قرأ على الشيوخ أيام حبسه بصنعاء، فأتقن، وزاده الله مادة في التأدية فكانت تأديته تسهي الركب، سمعت المشائخ بصعدة يقولون: إنه كان يدرس في الليل هو وشيخ القرآن العلائي، فإذا دخل الداخل إلى حجرة الدار وسمع التلاوة لم ينهض بنفسه لما يسمع من النغم الداوودي بآيات الذكر. وكان واسع الأخلاق عرفنا جماعته الخاص والأخص، بل

والعام كلهم يرى أنه في محل الاختصاص، يروى عنه مشافهة، وكان في مظهر ملك عظيم الشأن، واسع الجنود حسن الشارة، ما عرف الناس كحواشي أصحابه فضلاً عنه، فإنه كان في المجامع يركب إليه من الكبراء خلائق أتباعهم جم غفير مع أن العدة كاملة من عدة الحرب والإرهاب، روى عنه بعض نوابه أنه كان ينشر أكسية الأمراء، ومن يقرب منهم على أربعمائة نفس، كل من هؤلاء يصلح للمهمات الكبار، وناهيك بما أدال الله للإسلام بحميد سعيه وما استأصل من أعيان الدولة الرومية (كحيدر باشا) بعد أن كان قد استفحل أمره، وعرف اليمن معرفة أهله، وأطاعه كل أحد منهم إلا قليل عصمهم الله، ثم أغار (عابدين باشا).

ثم كانت الطامة (قانصوه باشا) خرج بعدد وعُدَد ما خرج غيره بمثلها، وكان رجلاً ظالماً وعسف السلاطين في طريقه من مصر إلى اليمن، وأخذ نحو الشريف الكبير الحارث الحسني، وأخرج آلات الصلب والأغلال والجوامع من مصر، وما ظن أنه يقوم في وجهه أحد، وأرجف الناس، وبدت أسرار النفاق، وظنوا أنه قد أحيط بهم، فلم يبق إلا الصادقون، وكان أمير المؤمنين المؤيد بالله - أعاد الله من بركته - قد لقي ولده /49/ عماد الإسلام يحيى بن أمير المؤمنين المؤيد بالله - عليهما السلام- إلى أطراف المخلاف السليماني بجنود، وكان الإمام لا تروعه النوازل ولا تفزعه الزلازل، فحصل من جانب التشويشات ما ردا على ما كان من هول هذا الخارج خوفاً على ابن الإمام وجنود الحق، فنفذ الباشا بجنود لا يعلم قدرهم إلا الله، فهم مولانا سيف الإسلام يقصده في جريدة من أبطال المسلمين وعيون العساكر إلى (حيس) يبدأ بالرئيس، فإن الجنود لم يسعها محل، فكانت المحاط متعددة والباشا(1) في حيس، فأراد الغزو له ولا تأتي الأخبار إلا بقتله، وهذه سياسة قد عمد إليها عدد من أمثاله، وإن كانوا قليلاً فما يبلغ هذه الهمة أحد، ففت من عضد هذا العزم رأي أهل الرأي المختبرين لأنهم لا يأمنون مغبته، وكان بعد هذا ما كان من الملاحم الكبار التي طارت أخبارها كل مطار، وذللت أنوف البغاة والكفار، وهي تستغرق مجلدات، بل لا تفي بذلك المجلدات، والقصد هنا إلى مادة العلم، وقد كان بالمحل العظيم، ومع ذلك فهو مواظب على القراءة في أسفاره وفي آخر سني عمره المبارك، جَوَّد في الأصول على شيخ الإسلام محمد بن عز الدين المفتي، وحضر القراءة عيون العلماء كصنوه - حجة الإسلام خليفة الله في أرضه - المتوكل على الله، وكانت محافل تنضى إليها الرواحل، وأما أعطية هذا السلطان الزعيم فمما لا يبلغ كنه(2) الوصف فإنه كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، فأما جنوده
__________
(1) في (ب): والباشا نفسه في.
(2) في (ب): كنهه.

وأعيان الدولة والوفد من الأقاليم القاصية كالعراقين والأندلس فمما لا يلم به حصر، ولقد أخبرني بعض الخواص أنه أربى فيما وزنه للشريف طاهر الإدريس على خمسة وعشرين ألفاً من النقد، وأما الجواهر والنفائس فأمر خارج عن الفكر، وكان يتعهد الهجر بصعده وحوث وجميع الجهات كل سنة، ولقد أخبرني سيدي وشيخي شمس الإسلام أحمد بن سعد الدين المسوري - أدام الله عافيته - أنه بلغه أنه - رضي الله عنه - طاف ببعض الخواص في داره بصنعاء وكان يخبره(1) بما في المخازين، فقال له في مخزان: في هذا بأربعين ألف قرش براً شريته للمساكين خيراً لهم عما استوعبت من أموالهم لجنود الإسلام أيام تهامة.
وأخبرني بعض خدمه أنه كان في بعض الأيام في (جبهان) فوفد من الشرائف عدد من أهل (الكبس) ومن الأشراف فرأى الرجل المذكور أنه لا يليق بهم الإقامة بقرب المحطة، فذهب إلى الخازن وطلب منه ما يحتاج لأولئك من البر فأعطاه جميع الموجود؛ لأن ذلك المحل ليس فيه مخازين، إنما هو منزل قلعة فأخذ الجميع وزلَّج أولئك على حسبما رآه، فلما عاد المولى شرف الإسلام سأل الخازن عن البر، فقال(2): قد جاءنا له فلان فطلبه إليه وسأله أين ذهب بالبر؟ فأخبره بالصفة، فقال: قاتلك الله، كيف لم تطلب لهم يا قليل المروة شيئاً من المصروف مع هذا؟ /50/ وكم أعد من هذه المكارم،
مكارم لو عددتها ألف حجة ... بألسن أهل الأرض لم أحص في العدِ(3)
__________
(1) سقط من (أ): يخبره.
(2) في (ب): قال.
(3) في (ب): لم أحص في عدِ.

وكان في نواله بركات كثيرة، وأثرى جميع أصحابه، وله عجائب باقية، منها أن أمهات أولاده(1) الحرائر والإماء أشبه شيئاً بأمهات المسلمين، لها(2) مقام عظيم، وصدقات وشهرة بالجميل، وذكر يزاحم ذكر الملوك، وهذا اعتبار صحيح اعتبره أهل العقول. ومن عجائبه أن أولاده من الكمال بمحل كل رجل منهم ملأ المسامع والأفواه والمقل، ولهم من المحامد الدثرة ما لا أطيق حصره. ومن عجائبه سداد أحوال المتعلقين به في دنياهم وكونهم مستوري الحالات مذكورين بالتفضلات، فكل أحد منهم مرجع في إقليمه ومفزع. ومن عجائبه أنه افتتح عمارة (حصن الدامغ) الحصن الشهير في حدود أربعين(3) وألف أو بعدها، وعاش بعد فتحه للعمارة إلى شوال سنة ثماني وأربعين وألف، فتم له في هذه الفينة تسهيل طرقه وإحياء أرضه وأوديته وعمارة جامعه والحمامات والدور الوسيعة، وصار مدينة تضاهي صنعاء، وأجرى الله الأنهار فيها وفي براريها، حتى صارت روضة من الرياض، وفيها السعة الكلية، فأما الطرق، فإنه فعل نحو عشرين نقيلاً مدرجة إلى جهات والمزارع يقال إن المثمر من البن عند موته نحو مائة ألف غرسة، وأما العمارات فالوجدان شاهدها كلها في ثمان سنين، وفي هذه السنة غزا تهامة وفيها جيوش الأروام، فأخذ فيها عشر مدن كاملة، نحو (زبيد) و(المخا) و(حيس) و(بيت الفقيه الزيدية)، و(بيت الفقيه ابن عجيل)، و(اللحية) و(الحديدة) و(موشج)(4) و(الصليف) و(موزع)، فضلاً عن جزائر البحر نحو (كمران)، ومواضع عظيمة في البر هي تبع لهذه المذكورات، وهذا كافٍ للناظر في أحواله - رضي الله عنه - وقد كان هم بغزو البلاد القاصية وكاتبه الكبراء من (نجد) و(البصرة) وغيرهما، إلا أنه فاجأه الأجل في التاريخ المذكور بمدينة (الحصين)(5)
__________
(1) في (ب): من الحرائر.
(2) لعلها: لهن.
(3) أي سنة 1040هـ.
(4) المَوْشَج: قرية ساحلية في جنوب مدينة الخوخة، فيما بينها وبين مدينة المخا. (معجم المقحفي ص1687).
(5) الحصين: حصن عظيم يقع على رأس جبل يطل على مدينة ضوران من الشرق، كان يعرف بـ (الدامغ) وهو جبل مشهور من أعمال آنس جنوب صنعاء مسافة (78) كم، به آثار حميرية، وازدهر في عهد موحد اليمن المتوكل على الله إسماعيل الذي بنى فيه جامعه المشهور، وقد أتت على الجامع والقبر والعمارات الزلازل، فدمرت معظمها وهي إلى اليوم أسيرة الإهمال (المحقق)، وانظر معجم المقحفي 154 ط1.

التي عمرها تحت حصنه الدامغ - رحمه الله - وله أشعار منها ما قاله أيام اعتقاله بصنعاء إلى والده أمير المؤمنين نحو الدالية التي حرضه على الصلح، فمنها وأولها:
مولاي إن الصلح أعذب موردا
وهي مشهورة، وله القصيدة الهمزية وغير ذلك - أعاد الله من بركته - وترجم له قاضي الإسلام وبركة علماء الأعلام شمس الدين أحمد بن سعد الدين المسوري - رحمه الله - فقال ما لفظه: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ضريح من شرف قدره وقدر أهله عن ممادح المخلوقين، ويجل شأنه وشأن آبائه المطهرين، عن أن يزيدهم شرفاً ثناء ألسنة الناس لولا أن في الثناء عليهم شكراً لنعمة الله بهم على عباده المرزوقين إذ هم صنائع ربهم عز وجل، والناس بعدلهم(1) صنائع ومستودعو وراثة كتاب الله وخلافة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - والناس في أيديهم ودائع) وما عسى أن أقول فيمن ملأ المشرقين والمغربين ذكره، وأين يبلغ قدره من التنويه/51/ لذكر من علا على دراري النجوم قدر أهله وقدره، وماذا آتي وما أذر ممن حسبه أن أباه أمير المؤمنين المنصور بالله(2) الذي قام به الإسلام بصره، وأخاه أمير المؤمنين المؤيد الذي أضاء به من الحق بدره، وهو في نفسه الشرف الذي سما به من الدين الحنيف فخره، أأذكر العلم؟ فهل العلم إلا من نورهم يقتبس؟ أم أذكر الحلم؟ فهل الحلم إلا في بيتهم يلتمس؟ أم أذكر النسب؟ فهل له من مناسب؟، أم أذكر مواقف الجهاد في سبيل الله؟ فهل هو إلا حاكي جده علي بن أبي طالب، أم أذكر الكرم فهل تخفى الشمس زاد الضحى على ذي مقلة؟ أم أذكر الأخلاق فهل رأت عين أو سمعت أذن في الناس مثله؟ من كان لأبيه أمير المؤمنين المنصور بالله عضداً عاضداً، ولأخيه أمير المؤمنين المؤيد بالله سيفاً مسلولاً على أعداء الله وأعدائه حاصداً، وللإسلام وأهله معقلاً وحصناً، وللعترة المطهرة - سلام الله عليها - موئلاً عند الحادثات
__________
(1) في (ب): بعد ذلهم.
(2) سقط من (ب): بالله.

وأمناً، السيد الذي جمع السيادة بأطرافها، والهمام الذي تبوأ مقعد المجد الرفيع فحاط الملة الحنيفية من أكنافها، والقرم الذي علت هممه إلى أشرف المفاخر، فملكها بأسرها ذي النفس التي لا تنافس والعزائم التي سارت في الخافقين، فلم يكن حاضرها أخص بمعرفتها من غائبها، ولا أنس الحسن بن أمير المؤمنين المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن الرشيد بن أحمد بن الأمير الحسين بن علي بن يحيى بن محمد بن الإمام يوسف الأصغر الملقب بالأشل بن القاسم بن الإمام الداعي إلى الله يوسف الأكبر بن الإمام المنصور بالله يحيى بن الإمام [الناصر لدين الله أحمد بن الإمام الهادي لدين الحق أمير المؤمنين يحيى بن الحسين الحافظ بن الإمام](1) ترجمان الدين نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم الغمر طباطبا بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الشبه بن الحسن الرضا المثنى بن الحسن السبط بن أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب، وابن فاطمة البتول سيدة نساء العالمين ابنة محمد الأمين، سيد المرسلين رسول رب العالمين - صلى الله عليه وآله وسلم - نقله الله إلى جواره الكريم أول المغرب من ليلة الأحد الثالث من شوال عام ثمانية وأربعين بعد ألف، أكرم الله مثواه ورفع في الفردوس الأعلى مأواه، وبيض وجهه، وأتم نوره، ورفع درجته بحق محمد وآل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). مولده - رحمه الله تعالى - بعد صلاة العشاء ليلة الاثنين غرة شهر رمضان الكريم عام ستة وتسعين وتسعمائة، فمبلغ عمره اثنتان وخمسون سنة وشهر وليلتان.
(بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى
هذا ضريح الأسد الهصور ... الحسن بن القاسم المنصور
حامي الذمار فارس الكتائب ... نسبه(2) علي بن أبي طالب
الأشرف بن الأشرف بن الأشرف ... ونور بيت الحكمة المشرف
__________
(1) ما بين المعكوفين سقط من (أ).
(2) في (ب): كذا.

من كان بحراً لا يرام ساحله ... وغيث خصب عظمت سوائله
من كان للإسلام حصناً حاصنا ... وللمعالي كافلاً وحاضناً
تضيء مكرماته في الأنسِ ... كالنجم بل كالبدر بل كالشمسِ
بيت القصيد أوحد الزمانِ ... سليل صِيْدٍ شامخ البنيانِ
من ذلك البيت الذي جبريلُ ... لأهله(1) دون الورى نزيلُ
/52/ مالهمُ في الناس من مثيلِ ... قد منحوا وراثة التنزيلِ
من لأبيه حجة الرحمنِ ... على البرايا إنسهم والجانِ
كان معيناً كافياً ما نابا ... كم موقف عنه كفى ونابا
ولأخيه القائم المؤيد ... الأمجد بن الأمجد بن الأمجد
على أعادي الحق سيفاً صارماً ... وأسداً (قصاقصاً)(2) (ضبارماً)
وكم له من موقف مشتهرِ ... في أبيض وأسود وأحمرِ
تعدادها يعد(3) في الفهاهة ... لأنها كالشمس في النباهة
وفي الظهور لذوي الأبصارِ ... فلا يصل في صفة النهارِ
فزره يا من تبتغي المفازا ... من ربه ويطلب الجوازا
على الصراط إن آل أحمدْ ... لهم لدى الله كريم مشهدْ
من زار قبراً منهم مبشرُ ... بأعظم التبشير حين ينشرُ
يشيله بضبعه محمد ... حين يقوم في مقام محمد(4)
من غمرة الحشر وأي غمرةْ ... لأنه زار قبور العترةْ
يا لك قبراً كان في (ضورانا) ... أكبر قدراً وأجل شأنا
هل تعلمن يا قبر من ذا فيكا ... ومن بمثواك ثوى وشيكا
ما كنت فيه طامعاً مذ كنتا ... وأن تضم ما ضممت أنتا
يا عجباً بحفرة كشبرِ ... إذ وسعت بحراً وأي بحرِ
ضمته من أطرافه لما هدا ... يا ليت شعري ما عدا مما بدا
قالوا وقد شالوا على الأعناقِ ... رضوى بعيد النيل والمراقي
وقلبوه فوق ذاك المغتسلْ ... يا عجباً لغاسل ومن حملْ
يا صاح في الموت أجلَّ عبرةْ ... لعاقلٍ فليأخذنَّ حِذْرَهْ
__________
(1) في (ب): لبيتهم.
(2) في (ب): قضاقضا.. قُصاصاً: أسد قُصاص: نعت. (القاموس المحيط ص579). ضُبارماً: الضُبَارم: الأسد أو الرجل الجريء على الأعداء. (المرجع السابق، ص1042).
(3) في (ب): تعد.
(4) العجز غير موزون. (زائد).

زلزل خطب الحسن الكريمِ ... حامي العلا ذي الحسب الصميم
عرشاً من المجد رفيع المبنى ... وواعظ الأقصى به والأدنى
فالعجب البالغ ممن يعقلْ ... وقد يرى الموت وكيف يغفلْ
يا رب أسبل غيثك المريعا ... برحمةٍ تنزلها سريعا
على ضريح حل فيه الحسنُ ... فأنت من له العطاء الأحسنُ
وآته منك الرضا والمغفرةْ ... ومن مفاز الفائزين أكبرهْ
وأجبر لنا هذا المصاب النازلا ... بطول عمر من حوى الفضائلا
إمامنا خير الأنام كلهمْ ... مفزعهم في عقدهم وحلهمْ
فإن فيه جبر كل فائتْ ... وكل خطب للأنام باهتْ
دام لإحياء الهدى ونشرهْ ... وحفظ دين ربنا ونصرهْ
أيده الله بخيرة الورى ... من صفوة الله وثيقة العرى
من ولد المنصور صِيد الصيدِ ... وسادة القريب والبعيدِ
ومن يواليهم من الساداتِ ... من عهدوا بسادة العاداتِ
وكل عبد صالحٍ متابعْ ... مؤازرٍ مناصح متابعْ
واجعل له يا ربنا نصيراً ... منك وأملاك السماء ظهيراً
وصل يا رب الورى وسلمْ ... على النبي الطاهر المكرمْ
وآله ونجنا من المحنْ ... ومن مضلات الهموم والفتنْ
إنك رحمن رحيم ساترُ ... وظننا فيك الجميل الغامرُ
وحسبنا الله ونعم الحسب ... الله رب الخلق نعم الرب
(فهي مقطعة مرثية) (1)
حسن كيا الجرجاني [ق 5 هـ] ت
الإمام حسن كيا الجرجاني عالم كبير من الفقهاء المؤيدية، ذكره الملا يوسف حاجي - رضي الله عنه -.
الحسن بن محمد بن عبد الله [ - 251هـ]
__________
(1) زيادة في (ب).

الإمام العالم /53/ الحسن بن محمد بن عبد الله بن الأشتر بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن - عليهم السلام- ذكره المنصور بالله - عليه السلام- قال قتله المقتدر العباسي(1).
الحسن بن محمد الحسني [ق 6 هـ]
__________
(1) في مشاهد العترة الطاهرة ص 163 في ذكر من قتل بفيد وهي منزل بطريق مكة على طريق الشام، ويقال بليدة بنجد على طريق الحاج العراقي، وقال الحموي: فيد منزل بطريق مكة وفيد بليدة في نصف طريق مكة من الكوفة معجم البلدان 6/408، قال صاحب المشاهد: قتل بها الحسن بن محمد بن عبدالله بن محمد النفس الزكية بن عبدالله بن الحسن بن الإمام الحسن عليه السلام قال أبو الحسن العمري في المجدي قتله طي في ذي الحجة من سنة إحدى وخمسين ومائتين وقبره بفيد، وكان أحد أجواد بني هاشم المعروفين، قتل في أيام المعتزل، وقال أبو الفرج في المقاتل: قتل في طريق مكة قتله بنو تيهان من طي في زحف المقتدر، وقال ابن عنبة: قتله طي في ذي الحجة سنة 251هـ. انتهى.

السيد الكبير الحسن بن محمد الحسني المعروف بابن القاضي من بني المرتضى بن الهادي - عليه السلام- هو الشريف الكبير، رحلة الطالبين من ولد الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين - عليهما السلام- وهو من أهل صعدة ونواحيها، وكانت إقامته بأملح من بلد شاكر من همدان، وبها توفي - رحمه الله - وكانت قد اشرأبت إليه الزيدية باليمن، وفزع إليه فرقاؤهم(1) الجميع، فامتنع عن الدعوة، وقد كان جاءه العلامة محمد بن عليان البحيري فلم يسعفه، وكان ذكياً عاقلاً زكياً ورعاً ديناً فاضلاً، له حظ من العلم واسع، قرأ عليه الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان - عليه السلام- وكان يستملي للكتابة سطوراً نحو ستة أسطر - أعاد الله من بركته - ودخل إليه العلامة مفضل بن علي المعروف بالغندر الزيدي، والعلامة أحمد بن داود الريدي - بالراء - نسبة إلى ريدة الزيدي، وهما كبيران في زمانهما وأرادا بعثه على الدعوة فلم يسعدهما، وكانا عالمين كبيرين يردان على المطرفية - رحمهما الله - ومما كتب الإمام أحمد بن سليمان - عليهما السلام- إليه يحضه على القيام بالأمر.
قال سليمان بن يحيى الثقفي - رحمه الله(2) -: وكان عفيفاً زاهداً ورعاً عابداً ممن يرجى للقيام، ويشار إليه، وكان الإمام - عليه السلام- يرجوه ويكاتبه ويحثه على القيام فمما كتبه إليه شعراً [يقول فيه](3):
هو الدهر أما صرفه فنوائب ... تعمُّ وأما حكمه فعجائبُ
ومن عجب الأيام أن ذوي الردا ... غرارٌ وأن الجور للعدل غالبُ
عسى الله أن ينثار للحق إنه ... مضاع مهان كالح الوجه عاطبُ
بأروع من آل النبي مطهر ... كريم له فوق الثريا مراتبُ
وإن ذوي العليا الكرام أذلة ... ضعاف وأن الندب للنذل راهبُ
الحسن بن محمد بن عمر(4) [..... - ......]
__________
(1) في (ب): فُرَيْقَاهُمْ الجميع.
(2) هو مؤلف سيرة الإمام نصر بن سليمان عليه السلام.
(3) ما بين المعكوفين ساقط من (أ).
(4) هذه الترجمة ساقطة من (ب).

الشريف الخطير العلامة الكبير أبو محمد الحسن بن أبي الحسن محمد بن عمر بن علي العلوي الحسيني الزيدي - رحمه الله - عالم يهتدى بمناره، وعامل يقتدى بآثاره، قرأ على الشيخ أبي الفضل محمد بن عبد الله الشيباني الزيدي - رحمه الله تعالى - وغيره من المشيخة.
الحسن بن محمد بن عمر العلوي(1)
السيد الشريف الكامل الحجة المسند أبو محمد الحسن بن أبي الحسن محمد بن عمر بن علي العلوي الحسيني الزيدي، هو أخو السيد العلامة أبو طاهر إبراهيم بن أبي الحسن المتقدم ذكره، وقراءتهما جميعاً على الشيخ أبي الفضل محمد بن عبد الله الشيباني.
الحسن بن محمد بن دانة [....... - ق 4 هـ]
ابن دانة، هو الحسن بن محمد بن دانة، من أهل صعدة، وكان وراقاً كاتباً للدفاتر، وله خط قل ما يشبهه(2)، وهو من تلامذة الضهري المتقدم ذكره والضهري من تلامذة محمد بن الفتح تلميذ المرتضى، وكان سماع ابن دانة على الضهري في شوال سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وسماع الضهري في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.
الحسن بن محمد الرصاص [546 - 584] (3)
/54/ الشيخ الحسن بن محمد الرصاص، هو الشيخ الكبير المتكلم شحاك الملحدين بن الحسن بن محمد بن الحسن الرصاص، وقد تقدم نسبه في ترجمة حفيده الشيخ أحمد بن محمد. كان هذا الشيخ آية من آيات الله واسع الدراية، نقاباً(4) قليل النظير، قال مولانا العلامة الحسين بن المنصور بالله القاسم بن محمد(5) إنه يظنه أجل أهل اليمن قدراً، أو قال من أجلهم قدراً: بلغني ذلك عن بعض تلامذته - رحمه الله -.
__________
(1) هذه الترجمة ساقطة من (ب) وهي في (أ)، وهي نفس الترجمة الأولى تكررت.
(2) في (ب): يشبه.
(3) انظر عن مصادر ترجمته ومؤلفاته أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 331، الطبقات الكبرى ق3 ج1 ص333، ترجمة 192.
(4) نقاباً: النِّقاب بالكسر: الرجل العلاَّمة. (القاموس المحيط1 ص141).
(5) في (ب): - عليه السلام-.

قلت: وحسبه قول الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليهما السلام- وكان من تلامذة الشيخ - رحمه الله - والشيخ من تلامذة القاضي جعفر، وقد يتوهم من يتوهم أن الإمام قرأ على القاضي جعفر، وهو غلط، فمن شعر الإمام فيه:
يا من علا في العلوم مرتبة ... يقصر عن نيل مثلها البشرُ
أهدى لنا النور وهو مبتعد ... عنا ولا غرو هكذا القمر
أغر يستنزل الغمام به ... تضل في كنه علمه الفكر
يجري فلا الزّبيرِيُّ(1) يقطعه ... كلا ولا الماهرون إن مهروا
حل الذي يسهر الكهول له ... وهو فتى ما بخده شعر
ذاك عطاء المليك فاستئوا(2) ... يا حاسدين عليه وانزجروا
أحبه والذي يحج له النـ ... ـاس إلى مكة ويعتمروا
ماذاك إلا لأنه رجل ... لدين آل النبي معتصر
ولمح الإمام - عليه السلام- بقوله:
حل الذي يسهر الكهول له ... وهو فتى ما بخده شعر
إلى مسألة الحلول وهي:
(……)(3)
__________
(1) . كذا في (أ) و (ب).
(2) كذا في (أ) و (ب)، وفي الطبقات: فاثنوأ.
(3) فراغ في (أ) و (ب) جميعاً.

فإنها تحيرت ألباب النظار فيها، فأجاب وهو ابن أربع عشرة سنة، والرسالة الطوافة التي جابت الأندلس وأفريقية والشام والعراقين، وأجاب عنها الإمام المنصور بالله بجوابه الذي قال في خطبته: أما بعد، فإن الرسالة الطوافة انتهت إلينا إلى اليمن قاطعة خطامها، حاسرة لثامها، ثم قال بعد كلام عظيم: فلما اتصلت بحسام الدين رئيس الموحدين أبي علي الحسن علامة اليمن عاينت ما يبهر العقول نوراً، وكسرت طرفها، وطامثت(1) إلفها، وسلمت له القياد، وقالت له: أنت خير هاد، وكان يؤمئذ مشغولاً بالتصانيف والأجوبة التي لا يقوم بها سواه، ولا ينهض بها أحد إلا إياه، فدفعها إلي، وكنت قد اغترفت من تياره غرفة طالوتية أفرغت علي صبراً، ومنحتني على المناضل نصراً /55/ ثم أجابها أحسن(2) جواب، وأوضح خطاب، ووسم الجواب (بالجوهرة الشفافة الرادعة للرسالة الطوافة) (3)، وأجابها الإمام وعمره عشرون سنة، واطلع على الجواب شيخه المذكور، فتعجب وقال: علم الله لو كنت أنا المجيب ما اهتديت إلى جميع ما أورده من العلوم، كان الحل متوجهاً على الشيخ فناب عنه(4) الإمام واستحسنه الشيخ وقال: والله لقد هدي إلى أشياء ما كنا لنهتدي إليها أو كما قال.
__________
(1) في (ب): وطامنت.
(2) في (ب): بأحسن.
(3) طبعت ضمن مجموع مؤلفات الإمام عبدالله بن حمزة بتحقيقنا.
(4) في (ب): فناب عنه تلميذه الإمام.

وللشيخ مصنفات عدة، منها (كتاب حافل في مناقضات أهل المنطق)(1)، ومنها (الفائق في الأصول) (2)، ومنها (التبيان) (3) في الكلام، ومنها (الكاشف لذوي البصائر في إثبات الأعراض والجواهر) (4)، ومنها (العشر الفوائد) (5)، ومنها (كتاب المقصود في المقصور والممدود) (6)، وجواب القاضي الرشيد المسمى (بتقريب البعيد من مسائل الرشيد) (7)، والقاضي الرشيد المذكور هو أحمد بن علي بن إبراهيم بن الزبير الغساني الأسواني المصري، يلقب بالرشيد، وكنيته أبو الحسن، مولده (بأسوان)، وهي بلدة من صعيد مصر، وخرج منها إلى مصر فأقام بها واتصل بملوكها في آخر أيام بني عبيد، ومدح وزراءها، وتقدم عندهم، وكان شاعراً كاتباً فقيهاً نحوياً لغوياً عروضياً مؤرخاً منطقياً مهندساً عارفاً بالطب والموسيقى والنجوم، وأنفذ برسالة إلى اليمن، ثم قلد قضاة اليمن ولقب بقاضي القضاة، ولما استقر بها سمت نفسه إلى رتبة الخلافة فسعى فيها وأجابه قوم، وسلم عليه بها وضربت له السكة وكتب على أحد وجهي السكة: قل هو الله أحد، وعلى الوجه الآخر: الإمام الأمجد أبو الحسن أحمد، ثم قبض عليه ونفذ مكبلاً إلى قوص، وجرت عليه أمور عظيمة وأهوال كثيرة، ثم اتصل بالسلطان صلاح الدين بن أيوب في قدومه إليه من سكندرية(8)، وقاتل المصريون معه، ولم يزل شاور وزير
__________
(1) لم أجد له نسخة خطية.
(2) الفائق في أصول الفقه لم أجد له نسخة خطية.
(3) التبيان لياقوتة الإيمان وواسطة البرهان، قيل: جمعه عن أبي الفضيل عباس بن شروين مخطوط في 241 ورقة بالمكتبة الغربية بالجامع برقم (219) كلام صورة بمعهد المخطوطات وأخرى بمكتبة عبدالله الوزير في السد.
(4) لعله كيفية كشف الأحكام والصفات عن خصائص المؤثرات نسخ خطية كثيرة منها نسخة بمكتبة السيد محمد بن عبدالعظيم الهادي.
(5) لم أجد له نسخة خطية.
(6) ذكر له الحبشي نسخة خطية بمكتبة الفاتيكان.
(7) لم أجد له نسخة خطية.
(8) في (أ): سكندر.

بني عبيد يطلبه حتى ظفر به فقتله شنقاً وضرباً(1)، سنة ثلاث وستين وخمسمائة ولقي من رجال الزيدية عليان بن سعد وجماعة من الزيدية، وأورد عليهم، وراجعهم، وكانوا فقهاء لا يتمسكون من الإجابة إلا بأقوال الأئمة، فحضر نشوان بن سعيد، وقال له: هؤلاء فقهاء مذهبنا، لكن أنا أتولى جوابك، فلم يزل يراجعه حتى أفحمه، وكان ذلك الاجتماع بنجران، وكان بين الرشيد وبين الحسن الرصاص - رحمه الله - مراجعات، وكتب إلى الشيخ أبياتاً سأله عنها وأجابها بأحسن جواب، ولم يزل يرتفع شأن الرشيد حتى وصل زيد بن الحسن البيهقي - رحمه الله - فتضاءل، وصغر، وتشوق إلى ديار مصر، وكتب إلى أخيه والجواب الذي ذكرناه أولاً عن الشيخ الحسن بمسائل الرشيد لم يكن موجهاً بها إلى الشيخ الحسن بل إلى العلامة زيد بن عطية - رحمه الله - وكان عمر الشيخ الحسن يوم الإجابة تسع عشر سنة، وكان تصنيفه في الأدب وهو ابن أربع عشرة سنة وفي الكلام /56/ وهو ابن خمس عشرة سنة، ومات عن ثماني وثلاثين سنة في يوم الاثنين من شوال سنة أربع وثمانين وخمسمائة سنة، وقبره في هجرة سناع تحت قبر القاضي جعفر خارج المشهد من جانب الشرق - رحمه الله - فمولده على هذا في حدود ست وأربعين، قالوا: قدم إلى القاضي بهجة الإسلام حافظ العلوم شحاك الملحدين جعفر بن أحمد - عليه السلام- وهو غلام بذؤابة، والقاضي الرشيد المذكور اختلط بالسلطان حاتم بن أحمد، وامتزج به محمد بن أحمد صنو السلطان لتوغله في الباطنية، فإنه عالمهم وشاعرهم، وأما السلطان فقد سبق ذكر حاله وحال أخيه أسعد، ومن جملة ما قال محمد بن أحمد صنو السلطان في كتابه كتاب التصريح
ديني ودين الرشيد متحد ... ودين أهل العقول والحكم
__________
(1) في (ب): صلباً.

