الكتاب : شرح نهج البلاغة (المنقح)
المؤلف : ابن أبي الحديد

[226]
فإن قال قائل: هو (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) أبوها، وحكمه في مالها كحكمه في ماله وفي بيت مال المسلمين، فلعله كان بحكم الابوة يفعل ذلك! قيل: فإذا كان يتصرف(1) فيها تصرف الاب في مال ولده، لا يخرجه ذلك عن كونه مال ولده، فإذا مات الاب لم يجز لاحد أن يتصرف في مال ذلك الولد، لانه ليس بأب له فيتصرف في ماله تصرف الاباء في أموال أولادهم، على أن الفقهاء أو معظمهم لا يجيزون للاب أن يتصرف في مال الابن.
وها هنا إشكال آخر، وهو قول عمر لعلى عليه السلام والعباس: وأنتما حينئذ تزعمان أن أبا بكر فيها ظالم فاجر، ثم قال لما ذكر نفسه، وأنتما تزعمان أنى فيها ظالم فاجر، فإذا كانا يزعمان ذلك فكيف يزعم هذا الزعم مع كونهما يعلمان أن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) قال:(لا اورث)! إن هذا لمن أعجب العجائب، ولو لا أن هذا الحديث - أعنى حديث خصومة العباس وعلى عند عمر - مذكور في الصحاح المجمع عليها لما أطلت العجب من مضمونه، إذ لو كان غير مذكور في الصحاح لكان بعض ما ذكرناه يطعن في صحته، وأنما الحديث في الصحاح لا ريب في ذلك.
قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد قال: حدثنا ابن أبى شيبة قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: جاء العباس وعلى إلى عمر، فقال العباس: اقض بينى وبين هذا الكذا وكذا، أي يشتمه، فقال الناس: افصل بينهما، فقال لا أفصل بينهما، قد علما أن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) قال:(لا نورث، ما تركناه صدقه) قلت: وهذا أيضا مشكل، لانهما حضرا يتنازعان لا في الميراث، بل في ولايه صدقة رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) أيهما يتولاها ولاية لا إرثا وعلى هذا كانت الخصومة،
---
(1) ب:(قد يتصرف).
---

[227]
فهل يكون جواب ذلك قد علما أن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) قال:(لا نورث)! قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد قال: حدثنى يحيى بن كثير أبو غسان قال: حدثنا شعبة، عن عمر بن مرة، عن أبى البخترى قال: جاء العباس وعلى الى عمر وهما يختصمان، فقال عمر لطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد: أنشدكم الله أسمعتم رسول الله صلى الله عليه يقول:(كل مال نبى فهو صدقه، إلا ما أطعمه أهله، أنا لا نورث) فقالوا: نعم، قال: وكان رسول الله يتصدق به، ويقسم فضله، ثم توفى فوليه أبو بكر سنتين يصنع فيه ماكان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتما تقولان: أنه كان بذلك خاطئا، وكان بذلك ظالما، وما كان بذلك إلا راشدا، ثم وليته بعد أبى بكر فقلت لكما: إن شئتما قبلتماه على عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده الذى عهد فيه، فقلتما: نعم، وجئتماني الان تختصمان، يقول هذا: أريد نصيبي من أبن أخى، ويقول هذا: أريد نصيبي من أمرأتى! والله لا أقضى بينكما إلا بذلك.
* * *
قلت: وهذا أيضا مشكل، لان أكثر الروايات أنه لم يرو هذا إلخبر الا أبو بكر وحده، ذكر ذلك أعظم المحدثين حتى أن الفقهاء في أصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد.
وقال شيخنا أبو على: لا تقبل في الرواية إلا رواية أثنين كالشهادة، فخالفه المتكلمون والفقهاء كلهم، واحتجوا عليه(1) بقبول الصحابة رواية أبى بكر وحده:(نحن معاشر الانبياء لا نورث)، حتى إن بعض أصحاب أبى على تكلف لذلك جوابا، فقال: قد روى أن أبا بكر يوم حاج فاطمة عليه السلام قال: أنشد الله امرأ سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا شيئا! فروى مالك بن أوس بن الحدثان، أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث ينطق
---
(1) ساقطة من ب.
---

[228]
بأنه استشهد عمر وطلحه والزبير وعبد الرحمن وسعدا، فقالوا: سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإين كانت هذه الروايات أيام أبى بكر! ما نقل أن أحدا من هؤلاء يوم خصومة فاطمة عليه السلام وأبى بكر روى من هذا شيئا.
قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبة قال: حدثنا محمد بن يحيى(1)، عن إبراهيم بن أبى يحيى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن أزواج النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) أرسلن عثمان إلى أبى بكر، فذكر الحديث، قال عروة: وكانت فاطمة قد سألت ميراثها من أبى بكر مما تركه النبي صلى الله عليه وآله، فقال لها: بأبى أنت وأمى وبأبى أبوك وأمى ونفسي، إن كنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أو أمرك بشئ لم أتبع غير ما تقولين، وأعطيتك ما تبتغين، وإلا فإنى أتبع ما أمرت به.
قال أبو بكر وحدثنا أبو زيد قال: حدثنا عمرو بن مرزوق، عن شعبة، عن عمرو أبن مرة، عن أبى البخترى قال: قال لها أبو بكر لما طلبت فدك: بأبى أنت وأمى! أنت عندي الصادقة الامينة، إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليك في ذلك عهدا أو وعدك به وعدا، صدقتك، وسلمت إليك فقالت: لم يعهد إلى في ذلك بشئ ولكن الله تعالى يقول:(يوصيكم الله في أولادكم)(2)، فقال: أشهد لقد سمعت(3) رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إنا معاشر الانبياء لا نورث).
* * *
قلت: وفى هذا من الاشكال ما هو ظاهر، لانها قد ادعت أنه عهد إليها رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) في ذلك أعظم العهد، وهو النحلة، فكيف سكتت عن ذكر هذا لما سألها أبو بكر! وهذا أعجب من العجب.
---
(1) ب:(عيسى).
(2) سورة الساء 11.
(3) كذا في ا، وفى ب:(كان).
---

[229]
قال أبو بكر: وحدثنا أبو زيد قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد العزيز أبن عمران بن عبد العزيز بن عبد الله الانصاري عن أبن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: سمعت عمر وهو يقول للعباس وعلى وعبد الرحمن بن عوف والزبير وطلحه: أنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنا لا نورث، معاشر الانبياء، ما تركنا صدقة) قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل في فيئه أهله السنة من صدقاته(1) ثم يجعل ما بقى في بيت المال! قالوا: اللهم نعم فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضها أبو بكر فجئت يا عباس تطلب ميراثك من ابن أخيك وجئت يا على تطلب ميراث زوجتك من أبيها! وزعمتما أن أبا بكر كان فيها خائنا فاجرا، والله لقد كان أمرأ مطيعا تابعا للحق ثم توفى أبو بكر فقبضتها فجئتماني تطلبان ميراثكما أما أنت يا عباس فتطلب ميراثك من أبن أخيك وأما على فيطلب ميراث زوجته من أبيها وزعمتما أنى فيها خائن وفاجر والله يعلم أنى فيها مطيع تابع للحق فأصلحا أمركما وإلا والله لم ترجع إليكما فقاما وتركا الخصومة وأمضيت صدقة.
قال أبو زيد: قال أبو غسان: فحدثنا عبد الرزاق الصنعانى عن معمر بن شهاب عن مالك بنحوه وقال في آخره: فغلب على عباسا عليها فكانت بيد على ثم كانت بيد الحسن ثم كانت بيد الحسين ثم على بن الحسين ثم الحسن بن الحسن ثم زيد بن الحسن.
* * *
قلت: وهذا الحديث يدل صريحا على أنهما جاءا يطلبان الميراث لا الولاية وهذا من المشكلات لان أبا بكر حسم المادة أولا وقرر عند العباس وعلى وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وآله، لا يورث وكان عمر من المساعدين له على ذلك فكيف يعود
---
(1) كذا في الاصول، وفى الكلام غموض.
---

[230]
العباس وعلى بعد وفاة أبى بكر يحاولان أمرا قد كان فرغ منه ويئس من حصوله اللهم إلا أن يكونا ظنا أن عمر ينقض قضاء أبى بكر في هذه المسألة وهذا بعيد لان عليا والعباس(1 كانا في هذه المسألة 1) يتهمان عمر بممالاة أبى بكر على ذلك ألا تراه يقول: نسبتماني ونسبتما أبا بكر إلى الظلم والخيانة فكيف يظنان أنه ينقض قضاء أبى بكر ويورثهما! * * *
وأعلم أن الناس يظنون أن نزاع فاطمة أبا بكر كان في أمرين في الميراث والنحلة وقد وجدت في الحديث أنها نازعت في امر ثالث ومنعها أبو بكر أياه ايضا وهو سهم ذوى القربى.
قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهرى: أخبرني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنى هارون بن عمير قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنى صدقة أبو معاوية عن محمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر عن يزيد الرقاشى عن أنس بن مالك أن فاطمة عليه السلام أتت أبا بكر فقالت: لقد علمت الذى ظلمتنا عنه أهل البيت من الصدقات وما أفاء الله علينا من الغنائم في القرآن من سهم ذوى القربى! ثم قرأت عليه قوله تعالى:(واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى..
)(2) الاية فقال لها أبو بكر: بأبى أنت وأمى ووالد ولدك! لسمع والطاعة لكتاب الله ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق قرابته وأنا أقرأ من كتاب الله الذى تقرئين منه ولم يبلغ علمي منه أن هذا السهم من الخمس يسلم إليكم كاملا قالت: أفلك هو ولاقربائك؟ قال: لا بل أنفق عليكم منه وأصرف الباقي في مصالح المسلمين قالت: ليس هذا حكم الله تعالى قال: هذا حكم الله فإن كان رسول الله عهد اليك
---
(1 - 1) ساقط من ب.
(2) سورة الانفال 41.
---

[231]
في هذا عهدا أو أوجبه لكم حقا(1) صدقتك وسلمته كله إليك وإلى أهلك قالت: أن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) لم يعهد إلى في ذلك بشئ إلا أنى سمعته يقول لما أنزلت هذه الايه:(أبشروا آل محمد فقد جاءكم الغنى)، قال أبو بكر: لم يبلغ علمي من هذه الاية أن أسلم إليكم هذا السهم كله كاملا ولكن لكم الغنى الذى يغنيكم ويفضل عنكم وهذا عمر بن الخطاب وأبو عبيده بن الجراح فاسأليهم عن ذلك وانظرى هل يوافقك على ما طلبت أحد منهم! فانصرفت إلى عمر فقالت له مثل ما قالت لابي بكر فقال لها مثل ما قاله لها أبو بكر فعجبت فاطمة عليه السلام من ذلك وتظنت أنهما كانا قد تذاكرا ذلك واجتمعا عليه.
قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد قال: حدثنا هارون بن عمير قال: حدثنا الوليد عن أبن أبى لهيعة عن أبى الاسود عن عروة قال: أرادت فاطمة أبا بكر على فدك وسهم ذوى القربى فأبى عليها وجعلهما في مال الله تعالى.
قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد قال: حدثنا أحمد بن معاوية عن هيثم عن جويبر عن أبى الضحاك عن الحسن بن محمد بن على بن أبى طالب عليه السلام أن أبا بكر منع فاطمة وبنى هاشم سهم ذوى القربى وجعله في سبيل الله في السلاح والكراع.
قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد قال: حدثنا حيان بن هلال عن محمد بن يزيد بن ذريع عن محمد بن أسحاق قال: سألت أبا جعفر محمد بن على عليه السلام قلت: أرأيت عليا حين ولى العراق وما ولى من أمر الناس كيف صنع في سهم ذوى القربى؟ قال: سلك بهم طريق أبى بكر وعمر قلت: وكيف ولم وأنتم تقولون ما تقولون! قال: أما والله ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه فقلت: فما منعه؟ قال: كان يكره
---
(1) كذا في ا.
وفى ب:(أوجبه لك على).
---

[232]
أن يدعى عليه مخالفة أبى بكر وعمر قال أبو بكر: وحدثني المؤمل بن جعفر قال: حدثنى محمد بن ميمون عن داود بن المبارك قال: أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن الحسن ونحن راجعون من الحج في جماعة فسألناه عن مسائل وكنت أحد من سأله فسألته عن أبى بكر وعمر فقال: سئل جدى عبد الله بن الحسن بن الحسن عن هذه المسأله فقال: كانت أمي صديقة بنت نبى مرسل فماتت وهى غضبى على إنسان فنحن غضاب لغضبها وإذا رضيت رضينا.
قال أبو بكر: وحدثني أبو جعفر محمد بن القاسم قال: حدثنى على بن الصباح قال: أنشدنا أبو الحسن رواية المفضل للكميت: أهوى عليا أمير المؤمنين ولا أرضى بشتم أبى بكر ولا عمرا(1) ولا أقول وإن لم يعطيا فدكا بنت النبي ولا ميراثها: كفرا(2) الله يعلم ماذا يحضران به يوم القيامة من عذر إذا اعتذرا(3) قال بن الصباح: فقال لى أبو الحسن: أتقول: أنه قد أكفرهما في هذا الشعر قلت نعم قال كذاك هو.
قال أبو بكر: حدثنا أبو زيد عن هارون بن عمير عن الوليد بن مسلم عن إسماعيل بن عباس عن محمد بن السائب عن أبى صالح عن مولى أم هانئ قال: دخلت فاطمة على أبى بكر بعد ما استخلف فسألته ميراثها من أبيها فمنعها فقالت له: لئن مت اليوم من كان يرثك؟ قال ولدى وأهلي قالت: فلم ورثت أنت رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) دون ولده وأهله قال: فما فعلت يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم! قالت: بلى إنك عمدت إلى فدك وكانت صافية لرسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) فأخذتها وعمدت إلى ما أنزل الله من السماء فرفعته عنا فقال: يا بنت رسول الله
---
(1) الهاشميات 83، 84.
(2) ا، الهاشميات:(ميراثه)،(3) الهاشميات:(ماذا يأتيان به).
---

[233]
صلى الله عليه وسلم لم أفعل حدثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يطعم النبي صلى الله عليه وسلم الطعمة ما كان حيا، فإذا قبضه الله إليه رفعت فقالت: أنت ورسول الله أعلم ما أنا بسائلتك بعد مجلسي ثم أنصرفت قال أبو بكر: وحدثنا محمد بن زكريا قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن المهلبى عن عبد الله بن حماد بن سليمان عن أبيه عن عبد الله بن حسن بن حسن عن أمه فاطمة بنت الحسين عليه السلام، قالت: لما اشتد بفاطمة بنت رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) الوجع وثقلت في علتها اجتمع عندها نساء من نساء المهاجرين والانصار فقلن لها: كيف أصبحت يا ابنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: والله أصبحت عائفة(1) لدنياكم قالية لرجالكم لفظتهم بعد أن عجمتهم(2) وشنئتهم(3) بعد أن سبرتهم(4) فقبحا لفلول الحد وخور القناة وخطل الرأى وبئسما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون لاجرم! قد قلدتهم ربقتها وشنت عليهم غارتها فجدعا وعقرا وسحقا للقوم الظالمين! ويحهم! أين زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوه ومهبط الروح الامين والطيبين بأمر الدنيا والدين ألا ذلك هو الخسران! المبين وما الذى نقموا من أبى حسن! نقموا والله نكير سيفه وشدة وطأته ونكال وقعته وتنمره في ذات الله وتالله لو تكافوا عن زمام نبذه إليه رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) لاعتلقه ولسار إليهم سيرا سجحا لا تكلم حشاشته ولا يتعتع راكبه ولاوردهم منهلا نميرا فضفاضا يطفح ضفتاه ولاصدرهم بطانا قد تحير بهم الرأى غير متحل بطائل إلا بغمر الناهل وردعه سورة الساغب ولفتحت عليهم بركات من السماء والارض وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.
ألا هلم فاستمع وما عشت
---
(1) عائفة لدنياكم، أي قالية لها كارهة.
(2) عجمتهم: بلوتهم وخبرتهم.
(3) شنئتهم: أبغضتهم.
(4) سبرتهم: علمت أمورهم.
---

[234]
أراك الدهر عجبه وأن تعجب فقد أعجبك الحادث إلى أي لجأ استندوا وبأى عروة تمسكوا! لبئس المولى ولبئس العشير ولبئس للظالمين بدلا! استبدلوا والله الذنابى بالقوادم والعجز بالكاهل فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا(ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) ويحهم!(فمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون)! أما لعمر الله لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج(1) ثم احتلبوها طلاع العقب دما عبيطا وذعاقا ممقرا هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ما أسس الاولون ثم طيبوا عن أنفسكم نفسا واطمئنوا للفتنة جأشا وأبشروا بسيف صارم وهرج شامل وأستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدا وجمعكم حصيدا فيا حسرة عليكم وأنى لكم وقد عميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون! والحمد لله رب العالمين وصلاته على محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين.
* * *
قلت: هذا الكلام وأن لم يكن فيه ذكر فدك والميراث إلا أنه من تتمه ذلك وفيه إيضاح لما كان عندها وبيان لشدة غيظها وغضبها فإنه سيأتي فيما بعد ذكر ما يناقض به قاضى القضاة والمرتضى في أنها هل كانت غضبى أم لا ونحن لا ننصر مذهبا بعينه وإنما نذكر ما قيل وإذا جرى بحث نظرى قلنا ما يقوى في أنفسنا منه.
واعلم أنا إنما نذكر في هذا الفصل ما رواه رجال الحديث وثقاتهم وما أودعه أحمد بن عبد العزيز الجوهرى في كتابه وهو من الثقات الامناء عند أصحاب الحديث وأما ما يرويه رجال الشيعة والاخباريون منهم في كتبهم من قولهم: إنهما أهاناها وأسمعاها كلاما غليظا وإن أبا بكر رق لها حيث لم يكن عمر حاضرا فكتب لها بفدك كتابا فلما خرجت به وجدها عمر فمد يده إليه لياخذه مغالبة فمنعته فدفع بيده في صدرها
---
(1) كذا في ا، وفى ب:(تحلب).
---

[235]
وأخذ الصحيفة فخرقها بعد أن تفل فيها فمحاها وإنها دعت عليه فقالت: بقر الله بطنك كما بقرت صحيفتي فشئ لا يرويه أصحاب الحديث ولا ينقلونه وقدر الصحابة يجل عنه وكان عمر أتقى لله وأعرف لحقوق الله من ذلك وقد نظمت الشيعة بعض هذه الواقعة التى يذكرونها شعرا أوله أبيات لمهيار بن مرزويه الشاعر من قصيدته التى أولها(1): يا ابنة القوم تراك بالغ قتلى رضاك(2) وقد ذيل عليها بعض الشيعة وأتمها والابيات: يا ابنة الطاهر كم تقرع بالظلم عصاك غضب الله لخطب ليلة الطف عراك ورعى النار غدا قط رعى أمس حماك مر لم يعطفه شكوى ولا استحيا بكاك وأقتدى الناس به بعد فاردى ولداك يا ابنة الراقي إلى السدرة في لوح السكاك لهف نفسي وعلى مثلك فلتبك البواكي كيف لم تقطع يد مد إليك أبن صحاك فرحوا يوم أهانوك بما ساء أباك ولقد أخبرهم أن رضاه في رضاك دفعا النص على إرثك لما دفعاك وتعرضت لقدر تافه وانتهراك
---
(1) ديوانه 2: 367، 368.
(2) في الاصول:(براك) والصواب ما أثبته.
من الديوان.
---

[236]
وادعيت النحلة المشهود فيها بالصكاك فاستشاطا ثم ما إن كذبا إن كذباك فزوى الله عن الرحمة زنديقا ذواك ونفى عن بابه الواسع شيطانا نفاك.
فانظر إلى هذه البلية التى صبت من هؤلاء على سادات المسلمين وأعلام المهاجرين! وليس ذلك بقادح في علو شأنهم وجلالة مكانهم كما أن مبغضي الانبياء وحسدتهم ومصنفى الكتب في إلحاق العيب والتهجين لشرائعهم لم تزدد لانبيائهم إلا رفعة ولا زادت شرائعهم إلا انتشارا في الارض وقبولا في النفس وبهجة ونورا عند ذوى الالباب والعقول.
وقال لى علوى في الحله(1) يعرف بعلى بن مهنأ ذكى ذو فضائل ما تظن قصد أبى بكر وعمر بمنع فاطمة فدك؟ قلت: ما قصدا قال: أرادا ألا يظهرا لعلى - وقد اغتصباه الخلافة - رقه ولينا وخذلانا ولا يرى عندهما خورا فأتبعا القرح بالقرح.
وقلت لمتكلم من متكلمي الامامية يعرف بعلى بن تقى من بلدة النيل(2): وهل كانت فدك إلا نخلا يسيرا وعقارا ليس بذلك الخطير! فقال لى: ليس الامر كذلك بل كانت جليلة جدا وكان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الان من النخل وما قصد أبو بكر وعمر بمنع فاطمة عنها إلا ألا يتقوى على بحاصلها وغلتها على المنازعة في الخلافة ولهذا أتبعا ذلك بمنع فاطمة وعلى وسائر بنى هاشم وبنى المطلب حقهم في الخمس، فإن
---
(1) الحلة: تطلق على عدة مواضع، منها موضع بين الكوفة والبصرة، وهى حلة بنى مزيد.
(2) النيل هنا: بليدة في سواد الكوفة، قرب حلة بنى مزيد.
---

[237]
الفقير الذى لا مال له تضعف همته ويتصاغر عند نفسه ويكون مشغولا بالاحتراف والاكتساب عن طلب الملك والرياسة فانظر إلى ما قد وقر في صدور هؤلاء وهو داء لا دواء له وما أكثر ما تزول الاخلاق والشيم فأما العقائد الراسخة فلا سبيل إلى زوالها! * * *
والفصل الثاني في هل النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) يورث أم لا
الفصل الثاني في النظر في أن النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) هل يورث أم لا نذكر في هذا الموضع ما حكاه المرتضى رحمه الله في(الشافي)(1) عن قاضى القضاة في هذا المعنى وما اعترضه به وإن استضعفنا شيئا من ذلك قلنا ما عندنا وإلا تركناه على حاله.
قال المرتضى: أول ما ابتدأ به قاضى القضاة حكايته عنا استدلالنا على أنه (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) مورث(2) بقوله تعالى:(يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين)(3) وهذا الخطاب عام يدخل فيه النبي وغيره.
ثم أجاب - يعنى قاضى القضاة - عن ذلك فقال: إن الخبر الذى احتج به أبو بكر - يعنى قوله(نحن معاشر الانبياء لا نورث) - لم يقتصر على روايته هو وحده حتى استشهد عليه عمر وعثمان وطلحه والزبير وسعدا وعبد الرحمن فشهدوا به فكان لا يحل لابي بكر وقد صار الامر إليه أن يقسم التركه ميراثا وقد خبر رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) بأنها صدقة وليست بميراث وأقل ما في هذا الباب أن يكون الخبر من أخبار الاحاد
---
(1) الشافي ص 228 وما بعدها.
(2) ا:(موروث).
(3) سورة الساء 11.
---

[238]
فلو أن شاهدين شهدا في التركة أن فيها حقا أليس كان يجب أن يصرف ذلك عن الارث! فعلمه بما قال رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) مع شهادة غيره أقوى ولسنا نجعله مدعيا لانه لم يدع ذلك لنفسه وإنما بين أنه ليس بميراث وأنه صدقة ولا يمتنع تخصيص القرآن بذلك كما يخص في العبد والقاتل وغيرهما وليس ذلك بنقص في الانبياء بل هو إجلال لهم يرفع الله به قدرهم عن أن يورثوا المال وصار ذلك من أوكد الدواعى ألا يتشاغلوا بجمعه لان أحد الدواعى القوية إلى ذلك تركه على الاولاد والاهلين ولما سمعت فاطمة عليه السلام ذلك من أبى بكر كفت عن الطلب فيما ثبت من الاخبار الصحيحة فلا يمتنع أن تكون غير عارفة بذلك فطلبت الارث فلما روى لها ما روى كفت فأصابت أولا وأصابت ثانيا.
وليس لاحد أن يقول كيف يجوز أن يبين النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ذلك للقوم ولا حق لهم في الارث ويدع أن يبين ذلك لمن له حق في الارث مع أن التكليف يتصل به وذلك لان التكليف في ذلك يتعلق بالامام فإذا بين له جاز ألا يبين لغيره ويصير البيان له بيانا لغيره وأن لم يسمعه من الرسول لان هذا الجنس من البيان يجب أن يكون بحسب المصلحة.
قال: ثم حكى عن أبى على أنه قال: أتعلمون كذب أبى بكر في هذه الرواية أم تجوزون أن يكون صادقا(1)؟ قال: وقد علم أنه لا شئ يقطع به على كذبه فلا بد من تجويز كونه صادقا وإذا صح ذلك قيل لهم: فهل كان يحل له مخالفة الرسول؟ فإن قالوا: لو كان صدقا لظهر واشتهر قيل لهم: إن ذلك من باب العمل ولا يمتنع أن ينفرد بروايته جماعة يسيرة بل الواحد والاثنان مثل سائر الاحكام ومثل الشهادات فإن قالوا نعلم أنه لا يصح لقوله تعالى في كتابه:(وورث سليمان داود)(2).
قيل لهم:
---
(1) الشافي:(أم تجوزون كذبه وصدقه).
(2) سورة النمل 16.
---

[239]
ومن أين أنه ورثه الاموال مع تجويز أن يكون ورثه العلم والحكمة؟ فإن قالوا: إطلاق الميراث لا يكون إلا في الاموال قيل لهم: إن كتاب الله يبطل قولكم لانه قال:(ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)(1) والكتاب ليس بمال ويقال في اللغة: ما ورثت الابناء عن الاباء شيئا أفضل من أدب حسن وقالوا: العلماء ورثة الانبياء وإنما ورثوا منهم العلم دون المال على أن في آخر الاية ما يدل على ما قلناه وهو قوله تعالى حاكيا عنه:(وقال يا أيها الناس علمنا أمنطق الطير وأوتينا من كل شئ أن هذا لهو الفضل المبين)(2) فنبه على أن الذى ورث هو هذا العلم وهذا الفضل وإلا لم يكن لهذا القول تعلق بالاول.
فإن قالوا: فقد قال تعالى:(فهب لى من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب)(3) وذلك يبطل الخبر! قيل لهم ليس في ذلك بيان المال أيضا وفي الاية ما يدل على أن المراد النبوة والعلم لان زكريا خاف على العلم أن يندرس وقوله:(وإنى خفت الموالى من ورائي) يدل على ذلك لان الانبياء لا تحرص على الاموال حرصا يتعلق خوفها بها وإنما أراد خوفه على العلم أن يضيع فسأل الله تعالى وليا يقوم بالدين مقامه.
وقوله:(ويرث من آل يعقوب) يدل على ان المراد العلم والحكمه لانه لا يرث أموال يعقوب في الحقيقة(4) وإنما يرث ذلك غيره قال: فأما من يقول: إن المراد: أنا معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة، أي ما جعلناه صدقة في حال حياتنا لا نورثه فركيك من القول لان إجماع الصحابة يخالفه لان أحدا لم يتأوله على هذا الوجه لانه لا يكون في ذلك تخصيص الانبياء ولا مزية لهم ولان قوله:(ما تركناه صدقة) جملة من الكلام مستقلة بنفسها كأنه
---
(1) سورة فاطر 32.
(2) سورة النمل 16.
(3) سورة مريم 5، 6.
(4) ب:(الحقيقة) تحريف صوابه من ا والشافي.
---

[240]
ع مع بيانه أنهم لا يورثون المال يبين أنه صدقه لانه كان يجوز ألا يكون ميراثا ويصرف إلى وجه آخر غير الصدقة.
قال: فأما خبر السيف والبغلة والعمامة وغير ذلك فقد قال: أبو على: إنه لم يثبت أن أبا بكر دفع ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام على جهة الارث كيف يجوز ذلك مع الخبر الذى رواه وكيف يجوز لو كان وارثا أن يخصه بذلك ولا إرث له مع العم لانه عصبة! فإن كان وصل إلى فاطمة عليه السلام فقد كان ينبغى أن يكون العباس شريكا في ذلك وأزواج الرسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ولوجب أن يكون ذلك ظاهرا مشهورا ليعرف أنهم أخذوا نصيبهم من ذلك أو بدله ولا يجب إذا لم يدفع أبو بكر ذلك إليه على جهه الارث ألا يحصل ذلك في يده لانه قد يجوز أن يكون النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) نحله ذلك ويجوز أيضا أن يكون أبو بكر رأى الصلاح في ذلك أن يكون بيده لما فيه من تقويه الدين وتصدق ببدله بعد التقويم لان الامام له أن يفعل ذلك.
قال: وحكى عن أبى على في البرد والقضيب أنه لم يمتنع أن يكون جعله عدة في سبيل الله وتقوية على المشركين فتداولته الائمه لما فيه من التقوية ورأى أن ذلك أولى من أن يتصدق به إن ثبت(1) أنه عليه السلام لم يكن قد نحله غيره في حياته ثم عارض نفسه بطلب أزواج النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) الميراث وتنازع امير المؤمنين (ع) والعباس بعد موت فاطمة عليه السلام وأجاب عن ذلك بأن قال: يجوز أن يكونوا لم يعرفوا رواية أبى بكر وغيره للخبر.
وقد روى أن عائشة لما عرفتهن الخبر أمسكن وقد بينا أنه لا يمتنع في مثل ذلك أن يخفى على من يستحق الارث ويعرفه من يتقلد الامر كما يعرف العلماء والحكام من أحكام المواريث ما لا يعلمه أرباب الارث وقد بينا أن رواية أبى بكر مع الجماعة
---
(1) الشافي:(أن يثبت).
---

[241]
أقوى من شاهدين لو شهد أن بعض تركته عليه السلام دين وهو أقوى من رواية سلمان وابن مسعود لو رويا ذلك.
قال: ومتى تعلقوا بعموم القرآن أريناهم جواز التخصيص بهذا الخبر كما أن عموم القرآن يقتضى كون الصدقات للفقراء وقد ثبت أن آل محمد لا تحل لهم الصدقة.
هذا آخر ما حكاه المرتضى من كلام قاضى القضاة(1).
ثم قال: نحن نبين أولا ما يدل على أنه (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) يورث المال ونرتب الكلام في ذلك الترتيب الصحيح ثم نعطف على ما أورده ونتكلم عليه.
قال رضى الله عنه: والذى يدل على ما ذكرنا قوله تعالى مخبرا عن زكريا عليه السلام:(وإنى خفت الموالى من ورائي وكانت أمرأتى عاقرا فهب لى من لدنك وليا * يرثنى ويرث من آل يعقوب وأجعله رب رضيا)(2) فخبر أنه خاف من بنى عمه لان الموالى هاهنا هم بنو العم بلا شبهة وإنما خافهم أن يرثوا ماله فينفقوه في الفساد لانه كان يعرف ذلك من خلائقهم وطرائقهم فسأل ربه ولدا يكون أحق بميراثه منهم والذى يدل على أن المراد بالميراث المذكور ميراث المال دون العلم والنبوة على ما يقولون أن لفظة الميراث في اللغة والشريعة لا يفيد(3) إطلاقها إلا على ما يجوز أن ينتقل على الحقيقة من الموروث إلى الوارث كالاموال وما في معناها ولا يستعمل في غير المال الا تجوزا واتساعا ولهذا لا يفهم من قول القائل: لا وارث لفلان إلا فلان وفلان يرث مع فلان بالظاهر والاطلاق إلا ميراث الاموال والاعراض دون العلوم وغيرها.
وليس لنا أن نعدل عن ظاهر الكلام وحقيقته إلى مجازه بغير دلالة.
وإيضا فإنه تعالى خبر عن نبيه أنه اشترط في وارثه أن يكون رضيا ومتى لم يحمل الميراث في الاية على المال دون العلم
---
(1) الشافي 228، 229.
(2) سورة مريم 5، 6.
(3) ا والشافي:(لا يعهد).
(16 - نهج - 16)---

[242]
والنبوة لم يكن للاشتراط معنى وكان لغوا وعبثا لانه إذا كان إنما سأل من يقوم مقامه ويرث مكانه فقد دخل الرضا وما هو أعظم من الرضا في جملة كلامه وسؤاله، فلا مقتضى لاشتراطه ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول: اللهم أبعث إلينا نبيا واجعله عاقلا(ومكلفا)(1) فإذا ثبتت هذه الجملة صح أن زكريا موروث ماله.
وصح أيضا لصحتها أن نبينا (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ممن يورث المال لان الاجماع واقع على أن حال نبينا (ع) لا يخالف حال الانبياء المتقدمين في ميراث المال فمن مثبت للامرين وناف للامرين(2).
قلت: إن شيخنا أبا الحسين قال في كتاب،، الغرر،، صورة الخبر الوارد في هذا الباب وهو الذى رواه أبو بكر(لا نورث)، ولم يقل:(نحن معاشر الانبياء لا نورث)، فلا يلزم من كون زكريا يورث الطعن في الخبر.
وتصفحت أنا كتب الصحاح في الحديث فوجدت صيغة الخبر كما قاله أبو الحسين وإن كان رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) عنى نفسه خاصه بذلك فقد سقط أحتجاج الشيعة بقصة زكريا وغيره من الانبياء إلا أنه يبعد عندي أن يكون أراد نفسه خاصة لانه لم تجر عادته أن يخبر عن نفسه في شئ بالنون.
فإن قلت: أيصح من المرتضى أن يوافق على أن صورة الخبر هكذا ثم يحتج بقصة زكريا بأن يقول: إذا ثبت أن زكريا موروث ثبت أن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) يجوز أن يكون موروثا لاجماع الامة على أن لا فرق بين الانبياء كلهم في هذا الحكم! قلت: وأن ثبت له هذا الاجماع صح احتجاجه ولكن ثبوته يبعد لان من نفى كون زكريا عليه السلام موروثا من الامة أنما نفاه لاعتقاده أن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) قال:(نحن معاشر الانبياء) فإذا كان لم يقل هكذا لم يقل: إن زكريا عليه السلام غير موروث.
---
(1) من الشافي.
(2) الشافي 229.
---

[243]
قال المرتضى: ومما يقوى ما قدمناه أن زكريا عليه السلام خاف بنى عمه فطلب وارثا لاجل ولا يليق خوفه منهم إلا بالمال دون العلم والنبوة لانه عليه السلام كان أعلم بالله تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيا ليس بأهل للنبوة وأن يورث علمه وكمه من ليس أهلا لهما ولانه إنما بعث لاذاعة العلم ونشره في الناس فلا يجوز أن يخاف من الامر الذى هو الغرض في البعثة(1).
فإن(2) قيل: هذا يرجع عليكم في الخوف عن أرث المال لان ذلك غاية الضن والبخل.
قلنا: معاذ الله أن يستوى الحال لان المال قد يصح أن يرزقه الله تعالى المؤمن والكافر والعدو والولى ولا يصح ذلك في النبوة وعلومها.
وليس من الضن أن يأسى على بنى عمه - وهم من أهل الفساد - أن يظفروا بماله فينفقوة على المعاصي ويصرفوه في غير وجوهه المحبوبة بل ذلك غاية الحكمة وحسن التدبير في الدين لان الدين يحظر تقوية الفساق وإمدادهم بما يعينهم على أفلا طرائقهم المذمومة وما يعد ذلك شحا ولا بخلا الا من لا تأمل له.
فإن قيل: أفلا(3) جاز أن يكون خاف من بنى عمه أن يرثوا علمه وهم من أهل الفساد على ما ادعيتم فيستفسدوا به الناس ويموهوا به عليهم؟ قلنا: لا يخلو هذا العلم الذى أشرتم إليه من أن يكون هو كتب علمه وصحف حكمته لان ذلك قد يسمى علما على طريق المجاز أو يكون هو العلم الذى يحل القلب.
فإن كان الاول فهو يرجع إلى معنى المال ويصحح أن الانبياء يورثون أموالهم وما في معناها وإن كان الثاني لم يخل هذا من أن يكون هو العلم الذى بعث النبي لنشره وأدائه أو أن يكون علما مخصوصا لا يتعلق بالشريعة ولا يجب إطلاع جميع الامة عليه كعلم العواقب وما يجرى في مستقبل الاوقات وما جرى مجرى ذلك.
والقسم الاول لا يجوز على النبي أن يخاف من وصوله إلى بنى عمه وهم من جمله أمته الذين بعث لاطلاعهم على ذلك وتأديته إليهم وكأنه على هذا الوجه يخاف مما هو الغرض من بعثته.
والقسم الثاني فاسد أيضا لان
---
(1) ا والشافي:(يعثته).
(2) د:(قال فإن قيل).
(3) ا، د:(فألا).
---

[244]
هذا العلم المخصوص إنما يستفاد من جهته ويوقف عليه بإطلاعه وإعلامه وليس هو مما يجب نشره في جميع الناس فقد كان يجب إذا خاف من إلقائه إلى بعض الناس فسادا ألا يلقيه إليه فإن ذلك في يده ولا يحتاج إلى اكثر من ذلك(1).
قلت: لعاكس أن يعكس هذا على المرتضى رحمه الله حينئذ ويقول له: وقد كان يجب إذا خاف من أن يرث بنو عمه أمواله فينفقوها في الفساد أن يتصدق بها على الفقراء والمساكين فإن ذلك في يده فيحصل له ثواب الصدقة ويحصل له غرضه من حرمان أولئك المفسدين ميراثه.
قال المرتضى رضى الله عنه: ومما يدل على ان الانبياء يورثون قوله تعالى:(وورث سليمان داود)(2) والظاهر من إطلاق لفظة(الميراث) يقتضى الاموال وما في معناها ما دللنا به من قبل.
قال: ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى:(يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين..
)(3) الاية وقد أجمعت الامة على عموم هذه اللفظه إلا من أخرجه الدليل فيجب أن يتمسك بعمومها لمكان هذه الدلالة ولا يخرج عن حكمها إلا من أخرجه دليل قاطع(1).
قلت: أما قوله تعالى:(وورث سليمان داود) فظاهرها يقتضى وراثة النبوة أو الملك أو العلم الذى قال في أول الاية:(ولقد آتينا داود وسليمان علما..
) لانه لا معنى لذكر ميراث سليمان المال فإن غيره من أولاد داود قد ورث أيضا أباه داود وفى كتب اليهود والنصارى أن بنى داود كانوا تسعه عشر وقد قال بعض المسلمين أيضا ذلك فأى معنى في تخصيص سليمان بالذكر إذا كان أرث المال! وأما:(يوصيكم الله في أولادكم) فالبحث في تخصيص ذلك بالخبر فرع من فروع مسألة خبر الواحد هل هو حجه في
---
(1) الشافي 229، 230.
(2) سورة النمل 16.
(3) سورة النساء 11.
---

[245]
الشرعيات أم لا! فإن ثبت مذهب المرتضى في كونه ليس بحجة فكلامه هنا جيد وإن لم يثبت فلا مانع من تخصيص العموم بالخبر فإن الصحابة قد خصصت عمومات(1) الكتاب بالاخبار في مواضع كثيره.
* * *
قال المرتضى: وأما تعلق صاحب الكتاب بالخبر الذى رواه أبو بكر وأدعاؤه أنه أستشهد عمر وعثمان وفلانا وفلانا فأول ما فيه أن الذى أدعاه من الاستشهاد غير معروف والذى روى أن عمر أستشهد هؤلاء النفر لما تنازع(2) أمير المؤمنين عليه السلام والعباس رضى الله عنه في الميراث فشهدوا بالخبر المتضمن لنفى الميراث وإنما مقول مخالفينا في صحة الخبر الذى رواه أبو بكر عند مطالبة فاطمة عليه السلام بالارث على مساك الامة عن النكير عليه والرد لقضيته(3).
قلت: صدق المرتضى رحمه الله فيما قال أما عقيب وفاة النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ومطالبة فاطمة عليه السلام بالارث فلم يرو الخبر إلا أبو بكر وحده وقيل: أنه رواه معه مالك بن أوس بن الحدثان وأما المهاجرون الذين ذكرهم قاضى القضاة فإنما شهدوا بالخبر في خلافة عمر وقد تقدم ذكر ذلك.
* * *
قال المرتضى: ثم لو سلمنا استشهاد من ذكر على الخبر لم يكن فيه حجه لان الخبر على كل حال لا يخرج من أن يكون غير موجب للعلم وهو في حكم أخبار الاحاد وليس يجوز أن يرجع عن ظاهر القرآن بما يجرى هذا المجرى لان المعلوم لا يخص إلا بمعلوم وإذا كانت دلالة الظاهر معلومة لم يجز أن يخرج عنها بأمر مظنون.
قال: وهذا الكلام مبنى على أن التخصيص للكتاب والسنه المقطوع بها لا يقع
---
(1) ا، د:(عموم).
(2) ا والشافي:(نازع).
(3) الشافي 230.
---

[246]
بأخبار الاحاد وهو المذهب الصحيح.
وقد أشرنا إلى ما يمكن أن يعتمد في الدلالة عليه من أن الظن لا يقابل العلم ولا يرجع عن المعلوم بالمظنون.
قال: وليس لهم أن يقولوا: إن التخصيص بأخبار الاحاد يستند أيضا إلى علم وأن كان الطريق مظنونا ويشيروا إلى ما يدعونه من الدلالة على وجوب العمل بخبر الواحد في الشريعة وأنه حجة لان ذلك مبنى من قولهم على ما لا نسلمه وقد دل الدليل على فساده - أعنى قولهم: خبر الواحد حجة في الشرع - على أنهم لو سلم لهم ذلك لاحتاجوا إلى دليل مستأنف على أنه يقبل في تخصيص القرآن لان ما دل على العمل به في الجملة لا يتناول هذا الموضع كما لا يتناول جواز النسخ به(1).
قلت: أما قول المرتضى: لو سلمنا أن هؤلاء المهاجرين الستة رووه لما خرج عن كونه خبرا واحدا ولما جاز أن يرجع عن عموم الكتاب به لانه معلوم والخبر مظنون.
ولقائل أن يقول: ليته حصل في كل واحد من آيات القرآن رواية مثل هذه الستة حيث جمع القرآن على عهد عثمان ومن قبله من الخلفاء فإنهم بدون هذا العدد كانوا يعملون في إثبات الايه في المصحف بل كانوا يحلفون من أتاهم بالاية ومن نظر في كتب التواريخ عرف ذلك فإن كان هذا العدد إنما يفيد الظن فالقول في آيات الكتاب كذلك وأن كانت آيات الكتاب أثبتت عن علم مستفاد من رواية هذا العدد ونحوه فالخبر مثل ذلك.
فأما مذهب المرتضى في خبر الواحد فانه قول أنفرد(2) به عن سائر الشيعة لان من قبله من فقهائهم ما عولوا في الفقه إلا على أخبار الاحاد كزرارة ويونس وأبى بصير وابني بابويه والحلبي وأبى جعفر القمى وغيرهم ثم من كان في عصر المرتضى منهم
---
الشافي 230.
(2) د:(تفرد).
---

[247]
كأبى جعفر الطوسى وغيره وقد تكلمت في،، اعتبار الذريعة،، على ما اعتمد عليه في هذه المسأله وأما تخصيص الكتاب بخبر الواحد فالظاهر أنه أذا صح كون خبر الواحد حجة في الشرع جاز تخصيص الكتاب به وهذا من فن أصول الفقه فلا معنى لذكره هنا.
قال المرتضى رضى الله عنه: وهذا يسقط قول صاحب الكتاب: إن الشاهدين لو شهدا أن في التركة حقا لكان يجب أن ينصرف(1) عن الارث وذلك لان الشهادة وإن كانت مظنونة فالعمل بها يستند(2) إلى علم لان الشريعة قد قررت العمل بالشهادة ولم تقرر العمل بخبر الواحد وليس له أن يقيس خبر الواحد على الشهادة من حيث أجتمعا في غلبة الظن لانا لا نعمل على الشهادة من حيث غلبة الظن دون ما ذكرناه من تقرير الشريعة العمل بها ألا ترى أنا قد نظن بصدق الفاسق والمرأة والصبى وكثير ممن لا يجوز العمل بقوله! فبان أن المعول في هذا على المصلحة التى نستفيدها على طريق الجملة من دليل الشرع.
قال: وأبو بكر في حكم المدعى لنفسه والجار إليها بخلاف ما ظنه صاحب الكتاب وكذلك من شهد له إن كانت هناك شهادة(3) وذلك أن أبا بكر وسائر المسلمين سوى أهل بيت الرسول (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) يحل لهم الصدقة ويجوز أن يصيبوا فيها وهذه تهمة في الحكم والشهادة.
قال: وليس له أن يقول: فهذا يقتضى ألا يقبل شهادة شاهدين في تركة فيها صدقة لمثل ما ذكرتم.
---
(1) ا، د:(يصرف).
(2) الشافي:(استند).
(3) بعدها في الشافي:(قد وجدت).
---

[248]
قال: وذلك لان الشاهدين إذا شهدا في الصدقة(1) فحظهما منها كحظ صاحب الميراث بل سائر المسلمين وليس كذلك حال تركة الرسول لان كونها صدقة يحرمها على ورثته ويبيحها لسائر المسلمين(2).
: قلت هذا فرق غير مؤثر اللهم إلا أن يعنى به تهمة أبى بكر والشهود الستة في جر النفع إلى أنفسهم يكون أكثر من تهمتهم لو شهدوا على أبى هريرة مثلا أن ما تركه صدقة لان أهل أبى هريره يشاركون في القسمة وأهل النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) لا يشاركون الشهود فيما يصيبهم إذ هم لا تحل لهم الصدقة فتكون حصة أبى بكر والشهود مما تركه رسول الله أكثر من حصتهم مما يتركه أبو هريرة فيكون تطرق التهمة إلى أبى بكر والشهود أكثر حسب زيادة حصتهم وما وقفت للمرتضى على شئ أطرف من هذا لان رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) مات والمسلمون أكثر من خمسين ألف إنسان لانه قاد في غزاة تبوك عشرين ألفا ثم وفدت إليه الوفود كلها بعد ذلك فليت شعرى كم مقدار ما يتوفر على أبى بكر وستة نفر معه وهم من جملة خمسين ألفا بين ما إذا كان بنو هاشم وبنو المطلب - وهم حينئذ عشرة نفر - لا يأخذون حصة وبين ما إذا كانوا يأخذون أترى أيكون المتوفر على أبى بكر وشهوده من التركة عشر عشر درهم! ما أظن أنه يبلغ ذلك.
وكم مقدار ما يقلل حصص الشهود على أبى هريرة إذا شركهم أهله في التركة لتكون هذه القلة موجبة رفع التهمة وتلك الزيادة والكثرة موجبة حصول التهمه! وهذا الكلام لاأرتضيه للمرتضى.
* * *
قال المرتضى رضى الله عنه: وأما قوله: يخص القرآن بالخبر(3) كما خصصناه في العبد والقاتل فليس بشئ لانا إنما خصصنا من ذكر بدليل مقطوع عليه معلوم وليس هذا موجودا في الخبر الذى ادعاه.
فأما قوله: وليس ذلك ينقص الانبياء بل هو إجلال لهم
---
(1) كذا في ا، د والشافي، وفى ب:(بالصدقة).
(2) الشافي 230.
(3) الشافي:(بذلك).
---

[249]
فمن الذى قال له: إن فيه(1) نقصا! وكما أنه لا نقص فيه فلا إجلال فيه ولا فضيلة لان الداعي وإن كان قد يقوى على جمع المال ليخلف على الورثة فقد يقويه أيضا إرادة صرفه في وجوه الخير والبر وكلا الامرين يكون داعيا إلى تحصيل المال بل الداعي الذى ذكرناه أقوى فيما يتعلق بالدين.
قال: وأما قوله: إن فاطمة لما سمعت ذلك كفت عن الطلب فأصابت أولا وأصابت ثانيا فلعمري إنها كفت عن المنازعة والمشاحة لكنها انصرفت مغضبة متظلمة متألمة والامر في غضبها وسخطها أظهر من أن يخفى على منصف فقد روى أكثر الرواة الذين لا يتهمون بتشيع ولا عصبية فيه من كلامها في تلك الحال وبعد انصرافها عن مقام المنازعة والمطالبة ما يدل على ما ذكرناه من سخطها وغضبها.
أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزبانى قال: حدثنى محمد بن أحمد الكاتب قال: حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي قال: حدثنى الزيادي قال: حدثنا الشرقي بن القطامى عن محمد بن إسحاق قال: حدثنا صالح بن كيسان عن عروة عن عائشة قالت: لما بلغ فاطمة إجماع أبى بكر على منعها فدك لاثت خمارها على رأسها وأشتملت بجلبابها وأقبلت في لمة(2) من حفدتها..
قال المرتضى: وأخبرنا المرزبانى قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد المكى قال: حدثنا أبو العيناء بن القاسم اليماني قال: حدثنا أبن عائشة قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبلت فاطمة إلى أبى بكر في لمة من حفدتها.
ثم اجتمعت الروايتان من هاهنا(3)..
ونساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله
---
(1) د.
والشافي:(إنه نقص).
(2) اللمة، بالضم والتشديد: الرفقة والجماعة.
(3) الشافي:(أتفقا من ها هنا).
---

[250]
حتى دخلت على أبى بكر وهو في حشد من المهاجرين والانصار وغيرهم فنيطت(1) دونها ملاءة ثم أنت أنه أجهش لها القوم بالبكاء وارتج المجلس ثم أمهلت هنيهة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم افتتحت كلامها بالحمد لله عز وجل والثناء عليه والصلاة على رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ثم قالت:(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم(2)) فإن تعزوه تجدوه أبى دون آبائكم وأخا أبن عمى دون رجالكم فبلغ الرساله صادعا بالنذارة(3) مائلا عن سنن المشركين ضاربا ثبجهم يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة آخذا باكظام(4) المشركين يهشم الاصنام ويفلق الهام حتى انهزم الجمع وولوا الدبرو حتى تفرى(5) الليل عن صبحه وأسفر الحق عن محضه ونطق زعيم الدين وخرست شقائق الشياطين وتمت كلمة الاخلاص وكنتم على شفا حفرة من النار نهزة الطامع ومذقة الشارب وقبسة العجلان وموطأ الاقدام تشربون الطرق(6) وتقتاتون القد.
أذلة خاسئين يختطفكم الناس من حولكم حتى أنقذكم الله برسوله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) بعد اللتيا والتى وبعد أن منى بهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب و(كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله(7)) أو نجم قرن الشيطان أو فغرت فاغره(8) قذف أخاه في لهواتها.
ولا ينكفى(9) حتى يطأ صماخها بإخمصه ويطفئ عادية لهبها بسيفه - أو قالت: يخمد لهبها بحده - مكدودا في ذات الله وأنتم في رفاهية فكهون آمنون وادعون.
---
(1) نيطت: أي وصلت وعلقت.
(2) سورة التوبة 128.
(3) د:(صادرا بالتذكرة).
(4) الاكظام: جمع كظم، بالتحريك، وهو مخرج النفس من الحلق.
(5) تفرى: أنشق.
(6) الطرق: الماء الذى بالت الابل فيه(7) سورة المائدة 64.
(8) فغرت فاغرة: أي فتحت فاها.
(9) د:(فلا تكفى).
---

[251]
إلى هنا انتهى خبر أبى العيناء عن ابن عائشة.
وأما عروة عن عائشة فزاد بعد هذا: حتى إذا أختار الله لنبيه دار أنبيائه ظهرت حسيكة النفاق وشمل جلباب الدين ونطق كاظم الغاوين ونبغ خامل الافكين وهدر فنيق المبطلين فخطر في عرصاتكم وأطلع الشيطان رأسه صارخا بكم فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين ولقربه متلاحظين.
ثم استنهضكم فوجدكم خفافا وأحمشكم فألفاكم غضابا فوسمتم غير إبلكم ووردتم غير شربكم هذا والعهد قريب والكلم رحيب(1) والجرح لما يندمل إنما زعمتم ذلك خوف الفتنه(ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين)(2) فهيهات! وأنى بكم وأنى تؤفكون وكتاب الله بين أظهركم زواجره بينة وشواهده لائحة وأوامره واضحة.
أرغبة عنه تريدون أم لغيره تحكمون.
بئس للظالمين بدلا! ومن يتبع غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين.
ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها تسرون حسوا في ارتغاء ونحن نصبر منكم على مثل حزالمدى وأنتم الان تزعمون أن لا أرث لنا(أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون(3)).
يابن أبى قحافة أترث أباك ولا أرث أبى لقد جئت شيئا فريا! فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم الله والزعيم محمد والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون! ثم انكفأت إلى قبر أبيها عليه السلام فقالت: قد كان بعدك أنباء وهنبثه لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إذا فقدناك فقد الارض وابلها واختل قومك فاشهدهم ولا تغب.
وروى حرمى بن أبى العلاء مع هذين البيتين بيتا ثالثا: فليت بعدك كان الموت صادفنا لما قضيت وحالت دونك الكتب
---
(1) رحب: أي واسع.
(2) سورة التوبة 49.
(3) سورة المائدة 50.
---

[252]
قال: فحمد أبو بكر الله وأثنى عليه وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم وقال يا خير(1) النساء وابنه خير الاباء(2) والله ما عدوت رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عملت الا بإذنه وإن الرائد لا يكذب أهله وإنى أشهد الله وكفى بالله شهيدا أنى سمعت رسول الله يقول(إنا معاشر الانبياء لا نورث ذهبا ولا فضه ولا دارا ولا عقارا وإنما نورث الكتاب والحكمه والعلم والنبوة).
قال: فلما وصل الامر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام كلم في رد فدك فقال: إنى لاستحيى من الله أن أرد شيئا منع منه أبو بكر وأمضاه عمر(3).
* * *
قال المرتضى: وأخبرنا أبو عبد الله المرزبانى: قال: حدثنى على بن هارون قال: أخبرني عبيد الله بن أحمد بن أبى طاهر عن أبيه قال: ذكرت لابي الحسين زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب عليه السلام كلام فاطمة عليه السلام عند منع أبى بكر إياها فدك وقلت له: إن هؤلاء يزعمون أنه مصنوع وأنه من كلام أبى العيناء لان الكلام منسوق البلاغه فقال لى: رأيت مشايخ آل أبى طالب يروونه عن آبائهم ويعلمونه أولادهم وقد حدثنى به أبى عن(4 جدى يبلغ به فاطمة عليه السلام 4) على هذه الحكاية وقد رواه مشايخ الشيعة وتدارسوه قبل أن يوجد جد أبى العيناء وقد حدث الحسين بن علوان عن عطية العوفى أنه سمع عبد الله بن الحسن بن الحسن يذكر(5) عن أبيه هذا الكلام.
ثم قال أبو الحسن زيد: وكيف(6) تنكرون هذا من كلام فاطمة عليه السلام وهم
---
(1) ا، د:(ياخيرة).
(2) الشافي:(الانبياء).
(3) الشافي 230.
(4 - 4) ساقط من د.
(5) الشافي، د:(ذكر).
(6) د:(كيف).
---

[253]
يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة عليه السلام ويحققونه لو لا عداوتهم لنا أهل البيت.
ثم ذكر الحديث بطوله على نسقه وزاد في الابيات بعد البيتين الاولين: ضاقت على بلادي بعد ما رحبت وسم سبطاك خسفا فيه لى نصب فليت قبلك كان الموت صادفنا قوم تمنوا فأعطوا كل ما طلبوا تجهمتنا رجال واستخف بنا مذ غبت عنا وكل الارث قد غصبوا.
قال: فما رأينا يوما أكثر باكيا أو باكية من ذلك اليوم.
قال المرتضى: وقد روى هذا الكلام على هذا الوجه من طرق مختلفة ووجوه كثيرة فمن أرادها أخذها من مواضعها فكيف يدعى أنها عليه السلام كفت راضية وأمسكت قانعة لولا البهت وقلة الحياء(1)! قلت: ليس في هذا الخبر ما يدل على فساد ما ادعاه قاضى القضاة لانه أدعى أنها نازعت وخاصمت ثم كفت لما سمعت الرواية وانصرفت تاركه للنزاع راضيه بموجب الخبر المروى.
وما ذكره المرتضى من هذا الكلام لا يدل إلا على سخطها حال حضورها ولا يدل على أنها بعد رواية الخبر وبعد أن أقسم لها أبو بكر بالله تعالى أنه ما روى عن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) إلا ما سمعه منه، انصرفت ساخطة ولا في الحديث المذكور والكلام المروى ما يدل على ذلك ولست أعتقد أنها انصرفت راضيه كما قال قاضى القضاه بل أعلم أنها أنصرفت ساخطة وماتت وهى على أبى بكر واجدة ولكن لا من هذا الخبر بل من أخبار أخر كان الاولى بالمرتضى أن يحتج بها على
---
(1) الشافي 231.
---

[254]
ما يرويه في انصرافها ساخطة وموتها على ذلك السخط وأما هذا الخبر وهذا الكلام فلا يدل على هذا المطلوب.
قال المرتضى رحمه الله: فأما قوله: إنه يجوز أن يبين (ع) أنه لا حق لميراثه في ورثته لغير الورثة ولا يمتنع أن يرد من جهه الاحاد لانه من باب العمل وكل(1) هذا بناء منه على أصوله الفاسدة في أن خبر الواحد حجة في الشرع وأن العمل به واجب ودون صحة ذلك خرط القتاد.
وإنما يجوز أن يبين من جهة أخرى(2) إذا تساويا في الحجة ووقوع العمل فأما مع تباينهما فلا يجوز التخيير فيهما وإذا كان ورثة النبي صلى الله عليه وسلم متعبدين بألا يرثوه فلا بد من إزاحه علتهم في هذه العبادة بأن يوقفهم على الحكم ويشافههم به ويلقيه إلى من يقيم الحجة عليهم بنقله وكل ذلك لم يكن.
فأما قوله: أتجوزون صدقه في الرواية أم لا تجوزون ذلك؟ فالجواب إنا لا نجوزه لان كتاب الله أصدق منه وهو يدفع روايته ويبطلها.
فأما اعتراضه على قولنا: إن إطلاق الميراث لا يكون إلا في الاموال بقوله تعالى:(ثم أورثنا الكتاب الذين أصطفينا من عبادنا)(3) وقولهم: ما ورثت الابناء من الاباء شيئا أفضل من أدب حسن وقولهم: العلماء ورثة الانبياء فعجيب لان كل ما ذكر مقيد غير مطلق وإنما قلنا أن مطلق لفظ الميراث من غير قرينة ولا تقييد يفيد بظاهره ميراث الاموال فبعد ما ذكره وعارض به لا يخفى على متأمل.
فأما استدلاله على أن سليمان ورث داود علمه دون ماله بقوله:(يأيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين)(4) وأن المراد أنه
---
(1) الشافي:(فكل).
(2) الشافي:(من جهة دون جهة).
(3) سورة فاطر 32.
(4) سورة النمل 16.
---

[255]
ورث العلم والفضل وإلا لم يكن لهذا القول تعلق بالاول فليس بشئ يعول عليه لانه لا يمتنع أن يريد به أنه ورث المال بالظاهر والعلم بهذا المعنى من الاستدلال فليس يجب إذا دلت الدلالة في بعض الالفاظ على معنى المجاز أن يقتصر(1) بها عليه بل يجب أن يحملها على الحقيقة التى هي الاصل إذا لم يمنع من ذلك مانع على أنه لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصة ثم يقول مع ذلك:(إنا علمنا منطق الطير) ويشير(الفضل المبين) إلى العلم والمال جميعا فله بالامرين جميعا فضل على من لم يكن عليهما وقوله:(وأوتينا من كل شئ) يحتمل المال كما يحتمل العلم فليس بخالص ما ظنه.
فأما قوله في قصة زكريا: إنه خاف على العلم أن يندرس لان الانبياء وإن كانوا لا يحرصون على الاموال وأنما خاف أن يضيع العلم فسأل الله تعالى وليا يقوم بالدين مقامه فقد بينا أن الانبياء وإن كانوا لا يحرصون على الاموال ولا يبخلون بها فإنهم يجتهدون في منع المفسدين من الانتفاع بها على الفساد ولا يعد ذلك بخلا ولا حرصا(2) بل فضلا ودينا وليس يجوز من زكريا أن يخاف على العلم الاندراس والضياع لانه يعلم أن حكمة الله تعالى تقتضي حفظ العلم الذى هو الحجة على العباد وبه تنزاح عللهم في مصالحهم فكيف يخاف مالا يخاف من مثله! فإن قيل: فهبوا أن الامر كما ذكرتم من أن زكريا كان يأمن على العلم أن يندرس أليس لابد أن يكون مجوزا أن(3) يحفظه الله تعالى بمن هو من أهله وأقاربه كما يجوز حفظه بغريب أجنبي! فما أنكرتم أن يكون خوفه إنما كان من بنى عمه ألا يتعلموا العلم ولا يقوموا فيه مقامه فسأل الله ولدا يجمع فيه هذه العلوم حتى لا يخرج العلم عن بيته ويتعدى الى غير قومه فيلحقه بذلك وصمة!
---
(1) ا، الشافي:(يقتصرها)(2) ب:(بخلا وحرصا).
(3) الشافي(لان).
---

[256]
قلنا: أما إذا رتب السؤال هذا الترتيب فالجواب عنه ما أجبنا به صاحب الكتاب وهو أن الخوف الذى أشاروا إليه ليس من ضرر دينى وإنما هو من ضرر دنياوى والانبياء إنما بعثوا لتحمل المضار الدنياويه ومنازلهم في الثواب إنما زادت على كل المنازل لهذا الوجه ومن كانت حاله هذه الحال فالظاهر من خوفه إذا لم يعلم وجهه بعينه أن يكون محمولا على مضار الدين لانها هي جهة خوفهم والغرض في بعثهم تحمل ما سواها من المضار فإذا قال النبي صلى الله عليه:(أنا خائف) فلم يعلم جهة خوفه على التفصيل يجب أن يصرف خوفه بالظاهر إلى مضار الدين دون الدنيا لان أحوالهم وبعثهم(1) يقتضى ذلك فإذا كنا لو اعتدنا من بعضنا الزهد في الدنيا وأسبابها والتعفف عن منافعها والرغبة في الاخرة والتفرد(2) بالعمل لها لكنا نحمل على ما يظهر لنا من خوفه الذى لا يعلم وجهه بعينه على ما هو أشبه واليق بحاله ونضيفه إلى الاخرة دون الدنيا وإذا كان هذا واجبا فيمن ذكرناه فهو في الانبياء عليه السلام أوجب(3).
* * *
قلت: ينبغى ألا يقول المعترض: فيلحقه بذلك وصمة فيجعل الخوف من هذه الوصمة بل يقول: إنه خاف ألا يفلح بنو عمه ولا يتعلموا العلم لما رأى من الامارات الداله على ذلك فالخوف على هذا الترتيب يتعلق بأمر دينى لا دنيوى فسأل الله تعالى أن يرزقه ولدا يرث عنه علمه أي يكون عالما بالدينيات كما أنا عالم بها وهذا السؤال متعلق بأمر دينى لا دنيوى.
وعلى هذا يندفع ما ذكره المرتضى على أنه لا يجوز إطلاق القول بأن الانبياء بعثوا لتحمل المضار الدنياوية ولا القول: الغرض في بعثتهم تحمل ما سوى المضار الدينية من المضار فإنهم ما بعثوا لذلك ولا الغرض في بعثتهم ذلك وإنما بعثوا لامر آخر.
وقد تحصل المضار في أداء الشرع ضمنا وتبعا لا على أنها الغرض ولا داخلة
---
(1) الشافي:(بعثهم)(2) د:(والتعود)(3) الشافي 232.
---

[257]
في الغرض وعلى أن قول المرتضى: لا يجوز أن يخاف زكريا من تبديل الدين وتغييره لانه محفوظ من الله فكيف يخاف ما لا يخاف من مثله غير مستمر على أصوله! لان المكلفين الان قد حرموا بغيبة الامام عنده ألطافا كثيرة الوصله بالشرعيات كالحدود وصلاة الجمعة والاعياد وهو وأصحابه يقولون في ذلك إن اللوم على المكلفين.
لانهم قد حرموا أنفسهم اللطف فهلا جاز أن يخاف زكريا من تبديل الدين وتغييره وإفساد الاحكام الشرعية! لانه إنما يجب على الله تعالى التبليغ بالرسول إلى المكلفين فإذا أفسدوا هم الاديان وبدلوها لم يجب عليه أن يحفظها عليهم لانهم هم الذين حرموا أنفسهم اللطف.
واعلم أنه قد قرئ:(وإنى خفت الموالى من ورائي)(1) وقيل: إنها قراءة زين العابدين وأبنه محمد بن على الباقر عليه السلام وعثمان بن عفان وفسروه على وجهين: أحدهما أن يكون(ورائي) بمعنى خلفي وبعدي أي قلت الموالى وعجزوا عن إقامة الدين تقول: قد خف بنو فلان أي قل عددهم فسأل زكريا ربه تقويتهم ومظاهرتهم بولي يرزقه.
وثانيهما أن يكون(ورائي) بمعنى قدامى أي خف الموالى وأنا حى ودرجوا وانقرضوا ولم يبق منهم من به اعتضاد.
وعلى هذه القراءة لا يبقى متعلق بلفظة الخوف.
وقد فسر قوم قوله:(وإنى خفت الموالى) أي خفت الذين يلون الامر من بعدى لان الموالى يستعمل في الوالى وجمعه موال أي خفت أن يلى بعد موتى أمراء ورؤساء يفسدون شيئا من الدين فارزقني ولدا تنعم عليه بالنبوة والعلم كما أنعمت
---
(1) انظر الجامع لاحكام القرأن 11: 77.
(17 - نهج - 16)---

[258]
على واجعل الدين محفوظا(به)(1).
وهذا التأويل غير منكر وفيه أيضا دفع لكلام المرتضى.
* * *
قال المرتضى: وأما تعلق صاحب الكتاب في أن الميراث محمول على العلم بقوله:(ويرث من آل يعقوب) لانه لا يرث أموال آل يعقوب في الحقيقة وأنما يرث ذلك غيره فبعيد من الصواب.
لان ولد زكريا يرث بالقرابة من آل يعقوب أموالهم على أنه لم يقل:(يرث آل يعقوب) بل قال:(يرث من آل يعقوب) تنبيها(2) بذلك على أنه يرث من كان أحق بميراثه في القرابة(4).
فأما طعنه على من تأول الخبر بأنه عليه السلام لا يورث ما تركه للصدقه بقوله: إن أحدا من الصحابة لم يتاوله على هذا الوجه فهذا التأويل الذى ذكرناه أحد ما قاله أصحابنا في هذا الخبر فمن أين له إجماع الصحابة على خلافه! وإن أحدا لم يتأوله على هذا الوجه.
فإن قال: لو كان ذلك لظهر واشتهر ولوقف أبو بكر عليه فقد مضى من الكلام فيما يمنع من الموافقة على هذا المعنى ما فيه كفايه.
* * *
قلت: لم يكن ذلك اليوم - أعنى يوم حضور فاطمة عليه السلام وقولها لابي بكر ما قالت - يوم تقية وخوف وكيف يكون يوم تقيه وهى تقول له - وهو الخليفة: يابن أبى قحافة أترث أباك ولا أرث أبى! وتقول له أيضا: لقد جئت شيئا فريا! فكان ينبغى إذا لم يؤثر أمير المؤمنين عليه السلام أن يفسر لابي بكر معنى الخبر أن يعلم فاطمة عليه السلام
---
(1) تكملة من د.
(2) د:(منها).
(3) ا، د:(يورث).
(4) الشافي 232.
---

[259]
تفسيره فتقول لابي بكر: أنت غالط فيما ظننت إنما قال أبى: ما تركناه صدقة فإنه لا يورث.
واعلم أن هذا التأويل كاد يكون مدفوعا بالضرورة لان من نظر في الاحاديث التى ذكرناها وما جرت عليه الحال يعلم بطلانه علما قطعيا.
* * *
قال المرتضى: وقوله إنه لا يكون إذ ذلك تخصيص للانبياء ولا مزية: ليس بصحيح وقد قيل في الجواب عن هذا أن النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) يجوز أن يريد أن ما ننوى فيه الصدقة ونفرده لها من غير أن نخرجه عن أيدينا لا تناله ورثتنا.
وهذا تخصيص للانبياء ومزيه ظاهرة(1).
قلت: هذه مخالفة لظاهر الكلام إاحاله اللفظ(2) عن وضعه وبين قوله: ما ننوى فيه الصدقة وهو بعد في ملكنا ليس بموروث.
وقوله: ما نخلفه صدقة ليس بموروث فرق عظيم فلا يجوز أن يراد أحد المعنيين باللفظ المفيد للمعنى الاخر لانه إلباس وتعمية.
وأيضا فإن العلماء ذكروا خصائص الرسول في الشرعيات عن أمته وعددوها نحو حل الزيادة في النكاح على أربع ونحو النكاح بلفظ الهبة على قول فرقة من المسلمين ونحو تحريم أكل البصل والثوم عليه وإباحه شرب دمه وغير ذلك ولم يذكروا في خصائصه أنه إذا كان قد نوى أن يتصدق بشئ فإنه لا يناله ورثته لو قدرنا أنه يورث الاموال ولا الشيعة قبل المرتضى ذكرت ذلك ولا رأينا في كتاب من كتبهم وهو مسبوق بإجماع طائفته عليه وإجماعهم عندهم حجة.
* * *
قال المرتضى: فأما قوله: إن قوله عليه السلام: ما تركناه صدقة جملة من الكلام
---
(1) الشافي 232(2) ا، د:(اللفظ).
---

[260]
مستقلة بنفسها فصحيح إذا كانت لفظة(ما) مرفوعة على الابتداء ولم تكن منصوبة بوقوع الفعل عليها وكانت لفظة(صدقة) أيضا مرفوعة غير منصوبة وفى هذا وقع النزاع فكيف يدعى أنها جملة مستقلة بنفسها! وأقوى ما يمكن أن نذكره أن نقول: الرواية جاءت بلفظ(صدقة) بالرفع وعلى ما تأولتموه لا تكون إلا منصوبة والجواب عن ذلك أنا لا نسلم الرواية بالرفع ولم تجر عادة الرواة بضبط ما جرى هذا المجرى من الاعراب والاشتباه يقع في مثله فمن حقق منهم وصرح بالرواية بالرفع يجوز أن يكون أشتبه عليه فظنها مرفوعة وهى منصوبه(1).
قلت: وهذا أيضا خلاف الظاهر وفتح الباب فيه يؤدى إلى إفساد الاحتجاج بكثير من الاخبار.
* * *
قال: وأما حكايته عن أبى على أن أبا بكر لم يدفع إلى أمير المؤمنين عليه السلام السيف والبغله والعمامة على جهة الارث.
وقوله: كيف يجوز ذلك مع الخبر الذي رواه! وكيف خصصه بذلك دون العم الذى هو العصبة! فما نراه زاد على التعجب ومما عجب منه عجبنا ولم يثبت عصمة أبى بكر فينتفى عن أفعاله التناقض(2) قلت: لا يشك أحد في أن أبا بكر كان عاقلا وإن شك قوم في ذلك فالعاقل في يوم واحد لا يدفع فاطمة عليه السلام عن الارث ويقول: إن أباك قال لى: إننى لا أورث ثم يورث في ذلك اليوم شخصا آخر من مال ذلك المتوفى الذى حكى عنه أنه لا يورث وليس أنتفاء هذا التناقض عن أفعاله موقوفا على العصمة بل على العقل.
---
(1) الشافي 232.
(2) الشافي 232.
---

[261]
قال المرتضى: وقوله يجوز أن يكون النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) نحله إياه وتركه أبو بكر في يده - لما في ذلك من تقويه الدين - وتصدق ببدله.
وكل ما ذكره جائز إلا أنه قد كان يجب أن يظهر أسباب النحلة والشهادة بها والحجة عليها ولم يظهر من ذلك شئ فنعرفه ومن العجائب أن تدعى فاطمة فدك نحلة وتستشهد على قولها أمير المؤمنين عليه السلام وغيره فلا يصغى إلى قولها ويترك السيف والبغله والعمامه في يد أمير المؤمنين على سبيل النحلة بغير بينة ظهرت ولا شهادة قامت(1).
قلت: لعل أبا بكر سمع الرسول (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) وهو ينحل ذلك عليا عليه السلام فلذلك لم يحتج إلى البينة والشهادة فقد روى أنه أعطاه خاتمه وسيفه في مرضه وأبو بكر حاضر وأما البغلة فقد كان نحله إياها في حجة الوداع على ما وردت به الرواية وأما العمامة فسلب الميت وكذلك القميص والحجزة(2) والحذاء فالعادة أن يأخذ ذلك ولد الميت.
ولا ينازع فيه لانه خارج أو كالخارج عن التركة فلما غسل عليه السلام أخذت أبنته ثيابه التى مات فيها وهذه عادة الناس على أنا قد ذكرنا في الفصل الاول كيف دفع إليه آله النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) وحذاءه ودابته والظاهر أنه فعل ذلك اجتهادا لمصلحة رآها.
وللامام أن يفعل ذلك.
* * *
قال المرتضى: على أنه كان يجب على أبى بكر أن يبين ذلك ويذكر وجهه بعينه لما نازع العباس فيه فلا وقت لذكر الوجه في ذلك أولى من هذا الوقت(3).
قلت: لم ينازع العباس في أيام أبى بكر لافى البغلة والعمامة ونحوها ولا في غير
---
(1) الشافي 232، 233.
(2) حجرة الازار: معقده.
(3) الشافي ص 233.
---

[262]
ذلك وإنما نازع عليا في أيام عمر وقد ذكرنا كيفيه المنازعة وفيما ذا كانت.
* * *
قال المرتضى رضى الله عنه في البردة والقضيب: إن كان نحلة أو على الوجه الاخر يجرى مجرى ما ذكرناه في وجوب الظهور والاستشهاد ولسنا نرى أصحابنا - يعنى المعتزلة - يطالبون أنفسهم في هذه المواضع بما يطالبوننا بمثله إذا أدعينا وجوها وأسبابا وعللا مجوزة لانهم لا يقنعون منا بما يجوز ويمكن.
بل يوجبون فيما ندعيه الظهور والاستشهاد وإذا كان هذا عليهم نسوه أو تناسوه(1).
قلت: أما القضيب فهو السيف الذى نحله رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) عليا عليه السلام في مرضه وليس بذى الفقار بل هو سيف آخر وأما البردة فإنه وهبها كعب بن زهير ثم صار هذا السيف وهذه البردة إلى الخلفاء بعد تنقلات كثيرة مذكورة في كتب التواريخ.
* * *
قال المرتضى: فأما قوله: فإن أزواج النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) إنما طلبن الميراث لانهن لم يعرفن رواية أبى بكر للخبر وكذلك إنما نازع على عليه السلام بعد موت فاطمة عليه السلام في الميراث لهذا الوجه فمن أقبح ما يقال في هذا الباب وأبعده عن(3) الصواب! وكيف لا يعرف أمير المؤمنين عليه السلام رواية أبى وبكر وبها دفعت زوجته عن الميراث! وهل مثل ذلك المقام الذى قامته وما رواه أبو بكر في دفعها يخفى على من هو في أقاصى البلاد فضلا عمن هو في المدينة حاضر شاهد يراعى(2) الاخبار ويعنى بها! إن هذا لخروج في المكابرة عن الحد! وكيف يخفى على الازواج ذلك حتى يطلبنه مرة بعد أخرى ويكون عثمان الرسول لهن والمطالب عنهن وعثمان على زعمهم أحد من شهد
---
(1) الشافي ص 233.
(2) ا والشافي:(يعنى بالاخبار ويراعيها).
(3) د:(من).
---

[263]
أن النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) لا يورث.
وقد سمعن على كل حال أن بنت النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) لم تورث ماله ولا بد أن يكن قد سالن عن السبب في دفعها فذكر لهن الخبر فكيف يقال: إنهن لم يعرفنه(1)! قلت: الصحيح أن أمير المؤمنين عليه السلام لم ينازع بعد موت فاطمة في الميراث وإنما نازع في الولاية لفدك وغيرها من صدقات رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) وجرى بينه وبين العباس في ذلك ما هو مشهور وأما أزواج النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) فما ثبت أنهن نازعن في ميراثه ولا أن عثمان كان المرسل لهن والمطالب عنهن إلا في رواية شاذة والازواج لما عرفن أن فاطمة عليه السلام قد دفعت عن الميراث أمسكن ولم يكن قد نازعن وإنما اكتفين بغيرهن وحديث فدك وحضور فاطمة عند أبى بكر كان بعد عشرة أيام من وفاة رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) والصحيح أنه لم ينطق أحد بعد ذلك من الناس من ذكر أو أنثى بعد عود فاطمة عليه السلام من ذلك المجلس بكلمة واحده في الميراث.
* * *
قال المرتضى: فإن قيل: فإذا كان أبو بكر قد حكم بالخطأ في دفع فاطمة عليه السلام عن الميراث وأحتج بخبر لا حجة فيه فما بال الامة أقرته على هذا الحكم ولم تنكر عليه وفى رضاها وإمساكها دليل على صوابه(2)! قلت: قد مضى أن ترك النكير لا يكون دليل الرضا إلا في هذا الموضع الذى لا يكون له وجه سوى الرضا وذكرنا في ذلك قولا شافيا وقد أجاب أبو عثمان الجاحظ في كتاب،، العباسية،، عن هذا السؤال جوابا حسن المعنى واللفظ نحن
---
(1) الشافي ص 233.
(2) الشافي ص 233.
---

[264]
نذكره على وجهه ليقابل بينه وبين كلامه في العثمانية وغيرها(1).
قلت: ما كناه المرتضى رحمه الله في غير هذا الموضع أصلا بل كان ساخطا عليه وكناه في هذا الموضع واستجاد قوله.
لانة موافق غرضه فسبحان الله ما أشد حب الناس لعقائدهم! قال قال أبو عثمان: وقد زعم أناس أن الدليل على صدق خبرهما - يعنى أبا بكر وعمر - في منع الميراث وبراءة ساحتهما ترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم النكير عليهما.
ثم قال: قد يقال لهم: لئن كان ترك النكير دليلا على صدقهما ليكونن ترك النكير على المتظلمين والمحتجين عليهما والمطالبين لهما دليلا على صدق دعواهم أو أستحسان مقالتهم ولا سيما وقد طالت المناجاة وكثرت المراجعة والملاحاة وظهرت الشكية وأشتدت الموجدة.
وقد بلغ ذلك من فاطمة عليه السلام حتى إنها أوصت ألا يصلى عليها أبو بكر ولقد كانت قالت له حين أتته طالبه بحقها ومحتجة لرهطها: من يرثك يا أبا بكر إذا مت؟ قال: أهلى وولدى.
قالت: فما بالنا لا نرث النبي صلى الله عليه وآله! فلما منعها ميراثها وبخسها حقها وأعتل عليها وجلح(2) في أمرها وعاينت التهضم(3) وأيست من التورع ووجدت نشوة الضعف وقلة الناصر قالت: والله لادعون الله عليك قال: والله لادعون الله لك قالت: والله لا أكلمك أبدا قال: والله لا أهجرك أبدا.
فإن يكن ترك النكير على أبى بكر دليلا على صواب منعها.
إن في ترك النكير على فاطمة عليه السلام دليلا على صواب طلبها! وأدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت وتذكيرها ما نسيت وصرفها عن الخطأ ورفع قدرها عن البذاء(4) وأن تقول هجرا(5) أو تجور عادلا أو تقطع واصلا.
فإذا لم تجدهم أنكروا على الخصمين جميعا فقد تكافأت
---
(1) الشافي 233.
(2) جلح في أمرها: جاهر به وكاشفها.
(3) التهضم: الظلم، وفى ا:(الهضم).
(4) البذاء: الفحش.
(5) الهجر: القبح من الكلام.
---

[265]
الامور واستوت الاسباب والرجوع إلى أصل حكم الله من المواريث أولى بنا وبكم وأوجب علينا وعليكم.
قال: فإن قالوا: كيف تظن به ظلمها والتعدى عليها! وكلما ازدادت عليه غلظة أزداد لها لينا ورقة حيث تقول له: والله لا أكلمك أبدا فيقول: والله لا أهجرك أبدا ثم تقول: والله لادعون الله عليك فيقول: والله لادعون الله لك ثم يحتمل منها هذا الكلام الغليظ والقول الشديد في دار الخلافة وبحضرة قريش والصحابة مع حاجة الخلافة الى البهاء والتنزيه وما يجب لها من الرفعة والهيبة! ثم لم يمنعه ذلك أن قال معتذرا متقربا كلام المعظم لحقها المكبر لمقامها والصائن لوجهها المتحنن عليها: ما أحد أعز على منك فقرا ولا أحب إلى منك غنى ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إنا معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة)! قيل لهم: ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم والسلامة من الجور وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر إذا كان أريبا وللخصومة معتادا أن يظهر كلام المظلوم وذلة المنتصف(1) وحدب(2) الوامق ومقة(3) المحق.
وكيف جعلتم ترك النكير حجة قاطعة ودلالة واضحة وقد زعمتم أن عمر قال على منبره: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: متعه النساء ومتعه الحج أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما فما وجدتم أحدا أنكر قوله ولا استشنع مخرج نهيه ولا خطأه في معناه ولا تعجب منه ولا استفهمه! وكيف تقضون بترك النكير وقد شهد عمر يوم السقيفة وبعد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(الائمة من قريش).
ثم قال في شكاته: لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه شك حين(4) أظهر الشك في استحقاق كل واحد من الستة الذين(1) المنتصف: المستوفى حقه.
(2) وحدب الوامق.
أي وأنثناء الناظر.
(3) المقة: التودد والحب.
(4) الشافي:(حتى).
---

[266]
جعلهم شورى وسالم عبد لامرأة من الانصار وهى أعتقته وحازت ميراثه ثم لم ينكر ذلك من قوله منكر ولا قابل إنسان بين قوله ولا تعجب منه وإنما يكون ترك النكير على من لا رغبة ولا رهبة عنده دليلا على صدق قوله وصواب عمله فأما ترك النكير على من يملك الضعة والرفعة والامر والنهى والقتل والاستحياء والحبس والاطلاق فليس بحجة تشفى ولا دلالد تضئ.
قال: وقال آخرون: بل الدليل على صدق قولهما وصواب عملهما إمساك الصحابة عن خلعهما والخروج عليهما وهم الذين وثبوا على عثمان في أيسر من جحد التنزيل ورد النصوص(1) ولو كان كما تقولون وما تصفون ما كان سبيل الامة فيهما إلا كسبيلهم فيه وعثمان كان أعز نفرا وأشرف رهطا وأكثر عددا وثروة وأقوى عدة.
قلنا: إنهما لم يجحدا التنزيل ولم ينكرا النصوص ولكنهما بعد إقرارهما بحكم الميراث وما عليه الظاهر من الشريعة أدعيا رواية وتحدثا بحديث لم يكن محالا كونه ولا ممتنعا في حجج العقول مجيئه وشهد لهما عليه من علته مثل علتهما فيه.
ولعل بعضهم كان يرى تصديق الرجل إذا كان عدلا في رهطه مأمونا في ظاهره ولم يكن قبل ذلك عرفه بفجرة(2) ولا جرت عليه غدرة فيكون تصديقه له على جهه حسن الظن وتعديل الشاهد.
ولانه لم يكن كثير منهم يعرف حقائق الحجج والذى يقطع بشهادته على الغيب وكان ذلك شبهة على أكثرهم فلذلك قل النكير وتواكل الناس فاشتبه الامر فصار لا يتخلص إلى معرفة حق ذلك من باطله إلا العالم المتقدم أو المؤيد المرشد ولانه لم يكن لعثمان في صدور العوام وقلوب السفله والطغام ما كان لهما من المحبة والهيبة ولانهما كانا أقل استئثارا بالفئ وتفضلا بمال الله منه ومن شأن الناس إهمال السلطان ما وفر عليهم أموالهم ولم يستأثر بخراجهم ولم يعطل ثغورهم.
ولان الذى صنع أبو بكر(1) د:(المصوص).
(2) الفجاة: الانبعاث في المعاصي والفجور.
---

[267]
من منع العترة حقها والعمومة ميراثها قد كان موافقا لجلة قريش وكبراء العرب ولان عثمان أيضا كان مضعوفا في نفسه مستخفا بقدره لا يمنع ضيما ولا يقمع عدوا.
ولقد وثب ناس على عثمان بالشتم والقذف والتشنيع والنكير لامور لو أتى أضعافها وبلغ أقصاها لما أجترءوا على أغتيابه فضلا على مبادأته والاغراء به ومواجهته كما أغلظ عيينة بن حصن له فقال له: أما إنه لو كان عمر لقمعك ومنعك فقال.
عيينة: إن عمر كان خيرا لى منك أرهبني فاتقاني.
ثم قال: والعجب أنا وجدنا جميع من خالفنا في الميراث على اختلافهم في التشبيه والقدر والوعيد يرد كل صنف منهم من أحاديث مخالفيه وخصومه ما هو أقرب أسنادا وأصح رجالا وأحسن اتصالا.
حتى إذا صاروا إلى القول في ميراث النبي صلى الله عليه وسلم نسخوا الكتاب وخصوا الخبر العام بما لا يدانى بعض ما ردوه وأكذبوا قائليه وذلك أن كل إنسان منهم إنما يجرى إلى هواه ويصدق ما وافق رضاه.
هذا آخر كلام الجاحظ(1).
* * *
ثم قال المرتضى رضى الله عنه: فإن قيل ليس ما عارض به الجاحظ من الاستدلال بترك النكير وقوله: كما لم ينكروا على أبى بكر فلم ينكروا أيضا على فاطمة (ع) ولا على غيرها من الطالبين بالارث كالازواج وغيرهن معارضة صحيحة وذلك أن نكير أبى بكر لذلك ودفعها والاحتجاج عليها ويكفيهم ويغنيهم عن تكلف نكير آخر ولم ينكر على أبى بكر ما رواه منكر فيستغنوا بانكاره(2).
قلنا: أول ما يبطل هذا السؤال أن أبا بكر لم ينكر عليها ما أقامت عليه بعد
---
(1) نقلة في الشافي 233، 234.
---

[268]
أحتجاجها من التظلم والتألم والتعنيف والتبكيت وقولها على ما روى: والله لادعون الله عليك ولا أكلمك أبدا وما جرى هذا المجرى فقد كان يجب أن ينكره غيره ومن المنكر الغضب على المنصف وبعد فإن كان إنكار أبى بكر مقنعا ومغنيا عن إنكار غيره من المسلمين فإنكار فاطمة حكمه ومقامها على التظلم منه.
مغن عن نكير غيرها وهذا واضح(1).
* * *
الفصل الثالث في أن فدك هل صح كونها نحلة رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) لفاطمة عليه السلام أم لا؟ نذكر في هذا الفصل ما حكاه المرتضى عن قاضى القضاة في،، المغى،، وما أعترض به عليه ثم نذكر ما عندنا في ذلك.
قال المرتضى حاكيا عن قاضى القضاة: ومما عظمت الشيعة القول في أمر فدك قالوا: وقد روى أبو سعيد الخدرى أنه لما أنزلت:(وآت ذا القربى حقه)(2) أعطى رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) فاطمة عليه السلام فدك ثم فعل عمر بن عبد العزيز مثل ذلك فردها على ولدها.
قالوا: ولا شك أن أبا بكر أغضبها.
إن لم يصح كل الذى روى في هذا الباب وقد كان الاجمل أن يمنعهم التكرم مما ارتكبوا منها فضلا عن الدين ثم ذكروا أنها استشهدت أمير المؤمنين عليه السلام وأم أيمن فلم يقبل شهادتهما هذا مع تركه أزواج النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) في حجرهن ولم يجعلها صدقة وصدقهن في ذلك أن ذلك لهن ولم يصدقها.
---
(1) الشافي 234.
(2) سورة الاسراء 26.
---

[269]
قال: والجواب عن ذلك أن أكثر ما يروون في هذا الباب غير صحيح.
ولسنا ننكر صحة ما روى من ادعائها فدك فأما أنها كانت في يدها فغير مسلم بل إن كانت في يدها لكان الظاهر أنها لها فإذا كانت في جملة التركة فالظاهر أنها ميراث وإذا كان كذلك فغير جائز لابي بكر قبول دعواها لانه لا خلاف في أن العمل على الدعوى لا يجوز وإنما يعمل على مثل ذلك إذا علمت صحته بمشاهدة أو ما جرى مجراها أو حصلت بينة أو أقرار ثم إن البينة لا بد منها وإن أمير المؤمنين عليه السلام لما خاصمه اليهودي حاكمه وأن أم سلمة التى يطبق على فضلها لو ادعت نحلا ما قبلت دعواها.
ثم قال: ولو كان أمير المؤمنين عليه السلام هو الوالى ولم يعلم صحه هذه الدعوى ما الذى كان يجب أن يعمل؟ فإن قلتم: يقبل الدعوى فالشرع بخلاف ذلك وإن قلتم: يلتمس البينة فهو الذى فعله أبو بكر.
ثم قال: وأما قول أبى بكر رجل مع الرجل وأمرأة مع المرأة فهو الذى يوجبه الدين ولم يثبت أن الشاهد في ذلك كان أمير المؤمنين عليه السلام بل الرواية المنقولة أنه شهد لها مولى لرسوالله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) مع أم أيمن.
قال: وليس لاحد أن يقول: فلما ذا ادعت ولا بينة معها؟ لانه لا يمتنع أن تجوز أن يحكم أبو بكر بالشاهد واليمين أو تجوز عند شهادة من شهد لها أن تذكر غيره فيشهد وهذا هو الموجب على ملتمس الحق ولا عيب عليها في ذلك ولا على أبى بكر في التماس الينة وأن لم يحكم لها لما لم يتم ولم يكن لها خصم لان التركة صدقة على ما ذكرنا وكان لا يمكن أن يعول في ذلك على يمين أو نكول ولم يكن في الامر إلا ما فعله.
قال: وقد أنكر أبو على ما قاله السائل من أنها لما ردت في دعوى النحلة ادعته أرثا وقال: بل كان طلبت الارث قبل ذلك فلما سمعت منه الخبر كفت وادعت النحله(1).
---
(1) الشافي 235.
---

[270]
قال: فأما فعل عمر بن عبد العزيز فلم يثبت أنه رده على سبيل النحلة بل عمل في ذلك ما عمله عمر بن الخطاب بأن أقره في يد أمير المؤمنين عليه السلام ليصرف غلاتها في المواضع التى كان يجعلها رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) فيه فقام بذلك مدة ثم ردها إلى عمر في آخر سنته وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز ولو ثبت أنه فعل بخلاف ما فعل السلف لكان هو المحجوج بفعلهم وقولهم وأحد ما يقوى ما ذكرناه أن الامر لما انتهى إلى أمير المؤمنين عليه السلام ترك فدك على ما كان ولم يجعله ميراثا لولد فاطمة وهذا يبين أن الشاهد كان غيره لانه لو كان هو الشاهد لكان الاقرب أن يحكم بعلمه.
على أن الناس اختلفوا في الهبة إذا لم تقبض فعند بعضهم تستحق بالعقد.
وعند بعضهم أنها إذا لم تقبض يصير وجودها كعدمها فلا يمتنع من هذا الوجه أن يمتنع أمير المؤمنين عليه السلام من ردها وإن صح عنده عقد الهبة وهذا هو الظاهر لان التسليم لو كان وقع لظهر أنه كان في يدها ولكان ذلك كافيا في الاستحقاق فأما حجر أزواج النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) فانما تركت في أيديهن لانها كانت لهن ونص الكتاب يشهد بذلك وقوله:(وقرن في بيوتكن)(1) وروى في الاخبار أن النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) قسم ما كان له من الحجر على نسائه وبناته.
ويبين صحة ذلك أنه لو كان ميراثا أو صدقة لكان أمير المؤمنين عليه السلام لما أفضى الامر إليه يغيره.
قال: وليس لاحد أن يقول: إنما لم يغير ذلك لان الملك قد صار له فتبرع به وذلك أن الذى يحصل له ليس إلا ربع ميراث فاطمة عليه السلام وهو الثمن من ميراث رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) فقد كان يجب أن ينتصف لاولاد العباس وأولاد فاطمة منهن في باب الحجر ويأخذ هذا الحق منهن فتركه ذلك يدل على صحة ما قلناه وليس يمكنهم بعد ذلك إلا التعلق بالتقيه(2) وقد سبق الكلام فيها.
---
(1) سورة الاحزاب 33.
(2) التقية: الحيطة.
---

[271]
قال: ومما يذكرونه أن فاطمة عليه السلام لغضبها على أبى بكر وعمر أوصت ألا يصليها عليها وأن تدفن سرا منهما فدفنت ليلا وهذا كما ادعوا رواية رووها عن جعفر بن محمد عليه السلام وغيره أن عمر ضرب فاطمة عليه السلام بالسوط وضرب الزبير بالسيف وأن عمر قصد منزلها وفيه على عليه السلام والزبير والمقداد وجماعة ممن تخلف عن أبى بكر وهم مجتمعون هناك فقال لها: ما أحد بعد أبيك أحب الينا منك وايم الله لئن اجتمع هؤلاء النفر عندك لنحرقن عليهم! فمنعت القوم من الاجتماع.
قال: ونحن لا نصدق هذه الروايات ولا نجوزها.
وأما أمر الصلاة فقد روى أن أبا بكر هو الذى صلى على فاطمة عليه السلام وكبر عليها أربعا وهذا أحد ما استدل به كثير من الفقهاء في التكبير على الميت ولا يصح أيضا أنها دفنت ليلا وإن صح ذلك فقد دفن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ليلا ودفن عمر ابنه ليلا وقد كان أصحاب رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) يدفنون بالنهار ويدفنون بالليل فما في هذا مما يطعن به بل الاقرب في النساء أن دفنهن ليلا أستر وأولى بالسنة.
ثم حكى عن أبى على تكذيب ما روى من الضرب بالسوط قال: والمروى عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه كان يتولاهما ويأتى القبر فيسلم عليهما مع تسليمه على رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) روى ذلك عباد بن صهيب وشعبة بن الحجاج ومهدى ابن هلال والدراوردى وغيرهم وقد روى عن أبيه محمد بن على عليه السلام وعن على بن الحسين مثل ذلك فكيف يصح ما ادعوه! وهل هذه الرواية الا كروايتهم على أن على بن أبى طالب عليه السلام هو إسرافيل والحسن ميكائيل والحسين جبرائيل وفاطمة ملك الموت وآمنة أم النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ليلة القدر! فإن صدقوا ذلك أيضا قيل لهم: فعمر بن الخطاب كيف يقدر على ضرب ملك الموت! وإن قالوا: لانصدق ذلك فقد جوزوا رد هذه الروايات وصح أنه لا يجوز التعويل على هذا الخبر
---

[272]
وإنما يتعلق بذلك من غرضه الالحاد كالوراق، وأبن الراوندي لان غرضهم القدح في الاسلام.
وحكى عن أبى على انه قال: ولم صار غضبها إن ثبت كأنه غضب رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) من حيث قال:(فمن أغضبها فقد أغضبني) أولى من أن يقال: فمن أغضب أبا بكر وعمر فقد نافق وفارق الدين.
لانه روى عنه عليه السلام قال:(حب أبى بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق)! ومن يورد مثل هذا فقصده الطعن في الاسلام وأن يتوهم الناس أن أصحاب النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) نافقوا مع مشاهدة الاعلام ليضعفوا دلالة العلم في النفوس.
قال: وأما حديث الاحراق فلو صح لم يكن طعنا على عمر لان له أن يهدد من امتنع من المبايعة إرادة للخلاف على المسلمين لكنه غير ثابت.
انتهى كلام قاضى القضاه(1).
قال المرتضى: نحن نبتدئ فندل على أن فاطمة عليه السلام ما ادعت من نحل فدك إلا ما كانت مصيبة فيه وأن مانعها ومطالبها بالبينة متعنت عادل عن الصواب لانها لا تحتاج إلى شهادة وبينة ثم نعطف على ما ذكره على التفصيل فنتكلم عليه.
أما الذى يدل على ما ذكرناه فهو انها كانت معصومة من الغلط مأمونا منها فعل القبيح ومن هذه صفته لا يحتاج فيما يدعيه إلى شهادة وبينة.
فإن قيل: دللوا على الامرين قلنا: بيان الاول قوله تعالى:(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)(2) والاية تتناول جماعة منهم فاطمة
---
(1) نقلة المرتضى في الشافي 234، 235.
(2) سورة الاحزاب 33.
---

[273]
عليها السلام بما تواترت الاخبار في ذلك والارادة هاهنا دلالة على وقوع الفعل للمراد.
وأيضا فيدل على ذلك قوله عليه السلام:(فاطمة بضعة منى من آذاها فقد آذانى ومن آذانى فقد آذى الله عز وجل) وهذا يدل على عصمتها لانها لو كانت ممن تقارف الذنوب لم يكن من يؤذيها مؤذيا له على كل حال بل كان متى فعل المستحق من ذمها أو إقامة الحد عليها إن كان الفعل يقتضيه سارا له ومطيعا على أنا لا نحتاج أن ننبه هذا الموضع على الدلالة على عصمتها بل يكفى في هذا الموضع العلم بصدقها فيما ادعته وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين لان أحدا لا يشك أنها لم تدع ما ادعته كاذبة وليس بعد ألا تكون كاذبة إلا أن تكون صادقة وإنما اختلفوا في هل يجب مع العلم بصدقها تسلم ما ادعته بغير بينة أم لا يجب ذلك قال: الذى يدل على الفصل الثاني أن البينة إنما تراد ليغلب في الظن صدق المدعى ألا ترى أن العدالة معتبرة في الشهادات لما كانت مؤثره في غلبة الظن لما ذكرناه ولهذا جاز أن يحكم الحاكم بعلمه من غير شهادة لان علمه أقوى من الشهادة ولهذا كان الاقرار أقوى من البينة من حيث كان أغلب في تأثير غلبة الظن وإذا قدم الاقرار على الشهادة لقوة الظن عنده فأولى أن يقدم العلم على الجميع وإذا لم يحتج مع الاقرار الى شهادة لسقوط حكم الضعيف مع القوى لا يحتاج أيضا مع العلم الى ما يؤثر الظن من البينات والشهادات.
والذى يدل على صحة ما ذكرناه أيضا أنه لا خلاف بين أهل النقل في أن أعرابيا نازع النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) في ناقة فقال عليه السلام:(هذه لى وقد خرجت إليك من ثمنها) فقال الاعرابي من يشهد لك بذلك؟ فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد بذلك.
فقال النبي صلى الله عليه وآله:(من أين علمت وما حضرت ذلك؟) قال: لا ولكن علمت ذلك من حيث علمت أنك رسول الله فقال:(قد أجزت شهادتك وجعلتها شهادتين) فسمى ذا الشهادتين.
---

[274]
وهذه القصة شبيهة لقصة فاطمة عليه السلام لان خزيمة اكتفى في العلم بأن الناقة له (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) وشهد بذلك من حيث علم أنه رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ولا يقول إلا حقا وأمضى النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ذلك له من حيث لم يحضر الابتياع وتسليم الثمن فقد كان يجب على من علم أن فاطمة عليه السلام لا تقول إلا حقا ألا يستظهر عليها بطلب شهادة أو بينة هذا وقد روى أن أبا بكر لما شهد أمير المؤمنين عليه السلام كتب بتسليم(1) فدك إليها فأعترض عمر قضيته وخرق ما كتبه.
روى إبراهيم بن السعيد الثقفى عن ابراهيم بن ميمون قال: حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن على بن أبى طالب عليه السلام عن أبيه عن جده عن على عليه السلام قال: جاءت فاطمة عليه السلام إلى أبى بكر وقالت: إن أبى أعطاني فدك وعلى وأم أيمن يشهدان فقال: ما كنت لتقولي على أبيك إلا الحق قد أعطيتكها ودعا بصحيفة من أدم فكتب لها فيها فخرجت فلقيت عمر فقال: من أين جئت يا فاطمة؟ قالت: جئت من عند أبى بكر أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني فدك وأن عليا وأم أيمن يشهدان لى بذلك فأعطانيها وكتب لى(2) بها.
فأخذ عمر منها الكتاب ثم رجع إلى أبى بكر فقال: أعطيت فاطمة فدك وكتبت بها لها؟ قال: نعم فقال: إن عليا يجر إلى نفسه وأم أيمن أمرأة.
وبصق في الكتاب فمحاه وخرقه.
وقد روى هذا المعنى من طرق مختلفة على وجوه مختلفة فمن أراد الوقوف عليها واستقصاءها أخذها من مواضعها.
وليس لهم أن يقولوا: إنها أخبار آحاد لانها وإن كانت كذلك فأقل أحوالها أن توجب الظن وتمنع من القطع على خلاف معناها.
وليس لهم أن يقولوا: كيف يسلم إليها
---
(1) ب:(يسلم).
والصواب ما أثبته من ا، د والشافي.
(2) الشافي:(وكتبها لى).
---

[275]
فدك وهو يروى عن الرسول أن ما خلفه صدقة وذلك لانه لا تنافى بين الامرين لانه إنما سلمها على ما وردت به الرواية على سبيل النحل(1) فلما وقعت المطالبة بالميراث روى الخبر في معنى الميراث فلا أختلاف بين الامرين.
فأما إنكار صاحب الكتاب لكون فدك في يدها فما رأيناه اعتمد في إنكار ذلك على حجة بل قال: لو كان ذلك في يدها لكان الظاهر أنها لها(2).
والامر على ما قال فمن أين أنه لم يخرج عن يدها على وجه يقتضى الظاهر خلافه! وقد روى من طرق مختلفة غير طريق أبى سعيد الذى ذكره صاحب الكتاب أنه لما نزل قوله تعالى:(وآت ذا القربى حقه)(3) دعا النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) فاطمة عليه السلام فأعطاها فدك! وإذا كان ذلك مرويا فلا معنى لدفعه بغير حجة.
وقوله: لا خلاف أن العمل على الدعوى لا يجوز صحيح وقد بينا أن قولها كان معلوما صحته وإنما قوله: إنما يعمل على ذلك متى علم صحته بشهادة أو ما يجرى مجراها أو حصلت بينة أو أقرار فيقال له: إما علمت بمشاهدة فلم يكن هناك وإما بينة فقد كانت على الحقيقة لان شهادة أمير المؤمنين عليه السلام من أكبر البينات وأعدلها ولكن على مذهبك أنه لم تكن هناك بينة فمن أين زعمت أنه لم يكن هناك علم! وإن لم يكن عن مشاهدة فقد أدخلت ذلك في جملة الاقسام.
فإن قال: لان قولها بمجرده لا يكون جهة للعلم.
قيل له: لم قلت ذلك؟ أو ليس قد دللنا على أنها معصومة وأن الخطأ مأمون عليها! ثم لو لم يكن كذلك لكان قولها في تلك القضية معلوما صحته على كل حال لانها لو لم تكن مصيبة لكانت مبطلة عاصية فيما ادعته إذ الشبهة لا تدخل في مثله وقد أجمعت الامة على أنها لم يظهر منها بعد
---
(1) ا، د:(النحلة).
(2) ا والشافي:(أنه).
(3) سورة الاسراء 26.
---

[276]
رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) معصية بلا شك وارتياب.
بل أجمعوا على اأها لم تدع إلا الصحيح وإن أختلفوا.
فمن قائل يقول: مانعها مخطئ وآخر يقول: هو أيضا مصيب لفقد البينة وإن علم صدقها.
وأما قوله: إنه لو حاكم غيره لطولب بالبينة فقد تقدم في هذا المعنى ما يكفى وقصة خزيمة بن ثابت وقبول شهادته تبطل هذا الكلام.
وأما قوله: إن أمير المؤمنين عليه السلام حاكم يهوديا على الوجه الواجب في سائر الناس فقد روى ذلك إلا أن أمير المؤمنين(1 لم يفعل من ذلك ما كان يجب عليه أن يفعله 1) وإنما تبرع به واستظهر بإقامة الحجة فيه.
وقد أخطأ من طالبه ببينة كائنا من كان.
فأما اعتراضه بأم سلمة فلم يثبت من عصمتها ما ثبت من عصمة فاطمة عليه السلام فلذلك أحتاجت في دعواها إلى بينة فأما إنكاره وأدعاؤه أنه لم يثبت أن الشاهد في ذلك كان أمير المؤمنين فلم يزد في ذلك إلا مجرد(الدعوى)(2) والانكار والاخبار مستفيضة بأنه عليه السلام شهد لها فدفع ذلك بالزيغ(3) لا يغنى شيئا! وقوله: إن الشاهد لها مولى لرسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) هو المنكر الذى ليس بمعروف.
وأما قوله: إنها جوزت أن يحكم أبو بكر بالشاهد واليمين فطريف.
مع قوله: فيما بعد:(إن التركة صدقة ولا خصم فيها) فتدخل اليمين في مثلها.
أفترى أن فاطمة لم تكن تعلم من الشريعه هذا المقدار الذى نبه صاحب الكتاب عليه! ولو لم تعلمه ما كان أمير المؤمنين (ع) وهو أعلم الناس بالشريعة يوافقها عليها.
وقوله: إنها جوزت عند شهادة من شهد لها أن يتذكر غيرهم فيشهد باطل لان مثلها لا يتعرض للظنة والتهمة ويعرض قوله للرد وقد كان يجب أن تعلم من يشهد لها
---
(1 - 1) الشافي:(لم يفعل ذلك وهو واجب عليه).
(2) من الشافي.
(3) الشافي:(باقتراح).
---

[277]
ممن لا يشهد حتى تكون دعواها على الوجه الذى يجب معه القبول والامضاء ومن هو دونها في الرتبة والجلالة والصيانة من أفناء الناس لا يتعرض لمثل هذه الخطة ويتورطها للتجويز الذى لا أصل له ولا أمارة عليه.
فأما إنكار أبى على لان يكون النحل قبل ادعاء الميراث وعكسه الامر فيه فأول ما فيه أنا لا نعرف له غرضا صحيحا في إنكار ذلك لان كون أحد الامرين قبل الاخر لا يصحح له مذهبا.
فلا يفسد على مخالفه مذهبا.
ثم إن الامر في أن الكلام في النحل كان المتقدم ظاهرا والروايات كلها به واردة.
وكيف يجوز أن تبتدئ بطلب الميراث فيما تدعيه بعينه نحلا! أو ليس هذا يوجب أن تكون قد طالبت بحقها من وجه لا تستحقه منه مع الاختيار! وكيف يجوز ذلك والميراث يشركها فيه غيرها والنحل تنفرد به! ولا ينقلب مثل ذلك علينا من حيث طالبت بالميراث بعد النحل.
لانها في الابتداء طالبت بالنحل وهو الوجه الذى تستحق فدك منه فلما دفعت عنه طالبت ضرورة بالميراث.
لان للمدفوع عن حقه أن يتوصل إلى تناوله بكل وجه وسبب وهذا بخلاف قول أبى على لانه أضاف إليها ادعاء الحق من وجه لا تستحقه منه وهى مختارة.
وأما إنكاره أن يكون عمر بن عبد العزيز رد فدك على وجه النحل وادعاؤه أنه فعل في ذلك ما فعله عمر بن الخطاب من إقرارها في يد أمير المؤمنين عليه السلام ليصرف غلاتها في وجوهها فأول ما فيه أنا لا نحتج عليه بفعل عمر بن عبد العزيز على أي وجه وقع لان فعله ليس بحجة ولو أردنا الاحتجاج بهذا الجنس من الحجج لذكرنا فعل المأمون فإنه رد فدك بعد أن جلس مجلسا مشهورا حكم فيه بين خصمين نصبهما أحدهما لفاطمة والاخر لابي بكر وردها بعد قيام الحجة ووضوح الامر
---

[278]
ومع ذلك فإنه قد أنكر من فعل عمر بن عبد العزيز ما هو معروف مشهور بلا خلاف بين أهل النقل فيه وقد روى محمد بن زكريا الغلابى عن شيوخه عن أبى المقدام هشام بن زياد مولى آل عثمان قال: لما ولى عمر بن عبد العزيز رد فدك على ولد فاطمة وكتب إلى واليه على المدينة أبى بكر بن عمرو بن حزم يأمره بذلك فكتب إليه: أن فاطمة قد ولدت في آل عثمان وآل فلان وفلان فعلى من أرد منهم؟ فكتب إليه: أما بعد فإنى لو كتبت إليك آمرك أن تذبح شاة لكتبت إلى: أجماء أم قرناء(1)؟ أو كتبت إليك أن تذبح بقرة لسألتني: ما لونها؟ فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها في ولد فاطمه (ع) من على عليه السلام والسلام.
قال أبو المقدام: فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد العزيز وعاتبوه فيه وقالوا له: هجنت فعل الشيخين وخرج إليه عمر بن قيس في جماعه من أهل الكوفه فلما عاتبوه على فعله قال: إنكم جهلتم وعلمت ونسيتم وذكرت إن أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم حدثنى عن أبيه عن جده أن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) قال(فاطمة بضعة منى يسخطها ما يسخطنى ويرضينى ما أرضاها) وإن فدك كان صافية على عهد أبى بكر وعمر ثم صار أمرها إلى مروان فوهبها لعبد العزيز أبى فورثتها أنا وإخوتى عنه فسألتهم أن يبيعوني حصتهم منها فمن بائع وواهب حتى استجمعت لى فرأيت أن أردها على ولد فاطمة.
قالوا: فإن أبيت إلا هذا فأمسك الاصل واقسم الغلة ففعل.
وأما ما ذكره من ترك أمير المؤمنين عليه السلام فدك لما أفضى الامر إليه.
واستدلاله بذلك على أنه لم يكن الشاهد فيها فالوجه في تركه عليه السلام رد فدك هو الوجه في اقراره
---
(1) الجماء: الملساء: ذات القرن.
---

[279]
أحكام القوم وكفه عن نقضها وتغييرها وقد بينا ذلك فيما سبق وذكرنا أنه كان في انتهاء الامر إليه في بقية من التقية قوية.
فأما استدلاله على أن حجر أزواج النبي صلى الله عليه كانت لهن بقوله تعالى:(وقرن في بيوتكن)(1) فمن عجيب الاستدلال لان هذه الاضافة لا تقتضي الملك بل العادة جارية فيها أن تستعمل من جهة السكنى ولهذا يقال: هذا بيت فلان ومسكنه ولا يراد بذلك الملك وقد قال تعالى:(لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)(2) ولا شبهة في أنه تعالى أراد منازل الرجال التى يسكنون فيها زوجاتهم ولم يرد بهذه الاضافة الملك.
فأما ما رواه من أن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) قسم حجره على نسائه وبناته فمن أين له إذا كان الخبر صحيحا أن هذه القسمة على وجه التمليك دون الاسكان والانزال! ولو كان قد ملكهن ذلك لوجب أن يكون ظاهرا مشهورا.
فأما الوجه في ترك أمير المؤمنين لما صار الامر إليه في يده منازعة الازواج في هذه الحجر فهو ما تقدم وتكرر.
وأما قوله: إن أبا بكر هو الذى صلى على فاطمة وكبر أربعا وإن كثيرا من الفقهاء يستدلون به في التكبير على الميت - وهو شئ ما سمع إلا منه وإن كان تلقاه عن غيره - فممن يجرى مجراه في العصبية وإلا فالروايات المشهورة وكتب الاثار والسير خالية من ذلك ولم يختلف أهل النقل في أن عليا عليه السلام هو الذى صلى على فاطمة إلا رواية نادرة شاذة وردت بأن العباس رحمه الله صلى عليها.
وروى الواقدي بإسناده في تاريخه عن الزهري قال: سالت ابن عباس:
---
(1) سورة الاحزاب 33.
(2) سورة الطلاق 1.
---

[280]
متى دفنتم فاطمة عليه السلام؟ قال: دفناها بليل بعد هدأة.
قال: قلت: فمن صلى عليها؟ قال: على.
وروى الطبري عن الحارث بن أبى أسامة عن المدائني عن أبى زكريا العجلاني أن فاطمة عليه السلام عمل لها نعش قبل وفاتها فنظرت إليه فقالت: سترتموني ستركما الله! قال أبو جعفر محمد بن جرير: والثبت في ذلك أنها زينب لان فاطمة دفنت ليلا ولم يحضرها إلا على والعباس والمقداد والزبير.
وروى القاضى أبو بكر أحمد بن كامل بإسناده في تاريخه عن الزهري.
قال حدثنى عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن فاطمة(1) عاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم سته اشهر فلما توفيت دفنها على ليلا وصلى عليها وذكر في كتابه هذا أن عليا والحسن والحسين عليه السلام دفنوها ليلا وغيبوا قبرها.
وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن عبيد عن الحسن بن محمد بن الحنفية أن فاطمة دفنت ليلا.
وروى عبد الله بن أبى شيبة عن يحيى بن سعيد القطان عن معمر عن الزهري مثل ذلك.
وقال البلاذرى في تاريخه: إن فاطمة عليه السلام لم تر متبسمة بعد وفاة النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ولم يعلم أبو بكر وعمر بموتها.
والامر في هذا أوضح وأشهر من أن نطنب في الاستشهاد عليه ونذكر الروايات فيه.
---
(1) الشافي:(فاطمة بنت رسول الله).
---

[281]
فأما قوله: ولا يصح أنها دفنت ليلا وإن صح فقد دفن فلان وفلان ليلا فقد بينا أن دفنها ليلا في الصحة أظهر من الشمس وأن منكر ذلك كالدافع للمشاهدات ولم يجعل دفنها ليلا بمجرده هو الحجة ليقال: لقد دفن فلان وفلان ليلا بل يقع الاحتجاج بذلك على ما وردت به الروايات المستفيضة الظاهرة التى هي كالتواتر.
أنها أوصت بأن تدفن ليلا حتى لا يصلى الرجلان عليها وصرحت بذلك وعهدت فيه عهدا بعد أن كانا(1) استأذنا عليها في مرضها ليعوداها فأبت أن تأذن لهما فلما طالت عليهما المدافعة رغبا إلى أمير المؤمنين عليه السلام في أن يستأذن لهما وجعلاها حاجة إليه وكلمها عليه السلام في ذلك وألح عليها فأذنت لهما في الدخول ثم أعرضت عنهما عند دخولهما ولم تكلمهما فلما خرجا قالت لامير المؤمنين عليه السلام: هل صنعت ما أردت؟ قال: نعم قالت: فهل أنت صانع ما آمرك به؟ قال نعم قالت: فإنى أنشدك الله ألا يصليا على جنازتي ولا يقوما على قبري! وروى أنه عفى قبرها(2 وعلم عليه 2) ورش أربعين قبرا في البقيع ولم يرش قبرها حتى لا يهتدى إليه وأنهما عاتباه على ترك إعلامهما بشأنها وإحضارهما الصلاه عليها فمن هاهنا احتججنا بالدفن ليلا ولو كان ليس غير الدفن بالليل من غير ما تقدم عليه وما تأخر عنه لم يكن فيه حجة.
وأما حكايته عن أبى على إنكار ضرب الرجل لها.
وقوله: إن جعفر بن محمد وأباه وجده كانوا يتولونهما فكيف لا ينكر أبو على ذلك وأعتقاده فيهما اعتقاده! وقد كنا نظن ان مخالفينا يقتنعون أن ينسبوا إلى أئمتنا الكف عن القوم والامساك وما ظننا أنهم يحملون أنفسهم على أن ينسبوا إليهم الثناء والولاء
---
(1) ب:(كان)).
(2 - 2) ساقط من الشافي.
---

[282]
وقد علم كل أحد أن أصحاب هؤلاء السادة المختصين بهم قد رووا عنهم ضد ما روى شعبة بن الحجاج وفلان وفلان وقولهم: هما أول من ظلمنا حقنا وحمل الناس على رقابنا وقولهم: أنهما أصفيا بإنائنا وأضطجعا بسبلنا وجلسا مجلسا نحن أحق به منهما إلى غير ذلك من فنون التظلم والشكاية وهو طويل متسع ومن أراد أستقصاء ذلك فلينظر في كتاب،، المعرفة،، لابي إسحاق إبراهيم بن سعيد الثقفى فإنه قد ذكر عن رجل من أهل البيت بالاسانيد النيرة مالا زيادة عليه ثم لو صح ما ذكره شعبة لجاز أن يحمل على التقية.
وأما ذكره إسرافيل وميكائيل.
فما كنا نظن أن مثله يذكر ذلك وهذا من أقوال الغلاة الذين ضلوا في أمير المؤمنين عليه السلام وأهل البيت وليسوا من الشيعة ولا من المسلمين فأى عيب علينا فيما يقولونه! ثم إن جماعة من مخالفينا قد غلوا في أبى بكر وعمر ورووا روايات مختلفة فيهما تجرى مجرى ما ذكره في الشناعة ولا يلزم العقلاء وذوى الالباب من المخالفين عيب من ذلك.
وأما معارضة ما روى في فاطمة عليه السلام بما روى في:(أن حبهما إيمان وبغضهما نفاق) فالخبر الذى رويناه مجمع عليه والخبر الاخر مطعون فيه فكيف يعارض ذلك بهذا! وأما قوله: إنما قصد من يورد هذه الاخبار تضعيف دلالة الاعلام في النفوس من حيث أضاف النفاق إلى من شاهدها.
فتشنيع في غير موضعه واستناد إلى مالا يجدى نفعا لان من شاهد الاعلام لا يضعفها ولا يوهن دليلها.
ولا يقدح في كونها حجة لان الاعلام ليست ملجئة إلى العلم ولا موجبة لحصوله على كل حال وإنما تثمر العلم لمن أمعن النظر فيها من الوجه الذى تدل منه فمن عدل عن ذلك لسوء أختياره لا يكون
---

[283]
عدوله مؤثرا في دلالتها فكم قد عدل من العقلاء وذوى الاحلام الراجحة والالباب الصحيحة عن تأمل هذه الاعلام وإصابة الحق منها! ولم يكن ذلك عندنا وعند صاحب الكتاب قادحا في دلالة الاعلام.
على أن هذا القول يوجب أن ينفى الشك والنفاق عن كل من صحب النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) وعاصره وشاهد أعلامه كأبى سفيان وابنه وعمرو بن العاص وفلان وفلان ممن قد اشتهر نفاقهم وظهر شكهم في الدين وارتيابهم باتفاق بيننا وبينه.
وإن كانت إضافة النفاق إلى هؤلاء لا تقدح في دلالة الاعلام فكذلك القول في غيرهم.
فأما قوله: إن حديث الاحراق لم يصح ولو صح لساغ لعمر مثل ذلك.
فقد بينا أن خبر الاحراق قد رواه غير الشيعة.
وقوله: إنه يسوغ مثل ذلك.
فكيف يسوغ إحراق بيت على وفاطمة عليه السلام! وهل في ذلك عذر يصغى إليه أو يسمع! وإنما يكون على وأصحابه خارقين للاجماع ومخالفين للمسلمين.
لو كان الاجماع قد تقرر وثبت وليس بمتقرر ولا ثابت مع خلاف على وحده فضلا عن أن يوافقه على ذلك غيره.
وبعد فلا فرق بين أن يهدد بالاحراق لهذه العلة وبين أن يضرب فاطمة عليه السلام لمثلها.
فإن إحراق المنازل أعظم من ضرب سوط أو سوطين.
فلا وجه لامتعاض المخالف من حديث الضرب إذا كان عنده مثل هذا الاعتذار(1)! * * *
قلت: أما الكلام في عصمة فاطمة عليه السلام فهو بفن الكلام أشبه وللقول فيه موضع غير هذا.
وأما قول المرتضى: إذا كانت صادقه لم يبق حاجة إلى من يشهد لها.
فلقائل أن
---
(1) الشافي 235، 236.
---

[284]
يقول: لم قلت ذلك؟ ولم زعمت أن الحاجة إلى البينة إنما كانت لزيادة غلبة الظن؟ ولم لا يجوز أن يكون الله تعالى يعبد بالبينة لمصلحة يعلمها.
وإن كان المدعى لا يكذب! أليس قد تعبد الله تعالى بالعدة في العجوز التى قد أيست من الحمل.
وإن كان أصل وضعها لاستبراء الرحم! وأما قصة خزيمد بن ثابت.
فيجوز أن يكون الله تعالى قد علم أن مصلحة المكلفين في تلك الصورة أن يكتفى بدعوى النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) وحدها.
ويستغنى فيها عن الشهادة.
ولا يمتنع أن يكون غير تلك الصورة مخالفا لها وإن كان المدعى لا يكذب.
ويبين ذلك أن مذهب المرتضى جواز ظهور خوارق العادات على أيدى الائمة والصالحين.
ولو قدرنا أن واحدا من أهل الصلاح والخير ادعى دعوى وقال بحضرة جماعة من الناس من جملتهم القاضى: اللهم إن كنت صادقا فأظهر على معجزة خارقة للعادة.
فظهرت عليه لعلمنا أنه صادق.
ومع ذلك لا تقبل دعواه إلا ببينة.
وسألت على بن الفارقى مدرس المدرسة الغربيه ببغداد فقلت له: أكانت فاطمة صادقة؟ قال: نعم قلت: فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك وهى عنده صادقة؟ فتبسم ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه وحرمته وقلة دعابته قال لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا وادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشئ.
لانه يكون قد أسجل على نفسه أنها صادقة فيها تدعى كائنا ما كان من غير حاجة إلى بينة ولا شهود.
وهذا كلام صحيح.
وإن كان أخرجه مخرج الدعابة والهزل.
فأما قول قاضى القضاة: لو كان في يدها لكان الظاهر أنها لها واعتراض المرتضى عليه بقوله: إنه لم يعتمد في إنكار ذلك على حجة بل قال: لو كانت في يدها لكان الظاهر أنها لها والامر على ما قال: فمن.
أين أنها لم تخرج عن يدها على وجه! كما أن الظاهر
---

[285]
يقتضى خلافه.
فإنه لم يجب عما ذكره قاضى القضاة.
لان معنى قوله: إنها لو كانت في يدها أي متصرفة فيها لكانت اليد حجة في الملكية.
لان اليد والتصرف حجة لا محالة فلو كانت في يدها تتصرف فيها وفى ارتفاقها كما يتصرف الناس في ضياعهم وأملاكهم لما احتاجت إلى الاحتجاج بايه الميراث ولا بدعوى النحل.
لان اليد حجة فهلا قالت لابي بكر: هذه الارض في يدى.
ولا يجوز انتزاعها منى إلا بحجة! وحينئذ كان يسقط احتجاج أبى بكر بقوله:(نحن معاشر الانبياء لا نورث) لانها ما تكون قد ادعتها ميراثا ليحتج عليها بالخبر.
وخبر أبى سعيد في قوله:(فأعطاها فدك) يدل على الهبة لا على القبض والتصرف.
ولانه يقال: أعطاني فلان كذا فلم أقبضه ولو كان الاعطاء هو القبض والتصرف لكان هذا الكلام متناقضا.
فأما تعجب المرتضى من قول أبى على: إن دعوى الارث كانت متقدمة على دعوى النحل وقوله: إنا لا نعرف له غرضا في ذلك فانه لا يصح له بذلك مذهب ولا يبطل على مخالفيه مذهب.
فإن المرتضى لم يقف على مراد الشيخ أبى على في ذلك.
وهذا شئ يرجع إلى أصول الفقه فإن أصحابنا استدلوا على جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد بإجماع الصحابة لانهم أجمعوا على تخصيص قوله تعالى:(يوصيكم الله في أولادكم)(1) برواية أبى بكر عن النبي صلى الله عليه وآله(لا نورث ما تركناه صدقة).
قالوا: والصحيح في الخبر أن فاطمة عليه السلام طالبت بعد ذلك بالنحل لا بالميراث فلهذا قال الشيخ أبو على: إن دعوى الميراث تقدمت على دعوى النحل وذلك لانه ثبت أن فاطمة انصرفت عن ذلك المجلس غير راضية ولا موافقة لابي بكر.
فلو كانت دعوى الارث متأخرة وأنصرفت عن سخط لم يثبت الاجماع على تخصيص الكتاب بخبر الواحد.
أما إذا كانت دعوى الارث متقدمة فلما روى لها الخبر أمسكت وانتقلت إلى النزاع من جهة أخرى فإنه يصح حينئذ الاستدلال بالاجماع على تخصيص الكتاب بخبر الواحد.
---
(1) سورة النساء 11.
---

[286]
فأما أنا فإن الاخبار عندي متعارضة يدل بعضها على أن دعوى الارث متأخرة ويدل بعضها على أنها متقدمة.
وأنا في هذا الموضع متوقف.
وما ذكره المرتضى من أن الحال تقتضي أن تكون البداية بدعوى النحل فصحيح وأما إخفاء القبر وكتمان الموت وعدم الصلاة وكل ما ذكره المرتضى فيه فهو الذى يظهر ويقوى عندي لان الروايات به أكثر وأصح من غيرها وكذلك القول في موجدتها وغضبها فأما المنقول عن رجال أهل البيت فإنه يختلف فتارة وتارة وعلى كل حال فميل أهل البيت الى ما فيه نصرة أبيهم وبيتهم.
وقد أخل قاضى القضاة بلفظة حكاها عن الشيعة فلم يتكلم عليها وهى لفظة جيدة.
قال: قد كان الاجمل أن يمنعهم التكرم مما ارتكبا منها فضلا عن الدين.
وهذا الكلام لا جواب عنه ولقد كان التكرم ورعاية حق رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) وحفظ عهده يقتضى أن تعوض ابنته بشئ يرضيها إن لم يستنزل المسلمون عن فدك وتسلم إليها تطيبا لقلبها.
وقد يسوغ للامام أن يفعل ذلك من غير مشاورة المسلمين إذا رأى المصلحة فيه وقد بعد العهد الان بيننا وبينهم ولا نعلم حقيقة ما كان وإلى الله نرجع الامور.
* * *
[نهاية أخبار فدك]
---

[287]
الأصل:
ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز ولكن هيهات أن يغلبنى هواى ويقودنى جشعى إلى تخير الاطعمة - ولعل بالحجاز أو باليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع - أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى أو أكون كما قال القائل:
وحسبك عارا أن تبيت ببطنة..
وحولك اكباد تحن إلى القد
أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش! فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة.
همها علفها أو المرسلة.
شلغها تقممها تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها أو أترك سدى أو أهمل عابثا أو أجر حبل الضلالة أو أعتسف طريق المتاهة! * * *
الشرح:
قد روى:(ولو شئت لاهتديت إلى هذا العسل المصفى ولباب هذا البر المنقى.
فضربت هذا بذاك.
حتى ينضج وقودا ويستحكم معقودا).
وروى:(ولعل بالمدينة يتيما تربا يتضور سغبا أأبيت مبطانا وحولي بطون غرثى إذن يحضرني يوم القيامة وهم من ذكر وأنثى).
وروى:(بطون غرثى) بإضافة(بطون) إلى(غرثى).
والقمح: الحنطة.
والجشع: أشد الحرص.
والمبطان: الذى لا يزال عظيم البطن من كثرة الاكل.
فأما المبطن: فالضامر البطن وأما البطين فالعظيم البطن لا الاكل.
وأما البطن فهو الذى لا يهمه إلا بطنه.
وأما المبطون فالعليل البطن.
وبطون غرثى: جائعة والبطنة: الكظة.
وذلك أن يمتلئ الانسان من الطعام امتلاء شديدا وكان يقال: ينبغى للانسان أن يجعل وعاء بطنه أثلاثا: فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس.
---

[288]
والتقمم: أكل الشاة ما بين يديها بمقمتها أي بشفتها.
وكل ذى ظلف كالثور وغيره فهو ذو مقمة.
وتكترش من أعلافها: تملا كرشها من العلف.
قوله:(أو أجر حبل الضلالة) منصوب بالعطف على(يشغلني) وكذلك(أترك) ويقال: أجررته رسنه إذا أهملته والاعتساف: السلوك في غير طريق واضح.
والمتاهة: الارض يتاه فيها أي يتحير.
وفى قوله:(لو شئت لاهتديت) شبه من قول عمر: لو نشاء لملانا هذا الرحاب من صلائق وصناب.
وقد ذكرناه فيما تقدم.
وهذا البيت من أبيات منسوبة إلى حاتم بن عبد الله الطائى الجواد وأولها: أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ويا ابنة ذى الجدين والفرس الورد(1) إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلا فإنى لست آكله وحدي قصيا بعيدا أو قريبا فإننى أخاف مذمات الاحاديث من بعدى(2) كفى بك عارا أن تبيت ببطنة وحولك أكباد تحن إلى القد(3) وإنى لعبد الضيف ما دام نازلا وما من خلالي غيرها شيمة العبد.
* * *
---
(1) ديوان الحماسة بشرح المرزوقى 4: 1668.
(2) الحماسة: * أخا طارقا أو جار بيت فإننى *(3) لم يرد في رواية الحماسة.
---

[289]
الأصل:
وكأني بقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت ابن أبى طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الاقران ومنازلة الشجعان.
ألا وإن الشجرة(1) البرية أصلب عودا والرواتع الخضرة أرق جلودا والنابتات العذية أقوى وقودا وأبطا خمودا.
وأنا من رسول الله كالضوء من الضوء والذراع من العضد.
والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها ولو أمكنت الفرص(3) من رقابها لسارعت إليها وسأجهد في أن أطهر الارض من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس حتى تخرج المدرة من بين حب الحصيد.
* * *
الشرح:
الشجرة البرية: التى تنبت في البر الذى لا ماء فيه فهى أصلب عودا من الشجرة التى تنبت في الارض الندية وإليه وقعت الاشارة بقوله(والرواتع الخضرة أرق جلودا).
ثم قال:(والنابتات العذية) التى تنبت عذيا والعذى بسكون الذال: الزرع لا يسقيه إلا ماء المطر وهو يكون أقل أخذا من الماء من النبت سقيا قال عليه السلام: إنها تكون أقوى وقودا مما يشرب الماء السائح أو ماء الناضح وأبطا خمودا.
وذلك لصلابة جرمها.
ثم قال:(وأنا من رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) كالضوء من الضوء والذراع من العضد).
---
(1) في د(التربة).
(2) في د(والمرتع).
(3) في ا، د(الفرصة).
(19 - نهج - 16)---

[290]
وذلك لان الضوء الاول يكون علة في الضوء الثاني ألا ترى أن الهواء المقابل للشمس يصير مضيئا من الشمس! فهذا الضوء هو الضوء الاول.
ثم إنه يقابل وجه الارض فيضئ وجه الارض منه فالضوء الذى على وجه الارض هو الضوء الثاني وما دام الضوء الاول ضعيفا فالضوء الثاني ضعيف.
فإذا ازداد الجو إضاءة ازداد وجه الارض إضاءة لان المعلول يتبع العلة فشبه عليه السلام نفسه بالضوء الثاني وشبه رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) بالضوء الاول وشبه منبع الاضواء والانوار سبحانه وجلت أسماؤه بالشمس التى توجب الضوء الاول ثم الضوء الاول يوجب الضوء الثاني.
وها هنا نكتة وهى أن الضوء الثاني يكون أيضا علة لضوء ثالث وذلك أن الضوء الحاصل على وجه الارض - وهو الضوء الثاني - إذا أشرق على جدار مقابل ذلك الجدار قريبا منه مكان مظلم فإن ذلك المكان يصير مضيئا بعد أن كان مظلما وإن كان لذلك المكان المظلم باب وكان داخل البيت مقابل ذلك الباب جدار كان ذلك الجدار أشد إضاءة من باقى البيت ثم ذلك الجدار إن كان فيه ثقب إلى موضع آخر كان ما يحاذي ذلك البيت أشد إضاءة مما حواليه وهكذا لا تزال الاضواء(1) يوجب بعضها بعضا على وجه الانعكاس بطريق العلية وبشرط المقابلة ولا تزال تضعف درجة درجة إلى أن تضمحل ويعود الامر إلى الظلمة.
وهكذا عالم العلوم.
والحكم المأخوذة من أمير المؤمنين عليه السلام لا تزال تضعف كما انتقلت من قوم إلى قوم إلى أن يعود الاسلام غريبا كما بدأ بموجب الخبر النبوى الوارد في الصحاح.
وأما قوله:(والذراع من العضد) فلان الذراع فرع على العضد والعضد أصل ألا ترى أنه لا يمكن أن يكون ذراع إلا إذا كان عضد ويمكن أن يكون عضد لا ذراع له ولهذا قال الراجز لولده: يا بكر بكرين ويا خلب الكبد أصبحت منى كذراع من عضد.
---
(1) كذا في(د).
ا، ب:(لا يزال الضوء).
---

[291]
فشبه عليه السلام بالنسبة الى رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) بالذراع الذى العضد أصله وأسه والمراد من هذا التشبيه الابابة عن شدة الامتزاج والاتحاد والقرب بينهما.
فإن الضوء الثاني شبيه بالضوء الاول والذراع متصل بالعضد اتصالا بينا.
وهذه المنزلة قد أعطاه إياها رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) في مقامات كثيرة نحو قوله في قصة براءة:(قد أمرت أن لا يؤدى عنى إلا أنا أو رجل منى) وقوله:(لتنتهن يا بنى وليعة أو لابعثن إليكم رجلا منى) أو قال:(عديل نفسي) وقد سماه الكتاب العزيز(نفسه) فقال:(ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم)(1) وقد قال له:(لحمك مختلط بلحمي ودمك مسوط بدمى وشبرك وشبرى واحد).
فإن قلت: أما قوله:(لو تظاهرت العرب على لما وليت عنها) فمعلوم فما الفائدة في قوله:(ولو أمكنت الفرصة من رقابها لسارعت(2) إليها)؟ وهل هذا مما يفخر به الرؤساء ويعدونه منقبة وإنما المنقبة أن لو أمكنته الفرصة تجاوز وعفا! قلت: غرضه أن يقرر في نفوس أصحابه وغيرهم من العرب أنه يحارب على حق وأن حربه لاهل الشام كالجهاد أيام رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) وأن من يجاهد الكفار يجب عليه أن يغلظ عليهم ويستأصل شأفتهم ألا ترى أن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) لما جاهد بنى قريظة وظفر لم يبق ولم يعف وحصد في يوم واحد رقاب ألف أنسان صبرا في مقام واحد لما علم في ذلك من إعزاز الدين وإذلال المشركين فالعفو له مقام والانتقام له مقام.
قوله:(وسأجهد في أن أطهر الارض) الاشارة في هذا إلى معاوية سماه شخصا معكوسا وجسما مركوسا والمراد انعكاس عقيدته وأنها ليست عقيدة هدى بل هي معاكسة للحق والصواب وسماه مركوسا من قولهم: ارتكس في الضلال والركس
---
(1) سورة ال عمران 61.
(2) د(لاسرعت).
---

[292]
رد الشئ مقلوبا قال تعالى:(والله أركسهم بما كسبوا)(2) أي قلبهم وردهم إلى كفرهم فلما كان تاركا للفطرة التى كل مولود يولد عليها كان مرتكسا في ضلاله وأصحاب التناسخ يفسرون هذا بتفسير آخر قالوا: الحيوان على ضربين منتصب ومنحن فالمنتصب الانسان والمنحنى ما كان رأسه منكوسا إلى جهة الارض كالبهائم والسباع.
قالوا: وإلى ذلك وقعت الاشارة بقوله:(أفمن يمشى مكبا على وجهه أهدى أمن يمشى سويا على صراط مستقيم)(2).
قالوا: فأصحاب الشقاوة تنتقل أنفسهم عند الموت إلى الحيوان المكبوب وأصحاب السعادة تنتقل أنفسهم إلى الحيوان المنتصب ولما كان معاوية عنده (ع) من أهل الشقاوة سماه معكوسا ومركوسا رمزا إلى هذا المعنى.
قوله:(حتى تخرج المدرة من بين حب الحصيد) أي حتى يتطهر الدين وأهله منه وذلك لان الزراع يجتهدون في إخراج المدر والحجر والشوك والعوسج ونحو ذلك من بين الزرع كى تفسد منابته.
فيفسد الحب الذى يخرج منه فشبه معاوية بالمدر ونحوه من مفسدات الحب وشبة الدين بالحب الذى هو ثمرة الزرع.
* * *
الشرح:
ومن هذا الكتاب وهو آخره: إليك عنى يا دنيا فحبلك على غاربك قد انسللت من مخالبك وأفلت من حبائلك واجتنبت الذهاب في مداحضك
---
سورة النساء 88.
(2) سورة الملك 22.
---

[293]
أين القرون الذين غررتهم بمداعبك! أين الامم فتنتهم بزخارفك! فها هم رهائن القبور ومضامين اللحود.
والله لو كنت شخصا مرئيا وقالبا حسيا لاقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالآماني وأمم القيتهم في المهاوى وملوك أسلمتهم إلى التلف وأوردتهم موارد البلاء إذ لا ورد ولا صدر! هيهات! من وطئ دحضك زلق ومن ركب لججك غرق ومن ازور عن حبائلك وفق والسالم منك لا يبالى إن ضاق به مناخه.
والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه.
* * *
الشرح:
إليك عنى أي ابعدى.
وحبلك على غاربك كناية من كنايات الطلاق أي اذهبي حيث شئت لان الناقة إذا ألقى حبلها على غاربها فقد فسح لها أن ترعى حيث شاءت وتذهب أين شاءت لانه إنما يردها زمامها فإذا ألقى حبلها على غاربها فقد أهملت.
والغارب: ما بين السنام والعنق.
والمداحض: المزالق.
وقيل: إن في النسخة التى بخط الرضى رضى الله عنه(غررتيهم) بالياء وكذلك(فتنتيهم) و(ألقيتيهم) و(أسلمتيهم) و(أوردتيهم) والاحسن حذف الياء وإذا كانت الرواية وردت بها فهى من إشباع الكسره كقوله: ألم يأتيك والانباء تنمى بما فعلت لبون بنى زياد ومضامين اللحود أي الذين تضمنتهم وفى الحديث نهى عن بيع المضامين والملاقيح وهى ما في أصلاب الفحول وبطون الاناث.
---

[294]
ثم قال: لو كنت أيتها الدنيا إنسانا محسوسا كالواحد من البشر لاقمت عليك الحد كما فعلت بالناس.
ثم شرح أفعالها فقال: منهم من غررت ومنهم من ألقيت في مهاوى الضلال والكفر ومنهم من أتلفت وأهلكت.
ثم قال: ومن وطئ دحضك زلق مكان دحض أي مزلة.
ثم قال: لا يبالى من سلم منك إن ضاق مناخه لا يبالى بالفقر ولا بالمرض ولا بالحبوس والسجون وغير ذلك من أنواع المحن! لان هذا كله حقير لا اعتداد به في جنب السلامة من فتنه الدنيا.
قال: والدنيا عند من قد سلم منها كيوم قرب انقضاؤه وفناؤه.
* * *
الأصل:
اعزبي عنى! فو الله لا أذل لك فتستذلينى ولا أسلس لك فتقوديني وايم الله يمينا أستثنى فيها بمشيئة الله لاروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما وتقنع بالملح مأدوما ولادعن مقلتي كعين ماء نضب معينها مستفرغة دموعها أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك وتشبع الربيضة من عشبها فتربض ويأكل على من زاده فيهجع! قرت إذا عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة والسائمة المرعية! طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها وعركت بجنبها بؤسها وهجرت في
---

[295]
الليل غمضها حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها وتوسدت كفها في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم وهمهمت بذكر ربهم شفاههم وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم(اولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) فاتق الله يا ابن حنيف ولتكفف أقراصك.
ليكون من النار خلاصك.
* * *
الشرح:
اعزبي: ابعدى يقال عزب الرجل بالفتح أي بعد ولا أسلس لك بفتح اللام أي لا أنقاد لك سلس الرجل بالكسر يسلس فهو بين السلس أي سهل قياده.
ثم حلف واستثنى بالمشيئة أدبا كما أدب الله تعالى رسوله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ليروضن نفسه أي يدربها بالجوع والجوع هو أصل الرياضة عند الحكماء وأرباب الطريقة.
قال:(حتى أهش إلى القرص) أي إلى الرغيف وأقنع من الادام بالملح.
ونضب معينها: فنى ماؤها.
ثم أنكر على نفسه فقال: أتشبع السائمة من رعيها - بكسر الراء وهو الكلا - والربيضة - جماعة من الغنم أو البقر تربض في أماكنها.
وأنا أيضا مثلها أشبع وأنام! لقد قرت عينى إذا حيث(1) أشابه البهائم بعد الجهاد والسبق والعبادة والعم والجد في السنين المتطاولة.
قوله:(وعركت بجنبها بؤسها) أي صبرت على بؤسها والمشقة التى تنالها.
يقال: قد عرك فلان بجنبه الاذى أي أغضى عنه وصبر عليه.
---
(1) في د(إذا).
---

[296]
قوله:(افترشت أرضها) أي لم يكن لها فراش إلا الارض.
(وتوسدت كفها) لم يكن لها وسادة إلا الكف.
(وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم) لفظ الكتاب العزيز(تتجافى جنوبهم عن المضاجع)(1).
وهمهمت: تكلمت كلاما خفيا.
وتقشعت ذنوبهم: زالت وذهبت كما يتقشع السحاب.
قوله:(ولتكفف أقراصك) إنما هو نهى لابن حنيف أن يكف عن الاقراص وإن كان اللفظ يقتضى أن تكف الاقراص عن ابن حنيف.
وقد رواها قوم بالنصب قالوا:(فاتق الله يا ابن حنيف ولتكفف أقراصك لترجو بها من النار خلاصك) والتاء هاهنا للامر عوض الياء وهى لغه لا بأس بها وقد قيل: إن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) قرأ(فبذلك فلتفرحوا)(2) بالتاء.
تم الجزء السادس عشر من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ويليه الجزء السابع عشر
---
(1) سورة السجدة 16.
(2) سورة يونس 58.
(*)
مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية

شرح نهج البلاغة
ابن أبي الحديد ج 17
---
[1]
شرح نهج البلاغة
لابن أبي الحديد
بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم
الجزء السابع عشر
دار احياء الكتب العربية
عيسى البابى الحلبي وشركاه
---

[2]
الطبعة الثانية(1965 م - 1387 ه‍) جميع الحقوق محفوظة منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم - ايران 1404 ه‍ق
---

[3]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل(1)(46)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) إلى بعض عماله: أما بعد فإنك ممن أستظهر به على إقامه الدين وأقمع به نخوة الاثيم، وأسد به لهاه الثغر المخوف.
فاستعن بالله على ما أهمك، واخلط الشده بضغث من اللين، وارفق ما كان الرفق أرفق، واعتزم بالشده حين لا تغنى عنك إلا الشده.
* * *
واخفض للرعيه جناحك وابسط لهم وجهك، وألن لهم جانبك، وآس بينهم في اللحظه، والنظره والاشاره والتحيه حتى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا ييئس الضعفاء من عدلك.
والسلام.
* * *
الشرح:
قد اخذ الشاعر معنى قوله: " وآس بينهم في اللحظه والنظره: "، فقال
---
(1) ا: " وبه نستعين "، ود: " وبه ثقتى "---

[4]
اقسم اللحظ بيننا ان في اللحظ * * لعنوان ما تجن الصدور إنما البر روضة فإذا ما * * كان بشر فروضه وغدير قوله: " وآس بينهم في اللحظه "، أي اجعلهم أسوة، وروى: " وساو بينهم في اللحظه " والمعنى واحد.
واستظهر به: اجعله كالظهر.
والنخوه الكبرياء: والاثيم المخطئ المذنب.
وقوله: وأسد به لهاه الثغر " استعارة حسنه.
والضغث في
الأصل:
قبضة حشيش مختلط يابسها بشئ من الرطب، ومنه أضغاث الاحلام " للرؤيا المختلطه التى لا يصح تأويلها، فاستعار اللفظة هاهنا، والمراد: امزج(1) الشده بشئ من اللين(2 فاجعلهما كالضغث وقال تعالى:(وخذ بيدك ضغثا) 2).
قوله فاعتزم بالشدة " أي إذا جد بك الحد فدع اللين، فان في حال الشده لا تغنى إلا الشدة، قال الفند الزمانى: فلما صرح الشر * * فأمسى وهو عريان(3) ولم يبق سوى العدوان * * دناهم كما دانوا قوله: " حتى لا يطمع العظماء في حيفك "، أي حتى لا يطمع العظماء في أن تمالئهم على حيف الضعفاء، وقد تقدم مثل هذا فيما سبق.
---
(1) د: " مزج ".
(2 - 2) ساقط من د.
(3) ديوان الحماسة 1: 23 - بشرح التبريزي، من شعر قاله في حرب البسوس(*).
---

[5]
(47)
الأصل:
ومن وصية له(عليه السلام) للحسن والحسين(عليهما السلام) لما ضربه ابن مجلم لعنه الله: أوصيكما بتقوى الله، وإلا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شئ منها زوى عنكما، وقولا بالحق، واعملا للاجر، وكونا للظالم خصما، وللمظلوم عونا.
أوصيكما وجميع ولدى وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإنى سمعت جدكما (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام.
الله الله في الايتام، فلا تغبوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم والله الله في جيرانكم، فانهم وصيه نبيكم، ما زال يوصى بهم حتى ظننا أنه سيورثهم.
والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم.
والله الله في الصلاة، فإنها عمود دينكم.
والله الله في بيت ربكم، لا تخلوه ما بقيتم فانه إن ترك لم تناظروا.
والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم(1) في سبيل الله.
وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر و التقاطع، لا تتركوا
---
(1) ساقط من ب(*).
---

[6]
الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فيولى عليكم أشراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم.
* * *
ثم قال: يا بنى عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا، تقولون: قتل أمير المؤمنين، قتل أمير المؤمنين! ألا لا تقتلن بى إلا قاتلي، انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا تمثلوا بالرجل، فإنى سمعت رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) يقول: إياكم والمثله ولو بالكلب العقور.
* * *
الشرح:
روى: " واعملا للاخره "، وروى فلا تغيروا أفواهكم "، يقول لا تطلبا الدنيا وإن طلبتكما، فإذا كان من تطلبه الدنيا منهيا عن طلبها فمن لا تطلبه يكون منهيا عن طلبها بالطريق الاولى.
ثم قال: " ولا تأسفا على شئ منها زوى عنكما "، أي قبض، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " زويت لى الدنيا فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك امتى ما زوى لى منها ".
وروى ولا تأسيا "، وكلاهما بمعنى واحد أي لا تحزنا، وهذا من قوله تعالى:(لكيلا تأسوا على ما فاتكم)(1).
---
(1) سورة الحديد 23(*).
---

[7]
قوله: " صلاح ذات البين " أخذه هذه اللفظة عبد الملك بن مروان فقال لبنيه وقد جمعوا عنده يوم موته: انفوا الضغائن بينكم وعليكم * * عند المغيب وفى حضور المشهد بصلاح ذات البين طول حياتكم * * إن مد في عمرى وإن لم يمدد إن القداح إذا اجتمعن فرامها * * بالكسر ذو بطش شديد أيد عزت فلم تكسر، وإن هي بددت * * فالوهن والتكسير للمتبدد وذات هاهنا زائده مقحمه.
قوله: " فلا تغبوا أفواههم "، أي لا تجيعوهم بأن تطمعوهم غبا، ومن روى: فلا تغيروا أفواههم " فذاك لان الجائع يتغير فمه، قال(عليه السلام): " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ".
قال: " ولا يضيعوا بحضرتكم " أي لا تضيعوهم، فالنهى في الظاهر للايتام وفي المعنى للاوصياء والاولياء، والظاهر أنه لا يعنى الايتام الذين لهم مال تحت أيدى أوصيائهم، لان أولئك الاوصياء محرم عليهم ان يصيبوا من أموال اليتامى إلا القدر النزر جدا عند الضرورة ثم يقضونه مع التمكن، ومن هذه حاله لا يحسن أن يقال له لا تغيروا افواه أيتامكم، وإنما الاظهر انه يعنى الذين مات آباؤهم وهم فقراء يتعين مواساتهم ويقبح القعود عنهم، كما قال تعالى:(ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا)(1)، واليتم في الناس من قبل الاب، وفي البهائم من قبل الام لان الاباء من البهائم لا عنايه لهم بالاولاد بل العناية للام لانها المرضعة المشفقة وأما الناس فإن الاب هو الكافل القيم بنفقة الولد، فإذا مات وصل الضرر إليه لفقد كافله والام بمعزل عن ذلك.
وجمع يتيم على أيتام كما قالوا: شريف وأشراف.
وحكى أبو على في التكمله: " كمئ وأكماء ".
ولا يسمى الصبى يتيما الا إذا
---
(1) سورة الانسان 8(*).
---

[8]
كان دون البلوغ وإذا بلغ زال اسم اليتيم(1) عنه.
واليتامى أحد الاصناف الذين عينوا في الخمس بنص الكتاب العزيز.
* * *
[فصل في الاثار الواردة في حقوق الجار] ثم أوصى بالجيران، واللفظ الذى ذكره(عليه السلام) قد ورد مرفوعا في روايه عبد الله ابن عمر لما ذبح شاة، فقال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ فإنى سمعت رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) يقول: " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه "، وفى الحديث أنه صلى الله عليه وآله: " قال من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم جاره:، وعنه(عليه السلام) جار السوء في دار المقامة قاصمه الظهر وعنه(عليه السلام): " من جهد البلاء جار سوء معك في دار مقامه إن رأى حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها وأفشاها ".
ومن أدعيتهم: اللهم إنى أعوذ بك من مال يكون على فتنة، ومن ولد يكون على كلا، ومن حليله تقرب الشيب، ومن جار تراني عيناه وترعاني أذناه، إن رأى خيرا دفنه، وإن سمع شرا طار به.
ابن مسعود يرفعه: " والذى نفسي بيده لا يسلم العبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ويأمن جاره بوائقه "، قالوا: ما بوائقه؟ قال: غشمه وظلمه ".
لقمان: يا بنى، حملت الحجارة والحديد فلم أر شيئا أثقل من جار السوء.
وانشدوا: ألا من يشترى دارا برخص * * *
كراهه بعض جيرتها تباع وقال الاصمعي: جاور أهل الشام الروم فأخذوا عنهم خصلتين: اللؤم وقلة الغيرة،
---
(1) ا: " اليتم "(*).
---

[9]
وجاور أهل البصرة الخزر، فأخذوا عنهم خصلتين الزنا وقله الوفاء وجاور أهل الكوفه السواد، فأخذوا عنهم خصلتين: السخاء والغيرة.
وكان يقال من تطاول على جاره، حرم بركة داره.
وكان يقال من آذى جاره ورثه الله داره.
باع أبو الجهم العدوى داره، وكان في جوار سعيد بن العاص بمائة ألف درهم، فلما أحضرها المشترى قال له: هذا ثمن الدار فأعطني ثمن الجوار، قال: أي جوار؟ قال: جوار سعيد بن العاص، قال وهل اشترى أحد جوارا قط! فقال رد على دارى، وخذ مالك لا أدع جوار رجل، إن قعدت سأل عنى، وإن رأني رحب بى، وإن غبت عنه حفظني، وإن شهدت عنده قربنى، وإن سألته قضى حاجتى، وإن لم أسأله بدأنى، وأن نابتنى نائبه فرج عنى.
فبلغ ذلك سعيدا فبعث إليه مائة ألف درهم، وقال: هذا ثمن دارك، ودارك لك.
الحسن: ليس حسن الجوار كف الاذى ولكن حسن الجوار الصبر على الاذى.
جاءت امرأه إلى الحسن فشكت إليه الخلة(1)، وقالت: أنا جارتك، قال: كم بينى وبينك؟ قالت: سبع أدؤر، فنظر الحسن فإذا تحت فراشه سبعه دراهم، فأعطاها إياها، وقال: كدنا نهلك.
وكان كعب بن مامه إذا جاوره رجل قام له بما يصلحه، وحماه ممن يقصده، وإن هلك له شئ أخلفه عليه، وإن مات وداه لاهله، فجاوره أبو دواد الايادي، فزاره على العادة، فبالغ في إكرامه.
وكانت العرب إذا حمدت جارا قالت: جار كجار أبى دواد، قال قيس بن زهير:
---
(1) الخلة: الحاجة(*).
---

[10]
أطوف ما اطوف ثم آوى * * إلى جار كجار أبى دواد(1) ثم تعلم منه أبو دواد، وكان يفعل لجاره فعل كعب به.
وقال مسكين الدارمي: ما ضر جارا لى أجاوره * * ألا يكون لبابه ستر(2) أعمى إذا ما إذا جارتي خرجت * * حتى يوارى جارتي الخدر نارى ونار الجار واحده * * وإلبه قبلى ينزل القدر(3).
استعرض أبو مسلم صاحب الدولة فرسا محضيرا(3)، فقال لاصحابه: لماذا يصلح هذا؟ فذكروا سباق الخيل، وصيد الحمر والنعام واتباع الفار من الحرب فقال: لم تصنعوا شيئا يصلح للفرار من الجار السوء.
سئل سليمان على بن خالد بن صفوان عن ابنيه: محمد وسليمان - وكانا جاريه - فقال: كيف إحمادك جوارهما؟ فتمثل بقول يزيد بن مفرغ الحميرى: سقى الله دارا لى وأرضا تركتها * أبو مالك جار لها وابن مرثد * * فيالك جارى ذله وصغار! وفي الحديث المرفوع أيضا من روايه جابر: الجيران ثلاثه فجار له حق، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، فصاحب الحق الواحد جار مشرك لا رحم له، فحقه
---
(1) المضاف والمنسوب 1: 100.
(2) الاولان في أمالى المرتضى 43 1، 44.
(3) موضعه في أمالى المرتضى: ويصم عما كان بينهما * * سمعي وما بى غيره وقر(4) فرس محضير، أي شديد الحضر، وهو العدو(*).
---

[11]
حق الجوار وصاحب الحقين جار مسلم لا رحم له، وصاحب الثلاثة جار مسلم ذو رحم، وأدنى حق الجوار ألا تؤذى جارك بقتار قدرك، إلا أن تقتدح له منها.
قلت: تقتدح تغترف، والمقدحة المغرفة.
وكان يقال: الجيران خمسة: الجار الضار السئ الجوار، والجار الدمس الحسن الجوار، والجار اليربوعي المنافق، والجار البراقشى المتلون في أفعاله، والجار الحسدلى(1) الذى عينه تراك وقلبه يرعاك.
وروى أبو هريره كان رسول الله صلى الله عليه وآله: " يقول اللهم إنى أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن دار البادية تتحول ".
* * *
قوله(عليه السلام): " الله الله في القرآن: أمرهما بالمسارعة إلى العمل به، ونهاهما أن يسبقهما غيرهما إلى ذلك، ثم أمرهما بالصلاة والحج.
وشدد الوصاة في الحج، فقال: " فإنه إن ترك لم تناظروا " أي يتعجل الانتقام منكم.
فأما المثلة فمنهى عنها، أمر رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ان يمثل بهبار بن الاسود لانه روع زينب حتى أجهضت، ثم نهى عن ذلك وقال: لا مثله المثله حرام.
---
(1) الحسدلى: منسوب إلى الحسدل، وهو القراد(*).
---

[12]
(48)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) إلى معاوية: فإن البغى والزور يوتغان المرء في دينه ودنياه، ويبديان خلله عند من يعيبه وقد علمت أنك غير مدرك ما قضى فواته، وقد رام أقوام أمرا بغير الحق، فتالوا على الله فأكذبهم، فاحذر يوما يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله، ويندم من أمكن الشيطان من قياده فلم يجاذبه، وقد دعوتنا إلى حكم القرآن ولست من أهله، ولسنا إياك أجبنا ولكنا أجبنا القرآن في حكمه، والسلام.
* * *
الشرح:
يوتغان يهلكان والوتغ بالتحريك: الهلاك، وقد وتغ يوتغ وتغا، أي أثم وهلك، وأوتغه الله: أهلكه الله، وأوتغ فلان دينه بالاثم.
قوله: " فتألوا على الله:، أي حلفوا، من الالية وهى اليمين، وفي الحديث: " من تألى على الله أكذبه الله "، ومعناه: من أقسم تجبرا واقتدارا: لافعلن كذا، أكذبه الله ولم يبلغ أمله.
وقد روى: " تأولوا على الله " أي حرفوا الكلم عن مواضعه، وتعلقوا بشبهة في تأويل القرآن انتصارا لمذاهبهم وآرائهم، فأكذبهم الله بأن أظهر للعقلاء فساد تأويلاتهم.
والاول أصح.
---

[13]
ويغتبط فيه يفرح ويسر، والغبطة: السرور، روى يغبط فيه " أي يتمنى مثل حاله هذه.
قوله: " ويندم من أمكن الشيطان من قياده فلم يجاذبه " الياء التى هي حرف المضارعه عائدة على المكلف الذى أمكن الشيطان من قياده.
يقول: إذا لم يجاذب الشيطان من قياده فإنه يندم، فأما من جاذبه قياده فقد قام بما عليه.
ومثله قوله: " ولسنا إياك أجبنا قوله: " والله ما حكمت مخلوقا وإنما حكمت القرآن " ومعنى " مخلوقا ": بشرا لا محدثا.
---

[14]
(49)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) الى معاوية أيضا: أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن غيرها، ولم يصب صاحبها منها شيئا إلا فتحت له حرصا عليها، ولهجا بها، ولن يستغنى صاحبها بما نال فيها عما لم يبلغه منها ومن وراء ذلك فراق ما جمع، ونقض ما أبرم، ولو اعتبرت بما مضى، حفظت ما بقى والسلام.
* * *
الشرح:
هذا كما قيل في المثل: صاحب الدنيا كشارب ماء البحر، كلما ازداد شربا ازداد عطشا، والاصل في هذا قول الله تعالى: " لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا، ولا يملا عين ابن آدم إلا التراب "، وهذا من القرآن الذى رفع ونسخت تلاوته.
وقد ذكر نصر بن مزاحم هذا الكتاب وقال: إن امير المؤمنين(عليه السلام) كتبه إلى عمرو بن العاص، وزاد فيه زياده لم يذكرها الرضى: أما بعد، فإن الدنيا مشغلة عن الاخرة، وصاحبها منهوم(1) عليها، لم يصب شيئا منها قط إلا فتحت عليه حرصا، وأدخلت عليه مؤنة(2) تزيده رغبة فيها،
---
(1) صفين: " مقهور فيها ".
(2) صفين: " مئونة "(*).
---

[15]
ولن يستغنى صاحبها بما نال عما لم يدرك، ومن وراء ذلك فراق ما جمع، والسعيد من وعظ بغيره، فلا تحبط أجرك أبا عبد الله(1 ولا تشرك معاوية في باطله 1)، فإن معاوية غمص الناس، وسفه الحق(2).
والسلام.
قال نصر: وهذا أول كتاب كتبه على(عليه السلام) إلى عمرو بن العاص، فكتب إليه عمرو جوابه: أما بعد، فإن الذى فيه صلاحنا، وألفة ذات بيننا، أن تنيب إلى الحق(4) وأن تجيب إلى ما(5 ندعوكم إليه من الشورى 5)، فصبر الرجل منا نفسه على الحق، وعذره الناس بالمحاجزه والسلام.
(6) قال نصر: فكتب على(عليه السلام) إلى عمرو بن العاص بعد ذلك كتابا غليظا.
وهو الذى ضرب مثله فيه بالكلب يتبع الرجل، وهو مذكور في " " نهج البلاغه " " واللهج: الحرص.
ومعنى قوله(عليه السلام): " لو اعتبرت بما مضى حفظت ما بقى " أي لو اعتبرت بما مضى من عمرك لحفظت باقية أن تنفقه في الضلال وطلب الدنيا وتضيعه.
* * *
---
(1 - 1) صفين: " ولا تجارين معاوية في باطله ".
(2) غمص الناس: احتقرهم، وسفة الحق، أي جهله.
(3) صفين 124.
(4) تنبب إلى لحق: ترجع.
(5 - 5) صفين: " أن نجيب إلى ما تدعون إليه من شورى ".
(6) صفين 123(*).
---

[16]
(50)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) إلى أمرائه على الجيوش من عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رفعة إلى أصحاب المسالح: أما بعد، فإن حقا على الوالى ألا يغيره على رعيته فضل ناله، ولا طول خص به، وأن يزيده ما قسم الله له من نعمه دنوا من عباده، وعطفا على إخوانه.
ألا وإن لكم عندي ألا أحتجز دونكم سرا إلا في حرب، ولا أطوى دونكم أمرا إلا في حكم، ولا أؤخر لكم حقا عن محله، ولا أقف به دون مقطعه، وأن تكونوا عندي في الحق سواء، فإذا فعلت ذلك وجبت لله عليكم النعمة ولى عليكم الطاعة، وألا تنكصوا عن دعوه ولا تفرطوا في صلاح، وإن تخوضوا الغمرات إلى الحق، فإن أنتم لم تستقيموا لى على ذلك، لم يكن أحد أهون على ممن أعوج منكم، ثم أعظم له العقوبة ولا يجد عندي فيها رخصه.
فخذوا هذا من أمرائكم، وأعطوهم من أنفسكم ما يصلح الله به أمركم والسلام.
* * *
---

[17]
الشرح:
أصحاب المسالح: جماعات تكون بالثغر يحمون البيضة، والمسلحة هي الثغر، كالمرغبة، وفي الحديث: " كان أدنى مسالح فارس إلى العرب العذيب(1)، قال: يجب على الوالى ألا يتطاول على الرعيه بولايته، وما خص به عليهم من الطول وهو الفضل، وإن تكون تلك الزيادة التى أعطيها سببا لزيادة دنوه من الرعية وحنوه عليهم.
ثم قال: " لكم عندي ألا أحتجز دونكم بسر "، أي لا أستتر.
قال: إلا في حرب " وذلك لان الحرب يحمد فيها طى الاسرار، والحرب خدعه.
ثم قال ولا أطوى دونكم أمرا إلا في حكم " أي أظهركم على كل ما نفسي مما يحسن أن أظهركم عليه، فأما أحكام الشريعة والقضاء على أحد الخصمين فإنى لا أعلمكم به قبل وقوعه، كيلا تفسد القضية بأن يحتال ذلك الشخص لصرف الحكم عنه.
ثم ذكر أنه لا يؤخر لهم حقا عن محله - يعنى العطاء - وأنه لا يقف دون مقطعه، والحق هاهنا غير العطاء، بل الحكم، قال زهير: فإن الحق مقطعه ثلاث * * يمين أو نفار أو جلاء(2) أي متى تعين الحكم حكمت به وقطعت ولا أقف، ولا أتحبس.
ولما استوفى ما شرط لهم قال: فإذا أنا وفيت بما شرطت على نفسي وجبت لله عليكم النعمة ولى عليكم(3) الطاعة.
ثم أخذ في الاشتراط عليهم كما شرط لهم، فقال: ولى عليكم ألا تنكصوا عن
---
(1) العذيب، بالتصغير: يطلق على مواضع، منها ماء بين القادسية والمغيثة، بينه وبين القادسية أربعة أميان.
(2) ديوانه 75.
النفار: المنافرة إلى الحاكم، أو رجل يحكم بينهم.
الجلاء: أن ينكشف الامر وينجى.
(3) ا: " نحوكم "(*).
---

[18]
دعوة أي لا تتقاعسوا عن الجهاد إذا دعوتكم إليه، ولا تفرطوا في صلاح أي إذا أمكنتكم فرصة، أو رأيتم مصلحة في حرب العدو أو حماية الثغر، فلا تفرطوا فيها فتفوت.
وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق، أي تكابدوا المشاق العظيمه، ولا يهولنكم خوضها إلى الحق.
ثم توعدهم إن لم يفعلوا ذلك، ثم قال فخذوا هذا من امرائكم ليس يعنى به أن على هؤلاء أصحاب المسالح أمراء من قبله(عليه السلام) كالواسطه بينهم وبينه بل من أمرائكم، يعنى منى وممن يقوم في الخلافة مقامي بعدى لانه لو كان الغرض هو الاول لما كان محلهم عنده أن يقول: " ألا أحتجز دونكم بسر ولا أطوى دونكم أمرا " لان محل من كان بتلك الصفة دون هذا.
---

[19]
(51) ومن كتاب له(عليه السلام) إلى عماله على الخراج: من عبد الله على أمير المؤمنين إلى أصحاب الخراج: أما بعد! فإن من لم يحذر ما هو سائر إليه، لم يقدم لنفسه ما يحرزها.
واعلموا أن ما كلفتم يسير وأن ثوابه كثير ولو لم يكن فيما نهى الله عنه من البغى والعدوان عقاب يخاف، لكان في ثواب اجتنابه ما لا عذر في ترك طلبه، فأنصفوا الناس من أنفسكم، واصبروا لحوائجهم، فإنكم خزان الرعية، ووكلاء الامة وسفراء الائمة ولا تحشموا أحدا عن حاجته ولا تحبسوه عن طلبته، ولا تبيعن الناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف، ولا دابة يعتملون عليها، ولا عبدا، ولا تضربن أحدا سوطا لمكان درهم، ولا تمسن مال أحد من الناس مصل ولا معاهد، إلا أن تجدوا فرسا أو سلاحا يعدى به على أهل الاسلام، فإنه لا ينبغى للمسلم ان يدع ذلك في أيدى أعداء الاسلام، فيكون شوكه عليه.
ولا تدخروا أنفسكم نصيحة، ولا الجند حسن سيره ولا الرعية معونه، ولا دين الله قوة.
وأبلوه في سبيل ما استوجب عليكم، فإن الله سبحانه قد اصطنع عندنا
---

[20]
وعندكم أن نشكره بجهدنا، وأن ننصره بما بلغت قوتنا، ولا قوه إلا بالله العلى العظيم.
* * *
الشرح:
يقول: لو قدرنا أن القبائح العقليه كالظلم والبغى لا عقاب على فعلها بل في تركها ثواب فقط لم يكن الانسان معذورا إذا فرط في ذلك الترك لانه يكون قد حرم نفسه نفعا هو قادر على إيصاله إليها.
قوله: " ولا تحشموا أحدا "، أي لا تغضبوا طالب حاجه فتقطعوه عن طلبها، أحشمت زيدا، وجاء " حشمته "، وهو أن يجلس إليك فتغضبه وتؤذيه.
وقال ابن الاعرابي: حشمته: أخجلته، وأحشمته: أغضبته، والاسم الحشمة، وهى الاستحياء والغضب.
ثم نهاهم أن يبيعوا لارباب الخراج ما هو من ضرورياتهم كثياب أبدانهم وكدابة يعتملون عليها، نحو بقر الفلاحة، وكعبد لا بد للانسان منه يخدمه، ويسعى بين يديه.
ثم نهاهم عن ضرب الابشار لاستيفاء الخراج.
وكتب عدى بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز يستاذنه في عذاب العمال، فكتب إليه كأنى لك جنة من عذاب الله، وكأن رضاى ينجيك من سخط الله! من قامت عليه بينه، أو أقر بما لم يكن مضطهدا مضطرا الا الاقرار به، فخذه بأدائه، فان كان قادرا عليه فاستأد، وإن أبى فاحبسه، وإن لم يقدر فخل سبيله، بعد أن تحلفه بالله أنه لا يقدر على شئ، فلان يلقوا الله بجناياتهم أحب إلى من أن ألقاه بدمائهم.
---

[21]
ثم نهاهم أن يعرضوا لمال أحد من المسلمين أو من المعاهدين المعاهد هاهنا: هو الذمي أو من يدخل دار الاسلام من بلاد الشرك على عهد، إما لاداء رسالة أو لتجارة: ونحو ذلك ثم يعود الى بلاده.
ثم نهاهم عن الظلم وأخذ أموال الناس على طريق المصادرة والتأويل الباطل، قال: إلا أن تخافوا غائلة المعاهدين، بان تجدوا عندهم خيولا أو سلاحا، وتظنوا منهم وثبه على بلد من بلاد المسلمين، فانه لا يجوز الاغضاء عن ذلك حينئذ.
قوله: " وابلوا في سبيل الله "، أي اصطنعوا من المعروف في سبيل الله ما استوجب عليكم، يقال: هو يبلوه معروفا، أي يصنعه إليه قال زهير: جزى الله بالاحسان ما فعلا بكم * * وأبلاهما خير البلاء الذى يبلو(1).
قوله(عليه السلام) قد اصطنعا عندنا و عندكم أن نشكره "، أي لان نشكره، بلام التعليل وحذفها، أي أحسن إلينا لنشكره، وحذفها أكثر نحو قوله تعالى:(لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم)(2).
---
(1) ديوانه 116.
(2) سورة المائدة 80(*).
---

[22]
(52) ومن كتاب له(عليه السلام) إلى أمراء البلاد في معنى الصلاة: أما بعد فصلوا بالناس الظهر حتى تفئ الشمس مثل مربض العنز، وصلوا بهم العصر والشمس بيضاء حية في عضو من النهار حين يسار فيها فرسخان، وصلوا بهم المغرب حين يفطر الصائم ويدفع الحاج إلى منى، وصلوا بهم العشاء حين يتوارى الشفق إلى ثلث الليل، وصلوا بهم الغداة والرجل يعرف وجه صاحبه وصلوا بهم صلاة أضعفهم، ولا تكونوا فتأنين.
* * *
الشرح:
[بيان اختلاف الفقهاء في أوقات الصلاة] قد اختلف الفقهاء في أوقات الصلاة، فقال أبو حنيفة: أول وقت الفجر إذا طلع الفجر الثاني، وهو المعترض في الافق، وآخر وقتها ما لم تطلع الشمس " وأول وقت الظهر إذا زالت الشمس، وآخر وقتها إذا صار ظل كل شئ مثليه سوى الزوال.
وقال أبو يوسف ومحمد: آخر وقتها إذا صار الظل مثله.
قال أبو حنيفة: وأول وقت العصر إذا خرج وقت الظهر، وهذا على القولين، وآخر وقتها ما لم تغرب الشمس، وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس، وآخر وقتها
---

[23]
ما لم يغب الشفق وهو البياض الذى في الافق بعد الحمرة.
وقال أبو يوسف ومحمد هو الحمره.
قال أبو حنيفه: وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق، وهذا(1) على القولين وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر.
وقال الشافعي: أول وقت الفجر إذا طلع الفجر الثاني، ولا يزال وقتها المختار باقيا إلى أن يسفر، ثم يبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس.
وقال أبو سعيد الاصطخرى من الشافعية لا يبقى وقت الجواز، بل يخرج وقتها بعد الاسفار ويصلى قضاء، ولم يتابعه على هذا القول أحد.
قال الشافعي: وأول وقت الظهر إذا زالت الشمس.
وحكى أبو الطيب الطبري من الشافعية أن من الناس من قال لا تجوز الصلاه حتى يصير الفئ بعد الزوال مثل الشراك.
وقال مالك: أحب ان يؤخر الظهر بعد الزوال بقدر ما يصير الظل ذراعا، وهذا مطابق لما قال أمير المؤمنين(عليه السلام) حين تفئ الشمس كمربض العنز، أي كموضع تربض العنز، وذلك نحو ذراع أو أكثر بزياده يسيره.
قال الشافعي: وآخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شئ مثله، ويعتبر المثل من حد الزيادة على الظل الذى كان عند الزوال، وبهذا القول قال أبو يوسف ومحمد، وقد حكيناه من قبل، وبه أيضا قال الثوري وأحمد، وهو رواية الحسن بن زياد اللؤلؤي عن أبى حنيفة، فأما الرواية المشهورة عنه - وهى التى رواها أبو يوسف - فهو أن آخر وقت الظهر صيرورة الظل مثليه، وقد حكيناه عنه فيما تقدم.
وقال ابن المنذر: تفرد أبو حنيفة بهذا القول، وعن أبى حنيفه روايه ثالثة أنه إذا صار ظل كل شئ مثله خرج وقت الظهر، ولم يدخل وقت العصر إلى أن يصير ظل كل شئ مثليه.
---
(1) ا: " وهو "(*).
---

[24]
وقال أبو ثور ومحمد بن جرير الطبري: قدر أربع ركعات بين المثل والمثلين، يكون مشتركا بين الظهر والعصر.
وحكى عن مالك أنه قال: إذا صار ظل كل شئ مثله، فهو آخر وقت الظهر وأول وقت العصر، فإذا زاد على المثل زيادة بينة خرج وقت الظهر واختص الوقت بالعصر.
وحكى ابن الصباغ من الشافعية، عن مالك، أن وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شئ مثله وقتا مختارا، فأما وقت الجواز والاداء فآخره إلى أن يبقى إلى غروب الشمس قدر أربع ركعات، وهذا القول مطابق لمذهب الامامية.
وقال ابن جريج وعطاء: لا يكون مفرطا بتأخيرها حتى تكون في الشمس صفرة.
وعن طاوس: لا يفوت حتى الليل.
فأما العصر: فإن الشافعي يقول: إذا زاد على المثل أدنى زياده، فقد دخل وقت العصر، والخلاف في ذلك بينه وبين أبى حنيفة، لانه يقول: أول وقت العصر إذا صار ظل كل شئ مثليه، وزاد عليه أدنى زيادة.
وقد حكيناه عنه فيما تقدم.
وكلام أمير المؤمنين(عليه السلام) في العصر مطابق لمذهب أبى حنيفه، لان بعد صيرورة الظل مثليه، هو الوقت الذى تكون فيه الشمس حية بيضاء في عضو من النهار، حين يسار فيه فرسخان، وأما قبل ذلك فإنه فوق ذلك يسار من الفراسخ أكثر من ذلك، ولا يزال وقت الاختيار عند الشافعي للعصر باقيا حتى يصير ظل كل شئ مثليه، ثم يبقى وقت الجواز إلى غروب الشمس.
وقال أبو سعيد الاصطخرى من أصحابه: يصير قضاء بمجاوزة المثلين، فأما وقت المغرب فإذا غربت الشمس وغروبها سقوط القرص. وقال أبو الحسن على بن حبيب الماوردى من الشافعية: لا بد أن يسقط القرص ويغيب
---