والقاضي الرشيد هو الذي اعتنى للسلطان حاتم بعمارة دار بصنعاء يشبه القاهرة بمصر، ولم يكن في اليمن مثله، وأخربه الإمام أحمد بن سليمان - عليهما السلام- (لما دخل صنعاء، وأخرج حاتماً عنها، ولعل الإمام الناصر - عليه السلام-)(1) ضاهاه بالمعقلي الذي بناه بظفار، فإنه من عجائب البنيان، وفيه يقول الواثق - عليه السلام-:
وما بنت المقاول من(2) ظفار ... كأبنية الفواطم في ظفار(3)
يريد بنا والفواطم هو هذا المعقلي، وهو بناء غريب الشكل تام الصنعة، وما بنت المقاول وهم أقيال حمير في ظفار يحصب، وهو من أنيق البناء لا تفي بوصفه العبارة، والله أعلم.
الحسن بن محمد بن إبراهيم [ - ق هـ]ت
الفقيه العلامة الكامل الحسن بن محمد بن إبراهيم بن محمد (4)بن يوسف بن محمد بن عبيد بن يزيد بن مزهر الحوالي، هو أخو المبارك جد العلامة علي بن أحمد الأكوع - رحمهم الله - كان صاحب علم ومعرفة بالنجوم والحساب طائلة واسعة، وتزوج ذو الشرفين - رحمه الله - أخته بشهارة(5)، وماتت عنده، ثم تزوج بأختها، والله أعلم(6).
الحسن بن محمد النحوي [ - 791هـ] (7)
__________
(1) ساقطة من (أ).
(2) في (ب): في.
(3) في (ب): كما بنت الفواطم في ظفار.
(4) في (ب): ين إبراهيم بن محمد بن يوسف.
(5) سقط من (أ).
(6) ووالده محمد بن إبراهيم، كان من أعيان عصره، هاجر من صنعاء إلى شهارة فكان من أعوان ذي الشرفين، وبها توفى، انظر سيرة الأميرين الجليلين 12، 58، 60، وما بعدها.
(7) انظر عن مصادر ترجمته ومؤلفاته الطبقات الكبرى ق3 ج1 ص236 ترجمة 193، وأعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 330.

الحسن بن محمد النحوي - رحمه الله تعالى - هو شيخ الزيدية وعالمهم، ومفتي الطوائف وحاكمهم، الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد سابق الدين بن علي بن أحمد بن أسعد بن أبي السعود بن يعيش النحوي الصنعاني اليمني المذحجي العنسي - رحمه الله - علامة تعطو له أعناق التحقيق، عبّادة تلحظ إليه أحداق التوفيق. قال في حقه صاحب الصلة: وأما الفقيه حسن بن محمد النحوي فهو شيخ شيوخ الإسلام، مفتي فرق الأنام، مؤسس المدارس في اليمن، محيي الشرائع والسنن، طبق فضله الآفاق، وانتشر علمه وفاق، ومضت أقضيته وأحكامه في مكة ومصر والعراق، وبلاد الشافعية لا يعاب ولا يعاق، كانت حلقته في فقه آل محمد تبلغ زهاء ثلاثين عالماً ومتعلماً في حلقة واحدة، فشيوخ بلاد مدحج وآنس والمغرب وصنعاء وذمار وحجة والشرف والظاهر وبعض شيوخ الشافعية بحقل يحصب هم درسته وتلامذته وهو شيخهم، وله تصانيف رائقة ومسائل في الفقه لائقة، وأنظار منورة واجتهادات مسطرة، علماء العصر والأوان عاكفون عليها ومواضبون على درسها، وهي ستة مجلدة مفيدة جداً، منها كتاب /57/ في التفسير سماه (التيسير) (1)، ومنها كتاب في علم المعاملة(2)، كان لا يفارق كتبه في أكثر الحالات، وكان يقول: ذكر الصالحين وكراماتهم جلاء للقلوب.
قلت: ومن مصنفاته (التذكرة الفاخرة) (3) كتاب حافل الفوائد(4) كما قال السيد يحيى بن المهدي الحسيني، أظنه مصنف الصلة المذكور، ولعله إنما سقط اسم التذكرة في تعداده لمؤلفات الفقيه حسن، وهي أشهر مصنفاته.
__________
(1) التيسير في التفسير مخطط في (229) ورقة برقم (22) تفسير المكتبة الغربية جامع صنعاء.
(2) لم أجد له نسخة خطية.
(3) التذكرة الفاخرة في فقه العترة الطاهرة، كتاب شهير، منه 17 نسخة في مكتبة الأوقاف بالجامع الكبير وخمس نسخ في مكتبة جامع شهارة ونسخ كثيرة، انظر كتابنا مصادر التراث في المكتبات الخاصة في اليمن وهو تحت التحقيق.
(4) لعلها: بالفوائد.

حوت هذه الأوراق أسنى المسائلِ ... فبخ لها من بغية للمسائلِ
فيا سائلي عنها إليك فإنها ... تُبين سمات الشيء عند التناضلِ(1)
فلا تغترر(2) بالصخر في كبر حجمها ... فما حجر الياقوت مثل الجنادلِ
أكب عليها كي تنال مفاخراً
... إذا شئت أن تزها(3) بها في المحافلِ
وتعلو على العليا برغم مراغم ... وترقى محلاً فيه كبت المناضل
ففيها من الدر النظيم قلائد ... صنيعة نبراس تقي حُلاحلِ(4)
هو الحسن النحوي من سار ذكره ... وحل من العلياء أعلى المنازلِ
لعمرك ما جاء الزمان بمثله ... بعصرك يا هذا ولا في الأوائلِ
وممن قرض لها الحسن العدوي - رحمه الله - فقال: أنفذ نظام الإعجاز في سلك فرائدها ووسم بحكم التلخيص على أنوف شواردها، وأظهر على رؤوس الأشهاد ستارها، وشيد في دست التدريس منارها، حتى استقلت من التهذيب على أتم(5) قواعدها، فاعجب لها(6) من مشيدة وشائدها، الصدر النبيل والحبر الجليل، المغترف من يم الفقه ومعينه والخاطم لنوادر مسائله بيمينه، شرف الدين وبغية المسترشدين(7) الحسن بن محمد بن الحسن النحوي:
تصنيف نضرتها علماً وأتحفها ... حلماً وصادقها سمئاً فلا ترقُ
بحر خضم وقاموس لمسألة ... في شطه موجات الفقه تختفقُ
نبراس مدرسة فكاك معظلة ... حلاّل مشكلة إن ضاقت النطقُ
في العلم تذكرة من عالم جمعت ... في الشرع ما هو في الآفاق مفترقُ
الأشرف الحسن النحوي حاكمنا ... علامة اليمن الصمصامة اللبقُ
جازاه ربي عن الأقوام مغفرةً ... فإنهم بالتزام الفقه قد وثقوا
صيغت لنا كهلال الأفق مبتلجاً ... إذا دجى من دياجير الدجى غسقُ
إن الشريعة بحر مزبد لجب ... هذي سفينة نوح فيه تخترقُ
__________
(1) في (ب): التفاضل.
(2) في (ب): تغتر.
(3) لعلها: تزهو.
(4) حُلاحل: الْحُلاحل بالضم، السيد الشجاع. (القاموس المحيط ص908).
(5) في (أ): أم.
(6) في (ب): بها.
(7) في (ب): وداعية الشيعة المبرزين.

إلى آخر الأبيات، وسيأتي آخرها [إن شاء الله تعالى](1) في ترجمة محمد بن الحسن المدحجي تلميذ الفقيه حسن(2) وأستاذ العدوي، والعدوي(3) هذا هو صاحب تخميس قصيدة الصفي الحلي وأظنه صاحب (العباب)، وسيأتي ذكره، وذكره(4) غيره من أهل بيته.
قلت: وفيها كتاب (السبق) ليس للفقيه الحسن بل لتلميذه الفقيه يوسف بن أحمد فإنه ألغاه. قال الفقيه يوسف /58/: وقد وضعت فصلاً في ذلك(5)، وعرضته على الفقيه الحسن - رحمه الله تعالى - وقال: من تأليف السيد (……)(6) وللفقيه الحسن - رحمه الله - (تعليق اللمع) (7)، وقد كان رجع عنه كما حكاه الفقيه يوسف.
قلت: لكنه أجازه للفقيه العلامة أحمد بن محمد قرين الإمام الناصر وصاحبه، ولعل هذا رجوع عن الرجوع، فإنهم صرحوا أنه بعد الرجوع، وذكر القاضي العلامة أحمد بن يحيى بن حنش - رحمه الله - أن للفقيه حسن على اللمع تعليقين أحدهما المسمى (بمنتهى الغايات)، وهو الكبير، والآخر يسمى (بالروضة). قال: وله كتاب اختصره من (الانتصار)، وله تعليق الحفيظ(8)، وقد قال(9) بعض شيوخنا - أيده الله -: إنه المرجوع عنه لا تعليق اللمع، وهذا الذي ذكره(10) الفقيه يوسف بن أحمد. وله كتاب (منتهى الآمال في مشكل الأقوال) كتاب لطيف الحجم، لكنه مفيد في بابه.
__________
(1) ما بين المعكوفين سقط من (أ).
(2) في (ب): الحسن.
(3) سقط من (أ): والعدوي.
(4) لعلها: وذكر.
(5) في (ب): وقد وضعت في ذلك فصلاً.
(6) فراغ في (أ) و (ب).
(7) انظر مخطوطاته هامش 5 ج1 ق3 من الطبقات ص 338.
(8) يوجد شرح الحفيظ ليوسف بن محمد الأكوع قال الحبشي مخطوط بمكتبة الإمبروزيانا رقم 73.
(9) . قال. ظ
(10) في (أ): ذكرناه.

وله كرامات، منها ما روى لي الأخ(1) النبيه العارف عبد الله بن محمد بن صلاح السلامي - رحمهم الله جميعاً - قال:كنت أيام قراءتي بصنعاء واقفاً بقرب مشهد النحوي، وإذا قد أقبل الشيخ المتكلم الرباني العلامة أحمد بن عبد الله الغشم، وهذا أحمد بن عبد الله من علماء وقته وأهل الفضل فيه، وهو أعلم من أخيه محمد بن عبد الله الزاهد المشهور، فهو حري بإفراد ترجمة، وتوفي - رحمه الله - في صنعاء المحمية في أفراد أربعين وألف سنة.
قال القاضي عبد الله [فوصل](2): أحمد الغشم إلي، فقال(3): من أنت؟ فأخبرته إني من بني سلامة، فقال: لعلك ابن القاضي محمد بن صلاح، فإنه بلغني أن له هنا ولداً يطلب العلم، قلت: له نعم، فسأل فأين قبر النحوي؟ قلت: هو هذا، فقال: يا ولدي احفظ عني أنه أخبرني فلان العالم الفاضل وسماه(4) أنه خرج إلى هنا، فوقف عند قبر النحوي وقرأ سورة الأنعام، أو قال: الأعراف السهومني قال: فصعد نور مثل الخيمة على قبر النحوي - رحمه الله - واستمر ذلك ساعة طويلة.
__________
(1) في (ب): الأخ الفقيه.
(2) سقط من (أ).
(3) في (ب): قال القاضي عبد الله: فوصل أحمد الغشم إلي.
(4) عن فلان الفاضل العالم وسماه.

قلت: ومما يعد من كراماته ما وجد بخط السيد العلامة الفاضل بن الحسين بن علي الأخفش الهدوي - رحمه الله - قال: وجد في بعض الكتب بخط أحمد بن محمد بن علوان المدحجي - رحمه الله - ما لفظه: رأيت ورقة لحيّ الفقيه العابد إبراهيم الكينعي - رحمه الله - فيها سمعت أهل المذاهب المختلفة في بيت الله الحرام يبكون، ويتضرعون إلى الله بالدعاء، فداخلني هل الحق معهم؟ فسألت الله عز وجل أن يريني الحق، فإذا بهاتف أسمع صوته ولا أرى شخصه في جوف الليل، وهو يقول: لا يغرنك بكاؤهم وإن بكوا فالحق مع القاضي الحسن بن محمد النحوي وعصبته، ووجد بخط القاضي(1) صالح بن عمرو الحشبي - رحمه الله - سمعت الفقيه محمد بن علي النهمي يقول: رأيت القاضي الحسن بن محمد النحوي وهو يقرأ هذه الآية: ?إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ..? [التوبة:111] إلى آخر السورة، فلما بلغ ?التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ..? [التوبة:112] /59/ إلى آخر الآية رأى رجلاً يقريهم وهو يقول: هذا والله منهم، انتهى.
وأذكرني ما حكاه الكينعي ما حكاه لي شيخي شيخ آل الرسول إبراهيم بن محمد المؤيدي - أسعده الله - قال: لما حججت إلى بيت الله لم أشعر إلا برجل جليل المقدار من العجم له شارة حسنة، فسألني ما مذهبي، فأخبرته، فقال: يا مولاي، رأيت علي بن الحسين وجماعة من آل محمد أظن أن منهم السبطين هذا ظن مني أنا، قال: رأيت هؤلاء يصلون خلفك فعلمت أن الحق مع طائفتك وطلبت من السيد أن يضع له موضوعاً في الأصول والفروع، ففعل ولبث أياماً وعاوده بكتاب إلى صعدة، انتهى.
__________
(1) في (ب): الفقيه.

قلت: قال السيد يحيى بن المهدي في كتاب الصلة: وكانت أخلاقه شبيهة بأخلاق رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ينبسط للقريب والبعيد، مجلسه العام الناس فيه (على)(1) سواء، قد وظف وظائفه يجعل في اليوم ثلاثة أوقات للإقراء تامة، وللحكم وقتين لحاجة الناس الماسة إلى أقضيته وأحكامه، وللنسيخ وقتاً يعود به على نفسه وأولاده، وما كان يأكل إلا من كدِّ يده حتى لقي الله، وكان في بصره بعض ضعف، وكان له من الورع الشافي، والزهد في فضلات الدنيا الوافي، ما لا يسعه كاغد(2)، يلبس العبا الخلق والشملة الخلقة، وما يلبس القمصان إلا للتجمل في المجلس العام، وكنت أحضر في بعض الأحيان على غدائه وعشائه فأجده خبزاً براً تارة وشعيراً تارة، وتارة يابس بجريش ملح، ومن ورعه قال لي يوماً ليس لنا غداء، إذا لأضفناك وإن عندي لكيساً مملوءاً دراهم لمسجد الجامع ما ساعدتني نفسي أقترض منه درهماً. وكان مجلسه لا يذكر فيه أحد من المسلمين إلا بخير، ومن ذكر فيه مسلماً بما لا يليق بحاله ظهر الضيق والضجر في وجهه الكريم، وقال يوماً من تعود ترك(3) ظن السوء بالمسلمين سهل عليه الترك. سمعته يوماً يحكى في مجلس الدرس أنه رأى في المنام أن القيامة قامت وأن الناس في قاع صفصف وليس راكب إلا الإمام يحيى بن حمزة راكب على فرس بيضاء ورديفه عليها رجل من المشرق يعرفه صالحاً والإمام يسرع بسير الفرس ويقول (لمثل هذا اليوم حسنا الظن بالناس)(4). وكان أشد الناس مودة لآل محمد وأكثرهم تعظيماً لهم وتوقيراً، سمعته(5) يقول: إذا لم يكن في حلقة قراءتنا(6) من أهل البيت أحداً اعتقدته خداجاً ونقصاً. وكان يمضي أحكامه على وفق مراد الله ، فمن حكم عليه فكأنه من
__________
(1) ساقطة من (ب).
(2) كاغد: الكاغَد: القرطاس، مُعَرَّب. (القاموس المحيط ص298).
(3) في (ب): ترك الغيبة وظن السوء.
(4) ما بين القوسين مكررة في (ب).
(5) في (ب): سمعته يوماً يقول.
(6) في (ب): قراننا.

الرضا بقوله وفعله حكم له، والمحكوم عليه والمحكوم له معترفان بفضله، شاهدان بعدله، وذلك ظاهر مشتهر، وناهيك به من كرامة تروى وآية تتلى، وكانت الفتاوى تفد عليه من اليمن الأعلى والأسفل، ومن تهامة ومن علماء الحنفية والشافعية، ومن عدن وتعز وجبلة؛ لأنه أحاط بفقه الفقهاء، ودرس فيه في زبيد وغيرها على علماء الحديث والفقه، وما علم بمجتهد بعد الإمام يحيى بن حمزة في الفقه إلا هو، فكانت الفتاوى تشغله وتهمه ويجيب عليها /60/ ليلاً لازدحام الأوراد في النهار، ولو أفردت كتاباً بسيطاً مما أعرف من علمه وفضله وزهده وورعه وخوفه وخشوعه وأوراده الصالحة - فضلاً عن غيري - لما أحطت باليسير من سيرته، لكن قد عرض ذكره، ولي فيه غرض، وحقه علي واجب مفترض؛ لأني لم أبلغ التكليف إلا وأنا من جملة درسته، وممن تعلق بمودته وأشرق قلبي بمحبته، فجزاه الله عني وعن كافة المسلمين أفضل الجزاء، وبلغه من رضاه وعفوه قضاء المنى بمحمد المصطفى، وآله أهل الشرف والوفاء، وكانت وفاته - قدس (الله)(1) روحه ونور ضريحه - سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وقبره - رحمه الله - قريب من باب اليمن بصنعاء بالمقبرة المسماة بجربة الروض، اتخذ عليه الشيخ الصالح حسن بن محمد بن سليف مشهداً وتقرب إلى الله بذلك ومشهده مقصود مزور يتوسل إلى الله بقبره في نيل الأمنيات، ودفع البليات، وكتب بيده في لوح على قبره هذه الأبيات الحاكية بحاله في الحال والماضي والمستقبل الفقيه الإمام العالم الفاضل جمال الدين علي بن صالح بن محمد العدوي، وكان من أكمل أهل زمانه في العلم سيما علوم القرآن، فهو سيد أوانه فيها زاهداً عابداً فاضلاً كاملاً - رحمة الله عليه ورضوانه - وهي هذه الأبيات:
أيا زائراً للقبر جدد به العهدا ... ولا ترض عن تكرير زورته بدا
وإن كنت لا تدري بما ضم لحده ... فدونك فاعلم بالذي سكن اللحدا
__________
(1) ساقطة من (ب).

حوى القبر هذا العلم والحلم والتقى ... ونور الهدى والزهد والجود والمجدا
فيا وحشة الدنيا لفقد ضيائها ... لمن كان طوداً للشرائع فانهدا
الحسن بن محمد النحوي [ - ق 7 هـ]
الحسن بن محمد سابق الدين، العلامة بن العلامة الحسن بن محمد سابق الدين بن يعيش النحوي علامة خطير وإمام في العلوم كبير، ذكره السيد العلامة الأمير إدريس بن علي الحمزي في كنز الأخبار(1).
الحسن بن محمد القرشي [....... بعد سنة 804هـ]
__________
(1) وستأتي ترجمته باسم الحسين، وفي الطبقات ق3 ج1 ص339 ترجمة 894، قال الأمير محمد بن الهادي في نسخته في ذكر تعليق القاضي زيد: والفقيه مجد الدين (المترجم) يرويه بطريقتين: الأولى: إجازة من الأمير الحسين بن محم، قال بطريق القراءة عن الحسن بن أبي النقاد عن شيوخه، وقرأ (أمالي أحمد بن عيسى) المعروفة بالعلوم على حي والده محمد بن معين، عن محي الدين حميد بن أحمد، عن القاضي جعفر، وكذلك مجموع زيد بن علي عليه السلام، وسمع على الحسن بن البقاء (ضياء الحلوم) في اللغة والحسن بن البقاء سمعه على مؤلفه محمد بن نشوان الحميري، وأخذ عنه السيد جمال الدين علي بن أحمد بن طميس، والعلامة عيسى بن علي، ثم ذكر أن القاضي ترجم له في موضعين، قلت: من مؤلفاته الإقليد شرح كتاب المفصل للزمخشري.

الحسن بن محمد القرشي، هو الفقيه المحدث المسند الكامل الحسن بن محمد القرشي من علماء صنعاء أحد(1) حفاظ الحديث، قرأ على الأوزري الصعدي وجود في الحديث، وله تلامذة، منهم العلامة صالح بن قاسم بن سليمان الجيلي(2)، ثم العمري، وكانت قراءة صالح المذكور على الحسن بصنعاء المحمية بالجامع المقدس، وفرغ من قراءة أذكار النووي عليه كما قال الحسن المذكور في القبة المباركة قبة مولانا أمير المؤمنين المهدي لدين الله محمد بن المطهر بن رسول الله في المسجد المذكور في مجالس آخرها يوم الأربعاء لعشر(3) بقيت من شهر ذي القعدة آخر شهور سنة أربع وثمانمائة.
الحسن بن محمد الشظبي [789 - 832 هـ]
الحسن بن محمد الشظبي، العلامة النحوي شيخ أهل الأدب الحسن بن محمد الشظبي، قرأ على إمام العربية في اليمن علي بن هطيل - رحمه الله - وكان يعرفه(4) الحسن هذا بشيخ نجم الدين ، قرأ عليه من أئمة النحو السيد الإمام شارح التسهيل عبد الله بن الهادي بن إبراهيم - رحمهم الله - وقرأ على السيد الكبير الحافظ محمد بن إبراهيم، ومن شعره - رحمه الله تعالى -:
طوبى لمن شملته منكم(5) عناية ... وطوى الفؤاد على المحبة والرضا
مستمسكاً بمتين حبلك واثقاً ... بخفي لطفك في تصاريف القضا(6)
حسن بن محمد الزريقي [896 - 960 هـ]
__________
(1) ساقط من (ب).
(2) في (ب): الجبيلي.
(3) في (ب): لعشر إن بقيت.
(4) في (ب): وكان يعرف.
(5) الصواب: منك؛ لأن الوزن والسياق يتطلبانها.
(6) وفي الطبقات ق3 ج1 ص341 ترجمة 195، أنه قرأ ألفية العراقي في مصطلحات أهل الحديث على الحافظ تقي الدين محمد بن أحمد بن علي العباسي، وشاركه عبدالله بن محمد وصنوه المطهر بن محمد بن سليمان، وفي أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 334 من مؤلفاته الذراوي المسفرة نظم الدرة في القراءات، وتبصرة أولي الأولباب في ضوابط علم الإعراب.

/61/ الفقيه العلامة(1) حسن بن محمد الزريقي - رحمه الله - ولي آل محمد الأطهار، وخيرة أشياعهم الكبار الحسن بن محمد بن علي بن سليمان بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن مسعود بن زريق بن يحيى بن أحمد بن محمد بن منصور بن سعيد بن الفايش بن منصور بن جابر بن قاسم بن محمد بن عمران بن محفوظ بن مفلح بن البدوي بن سالم بن كثير بن سالم بن قرموس بن نشوان بن عروان بن زهر بن طاهر بن وازع بن هيثم بن يعمر بن طاهر بن حسين بن مالك بن فيصل بن الأسود بن داود بن داعر بن الضحاك بن هيضم بن قيس بن الأجدع بن صريم الأكبر بن مالك بن حرب بن عمرو بن عامر بن ناسح بن دافع بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان، هكذا نقلت نسبه من خطه. وكان إذا كتب اسمه المبارك في رسم كتاب أو نحوه يقول: الحسن بن محمد بن علي الزريقي القيسي الهيصمي الحلحلي الهمداني، وكان - رحمه الله - علامة حافظاً للشوارد ومعتنياً(2) بشأن آل محمد - صلوات(3) الله على محمد وعليهم - وآثارهم الصالحة وبأشياعهم أيضاً، ولهذه الجامعة الشريفة تصاهر هو والعلامة الحسين بن محمد المسوري - رحمه الله تعالى - وهو الذي جمع سيرة الإمام شرف الدين - عليه السلام-(4) والذي اعتنى(5) بسيرة الإمام ثلاثة رجال - رضي الله عنهم - هذا أحدهم، وجمعها في حياة الإمام، وكتب الإمام بعض الكائنات بخطه الكريم، وكان الزريقي من جماعة الإمام مجد الدين في مبادئ الأمر حتى اجتمعت الزيدية - رضي الله عنهم - على
__________
(1) في (ب): العلامة الفقيه.
(2) في (ب): معتناً.
(3) في (ب): صلوات الله عليهم.
(4) سيرة الإمام شرف الدين بخط المؤلف منها نسخة مصورة في مكتبة السيد العلامة المرحوم حمود شرف الدين عن أصل بمكتبة آل الغالبي بصعدة 346 صفحة، وأخرى بمكتبة السيد المرتضى الوزير في هجرة السد بيت السيد خطت سنة 940هـ وممن شاركه في تأليفه الفقيه حسن بن حسين العلفي.
(5) في (ب): والذين اعتنوا.

الإمام شرف الدين، فكان صدراً من صدور تلك المحافل، ومن شعره ما شفع به قول من قال:
إذا كان في الإسلام سبعون فرقة ... ونيف على ما جاء في محكم النقلِ
وليس بناج منهم غير فرقة ... فماذا ترى يا ذا الرجاحة والعقلِ
أفي الفرقة الناجين آل محمد ... أم الفرقة الهلاك أيهما قل لي
فقال - عفا الله عنه ورحمه -:
أقول لعمر الله آل محمد ... نبي الهدى خير الورى خاتم الرسلِ
هم الفرقة الناجون لا من سواهم ... سبيلهم يا ذا الحجا واضح السبلِ
هم العروة الوثقى لمستمسك بها ... وقاليهم في الناس منقطع الحبلِ
محبتهم فرض على كل مسلم ... وشيعتهم أهل الرجاحة والعقلِ
وسل قل تعالوا إن أردت وهل أتى ... ومائدة الشورى الحواميم لا تخلي
وما صح في الأخبار عن سيد الورى ... أحاديث يرويها جهابذة النقلِ
نجوم السما من أمها فاز واهتدى ... فلا تغترر بالسير في ظلم الجهلِ
سفينة نوح من علاها فقد نجا ... ومن يتخلف باء بالخزي والذلِ
ألا فالعنوا أعداء آل محمد ... وزيدوا إذا شئتم على عدد الرملِ
ففي لعنهم أجر عظيم وقربة ... مقالة جد لا مقالة ذي هزلِ
بكوني لهم عبداً أطول وكيف لا ... وقد أُلبسوا من ربهم حلل الفضلِ
جعلتكمُ آل النبي ذخيرتي ... ليوم سؤالي في القيامة عن فعلي
جعلتكمُ آل النبي وسيلتي ... إلى الله والوصف الجميل بكم شغلي
62/مقالي فيكم لا عدمت ودادكم ... مقال أخي ودٍّ لكم صادق قبلي
إليكم ذوي آل النبي تطلعت ... نوازع من قلبي مراجلها تغلي
أحب محبيكم كما الله عالم ... وأبغض في الرحمن من لكم يقلي
فمن شاء فليكفر ففي النار سجنه ... ومن شاء فليؤمن بما قلته مثلي
على المصطفى والآل صلى إلهنا ... صلاة تدوم الدهر وصلاً بلا فصلِ
توفي - رضي الله عنه - (بالظفير) من أعمال (حجة)، وفي ذلك يقول بعض عيون السادة …. - رحمه الله تعالى -.
(رحم الله أعظماً دفنونها ... بربوع الظفير يوم الربوع.

وله حاشية على الأثمار تشبه الشرح، وكان الإمام شرف الدين - عليه السلام- يعتمده في قضاء حاجات الفقراء)(1).
حسن بن محمد العليف [794 - 856 هـ]
العلامة حسن بن محمد العليف، كان حامل لواء الآداب، وممن أتى للعلم النبوي من الأبواب، وكان هو وأهل بيته من أتباع الشافعي - رحمه الله - وهم بيت شهير، ولهم في الفضل مقام خطير، وهم من (عك) (2) وكانوا شافعية، ولكنهم عرفوا الحق لآل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - فاتبعوه، وكان لسانهم وبليغهم الحسن هذا، ولما عوتب في التزام مذهب آل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال(3):
إذا ما رأوني من بعيد تغامزوا ... علي وقالوا شافعي تزيدا
ووالله ما بعت الهدى بضلالة ... ولكنني بعت الضلالة بالهدى(4)
__________
(1) ما بين القوسين سقط من (أ). ولم أجد لحاشيته على الأثمار نسخة خطيبة، وله أيضاً كتاب (الإجازات في تصحيح أسانيد الروايات) في 118 ورقة ورقم (297) مكتبة الأوقاف ويسمى (ثبت الزريقي) جمع فيه أسانيد الإمام يحيى شرف الدين عليه السلام وإجازاته، ثم أضاف إليه الإمام القاسم بن محمد عليه السلام بعض مروياته وأسانيده، مخطوط بمكتبة طلعت بدار الكتب المصرية رقم (584) مجاميع أخرى خطت سنة 1007هـ مكتبة السيد المرتضى الوزير ثبت السيد هجرة السد، وانظر عنه وعن مؤلفاته ومصادر ترجمته الطبقات الكبرى ق3 ج1 ص342 - 344 ترجمة 197، وأعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 340.
(2) عَكّ: بفتح العين وتشديد الكاف. قبيلة كبيرة من الأزد. (معجم المقحفي ص 1099).
(3) في (ب): قال.
(4) انظر عن ترجمته أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 332، وترجمة في الضوء اللامع 3/155 باسم الحسين.

قلت: وعلى ذكر رجوع أهل هذا البيت إلى الحق أذكر هنا جماعة - رحمهم الله - اتبعوا مذهب أهل البيت كما كان إمامهم الشافعي - رضي الله عنه - فإن الشافعي من أهل المودة الصادقة لآل محمد وبايع لمحمد بن عبد الله النفس الزكية، وله مع الرشيد في ذلك مقام، وله أشعار في هذا المعنى نحو ما انشده في الصواعق:
قالوا ترفضت قلت كلا ... ما الرفض ديني ولا اعتقادي
لكن توليت غير شك ... خير إمام وخير هادي
إن كان حب الوصي رفضاً ... فإنني أَرْفَضُ العبادِ
ومن كتاب الشيخ إسماعيل اليوشتجي الشافعي قال: روى المزني قال: قلت للشافعي إنك رجل توالي أهل البيت، فلو عملت في هذا الباب أبياتاً، فقال - رضي الله عنه -:
وما زال كتمانيك حتى كأنني ... برد جواب السائلين لأعجم
وأكتم ودي في صفاء مودتي ... ليسلم من قول الوشاة وأسلم
وقال - رضي الله عنه -:
أنا الشيعي في ديني وأصلي ... بمكة ثم داري عسقلية
بأطيب مولد وأعز مجد ... وأحسن مذهب تسمو البرية
وقال أيضاً - رضي الله عنه -:
يا راكباً قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاعد خيفها والناهض
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى ... فيضاً كملتطم الفرات الفائض(1)
[قف ثم ناد بأنني لمحمد ... ووصيه وابنيه لست بناغض]
إن كان رفضاً حب آل محمد ... فليشهد الثقلان إني رافضي
وعن الربيع قال: حججنا مع الشافعي - رضي الله عنه - فما ارتقى نجداً ولا هبط وادياً إلا وهو يبكي وينشد هذه الأبيات الثلاثة يقول:
آل النبي ذريعتي ... وهم إليه وسيلتي
أرجو بأن أعطى غداً ... بيدي اليمين صحيفتي
__________
(1) زيادة في (ب).

وقال يحيى بن معين: طالعت كتاب الشافعي في السير فوجدته لم يذكر إلا علي بن أبي طالب /63/ - عليه السلام- فاستشهد يحيى بن معين بهذا على أن الشافعي رافضي - صانه الله - وهذه كلمة جهل الناس معناها، فإن الرافضي كما في شرح مسلم للنووي من رفض إمامة زيد بن علي - عليه السلام- وفي ذلك حديث وقصة لا تخرج بالتطويل مما نحن فيه، وقد ذكر ابن الجوزي بكلام طويل متابعة الشافعي للقائم من آل محمد، وحكاه العامري، وذكر البوشنجي له قصة كادت تفضي به إلى الهلكة، وهذا الذكر قيام ببعض حق الشافعي، وثناء عليه فإن مودة آل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم -(1) نتيجة الدين، والعقل الرصين، والحسب المكين، وأما أبو حنيفة فهو معدود في الزيدية، وهو رئيس البترية منهم، وقد ذكر هذا الطحاوي وصاحب الضياء المعنوي، وقد صرح أئمة الزيدية أن نصوص أبي حنيفة من نصوصهم. نعم، وقد عرف كثير من أتباع الشافعي - رحمهم الله - فضل أهل البيت نتبرك بذكر جماعة ونكتفي عن تراجمهم بهذا الذكر.
1) علي بن إبراهيم البجلي:
منهم علي بن إبراهيم بن سليمان بن داود بن نصار بن عبد الرحمن بن عبد الواحد بن عبد الله الحباك بن أحمد بن عبد القادر بن محمد المساوي بن عبد الرحمن بن سليمان بن الطاهر بن جيلان بن عبد الله بن داود بن محمد بن الحسين بن الولي الكامل محمد بن الحسين البجلي، وهو علامة شهير، ومن ذريته آل الحباك الساكنون في المسمور، وحرم من الشقيق وفيهم الفضلاء(2) الشعراء.
2) القاضي سري بن إبراهيم
ومنهم العلامة القاضي سري بن إبراهيم قاضي صنعاء - رحمه الله تعالى - ذكره السيد شمس الدين أحمد بن عبد الله الوزيري، وأنه راسل الإمام المنصور بالله في شأن المطرفية.
__________
(1) زيادة في (ب): وسلم.
(2) في (ب): والشعراء.

قال الشيخ القاضي علي بن نشوان الحميري: إنه كان عالماً فاضلاً، وكان أكبر من بصنعاء من العلماء مقاماً ومعرفة وعلماً، ورجع إلى مذهب الزيدية عن مذهب الجبر، وكانت له في الفقه يد قوية ، وله تثبت في الخصومات وحذاقة، فولاه الإمام يعني المنصور بالله - عليه السلام- القضاء بمذهب آل محمد - عليهم السلام- وأن يرجع إلى أمير المؤمنين فيما التبس عليه من القضايا والأحكام، وكتب له بذلك عهداً.
3) إسماعيل النيسابوري:
ومنهم إسماعيل بن أبي بكرالنيسابوري رجل من خراسان، كان من فقهاء العامة، ورغب في مذهب أهل البيت إلا أنه لم يلق إلا شيوخ المطرفية، وكان حريصاً على علمهم عبَّادة، وفيه يقول أبو السعود بن زيد:
وابن أبي بكر فتى نيسابور ... هم يضروه من عمى الرأي البور
رأي الفريق القدري المثبور ... فهو رفيع القدر فيهم محبور
4) إبراهيم الصبري:
ومنهم إبراهيم بن أحمد بن أبي حمير الأصم الصبري نسبة إلى جبل (صبر) من بلاد (المعافر) قدم صنعاء، وحرص على طريق توصله إلى أهل البيت فلم يلق إلا شيوخ التطريف كنهد بن الصباح وأمثاله، وولده محمد بن إبراهيم اعتقد مذهب الحسينية.
5) محمد بن أبي الحسين البصري
ومنهم محمد بن أبي الحسين الغريب البصري، وهو ممن اشتغل بنقل أخبار الزيدية سيما أهل التطريف.
6) سليمان بن محمد الحبشي
ومنهم الفقيه العلامة الحافظ الأديب المحدث نجيب الدين سليمان بن محمد بن الزبير الحبيشي، ثم الشاوري ممن أظهر اعتقاد أهل العدل مع جماعة من أصحابه، ووصل إلى الإمام أحمد بن الحسين وبايعه.
7) محمد بن منيع البهري

ومنهم الفقيه العلامة الأديب الفرضي محمد بن منيع البهري البغدادي من بني بهر نشأ ببغداد، ودرس في المدرسة النظامية، وكان شافعي الفروع عدلي الأصول محباً لآل /63/ محمد المختار صلى الله عليه وعليهم، ولما وصل إلى ديار اليمن صار يبحث عن علماء أهل البيت ومن يرجى فيه القيام بأمر الإمامة، فأقام سنين ينظر(1)، فلما وردت دعوة الإمام أحمد بن الحسين إلى صنعاء وصل إلى الإمام إلى ثلا، ورأى كمال الإمام في صفات الإمامة، وبايع(2) وأقام أياماً وأحسن إليه الإمام، ومن شعره في الإمام:
الله أكبر هذا كاشف الكرب ... في كل قطر من الدنيا عن العرب
هذا الإمام الذي اختالت بسيرته ... مراسم العدل في أثوابها القشب
8) الفقهاء بنو سود
ومنهم الفقهاء بنو سود أهل الفضل والسؤدد.
قال الجندي عند ذكر مدينة (المحالب): إنها إحدى المدن القديمة، وهي قليلة الفقهاء، إنما سكنها الدولة، ثم ذكر ناحيتها، قال: ومن الناحية البيت المشهور بالفقه والعبادة والصلاح وهم بنو سود غير انهم اشهروا بخلطة الزيدية وعدد منهم جماعة، قال: أولهم الفقيه سود، ثم الفقيه يعقوب بن محمد، ثم الفقيه محمد المكنى بأبي حربة، صاحب الدعاء. ومنهم الفقيه حسين بن محمد، قال: كان فاضلاً عالماً في الأدب يقول الشعر، غالب شعره في مدح النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وله معشرة في مدح إمام الزيدية أحمد بن الحسين - عليه السلام- من هذه المعشرة في حرف الألف:
آلى علي يميناً طَرْفُ أسماءِ ... أسلو وما كنت محتاجاً لإيلاءِ
أسماء تعلم أني غير معتوضٍ ... منها وإني سواها غير هوّاءِ
أهوى لقاها وإن قالوا به تلفي ... فالموت أهون من عشق وأباءِ
أبكي وتضحك من تيه ومن ملق ... شتان ما بين ضحاك وبكّاءِ
__________
(1) في (ب): ينتظر.
(2) في (ب): فبايع.

ومنهم حسين بن أبي بكر بن علي بن عيسى مسكنه المحرب(1)، وقبره به مشهور يزار، وذريته يعرفون ببني حسين بن أبي بكر، قال الأهدل: إن من ذريته عبد الرحمن بن سود أخي محمد بن سود، وكان قد اشتهر بالصلاح والفقه، تفقه على سليمان بن الزبير، ثم غلب عليه العبادة مع الورع، لكنه اتهمه السلطان بالميل إلى الزيدية لاتصاله بالمطهر إمام الزيدية في عصره، فهموا بإمساكه،فكان لا يستقر بموضع ينالونه، وحبَسوا بعض أهله بزبيد حتى مات بعضهم في الأسر، انتهى.
وروى عنه أنه كان يعيب على أهل جهته الفقهاء وغيرهم التخلق بأخلاق الجهلة من المتصوفة وحضورهم مجالس الزفن والرقص والسماع، وتوفي لأربع وسبعمائة تقريباً، ومنهم العلامة عبد الله بن حسن صاحب القناوص - بالقاف مفتوحة بعدها نون ثم ألف بعدها واو مكسورة ثم صاد مهملة - أوذي غاية الإيذاء بسبب انتمائه إلى الزيدية - كثرهم الله - وتسلط عليه الملك المؤيد وأرسل إلى صاحب المهجم فأمسكه وأرسله مع ثقاته إلى زبيد سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، فسجن أياماً ثم أخرج ووقف عند خطيب زبيد العجمي.
قال الأهدل: ومنهم محمد بن حسن بن حسين. قال: كان يسكن الجبال لميله وميل ابنه إلى مذهب الزيدية.
قلت: وأما الحسن بن محمد فقد أفردنا له ترجمة ولعلنا نذكر شيئاً من أحوالهم عند ذكر العلامة محمد بن يوسف بن هبة الفضلي القدني(2) - إن شاء الله تعالى -.
9) أبو حامد الغزالي:
__________
(1) الْمَحْرَث: بلدة في جبل ملحان بالمحويت، يسكنها الفقهء بنو السودي، ولعلهم من بني سَوْد أهل القناوص في تهامة. (معجم المقحفي ص1423).
(2) في (ب): القدفي.

وممن اعتقد مذهب آل محمد وعرف فضلهم الشيخ الحجة محمد بن محمد بن محمد الغزالي الإمام الكبير مصنف (البسيط) و(الوسيط) و(الوجيز) في فقه الشافعية وصاحب /65/ الإحياء وغيره من الكتب الإسلاميات والفلسفيات، وكان - رحمه الله - قد تنقل في المذاهب ولم يستقر حاله إلا عند وفاته، فاختلط بالسلطان تارة واعتزل الناس جميعاً أخرى، وتصدر للدرس والتدريس، ثم غلقت مدارسه ولذلك عابه الشيخ أبو علي الطوسي(1) وغيره، واستقر بآخره بالعراق، ولقي عبد السلام القزويني الزيدي، وتتلمذ له، ذكره الذهبي ونقل الذهبي(2)، ومما(3) أخبرني به مولانا العلامة محمد بن الحسين بن أمير المؤمنين - رضي الله عنه - وعن سلفه أنه عاد بآخره إلى مذهب العترة، وكذا ذكره صاحب (العواصم)، وذكره السيد الهادي بن إبراهيم والقاضي عبد الله الدواري، وفي كتاب العلامة الفاضل محيي الدين يوسف بن أبي الحسن بن ابي القاسم الجيلاني من بلد (الجيل) من مدينة (لا هجان) الواصل كتابه المذكور إلى اليمن سنة سبع وستمائة إلى الشيخ الحافظ عمران بن الحسن الشتوي في ترجمة الناصر الرضا - رضي الله عنه -.
__________
(1) في (ب): الطوطوسي.
(2) كذا. لعله: ونفى الذهبي.
(3) في (ب): مما.

قال: هو الرضا الناصر والناصر لقبه ولقب آبائه إلى الناصر للحق - عليهم السلام- وهو الرضا بن مهدي ناصر [كان] رجلاً كبيراً ذا جاه عريض، وهو مهدي بن محمد بن خليفة بن محمد بن الحسن بن أبي القاسم بن الناصر الكبير، ومن أخباره أنه لما صار عالماً بأصول الناصر للحق - عليه السلام- وفروعه وبلغ فيه مبلغ العلماء ارتحل إلى عتبة الشيخ أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي - رحمه الله - وإنما قلت - رحمه الله - لأن شيخنا أبا منصور بن علي بن أصفاهان قال: إنه صح أنه مات زيدياً، والفقيه أبو منصور هذا كان في زمرة الناصرية، كالنبي في أمته، وكان تلميذاً لأبيه أبي علي بن أصفاهان، وكان أفضل من أبيه أبي منصور بدرجات، وكان تلميذاً للرضي الناصر - رضي الله عنه - وهو كان تلميذاً للغزالي - رحمه الله - وكان الناصر الرضي هذا أراد الحج وكان في قلة زاد، فكتب الغزالي معه بكتاب حمله إلى الخليفة ببغداد يستميح للناصر الرضي، وهذه نسخة الكتاب: (بسم الله الرحمن الرحيم، الشيم الطاهرة النبوية والعادات المقدسية الإمامية الرضوية حرس الله على الإسلام والمسلمين مناقبها، ونشر في جوانب الدنيا محاسنها في إفاضة الإنعام والإحسان وابتياع الثواب والحمد بالغالي من الأثمان، استمرت استمرار استطار خبرها في الأقطار، ودار في خلال الديار حتى صار أحدوثة في الأمصار، فتحدث بترديدها السمار، وحدا بذكرها السفار، فاستغنت بما خص بها من التطلع والاشتياق، إلى طلب ذوي الاستحقاق، ولو من أقاصي الآفاق، من باعث ينشر جناحها، ويذكي مصباحها، لا سيما إذا صادف الاصطناع أهلاً ومصنعاً، ولبذل المعروف موقعاً ومزرعاً، ورافع المكتوب إلى الجناب الأشرف، المنصور بالذكر في هذه الأحرف، ممن يدلي بمحتد كريم، ومجد صميم، ودين قويم، وسمت في التقى مستقيم، قد جمع إلى التقوى والأصل الطاهر، من العلم الغزير والفضل الزاهر، ما امتدت بسببه إليه النواظر، وعقدت عليه

الخناصر، حتى حاز قصب السبق في ميدان النظر عن كل مناظر، وشهد له به الغائب الغريب كما يشهده الحاضر القريب، وقد صار إلى المواقف المقدسة الإمامية النبوية بأجنحة الرجاء، متوسلاً بوسيلة الدعاء، متوقعاً أن يلقى نعيماً وحبوراً، وينقلب إلى أهله مسروراً، قاضياً حق الدعاء، خطيباً من خطباء الحمد /66/ والثناء، واصفاً وناشراً وناظماً وناثراً وللآراء المقدسة الإمامية النبوية في تحقيق رجائه، واغتنام دعائه، مزيد السمو والعلو - إن شاء الله - وله مصنفات قبل حالته الصالحة الخاتمة مضلة، ومذاهب مضمحلة، وهي عندنا موجودة (كالمنقذ من الضلال البعيد الذي هو الموقع في الضلال القريب) وغير ذلك من التصنيفات المضلة، انتهى كلامه وسيأتي إن شاء الله ترجمة الناصر الرضي وإن كانت هذه الترجمة قد ألمت بكثير مما انتهى إلي من أحواله - رضي الله عنه - آمين.
10) علي بن سالم العبيدي ومراسلته مع الأحنف

ومنهم: القاضي الأجل العالم العبيدي اليمني - رحمه الله - لعله - رحمه الله - علي بن سالم بن غياث بن فضل بن مسعود العبيدي نسباً - بالباء الموحدة المكسورة بعد عين مهملة بعدهما ياء باثنتين من أسفل ساكنة ثم دال مهملة - نسبه إلى جده ببلدة كبيرة في اليمن، منهم ناس يسكنون وادي(1) (عبد)(2) ببلاد (صهبان) وكان مسكنه في قرية من الوادي المذكور اسمه الظفير، كان فاضلاً عالماً غلب عليه الصلاح، وأدركه اليمن والفلاح، يقصد من أنحاء اليمن للتبرك وطلب الدعاء، وكان إذا قام لورده في الليل بغرفة من بيته أنارت الغرفة حتى كأنها يوقد بها شمع فيأتي الناس إلى حول ذلك ويدعون الله بما شاءوا فيجدون أمارة الاستجابة فوراً وتوهم بعض الفقهاء من الشافعية أن ذلك شيطان، فوصل إليه زائراً ليختبر الحال، فأكرمه الفقيه وبيته معه، ثم لما جاء من الليل وقت الورد قام الفقيه لورده فأضاء البيت إضاءة عظيمة، فلما رأى الضيف ذلك تلا القرآن(3) فازداد النور بحيث رأى نملة تمشي في الجدار، فاستغفر الله واستطاب باطن الفقيه، وله كرامات ويقال: موته آخر المائة السادسة، والله أعلم. ولما شاع في الأقاليم رجوعه إلى مذهب العترة كاتبه أهل الأمصار، وممن كاتبه قاضي مكة القاضي الأحنف، وهذه صورة كتابه:
سلام على تلك الخلائق إنها ... هي الثمرات الطيبات إذا تجنى
ولا فض صرف الدهر حرف سنانها ... ولا صحبت إلا السعادة واليمنى
__________
(1) في (ب): وادي عميد.
(2) في (ب): عبيد.
(3) زيادة في (ب): فيبطل عمل الشيطاني.

خص الله تعالى حضرة القاضي الأجل، وحرس عليه دين الإسلام حراسة كتابه العزيز من النقص والمزيد، تنزيل من حكيم حميد، وختم لنا وله بالخير في عفو وعافية، وقد انتهى إلينا أنه سيد البلاد عندهم وأنه عالمها وأنه متبوع غير تابع، وإذا كان كذلك فالواجب عليه أن يكون على السنة البيضاء والطريقة المثلى إما شافعي وإما حنفي، وإما مالكي، فإنهم أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ولا يلتفت إلى من يزخرف له القول في العلم، فإن العلم هو الأخذ بالكتاب والسنة والإجماع [من](1) الأمة والقياس الجلي، والزيدية لا يقولون بأخبار الآحاد من السنة، وقد اجتمع على الأخذ بها الشافعي وأبو حنيفة وعلماء السنة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لعلي بن أبي طالب - كرم الله وجهه في الحنة-: (لئن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك من حمر النعم تنحرها في سبيل الله تعالى، فإن شككت في شيء سترته عليك كاتبتنا وشافهتنا فوالله /67/ ما تنتفع ونتنفع بل المسلمون والسلام.
وهذا جواب القاضي العبيدي المذكور:
دعوت ملبياً يا خير داعي ... وأسمعت النصيحة أذن واعي
وأودعت الأمانة قلب من لا ... يفارق دينه لهوىً مطاعِ
يرى تفضيل أهل البيت فرضاً ... كتفضيل العيان على السماعِ
فيا لك منة يعلو سناها ... إذا ذكرت سنا الشكر المذاعِ
أتت في رقعة وردت بها عن ... لسان معرب ويد صناعِ
تقهقر عن بلوغ (……)(2) أو في ... بلاغتها عدي بن الرقاعِ
ولا عجب لأنك فذ عصر ... تشير يدي إليه بلا دفاعِ
وإنك عند تختلف المعاني ... تمد إلى البيان أتم باعِ
سعى وسعيت غيرك للمعالي ... ففزت بها وقصر كل ساعي
وقمت بحرمة الإسلام نصحاً ... وتهذيباً لمرعيٍّ وراعي
وما ميمون نصحك حين وافى ... بمطَّرحٍ لدي ولا مضاعِ
وقل فيه: هدية ذي ودادٍ ... أتتك بما يزاد ولا يزاعِ
ولكني رأيت مقال ما قد ... أشرت به شديد الامتناعِ
__________
(1) من. ظ
(2) فراغ في (أ) و (ب).

وكيف يصح تقليدي أناساً ... وبينهم التنازع والتداعي
وهذا يدعي تغليط هذا ... وإبطال المواقف والمساعي
وفي تحليل ذا تحريم هذا ... وكل مدع وإليه داعي
وإرشادي إلى طرق ثلاث ... تخف على التطبع والطباعِ
فإن قلدت بعضهم اعتقادي ... فصاحبه لصرعته مراعي
وإن قلدت كلهم، فهذا ... لعمر أبيك ليس بمستطاعِ
وإن قلنا جميعهم مصيب ... ولم يرضوا فذا فعل الرعاعِ
فإن كان الخلاف لهم مباحاً ... تكايلنا به صاعاً بصاعِ
ولم يثبت طريق الدين نقلاً ... ولا عقلاً ولكن بالصراعِ
وهذا لا يقول به تقي ... يعف عن افتراع وابتداعِ
ابن لي كيف أصنع في اعتقادي ... وفي عملي رعاك عليه راعي
فوجه الحق لا يخفى على من ... لا يحيف ولا يميل إلى الخداعِ(1)
وقد قال النبي وكل قول ... سوى ما قاله آل بقاعِ
ستفترق الجماعة قال نيفاً ... على السبعين في الخبر المشاعِ
فتنجو فرقة وعلى سواها الـ ... ـعذاب كعبد ود أو سواعِ
ابن لي يا فقيه العصر قولاً ... يصح به اعتقادي وانتفاعي
من الهادين آل محمد أم من؟ ... من الناجين في الغرف الرفاعِ
فإني لم أقلد غيرهم في الـ ... ـحديث فأصغ سمعك لاستماعي
هم الأعلون والزاري عليهم ... إذا أنصفت من سقط المتاعِ
وهم سفن النجاة لمبتغيها ... وأهل الفضل والشرف الوساعِ
إذا افتخروا نبوا ودنا سواهم ... فبات الفخر في أعلى البقاعِ
وحسبك منصباً لهم عليٌ ... وأحمد خير مبعوث وداعي
روى عنهم ثقات كان منهم ... شيوخ كالكواكب في سباعِ
ورقة فارغة في (أ).
يراعون المهيمن حين يروى الـ ... ـحديث ورب راو لا يراعي
فلا تسمع فديتك قول قوم ... لهم شيم البهائم والسباع
يقولون المحال بلا دليل ... ويأتون الضلال بلا ارتداع
فما الليل البهيم كضوء صبح ... يبين ولا الكراع إلى الذراعِ
وأما ما ذكرت من التداني ... إلى بعض الجهات أو البقاعِ
فاسألُ خالق الثقلين منّاً ... على عجل بقرب واجتماعِ
__________
(1) العجز زائد عن الوزن.

ويشفي غلة ويريح مِنَّا ... رؤساً قد سئمن مِن الصداعِ
وينقطع التنازع والتداعي ... وتتضح المسالك والمساعي
وصلت النصيحة المفيدة الصحيحة، الدالة لداء القلب السليم على الصراط المستقيم، المنبهة لطالب السلامة، على ما فيه النجاة يوم القيامة، مع ما أصحبها - أدام الله سلامته - من شريف سلامه ولطيف تفقده وإلمامه، على غير معرفة سابقة، ولا يد ببيض الأيادي لاحقة، بل ابتداءً منَّة وتفضلاً، وامتناناً وتطولاً، كالمسك دل بعرفه وذكى نفحته عليه، والروض حين دعا العيون بحسن نضرته إليه، ولهذا استدل بحسن الأخلاق على طيب الأعراق، وبتهذيب المذاهب على شرف المناصب، فالله - سبحانه وتعالى - يخص نفسه النفيسة، وعقوته(1) الأنيسة بسلام تام، وإلمام عام، ويحسن عن مملوكه جزاه، ويتولى كفاه، سالكاً بذلك مسلك الاحتساب، وكاشفاً به - كما ذكر - الشك من الارتياب، إذا مر مملوكه(2) بالتزام السنة البيضاء والطريقة المثلى إما شافعياً وإما مالكياً وإما حنفياً، وحكى عن هؤلاء أنهم أئمة الهدى ومصابيح الدجى، وقد علم الله أن مملوك إنعامه قد شكر له شكراً جزيلاً، وأثنى عليه ثناء عريضاً طويلاً،
وكيف لا ويد الإحسان موجبة ... للشكر لا سيما إن لم يكن سببُ
وقد مننت ابتداء بالكتاب ولم ... ترد إليك لنا رسل ولا كتبُ
أنت المهذب في العلم الذي شهدت ... بفضله العجم في ذا القطر والعربُ
__________
(1) عقوته: العَقْوة: شجر، وما حول الدار والمحلَّة. (القاموس المحيط ص1206).
(2) في (ب): إذا مر مملوك إنعامه.

إلا أن مملوك إنعامه تأمل مقالته تأمل مجتهد لا منتقد، واستعرضها استعراض قابل لا مقابل، ونظر فيها نظر ناظر لا مناظر، فنظر أن الطرق الثلاث التي بتصويبها أفتى، تشتمل على طرق شتى، أما الشافعي وهو درة تاجهم، ومصباح منهاجهم، فلم يخف على حضرته اختلاف الأشعري والحنبلي في أصول الدين، وهما من علية أصحابه المجتهدين حتى سمى كل واحد منهم اعتقاد صاحبه ضلالة يدل على ذلك قول بعض الحنبلية في الأشعرية:
يا أشعرية يا زناديق الورى ... يا رأس كل منافق شيطان

وللشافعي أقوال ينقض بعضها بعضاً، ولا يأول بعضها إلى بعض اعتراضاً ونقضاً مع اختلاف سمكها، وتباين مسلكها، وصحة مثل هذا ممتنعة، والطريق إليه منقطعة، وأما أبو حنيفة ومالك فلهما مثل ما له، إذ المنازعة بينهم دائمة، وإلى يوم القيامة قائمة، وقد أمر الله بالتعاون والائتلاف، ونهى عن التفرق والاختلاف، فقال: سبحانه وتعالى ?وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ? [المائدة:2]، واتفاق الأفعال لا يصح مع اختلاف الأقوال، وقال سبحانه وتعالى: ?أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ? [الزمر:3] والخالص ما لا اختلاف فيه، وأخبر - جل وعلا - أن الخلاف صفة ناقصة، فقال سبحانه وتعالى: ?وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا? [النساء:82]، وإذا لم يجز الخلاف في الكتاب لم يجز الخلاف(1) في السنة إذ عنه صُدِّرت وبقوامصه حُبِّرت، وقد صح أن الله سبحانه وتعالى، فرد فما له شريك ولا ممن براه معاند، ذلك دين الله منذ قضى به علينا إلى يوم القيامة واحد، وفصل الخطاب في حصر الاختلاف، والحث على الائتلاف قول الله سبحانه وتعالى: ?وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ? [الأنعام:153]، وقوله سبحانه وتعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ? [الأنعام:159] فوقف مملوك إنعامه وقوف متحير متفكر؛ إذ عن الخلاف نهاني، وإليه دعاني، وبالوفاق أمرني، وعن أصله وأهله أصدرني:
أترك آل النبي عمداً ... وابتغي سائر الرواةِ
كطالب الري من قليب ... وعنده زاخر الفراتِ
أو يبتغي التمر من أراكٍ ... وعنده النخل باسقاتِ
لم يحض آل النبي إلا ... بالقتل والسَبي والشتاتِ
وقد دعوا بعدهم إماماً ... كل ظلوم وكل عاتي
__________
(1) سقط من (ب): الخلاف.

وكل من قد أجاز عمداً ... كشف ستور المحرمَّاتِ
أوطؤوه الردى وقاموا ... للحرب في حالة الدعاةِ
فليت شعري إذ استجابوا ... للحشر في منزل الرفات
ما عذرهم عند جدهم في ... قتل بنيه وفي الديات
[يا ربنا احكم فأنت أدرى ... بكل ماض وكل آت](1)
والعجب من تسمية من نقل عن أهل البيت القول مزخرفاً، ورواه في هذا القول بحقه متصفاً، وحكى أن الزيدية لا منصب لهم في العلم، ولا يد لهم في فصل الحكم، وأي منصب أشرف من منصبهم، وهل يوجد للخير سبب أبلغ من سببهم؟ هذا مع أن الله - سبحانه وتعالى - قد أمر بتشريف أئمتهم وسؤالهم، فقال - عز من قائل كريم -: ?فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ? [النحل:43]، فلما أمر بسؤالهم دل على الاقتداء بأفعالهم وأقوالهم، ولعل قائلاً يقول إن أهل الذكر المأمور بسؤالهم هم أهل الكتاب، ويحتج بقوله تعالى: ?فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ? [يونس:94]، وهذا لا يصح؛ لأنه لو صح وجب السؤال عن جميع العبادات، وهذا إبطال لنبوته - عليه الصلاة والسلام - وإبطال للقرآن المجيد وتكذيب للمعجزات، وهذا كفر صراح، وليس - أدام الله علوه - لحقهم تجاهل(2)، ولا عنه بمتجاهل، ولكن لأمرٍ ما جدع قصير أنفه، هذا مع أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قد دل على أن الحق معهم بقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: (خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا إلى يوم القيامة كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كهاتين)، وهو - أدام الله علوه - بهذا القول أدرى، وبالعمل به أولى وأحرى، وكل هذا دليل قاطع على أن الخلاف والاختلاف لا يجوز عقلاً ولا نقلاً، أما النقل فلما تقدم من الأدلة، وأما العقل فمعلوم أن كل ذي عقل لبيب إذا رأى شخصين مختلفين في قول أو فعل لا يقضي لكليهما بالصواب، مثال
__________
(1) سقط من (أ) وثبت في (ب).
(2) لعل الصواب: بجاهل.

ذلك أن يمر رجلان بمجلس سلطان فيقول أحدهما: رأيت زيداً كساه السلطان يوم الجمعة عند طلوع الشمس حلة، ويقول الآخر بل صلبه في ذلك اليوم والوقت بعينه، أفيجوز أن يصدقا على زيد أو على السلطان، فإن قال ((كل مجتهد مصيب))، قلنا: هذا حديث نتلقاه بالقبول، إذ كل مجتهد بالصواب مصيب الاجتهاد لا يخرج عن أحد وجهين، إما يعلم الحق فيجتهد في العمل به، وأما أن يجهل الحق فيجتهد في طلبه، وإما الاجتهاد /71/ فيما يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا يسمى فيه مصيباً، بل هو خطأ محض، وأما ما دعا إليه من المشافهة للمحادثة والمباحثة لترتفع الشكوك ويتبين النهج المسلوك فدعواه ظاهرة جوابها على كل ذي عقل وجوابها(1) شعر:
أشهى المنى عند ذي أُوام ... ورود ماء بلا زحامِ
وصحبة الطيبين أطرى ... من لذة الماء والطعامِ
وكيف لي أن أراك يوماً ... في مجلس ثابت النظامِ
بين رجالٍ لهم حلومٌ ... أرجح من ذروتي شمامِ
لا يعرفون المراء إن هم ... قالوا ولا الهجر في الكلامِ
شعارهم حب آل طه ... عليهم أفضل السلامِ
ويحفظون الحقوق فيهم ... وفي سواهم من الأنامِ
وسوحهم للوفود رحبٌ ... وهذه عادة الكرامِ
وما لهم بعد كل هذا ... في هذه الدار من مسامي
__________
(1) في (ب): وجوبها.

فإن تفضلت حضر الفقيه الأجل، سامي القدر والمحل، لافتقاد الدين وإصلاح الإسلام والمسلمين، فالدين واحد، والسبيل قاصد، والحق واضح لمن طلبه، والكبر فاضح لمن صحبه، فمملوك إنعامه اتبع للحق إذ رآه من الظل وأطوع لأهله من النعل، وبعد ذلك إن لم يكن(1) إجماع ولم يتفق عليه اجتماع، فقد وجبت النصيحة له كما وجبت عليه، لقول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: (المسلم مرآة أخيه المسلم)، وهذا - أدام الله علوه - ممن كثر في هذه الدار اسمه، وكثر في الأسماع والأشياع قسمه، فهذه غاية حسنة، وسنة مستحسنة؛ لأنه يعلم أن الأتباع خصماء المتبوع يوم القيامة، فإن نظر إنعام(2) النظر في التماس السلامة، وركوب سفينة النجاة يوم القيامة، أنزل أهل البيت منزلتهم التي أنزلهم الله بها، والاعتراف بحقهم والتمسك بحبلهم، وكونه من أتباعهم وأشياعهم، وممن يحفظ حقوقهم ويجتنب عقوقهم، فلعل في ذلك فوزاً لحظ نفسه، وانتفاعاً بعلمه ودرسه، ولعلي لا أخلص كما قيل من غمرٍ جاهل ودي عمر(3) متجاهل سلك في هذا القول مسلك المقايضة، وسبكه في قالب المفاوضة، ولله در القائل شعرا:
أبحتك نصحي إن قبلت فنفعه ... إليك وإن تكره فأنت المخير
فإن قبلت النصيحة، فالله يعلم أنها صحيحة، وإن كانت الأخرى، فكل بما عنده أدرى، قيل لبقراط الكلام الذي كلمت به أهل المدينة لم يقبلوه، فقال: ليس ذلك يضرني إنما يضرني إذا كان خطأ، انتهى كلام العبيدي في جوابه للقاضي الأحنف، والذين عرفوا الحق جم غفير، ومنهم من سنذكره في ترجمة له كابن مسدي العرباطي والحسكاني - رحمهما الله تعالى -.
__________
(1) في (ب): فإن لم يكن إجماع.
(2) في (ب): إمعان.
(3) في (ب): من ذي عمرٍ جاهل وذي عمرٍ متجاهل.

ومنهم العلامة الحسن بن عمر القرشي المالكي، حكى أبو فراس بن دعثم أنه وصل منه كتاب إلى اليمن قال فيه: لما بايعت الشريف الأجل أبا علي يوسف بن علي الحسني (بينبع) للإمام عبد الله بن حمزة - عليه السلام- وكان إذ ذاك /72/ المذهب والعقيدة مالكياً، فعرضت لي فكرة في الطاعة بالقول واللسان، والمخالفة بالقلب والجنان، وكثر ترددي في ذلك فجرى على خاطري قوله تعالى: ?وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ? [آل عمران:72] فعلمت أني إن استقمت على ذلك انتظمت في سلكهم وتحملت من إفكهم، فأداني اجتهادي إلى أني لم أجد مسلكاً إلى الخلاص إلا بالتوسل إلى الله تعالى بالغدو والآصال بالعترة النبوية - صلوات الله عليهم - أن يوضح لي طريق الرشاد، ويوفقني لمسلك السداد، ففتح الله تعالى علي في ليلة الجمعة من شهر جمادى الأولى من سنة تسع وتسعين وأنا بين النائم واليقظان فرأيت ناساً في فضاء من الأرض محدقين على شخص فتطلعت نحوهم ودنوت فإذا بشخص جالس على دكة عالية مبنية وحده وإ ذا برجل نحيف الجسم عليه آثار المجاهدة والعبادة قائم على الأرض على(1) يمين ذلك الشخص وهو أقرب الناس منه فسألت من هذا الصبي؟ فقيل: هذا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فتقدمت إليه وأخذت بيده أقبلها وأقول: أشهد أنك إمامي حقاً، فقال لي: بل أنا نبيك، وهذا إمامك، فاتبعه، فأعدت القول ثلاثاً فأعاده علي ثلاثاً، فقلت: قبلت ورضيت، فتحولت من بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وفمت عن يمين ذلك الشخص ثُمَّ قلت يا رسول الله ما اسمه؟ فقال: عبد الله المنصور بالله أبو محمد، ثم قال: معاشر الناس، هذا إمامكم فاتبعوه ثلاث مرات، فانتبهت وإن يدي لفي يده أقبلها وأقول ?جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا?
__________
(1) في (ب): عن يمين.