[25]
حاجب الشمس وهو الضياء المستعلى عليها كالمتصل بها، ولم يذكر ذلك من الشافعية أحد غيره.
وذكر الشاشى في كتاب " حليه العلماء " أن الشيعه قالت: أول وقت المغرب إذا اشتبكت النجوم.
قال قد حكى هذا عنهم.
ولا يساوى الحكاية، ولم تذهب الشيعة إلى هذا، وسنذكر قولهم فيما بعد.
وكلام أمير المؤمنين(عليه السلام) في المغرب لا ينص على وقت معين لانه عرف ذلك بكونه وقت الافطار ووقت ما يدفع الحاج، وكلا الامرين يحتاج إلى تعريف كما يحتاج وقت الصلاه، اللهم إلا أن يكون قد عرف أمراء البلاد الذين يصلون بالناس من قبل هذا الكتاب متى هذا الوقت الذى يفطر فيه الصائم، ثم يدفع فيه الحاج بعينه، ثم يحيلهم في هذا الكتاب على ذلك التعريف المخصوص.
قال الشافعي: وللمغرب وقت واحد وهو قول مالك.
وحكى أبو ثور عن الشافعي أن لها وقتين، وآخر وقتها إذا غاب الشفق.
وليس بمشهور عنه، والمشهور القول الاول، وقد ذكرنا قول أبى حنيفة فيما تقدم، وهو امتداد وقتها إلى أن يغيب الشفق وبه قال أحمد وداود.
واختلف أصحاب الشافعي في مقدار الوقت الواحد، فمنهم من قال: هو مقدر بقدر الطهاره وستر العورة والاذان والاقامة وفعل ثلاث ركعات، ومنهم من قدره بغير ذلك.
وقال أبو إسحاق الشيرازي منهم، التضييق إنما هو في الشروع، فأما الاستدامة فتجوز إلى مغيب الشفق.
فأما وقت العشاء، فقال الشافعي: هو أن يغيب الشفق وهو الحمرة، وهو قول مالك وأحمد وداود وأبى يوسف ومحمد وقد حكينا مذهب أبى حنيفه فيما تقدم، وهو أن يغيب الشفق الذى هو البياض و، به قال زفر والمزنى.
---

[26]
قال الشافعي وآخر وقتها المختار إلى نصف الليل، هذا هو قوله القديم، وهو مذهب أبى حنيفة، وقال في الجديد: إلى ثلث الليل.
ويجب أن يحمل قول أمير المؤمنين(عليه السلام) في العشاء أنها إلى ثلث الليل على وقت الاختيار، ليكون مطابقا لهذا القول، وبه قال مالك وإحدى الروايتين عن أحمد.
ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الجواز إلى طلوع الفجر الثاني.
وقال أبو سعيد الاصطخرى: لا يبقى وقت الجواز بعد نصف الليل، بل يصير قضاء.
* * *
فقد ذكرنا مذهبي أبى حنيفة والشافعي في الاوقات، وهما الامامان المعتبران في الفقه، ودخل في ضمن حكايه مذهب الشافعي ما يقوله مالك وأحمد وغيرهما من الفقهاء.
فأما مذهب الامامية من الشيعه، فنحن نذكره نقلا عن كتاب أبى عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله المعروف بالمقيد " بالرساله المقنعة " قال: وقت الظهر من بعد زوال الشمس إلى أن يرجع الفئ سبعى الشخص وعلامة الزوال رجوع الفئ بعد انتهائه الى النقصان، وطريق معرفة ذلك بالاصطرلاب أو ميزان الشمس، وهو معروف عند كثير من الناس، أو بالعمود المنصوب في الدائرة الهندية أيضا، فمن لم يعرف حقيقة العمل بذلك، أو لم يجد آلته فلينصب عودا من خشب أو غيره في أرض مستويه السطح، ويكون أصل العود غليظا ورأسه دقيقا شبه المذرى الذى ينسج به التكك أو المسلة التى تخاط بها الاحمال، فان ظل هذا العود يكون بلا شك في أول النهار أطول من العود، وكلما ارتفعت الشمس نقص من طوله حتى يقف القرص في وسط السماء فيقف الفئ حينئذ، فإذا زال القرص عن الوسط إلى جهة المغرب رجع إلفئ إلى الزيادة.
فليعتبر من أراد الوقوف على وقت الزوال ذلك بخطط وعلامات يجعلها على رأس ظل العود عند وضعه
---

[27]
في صدر النهار وكلما نقص في الظل شئ علم عليه، فإذا رجع إلى الزيادة على موضع العلامه عرف حينئذ برجوعه ان الشمس قد زالت.
وبذلك تعرف أيضا القبلة فان قرص الشمس يقف فيها وسط النهار ويصير عن يسارها ويمين المتوجه إليها بعد وقوفها وزوالها عن القطب فإذا صارت مما يلى حاجبه الايمن من بين عينيه علم انها قد زالت وعرف ان القبله تلقاء وجهه ومن سبقت معرفته بجهة القبله إلا ان ذلك لا يبين إلا بعد زوالها بزمان ويبين الزوال من أول وقته بما ذكرناه من الاصطرلاب وميزان الشمس والدائره الهندية والعمود الذى وصفناه، ومن لم يحصل له معرفة ذلك، أو فقد الالة توجه إلى القبله فاعتبر صيرورة الشمس على طرف حاجبه الايمن وقت العصر من بعد الفراغ من الظهر إذا صليت الظهر في أول اوقاتها - أعنى بعد زوال الشمس بلا فصل - ويمتد الى أن يتغير لون الشمس باصفرارها للغروب، وللمضطر والناسى إلى مغيبها بسقوط القرص عما تبلغه أبصارنا من السماء، وأول وقت المغرب مغيب الشمس، وعلامة مغيبها عدم الحمرة في المشرق المقابل للمغرب في السماء، وذلك أن المشرق في السماء مطل على المغرب، فما دامت الشمس ظاهره فوق أرضنا فهى تلقى ضوءها على المشرق في السماء فيرى حمرتها فيه، فإذا ذهبت الحمرة منه علم أن القرص قد سقط وغاب.
وآخره أول وقت العشاء الاخرة، وأول وقتها مغيب الشمس وهو الحمره في المغرب، وآخره مضى الثلث الاول من الليل، وأول وقت الغداة اعتراض الفجر، وهو البياض في المشرق يعقبه الحمرة في مكانه ويكون مقدمة لطلوع الشمس على الارض من السماء وذلك أن الفجر الاول، وهو البياض الظاهر في المشرق يطلع طولا ثم ينعكس بعد مدة عرضا ثم يحمر الافق بعده للشمس.
---

[28]
ولا ينبغى للانسان أن يصلى فريضه الغداه حتى يعترض البياض وينتشر صعدا في السماء كما ذكرنا وآخر وقت الغداه طلوع الشمس.
هذا ما تقوله الفقهاء في مواقيت الصلاه.
فأما قوله(عليه السلام): " والرجل يعرف وجه صاحبه فمعناه الاسفار، وقد ذكرناه.
وقوله(عليه السلام): " وصلوا بهم صلاة أضعفهم ".
أي لا تطيلوا بالقراءة الكثيرة والدعوات الطويله.
ثم قال: " ولا تكونوا فتانين "، أي لا تفتنوا الناس بإتعابهم وادخال المشقة عليهم بإطاله الصلاه وافساد صلاه المأمومين بما يفعلونه من أفعال مخصوصة، نحو أن يحدث الامام فيستخلف فيصلى الناس خلف خليفته، فإن ذلك لا يجوز على احد قولى الشافعي ونحو أن يطيل الامام الركوع والسجود، فيظن المأمومون أنه قد رفع فيرفعون أو يسبقونه بأركان كثيرة، ونحو ذلك من مسائل يذكرها الفقهاء في كتبهم.
* * *
واعلم أن أمير المؤمنين(عليه السلام) إنما بدأ بصلاة الظهر، لانها أول فريضه افترضت على المكلفين من الصلاه على ما كان يذهب إليه(عليه السلام)، وإلى ذلك تذهب الامامية، وينصر قولهم تسميتها بالاولى، ولهذا بدأ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان بذكرها قبل غيرها، فأما من عدا هؤلاء فأول الصلاه المفروضة عندهم الصبح وهى اول النهار.
* * *
وأيضا يتفرع على هذا البحث القول في الصلاه الوسطى، ما هي؟ فذهب جمهور
---

[29]
الناس إلى أنها العصر، لانها بين صلاتي نهار وصلاتي ليل، وقد رووا أيضا في ذلك روايات بعضها في الصحاح وقياس مذهب الامامية أنها المغرب، لان الظهر إذا كانت الاولى كانت المغرب الوسطى، إلا أنهم يروون عن أئمتهم(عليهم السلام) أنها الظهر، ويفسرون الوسطى بمعنى الفضلى، لان الوسط في اللغه هو خيار كل شئ، ومنه قوله تعالى:(جعلناكم امه وسطا)(1)، وقد ذهب إلى أنها المغرب قوم من الفقهاء أيضا.
وقال كثير من الناس: إنها الصبح، لانها أيضا بين صلاتي ليل وصلاتي نهار، ورووا ايضا فيها روايات وهو مذهب الشافعي، ومن الناس من قال: إنها الظهر كقول الامامية ولم يسمع عن أحد معتبرا أنها العشاء إلا قولا شاذا ذكره بعضهم.
وقال: لانها بين صلاتين لا تقصران
---
(1) سورة البقرة 143(*).
---

[30]
(53)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) كتبه للاشتر النخعي رحمه الله لما ولاه على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر أميرها محمد بن أبى بكر وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أمر به عبد الله على أمير المؤمنين مالك بن الحارث الاشتر في عهده إليه حين ولاه مصر جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها وعمارة بلادها.
أمره بتقوى الله وإيثار طاعته، واتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه التى لا يسعد أحد إلا باتباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها وأن ينصر الله سبحانه بيده وقلبه ولسانه، فانه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره، وإعزاز من أعزه.
وأمره أن يكسر من نفسه عند الشهوات وينزعها عند الجمحات، فإن النفس أماره بالسوء إلا ما رحم الله.
ثم اعلم يا مالك انى قد وجهتك الى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من امور
---

[31]
الولاة قبلك ويقولون فيك ما كنت تقوله فيهم، وإنما يستدل على الصالحين بما يجرى الله لهم على ألسن عباده فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح.
فاملك هواك، وشح بنفسك عما لا يحل لك فإن الشح بالنفس الانصاف منها فيما أحبت أو كرهت.
* * *
الشرح:
نصرة الله باليد: الجهاد بالسيف، وبالقلب الاعتقاد للحق، وباللسان قول الحق والامر بالمعروف والنهى عن المنكر، وقد تكفل الله بنصره من نصره، لانه تعالى قال:(ولينصرن الله من ينصره(1)).
والجمحات منازعه النفس إلى شهواتها ومآربها ونزعها بكفها.
ثم قال له: قد كنت تسمع أخبار الولاة، وتعيب قوما وتمدح قوما، وسيقول الناس في إمارتك الان نحو ما كنت تقول في الامراء فاحذر أن تعاب وتذم كما كنت تعيب وتذم من يستحق الذم.
ثم قال إنما يستدل على الصالحين بما يكثر سماعه من ألسنة الناس بمدحهم والثناء عليهم، وكذلك يستدل على الفاسقين بمثل ذلك.
وكان يقال ألسنه الرعيه أقلام الحق سبحانه إلى الملوك.
ثم أمره أن يشح بنفسه وفسر له الشح ما هو؟ فقال ان تنتصف منها فيما أحبت
---
(1) سورة الحج 40(*).
---

[32]
وكرهت أي لا تمكنها من الاسترسال في الشهوات وكن أميرا عليها، ومسيطرا وقامعا لها من التهور والانهماك.
فإن قلت: هذا معنى قوله: " فيما أحبت "، فما معنى قوله: " وكرهت "؟ قلت: لانها تكره الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات الشرعية ومن الواجبات العقليه وكما يجب أن يكون الانسان مهيمنا عليها في طرف الفعل يجب أن يكون مهيمنا عليها في طرف الترك.
* * *
الأصل:
وأشعر قلبك الرحمه للرعيه، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطإ، فأعطهم من عفوك وصفحك، مثل الذى تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووإلى الامر عليك فوقك، والله فوق من ولاك، وقد استكفاك أمرهم، وابتلاك بهم.
ولا تنصبن نفسك لحرب الله، فإنه لا يدى لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته.
ولا تندمن على عفو، ولا تبجحن بعقوبة، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت عنها مندوحة.
ولا تقولن إنى مؤمر آمر فأطاع، فإن ذلك ادغال في القلب، ومنهكة للدين، وتقرب من الغير.
---

[33]
وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيله، فانظر إلى عظم ملك الله فوقك، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإن ذلك يطامن إليك من طماحك، ويكف عنك من غربك ويفئ اليك بما عزب عنك من عقلك.
إياك ومساماه الله في عظمته، والتشبه به في جبروته، فإن الله يذل كل جبار، ويهين كل مختال! * * *
الشرح:
أشعر قلبك الرحمه، أي اجعلها كالشعار له، وهو الثوب الملاصق للجسد، قال: لان الرعية إما أخوك في الدين، أو إنسان مثلك تقتضي رقة الجنسية وطبع البشرية الرحمه له.
قوله ويؤتى على أيديهم "، مثل قولك: " ويؤخذ على أيديهم "، أي يهذبون ويثقفون، يقال: خذ على يد هذا السفيه، وقد حجر الحاكم على فلان، وأخذ على يده.
ثم قال: فنسبتهم إليك كنسبتك إلى الله تعالى، وكما تحب ان يصفح الله عنك ينبغى ان تصفح أنت عنهم.
قوله لا تنصبن نفسك لحرب الله "، أي لا تبارزه بالمعاصى.
فانه لا يدى لك بنقمتة، اللام مقحمة، والمراد الاضافة، ونحوه قولهم لا أبا لك.
قوله: ولا تقولن إنى مؤمر "، أي لا تقل انى امير ووال آمر بالشئ فأطاع.
---

[34]
والادغال: الافساد، ومنهكة للدين: ضعف وسقم.
ثم أمره عند حدوث الابهة والعظمة عنده لاجل الرئاسة والامرة أن يذكر عظمة الله تعالى وقدرته على إعدامه وإيجاده، وإماتته وإحيائه، فإن تذكر ذلك يطامن من غلوائه، أي يغض من تعظمه وتكبره، ويطاطئ منه.
والغرب: حد السيف، ويستعار للسطوة والسرعة في البطش والفتك.
قوله: " ويفئ "، أي يرجع إليك بما بعد عنك من عقلك، وحرف المضارعة مضموم لانه من " أفاء ".
ومساماة الله تعالى: مباراتة في السمو وهو العلو.
* * *
الأصل:
أنصف الله وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك هوى فيه من رعيتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمة دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان لله حربا حتى ينزع أو يتوب.
وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإن الله يسمع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد.
وليكن أحب الامور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعها لرضا الرعية فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة
---

[35]
وليس أحد من الرعيه اثقل على الوالى مؤنة في الرخاء، وأقل معونة له في البلاء وأكره للانصاف، وأسأل بالالحاف وأقل شكرا عند الاعطاء، وأبطا عذرا عند المنع، وأضعف صبرا عند ملمات الدهر، من أهل الخاصة، وإنما عمود الدين، وجماع المسلمين، والعدة للاعداء العامة من الامة فليكن صغوك لهم، وميلك معهم.
* * *
الشرح:
قال له أنصف الله أي قم له بما فرض عليك من العبادة والواجبات العقلية و السمعية.
ثم قال: وأنصف الناس من نفسك ومن ولدك وخاصة أهلك ومن تحبه وتميل إليه من رعيتك، فمتى لم تفعل ذلك كنت ظالما.
ثم نهاه عن الظلم، وأكد الوصاية عليه في ذلك.
ثم عرفه أن قانون الامارة الاجتهاد في رضا العامة، فإنه لا مبالاة بسخط خاصة الامير مع رضا العامة، فأما إذا سخطت العامة لم ينفعه رضا الخاصة، وذلك مثل أن يكون في البلد عشرة أو عشرون من أغنيائه، وذوى الثروة من أهله، يلازمون الوالى ويخدمونه ويسامرونه، وقد صار كالصديق لهم، فإن هؤلاء ومن ضارعهم من حواشى الوالى وأرباب الشفاعات والقربات عنده لا يغنون عنه شيئا عند تنكر العامة له، وكذاك لا يضر سخط هؤلاء إذا رضيت العامة، وذلك لان هؤلاء عنهم غنى، ولهم بدل، والعامة لا غنى عنهم ولا بدل منهم، ولانهم إذا شغبوا عليه كانوا كالبحر إذا هاج واضطرب، فلا يقاومه أحد وليس الخاصة كذلك.
---

[36]
ثم قال(عليه السلام) - ونعم ما قال ليس شئ أقل نفعا، ولا أكثر ضررا على الوالى من خواصه أيام الولاية لانهم يثقلون عليه بالحاجات، والمسائل والشفاعات، فإذا عزل هجروه ورفضوه حتى لو لقوه في الطريق لم يسلموا عليه.
والصغو(1) بالكسر والفتح والصغا مقصور: الميل.
* * *
الأصل:
وليكن أبعد رعيتك منك، وأشنأهم عندك، أطلبهم لمعايب الناس، فإن في الناس عيوبا الوالى أحق من سترها، فلا تكشفن عما غاب عنك منها، فإنما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت، يستر الله منك ما تحب ستره من(2) رعيتك.
أطلق عن الناس عقده كل حقد، واقطع عنك سبب كل وتر، وتغاب عن كل ما لا يضح لك، ولا تعجلن إلى تصديق ساع، فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين.
ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن الامور، ولا حريصا يزين لك الشره بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله.
* * *
---
(1) ب: " الصفو "، تحريف.
(2) في د: " عن "(*).
---

[37]
الشرح:
أشنأهم عندك أبغضهم اليك: وتغاب: تغافل، يقال: تغابى فلان عن كذا.
ويضح: يظهر والماضي وضح.
* * *
[فصل في النهى عن ذكر عيوب الناس وما ورد في ذلك من الاثار] عاب رجل رجلا عند بعض الاشراف فقال له: لقد استدللت على كثره عيوبك بما تكثر فيه من عيوب الناس، لان طالب العيوب إنما يطلبها بقدر ما فيه منها.
وقال الشاعر: وأجرأ من رأيت بظهر غيب * * على عيب الرجال أولو العيوب.
وقال آخر: يا من يعيب وعيبه متشعب * * كم فيك من عيب وأنت تعيب! وفي الخبر المرفوع: " دعوا الناس بغفلاتهم يعيش بعضهم مع بعض.
وقال الوليد بن عتبة بن أبى سفيان: كنت أساير أبى ورجل معنا يقع في رجل، فالتفت أبى إلى فقال: " يا بنى، نزه سمعك عن أستماع الخنا كما تنزه لسانك عن الكلام به، فإن المستمع شريك القائل، إنما نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك، ولو ردت كلمة جاهل في فيه لسعد رادها كما شقى قائلها.
وقال ابن عباس، الحدث حدثان: حدث من فيك، وحدث من فرجك.
---

[38]
وعاب رجل رجلا عند قتيبه بن مسلم فقال له قتيبه: أمسك ويحك! فقد تلمظت بمضغة طالما لفظها الكرام.
ومر رجل بجارين له ومعه ريبة فقال أحدهما لصاحبه: أفهمت ما معه من الريبة؟ قال: وما معه؟ قال: كذا، قال عبدى حر لوجه الله شكرا له تعالى إذ لم يعرفني من الشر ما عرفك.
وقال الفضيل بن عياض: إن الفاحشه لتشيع في كثير من المسلمين حتى إذا صارت إلى الصالحين كانوا لها خزانا.
وقيل لبزرجمهر: هل من أحد لا عيب فيه؟ فقال: الذى لا عيب فيه لا يموت.
وقال الشاعر: ولست بذى نيرب في الرجال * * مناع خير وسبابها(1) ولا من إذا كان في جانب * * أضاع العشيرة واغتابها ولكن أطاوع ساداتها * * ولا أتعلم ألقابها.
وقال آخر: لا تلتمس من مساوى الناس ما ستروا * * فيكشف الله سترا من مساويكا واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا * * ولا تعب أحدا منهم بما فيكا.
وقال آخر: ابدأ بنفسك فانهما عن عيبها * * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم(2) فهناك تعذر إن وعظت ويقتدى * * بالقول منك ويقبل التعليم.
---
(1) النيرب: الشر وحمل العداوة.
(2) لابي الاسود الدؤلى، خزانة الادب 3: 617، والرواية هناك، " عن غيها "(*).
---

[39]
فأما قوله(عليه السلام): " أطلق عن الناس عقدة كل حقد " فقد استوفى هذا العنى زياد في خطبته البتراء فقال: وقد كانت بينى وبين أقوام إحن(1)، وقد جعلت ذلك دبر أذنى وتحت قدمى فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا ومن كان منكم مسيئا فلينزع عن إساءته، إنى لو علمت أن أحدكم قد قتله السلال(2) من بغضى لم أكشف عنه قناعا، ولم أهتك له سترا، حتى يبدى لى صفحته، فإذا فعل لم أناظره، ألا فليشمل كل امرئ منكم على ما في صدره، ولا يكونن لسانه شفرة تجرى على ودجه.
[فصل في النهى عن سماع السعاية وما ورد في ذلك من الاثار] فأما قوله عليه السلام: " ولا تعجلن إلى تصديق ساع " فقد ورد في هذا المعنى كلام حسن، قال ذو الرياستين: قبول السعاية شر من السعاية لان السعاية دلالة، والقبول إجازة، وليس من دل على شئ كمن قبله وأجازه، فامقت الساعي على سعايته، فإنه لو كان صادقا كان لئيما، إذ هتك العورة، وأضاع الحرمة.
وعاتب مصعب بن الزبير الاحنف على أمر بلغه عنه فأنكره فقال مصعب: أخبرني به الثقة، قال كلا أيها الامير، أن الثقة لا يبلغ.
وكان يقال: لو لم يكن من عيب الساعي إلا أنه أصدق ما يكون أضر ما يكون على الناس لكان كافيا.
كانت الاكاسرة لا تأذن لاحد أن يطبخ السكباج(3)، وكان ذلك مما يختص به الملك، فرفع ساع إلى أنوشروان: إن فلانا دعانا ونحن جماعه إلى طعام له وفيه
---
(1) الاحن: جمع إحنة، وهى العداوة.
(2) السلال والسل بمعنى.
(3) السكباج: مرق يعمل من اللحم والخل، معرب(*).
---

[40]
سكباج، فوقع أنو شروان على رقعته: قد حمدنا نصيحتك، وذممنا صديقك على سوء اختياره للاخوان.
جاء رجل إلى الوليد بن عبد الملك وهو خليفة عبد الملك على دمشق، فقال: أيها الامير، إن عندي نصيحة، قال: اذكرها، قال: جار لى رجع من بعثه سرا، فقال: أما أنت فقد أخبرتنا أنك جار سوء، فإن شئت أرسلنا معك، فإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن كنت صادقا مقتناك، وإن تركتنا تركناك، قال بل أتركك أيها الامير.
قال: فانصرف.
ومثل هذا يحكى عن عبد الملك أن إنسانا سأله الخلوة، فقال لجلسائه: إذا شئتم! فانصرفوا، فلما تهيأ الرجل للكلام قال له: اسمع ما أقول، إياك أن تمدحني فأنا أعرف بنفسى منك، أو تكذبني فإنه لا رأى لمكذوب، أو تسعى بأحد إلى فإنى لا أحب السعاية قال: أفيأذن أمير المؤمنين بالانصراف! قال: إذا شئت.
وقال بعض الشعراء: لعمرك ما سب الامير عدوه * * ولكنما سب الامير المبلغ.
وقال آخر: حرمت منائى منك إن كان ذا الذى(1) * * أتاك به الواشون عنى كما قالوا ولكنهم لما رأوك شريعة * * إلى تواصوا بالنميمة واحتالوا(2) فقد صرت أذنا للوشاه سميعة ينالون من عرضى ولو شئت ما نالوا.
وقال عبد الملك بن صالح لجعفر بن يحيى وقد خرج يودعه لما شخص إلى خراسان: أيها الامير، أحب أن تكون لى كما قال الشاعر:
---
(1) في د " إن يكن الذى "، وهو مستقيم الوزن والمعنى أيضا.
(2) الشريعة: مورد الشاربة(*).
---

[41]
فكوني على الواشين لداء شغبة * * كما أنا للواشي ألد شغوب(1) قال: بل أكون كما قال القائل: وإذا الواشى وشى يوما بها * * نفع الواشى بما جاء يضر وقال العباس بن الاحنف: ما حطك الواشوان من رتبة * * عندي ولا ضرك مغتاب كأنهم أثنوا ولم يعلموا * * عليك عندي بالذى عابوا.
قوله عليه السلام: " ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر " مأخوذ من قول الله تعالى: " الشيطان يعدكم الفقر و يأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا)(2)، قال المفسرون: الفحشاء هاهنا البخل، ومعنى " يعدكم الفقر "، يخيل إليكم أنكم إن سمحتم بأموالكم افتقرتم فيخوفكم فتخافون فتبخلون.
قوله عليه السلام: " فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله "، كلام شريف عال على كلام الحكماء، يقول: إن بينها قدرا مشتركا وإن كانت غرائز وطبائع مختلفة، وذلك القدر المشترك هو سوء الظن بالله، لان الجبان يقول في نفسه: إن أقدمت قتلت، والبخيل يقول: إن سمحت وأنفقت افتقرت، والحريص يقول: إن لم أجد وأجتهد وأدأب فاتني ما أروم، وكل هذه الامور ترجع إلى سوء الظن بالله، ولو أحسن الظن الانسان بالله وكان يقينه صادقا لعلم أن الاجل مقدر، وأن الرزق مقدر، وأن الغنى والفقر مقدران، وأنه لا يكون من ذلك إلا ما قضى الله تعالى كونه.
* * *
---
(1) اللداء: الشديدة الخصومة.
(2) سورة البقرة 268(*).
---

[42]
الأصل:
شر وزرائك من كان قبلك للاشرار وزيرا، ومن شركهم في الاثام، فلا يكونن لك بطانه، فإنهم أعوان الاثمة، وإخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم وآثامهم، ممن لم يعاون ظالما على ظلمة ولا آثما على إثمه اولئك، أخف عليك مؤونة، وأحسن لك معونة وأحنى عليك عطفا، وأقل لغيرك إلفا.
فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك، ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك، وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لاوليائه، واقعا ذلك من هواك حيث وقع.
* * *
الشرح:
نهاه عليه السلام ألا يتخذ بطانة قد كانوا من قبل بطانة للظلمة، وذلك لان الظلم وتحسينه قد صار ملكة ثابتة في أنفسهم، فبعيد أن يمكنهم الخلو منها إذ قد صارت كالخلق الغريزى اللازم لتكرارها وصيرورتها عادة، فقد جاءت النصوص في الكتاب والسنة بتحريم معاونة الظلمة ومساعدتهم وتحريم الاستعانة بهم، فإن من استعان بهم كان معينا لهم، قال تعالى:(وما كنت متخذ المضلين عضدا)(1)، وقال "(لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله)(2).
وجاء في الخبر المرفوع: " ينادى يوم القيامة: أين من برى(3) لهم - أي الظالمين قلما ".
---
(1) سورة الكهف 51.
(2) سورة المجادلة 22.
(3) ب: " يرى "، تحريف، صوابه في ا، د(*).
---

[43]
أتى الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج فقال له ما تقول في الحجاج قال: وما عسيت أن أقول فيه! هل هو إلا خطيئة من خطاياك، وشرر من نارك؟ فلعنك الله ولعن الحجاج معك! وأقبل يشتمهما، فالتفت الوليد إلى عمر بن عبد العزيز فقال: ما تقول في هذا؟ قال: ما أقول فيه! هذا رجل يشتمكم، فإما أن تشتموه كما شتمكم، وإما أن تعفوا عنه.
فغضب الوليد وقال لعمر: ما أظنك إلا خارجيا! فقال عمر: وما أظنك إلا مجنونا، وقام فخرج مغضبا، ولحقه خالد ب‍الريان صاحب شرطة الوليد، فقال له ما دعاك إلى ما كلمت به أمير المؤمنين! لقد ضربت بيدى إلى قائم سيفى أنتظر متى يأمرنى بضرب عنقك، قال أو كنت فاعلا لو أمرك قال نعم فلما استخلف عمر جاء خالد بن الريان فوقف على رأسه متقلدا سيفه، فنظر إليه وقال: يا خالد، ضع سيفك فإنك مطيعنا في كل امر نأمرك به - وكان بين يديه كاتب للوليد، فقال له: ضع أنت قلمك، فانك كنت تضر به وتنفع اللهم إنى قد وضعتهما فلا ترفعهما، قال: فو الله ما زالا وضيعين مهينين حتى ماتا.
وروى الغزالي في كتاب " إحياء علوم الدين " قال لما خالط الزهري السلطان كتب أخ له في الدين إليه عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغى لمن عرفك أن يدعو الله لك ويرحمك، فقد اصبحت شيخا كبيرا، وقد اثقلتك نعم الله عليك بما فهمك من كتابه، وعلمك من سنة نبيه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، فإنه تعالى قال:(لتبيننه للناس ولا تكتمونه)(1).
واعلم أن أيسر ما ارتكبت، واخف ما احتملت انك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغى بدنوك إلى من لم يؤد حقا، ولم يترك باطلا حين أدناك اتخذوك أبا بكر قطبا تدور
---
(1) سورة آل عمران 187(*).
---

[44]
عليه رحا ظلمهم وجسرا يعبرون عليه إلى بلائهم ومعاصيهم، وسلما يصعدون فيه إلى ضلالتهم، يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك في جنب ما أفسدوا من حالك ودينك وما يؤمنك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم(فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاه واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا)(1) يا أبا بكر، إنك تعامل من لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم وهئ زادك فقد حضر سفر بعيد وما يخفى على الله من شئ في الارض ولا في السماء)(2)، والسلام.
* * *
والاصل والصق باهل الورع والصدق ثم رضهم على ألا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله، فإن كثرة الاطراء تحدث الزهو، وتدنى من العزة.
ولا يكونن المحسن والمسى عندك بمنزلة سواء فان، في ذلك تزهيدا لاهل الاحسان في الاحسان، وتدريبا لاهل الاساءة على الاساءة، وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه.
* * *
---
(1) سورة مريم 125.
(2) سورة ابراهيم 38(*).
---

[45]
قوله: " والصق بأهل الورع "، كلمة فصيحة، يقول: اجعلهم خاصتك وخلصاءك.
قال: ثم رضهم على ألا يطروك، أي عودهم ألا يمدحوك في وجهك.
ولا يبجحوك بباطل: لا يجعلوك ممن يبجح أي يفخر بباطل لم يفعله كما يبجح أصحاب الامراء الامراء بان يقولوا لهم: ما رأينا أعدل منكم ولا أسمح، ولا حمى هذا الثغر أمير أشد بأسا منكم! ونحو ذلك وقد جاء في الخبر: " أحثوا في وجوه المداحين التراب ". وقال عبد الملك لمن قام يساره ما تريد! أتريد أن تمدحني وتصفنى، أنا أعلم بنفسى منك.
وقام خالد بن عبد الله القسرى إلى عمر بن عبد العزيز يوم بيعته فقال: يا أمير المؤمنين، من كانت الخلافة زائنته فقد زينتها، ومن كانت شرفته فقد شرفتها، فانك لكما قال القائل: وإذا الدر زان حسن وجوه * * كان للدر حسن وجهك زينا.
فقال عمر بن عبد العزيز: لقد أعطى صاحبكم هذا مقولا، وحرم معقولا.
وأمره أن يجلس.
ولما عقد معاوية البيعه لابنه يزيد قام الناس يخطبون، فقال معاوية لعمرو بن سعيد الاشدق: قم فاخطب يا أبا أمية فقام فقال: أما بعد، فإن يزيد ابن أمير المؤمنين أمل تأملونه، وأجل تأمنونه، إن افتقرتم إلى حلمه وسعكم وإن احتجتم إلى رأيه أرشدكم، وان اجتديتم ذات يده أغناكم وشملكم، جذع قارح، سوبق فسبق، وموجد فمجد،
---

[46]
وقورع فقرع، وهو خلف أمير المؤمنين، ولا خلف منه، فقال معاوية: أوسعت يا أبا أميه فاجلس، فإنما أردنا بعض هذا.
وأثنى رجل على على عليه السلام في وجهه ثناء أوسع فيه - وكان عنده منهما - فقال له: أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك.
وقال ابن عباس لعتبه بن أبى سفيان وقد أثنى عليه فأكثر: رويدا فقد أمهيت يا أبا الوليد - يعنى بالغت، يقال أمهى حافر البئر، إذا استقصى حفرها.
فأما قوله عليه السلام: " ولا يكونن المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء "، فقد أخذه الصابى فقال: وإذا لم يكن للمحسن ما يرفعه، وللمسئ ما يضعه، زهد المحسن في الاحسان، واستمر المسئ على الطغيان "، وقال أبو الطيب: شر البلاد بلاد لا صديق بها * * وشر ما يكسب الانسان ما يصم(1) وشر ما قبضته راحتي قنص * * شهب البزاة سواء فيه والرخم.
وكان يقال: قضاء حق المحسن أدب للمسئ وعقوبة المسئ جزاء للمحسن.
* * *
الأصل:
وأعلم أنه ليس شئ بأدعى إلى حسن ظن وال برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيفه المئونات عليهم، وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم.
فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا، وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده، وان احق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده.
---
(1) ديوانه 3: 373(*).
---

[47]
ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الامة، واجتمعت بها الالفة وصلحت عليها الرعية.
لا تحدثن سنة تضر بشئ من ماضى تلك السنن، فيكون الاجر لمن سنها، والوزر عليك بما نقضت منها.
وأكثر مدارسة العلماء، ومناقشة الحكماء، في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامه ما استقام به الناس قبلك.
* * *
الشرح:
خلاصة صدر هذا الفصل، أن من أحسن إليك حسن ظنه فيك، ومن أساء إليك استوحش منك، وذلك لانك إذا أحسنت إلى أنسان وتكرر منك ذلك الاحسان تبع ذلك اعتقادك أنه قد أحبك، ثم يتبع ذلك الاعتقاد أمر آخر، وهو أنك تحبه، لان الانسان مجبول على أن يحب من يحبه، وإذا أحببته سكنت إليه وحسن ظنك فيه، وبالعكس من ذلك إذا أسأت إلى زيد، لانك إذا أسأت إليه وتكررت الاساءة تبع ذلك اعتقادك أنه قد أبغضك، ثم يتبع ذلك الاعتقاد أمر آخر، وهو أن تبغضه أنت وإذا أبغضته أنقبضت منه واستوحشت، وساء ظنك به.
قال المنصور للربيع: سلنى لنفسك: قال يا أمير المؤمنين، ملات يدى فلم يبق عندي موضع للمسألة، قال: فسلني لولدك، قال أسالك أن تحبه، فقال المنصور: يا ربيع، إن الحب لا يسأل، وإنما هو أمر تقتضيه الاسباب قال: يا أمير المؤمنين، وإنما أسألك أن تزيد من إحسانك، فإذا تكرر أحبك، وإذا أحبك أحببته.
فاستحسن
---

[48]
المنصور ذلك ثم نهاه عن نقض السنن الصالحة التى قد عمل بها من قبله من صالحي الامة فيكون الوزر عليه بما نقض، والاجر لاولئك بما أسسوا، ثم أمره بمطارحة العلماء والحكماء في مصالح عمله، فإن المشورة بركة، ومن استشار فقد أضاف عقلا إلى عقله.
ومما جاء في معنى الاول: قال رجل لاياس بن معاوية من أحب الناس إليك؟ قال الذين يعطونى، قال: ثم من؟ قال: الذين أعطيهم.
وقال رجل لهشام بن عبد الملك: إن الله جعل العطاء محبة، والمنع مبغضة، فأعنى على حبك، ولا تعنى في بغضك.
* * *
و
الأصل:
واعلم أن الرعية طبقات، لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولاغنى ببعضها عن بعض، فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة،، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الانصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوى الحاجات والمسكنة، وكل قد سمى الله له سهمه، ووضع على حده وفريضته في كتابه أو سنة نبيه (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) عهدا منه عندنا محفوظا.
فالجنود بإذن الله حصون الرعية وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الامن وليس تقوم الرعيه إلا بهم، ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذى يقوون به على جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم، ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال
---

[49]
والكتاب، لما يحكمون من المعاقد، ويجمعون من المنافع ويؤتمنون عليه من خواص الامور وعوامها، ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوى الصناعات، فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ويقيمونه من أسواقهم، ويكفونهم من الترفق بأيديهم، مما لا يبلغه رفق غيرهم.
ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة، الذين يحق رفدهم ومعونتهم وفي الله لكل سعة، ولكل على الوالى حق بقدر ما يصلحه.
وليس يخرج الوالى من حقيقة ما ألزمه الله تعالى من ذلك، إلا بالاهتمام والاستعانة بالله، وتوطين نفسه على لزوم الحق والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل.
* * *
الشرح:
قالت الحكماء الانسان مدنى بالطبع، ومعناه أنه خلق خلقة لا بد معها من أن يكون منضما إلى اشخاص من بنى جنسه، ومتمدنا في مكان بعينه، وليس المراد بالمتمدن ساكن المدينة ذات السور والسوق، بل لابد أن يقيم في موضع ما مع قوم من البشر، وذلك لان الانسان مضطر إلى ما يأكله ويشربه ليقيم صورته، ومضطر إلما يلبسه، ليدفع عنه أذى الحر والبرد، وإلى مسكن يسكنه ليرد عنه عادية غيره من الحيوانات، وليكون منزلا له ليتمكن من التصرف والحركة عليه، ومعلوم أن الانسان وحده لا يستقل بالامور التى عددناها، بل لابد من جماعة يحرث بعضهم لغيره الحرث، وذلك الغير يحوك للحراث الثوب، وذلك الحائك يبنى له غيره المسكن، وذلك البناء يحمل له
---

[50]
غيره(1) الماء، وذلك السقاء يكفيه غيره أمر تحصيل الالة التى يطحن بها الحب ويعجن بها الدقيق، ويخبز بها العجين، وذلك المحصل لهذه الاشياء يكفيه غيره الاهتمام بتحصيل الزوجه التى تدعو إليها داعية الشبق، فيحصل مساعدة بعض الناس لبعض لو لا ذلك لما قامت الدنيا، فلهذا معنى قوله عليه السلام: " إنهم طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غناء ببعضها عن بعض.
ثم فصلهم وقسمهم فقال: منهم الجند،(2 ومنهم الكتاب، ومنهم القضاة، ومنهم العمال 2)، ومنهم أرباب الجزية من أهل الذمة، ومنهم أرباب الخراج من المسلمين، ومنهم التجار، ومنهم أرباب الصناعات.
ومنهم ذوو الحاجات والمسكنة، وهم أدون الطبقات.
ثم ذكر أعمال هذه الطبقات فقال: الجند للحماية، والخراج يصرف إلى الجند والقضاة والعمال والكتاب لما يحكمونه من المعاقد، ويجمعونه من المنافع، ولا بد لهؤلاء جميعا من التجار لاجل البيع والشراء الذى لا غناء عنه، ولابد لكل من أرباب الصناعات كالحداد والنجار والبناء وأمثالهم.
ثم تلى هؤلاء الطبقة السفلى، وهم أهل الفقر والحاجة الذين تجب معونتهم والاحسان إليهم.
وإنما قسمهم في هذا الفصل هذا التقسيم تمهيدا لما يذكره فيما بعد فانه قد شرع بعد هذا الفصل، فذكر طبقة طبقة وصنفا صنفا، وأوصاه في كل طبقة وفي كل صنف منهم بما يليق بحاله، وكأنه مهد هذا التمهيد، كالفهرست لما يأتي بعده من التفصيل.
---
(1) ب: " غير تحريف "،(2 - 2) ساقط من ب، وأثبته من اد(3) ا: " فكأنه "(*).
---

[51]
الأصل:
فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولامامك، وأطهرهم جيبا، وأفضلهم حلما، ممن يبطئ عن الغضب، ويستريح إلى العذر، ويرأف بالضعفاء، وينبو على الاقوياء، وممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف.
ثم الصق بذوى المروءات والاحساب، وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة، ثم أهل النجدة والشجاعة، والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم، وشعب من العرف.
ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما، ولا يتفاقمن في نفسك شئ قويتهم به.
ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به وان قل، فإنه داعيه لهم إلى بذل النصيحة لك، وحسن الظن بك.
ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالا على جسيمها، فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به، وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه، وليكن آثر رءوس جندك عندك من واساهم في معونته، وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم حتى يكون همهم هما واحدا في جهاد العدو فان عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك.
ولا تصح نصيحتهم الا بحيطتهم على ولاة أمورهم، وقلة استثقال دولهم، وترك استبطاء انقطاع مدتهم.
فافسخ في آمالهم، وواصل من حسن الثناء عليهم، وتعديد ما أبلى ذوو البلاء
---
(1) مخطوطة النهج: " بحيطتهم " بالياء المشددة المكسورة(*).
---

[52]
منهم، فإن كثرة الذكر لحسن فعالهم تهز الشجاع، وتحرض الناكل، إن شاء الله.
ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى، ولا تضمن بلاء امرئ إلى غيره، ولا تقصرن به دون غاية بلائه.
ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا، ولا ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما، واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب، ويشتبه عليك من الامور، فقد قال الله سبحانه لقوم أحب إرشادهم:(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول)(1)، فالرد إلى الله الاخذ بمحكم كتابه والرد إلى الرسول الاخذ بسنته الجامعة غير المفرقة.
* * *
الشرح:
هذا الفصل مختص بالوصاة فيما يتعلق بأمراء الجيش، أمره أن يولى أمر الجيش من جنوده من كان أنصحهم لله في ظنه، وأطهرهم جيبا، أي عفيفا أمينا، ويكنى عن العفة والامانة بطهارة الجيب، لان الذى يسرق يجعل المسروق في جيبه.
فإن قلت: وأى تعلق لهذا بولاة الجيش؟ إنما ينبغى أن تكون هذه الوصية في ولاه الخراج! قلت: لا بد منها في أمراء الجيش لاجل الغنائم.
ثم وصف ذلك الامير فقال: " ممن يبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر "، أي يقبل
---
(1) سورة النساء 59(*).
---

[53]
أدنى عذر، ويستريح إليه، ويسكن عنده.
يرؤف(1) على الضعفاء، يرفق بهم ويرحمهم، والرأفة الرحمة.
وينبو عن الاقوياء يتجافى عنهم ويبعد، أي يمكنهم من الظلم والتعدى على الضعفاء.
ولا يثيره العنف: لا يهيج غضبه عنف وقسوة.
ولا يقعد به الضعف، أي ليس عاجزا.
ثم أمره أن يلصق بذوى الاحساب وأهل البيوتات، أي يكرمهم ويجعل معوله في ذلك عليهم ولا يتعداهم إلى غيرهم، وكان يقال: عليكم بذوى الاحساب، فإن هم لم يتكرموا استحيوا(2). ثم ذكر بعدهم أهل الشجاعة والسخاء، ثم قال: " إنها جماع من الكرم، وشعب من العرف، من هاهنا زائدة، وإن كانت في الايجاب على مذهب أبى الحسن الاخفش، أي جماع الكرم، أي يجمعه كقول النبي صلى الله عليه وآله: " الخمر جماع الاثم ".
والعرف: المعروف.
وكذلك " من " في قوله: " وشعب من العرف " أي وشعب العرف، أي هي أقسامه وأجزاؤه،، ويجوز أن تكون " من " على حقيقتها للتبعيض، أي هذه الخلال جملة من الكرم وأقسام المعروف، وذلك لان غيرها أيضا من الكرم والمعروف، ونحو العدل والعفة.
قوله: ثم تفقد من أمورهم الضمير هاهنا يرجع إلى الاجناد لا إلى الامراء لما سنذكره مما يدل الكلام عليه.
فإن قلت: إنه لم يجر للاجناد ذكر فيما سبق، وإنما المذكور الامراء! قلت: كلا بل سبق ذكر الاجناد، هو قوله: " الضعفاء والاقوياء ".
---
(1) د: " يرأف "، تحريف.(2): " استحسبوا "، ب: " استحبوا، وأثبت ما في ا(*).
---

[54]
وأمره عليه السلام أن يتفقد من أمور الجيش ما يتفقد الوالدان من حال الولد، وأمره ألا يعظم عنده ما يقويهم به وإن عظم، وألا يستحقر شيئا تعهدهم به وإن قل، وألا يمنعه تفقد جسيم أمورهم عن تفقد صغيرها وأمره أن يكون آثر رءوس جنوده عنده وأحظاهم عنده وأقربهم إليه من واساهم في معونته، هذا هو الضمير الدال على أن الضمير المذكور أولا للجند لا لامراء الجند، لو لا ذلك لما انتظم الكلام.
قوله: " من خلوف أهليهم "، أي ممن يخلفونه من أولادهم وأهليهم.
ثم قال لا يصح نصيحة الجند لك إلا بحيطتهم على ولاتهم، أي بتعطفهم عليهم وتحننهم، وهى الحيطة على وزن الشيمة، مصدر حاطه يحوطه حوطا وحياطا، وحيطة، أي كلاه ورعاه، وأكثر الناس يروونها " إلا بحيطتهم " بتشديد الياء وكسرها، والصحيح ما ذكرناه.
قوله: " وقله استثقال دولهم "، أي لا تصح نصيحة الجند لك إلا إذا أحبوا أمراءهم ثم لم يستثقلوا دولهم، ولم يتمنوا زوالها.
ثم أمره أن يذكر في المجالس والمحافل بلاء ذوى البلاء منهم، فإن ذلك مما يرهف عزم الشجاع ويحرك الجبان.
قوله: ولا تضمن بلاء امرئ إلى غيره "، إى اذكر كل من أبلى منهم مفردا غير مضموم ذكر بلائه الى غيره كى لا يكون مغمورا في جنب ذكر غيره.
ثم قال له: لا تعظم بلاء ذوى الشرف لاجل شرفهم، ولا تحقر بلاء ذوى الضعة لضعة أنسابهم، بل اذكر الامور على حقائقها.
ثم أمره أن يرد إلى الله ورسوله ما يضلعه من الخطوب، أي ما يئوده ويميله
---

[55]
لثقله، وهذه الرواية أصح من رواية من رواها بالظاء، وإن كان لتلك وجه.
* * *
[رساله الاسكندر إى أرسطو ورد أرسطو عليه] وينبغى أن نذكر في هذا الموضع رسالة أرسطو إلى الاسكندر في معنى المحافظة على أهل البيوتات وذوى الاحساب، وأن يخصهم بالرياسة والامرة، ولا يعدل عنهم إلى العامة والسفلة، فإن في ذلك تشييدا لكلام أمير المؤمنين عليه السلام، ووصيته.
لما ملك الاسكندر إيران شهر - وهو العراق مملكة الاكاسرة - وقتل دارا بن دارا كتب إلى أرسطو وهو ببلاد اليونان: عليك أيها الحكيم منا السلام، أما بعد فإن الافلاك الدائرة، والعلل السمائية، وإن كانت أسعدتنا بالامور التى أصبح الناس لنا بها دائبين، فإنا جد واجدين لمس الاضطرار إلى حكمتك، غير جاحدين لفضلك والاقرار بمنزلتك، والاستنامة(1) إلى مشورتك والاقتداء برأيك: والاعتماد لامرك ونهيك، لما بلونا من جدا ذلك علينا، وذقنا من جنا منفعته، حتى صار ذلك بنجوعه فينا وترسخه في أذهاننا وعقولنا كالغذاء لنا، فما ننفك نعول عليه، ونستمد منه استمداد الجداول من البحور، وتعويل الفروع على الاصول، وقوة الاشكال بالاشكال.
وقد كان مما سيق إلينا من النصر والفلج، وأتيح لنا من الظفر، وبلغنا في العدو من النكاية والبطش ما يعجز القول عن وصفه، ويقصر شكر المنعم عن موقع الانعام به، وكان من ذلك أنا جاوزنا أرض سورية والجزيرة إلى بابل وأرض فارس، فلما حللنا بعقوة(2) أهلها وساحة بلادهم، لم يكن إلا ريثما تلقانا نفر منهم برأس ملكهم هدية إلينا، وطلبا للحظوة عندنا، فأمرنا بصلب من
---
(1) كذا في ا، واستنام إلى الامر: سكن إليه، وفى ب: " الاستبانة ".
(2) العقوة: ما حول الدار.
(*).
---

[56]
جاء به وشهرته لسوء بلائه وقلة ارعوائه ووفائه، ثم أمرنا بجمع من كان هناك من أولاد ملوكهم وأحرارهم وذوى الشرف منهم، فراينا رجالا(1) عظيمة أجسامهم وأحلامهم، حاضرة ألبابهم وأذهانهم، رائعه مناظرهم ومناطقهم، دليلا على أن ما يظهر من روائهم و منطقهم أن وراءه من قوة أيديهم، وشدة نجدتهم وبأسهم ما لم يكن ليكون لنا سبيل إلى غلبتهم وإعطائهم بأيديهم، لو لا أن القضاء أدالنا منهم، وأظفرنا بهم وأظهرنا عليهم، ولم نر بعيدا من الرأى في أمرهم أن نستأصل شأفتهم، ونجتث أصلهم ونلحقهم بمن مضى من أسلافهم، لتسكن القلوب بذلك الامن إلى جرائرهم وبوائقهم، فرأينا ألا نجعل بإسعاف بادى الرأى في قتلهم دون الاستظهار عليهم بمشورتك فيهم.
فارفع إلينا رأيك فيما استشرناك فيه بعد صحته عندك، وتقليبك إياه بجلى نظرك، وسلام أهل السلام، فليكن علينا وعليك.
فكتب إليه أرسطو: لملك الملوك، وعظيم العظماء، الاسكندر المؤيد بالنصر على الاعداء، المهدى له الظفر بالملوك، من أصغر عبيده وأقل خوله، أرسطو طاليس البخوع بالسجود والتذلل في السلام، والاذعان في الطاعة: أما بعد، فإنه لا قوة بالمنطق وإن احتشد الناطق فيه، واجتهد في تثقيف معانيه، وتأليف حروفه ومبانيه على الاحاطة بأقل ما تناله القدرة من بسطة علو الملك وسمو ارتفاعه عن كل قول، وإبرازه على كل وصف، واغترافه بكل إطناب.
وقد كان تقرر عندي من مقدمات إعلام فضل الملك في صهلة سبقه، وبروزه شأوه، ويمن نقيبته، مذ أدت إلى حاسة بصرى صورة شخصه، واضطرب في حس سمعي صوت لفظه، ووقع وهمى
---
(1) ب: " رجالة "(*).
---

[57]
على تعقيب نجاح رأيه أيام كنت أؤدى إليه من تكلف تعليمي إياه ما أصبحت قاضيا على نفسي بالحاجة إلى تعلمه منه.
ومهما يكن منى إليه في ذلك، فإنما هو عقل مردود إلى عقله، مستنبطه أو إليه وتواليه من علمه وحكمته.
وقد جلا الى كتاب الملك ومخاطبته إياى ومسألته لى عما لا يتخالجنى الشك في لقاح ذلك وإنتاجه من عنده، فعنه صدر وعليه ورد و أنا فيما أشير به على الملك - وإن اجتهدت فيه واحتشدت له، وتجاوزت حد الوسع والطاقة منى في استنظافه واستقصائه - كالعدم مع الوجود بل كما لا يتجزأ في جنب معظم الاشياء ولكني غير ممتنع من إجابة الملك الى ما سأل، مع علمي ويقينى بعظيم غناه عنى، وشدة فاقتي إليه، وأنا راد الى الملك ما اكتسبته منه، ومشير عليه بما أخذته، منه فقائل له: إن لكل تربة لا محاله قسما من الفضائل، وإن لفارس قسمها من النجدة والقوة، وإنك ان تقتل أشرافهم تخلف الوضعاء على أعقابهم، وتورث سفلتهم على منازل عليتهم، وتغلب أدنياءهم على مراتب ذوى أخطارهم، ولم يبتل الملوك قط ببلاء هو أعظم عليهم وأشد توهينا لسلطانهم من غلبة السفله، وذل الوجوه فاحذر الحذر كله أن تمكن تلك الطبقة من الغلبة والحركة، فإنه إن نجم منهم بعد اليوم على جندك وأهل بلادك ناجم دهمهم منه ما لا روية فيه، ولا بقية معه فانصرف عن هذا الرأى إلى غيره، واعمد الى من قبلك من أولئك العظماء والاحرار، فوزع بينهم مملكتهم، وألزم اسم الملك كل من وليته منهم ناحيته، واعقد التاج على رأسه وإن صغر ملكه، فإن المتسمى بالملك لازم لاسمه والمعقود التاج على رأسه لا يخضع لغيره، فليس ينشب(1) ذلك أن يوقع كل ملك منهم بينه وبين صاحبه تدابرا وتقاطعا وتغالبا على الملك، وتفاخرا بالمال والجند، حتى ينسوا بذلك أضغانهم عليك وأوتارهم فيك، ويعود حربهم لك حربا
---
(1) ا: " يلبث "(*).
---

[58]
بينهم، وحنقهم عليك حنقا منهم على انفسهم ثم لا يزدادون في ذلك بصيره إلا أحدثوا لك بها استقامة، إن دنوت منهم دانوا لك، وإن نأيت عنهم تعززوا بك، حتى يثب من ملك منهم على جاره باسمك، ويسترهبه بجندك، وفي ذلك شاغل لهم عنك، وأمان لاحداثهم بعدك، وإن كان لا أمان للدهر، ولا ثقة بالايام.
قد أديت إلى الملك ما رايته لى حظا، وعلى حقا من إجابتى إياه إلى ما سألني عنه، ومحضته النصيحة فيه، والملك أعلى عينا، وأنفذ روية، وأفضل رأيا، وأبعد همة فيما استعان بى عليه، وكلفني بتبيينه والمشورة عليه فيه.
لا زال الملك متعرفا من عوائد النعم وعواقب الصنع وتوطيد الملك، وتنفيس الاجل، ودرك الامل، ما تأتى فيه قدرته على غاية قصوى ما تناله قدرة البشر! والسلام الذى لا انقضاء له، ولا انتهاء ولا غاية ولا فناء، فليكن على الملك.
قالوا: فعمل الملك برأيه، واستخلف على إيران شهر أبناء الملوك والعظماء من أهل فارس، فهم ملوك الطوائف الذين بقوا بعده، والمملكة موزعة بينهم إلى أن جاء أردشير ابن بابك فانتزع الملك منهم.
* * *
الأصل:
ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن، لا تضيق به الامور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر من الفئ إلى الحق إذا عرفه ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفى بأدنى فهم دون أقصاه.
وأوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم وأصبرهم
---

[59]
على تكشف الامور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء، وأولئك قليل.
ثم أكثر تعاهد قضائه، وأفسح له في البذل ما يزيح علته، وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك.
فانظر في ذلك نظرا بليغا، فإن هذا الدين قد كان أسيرا في أيدى الاشرار، يعمل فيه بالهوى، وتطلب به الدنيا.
* * *
الشرح:
تمحكه الخصوم: تجعله ما حكا، أي لجوجا، محك الرجل، أي لج، وماحك زيد عمرا، أي لاجه.
قوله: " ولا يتمادى في الزلة "، أي إن زل رجع وأناب، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
قوله ": ولا يحصر من الفئ " هو المعنى الاول بعينه، والفئ الرجوع، إلا أن هاهنا زيادة، وهو أنه لا يحصر، أي لا يعيا في المنطق، لان من الناس من إذا زل حصر عن أن يرجع وأصابه كالفهاهه والعى خجلا.
قوله: " ولا تشرف نفسه "، أي لا تشفق.
والاشراف الاشفاق والخوف، وأنشد الليث: ومن مضر الحمراء إسراف أنفس * * *
علينا وحياها علينا تمضرا.
---

[60]
وقال عروه بن أذينة: لقد علمت وما الاشراف من خلقي * * أن الذى هو رزقي سوف يأتيني(1).
والمعنى: ولا تشفق نفسه وتخاف من فوت المنافع والمرافق.
ثم قال ولا يكتفى بأدنى فهم أي لا يكون قانعا بما يخطر له بادئ الرأى من أمر الخصوم، بل يستقصى ويبحث أشد البحث.
قوله: " وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم "، أي تضجرا، وهذه الخصله من محاسن ما شرطه عليه السلام فان القلق والضجر والتبرم قبيح وأقبح ما يكون من القاضى.
قوله: " وأصرمهم، أي أقطعهم وأمضاهم.
وازدهاه كذا، أي استخفه.
والاطراء: المدح.
والاغراء: التحريض.
ثم أمره أن يتطلع على أحكامه وأقضيته، وأن يفرض له عطاء واسعا يملا عينه، ويتعفف به عن المرافق والرشوات، وأن يكون قريب المكان منه، كثير الاختصاص به ليمنع قربه من سعاية الرجال به وتقبيحهم ذكره عنده.
ثم قال: " إن هذا الدين قد كان أسيرا "، هذه إشارة إلى قضاة عثمان وحكامه، وأنهم لم يكونوا يقضون بالحق عنده بل بالهوى لطلب الدنيا.
وأما أصحابنا فيقولون: رحم الله عثمان! فإنه كان ضعيفا، واستولى عليه أهله، قطعوا الامور دونه، فإثمهم عليهم وعثمان برئ منهم.
* * *
---
(1) اللسان(شرف)(*).
---

[61]
[فصل في القضاة وما يلزمهم وذكر بعض نوادرهم] قد جاء في الحديث المرفوع لا يقضى القاضى وهو غضبان ".
وجاء في الحديث المرفوع أيضا: " من ابتلى بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومجلسه ومقعده ".
دخل ابن شهاب على الوليد - أو سليمان - فقال له: يابن شهاب، ما حديث يرويه أهل الشام؟ قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: إنهم يروون أن الله تعالى إذا استرعى عبدا رعية كتب له الحسنات، ولم يكتب عليه السيئات، فقال كذبوا يا أمير المؤمنين، أيما أقرب إلى الله، نبى أم خليفة! قال: بل نبى قال: فإنه تعالى يقول لنبيه داود:(يا داود إنا جعلناك خليفه في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد(1)).
فقال سليمان إن الناس ليغروننا عن ديننا.
وقال بكر بن عبد الله العدوى لابن أرطاة - وأراد أن يستقضيه: والله ما أحسن القضاء، فإن كنت صادقا لم يحل لك أن تستقضى من لا يحسن، وإن كنت كاذبا فقد فسقت، والله لا يحل أن تستقضى الفاسق.
وقال الزهري ثلاث إذا كن في القاضى فليس بقاض، أن يكره اللائمة، ويحب المحمده، ويخاف العزل.
وقال محارب بن زياد للاعمش: وليت القضاء فبكى أهلى، فلما عزلت بكى أهلى، فما أدرى مم ذلك؟ قال لانك وليت القضاء وأنت تكرهه وتجزع منه،
---
(1) سورة ص 26(*).
---

[62]
فبكى أهلك لجزعك، وعزلت عنه فكرهت العزل وجزعت فبكى أهلك لجزعك.
قال: صدقت.
أتى ابن شبرمة بقوم يشهدون على قراح(1) نخل فشهدوا - وكانوا عدولا - فامتحنهم فقال: كم في القراح(1) من نخله؟ قالوا: لا نعلم، فرد شهادتهم، فقال له أحدهم: أنت أيها القاضى تقضى في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة، فأعلمنا كم فيه من أسطوانة؟ فسكت وأجازهم.
خرج شريك وهو على قضاء الكوفة يتلقى الخيزران، وقد أقبلت تريد الحج، وقد كان استقضى وهو كاره، فأتى شاهى(2)، فأقام بها ثلاثا، فلم تواف، فخف زاده وما كان معه، فجعل يبله بالماء ويأكله بالملح، فقال العلاء بن المنهال الغنوى: فإن كان الذى قد قلت حقا * * بأن قد أكرهوك على القضاء(2) فما لك موضعا في كل يوم * * تلقى من يحج من النساء مقيما في قرى شاهى ثلاثا * * بلا زاد سوى كسر وماء! وتقدمت كلثم بنت سريع مولى عمرو بن حريث - وكانت جميلة - وأخوها الوليد بن سريع إلى عبد الملك بن عمير، وهو قاض بالكوفة، فقضى لها على أخيها، فقال هذيل الاشجعى: أتاه وليد بالشهود يسوقهم * * على ما ادعى من صامت المال والخول وجاءت إليه كلثم وكلامها * * شفاء من الداء المخامر والخبل فأدلى وليد عند ذاك بحقه * * وكان وليد ذا مراء وذا جدل فدلهت القبطى حتى قضى لها * * بغير قضاء الله في محكم الطول
---
(1) القراح هنا: البستان، وانظر ياقوت(قرح).
(2) شاهى: موضع قرب القادسية.
(3) الخبر والابيات في معجم البلدان 5: 224(*).
---

[63]
فلو كان من في القصر يعلم علمه * * لما استعمل القبطى فينا على عمل له حين يقضى للنساء تخاوص * * وكان وما فيه التخاوص والحول إذا ذات دل كلمته لحاجه * * فهم بأن يقضى تنحنح أو سعل وبرق عينيه ولاك لسانه * * يرى كل شئ ما خلا وصلها جلل وكان عبد الملك بن عمير يقول لعن الله الاشجعى، والله لربما جاءتني السعلة والنحنحة وأنا في المتوضأ فأردهما لما شاع من شعره.
كتب عمر بن الخطاب إلى معاوية: أما بعد، فقد كتبت إليك في القضاء بكتاب لم آلك ونفسي فيه خيرا، الزم خمس خصال يسلم لك دينك، وتأخذ بأفضل حظك: إذا تقدم إليك الخصمان فعليك بالبينة العادله أو اليمين القاطعة، وأدن الضعيف حتى يشتد قلبه وينبسط لسانه، وتعهد الغريب فإنك إن لم تتعهده ترك حقه ورجع إلى أهله، وإنما ضيع حقه من لم يرفق به، وآس بين الخصوم في لحظك ولفظك، وعليك بالصلح بين الناس ما لم يستبن لك فصل القضاء.
وكتب عمر إلى شريح: لا تسارر ولا تضارر، ولا تبع ولا تبتع في مجلس القضاء، ولا تقض وأنت غضبان، ولا شديد الجوع، ولا مشغول القلب.
شهد رجل عند سوار القاضى فقال: ما صناعتك؟ فقال: مؤدب، قال: أنا لا أجيز شهادتك، قال: ولم؟ قال لانك تأخذ على تعليم القرآن أجرا، قال: وأنت أيضا تأخذ على القضاء بين المسلمين أجرا، قال: إنهم أكرهوني، قال نعم أكرهوك على القضاء، فهل أكرهوك على أخذ الاجر! قال هلم شهادتك.
ودخل أبو دلامة ليشهد عند أبى ليلى، فقال حين جلس بين يديه: إذا الناس غطوني تغطيت عنهم * * وان بحثوا عنى ففيهم مباحث(1)
---
(1) الاغاني 10: 234، وفيه " إن الناس "(*).
---

[64]
وإن حفروا بئرى حفرت بئارهم * * ليعلم ما تخفيه تلك النبائث.
فقال بل نغطيك يا أبا دلامة ولا نبحثك، وصرفه راضيا، وأعطى المشهود عليه من عنده قيمه ذلك الشئ.
كان عامر بن الظرب العدواني حاكم العرب وقاضيها، فنزل به قوم يسيفتونه في الخنثى وميراثه، فلم يدر ما يقضى فيه، وكان له جارية اسمها خصيلة، ربما لامها في الابطاء عن الرعى وفى الشئ يجده عليها، فقال لها: يا خصيلة لقد أسرع هؤلاء القوم في غنمي، وأطالوا المكث، قالت: وما يكبر عليك من ذلك؟ اتبعه مباله وخلاك ذم، فقال لها: " مسى(1) خصيل بعدها أو روحي ".
وقال أعرابي لقوم يتنازعون: هل لكم في الحق أو ما هو خير من الحق؟ قيل: وما الذى هو خير من الحق؟ قال: التحاط والهضم، فإن أخذ الحق كله مر.
وعزل عمر بن عبد العزيز بعض قضاته، فقال لم عزلتني فقال: بلغني أن كلامك أكثر من كلام الخصمين إذا تحاكما إليك.
ودخل إياس بن معاوية الشام وهو غلام، فقدم خصما إلى باب القاضى في أيام عبد الملك، فقال القاضى: أما تستحيى! تخاصم وأنت غلام شيخا كبيرا فقال الحق أكبر منه، فقال اسكت ويحك! قال فمن ينطق بحجتي إذا! قال ما أظنك تقول اليوم حقا حتى تقوم، فقال: لا إله إلا الله.
فقام القاضى ودخل على عبد الملك وأخبره، فقال: اقض حاجته وأخرجه من الشام كى لا يفسد علينا الناس.
واختصم أعرابي وحضرى إلى قاض، فقال الاعرابي: أيها القاضى، إنه وإن هملج(2) إلى الباطل، فإنه عن الحق لعطوف.
ورد رجل جاريه على رجل اشتراها منه بالحمق، فترافعا إلى إياس بن معاوية،
---
(1) في مجمع الامثال 2: 295 " مسى سخيل بعدها أو صبحى ".
(2) هملج: أسرع(*).
---

[65]
فقال لها إياس: أي رجليك أطول فقالت: هذه، فقال: أتذكرين ليلة ولدتك أمك؟ قالت: نعم فقال إياس: رد رد.
! وجاء في الخبر المرفوع من روايه عبد الله بن عمر: " لا قدست أمه لا يقضى فيها بالحق "، ومن الحديث المرفوع من رواية أبى هريرة: " ليس أحد يحكم بين الناس إلا جئ به يوم القيامة مغلولة يداه الى عنقه، فكه العدل، وأسلمه الجور " واستعدى رجل على على بن أبى طالب عليه السلام عمر بن الخطاب رضى الله عنه وعلى جالس فالتفت عمر إليه، فقال: قم يا أبا الحسن فاجلس مع خصمك، فقام فجلس معه وتناظرا، ثم انصرف الرجل ورجع على عليه السلام إلى محله، فتبين عمر التغير في وجهه، فقال: يا أبا الحسن، ما لى أراك متغيرا! أكرهت ما كان؟ قال نعم قال: وما ذاك قال: كنيتني بحضرة خصمى، هلا قلت: قم يا على فاجلس مع خصمك! فاعتنق عمر عليا، وجعل يقبل وجهه، وقال بأبى أنتم! بكم هدانا الله، وبكم أخرجنا من الظلمة إلى النور.
أبان بن عبد الحميد اللاحقى في سوار بن عبد الله القاضى: لا تقدح الظنة في حكمه * * شيمته عدل وإنصاف يمضى إذا لم تلقه شبهة * * وفى اعتراض الشك وقاف كان ببغداد رجل يذكر بالصلاح والزهد يقال له رويم، فولى القضاء، فقال الجنيد: من أراد أن يستودع سره من لا يفشيه فعليه برويم، فإنه كتم حب الدنيا أربعين سنة الى أن قدر عليها.
الاشهب الكوفى يا أهل بغداد قد قامت قيامتكم * * مذ صار قاضيكم نوح بن دراج لو كان حيا له الحجاج ما سلمت * * صحيحة يده من وسم حجاج.
---

[66]
وكان الحجاج يسم أيدى النبط بالمشراط والنيل.
لما وقعت فتنة ابن الزبير اعتزل شريح القضاء وقال: لا أقضى في الفتنة، فبقى لا يقضى تسع سنين، ثم عاد إلى القضاء وقد كبرت سنه، فاعترضه رجل وقد انصرف من مجلس القضاء، فقال له: أ ما حان لك أن تخاف الله! كبرت سنك، وفسد ذهنك، وصارت الامور تجوز عليك، فقال، والله لا يقولها بعدك لى أحد.
فلزم بيته حتى مات.
قيل لابي قلابة وقد هرب من القضاء: لو أجبت؟ قال: أخاف الهلاك، قيل: لو اجتهدت لم يكن عليك بأس، قال: ويحكم! إذا وقع السابح في البحر كم عسى أن يسبح! دعا رجل لسليمان الشاذكونى، فقال: أرانيك الله يا أبا أيوب على قضاء إصبهان! قال: ويحك! إن كان ولا بد فعلى خراجها، فان أخذ أموال الاغنياء أسهل من أخذ أموال الايتام.
ارتفعت جميلة بنت عيسى بن جراد - وكانت جميلة كاسمها - مع خصم لها إلى الشعبى - وهو قاضى عبد الملك - فقضى لها، فقال هذيل الاشجعى: فتن الشعبى لما * * رفع الطرف إليها فتنته بثنايا * * ها وقوسى حاجبيها ومشت مشيا رويدا * * ثم هزت منكبيها فقضى جورا على الخصم * * ولم يقض عليها فقبض الشعبى عليه وضربه ثلاثين سوطا.
قال ابن أبى ليلى: ثم انصرف الشعبى يوما من مجلس القضاء وقد شاعت الابيات
---

[67]
و تناشدها الناس، ونحن معه، فمررنا بخادم تغسل الثياب، وتقول: * فتن الشعبى لما * ولا تحفط تتمة البيت، فوقف عليها ولقنها، وقال: * رفع الطرف إليها * ثم ضحك وقال: أبعده الله! والله ما قضينا(1) لها إلا بالحق.
جاءت امرأة إلى قاض فقالت: مات بعلى وترك أبوين وابنا وبنى عم، فقال القاضى: لابويه الثكل، ولابنه اليتم، ولك اللائمة، ولبنى عمه الذلة، واحملي المال إلينا إلى أن ترتفع الخصوم! لقى سفيان الثوري شريكا بعد ما استقضى، فقال له يا أبا عبد الله، بعد الاسلام والفقه والصلاح تلى القضاء! قال، يا أبا عبد الله، فهل للناس بد من قاض! قال: ولا بد يا أبا عبد الله للناس من شرطى.
وكان الحسن بن صالح بن حى يقول لما ولى شريك القضاء: أي شيخ أفسدوا.
قال أبو ذر رضى الله عنه: قال لى رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا ذر، أعقل(2) ما أقول لك، جعل يرددها على ستة أيام، ثم قال لى في اليوم السابع: أوصيك بتقوى الله في سريرتك وعلانيتك، وإذا أسأت فأحسن، ولا تسألن أحدا شيئا ولو سقط سوطك، ولا تتقلدن أمانة، ولا تلين ولاية، ولا تكفلن يتيما، ولا تقضين بين اثنين ".
أراد عثمان بن عفان أن يستقضى عبد الله بن عمر، فقال له: ألست قد سمعت النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) يقول: " من استعاذ بالله فقد عاذ بمعاذ! " قال: بلى، قال فإنى أعوذ بالله منك أن تستقضينى.
---
(1) ا، د: " قضيت "، وأثبت ما في د.
(2) في د: " افعل ".
(*).
---

[68]
وقد ذكر الفقهاء في آداب القاضى(1) أمورا قالوا: لا يجوز أن يقبل هدية في أيام القضاء إلا ممن كانت له عادة يهدى إليه قبل أيام القضاء،، ولا يجوز قبولها في أيام القضاء ممن له حكومة وخصومة، وإن كان ممن له عادة قديمة، وكذلك إن كانت الهدية أنفس وأرفع مما كانت قبل أيام القضاء لا يجوز قبولها.
ويجوز أن يحضر القاضى الولائم، ولا يحضر عند قوم دون قوم، لان التخصيص يشعر بالميل، ويجوز أن يعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويأتى مقدم الغائب.
ويكره له مباشرة البيع والشراء.
ولا يجوز أن يقضى وهو غضبان ولا جائع ولا عطشان، ولا في حال الحزن الشديد، ولا الفرح الشديد، ولا يقضى والنعاس يغلبه، والمرض يقلقه، ولا وهو يدافع الاخبثين، ولا في حر مزعج، ولا في برد مزعج وينبغى أن يجلس للحكم في موضع بارز يصل إليه كل أحد، ولا يحتجب إلا لعذر.
ويستحب أن يكون مجلسه فسيحا لا يتأذى بذلك هو أيضا.
ويكره الجلوس في المساجد للقضاء فإن احتاج إلى وكلاء جاز أن يتخذهم ويوصيهم بالرفق بالخصوم.
ويستحب أن يكون له حبس، وأن يتخذ كاتبا إن احتاج إليه، ومن شرط كاتبه ان يكون عارفا بما يكتب به عن القضاء.
واختلف في جواز كونه ذميا، والاظهر انه لا يجوز ولا يجوز أن يكون كاتبه فاسقا، ولا يجوز أن يكون الشهود عنده قوما معينين، بل الشهادة عامة فيمن استكمل شروطها.
* * *
الأصل:
ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختيارا، ولا تولهم محاباه وأثرة، فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة.
وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام المتقدمة، فإنهم أكرم أخلاقا، وأصح أعراضا، وأقل في المطامع إشرافا، وأبلغ في عواقب الامور نظرا.
---
(1) كذا في ا، دو هو الصواب وفى ب: " القضاء "(*).
---

[69]
ثم أسبغ عليهم الارزاق فان ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، وحجة عليهم أن خالفوا أمرك، أو ثلموا أمانتك ثم تفقد أعمالهم، وأبعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لامورهم حدوة لهم على استعمال الامانة، والرفق بالرعية.
وتحفظ من الاعوان، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانه اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة، ووسمته بالخيانة وقلدته عار التهمة.
* * *
الشرح:
لما فرغ عليه السلام من أمر القضاء، شرع في أمر العمال، وهم عمال السواد والصدقات والوقوف والمصالح وغيرها، فأمره أن يستعملهم بعد اختبارهم وتجربتهم وألا يوليهم محاباه لهم، ولمن يشفع فيهم، ولا أثره ولا إنعاما عليهم.
كان أبو الحسن بن الفرات يقول: الاعمال للكفاة من أصحابنا، وقضاء الحقوق على خواص أموالنا.
وكان يحيى بن خالد يقول من تسبب إلينا بشفاعة في عمل فقد حل عندنا محل من ينهض بغيره، ومن لم ينهض بنفسه لم يكن للعمل أهلا.
ووقع جعفر بن يحيى في رقعة متحرم به: هذا فتى له حرمة الامل، فامتحنه بالعمل، فان كان كافيا فالسلطان له دوننا، وإن لم يكن كافيا فنحن له دون السلطان.
ثم قال عليه السلام: " فإنهما - يعنى استعمالهم للمحاباة والاثرة - جماع من شعب الجور والخيانة ".
وقد تقدم شرح مثل هذه اللفظة، والمعنى أن ذلك يجمع ضروبا من الجور والخيانة.
أما الجور فإنه يكون قد عدل عن المستحق إلى غير المستحق ففى ذلك جور على المستحق.
---

[70]
وأما الخيانة فلان الامانة تقتضي تقليد الاعمال الاكفاء، فمن لم يعتمد ذلك فقد خان من ولاه.
ثم أمره بتخير من قد جرب، ومن هو من أهل البيوتات والاشراف لشدة الحرص على الشئ والخوف من فواته.
ثم أمره بإسباغ الارزاق عليهم، فإن الجائع لا أمانة له ولان الحجه تكون لازمه لهم إن خانوا لانهم قد كفوا مؤنة أنفسهم وأهليهم بما فرض لهم من الارزاق(1).
ثم أمره بالتطلع عليهم وإذكاء(2) العيون والارصاد على حركاتهم.
وحدوة باعث، يقال: حدانى هذا الامر حدوة على كذا، وأصله سوق الابل، ويقال للشمال حدواء، لانها تسوق السحاب.
ثم أمره بمؤاخذة من ثبتت خيانته واستعاده المال منه، وقد صنع عمر كثيرا من ذلك، وذكرناه فيما تقدم.
قال بعض الاكاسرة لعامل من عماله: كيف نومك بالليل؟ قال: أنامه كله، قال: أحسنت! لو سرقت ما نمت هذا النوم.
* * *
الأصل:
وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لان الناس كلهم عيال على الخراج وأهله.
وليكن نظرك في عمارة الارض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لان ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، وأهلك
---
(1) في د " الزرق ".
(2) في ا، د " وبعث "(*).
---

[71]
العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلا، فإن شكوا ثقلا أو علة، أو انقطاع شرب، أو بالة، أو إحاله أرض اغتمرها غرق، أو أجحف بها عطش، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم.
ولا يثقلن عليك شئ خففت به المؤونة عنهم فإنه ذخر يعودون به عليك في عماره بلادك، وتزيين ولايتك، مع استجلابك حسن ثنائهم، وتبجحك باستقاضة العدل فيهم، معتمدا فضل قوتهم، بما ذخرت عندهم من إجماعك لهم، والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم ورفقك بهم فربما حدث من الامور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبه انفسهم به فان العمران محتمل ما حملته، وإنما يؤتى خراب الارض من اعواز اهلها وانما يعوز اهلها لاشراف أنفس الولاة على الجمع، وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر.
* * *
الشرح:
انتقل عليه السلام من ذكر العمال إلى ذكر أرباب الخراج ودهاقين السواد، فقال تفقد أمرهم، فإن الناس عيال عليهم، وكان يقال: استوصوا بأهل الخراج، فإنكم لا تزالون سمانا ما سمنوا.
ورفع إلى أنوشروان أن عامل الاهواز قد حمل من مال الخراج ما يزيد على العادة وربما يكون ذلك قد أجحف بالرعية، فوقع: يرد هذا المال على من قد استوفى منه فإن تكثير الملك ماله بأموال رعيته بمنزلة من يحصن سطوحه بما يقتلعه من قواعد بنيانه.
---

[72]
وكان على خاتم انوشروان: لا يكون عمران، حيث يجور السلطان.
وروى: " استحلاب الخراج بالحاء.
ثم قال: فإن شكوا ثقلا "، أي ثقل طسق(1) الخراج المضروب عليهم، أو ثقل وطأة العامل.
قال: " أو علة " نحو ان يصيب الغله آفة كالجراد والبرق أو البرد.
قال: " أو انقطاع شرب "(2)، بأن ينقص الماء في النهر، أو تتعلق أرض الشرب عنه لفقد الحفر.
قال: " أو بالة "، يعنى المطر.
قال: " أو إحاله أرض اغتمرها غرق "، يعنى أو كون الارض قد حالت، ولم يحصل منها ارتفاع، لان الغرق غمرها وأفسد زرعها.
قال: " أو أجحف بها عطش "، أي أتلفها.
فإن قلت: فهذا هو انقطاع الشرب؟ قلت: لا قد يكون الشرب غير منقطع، ومع ذلك يجحف بها العطش، بأن لا يكفيها الماء الموجود في الشرب.
ثم أمره أن يخفف عنهم متى لحقهم شئ من ذلك، فإن التخفيف يصلح أمورهم، وهو وإن كان يدخل على المال نقصا في العاجل إلا أنه يقتضى(2) توفير زيادة في الاجل، فهو بمنزلة التجارة التى لابد فيها من إخراج رأس المال وانتظار عوده وعود ربحه.
---
(1) في اللسان عن التهذيب: " الطسق شبه الخراج له مقدار معلوم، وليس بعربي خالص ".
(2) الشرب بالكسر: النصيب من الماء.
(3) في د " يفضى إلى "(*).
---

[73]
قال: " ومع ذلك فإنه يفضى إلى تزين بلادك بعمارتها، وإلى أنك تبجح بين الولاة بإفاضة العدل في رعيتك معتمدا فضل قوتهم "، و " معتمدا "، منصوب على الحال من الضمير في " خففت " الاولى، أي خففت عنهم معتمدا بالتخفيف فضل قوتهم.
والاجمام: الترفيه.
ثم قال له: وربما احتجت فيما بعد إلى تكلفهم بحادث يحدث عندك المساعدة بمال يقسطونه عليهم قرضا أو معونة محضة، فإذا كانت لهم ثروة نهضوا بمثل ذلك، طيبة قلوبهم(1) به.
ثم قال عليه السلام: فإن العمران محتمل ما حملته.
سمعت أبا محمد بن خليد - وكان صاحب ديوان الخراج في أيام الناصر لدين الله - يقول لمن قال له: قد قيل عنك: إن واسط والبصرة قد خربت لشده العنف بأهلها في تحصيل الاموال! فقال أبو محمد: ما دام هذا الشط بحاله، والنخل نابتا في منابته بحاله، ما تخرب واسط والبصره أبدا.
ثم قال عليه السلام: إنما تؤتى الارض "، أي إنما تدهى من إعواز أهلها أي من فقرهم.
قال: والموجب لاعوازهم طمع ولاتهم في الجباية وجمع الاموال لانفسهم ولسلطانهم وسوء ظنهم بالبقاء يحتمل أن يريد به أنهم يظنون طول البقاء وينسون الموت والزوال.
ويحتمل أن يريد به أنهم يتخيلون العزل والصرف، فينتهزون الفرص، ويقتطعون الاموال ولا ينظرون في عماره البلاد.
* * *
---
(1) في د " نفوسهم "(*).
---

[74]
[عهد سابور بن أردشير لابنه] وقد وجدت في عهد سابور بن أردشير إلى ابنه كلاما يشابه كلام أمير المؤمنين عليه السلام في هذا العهد، وهو قوله: واعلم أن قوام أمرك بدرور الخراج، ودرور الخراج بعماره البلاد وبلوغ الغاية في ذلك استصلاح أهله بالعدل عليهم، والمعونه لهم، فان بعض الامور لبعض سبب، وعوام الناس لخواصهم عدة، وبكل صنف منهم إلى الاخر حاجة، فاختر لذلك أفضل من تقدر عليه من كتابك، وليكونوا من أهل البصر والعفاف والكفاية، واسترسل إلى كل امرئ منهم شخصا(1) يضطلع به ويمكنه تعجيل الفراغ منه، فإن اطلعت على أن أحدا منهم خان أو تعدى فنكل به، وبالغ في عقوبته، واحذر أن تستعمل على الارض الكثير خراجها إلا البعيد الصوت، العظيم شرف المنزلة.
ولا تولين أحدا من قواد جندك الذين هم عده للحرب، وجنة من الاعداء، شيئا من أمر الخراج، فلعلك تهجم من بعضهم على خيانة في المال، أو تضييع للعمل، فإن سوغته المال، وأغضيت له على التضييع، كان ذلك هلاكا وإضرارا بك وبرعيتك، وداعية إلى فساد غيره، وإن أنت كافأته فقد استفسدته، واضقت(2) صدره، وهذا أمر توقيه حزم، والاقدام عليه خرق والتقصير فيه عجز.
واعلم أن من أهل الخراج من يلجئ بعض أرضه وضياعه إلى خاصة الملك وبطانته، لاحد أمرين انت، حرى بكراهتهما: إما لامتناع من جور العمال وظلم الولاة، وتلك منزله يظهر بها سوء أثر العمال وضعف الملك وإخلاله بما تحت يده، وإما للدفع عما يلزمهم
---
(1) في د " شقصا ".
(2) في د " وأضغنت "(*).
---

[75]
من الحق والتيسر له وهذه خلة تفسد بها آداب الرعية، وتنتقص بها أموال الملك، فاحذر ذلك، وعاقب الملتجئين والملجا إليهم.
* * *
ركب زياد يوما بالسوس يطوف بالضياع والزروع، فرأى عماره حسنة، فتعجب منها، فخاف أهلها أن يزيد في خراجهم، فلما نزل دعا وجوه البلد، وقال: بارك الله عليكم، فقد أحسنتم العمارة، وقد وضعت عنكم مائة ألف درهم.
ثم قال: ما توفر على من تهالك غيرهم على العمارة وأمنهم جورى أضعاف ما وضعت عن هؤلاء الان، والذى وضعته بقدر ما يحصل من ذاك، وثواب عموم العمارة وأمن الرعية افضل ربح.
* * *
الأصل:
ثم انظر في حال كتابك فول على امورك خيرهم، واخصص رسائلك التى تدخل فيها مكايدك و أسرارك بأجمعهم لوجود صالح الاخلاق ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملا.
ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك، و إصدار جواباتها على الصواب عنك، وفيما يأخذ لك ويعطى منك، ولا يضعف عقدا اعتقده لك، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الامور، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل.
ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك.
---

[76]
فان الرجال يتعرضون لفراسات الولاه بتصنعهم وحسن حديثهم وليس وراء ذلك من النصيحة والامانة شئ، ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك، فاعمد لاحسنهم كان في العامة أثرا، وأعرفهم بالامانة وجها، فإن ذلك دليل على نصيحتك لله، ولمن وليت أمراه.
واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأسا منهم، لا يقهره كبيرها، ولا يتشتت عليه كثيرها، ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته.
* * *
[فصل فيما يجب على مصاحب الملك] الشرح:
لما فرغ من أمر الخراج، شرع في أمر(1) الكتاب الذين يلون أمر الحضرة، ويترسلون عنه إلى عماله وأمرائه، وإليهم معاقد التدبير وأمر الديوان، فأمره أن يتخير الصالح منهم، ومن يوثق على الاطلاع على الاسرار والمكايد والحيل والتدبيرات.
ومن لا يبطره الاكرام والتقريب، فيطمع فيجترئ على مخالفته في ملا من الناس والرد عليه، ففى ذلك من الوهن للامير وسوء الادب الذى انكشف الكاتب عنه ما لا خفاء به.
قال الرشيد للكسائي: يا على بن حمزة، قد أحللناك المحل الذى لم تكن تبلغه همتك، فرونا من الاشعار أعفها، ومن الاحاديث أجمعها لمحاسن الاخلاق وذاكرنا بآداب الفرس والهند، ولا تسرع علينا الرد في ملا، ولا تترك تثقيفنا في خلاء.
وفي آداب ابن المقفع: لا تكونن صحبتك للسلطان إلا بعد رياضة منك لنفسك على
---
(1) في د " ذكر "(*).
---

[77]
طاعتهم في المكروه عندك وموافقتهم فيما خالفك وتقدير الامور على أهوائهم دون هواك، فإن كنت حافظا إذا ولوك.
حذرا إذا قربوك، أمينا إذا ائتمنوك، تعلمهم وكأنك تتعلم منهم، وتأدبهم وكأنك تتأدب بهم، وتشكر لهم ولا تكلفهم الشكر، ذليلا إن صرموك، راضيا إن أسخطوك، وإلا فالبعد منهم كل البعد والحذر منهم كل الحذر، وإن وجدت عن السلطان وصحبته غنى فاستغن عنه، فإنه من يخدم السلطان حق خدمته يخلى بينه وبين لذة الدنيا وعمل الاخرى، ومن يخدمه غير حق الخدمه فقد احتمل وزر الاخرة، وعرض نفسه للهلكة والفضيحة في الدنيا.
فإذا صحبت السلطان فعليك بطول الملازمة من غير إملال، وإذا نزلت منه بمنزلة الثقة فاعزل عنه كلام الملق، ولا تكثر له من الدعاء، ولا تردن عليه كلاما في حفل وإن أخطأ، فإذا خلوت به فبصره في رفق، ولا يكونن طلبك ما عنده بالمسألة، ولا تستبطئه وإن أبطأ، ولا تخبرنه أن لك عليه حقا، وأنك تعتمد عليه ببلاء، وإن استطعت ألا تنسى حقك وبلاءك بتجديد النصح والاجتهاد فافعل، ولا تعطينه المجهود كله من نفسك في أول صحبتك له، وأعد موضعا للمزيد.
وإذا سأل غيرك عن شئ فلا تكن المجيب.
واعلم أن استلابك الكلام خفة فيك واستخفاف منك بالسائل والمسئول، فما أنت قائل إن قال لك السائل: ما إياك سألت، أو قال المسئول: أجب بمجالسته ومحادثته أيها المعجب بنفسه، والمستخف بسلطانه.
وقال عبد الملك بن صالح لمؤدب ولده بعد أن اختصه بمجالسته ومحادثته: يا عبد الله، كن على التماس الحظ فيك بالسكوت أحرص منك على التماسه بالكلام، فإنهم قالوا: إذا أعجبك الكلام فاصمت وإذا أعجبك الصمت فتكلم.
وأعلم أن أصعب الملوك معاملة الجبار الفطن المتفقد، فإن ابتليت بصحبته فاحترس، وإن عوفيت فاشكر الله على السلامة، فإن السلامة أصل كل نعمه.
لا تساعدني على ما يقبح بى.
ولا تردن على
---

[78]
خطا في مجلس، ولا تكلفني جواب التشميت والتهنئة، ودع عنك: كيف أصبح الامير، وكيف أمسى! وكلمني بقدر ما أستنطقك، وأجعل بدل التقريظ لى صواب الاستماع منى.
وأعلم أن صواب الاستماع أحسن من صواب القول، فإذا سمعتني أتحدث فلا يفوتنك منه شئ، وأنى فهمك إياه في طرفك ووجهك، فما ظنك بالملك وقد أحلك محل المعجب بما يسمعك إياه، وأحللته محل من لا يسمع منه! وكل من هذا يحبط إحسانك، ويسقط حق حرمتك، ولا تستدع الزيادة من كلامي بما تظهر من استحسان ما يكون منى، فمن أسوأ حالا ممن يستكد الملوك بالباطل، وذلك يدل على تهاونه بقدر ما أوجب الله تعالى من حقهم.
واعلم أنى جعلتك مؤدبا، بعد أن كنت معلما، وجعلتك جليسا مقربا بعد أن كنت مع الصبيان مباعدا، فمتى لم تعرف نقصان ما خرجت منه، لم تعرف رجحان ما دخلت فيه، وقد قالوا: من لم يعرف سوء ما أولى، لم يعرف حسن ما أبلى.
* * *
ثم قال عليه السلام: وليكن كاتبك غير مقصر عن عرض مكتوبات عمالك عليك، والاجابة عنها حسن الوكالة والنيابة عنك فيما يحتج به لك عليهم من مكتوباتهم، وما يصدره عنك إليهم من الاجوبة فإن عقد لك عقدا قواه وأحكمه، وإن عقد عليك عقدا اجتهد في نقضه وحلة.
قال: وأن يكون عارفا بنفسه، فمن لم يعرف قدر نفسه لم يعرف قدر غيره.
ثم نهاه أن يكون مستند اختياره لهؤلاء فراسته فيهم، وغلبة ظنه بأحوالهم، فإن التدليس ينم في ذلك كثيرا، وما زال الكتاب يتصنعون للامراء بحسن الظاهر، وليس وراء ذلك كثير طائل في النصيحة، والمعرفة، ولكن ينبغى أن يرجع في ذلك إلى ما حكمت
---

[79]
به التجربة لهم، وما ولوه من قبل، فإن كانت ولايتهم وكتابتهم حسنة مشكورة فهم هم، وإلا فلا، ويتعرفون لفراسات الولاة، يجعلون أنفسهم بحيث يعرف بضروب من التصنع، وروى: " يتعرضون ".
ثم أمره أن يقسم فنون الكتابة وضروبها بينهم نحو أن يكون أحدهم للرسائل إلى الاطراف والاعداء، والاخر لاجوبة عمال السواد، والاخره بحضرة الامير في خاصته وداره، وحاشيته وثقاته.
ثم ذكر له أنه مأخوذ مع الله تعالى بما يتغابى عنه، ويتغافل من عيوب كتابه، فإن الدين لا يبيح الاغضاء والغفلة عن الاعوان والخول، ويوجب التطلع عليهم.
* * *
[فصل في الكتاب وما يلزمهم من الاداب] واعلم أن الكاتب الذى يشير أمير المؤمنين عليه السلام إليه هو الذى يسمى الان في الاصطلاح العرفي وزيرا، لانه صاحب تدبير حضره الامير، والنائب عنه في أموره، وإليه تصل مكتوبات العمال وعنه تصدر الاجوبة، وإليه العرض على الامير، وهو المستدرك على العمال، والمهيمن عليهم، وهو على الحقيقة كاتب الكتاب ولهذا يسمونه: الكاتب المطلق.
وكان يقال: للكاتب على الملك ثلاث: رفع الحجاب عنه، واتهام الوشاة عليه، وإفشاء السر إليه.
وكان يقال: صاحب السلطان نصفه، وكاتبه كله وينبغى لصاحب الشرطة أن يطيل الجلوس، ويديم العبوس، ويستخف بالشفاعات.
---

[80]
وكان يقال إذا كان الملك ضعيفا، والوزير شرها، والقاضى جائرا، فرقوا الملك شعاعا.
وكان يقال: لا تخف صوله الامير مع رضا الكاتب، ولا تثقن برضا الامير مع سخط الكاتب، وأخذ هذا المعنى أبو الفضل بن العميد فقال: وزعمت أنك لست تفكر بعد ما * * علقت يداك بذمه الامراء هيهات قد كذبتك فكرتك التى * * قد أوهمتك غنى عن الوزراء لم تغن عن أحد سماء لم تجد * * أرضا ولا أرض بغير سماء.
وكان يقال: إذا لم يشرف الملك على أموره، صار أغش الناس إليه وزيره.
وكان يقال: ليس الحرب الغشوم بأسرع في اجتياح(1) الملك من تضييع مراتب الكتاب حتى يصيبها أهل النذالة، ويزهد فيها أولو الفضل.
[فصل في ذكر ما نصحت به الاوائل الوزراء] وكان يقال: لا شئ أذهب بالدول من استكفاء الملك الاسرار.
وكان يقال: من سعادة جد المرء ألا يكون في الزمان المختلط وزيرا للسلطان.
وكان يقال: كما أن أشجع الرجال يحتاج إلى السلاح، وأسبق الخيل يحتاج إلى السوط، وأحد الشفار يحتاج إلى المسن، كذلك أحزم الملوك وأعقلهم يحتاج إلى الوزير الصالح.
وكان يقال: صلاح الدنيا بصلاح الملوك، وصلاح الملوك بصلاح الوزراء،
---
(1) اجتياح الملك: الذهاب به(*).
---

[81]
وكما لا يصلح الملك إلا بمن يستحق الملك، كذلك لا تصلح الوزارة إلا بمن يستحق الوزارة.
وكان يقال: الوزير الصالح لا يرى أن صلاحه في نفسه كائن صلاحا حتى يتصل بصلاح الملك وصلاح رعيته، وأن تكون عنايته فيما عطف الملك على رعيته، وفيما استعطف قلوب الرعية والعامة على الطاعه للملك، وفيما فيه قوام أمر الملك من التدبير الحسن، حتى يجمع إلى أخذ الحق تقديم عموم الامن.
وإذا طرقت الحوادث، كان للملك عدة وعتادا، وللرعية كافيا محتاطا، ومن ورائها محاميا ذابا، يعنيه من صلاحها ما لا يعنيه من صلاح نفسه دونها.
وكان يقال: مثل الملك الصالح إذا كان وزيره فاسدا مثل الماء العذب الصافى وفيه التمساح، لا يستطيع الانسان - وإن كان سابحا، وإلى الماء ظامئا - دخوله، حذرا على نفسه.
قال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القرظى حين استخلف: لو كنت كاتبى وردءا لى على ما دفعت إليه! قال: لا أفعل، ولكني سأرشدك، أسرع الاستماع، وأبطئ في التصديق حتى يأتيك واضح البرهان، ولا تعملن ثبجتك فيما تكتفى فيه بلسانك، ولا سوطك فيما تكتفى فيه بثبجتك، ولا سيفك فيما تكتفى فيه بسوطك.
وكان يقال: التقاط الكاتب للرشا وضبط الملك لا يجتمعان.
وقال أبرويز لكاتبه: اكتم السر، واصدق الحديث، واجتهد في النصيحة، وعليك بالحذر، فإن لك على ألا أعجل عليك حتى أستأني لك، ولا أقبل فيك قولا حتى أستيقن، ولا أطمع فيك أحدا فتغتال، واعلم أنك بمنجاه(1) رفعة فلا تحطنها، وفي
---
(1) المنجاة: ما ارتفع من الارض(*).
---

[82]
ظل مملكة فلا تستزيلنه.
قارب الناس مجاملة من نفسك، وباعدهم مسامحة عن عدوك، واقصد إلى الجميل ازدراعا لغدك، وتنزه بالعفاف صونا لمروءتك، وتحسن عندي بما قدرت عليه.
احذر لا تسرعن الالسنة عليك، ولا تقبحن الاحدوثة عنك، وصن نفسك صون الدرة الصافية، وأخلصها إخلاص الفضة البيضاء، وعاتبها معاتبة الحذر المشفق، وحصنها تحصين المدينة المنيعة، لا تدعن أن ترفع إلى الصغير فإنه يدل على(1) الكبير، ولا تكتمن عنى الكبير فإنه ليس بشاغل عن الصغير.
هذب أمورك ثم القنى بها، وأحكم أمرك ثم راجعني فيه، ولا تجترئن على فامتعض، ولا تنقبضن منى فأتهم، ولا تمرضن ما تلقاني به ولا تخدجنه(2)، وإذا أفكرت فلا تجعل، وإذا كتبت فلا تعذر، ولا تستعن بالفضول فإنها علاوة على الكفاية، ولا تقصرن عن التحقيق فإنها هجنة بالمقالة، ولا تلبس كلاما بكلام، ولا تبعدن معنى عن معنى.
وأكرم لى كتابك عن ثلاث: خضوع يستخفه، وانتشار يهجنه، ومعان تعقد به.
واجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول وليكن بسطة كلامك على كلام السوقة كبسطة الملك الذى تحدثه على الملوك.
لا يكن ما نلته عظيما، وما تتكلم به صغيرا، فإنما كلام الكاتب على مقدار الملك، فاجعله عاليا كعلوه، وفائقا كتفوقه، فإنما جماع الكلام كله خصال أربع: سؤالك الشئ، وسؤالك عن الشئ وأمرك بالشئ وخبرك عن الشئ، فهذه الخصال دعائم المقالات، إن التمس إليها خامس لم يوجد، وإن نقص منها واحد لم يتم، فإذا أمرت فأحكم، وإذا سألت فأوضح، وإذا طلبت فأسمح، وإذا أخبرت فحقق، فإنك إذا فعلت ذلك أخذت بجراثيم القول كله، فلم يشتبه عليك واردة، ولم تعجزك صادره.
أثبت في دواوينك ما أخذت، وأحص فيها ما أخرجت، وتيقظ لما تعطى، وتجرد لما تأخذ ولا يغلبنك النسيان عن الاحصاء، ولا الانأة عن التقدم، ولا تخرجن
---
(1) كذا في ا، وهو الوجه، وفى ب: " عن الكبير ".
(2) التمريض: التوهين، والتخذيج: أن تأتى بالشئ ناقصا(*).
---

[83]
وزن قيراط في غير حق، ولا تعظمن إخراج الالوف الكثيرة في الحق، وليكن ذلك كله عن مؤامرتي.
* * *
الأصل:
ثم استوص بالتجار وذوى الصناعات، وأوص بهم خيرا، المقيم منهم والمضطرب بماله، والمترفق ببدنه، فإنهم مواد المنافع، وأسباب المرافق، وجلابها من المباعد والمطارح، في برك وبحرك، وسهلك وجبلك، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها، ولا يجترئون عليها، فإنهم سلم لا تخاف بائقته، وصلح لا تخشى غائلته.
وتفقد أمورهم بحضرتك، وفي حواشى بلادك.
واعلم - مع ذلك - أن في كثير منهم ضيقا فاحشا، وشحا قبيحا، واحتكارا للمنافع، وتحكما في البياعات، وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار، فإن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ) منع منه.
وليكن البيع بيعا سمحا بموازين عدل، وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع، فمن قارف حكره بعد نهيك إياه فنكل به، وعاقبه من غير إسراف.
* * *
الشرح:
خرج عليه السلام الان الى ذكر التجار وذوى الصناعات، وأمره(1) بأن يعمل معهم الخير، وأن يوصى غيره من أمرائه وعماله أن يعملوا معهم الخير، واستوص بمعنى " أوص "
---
(1) ا، ب: " أمره "، بدون واو(*).
---

[84]
نحو قر في المكان واستقر، وعلا قرنه واستعلاه.
وقوله: " استوص بالتجار خيرا "، أي أوص نفسك بذلك، ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله: " استوصوا بالنساء خيرا "، ومفعولا " استوص وأوص " هاهنا محذوفان للعلم بهما، ويجوز أن يكون " استوص " أي اقبل الوصية منى بهم، وأوص بهم أنت غيرك.
ثم قسم عليه السلام الموصى بهم ثلاثة أقسام: اثنان منها للتجار(1)، وهما المقيم، والمضطرب، يعنى المسافر، والضرب: السير في الارض، قال تعالى:(إذا ضربتم في الارض(2)، وواحد لارباب الصناعات، وهو قوله: " والمترفق ببدنه "، وروى " بيديه "، تثنية يد.
والمطارح: الاماكن البعيدة.
وحيث لا يلتئم الناس: لا يجتمعون، وروى " حيث لا يلتئم " بحذف الواو.
ثم قال: " فإنهم أولو سلم "، يعنى التجار والصناع، استعطفه عليهم، واستماله إليهم.
وقال: ليسوا كعمال الخراج وأمراء الاجناد، فجانبهم ينبغى أن يراعى، وحالهم يجب أن يحاط ويحمى، إذ لا يتخوف منهم بائقة لا في مال يخونون فيه، ولا في دولة يفسدونها.
وحواشي البلاد: أطرافها.
ثم قال له: قد يكون في كثير منهم نوع من الشح والبخل فيدعوهم ذلك إلى الاحتكار في الاقوات، والحيف في البياعات، والاحتكار(3): ابتياع الغلات في أيام
---
(1) د: " التجار ".
(2) سورة النساء 101.
(3) د: " فالاحتكار "(*).
---

[85]
رخصها، وادخارها في المخازن(1) إلى أيام الغلاء والقحط.
والحيف: تطفيف في الوزن والكيل، وزيادة في السعر(2)، وهو الذى عبر عنه بالتحكم، وقد نهى رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) عن الاحتكار، وأما التطفيف وزيادة التسعير فمنهى عنهما في نص الكتاب(3).
وقارف حكرة: واقعها، والحاء مضمومة، وأمره أن يؤدب فاعل ذلك من غير إسراف، وذلك أنه دون المعاصي التى توجب الحدود، فغاية أمره من التعزير الاهانة والمنع.
* * *
الأصل:
ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمنى، فإن في هذه الطبقة قانعا ومعترا.
واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم.
واجعل لهم قسما من بيت مالك، وقسما من غلات صوافي الاسلام في كل بلد، فإن للاقصى منهم مثل الذى للادنى، وكل قد استرعيت حقه.
ولا يشغلنك عنهم بطر، فإنك لا تعذر بتضييع التافه لاحكامك الكثير المهم، فلا تشخص همك عنهم، ولا تصعر خدك لهم.
وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم، ممن تقتحمه العيون، وتحقره الرجال، ففرغ لاولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم.
ثم اعمل فيهم بالاعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه، فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الانصاف من غيرهم، وكل فأعذر إلى الله في تأديه حقه إليه.
---
(1) د: " المحارز ".
(2) د: " التفسير ".
(3) وهو قوله تعالى:(ويل للمطففين)(*).
---

[86]
وتعهد أهل اليتم، وذوى الرقة في السن، ممن لا حيلة له، ولا ينصب للمسالة نفسه، وذلك على الولاة ثقيل، والحق كله ثقيل، وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم، ووثقوا بصدق موعود الله لهم.
* * *
الشرح:
انتقل من التجار وأرباب الصناعات إلى ذكر فقراء الرعية ومغموريها، فقال: وأهل البؤسى، وهى البؤس كالنعمى للنعيم، والزمنى أولو الزمانة.
والقانع: السائل، والمعتر: الذى يعرض لك ولا يسألك، وهما من ألفاظ الكتاب العزيز(1).
وأمره أن يعطيهم من بيت مال المسلمين لانهم من الاصناف المذكورين في قوله تعالى:(واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل)(2)، وأن يعطيهم من غلات صوافي الاسلام - وهى الارضون التى لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب - وكانت صافية لرسول الله صلى الله عليه وآله، فلما قبض صارت لفقراء المسلمين، ولما يراه الامام من مصالح الاسلام.
ثم قال له: " فإن للاقصى منهم مثل الذى للادنى "، أي كل فقراء المسلمين سواء في سهامهم، ليس فيها أقصى وأدنى، أي لا تؤثر من هو قريب إليك أو إلى أحد من خاصتك على من هو بعيد ليس له سبب إليك، ولا علقة بينه وبينك، ويمكن أن يريد به: لا تصرف غلات ما كان من الصوافى في بعض البلاد إلى مساكين ذلك
---
(1) وهو قوله تعالى في سورة الحج 36:(فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر).
(2) سورة الانفال 41(*).
---

[87]
البلد خاصة، فإن حق البعيد عن ذلك البلد فيها كمثل حق المقيم في ذلك البلد.
والتافه: الحقير.
وأشخصت زيدا من موضع كذا، أخرجته عنه.
وفلان يصعر خده للناس، أي يتكبر عليهم.
وتقتحمه العيون: تزدريه.
وتحتقره والاعذار إلى الله: الاجتهاد والمبالغة في تأدية حقه والقيام بفرائضه.
* * *
كان بعض الاكاسرة يجلس للمظالم بنفسه، ولا يثق إلى غيره، ويقعد بحيث يسمع الصوت، فإذا سمعه أدخل المتظلم فأصيب بصمم في سمعه فنادى مناديه، أن الملك يقول: أيها الرعية إنى إن أصبت بصمم في سمعي فلم أصب في بصرى، كل ذى ظلامة فليلبس ثوبا أحمر، ثم جلس لهم في مستشرف له.
وكان لامير المؤمنين عليه السلام بيت سماه بيت القصص، يلقى الناس فيه رقاعهم، وكذلك كان فعل المهدى محمد بن هارون الواثق، من خلفا بنى العباس.
* * *
الأصل:
واجعل لذوى الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلسا عاما، فتتواضع فيه لله الذى خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك، حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع، فإنى سمعت رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) يقول في غير موطن: " لن تقدس أمه لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوى غير متتعتع ".
---

[88]
ثم احتمل الخرق منهم والعى، ونح عنهم الضيق والانف، يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته، ويوجب لك ثواب طاعته.
وأعط ما أعطيت هنيئا، وامنع في إجمال وإعذار.
ثم أمور من أمورك لا بد لك من مباشرتها، منها إجابه عمالك بما يعيا عنه كتابك، ومنها إصدار حاجات الناس عند ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك.
وأمض لكل يوم عمله، فإن لكل يوم ما فيه.
* * *
الشرح:
هذا الفصل من تتمة ما قبله، وقد روى: " حتى يكلمك مكلمهم "، فاعل من " كلم " والرواية الاولى الاحسن. وغير متتعتع: غير مزعج ولا مقلق.
والمتتعتع في الخبر النبوى: المتردد المضطرب كلامه عيا من خوف لحقه، وهو راجع إلى المعنى الاول.
والخرق: الجهل.
وروى: " ثم احتمل الخرق منهم والغى ".
والغى وهو الجهل أيضا، والرواية الاولى أحسن.
ثم بين له عليه السلام أنه لا بد له من هذا المجلس لامر آخر غير ما قدمه عليه السلام وذلك لانه لابد من أن يكون في حاجات الناس ما يضيق به صدور أعوانه، والنواب عنه، فيتعين عليه أن يباشرها بنفسه، ولا بد من أن يكون في كتب عماله الواردة عليه
---

[89]
ما يعيا كتابه عن جوابه، فيجيب عنه بعلمه.
ويدخل في ذلك أن يكون فيها ما لا يجوز في حكم السياسة ومصلحة الولاية أن يطلع الكتاب عليه، فيجيب أيضا عن ذلك بعلمه.
ثم قال له: لا تدخل عمل يوم في عمل يوم آخر فيتعبك ويكدرك، فإن لكل يوم ما فيه من العمل.
* * *
الأصل:
واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله تعالى أفضل تلك المواقيت، وأجزل تلك الاقسام، وأن كانت كلها لله، إذا صلحت فيها النية، وسلمت منها الرعية.
وليكن في خاصتة ما تخلص به لله دينك إقامه فرائضه التى هي له خاصة، فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك، ووف ما تقربت به إلى الله سبحانه من ذلك كاملا غير مثلوم ولا منقوص، بالغا من بدنك ما بلغ.
وإذا قمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفرا ولا مضيعا، فإن في الناس من به العلة وله الحاجة، وقد سألت رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) حين وجهنى إلى اليمن: كيف أصلى بهم؟ فقال: " صل بهم كصلاة أضعفهم، وكن بالمؤمنين رحيما ".
* * *
الشرح:
لما فرغ عليه السلام من وصيته بأمور رعيته، شرع في وصيته بأداء الفرائض التى
---

[90]
افترضها الله عليه من عبادته، ولقد أحسن عليه السلام في قوله: وإن كانت كلها لله "، أي أن النظر في أمور الرعية مع صحة النية وسلامة الناس من الظلم من جملة العبادات والفرائض أيضا.
ثم قال له: " كاملا غير مثلوم "، أي لا يحملنك شغل السلطان على أن تختصر الصلاة اختصارا بل صلها بفرائضها وسننها وشعائرها في نهارك وليلك، وإن أتعبك ذلك ونال من بدنك وقوتك.
ثم أمره إذا صلى بالناس جماعة ألا يطيل فينفرهم عنها، وألا يخدج الصلاة وينقصها فيضيعها(1).
ثم روى خبرا عن النبي صلى الله عليه وآله، وهو قوله عليه السلام له: " صل بهم كصلاة أضعفهم "، وقوله: " وكن بالمؤمنين رحيما " يحتمل أن يكون من تتمة الخبر النبوى، ويحتمل أن يكون من كلام أمير المؤمنين عليه السلام، والظاهر أنه من كلام أمير المؤمنين من الوصية للاشتر، لان اللفظة الاولى عند أرباب الحديث هي المشهور في الخبر.
* * *
الأصل:
وأما بعد هذا، فلا تطولن احتجابك عن رعيتك، فإن احتجاب الولاه عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالامور.
والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير ويقبح الحسن، ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل، وإنما الوالى بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الامور، وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من
---
(1) د: " فيضعفها "(*).
---

[91]
الكذب، وإنما أنت أحد رجلين إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق، ففيم احتجابك من واجب حق تعطيه، أو فعل كريم تسديه! أو مبتلى بالمنع فما أسرع كف الناس عن مسألتك، إذا أيسوا من بذلك، مع أن أكثر حاجات الناس إليك ما لا مؤونة فيه عليك، من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف في معاملة.
* * *
الشرح:
نهاه عن الاحتجاب فإنه مظنة انطواء الامور عنه، وإذا رفع الحجاب دخل عليه كل أحد فعرف الاخبار، ولم يخف عليه شئ من أحوال عمله.
ثم قال: لم تحتجب، فإن أكثر الناس يحتجبون كيلا يطلب منهم الرفد! وأنت فإن كنت جوادا سمحا لم يكن لك إلى الحجاب داع، وإن كنت ممسكا فسيعلم الناس ذلك منك، فلا يسألك أحد شيئا.
ثم قال: على أن أكثر ما يسأل منك ما لا مؤونة عليه في ماله، كرد ظلامة أو إنصاف من خصم.
* * *
[ذكر الحجاب وما ورد فيه من الخبر والشعر] والقول في الحجاب كثير: حضر باب عمر جماعة من الاشراف: منهم سهيل بن عمرو وعيينة بن حصن والاقرع ابن حابس، فحجبوا، ثم خرج الاذن فنادى: أين عمار؟ أين سلمان؟ أين صهيب؟
---

[92]
فأدخلهم فتمعرت(1) وجوه القوم، فقال سهيل بن عمرو: لم تتمعر وجوهكم! دعوا ودعينا فأسرعوا وأبطانأ، ولئن حسدتموهم على باب عمر اليوم لانتم غدا لهم(2) أحسد.
واستاذن أبو سفيان على عثمان فحجبه، فقيل له: حجبك! فقال: لا عدمت من أهلى من إذا شاء حجبني.
وحجب معاوية أبا الدرداء؟ فقيل لابي الدرداء: حجبك معاوية! فقال: من يغش أبواب الملوك يهن ويكرم، ومن صادف بابا مغلقا عليه وجد إلى جانبه بابا مفتوحا، إن سأل أعطى، وإن دعا أجيب، وإن يكن معاوية قد احتجب فرب معاوية لم يحتجب.
وقال أبرويز لحاجبة: لا تضعن شريفا بصعوبة حجاب، ولا ترفعن وضيعا بسهولته، ضع الرجال مواضع أخطارهم، فمن كان قديما شرفه ثم ازدرعه(3) ولم يهدمه بعد آبائه فقدمه على شرفه الاول، وحسن رأيه الاخر، ومن كان له شرف متقدم ولم يصن ذلك حياطه له، ولم يزدرعه تثمير المغارسة، فألحق بآبائه من رفعة حاله ما يقتضيه سابق شرفهم، وألحق به في خاصته ما ألحق بنفسه، ولا تأذن له إلا دبريا وإلا سرارا، ولا تلحقه بطبقة الاولين.
وإذا ورد كتاب عامل من عمالى فلا تحبسه عنى طرفه عين إلا أن أكون على حال لا تستطيع الوصول إلى فيها، وإذا أتاك من يدعى النصيحة لنا فلتكتبها سرا ثم أدخله بعد أن تستأذن له، حتى إذا كان منى بحيث أراه فادفع إلى كتابه، فان أحمدت قبلت، وإن كرهت رفضت.
وإن أتاك عالم مشتهر بالعلم والفضل يستأذن، فأذن له، فإن العلم شريف وشريف صاحبه، ولا تحجبن عنى أحدا من أفناء الناس، إذا أخذت مجلسي مجلس العامة، فإن الملك لا يحجب إلا عن ثلاث: عى يكره أن يطلع عليه منه، أو بخل يكره أن يدخل عليه من يسأله، أو ريبة هو مصر عليها فيشفق من إبدائها،
---
(1) تمعرت وجوههم: تغيرت غيظا وحنقآ.
(2) ساقطة من د.
(3) ازدرعه: أثبته(*).
---

[93]
ووقوف الناس عليها ولا بد أن يحيطوا بها علما، وإن اجتهد في سترها.
وقد أخذ هذا المعنى الاخير محمود الوراق فقال: إذا اعتصم الوالى بإغلاق بابه * * ورد ذوى الحاجات دون حجابه ظننت به إحدى ثلاث وربما * * رجمت بظن واقع بصوابه أقول به مس من العى ظاهر * * ففى إذنه للناس إظهار ما به فإن لم يكن عى اللسان فغالب * * من البخل يحمى ماله عن طلابه وإن لم يكن لاذا ولاذا فريبة * * يكتمها مستورة بثيابه.
أقام عبد العزيز بن زرارة الكلابي على باب معاوية سنة في شملة من صوف لا يأذن له: ثم أذن له وقربه وأدناه، ولطف محله عنده حتى ولاه مصر، فكان يقال: استأذن أقوام لعبد العزيز بن زرارة، ثم صار يستاذن لهم، وقال في ذلك: دخلت على معاوية بن حرب * * ولكن بعد يأس من دخول وما نلت الدخول عليه حتى * * حللت محلة الرجل الذليل وأغضيت الجفون على قذاها * * ولم أنظر إلى قال وقيل وأدركت الذى أملت منه * * وحرمان المنى زاد العجول ويقال: إنه قال له لما دخل عليه أمير المؤمنين: دخلت إليك بالامل، واحتملت جفوتك بالصبر، ورأيت ببابك أقواما قدمهم الحظ وآخرين أخرهم الحرمان، فليس ينبغى للمقدم أن يأمن عواقب الايام، ولا للمؤخر أن ييئس من عطف الزمان.
وأول المعرفة الاختبار، فابل واختبر إن رأيت.
وكان يقال: لم يلزم باب السلطان أحد فصبر على ذل الحجاب، وكلام البواب، وألقى الانف، وحمل الضيم، وأدام الملازمة إلا وصل إلى حاجته أو إلى معظمها.
---

[94]
قال عبد الملك لحاجبه: إنك عين أنظر بها، وجنة أستلئم بها، وقد وليتك ما وراء بابى، فماذا تراك صانعا برعيتي؟ قال: أنظر إليهم بعينك، وأحملهم على قدر منازلهم عندك، وأضعهم في إبطائهم عن بابك، ولزوم خدمتك مواضع استحقاقهم، وأرتبهم حيث وضعهم ترتيبك، وأحسن إبلاغهم عنك وإبلاغك عنهم.
قال: لقد وفيت بما عليك، ولكن إن صدقت ذلك بفعلك.
وقال دعبل وقد حجب عن باب مالك بن طوق: لعمري لئن حجبتني العبيد * * لما حجبت دونك القافيه(1) سأرمى بها من وارء الحجاب * * شنعاء تأتيك بالداهية تصم السميع، وتعمى البصير * * ويسأل من مثلها العافية وقال آخر: سأترك هذا الباب ما دام اذنه * * على ما أرى حتى يلين قليلا فما خاب من لم يأته مترفعا * * ولا فاز من قد رام فيه دخولا إذا لم نجد للاذن عندك موضعا * * وجدنا إلى ترك المجئ سبيلا.
وكتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف الكاتب وقد حجبه: وإن عدت بعد اليوم إنى لظالم * * سأصرف وجهى حيث تبغى المكارم متى يفلح الغادى إليك لحاجة * * ونصفك محجوب، نصفك نائم! يعنى ليله ونهاره.
استاذن رجلان على معاوية، فأذن لاحدهما - وكان أشرف منزلة من الاخر - ثم أذن للاخر فدخل، فجلس فوق الاول، فقال معاوية: إن الله قد ألزمنا تأديبكم
---
(1) ديوانه 212، ونقلها عن ابن أبى الحديد(النجف 1962)(*).
---

[95]
كما ألزمنا رعايتكم، وإنا لم نأذن له قبلك، ونحن نريد أن يكون مجلسه دونك، فقم لا أقام الله لك وزنا.
وقال بشار: تأبى خلائق خالد وفعاله * * إلا تجنب كل أمر عائب وإذا أتينا الباب وقت غدائه * * أدنى الغداء لنا برغم الحاجب.
وقال آخر يهجو: يا أميرا على جريب من الارض * * له تسعة من الحجاب قاعد في الخراب يحجب عنا * * ما سمعنا بحاجب في خراب.
وكتب بعضهم إلى جعفر بن محمد بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب: أبا جعفر إن الولاية أن تكن * * منبلة قوسا فأنت لها نبل فلا ترتفع عنا لامر وليته * * كما لم يصغر عندنا شأنك العزل.
ومن جيد ما مدح به بشر بن مروان قول القائل: بعيد مراد الطرف ما رد طرفه * * حذار الغواشى باب دار ولا ستر ولو شاء بشر كان من دون بابه * * طماطم سود أو صقالبه حمر(1) ولكن بشرا يستر الباب للتى * * يكون لها في غبها الحمد والاجر.
وقال بشار: خليلي من كعب أعينا أخاكما * * على دهره إن الكريم يعين ولا تبخلا بخل ابن قرعة إنه * * مخافة أن يرجى نداه حزين إذا جئته للعرف أغلق بابه * * فلم تلقه إلا وأنت كمين فقل لابي يحيى متى تدرك العلا * * وفى كل معروف عليك يمين!
---
(1) الطماطم: الاعاجم(*).
---

[96]
وقال إبراهيم بن هرمة: هش إذا نزل الوفود ببابه * * سهل الحجاب مؤدب الخدام(1) وإذا رأيت صديقه وشقيقه * * لم تدر أيهما ذوى الارحام.
وقال آخر: وإنى لاستحيى الكريم إذا أتى * * على طمع عند اللئيم يطالبه وأرثى له من مجلس عند بابه * * كمرثيتى للطرف والعلج راكبه.
وقال عبد الله بن محمد بن عيينة: أتيتك زائرا لقضاء حق * * فحال الستر دونك والحجاب ورأيى مذهب عن كل ناء * * يجانبه إذا عز الذهاب ولست بساقط في قدر قوم * * وإن كرهوا كما يقع الذباب.
وقال آخر: ما ضاقت الارض على راغب * * تطلب الرزق ولا راهب بل ضاقت الارض على شاعر * * أصبح يشكو جفوة الحاجب قد شتم الحاجب في شعره * * وإنما يقصد للصاحب * * *
الأصل:
ثم إن للوالى خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول، وقلة إنصاف في معاملة، فاحسم مئونة أولئك بقطع أسباب تلك الاحوال، ولا تقطعن لاحد من حاشيتك وحامتك قطيعة، ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في
---
(1) المحاسن والمساوي 1: 264(*).
---

[97]
شرب أو عمل مشترك، يحملون مؤونته على غيرهم، فيكون مهنا ذلك لهم دونك، وعيبه عليك في الدنيا والاخرة.
وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد، وكن في ذلك صابرا محتسبا، واقعا ذلك من قرابتك وخواصك حيث وقع، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه، فإن مغبة ذلك محمودة.
وإن ظنت الرعية بك حيفا، فأصحر لهم بعذرك، واعدل عنك ظنونهم بإصحارك، فإن في ذلك إعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق.
* * *
الشرح:
نهاه عليه السلام عن أن يحمل أقاربه وحاشيته وخواصه على رقاب الناس، وأن يمكنهم من الاستئثار عليهم والتطاول والاذلال ونهاه من أن يقطع أحدا منهم قطيعة، أو يملكه ضيعة تضر بمن يجاورها من السادة والدهاقين(1) في شرب يتغلبون على الماء منه، أو ضياع يضيفونها إلى ما ملكهم إياه، وإعفاء لهم من مؤنة، أو حفر وغيره، فيعفيهم الولاة منه مراقبة لهم، فيكون مؤنة ذلك الواجب عليهم قد أسقطت عنهم، وحمل ثقلها على غيرهم.
ثم قال عليه السلام: لان منفعة ذلك في الدنيا تكون لهم دونك، والوزر في الاخرة عليك، والعيب والذم في الدنيا أيضا لاحقان بك.
ثم قال له: إن اتهمتك الرعية بحيف عليهم، أو ظنت بك جورا، فاذكر لهم عذرك
---
(1) الدهاقين: جمع دهقان، وهو من ألقاب الرؤساء في الاعاجم(*).
---

[98]
في ذلك، وما عندك ظاهرا غير مستور، فإنه الاولى والاقرب إلى استقامتهم لك على الحق.
وأصحرت بكذا، أي كشفته، مأخوذ من الاصحار، وهو الخروج إلى الصحراء.
وحامة الرجل: أقاربه وبطانته.
واعتقدت عقدة، أي ادخرت ذخيره.
والمهنأ مصدر هنأه كذا.
ومغبة الشئ عاقبته.
واعدل عنك ظنونهم: نحها.
والاغدار: إقامة العذر.
* * *
[طرف من أخبار عمر بن عبد العزيز ونزاهته في خلافته] رد عمر بن عبد العزيز المظالم التى احتقبها(1) بنو مروان فأبغضوه وذموه، وقيل: إنهم سموه فمات.
وروى الزبير بن بكار في " الموفقيات " أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه يوما وهو في قائلته، فأيقظه.
وقال له: ما يؤمنك أن تؤتى في منامك وقد رفعت إليك مظالم لم تقض حق الله فيها! فقال: يا بنى إن نفسي مطيتي إن لم أرفق بها لم تبلغني، إنى لو أتعبت نفسي وأعواني لم يكن ذلك إلا قليلا حتى أسقط ويسقطوا، وإنى لاحتسب في نومتي من الاجر مثل الذى أحتسب في يقظتي، إن الله جل ثناؤه لو أراد أن ينزل القرآن جملة لانزله، ولكنه أنزل الاية والايتين حتى استكثر(2) الايمان في قلوبهم.
ثم قال: يا بنى مما أنا فيه أمر هو أهم إلى أهل بيتك، هم أهل العدة والعدد، وقبلهم ما قبلهم، فلو جمعت ذلك في يوم واحد خشيت انتشارهم على، ولكني أنصف من الرجل
---
(1) يقال احتقب فلان الاثم، كأنه جمعه واحتقبه من خلفه.
(2) د: " استكبر "(*).
---

[99]
والاثنين، فيبلغ ذلك من وراءهما، فيكون أنجع له، فإن يرد الله إتمام هذا الامر أتمه، وإن تكن الاخرى فحسب عبد أن يعلم الله منه أنه يحب أن ينصف جميع رعيته.
وروى جويرية بن أسماء، عن إسماعيل بن أبى حكيم، قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فلما تفرقنا نادى مناديه: الصلاة جامعة! فجئت المسجد، فإذا عمر على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن هؤلاء - يعنى خلفاء بنى أمية قبله - قد كانوا أعطونا عطايا ما كان ينبغى لنا أن نأخذها منهم، وما كان ينبغى لهم أن يعطوناها، وإنى قد رأيت الان أنه ليس على في ذلك دون الله حسيب، وقد بدأت بنفسى والاقربين من أهل بيتى، اقرأ يا مزاحم، فجعل مزاحم يقرأ كتابا فيه الاقطاعات بالضياع والنواحى، ثم يأخذه عمر بيده فيقصه بالجلم(1)، لم يزل كذلك حتى نودى بالظهر.
وروى الفرات بن السائب، قال: كان عند فاطمة بنت عبد الملك بن مروان جوهر جليل، وهبها أبوها، ولم يكن لاحد مثله، وكانت تحت عمر بن عبد العزيز، فلما ولى الخلافه قال لها: اختاري، إما أن تردى جوهرك وحليك إلى بيت مال المسلمين، وإما أن تأذني لى في فراقك، فإنى أكره أن أجتمع أنا وأنت وهو في بيت واحد.
فقالت بل أختارك عليه وعلى أضعافه لو كان لى، وأمرت به فحمل إلى بيت المال فلما، هلك عمر واستخلف يزيد ابن عبد الملك قال لفاطمة أخته: إن شئت رددته عليك، قالت: فإنى لا أشاء ذلك، طبت عنه نفسا في حياة عمر، وأرجع فيه بعد موته! لا والله أبدا.
فلما رأى يزيد ذلك قسمه بين ولده وأهله.
وروى سهيل بن يحيى المروزى عن أبيه عن عبد العزيز، عن عمر بن عبد العزيز، قال: لما دفن سليمان صعد عمر على المنبر فقال: إنى قد خلعت ما في رقبتي من بيعتكم.
فصاح الناس صيحة واحدة قد اخترناك، فنزل ودخل وأمر بالستور فهتكت،
---
(1) الجلم: المقص(*).
---

[100]
والثياب التى كانت تبسط للخلفاء فحملت إلى بيت المال، ثم خرج ونادى مناديه: من كانت له مظلمة من بعيد أو قريب من أمير المؤمنين فليحضر فقام، رجل ذمى من أهل حمص أبيض الرأس واللحية، فقال: أسألك كتاب! الله قال: ما شأنك؟ قال: العباس بن الوليد ابن عبد الملك اغتصبني ضيعتي - والعباس جالس - فقال عمر: ما تقول يا عباس؟ قال: أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد، وكتب لى بها سجلا.
فقال عمر: ما تقول أنت أيها الذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين، أسألك كتاب الله! فقال عمر: إيها لعمري إن كتاب الله لاحق أن يتبع من كتاب الوليد، اردد عليه يا عباس ضيعته، فجعل لا يدع شيئا مما كان في أيدى أهل بيته من المظالم إلا ردها مظلمة مظلمة.
وروى ميمون بن مهران، قال: بعث إلى عمر بن عبد العزيز وإلى مكحول وأبى قلابة فقال: ما ترون في هذه الاموال التى أخذها أهلى من الناس ظلما؟ فقال مكحول قولا ضعيفا كرهه عمر، فقال: أرى أن تستأنف وتدع ما مضى، فنظر إلى عمر كالمستغيث بى، فقلت: يا أمير المؤمنين، أحضر ولدك عبد الملك لننظر ما يقول، فحضر، فقال: ما تقول يا عبد الملك؟ فقال: ماذا أقول؟ ألست تعرف مواضعها! قال: بلى والله، قال: فارددها، فإن لم تفعل كنت شريكا لمن أخذها.
وروى ابن درستويه، عن يعقوب بن سفيان، عن جويرية بن أسماء، قال: كان بيد عمر بن عبد العزيز قبل الخلافة ضيعته المعروفة بالسهلة، وكانت باليمامة.
وكانت أمرا عظيما لها غلة عظيمة كثيرة، إنما عيشه وعيش أهله منها، فلما ولى الخلافة قال لمزاحم مولاه - وكان فاضلا -: إنى قد عزمت أن أرد السهلة إلى بيت مال المسلمين، فقال مزاحم: أتدرى كم ولدك؟ إنهم كذا وكذا قال فذرفت عيناه، فجعل يستدمع ويمسح الدمعة بأصبعه الوسطى، ويقول أكلهم إلى الله أكلهم إلى الله! فمضى مزاحم فدخل على عبد الملك ابن عمر، فقال له: ألا تعلم ما قد عزم عليه أبوك! إنه
يريد أن يرد السهلة، قال: فما قلت
---

[101]
له؟ قال: ذكرت له ولده فجعل يستدمع ويقول: أكلهم إلى الله.
فقال عبد الملك: بئس وزير الدين أنت! ثم وثب و انطلق إلى أبيه فقال للاذن: استأذن لى عليه، فقال: إنه قد وضع رأسه الساعة للقائلة، فقال: استأذن لى عليه، فقال: أما ترحمونه! ليس له من الليل والنهار إلا هذه الساعة.
قال: استأذن لى عليه لا أم لك! فسمع عمر كلامهما، فقال: ائذن لعبد الملك، فدخل فقال: على ما ذا عزمت؟ قال: أرد السهلة قال: فلا تؤخر ذلك قم الان.
قال: فجعل عمر يرفع يديه ويقول: الحمد لله الذى جعل لى من ذريتي من يعيننى على أمر دينى.
قال: نعم يا بنى أصلى الظهر، ثم أصعد المنبر فأردها علانية على رءوس الناس، قال: ومن لك أن تعيش إلى الظهر! ثم من لك أن تسلم نيتك إلى الظهر إن عشت إليها! فقام عمر فصعد المنبر، فخطب الناس ورد السهلة.
* * *
قال: وكتب عمر بن الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز لما أخذ بنى مروان برد المظالم كتابا أغلظ له فيه، من جملته: إنك أزريت على كل من كان قبلك من الخلفاء وعبتهم، وسرت بغير سيرتهم بغضا لهم وشنآنا لمن بعدهم من أولادهم، وقطعت ما أمر الله به أن يوصل، وعمدت إلى أموال قريش ومواريثهم فأدخلتها بيت المال جورا وعدوانا، فاتق الله يا بن عبد العزيز وراقبه، فإنك خصصت أهل بيتك بالظلم والجور.
وو الذى خص محمد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) بما خصه به لقد ازددت من الله بعدا بولايتك هذه التى زعمت أنها عليك بلاء.
فأقصر عن بعض ما صنعت وأعلم أنك بعين جبار عزيز وفى قبضته، ولن يتركك على ما أنت عليه.
قالوا: فكتب عمر جوابه: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وسوف أجيبك بنحو منه، أما أول أمرك يابن الوليد فإن أمك نباتة أمة السكون، كانت تطوف في أسواق حمص، وتدخل حوانيتها، ثم الله أعلم بها اشتراها ذبيان بن ذبيان من فئ المسلمين، فأهداها
---

[102]
لابيك فحملت بك، فبئس الحامل وبئس المحمول! ثم نشأت فكنت جبارا عنيدا.
وتزعم أنى من الظالمين لانى حرمتك وأهل بيتك فئ الله الذى هو حق القرابة والمساكين والارامل! وإن أظلم منى وأترك لعهد الله من استعملك صبيا سفيها على جند المسلمين تحكم فيهم برأيك، ولم يكن له في ذاك نية إلا حب الوالد ولده، فويل لك وويل لابيك! ما أكثر خصماء كما يوم القيامة! وإن أظلم منى وأترك لعهد الله من استعمل الحجاج بن يوسف على خمسى العرب، يسفك الدم الحرام، ويأخذ المال الحرام.
وإن أظلم منى وأترك لعهد الله من استعمل قرة بن شريك، أعرابيا جافيا على مصر، وأذن له في المعازف والخمر والشرب واللهو.
وإن أظلم منى وأترك لعهد الله من استعمل عثمان بن حيان على الحجاز، فينشد الاشعار على منبر رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ومن جعل للعالية البربرية سهما في الخمس، فرويدا يابن نباتة، ولو التقت حلقتا البطان(1) ورد الفئ الى أهله، لتفرغت لك ولاهل بيتك فوضعتكم على المحجه البيضاء، فطالما تركتم الحق، وأخذتم في بنيات الطريق! ومن وراء هذا من الفضل ما أرجو أن أعمله، بيع رقبتك، وقسم ثمنك بين الارامل واليتامى والمساكين، فإن لكل فيك حقا، والسلام علينا، ولا ينال سلام الله الظالمين.
وروى الاوزاعي قال: لما قطع عمر بن عبد العزيز عن أهل بيته ما كان من قبله يجرونه عليهم من أرزاق الخاصة، فتكلم في ذلك عنبسة بن سعيد، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لنا قرابة فقال: مالى إن يتسع لكم، وأما هذا المال فحقكم فيه كحق رجل بأقصى برك الغماد(2)، ولا يمنعه من أخذه إلا بعد مكانه.
والله إنى لارى أن الامور
---
(1) التقت حلقتا البطان: مثل يضرب للامر العظيم.
(2) برك الغماد: موضع بين مكة وزبيد(*).
---

[103]
لو استحالت حتى يصبح أهل الارض يرون مثل رأيكم لنزلت بهم بائقة من عذاب الله.
وروى الأوزاعي أيضا، قال: قال عمر بن عبد العزيز يوما وقد بلغه عن بنى أمية كلام أغضبه: إن لله في بنى أمية يوما - أو قال: ذبحا - وايم الله لئن كان ذلك الذبح - أو قال ذلك اليوم - على يدى لاعذرن الله فيهم.
قال: فلما بلغهم ذلك كفوا، وكانوا يعلمون صرامته، وإنه إذا وقع في أمر مضى فيه.
وروى إسماعيل بن أبى حكيم، قال: قال عمر بن عبد العزيز يوما لحاجبه: لا تدخلن على اليوم إلا مروانيا.
فلما اجتمعوا قال: يا بنى مروان، إنكم قد أعطيتم حظا وشرفا وأموالا، إنى لاحسب شطر أموال هذه الامة أو ثلثيها في أيديكم، فسكتوا، فقال: ألا تجيبوني؟ فقال رجل منهم: فما بالك؟ قال: إنى أريد أن أنتزعها منكم، فأردها إلى بيت مال المسلمين.
فقال رجل منهم: والله لا يكون ذلك حتى يحال بين رؤوسنا وأجسادنا، والله لا نكفر أسلافنا، ولا نفقر(1) أولادنا، فقال عمر: والله لو لا أن تستعينوا على بمن أطلب هذا الحق له لاضرعت خدودكم! قوموا عنى.
وروى مالك بن أنس قال: ذكر عمر بن عبد العزيز من كان قبله من المروانية فعابهم، وعنده هشام بن عبد الملك، فقال يا أمير المؤمنين، إنا والله نكره أن تعيب آباءنا، وتضع شرفنا، فقال عمر: وأى عيب أعيب مما عا به القرآن! وروى نوفل بن الفرات، قال: شكا بنو مروان إلى عاتكة بنت مروان بن الحكم عمر، فقالوا: إنه يعيب أسلافنا، ويأخذ أموالنا.
فذكرت ذلك له - وكانت عظيمة عند بنى مروان - فقال لها: يا عمة، إن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) قبض وترك
---
(1) ب: " ونقعر "(*).
---

[104]
الناس على نهر مورود، فولى ذلك النهر بعده رجلان لم يستخصا أنفسهما وأهلهما منه بشئ ثم وليه ثالث فكرى منه ساقية، ثم لم تزل الناس يكرون منه السواقى حتى تركوه يابسا لا قطرة فيه، وايم الله لئن أبقاني الله لاسكرن(1) تلك السواقى حتى أعيد النهر إلى مجراه الاول، قالت فلا يسبون إذا عندك! قال: ومن يسبهم! إنما يرفع الرجل مظلمته فأردها عليه.
وروى عبد الله بن محمد التيمى، قال: كان بنو أميه ينزلون عاتكة بنت مروان بن الحكم على أبواب قصورهم، وكانت جليلة الموضع عندهم، فلما ولى عمر قال: لا يلى إنزالها أحد غيرى، فأدخلوها على دابتها إلى باب قبتة فأنزلها، ثم طبق لها وسادتين، إحداهما على الاخرى، ثم أنشا يمازحها - ولم يكن من شأنه ولا من شأنها المزاح - فقال: أما رايت الحرس الذين على الباب؟ فقالت: بلى، وربما رأيتهم عند من هو خير منك! فلما راى الغضب لا يتحلل عنها ترك المزاح وسألها أن تذكر حاجتها، فقالت إن قرابتك يشكونك، ويزعمون أنك أخذت منهم خير غيرك، قال: ما منعتهم شيئا هو لهم، ولا أخذت منهم حقا يستحقونه قالت: إنى أخاف أن يهيجوا عليك يوما عصيبا(2)، وقال: كل يوم أخافه - دون يوم القيامة - فلا وقانى الله شره.
ثم دعا بدينار ومجمره وجلد فألقى الدينار في النار، وجعل ينفخ حتى أحمر، ثم تناوله بشئ فأخرجه فوضعه على الجلد، فنش وفتر، فقال: يا عمة، أما تأوين لابن أخيك، من مثل هذا فقامت فخرجت إلى بنى مروان فقالت: تزوجون في آل عمر بن الخطاب، فإذا نزعوا إلى الشبه(3) جزعتم! اصبروا له.
وروى وهيب بن الورد، قال اجتمع بنو مروان على باب عمر بن عبد العزيز، فقالوا لولد له: قل لابيك يأذن لنا، فإن لم يأذن فأبلغ إليه عنا وسالة، فلم يأذن لهم، وقال:
---
(1) سكر الساقية: سدها.
(2) د: " أن يهيجوا عليك غضبا يوما ".
(3) كذا في د، وفى ا، ب " السنة "(*).
---

[105]
فليقولوا فقالوا: قل له: إن من كان قبلك من الخلفاء كان يعطينا، ويعرف لنا مواضعنا، وإن أباك قد حرمنا ما في يديه.
فدخل إلى أبيه فأبلغه عنهم، فقال: اخرج فقل لهم: إنى أخلف أن عصيت ربى عذاب يوم عظيم.
وروى سعيد بن عمار، عن أسماء بنت عبيد، قال: دخل عنبسة بن سعيد بن العاص على عمر بن عبد العزيز، فقال: يا أمير المؤمنين، أن من كان قبلك من الخلفاء كانوا يعطوننا عطايا منعتناها، ولى عيال وضيعة، فأذن لى أخرج إلى ضيعتي، وما يصلح عيالي! فقال عمر: إن أحبكم إلينا من كفانا مؤونته.
فخرج عنبسة، فلما صار إلى الباب ناداه: أبا خالد! أبا خالد! فرجع فقال: أكثر ذكر الموت فإن كنت في ضيق من العيش وسعه عليك، وإن كنت في سعة من العيش ضيقه عليك.
وروى عمر بن على بن مقدم، قال: قال ابن صغير لسليمان بن عبد الملك لمزاحم: إن لى حاجة إلى أمير المؤمنين عمر، قال: فاستأذنت له، فأدخله فقال: يا أمير المؤمنين، لم أخذت قطيعتي؟ قال: معاذ الله أن آخذ قطيعة ثبتت في الاسلام! قال: فهذا كتابي بها - وأخرج كتابا من كمه - فقرأه عمر وقال: لمن كانت هذه الارض؟ قال كانت للمسلمين، قال: فالمسلمون أولى بها، قال: فاردد على كتابي، قال: إنك لو لم تأتني به لم أسألكه، فأما إذ جئتني به فلست أدعك تطلب به ما ليس لك بحق.
فبكى ابن سليمان فقال، مزاحم: يا أمير المؤمنين، ابن سليمان تصنع به هذا - قال: وذلك لان سليمان عهد إلى عمر، وقدمه على إخوته - فقال عمر: ويحك يا مزاحم! إنى لاجد له من اللوط(1) ما أجد لولدي، ولكنها نفسي أجادل عنها.
وروى الاوزاعي، قال: قال هشام بن عبد الملك، وسعيد بن خالد بن عمر بن عثمان
---
(1) في اللسان: " ق لاط حبه بقلبي، أي لصق، وفى حديث أبى البخترى: ما أزعم أن عليا أفضل من أبى بكر وعمر، ولكن أجد له من اللوط ما لا أجد لاحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم "(*).
---

[106]
ابن عفان لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، استأنف العمل برأيك فيما تحت يدك، وخل بين من سبقك وبين ما ولوه عليهم كان، أو لهم فإنك مستكف أن تدخل في خير ذلك وشره.
قال: أنشدكما الله الذى إليه تعودان، لو أن رجلا هلك وترك بنين أصاغر وأكابر، فغر الاكابر الاصاغر بقوتهم، فاكلوا أموالهم، ثم بلغ الاصاغر الحلم فجاءوكما بهم وبما صنعوا في أموالهم ما كنتما صانعين؟ قالا: كنا نرد عليهم حقوقهم حتى يستوفوها.
قال: فإنى وجدت كثيرا ممن كان قبلى من الولاة غر الناس بسلطانه وقوته، وآثر بأموالهم أتباعه وأهله ورهطه وخاصته، فلما وليت أتونى بذلك، فلم يسعنى إلا الرد على الضعيف من القوى، وعلى الدنئ من الشريف.
فقالا: يوفق الله أمير المؤمنين.
* * *
الأصل:
ولا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك لله فيه رضا، فإن في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك، وأمنا لبلادك، ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه، فإن العدو ربما قارب ليتغفل، فخذ بالحزم، واتهم في ذلك حسن الظن وإن عقدت بينك وبين عدو لك عقدة، أو ألبسته منك ذمة، فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالامانة.
واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت فإنه ليس من فرائض الله شئ الناس أشد عليه اجتماعا مع تفرق أهوائهم، وتشتت آرائهم، من تعظيم الوفاء بالعهود وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين، لما استوبلوا من عواقب الغدر.
فلا تغدرن بذمتك، ولا تخيسن بعهدك، ولا تختلن عدوك، فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقى وقد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته،
---

[107]
وحريما يسكنون إلى منعته، ويستفيضون إلى جواره، فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه.
ولا تعقده عقدا تجوز فيه العلل، ولا تعولن على لحن القول بعد التأكيد والتوثقة ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب - داد انفساخه بغير الحق، فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته، خير من غدر تخاف تبعته، وأن تحيط بك من الله طلبة لا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك.
* * *
الشرح:
أمره أن يقبل السلم والصلح إذا دعى إليه، لما فيه من دعة الجنود، والراحة من الهم، والامن للبلاد، ولكن ينبغى أن يحذر بعد الصلح من غائلة العدو وكيده، فإنه ربما قارب بالصلح ليتغفل، أي يطلب غفلتك، فخذ بالحزم، واتهم حسن ظنك، لا تثق ولا تسكن إلى حسن ظنك بالعدو، وكن كالطائر الحذر.
ثم أمره بالوفاء بالعهود، قال: واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت، أي ولو ذهبت نفسك فلا تغدر.
وقال الراوندي: الناس مبتدأ وأشد مبتدأ ثان، ومن تعظيم الوفاء خبره، وهذا المبتدأ الثاني مع خبره خبر المبتدأ الاول، ومحل الجملة نصب لانها خبر ليس، ومحل ليس مع اسمه وخبره رفع، لانه خبر، فإنه وشئ اسم ليس، ومن فرائض الله حال، ولو تأخر لكان صفة لشئ.
والصواب أن " شئ " اسم ليس، وجاز ذلك وإن كان نكرة لاعتماده على النفى، ولان الجار والمجرور قبله في موضع الحال كالصفة، فتخصص بذلك وقرب من المعرفة، والناس: مبتدأ، وأشد: خبره، وهذه الجملة المركبة من مبتدأ
---

[108]
وخبر في موضع رفع لانها صفه " شئ " وأما خبر المبتدأ الذى هو " شئ " فمحذوف، وتقديره " في الوجود " كما حذف الخبر في قولنا: لا إله إلا الله، أي في الوجود.
وليس يصح ما قال الراوندي من أن " أشد " مبتدأ ثان، و " من تعظيم الوفاء " خبره، لان حرف الجر إذا كان خبرا لمبتدأ تعلق بمحذوف، وهاهنا هو متعلق بأشد نفسه، فكيف يكون خبرا عنه! وأيضا فإنه لا يجوز أن يكون أشد من تعظيم الوفاء خبرا عن الناس، كما زعم الراوندي، لان ذلك كلام غير مفيد، ألا ترى أنك إذا أردت أن تخبر بهذا الكلام عن المبتدأ الذى هو " الناس " لم يقم من ذلك صورة محصلة تفيدك شيئا، بل يكون كلاما مضطربا! ويمكن أيضا أن يكون " من فرائض الله " في موضع رفع، لانه خبر المبتدأ، وقد قدم عليه، ويكون موضع " الناس " وما بعده رفع، لانه خبر المبتدأ الذى هو " شئ " كما قلناه أولا، وليس يمتنع أيضا أن يكون: " من فرائض الله " منصوب الموضع، لانه حال، ويكون موضع " الناس أشد " رفعا، لانه خبر المبتدأ، الذى هو " شئ ".
ثم قال له عليه السلام: وقد لزم المشركون مع شركهم الوفاء بالعهود، وصار ذلك لهم شريعة وبينهم سنة، فالاسلام أولى باللزوم والوفاء.
واستوبلوا: وجدوه وبيلا، أي ثقيلا، استوبلت البلد، أي استوخمته واستثقلته، ولم يوافق مزاجك.
ولا تخيسن بعهدك، أي لا تغدرن، خاس فلان بذمته، أي غدر ونكث.
قوله: " ولا تختلن عدوك "، أي لا تمكرن به، ختلته، أي خدعته.
وقوله: " أفضاه بين عباده "، جعله مشتركا بينهم، لا يختص به فريق دون فريق.
---

[109]
قال: " ويستفيضون إلى جواره "، أي ينتشرون في طلب حاجاتهم ومآربهم، ساكنين إلى جواره، فإلى هاهنا متعلقة بمحذوف مقدر، كقوله تعالى:(في تسع آيات إلى فرعون)(1)، أي مرسلا.
قال: " فلا إدغال "، أي لا إفساد، والدغل: الفساد.
ولا مدالسة أي لا خديعه، يقال، فلان لا يوالس ولا يدالس، أي لا يخادع ولا يخون، وأصل الدلس الظلمة والتدليس في البيع: كتمان عيب السلعة عن المشترى.
ثم نهاه عن أن يعقد عقدا يمكن فيه التأويلات والعلل وطلب المخارج.
ونهاه إذا عقد العقد بينه وبين العدو أن ينقضه معولا على تأويل خفى أو فحوى قول، أو يقول: إنما عنيت كذا، ولم أعن ظاهر اللفظة، فإن العقود إنما تعقد على ما هو ظاهر في الاستعمال متداول في الاصطلاح والعرف لا على ما في الباطن.
وروى " انفساحه " بالحاء المهملة، أي سعته.
* * *
[فصل فيما جاء في الحذر من كيد العدو] قد جاء في الحذر من كيد العدو والنهى عن التفريط في الرأى السكون إلى ظاهر السلم أشياء كثيرة، وكذا في النهى عن الغدر والنهى عن طلب تأويلات العهود وفسخها بغير الحق.
فرط عبد الله بن طاهر في أيام أبيه في أمر أشرف فيه على العطب، ونجا بعد لاى(2) فكتب إليه أبوه: أتانى يا بنى من خبر تفريطك ما كان أكبر عندي من نعيك لو ورد، لانى لم أرج قط ألا تموت وقد كنت أرجو ألا تفتضح بترك الحزم والتيقظ.
وروى ابن الكلبى أن قيس بن زهير لما قتل حذيفة بن بدر ومن معه بجفر الهباءه
---
(1) سورة النمل 12.
(2) بعد لاى بعد جهد(*).
---

[110]
خرج حتى لحق بالنمر بن قاسط وقال: لا تنظر في وجهى غطفانية بعد اليوم، فقال يا: معاشر النمر، أنا قيس بن زهير، غريب حريب طريد شريد موتور، فانظروا لى امرأة قد أدبها الغنى وأذلها الفقر.
فزوجوه بامرأة منهم، فقال لهم: إنى لا أقيم فيكم حتى أخبركم بأخلاقى، أنا فخور غيور أنف، ولست أفخر حتى أبتلى، ولا أغار حتى أرى، ولا آنف حتى أظلم.
فرضوا أخلاقه، فأقام فيهم حتى ولد له، ثم أراد أن يتحول عنهم، فقال: يا معشر النمر، إن لكم حقا على في مصاهرتي فيكم، ومقامى بين أظهركم، وإن موصيكم بخصال آمركم بها، وأنهاكم عن خصال: عليكم بالاناة فإن بها تدرك الحاجة، وتنال الفرصة، وتسويد من لا تعابون بتسويده، والوفاء بالعهود فإن به يعيش الناس، وإعطاء ما تريدون إعطاه قبل المسألة، ومنع ما تريدون منعه قبل الانعام، وإجارة الجار على الدهر، وتنفيس البيوت عن منازل الايامى، وخلط الضيف بالعيال.
وأنهاكم عن الغدر، فإنه عار، الدهر وعن الرهان فإن به ثكلت مالكا أخى، وعن البغى فإن به صرع زهير أبى، وعن السرف في الدماء، فإن قتلى أهل البهاءة أورثني العار.
ولا تعطوا في الفضول فتعجزوا عن الحقوق، وأنكحوا الايامى الاكفاء فإن لم تصيبوا بهن الاكفاء فخير بيوتهن القبور.
واعلموا أنى أصبحت ظالما ومظلوما، ظلمنى بنو بدر بقتلهم مالكا، وظلمتهم بقتلى من لا ذنب له.
ثم رحل عنهم إلى غمار(1) فتنصر بها، وعف عن المآكل حتى أكل الحنظل إلى أن مات.
* * *
الأصل:
إياك والدماء وسفكها بغير حلها، فإنه ليس شئ أدعى لنقمة، ولا أعظم
---
(1) غمار: اسم واد بنجد(*).
---

[111]
لتبعة، ولا احرى بزوال نعمة، وانقطاع مدة، من سفك الدماء بغير حقها، والله سبحانه مبتدى بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه، بل يزيله وينقله.
ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد، لان فيه قود البدن، وإن ابتليت بخطأ، وأفرط عليك سوطك أو يدك بالعقوبة، فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة، فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدى إلى اولياء المقتول حقهم.
* * *
الشرح:
قد ذكرنا في وصية قيس بن زهير آنفا النهى عن الاسراف في الدماء، وتلك وصية مبنيه على شريعة الجاهلية مع حميتها وتهالكها على القتل والقتال، ووصية أمير المؤمنين عليه السلام مبنية على الشريعة الاسلامية، والنهى عن القتل والعدوان الذى لا يسيغه الدين، وقد ورد في الخبر المرفوع: " إن أول ما يقضى الله به يوم القيامة بين العباد أمر الدماء ".
قال: إنه ليس شئ أدعى إلى حلول النقم، وزوال النعم، وانتقال الدول، من سفك الدم الحرام، وإنك إن ظننت أنك تقوى سلطانك بذلك، فليس الامر كما ظننت، بل تضعفه، بل تعدمه بالكليه.
ثم عرفه أن قتل العمد يوجب القود وقال له: " قود البدن " أي يجب عليك هدم صورتك كما هدمت صورة المقتول، والمراد إرهابه بهذه اللفظة أنها أبلغ من أن يقول له: " فإن فيه القود.
ثم قال: إن قتلت خطا أو شبه عمد كالضرب بالسوط فعليك الدية.
وقد اختلف
---

[112]
الفقهاء في هذه المسألة، فقال أبو حنيفة وأصحابه: القتل على خمسة أوجه عمد: وشبه عمد، وخطأ، وما أجرى مجرى الخطأ وقتل بسبب.
فالعمد: ما تعمد به ضرب الانسان بسلاح، أو ما يجرى مجرى السلاح، كالمحدد من الخشب وليطة(1) القصب، والمروة(2) المحددة، والنار، وموجب ذلك المأثم والقود إلا أن يعفو الاولياء، ولا كفارة فيه.
وشبه العمد أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح، ولا أجرى مجرى السلاح، كالحجر العظيم، والخشية العظيمة، وموجب ذلك المأثم والكفارة، ولا قود فيه، وفيه الدية مغلظه على العاقلة.
والخطأ على وجهين: خطأ في القصد، وهو أن يرمى شخصا يظنه صيدا، فإذا هو آدمى.
وخطأ في الفعل، وهو أن يرمى غرضا فيصيب آدميا، وموجب النوعين جميعا الكفارة والدية على العاقلة، ولا مأثم فيه.
وما أجرى مجرى الخطأ مثل النائم يتقلب على رجل فيقتله، فحكمه حكم الخطأ.
وأما القتل بسبب، فحافر البئر وواضع الحجر في غير ملكه، وموجبه إذا تلف فيه إنسان الديه على العاقلة، ولا كفارة فيه.
فهذا قول أبى حنيفة ومن تابعه، وقد خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد في شبه العمد، وقالا: إذا ضربه بحجر عظيم أو خشبة غليظة فهو عمد، قال: وشبه العمد أن يتعمد ضربه بما لا يقتل به غالبا، كالعصا الصغيرة والسوط، وبهذا القول قال الشافعي.
وكلام أمير المؤمنين عليه السلام يدل على أن المؤدب من الولاة إذا تلف تحت
---
(1) الليط: قشر القصب اللازق به.
(2) المروة: حجر أبيض، وفى الحديث: " قال له عدى بن حاتم: إذا أصاب أحدنا صيدنا وليس معه سكين، أيذع بالمروة وشقة العصا "؟(*).
---

[113]
يده إنسان في التأديب فعليه الدية وقال لى قوم من فقهاء الامامية: إن مذهبنا أن لا دية عليه، وهو خلاف ما يقتضيه كلام أمير المؤمنين عليه السلام * * *
الأصل:
وإياك والاعجاب بنفسك، والثقة بما يعجبك منها، وحب الاطراء فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه، ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين.
وإياك والمن على رعيتك بإحسانك، أو التزيد فيما كان من فعلك، أو أن تعدهم، فتتبع موعدك بخلفك، فإن المن يبطل الاحسان، والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند الله والناس، قال الله سبحانه وتعالى:(كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)(1).
وإياك والعجلة بالامور قبل أوانها.
أو التساقط فيها عند إمكانها، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت، أو الوهن عنها إذا استوضحت، فضع كل أمر موضعه، وأوقع كل عمل موقعه.
واياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابى عما تعنى به مما قد وضح للعيون، فإنه مأخوذ منك لغيرك، وعما قليل تنكشف عنك أغطيه الامور، وينتصف منك للمظلوم.
املك حمية أنفك، وسورة حدك، وسطوة يدك، وغرب لسانك، واحترس من كل ذلك بكف البادرة، وتأخير السطوة، حتى يسكن غضبك، فتملك الاختيار.
ولن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك.
---
(1) سورة الصف 3(*).
---

[114]
والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك، من حكومة عادلة، أو سنة فاضلة، أو أثر عن نبينا صلى الله عليه وآله، أو فريضة في كتاب الله فتقتدى بما شاهدت مما عملنا به فيها، وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا، واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك، لكيلا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها.
* * *
الشرح:
قد اشتمل هذا الفصل على وصايا نحن شارحوها منها قوله عليه السلام: " إياك وما يعجبك من نفسك والثقة بما يعجبك منها " قد ورد في الخبر: ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه " وفى الخبر أيضا: لا وحشة أشد من العجب " وفي الخبر: الناس لادم، وآدم من تراب، فما لابن آدم والفخر والعجب! ".
وفي الخبر: " الجار ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة " وفى الخبر - وقد رأى أبا دجانة يتبختر: " إنها لمشية يبغضها الله إلا بين الصفين ".
ومنها قوله: " وحب الاطراء " ناظر المأمون محمد بن القاسم النوشجانى المتكلم، فجعل يصدقه ويطريه ويستحسن قوله، فقال المأمون: يا محمد، أراك تنقاد إلى ما تظن أنه يسرنى قبل وجوب الحجة لى عليك، وتطريني بما لست أحب أن عليه السلام أطرى به، وتستخذى لى في المقام الذى ينبغى أن تكون فيه مقاوما لى، ومحتجا على، ولو شئت أن أقسر الامور بفضل بيان، وطول لسان، وأغتصب الحجه بقوة الخلافة، وأبهة الرياسة لصدقت وإن كنت كاذبا، وعدلت وإن كنت جائرا، وصوبت وإن كنت مخطئا،
---

[115]
لكنى لا أرضى إلا بغلبة الحجة، ودفع الشبهة، وإن أنقص الملوك عقلا، وأسخفهم رأيا،، من رضى بقولهم: صدق الامير.
وأثنى رجل على رجل، فقال: الحمد لله الذى سترني عنك وكان بعض الصالحين يقول أذا اطراه انسان ليسالك الله عن حسن ظنك.
ومنها قوله: " وإياك والمن "، قال الله تعالى:(يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى)(2).
وكان يقال: المن محبة للنفس، مفسده للصنع.
ومنها نهيه إياه عن التزيد في فعله، قال عليه السلام: إنه يذهب بنور الحق، وذلك لانه محض الكذب، مثل أن يسدى ثلاثه أجزاء من الجميل فيدعى في المجالس والمحافل أنه أسدى عشرة، وإذا خالط الحق الكذب أذهب نوره.
ومنها نهيه إياه عن خلف الوعد، قد مدح الله نبيا من الانبياء وهو إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام بصدق الوعد.
وكان يقال وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتعطيل، وكتب بعض الكتاب: وحق لمن أزهر بقول، أن يثمر بفعل.
وقال أبو مقاتل الضرير: قلت لاعرابي: قد أكثر الناس في المواعيد، فما قولك فيها؟ فقال: بئس الشئ! الوعد مشغلة للقلب الفارغ، متعبة للبدن الخافض، خيره غائب، وشره حاضر.
وفى الحديث المرفوع: " عدة المؤمن كأخذ باليد "، فإما امير المؤمنين عليه السلام فقال: " إنه يوجب المقت "، واستشهد عليه بالاية والمقت: البغض.
ومنها نهيه عن العجلة، وكان يقال: أصاب متثبت أو كاد، وأخطأ عجل أو كاد.
وفي المثل: " رب عجلة تهب ريثا "، وذمها الله تعالى فقال:(خلق الانسان من عجل)(3).
---
(1) في د: لاساءك.
(2) سورة البقرة 264.
(3) سورة الانبياء 37(*).
---

[116]
ومنها نهيه عن التساقط في الشئ الممكن عند حضوره وهذا عبارة عن النهى عن الحرص والجشع، قال الشنفرى: وإن مدت الايدى إلى الزاد لم أكن * * بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل ومنها نهيه عن اللجاجة في الحاجة إذا تعذرت، كان يقال: من لاج الله فقد جعله خصما، وكان الله خصمه فهو مخصوم، قال الغزى: دعها سماوية تجرى على قدر * * لا تفسدنها برأى منك معكوس ومنها نهيه له عن الوهن فيها إذا استوضحت، أي وضحت وانكشفت، ويروى: " واستوضحت " فعل ما لم يسم فاعله، والوهن فيها إهمالها وترك انتهاز الفرصة فيها، قال الشاعر: فإذا أمكنت فبادر إليها * * حذرا من تعذر الامكان.
ومنها نهيه عن الاستئثار، وهذا هو الخلق النبوى، غنم رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) غنائم خيبر، وكانت ملء الارض نعما، فلما ركب راحلته وسار تبعه الناس يطلبون الغنائم وقسمها، وهو ساكت لا يكلمهم، وقد أكثروا عليه إلحاحا وسؤالا، فمر بشجرة فخطفت(1) رداءه، فالتفت فقال: ردوا على ردائي فلو ملكت بعدد رمل تهامة مغنما لقسمته بينكم عن آخره ثم لا تجدونني بخيلا ولا جبانا، ونزل وقسم ذلك المال عن الاخرة عليهم كله، لم ياخذ لنفسه منه وبرة.
ومنها نهيه له عن التغابى، وصوره ذلك أن الامير يومى إليه أن فلانا من خاصته يفعل كذا ويفعل كذا من الامور المنكرة ويرتكبها سرا، فيتغابى عنه ويتغافل، نهاه عليه السلام عن ذلك وقال: إنك مأخوذ منك لغيرك، أي معاقب، تقول اللهم خذلى من فلان بحقى، أي اللهم انتقم لى منه.
---
(1) د " فاختطفت(*).
---

[117]
ومنها نهيه إياه عن الغضب، وعن الحكم بما تقتضيه قوته الغضبية حتى يسكن غضبه، قد جاء في الخبر المرفوع: " لا يقضى القاضى وهو غضبان "، فإذا كان قد نهى أن يقضى القاضى وهو غضبان على غير صاحب الخصومة، فبالاولى أن ينهى الامير عن أن يسطو على إنسان وهو غضبان عليه.
وكان لكسرى أنوشروان صاحب قد رتبه ونصبه لهذا المعنى يقف على رأس الملك يوم جلوسه، فإذا غضب على إنسان وأمر به قرع سلسلة تاجه بقضيب في يده وقال له: إنما أنت بشر، فارحم من في الارض يرحمك من في السماء.
* * *
الأصل:
ومن هذا العهد وهو آخره: وأنا أسأل الله بسعة رحمته، وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبة، أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه، من الاقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه، من حسن الثناء في العباد، وجميل الاثر في البلاد، وتمام النعمة، وتضعيف الكرامة، وأن يختم لى ولك بالسعادة والشهادة، إنا إلى الله راغبون(1)، والسلام على رسول الله صلى الله عليه و [على(2)] آله الطيبين الطاهرين.
* * *
الشرح:
روى: " كل رغيبة: والرغيبة ما يرغب فيه، فإما الرغبة فمصدر رغب في كذا، كأنه قال: القادر على إعطاء كل سؤال أي إعطاء كل سائل ما سأله.
---
(1) في د " وانا إليه داغبون ".
(2) من " د ".
(*).
---

[118]
ومعنى قوله: " من الاقامة على العذر "، أي أسأل الله أن يوفقني للاقامة على الاجتهاد، وبذل الوسع في الطاعة، وذلك [لانه(1)] إذا بذل جهده فقد أعذر، ثم فسر اجتهاده في ذلك في رضا الخلق، ولم يفسر اجتهاده في رضا الخالق، لانه معلوم، فقال: هو حسن الثناء في العباد، وجميل الاثر في البلاد.
فإن قلت: فقوله " وتمام النعمة " على ماذا تعطفه؟ قلت، هو معطوف على " ما " من قوله " لما فيه "، كأنه قال: أسال الله توفيقي لذا ولتمام النعمة، أي ولتمام نعمته على، وتضاعف كرامته لدى، وتوفيقه لهما هو توفيقه للاعمال الصالحة التى يستوجبهما بها.
* * *
[فصل في ذكر بعض وصايا العرب] وينبغى أن يذكر في هذا الموضع وصايا من كلام قوم من رؤساء العرب أوصوا بها أولادهم ورهطهم، فيها آداب حسان، وكلام فصيح وهى مناسبة لعهد أمير المؤمنين عليه السلام هذا، ووصاياه المودعة فيه، وإن كان كلام أمير المؤمنين عليه السلام أجل وأعلى من أن يناسبه كلام، لانه قبس من نور الكلام الالهى، وفرع من دوحة المنطق النبوى.
روى ابن الكلبى قال: لما(2) حضرت الوفاه أوس بن حارثة أخا الخزرج، لم يكن له ولد غير مالك بن الاوس، وكان لاخيه الخزرج خمسة، قيل له: كنا نأمرك بأن تتزوج في شبابك فلم تفعل حتى حضرك الموت، ولا ولد لك إلا مالك! فقال: لم يهلك هالك ترك مثل مالك، وإن كان الخزرج ذا عدد، وليس لمالك ولد، فلعل الذى استخرج
---
(1) من د.
(2) أمالى القالى 1: 20(*).
---

[119]
العذق من الجريمة(1) والنار من الوثيمة(2) أن يجعل لمالك نسلا، ورجالا بسلا(3)، وكلنا إلى الموت.
يا مالك، المنية ولا الدنية، والعتاب قبل العقاب، والتجلد لا التبلد، واعلم أن القبر خير من الفقر، ومن لم يعط قاعدا حرم قائما، وشر الشرب الاشتفاف وشر الطعم الاقتفاف(4)، وذهاب البصر خير من كثير من النظر، ومن كرم الكريم الدفع عن الحريم، ومن قل ذل، وخير الغنى، القناعة وشر الفقر الخضوع.
الدهر صرفان: صرف رخاء، وصرف بلاء، واليوم يومان: يوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك فاصطبر، وكلاهما سينحسر(5) وكيف بالسلامة، لمن ليست له إقامة وحياك ربك.
* * *
وأوصى(6) الحارث بن كعب بنيه فقال يا بنى، قد أتت على مائة وستون سنة ما صافحت يمينى يمين غادر، ولا قنعت لنفسي بخلة فاجر، ولا صبوت بابنة عم ولا كنة(7)، ولا بحت لصديق بسر، ولا طرحت عن مومسة قناعا، ولا بقى على دين عيسى بن مريم وقد روى على دين شعيب من العرب غيرى وغير تميم بن مر بن أسد ابن خزيمه، فموتوا على شريعتي، واحفظوا [على(8)] وصيتى، وإلهكم فاتقوا، يكفكم ما أهمكم، ويصلح لكم حالكم، وإياكم ومعصيته، فيحل بكم الدمار، ويوحش منكم الديار.
كونوا جميعا، ولا تفرقوا فتكنوا شيعا، وبزوا قبل أن تبزوا(9)، فموت
---
(1) الجريمة: النواة، والعذق: النخلة.
(2) الوثيمة: الصخرة.
(3) بسل: جمع باسل، وهو الشجاع.
(4) الاشتفاف: الامتصاص والاقتفاف: الاخذ بعجلة.
(5) يعنى ينكشف.
(6) الوصايا 123، ونسب هذه الوصية إلى مالك بن المنذر البجلى، قال: " وقد كان أصاب دما في قومه، فخرج هاربا بأهله حتى أتى بهم بنى هلال، فلما احتضر أوصى بنيه، وأمرهم أن يعطوا قومه النصف من حدثه الذى أحدثه فيهم.
(7) الكنة: امرأة الابن أو الاخ.
(8) تكملة من د.
(9) بزه: سبله(*).
---

[120]
في عز خير من حياة في ذل وعجز، وكل ما هو كائن كائن، وكل جمع إلى تباين، والدهر صرفان: صرف بلاء، وصرف رخاء، واليوم يومان: يوم حبرة(1)، ويوم عبرة والناس رجلان: رجل لك، ورجل عليك.
زوجوا النساء الاكفاء، وإلا فانتظروا بهن القضاء، وليكن أطيب طيبهم الماء، وإياكم والورهاء فإنها أدوا الداء وإن ولدها إلى أفن يكون.
لا راحة لقاطع القرابة.
وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوهم، وآفة العدد اختلاف الكلمة، والتفضل بالحسنة يقى السيئة، والمكافأة بالسيئة دخول فيها، وعمل السوء يزيل النعماء، وقطيعه الرحم تورث الهم، وانتهاك الحرمة يزيل النعمة، وعقوق الوالدين يعقب النكد، ويخرب البلد، ويمحق العدد، والاسراف في النصيحة، هو الفضيحة والحقد منع الرفد، ولزوم الخطيئة يعقب البلية وسوء الدعة(3) يقطع أسباب المنفعة، والضغائن تدعو إلى التباين، يا بنى إنى قد أكلت مع أقوام وشربت، فذهبوا وغبرت، وكأني بهم قد لحقت، ثم قال: أكلت شبابى فأفنيته * * وأبليت بعد دهور دهورا ثلاثه أهلين صاحبتهم * * فبادروا وأصبحت شيخا كبيرا قليل العطام عسير القيام * * قد ترك الدهر خطوى قصيرا أبيت أراعى نجوم السماء * * أقلب أمرى بطونا ظهورا * * *
وصى أكثم بن صيفي بنيه ورهطه فقال، يا بنى تميم، لا يفوتنكم وعظى، إن فاتكم الدهر بنفسى، إن بين حيزومى وصدري لكلاما لا أجد له مواقع إلا(4) أسماعكم ولا مقار إلا قلوبكم، فتلقوه بأسماع مصغية، وقلوب دواعية، تحمدوا مغبتة: الهوى
---
(1) الحبرة: السرور.
(2) الافن: الفساد.
(3) الوصيا: " السرعة ".
(4) في د " غير "(*).
---

[121]
يقظان، والعقل راقد، والشهوات مطلقة، والحزم معقول، والنفس مهملة، والروية مقيدة، ومن جهة التوانى وترك الروية يتلف الحزم، ولن يعدم المشاور مرشدا، والمستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل، ومن سمع سمع به، ومصارع الرجال تحت بروق الطمع، ولو اعتبرت مواقع المحن ما وجدت إلا في مقاتل الكرام، وعلى الاعتبار طريق الرشاد، ومن سلك الجدد(1) أمن العثار، ولن يعدم الحسود أن يتعب قلبه، ويشغل فكره، ويورث غيظه، ولا تجاوز مضرته نفسه.
يا بنى تميم، الصبر على جرع الحلم أعذب من جنا ثمر الندامة، ومن جعل عرضه دون ماله استهدف للذم، وكلم اللسان أنكى من كلم السنان، والكلمة مرهونة ما لم تنجم من الفم، فإذا نجمت مزجت، فهى أسد محرب، أو نار تلهب، ورأى الناصح اللبيب دليل لا يجوز، ونفاذ الرأى في الحرب، أجدى من الطعن والضرب.
* * *
وأوصى يزيد بن المهلب ابنه مخلدا حين استخلفه على جرجان فقال له يا بنى، قد استخلفتك على هذه البلاد فانظر هذا الحى من اليمن فكن لهم كما قال الشاعر: إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم * * فرش واصطنع عند الذين بهم ترمى.
وانظر هذا الحى من ربيعه فإنهم شيعتك وأنصارك، فاقض حقوقهم، وانظر هذا الحى من تميم فأمطرهم(2) ولا تزه لهم، ولا تدنهم فيطمعوا، ولا تقصهم فيقطعوا، وانظر هذا الحى من قيس فانهم أكفاء قومك في الجاهلية، ومناصفوهم المآثر في الاسلام، ورضاهم منك البشر.
يا بنى، إن لابيك صنائع فلا تفسدها، فانه كفى بالمرء نقصا أن يهدم ما بنى أبوه، وإياك والدماء فإنه لا تقية معها، وإياك وشتم الاعراض فإن الحر
---
(1) الجدد: الاض المستوية.
(2) د " فانظرهم "(*).
---

[122]
لا يرضيه عن عرضه عوض، وإياك وضرب الابشار فإنه عار باق، ووتر مطلوب، واستعمل على النجدة والفضل دون الهوى، ولا تعزل إلا عن عجز أو خيانة، ولا يمنعك من اصطناع الرجل أن يكون غيرك قد سبقك إليه، فإنك إنما تصطنع الرجال لفضلها.
وليكن صنيعك عند من يكافئك عنه العشائر.
احمل الناس على أحسن أدبك يكفوك أنفسهم.
وإذا كتبت كتابا فأكثر النظر فيه، وليكن رسولك فيما بينى وبينك من يفقه عنى وعنك، فإن كتاب الرجل موضع عقله، ورسوله موضع سره وأستودعك الله فلا بد للمودع أن يسكت، وللمشيع أن يرجع.
وما عف من المنطق وقل من الخطيئة أحب إلى أبيك.
* * *
وأوصى قيس بن عاصم المنقرى بنيه، فقال يا نبى، خذوا عنى فلا أحد أنصح لكم منى.
إذا دفنتموني فانصرفوا إلى رحالكم، فسودوا أكبركم، فان القوم إذا سودوا أكبرهم خلفوا أباهم، وإذا سودوا أصغرهم أزرى ذلك بهم في أكفائهم، وإياكم ومعصية الله وقطيعة الرحم، وتمسكوا بطاعة أمرائكم فإنهم من رفعوا ارتفع، ومن وضعوا اتضع.
وعليكم بهذا المال فأصلحوه، فإنه منبهة للكريم، وجنة لعرض اللئيم.
وإياكم والمسألة فإنها آخر كسب الرجل، وإن أحدا لم يسأل إلا ترك الكسب، وإياكم والنياحة فإنى سمعت رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ينهى عنها، وادفنوني في ثيابي التى كنت أصلى فيها وأصوم، ولا يعلم بكر بن وائل بمدفنى فقد كانت بينى وبينهم مشاحنات في الجاهلية والاسلام واخاف، أن يدخلوا عليكم بى عارا.
وخذوا عنى ثلاث خصال: إياكم وكل عرق لئيم أن تلابسوه فإنه إن يسرركم اليوم يسؤكم غدا، واكظموا الغيظ، واحذروا بنى أعداء آبائكم فإنهم على منهاج آبائهم، ثم قال:
---