[الإسراء:81]، إلى آخر كتابه. وله قصة أخرى ضاق عنها القرطاس.
الحسن بن مدافع الديلمي [ق 7 هـ]
السيد الأمير الحسن بن مدافع الديلمي - رحمه الله تعالى - كان كما قيل أشهر من نار على علم، حائزاً لفضيلتي السيف والقلم، ترجم له السيد الإمام يحيى بن القاسم الحمزي - رحمه الله - وهو بعد ستمائة من الهجرة في أيام الإمام أحمد بن الحسين - عليهما السلام-(1).
الحسن بن مسلم التهامي [ - ق 6 هـ]
العلامة الفاضل الحسن بن مسلم التهامي - رحمه الله - عالم كبير، له مصنفات ومراجعات، وإفادات، ومن مؤلفاته كتاب (الإكليل شرح معاني التحصيل) (2).
الحسن بن موسى الأوطاني [ - ق 8 هـ]
__________
(1) سبقت ترجمته باسم الحسن بن أبي الفتح.
(2) وفي الطبقات الكبرى ق3 ج1 ص347، ترجمة 201: قرأ على الحسن بن محمد الرصاص، وأخذ عنه أحمد بن الحسن بن محمد الرصاص، حققه ابن حنش وقال: هو أبو القاسم الثبت وفي غيره أبو عبدالله، وستأتي ترجمته باسم الحسين، وذكر من مؤلفاته الكاشفة بالبيان الصريح والبرهان الصريح في مسألة التحسين والتقبيح، وكلا الكتابين لم أجد لهما نسخة خطية.

الفقيه الفاضل الحسن بن موسى الأوطاني، قال في الصلة: إنه من عباد الله الصالحين والعلماء العاملين، ترك زينة الدنيا على منهاج شيخه شيخ الطريقة والشريعة في ملبسه ومطعمه وقوله وفعله، يحيي الليل قياماً والنهار صياماً، ورعه شاف، وزهده واف، قدوة لأهل العبادة وسراج لأهل الخير والزهادة، قال إبراهيم حسن كاسمه، حصل له(1) من الألطاف والكرامات ما لم يحصل لنا، وكان زميلاً لشيخه في الحضر، ورفيقاً في السفر، وكان والده موسى بن حسن من(2) الفضلاء الكملة، وكان ممن واخاه إبراهيم وزاره ووقف معه وخالطه، انتهى. ولموسى أخ عالم عاقل اسمه إبراهيم بن الحسن، ولعلها سبقت ترجمته - رضي الله عنهم -(3).
الحسن بن مهدي البيهقي [ - ق 5هـ]
الشيخ المكين فريد الدين الحسن بن مهدي البيهقي القريومدي الزيدي، ذكره الشريف المرتضى بن شراهنك المرعشي وأثنى عليه. قال: وهو من تلامذة الشيخ ملك السادة والنقباء علي بن ناصر الحسني السرخسي - رحمهما الله - /73/ مؤلف الأعلام شرح نهج البلاغة(4).
الحسن بن ناصر بن يعقوب [ - ق 6 هـ]
__________
(1) سقط من (ب): له.
(2) زيادة في (ب): العلماء.
(3) انظر صلة الإخوان في حلية بركة علامة الزمان إبراهيم الكينعي (تحت الطبع).
(4) في الطبقات الكبرى ترجمة 202: الحسن بن مهدي البيهقي الريوندي، سمع أعلام الرواية على نهج البلاغة على مؤلفه، قلت: والمعروف أن مؤلف أعلام الرواية إمامي اثنا عشري، كما يظهر من كتابه من ردود الإمام يحيى بن حمزة - عليه السلام - فلعل تلميذه هذا إمامي لا زيدي.

العلامة(1) الحسن بن ناصر بن يعقوب بن عامر بن نجيم(2) بن محمد بن المعمر العذري الشبوي الزيدي، والد الشيخ الإمام الحافظ عمران بن الحسن، كان عالماً فاضلاً، قتل غيلة بالسد بباب صنعاء اليمن، وتولى الكتابة للإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة(3) - عليه السلام-.
الحسن المصعبي [ - ق5هـ]
الحسن المصعبي، الوزير الكبير وزير فلك المعالي، كان من كبار الزيدية والكتاب المصعبي نسبه إليه؛ لأنه سأل الإمام أبا طالب أن يصنف له كتاباً في الفرق الضالة فصنف له المصعبي وهو كتاب مشهور في علوم آل محمد، وقد كان يعاون المؤيد(4) بالله - عليه السلام- في بعض أموره، وحكى في الذخر المؤبد في سيرة المؤيد: أنه كتب إليه المؤيد إلى جرجان كتاباً في أمور عامة، فلما تمت قال الإمام لكاتبه: وأكتب إليه أن شغلاً لنا هنالك في رقعة مفردة، فقال الكاتب: إنما هذه كلمة واحدة يمكن إيرادها في آخر ذلك الكتاب المكتوب إليه، فقال: لا أكتب في قرطاس بيت المال شيئاً أكتبه في رقعة مفردة، فلما انتهى الكتاب إلى المصعبي فقال: ما هذه العلاوة، فأخبر بالقصة فقال: إذا كانت المضايقة في الآخرة هكذا هلكنا، أو كما قال.
الحسن بن نزار بن القاسمي [ ق 7 هـ]
__________
(1) سقط من (أ).
(2) وفي (ب): نحسم.
(3) في (ب): سلام الله عليه و- رضي الله عنه - وأرضاه.
(4) سقط من (أ): الذخر.

الشريف الحسن بن نزار القاسمي، كان سيداً سرياً، وأسداً جرياً (نطاسياً) في الكتب والكتائب، هاشمياً قاسمي الذوائب، ولما كانت الوقعة بين الغز والأمراء المنصوريين (بعصر) في سنة ثلاث وعشرين وستمائة أظنه حضر الواقعة(1)، وكان من طيورها الباقعة(2) وهي آخر قضية للناصر بن المنصور بالله - عليه السلام- مع الغز وغيرهم، وهي من كبار الواقعات وحديثها يطول، وشرحها يهول، تجلت عن قتلى من الجانبين إلا أنها كانت الدائرة على الأمراء لتشتت أصحابهم وذلك فيما رواه الأثبات في صفتها باسطين للقول، وأنا أختصره أنه في سنة ثلاث وعشرين وستمائة(3)، وكان الأمير الناصر سيف الإسلام مقدم الأمراء بصعدة وعنده أخواه الأمير المتوكل على الله وعلى جمال الدين واجتمعت قبائل نزار وقحطان عند الناصر، ففرق لهم الأعطية والأرزاق والأكسية السنية، ثم نهض من صعدة في أربع عشرة من رجب من السنة المذكورة، وقد كان في بعض أيامه أحضر أخاه المتوكل علىا لله أحمد وجمال الدين سليمان بن إبراهيم والقاضي محمد بن عمر، وكان من كبار أهل دولته، فتكلم معهم وقال: قد اجتمع هذا العسكر ولا أدري ما ترون، فابتدأ أخوه أحمد الكلام، وقال: الصواب أن تنهض بعسكرك إلى (حوث)، وتجتمع بأصحابك، وتنهض على اسم الله فتقتل غز حرض ومن بها، وتؤم المخالب فتقبل من تهايم المهجم وتحوز غنائم تهامة بأسرها، ويجتمع معك بنو سليمان فلم يكن متخلف منهم أحد، فإن اجتمع الغز إلى زبيد كنت مخيراً في قصدهم أو بعضهم إلى صنعاء فتقبضها على أحسن الأشياء، وتكلم الأمير جمال الدين، وقال: الصواب يا مولانا أن تسير إلى مغارب (مأرب) و(بيحان)، وتقبض منها الأموال وتنظر الغز ما يكون أمرهم، فإن رجعت أمورهم، وصلحت أحوالهم كنت قد أصلحت تلك الجهات بأسرها، وإن تضعضعت أحوالهم قصدتها
__________
(1) في (أ): الوقعة.
(2) الباقعة: الطائر لا يرد المشارب خوف أن يُصطاد. (القاموس المحيط ص649).
(3) سقط من (ب): وستمائة.

وأنت أكثر مالاً ورجالاً، فلم يكن /74/ ليتخلف عنك أحد من أهل المشرق، وتكلم القاضي محمد بن عمر وقال: يا مولانا الصيد كل الصيد في جوف الفرا إذا ملكت صنعاء دانت لك البلاد تهامة ومأرب وغيرها، فجنح الأمير إلى رأيه فمضى على ذلك وتخلف الأمير سليمان لوجع أصابه، فلم يحضر تلك الحركة فسار الأمير حتى بلغ حوثاً وقد اجتمع فيها إخوته المقدمون أولاد الإمام المنصور بالله - عليه السلام- والأمير صارم الدين وهاس بن أبي هاشم ومخلص الدين جابر بن مقبل، وكبار بكيل وحاشد، فبات بها ليلتين وقد كان صنوه المتوكل جاء من طريق النقع(1) عند خروجه من صعدة، فحط (ببهمان) منتظراً لصنوه، فأقام الناصر بحوث ليلتين، ثم نهض بمن معه مبادرين حتى وصل (الجنات) وبها ستقر، فهرب إلى صنعاء، وطرح أمواله وجعل لبني صاع جعالات طلباً للسلامة، فأمر الأمير بهدم الجنات وخرابها، ثم قدم إلى محطة الجنات عمه الأمير ذو الشرفين يحيى بن حمزة في عساكر جمة، والشيخ سيف الدين منصور بن محمد ثم سار الأمير بمن معه، وعلى مقدمته الأمير المتوكل حتى حطَّ بحاز، ثم نهض فحط بحصن الرئيس(2) من مخلاف صدا، ثم ضرب خيامه في اليوم الثالث برأس نقيل عصر، وحينئذ أقبل الغز وكانوا في حصن (ذروان) بحقل، فانحدر الأمير في أربعمائة فارس وأربعة آلاف راجل، وقد صف الغز للحرب دون مدينة صنعاء جيشاً واسعاً ميمنة وميسرة وقلباً، وتركوا الرجال بين الخيل، فعبأ الأمير الناصر الجنود فجعل الأمير ذا الشرفين على المقدمة والأمير المتوكل على الميمنة، وصنوه الأمير علي بن عبد الله على الميسرة، وهو في القلب، وجعل جند ظفار المحروس ومن ينضاف إليهم ساقه وسار على التعبية حتى قرب من مدينة صنعاء وصفوف الغز مما يلي مسجد الحرة إلى سور المدينة وتوافق الناس وكل ينتظر من قرينه الدنو إليه ليقع التمكن مما يريد، وظلوا على ذلك إلى أن قرب الليل
__________
(1) في (ب): القفع، ولعله البقع.
(2) في (ب): الدائس.

وخاف الناس فوت الفريضة ولم يقع قتال إلا ما لا يذكر لقلته، فاجمع الأمراء على الرجوع إلى محطتهم وأن يعاودوا القوم للقتال، فلما آذنوا الناس بالانصراف رجعوا على غير تعبية فارفضوا في القاع، فلما عاينهم الغز غنموا الفرصة فساروا على تعبيتهم سيراً سريعاً حتى دنوا من الناس، فصاح الأمير في الناس بالرجوع فلم بجبه أحد وخف الناس فثبت مكانه في إخوته وكبراء دولته وأنفار من جنده، فدارت عليهم رحا الحرب واختلطوا، وأطعنوا بالرماح، ثم اضطربوا بالسيوف والغمد وقتل من جيل الغز أربعة وعشرين فرساً بالرماح، ولم ينحُ إليهم أحد من العسكر، فتولى الأمير وإخوته القتال والشيخ مخلص الدين جابر بن مقبل فرمي حصان الشيخ بنشابة قتلته في موضعه فحال العدو عليه وقتل شهيداً - رحمه الله تعالى - وقتل ساعتئذ الشريف سالم بن علي بن محسن المحسني العباسي والقاضي محمد بن عمرو بن علي العمراني ومسعود بن مقبل الزنجي مولى الإمام المنصور وبلبان(1) التركي مولى قتادة بن إدريس الحسني ويحيى بن مرثد المالكي الخولاني، وأصيب حصان الناصر بنشابتين، وأصيب عينه اليسرى بلمخة نشابة لم يذهب بصرها، وأصيب حصان الأمير المتوكل المعروف بالضرب وهو حصان /75/ لا يعلم في وقته مثله، فثقل عن الحركة فتولى القتال عليه أخوه علي فوقع فيهما طعن كثير بالرماح وصوائب بالسهام، ووقع في فرس الأمير على سهم قتلها وأصيب هو بنشابة، فنفذت إلى صدره (فراغ)(2) بحمد الله، فلم يزل(3) يقاتل على أخيه حتى وقف الضرب حصان أحمد، فترجل وركب أحدهما رديفاً مع رجل من الجند حتى تعلق بالجمل وأبلى أولاد الإمام ذلك اليوم المشهود وجرحوا بجراحات، والحاضر منهم ومن أهل بيتهم إبراهيم وسليمان والحسن وموسى وعبد الله ويحيى ابنا الحسن بن حمزة وعلي بن يحيى بن حمزة والأمير صارم الدين وهاس بن أبي هاشم والشيخ سيف الدين منصور بن
__________
(1) كذا في (أ) و (ب).
(2) في (ب): فأمسوته.
(3) سقط من (أ): يزل.

محمد وجماعة من الشرفاء الموسويين والحمزيين والعلويين وأيبك فطيس وأبو حسن التركيان موليا الشريف قتادة مع كبار الجند الهمدانيين والحشيشيين، فلم يكن موقفهم يومئذ بذميم - أحسن الله جزاهم - فقال الشريف حسن بن نزار صاحب الترجمة هذه الكلمة
عاداتك الصبر والخطي مشتجرُ ... يا خير من قلدته أمرها مضرُ
لولا عزائمك اللاتي عرفت بها ... ما كان للدين عن أعدائه وزرُ
لكن حميت ببيض الهند حوزته ... والشاهدان بذاك السمع والبصرُ
أما المديح فلا نأتي بأيسره ... لأن كل مديح فيك مختصرُ
ماذا نقول من الإسهاب في رجل ... آباؤه برسول الله تفتخرُ
وما الزيادة في وصف امرئ نزلت ... في جده وعلى آبائه السورُ
تالله ما غاصت الأفكار في طرف ... من عز مجدك إلا غاصت الفكرُ
لكن أردنا نؤدي بعض مفترض ... من التهاني فلا ألوت بك الغيرُ
كل الأنام سليم ما سلمت لهم ... وما بقيت فذنب الدهر مغتفرُ
عليك للمجد أن تبني قواعده ... وما عليك إذا لم يسعد القدرُ
إن النبوءة أعلى كل منزلة ... قدراً فرنقها التنغيص والكدرُ
هل كان مثل رسول الله من أحد ... أو كان يحكيه في أوصافه بشرُ
فكان يوم حنين ما علمت به ... من البرية لولا معشر صبروا
هون عليك وإن نابتك نائبة ... فالجرح مندمل والكسر منجبرُ
والدهر يومان يوم مشرب أسن ... مر المذاق ويوم مشرب خضرُ
إلى آخر قصيدة قالها أجاد فيها وقد أطلنا بذكر القصة هذه لما نعرب به من اصطبار الأمير الناصر واخوته.
الحسن بن نسر [ - بعد سنة 75هـ]

العلامة الحسن بن نسر، هو العلامة الكبير الفصيح العبادة الحسن بن نسر، كان من أعيان المائة الثامنة، وهو من بيت شهير بجبل هنوم في الروس(1).
الحسن بن هذيل [ - ق 2 هـ]
__________
(1) في الطبقات ق3 ج1 ص348، ترجمة 203، ذكر أنه قرأ على العلامة المحدث علي بن إبراهيم بن عطية، وأجازه بعد السماع سنة 747هـ، وسمع القسطاس في أصول الفقه على مؤلفه الإمام يحيى بن حمزة، وأجازه، وكانت آخر مجالس القراءة سنة 727هـ، كما قرأ على الفقيه إسماعيل بن أحمد الحرازي وأجازه سنة 745هـ، ونقل أنه كان صالحاً مرابطاً، له مصنف في النحو سماه اللمع، ومصنف في الفقه يسمى الملتمع في كشف غوامض اللمع، وكانت وفاته بعد الخمسين والسبعمائة، وقبره بحوث بجنب القاضي عبدالله النجري في مقبرة العشرة.

علم الزيدية الأطول الحسن بن هذيل - رضي الله عنه - كان عالماً كبيراً شجاعاً بطلاً مقداماً، صحب الأئمة ونصر الحق، وركب الأخطار في ذات الله، كان أحد الثقات مع الإمام الحسين الفخي - عليه السلام- وهو الذي باع له الحائط بأربعين ألف دينار، فنثرها /76/ على بابه، فأدخل على أهله منها بحثة(1)، قال: وكان يعطيني كفاً كفاً، فأذهب به إلى فقراء المدينة، قال: وأمرني مرة أن اقترض له أربعة آلاف من صديق لي فجئته بالفين معجلة واستنظر بالفين لغد، فلما جئته بالألفين الأولين وضعها تحت حصير كان يصلي عليه، فلما أخذت الألفين الأخرى جئت أطلب الذي وضعته تحت الحصير، فلم أجد، فقلت: يا ابن رسول الله ما فعل الألفان، قال: لا تسأل عنهما، ثم أعدت عليه فقال تبعني رجل أخفر من أهل المدينة فقلت له: ألك حاجة؟ فقال: لا ولكن أحببت أن أصل جناحك فأعطيته إياها، أما أني أحسبني ما أوجر على ذلك؛ لأني لم أجد لها منّاً(2)، قال الله تعالى عز وجل: ?لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ? [آل عمران:92].
وتعمر إلى أيام الإمام محمد بن إبراهيم، ولما تصاف أصحاب أبي السرايا وأصحاب زهير على قنطرة الكوفة خرج الحسن بن هديل يعترض الناس(3) ناحية ويقول: يا معشر الزيدية، هذا موقف تستزل فيه الأقدام وتزايل فيه الأفعال، والسعيد من حاط دينه، والرشيد من وفى لله بعهده، وحفظ محمداً في عترته [ألا] إن الآجال موقوفة والأيام معدودة، ومن هرب بنفسه [من الموت](4) كان الموت محيطاً به، ثم قال متمثلاً:
من لم يمت عبطة يمت هرماً ... الموت كأس والمرء ذائقها
__________
(1) في (ب): فما دخل على أهله منها بحثة.
(2) لعل الصواب: حبّاً لما يقتضيه سياق الآية.
(3) زيادة في (ب): الناس.
(4) سقط من (أ).

[يوشك من فر من منيته ... في بعض غرَّاته يوافقها](1)
الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد [بعد سنة 220هـ]
السيد الكبير الحسن بن يحيى، الإمام الكبير السيد العظيم الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي - عليهم السلام-.
__________
(1) البيت سقط من (أ)، وهو في (ب) ملحق في الحاشية، وفي مقاتل الطالبيين ص430 قال: ومرّ بنا الحسن بن الهذيل يعترض الناس ناحية ناحية ويقول: يا معشر الزيدية ... إلى آخر كلامه، وتمثل في البيت الأول، قال أبو الفرج الأصبهاني: الحسن بن الهذيل هذا صاحب الحسين المقتول بفخ، وقد روي عنه الحديث، وذكر ص442 أنه كان على ميمنة أبي السرايا وعلى ميسرته جرير بن الحصين.

قال السيد محمد بن إبراهيم في عواصمه: إمام مجتهد متكلم في الفقه، ذكر محمد بن منصور أنه ممن اجتمعت عليه الفرق، انتهى. وهذا الإمام العظيم المقدار من شموس العترة الزاهرة، وسفن نجاتهم الماخرة، وهو أحد من في الجامع الكافي؛ لأنه اشتمل على فقه القاسم بن إبراهيم والحسن بن يحيى وأحمد بن عيسى بن زيد ومحمد بن منصور المرادي المقري الكوفي، وجامعه العلامة شيخ المحدثين محمد بن علي العلوي الحسيني، وستأتي ترجمته إن شاء الله، وهو أيضاً - أعني محمد بن علي - مؤلف المقنع في فقه زيدية كوفان - رضي الله عنهم - والحسن بن يحيى هو المجتمع بالقاسم بن إبراهيم وأحمد بن عيسى في دار شيخ الزيدية محمد بن منصور، وذلك أن القاسم بن إبراهيم ورد الكوفة في بعض الأوقات واجتمع معه هناك في دار محمد بن منصور أحمد بن عيسى بن زيد، فقيه آل محمد(1) - صلى الله عليه وآله وسلم - وعابدهم وعبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن الفاضل الزاهد والحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي - عليهم السلام- وقدموا عليهم وعلى المسلمين القاسم بن إبراهيم - رضي الله عنهم وأرضاهم-(2)، والحسن بن يحيى هو عم يحيى بن عمر الخارج بالكوفة الشهير الذي ناحت عليه الخلائق وسيرته والمراثي فيه شهيرة(3).
الحسن بن يحيى بن أحمد [ - ق 7 هـ]
السيد الكبير والأمير بن الأمير العلامة بن العلامة الخطير بهاء الدين الحسن بن الأمير شمس الدين يحيى بن أحمد.
__________
(1) في (ب): فقيه آل رسول الله صلى الله عليه وعليهم.
(2) وذلك سنة 220هـ فيكون وفاته بعد هذا التاريخ.
(3) في أعيان الشيعة قال: وصفه في عمدة الطالب بالزاهد، وقال عن بعض أحفاده أنه كان يحفظ القرآن، وكذا أبوه إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - 5/393.

قال السيد ابن جلال الدين - رحمه الله -: كان أميراً ناهضاً، وأثنى عليه، قال: سجنه هو والأمير الحسين أولاد الإمام المنصور بالله (بظفار)، ومات الأمير بهاء الدين بهجرة (قطابر)، وابنه القاسم بن الحسن هو الذي أسس هجرة (الدوابي)(1) بيسنم، ومات بها الشريف الكبير السخي محمد بن القاسم بن الحسن بن الأمير شمس الدين - رحمهم الله -.
الحسن بن يحيى بن الحسين [ - ق 8 هـ]
/77/ السيد الأمير العلامة الحسن بن يحيى بن الحسين والده صاحب الجوهرة والياقوتة سيد كبير، علامة شهير، وكان بليغاً منطيقاً فاضلاً كامل الصفات - رحمه الله -.
الحسن بن يحيى الأشل الهدوي [ - ق 7 هـ]
السيد البليغ الحسن بن يحيى الأشل(2) الهدوي - رحمه الله - كان عالماً كبيراً فاضلاً كامل النعوت مجيد في النظم، ومن شعره جواب إلى الإمام إبراهيم بن تاج الدين - عليه السلام- التي سبق ذكرها في ترجمة إسماعيل بن أبي النجم، وشعر السيد الحسن - رحمه الله تعالى -:
نظم ألم فهاج الوجد والجزعا ... وجرع النفس من ماء الأسى جرعا
جاءت به نحونا الركبان قاصدة ... بمثله ما رأى راء ولا سمعا
أهدي إلي فطارت مهجتي فرحاً ... شوقاً إلى صاحب الملقى وما سجعا
فقلت أهلاً وسهلاً بالنظام ومن ... أهدى النظام ومن أنشاه وابتدعا(3)
__________
(1) في (ب): الدواتي. وفي حاشية تصحيح: الروابي.
(2) هذا السيد بن أعمام جد القاسم بن محمد، مجدد الشريعة بالقرن الحادي عشر، فالقاسم بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن رشيد بن الأمير الحسين الأملحي بن علي بن يحيى بن محمد بن الداعي إلى الله يوسف الأشل، فالحسن بن يحيى أخ علي بن يحيى، وقد نقله الزحيف في بيان علي بن يحيى ونبله، فانتبه لهذا النسب الشريف، كاتبه إسماعيل بن أحمد المختفي من أحفاد المؤيد محمد بن المتوكل، تاريخ القعدة سنة 1398هـ.
(3) وفاة الإمام إبراهيم بن تاج الدين سنة 683هـ فيكون المترجم من أعيان القرن السابع الهجري.

الحسن بن الأمير مجد الدين [ ق 8 هـ] ت
علامة زمانه، المجلى على أقرانه الأمير الحسن بن الأمير مجد الدين يحيى بن الأمير بدر الدين محمد بن أحمد، كان عالماً فاضلاً وصدراً(1) مقدماً، سكن (بالهجر) المحروسة، وتوفي بهجرة تاج الدين (برغافة) أعاد الله من بركته.
الحسن بن يحيى بن الحسين [ - 320هـ] ت
الأمير الهمام العالم الحافظ ابن العالم (بن العالم)(2) الحافظ بن العالم الحافظ بن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الحسن بن يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام- كان سيداً سرياً وأسداً قسورياً، من وجوه آل محمد في وقته، ومن حفاظ العلوم وأوعيتها هماماً شجاعاً، من أعضاد أخيه الناصر للحق، وإليه لمح ابن أبي الأسد الزيدي - رحمه الله - في شعره الذي لعلنا نذكره إن شاء الله عند ذكر صاحب الغز في مشاعرة بن أبي الأسد المذكور وابن عبيد الحداقي، فإن أبا عبيد كان يفضل الجبن على الشجاعة وابن أبي الأسد كان يفضل الشجاعة، فحكما(3) هذا الأمير الخطير فقضى بفضل الشجاعة فقال ابن الأسد الأبيات التي أولها:
قضى بيننا بالعدل محض الضرائب ... قضية مفت في جميع المذاهب
الأبيات وستأتي إن شاء الله، وتوفي (……)(4).
__________
(1) في (ب): فاضلاً صدراً.
(2) ساقط من (ب).
(3) في (أ): فحكما على هذا.
(4) فراغ في (أ) و (ب)، حاشية في (ب): هذا الحسن بن الهادي نبه عليه في الدر المبثوث في أنساب سادة حوث، وقال الحسن العُبلي وبعضهم يرويه العبلي، لعله نسبة إلى الجبل المشهور فوق صعدة، ولا عقب له، فافهم والله الموفق تمت إسماعيل بن أحمد.

وذكر بعض النسابين من قحطان أنه قتل يوم الباطن بنجران، وأنه لما حبس الناصر للحق الحسن بن يعقوب بن الحائك لما أطلق به لسانه من شتم منصب النبوءة جاء إلى الناصر منهم الحسن بن محمد بن أبي العباس من أهل العشة من بلد صعدة، وكان من وجوه زمانه، وقد أهاج غضبه وغضب آل أبي قطي والربيعة وبطون قحطان بن الحائك بما نسخه من تلك القصائد، وهي كثيرة، فلما وصل الحسن بن محمد إلى الناصر لم يرض بإخراج المذكور من سجنه، ثم أخرجه بعد كائنات كانت وتحزبات من أهل الباطل منبعها من ذكرناه، ثم إن الحسن بن محمد استدعى حسان بن عثمان بن أحمد بن يعفر الحوالي، وكان حسان عدواً للناصر، واتفق حرب (مصينعة)، كنفى في المحنة واجتمعت قبائل كان منها ما كان، ثم إن الناصر للحق جمع لتلك القبائل جموعاً على غرة منهم وتضايق حال، فدخل (العشة) (1) بجنود من الربيعة بن سعد، ومن همدان وصنعاء، فكان هناك جلاد زعموا أنه خرج(2) زيد بن أبي العباس العشي، وكان رجله مكسورة، ولما
__________
(1) حاشية في (ب): هنا يلزم التنبيه على العشة، وقد كسر عينها الناسخ وهي بفتح العين معروفة خارج مدينة صعدة إلى جهة الشام بنحو أربعة أميال، كانت في عصر القاسم بن محمد مخرفاً ومتزهاً للفطاحل، وبها دار للقاضي العلامة أحمد بن يحيى حابس قد صارت في الوقت الحاضر خراباً، وبها قبر السيد العلامة أحمد بن إبراهيم المؤيدي جد الوالد العلامة محمد بن إبراهيم بن علي بن الحسين المؤيدي الذي يغلب عليهم لقب آل حورية، وهي الآن - أعني العشة - خراب ضائعة يسكنها ضعفاء زرعة من السادة وقبائل الأبقور سحار كليب، وتسمى عشرة ابن الحصين وساكنها ذرية الوالد العلامة محمد بن إبراهيم رحمه الله بعض منهم في آل القطلي من بني المؤيد وآل داود وآل قها وآل الشيبة، وكل هؤلاء من بني المؤيد ومن بني الأملحي آل عامر قليل، وحرر بتاريخه القعدة سنة 1398هـ تمت، كاتبه إسماعيل بن أحمد وفقه الله.
(2) في (ب): جرح.

يندمل جرحها /78/ فحمل على ظهر فرسه، فقاتل، وأنه طرد نحو أربعين فارساً، فهزمهم وبقي بعض رماحهم في أفلات العشة، وهو يرتجز ويقول:
قد علمت راسية الأحراس ... إني زيد بن أبي العباس ... أحمي بسيفي حرمي ورأسي
وأثنى عليه وعلى قومه بن الحائك بقصيدة منها:
همُ قحطان لا قحطان إلا ... قطيمي نما في عرق سعد
همُ كانوا الفوارس يوم مز ... وأيام المرادس وابن معد
القصيدة بطولها، ثم إن حسان بن يعفر قاد عسكراً إلى نجران فالتقوا بأصحاب الناصر - عليه السلام- هنالك، فكان بينهم يوم الباطن وهو يوم رائع هائل، فني فيه خلق كثير، وقتل فيه الحسن بن يحيى - عليه السلام- ولم يلبث بعده الناصر للحق إلا قليلاً، ثم اعتل ونقله الله إلى دار الكرامة - عليهم السلام-(1).
الحسن بن يحيى القاسمي [ ق 7 هـ]
الشريف الكبير الحسن بن يحيى القاسمي، شريف سري همام (هزبري) من مناطقة وقته ومسالقة أوانه، ومن جملة شعره ما قاله بعد قضية كانت قضية للإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليهما السلام- بجهة مسور:
أتراه أن يغضى على جمر الغضا ... رجل بيمناه الحسام المنتضى
وحسامه ماض وعزمة بأسه ... أبداً تزيد على مهنده مضا
وفعاله لله ليس بخائف ... من غيره غضباً ولا راج رضى
والى وناوى في المهيمن معلناً ... وأحب فيه من أحب وأبغضا
فحباه بالنصر العزيز وحاطه ... واختاره للدين عزاً وارتضا
هذا أمير المؤمنين وخير من ... قبضت أنامله لسيف مقبضا
هذا الإمام الطهر صفوة أحمد ... هذا الزكي الفاضل الندس الرضا
زاكي المناسب ذو المناقب من غدا ... من كل عائبة لشين مُرحضا
من معشر ذو العرش أوجب ودهم ... وعلى الورى طراً بطاعتهم قضى
هذا الذي عم الأنام بعدله ... والظلم أصبح عنهم متقوضا
__________
(1) كانت وفاة الناصر يوم الأربعاء ضحى النهار لثماني عشرة ليلة خلت من شهر الحجة سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، فيكون وفاة المترجم بعد سنة 320هـ تقريباً.

فكأن ذاك الظلم ليل مظلم ... وكأنه فجر بليلته أضا
كم قاد نحو ذوي الضلالة والخنا ... من عسكر لجب يضيق له الفضا
وهي أكثر من هذا القدر لكن ملنا إلى الاختصار.
الحسن ين يحيى بن الحسين [ ق 8 هـ]
السيد الكريم الفصيح العالم الحسن بن يحيى بن الحسين بن مصنف الياقوتة، كان هذا السيد من عيون زمانه، وأفراد أوانه، من أهل البلاغة والكمال وبينه وبين الواثق مراسلات درية تشهد بما قلناه(1).
الحسن بن يوسف بن عواض [ - ]
العلامة الحسن بن يوسف بن عواض، من علماء الأدب وفضلاء وقته، قرأ عليه الشريف أحمد بن القاسم بن وهاس في العربية، وهو قرأ على شيخ الإسلام محمد بن سليمان بن عبد الباعث، وهو قرأ على علي بن مسلم البساط.
أبو الحسن الرقي [ - ق 5 هـ]
القاضي العالم أبو الحسن الرقى(2) عالم كبير، ذكره المرشد بالله، وكان معاصراً للمؤيد بالله أحمد بن الحسين - رضي الله عنهما - وكان يقول: ليس اليوم أشد تحقيقاً في الفقه من السيد أبي الحسين الهاروني.
أبو الحسن الأسكوني [ - ]
أبو الحسن الأسكوني، هو عالم كبير /79/ ذكره الملا يوسف حاجي - رحمه الله تعالى - في الطوائف المؤيدية من الأصحاب العراقيين - رضي الله عنهم -.
من اسمه الحسين
الحسين بن أحمد بن القاسم [ - ق 7 هـ] (3)
__________
(1) تكررت ترجمته وذكر في الأولى أن والده صاحب الجوهرة والياقوتة.
(2) في (ب): الرفا.
(3) ولده الإمام المهدي أحمد بن الحسين من مواليد سنة 612هـ فيكون والده قد توفي بعد مولده، وهو من أعيان القرن السابع الهجري.