[123]
أحيا الضغائن آباء لنا سلفوا * * فلن تبيد وللاباء أبناء.
قال ابن الكلبى: فيحكى الناس هذا البيت سابقا للزبير وما هو إلا لقيس بن عاصم.
* * *
وأوصى عمرو بن كلثوم التغلبي(1) [بنيه(2)] فقال: يا بنى، إنى قد بلغت من العمر ما لم يبلغ أحد من آبائى وأجدادي، ولابد من أمر مقتبل، وأن ينزل بى ما نزل بالاباء والاجداد والامهات والاولاد، فاحفظوا عنى ما أوصيكم به.
إنى والله ما عيرت رجلا قط أمرا إلا عيرني مثله، إن حقا فحق، وإن باطلا فباطل، ومن سب سب، فكفوا عن الشتم فإنه أسلم لاعراضكم.
وصلوا أرحامكم تعمر داركم(3)، وأكرموا جاركم بحسن ثنائكم، وزوجوا بنات العم بنى العم فإن تعديتم بهن إلى الغرباء فلا تألوا بهن [عن](4) الاكفاء.
وأبعدوا بيوت النساء من بيوت الرجال، فإنه أغض للبصر، وأعف للذكر، ومتى كانت المعاينة واللقاء، ففى ذلك داء من الادواء ولا خير فيمن لا يغار لغيره كما يغار لنفسه، وقل من انتهك حرمة لغيره إلا انتهكت حرمته.
وامنعوا القريب من ظلم الغريب، فإنك تدل على قريبك، ولا يجمل بك ذل غريبك، وإذا تنازعتم في الدماء فلا يكن حقكم الكفاء، فرب رجل خير من ألف، وود خير من خلف، وإذا حدثتم فعوا، وإذا حدثتم فأوجزوا، فإن مع الاكثار يكون الاهذار، وموت عاجل خير من ضنى آجل، وما بكيت من زمان إلا دهانى بعده زمان، وربما شجاني(5) من لم يكن أمره
---
(1) ب: " الثعلبي " تحريف.
(2) تكملة من د.
(3) في د " دياركم ".
(4) من د.
(5) شجاني: أحزنني(*).
---

[124]
عناني، وما عجبت من أحدوثه إلا رأيت بعدها أعجوبه.
واعلموا أن اشجع القوم العطوف، وخير الموت تحت ظلال السيوف، ولا خير فيمن لا روية له عند الغضب، ولا فيمن إذا عوتب لم يعتب ومن الناس من لا يرجى خيره، ولا يخاف شره، فبكوءه(1) خير من دره، وعقوقه خير من بره، ولا تبرحوا في حبكم فإن من أبرح في حب آل ذلك إلى قبيح بغض، وكم قد زارني إنسان وزرته، فانقلب الدهر بنا فقبرته.
واعلموا أن الحليم سليم، وأن السفيه كليم، إنى لم أمت ولكن هرمت، ودخلتني ذلة فسكت، وضعف قلبى فأهترت(2)، سلمكم ربكم وحياكم! * * *
ومن كتاب أردشير بن بابك إلى بنيه والملوك من بعده: رشاد الوالى خير للرعية من خصب الزمان الملك والدين توءمان لا قوام لاحدهما إلا بصاحبه، فالدين أس الملك وعماده، ثم صار الملك حارس الدين فلا بد للملك من أسه، ولا بد للدين من حارسه، فأما مالا حارس له فضائع، وما لا أس له فمهدوم، إن رأس ما أخاف عليكم مبادرة السفلة إياكم إلى دراسة الدين وتأويله والتفقه فيه، وفتحملكم الثقه بقوة الملك على التهاون بهم، فتحدث في الدين رياسات منتشرات سرا فيمن قد وترتم وجفوتم، وحرمتم وأخفتم، وصغرتم من سفلة الناس والرعية وحشو العامة، ثم لا تنشب تلك الرياسات أن تحدث خرقا في الملك ووهنا في الدولة.
واعلموا أن سلطانكم إنما هو على أجسادكم الرعية لا على قلوبها.
وإن غلبتم الناس على ما في أيديهم فلن تغلبوهم على ما في عقولهم وآرائهم ومكايدهم.
واعلموا أن العاقل المحروم سال عليكم لسانه، وهو أقطع سيفيه، وإن أشد ما يضر بكم من لسانه ما صرف الحيلة فيه إلى الدين، فكان للدنيا يحتج(3)، وللدين فيما يظهر يتعصب فيكون
---
(1) بكأت الناقلة بكوءا: قل لبنها.
(2) الهتر: ذهاب العقل.
(3) ا: " يجنح "(*).
---

[125]
للدين بكاؤه، وإليه دعاؤه، ثم هو أوحد للتابعين والمصدقين والمناصحين والمؤازرين، لان تعصب(1) الناس موكل بالملوك، ورحمتهم ومحبتهم موكلة بالضعفاء المغلوبين، فاحذروا هذا المعنى كل الحذر.
واعلموا أنه ليس ينبغى للملك أن يعرف للعباد والنساك بأن يكونوا أولى بالدين منه، ولا أحدب عليه ولا أغضب له.
[ولا ينبغى](2) له أن يخلى النساك والعباد من الامر والنهى في نسكهم ودينهم، فإن خروج النساك وغيرهم من الامر والنهى عيب على الملوك وعلى المملكة وثلمة بينة الضرر على الملك وعلى من بعده.
واعلموا أنه قد مضى قبلنا من أسلافنا ملوك كان الملك منهم يتعهد الحماية بالتفتيش والجماعة بالتفضيل، والفراغ بالاشتغال، كتعهده جسده بقص فضول الشعر والظفر وغسل الدرن والغمر(3) ومداواة ما ظهر من الادواء وما بطن، وقد كان من أولئك الملوك من صحه ملكه أحب إليه من صحة جسده، فتتابعت تلك الاملاك بذلك كأنهم ملك واحد، وكأن أرواحهم روح واحدة، يمكن أولهم لاخرهم، ويصدق آخرهم أولهم يجتمع أبناء أسلافهم، ومواريث آرائهم، وثمرات عقولهم عند الباقي منهم بعدهم، وكأنهم جلوس معه يحدثونه ويشاورونه، حتى كأن على راس دارا بن دارا ما كان من غلبة الاسكندر الرومي على ما غلب عليه من ملكه.
وكان إفساده أمرنا، وتفرقته جماعتنا، وتخريبه عمران مملكتنا أبلغ له فيما أراد من سفك دمائنا فلما أذن الله عز وجل في جمع مملكتنا وإعاده أمرنا، كان من بعثه إيانا ما كان.
وبالاعتبار يتقى العثار، والتجارب الماضية دستور يرجع إليه من الحوادث الاتية.
واعلموا أن طباع الملوك على غير طباع الرعية والسوقة: فان الملك يطيف به العز والامن والسرور والقدرة على ما يريد، والانفة والجرأة والعبث
---

[126]
في العمر تنفسا، وفى الملك سلامة ازداد من هذه الطبائع والاخلاق حتى يسلمه ذلك إلى سكر السلطان الذى هو أشد من سكر الشراب، فينسى النكبات والعثرات، والغير والدوائر وفحش تسلط الايام، ولؤم غلبة الدهر، فيرسل يده بالفعل ولسانه بالقول.
وعند حسن الظن بالايام تحدث الغير، وتزول النعم، وقد كان من أسلافنا وقدماء ملوكنا من يذكره عزه الذل، وأمنه الخوف، وسروره الكآبة، وقدرته المعجزة، وذلك هو الرجل الكامل قد جمع بهجة الملوك، وفكرة السوقة، ولا كمال إلا في جمعها.
واعلموا أنكم ستبلون على الملك بالازواج والاولاد والقرباء والوزراء والاخدان، والانصار والاعوان والمتقربين والندماء والمضحكين، وكل هؤلاء - إلا قليلا - أن يأخذ لنفسه أحب إليه من أن يعطى منها عمله، وإنما عمله سوق ليومه، وذخيرة لغده، فنصيحته للملوك فضل نصيحته لنفسه وغاية الصلاح عنده صلاح نفسه، وغاية الفساد عنده فسادها، يقيم للسلطان سوق المودة ما أقام له سوق الارباح والمنافع، إذا استوحش الملك من ثقاته أطبقت عليه ظلم الجهالة.
أخوف ما يكون العامه [آمن ما يكون الوزراء، وآمن ما يكون العامه(1)] أخوف ما يكون الوزراء.
واعلموا أن كثيرا من وزراء الملوك من يحاول استبقاء دولته وأيامه بإيقاع الاضطراب، والخبط في أطراف مملكة الملك، ليحتاج الملك إلى رأيه وتدبيره، فإذا عرفتم هذا من وزير من وزرائكم فاعزلوه فإنه يدخل الوهن والنقص على الملك والرعية لصلاح حال نفسه، ولا تقوم نفسه بهذه النفوس كلها.
واعلموا أن بدء ذهاب الدولة ينشأ من قبل إهمال الرعية بغير أشغال معروفة ولا أعمال معلومة، فإذا نشأ الفراغ تولد منه النظر في الامور، والفكر في الفروع و الاصول.
فإذا نظروا في ذلك نظروا فيه بطبائع مختلفة فتختلف بهم المذاهب، ويتولد من اختلاف مذاهبهم تعاديهم وتضاغنهم، وهم مع اختلافهم هذا متفقون و مجتمعون على بغض الملوك، فكل صنف منهم
أنما يجرى إلى فجيعة الملك، بملكه، ولكنهم لا يجدون سلما إلى
---
(1) تكملة من دوبها يستقيم الكلام(*).
---

[127]
ذلك أوثق من الدين والناموس، ثم يتولد من تعاديهم أن الملك لا يستطيع جمعهم على هوى واحد، فإن انفرد؟ باختصاص بعضهم صار عدو بقيتهم، ولى طباع العامة استثقال الولاة وملالهم، والنفاسة(1) عليهم، والحسد لهم، وفى الرعية المحروم والمضروب والمقام عليه الحدود، ويتولد من كثرتهم مع عداوتهم أن يجبن الملك عن الاقدام عليهم، فإن في إقدام الملك على الرعية كلها كافة تغريرا بملكه.
ويتولد من جبن الملك عن الرعية استعجالهم عليه، وهم أقوى عدو له وأخلقه بالظفر، لانه حاضر مع الملك في دار ملكه، فمن أفضى إليه الملك بعدى فلا يكونن بإصلاح جسده أشد اهتماما منه بهذه الحال، ولا تكونن لشئ من الاشياء أكره وأنكر لرأس صار ذنبا، وذنب صار رأسا، ويد مشغوله وصارت فارغة، أو غنى صار فقيرا، أو عامل مصروف، أو أمير معزول.
واعلموا أن سياسة الملك وحراسته ألا يكون ابن الكاتب إلا كاتبا، وابن الجندي إلا جنديا، وابن التاجر إلا تاجرا، وهكذا في جميع الطبقات، فإنه يتولد من تنقل الناس عن حالاتهم أن يلتمس كل امرئ منهم فوق مرتبته، فإذا انتقل أو شك أن يرى شيئا أرفع مما انتقل إليه، فيحسد أو ينافس، وفى ذلك من الضرر المتولد ما لا خفاء به، فإن عجز ملك منكم عن إصلاح رعيته كما أوصيناه فلا يكون للقميص القمل أصرع خلعا منه لما لبس من قميص ذلك الملك.
واعلموا أنه ليس ملك إلا وهو كثير الذكر لمن يلى الامر بعده، ومن فساد أمر الملك نشر ذكره ولاة العهود، فإن في ذلك ضروبا من الضرر، وأن ذلك دخول عداوة بين الملك وولى عهده، لانه تطمح عينه إلى الملك، ويصير له أحباب وأخدان يمنونه ذلك، ويستبطئون موت الملك.
ثم إن الملك يستوحش منه، وتنساق الامور إلى هلاك أحدهما، ولكن لينظر الوالى منكم لله تعالى ثم لنفسه
ثم للرعية، ولينتخب وليا للعهد من بعده
---
(1) النفاسة: كراهة الخير لهم(*).
---

[128]
ولا يعلمه ذلك، ولا أحد من الخلق قريبا كان منه أو بعيدا، ثم يكتب اسمه في أربع صحائف، ويختمها بخاتمه، ويضعها عند أربعة نفر من أعيان أهل المملكة، ثم لا يكون منه في سره وعلانيته أمر يستدل به على ولى عهده من هؤلاء في إدناء وتقريب يعرف به، ولا في إقصاء، وإعراض يستراب له.
وليتق ذلك في اللحظة والكلمة، فإذا هلك الملك جمعت تلك الصحائف إلى النسخة التى تكون في خزانة الملك، فتفض جميعا، ثم ينوه حينئذ باسم ذلك الرجل، فيلقى الملك إذا لنيه بحداثة عهده بحال السوقة، ويلبسه إذا لبسه ببصر السوقة وسمعها، فإن في معرفته بحاله قبل إفضاء الملك إليه سكرا تحدثه عنده ولاية العهد، ثم يلقاه الملك فيزيده سكرا إلى سكره، فيعمى ويصم، هذا مع ما لا بد أن يلقاه أيام ولاية العهد من حيل العتاة، وبغى الكذابين، وترقية النمامين، وإيغار صدره، وإفساد قلبه على كثير من رعيته، وخواص دولته، وليس ذلك بمحمود ولا صالح.
واعلموا أنه ليس للملك أن يحلف، لانه لا يقدر أحد استكراهه، وليس له أن يغضب لانه قادر، والغضب لقاح الشر والندامة، وليس له أن يعبث ويلعب، لان اللعب والعبت من عمل الفراغ، وليس له أن يفرغ لان الفراغ من أمر السوقة، وليس للملك أن يحسد أحدا إلا على حسن التدبير، وليس له أن يخاف لانه لا يد فوق يده.
واعلموا أنكم لن تقدروا على أن تختموا أفواه الناس من الطعن والازراء عليكم، ولا قدرة لكم على أن تجعلوا القبيح من أفعالكم حسنا، فاجتهدوا في أن تحسن افعالكم كلها، وإلا تجعلوا للعامة إلى الطعن عليكم سبيلا.
واعلموا أن لباس الملك ومطعمه ومشربه مقارب للباس السوقة ومطعمهم، وليس
---

[129]
فضل الملك على السوقة إلا بقدرته على اقتناء المحامد واستفادة المكارم، فإن الملك إذا شاء أحسن، وليس كذلك السوقة.
واعلموا أن لكل ملك بطانة، ولكل رجل من بطانته بطانه، ثم إن لكل امرئ من بطانة البطانة بطانة، حتى يجتمع من ذلك أهل المملكة، فإذا أقام الملك بطانته على حال الصواب فيهم، أقام كل امرئ منهم بطانته على مثل ذلك حتى يجتمع على الصلاح عامه الرعية.
احذروا بابا واحدا طالما أمنته فضرني، وحذرته فنفعني احذروا إفشاء السر بحضرة الصغار من أهليكم وخدمكم، فانه ليس يصغر واحد منهم عن حمل ذلك السر كاملا، لا يترك منه شيئا حتى يضعه حيث تكرهون إما سقطا أو غشا.
واعلموا أن في الرعيه صنفا أتوا الملك من قبل النصائح له، والتمسوا إصلاح منازلهم بإفساد منازل الناس، فأولئك أعداء الناس وأعداء الملوك، ومن عادى الملوك والناس كلهم فقد عادى نفسه.
واعلموا أن الدهر حاملكم على طبقات، فمنها حال السخاء حتى يدنو أحدكم من السرف، ومنها حال التبذير حتى يدنو من البخل، ومنها حال الاناة حتى يدنو من البلادة ومنها حال انتهاز الفرصة حتى يدنو من الخفة، ومنها حال الطلاقة في اللسان حتى يدنو من الهذر، ومنها حال الاخذ بحكمة(1) الصمت حتى يدنو من العى، فالملك منكم جدير أن يبلغ من كل طبقه في محاسنها حدها، فإذا وقف عليه ألجم نفسه عما وراءها.
واعلموا أن ابن الملك وأخاه ابن عمه يقول: كدت أن أكون ملكا، وبالحرى ألا أموت حتى أكون ملكا، فإذا قال ذلك قال ما لا يسر الملك، وإن كتمه فالداء
---
(1) الحكمة في
الأصل:
اللجام، والكلام على الاستعارة(*).
---

[130]
في كل مكتوم، وإذا تمنى ذلك جعل الفساد سلما إلى الصلاح، ولم يكن الفساد سلما إلى صلاح قط.
وقد رسمت لكم في ذلك مثالا، اجعلوا الملك لا ينبغى إلا لابناء الملوك من بنات عمومتهم، ولا يصلح من أولاد بنات العم إلا كامل غير سخيف العقل، ولا عازب الرأى، ولا ناقص الجوارح، ولا مطعون عليه في الدين، فإنكم إذا فعلتم ذلك قل طلاب الملك، وإذا قل طلابه استراح كل امرئ إلى ما يليه، ونزع إلى حد يليه، وعرف حاله، ورضى معيشته، واستطاب زمانه.
فقد ذكر وصايا قوم من العرب، ووصايا أكثر ملوك الفرس وأعظمهم حكمة لتضم إلى وصايا أمير المؤمنين فيحصل منها وصايا الدين والدنيا، فإن وصايا أمير المؤمنين عليه السلام، الدين عليها أغلب، ووصايا هؤلاء الدنيا عليها أغلب، فإذا أخذ من أخذ التوفيق بيده بمجموع ذلك فقد سعد، ولا سعيد إلا من أسعده الله.
---

[131]
(54)
الأصل:
ومن كتاب له عليه السلام إلى طلحة والزبير مع عمران بن الحصين الخزاعى، وذكر هذا الكتاب أبو جعفر الاسكافي في كتاب المقامات: أما بعد فقد علمتما - وإن كتمتما - أنى لم أرد الناس حتى أرادوني، ولم أبايعهم حتى بايعوني، وإنكما ممن أرادنى وبايعني، وإن العامة لم تبايعني لسلطان غالب، ولا لحرص حاضر، فإن كنتما بايعتماني طائعين فارجعا وتوبا إلى الله من قريب، وإن كنتما بايعتماني كارهين فقد جعلتما لى عليكما السبيل بإظهاركما الطاعة وإسراركما المعصية.
ولعمري ما كنتما بأحق المهاجرين بالتقية والكتمان وان دفعكما هذا الامر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما من خروجكما منه بعد إقراركما به.
وقد زعمتما أنى قتلت عثمان، فبيني وبينكما من تخلف عنى وعنكما من أهل المدينة ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل.
فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما، فإن الان أعظم امركما العار، من قبل أن يجتمع العار والنار.
والسلام.
* * *
---

[132]
الشرح:
[عمران بن الحصين] هو عمران بن الحصين بن عبيد بن خلف بن عبد بن نهم بن سالم بن غاضرة بن سلول ابن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعى.
يكنى أبا بجيد بابنه بجيد بن عمران.
أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر، وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، يقول أهل البصرة عنه: إنه كان يرى الحفظة وكانت تكلمه حتى أكتوى.
وقال محمد بن سيرين: أفضل من نزل البصرة من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) عمران بن الحصين وأبو بكرة.
واستقضاه عبد الله بن عامر بن كريز على البصرة فعمل له أياما، ثم استعفاه فأعفاه، ومات بالبصرة سنه اثنتين وخمسين في أيام معاوية.
[أبو جعفر الاسكافي] وأما أبو جعفر الاسكافي - وهو شيخنا محمد بن عبد الله الاسكافي - عده قاضى القضاة في الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة مع عباد بن سليمان الصيمري، ومع زرقان، ومع عيسى بن الهيثم الصوفى، وجعل أول الطبقة ثمامة بن أشرس أبا معن، ثم أبا عثمان الجاحظ، ثم أبا موسى عيسى بن صبيح المردار، ثم أبا عمران يونس بن عمران ثم محمد بن شبيب، ثم محمد بن إسماعيل بن العسكري، ثم عبد الكريم بن روح العسكري، ثم أبا يعقوب يوسف بن عبد الله الشحام، ثم أبا الحسين الصالحي،
---

[133]
ثم الجعفران، جعفر بن جرير وجعفر بن ميسر ثم أبا عمران بن النقاش، ثم أبا سعيد أحمد ابن سعيد الاسدي، ثم عباد بن سليمان ثم أبا جعفر الاسكافي هذا.
وقال: كان أبو جعفر فاضلا عالما، وصنف سبعين كتابا في علم الكلام.
وهو الذى نقض كتاب " العثمانية " على أبى عثمان الجاحظ في حياته، ودخل الجاحظ الوراقين ببغداد، فقال من هذا الغلام السوادى الذى بلغني أنه تعرض لنقض كتابي! وأبو جعفر جالس! فاختفى منه حتى لم يره.
وكان أبو جعفر يقول بالتفضيل على قاعده معتزلة بغداد، ويبالغ في ذلك، وكان علوى الرأى محققا منصفا، قليل العصبية.
* * *
ثم نعود إلى شرح ألفاظ الفصل ومعانيه: قوله عليه السلام: " لم أرد الناس: أي لم أرد الولاية عليهم حتى أرادوا هم منى ذلك.
قال: " ولم أبايعهم حتى بايعوني "، أي لم أمدد يدى إليهم مد الطلب والحرص على الامر، ولم أمددها إلا بعد أن خاطبوني بالامرة والخلافة، وقالوا بالسنتهم: قد بايعناك، فحينئذ مددت يدى إليهم.
قال: ولم يبايعني العامة والمسلمون لسلطان غصبهم وقهرهم على ذلك، ولا لحرص حاضر، أي مال موجود فرقته عليهم.
ثم قسم عليهما الكلام، فقال: إن كنتما بايعتماني طوعا عن رضا فقد وجب عليكما الرجوع، لانه لا وجه لانتقاض تلك البيعة، وإن كنتما بايعتماني مكرهين عليها فالاكراه
---

[134]
له صورة، وهى أن يجرد السيف ويمد العنق، ولم يكن قد وقع ذلك، ولا يمكنكما أن تدعياه، وإن كنتما بايعتماني لا عن رضا ولا مكرهين بل كارهين، وبين المكره والكاره فرق بين، فالامور الشرعية إنما تبنى على الظاهر، وقد جعلتما لى على أنفسكما السبيل بإظهاركما الطاعة، والدخول فيما دخل فيه الناس، ولا اعتبار بما أسررتما من كراهية ذلك.
على أنه لو كان عندي ما يكرهه المسلمون لكان المهاجرون في كراهية ذلك سواء، فما الذى جعلكما أحق المهاجرين كلهم بالكتمان والتقية!.
ثم قال: وقد كان امتناعكما عن البيعه في مبدا الامر اجمل من دخولكما فيها ثم نكثها.
قال: وقد زعمتما أن الشبهة التى دخلت عليكما في أمرى أنى قتلت عثمان، وقد جعلت الحكم بينى وبينكما من تخلف عنى وعنكما من أهل المدينة، أي الجماعة التى لم تنصر عليا ولا طلحة كمحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وغيرهم، يعنى أنهم غير متهمين عليه ولا على طلحة والزبير، فإذا حكموا لزم كل امرئ منا بقدر ما تقتضيه الشهادات.
ولا شبهة أنهم لو حكموا وشهدوا بصوره الحال لحكموا ببراءة على عليه السلام من دم عثمان وبأن طلحة كان هو الجملة والتفصيل في أمره وحصره، وقتله، وكان الزبير مساعدا له على ذلك، وإن لم يكن مكاشفا مكاشفة طلحة.
ثم نهاهما عن الاصرار على الخطيئة، وقال لهما: إنكما إنما تخافان العار في رجوعكما وانصرا فكما عن الحرب، فإن لم ترجعا اجتمع عليكما العار والنار، أما العار فلانكما تهزمان وتفران عند اللقاء فتعيران بذلك، وأيضا سيكشف للناس أنكما كنتما على باطل فتعيران بذلك، وأما النار فإليها مصير العصاة إذا ماتوا على غير توبة واحتمال العار، وحده أهون من احتماله واحتمال النار معه.
---

[135]
الأصل:
ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية: أما بعد فإن الله سبحانه جعل الدنيا لما بعدها، وإبتلى فيها أهلها، ليعلم أيهم أحسن عملا، ولسنا للدنيا خلقنا، ولا بالسعي فيها أمرنا، وإنما وضعنا فيها لنبتلى بها، وقد ابتلاني الله بك وابتلاك بى، فجعل أحدنا حجة على الاخر، فغدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن، وطلبتني بما لم تجن يدى ولا لساني، وعصبته أنت وأهل الشام بى، وألب عالمكم جاهلكم، وقائمكم قاعدكم.
فاتق الله في نفسك، ونازع الشيطان قيادك، وأصرف إلى الاخرة وجهك، فهى طريقنا وطريقك، واحذر أن يصيبك الله منه بعاجل قارعة تمس الاصل، وتقطع الدابر، فإنى أولى لك بالله إليه غير فاجرة، لئن جمعتني وإياك جوامع الاقدار لا أزال بباحتك،(حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين).
* * *
الشرح:
قال عليه السلام: إن الله قد جعل الدنيا لما بعدها "، أي جعلها طريقا إلى الاخرة.
ومن الكلمات الحكمية: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها.
وإبتلى فيها أهلها أي اختبرهم ليعلم أيهم أحسن عملا، وهذا من ألفاظ القرآن العزيز، والمراد ليعلم خلقه،
---

[136]
أو ليعلم ملائكته ورسله، فحذف المضاف، وقد سبق ذكر شئ يناسب ذلك فيما تقدم، قال: " ولسنا للدنيا خلقنا " أي لم نخلق للدنيا فقط.
قال: " ولا بالسعي فيها أمرنا "، أي لم نؤمر بالسعي فيها لها، بل أمرنا بالسعي فيها لغيرها.
ثم ذكر أن كل واحد منه ومن معاوية مبتلى بصاحبه، وذلك كابتلاء آدم بإبليس وإبليس بآدم.
قال: " فغدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن "، أي تعديت وظلمت، و " على " هاهنا متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام، تقديره مثابرا على طلب الدنيا أو مصرا على طلب الدنيا، وتأويل القرآن ما كان معاوية يموه به على أهل الشام فيقول لهم: أنا ولى عثمان، وقد قال الله تعالى:(ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا(1)).
ثم يعدهم الظفر والدولة على أهل العراق بقوله تعالى:(فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا(1)).
قوله: " وعصبته أنت وأهل الشام "، أي ألزمتنيه كما تلزم العصابة الرأس، " وألب عالمكم جاهلكم "، أي حرض.
والقياد: حبل تقاد به الدابة.
قوله: واحذر أن يصيبك الله منه بعاجل قارعة، الضمير في " منه " راجع إلى الله تعالى، " ومن " لابتداء الغاية.
---
(1) سورة الاسراء 33.
(*).
---

[137]
وقال الراوندي: منه، أي من البتهان الذى أتيته، أي من أجله، و " من " للتعليل، وهذا بعيد وخلاف الظاهر.
قوله: " تمس الاصل "، أي تقطعه، ومنه ماء ممسوس أي يقطع الغلة ويقطع الدابر أي العقب والنسل.
والالية: اليمين.
وباحة الدار: وسطها، وكذلك ساحتها، وروى بناحيتك.
قوله: " بعاجل قارعة، وجوامع الاقدار "، من باب إضافة الصفة إلى الموصوف(1) للتأكيد، كقوله تعالى:(وإنه لحق اليقين(2)).
---
(1) د: " الصلة إلى المصول ".
(2) سورة الحاقة 51---

[138]
(56)
الأصل:
ومن كلام له عليه السلام وصى به شريح بن هانئ لما جعله على مقدمته إلى الشام: اتق الله في كل مساء وصباح، وخف على نفسك الدنيا الغرور، ولا تأمنها على حال.
واعلم أنك إن لم تردع نفسك عن كثير مما تحب مخافة مكروهه، سمت بك الاهواء إلى كثير من الضرر، فكن لنفسك مانعا رادعا، ولنزواتك عند الحفيظة واقما قامعا.
* * *
[شريح بن هانئ] الشرح:
هو شريح بن هانئ بن يزيد بن نهيك بن دريد بن سفيان بن الضباب، وهو سلمه ابن الحارث بن ربيعة بن الحارث بن كعب المذحجي.
كان هانئ يكنى في الجاهلية أبا الحكم، لانه كان يحكم بينهم، فكناه رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) بأبى شريح، إذ وفد عليه، وابنه شريح هذا من جلة أصحاب على عليه السلام، شهد معه المشاهد كلها، وعاش حتى قتل بسجستان في زمن الحجاج، وشريح جاهلي إسلامى، يكنى أبا المقدام،
---

[139]
ذكر ذلك كله أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب(1).
قوله عليه السلام: وخف على نفسك الغرور، يعنى الشيطان، فأما الغرور بالضم فمصدر.
والرادع: الكاف المانع، والنزوات: الوثبات.
والحفيظة: الغضب.
والواقم: فاعل، من وقمته أي رددته أقبح الرد وقهرته.
يقول عليه السلام: إن لم تردع نفسك عن كثير من شهواتك أفضت بك إلى كثير من الضرر، ومثل هذا قول الشاعر: فإنك إن أعطيت بطنك سؤلها * * وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا(2)
---
(1) الاستيعاب 607.
(2) البيت لحاتم، وهو من شواهد المغنى 331(*).
---

[140]
(57)
الأصل:
ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة: أما بعد، فإنى خرجت عن حيى هذا إما ظالما وإما مظلوما، وإما باغيا وإما مبغيا عليه، وإنا أذكر الله من بلغه كتابي هذا لما نفر إلى، فإن كنت محسنا أعانني، وإن كنت مسيئا استعتبني.
* * *
الشرح:
ما أحسن هذا التقسيم وما أبلغه في عطف القلوب عليه، واستماله النفوس إليه! قال: لا يخلو حالى في خروجي من أحد أمرين: إما أن أكون ظالما أو مظلوما، وبدأ بالظالم هضما لنفسه(1)، ولئلا يقول عدوه: بدأ بدعوى كونه مظلوما، فأعطى عدوه من نفسه ما أراد.
قال: فلينفر المسلمون إلى فإن وجدوني مظلوما أعانوني، وإن وجدوني ظالما نهونى عن ظلمي لاعتب وأنيب إلى الحق.
وهذا كلام حسن، ومراده عليه السلام يحصل على كلا الوجهين، لانه إنما أراد أن يستنفرهم، وهذان الوجهان يقتضيان نفيرهم إليه على كل حال، والحى: المنزل، ولما هاهنا بمعنى إلا، كقوله تعالى:(إن كل نفس لما عليها حافظ)(1) في قراءة من قرأها بالتشديد.
---
(1) في د " وأراد بالظالم هدم نفسه ".
(2) سورة الطارق 4(*).
---

[141]
(58)
الأصل:
ومن كتاب له عليه السلام كتبه إلى أهل الامصار يقص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين: وكان بدء أمرنا أنا التقينا بالقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ونبينا واحد، ودعوتنا في الاسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الايمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، والامر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان، ونحن منه براء، فقلنا: تعالوا نداوى ما لا يدرك اليوم بإطفاء النائرة، وتسكين العامة، حتى يشتد الامر ويستجمع، فنقوى على وضع الحق في مواضعه، فقالوا: بل نداويه بالمكابرة فأبوا حتى جنحت الحرب وركدت، ووقدت نيرانها وحمشت(1).
فلما ضرستنا وإياهم، ووضعت مخالبها فينا وفيهم، أجابوا عند ذلك إلى الذى دعوناهم إليه، فأجبناهم إلى ما دعوا، وسارعناهم إلى ما طلبوا، حتى استبانت عليهم الحجة، وانقطعت منهم المعذرة، فمن تم على ذلك منهم فهو الذى أنقذه الله من الهلكة ومن لج وتمادى فهو الراكس الذى ران الله على قلبه، وصارت دائرة السوء على رأسه * * *
---
(1) في د " وحميت "(*).
---

[142]
الشرح:
روى: " التقينا والقوم بالواو، كما قال: * قلت إذ أقبلت وزهر تهادى * ومن لم يروها بالواو فقد استراح من التكلف.
قوله: والظاهر أن ربنا واحد "، كلام من لم يحكم لاهل صفين من جانب معاوية حكما قاطعا بالاسلام، بل قال: ظاهرهم الاسلام، ولا خلف بيننا وبينهم فيه، بل الخلف في دم عثمان.
قال عليه السلام: قلنا لهم: تعالوا فلنطفئ هذه النائرة الان يوضع الحرب، إلى أن تتمهد قاعدتي في الخلافة وتزول هذه الشوائب التى تكدر على الامر، ويكون للناس جماعه ترجع إليها، وبعد ذلك أتمكن من قتلة عثمان بأعيانهم فأقتص منهم، فأبوا إلا المكابرة والمغالبة.
والحرب.
قوله: " حتى جنحت الحرب وركدت "، جنحت: أقبلت، ومنه: قد جنح الليل، أي أقبل، وركدت: دامت وثبتت.
قوله: " ووقدت نيرانها "، أي التهبت.
قوله: " وحمشت "، أي استعرت وشبت.
وروى: " واستحشمت(1) " وهو أصح، ومن رواها " حمست " بالسين المهملة أراد اشتدت وصلبت.
قوله: " فلما ضرستنا وإياهم " أي عضتنا بأضراسها، ويقال: ضرسهم الدهر، أي اشتد عليهم.
---
(1) في د " واستجرت ".
والمغنى عليه يستقيم أيضا(*).
---

[143]
قال: لما اشتدت الحرب علينا وعليهم وأكلت منا ومنهم، عادوا إلى ما كنا سألناهم ابتداء، وضرعوا إلينا في رفع الحرب، ورفعوا المصاحف يسألون النزول على حكمها، وإغماد السيف، فأجبناهم إلى ذلك.
قوله: " وسارعناهم إلى ما طلبوا " كلمة فصيحة، وهى تعدية الفعل اللازم، كأنها لما كانت في معنى المسابقة، والمسابقة متعدية عدى المسارعة.
قوله: " حتى استبانت "، يقول: استمررنا على كف الحرب ووضعها، إجابة لسؤالهم، إلى أن استبانت عليهم حجتنا، وبطلت معاذيرهم وشبهتهم في الحرب وشق العصا، فمن تم منهم على ذلك، أي على انقياده إلى الحق بعد ظهوره له، فذاك الذى خلصه الله من الهلاك وعذاب الاخرة ومن لج منهم على ذلك وتمادى في ضلاله فهو الراكس، قال قوم: الراكس هنا بمعنى المركوس، فهو مقلوب فاعل بمعنى مفعول، كقوله تعالى: " فهو في عيشة راضية)(1) أي مرضية، وعندي أن اللفظة على بابها، يعنى أن من لج فقد ركس نفسه، فهو الراكس، وهو المركوس، يقال: ركسه وأركسه بمعنى، والكتاب العزيز جاء بالهمز فقال:(والله أركسهم بما كسبوا)(2)، أي ردهم إلى كفرهم(3)، ويقول: ارتكس فلان في أمر كان نجا منه، وران على قلبه، أي ران هو على قلبه، كما قلنا في الراكس، ولايجوز أن يكون الفاعل - وهو الله - محذوفا، لان الفاعل لا يحذف، بل يجوز أن يكون الفاعل كالمحذوف، وليس بمحذوف، ويكون المصدر وهو الرين، ودل الفعل عليه كقوله تعالى:(ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الايات)(4) أي بدالهم البداء.
وران بمعنى غلب وغطى، وروى " فهو الراكس الذى رين على قلبه "
---
(1) القارعة 7.
(2) سورة النساء 88.
(3) في د " كيدهم ".
(4) سورة يوسف 35(*).
---

[144]
قال: وصارت دائرة السوء على رأسه، من ألفاظ القرآن العزيز، قال الله تعالى:(عليهم دائره السوء)(1) والدوائر: الدول.
قال: * وإن على الباغى تدور الدوائر.
* والدائرة أيضا: الهزيمة، يقال: على من الدائرة منهما، والدوائر أيضا الدواهي.
---
(1) سورة الفتح 7(*).
---

[145]
(59) ومن كتاب له عليه السلام إلى الاسود بن قطبة صاحب جند حلوان: أما بعد، فإن الوالى إذا اختلف هواه منعه ذلك كثيرا من العدل، فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء فإنه ليس في الجور عوض من العدل، فاجتنب ما تنكر أمثاله، وابتذل نفسك فيما افترض الله عليك، راجيا ثوابه، ومتخوفا عقابه.
واعلم أن الدنيا دار بلية لم يفرغ صاحبها فيها قط ساعة إلا كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة، وإنه لن يغنيك عن الحق شئ أبدا، ومن الحق عليك حفظ نفسك، والاحتساب على الرعية بجهدك، فإن الذى يصل إليك من ذلك أفضل من الذى يصل بك، والسلام.
* * *
الشرح:
[الاسود بن قطبة] لم أقف إلى الان على نسب الاسود بن قطبة، وقرأت في كثير من النسخ أنه حارثى من بنى الحار ث بن كعب، ولم أتحقق ذلك، والذى يغلب على ظنى انه الاسود بن زيد ابن قطبة بن غنم الانصاري من بنى عبيد بن عدى.
ذكره أبو عمر بن عبد البر في كتاب " الاستيعاب " وقال إن موسى بن عقبة عده فيمن شهد بدرا.
(1).
---
(1) سورة الفتح 7(*).
---

[146]
قوله عليه السلام "، إذا اختلف هوى الوالى منعه كثيرا من الحق قول صدق لانه متى لم يكن الخصمان عند الوالى سواء في الحق جار وظلم.
ثم قال له: فإنه ليس في الجور عوض من العدل، وهذا أيضا حق، وفى العدل كل العوض من الجور.
ثم أمره باجتناب ما ينكر مثله من غيره، وقد تقدم نحو هذا. وقوله: " إلا كانت فرغته " كلمة فصيحة وهى المرة الواحدة من الفراغ، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله: " إن الله يبغض الصحيح الفارغ لا في شغل الدنيا ولافى شغل الاخرة "، ومراد أمير المؤمنين عليه السلام هاهنا الفراغ من عمل الاخرة خاصة.
قوله فان الذى يصل إليك من ذلك أفضل من الذى يصل بك "، معناه: فإن الذى يصل إليك من ثواب الاحتساب على الرعية، وحفظ نفسك من مظالمهم والحيف عليهم، أفضل من الذى يصل بك من حراسة دمائهم(1) وأعراضهم وأموالهم، ولا شبهة في ذلك، لان إحدى المنفعتين دائمة، والاخرى منقطعة، والنفع الدائم أفضل من المنقطع.
---
(1) ب: " دعاتهم " تصحفيف، صوابه في ا، د(*).
---

[147]
(60)
الأصل:
ومن كتاب له عليه السلام إلى العمال الذين يطأ عملهم الجيوش(1): من عبد الله على أمير المؤمنين إلى من مر به الجيش من جباه الخراج وعمال البلاد: أما بعد، فإنى قد سيرت جنودا هي مارة بكم ان شاء الله، وقد أوصيتهم بما يجب لله عليهم من كف الاذى وصرف الشذى، وأنا أبرأ إليكم وإلى ذمتكم من معرة الجيش، إلا من جوعه المضطر لا يجد عنها مذهبا إلى شبعه(2)، فنكلوا من تناول منهم ظلما عن ظلمهم، وكفوا أيدى سفهائكم عن مضادتهم، والتعرض لهم فيما استثنيناه منهم، وأنا بين أظهر الجيش، فارفعو إلى مظالمكم، وما عراكم مما يغلبكم من أمرهم ولا تطيقون دفعه إلا بالله(3) وبى، أغيره بمعونة الله.
إن شاء الله.
* * *
الشرح:
روى " عن مضارتهم " بالراء المشددة.
وجباة الخراج: الذين يجمعونه، جبيت الماء في الحوض، أي جمعته.
والشذى والضرب والشر تقول: لقد أشذيت وآذيت.
وإلى ذمتكم، أي إلى اليهود والنصارى الذين بينكم(4)، قال عليه السلام: من آذى ذميا فكأنما(5) آذانى "،
---
(1) د " عملهم الجيش ".
(2) مخطوطة الهج: " إلا إلى شبعه ".
(3) د " يإذن الله ".
(4) د " بذمتكم ".
(5) د " فقد "(*).
---

[148]
وقال: انما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا، ويسمى هؤلاء ذمه، أي اهل ذمة، بحذف المضاف.
والمعرة: المضرة قال الجيش ممنوع من أذى من يمر به من المسلمين وأهل الذمة إلا من سد جوعة المضطر منهم خاصة، لان المضطر تباح له الميتة فضلا عن غيرها.
ثم قال: فنكلوا من تناول، وروى " بمن تناول " بالباء، أي عاقبوه.
و " عن " في قوله: " عن ظلمهم " يتعلق بنكلوا، لانها في معنى " اردعوا "، لان النكال يوجب الردع.
ثم أمرهم أن يكفوا أيدى أحداثهم وسفهائهم عن منازعة الجيش ومصادمته والتعرض لمنعه عما استثناه، وهو سد الجوعة عند الاضطرار، فإن ذلك لا يجوز في الشرع، وأيضا فإنه يفضى إلى فتنه وهرج.
ثم قال: " وأنا بين أظهر الجيش "، أي أنا قريب منكم، وسائر على إثر الجيش، فارفعوا إلى مظالمكم وما عراكم منهم على وجه الغلبة والقهر، فإنى مغير ذلك ومنتصف لكم منهم.
---

[149]
(61)
الأصل:
ومن كتاب له عليه السلام إلى كميل بن زياد النخعي وهو عامله على هيت ينكر عليه تركه دفع من يجتاز به من جيش العدو طالبا للغارة أما بعد، فإن تضييع المرء ما ولى، وتكلفه ما كفى، لعجز حاضر، ورأى متبر، وإن تعاطيك الغارة على أهل قرقيسيا، وتعطيلك مسالحك التى وليناك - ليس لها من يمنعها ولا يرد الجيش عنها - لرأى شعاع، فقد صرت جسرا لمن أراد الغارة من أعدائك على أوليائك، غير شديد المنكب، ولا مهيب الجانب، ولا ساد ثغرة، ولا كاسر لعدو شوكة، ولا مغن عن أهل مصره(1)، ولا مجز عن أميره.
* * *
الشرح:
[كميل بن زياد ونسبه] هو كميل بن زياد بن سهيل بن هيثم بن سعد بن مالك بن الحارث بن صهبان ابن سعد بن مالك بن النخع بن عمرو بن وعلة بن خالد بن مالك بن أدد كان من أصحاب على عليه السلام وشيعته وخاصته، وقتله الحجاج على المذهب فيمن قتل من الشيعة، وكان كميل بن زياد عامل على عليه السلام على هيت، وكان ضعيفا، يمر عليه سرايا معاوية تنهب أطراف العراق ولا يردها، ويحاول أن يجبر ما عنده من الضعف بأن يغير
---
(1) في د " النصرة "(*).
---

[150]
على أطراف أعمال معاوية مثل قرقيسيا وما يجرى مجراها من القرى التى على الفرات، فأنكر عليه السلام ذلك من فعله، وقال: إن من العجز الحاضر أن يهمل الوالى ما وليه، ويتكلف ما ليس من تكليفه.
* * *
والمتبر الهالك، قال تعالى:(ان هؤلاء متبر ما هم فيه.
)(1) والمسالح: جمع مسلحة، وهى المواضع التى يقام فيها طائفة من الجند لحمايتها.
ورأى شعاع، بالفتح، أي متفرق.
ثم قال له: " قد صرت جسرا " أي يعبر عليك العدو كما يعبر الناس على الجسور، وكما أن الجسر لا يمنع من يعبر به ويمر عليه فكذاك أنت.
والثغرة.
الثلمة.
ومجز: كاف ومغن، والاصل " مجزئ " بالهمز، فخفف.
---
(1) سورة الاعراف 139(*).
---

[151]
(62)
الأصل:
ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل مصر مع مالك الاشتر رحمه الله لما ولاه إمارتها: أما بعد، فإن الله سبحانه بعث محمدا (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) نذيرا للعالمين، ومهيمنا على المرسلين، فلما مضى (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) تنازع المسلمون الامر من بعده، فو الله ما كان يلقى في روعى، ولا يخطر ببالى أن العرب تزعج هذا الامر من بعده (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) عن أهل بيته، ولا أنهم منحوه عنى من بعده، فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه، فامسكت بيدى حتى رأيت راجعه الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون الى محق دين محمد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما، تكون المصيبة به على أعظم من فوت ولايتكم، التى إنما هي متاع أيام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السراب، وكما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الاحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه.
* * *
الشرح:
المهيمن: الشاهد، قال الله تعالى:(إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا)، أي تشهد بايمان من آمن وكفر من كفر.
وقيل تشهد بصحة نبوه الانبياء قبلك.
---

[152]
وقوله على المرسلين يؤكد صحة هذا التفسير الثاني، وأصل اللفظة من " آمن غيره من الخوف لان الشاهد يؤمن غيره من الخوف بشهادته ثم تصرفوا فيها فأبدلوا إحدى همزتي " مؤامن " ياء فصار " مؤيمن "، ثم قلبوا الهمزه هاء كأرقت وهرقت فصار " مهيمن ".
والروع الخلد، وفى الحديث: " إن روح القدس نفت في روعى "، قال ما يخطر لى ببال أن العرب تعدل بالامر بعد وفاة محمد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) عن بنى هاشم، ثم من بنى هاشم عنى: لانه كان المتيقن بحكم الحال الحاضرة.
وهذا الكلام يدل على بطلان دعوى الامامية النص وخصوصا الجلى.
قال: فما راعني إلا انثيال الناس "، تقول للشئ يفجؤك بغته: ما راعني إلا كذا، والروع بالفتح، الفزع، كأنه يقول: ما أفزعني شئ بعد ذلك السكون الذى كان عندي وتلك الثقة التى اطمأننت إليها إلا وقوع ما وقع من انثيال الناس - أي انصبابهم من كل وجه كما ينثاب التراب - على أبى بكر، وهكذا لفظ الكتاب الذى كتبه للاشتر، وإنما الناس يكتبونه الان " إلى فلان " تذمما من ذكر الاسم كما يكتبون في أول الشقشقيه: " أما والله لقد تقمصها فلان "، واللفظ " أما الله لقد تقمصها ابن أبى قحافه ".
قوله: " فأمسكت يدى "، أي أمتنعت عن بيعته، حتى رأيت راجعة الناس، يعنى أهل الردة كمسيلمة، وسجاح وطليحة بن خويلد ومانعي الزكاة وإن كان مانعو الزكاة قد اختلف في أنهم أهل ردة أم لا.
ومحق الدين إبطاله.
وزهق: خرج وزال.
تنهنه: سكن، وأصله الكف، تقول: نهنهت السبع فتنهنه،
---

[153]
أي كف عن حركته وإقدامه، فكأن الدين كان متحركا مضطربا فسكن وكف عن ذلك الاضطراب.
* * *
روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في التاريخ الكبير أن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) لما مات اجتمعت أسد وغطفان وطيئ على طليحه بن خويلد إلا ما كان من خواص أقوام في الطوائف الثلاث فاجتمعت، أسد بسميراء، وغطفان بجنوب طيبة(1) وطيئ في حدود أرضهم، واجتمعت ثعلبه بن أسد ومن يليهم من قيس بالابرق(2) من الربذة، وتأشب(3) إليهم ناس من بنى كنانة، ولم تحملهم البلاد، فافترقوا فرقتين: أقامت إحداهما بالابرق، وسارت الاخرى إلى ذى القصة، وبعثوا وفودا إلى أبى بكر يسألونه أن يقارهم على إقامة الصلاة ومنع الزكاة، فعزم الله لابي بكر على الحق، فقال: لو منعوني عقالا(3) لجاهدتهم عليه، ورجع الوفود إلى قومهم فأخبروهم بقلة من أهل المدينة، فأطمعوهم فيها وعلم أبو بكر والمسلمون بذلك، وقال لهم أبو بكر: أيها المسلمون، إن الارض كافرة، وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم لا تدرون أليلا تؤتون أم نهارا، وأدناهم منكم على بريد، وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم، وقد أبينا عليهم، ونبذنا إليهم، فاعدوا واستعدوا.
فخرج على عليه السلام بنفسه، وكان على نقب من أنقاب المدينة، وخرج الزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود وغيرهم فكانوا على الانقاب الثلاثة، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى طرق القوم المدينة غاره مع الليل، وخلفوا بعضهم بذى حسى
---
(1) في الاصول: " طمية " والصواب ما أثبته من تاريخ الطبري(2) في الاصول: " الازرق "، والصواب ما أثبته من الطبري.
(3) تأشبوا إليهم: انضموا.
(4) أراد بالعقال الحبل الذى يعقل به البعير الذى كان يؤخذ في إبل الصدقة، وانظر نهاية ابن الاثير.
(*).
---

[154]
ليكونوا ردءا لهم فوا فوا الانقاب وعليها المسلمون، فأرسلوا إلى أبى بكر بالخبر، فأرسل إليهم أن الزموا مكانكم ففعلوا، وخرج أبو بكر في جمع من أهل المدينة على النواضح، فانتشر العدو بين أيديهم، واتبعهم المسلمون على النواضح حتى بلغوا ذا حسى فخرج، عليهم الكمين بأحناء(1) قد نفخوها وجعلوا، فيها الحبال، ثم دهدهوها بأرجلهم في وجوه الابل، فتدهده(2) كل نحى منها في طوله(3) فنفرت إبل المسلمين، وهم عليها - ولا تنفر الابل من شئ نفارها من الانحاء فعاجت بهم لا يملكونها حتى دخلت بهم المدينة، ولم يصرع منهم أحد ولم يصب، فبات المسلمون تلك الليلة يتهيئون، ثم خرجوا على تعبية، فما طلع الفجر إلا وهم والقوم على صعيد واحد، فلم يسمعوا للمسلمين حسا ولا همسا حتى وضعوا فيهم السيف، فاقتتلوا أعجاز ليلتهم، فما ذر قرن الشمس إلا وقد ولوا الادبار وغلبوهم على عامة ظهرهم، ورجعوا إلى المدينة ظافرين(4).
قلت: هذا هو الحديث الذى أشار عليه السلام إلى أنه نهض فيه أيام أبى بكر.
وكأنه جواب عن قول قائل: إنه عمل لابي بكر، وجاهد بين يدى أبى بكر، فبين عليه السلام عذره في ذلك، وقال: إنه لم يكن كما ظنه القائل، ولكنه من باب دفع الضرر عن النفس والدين، فإنه واجب سواء كان للناس إمام أو لم يكن.
[ذكر ما طعن به الشيعة في امامة أبى بكر والجواب عنها] وينبغى حيث جرى ذكر أبى بكر في كلام أمير المؤمنين عليه السلام أن نذكر ما أورده قاضى القضاة في " المغنى " من المطاعن التى طعن بها فيه وجواب قاضى القضاة
---
(1) الانحاء: جمع نحى، وه والزق.
(2) دهدهوها: دفعوها.
(3) الطول: الحبل يشد به.
(4) تاريخ الطبري 3: 244(طبعة المعارف) مع تصرف واختصار(*).
---

[155]
عنها، واعتراض المرتضى في " الشافي " على قاضى القضاة، ونذكر ما عندنا في ذلك ثم نذكر مطاعن أخرى لم يذكرها قاضى القضاة.
* * *
[الطعن الاول] قال قاضى القضاة بعد أن ذكر ما طعن به فيه في أمر فدك، وقد سبق القول فيه.
ومما طعن به عليه قولهم: كيف يصلح للامامة من يخبر عن نفسه أن له شيطانا يعتريه ومن يحذر الناس نفسه، ومن يقول: " أقيلوني " بعد دخوله في الامامة، مع أنه لا يحل للامام أن يقول: اقيلوني البيعة! أجاب قاضى القضاة فقال: إن شيخنا أبا على قال: لو كان ذلك نقصا فيه لكان قول الله في آدم وحواء:(فوسوس لهما الشيطان)(1)، وقوله:(فأزلهما الشيطان)(2)، وقوله:(وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنبته)(3)، يوجب النقص في الانبياء، وإذا لم يجب ذلك، فكذلك ما وصف به أبو بكر نفسه، وإنما أراد أنه عند الغضب يشفق من المعصية ويحذر منها، ويخاف أن يكون الشيطان يعتريه في تلك الحال فيوسوس إليه، وذلك منه على طريقه الزجر لنفسه عن المعاصي، وقد روى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه ترك مخاصمه الناس في حقوقه إشفاقا من المعصية، وكان يولى ذلك عقيلا، فلما أسن عقيل كان يوليها عبد الله بن جعفر.
فأما ما روى في إقالة البيعة فهو خبر ضعيف، وإن صح فالمراد به التنبيه على أنه لا يبالى لامر يرجع إليه أن يقيله الناس البيعه، وإنما يضرون بذلك انفسهم، وكأنه نبه بذلك
---
(1) سورة الاعراف 20.
(2) سورة البقرة 36.
(3) سورة الحج 52(*).
---

[156]
على أنه غير مكره لهم، وأنه قد خلاهم وما يريدون إلا أن يعرض ما يوجب خلافه.
وقد روى أن أمير المؤمنين عليه السلام أقال عبد الله بن عمر البيعة حين استقاله، والمراد بذلك أنه تركه وما يختار.
اعترض المرتضى رضى الله عنه فقال: أما قول أبى بكر: " وليتكم ولست بخيركم، فإن استقمت فاتبعوني، وإن اعوججت فقوموني، فإن لى شيطانا يعترينى عند غضبى، فإذا رأيتموني مغضبا فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم " فإنه يدل على أنه لا يصلح للامامه من وجهين: أحدهما أن هذا صفة من ليس بمعصوم، ولا يأمن الغلط على نفسه من يحتاج إلى تقويم رعيته له إذا وقع في المعصية، وقد بينا ان الامام لا بد ان يكون معصوما موفقا مسددا، والوجه الاخر أن هذه صفة من لا يملك نفسه، ولا يضبط غضبه ومن هو في نهايه الطيش والحدة والخرق والعجلة.
ولا خلاف أن الامام يجب أن يكون منزها عن هذه الاوصاف، غير حاصل عليها وليس يشبه قول أبى بكر ما تلاه من الايات كلها.
لان أبا بكر خبر عن نفسه بطاعة الشيطان عند الغضب، وأن عادته بذلك جاريه، وليس هذا بمنزلة من يوسوس إليه الشيطان ولا يطيعه، ويزين له القبيح فلا يأتيه، وليس وسوسة الشيطان بعيب على الموسوس له إذا لم يستزله ذلك عن الصواب، بل هو زيادة في التكليف، ووجه يتضاعف معه الثواب وقوله تعالى:(ألقى الشيطان في أمنيته) قيل: معناه في تلاوتة، وقيل: في فكرته، على سبيل الخاطر، وأى الامرين كان، فلا عار في ذلك على النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ولا نقص وإنما العار والنقص على من يطيع الشيطان ويتبع ما يدعو إليه.
وليس لاحد أن يقول: هذا إن سلم لكم في جميع الايات لم يسلم في قوله تعالى:(فأزلهما الشيطان)، لانه قد خبر عن تأثير غوايته ووسوسته بما كان منهما من الفعل.
وذلك أن المعنى الصحيح في هذه الاية أن آدم وحواء كانا مندوبين إلى اجتناب الشجرة وترك التناول منها، ولم يكن ذلك عليهما واجبا
لازما،
---

[157]
لان الانبياء لا يخلون بالواجب، فوسوس لهما الشيطان حتى تناولا من الشجره، فتركا مندوبا إليه، وحرما بذلك أنفسهما الثواب وسماه إزلالا، لانه حط لهما عن درجة الثواب وفعل الافضل، وقوله تعالى في موضع آخر:(وعصى آدم ربه فغوى)(1) لا ينافى هذا المعنى، لان المعصية قد يسمى بها من أخل بالواجب والندب معا.
قوله: " فغوى " أي خاب من حيث لم يستحق الثواب على ما ندب إليه على أن صاحب الكتاب يقول: إن هذه المعصية من آدم كانت صغيرة لا يستحق بها عقابا ولا ذما، فعلى مذهبه أيضا تكون المفارقة بينه وبين أبى بكر ظاهرة، لان أبا بكر خبر عن نفسه ان الشيطان يعتريه حتى يؤثر في الاشعار والابشار، ويأتى ما يستحق به التقويم، فأين هذا من ذنب صغير لا ذم ولا عقاب عليه، وهو يرجى من وجه من الوجوه مجرى المباح، لانه لا يؤثر في أحوال فاعله(2) وحط رتبته، وليس يجوز أن يكون ذلك منه على سبيل الخشية والاشفاق على ما ظن، لان مفهوم خطابه يقتضى خلاف ذلك، ألا ترى أنه قال: " إن لى شيطانا يعترينى " وهذا قول من قد عرف عادته، ولو كان على سبيل الاشفاق والخوف لخرج عن هذا المخرج، ولكان يقول: فإنى آمن من كذا وإنى لمشفق منه.
فأما ترك أمير المؤمنين عليه السلام مخاصمة الناس في حقوقه فكأنه إنما كان تنزها وتكرما وأى نسبة بين ذلك وبين من صرح وشهد على نفسه بما لا يليق بالائمة وأما خبر استقاله البيعه وتضعيف صاحب الكتاب له فهو أبد يضعف ما لا يوافقه من غير حجة يعتمدها في تضعيفه.
وقوله: إنه ما استقال على التحقيق، وإنما نبه على أنه لا يبالى بخروج الامر عنه، وأنه غير مكره لهم عليه فبعيد من الصواب: لان ظاهر قوله " أقيلوني " أمر بالاقالة، وأقل أحواله أن يكون عرضا لها وبذلا، وكلا الامرين قبيح.
ولو أراد ما ظنه لكان له
---
(1) سورة طه 121.
(2) الشافي: " حال فاعله "(*).
---

[158]
في غير هذا القول مندوحة ولكان يقول: إنى ما أكرهتكم ولا حملتكم على مبايعتي وما كنت أبالى ألا يكون هذا الامر في ولا إلى، وإن مفارقته لتسرني لولا ما ألزمنيه الدخول فيه من التمسك به، متى عدلنا عن ظواهر الكلام بلا دليل، جر ذلك علينا ما لا قبل لنا به.
وأما أمير المؤمنين عليه السلام فإنه لم يقل ابن عمر البيعة بعد دخولها فيها وإنما استعفاه من أن يلزمه البيعة ابتداء فأعفاه قلة فكر فيه، وعلما بأن إمامته لا تثبت بمبايعة من يبايعه عليها، فأين هذا من استقاله بيعة قد تقدمت واستقرت(1)! * * *
قلت: أما قول أبى بكر: وليتكم ولست بخيركم " فقد صدق عند كثير من أصحابنا، لان خيرهم على بن أبى طالب عليه السلام، ومن لا يقول بذلك يقول بما قاله الحسن البصري: والله إنه ليعلم أنه خيرهم، ولكن المؤمن يهضم نفسه.
ولم يطعن المرتضى فيه بهذه اللفظة لنطيل القول فيها.
وأما قول المرتضى عنه انه قال: فإن لى شيطانا يعترينى عند غضبى "، فالمشهور في الرواية: " فإن لى شيطانا يعترينى "(2)، قال المفسرون: أراد بالشيطان الغضب وسماه شيطانا على طريق الاستعارة، وكذا ذكره شيخنا أبو الحسين في " الغرر ".
قال معاويه لانسان غضب في حضرته فتكلم بما لا يتكلم بمثله في حضره الخلفاء: أربع على ظلعك(3) أيها الانسان، فانما الغضب شيطان، وأنا لم نقل إلا خيرا.
وقد ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في " كتاب التاريخ الكبير " خطبتى أبى بكر عقيب بيعته بالسقيفة، ونحن نذكرهما نقلا من كتابه، أما الخطبة الاولى فهى:
---
(1) الشافي 415، 416.
(2) أي من غير ذكر لفظ " عند الغضب ".
(3) اربع على نفسك، أي توقف(*).
---

[159]
أما بعد أيها الناس، فانى وليتكم ولست بخيركم، فإن احسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، لان الصدق أمانة، والكذب خيانة الضعيف منكم قوى عندي حتى أريح عليه حقه، والقوى منكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء.
أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم: قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله.
وأما الخطبة الثانية: فهى: أيها الناس إنما أنا مثلكم، وإنى لا أدرى لعلكم ستكلفوننى ما كان رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) يطيقه(1).
إن الله اصطفى محمدا (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) على العالمين، وعصمه من الافات، وإنما أنا متبع ولست بمتبوع، فإن استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني، وإن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) قبض وليس أحد من هذه الامة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها.
ألا وان لى شيطانا يعترينى، فإذا غضبت فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم.
ألا وإنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم ألا يمضى هذا الاجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله.
فسابقوا في مهل آجالكم من قبل ان تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الاعمال، فإن قوما نسوا آجالهم، وجعلوا أعمالهم لغيرهم، فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم.
الجد الجد! الوحا الوحا! فإن وراءكم طالبا حثيثا أجل(2) مره سريع.
احذروا الموت، واعتبروا بالاباء والابناء والاخوان.
ولا تغبطوا الاحياء إلا بما يغبط به الاموات(3).
إن الله لا يقبل من الاعمال إلا ما يراد به وجهه فأريدوا وجه الله بأعمالكم، واعلموا
---
(1) الطبري: " يطيق ".
(2) الطبري: " أجلا ".
(3) إلى هنا في الطبري نهاية الخبة، وما بعدها من خطبة أخرى(*).
---

[160]
أان ما أخلصتم لله من أعمالكم فلطاعة أتيتموها، وحظ ظفرتم به، وضرائب أديتموها، وسلف قدمتموه من إيام فانية لاخرى باقية لحين فقركم وحاجتكم، فاعتبروا عباد الله بمن مات منكم، وتفكروا فيمن كان قبلكم، أين كانوا أمس وأين هم اليوم! أين الجبارون؟ أين الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحرب؟ قد تضعضع بهم الدهر، وصاروا رميما، قد تركت عليهم القالات الخبيثات، وإنما الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات.
وأين الملوك الذين أثاروا الارض وعمروها! قد بعدوا بسيئ ذكرهم، وبقى ذكرهم وصاروا كلا شئ ألا إن الله قد أبقى عليهم التبعات، وقطع عنهم الشهوات ومضوا والاعمال أعمالهم، والدنيا دنيا غيرهم، وبقينا خلفا من بعدهم فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا، وإن اغتررنا كنا مثلهم، أين الوضاء(1) الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم! صاروا ترابا، وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم، أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط، وجعلوا فيها العجائب، وتركوها لمن خلفهم! فتلك مساكنهم خاوية، وهم في ظلم القبور،(هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا)(2).
أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم! قد انتهت بهم آجالهم فوردوا على ما قدموا عليه، وأقاموا للشقوة وللسعادة.
ألا إن الله لا شريك له، ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا، ولا يصرف عنه به شرا إلا بطاعتة واتباع أمره واعلموا أنكم عباد مدينون، وأن ما عنده لا يدر ك إلا بتقواه وعبادته.
ألاو إنه لا خير بخير بعده النار ولا شر بشر بعد الجنة(3).
فهذه خطبتا أبى بكر يوم السقيفة، واليوم الذى يليه، إنما قال: " إن لى شيطانا يعترينى، وأراد بالشيطان الغضب، ولم يرد أن له شيطانا من مردة الجن يعتريه إذا
---
(1) الوضاء: ذووا الوضاءة والحسن.
(2) سورة مريم: 98.
(3) تاريخ الطبري 3: 223، 225(*).
---

[161]
غضب فالزيادة فيما ذكره المرتضى في قوله: " إن لى شيطانا يعترينى عند غضبى "، تحريف لا محالة، ولو كان له شيطان من الجن يعتاده وينوبه لكان في عداد المصروعين من المجانين وما ادعى أحد على أبى بكر هذا لا من اوليائه ولا من اعدائه، وإنما ذكرنا خطبته على طولها والمراد منها كلمة واحدة، لما فيها من الفصاحة والموعظة على عادتنا في الاعتناء بإيداع هذا الكتاب ما كان ذاهبا هذا المذهب، وسالكا هذا السبيل.
فأما قول المرتضى: " فهذه صفه من ليس بمعصوم "، فالامر كذلك والعصمة عندنا ليست شرطا في الامامة ولو لم يدل على عدم اشتراطها، إلا أنه قال على المنبر بحضور الصحابة هذا القول، وأقروه على الامامة - لكفى في عدم كون العصمة شرطا، لانه قد حصل الاجماع على عدم اشتراط ذلك، إذ لو كان شرطا لانكر منكر إمامته كما لو قال: إنى لا أصبر عن شرب الخمر وعن الزنى.
فأما قوله: " هذه صفة طائش لا يملك نفسه "، فلعمري إن أبا بكر كان حديدا، وقد ذكره عمر بذلك، وذكره غيره من الصحابة بالحدة والسرعة ولكن لا بحيث أن تبطل أهليته للامامة، لان الذى يبطل الامامة من ذلك وما يخرج الانسان عن العقل، وأما هو دون ذلك فلا.
وليس قوله: " فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم " محمول على ظاهره، وإنما أراد به المبالغة في وصف القوة الغضبية عنده، وإلا فما سمعنا ولا نقل ناقل من الشيعة ولا من غير الشيعه أن أبا بكر في أيام رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولا في الجاهلية ولا في أيام خلافته احتد على إنسان فقام إليه فضربه بيده ومزق شعره.
فأما ما حكاه قاضى القضاة عن الشيخ أبى على من تشبيه هذه اللفظه بما ورد في القرآن، فهو على تقدير أن يكون أبو بكر عنى الشيطان حقيقه.
وما اعترض به المرتضى ثانية عليه غير لازم، لان الله تعالى قال: فوسوس لهما الشيطان)، وتعقب ذلك قبولهما
---

[162]
وسوسته، وأكلهما من الشجرة فكيف يقول المرتضى: ليس قول أبى بكر بمنزله من وسوس له الشيطان فلم يطعه! وكذلك قوله تعالى في قصة موسى لما قتل القبطى:(هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين)، وكذلك قوله:(فأزلهما الشيطان عنها)، وقوله:(ألقى الشيطان في أمنيته)، وما ذهب إليه المرتضى من التأويلات مبنى على مذهبه في العصمة الكلية، وهو مذهب يحتاج في نصرته إلى تكلف شديد وتعسف عظيم في تأويل الايات، على أنه إذا سلم أن الشيطان ألقى في تلاوة الرسول(صلى الله عليه وآله) ما ليس من القرآن حتى ظنه السامعون كلاما من كلام الرسول، فقد نقض دلاله التنفير المقتضية عنده في العصمة لانه لا تنفير عنده أبلغ من تمكين الله الشيطان أن يخلط كلامه بكلامه، ورسوله يؤديه إلى المكلفين حتى يعتقد السامعون كلهم أن الكلامين كلام واحد.
وأما قوله: إن آدم كان مندوبا إلى ألا يأكل من الشجرة لا محرم عليه أكلها، ولفظة " عصى " إنما المراد بها خالف المندوب(1)، ولفظة " غوى "، إنما المراد " خاب: من حيث لم يستحق الثواب على اعتماد ما ندب إليه، فقول يدفعه ظاهر الاية لان الصيغة صيغة النهي، وهى قوله:(ولا تقربا هذه الشجرة) والنهى عند المرتضى يقتضى التحريم لا محالة، وليس الامر الذى قد يراد به الندب، وقد يراد به الوجوب.
وأما قول شيخنا أبى على: إن كلام أبى بكر خرج مخرج الاشفاق والحذر من المعصية عند الغضب فجيد.
واعتراض المرتضى عليه بأنه ليس ظاهر اللفظ ذاك غير لازم، لان هذه عادة العرب، يعبرون عن الامر بما هو منه بسبب وسبيل، كقولهم: لا تدن من الاسد فيأكلك، فليس أنهم قطعوا على الاكل عند الدنو، وإنما المراد الحذر والخوف والتوقع للاكل عند الدنو.
---
(1) ا: " الندب "(*).
---

[163]
وأما الكلام في قوله: " أقيلوني "، فلو صح الخبر لم يكن فيه مطعن عليه، لانه إنما أراد في اليوم الثاني اختبار حالهم في البيعة التى وقعت في اليوم الاول ليعلم وليه من عدوه منهم، وقد روى جميع أصحاب السير أن أمير المؤمنين خطب في اليوم الثاني من بيعته فقال: أيها الناس، إنكم بايعتموني على السمع والطاعة وأنا أعرض اليوم عليكم ما دعوتموني إليه أمس، فإن أجبتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد.
وليس بجيد قول المرتضى: أنه لو كان يريد العرض والبذل لكان قد قال كذا وكذا.
فإن هذه مضايقة منه شديدة للالفاظ، ولو شرعنا في مثل هذا لفسد أكثر ما يتكلم به الناس.
على أنا لو سلمنا أنه استقالهم البيعة حقيقة، فلم قال المرتضى: إن ذلك لا يجوز؟ أليس يجوز للقاضى أن يستقيل من القضاء بعد توليته(1) إياه، ودخوله فيه! فكذلك يجوز للامام أن يستقيل من الامامة إذا انس من نفسه ضعفا عنها، أو أنس من رعيته نبوة عنه، أو أحس بفساد ينشأ في الارض من جهة ولايته على الناس، ومن يذهب إلى أن الامامة تكون بالاختيار كيف يمنع من جواز استقالة الامام وطلبه إلى الامة أن يختاروا غيره لعذر يعلمه من حال نفسه! وإنما يمنع من ذلك المرتضى وأصحابه القائلون بأن الامامة بالنص، وإن الامام محرم عليه ألا يقوم بالامامة، لانه مأمور بالقيام بها لتعينه خاصة دون كل أحد من المكلفين.
وأصحاب الاختيار يقولون: إذا لم يكن زيد إماما كان عمرو إماما عوضه، لانهم لا يعتبرون الشروط التى يعتبرها الامامية من العصمة، وأنه أفضل أهل عصره وأكثرهم ثوابا وأعلمهم وأشجعهم، وغير ذلك من الشروط التى؟ تقتضي تفرده وتوحده بالامر، على أنه إذا جاز عندهم أن يترك الامام الامامة في الظاهر كما فعله الحسن، وكما فعله غيره من الائمة بعد الحسين(عليه السلام) للتقية جاز للامام
---
(1) كذا في ا ود، وفى ب: " توليه "(*).
---

[164]
على مذهب أصحاب الاختيار أن يترك الامامة ظاهرا وباطنا لعذر يعلمه من حال نفسه أو حال رعيته.
* * *
الطعن الثاني قال قاضى القضاة بعد أن ذكر قول عمر: " كانت بيعة أبى بكر فلتة " - وقد تقدم منا القول في ذلك في أول هذا الكتاب: ومما طعنوا به على(1) أبى بكر أنه قال عند موته: ليتنى كنت سألت رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن ثلاثة، فذكر في أحدها: ليتنى كنت سألته: هل للانصار في هذا الامر حق؟ قالوا، وذلك يدل على شكه في صحه بيعته، وربما قالوا: قد روى أنه قال في مرضه: ليتنى كنت تركت بيت فاطمة لم أكشفه، وليتني في ظلة بنى ساعدة كنت: ضربت على [يد](2) أحد الرجلين فكان هو الامير، وكنت الوزير.
قالوا: وذلك يدل على ما روى من إقدامه على بيت فاطمة(عليها السلام) عند اجتماع على(عليه السلام) والزبير وغيرهما فيه، ويدل على أنه كان يرى الفضل لغيره لا لنفسه.
قال قاضى القضاة: والجواب ان قوله: " ليتنى " لا يدل على الشك فيما تمناه، وقول إبراهيم(عليه السلام):(رب أرنى كيف تحيى الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى)(3) أقوى من ذلك في الشبهة.
ثم حمل تمنيه على أنه أراد سماع شئ مفصل، أو أراد: ليتنى سألته عند الموت، لقرب العهد، لان ما قرب عهد لا ينسى ويكون أردع للانصار على ما حاولوه ثم قال: على أنه ليس في ظاهره أنه تمنى أن
---
(1) ب: " في ".
(2) تكملة من كتاب الشافي.
(3) سورة البقرة 62(*).
---

[165]
يسأل هل لهم حق في الامامة أم لا؟ لان الامامة قد يتعلق بها حقوق سواها.
ثم دفع الرواية المتعلقة ببيت فاطمة(عليه السلام)، وقال: فأما تمنيه أن يبايع غيره، فلو ثبت لم يكن ذما لان من اشتد التكليف عليه فهو يتمنى خلافه(1).
* * *
اعترض المرتضى رحمه الله هذا الكلام فقال: ليس يجوز أن يقول أبو بكر: " ليتنى كنت سألت عن كذا ".
إلا مع الشك والشبهة، لان مع العلم واليقين(2) لا يجوز مثل هذا القول، هكذا يقتضى الظاهر، فأما قول إبراهيم(عليه السلام)، فإنما ساغ أن يعدل ظاهره لان الشك لا يجوز على الانبياء، ويجوز على غيرهم، على أنه(عليه السلام) قد نفى عن نفسه الشك بقوله:(بلى ولكن ليطمئن قلبى)، وقد قيل، إن نمرود قال له: إذا كنت تزعم أن لك ربا يحيى الموتى فاسأله أن يحيى لنا ميتا إن كان على ذلك قادرا، فإن لم تفعل ذلك قتلتك، فأراد بقوله:(ولكن ليطمئن قلبى)، أي لامن توعد عدوك لى بالقتل، وقد يجوز أن يكون طلب ذلك لقومه وقد سألوه أن يرغب إلى الله تعالى فيه فقال: ليطمئن قلبى إلى إجابتك لى، وإلى إزاحه علة قومي، ولم يرد: ليطمئن قلبى إلى أنك تقدر على أن تحيى الموتى، لان قلبه قد كان بذلك مطمئنا، وأى شئ يريد أبو بكر من التفضيل أكثر من قوله: " إن هذا الامر لا يصلح إلا لهذا الحى من قريش "! وأى فرق بين ما يقال عند الموت وبين ما يقال قبله إذا كان محفوظا معلوما، لم ترفع كلمة ولم تنسخ! وبعد، فظاهر الكلام لا يقتضى(3) هذا التخصيص، ونحن مع الاطلاق والظاهر.
وأى حق يجوز أن يكون للانصار في الامامة غير أن يتولاها رجل منهم حتى يجوز أن يكون الحق الذى تمنى أن يسال عنه غير الامامة! وهل هذا إلا تعسف وتكلف!
---
(1) نقله المرتضى في الشافي 419.
(2) الشافي: " التيقن ".
(3) ا: " يقضى "(*).
---

[166]
وأى شبهة تبقى بعد قول أبى بكر: ليتنى كنت سألته: هل للانصار في هذا الامر حق فكنا لا ننازعه أهله؟ ومعلوم أن التنازع لم يقع بينهم إلا في الامامة نفسها، لا في حق آخر من حقوقها.
فأما قوله: إنا قد بينا أنه لم يكن منه في بيت فاطمة ما يوجب أن يتمنى أنه لم يفعله، فقد بينا فساد ما ظنه فيما تقدم.
فأما قوله: إن من اشتد التكليف عليه قد يتمنى خلافه، فليس بصحيح، لان ولاية أبى بكر إذا كانت هي التى اقتضاها الدين، والنظر للمسلمين في تلك الحال وما عداها كان مفسدة ومؤديا إلى الفتنة، فالتمني لخلافها لا يكون إلا قبيحا(1).
* * *
قلت: أما قول قاضى القضاة: إن هذا التمنى لا يقتضى الشك في أن الامامه لا تكون إلا في قريش، كما أن قول إبراهيم:(ولكن ليطمئن قلبى)، لا يقتضى الشك في أنه تعالى قادر على ذلك فجيد.
فأما قول المرتضى: إنما ساغ أن يعدل عن الظاهر في حق إبراهيم لانه نبى معصوم لا يجوز عليه الشك، فيقال له: وكذلك ينبغى أن يعدل عن ظاهر كلام أبى بكر، لانه رجل مسلم عاقل، فحسن الظن به يقتضى صيانة أفعاله وأقواله عن التناقض.
قوله: إن إبراهيم قد نفى عن نفسه الشك بقوله: " بلى ولكن ليطمئن قلبى " قلنا: إن أبا بكر قد نفى عن نفسه الشك بدفع الانصار عن الامامة وإثباتها في قريش خاصة، فإن كانت لفظة " بلى " دافعة لشك إبراهيم الذى يقتضيه قوله:(ولكن ليطمئن قلبى)، ففعل أبى بكر وقوله يوم السقيفة
---
(1) الشافعي 419، وفى د: " إلا نسخا "(*).
---

[167]
يدفع الشك الذى يقتضيه قوله: " ليتنى سألته "، ولا فرق في دفع الشك بين أن يتقدم الدافع أو يتأخر أو يقارن.
ثم يقال للمرتضى: " ألست في هذا الكتاب - وهو " الشافي " بينت(1) أن قصة السقيفة لم يجر فيها ذكر نص عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) بأن الائمة من قريش، وأنه لم يكن هناك إلا احتجاج أبى بكر وعمر بأن قريشا أهل النبي(صلى الله عليه وآله) وعشيرته، وأن العرب لا تطيع غير قريش، وذكرت عن الزهري وغيره أن القول الصادر عن أبى بكر: إن هذا الامر لا يصلح إلا لهذا الحى من قريش، ليس نصا مرويا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وإنما هو قول قاله أبو بكر من تلقاء نفسه، ورويت في ذلك الروايات، ونقلت من الكتب من تاريخ الطبري وغيرة صورة الكلام والجدال الدائر بينه وبين الانصار! فإذا كان هذا قولك فلم تنكر على أبى بكر قوله: ليتنى كنت سألت رسول الله(صلى الله عليه وآله): هل للانصار في هذا الامر حق! لانه لم يسمع النص ولا رواه ولا روى له، وإنما دفع الانصار بنوع من الجدل، فلا جرم بقى في نفسه شئ من ذلك، وقال عند موته: ليتنى كنت سالت رسول الله(صلى الله عليه وآله).
وليس ذلك مما يقتضى شكه في بيعته كما زعم الطاعن، لانه إنما يشك في بيعته لو كان قال قائل أو ذهب ذاهب إلى أن الامامة ليست إلا في الانصار، ولم يقل أحد ذلك، بل النزاع كان في: هل الامامة مقصورة على قريش خاصة، أم هي فوضى بين الناس كلهم؟ وإذا كانت الحال هذه لم يكن شاكا في إمامته وبيعته بقوله: " ليتنى سألت رسول الله(صلى الله عليه وآله): " هل للانصار في هذا حق؟ " لان بيعته على كلا التقديرين تكون صحيحه.
---
(1) في د " أثبت "(*).
---

[168]
فأما قول قاضى القضاة: لعله أراد حقا للانصار غير الامامة نفسها، فليس بجيد، والذى اعترضه به المرتضى جيد، فإن الكلام لا يدل إلا على الامامة نفسها، ولفظة المنازعة تؤكد ذلك.
وأما حديث الهجوم على بيت فاطمه(عليها السلام) فقد تقدم الكلام فيه، والظاهر عندي صحة ما يرويه المرتضى والشيعة، ولكن لا كل ما يزعمونه، بل كان بعض ذلك، وحق لابي بكر أن يندم ويتأسف على ذلك، وهذا يدل على قوة دينه وخوفه من الله تعالى، فهو بأن يكون منقبة(1) له أولى من كونه طعنا عليه.
فأما قول قاضى القضاة: أن من اشتد التكليف عليه فقد يتمنى خلافه واعتراض المرتضى عليه، فكلام قاضى القضاة أصح وأصوب، لان أبا بكر - وإن كانت ولايته - مصلحة وولاية غير مفسدة - فإنه ما يتمنى أن يكون الامام غيره، مع استلزام ذلك للمفسدة، بل تمنى أن يلى الامر غيره وتكون المصلحة بحالها، ألا ترى أن خصال الكفارة في اليمين كل واحدة منها مصلحة وما عداها لا يقوم مقامها في المصلحة، وأحدها يقوم مقام الاخرى في المصلحة! فأبو بكر تمنى أن يلى الامر عمر أو أبو عبيدة بشرط أن تكون المصلحة الدينيه التى تحصل من بيعته حاصلة من بيعة كل واحد من الاخرين.
* * *
الطعن الثالث قالوا: إنه ولى عمر الخلافه، ولم يوله رسول الله(صلى الله عليه وآله) شيئا
---
(1) منقبة، أي مفخرة(*).
---

[169]
من أعماله البته إلا ما ولاه يوم خيبر، فرجع منهزما وولاه الصدقة، فلما شكاه العباس عزله.
أجاب قاضى القضاة بأن تركه(عليه السلام) أن يوليه لا يدل على أنه لا يصلح لذلك، وتوليته أياه لا يدل على صلاحيته للامامة، فإنه(صلى الله عليه وآله) قد ولى خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، ولم يدل ذلك على صلاحيتهما للامامة وكذلك تركه أن يولى لا يدل على أنه غير صالح، بل المعتبر بالصفات التى تصلح للامامة، فإذا كملت صلح لذلك، ولى من قبل أو لم يول، وقد ثبت أن النبي(صلى الله عليه وآله) ترك أن يولى أمير المؤمنين(عليه السلام) أمورا كثيره ولم يجب إلا من يصلح لها، وثبت أن أمير المؤمنين(عليه السلام) لم يول الحسين(عليه السلام) ابنه، ولم يمنع ذلك من أن يصلح للامامة، وحكى عن أبى على أن ذلك إنما كان يصح أن يتعلق به لو ظفروا بتقصير من عمر فيما تولاه، فأما وأحواله معروفة في قيامه بالامر حين يعجز غيره، فكيف يصح ما قالوه! وبعد فهلا دل ما روى من قوله: وإن تولوا عمر تجدوه قويا في أمر الله، قويا في بدنه على جواز ذلك! وإن ترك النبي(صلى الله عليه وآله) توليته، لان هذا القول اقوى من الفعل(1).
اعترض المرتضى رحمه الله فقال: قد علمنا بالعادة أن من ترشح لكبار الامور لابد من أن يدرج إليها بصغارها، لان من يريد بعض الملوك تأهيله للامر من بعده لابد من أن ينبه عليه بكل قول وفعل يدل على ترشيحه لهذه المنزلة، ويستكفيه من أمور ولاياته(2) ما يعلم عنده أو يغلب على ظنه صلاحه لما يريده له.
وإن من يرى الملك مع حضوره وامتداد الزمان وتطاوله لا يستكفيه شيئا من الولايات، ومتى ولاه عزله وإنما يولى غيره ويستكفى سواه، لابد أن يغلب في الظن أنه ليس بأهل للولاية، وإن جوزنا أنه لم يوله لاسباب كثيرة سوى أنه لا يصلح للولاية، إلا أن مع هذا التجويز لا بد أن
---
(1) نقله المرتضى في الشافي 419.
(2) الشافي: من أموره وولاياته "(*).
---

[170]
يغلب على الظن بما ذكرناه.
فأما خالد وعمرو فإنما لم يصلحا للامامة لفقد شروط الامامة فيهما، وإن كانا يصلحان لما ولياه من الامارة فترك الولاية مع امتداد الزمان وتطاول الايام، وجميع الشروط التى ذكرناها تقتضي غلبه الظن لفقد الصلاح والولاية لشئ(1) لا تدل على الصلاح لغيره إذا كانت الشرائط في القيام بذلك الغير معلوما فقدها.
وقد نجد الملك يولى بعض أموره من لا يصلح للملك بعده لظهور فقد الشرائط فيه، ولا يجوز أن يكون بحضرته من يرشحه للملك بعده، ثم لا يوليه على تطاول الزمان شيئا من الولايات فبان الفرق بين الولاية وتركها فيما ذكرناه.
فأما أمير المؤمنين(عليه السلام) وإن يتول جميع أمور النبي(صلى الله عليه وآله) في حياته، فقد تولى أكثرها وأعظمها وخلفه في المدينة، وكان الامير على الجيش المبعوث إلى خيبر، وجرى الفتح على يديه بعد انهزام من انهزم منها، وكان المؤدى عنه سورة براءة بعد عزل من عزل عنها وارتجاعها، منه، إلى غير ذلك من عظيم الولايات والمقامات بما يطول شرحه ولو لم يكن إلا أنه لم يول عليه واليا قط لكفى.
فأما اعتراضه بأن أمير المؤمنين(عليه السلام) لم يول الحسين فبعيد عن الصواب، لان أيام أمير المؤمنين(عليه السلام) لم تطل فيتمكن فيها من مراداته، وكانت على قصرها منقسمة بين قتال الاعداء، لانه(عليه السلام) لما بويع لم يلبث أن خرج عليه أهل البصره فاحتاج إلى قتالهم، ثم انكفأ من قتالهم إلى قتال أهل الشام، وتعقب ذلك قتال أهل النهروان، ولم تستقر به الدار ولا امتد به الزمان، وهذا بخلاف أيام النبي(صلى الله عليه وآله) التى تطاولت وامتدت، على أنه قد نص عليه بالامامة بعد أخيه الحسن، وإنما تطلب الولايات لغلبة الظن بالصلاح للامامة.
فإن كان هناك وجه يقتضى العلم بالصلاح لها كان أولى من طريق
الظن، على أنه
---
(1) الكافي للشئ(*).
---

[171]
لا خلاف بين المسلمين أن الحسين(عليه السلام) كان يصلح للامامة وإن لم يوله أبوه الولايات، وفي مثل ذلك خلاف من حال عمر، فافترق الامران.
فاما قوله: إنه لم يعثر على عمر بتقصير في الولاية، فمن سلم بذلك! أو ليس يعلم أن مخالفته تعد تقصرا كثيرا، ولو لم يكن إلا ما اتفق عليه من خطئه في الاحكام ورجوعه من قول إلى غيره، واستفتائه الناس في الصغير والكبير، وقوله كل الناس أفقه من عمر، لكان فيه كفاية.
وليس كل النهوض بالامامة يرجع إلى حسن التدبير والسياسة الدنياوية ورم الاعمال والاستظهار في جباية الاموال وتمصير الامصار ووضع الاعشار، بل حظ الامامة من العلم بالاحكام والفتيا بالحلال والحرام، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه أقوى، فمن قصر في هذا لم ينفعه أن يكون كاملا في ذلك.
فأما قوله: فهلا دل ما روى من قوله(عليه السلام): " فان وليتم عمر وجدتموه قويا في أمر الله قويا في بدنه "، فهذا لو ثبت لدل، وقد تقدم القول(1) عليه، وأقوى ما يبطله عدول أبى بكر عن ذكره، والاحتجاج به لما أراد النص على عمر، فعوتب على ذلك وقيل له ما تقول لربك إذ وليت علينا فظا غليظا! فلو كان صحيحا لكان يحتج به ويقول: وليت عليكم من شهد النبي(صلى الله عليه وآله) بأنه قوى في أمر الله، قوى في بدنه.
وقد قيل في الطعن على صحة هذا الخبر: إن ظاهره يقتضى تفضيل عمر على أبى بكر، والاجماع بخلاف ذلك، لان القوة في الجسم فضل قال الله تعالى:(إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم)(2).
وبعد فكيف يعارض ما اعتمدناه من عدوله(عليه السلام) عن ولايته - وهو أمر معلوم - بهذا الخبر المردود المدفوع!.
قلت: أما ما ادعاه من عادة الملوك، فالامر بخلافه، فإنا قد وقفنا على سير الاكاسرة وملوك الروم وغيرهم فما سمعنا أن أحدا منهم رشح ولده
---
(1) في د " الكلام "(*).
---

[172]
للملك بعده باستعماله على طرف من الاطراف، ولا جيش من الجيوش، وإنما كانوا يثقفونهم بالاداب والفروسية في مقار ملكهم لا غير والحال في ملوك الاسلام كذلك، فقد سمعنا بالدولة الاموية، ورأينا الدولة العباسية، فلم نعرف الدولة التى ادعاها المرتضى، وإنما قد يقع في الاقل النادر شئ مما أشار إليه، والاغلب الاكثر خلاف ذلك، على أن أصحابنا لا يقولون إن عمر كان مرشحا للخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ليقال لهم: فلو كان قد رشحه للخلافة بعده لاستكفاه كثيرا من أموره، وإنما عمر مرشح عندهم في أيام أبى بكر للخلافة بعد أبى بكر، وقد كان أبو بكر استعمله على القضاء مدة خلافته، بل كان هو الخليفة في المعنى، لانه فوض إليه أكثر التدبير، فعلى هذا يكون قد سلمنا أن ترك استعمال النبي(صلى الله عليه وآله) لعمر يدل على أنه غير مرشح في نظره للخلافة بعده، وكذلك نقول: ولا يلزم من ذلك ألا يكون خليفه بعد أبى بكر، على أنا لا نسلم أنه ما استعمله، فقد ذكر الواقدي وابن اسحاق أنه بعثه في سرية في سنة سبع من الهجرة إلى الوادي المعروف ببرمة - بضم الباء وفتح الراء - وبها جمع من هوازن، فخرج ومعه دليل من بنى هلال، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار، وأتى الخبر هوازن فهربوا، وجاء عمر محالهم، فلم يلق منهم أحدا، فانصرف إلى المدينة.
ثم يعارض المرتضى بما ذكره قاضى القضاة من ترك تولية على ابنه الحسين(عليهما السلام)، وقوله في العذر عن ذلك: إن عليا(عليه السلام) كان ممنوا بحرب البغاة والخوارج لا يدفع المعارضة، لان تلك الايام التى هي أيام حروبه مع هؤلاء هي الايام التى كان ينبغى أن يولى الحسين(عليه السلام) بعض الامور فيها، كاستعماله على جيش ينفذه سرية إلى بعض الجهات، واستعماله على الكوفة بعد خروجه منها إلى حرب صفين، أو استعماله على القضاء،
---

[173]
وليس اشتغاله بالحرب بمانع له عن ولايه ولده، وقد كان مشتغلا بالحرب، وهو يولى بنى عمه العباس الولايات والبلاد الجليلة فأما قوله: على أنه قد نص عليه بالامامة بعد أخيه الحسن، فهذا يغنى عن توليته شيئا من الاعمال، فلقائل أن يمنع ما ذكره من حديث النص، فإنه أمر تنفرد به الشيعة وأكثر أرباب السير والتواريخ لا يذكرون أن أمير المؤمنين(عليه السلام) نص على أحد.
ثم إن ساغ له ذلك ساغ لقاضي القضاة ان يقول: إن قول النبي(صلى الله عليه وآله): " اقتدوا باللذين من بعدى: أبى بكر وعمر " يغنى عن تولية عمر شيئا من الولايات، لان هذا القول آكد من الولاية في ترشحه للخلافة.
فأما قوله: على أنه لا خلاف بين المسلمين في صلاحية الحسين للخلافة وإن لم يوله أبوه الولايات، وفى عمر خلاف ظاهر بين المسلمين، فلقائل أن يقول له: إجماع المسلمين على صلاحية الحسين للخلافه لا يدفع المعارضة، بل يؤكدها، لانه إذا كان المسلمون قد أجمعوا على صلاحيته للخلافة ولم يكن ترك توليه أبيه إياه الولايات قادحا في صلاحيته لها بعده، جاز أيضا أن يكون ترك تولية رسول الله(صلى الله عليه وآله) عمر الولايات في حياته غير قادح في صلاحيته للخلافه بعده.
ثم ما ذكره من تقصير عمر في الخلافة بطريق اختلاف أحكامه، ورجوعه إلى فتاوى العلماء، فقد ذكرنا ذلك فيما تقدم لما تكلمنا في مطاعن الشيعة على عمر وأجبنا عنه.
واما قوله: لا يغنى حسن التدبير والسياسة ورم الامور، مر القصور في الفقه، فأصحابنا يذهبون إلى أنه إذا تساوى اثنان في خصال الامامة إلا أنه كان أحدهما اعلم والاخر:
---

[174]
أسوس، فإن الاسوس أولى بالامامة، لان حاجه الامامة إلى السياسة وحسن التدبير آكد من حاجتها إلى العلم والفقه.
وأما الخبر المروى في عمر - وهو قوله: وإن تولوها عمر - فيجوز ألا يكون أبو بكر سمعه من رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ويكون الراوى له غيره، ويجوز أن يكون سمعه وشذ عنه أن يحتج به على طلحة لما أنكر استخلاف عمر، ويجوز ألا يكون شذ عنه وترك الاحتجاج به استغناء عنه لعلمه أن طلحة لا يعتد بقوله عند الناس إذا عارض قوله.
ولعله كنى عن هذا النص بقوله: إذا سألني ربى قلت له: استخلفت عليهم خير أهلك، على أنا متى فتحنا باب " هلا احتج فلان بكذا " جر علينا ما لا قبل لنا به.
وقيل هلا احتج على(عليه السلام) على طلحة وعائشة والزبير بقول رسول الله(صلى الله عليه وآله): " من كنت مولاه فهذا على مولاه "، وهلا احتج عليهم بقوله: " أنت منى بمنزلة هارون من موسى "، ولا يمكن الشيعة أن يعتذروا هاهنا بالتقية، لان السيوف كانت قد سلت من الفريقين، ولم يكن مقام تقية.
وأما قوله: هذا الخبر لو صح لاقتضى أن يكون عمر أفضل من أبى بكر، وهو خلاف إجماع المسلمين، فلقائل أن يقول لم قلت إن المسلمين أجمعوا على أن أبا بكر أفضل من عمر، مع أن كتب الكلام والتصانيف المصنفة في المقالات مشحونة بذكر الفرقة العمريه، وهم القائلون إن عمر أفضل من أبى بكر، وهى طائفة عظيمة من المسلمين، يقال: إن عبد الله بن مسعود منهم، وقد رأيت أن جماعة من الفقهاء يذهبون إلى هذا، ويناظرون عليه، على أنه لا يدل الخبر على ما ذكره المرتضى، لانه وإن كان عمر أفضل منه باعتبار قوة البدن، فلا يدل على أنه أفضل منه مطلقا، فمن الجائز أن يكون بإزاء هذه الخصلة خصال كثيرة في أبى بكر من خصال الخير يفضل بها على عمر،
---

[175]
ألا ترى أنا نقول: أبو دجانه أفضل من أبى بكر بجهاده بالسيف في مقام الحرب، ولا يلزم من ذلك أن يكون أفضل منه مطلقا، لان في أبى بكر من خصال الفضل ما إذا قيس بهذه الخصلة أربى عليها أضعافا مضاعفه.
* * *
الطعن الرابع قالوا: إن أبا بكر كان في جيش أسامة، وإن رسول الله(صلى الله عليه وآله) كرر حين موته الامر بتنفيذ جيش أسامة، فتأخره يقتضى مخالفة الرسول(صلى الله عليه وآله)، فإن قلتم: إنه لم يكن في الجيش، قيل لكم: لا شك أن عمر بن الخطاب كان في الجيش، وأنه حبسه ومنعه من النفوذ مع القوم، وهذا كالاول في أنه معصية، وربما قالوا: إنه(صلى الله عليه وآله) جعل هؤلاء القوم في جيش أسامه ليبعدوا بعد وفاته عن المدينة، فلا يقع منهم توثب على الامامة، ولذلك لم يجعل أمير المؤمنين(عليه السلام) في ذلك الجيش، وجعل فيه أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وذلك من أوكد الدلالة على أنه لم يرد أن يختاروا للامامة(1).
أجاب قاضى القضاة بأن أنكر أولا أن يكون أبو بكر في جيش أسامة، وأحال على كتب المغازى، ثم سلم ذلك وقال: إن الامر لا يقتضى الفور، فلا يلزم من تأخر أبى بكر عن النفوذ أن يكون عاصيا.
ثم قال: إن خطابه(صلى الله عليه وآله) بتنفيذ الجيش يجب أن يكون متوجها إلى القائم بعده، لانه من خطاب الائمة وهذا يقتضى ألا يدخل المخاطب بالتنفيذ في الجملة: ثم قال، وهذا يدل على أنه لم يكن هناك إمام منصوص عليه، لانه لو كان لاقبل بالخطاب عليه، وخصه بالامر بالتنفيذ دون الجميع.
---
(1) الشافي 42.
---

[176]
ثم ذكر أن أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) لابد أن يكون مشروطا بالمصلحة وبأن لا يعرض ما هو أهم منه، لانه لا يجوز أن يأمرهم بالنفوذ، وإن أعقب ضررا في الدين، ثم قوى ذلك بأنه لم ينكر على أسامة تأخره، وقوله: " لم أكن لاسأل عنك الركب "، ثم قال: لو كان الامام منصوصا عليه لجاز أن يسترد جيش أسامة أو بعضه لنصرته، وكذلك إذا كان بالاختيار، ثم حكى عن الشيخ أبى على استدلاله على أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة بأنه ولاه الصلاة في مرضه، مع تكريره أمر الجيش بالنفوذ والخروج.
ثم ذكر أن الرسول(صلى الله عليه وآله) إنما يأمر بما يتعلق بمصالح الدنيا من الحروب ونحوها عن اجتهاده، وليس بواجب أن يكون ذلك عن وحى، كما يجب في الاحكام الشرعية، وأن اجتهاده يجوز أن يخالف بعد وفاته، وإن لم يجز في حياته، لان اجتهاده في الحياة أولى من اجتهاد غيره، ثم ذكر أن العلة في احتباس عمر عن الجيش حاجة أبى بكر إليه، وقيامه بما لا يقوم به غيره، وأن ذلك أحوط للدين من نفوذه.
ثم ذكر أن أمير المؤمنين(عليه السلام) حارب معاوية بأمر الله تعالى وأمر رسوله، ومع هذا فقد ترك محاربته في بعض الاوقات، ولم يجب بذلك ألا يكون متمثلا للامر.
وذكر توليته(عليه السلام) أبا موسى، وتولية الرسول(صلى الله عليه وآله) خالد بن الوليد مع ما جرى(1) منهما وأن ذلك يقتضى الشرط.
ثم ذكر أن من يصلح للامامة ممن ضمه جيش أسامة يجب تأخيره ليختار للامامة أحدهم، فإن ذلك أهم من نفوذهم، فإذا جاز لهذه العلة التأخير قبل العقد جاز التأخير بعده للمعاضدة وغيرها، وطعن في قول من جعل إن إخراجهم في الجيش على جهة الابعاد لهم عن المدينة بأن قال: إن بعدهم عن المدينة لا يمنع من أن يختاروا للامامة،
---
(1) في د " ظهر ".
---

[177]
ولانه(عليه السلام) لم يكن قاطعا على موته لا محالة، يرد: نفذوا جيش أسامة في حياتي.
ثم ذكر أن ولاية أسامة عليهما لا تقتضي فضله وأنهما دونه، وذكر ولاية عمرو بن العاص عليهما وإن لم يكونا دونه في الفضل، وأن أحدا لم يفضل أسامة عليهما.
ثم ذكر أن السبب في كون عمر من جملة جيش أسامة أن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى قال عند ولاية أسامة: تولى علينا شاب حدث ونحن مشيخة قريش! فقال عمر: يا رسول الله، مرنى حتى أضرب عنقه، فقد طعن في تأميرك إياه، ثم قال: أنا أخرج في جيش أسامة تواضعا وتعظيما لامره(عليه السلام).
اعترض المرتضى هذه الاجوبة، فقال: أما كون أبى بكر في جملة جيش أسامة فظاهر، قد ذكره أصحاب السير والتواريخ، وقد روى البلاذرى في تاريخه وهو معروف بالثقة والضبط وبرئ من ممالاة الشيعة ومقاربتها، أن أبا بكر وعمر معا كانا في جيش أسامة والانكار لما يجرى هذا المجرى لا يغنى شيئا، وقد كان يجب على من أحال بذلك على كتب المغازى في الجملة أن يومئ إلى الكتاب المتضمن لذلك بعينه ليرجع إليه، فأما خطابة(عليه السلام) بالتنفيذ للجيش فالمقصود به الفور دون التراخي، إما من حيث مقتضى الامر على مذهب من يرى ذلك لغة، وإما شرعا من حيث وجدنا جميع الامة من لدن الصحابة إلى هذا الوقت يحملون أو امره على الفور(1)، ويطلبون في تراخيها الادلة.
ثم لو لم يثبت كل ذلك لكان قول أسامة: لم أكن لاسال عنك الركب، أوضح دليل على أنه عقل من الامر الفور، لان سؤال الركب عنه(عليه السلام) بعد وفاته لا معنى له.
---
(1) الشافي: " من حيث دل دليل الشرع عليه ".
---

[178]
وأما قول صاحب الكتاب: إنه لم ينكر على أسامة تأخره فليس بشئ، وأى إنكار أبلغ من تكراره الامر، وترداده القول في حال يشغل عن المهم، ويقطع الفكر إلا فيها! وقد كرر الامر على المأمور تارة بتكرار الامر، وأخرى بغيره.
وإذا سلمنا أن أمره(عليه السلام) كان متوجها إلى القائم بعده بالامر لتنفيذ الجيش بعد الوفاة لم يلزم ما ذكره من خروج المخاطب بالتنفيذ عن الجملة، كيف يصح ذلك وهو من جملة الجيش، والامر متضمن تنفيذ الجيش! فلابد من نفوذ كل من كان في جملته، لان تأخر بعضهم يسلب النافذين اسم الجيش على الاطلاق.
أو ليس من مذهب صاحب الكتاب أن الامر بالشئ أمر بما لا يتم إلا معه! وقد اعتمد على هذا في مواضع كثيره فإن كان خروج الجيش ونفوذه لا يتم إلا بخروج أبى بكر، فالامر بخروج الجيش أمر لابي بكر بالنفوذ والخروج، وكذلك لو أقبل عليه على سبيل التخصيص، وقال: نفذوا جيش أسامة، وكان هو من جمله الجيش، فلا بد أن يكون ذلك أمرا له بالخروج.
واستدلاله على أنه لم يكن هناك إمام منصوص عليه بعموم الامر بالتنفيذ، ليس بصحيح، لانا قد بينا أن الخطاب إنما توجه إلى الحاضرين، ولم يتوجه إلى الامام بعده، على أن هذا لازم له، لان الامام بعده لا يكون إلا واحدا، فلم عمم الخطاب ولم يفرد به الواحد فيقول: لينفذ القائم من بعدى بالامر جيش أسامة، فإن الحال لا يختلف في كون الامام بعده واحدا بين أن يكون منصوصا عليه أو مختارا.
وأما ما ادعاه أن الشرط(1) في أمره(عليه السلام) لهم بالنفوذ فباطل، لان إطلاق الامر يمنع من إثبات الشرط، وإنما يثبت من الشروط ما يقتضى الدليل إثباته من التمكن والقدرة، لان ذلك شرط ثابت في كل أمر ورد من حكيم، والمصلحة بخلاف ذلك، لان الحكيم لا يأمر بشرط المصلحة، بل إطلاق الامر منه يقتضى ثبوت المصلحة وانتفاء المفسدة وليس كذلك التمكن، وما يجرى مجراه، ولهذا لا يشترط
---
(1) في د " وأما ادعاؤه الشرط ".
---

[179]
أحد في أوامر الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله) بالشرائع المصلحة وانتفاء المفسدة.
وشرطوا في ذلك التمكن ورفع التعذر، ولو كان الامام منصوصا عليه بعينه واسمه لما جاز أن يسترد جيش أسامه، بخلاف ما ظنه، ولا يعزل من ولاه(عليه السلام) ولا يولى من عزله للعلة التى ذكرناها.
فأما استدلال أبى على على أن أبا بكر لم يكن في الجيش بحديث الصلاة، فأول ما فيه أنه اعتراف بأن الامر بتنفيذ الجيش كان في الحياة دون بعد الوفاة، وهذا ناقض لما بنى صاحب الكتاب عليه أمره(عليه السلام).
ثم إنا قد بينا أنه(عليه السلام) لم يوله الصلاة وذكرنا ما في ذلك.
ثم ما المانع من أن يوليه تلك الصلاة إن كان ولاه إياها ثم يأمره بالنفوذ من بعد مع الجيش! فإن الامر بالصلاة في تلك الحال لا يقتضى أمره بها على التأبيد.
وأما ادعاؤه أن النبي(صلى الله عليه وآله) يأمر بالحروب وما يتصل بها عن اجتهاد دون الوحى، فمعاذ الله أن يكون صحيحا، لان حروبه(عليه السلام) لم تكن مما يختص بمصالح أمور الدنيا، بل للدين فيها أقوى تعلق، لما يعود على الاسلام وأهله بفتوحه من العز والقوة وعلو الكلمة.
وليس يجرى ذلك مجرى أكله وشربه ونومه، لان ذلك لا تعلق له بالدين، فيجوز أن يكون عن رأيه، ولو جاز أن تكون مغازيه وبعوثه مع التعلق القوى لها بالدين عن اجتهاد لجاز ذلك في الاحكام.
ثم لو كان ذلك عن اجتهاد لما ساغت مخالفته فيه بعد وفاته، كما لا تسوغ في حياته.
فكل علة تمنع من أحد الامرين هي مانعة من الاخر.
فأما الاعتذار له عن حبس عمر عن الجيش بما ذكره فباطل، لانا قد قلنا إن ما يأمر به(عليه السلام) لا يسوغ مخالفته مع الامكان، ولا مراعاة لما عساه يعرض فيه من رأى غيره، وأى حاجة إلى عمر بعد تمام العقد، واستقراره ورضا الامة به، على طريق(1) المخالف وإجماعها عليه، ولم يكن
---
(1) في د: " مذهب ".
---

[180]
هناك فتنة ولا تنازع ولا اختلاف يحتاج فيه إلى مشاورته وتدبيره! وكل هذا تعلل باطل.
فأما محاربة أمير المؤمنين(عليه السلام) معاوية فإنما كان مأمورا بها مع التمكن ووجود الانصار، وقد فعل(عليه السلام) من ذلك ما وجب عليه لما تمكن منه، فأما مع التعذر وفقد الانصار فما كان مأمورا بها.
وليس كذلك القول في جيش أسامة، لان تأخر من تأخر عنه كان مع القدرة التمكن.
فأما تولية أبى موسى فلا ندرى كيف يشبه ما نحن فيه، لانه إنما ولاه بأن يرجع إلى كتاب الله تعالى فيحكم وفى خصمه بما يقتضيه، وأبو موسى فعل خلاف ما جعل إليه، فلم يكن ممتثلا لامر من ولاه، وكذلك خالد ابن الوليد إنما خالف ما أمره به الرسول(صلى الله عليه وآله) فتبرأ من فعله، وكل هذا لا يشبه أمره(عليه السلام) بتنفيذ جيش أسامة أمرا مطلقا، وتأكيده ذلك وتكراره له، فأما جيش أسامه فإنه لم يضم من يصلح للامامة، فيجوز تأخرهم ليختار أحدهم على ما ظنه صاحب الكتاب.
على أن ذلك لو صح أيضا لم يكن عذرا في التأخر: لان من خرج في الجيش يمكن أن يختار وإن كان بعيدا، ولا يمنع بعده من صحة الاختيار، وقد صرح صاحب الكتاب بذلك.
ثم لو صح هذا العذر لكان عذرا في التأخر قبل العقد، فأما بعد إبرامه فلا عذر فيه، والمعاضدة التى ادعاها قد بينا ما فيها.
فأما ادعاء(1) صاحب الكتاب رادا على من جعل إخراج القوم في الجيش ليتم أمر النص أن من أبعدهم لا يمنع أن يختاروا للامامة فيدل على أنه لم يتبين معنى هذا الطعن على حقيقته، لان الطاعن به لا يقول إنه أبعدهم لئلا يختاروا للامامة، وإنما يقول: إنه أبعدهم حتى ينتصب بعده في الارض من نص عليه، ولا يكون هناك من ينازعه ويخالفه.
---
(1).
ف د: " قول ".
---

[181]
وأما قوله: لم يكن قاطعا على موته فلا يضر تسليمه، أليس كان مشفقا وخائفا! وعلى الخائف أن يتحرز ممن يخاف منه، فأما قوله: فإنه لم يرد نفذوا الجيش في حياتي فقد بينا ما فيه.
فأما ولاية أسامة على من ولى عليه فلا بد من اقتضائها لفضله على الجماعة فيما كان واليا فيه، وقد دللنا فيما تقدم من الكتاب على أن ولاية المفضول على الفاضل فيما كان أفضل منه فيه قبيحة، فكذلك القول في ولاية عمرو بن العاص عليهما فيما تقدم، والقول في الامرين واحد.
وقوله: إن أحدا لم يدع فضل أسامة على أبى بكر وعمر، فليس الامر على ما ظنه، لان من ذهب إلى فساد إمامة المفضول لا بد من أن يفضل أسامة عليهما فيما كان واليا فيه، فأما ادعاؤه ما ذكره من السبب في دخول عمر في الجيش فما نعرفه، ولا وقفنا عليه إلا من كتابه، ثم لو صح لم يغن شيئا، لان عمر لو كان أفضل من أسامة لمنعه الرسول(صلى الله عليه وآله) من الدخول في إمارته والمسير تحت لوائه، والتواضع لا يقتضى فعل القبيح(1).
* * *
قلت: إن الكلام في هذا الفصل قد تشعب شعبا كثيرة، والمرتضى رحمه الله لا يورد كلام قاضى القضاة بنصه، وإنما يختصره ويورده مبتورا، ويومئ إلى المعاني إيماء لطيفا، وغرضه الايجاز، ولو أورد كلام قاضى القضاة بنصه لكان أليق، وكان أبعد عن الظنة، وأدفع لقول قائل من خصومه: إنه يحرف كلام قاضى القضاة ويذكر على غير وجه، ألا ترى أن من نصب نفسه لاختصار كلام فقد ضمن على نفسه أنه قد فهم معاني ذلك الكلام حتى يصح منه اختصاره، ومن الجائز أن يظن أنه قد فهم
---
(1) الشافي 420، 421.
---

[182]
بعض المواضع ولم يكن قد فهمه على الحقيقة، فيختصر ما في نفسه لا ما في تصنيف ذلك الشخص، وأما من يورد كلام الناس بنصه فقد استراح من هذه التبعة، وعرض عقل غيره وعقل نفسه على الناظرين والسامعين.
ثم نقول: إن هذا الفصل ينقسم أقساما: منها قول قاضى القضاة: لا نسلم أن أبا بكر كان في جيش أسامة.
وأما قول المرتضى: إنه قد ذكره أرباب السير والتواريخ، وقوله: إن البلاذرى ذكره في تاريخه، وقوله: هلا عين قاضى القضاة الكتاب الذى ذكر أنه يتضمن عدم كون أبى بكر في ذلك الجيش! فإن الامر عندي في هذا الموضع مشتبه والتواريخ مختلفة في هذه القضية(1)، فمنهم من يقول: إن أبا بكر كان في جمله الجيش، ومنهم من يقول: إنه لم يكن، وما أشار إليه قاضى القضاة بقوله في كتب المغازى لا ينتهى إلى أمر صحيح، ولم يكن ممن يستحل القول بالباطل في دينه ولا في رئاسته.
ذكر الواقدي في كتاب المغازى أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة، وإنما كان عمر، وأبو عبيدة وسعد بن أبى وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وقتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم، ورجال كثير من المهاجرين، والانصار، قال: وكان المنكر لامارة أسامة عياش بن أبى ربيعه.
وغير الواقدي يقول: عبد الله بن عياش، وقد قيل: عبد الله بن أبى ربيعة أخو عياش.
وقال الواقدي: وجاء عمر بن الخطاب فودع رسول الله(صلى الله عليه وآله) ليسير مع أسامة.
وقال: وجاء أبو بكر فقال: يا رسول الله، أصبحت مفيقا بحمد الله، واليوم يوم ابنه خارجة، فإذن لى، فأذن له، فذهب إلى منزله بالسنح(2) وسار أسامة في العسكر، وهذا تصريح بأن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة.
---
(1) في د: " القصة ".
(2) السنح: إحدي محال المدينة، وكان بها منزل أبى بكر حين تزوج مليكة، وقيل حبيبة بنت خارجة(ياقوت).
(*).
---

[183]
وذكر موسى بن عقبة في كتاب " المغازى " أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة وكثير من المحدثين يقولون: بل كان في جيشه.
فأما أبو جعفر محمد بن جرير الطبري فلم يذكر أنه كان في جيش أسامة إلا عمر.
وقال أبو جعفر: حدثنى السدى بإسناد ذكره أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ضرب قبل وفاته بعثا على أهل المدينة ومن حولهم وفيهم عمر بن الخطاب، وأمر عليهم أسامة ابن زيد، فلم يجاوز آخرهم الخندق حتى قبض رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فوقف أسامة بالناس ثم قال لعمر: أرجع إلى خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله) فاستأذنه يأذن لى أرجع بالناس، فإن معى وجوه الصحابة، ولا آمن على خليفه رسول الله(صلى الله عليه وآله) وثقل رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأثقال المسلمين أن يتخطفهم المشركون حول المدينة، وقالت الانصار لعمر سرا: فإن أبى إلا أن يمضى فأبلغه عنا، واطلب إليه أن يولى امرنا رجلا أقدم سنا من أسامة، فخرج عمر بأمر أسامة فأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة، فقال أبو بكر: لو تخطفتني الكلاب والذئاب لم أرد قضاء قضى به رسول الله(صلى الله عليه وآله).
قال: فإن الانصار أمروني أن ابلغك أنهم يطلبون إليك أن تولى أمرهم رجلا أقدم سنا من أسامة، فوثب أبو بكر - وكان جالسا - فأخذ بلحية عمر وقال: ثكلتك أمك يابن الخطاب! أيستعمله رسول الله(صلى الله عليه وآله) وتأمرني أن أنزعه! فخرج عمر إلى الناس، فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم! ما لقيت في سبيلكم اليوم من خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله)! ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم فأشخصهم(1) وسبيلكم اليوم من خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله)! ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم فأشخصهم(1) وشيعهم، وهو ماش وأسامة راكب، وعبد الرحمن ابن عوف يقود دابة أبى بكر، فقال له أسامة بن زيد: يا خليفة رسول الله، لتركبن أو لانزلن، فقال: والله لا تنزل ولا أركب
، وما على أن أغبر قدمى في سبيل الله ساعة
---
(1) أشخصهم: بعث بهم.
---

[184]
فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له، وسبعمائة درجة ترفع له، وسبعمائة خطيئة تمحى عنه، حتى إذا انتهى قال لاسامة: إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل، فاذن له ثم قال: أيها الناس، قفوا حتى أوصيكم بعشر فاحفظوها عنى: لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بعيرا ولا بقرة إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم للعبادة في الصوامع، فدعوهم فيما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على أقوام يأتونكم بصحاف فيها ألوان الطعام، فلا تأكلوا من شئ حتى تذكروا اسم الله عليه، وسوف تلقون أقواما قد حصوا(1) أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم(2) بالسيوف خفقا، أفناهم الله بالطعن والطاعون، سيروا على اسم الله.
وأما قول الشيخ أبى على فإنه يدل على أنه لم يكن في جيش أسامة أمره إياه بالصلاة.
وقول المرتضى: هذا اعتراف بأن الامر بتنفيذ الجيش كان في الحال دون ما بعد الوفاة، وهذا ينقض ما بنى عليه قاضى القضاة أمره، فلقائل أن يقول: إنه لا ينقض ما بناه لان قاضى القضاه ما قال: إن الامر بتنفيذ الجيش ما كان إلا بعد الوفاة، بل قال: إنه أمر، والامر على التراخي، فلو نفذ الجيش في الحال لجاز، ولو تأخر إلى بعد الوفاة لجاز.
فأما إنكار المرتضى أن تكون صلاة أبى بكر بالناس كانت عن أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقد ذكرنا ما عندنا في هذا فيما تقدم.
وأما قوله: يجوز أن يكون أمره بصلاة واحدة أو صلاتين، ثم أمره بالنفوذ بعد
---
(1).
حص شعره: حلقه.
(2) اخفقوهم: اضربوهم.
---

[185]
ذلك فهذا لعمري جائز، وقد يمكن أن يقال إنه لما خرج متحاملا من شده المرض فتأخر أبو بكر عن مقامه، وصلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالناس، أمره بالنفوذ مع الجيش، وأسكت رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أثناء ذلك اليوم، واستمر أبو بكر على الصلاه بالناس، إلى أن توفى(عليه السلام)، فقد جاء في الحديث أنه أسكت، وأن أسامة دخل عليه فلم يستطع كلامه لكنه كان يرفع يديه ويضعهما(1) عليه كالداعي له.
ويمكن أن يكون زمان هذه السكتة قد امتد يوما أو يومين، وهذا الموضع من المواضع المشتبهة عندي ومنها قول قاضى القضاة: إن الامر على التراخي، فلا يلزم من تأخر أبى بكر عن النفوذ أن يكون عاصيا.
فأما قول المرتضى: الامر على الفور إما لغة عند من قال به، أو شرعا لاجماع الكل على ان الاوامر الشرعية على الفور إلا ما خرج بالدليل، فالظاهر في هذا الموضع صحة ما قاله المرتضى، لان قرائن الاحوال عند من يقرأ السير ويعرف التواريخ تدل على أن الرسول(صلى الله عليه وآله) كان يحثهم على الخروج والمسير، وهذا هو الفور.
وأما قول المرتضى وقول أسامة: لم أكن لاسأل عنك الركب، فهو أوضح دليل على أنه عقل من الامر الفور، لان سؤال الركب عنه بعد الوفاة لا معنى له.
فلقائل أن يقول: إن ذلك لا يدل على الفور، بل يدل على أنه مأمور في الجملة بالنفوذ والمسير، فإن التعجيل والتأخير(2) مفوضان إلى رأيه، فلما قال له النبي(صلى الله عليه وآله): لم تأخرت عن المسير؟ قال: لم أكن لاسير وأسأل عنك الركب، إنى انتظرت عافيتك فإنى إذا سرت وأنت على هذه الحال لم يكن لى قلب للجهاد، بل أكون قلقا شديد الجزع أسأل
---
(1) في د " ويحطهما ".
(2) في د " والتأجيل ".
---

[186]
عنك الركبان، وهذا الكلام لا يدل على أنه عقل من الامر الفور لا محالة، بل هو على أن يدل على التراخي أظهر، وقول النبي(صلى الله عليه وآله): " لم تأخرت عن المسير؟ " لا يدل على الفور، لانه قد يقال مثل ذلك لمن يؤمر بالشئ على جهة التراخي إذا لم يكن سؤال إنكار.
وقول المرتضى: لان سؤال الركب عنه بعد الوفاة لا معنى له، قول من قد توهم على قاضى القضاة أنه يقول: " إن النبي(صلى الله عليه وآله) ما أمرهم بالنفوذ إلا بعد وفاته، ولم يقل قاضى القضاة ذلك، وإنما ادعى أن الامر على التراخي لا غير، وكيف يظن بقاضي القضاه أنه حمل كلام أسامه على سؤال الركب بعد الموت! وهل كان أسامة يعلم الغيب فيقول ذاك! وهل سأل أحد عن حال أحد من المرضى بعد موته! فأما قول المرتضى عقيب هذا الكلام: لا معنى لقول قاضى القضاة إنه لم ينكر على أسامة تأخره، فإن الانكار قد وقع بتكرار الامر حالا بعد حال، فلقائل أن يقول: إن قاضى القضاة لم يجعل عدم الانكار على أسامة حجه على كون الامر على التراخي، وإنما جعل ذلك دليلا على أن الامر كان مشروطا بالمصلحة ومن تأمل كلام قاضى القضاة الذى حكاه عنه المرتضى تحقق ذلك، فلا يجوز للمرتضى أن ينتزعه من الوضع الذى أورده فيه، فيجعله في موضع آخر.
ومنها قول قاضى القضاة: الامر بتنفيذ الجيش يجب أن يكون متوجها إلى الخليفة بعده، والمخاطب لا يدخل تحت الخطاب، واعتراض المرتضى عليه بأن لفظة " الجيش " يدخل تحتها " أبو بكر " فلابد من وجوب النفوذ عليه، لان عدم نفوذه يسلب الجماعه اسم " الجيش " فليس بجيد، لان لفظة " الجيش " لفظة موضوعة لجماعة من الناس قد أعدت للحرب، فإذا خرج منها واحد أو اثنان لم يزل مسمى الجيش عن الباقين، والمرتضى
---

[187]
اعتقد أن ذلك مثل الماهيات المركبة، نحو العشرة إذا عدم منها واحد زال مسمى العشرة، وليس الامر كذلك، يبين ذلك أنه لو قال بعض الملوك لمائة إنسان: أنتم جيشي، ثم قال لواحد منهم: إذا مت فأعط كل واحد من جيشي درهما من خزانتى، فقد جعلتك أميرا عليهم لم يكن له أن يأخذ لنفسه درهما، ويقول: أنا من جملة الجماعة الذين أطلق عليهم لفظة الجيش.
ومنها قول قاضى القضاه: هذه القضية تدل على أنه لم يكن هناك إمام منصوص عليه، وأما قول المرتضى: فقد بينا أن الخطاب إنما توجه إلى الحاضرين لا إلى القائم بالامر بعده، فلم نجد في كلامه في هذا الفصل بطوله ما بين فيه ذلك، ولا أعلم على ماذا أحال! ولو كان قد بين - على ما زعم - أن الخطاب متوجه إلى الحاضرين، لكان الاشكال قائما، لانه يقال له: إذا كان الامام المنصوص عليه حاضرا عنده فلم وجه الخطاب إلى الحاضرين! ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول الملك للرعية: اقضوا بين هذين الشخصين والقاضى حاضر عنده، إلا إذا كان قد عزله عن القضاء في تلك الواقعة عن الرعية! فأما قول المرتضى: هذا ينقلب عليكم، فليس ينقلب، وإنما ينقلب لو كان يريد تنفيذ الجيش بعد موته فقط، ولا يريده وهو حى، فكان يجئ ما قاله المرتضى لينفذ القائم بالامر بعدى جيش أسامة، فأما إذا كان يريد نفوذ الجيش من حين ما أمر بنفوذه فقد سقط القلب، لان الخليفة حينئذ لم يكن قد تعين، لان الاختيار ما وقع بعد، وعلى مذهب المرتضى الامام متعين حاضر عنده نصب عينه، فافترق الوصفان.
* * *
ومنها قول قاضى القضاة: إن مخالفه أمره(صلى الله عليه وآله) في النفوذ مع الجيش أو في انفاذ الجيش لا يكون معصية وبين ذلك من وجوه:
---

[188]
أحدها: أن أمره(عليه السلام) بذلك لابد أن يكون مشروطا بالمصلحة، وألا يعرض ما هو أهم من نفوذ الجيش، لانه لا يجوز أن يأمرهم بالنفوذ وإن أعقب ضررا في الدين، فأما قول المرتضى: الامر المطلق يدل على ثبوت المصلحة، ولا يجوز أن يجعل الامر المطلق، فقول جيد إذا اعترض به على الوجه الذى أورده قاضى القضاة، فأما إذا أورده أصحابنا على وجه آخر فإنه يندفع كلام المرتضى، وذلك أنه يجوز تخصيص عمومات النصوص بالقياس الجلى عند كثير من أصحابنا، على ما هو مذكور في أصول الفقه، فلم لا يجوز لابي بكر أن يخص عموم قوله: " أنفذوا بعث أسامة " لمصلحة غلبت على ظنه في عدم نفوذه نفسه، ولمفسدة غلبت على نفسه(1) في نفوذه نفسه مع البعث! وثانيها: أنه(عليه السلام) كان يبعث السرايا عن اجتهاد لا عن وحى يحرم مخالفته.
فأما قول المرتضى: إن للدين تعلقا قويا بأمثال ذلك(2)، وإنها ليست من الامور الدنياوية المحضة نحو أكله شربه ونومه، فإنه يعود على الاسلام بفتوحه عز وقوة وعلو كلمة فيقال له: وإذا أكل اللحم وقوى مزاجه بذلك ونام نوما طبيعيا يزول عنه به المرض والاعياء، اقتضى ذلك أيضا عز الاسلام وقوته، فقل إن ذلك أيضا عن وحى.
ثم إن الذى يقتضيه فتوحه وغزواته وحروبه من العز وعلو الكلمة لا ينافى كون تلك الغزوات والحروب باجتهاده، لانه لا منافاة بين اجتهاده وبين عز الدين وعلو كلمته بحروبه، وأن الذى ينافى اجتهاده بالرأى هو مثل فرائض الصلوات ومقادير الزكوات ومناسك الحج، ونحو ذلك من الاحكام التى تشعر بأنها متلقاة من محض الوحى، وليس للرأى والاجتهاد فيها مدخل، وقد خرج بهذا الكلام الجواب عن قوله:
---
(1) في د " ظنه ".
(2) ا: " هذا ".
---

[189]
لو جاز أن تكون السرايا والحروب عن اجتهاده، لجاز أن تكون الاحكام كلها عن اجتهاده.
وأيضا فإن الصحابة كانوا يراجعونه في الحروب وآرائه التى يدبرها بها ويرجع(عليه السلام) إليهم في كثير منها بعد أن قد رأى غيره.
وأما الاحكام فلم يكن يراجع فيها أصلا، فكيف يحمل أحد البابين على الاخر.
فأما قوله: لو كانت عن اجتهاد لوجب أن يحرم مخالفته فيها وهو حى، لا فرق بين الحالين، فلقائل أن يقول: القياس يقتضى ما ذكرت، إلا أنه وقع الاجماع على أنه لو كان في الاحكام أو في الحروب والجهاد ما هو باجتهاده لما جازت مخالفته، والعدول عن مذهبه وهو حى لم يختلف أحد من المسلمين في ذلك، وأجازوا مخالفته بعد وفاته بتقدير أن يكون ما صار إليه عن اجتهاد، والاجماع حجة.
فأما قول قاضى القضاة: لان اجتهاده وهو حى أولى من اجتهاد غيره، فليس يكاد يظهر، لان اجتهاده، وهو ميت أولى أيضا من اجتهاد غيره، ويغلب على ظنى أنهم فرقوا بين حالتى الحياة والموت، فإن في مخالفته وهو حى نوعا من اذى له، وأذاه محرم لقوله تعالى:(وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله)(1)، والاذى بعد الموت لا يكون، فافترق الحالان.
* * *
وثالثها: أنه لو كان الامام منصوصا عليه لجاز أن يسترد جيش أسامة أو بعضه لنصرته، فكذلك إذا كان بالاختيار، وهذا قد منع منه المرتضى، وقال: إنه لا يجوز للمنصوص عليه ذلك، ولا أن يولى من عزله رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولا أيعزل من ولاه رسول الله(صلى الله عليه وآله).
---
(1) سورة الاحزاب 53.
---

[190]
ورابعها: أنه(عليه السلام) ترك حرب معاوية في بعض الحالات، ولم يوجب ذلك أن يكون عاصيا، فكذلك أبو بكر في ترك النفوذ في جيش أسامة.
فأما قول المرتضى: إن عليا(عليه السلام) كان مأمورا بحرب معاوية مع التمكن ووجود الانصار، فإذا عدما لم يكن مامورا بحربه، فلقائل أن يقول: وأبو بكر كان مأمورا بالنفوذ في جيش أسامة مع التمكن ووجود الانصار، وقد عدم التمكن لما استخلف، فإنه قد تحمل أعباء الامامة وتعذر عليه الخروج عن المدينة، التى هي دار الامامة، فلم يكن مأمورا الحال هذه بالنفوذ في جيش أسامة.
فإن قلت: الاشكال عليكم إنما هو من قبل الاستخلاف، كيف جاز لابي بكر أن يتأخر عن المسير؟ وكيف جاز له أن يرجع إلى المدينة وهو مأمور بالمسير؟ وهلا نفذ لوجهه ولم يرجع، وإن بلغه موت رسول الله(صلى الله عليه وآله).
قلت لعل أسامة أذن له، فهو مأمور بطاعته، ولانه رأى أسامة وقد عاد باللواء فعاد هو لانه لم يكن يمكنه أن يسير إلى الروم وحده، وأيضا فإن أصحابنا قالوا: إن ولاية أسامة بطلت بموت النبي(صلى الله عليه وآله)، وعاد الامر إلى رأى من ينصب للامر، قالوا: لان تصرف أسامة إنما كان من جهة النبي(صلى الله عليه وآله)، ثم زال تصرف النبي(صلى الله عليه وآله) بموته، فوجب أن يزول تصرف أسامة لان تصرفه تبع لتصرف الرسول(صلى الله عليه وآله).
قالوا: وذلك كالوكيل تبطل وكالته بموت الموكل، قالوا: ويفارق الوصي لان ولايته لا تثبت إلا بعد موت الموصى، فهو كعهد الامام إلى غيره لا يثبت إلا بعد موت الامام ثم فرع أصحابنا على هذا الاصل مسألة وهى: الحاكم هل ينعزل بموت الامام أم لا قال قوم من أصحابنا: لا ينعزل وبنوه على أن التولى من غير جهة الامام يجوز، فجعلوا الحاكم نائبا عن المسلمين أجمعين، لا عن الامام،
---

[191]
وأن وقف تصرفه على اختياره، وصار ذلك عندهم بمنزلة أن يختار المسلمون واحدا يحكم بينهم، ثم يموت من رضى بذلك، فإن تصرفه يبقى على ما كان عليه وقال قوم من أصحابنا: ينعزل، وإن هذا النوع من التصرف لا يستفاد إلا من جهة الامام ولا يقوم به غيره، وإذا ثبت أن أسامة قد بطلت ولايته لم تبق تبعة(1) على أبى بكر في الرجوع من بعض الطريق الى المدينة.
* * *
وخامسها: أن أمير المؤمنين عليه السلام ولى أبا موسى الحكم، وولى رسول الله(صلى الله عليه وآله) خالد بن الوليد السرية إلى الغميصاء(2) وهذا الكلام إنما ذكره قاضى القضاة تتمة لقوله: إن أمره عليه السلام بنفوذ بعث أسامة كان مشروطا بالمصلحة، قال: كما أن توليته(عليه السلام) أبا موسى كانت مشروطة باتباع القرآن، وكما أن تولية رسول الله(صلى الله عليه وآله) خالد بن الوليد كانت مشروطة بأن يعمل بما أوصاه به، فخالفا ولم يعملا الحق، فإذا كانت هذه الاوامر مشروطة فكذلك أمره جيش أسامة بالنفوذ كان مشروطا بالمصلحة وألا يعرض ما يقتضى رجوع الجيش أو بعضه إلى المدينة، وقد سبق القول في كون الامر مشروطا.
وسادسها: أن أبا بكر كان محتاجا إلى مقام عمر عنده ليعاضده(3) ويقوم في تمهيد أمر الامامة ما لا يقوم به غيره، فكان ذلك أصلح في باب الدين من مسيره(3) مع الجيش، فجاز أن يحبسه عنده لذلك، وهذا الوجه مختص بمن قال: إن أبا بكر لم يكن في الجيش، وإيضاح عذره في حبس عمر عن النفوذ(5) مع الجيش.
---
(1) ا: " شئ ".
(2) الغميصاء: موضع أوقع فيه خالد بن الوليد ببني جذيمة.
(3) بعدها في ا، " ويعاونه ".
(4) ا: " سيره ".
(5) ا: " التنفيذ ".
---

[192]
فأما قول المرتضى فإن ذلك غير جائز، لان مخالفة النص حرام، فقد قلنا: إن هذا مبنى على مسألة تخصيص العمومات الواردة في القرآن بالقياس.
وأما قوله: أي حاجة كانت لابي بكر إلى عمر بعد وقوع البيعة، ولم يكن هناك تنازع ولا اختلاف! فعجيب، وهل كان لو لا مقام عمر وحضوره في تلك المقامات يتم لابي بكر أمر أو ينتظم له حال! ولو لا عمر لما بايع على ولا الزبير، ولا أكثر الانصار، والامر في هذا أظهر من كل ظاهر.
وسابعها: أن من يصلح للامامة ممن ضمه جيش أسامة يجب تأخرهم ليختار للامامة أحدهم، فإن ذلك أهم من نفوذهم، فإذا جاز لهذه العلة التأخر قبل العقد جاز التأخر بعده للمعاضدة وغيرها.
فأما قول المرتضى: إن ذلك الجيش لم يضم من يصلح للامامة، فبناء على مذهبه في أن كل من ليس بمعصوم لا يصلح للامامة.
فأما قوله: ولو صح ذلك لم يكن عذرا في التأخر، لان من خرج في الجيش يمكن أن يختار ولو كان بعيدا، ولا يمكن بعده من صحه الاختيار، فلقائل أن يقول: دار الهجرة هي التى فيها أهل الحل والعقد، وأقارب رسول الله(صلى الله عليه وآله) والقراء وأصحاب السقيفة، فلا يجوز العدول عن الاجتماع والمشاورة فيها إلى الاختيار على البعد، وعلى جناح السفر من غير مشاركة من ذكرنا من أعيان المسلمين.
فأما قوله: ولو صح هذا العقد لكان عذرا في التأخر قبل العقد، فأما بعد إبرامه فلا عذر فيه، فلقائل أن يقول: إذا أجزت التأخر قبل العقد لنوع من المصلحة فأجز التأخر بعد العقد لنوع آخر من المصلحة، وهو المعاضدة والمساعدة.
---

[193]
هذه الوجوه السبعة كلها لبيان قوله: تأخر أبى بكر أو عمر عن النفوذ في جيش أسامة وإن كان مأمورا بالنفوذ.
* * *
ثم نعود إلى تمام أقسام الفصل.
ومنها قول قاضى القضاة لا معنى لقول من قال: إن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قصد إبعادهم عن المدينة، لان بعدهم عنها لا يمنعهم من أن يختاروا واحدا منهم للامامة، ولانه(عليه السلام) لم يكن قاطعا على موته لا محالة، لانه لم يرد نفذوا جيش أسامة في حياته.
وقد اعترض المرتضى هذا فقال: إنه لم يتبين معنى الطعن، لان الطاعن لا يقول: إنهم أبعدوا عن المدينة كى لا يختاروا واحدا للامامة، بل يقول: إنما أبعدوا لينتصب بعد موته(صلى الله عليه وآله) في المدينة الشخص الذى نص عليه ولا يكون حاضرا بالمدينة من يخالفه وينازعه، وليس يضرنا ألا يكون(صلى الله عليه وآله) قاطعا على موته، لانه وإن لم يكن قاطعا فهو لا محالة يشفق ويخاف من الموت، وعلى الخائف أن يتحرز مما يخاف منه، وكلام المرتضى في هذا الموضع أظهر من كلام قاضى القضاة.
ومنها قول قاضى القضاة: إن ولاية أسامة عليهما لا تقتضي كونهما دونه في الفضل، كما أن عمرو بن العاص لما ولى عليهما لم يقتض كونه أفضل منهما.
وقد اعترض المرتضى هذا بأنه(2) يقبح تقديم المفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه، وأن تقديم عمرو بن العاص عليهما في الامرة يقتضى أن يكون أفضل منهما فيما يرجع إلى الامره والسياسة، ولا يقتضى أفضليته عليهما في غير ذلك، وكذلك القول في أسامة.
---
(1) انظر ص 182.
(2) د: " فإنه ".
---

[194]
ولقائل أن يقول أن الملوك قد يؤمرون الامراء على الجيوش لوجهين: أحدهما أن يقصد الملك بتأمير ذلك الشخص أن يسوس الجيش ويدبره بفضل رأيه وشيخوخته وقديم تجربته وما عرف من يمن نقيبته في الحرب وقود العساكر، والثانى أن يؤمر على الجيش غلاما حدثا من غلمانه أو من ولده أو من أهله، ويأمر الاكابر من الجيش أن يثقفوه ويعلموه، ويأمره أن يتدبر بتدبيرهم، ويرجع إلى رأيهم، ويكون قصد الملك من ذلك تخريج ذلك الغلام وتمرينه على الامارة، وأن يثبت له في نفوس الناس منزلة، وأن يرشحه لجلائل(1) الامور ومعاظم الشئون، ففى الوجه الاول يقبح تقديم المفضول على الفاضل، وفى الوجه الثاني لا يقبح، فلم لا يجوز أن يكون تأمير أسامة عليهما من قبيل الوجه الثاني؟ والحال يشهد لذلك، لان أسامة كان غلاما لم يبلغ ثمانى عشرة سنة حين قبض النبي(صلى الله عليه وآله)، فمن أين حصل له من تجربة الحرب وممارسة الوقائع وقود الجيش ما يكون به أعرف بالامرة من أبى بكر وعمر وأبى عبيدة وسعد بن أبى وقاص وغيرهم! ومنها قول قاضى القضاة: إن السبب في كون عمر في الجيش أنه أنكر على عبد الله ابن عياش بن أبى ربيعة تسخطه إمرة أسامة، وقال: أنا أخرج في جيش أسامة، فخرج من تلقاء نفسه تعظيما لامر رسول الله(صلى الله عليه وآله).
وقد اعترضه المرتضى فقال: هذا شئ لم نسمعه من راو، ولا قرأناه في كتاب، وصدق المرتضى فيما قال، فإن هذا حديث غريب لا يعرف.
وأما قول عمر: دعني أضرب عنقه فقد نافق، فمنقول مشهور لا محالة، وإنما الغريب الذى لم يعرف كون عمر خرج من تلقاء نفسه في الجيش مراغمة لعبد الله بن عياش ابن أبى ربيعه، حيث أنكر ما انكر، ولعل قاضى القضاة سمعه من راو أو نقله من كتاب، إلا أنا نحن ما وقفنا على ذلك.
---
(1) ب: " بجلائل "، وما أثبته من ا، د.
(2) ا: " سخطه ".
---

[195]
الطعن الخامس قالوا: إنه(صلى الله عليه وآله) لم يول أبا بكر الاعمال وولى غيره ولما ولاه الحج بالناس وقراءه سورة براءة على الناس، عزله عن ذلك كله.
وجعل الامر ألى أمير المؤمنين(عليه السلام)، وقال: " لا يؤدي عنى إلا أنا أو رجل منى "، حتى يرجع أبو بكر إلى النبي(صلى الله عليه وآله).
أجاب قاضى القضاة فقال: لو سلمنا أنه لم يوله، لما دل ذلك على نقص، ولا على أنه لم يصلح للامارة والامامة، بل لو قيل: إنه لم يوله لحاجته إليه بحضرته، وإن ذلك رفعة له لكان أقرب، لا سيما، وقد روى عنه ما يدل على انهما وزيراه، وأنه كان(صلى الله عليه وآله) محتاجا إليهما، وإلى رأيهما، فلذلك لم يولهما، ولو كان للعمل على تركه فضل لكان عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهما أفضل من أكابر الصحابة، لانه(عليه السلام) ولاهما وقدمهما، وقد قدمنا أن توليته هي بحسب الصلاح، وقد يولى المفضول على الفاضل تارة والفاضل أخرى، وربما ولى الواحد لاستغنائه عنه بحضرته، وربما ولاه لاتصال بينه وبين من يولى عليه، إلى غير ذلك.
ثم ادعى أنه ولى أبا بكر على الموسم والحج قد ثبتت بلا خلاف بين أهل الاخبار ولم يصح أنه عزله ولا يدل رجوع أبى بكر إلى النبي(صلى الله عليه وآله) مستفهما عن القصة على العزل، ثم جعل إنكار من أنكر حج أبى بكر في تلك السنة بالناس، كإنكار عباد وطبقته أخذ أمير المؤمنين(عليه السلام) سورة براءة من أبى بكر.
وحكى عن أبى على أن المعنى كان في أخذ السورة من أبى بكر أن من عاده العرب أن سيدا من سادات قبائلهم إذا عقد عقد القوم، فإن ذلك العقد لا ينحل إلا أن يحله هو أو بعض سادات قومه، فلما كان هذا عادتهم وأراد النبي(صلى الله عليه وآله) أن ينبذ(1) إليهم عقدهم، وينقض ما كان بينه وبينهم علم
---
(1) نبذ العقد: نقضه.
---

[196]
أنه لا ينحل ذلك إلا به أو بسيد من سادات رهطه فعدل عن ابى بكر إلى أمير المؤمنين المقرب في النسب.
ثم ادعى أنه(صلى الله عليه وآله) ولى أبا بكر في مرضه الصلاة، وذلك أشرف الولايات، وقال في ذلك: يأبى الله ورسوله والمسلمون إلا أبا بكر.
ثم اعترض نفسه بصلاته(عليه السلام) خلف عبد الرحمن بن عوف: وأجاب بأنه(صلى الله عليه وآله) إنما صلى خلفه لا أنه ولاه الصلاة وقدمه فيها.
قال: وإنما قدم عبد الرحمن عند غيبة النبي(صلى الله عليه وآله) فصلى بغير أمره، وقد ضاق الوقت، فجاء النبي(صلى الله عليه وآله) فصلى خلفه.
اعترض المرتضى فقال: قد بينا أن تركه(صلى الله عليه وآله) الولاية لبعض أصحابه مع حضوره وإمكان ولايته والعدول عنه إلى غيره، مع تطاول الزمان وامتداده، لابد من أن تقتضي غلبة الظن بأنه لا يصلح للولاية، فأما ادعاؤه أنه لم يوله لافتقاره إليه بحضرته وحاجته إلى تدبيره ورأيه، فقد بينا أنه(عليه السلام) ما كان يفتقر إلى رأى أحد لكماله ورجحانه على كل أحد، وإنما كان يشاور أصحابه على سبيل التعليم لهم والتأديب، أو لغير ذلك مما قد ذكر.
وبعد فكيف استمرت هذه الحاجة، واتصلت منه إليهما حتى لم يستغن في زمان من الازمان عن حضورهما فيوليهما! وهل هذا إلا قدح في رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ونسبته إلى أنه كان ممن يحتاج إلى أن يلقن ويوقف على كل شئ، وقد نزهه الله تعالى عن ذلك! فأما ادعاؤه أن الرواية قد وردت بأنهما وزيراه فقد كان يجب أن يصحح ذلك قبل أن يعتمده ويحتج به، فإنا ندفعه عنه أشد دفع.
فأما ولاية عمرو بن العاص وخالد بن الوليد فقد تكلمنا عليها من قبل، وبينا أن ولايتهما تدل على صلاحهما لما ولياه، ولا تدل على صلاحهما للامامة لان شرائط الامامة لم تتكامل فيهما، وبينا أيضا أن ولاية المفضول على الفاضل لا تجوز، فأما تعظيمه
---
(1) نقله المرتضى في الشافي 421.
---

[197]
وإكباره قول من يذهب إلى أن أبا بكر عزل عن أداء السورة والموسم جميعا، وجمعه بين ذلك في البعد وبين إنكار عباد أن يكون أمير المؤمنين(عليه السلام) ارتجع سوره براءة من أبى بكر، فأول ما فيه أنا لا ننكر أن يكون أكثر الاخبار واردة بأن ابا بكر حج بالناس في تلك السنه إلا أنه قد روى قوم من أصحابنا خلاف ذلك، وأن أمير المؤمنين عليه السلام كان أمير الموسم في تلك السنة، وإن عزل الرجل كان عن الامرين معا.
واستكبار ذلك.
وفيه خلاف لا معنى له، فأما ما حكاه عن عباد فإنا لا نعرفه، وما نظن أحدا يذهب إلى مثله، وليس يمكنه بإزاء ذلك جحد مذهب أصحابنا الذى حكيناه، وليس عباد لو صحت الرواية عنه بإزاء من ذكرناه، فهو ملئ بالجهالات ودفع الضرورات.
وبعد، فلو سلمنا أن ولاية الموسم لم تفسخ لكان الكلام باقيا، لانه إذا كان ما ولى مع تطاول الزمان إلا هذه الولاية ثم سلب شطرها، والافخم الاعظم منها، فليس ذلك إلا تنبيها على ما ذكرناه.
فأما ما حكاه عن أبى على من أن عادة العرب ألا يحل ما عقده الرئيس منهم إلا هو أو المتقدم من رهطه، فمعاذ الله أن يجرى النبي(صلى الله عليه وآله) سنته وأحكامه على عادات الجاهلية، وقد بين(عليه السلام) لما رجع إليه أبو بكر يسأله عن اخذ السورة منه الحال، فقال أنه أوحى إلى ألا يؤدى عنى إلا أنا أو رجل منى، ولم يذكر ما ادعاه أبو على، على أن هذه العادة قد كان يعرفها النبي(صلى الله عليه وآله) قبل بعثه أبا بكر بسورة براءة فما باله لم يعتمدها في الابتداء ويبعث من يجوز أن يحل عقده من قومه! فأما ادعاؤه ولاية أبى بكر الصلاة فقد ذكرنا فيما تقدم أنه لم يوله إياها.
فأما فصله بين صلاته خلف عبد الرحمن وبين صلاه أبى بكر بالناس، فليس بشئ، لانا إذا كنا قد دللنا على أن الرسول(صلى الله عليه وآله) ما قدم أبا بكر إلى الصلاه، فقد
---

[198]
استوى الامران.
وبعد، فأى فرق بين أن يصلى خلفه وبين أن يوليه ويقدمه، ونحن نعلم أن صلاته خلفه إقرار لولايته ورضا بها، فقد عاد الامر إلى أن عبد الرحمن كأنه قد صلى بأمره وإذنه! على أن قصه عبد الرحمن أوكد، لانه قد اعترف بأن الرسول صلى خلفه، ولم يصل خلف أبى بكر، وإن ذهب كثير من الناس إلى أنه قدمه وأمر بالصلاة قبل خروجه إلى المسجد وتحامله.
ثم سأل المرتضى رحمه الله نفسه، فقال: إن قيل: ليس يخلو النبي(صلى الله عليه وآله) من أن يكون سلم في الابتداء سورة براءة إلى أبى بكر بأمر الله أو باجتهاده ورأيه فإن كان بأمر الله تعالى، فكيف يجوز أن يرتجع منه السورة قبل وقت الاداء، وعندكم أنه لا يجوز نسخ الشئ قبل تقضى وقت فعله! وإن كان باجتهاده(صلى الله عليه وآله)، فعندكم أنه لا يجوز أن يجتهد فيما يجرى هذا المجرى! وأجاب فقال: إنه ما سلم السورة إلى أبى بكر إلا بإذنه تعالى، إلا أنه لم يأمره بأدائها، ولا كلفه قراءتها على أهل الموسم لان أحدا لم يمكنه أن ينقل عنه عليه السلام في ذلك لفظ الامر والتكليف، فكأنه سلم سورة براءه(عليه السلام) إليه لتقرأ على أهل الموسم، ولم يصرح بذكر القارئ المبلغ لها في الحال، ولو نقل عنه تصريح لجاز أن يكون مشروطا بشرط لم يظهر.
فإن قيل: فأى فائدة في دفع السورة إلى أبى بكر وهو لا يريد أن يؤديها ثم ارتجاعها منه؟ وهلا دفعت في الابتداء إلى أمير المؤمنين عليه السلام.
قيل: الفائدة في ذلك ظهور فضل أمير المؤمنين(عليه السلام) ومرتبته، وأن الرجل الذى نزعت السورة عنه لا يصلح لما يصلح له، وهذا غرض قوى في وقوع الامر على ما وقع عليه(1)
---
(1) الشافي 421، 422.
---

[199]
قلت: قد ذكرنا فيما تقدم القول في تولية الملك بعض أصحابه، وترك تولية بعضهم، وكيفيه الحال في ذلك، على أنه قد روى أصحاب المغازى أنه أمر أبا بكر في شعبان من سنة سبع على سرية بعثها إلى نجد فلقوا جمعا من هوازن فبيتوهم(1)، فروى إياس بن سلمة عن أبيه قال: كنت في ذلك البعث، فقتلت بيدى سبعة منهم، وكان شعارنا: " أمت أمت "، وقتل من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله) قوم، وجرح أبو بكر وارتث(2) وعاد إلى المدينة، على أن أمراء السرايا الذين كان يبعثهم(صلى الله عليه وآله) كانوا قوما مشهورين بالشجاعة ولقاء الحروب، كمحمد بن مسلمة، وأبى دجانة، وزيد بن حارثة ونحوهم، ولم يكن أبو بكر مشهورا بالشجاعة ولقاء الحروب، ولم يكن جبانا ولا خوارا(3) وإنما كان رجلا مجتمع القلب عاقلا، ذا رأى وحسن تدبير، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يترك بعثه في السرايا، لان غيره أنفع منه فيها، ولا يدل ذلك على أنه لا يصلح للامامة، وأن الامامة لا تحتاج أن يكون صاحبها من المشهورين بالشجاعة، وإنما يحتاج إلى ثبات القلب، وألا يكون هلعا طائر(4) الجنان.
وكيف يقول المرتضى: إنه(صلى الله عليه وآله) لم يكن محتاجا إلى رأى أحد، وقد نقل الناس كلهم رجوعه من رأى إلى رأى عند المشورة، نحو ما جرى يوم بدر من تغير المنزل لما أشار عليه الحباب بن المنذر، ونحو ما جرى يوم الخندق من فسخ رأيه في دفع ثلث تمر المدينة إلى عيينه بن حصن ليرجع بالاحزاب عنهم، لاجل ما رآه سعد بن معاذ وسعد بن عبادة من الحرب، والعدول عن الصلح، ونحو ما جرى في تلقيح النخل بالمدينة وغير ذلك! فأما ولاية أبى بكر الموسم فأكثر الاخبار على ذلك، ولم يرو عزله عن الموسم إلا قوم من الشيعة.
---
(1) بيتوهم، أي دبروا أمرهم.
(2) ارتث، على البناء للمجهول: حمل من المعركة رثيثا، أي جريحا وبه رمق.
(3) الخوار: الضعيف.
(4) الهلع: أفحش الجمع.
---

[200]
وأما ما أنكره المرتضى من حال عباد بن سليمان ودفعه أن يكون على أخذ براءة من أبى بكر واستغرابه ذلك عجب، فإن قول عباد قد ذهب إليه كثير من الناس، ورووا أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يدفع براءة إلى أبى بكر، وأنه بعد أن نفذ أبو بكر بالحجيج أتبعه عليا ومعه تسع آيات من براءة، وقد أمره أن يقرأها على الناس ويؤذنهم بنقض العهد وقطع الدنية، فانصرف أبو بكر إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فأعاده على الحجيج، وقال له: أنت الامير، وعلى المبلغ، فإنه يبلغ عنى إلا أنا أو رجل منى، ولم ينكر عباد أمر براءة بالكلية، وإنما أنكر أن يكون النبي(صلى الله عليه وآله) دفعها إلى أبى بكر ثم انتزعها، منه وطائفة عظيمة من المحدثين يروون ما ذكرناه، وإن كان الاكثر الاظهر أنه دفعها إليه ثم أتبعه بعلى(عليه السلام) فانتزعها منه، والمقصود أن المرتضى قد تعجب مما لا يتعجب من مثله، فظن أن عبادا أنكر حديث براءة بالكلية، وقد وقفت أنا على ما ذكره عباد في هذه القضية في كتابه المعروف بكتاب " الابواب "، وهو الكتاب الذى نقضه شيخنا أبو هاشم، فأما عذر شيخنا أبى على، وقوله: إن عادة العرب ذلك، واعتراض المرتضى عليه، فالذي قاله المرتضى أصح وأظهر، وما نسب إلى عادة العرب غير معروف، وإنما هو تأويل تأول به متعصبو أبى بكر لانتزاع براءة منه، وليس بشئ.
ولست أقول ما قاله المرتضى من أن غرض رسول الله(صلى الله عليه وآله) إظهار أن أبا بكر لا يصلح للاداء عنه بل أقول: فعل ذلك لمصلحة رآها، ولعل السبب في ذلك أن عليا(عليه السلام) من بنى عبد مناف وهم جمرة قريش بمكه، وعلى أيضا شجاع لا يقام له(1)، وقد حصل في صدور قريش منه الهيبة الشديدة والمخافة العظيمة فإذا حصل مثل هذا الشجاع البطل وحوله من بنى عمه وهم أهل العزة والقوة والحمية
---
(1) ب: " لا يقال " تحريف.
---

[201]
كان أدعى إلى نجاتة من قريش، وسلامة نفسه وبلوغ الغرض من نبذ العهد على يده ألا ترى أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) في عمره الحديبية بعث عثمان بن عفان إلى مكة يطلب منهم الاذن له في الدخول، وإنما بعثه لانه من بنى عبد مناف، ولم يكن بنو عبد مناف - وخصوصا بنى عبد شمس - ليمكنوا من قتله، ولذلك حمله بنو سعيد ابن العاص على بعير يوم دخل مكة وأحدقوا به مستلئمين بالسلاح، وقالوا له: أقبل وأدبر، ولا تخف أحدا، بنو سعيد أعزه الحرم.
وأما القول في تولية رسول الله(صلى الله عليه وآله) أبا بكر الصلاة، فقد تقدم، وما رامه قاضى القضاة من الفرق بين صلاة أبى بكر بالناس وصلاة عبد الرحمن بهم، مع كون رسول الله(صلى الله عليه وآله) صلى خلفه ضعيف، وكلام المرتضى أقوى منه.
فأما السؤال الذى سأله المرتضى من نفسه فقوى، والجواب الصحيح أن بعث براءة مع أبى بكر كان باجتهاد من الرسول(صلى الله عليه وآله) ولم يكن عن وحى ولا من جملة الشرائع التى تتلقى عن جبرائيل(عليه السلام)، فلم يقبح نسخ ذلك قبل تقضى وقت فعله، وجواب المرتضى ليس بقوى، لانه من البعيد أن يسلم سورة براءة إلى أبى بكر ولا يقال له: ما ذا تصنع بها؟ بل يقال: خذ هذه معك لا غير.
والقول بأن الكلام مشروط بشرط لم يظهر خلاف الظاهر، وفتح هذا الباب يفسد كثيرا من القواعد.
* * *
الطعن السادس إن أبا بكر لم يكن يعرف الفقه وأحكام الشريعة، فقد قال في الكلالة(2): أقول
---
(1) المستلئم: لابس اللامة.
(2) الكلالة: من لا ولد والد، وما لم يكن من النسب لى.
---

[202]
فيها برأيى، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنى(1)، ولم يعرف ميراث الجد، ومن حاله هذه لا يصلح للامامة.
أجاب قاضى القضاة بأن الامام لا يجب أن يعلم جميع الاحكام، وأن القدر الذى يحتاج إليه هو القدر الذى يحتاج إليه الحاكم، وأن القول بالرأى هو الواجب فيما لا نص فيه، وقد قال أمير المؤمنين(عليه السلام) بالرأى في مسائل كثيرة.
اعترض المرتضى فقال: قد دللنا على أن الامام لا بد أن يكون عالما بجميع الشرعيات، وفرقنا بينه وبين الحاكم، ودللنا على فساد الرأى والاجتهاد.
وأما أمير المؤمنين(عليه السلام) فلم يقل قط بالرأى، وما يروى من خبر بيع أمهات الاولاد غير صحيح، ولو صح لجاز أن يكون أراد بالرأى الرجوع إلى النصوص والادلة، ولا شبهة عندنا أن قوله كان واحدا في الحالين(2)، وإن ظهر في أحدهما خلاف مذهبه للتقية(3).
قلت: هذا الطعن مبنى على أمرين: أحدهما هل من شرط الامامة أن يعلم الامام كل الاحكام الشرعية أم لا؟ وهذا مذكور في كتبنا الكلامية، والثانى هو القول في الاجتهاد والرأى حق أم لا؟ وهذا مذكور في كتبنا الاصولية.
* * *
الطعن السابع قصة خالد بن الوليد وقتله مالك بن نويرة ومضاجعته امرأته من ليلته، وأن أبا بكر
---
(1) الشافي: فمني ومن الشيطان، ونحو قوله وقد سئل عن قوله:(وفاكهة وأبا)، فلم يعرف معناه، والاب: المرعي في اللغة، لا يذهب على أحد له أدني له أنس بالعربية، ونحو ميراث الجدة وأنه لم يعرف الحكم فيه، ونظائر ذلك كثيرة معروفة.
(2) ب: " القولين "(3) انظر الشافي 422.
---

[203]
ترك إقامة الحد عليه، وزعم أنه سيف من سيوف الله سله الله على أعدائه، مع أن الله تعالى قد أوجب القود وحد الزنا عموما، وأن عمر نبهه وقال له: اقتله، فإنه قتل مسلما.
أجاب قاضى القضاة فقال: إن شيخنا أبا على قال: إن الردة ظهرت من مالك بن نويرة، لانه جاء في الاخبار أنه رد صدقات قومه عليهم لما بلغه موت رسول الله(صلى الله عليه وآله) كما فعله سائر أهل الرده فاستحق القتل، فإن قال: قائل: فقد كان يصلى، قيل له: وكذلك سائر أهل الردة، وإنما كفروا بالامتناع من الزكاة، واعتقادهم إسقاط وجوبها دون غيره.
فإن قيل: فلم أنكر عمر؟ قيل: كان الامر إلى أبى بكر، فلا وجه لانكار عمر، وقد يجوز أن يعلم أبو بكر من الحال ما يخفى على عمر.
فإن قيل: فما معنى ما روى عن أبى بكر من أن خالدا تأول فأخطأ، قيل: أراد عجلته عليه بالقتل، وقد كان الواجب عنده على خالد أن يتوقف للشبهة.
واستدل أبو على على ردته، بأن أخاه متمم بن نويرة لما أنشد عمر مرثيتة أخاه قال له: وددت أنى أقول الشعر فأرثى أخى زيدا بمثل ما رثيت به أخاك! فقال متمم: لو قتل أخى على مثل ما قتل عليه أخوك ما رثيته، فقال عمر: ما عزاني أحد بمثل تعزيتك فدل هذا على أن مالكا لم يقتل على الاسلام كما قتل زيد.
وأجاب عن تزويج خالد بامرائه بأنه إذا قتل على الردة في دار الكفر جاز تزويج امرأتة عند كثير من أهل العلم، وإن كان لا يجوز أن يطأها إلا بعد الاستبراء.
وحكى عن أبى على أنه إنما قتله لانه ذكر رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال: " صاحبك "، وأوهم بذلك أنه ليس بصاحب له، وكان عنده أن ذلك ردة وعلم عند المشاهدة
---

[204]
المقصد، وهو أمير القوم، فجاز أن يقتله وإن كان الاولى ألا يستعجل، وأن يكشف الامر في ردته حتى يتضح، فلهذا لم يقتله أبو بكر به.
فاما وطؤه لامرأته فلم يثبت، فلا يصح أن يجعل طعنا فيه(1).
اعترض المرتضى فقال: أما منع خالد في قتل مالك بن نويرة واستباحة أمرأته وأمواله لنسبته إياه إلى رده لم تظهر منه، بل كان الظاهر خلافها من الاسلام، فعظيم.
ويجرى مجراه في العظم تغافل من تغافل عن أمره، ولم يقم فيه حكم الله تعالى، وأقره على الخطأ الذى شهد هو به على نفسه، ويجرى مجراهما من أمكنه أن يعلم الحال فأهملها ولم يتصفح ما روى من الاخبار في هذا الباب وتعصب لاسلافه ومذهبه.
وكيف يجوز عند خصومنا على مالك وأصحابه جحد الزكاة مع المقام على الصلاة، وهما جميعا في قرن(2)! لان العلم الضرورى بأنهما من دينه(عليه السلام) وشريعته على حد واحد، وهل نسبة مالك إلى الردة مع ما ذكرناه إلا قدح في الاصول ونقض لما تضمنته من أن الزكاة معلومة ضرورة من دينه(عليه السلام).
وأعجب من كل عجيب قوله: وكذلك سائر أهل الردة، يعنى أنهم كانوا يصلون ويجحدون الزكاة، كل عجيب قوله: وكذلك سائر أهل الردة، يعنى أنهم كانوا يصلون ويجحدون الزكاة، لانا قد بينا أن ذلك مستحيل غير ممكن! وكيف يصح ذلك، وقد روى جميع أهل النقل أن أبا بكر لما وصى الجيش الذين أنفذهم بأن يؤذنوا ويقيموا، فإن أذن القوم كأذانهم وإقامتهم كفوا عنهم، وإن لم يفعلوا أغاروا عليهم، فجعل أمارة الاسلام والبراءة من الردة الاذان والاقامة! وكيف يطلق في سائر أهل الردة ما أطلقه من أنهم كانوا يصلون، وقد علمنا أن أصحاب مسيلمة وطليحة وغيرهما ممن كان ادعى النبوة وخلع الشريعة ما كانوا يرون الصلاة ولا شيأ مما جاءت به شريعتنا.
وقصة مالك معروفة عند من تأمل كتب السير والنقل، لانه كان على صدقات قومه بنى
---
(1) نقله الشافي في المرتضى 422، 423.
(2) القرن: الحبل، والكلام على الاستعارة.
---

[205]
يربوع واليا من قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولما بلغته وفاه رسول الله(صلى الله عليه وآله) أمسك عن أخذ الصدقة من قومه وقال لهم: تربصوا بها حتى يقوم قائم بعد النبي(صلى الله عليه وآله)، وننظر ما يكون من أمره وقد صرح بذلك في شعره حيث يقول: وقال رجال سدد اليوم مالك * * وقال رجال مالك لم يسدد فقلت: دعوني لا أبا لابيكم * * فلم أخط رأيا في المقام ولا الندى وقلت: خذوا أموالكم غير خائف * * ولا ناظر فيما يجئ به غدى فدونكموها إنما هي مالكم * * مصورة أخلاقها لم تجدد سأجعل نفسي دون ما تحذرونه * * وأرهنكم يوما بما قلته يدى فإن قام بالامر المجدد قائم * * أطعنا وقلنا: الدين دين محمد.
فصرح كما ترى أنه استبقى الصدقة في أيدى قومه رفقا بهم وتقربا إليهم، إلى أن يقوم بالامر من يدفع ذلك إليه.
وقد روى جماعة من أهل السير، وذكره الطبري في تاريخه، أن مالكا نهى قومه عن الاجتماع على منع الصدقات وفرقهم، وقال يا بنى يربوع، إنا كنا قد عصينا أمراءنا إذ دعونا الى هذا الدين وبطأنا الناس عنه، فلم نفلح ولم ننجح، وإنى قد نظرت في هذا الامر فوجدت الامر يتاتى لهؤلاء القوم بغير سياسه، وإذا أمر لا يسوسه الناس فإياكم ومعاداة قوم يصنع لهم فتفرقوا على ذلك إلى أموالهم، ورجع مالك إلى منزله، فلما قدم خالد البطاح بث السرايا وأمرهم بداعية الاسلام وان يأتوه بكل من لم يجب، وأمرهم إن امتنع أن يقاتلوه، فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر من بنى يربوع، واختلف السرية في أمرهم، وفى السرية أبو قتادة الحارث بن ربعى، فكان ممن شهد أنهم أذنوا وأقاموا وصلوا، فلما اختلفوا فيهم
---

[206]
أمر بهم خالد فحبسوا وكانت ليلة بارده لا يقوم لها شئ، فأمر خالد مناديا ينادى: " ادفئوا(1) أسراءكم "(2) فظنوا أنهم أمروا بقتلهم، لان هذه اللفظة تستعمل في لغة كنانة للقتل، فقتل ضرار بن الازور مالكا، وتزوج خالد زوجته أم تميم بنت المنهال(3).
وفى خبر آخر أن السرية التى بعث بها خالد لما غشيت القوم تحت الليل راعوهم، فأخذ القوم السلاح! قال: فقلنا: إنا المسلمون، فقالوا: ونحن المسلمون، قلنا: فما بال السلاح معكم! قلنا فضعوا السلاح، فلما وضعوا السلاح ربطوا أسارى فأتوا بهم خالدا.
فحدث أبو قتادة خالد بن الوليد أن القوم نادوا بالاسلام، وأن لهم أمانا، فلم يلتفت خالد إلى قولهم وأمر بقتلهم، وقسم سبيهم، وحلف أبو قتادة ألا يسير تحت لواء خالد في جيش أبدا، وركب فرسه شاذا إلى أبى بكر، فأخبره الخبر، وقال له: إنى نهيت خالدا عن قتله، فلم يقبل قولى، وأخذ بشهادة الاعراب الذين غرضهم الغنائم، وإن عمر لما سمع ذلك تكلم فيه عند أبى بكر فأكثر وقال: إن القصاص قد وجب عليه.
ولما أقبل خالد ابن الوليد قافلا دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد، معتجرا(4) بعمامة له قد غرز في عمامته أسهما، فلما دخل المسجد قام إليه عمر فنزع الاسهم عن رأسه فحطمها، ثم قال له: فاعدو نفسه، أعدوت على امرئ مسلم فقتلته ثم نزوت على امرأته! والله لنرجمنك بأحجارك.
وخالد لا يكلمه، ولا يظن إلا أن رأى أبى بكر مثل رأيه حتى دخل إلى أبى بكر واعتذر إليه بعذره وتجاوز عنه، فخرج خالد وعمر جالس في المسجد فقال: هلم إلى يا بن أم شملة! فعرف عمر أن أبا بكر قد رضى عنه فلم يكلمه، ودخل بيته(5).
وقد روى أيضا أن عمر لما ولى جمع من عشيرة مالك بن نويرة من وجد منهم
---
(1) ب: " ادفو "، صوابه في د والطبري.
(2) الطبري: " أسراءكم ".
(3) تاريخ الطبري 3: 278(المعارف)، مع تصرف واختصار.
(4) اعتجر العمامة: لبسها.
(5) تاريخ الطبري 3: 279: 280.
---

[207]
واسترجع ما وجد عند المسلمين من أموالهم وأولادهم ونسائهم، فرد ذلك عليهم جميعا مع نصيبه كان منهم.
وقيل: إنه ارتجع بعض نسائهم من نواحى دمشق، وبعضهن حوامل، فردهن على أزواجهن.
فالامر ظاهر في خطأ خالد.
وخطأ من تجاوز عنه.
وقول صاحب الكتاب: إنه يجوز أن يخفى عن عمر ما يظهر لابي بكر ليس بشئ لان الامر في قصة خالد لم يكن مشتبها، بل كان مشاهدا معلوما لكل من حضره، وما تأول به في القتل لا يعذر لاجله، وما رأينا أبا بكر حكم فيه بحكم المتأول ولا غيره، ولا تلافى خطأه وزلله، وكونه سيفا من سيوف الله على ما ادعاه لا يسقط عنه الاحكام، ويبرئه من الاثام، وأما قول متمم: لو قتل أخى على ما قتل عليه أخوك لما رثيته، لا يدل على أنه كان مرتدا، فكيف يظن عاقل أن متمما يعترف بردة أخيه وهو يطالب أبا بكر بدمه والاقتصاص من قاتليه، ورد سبيه، وأنه أراد في الجملة التقرب إلى عمر بتقريظ أخيه! ثم لو كان ظاهر هذا القول كباطنه لكان إنما يقصد تفضيل قتلة زيد على قتلة مالك، والحال في ذلك أظهر، لان زيدا قتل في بعث المسلمين ذابا عن وجوههم، ومالك قتل على شبهة وبين الامرين فرق.
وأما قوله في النبي(صلى الله عليه وآله): " صاحبك " فقد قال أهل العلم: إنه أراد القرشية لان خالدا قرشي.
وبعد، فليس في ظاهر إضافته إليه دلالة على نفيه له عن نفسه، ولو كان علم من مقصده الاستخفاف والاهانة على ما ادعاه صاحب الكتاب لوجب أن يعتذر خالد بذلك عند أبى بكر وعمر ويعتذر به أبو بكر لما طالبه عمر بقتله، فإن عمر ما كان يمنع من قتل قادح في نبوة النبي(صلى الله عليه وآله)، وإن كان الامر على ذلك فأى معنى لقول أبى بكر: تأول
فأخطا! وإنما تأول فأصاب إن كان الامر على ما ذكر(1).
---
(1) الشافي 422، 423.
---

[208]
قلت: أما تعجب المرتضى من كون قوم منعوا الزكاة وأقاموا على الصلاة ودعواه أن هذا غير ممكن ولا صحيح، فالعجب منه كيف ينكر وقوع ذلك، وكيف ينكر إمكانه! أما الامكان فلانه لا ملازمة بين العبادتين إلا من كونهما مقترنتين في بعض المواضع في القرآن، وذلك لا يوجب تلازمهما في الوجود، أو من قوله: إن الناس يعلمون كون الزكاة واجبه في دين الاسلام ضرورة، كما تعلمون كون الصلاة في دين الاسلام ضروره، وهذا لا يمنع اعتقادهم سقوط وجوب الزكاة لشبهة دخلت عليهم.
فإنهم قالوا: إن الله تعالى قال لرسوله:(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم قالوا: فوصف الصدقة المفروضة بأنها صدقة من شأنها أن يطهر رسول الله(صلى الله عليه وآله) الناس ويزكيهم بأخذها منهم، ثم عقب ذلك بأن فرض عليه مع أخذ الزكاة منهم أن يصلى عليهم صلاه تكون سكنا لهم.
قالوا: وهذه الصفات لا تتحقق في غيره، لان غيره لا يطهر الناس ويزكيهم بأخذ الصدقة، ولا إذا صلى على الناس كانت صلاته سكنا لهم، فلم يجب علينا دفع الزكاة إلى غيره.
وهذه الشبهة لا تنافى كون الزكاة معلوما وجوبها ضرورة من دين محمد(صلى الله عليه وآله) لانهم ما جحدوا وجوبها، ولكنهم قالوا: إنه وجوب مشروط، وليس يعلم بالضرورة انتفاء كونها مشروطة وإنما يعلم ذلك بنظر وتأويل، فقد بان أن ما ادعاه من الضرورة ليس بدال على أنه لا يمكن أحد اعتقاد نفى وجوب الزكاة بعد موت الرسول، ولو عرضت مثل هذه الشبهة في صلاة لصح لذاهب أن يذهب إلى أنها قد سقطت عن الناس، فأما الوقوع فهو المعلوم ضرورة بالتواتر، كالعلم بأن أبا بكر ولى الخلافة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله) ضرورة بطريق التواتر، ومن أراد الوقوف على ذلك فلينظر في كتب التواريخ
---
(1) سورة التوبة 103.
---

[209]
فإنها تشتمل من ذلك على ما يشفى ويكفى.
وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في التاريخ الكبير بإسناد ذكره: إن أبا بكر أقام بالمدينة بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وتوجيهه أسامة في جيشه إلى حيث قتل أبوه زيد بن حارثه لم يحدث شيئا وجاءته وفود العرب مرتدين يقرون بالصلاة ويمنعون الصدقة، فلم يقيل منهم وردهم، وأقام حتى قدم أسامة بعد أربعين يوما من شخوصه، ويقال: بعد سبعين يوما(1).
وروى أبو جعفر، قال: امتنعت العرب قاطبة من أداء الزكاة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلا قريشا وثقيفا(2).
وروى أبو جعفر، عن السرى عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: ارتدت العرب ومنعت الزكاة إلا قريشا وثقيفا، فأما هوازن فقدمت رجلا وأخرت أخرى، أمسكوا الصدقة(4).
وروى أبو جعفر، قال: لما منعت العرب الزكاة كان أبو بكر ينتظر قدوم أسامة بالجيش، فلم يحارب أحدا قبل قدومه إلا عبسا وذبيان، فإنه قاتلهم قبل رجوع أسامة.
وروى أبو جعفر، قال قدمت وفود من قبائل العرب المدينة، فنزلوا على وجوه الناس بها، ويحملونهم إلى أبى بكر أن يقيموا الصلاة وألا يؤتوا الزكاة، فعزم الله لابي بكر على الحق، وقال: لو منعوني عقال بعير لجاهدتهم عليه(6).
وروى أبو جعفر شعرا للخطيل(7) بن أوس، أخى الحطيئة في معنى منع الزكاة، وأن
---
(1) تاريخ الطبري 3: 170.
(2) تاريخ الطبري 3: 242(3) ب: " السدي "، صوابه في ا، د وتاريخ الطبري.
(4) تاريخ الطبري 3: 242.
(5) تاريخ الطبري 3: 243.
(6) تاريخ الطبري 3: 244.
والعقال: الحبل الذي كان يعقل به البعير الذي يؤخذ في الصدقة(7) في الاصول: " الخطل "، وصوابه من تاريخ الطبري.
---

[210]
أبا بكر رد سؤال العرب ولم يجبهم من جملته: أطعنا رسول الله إذ كان بيننا * * فيالعباد الله ما لابي بكر!(1) أيورثها بكر إذا مات بعده * * وتلك لعمر الله قاصمة الظهر فهلا رددتم وفدنا بإجابة * * وهلا حسبتم منه راعية البكر فإن الذى سالوكم فمنعتم * * لكالتمر أو أحلى لحلف بنى فهر(2) وروى أبو جعفر قال: لما قدمت العرب المدينة على أبى بكر فكلموه في إسقاط الزكاة، نزلوا على وجوه الناس بالمدينة فلم يبق أحد إلا وأنزل عليه ناسا منهم، إلا العباس ابن عبد المطلب، ثم اجتمع الى أبى بكر المسلمون، فخوفوه بأس العرب واجتماعها.
قال ضرار بن الازور: فما رأيت أحدا - ليس رسول الله - أملا بحرب شعواء من أبى بكر فجعلنا(3) نخوفه(3) ونروعه، وكأنما انما نخبره بما له لا ما عليه، واجتمعت كلمة المسلمين على إجابة العرب إلى ما طلبت، وأبى أبو بكر أن يفعل إلا ما كان يفعله رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وأن يأخذ إلا ما كان يأخذ، ثم أجلهم يوما وليلة، ثم أمرهم بالانصراف، وطاروا إلى عشائرهم(5).
وروى أبو جعفر قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بعث عمرو بن العاص إلى عمان قبل موته، فمات وهو بعمان، فأقبل قافلا إلى المدينة، فوجد العرب قد منعت الزكاة، فنزل في بنى عامر على قرة بن هبيرة، وقرة يقدم رجلا ويؤخر أخرى، وعلى ذلك بنو عامر كلهم إلا الخواص.
ثم قدم المدينة فأطافت به قريش، فاخبرهم أن العساكر معسكرة حولهم، فتفرق المسلمون، وتحلقوا حلقا، وأقبل عمر بن الخطاب، فمر بحلقة
---
(1) أورد صاحب الاغاني البيت الاول والثاني(2: 157 - طبعة دار الكتب) ونسبهما إلى الحطيئة.
(2) الطبري 3: 246، وفيه: " أو أحلى إلى من التمر:(3) ب: " يجعلنا "، وصوابه من الطبري، د.
(4) الطبري: " نخبره ".
(5) تاريخ الطبري 3: 258.
---