الحسين بن أحمد بن القاسم بن عبد الله بن القاسم بن أحمد بن إسماعيل بن أبي البركات بن أحمد بن القاسم المجاهد بن محمد بن القاسم بن إبراهيم - عليهم السلام- هو والد الإمام الشهيد السعيد أحمد بن الحسين - عليه السلام- قال بعض من ترجم له: هو الحسين الفاضل بن أحمد الطاهر بن القاسم قدوة أهل عصره بن عبد الله العالم العامل بن القاسم الجواد بن أحمد المفضال بن إسماعيل أبي(1) البركات بن أحمد الزاهد التقي بن القاسم المجاهد الرضي بن محمد العلامة الإمام بن القاسم ترجمان الدين نجم آل الرسول قال السيد يحيى بن القاسم الحمزي أخبرني يعني الإمام أنه ما يعرف بينه وبين النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من آبائه إلا من هو فاضل تقي أولهم والده الحسين بن أحمد كان عالماً ورعاً زاهداً مقصوداً للبركة معروفاً بالفضل.
قلت: وذكر بعض العلماء أظنه السيد يحيى بن القاسم المذكور خصائص لهذا السيد السند، وذكر منها تيسر(2) الحج له فتكلم بعض السادة العلماء آل الوزير عند تكلمه على فضائل الإمام الناصر بأن الله يسر على يديه الفضائل من جملتها الحج وأنه كان عسيراً واستشهد بما ذكر في فضائل هذا السيد الكريم.
قلت: أذكرني هذا نعمة الله الراهنة لدينا بهؤلاء الأئمة الكرام(3) الذين يسروا للطاعة الاستطاعة، بل أظهروا في الحرمين شعار السنة والجماعة فإن السنة سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - والجماعة جماعة الحق، فأما الأيام المتوكلية فقد صارت مكة كديار اليمن قد علت فيها كلمته والحمد لله رب العالمين.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (ب): تيسير.
(3) سقط من (أ).

وكان المؤيد بالله قد أرهص وقدم مقدمات قطعية الإنتاج لهذه النعم جزاهم الله جميعاً عنا أفضل الجزاء، ولقد بلغني أن رجلاً أعمى من ولد عقيل بن أبي طالب مر ومعه قائده بمحل قريب من محل الشيخ العارف محمد بن علان عالم مكة، فقال العقيلي لقائده وهو لا يشعر بمكان الشيخ محمد: والله لقد رفع هذا الإمام يعني المؤيد بالله قدر أهل هذا البيت، يعني بيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال له الشيخ محمد: ماذا تقول يا فلان فأنكر مقالته، ثم أخبره بها فقال له الشيخ محمد: لا والله، بل رفع جميع أهل مذهبه ليس أهل البيت فقط.
الحسين بن أحمد بن الحسين [ - ق 11هـ]

السيد الأديب الحسين بن أحمد بن الحسين بن عز الدين بن الإمام الحسن بن الإمام عز الدين بن الحسن المؤيدي، كان أديباً شريفاً عالي الرتبة، وله في علم الأدب، وله في الآداب(1) حظ، وله شعر فائق، لكنه ليس بالكثير، وكان بصنعاء أيام الدولة، ولما التمس الباشا سنان من الأدباء تاريخ البكيرية(2)
__________
(1) في (ب): في الأدب.
(2) حاشية في (ب): هنا فلق، فإن عام عمارة البكيرية عام ست وألف سنة العام الذي دعا فيه الإمام المنصور بالله عليه السلام، وفي هذا العام تمام عمارة ما يتعلق بها من مستطابات ونحوها، وتاريخ وفاة هذا السيد على ما يقتضي به آخر الترجمة وقتله مع مطهر بن الإمام شرف الدين يوم الجمعة سادس شهر محرم سنة تسع وخمسين وتسعمائة، فكيف يكون مؤرخاً لمستطابات البكيرية فيما نظر به السيد العلامة صلاح بن الحسين رحمه الله نهاية وافية ودراية شافية جزاه الله خيراً. هذا وهم فإن المقتول مع مطهر بن الإمام ليس هو السيد الحسين المذكور، وإنما هو جده أبو أبيه الحسين بن عز الدين، وإنما نشأ هذا الوهم من تصحيف لفظة أبيه في قوله: وولادة أبيه الحسين حفظه الله بالنون مكان الياء، وقد أصلحته كما ترى، وهذا التصحيف قد نشأ فقدم ولادة الابن على الأب بثلاثين سنة، ولم ينتبه له المعترض فينكره، مع أنه أحق بالاستنكار، فيتأمل والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
السيد صلاح بن الحسين لطف الله به، وقول المؤلف هنا في استشهاد السيد الحسين في ثلاء مجاهداً مع مطهر بن الإمام بأمر صنوه الإمام الهادي بن أحمد بن عز الدين أوضح من الشمس في الدلالة على أن المقتول جد السيد المذكور لا هو، ولله القائل: (حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء)، والله الموفق وهو أعلم.

وهي القبة الأنيقة التي عمرها الوزير حسن باشا وطلب منهم تاريخ الحمام وتاريخ المستطابات التي اتخذت عند القبة تمالح الأدباء، واتحفوا في ذلك وأجادوا، فمن ملح السيد في تاريخ المستطابات
كم حاقن وحاقب ... خلاصه في سبقه
وكان والده أحمد بن الحسين أعجوبة الزمان في المكارم، ملكاً عظيم المنزلة واسع الإفضال، بلغت عساكره مبلغاً عظيماً، مما يحكى أنه جعل أنواع عسكره خمس عشرة طائفة، وجعل بعد العيد خمسة عشر يوماً أيام عطلة يخرج في كل يوم طائفة من العسكر بزي عجيب /80/ وكان يقول: أنا لا أفي لمن قطع (العمشية) قاصداً إليّ(1)، وحكي أنه كان يخرج من بيته كل يوم ثلاثمائة جفنة للحشم والخدم، وأهل الأعمال والضيوف، وكان يأكل مع العامة، وذكر عنه أنه استقل الناس على طعامه فدخل البيت واجماً منكسر الخاطر، فجاءته بعض الشرايف لها عليه سطوة سألته ما حدث من الحوادث أوجب ذلك الانكسار، فاستعفاها فلم تعفه، فقال: رأيت الناس على طعامي قليلاً، ولد السيد أحمد بن الحسين المؤيدي سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة، وقتله الأتراك سنة إحدى وتسعين وتسعمائة، سلخ شهر القعدة، وقبره (بشرمات) من بلاد آل عمار، وولادة أبيه الحسين سادس رمضان سنة ثلاث وتسعمائة، واستشهد الحسين هذا في (ثلا) مجاهداً مع مطهر بن الإمام بأمر صنوه الإمام الهادي أحمد بن عز الدين، وأصيب بسهم يوم الخميس خامس شهر محرم سنة تسع وخمسين وتسعمائة، ومات ثاني ذلك اليوم يوم الجمعة، وقبر بثلا وجده عز الدين المذكور ولد ليلة الأربعاء رابع محرم سنة ثلاث وثمانين بقرية (المجمعة) (2)، وتوفي في شهر محرم من سنة إحدى وأربعين وتسعمائة بالطاعون [- رحمهم الله تعالى -](3).
الحسين بن احمد المغدفي [ - ]
__________
(1) في (ب): لمن قطع إلى العمشية قاصداً لي.
(2) المجمعة قرية في أعلا وادي يسنم.
(3) ما بين المعكوفين سقط من (ب).

السيد العالم الحسين بن أحمد المغدفي - أعاد الله من بركته - كان سيداً عارفاً بالأدوات، وله في الفقه مسكة حسنة، وكان فاضلاً تقياً، وهو الذي سعى في عمارة مسجد الأبزر بصنعاء، ووقف كتبه للطلبة هنالك، ونقل إلى رحمة الله في (……)(1). ودفن بالروضة من أعمال صنعاء.
الحسين بن أحمد بن ساعد [ - ق 9 هـ]
الفقيه العلامة الحسين بن أحمد بن ساعد - رحمه الله - من العلماء المشاهير، ذكره صاحب الصلة، وللسيد الحافظ محمد بن إبراهيم في مجاوبته عن سؤاله ما يدل على فضله، فإنه قال: وجوابي هذا على غواص لججه، ونقاد لحججه(2)، وإنما سألني للعلة التي أجبت عليه لأجلها، وهي محبة الغوص في العلم، وكد القرائح ورياضتها على ما بعد من الفهم، وقد أحسن من قال في مثله:
كم عالم بالشيء وهو يسأل
ومن جيد ما قيل في ذلك:
نحن أدرى وقد سألنا بنجد ... أقصير طريقنا أم طويل
وكثير من السؤال اشتياق ... وكثير من رده تعليل
الحسين بن أحمد بن يعقوب [ - ق 4 هـ]
الحسين بن أحمد بن يعقوب، الفقيه اللسان البليغ، قاضي المسلمين، وعضد الملة، وحيد وقته، وفريد دهره، كان من كبار العلماء مكيناً في الفضائل، تولى القضاء للإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني، وكتب له عهداً يدل على جلالة قدر القاضي وجلالة قدر الإمام وتوسط في مصالح الإسلام، وكان واسطة العقد في زمانه، وهو الذي جمع سيرة الإمام القاسم بن علي(3)، وكان مع العلم الكثير من أهل الجهاد والعبادة كما على ذلك طائفة العلماء من الزيدية، وله أشعار كثيرة من جملته ما قاله بعد قضية بني ربيعة وإيقاع الإمام لهم الواقعة التي دمغت البغاة، فقال الحسين:
ذكراك أرقني وصحبي نُوَّمُ ... وهواك مني في الحشا يتضرمُ
قد شاقني حيئك ثم صرفته ... إذ عاقني امر لدي مقيم(4)
__________
(1) في (أ) و (ب).
(2) في (ب): حججه.
(3) السيرة المنصورية طبعت بتحقيقنا.
(4) في (ب): مقدم.

وعلقت منك محاسناً صيرنني ... لا أستفيق من الهوى أتكتم
فرض الجهاد على العباد مؤكد ... أولى من الأهوا ومما يذمم
/81/ ربط العباد الهاشمي ببيعة ... لزمت جميع الخلق فيما يلزمُ
القاسم المنصور والنصر الذي ... فتق الرتوق وكلما يستبهمُ
فبغى رعاع من عشيرٍ غرهم ... عفو الإمام وفي الخطاء تقدموا
فثنى عليهم عطفه وجميله ... ودعاهمُ أن ينصفوا ويحكّموا
فتغلبوا واعصوصبوا وتكبروا ... عن أن يجيبوا قوله واستعصموا
وتعاضدوا في الجحد عن مخطيهمُ ... سفهاً وقالوا ليس منا مجرمُ
فدعا بكهلان ونادى حميراً ... فأجاب دعوته الكرام الغشّمُ
من فوق جرد كالصقور وفتية ... الموت عندهمُ تراه المغنمُ
حتى إذا اجتمعت قبائل كلها ... من حي همدان وحمير يمموا
حيث الخطية أحدقت من فوقهم ... طير السماء الألف ما قد تعلمُ
يغشون متضع البلاد وحزنها ... كالموج يعتسف الأكام ويلهمُ
من فوقهم تركية ومغافر(1) ... والسمر تلمع والحديد المبهمُ
فبدا بحصنٍ لم يراقب أهله ... نعم الإله فدكدكوه وهدموا
وثنوا أعنتها علاقاً يمما ... والجمع منتظر لهم مستلئمُ
من حي بحرٍ والربيعة كلها ... وبني ألال كلهم متقدمُ
وقالوا دوننا ... هندية فيها الحمام وأسهمُ
والثور عندهم حصين مانع
... لهمُ وإن حماه مما يسلمُ
فتذامرت قومي السراة فلم يكن ... إلا قليلاً واستبيح المحرمُ
أمسوا بها صرعى تنوش لحومهم ... عرج الضباع فهم لديها مغنمُ
لولا ظلام الليل أسدل دونهم ... لم يبق منهم مخبر متكلمُ
خابت ظنونهمُ وأصبح ثورهم ... باحا يحرق بالنيار ويهدمُ
جاسوا ديارهمُ وخلوا حصنهم ... دكاً يباباً والمعاطن رغمُ
وتقسموا أموالهم وظنينهم ... ومغانماً ما كن قدماً تغنمُ
ثم انثنوا والخط فوق رقابهم ... وسيوفهم من هامهم فيها الدمُ
ونساؤهم سفعوا الخدود حواسراً ... شعث الغدائر للمحاسن تلطمُ
يبكين كل فتىً أبيح حريمه ... وتناولته البيض فهو محذمُ
__________
(1) في (ب): ومعاقر.

هذا جزاء الناكثين لبيعةٍ ... لم يودهم منها سبيل يعلمُ
الحسين بن أحمد الأسدي [ - ق 11 هـ]
أويس زمانه، وبصري أوانه الحسين بن الحاج أحمد بن عواض الأسدي - أعاد الله من بركته - أحد الفضلاء الأبدال منقطع القرين في الطاعة.
الحسن(1) بن محمد بن سلمان [ - ق 4 هـ]
الحسين بن الحسن بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن - عليهم السلام- ترجم له المنصور بالله وقال: قتل أيام المقتدر(2).
الحسين بن حميد بن مسعود المقرائي [ - ق 9 هـ]
الفقيه العلامة الحسين بن حميد بن مسعود المقرائي، والد محمد بن الحسن مصنف (المصابيح والسلوان) مختصر وفيات الأعيان لابن خلكان، وشارح رسالة (الحور العين)، وأراد شرح البحر فعاقه الحمام، ووالده هذا له (المنهج المستبين في أصول الدين)، وشرح على الحاجبية بسيط مفيد(3).
الحسين بن حمزة بن أبي هاشم [ - ]
__________
(1) لعلها الحسين.
(2) قال أبو الفرج في المقاتل: قتل الحسين بن الحسن بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى، بعد منصرفه من البجة من عبكر عبدالله بن عبدالحميد الملتاني العمري (المقاتل ص556)، والأخير ملك البجة بأرض الحبشة، وكان أعظم إخوته بطشاً وهمة، وله مآثر دنيانية، وفيه ميل إلى السلطة وانحراف عن الدين من غير فساد في اعتقاده، وكانت له وقائع كثيرة قتل بين يديه جماعة كثيرة من الطالبيين. انظر مشاهد العترة الطاهرة، تأليف السيد عبدالرزاق عونة الحسيني ط1 سنة 1408هـ، والمقتدر العباسي بويع سنة 295هـ، وقتل سنة 320هـ.
(3) في الترجمة إشكال، وفي أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (945): محمد بن الحسن بن حميد بن مسعود بن عبدالله المقرائي [862 - 908هـ]، عن الطبقات أنه: ليس الحارثي المداني؛ لأن الزمان غير الزمان، وإنما اتفقا اسماً وأباً ونسبة، وانظر بقية الخلاف والمؤلفات في ترجمته هناك.

الحسين بن حمزة بن أبي هاشم، إمام علوم واسعة ممن ذكره بذلك السلطان الأشرف، قال: هو عالم بني حمزة السيد العلامة الحسين بن حمزة بن علي بن محمد بن حمزة بن أبي هاشم، قال مؤلف سيرة الإمام المطهر بن محمد: وهو السيد الفاضل (……)(1).
الحسين بن حمزة بن علي [ - ق 8 هـ]
السيد العلامة الحسين بن حمزة بن علي صنو الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة، ذكره الجندي في تاريخه، وذكر أن جدهما علي المذكور خرج من العراق أيام السيد يحيى السراجي، هذا لفظه: قال وقدم معه ولده حمزة، وانتسب إليه /82/ وعرف صحة نسبه فزوج ابنه حمزة بابنته - يعني بابنة السراجي - فأولدت له يحيى والحسين، وذكر أن يحيى بن حمزة أقام بمدرسة حوث، قال: وهي مدرسة الزيدية، تخرج منها جماعة من علمائهم، قال: وكان الحسين متديناً متفقهاً، انتهى.
الحسين بن علي بن علي بن الحسين [ - ق 2 هـ]
الحسين بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي - عليهم السلام- كان كامل الصفات من عيون العترة ووجوه الأسرة، قال أبو نصر البخاري: كان علي بن محمد بن جعفر قد اتفق رأيه ورأي أبيه على الخروج في سنة مائتين، واختار علي بن محمد أن يظهر بالأهواز، واستصحب ابن الأفطس - يعني الحسين بن الحسن هذا - وابن عمه زيد بن موسى الكاظم، فلما ظفر أصحاب المأمون بمحمد بن جعفر علم جعفر(2) أنه لا يتم له الأمر، فخرج من البصرة وخلف زيد بن موسى.
الحسين بن حسن بن شبيب [ - ق 6هـ] ت
الفقيه العلامة الحسين بن حسن بن شبيب الحسني التهامي، كان عالم الزيدية إماماً منهم، وهو والد أبي القاسم الآتي ذكره، وكان الحسين - رحمه الله - إماماً في الكلام، وقد كان اعتقد شيئاً من مذاهب المطرفية، ثم رجع بعد وصول البيهقي زيد بن الحسن - رضي الله عنه - من العراق.
__________
(1) فراغ في (أ) و (ب).
(2) سقط من (أ).

قال القاضي عبد الله بن زيد - رحمه الله -: ولما رجع إلى مذهب الحق عن ذلك المذهب الزائغ رجع من أتباعه خمسمائة رجل، صاروا زيدية، وأفادني شيخي العلامة شمس الإسلام منبع الفوائد ومجمع الفرايد أحمد بن سعد الدين المسوري - وسع الله للإسلام في عمره، ورضي الله عنه - أن ابن شبيب كان ينكر الخوارق في غير زمن الأنبياء حتى اتفقت قضية زبيد والظلمة بها والرماد الذي ذكره المؤرخون، فأذعن لوقوع ذلك في غير زمن الأنبياء، ذكر هذا - أيده الله - لي عند ذكر ابن شبيب الذي رجع إلى المذهب الحق وهو هذا، وأما ولده أبو القاسم فلم يمسه التطريف وهؤلاء بنو شبيب يسكنون (ضمد).
قال السيد الهادي بن إبراهيم: ابن شبيب جد الفقهاء آل النعمان.
قلت: وبصنعاء في الزمن الأقدم بيت يعرفون ببني أبي شبيب، منهم الشيخ أبو الفرج بن علي بن أبي شبيب، وهو أحد رجال المطرفية، وكان له عبادة يتولى(1) الأذان، ويبادر إلى الصلاة أول الوقت، والله أعلم.
الحسين بن زيد بن علي بن الحسين [114 - 190هـ] (2)
__________
(1) في (ب): ويتولى.
(2) وقيل: مولده سنة 115هـ وتوفي 191هـ عن الأسنة، انظر أعيان الشيعة 6/23 - 26 عن تفاصيل ترجمته، وانظر أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 368، وانظر بقية المصادر فيه.

[الحسين بن زيد ذي الدمعة، هو الخطير المقام ابن خطير المقام] (1) الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام- هو المعروف بذي الدمعة ويقال: ذو العبرة، لكثرة بكائه، وكان يكنى بأبي عبد الله، وأمه أم ولد، وكان من أصحاب جعفر الصادق رباه وكفله؛ لأن أباه - عليه السلام- قتل وهو صغير، والحسين بن زيد من أنصار محمد بن عبد الله النفس الزكية - عليه السلام- في عدة من الفضلاء كأخيه عيسى بن زيد وموسى بن جعفر وعبد الله بن جعفر - عليهم السلام- وكالمنذر بن محمد بن عبد الله بن الزبير، وكان ابن أبي ذئب وابن عجلان بايعاه أيضاً، وخرج معه مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير وابنه عبد الله بن مصعب وأبو بكر بن أبي سبرة الفقيه الذي يروي عنه الواقدي، وكان مالك بن أنس يحض في الناس على بيعته، فقيل له: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر، فقال: إنما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى مبايعته، قال الأصفهاني: إنه - رضي الله عنه - شهد حرب محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام- ثم توارى فكان مقيماً في منزل جعفر بن محمد سنين، وكان /83/ جعفر رباه، ونشأ في حجره منذ قتل أبوه، وأخذ عنه علماً كثيراً، فلما لم يذكر فيمن طلب لم يأنس به من أهله وإخوانه، وكان أخوه محمد بن زيد مع أبي جعفر مسوداً لم يشهد مع محمد وإبراهيم حربهما، فكان مكاتبته بما يسكن منه، ثم ظهر بعد ذلك بالمدينة ظهوراً تاماً إلا أنه كان لا يجالس أحداً ولا يدخل إليه إلا من يثق به، قال الأصفهاني: سمي ذا الدمعة لكثرة بكائه، وروى يحيى بن الحسين بن زيد قال: قالت أمي لأبي ما أكثر بكاك، فقال: وهل ترك لي السهمان والنار سروراً يمنعني من البكاء، يعني بالسهمين الذين قتل بهما أبوه زيد وأخوه يحيى.
__________
(1) سقط من (أ).

قال الأصفهاني عن الحسين بن زيد قال: مررت على عبد الله بن الحسن وهو يصلي فأشار إلي فجلست، فلما صلى قال: يا ابن أخي إن الله قد وضعك في موضع لم يضع فيه أحداً إلا من هو مثلك، وإنك قد أصبحت في حداثة سنك وشبابك، ستدرك الخير والشر، كلاهما يسرعان إليك، فإن تسعد حتى ترى منك ما يشبه سلفك فتلك السعادة التامة، والله لقد توالى لك آباء ما رأيت فينا، ولا في غيرنا مثلهم، إن أدناهم للذي لم يكن فينا مثله أبوك زيد لا والله ما كان فينا مثله، ثم كل ما رفعت أباً فهو أفضل.
الحسين بن عبيد الله بن شيبرة [ - ق 5 هـ] ت
العلامة الخطيب الحسين بن عبيد الله بن شيبرة - رحمه الله تعالى - من شيوخ الزيدية منسوب إلى شيبرة في بني عامر بن صعصعة، ثم في كلاب، سكن ريدة، وكان مع ذلك أهل ريدة يرون التطريف، وهو يخالفهم، ويصلون خلفه، وكان أخوه علي من كبار المطرفية، وكان له سعة من المال ورغبة في اصطناع الجميل، فكان يجتمع عنده الفقهاء ويذبح لهم الذبائح، ويطعم الطعام(1) الجزل، وكان مألفاً لهم، وروى عليان بن إبراهيم من مشائخ المطرفية، قال: كان علي بن عبد الله يسرج السرج من ماله للفقهاء في بيته وانقطع السليط في بعض السنين، وكان قد جمع للتجارة فيما أرى - والله أعلم - جراراً من دهن السلحة، وهو دهن ألبان فيما سمعت من كلام أهل بلادنا والبلاد التي حولنا، فكانوا إذا اجتمعوا عنده للحديث في العادة سرج لهم السرج من ذلك الدهن، ولا يلتفت إلى غلاه، انتهى كلامه.
وكان(2) أخوه الحسين - رحمه الله - على قدم الصدق زيدياً خالص المذهب صافي المشرب، وحكى أحمد بن داود الزيدي عن مشائخه قال: كان علي بن عبد الله يرى رأي علي بن محفوظ ومشائخه.
__________
(1) في (ب): الإطعام.
(2) في (أ): فكان.

قلت: يعني التطريف قال: وكان الحسين بن عبيد الله يرى رأي مخالفيه، وكان إمام المسجد بريدة، فكان علي يصلي خلفه ولا يرون في الذي بينهم من الخلاف ما يمنع بعضهم من ولاية بعض، فكانوا على ذلك حتى إ ذا كان ذات يوم فدعا علي بن عبيد الله أخاه الحسين ليأكل عنده، وكان لا يزال يذبح، ويعمل الطعام، ويطعمه المسلمين، فكره الحسين أكل ذبيحة أخيه، فقدم إليه علي كبشاً، وقال: اذبح أنت فأنا آكل ذبيحتك.
قلت: ولحسين المذكور ولد اسمه علي بن الحسين، كان عالماً فاضلاً حري بترجمة، إلاَّ أني لم أتحقق حاله، ولعله - إن شاء الله - على منهاج أبيه القويم.
الحسين بن عبد الله بن المرتضى [ - ق 6هـ]
السيد الشريف الأمير الكبير أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن المرتضى بن الهادي إلى الحق علامة كبير، والعهد الذي كتبه أبو طالب الأخير الذي نوه العلماء بذكره، وكثرة فوائده، وجودة صنعته هو لهذا الأمير - رضي الله عنهم -(1).
الحسين بن عز الدين [ - ق 10 هـ]
/84/ السيد العالم الحسين بن الإمام عز الدين بن الحسن.
قال ابن فند: إنه السيد الأفضل، طراز المجد الأطول، ولا كلام في جلالته ونبالته.
الحسين الأصغر بن علي بن الحسين [ - 57هـ]
__________
(1) الإمام أبو طالب الأخير، هو يحيى بن أبي الحسين أحمد بن أبي القاسم الحسن بن أحمد بن أبي القاسم الحسين بن المؤيد بالله، دعوته بجيلان سنة 502هـ ووفاته سنة 520هـ، ومن محاسن كتبه عهدٌ كتبه للشريف السيد شرف الدين أبي عبدالله الحسين بن الهادي [المترجم] رحمه الله لما أمره بالخروج إلى اليمن سنة 511هـ، انظر نصه في الحدائق الوردية ص 205، وقد وصفه فيه بصفات الكمال، وولاه وفوض إليه الخلافة والقضاء ما بين مكة إلى عدن وسائر نواحي اليمن.

الحسين الأصغر بن علي بن الحسين بن علي - عليهم السلام- كان عفيفاً محدثاً فاضلاً عالماً، توفي سنة سبع وخمسين سنة، ودفن (بالبقيع)، ويقال: أمه وأم عبد الله بن الحسن - عليهما السلام- واحدة، وليس كذلك، إنما هي أم إخوته الباقر وعبد الله والناصر، وأما الحسين فأمه أم ولد اسمها سعادة(1).
الحسين بن علي الأفطس [ - ق 2 هـ]
الحسين بن علي الأفطس، كان عالماً عاملاً، وكان قد ظهر بمكة أيام أبي السرايا من قبل محمد بن جعفر الديباج، ثم دعا لمحمد بن إبرهيم طباطبا، وأمه بنت خالد بن أبي بكر بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. وقال البخاري: أمه أم ولد(2).
الحسين بن علي بن إبراهيم جحاف [ - 1053هـ]
__________
(1) في أعيان الشيعة 6/111 توفى سنة 157هـ، وقيل سنة 158هـ، وله 57 سنة أو 64 أو 76، ودفن بالبقيع، أمه أم ولد اسمها ساعدة أو سعادة، ولقب بالأصغر تمييزاً له عن أخيه الحسين الأكبر الذي مات عقيماً، وفيه أيضاً ما ملخصه: روى عن أبيه السجاد وأخيه الباقر وابن أخيه الصادق، وعنه فاطمة بنت الحسين ووهب بن كيسان، وعنه عبدالله بن المبارك ومحمد بن عمر الواقدي، وكان عفيفاً محدثاً فاضلاً ورعاً، وعقبه عالَم كثير في الحجاز والعراق والشام، وبلاد العجم والمغرب، وانظر ترجمة من روى عن الإمام زيد من التابعين.
(2) ولعله الحسن بن علي الأفطس، تقدمت ترجمته.

السيد الحسين بن علي بن إبراهيم بن جحاف، السيد العلامة الفاضل المشهور بالرجاحة والركانة والرصانة، الحسين بن علي بن إبراهيم بن المهدي بن أحمد بن يحيى [بن القاسم بن يحيى](1) بن عليان بن الحسن بن محمد بن الحسين بن جحاف - رحمه الله - كان من علماء العترة وحلمائهم، فاضلاً كاملاً لا يؤثر عنه إلا الصالحات، وكان مرجوعاً إليه في علوم العربية والفقه والأصولين مع كمال في ذلك، ولقي مشائخ، وترحل إلى مواضع العلم على متاعب، لكنه حمد مغبة ذلك، وكان منشؤه بيت الإمام الناصر الحسن بن علي لمكان الصهارة؛ لأن الإمام تزوج أخته ابنة السيد الهمام المقدم الشهير علي بن إبراهيم، فلذلك اختلط السيد الحسين بالإمام، وكان في بيته، وكانت له - رحمه الله - بلاغة في القول وانسجام في الخطاب، كأنما ينحط من صبب وكأنما يقرأ كلامه من صحيفة لا يخلط كلامه بشيء من الفضلات، وهذه كانت صفة الإمام الناصر الحسن بن علي لا يقولان في مقالهما ما تجري به العادة من الفضلاء من نحو نعم أو يعني أو نحو ذلك من العبارات الدخيلة، يدعّم بها المتكلم، روي عنه أنه غاب خطيب الإمام بحبور فقيل للفضلاء يخطبون فقالوا: ومن يخطب بحضرة السيد الحسين، فقيل له: فاعتذر، فقيل له: تكلم فوق المنبر بكلامك الذي يجري بينك وبين العامة أو كما قالوا، وكان - رحمه الله - معتنياً بالكسب الحلال، ينزل بنفسه الكريمة إلى مغارب وطنه حبور كوادي عبس، ويعمل في المال ثم يروح حاملاً لعباء من منافع المال للبيت من نحو حطب أو ثمر، فيستقر ببيته ريثما يتناول ما تيسر من الطعام، ثم يخرج للصلاة، ثم يبرز لتدريس (العضد) على أتم وجه، ولم يختلف اثنان في صفاته ورجاحته، وحسبه ما قال الإمام المؤيد بالله - عليه السلام - لأهل حجة لما افتتحها وطلبوا
__________
(1) سقط من (أ): بن القاسم بن يحيى. وهو هكذا في (ب) والطبقات، ووفاته كما في الطبقات ق3 ج1 ص364 عن الحافظ أحمد بن سعد الدين المسوري سنة 1054هـ.

منه أميراً لها، قال: إن شاء الله سأوليكم رجلاً مثلي، أو قال خيراً مني، أو كما قال، واستمرت يده على ولاية حجة وحمدت آثاره، وكان يستدنيه الإمام للآراء عند المهمات، وكان مشهوراً بجودة الرأي كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، واستمر أولاده (بحجة) وهم من الكمال بمحل شريف، فالمباشر للمهمات أكبر(1) أولاده السيد الرئيس النبيل محمد بن الحسين، وولده العلامة الفاضل جمال الإسلام علي بن الحسين وولده السيد الفصيح النقاب عبد الله بن الحسين، عند أخيهما بحجة مشتغلان بنشر العلوم، وقد قرأ على علي بن الحسين جماعة، وقد رزق الله ولده عبد الله المذكور من الحافظة والذكاء ما بَذَّ به الأقران على حداثة السن. وولده الحسن صاحب الأخلاق النبوية، والطرائق السوية(2)، /85/ صاحب الصدقات، واستقراره بحبور، وكانت وفاة السيد الحسين - رضي الله عنه - بحبور وقبر بالتربة عند داره المسمى بالناصرة، وهو من أحسن البنيان وأشمخها، وقبره مزور مشهور، ورثاه السيد العلامة البليغ زينة الوقت وحسنة الأيام إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى بن الهدى بن جحاف - أدار الله عليه شآبيب الألطاف - وهو ابن بنت السيد المذكور:
على مثلها دعوى التصبر يقبحُ ... فدع عبرات العين في الخد تسفح
أبعد المصاب القاصم الظهر يُدّعى ... تكلف صبر والتكلف يفصحُ
أناعي الحسين الماجد العلم الذي ... له شرف بين(3) السماكين ينطحُ
إمام الهدى جم الندى كابت العدى ... بعيد المدى بحر الندى ليس ينزحُ
مبلد فرسان البلاغة مظهر الـ ... ـفصاحة إن صد البليغَ التنحنحُ
معلم أرباب البلاغة نيلها ... وفاتح ما قد ظن أن ليس يفتحُ
مميط نقاب المشكلات فقوله ... دليل مبين في الخلاف مرجحُ
حسرت وحق الله لو كنت عالماً ... لموقعه رزءاً لما كنت تفصحُ
أقادح زند العلم حسبك إنه ... خبا زنده فافطن لما أنت تقدحُ
__________
(1) في (ب): أكثر.
(2) في (ب): السوية السنية.
(3) . في (ب): ليت.

أناعي صواب الرأي قد مات من له ... تعن خفيات الصواب وتسنحُ
فيا لك من جود هنيٍ تقلَّصتْ ... سحائبه فالنبت بعد مضوّحُ(1)
ومنها:
أبا الحسن اسمع قول من خانه الأسى ... فأودى به حزن الفؤاد المبرحُ
عزيز علينا أن نراك موسداً ... رغاماً ولكن ما عن الموت منزح
ووا أسفاً لو كان مثلك يُفتدى ... من الموت كنا بالنفائس نسمح
ومنها:
فيا شامتاً قد خف حلمك إنها ... شفار المنايا للأنام تُذَبِّحُ
إذا أمهلت يوماً فما أمهلت وقد ... تزور مساء دار قوم وتصبحُ
أتشمت أن أيدي المنون تخرمت ... كراماً لعمري ما أخالك تفلحُ
طويت على شرٍ فأبديت سره ... وكل إناء بالذي فيه يرشح
وما قل من كانت بقاياه مثلنا ... شباب وأشياخ إلى المجد تجنح
نجومٌ محاريبٌ بدورٌ منابرٌ ... شموسُ علومٍ هل بذلك يقدح
معادنُ آدابٍ رياضُ فكاهةٍ ... غيوث مبرات إذا الدهر يكلح
أرى المجد قد ألقى إلينا(2) جرانه ... وليس له حتى القيامة مسرح
وذلك صنع الله فينا وإنه ... يخص بخير ما يشاء ويمنح
أوراد حوض الموت والمنهل الذي ... أرى نحوه هذي البرية(3) تكدح
عليكم سلام الله ما ذر شارق ... وما دام رعد في الغمام يسبح
ورثاه أيضاً السيد المحقق المجتهد العبادة العلامة يحيى بن إبراهيم، وهو واسطة العقد /86/ في هذه العصابة، ومثابة الإسلام والمسلمين وناهيك به مثابة:
الدهر أنقص رتبة ... عن أن يقرع بالعتاب
والناس أحقر أن يعا ... لهم(4) كهذاك النقاب
يا عين هذا وقت جو ... دك بالدموع والانصباب
فابكي الحسين أبي فإنَّ مصابه حق المصاب
عجباً لما يأتي الزما ... ن به من الأمر العجاب
أيغيب رضوى في الثرى ... ويظل يذبل في التراب
يا كعبة الجود التي ... كانت محطاً للركاب
يا عصمة الفقراء إن ... خلفت شآبيب السحاب
يا زاخر العلم الخضـ ... ـم إذا تراما بالعباب
__________
(1) مضوّح: مسقّي. (القاموس المحيط ص224).
(2) في (ب): لدينا.
(3) سقط من (أ): البرية.
(4) في (ب): يعابهم.

يا شامخ العلم الرفيـ ... ـع ومن سواه كالهضاب
ما كنت أحسب قبل وضـ ... ـعك في ملفقة الثياب
أن الجبال الشم يحـ ... ـملها(1) الرجال على الرقاب
وهي طويلة طائلة، كانت وفاته - رحمه الله - الثلث الأخير من ليلة الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى عام ثلاثة وخمسين وألف(2).
الحسين بن علي بن الحسن المصري [أوائل القرن الثالث الهجري]
__________
(1) في (ب): ترفعها.
(2) في (ب): ووفاة العلامة صلاح بن عبد الخالق في ليلة واحدة ووقت واحد فسبحان المتفرد بالبقاء.

الحسين المحدث المصري، هو الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام- هو إمام الحديث، وشيخ القديم والحديث، يعرف بالمحدث، وهو صنو الناصر الكبير، ويروي عنه كثيراً، ويروى عنه جماهير المحدثين من أهل البيت، وفي (الحاصر لفقه الإمام الناصر) في كتاب المناسك حدثني الحسين بن علي أخي وأحمد بن محمد بن عمي قالا: حدثنا علي بن الحسن - يعنيان أبي رحمه الله - قال: حدثنا علي بن عبد الله بن الحسين عن موسى بن جعفر في قوله تعالى: ?وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً? [آل عمران:97]، فهذا لمن له مال فسوقه من أجل تجارة فلا يسعه فإن مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام إذا ترك الحج، وهو واجد ما يحج به، وإن دعاه قوم إلى أن يحج فاستحيا من ذلك فلا يفعل فإنه لا يسعه إلا أن يخرج، ولو كان على حمار أبتر أجدع، ومن قوله(1) تعالى: ?وَمَنْ كَفَرَ? [آل عمران:97]، فإنه(2) يعني من ترك الحج، وهو يقدر عليه(3).
الحسين بن علي بن عيسى العنسي [ - ق 8 هـ]
العلامة الفقيه الصدر الحسين بن علي بن عيسى العنسي - رحمه الله - فقيه عالم، قرأ عليه قاضي القضاة بن ساعد (الانتصار)، وهو قرأه على عبد الله بن الإمام يحيى بن حمزة.
الحسين بن علي الأخفش الهدوي [ - 1077هـ]
__________
(1) في (ب): ومن قول الله تعالى.
(2) في (ب): فإنما.
(3) في أعيان الشيعة 6/130 عن النجاشي: الحسين بن علي أبو عبدالله المصري، متكلم ثقة، سكن مصر وسمع من علي بن قادم، وأتى داود الطيالسي وأبي سلمة ونظرائهم، له كتب منها كتاب الإمامة والرد على الحسن بن علي الكرابيبي، وفيه أيضاً أنه من أواخر المائة الثانية أو أوائل الثالثة.

السيد العالم العابد الحسين بن علي الأخفش الهدوي - رحمه الله - كان عالماً عابداً سالكاً مسلك سلفه الأخيار، وله بالعلم ولوع، كان كثير الولوع بنقل الفوائد، وجمع من ذلك كثيراً طيباً، وقرأ في علوم العربية والأصول، ثم قرأ الفقه على السيد العلامة أحمد بن علي الشامي، وهو من فصيلته الأدنين، وكان من الوقار بمحل عظيم، ترك الدنيا بعد أن كان من أهل الظهور والولاية (بجهة لاعة)، ولم يزل راغباً في الخمول على طريقة الأفاضل حتى أوى بصنعاء المحروسة، ووصل إلى عند الفضلاء، فكان شهيراً، وكان يدرس بمسجد جمال الدين، وله أشعار وفوائد جمة، وسمى جده الأخفش لعلمه بالعربية، ومسكنهم الأصل (مدران)(1) من بني جماعة، ثم سكنوا (مسور) في المشرق، ثم سكنوا (كوكبان)، وتوفي السيد الحسين /87/ في [شهر صفر سنة سبع وسبعين وألف، ودفن في خزيمة بصنعاء] - رحمه الله تعالى -(2).
الحسين بن القاسم بن إبراهيم [ - ق 3 هـ]
الإمام الكبير أبو الإمام وابن الإمام الحسين بن ترجمان آل الرسول القاسم بن إبراهيم - عليه(3) السلام - هو والد إمام اليمن المحيي للفرائض والسنن، وكان الحسين يعرف بالعالم والحافظ وحيد في أهل بيته وإخوته الكرام، بدور الإسلام، سيأتي ذكرهم إن شاء الله، وهذا الإمام غني عن الإطناب(4).
الحسين بن القاسم
__________
(1) مَدَران: قرية في بلاد (ألت الرُّبيع) من مديرية مجز وأعمال محافظة صعدة. (معجم المقحفي ص1462).
(2) ما بين القوسين غير موجود في (ب).
(3) في (ب): عليهم.
(4) ولد ابنه الإمام الهادي إلى الحق سنة 245هـ بالمدينة المنورة، جبل الرس قبل وفاة جده القاسم بن إبراهيم بسنة واحدة وبلغ من العمر 35 سنة، وقد حصل على مرتبة الاجتهاد، مما دفع أباه وعمومته إلى الاجتماع على الاعتراف بإمامته وبيعته، ومعنى هذا أن والد الهادي (المترجم) كان حياً سنة 280هـ. انظر الإمام الهادي مجاهداً ووالياً وفقيهاً، تأليف عبدالفتاح شائف نعمان.

الحسين بن أمير المؤمنين القاسم المنصور، هو (ثهلان) الحلوم (وثبيرها) وخضم العلوم غزيرها، مفخر الزيدية، إمام المعقول والمنقول، وشيخ شيوخ اليمن الجهابذة الفحول، لقي الشيوخ وأخذ عنهم، وأقروا (أنه من باب رب حامل(1) فقه إلى من هو أفقه منه)، وانتفع بلقائهم، وأخذ زبد علومهم، واعترفوا بفضله في أسرع وقت، لكنه مع ذلك الإدراك لم يقنع من نفسه بالإدراك، بل واظب على العلوم، وخاض غمارها، روي عن شيخه الشيخ لطف الله بن الغياث أنه كان يقول: لا أخاف على أهل اليمن وفيهم الحسين بن الإمام، وروي عنه استشكال بعض المسائل المنطقية نحو ثماني عشرة سنة، وأدركها الحسين في أسرع وقت ، وذلك نتيجة الإصطفاء النبوي والتقوى ووقارة العقل، فإنه كان جبلاً من جبال الحلم، لا يطيش لحادث، ولا يظهر على وجهه(2) عبوس، ولو انبعثت عليه الحوادث دفعة، فإنه كان أيام قراءته في الظفير على شيخه المذكور يصادم العساكر بالعساكر ويقاوم الأصاغر والأكابر، على خلل في الزمان ووهن في الأعوان، وهو مع ذلك يزاحم سعد الدين التفتازاني والشريف، وأضرابهما ويتعقبهم، وكان يكتب بخطه مع ذلك بعض كتب الدرس بخط كأنما طبع بالطابع، كان شيخنا الوجيه(3) عبد الرحمن الحيمي يطيل الثناء عليه ويقول: خط شيرازي عال، ذكر ذلك مراراً، وكان يقرأ في (العضد) ويحشي فيأتي إليه عيون العسكر وأهل العناية بالحرب يذكرون قرب الزحف والمصافة، وهو ينظر في تلك الدقائق، فإذا كثر تعويلهم نهض.
__________
(1) سقط من (أ): رب.
(2) في (أ): وجه.
(3) في (أ): الوجيد.

ومما سمعته من تلميذه شيخ العترة أحمد بن علي الشامي - رحمه الله - قال: كان السيدان الحسنان يتحدثان عند مقاربة جنودهما لجنود الباشا قانصوه، فدخل الرسول يجري يخبرهما بقرب تلك الطامة التي عادت للمسلمين مغنماً ببركة هذين السيدين، وكان قدوم الرسول على حال يضطرب لها جنان غير الجبان، فضلاً عن الجبان، فالتفت الحسين بوجه بسام لم يظهر عليه أثر قط.
ومن وقاره وحلمه ما أخبرني به السيد الكامل عز الدين محمد بن صلاح بن علي بن جحاف - أمتع الله بمساعيه الحميدة - أنه لما اجتمع الجند بمدينة تعز بعد موت مولانا الحسن - رضي الله عنه - كان من العسكر كلام في التقديم والتأخير للأسماء، كما جرت عادة أرباب الديوان، وكانت قلوب العساكر الحسنية مائلة عن مولانا الحسين - عليه السلام- فهم يتطلبون المعاذير لشق العصا، وكان الجميع عسكراً جراراً واسع العدة، لو نجم بينهم أي شيء فنيت خلائق، وكان عدد رزقهم في الشهر نحو ستة وثلاثين ألفاً أو قريب من ذلك، فلم يجد مولانا الحسين بداً من العدد، ولكن مع عزيمة وشدة شكيمة فأمر أهل النجدة من العسكر الخاصة بحضور الديوان، ومن تكلم بكلمة تفرق القلوب أمضوا فيه ما يراه، فبينا هم في ذلك وإذا بشاب من الأهنوم /88/ من آل حجاب(1) حميد المسعى والأثر قتل أبوه بين يدي مولانا الحسين فتجاوز ذلك الشاب الحد ولم يقف عند الكلام، بل أخذ قلماً وطمس اسمه في الدفتر والكاتب وابن الإمام والناس ينظرون، فقام مولانا الحسين على صفة الراكع في الصلاة واستمر ملياً ثم عاد لمجلسه وقال للكاتب: هات اسماً غير اسمه، ولم يقل لذلك الشاب شيئاً، فلما خلا السيد عز الدين محمد بن صلاح بابن الإمام، وكان خالصته وبطانته، فقال: ظننا أنكم يا مولانا تبطشون بفلان لتجاوز(2) الحد، فقال: قمت ذلك القيام الذي رأيت، ووزنت حسناته وسيئاته في قلبي، فرجحت حسناته، ألا ترى أنه جالد وقاتل
__________
(1) في (أ): من آل جحاف.
(2) في (ب): لتجاوزه.

في البستان عند جده على حداثة سنه ونكأ العدو؟ ألا ترى أن أباه قتل بين يدي بغلتي، فمتى أجزيه؟ وهذه منقبه لا يعرفها إلا من عرف ذلك المقام، وما كان يقتضيه الحال ولله دره.
وكان شجاعاً في الغاية، ولقد أخبرنا الشيوخ بصعدة أيام قتاله للأروام بساحتها أيام والده - عليه السلام- أنه جاء من ناحية المشرق من بين الجبل والترك بصعدة خيلهم ورجالهم، فمضى إلى ناحية (تلمص) على حصان أدهم لابساً ثياباً يغيظ الأعداء، وبين يديه خادم يحمل الرمح، فمر من عند مسجد (فليتة) بوقار تام، كأنه يمشي إلى الزفاف والأروام نواكس الأذقان حتى مضى إلى بعض المسافة نحو(1) تلمص، وخرجت الخيل تطلبه وهو لا يلتفت، فلما قربوا منه قبض الرمح من خادمه، وعاد فانقلبوا صاغرين، وهذه مناقب لو استوفيناها ضاق الرحب لكنا نكتفي بالإشارة والقليل يشير إلى الكثير.
وكان في علم المعقول في محل لا ينتهى إليه وسائر علوم القرآن، وأما المنطق وأصول الفقه فهو الغاية التي ما وراءها وشاهد ذلك كتابه (الغاية)(2) وشرحها (الهداية) (3)، فقد جمعت غرائب الفن وعجائبه، ونقلها بعض علماء الأقاليم تعجباً من أسلوبها وكثرة التحقيق فيها، وممن علق بها شيخنا الشيخ أحمد بن أحمد الشابي القيرواني المالكي القادم في شعبان من شهور سنة أربع وخمسين وألف سنة، وأقام بصنعاء وكان(4) سابقاً في العلوم مطلعاً على مصنفات العلماء، فلم يزل متعجباً من هذا الكتاب، واعتنى بملكه، وتعجب من شرح القاضي زيد، والبحر الزخار، ولعلنا نذكر شيئاً من أحوال الشيخ المذكور تبعاً لذكر غيره، فإنه أحد شيوخنا والحمد لله.
__________
(1) في (ب): ثخوه.
(2) غاية السؤل في علم الأوصل (أصول الفقه).
(3) هداية العقول إلى غاية السؤل في علم الأصول شرح الكتاب السابق، طبع مع متنه في مجلدين كبيرين، وهو من كتب المناهج المعتمدة في مدارس الزيدية، ونسخه الخطية كثيرة.
(4) سقط من (أ) وكان.

وكان لسيدي الحسين كرامات منها ما سمعته من مولانا الأعظم المتوكل على الله - حفظه الله - أنه استنجى - رحمه الله - في ثمد من الماء بنواحي أخرف، ففاض ذلك الماء وخرج للناس من بعد ذلك، وهو إلى الآن معروف، ومنها قضية الورم الذي نبت على بعض أعضائه الكريمة أظنه في إحدى اليدين، فأمر الأطباء بقطعه وأذن الإمام القاسم - عليه السلام- بذلك، فاستنظرهم إلى غد ذلك اليوم، فأخبرني الشيخ المجاهد محمد بن صلاح البحش - رحمه الله - أنه لم يزل يبكي في ليلته، ويذكر الله - عز وجل - فأصبحت وليس لها أثر ببركة دعائه، ودعاء والده - عليهما السلام- وله أشعار جيدة، لكن والده أعاد الله من بركته كره له الإيغال في ذلك، فتركه وقدَّ اشتهر من شعره شيء، وهو:
مولاي جُدْ بوصالِ صَبٍّ مدنفٍ ... وتلافه قبل التلاف بموقفِ
وارحم فديت قتيل سيف مرهفٍ ... من مقلتيك طعين قَدٍّ أهيفِ
/89/ وهي مشهورة، توفي - رحمه الله تعالى - بمدينة ذمار، وقبر في قبته المشهورة عند الإمام المطهر بن محمد بن سليمان الحمزي - عليهم السلام- في آخر ليلة الجمعة ثاني شهر ربيع الآخر عام خمسين وألف سنة، وقبره مشهور مزور، وله أولاد نجباء، ومولده - عليه السلام- وقت الطفل من يوم الأحد لأربع عشرة(1) بقيت من شهر ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وتسعمائة، فمبلغ عمره إحدى وخمسون سنة إلا ست ليال، ورثاه القاضي العلامة قاضي الإسلام وبركة علماء الأعلام شمس الدين أحمد بن سعد الدين المسوري - رحمه الله - بهذه القصيدة، فقال:
قضاء الله ما عنه امتناعُ ... وأمر الله ليس له دفاعُ
وقد بُرئ الورى للموت طراً ... وحبل العمر غايته انقطاعُ
تساوى كل خلق الله فيه ... فقل عبد وقل ملك مطاعُ
كفى بالموت واعظة لحيٍ ... له بمواعظ الحق انتفاعُ
فنافس في الذي يبقى لتحيا ... حياة عيشها نضر وساعُ
وأيقظ لاكتساب الخير قلباً ... وجارحة لعمرك لا يضاعُ
__________
(1) في (ب): إن بقيت.

ولا تغتر بالدنيا وعيشٍ ... حقير القدر آذنهُ الوداعُ
لأن الدار الاخرة التي لا ... نفاد لها دنا منها اطلاعُ
ألست ترى بني الدنيا مضياً ... إلى الأخرى معاً وهمُ سراعُ
يتابع رزأها رزء وتأتي ... حوادثها بما لا يستطاعُ
ولكن ما قضاه الله حلو ... وإن نكرت مرارته الطباعُ
رضينا حكمه وإن استطارت ... حصاة القلب وانكشف القناعُ
أحقاً أيها الناعي بأن الـ ... ـعلوم أنهد شامخها اليفاعُ
وأن البحر منها غاض حتى ... غدا يبساً وعطلت الرباعُ
نعم، ومضى الحسين إلى(1) سبيل ... بها للخلق كلهم اتباعُ
فنكا جرحه جرحاً حديثاً(2) ... ونكؤ الجرح(3) بالجرح اتساعُ
وأبكى كل عين فهي ثكلى ... كأنَّ دموعها سيل دفاعُ
وفي قلب الهدى منه انتهارٌ ... وفي وجه العلا منه انتقاعُ
أمات أبو محمدٍ المزجى ... بحفظ الله فارسه الشجاعُ
أمات أبو محمدٍ المرجى ... لكل عظيمة منها نراعُ
أمات أبو العزائم من إذا ما أطـ ... ـلخمَّ الخطب كان له اضطلاعُ
أمات ابن الإمام أخو إمام الـ ... ـهدى الليث الهزبر إذا القراعُ
/90/ فمن للدرس والتدريس قل لي ... وليس لشمسه فيهم شعاعُ
ومن للعلم والعلماء إما استـ ... ـطار الخلف واتصل النزاع
ومن للدين يحميه إذا ما ... أضاع حريمه الضرع اليراعُ
بكته مجالس العلم التي ما ... لها مذ غاب عنهن اجتماعُ
وكتب العلم تندبه بشجوٍ ... وإملاء المسائل والسماعُ
وكشف المشكلات بكل فنٍ ... فما في أيها عنه امتناعُ
وتبكيه مواطنه(4) اللواتي ... بها صدق العدا منه وقاعُ
أتته الطير تطلبه قراها ... وقاربها من الأرض السباعُ
فاصدرها بطاناً واثقات ... بخصب لا تصد ولا تراعُ
تعاهده غدواً أو رواحاً ... وتطرقه (القشاعم)(5) والضباعُ
وتبكيه اليتامى حين يسعى ... إليه فراخهم وهمُ جياعُ
__________
(1) في (ب): على.
(2) في (ب): طرياً.
(3) في (أ): الجزع.
(4) في (ب): المواطنة.
(5) القشاعم: القَشْعَم: الأسد. (القاموس المحيط ص1060).

فيعطف نحوهم قلبٌ رحيمٌ ... ويكفلهم عن الضُّرِّ ادَّارع(1)
وتبكيه عزائم ساميات ... وهمة ماجد يقظ وباعُ
وتبكيه مساجد طاهرات ... ومحرابٌ له فيه اختشاعُ
وتبكيه بنو الزهراء طراً ... ومن بولائهم لهم رضاعُ
وما يغني البكاء عليه شيئاً ... وإن الصبر للتقوى جماعُ
فصبراً يا بني الزهراء صبراً ... فمثلكمُ لربهمُ أطاعوا
وأرضوه وثوقاً إن خير الـ ... ـثواب لديه والدنيا متاعُ
فصبراً أيها المولى الإمام الـ ... ـذي من ربه فيه اصطناعُ
فأنت معلم الخيرات طراً ... وفيك صلاح ما فيه انصداعُ
وأنت لملة الإسلام حصنٌ ... إذا فاجاه خطب وارتياعُ
وأنت لعزه حرم أمين(2) ... وأنت لقبة العليا سطاعُ(3)
وقد مات النبي وحل قبراً ... له فيه هدوءٌ واضطجاعُ
وحيدرة أخوه مضى شهيداً ... وشبر أقفرت عنه البقاعُ
وفاطم والشهيد بكربلاءٍ ... وأهلوه أصابهمُ الضياعُ(4)
وقد نزل الحسين بهم كريماً ... له رضوان خالقه(5) (لقاعُ)(6)
وحور قاصرات الطرف عين ... تصوغ لمن برزن له رداعُ
يقلن له هلم إلى وصالٍ ... يدوم فلا يلم به شعاعُ
وعيش أخضر وكبير ملك ... ولا جوع هناك ولا (دعاعُ)(7)
/91/ ودم واسلم إمام الحق تحمي ... بسيفك من حمى الحق التلاعُ
وتجبر كل كسر كان فينا ... فليس إلى سواك لنا رواعُ(8)
ودمتم يابني المنصور طراً ... يغاظ بكم ذوو الأهواء الرعاعُ
ودام بكم لأهل البيت عز(9) ... فإنكمُ لدينهمُ قلاعُ
__________
(1) في (ب): الضراء دراع.
(2) في (ب): منيع. ظ
(3) حاشية في (ب): السطاع ككتاب أطول عمداً بخباء وعمود البيت.
(4) حاشية في (ب): الصياع: الهلاك.
(5) في (ب): بارئه.
(6) الصواب: لفاع: اللِّفاع: ككتاب: المِلْحفَة، أو الكساء، أو النطْع، أو الرداء. (القاموس المحيط ص703).
(7) دعاع: الدُّعاع: النخل المتفرق، ودَعاع: عيال الرجل الصغار. (القاموس المحيط ص659).
(8) حاشية في (ب): الرواع: الرجوع.
(9) . عز. ظ.

ويا جَدَثاً به فخرت ذمار ... على الدنيا وكان لها ارتفاعُ
وزيدَ بِه مشاهدها سمواً ... بشخص ضمه(1) منها دُفاعُ(2)
سقتك المزن مرحمة وغفراً ... يثج(3) عليك ليس له وقاعُ(4)
ولا برحت بجودك هاطلات ... من الرضوان ليس له انقشاعُ
لقد هيجت من حزن دفيناً ... ولكن هذه الدنيا لَعَاعُ
وقد وعظت فما يوماً إليها ... لذي عقل وإن بهجت نزاعُ(5)
وما يغتر بالدنيا سوى من ... يشابهه [من] الإبل الرقاعُ
تظل وشغلها علف وماء ... وما تدري(6) لما جلبوا وباعوا
فافرغ ذا الجلال لنا اصطباراً ... لتنكشف الكآبة والزماعُ
فإنك خير مأمول مُرجَّى ... وإنك ربنا الملك المطاعُ
وصل على النبي وأهل بيت الـ ... ـنبي فهم لحقك ما أضاعوا
الحسين بن القاسم القاسمي [ - ق 6 هـ]
الشريف الكبير الحسين بن القاسم بن محمد بن جعفر القاسمي، علامة كبير، فصيح إنسان زمانه، ولسان أوانه، وكانت بينه وبين القاضي نشوان محاملات بعد ذلك التنافر، وكتب إلى نشوان أبيات ملاطفة أجابه نشوان بالأبيات التي سيأتي ذكرها، وهي:
والله والله العظيم ألية ... يهتز عرش الله منها الأعظم
إني لودك يا حسين لمضمر ... في الله أُبْدِيهِ وحيناً أكتم
(ستأتي بقية هذه الأبيات في ترجمة نشوان - إنشاء الله- . انتهى)(7).
الحسين بن القاسم بن الحسين [ - 394هـ]
__________
(1) في (ب): ضمنه.
(2) حاشية في (ب): الدفاع بضم الدال: التراب.
(3) في (ب): يسح.
(4) حاشية في (ب): الوقاع صمام القارورة.
(5) حاشية في (ب): النزاع: الشوق.
(6) في (ب): ندري.
(7) زيادة في (ب).

السيد الكبير الحسين بن القاسم بن [الحسين](1) محمد بن القاسم بن يحيى بن الحسين [بن زيد بن علي بن الحسين](2) بن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- كان سيداً رئيساً(3)، عظيم المكان، ملك ذمار وبلاد (مدحج) و(جهران) و(الهان)، وكان يملك صنعاء أياماً، توفي في سنة أربع وتسعين(4) وثلاثمائة، قيل: إنه قتل في الهان، قتله الحسين بن القاسم بن علي العياني، وحمل إلى ذمار، وقد استشكل بعض المؤرخين هذا وقال: إن الذي قتله الحسين بن القاسم بن علي هو القاسم الزيدي وأنه الذي ملك ما ذكرناه من البلاد ووالاه بنو الضحاك وبنو مروان أهل الهان، وأن القاسم الزيدي حبس أولاد الإمام القاسم بن علي جعفراً والحسن وغيرهما، فكانت بينه وبين القاسم حروب آخرها حرب أجلبَ فيه الحسين بجموع كثيرة، كالسيول المتلاطمة، فوصل صنعاء في صفر سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، فالتقى هو والزيدي في حقل صنعاء واشتد القتال، فدخل الحسين صنعاء من ناحية (القطيع) وملكها وانهزم الزيدي إلى ناحية (الفج)، وتشتت /92/ جنده بعد أن قتل منهم خلق كثير، وأدرك الزيدي بالفج فقتل، ووصل ذلك اليوم خبر موت الإمام يوسف الداعي، (فاستوسق) الأمر للحسين بن القاسم، قال المستشكل لكون الزيدي الذي قتله الحسين بن القاسم ما لفظه: فصح أن المقبور في جامع ذمار ليس بالذي قتله العياني؛ لأن تاريخ وفاته سنة أربع وتسعين وثلاثمائة.
قلت: وما ذكره المؤرخ يعظم إشكاله، إذا تحققت عمر الحسين بن القاسم العياني، فإنه نيف وعشرون سنة، وبين قتل المذكور المقبور بذمار وبين قتل الزيدي القاسم الذي(5) بالفج ثماني عشر سنة، ومقتل الحسين بن القاسم العياني في سنة أربع عشرة وأربعمائة (بريدة)، فلا كلام أن الحسين بن القاسم المقبور بذمار لم يقتله الحسين بن القاسم العياني.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) سقط من (أ).
(3) في (ب): رائساً.
(4) في (أ): وسبعين.
(5) في (ب): قتل.

قال بعض مشائخنا: الذي قتله الحسين بن القاسم هو محمد بن القاسم، قتله بقاع صنعاء عند الظهر يوم الخميس لسبع بقين من صفر سنة ثلاث وأربعمائة، وذلك أن محمد بن القاسم الزيدي المذكور دعا إلى نفسه والقاسم الزيدي والد محمد الذي خرج من الطائف مناصراً للقاسم العياني، توفي يوم الأربعاء لست وعشرين ليلة من محرم سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، قال: وهو المقبور في عدني جامع ذمار، وأشراف بيت نعامه من بلاد بني شهاب من نسبه، وفي صنعاء وجهران بهجرة (أورر) في وادي الحار من جهة (مفري) (1).
الحسين بن محمد زعيب [ - 1037هـ]
السيد العلامة الحسين بن محمد بن يحيى بن أحمد بن عجلان بن سليمان بن الحسن بن القاسم بن أحمد بن الحسن الملقب زعيب الأصغر بن علي بن عبد الله الملقب زعيب الأكبر بن أحمد بن يحيى بن القاسم بن يوسف الداعي، كان سيداً فاضلاً عارفاً، من شيوخ سيدنا إمام العلوم الإسلامية ترجمان القرآن، شيخ الأئمة، ملحق الأصاغر بالأكابر، أحمد بن سعد الدين - أدام الله محياه الوسيم، وبوأه في الدارين منازل التكريم - وهو من تلامذة السيد الحسن بن شرف الدين - رحمه الله - وتوفي بحدة بني شهاب أيام حصار صنعاء في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة عام سبع وثلاثين(2) وألف.
الحسين بن محمد بن الحسن النعمي [ - 1037هـ]
__________
(1) في ب): مقري.
(2) . في (أ) و (ب): وثمانين، وفي (ب) مكتوب فوقها وثلثين، والصحيح كما في الطبقات الكبرى.

السيد العلامة الحسين بن محمد بن الحسن بن عبد الرحمن بن يحيى بن محمد بن عيسى النعمي - رضي الله عنه -(1)، كان عالماً عاملاً، حاوياً لعديد المفاخر، جامعاً لحميد المآثر، قد توسم فيه أهل زمانه الدعوة، وكان من أهل الورع الشحيح الذي لا يلحق على طريقة والده في الورع، وإن كان فيما أحسب قدم الحسين في العلم أثبت، ومما أظنه أثر عنه في الورع أنه لم يشرب من ألبان أهل المخلاف السليماني؛ لأنه وقع من بعض أمرائها قديماً نهب لإبل توالدت في المخلاف، وكان مولعاً بالفقيه العلامة محمد بن علي بن عمر، وحق له ذلك، ووقعت بينه - رحمه الله - وبين السيد العلامة علي الناصر(2) القادم إلى اليمن مراجعات، وكان السيد الحسين - رضي الله عنه - يذكر عائشة - رضي الله عنها - فيرضي عنها، فيتعب لذلك السيد علي ويقول له: حق لك أن ترعى غنماً(3) العلم في صدر هذا الشيخ، يريد ابن عمر غضباً على السيد - رحمه الله - وإلا فمحله في العلم مكين، وترضية السيد الحسين ليست لجهله بخروج عائشة على أمير المؤمنين وفعلها ما لا يليق بالدين، لا سيما بعد قول الله - عز وجل - لأمهات المؤمنين: ?وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ? [الأحزاب:33]، وتحذيره صلى الله عليه وآله (وسلم)(4) لها أن تكون الخارجة على وصيه - كرم الله وجهه- /93/ وإنما السيد - رضي الله عنه - مستند إلى ما رواه الإمام المهدي (- عليه السلام-)(5) عن الأكثر من صحة توبتهم، ورواه السيد صارم الدين في فصوله(6) فقال: قد تاب الناكثون على الأصح، ثم قال في الهامش: هذا مذهب المؤيد بالله، وحكاه القاضي زيد عن الهادي، وذكر مثل هذا في الهداية(7)
__________
(1) في (ب): - رضي الله عنهم -.
(2) في (ب): علي الناصري.
(3) في (ب): غنماً.
(4) ساقطة من (ب).
(5) ساقطة من (ب).
(6) الفصول اللؤلؤية في أصول الفقه، تأليف السيد العلامة صارم الدين إبراهيم بن محمد الوزير [834 - 914] هـ (طبع).
(7) هداية الأفكار إلى معاني الأزهار في فقه الأئمة الأطهار نفس المؤلف (تحت التحقيق).