[211]
وهم يتحدثون فيما سمعوا من عمرو، وفي تلك الحلقة على وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن ابن عوف وسعد، فلما دنا عمر منهم سكتوا، فقال: في أي شئ انتم؟ فلم يخبروه فقال: ما أعلمني بالذى خلوتم عليه! فغضب طلحة وقال: الله يا بن الخطاب! إنك لتعلم الغيب! فقال: لا يعلم الغيب إلا الله، ولكن أظن قلتم: ما أخوفنا على قريش من العرب وأخلقهم ألا يقروا بهذا الامر.
قالوا: صدقت، فقال فلا تخافوا هذه المنزلة، أنا والله منكم على العرب أخوف منى عليكم من العرب(1).
قال أبو جعفر: وحدثني السرى، قال: حدثنا شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: نزل عمرو بن العاص بمنصرفه من عمان بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) بقرة بن هبيرة بن سلمة بن يسير، وحوله عساكر من أفنائهم، فذبح له، وأكرم منزلته، فلما أراد الرحلة خلا به وقال: يا هذا، إن العرب لا تطيب لكم أنفسا بالاتاوه فإن أنتم أعفيتموها من أخذ أموالها فستسمع وتطيع، وأن أبيتم فإنها تجتمع عليكم فقال عمرو: أتوعدنا بالعرب وتخوفنا بها! موعدنا حفش أمك، أما والله لاوطئنه عليك الخليل، وقدم على أبي بكر والمسلمين فأخبرهم(2).
وروى أبو جعفر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرق عماله في بنى تميم على قبض الصدقات فجعل الزبرقان بن بدر على عوف والرباب، وقيس بن عاصم على مقاعس والبطون، وصفوان بن صفوان وسبرة بن عمرو على بنى عمرو، ومالك بن نويرة على بنى حنظلة، فلما توفى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ضرب صفوان الى ابى بكر حين وقع إليه الخبر بموت النبي(صلى الله عليه وسلم) بصدقات بنى عمر، وبما ولى منها، وما ولى سبرة، وأقام سبرة في قومه لحدث إن ناب، وأطرق قيس بن عاصم ينظر ما الزبرقان صانع؟ فكان له عدوا وقال وهو ينتظره وينتظر ما يصنع: ويلى عليه! ما أدرى ما أصنع إن أنا
---
(1) تاريخ الطبري 3: 258، 259.
(2) تاريخ الطبري 3: 259.
---

[212]
بايعت أبا بكر وأتيته بصدقات قومي خلفنى فيهم فساءنى عندهم، وأن رددتها عليهم فليأتين أبا بكر فيسوءنى عنده، ثم عزم قيس على قسمتها في مقاعس والبطون، ففعل وعزم الزبرقان على الوفاء، فأتبع صفوان بصدقات عوف والرباب حتى قدم بها المدينة وقال شعرا يعرض فيه بقيس بن عاصم، ومن جملته وفيت بأذواد الرسول وقد أبت * * سعاة فلم يردد بعيرأ أميرها.
فلما أرسل أبو بكر إلى قيس العلاء بن الحضرمي أخرج الصدقة، فأتاه بها وقدم معه إلى المدينة(1).
وفي تاريخ أبى جعفر الطبري من هذا الكثير الواسع، وكذلك في تاريخ غيره من التواريخ، وهذا أمر معلوم باضطرار، لا يجوز لاحد أن يخالف فيه.
فأما قوله: كيف يصح ذلك، وقد قال لهم أبو بكر، إذا أذنوا وأقاموا كأذانكم وإقامتكم، فكفوا عنهم، فجعل أمارة الاسلام والبراءة من الردة الاذان والاقامة، فإنه قد أسقط بعض الخبر، قال أبو جعفر الطبري في كتابه: كانت وصيته لهم: إذا نزلتم فأذنوا واقيموا فإن أذن القوم وأقاموا فكفوا عنهم، فإن لم يفعلوا فلا شئ إلا الغارة، ثم اقتلوهم كل قتله الحرق فما سواه، وإن أجابوا داعية الاسلام فاسألوهم، فإن أقروا بالزكاه فاقبلوا منهم، وإن أبوا فلا شئ إلا الغارة ولا كلمة(2).
فأما قوله: وكيف يطلق قاضى القضاة في سائر أهل الردة ما أطلقه من أنهم كانوا يصلون ومن جملتهم أصحاب مسيلمة وطلحة! فإنما أراد قاضى القضاة بأهل الردة هاهنا مانعي الزكاة لا غير، ولم يرد من جحد الاسلام بالكلية.
فأما قصة مالك بن نويرة وخالد بن الوليد فإنها مشتبهة عندي، ولا غرو فقد اشتهت على الصحابة، وذلك أن من حضرها من العرب اختلفوا في حال القوم: هل كان
---
(1) تاريخ الطبري 3: 267، 268.
(2) تاريخ الطبري 3: 279.
---

[213]
عليهم شعار الاسلام أولا؟ وأختلف أبو بكر وعمر في خالد مع شدة اتفاقهما، فأما الشعر الذى رواه المرتضى لمالك بن نويرة فهو معروف إلا البيت الاخير، فإنه غير معروف، وعليه عمدة المرتضى في هذا المقام، وما ذكره بعد من قصة القوم صحيح كله مطابق لما في التواريخ إلا مويضعات يسيره: منها قوله: إن مالكا نهى قومه عن الاجتماع على منع الصدقات، فإن ذلك غير منقول وإنما المنقول أنه نهى قومه عن الاجتماع في موضع واحد، وامرهم أن يتفرقوا في مياههم، ذكر ذلك الطبري ولم يذكر نهيه إياهم عن الاجتماع على منع الصدقة، وقال الطبري: إن مالكا تردد في أمره: هل يحمل الصدقات أم لا؟ فجاءه خالد وهو متحير سبح.
ومنها أن الطبري ذكر أن ضرار بن الازور قتل مالكا عن غير أمر خالد، وأن خالدا لما سمع الواعية خرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرا أصابه، قال الطبري: وغضب أبو قتاده لذلك، وقال لخالد: هذا عملك! وفارقه وأتى أبا بكر فأخبره فغضب عليه أبو بكر حتى كلمه فيه عمر، فلم يرض إلا أن يرجع إلى خالد، فرجع إليه حتى قدم معه المدينة(1).
ومنها أن الطبري روى أن خالدا لما تزوج أم تميم بنت المنهال امرأة مالك لم يدخل بها وتركها حتى تقضى طهرها، ولم يذكر المرتضى ذلك.
ومنها أن الطبري روى أن متمما لما قدم المدينة طلب إلى أبى بكر في سبيهم فكتب، له برد السبى، والمرتضى ذكر أنه لم يرد إلا في خلافة عمر.
فأما قول المرتضى: أن قول متمم: لو قتل أخى على مثل ما قتل عليه أخوك لما رثيته،
---
(1) تاريخ الطبري 3: 278.
---

[214]
لا يدل على ردته، فصحيح، ولا ريب أنه قصد تقريظ زيد بن الخطاب وأن يرضى عمر أخاه بذلك.
نعما قال المرتضى! إن بين القتلتين فرقا ظاهرا، وإليه أشار متمم لا محاله.
فأما قول مالك: صاحبك، يعنى النبي(صلى الله عليه وسلم)، فقد روى هذه اللفظة الطبري في التاريخ، قال: كان خالد يعتذر عن قتله، فيقول: إنه قال له وهو يراجعه: ما إخال صاحبكم إلا قال كذا وكذا، فقال له خالد: أو ما تعده لك صاحبا(1)! وهذه لعمري كلمة جافية، وإن كان لها مخرج في التأويل، إلا أنه مستكره، وقرائن الاحوال يعرفها من شاهدها وسمعها، فإذا كان خالد قد كان يعتذر بذلك، فقد اندفع قول المرتضى: هلا اعتذر بذلك! ولست أنزه خالدا عن الخطأ، وأعلم أنه كان جبارا فاتكا لا يراقب الدين فيما يحمله عليه الغضب وهوى نفسه، ولقد وقع منه في حياة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مع بنى؟ جذيمه بالغميصاء أعظم مما وقع منه في حق مالك بن نويره، وعفا عنه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بعد أن غضب عليه مدة وأعرض عنه، وذلك العفو هو الذى أطمعه حتى فعل ببنى يربوع ما فعل بالبطاح.
الطعن الثامن قولهم: إن مما يؤثر في حاله وحال عمر دفنهما مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) في بيته، وقد منع الله تعالى الكل من ذلك في حال حياته - فكيف - بعد الممات - بقوله تعالى: " لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم)(2).
أجاب قاضى القضاة بأن الموضع كان ملكا لعائشة، وهى حجرتها التى كانت
---
(1) تاريخ الطبري 3: 280.
(2) سورة الاحزاب 53.
---

[215]
معروفه بها والحجر كلها كانت املاكا لازواج النبي(صلى الله عليه وآله)، وقد نطق القرآن بذلك في قوله:(وقرن في بيوتكن)(1)، وذكر أن عمر استأذن عائشة في ان يدفن في ذلك الموضع، وحتى قال: إن لم تأذن لى فادفنوني في البقيع، وعلى هذا الوجه يحمل ما روى عن الحسن(عليه السلام) أنه لما مات أوصى أن يدفن إلى جنب رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وإن لم يترك ففى البقيع، فلما كان من مروان وسعيد بن العاص ما كان دفن بالبقيع.
وإنما أوصى بذلك بإذن عائشة، ويجوز أن يكون علم من عائشة أنها جعلت الموضع في حكم الوقف، فاستباحوا ذلك لهذا الوجه، قال: وفى دفنه(عليه السلام) في ذلك الموضع ما يدل على فضل أبى بكر لانه(عليه السلام) لما مات اختلفوا في موضع دفنه، وكثر القول حتى روى أبو بكر عنه(صلى الله عليه وآله أنه قال ما يدل على أن الانبياء إذا ماتوا دفنوا حيث ماتوا، فزال الخلاف في ذلك(2).
اعترض المرتضى فقال: لا يخلو موضع قبر النبي(صلى الله عليه وآله) من أن يكون باقيا على ملكه(عليه السلام)، أو يكون انتقل في حياته إلى عائشة على ما ادعاه، فإن كان الاول لم يخل أن يكون ميراثا بعده أو صدقه، فإن كان ميراثا فما كان يحل لابي بكر ولا لعمر من بعده أن يأمرا بدفنهما فيه إلا بعد إرضاء الورثة الذين هم على مذهبنا فاطمة وجماعه الازواج، وعلى مذهبهم هؤلاء ولعباس، ولم نجد واحدا منهما خاطب أحدا من هؤلاء الورثة على ابتياع هذا المكان ولا استنزله عنه بثمن ولا غيره.
وإن كان صدقه فقد كان يجب أن يرضى عنه جماعة المسلمين ويبتاعه منهم، هذا إن جاز الابتياع لما يجرى هذا المجرى، وإن كان انتقل في حياته فقد كان يجب أن يظهر سبب انتقاله والحجة فيه، فإن فاطمة(عليها السلام) لم يقنع منها في انتقال فدك إلى ملكها بقولها، ولا بشهادة من
---
(1) سورة الاحزاب: 33.
(2) نقله المرتضى في الشافي 424.
---

[216]
شهد لها.
فأما تعلقه بإضافة البيوت إليهن في قوله:(وقرن في بيوتكن)، فمن ضعيف الشبهة، لانا قد بينا فيما مضى من هذا الكتاب أن هذه الاضافة لا تقتضي الملك، وإنما تقتضي السكنى، والعادة في استعمال هذه اللفظة فيما ذكرناه ظاهرة قال تعالى:(لا تخرجوهن من بيوتهن)(1)، ولم يرد الله تعالى إلا حيث يسكن وينزلن دون حيث يملكن وما أشبهه، وأظرف من كل شئ تقدم قوله: إن الحسن(عليه السلام) استأذن عائشة في أن يدفن في البيت حتى منعه مروان وسعيد بن العاص، لان هذه مكابرة منه ظاهرة، فان المانع للحسن(عليه السلام) من ذلك لم يكن إلا عائشة، ولعل من ذكره من مروان وسعيد وغيرهما أعانها واتبع في ذلك أمرهما، وروى أنها خرجت في ذلك اليوم على بغل حتى قال ابن عباس: يوما على بغل ويوما على جمل! فكيف تأذن عائشة في ذلك، وهى مالكة الموضع على قولهم، ويمنع منه مروان وغيره ممن لا ملك له في الموضع ولا شركة ولا يد! وهذا من قبيح(2) ما يرتكب.
وأى فضل لابي بكر في روايته عن النبي(صلى الله عليه وآله) حديث الدفن! وعملهم بقوله إن صح فمن مذهب صاحب الكتاب وأصحابه العمل بخبر الواحد العدل في أحكام الدين العظيمة، فكيف لا يعمل بقول أبى بكر في الدفن وهم يعملون بقول من هو دونه فيما هو أعظم من ذلك(3)! * * *
قلت: أما أبو بكر، فإنه لا يلحقه بدفنه مع الرسول(صلى الله عليه وآله) ذم، لانه ما دفن نفسه، وإنما دفنه الناس وهو ميت، فإن كان ذلك خطأ فالاثم والذم لاحقان بمن فعل به ذلك، ولم يثبت عنه بأنه أوصى أن يدفن مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) وإنما قد يمكن أن يتوجه هذا الطعن إلى عمر، لانه سأل عائشة أن يدفن في الحجرة مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأبى بكر.
والقول عندي مشتبه في أمر حجر الازواج:
---
(1) سورة الطلاق 1.
(2) الشافي: " أقبح ".
(3) الشافي 424.
---

[217]
هل كانت على ملك رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى أن توفى، أم ملكها نساؤه والذى تنطق به التواريخ أنه لما خرج من قباء ودخل المدينة وسكن منزل أبى أيوب اختط المسجد واختط حجر نسائه وبناته، وهذا يدل على أنه كان المالك للمواضع وأما خروجها عن ملكه إلى الازواج والبنات فمما لم أقف عليه.
ويجوز أن تكون الصحابة قد فهمت من قرائن الاحوال ومما شاهدوه منه(عليه السلام)، أنه قد أقر كل بيت منها في يد زوجة من الزوجات على سبيل الهبة والعطية، وأن لم ينقل عنه في ذلك صيغة لفظ معين، والقول في بيت فاطمة(عليها السلام) كذلك، لان فاطمة(عليها السلام) لم تكن تملك مالا، وعلى(عليه السلام) بعلها كان فقيرا في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتى إنه كان يستقى الماء ليهود، بيده يسقى بساتينهم لقوت يدفعونه إليه، فمن أين كان له ما يبتاع به حجرة يسكن فيها هو وزوجته(1)! والقول في كثير من الزوجات كذلك أنهن كن فقيرات مدقعات، نحو صفية بنت حيى بن أخطب، وجويرية بنت الحارث، وميمونة، وغيرهن، فلا وجه يمكن أن يتملك منه هؤلاء النسوة والبنت الحجر، إلا أن يكون رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهبها لهن، هذا إن ثبت أنها خرجت عن ملكيته(عليه السلام)، وإلا فهى باقية على ملكيته باستصحاب الحال.
والقول في حجرة زينب بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) كذلك، لانه أقدمها من مكة مفارقة لبعلها أبى العاص بن الربيع، فاسكنها بالمدينة في حجرة منفردة خالية عن بعل، فلا بد أن تكون تلك الحجرة بمقتضى ما يتغلب على الظن ملكا له(عليه السلام)، فيستدام الحكم بملكه لها إلى أن نجد دليلا ينقلنا عن ذلك.
وأما رقية وأم كلثوم زوجتا عثمان، فإن كان مثريا ذا مال فيجوز أن يكون ابتاع حجرة سكنت فيها الاولى منهما، ثم الثانية بعدها.
---
(1) ب: " زوجة ".
---

[218]
فأما احتجاج قاضى القضاة بقوله:(وقرن في بيوتكن)، فاعتراض المرتضى عليه قوى، لان هذه الاضافة إنما تقتضي التخصيص فقط لا التمليك، كما قال:(لا تخرجوهن من بيوتهن)(1)، ويجوز أن يكون أبو بكر لما روى قوله: " نحن لا نورث " ترك الحجر في أيدى الزوجات والبنت على سبيل الاقطاع لهن لا التمليك، أي أباحهن السكنى لا التصرف في رقاب الارض والابنية والالات، لما رأى في ذلك من المصلحة، ولانه كان من المتهجن القبيح إخراجهن من البيوت، وليس كذلك فدك، فانها قرية كبيرة ذات نخل كثير خارجة عن المدينة، ولم تكن فاطمة متصرفة فيها من قبل نفسها ولا بوكيلها، ولا رأتها قط، فلا تشبه حالها حال الحجر.
وأيضا لاباحة هذه الحجر ونزارة أثمانهن، فإنها كانت مبنية من طين قصيرة الجدران، فلعل أبا بكر والصحابة استحقروها، فأقروا النساء فيها وعوضوا المسلمين عنها بالشئ اليسير مما يقتضى الحساب أن يكون من سهم الازواج والبنت عند قسمة الفئ.
وأما القول في الحسن وما جرى من عائشة وبنى أمية فقد تقدم، وكذلك القول في الخبر المروى في دفن الرسول(صلى الله عليه وآله) فكان أبو المظفر هبة الله بن الموسوي صدر المخزن المعمور، كان في أيام الناصر لدين الله إذا حادثته حديث وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) روايه أبى بكر ما رواه من قوله(عليه السلام): " الانبياء يدفنون حيث يموتون "، يحلف أن أبا بكر افتعل هذا الحديث في الحال والوقت، ليدفن النبي(صلى الله عليه وآله) في حجرة ابنته، ثم يدفن هو معه عند موته، علما منه أنه لم يبق من عمره إلا مثل ظمء(2) الحمار، وأنه إذا دفن النبي(صلى الله عليه وآله) في حجرة ابنته فإن ابنته تدفنه لا محالة في حجرتها عند بعلها، وأن دفن النبي(صلى الله عليه وآله) في موضع
---
(1) سورة الطلاق 1.
(2) يقال: ما بقى منه إلا ظمء الحمار، أي شئ يسير لانه ليس شئ أقعر طمئا منه.
---

[219]
آخر فربما لا يتهيأ له أن يدفن عنده، فرأى أن هذا الفوز بهذا الشرف العظيم، وهذا المكان الجليل، مما لا يقتضى حسن التدبير فوته، وإن انتهاز الفرصة فيه واجب، فروى لهم الخبر، فلا يمكنهم بعد روايته ألا يعملوا به، لا سيما وقد صار هو الخليفة، وإليه السلطان والنفع والضرر، وأدرك ما كان في نفسه، ثم نسج عمر على منواله، فرغب إلى عائشة في مثل ذلك، وقد كان يكرمها ويقدمها على سائر الزوجات في العطاء وغيره، فأجابته إلى ذلك، وكان مطاعا في حياته وبعد مماته، وكان يقول: واعجبا للحسن وطمعه في أن يدفن في حجره عائشة والله لو كان أبوه الخليفة يومئذ لما تهيأ له ذلك، ولا تم لبغض عائشة لهم، وحسد الناس إياهم وتمالؤ بنى أمية وغيرهم من قريش عليهم! ولهذا قالوا: يدفن عثمان في حش كوكب(1)، ويدفن الحسن في حجره رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، فكيف والخليفة معاوية والامراء بالمدينة بنو أميه، وعائشة صاحب الموضع، والناصر لبنى هاشم قليل، والشانئ كثير.
وأنا أستغفر الله مما كان أبو المظفر يحلف عليه، وأعلم وأظن ظنا شبيها بالعلم أن أبا بكر ما روى إلا ما سمع، وأنه كان أتقى لله من ذلك.
* * *
الطعن التاسع قولهم: " إنه نص على عمر بالخلافة، فخالف رسول الله(صلى الله عليه وآله) على زعمه، لانه كان يزعم هو ومن قال بقوله أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يستخلف.
---
(1) حش كوكب: موضع بالمدينة.
---

[220]
والجواب أن كونه لم يستخلف لا يدل على تحريم الاستخلاف، كما أنه من لم يركب الفيل لا يدل على تحريم ركوب الفيل.
فإن قالوا ركوب الفيل فيه منفعة ولا مضرة فيه ولم يرد نص بتحريمه، فوجب أن يحسن.
قيل لهم: والاستخلاف مصلحة، ولا مضرة فيه، وقد أجمع المسلمون أنه طريق إلى الامامة، فوجب كونه طريقا إليها، وقد روى عن عمر أنه قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منى - يعنى أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خير منى - يعنى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأما الاجتماع المشار إليه فهو أن الصحابة أجمعوا على أن عمر إمام بنص أبى بكر عليه، وأنفذوا أحكامه، وانقادوا إليه لاجل نص أبى بكر لا لشئ سواه، فلو لم يكن ذلك طريقا إلى الامامة لما أطبقوا عليه.
وقد اختلف الشيخان أبو على وأبو هاشم في أن نص الامام على إمام بعده: هل يكفى في انعقاد إمامته فقال أبو على: لا يكفى، بل لابد من أن يرضى به أربعة حتى يجرى عهده إليه مجرى عقد الواحد برضا أربعة، فإذا قارنه رضا أربعه صار بذلك إماما، ويقول في بيعة عمر: إن أبا بكر أحضر جماعة من الصحابة لما نص عليه ورجع إلى رضاهم بذلك، وقال أبو هاشم بل يكفى نصه عليه ولا يراعى في ذلك رضا غيره به ولو ثبت أن أبا بكر فعله لكان على طريق التبع للنص، لا أنه يؤثر في إمامته مع العهد، ولعل أبا بكر إن كان فعل ذلك فقد استطاب به نفوسهم، ولهذا لم يؤثر فيه كراهية طلحة حين قال: وليت علينا فظا غليظا.
ويبين ذلك أنه لم ينقل استئناف العقد من الصحابة لعمر بعد موت أبى بكر ولا اجتماع جماعة لعقد البيعة له، والرضا به، فدل على أنهم اكتفوا بعهد أبى بكر إليه * * *
---

[221]
الطعن العاشر قولهم: إنه سمى نفسه بخليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، لاستخلافه إياه بعد موته، مع اعترافه أنه لم يستخلفه.
والجواب أن الصحابة سمته خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله) لاستخلافه إياه على الصلاة عند موته، والاستخلاف على الصلاة عند الموت له مزية على الاستخلاف على الصلاة حال الحياة، لان حال الموت هي الحال التى تكون فيها العهود والوصايا وما يهتم به الانسان من أمور الدنيا، والدين لانها حال المفارقة.
وأيضا فان رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما استخلف أحدا على الصلاة بالمدينة وهو حاضر، وإنما كان يستخلف على الصلاه قوما أيام غيبته عن المدينة، فلم يحصل الاستخلاف المطلق على الصلاه بالناس كلهم، وهو(صلى الله عليه وآله) حاضر بين الناس حى إلا لابي بكر، وهذه مزية ظاهرة على سائر الاستخلافات في أمر الصلاة فلذلك سموه خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله).
وبعد، فإذا ثبت أن الاجماع على كون الاختيار طريقا(1) إلى الامامة وحجة، وثبت أن قوما من أفاضل الصحابة اختاروه للخلافة، فقد ثبت أنه خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، لانه لا فرق بين أن ينص الرسول(صلى الله عليه وآله) على شخص معين، وبين أن يشير إلى قوم فيقول؟: من اختار هؤلاء القوم فهو الامام، في أن كل واحد منهما يصح أن يطلق عليه خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله)(2).
---
(1) ا: " سبيلا ".
---

[222]
الطعن الحادى عشر قولهم: أنه حرق الفجاءة السلمى بالنار، وقد نهى النبي(صلى الله عليه وآله) أن يحرق أحد بالنار.
والجواب أن الفجاءة جاء إلى أبى بكر كما ذكر أصحاب التواريخ فطلب منه سلاحا يتقوى به على الجهاد في أهل الردة، فأعطاه، فلما خرج قطع الطريق ونهب أموال المسلمين وأهل الردة جميعا، وقتل كل من وجد، كما فعلت الخوارج حيث خرجت، فلما ظفر به أبو بكر راى حرقه بالنار إرهابا لامثاله من اهل الفساد، ويجوز للامام أن يخص النص العام بالقياس الجلى عندنا(1).
* * *
الطعن الثاني عشر قولهم: إنه تكلم في الصلاة قبل التسليم، فقال: لا يفعلن خالد ما أمرته، قالوا: ولذلك جاز عند أبى حنيفه أن يخرج الانسان من الصلاة بالكلام وغيره من مفسدات الصلاه من دون تسليم، وبهذا احتج أبو حنيفة.
والجواب أن هذا من الاخبار التى تتفرد بها الامامية، ولم تثبت، وأما أبو حنيفة فلم يذهب إلى ما ذهب إليه لاجل هذا الحديث، وإنما احتج بأن التسليم خطاب آدمى، وليس هو من الصلاة وأذكارها، ولا من أركانها، بل هو ضدها، ولذلك يبطلها قبل التمام، ولذلك لا يسلم المسبوق تبعا لسلام الامام، بل يقوم من غير تسليم فدل على أنه ضد للصلاة وجميع الاضداد بالنسبة إلى رفع الضد على وتيرة واحدة، ولذلك استوى الكل في
---
(1) الجلي الواضح.
---

[223]
الابطال قبل التمام، فيستوى الكل في الانتهاء بعد التمام، وما يذكره القوم من سبب كلام أبى بكر في الصلاة أمر بعيد، ولو كان أبو بكر يريد ذلك لامر خالد أن يفعل ذلك الفعل بالشخص المعروف وهو نائم ليلا في بيته، ولا يعلم أحد من الفاعل.
الطعن الثالث عشر قولهم: إنه كتب إلى خالد بن الوليد وهو على الشام يأمره أن يقتل سعد بن عباده فكمن له هو وآخر معه ليلا، فلما مر بهما رمياه فقتلاه، وهتف صاحب خالد في ظلام الليل بعد أن ألقيا سعدا في بئر هناك فيها ماء ببيتين: نحن قتلنا سيد الخزرج * * *
سعد بن عباده ورميناه بسهمين * * فلم تخط فؤاده.
يوهم أن ذلك شعر الجن، وأن الجن قتلت سعدا فلما أصبح الناس فقدوا سعدا، وقد سمع قوم منهم ذلك الهاتف فطلبوه فوجدوه بعد ثلاثة أيام في تلك البئر وقد اخضر، فقالوا هذا مسيس الجن وقال شيطان الطاق لسائل سأله: ما منع عليا أن يخاصم أبا بكر في الخلافه؟ فقال: يا بن أخى، خاف أن تقتله الجن.
والجواب، أما أنا فلا أعتقد أن الجن قتلت سعدا، ولا أن هذا شعر الجن، ولا أرتاب أن البشر قتلوه، وأن هذا الشعر شعر البشر، ولكن لم يثبت عندي أن أبا بكر أمر خالدا، ولا أستبعد أن يكون فعله من تلقاء نفسه ليرضى بذلك أبا بكر - وحاشاه فيكون الاثم على
---

[224]
خالد، وأبو بكر برئ من إثمه وما ذلك من أفعال خالد ببعيد.
* * *
الطعن الرابع عشر قولهم: إنه لما استخلف قطع لنفسه على بيت المال اجره كل يوم ثلاثه دراهم، قالوا: وذلك لا يجوز، لان مصارف أموال بيت المسلمين لم يذكر فيها اجره للامام.
والجواب أنه تعالى جعل في جملة مصرف أموال الصدقات العاملين عليها، وأبو بكر من العاملين.
واعلم أن الامامية لو أنصفت لرأت أن هذا الطعن بان يكون من مناقب أبى بكر أولى من أن يكون من مساويه(1) ومثالبه، ولكن العصبية لا حيلة فيها.
* * *
الطعن الخامس عشر قولهم: إنه لما استخلف صرخ مناديه في المدينة: من كان عنده شئ من كلام الله فليأتنا به، فإنا عازمون على جمع القرآن، ولا يأتنا بشئ منه إلا ومعه شاهدا عدل، قالوا: وهذا خطأ، لان القرآن قد بان بفصاحته عن فصاحة البشر، فأى حاجه إلى شاهدى عدل! والجواب، أن المرتضى ومن تابعه من الشيعة لا يصح لهم هذا الطعن، لان القرآن عندهم ليس معجزا بفصاحته، على أن من جعل معجزته للفصاحة لم يقل: إن كل آية من القرآن هي معجزة في الفصاحة، وأبو بكر إنما طلب كل آية من القرآن لا السورة بتمامها وكمالها التى يتحقق الاعجاز من طريق الفصاحة فيها.
وأيضا فإنه لو أحضر أنسان آية أو آيتين ولم يكن معه شاهد، فربما تختلف العرب هل هذه في الفصاحة بالغة
---
(1) ا: " عيوبه ".
---

[225]
مبلغ الاعجاز الكلى، أم هي ثابتة من كلام العرب بثبوته غير بالغة إلى حد الاعجاز فكان يلتبس الامر ويقع النزاع، فاستظهر أبو بكر بطلب الشهود تأكيدا، لانه إذا انضمت الشهادة إلى الفصاحة الظاهرة ثبت أن ذلك الكلام من القرآن.
* * *
الأصل:
ومن هذا الكتاب إنى والله لو لقيتهم واحدا وهم طلاع الارض كلها ما باليت ولا استوحشت، وإنى من ضلالهم الذى هم فيه، والهدى الذى أنا عليه، لعلى بصيرة من نفسي، ويقين من ربى وإنى إلى لقاء الله لمشتاق، ولحسن ثوابه لمنتظر راج، ولكننى آسى أن يلى هذه الامة سفهاؤها وفجارها، فيتخذوا مال الله دولا وعباده خولا، والصالحين حربا والفاسقين حزبا، فإن منهم الذى شرب فيكم الحرام، وجلد حدا في الاسلام.
وإن منهم من لم يسلم حتى رضخت له على الاسلام الرضائخ، فلو لا ذلك ما أكثرت تأليبكم وتأنيبكم، وجمعكم وتحريضكم، ولتركتكم إذ أبيتم وونيتم.
ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقصت، وإلى أمصاركم قد افتتحت، وإلى ممالككم تزوى، وإلى بلادكم تغزى! انفروا رحمكم الله الى قتال عدوكم، ولا تثاقلوا إلى الارض فتقروا بالخسف، ونبوءوا بالذل، ويكون نصيبكم الاخس، وأن أخا الحرب الارق ومن نام لم ينم عنه، والسلام
---

[226]
الشرح:
طلاع الارض: ملؤها، ومنه قول عمر: لو أن لى طلاع الارض ذهبا لافتديت به من هول المطلع.
وآسى: أحزن.
وأكثرت تأليبكم: تحريضكم وإغراءكم به.
والتأنيب: أشد اللوم.
وونيتم: ضعفتم وفترتم.
وممالككم تزوى، أي تقبض.
ولا تثاقلوا، بالتشديد، أصله " تتثاقلوا ".
وتقروا بالخسف: تعترفوا بالضيم وتصبروا له.
وتبوءوا بالذل ترجعوا به.
والارق: الذى لا ينام.
ومثل قوله(عليه السلام): " من نام لم ينم عنه " قول الشاعر: لله درك ما أردت بثائر * * حران ليس عن الترات براقد(1) أسهرته ثم اضطجعت ولم ينم * * حنقا عليك وكيف نوم الحاقد! فأما الذى رضخت له على الاسلام الرضائخ، فمعاوية والرضيخة شئ قليل يعطاه الانسان يصانع به عن شئ(2) يطلب منه كالاجر، وذلك لانه من المؤلفة قلوبهم الذين رغبوا في الاسلام والطاعة بجمال وشاء دفعت إليهم، وهم قوم معروفون كمعاوية وأخيه يزيد، وأبيهما أبى سفيان، وحكيم بن حزام، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام ابن المغيرة، وحويطب بن عبد العزى، والاخنس بن شريق، وصفوان بن أمية، وعمير بن وهب الجمحى، وعيينة بن حصن، والاقرع بن حابس، وعباس بن مرداس وغيرهم، وكان إسلام هؤلاء للطمع والاغراض الدنياوية، ولم يكن عن أصل ولا عن يقين وعلم.
---
(1) التراث: جمع ترة، وهي الاخذ بالثأر.
(2) في د " أمر ".
---

[227]
وقال الراوندي عنى بقوله: " رضخت لهم الرضائخ عمرو بن العاص، وليس بصحيح، لان عمرا لم يسلم بعد الفتح، وأصحاب الرضائخ كلهم أسلموا بعد الفتح، صونعوا على الاسلام بغنائم حنين.
ولعمري إن أسلام عمرو كان مدخولا أيضا إلا أنه لم يكن عن رضيخة، وإنما كان لمعنى آخر.
فأما الذى شراب الحرام، وجلد في حد الاسلام، فقد قال الراوندي: هو المغيرة بن شعبة، وأخطا فيما قال، لان المغيرة إنما اتهم بالزنا ولم يحد ولم يجر للمغيرة ذكر في شرب الخمر، وقد تقدم خبر المغيره مستوفى، وايضا فان المغيره لم يشهد صفين مع معاوية ولا مع على(عليه السلام) وما للراوندي ولهذا! إنما يعرف هذا الفن أربابه والذى عناه على(عليه السلام) الوليد بن عقبة بن أبى معيط، وكان أشد الناس عليه وأبلغهم تحريضا لمعاوية وأهل الشام على حربه.
* * *
[أخبار الوليد بن عقبة] ونحن نذكر خبر الوليد وشربه الخمر منقولا من كتاب " الاغانى " لابي الفرج على بن الحسين الاصفهانى، قال أبو الفرج: كان سبب إماره الوليد بن عقبة الكوفة لعثمان ما حدثنى به أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنى عبد العزيز بن محمد بن حكيم، عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد، عن ابيه، قال لم يكن يجلس مع عثمان على سريره إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن حرب، والحكم ابن أبى، العاص، والوليد بن عقبة، ولم يكن سريره يسع إلا عثمان وواحدا منهم، فأقبل الوليد يوما فجلس، فجاء الحكم بن أبى العاص فأومأ عثمان إلى الوليد، فرحل له عن مجلسه، فلما قام الحكم قال الوليد: والله يا أمير المؤمنين لقد تلجلج في صدري بيتان قلتهما حين رأيتك آثرت ابن عمك على ابن أمك - وكان الحكم عم عثمان، والوليد أخاه
---

[228]
لامه - فقال عثمان: إن الحكم شيخ قريش، فما البيتان؟ فقال: رأيت لعم المرء زلفى قرابة * * دوين أخيه حادثا لم يكن قدما فأملت عمرا أن يشب وخالدا * * لكى يدعوانى يوم نائبة عما.
يعنى عمرا وخالدا ابني عثمان.
قال: فرق له عثمان وقال: قد وليتك الكوفة، فأخرجه إليها(1).
قال أبو الفرج: وأخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال حدثنى عمر بن شبه قال: حدثنى بعض أصحابنا، عن ابن(2) داب قال: لما ولى عثمان الوليد بن عقبه الكوفه قدمها وعليها سعد بن أبى وقاص، فأخبر بقدومه ولم يعلم أنه قد أمر فقال: وما صنع؟ قالوا: وقف في السوق فهو يحدث الناس هناك، ولسنا ننكر شيئا من أمره، فلم يلبث أن جاءه نصف النهار، فاستاذن على سعد، فأذن له، فسلم عليه بالامرة، وجلس معه، فقال له سعد: ما أقدمك يا أبا وهب؟ قال: أحببت زيارتك، قال وعلى ذاك أجئت بريدا؟ قال: أنا أرزن من ذلك، ولكن القوم احتاجوا إلى عملهم فسرحوني إليه، وقد استعملني أمير المؤمنين على الكوفة فسكت سعد طويلا، ثم قال: لا والله ما أدرى أصلحت بعدنا أم فسدنا بعدك! ثم قال: كلينى وجرينى ضباع وأبشرى * * بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره.
فقال الوليد: أما والله لانا أقول للشعر منك، وأروى له، ولو شئت لاجبتك، ولكني أدع ذاك لما تعلم، نعم والله لقد أمرت بمحاسبتك، والنظر في أمر عمالك، ثم بعث إلى عمال سعد فحبسهم وضيق عليهم، فكتبوا إلى سعد يستغيثون به، فكلمه فيهم فقال له: أو للمعروف عندك موضع؟ قال: نعم فخلى سبيلهم.
(3)
---
(1) الاغاني 4: 174(ساسي)، وفي د " فأخرج ".
---

[229]
قال أحمد(1): وحدثني عمر، عن أبى بكر الباهلى، عن هشيم، عن العوام ابن حوشب.
قال: لما قدم الوليد على سعد قال له سعد: والله ما أدرى كست بعدنا ام حمقنا بعدك! فقال: لا تجزعن يا أبا إسحاق، فإنه الملك يتغداه قوم ويتعشاه آخرون.
فقال سعد: أراكم والله ستجعلونه ملكا(2).
قال أبو الفرج: وحدثنا أحمد قال: حدثنى عمر قال: حدثنى هارون بن معروف، عن ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب قال: صلى الوليد بأهل الكوفة الغداة أربع ركعات، ثم التفت إليهم فقال: أزيدكم؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم(3).
قال أبو الفرج: وحدثني أحمد قال: حدثنا عمر قال حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا جرير، عن الاجلح عن الشعبى قال: قال الحطيئة يذكر الوليد: شهد الحطيئة يوم يلقى ربه * * أن الوليد أحق بالغدر(4) نادى وقد تمت صلاتهم * * أأزيدكم - سكرا - ولم يدر(5) فأبوا أبا وهب ولو أذنوا * * لقرنت بين الشفع والوتر(6) كفوا عنانك إذ جريت ولو * * تركوا عنانك لم تزي(7) ترجى.
---
(1) هو أحمد بن عبد العزيز الجوهري.
(2) الاغاني 4: 176.
(3) الاغاني 4: 176.
(4) الاغاني 4: 176 وفي د " حين يذكر ربه ".
(5) الديوان: " أأزيدكم ثملا ".
(6) الديوان.
" ليزيدهم خيرا ولو قبلوا ".
(7) الديوان: " خلعوا عنانك "، وبعده: ورأوا شمائل ماجد أنف * * يعطي على الميسور والعسر قرعت مكذوبا عليك ولم * * تردد إلى عذر ولا فقر.
---

[230]
وقال الحطيئه أيضا تكلم في الصلاة وزاد فيها * * علانية وأعلن بالنفاق(1) ومج الخمر في سنن المصلى * * ونادى والجميع إلى افتراق أزيدكم على أن تحمدوني * * فما لكم وما لى من خلاق.
(2) قال أبو الفرج: وأخبرنا محمد بن خلف وكيع قال: حدثنا حماد بن إسحاق، قال: حدثنى أبى قال: قال أبو عبيدة وهشام بن الكلبى والاصمعى: كان الوليد زانيا يشرب الخمر، فشرب بالكوفة وقام ليصلى بهم الصبح في المسجد الجامع، فصلى بهم أربع ركعات ثم التفت إليهم فقال: أزيدكم؟ وتقيأ في المحراب بعد أن قرأ بهم رافعا صوته في الصلاة علق القلب الربابا * * بعد ما شابت وشابا.
فشخص أهل الكوفة إلى عثمان فأخبروه بخبره، وشهدوا عليه بشرب الخمر، فأتى به، فأمر رجلا من المسلمين أن يضربه الحد، فلما دنا منه قال: نشدتك الله وقرابتي من أمير المؤمنين! فتركه، فخاف على بن أبى طالب(عليه السلام) أن يعطل الحد، فقام إليه فحده بيده، فقال الوليد: نشدتك الله والقرابة! فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): أسكت أبا وهب، فإنما هلك بنو إسرائيل لتعطيلهم الحدود، فلما ضربه وفرغ منه قال: لتدعوني قريش بعدها جلادا، قال إسحاق: وحدثني مصعب بن الزبير قال: قال الوليد بعد ما شهدوا عليه فجلد: اللهم إنهم قد شهدوا على بزور، فلا ترضهم عن أمير، ولا ترض عنهم أميرا، قال: وقد عكس الحطيئة أبياته فجعلها مدحا للوليد: شهد الحطيئه حين يلقى ربه * * أن الوليد أحق بالعذر
---
(1) ملحق ديوانه 119، وفيه: " وجاهر بالنفاق ".
(2) الاغاني 4: 176.
---

[231]
كفوا عنانك إذ جريت ولو * * تركوا عنانك لم تزل تجرى ورأوا شمائل ماجد أنف * * يعطى على الميسور والعسر فنزعت مكذوبا عليك ولم * * تنزع على طمع ولا ذعر(1).
قال أبو الفرج: ونسخت من كتاب هارون بن الرباب بخطه، عن عمر بن شبة، قال: شهد رجل عند أبى العجاج - وكان على قضاء البصرة - على رجل من المعيطيين بشهادة، وكان الشاهد سكران، فقال المشهود عليه، وهو المعيطى: أعزك الله أيها القاضى، إنه لا يحسن من السكر أن يقرأ شيئا من القرآن، فقال الشاهد: بلى أحسن، قال: فاقرأ فقال: علق القلب الربابا * * بعد ما شابت وشابا.
يمجن(2) بذلك، ويحكى ما قاله الوليد في الصلاة، وكان أبو العجاج أحمق، فظن أن هذا الكلام من القرآن، فجعل يقول: صدق الله ورسوله، ويلكم، كم تعلمون ولا تعملون!(3) قال أبو الفرج: وأخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا عمر بن شبة، عن المدائني، عن مبارك بن سلام، عن فطر بن خليفه، عن أبى الضحى، قال كان ناس من أهل الكوفه يتطلبون عثره الوليد بن عقبة، منهم أبو زينب الازدي، وأبو مورع، فجاءا يوما ولم يحضر الوليد الصلاة، فسالا عنه، فتلطفا حتى علما أنه يشرب، فاقتحما الدار فوجداه يقئ، فاحتملاه وهو سكران حتى وضعاه على سريره، وأخذا خاتمه من يده، فأفاق، فافتقد خاتمه، فسأل عنه أهله، فقالوا: لا ندرى، وقد رأينا رجلين دخلا عليك
---
(1) الاغاني 4: 176 - 177.
(2) يمجن: يقول قولا لا يدرى ما عاقبته، ومنه الماجن، وفي الاغاني: " وانما تماجن ".
(3) الاغاني 4: 178 177.
---

[232]
فاحتملاك فوضعاك على سريرك.
فقال: صفوهما لى، فقالوا: أحدهما آدم(1) طوال حسن الوجه، والاخر عريض مربوع عليه خميصة(2)، فقال: هذا أبو زينب، وهذا أبو مورع، قال: ولقى أبو زينب وصاحبه عبد الله بن حبيش الاسدي وعلقمة بن يزيد البكري وغيرهما، فأخبروهم، فقالوا: اشخصوا إلى أمير المؤمنين فاعلموه، وقال بعضهم: إنه لا يقبل قولكم في أخيه، فشخصوا إليه فقالوا: إنا جئناك في أمر، ونحن مخرجوه إليك من أعناقنا، وقد قيل: إنك لا تقبله، قال: وما هو قالوا: رأينا الوليد وهو سكران من خمر شربها، وهذا خاتمه أخذناه من يده وهو لا يعقل.
فأرسل عثمان إلى على(عليه السلام) فأخبره، فقال: أرى أن تشخصه، فإذا شهدوا عليه بمحضر منه حددته.
فكتب عثمان إلى الوليد، فقدم عليه، فشهد عليه أبو زينب وأبو مورع وجندب الازدي وسعد ابن مالك الاشعري، فقال عثمان لعلى(عليه السلام) قم يا أبا الحسن فاجلده، فقال على(عليه السلام) للحسن ابنه: قم فاضربه فقال الحسن: مالك ولهذا، يكفيك غيرك، فقال على لعبد الله بن جعفر: قم فاضربه فضربة بمخصره(3) فيها سير له رأسان، فلما بلغ أربعين قال: حسبك.
قال أبو الفرج: وحدثني أحمد قال: حدثنا عمر قال: حدثنى المدائني عن الوقاصى، عن الزهري قال: خرج رهط من أهل الكوفة إلى عثمان في أمر الوليد، فقال: أكلما غضب رجل على أميره رماه بالباطل! لئن أصبحت لكم لانكلن بكم، فاستجاروا بعائشة، وأصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتا وكلاما فيه بعض الغلظة، فقال: أما يجد فساق العراق ومراقها ملجا إلا بيت عائشة! فسمعت، فرفعت نعل رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقالت: تركت سنة صاحب هذا النعل، وتسامع الناس فجاءوا حتى ملاوا المسجد، فمن قائل: قد أحسنت ومن قائل: ما للنساء ولهذا! حتى تخاصموا
---
(1) الادم: الاسمر.
(2) الخميصة: كساء أسود مربع له علمان.
(3) المخصرة: ما اختصره الانسان بيده فأمسكه من عصا أو مقرعة أو عكازة وما أشبهها.
---

[233]
وتضاربوا بالنعال، ودخل رهط من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) على عثمان فقالوا له: اتق الله ولا تعطل الحدود، وأعزل أخاك عنهم، ففعل(1).
قال أبو الفرج: حدثنا أحمد قال: حدثنى عمر، عن المدائني، عن أبى محمد الناجى عن مطر الوراق، قال قدم رجل من أهل الكوفة إلى المدينة فقال لعثمان: إنى صليت صلاه الغداة خلف الوليد، فالتفت في الصلاة إلى الناس، فقال: أأزيدكم، فانى أجد اليوم نشاطا؟ وشممنا منه رائحة الخمر، فضرب عثمان الرجل، فقال الناس: عطلت الحدود، وضربت الشهود(2).
قال أبو الفرج: وحدثنا أحمد قال: حدثنا عمر قال: حدثنا أبو بكر الباهلى، عن بعض من حدثه قال: لما شهد على الوليد عند عثمان بشرب الخمر كتب إليه يامره بالشخوص، فخرج وخرج معه قوم يعذرونه منهم عدى بن حاتم الطائى فنزل الوليد يوما يسوق بهم، فارتجز وقال: لا تحسبنا قد نسينا الاحقاف(3) * * والنشوات من معتق صاف * وعزف قينات علينا عزاف * فقال عدى: فاين تذهب بنا إذن! فأقم(3).
قال أبو الفرج: وقد روى أحمد عن عمر، عن رجاله، عن الشعبى، عن جندب الازدي قال: كنت فيمن شهد على الوليد عند عثمان، فلما استتممنا عليه الشهادة حبسه عثمان.
ثم ذكر باقى الخبر وضرب على(عليه السلام) إياه، وقول الحسن ابنه: " مالك ولهذا ".
وزاد فيه وقال على(عليه السلام): لست إذن مسلما، أو قال: من المسلمين.
---
(1) الاغاني 4: 178.
(2) الاغاني 4: 178.
(3) الاغاني: " الايجاف "، وهو ضرب من السير.
(4) الاغاني 4: 178 - 179.
(5) الاغاني 4: 179.
---

[234]
قال أبو الفرج وأخبرني أحمد، عن عمر عن رجاله، أن الشهادة لما تمت قال عثمان لعلى(عليه السلام): دونك ابن عمك فأقم عليه الحد.
فامر على(عليه السلام) ابنه الحسن(عليه السلام)، فلم يفعل، فقال: يكفيك غيرك! فقال على(عليه السلام): بل ضعفت ووهنت وعجزت، قم يا عبد الله بن جعفر فاجلده، فقام فجلده، وعلى(عليه السلام) يعد حتى بلغ أربعين، فقال له على(عليه السلام): أمسك حسبك، جلد رسول الله(صلى الله عليه وآله) أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وكملها عمر ثمانين، وكل سنة(1).
قال أبو الفرج: وحدثني أحمد عن عمر، عن عبد الله بن محمد بن حكيم، عن خالد ابن سعيد، قال: وأخبرني بذلك أيضا إبراهيم بن محمد بن أيوب، عن عبد الله بن مسلم، قالوا جميعا: لما ضرب عثمان الوليد الحد، قال: إنك لتضربني اليوم بشهادة قوم ليقتلنك عاما قابلا(2).
قال أبو الفرج: وحدثني أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، عن عمر بن شبة، عن عبد الله بن محمد بن حكيم، عن خالد بن سعيد.
وأخبرني أيضا إبراهيم، عن عبد الله، قالوا جميعا: كان أبو زبيد الطائى نديما للوليد بن عقبة أيام ولايته الكوفة، فلما شهدوا عليه بالسكر من الخمر خرج عن الكوفة معزولا، فقال أبو زبيد يتذكر أيامه وندامته: من يرى العير أن تمشى على ظهر * * المرورى حداتهن عجال! ناعجات والبيت بيت أبى وهب * * خلاء تحن فيه الشمال يعرف الجاهل المضلل أن الدهر * * فيه النكراء والزلزال ليت شعرى كذا كم العهد أم كانوا * * أناسا كمن يزول فزالوا!
---
(1) الاغاني 4: 179.
(2) 4: 179.
(3) ابن أروي، هو الوليد بن عقبة، وأروي هي أم عثمان بن عفان.
---

[235]
بعد ما تعلمين يا أم عمرو * * كان فيهم عزلنا وجمال ووجوه تودنا مشرقات * * ونوال إذا أريد النوال أصبح البيت قد تبدل بالحى * * وجوها كأنها الاقيال(1) كل شئ يحتال فيه الرجال * * غير أن ليس للمنايا احتيال ولعمر الاله لو كان * * للسيف مضاء وللسان مقال(2) ما تناسيتك الصفاء ولا الود ولا حال دونك الاشغال ولحرمت لحمك المتعضى * * ضلة ضل حلمهم ما اغتالوا(3) قولهم شربك الحرام وقد كان * * شراب سوى الحرام حلال وأبى ظاهر العداوة والشنان * * إلا مقال ما لا يقال من رجال تقارضوا منكرات * * لينالوا الذى ارادوا فنالوا غير ما طالبين ذحلا ولكن * * مال دهر على أناس فمالوا من يخنك الصفاء أو يتبدل * * أو يزل مثل ما يزول الظلال فاعلمن أننى أخوك أخو الود حياتي حتى تزول الجبال ليس بخلى عليك يوما بمال * * أبدا ما أقل نعلا قبال(4) ولك النصر باللسان وبالكف إذا كان لليدين مصال(5) قال أبو الفرج: وحدثني أحمد قال: حدثنى عمر قال: لما قدم الوليد بن عقبة الكوفه قدم عليه أبو زبيد فأنزله دار عقيل بن أبى طالب على باب المسجد، وهى التى
---

[236]
تعرف بدار القبطى، فكان مما احتج به عليه أهل الكوفه أن أبا زبيد كان يخرج إليه من داره وهو نصراني يخترق المسجد فيجعله طريقا(1).
قال: أبو الفرج: وأخبرني محمد بن العباس اليزيدى قال: حدثنى عمى عبيد الله، عن ابن حبيب عن ابن الاعرابي، أن أبا زبيد وفد على الوليد حين استعمله عثمان على الكوفة، فأنزله الوليد دار عقيل بن أبى طالب عند باب المسجد، واستوهبها منه، فوهبها له، فكان ذلك أول الطعن عليه من أهل الكوفة لان أبا زبيد كان يخرج من داره حتى يشق المسجد إلى الوليد فيسمر عنده، ويشرب معه، ويخرج فيشق المسجد وهو سكران، فذاك نبههم عليه.
قال: وقد كان عثمان ولى الوليد صدقات بنى تغلب، فبلغه عنه شعر فيه خلاعة، فعزله.
قال: فلما ولاه الكوفة اختص أبا زبيد الطائى وقربه، ومدحه أبو زبيد بشعر كثير، وقد كان الوليد استعمل الربيع بن مرى بن أوس بن حارثة بن لام الطائى على الحمى فيما بين الجزيرة وظهر الحيرة: فأجدبت الجزيرة، وكان أبو زبيد في بنى تغلب نازلا، فخرج بإبلهم ليرعيهم، فأبى عليهم الربيع بن مرى ومنعهم، وقال لابي زبيد: أن شئت أرعيك وحدك فعلت، فأتى أبو زبيد إلى الوليد فشكاه، فأعطاه ما بين القصور الحمر من الشام، إلى القصور الحمر من الحيرة وجعلها له حمى، وأخذها من الربيع ابن مرى، فقال أبو زبيد يمدح الوليد، والشعر يدل على أن الحمى كان بيد مرى بن أوس، لا بيد الربيع ابنه، وهكذا هو في رواية عمر بن شبة: لعمر أبيك يا بن أبى مرى * * لغيرك من أباح لنا الديارا(2) أباح لنا أبارق ذات قور * * ونرعى القف منها والقفارا(3)
---
(1) الاغاني 4: 180.
(2) الاغاني: " لها الديارا ".
(3) الابارق: جمع الابرق، وهو الارض الغليظة فيها حجارة ورمل وطين مختلطة.
والقف ما يبس من البقول وتنائر حبه وورقه، ترعاه الابل وتسمن عليه.
---

[237]
بحمد الله ثم فتى قريش * * أبى وهب غدت بدنا غزارا(1) أباح لنا ولا نحمى عليكم * * إذا ما كنتم سنة جزارا.
قال: يقول: إذا أجدبتم فإنا لا نحميها عليكم، وإذا كنتم أسأتم وحميتموها علينا.
فتى طالت يداه إلى المعالى * * وطحطحت المجذمة القصارا(2).
قال، ومن شعر أبى زبيد فيه يذكر نصره له على مرى بن أوس بن حارثة: يا ليت شعرى بأنباء أنبؤها * * قد كان يعنى بها صدري وتقديري عن امرئ ما يزده الله من شرف * * أفرح به ومرى غير مسرور إن الوليد له عندي وحق له * * ود الخليل ونصح غير مذخور لقد دعاني وأدناني أظهرني * * على الاعادي بنصر غير تغرير وشذب القوم عنى غير مكترث * * حتى تناهوا على رغم وتصغير نفسي فداء أبى وهب وقل له * * يا أم عمرو فحلى اليوم أو سيرى(3).
وقال أبو زبيد يمدح الوليد ويتألم لفراقه حين عزل عن الكوفة: لعمري لئن أمسى الوليد ببلدة * * سواى لقد أمسيت للدهر معورا(4) خلا أن رزق الله غاد ورائح * * وإنى له راج وإن سار أشهرا وكان هو الحصن الذى ليس مسلمى * * إذا أنا بالنكراء هيجت معشرا إذا صادفوا دوني الوليد فإنما * * يرون بوادي ذى حماس مزعفرا(5).
---
(1) غزارا: جمع غزيرة، وهي من الابل الكثيرة اللبن.
(2) طحطح الرجل ماله: فرقة.
(3) الاغاني 4: 180.
(4) المعور: الذي لا حافظ له.
(5) ذو حماس: موضع تلقاء عرعر، أو مأسدة.
والمزعفر: الاسد الورد، وبعده في الاغني: خضيب بنان ما يزال براكب * * يخب وضاحى جلده قد تقشرا.
---

[238]
وهى طويلة يصف فيها الاسد(1).
قال أبو الفرج: وحدثنا أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر عن رجاله، عن الوليد قال: لما فتح رسول الله(صلى الله عليه وآله) مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم، فيدعو لهم بالبركة، ويمسح يده على رؤوسهم، فجئ بى إليه وأنا مخلق، فلم يمسني، وما منعه إلا أن أمي خلقتني بخلوق، فلم يمسني من أجل الخلوق(2).
قال أبو الفرج: وحدثني إسحاق بن بنان الانماطى، عن حنيش بن ميسر، عن عبد الله ابن موسى، عن أبى ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال الوليد بن عقبة لعلى بن أبى طالب(عليه السلام): أنا أحد منك سنانا، وأبسط منك لسانا، وأملا للكتيبة، فقال على(عليه السلام): اسكت يا فاسق فنزل القرآن فيهما:(أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون(3).
قال أبو الفرج: وحدثني أحمد بن عبد العزيز، عن عمر بن شبة عن محمد ابن حاتم، عن يونس بن عمر، عن شيبان، عن يونس، عن قتاده في قوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبا فتبينوا)(4).
قال: هو الوليد بن عقبة بعثه النبي(صلى الله عليه وآله) مصدقا إلى بنى المصطلق، فلما رأوه أقبلوا نحوه، فهابهم، فرجع إلى النبي(صلى الله عليه وآله) فقال له: إنهم ارتدو عن الاسلام، فبعث النبي(صلى الله عليه وآله) خالد بن الوليد، فعلم عملهم، وأمره أن يتثبت، وقال له: انطلق ولا تعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلا، وأنفذ عيونه نحوهم، فلما جاءوه أخبروه أنهم متمسكون بالاسلام وسمع أذانهم وصلاتهم، فلما أصبح أتاهم فرأى ما يعجبه، فرجع إلى الرسول(صلى الله عليه وآله) فاخبره، فنزلت هذه الاية(5).
---
(1) الاغاني 4: 182.
(2) الاغاني 4: 182.
(3) سورة السجدة: 18.
(4) سورة الحجرات 6.
(5) الاغاني 4: 182.
---

[239]
قلت: قد لمح ابن عبد البر صاحب كتاب " الاستيعاب " في هذا الموضع نكتة حسنة، فقال في حديث الخلوق: هذا حديث مضطرب منكر، لا يصح، وليس يمكن أن يكون من بعثه النبي(صلى الله عليه وآله) مصدقا صبيا يوم الفتح، قال: ويدل أيضا على فساده أن الزبير بن بكار وغيره من أهل العلم بالسير والاخبار ذكروا أن الوليد وأخاه عمارة ابني عقبة بن أبى معيط خرجا من مكة ليردا أختهما أم كلثوم عن الهجرة، وكانت هجرتها في الهدنة التى بين النبي(صلى الله عليه وآله) وبين أهل مكة، ومن كان غلاما مخلقا بالخلوق يوم الفتح ليس يجئ منه مثل هذا.
قال: ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن أن قوله عز وجل:(إن جاءكم فاسق بنباء فتبينوا) أنزلت في الوليد لما بعثه رسول الله(صلى الله عليه وآله) مصدقا، فكذب على بنى المصطلق وقال: إنهم ارتدوا وامتنعوا من أداء الصدقة.
قال أبو عمر: وفيه وفي على(عليه السلام) نزل:(أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون)(1)، في قصتهما المشهورة قال: ومن كان صبيا يوم الفتح لا يجئ منه مثل هذا، فوجب أن ينظر في حديث الخلوق، فإنه رواية جعفر بن برقان، عن ثابت، عن الحجاج، عن أبى موسى الهمداني، وأبو موسى مجهول لا يصح حديثه.
* * *
ثم نعود إلى كتاب أبى الفرج الاصبهاني، قال أبو الفرج: وأخبرني أحمد بن عبد العزيز، عن عمر بن شبة، عن عبد الله بن موسى، عن نعيم بن حكيم، عن أبى مريم، عن على(عليه السلام) أن امرأة الوليد بن عقبة جاءت إلى النبي(صلى الله عليه وآله) تشتكى إليه الوليد، وقالت: إنه يضربها، فقال لها: ارجعي إليه وقولى له: إن رسول الله قد أجارني، فانطلقت، فمكثت ساعة، ثم رجعت فقالت: إنه
---

[240]
ما أقلع عنى، فقطع رسول الله(صلى الله عليه وآله) هدبه(1) من ثوبه وقال، اذهبي بها إليه وقولى له: إن رسول الله قد أجارني، فانطلقت فمكثت ساعة ثم رجعت فقالت: ما زادني إلا ضربا، فرفع رسول الله(صلى الله عليه وآله) يده قال: اللهم عليك بالوليد " مرتين أو ثلاثا(2).
قال أبو الفرج: واختص الوليد لما كان واليا بالكوفة ساحرا كاد يفتن الناس، كان يريه كتيبتين تقتتلان فتحمل إحداهما على الاخرى فتهزمها، ثم يقول له أيسرك أن أريك المنهزمة تغلب الغالبه فتهزمها؟ فيقول: نعم، فجاء جندب الازدي مشتملا على سيفه، فقال: أفرجوا، لى، فأفرجوا فضربه حتى قتله، فحبسه الوليد قليلا ثم تركه.
(3) قال أبو الفرج: وروى أحمد عن عمر، عن رجاله: أن جندبا لما قتل الساحر حبسه الوليد، فقال له دينار بن دينار: فيم حبست هذا، وقد قتل من أعلن بالسحر في دين محمد(صلى الله عليه وسلم)، ثم مضى إليه فأخرجه من الحبس، فأرسل الوليد إلى دينار ابن دينار فقتله(4).
قال أبو الفرج: حدثنى عمى الحسن بن محمد قال: حدثنى الخراز، عن المدائني، عن على بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان، عن الزهري وغيره، أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لما انصرف عن غزاة بنى المصطلق نزل رجل من المسلمين فساق بالقوم ورجز، ثم آخر فساق بهم ورجز، ثم بدا لرسول الله(صلى الله عليه وآله) أن يواسى أصحابه، فنزل فساق بهم ورجز، وجعل يقول فيما يقول: جندب وما جندب والاقطع زيد الخير
---
(1) الاستيعاب.
(2) الاغاني 4: 183.
(3) الاغاني 4: 183.
(4) الاغاني 4: 183.
---

[241]
فدنا منه أصحابه فقالوا: يا رسول الله، ما ينفعنا سيرنا مخافة أن تنهشك دابة، أو تصيبك نكبة.
فركب ودنوا منه وقالوا: قلت قولا لا ندرى ما هو؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: كنت تقول: جندب وما جندب، والاقطع زيد الخير.
فقال: رجلان يكونان في هذه الامة يضرب أحدهما ضربة يفرق بين الحق والباطل، وتقطع يد الاخر في سبيل الله ثم، يتبع الله آخر جسده بأوله، وكان زيد، هو زيد بن صوحان، وقطعت يده في سبيل الله يوم جلولاء، وقتل يوم الجمل مع على بن أبى طالب(عليه السلام) وأما جندب هذا فدخل على الوليد بن عقبة وعنده ساحر يقال له: أبو شيبان، يأخذ أعين الناس، فيخرج مصارين بطنهم ثم يردها، فجاء من خلفه فضربه فقتله، وقال: العن وليدا وأبا شيبان وابن حبيش راكب الشيطان * رسول فرعون إلى هامان(1) * قال أبو الفرج: وقد روى أن هذا الساحر كان يدخل عند الوليد في جوف بقرة حية، ثم يخرج منها، فرآه جندب فذهب إلى بيته، فاشتمل على سيف، فلما دخل الساحر في البقرة قال جندب:(أفتأتون السحر وانتم تبصرون ثم ضرب وسط البقره فقطعها وقطع الساحر معها، فذعر الناس، فسجنه الوليد، وكتب بأمره إلى عثمان(3).
* * *
قال أبو الفرج: فروى أحمد بن عبد العزيز، عن حجاج بن نصير، عن قره، عن
---
(1) الاغاني 4: 183، 184.
(2) سورة الانبياء 3.
(3) الاغاني 4: 184.
---

[242]
محمد بن سيرين، قال: انطلق بجندب بن كعب الازدي قاتل الساحر بالكوفة إلى السجن، وعلى السجن رجل نصراني من قبل الوليد، وكان يرى جندب بن كعب يقوم بالليل ويصبح صائما، فوكل بالسجن رجلا، ثم خرج فسأل الناس عن أفضل أهل الكوفة، فقالوا: الاشعث بن قيس، فاستضافه فجعل يراه ينام الليل ثم يصبح فيدعو بغدائه، فخرج من عنده وسأل: أي أهل الكوفة أفضل؟ قالوا: جرير بن عبد الله، فذهب إليه فوجده ينام الليل ثم يصبح فيدعو بغدائه، فاستقبل القبلة، وقال: ربى رب جندب، وديني دين جندب.
ثم أسلم(1).
قال أبو الفرج: فلما نزع عثمان الوليد عن الكوفة أمر عليها سعيد بن العاص، فلما قدمها قال: اغسلوا هذا المنبر، فإن الوليد كان رجلا نجسا، فلم يصعده حتى غسل.
قال أبو الفرج: وكان الوليد أسن من سعيد بن العاص، وأسخى نفسا، وألين جانبا، وأرضى عندهم، فقال بعض شعرائهم: وجاءنا من بعده سعيد(2) * * ينقص في الصاع ولا يزيد وقال آخر منهم: فررت من الوليد إلى سعيد * * كأهل الحجر إذ فزعوا فباروا يلينا من قريش كل عام * * أمير محدث أو مستشار لنا نار تحرقنا فنخشى * * وليس لهم - ولا يخشون - نار(3).
قال أبو الفرج: وحدثنا أحمد، قال: حدثنا عمر، عن المدائني، قال: قدم الوليد بن
---
(1) الاغاني 4: 183.
(2) أول الرجز في الاغاني: * يا ويلنا قد ذهب الوليد *(3) الاغاني 4: 184.
---

[243]
عقبة الكوفة في أيام معاوية زائرا للمغيرة بن شعبة، فأتاه أشراف الكوفة فسلموا عليه.
وقالوا: والله ما رأينا بعدك مثلك، فقال: أخيرا أم شرا! قالوا: بل خيرا، قال: ولكني ما رأيت بعدكم شرا منكم.
فأعادوا الثناء عليه، فقال: بعض ما تأتون به! فو الله إن بغضكم لتلف، وإن حبكم لصلف(1).
قال أبو الفرج: وروى عمر بن شبة، أن قبيصة بن جابر كان ممن كثر(2) على الوليد، فقال معاوية يوما والوليد وقبيصة عنده: يا قبيصة ما كان شأنك وشأن الوليد؟ قال: خير يا أمير المؤمنين، إنه في أول الامر وصل الرحم، وأحسن الكلام، فلا تسأل عن شكر وحسن ثناء، ثم غضب على الناس وغضبوا عليه، وكنا معهم، فإما ظالمون فنستغفر الله، وأما مظلومون فيغفر الله له، فخذ في غير هذا يا أمير المؤمنين، فإن الحديث ينسى القديم.
قال معاوية: ما أعلمه إلا قد أحسن السيرة، وبسط الخير، وقبض الشر.
قال: فأنت يا أمير المؤمنين اليوم أقدر على ذلك فافعله، فقال: اسكت لا سكت، فسكت وسكت القوم، فقال معاوية بعد يسير: ما لك لا تتكلم يا قبيصة؟ قال: نهيتني عما كنت أحب فسكت عما لا أحب.
قال أبو الفرج: ومات الوليد بن عقبة فويق الرقة، ومات أبو زبيد هناك، فدفنا جميعا في موضع واحد، فقال في ذلك أشجع السلمى وقد مر بقبريهما: مررت على عظام أبى زبيد * * وقد لاحت ببلقعة صلود فكان له الوليد نديم صدق * * فنادم قبره قبر الوليد وما أدرى بمن تبدو المنايا * * بحمزة أم باشجع أم يزيد! قيل: هم إخوته، وقيل: ندماؤه(3).
قال أبو الفرج: وحدثني أحمد بن عبد العزيز، عن محمد بن زكريا الغلابى،
---
(1) الاغاني 4: 184.
(2) كذا في ا، د، وفي ب: " كبر ".
(3) الاغاني 4: 185.
---

[244]
عن عبد الله بن الضحاك، عن هشام بن محمد عن أبيه قال: وفد الوليد بن عقبة - وكان جوادا - إلى معاوية فقيل له هذا الوليد بن عقبة بالباب، فقال: والله ليرجعن مغيظا غير معطى، فإنه الان قد أتانا يقول: على دين وعلى كذا، ائذن له، فأذن له، فسأله وتحدث معه، ثم قال له معاوية: أما والله إن كنا لنحب إتيان مالك بالوادي، ولقد كان يعجب أمير المؤمنين، فإن رأيت أن تهبه ليزيد فافعل، قال: هو ليزيد،، ثم خرج وجعل يختلف إلى معاوية، فقال له يوما: انظر يا أمير المؤمنين في شأني،، فإن على مؤونة، وقد أرهقني دين، فقال له: ألا تستحيى لنفسك وحسبك، تأخذ ما تأخذه فتبذره، ثم لا تنفك تشكو دينا! فقال الوليد: أفعل، ثم انطلق من مكانه، فسار إلى الجزيرة، وقال يخاطب معاوية: فإذا سئلت تقول: " لا " * * وإذا سألت تقول: هات تأبى فعال الخير لا * * تروى وأنت على الفرات أفلا تميل إلى " نعم " * * أو ترك " لا " حتى الممات! وبلغ معاوية شخوصه إلى الجزيره فخافة، وكتب إليه: أقبل، فكتب: أعف وأستعفى كما قد أمرتنى * * فأعط سواى ما بدا لك وابخل سأحدو ركابي عنك إن عزيمتي * * إذا نابنى أمر كسلة منصل وإنى امرؤ للنأى منى تطرب * * وليس شبا قفل على بمقفل ثم رحل إلى الحجاز، فبعث إليه معاويه بجائزه(1) * * *
.
وأما أبو عمر بن عبد البر فإنه ذكر في " الاستيعاب " في باب الوليد، قال: إن له أخبارا فيها شناعة تقطع على سوء حاله، وقبح أفعاله، غفر الله لنا وله، فلقد كان من رجال قريش
---
(1) الاغاني 4: 187.
---

[245]
ظرفا وحلما وشجاعة وجودا وأدبا، وكان من الشعراء المطبوعين.
قال: وكان الاصمعي وأبو عبيدة وابن الكلبى وغيرهم يقولون: إنه كان فاسقا شريب خمر، وكان شاعرا كريما.
قال: وأخباره في شربه الخمر ومنادمته أبا زبيد الطائى كثيرة مشهورة، ويسمج بنا ذكرها، ولكنا نذكر منها طرفا.
ثم ذكر ما ذكره أبو الفرج في الاغانى، وقال: إن خبر الصلاة وهو سكران، وقوله: " أأزيدكم؟ " خبر مشهور روته الثقات من نقلة الحديث.
قال أبو عمر بن عبد البر: وقد ذكر الطبري في رواية أنه تغضب عليه قوم من أهل الكوفه حسدا وبغيا، وشهدوا عليه بشرب الخمر، وقال: إن عثمان قال له: يا أخى اصبر، فإن الله يأجرك ويبوء القوم بإثمك.
قال أبو عمر: هذا الحديث لا يصح عند أهل الاخبار ونقلة الحديث، ولا له عند أهل العلم أصل، والصحيح ثبوت الشهادة عليه عند عثمان، وجلده الحد، وأن عليا هو الذى جلده.
قال: ولم يجلده بيده، وإنما أمر بجلده، فنسب الجلد إليه.
قال أبو عمر: ولم يرو الوليد من السنة ما يحتاج فيها إليه، ولكن حارثة بن مضرب روى عنه أنه قال: " ما كانت نبوة إلا كان بعدها ملك
---
(1) الاستيعاب 1552 وما بعدها(طبعة نهضة مصر).
---

[246]
(63)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) إلى أبى موسى الاشعري وهو عامله على الكوفة، وقد بلغه عنه تثبيطه الناس عن الخروج إليه لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل: من عبد الله على أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس: أما بعد، فقد بلغني عنك قول هو لك وعليك، فإذا قدم عليك رسولي فارفع ذيلك، واشدد مئزرك وأخرج من جحرك، واندب من معك، فإن حققت فانفذ، وإن تفشلت فابعد، وأيم الله لتؤتين من حيث أنت، ولا تترك حتى يخلط زبدك بخاثرك، وذائبك بجامدك، وحتى تعجل عن قعدتك، وتحذر من أمامك، كحذرك من خلفك، وما هي بالهوينى التى ترجو، ولكنها الداهية الكبرى، يركب جملها، ويذل صعبها، ويسهل جبلها.
فاعقل عقلك، واملك أمرك، وخذ نصيبك وحظك، فإن كرهت فتنح إلى غير رحب، ولا في نجاة فبالحرى لتكفين وأنت نائم حتى لا يقال: أين فلان! والله إنه لحق مع محق وما يبالى ما صنع الملحدون! والسلام.
* * *
الشرح:
المراد بقوله: " قول هو لك وعليك "، أن أبا موسى كان يقول لاهل الكوفة: إن عليا أمام هدى، وبيعته صحيحة إلا أنه لا يجوز القتال معه لاهل القبلة، وهذا القول بعضه حق، وبعضه باطل.
---

[247]
وقوله: " فارفع ذيلك "، أي شمر للنهوض معى واللحاق بى، لنشهد حرب أهل البصرة، وكذلك قوله: " واشدد مئزرك " وكلتاهما كنايتان عن الجد والتشمير في الامر.
قال: " واخرج من جحرك " أمر له بالخروج من منزله للحاق به، وهى كناية فيها غض من أبى موسى واستهانه به لانه لو أراد إعظامه لقال: واخرج من خيسك(1)، أو من غيلك(2) كما يقال للاسد، ولكنه جعله ثعلبا أو ضبا.
قال: " واندب من معك "، أي واندب رعيتك من أهل الكوفة إلى الخروج معى واللحاق بى.
ثم قال: " وإن تحققت فانفذ " " أي أمرك مبنى على الشك، وكلامك في طاعتي؟ كالمنتاقض؟ فإن حققت لزوم طاعتي لك فانفذ، أي سر حتى تقدم على، وإن أقمت على الشك فاعتزل العمل، فقد عزلتك.
قوله: " وايم الله لتؤتين " معناه إن أقمت على الشك والاسترابة وتثبيط أهل الكوفة عن الخروج إلى وقولك لهم: لا يحل لكم سل السيف لا مع على ولا مع طلحة، والزموا بيوتكم، واكسروا سيوفكم، ليأتنيكم.
وأنتم في منازلكم بالكوفة أهل البصرة مع طلحة، ونأتينكم نحن بأهل المدينة والحجاز، فيجتمع عليكم سيفان من أمامكم ومن خلفكم، فتكون ذلك الداهية الكبرى التى لا شواة لها.
قوله: " ولا تترك حتى يخلط زبدك بخاثرك " تقول للرجل إذا ضربته حتى أثخنته: لقد ضربته حتى خلطت زبده بخاثره وكذلك حتى خلطت ذائبه بجامده، والخاثر: اللبن الغيظ، والزبد خلاصه اللبن وصفوته، فإذا أثخنت الاسنان ضربا كنت كأنك
---
(1) الخيس: معرس الاسد.
(2) الغيل: الشجر الكثير الملتف.
---

[248]
خلطت ما رق ولطف من أخلاطه بما كثف وغلظ منها، وهذا مثل، ومعناه لتفسدن حالك ولتخلطن، وليضربن ما هو الان منتظم من أمرك.
قوله: وحتى تعجل عن قعدتك "، القعدة بالكسر هيئة القعود كالجلسة والركبه أي وليعجلنك الامر عن هيئة قعودك، يصف شدة الامر وصعوبته.
قوله: وتحذر من أمامك كحذرك من خلفك "، يعنى يأتيك من خلفك إن أقمت على منع الناس عن الحرب معنا ومعهم أهل البصره وأهل المدينة، فتكون كما قال الله تعالى:(إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم)(1).
قوله: "(وما هي بالهوينى التى ترجو "، الهوينى تصغير " الهونى " التى هي أنثى " أهون "، أي ليست هذه الداهية والجائحة التى اذكرها لك بالشئ الهين الذى ترجو اندفاعه وسهولته.
ثم قال: بل هي الداهية الكبرى ستفعل لا محالة إن استمررت على ما أنت عليه، وكنى عن قوله: " ستفعل لا محالة " بقوله: " يركب جملها " وما بعده، وذلك لانها إذا ركب جملها، وذلل صعبها وسهل وعرها فقد فعلت، أي لا تقل: هذا أمر عظيم صعب المرام، أي قصد الجيوش من كلا الجانبين الكوفة، فإنه إن دام الامر على ما أشرت إلى أهل الكوفة من التخاذل والجلوس في البيوت، وقولك لهم: " كن عبد الله المقتول " لنقعن بموجب ما ذكرته لك، وليرتكبن أهل الحجاز وأهل البصرة هذا الامر المستصعب، لانا نحن نطلب أن نملك الكوفة، وأهل البصرة كذلك، فيجتمع عليها الفريقان.
ثم عاد إلى أمره بالخروج إليه فقال له: " فاعقل عقلك، واملك أمرك، وخذ نصيبك
---
(1) سورة الاحزاب 10.
---

[249]
وحظك "، أي من الطاعة، واتباع الامام الذى لزمتك بيعته، فإن كرهت ذلك، فتنح عن العمل فقد عزلتك، وابعد عنا لا في رحب، أي لا في سعة، وهذا ضد قولهم مرحبا.
ثم قال: فجدير أن تكفى ما كلفته من حضور الحرب وأنت نائم، أي لست معدودا عندنا ولا عند الناس من الرجال الذين تفتقر الحروب والتدبيرات إليهم فسيغنى الله عنك ولا يقال: أين فلان؟ ثم أقسم أنه لحق، أي أنى في حرب هؤلاء لعلى حق، وإن من أطاعنى مع إمام محق ليس يبالى ما صنع الملحدون، وهذا إشاره إلى قول النبي(صلى الله عليه وآله): " اللهم أدر الحق معه حيثما دار
---

[250]
(64)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) إلى معاوية جوابا عن كتابه *: أما بعد، فإنا كنا نحن وأنتم على ما ذكرت من الالفة والجماعة، ففرق بيننا وبينكم أمس أنا آمنا وكفرتم، واليوم أنا استقمنا وفتنتم، وما أسلم مسلمكم إلا كرها، وبعد أن كان أنف الاسلام كله لرسول الله(صلى الله عليه وآله) حربا.
وذكرت أنى قتلت طلحة والزبير، وشردت بعائشة، ونزلت بين المصرين، وذلك أمر غبت عنه، فلا عليك، ولا العذر فيه إليك.
وذكرت أنك زائري في جمع المهاجرين والانصار، وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك، فإن كان فيك عجل فاسترفه، فإنى أن أزرك فذلك جدير أن يكون الله إنما بعثنى إليك للنقمه منك، وإن تزرنى فكما قال أخو بنى أسد: مستقبلين رياح الصيف تضربهم * * بحاصب بين أغوار وجلمود وعندي السيف الذى أعضضتة بجدك وخالك وأخيك في مقام واحد فإنك والله ما علمت الاغلف القلب، المقارب العقل، والاولى أن يقال لك: إنك رقيت سلما أطلعك مطلع سوء عليك لا لك، لانك نشدت غير ضالتك، ورعيت غير سائمتك وطلبت أمرا لست من أهله ولا في معدنه، فما أبعد قولك من فعلك!
---
(*) بقية شرح هذه الرسالة في الجزء الثامن عشر.
---

[251]
وقريب ما أشبهت من أعمام وأخوال! حملتهم الشقاوة وتمنى الباطل، على الجحود بمحمد(صلى الله عليه وآله) فصرعوا مصارعهم حيث علمت، لم يدفعوا عظيما، ولم يمنعوا حريما، بوقع سيوف ما خلا منها الوغى، ولم تماشها الهوينى.
وقد أكثرت في قتله عثمان، فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم إلى، أحملك وإياهم على كتاب الله تعالى، وأما تلك التى تريد، فانها خدعة الصبى عن اللبن في أول الفصال، والسلام لاهله.
* * *
الشرح:
[كتاب معاويه إلى على] أما الكتاب الذى كتبه إليه معاوية، وهذا الكتاب جوابه، فهو: من معاوية بن أبى سفيان، إلى على بن أبي طالب: أما بعد، فإنا بنى عبد مناف لم نزل ننزع من قليب واحد، ونجرى في حلبة واحدة، ليس لبعضنا على بعض فضل، ولا لقائمنا على قاعدنا فخر، كلمتنا مؤتلفة وألفتنا جامعة، ودارنا واحدة، يجمعنا كرم العرق، ويحوينا شرف النجار، ويحنو قوينا على ضعيفنا، ويواسى غنينا فقيرنا، قد خلصت قلوبنا من وغل الحسد، وطهرت أنفسنا من خبث النية فلم نزل كذلك حتى كان منك ما كان من الادهان في أمر ابن عمك، والحسد له، ونصرة الناس عليه، حتى قتل بمشهد منك، لا تدفع عنه بلسان ولا يد.
فليتك
---

[252]
أظهرت نصره، حيث أسررت خبره، فكنت كالمتعلق بين الناس بعذر(1) وإن ضعف، والمتبرئ من دمه بدفع وإن وهن، ولكنك جلست في دارك تدس إليه الدواهي، وترسل إليه الافاعى، حتى إذا قضيت وطرك منه، أظهرت شماتة وأبديت طلاقة، وحسرت للامر عن ساعدك، وشمرت عن ساقك، ودعوت الناس إلى نفسك، وأكرهت أعيان المسلمين على بيعتك، ثم كان منك بعد ما كان، من قتلك شيخي المسلمين أبى محمد طلحة وأبى عبد الله الزبير، وهما من الموعودين بالجنة، والمبشر قاتل أحدهما بالنار في الاخرة، هذا إلى تشريدك بأم المؤمنين عائشة وإحلالها محل الهون، متبذلة بين أيدى الاعراب وفسقه أهل الكوفة، فمن بين مشهر لها، وبين شامت بها، وبين ساخر منها.
ترى ابن عمك كان بهذه لو رآه راضيا، أم كان يكون عليك ساخطا، ولك عنه زاجرا! أن تؤذى أهله وتشرد بحليلته، وتسفك دماء أهل ملته.
ثم تركك دار الهجرة التى قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) عنها: " إن المدينة لتنفى خبثها كما ينفى الكير(2) خبث الحديد "، فلعمري لقد صح وعده وصدق قوله، ولقد نفت خبثها، وطردت عنها من ليس بأهل أن يستوطنها، فأقمت بين المصرين، وبعدت عن بركة الحرمين، ورضيت بالكوفة بدلا من المدينة وبمجاورة الخورنق والحيرة عوضا من مجاورة خاتم النبوة، ومن قبل ذلك ما عبت خليفتي رسول الله(صلى الله عليه وآله) أيام حياتهما، فقعدت عنهما وألبت عليهما، وامتنعت من بيعتهما، ورمت أمرا لم يرك الله تعالى له أهلا ورقيت سلما وعرا، وحاولت مقاما دحضا، وادعيت ما لم تجد عليه ناصرا، ولعمري لو وليتها حينئذ لما أزدادت إلا فسادا واضطرابا، ولا أعقبت ولايتكها إلا انتشارا وارتدادا، لانك الشامخ بأنفه، الذاهب بنفسه، المستطيل على الناس بلسانه ويده، وها أنا سائر إليك في جمع
---
(1) ا: " بعدو ".
(2) الكير: زق ينفخ قيه الحداد.
---

[253]
من المهاجرين والانصار تحفهم سيوف شامية، ورماح قحطانية حتى يحاكموك إلى الله.
فانظر لنفسك وللمسلمين، وادفع إلى قتله عثمان، فإنهم خاصتك وخلصاؤك والمحدقون بك، فإن أبيت إلا سلوك سبيل اللجاج، والاصرار على الغى والضلال، فاعلم أن هذه الايه إنما نزلت فيك وفي اهل العراق معك:(وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)(1) * * *
ثم نعود إلى تفسير ألفاظ الفصل ومعانيه، قال(عليه السلام): لعمري إنا كنا بيتا واحدا في الجاهلية، لانا بنو عبد مناف، إلا أن الفرقه بيننا وبينكم حصلت منذ بعث الله محمدا(صلى الله عليه وآله)، فأنا آمنا وكفرتم ثم تأكدت الفرقة اليوم بأنا استقمنا على منهاج الحق وفتنتم.
ثم قال: " وما أسلم من أسلم منكم إلا كرها "، كأبى سفيان وأولاده يزيد ومعاوية وغيرهم من بنى عبد شمس.
قال: " وبعد أن كان أنف الاسلام محاربا لرسول الله(صلى الله عليه وآله) أي في أول الاسلام، يقال: كان ذلك في أنف دوله بنى فلان، أي في أولها، وأنف كل شئ أوله وطرفه، وكان أبو سفيان وأهله من بنى عبد شمس أشد الناس على رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أول الهجرة، إلى أن فتح مكة، ثم أجابه عن قوله: " قتلت طلحة والزبير، وشردت بعائشة، ونزلت بين المصرين " بكلام مختصر أعرض فيه عنه
---
(1) سورة النحل 112.
---

[254]
هوانا به، فقال هذا أمر غبت عنه، فليس عليك كان العدوان الذى تزعم، ولا العذر إليك لو وجب على العذر عنه.
فأما الجواب المفصل فأن يقال: إن طلحه والزبير قتلا أنفسهما ببغيهما ونكثهما، ولو استقاما على الطريقة لسلما، ومن قتله الحق فدمه هدر، وأما كونهما شيخين من شيوخ الاسلام فغير مدفوع، ولكن العيب يحدث، وأصحابنا يذهبون إلى أنهما تابا وفارقا الدنيا نادمين على ما صنعا، وكذلك نقول نحن، فان الاخبار كثرت بذلك، فهما من أهل الجنة لتوبتهما ولو لا توبتهما لكانا هالكين كما هلك غيرهما، فإن الله تعالى لا يجابى أحدا في الطاعة والتقوى،(ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حى عن بينه(1)).
وأما الوعد لهما بالجنة فمشروط بسلامة العاقبة، والكلام في سلامتهما، وإذا ثبتت توبتهما فقد صح الوعد لهما وتحقق، وقوله: " بشر قاتل ابن صفية بالنار "، فقد اختلف فيه، فقال قوم من أرباب السير وعلماء الحديث: هو كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) غير مرفوع، وقوم منهم جعلوه مرفوعا، وعلى كل حال فهو حق، لان ابن جرموز قلته موليا خارجا من الصف، مفارقا للحرب، فقد قتله على توبة وإنابة ورجوع من الباطل، وقاتل من هذه حاله فاسق مستحق للنار، وأما أم المؤمنين عائشة فقد صحت توبتها، والاخبار الواردة في توبتها أكثر من الاخبار الواردة في توبة طلحه والزبير، لانها عاشت زمانا طويلا، وهما لم يبقيا، والذى جرى لها كان خطأ منها، فأى ذنب لامير المؤمينن(عليه السلام) في ذلك ولو أقامت في منزلها لم تبتذل بين الاعراب وأهل الكوفة، على أن أمير المؤمنين(عليه السلام) أكرمها وصانها وعظم من شأنها، ومن أحب أن يقف على ما فعله معها فليطالع كتب السيرة.
ولو كانت فعلت بعمر ما فعلت به، وشقت عصا الامة عليه، ثم ظفر بها، لقتلها ومزقها إربا إربا، ولكن عليا كان حليما كريما.
---
(1) سورة الانفال 42.
---

[255]
وأما قوله: " لو عاش رسول الله(صلى الله عليه وآله) فبربك هل كان يرضى لك أن تؤذى حليلته! فلعلي(عليه السلام) أن يقلب الكلام عليه، فيقول أفتراه لو عاش أكان يرضى لحليلته أن تؤذى أخاه ووصيه! وأيضا أتراه لو عاش أكان يرضى لك يا بن أبى سفيان أن تنازع عليا الخلافة وتفرق جماعه هذه الامة! وأيضا أتراه لو عاش أكان يرضى لطلحة والزبير أن يبايعا، ثم ينكثا لا لسبب، بل قالا: جئنا نطلب الدراهم، فقد قيل لنا: إن بالبصرة أموالا كثيرة! هذا كلام يقوله مثلهما.
فأما قوله: " تركت دار الهجرة "، فلا عيب عليه إذا انقضت عليه أطراف الاسلام بالبغى والفساد أن يخرج من المدينة إليها، ويهذب أهلها وليس كل من خرج من المدينة كان خبثا، فقد كان خبثا، خرج عنها عمر مرارا إلى الشام.
ثم لعلى(عليه السلام) أن يقلب عليه الكلام فيقول له: وأنت يا معاوية فقد نفتك المدينة أيضا عنها، فأنت إذا خبث، وكذلك طلحه والزبير وعائشة الذين تتعصب لهم وتحتح على الناس بهم وقد خرج عن المدينة الصالحون، كابن مسعود وأبى ذر وغيرهما، وماتوا في بلاد نائية عنها، وأما قوله: " بعدت عن حرمة الحرمين، ومجاورة قبر رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، فكلام إقناعى ضعيف، والواجب على الامام أن يقدم الاهم فالاهم من مصالح الاسلام، وتقديم قتال أهل البغى على المقام بين الحرمين أولى.
فأما ما ذكره من خذلانه عثمان وشماتته به ودعائه الناس بعد قتله إلى نفسه وإكراهه طلحة والزبير وغيرهما على بيعته فكله دعوى والامر بخلافها، ومن نظر كتب السير عرف أنه قد بهته وادعى عليه ما لم يقع منه.
وأما قوله: " التويت على أبى بكر وعمر، وقعدت عنهما، وحاولت الخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فإن عليا(عليه السلام) لم يكن يجحد ذلك ولا ينكره، ولا ريب
---

[256]
أنه كان يدعى الامر بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) لنفسه على الجملة، إما لنص كما تقوله الشيعة، أو لامر آخركما يقوله أصحابنا.
فأما قوله: " لو وليتها حينئذ لفسد الامر واضطرب الاسلام "، فهذا علم غيب لا يعلمه إلا الله، ولعله لو وليها حينئذ لاستقام الامر وصلح الاسلام وتمهد فإنه، ما وقع الاضطراب عند ولايته بعد عثمان إلا لان أمره هان عندهم بتأخره عن الخلافة، وتقدم غيره عليه، فصغر شأنه في النفوس، وقرر من تقدمه في قلوب الناس أنه لا يصلح لها كل الصلاحية، والناس على ما يحصل في نفوسهم، ولو كان وليها ابتداء وهو على تلك الحالة التى كان عليها أيام حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وتلك المنزلة الرفيعة والاختصاص الذى كان له، لكان الامر غير الذى رأيناه عند ولايته بعد عثمان.
وأما قوله: " لانك الشامخ بأنفه، الذاهب بنفسه "، فقد أسرف في وصفه بما وصفه به، ولا شك أن عليا(عليه السلام) كان عنده زهو لكن لا هكذا، وكان(عليه السلام) مع زهوه ألطف الناس خلقا.
* * *
ثم نرجع إلى تفسير ألفاظه(عليه السلام)، قوله: وذكرت أنك زائري في جمع من المهاجرين والانصار، وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك " هذا الكلام تكذيب له في قوله: " في جمع من المهاجرين والانصار "، أي ليس معك مهاجر لان أكثر من معك ممن رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله) هم أبناء الطلقاء ومن أسلم بعد الفتح، وقد قال النبي(صلى الله عليه وآله): " لا هجرة بعد الفتح ".
وعبر عن يوم الفتح بعبارة حسنه فيها تقريع لمعاوية وأهله بالكفر، وأنهم ليسوا من ذوى السوابق، فقال: " قد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك يعنى يزيد بن أبى سفيان أسر يوم الفتح في باب الخندمه، وكان خرج في نفر من قريش يحاربون ويمنعون
---

[257]
من دخول مكة فقتل منهم قوم وأسر يزيد بن أبى سفيان، أسره خالد بن الوليد، فخلصه أبو سفيان منه، وأدخله داره، فامن لان رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال يومئذ: " من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ".
* * *
[ذكر الخبر عن فتح مكة] ويجب أن نذكر في هذا الموضع ملخص ما ذكره الواقدي في كتاب " المغازى " في فتح مكة، فإن الموضع يقتضيه، لقوله(عليه السلام): " ما أسلم مسلمكم إلا كرها "، وقوله: " يوم أسر أخوك ".
قال محمد بن عمر الواقدي في كتاب " المغازى ": كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد هادن قريشا في عام الحديبيه عشر سنين، وجعل خزاعة داخلة معه، وجعلت قريش بنى بكر بن عبد مناة من كنانة داخلة معهم، وكان بين بنى بكر وبين خزاعة تراث في الجاهلية ودماء، وقد كانت خزاعة من قبل حالفت عبد المطلب بن هاشم، وكان معها كتاب منه، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يعرف ذلك، فلما تم صلح الحديبية وأمن الناس، سمع غلام من خزاعة إنسانا من بنى كنانة يقال له: أنس بن زنيم الدؤلى(1) ينشد هجاء له في رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فضربه فشجه، فخرج أنس إلى قومه فأراهم شجته فثار بينهم الشر، وتذاكروا أحقادهم القديمة، والقوم مجاورون بمكة، فاستنجدت بكر بن عبد مناه(2) قريشا على خزاعة، فمن قريش من كره ذلك وقال: لاأنقض عهد محمد، ومنهم من خف إليه.
وكان أبو سفيان أحد من كره ذلك، وكان صفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص
---
(1) ا " الديلى ".
(2) ب: " مناف "، وصوابه في ا، د.
---

[258]
ممن أعان بنى بكر، ودسوا إليهم الرجال بالسلاح سرا، وبيتوا خزاعة ليلا، فأوقعوا بهم، فقتلوا منهم عشرين رجلا، فلما أصبحوا عاتبوا قريشا، فجحدت قريش أنها أعانت بكرا، وكذبت في ذلك، وتبرأ أبو سفيان وقوم من قريش مما جرى، وشخص قوم من خزاعة إلى المدينة مستصرخين برسول الله(صلى الله عليه وآله)، فدخلوا عليه وهو في المسجد، فقام عمرو بن سالم الخزاعى فأنشده: لا هم إنى ناشد محمدا * * حلف أبينا وأبيه الا تلدا(3) لكنت والدا وكنا ولدا(2) * * ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا إن قريشا أخلفوك الموعدا * * ونقضوا ميثاقك المؤكدا هم بيتونا بالوتير هجدا(3) نتلو القرآن ركعا وسجدا وزعموا أن لست تدعو أحدا * * وهم أذل وأقل عددا فانصر هداك الله نصرا أيدا(4) * * وادع عباد الله يأتوا مددا(5) في فيلق كالبحر يجرى مزبدا(6) فيهم رسول الله قد تجردا * قرم لقوم من قروم أصيدا * ثم ذكروا له ما أثار الشر، وقالوا له: إن أنس بن زنيم هجاك، وإن صفوان بن أمية وفلانا وفلانا دسوا إلينا رجال قريش مستنصرين، فبيتونا بمنزلنا بالوتير فقتلونا، وجئناك مستصرخين بك، فزعموا أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قام مغضبا يجر رداءه ويقول: " لا نصرت إن لم أنصر خزاعة فيما أنصر منه نفسي! "
---
(1) في الاصول: " الاملدا " وصوابه من ابن هشام 4: 10.
والاتلد: القديم.
(2) ابن هشام: " قد كنتم ولدا ".
(3) الوتير: اسم ماء بعينه.
(4) أيدا: قويا، وفي ب: " أبدا "، والصواب ما في ا وابن هشام.
(5) المدد، العون.
(6) الفليق: العسكر.
---

[259]
قلت: فصادف ذلك من رسول الله(صلى الله عليه وآله) إيثارا وحبا لنقض العهد، لانه كان يريد أن يفتح مكة وهم بها في عام الحديبية فصد، ثم هم بها في عمرة القضية، ثم وقف لاجل العهد والميثاق الذى كان عقده معهم، فلما جرى ما جرى على خزاعة اغتنمها.
قال الواقدي فكتب إلى جميع الناس في أقطار الحجاز وغيرها يأمرهم أن يكونوا بالمدينة في رمضان من سنة ثمان للهجرة فوافته الوفود والقبائل من كل جهة فخرج من المدينة بالناس يوم الاربعاء لعشر خلون من رمضان في عشره آلاف فكان، المهاجرون سبعمائة، ومعهم من الخيل ثلثمائة فرس، وكانت الانصار أربعه آلاف معهم، من الخيل خمسمائه وكانت مزينة ألفا، فيها من الخيل مائة فرس، وكانت أسلم أربعمائه، فيها من الخيل ثلاثون فرسا، وكانت جهينة ثمانمائة معها خمسون فرسا، ومن سائر الناس تمام عشره آلاف، وهم بنو ضمرة وبنو غفار وأشجع وبنو سليم وبنو كعب بن عمرو وغيرهم.
وعقد للمهاجرين، ثلاثه ألويه: لواء مع على، ولواء مع الزبير، ولواء مع سعد ابن أبى وقاص، وكانت الرايات في الانصار، وغيرهم وكتم عن الناس الخبر، فلم يعلم به إلا خواصه، وأما قريش بمكة فندمت على ما صنعت بخزاعة، وعرفت أن ذلك انقضاء ما بينهم وبين النبي(صلى الله عليه وآله) من العهد، ومشى الحارث بن هشام وعبد الله بن أبى ربيعة إالى أبى سفيان فقالا له: إن أذا امر لابد له أن يصلح، والله إن لم يصلح لا يروعكم إلا محمد في أصحابه.
وقال أبو سفيان: قدرأت هند بنت عتب رؤيا كرهتها وأفظعتها، وخفت من شرها، قالوا: ما رأت قال: رأت كأن دما أقبل من الحجون يسيل حتى وقف بالخندمة مليا، ثم كان ذلك الدم لم يكن، فكره القوم ذلك وقالوا: هذا شر.
قال الواقدي: فلما رأى أبو سفيان ما رأى من الشر قال: هذا والله أمر لم أشهده
---

[260]
ولم أغب عنه، لا يحمل هذا إلا على، ولا والله ما شوورت ولا هونت(1) حيث بلغني، والله ليغزونا محمد إن صدق ظنى وهو صادق، وما لى بد أن آتى محمدا فأكلمه أن يزيد في الهدنة ويجدد العهد قبل أن يبلغه هذا الامر.
قالت قريش: قد والله أصبت، وندمت قريش على ما صنعت بخزاعة وعرفت أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لابد أن يغزوها فخرج أبو سفيان وخرج معه مولى له على راحلتين، وأسرع السير وهو يرى أنه أول من خرج من مكة إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم).
قال الواقدي: وقد روى الخبر على وجه آخر، وهو أنه لما قدم ركب خزاعة على رسول الله(صلى الله عليه وآله) فاخبروه بمن قتل منهم، قال لهم: بمن تهمتكم وطلبتكم؟ قالوا: بنو بكر بن عبد مناة قال: كلها؟ قالوا: لا، ولكن تهمتنا بنو نفاثة قصرة(2)، ورأسهم نوفل بن معاوية النفاثى، فقال: هذا بطن من بكر، فأنا باعث إلى أهل مكة فسائلهم عن هذا الامر، ومخيرهم في خصال.
فبعث إليهم ضمره يخيرهم بين إحدى خلال ثلاث: بين أن يدوا خزاعة، أو يبرءوا من حلف نفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء، فأتاهم ضمرة فخيرهم بين الخلال الثلاث، فقال قريظة بن عبد عمر الاعمى: أما أن ندى قتلى خزاعة، فإنا إن وديناهم لم يبق لنا سبد ولا لبد(3)، وأما أن نبرا من حلف نفاثة، فإنه ليس قبيلة تحج هذا البيت أشد تعظيما له من نفاثة، وهم حلفاؤنا فلا نبرأ من حلفهم، ولكنا ننبذ إليه على سواء.
فعاد ضمرة إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) بذلك، وندمت قريش أن ردت ضمرة بما ردته به.
قال الواقدي: وقد روى غير ذلك، روى أن قريشا لما ندمت على قتل خزاعة وقالت: محمد غازينا، قال لهم عبد الله بن سعد بن أبى سرح - وهو يومئذ كافر مرتد
---
(1) ب.
" هويت "، وأثبت ما في ا، د،.
(2) قصرة: أي هم دون غيرهم.
(3) يقال: ماله سيد ولالبد، أي لا قليل ولا كثير.
---

[261]
" عندهم -: إن عندي رأيا، أن محمدا ليس يغزوكم حتى يعذر إليكم ويخيركم في خصال كلها أهون عليكم من غزوه، قالوا: ما هي؟ قال: يرسل إليكم أن تدوا قتلى خزاعة، أو تبرءوا من حلف من نقض العهد وهم بنو نفاثة، أو ينبذ إليكم العهد فقال القوم: أحر بما قال ابن أبى سرح أن يكون! فقال سهيل بن عمرو: ما خصلة أيسر علينا من أن نبرأ من حلف نفاثة، فقال شيبة بن عثمان العبدرى: حطت أخوالك(1) خزاعة، وغضبت لهم! قال سهيل: وأى قريش لم تلد خزاعه! قال شيبة لا، ولكن ندى قتلى خزاعة فهو أهون علينا.
فقال قريظة بن عبد عمرو: لا والله لا نديهم ولانبرأ عن نفاثة أبر العرب بنا، وأعمرهم لبيت ربنا، ولكن ننبذ إليهم على سواء.
فقال أبو سفيان: ما هذا بشئ، وما الرأى إلا جحد هذا الامر أن تكون قريش دخلت في نقض العهد، أو قطع مدة، فإن قطعه قوم بغير هوى منا ولا مشورة فما علينا! قالوا: هذا هو الرأى، لا رأى إلا الجحد لكل ما كان من ذلك، فقال: أنا أقسم أنى لم أشهد ولم أوامر، وأنا صادق، لقد كرهت ما صنعتم، وعرفت أن سيكون له يوم غماس(2)، قالت قريش لابي سفيان: فاخرج أنت بذلك، فخرج.
قال الواقدي: وحدثني عبد الله بن عامر الاسلمي، عن عطاء بن أبى مروان، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) لعائشة صبيحة الليله التى أوقعت فيها نفاثة وقريش بخزاعة بالوتير: يا عائشة لقد حدث الليله في خزاعه أمر، فقالت عائشة: يا رسول الله، أترى قريشا تجترئ على نقض العهد بينك وبينهم! أينقضون وقد أفناهم السيف! فقال: العهد لامر يريده الله بهم، فقالت: خير أم شر يا رسول الله فقال: خير.
قال الواقدي: وحدثني عبد الحميد بن جعفر قال حدثنى عمران بن أبى أنس، عن ابن عباس، قال: قام رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وهو يجر طرف ردائه ويقول
---
(1) ب: " إخوانك ".
وما إثبته من ا، د.
(2) يوم غموس، أي شديد.
---

[262]
لا نصرت إن لم أنصر بنى كعب - يعنى خزاعة فيما أنصر منه نفسي! ".
قال الواقدي: وحدثني حرام بن هشام، عن أبيه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم): لكأنكم بأبى سفيان قد جاءكم يقول: جدد العهد وزد في الهدنة وهو راجع بسخطه.
وقال لبنى خزاعه عمرو بن سالم وأصحابه: ارجعوا وتفرقوا في الاودية، وقام فدخل على عائشة وهو مغضب، فدعا بماء فدخل يغتسل، قالت عائشة: فأسمعه يقول وهو يصب الماء على رجليه: " لا نصرت إن لم أنصر بنى كعب "! قال الواقدي: فأما أبو سفيان فخرج من مكة وهو متخوف أن يكون عمرو بن سالم ورهطه من خزاعة سبقوه إلى المدينة، وكان القوم لما رجعوا من المدينة وأتوا الابواء تفرقوا كما أوصاهم رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، فذهبت طائفة إلى الساحل تعارض الطريق، ولزم بديل بن أم أصرم الطريق في نفر معه فلقيهم أبو سفيان، فلما رآهم أشفق أن يكونوا لقوا محمدا(صلى الله عليه وآله) بل كان اليقين عنده، فقام للقوم: منذ كم عهدكم بيثرب؟ قالوا: لا عهد لنا بها، فعرف أنهم كتموه، فقال: أما معكم من تمر يثرب شئ تطعموناه، فإن لتمر يثرب فضلا على تمر تهامة؟ قالوا: لا، ثم أبت نفسه أن تقر، فقال: يا بديل، هل جئت محمدا؟ قال: لا ولكني سرت في بلاد خزاعة من هذا الساحل في قتيل كان بينهم حتى أصلحت بينهم.
قال: يقول أبو: سفيان إنك - والله ما علمت - بر واصل.
فلما راح بديل وأصحابه جاء أبو سفيان إلى أبعار إبلهم ففتها فإذا فيها النوى، ووجد في منزلهم نوى من تمر عجوة كأنه ألسنة العصافير، فقال: أحلف بالله لقد جاء القوم محمدا.
وأقبل حتى قدم المدينة، فدخل على النبي(صلى الله عليه وآله)، فقال: يا محمد، إنى كنت غائبا في صلح الحديبية، فأشدد العهد وزدنا في المدة فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ولذلك قدمت يا أبا سفيان قال: نعم قال: فهل كان قبلكم حدث؟
---

[263]
فقال: معاذ الله! فقال رسول الله فنحن على موثقنا وصلحنا يوم الحديبية لا نغير ولا نبدل.
فقام من عنده فدخل على ابنته أم حبيبة فلما، ذهب ليجلس على فراش رسول الله(صلى الله عليه وآله) طوته دونه، فقال: أرغبت بهذا الفراش عنى، أم رغبت بي عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، وأنت امرؤ نجس مشرك.
قال: يا بنية، لقد أصابك بعدى شر، فقالت: إن الله هداني للاسلام، وأنت يا أبت سيد قريش وكبيرها، كيف يخفى عنك فضل الاسلام، وتعبد حجرا لا يسمع ولا يبصر فقال: يا عجبا! وهذا منك أيضا! أأترك ما كان يعبد آبائى وأتبع دين محمد! ثم قام من عندها فلقى أبا بكر! فكلمه، وقال: تكلم أنت محمدا، وتجير أنت بين الناس.
فقال: أبو بكر: جواري جوار رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، ثم لقى عمر فكلمه بمثل ما كلم به أبا بكر، فقال عمر: والله لو وجدت السنور تقاتلكم لاعنتها عليكم.
قال أبو سفيان: جزيت من ذى رحم شرا! ثم دخل على عثمان بن عفان فقال له: إنه ليس في القوم أحد أمس بى رحما منك، فزدني الهدنة وجدد العهد، فإن صاحبك لا يرد عليك أبدا، والله ما رأيت رجلا قط أشد إكراما لصاحب من محمد لاصحابه، فقال عثمان: جواري جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء أبو سفيان حتى دخل على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمها، وقال: أجيري بين الناس، فقالت: إنما أنا امرأة، قال: إن جوارك جائز، وقد أجارت أختك أبا العاص بن الربيع، فأجاز محمد ذلك.
فقالت فاطمة: ذلك إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، وأبت عليه، فقال: مرى أحد هذين ابنيك يجير بين الناس، قالت: إنهما صبيان، وليس يجير الصبى.
فلما أبت عليه أتى عليا(عليه السلام) فقال: يا أبا حسن، أجر بين الناس وكلم محمدا ليزيد في المدة، فقال على(عليه السلام): ويحك يا أبا سفيان! إن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قد
عزم
---

[264]
ألا يفعل، وليس أحد يستطيع أن يكلمه في شئ يكرهه، قال أبو سفيان: فما الرأى عندك فتشير لامرى، فإنه قد ضاق على؟ فمرنى بأمر ترى أنه نافعى، قال على(عليه السلام): والله ما أجدلك شيئا مثل أن تقوم فتجير بين الناس، فإنك سيد كنانة قال: أترى ذلك مغنيا عنى شيئا؟ قال على: إنى لا أظن ذلك والله، ولكني لا أجد لك غيره.
فقام أبو سفيان بين ظهرى الناس فصاح: ألا إنى قد أجرت بين الناس، ولا أظن محمدا(1) يحقرنى.
ثم دحل على رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد ما أظن أن ترد جواري! فقال(عليه السلام): أنت تقول ذلك يا أبا سفيان! ويقال: إنه لما صاح لم يأت النبي(صلى الله عليه وآله) وركب راحلته وانطلق إلى مكة، ويروى أنه أيضا أتى سعد بن عبادة فكلمه في ذلك: وقال يا أبا ثابت، قد عرفت الذى كان بينى وبينك، وإنى كنت لك في حرمنا جارا، وكنت لى بيثرب مثل ذلك، وأنت سيد هذه المدرة، فأجر بين الناس، وزدنى في المدة.
فقال سعد: جواري جوار رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، ما يجير أحد على رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، فلما انطلق أبو سفيان إلى مكة، وقد كان طالت غيبته عن قريش وأبطأ، فاتهموه وقالوا: نراه قد صبا واتبع محمدا سرا، وكتم إسلامه، فلما دخل على هند ليلا قالت: قد احتبست حتى اتهمك قومك، فإن كنت جئتهم بنجح فأنت الرجل.
وقد كان دنا منها ليغشاها، فأخبرها الخبر وقال: لم أجد إلا ما قال لى على، فضربت برجلها في صدوره وقالت: قبحت من رسول قوم.
قال الواقدي: فحدثني عبد الله بن عثمان، عن أبى سليمان، عن أبيه، قال: لما أصبح أبو سفيان حلق رأسه عند الصنمين: أساف ونائلة، وذبح لهما، وجعل يمسح بالدم رؤوسهما، ويقول: لا أفارق عبادتكما حتى أموت على ما مات عليه أبى.
قال: فعل ذلك ليبرئ نفسه مما اتهمته قريش به
---
(1) د: " يجيرني ".
---

[265]
قال الواقدي: وقالت قريش لابي سفيان: ما صنعت؟ وما وراءك؟ وهل جئتنا بكتاب من محمد وزياده في المدة؟ فإنا لا نأمن من أن يغزونا، فقال: والله لقد أبى على، ولقد كلمت عليه أصحابه فما قدرت على شئ منهم، ورموني بكلمة منهم واحدة إلا أن عليا قال لما ضاقت بى الامور: أنت سيد كنانة، فأجر بين الناس، فناديت بالجوار، ثم دخلت على محمد فقلت: إنى قد أجرت بين الناس، وما أظن محمدا يرد جواري، فقال محمد: أنت تقول ذاك يا أبا سفيان! لم يزد على ذلك قالوا: ما زاد على على أن يلعب بك تلعبا، قال فو الله ما وجدت غير ذلك.
قال الواقدي: فحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، قال: لما خرج أبو سفيان عن المدينة قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لعائشة جهزينا وأخفى أمرك.
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): اللهم خذ عن قريش الاخبار والعيون حتى نأتيهم بغتة وروى أنه قال: اللهم خذ على أبصارهم فلا يرونى إلا بغتة ولا يسمعون بى إلا فجأة.
قال: وأخذ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) الانقاب وجعل عليها الرجال، ومنع من يخرج من المدينة، فدخل أبو بكر على عائشة وهى تجهز رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، تعمل له قمحا سويقا ودقيقا، وتمرا فقال لها: أهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) بغزو؟ قالت: لا أدرى، قال: إن كان هم بسفر فآذنينا نتهيأ له، قالت: لا أدرى لعله أراد بنى سليم، لعله أراد ثقيفا أو هوازن! فاستعجمت(1) عليه، فدخل على رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، أردت سفرا؟ قال: نعم، قال: أفأتجهز؟ قال: نعم، قال: وأين تريد؟ قال: قريشا، وأخف ذلك يا أبا بكر، وأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) الناس فتجهزوا.
وطوى عنهم الوجه الذى يريد، وقال له أبو بكر: يا رسول الله، أو ليس بيننا وبينهم مدة؟ فقال: إنهم غدروا ونقضوا العهد،
---
(1) يقال: استعجم عليه، إذا سكت ولم يحر جوابا.
---

[266]
فأنا غازيهم، فاطو ما ذكرت لك، فكان الناس بين ظان يظن أنه يريد سليما، وظان يظن أنه يريد هوازن، وظان يظن أنه يريد ثقيفا، وظان يظن أنه يريد الشام، وبعث رسول الله(صلى الله عليه وآله) أبا قتادة بن ربعى في نفر إلى بطن ليظن الناس أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قدم أمامه أولئك الرجال لتوجهه إلى تلك الجهة، ولتذهب بذلك الاخبار.
قال الواقدي:: حدثنى المنذر بن سعد، عن يزيد بن رومان، قال: لما أجمع رسول الله(صلى الله عليه وآله) المسير إلى قريش، وعلم بذلك من علم من الناس، كتب حاطب ابن أبى بلتعة إلى قريش يخبرهم بالذى أجمع عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أمرهم، وأعطى الكتاب امرأة من مزينة، وجعل لها على ذلك جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلت الكتاب في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها وخرجت به، وأتى الخبر إلى النبي(صلى الله عليه وآله) من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليا(عليه السلام) والزبير فقال: أدركا أمرأة من مزينة قد كتب معها حاطب كتابا يحذر قريشا، فخرجا وأدركاها بذى الحليفة فاستنزلاها والتمسا الكتاب في رحلها فلم يجدا شيئا، فقالا لها: نحلف بالله ما كذب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ولا كذبنا، ولتخرجن الكتاب أو لنكشفنك.
فلما رأت منهما الجد حلت قرونها، واستخرجت الكتاب فدفعته إليهما فاقبلا به إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فدعا حاطبا وقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله، والله إنى لمسلم مؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرا ليس لى في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لى بين أظهرهم أهل وولد، فصانعتهم.
فقال عمر: قاتلك الله ترى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يأخذ بالانقاب وتكتب إلى قريش تحذرهم! دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فإنه قد نافق، فقال رسول الله(صلى الله عليه
وآله)
---

[267]
وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم! قال الواقدي: فلما خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) من المدينة بالالويه المعقودة والرايات بعد العصر من يوم الاربعاء لعشر خلون من شهر رمضان لم يحل عقده حتى انتهى إلى الصلصل(1)، والمسلمون يقودون الخيل، وقد امتطوا الابل، وقدم أمامه الزبير بن العوام في مائتين، قال: فلما كان بالبيداء نظر إلى عنان السماء، فقال: إنى لارى السحاب تستهل(2) بنصر بنى كعب - يعنى خزاعة.
قال الواقدي وجاء كعب بن مالك ليعلم أي جهة يقصد؟ فبرك بين يديه على ركبتيه، ثم أنشده: قضينا من تهامة كل نحب(3) * * وخيبر ثم أحمينا السيوفا فسائلها ولو نطقت لقالت * * قواضبهن دوسا أو ثقيفا فلست بحاضر إن لم تروها * * بساحة داركم منها ألوفا فننتزع الخيام ببطن وج * * ونترك دوركم منها خلوفا.
قال: فتبسم رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولم يزد على ذلك، فجعل الناس يقولون: والله ما بين لك رسول الله(صلى الله عليه وآله) شيئا، فلم تزل الناس كذلك حتى نزلوا بمر الظهران.
قال الواقدي: وخرج العباس بن عبد المطلب ومخرمة بن نوفل من مكة يطلبان رسول الله(صلى الله عليه وآله) ظنا منهما أنه بالمدينة يريدان الاسلام، فلقياه بالسقيا.
---
(1) صلصل: بنواحي المدينة على سبعة أميال منها، نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خرج من المدينة إلى مكة عام الفتح.
ياقوت.
(2) استهل السحاب، إذا كثر انصبابه.
(3) النحب: النذر.
---

[268]
قال الواقدي: فلما كانت الليلة التى أصبح فيها بالجحفة رأى فيها أبو بكر في منامه أن النبي(صلى الله عليه وآله) وأصحابه قد دنوا من مكة فخرجت عليهم كلبة تهر(1) فلما دنوا منها استلقت على قفاها، وإذا أطباؤها(2) تشخب لبنا.
فقصها على رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقال ذهب كلبهم، وأقبل درهم، وهم سائلونا بأرحامهم، وأنتم لاقون بعضهم، فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه.
قال الواقدي: وإلى أن وصل مر الظهران لم يبلغ قريشا حرف واحد من حاله، فلما نزل بمر الظهران أمر أصحابه أن يوقدوا النار، فأوقدوا عشرة آلاف نار، وأجمعت قريش أن يبعثوا أبا سفيان يتجسس لهم الاخبار، فخرج هو وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء.
قال: وقد كان العباس بن عبد المطلب قال: واسوء صباح قريش! والله إن دخلها رسول الله(صلى الله عليه وآله) عنوة إنه لهلاك قريش آخر الدهر، قال العباس: فأخذت بغله رسول الله(صلى الله عليه وآله) الشهباء فركبتها، وقلت: ألتمس حطابا أو إنسانا أبعثه إلى قريش فيلقوا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قبل أن يدخلها عليهم عنوة، فو الله إنى لفى الاراك ليلا أبتغى ذلك إذ سمعت كلاما يقول: والله إن رأيت كالليلة نارا، قال: يقول بديل بن ورقاء: إنها نيران خزاعة جاشها(3) الحرب.
قال: يقول أبو سفيان: خزاعة أذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، فعرفت صوته، فقلت: أبا حنظلة! فعرف، صوتي، فقال: لبيك أبا الفضل! فقلت: ويحك! هذا رسول الله في عشرة آلاف، وهو مصبحكم، فقال: بأبى وأمى، فهل من حيلة! فقلت: نعم، تركب عجز هذه البغلة، فأذهب بك إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فإنه إن ظفر بك دون ذلك ليقتلنك، قال: والله أنا أرى ذلك، فركب خلفي، ورحل
---
(1) تهر: تنبح.
(2) الاطباء: حلمات الضرع من ذات الخف والظلف والحافر.
(3) جاشها الحرب: أفزعها.
---

[269]
بديل وحكيم فتوجهت به فلما مررت به على نار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوني قالوا: عم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على بغلة رسول الله حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فلما رأني قال: من هذا؟ قلت: العباس، فذهب ينظر فرأى أبا سفيان خلفي، فقال: أبو سفيان عدو الله الحمد لله الذى أمكن منك بغير عهد ولا عقد! ثم خرج يشتد نحو رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وركضت البغله حتى اجتمعنا جميعا على باب قبة رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، فدخلت ودخل عمر بن الخطاب على أثرى، فقال عمر: يا رسول الله، هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني أضرب عنقه، فقلت: يا رسول الله، أنى قد أجرته، ثم لزمت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني، فلما أكثر عمر فيه قلت: مهلا يا عمر! فإنه لو كان رجلا من عدى بن كعب ما قلت هذا، ولكنه أحد بنى عبد مناف.
فقال عمر: مهلا يا أبا الفضل، فو الله لاسلامك كان أحب إلى من إسلام الخطاب - أو قال: من إسلام رجل من ولد الخطاب - لو أسلم، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): اذهب به فقد أجرناه، فليبت عندك حتى تغدو به علينا إذا أصبحت.
فلما أصبحت غدوت به، فلما رآه رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم لا إله إلا الله! قال: بأبى أنت ما أحلمك وأكرمك وأعظم عفوك! قد كان يقع في نفسي أن لو كان مع الله إله آخر لاغنى، قال: يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله! قال: بأبى أنت ما أحملك وأكرمك وأعظم عفوك! أما هذه فو الله إن في النفس منها لشيئا بعد، قال العباس: فقلت ويحك! تشهد وقل لا إله إلا الله محمد رسول الله قبل أن تقتل.
فتشهد.
وقال العباس: يا رسول الله.
إنك قد عرفت أبا سفيان وفيه الشرف والفخر، فاجعل له شيئا، فقال: من دخل دار أبى سفيان
فهو آمن، ومن أغلق داره فهو آمن ثم قال: خذه فاحبسه بمضيق الوادي إلى خطم الجبل
---

[270]
حتى تمر عليه جنود الله فيراها.
قال العباس: فعدلت به في مضيق الوادي إلى خطم الجبل فحبسته هناك، فقال: أغدرا يا بنى هاشم! فقلت له: إن أهل النبوة لا يغدرون، وإنما حبستك لحاجة، قال: فهلا بدأت بها أولا فأعلمتنيها، فكان أفرخ لروعى! ثم مرت به القبائل على قادتها، والكتائب على راياتها فكان أول من مر به خالد بن الوليد في بنى سليم، وهم ألف، ولهم لواءان يحمل أحدهما العباس بن مرداس والاخر خفاف بن ندبة، ورأية يحملها المقداد، فقال أبو سفيان، يا أبا الفضل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء بنو سليم، وعليهم خالد بن الوليد، قال: الغلام؟ قال: نعم، فلما حاذى خالد العباس وأبا سفيان كبر ثلاثا وكبروا معه، ثم مضوا.
ومر على أثره الزبير بن العوام في خمسمائة فيهم جماعة من المهاجرين وقوم من أفناء الناس، ومعه راية سوداء، فلما حاذاهما كبر: ثلاثا وكبر أصحابه فقال.
من هذا؟ قال: هذا الزبير، قال: ابن أختك! قال: نعم، قال: ثم مرت به بنو غفار في ثلثمائه يحمل رايتهم أبو ذر - ويقال: إيماء بن رحضة - فلما حاذوهما كبروا ثلاثا، قال: يا أبا الفضل: من هؤلاء؟ قال: بنو غفار، قال: ما لى ولبنى غفار! ثم مرت به أسلم في أربعمائة يحمل لواءها يزيد بن الخصيب، ولواء آخر مع ناجيه بن الاعجم، فلما حاذوه كبروا ثلاثا، فسأل عنهم فقال: هؤلاء أسلم، فقال: ما لى ولاسلم! ما كان بيننا وبينهم ترة قط، ثم مرت بنو كعب بن عمرو بن خزاعة في خمسمائة يحمل رايتهم بشر بن سفيان، فقال؟: من هؤلاء؟ قال كعب بن عمرو، قال نعم حلفاء محمد، فلما حاذوه كبروا ثلاثا. ثم مرت مزينة في ألف فيها ثلاثة ألوية مع النعمان ابن مقرن، وبلال بن الحارث، وعبد الله بن عمرو، فلما حاذوهما كبروا، قال: من هؤلاء؟ قال: مزينة، قال: يا
أبا الفضل، ما لى ولمزينة قد جاءتني تقعقع من شواهقها(1)
---
(1) الشواهق: الجبال.
---

[271]
ثم مرت جهينة في ثمانمائة، فيها أربعه ألويه مع معبد بن خالد، وسويد بن صخر، ورافع بن مكيث، وعبد الله بن بدر، فلما حاذوه كبروا ثلاثا فسأل عنهم، فقيل جهينه.
ثم مرت بنو كنانة وبنو ليث وضمرة وسعد بن أبى بكر في مائتين، يحمل لواءهم أبو واقد الليثى، فلما حاذوه كبروا ثلاثا، قال من هؤلاء؟ قال: بنو بكر.
قال: نعم أهل شؤم هؤلاء الذين غزانا محمد لاجلهم! أما والله ما شوورت فيهم، ولا علمته، ولقد كنت له كارها حيث بلغني، ولكنه أمر حم(1)، قال العباس، لقد خار الله لك في غزو محمد إياكم، ودخلتم في الاسلام كافة، ثم مرت اشجع - وهم آخر من مر به قبل أن تأتى كتيبة رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، وهم ثلاثة يحمل لواءهم معقل بن سنان، ولواء آخر مع نعيم بن مسعود فكبروا - قال: من هؤلاء؟ قال: أشجع، فقال: هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد، قال العباس: نعم، ولكن الله أدخل الاسلام قلوبهم، وذلك من فضل الله.
فسكت وقال: أما مر محمد بعد؟ قال: لا ولو رأيت الكتيبة التى هو فيها لرايت الحديد والخيل والرجال، وما ليس لاحد به طاقة، فلما طلعت كتيبة رسول الله(صلى الله عليه وآله) الخضراء طلع سواد شديد وغبرة من سنابك الخيل، وجعل الناس يمرون، كل ذلك يقول: أمامر محمد بعد؟ فيقول العباس: لا، حتى مر رسول الله(صلى الله عليه وآله) يسير على ناقته القصوى بين أبى بكر وأسيد بن حضير، وهو يحدثهما وقال له العباس: هذا رسول الله(صلى الله عليه وآله) في كتيبته الخضراء، فانظر، قال: وكان في تلك الكتيبة وجوه المهاجرين و الانصار وفيها الالولية والرايات، وكلهم منغمسون في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق، ولعمر بن الخطاب فيها زجل(2) وعليه الحديد، وصوته عال وهو يزعها فقال يا ابا الفضل من هذا المتكلم
قال هذا
---
(1) حم، أي وقع.
(2) زجل، أي صوت.
---

[272]
عمر بن الخطاب، قال لقد أمر أمر بنى عدى بعد قلة وذلة! فقال: إن الله يرفع من يشاء بما يشاء، وإن عمر ممن رفعه الاسلام، وكان في الكتيبة ألفا دارع، وراية رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مع سعد بن عبادة وهو أمام الكتيبة، فلما حاذاهما سعد نادى: يا أبا سفيان: اليوم يوم الملحمه * * اليوم تسبى الحرمه اليوم أذل الله قريشا، فلما حاذاهما رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ناداه أبو سفيان: يا رسول الله، أمرت بقتل قومك؟ إن سعدا قال: اليوم يوم الملحمه * * اليوم تسبى الحرمه اليوم أذل الله قريشا، وإنى أنشدك الله في قومك فأنت أبر الناس، وأرحم الناس، وأوصل الناس.
فقال عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله، إنا لا نأمن سعدا أن يكون له في قريش صولة فوقف رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وناداه، يا أبا سفيان، بل اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله قريشا، وأرسل إلى سعد فعزله عن اللواء.
واختلف فيمن دفع إليه اللواء فقيل دفعه إلى على بن أبى طالب(عليه السلام)، فذهب به حتى دخل مكه، فغرزه عند الركن - وهو قول ضرار بن الخطاب الفهرى - وقيل: دفعه إلى قيس بن سعد بن عبادة ورأى رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه لم يخرجه عن سعد حيث دفعه إلى ولده، فذهب به حتى غرزه بالحجون، قال: وقال أبو سفيان للعباس: ما رأيت مثل هذه الكتيبة قط، ولا أخبرنيه مخبر، سبحان الله! ما لاحد بهؤلاء طاقة ولا يدان! لقد أصبح ملك ابن أخيك يا عباس عظيما، قال: فقلت: ويحك! إنه ليس بملك، وإنها النبوة، قال: نعم.
قال الواقدي: قال العباس: فقلت له: انج ويحك، فأدرك قومك قبل أن يدخل
---

[273]
عليهم، فخرج أبو سفيان حتى دخل من كداء وهو ينادى: من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، حتى انتهى إلى هند بنت عتبة فقالت: ما وراءك؟ قال: هذا محمد في عشره آلاف، عليهم الحديد، وقد جعل لى أنه من دخل دارى فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، فقالت: قبحك الله من رسول قوم! وجعلت تقول: ويحكم اقتلوا وافدكم قبحه الله من وافد قوم! فيقول أبو سفيان: ويحكم! لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنى رأيت ما لم تروا: الرجال، والكراع، والسلاح، ليس لاحد بهذا طاقة، محمد في عشرة آلاف، فأسلموا تسلموا.
وقال المبرد في " الكامل ": أمسكت هند برأس أبى سفيان وقالت: بئس طليعة القوم! والله ما خدشت خدشا، يا أهل مكة، عليكم الحميت الدسم فاقتلوه.
قال الحميت: الزق المزفت.
قال الواقدي: وخرج أهل مكة إلى ذى طوى ينظرون إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وانضوى إلى صفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو ناس من أهل مكة ومن بنى بكر وهذيل، فلبسوا السلاح، وأقسموا لا يدخل محمد مكة عنوة أبدا.
وكان رجل من بنى الدؤل يقال له: حماس بن قيس بن خالد الدؤلى لما سمع برسول الله(صلى الله عليه وآله) جلس يصلح سلاحه، فقالت له امرأته: لم تعد السلاح؟ قال: لمحمد وأصحابه، وإنى لارجو أن أخدمك منهم خادما، فإنك إليه محتاجة، قالت: ويحك لا تفعل! لا تقال محمدا، والله ليضلن هذا عنك لو رأيت محمدا وأصحابه، قال: سترين، وأقبل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وهو على ناقته القصواء معتجرا(1) ببرد حبرة، وعليه عمامة سوداد، ورايته سوداء، ولواؤه أسود، حتى وقف بذى طوى، وتوسط الناس، وإن عثنونه ليمس واسطة الرحل، أو يقرب منه تواضعا لله حيث رأى ما رأى من الفتح وكثره المسلمين وقال لا عيش الا عيش الاخرة.
---

[274]
وجعلت الخيل تعج بذى طوى في كل وجه، ثم ثابت وسكنت، والتفت رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى أسيد بن حضير، فقال كيف قال حسان بن ثابت؟ قال: فأنشده: عدمنا خيلنا إن لم تروها * * تثير النقع موعدها كداء(1) تظل جيادنا متمطرات * * تلطمهن بالخمر النساء(2).
فتبسم رسول الله(صلى الله عليه وآله) وحمد الله، وأمر الزبير بن العوام أن يدخل من كداء، وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من الليط، وأمر قيس بن سعد أن يدخل من كدى، ودخل هو(صلى الله عليه وآله) من أذاخر.
قال الواقدي: وحدثني مروان بن محمد عن عيسى بن عميلة الفزارى، قال: دخل رسول الله(صلى الله عليه وآله) مكة بين الاقرع بن حابس وعيينة بن حصن.
قال الواقدي: وروى عيسى بن معمر، عن عباد بن عبد الله، عن أسماء بنت أبى بكر، قالت: صعد أبو قحافة بصغري بناته وأسمها قريبة، وهو يومئذ أعمى، وهى تقوده حتى ظهرت به إلى أبى قبيس، فلما أشرفت به قال: يا بنية، ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا مقبلا كثيرا! قال: يا بنية، تلك الخيل فانظري، ماذا ترين؟ قالت: أرى رجلا يسعى بين ذلك السواد مقبلا ومدبرا، قال: ذاك الوازع، فانظري ما ذا ترين؟ قالت: قد تفرق السواد، قال قد تفرق الجيش، البيت البيت، قالت: فنزلت الجارية به وهى ترعب لما ترى، فقال: يا بنية، لا تخافى، فوالله إن أخاك عتيقا لاثر أصحاب محمد عند محمد، قالت: وعليها طوق من فضة، فاختلسه بعض من دخل،
---
(1) ديوانه 5 والنقع: الغبار.
(2) متمطرات: مسرعات.
والخبر: جمع خمار.
---

[275]
فلما دخل رسول الله(صلى الله عليه وآله) مكة جعل أبو بكر ينادى:: أنشدكم الله أيها الناس طوق أختى، فلم يرد أحد عليه، فقال يا اخيه احتسبي طوقك فان الامانه في الناس قليل.
قال الواقدي: ونهى رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن الحرب، وأمر بقتل ستة رجال وأربع نسوة عكرمة بن أبى جهل، وهبار بن الاسود، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح، ومقيس بن صبابة الليثى، والحويرث بن نفيل، وعبد الله بن هلال بن خطل الادرمى، وهند بنت عتبة وسارة مولاه لبنى هاشم، وقينتين لابن خطل: قريبا وقريبة، ويقال: قرينا وأرنب.
قال الواقدي.
ودخلت الجنود كلها، فلم تلق حربا إلا خالد بن الوليد فإنه وجد جمعا من قريش وأحابيشها قد جمعوا له، فيهم صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبى جهل، وسهيل بن عمرو، فمنعوه الدخول، وشهروا السلاح، ورموه بالنبل، وقالوا: لا تدخلها عنوة أبدا، فصاح خالد في أصحابه، وقالتهم، فقتل من قريش أربعه وعشرون، ومن هذيل أربعة، وانهزموا أقبح انهزام حتى قتلوا بالحزورة، وهم مولون من كل وجه، وانطلقت طائفة منهم فوق رءوس الجبال، واتبعهم المسلمون، وجعل أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام يناديان: يا معشر قريش، علام تقتلون أنفسكم؟ من دخل داره فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن، فجعل الناس يقتحمون الدور ويغلقون عليهم الابواب، ويطرحون السلاح في الطرق حتى يأخذه المسلمون.
قال الواقدي وأشرف رسول الله(صلى الله عليه وآله) من على ثنية أذاخر، فنظر إلى البارقة فقال: ما هذه البارقة؟ ألم أنه عن القتال؟ قيل: يا رسول الله، خالد بن الوليد
---

[276]
قوتل، ولو لم يقاتل ما قاتل، فقال: قضاء الله خير، وأقبل ابن خطل مدججا في الحديد على فرس ذنوب(1) بيده قناة يقول: لا والله لا يدخلها عنوة حتى يرى ضربا كأفواه المزاد، فلما انتهى إلى الخندمة ورأى القتال دخله رعب حتى ما يستمسك من الرعدة، ومر هاربا حتى انتهى إلى الكعبة، فدخل بين أستارها بعد أن طرح سلاحه وترك فرسه، وأقبل حماس بن خالد الدؤلى منهزما حتى أتى بيته فدقه، ففتحت له امرأته فدخل، وقد ذهبت روحه، فقالت: أين الخادم التى وعدتني؟ ما زلت منتظرتك منذ اليوم، تسخر به، فقال: دعى هذا وأغلقي الباب، فإنه من أغلق بابه فهو آمن، قالت: ويحك! ألم أنهك عن قتال محمد! وقلت لك: إنى ما رأيته يقاتلكم مرة إلا وظهر عليكم، وما بابنا؟ قال: إنه لا يفتح على أحد بابه، ثم أنشدها(2): إنك لو شهدتنا بالخندمه * * إذ فر صفوان وفر عكرمة وبو يزيد كالعجوز المؤتمة * * وضربناهم بالسيوف المسلمه(3) لهم زئير خلفنا وغمغمه * * لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه(4) قال الواقدي: وحدثني قدامة بن موسى، عن بشير مولى المازنيين عن جابر بن عبد الله، قال: كنت ممن لزم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يومئذ، فدخلت معه يوم الفتح من أذاخر، فلما أشرف نظر إلى بيوت مكة، فحمد الله وأثنى عليه، ونظر إلى موضع قبة بالابطح تجاه شعب بنى هاشم حيث حصر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وأهله ثلاث
---
(1) ذنوب.
وافر الذنب بالتحريك.
(2) سيرة ابن هشام 4: 27.
(3) المؤتمة: التي قتل زوجها فبقى لها أولاد أيتام، والمسلمة، أراد المسلمين، وبعده في ابن هشام: يقطعن كل ساعد وجمجمه * * ضربا فلا يسع إلا غمغمه(4) ابن هشام: " لهم نهيت ".
---

[277]
سنين، وقال: يا جابر، إن منزلنا اليوم حيث تقاسمت علينا قريش في كفرها، قال جابر: فذكرت كلاما كنت أسمعه في المدينة قبل ذلك، كان يقول: منزلنا غدا إن شاء الله إذا فتح علينا مكة في الخيف حيث تقاسموا على الكفر.
قال الواقدي: وكانت قبته يومئذ بالادم ضربت له بالحجون، فأقبل حتى انتهى إليها ومعه أم سلمة وميمونة قال الواقدي: وحدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبى رافع، قال: قيل للنبى(صلى الله عليه وآله) ألا تنزل منزلك من الشعب؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من منزل! وكان عقيل قد باع منزل رسول الله(صلى الله عليه وآله) ومنازل إخوته من الرجال والنساء بمكة، فقيل لرسول الله(صلى الله عليه وآله): فانزل في بعض بيوت مكة من غير منازلك.
فأبى وقال: لا أدخل البيوت، فلم يزل مضطربا بالحجون لم يدخل بيتا، وكان يأتي إلى المسجد من الحجون، قال: وكذلك فعل في عمرة القضية وفى حجته.
قال الواقدي: وكانت أم هانئ بنت أبى طالب تحت هبيرة بن أبى وهب المخزومى فلما كان يوم الفتح دخل عليها حموان لها: عبد الله بن أبى ربيعة والحارث بن هشام المخزوميان، فاستجارا بها، وقالا نحن في جوارك، فقالت: نعم أنتما في جواري.
قالت أم هانئ: فهما عندي إذ دخل على فارس مدجج في الحديد ولا أعرفه، فقلت له، أنا بنت عم رسول الله، فأسفر عن وجهه، فإذا على أخى فاعتنقته، ونظر إليهما فشهر السيف عليهما، فقلت: أخى من بين الناس تصنع بى هذا؟ فألقيت عليهما ثوبا، فقال: أتجيرين المشركين! فحلت دونهما، وقلت: لا والله وابتدئ بى قبلهما، قالت: فخرج ولم يكد، فأغلقت عليهما بيتا، وقلت: لا تخافا، و ذهبت إلى خباء رسول الله(صلى الله عليه وآله)
---

[278]
بالبطحاء فلم أجده، ووجدت فيه فاطمة فقلت: لها: ما لقيت من ابن أمي على! أجرت حموين لى من المشركين، فتفلت عليهما ليقتلهما، قالت، وكانت أشد على من زوجها، وقالت: لم تجيرين المشركين! وطلع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وعليه الغبار فقال: مرحبا بفاختة - وهو اسم أم هانئ - فقلت: ماذا لقيت من ابن أمي على ما كدت أفلت منه! أجرت حموين لى من المشركين، فتفلت عليهما ليقتلهما، فقال: ما كان ذلك له، قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت، ثم أمر فاطمة فسكبت له غسلا فاغتسل، ثم صلى ثمانى ركعات في ثوب واحد ملتحفا به وقت الضحى، قالت: فرجعت إليهما وأخبرتهما، وقلت: إن شئتما فأقيما، وإن شئتما فارجعا إلى منازلكما، فأقاما عندي في منزلي يومين، ثم انصرفا إلى منازلهما.
وأتى آت إلى النبي(صلى الله عليه وآله) فقال: إن الحارث بن هشام وعبد الله ابن أبى ربيعة جالسان في ناديهما متفضلان في الملاء المزعفر، فقال: لا سبيل إليهما، قد أجرناهما.
قال الواقدي: ومكث رسول الله(صلى الله عليه وآله) في قبة ساعة من النهار، ثم دعا براحلته بعد أن اغتسل وصلى، فأدنيت إلى باب القبة وخرج وعليه السلاح والمغفر على رأسه، وقد صف له الناس، فركبها والخيل تمعج(1) ما بين الخندمه إلى الحجون، ثم مر وأبو بكر إلى جانبه على راحلة أخرى يسير ويحادثه، وإذا بنات أبى أحيحه سعيد بن العاص بالبطحاء حذاء منزل أبى أحيحة، وقد نشرن شعورهن، فلطمن وجوه الخيل بالخمر، فنظر رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى أبى بكر، فتبسم وأنشده قول حسان
---
(1) تمعج: تسرع.
---

[279]
تظل جيادنا متمطرات * * تلطمهن بالخمر النساء فلما انتهى إلى الكعبة تقدم على راحلته، فاستلم الركن بمحجنه، وكبر فكبر المسلمون لتكبيره، وعجوا بالتكبير حتى ارتجت مكة، وجعل رسول الله(صلى الله عليه وآله) يشير إليهم أن اسكتوا، والمشركون فوق الجبال ينظرون، ثم طاف بالبيت على راحلته، ومحمد بن مسلمة آخذ بزمامها، وحول الكعبة ثلثمائة وستون صنما مرصوصة بالرصاص، وكان هبل أعظمها، وهو تجاه الكعبة على بابها، وإساف ونائلة حيث ينحرون ويذبحون الذبائح، فجعل كلما يمر بصنم منها يشير بقضيب في يده ويقول:(جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)، فيقع الصنم لوجهه، ثم أمر بهبل فكسر وهو واقف عليه، فقال الزبير لابي سفيان: يا أبا سفيان، قد كسر هبل، أما إنك قد كنت منه يوم أحد في غرور حين تزعم أنه قد أنعم، فقال: دع هذا عنك يا بن العوام فقد ارى ان لو كان مع إله محمد غيره لكان غير ما كان.
قال الواقدي: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس ناحيه من المسجد وأرسل بلالا إلى عثمان بن طلحة يأتيه بالمفتاح مفتاح الكعبة، فقال عثمان: نعم، فخرج إلى أمه وهى بنت شيبة، فقال لها والمفتاح عندها يومئذ: إن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد طلب المفتاح، فقالت: أعيذك بالله أن يكون الذى يذهب مأثره قومه على يده! فقال: فو الله لتأتينى به أو ليأتينك غيرى فيأخذه منك، فأدخلته في حجرتها، وقالت أي رجل يدخل يده هاهنا! فبينما هما على ذلك وهو يكلمها إذ سمعت صوت أبى بكر وعمر في الدار، وعمر رافع صوته حين رأى عثمان أبطأ: يا عثمان اخرج، فقالت أمه: خذ المفتاح، فلان تأخذه أنت أحب إلى من أن يأخذه تيم وعدى، فأخذه فأتى به رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فلما تناوله بسط العباس بن عبد المطلب يده وقال: يا رسول الله، بأبى أنت! اجمع لنا بين السقاية والحجابة، فقال: إنما أعطيكم ما ترضون فيه، ولا
أعطيكم ماتزرءون منه،
---

[280]
قالوا: وكان عثمان بن طلحة قد قدم على رسول الله(صلى الله عليه وآله) مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص مسلما قبل الفتح.
قال الواقدي: وبعث رسول الله(صلى الله عليه وآله) عمر بن الخطاب ومعه عثمان بن طلحة، وأمره أن يفتح البيت فلا يدع فيه صورة ولا تمثالا إلا صورة إبراهيم الخليل(عليه السلام)، فلما دخل الكعبة رأى صورة إبراهيم شيخا كبيرا يستقسم بالازلام.
قال الواقدي: وقد روى أنه أمره بمحو الصور كلها لم يستثن، فترك عمر صورة إبراهيم، فقال لعمر: ألم آمرك ألا تدع فيها صورة! فقال عمر: كانت صورة إبراهيم، قال فامحها، وقال: قاتلهم الله، جعلوه شيخا يستقسم بالازلام!.
قال: ومحا صورة مريم.
قال وقد روى أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) محا الصور بيده، روى ذلك ابن أبى ذئب، عن عبد الرحمن بن مهران، عن عمير مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد، قال: دخلت مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) الكعبة، فرأى فيها صورا، فأمرني أن آتيه في الدلو بماء، فجعل يبل به الثوب ويضرب به الصور ويقول: " قاتل الله قوما يصورون مالا يخلقون! " قال الواقدي: وأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالكعبة فأغلقت عليه، ومعه فيها أسامه بن زيد، وبلال بن رباح وعثمان بن طلحة، فمكث فيها ما شاء الله، وخالد بن الوليد واقف على الباب يذب الناس عنه، حتى خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فوقف وأخذ بعضادتى(2) الباب، وأشرف على الناس وفي يده المفتاح، ثم جعله في كمه، وأهل مكة قيام تحته، وبعضهم جلوس قد ليط بهم، فقال الحمد لله الذى
---
(1) الازلام: القداح.
(2) عضادتا الباب: جانباه.
---

[281]
صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده، ماذا تقولون؟ وما ذا تظنون؟ قالوا: نقول خيرا، ونظن شرا! أخ كريم، وابن أخ كريم، وقد قدرت، فقال: إنى أقول كما قال أخى يوسف:(لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) ألا أن كل ربا في الجاهلية أو دم أو مأثرة فهو تحت قدمى هاتين إلا سدانة الكعبة وسقاية الحاج.
إلا وفى قتيل شبه العمد، قتيل العصا والسوط الدية مغلظة مائة ناقة، منها أربعون في بطونها أولادها.
إن الله قد أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بآبائها، كلكم لادم، وآدم من تراب.
وأكرمكم عند الله أتقاكم.
ألا إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والارض، فهى حرام بحرم الله، لم تحل لاحد كان قبل، ولا تحل لاحد يأتي بعدى، وما أحلت لى إلا ساعه من النهار - قال: يقصدها رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) بيده هكذا - لا ينفر صيدها، ولا يعضد عضاهها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد، ولا يختلى خلاها.
فقال العباس: إلا الاذخر يا رسول الله، فإنه لابد منه للقبور والبيوت، فسكت رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ساعة ثم قال ألا الاذخر، فإنه حلال، ولا وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ولا يحل لامرأة أن تعطى من مالها إلا باذن زوجها، والمسلم أخو المسلم، والمسلمون إخوة، يد واحدة على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، ولا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده، ولا يتوارث أهل ملتين مختلفتين، ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، والبينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، ولا تسافر امرأة مسيرة ثلاث إلا مع ذى محرم ولا صلاة بعد العصر، ولا بعد الصبح، وأنهاكم عن صيام يومين: يوم الاضحى ويوم الفطر.
ثم قال: ادعوا لى عثمان بن طلحة فجاء، وقد كان رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) قال له يوما بمكة قبل الهجرة ومع عثمان المفتاح: لعلك المفتاح بيدى يوما أضعه
حيث شئت، فقال عثمان: لقد هلكت قريش إذا وذلت! فقال عليه السلام بل عمرت وعزت، قال عثمان: فلما دعاني يومئذ والمفتاح بيده ذكرت قوله حين قال، فاستقبلته
---

[282]
ببشر، فاستقبلني بمثله، ثم قال: خذوها يا بنى أبى طلحة خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان، إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا بالمعروف قال عثمان: فلما وليت نادانى فرجعت، فقال: ألم يكن الذى قلت لك! يعنى ما كان قاله بمكة من قبل، فقلت: بلى أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وآله.
قال الواقدي: وأمر رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) يومئذ برفع السلاح، وقال: إلا خزاعة عن بنى بكر إلى صلاة العصر.
فخبطوهم بالسيف ساعة، وهى الساعة التى أحلت لرسول الله صلى الله عليه وآله.
قال الواقدي: وقد كان نوفل بن معاوية الدؤلى من بني بكر استأمن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) على نفسه، فأمنه، وكانت خزاعة تطلبه ب‍دماء من قتلت بكر وقريش منها بالوتير، وقد كانت خزاعة قالت أيضا لرسول الله صلى الله عليه وآله: إن أنس بن زنيم هجاك، فهدر رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) دمه، فلما فتح مكة هرب والتحق بالجبال، وقد كان قبل أن يفتح رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) مكة قال شعرا يعتذر فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، من جملته: أنت الذى تهدى معد بأمره * * بك الله يهديها وقال لها ارشدي فما حملت من ناقة فوق كورها * * أبر وأوفى ذمة من محمد أحث على خير وأوسع نائلا * * إذا راح يهتز اهتزاز المهند وأكسى لبرد الخال قبل ارتدائه * * وأعطى لرأس السابق المتجرد تعلم رسول الله أنك مدركى * * وأن وعيدا منك كالاخذ باليد تعلم رسول الله أنك قادر * * على كل حى من تهام ومنجد ونبى رسول الله أنى هجوته * * فلا رفعت سوطي إلى إذن يدى سوى أننى قد قلت يا ويح فتية * * أصيبوا بنحس يوم طلق وأسعد!
---

[283]
أصابهم من لم يكن لدمائهم * * كفاء فعزت عبرتي وتلددى ذؤيبا وكلثوما وسلمى تتابعوا * * جميعا فإلا تدمع العين أكمد على أن سلمى ليس منهم كمثله * * وإخوته وهل ملوك كاعبد! فإنى لا عرضا خرقت ولا دما * * هرقت ففكر عالم الحق واقصد قال الواقدي: وكانت كلمته هذه قد بلغت رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) قبل أن يتفح مكة، فنهنهت عنه، وكلمه يوم الفتح نوفل بن معاوية الدؤلى، فقال: يا رسول الله أنت أولى الناس بالعفو، ومن منا لم يعادك ولم يؤذك، ونحن في جاهليه لا ندرى ما نأخذ وما ندع، حتى هدانا الله بك، وأنقذنا بيمنك من الهلكة، وقد كذب عليه الركب، وكثروا في أمره عندك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: دع الركب عنك، إنا لم نجد بتهامة أحدا من ذوى رحم ولا بعيد الرحم كان أبر بنا من خزاعة، فاسكت يا نوفل، فلما سكت قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قد عفوت عنه فقال نوفل: فداك أبى وأمى.
قال الواقدي: وجاءت الظهر، فأمر رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) بلالا أن يؤذن فوق ظهر الكعبة وقريش في رءوس الجبال، ومنهم من قد تغيب وستر وجهه خوفا من ان يقتلوا ومنهم من يطلب الامان، ومنهم من قد أمن، فلما أذن بلال وبلغ إلى قوله: " أشهد أن محمدا رسول الله "، (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) رفع صوته كأشد ما يكون، قال: تقول جويريه بنت أبى جهل: قد لعمري رفع لك ذكرك فأما الصلاة فسنصلى، ولكن والله لا نحب من قتل الاحبة أبدا، ولقد كان جاء أبى الذى جاء محمدا من النبوة، فردها ولم يرد خلاف قومه.
وقال خالد بن سعيد بن العاص: الحمد لله الذى أكرم أبى فلم يدرك هذا اليوم،
---

[284]
وقال الحارث بن هشام: واثكلاه! ليتنى مت قبل هذا اليوم قبل أن أسمع بلالا ينهق فوق الكعبة! وقال الحكم بن أبى العاص: هذا والله الحدث العظيم، أن يصيح عبد بنى جمح، يصيح بما يصيح به على بيت أبى طلحه، وقال سهيل بن عمرو، إن كان هذا سخطا من الله تعالى فسيغيره، وإن كان لله رضا فسيقره، وقال أبو سفيان أما أنا فلا أقول شيئا، لو قلت شيئا لاخبرته هذه الحصباء، قال: فأتى جبرئيل عليه السلام رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) فأخبره مقالة القوم.
قال الواقدي: فكان سهيل بن عمرو يحدث فيقول: لما دخل محمد مكة انقمعت فدخلت بيتى وأغلقته على، وقلت لابنى عبد الله بن سهيل: أذهب فاطلب لى جوارا من محمد، فإنى لا آمن أن أقتل، وجعلت أتذكر أثرى عنده وعند أصحابه فلا أرى أسوا أثرا منى، فإنى لقيته يوم الحديبية بما لم يلقه أحد به، وكنت الذى كاتبه، مع حضوري بدرا وأحدا، وكلما تحركت قريش كنت فيها، فذهب عبد الله بن سهيل إلى رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) فقال: يا رسول الله، أبى تؤمنه! قال: نعم، هو آمن بأمان الله، فليظهر، ثم التفت إلى من حوله فقال: من لقى سهيل بن عمرو فلا يشدن النظر إليه، ثم قال: قل له: فليخرج، فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف، وما مثل سهيل جهل الاسلام، ولقد رأى ما كان يوضع فيه إن لم يكن له تتابع، فخرج عبد الله إلى أبيه فأخبره بمقالة رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال سهيل: كان والله برا صغيرا وكبيرا، وكان سهيل يقبل ويدبر غير خائف، وخرج إلى خيبر مع النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) وهو على شركه حتى أسلم بالجعرانة.
تم الجزء السابع عشر من شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ويليه الجزء الثامن عشر
مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية

شرح نهج البلاغة
ابن أبي الحديد ج 18
---
[1]
شرح نهج البلاغة
لابن أبي الحديد
بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم
الجزء الثامن عشر
دار احياء الكتب العربية
عيسى البابي الحلبي وشركاه
---

[2]
الطبعة الثانية(1967 م - 1387 ه‍) جميع الحقوق محفوظة منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم - ايران 1404 ه‍ق
---

[3]
بسم الله الرحمن الرحيم بيان يشتمل هذاء الجزء على بقية المختار من كتب أمير المؤمنين ورسائله إلى أعدائه وأمراء بلاده، ثم على طائفة من مختار حكمه ومواعظه، وأجوبة مسائله، والكلام القصير الخارج في سائر أغراضه.
وقد روجع على الجزء الثالث من المجموعة الخامسة من النسخة المصورة عن أصلها المحفوظ بمكتبة المتحف البريطاني برقم 126، وهى النسخة التي رمزت لها بالحرف(ا).
وأصل هذا الجزء مكتوب بخط نسخ حديث واضح، بيدو أنه كتب في القرن الثاني عشر، ويكاد يكون خاليا من الشكل والضبط، حتى فيما جاء فيه من أصل كلام الامام.
ويبدأ من الشرح ببقية الكلام على فتح مكة، إلا أن بآخرة نقصا يبدأ في أثناء الكلام على شرح قول أمير المؤمنين: " الاعجاب يمنع من الازدياد "، إلى آخر الجزء، ويقع في 56 ورقة، مسطرتها 29 سطرا، وفي كل سطر 15 كلمة تقريبا، ولا يوجد فيه ذكر لاسم ناسخة ولا تاريخ نسخة.
كما روجع أيضا على الجزء الثاني من المجلد الخير من مخطوطة دار الكتب برقم 1868 - أدب، وهى التي رمزت لها بالحرف(د)، وسبق وصفها في مقدمة الجزء السادس عشر، وعلى النسخة المطبوعة على الحجر في طهران سنة 1371 ه‍، وهى التي رمزت لها بالحرف(ب).
وأسأل الله أن يوفق ويعين.
---

[5]
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد(586 - 656) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم 24 رمضان سنة 1382 ه‍فبراير سنة 1963 م محمد أبو الفضل إبراهيم
---

[7]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل(1) [ذكر بقية الخبر عن فتح مكه] قال الواقدي: وهرب هبيرة بن أبى وهب وعبد الله بن الزبعرى جميعا حتى انتهيا إلى نجران فلم يأمنا الخوف حتى دخلا حصن نجران، فقيل: ما شأنكما قالا: أما قريش فقد قتلت ودخل محمد مكة، ونحن والله نرى أن محمدا سائر إلى حصنكم هذا، فجعلت بلحارث بن كعب يصلحون ما رث من حصنهم، وجمعوا ماشيتهم، فأرسل حسان بن ثابت إلى ابن الزبعرى: لا تعدمن رجلا أحلك بغضه * * نجران في عيش أجد ذميم(2) بليت قناتك في الحروب فألفيت * * جوفاء ذات معايب ووصوم(3) غضب الاله على الزبعرى وابنه * * بعذاب سوء في الحياة مقيم فلما جاء ابن الزبعرى شعر حسان تهيأ للخروج، فقال هبيرة بن وهب: أين تريد يا بن؟ عم قال له: أريد والله محمدا، قال: أتريد أن تتبعه؟ قال أي والله، قال هبيرة: يا ليت أنى كنت رافقت غيرك، والله ما ظننت أنك تتبع محمدا أبدا، قال ابن الزبعرى: هو ذاك، فعلى أي شئ أقيم مع بنى الحارث بن كعب وأترك ابن عمى وخير الناس وأبرهم، وبين قومي ودارى! فانحدر ابن الزبعرى حتى جاء رسول الله(صلى الله عليه وسلم)
---
(1) د: " لطفك اللهم لاتمامه بالخير ".
(2) ديوانه 360.
(3) الوصوم: العيوب، جمع وصم، ورواية الديوان: " خمانة جوفاء ذات وصوم ".
---

[8]
وهو جالس في أصحابه، فلما نظر إليه قال: هذا ابن الزبعرى ومعه وجه فيه نور الاسلام، فلما وقف على رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: السلام عليك يا رسول الله، شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله، والحمد لله الذى هداني للاسلام، لقد عاديتك وأجلبت عليك، وركبت الفرس والبعير، ومشيت على قدمى في عداوتك، ثم هربت منك إلى نجران، وأنا أريد ألا أقرب الاسلام أبدا، ثم أرادنى الله منه بخير، فألقاه في قلبى، وحببه إلى، وذكرت ما كنت فيه من الضلال واتباع ما لا ينفع ذا عقل من حجر يعبد، ويذبح له لا يدرى من عبده ومن لا يعبده، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): الحمد لله الذى هداك للاسلام، احمد الله، إن الاسلام يجب ما كان قبله.
وأقام هبيرة بنجران، وأسلمت أم هاني، فقال هبيرة حين بلغه إسلامها يوم الفتح يؤنبها شعرا من جملته(1): وإن كنت قد تابعت دين محمد * * وقطعت الارحام منك حبالها(2) فكوني على أعلى سحوق بهضبة(3) * * ململمه غبراء يبس بلالها(4) فأقام بنجران حتى مات مشركا.
قال الواقدي: وهرب حويطب بن عبد العزى فدخل حائطا(5) بمكة، وجاء أبو ذر لحاجته، فدخل الحائط فرآه، فهرب حويطب، فقال أبو ذر: تعال فأنت آمن، فرجع إليه فقال: أنت آمن، فاذهب حيث شئت، وإن شئت أدخلتك على رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، وإن شئت فإلى منزلك.
قال: وهل من سبيل إلى منزلي ألفى فأقتل قبل أن أصل إلى منزلي،
---
(1) من قصيدة له في ابن هشام 4: 42، وأولها: أشاقتك هند أم أتاك سؤالها * * كذاك النوى أسبابها وانفتالها(2) ابن هشام: " وعطفت الارحام منك حبالها ".
(3) كذا في ا، وفى ب " سخوف "، وفى د: " سجوف ".
وفى ابن هشام: " سحيق ".
(4) الململمة: المستديرة، والغبراء: التي علاها الغبار، واليبس: المكان اليابس.
(5) الحائط هنا: البستان.
---

[9]
أو يدخل على منزلي فأقتل قال: فأنا أبلغ معك منزلك، فبلغ معه منزله، ثم جعل ينادى على بابه: إن حويطبا آمن فلا يهيج.
ثم انصرف إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأخبره فقال: أو ليس قد أمنا الناس كلهم إلا من أمرت بقتله! قال الواقدي: وهرب عكرمة بن أبى جهل إلى اليمن حتى ركب البحر، قال: وجاءت زوجته أم حكيم بنت الحارث بن هشام إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) في نسوة منهن هند بنت عتبة - وقد كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) أمر بقتلها - والبغوم(1) بنت المعدل الكنانية امرأه صفوان بن أميه، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة امرأه الحارث بن هشام، وهند بنت عتبة بن الحجاج أم عبد الله بن عمرو بن العاص، ورسول الله(صلى الله عليه وآله) بالابطح فاسلمن، ولما دخلن عليه دخلن وعنده زوجتاه وابنته فاطمة ونساء من نساء بنى عبد المطلب وسألن أن يبايعهن، فقال: إنى لا أصافح النساء - ويقال: إنه وضع على يده ثوبا فمسحن عليه، ويقال: كان يؤتى بقدح من ماء فيدخل يده فيه ثم يرفعه إليهن، فيدخلن أيديهن فيه - فقالت أم حكيم امرأه عكرمة: يا رسول الله، إن عكرمه هرب منك إلى اليمن، خاف أن تقتله، فأمنه، فقال: هو آمن.
فخرجت أم حكيم في طلبه، ومعها غلام لها رومى، فراودها عن نفسها، فجعلت تمنيه حتى قدمت به على حى، فاستغاثت بهم عليه، فأوثقوه رباطا، وأدركت عكرمة وقد انتهى إلى ساحل من سواحل تهامة، فركب البحر، فهاج بهم، فجعل نؤتى السفينة يقول له: أن أخلص، قال: أي شئ أقول؟ قال: قل لا إله إلا الله، قال عكرمة ما هربت إلا من هذا، فجاءت أم حكيم على هذا من الامر، فجعلت تلح عليه وتقول: يا بن عم، جئتك من عند خير الناس، وأوصل الناس، وأبر الناس، لا تهلك نفسك، فوقف لها حتى أدركته، فقالت: إنى قد استأمنت لك رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فأمنك، قال:
---
(1) ا، ب " البعوم "، د " النعوم "، تحريف، والصواب ما أثبته، وانظر القاموس.
---

[10]
أنت فعلت؟ قالت: نعم أنا كلمته، فأمنك، فرجع معها، فقالت: ما لقيت من غلامك الرومي! وأخبرته خبره، فقتله عكرمة، فلما دنا من مكة قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لاصحابه: يأتيكم عكرمة بن أبى جهل مؤمنا، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذى الحى.
ولا يبلغ الميت.
فلما وصل عكرمة ودخل على رسول الله(صلى الله عليه وآله) وثب إليه(صلى الله عليه وسلم) وليس عليه رداء فرحا به، ثم جلس فوق عكرمة بين يديه ومعه زوجته منقبة، فقال: يا محمد، إن هذه أخبرتني أنك أمنتنى، فقال: صدقت، أنت آمن، فقال عكرمة: فإلام تدعو؟ فقال: إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة. وعد خصال الاسلام، فقال عكرمة: ما دعوت إلا إلى حق، وإلى حسن جميل، ولقد كنت فينا من قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه، وأنت أصدقنا حديثا، وأعظمنا برا.
ثم قال: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله، وإنك رسول الله، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): لا تسألني اليوم شيئا أعطيه أحدا إلا أعطيتكه، قال: فإنى أسألك أن تغفر لى كل عداوة عاديتكها أو مسير أوضعت فيه، أو مقام لقيتك فيه، أو كلام قلته في وجهك، أو أنت غائب عنه.
فقال: اللهم اغفر له كل عداوة عادانيها، وكل مسير سار فيه إلى يريد بذلك إطفاء نورك، واغفر له ما نال منى ومن عرضى، في وجهى أو أنا غائب عنه.
فقال عكرمة: رضيت بذلك يا رسول الله، ثم قال: أما والله لا أدع نفقة كنت أنفقها في صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الاسلام وفى سبيل الله، ولاجتهدن في القتال بين يديك حتى أقتل شهيدا، قال: فرد عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله) امرأته بذلك النكاح الاول.
قال الواقدي: وأما صفوان بن أميه فهرب حتى أتى الشعبة، وجعل يقول
لغلامه
---

[11]
يسار - وليس معه غيره: ويحك! انظر من ترى! فقال: هذا عمير بن وهب، قال صفوان: ما أصنع بعمير؟ والله ما جاء إلا يريد قتلى، قد ظاهر محمدا على، فلحقه، فقال صفوان: يا عمير، مالك؟ ما كفاك ما صنعت، حملتني دينك وعيالك، ثم جئت تريد قتلى! فقال: يا أبا وهب، جعلت فداك! جئتك من عند خير الناس، وأبر الناس وأوصل الناس، وقد كان عمير قال لرسول الله(صلى الله عليه وآله): يا رسول الله، سيد قومي صفوان بن أميه خرج هاربا ليقذف نفسه في البحر، خاف ألا تؤمنه، فأمنه فداك أبى وأمى! فقال: قد أمنته، فخرج في أثره، فقال: إن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قد أمنك صفوان: لا والله حتى تأتيني بعلامة أعرفها، فرجع إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأخبره وقال: يا رسول الله، جئته وهو يريد أن يقتل نفسه فقال: لا أرجع إلا بعلامة أعرفها، فقال: خذ عمامتى، فرجع عمير إليه بعمامة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهى البرد الذى دخل فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله) مكة معتجرا به، برد حبرة أحمر - فخرج عمير في طلبه الثانية(1) حتى جاءه بالبرد فقال: يا أبا وهب، جئتك من عند خير الناس وأوصل الناس وأبر الناس وأحلم الناس، مجده مجدك، وعزه عزك، وملكه ملكك، ابن أبيك وأمك، أذكرك الله في نفسك، فقال: أخاف أن أقتل، قال: فإنه دعاك إلى الاسلام فإن رضيت وإلا سيرك شهرين فهو أوفى الناس وأبرهم، وقد بعث إليك ببرده الذى دخل به معتجرا، أتعرفه؟ قال: نعم، فأخرجه، فقال: نعم هو هو، فرجع صفوان حتى انتهى إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فوجده يصلى العصر بالناس، فقال: كم يصلون؟ قالوا: خمس صلوات في اليوم والليلة قال: أمحمد يصلى بهم؟ قالوا: نعم فلما سلم من صلاته صاح صفوان: يا محمد، إن عمير
---
(1) ا، ب: " ثابته "، وأثبت ما في د.
---

[12]
ابن وهب جاءني ببردك، وزعم أنك دعوتني إلى القدوم إليك، فإن رضيت أمرا، وإلا سيرتني شهرين.
فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): أنزل أبا وهب فقال: لا والله أو تبين لى، قال: بل سر أربعة أشهر.
فنزل صفوان وخرج معه إلى حنين وهو كافر، وأرسل إليه يستعير أدراعه - وكانت مائة درع - فقال: أطوعا أم كرها؟ فقال(عليه السلام) بل طوعا عارية مؤداة، فأعاره إياها، ثم أعادها إليه بعد انقضاء حنين والطائف، فلما كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالجعرانة يسير في غنائم هوازن ينظر إليها، فنظر صفوان إلى شعب هناك مملوء نعما وشاء ورعاء، فأدام النظر إليه ورسول الله(صلى الله عليه وسلم) يرمقه، فقال: أبا وهب: يعجبك هذا الشعب! قال: نعم، قال: هو لك وما فيه.
فقال صفوان: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبى، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله(صلى الله عليه وسلم).
قال الواقدي: فأما عبد الله بن سعد بن أبى سرح فكان قد أسلم، وكان يكتب لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) الوحى، فربما أملى عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله) " سميع عليم " فيكتب " عزيز حكيم " ونحو ذلك، ويقرأ على رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيقول: كذلك الله، ويقرأ فافتتن، وقال: والله ما يدرى ما يقول: إنى لاكتب له ما شئت فلا ينكر، وإنه ليوحى إلى كما يوحى إلى محمد، وخرج هاربا من المدينة إلى مكه مرتدا، فأهدر رسول الله دمه، وأمر بقتله يوم الفتح، فلما كان يومئذ جاء إلى عثمان - وكان أخاه من الرضاعة - فقال: يا أخى، إنى قد أجرتك فاحتبسني هاهنا واذهب إلى محمد فكلمه في، فإن محمدا إن رأني ضرب عنقي، إن جرمى أعظم الجرم، وقد جئت تائبا، فقال عثمان: قم فاذهب معى إليه، قال: كلا، والله إنه إن رأني ضرب عنقي ولم يناظرني، قد أهدر دمى وأصحابه يطلبونني في كل موضع، فقال عثمان: انطلق معى فإنه لا يقتلك إن شاء الله
فلم يرع رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلا بعثمان
---

[13]
آخذا بيد عبد الله بن سعد واقفين بين يديه، فقال عثمان: يا رسول الله، هذا أخى من الرضاعة، أن أمة كانت تحملني وتمشيه وترضعني وتفطمه وتلطفني وتتركه، فهبه لى.
فأعرض رسول الله(صلى الله عليه وآله) عنه، وجعل عثمان كلما أعرض رسول الله عنه استقبله بوجهه، وأعاد عليه هذا الكلام، وإنما أعرض(عليه السلام) عنه إراده لان يقوم رجل فيضرب عنقه، فلما رأى ألا يقوم أحد وعثمان قد انكب عليه يقبل رأسه ويقول: يا رسول الله، بايعه فداك أبى وأمى على الاسلام! فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): نعم، فبايعه.
قال الواقدي: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعد ذلك للمسلمين: ما منعكم أن يقوم منكم واحد إلى هذا الكلب فيقتله - أو قال: الفاسق! فقال عباد بن بشر: والذى بعثك بالحق، إنى لاتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إلى فأضرب عنقه.
ويقال: إن أبا البشير هو الذى قال هذا، ويقال: بل قاله عمر بن الخطاب، فقال(عليه السلام): إنى لا أقتل بالاشارة، وقيل: إنه قال: إن النبي لا يكون له خائنه الاعين.
قال الواقدي: فجعل عبد الله بن سعد يفر من رسول الله(صلى الله عليه وآله) كلما رآه، فقال له عثمان: بأبى أنت وأمى! لو ترى ابن أم عبد يفر منك كلما رآك! فتبسم رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال: أو لم أبايعه وأؤمنه؟ قال: بلى، ولكنه يتذكر عظم جرمه في الاسلام، فقال إن الاسلام يجب ما قبله.
قال الواقدي: وأما الحويرث بن معبد - وهو من ولد قصى بن كلاب - فإنه كان يؤذى رسول الله(صلى الله عليه وآله) بمكة، فأهدر دمه، فبينما هو في منزله يوم الفتح وقد اغلق عليه بابه جاء على(عليه السلام) يسأل عنه، فقيل له: هو في البادية، وأخبر الحويرث أنه جاء يطلبه وتنحى على(عليه السلام) عن بابه فخرج الحويرث يريد أن
---

[14]
يهرب من بيت إلى بيت آخر، فتلقاه على(عليه السلام) فضرب عنقه.
قال الواقدي: وأما هبار بن الاسود، فقد كان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أمر أن يحرقه بالنار، ثم قال: إنما يعذب بالنار رب النار، اقطعوا يديه ورجليه إن قدرتم عليه، ثم اقتلوه، وكان جرمه أن نخس زينب بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) لما هاجرت، وضرب ظهرها بالرمح وهى حبلى، فأسقطت، فلم يقدر المسلمون عليه يوم الفتح، فلما رجع رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى المدينآ طلع هبار بن الاسود قائلا: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فقبل النبي(صلى الله عليه وآله) إسلامه، فخرجت سلمى مولاة النبي(صلى الله عليه وآله) فقالت: لا أنعم الله بك عينا! أنت الذى فعلت وفعلت! فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهبار يعتذر إليه؟ إن الاسلام محا ذلك، ونهى عن التعرض له.
قال الواقدي: قال ابن عباس رضى الله عنه: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهبار يعتذر إليه وهو يطأطئ رأسه استحياء مما يعتذر هبار ويقول له: قد عفوت عنك.
قال الواقدي: وأما ابن خطل فإنه خرج حتى دخل بين أستار الكعبة، فأخرجه أبو برزه الاسلمي منها، فضرب عنقه بين الركن والمقام - ويقال بل قتله عمار بن ياسر، وقيل: سعد بن حريث المخزومى، وقيل: شريك بن عبده العجلاني، والاثبت أنه أبو برزة - قال: وكان جرمه أنه أسلم وهاجر إلى المدينة وبعثه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ساعيا(1)، وبعث معه رجلا من خزاعة فقتله، وساق ما أخذ من مال الصدقة، ورجع إلى مكة، فقالت له قريش: ما جاء بك؟ قال: لم أجد دينا خيرا من دينكم، وكانت له قينتان إحداهما قريني، والاخرى قرينة - أو أرنب، وكان ابن خطل يقول
---
(1) ساعيا أي جابيا للزكاة.
---

[15]
الشعر يهجو به رسول الله(صلى الله عليه وآله) ويغنيان به، ويدخل عليه المشركون بيته فيشربون عنده الخمر، ويسمعون الغناء بهجاء رسول الله(صلى الله عليه وآله).
قال الواقدي: وأما مقيس بن صبابة فإن أمه سهمية، وكان يوم الفتح عند أخواله بنى سهم، فاصطبح الخمر ذلك اليوم في ندامى له وخرج ثملا يتغنى ويتمثل بأبيات منها: دعينى أصطبح يا بكر إنى * * رأيت الموت نقب عن هشام ونقب عن أبيك أبى يزيد * * أخى القينات والشرب الكرام يخبرنا ابن كبشة أن سنحيا * * وكيف حياة أصداء وهام! إذا ما الرأس زال بمنكبيه * * فقد شبع الانيس من الطعام أتقتلني إذا ما كنت حيا * * وتحييني إذا رمت عظامي! فلقيه نميلة بن عبد الله الليثى وهو من رهطه، فضربه بالسيف حتى قتله، فقالت أخته ترثيه: لعمري لقد أخزى نميلة رهطه * * وفجع أصناف النساء بمقيس فلله عينا من رأى مثل مقيس * * إذا النفساء أصبحت لم تخرس(1) وكان جرم مقيس من قبل أن أخاه هاشم بن صبابة أسلم وشهد المريسيع مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقتله رجل من رهط عبادة بن الصامت - وقيل من بنى عمرو ابن عوف وهو لا يعرفه - فظنه من المشركين، فقضى له رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالدية على العاقلة، فقدم مقيس أخوه المدينة فأخذ ديته، وأسلم، ثم عدا على قاتل أخيه، فقتله، وهرب مرتدا كافرا يهجو رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالشعر، فأهدر دمه.
---
(1) يقال: خرست المرأة تخريسا، إذا أطعمت في ولادتها، والبيت في اللسان(خرس).
---

[16]
قال الواقدي: فأما سارة مولاة بنى هاشم - وكانت مغنية نواحه بمكة، وكانت، قد قدمت على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) المدينة تطلب أن يصلها، وشكت إليه الحاجة وذلك بعد بدر وأحد - فقال لها: أما كان لك في غنائك ونياحك ما يغنيك! قالت: يا محمد، إن قريشا منذ قتل من قتل منهم ببدر تركوا استماع الغناء، فوصلها رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأوقر لها بعيرا طعاما، فرجعت إلى قريش وهى على دينها، وكانت يلقى عليها هجاء رسول الله(صلى الله عليه وآله) فتغنى به، فامر بها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يوم الفتح أن تقتل، فقتلت، وأما قينتا ابن خطل فقتل يوم الفتح إحداهما، وهى أرنب أو قرينة، وأما قريني فاستؤمن لها رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فأمنها وعاشت حتى ماتت في أيام عثمان.
قال الواقدي: وقد روى أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أمر بقتل وحشى يوم الفتح، فهرب إلى الطائف، فلم يزل بها مقيما حتى قدم مع وفد الطائف على رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فدخل عليه فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال: أوحشي؟ قال: نعم، قال: اجلس وحدثني كيف قتلت حمزه؟ فلما أخبره قال: قم وغيب عنى وجهك، فكان إذا رآه توارى عنه.
قال الواقدي: وحدثني ابن أبى ذئب ومعمر عن الزهري، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن ابى عمرو بن عدى بن أبى الحمراء، قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يقول بعد فراغه من أمر الفتح وهو يريد الخروج من مكة: أما والله إنك لخير أرض الله، وأحب بلاد الله إلى، ولو لا أن أهلك أخرجوني ما خرجت.
* * *
وزاد محمد بن إسحاق في كتاب " المغازى " أن هند بنت عتبة جاءت إلى رسول الله
---