، وقال الديلمي في عقائده(1): إنها صحت توبة الزبير وطلحة وعائشة، وفي شرح ابن أبي الحديد: أما أصحاب الجمل فإنهم عندنا هالكون إلا طلحة والزبير وعائشة؛ لأنهم تابوا، ولولا التوبة كانوا في النار(2)، وأما الشام وصفين فإنهم هالكون، عند أصحابنا من أصحاب النار، وذكر الإمام عز الدين في معراجه(3) ذلك، ومن جملة ما قال: ولا شك عند أحد من المسلمين المنصفين في أن قتالهم لأمير المؤمنين هفوة وعثرة من أسوأ العثرات، فنعوذ بالله من الخذلان، وكيد الشيطان، وقد ذهب الأكثر من القاطعين بخطئهم إلى أنها قد صحت توبتهم، وأن الله سبحانه قد تدراكهم بألطافه، وتلافاهم بحسن سابقتهم، فروي من توبة عائشة أنها قالت: إذا ذكرت يوم الجمل أخذت مني هاهنا - وأشارت إلى حلقها - وأنها قالت: يا ليتني مت قبل ما كان من شأن عثمان، وقالت: وددت أني ثكلت عشرة من ولد الحارث بن هشام وأني لم أسر مسيري الذي سرت فيه، وروي أنها كانت إذا ذكرت خروجها بكت، وقالت: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً.
وللسيد - أعاد الله من بركته - أشعار منها قصائد نبوية قريت بالحجرة الشريفة نحو قصيدته التي أولها:
دعها تحنّ إلى العقيق وترزمُ ... فبها من الأشواق شيء يؤلِمُ
وقد سمعت من قصائده كثيراً، لكني لم أعتن بالنقل، وهذه القصيدة نبوية أنشدنيها الفقيه المحب (……)(4) السبعي - بالسين المهملة بعدها باء موحدة من أسفل بعدها عين مهملة - الشافعي من صبيا، وكتبها لي بخطه:
هذه الدار فاتّئد يا حادي ... فانخ ظافراً بنيل المرادِ
__________
(1) قواعد عقائد آل محمد، تأليف محمد بن الحسن الديلمي المتوفي سنة 711هـ طبع جزء منه المتعلق بالباطنية ونسخه الكتاب الخطية كثيرة.
(2) في (أ): في الناس.
(3) المعراج في شرح المنهاج شرح فيه منهاج التحقيق في أصول الدين، للعلامة يحيى بن الحسن القرشي (تحت التحقيق).
(4) فراغ في (أ) و (ب).

عفر الخد من ثراها عسى تذهب الـ ... أيام منه وساوس الأحقادِ
جاء فيها ما بين هذا وهذا ... روضة من رياض خير المعادِ
حرم آمن وهجرة نصر ... ومقر للعاكف المرتادِ
ومنها بعد أربعين بيتاً:
يا نبي الهدى أتيتك صفراً ... لم أقدم لموقفي من زاد
قد تولى الشباب والعمر فما أقـ ... بح بي أن أرى بلا استعداد
وعلت كاهلي ذنوب ثقال ... لم تطقها ثوابت الأطواد
حسَّنتها نفيسة ذات شر ... لم تزل في مهالك وازدياد
علقت أمرها بعلَّ وسوفَ ... بئسما جمعت من الأضداد
آه مما جنيت في سالف العمـ ... ـر ومن طاعتي لها وانقيادي
ليت شعري ماذا يكون جوابي ... يوم أدعى في مضجعي ورقادي
ويقوم العباد في موقف الحشـ ... ـر لرب مهيمن نقاد
سوءة للمفرطين إذا ما ... دخلوا والقلوب منه صوادي /94/
فأشعب الصدع يا محمد واجبر ... لنزيل الفنا كسير الفؤاد
واقر ضيفاً ثوى ببابك براً ... من يد عودت صلاح الفساد
درت الشاه ردت العين من مـ ... ـسٍّ لها سال ماؤها للصوادي
قلت: وفي هذا البيت استخدام:
وبها بورك القليل من الطعـ ... ـم فأغنى جمعاً من التعدادِ
وبها اخضر يابس إن هذا ... لحديث مخالف المعتادِ
ومنها:
رب إنا في سوح أحمد من أر ... قيته كاهلاً لسبع شداد
قد حللنا راجين عفواً وبراً ... منك يأتي بعصمة وسداد
رَحِمٌ(1) بعضها معاذ لبعض ... للهوى والهدى بسوق الكساد
فبك(2) المستعاذ مما دهانا ... من أمور والحادثات البوادي
قد دهتنا من الزمان خطوب ... أشرفت بالإبراق والإرعاد
اطف منها حرارة خالق الخلـ ... ـق بأمنٍ في مصرها والبوادي
وعلى عبدك البشير صلاة ... وسلام جمعاً بلا إفراد
وعلى آله وأصحابه الغر ... الألى أظهروا منار الرشاد(3)
الحسين بن محمد الذويد [ - ]
__________
(1) في (أ): رَحِيم.
(2) في (ب): تقدم هذا البيت على سابقه.
(3) توفي المترجم في العشر الأواخر من ربيع الآخر سنة 1072هـ كما في طبق الحلوى.

الفقيه العلامة الحسين بن محمد الذويد الصعدي - رحمه الله تعالى - أحد العلماء الكبار، وهو أحد الشارحين للأزهار، وكتابه مفيد وللأزهار شروح أولها الغيث المدرار للمصنف، وشرح تلميذه العلامة علي بن محمد النجري، وللعلامة عبد الله بن محمد النجري مصنف المعيار شرح أيضاً يضاهي شرح ابن مفتاح في القدر والصفة، وشرح القاضي حسين هذا وهو جزآن، وشرح العلامة ابن مفتاح وفرغ ابن مفتاح من تأليفه سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة، ولعلي بن عبد الله الرقيمي حاشية وأخرى للفقيه سعيد بن ناجي، ولبعض السادة الجرموزيين من آل الهادي حاشية، وللتهامي حاشية، وللسيد العلامة أحمد بن محمد الشرفي شرح يحتوي على الأدلة يتخرج في جزأين، ولابن عبد الباعث شرح جزآن عظيم، استوفى الأدلة، ولابن عبد السلام شرح، وللعلامة ابن قمر شرح عجيب، ولعبد الحميد بن أحمد شرح وغير هؤلاء من العلماء، توفي الفقيه حسين في (……)(1)، وشرح ابن عبد الباعث، وهو محمد بن أحمد بن عبد الباعث، يسمى جلاء الأبصار، وشرح ابن عبد السلام يسمى بالأنهار [- رضي الله عنه -](2)، ولعلي بن محمد الهاجري شرح، ولسيدنا إبراهيم الشجري(3) حاشية مفيدة، فيها تنبيهات على غرائب وعجائب(4).
الحسين بن محمد المسوري [ - 983هـ]
القاضي العلامة الحسين بن محمد المسوري - رضي الله عنه - هو محيا عالم الشيعة، المحيي لمعالم الشريعة، كان صحيح الاعتقاد، منثلج الصدر بطريقة الحق، لا يزيغ للشبه ولا يعبئ عندما اشتبه، وكان من أهل الزهادة في الدنيا والبعد عن مطامعها، كما قال - رحمه الله -:
أنا أصبحت نائباً ... إنني لست بانيا
وأعاني هوى الوصيِّ ولو كنت عانيا
كسوتي حبه ولو ... صرت في الناس عاريا
__________
(1) فراغ في (أ) و (ب).
(2) سقط من (ب).
(3) جاء في حاشية (ب): والمفتي الشجري هو القاضي إبراهيم بن يحيى المعروف...
(4) انظر هذه الشروح والحواشي في تراجم أصحابها، وفي كتابنا أعلام المؤلفين الزيدية.

ومع هذا فعيشه أنعم من عيش الملوك، وهكذا من لم يقف عند المطامع والآمال، هو في عداد الملوك، وإن كان من أرباب الفاقة والسلوك، وكان متخلقاً بأخلاق /95/ النبوءة، سماحاً بما في يده، غير متكلف بما في وسعه.
روي أنه كان مقيماً بالشرف الأعلى فوفد إليه العلامة المجتهد الصدر محمد بن علي بن عمر الضمدي في جماعة من أصحابه وأهل جهاته، فتلقاه بالبشر والإنصاف:
وما البشر للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيب
فنزل القاضي محمد عنده في أحسن نزل، يدخلون للآداب في أبواب، ويتعاطون كؤوس العلم أكواباً بعد أكواب.
حب الأديب على الأديب فريضة ... كمحبة الآباء للولدان
فإذا هما اجتمعا بسوح مرة ... كانا من الآداب في بستان
لا شيء أحسن منهما في مجلس ... يتعاوران جواهر الألحان
وأما هذان الإمامان، فما مجلسهما إلا مجمع البحرين ومطلع البدرين، ومن السعادة قران السعدين، ولما حضر الطعام جاء القاضي الحسين - رحمه الله - بميسوره، وقال متمثلاً بأبيات القفال الشاشي:
أوسع رحلي على من نزل ... وإن لم يكن غير خبز وخل
فأما الكريم فيرضى به ... وأما اللئيم فمن لم أبل
فقال العلامة محمد بن علي(1):
ليس الكريم الذي تأتيك جفنته ... مملؤة ويكون الفيصل الفصلا
إن الكريم الذي تأتيك جفنته ... على الدوام وفيها أيش ما حصلا
__________
(1) في (ب): محمد بن علي بن عمر.

وكان القاضي حسين من أهل الاجتهاد في العلوم، سيما الأدوات ومصداق ذلك أنه لما قدم مكة لقيه بعض علمائها، لكنه العالم في البلاد، فتعاطيا جامات الأنس مترعة بالصفاء، والعلم نسب بين العلماء، ونسب(1) فعلق بفؤاد ذلك العالم حب القاضي، فدخل إلى مقام الشريف فقال: حج هذه السنة من اليمن رجل فاضل واسع الآداب والعلوم، وأثنى بنحو هذه العبارات، فتوسل به الشريف إلى لقاء القاضي الحسين، فأسعده القاضي ودخل إلى مقامه وهو محتفل بوجوه الأشراف الحسينيين، فدارت بينهم المذاكرة، فقال العالم المكي في سياق خطاب: إن معاوية بن أبي سفيان من أهل الجنة، فقال القاضي الحسين - رحمه الله -: ما كنت أظن علي بن أبي طالب يسب في مقامكم أيها السادة الأشراف، فقالوا: ومن سبه؟ قال: هذا الشيخ يزعم أن علياً قاتل أهل الجنة، وهذا غاية السب له، فتجهم الأشراف لذلك الشيخ، فهذا الثناء من الشيخ دليل على منزلة القاضي من العلم.
__________
(1) في (ب): ونشب.

وكان له في الجهاد عناية، وكان مواظباً على مجالس الإمام شرف الدين ومشاوراً في المهمات، وله أشعار في الوقائع الإمامية تهاني ونحوها، ولم يكن همه - رحمه الله - في ممادح الإمام إلا ذكر المقامات العالية كما قال مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله رب العالمين - أدام الله تأييده - طالعت سيرة الإمام شرف الدين فرأيت للبلغاء في وقته قصائد ورأيت القاضي الحسين لا يقول الشعر إلا عند فعل الإمام - عليه السلام- لأمر عظيم من أمور الإسلام، ولما كان من مطهر بن أمير المؤمنين ما كان وأرادوا الدخول على الإمام رام القاضي مع جماعة من أمثاله الثبات في الحجرة بسيوفهم يدافعون بأنفسهم عن نفسه، وكان القاضي ليس بالجلد، فلما اجتمع بمطهر أخبره بما أراد، فتعجب مطهر وجزاه خيراً، وبعد هذه القضية سكن (الشرف)، وكان يجمع /96/ البر للإمام من الراغبين في الخير من المسلمين، ويحمله إلى (الظفير)، فسمع الزبرطانات(1) والمدافع من جنود الوزير الأعظم بحوشان على أولاد رسول الله بثلا ومطهر إذ ذاك هو جامع شمل المسلمين، فقال القاضي: معاذ الله، أن أرغب بنفسي عن آل الرسول وأترك نفسي من الجهاد، فتوجه إلى مطهر وأقام عنده، وتوفي بثلا - رحمه الله - (فراغ) ولعلنا نذكر شيئاً من أحوال مطهر، فإنه راجع ربه واستغفر في تلك الهفوة وذب عن الإسلام بعدها، وله كرامات مروية من أدلة رضا أبيه عنه اتصال مثل هذا القاضي الجليل بجنابه، وكان القاضي لا يزال يتردد إلى الإمام إلى (الظفير)، وفي بعض زياراته للإمام إلى الظفير بعد تحول الأحوال أمره الإمام بالمرور على ولده شمس الدين بن الإمام، وكتب الإمام إلى ولده:
جاءكم سلمان بيتي ... فاعرفي يا شمس حقه
ولرجواه فحقق ... وببشرٍ فتلقه
__________
(1) في (ب): الزبرطافات.

قال شمس الدين: لا أدري بما أكافي هذا المقام والذي أجد الآن بقشة أداتي بما فيها فأعطاه إياها بجميع ما فيها. وكان القاضي بديع النظم وحيداً فيه، مفخراً لأهل اليمن، ولطال ما امتحنت أرباب البلاغة بأبيات رويت للقاضي في الشريف حسن بن أبي نمي، منها:
حنين ولكن حال بينهما البعدُ ... وشوق ولكن دونه الغور والنجدُ
وأفئدة كادت تطير صبابة ... إليهم ولكن من لمضناهم بعدُ
تنوَّر برقاً لاح من سوح أرضهم ... كسيف بقلب الجيش فارقه الغمدُ
فأظهر سراً للهوى كان مضمراً ... ففي كبد وقد وفي ناظر سهدُ
ومنها:
فيا حبذا من ذي ألاَلٍ مراحنا ... ومسرحنا والعيس قد شقها الوجدُ
ويا حبذا ليل هنالك طيب الأريج ولا حر هناك ولا بردُ
بذياً لك الوادي أضعنا عقولنا ... إلى أن تساوى عندنا الهزل والجدُ
ومنها:
قضينا بها آمالنا مثلما قضت ... قصارى أمانيها من الحسن الوفدُ
مليك إذا استقبلتَ غرة وجهه ... وقبَّلتَ منه الكف قابلك السعدُ
مليك يرى أن الشجاعة والسخا ... فروض على السادات ما منهما(1) بدُ
فما يتردد الثقات منهم المرتاض بهذه الصناعة أن هذا من شعر الحسن بن حجاج، ولكنه - رحمه الله - كثير الولوع بالإلهيات(2) والنبويات والعلويات، والذب عن الإسلام وعن أعراض أهل البيت، وهو مكثر في هذه جداً، فمن شعره ما كتبه في هامش كتاب (الأربعين في إرشاد السائرين إلى منازل المتقين) لمحمد بن محمد الطائي عندما أنشده الطائي في آخر الكلام، في الحديث السادس والعشرين، وهو قوله: فأنشدونا لبعضهم:
الشافعي إمام الناس كلهم ... بالعلم والحلم والعلياء والبأسِ
له الإمامة في الدنيا مسلمة ... كما الخلافة في أولاد عباسِ
97/أصحابه خير أصحاب ومذهبه ... خير المذاهب عند الله والناسِ
فكتب القاضي - رحمه الله - هذه الأبيات كالمجيب:
إن الخلافة في آل النبي كما ... كانت لوالدهم من غير إلباس
__________
(2) في (ب): بالإلاهيات.

علي المرتضى من لا يقاس به ... بعد النبي أخو فضل من الناس
(كيف القياس لمعدوم الفضائل مع ... شخص فضائله في ألف كراس)(1)
فارجع وراءك أو فاثبت لليث شرا ... لكل متهم بالنصب فراس
ومن قصائده الإلهيات:
يا رب هل إلا إليـ ... ـك توجهت آماليه
وبباب رحمتك الوسيـ ... ـعة قد حططت رحاليه
وقرعته من تحت أسـ ... ـتار الظلام الداجية
بضراعة مشفوعة ... بدموع عين باكية
حاشا لجودك أن تخيّيب يا كريم رجائيه
أو أن أعود وراحتي ... من فيض برك خالية
من ذا الذي أدعو فيسـ ... ـمعني ويكشف ما بيه
ويحل عقدة فاقتي ... ويجيب صوت دعائيه
عجلاً ويغفر لي ذنوباً قد ملأن حَباليه
ويصب سحب نواله ... ويرد كيد عدائيه
إلاك يا من لا عليـ ... ـه قط تخفى خافية
يا رب فانصرني وكثر فيك من أنصاريه
واجعل لعبدك جنة ... من كل شر واقية
وانظر إلي بعين بر يا إلهي كالية
واجعل على جسدي وأذ ... يالي لباس العافية
وأزل بحق علاك يا ... رب السما أوصابيه
فإليك وحدك يا إلهي والدي أوصى بيه
والدهر قد أمسى به ... آساد بغي ضارية
وتكنفت منه الشرو ... ر جميع هذي الناحية
وغدا على أمر البرية كل جبت طاغية
فَعُرَى الأمانة والديا ... نة في البرية واهية
وذرا الخيانة في قلو ... ب الناس أمست راسية
ومخالب السفهاء من ... مهج الأفاضل دامية
وظننت أبناء الزما ... ن بكل عهد وافية
حتى إذا ظنوا بأن الدهر حوَّل حاليه
عزموا على إهمالهم ... تلك الأواخي(2) قاصية
ورنوا إلي بما يخبّر عن قلوبٍ قالية
فتركتهم وقلوبهم ... يا ذا الجلال كما هيه
وقصدت بابك أبتغي ... يا رب حسن قرائية
ووردت بابك(3) أقتفي ... أثر النفوس العالية
وجعلت دلوي في الدلا ... يا سيدي ورشائيه
فأعد علي عوائد الـ ... ـكرم التي هي ماهيه
أصلح إلهي أين كنـ ... ـت بحق ذاتك شأنيه
وأقِلْ إذا أعثرنني ... نوب الزمان عثاريه
__________
(1) هذا البيت سقط من (أ). وهو موجود في (ب).
(2) في (ب): الأواخي.
(3) في (ب): بحرك.

واجعل من التقوى شعا ... ري دائماً ودثاريه
وافكك بحقك من قيو ... د الموبقات أساريه
فمطامعي أمست إلى ... عتبات جودك سارية
أمست مدى همي لعظـ ... ـمي من ذنوبي بارية
يا بردها مهما غدت ... عن طب عفوك بارية
فبحق ذاتك لا هتكـ ... ـت بزلتي أستاريه
وتول عوني في إقا ... ماتي وفي أسفاريه
وبحق من خمدت به ... نار الضلال الحامية
خير الأنام صفيك الد ... اعي إليك علانية
ومن نبوياته وهي كثيرة، فهذه منها:
إليكم بكم في حبكم أتوسلُ ... إذا عز عني ما به أتوصلُ
فهل من يد أو نظرة تحضرونني ... بها نحوكم كيما أقول لتفعلوا
/98/(لحا) الله قلباً لم تكونوا سكونه ... فذلك أخلى من يراع وأعطلُ
وبليل بالاً لم يبت كلما شرى ... سنا البرق من تلقائكم يتبلبلُ
أعيدُوا لنا عيدَ التداني وأطلعوا ... عمود صباح الوصل فهو المؤملُ
أعوذ بكم من ليل هجرٍ ذيوله ... على صبكم من ليل لقمان أطولُ
علي لكم عهد قديم وموثق ... أبى عقده أني بكم(1) أتبدلُ
شربت بكم كأس الغرام ولم أزل ... بها قبل إدراكي أعل وأنهلُ
ووليت وجهي في الهوى شطر بيتكم ... وبت بمسعى كعبة الحب أرملُ
(ولما تجلى لي صباح تعلقي ... بكم ونأى ليلٌ من الشك أليلُ)(2)
صعدت منار العاشقين ولم أزل ... عليه إلى دين الغرام أُحَيعِلُ
فإن كنت من أهل المحبة آخراً ... فلي حالة تقضي بأني أولُ
يضللني من لم يكن يعرف الهوى ... ولا كيف شرع الحب وهو المضللُ
سلو البرق عني حين أمسى وميضه ... يطرز من ثوب الدجى ما يفصلُ
يخبركم عن حر لاعج لوعة ... وعن دمع عين من جوى البعد يهملُ
وإني كما شاء الغرام من الضنا ... ومن حمل أثقال الهوى وهو يدنلُ
فإن ترحموا مثلي فمن شأن مثلكم ... وإن يك إهمالاً فمثلي يهملُ
بفقري بإخلاصي بذلي بفاقتي ... إليكم وهذا ما به أتعللُ
أقيلوا أنيلوا أسعدوا أنجدوا صلوا ... أعيدوا أفيدوا طولوا وتطولوا
__________
(1) في (أ): لكم.
(2) هذا البيت زيادة في (ب).

ألم تعلموا أني فريد هواكمُ ... وأنيَ عن قومٍ سواكم لأميلُ
ولم أر إلاَّ كم ومن ير واحداً ... مثنى على الدنيا فذلك أحولُ
عصيت عليكم كل من لام فيكمُ ... وقد كثرت حولي وُشاةٌ وعذلُ
ولم يلهني عنكم بلاد وأسرةٌ ... وأهلٌ وجيرانٌ ومالٌ ومنزلُ
ولا عاق قلبي مذ نشا عن نزوعه ... إليكم غضيض الطرف أدعج أكحلُ
يذكرني بان العذيب ورامة ... إلى القاعة الوعسا جنوب وشمألُ
ويقلقني حادي الصبا كلما حدا ... دوالج تغدو وهي بالصيف حملُ
إذا ضربتها كف طلق تمخضت ... بما يرأب الكلم العتيق ويدملُ
كأن اضطراب البرق في جنباتها ... مشاعل مقرورين تخبو فتشعلُ
كأن حنين الرعد في مهجاتها ... أراح لأَنْداءِ الغمائم يثقلُ(1)
كأن السحاب الجون في كل (تلعة) ... من الأرض للعذب النفاخ تغربلُ
كأن الرياض الحق وشيٌ مدبّجُ ... بأزهارها واللوح لوح مصندلُ
كأن غصون الدوح فرع (معثكل) ... تعقصه ريح الصبا وترجلُ
كأن النعامى كلما عبرت بها ... تعبر عنها جوها (وتمندلُ)
/99/ كأن بقايا ترب نعل نبينا ... بأعطافها جاءت به تتهدلُ
محمد الهادي البشير ومن علا ... مكانته عند الإله المعولُ
محمد الداعي إلى الله والذي ... نصلي عليه ثم ندعو فيقبلُ
نبيٌ زكيٌّ لا يوفيه بارع ... مدائحه إلا الكتاب المنزلُ
نبي هدى ما زال مذ لاح نوره ... به الدين يعلو والضلالة تسفلُ
به جاءت البشرى على ألسنٍ غدت ... بها عنهم الأخبار في الأرض تنقلُ
ألم تر (سيفاً) كان بشَّر جده ... وفصَّل ما قد كان (تُبَّع) يحملُ
وما قاله فيه (بحيرى) وقد رأى الـ ... ـغمام له دون الرفاق تظللُ
وما صح من قول (ابن نوفل) إذ رأى ... محياه من نور الهدى يتهللُ
وما جاءت التوراة من نعته بما ... يقهقر عنه جاحد ومعطلُ
وما شهدت إنجيل عيسى له بما ... إذا طن في سمع المعاند يحجلُ
(ومن طاب في الأصلاب حتَّى أتت به الـ ... ـسعادة عن طيب أبيان تنقلُ)(2)
__________
(1) في (ب): تثقل.
(2) زيادة في (ب).

إلى إن بدت في حمله كل آية ... إلى الأرض والسبع السموات تحملُ
وأهدت لنا الشفَّا بمولده شفا ... به رحم الدين الحنيفي يوصلُ
وسل آل سعد كيف سعد رضاعه ... أما أخصبوا بالمصطفى حين أمحلوا
وقابلهم وجه من اليمن باسماً ... أراح عليهم ذودهم وهي حفلُ
وشق لديهم صدره ليساط عن ... بواطنه عاب القلوب ويغسلُ
وبات به الشيطان عن خبر السما ... يصُدُّ إذا رام استراقاً ويتبلُ
وما مر من يوم ولم يك شأنه ... على رغم أهل الشرك يزكوا وينبلُ
ولم تزل الأحوال منه على ذوي ال ... ـعبادة للأوثان للحزن تدخلُ
وإن امرءاً تمت عناية ربه ... به فهو دون العالمين المفضلُ
عجائب أحوال النبي محمد ... غرائب قد بانت لمن كان يعقلُ
يتيم بلا مال تظل لخوفه ... بأهل الدنى أرجائها تتزلزلُ
وفي كل قطر أظهر الله آية ... له وهو في كل(1) الكلاية يكفلُ
بتغوير ماء من بحيرة (ساوة) ... إلى أن غدت في جوفها النار تشعلُ
وكالصدع من (إيوان) كسرى ولم يكن ... به خلل من قبلها يتخيلُ
وقام ينادي في العشيرة منذراً ... لهم ما لديه يبلس المتحيلُ
دعا قومه والشرك ملق جرانه ... وشيطانه في كل قطر مجللُ
فلما تولوا ناكصين وأعرضوا ... ومالوا عن الحق المبين وميلوا
تحداهمُ بالمعجز الباهر الذي ... يدين له قسراً خطيب ومقولُ
كلام إله العالمين وحبله الـ ... ـمتين الذي فيه الشفاء المعجلُ/100
فأفحمهم فاستيأسوا من نزاعه ... وقالوا أساطير مضت وتمحلوا
على العلم منهم أن أعلاه مورق ... وأسفله مغدودق إن(2) تطفلوا
فعادوا سراعاً يوفضون ضلالة ... إلى اللات والعزى ولم يتمهلوا
وقد أضرم الخوف الشديد لظاه في ... (أثافي) صدور القوم ثمت زلزلوا(3)
وحين أبو إلا لزوم ضلالهم ... وقالوا به مس وقالوا مخبلُ
تنحل منهم هجرة طفقت بها ... مساكنهم من خوفها(4) تتقلقلُ
ومنها:
__________
(1) في (ب): حضن.
(2) في (ب): إذ.
(3) في (ب): تزلزلوا.
(4) في (ب): من خوفه.

ومن لي بأن آتي على بعض فضله ... فتلك التي لم يستطعها محصلُ
وأي يعد الشهب أو يحصر الحصى ... قصير لعمري في علاه المطولُ
هو المقصد الأسنى هو النعمة التي ... بها الكل من آمالنا تتحصلُ
ألا يا رسول الله يا خير من طوت ... به البيد فتلاء الذراع وأفتلُ
مدحتك لا أبغي لذاك إجازة ... من العاجل الفاني به أتمولُ
ولكنني في قيد ذنب يحل من ... عراي القوى إني بذاك مكبلُ
وما كنت يا خير الأنام شفيعه ... إلى الله قل لي رده كيف يحملُ
إذا لم تقم بي يوم ينكشف الغطا ... فلست على حي سواك أعولُ
يمر ببالي وقت نشر صحيفتي ... [فيقلقني](1) هول هناك أهولُ
وأذكر منك الجاه والرحمة التي ... تعم جميع العالمين وتشملُ
فتنحل(2) عني عقدة الكربة التي ... بها لم أزل في مضجعي أتململُ
إذا الله حاشا الله رد وسيلتي ... بكم فاهدني من ذابه أتوسلُ
وكن لي وللإخوان يا خير مرسل ... إليه تشد اليعملات ويعملُ
عماداً وركناً كلما لحظت إلى ... مصاعده غير الحوادث يحجلُ(3)
وأهل لواء(4) من ذؤابة هاشم ... حبوني برفع القدر فيك وجللوا
وأولوا ووالوا كل عارفة بها ... أقاموا قناتي بعد ميل وعدلوا
ولا تنس فضلاً والديَّ فإنني ... على والديَّ العاجزين لأوجلُ
وأهلي التي ما زال خوف إلهنا ... لأجفانها بالسهد في الليل تكحلُ
فخذ بيدي يا خير من كرَّ يَمَّهُ ... وقل معنَا دار المقامة تدخلُ
وصلى عليك الله ما ظل بارع ... يجبر وشي المدح فيك ويملُلُ
(وآلك من أغنى الوليُّ عن الوفا ... لهم بالثنا بالذكر في الحق مجملُ
وصحبك من أرضوك حياً وميتاً ... وماتوا على هاتا ولم يتبدلوا
وهذا مقام أنت فيه مؤمل ... جدير لعمري أن يفوز المؤملُ) (5)
__________
(1) في (ب): فيقلن. ظ وفي الحاشية فيقلقني.
(2) في (أ): فينحل.
(3) في (ب): تخجل.
(4) في (ب): ولاء.
(5) الأبيات ما بين القوسين زيادة في (ب).

وهذه القصيدة حضرت عند الرقم، وهي من وجوه الشعر وعيون المدائح، ولم أرجحها على غيرها من شعره - رحمه الله - النبوي، فإنه كثير طيب، ولقد فصَّل الأدباء صنعته على صنعة الصفي في معارضة قصيدته التي طالعها:
كفى البدر حسناً أن يقال نظيرها ... [فيزهى ولكنا بذاك نضيرها](1)
فضَّلوها باعتبارات أدبية، وهذه القصيدة التي نقلنا بعضها عددها مائة بيت وأربعة /101/ وأربعون بيتاً، ومن علوياته - رحمه الله -:
أشهد علي إذا أتيت المشعرا ... ووردت بيت الله من أم القرى
ونزلت في ضيف الكريم ملبياً ... ومسبحاً ومهللاً ومكبراً
ووردت جمعاً والجموع كأنها ... بحر طما والعيس تنفخ في البرا
وعرفت في عرفات ما قد كان من ... قبل الصعود إلى ذراه منكرا
وسريت في عمار بيت الله كي ... ما يتبع الحج الكبير الأصغرا
بل يشهد الثقلان مهما يمموا ... لقضاء رب العالمين المشعرا(2)
إني أفضّل بعد خير الخلق من ... ختم الإله به الرسالة حيدرا
وهو الإمام بغير فصل بعده ... وبذاك ألقى الله لا متسترا
فدع المرا فيما سواه فإنما ... وقع التهافت في الضلال من المرا
والزم طريقته فتلك طريقة ... يا خسر بائعها ونعم من اشترى
من قاسه بسواه في أوفَى فضـ ... ـائله لعمرك قال قولاً منكراً(3)
بل من رأى أن الإمام وراءه ... بعد النبي المصطفى فقد افترى
هيهات تلك قضية مبتوتة ... يا بعد ما بين الثريا والثرى
من نفسٍ خير الخلق فيما قاله ... رب السما يا من درى ما قد قرا
ومن الذي حصرت عليه بإنما ... آيُ الولاية مفخراً لن يحصرا
من ذاك زكى راكعاً يا من له ... عقل يؤم به الطريق النيرا
أمَّن دعاه لأكل طير جاءه ... بمحبة الرحمن جاء مبشراً
من ذاك يسقى في القيمة كل من ... والاه من هذا الأنام الكوثرا
أمَّن دحا الباب الذي عجزت ليو ... ث الحرب عنه حين أمّوا خيبرا
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) في (ب): المحشرا.
(3) في (ب): ينكرا.

من قال فيه نبينا يا من وعى ... ما قاله هذا أخي دون الورى
أمَّن فدَاه بليلة أمسى بها ... جبريل يكلؤه إلى أن أسفرا
من نال منزلة بها من قبله ... هارون أورد عن أخيه وأصدرا
من كان نجل محمد في صلبه ... إما جهلت فسل شبير وشبرا
من كان باب مدينة العلم الذي ... من لم يفز بدخوله لن يظفرا
من زُوِّج الزهراء في ملأ السماء ... هل قد علمت بمثل ذلك(1) مفخراً
من ذاك بلغ عن رسول الله يـ ... ـوم الحج ممتثلاً براءة بالبرا
ولمن بيوم غدير خُمٍّ شدَّ من ... عقد الولاية(2) في ولايته العُرَا
مَنْ مُذْ نشا لسوى الذي رفع السما ... ودحا البسيطة خذه ما عفرا
من جرع الأعداء في بدرٍ وقد ... حمي الوطيس هناك موتاً أحمرا
من ذاك للأصنام عند ذوي النهى ... وسواه يعبدها ضلالاً كسرا /102/
من كان محتنثاً مع خير الورى ... للحنث في سن الطفولة في حرا
من قال لو كشف الغطا ما ازددت معـ ... ـرفة على ما في مواجهتي أرى
برح الخفا هذي الفضائل كلها ... تركت دليل القوم يمشي القهقرى
هذي مآثره التي لسواه من ... أهل البسيطة عن يد لن تؤثرا
ولتلك عندي قطرة من مطرة ... من ذا يعد القطر مهما استعبرا
قل لابن من أمسى جدار أبيه ذا ... قصر تريد سباقنا أطرق كرا
ما كان أجمل بالسكيت إذا رأى ... سبق المجلى أن يسير إلى الورى
دعني وتفضيلي وكن متيقناً ... إني حلبت من الأدلة أشطرا
هو ما سمعت فكن مقراً أو فكن ... للشمس في (رأد) الظهيرة منكراً
فتولنا أو ولَّنا منك القفا ... مستنكراً مستكبراً متحيراً(3)
وانظر بفكرك إن أردت خلاف ما ... أمليته في أي قولينا هرا
لولا مكابرة العقول لما جرى ... بعد النبي مع عليٍ ما جرى
دعني ومعتقدي وته بي حيث لا ... (متقدماً) يلقى ولا متأخرا
وارفضَّ وارفضني إذا لم تدر أن ... الصيد كل الصيد في جوف الفرا
__________
(1) في (أ): بذلك.
(2) في (ب): الوصاية.
(3) في (ب): متجبراً.