[17]
(صلى الله عليه وآله) مع نساء قريش متنكرة متنقبة لحدثها الذى كان في الاسلام، وما صنعت بحمزة حين جدعته وبقرت بطنه عن كبده، فهى تخاف أن يأخذها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بحدثها ذلك، فلما دنت منه، وقال حين بايعنه على ألا يشركن بالله شيئا قلن: نعم، قال: ولا يسرقن، فقالت هند: والله أنا كنت لاصيب من مال أبى سفيان الهنة والهنيهة فما أعلم أحلال ذلك أم لا! فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): وأنك لهند! قالت، نعم، أنا هند، و أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فاعف عما سلف عفا الله عنك فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ولا يزنين، فقالت هند: وهل تزني الحرة! فقال: لا ولا يقتلن أولادهن، فقالت هند: قد لعمري ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا ببدر، فأنت وهم أعرف.
فضحك عمر بن الخطاب من قولها حتى أسفرت نواجذه، قال: ولا يأتين ببهتان [يفترينه(1)]، فقالت هند: إن إتيان البهتان لقبيح، فقال: ولا يعصينك في معروف، فقالت ما جلسنا هذه الجلسة ونحن نريد أن نعصيك.
قال محمد بن إسحاق: ومن جيد شعر عبد الله بن الزبعرى الذى اعتذر به إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حين قدم عليه: منع الرقاد بلابل وهموم * * فالليل ممتد الرواق بهيم(2) مما أتانى أن أحمد لامنى * * فيه، فبت كأننى محموم يا خير من حملت على أوصالها * * عيرانة سرح اليدين سعوم
---
(1) من د.
(2) سيرة ابن هشام 4: 39.
البلابل: الوساوس المختلطة.
والبهيم: الذي لا ضياء فيه.
وفى ابن هشام: " والليل معتلج الرواق ".
(3) العيرانة: الناقة الى تشبه العير(حمار الوحش) في شدته ونشاطه.
سرح اليدين: خفيفتهما.
وسعوم: سريعة، وفى ابن هشام: " غشوم ".
---

[18]
إنى لمعتذر إليك من الذى * * أسديت إذ أنا في الضلال أهيم(1) أيان(2) تأمرني بأغوى خطة * * سهم، وتأمرني به مخزوم وأمد أسباب الردى ويقودنى * * أمر الغواة وأمرهم مشئوم فاليوم آمن بالنبي محمد * * قلبى، ومخطئ هذه محروم مضت العداوة وانقضت أسبابها * * ودعت أواصر بيننا وحلوم(3) فاغفر فدى لك والدى كلاهما * * زللي، فإنك راحم مرحوم وعليك من علم المليك علامة * * نور أغر وخاتم مختوم أعطاك بعد محبة برهانه * * شرفا وبرهان الاله عظيم ولقد شهدت بأن دينك * * صادق بر وشأنك في العباد جسيم والله يشهد أن أحمد مصطفى * * متقبل في الصالحين كريم فرع علا بنيانه من هاشم * * دوح تمكن في العلا وأروم) 4) قال الواقدي: وفي يوم الفتح سمى رسول الله(صلى الله عليه وآله) أهل مكة الذين دخلها عليهم الطلقاء، لمنه عليهم بعد أن أظفره الله بهم، فصاروا أرقاء له.
وقد قيل له يوم الفتح: قد أمكنك الله تعالى فخذ ما شئت من أقمار على غصون - يعنون النساء، فقال عليه(عليه السلام): يأبى ذلك إطعامهم الضيف، وإكرامهم البيت، ووجؤهم مناحر الهدى.
* * *
ثم نعود إلى تفسير ما بقى من ألفاظ الفصل(5): قوله: " فإن كان فيك عجل فاسترفه "
---
(1) أسديت: صنعت.
(2) في د: " أيام ".
(3) الحلوم: جمع حلم، وهو العقل.
(4) ابن هشام: قرم علا بنيانه من هاشم * * فرع تمكن في الذراء وأروم قال ابن هشام: " وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها ".
(5) انظر ص 250 من الجزء السابع عشر من هذا الكتاب.
---

[19]
أي كن ذا رفاهية، ولا ترهقن نفسك بالعجل، فلا بد من لقاء بعضنا بعضا، فأى حاجة بك إلى أن تعجل! ثم فسر ذلك فقال: إن أزرك في بلادك، أي أن غزوتك في بلادك فخليق أن يكون الله بعثنى للانتقام منك، وإن زرتني - أي إن غزوتني في بلادي وأقبلت بجموعك إلى.
كنتم.
كما قال أخو بنى(1) أسد، كنت أسمع قديما أن هذا البيت من شعر بشر بن أبى خازم الاسدي، والان فقد تصفحت شعره فلم أجده، ولا وقفت بعد على قائله، وإن وقفت فيما يستقبل من الزمان عليه ألحقته.
وريح حاصب، تحمل الحصباء وهى صغار الحصى، وإذا كانت بين أغوار - وهى ما سفل من الارض وكانت مع ذلك ريح صيف - كانت أعظم مشقة، وأشد ضررا على من تلاقيه.
وجلمود، يمكن أن يكون عطفا على " حاصب "، ويمكن أن يكون عطفا على " أغوار " أي بين غور من الارض وحرة، وذلك أشد لاذاها لما تكسبه الحرة من لفح السموم ووهجها، والوجه الاول أليق.
وأعضضته أي جعلته معضوضا برؤوس أهلك، وأكثر ما يأتي " أفعلته " أن تجعله " فاعلا "، وهى هاهنا من المقلوب، أي أعضضت رءوس أهلك به، كقوله: " قد قطع الحبل بالمرود ".
وجده عتبة بن ربيعة، وخاله الوليد بن عتبة، وأخوه حنظلة بن أبى سفيان، قتلهم على(عليه السلام) يوم بدر.
والاغلف القلب: الذى لا بصيرة له، كان قلبه في غلاف قال تعالى:(وقالوا قلوبنا غلف)(2).
---
(1) وهو قوله: مستقبلين رياح الصيف بهم * * بحاصب بين أغوار وجلمود(2) سورة البقرة 88.
---

[20]
والمقارب العقل، بالكسر: الذى ليس عقله بجيد، والعامة تقول فيما هذا شأنه: مقارب، بفتح الراء.
ثم قال: الاولى أن يقال هذه الكلمة لك.
ونشدت الضالة: طلبتها، وأنشدتها: عرفتها، أي طلبت ما ليس لك.
والسائمة: المال الراعى، والكلام خارج مخرج الاستعارة.
فإن قلت: كل هذا الكلام يطابق بعضه بعضا إلا قوله: " فما أبعد قولك من فعلك وكيف استبعد(عليه السلام) ذلك ولا بعد بينهما، لانه يطلب الخلافه قولا وفعلا! فأى بعد بين قوله وفعله! قلت: لان فعله البغى، والخروج على الامام الذى ثبتت إمامته وصحت، وتفريق جماعة المسلمين، وشق العصا، هذا مع الامور التى كانت تظهر عليه وتقتضي الفسق، من لبس الحرير، والمنسوج بالذهب وما كان يتعاطاه في حياة عثمان من المنكرات التى لم تثبت توبته منها، فهذا فعله.
وأما قوله، فزعمه(1) أنه أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين، وهذا القول بعيد من ذلك الفعل جدا.
و " ما " في قوله: " وقريب ما أشبهت " مصدرية، أي وقريب شبهك بأعمام وأخوال.
وقد ذكرنا من قتل من بنى أمية في حروب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فيما تقدم، وإليهم الاشارة بالاعمام والاخوال، لان أخوال معاوية من بنى عبد شمس، كما أن أعمامه من بنى عبد شمس.
قوله: " ولم تماشها الهوينى " أي لم تصحبها، يصفها بالسرعة والمضى في الرؤوس الاعناق
---
(1) ا: " لزعمه.
---

[21]
وأما قوله: " أدخل فيما دخل فيه الناس وحاكم القوم "، فهى الحجة التى يحتج بها أصحابنا له في أنه لم يسلم قتله عثمان إلى معاوية، وهى حجة صحيحة، لان الامام يجب أن يطاع ثم يتحاكم إليه أولياء الدم والمتهمون، فإن حكم بالحق استديمت حكومته، وإلا فسق وبطلت [إمامته(1)].
قوله: " فأما تلك التى تريدها "، قيل أنه يريد(2) التعلق بهذه الشبهة، وهى قتلة عثمان، وقيل: أراد به ما كان معاوية يكرر طلبه من أمير المؤمنين(عليه السلام)، وهو أن يقره على الشام وحده، ولا يكلفه البيعة، قال: إن ذلك كمخادعة الصبى في أول فطامه عن اللبن بما تصنعه النساء له مما يكره إليه الثدى ويسليه عنه، ويرغبه في التعوض بغيره، وكتاب معاوية الذى ذكرناه لم يتضمن حديث الشام
---
(1) من د.
(2) في د " يعني ".
---

[22]
(65)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) إليه أيضا: أما بعد، فقد آن لك أن تنتفع باللمح الباصر من عيان الامور، فلقد سلكت مدارج أسلافك بادعائك الاباطيل، واقتحامك غرور المين والاكاذيب، من انتحالك ما قد علا عنك، وابتزازك لما قد اختزن دونك، فرارا من الحق، وجحودا لما هو ألزم لك من لحمك ودمك، مما قد وعاه سمعك، وملئ به صدرك، فماذا بعد الحق إلا الضلال، وبعد البيان إلا اللبس! فاحذر الشبهة واشتمالها على لبستها، فإن الفتنة طالما أغدفت جلابيبها وأعشت الابصار ظلمتها.
وقد أتانى كتاب منك ذو أفانين من القول ضعفت قواها عن السلم، وأساطير لم يحكها عنك علم ولا حلم، أصبحت منها كالخائض في الدهاس، والخابط في الديماس، وترقيت إلى مرقبة بعيدة المرام، نازحة الاعلام، تقصر دونها الانوق، ويحاذى بها العيوق، وحاش لله أن تلى للمسلمين من بعدى صدرا أو وردا، أو أجرى لك على أحد منهم عقدا أو عهدا فمن الان فتدارك نفسك وأنظر لها، فإنك إن فرطت حتى ينهد إليك عباد الله أرتجت عليك الامور، ومنعت أمرا هو منك اليوم مقبول، والسلام.
* * *
---

[23]
الشرح:
آن لك وأنى لك بمعنى، أي قرب وحان، تقول: آن لك أن تفعل كذا يئين أينا وقال: ألم يأن أن لى تجل عنى عمايتى * * وأقصر عن ليلى، بلى قد أنى ليا فجمع بين اللغتين، و " أنى " مقلوبة عن " آن " ومما يجرى مجرى المثل قولهم لمن يرونه شيئا شديدا يبصره ولا يشك فيه: قد رأيته لمحابا صرا، قالوا: أي نظرا بتحديق شديد، ومخرجه مخرج رجل لابن وتامر، أي ذو لبن وتمر، فمعنى " باصر " ذو بصر، يقول(عليه السلام) لمعاوية: قد حان لك أن تنتفع بما تعلمه من معاينة الامور والاحوال وتتحققه يقينا بقلبك، كما يتحقق ذو اللمح الباصر ما يبصره بحاسة بصره، وأراد ببيان الامور هاهنا معاينتها، وهو ما يعرفه ضرورة من استحقاق على(عليه السلام) للخلافة دونه، وبراءته من كل شبهة ينسبها إليه.
ثم قال له: " فقد سلكت "، أي اتبعت طرائق أبى سفيان أبيك وعتبة جدك وأمثالهما من أهلك ذوى الكفر والشقاق.
والاباطيل: جمع باطل على غير قياس، كأنهم جمعوا إبطيلا.
والاقتحام: إلقاء النفس في الامر من غير روية.
والمين الكذب.
والغرور بالضم المصدر وبالفتح الاسم.
وانتحلت القصيده، أي ادعيتها كذبا.
قال: " ما قد علا عنك " أي أنت دون الخلافة، ولست من أهلها والابتزاز الاستلاب.
---

[24]
قال: " لما قد اختزن دونك "، يعنى التسمى بإمره المؤمنين.
ثم قال: " فرارا من الحق "، أي فعلت ذلك كله هربا من التمسك بالحق والدين، وحبا للكفر والشقاق والتغلب.
قال: " وجحودا لما هو ألزم "، يعنى فرض طاعة على(عليه السلام)، لانه قد وعاها سمعه، لا ريب في ذلك، إما بالنص في أيام رسول الله(صلى الله عليه وآله) كما تذكره الشيعة - فقد كان معاوية حاضرا يوم الغدير لانه حج معهم حجة الوداع، وقد كان أيضا حاضرا يوم تبوك حين قال له بمحضر من الناس كافة: " أنت منى بمنزلة هارون من موسى "، وقد سمع غير ذلك - وإما بالبيعه كما نذكره نحن فإنه قد اتصل به خبرها، وتواتر عنده وقوعها، فصار وقوعها عنده معلوما بالضرورة كعلمه بأن في الدنيا بلدا اسمها مصر، وأن كان ما رآها.
والظاهر من كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه يريد المعنى الاول! ونحن نخرجه على وجه لا يلزم منه ما تقوله الشيعة فنقول: لنفرض أن النبي(صلى الله عليه وآله) ما نص عليه بالخلافة بعده، أليس يعلم معاوية وغيره من الصحابة أنه لو قال له في ألف مقام: " أنا حرب لمن حاربت وسلم لمن سالمت "، ونحو ذلك من قوله: " اللهم عاد من عاداه، ووال من والاه "، وقوله: " حربك حربى وسلمك سلمى "، وقوله: " أنت مع الحق والحق معك "، وقوله: " هذا منى وأنا منه "، وقوله: " هذا أخى "، وقوله: " يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله "، وقوله: " اللهم ائتنى بأحب خلقك إليك، وقوله: " إنه ولى كل مؤمن [ومؤمنه(1)] بعدى "، وقوله: في كلام قاله: " خاصف النعل "، وقوله: " لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق "، وقوله: " إن الجنة لتشتاق إلى أربعة "، وجعله أولهم، وقوله لعمار: " تقتلك الفئة الباغية "، وقوله: " ستقاتل الناكثين والقاسطين
---
(1) من د.
---

[25]
والمارقين بعدى "، إلى غير ذلك مما يطول تعداده جدا، ويحتاج إلى كتاب مفرد يوضع له، أفما كان ينبغى لمعاوية أن يفكر في هذا ويتأمله، ويخشى الله ويتقيه! فلعله(عليه السلام) إلى هذا أشار بقوله: " وجحودا لما هو ألزم لك من لحمك ودمك مما قد وعاه سمعك، وملئ به صدرك ".
قوله:(فماذا بعد الحق إلا الضلال!)(1) كلمة من الكلام الالهى المقدس.
قال: " وبعد البيان إلا اللبس "، يقال: لبست عليه الامر لبسا، أي خلطته، والمضارع يلبس بالكسر.
قال: " فاحذر الشبهة واشتمالها " على اللبسة بالضم، يقال في الامر لبسة أي اشتباه وليس بواضح، ويجوز أن يكون " اشتمال " مصدرا مضافا إلى معاوية، أي احذر الشبهة واحذر اشتمالك إياها على اللبسة، أي ادراعك بها وتقمصك بها على ما فيها من الابهام والاشتباه، ويجوز أن يكون مصدرا مضافا إلى ضمير الشبهة فقط، أي احذر الشبهة واحتواءها على اللبسة التى فيها.
وتقول اغدفت المرأة قناعها، أي أرسلته على وجهها، وأغدف الليل، أي أرخى سدوله، وأصل الكلمة التغطية.
والجلابيب: جمع جلباب، وهو الثوب.
قال:: وأعشت الابصار ظلمتها ": أي أكسبتها العشى وهو ظلمة العين.
وروى " واغشت " بالغين المعجمة " ظلمتها " بالنصب، أي جعلت الفتنة ظلمتها غشاء للابصار.
والافانين: الاساليب المختلفة.
قوله: " ضعفت قواها عن السلم "، أي عن الاسلام، أي لا تصدر تلك الافانين
---
(1) سورة يونس: 32.
---

[26]
المختلطة عن مسلم، وكان كتب إليه يطلب منه أن يفرده بالشام، وأن يوليه العهد من بعده، وألا يكلفه الحضور عنده.
وقرأ أبو عمرو:(ادخلوا في السلم كافة)(1)، وقال: ليس المعنى بهذا الصلح، بل الاسلام والايمان لا غير، ومعنى " ضعفت قواها "، أي ليس لتلك الطلبات والدعاوى والشبهات التى تضمنها كتابك من القوة ما يقتضى أن يكون المتمسك به مسلما، لانه كلام لا يقوله إلا من هو، إما كافر منافق أو فاسق، والكافر ليس بمسلم، والفاسق أيضا ليس بمسلم - على قول أصحابنا - ولا كافر.
ثم قال: " وأساطير لم يحكها منك علم ولا حلم "، الاساطير: الاباطيل، واحدها أسطورة بالضم وإسطارة بالكسر والالف.
وحوك الكلام: صنعته ونظمه.
والحلم: العقل، يقول له: ما صدر هذا الكلام والهجر الفاسد عن عالم ولا عاقل.
ومن رواها " الدهاس " بالكسر فهو جمع دهس، ومن قرأها بالفتح فهو مفرد، يقول، هذا دهس ودهاس بالفتح، مثل لبث ولباث للمكان السهل الذى لا يبلغ أن يكون رملا، وليس هو بتراب ولا طين.
والديماس بالكسر: السرب المظلم تحت الارض، وفى حديث المسيح: " إنه سبط الشعر، كثير خيلان الوجه، كأنه خرج من ديماس "، يعنى في نضرته وكثرة ماء وجهه كأنه خرج من كن، لانه قال في وصفه: كأن رأسه يقطر ماء، وكان للحجاج سجن اسمه الديماس لظلمته، وأصله من دمس الظلام يدمس أي اشتد، وليل دامس وداموس، أي مظلم: وجاءنا فلان بأمور دمس، أي مظلمة عظيمة، يقول له: أنت في كتابك هذا كالخائض في تلك الارض الرخوة، وتقوم وتقع ولا تتخلص، وكالخابط في الليل المظلم يعثر وينهض ولا يهتدى الطريق.
---
(1) سورة البقرة 208 وانظر تفسير القرطبي 3: 23.
---

[27]
والمرقبة: الموضع العالي، والاعلام: جمع علم، وهو ما يهتدى به في الطرقات من المنار، يقول له: سمت همتك إلى دعوى الخلافة، وهى منك كالمرقبة التى لا ترام بتعد على من يطلبها، وليس فيها أعلام تهدى إلى سلوك طريقها، أي الطرق إليها غامضة كالجبل، الاملس الذى ليس فيه درج ومراق يسلك منها إلى ذروته.
والانوق على " فعول " بالفتح كأكول وشروب: طائر، هو الرخمة، وفى المثل: " أعز من بيض الانوق "، لانها تحرزه ولا يكاد أحد يظفر به، وذلك لان أوكارها في رءوس الجبال والاماكن الصعبة البعيدة.
والعيوق: كوكب معروف فوق زحل في العلو، وهذه أمثال ضربها في بعد معاوية عن الخلافة.
ثم قال: " حاش لله أن أوليك شيئا من أمور المسلمين بعدى "، أي معاذ الله، و الاصل إثبات الالف في " حاشا "، وإنما اتبع فيها المصحف.
والورد والصدر: الدخول والخروج، وأصله، في الابل والماء.
وينهد إليك عباد الله، أي ينهض.
وأرتجت عليك الامور: أغلقت.
وهذا الكتاب هو جواب كتاب وصل من معاوية إليه(عليه السلام) بعد قتل على(عليه السلام) الخوارج، وفيه تلويح بما كان يقوله من قبل: إن رسول الله وعدني بقتال طائفة أخرى غير أصحاب الجمل وصفين، وإنه سماهم المارقين، فلما واقعهم(عليه السلام) بالنهروان وقتلهم كلهم بيوم واحد وهم عشرة آلاف فارس أحب أن يذكر معاوية بما كان يقول من قبل، ويعد به أصحابه وخواصه، فقال له: قد آن لك أن تنتفع بما عاينت وشاهدت معاينة ومشاهدة، من صدق القول الذى كنت أقوله للناس ويبلغك فتستهزئ به.
---

[28]
(66)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) كتبه إلى عبد الله بن العباس، وقد تقدم ذكره بخلاف هذه الرواية: أما بعد، فإن العبد ليفرح بالشئ الذى لم يكن ليفوته، ويحزن على الشئ الذى لم يكن ليصيبه، فلا يكن أفضل ما نلت في نفسك من دنياك بلوغ لذة، أو شفاء غيظ، ولكن إطفاء باطل، وإحياء حق، وليكن سرورك بما قدمت، وأسفك على ما خلفت، وهمك فيما بعد الموت.
* * *
الشرح:
هذا الفصل قد تقدم شرح نظيره، وليس في ألفاظه ولا معانيه ما يفتقر إلى تفسير، ولكنا سنذكر من كلام الحكماء والصالحين كلمات تناسبه.
[نبذ من كلام الحكماء] فمن كلام بعضهم: ما قدر لك أتاك، وما لم يقدر لك تعداك، فعلام تفرح بما لم يكن بد من وصوله إليك، وعلام تحزن بما لم يكن ليقدم عليك! ومن كلامهم: الدنيا تقبل إقبال الطالب، وتدبر إدبار الهارب، وتصل وصال المتهالك، وتفارق فراق المبغض الفارك، فخيرها يسير، وعيشها قصير، و إقبالها خدعة، وإدبارها
---

[29]
فجعة، ولذاتها فانية وتبعاتها باقية، فاغتنم غفلة الزمان، وانتهز فرصة الامكان، وخذ من نفسك لنفسك، وتزود من يومك لغدك قبل نفاذ المدة، وزوال القدرة، فلكل امرئ من دنياه ما ينفعه على عمارة أخراه.
ومن كلامهم: من نكد الدنيا أنها لا تبقى على حالة، ولا تخلو من استحاله تصلح جانبا بإفساد جانب، وتسر صاحبا بمساءة صاحب فالسكون فيها خطر، والثقة إليها غرر، والالتجاء إليها محال، والاعتماد عليها ضلال.
ومن كلامهم: لا تبتهجن لنفسك بما أدركت من لذاتها الجسمانية، وابتهج لها بما تناله من لذاتها العقلية.
ومن القول بالحق، والعمل بالحق، فإن اللذات الحسية خيال ينفد، والمعارف العقلية باقية بقاء الابد،
---

[30]
(67)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) كتبه إلى قثم بن العباس وهو عامله على مكة: أما بعد، فأقم للناس الحج، وذكرهم بأيام الله، وأجلس لهم العصرين، فأفت المستفتى، وعلم الجاهل وذاكر(1) العالم، ولا يكن لك إلى الناس سفير إلا لسانك، ولا حاجب إلا وجهك.
ولا تحجبن ذا حاجة عن لقائك بها، فإنها إن ذيدت عن أبوابك في أول وردها لم تحمد فيما بعد على قضائها.
وانظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه إلى من قبلك من ذوى العيال والمجاعه، مصيبا به مواضع المفاقر والخلات، وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا.
ومر أهل مكة ألا يأخذوا من ساكن أجرا، فإن الله سبحانه يقول:(سواء العاكف فيه والباد)(2) فالعاكف: المقيم به، والبادى: الذى يحج إليه من غير أهله، وفقنا الله وإياكم لمحابه، والسلام.
---
(1) في د " وذكر ".
(2) سورة الحج 25.
---

[31]
الشرح:
قد تقدم ذكر قثم ونسبه.
أمره أن يقيم للناس حجهم، وأن يذكرهم بأيام الله، وهى أيام الانعام وأيام الانتقام، لتحصل الرغبة والرهبة.
واجلس لهم العصرين: الغداة والعشي.
ثم قسم له ثمرة جلوسه لهم ثلاثه أقسام: إما أن يفتى مستفتيا من العامه في بعض الاحكام، وأما أن يعلم متعلما يطلب الفقه، وإما أن يذاكر(1) عالما ويباحثه ويفاوضه ولم يذكر السياسة والامور السلطانية لان غرضه متعلق بالحجيج، وهم أضيافه، يقيمون ليالى يسيرة ويقفلون، وإنما يذكر السياسة وما يتعلق بها فيما يرجع إلى أهل مكة، ومن يدخل تحت ولايته دائما، ثم نهاه عن توسط السفراء والحجاب بينه وبينهم، بل ينبغى أن يكون سفيره لسانه، وحاجبه وجهه، وروى " ولا يكن إلا لسانك سفيرا لك إلى الناس " بجعل " لسانك " اسم كان مثل قوله:(فما كان جواب قومه إلا أن قالوا)(2)، والرواية الاولى هي المشهورة، وهو أن يكون " سفيرا " إسم كان، ولك خبرها، ولا يصح ما قاله الراوندي: إن خبرها " إلى الناس "، لان " إلى " هاهنا متعلقة بنفس " سفير " فلا يجوز أن تكون الخبر عن " سفير " تقول: سفرت إلى بنى فلان في الصلح، وإذا تعلق حرف الجر بالكلمة صار كالشئ الواحد.
ثم قال: فإنها أن ذيدت أي طردت ودفعت.
كان أبو عباد ثابت بن يحيى كاتب المأمون إذا سئل الحاجة يشتم السائل، ويسطو عليه ويخجله، ويبكته ساعة ثم يأمر له بها، فيقوم وقد صارت إليه وهو يذمه ويلعنه قال على بن جبلة العكوك:
---
(1) في د " يذكر ".
(2) سورة النمل 56.
---

[32]
لعن الله أبا عباد لعنا يتوالى يوسع السائل شتما * * ثم يعطيه السؤالا.
وكان الناس يقفون لابي عباد وقت ركوبة، فيتقدم الواحد منهم إليه بقصته ليناوله إياها، فيركله برجله بالركاب، ويضربه بسوطه، ويطير غضبا، ثم لا ينزل عن فرسه حتى يقضى حاجته، ويأمر له بطلبته، فينصرف الرجل بها وهو ذام له ساخط عليه، فقال فيه دعبل: أولى الامور بضيعة وفساد * * ملك يدبره أبو عباد(1) متعمد بدواته جلساءه(2) * * فمضرج ومخضب بمداد وكأنه من دير هزقل مفلت * * حرب يجر سلاسل الاقياد(3) فاشدد أمير المؤمنين صفاده * * بأشد منه في يد الحداد وقال فيه بعض الشعراء: قل للخليفة يابن عم محمد * * قيد وزيرك إنه ركال فلسوطه بين الرؤوس مسالك * * ولرجله بين الصدور مجال والمفاقر: الحاجات، يقال: سد الله مفاقره، أي أغنى الله فقره، ثم أمره أن يأمر أهل مكة ألا يأخذوا من أحد من الحجيج أجرة مسكن، واحتج على ذلك بالاية، وأصحاب أبى حنيفة يتمسكون بها في امتناع بيع دور مكة وإجارتها، وهذا بناء على أن
---
(1) ديوانه 71، وروايته: " أمر يدبره أبو عباد " وبعد هناك: خرق على جلسائه فكأنهم * * حضروا لملحمة ويوم جلاد(2) الديوان: " يسطو على كتابه بدواته ".
(3) الديوان: " حرد " ودير هزقيل: مجتمع المجانين كان.
---

[33]
المسجد الحرام هو مكة كلها، والشافعي يرى خلاف ذلك، ويقول: إنه الكعبة، ولا يمنع من بيع دور مكة ولا إجارتها، ويحتج بقوله تعالى:(الذين أخرجوا من ديارهم)(1)، وأصحاب أبى حنيفة يقولون: إنها إضافه اختصاص لا إضافه تمليك، كما تقول: جل الدابة، وقرأ " سواء " بالنصب على أن يكون أحد مفعولي " جعلنا " أي جعلناه مستويا فيه العاكف والباد، ومن قرأ بالرفع جعل الجملة هي(2) المفعول الثاني.
---
(1) الحج 4.
(2) في د " على ".
---

[34]
(68)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) كتبه إلى سلمان الفارسى رحمه الله قبل أيام خلافته: أما بعد، فإنما مثل الدنيا مثل(1) الحية، لين مسها، قاتل سمها، فأعرض عما يعجبك فيها، لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها، لما أيقنت به من فراقها، وتصرف حالاتها، وكن آنس ما تكون بها أحذر ما تكون منها، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخصته إلى، محذور أو إلى إيناس أزالته عنه إلى إيحاش، والسلام.
* * *
الشرح:
[سلمان الفارسى وخبر إسلامه] سلمان،، رجل من فارس من رامهرمز، وقيل: بل من أصبهان، من قرية يقال لها جى، وهو معدود من موالى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وكنيته أبو عبد الله، وكان إذا قيل: ابن من أنت؟ يقول: أنا سلمان، ابن الاسلام، أنا من بنى آدم.
وقد روى أنه قد تداوله أرباب كثيرة، بضعة عشر ربا، من واحد إلى آخر حتى أفضى إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)(2).
وروى أبو عمر بن عبد البر في كتاب " الاستيعاب " أن سلمان أتى رسول الله
---
(1) في د " كمثل ".
(2) الاستيعاب 634 وما بعدها(طبعة نهضة مصر)، وبعدها هناك: " ومن الله عليه بالاسلام ".
---

[35]
(صلى الله عليه وآله) بصدقة، فقال: هذه صدقه عليك وعلى أصحابك، فلم يقبلها، وقال: إنه لا تحل لنا الصدقة، فرفعها، ثم جاء من الغد بمثلها وقال: هدية هذه، فقال لاصحابه: كلوا.
واشتراه من أربابه، وهم قوم يهود بدراهم، وعلى أن يغرس لهم من النخيل كذا وكذا، ويعمل فيها حتى تدرك، فغرس رسول الله(صلى الله عليه وآله) ذلك النخل كله بيده إلا نخلة واحده غرسها عمر بن الخطاب، فأطعم النخل كله إلا تلك النخلة، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): " من غرسها "؟ قيل: عمر، فقلعها وغرسها رسول الله(صلى الله عليه وآله) بيده فأطعمت(1).
قال أبو عمر: وكان سلمان يسف(2) الخوص وهو أمير على المدائن ويبيعه ويأكل منه ويقول لا أحب أن آكل إلا من عمل يدى، وكان قد تعلم سف الخوص من المدينة.
وأول مشاهده الخندق، وهو الذى أشار بحفره، فقال أبو سفيان وأصحابه لما رأوه: هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها.
قال أبو عمر: وقد روى أن سلمان شهد بدر واحدا، وهو عبد يومئذ، والاكثر أن أول مشاهده الخندق، ولم يفته بعد ذلك مشهد.
قال: وكان سلمان خيرا، فاضلا، حبرا، عالما، زاهدا، متقشفا.
قال: وذكر هشام بن حسان عن الحسن البصري، قال: كان عطاء سلمان خمسة آلاف، وكان إذا خرج عطاؤه تصدق به، ويأكل من عمل يده، وكانت له عباءة يفرش بعضها ويلبس بعضها.
---
(1) بعدها في الاستيعاب: " من عامها ".
(2) يسف الخوص، أي ينسجه، وفى اللسان: " وفى حديث أبى ذر، قالت له امرأة: ما في بيتك سفة ولا هفة، السفة: ما يسف من الخوص كالزبيل ونحوه ".
---

[36]
قال: وقد ذكر ابن وهب وابن نافع أن سلمان لم يكن له بيت، إنما كان يستظل بالجدر والشجر، وإن رجلا قال له: ألا أبنى لك بيتا تسكن فيه؟ قال: لا حاجه لى في ذلك فما زال به الرجل حتى قال له: أنا أعرف البيت الذى يوافقك، قال: فصفه لى، قال: أبنى لك بيتا إذا أنت قمت فيه أصاب رأسك سقفه، وإن أنت مددت فيه رجليك أصابهما [الجدار(1)]؟ قال: نعم، فبنى له.
قال أبو عمر: وقد روى عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) من وجوه أنه قال: " لو كان الدين في الثريا لناله سلمان "، وفى روايه أخرى " لناله رجل من فارس ".
قال: وقد روينا عن عائشة قالت: كان لسلمان مجلس من رسول الله(صلى الله عليه وآله) ينفرد به بالليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله(صلى الله عليه وآله).
قال: " وقد روى من حديث ابن بريدة، عن أبيه أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: " أمرنى ربى بحب أربعه، وأخبرني أنه يحبهم: على، وأبو ذر، والمقداد، وسلمان ".
قال: وروى قتادة عن أبى هريرة، قال: " سلمان صاحب الكتابين " يعنى الانجيل والقرآن.
وقد روى الاعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبى البخترى، عن على(عليه السلام) أنه سئل عن سلمان فقال: علم العلم الاول، والعلم الاخر، ذاك بحر لا ينزف، وهو منا أهل البيت.
قال: وفى رواية زاذان، عن على(عليه السلام): سلمان الفارسى كلقمان الحكيم.
قال: وقال فيه كعب الاحبار: سلمان حشى علما وحكمة.
---
(1) من " د ".
---

[37]
قال: وفى الحديث المروى أن أبا سفيان مر على سلمان وصهيب وبلال في نفر من المسلمين فقالوا: ما أخذت السيوف من عنق عدو الله مأخذها - وأبو سفيان يسمع قولهم - فقال لهم أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها! وأتى النبي(صلى الله عليه وآله) وأخبره فقال: يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم! لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت الله، فأتاهم أبو بكر، فقال أبو بكر: يا إخوتاه، لعلى أغضبتكم! قالوا: لا يا أبا بكر، يغفر الله لك.
قال: وآخى رسول الله(صلى الله عليه وآله) بينه وبين أبى الدرداء لما آخى بين المسلمين.
قال: ولسلمان فضائل جمة، وأخبار حسان، وتوفى في آخر خلافة عثمان سنة خمس وثلاثين، وقيل: توفى في أول سنة ست وثلاثين.
وقال قوم: توفى في خلافة عمر، والاول أكثر.
وأما حديث إسلام سلمان فقد ذكره كثير من المحدثين(1) ورووه عنه، قال: كنت ابن دهقان(2) قرية جى من أصبهان، وبلغ من حب أبى لى أن حبسني في البيت كما تحبس الجارية، فاجتهدت في المجوسية حتى صرت قطن(3) بيت النار، فأرسلني أبى يوما إلى ضيعة له، فمررت بكنيسة النصارى، فدخلت عليهم، فأعجبتني صلاتهم، فقلت: دين هؤلاء خير من دينى، فسألتهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام، فهربت من والدى حتى قدمت الشام، فدخلت على الاسقف(4) فجعلت أخدمه وأتعلم منه، حتى حضرته الوفاة، فقلت: إلى من توصى بى؟ فقال: قد هلك الناس وتركوا دينهم إلا رجلا بالموصل فالحق به، فلما قضى نحبه لحقت بذلك الرجل
---
(1) وقد ذكر خبر إسلامه أيضا ابن هشام، أورده في السيرة 1: 233 - 242.
(2) الدهقان: شيخ القرية في بلاد فارس.
(3) قطن النار: خادمها.
(4) الاسقف: من وظائف النصرانية، وهو فوق القسيس ودون المطران.
---

[38]
فلم يلبث إلا قليلا حتى حضرته الوفاة، فقلت: إلى من توصى بى؟ فقال: ما أعلم رجلا بقى على الطريقة المستقيمة إلا رجلا بنصيبين، فلحقت بصاحب نصيبين.
قالوا: وتلك الصومعة اليوم باقية، وهى التى تعبد فيها سلمان قبل الاسلام، قال: ثم احتضر صاحب نصيبين، فبعثني إلى رجل بعمورية من أرض الروم، فأتيته وأقمت عنده، واكتسبت بقيرات وغنيمات، فلما نزل به الموت قلت له: بمن توصى بى؟ فقال: قد ترك الناس دينهم، وما بقى أحد منهم على الحق، وقد أظل زمان نبى مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بين حرتين، لها نخل، قلت: فما علامته؟ قال: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، قال: ومر بى ركب من كلب، فخرجت معهم، فلما بلغوا بى وادى القرى ظلموني وباعونى من يهودى، فكنت أعمل له في زرعه ونخله، فبينا أنا عنده إذ قدم ابن عم له، فابتاعنى منه، وحملنى إلى المدينة، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها، وبعث الله محمدا بمكة، ولا أعلم بشئ من أمره، فبينا أنا في رأس نخلة إذ أقبل ابن عم لسيدي، فقال: قاتل الله بنى قيلة، قد اجتمعوا على رجل بقباء قدم عليهم من مكة، يزعمون أنه نبى، قال: فأخذني القر والانتفاض، ونزلت عن(1) النخلة، وجعلت أستقصى في السؤال، فما كلمني سيدى بكلمة، بل قال: أقبل على شأنك، ودع مالا يعنيك.
فلما أمسيت أخذت شيئا كان عندي من التمر، وأتيت به النبي(صلى الله عليه وآله) فقلت له: بلغني أنك رجل صالح، وأن لك أصحابا غرباء ذوى حاجة، وهذا شئ عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم، فقال(عليه السلام) لاصحابه: كلوا، وأمسك فلم يأكل، فقلت في نفسي: هذه واحدة وانصرفت، فلما كان من الغد أخذت ما كان بقى عندي وأتيته به، فقلت له: إنى رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية،
---
(1) ب " من ".
---

[39]
فقال: كلوا وأكل معهم، فقلت إنه لهو، فأكببت عليه أقبله وأبكى، فقال: مالك؟ فقصصت عليه القصة فأعجبه، ثم قال: يا سلمان، كاتب صاحبك، فكاتبته على ثلثمائة نخلة وأربعين أوقية، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) للانصار: " أعينوا أخاكم "، فأعانوني بالنخل حتى جمعت ثلاثمائة ودية، فوضعها رسول الله(صلى الله عليه وآله) بيده، فصحت كلها، وأتاه مال من بعض المغازى، فأعطاني منه، وقال: أد كتابتك، فأديت وعتقت.
وكان سلمان من شيعة على(عليه السلام) وخاصته، وتزعم الامامية إنه أحد الاربعة الذين حلقوا رؤوسهم وأتوه متقلدى سيوفهم في خبر يطول، وليس هذا موضع ذكره وأصحابنا لا يخالفونهم في أن سلمان كان من الشيعة، وإنما يخالفونهم في أمر أزيد من ذلك، وما يذكره المحدثون من قوله للمسلمين يوم السقيفة: كرديد ونكرديد محمول عند أصحابنا على أن المراد صنعتم شيئا وما صنعتم، أي استخلفتم خليفة ونعم ما فعلتم، إلا أنكم عدلتم عن أهل البيت،، فلو كان الخليفة منهم كان أولى والامامية تقول: معناه: " أسلمتم وما أسلمتم واللفظة المذكورة في الفارسية لا تعطى هذا المعنى، وإنما تدل على الفعل والعمل لا غير، ويدل على صحة قول أصحابنا أن سلمان عمل لعمر على المدائن، فلو كان ما تنسبه الامامية إليه حقا لم يعمل له.
فأما ألفاظ الفصل ومعانيه فظاهرة، ومما يناسب مضمونه قول بعض الحكماء: تعز عن الشئ إذا منعته، بقلة صحبته لك إذا أعطيته.
وكان يقال: الهالك على الدنيا رجلان: رجل نافس في عزها، ورجل أنف من ذلها.
---

[40]
ومر بعض الزهاد بباب دار وأهلها يبكون ميتا لهم، فقال: واعجبا لقوم مسافرين! يبكون مسافرا قد بلغ منزله! وكان يقال: يابن آدم، لا تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت، ولا تفرح بموجود لا يتركه عليك الموت.
لقى عالم من العلماء راهبا فقال: أيها الراهب، كيف ترى الدنيا؟ قال: تخلق الابدان، وتجدد الامال، وتباعد الامنية، وتقرب المنية، قال: فما حال أهلها؟ قال: من ظفر بها نصب، ومن فاتته أسف، قال: فكيف الغنى عنها؟ قال: بقطع الرجاء منها، قال: فأى الاصحاب أبر وأوفى؟ قال: العمل الصالح، قال: فأيهم أضر وأنكى؟ قال: النفس والهوى، قال: فكيف المخرج؟ قال: في سلوك المنهج، قال: وبماذا أسلكه؟ قال: بأن تخلع لباس الشهوات الفانية، وتعمل للدار الباقية.
---

[41]
(69)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) كتبه إلى الحارث الهمداني: وتمسك بحبل القرآن وانتصحه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وصدق بما سلف من الحق، واعتبر بما مضى من الدنيا لما بقى منها فإن بعضها يشبه بعضا، وآخرها لاحق بأولها، وكلها حائل مفارق.
وعظم اسم الله أن تذكره إلا على حق، وأكثر ذكر الموت وما بعد الموت، ولا تتمن الموت إلا بشرط وثيق.
واحذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه، ويكرهه لعامة المسلمين، واحذر كل عمل يعمل به في السر، ويستحى منه في العلانية، واحذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره واعتذر منه، ولا تجعل عرضك غرضا لنبال القوم، ولا تحدث الناس بكل ما سمعت به، فكفى بذلك كذبا، ولا ترد على الناس كل ما حدثوك به، فكفى بذلك جهلا.
وأكظم الغيظ، واحلم عند الغضب، وتجاوز عند المقدرة، وأصفح مع الدولة تكن لك العاقبة، واستصلح كل نعمة أنعمها الله عليك، ولا تضيعن نعمة من نعم الله عندك، ولير عليك أثر ما انعم الله به عليك.
واعلم أن أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه وأهله وماله، وإنك ما تقدم من خير يبق لك ذخره، وما تؤخره يكن لغيرك خيره.
---

[42]
واحذر صحابة من يفيل رأية، وينكر عمله، فإن الصاحب معتبر بصاحبه.
واسكن الامصار العظام فإنها جماع المسلمين، واحذر منازل الغفلة والجفاء، وقلة الاعوان على طاعة الله، واقصر رأيك على ما يعنيك.
وإياك ومقاعد الاسواق فإنها محاضر الشيطان، ومعاريض الفتن.
وأكثر أن تنظر إلى من فضلت عليه، فإن ذلك من أبواب الشكر.
ولا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة إلا فاصلا في سبيل الله، أوفى أمر تعذر به.
وأطع الله في جمل أمورك، فإن طاعة الله فاضلة على ما سواها.
وخادع نفسك في العبادة وأرفق بها ولا تقهرها، وخذ عفوها ونشاطها، إلا ما كان مكتوبا عليك من الفريضة، فإنه لا بد من قضائها، وتعاهدها عند محلها.
وإياك أن ينزل بك الموت وأنت آبق من ربك في طلب الدنيا، وإياك ومصاحبة الفساق، فإن الشر بالشر ملحق.
ووقر الله، وأحبب أحباءه، واحذر الغضب، فإنه جند من جنود إبليس، والسلام.
* * *
الشرح:
[الحارث الاعور ونسبه] هو الحارث الاعور صاحب أمير المؤمنين(عليه السلام)، وهو الحارث بن عبد الله ابن كعب بن أسد بن نخلة بن حرث بن سبع بن صعب بن معاوية الهمداني، كان أحد
---

[43]
الفقهاء، له قول في الفتيا، وكان صاحب على(عليه السلام)، وإليه تنسب الشيعة الخطاب الذى خاطبه به في قوله(عليه السلام): يا حار همدان من يمت يرنى * * من مؤمن أو منافق قبلا وهى أبيات مشهورة قد ذكرناها فيما تقدم.
[نبذ من الاقوال الحكية] وقد اشتمل هذا الفصل على وصايا جليلة الموقع: منها قوله: " وتمسك بحبل القرآن "، جاء في الخبر المرفوع لما ذكر الثقلين فقال: أحدهما كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الارض طرف بيد الله وطرف بأيديكم ".
ومنها قوله: " انتصحه " أي عده ناصحا لك فيما أمرك به ونهاك عنه.
ومنها قوله: " وأحل حلاله وحرم حرامه "، أي أحكم بين الناس في الحلال والحرام بما نص عليه القرآن.
ومنها قوله: " وصدق بما سلف من الحق " أي صدق بما تضمنه القرآن من أيام الله ومثلاته في الامم السالفة لما عصوا وكذبوا.
ومنها قوله: " واعتبر بما مضى من الدنيا لما بقى منها "، وفى المثل: إذا شئت أن تنظر الدنيا بعدك فانظرها بعد غيرك، وقال الشاعر: وما نحن إلا مثلهم غير أننا * * أقمنا قليلا بعدهم ثم نرحل.
ويناسب قوله: " وآخرها لاحق بأولها، وكلها حائل مفارق " قوله أيضا(عليه السلام)
---
(1) في د " وتر حلوا " والمعنى عليه يستقيم أيضا.
---

[44]
في غير هذا الفصل الماضي: للمقيم عبرة، والميت للحى عظة، وليس لامس عودة، ولا المرء من غد على ثقة، الاول للاوسط رائد، والاوسط للاخير قائد وكل بكل لاحق، والكل للكل مفارق ".
ومنها قوله: " وعظم اسم الله أن تذكره إلا على حق "، قال الله سبحانه:(ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم)(1)، وقد نهى عن الحلف بالله في الكذب والصدق، أما في أحدهما فمحرم وأما في الاخر فمكروه، ولذلك لا يجوز ذكر اسمه تعالى في لغو القول والهزء والعبث.
ومنها قوله: " وأكثر ذكر الموت "، وما بعد الموت جاء في الخبر المرفوع: " أكثروا ذكر هاذم(2) اللذات "، وما بعد الموت: العقاب والثواب في القبر وفي الاخرة.
ومنها قوله: " ولا تتمن الموت إلا بشرط وثيق "، هذه كلمة شريفة عظيمة القدر، أي لا تتمن الموت إلا وأنت واثق من أعمالك الصالحة أنها تؤديك إلى الجنة، وتنقذك من النار، وهذا هو معنى قوله تعالى لليهود:(إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين)(3).
ومنها قوله: " واحذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه، ويكرهه لعامة المسلمين، واحذر كل عمل يعمل في الستر، ويستحيا منه في العلانية، واحذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره واعتذر منه "، وهذه الوصايا الثلاث متقاربة في المعنى، ويشملها معنى قول الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتى مثله * * عار عليك إذا فعلت عظيم(4).
---
(1) سورة البقرة:(2) هاذم اللذات، من الهذم وهو القطع.
(3) سورة الجمعة 6، 7.
(4) لابي الاسود الدؤلى من قصيدته الميمية، أوردها صاحب الجزانة في 3: 618.
---

[45]
وقال الله تعالى حاكيا عن نبى من أنبيائه:(وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه)(1).
ومن كلام الجنيد الصوفى: ليكن عملك من وراء سترك كعملك من وراء الزجاج الصافى.
وفى المثل وهو منسوب إلى على(عليه السلام) إياك وما يعتذر منه.
ومنها قوله: " ولا تجعل عرضك غرضا لنبال القوم "، قال الشاعر: لا تستتر أبدا ما لا تقوم له * * ولا تهيجن من عريسه الاسدا(2) إن الزنابير أن حركتها سفها * * من كورها أوجعت من لسعها الجسدا وقال: مقاله السوء إلى أهلها * * أسرع من منحدر سائل ومن دعا الناس إلى ذمه * * ذموه بالحق وبالباطل ومنها قوله: " ولا تحدث الناس بكل ما سمعت، فكفى بذلك كذبا "، قد نهى أن يحدث الانسان بكل ما رأى من العجائب فضلا عما سمع، لان الحديث الغريب المعجب تسارع النفس إلى تكذيبه، وإلى أن تقوم الدلالة على صدقه قد فرط من سوء الظن فيه ما فرط.
ويقال: إن بعض العلوية قال في حضرة عضد الدولة ببغداد: عندنا في الكوفة نبق وزن كل نبقة مثقالان.
فاستطرف الملك ذلك، وكاد يكذبه الحاضرون، فلما قام ذكر ذلك لابيه، فأرسل حماما كان عنده في الحال إلى الكوفة يأمر وكلاءه بإرسال مائة حمامة، في رجلى كل واحدة نبقتان من ذلك النبق، فجاء النبق في بكرة الغد وحمل إلى عضد الدولة، فاستحسنه وصدقه حينئذ، ثم قال له لعمري لقد صدقت،
---
(1) هود 88.
(2) العريسة: مأوى الاسد.
---

[46]
ولكن لا تحدث فيما بعد بكل ما رأيت من الغرائب، فليس كل وقت يتهيأ لك إرسال الحمام.
وكان يقال: الناس يكتبون أحسن ما يسمعون، ويحفظون أحسن ما يكتبون، ويتحدثون بأحسن ما يحفظون، والاصدق نوع تحت جنس الاحسن.
ومنها قوله: " ولا ترد على الناس كل ما حدثوك، فكفى بذلك جهلا "، من الجهل المبادرة بإنكار ما يسمعه، وقال ابن سينا في آخر " الاشارات " إياك أن يكون تكيسك وتبرؤك من العامة، هو أن تنبري منكرا لكل شئ، فلذلك عجز وطيش، وليس الخرق في تكذيبك ما لم يستبن لك بعد جليته دون الخرق في تصديقك بما لم تقم بين يديك بينة، بل عليك الاعتصام بحبل التوقف وان أزعجك استنكار ما يوعيه سمعك مما لم يبرهن على استحالته لك، فالصواب أن تسرح أمثال ذلك إلى بقعة الامكان، ما لم يذدك عنها قائم البرهان.
ومنها قوله: " واكظم الغيظ " قد مدح الله تعالى ذلك فقال:(والكاظمين الغيظ)(1)، وروى أن عبدا لموسى بن جعفر(عليه السلام) قدم إليه صحفة فيها طعام حار، فعجل فصبها على رأسه ووجهه، فغضب، فقال له: والكاظمين الغيظ، قال: قد كظمت، قال:(والعافين عن الناس) قال: قد عفوت، قال(والله يحب المحسنين)(1)، قال: أنت حر لوجه الله، وقد نحلتك ضيعتي الفلانية.
ومنها قوله: " واحلم عند الغضب "، هذه مناسبة الاولى، وقد تقدم منا قول كثير في الحلم وفضله، وكذلك القول في قوله(عليه السلام): " وتجاوز عند القدرة "، وكان يقال: القدرة تذهب الحفيظة.
---
(1) سورة آل عمران 134.
---

[47]
ومنها قوله: واصفح مع الدولة تكن لك العاقبة "، هذه كانت شيمة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وشيمة على(عليه السلام)، أما شيمة رسول الله(صلى الله عليه وآله) فظفر بمشركي مكة وعفا عنهم، كما سبق القول فيه في عام الفتح، وأما على(عليه السلام) فظفر بأصحاب الجمل وقد شقوا عصا الاسلام عليه، وطعنوا فيه وفى خلافته، فعفا عنهم، مع علمه بأنهم يفسدون عليه أمره فيما بعد، ويصيرون إلى معاوية، إما بأنفسهم أو بآرائهم ومكتوباتهم، وهذا أعظم من الصفح عن أهل مكة، لان أهل مكة لم يبق لهم لما فتحت فئه يتحيزون إليها، ويفسدون الدين عندها.
ومنها قوله: " واستصلح كل نعمة أنعمها الله عليك " معنى استصلحها استدمها، لانه إذا استدامها فقد أصلحها، فإن بقاءها صلاح لها، واستدامتها بالشكر.
ومنها قوله: ولا تضيعن نعمة من نعم الله عندك "، أي واس الناس منها، وأحسن إليهم، و أجعل بعضها لنفسك وبعضها للصدقه والايثار، فإنك إن لم تفعل ذلك تكن قد أضعتها.
ومنها قوله: " ولير عليك أثر النعمة قد أمر بأن يظهر الانسان على نفسه آثار نعمة الله عليه، وقال سبحانه:(وأما بنعمة ربك فحدث)(1) وقال الرشيد لجعفر: قم بنا لنمضي إلى منزل الاصمعي، فمضيا إليه خفية ومعهما خادم معه ألف دينار ليدفع ذلك إليه، فدخلا داره فوجدا كساء جرداء، وبارية(2) سملاء، وحصيرا مقطوعا، وخباء قديمة، وأباريق من خزف، ودواة من زجاج، ودفاتر عليها التراب وحيطانا مملوءة من نسج العناكب، فوجم الرشيد، وسأله مسائل غشة لم تكن من غرضه، وإنما قطع بها خجله، وقال الرشيد لجعفر: ألا ترى إلى نفس هذا المهين، قد بررناه بأكثر
---
(1) الضحى 11.
(2) البارية: الحصيرة.
---

[48]
من خمسين ألف دينار وهذه حاله، لم تظهر عليه آثار نعمتنا! والله لا دفعت إليه شيئا، وخروج ولم يعطه.
ومنها قوله واعلم أن أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه وأهله وماله "، أي أفضلهم إنفاقا في البر والخير من ماله، وهى التقدمة، قال الله تعالى:(وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه)(1)، فأما النفس والاهل، فإن تقدمتهما في الجهاد، وقد تكون التقدمه في النفس بأن يشفع شفاعة حسنة أو يحضر عند السلطان بكلام طيب، وثنا حسن، وأن يصلح بين المتخاصمين، ونحو ذلك، والتقدمه في الاهل أن يحج بولده وزوجته ويكلفهما المشاق في طاعة الله، وأن يؤدب ولده أن اذنب، وأن يقيم عليه الحد، ونحو ذلك.
ومنها قوله: " وما تقدم من خير يبق لك زخره وما تؤخره يكن لغيرك خيره "، وقد سبق مثل هذا، وأن ما يتركه الانسان بعده فقد حرم نفعه، وكأنما كان يكدح لغيره، وذلك من الشقاوة وقلة التوفيق.
و منها قوله: " واحذر صحابة من يفيل رأيه " الصحابة بفتح الصاد، مصدر صحبت و الصحابة بالفتح أيضا جمع صاحب، والمراد هاهنا الاول، وفال رأيه: فسد، وهذا المعنى قد تكرر، وقال طرفة: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * * فإن القرين بالمقارن يقتدى.
ومنها قوله: " وأسكن الامصار العظام "، قد قيل: لا تسكن إلا في مصر فيه سوق قائمة، ونهر، جار وطبيب حاذق، وسلطان عادل، فأما منازل الغفلة والجفاء، فمثل قرى السواد الصغار، فإن أهلها لا نور فيهم، ولا ضوء عليهم، وإنما هم كالدواب
---
(1) سورة البق ة 110.
---

[49]
والانعام، همهم الحرث والفلاحة، ولا يفقهون شيئا أصلا فمجاورتهم تعمى القلب، وتظلم الحس، وإذا لم يجد الانسان من يعينه على طاعة الله وعلى تعلم العلم قصر فيهما.
ومنها قوله، واقصر رأيك على ما يعنيك "، كان يقال: من دخل فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه.
ومنها نهيه إياه عن القعود في الاسواق قد جاء في المثل: السوق محل الفسوق.
وجاء في الخبر المرفوع: " الاسواق مواطن إبليس وجنده "، وذلك لانها قلما تخلو عن الايمان الكاذبة، والبيوع الفاسدة وهى أيضا مجمع النساء المومسات، وفجار الرجال، وفيها اجتماع أرباب الاهواء والبدع، فلا يخلو أن يتجادل اثنان منهم في المذاهب والنحل فيفضى إلى الفتن.
ومنها قوله: " وانظر إلى من فضلت عليه "، كان يقال: انظر إلى من دونك، ولا تنظر إلى من فوقك، وقد بين(عليه السلام) السر فيه فقال: إن ذلك من أبواب الشكر، وصدق(عليه السلام)، لانك إذا رأيت جاهلا وأنت عالم، أو عالما وأنت أعلم منه أو فقيرا وأنت أغنى [منه](1)، أو مبتلى بسقم وأنت معافى عنه، كان ذلك باعثا وداعيا لك إلى الشكر.
ومنها نهيه عن السفر يوم الجمعة ينبغى أن يكون هذا النهى عن السفر يوم الجمعة قبل الصلاة، وأما بعد الصلاة، فلا بأس به، واستثنى فقال: إلا فاصلا في سبيل الله، أي شاخصا إلى الجهاد.
قال: أو في أمر تعذر به "، أي لضروره دعتك إلى ذلك.
---
(1) تكملة من ا.
---

[50]
وقد ورد نهى كثير عن السفر يوم الجمعة قبل أداء الفرض، على أن من الناس من كره ذلك بعد الصلاة أيضا، وهو قول شاذ.
ومنها قوله: " وأطع الله في جمل أمورك "، أي في جملتها، وفيها كلها، وليس يعنى في جملتها دون تفاصيلها، قال: " فان طاعة الله فاضلة على غيرها "، وصدق(عليه السلام)، لانها توجب السعادة الدائمة، والخلاص من الشقاء الدائم، ولا أفضل مما يؤدى إلى ذلك.
ومنها قوله: " وخادع نفسك في العبادة، أمره أن يتلطف بنفسه في النوافل، وأن يخادعها ولا يقهرها فتمل وتضجر وتترك(1)، بل يأخذ عفوها، ويتوخى أوقات النشاط، وانشراح الصدر للعبادة.
قال: فأما الفرائض فحكمها غير هذا الحكم، عليك أن تقوم بها، كرهتها النفس أو لم تكرهها.
ثم أمره أن يقوم بالفريضة في وقتها، ولا يؤخرها عنه فتصير قضاء.
ومنها قوله: " وإياك أن ينزل بك المنون وأنت آبق من ربك في طلب الدنيا "، هذه وصية شريفة جدا، جعل طالب الدنيا المعرض عن الله عند موته كالعبد الابق يقدم به على مولاه أسيرا مكتوفا ناكس الرأس، فما ظنك به حينئذ! ومنها قوله: " وإياك ومصاحبة الفساق، فإن الشر بالشر ملحق "، يقول: إن الطباع ينزع بعضها إلى بعض، فلا تصحبن الفساق فإنه ينزع بك ما فيك من طبع الشر إلى مساعدتهم على الفسوق والمعصية، وما هو إلا كالنار تقوى بالنار، فإذا لم تجاورها وتمازجها نار كانت إلى الانطفاء والخمود أقرب.
---
(1): " وتزل ".
---

[51]
وروى " ملحق " بكسر الحاء، وقد جاء ذلك في الخبر النبوى "، فإن عذابك بالكفار ملحق " بالكسر.
ومنها قوله: " وأحب أحباءه "، قد جاء في الخبر: " لا يكمل إيمان امرئ حتى يحب من أحب الله، ويبغض من أبغض الله ".
ومنها قوله: " واحذر الغضب "، قد تقدم لنا كلام طويل في الغضب، وقال إنسان للنبى(صلى الله عليه وآله): أوصني، قال: " لا تغضب "، فقال زدنى، فقال: " لا تغضب "، قال: زدنى، قال: لاأجد لك مزيدا "، وإنما جعله(عليه السلام) جندا عظيما من جنود إبليس، لانه أصل الظلم والقتل وإفساد كل أمر صالح، وهو إحدى القوتين المشئومتين اللتين لم يخلق أضر منهما على الانسان، وهما منبع الشر: الغضب والشهوة
---

[52]
(70)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) إلى سهل بن حنيف الانصاري وهو عامله على المدينة، في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية: أما بعد، فقد بلغني أن رجالا ممن قبلك يتسللون إلى معاوية، فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم، ويذهب عنك من مددهم، فكفى لهم غيا، ولك منهم شافيا فرارهم من الهدى والحق، وإيضاعهم إلى العمى والجهل، فإنما هم أهل دنيا مقبلون عليها، ومهطعون إليها، قد عرفوا العدل ورأوه، وسمعوه ووعوه، وعلموا أن الناس عندنا في الحق أسوة، فهربوا إلى الاثرة، فبعدا لهم وسحقا! إنهم والله لم يفروا من جور، ولم يلحقوا بعدل، وإنا لنطمع في هذا الامر أن يذلل الله لنا صعبه، ويسهل لنا حزنه، إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
* * *
الشرح:
قد تقدم نسب سهل بن حنيف وأخيه عثمان فيما مضى.
ويتسللون: يخرجون إلى معاوية هاربين في خفية واستتار.
قال: " فلا تأسف " أي لا تحزن.
والغى: الضلال.
قال: " ولك منهم شافيا "، أي يكفيك في الانتقام منهم وشفاء النفس من عقوبتهم أنهم يتسللون إلى معاوية.
---

[53]
قال: ارض لمن غاب عنك غيبته، فذاك ذنب عقابه فيه.
والايضاع: الاسراع.
وضع البعير أي أسرع، وأوضعه صاحبه، قال: رأى برقا فأوضع فوق بكر * * فلا يك ما أسال ولا أعاما.
ومهطعون: مسرعون(1) أيضا، والاثره: الاستئثار، يقول قد عرفوا أنى لا أقسم إلا بالسوية، وأنى لا أنفل قوما على قوم، ولا أعطى على الاحساب والانساب كما فعل غيرى، فتركوني وهربوا إلى من يستأثر ويؤثر.
قال: " فبعدا لهم وسحقا "، دعاء عليهم بالبعد والهلاك.
وروى أنهم لم " ينفروا " بالنون، من نفر، ثم ذكر أنه راج من الله أن يذلل له صعب هذا الامر، ويسهل له حزنه، والحزن، ما غلظ من الارض، وضده السهل.
---
(1) في ا: " مهطعين: مسرعين ".
---

[54]
(71)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) إلى المنذر بن الجارود العبدى وقد كان استعمله على بعض النواحى، فخان الامانة في بعض ما ولاه من أعماله: أما بعد، فإن صلاح أبيك غرني منك، وظننت أنك تتبع هديه، وتسلك سبيله، فإذا أنت فيما رقى إلى عنك لا تدع لهواك انقيادا، ولا تبقى لاخرتك عتادا، تعمر دنياك بخراب آخرتك، وتصل عشيرتك بقطيعة دينك، ولئن كان ما بلغني عنك حقا لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك.
ومن كان بصفتك فليس بأهل أن يسد به ثغر، أو ينفذ به أمر، أو يعلى له قدر، أو يشرك في أمانة، أو يؤمن على جباية، فأقبل إلى حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء الله.
* * *
قال الرضى رضى الله عنه: المنذر [بن الجارود](1) هذا هو الذى قال فيه أمير المؤمنين(عليه السلام): إنه لنظار في عطفيه مختال في برديه، تفال في شراكيه.
---
(1) من ا.
---

[55]
الشرح:
[ذكر المنذر وأبيه الجارود] هو المنذر بن الجارود.
واسم الجارود بشر بن خنيس بن المعلى، وهو الحارث بن زيد بن حارثة بن معاوية بن ثعلبه بن جذيمة بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز ابن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد ابن عدنان، بيتهم بيت الشرف في عبد القيس، وإنما سمى الجارود لبيت قاله بعض الشعراء فيه في آخره: * كما جرد الجارود بكر بن وائل *(1).
ووفد الجارود على النبي(صلى الله عليه وآله) في سنة تسع، وقيل: في سنة عشر.
وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب " الاستيعاب "(2) أنه كان نصرانيا فأسلم وحسن إسلامه، وكان قد وفد مع المنذر بن ساوى في جماعة من عبد القيس، وقال: شهدت بأن الله حق وسامحت * * بنات فؤادى بالشهادة والنهض فأبلغ رسول الله منى رسالة * * بأنى حنيف حيث كنت من الارض قال: وقد اختلف في نسبه اختلافا كثيرا، فقيل: بشر بن المعلى بن خنيس، وقيل: بشر بن خنيس بن المعلى، وقيل: بشر بن عمرو بن العلاء، وقيل: بشر بن عمرو بن المعلى وكنيته أبو عتاب، ويكنى أيضا أبا المنذر.
وسكن الجارود البصرة، وقتل بأرض فارس، وقيل: بل قتل بنهاوند مع النعمان ابن مقرن.
وقيل إن عثمان بن العاص بعث الجارود في بعث نحو ساحل فارس، فقتل
---
(1) صدره: صدره: * ودسناهم بالخيل من كل جانب *(2) الاستيعاب(نهضة مصر) 262 - 264.
---

[56]
بموضع يعرف بعقبة الجارود، وكان قبل ذلك يعرف بعقبة الطين، فلما قتل الجارود فيه عرفه الناس بعقبة الجارود، وذلك في سنة إحدى وعشرين.
وقد روى عن النبي(صلى الله عليه وآله) أحاديث وروى عنه، وامه دريمكة بنت رويم الشيبانية.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب " التاج ": إن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أكرم الجارود وعبد القيس حين وفدا إليه، وقال للانصار قوموا إلى إخوانكم، و أشبه الناس بكم "، قال لانهم أصحاب نخل، كما أن الاوس والخزرج أصحاب نخل، ومسكنهم البحرين واليمامة.
قال أبو عبيدة: وقال عمر بن الخطاب: لو لا أنى سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: إن هذا الامر لا يكون إلا في قريش لما عدلت بالخلافه عن الجارود ابن بشر بن المعلى، ولا تخالجني في ذلك الامور.
قال أبو عبيدة: ولعبد القيس ست خصال فاقت بها على العرب، منها: أسود العرب بيتا، وأشرفهم رهطا الجارود هو وولده.
ومنها أشجع العرب حكيم بن جبلة، قطعت رجله يوم الجمل، فأخذها بيده وزحف على قاتله فضربه بها حتى قتله، وهو يقول: يا نفس لا تراعى * * إن قطعت كراعي * إن معى ذراعي * فلا يعرف في العرب أحد صنع صنيعه.
ومنها أعبد العرب هرم بن حيان صاحب أويس القرنى.
ومنها أجود العرب عبد الله بن سواد بن همام، غزا السند في أربعه آلاف، ففتحها وأطعم الجيش كله ذاهبا وقافلا فبلغه أن رجلا من الجيش مرض، فاشتهى خبيصا
---

[57]
فأمر باتخاذ الخبيص لاربعة آلاف إنسان، فأطعمهم حتى فضل، وتقدم إليهم ألا يوقد أحد منهم نارا لطعام في عسكره مع ناره.
ومنها أخطب العرب مصقلة بن رقبة، به يضرب المثل فيقال: أخطب من مصقلة.
ومنها أهدى العرب في الجاهلية وأبعدهم مغارا وأثرا في الارض في عدوه، وهو دعيميص(1) الرمل كان يعرف بالنجوم هداية، وكان أهدى من القطا، يدفن بيض النعام في الرمل مملوءا ماء ثم يعود إليه فيستخرجه.
فاما المنذر بن الجارود فكان شريفا، وابنه الحكم بن المنذر يتلوه في الشرف، والمنذر غير معدود في الصحابة، ولا رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولا ولد له في أيامه، وكان تائها معجبا بنفسه، وفي الحكم ابنه يقول الراجز: يا حكم بن المنذر بن الجارود * * أنت الجواد ابن الجواد المحمود * * سرادق المجد عليك ممدود * وكان يقال: أطوع الناس في قومه الجارود بن بشر بن المعلى، لما قبض رسول الله(صلى الله عليه وآله) فارتدت العرب، خطب قومه فقال: أيها الناس، إن كان محمد قد مات فإن الله حتى لا يموت، فاستمسكوا بدينكم، ومن ذهب له في هذه الفتنة دينار أو درهم أو بقرة أو شاة فعلى مثلاه، فما خالفه من عبد القيس أحد.
* * *
قوله(عليه السلام): " إن صلاح أبيك غرني منك "، قد ذكرنا حال الجارود وصحبته وصلاحه، وكثيرا ما يغتر الانسان بحال الاباء فيظن أن الابناء على منهاجهم، فلا يكون والامر كذلك(يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى).
قوله: " فيما رقى " بالتشديد، أي فيما رفع إلى، وأصله أن يكون الانسان في موضع عال
---
(1) ب: دعميص "، وانظر القاموس.
---

[58]
فيرقى إليه شئ، وكأن العلو هاهنا هو علو المرتبة بين الامام والامير، ونحوه قولهم: تعال باعتبار علو رتبة الامر على المأمور، واللام في " لهواك " متعلقة بمحذوف دل عليه " انقيادا "، ولا يتعلق بنفس " انقياد " لان المتعلق من حروف الجر بالمصدر لا يجوز أن يتقدم على المصدر.
والعتاد: العدة.
قوله: " وتصل عشيرتك "، كان فيما رقى إليه عنه أنه يقتطع المال ويفيضه على رهطه وقومه ويخرج بعضه في لذاته ومآربه.
قوله " لجمل أهلك "، العرب تضرب بالجمل المثل في الهوان قال: لقد عظم البعير بغير لب * * ولم يستغن بالعظم البعير(1) يصرفه الصبى بكل وجه * * ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوى * * فلا غير لديه ولا نكير فأما شسع النعل فضرب المثل بها في الاستهانة مشهور، لابتذالها ووطئها الاقدام في التراب.
ثم ذكر أنه من كان بصفته فليس بأهل لكذا ولا كذا، إلى أن قال: " أو يشرك في أمانة "، وقد جعل الله تعالى البلاد والرعايا أمانة في ذمة الامام، فإذا استعمل العمال على البلاد والرعايا فقد شركهم في تلك الامانة.
قال: " أو يؤمن على جباية "، أي على استجباء الخراج وجمعه، وهذه الرواية التى سمعناها، ومن الناس من يرويها " على خيانة " وهكذأ رواها الراوندي، ولم يرو الرواية الصحيحة التى ذكرناها نحن، وقال يكون " على " متعلقة بمحذوف، أو " بيؤمن " نفسها، وهو بعيد ومتكلف.
---
(1) للعباس بن مرداس السلمي، ديوان الحماسة 419 بشرح المرزوقى.
---

[59]
ثم أمره أن يقبل إليه، وهذه كناية عن العزل.
فأما الكلمات التى ذكرها الرضى عنه(عليه السلام) في أمر المنذر فهى دالة على أنه نسبه إلى التيه والعجب، فقال: " نظار في عطفيه "، أي جانبيه، ينظر تارة هكذا وتارة هكذا، ينظر لنفسه، ويستحسن هيئته ولبسته، وينظر هل عنده نقص في ذلك أو عيب فيستدركه بإزالته، كما يفعل أرباب الزهو ومن يدعى لنفسه الحسن والملاحة.
قال: " مختال في برديه: يمشى الخيلاء عجبا " قال محمد بن واسع لابن له وقد رآه يختال في برد له: ادن فدنا فقال: من أبن جاءتك هذه الخيلاء ويلك! أما أمك فأمة أبتعتها بمائتي درهم، وأما أبوك فلا أكثر الله في الناس أمثاله.
قوله: " تفال في شراكيه "، الشراك: السير الذى يكون في النعل على ظهر القدم.
والتفل بالسكون: مصدر تفل أي بصق، والتفل محركا البصاق نفسه، وإنما يفعله المعجب والتائه في شراكية ليذهب عنهما الغبار والوسخ، يتفل فيهما ويمسحهما ليعودا كالجديدين.
---

[60]
(72)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) إلى عبد الله بن العباس رضى الله عنه: أما بعد، فإنك لست بسابق أجلك، ولا مرزوق ما ليس لك، وأعلم بأن الدهر يومان: يوم لك، ويوم عليك، وأن الدنيا دار دول، فما كان منها لك أتاك على ضعفك، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك.
* * *
الشرح:
قد تقدم شرح مثل هذا الكلام، وهذا معنى مطروق، قد قال الناس فيه فأكثروا، قال الشاعر: قد يرزق العاجز الضعيف وما * * شد بكور رحلا ولا قتبا(1) ويحرم المرء ذو الجلادة والرأى ومن لا يزال مغتربا جيد ما قيل في هذا المعنى قول أبى يعقوب الخريمى(2): هل الدهر إلا صرفه ونوائبه * * وسراء عيش زائل ومصائبه يقول الفتى ثمرت مالى وإنما * * لوارثه ما ثمر المال كاسبه
---
(1) من أبيات نسبها صاحب الاغاني(15: 21 - ساسي) إلى ابن عبدل الاسدي برواية مخالفة.
(2) ب: " الخرمى " التحريف.
---

[61]
يحاسب فيه نفسه في حياته * * ويتركه نهبا لمن لا يحاسبه فكله وأطعمه وخالسه وارثا * * شحيحا ودهرا تعتريك نوائبه أرى المال والانسان للدهر نهبة * * فلا البخل مبقيه ولا الجود خاربه لكل امرئ رزق وللرزق جالب * * وليس يفوت المرء ما خط كاتبه يخيب الفتى من حيث يرزق غيره * * ويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه يساق إلى ذا رزقه وهو وادع * * ويحرم هذا الرزق وهو يغالبه وإنك لا تدرى: أرزقك في الذى * * تطالبه أم في الذى لا تطالبه! تناس ذنوب الاقربين فإنه * * لكل حميم راكب هو راكبه له هفوات في الرخاء يشوبها * * بنصرة يوم لا توارى كواكبه تراه غدوا ما أمنت وتتقى * * بجبهته يوم الوغى من يحاربه لكل امرئ إخوان بؤس ونعمة * * وأعظمهم في النائبات أقاربه
---

[62]
(73)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) إلى معاوية: أما بعد، فإنى على التردد في جوابك، والاستماع إلى كتابك، لموهن رأيى، ومخطئ فراستي، وإنك إذ تحاولنى الامور، وتراجعني السطور، كالمستثقل النائم تكذبه أحلامه، والمتحير القائم يبهظه مقامه، لا يدرى أله ما يأتي أم عليه، ولست به، غير أنه بك شبيه.
وأقسم بالله أنه لو لا بعض الاستبقاء، لوصلت منى إليك قوارع تقرع العظم، وتنهس اللحم.
واعلم أن الشيطان قد ثبطك عن أن تراجع أحسن أمورك، وتأذن لمقال نصيحك، والسلام لاهله، * * *
الشرح:
روى " نوازع " جمع نازعة، أي جاذبة قالعة، وروى " تهلس اللحم " و " تلهس " بتقديم اللام، وتهلس يكسر اللام: تذيبه حتى يصير كبدن به الهلاس، وهو السل، وأما تلهس فهو بمعنى تلحس، أبدلت الحاء هاء، وهو عن لحست كذا بلساني بالكسر، ألحسه، أي تأتى على اللحم حتى تلحسه لحسا، لان الشئ إنما يلحس إذا ذهب وبقى أثره، وأما " ينهس " وهى الرواية المشهورة، فمعناه يعترق.
---

[63]
وتأذن بفتح الذال، أي تسمع.
قوله(عليه السلام): " إنى لموهن رأيى " بالتشديد، أي إنى لائم نفسي، ومستضعف رأيى في أن جعلتك نظيرا، أكتب وتجيبنى، وتكتب وأجيبك، وإنما كان ينبغى أن يكون جواب مثلك السكوت لهوانك.
* * *
فإن قلت: فما معنى قوله: " على التردد؟ ".
قلت: ليس معناه التوقف، بل معناه الترداد والتكرار، أي أنا لائم نفسي على أنى أكرر تارة بعد تارة أجوبتك عما تكتبه.
* * *
ثم قال: وإنك في مناظرتي ومقاومتي بالامور التى تحاولها، والكتب التى تكتبها كالنائم يرى أحلاما كاذبة، أو كمن قام مقاما بين يدى سلطان، أو بين قوم عقلاء ليعتذر عن أمر، أو ليخطب بأمر في نفسه، قد بهظه مقامه ذلك، أي أثقله فهو لا يدرى: هل ينطق بكلام هو له، أم عليه! فيتحير ويتبلد، ويدركه العمى والحصر.
قال: وإن كنت لست بذلك الرجل فإنك شبيه به، أما تشبيهه بالنائم ثم ذى الاحلام، فإن معاوية لو رأى في المنام في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه خليفة يخاطب بإمرة المؤمنين، ويحارب عليا على الخلافة، ويقوم في المسلمين مقام رسول الله(صلى الله عليه وآله) لما طلب لذلك المنام تأويلا ولا تعبيرا، ولعده من وساوس الخيال وأضغاث الاحلام، وكيف وأنى له أن يخطر هذا بباله، وهو أبعد الخلق منه! وهذا كما يخطر للنفاط(1) أن يكون ملكا، ولا تنظرن إلى نسبه في المناقب بل انظر إلى أن
---
(1) النفاط: مستخرج النفط، وهو الزيت.
(2) حاشية ب: " قوله ولا تنظرن في المناقب "، قال في القاموس، " النقاب، بالكسر: الرجل العلامة والبطن، ومنه: " فرخان في نقاب " يضر للمتشابهين، فعلى هذا يريد بالمناقبة المشابهة بالنسب.
(*) =
---

[64]
الامامة هي نبوة مختصرة، وإن الطليق المعدود من المؤلفة قلوبهم المكذب بقلبه وإن أقر بلسانه، الناقص المنزلة عند المسلمين، القاعد في أخريات الصف، إذا دخل إلى مجلس فيه أهل السوابق من المهاجرين، كيف يخطر ببال أحد أنها تصير فيه ويملكها ويسمه الناس وسمها، ويكون للمؤمنين أميرا، ويصير هو الحاكم في رقاب أولئك العظماء من أهل الدين والفضل! وهذا أعجب من العجب، أن يجاهد النبي(صلى الله عليه وآله) قوما بسيفه ولسانه ثلاثا وعشرين سنة، ويلعنهم ويبعدهم عنه، وينزل القرآن بذمهم ولعنهم، والبراءة منهم، فلما تمهدت له الدولة، وغلب الدين على الدنيا، وصارت شريعة دينية محكمة، مات فشيد دينه الصالحون من أصحابه، وأوسعوا رقعة ملته، وعظم قدرها في النفوس، فتسلمها منهم أولئك الاعداء الذين جاهدهم النبي(صلى الله عليه وآله) فملكوها وحكموا فيها، وقتلوا الصلحاء والابرار وأقارب نبيهم الذين يظهرون طاعته، وآلت تلك الحركة الاولى وذلك الاجتهاد السابق إلى أن كان ثمرته لهم، فليته كان يبعث فيرى معاوية الطليق وابنه، ومروان وابنه خلفاء في مقامه، يحكمون على المسلمين، فوضح أن معاوية فيما يراجعه ويكاتبه به، كصاحب الاحلام.
وأما تشبيهه إياه بالقائم مقاما قد بهظه، فلان الحجج والشبه والمعاذير التى يذكرها معاوية في كتبه أوهن من نسج العنكبوت، فهو حال ما يكتب كالقائم ذلك المقام يخبط خبط العشواء، ويكتب ما يعلم هو والعقلاء من الناس أنه سفه وباطل.
فإن قلت: فما معنى قوله(عليه السلام): " لو لا بعض الاستبقاء وهل كانت الحال تقتضي أن يستبقى! وما تلك القوارع التى أشار إليها.
---
= يعنى أنى معاوية وإن كان في النسب له بعض المشابهة عليه السلام من حيث القرشية والقرابة ولكنه.
إذا نطرت إل يأن الامامة هي نبوة مختصرة لا يصلح لها إلى من اجتمعت فيه فضائل من النبوة ومناقب تضارعها وسوابق تتلوها، وأما الطلقاء وأبناء الطلقاء فليس لهم أن يتعرضوا لان يكونوا من أداني موالى أربابها ".
---

[65]
قلت: قد قيل: إن النبي(صلى الله عليه وآله) فوض إليه أمر نسائه بعد موته، وجعل إليه أن يقطع عصمة أيتهن شاء إذا رأى ذلك، وله من الصحابة جماعة يشهدون له بذلك، فقد كان قادرا على أن يقطع عصمة أم حبيبة، ويبيح نكاحها الرجال عقوبة لها ولمعاوية أخيها فإنها كانت تبغض عليا كما يبغضه أخوها، ولو فعل ذلك لانتهس لحمه، وهذا قول الامامية، وقد رووا عن رجالهم أنه(عليه السلام) تهدد عائشة بضرب من ذلك، وأما نحن فلا نصدق هذا الخبر، ونفسر كلامه على معنى آخر، وهو أنه قد كان معه من الصحابة قوم كثيرون سمعوا من رسول الله(صلى الله عليه وآله) يلعن معاوية بعد إسلامه، ويقول: إنه منافق كافر، وإنه من أهل النار، والاخبار في ذلك مشهورة، فلو شاء أن يحمل إلى أهل الشام خطوطهم وشهاداتهم بذلك، ويسمعهم قولهم ملافظة ومشافهة لفعل، ولكنه رأى العدول عن ذلك، مصلحة لامر يعلمه هو(عليه السلام)، ولو فعل ذلك لانتهس لحمه، وإنما أبقى عليه.
وقلت لابي زيد البصري: لم أبقى عليه؟ فقال: والله ما أبقى عليه مراعاة له، ولا رفقا به، ولكنه خاف أن يفعل كفعله، فيقول لعمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر بن أبى أرطاة وأبى الاعور وأمثالهم: ارووا أنتم عن النبي(صلى الله عليه وآله) أن عليا(عليه السلام) منافق من أهل النار، ثم يحمل ذلك إلى أهل العراق، فلهذا السبب أبقى عليه.
---

[66]
(74)
الأصل:
ومن حلف له(عليه السلام) كتبه بين ربيعة واليمن - ونقل من خط هشام ابن الكلبى: هذا ما اجتمع عليه أهل اليمن حاضرها وباديها، وربيعة حاضرها وباديها، أنهم على كتاب الله يدعون إليه، ويأمرون به ويجيبون من دعا إليه وأمر به، لا يشترون به ثمنا قليلا، ولا يرضون به بدلا وأنهم يد واحدة على من خالف ذلك وتركه، وأنهم أنصار بعضهم لبعض، دعوتهم واحدة لا ينقضون عهدهم لمعتبة عاتب، ولا لغضب، غاضب، ولا لاستذلال قوم قوما ولا لمسبة قوم قوما، على ذلك شاهدهم وغائبهم، وسفيههم وعالمهم وحليمهم وجاهلهم.
ثم إن عليهم بذلك عهد الله وميثاقه، إن عهد الله كان مسئولا.
وكتب على بن أبى طالب.
* * *
الشرح:
الحلف: العهد، أي ومن كتاب حلف، فحذف، المضاف، واليمن: كمن ولده قحطان، نحو حمير، وعك، وجذام، وكندة والازد، وغيرهم.
وربيعة، هو ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان وهم بكر وتغلب، وعبد القيس.
وهشام، هو هشام بن محمد بن السائب الكلبى، نسابه ابن نسابة عالم بأيام العرب وأخبارها، وأبوه أعلم منه، وهو يروى عن أبيه.
---

[67]
والحاضر: ساكنو الحضر: والبادى: ساكنو البادية واللفظ لفظ المفرد والمعنى الجمع.
قوله: " إنهم على كتاب الله " حرف الجر يتعلق بمحذوف، أي مجتمعون.
قوله: " لا يشترون به ثمنا قليلا "، أي لا يتعوضون عنه بالثمن، فسمى التعوض اشتراء، والاصل هو أن يشترى الشئ بالثمن لا الثمن بالشئ لكنه من باب اتساع العرب، وهو من ألفاظ القرآن العزيز(1).
وأنهم يد واحدة، أي لا خلف بينهم.
قوله: " لمعتبة عاتب " أي لا يؤثر في هذا العهد والحلف، ولا ينقضه أن يعتب أحد منهم على بعضهم، لانه استجداه فلم يجده، أو طلب منه أمرا فلم يقم به، ولا لان أحدا منهم غضب من أمر صدر من صاحبه، ولا لان عزيزا منهم استذل ذليلا منهم، ولا لان إنسانا منهم سب أو هجا بعضهم، فإن أمثال هذه الامور يتعذر ارتفاعها بين الناس، ولو كانت تنقض الحلف لما كان حلف أصلا.
وأعلم أنه قد ورد في الحديث عن النبي(صلى الله عليه وآله): " كل حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الاسلام إلا شدة " ولا حلف في الاسلام، لكن فعل أمير المؤمنين(عليه السلام) أولى بالاتباع من خبر الواحد، وقد تحالفت العرب في الاسلام مرارا، ومن أراد الوقوف على ذلك فليطلبه من كتب التواريخ.
---
(1) وهو قوله تعالى:(ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا).
---

[68]
(75)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) إلى معاوية من المدينة في أول ما بويع له بالخلافة - ذكره الواقدي في كتاب الجمل: من عبد الله على أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبى سفيان: أما بعد، فقد علمت إعذاري فيكم، وإعراضي عنكم، حتى كان ما لابد منه ولادفع له، والحديث طويل، والكلام كثير، وقد أدبر ما أدبر، وأقبل ما أقبل، فبايع من قبلك، وأقبل إلى في وفد من أصحابك.
والسلام.
* * *
الشرح:
كتابه إلى معاوية ومخاطبته لبنى أميه جميعا.
قال: " وقد علمت إعذاري فيكم "، أي كونى ذا عذر لو لمتكم أو ذممتكم - يعنى في أيام عثمان.
ثم قال: " وإعراضي عنكم " أي مع كونى ذا عذر لو فعلت ذلك فلم أفعله، بل أعرضت عن إساءتكم إلى وضربت عنكم صفحا.
حتى كان مالا بد منه يعنى قتل عثمان وما جرى من الرجبة بالمدينة.
ثم قاطعه الكلام مقاطعة وقال له: والحديث طويل، والكلام كثير، وقد أدبر ذلك الزمان، وأقبل زمان آخر، فبايع وأقدم فلم يبايع، ولا قدم، وكيف يبايع
---

[69]
وعينه طامحة إلى الملك والرياسة منذ أمره عمر على الشام وكان عالى الهمة تواقا إلى معالى الامور، وكيف يطيع عليا والمحرضون له على حربه عدد الحصا! ولو لم يكن إلا الوليد بن عقبة لكفى، وكيف يسمع قوله: فو الله ما هند بأمك إن مضى * * النهار ولم يثأر بعثمان ثأئر أيقتل عبد القوم سيد أهله * * ولم تقتلوه، ليت أمك عاقر ومن عجب أن بت بالشام وادعا * * قريرا وقد دارت عليه الدوائر! ويطيع عليا، ويبايع له، ويقدم عليه، ويسلم نفسه إليه وهو نازل بالشام في وسط قحطان ودونه منهم حرة لا ترام، وهم أطوع له من نعله، والامر قد أمكنه الشروع فيه، وتالله لو سمع هذا التحريض أجبن الناس وأضعفهم نفسا وأنقصهم همه لحركه وشحذ من عزمه، فكيف معاوية، وقد أيقظ الوليد بشعره من لا ينام
---

[70]
(76)
الأصل:
ومن وصية له(عليه السلام) لعبد الله بن العباس عند استخلافه إياه على البصرة: سع الناس بوجهك ومجلسك وحكمك، وإياك والغضب فإنه طيرة من الشيطان.
وأعلم أن ما قربك من الله يباعدك من النار، وما باعدك من الله يقربك من النار.
* * *
الشرح:
روى: " وحلمك ".
والقرب من الله، هو القرب من ثوابه، ولا شبهة أن ما قرب من الثواب باعد من العقاب، وبالعكس لتنافيهما.
فأما وصيته له أن يسع الناس بوجهه ومجلسه وحكمه، فقد تقدم شرح مثله، وكذلك القول في الغضب: وطيرة من الشيطان: بفتح الطاء وسكون الياء، أي خفة وطيش قال الكميت: وحلمك عز إذا ما حلمت وطيرتك الصاب والحنظل(1)
---
(1) الصحاح 4: 728.
---

[71]
(77) ومن وصى) له(عليه السلام) لعبد الله بن العباس أيضا لما بعثه للاحتجاج على الخوارج: لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمال ذو وجوه، تقول ويقولون..
ولكن حاججهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصا.
* * *
الشرح:
هذا الكلام لا نظير له في شرفه وعلو معناه، وذلك أن القرآن كثير الاشتباه، فيه مواضع يظن في الظاهر أنها متناقضة متنافيه، نحو قوله: " لا تدركه الابصار)(1) وقوله:(إلى ربها ناظرة)(2)، ونحو قوله:(وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فاغشيناهم فهم لا يبصرون)(3) قوله:(فأما ثمود فهديناهم، فاستحبوا العمى على الهدى)(4)، ونحو ذلك، وهو كثير جدا، وأما السنة فليست كذلك، وذلك لان الصحابة كانت تسأل رسول الله(صلى الله عليه وآله) وتستوضح منه الاحكام في الوقائع، وما عساه يشتبه عليهم من كلامهم، يراجعونه فيه، ولم يكونوا يراجعونه في القرآن إلا فيما قل بل كانوا يأخذونه منه تلقفا، وأكثرهم لا يفهم معناه،
---
(1) سورة الانعام 103.
(2) سورة القيامة 23.
(3) سورة يس 9.
(4) سورة فصلت 17.
---

[72]
لا لانه غير مفهوم، بل لانهم ما كانوا يتعاطون فهمه، إما إجلالا له أو لرسول الله أن يسألوه عنه، أو يجرونه مجرى الاسماء الشريفة التى إنما يراد منها بركتها لا الاحاطة بمعناها، فلذلك كثر الاختلاف في القرآن، وأيضا فإن ناسخه ومنسوخه أكثر من ناسخ السنة ومنسوخها، وقد كان في الصحابة من يسأل الرسول عن كلمة في القرآن يفسرها له تفسيرا موجزا، فلا يحصل له كل الفهم، لما أنزلت آيه الكلالة(1) وقال في آخرها:(يبين الله لكم أن تضلوا)(2)، سأله عمر عن الكلالة ما هو؟ فقال له: يكفيك آية الصيف، لم يزد على ذلك، فلم يراجعه عمر وانصرف، عنه، فلم يفهم مراده وبقى عمر على ذلك إلى أن مات، وكان يقول بعد ذلك: اللهم مهما بينت، فإن عمر لم يتبين، يشير إلى قوله:(يبين الله لكم أن تضلوا) وكانوا في السنة ومخاطبه الرسول على خلاف هذه القاعدة، فلذلك أوصاه على(عليه السلام) أن يحاجهم بالسنة لا بالقرآن.
فإن قلت: فهل حاجهم بوصيته؟ قلت: لا بل حاجهم بالقرآن، مثل قوله:(فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها)(3) ومثل قوله في صيد المحرم: يحكم به ذوا عدل منكم)(4)، ولذلك لم يرجعوا والتحمت الحرب، وإنما رجع باحتجاجه نفر منهم.
فإن قلت: فما هي السنة التى أمره أن يحاجهم بها؟ قلت: كان لامير المؤمنين(عليه السلام) في ذلك غرض صحيح، وإليه أشار، وحوله كان يطوف ويحوم، وذلك أنه أراد أن يقول لهم: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): " على مع الحق والحق مع على يدور معه حيثما دار "، وقوله: " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله "، ونحو ذلك من الاخبار التى
---
(1) يريد قوله تعالى في آخر آية من سورة النساء: " يسألونك عن الكلالة " الخ.
(2) سورة النساء 12.
(3) سورة النساء 35.
(4) سورة المائدة 65.
---

[73]
كانت الصحابة قد سمعتها من فلق فيه(صلوات الله عليه)، وقد بقى ممن سمعها جماعة تقوم الحجة وتثبت بنقلهم، ولو احتج بها على الخوارج في أنه لا يحل مخالفته والعدول عنه بحال لحصل من ذلك غرض أمير المؤمنين في محاجتهم، وأغراض أخرى أرفع وأعلى منهم، فلم يقع الامر بموجب ما أراد، وقضى عليهم بالحرب حتى أكلتهم عن آخرهم وكان أمر الله مفعولا.
---

[74]
(78)
الأصل:
ومن كتاب له(عليه السلام) أجاب به أبا موسى الاشعري عن كتاب كتبه إليه من المكان الذى اتعدوا فيه للحكومة - وذكر هذا الكتاب سعيد ابن يحيى الاموى في كتاب المغازى: فإن الناس قد تغير كثير منهم عن كثير من حظهم، فمالوا مع الدنيا، ونطقوا بالهوى، وإنى نزلت من هذا الامر منزلا معجبا، اجتمع به أقوام أعجبتهم أنفسهم، وأنا أداوى منهم قرحا أخاف أن يعود علقا يعود، وليس رجل - فاعلم - أحرص الناس على جماعة أمة محمد(صلى الله عليه وآله) وألفتها منى، أبتغى بذلك حسن الثواب، وكرم المآب.
وسأفى بالذى وأيت على نفسي، وإن تغيرت عن صالح ما فارقتني عليه، فإن الشقى من حرم نفع ما أوتى من العقل والتجربة، وإنى لاعبد أن يقول قائل بباطل، وأن أفسد أمرا قد أصلحه الله، فدع عنك ما لا تعرف، فإن شرار الناس طائرون إليك بأقاويل السوء، والسلام، * * *
الشرح:
روى ونطقوا مع الهوى "، أي مائلين مع الهوى.
وروى: " وأنا أدارى " بالراء من المداراة، وهى الملاينة والمساهلة.
---

[75]
وروى: " نفع ما أولى باللام، يقول: أوليته معروفا.
وروى: " إن قال قائل بباطل ويفسد أمرا [قد اصلحه الله(1)] ".
وأعلم أن هذا الكتاب كتاب من شك في أبى موسى و استوحش منه، ومن قد نقل عنه إلى أبى موسى كلاما إما صدقا وإما كذبا.
[وقد نقل عن أبى موسى إليه كلاما إما صدقا أيضا وإما كذبا(2)]، قال(عليه السلام): إن الناس قد تغير كثير منهم عن حظهم من الاخرة، فمالوا مع الدنيا.
وإنى نزلت من هذا الامر منزلا معجبا، بكسر الجيم، أي يعجب من رآه، أي يجعله متعجبا منه.
وهذا الكلام شكوى من أصحابه ونصاره من أهل العراق فانهم كان اختلافهم عليه واضطرابهم شديدا جدا.
والمنزل والنزول هاهنا مجاز واستعاره، والمعنى أنى حصلت في هذا الامر الذى حصلت فيه على حال معجبة لمن تأملها، لانى حصلت بين قوم كل واحد منهم مستبد برأى يخالف فيه رأى صاحبه، فلا تنتظم لهم كلمة ولا يستوثق لهم أمر، وإن حكمت عليهم برأى أراه أنا خالفوه وعصوه، ومن لا يطاع فلا راى له، وأنا معهم كالطبيب الذى يداوى قرحا، أي جراحة قد قاربت الاندمال ولم تندمل بعد، فهو يخاف أن يعود علقا، أي دما.
ثم قال له: ليس أحد - فاعلم - أحرص على ألفه الامة وضم نشر المسلمين.
وأدخل قوله: " فاعلم " بين اسم ليس وخبرها فصاحة، ويجوز رفع " أحرص " بجعله صفة لاسم " ليس "، ويكون الخبر محذوفا - أي ليس في الوجود رجل.
وتقول: قد وأيت وأيا أي، وعدت وعدا، قال له: أما أنا فسوف أفى بما وعدت وما استقر بينى وبينك، وإن كنت أنت قد تغيرت عن صالح ما فارقتني عليه.
---
(1) من د.
(2) من د.
---

[76]
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون قوله: " وإن تغيرت " من جملة قوله فيما بعد " فإن الشقى " كما تقول إن خالفتني فإن الشقى من يخالف الحق.
قلت: نعم، والاول أحسن، لانه أدخل في مدح أمير المؤمنين(عليه السلام) كأنه يقول: " أنا أفى وإن كنت لا تفى، والايجاب يحسنه السلب الواقع في مقابلته: * والضد يظهر حسنه الضد * ثم قال: " وإنى لاعبد " أي آنف، من عبد بالكسر أي أنف، وفسروا قوله:(فأنا أول العابدين)(1) بذلك، يقول: إنى لانف من أن يقول غيرى قولا باطلا، فكيف لا آنف أنا من ذلك لنفسي! ثم تختلف الروايات في اللفظة بعدها كما ذكرنا.
ثم قال: " فدع عنك ما لا تعرف " أي لا تبن أمرك إلا على اليقين والعلم القطعي، ولا تصغ إلى أقوال الوشاة ونقلة الحديث، فإن الكذب يخالط أقوالهم كثيرا، فلا تصدق ما عساه يبلغك عنى شرار الناس، فإنهم سراع إلى أقاويل السوء، ولقد أحسن القائل فيهم: إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا * * شرا أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا ونحو قول الاخر: إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا * * وإن ذكرت بخير عندهم دفنوا(2)
---
(1) سورة الزخرف 81.
(2) لقعنب بن أم صاحب، مختارات ابن الشجرى 1: 7.
---

[77]
(79)
الأصل:
ومن كتاب كتبه(عليه السلام) لما استخلف إلى أمراء الاجناد: أما بعد، فإنما أهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الناس الحق فاشتروه، وأخذوهم بالباطل فاقتدوه.
* * *
أي منعوا الناس الحق فاشترى الناس الحق منهم بالرشاء والاموال، أي لم يضعوا الامور مواضعها، ولا ولوا الولايات مستحقيها، وكانت أمورهم الدينية والدنياوية تجرى على وفق الهوى والغرض الفاسد، فاشترى الناس منهم الميراث والحقوق كما تشترى السلع بالمال.
ثم قال: " وأخذوهم بالباطل فاقتدوه "، أي حملوهم على الباطل فجاء الخلف من بعد السلف، فاقتدوا بآبائهم وأسلافهم في ارتكاب ذلك الباطل ظنا أنه حق لما قد ألفوه ونشئوا وربوا عليه.
وروى " فاستروه " بالسين المهملة أي اختاروه، يقال استريت خيار المال، أي اخترته ويكون الضمير عائدا إلى " الظلمه " لا إلى " الناس "، أي منعوا الناس حقهم من المال واختاروه لانفسهم واستأثروا به.
---

[79]
باب الحكم والمواعظ
---

[81]
باب المختار من حكم أمير المؤمنين ومواعظه ويدخل في ذلك المختار من أجوبة مسائله والكلام القصير الخارج من سائر أغراضه * * *
الشرح:
أعلم أن هذا الباب من كتابنا كالروح من البدن، والسواد من العين، وهو الدرة المكنونة التى سائر الكتاب صدفها، وربما وقع فيه تكرار لبعض ما تقدم يسير جدا، وسبب ذلك طول الكتاب وبعد أطرافه عن الذهن، وإذا كان الرضى رحمه الله قدسها فكرر في مواضع كثيرة في " نهج البلاغة " على اختصاره كنا نحن في تكرار يسير في كتابنا الطويل أعذر.
---

[82]
(1)
الأصل:
كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب.
* * *
الشرح:
ابن اللبون: ولد الناقة الذكر إذا استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة ولا يقال للانثى: ابنة اللبون، وذلك لان أمهما في الاغلب ترضع غيرهما، فتكون ذات لبن، واللبون من الابل والشاة ذات اللبن، غزيرة كانت أو بكيئة(1)، فإذا أرادوا الغزيرة قالوا: لبنة، ويقال: ابن لبون وابن اللبون، منكرا أو معرفا، قال الشاعر: وابن اللبون إذا ما لز في قرن * * لم يستطع صولة البزل القناعيس(2) وابن اللبون لا يكون قد كمل وقوى ظهره على أن يركب، وليس بأنثى ذات ضرع فيحلب وهو مطرح لا ينتفع به.
وأيام الفتنة هي أيام الخصومة والحرب بين رئيسين ضالين يدعوان كلاهما إلى ضلالة كفتنة عبد الملك وابن الزبير، وفتنة مروان والضحاك، وفتنة الحجاج وابن الاشعث ونحو ذلك، فأما إذا كان أحدهما صاحب حق فليست أيام فتنة كالجمل وصفين ونحوهما بل يجب الجهاد مع صاحب الحق وسل السيف والنهى عن المنكر وبذل النفس في إعزاز الدين وإظهار الحق.
---
(1) البكيئة: قليلة اللبن.
(2) لجرير، ديوانه 323.
القرن: الحبل، والقاعيس: الشداد.
---

[83]
قال(عليه السلام): أخمل نفسك أيام الفتنة، وكن ضعيفا مغمورا بين الناس لا تصلح لهم بنفسك ولا بمالك ولا تنصر هؤلاء وهؤلاء.
وقوله: " فيركب " " فيحلب " منصوبان لانهما جواب النفى، وفي الكلام محذوف تقديره: " له "، وهو يستحق الرفع، لانه خبر المبتدأ، مثل قولك: لا إله إلا الله، تقديره " لنا "، أو " في الوجود ".
---

[84]
(2)
الأصل:
أزرى بنفسه من استشعر الطمع، ورضى بالذل من كشف عن ضره، وهانت عليه نفسه من أمر عليها لسانه.
* * *
الشرح:
هذه ثلاثة فصول: الفصل الاول في الطمع: قوله(عليه السلام) " أزرى بنفسه "، أي قصر بها.
من استشعر الطمع، أي جعله شعاره أي لازمه.
وفى الحديث المرفوع: " إن الصفا الزلزال الذى لا تثبت عليه أقدام العلماء الطمع "، وفى الحديث أنه قال للانصار: إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع " أي عند طمع الرزق.
وكان يقال: أكثر مصارع الالباب تحت ظلال الطمع.
وقال بعضهم العبيد ثلاثة: عبد رق، وعبد شهوة، وعبد طمع.
وسئل رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن الغنى، فقال اليأس عما في أيدى الناس، ومن مشى منكم إلى طمع الدنيا فليمش رويدا "
---

[85]
وقال أبو الاسود: البس عدوك في رفق وفي دعة * * طوبى لذى أربة للدهر لباس ولا تغرنك أحقاد مزملة * * قد يركب الدبر الدامي بأحلاس واستغن عن كل ذى قربى وذى رحم * * إن الغنى الذى استغنى عن الناس قال عمر: ما الخمر صرفا بأذهب لعقول الرجال من الطمع.
وفى الحديث المرفوع: " الطمع الفقر الحاضر ".
قال الشاعر: رأيت مخيلة فطمعت فيها * * وفى الطمع المذلة للرقاب.
الفصل الثاني في الشكوى: قال(عليه السلام): " من كشف للناس ضره " أي شكى إليهم بؤسه وفقره، " فقد رضى بالذل ".
كان يقال: لا تشكون إلى أحد، فإنه إن كان عدوا سره، وإن كان صديقا ساءه وليست مسرة العدو ولا مساءة الصديق بمحمودة.
سمع الاحنف رجلا يقول لم أنم الليلة من وجع ضرسي، فجعل يكثر، فقال: يا هذا لم تكثر؟ فو الله لقد ذهبت عينى منذ ثلاثين سنة فما شكوت ذلك إلى أحد، ولا أعلمت بها أحدا.
الفصل الثالث في حفظ اللسان: قد تقدم لنا قول شاف في ذلك، وكان يقال: حفظ اللسان راحة الانسان، وكان يقال: رب كلمة سفكت دما، وأورثت ندما.
وفي الامثال العامية، قال اللسان للرأس: كيف أنت؟ قال: بخير لو تركتني.
وفي وصيه المهلب لولده، يا بنى تباذلوا تحابوا، فان بنى الاعيان يختلفون فكيف ببنى العلات، إن البر ينسأ في الاجل، ويزيد في العدد، وإن القطيعة تورث القلة، وتعقب
---

[86]
النار بعد الذلة، اتقوا زلة اللسان فإن الرجل تزل رجله فينتعش، ويزل لسانه فيهلك، وعليكم في الحرب بالمكيدة، فإنها أبلغ من النجدة وإن القتال إذا وقع وقع القضاء، فإن ظفر الرجل ذو الكيد والحزم سعد، وإن ظفر به لم يقولوا: فرط.
وقال الشاعر في هذا المعنى: يموت الفتى من عثرة بلسانه * * وليس يموت المرء من عثرة الرجل
---

[87]
(3)
الأصل:
البخل عار، والجبن منقصة، والفقر يخرس الفطن عن حاجته والمقل غريب في بلدته.
* * *
الشرح:
هذه ثلاثة فصول: الفصل الاول في البخل، وقد تقدم لنا كلام مقنع في ذلك.
ومن كلام بعض الحكماء في ذلك ما أقل من يحمده الطالب وتستقل به العشائر ويرضى عنه السائل، وما زالت أم الكرم نزورا وأم اللؤم ذلولا.
وأكثر الواجدين من لا يجود، وأكثر الاجواد من لا يجد.
وما احسن قول القائل: كفى حزنا ان الجواد مقتر عليه، ولا معروف عند بخيل.
وكان يقال البخل مهانه والجود مهابة.
ومن أحسن ما نقل من جود عبد الله المأمون أن عمر بن مسعدة كاتبه مات في سنة سبع عشرة ومائتين، وخلف تركه جليلة، فبعث أخاه أبا إسحاق المعتصم وجماعة معه من الكتاب ليحصروا مبلغها، فجاء المعتصم إليه وهو في مجلس الخلافة ومعه الكتاب، فقال: ما رأيتم؟ فقال المعتصم معظما لما رآه: وجدنا عينا، وصامتا، وضياعا، قيمة ذلك أجمع ثمانية آلاف ألف دينار - ومد صوته فقال المأمون: إنا لله! والله ما كنت أرضاها
---

[88]
لتابع من أتباعه ليوفر هذا على مخلفيه! فخجل المعتصم حتى ظهر خجله للحاضرين.
* * *
الفصل الثاني في الجبن، وقد تقدم قولنا في فضل الشجاعة.
وقال هشام بن عبد الملك لمسلمة أخيه: يا أبا سعيد، هل دخلك ذعر في حرب قط شهدتها؟ قال: ما سلمت في ذلك عن ذعر ينبه على حيلة ولا غشيني ذعر سلبني رأيى، فقال له هشام: هذه والله البسالة قال أبو دلامة، وكان جبانا: إنى أعوذ بروح أن يقدمني * * إلى القتال فتشقى بى بنو أسد إن المهلب حب الموت أورثكم * * ولم أرث رغبة في الموت عن أحد.
قال المنصور لابي دلامة في حرب إبراهيم: تقدم ويلك! قال: يا أمير المؤمنين، شهدت مع مروان بن محمد أربعة عساكر كلها انهزمت وكسرت، وإنى أعيذك بالله أن يكون عسكرك الخامس.
* * *
الفصل الثالث في الفقر.
وقد تقدم القول فيه أيضا.
ومثل قوله: " الفقر يخرس الفطن عن حاجته قول الشاعر: سأعمل نص العيس حتى يكفنى * * غنى المال يوما أو غنى الحدثان فللموت خير من حياة يرى لها * * على الحر بالاقلال وسم هوان متى يتكلم يلغ حكم كلامه * * وإن لم يقل قالوا عديم بيان كأن الغنى عن أهله بورك الغنى بغير لسان ناطق بلسان ومثل قوله(عليه السلام): " والمقل غريب في بلدته " قول خلف الاحمر: لا تظنى أن الغريب هو النائى * * ولكنما الغريب المقل وكان يقال: مالك نورك، فإن أردت أن تنكسف ففرقه وأتلفه.
---

[89]
قيل للاسكندر: لم حفظت الفلاسفة المال مع حكمتها ومعرفتها بالدنيا؟ قال: لئلا تحوجهم الدنيا إلى أن يقوموا مقاما لا يستحقونه.
وقال بعض الزهاد: ابدأ برغيفيك فاحرزهما ثم تعبد.
وقال الحسن(عليه السلام): من زعم انه لا يحب المال فهو عندي كاذب، فإن علمت صدقه فهو عندي أحمق.
---

[90]
(4)
الأصل:
العجز آفة، والصبر شجاعة، والزهد ثروة، والورع جنة، ونعم القرين الرضا.
* * *
الشرح:
فهذه فصول خمسة: الفصل الاول: قوله(عليه السلام) " العجز آفة "، وهذا حق لان الافة هي النقص أو ما أوجب النقص، والعجز كذلك.
وكان يقال: العجز المفرط ترك التأهب للمعاد.
وقالوا: العجز عجزان، أحدهما عجز التقصير وقد أمكن الامر، والثانى الجد في طلبه وقد فات.
وقالوا: العجز نائم والحزم يقظان.
* * *
الفصل الثاني في الصبر والشجاعة: قد تقدم قولنا في الصبر.
وكان يقال: الصبر مر، لا يتجرعه إلا حر.
وكان يقال: إن للازمان المحمودة والمذمومة أعمارا وآجالا كاعمار الناس وآجالهم، فاصبروا لزمان السوء حتى يفنى عمره، ويأتى أجله.
وكان يقال: إذا تضيفتك نازلة فاقرها الصبر عليها.
وأكرم مثواها لديك بالتوكل
---

[91]
والاحتساب لترحل عنك، وقد أبقت عليك أكثر مما سلبت منك، ولا تنسها عند رخائك، فإن تذكرك لها أوقات الرخاء يبعد السوء عن فعلك، وينفى القساوة عن قلبك ويوزعك حمد الله وتقواه.
* * *
الفصل الثالث: قوله: " والزهد ثروة "، وهذا حق، لان الثروة ما استغنى به الانسان عن الناس، ولا غناء عنهم كالزهد في دنياهم، فالزهد على الحقيقة هو الغنى الاكبر.
وروى أن عليا(عليه السلام) قال لعمر بن الخطاب أول ما ولى الخلافة: إن سرك أن تلحق بصاحبيك فقصر الامل، وكل دون الشبع، وارقع القميص واخصف النعل، واستغن عن الناس بفقرك تلحق بهما.
وقف ملك على سقراط وهو في المشرفة قد أسند ظهره إلى جب كان يأوى إليه، فقال له: سل حاجتك، فقال: حاجتى أن تتنحى عنى، فقد منعنى ظلك المرفق بالشمس، فسأله عن الجب، قال: آوى إليه قال: فإن انكسر الجب لم ينكسر المكان.
وكان يقال: الزهد في الدنيا هو الزهد في المحمدة والرياسة، لا في المطعم والمشرب، وعند العارفين: الزهد ترك كل شئ يشغلك عن الله.
وكان يقال العالم إذا لم يكن زاهدا لكان عقوبة لاهل زمانة، لانهم يقولون: لو لا أن علمه لم يصوب عنده الزهد لزهد، فهم يقتدون بزهده في الزهد.
الفصل الرابع قوله: " والورع جنة كان يقال: لا عصمة كعصمة الورع والعبادة، أما الورع فيعصمك من المعاصي، وأما العبادة فتعصمك من خصمك، فان عدوك لو رآك قائما تصلى وقد دخل ليقتلك لصد عنك وهابك.
---

[92]
وقال رجل من بنى هلال لبنيه: يا بنى اظهروا النسك فإن الناس إن رأوا من أحد منكم بخلا، قالوا: مقتصد لا يحب الاسراف، وإن رأوا عيا، قالوا: متوق يكره الكلام، وإن رأواجبنا قالوا: متحرج يكره الاقدام على الشبهات.
الفصل الخامس: قوله: ونعم القرين الرضا "، قد سبق منا قول مقنع في الرضا.
وقال أبو عمرو بن العلاء: دفعت إلى أرض مجدبة بها نفر من الاعراب، فقلت لبعضهم: ما أرضكم هذه؟ قال: كما ترى، لا زرع ولا ضرع، قلت فكيف تعيشون؟ قالوا: نحترش(1) الضباب، ونصيد الدواب، قلت: فكيف صبركم على ذلك؟ قالوا: يا هذا، سل خالق الخلق، هل سويت؟ فقال: بل رضيت.
وكان يقال: من سخط القضاء طاح ومن رضى به استراح.
وكان يقال: عليك بالرضا، ولو قلبت على جمر الغضا.
وفي الخبر المرفوع أنه(صلى الله عليه وآله) قال عن الله تعالى: " من لم يرض بقضائي فليتخذ ربا سوائى ".
---
(1) في اللسان: " حرش الضب يحرشه حرشا، واحترشه وتحرش وتحر عربه: أتى قفا جحره فقعقع بعصاه عليه وأتلج طرفها في حجره فإذا سمع الصوت حسبه دابة تريد أن تدخل عليه فجاء يزحل على رجليه وعجزه مقاتلا ويضرب بذنبه فناهزه الرجل فأخذ بذنبه فضبب عليه - أي شد القبض - فلم يقدر أن يفيصه - أي يفلت منه ".
---

[93]
(5)
الأصل:
العلم وراثة كريمة، والاداب حلل مجددة والفكر مرآة صافية.
* * *
إنما قال: " العلم وراثة " لان كل عالم من البشر إنما يكتسب علمه من أستاذ يهذبه وموقف يعلمه، فكأنه ورث العلم عنه كما يرث الابن المال عن أبيه، وقد سبق منا كلام شاف في العلم والادب.
وكان يقال: عطيه العالم شبيهة بمواهب الله عز وجل، لانها لا تنفد عند الجود بها وتبقى بكمالها عند مفيدها.
وكان يقال: الفضائل العلمية تشبه النخل، بطئ الثمرة، بعيد الفساد.
وكان يقال: ينبغى للعالم ألا يترفع على الجاهل، وأن يتطامن له بمقدار ما رفعه الله عليه، وينقله من الشك إلى اليقين، ومن الحيرة إلى التبيين، لان مكافحته قسوة والصبر عليه وإرشاده سياسة.
ومثاله قول بعض الحكماء: الخير من العلماء من يرى الجاهل بمنزلة الطفل الذى هو بالرحمة أحق منه بالغلظة، ويعذره بنقصه فيما فرط منه ولا يعذر نفسه في التأخر عن هدايته.
---

[94]
وكان يقال: العلم في الارض بمنزلة الشمس في الفلك، لو لا الشمس لاظلم الجو، ولو لا العلم لاظلم أهل الارض.
وكان يقال لا حله أجمل من حله الادب، لان حلل الثياب تبلى، وحلل الادب تبقى، وحلل الثياب قد يغتصبها الغاصب، ويسرقها السارق، وحلل الاداب باقية مع جوهر النفس.
وكان يقال الفكره الصحيحة إصطرلاب روحاني.
وقال أوس بن حجر يرثى: إن الذى جمع السماحة والنجدة والحزم والنهى جمعا(1) الالمعى الذى يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا.
ومن كلام الحكماء: النار لا ينقصها ما أخذ منها، ولكن يخمدها ألا تجد حطبا، وكذلك العلم لا يفنيه الاقتباس ولكن فقد الحاملين له سبب عدمه.
قيل لبعضهم أي العلوم أفضل؟ قال: ما العامة فيه أزهد.
وقال أفلاطون: من جهل الشئ ولم يسأل عنه جمع على نفسه فضيحتين.
وكان يقال: ثلاثة لا تجربة معهن: أدب يزين، ومجانبة الريبة، وكف الاذى.
وكان يقال: عليكم بالادب، فإنه صاحب في السفر، ومؤنس في الوحدة، وجمال في المحفل، وسبب إلى طلب الحاجة.
وكان عبد الملك أديبا فاضلا، ولا يجالس إلا أديبا.
وروى الهيثم بن عدى عن مسعر بن كدام، قال: حدثنى سعيد بن خالد الجدلي،
---
(1) ديوانه 26.
---

[95]
قال: لما قدم عبد الملك الكوفة بعد قتل مصعب دعا الناس يعرضهم على فرائضهم، فحضرنا بين يديه، فقال: من القوم؟ قلنا: جديلة، فقال جديلة عدوان؟ قلنا: نعم، فأنشده: عذير الحى من عدوان * * كانوا حية الارض(1) بغى بعضهم بعضا * * فلم يرعوا على بعض ومنهم كانت السادات * * والموفون بالقرض ومنهم حكم يقضى: فلا ينقض ما يقضى ومنهم من يجيز الناس * * بالسنة والفرض ثم أقبل على رجل منا وسيم جسيم قدمناه أمامنا، فقال: أيكم يقول هذا الشعر؟ قال: لاأدرى، فقلت أنا من خلفه: يقوله ذو الاصبع، فتركني وأقبل على ذلك الرجل الجسيم، فقال: ما كان اسم ذى الاصبع؟ قال: لاأدرى، فقلت أنا من خلفه: اسمه حرثان، فتركني وأقبل عليه، فقال له: ولم سمى ذالاصبع؟ قال: لا أدرى، فقلت أنا من خلفه: نهشته حية في إصبعه، فأقبل عليه وتركني، فقال: من أيكم كان؟ فقال: لا أدرى فقلت أنا من خلفه: من بنى تاج الذين يقول الشاعر فيهم: فأما بنو تاج فلا تذكرنهم * * ولا تتبعن عيناك من كان هالكا فأقبل على الجسيم، فقال: كم عطاؤك؟ قال: سبعمائة درهم، فأقبل على، وقال: وكم عطاؤك أنت: قلت أربعمائه، فقال: يا أبا الزعيزعة، حط من عطاء هذا ثلثمائة، وزدها في عطاء هذا، فرحت وعطائي سبعمائة وعطاؤه أربعمائه(2): وأنشد منشد بحضره الواثق هارون بن المعتصم:
---
(1) يقال للرجل الصعب المنيع: حية الارض.
(2) الخبر في الاغاني 3: 91، 92.
---

[96]
أظلوم إن مصابكم رجلا * * إهدى السلام تحيه ظلم(1).
فقال شخص: رجل هو خبر " إن "، ووافقه على ذلك وقم وخالفه آخرون فقال الواثق: من بقى من علماء النحويين؟ قالوا: أبو عثمان المازنى بالبصرة، فأمر بإشخاصه إلى سر من رأى بعد إزاحه علته، قال أبو عثمان فأشخصت، فلما أدخلت عليه قال: ممن الرجل؟ قلت: من مازن، قال: من مازن تميم، أم من مازن ربيعة، أم مازن قيس، أم مازن اليمين؟ قلت: من مازن ربيعة، قال: باسمك؟ بالباء؟ - يريد: " ما اسمك " لان لغة مازن ربيعة هكذا، يبدلون الميم باء والباء ميما - فقلت: مكر أي " بكر "، فضحك وقال: اجلس واطمئن، فجلست فسألني عن البيت فأنشدته منصوبا، فقال: فأين خبر إن؟ فقلت: " ظلم " قال: كيف هذا؟ قلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى أن البيت إن لم يجعل " ظلم " خبر " إن " يكون مقطوع المعنى معدوم الفائدة! فلما كررت القول عليه فهم، وقال: قبح الله من لا أدب له، ثم قال: ألك ولد؟ قلت: بنية، قال: فما قالت لك حين ودعتها؟ قلت: ما قالت بنت الاعشى: تقول ابنتى حين جد الرحيل * * أرانا سواء ومن قد يتم(2) أبانا فلا رمت من عندنا * * فإنا بخير إذا لم ترم أبانا إذا أضمرتك البلاد * * نجفى وتقطع منا الرحم.
قال: فما قلت لها؟ قال: قلت أنشدتها بيت جرير: ثقى بالله ليس له شريك * * ومن عند الخليفة بالنجاح(3) فقال: ثق بالنجاح إن شاء الله تعالى، ثم أمر لى بألف دينار وكسوة، وردنى إلى البصرة.
---
(1) نسبه ابن خلكان والحريري في درة الغواص 43 إلى العرجى، ونسبه البغدادي في الخزانة 1: 317 إلى الحارث بن خالد المخزومى.
(2) ديوانه 33.
(3) ديوانه 36.
(4) الخبر في طبقات الزبيدى 93، 94.
---

[97]
(6) الاصل وصدر العاقل صندوق سره، والبشاشة حبالة المودة، والاحتمال قبر العيوب، وروى أنه قال في العبارة عن هذا المعنى أيضا: المسالمة خبء العيوب.
* * *
الشرح هذه فصول ثلاثة: الفصل الاول: قوله: " صدر العاقل صندوق سره، قد ذكرنا فيما تقدم طرفا صالحا في كتمان السر.
وكان يقال: لا تنكح خاطب سرك.
قال معاوية للنجار العذري: أبغ لى محدثا قال: معى يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، أستريح منك إليه، ومنه إليك، وأجعله كتوما، فإن الرجل إذا اتخذ جليسا ألقى إليه عجره وبجره.
وقال بعض الاعراب: لا تضع سرك عند من لا سر له عندك.
وقالوا: إذا كان سر الملك عند اثنين دخلت على الملك الشبهة، واتسعت على الرجلين المعاذير، فإن عاقبهما عند شياعه، عاقب اثنين بذنب واحد، وإن اتهمهما اتهم بريئا
---

[98]
بجناية مجرم، وإن عفا عنهما كان العفو عن أحدهما ولا ذنب له، وعن الاخر ولا حجة عليه.
الفصل الثاني: قوله: " البشاشة حباله المودة "، قد قلنا في البشر والبشاشة فيما سبق قولا مقنعا.
وكان يقال: البشر دال على السخاء من ممدوحك، وعلى الود من صديقك دلالة النور على الثمر.
وكان يقال: ثلاث تبين لك الود في صدر أخيك: تلقاه ببشرك، وتبدؤه بالسلام، وتوسع له في المجلس.
وقال الشاعر: لا تدخلنك ضجرة من سائل * * فلخير دهرك أن ترى مسئولا لا تجبهن بالرد وجه مؤمل * * قد رام غيرك أن يرى مأمولا تلقى الكريم فتستدل ببشره * * وترى العبوس على اللئيم دليلا واعلم بأنك عن قليل صائر * * خبرا فكن خبرا يروق جميلا وقال البحترى: لو أن كفك لم تجد لمؤمل * * لكفاه عاجل بشرك المتهلل(2) ولو ان مجدك لم يكن متقادما * * أغناك آخر سؤدد عن أول أدركت ما فات الكهول من الحجا * * من عنفوان شبابك المستقبل فإذا أمرت فما يقال لك اتئد * * وإذا حكمت فما يقال لك: اعدل الفصل الثالث: قوله: " الاحتمال قبر العيوب "، أي إذا احتملت صاحبك وحلمت
---
(1) في د: " دلالة النور على القمر ":(2) ديوانه 2: 218.
---

[99]
عنه ستر هذا الخلق الحسن منك عيوبك، كما يستر القبر الميت، وهذا مثل قولهم في الجود: كل عيب فالكرم يغطيه.
فأما الخبء فمصدر خبأته أخبؤه والمعنى في الروايتين واحد، وقد ذكرنا في فضل الاحتمال والمسالمة فيما تقدم أشياء صالحة.
ومن كلامه(عليه السلام): وجدت الاحتمال أنصر لى من الرجال.
ومن كلامه: من سالم الناس سلم منهم، ومن حارب الناس حاربوه، فإن العثرة للكاثر.
وكان يقال: العاقل خادم الاحمق أبدا، إن كان فوقه لم يجد من مداراته والتقرب إليه بدا، وإن كان دونه لم يجد من احتماله واستكفاف شره بدا.
وأسمع رجل يزيد بن عمر بن هبيرة فأعرض عنه، فقال الرجل: إياك أعنى، قال: وعنك أعرض.
وقال الشاعر: إذا نطق السفيه فلا تجبه * * فخير من إجابته السكوت سكت عن السفيه فظن أنى * * عييت عن الجواب وما عييت
---

[100]
(7)
الأصل:
من رضى عن نفسه كثر الساخط عليه، والصدقة دواء منجح، وأعمال العباد في عاجلهم نصب أعينهم في آجلهم.
* * *
هذه فصول ثلاثة: الفصل الاول: قوله " من رضى عن نفسه كثر الساخط عليه ".
قال بعض الفضلاء لرجل كان يرضى عن نفسه ويدعى التميز على الناس بالعلم: عليك بقوم تروقهم بزبرجك، وتروعهم بزخرفك، فإنك لا تعدم عزا، ولا تفقد غمرا، لا يبلغ مسبارهما غورك، ولا تستغرق أقدارهما طورك.
وقال الشاعر: أرى كل كل إنسان يرى عيب غيره * * ويعمى عن العيب الذى هو فيه وما خير من تخفى عليه عيوبه * * ويبدو له العيب الذى بأخيه.
وقال بعضهم: دخلت على ابن منارة وبين يديه كتاب قد صنفه، فقلت: ما هذا؟ قال: كتاب عملته مدخلا إلى التورية، فقلت: إن الناس ينكرون هذا، فلو قطعت الوقت بغيره(1)! قال: الناس جهال، قلت وأنت ضدهم؟ قال: نعم، قلت:
---
(1) في د: " بغير هذا.
---

[101]
فينبغي أن يكون ضدهم جاهلا عندهم، قال: كذاك هو! قلت: فقد بقيت أنت جاهلا بإجماع الناس، والناس جهال بقولك وحدك، ومثل هذا المعنى قول الشاعر: إذا كنت تقضى أن عقلك كامل * * وأن بنى حواء غيرك جاهل وأن مفيض العلم صدرك كله * * فمن ذا الذى يدرى بأنك عاقل! * * *
الفصل الثاني: " الصدقة دواء منجح "، قد جاء في الصدقة فضل كثير، وذكرنا بعض ذلك فيما تقدم، وفى الحديث المرفوع: " تاجروا الله بالصدقة تربحوا " وقيل: الصدقة صداق الجنة.
وقيل للشبلى: ما يجب في مائتي درهم؟ فقال: أما من جهة الشرع فخمسة دراهم، وأما من جهة الاخلاص فالكل.
وروى أبو هريرة عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنه سئل فقيل: أي الصدقة أفضل؟ فقال: " أن تعطى وأنت صحيح شحيح، تأمل البقاء، وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا ".
ومثل قوله(عليه السلام): " الصدقة دواء منجح "، قول النبي(صلى الله عليه وآله): داووا مرضاكم بالصدقة.
* * *
الفصل الثالث: قوله: " أعمال العباد في عاجلهم نصب أعينهم في آجلهم "، هذا من قوله تعالى: " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود
---

[102]
لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا(1).
وقال تعالى:(فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرايره.
)(2) ومن كلام بعضهم: إنما تقدم على ما قدمت، ولست تقدم على ما تركت، فآثر ما تلقاه غدا على ما لا تراه أبدا.
ومن حكمة أفلاطون: اكتم حسن صنيعك عن أعين البشر، فإن له ممن بيده ملكوت السماء أعينا ترمقه فتجازى عليه.
---
(1) سورة آل عمران 30.
(2) سورة الزلزلة 7، 8.
---

[103]
(8)
الأصل:
اعجبوا لهذا الانسان ينظر بشحم، ويتكلم بلحم، ويسمع بعظم، ويتنفس من خرم.
* * *
الشرح:
هذا كلام محمول بعضه على ظاهره لما تدعو إليه الضرورة من مخاطبة العامة بما يفهمونه والعدول عما لا تقبله عقولهم، ولا تعيه قلوبهم.
أما الابصار، فقد اختلف فيه، فقيل: إنه بخروج شعاع من العين يتصل بالمرئى.
وقيل: إن القوة المبصرة التى في العين تلاقى بذاتها المرئيات فتبصرها.
وقال قوم: بل بتكيف الهواء بالشعاع البصري من غير خروج، فيصير الهواء باعتبار تكيفه بالشعاع به آلة العين في الادراك.
وقال المحققون من الحكماء: إن الادراك البصري هو بانطباع أشباح المرئيات في الرطوبة الجلدية من العين عند توسط الهواء الشفاف المضئ، كما تنطبع الصورة في المرآة قالوا: ولو كانت المرآة ذات قوة مبصرة لادركت الصور المنطبعة فيها، وعلى جميع الاقوال فلا بد من إثبات القوة المبصرة في الرطوبة الجلدية، وإلى الرطوبة الجلدية وقعت إشارته(عليه السلام) بقوله: ينظر بشحم ".
وأما الكلام فمحله اللسان عند قوم.
وقال قوم ليس اللسان آلة ضرورية في الكلام لان من يقطع لسانه من أصله يتكلم، وأما إذا قطع رأسه لم يتكلم.
قالوا: وإنما الكلام
---

[104]
باللهوات، وعلى كلا القولين فلابد أن تكون آلة الكلام لحما، وإليه وقعت إشارة أمير المؤمنين(عليه السلام)، وليس هذه البنية المخصوصة شرطا في الكلام على الاطلاق لجواز وجوده في الشجر والجماد عند أصحابنا، وإنما هي شرط في كلام الانسان، ولذا قال أمير المؤمنين: " اعجبوا لهذا الانسان.
فأما السمع للصوت فليس بعظم عند التحقيق، وإنما هو بالقوة المودعة في العصب المفروش في الصماخ كالغشاء، فإذا حمل الهواء الصوت ودخل في ثقب الاذن المنتهى إلى الصماخ بعد تعويجات فيه جعلت لتجرى مجرى اليراعة المصونة، وأفضى ذلك الصوت إلى ذلك العصب الصعب الحامل للقوة السامعة حصل الادراك.
وبالجملة فلا بد من عظم، لان الحامل اللحم والعصب إنما هو العظم.
واما التنفس فلا ريب أنه من خرم لانه من الانف، وإن كان قد يمكن لو سد الانف أن يتنفس الانسان من الفم وهو خرم أيضا، والحاجة إلى التنفس إخراج الهواء الحار عن القلب وإدخال النسيم البارد إليه، فجعلت الرئة كالمروحة تنبسط وتنقبض، فيدخل الهواء بها ويخرج من قصبتها النافذة إلى المنخرين.
---

[105]
(9)
الأصل:
إذا أقبلت الدنيا على قوم أعارتهم محاسن غيرهم، وإذا أدبرت عنهم سلبتهم محاسن أنفسهم.
* * *
الشرح:
كان الرشيد أيام كان حسن الرأى في جعفر بن يحيى يحلف، بالله أن جعفرا أفصح من قس بن ساعدة، وأشجع من عامر بن الطفيل، وأكتب من عبد الحميد بن يحيى، وأسوس من عمر بن الخطاب، وأحسن من مصعب بن الزبير - وكان جعفر ليس بحسن الصورة، وكان طويل الوجه جدا - وأنصح له من الحجاج لعبد الملك، وأسمح من عبد الله بن جعفر، وأعف من يوسف بن يعقوب، فلما تغير رأية فيه أنكر محاسنه الحقيقية التى لا يختلف اثنان أنها فيه، نحو كياسته وسماحته، ولم يكن أحد يجسر أن يرد على جعفر قولا ولا رأيا، فيقال: إن أول ما ظهر من تغير الرشيد له أنه كلم الفضل بن الربيع بشئ فرده عليه الفضل، ولم تجر عادته من قبل أن يفتح فاه في وجهه، فأنكر سليمان بن أبى جعفر ذلك على الفضل، فغضب الرشيد لانكار سليمان، وقال: ما دخولك بين أخى ومولاى؟ كالراضي بما كان من الفضل ثم تكلم جعفر بشئ قاله للفضل، فقال الفضل: اشهد عليه يا أمير المؤمنين، فقال جعفر: فض الله فاك يا جاهل! إذا كان أمير المؤمنين الشاهد، فمن الحاكم المشهود عنده؟ فضحك الرشيد، وقال: يا فضل، لا تمار جعفرا، فانك لا تقع منه موقعا.
---

[106]
واعلم أنا قد وجدنا تصديق ما قاله(عليه السلام) في العلوم والفضائل والخصائص النفسانية، دع حديث الدنيا والسلطان والرياسة، فإن المحظوظ من علم أو من فضيله تضاف إليه شوارد تلك الفضيلة وشوارد ذلك الفن، مثاله حظ على(عليه السلام) من الشجاعة، ومن الامثال الحكمية قل أن ترى مثلا شاردا أو كلمة حكميه الا وتضيفها الناس إليه وكذلك ما يدعى العامة له من الشجاعة وقتل الابطال حتى يقال: إنه حمل على سبعين ألفا فهزمهم، وقتل الجن في البئر، وفتل الطوق في عنق خالد بن الوليد.
وكذلك حظ عنترة بن شداد في الشجاعة، يذكر له من الاخبار ما لم يكن، وكذلك ما اشتهر به أبو نواس في وصف الخمر، يضاف إليه من الشعر في هذا الفن ما لم يكن قاله، وكذلك جود حاتم وعبد الله بن جعفر ونحو ذلك، وبالعكس من لاحظ له ينفى عنه ما هو حقيقة له، فقد رأينا كثيرا من الشعر الجيد ينفى عن قائله استحقارا له، لانه خامل الذكر، وينسب إلى غيره، بل رأينا كتبا مصنفة في فنون من العلوم خمل ذكر مصنفيها ونسبت إلى غيرهم من ذوى النباهة والصيت، وكل ذلك منسوب إلى الجد والاقبال.
---

[107]
(10)
الأصل:
خالطوا الناس مخالطه إن متم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنوا إليكم، * * *
الشرح:
وقد روى: " خنوا " بالخاء المعجمة، من الخنين، وهو صوت يخرج من الانف عند البكاء.
وإلى تتعلق بمحذوف، أي حنوا شوقا إليكم.
وقد ورد في الامر بإحسان العشرة مع الناس الكثير الواسع، وقد ذكرنا طرفا من ذلك فيما تقدم.
وفى الخبر المرفوع: إذا وسعتم الناس ببسط الوجوه، وحسن الخلق، وحسن الجوار، فكأنما وسعتموهم بالمال ".
وقال أبو الدرداء: إنا لنهش في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتقليهم.
وقال محمد بن الفضل الهاشمي لابيه: لم تجلس إلى فلان وقد عرفت عداوته؟ قال: أخبئ نارا، وأقدح عن ود.
وقال المهاجر بن عبد الله: وإنى لاقصى المرء من غير بغضة * * وأدنى أخا البغضاء منى على عمد ليحدث ودا بعد بغضاء أو أرى * * له مصرعا يردى به الله من يردى وقال عقال: بن شبة التميمي: كنت ردف أبى، فلقيه جرير بن الخطفى على بغله
---

[108]
فحياة أبى وألطفه، فلما مضى قلت له: أبعد أن قال لنا ما قال! يا بنى أفاوسع جرحى! وقال محمد بن الحنفية(عليه السلام): قد يدفع باحتمال المكروه ما هو أعظم منه.
وقال الحسن(عليه السلام): حسن السؤال نصف العلم، ومداراة الناس نصف العقل، والقصد في المعيشة نصف المؤونة.
ومدح ابن شهاب شاعرا فأعطاه، وقال: إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر.
وقال الشاعر: وأنزلني طول النوى دار غربة * * متى شئت لاقيت امأا لا أشاكله أخا ثقة حتى يقال سجية * * ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله.
وفي الحديث المرفوع: " للمسلم على المسلم ست: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويحب له ما يحب لنفسه، ويشيع جنازته إذا مات ".
ووقف(صلى الله عليه وآله) على عجوز فجعل يسألها ويتحفاها، وقال: " إن حسن العهد من الايمان، إنها كانت تأتينا أيام خديجة ".
---

[109]
(11)
الأصل:
إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه.
* * *
الشرح:
قد أخذت أنا هذا المعنى، فقلت في قطعة لى: إن الامانى أكساب الجهول فلا * * تقنع بها واركب الاهوال والخطرا واجعل من العقل جهلا واطرح نظرا * * في الموبقات ولا تستشعر الحذرا وإن قدرت على الاعداء منتصرا * * فاشكر بعفوك عن أعدائك الظفرا وقد تقدم لنا كلام طويل في الحلم والصفح والعفو.
ونحن نذكر هاهنا زيادة على ذلك: شجر بين أبى مسلم وبين صاحب مرو كلام أربى فيه صاحب مرو عليه، وأغلظ له في القول، فاحتمله أبو مسلم، وندم صاحب مرو، وقام بين يدى أبى مسلم معتذرا، وكان قال له في جملة ما قال يا لقيط! فقال أبو مسلم: مه! لسان سبق، ووهم أخطا، والغضب شيطان وأنا جرأتك على باحتمالك قديما، فان كنت للذنب معتذرا، فقد شاركتك فيه، وإن كنت مغلوبا فالعفو يسعك.
فقال صاحب مرو: أيها الامير، إن عظم ذنبي يمنعنى من الهدوء فقال أبو مسلم: يا عجبا! أقابلك بإحسان، وأنت مسئ، ثم أقابلك بإساءة وأنت محسن! فقال: الان وثقت بعفوك.
وأذنب بعض كتاب المأمون ذنبا، وتقدم إليه ليحتج لنفسه، فقال: يا هذا، قف
---

[110]
مكانك، فإنما هو عذر أو يمين، فقد وهبتهما لك، وقد تكرر منك ذلك، فلا تزال تسئ ونحسن، وتذنب ونغفر، حتى يكون العفو هو الذى يصلحك! وكان يقال: أحسن أفعال القادر العفو، وأقبحها الانتقام.
وكان يقال: ظفر الكريم عفو، وعفو(1) اللئيم عقوبة.
وكان يقال: رب ذنب مقدار العقوبة عليه إعلام المذنب به، ولا يجاوز به حد الارتفاع إلى الايقاع وكان يقال: ما عفا عن الذنب من قرع به.
ومن الحلم الذى يتضمن كبرا مستحسنا، ما روى أن مصعب بن الزبير لما ولى العراق عرض الناس ليدفع إليهم أرزاقهم، فنادى مناديه: أين عمرو بن جرموز؟ فقيل له: أيها الامير، إنه أبعد في الارض، قال: أو ظن الاحمق أنى أقتله بأبى عبد الله! قولوا له: فليظهر آمنا، وليأخذ عطاءه مسلما.
وأكثر رجل من سب الاحنف وهو لا يجيبه، فقال الرجل: ويلى عليه! والله ما منعه من جوابي إلا هواني عنده! وقال لقيط بن زرارة: فقل لبنى سعد ومالى وما لكم * * ترقون منى ما استطعتم وأعتق أغركم أنى بأحسن شيمة * * بصير وأنى بالفواحش أخرق! وأنك قد ساببتنى فقهرتني * * هنيئا مريئا أنت بالفحش أحذق وقال المأمون لابراهيم بن المهدى لما ظفر به: إنى قد شاورت في أمرك، فأشير على بقتلك، إلا أنى وجدت قدرك فوق ذنبك، فكرهت قتلك للازم حرمتك.
فقال إبراهيم يا أمير المؤمنين، إن المشير أشار بما تقتضيه السياسة، وتوجيه العادة، إلا أنك أبيت أن
---
(1) من د: " وظفر ".
---

[111]
تطلب النصر إلا من حيث عودته من العفو، فإن قتلت فلك نظراء، وإن عفوت فلا نظير لك.
قال: قد عفوت، فاذهب آمنا.
ضل الاعشى في طريقه، فأصبح بأبيات علقمة بن علاثة، فقال قائده، وقد نظر إلى قباب الادم: واسوء صباحاه يا أبا بصير! هذه والله أبيات علقمة، فخرج فتيان الحى، فقبضوا على الاعشى، فأتوا به علقمه فمثل بين يديه، فقال: الحمد لله الذى أظفرني بك من غير ذمة ولا عقد، قال الاعشى: أو تدرى لم ذلك جعلت فداك! قال: نعم لانتقم اليوم منك بتقوالك على الباطل مع إحساني إليك، قال: لا والله، ولكن أظفرك الله بى ليبلو قدر حلمك في.
فأطرق علقمه، فاندفع الاعشى فقال: أعلقم قد صيرتني الامور إليك * * وما كان بى منكص(1) كساكم علاثة أثوابه * * وورثكم حلمه الاحوص فهب لى نفسي فدتك النفوس * * فلا زلت تنمى ولا تنقص.
فقال: قد فعلت، أما والله لو قلت في بعض ما قلته في عامر بن عمر، لاغنيتك طول حياتك، ولو قلت في عامر بعض ما قلته في ما أذاقك برد الحياة.
قال معاوية لخالد بن معمر السدوسى: على ماذا أحببت عليا قال على ثلاث: حلمه إذا غضب، وصدقه إذا قال، ووفاؤه إذا وعد.
---
(1) ديوانه 231.
---

[112]
(12)
الأصل:
أعجز الناس من عجز عن اكتساب الاخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم.
* * *
قد ذكرنا قطعة صالحة من الاخوانيات فيما تقدم.
وفى الحديث المرفوع أن النبي(صلى الله عليه وسلم) بكى لما قتل جعفر بمؤتة وقال: " المرء كثير بأخيه ".
وقال جعفر بن محمد(عليه السلام): لكل شئ حلية وحلية الرجل أوداؤه.
وأنشد ابن الاعرابي: لعمرك ما مال الفتى بذخيرة * * ولكن إخوان الصفاء الذخائر.
وكان أبو أيوب السختيانى(1) يقول: إذا بلغني موت أخ كان لى، فكأنما سقط عضو منى.
وكان يقال: الاخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقة كالدواء يحتاج إليه عند المرض، وطبقه كالداء لا يحتاج إليه أبدا.
وكان يقال: صاحبك كرقعة في قميصك، فانظر بما ترقع قميصك!
---
(1) ب: " السجستاني " والصواب ما أثبته من ا.
---

[113]
وكان يونس بن عبيد يقول اثنان ما في الارض أقل منهما، ولا يزدادان إلا قلة: درهم يوضع في حق، وأخ يسكن إليه في الله.
وقال الشاعر: أخاك أخاك إن من لا أخا له * * كساع إلى الهيجا بغير سلاح وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه * * وهل ينهض البازى بغير جناح؟ وقال آخر: ولن تنفك تحسد أو تعادى * * فأكثر ما استطعت من الصديق وبغضك(1) للتقى أقل ضرا * * وأسلم من مودة ذى الفسوق(1).
وأوصى بعضهم ابنه، فقال: يا بنى، إذا نازعتك نفسك إلى مصاحبة الرجال فاصحب من إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا عرضت لك مؤنة أعانك، وإن قلت صدق قولك، وإن صلت شد صولك، وإن مددت يدك لامر مدها، وإن بدت لك(2) عورة سدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن سألته أعطاك، وإن سكت ابتداك، وإن نزلت بك ملمة واساك، من لا تأتيك منه البوائق، ولا تحتار(3) عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق.
ومن الشعر المنسوب إلى على(عليه السلام): إن أخاك الحق من كان معك * * ومن يضر نفسه لينفعك ومن إذا ريب الزمان صدعك * * شتت فيك شمله ليجمعك
---
(1) في د " وبغضاء التقى " وهو وجه أيضا.
(2) ا: " عنك ".
(3) في د " ولا تختلف ".
---

[114]
ومن الشعر المنسوب إليه(عليه السلام) أيضا: أخوك الذى إن أجرضتك ملمة * * من الدهر لم يبرح لها الدهر واجما وليس أخوك بالذى إن تشعبت * * عليك أمور ظل يلحاك لائما.
وقال بعض الحكماء: ينبغى للانسان أن يوكل بنفسه كالئين: أحدهما يكلؤه من أمامه، والاخر يكلؤه من ورائه، وهما عقله الصحيح، وأخوه النصيح، فإن عقله وإن صح فلن يبصره من عيبه إلا بمقدار ما يرى الرجل من وجهه في المرآة ويخفى عليه ما خلفه، وأما أخوه النصيح فيبصره ما خلفه وما أمامه أيضا.
وكتب ظريف إلى صديق له: إنى غير محمود على الانقياد إليك، لانى صادقتك من جوهر نفسي، والنفس يتبع بعضها بعضا.
وفي الحديث المرفوع: " إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه ".
وقال الاحنف خير الاخوان من إذا استغنيت عنه لم يزدك ودا وان احتجت إليه لم ينقصك.
وقال أعشى باهله يرثى المنتشر بن وهب: إما سلكت سبيلا كنت سالكها * * فاذهب فلا يبعدنك الله منتشر(1) من ليس في خيره شر ينكده * * على الصديق ولا في صفوه كدر.
وقال آخر يرثى صديقا له: أخ طالما سرنى ذكره * * وأصبحت أشجى لدى ذكره وقد كنت أغدو إلى قصره * * فأصبحت أغدو إلى قبره وكنت أرانى غنيا به * * عن الناس لو مد في عمره إذا جئته طالبا حاجة * * فأمري يجوز على أمره.
رأى بعض الحكماء مصطحبين لا يفترقان فسأل عنهما، فقيل: صديقان، قال: فما بال أحدهما غنيا والاخر فقيرا!
---
(1) الكامل: 4: 66.
---

[115]
(13)
الأصل:
وقال(عليه السلام) في الذين اعتزلوا القتال معه: خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل.
* * *
قد سبق ذكر هؤلاء فيما تقدم، وهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسعد بن أبى وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وأنس بن مالك، وجماعة غيرهم.
وقد ذكر شيخنا أبو الحسين في " الغرر " أن أمير المؤمنين(عليه السلام) لما دعاهم إلى القتال معه، واعتذروا بما اعتذروا به، قال لهم: أتنكرون هذه البيعة؟ قالوا: لا، لكنا لا نقاتل، فقال: إذا بايعتم فقد قاتلتم، قال: فسلموا بذلك من الذم، لان إمامهم رضى عنهم.
ومعنى قوله: " خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل "، أي خذلوني ولم يحاربوا معى معاوية، وبعض أصحابنا البغداديين يتوقف في هؤلاء، وإلى هذا القول يميل شيخنا أبو جعفر الاسكافي.
---

[116]
(14)
الأصل:
إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر.
* * *
الشرح:
قد سبق القول في الشكر، ونحن نذكر هاهنا زيادة على ذلك.
قال بعضهم: ما شيبتني السنون، بل شكرى من احتاج أن أشكره.
وقالوا: العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى.
وقالوا: من سعاده المرء أن يضع معروفه عند من يشكره.
ومن جيد ما قيل في الشكر قول أبى نواس: قد قلت للعباس معتذرا * * من ضعف شكريه ومعترفا(1) أنت امرؤ حملتني نعما(2) * * أوهت قوى شكرى فقد ضعفا فإليك منى اليوم معذرة(3) * * جاءتك بالتصريح منكشفا لا تسدين إلى عارفة * * حتى أقوم بشكر ما سلفا وقال البحترى: فإن أنا لم اشكر لنعماك جاهدا * * فلا نلت نعمى بعدها توجب الشكرا(4).
---
(1) ديوانه 71.
(2) الديوان.
" جللتني ".
(3) الديوان: " قبل اليوم تقدمة ".
(4) ديوانه 2: 36.
---

[117]
وقال أيضا: سأجهد في شكرى لنعماك إننى * * أرى الكفر للنعماء ضربا من الكفر.
وقال ابن أبى طاهر: شكرت عليا بره وبلاءه * * فقصر بى شكرى وإنى لجاهد وما أنا من شكرى عليا بواحد * * ولكنه في الفضل والجود واحد.
وقال أبو الفتح البستى: لا تظنن بى وبرك حى * * أن شكرى وشكر غيرى موات أنا أرض وراحتاك سحاب * * والايادي وبل وشكرى نبات وقال أيضا: وخر لما أوليت شكرى ساجدا * * ومثل الذى أوليت يعبده الشكر البحترى: أراك بعين المكتسى ورق الغنى * * بالائك اللاتى يعددها الشكر ويعجبنى فقرى إليك ولم يكن * * ليعجبنى لو لا محبتك الفقر آخر: بدأت بمعروف وثنيت بالرضا * * وثلثت بالحسنى وربعت بالكرم وباشرت أمرى واعتنيت بحاجتي * * وأخرت " لا " عنى وقدمت لى " نعم " وصدقت لى ظنى، وأنجزت موعدى * * وطبت به نفسا ولم تتبع الندم فإن نحن كافأنا بشكر فواجب * * وإن نحن قصرنا فما الود متهم
---

[118]
(15)
الأصل:
من ضيعه الاقرب أتيح له الابعد.
* * *
الشرح:
إن الانسان قد ينصره من لا يرجو نصره وإن أهمله أقربوه وخذلوه، فقد تقوم به الاجانب من الناس، وقد وجدنا ذلك في حق رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ضيعه أهله ورهطه من قريش وخذلوه، وتمالئوا عليه، فقام بنصره الاوس والخزرج، وهم أبعد الناس نسبا منه، لانه من عدنان وهم من قحطان، وكل واحد من الفريقين لا يحب الاخر حتى تحب الارض الدم.
وقامت ربيعة بنصر على(عليه السلام) في صفين، وهم أعداء مضر الذين هم أهله ورهطه، وقامت اليمن بنصر معاوية في صفين، وهم أعداء مضر، وقامت الخراسانية وهم عجم بنصر الدولة العباسية، وهى دولة العرب.
وإذا تأملت السير وجدت هذا كثيرا شائعا.
---

[119]
(16)
الأصل:
ما كل مفتون يعاتب.
* * *
الشرح:
هذه الكلمة قالها على(عليه السلام) لسعد بن أبى وقاص ومحمد بن مسلمة وعبد الله ابن عمر لما امتنعوا من الخروج معه لحرب أصحاب الجمل، ونظيرها أو قريب منها قول أبى الطيب: فما كل فعال يجازى بفعله * * ولا كل قوال لدى يجاب(1) ورب كلام مر فوق مسامعي * * كما طن في لفح الهجير ذباب
---
(1) لم أجدهما في ديوانه.
---

[120]
(17)
الأصل:
تذل الامور للمقادير، حتى يكون الحتف في التدبير.
الشرح:
إذا تأملت أحوال العالم وجدت صدق هذه الكلمة ظاهرا، ولو شئنا أن نذكر الكثير من ذلك لذكرنا ما يحتاج في تقييده بالكتابة إلى مثل حجم كتابنا هذا، ولكنا نذكر لمحا ونكتا وأطرافا ودررا من القول.
فرش مروان بن محمد - وقد لقى عبد الله بن على - أنطاعا وبسط عليها المال وقال: من جاءني برأس فله مائة درهم،، فعجزت الحفظة والحراس عن حمايته، واشتغلت طائفة من الجند بنهبه، وتهافت الجيش عليه لينتهبوه، فغشيهم عبد الله بن على بعساكره، فقتل منهم مالا يحصى، وهزم الباقون.
وكسر إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن جيش أبى جعفر المنصور بباخمرى وأمر أصحابه باتباعهم، فحال بينهم وبين أصحاب أبى جعفر ماء ضحضاح، فكره إبراهيم وجيشه خوض ذلك الماء، وكان واسعا، فأمر صاحب لوائه أن يتعرج باللواء على مسناة(1) كانت على ذلك الماء يابسة فسلكها صاحب اللواء وهى تفضى بانعراج وانعكاس إلى الارض اليبس، فلما رأى عسكر أبى جعفر أن لواء القوم قد تراجع
---
(1) المسناة: ضفيرة تبنى للسيل لترد الماء.
---

[121]
القهقرى ظنوهم منهزمين، فعطفوا عليهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وجاء سهم غرب(1) فأصاب إبراهيم فقتله.
وقد دبرت من قبل قريش في حماية العير بأن نفرت على الصعب والذلول لتدفع رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن اللطيمة(2)، فكان هلاكها في تدبيرها.
وكسرت الانصار يوم أحد بأن أخرجت النبي(صلى الله عليه وآله) عن المدينة ظنا منها أن الظفر والنصرة كانت بذلك، وكان سبب عطبها وظفر قريش بها، ولو أقامت بين جدران المدينة لم تظفر قريش منها بشئ.
ودبر أبو مسلم الدولة الهاشمية، وقام بها حتى كان حتفه في تدبيره.
وكذلك جرى لابي عبد الله المحتسب مع عبد الله المهدى بالمغرب.
ودبر أبو القاسم بن المسلمة رئيس الرؤساء في إخراج البساسيرى عن العراق حتى كان هلاكه على يده، وكذلك أيضا انعكس عليه تدبيره في إزاله الدولة البويهية من الدولة السلجوقية ظنا منه أنه يدفع الشر، بغير الشر فدفع الشر بما هو شر منه.
وأمثال هذا ونظائره أكثر من أن تحصى.
---
(1) سهم غرب: لا يدرى راميه.
(2) اللطيمة: قافلة تحمل العطور.
---

[122]
(18)
الأصل:
وسئل(عليه السلام) عن قول الرسول(صلى الله عليه وآله): غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود فقال،(عليه السلام): إنما قال(صلى الله عليه وآله) ذلك والدين قل، فأما الان وقد اتسع نطاقه، وضرب بجرانه فامرؤ وما اختار.
* * *
الشرح:
اليهود لا تخضب، وكان النبي(صلى الله عليه وآله) أمر أصحابه بالخضاب ليكونوا في مرأى العين شبابا فيجبن المشركون عنهم حال الحرب، فإن الشيخ مظنة الضعف.
قال على(عليه السلام): " كان ذلك والاسلام قل "، أي قليل، وأما الان وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فقد سقط ذلك الامر وصار الخضاب مباحا غير مندوب.
والنطاق: ثوب تلبسه المرأة لبسة مخصوصة ليس بصدرة ولا سراويل، وسميت أسماء بنت أبى بكر ذات النطاقين لانها قطعت من ثوبها ذلك قطعة شدت بها سفرة لها حملها أبو بكر معه حين خرج من مكة مع النبي(صلى الله عليه وآله) يوم الهجرة، فقال النبي(صلى الله عليه وآله): " لقد أبدلها الله بها نطاقين في الجنة "، وكان نفر الشام ينادون عبد الله ابنها حين حصره الحجاج بمكة يشتمونه كما زعموا: يا بن ذات النطاقين، فيضحك عبد الله منهم، وقال لابن أبى عتيق: ألا تسمع! يظنونه ذما ثم يقول:
---

[123]
* وتلك شكاة ظاهر عنك عارها(1) * واستعار أمير المؤمنين(عليه السلام) هذه اللفظة لسعه رقعة الاسلام، وكذلك استعار قوله: " وضرب بجرانه "، أي أقام وثبت، وذلك لان البعير إذا ضرب بجرانه الارض - وجرانه مقدم عنقه - فقد استناخ وبرك.
وامرؤ مبتدأ وإن كان نكرة، كقولهم: " شر أهر ذا ناب "، لحصول الفائدة، والواو بمعنى " مع "، وهى وما بعدها الخبر، وما مصدرية، أي امرؤ مع اختياره.
[نبذ مما قيل في الشيب والخضاب] فأما القول في الخضاب فقد روى قوم أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) بدا شيب يسير في لحيته، فغيره بالخضاب، خضب بالحناء والكتم، وقال قوم: لم يشب أصلا.
وروى أن عائشة قالت: ما كان الله ليشينه بالشيب، فقيل: أو شين هو يا أم المؤمنين! قالت: كلكم يكرهه.
وأما أبو بكر فصح الخبر عنه بذلك، وكذلك أمير المؤمنين، وقيل: إنه لم يخضب.
وقتل الحسين(عليه السلام) يوم الطف وهو مخضوب.
وفي الحديث المرفوع رواه عقبة بن عامر: " عليكم بالحناء، فإنه خضاب الاسلام إنه يصفى البصر ويذهب بالصداع، ويزيد في الباه، وإياكم والسواد، فإنه من سود، سود الله وجهه يوم القيامة ".
وعنه(صلى الله عليه وآله) " عليكم بالخضاب، فإنه أهيب لعدوكم وأعجب إلى نسائكم ".
---
(1) لابي ذؤيب الهذلى، وصدره: * وعيرها الواشون أن أحبها *(2) ديوان الهذيين 1: 21.
---

[124]
ويقال في أبواب الكناية للمختضب، هو يسود وجه النذير، لان النذير الشيب، قيل في قوله تعالى:(وجاءكم النذير)(1): إنه الشيب.
وكان عبد الرحمن بن الاسود أبيض الرأس واللحية فأصبح ذات يوم وقد حمرهما، وقال: إن عائشة أرسلت إلى البارحة جاريتها فأقسمت على لاغيرن، وقالت: إن أبا بكر كان يصبغ.
وروى قيس بن أبى حازم قال: كان أبو بكر يخرج إلينا وكأن لحيته ضرام عرفج.
وعن أبى عامر الانصاري: رأيت أبا بكر يغير بالحناء والكتم، ورأيت عمر لا يغير شيئا من شيبه، وقال: إني سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: " من شاب شيبة في الاسلام كانت له نورا يوم القيامة "، ولا أحب أن أغير نوري.
وكان انس بن مالك يخضب وينشد: نسود أعلاها وتأبى أصولها * * وليس إلى رد الشباب سبيل.
وروى أن عبد المطلب وفد على سيف بن ذى يزن، فقال له: لو خضبت! فلما عاد إلى مكة خضب، فقالت له أمرأته نثيلة أم العباس وضرار: ما أحسن هذا: الخضاب لو دام! فقال: فلو دام لى هذا الخضاب حمدته * * وكان بديلا من خليل قد انصرم تمتعت منه والحياة قصيرة * * ولابد من موت - نثيلة - أو هرم وموت جهيز عاجل لا شوى له * * أحب إلينا من مقالكم حكم قال: يعنى أنه صار شيخا، فصار حكما بين الناس، من قوله: لا تغبط المرء أن يقال له * * أضحى فلان لسنه حكما.
---
(1) سورة فاطر 35.
---

[125]
وقال أسماء بن خارجة لجاريته: اخضبينى، فقالت حتى متى أرقعك! فقال: عيرتني خلقا أبليت جدته * * وهل رأيت جديدا لم يعد خلقا.
وأما من يروى ان عليا(عليه السلام) ما خضب، فيحتج بقوله، وقد قيل له: لو غيرت شيبك يا امير المؤمنين فقال: الخضاب زينه، ونحن في مصيبة - يعنى برسول الله(صلى الله عليه وسلم).
وسئل الحسن(عليه السلام) عن الخضاب، فقال: هو جزع قبيح.
وقال محمود الوراق: يا خاضب الشيب الذى * * في كل ثالثة يعود إن الخضاب إذا مضى * * فكأنه شيب جديد فدع المشيب وما يريد * * فلن تعود كما تريد وقد روى قوم عن النبي(صلى الله عليه وآله) كراهية الخضاب، وأنه قال: لو استقبلتم الشيب بالتواضع لكان خيرا لكم.
قال الشاعر: وصبغت ما صبغ الزمان فلم يدم صبغي * * ودامت صبغة الايام.
وقال آخر: يأيها الرجل المغير * * شيبه كيما تعد به من الشبان أقصر فلو سودت كل حمامة * * بيضاء ما عدت من الغربان.
ويقولون في ديوان عرض الجيش ببغداد لمن يخضب إذا ذكروا حليته: مستعار، وهى كناية لطيفة.
وأنا أستحسن قول البحترى: خضبت بالمقراض: كناية عن قص الشعر الابيض، فجعل ذلك خضابه عوضا عن الصبغ، والابيات هذه: لابس من شبيبة أم ناض * * ومليح من شيبه أم راض(1)
---
(1) ديوانه 2: 72، من قصيد يمدح فيها ابن الفياض.
---

[126]
وإذا ما امتعضت من ولع الشيب * * برأسي لم يثن ذاك امتعاضي ليس يرضى عن الزمان امرؤ فيه * * إلا عن غفلة أو تغاضى والبواقي من الليالى وإن خالفن * * شيئا شبيهة بالمواضى(1) وأبت تركي الغديات والا * * صال حتى خضبت بالمقراض ودواء المشيب كالبخص في عينى فقل فيه في العيون المراض طال حزنى على الشباب وما بيض من لون صبغه الفضفاض فهل الحادثات يابن عويف * * تاركاتي ولبس هذا البياض!
---
(1) الديوان: " فمشبهات ".
---

[127]
(19)
الأصل:
من جرى في عنان أمله عثر بأجله.
* * *
الشرح:
قد تقدم لنا قول كثير في الامل، ونذكر هاهنا زياده على ذلك: قال الحسن(عليه السلام): لو رأيت الاجل ومسيره، لنسيت الامل وغروره، ويقدر المقدرون والقضاء يضحك.
وروى أبو سعيد الخدرى أن أسامة بن زيد اشترى وليدة بمائة دينار إلى شهر، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): " ألا تعجبون من أسامة يشترى إلى شهر! إن أسامة لطويل الامل ".
أبو عثمان النهدي: قد بلغت نحوا من ثلاثين ومائة سنة فما من شئ إلا قد عرفت فيه النقص إلا أملى، فإنه كما كان.
قال الشاعر: أراك تزيدك الايام حرصا * * على الدنيا كأنك لا تموت فهل لك غاية إن صرت يوما * * إليها قلت حسبى قد رضيت! وقال آخر: من تمنى المنى فأغرق فيها * * مات من قبل أن ينال مناه ليس في مال من تتابع في اللذات فضل عن نفسه لسواه
---

[128]
(20) الاصل أقيلوا ذوى المروآت عثراتهم فما يعثر منهم عاثر إلا ويده بيد الله يرفعه * * *
[نبذ مما قيل في المروءه] قد رويت هذه الكلمة مرفوعة، ذكر ذلك ابن قتيبة في " عيون الاخبار " وأحسن ما قيل في المروءة قولهم: اللذة ترك المروءة والمروءة ترك اللذة.
وفي الحديث أن رجلا قام إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقال: يا رسول الله، ألست أفضل قومي! فقال: إن كان لك عقل فلك فضل، وإن كان لك خلق فلك مروءة، وإن كان لك مال فلك حسب، وإن كان لك تقى فلك دين.
وسئل الحسن عن المروءة فقال: جاء في الحديث المرفوع: " إن الله تعالى يحب معالى الامور ويكره سفسافها ".
وكان يقال: من مروءة الرجل جلوسه بباب داره.
وقال الحسن: لا دين إلا بمروءة.
---

[129]
وقيل لابن هبيرة: ما المروءة؟ فقال: إصلاح المال، والرزانة في المجلس، والغداء والعشاء بالفناء.
وجاء أيضا في الحديث المرفوع: " حسب الرجل ماله، وكرمه دينه، ومروءته خلقه ".
وكان يقال: ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطريق.
ويقال: سرعة المشى تذهب بمروءة الرجل.
وقال معاوية لعمرو: ما ألذ الاشياء؟ قال: مر فتيان قريش أن يقوموا، فلما قاموا قال: إسقاط المروءة.
وكان عروة بن الزبير يقول لبنيه: يا بنى العبوا، فإن المروءة لا تكون إلا بعد اللعب.
وقيل للاحنف: ما المروءة؟ قال: العفة والحرفة، تعف عماحرم الله، وتحترف فيما أحل الله.
وقال محمد بن عمران التيمى لا أشد من المروءة، وهى ألا تعمل في السر شيئا تستحيى منه في العلانية.
وسئل النظام عن المروءة، فانشد بيت زهير: الستر دون الفاحشات ولا * * يلقاك دون الخير من ستر(1) وقال عمر: تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة، وتعلموا النسب فرب رحم مجهولة قد وصلت به.
وقال ميمون بن مهران: أول المروءة طلاقة الوجه، والثانى التودد إلى الناس، والثالث قضاء الحوائج.
وقال مسلمة بن عبد الملك: مروءتان ظاهرتان: الرياش والفصاحة.
وكان يقال: تعرف مروءة الرجل بكثرة ديونه.
وكان يقال: العقل يأمرك بالانفع، والمروءة تأمرك بالاجمل.
---
(1) ديوانه 95.
---

[130]
لام معاوية يزيد ابنه على سماع الغناء وحب القيان، وقال له: أسقطت مروءتك، فقال يزيد: أتكلم بلساني كلمة؟ قال: نعم، وبلسان أبى سفيان بن حرب وهند بنت عتبة مع لسانك، قال: والله لقد حدثنى عمرو بن العاص - واستشهد على ذلك ابنه عبد الله بصدقه - أن أبا سفيان كان يخلع على المغنى الفاضل والمضاعف من ثيابه، ولقد حدثنى أن جاريتي عبد الله بن جدعان غنتاه يوما فأطربتاه، فجعل يخلع عليهما أثوابه ثوبا ثوبا حتى تجرد تجرد العير، ولقد كان هو وعفان ابن أبى العاص ربما حملا جارية العاص بن وائل على أعناقهما، فمرا بها على الابطح وجلة قريش ينظرون إليهما، مرة على ظهر أبيك، ومرة على ظهر عفان، فما الذى تنكر منى! فقال معاوية: اسكت لحاك الله! والله ما أحد الحق بأبيك هذا إلا ليغرك ويفضحك، وإن كان أبو سفيان ما علمت لثقيل الحلم، يقظان الرأى، عازب الهوى، طويل الاناه بعيد القعر، وما سودته قريش إلا لفضله.
---

[131]
(21)
الأصل:
قرنت الهيبة بالخيبة، والحياء بالحرمان، والفرصة تمر مر السحاب، فانتهزوا فرص الخير.
* * *
الشرح:
في المثل: من أقدم لم يندم، وقال الشاعر: ليس للحاجات إلا * * من له وجه وقاح ولسان طرمذى(1) وغدو ورواح فعليه السعي فيها * * وعلى الله النجاح وكان يقال: الفرصة ما إذا حاولته فأخطأك نفعه، لم يصل إليك ضره.
ومن كلام ابن المقفع انتهز الفرصة في إحراز المآثر، واغتنم الامكان باصطناع الخير، ولا تنتظر ما تعامل فتجازى عنه بمثله، فإنك إن عوملت بمكروه واشتغلت برصد المكافأه عنه قصر العمر بك عن اكتساب فائدة، واقتناء منقبة، وتصرمت أيامك بين تعد عليك، وانتظار للظفر بإدراك الثأر من خصمك، ولا عيشة في الحياة أكثر من ذلك.
كانت العرب إذا اوفدت وافدا قالت له: إياك والهيبة فإنها خيبة، ولا تبت عند ذنب الامر وبت عند رأسه
---
(1) طرمذى: يتمدح بما ليس فيه.
---

[132]
(22)
الأصل:
لنا حق فإن أعطيناه وإلا ركبنا أعجاز الابل، وإن طال السرى.
قال الرضى رحمه الله تعالى: وهذا القول من لطيف الكلام وفصيحه، ومعناه أنا إن لم نعط حقنا كنا أذلاء، وذلك أن الرديف يركب عجز البعير، كالعبد والاسير ومن يجرى مجراهما.
* * *
الشرح:
هذا الفصل قد ذكره أبو عبيد الهروي في الجمع " بين الغريبين " وصورته: إن لنا حقا إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الابل، وإن طال السرى.
قال قد فسروه على وجهين: أحدهما أن راكب عجز البعير يلحقه مشقة وضرر، فأراد: أنا إذا منعنا حقنا صبرنا على المشقة والمضرة، كما يصبر راكب عجز البعير، وهذا التفسير قريب مما فسره الرضى.
والوجه الثاني أن راكب عجز البعير إنما يكون إذا كان غيره قد ركب على ظهر البعير، وراكب ظهر البعير متقدم على راكب عجز البعير، فأراد أنا إذا منعنا حقنا تأخرنا وتقدم غيرنا علينا فكنا كالراكب رديفا لغيره، وأكد المعنى على كلا التفسيرين(1) بقوله: " وإن طال السرى "، لانه إذا طال السرى "، كانت المشقة
---
(1) في د: " التقديرين ".
---

[133]
على راكب عجز البعير أعظم، وكان الصبر على تأخر راكب عجز البعير عن الراكب على ظهره أشد وأصعب.
وهذا الكلام تزعم الامامية أنه قاله يوم السقيفة أو في تلك الايام، ويذهب أصحابنا إلى أنه قاله يوم الشورى بعد وفاة عمر واجتماع الجماعة لاختيار واحد من الستة، وأكثر أرباب السير ينقلونه على هذا الوجه.
---

[134]
(23)
الأصل:
من أبطأ به عمله، لم يسرع به حسبه.
* * *
الشرح:
هذا الكلام حث وحض وتحريض على العبادة، وقد تقدم أمثاله(1)، وسيأتى له نظائر كثيرة وهو مثل قول النبي(صلى الله عليه وآله): " يا فاطمة بنت محمد، إنى لا أغنى عنك من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب، إنى لا أغنى عنك من الله شيئا،(إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(2)
---
(1) في د " مثله ".
(2) سورة الحجرات 13.
---

[135]
(24)
الأصل:
من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف، والتنفيس عن المكروب.
* * *
الشرح:
قد جاء في هذا المعنى آثار كثيرة، وأخبار جميلة.
كان العتابى قد أملق، فجاء فوقف بباب المأمون يسترزق الله على يديه، فوافى يحيى بن أكثم، فعرض له العتابى، فقال له: إن رايت أيها القاضى أن تعلم امير المؤمنين مكاني فافعل، فقال: لست بحاجب، قال: قد علمت، ولكنك ذو فضل، وذو الفضل معوان، فقال: سلكت بى غير طريقي، قال: إن الله اتحفك منه بجاه ونعمة، وهو مقبل عليك بالزيادة إن شكرت، وبالتغيير إن كفرت، وأنا لك اليوم خير منك لنفسك، لانى أدعوك إلى ما فيه ازدياد نعمتك، وأنت تابى على، ولكل شئ زكاة، وزكاه الجاه رفد المستعين.
فدخل يحيى فأخبر المأمون به، فأحضره وحادثه ولاطفه ووصله.
---

[136]
(25)
الأصل:
يا بن آدم إذا رايت ربك سبحانه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره.
* * *
الشرح:
هذا الكلام تخويف وتحذير من الاستدراج، قال سبحانه:(سنستدرجهم من حيث لا يعلمون)(1)، وذلك لان العبد بغروره يعتقد أن موالاه النعم عليه وهو عاص من باب الرضا عنه، ولا يعلم أنه استدراج له ونقمة عليه.
فإن قلت: كيف يصح القول بالاستدراج على أصولكم في العدل؟ أليس معنى الاستدراج إيهام العبد أنه سبحانه غير ساخط فعله ومعصيته! فهل هذا الاستدراج إلا مفسدة وسبب إلى الاصرار على القبيح! قلت: إذا كان المكلف عالما بقبح القبيح، أو متمكنا من العلم بقبحه ثم رأى النعم تتوالى عليه وهو مصر على المعصية، كان ترادف تلك النعم كالمنبه له على وجوب الحذر، مثال ذلك من هو في خدمه ملك، وهو عون ذلك الملك في دولته، ويعلم أن الملك قد عرف حاله، ثم يرى نعم الملك مترادفة إليه، فإنه يجب بمقتضى الاحتياط أن يشتد حذره، لانه يقول: ليست حالى مع الملك حال من يستحق هذه النعم، وما هذه إلا مكيدة وتحتها غائله، فيجب إذن عليه أن يحذر.
---
(1) سورة الاعراف 182.
---

[137]
(26)
الأصل:
ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه، وصفحات وجهه.
* * *
الشرح:
قال زهير بن أبى سلمى: ومهما تكن عند امرئ من خليقة * * وإن خالها تخفى على الناس تعلم(1) وقال آخر: تخبرني العينان ما القلب كاتم * * وما جن بالبغضاء والنظر الشزر وقال آخر: وفي عينيك ترجمة أراها * * تدل على الضغائن والحقود وأخلاق عهدت اللين فيها * * غدت وكأنها زبر الحديد وقد عاهدتني بخلاف هذا * * وقال الله: " أوفوا بالعقود " وكان يقال: العين و الوجه واللسان أصحاب أخبار على القلب، وقالوا: القلوب كالمرايا المتقابلة، إذا ارتسمت في إحداهن صورة ظهرت في الاخرى.
---
(1) ديوانه: 257.
---

[138]
(27)
الأصل:
امش بدائك ما مشى بك.
* * *
الشرح:
يقول: مهما وجدت سبيلا إلى الصبر على أمر من الامور التى قد دفعت إليها، وفيها مشقة عليك، وضرر لاحق بك، فاصبر ولا تلتمس طريقا إلى تغيير ما دفعت إليه أن تسلكها بالعنف، ومراغمة الوقت، ومعاناة الاقضية والاقدار، ومثال ذلك من يعرض له مرض ما يمكنه أن يحتمله ويدافع الوقت، فإنه يجب عليه ألا يطرح جانبه إلى الارض، ويخلد إلى النوم على الفراش، ليعالج ذلك المرض قوة وقهرا، فربما أفضى به مقاهرة ذلك المرض الصغير بالادوية إلى أن يصير كبيرا معضلا.
---

[139]
(28)
الأصل:
أفضل الزهد إخفاء الزهد.
* * *
الشرح:
إنما كان كذلك لان الجهر بالعبادة والزهادة والاعلان بذلك قل أن يسلم من مخالطه الرياء، وقد تقدم لنا في الرياء أقوال مقنعة.
رأى المنصور رجلا واقفا ببابه، فقال: مثل هذا الدرهم بين عينيك وأنت وأقف ببابنا! فقال الربيع: نعم، لانه ضرب على غير السكة.
شاعر: معشر أثبت الصلاه عليهم * * لجباه يشقها المحراب عمروا موضع التصنع منهم * * ومكان الاخلاص منهم خراب
---

[140]
(29)
الأصل:
إذا كنت في إدبار والموت في إقبال، فما أسرع الملتقى! * * *
الشرح:
هذا ظاهر، لانه إذا كان كلما جاء ففى إدبار، والموت كلما جاء ففى إقبال، فيا سرعان ما يلتقيان! وذلك لان إدباره هو توجهه إلى الموت، وإقبال الموت هو توجه الموت إلى نحوه، فقد حق إذن الالتقاء سريعا، ومثال ذلك سفينتان بدجلة أو غيرها، تصعد إحداهما، والاخرى تنحدر نحوها، فلا ريب أن الالتقاء يكون وشيكا.
---

[141]
(30)
الأصل:
الحذر الحذر، فو الله لقد ستر، حتى كأنه قد غفر.
* * *
الشرح:
قد تقدم هذا المعنى وهو الاستدراج الذى ذكرناه آنفا.
---

[142]
(31)
الأصل:
وسئل(عليه السلام) عن الايمان فقال: الايمان على أربع دعائم: على الصبر، واليقين، ولعدل، والجهاد.
والصبر منها على أربع شعب: على الشوق، والشفق، والزهد والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار اجتنب المحرمات، ومن زهد في الدنيا استهان بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات.
و اليقين منها على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الاولين، فمن تبصر في الفطنة، تبينت له الحكمة، ومن تبينت له الحكمه، عرف العبرة ومن عرف العبرة، فكأنما كان في الاولين.
والعدل منها على أربع شعب: على غائص الفهم، وغور العلم، وزهرة الحكم، ورساخة الحلم فمن فهم علم غور العلم، ومن علم غور العلم صدر عن شرائع الحلم، ومن حلم لم يفرط في أمره، وعاش في الناس حميدا.
والجهاد منها على أربع شعب: على الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنان الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهور المؤمنين، ومن نهى عن المنكر أرغم أنوف المنافقين، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن شنئ الفاسقين وغضب لله غضب الله له وأرضاه يوم القيامة.
والكفر على أربع دعائم: على التعمق، والتنازع والزيغ، والشقاق، فمن تعمق لم ينب إلى الحق، ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق،
---

[143]
ومن زاغ ساءت عنده الحسنة، وحسنت عنده السيئة، وسكر سكر الضلالة، ومن شاق وعرت عليه طرقه، وأعضل عليه أمره، وضاق عليه مخرجه.
والشك على أربع شعب: على التمادي، والهول، والتردد، والاستسلام، فمن جعل المراء ديدنا لم يصبح ليله، ومن هاله ما بين يديه نكص على عقبيه، ومن تردد في الريب، وطئته سنابك الشياطين، ومن استسلم لهلكه الدنيا والاخرة هلك فيهما.
قال الرضى رحمه الله تعالى: وبعد هذا كلام تركنا ذكره خوف الاطالة والخروج عن الغرض المقصود في هذا الكتاب.
الشرح:
من هذا الفصل أخذت الصوفية وأصحاب الطريقة والحقيقة كثيرا من فنونهم في علومهم، ومن يتأمل؟ كلام سهل بن عبد الله التسترى وكلام الجنيد والسرى وغيرهم رأى هذه الكلمات في فرش كلامهم تلوح كالكواكب الزاهرة وكل المقامات والاحوال المذكورة في هذا الفصل قد تقدم قولنا فيها.
[نبذ وحكايات مما وقع بين يدى الملوك] ونذكر هاهنا الصدق في المواطن وبين يدى الملوك، ومن يغضب لله، وينهى عن المنكر، ويقوم بالحق، ولا يبالى بالسلطان ولا يراقبه.
---

[144]
دخل عمر بن عبد العزيز على سليمان بن عبد الملك وعنده أيوب ابنه - وهو يومئذ ولى عهده - قد عقد له من بعده، فجاء إنسان يطلب ميراثا من بعض نساء الخلفاء، فقال سليمان: ما إخال النساء يرثن في العقار شيئا، فقال عمر بن عبد العزيز: سبحان الله! وأين كتاب الله! فقال سليمان: يا غلام، اذهب فأتني بسجل عبد الملك الذى كتب في ذلك، فقال له عمر: لكانك أرسلت ألى المصحف! فقال أيوب بن سليمان: والله ليوشكن الرجل يتكلم بمثل هذا عند أمير المؤمنين.
فلا يشعر حتى يفارقه رأسه فقال عمر: إذا أفضى الامر إليك وإلى أمثالك كان ما يدخل على الاسلام أشد مما يخشى عليكم من هذا القول، ثم قام فخرج.
وروى إبراهيم بن هشام بن يحيى، قال حدثنى أبى، عن جدى، قال كان عمر بن عبد العزيز ينهى سليمان بن عبد الملك عن قتل الحرورية، ويقول: ضمنهم الحبوس حتى يحدثوا توبة، فأتى سليمان بحرورى مستقتل، وعنده عمر بن عبد العزيز، فقال سليمان للحروري: ماذا تقول؟ قال: ما أقول يا فاسق يابن الفاسق! فقال سليمان لعمر: ما ترى يا أبا حفص؟ فسكت، فقال: أقسمت عليك لتخبرنى ماذا ترى عليه! فقال: أرى أن تشتمه كما شتمك، وتشتم أباه كما شتم أباك، فقال سليمان: ليس إلا! قال: ليس إلا، فلم يرجع سليمان إلى قوله، وأمر بضرب عنق الحروري.
وروى ابن قتيبة في كتاب " عيون الاخبار " قال: بينما المنصور يطوف ليلا بالبيت سمع قائلا يقول: اللهم إليك أشكو ظهور البغى والفساد، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع.
فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد، وأرسل إلى الرجل يدعوه، فصلى ركعتين، واستلم الركن، وأقبل على المنصور فسلم عليه بالخلافة، فقال المنصور: ما الذى سمعتك تقوله من ظهور البغى والفساد في الارض، وما يحول بين الحق
---

[145]
وأهله من الطمع؟ فو الله لقد حشوت مسامعي ما أرمضني(1) فقال: يا أمير المؤمنين، إن أمنتنى على نفسي أنباتك بالامور من أصولها، وإلا احتجزت منك، واقتصرت على نفسي فلى فيها شاغل، قال: أنت آمن على نفسك، فقل فقال: إن الذى دخله الطمع حتى حال بينه وبين إصلاح ما ظهر من البغى والفساد لانت قال: ويحك! وكيف يدخلنى الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي، والحلو والحامض عندي! قال: وهل دخل أحد من الطمع ما دخلك! إن الله عز وجل استرعاك المسلمين وأموالهم، فأغفلت أمورهم، واهتممت بجمع أموالهم، وجعلت بينك وبينهم حجبا من الجص والاجر، وأبوابا من الحديد، وحجتة معهم السلاح، ثم سجنت نفسك فيها منهم، وبعثت عمالك في جبايه الاموال وجمعها، فقويتهم بالسلاح والرجال و الكراع، وأمرت بالا يدخل عليك إلا فلان وفلان، نفر سميتهم، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف، ولا الجائع والفقير، ولا الضعيف والعارى، ولا أحد ممن له في هذا المال حق فما زال هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، وأمرت ألا يحجبوا عنك، يجبون الاموال ويجمعونها ويحجبونها، وقالوا: هذا رجل قد خان الله، فما لنا لا نخوته، وقد سخرنا! فائتمروا على ألا يصل إليك من أخبار الناس شئ إلا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا بغضوه(2) عندك وبغوه الغوائل، حتى تسقط منزلته ويصغر قدره.
فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم، وكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والاموال ليقووا بها على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا به ظلم من، دونهم فامتلات بلاد الله بالطمع بغيا وفسادا، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطنتك وأنت غافل، فإن جاء متظلم حيل بينه وبين دخول
---
(1) ب: " أمرضي "، والصواب ما أثبته من ا، د وعيون الاخبار.
(2) عيون الاخبار: " قصبوه " أي عابوه.
---

[146]
دارك، وإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك وجدك وقد نهيت عن ذلك، ووقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم، فإن جاء المتظلم إليه أرسلوا إلى صاحب المظالم ألا يرفع إليك قصته، ولا يكشف لك حاله، فيجيبهم خوفا منك، فلا يزال المظلوم يختلف نحوه، ويلوذ به، ويستغيث إليه وهو يدفعه، ويعتل عليه، وإذا أجهد وأحرج، وظهرت أنت لبعض شأنك صرخ بين يديك فيضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره، وأنت تنظر ولا تنكر، فما بقاء الاسلام على هذا! ولقد كنت أيام شبيبتى أسافر إلى الصين فقدمتها مرة وقد أصيب ملكها بسمعه، فبكى بكاء شديدا، فحداه(1) جلساؤه على الصبر، فقال: أما إنى لست أبكى للبلية النازلة، ولكن أبكى للمظلوم بالباب يصرخ فلا أسمع صوته! ثم قال: أما إذ ذهب سمعي فإن بصرى لم يذهب، نادوا في الناس ألا يلبس ثوبا أحمر إلا مظلوم(2)، ثم كان يركب الفيل طرفي نهاره ينظر هل يرى مظلوما! فهذا مشرك بالله غلبت رأفته بالمشركين على شح نفسه، وأنت مؤمن بالله من أهل بيت نبيه لا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك! فإن كنت إنما تجمع المال لولدك فقد أراك الله تعالى عبرا في الطفل يسقط من بطن أمه، ماله على الارض مال، وما من مال يومئذ إلا ودونه يد شحيحة تحويه، فلا يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبه الناس إليه ولست بالذى تعطى، ولكن الله يعطى من يشاء ما يشاء، وإن قلت: إنما أجمع المال لتشييد السلطان، فقد أراك الله عبرا في بنى أمية، ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة، وأعدوا من الرجال والسلاح والكراع حين أراد الله بهم ما أراد، وإن قلت: أجمع المال لطلب غايه هي أجسم من الغاية التى أنا فيها، فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بخلاف ما أنت عليه، انظر هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل؟ قال: لا قال: فإن الملك الذى خولك ما خولك
---
(1) عيون الاخبار: " فحثه ".
---

[147]
لا يعاقب من عصاه بالقتل، بالخلود في العذاب الاليم! وقد رأى ما قد عقدت عليه قلبك، وعملته جوارحك، ونظر إليه بصرك، واجترحته يداك ومشت إليه رجلاك.
وانظر هل يغنى عنك ما شححت عليه من أمر الدنيا إذا انتزعه من يدك ودعاك إلى الحساب على ما منحك! فبكى المنصور وقال: ليتنى لم أخلق! ويحك فكيف أحتال لنفسي؟ قال: إن للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم، ويرضون بقولهم، فاجعلهم بطانتك يرشدوك، و شاورهم في أمرك يسددوك، قال: قد بعثت إليهم فهربوا منى قال: نعم خافوا أن تحملهم على طريقك، ولكن افتح بابك، وسهل حجابك وانظر المظلوم، واقمع الظالم، وخذ الفئ والصدقات مما حل وطاب واقسمه بالحق والعدل على أهله، وأنا الضامن عنهم أن يأتوك ويسعدوك على صلاح الامة.
وجاء المؤذنون فسلموا عليه، ونادوا بالصلاة، فقام وصلى، وعاد إلى مجلسه، فطلب الرجل فلم يوجد(1).
وروى أبن قتيبة أيضا في الكتاب المذكور أن عمرو بن عبيد قال للمنصور: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها، واذكر ليلة تتمخض لك صبيحتها عن يوم القيامة - قال: يعنى ليلة موته - فوجم المنصور، فقال الربيع: حسبك، فقد عممت أمير المؤمنين، فقال عمرو بن عبيد: إن هذا صحبك عشرين سنة لم ير عليه أن ينصحك يوما واحدا، ولم يعمل وراء بابك بشئ مما في كتاب الله ولا في سنة نبيه! قال أبو جعفر: فما أصنع؟ قد قلت لك، خاتمي في يدك فهلم أنت وأصحابك فاكفني، فقال عمرو: دعنا بعدلك نسخ بأنفسنا بعونك، وببابك مظالم كثيرة(2)، فارددها نعلم أنك صادق(2).
---
(1) عيون الاخبار 2: 333 - 337.
(2) عيون الاخبار: " ألف مظلمة ".
---

[148]
وقال ابن قتيبة في الكتاب المذكور: وقد قام اعرأبى بين يدى سليمان بن عبد الملك بنحو هذا، قال له: إنى مكلمك يا أمير المؤمنين بكلام [فيه بعض الغلظة](1) فاحتمله إن كرهته، فإن وراءه ما تحب، قال: قل، قال: إنى سأطلق لساني بما خرست عنه الالسن من عظتك تأديه لحق الله.
إنك قد تكنفك رجال أساءوا الاختيار لانفسهم، فابتاعوا دنياهم بدينهم، فهم حرب الاخرة، سلم الدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، فإنهم لم يألوا الامانة تضييعا، والامة خسفا، وأنت مسئول عما اجترحوا، وليسوا مسئولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك.
فإن أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره.
قال: فقال سليمان: أما أنت يا أعرابي، فإنك قد سللت علينا عاجلا لسانك، وهو أقطع سيفيك، فقال: أجل، لقد سللته، ولكن لك لا عليك(2)
---
(1) زيادة من عبون الاخبار.
(2) عيون الاخبار: 237، 238.
---

[149]
(32)
الأصل:
فاعل الخير خير منه، وفاعل الشر شر منه.
* * *
الشرح:
قد نظمت أنا هذا اللفظ والمعنى فقلت في جملة أبيات لى: خير البضائع للانسان مكرمة * * تنمى وتزكو إذا بارت بضائعه فالخير خير وخير منه فاعله * * والشر شر وشر منه صانعه.
فإن قلت: كيف يكون فاعل الخير خيرا من الخير، وفاعل الشر شرا من الشر، مع أن فاعل الخير إنما كان ممدوحا لاجل الخير، وفاعل الشر إنما كان مذموما لاجل الشر، فإذا كان الخير والشر هما سببا المدح والذم - وهما الاصل في ذلك - فكيف يكون فاعلاهما خيرا وشرا منهما؟ قلت: لان الخير والشر ليسا عباره عن ذات حيه قادرة، وإنما هما فعلان، أو فعل وعدم فعل، أو عدمان، فلو قطع النظر عن الذات الحية القادرة التى يصدران عنها، لما انتفع أحد بهما ولا استضر، فالنفع والضرر إنما حصلا من الحى الموصوف بهما لا منهما على انفرادهما، فلذلك كان فاعل الخير خيرا من الخير، وفاعل الشر شرا من الشر.
---

[150]
(33)
الأصل:
كن سمحا، ولا تكن مبذرا، وكن مقدرا، ولا تكن مقترا.
* * *
الشرح:
كل كلام جاء في هذا فهو مأخوذ من قوله سبحانه:(ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا)(1).
ونحو قوله:(إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا)(2)
---
(1) سورة الاسراء 27.
(2) سورة الاسراء 29.
---

[151]
(34)
الأصل:
أشرف الغنى، ترك المنى.
* * *
الشرح:
قد سبق منا قول كثير في المنى، ونذكر هاهنا ما لم نذكره هناك.
سئل عبيد الله بن أبى بكر: أي شئ أدوم متاعا؟ فقال: المنى.
وقال بلال بن أبى بردة: ما يسرنى بنصيبي من المنى حمر النعم.
وكان يقال: الامانى للنفس كالرونق للبصر.
ومن كلام بعض الحكماء الامانى تعمى أعين البصائر، والحظ يأتي من لا يأتيه، وربما كان الطمع وعاء حشوه المتالف، وسائقا يدعو إلى الندامة، وأشقى الناس بالسلطان صاحبه، كما أن اقرب الاشياء إلى النار أسرعها إحراقا، ولا يدرك الغنى بالسلطان إلا نفس خائفة وجسم تعب، ودين منكتم، وإن كان البحر كدر الماء، فهو بعيد الهواء.
---

[152]
(35) لاصل: من أسرع إلى الناس بما يكرهون، قالوا فيه مالا يعلمون.
* * *
هذا المعنى كثير واسع، ولنقتصر هاهنا فيه على حكاية ذكرها المبرد في " الكامل ".
* * *
[في مجلسه قتيبة بن مسلم الباهلى] قال: لما فتح قتيبة بن مسلم سمرقند أفضى(1) إلى أثاث لم ير مثله(2)، وإلى آلات لم ير مثلها، فأراد أن يرى الناس عظيم ما أنعم الله به عليه، ويعرفهم أقدار القوم الذين ظهر عليهم، فأمر بدار ففرشت وفى صحنها قدور يرتقى إليها بالسلالم، فإذا الحضين ابن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشى قد أقبل والناس جلوس على مراتبهم.
والحضين شيخ كبير فلما رآه عبد الله بن مسلم قال لاخيه قتيبة: ائذن لى في معاتبته، قال: لا ترده لانه خبيث الجواب، فأبى عبد الله إلا أن يأذن له - وكان عبد الله يضعف، وقد كان تسور حائطا إلى أمراة قبل ذلك - فأقبل على الحضين، فقال: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟
---
(1) أفضى، أي اتسع وصار عريضا.
(2) الكامل: " مثلها ".
---

[153]
قال: أجل، أسن عمك عن تسور الحيطان.
قال: أرأيت هذه القدور قال: هي أعظم من ألا ترى، قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها، قال أجل، ولا غيلان، ولو كان رآها سمى شبعان، ولم يسم غيلان، قال له عبد الله: يا أبا ساسان أتعرف الذى يقول: عزلنا وأمرنا وبكر بن وائل * * تجر خصاها تبتغى من تحالفه(1).
قال: أجل أعرفه، وأعرف الذى يقول: بأدنى العزم قاد بنى قشير * * ومن كانت له أسرى كلاب وخيبة من يخيب على غنى * * وباهلة بن يعصر والركاب.
يريد: يا خيبة من يخيب.
قال: أفتعرف الذى يقول: كأن فقاح الازد حول ابن مسمع * * إذا عرقت أفواه بكر بن وائل.
قال: نعم أعرفه وأعرف الذى يقول: قوم قتيبة أمهم وأبوهم * * لو لا قتيبة أصبحوا في مجهل.
قال: أما الشعر فأراك ترويه، فهل تقرأ من القرآن شيئا؟ قال: أقرأ منه الاكثر الاطيب:(هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا)(2) فأغضبه، فقال: والله لقد بلغني أن امرأة الحضين حملت إليه وهى حبلى من غيره.
---
(1) هو حارثة بن بدر - رغبة الامل.
(2) سورة الانسان 1.
---

[154]
قال: فما تحرك الشيخ عن هيئته الاولى، ثم قال على رسله، وما يكون! تلد غلاما على فراشي، فيقال: فلان ابن الحضين كما يقال: عبد الله بن مسلم.
فأقبل قتيبة على عبد الله وقال لا يبعد الله غيرك.
قلت هو الحضين بالضاد المعجمة، وليس في العرب من اسمه " الحضين " بالضاد المعجمة غيره(1).
---
(1) الكامل 3: 13، 14، قال أبو العباس: " الحضين بن المنذر بين بن الحارث بن وعلة، وكان الحضين بيده لواء على بن أبى طالب رحمه الله على ربيعة، وله يقول القائل: لمن رأية سوداء يخفق ظلها * * إذا قيل قدمها حصين تقدما.
---

[155]
(36)
الأصل:
من أطال الامل، أساء العمل.
* * *
الشرح:
قد تقدم منا كلام في الامل.
وقيل لبعض الصالحين: ألك حاجة إلى بغداد؟ قال: ما أحب أن أبسط أملى حتى تذهب إلى بغداد وتعود.
وقال أبو عثمان النهدي: قد أتت على ثلاثون ومائة سنة، ما من شئ إلا وأجد فيه النقص إلا أملى، فإنى وجدته كما هو أو يزيد.
---

[156]
(37)
الأصل:
قال(عليه السلام) وقد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الانبار فترجلوا له واشتدوا بين يديه: ما هذا الذى صنعتموه؟ فقالوا: خلق منا نعظم به أمراءنا، فقال: والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم، وإنكم لتشقون على أنفسكم في دنياكم، وتشقون به في أخراكم، وما أخسر المشقة وراءها العقاب، وأربح الدعة معها الامان من النار! * * *
الشرح:
اشتدوا بين يديه: أسرعوا شيئا، فنهاهم عن ذلك وقال: إنكم تشقون به على أنفسكم لما فيه من تعب الابدان.
وتشقون به في آخرتكم: تخضعون للولاة، كما زعمتم أنه خلق وعادة لكم، خضوعا تطلبون به الدنيا والمنافع العاجلة فيها، وكل خضوع وتذلل لغير الله فهو معصية.
ثم ذكر أن الخسران المبين مشقة عاجلة يتبعها عقاب الاخرة والربح البين دعة عاجلة يتبعها الامان من النار.
---

[157]
(38)
الأصل:
قال(عليه السلام) لابنه الحسن(عليه السلام): يا بنى احفظ عنى أربعا وأربعا لا يضرك ما عملت معهن: إن أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الحسب حسن الخلق.
يا بنى إياك ومصادقة الاحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة البخيل، فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافة، وإياك ومصادقة الكذاب، فإنه كالسراب يقرب عليك البعيد، ويبعد عليك القريب.
* * *
الشرح:
هذا الفصل يتضمن ذكر العقل والحمق، والعجب وحسن الخلق والبخل والفجور، والكذب، وقد تقدم كلامنا في هذه الخصال أجمع، وقد أخذت قوله(عليه السلام): " إياك ومصادقة الاحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك " فقلت في أبيات لى: حياتك لا تصحبن الجهول * * فلا خير في صحبة الاخرق يظن أخو الجهل أن الضلال * * عين الرشاد فلا يتقى ويكسب صاحبه حمقه * * فيسرق منه ولا يسرق(1) وأقسم أن العدو اللبيب * * خير من المشفق الاحمق
---
(1) في البيت إقواء.
---

[158]
(39)
الأصل:
لا قربة بالنوافل إذا أضرت بالفرائض.
الشرح:
هذا الكلام يمكن أن يحمل على حقيقته، ويمكن أن يحمل على مجازه، فإن حمل على حقيقته فقد ذهب إلى هذا المذهب كثير من الفقهاء، وهو مذهب الامامية، وهو أنه لا يصح التنفل ممن عليه قضاء فريضة فاتته لا في الصلاة ولا في غيرها، فأما الحج فمتفق عليه بين المسلمين أنه لا يصح الابتداء بنفله، وإذا نوى نية النفل، ولم يكن قد حج حجة الاسلام وقع حجه فرضا، فأما نوافل الزكاة فما عرفت أحدا قال: إنه لا يثاب المتصدق بها، وإن كان لم يؤد الزكاة الواجبة، وأما إذا حمل على مجازه، فإن معناه يجب الابتداء بالاهم وتقديمه على ما ليس بأهم، فتدخل هذه الكلمة في الاداب السلطانية والاخوانية، نحو أن تقول لمن توصيه: لا تبدا بخدمه حاجب الملك قبل أن تبدأ بخدمة ولد الملك، فإنك إنما تروم القربة للملك بالخدمة، ولا قربة إليه في تأخير خدمة ولده وتقديم خدمة غلامه، وحمل الكلمة على حقيقتها أولى لان اهتمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بالامور الدينية والشرعية في وصاياه ومنثور كلامه أعظم.
---

[159]
(40)
الأصل:
لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الاحمق وراء لسانه.
قال الرضى رحمه الله تعالى: وهذا من المعاني العجيبة الشريفة، والمراد به أن العاقل لا يطلق لسانه إلا بعد مشاورة الروية، ومؤامرة الفكرة، والاحمق تسبق حذفات لسانه، وفلتات كلامه، مراجعة فكره، ومماخضة رأيه، فكان لسان العاقل تابع لقلبه، وكأن قلب الاحمق تابع للسانه.
قال وقد روى عنه(عليه السلام) هذا المعنى بلفظ آخر، وهو قوله: " قلب الاحمق في فيه، ولسان العاقل في قلبه " ومعناهما واحد.
* * *
الشرح:
قد تقدم القول في العقل والحمق، ونذكر هاهنا زيادات أخرى.
* * *
[أقوال وحكايات حول الحمقى] قالوا: كل شئ يعز إذا قل، والعقل كلما كان أكثر كان أعز وأغلى.
وكان عبد الملك يقول: أنا للعاقل المدبر أرجى منى للاحمق المقبل.
قيل لبعضهم: ما جماع العقل؟ فقال: ما رأيته مجتمعا في أحد فأصفه، وما لا يوجد كاملا فلا حد له.
---

[160]
وقال الزهري إذا انكرت عقلك فاقدحه بعاقل.
وقيل عظمت المئونة في عاقل متجاهل وجاهل متعاقل.
وقيل: الاحمق يتحفظ من كل شئ إلا من نفسه.
وقيل لبعضهم العقل أفضل أم الجد؟ فقال العقل من الجد.
وخطب رجلان إلى ديماووس الحكيم ابنته، وكان أحدهما فقيرا والاخر غنيا، فزوجها من الفقير، فسأله الاسكندر عن ذلك، فقال: لان الغنى كان أحمق، فكنت أخاف عليه الفقر، والفقير كان عاقلا، فرجوت له الغنى.
وقال أرسطو: العاقل يوافق العاقل، والاحمق لا يوافق العاقل، ولا أحمق كالعود المستقيم الذى ينطبق على المستقيم، فأما المعوج فإنه لا ينطبق على المعوج ولا على المستقيم.
وقال بعضهم: لان أزاول أحمق أحب إلى من أن أزاول نصف أحمق - أعنى الجاهل المتعاقل.
* * *
واعلم أن أخبار الحمقى ونوادرهم كثيرة، إلا أنا نذكر منها هاهنا ما يليق بكتابنا، فإنه كتاب نزهناه عن الخلاعة والفحش إجلالا لمنصب أمير المؤمنين.
قال هشام بن عبد الملك يوما لاصحابه: إن حمق الرجل يعرف بخصال أربع طول لحيته، وبشاعة كنيته، ونقش خاتمه، وإفراط نهمته.
فدخل عليه شيخ طويل العثنون، فقال هشام: أما هذا فقد جاء بواحدة فانظروا أين هو من الباقي، قالوا له: ما كنية الشيخ؟ قال: أبو الياقوت، فسألوه عن نقش خاتمه، فإذا هو:
---

[161]
(وجاءوا على قميصه بدم كذب)(1) فقيل له: أي الطعام تشتهى، قال: الدباء(2) بالزيت، فقال هشام: إن صاحبكم قد كمل.
وسمع عمر بن عبد العزيز رجلا ينادى آخر: يا أبا العمرين، فقال لو كان له عقل لكفاه أحدهما.
وأرسل ابن لعجل بن لجيم(3) فرسا له في حلبة، فجاء سابقا، فقيل له: سمه باسم يعرف به، فقام ففقأ عينه وقال: قد سميته الاعور، فقال شاعر يهجوه: رمتني بنو عجل بداء أبيهم * * وأى عباد الله أنوك من عجل! أليس أبوهم عار عين جواده * * فأضحت به الامثال تضرب بالجهل.
وقال أبو كعب القاص في قصصه: إن النبي(صلى الله عليه وآله) قال في كبد حمزة ما علمتم، فادعوا الله أن يطعمنا من كبد حمزه! وقال مرة في قصصه: اسم الذئب الذى أكل يوسف كذا وكذا، فقيل له: إن يوسف لم يأكله الذئب؟ فقال: فهذا اسم الذئب الذى لم يأكل يوسف.
ودخل كعب البقر الهاشمي على محمد بن عبد الله بن طاهر يعزيه في أخيه، فقال له: أعظم الله مصيبة الامير! فقال الامير: أما فيك فقد فعل، والله لقد هممت أن أحلق لحيتك، فقال: إنما هي لحية الله ولحية الامير فليفعل ما أحب.
وكان عامر بن كريز أبو عبد الله بن عامر، من حمقى قريش، نظر إلى عبد الله وهو يخطب والناس يستحسنون كلامه، فقال لانسان إلى جانبه: أنا أخرجته من هذا - وأشار إلى متاعه.
---
(1) سورة يوسف 18.
(2) الدباء: القرع.
(3) ورد الاسم محرفا في ا، ب.
وأصلحته من د، والعقد 6: 156.
---

[162]
ومن حمقى قريش العاص بن هشام المخزومى، وكان أبو لهب قامره فقمره ماله ثم داره، ثم قليله وكثيره وأهله ونفسه، فاتخذه عبدا، وأسلمه قينا، فلما كان يوم بدر بعث به بديلا عن نفسه، فقتل ببدر، قتله عمر بن الخطاب، وكان ابن عم أمه.
ومن الحمقى الاحوص بن جعفر بن عمرو بن حريث، قال له يوما مجالسوه: ما بال وجهك أصفر! أتشتكي شيئا؟ فرجع إلى أهله، وقال: يا بنى الخيبة، أنا شاك ولا تعلمونني! اطرحوا على الثياب وابعثوا إلى الطبيب.
ومن حمقى بنى عجل حسان بن الغضبان من أهل الكوفة، ورث نصف دار أبيه، فقال: أريد أن ابيع حصتي من الدار.
وأشترى بالثمن النصف الباقي، فتصير الدار كلها لى.
ومن حمقى قريش بكار بن عبد الملك بن مروان، وكان أبوه ينهاه أن يجالس خالد ابن يزيد بن معاويه لما يعرف من حمقه، فجلس يوما إلى خالد، فقال خالد يعبث به: هذا والله المردد في بنى عبد مناف، فقال بكار: أجل، أنا والله كما قال الاول: * مردد في بنى اللخناء ترديدا * وطار لبكار هذا بازى، فقال لصاحب الشرطة: أغلق أبواب دمشق لئلا يخرج البازى.
ومن حمقى قريش معاوية بن مروان بن الحكم، بينا هو واقف بباب دمشق ينتظر أخاه عبد الملك على باب طحان، وحمار الطحان يدور بالرحا وفى عنقه جلجل، فقال للطحان: لم جعلت في عنق هذا الحمار جلجلا؟ فقال ربما أدركتني نعسه أو سآمة، فإذا لم أسمع صوت الجلجل علمت أنه قد نام، فصحت به، فقال: أرايته إن قام وحرك رأسه، ما علمك به أنه قائم؟ فقال: ومن لحماري بمثل عقل الامير!
---

[163]
وقال معاوية لحميه وقد دخل بابنته تلك الليلة فافتضها: لقد ملاتنا ابنتك البارحة دما، فقال: إنها من نسوة يخبأن ذلك لازواجهن.
ومن حمقى قريش سليمان بن يزيد بن عبد الملك، قال يوما: لعن الله الوليد أخى! فلقد كان فاجرا أرادنى على الفاحشة، فقال له قائل من أهله، أسكت ويحك فو الله إن كان هم لقد فعل! وخطب سعيد بن العاص عائشة ابنه عثمان، فقالت: هو أحمق لا أتزوجه أبدا له برذونان لونهما واحد عند الناس، ويحمل مؤنة اثنين.
وممن كان يحمق من قريش عتبة بن أبى سفيان بن حرب وعبد الله بن معاوية ابن أبى سفيان وعبد الله بن قيس بن مخرمة بن المطلب وسهل بن عمرو أخو سهيل ابن عمرو بن العاص.
وكان عبد الملك بن مروان يقول: أحمق بيت في قريش آل قيس ابن مخرمة.
ومن القبائل المشهورة بالحمق الازد، كتب مسلمة بن عبد الملك إلى يزيد ابن المهلب لما خرج عليهم: إنك لست بصاحب هذا الامر، إن صاحبه مغمور موتور، وأنت مشهور غير موتور.
فقام إليه رجل من الازد فقال: قدم ابنك مخلدا حتى يقتل فتصير موتورا.
وقام رجل من الازد إلى عبيد الله بن زياد فقال: أصلح الله الامير! أن امرأتي هلكت، وقد أردت أن أتزوج أمها، وهذا عريفي فأعنى في الصداق، فقال: في كم أنت من العطاء؟ فقال: في سبعمائة، فقال: حطوا من عطائه أربعمائة يكفيك ثلاثمائة.
ومدح رجل منهم المهلب فقال: نعم أمير الرفقة المهلب * * أبيض وضاح كتيس الحلب.
---

[164]
فقال المهلب: حسبك يرحمك الله! وكان عبد الملك بن هلال عنده زنبيل(1) مملوء حصا للتسبيح، فكان يسبح بواحدة واحدة، فإذا مل طرح اثنتين اثنتين، ثم ثلاثا ثلاثا فإذا ازداد ملاله قبض قبضة وقال: سبحان الله عددك! فإذا ضجر أخذ بعرا الزنبيل وقلبه، وقال سبحان الله بعدد هذا.
ودخل قوم منزل الخريمى لبعض الامر، فجاء وقت صلاه الظهر، فسألوه عن القبلة فقال: إنما تركتها منذ شهر.
وحكى بعضهم، قال: رأيت أعرابيا، يبكى فسألته عن سبب بكائه، فقال: بلغني أن جالوت قتل مظلوما.
وصف بعضهم أحمق، فقال: يسمع غير ما يقال، ويحفظ غير ما يسمع، ويكتب غير ما يحفظ، ويحدث بغير ما يكتب.
قال المأمون لثمامة: ما جهد البلاء يا أبا معن؟ قال: عالم يجرى عليه حكم جاهل.
قال، من أين قلت هذا؟ قال: حبسني الرشيد عند مسرور الكبير، فضيق على أنفاسي، فسمعته يوما يقرأ:(ويل يومئذ للمكذبين)(2) بفتح الذال، فقلت له: لا تقل أيها الامير هكذا، قل:(للمكذبين)، وكسرت له الذال، لان المكذبين هم الانبياء، فقال: قد كان يقال لى عنك: إنك قدري، فلا نجوت إن نجوت الليلة منى! فعاينت منه تلك الليلة الموت من شدة ما عذبني.
قال أعرابي لابنه: يا بنى كن سبعا خالصا أو ذئبا حائسا(3)، أو كلبا حارسا، ولا تكن احمق ناقصا.
---
(1) الزنبيل، بالكسر وقد يفتح: القفة أو الجراب أو الوعاء.
(2) سورة المرسلات 19.
(3) يقال، يحوس الذئب الغنم، أي يتخللها ويفرقها.
---

[165]
وكان يقال لو لا ظلمة الخطأ ما أشرق نور الصواب.
وقال أبو سعيد السيرافى: رأيت متكلما ببغداد بلغ به نقصه في العربية أنه قال في مجلس مشهور: إن العبد " مضطر " بفتح الطاء، والله " مضطر " بكسرها، وزعم أن من قال: الله مضطر عبد الى كذا "، بالفتح كافر، فانظر أين بلغ به جهله، وإلى أي رذيلة أداه؟ نقصه.
وصف بعضهم إنسانا أحمق، فقال والله للحكمة أزل عن قلبه من المداد عن الاديم الدهين.
مر عمر بن الخطاب على رماة غرض، فسمع بعضهم يقول: أخطيت وأسبت، فقال له: مه، فإن سوء اللحن شر من سوء الرماية.
تضجر عمر بن عبد العزيز من كلام رجل بين يديه، فقال له صاحب شرطته: قم فقد أوذيت أمير المؤمنين! فقال عمر: والله إنك لاشد أذى لى بكلامك هذا منه.
ومن حمقى العرب وجهلائهم كلاب بن صعصعه، خرج إخوته يشترون خيلا، فخرج معهم، فجاء بعجل يقوده فقيل له: ما هذا؟ فقال: فرس اشتريته، قالوا: يا مائق(1) هذه بقرة، أما ترى قرنيها فرجع إلى منزله فقطع قرنيها، ثم قادها، فقال لهم: قد أعدتها فرسا كما تريدون، فأولاده يدعون بنى فارس البقرة.
وكان شذرة بن الزبرقان بن بدر من الحمقى، جاء يوم الجمعة إلى المسجد الجامع فأخذ بعضادتى(2) الباب، ثم رفع صوته: سلام عليكم، أيلج شذرة؟ فقيل له: هذا يوم لا يستأذن فيه، فقال، أو يلج مثلى على قوم ولم يعرف له مكانه.
---
(1) المائق: الاحمق.
(2) عضادتا الباب: خشبتاه من جانبيه.
---

[166]
واستعمل معاوية عاملا من كلب، فخطب يوما، فذكر المجوس فقال: لعنهم الله! ينكحون أمهاتهم، والله لو أعطيت عشرة آلاف درهم ما نكحت أمي، فبلغ ذلك معاوية فقال: قبحه الله! أترونه لو زادوه فعل! وعزله.
وشرد بعير لهبنقه - واسمه يزيد بن شروان - فجعل ينادى: لمن أتى به بعيران، فقيل له: كيف تبذل ويلك بعيرين في بعير! فقال لحلاوة الوجدان.
وسرق من أعرابي حمار، فقيل له: أسرق حمارك؟ قال: نعم وأحمد الله، فقيل له: على ماذا تحمده؟ قال: كيف: لم أكن عليه.
وخطب وكيع بن ابى سود(1) بخراسان، فقال: إن الله خلق السموات والارض في ستة أشهر، فقيل له: إنها ستة أيام، فقال: والله لقد قلتها وأنا استقلها! وأجريت خيل فطلع فيها فرس سابق، فجعل رجل من النظارة يكبر ويثبت من الفرح، فقال له رجل إلى جانبه: يا فتى، أهذا الفرس السابق لك؟ قال: لا ولكن اللجام لى.
وقيل لابي السفاح الاعرابي عند موتة: أوص، فقال: أنا الكرام يوم طخفة(2)، قالوا: قل خيرا يا أبا السفاح، قال، إن أحبت امرأتي فأعطوها بعيرا، قالوا: قل خيرا، قال: إذا مات غلامي فهو حر.
وقيل لرجل عند موتة: قل لاإلة إلا الله، فأعرض فأعادوا عليه مرارا، فقال لهم: أخبروني عن أبى طالب قالها عند موتة؟ قالوا: وما أنت وأبو طالب! فقال: أرغب بنفسى عن ذلك الشريف.
---
(1) ب: " أسود " تصحيف صوابة ف د.
(2) طخفة: موضع في طريق البصرة إلى مكة، ويوم طخفة من أيامهم، لبني يربوع على المنذر بن ماء السماء.
---

[167]
وقيل لاخر عند موته: ألا توصى؟ فقال: أنا مغفور لى، قالوا: قل إن شاء الله، قال: قد شاء الله ذلك، قالوا: يا هذا لا تدع الوصية، فقال لابنى أخية، يا بنى حريث، أرفعا وسادى، واحتفظا بالحلة الجياد(1) فإنما حولكما الاعادي.
وقيل: لمعلم ابن: معلم ما لك أحمق، فقال لو لم: أكن أحمق لكنت ولد زنا.
---

[168]
(41)
الأصل:
وقال(عليه السلام) لبعض أصحابة في علة اعتلها: جعل الله ما كان منك من شكواك حطا لسيئاتك، فإن المرض لا أجر فيه، ولكنة يحط السيئات ويحتها حت الاوراق، وإنما الاجر في القول باللسان، والعمل بالايدي والاقدام، وإن الله سبحانة يدخل بصدق النية والسريرة الصالحة من يشاء من عبادة الجنة.
* * *
قال الرضى رحمه الله تعالى: وأقول: صدق(عليه السلام)، إن المرض لا أجر فيه، لانة من قبيل ما يستحق عليه العوض، لان العوض يستحق على ما كان في مقابلة فعل الله تعالى بالعبد من الالام والامراض وما يجرى مجرى ذلك والاجر والثواب يستحقان على ما كان في مقابل فعل العبد فبينهما فرق قد بينة(عليه السلام) كما يقتضية علمه الثاقب ورأيه الصائب.
* * *
الشرح:
ينبغى أن يحمل كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) في هذا الفصل على تأويل يطابق ما تدل عليه العقول وألا يحمل على ظاهرة، وذلك لان المرض إذا استحق عليه الانسان
---

[169]
العوض لم يجز أن يقال: إن العوض يحط السيئات بنفسة، لا على قول أصحابنا، ولا على قول الامامية، أما الامامية فإنهم مرجئة، لا يذهبون إلى التحابط، وأما أصحابنا فإنهم لا تحابط عندهم إلا في الثواب والعقاب، فأما العقاب، والعوض فلا تحابط بينهما، لان التحابط بين الثواب والعقاب، إنما كان باعتبار التنافى بينهما من حيث كان أحدهما يتضمن الاجلال والاعظام، والاخر يتضمن الاستخفاف والاهانة، ومحال أن يكون الانسان الواحد مهانا معظما في حال واحدة ولما كان العوض لا يتضمن اجلالا وإعظاما، وإنما هو نفع خالص فقط، لم يكن منافيا للعقاب، وجاز أن يجتمع للانسان الواحد في الوقت الواحد كونة مستحقا للعقاب والعوض، أما بأن يوفر العوض عليه في دار الدنيا، وإما بأن يوصل إليه في الاخرة قبل عقابه إن لم يمنع الاجماع من ذلك في حق الكافر، وأما أن يخفف عليه بعض عقابه، ويجعل ذلك بدلا من العوض الذى كان سبيله أن يوصل إلية، وإذا ثبت ذلك وجب أن يجعل كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) على تأويل صحيح، وهو الذى أرادة(عليه السلام)، لانه كان أعرف الناس بهذة المعاني، ومنه تعلم المتكلمون علم الكلام، وهو أن المرض والالم يحط الله تعالى عن الانسان المبتلى به ما يستحقه من العقاب على معاصيه السالفه تفضلا منة سبحانه، فلما كان إسقاط العقاب متعقبا للمرض، وواقعا بعدة بلا فصل، جاز أن يطلق اللفظ بأن المرض يحط السيئات ويحتها حت الورق، كما جاز أن يطلق اللفظ بأن الجماع يحبل المرأة، وبان سقى البذر الماء ينبته، إن كان الولد والزرع عند المتكلمين وقعا من الله تعالى على سبيل الاختيار، لا على الايجاب، ولكنة أجرى العادة، وأن يفعل ذلك عقيب الجماع وعقيب سقى البذر الماء.
فإن قلت: أيجوز أن يقال: إن الله تعالى يمرض الانسان المستحق للعقاب، ويكون إنما أمرضه ليسقط عنة العقاب لاغير؟.
---
(1) ا: " يحط عنه السيئات ".
---

[170]
قلت: لا، لانه قادر على أن يسقط عنة العقاب ابتداء، ولا يجوز إنزال الالم إلا حيث لا يمكن اقتناص العوض المجزى به إلية إلا بطريق الالم، وإلا كان فعل الالم عبثا، ألا ترى أنة لا يجوز أن يستحق زيد على عمرو ألف درهم فيضربة ويقول: إنما أضربة لاجعل ما ينالة من ألم الضرب مسقطا لما أستحقة من الدراهم عليه؟ وتذمة العقلاء ويسفهونه، ويقولون له فهلا وهبتها له، وأسقطتها عنه من غير حاجة إلى أن تضربه وتؤلمه! والبحث المستقصى في هذة المسائل مذكور في كتبي الكلامية، فليرجع إليها.
وأيضا فإن الالام قد تنزل بالانبياء وليسوا ذوى ذنوب ومعاص ليقال: إنها تحطها عنهم.
فأما قولة(عليه السلام): " وإنما الاجر في القول..
" إلى آخر الفصل، فإنة(عليه السلام) قسم أسباب الثواب أقساما، فقال: لما كان المرض لا يقتضى الثواب لانه ليس فعل المكلف - وإنما يستحق المكلف الثواب على ما كان من فعله - وجب أن يبين ما الذى يستحق به المكلف الثواب، والذى يستحق المكلف به ذلك أن يفعل فعلا إما من أفعال الجوارح، وإما من أفعال القلوب، فأفعال الجوارح إما قول باللسان أو عمل ببعض الجوارح وعبر عن سائر الجوارح - عد اللسان - بالايدي والاقدام، لان أكثر ما يفعل بها، وإن كان قد يفعل بغيرها نحو مجامعة الرجل زوجته إذا قصد به تحصينها وتحصينه عن الزنا، ونحوأن ينحى حجرا ثقيلا برأسه عن صدر إنسان قد يقتله، وغير ذلك، وأما أفعال القلوب فهى العزوم والارادات والنظر والعلوم والظنون والندم، فعبر(عليه السلام) عن جميع ذلك بقوله: " بصدق النية والسريرة الصالحة، واكتفى بذلك عن تعديد هذه الاجناس.
فإن قلت: فإن الانسان قد يستحق الثواب على ألا يفعل القبيح، وهذا يخرم الحصر الذى حصره أمير المؤمنين؟ قلت: يجوز أن يكون يذهب مذهب أبى على في أن القادر بقدرة لا يخلو عن الاخذ والترك.
---

[171]
(42)
الأصل:
وقال(عليه السلام) في ذكر خباب: رحم الله خباب بن الارت! فلقد أسلم راغبا، وهاجر طائعا وعاش مجاهدا.
طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضى عن الله * * *
الشرح:
[خباب بن الارت] هو خباب بن الارت بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيد مناة ابن تميم، يكنى أبا عبد الله - وقيل: أبا محمد وقيل: أبا يحيى - أصابة سبى فبيع بمكة(1).
وكانت أمة ختانة، وخباب من فقراء المسلمين وخيارهم، وكان بة مرض، وكان في الجاهلية قينا حدادا يعمل السيوف، وهو قديم الاسلام، قيل إنة كان سادس ستة، وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد، وهو معدود في المعذبين في الله سأله عمر بن الخطاب
---
(1) الاستيعاب: " كان قينا يعمل السيوف في الجاهلية، فأصابه سباء فبيع بمكة، فاشترته أم أنمار بنت سباع الخزاعية ".
---

[172]
أيام خلافته: ما لقيت من أهل مكة؟ فقال: انظر إلى ظهرى، فنظر فقال: ما رأيت كاليوم ظهر رجل! فقال خباب: أوقدوا لى نارا وسحبت(1) عليها، فما أطفأها إلا ودك ظهرى.
وجاء خباب إلى عمر، فجعل يقول ادنة ادنة ثم قال لة ما احد احق بهذا المجلس منك، إلا أن يكون عمار بن ياسر.
نزل خباب إلى الكوفة، ومات بها في سنة سبع وثلاثين، وقيل: سنة تسع وثلاثين، بعد أن شهد مع امير المؤمنين على(عليه السلام) صفين ونهروان وصلى عليه على(عليه السلام) وكانت سنه يوم مات ثلاثا وسبعين سنة، ودفن بظهر الكوفة(2).
وهو أول من دفن بظهر الكوفة، وعبد الله بن خباب هو الذى قتلته الخوارج، فاحتج على(عليه السلام) به وطلبهم بدمه، وقد تقدم ذكر ذلك
---
(1) ب: " وسخنت "، وأثبت ما في ا، د، والاستيعاب.
(2) انظر ترجمة خباب في الاستيعاب 1: 438.
---

[173]
(43)
الأصل:
وقال(عليه السلام): لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، ولو صببت الدنيا بجماتها على المنافق على أن يحبنى ما أحبنى، وذلك أنة قضى فانقضى على لسان النبي الامي(صلى الله عليه وآله) أنه قال: " يا على، لا يبغضك مؤمن، ولا يحبك منافق "، * * *
الشرح:
جماتها بالفتح: جمع جمة، وهى المكان يجتمع فيه الماء وهذه استعاره، والخيشوم: أقصى الانف.
ومراده(عليه السلام) من هذا الفصل إذكار الناس ما قاله فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وهو: " لا يبغضك مؤمن، ولا يحبك منافق "، وهى كلمة حق، وذلك لان الايمان وبغضه(عليه السلام) لا يجتمعان، لان بغضة كبيرة، وصاحب الكبيرة عندنا لا يسمى مؤمنا، وأما المنافق فهو الذى يظهر الاسلام ويبطن الكفر، والكافر بعقيدته لا يحب عليا(عليه السلام) لان المراد من الخبر المحبة الدينية، ومن لا يعتقد الاسلام لا يحب أحدا من أهل الاسلام، لاسلامه وجهاده في الدين، فقد بان أن الكلمة حق، وهذا الخبر مروى في الصحاح بغير هذا اللفظ: لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق "، وقد فسرناه فيما سبق.
---

[174]
(44)
الأصل:
سيئة تسوءك خير عند الله من حسنة تعجبك.
* * *
الشرح:
هذا حق، لان الانسان إذا وقع منه القبيح ثم ساءة ذلك وندم عليه وتاب حقيقة التوبة كفرت توبته معصيته، فسقط ما كان يستحقه من العقاب، وحصل له ثواب التوبة، وأما من فعل واجبا واستحق به ثوابا ثم خامره الاعجاب بنفسه والادلال على الله تعالى بعلمه، والتيه على الناس بعبادته واجتهاده، فإنه يكون قد أحبط ثواب عبادته بما شفعها من القبيح الذى أتاة، وهو العجب والتيه والادلال على الله تعالى، فيعود لا مثابا ولا معاقبا، لانة يتكافأ الاستحقاقان.
ولا ريب أن من حصل له ثواب التوبة وسقط عنة عقاب المعصية، خير ممن خرج من الامرين كفافا(1) لا عليه ولا له.
---
(1) الكفاف من الشئ، مثله.
---

[175]
(45)
الأصل:
قدر الرجل على قدر همتة، وصدقه على قدر مروءته وشجاعته على قدر أنفته، وعفته على قدر غيرته.
* * *
الشرح:
قد تقدم الكلام في كل هذة الشيم والخصال، ثم نقول هاهنا: إن كبر الهمة خلق مختص بالانسان فقط، وأما سائر الحيوانات فليس يوجد فيها ذلك، وإنما يتجرا كل نوع منها الفعل بقدر ما في طبعه، وعلو الهمة حال متوسطة محمودة بين حالتين طرفي رذيلتين، وهما الندح، وتسميه الحكماء التفتح - وصغر الهمة - وتسمية الناس الدناءة، فالتفتح تأهل الانسان لما لا يستحقه، وصغر الهمة تركة لما يستحقة لضعف في نفسة، فهذان مذمومان، والعدالة وهى الوسط بينهما محمودة، وهى علو الهمة، وينبغى أن يعلم أن المتفتح جاهل أحمق، وصغير الهمة ليس بجاهل ولا أحمق، ولكنة دنئ ضعيف قاصر، وإذا أردت التحقيق، فالكبير الهمة من لا يرضى بالهمم الحيوانية، ولا يقنع لنفسة أن يكون عند رعاية بطنه وفرجه بل يجتهد في معرفة صانع العالم ومصنوعاتته، وفى اكتساب المكارم الشرعية ليكون من خلفاء الله وأوليائه في الدنيا، ومجاوريه في الاخرة، ولذلك قيل: من عظمت همته لم يرض بقنية مستردة، وحياة مستعارة، فإن أمكنك
---

[176]
أن تقتنى قنية مؤبدة، وحياة مخلدة، فافعل غير مكترث بقلة من يصحبك ويعينك على ذلك فإنة كما قيل: * إذا عظم المطلوب قل المساعد * وكما قيل: * طرق العلاء قليلة الايناس * وأما الكلام في الصدق والمروءة والشجاعة والانفة والعفة والغيرة، فقد تقدم كثير منه، وسيأتى ما هو أكثر فيما بعد إن شاء الله تعالى.
---

[177]
(46)
الأصل:
الظفر بالحزم والحزم بإجالة الرأى، والرأى بتحصين الاسرار.
* * *
الشرح:
قد تقدم القول في كتمان السر وإذاعته.
وقال الحكماء: السر ضربان: أحدهما ما يلقى إلى الانسان من حديث ليستكتم، وذلك إما لفظا كقول القائل: اكتم ما أقولة لك، وإما حالا وهو أن يجهر(1) بالقول حال انفراد صاحبه، أو يخفض صوتة حيث يخاطبه، أو يخفيه عن مجالسيه، ولهذا قيل: إذا حدثك إنسان والتفت إلية فهو إمانة.
والضرب الثاني نوعان: أحدهما أن يكون حديثا في نفسك تستقبح إشاعته، والثانى أن يكون أمرا تريد أن تفعله.
وإلى الاول أشار النبي(صلى الله عليه وآله) بقوله: من أتى منكم شيئا من هذة القاذورات فليستتر بستر الله عز وجل "، وإلى الثاني أشار من قال: " من الوهن والضعف إعلان الامر قبل إحكامه "، وكتمان الضرب الاول من الوفاء، وهو مخصوص بعوام الناس، وكتمان الضرب الثاني من المروءة والحزم، والنوع الثاني من نوعيه أخص بالملوك وأصحاب السياسات.
قالوا: وإذاعة السر من قلة الصبر، وضيق الصدر، ويوصف به ضعفة الرجال
---
(1) ب: " يحدث ".
---

[178]
والنساء والصبيان.
والسبب في أنه يصعب كتمان السر أن للانسان قوتين: إحداهما آخذة، والاخرى معطية، وكل واحدة منهما تتشوق إلى فعلها الخاص بها، ولو لا أن الله تعالى وكل المعطية بإظهار ما عندها لما أتاك بالاخبار من لم تزود، فعلى الانسان أن يمسك هذة القوة ولا يطلقها إلا حيث يجب إطلاقها، فإنها إن لم تزم وتخطم، تقحمت بصاحبها في كل مهلكة.
---

[179]
(47)
الأصل:
أحذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع.
* * *
الشرح:
ليس يعنى بالجوع والشبع ما يتعارفه الناس، وانما المراد: احذروا صولة الكريم إذا ضيم، وامتهن واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم.
ومثل المعنى الاول قول الشاعر: لا يصبر الحر تحت ضيم * * وإنما يصبر الحمار.
ومثل المعنى الثاني قول أبى الطيب: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته * * وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا(1)
---
(1) ديواوه 1: 288.
---

[180]
(48)
الأصل:
قلوب الرجال وحشية، فمن تألفها أقبلت عليه.
* * *
الشرح:
هذا مثل قولهم: من لان استمال، ومن قسا نفر، وما استعبد الحر بمثل الاحسان إليه.
وقال الشاعر: وإنى لوحشي إذا ما زجرتني * * وإنى إذا ألفتني لالوف فأما قول عمارة بن عقيل: تبحثتم سخطى فكدر بحثكم * * نخيلة نفس كان صفوا ضميرها(1) ولم يلبث التخشين نفسا كريمة على قومها أن يستمر مريرها وما النفس إلا نطفة بقرارة إذا لم تكدر كان صفوا غديرها.
فيكاد يخالف قول أمير المؤمنين(عليه السلام) في الاصل، لان أمير المؤمنين(عليه السلام) جعل أصل طبيعة القلوب التوحش، وإنما تستمال لامر خارج(2)، وهو التألف والاحسان، وعمارة جعل أصل طبيعة النفس الصفو والسلامة، وإنما تتكدر وتجمح لامر خارج(2)، وهو الاساءة والايحاش.
---
(1) الكامل 1: 29.
(2) ا: " من خارج ".
---

[181]
(49)
الأصل:
عيبك مستور ما أسعدك جدك.
* * *
الشرح:
قد قال الناس في الجد فأكثروا، وإلى الان لم يتحقق معناه، ومن كلام بعضهم: إذا أقبل البخت باضت الدجاجة على الوتد، وإذا أدبر البخت أسعر الهاون في الشمس.
ومن كلام الحكماء: إن السعادة لتلحظ الحجر فيدعى ربا.
وقال أبو حيان: نوادر ابن الجصاص الدالة على تغفله وبلهة كثيرة جدا، قد صنف فيها الكتب.
من جملتها أنة سمع إنسانا ينشد نسيبا فيه ذكر هند، فأنكر ذلك، وقال: لا تذكروا حماة النبي(صلى الله عليه وآله) إلا بخير، وأشياء عجيبة أظرف من هذا.
وكانت سعادته تضرب بها الامثال، وكثرة أموالة التى لم يجتمع لقارون مثلها.
قال أبو حيان: فكان الناس يعجبون من ذلك، حتى أن جماعة من شيوخ بغداد كانوا يقولون: إن ابن الجصاص أعقل الناس، وأحزم الناس وإنه هو الذى ألحم الحال بين المعتضد وبين خمارويه بن أحمد بن طولون، وسفر بينهما سفارة عجيبة، وبلغ من الجهتين أحسن مبلغ، وخطب قطر الندى بنت خمارويه للمعتضد، وجهزها من مصر
---

[182]
على أجمل وجه وأعلى ترتيب، ولكنه كان يقصدأان يتغافل ويتجاهل ويظهر البله والنقص، يستبقى بذلك ماله، ويحرس به نعمته، ويدفع عنة عين الكمال، وحسد الاعداء.
قال أبو حيان: قلت لابي غسان البصري: أظن ما قالة هؤلاء صحيحا، فإن المعتضد مع حزمه وعقله وكماله وإصابة رأيه ما اختارة للسفارة والصلح إلا والمرجو منه فيما يأتيه ويستقبلة من أيامه نظير ما قد شوهد منة فيما مضى من زمانه، وهل كان يجوز أن يصلح أمر قد تفاقم فساده وتعاظم واشتد برسالة أحمق، وسفارة أخرق فقال أبو غسان: إن الجد ينسخ حال الاخرق، ويستر عيب الاحمق، ويذب عن عرض المتلطخ، ويقرب الصواب بمنطقه والصحة برأيه، والنجاح بسعيه، والجد يستخدم العقلاء لصاحبه، ويستعمل آراءهم وأفكارهم في مطالبه، وابن الجصاص على ما قيل وروى وحدث وحكى، ولكن جده كفاه غائلة الحمق، وحماه عواقب الخرق ولو عرفت خبط العاقل وتعسفه وسوء تأتية وانقطاعه إذا فارقه الجد، لعلمت أن الجاهل قد يصيب بجهله ما لا يصيب العالم بعلمه مع حرمانه.
قال أبو حيان: فقلت له: فما الجد؟ وما هذا المعنى الذى علقت عليه هذه الاحكام(1) كلها؟ فقال: ليس لى عنه عبارة معينة، ولكن لى به علم شاف، استفدتة بالاعتبار والتجربة والسماع العريض من الصغير والكبير، ولهذا(2) سمع من امرأة من الاعراب ترقص ابنا لها فتقول له: رزقك الله جدا يخدمك عليه ذوو العقول، ولا رزقك عقلا تخدم به ذوى الجدود
---
(1) د: " الاحوال ".
(2) ا: " وقد سمع ".
---

[183]
(50)
الأصل:
أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة.
* * *
الشرح:
قد تقدم لنا قول مقنع في العفو والحلم.
وقال الاحنف: ما شئ أشد اتصالا بشئ من الحلم بالعز.
وقالت الحكماء: ينبغى للانسان إذا عاقب من يستحق العقوبة، ألا يكون سبعا في انتقامة، وألا يعاقب حتى يزول سلطان غضبة، لئلا يقدم على ما لا يجوز، ولذلك جرت سنة السلطان بحبس المجرم حتى ينظر في جرمه ويعيد النظر فيه.
وأتى الاسكندر بمذنب فصفح عنة: فقال لة بعض جلسائة: لو كنت إياك أيها الملك لقتلتة، قال: فإذا لم تكن إياى ولا كنت إياك لم يقتل.
وانتهى إلية أن بعض أصحابه يعيبه، فقيل له: أيها الملك، لو نهكته عقوبة! فقال: يكون حينئذ أبسط لسانا وعذرا في اجتنابي.
وقالت الحكماء أيضا: لذة العفو أطيب من لذة التشفي والانتقام، لان لذة العفو يشفعها حميد العاقبة، ولذة الانتقام يلحقها ألم الندم، وقالوا: العقوبة ألام حالات ذى القدرة وأدناها، وهى طرف من الجزع ومن رضى ألا يكون بينه وبين الظالم إلا ستر رقيق فلينتصف.
---

[184]
(51)
الأصل:
السخاء ما كان ابتداء، فإذا كان عن مسألة فحياء وتذمم.
* * *
الشرح:
يعجبنى في هذا المعنى قول ابن حيوس: إنى دعوت ندى الكرام فلم يجب * * فلاشكرن ندى أجاب وما دعى ومن العجائب والعجائب جمة * * شكر بطئ عن ندى المتسرع وقال آخر: ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله * * عوضا ولو نال الغنى بسؤال وإذا النوال إلى السؤال قرنته * * رجح السؤال وخف كل نوال
---

[185]
(52)
الأصل:
* * *
لا غنى كالعقل، ولا فقر كالجهل ولا ميراث كالادب، ولا ظهير كالمشاورة.
* * *
الشرح:
روى أبو العباس في " الكامل " عن أبى عبد الله(عليه السلام) أنة قال: خمس من لم يكن فيه لم يكن فيه كثير مستمتع: العقل، والدين، والادب، والحياء، وحسن الخلق.
وقال أيضا: لم يقسم بين الناس شئ أقل من خمس: اليقين، والقناعة، والصبر، والشكر، والخامسة التى يكمل بها هذا كلة العقل.
وعنه(عليه السلام): أول ما خلق الله العقل، قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، فقال: ما خلقت خلقا أحب إلى منك، لك الثواب، وعليك العقاب.
وعنة(عليه السلام): قال قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): إن الله ليبغض الضعيف الذى لا زبر له، قال: الزبر: العقل.
وعنه(عليه السلام) عن رسول الله(صلى الله عليه وآله): ما قسم الله للعباد أفضل من العقل، فنوم العاقل أفضل من سهر الجاهل، وفطر العاقل أفضل من صوم الجاهل، وإقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل، وما بعث الله رسولا حتى يستكمل العقل،
---

[186]
وحتى يكون عقله أفضل من عقول جميع أمته، وما يضمرة في نفسه أفضل من اجتهاد جميع المجتهدين وما أدى العبد فرائض الله تعالى حتى عقل عنه ولا يبلغ جميع العابدين في عباداتهم ما يبلغه العاقل، والعقلاء هم أولوا الالباب، الذين قال الله تعالى عنهم:(وما يذكر إلا أولوا الالباب).
قال أبو العباس: وقال رجل من أصحاب أبى عبد الله(عليه السلام) له وقد سمعه يقول، بل يروى(1) مرفوعا: إذا بلغكم عن رجل حسن الحال فانظروا في حسن عقله، فإنما يجازى بعقله.
يابن رسول الله، إن لى جارا كثير الصدقة، كثير الصلاة، كثير الحج، لا بأس به! فقال: كيف عقله؟ فقال: ليس له عقل، فقال: لا يرتفع بذاك منه.
وعنه(عليه السلام) ما بعث الله نبيا إلا عاقلا، وبعض النبيين أرجح من بعض، وما استخلف داود سليمان(عليه السلام) حتى اختبر عقله، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فمكث في ملكه ثلاثين سنة.
وعنه مرفوعا: صديق كل امرئ عقله وعدوه جهله.
وعنه مرفوعا: إنا معاشر الانبياء نكلم الناس على قدر عقولهم.
قال أبو العباس: وسئل أبو عبد الله(عليه السلام): ما العقل؟ فقال: ما عبد بة الرحمن، واكتسبت به الجنان.
قال: وقال أبو عبد الله: سئل الحسن بن على(عليه السلام) عن العقل، فقال: التجرع للغصة، ومداهنة الاعداء.
قلت: هذا كلام الحسن(عليه السلام) وأنا أقطع بذلك.
---

[187]
قال أبو العباس: وقال أبو عبد الله: العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يثق بمن يخاف عذره، ولا يرجو من لا يوثق برجائه.
قال أبو العباس: وروى عن أبى جعفر(عليه السلام)، قال: كان موسى(عليه السلام) يدنى رجلا من بنى إسرائيل لطول سجوده، وطول صمته، فلا يكاد يذهب إلى موضع إلا وهو معه، فبينا هو يوما من الايام إذ مر على أرض معشبة تهتز، فتاوة الرجل، فقال له موسى: على ماذا تأوهت؟ قال: تمنيت أن يكون لربى حمار وأرعاه(1) هاهنا، فأكب موسى طويلا ببصره إلى الارض اغتماما بما سمع منه، فانحط عليه الوحى، فقال: ما الذى أنكرت من مقالة عبدى! إنما آخذ عبادي على قدر ما آتيتهم.
قال أبو العباس: وروى عن على(عليه السلام): هبط جبرائيل(عليه السلام) على آدم(عليه السلام) بثلاث ليختار منها واحدة ويدع اثنتين، وهى: العقل، والحياء، والدين، فاختار العقل، فقال جبرائيل للحياء، والدين: انصرفا، فقالا: إنا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان، فقال: فشأنكما! ففاز بالثلاث.
* * *
فأما قولة(عليه السلام): " ولا ميراث كالادب " فإنى قرأت في حكم الفرس عن بزرجمهر: ما ورثت الاباء أبناءها شيئا أفضل من الادب، لانها إذا ورثتها الادب اكتسب بالادب المال، فإذا ورثتها المال بلا أدب أتلفته بالجهل، وقعدت صفرا من المال والادب.
قال بعض الحكماء: من أدب ولده صغيرا، سربه كبيرا.
وكان يقال: من أدب ولدة أرغم حاسده.
وكان يقال: ثلاثة لا غربة معهن: مجانبة الريب، وحسن الادب، وكف الاذى.
---
(1) د: " أرعاه ".
---

[188]
وكان يقال: عليكم بالادب، فانه صاحب في السفر، ومؤنس في الوحدة وجمال، في المحفل، وسبب إلى طلب الحاجة.
وقال بزرجمهر: من كثر أدبة كثر شرفة وإن كان قبل وضيعا، وبعد صيته وإن كان خاملا، وساد وإن كان غريبا، وكثرت الحاجة إليه وإن كان مقلا.
وقال بعض الملوك لبعض وزرائه: ما خير ما يرزقة العبد؟ قال: عقل يعيش به قال فإن عدمة، قال: أدب يتحلى به، قال: فان عدمه، قال مال يستتر به، قال: فإن عدمه قال: صاعقة تحرقه فتريح منه العباد والبلاد.
وقيل لبعض الحكماء متى يكون العلم شرا من عدمه؟ قال: إذا كثر الادب ونقصت القريحة - يعنى بالقريحة العقل.
فأما القول في المشورة فقد تقدم، وربما ذكرنا منة نبذا فيما بعد.
---

[189]
(53)
الأصل:
الصبر صبران: صبر على ما تكره، وصبر عما تحب.
النوع الاول أشق من النوع الثاني، لان الاول صبر على مضرة نازلة، والثانى صبر على محبوب متوقع لم يحصل، وقد تقدم لنا قول طويل في الصبر.
سئل بزرجمهر في بليته(1) عن حاله، فقال هون على ما أنا فيه فكرى في أربعة أشياء: أولها أنى قلت: القضاء والقدر لابد من جريانهما والثانى أنى قلت: إن لم أصبر فما أصنع! والثالث أنى قلت: قد كان يجوز أن تكون المحنة أشد من هذه! والرابع أنى قلت: لعل الفرج قريب! وقال أنو شروان: جميع أمر الدنيا منقسم إلى ضربين لا ثالث لهما: أما ما في دفعه حيلة فالاضطراب دواؤه، وأما ما لا حيلة فيه فالصبر شفاؤة
---
(1) د: " بلواه.
---

[190]
(54)
الأصل:
الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة.
* * *
الشرح:
قد تقدم لنا قول مقنع في الفقر والغنى ومدحهما وذمهما على عادتنا في ذكر الشئ ونقيضه، ونحن نذكر هاهنا زيادة على ذلك.
قال رجل لبقراط(1): ما أشد فقرك أيها الحكيم؟ قال: لو عرفت راحة الفقر لشغلك التوجع لنفسك عن التوجع لى، الفقر ملك ليس عليه محاسبة.
وكان يقال: أضعف الناس من لا يحتمل الغنى.
وقيل للكندي: فلان غنى، فقال: أنا أعلم أن له مالا، ولكني لا أعلم: أغنى هو أم لا! لانني لا أدرى كيف يعمل في ماله! قيل لابن عمر: توفى زيد بن ثابت وترك مائة ألف درهم، قال: هو تركها لكنها لم تتركه.
وقالوا: حسبك من شرف الفقر أنك لا ترى أحدا يعصى الله ليفتقر، أخذة الشاعر فقال: يا عائب الفقر ألا تزدجر * * عيب الغنى أكبر لو تعتبر إنك تعصى الله تبغى الغنى * * وليس تعصى الله كى تفتقر.
وكان يقال: الحلال يقطر، والحرام يسيل.
---
(1) ا: " سقراط ".
---

[191]
وقال بعض الحكماء: ألا ترون ذا الغنى ما أدوم نصبه، وأقل راحته، وأخس من ماله حظه، وأشد من الايام حذره، وأغرى الدهر بنقصه وثلمه! ثم هو بين سلطان يرعاه، وحقوق تسترعية، وأكفاء ينافسونه، وولد يودون موته، قد بعث الغنى عليه من سلطانة العناء، ومن أكفائة الحسد، ومن أعدائة البغى، ومن ذوى الحقوق الذم، ومن الولد الملالة وتمنى الفقد، لا كذى البلغة قنع فدام له السرور، ورفض الدنيا فسلم من الحسد، ورضى بالكفاف فكفى الحقوق.
---

[192]
(55)
الأصل:
القناعة مال لا ينفد قال الرضى رحمه الله تعالى: وقد روى هذا الكلام عن النبي(صلى الله عليه وآله): * * *
الشرح:
قد ذكرنا نكتا جليلة الموقع في القناعة فيما تقدم ونذكر هاهنا زيادة على ذلك.
فمن كلام الحكماء: قاوم الفقر بالقناعة وقاهر الغنى بالتعفف، وطاول عناء الحاسد بحسن الصنع، وغالب الموت بالذكر الجميل.
وكان يقال: الناس رجلان واجد لا يكتفى، وطالب لا يجد، أخذة الشاعر فقال: وما الناس إلا واجد غير قانع * * بأرزاقة أو طالب غير واجد.
قال رجل لبقراط(1) ورآه يأكل العشب(2): لو خدمت الملك لم تحتج إلى أن تأكل الحشيش، فقال له: وأنت إن أكلت الحشيش لم تحتج أن تخدم الملك!
---
(1) ا، ب: سقراط ".
(2) د: " عشبا ".---

[193]
(56)
الأصل:
المال مادة الشهوات.
* * *
الشرح:
قد تقدم لنا كلام في المال مدحا وذما.
وقال أعرابي لبنيه: اجمعوا الدراهم فإنها تلبس اليلمق، وتطعم الجردق(1).
وقال أعرابي وقد نظر إلى دينار: قاتلك الله! ما أصغر قمتك، وأكبر همتك!.
ومن كلام الحكماء: ما اخترت أن تحيا به فمت دونه.
سئل أفلاطون عن المال، فقال: ما أقول في شئ يعطيه الحظ ويحفظه اللؤم، ويبلعه الكرم! وكان يقال: ثلاثة يؤثرون المال على أنفسهم: تاجر البحر، والمقاتل بالاجرة، والمرتشي في الحكم وهو شرهم، لان الاولين ربما سلما، ولا سلامة للثالث من الاثم.
ثم قالوا: وقد سمى الله تعالى المال خيرا في قوله:(إن ترك خيرا)(2)، وفي قوله:(وإنة لحب الخير لشديد)(3).
كان عبد الرحمن بن عوف يقول: حبذا المال، أصون بة عرضى، وأقرضة ربى
---
(1) اليلمق: القباء المحشو، وهو بالفارسية: " يلمه " والجردق: الرغيف، فارسية أيضا.
(2) سورة البقرة 180(3) سورة العاديات 8.
---

[194]
فيضاعفه لى.
وقالوا في ذم المال: المال مثل الماء غاد ورائح، طبعه كطبع الصبى لا يوقف على سبب رضاه ولا سخطه.
المال لا ينفعك ما لم تفارقه.
وفية قال الشاعر وصاحب صدق ليس ينفع قربه * * ولا وده حتى تفارقه عمدا.
وأخذ هذا المعنى الحريري فقال: وليس يغنى عنك في المضايق * * إلا إذا فر فرار الابق.
وقال الشاعر: ألم تر أن المال يهلك ربه * * إذا جم آتيه وسد طريقه ومن جاوز البحر الغزير بقحمة * * وسد طريق الماء فهو غريقه
---

[195]
(57)
الأصل:
من حذرك، كمن بشرك.
* * *
الشرح:
هذا مثل قولهم: اتبع أمر مبكياتك، لا أمر مضحكاتك(1).
ومثلة: صديقك من نهاك، لا من أغراك ومثله: رحم الله امرا أهدى إلى عيوبي.
والتحذير هو النصح، والنصح واجب، وهو تعريف الانسان ما فيه صلاحه، ودفع المضرة عنه، وقد جاء في الخبر الصحيح: " الدين النصيحة "، فقيل: يا رسول الله، لمن؟ فقال: " لعامة المسلمين "، وأول ما يجب على الانسان أن يحذر نفسه وينصحها، فمن غش نفسة فقلما يحذر غيرة وينصحه، وحق من استنصح أن يبذل غاية النصح ولو كان في أمر يضره، وإلى ذلك وقعت الاشارة في الكتاب العزيز بقولة سبحانه:(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم)(2)، وقال سبحانة:(وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى)(3).
ومعنى قوله(عليه السلام) كمن بشرك " أي ينبغى لك أن تسر بتحذيرة لك، كما تسر لو بشرك بأمر تحبه، وأن تشكره على ذلك كما تشكره لو بشرك بأمر تحبه، لانع لو لم يكن يريد بك الخير لما حذرك من الوقوع في الشر.
---
(1) الميداني 1: 30، ولفظه هناك: " أسر مبكياتك لا أمر مضحكاتك ".
(2) سورة النساء 135.
(3) سورة الانعام 152.
---

[196]
(58)
الأصل:
اللسان سبع، إن خلى عنه عقر.
* * *
الشرح:
قد تقدم لنا كلام طويل في هذا المعنى.
وكان يقال: إن كان في الكلام درك ففى الصمت عافية.
وقالت الحكماء: النطق أشرف ما خص به الانسان، لانه صورته المعقولة التى باين بها سائر الحيوانات، ولذلك قال سبحانه:(خلق الانسان علمه البيان)(1)، ولم يقل: " وعلمه " بالواو لانه سبحانه جعل قوله:(علمه البيان) تفسيرا لقوله:(خلق الانسان)، لا عطفا عليه، تنبيها على أن خلقة له، وتخصيصة بالبيان الذى لو توهم مرتفعا لارتفعت إنسانيته، ولذلك قيل: ما الانسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة، أو صورة ممثلة.
وقال الشاعر: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده * * فلم يبق إلا صورة اللحم والدم(2) قالوا: والصمت من حيث هو صمت مذموم، وهو من صفات الجمادات، فضلا
---
(1) سورة الرحمن 3، 4.
(2) ينسب لزهير، من معلقته بشرح الزورنى 94.
---

[197]
عن الحيوانات، وكلام أمير المؤمنين(عليه السلام) وغيره من العلماء في مدح الصمت محمول على من يسئ الكلام فيقع منه جنايات عظيمة في أمور الدين والدنيا، كما روى في الخبر: إن الانسان إذا أصبح قالت أعضاؤه للسانه: اتق الله فينا فانك ان استقمت نجونا وإن زغت هلكنا "، فاما إذا اعتبر النطق والصمت بذاتيهما فقط، فمحال أن يقال في الصمت فضل، فضلا عن أن يخاير ويقايس بينه وبين الكلام.
---

[198]
(59)
الأصل:
المرأة عقرب حلوة اللسبة.
* * *
الشرح:
اللسبة: اللسعة، لسبته العقرب بالفتح: لسعته، ولسبت العسل بالكسر، أي لعقته.
وقيل لسقراط: أي السباع أجسر؟ قال المرأة.
ونظر حكيم إلى أمرأة مصلوبة على شجرة فقال ليت كل شجرة تحمل مثل هذة الثمرة.
مرت بسقراط امرأة وهى تتشوف(1) فقالت يا شيخ، ما أقبحك؟ فقال: لولا أنك من المرايا الصدئة لغمني ما بان من قبح صورتي فيك.
ورأى بعضهم مؤدبا يعلم جارية الكتابة، فقال: لا تزد الشر شرا، إنما تسقى سهما سما لترمى به يوما ما.
ورأى بعضهم جارية تحمل نارا فقال نار على نار، والحامل شر من المحمول.
وتزوج بعضهم امرأة نحيفة، فقيل له في ذلك، فقال: اخترت من الشر أقلة.
كتب فيلسوف على بابه: ما دخل هذا المنزل شر قط، فقال له بعضهم: اكتب: " إلا المرأة.
---
(1) د: " تتشرف ".
---

[199]
ورأى بعضهم امرأة غريقة في الماء، فقال: زادت الكدر كدرا، والشر بالشر يهلك.
وفي الحديث المرفوع: استعيذوا باللة من شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر.
وفى كلام الحكماء: اعص هواك والنساء، وافعل ما شئت.
دعا بعضهم لصاحبه، فقال: أمات الله عدوك؟ فقال: لو قلت: زوج الله عدوك، لكان أبلغ في الانتقام.
ومن الكنايات المشهورة عنهن: " سلاح إبليس ".
وفي الحديث المرفوع: " إنهن ناقصات عقل ودين.
وقد تقدم من كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) في هذا الكتاب ما هو شرح وإيضاح لهذا المعنى.
وجاء في الحديث أيضا: " شاوروهن وخالفوهن "، وفي الحديث أيضا: " النساء حبائل الشيطان " وفى الحديث أيضا: " ما تركت بعدى فتنة أضر من النساء على الرجال ".
وفي الحديث أيضا: " المرأة ضلع عوجاء إن داريتها استمتعت بها، وإن رمت تقويمها كسرتها " وقال الشاعر في هذا المعنى: هي الضلع العوجاء لست تقيمها * * ألا إن تقويم الضلوع انكسارها أيجمعن ضعفا واقتدارا على الفتى * * أليس عجيبا ضعفها واقتدارها؟ ومن كلام بعض الحكماء: ليس ينبغى للعاقل أن يمدح امرأة إلا بعد موتها.
وفى الامثال: لا تحمدن أمة عام شرائها، ولا حرة عام بنائها.
---

[200]
ومن كلام عبد الله المأمون: إنهن شركلهن، وشر ما فيهن ألا غنى عنهن.
وقال بعض السلف: إن كيد النساء اعظم من كيد الشيطان، لان الله تعالى ذكر الشيطان، فقال:(إن كيد الشيطان كان ضعيفا(1).
وذكر النساء فقال:(إنة من كيدكن إن كيدكن عظيم)(2).
وكان يقال: من الفواقر امرأة سوء إن حضرتها لسبتك، وإن غبت عنها لم تأمنها.
وقال حكيم: أضر الاشياء بالمال والنفس والدين والعقل و العرض شدة الاغرام بالنساء، ومن أعظم ما يبتلى به المغرم بهن أنة لا يقتصر على ما عنده منهن ولو كن ألفا، ويطمح إلى ما ليس له منهن.
وقال بعض الحكماء: من يحصى مساوئ النساء! اجتمع فيهن نجاسة الحيض والاستحاضة، ودم النفاس، ونقص العقل والدين، وترك الصوم والصلاة في كثير من أيام العمر، ليست عليهن جماعة ولا جمعة، ولا يسلم عليهن، ولا يكون منهن إمام ولا قاض ولا أمير ولا يسافرن إلا بولي.
وكان يقال: ما نهيت امرأة عن أمر إلا أتته.
وفي هذا المعنى يقول طفيل الغنوى: إن النساء كأشجار نبتن معا * * هن المرار وبعض المر مأكول إن النساء متى ينهين عن خلق * * فإنة واجب لا بد مفعول
---
(1) سورة النساء 76.
(2) سورة يوسف 28.
---

[201]
(60)
الأصل:
إذا حييت بتحية فحى بأحسن منها، وإذا أسديت إليك يد فكافئها بما يربى عليها، والفضل مع ذلك للبادئ.
* * *
الشرح:
اللفظة الاولى من القرآن(1) العزيز، والثانية تتضمن معنى مشهورا.
وقوله: " والفضل مع ذلك للبادئ "، يقال في الكرم والحث على فعل الخير.
وروى المدائني، قال: قدم على أسد بن عبد الله القشيرى بخراسان رجل، فدخل مع الناس، فقال أصلح الله الامير! إن لى عندك يدا، قال: وما يدك؟ قال: أخذت بركابك يوم كذا قال: صدقت، حاجتك، قال توليني أبيورد، قال: لم قال: لاكسب مائة ألف درهم، قال: فإنا قد أمرنا لك بها الساعة فنكون قد بلغناك ما تحب، وأقررنا صاحبنا على عمله، قال: أصلح الله الامير! إنك لم تقض ذمامى، قال: ولم وقد أعطيتك ما أملت؟ قال، فأين الامارة؟ وأين حب الامر والنهى! قال: قد وليتك أبيورد، وسوغت لك ما أمرت لك به، وأعفيتك من المحاسبة إن صرفتك عنها، قال: ولم تصرفني عنها ولا يكون الصرف إلا من عجز أو خيانة،
---
(1) وهو قوله في سورة النساء(وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أوردوها).
---

[202]
وأنا برئ منهما؟ قال أذهب فأنت أميرها ما دامت لنا خراسان، فلم يزل أميرا على أبيورد حتى عزل أسد.
قال المدائني: وجاء رجل إلى نصر بن سيار يذكر قرابة(1)، قال: وما قرابتك؟ قال: ولدتني وإياك فلانة! قال نصر: قرابة عورة، قال: إن العورة كالشن البالى، يرقعه أهله فينتفعون به، قال: حاجتك، قال: مائة ناقة لاقح، ومائة نعجة ربى - أي معها أولادها - قال: أما النعاج فخذها، وأما النوق فنأمر لك بأثمانها.
وروى الشعبى، قال: حضرت مجلس زياد وحضره رجل فقال: أيها الامير، إن لى حرمة أفاذكرها؟ قال: هاتها، قال: رأيتك بالطائف وأنت غليم ذو ذؤابة، وقد أحاطت بك جماعة من الغلمان، وأنت تركض هذا مرة برجلك، وتنطح هذا مرة برأسك، وتكدم مرة بأنيابك، فكانوا مرة ينثالون عليك، وهذة حالهم، ومرة يندون عنك وأنت تتبعهم، حتى كاثروك واستقووا عليك، فجئت حتى أخرجتك من بينهم وأنت سليم وكلهم جريح: قال صدقت، أنت ذاك الرجل! قال: أنا ذاك قال حاجتك، قال: الغنى عن الطلب، قال: يا غلام، أعطة كل صفراء وبيضاء عندك، فنظر فإذا قيمة كل ما يملك ذلك اليوم من الذهب والفضة أربعة وخمسون ألف درهم.
فأخذها وانصرف، فقيل له بعد ذلك: أنت رأيت زيادا وهو غلام بذلك الحال؟ قال: إى والله، لقد رأيته وقد اكتنفه صبيان صغيران كأنهما من سخال المعز، فلو لا أنى أدركتة لظننت أنهما يأتيان على نفسه.
وجاء رجل إلى معاوية وهو في مجلس العامة فقال: يا أمير المؤمنين، إن لى حرمة(2)، قال: وما هي؟ قال دنوت من ركابك يوم صفين، وقد قربت فرسك لتفر، وأهل
---
(1) د: " قرابته ".
(2) د: " حرمة وذماما ".
---

[203]
العراق قد رأوا الفتح والظفر، فقلت لك: والله لو كانت هند بنت عتبة مكانك ما فرت ولا اختارت إلا أن تموت كريمة أو تعيش حميدة، أين تفر وقد قلدتك العرب أزمة أمورها، وأعطتك قياد أعنتها! فقلت لى: أخفض صوتك لا أم لك! ثم تماسكت وثبت وثابت إليك حماتك، وتمثلت حينئذ بشعر أحفظ منة وقولى كلما جشأت وجاشت * * مكانك تحمدى أو تستريحي(1).
فقال معاوية: صدقت، وددت أنك الان أيضا خفضت من صوتك، يا غلام أعطة خمسين ألف درهم، فلو كنت أحسنت في الادب لاحسنا لك في الزيادة.
---
(1) لابن الاطنابة، الكامل 4: 68، وقبله: أبت لى عفتى وأبى بلائى * * وأخذى الحمد بالثمن الربيح وإجشامي على المكروة نفسي * * وصربي هامة البطل المشيح.
---

[204]
(61)
الأصل:
الشفيع جناح الطالب.
* * *
الشرح:
جاء في الحديث مرفوعا: " اشفعوا إلى تؤجروا ويقضى الله على لسان نبيه ما شاء ".
وقال: المأمون لابراهيم بن المهدى لما عفا عنه: إن أعظم يدا عندك من عفوى عنك أنى لم أجرعك مرارة امتنان الشافعين.
ومن كلام قابوس بن وشمكير: بزند الشفيع تورى نار النجاح، ومن كف المفيض ينتظر فوز القداح.
قال المبرد: أتانى رجل يستشفع بى في حاجة فانشدني لنفسه: إنى قصدتك لا ادلى بمعرفة * * ولا بقربى، ولكن قد فشت نعمك فبت حيران مكروبا يؤرقني * * ذل الغريب ويغشيني الكرى كرمك ولو هممت بغير العرف ما علقت * * به يداك ولا انقادت له شيمك ما زلت أنكب حتى زلزلت قدمى * * فاحتل لتثبيتها لا زلزلت قدمك قال: فشفعت له وقمت بأمره حتى بلغت له ما أحب.
بزرجمهر: من لم يستغن بنفسة عن شفيعه ووسائله وهت قوى أسبابه، وكان إلى
---

[205]
الحرمان أقرب منه إلى بلوغ المراد ومثله: من لم يرغب أوداؤه في اجتنابه لم يحظ بمدح شفعائه.
ومثله: إذا زرت الملوك فإن حسبى شفيعا عندهم أن يعرفونى.
كلم الاحنف مصعب بن الزبير في قوم حبسهم، فقال: أصلح الله الامير! إن كان هؤلاء حبسوا في باطل فالحق يخرجهم، وإن كانوا حبسوا في حق فالعفو يسعهم، فأمر بإخراجهم.
آخر: إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة فلا خير في ود يكون بشافع خرج العطاء في أيام المنصور وأقام الشقرانى - من ولد شقران مولى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ببابه أياما لا يصل إليه عطاؤه، فخرج جعفر بن محمد من عند المنصور، فقام الشقرانى إلية فذكر له حاجته، فرحب به، ثم دخل ثانيا إلى المنصور، وخرج وعطاء الشقرانى في كمه فصبه في كمه ثم قال: يا شقران، إن الحسن من كل أحد حسن، وإنه منك أحسن لمكانك منا، وإن القبيح من كل أحد قبيح، وهو منك أقبح لمكانك منا.
فاستحسن الناس ماقاله، وذلك لان الشقرانى كان صاحب شراب.
قالوا: فانظر كيف أحسن السعي في استنجاز طلبته، وكيف رحب به وأكرمه مع معرفتة بحاله، وكيف وعظه ونهاه عن المنكر على وجه التعريض قال الزمخشري: وما هو إلا من أخلاق الانبياء.
كتب سعيد بن حميد شفاعة لرجل: كتابي هذا كتاب معتن بمن كتب له، واثق بمن كتب إليه ولن يضيع حامله بين الثقة والعناية إن شاء الله.
أبو الطيب: إذا عرضت حاج اله فنفسه * * إلى نفسه فيها شفيع مشفع(1)
---
(1) ديوانه 2: 243.
---

[206]
[محمد بن جعفر والمنصور] كان المنصور معجبا بمحادثة محمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس، وكان الناس لعظم قدرة عند المنصور يفزعون إليه في الشفاعات وقضاء الحاجات، فثقل ذلك على المنصور فحجبة مدة، ثم تتبعته نفسه، فحادث الربيع فيه، وقال: إنة لا صبر لى عنه لكنى قد ذكرت شفاعاته، فقال الربيع: أنا أشترط ألا يعود فكلمه الربيع، فقال: نعم، فمكث أياما لا يشفع، ثم وقف له قوم من قريش وغيرهم برقاع وهو يريد دار المنصور، فسألوة أن يأخذ رقاعهم، فقص عليهم القصة، فضرعوا إليه وسألوه، فقال أما إذ أبيتم قبول العذر فإنى لا أقبضها منكم، ولكن هلموا فاجعلوها في كمى، فقذفوها في كمه، ودخل على المنصور وهو في الخضراء يشرف على مدينة السلام وما حولها بين البساتين والضياع، فقال له: أما ترى إلى حسنها! قال: بلى يا أمير المؤمنين، فبارك الله لك فيما آتاك، وهناك بإتمام نعمته عليك فيما أعطاك! فما بنت العرب في دولة الاسلام، ولا العجم في سالف الايام، أحصن ولا أحسن من مدينتك، ولكن سمجتها في عينى خصلة، قال: ما هي؟ قال: ليس لى فيها ضيعة، فضحك وقال: نحسنها في عينك، ثلاث ضياع قد أقطعتكها، فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين شريف الموارد، كريم المصادر، فجعل الله باقى عمرك أكثر من ماضيه، وجعلت الرقاع تبدر من كميه في أثناء كلامه وخطابه للمنصور، وهو يلتفت إليها ويقول: ارجعن خاسئات، ثم يعود إلى حديثه فقال المنصور: ما هذه بحقى عليك؟ ألا أعلمتني خبرها! فأعلمه فضحك فقال: أبيت يابن معلم الخير إلاكرما! ثم تمثل بقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ابن أبى طالب:
---

[207]
لسنا وإن أحسابنا كملت * * يوما على الاحساب نتكل(1) نبنى كما كانت أوائلنا * * تبنى ونفعل مثل ما فعلوا ثم أخذها وتصفحها ووقع فيها كلها بما طلب أصحابها.
قال محمد بن جعفر: فخرجت من عندة وقد ربحت وأربحت.
قال المبرد لعبد الله بن يحيى بن خاقان: أنا أشفع إليك أصلحك الله في أمر فلان، فقال له: قد سمعت وأطعت، وسأفعل في أمره كذا، فما كان من نقص فعلى، وما كان من زيادة فله، قال المبرد: أنت - أطال الله بقاءك - كما قال زهير: وجار سار معتمدا إلينا * * أجاءتة المخافة والرجاء(2) ضمنا ماله فغدا سليما * * علينا نقصة وله النماء وقال دعبل: وإن امرأ أسدى إلى بشافع * * إليه ويرجو الشكر منى لاحمق(3) شفيعك يا شكر الحوائج إنه * * يصونك عن مكروهها وهو يخلق آخر: مضى زمنى والناس يستشفعون بى * * فهل لى إلى ليلى الغداة شفيع! آخر: ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة * * إلى، فهلا نفس ليلى شفيعها!(4) أأكرم من ليلى على فتبتغي * * به الجاه، أم كنت امرأ لا أطيعها!
---
(1) في د: " كرمت ".
(2) ديوانه 77.
(3) ديوانه 112.
(4) للمجنون، ديوانه 195.
---

[208]
آخر: ومن يكن الفضل بن يحيى بن خالد * * شفيعا له عند الخليفة ينجح آخر: وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة * * من جاهه، فكأنها من ماله.
وهذا مثل قول الاخر: وعطاء غيرك إن بذلت * * عناية فيه عطاؤك.
ابن الرومي: ينام الذى استسعاك في الامر إنه * * إذا أيقظ الملهوف مثلك ناما كفى العود منك البدء في كل موقف * * وجردت للجلى فكنت حساما فمالك تنبو في يدى عن ضريبتي * * ولم أرث من هز وكنت كهاما!
---

[209]
(62)
الأصل:
أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام.
الشرح:
هذا التشبيه واقع وهو صورة الحال لا محالة.
وقد أتيت بهذا المعنى في رسالة لى كتبتها إلى بعض الاصدقاء تعزية، فقلت: " ولو تأمل الناس أحوالهم(1) وتبينوا مآلهم، لعلموا أن المقيم منهم بوطنه، والساكن إلى سكنة، أخو سفر يسرى به وهو لا يسرى، وراكب بحر يجرى به وهو لا يدرى "،
---
(1) ا: " في أحوالهم ".
---

[210]
(63)
الأصل:
فقد الاحبة غربة.
* * *
الشرح:
مثل هذا قول الشاعر: فلا تحسبى أن الغريب الذى نأى * * ولكن من تنأين عنه غريب(1) ومثله قوله(عليه السلام): الغريب من ليس له حبيب "، وقال الشاعر: أسرة المرء والداه وفيما بين * * حضنيهما الحياة تطيب(2) وإذا وليا عن المرء يوما * * فهو في الناس أجنبي غريب وقال آخر: إذا ما مضى القرن الذى كنت فيهم * * وخلفت في قرن فأنت غريب(3)
---
(1) نأى: بعد.
(2) الحضن: ما دون الابط إلى الكشح.
(3) القرن: الجليل من الناس.
---

[211]
(64)
الأصل:
فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها.
* * *
الشرح:
قد سبق هذا المعنى، وذكرنا كثيرا مما قيل فيه.
وكان يقال: لا تطلبوا الحوائج إلى ثلاثة إلى عبد يقول: الامر إلى غيرى، وإلى رجل حديث الغنى، وإلى تاجر همته أن يستربح في كل عشرين دينارا حبة واحدة(1)
---
(1) ساقطة من ا.
---

[212]
(65)
الأصل:
لا تستح من إعطاء القليل، فإن الحرمان أقل منه.
* * *
الشرح:
هذا نوع من الحث على الافضال والجود لطيف، وقد استعمل كثيرا في الهدية والاعتذار لقلتها، وقد تقدم منا قول شاف في مدح السخاء والجود.
وكان يقال: أفضل على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره.
وسئل أرسطو: هل من جود يستطاع أن يتناول به كل أحد؟ قال: نعم، أن تنوى الخير لكل أحد
---

[213]
(66)
الأصل:
العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى.
* * *
الشرح:
من الابيات المشهورة: فإذا افتقرت فلا تكن * * متخشعا وتجمل ومن أمثالهم المشهورة " تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها "(1).
وأنشد الاصمعي لبعضهم: أقسم بالله لمص النوى * * وشرب ماء القلب المالحه أحسن بالانسان من ذله * * ومن سؤال الاوجه الكالحه فاستغن بالله تكن ذا غنى * * مغتبطا بالصفقة الرابحه(2) طوبى لمن تصبح ميزانه * * يوم يلاقى ربه راجحة وقال بعضهم: وقفت على كنيف وفى أسفله كناف، وهو ينشد: أكرم نفسي عن أمور كثيرة * * ألا أن إكرام النفوس من العقل
---
(1) الميداني 1: 81، قال: أي لا تكون ظئرا وإن آذاها الجوع.
ويروى: و " لا تأكل ثدييها " قال: " وأول من قال ذلك الحارث بن سليل الاسدي " في خبر معروف ذكره هناك.
(2) ب: " مغبطا " تحريف.
---

[214]
وأبخل بالفضل المبين على الالى * * رأيتهم لا يكرمون ذوى الفضل وما شاننى كنس الكنيف وإنما * * يشين الفتى أن يجتدى نائل النذل(1) وأقبح مما بى وقوفي مؤملا * * نوال فتى مثلى، وأى فتى مثلى! وأما كون الشكر زينة الغنى، فقد تقدم من القول ما هو كاف.
وكان يقال: العلم بغير عمل قول باطل، والنعمة بغير شكر جيد عاطل.
---
(1) النذل: المحتقر من الناس في جميع أحواله.
---

[215]
(67)
الأصل:
إذا لم يكن ما تريد، فلا تبل كيف كنت! * * *
الشرح:
قد أعجم تفسير هذه الكلمة على جماعة من الناس، وقالوا: المشهور في كلام الحكماء: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون، ولا معنى لقوله: " فلا تبل كيف كنت "! وجهلوا مراده(عليه السلام).
ومراده: إذا لم يكن ما تريد فلا تبل بذلك، أي لا تكترث بفوت مرادك ولا تبتئس بالحرمان، ولو وقف على هذا لتم الكلام وكمل المعنى، وصار هذا مثل قوله: " فلا تكثر على ما فاتك منها أسفا "، ومثل قول الله تعالى:(لكيلا تأسوا على ما فاتكم)(1)، لكنه تمم وأكد فقال: " كيف كنت "، أي لا تبل بفوت ما كنت أملته، ولا تحمل لذلك هما كيف كنت، وعلى أي حال كنت، من حبس أو مرض أو فقر أو فقد حبيب، وعلى الجملة لا تبال الدهر، ولا تكثرث بما يعكس عليك من غرضك، ويحرمك من أملك، وليكن هذا الاهوان به والاحتقار له مما تعتمده دائما على أي حال أفضى بك الدهر إليها.
وهذا واضح.
---
(1) سورة الحديد 23.
---

[216]
(68)
الأصل:
لا يرى الجاهل إلا مفرطا أو مفرطا.
* * *
الشرح:
العدالة هي الخلق المتوسط، وهو محمود بين مذمومين، فالشجاعة محفوفة بالتهور والجبن، والذكاء بالغباوة والجربزة(1)، والجود بالشح والتبذير، والحلم بالجمادية والاستشاطة، وعلى هذا كل ضدين من الاخلاق فبينهما خلق متوسط، وهو المسمى بالعدالة، فلذلك لا يرى الجاهل إلا مفرطا أو مفرطا، كصاحب الغيرة فهو إما إن يفرط فيها، فيخرج عن القانون الصحيح فيغار لا من موجب، بل بالوهم وبالخيال وبالوسواس، وإما أن يفرط فلا يبحث عن حال نسائه ولا يبالى ما صنعن، وكلا الامرين مذموم، والمحمود الاعتدال.
ومن كلام بعض الحكماء(2): إذا صح العقل التحم(3) بالادب كالتحام(4) الطعام بالجسد الصحيح، وإذا مرض العقل نبا عنه ما يستمع من الادب كما يقئ الممعود ما أكل من الطعام، فلو آثر الجاهل أن يتعلم شيئا من الادب لتحول ذلك الادب جهلا، كما يتحول ما خالط جوف المريض من طيب الطعام داء.
---
(1) الجزيرة: الخب والمكر.
(2) ا: " ومن كلام الحكما ".
(3) ا " التأم ".
(4) ا: " كالتئام ".
---

[217]
(69)
الأصل:
إذا تم العقل نقص الكلام.
* * *
الشرح:
قد سبق القول في هذا المعنى.
وكان يقال: إذا رأيتم الرجل(1) يطيل الصمت ويهرب من الناس، فاقربوا منه فإنه يلقى الحكمة
---
(1) ا: " رجلا ".
---

[218]
(70)
الأصل:
الدهر يخلق الابدان، ويجدد الامال، ويقرب المنية ويباعد الامنية من ظفر به نصب، ومن فاته تعب.
* * *
الشرح:
قد سبق لنا قول طويل عريض في ذكر: الدهر والدنيا، ونذكر الان شيئا آخر، قال بعض الحكماء: الدنيا تسر لتغر، وتفيد لتكيد، كم راقد في ظلها قد أيقظته، وواثق بها قد خذلته، بهذا الخلق عرفت، وعلى هذا الشرط صوحبت.
وكتب الاسكندر إلى أرسطو طاليس: عظني، فكتب إليه: إذا صفت لك السلامة فجدد ذكر العطب، وإذا اطمأن بك الامن فاستشعر الخوف، وإذا بلغت نهايه الامل فاذكر الموت، وإذا أحببت نفسك فلا تجعل لها نصيبا في الاساءة، وقال شاعر فأحسن: كأنك لم تسمع بأخبار من مضى * * ولم تر بالباقين ما صنع الدهر فإن كنت لا تدري فتلك ديارهم * * عفاها محال الريح بعدك والقطر وهل أبصرت عيناك حيا بمنزل * * على الدهر إلا بالعراء له قبر فلا تحسبن الوفر مالا جمعته * * ولكن ما قدمت من صالح وفر
---

[219]
مضى جامعوا الاموال لم يتزودوا * * سوى الفقر يا بؤسى لمن زاده الفقر! فحتام لا تصحو وقد قرب المدى * * وحتام لا ينجاب عن قلبك السكر! بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا * * وتذكر قولى حين لا ينفع الذكر وما بين ميلاد الفتى ووفاته * * إذا انتصح الاقوام أنفسهم عمر(1) لان الذى يأتيه شبه الذى مضى * * وما هو إلا وقتك الضيق النزر فصبرا على الايام حتى تجوزها * * فعما قليل بعدها يحمد الصبر
---
(1) د: " غمر ".
---

[220]
(71)
الأصل:
من نصب نفسه للناس إماما فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالاجلال من معلم الناس ومؤدبهم.
* * *
الشرح الفروع تابعة للاصول، فإذا كان الاصل معوجا استحال أن يكون الفرع مستقيما، كما قال صاحب المثل: " وهل يستقيم الظل والعود أعوج "، فمن نصب نفسه للناس إماما، ولم يكن قد علم نفسه ما انتصب ليعلمه الناس، كان مثل من نصب نفسه ليعلم الناس الصياغة، والنجارة، وهو لا يحسن أن يصوغ خاتما، ولا ينجر لوحا، وهذا نوع من السفه، بل هو السفه كله، ثم قال(عليه السلام): وينبغى أن يكون تأديبه لهم بفعله وسيرته قبل تأديبه لهم بلسانه، وذلك لان الفعل أدل على حال الانسان من القول.
ثم قال: ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالاجلال من معلم الناس ومؤدبهم.
وهذا حق، لان من علم نفسه محاسن الاخلاق أعظم قدرا ممن تعاطى تعليم الناس ذلك وهو غير عامل بشئ منه، فأما من علم نفسه وعلم الناس فهو أفضل(1) وأجل ممن اقتصر على تعليم نفسه فقط لا شبهة في ذلك.
---
(1) ا: " وأعظم ".
---

[221]
(72)
الأصل:
نفس المرء خطاه إلى أجله.
* * *
الشرح:
وجدت هذه الكلمة منسوبة إلى عبد الله بن المعتز في فصل أوله: " الناس وفد البلاء، وسكان الثرى، وأنفاس الحى خطاه إلى أجله، وأمله خادع له عن عمله، والدنيا أكذب واعديه، والنفس أقرب أعاديه، والموت ناظر إليه، ومنتظر فيه أمرا يمضيه " فلا أدرى هل هي لابن المعتز، أم أخذها من أمير المؤمنين(عليه السلام)! والظاهر(1) أنها لامير المؤمنين(عليه السلام)، فإنها بكلامه أشبه، ولان الرضى قد رواها عنه، وخبر العدل معمول به.
---
(1) ا: " ويظهر ".
---

[222]
(73)
الأصل:
كل معدود منقض، وكل متوقع آت.
* * *
الشرح:
الكلمة الاولى تؤكد مذهب جمهور المتكلمين في أن العالم كله لابد أن ينقضى ويفنى، ولكن المتكلمين الذاهبين إلى هذا القول لا يقولون: يجب ان يكون فانيا ومنقضيا لانه معدود، فإن ذلك لا يلزم، ومن الجائز أن يكون معدودا ولا يجب فناؤه، ولهذا قال أصحابنا: إنما علمنا أن العالم يفنى عن طريق السمع لامن طريق العقل، فيجب أن يحمل كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) على ما يطابق ذلك، وهو أنه ليس يعنى أن العدد علة في وجوب الانقضاء، كما يشعر به ظاهر لفظه، وهو الذى يسميه أصحاب أصول الفقه إيماء، وإنما مراده(1) كل معدود فاعلموا أنه فان ومنقض، فقد حكم على كل معدود بالانقضاء حكما مجردا عن العلة، كما لو قيل: زيد قائم، ليس يعنى أنه قائم، لانه يسمى زيدا.
فأما قوله: " وكل متوقع آت " فيماثله قول العامة في أمثالها: " لو انتظرت القيامة لقامت "، والقول في نفسه حق، لان العقلاء لا ينتظرون ما يستحيل وقوعه، وإنما ينتظرون ما يمكن وقوعه، وما لابد من وقوعه، فقد صح أن كل منتظر سيأتي.
---
(1) ا: " ومراده ".
---

[223]
(74)
الأصل:
إن الامور إذا اشتبهت اعتبر آخرها بأولها.
* * *
الشرح:
روى: " إذا استبهمت "، والمعنى واحد وهو حق، وذلك أن المقدمات تدل على النتائج، والاسباب تدل على المسببات، وطالما كان الشيئان ليسا علة ومعلولا، وإنما بينهما أدنى(1) تناسب، فيستدل بحال أحدهما على حال الاخر، وإذا كان كذلك واشتبهت أمور على العاقل الفطن ولم يعلم إلى ماذا تئول، فإنه يستدل على عواقبها بأوائلها وعلى خواتمها بفواتحها، كالرعية ذات السلطان الركيك الضعيف السياسة، إذا ابتدأت أمور مملكته تضطرب، واستبهم على العاقل كيف يكون الحال في المستقبل، فإنه يجب عليه أن يعتبر أواخرها بأوائلها، ويعلم أنه سيفضي أمر ذلك الملك إلى انتشار وانحلال في مستقبل الوقت، لان الحركات الاولى منذره بذلك، وواعدة بوقوعه، وهذا واضح
---
(1) ا: " أقرب ".
---

[224]
(75)
الأصل:
ومن خبر ضرار بن ضمرة الضابى عند دخوله على معاوية، ومسألته له عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، قال: فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وهو قائم في محرابه قابض على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكى بكاء الحزين، وهو يقول: يا دنيا يا دنيا إليك عنى، أبى تعرضت، أم إلى تشوفت! لا حان حينك، هيهات، غرى غيرى، لا حاجة لى فيك، قد طلقتك ثلاثا، لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آه من قلة الزاد، وطول الطريق، وبعد السفر، وعظيم المورد! * * *
الشرح:
لسدول: جمع سديل، وهو ما أسدل على الهودج، يجوز في جمعه أيضا أسدال وسدائل، وهو هاهنا استعارة.
والتململ والتملل أيضا: عدم الاستقرار من المرض، كأنه على ملة، وهى الرماد الحار.
والسليم: الملسوع.
ويروى " تشوقت " بالقاف.
وقوله: " لا حان حينك "، دعاء عليها، أي لا حضر وقتك كما تقول: لا كنت.
---

[225]
فأما ضرار بن ضمرة فإن الرياشى روى خبره، ونقلته أنا من كتاب عبد الله بن إسماعيل بن أحمد الحلبي في " التذييل على نهج البلاغه "،،، قال: دخل ضرار على معاوية - وكان ضرار من صحابة على(عليه السلام) - فقال له معاوية: يا ضرار، صف لى عليا، قال: أو تعفيني! قال: لا أعفيك، قال: ما أصف منه! كان(1) والله شديد القوى، بعيد المدى، يتفجر العلم من أنحائه، والحكمه من أرجائه، حسن المعاشرة، سهل المباشرة خشن المأكل قصير الملبس، غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألنا، ويبتدئنا إذا سكتنا، ونحن مع تقريبه لنا أشد ما يكون صاحب لصاحب هيبة، لا نبتدئه الكلام لعظمته، يحب المساكين، ويقرب أهل الدين، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه..
وتمام الكلام مذكور في الكتاب.
وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب،، الاستيعاب،، هذا الخبر، فقال: حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا يحيى بن مالك بن عائد قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مقلة البغدادي بمصر.
وحدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدثنا العكلى، عن الحرمازى، عن رجل من همدان، قال: قال معاوية لضرار الضبابى(2): يا ضرار صف لى عليا، قال: اعفنى يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنه، قال: أما إذ لابد من وصفه، فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، [وكان](3) غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن.
كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استفتيناه، ونحن والله
---
(1) ب: " وكان " والصواب ما أثبته.
(2) في الاستيعاب: " الصدائى ".
(3) من الاستيعاب.
---

[226]
مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبه له.
يعظم اهل الدين ويقرب المساكين لا يطمع القوى في باطله ولا ييئس الضعيف من عدله واشهد لقد رايته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكى بكاء الحزين ويقول يا دنيا غرى غيرى ا بى تعرضت ام الى تشوقت هيهات هيهات قد باينتك ثلاثا لا رجعه لى فيها فعمرك قصير وخطرك حقير آه من قله الزاد وبعد السفر ووحشه الطريق فبكى معاويه وقال رحم الله ابا حسن كان والله كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار قال حزن من ذبح ولدها في حجرها
---

[227]
(76)
الأصل:
ومن كلامه(عليه السلام) للسائل الشامي لما ساله ا كان مسيرنا الى الشام بقضاء من الله وقدره بعد كلام طويل هذا مختاره ويحك لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حاتما لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد ان الله سبحانه امر عباده تخييرا ونهاهم تحذيرا وكلف يسيرا ولم يكلف عسيرا واعطى على القليل كثيرا ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها ولم يرسل الانبياء لعبا ولم ينزل الكتب للعباد عبثا ولا خلق السموات والارض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار قد ذكر شيخنا أبو الحسين رحمه الله هذا الخبر في كتاب الغرر ورواه عن الاصبغ بن نباته قال قام شيخ الى على(عليه السلام) فقال اخبرنا عن مسيرنا الى الشام ا كان بقضاء الله وقدره فقال والذى فلق الحبه وبرا النسمه ما وطئنا موطئا ولا هبطنا واديا الا بقضاء الله وقدره فقال الشيخ فعند الله احتسب عنائي ما ارى لى من الاجر شيئا فقال مه ايها الشيخ لقد عظم الله اجركم في مسيركم وانتم سائرون وفي منصرفكم وانتم منصرفون ولم تكونوا في شئ من حالاتكم مكرهين
---

[228]
ولا إليها مضطرين فقال الشيخ وكيف القضاء والقدر ساقانا فقال ويحك لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حتما لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد والامر والنهى ولم تات لائمه من الله لمذنب ولا محمده لمحسن ولم يكن المحسن اولى بالمدح من المسئ ولا المسئ اولى بالذم من المحسن تلك مقاله عباد الاوثان وجنود الشيطان وشهود الزور واهل العمى عن الصواب وهم قدريه هذه الامه ومجوسها ان الله سبحانه امر تخييرا ونهى تحذيرا وكلف يسيرا ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها ولم يرسل الرسل الى خلقه عبثا ولم يخلق السموات والارض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار(1) فقال الشيخ فما القضاء والقدر اللذان ما سرنا الا بهما فقال هو الامر من الله والحكم ثم تلا قوله سبحانه وقضى ربك الا تعبدوا الا اياه فنهض الشيخ مسرورا وهو يقول انت الامام الذى نرجو بطاعته * * يوم النشور من الرحمن رضوانا اوضحت من ديننا ما كان ملتبسا * * جزاك ربك عنا فيه احسانا ذكر ذلك أبو الحسين في بيان أن القضاء والقدر قد يكون بمعنى الحكم والامر، وأنه من الالفاظ المشتركه.
---
(1) سورة 27.
(2) سورة الاسراء: 23.
---

[229]
(77)
الأصل:
خذ الحكمه أنى كانت فإن الحكمه تكون في صدر المنافق فتلجلج في صدره حتى تخرج فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن.
قال الرضى رحمه الله تعالى - وقد قال على(عليه السلام) في مثل ذلك: الحكمه ضاله المؤمن فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق.
* * *
الشرح:
خطب الحجاج فقال إن الله أمرنا بطلب الاخرة وكفانا مئونه الدنيا فليتنا كفينا مئونه الاخرة وأمرنا بطلب الدنيا! فسمعها الحسن فقال: هذه ضاله المؤمن خرجت من قلب المنافق.
وكان سفيان الثوري يعجبه كلام أبى حمزه الخارجي ويقول: ضاله المؤمن على لسان المنافق تقوى الله أكرم سريره وأفضل ذخيره منها ثقه الواثق وعليها مقه الوامق.
ليعمل كل أمرئ في مكان نفسه وهو رخى اللبب طويل السبب ليعرف ممد يده وموضع قدمه وليحذر الزلل والعلل المانعة من العمل.
رحم الله عبدا آثر التقوى واستشعر شعارها واجتنى ثمارها باع دار البقاء بدار الاباد الدنيا كروضه يونق مرعاها وتعجب من رآها تمج عروقها الثرى وتنطف فروعها بالندى حتى إذا بلغ العشب إناه وانتهى الزبرج منتهاه ضعف العمود وذوى العود وتولى من الزمان ما لا يعود، فحتت الرياح الورق، وفرقت ما كان اتسق، فأصبحت هشيما، وأمست رميما.
---

[230]
(78)
الأصل:
قيمه كل امرئ ما يحسنه.
قال الرضى رحمه الله تعالى: وهذه الكلمه التى لا تصاب لها قيمه، ولا توزن بها حكمه، ولا تقرن إليها كلمه.
* * *
الشرح:
قد سلف لنا في فضل العلم أقوال شافيه، ونحن نذكر هاهنا نكتا أخرى.
يقال: إن من كلام أردشيربن بابك في رسالته إلى أبناء الملوك: بحسبكم دلاله على فضل العلم أنه ممدوح بكل لسان، يتزين به غير أهله، ويدعيه من لا يصلق به.
قال: وبحسبكم دلاله على عيب الجهل أن كل أحد ينتفى منه، ويغضب أن يسمى به.
وقيل لانوشروان: ما بالكم لاتستفيدون من العلم شيئا إلا زادكم ذلك عليه حرصا؟ قال لانا لا نستفيد منه شيئا إلا ازددنا به رفعه وعزا.
وقيل له ما بالكم لا تأنفون من التعلم من كل أحد؟ قال: لعلمنا بأن العلم نافع من حيث أخذ.
وقيل لبزرجمهر: بم أدركت ما أدركت من العلم؟ قال ببكور كبكور الغراب وحرص كحرص الخنزير وصبر كصبر الحمار.
وقيل له العلم أفضل أم المال؟ فقال العلم، قيل: فما بالنا نرى أهل العلم على
---

[231]
أبواب أهل المال أكثر مما نرى أصحاب الاموال على أبواب العلماء! قال: ذاك أيضا عائد إلى العلم والجهل وإنما كان كما رأيتم لعلم العلماء بالحاجه إلى المال، وجهل أصحاب المال بفضيله العلم.
وقال الشاعر: تعلم فليس المرء يخلق عالما * * وليس أخو علم كمن هو جاهل وإن كبير القوم لا علم عنده * * صغير إذا التفت عليه المحافل
---

[232]
(79)
الأصل:
اوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الابل لكانت لذلك أهلا لا يرجون أحد منكم إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحين أحد منكم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم ولا يستحين أحد إذا لم يعلم الشئ أن يتعلمه، وعليكم بالصبر، فإن الصبر من الايمان كالرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس معه، ولا خير في إيمان لا صبر معه.
* * *
الشرح:
قد تقدم الكلام في جميع الحكم المنطوى عليها هذا الفصل، وقال أبو العتاهية: والله لا ارجو سوا * * ك ولا أخاف سوى ذنوبي فاغفر ذنوبي يا رحي‍* * م فأنت ستار العيوب وكان يقال: من استحيا من قول: " لا أدرى " كان كمن يستحيى من كشف ركبته، ثم يكشف سوءته وذلك لان من امتنع من قول " لا أدرى " وأجاب بالجهل والخطأ فقد واقع ما يجب في الحقيقة أن يستحيا منه وكف عما ليس بواجب أن يستحيا منه، فكان شبيها بما ذكرناه في الركبه والعورة.
وكان يقال يحسن بالانسان التعلم ما دام يقبح منه الجهل، وكما يقبح منه الجهل ما دام حيا كذلك يحسن به التعلم ما دام حيا.
وأما الصبر فقد سبق فيه كلام مقنع، وسيأتى فيما بعد جمله من ذلك.
---

[233]
(80) الاصل وقال(عليه السلام) لرجل أفرط في الثناء عليه وكان له متهما: أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك * * *
الشرح قد سبق منا قول مقنع في كراهيه مدح الانسان في وجهه.
وكان عمر جالسا وعنده الدره، إذ أقبل الجارود العبدى، فقال رجل: هذا الجارود سيد ربيعه، فسمعها عمر ومن حوله، وسمعها الجارود، فلما دنا منه خفقه بالدره فقال: ما لى ولك يا أمير المؤمنين! قال: ما لى ولك! أما لقد سمعتها، قال: وما سمعتها فمه! قال: ليخالطن قلبك منها شئ، وأنا أحب أن أطأطى منك.
وقالت الحكماء: إنه يحدث للممدوح في وجهه أمران مهلكان: أحدهما الاعجاب بنفسه، والثانى إذا أثنى عليه بالدين أو العلم فتر وقل إجتهاده، ورضى عن نفسه، ونقص تشميره وجده في طلب العلم والدين فإنه إنما يتشمر من رأى نفسه مقصرا فأما من أطلقت الالسن بالثناء عليه فإنه يظن أنه قد وصل وأدرك، فيقل اجتهاده، ويتكل على ما قد حصل له عند الناس، ولهذا قال النبي(صلى الله عليه وسلم) لمن مدح
---

[234]
إنسانا كاد يسمعه: " ويحك! قطعت عنق صاحبك، لو سمعها لما أفلح ".
فأما قوله(عليه السلام) له: " وفوق ما في نفسك "، فإنه إنما أراد أن ينبهه على أنه قد عرف أنه كان يقع فيه، وينحرف عنه، وإنما أراد تعريفه ذلك لما رآه من المصلحة إما لظنه أنه يقلع عما كان يذمه به، أو ليعلمه بتعريفه أنه قد عرف ذلك، أو ليخوفه ويزجره، أو لغير ذلك.
---

[235]
(81)
الأصل:
بقيه السيف أنمى عددا، وأكثر ولدا.
* * *
الشرح:
قال شيخنا أبو عثمان: ليته لما ذكر الحكم ذكر العله! ثم قال: قد وجدنا مصداق قوله في أولاده وأولاد الزبير وبنى المهلب وأمثالهم ممن أسرع القتل فيهم.
وأتى زياد بامرأة من الخوارج فقال لها: أما والله لاحصدنكم حصدا، ولافنينكم عدا، فقالت: كلا إن القتل ليزرعنا، فلما هم بقتلها تسترت بثوبها، فقال: اهتكوا سترها لحاها الله!(1) فقالت: إن الله لا يهتك ستر أوليائه، ولكن التى هتك(2) سترها على يد ابنها سميه، فقال: عجلوا قتلها أبعدها الله فقتلت.
---
(1) لحاه الله، أي قبحة ولعنة.
(2) ا: " هتكت ".
---

[236]
(82)
الأصل:
من ترك قول: " لا أدرى " أصيبت مقاتله.
* * *
الشرح:
جاءت امرأه إلى بزرجمهر، فسألته عن مسألة فقال: لا أدرى، فقالت: أيعطيك الملك كل سنه كذا كذا وتقول لا أدرى، فقال: إنما يعطينى الملك على ما أدرى، ولو أعطاني على ما لا أدرى لما كفانى بيت ماله.
وكان يقول: قول " لا أعلم " نصف العلم.
وقال بعض الفضلاء: إذا قال لنا إنسان: " لا أدرى " علمناه حتى يدرى، وإن قال: أدرى، امتحناه حتى لا يدرى.
---

[237]
(83)
الأصل:
رأى الشيخ أحب إلى من جلد الغلام.
ويروى: " من مشهد الغلام ".
* * *
الشرح:
إنما قال كذلك لان الشيخ كثير التجربه، فيبلغ من العدو برأيه ما لا يبلغ بشجاعته الغلام الحدث غير المجرب، لانه قد يغرر بنفسه فيهلك ويهلك أصحابه، ولا ريب أن الرأى مقدم على الشجاعة، ولذلك قال أبو الطيب: الرأى قبل شجاعه الشجعان * * هو أول وهى المحل الثاني(1) فإذا هما اجتمعا لنفس مره * * بلغت من العلياء كل مكان و(2) ولربما طعن الفتى أقرانه * * بالرأى قبل تطاعن الاقران لولا العقول لكان أدنى ضيغم * * أدنى إلى شرف من الانسان ولما تفاضلت الرجال ودبرت * * أيدى الكماة عوالي المران ومن وصايا أبرويز إلى ابنه شيرويه: لا تستعمل على جيشك غلاما غمرا ترفا، قد كثر إعجابه بنفسه، وقلت تجاربه في غيره، ولا هرما كبيرا مدبرا قد أخذ الدهر من عقله، كما أخذت السن من جسمه، وعليك بالكهول ذوى الرأى!
---
(1) ديوانه 4: 174، 175(2) النفس المرة: القوية الشديدة.
من قوله تعالى " ذومرة فاستوى ".
---

[238]
وقال لقيط بن يعمر الايادي في هذا المعنى وقلدوا أمركم لله دركم * * رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا(1) لا مترفا إن رخاء العيش ساعده * * ولا إذا عض مكروه به خشعا(2) ما زال يحلب هذا الدهر أشطره * * يكون متبعا طورا ومتبعا(3) حتى استمر على شزر مريرته * * مستحكم الرأى لا قحما ولا ضرعا(4)
---
(1) مختارات ابن الشجرى 1: 5.
مضطلعا، من الضلاعة، وهى القوة.
(2) خشع، أي خضع للامر.
(3) ابن الشجرى: " ما انفك يحلب ":(4) الشزر: فتل الحبل مما يلى اليسار والقحم: الشيخ الكبير السن الهم.
والضرع: الرجل الضعيف.
---

[239]
(84)
الأصل:
عجبت لمن يقنط ومعه الاستغفار.
* * *
الشرح:
قالوا: الاستغفار حوارس الذنوب.
وقال بعضهم: العبد بين ذنب ونعمه لا يصلحهما إلا الشكر والاستغفار.
وقال الربيع بن خثعم(1): " لا يقولن أحدكم أستغفر الله وأتوب إليه " فيكون ذنبا وكذبا إن لم يفعل، ولكن ليقل: اللهم اغفر لى وتب على.
وقال الفضيل: الاستغفار بلا إقلاع(2) توبه الكذابين.
وقيل: من قدم الاستغفار على الندم، كان مستهزئا بالله وهو لا يعلم.
---
(1) كذا في ا، وفي ب: " خثم ".
(2) الاقلاع: ترك الدنوب.
---

[240]
(85)
الأصل:
وحكى عنه أبو جعفر محمد بن على الباقر(عليهما السلام) أنه كان(عليه السلام) قال: كان في الارض أمانان من عذاب الله، وقد رفع أحدهما، فدونكم الاخر فتمسكوا به، أما الامان الذى رفع فهو رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، وأما الامان الباقي فالاسغفار قال الله، تعالى:(وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)(1).
قال الرضى رحمه الله تعالى: وهذا من محاسن الاستخراج، ولطائف الاستنباط * * *
الشرح:
قال قوم من المفسرين و:(هم يستغفرون)، في موضع الحال: والمراد نفى الاستغفار عنهم أي لو كانوا ممن يستغفرون لما عذبهم، وهذا مثل قوله تعالى:(وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون(2)، فكأنه قال لكنهم لا يستغفرون فلا انتفاء للعذاب عنهم.
وقال قوم: معناه، وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفروهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من المستضعفين(3).
---
(1) سورة الانفال 33.
(2) سورة هود 117.
(3 - 3) ساقط من ا.
---

[241]
ثم قال:(وما لهم ألا يعذبهم الله)(1)، أي ولاى سبب لا يعذبهم الله مع وجود ما يقتضى العذاب، وهو صدهم المسلمين والرسول عن البيت في عام الحديبيه! وهذا يدل على أن ترتيب القرآن ليس على ترتيب الوقائع والحوادث، لان سوره الانفال نزلت عقيب وقعه بدر في السنه الثانيه من الهجره، وصد الرسول(صلى الله عليه وسلم) عن البيت كان في السنه السادسة، فكيف يجعل آيه نزلت في السنه السادسة في سوره نزلت في السنه الثانيه! وفي القرآن كثير من ذلك، وإنما رتبه قوم من الصحابة في أيام عثمان
---
(1) سورة الانفال 34---

[242]
(86)
الأصل:
من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس ومن أصلح أمر آخرته أصلح الله أمر دنياه ومن كان له من نفسه واعظ، كان عليه من الله حافظ.
* * *
الشرح:
مثل الكلمه الاولى قولهم: رضا المخلوقين عنوان رضا الخالق، وجاء في الحديث المرفوع: " ما من وال رضى الله عنه إلا أرضى عنه رعيته ".
ومثل الكلمه الثانيه دعاء بعضهم في قوله: أنا شاكر أنا مادح أنا حامد * * *
أنا خائف أنا جائع أنا عار هي سته وأنا الضمين بنصفها * * فكن الضمين بنصفها يابارى.
ومثل الكلمه الثالثه قوله تعالى:(إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)(1)
---
(1) سورة النحل 128.
---

[243]
(87) الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمه الله، ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله.
* * *
الشرح:
قل موضع من الكتاب العزيز يذكر فيه الوعيد إلا ويمزجه بالوعد مثل أن يقول: " إن ربك سريع العقاب " ثم يقول: " وإنه لغفور رحيم "، والحكمة تقتضي هذا ليكون المكلف مترددا بين الرغبة والرهبه.
ويقولون في الامثال المرموزة: لقى موسى وهو ضاحك مستبشر عيسى وهو كالح قاطب، فقال عيسى: مالك كأنك آمن من عذاب الله؟ فقال موسى(عليه السلام): مالك كأنك آيس من روح الله! فأوحى الله إليهما: موسى أحبكما إلى شعارا فانى عند حسن، ظن عبدى بى.
وأعلم أن أصحابنا وإن قالوا بالوعيد فإنهم لا يؤيسون أحدا ولا يقنطونه من رحمة الله، وإنما يحثونه على التوبه، ويخوفونه إن مات من غير توبه، وبحق ما قال شيخنا أبو الهذيل: لو لا مذهب الارجاء لما عصى الله في الارض، وهذا لاريب فيه، فإن أكثر العصاة إنما يعولون على الرحمه، وقد اشتهر
---

[244]
واستفاض بين الناس أن الله تعالى يرحم المذنبين، فإنه وإن كان هناك عقاب فأوقاتا معدوده، ثم يخرجون إلى الجنه، والنفوس تحب الشهوات العاجله، فتهافت الناس على المعاصي وبلوغ الشهوات والمآرب، معولين على ذلك، فلو لا قول المرجئه وظهوره بين الناس لكان العصيان إما معدوما، أو قليلا جدا.
---

[245]
(88)
الأصل:
أوضع العلم ما وقف على اللسان، وأرفعه ما ظهر في الجوارح والاركان.
* * *
الشرح:
هذا حق، لان العالم إذا لم يظهر من علمه إلا لقلقه لسانه من غير أن تظهر منه العبادات، كان عالما ناقصا، فأما إذا كان يفيد الناس بألفاظه ومنطقه، ثم يشاهده الناس على قدم عظيمه من العبادة، فإن النفع يكون به عاما تاما، وذلك لان الناس يقولون: لو لم يكن يعتقد حقيقه ما يقوله لما أدأب نفسه هذا الدأب.
وأاما الاول فيقولون فيه: كل ما يقوله نفاق وباطل، لانه لو كان يعتقد حقيقه(1) ما يقول لاخذ به، ولظهر ذلك في حركاته، فيقتدون بفعله لا بقوله، فلا يشتغل(2) أحد منهم بالعبادة ولا يهتم بها.
---
(1) د: " أحقية ".
(2) ا: " يشتغلون ".
---

[246]
(89)
الأصل:
إن هذه القلوب تمل كما تمل الابدان، فابتغوا لها طرائف الحكمه.
* * *
الشرح:
لو قال: إنها تمل كما تمل الابدان، فأحمضوا(1) كما نقل عن غيره لحمل ذلك على أنه أراد نقلها إلى الفكاهات والاخبار والاشعار، ولكنه لم يقل ذلك، ولكن قال: " فابتغوا لها طرائف الحكمه "، فوجب أن يحمل كلامه(عليه السلام) على أنه أراد أن القلوب تمل من الانظار العقليه، في البراهين الكلامية على التوحيد والعدل، فابتغوا لها عند ملالها طرائف الحكمه، أي الامثال الحكميه الراجعة إلى الحكمه الخلقيه، كما نحن ذاكروه في كثير من فصول هذا الباب، مثل مدح الصبر، والشجاعه، والزهد والعفه، وذم الغضب والشهوه، والهوى، وما يرجع إلى سياسه الانسان نفسه، وولده، ومنزله، وصديقه، وسلطانه ونحو ذلك فإن هذا علم آخر وفن آخر، لا تحتاج القلوب فيه إلى فكر واستنباط، فتتعب وتكل بترادف النظر والتأمل عليها، وفيه أيضا لذه عظيمه للنفس.
وقد جاء في إجمام النفس كثير.
قال بعضهم روحوا القلوب برواتع(2) الذكر.
---
(1) يقال: أحمض القوم إحماضا، إذا أفاضوا فيما يؤنسهم من الحديث والكلام، كما يقال: فكه ومتفكه.
(2) د: " تعى ".
---

[247]
وعن سلمان الفارسى: أنا أحتسب نومتي كما أحتسب قومتى.
وقال عمر بن عبد العزيز: إن نفسي راحلتي، إن كلفتها فوق طاقتها انقطعت بى.
وقال بعضهم: روحوا الاذهان، كما تروحوا الابدان.
وقال أردشير بن بابك: إن للاذان مجة، وللقلوب ملة ففرقوا بين الحكمتين(1) بلهو يكن ذلك استجماما.
---
(1) د: الحكمين ".
---

[248]
(90)
الأصل:
لا يقولن أحدكم: اللهم إنى أعوذ بك من الفتنه، لانه ليس أحد إلا وهو مشتمل على فتنه ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلات الفتن، فإن الله سبحانه يقول:(واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنه).
ومعنى ذلك أنه سبحانه يختبر عباده بالاموال والاولاد ليتبين الساخط لرزقه، والراضي بقسمه، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الافعال التى بها يستحق الثواب والعقاب، لان بعضهم يحب الذكور ويكره الاناث، وبعضهم يحب تثمير المال، ويكره انثلام الحال.
قال الرضى رحمه الله تعالى: وهذا من غريب ما سمع منه(عليه السلام) في التفسير الشرح:
الفتنه لفظ مشترك، فتاره تطلق على الجائحه والبليه تصيب الانسان، تقول: قد افتتن زيد وفتن فهو مفتون إذا أصابته مصيبه فذهب ماله أو عقله أو نحو ذلك، قال تعالى:(إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) يعنى الذين عذبوهم بمكه ليرتدوا عن الاسلام، وتاره تطلق على الاختبار والامتحان، يقال: فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته، ودينار مفتون، وتاره تطلق على الاحراق، قال تعالى:
---
(1) سورة البروج 10.
---

[249]
(يوم هم على النار يفتنون)(1) وورق مفتون، أي فضه محرقه، ويقال للحره: فتين كأن حجارتها محرقه، وتاره تطلق على الضلال، يقال رجل فاتن ومفتن، أي مضل عن الحق جاء ثلاثيا ورباعيا، قال تعالى:(ما أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم) أي بمضلين، وقرأ " قوم مفتنين "، فمن قال: إنى أعوذ بك من الفتنه، وأراد الجائحه، أو الاحراق أو الضلال، فلا بأس بذلك وإن أراد الاختبار والامتحان فغير جائز، لان الله تعالى أعلم بالمصلحة، وله أن يختبر عباده لا ليعلم حالهم، بل ليعلم بعض عباده حال بعض، وعندي أن أصل اللفظه هو الاختبار والامتحان، وأن الاعتبارات الاخرى راجعه إليها، وإذا تأملت علمت صحه ما ذكرناه.
---
(1) سورة الذاريات 13.
(2) سورة الصافات 162، 163.
---

[250]
(91)
الأصل:
وسئل عن الخير ما هو؟ فقال: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك، وأن يعظم حلمك، وأن تباهى الناس بعباده ربك، فإن أحسنت حمدت الله، وإن أسأت استغفرت الله.
ولا خير في الدنيا إلا لرجلين: رجل أذنب ذنوبا فهو يتداركها بالتوبه، ورجل يسارع في الخيرات، ولا يقل عمل مع التقوى، وكيف يقل ما يتقبل! * * *
الشرح:
قد قال الشاعر لهذا المعنى: ليس السعيد الذى دنياه تسعده * * بل السعيد الذى ينجو من النار قوله(عليه السلام): " ولا يقل عمل مع التقوى "، أي مع اجتناب الكبائر، لانه لو كان موقعا لكبيره لما تقبل منه عمل أصلا على قول أصحابنا، فوجب أن يكون المراد بالتقوى اجتناب الكبائر، فأما مذهب المرجئه فإنهم يحملون التقوى هاهنا على الاسلام، لان المسلم عندهم تتقبل أعماله، وإن كان مواقعا للكبائر.
فإن قلت: فهل يجوز حمل لفظه " التقوى " على حقيقتها، وهى الخوف؟ قلت: لا.
أما على مذهبنا فلان من يخاف الله ويواقع الكبائر لا تتقبل أعماله،
---

[251]
وأما مذهب المرجئه فلان من يخاف الله من مخالفى ملة الاسلام لا تتقبل أعماله، فثبت أنه لا يجوز حمل التقوى هاهنا على الخوف.
فإن قلت: من هو مخالف لملة الاسلام لا يخاف الله لانه لا يعرفه.
قلت: لا نسلم، بل يجوز أن يعرف الله بذاته وصفاته، كما نعرفه نحن، ويجحد النبوه لشبهة وقعت له فيها، فلا يلزم من جحد النبوة عدم معرفة الله تعالى.
---

[252]
(92)
الأصل:
إن أولى الناس بالانبياء أعلمهم بما جاءوا به، ثم تلا(عليه السلام):(إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا..) الايه.
ثم قال(عليه السلام) إن ولى محمد من أطاع الله وإن بعدت لحمته، وإن عدو محمد من عصى الله وإن قربت قرابته.
* * *
الشرح:
هكذا الرواية اعلمهم "، والصحيح " أعملهم "، لان استدلاله بالايه يقتضى ذلك، وكذا قوله فيما بعد.
" إن ولى محمد من أطاع الله..
" إلى آخر الفصل، فلم يذكر العلم، وإنما ذكر العمل.
واللحمة بالضم: النسب والقرابة، وهذا مثل الحديث المرفوع: " ائتونى بأعمالكم، ولا تأتوني بأنسابكم، إن أكرمكم عند الله أتقاكم "، وفى الحديث الصحيح: " يا فاطمه بنت محمد، إنى لا أغنى عنك من الله شيئا ".
وقال رجل لجعفر بن محمد(عليه السلام): أ رأيت قوله(صلى الله عليه وسلم): " إن فاطمه أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار "، أليس هذا أمانا لكل فاطمي في الدنيا؟ فقال: إنك لاحمق، إنما أراد حسنا وحسينا، لانهما من لحمه أهل البيت، فأما من عداهما فمن قعد به عمله لم ينهض به نسبه.
---

[253]
(93)
الأصل:
وسمع(عليه السلام) رجلا من الحروريه يتهجد ويقرأ، فقال: نوم على يقين، خير من صلاه على شك.
* * *
الشرح:
هذا نهى عن التعرض للعباده مع الجهل بالمعبود، كما يصنع اليوم كثير من الناس، ويظنون أنهم خير الناس، والعقلاء الالباء من الناس يضحكون منهم، ويستهزئون بهم، والحروريه: الخوارج، وقد سبق القول فيهم.
وفى نسبتهم إلى حروراء.
(1) يقول(عليه السلام): ترك التنفل بالعبادات مع سلامه العقيده الاصليه، خير من الاشتغال بالنوافل وأوراد الصلاه مع عدم العلم، وهو المعنى بقوله: " في شك "، فإذا كان عدم التنفل خيرا من التنفل مع الشك فهو مع الجهل المحض - وهو الاعتقاد الفاسد - أولى بأن يكون.
---
(1) حروراء: قرية بظاهر الكوفة، بها الخوارج الذين خالفوا على بن أبي طالب، وبها كان أول تحكيمهم واجتماعهم حين خالفوا عليه ".
---

[254]
(94)
الأصل:
اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل روايه، فإن رواه العلم كثير، ورعاته قليل.
* * *
الشرح:
نهاهم(عليه السلام) عن أن يقتصروا إذا سمعوا منه أو من غيره أطرافا(1) من العلم والحكمه، على أن يرووا ذلك روايه كما يفعله اليوم المحدثون، وكما يقرأ أكثر الناس القرآن دراسة ولا يدرى من معانيه إلا اليسير.
وأمرهم أن يعقلوا ما يسمعونه عقل رعاية أي معرفة وفهم.
ثم قال لهم: " إن رواه العلم كثير، ورعاته قليل " أي من يراعيه ويتدبره، وصدق(عليه السلام)!
---
(1) ا: " طرفا ".
---

[255]
(95)
الأصل:
وقال(عليه السلام) وقد سمع رجلا يقول(إنا لله وإنا إليه الراجعون)، فقال: إن قولنا " إنا لله " إقرار على أنفسنا بالملك، وقولنا: " وإنا إليه راجعون " إقرار على أنفسنا بالهلك * * *
الشرح:
قوله إنا لله اعتراف بأنا مملوكون لله وعبيد له، لان هذه اللام لام التمليك، كما تقول: الدار لزيد، فأما قوله:(وإنا إليه راجعون)(1) فهو، إقرار واعتراف بالنشور والقيامة، لان هذا هو معنى الرجوع إليه سبحانه، واقتنع أمير المؤمنين عن التصريح بذلك فذكر الهلك، فقال: إنه إقرار على أنفسنا بالهلك، لان هلكنا مفض إلى رجوعنا يوم القيامة إليه سبحانه، فعبر بمقدمة الشئ عن الشئ نفسه، كما يقال: الفقر الموت، والحمى الموت، ونحو ذلك.
ويمكن أن يفسر ذلك على قول مثبتى النفس الناطقه بتفسير آخر فيقال: إن النفس ما دامت في أسر تدابير البدن فهى بمعزل عن مبادئها، لانها مشتغله مستغرقه بغير ذلك، فإذا مات البدن رجعت النفس إلى مبادئها، فقوله:(وإنا إليه راجعون) إقرار بما لا يصح الرجوع بهذا التفسير إلا معه وهو الموت المعبر عنه بالهلك.
---
(1) سورة البقرة 156.
---

[256]
(96)
الأصل:
وقال(عليه السلام) ومدحه قوم في وجهه: اللهم إنك أعلم بى من نفسي، وأنا أعلم بنفسى منهم.
اللهم اجعلني خيرا مما يظنون، واغفر لى ما لا يعلمون! * * *
الشرح:
قد تقدم القول في كراهيه مدح الانسان في وجهه.
وفي الحديث المرفوع: " إذا مدحت أخاك في وجهه، فكأنما أمررت على حلقه موسى وميضة ".
وقال أيضا لرجل مدح رجلا في وجهة: " عقرت الرجل عقرك الله ".
وقال أيضا: لو مشى رجل إلى رجل بسيف مرهف كان خيرا له من أن يثنى عليه في وجهه ".
ومن كلام عمر: المدح هو الذبح، قالوا لان المذبوح ينقطع عن الحركه والاعمال، وكذلك المدوح يفتر عن العمل.
ويقول: قد حصل في القلوب والنفوس ما استغنى به عن الحركة والجد.
ومن أمثال الفلاحين: إذا طار لك صيت بين الحصاده، فاكسر منجلك.
---

[257]
وقال مطرف بن الشخير: ما سمعت من ثناء أحد على، أو مدحه أحد لى، إلا وتصاغرت إلى نفسي.
وقال زياد بن ابى مسلم: ليس أحد سمع ثناء أحد عليه إلا وتراءى له شيطان، ولكن المؤمن يراجع.
فلما ذكر كلامهما لابن المبارك قال: صدقا، أما قول زياد فتلك قلوب العوام، وأما قول مطرف فتلك قلوب الخواص.
---

[258]
(97)
الأصل:
وقال(عليه السلام): لايسيم قضاء الحوائج إلا بثلاث: باستصغارها لتعظم، وباستكتامها لتظهر، وبتعجيلها لتهنؤ.
* * *
الشرح:
قد تقدم لنا قول مستقصى في هذا النحو: وفي الحوائج وقضائها واستنجاحها.
وقد جاء في الحديث المرفوع: " استعينوا على حاجاتكم بالكتمان، فإن كل ذى نعمة محسود ".
وقال خالد بن صفوان: لا تطلبوا الحوائج في غير حينها، ولا تطلبوها إلى غير أهلها، ولا تطلبوا ما لستم له بأهل فتكونوا للمنع خلقاء.
وكان يقال: لكل شئ أس، وأس الحاجه تعجيل أروح من التأخير.
وقال رجل لمحمد بن الحنفيه: جئتك في حويجه، قال: فاطلب لها رجيلا! وقال شبيب بن شبة بن عقال: أمران لا يجتمعان إلا وجب النجح، وهما العاقل لا يسأل إلا ما يجوز، والعاقل لايرد سائله عما يمكن.
وكان يقال: من استعظم حاجة أخيه إليه بعد قضائها امتنانا بها فقد استصغر نفسه.
---

[259]
وقال أبو تمام في المطل(1): وكان المطل في بدء وعود * * دخانا للصنيعه وهى نار(2) نسيب البخل مذ كانا وإلا * * يكن نسب فبينهما جوار لذلك قيل: بعض المنع أدنى * * إلى جود، وبعض الجود عار
---
(1) ديوانه 2: 159 - بشرح التبريزي(2) قال شارح ديوانه: " أي يتأذى بالمطل كما يتأذى بالدخان، فكما أن المحمود من النار أن تخلص من الدخان، كذلك المحمود من العطاء خلوصه من المطل ".
---

[260]
(98)
الأصل:
يأتي على الناس زمان لا يقرب فيه إلا الماحل، ولا يظرف فيه إلا الفاجر، ولا يضعف فيه إلا المنصف، يعدون الصدقة فيه غرما، وصله الرحم منا، والعبادة استطاله على الناس، فعند ذلك يكون السلطان بمشوره الاماء، وإمارة الصبيان، وتدبير الخصيان.
* * *
الشرح:
المحل: المكر والكيد، يقال محل به إذا سعى به إلى السلطان، فهو ماحل ومحول، والمماحلة: المماكرة والمكايدة.
قوله: " ولا يظرف فيه إلا الفاجر "، لا يعد الناس الانسان ظريفا إلا إذا كان خليعا ما جنا متظاهرا بالفسق.
وقوله: " ولا يضعف فيه إلا المنصف "، أي إذا رأوا إنسانا عنده ورع وإنصاف في معاملته الناس عدوه ضعيفا، ونسبوه إلى الركة والرخاوة وليس الشهم عندهم إلا الظالم.
ثم قال: " يعدون الصدقة غرما "، أي خسارة(1)، ويمنون إذا وصلوا الرحم
---
(1) ا: " غرما وخسارة ".
---

[261]
وإذا كانوا ذوى عباده استطالوا بها على الناس وتبجحوا بها، وأعجبتهم أنفسهم، واحتقروا غيرهم.
قال: فعند ذلك يكون السلطان والحكم بين الرعايا بمشورة الاماء..
إلى آخر الفصل، وهو من باب الاخبار عن الغيوب وهى إحدى آياته، والمعجزات المختص بها دون الصحابة.
---

[262]
(99)
الأصل:
وقال(عليه السلام): وقد رئى عليه إزار خلق مرقوع، فقيل له في ذلك، فقال: يخشع له القلب، وتذل به النفس ويقتدى به المؤمنون.
* * *
الشرح:
قد تقدم القول في هذا الباب، وذكرنا أن الحكماء والعارفين فيه على قسمين: منهم من آثر لبس الادنى على، ومنهم من عكش الحال، وكان عمر بن الخطاب من أصحاب المذهب الاول، وكذلك أمير المؤمنين، وهو شعار عيسى بن مريم(عليه السلام)، كان يلبس الصوف وغليظ الثياب، وكان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يلبس النوعين جميعا، وأكثر لبسه كان الجيد من الثياب مثل أبراد اليمن، وما شاكل ذلك، وكانت ملحفته مورسة(1) حتى إنها لتردع(2) على جلده كما جاء في الحديث.
ورئى محمد بن الحنفية(عليه السلام) واقفا بعرفات على برذون أصفر، وعليه مطرف خز أصفر، وجاء فرقد السبخى(3) إلى الحسن وعلى الحسن مطرف خز، فجعل ينظر إليه وعلى فرقد ثياب صوف، فقال الحسن: ما بالك تنظر إلى وعلى ثياب أهل الجنة،
---
(1) مورسة، أي مصبوغة بالوري، وهو نبت أصفر يكون باليمن، تصبغ به الثياب.
(2) في اللسان عن ابن عباس: " لم ينه عن شئ من الاردية عن المزعفرة التى تردع على الجلد " قال: أي تنفض صبغها عليه، وثوب رديع، مصبوغ بالزعفران.
(3) ب: " السنجى "، والصواب ما أثبته، منسوب إلى السبخة، موضع بالبصرة، ذكره ياقوت، وذكر بنسبة فرقد إليه.
---

[263]
وعليك ثياب أهل النار! إن أحدكم ليجعل الزهد في ثيابه والكبر في صدره، فلهو أشد عجبا بصوفه من صاحب المطرف.
وقال ابن السماك لاصحاب الصوف: إن كان لباسكم هذا موافقا لسرائركم فلقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، ولئن كان مخالفا لها لقد هلكتم.
وكان عمر بن عبد العزيز على قاعده عمر بن الخطاب في ملبوسه، وكان قبل الخلافة يلبس الثياب المثمنه جدا، كان يقول: لقد خفت أن يعجز ما قسم الله لى من الرزق عما أريده من الكسوة وما لبست ثوبا جديدا قط إلا وخيل لى حين يراه الناس أنه سمل أو بال، فلما ولى الخلافه ترك ذلك كله.
وروى سعيد بن سويد، قال: صلى بنا عمر بن عبد العزيز الجمعه، ثم جلس وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه فقال له رجل: إن الله أعطاك يا أمير المؤمنين، فلو لبست فنكس مليا ثم رفع رأسه فقال: إن أفضل القصد ما كان عند الجدة، وأفضل العفو ماكان عند المقدرة.
وروى عاصم بن معدله: كنت أرى عمر بن عبد العزيز قبل الخلافه فأعجب من حسن لونه وجوده ثيابه وبزته، ثم دخلت عليه بعد أن ولى، وإذا هو قد احترق واسود ولصق جلده بعظمة، حتى ليس بين الجلد والعظم لحم، وإذا عليه قلنسوة بيضاء قد اجتمع قطنها ويعلم أنها قد غسلت، وعليه سحق(1) أنبجانيه قد خرج سداها، وهو على شاذ كونه(2)، قد لصقت بالارض تحت الشاذ كونه عباءة قطوانية(3) من مشاقة الصوف، وعنده رجل يتكلم، فرفع صوته، فقال له عمر: اخفض قليلا من صوتك، فإنما يكفى الرجل من الكلام قدر ما يسمع صاحبه.
وروى عبيد بن يعقوب أن عمر بن عبد العزيز كان يلبس الفرو الغليظ من الثياب، وكان سراجه على ثلاث قصبات فوقهن طين.
---
(1) جمع سحق، وهو الثوب البالى.
(2) الشاذ كونة: ثياب غلاظ تعمل باليمن.
(3) قطوانية: منسوبة إلى قطوان، موضع بالكوفة.
---

[264]
(100)
الأصل:
إن الدنيا والاخرة عدوان متفاوتان، وسبيلان مختلفان، فمن أحب الدنيا وتولاها أبغض الاخرة وعاداها، وهما بمنزله المشرق والمغرب وماش بينهما، كلما قرب من واحد بعد من الاخر، وهما بعد ضرتان.
* * *
الشرح:
هذا الفصل بين في نفسه لا يحتاج إلى شرح، وذلك لان عمل كل واحد من الدارين مضاد لعمل الاخرى، فعمل هذه: الاكتساب، والاضطراب(1) في الرزق، والاهتمام بأمر المعاش، والولد والزوجة، وما ناسب ذلك.
وعمل هذه: قطع العلائق، ورفض الشهوات، والانتصاب للعبادة وصرف الوجه عن كل ما يصد عن ذكر الله تعالى، ومعلوم أن هذين العملين متضادان، فلا جرم كانت الدنيا والاخرة ضرتين لا يجتمعان!
---
(1) ا: " والضرب في سبيل الرزق ".
---

[265]
(101)
الأصل:
وعن نوف البكائى - وقيل البكالى باللام، وهو الاصح - قال: رأيت أمير المؤمنين(عليه السلام) ذات ليلة وقد خرج من فراشه فنظر إلى النجوم، فقال: يا نوف، أراقد أنت أم رامق؟ قلت: بل رامق يا أمير المؤمنين، فقال: يا نوف، طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الاخرة! أولئك قوم اتخذوا الارض بساطا، وترابها فراشا، وماءها طيبا، والقرآن شعارا والدعاء دثارا، ثم قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح.
يا نوف، إن داود(عليه السلام) قام في مثل هذه الساعه من الليل، فقال: إنها لساعة لا يدعو فيها عبد إلا استجيب له، إلا أن يكون عشارا، أو عريفا، أو شرطيا، أو صاحب عرطبة - وهى الطنبور - أو صاحب كوبة، وهى الطبل.
وقد قيل أيضا: إن العرطبة الطبل والكوبة الطنبور.
* * *
الشرح:
قال صاحب الصحاح: نوف البكالى كان صاحب على(عليه السلام).
وقال ثعلب: هو منسوب إلى قبيله تدعى بكالة، ولم يذكر من أي العرب هي، و الظاهر أنها من اليمن، وأما بكيل فحى من همدان، وإليهم أشار الكميت بقوله: * فقد شركت فيه بكيل وأرحب *(1)
---
(1) صدره: * يقولون لم يورث ولولا تراثه *---

[266]
فأما البكالى في نسب نوف فلا أعرفه.
قوله: أم رامق، أي أم مستيقظ ترمق السماء والنجوم ببصرك.
قوله: قرضوا الدنيا، أي تركوها وخلفوها وراء ظهورهم، قال تعالى:(وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال)(1) أي تتركهم وتخلفهم شمالا، ويقول الرجل لصاحبه: هل مررت بمكان كذا، يقول: نعم قرضته ليلا ذات اليمين، وأنشد لذى الرمة إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف * * شمالا وعن أيمانهن الفوارس(2) قالوا: مشرف والفوارس موضعان، يقول: نظرت إلى ظعن يجزن بين هذين الموضعين
---
(1) سورة الكهف 17.
(2) الصحاح(قرض).
---

[267]
(102)
الأصل:
إن الله تعالى افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحد لكم حدودا فلا تعتدوها، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسيانا فلا تتكلفوها.
* * *
الشرح:
قال الله تعالى:(لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)(1).
وجاء في الاثر: أبهموا ما أبهم الله.
وقال بعض الصالحين لبعض الفقهاء: لم تفرض مسائل لم تقع وأتعبت فيها فكرك! حسبك بالمتداول بين الناس.
قالوا هذا مثل قولهم في باب المسح على الخفين: فإن مسح على خف من زجاج، ونحو ذلك من النوادر الغريبة.
وقال شريك في أبى حنيفة: أجهل الناس بما كان، وأعلمهم بما لم يكن.
وقال عمر: لا تتنازعوا فيما لم يكن فتختلفوا، فإن الامر إذا كان أعان الله عليه، وانتهاك الحرمة: تناولها بما لا يحل، إما بارتكاب ما نهى عنه، أو بالاخلال بما أمر به
---
(1) سورة المائدة 101.
---

[268]
(103)
الأصل:
لا يترك الناس شيئا من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه.
* * *
الشرح:
مثال ذلك إنسان يضيع وقت صلاه الفريضة عليه، وهو مشتغل بمحاسبة وكيله ومخافته على ماله، خوفا أن يكون خانه في شئ منه، فهو يحرص على مناقشته عليه، فتفوته الصلاه.
قال(عليه السلام) من فعل مثل هذا فتح الله عليه في أمر دنياه وماله ما هو أضر عليه مما رام أن يستدركه بإهماله الفريضة.
---

[269]
(104)
الأصل:
رب عالم قد قتله جهله، وعلمه معه لم ينفعه.
* * *
الشرح:
قد وقع مثل هذا كثيرا، كما جرى لعبد الله بن المقفع، وفضله مشهور، وحكمته أشهر من أن تذكر، ولو لم يكن له إلا كتاب،، اليتيمة،، لكفى.
[محنه المقفع] واجتمع ابن المقفع بالخليل بن أحمد، وسمع كل منهما كلام الاخر، فسئل الخليل عنه فقال: وجدت علمه أكثر من عقله، وهكذا كان، فإنه كان مع حكمته متهورا، لاجرم تهوره قتله! كتب كتاب أمان لعبد الله بن على عم المنصور ويوجد فيه خطه، فكان من جملته: ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله، أو أبطن غير ما أظهر أو تأول في شئ من شروط هذا الامان فنساؤه طوالق، ودوابه حبس، وعبيده وإماؤه أحرار، والمسلمون في حل من بيعته.
فاشتد ذلك على المنصور لما وقف عليه، وسأل: من الذى كتب له الامان؟ فقيل له: عبد الله بن المقفع كاتب عميك عيسى وسليمان، ابني على بالبصرة، فكتب المنصور إلى عامله بالبصرة سفيان بن معاويه يأمره بقتله.
وقيل: بل قال: أما أحد يكفيني ابن المقفع! فكتب أبو الخصيب بها إلى
---

[270]
سفيان بن معاويه المهلبى أمير البصرة يومئذ - وكان سفيان واجدا على ابن المقفع لانه كان يعبث به ويضحك منه دائما، فغضب سفيان يوما من كلامه، وافترى عليه، فرد ابن المقفع عليه ردا فاحشا، وقال له: يا بن المغتلمه! وكان يمتنع ويعتصم بعيسى وسليمان ابني على بن عبد الله بن العباس، فحقدها سفيان عليه - فلما كوتب في أمره بما كوتب اعتزم قتله، فاستأذن عليه جماعة من أهل البصرة منهم ابن المقفع، فأدخل ابن المقفع قبلهم، وعدل به إلى حجرة في دهليزه، وجلس غلامه بدابته ينتظره على باب سفيان، فصادف ابن المقفع في تلك الحجرة سفيان بن معاويه، وعنده غلمانه وتنور نار يسجر، فقال له سفيان: أتذكر يوم قلت لى كذا! أمي مغتلمة إن لم أقتلك قتله لم يقتل بها أحد، ثم قطع أعضاءه عضوا عضوا، وألقاها في النار وهو ينظر إليها حتى أتى على جميع جسده، ثم أطبق التنور عليه، وخرج إلى الناس فكلمهم، فلما خرجوا من عنده تخلف غلام ابن المقفع ينتظره فلم يخرج فمضى وأخبر عيسى بن على وأخاه سليمان بحاله، فخاصما سفيان بن معاوية في أمره، فجحد دخوله إليه، فأشخصاه إلى المنصور، وقامت البينة العادله أن ابن المقفع دخل دار سفيان حيا سليما ولم يخرج منها.
فقال المنصور: أنا أنظر في هذا الامر إن شاء الله غدا، فجاء سفيان ليلا إلى المنصور فقال: يا أمير المؤمنين، اتق الله في صنيعتك ومتبع أمرك، قال: لاترع، وأحضرهم في غد، وقامت الشهادة، وطلب سليمان وعيسى القصاص، فقال المنصور: أ رأيتم إن قتلت سفيان بابن المقفع، ثم خرج ابن المقفع عليكم من هذا الباب - وأومأ إلى باب خلفه - من ينصب لى نفسه حتى أقتله بسفيان؟ فسكتوا، واندفع الامر، وأضرب عيسى وسليمان عن ذكر ابن المقفع بعدها، وذهب دمه هدرا.
قيل للاصمعي: أيما كان أعظم ذكاء وفطنة الخليل أم ابن المقفع؟ فقال: كان ابن المقفع أفصح وأحكم، والخليل آدب وأعقل، ثم قال: شتان ما بين فطنة أفضت بصاحبها إلى القتل، وفطنه أفضت بصاحبها إلى النسك والزهد في الدنيا! وكان الخليل قد نسك قبل أن يموت.
---

[271]
(105)
الأصل:
لقد علق بنياط هذا الانسان بضعة هي أعجب ما فيه وهو القلب، وذلك أن له مواد من الحكمة وأضدادا من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الاسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعده الرضا نسى التحفظ، وإن غاله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الامر استلبته الغرة، وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عضته الفاقة شغله البلاء، وإن جهده الجوع قعدت به الضعة وإن أفرط به الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد.
* * *
الشرح:
روى: " قعد به الضعف ".
والنياط عرق علق به القلب من الوتين، فإذا قطع مات صاحبه، ويقال له النيط أيضا.
والبضعة بفتح الباء: القطعه من اللحم، والمراد بها هاهنا القلب، وقال يعتور القلب حالات مختلفات متضادات، فبعضها من الحكمة، وبعضها - وهو المضاد لها - مناف للحكمة ولم يذكرها(عليه السلام)، وليست الامور التى عددها شرحا لما قدمه من هذا الكلام المجمل، وإن ظن قوم أنه أراد ذلك، ألا ترى أن الامور مثال الحكمه وخلافها!
---

[272]
فإن قلت: فما مثال الحكمة وخلافها، وإن لم يذكر(عليه والسلام) مثاله؟ قلت كالشجاعة في القلب وضدها الجبن وكالجود وضده البخل، وكالعفة وضدها الفجور، ونحو ذلك.
فأما الامور التى عددها(عليه السلام) فكلام مستأنف، إنما هو بيان أن كل شئ مما يتعلق بالقلب يلزمه لازم آخر نحو الرجاء، فإن الانسان إذا اشتد رجاؤه أذله الطمع، والطمع يتبع الرجاء، والفرق بين الطمع والرجاء أن الرجاء توقع منفعة ممن سبيله أن تصدر تلك المنفعة عنه، والطمع توقع منفعة ممن يستبعد وقوع تلك المنفعة منه، ثم قال: وإن هاج به الطمع قتله الحرص، وذلك لان الحرص يتبع الطمع، إذا لم يعلم الطامع أنه طامع، وإنما يظن أنه راج.
ثم قال: وإن ملكه اليأس، قتله الاسف، أكثر الناس إذا يئسوا أسفوا.
ثم عدد الاخلاق وغيرها من الامور الواردة في الفصل إلى آخره، ثم ختمه بأن قال: " فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد "، وقد سبق كلامنا في العدالة، وإنها الدرجة الوسطى بين طرفين هما رذيلتان، والعدالة هي الفضيلة، كالجود الذى يكتنفه التبذير والامساك والذكاء الذى يكتنفه الغباوة.
والجربزة(1)، والشجاعة التى يكتنفها الهوج والجبن، وشرحنا ما قاله الحكماء في ذلك شرحا كافيا، فلا معنى لاعادته.
---
(1) الجريرة: الخب والخديعة.
---

[273]
(106)
الأصل:
نحن النمرقة الوسطى التى يلحق بها التالى، وإليها يرجع الغالى.
* * *
الشرح:
النمرق والنمرقة بالضم فيهما: وساده صغيرة، ويجوز النمرقة بالكسر فيهما، ويقال للطنفسة فوق الرحل نمرقة.
والمعنى أن كل فضيله فإنها مجنحة بطرفين معدودين من الرذائل كما أوضحناه آنفا، والمراد أن آل محمد(عليه السلام) هم الامر المتوسط بين الطرفين المذمومين فكل من جاوزهم فالواجب أن يرجع إليهم، وكل من قصر عنهم فالواجب أن يلحق بهم.
فإن قلت: فلم استعار لفظ النمرقة لهذا المعنى؟ قلت: لما كانوا يقولون: قد ركب فلان من الامر منكرا وقد ارتكب الرأى الفلاني، وكانت الطنفسة فوق الرحل مما يركب، استعار لفظ النمرقة لما يراه الانسان مذهبا يرجع إليه ويكون كالراكب له، والجالس عليه، والمتورك فوقه.
ويجوز أيضا أن تكون لفظة " الوسطى " يراد بها الفضلى، يقال: هذه هي الطريقة الوسطى، والخليقه الوسطى، أي الفضلى، ومنه قوله تعالى:(قال أوسطهم)(1) أي أفضلهم، منه:(جعلناكم أمة وسطا)(2).
---
(1) سورة القلم 28.
(2) سورة البقرة 143.
---

[274]
(107)
الأصل:
لا يقيم أمر الله سبحانه إلا من لا يصانع، ولا يضارع، ولا يتبع المطامع.
* * *
الشرح:
قد سبق من كلام عمر شئ يناسب هذا إن لم يكن هو بعينه، والمصانعة بذل الرشوة.
وفى المثل: من صانع بالمال، لم يحتشم من طلب الحاجة.
فإن قلت: كان ينبغى أن يقول " من لا يصانع " بالفتح.
قلت: المفاعلة تدل على كون الفعل بين الاثنين كالمضاربة والمقاتلة.
ويضارع: يتعرض لطلب الحاجة، ويجوز أن يكون من الضراعة وهى الخضوع أي يخضع لزيد ليخضع زيد له، ويجوز أن يكون من المضارعة بمعنى المشابهة، أي لا يتشبه بأئمة الحق أو ولاة الحق، وليس منهم.
وأما اتباع المطامع فمعروف.
---

[275]
(108)
الأصل:
وقال(عليه السلام)، وقد توفى سهل بن حنيف الانصاري بالكوفة بعد مرجعه من صفين معه، وكان من أحب الناس إليه: لو أحبنى جبل لتهافت.
قال الرضى رحمه الله تعالى: ومعنى ذلك أن المحنة تغلظ عليه، فتسرع المصائب إليه، ولا يفعل ذلك إلا بالاتقياء الابرار، المصطفين الاخيار.
وهذا مثل قوله(عليه السلام): " من أحبنا أهل البيت فليستعد للفقر جلبابا " وقد يؤول ذلك على معنى آخر ليس هذا موضع ذكره.
* * *
الشرح:
قد ثبت أن النبي(صلى الله عليه وآله) قال له: " لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق ".
وقد ثبت أن النبي(صلى الله عليه وآله) قال: " إن البلوى أسرع إلى المؤمن من الماء إلى الحدور ".
وفى حديث آخر: " المؤمن ملقى، والكافي موقى ".
وفي حديث آخر: " خيركم عند الله أعظمكم مصائب في نفسه وماله وولده ".
وهاتان المقدمتان يلزمهما نتيجة صادقة، وهى أنه(عليه السلام) لو أحبه جبل لتهافت.
ولعل هذا هو مراد الرضى بقوله: " وقد يؤول ذلك على معنى آخر ليس هذا موضع ذكره
---

[276]
(109)
الأصل:
لا مال أعود من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب، ولا عقل كالتدبير، ولا كرم كالتقوى، ولا قرين كحسن الخلق، ولا ميراث كالادب، ولا قائد كالتوفيق، ولا تجارة كالعمل الصالح، ولا زرع كالثواب، ولا ورع كالوقوف عند الشبهة ولا زهد كالزهد في الحرام، ولا علم كالتفكر، ولا عبادة كأداء الفرائض.
ولا إيمان كالحياء والصبر، ولا حسب كالتواضع ولا شرف كالعلم ولا عز كالحلم، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة.
* * *
الشرح:
قد تقدم الكلام في جميع هذه الحكم.
أما المال فإن العقل أعود منه، لان الاحمق ذا المال طالما ذهب ماله بحمقه، فعاد أحمق فقيرا والعاقل الذى لا مال له طالما اكتسب المال بعقله، وبقى عقله عليه.
وأما العجب فيوجب المقت، ومن مقت أفرد عن المخالطة واستوحش منه، ولاريب أن التدبير هو أفضل العقل، لان العيش كله في التدبير.
وأما التقوى فقد قال الله:(أن أكرمكم عند الله أتقاكم)(1).
---
(1) سورة الحجرات 13.
---

[277]
وأما الادب فقالت الحكماء: ما ورثت الاباء أبناءها كالادب.
وأما التوفيق فمن لم يكن قائده ضل.
وأما العمل الصالح، فإنه أشرف التجارات، فقد قال الله تعالى:(هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم)(1).
ثم عد الاعمال الصالحة.
وأما الثواب فهو الربح الحقيقي، وأما ربح الدنيا فشبيه بحلم النائم.
وأما الوقوف عند الشبهات فهو حقيقة الورع، ولاريب أن من يزهد في الحرام أفضل ممن يزهد في المباحات، كالمآ كل اللذيذة، والملابس الناعمة، وقد وصف الله تعالى أرباب التفكر فقال:(ويتفكرون في خلق السموات والارض)(2).
وقال:(أولم ينظروا) ولاريب أن العبادة بأداء الفرائض فوق العبادة بالنوافل.
والحياء مخ الايمان، وكذلك الصبر والتواضع مصيدة الشرف، وذلك هو الحسب، وأشرف الاشياء العلم، لانه خاصة الانسان، وبه يقع الفضل بينه وبين سائر الحيوان.
والمشورة من الحزم فإن عقل غيرك تستضيفه إلى عقلك.
ومن كلام بعض الحكماء: إذا استشارك عدوك في الامر فامحضه النصيحة في الرأى، فإنه إن عمل برأيك وانتفع ندم على إفراطه في مناواتك، وأفضت عداوته إلى المودة، وإن خالفك واستضر عرف قدر امانتك بنصحه، وبلغت مناك في مكروهه.
---
(1) سورة الصف 10.
(2) سورة آل عمران 191.
---

[278]
(110)
الأصل:
إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله ثم أساء رجل الظن برجل لم تظهر منه حوبة، فقد ظلم، وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله، فأحسن رجل الظن برجل فقد غرر.
* * *
الشرح:
يريد أنه يتعين على العاقل سوء الظن حيث الزمان فاسد، ولا ينبغى له سوء الظن حيث الزمان صالح وقد جاء في الخبر المرفوع النهى عن أن يظن المسلم بالمسلم ظن السوء، وذلك محمول على المسلم الذى لم تظهر منه حوبة، كما أشار إليه على(عليه السلام)، والحوبة: المعصية،، والخبر هو ما رواه جابر قال: نظر رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى الكعبة فقال: " مرحبا بك من بيت! ما أعظمك وأعظم حرمتك! والله إن المؤمن أعظم حرمة منك عند الله عز وجل، لان الله حرم منك واحدة، ومن المؤمن ثلاثة: دمه وماله وأن يظن به ظن السوء ".
ومن كلام عمر، ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجئ ما يغلبك منه، ولا تظنن بكلمة خرجت من في أخيك المسلم سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء به الظن.
شاعر: أسأت إذ أحسنت ظنى بكم * * والحزم سوء الظن بالناس
---

[279]
قيل لعالم: من أسوأ الناس حالا؟ قال: من لا يثق بأحد لسوء ظنه، ولا يثق به أحد لسوء فعله.
شاعر وقد كان حسن الظن بعض مذاهبي * * فأدبني هذا الزمان وأهله قيل لصوفي: ما صناعتك؟ قال: حسن الظن بالله، وسوء الظن بالناس.
وكان يقال: ما أحسن حسن الظن إلا أن فيه العجز، وما أقبح سوء الظن إلا أن فيه الحزم.
ابن المعتز: تفقد مساقط لحظ المريب * * فإن العيون وجوه القلوب وطالع بوادره في الكلام * * فإنك تجنى ثمار العيوب
---

[280]
(111)
الأصل:
وقيل له(عليه السلام): كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ فقال: كيف يكون حال من يفنى ببقائه، ويسقم بصحته، ويؤتى من مأمنه.
* * *
الشرح:
هذا مثل قول عبدة بن الطبيب: أرى بصرى قد رابنى بعد صحة * * وحسبك داء أن تصح وتسلما ولن يلبث العصران يوم وليلة * * إذا طلبا أن يدركا من تيمما وقال آخر: كانت قناتي لا تلين لغامز * * فألانها الاصباح والامساء ودعوت ربى بالسلامة جاهدا * * ليصحنى فإذا السلامة داء
---

[281]
(112)
الأصل:
كم من مستدرج بالاحسان إليه، ومغرور بالستر عليه، ومفتون بحسن القول فيه! وما ابتلى الله أحدا بمثل الاملاء له.
* * *
الشرح:
قد تقدم القول في الاستدراج والاملاء.
فأما القول في فتنة الانسان بحسن القول فيه فقد ذكرنا أيضا طرفا صالحا يتعلق بها.
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) لرجل مدح رجلا وقد مر بمجلس رسول الله(صلى الله عليه وآله) فلم يسمع، ولكن قال: " ويحك لكدت تضرب عنقه، لو سمعها لما أفلح ".
---

[282]
(113)
الأصل:
هلك في رجلان: محب غال، ومبغض قال.
* * *
الشرح:
قد تقدم القول في مثل هذا، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): " والله لو لا أنى أشفق أن تقول طوائف من أمتى فيك ما قالت النصارى في ابن مريم، لقلت فيك اليوم مقالا لا تمر بأحد من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة ".
ومع كونه(صلى الله عليه وآله) لم يقل فيه ذلك المقال فقد غلت فيه غلاة كثيرة العدد منتشرة في الدنيا، يعتقدون فيه ما يعتقد النصارى في ابن مريم، وأشنع من ذلك الاعتقاد.
فأما المبغض القالى فقد رأينا من يبغضه، ولكن ما رأينا من يلعنه ويصرح بالبراءة منه، ويقال إن في عمان وما والاها من صحار وما يجرى مجراها قوما يعتقدون فيه ما كانت الخوارج تعتقده فيه، وأنا أبرأ(1) إلى الله منهما.
---
(1) ا: ونحن نبرأ ".
---

[283]
(114)
الأصل:
إضاعة الفرصة غصة.
* * *
الشرح:
في المثل: انتهزوا الفرص، فإنها تمر مر السحاب.
وقال الشاعر: وإن أمكنت فرصة في العدو * * فلا يك همك إلا بها فإن تك لم تأت من بابها * * أتاك عدوك من بابها وإياك من ندم بعدها * * وتأميل أخرى، وأنى بها..
؟
---

[284]
(115)
الأصل:
مثل الدنيا كمثل الحية لين مسها، والسم الناقع في جوفها، يهوى إليها الغر الجاهل، ويحذرها ذواللب العاقل.
* * *
الشرح:
قد تقدم القول في الدنيا مرارا، وقد أخذ أبو العتاهية هذا المعنى فقال: إنما الدهر أرقم لين المس وفي نابه السقام العقام
---

[285]
(116)
الأصل:
وقال(عليه السلام): وقد سئل عن قريش فقال: أما بنو مخزوم فريحانة قريش، تحب حديث رجالهم، والنكاح في نسائهم.
وأما بنو عبد شمس فأبعدها رأيا، وأمنعها لما وراء ظهورها، وأما نحن فأبذل لما في أيدينا وأسمح عند الموت بنفوسنا، وهم أكثر وأمكر وأنكر، ونحن أفصح وأنصح وأصبح.
* * *
الشرح:
[فصل في نسب بنى مخزوم وطرف من أخبارهم] قد تقدم القول في مفاخرة هاشم وعبد شمس، فأما بنو مخزوم فإنهم بعد هذين البيتين أفخر قريش وأعظمها شرفا.
قال شيخنا أبو عثمان: حظيت مخزوم بالاشعار، فانتشر لهم صيت عظيم بها، واتفق لهم فيها ما لم يتفق لاحد، وذلك أنه يضرب بهم المثل في العز والمنعة والجود والشرف وأوضعوا في كل غاية، فمن ذلك قول سيحان الجسرى حليف بنى أمية في كلمة له، * وحين يناغى الركب موت هشام * فدل ذلك على أن ما تقوله مخزوم في التاريخ حق، وذلك أنهم قالوا: كانت قريش وكنانة ومن والاهم من الناس يؤرخون بثلاثة أشياء: كانوا يقولون: كان ذلك زمن
---

[286]
مبنى الكعبة، وكان ذلك من مجئ الفيل، وكان ذلك عام مات هشام بن المغيرة د.
كما كانت العرب تؤرخ فتقول: كان ذلك زمن الفطحل، وكان ذلك زمن الحيان، وكان ذلك زمن الحجارة، وكان ذلك عام الحجاف، والرواة تجعل ضرب المثل من أعظم المفاخر، وأظهر الدلائل.
والشعر - كما علمت - كما يرفع يضع، كما رفع من بنى أنف الناقة قول الحطيئة: قوم هم الانف والاذناب غيرهم و * * من يسوى بأنف الناقة الذنبا؟ وكما وضع من بنى نمير قول جرير: فعض الطرف إنك من نمير * * فلا كعبا بلغت ولا كلابا فلقيت نمير من هذا البيت ما لقيت.
وجعلهم الشاعر مثلا فيمن وضعه الهجاء، وهو يهجو قوما من العرب: وسوف يزيدكم ضعة هجائي * * كما وضع الهجاء بنى نمير ونمير قبيل شريف وقد ثلم في شرفهم هذا البيت.
قال ابن غزالة الكندى، وهو يمدح بنى شيبان ولم يكن في موضع رغبة إلى بنى مخزوم، ولا في موضع رهبة: كأنى إذ حططت الرحل فيهم * * بمكة حين حل بها هشام فضرب بهشام المثل.
وقال رجل من بنى حزم أحد بنى سلمى، وهو يمدح حرب بن معاوية الخفاجى وخفاجة من بنى عقيل: إلى حزن الحزون سمت ركابي * * بوابل خلفها عسلان جيش
---

[287]
فلما أن أنخت إلى ذراه * * أمنت فراشنى منه بريش توسط بيته في آل كعب * * كبيت بنى مغيرة في قريش فضرب المثل ببيتهم في قريش.
وقال عبد الرحمن بن حسان لعبد الرحمن بن الحكم: مارست أكيس من بنى قحطان * * صعب الذرا متمنع الاركان إنى طمعت بفخر من لو رامه * * آل المغيرة أو بنو ذكوان لملاتها خيلا تضب لثاتها * * مثل الدبا وكواسر العقبان منهم هشام والوليد وعدلهم * * وأبو أمية مفزع الركبان فضرب المثل بآل المغيرة.
وأما بنو ذكوان فبنو بدر بن عمرو بن حويه ة بن ذكوان أحد بنى عدى بن فزارة منهم حذيفة وحمل ورهطهما، وقال مالك بن نويرة: ألم ينه عنا فخر بكر بن وائل * * هزيمتهم في كل يوم لزام فمنهن يوم الشر أو يوم منعج * * وبالجزع إذ قسمن حى عصام أحاديث شاعت في معد وغيرها * * وخبرها الركبان حى هشام فجعل قريشا كلها حيا لهشام: قال عبد الله بن ثور الخفاجى: وأصبح بطن مكة مقشعرا * * كأن الارض ليس بها هشام(1) وهذا مثل وفوق المثل.
قالوا: وقال الخروف الكلبى - وقد مر به ناس من تجار قريش يريدون الشام بادين
---
(1) الكامل للمبرد 2: 142 من غير سبة: قال في شرحه: " يقول: هو وإن كان مات فهو مدفون في الارض، فقد كان يجب من أجله ألا ينالها جدب ".
---

[288]
قشفين -: ما لكم معاشر قريش هكذا أجدبتم أم مات هشام، فجعل موت هشام بإزاء الجدب والمحل، وفى هذا المعنى قال مسافر بن أبى عمرو: تقول لنا الركبان في كل منزل: أمات هشام أم أصابكم جدب؟ فجعل موت هشام وفقد الغيث سواء.
وقال عبد الله بن سلمة بن قشير: دعينى أصطبح يا بكر إنى رأيت الموت نقب عن هشام(1) وقال أبو الطمحان القينى - أو أخوه: وكانت قريش لا تخون حريمها * * من الخوف حتى ناهضت بهشام وقال أبو بكر بن شعوب لقومه كنانة: يا قومنا لا تهلكوا إخفاتا * * إن هشام القرشى ماتا وقال خداش بن زهير: وقد كنت هجاء لهم ثم كفكفوا * * نوافذ قولى بالهمام هشام وقال على بن هرمة، عم إبراهيم بن هرمة ومن يرتئى مدحى فإن مدائحي * * نوافق عند الاكرمين سوام نوافق عند المشترى الحمد بالندى * * نفاق بنات الحارث بن هشام وقال الشاعر وهو يهجو رجلا: أحسبت أن أباك يوم نسبتني * * في المجد كان الحارث بن هشام أولى قريش بالمكارم كلها * * في الجاهلية كان والاسلام
---
(1) الكامل 2: 142 من غير نسبة، ونقب، أي طوف حتى أصاب هشاما.
وانظر نسب قريش 301---

[289]
وقال الاسود بن يعفر النهشلي: إن الاكارم من قريش كلها * * شهدوا فراموا الامر كل مرام حتى إذا كثر التجادل بينهم * * حزم الامور الحارث بن هشام وقال ثابت قطنة - أو كعب الاشقري لمحمد بن الاشعث بن قيس: أتوعدنى بالاشعثى ومالك * * وتفخر جهلا بالوسيط الطماطم! كأنك بالبطحاء تذمر حارثا * * وخالد سيف الدين بين الملاحم وقال الخزاعى في كلمته التى يذكر فيها أبا أحيحة: له سرة البطحاء والعد والثرى * * ولا كهاشم الخير والقلب مردف وسأل معاوية صعصعة بن صوحان العبدى عن قبائل قريش، فقال: إن قلنا: غضبتم، وإن سكتنا غضبتم، فقال: أقسمت عليك، قال: فيمن يقول شاعركم: وعشرة كلهم سيد * * آباء سادات وأبناؤها إن يسألوا يعطوا وإن يعدموا * * يبيض من مكة بطحاؤها قال عبد الرحمن بن من مكة بطحاؤها وقال عبد الرحمن بن سيحان الجسرى حليف بنى اميه وهو يهجو عبد الله بن مطيع من بنى عدى: حرام كنتى منى بسوء * * وأذكر صاحبي أبدا بذام(1) لقد أصرمت ودبنى مطيع * * حرام الدهر للرجل الحرام وإن خيف الزمان مددت حبلا * * متينا من حبال بنى هاشم وريق عودهم أبدا رطيب * * إذا ما اهتز عيدان الكرام
---
(1) الاغانى 2: 255 مع اختلاف في الرواية.
---