أنا منك بل من كل من ذهبت به ... أهواؤه في غير معتقدي برا
نفسي الفداءُ لأحمد ووصيه ... وابنيهما أهل القراءة والقرا
شم الأنوف عن الدنايا والدنا ... يلقى(1) منازلهم به أسد الشرا
من كل ما هجم الظلام عليهم ... طردوا عن (الآماق) طارقة الكرى
وتصاقبوا الذكر الجميل(2) بلهجة ... لو لاقت الصخر الأصم تفجرا
يا رب وفقني بحفظ حقوقهم ... واجعل مودتهم لديني مظهراً
يسر بحقهم مسالكي التي ... ترك الزمان (دميثها) متوعراً
وانظر إلي بعين رحمتك التي ... يمسي بها ذنبي العظيم مكفراً
أنا سائل ولقد قطعت بأن من ... سأل الكريم نواله لن ينهرا
فأقبل شفاعتهم لعبد لم يزل ... متعلقاً بولائهم مستهبرا(3)
فلهم لديك مكانة يطفى بها ... وهج الجحيم إذا الجحيم تسعرا
يا رب هذا موردي في حبهم ... يا رب فاقض ببرد عفوك مصدرا
وأقل عثاري في جرائريَ التي ... أسلفت واحرسني لكيلا أعثرا
واجعل بحقك عيش من والاهم ... يا رب في الدارين عيشاً أخضرا
هذا الذي أبديه من خير(4) ودع ... مني وراء الستر ذاك المخبرا
/103/ ما زال قلبي آهلا بولائهم ... أبداً وقلبك يا عذولي مقفراً
هذا وصل على نبيئك من إلى ... أسرى مكان دون عرشك قد سرى
وعلى جميع الآل من أنزلتهم ... مما خصصت به عبادك في الذرا
توفي - رحمه الله - ليلة الاثنين ثالث شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة، بمدينة ثلا، وقبره في جربة صلاح العريجي غربي المصلى، ومما أنشدناه حفيده شيخنا شيخ الإسلام أحمد بن سعد الدين - قدس الله سره - قال: سأل الفقيه الأفضل جمال الدين علي بن قاسم السعيدي الشرفي - رحمه الله (تعالى) -(5) سيدنا الحسين المذكور أن ينظم له سهام الميسر، فأجابه ارتجالاً بهذه الأبيات:
سألتني وفقت يا علي ... معتقداً أني بها ملي
__________
(1) في (ب): تلقى.
(2) في (ب): الحكيم.
(3) في (ب): مستهتراً. ولعلها: مستعبراً.
(4) في (ب): من خير.
(5) ساقط من (ب).

سألتني نظم قداح الميسر ... فهاكه برجزٍ ميسر
الند والتوأم والرقيب ... والحلس والنافس يا أريب
ومسبل يتبعه المعلى ... سقيها(1) بها السهام تملى
وبعدها ثلاثة متروكة ... وأهلها عصابة مفروكة
ليس لها من الجزور حصة ... سواء احتمال محنة وغصة
وهي سنيح(2) ومنيح وغد ... تروح في خبيتها(3) وتغدوا
فهاكها وفقت للصواب ... مسامحاً في ركة الجواب
فهكذا يكون حال المرتجل ... وما بناه ربه على عجل
وولده يحيى بن الحسين أديب وقته البليغ المحسن، كان من النجباء الأدباء العلماء الفصحاء، توفي بعد أبيه في هذا العام بمدينة ثلا أيضاً، وهو لأمِّ ولد وأما ولداه علي وسعد الدين فسيأتي ترجمتهما - إن شاء الله -(4).
الحسين بن محمد بن شاه [ - ]
العلامة الفاضل شيخ العراق أبو عبد الله الحسين بن محمد بن شاه شريحان(5) - رحمه الله (تعالى)(6) - كان من كبار العلماء الأخيار الصالحين محققاً من عيون أصحاب المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني - رضي الله عنهم -.
الحسين بن محمد بن أحمد [582 - 662 هـ]
__________
(1) في (ب): سبقتها.
(2) في (ب): سفيح.
(3) في (ب): خيبتها.
(4) في (ب): إن شاء الله تعالى.
(5) في (ب): شيريحان.
(6) ساقط من (ب).

الأمير الحسين بن محمد،(1) هو الأمير الناطق بالحق أبو طالب حامل لواء العلوم، فارس ظنونها(2) والمعلوم، شرف الدين الحسين بن بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى - عليهم السلام- قال ابن فند: هو من أعلام العترة الميامين ومن علمائهم المبرزين، وعلمه أكثر من أن يوصف، ومعرفته أشهر من أن تعرف، فله من التصانيف ما يدل على علمه الغزير حتى قيل إنه أبو طالب وقته. صنف في الفقه كتاب (المدخل) وكتاب (الذريعة)(3) و(التقرير)(4) ستة أجزاء، و(شفاء الأوام)(5) أربعة أجزاء، وما قد كمل وكمّله الأمير صلاح الدين صلاح بن الأمير إبراهيم بن تاج الدين، وللأمير الحسين في أصول الدين كتاب(6)، وأما الرسائل والأجوبة فكثير(7) منطوية على علم غزير، وله (ثمرة الأفكار في حرب البغاة والكفار) (8)، كانت وفاته بعد قيام أخيه، وذلك إما في سنة اثنتين أو ثلاث وستين وست مائة، وعمر نيف وستون سنة، انتهى(9).
__________
(1) في (ب): الأمير الحسين بن محمد.
(2) في (ب): مظنونها.
(3) كتابي المدخل والذريعة لم أجد لهما نسخة خطية، وقد ذكرهما في الطبقات.
(4) التقرير شرح التحرير في الفقه أربعة مجلدات مخطوط، انظر عن نسخه الخطية أعلام المؤلفين الزيدية ترجمة (3088).
(5) شفاء الأوام في أحاديث الأحكام، طبع على نفقة وزارة العدل وصدر في ثلاثة مجلدات.
(6) لعله كتاب الإرشاد إلى سوي الاعتقاد، لم أجد له نسخة خطية، وله ينابيع النصيحة مطبوع.
(7) في (ب): فكثيرة، انظرها في أعلام المؤلفين الزيدية.
(8) لم أجد له نسخة خطية.
(9) في حاشية (ب): ودفن رحمه الله في مشهده بتاج الدين من هجرة العاليين من رغافة.

قلت: كتابه الذي ذكره ابن فند في أصول الدين وهو كتاب (ينابيع النصيحة) كتاب حافل(1) بالفوائد، وله كتاب (مشجر في الأنساب) (2)، وله شعر من ذلك ما وجهه إلى الإمام أحمد بن الحسين - عليهم السلام-:
ألا يا دهر قد أكثرت صرمي ... فحسبك أيها الزمن الحرونُ(3)
تحاول قطع همي عن مرادي ... وحبلي في العلا حبلٌ متينُ
ولي رب الخلافة أي عون ... ومعتصم إذا عدم المعينُ
أمير المؤمنين حمامُ قالٍ ... وكنٍّ للولي معاً كنينُ
هو المهدي لدين الله حقاً ... إمام هدىً له رأي رصينُ /104/
ونحن الناصرون على الأعادي ... لمولانا الإمام فلا نخونُ
ونبذل دونه مالاً ونفساً ... وجاهاً في الأنام وذاك دونُ
وهذا القدر منبه على ما أردناه من معرفة شعره، وكان حجة في أهل وقته، يتعاورون كلماته ويستظهرون بإشاراته، ووقف بظفار مدة على إجلال وتكريم من أولاد الإمام المنصور بالله، ولهم مقصد ببقائه، فإنهم يتخوفون منه لعلو مقامه، وصنف (الشفاء) هنالك، وفي كلمات نادرة(4) نبؤ قالوا لأنه كتبه في ظفار أيام هذه الإقامة، والأمهات ليست كتب درسه - عليه السلام-.
قال العلامة سيبويه زمانه الحسن بن علي حنش - رحمه الله - وللأمير أبي(5) عبد الله شرف الدين الحسين بن محمد كتاب (ثمرة الأفكار في أحكام الكفار) جعله أربعة فصول، الأول في أن المجبرة كفار، الثاني في حقيقة دار الحرب، الثالث أن دار الجبرية دار حرب، والرابع في جملة من أحكام دار الحرب، وهو كتاب مفيد جداً في بابه رحم الله مؤلفه، وذكر في آخر هذا الكتاب أن له كتاباً يسمى (النظام)(6)، ذكر فيه ما يعتقده في المطرفية وغيرهم، انتهى.
__________
(1) في (ب): بالفرايد كافل بالفوائد.
(2) لم أجد له نسخة خطية.
(3) في (ب): الحزون.
(4) في (ب): نادرة من الشفهاء.
(5) سقط من (أ): أبي.
(6) لم أجد له نسخة خطية، وانظر تفاصيل لكتبه وأسانيده وشيوخه في الطبقات الكبرى ق3 ج1 ص383-388، ترجمة 222.

حسين بن محمد صالح الجيلاني [ - ق 5 هـ] ت
الْمُلاَّ حسين بن محمد صالح الجيلاني، عالم كبير، ترجم له الملا يوسف حاجي، وهو أخ لحسن بن محمد صالح صاحب (حاشية الإبانة)، وهم بيت كبير، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - ترجمة محمد صالح، فإنه عين زمانه، وفرد أوانه(1).
الحسين بن محمد النحوي [ - ق 7هـ]
العلامة الحسين بن محمد النحوي المعروف مجد الدين، هو العالم بن العالم، الحسين بن محمد سابق الدين بن(2) علي بن أحمد بن يعيش، ذكره صاحب الكنز، وترجم له بعض أولاده، كان إماماً عالماً مرجوعاً إليه، تخرج عليه الفضلاء، وارتفع شأنه، وله تلامذة ومشيخة، فمن شيوخه إمام اليمنين في العربية، ومن تلامذته الشيخ علي بن إبراهيم بن عطية، وولده العلامة محمد بن الحسين وخلائق، وله شعر من ذلك ما كتبه إلى العلماء آل أبي النجم في وقته - رحمه الله تعالى -:
إلى الأنجم الزهر البهاليل في الورى ... وسادات أهل الدين أكبر أكبرا
إلى العلم والمجد الأثيل الذي رسا ... وأنجد إنجاد النسيم وأغورا
إلى معشر غر كرام نجارهم(3) ... يشيدون للعليا مقاماً ومفخرا
إلى الغر من أبنا أبي النجم قاصداً ... لأرفعها بيتاً وأوسعها ذرا
كرام وأبناء الكرام وإنما ... يطيب الفتى فرعاً إذا طاب عنصرا
فَلُذْ بالجفان المترعات التي إذا ... مُلِئْنَ (سديفاً(4)) ظنها الوفد أبحرا
/105/ وطارحهم مني التحية شاكياً ... تفرق أحباب أمض(5) له الكرا
__________
(1) في الطبقات رقم (227) قرأ الإبانة وزوائدها على مذهب الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش - عليه السلام - على أبيه محمد بن صالح الجيلاني، وسرد سند أبيه إلى المؤلف، قال: وسمع عليه أحمد بن منصور اللاحجي وولده يحيى بن الحسين، قال السيد أحمد بن الأمير: كان الحسين بن صالح فقيهاً عالماً راسخاً في علوم الدين.
(2) زيادة في (ب).
(3) نجارهم: أصلهم.
(4) سَدِيفاً: السَّديف: شحم السنام. (القاموس المحيط ص755).
(5) في (ب): أقض.

طرائح منا في كليب ومالك ... وقد كان جمع الشمل دهراً وأعصرا
فكانت لنا عند المشاهد برهة ... تركنا بها دين الفواطم أزهرا
فرعياً لها من ماضيات تقاصرت ... وعوذاً لذاك الدهر أن يتكدرا
ولولا(1) الذي أرجوه في اليوم أو غد ... لساعدت نفسي أن تفيض تحسرا
أناس أباحوا حرمة الدين والهدى ... وخانوا النبي اليثربي المطهرا
يرومون نقل الشم من مستقرها ... وأين الثريا من ملامسة الثرا
فلا يبعد الله الحماة لدينه ... وأنصار دين الحق أن يتهصرا
ورطب لسان بالثناء يزوركم ... يلوذ بأنواء الحيا حيث أمطرا
أتاكم طلاباً للهدى يستفيده ... ففاز لديكم بالقراءة والقِرَى
ومنها:
زكي الهدى والزائد الدين بسطة ... وحامي محار(2) الحق أن يتغيرا
ومنها:
ويحيى عماد الدين أحيا مآثراً ... لأباء صدق طيبين ومفخرا
ومن راح صدراً للعلا علم الهدى ... ظهير معالي آل طه وحيدرا
تحف بهم آلٌ تضيء وجوههم ... فخاراً ومجداً أسه الجد كوثرا
فما زال مرواكم لمن زار سلسلاً ... وما زال مغناكم لمن حل أخضرا
الحسين بن محمد بن يحيى الضمدي [ - ق 11هـ]
__________
(1) في (ب): فلولى.
(2) في (أ) و(ب): محاز.

الفقيه الحسين بن محمد بن يحيى الضمدي، هو الفقيه العارف شرف الدين الحسين بن محمد بن يحيى بن محمد بن علي بن عمر الضمدي النعمان - رحمه الله - كان من أدباء الوقت، حفَظةً، نبيهاً في غاية النباهة، واسع الإملاء للأدبيات على أنواعها وأجناسها، يملي أدبيات المصريين ومقاطيعهم والقصائد الطنانة عن ظهر غيب واعية لذلك، ولما شابهه من كلام(1) المخالف والموالف في الأدب والقصص والكائنات، وتلقينا عنه عجائب من أخبار علماء أهل ضمد الأحياء منهم والأموات، وقد أضعنا من ذلك لطول الزمان كثيراً مما أملاه - رحمه الله - وكان من أهل الوقار والتأني والرجاح، وكانت له في العبارات فصاحة وبلاغة كأنما يملي من صحيفة، ولقي أعيان بلده كالفقيه العلامة المطهر بن علي النعمان، وكان يراسله بالفوائد إلى صعدة وما حدث وما علمه(2) المطهر كتبه إليه، ولقي العلامة الوجيه سيدنا عبد العزيز الضمدي قاضي بندر المخا، وهو من كملة الرجال من المصنفين، وقد مر له ذكر، وهؤلاء كلهم من بيت واحد، قرابتهم وشيجة. وقرأ الحسين العربية والفقه، وكان ألمعياً ذكياً، وله أشعار كثيرة منها إلهيات، ومنها نبويات وإخوانيات، ومنها مدائح، وله مواعظ، فمن إلهياته:
يا من يقيل عثار المذنبين أقل ... عثار عبدٍ به قد زلت القدمُ
قد قلت يا ربنا ادعوني استجب(3) لكم ... فقد دعونا سميعاً ما به صممُ
ومنها:
ماذا أقول لربي حين يسألني ... عند الحساب ونار الله تضطرمُ
وقد أتيت بذنب ما يطيق على ... حمل له يذبل كلا ولا نقمُ
الحسين بن المسلم التهامي [ - ق 6هـ]
__________
(1) في (أ): من الكلام.
(2) في (ب): وعلمه.
(3) في (ب): أستجيب.

العلامة الكبير الإمام المحقق أبو عبد الله الحسين بن المسلم التهامي، إمام المعقول والمنقول، /106/ رئيس العصابة بعد أستاذه المحقق شيخ المحققين أبي القاسم بن شبيب(1)، وله - رحمه الله - كتاب الكاشفة بالبيان الصريح والبرهان الصحيح لتهافت الموسومة بغاية الكشف والتفتيح في مسألة التحسين والتقبيح، وجهه العلامة نجم الدين عبد الوهاب الأشعري إلى الشيخ [الإمام](2) أبي القاسم، فناب عنه تلميذه المذكور بالكتاب المذكور - رضي الله عنهم -(3).
الحسين بن هارون الحسني [ - ق 3هـ]
__________
(1) في (أ): نسيب وهو خطأ.
(2) سقط من (أ).
(3) في (ب): عنه. قلت: وقد ترجم في الطبقات للحسن بن مسلم وسبق ترجمته باسم الحسن في المطلع، وقد تكرر في الكتابين بالاسمين.

السيد الشريف الإمام الكبير الحسين بن هارون الحسني والد السيدين الكبيرين حافظي علوم العترة المؤيد بالله وأبي طالب - عليهم(1) السلام - وكان عالماً من أعيان أصحاب الناصر للحق، وروى بعض أحوال الناصر هكذا نقلته في رجال الزيدية والظاهر(2) أنه إمامي المذهب، وبينه وبين ولده المؤيد مراجعات في ذلك، لكن العذر في ذكره (بين)(3) الزيدية اختصاصهم لهم(4) ونقله لأخبارهم كما اعتذر الطوسي(5) في ترجمة الحافظ بن عقدة الزيدي - رحمه الله - وفي حافظي أنه الذي روى عن الناصر للحق - عليه السلام- كان محروراً تستولي عليه الحمى إذا تكلم، فكان يوضع بين يديه كوز فيه ماء مبرد يتجرع منه في الوقت بعد الوقت إذا تكلم كثيراً أو ناظر، وكان شيخ هِمٌ من العراقيين يعرف بأبي عبد الله محمد بن عمرو، وكان يكلمه - عليه السلام- في مسألة، فكان يترشرش من فيه لعاب يصيب الكوز منه كما يتفق مثله من في(6) المشائخ، فأخذ الناصر دفتراً بين يديه ووضعه على رأس الكوز، فاتفق أن هذا الشيخ وهو في هزارة، وحدة مناظرته، ولع بأخذ ذلك الدفتر عن رأس الكوز من غير قصد، ولكن كما يتفق(7) من الإنسان أن يولع بشيء في ضجره واحتداده، ففعل ذلك مرتين والناصر يرد الكوز، فلما رفعه الثالثة(8) أعاده الناصر، ثم التفت إليه، وقال: يا هذا، ومن شر النفاثات في العقد.
__________
(1) في (ب): عليهما.
(2) في (ب): والأظهر.
(3) في (ب): من.
(4) في (ب): لهم.
(5) في (ب): الجلَّى.ظ
(6) في (ب): من المشائخ.
(7) في (ب): كما يسبق.
(8) في (ب): فلما رفعه ثالثة.

قلت: وكان الناصر - عليه السلام- عذب الناشئة بمحاسن الأخلاق، وله تحف نبوية مما نقل عنه أنه ربما كان يتطارش تطارشاً أكثر مما به من الطرش لأغراض صحيحة، ولضرب من التظرف فروى الشريف الحسين بن هارون هذا - رحمه الله - أنه قام يوماً في مجلس الناصر شاعر يُنشده قصيدة كان مدحه بها، فلما ابتدأ بالإنشاد، أشار - رضي الله عنه - إلى أذنه أني لا أسمع ما ينشده فلا فائدة لك في إنشاده، فتضرع الرجل في أن يأذن في الإنشاد وأعانه من حضر فأومأ إليه أن ينشد، فلما مر الرجل في قصيدته انتهى في بيت أنشده إلى كلمة لحن فيها(1) فأومأ إليه الإمام سريعاً، ونبهه بالإشارة على الخطأ، فضحك الناس، وقالوا: أيها الإمام ألم تظهر أنك لا تسمع؟ فتبسم.
__________
(1) سقط من (أ).

قلت: وذكرت بهذه القصة حكايات منها ما ذكرني به التطارش، ومنها ما ذكرني به الحرَّة(1)، فأما التطارش فكان شيخ آل الرسول في زمانه السيد أمير الدين بن عبد الله بن نهشل - عادت بركته - فيه طرش ليس بالكثير، وكان يظهر من نفسه أكثر، وحكمة دعوى هؤلاء الفضلاء لكثرة التطارش هي(2) السلامة من الخوض في المباحات وغيرها، ويعرض عنهم كما كان السيد الجليل أحمد بن الهادي بن هارون - رحمه الله - يقول: تأملت لنفسي أي الحواس أرضى بذهابها(3) لو أن الله - سبحانه، وله المنة - خيرني(4)، فما وجدت أحسن من الطرش، وفي هذا الطرش معونة على الحلم والإعراض عن الجاهلين، كما كان بعض آل محمد عليه(5) السلام يقول إنه يسمع السب من الرجل فيستتر بالسارية /107/، نعم فكان السيد أمير الدين يدعي ذلك، فاتفق أنه بقرية حبور كان يقرأ عليه الإمام المؤيد بالله وأعيان الزمان في (العضد شرح المنتهى)، فدار بين أولئك الأعيان وبين الإمام المؤيد بالله - وهو إذ ذاك لما يدع إلى نفسه - خوض في نفقة السيد أمير الدين من أي محل تعين، فقال القاضي الحسن العيزري أو غيره من محل فلان بصوت خفي، وظنونهم قاضية بأن السيد ما يسمع ذلك، فقال السيد - رحمه الله -: أما محل فلان فلا يعينوا منه شيئاً(6)، لم يبق عند العامل بتلك الجهة شيء، فعجبوا لذلك - رحمهم الله - وكان بعض الفضلاء يتمثل فيه - رحمه الله -:
أصم عن الشيء الذي لا يريده ... وأسمع خلق الله حين يريدُ
وقد ذكر الجاحظ في (البيان والتبيين) أن الطرش مما يكمل به سؤدد الرجل العظيم.
قلت: ما ذاك إلا للإغضاء والسلامة من مخازي الحمقاء، فكم للسان من عثرة لا تقال
يموت الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرِجْلِ
__________
(1) في (أ): الحدة.
(2) في (أ): هو.
(3) في (ب): بذهابها.
(4) في (ب): خبرني.
(5) في (ب): عليهم.
(6) في (أ): شيئاً.

وأما ما ذكرت به من حديث الحدة(1) في المزاح مما بلغنا أن الإمام الهادي إلى الحق عز الدين بن الحسن - رضي الله عنهما - كان يقول: ما شربت شربة باردة قط في شتاء ولا غيره، ولو بولغ في التبريد إلا مرة واحدة برد الماء في وقت العسرة الشديدة من أول الليل إلى آخره في الصحراء، فوجدت له شيئاً من البرد، ومثل هذا يحكى عن الشيخ ابن حجر العسقلاني، ومن عجيب الحدة(2) عند المناظرة ما حكى عن السيد الإمام محمد بن يوسف الداعي إلى الله المسمى بالناصر المتوفى يوم الخميس تاسع وعشرين من شعبان سنة ثماني وتسعين وتسعمائة، وقبر بمدينة (ثلا)، وكان في العلم بمكانة عظيمة.
قال السيد أحمد بن عبد الله بن الوزير: بلغ في العلم مبلغاً أربى فيه على أقرانه، وجميع أهل زمانه، قالوا: كان إذا ناظر في العلم ذهبت أذنه ولم يبق إلا الصدغ، كأنه لم يخلق له أذنان، فاتفق أنه أراد المناظرة هو والإمام عز الدين، فلما رآه الإمام عز الدين بهذه المثابة خرج فقال الإمام محمد بن يوسف:
وابن اللبون إذا (مالز) في قرن ... لم يستطع صولة البزل (القناعيس(3))
الحسين بن أبي يوسف العراقي [ - ق 6 هـ]
العالم الفاضل الجهبذي الحسين بن أبي يوسف العراقي من كبار الناصرية، وفد إلى اليمن المحروس مع دعاة الإمام أبي طالب الأصغر(4)، وهم الشيخ الكبير القاضي أبو طالب بن أبي نصر الرازي، وهكذا(5) قال بعض العلماء بن أبي نصر، وقال بعضهم: نضر، ومن الدعاة عبد الجليل القزويني الزيدي، والسيد الإمام العلامة الحسين الهدوي، ومن ولد الهادي الصغير يحيى بن محمد بن يحيى الهادي الكبير، وعبد الله بن المبارك الترخي - رضي الله عنهم -.
حسين الصيرفي [ - ق 4 هـ] ت
__________
(1) في (ب): الحرة.
(2) في (ب): الحرة.
(3) القناعيس: القِنْعاسُ: من الإبل العظيم، والرجل الشديد المنيع. جمع قناعيس. (القاموس المحيط ص525).
(4) في (ب): الصغير.
(5) في (ب): هكذا.

العلامة حسين الصيرفي المدفون في ليلة كوملة، وقيل في هوسم، والأول أصح، له (حاشية الإبانة) المسماة بالتحفة(1).
أبو الحسين الناصري [ - ق 4هـ]
العلامة الكبير أبو الحسين الزاهد الناصري، ترجم له العارف يوسف حاجي الناصري - رحمه الله - وقال: إنه مصنف (الذخائر في سير الإمام الناصر).
حسان بن قائد البارقي [ - ق 2 هـ]
حسان بن قائد البارقي، عده أبو القاسم البغدادي في تلامذة الإمام وأهل الإسناد للمذهب، قال: وكان فاضلاً ساطعاً(2) للجهاد.
أبو حرب بن تزدقول [ - ق 3 هـ]
العلامة الكبير أبو حرب بن تزدقول عالم الناصرية، كان محققاً مناظراً، أستاذاً مرجوعاً إليه، وكان يناظر الإمام المؤيد بالله /108/ ويقاوله مع جلالة قدر المؤيد بالله في المناظرة، وحكى أبو القاسم بن(……)(3) قال: إن المؤيد بالله - عليه السلام- كان يقول: أشد الناس تعصباً علي أبو حرب بن بردقول وكان ناصري المذهب بسبب(4) تصويبي القولين المختلفين حتى رجعت إلى (الري)، ووردها أبو حرب هذا، ورأى حشمتي بين أهل العلم ومقامي في الفضل، فقصدني، وجاراني في هذه المسألة، وناظرني حتى ظهر عنده الحق فتاب من صنعه(5)، وصار من خواص أصحابي.
حرمي روست(6) [ - ]
__________
(1) في نوابغ الرواة الحسن بن حمد بن علي الصيرفي، روى عن القاضي أبي بكر الجعابي المتوفى سنة 355هـ، وعنه أبو الفتح الكرجكي محمد بن علي المتوفى سنة 449هـ، وفيه أيضاً الحسين بن أحمد بن بكير الصيرفي البغدادي التمار، له كتاب عيون مناقب أهل البيت، انظر نوابغ رواة 105 ، 120، وأعلام المؤلفين الزيدية ترجمة 371.
(2) سقط من (أ): ساطعاً.
(3) فراغ في (أ) و (ب)، ولعلها بن نال.
(4) بسبب تصوبي القولين المختلفين.
(5) في (ب): صنيعه.
(6) هذه الترجمة ساقطة من (أ) في (ب) حزمي دودست.

العلامة الكبير صاحب إيجاز الشرح - يعني شرح الإبانة - كان - رحمه الله - من أعمدة العراقيين من أصحابنا وأساطين الناصرية - رضي الله عنهم -. انتهى
حماد الحجبري [ - ق 5 هـ]
حماد الحجبري، هو أحمد(1) بن أحمد بن يوسف، من أهل ميتك، ويعرف بالحجبري - بالحاء المهملة قبل الجيم بعدها باء موحدة من أسفل - كان من رجال الزيدية ذوي العلم والديانة والورع والصيانة، وكان ممن نابذ الصليحي، وحاربه بلسانه، وهو بمسار ثُمَّ نابذه هو وقومه حتى غدر به بعضهم وبقومه، فلما ملك الغرب هرب إلى بلاد خولان، فلم يظفر به، وله فضل، وهو ممن تعارفه الزيدية وتشهره، وكان له شعر صالح، منها قصيدة لامية فيها طول يوصي فيها أولاده، وقد اشتملت على محاسن من الآداب والحكمة، وهي التي أولها:
بني اصبروا للدهر عند الزلازلِ ... ولا تجزعوا عند الخطوب النوازلِ
قال السيد الحافظ محمد بن عبد الله الوزيري والد السيد صارم الدين(2): رأيتها كاملة منسوبة إلى الهادي إلى الحق، وهي نسبة غير صحيحة.
حصينة بنت محمد بن علي [ - ق 8هـ]
السيدة حصينة بنت محمد بن علي أخت الإمام المهدي لدين الله علي بن محمد وأم الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى، وأخيه السيد الإمام الهادي بن يحيى - رضوان الله عليهم -.
__________
(1) في (ب): هو حامد.
(2) في (ب): السيد الصارم.

قال السيد شمس الدين أحمد بن عبد الله: إنها الشريفة الطاهرة العابدة الزاهدة، ربة الكرامات الخارقة والفضائل الفائقة، فإن من كراماتها ما حكى ابن أخيها السيد العلامة المجاهد إبراهيم بن يحيى بن محمد، قال: اشتدت بأهل الزمان أزمة حتى عجز الوالد عن مؤونة ولده، فبعث بي والدي إليها لأنها كانت موسعاً عليها من أقطار كثيرة، وكذلك سائر أعمامي بعثوا بأولادهم إليها، من جملتهم حي الإمام الناصر - عليه السلام- فكانت تكرمه فوق إكرامنا ، فعتبنا عليها وقلنا لها نحن وهو منك في درجة واحدة، فكيف تفضليه علينا؟ فوضعت كفها على رأسه، وقالت: لو تعلمون ما تحت هذه القلنسوة من سر لعذرتموني في تفضيله، وكان ذلك قبل دعوة أبيه، فانكشف صدق ما أشارت إليه من فضله، ولها كرامات كثيرة، وقد ذكر بعضها في سيرة الإمام شرف الدين - عليه السلام-(1).
من اسمه حمزة
حمزة بن أحمد بن داود(2) [ - ]
الشريف الكامل حمزة بن أحمد بن داود بن يحيى بن أحمد بن محمد بن حاتم بن الحسين بن المبارك المحسن بن الحسن بن علي بن عيسى بن موسى بن جعفر(3) بن محمد الشهيد صاحب الهادي - عليه السلام- العلوي العباسي، كان فاضلاً نبيهاً، وهو الذي أمر بعض السادة العارفين بالأنساب أن يجعل مشجراً يحفظ فيه أولاد أبي الفضل العباس بن علي(4) بن أبي طالب، ففعل، وأجاد.
حمزة بن أبي هاشم الحسني [ - 459هـ]
__________
(1) في (ب): صلوات الله عليه.
(2) هذه الترجمة في (ب): قبل حمزة بن سليمان.
(3) في (ب): أبي.
(4) كذا في الأصل، ولعل الصواب بن علي فيحقق كما في (ب): بن علي.

الأمير الكبير حمزة بن أبي هاشم الحسني(1)، وكنيته النفس الزكية بن عبد الرحمن بن يحيى بن عبدالله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم، قال ابن فند وابن مظفر(2): قام محتسباً، وليس بإمام، شهد بفضله الموالف والمخالف، وقد ذكره الإمام المتوكل أحمد بن سليمان في بعض رسائله على المطرفية في جملة من ذكر من أهل البيت الذين أنكروا على المطرفية، وكانت لحمزة هذا مع بني الصليحي وقعات مشهورة، وكان جيشه ألف فارس وخمسمائة فارس، وخمسة عشر ألف راجل، وصادم بهم خلائق من جنود الصليحية.
قال القاضي أحمد بن عبد السلام والد القاضي جعفر - رحمه الله -: كان عامر بن سليمان بن عبد الله /109/ الزواحي بيريم من جبل تيس من جبال (المغرب)، فأتاه الخبر بقيام حمزة ونهوضه إلى صنعاء في جمع كثيف، فنهض عامر فيمن معه من أهل عسكره وأسرع في السير إلى شبام، فلما أتى أصل جبل كوكبان وكان قد خبز لذلك العسكر شيئاً لا يعرف مقداره من الخبز فثبت على ظهر دابته، ولم ينزل حتَّى قسم ذلك الطعام على الناس، فكان لكل رجل رغيفان، وأمر بفتح مخازين الزبيب، فكان لكلٍ نصف مكيال، فأكلوا وهم يسيرون، فجعل طريقه على (ضلع) حتَّى دخل صنعاء، فاجتمع بأحمد بن المظفر، وكان المكرم في بعض(3) غزواته، ثُمَّ تقدم حتَّى لقي حمزة بالمنْوى، قلت: والمنْوى - بفتح الميم بعدها نون ساكنة ثُمَّ واو وألف - موضع غربي بوسان، والقصة مشهورة في التواريخ(4)