[290]
وقال أبو طالب بن عبد المطلب وهو يفخر بخاليه: هشام والوليد على أبى سفيان ابن حرب(1): وخالى هشام بن المغيرة ثاقب * * إذا هم يوما كالحسام المهند وخالى الوليد العدل عال مكانه * * وخال أبى سفيان عمرو بن مرثد وقال ابن الزبعرى فيهم: لهم مشية ليست تليق بغيرهم * * إذا احدودب المثرون في السنة الجدب وقال شاعر من بنى هوازن، أحد بنى أنف الناقة حين سقى إبله عبد الله بن أبى أمية المخزومى بعد أن منعه الزبرقان بن بدر: أتدرى من منعت سيال حوض * * سليل خضارم منعوا البطاحا أزاد الركب تمنع أم هشاما * * وذا الرمحين أمنعهم سلاحا هم منعوا الاباطح دون فهر * * ومن بالخيف والبلد الكفاحا بضرب دون بيضهم طلخف(2) إذا الملهوف لاذ بهم وصاحا وما تدرى بأيهم تلاقى * * صدور المشرفية والرماحا فقال عبد الله بن أبى أمية مجيبا له: لعمري لانت المرء يحسن باديا * * وتحسن عودا شيمة وتصنعا عرفت لقوم مجدهم وقديمهم وكنت لما أسديت أهلا وموضعا قالوا: وكان الوليد بن المغيرة يجلس بذى المجاز فيحكم بين العرب أيام عكاظ وقد كان رجل من بنى عامر بن لؤى رافق رجلا من بنى عبد مناف بن قصى، فجرى بينهما كلام في حبل، فعلاه بالعصا حتى قتله، فكاد دمه يطل، فقام دونه أبو طالب
---
(1) ديوانه 76.
(2) الطلخف: الضرب الشديد.
---

[291]
ابن عبد المطلب وقدمه إلى الوليد، فاستحلفه خمسين يمينا أنه ما قتله، ففى ذلك يقول أبو طالب: أمن أجل حبل ذى رمام علوته * * بمنسأة قد جاء حبل وأحبل(1) هلم إلى حكم ابن صخرة إنه * * سيحكم فيما بيننا ثم يعدل وقال أبو طالب أيضا في كلمة له وحكمك يبقى الخير إن عز أمره * * تخمط واستعلى على الاضعف الفرد وقال أبو طالب أيضا يرثى أبا أمية زاد الركب وهو خاله: كأن على رضراض قص وجندل * * من اليبس أو تحت الفراش المجامر(2) على خير حاف من معد وناعل * * إذا الخير يرجى أو إذا الشر حاسر ألا إن زاد الركب غير مدافع * * بسرو سحيم غيبته المقابر تنادوا بأن لا سيد اليوم فيهم * * وقد فجع الحيان كعب وعامر وكان إذا يأتي من الشام قافلا * * تقدمه قبل الدنو البشائر فيصبح آل الله بيضا ثيابهم(4) * * وقدما حباهم والعيون كواسر أخو جفنة لا تبرح الدهر عندنا * * مجعجعة تدمى وشاء وباقر ضروب بنصل السيف سوق سمانها * * إذا أرسلوا يوما فإنك عاقر فيا لك من راع رميت بآلة * * شراعية تخضر منه الاظافر وقال أبو طالب أيضا يرثى خاله هشام بن المغيرة
---
(1) ديوانه 142.
(2) ديوانه 77.
وكان ختنه خرج تاجرا إلى الشام فمات بموضع يقال له سرد سحيم.
(3) الديوان: " كأنما ".
(4) الديوان: " كستهم حبيرا ريدة ومعافر ".
---

[292]
فقدنا عميد الحى والركن خاشع * * كفقد أبى عثمان والبيت والحجر(1) وكان هشام بن المغيرة عصمة * * إذا عرك الناس المخاوف والفقر بأبياته كانت أرامل قومه * * تلوذ وأيتام العشيرة والسفر فودت قريش لو فدته بشطرها * * وقل لعمري لو فدوه له الشطر نقول لعمرو أنت منه وإننا * * لنرجوك في جل الملمات يا عمرو عمرو هذا هو أبو جهل بن هشام وأبو عثمان هو هشام.
وقالت ضباعة بنت عامر بن سلمة بن قرط ترثيه: إن أبا عثمان لم أنسه * * وإن صبرا عن بكاه لحوب تفاقدوا من معشر ما لهم * * أي ذنوب صوبوا في القليب وقال حسان بن ثابت وهو يهجو أبا جهل، وكان يكنى أبا الحكم: الناس كنوه أبا حكم * * والله كناه أبا جهل(2) أبقت رياسته لاسرته * * لؤم الفروع ودقة ه الاصل(3) فأعترف له بالرياسة والتقدم.
وقال أبو عبيد معمر بن المثنى: لما تنافر عامر بن الطفيل وعلقمه بن علاثة إلى هرم بن قطبة وتوارى عنهما، أرسل إليهما: عليكما بالفتى الحديث السن، الحديد الذهن، فصارا إلى أبى جهل، فقال له ابن الزبعرى: فلا تحكم فداك أبى وخالى * * وكن كالمرء حاكم آل عمرو
---
(1) ديوانه 80.
(2) ديوانه 344، وروايته: سماه معشره أبا حكم * * والله سماه أبا جهل(3) الديوان: أبقيت رياسته لمعشره * * غضب الاله وذلة الاصل---

[293]
فأبى أن يحكم، فرجعا إلى هرم.
وقال عبد الله بن ثور: هريقا من دموعكما سجاما * * ضباع وحاربي نوحا قياما فمن للركب إذ جاءوا طروقا * * وغلقت البيوت فلا هشاما وقال أيضا في كلمة له: وما ولدت نساء بنى نزار * * ولا رشحن أكرم من هشام هشام بن المغيرة خير فهر * * وأفضل من سقى صوب الغمام وقال عمارة بن أبى طرفة الهذلى، سمعت ابن جريح يقول في كلام له: هلك سيد البطحاء بالرعاف، قلت: ومن سيد البطحاء؟ قال: هشام بن المغيرة.
وقال النبي(صلى الله عليه وآله): " لو دخل أحد من مشركي قريش الجنة لدخلها هشام ابن المغيرة، كان أبذلهم للمعروف، وأحملهم للكل.
وقال عمر بن الخطاب، لا قليل في الله، ولا كثير في غير الله.
ولو بالخلق الجزل والفعال الدثر، تنال المثوبة لنالها هشام بن المغيرة، ولكن بتوحيد الله، والجهاد في سبيله.
وقال خداش بن زهير في يوم شمطة(1)، وهو أحد أيام الفجار، وهو عدو قريش وخصمها: وبلغ إن بلغت بنا هشاما * * وذا الرمحين بلغ والوليدا(2) أولئك إن يكن في الناس جود * * فإن لديهم حسبا وجودا هم خير المعاشر من قريش * * وأوراها إذا قدحوا زنودا
---
(1) لقيس على كنانة وقريش.
وشمطة: موضع قريب من عكاظ.
(2) أيام العرب في الجاهلية 332.
---

[294]
وقال أيضا وذكرهما في تلك الحروب: يا شدة ما شددنا غير كاذبة * * على سخينة لو لا الليل والحرم(1) إذا ثقفنا هشاما بالوليد ولو * * أنا ثقفنا هشاما شالت الجذم وذكرهم ابن الزبعرى في تلك الحروب فقال: ألا لله قوم و * * لدت أخت بنى سهم(2) هشام وأبو عبد * * مناف مدره الخصم وذو الرمحين أشباك * * من القوة والحزم(3) فهذان يذودان * * وذا عن كثب يرمى وهم يوم عكاظ م‍* * نعوا الناس من الهزم بجأواء طحون فخمة القونس كالنجم أسود تزدهى الاقرا * * ن مناعون للهضم(4) فإن أحلف وبيت الل‍* - ه لا أحلف على إثم وما من إخوة بين * * دروب الشام والردم بأزكى من بنى ريط * - ة أو أرزن من حلم ريطة، هي أم ولد المغيرة، وهى ريطة بنت سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب وأبو عبد مناف هو أبو أمية بن المغيرة، ويعرف بزاد الركب، واسمه حذيفة، وإنما قيل له: زاد الركب لانه كان إذا خرج مسافرا لم يتزود معه أحد، وكانت
---
(1) الاغانى 19: 76، من أبيات أربعة، والثانى في نسب قريش 300 مع اختلاف في الروايات.
(2) الاغانى: 1: 62، الامالى: 196، 197(طبعة دار الكتب).
(3) في الاصول: " أشبال "، صوابه من الامالى 2: 208.
قال، يقال: أشباك بفلان، كما يقال حسبك بفلان، وأنشد البيت.
(4) الاغانى: " منعوا الناس من الهزم ".
---

[295]
عنده عاتكة بنت عبد المطلب بن هشام، وأما ذو الرمحين فهو أبو ربيعة بن المغيرة واسمه عمرو، وكان المغيرة يكنى باسم ابنه الاكبر، وهو هاشم، ولم يعقب إلا من حنتمة ابنته، وهى أم عمر بن الخطاب.
وقال ابن الزبعرى يمدح أبا جهل: رب نديم ماجد الاصل * مهذب الاعراق والنجل منهم أبو عبد مناف وكم سربت بالضخم على العدل عمرو الندى ذاك وأشياعه * ما شئت من قول ومن فعل وقال الورد بن خلاس السهمى: سهم باهلة يمدح الوليد: إذا كنت في حيى جذيمة ثاوا * فعند عظيم القريتين وليد فذاك وحيد الرأى مشترك الندى * وعصمة ملهوف الجنان عميد وقال أيضا: إن الوليدين والابناء ضاحية * ربا تهامة في الميسور والعسر هم الغياث وبعض القوم قرقمة * عز الذليل وغيظ الحاسد الوغر وقال: ورهطك يا بن الغيث أكرم محتد * وأمنع للجار اللهيف المهضم قالوا: الغيث لقب المغيرة، وجعل الوليد وأخاه هشاما ربى تهامة كما قال لبيد بن ربيعة في حذيفة بن بدر: وأهلكن يوما رب كندة وابنه * ورب معد بين خبت وعرعر(1) فجعله رب معد.
* * *
---
(1) ديوانه 55---

[296]
قالوا: يدل على قدر مخزوم ما رأينا من تعظيم القرآن لشأنهم دون غيرهم من سائر قريش، قال الله تعالى مخبرا عن العرب: إنهم قالوا:(لو لا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)(1) فأحد الرجلين العظيمين بلا شك الوليد بن المغيرة، والاخر مختلف فيه، أهو عروة بن مسعود، أم جد المختار بن أبى عبيد.
وقال سبحانه في الوليد:(ذرنى ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا..)(2) الايات.
قالوا: وفي الوليد نزلت:(أما من استغنى فأنت له تصدى)(3).
وفى أبى جهل نزلت:(ذق إنك أنت العزيز الكريم)(4).
وفيه نزلت:(فليدع ناديه)(5).
وفى مخزوم:(وذرنى والمكذبين أولى النعمة)(6).
وفيهم نزلت:(ما خولناكم وراء ظهوركم)(7).
وزعم اليقطرى أبو اليقظان وأبو الحسن أن الحجاج سأل أعشى همدان عن بيوتات قريش في الجاهلية، فقال: إنى قد آليت ألا أنفر أحدا على أحد، ولكن أقول وتسمعون، قالوا: فقل.
قال: من أيهم المحبب في أهله، المؤرخ بذكره، محلى الكعبة، وضارب القبة، والملقب بالخير، وصاحب الخير والمير؟ قالوا: من: بنى مخزوم، قال: فمن أيهم ضجيع بسباسة، والمنحور عنه ألف ناقة، وزاد الركب، ومبيض البطحاء؟ قالوا: من بنى مخزوم، قال: فمن أيهم كان المقنع في حكمه، والمنفذ وصيته على تهكمه، وعدل الجميع في الرفادة، وأول من وضع أساس الكعبة؟ قالوا من بنى مخزوم، قال: فمن
---
(1) سورة الزخرف 31.
(2) سورة المدثر 11 - 13.
(3) سورد عبس 5، 6.
(4) سورد الدخان 49.
(5) سورد العلق 17.
(6) سورة المزمل 11.
(7) سورد الانعام 94.
---

[297]
أيهم صاحب الاريكة، ومطعم الخزيرة، قالوا من بنى مخزوم، قال فمن أيهم الاخوة العشرة، الكرام البررة؟ قالوا من بنى مخزوم، قال: فهو ذاك، فقال رجل من بنى أمية، أيها الامير، لو كان لهم مع قديمهم حديث إسلام! فقال الحجاج: أو ما علمت بأن منهم رداد الردة، وقاتل مسيلمة، وآسر طليحة، والمدرك بالطائلة مع الفتوح العظام والايادي الجسام! فهذا آخر ما ذكره أبو عثمان.
ويمكن أن يزاد عليه فيقال قالت: مخزوم ما أنصفنا من اقتصر في ذكرنا على أن قال: مخزوم ريحانة قريش تحب حديث رجالهم، والنكاح في نسائهم، ولنا في الجاهلية والاسلام أثر عظيم، ورجال كثيرة، ورؤساء شهيرة، فمنا المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، كان سيد قريش في الجاهلية، وهو الذى منع فزارة من الحج لما عير خشين بن لاى الفزارى، ثم الشمخى قوما من قريش إنهم يأخذون ما ينحره العرب من الابل في الموسم، فقال خشين لما منع من الحج: يا رب هل عندك من عقيرة * أصلح مالى وأدع تنحيره فإن منا مانع المغيره * ومانعا بعد منى بثيره * ومانعا بيتك أن أزوره * منا بنو المغيرة العشرة أمهم ريطة، وقد تقدم ذكر نسبها، وأمها عاتكة بنت عبد العزى بن قصى، وأمها الحظيا بنت كعب بن سعد بن تيم بن مرة، أول امرأة من قريش ضربت قباب الادم بذى المجاز، ولها يقول الشاعر: مضى بالصالحات بنو الحظيا * وكان بسيفهم يغنى الفقير فمن هؤلاء - أعنى الحظيا - الوليد بن المغيرة أمه صخرة بنت الحارث بن عبد الله
---

[298]
ابن عبد شمس القشيرى، كان أبو طالب بن عبد المطلب يفتخر بأنه خاله، وكفاك من رجل يفتخر أبو طالب بخئولته! ألا ترى إلى قول أبى طالب: وخالى الوليد قد عرفتم مكانه * وخالى أبو العاصى إياس بن معبد ومنهم حفص بن المغيرة، وكان شريفا.
وعثمان بن المغيرة وكان شريفا.
ومنهم السيد المطاع هشام بن المغيرة، وكان سيد قريش غير مدافع، له يقول أبو بكر بن الاسود ابن شعوب يرثيه: ذريني أصطبح يا بكر إنى * رأيت الموت نقب عن هشام تخيره ولم يعدل سواه * ونعم المرء بالبلد الحرام! وكنت إذا ألاقيه كأنى * إلى حرم وفى شهر حرام فود بنو المغيرة لو فدوه * بألف مقاتل وبألف رام وود بنو المغيرة لو فدوه * بألف من رجال أو سوام فبكيه ضباع ولا تملى * هشاما إنه غيث الانام ويقول له الحارث بن أمية الضمرى: ألا هلك القناص والحامل الثقلا * ومن لا يضن عن عشيرته فضلا وحرب أبا عثمان أطفات نارها * ولو لا هشام أوقدت حطبا جزلا وعان تريك يستكين لعلة * فككت أبا عثمان عن يده الغلا ألا لست كالهلكى فتبكى بكاءهم ولكن أرى الهلاك في جنبه وغلا غداة غدت تبكى ضباعة غيثنا * هشاما وقد أعلت بمهلكه ضحلا ألم تريا أن الامانة أصعدت * مع النعش إذ ولى وكان لها أهلا!
---

[299]
وقال أيضا يبكيه ويرثيه: وأصبح بطن مكة مقشعرا * شديد المحل ليس به هشام يروح كأنه أشلاء سوط * وفوق جفانه شحم ركام فللكبراء أكل كيف شاءوا * وللولدان لقم واغتنام فبكيه ضباع ولا تملى * ثمال الناس إن قحط الغمام وإن بنى المغيرة من قريش * هم الرأس المقدم والسنام وضباعة التى تذكرها الشعراء زوجة هشام، وهى من بنى قشير.
قال الزبير بن بكار: فلما قال الحارث: " إلا لست كالهلكى البيت.. " البيت، عظم ذلك على بنى عبد مناف فأغروا به حكيم بن أمية بن حارثة بن الاوقص السلمى حليف بنى عبد شمس، وكانت قريش رضيت به واستعملته على سقائها، ففر منه الحارث، وقال: أفر من الاباطح كل يوم * مخافة أن ينكل بى حكيم فهدم حكيم داره، فأعطاه بنو هشام داره التى بأجياد عوضا منها.
وقال عبد الله بن ثور البكائى يرثيه: هريقى من دموعهما سجاما * ضباع وجاوبي نوحا قياما على خير البرية لن تراه * ولن تلقى مواهبه العظاما جواد مثل سيل الغيث يوما * إذا علجانه يعلو الاكاما إذا ما كان عام ذو عرام * حسبت قدوره جبلا صياما
---

[300]
فمن للركب إذ أمسوا طروقا * وغلقت البيوت فلا هشاما وأوحش بطن مكة بعد أنس * ومجد كان فيها قد أقاما فلم أر مثله في أهل نجد * ولا فيمن بغورك ياتهاما * * *
قال الزبير: وكان فارس قريش في الجاهلية هشام بن المغيرة، وأبو لبيد بن عبدة ابن حجرة بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤى، وكان يقال لهشام: فارس البطحاء، فلما هلكا كان فارسي قريش بعدهما عمرو بن عبد العامري المقتول يوم الخندق، وضرار ابن الخطاب المحاربي، الفهرى ثم هبيرة بن أبى وهب وعكرمة بن أبى جهل المخزوميان.
قالوا: وكان عام مات هشام تاريخا، كعام الفيل وعام الفجار، وعام بنيان الكعبة.
وكان هشام رئيس بنى مخزوم يوم الفجار.
قالوا: ومنا أبو جهل بن هشام، واسمه عمرو، وكنيته أبو الحكم وإنما كناه " أبا جهل " رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان سيدا أدخلته قريش دار الندوة فسودته وأجلسته فوق الجلة من شيوخ قريش، وهو غلام لم يطر شاربه، وهو أحد من ساد على الصبا.
والحارث بن هشام أخو أبى جهل كان شريفا مذكورا، وله يقول كعب ابن الاشرف اليهودي الطائى: نبئت أن الحارث بن هشام * في الناس يبنى المكرمات ويجمع(1) ليزور يثرب(*) بالجموع وإنما * يبنى على الحسب القديم الاروع وهو الذى هاجر من مكة إلى الشام بأهله وماله في خلافة عمر بن الخطاب، فتبعه أهل مكة يبكون، فرق وبكى وقال: إنا لو كنا نستبدل دارا بدار، وجارا
---
(1) نسب قريش 301.
(2) في نسب قريش " أثرب "، وهى لغة في " يثرب ".
---

[301]
بجار، ما أردنا بكم بدلا، ولكنها النقلة إلى الله عزوجل فلم يزل حابسا نفسه ومن معه بالشام مجاهدا حتى مات.
قال الزبير: جاء الحارث بن هشام وسهيل بن عمرو إلى عمر بن الخطاب فجلسا عنده وهو بينهما، فجعل المهاجرون الاولون والانصار يأتون عمر فينحيهما ويقول: هاهنا يا سهيل، هاهنا يا حارث! حتى صارا في آخر الناس، فقال الحارث لسهيل ألم تر ما صنع بناء عمر اليوم! فقال سهيل: أيها الرجل، إنه لا لوم عليه، ينبغى أن نرجع باللوم على أنفسنا، دعى القوم ودعينا، فأسرعوا وأبطانا.
فلما قاما من عند عمر أتياه في غد فقالا له: قد رأينا ما صنعت بالامس، وعلمنا أنا أتينا من أنفسنا فهل من شئ نستدرك به؟ فقال: لا أعلم إلا هذا الوجه - وأشار لهما إلى ثغر الروم فخرجا إلى الشام، فجاهدا بها حتى ماتا.
قالوا: ومنا عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أمه فاطمة بنت الوليد بن المغيرة وكان شريفا سيدا، وهو الذى قال لمعاوية لما قتل حجر بن عدى وأصحابه أين عزب منك حلم أبى سفيان، ألا حبستهم في السجون، وعرضتهم للطاعون! فقال حين غاب عنى مثلك من قومي وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام هو الذى رغب فيه عثمان بن عفان وهو خليفة فزوجه ابنته.
قالوا: ومنا أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، كان سيدا جوادا وفقيها عالما، وهو الذى قدم عليه بنو أسد بن خزيمة يسألونه في دماء كانت بينهم، فاحتمل عنهم أربعمائة بعير دية أربعه من القتلى، ولم يكن بيده مال، فقال لابنه عبد الله بن أبى بكر: اذهب إلى عمك المغيرة بن عبد الرحمن فأساله المعونة، فذهب عبد الله إلى عمه فذكر له ذلك، فقال المغيرة: لقد أكبر علينا أبوك، فانصرف عنه عبد الله وأقام أياما
---

[302]
لا يذكر لابيه شيئا، وكان يقود أباه إلى المسجد وقد ذهب بصره، فقال له أبوه يوما: أذهبت إلى عمك؟ قال: نعم، وسكت فعرف حين سكت أنه لن يجد عند عمه ما يحب.
فقال له: يا بنى ألا تخبرني ما قال لك؟ قال: أيفعل أبو هاشم - وكانت كنية المغيرة - فربما فعل، ولكن اغد غدا إلى السوق فخذ لى عينه، فغدا عبد الله فتعين عينه من السوق لابيه وباعها، فأقام أيام لا يبيع أحد في السوق طعاما ولازيتا غير عبد الله بن أبى بكر من تلك العينة، فلما فرغ أمره أبوه أن يدفعها إلى الاسديين فدفعها إليهم.
وكان أبو بكر خصيصا بعبد الملك بن مروان، وقال عبد الملك لابنه الوليد لما حضرته الوفاة: إن لى بالمدينة صديقين فاحفظني فيهما: عبد الله بن جعفر بن أبى طالب وأبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
وكان يقال: ثلاثة أبيات من قريش توالت بالشرف خمسة خمسة، وعدوا منها أبا بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة.
قالوا: ومنا المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، كان أجود الناس بالمال، وأطعمهم للطعام، وكانت عينه أصيبت مع مسلمة بن عبد الملك في غزوة الروم، وكان المغيرة ينحر الجزور، ويطعم الطعام حيث نزل ولا يرد أحدا، فجاء قوم من الاعراب فجلسوا على طعامه، فجعل أحدهم يحد النظر إليه، فقال له المغيرة مالك تحد النظر إلى! قال: إنى ليريبنى عينك وسماحك بالطعام، قال ومم ارتبت؟ قال: أظنك الدجال، لانا روينا أنه أعور، وأنه أطعم الناس للطعام، فقال المغيرة: ويحك! إن الدجال لا تصاب عينه في سبيل الله.
وللمغيرة يقول الاقيشر الاسدي لما قدم الكوفة فنحر الجزر وبسط الانطاع وأطعم الناس، وصار صيته في العرب:
---

[303]
أتاك البحر طم على قريش * معيرتي فقد راع ابن بشر(1) وراع الجدى جدى التيم لما * رأى المعروف منه غير نزر ومن أوتار عقبة قد شفاني * ورهط الحاطبى ورهط صخر فلا يغررك حسن الزى منهم * ولاسرح ببزيون ونمر(2) فابن بشر، عبد الله بن بشر بن مروان بن الحكم، وجدى التيم: حماد بن عمران ابن موسى بن طلحة بن عبيد الله، وأوتار عقبة يعنى أولاد عقبة بن أبى معيط، والحاطبي لقمان بن محمد بن حاطب الجمحى، ورهط صخر: بنو أبى سفيان بن حرب بن امية، وكل هؤلاء كانوا مشهورين بالكوفة، فلما قدمها المغيرة أخمل ذكرهم، والمغيرة هذا هو الذى بلغه أن سليم بن أفلح مولى أبى أيوب الانصاري أراد أن يبيع المنزل الذى نزل فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله) مقدمه المدينة على أبى أيوب بخمسمائة دينار، فأرسل إليه ألف دينار، وسأله أن يبيعه إياه، فباعه، فلما ملكه جعله صدقة في يومه.
قال الزبير: وكان يزيد بن المغيرة بن عبد الرحمن يطاف به بالكوفة على العجل، وكان ينحر في كل يوم جزورا، وفي كل جمعة جزورين و.
رأى يوما إحدى جفناته مكللة بالسنام تكليلا حسنا، فأعجبه، فسأل فقال: من كللها؟ قيل: اليسع ابنك، فسر، وأعطاه ستين دينارا.
ومر إبراهيم بن هشام على بردة المغيرة وقد أشرقت على الجفنة، فقال لعبد من عبيد المغيرة: يا غلام، على أي شئ نصبتم هذا الثريد على العمد؟ قال: لا ولكن على أعضاد الابل، فبلغ ذلك المغيرة، فأعتق ذلك الغلام.
والمغيرة هو الذى مر بحره الاعراب فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا هاشم، قد فاض
---
(1) نسب قريش 305.
(2) البزيون، بالضم: السندس، وقال ابن برى: هو رقيق الديباج.
---

[304]
معروفك على الناس، فما بالنا أشقى الخلق! بك قال: إنه لا مال معى، ولكن خذوا هذا الغلام فهو لكم، فأخذوه، فبكى الغلام فقال: يا مولاى، خدمتي وحرمتي! فقال: أتبيعوني إياه؟ قالوا: نعم فاشتراه منهم بمال ثم أعتقه، وقال له: والله لا أعرضك لمثلها أبدا اذهب فأنت حر، فلما عاد إلى الكوفة حمل ذلك المال إليهم.
وكان المغيرة يأمر بالسكر والجوز فيدقان ويطعمهما أصحاب الصفة المساكين ويقول: إنهم شتهون كما يشتهى غيرهم ولا يمكنهم، فخرج المغيرة في سفر ومعه جماعة فوردوا غديرا ليس لهم ماء غيره - وكان ملحا - فأمر بقرب العسل فشقت في الغدير وخيضت بمائه، فما شرب أحد منهم حتى راحوا إلا من قرب المغيرة.
وذكر الزبير أن ابنا لهشام بن عبد الملك كان يسوم المغيرة ماله بالمكان المسمى بديعا، فلا يبيعه، فغزا ابن هشام أرض الروم ومعه المغيرة، فأصابت الناس مجاعة في غزاتهم، فجاء المغيرة إلى ابن هشام فقال: إنك كنت تسومنى مالى ببديع(1)، فآبى أن أبيعكه، فاشتر الان منى نصفه بعشرين ألف دينار.
فأطعم المغيرة بها الناس، فلما رجع ابن هشام بالناس من غزوته تلك وقد بلغ هشاما الخبر قال لابنه: قبح الله رأيك أنت أمير الجيش، وابن أمير المؤمنين، يصيب الناس معك مجاعة فلا تطعمهم حتى يبيعك رجل سوقة ماله، و يطعم به الناس! ويحك أخشيت أن تفتقر إن أطعمت الناس! قالوا: ولنا عكرمة بن أبى جهل الذى قام له رسول الله(صلى الله عليه وآله) قائما وهو بعد مشرك لم يسلم ولم يقم رسول الله(صلى الله عليه وآله) لرجل داخل عليه من الناس شريف ولا مشرف، إلا عكرمة وعكرمة هو الذى اجتهد في نصرة الاسلام بعد أن كان شديد العداوة، وهو الذى سأله أبو بكر أن يقبل منه معونة على الجهاد فأبى،
---
(1) بديع: ماء عليه نخيل وعبون جارية بقرب وادى القرى.
ياقوت.
---

[305]
وقال: لا آخذ على الجهاد اجرا ولا معونة، وهو الشهيد يوم أجنادين، وهو الذى قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): " لا تسألني اليوم شيئا إلا أعطيتك "، فقال: فإنى أسألك أن تستغفر لى، ولم يسأل غير ذلك، وكل قريش غيره سألوا المال، كسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وغيرهما.
قالوا: ولنا الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة، كان شاعرا مجيدا مكثرا، وكان أمير مكة استعمله عليها يزيد بن معاوية.
ومن شعره: من كان يسأل عنا أين منزلنا * فالاقحوانة منا منزل قمن(1) إذ نلبس العيش غضا لا يكدره * قرب الوشاة ولاينبو بنا الزمن وأخوه عكرمة بن خالد كان من وجوه قريش، وروى الحديث، وروى عنه.
ومن ولد خالد بن العاص بن هاشم بن المغيرة خالد بن إسماعيل بن عبد الرحمن كان جوادا متلافا، وفيه قال الشاعر: لعمرك إن المجد ما عاش خالد * على العمر من ذى كبدة لمقيم وتندى البطاح البيض من جود خالد * ويخصبن حتى نبتهن عميم قالوا: ولنا الاوقص، وهو محمد بن عبد الرحمن بن هشام بن المغيرة، كان قاضى مكة، وكان فقيها.
قالوا: ومن قدماء المسلمين عبد الله بن أمية بن المغيرة أخو أم سلمة زوج رسول الله
---
(1) نسب قريش 313، معجم البلدان 1: 309 من غير نسبة.
والاقحوانة: موضع بالاردن من أرض دمشق على شاطئ بحيرة طبرية.
---

[306]
(صلى الله عليه وآله)، كان شديد الخلاف على المسلمين، ثم خرج مهاجرا، وشهد فتح مكة وحنين، وقتل يوم الطائف شهيدا.
والوليد بن أمية، غير رسول الله(صلى الله عليه وآله) اسمه، فسماه الهاجر، وكان من صلحاء المسلمين.
قالوا: ومنا زهير بن أبى أمية بن المغيرة، وبجير بن أبى ربيعة بن المغيرة، غير رسول الله(صلى الله عليه وآله) اسمه، فسماه عبد الله كانا من أشراف قريش، وعباس بن أبى ربيعة، كان شريفا.
قالوا: ومنا الحارث القباع، وهو الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة، كان أمير البصرة، وعمر بن عبد الله بن أبى ربيعة الشاعر، المشهور ذى الغزل والتشبيب.
قالوا: ومن ولد الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة الفقيه المشهور، وهو المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث، كان فقيه المدينة بعد مالك بن أنس، وعرض عليه الرشيد جائزة أربعة آلاف دينار، فامتنع ولم يتقلد له القضاء.
قالوا: ومن يعد ما تعده مخزوم ولها خالد بن الوليد بن المغيرة سيف الله! كان مباركا، ميمون النقيبة شجاعا، وكان إليه أعنة الخيل على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وشهد معه فتح مكة، وجرح يوم حنين، ففث رسول الله(صلى الله عليه وآله) على جرحه فبرأ، وهو الذى قتل مسيلمة وأسر طليحة ومهد خلافة أبى بكر، وقال يوم موته: لقد شهدت كذا وكذا زحفا، وما في جسدي موضع إصبع إلا وفيه طعنة أو ضربة، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء! ومر عمر بن الخطاب على دور بنى مخزوم والنساء يندبن خالدا، وقد وصل خبره إليهم
---

[307]
وكان مات بحمص، فوقف وقال: ما على النساء أن يندبن أبا سليمان، وهل تقوم حرة عن مثله! ثم أنشد: أتبكى ما وصلت به الندامى * ولا تبكى فوارس كالجبال أولئك إن بكيت أشد فقدا * من الانعام والعكر الحلال(1) تمنى بعدهم قوم مداهم * فما بلغوا لغوا لغايات الكمال وكان عمرو مبغضا لخالد، ومنحرفا عنه، ولم يمنعه ذلك من أن صدق فيه.
قالوا: ومنا الوليد بن الوليد بن المغيرة، كان رجل صدق من صلحاء المسلمين.
ومنا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان عظيم القدر في أهل الشام وخاف معاوية منه أن يثب على الخلافة بعدهم، فسمه، أمر طبيبا له يدعى ابن أثال فسقاه فقتله.
وخالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد قاتل ابن أثال بعمه عبد الرحمن والمخالف على بنى أمية، والمنقطع إلى بنى هاشم.
وإسماعيل بن هشام بن الوليد كان أمير المدينة.
وإبراهيم ومحمد ابنا هشام بن عبد الملك.
وأيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد، بن الوليد وكان من رجال قريش، ومن ولده هشام بن إسماعيل بن أيوب وسلمة بن عبد الله بن الوليد بن الوليد، ولى شرطة المدينة.
قالوا: ومن ولد حفص بن المغيرة عبد الله بن أبى عمر بن حفص بن المغيرة، هو أول خلق الله حاج يزيد بن معاوية.
قالوا: ولنا الازرق، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة والى اليمن لابن الزبير، وكان من أجود العرب، وهو ممدوح أبى دهبل الجمحى.
---
(1) العكر: ما فوق الخمسمأئة من الابل.
(2) في د: " الناس ".
---

[308]
قالوا: ولنا شريك رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وهو عبد الله بن السائب بن أبى السائب، واسم أبى السائب صيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، كان شريك النبي(صلى الله عليه وآله) في الجاهلية، فجاءه يوم الفتح فقال له: أتعرفني؟ قال: ألست شريكي؟ قال: بلى، قال: لقد كنت خير شريك، لا تشارى ولا تمارى.
قالوا: ومنا الارقم بن أبى الارقم الذى استتر رسول الله في داره بمكة في أول الدعوة، واسم أبى الارقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
ومنا أبو سلمة بن عبد الاسد، واسمه عبد الله، وهو زوج أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة، قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله)، شهد أبو سلمة بدرا، وكان من صلحاء المسلمين.
قالوا: لنا هبيرة بن أبى وهب، كان من الفرسان المذكورين، وابنه جعدة بن هبيرة، وهو ابن أخت على بن أبى طالب(عليه السلام)، أمه أم هاني بنت أبى طالب، وابنه عبد الله ابن جعدة بن هبيرة، هو الذى فتح القهندر وكثيرا من خراسان، فقال فيه الشاعر: لو لا ابن جعده لم تفتح قهندركم * ولا خراسان حتى ينفخ الصور قالوا: ولنا سعيد بن المسيب الفقيه المشهور.
وأما الجواد المشهور فهو الحكم بن المطلب ابن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم.
وقد اختصرنا واقتصرنا على من ذكرنا، وتركنا كثيرا من رجال مخزوم خوف الاسهاب.
* * *
وينبغى أن يقال في الجواب: إن أمير المؤمنين(عليه السلام) لم يقل هذا الكلام احتقارا لهم، ولا استصغارا لشأنهم، ولكن أمير المؤمنين(عليه السلام) كان أكثر همه يوم المفاخرة أن يفاخر بنى عبد شمس لما بينه وبينهم، فلما ذكر مخزوما بالعرض قال فيهم ما قال، ولو كان يريد مفاخرتهم لما اقتصر لهم على ما ذكره عنهم، على أن أكثر هؤلاء الرجال إسلاميون بعد عصر على(عليه السلام)، وعلى(عليه السلام) إنما يذكر من قبله لا من يجئ بعده.
---

[309]
فإن قلت: إذا كان قد قال في بنى عبد شمس إنهم أمنع لما وراء ظهورهم، ثم قال في بنى هاشم: إنهم أسمح عند الموت بنفوسهم، فقد تناقض الوصفان.
قلت: لا مناقضه بينهما، لانه أراد كثرة بنى عبد شمس، فبالكثرة تمنع ما وراء ظهورها، وكان بنو هاشم أقل عددا من بنى عبد شمس، إلا أن كل واحد منهم على انفراده أشجع وأسمح بنفسه عند الموت من كل واحد على انفراده من بنى عبد شمس، فقد بان أنه لا مناقضة بين القولين.
---

[310]
(117)
الأصل:
شتان ما بين عملين، عمل تذهب لذته، وتبقى تبعته، وعمل تذهب مؤونته، ويبقى أجرة.
* * *
الشرح:
أخذ هذا المعنى بعض الشعراء، فقال: تفنى اللذاذة ممن نال بغيته * من الحرام ويبقى الاثم والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها * لا خير في لذة من بعدها النار
---

[311]
(118)
الأصل:
وقال(عليه السلام) وقد تبع جنازة فسمع رجلا يضحك، فقال: كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكان الحق فيها على غيرنا وجب، وكان الذى نرى من الاموات سفر عما قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم، ونأكل تراثهم، كأنا مخلدون بعدهم، قد نسينا كل واعظ وواعظة، ورمينا بكل جائحة طوبى لمن ذل في نفسه، وطاب كسبه، وصلحت سريرته، وحسنت خليقته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من لسانه، وعزل عن الناس شره، ووسعته السنة، ولم ينسب إلى بدعة.
* * *
قال الرضى رحمه الله تعالى: أقول: ومن الناس من ينسب هذا الكلام إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) * * *
الشرح:
الاشهر الاكثر في الرواية أن هذا الكلام من كلام رسول الله(صلى الله عليه وآله) ومثل قوله: " كأن الموت فيها على غيرنا كتب " قول الحسن(عليه السلام): ما رأيت حقا لا باطل فيه اشبه بباطل لا حق فيه من الموت، والالفاظ التى بعده واضحة ليس فيها ما يشرح، وقد تقدم ذكر نظائرها.
---

[312]
(119)
الأصل:
غيرة المرأة كفر، وغيرة الرجل إيمان.
* * *
الشرح:
المرجع في هذا إلى العقل والتماسك، فلما كان الرجل أعقل وأشد تماسكا كانت غيرته في موضعها، وكانت واجبة، عليه لان النهى عن المنكر واجب، وفعل الواجبات من الايمان، وأما المرأة فلما كانت أنقص عقلا وأقل صبرا كانت غيرتها على الوهم الباطل والخيال غير المحقق، فكانت قبيحة لوقوعها غير موقعها، وسماها(عليه السلام) كفرا لمشاركتها الكفر في القبح فأجرى عليها اسمه.
وأيضا فإن المرأة قد تؤدى بها الغيرة إلى ما يكون كفرا على الحقيقة كالسحر، فقد ورد في الحديث المرفوع أنه كفر، وقد يفضى بها الضجر والقلق إلى أن تتسخط وتشتم وتتلفظ بألفاظ تكون كفرا لا محالة
---

[313]
(120)
الأصل:
لانسبن الاسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلى.
الاسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين واليقين، هو التصديق، والتصديق هو الاقرار، والاقرار هو الاداء، والاداء هو العمل.
* * *
الشرح:
خلاصة هذا الفصل تقتضي صحه مذهب أصحابنا المعتزلة في أن الاسلام والايمان عبارتان عن معبر واحد، وأن العمل داخل في مفهوم هذه اللفظة، ألا تراه جعل كل واحدة من اللفظات قائمة مقام الاخرى في إفادة المفهوم، كما يقول: الليث هو الاسد والاسد هو السبع، والسبع هو أبو الحارث فلا شبهة أن الليث يكون أبا الحارث، أي أن الاسماء مترادفة، فإذا كان أول اللفظات الاسلام، وآخرها العمل، دل على أن العمل هو الاسلام وهكذا، يقول أصحابنا: إن تارك العمل وتارك الواجب لا يسمى مسلما.
فإن قلت: هب أن كلامه(عليه السلام) يدل على ما قلت، كيف يدل على أن الاسلام هو الايمان؟ قلت: لانه إذا دل على أن العمل هو الاسلام وجب أن يكون الايمان هو الاسلام لان كل من قال: إن العمل داخل في مسمى الاسلام، قال: إن الاسلام هو الايمان،
---

[314]
فالقول بأن العمل داخل في مسمى الاسلام، وليس الاسلام هو الايمان، قول لم يقل به أحد، فيكون الاجماع واقعا على بطلانه.
فإن قلت: إن أمير المؤمنين(عليه السلام) لم يقل كما تقوله المعتزلة، لان المعتزلة تقول: الاسلام اسم واقع على العمل وغيره من الاعتقاد، والنطق باللسان، وأمير المؤمنين(عليه السلام) جعل الاسلام هو العمل فقط، فكيف ادعيت أن قول أمير المؤمنين(عليه السلام) يطابق مذهبهم؟ قلت: لا يجوز أن يريد غيره، لان لفظ العمل يشمل الاعتقاد، والنطق باللسان، وحركات الاركان بالعبادات، إذ كل ذلك عمل وفعل، وإن كان بعضه من أفعال القلوب، وبعضه من أفعال الجوارح، ولو لم يرد أمير المؤمنين(عليه السلام) ما شرحناه لكان قد قال: الاسلام هو العمل بالاركان خاصة، ولم يعتبر فيه الاعتقاد القلبى، ولا النطق اللفظى، وذلك ممالا يقوله أحد
---

[315]
(121)
الأصل:
عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذى منه هرب، ويفوته الغنى الذى إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الاخرة حساب الاغنياء، وعجبت للمتكبر الذى كان بالامس نطفة، ويكون غدا جيفة، وعجبت لمن شك في الله وهو يرى خلق الله، وعجبت لمن نسى الموت وهو يرى من يموت، وعجبت لمن أنكر النشأة الاخرى وهو يرى النشأة الاولى، وعجبت لعامر دار الفناء، وتارك دار البقاء.
* * *
الشرح:
قال أعرابي: الرزق الواسع لمن لا يستمتع به بمنزلة الطعام الموضوع على قبر.
ورأى حكيم رجلا مثريا يأكل خبزا وملحا، فقال: لم تفعل هذا؟ قال: أخاف الفقر، قال: فقد تعجلته.
فأما القول في الكبر والتيه فقد تقدم منه ما فيه كفاية، وقال ابن الاعرابي: ما تاه على أحد قط أكثر من مرة واحده، أخذ هذا المعنى شاعر فقال وأحسن: هذه منك فإن عد * ت إلى الباب فمنى وقد تقدم من كلامنا في نظائر هذه الالفاظ المذكورة ما يغنى عن الاطالة هاهنا.
---

[316]
(122)
الأصل:
من قصر في العمل، ابتلى بالهم.
* * *
الشرح:
هذا مخصوص بأصحاب اليقين، والاعتقاد الصحيح، فإنهم الذين إذا قصروا في العمل ابتلوا بالهم، فأما غيرهم من المسرفين على أنفسهم وذوى النقص في اليقين والاعتقاد، فإنه لا هم يعروهم وإن قصروا في العمل، وهذه الكلمة قد جربناها من أنفسنا فوجدنا مصداقها واضحا، وذلك أن الواحد منا إذا أخل بفريضة الظهر مثلا حتى تغيب الشمس وإن كان أخل بها لعذر وجد ثقلا في نفسه وكسلا وقلة نشاط، وكأنه مشكول بشكال أو مقيد بقيد، حتى يقضى تلك الفريضة، فكأنما أنشط من عقال.
---

[317]
(123)
الأصل:
لا حاجه لله فيمن ليس لله في ماله ونفسه نصيب.
* * *
الشرح:
قد جاء في الخبر المرفوع: " إذا أحب الله عبدا ابتلاه في ماله أو في نفسه ".
وجاء في الحديث المرفوع: " اللهم إنى أعوذ بك من جسد لا يمرض، ومن مال لا يصاب ".
وروى عبد الله بن أنس عنه(صلى الله عليه وآله) أنه قال: " أيكم يحب أن يصح فلا يسقم؟ "، قالوا: كلنا يا رسول الله، قال: " أتحبون أن تكونوا كالحمر الصائلة، ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلايا وأصحاب كفارات! والذى بعثنى بالحق إن الرجل لتكون له الدرجة في الجنة فلا يبلغها بشئ من عمله فيبتليه الله ليبلغه الله درجة لا يبلغها بعمله ".
وفي الحديث أيضا: " ما من مسلم يمرض مرضا إلا حت الله به خطاياه كما تحت الشجرة ورقها ".
وروى أبو عثمان النهدي قال: دخل رجل أعرابي على رسول الله(صلى الله عليه وآله) ذو جسمان عظيم، فقال له: متى عهدك؟ بالحمى قال: ما أعرفها، قال: بالصداع،
---

[318]
قال: ما أدرى ما هو؟ قال: فأصبت بمالك؟ قال: لا، قال فرزئت بولدك؟ قال: لا، فقال(عليه السلام): " إن الله ليكره العفريت النفريت الذى لا يرزأ في ولده ولا يصاب في ماله ".
وجاء في بعض الاثار: " أشد الناس حسابا الصحيح الفارغ ".
وفي حديث حذيفة رضى الله عنه: إن أقر يوم لعيني ليوم لا أجد فيه طعاما، سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: " إن الله ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالطعام، وإن الله يحمى عبده المؤمن كما يحمى أحدكم المريض من الطعام ".
وفي الحديث المرفوع أيضا: " إذا أحب الله عبدا ابتلاه، فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه " قالوا: وما اقتناؤه؟ قال: ألا يترك له مالا ولا ولدا ".
مر موسى(عليه السلام) برجل كان يعرفه مطيعا لله قد مزقت السباع لحمه وأضلاعه، وكبده ملقاة، فوقف متعجبا فقال: أي رب، عبدك المطيع لك ابتليته بما أرى، فأوحى الله إليه: إنه سألني درجة لم يبلغها بعمله، فجعلت له بما ترى سبيلا إلى تلك الدرجة.
وجاء في الحديث: " إن زكريا لم يزل يرى ولده يحيى مغموما باكيا مشغولا بنفسه، فقال: يا رب طلبت منك ولدا أنتفع به فرزقتنيه لا نفع لى فيه فقال له: إنك طلبته وليا، والولى لا يكون إلا هكذا، مسقاما فقيرا مهموما.
وقال سفيان الثوري: كانوا لا يعدون الفقيه فقيها من لا يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة.
جابر بن عبد الله يرفعه: " يود أهل العافية يوم القيامة أن لحومهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء ".
---

[319]
(124)
الأصل:
توقوا البرد في أوله، وتلقوه في آخره، فإنه يفعل في الابدان كفعله في الاشجار، أوله يحرق، وآخره يورق.
* * *
الشرح:
هذه مسألة طبيعية قد ذكرها الحكماء، قالوا: لما كان تأثير الخريف في الابدان، وتوليده الامراض كالزكام والسعال وغيرهما أكثر من تأثير الربيع، مع أنهما جميعا فصلا اعتدال، وأجابوا بأن برد الخريف يفجأ الانسان وهو معتاد لحر الصيف فينكأ فيه، ويسد مسام دماغه، لان البرد يكثف ويسد المسام فيكون كمن دخل من موضع شديد الحرارة إلى خيش بارد.
فأما المنتقل من الشتاء إلى فصل الربيع فإنه لا يكاد برد الربيع يؤذيه ذلك الاذى لانه قد اعتاد جسمه برد الشتاء، فلا يصادف من برد الربيع إلا ما قد اعتاد ما هو أكثر منه، فلا يظهر لبرد الربيع تأثير في مزاجه فأما لم أورقت الاشجار وأزهرت في الربيع دون الخريف؟ فلما في الربيع من الكيفيتين اللتين هما منبع النمو والنفس النباتية، وهما الحرارة والرطوبة وأما الخريف فخال من هاتين الكيفيتين ومستبدل بهما ضدهما،
---

[320]
وهما البرودة واليبس المنافيان للنشوء وحياة الحيوان والنبات.
فأما لم كان الخريف باردا يابسا والربيع حارا رطبا مع أن نسبة كل واحد منهما إلى الفصلين الخارجين عن الاعتدال وهما الشتاء والصيف نسبة واحدة؟ فإن تعليل ذلك مذكور في الاصول الطبية، والكتب الطبيعية، وليس هذا الموضع مما يحسن أن يشرح فيه مثل ذلك
---

[321]
(125)
الأصل:
عظم الخالق عندك يصغر المخلوق في عينك * * *
الشرح:
لا نسبة للمخلوق إلى الخالق أصلا وخصوصا البشر، لانهم بالنسبة إلى فلك القمر كالذرة، ونسبة فلك القمر كالذرة بالنسبة إلى قرص الشمس، بل هم(1) دون هذه النسبة مما(2) يعجز الحاسب الحاذق عن حساب ذلك، وفلك القمر بالنسبة إلى الفلك المحيط دون هذه النسبة، ونسبة الفلك المحيط إلى البارئ سبحانه كنسبة العدم المحض والنفى الصرف إلى الموجود البائن، بل هذا القياس أيضا غير صحيح، لان المعدوم يمكن أن يصير موجودا بائنا، والفلك لا يتصور أن يكون صانع العالم الواجب الوجود لذاته.
وعلى الجملة فالامر أعظم من كل عظيم، وأجل من كل جليل، ولا طاقة للعقول و الاذهان أن تعبر عن جلالة ذلك الجناب وعظمته، بل لو قيل، إنها لا طاقة لها أن تعبر عن جلال مصنوعاته الاولى المتقدمة علينا بالرتبة العقلية والزمانيه لكان ذلك القول حقا وصدقا، فمن هو المخلوق ليقال: إن عظم الخالق يصغره في العين، ولكن كلامه(عليه السلام) محمول على مخاطبة العامة الذين تضيق أفهامهم عما ذكرناه
---
(1) ساقط من ا، ب.
(2) ب: " بما "---

[322]
(126)
الأصل:
وقال(عليه السلام)، وقد رجع من صفين فأشرف على القبور بظاهر الكوفة يا أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، والقبور المظلمة.
يا أهل التربة، يا أهل الغربة، يا أهل الوحدة.
يا أهل الوحشة، أنتم لنا فرط سابق، ونحن لكم تبع لاحق، أما الدور فقد سكنت، وأما الازواج فقد نكحت، وأما الاموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما والله لو أذن لهم في الكلام، لاخبروكم أن خير الزاد التقوى.
* * *
الشرح:
الفرط: المتقدمون، وقد ذكرنا من كلام عمر ما يناسب هذا الكلام، لما ظعن في القبور وعاد إلى أصحابه أحمر الوجه، ظاهر العروق، قال: قد وقفت على قبور الاحبة فناديتها الحديث..
إلى آخره، فقيل له: فهل أجابتك؟ قال: نعم، قالت: إن خير الزاد التقوى.
وقد جاء في حديث القبور ومخاطبتها وحديث الاموات وما يتعلق بذلك شئ كثير يتجاوز الاحصاء.
---

[323]
وفي وصية النبي(صلى الله عليه وآله) أبا ذر رضى الله عنه: زر القبور تذكر بها الاخرة ولا تزرها ليلا، وغسل الموتى يتحرك قلبك، فإن الجسد الخاوى(1) عظة بليغة، وصل على الموتى فإن ذلك يحزنك، فإن الحزين في ظل الله.
وجد على قبر مكتوبا: مقيم إلى أن يبعث الله خلقة * لقاؤك لا يرجى وأنت رقيب تزيد بلى في كل يوم وليلة * وتنسى كما تبلى وأنت حبيب وقال الحسن(عليه السلام): مات صديق لنا صالح، فدفناه ومددنا على القبر ثوبا، فجاء صله بن أشيم، فرفع طرف الثوب ونادى: يا فلان إن تنج منها تنج من ذى عظيمة * وإلا فإنى لا إخالك ناجيا وفي الحديث المرفوع، أنه(عليه السلام) كان إذا تبع الجنازة أكثر الصمات(2)، ورئى عليه كآبة ظاهرة، وأكثر حديث النفس.
سمع أبو الدرداء رجلا يقول في جنازة: من هذا؟ فقال أنت، فإن كرهت فأنا.
سمع الحسن(عليه السلام) امرأه تبكى خلف جنازة، وتقول: يا أبتاه، مثل يومك لم أره! فقال: بل أبوك مثل يومه لم يره.
وكان مكحول إذا رأى جنازة قال: اغد فإنا رائحون.
وقال ابن شوذب: اطلعت امرأة صالحة في لحد فقالت لامراة معها: هذا كندوج العمل - يعنى خزانته.
وكانت تعطيها الشئ بعد الشئ تأمرها أن تتصدق به، فتقول: اذهبي فضعى هذا في كندوج العمل.
---
(1) الخاوى: الخالى من الروح.
(2) الصمات، مصدر صمت.
---

[324]
شاعر: أجازعة ردينة أن أتاها * نعيى أم يكون لها اصطبار! إذا ما أهل قبري ودعوني * وراحوا والاكف بها غبار وغودر أعظمي في لحد قبر * تراوحه الجنائب والقطار تهب الريح فوق محط قبري * ويرعى حوله اللهق النوار(1) مقيم لا يكلمني صديق * بقفر لا أزور ولا أزار فذاك النأى لا الهجران حولا * وحولا ثم تجتمع الديار وقال آخر: كأنى بإخوانى على حافتى قبري * يهيلونه فوقى وأدمعهم تجرى فيأيها المذرى على دموعه * ستعرض في يومين عنى وعن ذكرى عفا الله عنى يوم أترك ثاويا * أزار فلا أدرى وأجفى فلا أدرى وجاء في الحديث المرفوع: " ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه ".
وفي الحديث أيضا: " القبر أول منزل من منازل الاخرة، فمن نجا منه فما بعده أيسر، ومن لم ينج منه فما بعده شر منه ".
---
(1) اللهق بالحريك: الثور الابيض، والنوار: الناشز.
---

[325]
(127)
الأصل:
وقال(عليه السلام) وقد سمع رجلا يذم الدنيا: أيها الذام للدنيا، المغتر بغرورها، المنخدع بابأطيلها، أتفتتن بها ثم تذمها! أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك! متى استهوتك، أم متى غرتك! أبمصارع آبائك من البلى، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى! كم عللت بكفيك، وكم مرضت بيديك، تبتغى لهم الشفاء، وتستوصف لهم الاطباء، غداة لا يغنى عنهم دواؤك، ولا يجدى عليهم بكاؤك! لم ينفع أحدهم إشفاقك، ولم تسعف فيه بطلبتك، ولم تدفع عنه بقوتك، وقد مثلت لك به الدنيا نفسك، وبمصرعه مصرعك.
إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها.
مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحى الله، ومتجر أولياء الله، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها، وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، ونعت نفسها وأهلها، فمثلت لهم ببلائها البلاء، وشوقتهم بسرورها إلى السرور! راحت بعافية وابتكرت بفجيعة، ترغيبا وترهيبا، وتخويفا وتحذيرا،
---

[326]
فذمها رجال غداة الندامة، وحمدها آخرون يوم القيامة، ذكرتهم الدنيا فذكروا، وحدثتهم فصدقوا، ووعظتهم فاتعظوا * * *
الشرح:
تجرمت على فلان: ادعيت عليه جرما وذنبا، واستهواه كذا استزله.
وقوله(عليه السلام): " فمثلت لهم ببلائها البلاء "، أي بلاء الاخرة وعذاب جهنم، وشوقتهم بسرورها إلى السرور أي إلى سرور الاخرة ونعيم الجنة.
وهذا الفصل كله لمدح الدنيا، وهو ينبئ عن اقتداره(عليه السلام) على ما يريد من المعاني، لان كلامه كله في ذم الدنيا، وهو الان يمدحها، وهو صادق في ذاك وفى هذا، وقد جاء عن النبي(صلى الله عليه وآله) كلام يتضمن مدح الدنيا أو قريبا من المدح، وهو قوله(عليه السلام): " الدنيا حلوة خضرة، فمن أخذها بحقها بورك له فيها ".
واحتذى عبد الله بن المعتز(1) حذو أمير المؤمنين(عليه السلام) في مدح الدنيا فقال في كلام له: الدنيا دار التاديب(2) والتعريف، التى بمكروهها توصل إلى محبوب الاخرة، ومضمار الاعمال السابقة بأصحابها إلى الجنان، ودرجة الفوز التى يرتقى عليها المتقون إلى دار الخلد، وهى الواعظة لمن عقل، والناصحة لمن قبل، وبساط المهل، وميدان العمل، وقاصمة الجبارين، وملحقة الرغم معاطس المتكبرين، وكاسية التراب أبدان المختالين، وصارعة المغترين، ومفرقة أموال الباخلين، وقاتلة القاتلين والعادلة بالموت على جميع العالمين، وناصرة المؤمنين، ومبيرة الكافرين.
الحسنات فيها مضاعفة، والسيئات بالامها ممحوة، ومع عسرها يسران، والله تعالى قد ضمن أرزاق أهلها، وأقسم في كتابه بما فيها، ورب طيبة
---
(1) د: " المغيرة ".
(2) د: " التأدب ".
---

[327]
من نعيمها قد حمد الله عليها فتلقتها أيدى الكتبة ووجبت بها الجنة، وكم نائبة من نوائبها، وحادثة من حوادثها، قد راضت الفهم، ونبهت الفطنة، وأذكت القريحة، وأفادت فضيلة الصبر، وكثرت ذخائر الاجر.
ومن الكلام المنسوب إلى على(عليه السلام) الناس أبناء الدنيا، ولايلام المرء على حب أمة، أخذه محمد بن وهب الحميرى فقال: ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها * وما كنت منه فهو شئ محبب
---

[328]
(128)
الأصل:
إن لله ملكا ينادى في كل يوم: لدوا للموت، واجمعوا للفناء، وابنوا للخراب * * *
الشرح:
هذه اللام عند أهل العربية تسمى لام العاقبة، ومثل هذا قوله تعالى:(فالتقطة آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا)(1)، ليس أنهم التقطوه لهذه العلة، بل التقطوه فكان عاقبة التقاطهم إياه العداوة والحزن، ومثله: * فللموت ما تلد الوالدة * ومثله قوله تعالى:(ولقد ذرانا لجهنم)(2)، ليس أنه ذرأهم ليعذبهم في جهنم، بل ذرأهم وكان عاقبة ذرئهم أن صاروا فيها، وبهذا الحرف يحصل الجواب عن كثير من الايات المتشابهة التى تتعلق بها المجبرة.
وأما فحوى هذا القول وخلاصته فهو التنبيه على أن الدنيا دار فناء وعطب، لا دار بقاء وسلامة، وأن الولد يموت، والدور تخرب وما يجمع من الاموال يفنى.
---
(1) سورة القصص 008(2) سورة الاعراف 179.
---

[329]
(129)
الأصل:
الدنيا دار ممر، لا دار(1) مقر، والناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها.
* * *
الشرح:
قال عمر بن عبد العزيز يوما لجلسائه: أخبروني من أحمق الناس؟ قالوا: رجل باع آخرته بدنياه، فقال ألا أنبئكم بأحمق منه؟ قالوا: بلى، قال: رجل باع آخرته بدنيا غيره.
قلت: لقائل أن يقول له: ذاك باع آخرته بدنياه أيضا، لانه لو لم يكن له لذة في بيع آخرته بدنيا غيره لما باعها، وإذا كان له في ذلك لذة، فإذن إنما باع آخرته بدنياه، لان دنياه هي لذته.
---
(1) في د " إلى دار " والمعنى عليه يستقيم أيضا.
---

[330]
(130)
الأصل:
لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته، وغيبته، ووفاته.
* * *
الشرح:
قد تقدم لنا كلام في الصديق والصداقة، وأما النكبة وحفظ الصديق فيها فإنه يقال: في الحبوس(1) مقابر الاحياء، وشماتة الاعداء، وتجربة الاصدقاء.
وأما الغيبة فإنه قد قال الشاعر: وإذا الفتى حسنت مودته * في القرب ضاعفها على البعد وأما الموت فقد قال الشاعر: وإنى لاستحييه والترب بيننا * كما كنت أستحييه وهو يرانى ومن كلام على(عليه السلام): الصديق من صدق في غيبته.
قيل لحكيم: من أبعد الناس سفرا؟ قال: من سافر في ابتغاء الاخ الصالح.
أبو العلاء المعرى: أزرت بكم يا ذوى الالباب أربعة * يتركن أحلامكم نهب الجهالات ود الصديق، وعلم الكيمياء وأح‍* - كام النجوم، وتفسير المنامات قيل للثوري: دلنى على جليس أجلس إليه(2) قال: تلك ضالة لا توجد
---
(1) د: " الحبس ".
(2) د: " عنده ".
---

[331]
(131)
الأصل:
من أعطى أربعا لم يحرم أربعا: من أعطى الدعاء لم يحرم الاجابة، ومن أعطى التوبة لم يحرم القبول، ومن أعطى الاستغفار لم يحرم المغفرة، ومن أعطى الشكر لم يحرم الزيادة.
* * *
قال الرضى رحمه الله تعالى: وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى، قال في الدعاء:(ادعوني أستجب لكم)(1).
وقال في الاستغفار:(ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما)(2).
وقال في الشكر:(لئن شكرتم لازيدنكم)(3).
وقال في التوبة:(إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما)(4).
* * *
الشرح:
في بعض الروايات أن ما نسب إلى الرضى رحمه الله من استنباط هذه المعاني من الكتاب العزيز من متن كلام أمير المؤمنين(عليه السلام)، وقد سبق القول في كل واحدة من هذه الاربع مستقصى.
---
(1) سورة غافر 60.
(2) سورة النساء 110.
(3) سورد ابراهيم 7.
(4) سورة النساء 17.
---

[332]
(132)
الأصل:
الصلاة قربان كل تقى، والحج جهاد كل ضعيف، ولكل شئ زكاة، وزكاة البدن الصوم، وجهاد المرأة حسن التبعل.
* * *
الشرح:
قد تقدم القول في الصلاة والحج والصيام، فأما أن جهاد المرأة حسن التبعل، فمعناه حسن معاشرة بعلها وحفظ ماله وعرضه، وإطاعته فيما يأمر به، وترك الغيرة فإنها باب الطلاق.
* * *
[نبذ من الوصايا الحكيمة] وأوصت امرأة من نساء العرب بنتها ليلة إهدائها(1) فقالت لها: لو تركت الوصية لاحد لحسن أدب وكرم حسب، لتركتها لك، ولكنها تذكرة للغافل، ومئونة للعاقل.
إنك قد خلفت العش الذى فيه درجت، والوكر الذى منه خرجت، إلى منزل لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أمة، يكن لك عبدا، واحفظى عنى خصالا عشرا:
---
(1) ليلة إهدائها، أي زوجها، يقال: هدى العروس إلى بعلها وأهداها هداء وإهداء.
---

[333]
أما الاولى والثانية، فحسن الصحابة بالقناعة، وجميل المعاشرة بالسمع والطاعة ففى حسن الصحابة راحة القلب، وفى جميل المعاشرة رضا الرب.
والثالثة والرابعة، التفقد لمواقع عينة، والتعهد لمواضع أنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يجد أنفه منك خبيث ريح، واعلمي أن الكحل أحسن الحسن المفقود، وأن الماء أطيب الطيب الموجود والخامسة والسادسه، الحفظ لماله، والارعاء على حشمه وعياله، واعلمي أن أصل الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، وأصل الارعاء على الحشم والعيال حسن التدبير.
والسابعة والثامنة، التعهد لوقت طعامه، والهدو والسكون عند منامه، فحرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة.
والتاسعة والعاشرة: لا تفشين له سرا، ولا تعصين له أمرا، فإنك أن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره.
* * *
وأوصت امرأة ابنتها وقد أهدتها إلى بعلها، فقالت: كونى له فراشا، يكن لك معاشا، وكوني له وطاء، يكن لك غطاء وإياك والاكتئاب إذا كان فرحا، والفرح إذا كان كئيبا، ولا يطلعن منك على قبيح، ولا يشمن منك إلا طيب ريح(1).
* * *
وزوج عامر بن الظرب ابنته من ابن أخيه، فلما أراد تحويلها قال لامها: مرى ابنتك ألا تنزل مفازة إلا ومعها ماء، فإنه للاعلى جلاء، وللاسفل نقاء، ولا تكثر مضاجعته، فإذا مل البدن مل القلب، ولا تمنعه شهوته، فإن الحظوة في المواقعة.
فلم يلبث إلا شهرا حتى جاءته مشجوجة، فقال لابن أخيه يا بنى ارفع عصاك عن بكرتك،
---
(1) د: " ريحا طييا ".
---

[334]
فإن كان من غير أن تنفر بك فهو الداء الذى ليس له دواء، وإن لم يكن بينكما وفاق ففراق، الخلع أحسن من الطلاق، وأن تترك أهلك ومالك.
فرد عليه صداقها، وخلعها منه، فهو أول خلع كان في العرب.
(1).
* * *
وأوصى الفرافصة الكلبى ابنته نائلة حين أهداها إلى عثمان، فقال: يا بنيه، إنك تقدمين على نساء من نساء قريش هن أقدر على الطيب منك، ولا تغلبين على خصلتين: الكحل والماء.
تطهري حتى يكون ريح جلدك ريح شن أصابه مطر، وإياك والغيرة على بعلك، فإنها مفتاح الطلاق.
* * *
وروى أبو عمرو بن العلاء قال: أنكح ضرار بن عمرو الضبى ابنته من معبد ابن زرارة، فلما أخرجها إليه قال: يا بنية، أمسكى عليك الفضلين: فضل الغلمة، وفضل الكلام.
قال أبو عمرو: وضرار هذا هو الذى رفع عقيرته بعكاظ، وقال: ألا إن شر حائل(2) أم، فزوجوا الامهات، قال: وذلك أنه صرع بين الرماح، فأشبل عليه إخوته لامه حتى استنقذوه.
* * *
وأوصت أعرابية ابنتها عند إهدائها، فقالت لها: اقلعي زج رمحه، فإن أقر فاقلعي سنانه، فإن أقر فاكسري العظام بسيفه، فإن أقر فاقطعي اللحم على ترسه، فإن أقر فضعى الاكاف على ظهره، فإنما هو حمار.
وهذا هو قبح التبعل، وذكرناه نحن في باب حسن التبعل، لان الضد يذكر بضده.
---
(1) يقال: خلع الرجل امرأته وخالعها إذا افتدت منه بمال فطلقها وأبانها من نفسه.
(2) الحائل: التى لا تحمل.
---

[335]
(133)
الأصل:
استنزلوا الرزق بالصدقة * * *
الشرح:
جاء في الحديث المرفوع - وقيل: إنه موقوف على عثمان: " تاجروا الله بالصدقة تربحوا ".
وكان يقال: الصدقة صداق الجنه.
وفى الحديث المرفوع: " ما أحسن عبد الصدقة، إلا أحسن الله الخلافة على مخلفيه ".
وعنه(صلى الله عليه وآله): " ما من مسلم يكسو مسلما ثوبا إلا كان في حفظ الله ما دام منه رقعة ".
وقال عمر بن عبد العزيز: الصلاة تبلغك نصف الطريق، والصوم يبلغك باب الملك، الملك والصدقة تدخلك عليه.
---

[336]
(134)
الأصل:
ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية.
* * *
الشرح:
هذا حق، لان من لم يوقن بالخلف ويتخوف الفقر يضن بالعطية، ويعلم أنه إذا أعطى ثم أعطى استنفد ماله، واحتاج إلى الناس لانقطاع مادته، وأما من يوقن بالخلف، فإنه يعلم أن الجود شرف لصاحبه، وأن الجواد ممدوح عند الناس، فقد وجد الداعي إلى السماح - ولاصارف له - عنه لانه يعلم أن مادته دائمة غير منقطعة، فالصارف الذى يخافه من قدمناه ذكره مفقود في حقه، فلا جرم أنه يجود بالعطية!
---

[337]
(135)
الأصل:
تنزل المعونة على قدر المؤونة.
* * *
الشرح:
جاء في الحديث المرفوع: " من وسع وسع عليه، وكلما كثر العيال كثر الرزق ".
وكان على بعض الموسرين رسوم لجماعة من الفقراء يدفعها إليهم كل سنة، فاستكثرها، فأمر كاتبه بقطعها، فرأى في المنام كأن له أهواء كثيرة في داره، وكأنها تصعدها أقوام من الارض إلى السماء، وهو يجزع من ذلك، فيقول: يا رب رزقي رزقي! فقيل له: إنما رزقناك هذه لتصرفها فيما كنت تصرفها فيه، فإذ قطعت ذلك رفعناها منك، وجعلناها لغيرك.
فلما أصبح أمر كاتبه بإعادة تلك الرسوم أجمع.
---

[338]
(136)
الأصل:
ما عال من اقتصد.
* * *
الشرح:
ما عال، أي ما افتقر، وقد تقدم لنا قول مقنع في مدح الاقتصاد.
وقال أبو العلاء: وإن كنت تهوى العيش فابغ توسطا * فعند التناهى يقصر المتطاول(1) توقى البدور النقص وهى أهله * ويدركها النقصان وهى كوامل وهذا الشعر وإن كان في الاقتصاد في المراتب والولايات، إلا أنه مدح للاقتصاد في الجملة، فهو من هذا الباب.
وسمع بعض الفضلاء قول الحكماء: التدبير نصف العيش، فقال: بل العيش كله.
---

[339]
(137)
الأصل:
قلة العيال أحد اليسارين.
* * *
الشرح:
اليسار الثاني كثرة المال، يقول إن قلة العيال مع الفقر كاليسار الحقيقي مع كثرتهم.
ومن أمثال الحكماء: العيال أرضة المال
---

[340]
(138)
الأصل:
التودد نصف العقل: * * *
الشرح:
دخل حبيب بن شوذب على جعفر بن سليمان بالبصرة، فقال: نعم المرء حبيب ابن شوذب! حسن التودد، طيب الثناء، يكره الزيارة المتصلة، والقعدة المنسية.
وكان يقال: التودد ظاهر حسن، والمعاملة بين الناس على الظاهر، فأما البواطن فإلى عالم الخفيات.
وكان يقال: قل من تودد إلا صار محبوبا، والمحبوب مستور العيوب.
---

[341]
(139)
الأصل:
والهم نصف الهرم.
* * *
الشرح:
من كلام بعض الحكماء: الهم يشيب القلب، ويعقم العقل، فلا يتولد معه رأى، ولا تصدق معه روية.
وقال الشاعر: هموم قد أبت إلا التباسا * تبت الشيب في رأس الوليد وتقعد قائما بشجا حشاه * وتطلق للقيام حبا القعود وأضحت خشعا منها نزار * مركبة الرواجب في الخدود وقال سفيان بن عيينة: الدنيا كلها هموم وغموم، فما كان منها سرور فهو ربح.
ومن أمثالهم: الهم كافور الغلمة.
وقال أبو تمام: شاب رأسي وما رأيت مشيب الرأس إلا من فضل شيب الفؤاد(1) وكذاك القلوب في كل بؤس * ونعيم طلائع الاجساد طال إنكارى البياض ولو عمر * ت شيئا أنكرت لون السواد(2)
---
(1) ديوانه 1: 360.
(2) الديوان: " وإن عمرت ".
---

[342]
(140)
الأصل:
ينزل الصبر على قدر المصيبة، ومن ضرب يده على فخذه عند مصيبتة حبط أجره.
* * *
الشرح:
قد مضى لنا كلام شاف في الصبر، وكان الحسن يقول في قصصه: الحمد لله الذى كلفنا ما لو كلفنا غيره لصرنا فيه إلى معصيتة، وآجرنا على ما لا بد لنا منه، يقول: كلفنا الصبر، ولو كلفنا الجزع لم يمكنا أن نقيم عليه، وآجرنا على الصبر ولابد لنا من الرجوع إليه.
ومن كلام أمير المؤمنين(عليه السلام)، كان يقول عند التعزية: عليكم بالصبر، فإن به يأخذ الحازم، ويعود إليه الجازع.
وقال أبو خراش الهذلى يذكر أخاه عروة: تقول أراه بعد عروة لاهيا * وذلك رزء لو علمت جليل(1) فلا تحسبي أنى تناسيت عهده * ولكن صبرى يا أميم جميل وقال عمرو بن معديكرب: كم من أخ لى صالح * بوأته بيدى لحدا(2)
---
(1) ديوان الهذليين 2: 116.
(2) ديوان الحماسة 1: 17، 175 - بشرح التبريزي---

[343]
ألبسته أكفانه * وخلقت يوم خلقت جلدا وكان يقال: من حدث نفسه بالبقاء، ولم يوطنها على المصائب، فهو عاجز الرأى.
وكان يقال: كفى باليأس معزيا، وبانقطاع الطمع زاجرا! وقال الشاعر: أيا عمرو لم أصبر ولى فيك حيلة * ولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر تصبرت مغلوبا وإنى لموجع كما صبر القطان في البلد القفر
---

[344]
(141)
الأصل:
كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظما، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والعناء حبذا.
نوم الاكياس وإفطارهم! * * *
الشرح:
الاكياس هاهنا العلماء العارفون، وذلك لان عباداتهم تقع مطابقة لعقائدهم الصحيحة، فتكون فروعا راجعة إلى أصل ثابت، وليس كذلك الجاهلون بالله تعالى، لانهم إذا لم يعرفوه ولم تكن عباداتهم متوجهة إليه فلم تكن مقبولة، ولذلك فسدت عبادة النصارى واليهود.
وفيهم ورد قوله تعالى:(عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية)(1).
---
(1) سورة الغشية 3، 4.
---

[345]
(142)
الأصل:
سوسوا إيمانكم بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، وادفعوا أمواج البلاء بالدعاء.
* * *
الشرح:
قد تقدم الكلام في الصدقة والزكاة والدعاء، فلا معنى لاعادة القول في ذلك.
---

[346]
(143)
الأصل:
ومن كلام له(عليه السلام) لكميل بن زياد النخعي: قال كميل بن زياد: أخذ بيدى أمير المؤمنين على بن أبى طالب(عليه السلام) فأخرجني إلى الجبان، فلما أصحر تنفس الصعداء، ثم قال: يا كميل بن زياد، إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، فاحفظ عنى ما أقول لك.
الناس ثلاثة: فعالم ربانى، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم، يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق.
يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال.
والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكوا على الانفاق، وصنيع المال يزول بزواله.
يا كميل بن زياد، معرفة العلم دين يدان به، به يكسب الانسان الطاعة في حياته، وجميل لاحدوثة بعد وفاته.
والعلم حاكم، والمال محكوم عليه.
يا كميل بن زياد، هلك خزان الاموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقى الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.
ها إن هاهنا لعلما جما - وأشار إلى صدره - لو أصبت له حملة! بلى أصيب لقنا غير مأمون عليه، مستعملا آلة الدين للدنيا، ومستظهرا بنعم الله على عباده، وبحججه على أوليائه،
---

[347]
أو منقادا لحملة الحق، لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه لاول عارض من شبهة ألا لاذا ولا ذاك، أو منهوما باللذة، سلس القياد للشهوة، أو مغرما بالجمع والادخار، ليسا من رعاة الدين في شئ، أقرب شئ شبها بهما الانعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه.
اللهم بلى، لا تخلو الارض من قائم لله بحجة، إما ظاهرا مشهورا، وإما خائفا مغمورا، لئلا تبطل حجج الله وبيناته.
وكم ذا وأين! أولئك و الله الاقلون عددا، والاعظمون عند الله قدرا، يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم.
هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الاعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه، آه آه شوقا إلى رؤيتهم! انصرف يا كميل إذا شئت.
* * *
الشرح:
الجبان والجبانة: الصحراء.
وتنفس الصعداء، أي تنفس تنفسا ممدودا طويلا.
قوله(عليه السلام): " ثلاثة " قسمة صحيحة، وذلك لان البشر باعتبار الامور الالهية: إما عالم على الحقيقة يعرف الله تعالى، وإما شارع في ذلك فهو بعد في السفر إلى الله يطلبه بالتعلم والاستفادة من العالم، وإما لا ذا ولا ذاك، وهو العامي الساقط الذى
---

[348]
لا يعبأ.
الله وصدق(عليه السلام) في أنهم همج رعاع أتباع كل ناعق، ألا تراهم ينتقلون من التقليد لشخص إلى تقليد الاخر، لادنى خيال وأضعف وهم! ثم شرع(عليه السلام) في ذكر العلم وتفضيله على المال، فقال: " العلم يحرسك، وأنت تحرس المال "، وهذا أحد وجوه التفضيل.
ثم ابتدأ فذكر وجها ثانيا، فقال: المال ينقص بالانفاق منه، والعلم لا ينقص بالانفاق بل يزكو، وذلك لان إفاضة العلم على التلامذة تفيد المعلم زيادة استعداد، وتقرر في نفسه تلك العلوم التى أفاضها على تلامذته وتثبتها وتزيدها رسوخا.
فأما قوله: " وصنيع المال يزول بزواله "، فتحته سر دقيق حكمي، وذلك لان المال إنما يظهر أثره ونفعه في الامور الجسمانية، والملاذ الشهوانية، كالنساء والخيل والابنيه والمأكل والمشرب والملابس ونحو ذلك، وهذه الاثار كلها تزول بزوال المال أو بزوال رب المال ألا ترى أنه إذا زال المال اضطر صاحبه إلى بيع الابنية والخيل والاماء، ورفض تلك العادة من الماكل الشهية والملابس البهية! وكذلك إذا زال رب المال بالموت، فإنه تزول آثار المال عنده: فإنه لا يبقى بعد الموت آكلا شاربا لابسا، وأما آثار العلم فلا يمكن أن تزول أبدا والانسان في الدنيا، ولا بعد خروجه عن الدنيا، أما في الدنيا فلان العالم بالله تعالى لا يعود جاهلا به، لان انتفاء العلوم البديهية عن الذهن وما يلزمها من اللوازم بعد حصولها محال، فإذا قد صدق قوله(عليه السلام) في الفرق بين المال والعلم: " إن صنيع المال يزول بزواله "، أي وصنيع المال لا يزول ولايحتاج إلى أن يقول " بزواله " لان تقدير الكلام: وصنيع المال يزول، لان المال يزول، وأما بعد خروج الانسان من الدنيا فإن صنيع العلم لا يزول وذلك لان صنيع العلم في النفس الناطقة اللذة العقلية الدائمة لدوام سببها، وهو حصول العلم في جوهر النفس الذى هو ممشوق
---

[349]
النفس مع أنتفاء ما يشغلها عن التمتع به، والتلذذ بمصاحبته، والذى كان يشغلها عنه في الدنيا استغراقها في تدبير البدن، وما تورده عليها الحواس من الامور الخارجية، ولا ريب أن العاشق إذا خلا بمعشوقه، وانتفت عنه أسباب الكدر، كان في لذة عظيمة، فهذا هو سرقوله: " وصنيع المال يزول بزواله ".
فإن قلت: ما معنى قوله(عليه السلام): " معرتة العلم دين يدان به "، وهل هذا إلا بمنزله قولك: معرفة المعرفة أو علم! العلم وهذا كلام مضطرب.
قلت: تقديره معرفة فضل العلم أو شرف العلم، أو وجوب العلم دين يدان به، أي المعرفة بذلك من أمر الدين، أي ركن من أركان الدين واجب مفروض.
ثم شرح(عليه السلام) حال العلم الذى ذكر أن معرفة وجوبه أو شرفه دين يدان به، فقال: " العلم يكسب الانسان الطاعة في حياته "، أي من كان عالما كان لله تعالى مطيعا، كما قال سبحانه:(إنما يخشى الله من عباده العلماء)(1).
ثم قال: " وجميل الاحدوثة بعد وفاته "، أي الذكر الجميل بعد موته.
ثم شرع في تفضيل العلم على المال من وجه آخر، فقال: " العلم حاكم، والمال محكوم عليه "، وذلك لعلمك أن مصلحتك في إنفاق هذا المال تنفقه، ولعلمك بأن المصلحة في إمساكه تمسكه، فالعلم بالمصلحة، داع وبالمضرة صارف، وهما الامران لحاكمان بالحركات والتصرفات إقداما، وإحجاما، ولا يكون القادر قادرا مختارا إلا باعتبارهما، وليسا إلا عبارة عن العلم أو ما يجرى مجرى العلم من الاعتقاد والظن، فإذن قد بان وظهر أن العلم من حيث هو علم حاكم، وأن المال ليس بحاكم، بل محكوم عليه.
---
(1) سورة فاطر 28.
---

[350]
ثم قال(عليه السلام): " هلك خزان المال وهم أحياء وذلك لان المال المخزون لا فرق بينه وبين الصخرة المدفونة تحت الارض، فخازنه هالك لا محالة، لانه لم يلتذ بإنفاقه، ولم يصرفه في الوجوه التى ندب الله تعالى إليها، وهذا هو الهلاك المعنوي، وهو أعظم من الهلاك الحسى.
ثم قال: " والعلماء باقون ما بقى الدهر "، هذا الكلام له ظاهر وباطن فظاهره قوله: " أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة "، أي آثارهم وما دونوه من العلوم، فكأنهم موجودون، وباطنه أنهم موجودون حقيقة لا مجازا، على قول من قال ببقاء الانفس، وأمثالهم في القلوب كناية ولغز، ومعناه ذواتهم في حظيرة القدوس، والمشاركة بينها وبين القلوب ظاهرة، لان الامر العام الذى يشملها هو الشرف، فكما أن تلك أشرف عالمها، كذا القلب أشرف عالمه، فاستعير لفظ أحدهما وعبر به عن الاخر.
قوله(عليه السلام): " ها إن هاهنا لعلما جما، وأشار بيده إلى صدره "، هذا عندي إشارة إلى العرفان والوصول إلى المقام الاشرف الذى لا يصل إليه إلا الواحد الفذ من العالم ممن لله تعالى فيه سر، وله به اتصال.
ثم قال: " لو أصبت له حملة! " ومن الذى يطيق حمله! بل من الذى يطيق فهمه فضلا عن حمله! ثم قال: " بلى أصيب ".
ثم قسم الذى يصيبهم خمسه أقسام: أحدهم أهل الرياء والسمعه، الذين يظهرون الدين والعلم ومقصودهم الدنيا، فيجعلون الناموس الدينى شبكة لاقتناص الدنيا.
وثانيها: قوم من أهل الخير والصلاح ليسوا بذوى بصيرة في الامور الالهية الغامضة،
---

[351]
فيخاف من إفشاء السر إليهم أن تنقدح في قلوبهم شبهة بإدنى خاطر، فإن مقام المعرفة مقام خطر صعب لا يثبت تحته إلا الافراد من الرجال، الذين أيدوا بالتوفيق والعصمة.
وثالثها: رجل صاحب لذات وطرب مشتهر بقضاء الشهوة، فليس من رجال هذا الباب.
ورابعها: رجل عرف بجمع المال وادخاره، لا ينفقه في شهواته ولا في غير شهواته، فحكمه حكم القسم الثالث.
ثم قال(عليه السلام): " كذلك يموت العلم بموت حاميه "، أي إذا مت مات العلم الذى في صدري، لانى لم أجد أحدا أدفعه، إليه، وأورثه إياه.
ثم استدرك فقال: " اللهم بلى، لا تخلو الارض من قائم بحجة الله تعالى " كيلا يخلو الزمان ممن هو مهيمن لله تعالى على عباده، ومسيطر عليهم، وهذا يكاد يكون تصريحا بمذهب الامامية، إلا أن أصحابنا يحملونه على أن المراد به الابدال الذين وردت الاخبار النبوية عنهم أنهم في الارض سائحون، فمنهم من يعرف، ومنهم من لايعرف، وإنهم لا يموتون حتى يودعوا السر، وهو العرفان عند قوم آخرين يقومون مقامهم.
ثم استنزر عددهم فقال: " وكم ذا! " أي كم ذا القبيل! وكم ذا الفريق! ثم قال: " وأين أولئك! " استبهم مكانهم ومحلهم.
ثم قال: " هم الاقلون عددا، الاعظمون قددا ".
ثم ذكر أن العلم هجم بهم على حقيقه الامر، وانكشف لهم المستور المغطى، وباشروا راحة اليقين وبرد القلب وثلج العلم، واستلانوا ما شق على المترفين من الناس، ووعر عليهم نحو التوحد ورفض الشهوات وخشونة العيشة.
---

[352]
قال: " وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون "، يعنى العزلة ومجانبة الناس، وطول الصمت، وملازمة الخلوة، ونحو ذلك مما هو شعار القوم.
قال: " وصحبوا الدنيا بأرواح أبدانها معلقة بالمحل الاعلى "، هذا مما يقوله أصحاب الحكمة من تعلق النفوس المجردة بمبادئها من العقول المفارقة، فمن كان أزكى كان تعلقه بها أتم.
ثم قال: " أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه "، لا شبهة أن بالوصول يستحق الانسان أن يسمى خليفة الله في أرضه، وهو المعنى بقوله سبحانه للملائكة(أنى جاعل في الارض خليفة)(1)، وبقوله:(هو الذى جعلكم خلائف في الارض)(2).
ثم قال: " آه آه شوقا إلى رؤيتهم؟ "، هو(عليه السلام) أحق الناس بأن يشتاق إلى رؤيتهم، لان الجنسية علة الضم، والشئ يشتاق إلى ما هو من سنخه وسوسته وطبيعته، ولما كان هو(عليه السلام) شيخ العارفين وسيدهم، لاجرم.
اشتاقت نفسه الشريفة إلى مشاهدة أبناء جنسه، وإن كان كل واحد من الناس دون طبقته.
ثم قال لكميل: " انصرف إذا شئت "، وهذه الكلمة من محاسن الاداب، ومن لطائف الكلم، لانه لم يقتصر على أن قال " انصرف " كيلا يكون أمرا وحكما بالانصراف لا محالة، فيكون فيه نوع علو عليه، فاتبع ذلك بقوله: " إذا شئت " ليخرجه من ذل الحكم وقهر الامر إلى عزة المشيئة والاختيار.
---

[353]
(144)
الأصل:
المرء مخبوء تحت لسانه.
* * *
الشرح:
قد تكرر هذا المعنى مرارا، فأما هذه اللفظة فلا نظير لها في الايجاز والدلالة على المعنى، وهى من ألفاظه(عليه السلام) المعدودة.
وقال الشاعر: وكائن ترى من صامت لك معجب * زيادته أو نقصه في التكلم(1) لسان الفتى نصف ونصف فؤاده * فلم يبق إلا صورة اللحم والدم وتكلم عبد الملك بن عمير وأعرابى حاضر، فقيل له: كيف ترى هذا؟ فقال: لو كان كلام يؤتدم به لكان هذا الكلام مما يؤتدم به.
وتكلم جماعة من الخطباء عند مسلمة بن عبد الملك فأسهبوا في القول، ولم يصنعوا شيئا، ثم أفرغ النطق رجل من أخرياتهم، فجعل لا يخرج من فن إلا إلى أحسن منه، فقال مسلمة: ما شبهت كلام هذا بعقب كلام هؤلاء(2) إلا بسحابة لبدت عجاجة.
وسمع رجل منشدا ينشد وكان أخلائى يقولون مرحبا * فلما رأوني مقترامات مرحب
---
(1) ينسبان لزهير، من معلقته 94 بشرح الزوزنى.
(2) بعدها في د: " أصحابه ".
---

[354]
فقال: أخطأ الشاعر، إن مرحبا لم يمت، وإنما قتله على بن أبى طالب(عليه السلام)! وقال رجل لاعرابي: كيف أهلك؟ قال: صلبا إن شاء الله.
وكان مسلمة بن عبد الملك يعرض الجند، فقال لرجل: ما اسمك؟ فقال: " عبد الله، وخفض، فقال ابن من؟ فقال: ابن " عبد " الله، وفتح، فأمر بضربه، فجعل يقول: " سبحان " الله، ويضم، فقال مسلمة: ويحكم! دعوه فإنه مجبول على اللحن والخطأ، لو كان تاركا للحن في وقت لتركه وهو تحت السياط.
---

[355]
(145)
الأصل:
هلك امرؤ لم يعرف قدره.
* * *
الشرح:
هذه الكلمة من كلماته المعدودة.
وكتب النعمان بن عبد الله إلى القاسم بن عبيد الله كتابا يدل فيه بخدمته، ويستزيد في رزقه، فوقع على ظهره: رحم الله امرأ عرف قدره! أنت رجل قد أعجبتك نفسك فلست تعرفها، فإن أحببت أن أعرفكها عرفتك.
فكتب إليه النعمان كنت كتبت إلى الوزير أعزه الله كتابا أستزيده في رزقي، فوقع على ظهره توقيع ضجر لم يخرج فيه مع ضجره عما ألفته من حياطته وحسن نظره، فقال: إنه قد حدث لعبده عجب بنفسه، وقد صدق - أعلى الله قدره - لقد شرفني الوزير بخدمته، وأعلى ذكرى بجميل ذكره، ونبه على كفايتى باستكفائه، ورفعني وكثرنى(1) عند نفسي، فإن أعجبت فبنعمته عندي، وجميل تطوله على، ولاعجب، وهل خلا الوزير من قوم يصطنعهم بعد ملة ويرفعهم بعد خمول، ويحدث لهم همما رفيعة وأنفسا عليه، وفيهم شاكر وكفور، وأرجو أن أكون أشكرهم للنعمة، وأقومهم بحقها.
وقد أطال الله بقاءه: إن عرف نفسه وإلا عرفناه إياها، فما أنكرها، وهى نفس أنشأتها نعمة الوزير وأحدثت فيها ما لم تزل تحدثه في نظرائها من سائر عبيده وخدمه، والله يعلم ما يأخذ به نفسه من خدمة مولاه وولى نعمته، إما عادة ودربة وإما تأدبا وهيبة، وإما شكرا واستدامة للنعمة.
فلما قرأ القاسم بن عبيد الله كتابه استحسنه، وزاد في رزقه
---
(1) ب: " كبرنى ".
---

[356]
(146)
الأصل:
وقال(عليه السلام) لرجل سأله أن يعظه: لا تكن ممن يرجو الاخرة بغير عمل، ويرجو التوبة بطول الامل، يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين، إن أعطى منها لم يشبع، وإن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتى، ويبتغى الزيادة فيما بقى، ينهى ولا ينتهى، ويأمر الناس بما لم يأت.
يحب الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض المذنبين وهو أحدهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، ويقيم على ما يكره الموت من أجله، إن سقم ظل نادما، وإن صح أمن لاهيا.
يعجب بنفسه إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلى! وإن أصابه بلاء دعا مضطرا، وإن ناله رخاء أعرض مغترا، تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه، ويرجو لنفسه بأكثر من عمله.
إن استغنى بطر وفتن، وإن افتقر قنط ووهن، يقصر إذا عمل، ويبالغ إذا سأل، إن عرضت له شهوة أسلف المعصية، وسوف التوبه، وإن عرته محنة انفرج عن شرائط الملة.
يصف العبرة، ولا يعتبر ويبالغ في الموعظة ولا يتعظ، فهو بالقول مدل ومن العمل مقل.
ينافس فيما يفنى، ويسامح فيما يبقى، يرى الغنم مغرما، والغرم مغنما، يخشى الموت، ولا يبادر الفوت، يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه
---

[357]
من نفسه، ويستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره، فهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن.
اللغو مع الاغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء، يحكم على غيره لنفسه، ولا يحكم عليها لغيره، يرشد نفسه ويغوى غيره(1)، فهو يطاع ويعصى، ويستوفى ولا يوفى، ويخشى الخلق في غير ربه، ولا يخشى ربه في خلقه.
* * *
قال الرضى رحمه الله تعالى: ولو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذا الكلام لكفى به موعظه ناجعة، وحكمة بالغة، وبصيرة لمبصر، وعبرة لناظر مفكر.
* * *
الشرح:
كثير من الناس يرجون الاخرة بغير عمل، ويقولون: رحمه الله واسعه، ومنهم من يظن أن التلفظ بكلمتي الشهادة كاف في دخول الجنة، ومنهم من يسوف نفسه بالتوبة، ويرجئ الاوقات من اليوم إلى غد، وقد يخترم على غرة فيفوته ما كان أمله، وأكثر هذا الفصل للنهى عن أن يقول الانسان واعظا لغيره ما لم يعلم هو من نفسه، كقوله تعالى:(أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم)(2).
فأول كلمة قالها(عليه السلام) في هذا المعنى من هذا الفصل قوله: " يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين ".
---
(1) د: " يرشد غيره ويغوى نفسه ".
(2) سورة البقرة 44.
---

[358]
ثم وصف صاحب هذا المذهب وهذه الطريقة فقال: " إنه إن أعطى من الدنيا لم يشبع "، لان الطبيعة البشرية مجبولة على حب الازدياد، وإنما يقهرها أهل التوفيق وأرباب العزم القوى.
قال: " وإن منع منها لم يقنع " بما كان وصل إليه قبل المنع.
ثم قال: يعجز عن شكر ما كان أنعم به عليه، ليس يعنى العجز الحقيقي، بل المراد ترك الشكر، فسمى ترك الشكر عجزا.
ويجوز أن يحمل على حقيقته، أي أن الشكر على ما أولى من النعم لا تنتهى قدرته إليه، أي نعم الله عليه أجل وأعظم من أن يقام بواجب شكرها.
قال: " ويبتغى الزيادة فيما بقى "، هذا راجع إلى النحو الاول.
قال: " ينهى ولا ينتهى ويأمر الناس بما لا يأتي "، هذا كما تقدم.
قال: " يحب الصالحين ولا يعمل عملهم "، إلى قوله: " وهو أحدهم "، وهو المعنى الاول بعينه.
قال: يكره الموت لكثرة ذنوبه، ويقيم على الذنوب، وهذا من العجائب أن يكره إنسان شيئا ثم يقيم عليه، ولكنه الغرور وتسويف النفس بالآماني.
ثم قال: " إن سقم ظل نادما، وإن صح أمن لاهيا "،(فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين)(1).. الايات.
قال: " يعجب بنفسه إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلى "(فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربى أكرمن * وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربى أهانن) ومثل الكلمة الاخرى: " إن أصابه بلاء "، " وإن ناله رخاء ".
---
(1) سورة العنكبوت 65.
(2) سورة الفجر 15، 16.
---

[359]
ثم قال: " تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن "، هذه كلمة جليلة عظيمة يقول: هو يستيقن الحساب والثواب والعقاب، ولا يغلب نفسه على مجانبة ومتاركة ما يفضى به إلى ذلك الخطر العظيم، وتغلبه نفسه على السعي إلى ما يظن أن فيه لذة عاجلة، فوا عجبا ممن يترجح عنده جانب الظن على جانب العلم! وما ذاك إلا لضعف يقين الناس وحب العاجل.
ثم قال: " يخاف على غيره بأدنى من ذنبه، ويرجو لنفسه أكثر من عمله "، ما يزال يرى الواحد منا كذلك يقول: إنى لخائف على فلان من الذنب الفلاني وهو مقيم على أفحش من ذلك الذنب، ويرجو لنفسه النجاة بما لا تقوم أعماله الصالحة بالمصير إلى النجاة به، نحو أن يكون يصلى ركعات في الليل أو يصوم أياما يسيرة في الشهر، ونحو ذلك.
قال: " إن استغنى بطر وفتن، وإن افتقر قنط ووهن " قنط بالفتح يقنط بالكسر، قنوطا مثل جلس يجلس جلوسا، ويجوز قنط يقنط بالضم مثل قعد يقعد، وفيه لغة: ثالثه قنط يقنط قنطا، مثل تعب يتعب تعبا وقناطة فهو قنط، وبه قرئ:(فلا تكن من القانطين)(1)، والقنوط الياس.
ووهن الرجل يهن، أي ضعف وهذا المعنى قد تكرر.
قال: " يقصر إذا عمل، ويبالغ إذا سئل "، هذا مثل ما مدح به النبي(صلى الله عليه وآله) الانصار: " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع ".
قال: " إن عرضت له شهوة أسلف المعصية، وسوف التوبه، وإن عرته محنة انفرج عن شرائط الملة "، هذا كما قيل: أمدحه نقدا ويثيبني نسيئة، وانفرج عن شرائط الملة، قال: أو فعل ما يقتضى الخروج عن الدين، وهذا موجود في كثير من الناس إذا عرته المحن كفروا أو قال: ما يقارب الكفر من التسخط والتبرم والتأفف.
---
(1) سورة الحجر 55، وهى قراءة الاعمش ويحي بن وثاب، وانظر تفسير القرطبى 10: 36.
---

[360]
قال: " يصف العبرة ولا يعتبر، ويبالغ في الموعظة ولا يتعظ "، هذا هو المعنى الاول.
قال: " فهو بالقول مدل، ومن العمل مقل "، هذا هو المعنى أيضا.
قال: " ينافس فيما يفنى "، أي في شهوات الدنيا ولذاتها، و " يسامح فيما يبقى " أي في الثواب.
قال: " يرى الغنم مغرما، والغرم مغنما "، هذا هو المعنى الذى ذكرناه آنفا.
قال: " يخشى الموت، ولا يبادر الفوت "، قد تكرر هذا المعنى في هذا الفصل.
وكذلك قوله: " يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه..
"، وإلى آخر الفصل كل مكرر المعنى وإن اختلفت الالفاظ، وذلك لاقتداره(عليه السلام) على العبارة، وسعة مادة النطق عنده.
---

[361]
(147)
الأصل:
لكل امرئ عاقبة حلوة أو مرة.
* * *
الشرح:
هكذا قرأناه ووجدناه في كثير من النسخ، ووجدناه في كثير منها " لكل أمر عاقبة "، وهو الاليق ومثل هذا المعنى قولهم في المثل: لكل سائل قرار، وقد أخذه الطائى فقال: فكانت لوعة ثم استقرت * كذلك لكل سائلة قرار(1) وقال الكميت في مثل هذا: فالان صرت إلى أمي‍* - ة والامور إلى مصاير(2) فأما الرواية الاولى وهى: " لكل امرئ " فنظائرها في القرآن كثيرة، نحو قوله تعالى:(يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد)(3)، وقوله:(يوم يتذكر الانسان ما سعى * وبرزت الجحيم لمن يرى * فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى)(4)، وغير ذلك من الايات.
---
(1) ديوانه 2: 153.
(2) الاغائى 15: 111(ساسى).
(3) سورة هود 105.
(4) سورة والنازعات 35 - 41.
---

[362]
(148)
الأصل:
الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى كل داخل في باطل إثمان: إثم العمل به، وإثم الرضا به.
* * *
الشرح:
لا فرق بين الرضا بالفعل وبين المشاركة فيه، ألا ترى أنه إذا كان ذلك الفعل قبيحا استحق الراضي به الذم كما يستحقه الفاعل له! والرضا يفسر على وجهين: الارادة، وترك الاعتراض، فإن كان الارادة فلاريب أنه يستحق الذم لان مريد القبيح فاعل للقبيح، وإن كان ترك الاعتراض مع القدرة على الاعتراض فلا ريب أنه يستحق الذم أيضا، لان تارك النهى عن المنكر مع ارتفاع الموانع يستحق الذم.
فأما قوله(عليه السلام) " وعلى كل داخل في باطل إثمان "، فإن أراد الداخل فيه بأن يفعله حقيقه فلا شبهة في أنه يأثم من جهتين: إحداهما من حيث إنه أراد القبيح.
والاخرى من حيث إنه فعله، وإن كان قوم من أصحابنا قالوا: إن عقاب المراد هو عقاب الارادة.
وإن أراد أن الراضي بالقبيح فقط يستحق إثمين: أحدهما لانه رضى به، والاخر لانه كالفاعل، فليس الامر على ذلك، لانه ليس بفاعل للقبيح حقيقة ليستحق الاثم من جهة الارادة ومن جهه الفعلية جميعا، فوجب إذن أن يحمل كلامه عليه السلام) على الوجه الاول.
---

[363]
(149)
الأصل:
لكل مقبل إدبار، وما أدبر فكأن لم يكن.
* * *
الشرح:
هذا معنى قد استعمل كثيرا جدا، فمنه المثل: ما طار طير وارتفع * إلا كما طار وقع وقول الشاعر: بقدر العلو يكون الهبوط * وإياك والرتب العاليه وقال بعض الحكماء: حركة الاقبال بطيئة، وحركة الادبار سريعة، لان المقبل كالصاعد إلى مرقاة، ومرقاة المدبر كالمقذوف به من علو إلى أسفل، قال الشاعر: في هذه الدار في هذا الرواق على * هذى الوسادة كان العز فانقرضا آخر: إن الامور إذا دنت لزوالها * فعلامه الادبار فيها تظهر وفى الخبر المرفوع: كانت ناقة رسول الله(صلى الله عليه وآله) العضباء لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، فاشتد على الصحابة ذلك، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): " إن حقا على الله ألا يرفع شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه ".
وقال شيخ من همدان: بعثنى أهلى في الجاهلية إلى ذى الكلاع بهدايا، فمكثت
---

[364]
تحت قصره حولا لا أصل إليه، ثم اشرف إشرافة من كوة له فخر له من حول العرش سجدا، ثم رأيته بعد ذلك بحمص فقيرا يشترى اللحم ويسمطه(1) خلف دابته، وهو القائل: أف لدنيا إذا كانت كذا * أنا منها في هموم وأذى إن صفا عيش امرئ في صبحها * جرعته ممسيا كأس القذى ولقد كنت إذا ما قيل من * أنعم العالم عيشا؟ قيل: ذا وقال بعض الادباء في كلام له: بينا هذه الدنيا ترضع بدرتها وتصرح(2) بزبدتها، وتلحف فضل جناحها، وتغر بركود رياحها، إذ عطفت عطف الضروس، وصرخت صراخ(3) الشموس، وشنت غارة الهموم، وأراقت ما حلبت من النعيم، فالسعيد من لم يغتر بنكاحها، واستعد لو شك طلاقها.
شاعر - هو إهاب بن همام بن صعصعة المجاشعى، وكان عثمانيا: لعمر أبيك فلا تكذبن * لقد ذهب الخير إلا قليلا وقد فتن الناس في دينهم * وخلى ابن عفان شرا طويلا وقال أبو العتاهية: يعمر بيت بخراب بيت * يعيش حى بتراث ميت وقال أنس بن مالك: ما من يوم ولا ليلة ولا شهر ولا سنة إلا والذى قبله خير منه، سمعت ذلك من نبيكم(عليه السلام)، فقال شاعر: رب يوم بكيت منه فلما * صرت في غيره بكيت عليه
---
(1) يسمطه، أي يعلقه.
(2) ب: " نصرخ "، تحريف.
(3) ب: " صرحت " تحريف.
---

[365]
قيل لبعض عظماء الكتاب بعد ما صودر: ما تفكر في زوال نعمتك؟ فقال: لا بد من الزوال، فلان تزول وأبقى خير من أن أزول وتبقى.
ومن كلام الجاهلية الاولى: كل مقيم شاخص، وكل زائد ناقص.
شاعر: إنما الدنيا دول * فراحل قيل نزل * إذ نازل قيل رحل * لما فتح خالد بن الوليد عين التمر سأل عن الحرقة بنت النعمان بن المنذر، فأتاها وسألها عن حالها، فقالت: لقد طلعت علينا الشمس وما من شئ يدب تحت الخورنق إلا وهو تحت أيدينا، ثم غربت وقد رحمنا كل من نلم به، وما بيت دخلته حبرة، إلا ستدخله عبرة، ثم قالت: فبينا نسوس الناس والامر أمرنا * إذا نحن فيهم سوقة نتنصف فأف لدنيا لا يدوم نعيمها * تقلب تارات بنا وتصرف وجاءها سعد بن أبى وقاص مرة، فلما رآها، قال: قاتل الله عدى بن زيد، كأنه كان ينظر إليها حيث قال لابيها: إن للدهر صرعة فاحذرنها * لا تبيتن قد أمنت الدهورا(1) قد يبيت الفتى معافى فيردى * ولقد كان آمنا مسرورا وقال مطرف بن الشخير: لا تنظروا إلى خفض عيش الملوك ولين رياشهم، ولكن انظروا إلى سرعة ظعنهم وسوء منقلبهم، وإن عمرا قصيرا يستوجب به صاحبه النار لعمر مشئوم على صاحبه.
لما قتل عامر بن إسماعيل مروان بن محمد وقعد على فراشه، قالت ابنه مروان له يا عامر، إن دهرا أنزل مروان عن فرشه وأقعدك عليها لمبلغ في عظتك إن عقلت.
---
(1) شعراء النصرانية، الاغانى.
---

[366]
(150)
الأصل:
لا يعدم الصبور الظفر وإن طال به الزمان.
* * *
الشرح:
قد تقدم كلامنا في الصبر.
وقالت الحكماء: الصبر ضربان: جسمي ونفسي، فالجسمي تحمل المشاق بقدر القوة البدنية، وليس ذلك بفضيلة تامه، ولذلك قال الشاعر: والصبر بالارواح يعرف فضله * صبر الملوك وليس بالاجسام وهذا النوع إما في الفعل كالمشى ورفع الحجر أو في رفع الانفعال كالصبر على المرض واحتمال الضرب المفظع.
وأما النفسي ففيه تتعلق الفضيلة، وهو ضربان: صبر عن مشتهى، ويقال له: عفة، وصبر على تحمل مكروه أو محبوب.
وتختلف أسماؤه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان في نزول مصيبة لم يتعد به اسم الصبر، ويضاده الجزع والهلع والحزن، وإن كان في احتمال الغنى سمى ضبط النفس، ويضاده البطر والاشر والرفغ وإن كان في محاربة سمى شجاعة ويضاده الجبن، وإن كان في إمساك النفس عن قضاء وطر الغضب سمى حلما، ويضاده التذمر والاستشاطة، وإن كان في نائبة مضجرة سمى سعة صدر، و يضاده الضجر وضيق العطن والتبرم، وإن كان في إمساك كلام في الضمير سمى كتمان السر، ويضاده الافشاء، وإن كان عن فضول العيش سمى قناعة وزهدا ويضاده الحرص والشره.
فهذه كلها أنواع الصبر، ولكن اللفظ العرفي واقع على الصبر الجسماني، وعلى ما يكون في نزول المصائب، وتنفرد(1) باقى الانواع بأسماء تخصها.
---
(1) ب: " وينفرد ".
---

[367]
(151)
الأصل:
ما اختلفت دعوتان إلا كانت إحداهما ضلالة.
* * *
الشرح:
هذا عند أصحابنا مختص باختلاف الدعوة في أصول الدين، ويدخل في ذلك الامامة، لانها من أصول الدين، ولايجوز أن يختلف قولان متضادان في أصول الدين فيكونا صوابا، لانه إن عنى بالصواب مطابقة الاعتقاد للخارج، فمستحيل أن يكون الشئ في نفسه ثابتا منفيا، وإن أراد بالصواب سقوط الاثم - كما يحكى عن عبيد بن الحسن العنبري - فإنه جعل اجتهاد المجتهدين في الاصول عذرا، فهو قول مسبوق بالاجماع.
ولا يحمل أصحابنا كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) على عمومه، لان المجتهدين في فروع الشريعة وإن اختلفوا وتضادت أقوالهم ليسوا ولا واحد منهم على ضلال، وهذا مشروح في كتبنا الكلامية في أصول الفقه.
---

[368]
(152)
الأصل:
ما كذبت ولاكذبت، ولا ضللت ولا ضل بى.
* * *
الشرح:
هذه كلمة قد قالها مرارا، إحداهن في وقعة النهروان.
وكذبت بالضم أخبرت بخبر كاذب، أي لم يخبرني رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن المخدج خبرا كاذبا، لان أخباره(صلى الله عليه وآله) كلها صادقة.
وضل بى، بالضم نحو ذلك، أي لم يضللني مضلل عن الصدق والحق، لانه كان يستند في أخباره عن الغيوب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو منزه عن إضلاله وإضلال أحد من المكلفين.
فكأنه قال لما أخبرهم عن المخدج(1) وإبطاء ظهوره لهم: أنا لم أكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ورسول الله(صلى الله عليه وآله) لا يكذب فيما أخبرني بوقوعه، فإذا لا بد من ظفركم بالمخدج فاطلبوه.
---

[369]
(153)
الأصل:
للظالم البادى غدا بكفه عضة.
* * *
الشرح:
هذا من قوله تعالى:(ويوم يعض الظالم على يديه)(1)، وإنما قال: " للبادى " لان من انتصر بعد ظلمه فلا سبيل عليه.
ومن أمثالهم: البادى أظلم.
فإن قلت: فإذا لم يكن باديا لم يكن ظالما، فأى حاجة له إلى الاحتراز بقوله: " البادى " قلت: لان العرب تطلق على ما يقع في مقابلة الظلم اسم " الظلم " أيضا كقوله تعالى:(وجزاء سيئة سيئة مثلها)(2).
---
(1) سورة الفرقان 27.
(2) سورة الشورى 40.
---

[370]
(154)
الأصل:
الرحيل وشيك الوشيك.
* * *
الشرح:
الوشيك: السريع، وأراد بالرحيل هاهنا الرحيل عن الدنيا وهو الموت.
وقال بعض الحكماء: قبل وجود الانسان عدم لا أول له، وبعده عدم لا آخر له، وما شبهت وجوده القليل(1) المتناهى بين العدمين غير المتناهيين إلا ببرق يخطف خطفة خفيفة(2) في ظلام معتكر، ثم يخمد ويعود الظلام كما كان.
---
(1) ا: " الوجود القليل ".
(2) ا: " يسيرة ".
---

[371]
(155)
الأصل:
من أبدى صفحته للحق هلك.
* * *
الشرح:
قد تقدم تفسيرنا لهذه الكلمة في أول الكتاب، ومعناها: من نابذ الله وحاربه هلك، يقال لمن خالف وكاشف: قد أبدى صفحته
---

[372]
(156)
الأصل:
استعصموا بالذمم في أوتارها.
* * *
الشرح:
أي في مظانها وفي مركزها، أي لا تستندوا إلى ذمام الكافرين والمارقين، فإنهم ليسوا أهلا للاستعصام بذممهم، كما قال الله تعالى:(لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة)(1).
وقال:(إنهم لا أيمان لهم)(2).
وهذه كلمة قالها بعد انقضاء أمر الجمل وحضور قوم من الطلقاء بين يديه ليبايعوه، منهم مروان بن الحكم، فقال: وما ذا أصنع ببيعتك؟ ألم تبايعني بالامس! يعنى بعد قتل عثمان، ثم أمر بإخراجهم ورفع نفسه عن مبايعة أمثالهم، وتكلم بكلام ذكر فيه ذمام العربيه وذمام الاسلام، وذكر أن لادين له فلا ذمام له.
ثم قال في أثناء الكلام: " فاستعصموا بالذمم في أوتارها "، أي إذا صدرت عن ذوى الدين، فمن لا دين له لا عهد له.
---
(1) سورة التوبة 10.
(2) سورة التوبة 12.
---

[373]
(157)
الأصل:
عليكم بطاعة من لا تعذرون في جهالته.
* * *
الشرح:
يعنى نفسه(عليه السلام)، وهو حق على المذهبين جميعا، أما نحن فعندنا أنه إمام واجب الطاعة بالاختبار، فلا يعذر أحد من المكلفين في الجهل بوجوب طاعتة، وأما على مذهب الشيعة فلانه إمام واجب الطاعة بالنص، فلا يعذر أحد من المكلفين في جهالة إمامته، وعندهم أن معرفة إمامته تجرى مجرى معرفة محمد(صلى الله عليه وآله) ومجرى معرفة البارئ سبحانه ويقولون: لاتح لاحد صلاة ولا صوم ولا عبادة إلا بمعرفة الله والنبى والامام.
وعلى التحقيق، فلا فرق بيننا وبينهم في هذا المعنى، لان من جهل إمامه على(عليه السلام) وأنكر صحتها ولزومها، فهو عند أصحابنا مخلد في النار، لا ينفعه صوم ولا صلاة، لان المعرفة بذلك من الاصول الكلية التى هي أركان الدين ولكنا لا نسمى منكر إمامته كافرا، بل نسميه فاسقا، وخارجيا، ومارقا، ونحو ذلك، والشيعة تسميه كافرا، فهذا هو الفرق بيننا وبينهم، وهو في اللفظ لا في المعنى
---

[374]
(158)
الأصل:
ما شككت في الحق منذ أريته.
* * *
الشرح:
أي منذ أعلمته، ويجب أن يقدر هاهنا مفعول محذوف، أي منذ أريته حقا، لان " أرى " يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، تقول: أرى الله زيدا عمرا خير الناس، فإذا بنيته للمفعول به قام واحد من الثلاثة مقام الفاعل ووجب أن يؤتى بمفعولين غيره، تقول: أريت زيدا خير الناس، وإن كان أشار بالحق إلى أمر مشاهد بالبصر لم يحتج إلى ذلك، ويجوز أن يعنى بالحق الله سبحانه وتعالى، لان الحق من أسمائه عز وجل، فيقول: منذ عرفت الله لم أشك فيه، وتكون الرؤية بمعنى المعرفة، فلا يحتاج إلى تقدير مفعول آخر، وذلك مثل قوله تعالى:(وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم)(1)، أي لا تعرفونهم، الله يعرفهم، والمراد من هذا الكلام ذكر نعمة الله عليه في أنه منذ عرف الله سبحانه لم يشك فيه، أو منذ عرف الحق في العقائد الكلامية والاصولية والفقهية لم يشك في شئ منها، وهذه مزية له ظاهرة على غيره من الناس فإن أكثرهم أو كلهم يشك في الشئ بعد أن عرفه وتعتوره الشبه والوساوس ويران على قلبه وتختلجه الشياطين عما أدى إليه نظره.
---
(1) سورة الانفال 60---

[375]
وقد روى أن النبي(صلى الله عليه وآله) لما بعثه إلى اليمن قاضيا ضرب على صدره وقال: " اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه "، فكان يقول: ما شككت بعدها في قضاء بين اثنين.
وروى أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لما قرأ:(وتعيها أذ واعيه):(1) قال: " اللهم اجعلها أذن على "، وقيل له: " قد أجيبت دعوتك ".
---
(1) سورة الحاقة 12.
---

[376]
(159)
الأصل:
وقد بصرتم إن أبصرتم، وقد هديتم إن اهتديتم.
* * *
الشرح:
قال الله تعالى:(وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى.
)(1).
وقال سبحانه:(وهديناه النجدين)(2).
وقال بعض الصالحين: ألا إنهما نجدا الخير والشر، فجعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير.
قلت: النجد: الطريق.
واعلم أن الله تعالى قد نصب الادلة ومكن المكلف بما أكمل له من العقل من الهداية، فإذا ضل فمن قبل نفسه أتى.
وقال بعض الحكماء: الذى لا يقبل الحكمة هو الذى ضل عنها ليست هي الضالة عنه.
وقال: متى أحسست بأنك قد أخطأت وأردت ألا تعود أيضا فتخطئ فانظر إلى أصل في نفسك حدث عنه ذلك الخطأ، فاحتل في قلعه، وذلك إنك إن لم تفعل ذلك عاد فثبت خطأ آخر.
وكان يقال: كما أن البدن الخالى من النفس تفوح منه رائحة النتن، كذلك النفس الخالية من الحكمة، وكما أن البدن الخالى من النفس ليس يحس ذلك بالبدن
---
(1) سورة فصلت 17.
(2) سورة البلد 10.
---

[377]
بل الذين لهم حس يحسونه به، كذلك النفس العديمة للحكمة ليس تحس به تلك النفس، بل يحس به الحكماء، وقيل لبعض الحكماء: ما بال الناس ضلوا عن الحق؟ أتقول: إنهم لم تخلق فيهم قوة معرفة؟ فقال: لا، بل خلق لهم ذلك، ولكنهم استعملوا تلك القوة على غير وجهها، وفى غير ما خلقت له، كالسم تدفعه إلى إنسان ليقتل به عدوه فيقتل به نفسه
---

[378]
(160)
الأصل:
عاتب أخاك بالاحسان إليه، واردد شره بالانعام عليه.
* * *
الشرح:
الاصل في هذا قول الله تعالى:(ادفع بالتى هي أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم)(1).
وروى المبرد في،، الكامل،، عن ابن عائشة، عن رجل من أهل الشام، قال: دخلت المدينة، فرأيت رجلا راكبا على بغلة لم أر أحسن وجها ولا ثوبا ولاسمتا ولا دابه منه، فمال قلبى إليه، فسألت عنه، فقيل: هذا الحسن بن الحسن بن على، فامتلاء قلبى له بغضا، وحسدت عليا أن يكون له ابن مثله، فصرت إليه وقلت له: أنت ابن أبى طالب؟ فقال: أنا ابن ابنه، قلت: فبك وبأبيك! فلما انقضى كلامي قال: أحسبك غريبا؟ قلت: أجل، قال: فمل بنا، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، أو إلى مال واسيناك، أو إلى حاجة عاوناك.
فانصرفت عنه وما على الارض أحد أحب إلى منه(2).
وقال محمود الوراق: إنى شكرت لظالمي ظلمي * وغفرت ذاك له على علم ورأيته أهدى إلى يدا * لما أبان بجهله حلمي رجعت إساءته عليه وإح‍* سانى فعاد مضاعف الجرم
---
(1) سورة فصلت 34.
(2) الكامل 2: 5، 6.
---

[379]
وغدوت ذا أجر ومحمدة * وغدا بكسب الظلم والاثم فكأنما الاحسان كان له * وأنا المسئ إليه في الحكم ما زال يظلمني وأرحمه * حتى بكيت له من الظلم قال المبرد: أخذ هذا المعنى من قول رجل من قريش قال له رجل منهم: إنى مررت بآل فلان وهم يشتمونك شتما رحمتك منه، قال: أفسمعتني أقول إلا خيرا! قال: لا، قال: إياهم فارحم(2).
وقال رجل لابي بكر: لاشتمنك شتما يدخل معك قبرك، فقال: معك والله يدخل، لامعى(2).
---
(1) الكامل 2: 4، 5.
(2) الكامل 2: 5.
---

[380]
(161)
الأصل:
من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومن من أساء به الظن.
* * *
الشرح:
رأى بعض الصحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله) واقفا في درب من دروب المدينة ومعه امرأة فسلم عليه، فرد عليه، فلما جاوزه ناداه فقال: هذه زوجتى فلانة، قال: يا رسول الله، أوفيك يظن! فقال: " إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم ".
وجاء في الحديث المرفوع: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ".
وقال أيضا: " لا يكمل إيمان عبد حتى يترك ما لا بأس به ".
وقد أخذ هذا المعنى شاعر فقال: وزعمت أنك لا تلوط فقل لنا * هذا المقرطق واقفا ما يصنع! شهدت ملاحته عليك بريبة * وعلى المريب شواهد لا تدفع
---

[381]
(162)
الأصل:
من ملك استأثر.
* * *
الشرح:
المعنى أن الاغلب في كل ملك يستأثر على الرعية بالمال والعز والجاه.
ونحو هذا المعنى قولهم: من غلب سلب، ومن عز بز.
ونحوه قول أبى الطيب: والظلم من شيم النفوس فإن تجد * ذاعفة فلعلة لا يظلم(1)
---
(1) ديوانه 4: 125.
---

[382]
(163)
الأصل:
من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها.
* * *
الشرح:
قد تقدم لنا قول كاف في المشورة مدحا وذما.
وكان عبد الملك بن صالح الهاشمي يذمها ويقول: ما استشرت واحدا قط إلا تكبر على وتصاغرت له، ودخلته العزة ودخلتني الذلة، فإياك والمشورة وإن ضاقت عليك المذاهب، واشتبهت عليك المسائل، وأداك الاستبداد إلى الخطأ الفادح.
وكان عبد الله بن طاهر يذهب إلى هذا المذهب، و يقول: ما حك جلدك مثل ظفرك، ولان أخطئ مع الاستبداد ألف خطأ، أحب إلى من أن أستشير وأرى بعين النقص والحاجة.
وكان يقال: الاستشارة إذاعة السر، و مخاطرة بالامر الذى ترومه بالمشاورة، فرب مستشار أذاع عنك ما كان فيه فساد تدبيرك.
وأما المادحون للمشورة فكثير جدا.
وقالوا: خاطر من استبد برأيه.
وقالوا: المشورة راحة لك، وتعب على غيرك.
وقالوا: من أكثر من المشورة لم يعدم عند الصواب مادحا، وعند الخطأ عاذرا.
---

[383]
وقالوا: المستشير على طرف النجاح، والاستشارة من عزم الامور.
وقالوا: المشورة لقاح العقول، ورائد الصواب.
ومن ألفاظهم البديعة ثمرة رأى المشير أحلى من الارى المشور(2).
وقال بشار: إذا بلغ الرأى النصيحة فاستعن * بعزم نصيح أو مشورة حازم(2) ولا تجعل الشورى عليك غضاضة * فإن الخوافى عدة للقوادم
---
(1) الارى: العسل، والمشور: المستخرج.
شربت العسل: استخرجته.
(2) شرح مختار بشار 312.
---

[384]
(164)
الأصل:
من كتم سره كانت الخيرة في يده.
* * *
الشرح:
قد تقدم القول في السر والامر بكتمانه، ونذكر هاهنا أشياء أخر.
من أمثالهم مقتل الرجل بين لحييه.
دنا رجل من آخر فساره، فقال: إن من حق السر التدانى.
كان مالك بن مسمع إذا ساره إنسان قال له: أظهره، فلو كان فيه خير لما كان مكتوما.
حكيم يوصى ابنه: يا بنى كن جوادا بالمال في موضع الحق، ضنينا بالاسرار عن جميع الخلق، فإن أحمد جود المرء الانفاق في وجه البر.
ومن كلامهم: سرك من دمك، فإذا تكلمت به فقد أرقته.
وقال الشاعر: فلا تفش سرك إلا إليك * فإن لكل نصيح نصيحا أ لم تر أن غواة الرجال * لا يتركون أديما صحيحا! وقال عمر بن عبد العزيز: القلوب أوعية الاسرا والشفاه أقفالها، والالسن مفاتيحها فليحفظ كل امرئ مفتاح سره.
---

[385]
وقال بعض الحكماء: من أفشى سره كثر عليه المتآمرون.
أسر رجل إلى صديق(1) سرا ثم قال له: أفهمت؟ قال له: بل جهلت، قال: أحفظت؟ قال: بل نسيت.
وقيل لرجل: كيف كتمانك السر؟ قال: أجحد المخبر، وأحلف للمستخبر.
أنشد الاصمعي قول الشاعر: إذا جاوز الاثنين سر فإنه * بنث وتكثير الوشاة قمين(2) فقال: والله ما أراد بالاثنين إلا الشفتين
---
(1) ا: " صديقه ".
(2) قمين: خليق.
---

[386]
(165)
الأصل:
الفقر الموت الاكبر.
* * *
الشرح:
في الحديث المرفوع: " أشقى الاشقياء من جمع عليه فقر الدنيا وعذاب الاخرة ".
وأتى بزرجمهر فقير جاهل، فقال: بئسما اجتمع على هذا البائس: فقر ينقص دنياه، وجهل يفسد آخرته.
شاعر: خلق المال واليسار لقوم * وأرانى خلقت للاملاق أنا فيما أرى بقية قوم * خلقوا بعد قسمة الارزاق.
أخذ السيواسى هذا المعنى، فقال في قصيدته الطويلة المعروفة بالساسانية: ليت شعرى لما بدايقسم الار * زاق في أي مطبق كنت(1).
قرئ على أحد جانبى دينار: قرنت بالنجح وبى كل ما * يراد من ممتنع يوجد وعلى الجانب الاخر: وكل من كنت له آلفا * فالانس والجن له أعبد.
---
(1) المطبق: السجن---

[387]
وقال أبو الدرداء: من حفظ ماله فقد حفظ الاكثر من دينه وعرضه.
بعضهم: وإذا رأيت صعوبة في مطلب * فاحمل صعوبته على الدينار تردده كالظهر الذلول فإنه * حجر يلين قوة الاحجار ومن دعاء السلف: اللهم إنى أعوذ بك من ذل الفقر وبطر الغنى.
---

[388]
(166)
الأصل:
من قضى حق من لا يقضى حقه فقد عبده.
* * *
الشرح:
عبده بالتشديد، أي اتخذه عبدا، يقال: عبده واستعبده بمعنى واحد، والمعنى بهذا الكلام مدح من لا يقضى حقه، أي من فعل ذلك بإنسان فقد استعبد ذلك الانسان لانه لم يفعل معه ذلك مكافأة له عن حق قضاه إياه، بل فعل ذلك إنعاما مبتدأ، فقد استعبده بذلك.
(1) وقال الشاعر في نقيض هذه الحال يخاطب صاحبا له: كن كأن لم تلاقنى قط في النا * س ولا تجعلن ذكراى شوقا وتيقن بأننى غير راء * لك حقا حتى ترى لى حقا وبأنى مفوق ألف سهم لك إن فوقت يمينك فوقا
---
(1) ا: " بهذا ".
---

[389]
(167)
الأصل:
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
* * *
الشرح:
هذه الكلمة قد رويت مرفوعة، وقد جاء في كلام أبى بكر: أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيته فلا طاعة لى عليكم.
وقال معاوية لشداد بن أوس قم فاذكر عليا فانتقصه(1)، فقام شداد فقال: الحمد لله الذى افترض طاعته على عباده، وجعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا غيره، على ذلك مضى أولهم، وعليه مضى آخرهم.
أيها الناس، إن الاخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قاهر وإن الدنيا أكل حاضر، يأكل منها البر والفاجر، وإن السامع المطيع لله لا حجة عليه وإن السامع العاصى لله لا حجة له، وإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإذا أراد الله بالناس خيرا استعمل عليهم صلحاءهم، وقضى بينهم فقهاؤهم(2)، وجعل المال في سمحائهم، وإذا أراد بالعباد شرا عمل عليهم سفهاؤهم، وقضى بينهم جهلاؤهم، وجعل المال عند بخلائهم.
وإن من إصلاح الولاة أن تصلح قرناءها.
ثم التفت إلى معاوية فقال: نصحك يا معاوية من أسخطك بالحق، وغشك من أرضاك بالباطل! فقطع معاوية عليه كلامه، وأمر بإنزاله، ثم لاطفه وأمر له بمال، فلما قبضه قال: ألست من السمحاء الذين ذكرت؟ فقال: إن كان لك مال غير مال المسلمين أصبته حلالا، وأنفقته إفضالا فنعم، وإن كان مال المسلمين احتجبته دونهم أصبته اقترافا، وأنفقته إسرافا، فإن الله يقول:(إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين)(3).
---
في د " وتنقصه " وهو مستقيم أيضا.
(2) في د " علماؤهم ".
(3) سورة الاسراء 27.
---

[390]
(168)
الأصل:
لايعاب المرء بتأخير حقه، إنما يعاب من أخذ ما ليس له.
* * *
الشرح:
لعل هذه الكلمة قالها في جواب سائل سأله: لم أخرت المطالبة بحقك من الامامة؟ ولابد من إضمار شئ في الكلام على قولنا وقول الامامية، لانا نحن نقول: الامر حقه بالافضلية وهم يقولون: إنه حقه بالنص، وعلى كلا التقديرين فلا بد من إضمار شئ في الكلام، لان لقائل أن يقول له(عليه السلام): لو كان حقك من غير أن يكون للمكلفين فيه نصيب لجاز ذلك أن يؤخر كالدين الذى يستحق على زيد، يجوز لك أن تؤخره لانه خالص لك وحدك، فاما إذا كان للمكلفين فيه حاجة ماسة لم يكن حقك وحدك، لان مصالح المكلفين منوطة بإمامتك دون إمامة غيرك، فكيف يجوز لك تأخير ما فيه مصلحة المكلفين؟ فإذن لا بد من إضمار شئ في الكلام.
وتقديره: لا يعاب المرء بتأخير حقه إذا كان هناك مانع عن طلبه، ويستقيم المعنى حينئذ على المذهبين جميعا، لانه إذا كان هناك مانع جاز تقديم غيره عليه، وجاز له أن يؤخر طلب حقه خوف الفتنة، والكلام في هذا الموضع مستقصى في تصانيفنا في علم الكلام
---

[391]
(169)
الأصل:
الاعجاب يمنع من الازدياد.
* * *
الشرح:
قد تقدم لنا قول مقنع في العجب، وإنما قال(عليه السلام): " يمنع من الازدياد " لان المعجب بنفسه ظان أنه قد بلغ الغرض، وإنما يطلب الزيادة من يستشعر التقصير لا من يتخيل الكمال، وحقيقة العجب ظن الانسان بنفسه استحقاق منزلة هو غير مستحق لها، ولهذا قال بعضهم لرجل رآه معجبا بنفسه: يسرنى أن أكون عند الناس مثلك في نفسك، وإن أكون عند نفسي مثلك عند الناس، فتمنى حقيقة ما يقدره ذلك الرجل، ثم تمنى أن يكون عارفا بعيوب نفسه، كما يعرف الناس عيوب ذلك الرجل المعجب بنفسه.
وقيل للحسن: من شر الناس؟ قال: من يرى أنه خيرهم.
وقال بعض الحكماء: الكاذب في نهاية البعد من الفضل والمرائي أسوأ حالا من الكاذب، لانه يكذب فعلا، وذاك يكذب قولا، والفعل آكد من القول، فأما المعجب بنفسه فأسوا حالا منهما، لانهما يريان نقص أنفسهما ويريدان إخفاءه، والمعجب بنفسه قد عمى عن عيوب نفسه فيراها محاسن ويبديها.
وقال هذا الحكيم أيضا: ثم إن المرائى والكاذب قد ينتفع بهما كملاح خاف
---

[392]
ركابه الغرق من مكان مخوف من البحر، فبشرهم بتجاوزه قبل أن يتجاوزه لئلا يضطربوا فيتعجل غرقهم.
وقد يحمد رياء الرئيس إذا قصد أن يقتدى به في فعل الخير والمعجب لاحظ له في سبب من أسباب المحمدة بحال.
وأيضا فلانك إذا وعظت الكاذب والمرائي فنفسهما تصدقك وتثلبهما لمعرفتهما بنفسهما، والمعجب فلجهله بنفسه يظنك في وعظه لاغيا، فلا ينتع بمقالك، وإلى هذا المعنى أشار سبحانه بقوله:(أ فمن زين له سوء عمله فرآه حسنا)(1)، ثم قال سبحانه:(فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)(2)، تنبيها على أنهم لا يعقلون لاعجابهم.
وقال(عليه السلام): ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه.
وفى المثل: إن إبليس قال: إذا ظفرت من ابن آدم بثلاث لم أطالبه بغيرها: إذا أعجب بنفسه، واستكثر عمله، ونسى ذنوبه.
وقالت الحكماء: كما أن المعجب بفرسه لا يروم أن يستبدل به، غيره، كذلك المعجب بنفسه لا يريد بحاله بدلا، وإن كانت رديئة.
وأصل الاعجاب من حب الانسان لنفسه، وقد قال(عليه السلام): " حبك الشئ يعمى ويصم "، ومن عمى وصم تعذر عليه رؤيه عيوبه وسماعها، فلذلك وجب على الانسان أن يجعل على نفسه عيونا تعرفه عيوبه، نحو ما قال عمر: أحب الناس إلى امرؤ أهدى إلى عيوبي.
ويجب على الانسان إذا رأى من غيره سيئة أن يرجع إلى نفسه، فإن رأى ذلك
---
(1) سورة فاطر 8.
---

[393]
موجودا فيها نزعها ولم يغفل عنها، فما أحسن ما قال المتنبي: ومن جهلت نفسه قدره * رأى غيره منه ما لا يرى(1) وأما التيه وماهيته فهو قريب من العجب، لكن المعجب يصدق نفسه وهما فيما يظن بها، والتياه يصدقها قطعا، كأنه متحير في تيه.
ويمكن أن يفرق بينهما بأمر آخر، ويقول: إن المعجب قد يعجب بنفسه ولا يؤذى أحدا بذلك الاعجاب، والتياه يضم إلى الاعجاب الغض من الناس والترفع عليهم، فيستلزم ذلك الاذى لهم، فكل تائه معجب، وليس كل معجب تائها.
---
(1) ديوانه 1: 44.
---

[394]
(170)
الأصل:
الامر قريب، والاصطحاب قليل.
* * *
الشرح:
هذه الكلمة تذكر بالموت وسرعة زوال الدنيا، وقال أبو العلاء: نفسي وجسمي لما استجمعا صنعا * شرا إلى فجل الواحد الصمد فالجسم يعذل فيه النفس مجتهدا * وتلك تزعم أن الظالم الجسد إذا هما بعد طول الصحبة افترقا * فإن ذاك لاحداث الزمان يد وأصبح الجوهر الحساس في محن * موصولة واستراح الاخر الجمد
---

[395]
(171) قد أضاء الصبح لذى عينين.
* * *
الشرح:
هذا الكلام جار مجرى المثل، ومثله: * والشمس لا تخفى عن الابصار * ومثله: * إن الغزالة لا تخفى عن البصر * وقال ابن هانئ يمدح المعتز: فاستيقظوا من رقدة وتنبهوا * ما بالصباح عن العيون خفاء(1) ليست سماء الله ما ترونها * لكن أرضا تحتويه سماء
---
(1) ديوانه 4.
---

[396]
(172)
الأصل:
ترك الذنب أهون من طلب التوبة.
* * *
الشرح:
هذا حق، لان ترك الذنب هو الاحجام عنه، وهذا سهل على من يعرف أثر الذنب على ما ذا يكون، وهو أسهل من أن يواقع الانسان الذنب، ثم يطلب التوبة، فقد لا يخلص آآآآآه إليها، ثم لو خلص فكيف له بحصوله على شروطها، وهى أن يندم على القبيح لانه قبيح، لا لخوف العقاب، ولا لرجاء الثواب، ثم لا يكفيه أن يتوب من الزنا وحده، ولا من شرب الخمر وحده، بل لا تصح توبته حتى تكون عامة شاملة لكل القبائح فيندم على ما قال ويود أنه لم يفعل، ويعزم على ألا يعاود معصية أصلا، وإن نقض التوبة عادت عليه الاثام القديمة والعقاب المستحق ولا الذى كان سقط با لتوبه على رأى كثير من أرباب علم الكلام، ولاريب أن ترك الذنب من الابتداء أسهل من طلب توبة هذه صفتها.
وهذا الكلام جار(1) مجرى المثل يضرب لمن يشرع في أمر يخاطر فيه، ويرجو أن يتخلص منه فيما بعد بوجه من الوجوه.
---
(1) د: " يجرى ".
---

[397]
(173)
الأصل:
كم من أكلة تمنع أكلات.
* * *
الشرح:
أخذ هذا المعنى بلفظه الحريري فقال في المقامات: " رب أكله هاضت الاكل، ومنعته مآكل "، وأخذه أبو العلاف الشاعر فقال في سنوره الذى يرثيه: أردت أن تأكل الفراخ ولا * يأكلك الدهر أكل مضطهد(1) يا من لذيذ الفراخ أوقعه * ويحك هلا قنعت بالقدد! كم أكلة خامرت حشا شره * فأخرجت روحه من الجسد * * *
[نوادر المكثرين من الاكل] وكان ابن عياش المنتوف يمازح المنصور أبا جعفر فيحتمله على أنه كان جدا كله، فقدم المنصور لجلسائه يوما بطة كثيرة الدهن، فأكلوا وجعل يأمرهم بالازدياد من الاكل لطيبها، فقال ابن عياش: قد علمت غرضك يا أمير المؤمنين، إنما تريد أن ترميهم منها بالحجاب - يعنى الهيضة - فلا يأكلوا إلى عشرة أيام شيئا.
وفي المثل: " أكله أبى خارجة "، وقال أعرابي وهو يدعو الله بباب الكعبة: اللهم
---
(1) ابن خلكان 1: 138.
---

[398]
ميتة كميته أبى خارجة، فسألوه فقال: أكل بذجا - وهو الحمل -، وشرب وطبا من اللبن - ويروى من النبيذ - وهو كالحوض من جلود ينبذ فيه، ونام في الشمس فمات فلقى الله تعالى شبعان ريان دفيئا.
والعرب تعير بكثرة الاكل، وتعيب بالجشع والشره والنهم، وقد كان فيهم قوم موصوفون بكثرة الاكل، منهم معاوية، قال أبو الحسن المدائني في،، كتاب الاكلة،،: كان يأكل في اليوم(1) أربع أكلات أخراهن عظماهن، ثم يتعشى بعدها بثريدة عليها بصل كثير، ودهن كثير قد شغلها.
وكان أكله فاحشا يأكل فيلطخ منديلين أو ثلاثة قبل أن يفرغ، وكان يأكل حتى يستلقى ويقول: يا غلام، ارفع، فلاني والله ما شبعت ولكن مللت.
وكان عبيد الله بن زياد يأكل في اليوم خمس أكلات أخراهن خبية بعسل، ويوضع بين يديه بعد أن يفرغ الطعام عناق أو جدى فيأتى عليه وحده.
وكان سليمان بن عبد الملك المصيبة العظمى في الاكل دخل، إلى الرافقة فقال لصاحب طعامه: أطعمنا اليوم من خرفان الرافقة، ودخل الحمام فأطال، ثم خرج فأكل ثلاثين خروفا بثمانين رغيفا، ثم قعد على المائدة فأكل مع الناس كأنه لم يأكل شيئا.
وقال الشمردل وكيل آل عمرو بن العاص: قدم سليمان الطائف وقد عرفت استجاعته، فدخل هو وعمر بن عبد العزيز وأيوب ابنه إلى بستان لى هناك يعرف بالرهط فقال: ناهيك بمالك هذا لو لا جرار فيه، قلت: يا أمير المؤمنين، إنها ليست بجرار ولكنها جرار الزبيب، فضحك ثم جاء حتى ألقى صدره على غصن شجرة هناك، وقال: يا شمردل، أما عندك شئ تطعمني؟ وقد كنت استعددت له، فقلت: بلى والله عندي جدى كانت تغدو عليه حافلة، وتروح عليه أخرى، فقال: عجل به، فجئته
---
(1) في د " كل يوم ".
---

[399]
به مشويا كأنه عكة سمن، فأكله لا يدعو عليه عمر ولا ابنه، حتى إذا بقى فخذ قال:: هات، فأتيته بهن، فكان يأخذ برجل الدجاجة حتى يعرى عظامها، ثم يلقيها، حتى أتى عليهن، ثم قال: ويحك يا شمردل! أما عندك شئ قلت: بلى سويق كأنه قراضه الذهب ملتوت بعسل وسمن، قال: هلم، فجئته بعس تغيب فيه الراس، فأخذه فلطم به جبهته حتى أتى عليه، فلما فرغ تجشأكأنه صارخ في جب، ثم التفت إلى طباخه فقال: ويحك! أفرغت من طبيخك؟ قال: نعم، قال: وما هو؟ قال: نيف وثمانون قدرا، قال: فأتني بها قدرا قدرا، فعرضها عليه، وكان يأكل من كل قدر لقمتين أو ثلاثا، ثم مسح يده واستلقى على قفاه، وأذن للناس، ووضعت الموائد، فقعد فأكل مع الناس كأنه لم يطعم شيئا.
قالوا: وكان الطعام الذى مات منه سليمان، أنه قال لديرانى كان صديقه قبل الخلافة: ويحك! لا تقطعني ألطافك التى كنت تلطفني بها على عهد الوليد أخى، قال: فأتيته يوما بزنبيلين كبيرين أحدهما بيض مسلوق، والاخر تين، فقال: لقمنيه، فكنت أقشر البيضة وأقرنها بالتينة وألقمه، حتى أتى على الزنبيلين، فأصابته تخمة عظيمة ومات.
ويحكى أن عمرو بن معديكرب أكل عنزا رباعية وفرقا من ذرة - والفرق ثلاثة آصع - وقال لامرأته: عالجي لنا هذا الكبش حتى أرجع، فجعلت توقد تحته وتأخذ عضوا عضوا فتأكله، فاطلعت فإذا ليس في القدر إلا المرق، فقامت إلى كبش آخر فذبحته وطبخته، ثم أقبل عمرو فثردت له في جفنة العجين وكفأت القدر عليها، فمد يده وقال: يا أم ثور، دونك الغداء، قالت: قد أكلت فأكل الكبش كله ثم اضطجع ودعاها إلى الفراش فلم يستطع الفعل، فقالت له: كيف تستطيع وبيني وبينك كبشان!
---

[400]
وقد روى هذا الخبر عن بعض العرب، وقيل: إنه أكل حوارا(1) وأكلت امرأته حائلا(2)، فلما أراد أن يدنو منها وعجز قالت له: كيف تصل إلى وبيني وبينك بعيران.
وكان الحجاج عظيم الاكل، قال مسلم بن قتيبة: كنت في دار الحجاج مع ولده وأنا غلام، فقيل: قد جاء الامير، فدخل الحجاج فأمر بتنور فنصب، وأمر رجلا أن يخبز له خبز الماء، ودعا بسمك، فأتوه به، فجعل يأكل حتى أكل ثمانين جاما من السمك بثمانين رغيفا من خبز الملة(3).
وكان هلال بن أشعر المازنى موصوفا بكثرة الاكل أكل، ثلاث جفان ثريد، واستسقى، فجاءوه بقربة مملوءة نبيذا فوضعوا فمها في فمه حتى شربها بأسرها.
وكان هلال بن أبى بردة أكولا، قال قصابه: جاءني رسوله سحرة فأتيته وبين يديه كانون فيه جمر وتيس ضخم، فقال: دونك هذا التيس فاذبحه فذبحته وسلخته، فقال: أخرج هذا الكانون إلى الرواق وشرح اللحم وكبه على النار، فجعلت كلما استوى شئ قدمته إليه حتى لم يبق من التيس إلا العظام وقطعة لحم على الجمر، فقال لى: كلها، فأكلتها، ثم شرب خمسة أقداح، وناولني قدحا فشربته فهزني، وجاءته جارية ببرمة فيها ناهضان(4) ودجاجتان وأرغفة، فإكل ذلك كله، ثم جاءته جارية أخرى بقصعة مغطاة لا أدرى ما فيها، فضحك إلى الجارية، فقال: ويحك! لم يبق في بطني موضع لهذا، فضحكت الجارية وانصرفت، فقال لى: الحق بأهلك.
---
(1) الحوار: ولد الناقة.
(2) الحائل: الناقة التى لم تحمل.
(3) الملة: الرماد الحار.
(4) الناهض: فرخ العقاب.
---

[401]
وكان عنبسة بن زياد أكولا نهما، فحدث رجل من ثقيف قال: دعاني عبيد الله الاحمر، فقلت لعنبسة: هل لك يا ذبحة - وكان هذا لقبه - في إتيان الاحمر! فمضينا إليه، فلما رآه عبيد الله رحب به وقال للخباز: ضع بين يدى هذا مثل ما تضع بين يدى أهل المائدة كلهم، فجعل يأتيه بقصعة وأهل المائدة بقصعة، وهو يأتي عليها، ثم أتاه بجدى فأكله كله، ونهض القوم فأكل كل ما تخلف على المائدة، وخرجنا فلقينا خلف ابن عبد الله القطامى، فقال له: يا خلف، أما تغدينى يوما؟ فقلت لخلف: ويحك! لا تجده مثل اليوم.
فقال له: ما تشتهى؟ قال: تمرا وسمنا، فانطلق به إلى منزله فجاء بخمس جلال(1) تمرا وجرة سمنا، فأكل الجميع وخرج، فمر برجل يبنى داره ومعه مائة رجل، وقد قدم لهم سمنا وتمرا، فدعاه إلى الاكل معهم، فأكل حتى شكوه إلى صاحب الدار، ثم خرج فمر برجل بين يديه زنبيل فيه خبز أرز يابس بسمسم وهو يبيعه فجعل يساومه ويأكل حتى أتى على الزنبيل، فأعطيت صاحب الزنبيل ثمن خبزه.
وكان ميسرة الرأس أكولا، حكى عنه عند المهدى محمد بن المنصور أنه يأكل كثيرا، فاستدعاه وأحضر فيلا، وجعل يرمى لكل واحد منهما رغيفا حتى أكل كل واحد منهما تسعة وتسعين رغيفا، وامتنع الفيل من تمام المائة، وأكل ميسرة تمام المائة وزاد عليها.
وكان أبو الحسن العلاف والد أبى بكر بن العلاف الشاعر المحدث أكولا دخل يوما على الوزير أبى بكر محمد المهلبى، فأمر الوزير أن يؤخذ حماره فيذبح ويطبخ بماء وملح، ثم قدم له على مائدة الوزير، فأكل وهو يظنه لحم
---
(1) الجلال: جمع جلة، وهو وعاء التمر يصنع من الخوص.
---

[402]
البقر، ويستطيبه حتى أتى عليه، فلما خرج ليركب طلب الحمار، فقيل له: في جوفك.
وكان أبو العالية أكولا، نذرت امرأة حامل إن أتت بذكر تشبع أبا العالية خبيصا، فولدت غلاما، فأحضرته، فأكل سبع جفان خبيصا، ثم أمسك وخرج، فقيل له: إنها كانت نذرت أن تشبعك، فقال: والله لو علمت ما شبعت إلى الليل.
---

[403]
(174)
الأصل:
الناس أعداء ما جهلوا.
* * *
الشرح:
هذه الكلمة قد تقدمت وتقدم منا ذكر نظائرها.
والعلة في أن الانسان عدو ما يجهله أنه يخاف من تقريعه(1) بالنقص وبعدم العلم بذلك الشئ، خصوصا إذا ضمه ناد أو جمع من الناس فإنه تتصاغر نفسه عنده إذا خاضوا فيما لا يعرفه وينقص في أعين الحاضرين، وكل شئ آذاك ونال منك فهو عدوك(2).
---
(1) د: " تعرضه ".
(2) ا: " فهو عدولك ".
---

[404]
(175)
الأصل:
من استقبل وجوه الاراء عرف مواقع الخطأ.
* * *
الشرح:
قد قالوا في المثل: شر الرأى الدبرى.
وقال الشاعر: وخير الرأى ما استقبلت منه * وليس بأن تتبعه اتباعا وليس المراد بهذا الامر سرعة فضل الحال لاول خاطر، ولاول رأى إن ذلك خطأ، وقديما قيل: دع الرأى يغب.
وقيل: كل رأى لم يخمر ويبيت(1) فلا خير فيه.
وإنما المنهى عنه تضييع الفرصة في الرأى، ثم محاولة الاستدراك بعد أن فات وجه الرأى، فذاك هو الرأى الدبرى.
---
(1) د: " يبث ".
---

[405]
(176)
الأصل:
من أحد سنان الغضب لله قوى على قتل أشداء الباطل.
* * *
الشرح:
هذا من باب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، والكلمة تتضمن استعارة تدل على الفصاحة، والمعنى أن من أرهف عزمه على إنكار المنكر، وقوى غضبه في ذات الله ولم يخف ولم يراقب مخلوقا، أعانه الله على إزالة المنكر، وإن كان قويا صادرا من جهة عزيزة الجانب، وعنها وقعت الكناية بأشداء الباطل.
---

[406]
(177)
الأصل:
إذا هبت أمرا فقع فيه، فإن شدة توقيه أعظم مما تخاف منه.
* * *
الشرح:
ما أحسن ما قال المتنبي في هذا المعنى: وإذا لم يكن من الموت بد * فمن العجز أن تكون جبانا كل ما لم يكن من الصعب في الان‍* فس سهل فيها إذا هو كانا وقال آخر: لعمرك ما المكروه إلا ارتقابه * وأعظم مما حل ما يتوقع وقال آخر: صعوبة الرزء تلقى في توقعه * مستقبلا وانقضاء الرزء أن يقعا وكان يقال: توسط الخوف تأمن.
ومن الامثال العامية: أم المقتول تنام، وأم المهدد لا تنام.
وكان يقال: كل أمر من خير أو شر فسماعه أعظم من عيانه.
وقال قوم من أهل الملة وليسوا عند أصحابنا مصيبين: إن عذاب الاخرة المتوعد به إذا حل بمستحقيه وجدوه أهون مما كانوا يسمعونه في الدنيا، والله أعلم بحقيقة ذلك.
---

[407]
(178)
الأصل:
آلة الرياسة سعة الصدر.
* * *
الشرح:
الرئيس محتاج إلى أمور، منها الجود، ومنها الشجاعة، ومنها - وهو الاهم - سعة الصدر، فإنه لا تتم الرئاسة إلا بذلك.
وكان معاوية واسع الصدر كثير الاحتمال وبذلك بلغ ما بلغ * * *
[سعة الصدر وما ورد في ذلك من حكايات] ونحن نذكر من سعة الصدر حكايتين دالتين على عظم محله في الرئاسة، وإن كان مذموما في باب الدين، وما أحسن قول الحسن فيه وقد ذكر عنده عقيب ذكر أبى بكر وعمر، فقال: كانا والله خيرا منه، وكان أسود منهما.
الحكاية الاولى: وفد أهل الكوفة على معاوية حين خطب لابنه يزيد بالعهد بعده، وفى أهل الكوفة هانئ بن عروة - المرادى وكان سيدا في قومه - فقال يوما في مسجد دمشق والناس حوله: العجب لمعاوية يريد أن يقسرنا على بيعة يزيد، وحاله حاله، وما ذاك والله بكائن وكان
---

[408]
في القوم غلام من قريش جالسا، فتحمل الكلمة إلى معاوية، فقال معاوية: أنت سمعت هانئا يقولها؟ قال: نعم، قال: فاخرج فأت حلقته، فإذا خف الناس عنه فقل له: أيها الشيخ، قد وصلت كلمتك إلى معاوية، ولست في زمن أبى بكر وعمر، ولا أحب أن تتكلم بهذا الكلام فإنهم بنو أمية، وقد عرفت جرأتهم وإقدامهم، ولم يدعنى إلى هذا القول لك إلا النصيحة والاشفاق عليك، فانظر ما يقول، فأتني به.
فأقبل الفتى إلى مجلس هانئ، فلما خف من عنده دنا منه فقص عليه الكلام وأخرجه مخرج النصيحة له، فقال هانئ: والله يا بن أخى ما بلغت نصيحتك كل ما أسمع، وإن هذا الكلام لكلام معاوية أعرفه! فقال الفتى: وما أنا ومعاوية! والله ما يعرفني، قال: فلا عليك، إذا لقيته فقل له: يقول لك هانئ: والله ما إلى ذلك من سبيل، انهض يابن أخى راشدا! فقام الفتى فدخل على معاوية فأعلمه، فقال: نستعين بالله عليه.
ثم قال معاوية بعد أيام للوفد: ارفعوا حوائجكم - وهانئ فيهم - فعرض عليه كتابه فيه ذكر حوائجه، فقال: يا هانئ، ما أراك صنعت شيئا، زد فقام، هانئ فلم يدع حاجة عرضت له إلا وذكرها، ثم عرض عليه الكتاب فقال: أراك قصرت فيما طلبت، زد، فقام هانئ فلم يدع حاجة لقومه ولا لاهل مصره إلا ذكرها، ثم عرض عليه الكتاب، فقال: ما صنعت شيئا، زد، فقال: يا أمير المؤمنين، حاجة بقيت، قال: ما هي؟ قال: أن أتولى أخذ البيعة ليزيد ابن أمير المؤمنين بالعراق، قال: افعل، فما زلت لمثل ذلك أهلا، فلما قدم هانئ العراق قام بأمر البيعة ليزيد بمعونة من المغيرة بن شعبة وهو الوالى بالعراق يومئذ.
---

[409]
وأما الحكاية الثانية: كان مال حمل من اليمن إلى معاوية فلما مر بالمدينة وثب عليه الحسين بن على(عليه السلام)، فأخذه وقسمه في أهل بيته ومواليه، وكتب إلى معاوية: من الحسين بن على إلى معاوية بن أبى سفيان، أما بعد، فإن عيرا مرت بنا من اليمن تحمل مالا وحللا وعنبرا وطيبا إليك لتودعها خزائن دمشق وتعل بها بعد النهل بنى أبيك، وإنى احتجت إليها فأخذتها.
و السلام.
فكتب إليه معاوية: من عند عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى الحسين بن على: سلام، عليك، أما بعد، فإن كتابك ورد على تذكر أن عيرا مرت بك من اليمن تحمل مالا وحللا وعنبرا وطيبا إلى لاودعها خزائن دمشق، وأعل بها بعد النهل بنى أبى، وأنك احتجت إليها فأخذتها ولم تكن جديرا بأخذها إذ نسبتها إلى لان الوالى أحق بالمال، ثم عليه المخرج منه، وايم الله لو ترك ذلك حتى صار إلى، لم أبخسك حظك منه، ولكني قد ظننت يا بن أخى أن في رأسك نزوة وبودي أن يكون ذلك في زماني فأعرف لك قدرك، وأتجاوز عن ذلك، ولكني والله أتخوف أن تبتلى بمن ولا ينظرك فواق ناقة، وكتب في أسفل كتابه: يا حسين بن على ليس ما * جئت بالسائغ يوما في العلل أخذك المال ولم تؤمر به * إن هذا من حسين لعجل قد أجزناها ولم نغضب لها * واحتملنا من حسين ما فعل يا حسين بن على ذا الامل لك بعدى وثبة لا تحتمل وبودي أننى شاهدها * فأليها منك بالخلق الاجل إننى أرهب أن تصلى بمن * عنده قد سبق السيف العذل وهذه سعة صدر وفراسة صادقة.
---

[410]
(179)
الأصل:
ازجر المسئ بثواب المحسن.
* * *
الشرح:
قد قال ابن هانئ المغربي في هذا المعنى: لو لا انبعاث السيف وهو مسلط * في قتلهم قتلتهم النعماء فأفصح به أبو العتاهية في قوله: إذا جازيت بالاحسان قوما * زجرت المذنبين عن الذنوب فما لك والتناول من بعيد * ويمكنك التناول من قريب
---

[411]
(180)
الأصل:
أحصد الشر من صدر غيرك، بقلعه من صدرك.
* * *
الشرح:
هذا يفسر على وجهين: إحدهما أنه يريد: لا تضمر لاخيك سوءا، فإنك لا تضمر ذاك إلا يضمر هو لك سوءا، لان القلوب يشعر بعضها ببعض، فإذا صفوت لواحد صفا لك.
والوجه الثاني أن يريد: لا تعظ الناس ولا تنههم عن منكر إلا وأنت مقلع عنه، فإن الواعظ الذى ليس بزكي لا ينجع(1) وعظه، ولا يؤثر نهيه.
وقد سبق الكلام في كلا المعنيين.
---
(1) آ: " ينفع ".
---

[412]
(181)
الأصل:
اللجاجة تسل الرأى.
* * *
الشرح:
هذا مشتق من قوله(عليه السلام): " لا رأى لمن لا يطاع "، وذلك لان عدم الطاعة هو اللجاجة، وهو خلق يتركب من خلقين: أحدهما الكبر، والاخر الجهل بعواقب الامور وأكثر ما يعترى الولاة لما يأخذهم من العزة بالاثم.
ومن كلام بعض الحكماء: إذا اضطررت إلى مصاحبة السلطان، فابدأ بالفحص عن معتاد طبعه ومألوف خلقه، ثم استحدث لنفسك طبعا ففرغه في قالب إرادته، وخلقا تركبه مع موضع وفاقه حتى تسلم معه، وإن رأيته يهوى فنا من فنون المحبوبات فأظهر هواك لضد ذلك الفن، ليبعد عنك إرهابه، بل ويكثر سكونه إليك، وإذا بدالك منه فعل ذميم فإياك أن تبدأه فيه بقول ما لم يستبذل فيه نصحك، ويستدعى رأيك، وإن استدعى ذاك فليكن ما تفاوضه فيه بالرفق والاستعطاف، لا بالخشونة والاستنكاف، فيحمله اللجاج المركب في طبع الولاة على ارتكابه، فكل وال لجوج، وإن علم ما يتعقبه لجاجه من الضرر وإن اجتنابه هو الحسن.
---

[413]
(182)
الأصل:
الطمع رق مؤبد.
* * *
الشرح:
هذا المعنى مطروق جدا، وقد سبق لنا فيه قول شاف.
وقال الشاعر: تعفف وعش حرا ولاتك طامعا * فما قطع الاعناق إلا المطامع.
وفى المثل: أطمع من أشعب، رأى سلالا يصنع سلة، فقال له: أوسعها، قال: ما لك وذاك، قال: لعل صاحبها يهدى لى فيها شيئا.
ومر بمكتب وغلام يقرأ على الاستاذ:(إن أبى يدعوك)، فقال: قم بين يدى حفظك الحفظ أباك، فقال: إنما كنت أقرأ وردى، فقال: أنكرت أن تفلح أو يفلح أبوك! وقيل: لم يكن أطمع من أشعب إلا كلبه، رأى صورة القمر في البئر فظنه رغيفا، فألقى نفسه في البئر يطلبه، فمات.
---

[414]
(183)
الأصل:
ثمرة التفريط الندامة، وثمرة الحزم السلامة.
* * *
الشرح:
قد سبق من الكلام في الحزم والتفريط ما فيه كفاية.
وكان يقال: الحزم ملكة يوجبها كثرة التجارب، وأصله قوة العقل، فإن العاقل خائف أبدا، والاحمق لا يخاف، وإن خاف كان قليل الخوف، ومن خاف أمرا توقاه، فهذا هو الحزم.
وكان أبو الاسود الدؤلى من عقلاء الرجال وذوى الحزم والرأى، وحكى أبو العباس المبرد قال: قال زياد لابي الاسود - وقد أسن -: لو لا ضعفك لاستعملناك على بعض أعمالنا، فقال: أللصراع يريدنى الامير! قال زياد: إن للعمل مئونة، ولا أراك إلا تضعف عنه، فقال أبو الاسود: زعم الامير أبو المغيرة أننى * شيخ كبير قد دنوت من البلى صدق الامير لقد كبرت وإنما * نال المكارم من يدب على العصا يا با المغيرة رب أمر مبهم * فرجته بالحزم منى والدها وكان يقال: من الحزم والتوقى ترك الافراط في التوقى.
لما نزل بمعاوية الموت وقدم عليه يزيد ابنه فرآه مسكتا لا يتكلم، بكى وأنشد: لو فات شئ يرى لفات أبو: حيان لا عاجز ولا وكل الحول القلب الاريب ولا تدفع يوم المنية الحيل
---
(1) الكامل.
(2) ديوانه.
---

[415]
(184)
الأصل:
من لم ينجه الصبر، أهلكه الجزع.
* * *
الشرح:
قد تقدم لنا قول شاف في الصبر والجزع.
وكان يقال: ما أحسن الصبر لو لا أن النفقه عليه من العمر! أخذه شاعر فقال: وإنى لادرى أن في الصبر راحة * ولكن إنفاقى على الصبر من عمرى وقال ابن أبى العلاء يستبطئ بعض الرؤساء: فإن قيل لى صبرا فلا صبر للذى * غدا بيد الايام تقتله صبرا وإن قيل لى عذرا فوالله ما أرى * لمن ملك الدنيا إذا لم يجد عذرا فإن قلت: أي فائدة في قوله(عليه السلام): " من لم ينجه الصبر أهلكه الجزع "؟ وهل هذا إلا كقول من قال: " من لم يجد ما يأكل ضره(1) الجوع؟ ".
قلت: لو كانت الجهة واحدة، لكان الكلام عبثا، إلا أن الجهة مختلفة، لان معنى كلامه(عليه السلام) من لم يخلصه الصبر من هموم الدنيا وغمومها هلك من الله تعالى في الاخرة بما يستبدله من الصبر بالجزع، وذلك لانه إذا لم يصبر فلا شك أنه يجزع، وكل جازع آثم والاثم مهلكة، فلما اختلفت الجهة وكانت تارة للدنيا وتارة للاخرة لم يكن الكلام عبثا بل كان مفيدا.
---
(1) في د: " أهلكه ".
---

[416]
(185)
الأصل:
واعجبا أن تكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة.
قال الرضى رحمه الله تعالى وقد روى له شعر قريب من هذا المعنى وهو: فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب!(1) وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب * * *
(185)
الأصل:
واعجبا أن تكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة.
قال الرضى رحمه الله تعالى وقد روى له شعر قريب من هذا المعنى وهو: فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب!(1) وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب * * *
الشرح:
حديثه(عليه السلام) في النثر والنظم المذكورين مع أبى كر وعمر، أما النثر فإلى عمر توجيهه لان أبا بكر لما قال لعمر: امدد يدك، قال له عمر: أنت صاحب رسول الله في المواطن كلها، شدتها ورخائها، فامدد أنت يدك، فقال على(عليه السلام): إذا احتججت لاستحقاقه الامر بصحبته إياه في المواطن كلها، في سلمت الامر إلى من قد شركه في ذلك، وزاد عليه " بالقرابه "! وأما النظم فموجه إلى أبى بكر، لان أبا بكر حاج الانصار في السقيفة.
فقال: نحن عترة رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، وبيضته التى تفقأت عنه، فلما بويع احتج على الناس بالبيعة، وأنها صدرت عن أهل الحل والعقد، فقال على(عليه السلام): أما احتجاجك على الانصار بأنك من بيضة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ومن قومه، فغيرك أقرب نسبا منك إليه، وأما احتجاجك بالاختيار ورضا الجماعة بك، فقد كان قوم من جملة الصحابة غائبين لم يحضروا العقد فكيف يثبت! واعلم أن الكلام في هذا تتضمنه كتب أصحابنا في الامامة، ولهم عن هذا القول أجوبة ليس هذا موضع ذكرها.
تم الجزء الثامن عشر من شرح نهج البلاغة لاين أبى الحديد ويليه الجزء التاسع عشر
مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية

شرح نهج البلاغة
ابن أبي الحديد ج 19
---
[1]
شرح نهج البلاغة
لابن أبى الحديد
بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم
الجزء التاسع عشر
دار احياء الكتب العربية
عيسى البابى الحلبي وشركاه
---

[2]
الطبعة الثانية(1967 م - 1387 ه‍) جميع الحقوق محفوظة منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم - ايران 1404 ه‍ق
---

[3]
بيان يشتمل هذا الجزء على شرح طائفة من مختار حكم أمير المؤمنين، ومواعظه وأجوبة مسائله والكلام القصير الخارج في سائر أغراضه، وهو القسم الثاني مما اختاره له الشريف الرضى في كتاب " نهج البلاغة "، وينتهى هذا القسم في أثناء الجزء التالى.
وقد روجع على الجزء الرابع من المجموعة الخامسة من النسخة المصورة عن أصلها المحفوظ بمكتية المتحف البريطاني برقم 126، وهى التى رمزت لها بالحرف ا.
وأصل هذا الجزء يقع في تسعين ورقة مسطرتها 25 سطرا، في كل سطر 13 كلمة تقريبا، مكتوب بخط نسخ معتاد قليل الشكل، وام يتضح اسم ناسخه ولا تاريخ نسخه، ويبدو أنه كتب في القرن الحادى عشر.
كما روجع على ما يقابله من المجلد الاخير من النسخة المحفوظة بدار الكتب برقم 1868 - أدب، وهى التى رمزت لها بالحرف د، وسبق وصفها في مقدمة الجزء السادس عشر من هذه الطبعة.
وعلى النسخة المطبوعة في طهران سنة 1271 عن أصلها المخطوط في هذا التاريخ، والتى رمزت لها بالحرف ب.
والله الموفق للصواب.
7 ربيع الاول سنة 1383 ه‍يوليه سنة 1963 م محمد أبو الفضل إبراهيم
---

[5]
شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد(586 - 656) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم
---

[7]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل(186)
الأصل:
إنما المرء في الدنيا غرض تنتضل فيه المنايا، ونهب تبادره المصائب، ومع كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص، ولا ينال العبد نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يستقبل يوما من عمره إلا بفراق آخر من أجله، فنحن أعوان المنون، وأنفسنا نصب الحتوف، فمن أين نرجو البقاء، وهذا الليل والنهار لم يرفعا من شئ شرفا، إلا أسرعا الكره في هدم ما بنيا، وتفريق ما جمعا! الشرح:
قد سبق ذرء(1) من هذا الكلام في أثناء خطبته عليه السلام، وقد ذكرنا نحن أشياء كثيرة في الدنيا وتقلبها بأهلها.
ومن كلام بعض الحكماء: طوبى للهارب من زخارف الدنيا، والصاد عن زهرة دمنتها، والخائف عند أمانها، والمتهم لضمانها، والباكى عند ضحكها إليه، والمتواضع عند اعزازها له، والناظر بعين عقله إلى فضائحها، والمتأمل لقبح مصارعها، والتارك
---
(1) ذرء: أي طرف.
---

[8]
لكلابها على جيفها، والمكذب لمواعيدها، والمتيقظ لخدعها، والمعرض عن لمعها، والعامل في إمهالها، والمتزود قبل إعجالها.
قوله:(تنتضل) النضل شئ يرمى، ويروى(تبادره) أي تتبادره، والغرض: الهدف.
والنهب: المال المنهوب غنيمة، وجمعه نهاب.
وقد سبق تفسير قوله:(لا ينال العبد نعمة إلا بفراق اخرى)، وقلنا: إن الذى حصلت له لذة الجماع حال ما هي حاصلة له، لا بد أن يكون مفارقا لذة الاكل والشرب، وكذلك من يأكل ويشرب يكون مفارقا حال أكله وشربه لذة الركض على الخيل في طلب الصيد، ونحو ذلك.
قوله:(فنحن أعوان المنون) لانا نأكل، ونشرب، ونجا مع، ونركب الخيل، والابل، ونتصرف في الحاجات والمارب، والموت إنما يكون بأحد هذه الاسباب، أما من أخلاط تحدثها المآكل والمشارب، أو من سقطة يسقط الانسان من دابة هو راكبها، أو من ضعف يلحقه من الجماع المفرط، أو لمصادمات واصطكاكات تصيبه عند تصرفه في ماربه وحركته وسعيه، ونحو ذلك، فكأنا نحن أعنا الموت على أنفسنا.
قوله:(نصب الحتوف) يروى: بالرفع والنصب، فمن رفع فهو خبر المبتدأ، ومن نصبه جعله ظرفا.
---

[9]
(187) الاصل لاخير في الصمت عن الحكم، كما إنه لا خير في القول بالجهل.
قد تكرر ذكر هذا القول، وتكرر منا شرحه(1) وشرح نظائره.
وكان يقال ما الانسان لو لا اللسان الا بهيمة مهملة، أو صورة ممثلة.
وكان يقال اللسان عضو إن مرنته مرن(2)، وإن تركته خزن(3)
---
(1) ا(شرح له).
(2) ا:(تمرن).
(3) خزن: تغير وفسد.
---

[10]
(188) الاصل يا بن آدم، ما كسبت فوق قوتك، فأنت فيه خازن لغيرك.
الشرح:
أخذ هذا المعنى بعضهم، فقال: ما لى أراك الدهر تجمع دائبا البعل عرسك لا أبا لك تجمع!.
وعاد الحسن البصري عبد الله بن الاهتم في مرضه الذى مات فيه، فأقبل عبد الله يصرف بصره إلى صندوق في جانب البيت، ثم قال للحسن: يا أبا سعيد، فيه مائة الف لم يؤد منها زكاة، ولم توصل بها رحم، قال الحسن: ثكلتك أمك! فلم أعددتها؟ قال، لروعه الزمان، ومكاثره الاخوان، وجفوه السلطان.
ثم مات، فحضر الحسن جنازته، فلما دفن صفق(1) بإحدى راحتيه الاخرى، وقال: إن هذا تاه شيطانه، فحذره روعة زمانه، وجفوة سلطانه، ومكاثرة إخوانه، فيما استودعه الله إياه فادخره، ثم خرج منه كئيبا حزينا، لم يؤد زكاة، ولم يصل رحما.
ثم التفت فقال: أيها الوارث، كل هنيئا، فقد أتاك هذا المال حلالا، فلا يكن عليك وبالا، أتاك ممن كان له جموعا منوعا، يركب فيه لجج البحار، ومفاوز القفار، من باطل جمعه، ومن حق منعه لم ينتفع به في حياته، وضره بعد وفاته، جمعه فأوعاه، وشده فأوكاه(2) إلى يوم القيامة، يوم ذى حسرات، وإن اعظم الحسرات أن ترى مالك في ميزان غيرك، بخلت بمال أوتيته من رزق الله إن تنفقه في طاعة الله، فخزنته لغيرك، فأنفقه في مرضاة ربه، يا لها حسرة لا تقال، ورحمة لا تنال! إنا لله وإنا إليه راجعون!
---
(1) صفق بإحدى راحتيه الاخرى أي ضرب عليها.
(2) أوكاه: أحكم رباطه، من الوكاء، وهو رباط القربة.
---

[11]
(189)
الأصل:
إن للقلوب شهوة وإقبالا، وإدبارا، فأتوها من قبل شهوتها واقبالها، فإن القلب إذا اكره عمى.
الشرح:
قد تقدم القول في هذا المعنى.
والعله في كون القلب يعمى إذا اكره على ما لا يحبه، أن القلب عضو من الاعضاء، يتعب ويستريح كما تتعب الجثه عند استعمالها وأحمالها، وتستريح عند ترك العمل، كما يتعب اللسان عند الكلام الطويل، ويستريح عند الامساك، وإذا تواصل(1) إكراه القلب على أمر لا يحبه ولا يؤثره تعب، لان فعل غير المحبوب متعب، ألا ترى أن جماع غير المحبوب يحدث من الضعف أضعاف ما يحدثه جماع المحبوب، والركوب إلى مكان غير محبوب متعب ولا يشتهى يتعب البدن اضعاف ما يتعبه الركوب إلى تلك المسافه إذا كان المكان محبوبا، وإذا أتعب القلب وأعيا، عجز عن إدراك ما نكلفه إدراكه، لان فعله هو الادراك، وكل عضو يتعب فانه يعجز(2) عن فعله الخاص به، فإذا عجز القلب عن فعله الخاص به وهو العلم والادراك، فذاك هو عماه.
---
(1) ا:(توصل).
(2) ا:(عاجز).
---

[12]
(190)
الأصل:
وكان عليه السلام يقول متى أشفى غيظي إذا غضبت! أحين أعجز عن الانتقام فيقال لى: لو صبرت! أم حين أقدر عليه، فيقال لى: لو عفوت! الشرح:
قد تقدم القول في الغضب مرارا.
وهذا الفصل فصيح لطيف المعنى، قال: لا سبيل لى إلى شفاء غيظي عند غضبى، لانى إما أن أكون قادرا على الانتقام فيصدنى عن تعجيله قول القائل لو غفرت لكان أولى! وأما ألا أكون قادرا على الانتقام فيصدنى عنه كونى غير قادر عليه، فإذن لا سبيل لى إلى الانتقام عند الغضب.
وكان يقال العقل كالمرآة المجلوة يصدئه الغضب، كما تصدا المرآة بالخل، فلا يثبت فيها صورة القبح والحسن.
واجتمع سفيان الثوري وفضيل(1) بن عياض فتذاكرا الزهد، فأجمعا على أن أفضل الاعمال الحلم عند الغضب، والصبر عند الطمع.
---
(1) ا:(الفضل).
---

[13]
(191)
الأصل:
وقال عليه السلام وقد مر بقذر على مزبلة: هذا ما بخل به الباخلون.
وفى خبر آخر إنه قال: هذا ما كنتم تتنافسون فيه بالامس! الشرح:
قد سبق القول في مثل هذا، وأن الحسن البصري مر على مزبلة، فقال: انظروا إلى بطهم ودجاجهم وحلوائهم وعسلهم وسمنهم، والحسن إنما أخذه من كلام أمير المؤمنين عليه السلام، وقال ابن وكيع في قول المتنبي: لو أفكر العاشق في منتهى حسن الذى يسبيه لم يسبه(1) إنه أراد: لو أفكر في حاله وهو في القبر، وقد تغيرت محاسنه، وسالت عيناه، قال وهذا مثل اقولهم: لو افكر الانسان فيما يئول إليه الطعام لعافته نفسه.
وقد ضرب العلماء مثلا للدنيا ومخالفه آخرها أولها، ومضادة مباديها عواقبها، فقالوا إن شهوات الدنيا في القلب لذيذه كشهوات الاطعمة في المعدة، وسيجد الانسان عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والنتن والقبح ما يجده للاطعمة اللذيذه إذا طبختها المعدة وبلغت غاية نضجها، وكما أن الطعام كلما كان ألذ طعما وأظهر حلاوة، كان رجيعه أقذر وأشد نتنا، فكذلك كل شهوة في القلب اشهى وألذ وأقوى،
---
(1) ديوانه 1: 212.
---

[14]
فإن نتنها وكراهتها والتإذى بها عند الموت أشد، بل هذه الحال في الدنيا مشاهدة، فإن [من](1) نهبت داره، وأخذ أهله وولده وماله، تكون مصيبته والمه وتفجعه في الذى فقد بمقدار لذته به، وحبه له، وحرصه عليه، فكل ما كان في الوجود أشهى والذ، فهو عند الفقد أدهى وأمر، ولا معنى للموت إلا فقد ما في الدنيا.
وقد روى أن النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) قال للضحاك بن سفيان الكلابي: ألست تؤتى بطعامك وقد قزح و ملح(2)، ثم تشرب عليه اللبن والماء! قال: بلى، قال، فإلى ماذا يصير؟ قال، إلى ما قد علمت يا رسول الله، قال، فإن الله عز وجل ضرب مثل الدنيا بما يصير إليه طعام ابن آدم.
وروى أبى بن كعب أن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) قال: إن انت ضربت مثلا لابن آدم فانظر ما يخرج من ابن آدم، وإن كان قزحه وملحه إلى ماذا صار.
وقال الحسن رحمه الله قد رأيتهم يطيبونه بالطيب والافاويه(3) ثم يرمونه حيث رأيتم، قال الله عز وجل:(فلينظر الانسان إلى طعامه)(4)، قال ابن عباس إلى رجيعة.
وقال رجل لابن عمر: إنى أريد أن أسالك واستحيى، فقال: لا تستحى وسل، قال: إذا قضى أحدنا حاجته فقام، هل ينظر إلى ذلك منه؟ فقال: نعم، إن الملك يقول له انظر هذا ما بخلت به، إنظر إلى ماذا صار!
---
(1) تكملة من د.
(2) يقال: قزح القدر كمنع، جعل فيها بزر البصل والتابل.
(3) الافاوه: جمع أفواه، وهى التوابل.
(4) سورة عبس 24.
---

[15]
(192)
الأصل:
لم يذهب من مالك ما وعظك مثل هذا قولهم إن المصائب أثمان التجارب.
وقيل لعالم فقير بعد أن كان غنيا أين مالك؟ قال: تجرت(1) فيه فابتعت به تجربة الناس والوقت، فاستفدت أشرف العوضين(2)
---
(1) ا:(تاجرت).
(2) ا:(الشيئين).
---

[16]
(193)
الأصل:
إن هذه القلوب تمل كما تمل الابدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة.
الشرح:
هذا قد تكرر، وتكرر منا ذكر ما قيل في إجمام النفس، والتنفيس عنها من كرب الجد والاحماض(1) وفسرنا معنى قوله عليه السلام:(فابتغوا لها طرائف الحكمة) وقلنا المراد الا يجعل الا نسان وقته كله مصروفا الى الانظار العقلية في البراهين الكلامية والحكمية، بل ينقلها من ذلك احيانا إلى النظر في الحكمة الخلقية فانها حكمة لا تحتاج إلى إتعاب النفس والخاطر.
فأما القول في الدعابة فقد ذكرناه أيضا فيما تقدم، واوضحنا أن كثيرا من أعيان الحكماء والعلماء كانوا ذوى دعابة مقتصدة لا مسرفة، فإن الاسراف فيها يخرج صاحبه الى الخلاعة، ولقد أحسن من قال: إفد طبعك المكدود بالجد راحه تجم وعلله بشئ من المزح(2) ولكن إذا أعطيته ذاك فليكن بمقدار ما يعطى الطعام من الملح(3)
---
(1) الاحماض: التنقل من الجد إلى المزح.
(2) المكدود: المجهد.
(3) أي على قدر من الاعتدال.
---

[17]
(194)
الأصل:
وقال عليه السلام لما سمع قول الخوارج لا حكم إلا لله، كلمة حق يراد بها باطل.
معنى قوله سبحانه:(إن الحكم إلا لله)(1)، أي إذا أراد شيئا من أفعال نفسه فلا بد من وقوعه، بخلاف غيره من القادرين بالقدرة فإنه لا يجب حصول مرادهم إذا أرادوه، الا ترى ما قبل هذه الكلمة:(يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغنى عنكم من الله من شئ إن الحكم الا لله) خاف عليهم من الاصابة بالعين إذا دخلوا من باب واحد، فأمرهم أن يدخلوا من ابواب متفرقه، ثم قال لهم:(وما أغنى عنكم من الله من شئ)، أي إذا أراد الله بكم سوءا لم يدفع عنكم ذلك السوء ما أشرت به عليكم من التفرق، ثم قال:(إن الحكم إلا لله) أي ليس حى من الاحياء ينفذ حكمه لا محالة ومراده لما هو من أفعاله إلا الحى القديم وحده، فهذا هو معنى هذه الكلمة، وضلت الخوارج عندها فأنكروا على أمير المؤمنين عليه السلام موافقته على التحكيم، وقالوا كيف يحكم وقد قال الله سبحانه:(إن الحكم إلا لله)، فغلطوا لموضع اللفظ المشترك، وليس هذا الحكم هو ذلك الحكم، فإذن هي كلمة حق يراد بها باطل، لانها حق على المفهوم الاول، ويريد بها الخوارج نفى كل ما يسمى حكما إذا صدر عن غير الله تعالى، وذلك باطل، لان الله تعالى قد أمضى حكم المخلوقين في كثير من الشرائع.
---
(1) سورة يوسف 67.
---

[18]
(195)
الأصل:
وقال عليه السلام في صفة الغوغاء: هم الذين إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا تفرقوا لم يعرفوا.
وقيل: بل قال عليه السلام: هم الذين إذا اجتمعوا ضروا، وإذا تفرقوا نفعوا، فقيل قد علمنا مضرة اجتماعهم، فما منفعة افتراقهم؟ فقال عليه السلام: يرجع أهل المهن إلى مهنهم، فينتفع الناس بهم، كرجوع البناء إلى بنائه، والنساج إلى منسجه، والخباز إلى مخبزه.
الشرح:
كان الحسن إذا ذكر الغوغاء وأهل السوق قال: قتلة الانبياء، وكان يقال العامة كالبحر إذا هاج أهلك راكبه.
وقال بعضهم لا تسبوا الغوغاء فإنهم يطفئون الحريق، وينقذون الغريق، ويسدون البثوق(1).
وقال شيخنا أبو عثمان: الغاغة والباغة(2) والحاكة كأنهم أعذار عام واحد، ألا ترى إنك لا تجد أبدا في كل بلدة وفي كل عصر هؤلاء بمقدار واحد وجهة واحدة من السخف والنقص والخمول والغباوة، وكان المأمون يقول كل شر وظلم(3) في العالم
---
(1) البثوق: الشقوق في الانهار.
(2) الباغة: الحمقى.
(3) في د:(وضر).
---

[19]
فهو صادر عن العامة والغوغاء، لانهم قتلة الانبياء والمغرون(1) بين العلماء، والنمامون بين الاوداء(2)، ومنهم اللصوص، وقطاع الطريق، والطرارون(3)، والمحتالون والساعون الى السلطان(4)، فإذا كان يوم القيامة حشروا على عادتهم في السعاية فقالوا:(ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا)(5)
---
(1) في د(والمفرقون).
(2) في د(الاولياء).
(3) الطرارون:(المروجون للسلع).
(4) ا: الحكام.
(5) سورة الاحزاب 67.
---

[20]
(196)
الأصل:
وقال عليه السلام وقد أتى بجان ومعه غوغاء فقال: لا مرحبا بوجوه لا ترى إلا عند كل سوأة.
الشرح:
أخذ هذا اللفظ المستعين بالله وقد أدخل عليه ابن أبى الشوارب القاضى ومعه الشهود ليشهدوا عليه إنه قد خلع نفسه من الخلافة وبايع للمعتز بالله، فقال: لا مرحبا بهذه الوجوه التى لا ترى إلا يوم(1) سوء.
وقال من مدح الغوغاء والعامة إن في الحديث المرفوع: إن الله ينصر هذا الدين بقوم لا خلاق لهم.
وكان الاحنف يقول أكرموا سفهاءكم فإنهم يكفونكم النار والعار.
وقال الشاعر وإنى لاستبقى أمرا السوء عده لعدوه عريض من الناس جائب(2) أخاف كلاب الابعدين وهرشها إذا لم تجاوبها كلاب الاقارب
---
(1) د(إلا عند السوء).
(2) الجائب: المتنقل من مكان إلى مكان.
---

[21]
(197)
الأصل:
إن مع كل انسان ملكين يحفظانه، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، وإن الاجل جنة حصينة.
الشرح:
قد تقدم هذا، وقلنا: إنه ذهب كثير من الحكماء هذا المذهب، وإن لله تعالى ملائكه موكله تحفظ البشر من التردي في بئر، ومن أصابه سهم معترض في طريق، ومن رفس دابة، ومن نهش حية، أو لسع عقرب، و نحو ذلك.
والشرائع أيضا قد وردت بمثله [وإن](1) الاجل جنة، أي درع، و لهذا في علم الكلام مخرج صحيح، وذلك لان أصحابنا يقولون إن الله تعالى إذا علم أن في بقاء زيد إلى وقت كذا لطفا له أو لغيره من المكلفين صد من يهم بقتله عن قتله بألطاف يفعلها تصده عنه أو تصرفه عنه بصارف، أو يمنعه عنه بمانع، كى لا يقطع ذلك الانسان بقتل زيد الالطاف التى يعلم الله إنها مقربة من الطاعة، ومبعدة من المعصية(2) لزيد أو لغيره، فقد بان أن الاجل على هذا التقدير جنة حصينة لزيد، من حيث كان الله تعالى باعتبار ذلك الاجل مانعا من قتله وإبطال حياته، ولا جنة أحصن من ذلك.
---
(1) من د، وفى ب:(وأما).
(2) د(عن القبيح).
---

[22]
(198)
الأصل:
وقال عليه السلام وقد قال له طلحة والزبير: نبايعك على أنا شركاؤك في هذا الامر، فقال: [لا](1) ولكنكما شريكان في القوة والاستعانة، وعونان على العجر والاود.
الشرح:
قد ذكرنا هذا فيما تقدم حيث شرحنا بيعة المسلمين لعلى عليه السلام كيف وقعت بعد مقتل عثمان، ولقد أحسن فيما قال لهما لما سألاه أن يشركاه في الامر، فقال: أما المشاركة في الخلافة فكيف يكون ذلك؟ وهل يصح أن يدبر أمر الرعية إمامان! * وهل يجمع السيفان ويحك في غمد(2) *.
وإنما تشركاني في القوة والاستعانة أي إذا قوى أمرى وأمر الاسلام بى قويتما أنتما أيضا، وإذا عجزت عن أمر، أو تأود على أمر - أي أعوج - كنتما عونين لى ومساعدين على إصلاحه.
فإن قلت: فما معنى قوله:(والاستعانة)؟ قلت: الاستعانة هاهنا الفوز والظفر، كانوا يقولون للقامر يفوز قدحه قد جرى ابنا عنان.
وهما خطان يخطان في الارض يزجر بهما الطير، واستعان الانسان، إذا قال وقت الظفر والغلبة هذه الكلمة.
---
(1) تكملة من(د).
(2) عجز بيت لابي ذؤيب الهذلى، وصدره: * تريدين كيما تجمعينى وخالدا * ديوان الهذليين 1: 159.
---

[23]
(199)
الأصل:
أيها الناس، اتقوا الله الذى إن قلتم سمع، وإن اضمرتم علم، وبادروا الموت الذى إن هربتم منه أدرككم، وإن اقمتم اخذكم، وإن نسيتموه ذكركم.
الشرح:
قد تقدم منا كلام كثير في ذكر الموت، ورأى الحسن البصري رجلا يجود بنفسه، فقال: إن أمرا هذا آخره، لجدير أن يزهد في أوله، وإن أمرا هذا أوله لجدير أن يخاف من آخره.
ومن كلامه فضح الموت الدنيا.
وقال خالد بن صفوان: لو قال قائل الحسن أفصح الناس لهذه الكلمة لما كان مخطئا.
وقال لرجل في جنازة: أترى هذا الميت لو عاد إلى الدنيا لكان يعمل عملا صالحا؟ قال: نعم، قال: فإن لم يكن ذلك فكن أنت ذاك.
---

[24]
(200)
الأصل:
لا يزهدنك في المعروف من لا يشكره لك، فقد يشكرك عليه من لا يستمتع بشئ منه، وقد يدرك من شكر الشاكر أكثر مما أضاع الكافر، والله يحب المحسنين.
الشرح:
قد أخذت أنا هذا المعنى فقلت من جملة قصيدة لى حكمية لا تسدين إلى ذى اللؤم مكرمة فإنه سبخ لا ينبت الشجرا فإن زرعت فمحفوظ بمضيعة وأكل زرعك شكر الغير إن كفرا وقد سبق منا كلام طويل في الشكر.
ورأى العباس بن المأمون يوما بحضرة المعتصم خاتما في يد إبراهيم بن المهدى، فاستحسنه، فقال له: مافص هذا الخاتم، ومن أين حصلته؟ فقال إبراهيم: هذا خاتم رهنته في دولة أبيك، وافتككته في دولة أمير المؤمنين، فقال العباس: فإن لم تشكر أبى على حقنه دمك، فأنت لا تشكر أمير المؤمنين على فكه خاتمك.
وقال الشاعر لعمرك ما المعروف في غير أهله وفي أهله إلا كبعض الودائع فمستودع ضاع الذى كان عنده ومستودع ما عنده غير ضائع وما الناس في شكر الصنيعة عندهم وفي كفرها إلا كبعض المزارع فمزرعة طابت وأضعف نبتها ومزرعه أكدت على كل زارع
---

[25]
(201)
الأصل:
كل وعاء يضيق بما جعل فيه، إلا وعاء العلم فإنه يتسع به.
الشرح:
هذا الكلام تحته سر عظيم، ورمز إلى معنى شريف غامض، ومنه أخذ مثبتوا النفس الناطقة الحجة على قولهم، ومحصول ذلك أن القوى الجسمانية يكلها ويتعبها تكرار أفاعليها عليها، كقوة البصر يتعبها تكرار إدراك المرئيات، حتى ربما أذهبها وأبطلها اصلا، وكذلك قوة السمع يتعبها تكرار الاصوات، عليها وكذلك غيرها من القوى الجسمانية، ولكنا وجدنا القوة العاقلة بالعكس من ذلك(1) فان الانسان كلما تكررت عليه المعقولات ازدادت قوته العقلية سعه وانبساطا واستعدادا لادراك أمور اخرى غير ما أدركته من قبل، حتى كان تكرار المعقولات عليها يشحذها(2) ويصقلها، فهى إذن مخالفة في هذا الحكم للقوى الجسمانية، فليست منها، لانها لو كانت منها لكان حكمها حكم واحد من أخواتها، وإذا لم تكن جسمانية فهى مجردة، وهى التى نسميها بالنفس الناطقه.
---
(1) ا:(هذا).
(2) يشحذها: يحدها.
---

[26]
(202)
الأصل:
أول عوض الحليم من حلمه، أن الناس أنصاره على الجاهل.
الشرح:
قد تقدم من اقوالنا في الحلم ما في بعضه كفاية.
وفى الحكم القديمة: لا تشن حسن الظفر بقبح الانتقام.
وكان يقال اعف عمن ابطأ عن الذنب، وأسرع إلى الندم.
وكان يقال شاور الاناة والتثبت وذاكر الحفيظة(1) عند هيجانها ما في عواقب العقوبة من الندم، وخاصمها بما يؤدى إليه الحلم من الاغتباط.
وكان يقال ينبغى للحازم أن يقدم على عذابه وصفحة تعريف المذنب بما جناه، والا نسب حلمه إلى الغفلة وكلال حد الفطنة.
وقالت الانصار للنبى (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) يوم فتح مكة: إنهم فعلوا بك ثم فعلوا، يغرونه بقريش، فقال:(إنما سميت محمدا لاحمد).
---
(1) الحفيظة: الحمية والغضب.
---

[27]
(203)
الأصل:
إن لم تكن حليما فتحلم، فإنه قل من تشبه بقوم إلا أوشك أن يكون منهم.
الشرح:
التحلم تكلف الحلم، والذى قاله عليه السلام صحيح في مناهج الحكمة، وذلك لان من تشبه بقوم وتكلف التخلق باخلاقهم، والتأدب بآدابهم، واستمر على ذلك ومرن عليه الزمان الطويل، اكتسب رياضه قوية، وملكة تامة، وصار ذلك التكلف كالطبع له، وانتقل عن الخلق الاول، ألا ترى أن الاعرابي الجلف الجافي إذا دخل المدن والقرى وخالط أهلها وطال مكثه فيهم انتقل عن خلق الاعراب الذى نشا عليه، وتلطف طبعه، وصار شبيها بساكني المدن، وكالاجنبي عن ساكنى الوبر، وهذا قد وجدناه في حيوانات أخرى غير البشر كالبازي والصقر والفهد التى تراض حتى تذل وتانس وتترك طبعها القديم، بل قد شاهدناه في الاسد، وهو أبعد الحيوان من الانس.
وذكر ابن الصابى إن عضد الدولة بن بويه كانت له أسود يصطاد بها كالفهود فتمسكه عليه حتى يدركه فيذكيه، وهذا من العجائب الطريفة.
---

[28]
(204)
الأصل:
من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن خاف امن، ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم.
الشرح:
قد جاء في الحديث المرفوع:(حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا).
قوله:(ومن خاف امن) أي من اتقى الله أمن من عذابه يوم القيامة.
ثم قال:(ومن اعتبر أبصر) أي من قاس الامور بعضها ببعض، واتعظ بآيات الله وأيامه أضاءت بصيرته، ومن أضاءت بصيرته فهم، ومن فهم علم.
فان قلت: الفهم هو العلم، فأى حاجة له إلى أن يقول(ومن فهم علم)؟ قلت: الفهم هاهنا هو معرفة المقدمات، ولا بد أن يستعقب معرفة المقدمات معرفة النتيجة، فمعرفة النتيجة هو العلم، فكأنه قال: من اعتبر تنور قلبه بنور الله تعالى ومن تنور قلبه عقل المقدمات البرهانيه، ومن عقل المقدمات البرهانيه علم النتيجة الواجبة عنها، وتلك هي الثمرة الشريفة التى في مثلها يتنافس المتنافسون.
---

[29]
(205)
الأصل:
وقال عليه السلام: لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها.
وتلا عقيب ذلك:(ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين).
الشرح:
الشماس مصدر شمس الفرس إذا منع من ظهره.
والضروس الناقه السيئه الخلق تعض حالبها، والامامية تزعم أن ذلك وعد منه بالامام الغائب الذى يملك الارض في آخر الزمان.
وأصحابنا يقولون إنه وعد بإمام يملك الارض ويستولى على الممالك، ولا يلزم من ذلك إنه لا بد أن يكون موجودا، وإن كان غائبا إلى أن يظهر، بل يكفى في صحة هذا الكلام أن يخلق في آخر الوقت.
وبعض اصحابنا يقول إنه إشارة إلى ملك السفاح والمنصور وابنى المنصور بعده.
فإنهم الذين ازالوا ملك بنى أمية، وهم بنو هاشم، وبطريقهم عطفت الدنيا على بنى عبد المطلب عطف الضروس.
وتقول الزيدية إنه لا بد من أن يملك الارض فاطمي يتلوه جماعة من الفاطميين على مذهب زيد، وإن لم يكن أحد منهم الان موجودا.
---

[30]
(206)
الأصل:
اتقوا الله تقاه من شمر تجريدا، وجد تشميرا، وأكمش في مهل، وبادر عن وجل، ونظر في كره الموئل، وعاقبة المصدر، ومغبة المرجع.
الشرح:
لو قال:(وجرد تشميرا)، لكان قد أتى بنوع مشهور من أنواع البديع، لكنه لم يحفل بذلك، وجرى على مقتضى طبعه من البلاغة الخالية من التكلف والتصنع، على أن ذلك قد روى، والمشهور الرواية الاولى.
وأكمش جد وأسرع، ورجل كميش، أي جاد وفى مهل أي في مهلة العمل قبل أن يضيق عليه وقته بدنو الاجل.
---

[31]
(207)
الأصل:
الجود حارس الاعراض، والحلم فدام السفيه، والعفو زكاة الظفر، والسلو عوضك ممن غدر، والاستشارة عين الهداية.
وقد خاطر من استغنى برأيه، والصبر يناضل الحدثان، والجزع من أعوان الزمان، وأشرف الغنى، ترك المنى.
وكم من عقل أسير عند هوى أمير! ومن التوفيق حفظ التجربة، والمودة قرابة مستفادة، ولا تأمنن ملولا.
الشرح:
مثل قوله:(الجود حارس الاعراض) قولهم كل عيب فالكرم يغطيه.
والفدام: خرقة تجعل على فم الابريق، فشبه الحلم بها، فإنه يرد السفيه عن السفه كما يرد الفدام الخمر عن خروج القذى منها إلى الكأس.
فأما(والعفو زكاة الظفر) فقد تقدم أن لكل شئ زكاة، وزكاة الجاه رفد المستعين، وزكاة الظفر العفو.
وأما(السلو عوضك ممن غدر) فمعناه أن من غدر بك من أحبائك وأصدقائك فاسل عنه وتناسه، واذكر ما عاملك به من الغدر، فإنك تسلو عنه ويكون ما استفدته من السلو عوضا عن وصاله الاول، قال الشاعر:
---

[32]
اعتقنى سوء ما صنعت من الرق فيا بردها على كبدي فصرت عبدا للسوء فيك وما أحسن سوء قبلى إلى احد.
وقد سبق القول في الاستشارة، وإن المستغنى برأيه مخاطر، وكذلك القول في الصبر.
والمناضلة: المراماة.
وكذلك القول في الجزع، وإن الانسان إذا جزع عند المصيبة فقد أعان الزمان على نفسه، وأضاف إلى نفسه مصيبة أخرى.
وسبق أيضا القول في المنى، وإنها من بضائع النوكى(1).
وكذلك القول في الهوى، وإنه يغلب الرأى وياسره.
وكذلك القول في التجربة، وقولهم من حارب المجرب حلت به الندامة، وإن من أضاع التجربة فقد أضاع عقله ورأيه.
وقد سبق القول في المودة، وذكرنا قولهم الصديق نسيب الروح، والاخ نسيب الجسم، وسبق القول في الملال.
وقال العباس بن الاحنف: لو كنت عاتبة لسكن عبرتي أملى رضاك وزرت غير مراقب لكن مللت فلم يكن لى حيلة صد الملول خلاف صد العاتب
---
(1) جمع أنوك، وهو الاحمق.
---

[33]
(208)
الأصل:
عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله.
الشرح:
قد تقدم القول في العجب، ومعنى هذه الكلمة أن الحاسد لا يزال مجتهدا في إظهار معايب المحسود وإخفاء محاسنه، فلما كان عجب الانسان بنفسه كاشفا عن نقص عقله كان كالحاسد الذى دأبه إظهار عيب المحسود ونقصه.
وكان يقال من رضى عن نفسه كثر الساخط عليه.
وقال مطرف بن الشخير: لان أبيت نائما، وأصبح نادما أحب إلى من أن أبيت قائما وأصبح نادما(1).
---
(1) ا:(متعجبا).
---

[34]
(209)
الأصل:
اغض على القذى والالم ترض ابدا الشرح:
نظير هذا قول الشاعر ومن لم يغمض عينه عن صديقه وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب ومن يتتبع جاهدا كل عثرة يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب.
وقال الشاعر: إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ظمئت وأى الناس تصفو مشاربه(1).
وكان يقال اغض عن الدهر وإلا صرعك.
وكان يقال لا تحارب الايام وإن جنحت دون مطلوبك منها، واصحبها بسلاسه القياد، فإنك إن تصحبها بذلك تعطك بعد المنع، وتلن لك بعد القساوة، وإن أبيت عليها قادتك إلى مكروه صروفها.
---
(1) لبشار، ديوانه 1: 309.
---

[35]
(210)
الأصل:
من لان عوده كثفت أغصانه.
الشرح:
تكاد هذه الكلمة أن تكون إيماء الى قوله تعالى:(والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه)(1)، ومعنى هذه الكلمة أن من حسن خلقه، ولانت كلمته، كثر محبوه وأعوانه وأتباعه.
ونحوه قوله:(من لانت كلمته وجبت محبته).
وقال تعالى:(ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)(2)، وأصل هذه الكلمة مطابق للقواعد الحكمية، أعنى الشجرة ذات الاغصان حقيقة، وذلك لان النبات كالحيوان في القوى النفسانية، أعنى الغاذية والمنمية، وما يخدم الغاذية من القوى الاربع، وهى الجاذبة، والماسكة، والدافعة، والهاضمة، فإذا كان اليبس غالبا على شجرة كانت أغصانها أخف، وكان عودها أدق، وإذا كانت الرطوبة غالبة كانت اغصانها أكثر، وعودها أغلظ، وذلك لاقتضاء اليبس الذبول، واقتضاء الرطوبة الغلظ والعبالة والضخامة، ألا ترى أن الانسان الذى غلب اليبس على مزاجه، لا يزال مهلوسا(3) نحيفا، والذى غلبت الرطوبة عليه لا يزال ضخما عبلا.
---
(1) سورة الاعراف 58.
(2) سورة آل عمران 159.
(3) رجل مهلوس: هلسه الداء وخامره.
---

[36]
(211)
الأصل:
الخلاف يهدم الرأى.
الشرح:
هذا مثل قوله عليه السلام في موضع آخر:(لا رأى لمن لا يطاع).
ويروى لا أمرة لمن لا يطاع.
وفي أخبار قصير وجذيمة(لو كان يطاع لقصير أمر!).
وكان يقال اللجاج يشحذ الزجاج، ويثير العجاج.
وقال دريد بن الصمة أمرتهم أمرى بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد(1) فلما عصوني كنت منهم وقد أرى غوايتهم وإنني غير مهتدى.
وكان يقال أهدى رأى الرجل ما نفذ حكمه، فإذا خولف فسد.
ومن كلام أفلاطون اللجاج عسر انطباع المعقولات في النفس، وذلك إما لفرط حدة تكون في الانسان، وإما لغلظ طبع فلا ينقاد للرأى(2).
---
(1) ديوان الحماسة 2: 304 - بشرح التبريزي.
(2) ا:(لرأى).
---

[37]
(212)
الأصل:
من نال استطال.
الشرح:
يجوز أن يريد به: من أثرى ونال من الدنيا حظا استطال على الناس.
ويجوز أن يريد به: من جاد استطال بجوده.
يقال: نالنى فلان بكذا أي جاد به على، ورجل نال، أي جواد ذو نائل، ومثله:(1) رجل طان أي ذو طين، ورجل مال أي ذو مال.
---
(1) ا:(أن يقال).
---

[38]
(213)
الأصل:
في تقلب الاحوال، علم جواهر الرجال الشرح:
معناه لا تعلم أخلاق الانسان إلا بالتجربة، واختلاف الاحوال عليه.
وقديما قيل ترى الفتيان كالنخل، وما يدريك ما الدخل(1).
وقال الشاعر لا تحمدن أمرا حتى تجربه ولا تذمنه إلا بتجريب و قالوا: التجربة محك، وقالوا: مثل الانسان مثل البطيخة، ظاهرها مونق، وقد يكون في باطنها العيب والدود، وقد يكون طعمها حامضا وتفها.
وقالوا للرجل المجرب يمدحونه: قد آل وائل عليه.
وقال الشاعر يمدح: ما زال يحلب هذا الدهر أشطره(2) يكون متبعا طورا ومتبعا حتى استمرت على شزر مريرته مستحكم الرأى لا قحما ولا ضرعا(3)
---
(1) مثل، وانظر الميداني 1: 91.
(2) يحلب أشطره، أي أنه قد جرب الامور وعاناها، والكلام على التمثيل.
(3) في اللسان عن الجوهرى:(شيخ قحم، أي هم، مثل قحل، وفى حديث ابن عمر:(ابغنى خادما لا يكون قحما فانيا، ولا صغيرا ضرعا، القحم: الشيخ الهم الكبير).
الضرع: الضاوى الجسم الضعيف.
---

[39]
(214)
الأصل:
حسد الصديق من سقم المودة.
الشرح:
إذا حسدك صديقك على نعمة اعطيتها لم تكن صداقته صحيحة، فإن الصديق حقا من يجرى مجرى نفسك، والانسان لم يحسد نفسه.
وقيل لحكيم ما الصديق؟ فقال: إنسان هو أنت، إلا إنه غيرك.
وأخذ هذا المعنى أبو الطيب فقال: ما الخل إلا من أود بقلبه وأرى بطرف لا يرى بسوائه(1) ومن أدعية الحكماء: اللهم اكفني بوائق الثقات، واحفظنى من كيد الاصدقاء.
وقال الشاعر احذر عدوك مرة واحذر صديقك الف مرة فلربما انقلب الصديق فكان اعرف بالمضرة وقال آخر:(2) إحذر مودة ماذق شاب المرارة بالحلاوة(3)
---
(1) ديوانه 1: 4.
(2) ا:(غيره).
(3) الماذق: الذى يخلط الود بغيره.
---

[40]
يحصى الذنوب عليك أيام الصداقة للعداوة وذكر خالد بن صفوان شبيب بن شيبة، فقال: ذاك رجل ليس له صديق في السر ولا عدو في العلانية.
وقال الشاعر: إذا كان دواما أخوك مصارما موجهه في كل أوب ركائبه فخل له ظهر الطريق ولا تكن مطية رحال كثير مذاهبه
---

[41]
(215)
الأصل:
أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع.
الشرح:
قد تقدم منا قول في هذا المعنى.
ومنه قول الشاعر(1): طمعت بليلى أن تريع وانما(2) تقطع أعناق الرجال المطامع(3) وقال آخر: إذا حدثتك النفس إنك قادر على ما حوت أيدى الرجال فكذب وإياك والاطماع إن وعودها رقارق آل أو بوارق خلب(4)
---
(1) هو المجنون، ديوانه 186، وينسب لقيس بن ذريح، وينسب أيضا للبعيث، وانظر تخريجه في الديوان.
(2) تريع: ترجع وتعود، كذا فسره صاحب اللسان، واستشهد بالبيت ونسبه إلى البعيث.
(3) بعده في الديوان: ودانيت ليلى في خلاء ولم يكن شهود على ليلى عدول مقانع.
(4) الرقارق: السراب.
---

[42]
(216)
الأصل:
ليس من العدل القضاء على الثقة بالظن.
الشرح:
هذا مثل قول اصحاب أصول الفقه لا يجوز نسخ القرآن والسنه المتواترة بخبر الواحد، لان المظنون لا يرفع المعلوم.
ولفظ الثقة هاهنا مرادف للفظ العلم، فكأنه قال: لا يجوز أن يزال ما علم بطريق قطعية لامر ظنى.
فإن قلت: أليس البراءة الاصلية معلومة بالعقل، ومع ذلك ترفع بالامارات الظنية كأخبار الاحاد؟ قلت: ليست البراءة الاصلية معلومة بالعقل مطلقا، بل مشروطة بعدم ما يرفعها من طريق علمي أو ظنى، ألا ترى أن أكل الفاكهة وشرب الماء معلوم بالعقل حسنه، ولكن لا مطلقا، بل بشرط انتفاء ما يقتضى قبحه، فإنا لو أخبرنا إنسان أن هذه الفاكهة أو هذا الماء مسموم لقبح منا الاقدام على تناولهما، وإن كان قول ذلك المخبر الواحد لا يفيد العلم القطعي(1).
---
(1) ا:(علما قطعيا).
---

[43]
(217)
الأصل:
بئس الزاد إلى المعاد، العدوان على العباد.
الشرح:
قد تقدم من قولنا(1) في الظلم والعدوان ما فيه كفاية.
وكان يقال عجبا لمن عومل فأنصف، إذا عامل كيف يظلم! وأعجب منه: من عومل فظلم إذا عامل كيف يظلم! وكان يقال العدو عدوان عدو ظلمته، وعدو ظلمك، فإن اضطرك الدهر إلى أحدهما فاستعن بالذى ظلمك، فإن الاخر موتور
---
(1) ا:(لنا أقوال).
---

[44]
(218)
الأصل:
من أشرف أفعال الكريم غفلته عما يعلم.
الشرح:
كان يقال التغافل من السؤدد.
وقال أبو تمام: ليس الغبى بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابى(1) وقال طاهر بن الحسين بن مصعب: ويكفيك من قوم شواهد أمرهم فخذ صفوهم قبل امتحان الضمائر فإن امتحان القوم يوحش منهم وما لك إلا ما ترى في الظواهر وإنك إن كشفت لم تر مخلصا وأبدى لك التجريب خبث السرائر وكان يقال بعض(2) التغافل فضيلة، وتمام الجود الامساك عن ذكر المواهب، ومن الكرم أن تصفح عن التوبيخ، وأن تلتمس ستر(3) هتك الكريم.
---
(1) ديوانه 1: 93.
(2) ساقطة من ا.
(3) الستر: تغطية الشئ، وفى الحديث:(إن الله حى ستير يحب الستر).
---

[45]
(219)
الأصل:
من كساه الحياء ثوبه، لم ير الناس عيبه.
الشرح:
قد سبق منا قول كثير في الحياء.
[فصل في الحياء وما قيل فيه] وكان يقال الحياء تمام الكرم، والحلم تمام العقل.
وقال بعض الحكماء: الحياء انقباض النفس عن القبائح، وهو من خصائص الانسان، لانه لا يوجد في الفرس ولا في الغنم والبقر، ونحو ذلك من أنواع الحيوانات، فهو كالضحك الذى يختص به نوع الانسان، وأول ما يظهر من قوة الفهم في الصبيان الحياء، وقد جعله الله تعالى في الانسان ليرتدع به عما تنزع إليه نفسه من القبيح، فلا يكون كالبهيمة، وهو خلق مركب من جبن وعفة، ولذلك لا يكون المستحى فاسقا، ولا الفاسق مستحيا(1)، لتنافى اجتماع العفة والفسق، وقلما يكون الشجاع مستحيا والمستحي شجاعا لتنافى اجتماع الجبن والشجاعة، ولعزة وجود ذلك ما يجمع الشعراء بين المدح بالشجاعة والمدح بالحياء نحو قول القائل: يجرى الحياء الغض من قسماتهم في حين يجرى من أكفهم الدم.
---
(1) ب:(مستحييا).
---

[46]
وقال آخر: كريم يغض الطرف فضل حيائه ويدنو وأطراف الرماح دوان.
ومتى قصد به الانقباض فهو مدح للصبيان دون المشايخ، ومتى قصد به ترك القبيح فهو مدح لكل أحد، وبالاعتبار الاول قيل الحياء بالافاضل قبيح، وبالاعتبار الثاني ورد أن الله ليستحيى من ذى شيبة في الاسلام أن يعذبه، أي يترك تعذيبه ويستقبح لكرمه ذلك.
فأما الخجل فحيرة تلحق النفس لفرط الحياء، ويحمد في النساء والصبيان ويذم بالاتفاق في الرجال.
فأما القحة فمذمومة بكل لسان، إذ هي انسلاخ من الانسانية، وحقيقتها لجاج النفس في تعاطى القبيح، واشتقاقها من حافر وقاح أي صلب ولهذه المناسبة قال الشاعر: يا ليت لى من جلد وجهك رقعة فأعد منها حافرا للاشهب.
وما أصدق قول الشاعر صلابة الوجة لم تغلب على أحد إلا تكامل فيه الشر واجتمعا.
فأما كيف يكتسب الحياء، فمن حق الانسان إذا هم بقبيح أن يتصور أجل من نفسه إنه يراه، فإن الانسان يستحيى ممن يكبر في نفسه أن يطلع على عيبه ولذلك لا يستحيى من الحيوان غير الناطق، ولا من الاطفال الذين لا يميزون، ويستحيى من العالم اكثر مما يستحيى من الجاهل ومن الجماعة أكثر مما يستحيى من الواحد، والذين يستحيى الانسان منهم ثلاثة البشر، ونفسه، والله تعالى، أما البشر فهم أكثر
---

[47]
من يستحيى منه الانسان في غالب الناس، ثم نفسه، ثم خالقه، وذلك لقلة توفيقه وسوء اختياره.
واعلم أن من استحيا من الناس ولم يستحيى من نفسه فنفسه عنده أخس من غيره، ومن استحيا منهما ولم يستحى من الله تعالى فليس عارفا، لانه لو كان عارفا بالله لما استحيا من المخلوق دون الخالق، ألا ترى أن الانسان لا بد أن يستحيى من الذى يعظمه ويعلم أنه يراه أو يستمع بخبره فيبكته، ومن لا يعرف الله تعالى كيف يستعظمه! وكيف يعلم إنه يطلع عليه! وفي قول رسول الله صلى الله عليه وآله(إستحيوا من الله حق الحياء)، أمر في ضمن كلامه هذا بمعرفته سبحانه وحث عليها، وقال سبحانه:(ألم يعلم بأن الله)(1)، يرى تنبيها على أن العبد إذا علم أن ربه يراه إستحيا من ارتكاب الذنب.
وسئل الجنيد رحمه الله عما يتولد منه الحياء من الله تعالى، فقال: أن يرى العبد آلاء الله سبحانه ونعمه عليه، ويرى تقصيره في شكره.
فإن قال قائل: فما معنى قول النبي صلى الله عليه وآله(من لا حياء له فلا إيمان له).
قيل له: لان الحياء أول ما يظهر من إمارة العقل في الانسان، وأما الايمان فهو آخر المراتب، ومحال حصول المرتبة الاخرة لمن لم تحصل له المرتبة الاولى، فالواجب إذن أن من لا حياء له فلا إيمان له.
وقال عليه السلام:(الحياء شعبة من الايمان).
وقال:(الايمان عريان، ولباسه التقوى، وزينته الحياء).
---
(1) سورة العلق 14.
---

[48]
(220)
الأصل:
بكثرة الصمت تكون الهيبة، وبالنصفة يكثر المواصلون، وبالافضال تعظم الاقدار، وبالتواضع تتم النعمة، وباحتمال المؤن يجب السؤدد، وبالسيرة العادلة يقهر المناوئ، وبالحلم عن السفيه تكثر الانصار عليه.
الشرح:
قال يحيى بن خالد: ما رأيت أحدا قط صامتا إلا هبته حتى يتكلم، فإما أن تزداد تلك الهيبه أو تنقص.
ولا ريب أن الانصاف سبب انعطاف القلوب إلى المنصف، وأن الافضال والجود يقتضى عظم القدر، لانه إنعام، والمنعم مشكور، والتواضع طريق إلى تمام النعمة، ولا سؤدد الا باحتمال المؤن، كما قال أبو تمام: والحمد شهد لا ترى مشتاره يجنيه إلا من نقيع الحنظل(1) غل لحامله ويحسبه الذى لم يوه عاتقه خفيف المحمل.
والسيرة العادلة سبب لقهر الملك الذى يسير بها اعداءه، ومن حلم عن سفيه وهو قادر على الانتقام منه نصره الناس كلهم عليه، واتفقوا كلهم على ذم ذلك السفيه وتقبيح فعله(2)، والاستقراء واختبار العادات تشهد بجميع ذلك.
---
(1) ديوانه 3: 42.
(2) ب:(قفله)(تصحيف).
---

[49]
(221)
الأصل:
العجب لغفلة الحساد، عن سلامة الاجساد! الشرح:
إنما لم يحسد الحاسد على صحة الجسد لانه صحيح الجسد، فقد شارك في الصحة، وما يشارك الانسان غيره فيه لا يحسده عليه، ولهذا أرباب الحسد إذا مرضوا حسدوا الاصحاء على الصحة.
فإن قلت: فلماذا تعجب أمير المؤمنين عليه السلام؟ قلت: لكلامه عليه السلام وجه، وهو أن الحسد لما تمكن في أربابه، وصار غريزة فيهم، تعجب كيف لا يتعدى هذا الخلق الذميم إلى أن يحسد الانسان غيره على ما يشاركه فيه، فان زيدا إذا أبغض عمرا بغضا شديدا ود أن تزول عنه نعمته إليه، وإن كان ذا نعمة كنعمته(1)، بل ربما كان أقوى وأحسن حالا.
ويجوز أن يريد معنى آخر، وهو تعجبه من غفلة الحساد، على أن الحسد مؤثر في سلامة أجسادهم، ومقتض سقمهم، وهذا أيضا واضح.
---
(1) ا:(مثل نعمته).
---

[50]
(222)
الأصل:
الطامع في وثاق الذل.
الشرح:
من أمثال البحترى قوله: والياس احدى الراحتين ولن ترى تعبا كظن الخائب المكدود(1) وكان يقال ما طمعت إلا وذلت - يعنون النفس.
وفى البيت المشهور: * تقطع اعناق الرجال المطامع(2) * وقالوا عز من قنع، وذل من طمع.
وقد تقدم القول في الطمع مرارا.
---
(1) ديوانه 1: 127.
(2) للمجنون، ديوانه ص 186، وصدره: * طمعت بليلى أن تريع وإنما *---

[51]
(223)
الأصل:
وقال عليه السلام وقد سئل عن الايمان الايمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالاركان.
الشرح:
قد تقدم قولنا في هذه المسألة.
وهذا هو مذهب أصحابنا المعتزلة بعينه، لان العمل بالاركان عندنا داخل في مسمى الايمان - أعنى فعل الواجبات، فمن لم يعمل لم يسم مؤمنا وإن عرف بقلبه وأقر بلسانه، وهذا خلاف قول المرجئة من الاشعرية والامامية، والحشوية.
فان قلت: فما قولك في النوافل هل هي داخلة في مسمى الايمان أم لا؟ قلت: في هذا خلاف بين أصحابنا، وهو مستقصى في كتبي(1) الكلامية.
---
(1) في د:(كتبنا).
---

[52]
(224)
الأصل:
من أصبح على الدنيا حزينا، فقد أصبح لقضاء الله ساخطا.
ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به، فإنما يشكو ربه.
ومن أتى غنيا فتواضع له لغناه ذهب ثلثا دينه.
ومن قرأ القرآن فمات فدخل النار، فهو كان ممن يتخذ آيات الله هزوا.
ومن لهج قلبه بحب الدنيا التاط منها بثلاث: هم لا يغبه، وحرص لا يتركه، وأمل لا يدركه.
الشرح:
إذا كان الرزق بقضاء الله وقدره، فمن حزن لفوات شئ منه فقد سخط قضاء الله وذلك معصية، لان الرضا بقضاء الله واجب، وكذلك من شكا مصيبة حلت به، فإنما يشكو فاعلها لا هي، لانها لم تنزل به من تلقاء نفسها، وفاعلها هو الله، ومن اشتكى الله فقد عصاه، والتواضع للاغنياء تعظيما لغناهم أو رجاء شئ مما في أيديهم فسق.
وكان يقال لا يحمد التيه إلا من فقير على غنى فأما قوله عليه السلام:(ومن قرأ القرآن فمات فدخل النار، ممن كان يتخذ آيات الله هزوا).
فلقائل أن يقول قد يكون مؤمنا بالقرآن ليس بمتخذ له هزوا، ويقرؤه ثم
---

[53]
يدخل النار، لانه أتى بكبيرة أخرى نحو القتل والزنا والفرار من الزحف وأمثال ذلك! والجواب أن معنى كلامه عليه السلام هو إن من قرأ القرآن فمات فدخل النار لاجل قراءته القرآن فهو ممن كان يتخذ آيات الله هزوا، أي يقرؤه هازئا به، ساخرا منه، مستهينا بمواعظه وزواجره، غير معتقد إنه من عند الله.
فإن قلت: إنما دخل من ذكرت النار، لا لاجل قراءته القرآن، بل لهزئه به، وجحوده إياه، وانت قلت: معنى كلامه إنه من دخل النار لاجل قراءته القرآن فهو ممن كان يستهزئ بالقرآن! قلت: بل إنما دخل النار لانه قرأه على صفه الاستهزاء والسخرية، ألا ترى أن الساجد للصنم يعاقب لسجوده له على جهه العبادة والتعظيم، وإن كان لو لا ما يحدثه مضافا للسجود من أفعال القلوب لما عوقب.
ويمكن أن يحمل كلامه عليه السلام على تفسير آخر، فيقال إنه عنى بقوله: إنه كما كان ممن يتخذ آيات الله هزوا: إنه يعتقد أنها من عند الله، ولكنه لا يعمل بموجبها كما يفعله الان كثير من الناس.
قوله عليه السلام:(التاط بقلبه) أي لصق.
ولا يغبه، أي لا ياخذه غبا، بل يلازمه دائما، وصدق عليه السلام فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وحب الدنيا هو الموجب للهم والغم والحرص والامل والخوف على ما اكتسبه أن ينفد، وللشح بما حوت يده، وغير ذلك من الاخلاق الذميمة.
---

[54]
(225)
الأصل:
كفى بالقناعة ملكا، وبحسن الخلق نعيما.
الشرح:
قد تقدم القول في هذين، وهما القناعة وحسن الخلق.
وكان يقال يستحق الانسانية من حسن خلقه، ويكاد السيئ الخلق يعد من السباع.
وقال بعض الحكماء: حد القناعة هو الرضا بما دون الكفاية، والزهد: الاقتصار على الزهيد، أي القليل، وهما متقاربان، وفي الاغلب إنما الزهد هو رفض الامور الدنيوية مع القدرة عليها، وأما القناعة فهى إلزام النفس الصبر عن المشتهيات التى لا يقدر عليها، وكل زهد حصل عن قناعة فهو تزهد، وليس بزهد، وكذلك قال بعض الصوفية: القناعة أول الزهد، تنبيها على أن الانسان يحتاج أولا إلى قدع نفسه وتخصصه بالقناعة ليسهل عليه تعاطى الزهد، والقناعة التى هي الغنى بالحقيقة، لان الناس كلهم فقراء من وجهين: احدهما لافتقارهم إلى الله تعالى كما قال:(يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد)(1).
والثانى لكثرة حاجاتهم فأغناهم لا محالة أقلهم حاجة، ومن سد مفاقره بالمقتنيات فما في انسدادها مطمع، وهو كمن يرقع الخرق بالخرق، ومن يسدها بالاستغناء عنها بقدر وسعه والاقتصار على تناول ضرورياته فهو الغنى المقرب من الله سبحانه، كما اشار إليه في قصة طالوت:(إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فانه منى إلا من اغترف غرفه بيده)(2)، قال أصحاب المعاني والباطن: هذا إشارة إلى الدنيا.
---
(1) سورة فاطر 15.
(2) سورة البقرة 249.
---

[55]
(226)
الأصل:
وسئل عليه السلام عن قول الله عز وجل(فلنحيينه حياة طيبة)(1)، فقال: هي القناعة.
الشرح:
لا ريب أن الحياة الطيبة هي حياه الغنى، وقد بينا أن الغنى هو القنوع، لانه إذا كان الغنى عدم الحاجة فأغنى الناس أقلهم حاجة إلى الناس، ولذلك كان الله تعالى أغنى الاغنياء لانه لا حاجة به إلى شئ، وعلى هذا دل النبي بقوله صلى الله عليه وآله:(ليس الغنى بكثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس).
وقال الشاعر: فمن أشرب اليأس كان الغنى ومن أشرب الحرص كان الفقيرا.
وقال الشاعر: غنى النفس ما يكفيك من سد خلة فان زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا وقال بعض الحكماء: المخير بين أن يستغنى عن الدنيا وبين أن يستغنى بالدنيا كالمخير بين أن يكون مالكا أو مملوكا.
ولهذا قال عليه السلام:(تعس عبد الدينار والدرهم، تعس فلا انتعش، وشيك فلا انتقش)(2).
---
(1) سورة النحل 97.
(2) ب:(شبك) تحريف، قال ابن الاثير: أي إذا دخلت فيه شوكة لا أخرجها من موضعها، وبه سمى المنقاش الذى ينقش به).
---

[56]
وقيل لحكيم لم لا تغتم؟ قال: لانى لم أتخذ ما، يغمنى فقده.
وقال الشاعر: فمن سره ألا يرى ما يسوءه فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا.
وقال أصحاب هذا الشان: القناعة من وجه صبر، ومن وجه جود، لان الجود ضربان: جود بما في يدك منتزعا، وجود عما في يد غيرك متورعا، وذلك أشرفهما، ولا يحصل الزهد في الحقيقة إلا لمن يعرف الدنيا ما هي، ويعرف عيوبها وآفاتها، ويعرف الاخرة وافتقاره إليها، ولا بد في ذلك من العلم، ألا ترى إلى قوله تعالى:(قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون انه لذو حظ عظيم * وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون)(1).
ولان الزاهد في الدنيا راغب في الاخرة وهو يبيعها بها، كما قال الله تعالى:(إن الله اشترى من المؤمنين..
)(2) الايه.
والكيس لا يبيع عينا بأثر، إلا إذا عرفهما وعرف فضل ما يبتاع على ما يبيع.
---
(1) سورة القصص 79، 80.
(2) سورة التوبة 111.
---

[57]
(227)
الأصل:
شاركوا الذين قد أقبل عليهم الرزق، فإنه أخلق للغنى، وأجدر بإقبال الحظ.
الشرح:
قد تقدم القول في الحظ والبخت.
وكان يقال الحظ يعدى كما يعدى الجرب، وهذا يطابق كلمة أمير المؤمنين عليه السلام لان مخالطة المجدود ليست كمخالطة غير المجدود(1)، فإن الاولى تقتضي الاشتراك في الحظ والسعادة، والثانية تقتضي الاشتراك في الشقاء والحرمان.
والقول في الحظ وسيع جدا.
وقال بعضهم: البخت على صورة رجل أعمى أصم أخرس، وبين يديه جواهر وحجارة، وهو يرمى بكلتا يديه.
وكان مالك بن أنس فقيه المدينة، وأخذ الفقه عن الليث بن سعد، وكانوا يزدحمون عليه والليث جالس لا يلتفتون إليه، فقيل لليث: إن مالكا إنما أخذ عنك فما لك خاملا وهو أنبه الناس ذكرا! فقال: دانق بخت خير من جمل بختى حمل علما.
وقال الرضى: أسيغ الغيظ من نوب الليالى وما يحفلن بالحنق المغيظ(2) وأرجو الرزق من خرق دقيق يسد بسلك حرمان غليظ(3) وأرجع ليس في كفى منه سوى عض اليدين على الحظوظ
---
(1) عبارة د:(ليست كمخالطة المحدود)، وبها يستقيم المعنى ايضا.
(2) ديوانه 1: 453.
(3) في الديوان:(من خرت)، والخرت: الثقب.
---

[58]
(228)
الأصل:
وقال عليه السلام في قوله عز وجل:(إن الله يامر بالعدل والاحسان)(1): العدل الانصاف، والاحسان التفضل.
الشرح:
هذا تفسير صحيح اتفق عليه المفسرون كافه، وإنما دخل الندب تحت الامر لان له صفة زائدة على حسنه، وليس كالمباح الذى لا له صفة زائدة على حسنه.
وقال الزمخشري، العدل هو الواجب، لان الله عز وجل عدل فيه على عباده، فجعل ما فرضه عليهم منه واقعا تحت طاقتهم، والاحسان الندب، وإنما علق أمره بهما جميعا، لان الفرض لا بد أن يقع فيه تفريط، فيجبره الندب، ولذلك قال رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) لانسان علمه الفرائض فقال: والله لا زدت فيها ولا نقصت منها:(أفلح إن صدق)، فعقد الفلاح بشرط الصدق والسلامة من التفريط، وقال صلى الله عليه وآله:(إستقيموا، ولن تحصوا)، فليس ينبغى أن يترك ما يجبر كسر التفريط من النوافل(2).
ولقائل أن يقول إن كان إنما سمى الواجب عدلا لانه داخل تحت طاقة المكلف فليسم الندب عدلا لانه داخل تحت طاقة المكلف، وأما قوله: إنما أمر بالندب لانه يجبر ما وقع فيه التفريط من الواجب، فلا يصح على مذهبه، وهو من أعيان المعتزلة لانه لو جبرت النافلة بالتفريط في الواجب لكانت واجبة مثله، وكيف يقول الزمخشري هذا ومن قول مشايخنا إن تارك صلاة واحدة من الفرائض لو صلى مائة الف ركعة من النوافل لم يكفر ثوابها عقاب ترك تلك الصلاة!
---
(1) سورة النحل 50.
(2) تفسير الكشاف 2: 490.
---

[59]
(229)
الأصل:
وقال عليه السلام: من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة.
قال الرضى رحمه الله تعالى: ومعنى ذلك أن ما ينفقه المرء من ماله في سبيل الخير والبر وإن كان يسيرا فإن الله تعالى يجعل الجزاء عليه عظيما كثيرا، واليدان هاهنا عبارة(1) عن النعمتين ففرق عليه السلام بين نعمة العبد ونعمة الرب ذكره، بالقصيرة والطويلة، فجعل تلك قصيرة وهذه طويلة، لان نعم الله أبدا تضعف على نعم المخلوقين أضعافا كثيرة، إذ كانت نعم الله أصل النعم كلها، فكل نعمة إليها ترجع، ومنها تنزع.
الشرح:
هذا الفصل قد شرحه الرضى رحمه الله، فأغنى عن التعرض بشرحه.
---
(1) في ب:(عبارتان) تحريف.
---

[60]
(230)
الأصل:
وقال عليه السلام لابنه الحسن: لا تدعون إلى مبارزة، فإن دعيت إليها فأجب، فإن الداعي إليها باغ، والباغى مصروع.
الشرح:
[مثل من شجاعه على] قد ذكر عليه السلام الحكمة، ثم ذكر العلة، وما سمعنا انه عليه السلام دعا إلى مبارزة قط، وإنما كان يدعى هو بعينه، أو يدعو من يبارز، فيخرج إليه فيقتله، دعا بنو ربيعة بن عبد بن شمس بنى هاشم إلى البراز يوم بدر، فخرج عليه السلام فقتل الوليد واشترك هو وحمزة عليه السلام في قتل عتبة، ودعا طلحة بن أبى طلحة إلى البراز يوم أحد، فخرج إليه فقتله، ودعا مرحب إلى البراز يوم خيبر فخرج إليه فقتله.
فأما الخرجة التى خرجها يوم الخندق الى عمرو بن عبد ود فإنها أجل من أن يقال جليلة، وأعظم من أن يقال عظيمة، وما هي إلا كما قال شيخنا أبو الهذيل وقد سأله سائل: أيما أعظم منزلة عند الله على أم أبو بكر؟ فقال: يا بن أخى، والله لمبارزة على عمرا يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والانصار وطاعاتهم كلها وتربى عليها فضلا عن أبى بكر وحده.
وقد روى عن حذيفة بن اليمان ما يناسب هذا، بل ما هو أبلغ منه، روى قيس بن الربيع عن أبى هارون العبدى، عن ربيعة بن مالك السعدى، قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت: يا أبا عبد الله، إن الناس يتحدثون(1) عن على بن أبى طالب ومناقبه، فيقول لهم أهل
---
(1) ب:(يستحدثون) تحريف.
---

[61]
البصيرة: إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل، فهل أنت محدثي بحديث عنه أذكره للناس؟ فقال يا ربيعة، وما الذى تسألني عن على، وما الذى أحدثك عنه! والذى نفس حذيفة بيده لو وضع جميع أعمال أمة محمد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) في كفه الميزان منذ بعث الله تعالى محمدا إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل واحد من أعمال على في الكفة الاخرى لرجح على أعمالهم كلها، فقال ربيعة: هذا المدح الذى لا يقام له ولا يقعد ولا يحمل، إنى لاظنه إسرافا يا أبا عبد الله! فقال حذيفة: يا لكع، وكيف لا يحمل! وأين كان المسلمون يوم الخندق وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه فملكهم الهلع والجزع، ودعا إلى المبارزة فأحجموا عنه حتى برز إليه على فقتله! والذى نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم اعظم أجرا من أعمال أمة محمد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) إلى هذا اليوم وإلى أن تقوم القيامة.
وجاء في الحديث المرفوع:(إن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) قال ذلك اليوم حين برز إليه:(برز الايمان كله إلى الشرك كله).
وقال أبو بكر بن عياش: لقد ضرب على بن أبى طالب عليه السلام ضربة ما كان في الاسلام أيمن منها ضربته عمرا يوم الخندق، ولقد ضرب على ضربة ما كان في الاسلام أشام منها - يعنى ضربة ابن ملجم لعنه الله.
وفي الحديث المرفوع أن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) لما بارز على عمرا ما زال رافعا يديه مقمحا(1) رأسه نحو السماء، داعيا ربه قائلا: اللهم إنك أخذت منى عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم أحد، فاحفظ على اليوم عليا،(رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين)(2).
وقال جابر بن عبد الله الانصاري: والله ما شبهت يوم الاحزاب، قتل على عمرا
---
(1) أقمح رأسه: كشفها.
(2) سورة الانبياء 49.
---

[62]
وتخاذل المشركين بعده، إلا بما قصه الله تعالى من قصة طالوت وجالوت في قوله:(فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت)(1).
وروى عمرو بن أزهر، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن أن عليا عليه السلام لما قتل عمرا احتز رأسه وحمله فألقاه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقام أبو بكر وعمر فقبلا رأسه، ووجه رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) يتهلل، فقال: هذا النصر! أو قال: هذا أول النصر.
وفي الحديث المرفوع إن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) قال يوم قتل عمرو:(ذهبت ريحهم، ولا يغزوننا بعد اليوم، ونحن نغزوهم إن شاء الله).
[قصة غزوة الخندق] وينبغى أن نذكر ملخص هذه القصة من مغازى الواقدي وابن إسحاق، قالا خرج عمرو بن عبد ود يوم الخندق وقد كان شهد بدرا فارتث(2) جريحا، ولم يشهد أحدا، فحضر الخندق شاهرا سيفه(3) معلما، مدلا بشجاعته وباسه، وخرج معه ضرار بن الخطاب الفهرى وعكرمة بن أبى جهل وهبيرة بن ابى وهب ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميون، فطافوا بخيولهم على الخندق اصعادا وانحدارا، يطلبون موضعا ضيقا يعبرونه، حتى وقفوا على أضيق موضع فيه في المكان المعروف بالمزار، فاكرهوا خيولهم على العبور فعبرت، وصاروا مع المسلمين على أرض واحدة ورسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) جالس وأصحابه قيام على رأسه، فتقدم عمرو بن عبد ود فدعا
---
(1) سورة البقرة 251.
(2) ارتثت: حمل من المعركة جريحا وبه رمق.
(3) ب:(نفسه) تحريف.
---

[63]
إلى البراز مرارا، فلم يقم إليه أحد، فلما أكثر، قام على عليه السلام فقال: أنا أبارزه يا رسول الله، فأمره بالجلوس، وأعاد عمرو النداء و الناس سكوت كان على رؤوسهم الطير، فقال عمرو: أيها الناس، إنكم تزعمون أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار، أفما يحب أحدكم أن يقدم على الجنة أو يقدم عدوا له إلى النار! فلم يقم إليه أحد، فقام على عليه السلام دفعة ثانية وقال أنا له يا رسول الله، فأمره بالجلوس، فجال عمرو بفرسه مقبلا ومدبرا، وجاءت عظماء الاحزاب فوقفت من وراء الخندق ومدت أعناقها تنظر، فلما رأى عمرو أن أحدا لا يجيبه، قال: ولقد بححت من الندا بجمعهم: هل من مبارز! ووقفت مذ جبن المشيع موقف القرن المناجز إنى كذلك لم أزل متسرعا قبل الهزاهز إن الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائز فقام على عليه السلام فقال: يا رسول الله، إئذن لى في مبارزته، فقال: ادن، فدنا فقلده سيفه، و عممه بعمامته، وقال: امض لشانك، فلما انصرف قال:(اللهم اعنه عليه)، فلما قرب منه قال له مجيبا إياه عن شعره: لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة يرجو بذاك نجاة فائز إنى لامل أن أقيم عليك نائحة الجنائز من ضربة فوهاء يبقى ذكرها عند الهزاهز فقال عمرو: من أنت! وكان عمرو شيخا كبيرا قد جاوز الثمانين، وكان نديم أبى طالب بن عبد المطلب في الجاهلية، فانتسب على عليه السلام له وقال: أنا على بن أبى طالب، فقال: أجل، لقد كان أبوك نديما لى وصديقا، فارجع فإنى لا أحب أن
---

[64]
أقتلك - كان شيخنا أبو الخير مصدق بن شبيب النحوي يقول إذا مررنا في القراءة عليه بهذا الموضع والله ما أمره بالرجوع إبقاء عليه، بل خوفا منه، فقد عرف قتلاه ببدر وأحد، وعلم أنه إن ناهضه قتله، فاستحيا أن يظهر الفشل، فاظهر الابقاء والارعاء، وإنه لكاذب فيهما - قالوا فقال له على عليه السلام: لكنى أحب أن اقتلك، فقال: يا بن أخى، إنى لاكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، فارجع وراءك خير لك، فقال على: إن قريشا تتحدث عنك إنك قلت: لا يدعوني أحد إلى ثلاث إلا أجبت ولو إلى واحدة منها، قال: اجل، فقال على عليه السلام: فإنى ادعوك إلى الاسلام، قال: دع عنك هذه، قال: فإنى أدعوك إلى أن ترجع بمن تبعك من قريش إلى مكة، قال: إذن تتحدث نساء قريش عنى أن غلاما خدعني، قال: فإنى ادعوك إلى البراز، فحمى عمرو وقال: ما كنت اظن أن أحدا من العرب يرومها منى، ثم نزل فعقر فرسه - وقيل ضرب وجهه ففر - وتجاولا، فثارت لهما غبرة وارتهما عن العيون، إلى أن سمع الناس التكبير عاليا من تحت الغبرة، فعلموا أن عليا قتله، وانجلت الغبرة عنهما، وعلى راكب صدره يحز رأسه، وفر أصحابه ليعبروا الخندق، فظفرت بهم خيلهم إلا نوفل بن عبد الله، فإنه قصر فرسه، فوقع في الخندق، فرماه المسلمون بالحجارة، فقال: يا معاشر الناس، قتله أكرم من هذه، فنزل إليه على عليه السلام فقتله، وأدرك الزبير هبيرة بن أبى وهب فضربه فقطع ثفر(1) فرسه وسقطت درع كان حملها من ورائه، فأخذها الزبير، وألقى عكرمة رمحه، وناوش عمر بن الخطاب ضرار بن عمرو، فحمل عليه ضرار حتى إذا وجد عمر مس الرمح رفعه عنه، وقال: إنها لنعمة مشكورة، فاحفظها يا بن الخطاب، إنى كنت آليت ألا تمكنني يداى من قتل قرشي فاقتله.
وانصرف ضرار راجعا إلى أصحابه، وقد كان جرى له معه مثل هذه في يوم أحد.
وقد ذكر هاتين القصتين معا محمد بن عمر الواقدي في كتاب المغازى(2)
---
(1) الثفر: السير في مؤخر السرج.
(2) وانظر سيرة ابن هشام 3: 241.
---

[65]
(231)
الأصل:
خيار خصال النساء شرار خصال الرجال: الزهو والجبن والبخل، فإذا كانت المرأة مزهوة لم تمكن من نفسها، وإذا كانت بخيلة حفظت مالها ومال بعلها، وإذا كانت جبانة فرقت من كل شئ يعرض لها.
الشرح:
أخذ هذا المعنى الطغرائي شاعر العجم فقال: الجود والاقدام في فتيانهم والبخل في الفتيات والاشفاق والطعن في الاحداق داب رماتهم والراميات سهاما الاحداق وله: قد زاد طيب أحاديث الكرام بها ما بالكرائم من جبن ومن بخل.
وفي حكمة أفلاطون من أقوى الاسباب في محبة الرجل لامرأته واتفاق ما بينهما أن يكون صوتها دون صوته بالطبع، وتميزها دون تميزه، وقلبها اضعف من قلبه، فإذا زاد من هذا عندها شئ على ما عند الرجل تنافرا على مقداره.
وتقول زهى الرجل علينا فهو مزهو، إذا افتخر، وكذلك نخى فهو منخو، من النخوة، ولا يجوز زها(1) إلا في لغة ضعيفة.
وفرقت: خافت.
والفرق: الخوف.
---
(1) عن ابن السكيت.
---

[66]
(232)
الأصل:
وقيل له عليه السلام صف لنا العاقل، فقال هو الذى يضع الشئ مواضعه.
فقيل: فصف لنا الجاهل، قال: قد قلت.
قال الرضى رحمه الله تعالى: يعنى أن الجاهل هو الذى لا يضع الشئ مواضعه، فكأن ترك صفته صفه له، إذ كان بخلاف وصف العاقل.
الشرح:
هذا مثل الكلام الذى تنسبه العرب إلى الضب.
قالوا اختصمت الضبع والثعلب إلى الضب، فقالت الضبع يا أبا الحسل(1) إنى التقطت تمرة، قال: طيبا جنيت، قالت: وإن هذا أخذها منى، قال: حظ نفسه أحرز، قالت: فإنى لطمته، قال: كريم حمى حقيقته، قالت: فلطمني، قال: حر انتصر، قالت: اقض بيننا، قال: قد فعلت.
---
(1) الحسل: ولد الضب.
---

[67]
(233)
الأصل:
والله لدنياكم هذه أهون في عينى من عراق خنزير في يد مجذوم الشرح:
العراق جمع عرق، وهو العظم عليه شئ من اللحم، وهذا من الجموع النادرة، نحو رخل ورخال وتوأم وتؤام(1) ولا يكون شئ أحقر ولا أبغض إلى الانسان من عراق خنزير في يد مجذوم، فإنه لم يرض بأن يجعله في يد مجذوم - وهو غاية ما يكون من التنفير - حتى جعله عراق خنزير.
ولعمري لقد صدق - وما زال صادقا - ومن تأمل سيرته في حالتى خلوه من العمل وولايته الخلافة عرف صحة هذا القول.
---
(1) ب:(تنام) تحريف.
---

[68]
(234)
الأصل:
إن قوما عبدوا الله رغبه فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الاحرار.
الشرح:
هذا مقام جليل تتقاصر عنه قوى أكثر البشر، وقد شرحناه فيما تقدم، وقلنا: إن العبادة لرجاء الثواب تجارة ومعاوضة، وإن العبادة لخوف العقاب لمنزلة من يستجدى لسلطان قاهر يخاف سطوته.
وهذا معنى قوله:(عبادة العبيد)، أي خوف السوط والعصا، وتلك ليس عبادة نافعة، وهى كمن يعتذر إلى إنسان خوف أذاه ونقمته، لا لان ما يعتذر منه قبيح لا ينبغى له فعله، فأما العبادة لله تعالى شكرا لانعمه فهى عبادة نافعة، لان العبادة شكر مخصوص، فإذا أوقعها على هذا الوجه فقد أوقعها الموقع الذى وضعت عليه.
فأما أصحابنا المتكلمون فيقولون: ينبغى أن يفعل الانسان الواجب لوجه وجوبه، ويترك القبيح لوجه قبحه، وربما قالوا: يفعل الواجب لانه واجب، ويترك القبيح لانه قبيح، والكلام في هذا الباب مشروح مبسوط(1) في الكتب الكلامية.
---
(1) ساقطة من ا.
---

[69]
(235)
الأصل:
المرأة شر كلها، وشر ما فيها إنه لا بد منها.
الشرح:
حلف إنسان عند بعض الحكماء إنه ما دخل بابى شر قط، فقال الحكيم: فمن أين دخلت امرأتك! وكان يقال أسباب فتنة النساء ثلاثه: عين ناظرة، وصورة مستحسنة، وشهوة قادرة، فالحكيم من لا يردد النظرة حتى يعرف حقائق الصورة، ولو أن رجلا رأى امرأة فأعجبته ثم طالبها فامتنعت، هل كان إلا تاركها! فإن تأبى عقله عليه في مطالبتها كتأبيها عليه في مساعفتها قدع(1) نفسه عن لذته قدع الغيور إياه عن حرمة مسلم.
وكان يقال من أتعب نفسه في الحلال من النساء لم يتق إلى الحرام منهن كالطليح(2) مناه أن يستريح.
---
(1) قدع نفسه: منعها وحد من شهوتها.
(2) الطليح: المتعب.
---

[70]
(236)
الأصل:
من أطاع التوانى ضيع الحقوق، ومن أطاع الواشى ضيع الصديق.
الشرح:
قد تقدم الكلام في التوانى والعجز، وتقدم أيضا الكلام في الوشاية والسعاية.
ورفع إلى كسرى أبرويز إن النصارى الذين يحضرون باب الملك يعرفون بالتجسس الى ملك الروم، فقال: من لم يظهر له ذنب لم يظهر منا عقوبة له.
ورفع إليه أن بعض الناس ينكر إصغاء الملك إلى أصحاب الاخبار، فوقع هؤلاء بمنزله مداخل الضياء إلى البيت المظلم، وليس لقطع مواد النور مع الحاجة إليه وجه عند العقلاء.
قال أبو حيان: أما الاصل في التدبير فصحيح، لان الملك محتاج الى الاخبار، لكن الاخبار تنقسم إلى ثلاثة أوجه: خبر يتصل بالدين، فالواجب عليه أن يبالغ ويحتاط في حفظه وحراسته وتحقيقه ونفى القذى عن طريقه وساحته.
وخبر يتصل بالدولة ورسومها، فينبغي أن يتيقظ في ذلك خوفا من كيد ينفذ، وبغى يسرى.
وخبر يدور بين الناس في منصرفهم وشأنهم وحالهم، متى زاحمتهم فيه اضطغنوا
---

[71]
عليك، وتمنوا زوالى ملكك، وأرصدوا العداوة لك، وجهروا الى عدوك وفتحوا له باب الحيلة إليك.
وإنما لحق الناس من هذا الخبر هذا العارض، لان في منع الملك إياهم عن تصرفاتهم وتتبعه لهم في حركاتهم، كربا على قلوبهم، ولهيبا في صدورهم، ولا بد لهم في الدهر الصالح والزمان المعتدل، والخصب المتتابع، والسبيل الامن، والخير المتصل، من فكاهة وطيب واسترسال وأشر وبطر، وكل ذلك من آثار النعمة الدارة، والقلوب القارة، فإن أغضى الملك بصره على هذا القسم عاش محبوبا، وإن تنكر لهم فقد استاسدهم أعداء.
والسلام.
---

[72]
(237)
الأصل:
الحجر الغصب في الدار رهن على خرابها.
قال الرضى رحمه الله تعالى: وقد روى ما يناسب هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عجب أن يشتبه الكلامان فإن مستقاهما من قليب، ومفرغهما من ذنوب! الشرح:
الذنوب الدلو الملاى، ولا يقال لها وهى فارغه ذنوب، ومعنى الكلمة أن الدار المبنية بالحجارة المغصوبة ولو بحجر واحد، لا بد أن يتعجل خرابها، وكأنما ذلك الحجر رهن على حصول التخرب، أي كما أن الرهن لا بد أن يفتك، كذلك لا بد لما جعل ذلك الحجر رهنا عليه أن يحصل.
وقال ابن بسام لابي على بن مقلة لما بنى داره بالزاهر ببغداد من الغصب وظلم الرعية: بجنبك داران مهدومتان ودارك ثالثة تهدم فليت السلامة للمنصفين دامت فكيف لمن يظلم.
---

[73]
والداران دار أبى الحسن بن الفرات، ودار محمد بن داود بن الجراح.
وقال فيه أيضا: قل لابن مقلة مهلا لا تكن عجلا فإنما أنت في أضغاث احلام تبنى بأنقاض دور الناس مجتهدا دارا ستنقض ايضا بعد ايام(1) وكان ما تفرسه ابن بسام فيه حقا، فإن داره نقضت حتى سويت بالارض في أيام الراضي بالله.
---
(1) تنقض: تقوض وتهدم.
---

[74]
(238)
الأصل:
يوم المظلوم على الظالم، أشد من يوم الظالم على المظلوم.
الشرح:
قد تقدم الكلام في الظلم مرارا.
وكان يقال أذكر عند الظلم عدل الله تعالى فيك، وعند القدرة قدرة الله تعالى عليك.
وإنما كان يوم المظلوم على الظالم أشد من يومه على المظلوم لان ذلك اليوم يوم الجزاء الكلى، والانتقام الاعظم، وقصارى(1) أمر الظالم في الدنيا أن يقتل غيره فيميته ميتة واحدة، ثم لا سبيل له بعد أماتته إلى أن يدخل عليه ألما آخر، وأما يوم الجزاء فإنه يوم لا يموت الظالم فيه فيستريح(2)، بل عذابه دائم متجدد، نعوذ بالله من سخطه وعقابه!
---
(1) ا:(وقصر).
(2) ا:(لا يستريح فيه الظالم).
---

[75]
(239)
الأصل:
إتق الله بعض التقى وإن قل، واجعل بينك وبين الله سترا وإن رق.
الشرح:
يقال في المثل ما لا يدرك كله لا يترك كله.
فالواجب على من عسرت عليه التقوى بأجمعها أن يتقى الله في البعض، وأن يجعل بينه وبينه سترا وإن كان رقيقا.
وفى أمثال العامة: اجعل بينك وبين الله روزنة(2)، والروزنة لفظة صحيحة معربة، أي لا تجعل ما بينك وبينه مسدودا مظلما بالكلية.
---
(1) في اللسان:(الروزنة: الكوة، وفى المحكم: الخرق في أعلى السقف.
وعن التهذيب: يقال للكوة النافذة الروزن، قال وأحسبه معربا.
---

[76]
(240)
الأصل:
إذا ازدحم الجواب، خفى الصواب الشرح:
هذا نحو أن يورد الانسان إشكالا في بعض المسائل النظرية بحضرة جماعة من أهل النظر، فيتغالب القوم ويتسابقون إلى الجواب عنه، كل منهم يورد ما خطر له.
فلا ريب أن الصواب يخفى حينئذ، وهذه الكلمة في الحقيقة امر للناظر البحاث أن يتحرى الانصاف في بحثه ونظره مع رفيقه، وألا يقصد المراء(1) ولمغالبة والقهر.
---
(1) المراء: الجدال.
---

[77]
(241)
الأصل:
إن لله تعالى في كل نعمة حقا، فمن أداه زاده منها، ومن قصر فيه خاطر بزوال نعمته.
الشرح:
قد تقدم الكلام في هذا المعنى.
وجاء في الخبر: من أوتى نعمة فادى حق الله منها برد اللهفة، وإجابه الدعوة وكشف المظلمة، كان جديرا بدوامها [ومن قصر قصر به](1).
---
(1) تكملة من د.
---

[78]
(242)
الأصل:
إذا كثرت المقدرة قلت الشهوة(1).
الشرح:
هذا مثل قولهم كل مقدور عليه مملول، ومثل قول الشاعر.
* وكل كثير عدو الطبيعة *.
ومثل قول الاخر: وأخ كثرت عليه حتى ملنى والشئ مملول إذا هو يرخص يا ليته إذ باع ودى باعه ممن يزيد عليه لا من ينقص.
ولهذا الحكم عله في العلم العقلي، وذلك أن النفس عندهم غنية بذاتها، مكتفية بنفسها، غير محتاجة إلى شئ خارج عنها، وإنما عرضت لها الحاجة والفقر إلى ما هو خارج عنها لمقارنتها الهيولى، وذلك أن أمر الهيولى بالضد من أمر النفس في الفقر والحاجة، ولما كان الانسان مركبا من النفس والهيولى عرض له الشوق إلى تحصيل العلوم والقنيات(2) لانتفاعه بهما، والتذاذه بحصولهما، فأما العلوم فإنه يحصلها في شبيه بالخزانة، له يرجع إليها متى شاء، ويستخرج منها ما أراد، اعني القوى النفسانية التى هي محل الصور والمعاني على ما هو مذكور في موضعه.
وأما القنيات والمحسوسات
---
(1) د:(المشورة).
(2) القنيات: جمع قنية، بالضم والكسر: ما اكتسبه الانسان.
---

[79]
فإنه يروم منها مثل ما يروم من تلك، وأن يودعها خزانة محسوسة خارجة عن ذاته، لكنه يغلط في ذلك من حيث يستكثر منها، إلى أن يتنبه بالحكمة على ما ينبغى أن يقتنى منها، وإنما حرص على ما منع لان الانسان إنما يطلب ما ليس عنده، لان تحصيل الحاصل محال، والطلب إنما يتوجه الى المعدوم، لا إلى الموجود، فإذا حصله سكن وعلم أنه قد ادخره، ومتى رجع إليه وحده إن كان مما يبقى بالذات، خزنه وتشوق إلى شئ آخر منه، ولا يزال كذلك إلى أن يعلم أن الجزئيات لا نهاية لها وما لا نهاية له، فلا مطمع في تحصيله، ولا فائدة في النزوع إليه، ولا وجه لطلبه سواء كان معلوما أو محسوسا، فوجب أن يقصد من المعلومات إلى الاهم ومن المقتنيات إلى ضرورات البدن ومقيماته، ويعدل عن الاستكثار منها، فإن حصولها كلها مع انها لا نهايه لها غير ممكن، وكلما فضل عن الحاجة وقدر الكفاية فهو مادة الاحزان والهموم، وضروب المكاره.
والغلط في هذا الباب كثير، وسبب ذلك طمع الانسان في الغنى من معدن الفقر، لان الفقر هو الحاجة، والغنى هو الاستقلال، إلى أن يحتاج إليه، ولذلك قيل: إن الله تعالى غنى مطلقا، لانه غير محتاج البتة، فأما من كثرت قنياته فإنه يستكثر حاجاته بحسب كثرة قنياته، وعلى قدرها رغبة إلى الاستكثار بكثرة وجوه فقره و، قد بين ذلك في شرائع الانبياء، وأخلاق الحكماء، فأما الشئ الرخيص الموجود كثيرا فانما يرغب عنه، لانه معلوم أنه إذا التمس وجد والغالي فإنما يقدر عليه في الاحيان ويصيبه الواحد بعد الواحد، وكل إنسان يتمنى أن يكون ذلك الواحد ليصيبه وليحصل له ما لا يحصل لغيره.
---

[80]
(243)
الأصل:
إحذروا نفار النعم، فما كل شارد بمردود.
الشرح:
هذا أمر بالشكر على النعمة وترك المعاصي، فإن المعاصي تزيل النعم كما قيل: إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم وقال بعض السلف: كفران النعمة بوار، وقلما أقلعت نافرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر، واستدم راهنها بكرم الجوار، ولا تحسب أن سبوغ ستر الله عليك غير متقلص عما قليل عنك إذا أنت لم ترج لله وقارا.
وقال أبو عصمه: شهدت سفيان وفضيلا(1) فما سمعتهما يتذاكران إلا النعم، يقولان: أنعم الله سبحانه علينا بكذا، وفعل بنا كذا.
وقال الحسن(2): إذا استوى يوماك فأنت ناقص، قيل له: كيف ذاك؟ قال: إن زادك الله اليوم نعما فعليك أن تزداد غدا له شكرا.
وكان يقال الشكر جنة(3) من الزوال، وأمنة من الانتقال.
وكان يقال إذا كانت النعمة وسيمة فاجعل الشكر لها تميمة(4).
---
(1) هو فضيل بن عياض.
(2) هو الحسن البصري.
(3) جنة: وقاية.
(4) التميمة: العوذة.
---

[81]
(244)
الأصل:
الكرم أعطف من الرحم.
الشرح:
مثل هذا المعنى قول أبى تمام لابن الجهم: ألا يكن نسب يؤلف بيننا أدب اقمناه مقام الوالد(1) أو يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد ومن قصيدة لى في بعض أغراضي: ووشائج الاداب عاطفة الفضلاء فوق وشائج النسب(2)
---
(1) ديوانه 1: 407، وقبله: إن يكد مطرف الاخاء فإننا نعدو ونسرى في إخاء تالد(2) في الاصول:(الانساب)، ولا يستقيم الوزن.
---

[82]
(245)
الأصل:
من ظن بك خيرا فصدق ظنه.
الشرح:
هذا قد تقدم في وصيته عليه السلام لولده الحسن.
ومن كلام بعضهم: إنى لاستحيى أن يأتيني الرجل يحمر وجهه تارة من الخجل، أو يصفر اخرى من خوف الرد قد ظن بى الخير وبات عليه وغدا على أن أرده(1) خائبا.
---
(1) ا:(يرد).
---

[83]
(246)
الأصل:
أفضل الاعمال ما أكرهت نفسك عليه.
الشرح:
لا ريب أن الثواب على قدر المشقة، لانه كالعوض عنها(1)، كما أن العوض الحقيقي عوض عن الالم، ولهذا قال صلى الله عليه وآله:(أفضل العبادة أحمزها)(2).
أي اشقها.
---
(1) ا:(منها).
(2) نقله ابن الاثير 1: 258 قال: يقال: رجل حامز الفؤاد وحميزه، أي شديد.
---

[84]
(247)
الأصل:
عرفت الله سبحانه بفسخ العزائم، وحل العقود، ونقض الهمم.
الشرح:
هذا أحد الطرق الى معرفه البارئ سبحانه، وهو أن يعزم الانسان على أمر، ويصمم رأيه عليه، ثم لا يلبث أن يخطر الله تعالى بباله خاطرا صارفا له عن ذلك الفعل، ولم يكن في حسابه، أي لو لا أن في الوجود(1) ذاتا مدبرة لهذا العالم لما خطرت الخواطر التى لم تكن محتسبة، وهذا فصل يتضمن كلاما دقيقا يذكره المتكلمون في الخاطر الذى يخطر من غير موجب لخطوره، فإنه لا يجوز أن يكون الانسان أخطره بباله، وإلا لكان ترجيحا من غير مرجح لجانب الوجود على جانب العدم، فلا بد أن يكون المخطر له بالبال شيئا خارجا عن ذات الانسان، وذاك هو الشئ المسمى بصانع العالم.
وليس هذا الموضع مما يحتمل استقصاء القول في هذا المبحث.
ويقال أن عضد الدولة وقعت في يده قصة وهو يتصفح القصص، فأمر بصلب صاحبها ثم أتبع الخادم خادما آخر يقول له قل للمطهر - وكان وزيره - لا يصلبه، ولكن أخرجه من الحبس فاقطع يده اليمنى، ثم أتبعه خادما ثالثا، فقال: بل تقول له يقطع أعصاب رجليه، ثم أتبعه خادما آخر فقال له: ينقله إلى القلعة بسيراف في قيوده فيجعله هناك، فاختلفت دواعيه في ساعة واحدة أربع مرات.
---
(1) في ب:(الجود) تحريف.
---

[85]
(248)
الأصل:
مرارة الدنيا حلاوة الاخرة، وحلاوة الدنيا مرارة الاخرة.
الشرح:
لما كانت الدنيا(1) ضد الاخرة، وجب أن يكون أحكام هذه ضد أحكام هذه، كالسواد يجمع البصر والبياض يفرق البصر، والحرارة توجب الخفة، والبرودة توجب الثقل، فإذا كان في الدنيا أعمال هي مرة المذاق على الانسان قد ورد الشرع بإيجابها فتلك الافعال تقتضي(2) وتوجب لفاعلها ثوابا حلو المذاق في الاخرة.
وكذاك بالعكس ما كان من المشتهيات الدنياويه التى قد نهى الشرع عنها توجب، - وإن كانت حلوة المذاق - مرارة العقوبة في الاخرة.
---
(1) ا:(الحياة الدنيا ضد الحياة الاخرة).
(2) ا:(تقضى).
---

[86]
(249)
الأصل:
فرض الله الايمان تطهيرا من الشرك، والصلاة تنزيها عن الكبر، والزكاة تسبيبا للرزق، والصيام ابتلاء لاخلاص الخلق، والحج تقوية للدين، والجهاد عزا للاسلام، والامر بالمعروف مصلحة للعوام، والنهى عن المنكر ردعا للسفهاء، وصلة الرحم منماة للعدد، والقصاص حقنا للدماء، وإقامة الحدود إعظاما للمحارم، وترك شرب الخمر تحصينا للعقل، ومجانبة السرقة إيجابا للعفة، وترك الزنا تحصينا للنسب، وترك اللواط تكثيرا للنسل، والشهادات استظهارا على المجاحدات، وترك الكذب تشريفا للصدق، والسلام أمانا من المخاوف، والامانة نظاما للامة، والطاعة تعظيما للامامة.
الشرح:
هذا الفصل يتضمن بيان تعليل العبادات إيجابا وسلبا.
قال عليه السلام: فرض الله الايمان تطهيرا من الشرك، وذلك لان الشرك نجاسة حكمية لا عينية، وأى شئ يكون أنجس من الجهل أو أقبح! فالايمان هو تطهير القلب من نجاسة ذلك الجهل.
وفرضت الصلاة تنزيها من الكبر، لان الانسان يقوم فيها قائما، والقيام مناف للتكبر وطارد له، ثم يرفع يديه بالتكبير وقت الاحرام بالصلاة فيصير على هيئه من يمد عنقه ليوسطه السياف، ثم يستكتف كما يفعله العبيد الاذلاء بين يدى
---

[87]
السادة العظماء، ثم يركع على هيئه من يمد عنقه ليضربها السياف، ثم يسجد فيضع أشرف اعضائه وهو جبهته على أدون المواضع وهو التراب.
ثم تتضمن الصلاة من الخضوع والخشوع والامتناع من الكلام والحركة الموهمة لمن رآها أن صاحبها خارج عن الصلاة، وما في غضون الصلاة من الاذكار المتضمنة الذل والتواضع لعظمة الله تعالى.
وفرضت الزكاة تسبيبا للرزق، كما قال الله تعالى:(وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه)(1)، وقال(من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له)(2).
وفرض الصيام ابتلاء لاخلاص الخلق، قال النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) حاكيا عن الله تعالى:(الصوم لى وأنا أجزى به)، وذلك لان الصوم أمر لا يطلع عليه أحد، فلا يقوم به على وجهه إلا المخلصون.
وفرض الحج تقويه للدين، وذلك لما يحصل للحاج في ضمنه من المتاجر والمكاسب، قال الله تعالى:(ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعام)(3).
وإيضا فان المشركين كانوا يقولون لو لا أن أصحاب محمد كثير وأولو قوة لما حجوا، فإن الجيش الضعيف يعجز عن الحج من المكان البعيد.
وفرض الجهاد عزا للاسلام، وذلك ظاهر، قال الله تعالى:(و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا)(4)، وقال سبحانه:(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)(5).
---
(1) سورة سبأ 39.
(2) سورة الحديد 11.
(3) سورة الحج 28.
(4) سورة الحج 40.
(5) سورة الانفال 60.
---

[88]
وفرض الامر بالمعروف مصلحة للعوام، لان الامر بالعدل والانصاف ورد الودائع، وأداء الامانات إلى أهلها، وقضاء الديون، والصدق في القول، وإيجاز الوعد، وغير ذلك من محاسن الاخلاق، مصلحة للبشر عظيمة لا محالة.
وفرض النهى عن المنكر ردعا للسفهاء، كالنهي عن الظلم والكذب والسفه، وما يجرى مجرى ذلك.
وفرضت صلة الرحم منماة للعدد، قال النبي صلى الله عليه وآله:(صلة الرحم تزيد في العمر وتنمى العدد).
وفرض القصاص حقنا للدماء، قال سبحانه:(ولكم في القصاص حياة يا أولى الالباب)(1).
وفرضت إقامة الحدود إعظاما للمحارم، وذلك لانه إذا أقيمت الحدود امتنع كثير من الناس عن المعاصي التى تجب الحدود فيها، وظهر عظم تلك المعاصي عند العامة فكانوا إلى تركها أقرب.
وحرم شرب الخمر تحصينا للعقل، قال قوم لحكيم: اشرب الليله معنا، فقال: أنا لا أشرب ما يشرب عقلي، وفى الحديث المرفوع(أن ملكا ظالما خير إنسانا بين أن يجامع أمه أو يقتل نفسا مؤمنة أو يشرب الخمر حتى يسكر، فرأى أن الخمر أهونها، فشرب حتى سكر، فلما غلبه قام إلى أمه فوطئها، وقام إلى تلك النفس المؤمنة فقتلها)، ثم قال عليه السلام:(الخمر جماع الاثم، الخمر أم المعاصي).
وحرمت السرقة إيجابا للعفة، وذلك لان العفة خلق شريف، والطمع خلق دنئ، فحرمت السرقه ليتمرن الناس على ذلك الخلق الشريف، ويجانبوا ذلك الخلق الذميم، وأيضا حرمت لما في تحريمها من تحصين أموال الناس.
---
(1) سورة البقرة 179.
---

[89]
وحرم الزنا تحصينا للنسب، فإنه يفضى إلى اختلاط المياه واشتباه الانساب، وألا ينسب احد بتقدير ألا يشرع النكاح إلى أب، بل يكون نسب الناس إلى أمهاتهم، وفي ذلك قلب الحقيقة، وعكس الواجب، لان الولد مخلوق من ماء الاب، وإنما الام وعاء وظرف.
وحرم اللواط تكثيرا للنسل، وذلك اللواط بتقدير استفاضته بين الناس والاستغناء به عن النساء يفضى إلى انقطاع النسل والذرية، وذلك خلاف ما يريد الله تعالى من بقاء هذا النوع الشريف الذى ليس في الانواع مثله في الشرف، لمكان النفس الناطقة التى هي نسخة ومثال للحضرة الالهية، ولذلك سمت الحكماء الانسان العالم الصغير.
وحرم الاستمناء باليد وإتيان البهائم للمعنى الذى لاجله حرم اللواط، وهو تقليل النسل، ومن مستحسن الكلمات النبويه قوله عليه السلام في الاستمناء باليد:(ذلك الوأد الخفى) لان الجاهلية كانت تئد البنات أي تقتلهن خنقا، وقد قدمنا ذكر سبب ذلك، فشبه عليه السلام إتلاف النطفة التى هي ولد بالقوة بإتلاف الولد بالفعل.
وأوجبت الشهادات على الحقوق استظهارا على المجاحدات، قال النبي صلى الله عليه وآله:(لو أعطى الناس بدعاويهم لاستحل قوم من قوم دماءهم وأموالهم)، ووجب ترك الكذب تشريفا للصدق، وذلك لان مصلحة العامة إنما تتم وتنتظم بالصدق، فإن الناس يبنون اكثر أمورهم في معاملاتهم على الاخبار، فإنها أعم من العيان والمشاهدة، فإذا لم تكن صادقة وقع الخطأ في التدبيرات، وفسدت أحوال الخلق.
وشرع رد السلام أمانا من المخاوف، لان تفسير قول القائل(سلام عليكم) أي لا حرب بينى وبينكم بل بينى وبينكم السلام، وهو الصلح.
---

[90]
وفرضت الامامة نظاما للامة، وذلك لان الخلق لا يرتفع الهرج والعسف والظلم والغضب والسرقة عنهم إلا بوازع قوى، وليس يكفى في امتناعهم قبح القبيح، ولا وعيد الاخرة، بل لا بد لهم من سلطان قاهر ينظم مصالحهم، فيردع ظالمهم، ويأخذ على أيدى سفهائهم.
وفرضت الطاعة تعظيما للامامة، وذلك لان أمر الامامة لا يتم إلا بطاعة الرعية، وإلا فلو عصت الرعية إمامها لم ينتفعوا بإمامته ورئاسته عليهم
---

[91]
(250)
الأصل:
وكان عليه السلام يقول: احلفوا الظالم إذا أردتم يمينه بإنه برئ من حول الله وقوته، فإنه إذا حلف بها كاذبا عوجل، وإذا حلف بالله الذى لاإاله إلا هو لم يعاجل، لانه قد وحد الله سبحانه وتعالى.
الشرح:
[ما جرى بين يحيى بن عبد الله وبين ابن المصعب عند الرشيد] روى أبو الفرج على بن الحسين الاصبهاني في كتاب مقاتل الطالبيين إن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن على بن أبى طالب عليه السلام لما أمنه الرشيد بعد خروجه بالديلم وصار إليه بالغ في إكرامه وبره، فسعى به بعد مدة عبد الله بن مصعب الزبيري إلى الرشيد - وكان يبغضه - وقال له: إنه قد عاد يدعو إلى نفسه سرا، وحسن له نقض أمانه، فأحضره وجمع بينه وبين عبد الله بن مصعب ليناظره فيما قذفه به ورفعه عليه فجبهه ابن مصعب بحضرة الرشيد، وادعى عليه الحركة في الخروج وشق العصا، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، أتصدق هذا على وتستنصحه، وهو ابن عبد الله بن الزبير، الذى أدخل أباك عبد الله وولده الشعب، وأضرم عليهم النار حتى خلصه(1) أبو عبد الله الجدلي، صاحب على بن أبى طالب عليه السلام منه عنوة، وهو الذى ترك الصلاة على
---
(1) مقاتل الطالبيين:(تخلصه).
---

[92]
رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) وأربعين جمعة في خطبته، فلما التاث عليه الناس قال: إن له أهيل سوء إذا صليت عليه أو ذكرته أتلعوا اعناقهم واشرأبوا لذكره، فأكره أن أسرهم أو أقر أعينهم(1)، وهو الذى كان يشتم أباك ويلصق به العيوب حتى ورم كبده، ولقد ذبحت بقرة يوما لابيك فوجدت كبدها سوداء قد نقبت، فقال على ابنه: أما ترى كبد هذه البقرة يا أبت! فقال: يا بنى هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك، ثم نفاه إلى الطائف، فلما حضرته الوفاة قال لابنه على: يا بنى إذا مت فالحق بقومك من بنى عبد مناف بالشام، ولا تقم في بلد لابن الزبير فيه أمره، فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبد الله بن الزبير، ووالله إن عداوة هذا يا أمير المؤمنين لنا جميعا بمنزله سواء، ولكنه قوى على بك، وضعف عنك، فتقرب بى إليك ليظفر منك بى بما يريد، إذا لم يقدر على مثله منك، وما ينبغى لك أن تسوغه ذلك في، فإن معاوية بن أبى سفيان وهو أبعد نسبا منك إلينا ذكر الحسن بن على يوما فسبه، فساعده عبد الله بن الزبير على ذلك، فزجره وانتهره، فقال: إنما ساعدتك يا أمير المؤمنين، فقال: إن الحسن لحمى آكله ولا أوكله.
ومع هذا فهو الخارج مع أخى محمد على أبيك المنصور أبى جعفر، والقائل لاخى في قصيدة طويلة أولها إن الحمامة يوم الشعب من وثن(2) هاجت فؤاد محب دائم الحزن يحرض أخى فيها على الوثوب والنهوض إلى الخلافة، ويمدحه ويقول له لا عز ركنا نزار عند سطوتها إن أسلمتك ولا ركنا ذوى يمن ألست أكرمهم عودا إذا انتسبوا يوما وأطهرهم ثوبا من الدرن!
---
(1) مقاتل الطالبيين:(فلا أحب أن أقر عينهم بذكره).
---

[93]
وأعظم الناس عند الناس منزلة وأبعد الناس من عيب ومن وهن! قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتها أن الخلافة فيكم يا بنى حسن إنا لنأمل أن ترتد الفتنا بعد التدابر والبغضاء والاحن حتى يثاب على الاحسان محسننا ويأمن الخائف المأخوذ بالدمن وتنقضي دولة أحكام قادتها فينا كأحكام قوم عابدي وثن فطالما قد بروا بالجور أعظمنا برى الصناع قداح النبع بالسفن.
فتغير وجه الرشيد عند سماع هذا الشعر، وتغيظ على ابن مصعب، فابتدأ ابن مصعب يحلف بالله الذى لا إله إلا هو وبأيمان البيعة إن هذا الشعر ليس له، وإنه لسديف، فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين ما قاله غيره، وما حلفت كاذبا ولا صادقا بالله قبل هذا، وإن الله عز وجل إذا مجده العبد في يمينه فقال: والله الطالب الغالب الرحمن الرحيم إستحيا أن يعاقبه، فدعني أن أحلفه بيمين ما حلف بها احد قط كاذبا إلا عوجل قال، فحلفه، قال: قل: برئت من حول الله وقوته، واعتصمت بحولى وقوتى، وتقلدت الحول والقوة من دون الله، استكبارا على الله واستعلاء عليه، واستغناء عنه إن كنت قلت هذا الشعر! فامتنع عبد الله من الحلف بذلك فغضب الرشيد، وقال للفضل بن الربيع يا عباسي ما له لا يحلف إن كان صادقا! هذا طيلسانى على، وهذه ثيابي لو حلفني بهذه اليمين إنها لى لحلفت.
فوكز الفضل عبد الله برجله و - كان له فيه هوى - وقال له احلف ويحك! فجعل يحلف بهذه اليمين، ووجهه متغير، وهو يرعد، فضرب يحيى بين كتفيه، وقال: يا بن مصعب، قطعت عمرك، لا تفلح بعدها أبدا! قالوا فما برح من موضعه حتى عرض له أعراض الجذام، استدارت عيناه،
---

[94]
وتفقا وجهه، وقام إلى بيته فتقطع وتشقق لحمه وانتثر شعره، ومات بعد ثلاثة أيام، وحضر الفضل بن الربيع جنازته، فلما جعل في القبر انخسف اللحد به حتى خرجت منه غبرة شديدة، وجعل الفضل يقول التراب التراب! فطرح التراب وهو يهوى، فلم يستطيعوا سده حتى سقف بخشب، وطم عليه، فكان الرشيد يقول بعد ذلك للفضل أرأيت يا عباسي ما أسرع، ما أديل ليحيى(1) من ابن مصعب(2)!
---
(1) ب:(من يحيى).
(2) مقاتل الطالبيين 474 - 478.
---

[95]
(251)
الأصل:
يا بن آدم، كن وصى نفسك، واعمل في مالك ما تؤثر أن يعمل فيه من بعدك.
الشرح:
لا ريب أن الانسان يؤثر أن يخرج ماله بعد موته في وجوه البر والصدقات والقربات ليصل ثواب ذلك إليه، لكنه يضن بإخراجه وهو حى في هذه الوجوه لحبه العاجلة وخوفه من الفقر والحاجة إلى الناس في آخر العمر، فيقيم وصيا يعمل ذلك في ماله بعد موته.
وأوصى أمير المؤمنين عليه السلام الانسان أن يعمل في ماله وهو حى ما يؤثر أن يجعل فيه وصية بعد موته، وهذه حالة لا يقدر عليها(1) إلا من أخذ التوفيق بيده.
---
(1) ا:(عليها أحد).
---

[96]
(252)
الأصل:
الحدة ضرب من الجنون، لان صاحبها يندم، فإن لم يندم فجنونه مستحكم.
الشرح:
كان يقال الحدة كنية الجهل.
وكان يقال لا يصح لحديد رأى، لان الحدة تصدئ العقل كما يصدئ الخل المرآة، فلا يرى صاحبه فيه صورة حسن فيفعله، ولا صورة قبيح فيجتنبه.
وكان يقال أول الحدة جنون وآخرها ندم.
وكان يقال لا تحملنك الحدة على اقتراف الاثم، فتشفى غيظك، وتسقم دينك.
---

[97]
(253)
الأصل:
صحة الجسد من قلة الحسد.
الشرح:
معناه أن القليل الحسد لا يزال معافى في بدنه، والكثير الحسد يمرضه ما يجده في نفسه من مضاضة المنافسة، وما يتجرعه من الغيظ، ومزاج البدن يتبع أحوال النفس.
قال المأمون: ما حسدت أحدا قط إلا أبا دلف على قول الشاعر فيه إنما الدنيا أبو دلف بين بادية ومحتضرة(1) فإذا ولى أبو دلف ولت الدنيا على أثره.
وروى أبو الفرج الاصبهاني عن عبدوس بن أبى دلف قال: حدثنى أبى، قال: قال لى المأمون: يا قاسم، أنت الذى يقول فيك على بن جبلة * إنما الدنيا أبو دلف * البيتين، فقلت مسرعا وما ينفعني ذلك يا أمير المؤمنين مع قوله في أبا دلف، يا أكذب الناس كلهم سواى فانى في مديحك اكذب
---
(1) الاغانى 8: 255.
---

[98]
ومع قول بكر بن النطاح في أبا دلف أن الفقير بعينه لمن يرتجى جدوى يديك ويأمله أرى لك بابا مغلقا متمنعا إذا فتحوه عنك فالبؤس داخله كأنك طبل هائل الصوت معجب خلى من الخيرات تعس مداخله وأعجب شئ فيك تسليم أمره عليك على طنز وإنك قابله قال: فلما انصرفت قال المأمون لمن حوله: لله دره! حفظ هجاء نفسه حتى انتفع به عندي، وأطفأ لهيب المنافسة.
---

[99]
(254)
الأصل:
وقال عليه السلام لكميل بن زياد النخعي: يا كميل، مر أهلك أن يروحوا في كسب المكارم، ويدلجوا في حاجة من هو نائم، فو الذى وسع سمعه الاصوات، ما من أحد أودع قلبا سرورا إلا و خلق الله له من ذلك السرور لطفا، فإذا نزلت به نائبة جرى إليها كالماء في انحداره، حتى يطردها عنه كما تطرد غريبة الابل.
الشرح:
قال عمرو بن العاص لمعاوية: ما بقى من لذتك؟ فقال: ما من شئ يصيبه الناس من اللذة إلا وقد أصبته حتى مللته، فليس شئ عندي اليوم ألذ من شربه ماء بارد في يوم صائف، ونظرى إلى بنى وبناتي يدرجون حولي، فما بقى من لذتك أنت؟ فقال: أرض اغرسها وآكل ثمرتها، لم يبق لى لذة غير ذلك.
فالتفت معاوية إلى وردان غلام عمرو، فقال: فما بقى من لذتك يا وريد؟ فقال: سرور أدخله قلوب الاخوان، وصنائع أعتقدها في أعناق الكرام، فقال معاوية لعمرو: تبا لمجلسي ومجلسك! لقد غلبنى وغلبك هذا العبد، ثم قال: يا وردان، أنا أحق بهذا منك، قال: قد أمكنتك(1) فافعل.
---
(1) في(أمكنك).
---

[100]
فإن قلت: السرور عرض، فكيف يخلق الله تعالى منه لطفا؟ قلت: من هاهنا هي مثل(من) في قوله:(ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الارض يخلفون)(1)، أي عوضا منكم.
ومثله فليت لنا من ماء زمزم شربة مبردة باتت على طهيان(2) أي ليت لنا شربة مبردة باتت على طهيان، وهو اسم جبل بدلا وعوضا من ماء زمزم.
---
(1) سورة الزخرف 60.
(2) البيت للاحول الكندى - اللسان طها.
---

[101]
(255)
الأصل:
إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة.
الشرح:
قد تقدم القول في الصدقة.
وقالت الحكماء: أفضل العبادات الصدقة، لان نفعها يتعدى، ونفع الصلاة والصوم لا يتعدى.
وجاء في الاثر أن عليا عليه السلام عمل ليهودي في سقى نخل له في حياة رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) بمد من شعير، فخبزه قرصا، فلما هم أن يفطر عليه، أتاه سائل يستطعم، فدفعه إليه، وبات طاويا وتاجر الله تعالى بتلك الصدقة، فعد الناس هذه الفعلة من أعظم السخاء، وعدوها أيضا من أعظم العبادة.
وقال بعض شعراء الشيعة يذكر إعادة الشمس عليه، وأحسن فيما قال: جاد بالقرص والطوى ملء جنبيه وعاف الطعام وهو سغوب(1) فأعاد القرص المنير عليه القرص والمقرض الكرام كسوب(2)
---
(1) السغوب: الجائع.
(2) في د(والقرض للكرام)، وهو وجه أيضا.
---

[102]
(256)
الأصل:
الوفاء لاهل الغدر غدر عند الله، والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله.
الشرح:
معناه أنه إذا اعتيد من العدو أن يغدر ولا يفى بأقواله وإيمانه وعهوده، لم يجز الوفاء له، ووجب أن ينقض عهوده ولا يوقف مع العهد المعقود بيننا وبينه، فإن الوفاء لمن هذه حاله ليس بوفاء عند الله تعالى، بل هو كالغدر في قبحه، والغدر بمن هذه(1) حاله ليس بقبيح، بل هو في الحسن كالوفاء لمن يستحق الوفاء عند الله تعالى.
---
(1) ا:(ذلك).
---

[103]
(257)
الأصل:
كم من مستدرج بالاحسان إليه، ومغرور بالستر عليه، ومفتون بحسن القول فيه، وما ابتلى الله سبحانه أحدا بمثل الاملاء له.
قال الرضى رحمه الله تعالى: وقد مضى هذا الكلام فيما تقدم، إلا أن فيه هاهنا زيادة جيدة.
الشرح:
قد تقدم الكلام في الاستدراج والاملاء.
وقال بعض الحكماء: احذر النعم المتواصلة إليك أن تكون استدراجا، كما يحذر المحارب من اتباع عدوه في الحرب إذا فر من بين يديه من الكمين، وكم من عدو فر مستدرجا، ثم إذ هو عاطف وكم من ضارع في يديك ثم إذ هو خاطف.
---

[104]
(258)
الأصل:
ومن كلامه عليه السلام المتضمن الفاظا من الغريب تحتاج إلى تفسير قوله عليه السلام في حديثه: فإذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه، فيجتمعون إليه كما يجتمع قزع الخريف.
قال الرضى رحمه الله تعالى: يعسوب الدين: السيد العظيم المالك لامور الناس يومئذ، والقزع: قطع الغيم التى لا ماء فيها.
الشرح:
أصاب في اليعسوب، فأما القزع فلا يشترط فيها أن تكون خالية من الماء، بل القزع قطع من السحاب رقيقة سواء كان فيها ماء أو لم يكن، الواحدة قزعه بالفتح، وإنما غره قول الشاعر يصف جيشا بالقلة والخفة * كان رعاله قزع الجهام(1) *.
وليس يدل ذلك على ما ذكره، لان الشاعر أراد المبالغة، فإن الجهام الذى لا ماء فيه إذا كان أقطاعا متفرقة خفيفة، كان ذكره أبلغ فيما يريده من التشبيه، وهذا الخبر من أخبار الملاحم التى كان يخبر بها عليه السلام، وهو يذكر فيه المهدى الذى يوجد عند أصحابنا في آخر الزمان.
ومعنى قوله:(ضرب بذنبه) اقام وثبت بعد
---
(1) ب:(الهجام) تصحيف.
---

[105]
اضطرابه، وذلك لان اليعسوب فحل النحل وسيدها، وهو أكثر زمانه طائر بجناحيه، فإذا ضرب بذنبه الارض فقد أقام وترك الطيران والحركة.
فإن قلت: فهذا يشبه مذهب الامامية في أن المهدى خائف مستتر ينتقل في الارض، وإنه يظهر آخر الزمان ويثبت ويقيم في دار ملكه.
قلت: لا يبعد على مذهبنا أن يكون الامام المهدى الذى يظهر في آخر الزمان مضطرب الامر، منتشر الملك في أول أمره لمصلحة يعلمها الله تعالى، ثم بعد ذلك يثبت ملكه، وتنتظم اموره.
وقد وردت لفظة اليعسوب عن أمير المؤمنين عليه السلام في غير هذا الموضع، قال يوم الجمل لعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وقد مر به قتيلا:(هذا يعسوب قريش)، أي سيدها.
---

[106]
(259)
الأصل:
وفي حديثه - عليه السلام: هذا الخطيب الشحشح.
قال: يريد الماهر بالخطبة، الماضي فيها، وكل ماض في كلام أو سير فهو شحشح.
والشحشع في غير هذا الموضع: البخيل الممسك.
الشرح:
قد جاء الشحشح بمعنى الغيور، والشحشح بمعنى الشجاع، والشحشح بمعنى المواظب على الشئ الملازم له، والشحشح: الحاوى، ومثله الشحشحان.
وهذه الكلمة قالها على عليه السلام لصعصعة بن صوحان العبدى رحمه الله، وكفى صعصعة بها فخرا أن يكون مثل على عليه السلام يثنى عليه بالمهارة وفصاحة اللسان، وكان صعصعة من أفصح الناس، ذكر ذلك شيخنا أبو عثمان الجاحظ(1)
---
(1) البيان والتبيين 1: 97.
---

[107]
(260)
الأصل:
ومنه: إن للخصومة قحما.
قال: يريد بالقحم المهالك، لانها تقحم اصحابها في المهالك والمتالف في الاكثر فمن ذلك قحمة الاعراب، وهو أن تصيبهم السنة فتتفرق اموالهم، فذلك تقحمها فيهم.
وقيل فيه وجه آخر، وهو أنها تقحمهم بلاد الريف، أي تحوجهم الى دخول الحضر عند محول البدو.
الشرح:
أصل هذا البناء للدخول في الامر على غير روية ولا تثبت، قحم الرجل في الامر بالفتح قحوما، وأقحم فلان فرسه البحر فانقحم، واقتحمت أيضا البحر دخلته مكافحة، وقحم الفرس فارسه تقحيما على وجهه، إذا رماه، وفحل مقحام، أي يقتحم الشول من غير إرسال فيها.
وهذه الكلمة قالها أمير المؤمنين حين وكل عبد الله بن جعفر في الخصومة عنه، وهو شاهد.
وأبو حنيفة لا يجيز الوكالة على هذه الصورة، ويقول: لا تجوز إلا من غائب أو مريض، وأبو يوسف ومحمد يجيزانها أخذا بفعل أمير المؤمنين عليه السلام.
---

[108]
(261)
الأصل:
ومنه: إذا بلغ النساء نص الحقاق فالعصبة أولى.
قال: ويروى(نص الحقائق)، والنص منتهى الاشياء ومبلغ أقصاها كالنص في السير لانه أقصى ما تقدر عليه الدابة، ويقال نصصت الرجل عن الامر إذا استقصيت مسألته لتستخرج ما عنده فيه، ونص الحقائق يريد به الادراك، لانه منتهى الصغر، والوقت الذى يخرج منه الصغير إلى حد الكبر، وهو من أفصح الكنايات عن هذا الامر وأغربها، يقول فإذا بلغ النساء ذلك فالعصبة أولى بالمرأة من أمها إذا كانوا محرما مثل الاخوة والاعمام، وبتزويجها إن أرادوا ذلك.
والحقاق: محاقة الام للعصبة في المرأة، وهو الجدال، والخصومة، وقول كل واحد منهما للاخر: أنا أحق منك بهذا، يقال منه: حاققته حقاقا، مثل جادلته جدالا.
قال: وقد قيل إن نص الحقاق بلوغ العقل وهو الادراك، لانه عليه السلام إنما أراد منتهى الامر الذى تجب به الحقوق والاحكام.
قال: ومن رواه(نص الحقائق) فإنما أراد جمع حقيقة، هذا معنى ما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام.
قال: والذى عندي أن المراد بنص الحقاق هاهنا بلوغ المرأة إلى الحد الذى يجوز فيه تزويجها وتصرفها في حقوقها، تشبيها بالحقاق من الابل، وهى جمع حقة وحق، وهو الذى استكمل ثلاث سنين ودخل في الرابعة، وعند ذلك يبلغ إلى الحد الذى يمكن فيه من ركوب ظهره ونصه في سيره، والحقائق أيضا: جمع حقة،
---

[109]
فالروايتان جميعا ترجعان إلى مسمى واحد، وهذا أشبه بطريقة العرب من المعنى المذكور أولا.
الشرح:
أما ما ذكره أبو عبيد فإنه لا يشفى الغليل، لانه فسر معنى النص، ولم يفسر معنى نص الحقائق، بل قال: هو عبارة عن الادراك، لانه منتهى الصغر، والوقت الذى يخرج منه الصغير إلى حد الكبر، ولم يبين من أي وجه يدل لفظ نص الحقاق على ذلك، ولا اشتقاق الحقاق وأصله، ليظهر من ذلك مطابقة اللفظ للمعنى الذى أشير إليه.
فاما قوله:(الحقاق هاهنا مصدر حاقة يحاقه)، فلقائل أن يقول إن كان هذا هو مقصوده عليه السلام فقبل الادراك يكون الحقاق ايضا، لان كل واحدة من القرابات تقول للاخرى: أنا أحق بها منك، فلا معنى لتخصيص ذلك بحال البلوغ، إلا أن يزعم زاعم أن الام قبل البلوغ لها الحضانة، فلا ينازعها قبل البلوغ في البنت أحد ولكن في ذلك خلاف كثير بين الفقهاء.
وأما التفسير الثاني، وهو أن المراد بنص الحقاق منتهى الامر الذى تجب به الحقوق فإن أهل اللغة لم ينقلوا عن العرب إنها استعملت الحقاق في الحقوق، ولا يعرف هذا في كلامهم.
فأما قوله:(ومن رواه نص الحقائق)، فإنما أراد جمع حقيقة، فلقائل أن يقول وما معنى الحقائق إذا كانت جمع حقيقة هاهنا؟ وما معنى أضافة(نص) إلى(الحقائق) جمع حقيقة، فان أبا عبيدة لم يفسر ذلك مع شدة الحاجة إلى تفسيره! وأما تفسير الرضى - رحمه الله - فهو اشبه من تفسير أبى عبيدة، إلا أنه قال في آخره:
---

[110]
والحقائق أيضا جمع حقه، فالروايتان ترجعان إلى معنى واحد.
وليس الامر على ما ذكر من أن الحقائق جمع حقة، ولكن الحقائق جمع حقاق، والحقاق جمع حق، وهو ما كان من الابل ابن ثلاث سنين، وقد دخل في الرابعة، فاستحق أن يحمل عليه وينتفع به، فالحقائق إذن جمع الجمع لحق لا لحقه، ومثل أفال وأفائل.
قال: ويمكن أن يقال: الحقاق هاهنا الخصومة، يقال ما له فيه حق ولا حقاق أي ولا خصومة، ويقال لمن ينازع في صغار الاشياء إنه لبرق الحقاق، أي خصومته في الدنئ من الامر، فيكون المعنى إذا بلغت المرأة الحد الذى يستطيع الانسان فيه الخصومة والجدال فعصبتها أولى بها من أمها، والحد الذى تكمل فيه المرأة والغلام للخصومة والحكومة والجدال والمناظرة هو سن البلوغ.
---

[111]
(262)
الأصل:
ومنه: أن الايمان يبدو لمظة في القلب، كلما ازداد الايمان ازدادت اللمظة.
قال: اللمظة مثل النكته أو نحوها من البياض، ومنه قيل: فرس المظ إذا كان بجحفلته شئ من البياض.
الشرح:
قال أبو عبيدة: هي لمظة بضم اللام، والمحدثون يقولون لمظة بالفتح، والمعروف من كلام العرب الضم، مثل الدهمة والشهبة والحمرة.
قال: وقد رواه بعضهم(لمطة) بالطاء المهملة، وهذا لا نعرفه.
قال: وفي هذا الحديث حجة على من أنكر أن يكون الايمان يزيد وينقص(1)، ألا تراه يقول كلما ازداد الايمان ازدادت اللمظة.
---
(1) ا:(أو ينقص).
---

[112]
(263)
الأصل:
ومنه: أن الرجل إذا كان له الدين الظنون يجب عليه أن يزكيه لما مضى إذا قبضه.
قال الظنون: الذى لا يعلم صاحبه أيقضيه من الذى هو عليه أم لا، فكأنه الذى يظن به ذلك، فمرة يرجوه، ومرة لا يرجوه، وهو من أفصح الكلام، وكذلك كل أمر تطلبه ولا تدرى على أي شئ أنت منه فهو ظنون، وعلى ذلك قول الاعشى: من يجعل الجد الظنون الذى جنب صوب اللجب الماطر(1) مثل الفراتي إذا ما طما يقذف بالبوصى والماهر والجد: البئر العادية في الصحراء.
والظنون: التى لا يعلم هل فيها ماء أم لا الشرح:
قال أبو عبيدة: في هذا الحديث من الفقه إن من كان له دين على الناس فليس عليه أن يزكيه حتى يقبضه، فإذا قبضه زكاة لما مضى، وإن كان لا يرجوه، قال: وهذا يرده قول من قال: إنما زكاته على الذى عليه المال، لانه(2) المنتفع به، قال:
---
(1) ديوانه 141.
(2) ا:(لانه الذى ينتفع به).
---

[113]
وكما يروى عن إبراهيم، والعمل عندنا على قول على عليه السلام، فأما ما ذكره الرضى من أن الجد هي البئر العادية في الصحراء، فالمعروف عند أهل اللغة أن الجد البئر التى تكون في موضع كثير الكلا، ولا تسمى البئر العادية في الصحراء الموات جدا، وشعر الاعشى لا يدل على ما فسره الرضى، لانه انما شبه علقمة بالبئر والكلا، يظن أن فيها ماء لمكان الكلا، ولا يكون موضع الظن هذا هو مراده ومقصوده، ولهذا قال: الظنون، ولو كانت عادية في بيداء مقفرة لم تكن ظنونا، بل كان يعلم انه لا ماء فيها، فسقط عنها اسم الظنون.
---

[114]
(264) اللاصل: ومنه: إنه شيع جيشا يغزيه فقال: اعزبوا عن النساء ما استعطتم.
ومعناه اصدفوا عن ذكر النساء وشغل القلوب بهن، وامتنعوا من المقاربة لهن، لان ذلك يفت في عضد الحمية، ويقدح في معاقد العزيمة، ويكسر عن العدو، ويلفت عن الابعاد في الغزو، فكل من امتنع من شئ فقد اعزب عنه، والعازب والعزوب: الممتنع من الاكل والشرب.
الشرح:
التفسير صحيح، لكن قوله:(من امتنع من شئ فقد أعزب عنه) ليس بجيد، والصحيح(فقد عزب عنه) ثلاثى، والصواب: وكل من منعته من شئ فقد أعزبته عنه تعديه بالهمزة، كما تقول أقمته وأقعدته، والفعل ثلاثى قام وقعد، والدليل على أن الماضي ثلاثى هاهنا.
قوله:(والعازب والعزوب: الممتنع من الاكل والشرب، ولو كان رباعيا لكان(المعزب) وهو واضح، وعلى هذا تكون الهمزة في أول الحرف همزة وصل مكسورة، كما في(اضربوا) لان المضارع يعزب بالكسر.
---

[115]
(265)
الأصل:
ومنه: كالياسر الفالج، ينتظر أول فوزه من قداحه.
قال: الياسرون هم الذين يتضاربون بالقداح على الجزور، والفالج: القاهر الغالب، يقال: قد فلج عليهم وفلجهم، قال الراجز: * لما رأيت فالجا قد فلجا * الشرح:
أول الكلام أن المرء المسلم ما لم يغش دناءة يخشع لها إذا ذكرت، ويغرى به لئام الناس، كالياسر الفالج ينتظر أول فوزه من قداحه، أو داعى الله، فما عند الله خير للابرار، يقول هو بين خيرتين: إما أن يصير ألى ما يحب من الدنيا، فهو بمنزلة صاحب القدح المعلى، وهو أوفرها نصيبا، أو يموت فما عند الله خير له وأبقى(1).
وليس يعنى بقوله: الفالج: القامر الغالب فسره الرضى رحمه الله، لان الياسر الغالب القامر لا ينتظر أول فوزه من قداحه، وكيف ينتظر وقد غلب! وأى حاجة له إلى الانتظار! ولكنه يعنى بالفالج الميمون النقيبة الذى له عادة مطردة أن يغلب، وقل أن يكون مقهورا.
---
(1) ا:(أبقى له).
---

[116]
(266)
الأصل:
ومنه: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه.
قال: معنى ذلك أنه إذا عظم الخوف من العدو، واشتد عضاض الحرب فزع المسلمون إلى قتال رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) بنفسه، فينزل الله تعالى النصر عليهم به، ويأمنون ما كانوا يخافونه بمكانه.
وقوله:(إذا احمر البأس): كناية عن اشتداد الامر، وقد قيل في ذلك أقوال، أحسنها أنه شبه حمى الحرب بالنار التى تجمع الحرارة والحمرة بفعلها ولونها، ومما يقوى ذلك قول الرسول (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) وقد رأى مجتلد الناس يوم حنين وهى حرب هوازن:(الان حمى الوطيس)، والوطيس: مستوقد النار، فشبه رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ما استحر من جلاد القوم باحتدام النار وشدة التهابها.
الشرح:
الجيد في تفسير هذا اللفظ أن يقال: البأس الحرب نفسها، قال الله تعالى:(والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس)(1)، وفى الكلام حذف مضاف تقديره
---
(1) سورة البقرة 177.
---

[117]
إذا احمر موضع الباس، وهو الارض التى عليها معركة القوم، واحمرارها لما يسيل عليها من الدم.
[نبذ من غريب كلام الامام على وشرحه لابي عبيد] ولما كان تفسير الرضى رحمه الله قد تعرض للغريب من كلامه عليه السلام، ورأينا إنه لم يذكر من ذلك إلا اليسير، آثرنا أن نذكر جملة من غريب كلامه عليه السلام مما نقله أرباب الكتب المصنفة في غريب الحديث عنه عليه السلام.
فمن ذلك ما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله في كتابه: لان أطلى بجواء قدر أحب إلى من أن أطلى بزعفران.
قال أبو عبيد: هكذا الرواية عنه:(بجواء قدر)، قال: وسمعت الاصمعي يقول إنما هي الجاوة، وهى الوعاء الذى يجعل القدر فيه وجمعها جياء.
قال: وقال أبو عمرو: يقال لذلك الوعاء جواء وجياء، قال: ويقال للخرقة التى ينزل بها الوعاء عن الاثافي جعال.
ومنها قوله عليه السلام حين أقبل يريد العراق فأشار إليه الحسن بن على عليه السلام أن يرجع: والله لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم حتى تخرج فتصاد.
قال أبو عبيد: قال الاصمعي: اللدم صوت الحجر، أو الشئ يقع على الارض، وليس بالصوت الشديد، يقال منه لدم الدم بالكسر، وإنما قيل ذلك للضبع، لانهم إذا أرادوا أن يصيدوها رموا في جحرها بحجر خفيف، أو ضربوا بأيديهم فتحسبه
---

[118]
شيئا تصيده فتخرج لتأخذه فتصاد، وهى زعموا أنها من أحمق الدواب، بلغ من حمقها أن يدخل عليها فيقال أم عامر نائمة، أو ليست هذه! و الضبع، هذه أم عامر فتسكت حتى تؤخذ، فأراد على عليه السلام: إنى لا أخدع كما تخذع الضبع باللدم.
ومنها قوله عليه السلام: من وجد في بطنه رزا فلينصرف و ليتوضا.
قال أبو عبيد: قال أبو عمرو: انما هو أرزأ مثل أرز الحية، وهو دورانها وحركتها، فشبه دوران الريح في بطنه بذلك.
قال: وقال الاصمعي: هو الرز، يعنى الصوت في البطن من القرقرة ونحوها قال الراجز: كأن في ربابه الكبار رز عشار جلن في عشار(1) وقال أبو عبيد: فقه هذا الحديث أن ينصرف فيتوضا ويبنى على صلاته ما لم يتكلم، وهذا إنما هو قبل أن يحدث.
قلت: والذى اعرفه من الارز إنه الانقباض لا الدوران والحركة، يقال أرز فلان بالفتح وبالكسر، إذ تضام وتقبض من بخله فهو أروز، والمصدر أرزا وأروزا، قال رؤبة: * فذاك يخال أروز الارز(2) * فاضاف الاسم إلى الصمدر كما يقال عمر العدل وعمرو الدهاء، لما كان العدل والدهاء أغلب احوالهما، وقال أبو الاسود الدؤلى يذم إنسانا إذا سئل أزر، وإذا دعى اهتز - يعنى إلى الطعام، وفي الحديث:(إن الاسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها) أي يجتمع إليها وينضم بعضه الى بعض فيها.
---
(1) اللسان(أرز)، ونسبه إلى رؤبة.
(2) اللسان(أرز).
---

[119]
ومنها قوله: لئن وليت بنى أمية لانفضنهم نفض القصاب التراب(1) الوذمة.
وقد تقدم منا شرح ذلك والكلام فيه.
ومنها قوله في ذى الثدية المقتول بالنهروان: إنه مودن اليد أو مثدن أو مخدج اليد.
قال أبو عبيدة: قال الكسائي وغيره: المودن اليد: القصير اليد، ويقال أودنت الشئ أي قصرته، وفيه لغة أخرى، ودنته فهو مودون، قال حسان يذم رجلا: وأمك سوداء مودونة كان أناملها الحنظب وأما مثدن اليد، بالثاء فان بعض الناس قال: نراه أخذه من الثندوة، وهى أصل الثدى، فشبه يده في قصرها واجتماعها بذلك، فإن كان من هذا فالقياس أن يقال مثند، لان النون قبل الدال في الثندوة، إلا أن يكون من المقلوب، فذاك كثير في كلامهم.
وأما مخدج اليد فإنه القصير اليد ايضا، أخذ من أخداج الناقة ولدها، وهو أن تضعه لغير تمام في خلقه، قال: وقال الفراء: إنما قيل ذو الثدية، فأدخلت الهاء فيها، وإنما هي تصغير(ثدى)، والثدى مذكر، لانها كأنها بقية ثدى قد ذهب أكثره فقللها كما تقول لحيمة وشحيمة، فانث على هذا التأويل، قال: وبعضهم يقول: ذو اليدية، قال أبو عبيد: ولا أرى الاصل كان إلا هذا، ولكن الاحاديث كلها تتابعت بالثاء ذو الثدية.
ومنها قوله عليه السلام لقوم وهو يعاتبهم: ما لكم لا تنظفون عذراتكم! قال العذرة: فناء الدار، وإنما سميت تلك الحاجة عذرة لانها بالافنية كانت تلقى،
---
(1) قال الاصمعي: سألني شعبة عن هذا الحرف، فقلت: ليس هو هكذا، إنما هو نفض القصاب الوذام: التربة.
والتربة: التى سقطت في التراب فتتربت، والقصاب ينفضها.
---

[120]
فكنى عنها بالعذرة كما كنى عنها بالغائط، وإنما الغائط الارض المطمئنة، وقال الحطيئة يهجو قوما: لعمري لقد جربتكم فوجدتكم فباح الوجوه سيئ العذرات.
ومنها قوله عليه السلام: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع.
قال أبو عبيد: التشريق هاهنا صلاة العيد، وسميت تشريقا لاضاءة وقتها، فإن وقتها إشراق الشمس وصفاؤها وإضاءتها، وفى الحديث المرفوع:(من ذبح قبل التشريق فليعد)، أي قبل صلاة العيد.
قال: وكان أبو حنيفة يقول: التشريق هاهنا هو التكبير في دبر الصلاة، يقول لا تكبير إلا على أهل الامصار تلك الايام، لا على المسافرين أو من هو في غير مصر.
قال أبو عبيد: وهذا كلام لم نجدا أحدا يعرفه، إن التكبير يقال له التشريق، وليس يأخذ به أحد من أصحابه لا أبو يوسف ولا محمد، كلهم يرى التكبير على المسلمين جميعا حيث كانوا في السفر و الحضر وفي الامصار وغيرها.
ومنها قوله عليه السلام:(استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة أصعل أصمع حمش الساقين قاعدا عليها وهى تهدم).
قال أبو عبيدة: هكذا يروى(أصعل) وكلام العرب المعروف(صعل) وهو الصغير الرأس، وكذا رءوس الحبشة، ولهذا قيل للظليم: صعل، وقال عنترة يصف ظليما: صعل يلوذ بذى العشيرة بيضة كالعبد ذى الفرو الطويل الاصلم
---

[121]
قال: وقد أجاز بعضهم أصعل في الصعل، وذكر إنها لغة لا أدرى عمن هي! والاصمع: الصغير الاذن، وامرأة صمعاء.
وفي حديث ابن عباس إنه كان لا يرى بأسا أن يضحى بالصمعاء.
وحمش الساقين بالتسكين: دقيقها.
ومنها: إن قوما أتوه برجل فقالوا إن هذا يؤمنا ونحن له كارهون، فقال له: إنك لخروط، اتؤم قوما هم لك كارهون! قال أبو عبيد الخروط: المتهور في الامور، الراكب برأسه جهلا، ومنه قيل انخرط علينا فلان، أي أندرا بالقول السيئ والفعل.
قال: وفقه هذا الحديث إنه ما أفتى عليه السلام بفساد صلاته لانه لم يامره بالاعادة، ولكنه كره له أن يؤم قوما هم له كارهون.
ومنها: أن رجلا اتاه وعليه ثوب من قهز، فقال: إن بنى فلان ضربوا بنى فلانه بالكناسة، فقال عليه السلام: صدقنى سن بكره.
قال أبو عبيد: هذا مثل تضربه العرب للرجل ياتي بالخبر على وجهه ويصدق فيه.
ويقال أن اصله إن الرجل ربما باع بعيره فيسأل المشترى عن سنه فيكذبه، فعرض رجل بكرا له فصدق في سنه، فقال الاخر: صدقنى سن بكره، فصار مثلا.
والقهز بكسر القاف: ثياب بيض يخالطها حرير، ولا أراها عربية، وقد استعملها العرب، قال ذو الرمة يصف البزاة البيض:
---

[122]
من الورق أو صق كان رؤوسها من القهز والقوهى بيض المقانع.
ومنها: ذكر عليه السلام آخر الزمان والفتن، فقال: خير أهل ذلك الزمان كل نومه، أولئك مصابيح الهدى، ليسوا بالمسابيح ولا المذاييع البذر.
وقد تقدم شرح ذلك.
ومنها: إن رجلا سافر مع أصحاب له فلم يرجع حين رجعوا، فاتهم أهله أصحابه ورفعوهم إلى شريح، فسألهم البينة على قتله، فارتفعوا إلى على عليه السلام، فأخبروه بقول شريح، فقال: اوردها سعد وسعد مشتمل يا سعد لا تروى بهذاك الابل ثم قال: إن أهون السقى التشريع، ثم فرق بينهم وسألهم، فاختلفوا، ثم أقروا بقتلهم، فقتلهم به.
قال أبو عبيد: هذا مثل، أصله إن رجلا أورد إبله ماء لا تصل إليه الابل إلا بالاستقاء، ثم اشتمل ونام وتركها لم يستسق لها، والكلمة الثانية مثل ايضا، يقول إن أيسر ما كان ينبغى أن يفعل بالابل أن يمكنها من الشريعة ويعرض عليها الماء.
يقول أقل ما كان يجب على شريح أن يستقصى في المسألة والبحث عن خبر الرجل ولا يقتصر على طلب البينة.
---

[123]
ومنها قوله، وقد خرج على الناس وهم ينتظرونه للصلاة قياما:(ما لى أراكم سامدين).
قال أبو عبيد: أي قائمين، وكل رافع رأسه فهو سامد، وكانوا يكرهون أن ينتظروا الامام قياما ولكن قعودا، والسامد في غير هذا الموضع: اللاهى اللاعب، ومنه قوله تعالى:(وأنتم سامدون)(1)، وقيل السمود الغناء بلغة حمير.
ومنها إنه خرج فرأى قوما يصلون قد سدلوا ثيابهم، فقال: كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم.
قال أبو عبيد: فهرهم بضم الفاء: موضع مدراسهم الذى يجتمعون فيه كالعيد يصلون فيه ويسدلون ثيابهم، وهى كلمة نبطية أو عبرانية أصلها بهر بالباء فعربت بالفاء.
والسدل إسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه بين يديه، فإن ضمه فليس بسدل، وقد رويت فيه الكراهة عن النبي صلى الله عليه وآله.
ومنها أن رجلا أتاه في فريضة وعنده شريح، فقال: أتقول أنت فيها أيها العبد الابظر! قال أبو عبيد: هو الذى في شفته العليا طول ونتوء في وسطها محاذى الانف.
قال: وإنما نراه قال لشريح:(أيها العبد)، لانه كان قد وقع عليه سبى في الجاهلية.
---
(1) سورة النجم 61.
---

[124]
ومنها إن الاشعث قال له وهو على المنبر: غلبتنا عليك هذه الحمراء، فقال عليه السلام: من يعذرني من هؤلاء الضياطرة، يتخلف أحدهم يتقلب على فراشه وحشاياه كالعير ويهجر هؤلاء للذكر! أأطردهم؟ إنى إن طردتهم لمن الظالمين، والله لقد سمعته يقول والله ليضربنكم على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا.
قال أبو عبيد: الحمراء: العجم والموالي، سموا بذلك لان الغالب على ألوان العرب السمرة، والغالب على الوان العجم البياض والحمرة.
والضياطرة: الضخام الذين لا نفع عندهم ولا غناء، واحدهم ضيطار.
ومنها: قوله عليه السلام: اقتلوا الجان ذا الطفيتين، والكلب الاسود ذا الغرتين.
قال أبو عبيد: الجان حيه بيضاء، والطفية في
الأصل:
خوصه المقل، وجمعها طفى، ثم شبهت الخطتان على ظهر الحية بطفيتين.
والغرة: البياض في الوجه.
[نبذ من غريب كلام الامام على وشرحه لابن قتيبة] وقد ذكر ابن قتيبة في غريب الحديث له عليه السلام كلمات أخرى: فمنها قوله: من أراد البقاء - ولا بقاء - فليباكر الغداء، وليخفف الرداء، وليقل غشيان النساء.
فقيل له يا أمير المؤمنين، وما خفة الرداء في البقاء؟ فقال: الدين.
---

[125]
قال ابن قتيبة: قوله:(الرداء الدين) مذهب في اللغة حسن جيد، ووجه صحيح، لان الدين أمانة، وأنت تقول هو لك على وفي عنقي حتى أؤديه إليك، فكان الدين لازم للعنق، والرداء موضعه صفحتا العنق، فسمى الدين رداء وكنى عنه به، وقال الشاعر: إن لى حاجة اليك فقالت بين أذنى وعاتقي ما تريد يريد بقوله:(بين أذنى وعاتقي ما تريد) في عنقي، والمعنى إنى قد ضمنته فهو على، وإنما قيل للسيف رداء لان حمالته تقع موقع الرداء، وهو في غير هذا الموضع العطاء، يقال فلان غمر الرداء أي واسع العطاء، قال: وقد يجوز أن يكون كنى بالرداء عن الظهر، لانه يقع عليه، يقول فليخفف ظهره ولا يثقله بالدين، كما قال الاخر:(خماص الازر)، يريد خماص البطون.
وقال: وبلغني نحو هذا الكلام عن أبى عبيد، قال: قال فقيه العرب: من سره النساء - ولا نساء - فليبكر العشاء، وليباكر الغداء، وليخفف الرداء، وليقل غشيان النساء قال: فالنسء التأخير، ومنه:(إنما النسئ زيادة في الكفر)(1).
وقوله: فليبكر العشاء، أي فليؤخره، قال الشاعر: * فأكريت العشاء الى سهيل * ويجوز أن يريد فلينقص العشاء، قال الشاعر: * والطل لم يفضل ولم يكر *.
---
(1) سورة التوبة 27.
---

[126]
ومنها: إنه أتى عليه السلام بالمال فكوم كومة من ذهب وكومة من فضة، فقال: يا حمراء ويا بيضاء أحمرى وأبيضى وغرى غيرى.
هذا جناى وخياره فيه وكل جان يده إلى فيه قال ابن قتيبة: هذا مثل ضربه، وكان الاصمعي يقوله(وهجانه فيه)، أي خالصه، وأصل المثل لعمرو بن عدى ابن أخت جذيمة الابرش، كان يجنى الكمأة مع أتراب له، فكان أترابه يأكلون ما يجدون، وكان عمرو يأتي به خاله ويقول هذا القول(1).
ومنها حديث أبى جاب قال: جاء عمى من البصرة يذهب بى وكنت عند أمي، فقالت: لا أتركك تذهب به، ثم أتت عليا عليه السلام فذكرت ذلك له، فجاء عمى من البصرة، فقال: نعم والله لاذهبن به وإن رغم أنفك، فقال على عليه السلام: كذبت والله، وولقت ثم ضرب بين يديه بالدرة.
قال: ولقت مثل كذبت وكذلك ولعت بالعين، وكانت عائشة تقرأ:(إذ تلقونه بالسنتكم)(2) وقال الشاعر: * وهن من الاحلاف والولعان(3) * يعنى النساء أي من أهل الاحلاف.
ومنها قوله عليه السلام: إن من ورائكم أمورا متماحلة ردحا وبلاء مكلحا مبلحا،
---
(1) ا:(الكلام).
(2) سورة النور 15.
(3) اللسان(ولع)، وصدره: * لخلابة العينين كذابة المنى *---

[127]
قال ابن قتيبة: المتماحلة الطوال: يعنى فتنا يطول أمرها ويعظم، ويقال رجل متماحل وسبسب متماحل، والردح جمع رداح، وهى العظيمة، يقال للكتيبة إذا عظمت: رداح، ويقال للمرأة العظيمة العجيزة: رداح.
قال: ومنه حديث أبى موسى، وقيل له زمن على ومعاوية: أهى أهى، فقال: إنما هذه الفتنة حيضه من حيضات الفتن، وبقيت الرداح المظلمة التى من أشرف أشرفت له.
ومكلحا أي يكلح الناس بشدتها، يقال كلح الرجل وأكلحه، الكلحة الهم.
والمبلح، من قولهم: بلح الرجل إذا انقطع من الاعياء، فلم يقدر على أن يتحرك، وأبلحه السير، وقال الاعشى: * واشتكى الاوصال منه وبلح(1) *.
ومنها قوله عليه السلام يوم خيبر: أنا الذى سمتن أمي حيدرة كليث غابات كريه المنظرة * أفيهم بالصاع كيل السندرة * قال ابن قتيبة: كانت أم على عليه السلام سمته وأبو طالب غائب حين ولدته أسدا بإسم أبيها أسد بن هاشم بن عبد مناف، فلما قدم أبو طالب غير إسمه وسماه عليا.
وحيدرة: إسم من إسماء الاسد، والسندرة شجرة يعمل منها القسى والنبل، قال: * حنوت لهم بالسندرى المؤثر * فالسندرة في الرجز يحتمل أن تكون مكيالا يتخذ من هذه الشجرة، سمى بإسمها كما يسمى القوس بنبعه.
قال: وأحسب إن كان الامر كذلك إن الكيل بها قد كان
---
(1) ديوانه 239، وصدره: * وإذا حمل عبئا بعضهم *---

[128]
جزافا فيه إفراط، قال: ويحتمل أن تكون السندرة هاهنا امرأة كانت تكيل كيلا وافيا أو رجلا.
ومنها قوله عليه السلام: من يطل أير أبيه يتمنطق به قال ابن قتيبة: هذا مثل ضربه، يريد من كثرت إخوته عز واشتد ظهره، وضرب المنطقة إذا كانت تشد الظهر مثلا لذلك، قال الشاعر: فلو شاء ربى كان أير أبيكم طويلا كأير الحارث بن سدوس(1) قيل كان للحارث بن سدوس أحد وعشرون ذكرا، وكان ضرار بن عمرو الضبى يقول ألا إن شر حائل أم، فزوجوا الامهات، وذلك إنه صرع، فأخذته الرماح، فاشتبك عليه إخوته لامه حتى خلصوه.
قال: فأما المثل الاخر وهو قولهم من يطل ذيله يتمنطق به، فليس من المثل الاول في شئ، وإنما معناه من وجد سعه وضعها في غير موضعها، وأنفق في غير ما يلزمه الانفاق فيه.
ومنها قوله: خير بئر في الارض زمزم، وشر بئر في الارض برهوت.
قال ابن قتيبة: هي بئر بحضرموت يروى أن فيها ارواح الكفار.
قال: وقد ذكر أبو حاتم عن الاصمعي عن رجل من أهل حضرموت قال: نجد فيها الرائحة المنتنة الفظيعة جدا، ثم نمكث حينا فيأتينا الخبر بان عظيما من عظماء الكفار قد مات، فنرى إن تلك الرائحة منه، قال: وربما سمع منها مثل أصوت الحاج، فلا يستطيع أحد أن يمشى بها.
---
(1) اللسان(نطق)، من غير نسبة.
---

[129]
ومنها قوله عليه السلام: إيما رجل تزوج امرأة مجنونة، أو جذماء، أو برصاء، أو بها قرن، فهى امرأته، إن شاء أمسك، وإن شاء طلق.
قال ابن قتيبة: القرن بالتسكين: العفلة الصغيرة، ومنه حديث شريح إنه اختصم إليه في قرن بجارية، فقال: أقعدوها فإن أصاب الارض فهو عيب، وإن لم يصب الارض فليس بعيب.
ومنها قوله عليه السلام: لود معاوية إنه ما بقى من بنى هاشم نافخ ضرمة إلا طعن في نيطه.
قال ابن قتيبة: الضرمة النار، وما بالذار نافخ ضرمة، أي ما بها أحد.
قال: وقال أبو حاتم عن أبى زيد: طعن فلان في نيطه أي في جنازته، ومن ابتدأ في شئ أو دخل فيه فقد طعن فيه، قال: ويقال: النيط الموت، رماه الله بالنيط، قال: وقد روى(إلا طعن) بضم الطاء، وهذا الراوى يذهب إلى أن النيط نياط القلب، وهى علاقته التى يتعلق بها، فإذا طعن إنسان في ذلك المكان مات.
ومنها قوله عليه السلام: إن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام أن ابن لى بيتا في الارض، فضاق بذلك ذرعا، فأرسل الله إليه السكينة، وهى ريح خجوج، فتطوقت(1) حول البيت كالحجفة.
وقال ابن قتيبة: الخجوج من الرياح: السريعه المرور، ويقال ايضا: خجوجاء، قال ابن احمر:
---
(1) كذا في ب، وفى ا، د:(فتطوت).
---

[130]
هوجاء رعبله الرواح خجوجاه الغدو رواحها شهر(1).
قال: وهذا مثل حديث على عليه السلام الاخر، وهو إنه قال: السكينة لها وجه كوجه الانسان، وهى بعد ريح هفافة، أي خفيفة سريعة، والحجفة: الترس.
ومنها إن مكاتبا لبعض بنى أسد، قال: جئت بنقد أجلبه إلى الكوفة، فانتهيت به إلى الجسر، فإنى لاسربه عليه إذا اقبل مولى لبكر بن وائل يتخلل الغنم ليقطعها، فنفرت نقده، فقطرت الرجل في الفرات، فغرق، فاخذت.
فارتفعنا إلى على عليه السلام فقصصنا عليه القصة، فقال: انطلقوا فان عرفتم النقدة بعينها فادفعوها إليهم.
وإن اختلطت عليكم فادفعوا شرواها من الغنم إليهم.
قال ابن قتيبة: النقد: غنم صغار، الواحدة نقدة، ومنه قولهم في المثل:(أذل من النقد).
وقوله:(أسر به) أي أرسله قطعة قطعة.
وشرواها: مثلها.
ومنها قوله عليه السلام في ذكر المهدى من ولد الحسين عليه السلام، قال: إنه رجل أجلى الجبين، أقنى الانف، ضخم البطن، أربل الفخذين، أفلج الثنايا، بفخده اليمنى شامة.
قال ابن قتيبة: الاجلى والاجلح شئ واحد، والقنا في الانف: طوله ودقة أرنبته
---
(1) اللسان 3: 71، قال:(يصف الريح).
---

[131]
وحدب في وسطه.
والاربل الفخذين: المتباعد ما بينهما، وهو كالافحج، تربل الشئ، أي انفرج، والفلج: صفرة في الاسنان.
ومنها قوله عليه السلام: إن بنى أمية لا يزالون يطعنون في مسجل ضلالة، ولهم في الارض أجل حتى يهريقوا الدم الحرام في الشهر الحرام، والله لكأنى أنظر إلى غرنوق من قريش يتخبط في دمه، فإذا فعلوا ذلك لم يبق لهم في الارض عاذر، ولم يبق لهم ملك، على وجه الارض.
قال ابن قتيبة: هو من قولك: ركب فلان مسجله، إذا جد في أمر هو فيه كلاما كان أو غيره، وهو من السجل وهو الصب.
والغرنوق: الشاب.
قلت: والغرنوق: القرشى الذى قتلوه، ثم انقضى أمرهم عقيب قتله إبراهيم الامام، وقد اختلفت الرواية في كيفية قتله، فقيل: قتل بالسيف، وقيل: خنق في جراب فيه نورة، وحديث أمير المؤمنين عليه السلام يسند الرواية الاولى.
ومنها ما روى إنه اشترى قميصا بثلاثة دراهم ثم قال: الحمد لله الذى هذا من رياشه.
قال ابن قتيبة: الريش والرياش واحد، وهو الكسوة، قال عز وجل:(قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم وريشا)، وقرئ(ورياشا).
ومنها قوله عليه السلام: لا قود إلا بالاسل.
قال ابن قتيبة: هو ما أرهف وأرق من الحديد، كالسنان والسيف والسكين، ومنه قيل أسله الذراع لما استدق منه، قال: وأكثر الناس على هذا المذهب
---

[132]
وقوم من الناس يقولون: قد يجوز أن القود بغير الحديد كالحجر والعصا إن كان المقتول قتل بغير ذلك.
ومنها إنه عليه السلام رأى رجلا في الشمس، فقال: قم عنها فانها مبخرة مجفرة، تثقل الريح، وتبلى الثوب، وتظهر الداء الدفين.
قال ابن قتيبة: مبخرة: تورث البخر في الفم.
ومجفرة: تقطع عن النكاح وتذهب شهوة الجماع، يقال جفر الفحل عن الابل، إذا أكثر الضراب حتى يمل وينقطع، ومثله قذر، وتقذر، قذورا، ومثله اقطع فهو مقطع.
وجاء في الحديث إن عثمان بن مظعون قال: يا رسول الله، إنى رجل تشق على العزبه في المغازى، أفتأذن لى في الخصاء؟ قال: لا ولكن عليك بالصوم فإنه مجفر.
قال: وقد روى عبد الرحمن عن الاصمعي عمه، قال: تكلم اعرابي فقال: لا تنكحن واحده فتحيض إذا حاضت، وتمرض إذا مرضت، ولا تنكحن اثنتين فتكون بين ضرتين ولا تنكحن ثلاثا فتكون بين أثاف، ولا تنكحن أربعا فيفلسنك ويهرمنك، وينحلنك ويجفرنك فقيل له لقد حرمت ما أحل الله، فقال: سبحان الله! كوزان، وقرصان، وطمران وعبادة الرحمن، وقوله:(تثفل الريح)، أي تنتنها، والاسم الثفل، ومنه الحديث(وليخرجن ثفلات).
والداء الدفين، المستتر الذى قد قهرته الطبيعة، فالشمس تعينه على الطبيعة وتظهره.
ومنها قوله عليه السلام وهو يذكر مسجد الكوفة في زاويته: فار التنور، وفيه هلك يغوث ويعوق، وهو الفاروق، ومنه يستتر جبل الاهواز، ووسطه على روضة من
---

[133]
رياض الجنة، وفيه ثلاث أعين أنبتت بالضغث، تذهب الرجس، وتطهر المؤمنين: عين من لبن، وعين من دهن، وعين من ماء، جانبه الايمن ذكر، وفى جانبه الايسر مكر، ولو يعلم الناس ما فيه من الفضل لاتوه ولو حبوا.
قال ابن قتيبة: قوله:(أنبتت بالضغث) أحسبه الضغث الذى ضرب أيوب أهله.
والعين التى ظهرت لما ركض الماء برجله.
قال: والباء في(بالضغث) زائدة، تقديره: أنبتت الضغث، كقوله تعالى:(تنبت بالدهن(1))، وكقوله:(يشرب بها عباد الله(2)).
وأما قوله:(في جانبه الايمن ذكر)، فإنه يعنى الصلاة.
(وفى جانبه الايسر مكر) أراد به المكر به حتى قتل عليه السلام في مسجد الكوفة.
ومنها إن رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) بعث أبا رافع مولاه يتلقى جعفر بن أبى طالب لما قدم من الحبشة، فأعطاه على عليه السلام حتيا وعكة سمن، وقال له: أنا أعلم بجعفر إنه إن علم ثراه مرة واحدة ثم أطعمه، فادفع هذا السمن إلى اسماء بنت عميس تدهن به بنى أخى من صمر البحر، وتطعمهم من الحتى.
قال ابن قتيبة الحتى: سويق يتخذ من المقل، قال الهذلى يذكر أضيافه: لا در درى إن اطعمت نازلكم قرف الحتى وعندي البر مكنوز
---
(1) سورة المؤمنين 20.
(2) سورة الدهر 6.
---

[134]
وقوله:(ثراه مرة) أي بله دفعة واحدة وأطعمه الناس، والثرى الندا.
وصمر البحر: نتنة وغمقة، ومنه قيل للدبر الصمارى.
ومنها قوله عليه السلام يوم الشورى لما تكلم الحمد لله: الذى اتخذ محمدا منا نبيا، وابتعثه إلينا رسولا، فنحن أهل بيت النبوة، ومعدن الحكمة، أمان لاهل الارض، ونجاة لمن طلب، إن لنا حقا إن نعطه ناخذه، وإن نمنعه نركب اعجاز الابل، وإن طال السرى، لو عهد إلينا رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) عهدا لجالدنا عليه حتى نموت، أو قال لنا قولا لانفذنا قوله على رغمنا.
لن يسرع أحد قبلى الى صلة رحم ودعوة حق، والامر إليك يا بن عوف على صدق النية، وجهد النصح، واستغفر الله لى ولكم.
قال ابن قتيبة: أي أن معناه ركبنا مركب الضيم والذل، لان راكب عجز البعير يجد مشقة، لا سيما إذا تطاول به الركوب على تلك الحال، ويجوز أن يكون أراد: نصبر على أن نكون أتباعا لغيرنا، لان راكب عجز البعير يكون ردفا لغيره.
ومنها قوله عليه السلام لما قتل ابن آدم أخاه: غمص الله الخلق ونقص الاشياء قال ابن قتيبة: يقال: غصمت فلانا أغمصه واغتمصته، إذا استصغرته واحتقرته، قال: ومعنى الحديث أن الله تعالى نقص الخلق من عظم الابدان وطولها من القوة والبطش وطول العمر ونحو ذلك.
ومنها إن سلامة الكندى قال: كان على عليه السلام يعلمنا الصلاة على
---

[135]
رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) فيقول: اللهم داحى المدحوات، وبارئ المسموكات، وجبار القلوب على فطراتها، شقيها وسعيدها، اجعل شرائف صلواتك، ونوامى بركاتك، ورافه تحياتك، على محمد عبدك ورسولك، الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ جيشات الاباطيل، كما حملته فاضطلع بأمرك لطاعتك، مستوفزا في مرضاتك، لغير نكل في قدم، ولا وهن في عزم، داعيا لوحيك، حافظا لعهدك، ماضيا على نفاذ أمرك، حتى أورى قبسا لقابس، آلاء الله تصل بأهله أسبابه به، هديت القلوب بعد خوضات الفتن والاثم، موضحات الاعلام، ونائرات الاحكام، ومنيرات الاسلام، فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك نعمة، ورسولك بالحق رحمة.
اللهم افسح له مفسحا في عدلك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك، مهنات غير مكدرات، من فوز ثوابك المحلول، وجزل عطائك المعلول، اللهم اعل على بناء البانين بناءه، وأكرم مثواه لديك ونزله، واتمم له نوره، واجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة، مرضى المقالة، ذا منطق عدل، وخطه فصل، وبرهان عظيم.
قال ابن قتيبة: داحى المدحوات، أي باسط الارضين، وكان الله تعالى خلقها ربوة ثم بسطها: قال سبحانه:(والارض بعد ذلك دحاها)(1) وكل شئ بسطته فقد دحوته ومنه قيل لموضع بيض النعامة: أدحى، لانها تدحوه للبيض أي توسعه، ووزنه إفعول.
وبارئ المسموكات: خالق السموات.
وكل شئ رفعته وأعليته فقد سمكته، وسمك البيت والحائط ارتفاعه، قال الفرزدق: إن الذى سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول
---
(1) سورة النازعات 30.
---

[136]
وقوله: جبار القلوب على فطراتها.
من قولك جبرت العظم فجبر إذا كان مكسورا فلامته وأقمته، كأنه أقام القلوب وأثبتها على ما فطرها عليه من معرفته والاقرار به، شقيها وسعيدها، قال: ولم أجعل اجبارا هاهنا، من أجبرت فلانا على الامر إذا أدخلته فيه كرها، وقسرته، لانه لا يقال من أفعل فعال، لا أعلم ذلك إلا أن بعض القراء قرأ:(أهديكم سبيل الرشاد)(1) بتشديد الشين، وقال: الرشاد الله، فهذا فعال من أفعل، وهى قراءة شاذة، غير مستعملة، فأما قول الله عز وجل(وما أنت عليهم بجبار)(2) فإنه أراد وما أنت عليهم بمسلط تسليط الملوك، والجبابرة: الملوك، واعتبار ذلك قوله:(لست عليهم بمسيطر)(3) أي بمتسلط تسلط الملوك، فإن كان يجوز أن يقال من أجبرت فلانا على الامر: أنا جبار له، وكأن هذا محفوظا، فقد يجوز أن يجعل قول على عليه السلام: جبار القلوب من ذلك، وهو أحسن في المعنى.
وقوله:(الدامغ جيشات الاباطيل)، أي مهلك ما نجم وارتفع من الاباطيل، وأصل الدمغ من الدماغ، كأنه الذى يضرب وسط الرأس فيدمغه أي يصيب الدماغ منه.
ومنه قول الله عز وجل:(بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه)(4) أي يبطله والدماغ مقتل، فإذا أصيب هلك صاحبه.
وجيشات: مأخوذ من جاش الشئ أي ارتفع، وجاش الماء إذا طمى، وجاشت النفس.
وقوله:(كما حمل فاضطلع) إفتعل من الضلاعة وهى القوة.
---
(1) سورة المؤمنين 38.
(2) سورة ق 45.
(3) سورة الغاشية 22.
(4) سورة الانبياء 18.
---

[137]
وقوله:(لغير نكل في قدم)، النكل مصدر: وهو النكول، يقال: نكل فلان عن الامر ينكل نكولا، فهذا المشهور ونكل بالكسر ينكل نكلا قليلة.
والقدم: التقدم، قال أبو زيد: رجل مقدام إذا كان شجاعا، فالقدم يجوز أن يكون بمعنى التقدم، وبمعنى المتقدم.
قوله:(ولا وهن في عزم)، أي ولا ضعف في رأى.
وقوله:(حتى أورى قبسا لقابس)، أي أظهر نورا من الحق، يقال: أوريت النار إذا قدحت ما ظهر بها، قال سبحانه:(أفرأيتم النار التى تورون)(1).
وقوله:(آلاء الله تصل بأهله أسبابه)، يريد نعم الله تصل بأهل ذلك القبس، - وهو الاسلام والحق سبحانه - أسبابه وأهله، المؤمنون به.
قلت: تقدير الكلام حتى أورى قبسا لقابس، تصل أسباب ذلك القبس آلاء الله ونعمه بأهله المؤمنين به.
واعلم أن اللام في(لغير نكل) متعلقة بقوله:(مستوفزا)، أي هو مستوفز لغير نكول، بل للخوف منك، والخضوع لك. قال ابن قتيبة: قوله عليه السلام:(به هديت القلوب بعد الكفر، والفتن موضحات الاعلام)، أي هديته لموضحات الاعلام، يقال هديت الطريق وللطريق وإلى الطريق.
وقوله:(نائرات الاحكام، ومنيرات الاسلام، يريد الواضحات البينات، يقال نار الشئ وأنار، إذا وضح.
وقوله:(شهيدك يوم الدين)، أي الشاهد على الناس يوم القيامة.
وبعيثك رحمة، أي مبعوثك، فعيل في معنى مفعول.
---
(1) سورة الواقعة 71.
---

[138]
وقوله:(إفسح له مفسحا)، أي أوسع له سعة، وروى:(مفتسحا) بالتاء.
قوله:(في عدلك) أي في دار عدلك، يعنى يوم القيامة، ومن رواه(عدنك) بالنون، أراد جنة عدن.
وقوله:(من جزل عطائك المعلول)، من العلل، وهو الشرب بعد الشرب، فالشرب الاول نهل، والثانى علل، يريد إن عطاءه عز وجل مضاعف، كأنه يعل عباده، أي يعطيهم عطاء بعد عطاء.
وقوله:(أعل على بناء البانين بناءه)، أي ارفع فوق اعمال العاملين عمله.
وأكرم مثواه، أي منزلته، من قولك: ثويت بالمكان أي نزلته وأقمت به، ونزله: رزقه.
ونحن قد ذكرنا بعض هذه الكلمات فيما تقدم على رواية الرضى رحمه الله وهى مخالفة لهذه الرواية، وشرحنا ما رواه الرضى، وذكرنا الان ما رواه ابن قتيبة وشرحه لانه لا يخلو من فائدة جديدة.
ومنها قوله عليه السلام: خذ الحكمة أنى أتتك، فإن الكلمة من الحكمة تكون في صدر المنافق فتلجلج في صدره حتى تسكن إلى صاحبها.
قال ابن قتيبة: يريد الكلمة قد يعلمها المنافق فلا تزال تتحرك في صدره ولا تسكن حتى يسمعها منه المؤمن أو العالم فيعيها ويثقفها ويفقهها منه، فتسكن في صدره إلى أخواتها من كلم الحكمة.
ومنها قوله عليه السلام: البيت المعمور نتاق الكعبة من فوقها.
قال ابن قتيبة: نتاق الكعبة، أي مظل عليها من فوقها، من قول الله سبحانه:
---

[139]
(وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة)(1)، أي زعزع فاظل عليهم.
ومنها قوله عليه السلام:(أنا قسيم النار) قال ابن قتيبة: أراد إن الناس فريقان: فريق معى فهم على هدى، وفريق على فهم على ضلالة، كالخوارج ولم يجسر ابن قتيبة أن يقول(وكأهل الشام) يتورع يزعم، ثم إن الله أنطقه بما تورع عن ذكره، فقال متمما للكلام بقوله: فأنا قسيم النار، نصف في الجنة معى، ونصف في النار، قال: وقسيم في معنى مقاسم، مثل جليس وأكيل وشريب.
قلت قد ذكر أبو عبيد الهروي هذه الكلمة في الجمع بين الغريبين، قال: وقال قوم: إنه لم يرد ما ذكره، وإنما أراد: هو قسيم النار والجنة يوم القيامة حقيقة، يقسم الامة فيقول هذا للجنة، وهذا للنار.
---
(1) سورة الاعراف: 171.
---

[140]
[خطبة منسوبة للامام على خالية من حرف الالف] وأنا الان اذكر من كلامه الغريب ما لم يورده أبو عبيد وابن قتيبة في كلامهما وأشرحه أيضا، وهى خطبة رواها كثير من الناس له عليه السلام خاليه من حرف الالف، قالوا: تذاكر(1) قوم من إصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: أي حروف الهجاء أدخل في الكلام؟ فأجمعوا على الالف، فقال على عليه السلام: حمدت من عظمت منته، وسبغت نعمته، وسبقت غضبه رحمته، وتمت كلمته، ونفذت مشيئته، وبلغت قضيته، حمدته حمد مقر بربوبيته، متخضع لعبوديته، متنصل من خطيئته، متفرد بتوحيده، مؤمل منه مغفرة تنجيه، يوم يشغل عن فصيلته وبنيه.
ونستعينه ونسترشده ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، وشهدت له شهود مخلص موقن، وفردته تفريد مؤمن متيقن، ووحدته توحيد عبد مذعن، ليس له شريك في ملكه، ولم يكن له ولى في صنعه، جل عن مشير ووزير، وعن عون معين ونصير ونظير.
علم فستر، وبطن فخبر، وملك فقهر، وعصى فغفر، وحكم فعدل، لم يزل ولن يزول،(ليس كمثله شئ)(2)، وهو بعد كل شئ رب متعزز بعزته، متمكن بقوته، متقدس بعلوه، متكبر بسموه، ليس يدركه بصر، ولم يحط به نظر، قوى منيع، بصير سميع، رءوف رحيم.
عجز عن وصفه من يصفه، وضل عن نعته من يعرفه.
---
في
الأصل:
(بذاكر)، تصحيف.
(2) سورة الشورى: 11.
---

[141]
قرب فبعد، وبعد فقرب، يجيب دعوة من يدعوه، ويرزقه ويحبوه، ذو لطف خفى، وبطش قوى، ورحمة موسعه، وعقوبة موجعة، رحمته جنة عريضة مونقة، وعقوبته جحيم ممدودة موبقة.
وشهدت ببعث محمد رسوله، وعبده وصفيه، ونبيه ونجيه، وحبيبه وخليله، بعثه في خير عصر، وحين فترة وكفر، رحمة لعبيده، ومنة لمزيده، ختم به نبوته، وشيد به حجته، فوعظ ونصح، وبلغ وكدح، رؤوف بكل مؤمن، رحيم سخى، رضى ولى زكى، عليه رحمة وتسليم، وبركة وتكريم، من رب غفور رحيم، قريب مجيب.
وصيتكم معشر من حضرني بوصية ربكم، وذكرتكم بسنة نبيكم، فعليكم برهبة تسكن قلوبكم، وخشية تذرى دموعكم، وتقيه تنجيكم قبل يوم تبليكم وتذهلكم، يوم يفوز فيه من ثقل وزن حسنته، وخف وزن سيئته، ولتكن مسألتكم وتملقكم مسألة ذل وخضوع، وشكر وخشوع، بتوبة وتورع، وندم ورجوع، وليغتنم كل مغتنم منكم صحته قبل سقمه، وشبيبته قبل هرمه، وسعته قبل فقره، وفرغته قبل شغله، وحضره قبل سفره، قبل تكبر وتهرم وتسقم، يمله طبيبه، ويعرض عنه حبيبه، وينقطع غمده، ويتغير عقله، ثم قيل: هو موعوك، وجسمه منهوك، ثم جد في نزع شديد، وحضره كل قريب وبعيد، فشخص بصره، وطمح نظره، ورشح جبينه، وعطف عرينه، وسكن حنينه، وحزنته نفسه، وبكته عرسه، وحفر رمسه، ويتم منه ولده، وتفرق منه عدده، وقسم جمعه، وذهب بصره وسمعه، ومدد وجرد، وعرى وغسل، ونشف وسجى، وبسط له وهئ، ونشر عليه كفنه، وشد منه ذقنه، وقمص وعمم، وودع وسلم، وحمل فوق سرير، وصلى عليه بتكبير، ونقل من دور مزخرفة، وقصور مشيدة، وحجر منجدة، وجعل في ضريح ملحود
---

[142]
وضيق مرصود، بلبن منضود، مسقف بجلمود، وهيل عليه حفره، وحثى عليه مدره، وتحقق حذره، ونسى خبره، ورجع عنه وليه وصفيه، ونديمه ونسيبه، وتبدل به قرينه وحبيبه، فهو حشو قبر، ورهين قفر، يسعى بجسمه دود قبره، ويسيل صديده من منخره، يسحق تربة لحمه، وينشف دمه، ويرم عظمه حتى يوم حشره، فنشر من قبره حين ينفخ في صور، ويدعى بحشر ونشور.
فثم بعثرت قبور، وحصلت سريره صدور، وجئ بكل نبى وصديق وشهيد، وتوحد للفصل قدير بعبده خبير بصير، فكم من زفرة تضنيه، وحسرة تنضيه، في موقف مهول، ومشهد جليل، بين يدى ملك عظيم، وبكل صغير وكبير عليم، فحينئذ يلجمه عرقه، ويحصره قلقه، عبرته غير مرحومة، وصرخته غير مسموعة، وحجته غير مقولة، زالت جريدته، ونشرت صحيفته، نظر في سوء عمله، وشهدت عليه عينه بنظره، ويده ببطشه، ورجله بخطوه، وفرجه بلمسه، وجلده بمسه، فسلسل جيده، وغلت يده، وسيق فسحب وحده، فورد جهنم بكرب وشدة، فظل يعذب في جحيم، ويسقى شربه من حميم، تشوى وجهه، وتسلخ جلده، وتضربه زبنيه بمقمع من حديد، ويعود جلده بعد نضجه كجلد جديد، يستغيث فتعرض عنه خزنه جهنم، ويستصرخ فيلبث حقبة يندم.
نعوذ برب قدير، من شر كل مصير، ونسأله عفو من رضى عنه، ومغفرة من قبله، فهو ولى مسألتي، ومنجح طلبتي، فمن زحزح عن تعذيب ربه جعل في جنته بقربه، وخلد في قصور مشيدة، وملك بحور عين وحفدة، وطيف عليه بكئوس، أسكن في حظيره قدوس، وتقلب في نعيم، وسقى من تسليم، وشرب من عين سلسبيل، ومزج له بزنجبيل، مختم بمسك وعبير، مستديم للملك، مستشعر للسرر، يشرب من خمور، في روض مغدق، ليس يصدع من شربه، وليس ينزف.
---

[143]
هذه منزلة من خشى ربه، وحذر نفسه معصيته، وتلك عقوبة من جحد مشيئته، وسولت له نفسه معصيته، فهو قول فصل، وحكم عدل وخبر قصص قص، ووعظ نص،(تنزيل من حكيم حميد)(1) نزل به روح قدس مبين، على قلب نبى مهتد رشيد، صلت عليه رسل سفرة، مكرمون بررة، عذت برب عليم، رحيم كريم، من شر كل عدو لعين رجيم، فليتضرع منضرعكم، وليبتهل مبتهلكم، وليستغفر كل مربوب منكم لى ولكم، وحسبي ربى وحده.
الشرح:
فصيلة الرجل: رهطه الادنون.
وكدح سعى سعيا فيه تعب، وفرغته: الواحدة من الفراغ، تقول فرغت فرغة، كقولك ضربت ضربة.
وسجى الميت: بسط عليه رداء.
ونشر الميت من قبره بفتح النون والشين، وأنشره الله تعالى.
وبعثرت قبور: انتثرت و نبشت.
قوله:(وسيق بسحب وحده)، لانه إذا كان معه غيره كان كالمتأسى بغيره، فكان أخف لالمه وعذابه، وإذا كان وحده كان أشد ألما وأهول، وروى(فسيق يسحب وحده) وهذا أقرب إلى تناسب الفقرتين، وذاك افخم معنى.
وزبنية على وزن(عفرية) واحد الزبانية، وهم عند العرب الشرط، وسمى بذلك بعض الملائكة لدفعهم أهل النار إليها كما يفعل الشرط في الدنيا، ومن أهل اللغة من يجعل واحد الزبانيه زبانى.
وقال بعضهم: زابن، ومنهم من قال: هو جمع لا واحد له، نحو أبابيل وعباديد، وأصل الزبن في اللغة الدفع، ومنه ناقة زبون: تضرب حالبها وتدفعه.
---
(1) سورة فصلت 42.
---

[144]
وتقول: ملك زيد بفلانة بغير ألف، والباء هاهنا زائدة كما زيدت في(كفى بالله حسيبا)، وإنما حكمنا بزيادتها لان العرب تقول: ملكت أنا فلانة أي تزوجتها، وأملكت فلانة بزيد أي زوجتها به، فلما جاءت الباء هاهنا ولم يكن بد من إثبات الالف لاجل مجيئها جعلناها زائدة، وصار تقديره: وملك حورا عينا.
وقال المفسرون في تسنيم: إنه اسم ماء في الجنة سمى بذلك لانه يجرى من فوق الغرف والقصور.
وقالوا في سلسبيل: إنه اسم عين في الجنة ليس ينزف ولا يخمر كما يخمر شارب الخمر في الدنيا.
إنقضى هذا الفصل، ثم رجعنا إلى سنن الغرض الاول.
---

[145]
(267)
الأصل:
وقال عليه السلام، لما بلغه إغارة أصحاب معاوية على الانبار، فخرج بنفسه ماشيا حتى أتى النخيلة، وأدركه الناس وقالوا: يا أمير المؤمنين نحن نكفيكهم، فقال عليه السلام: والله ما تكفونني أنفسكم، فكيف تكفونني غيركم! إن كانت الرعايا قبلى لتشكوا حيف رعاتها، فإنى اليوم لاشكو حيف رعيتي، كأننى المقود وهم القادة، أو الموزوع وهم الوزعة.
قال: فلما قال هذا القول في كلام طويل قد ذكرنا مختاره في جملة الخطب، تقدم إليه رجلان من أصحابه، فقال أحدهما:(إنى لا أملك إلا نفسي وأخى)(1)، فمرنا بأمرك يا أمير المؤمنين ننفذ(2)، فقال: وأين تقعان مما أريد! الشرح:
السنن الطريقة، يقال تنح عن السنن، أي عن وجه الطريق.
والنخيلة: بظاهر الكوفة، وروى(ما تكفوني) بحذف النون.
والحيف: الظلم.
والوزعة: جمع وازع، وهو الدافع الكاف.
ومعنى قوله:(ما تكفونني أنفسكم)، أي أفعالكم رديئة قبيحة تحتاج الى جند غيركم
---
(1) سورة المائدة 25.
(2) في
الأصل:
(ننقذ)، تصحيف.
---

[146]
أستعين بهم على تثقيفكم وتهذيبكم، فمن هذه حاله كيف أثقف به غيره، وأهذب به سواه! وإن كانت الرعايا: إن هاهنا مخففة من الثقيلة، ولذلك دخلت اللام في جوابها.
وقد تقدم ذكرنا هذين الرجلين، وإن أحدهما قال: يا أمير المؤمنين، أقول لك ما قاله العبد الصالح:(رب إنى لا أملك إلا نفسي وأخى)(1).
فشكر لهما وقال: وأين تقعان مما أريد!
---
(1) سورة المائدة 25.
---

[147]
(268)
الأصل:
وقيل أن الحارث بن حوط اتاه عليه السلام، فقال له: أتراني أظن أن اصحاب الجمل كانوا على ضلاله؟ فقال عليه السلام: يا حار، إنك نظرت تحتك، ولم تنظر فوقك فحرت، إنك لم تعرف الحق فتعرف أهله، ولم تعرف الباطل فتعرف من أتاه.
فقال الحارث: فانى اعتزل مع سعد بن مالك وعبد الله بن عمر.
فقال عليه السلام: إن سعدا وعبد الله بن عمر لم ينصرا الحق، ولم يخذلا الباطل.
الشرح:
اللفظة التى وردت قبل أحسن من هذه اللفظة، وهى: أولئك قوم خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل، وتلك كانت حالهم، فإنهم خذلوا عليا ولم ينصروا معاوية ولا أصحاب الجمل.
فأما هذه اللفظة ففيها إشكال، لان سعدا وعبد الله لعمري إنهما لم ينصرا الحق، وهو جانب على عليه السلام، لكنهما خذلا الباطل، وهو جانب معاوية وأصحاب الجمل، فإنهم لم ينصروهم في حرب قط، لا بأنفسهم ولا بأموالهم ولا باولادهم، فينبغي
---

[148]
أن نتاول كلامه فنقول: إنه ليس يعنى بالخذلان عدم المساعدة في الحرب، بل يعنى بالخذلان هاهنا كل ما أثر في محق الباطل وإزالته، قال الشاعر يصف فرسا: وهو كالدلو بكف المستقى خذلت عنه العراقى فانجذم أي باينته العراقى، فلما كان كل مؤثر في إزاله شئ مباينا له نقل اللفظ بالاشتراك في الامر العام إليه، ولما كان سعد وعبد الله لم يقوما خطيبين في الناس يعلمانهم باطل معاوية واصحاب الجمل، ولم يكشفا اللبس والشبهة الداخلة على الناس في حرب هذين الفريقين، ولم يوضحا وجوب طاعة على عليه السلام فيرد الناس عن اتباع صاحب الجمل وأهل الشام صدق عليهما أنهما لم يخذلا الباطل.
ويمكن أن يتأول على وجه آخر، وذلك أنه قد جاء خذلت الوحشية إذا قامت على ولدها، فيكون معنى قوله:(ولم يخذلا الباطل)، أي لم يقيما عليه وينصراه، فترجع هذه اللفظة إلى اللفظة الاولى، وهى قوله:(أولئك قوم خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل).
والحارث بن حوط بالحاء المهملة، ويقال: أن الموجود في خط الرضى(ابن خوط) بالخاء المعجمة المضمومة.
---

[149]
(269)
الأصل:
صاحب السلطان كراكب الاسد يغبط بموقعه، وهو أعلم بموضعه.
الشرح:
[نبذ مما قيل في السلطان] قد جاء في صحبة السلطان أمثال حكمية مستحسنه تناسب هذا المعنى، أو تجرى مجراه في شرح حال السلطان، نحو قولهم: صاحب السلطان كراكب الاسد يهابه الناس، وهو لمركوبه اهيب.
وكان يقال: إذا صحبت السلطان فلتكن مداراتك له مداراة المرأة القبيحة لبعلها المبغض لها، فإنها لا تدع التصنع له على حال.
قيل للعتابي: لم لا تقصد الامير؟ قال: لانى أراه يعطى واحدا لغير حسنه ولا يد، ويقتل آخر بلا سيئة ولا ذنب، ولست أدرى أي الرجلين أكون! ولا أرجو منه مقدار ما اخاطر به.
وكان يقال: العاقل من طلب السلامة من عمل السلطان، لانه إن عف جنى عليه العفاف عداوة الخاصة، وإن بسط يده جنى عليه البسط السنة الرعية.
وكان سعيد بن حميد يقول: عمل السلطان كالحمام، الخارج يؤثر الدخول، والداخل يؤثر الخروج.
ابن المقفع: إقبال السلطان على أصحابه تعب، وإعراضه عنهم مذلة.
---

[150]
وقال آخر: السلطان إن أرضيته أتعبك، وإن أغضبته اعطبك.
وكان يقال: إذا كنت مع السلطان فكن حذرا منه عند تقريبه، كاتما لسره إذا استسرك، وأمينا على ما ائتمنك، تشكر له ولا تكلفه الشكر لك، وتعلمه وكأنك تتعلم منه وتؤدبه وكأنه يؤدبك، بصيرا بهواه، مؤثرا لمنفعته، ذليلا إن ضامك، راضيا إن أعطاك، قانعا إن حرمك، وإلا فابعد منه كل البعد.
وقيل لبعض من يخدم السلطان: لا تصحبهم، فإن مثلهم مثل قدر التنور، كلما مسه الانسان أسود منه، فقال: إن كان خارج تلك القدر أسود فداخلها أبيض.
وكان يقال أفضل ما عوشر به الملوك قلة الخلاف، وتخفيف المئونة.
وكان يقال: لا يقدر على صحبة السلطان إلا من يستقل بما حملوه، ولا يلحف إذا سألهم، ولا يغتر بهم إذا رضوا عنه، ولا يتغير لهم إذا سخطوا عليه، ولا يطغى إذا سلطوه، ولا يبطر إذا أكرموه.
وكان يقال: إذا جعلك السلطان أخا فاجعله ربا، وإن زادك فزده.
وقال أبو حازم: للسلطان كحل يكحل به من يوليه، فلا يبصر حتى يعزل.
وكان يقال لا ينبغى لصاحب السلطان أن يبتدئه بالمسألة عن حاله، فان ذلك من كلام النوكى(1) وإذا أردت أن تقول: كيف أصبح الامير؟ فقل: صبح الله الامير بالكرامة، وإن أردت أن تقول: كيف يجد الامير نفسه؟ فقل: وهب الله الامير العافية، ونحو هذا، فإن المسألة توجب الجواب، فإن لم يجبك اشتد عليك، وإن أجابك اشتد عليه.
وكان يقال صحبة الملوك بغير أدب كركوب الفلاة بغير ماء.
---
(1) النوكى: الحمقى.
---

[151]
وكان يقال: ينبغى لمن صحب السلطان أن يستعد للعذر عن ذنب لم يجنه، وأن يكون آنس ما يكون به، أوحش ما يكون منه.
وكان يقال: شدة الانقباض من السلطان تورث التهمة، وسهولة الانبساط إليه تورث الملالة.
وكان يقال: إصحب السلطان بأعمال الحذر، ورفض الدالة، والاجتهاد في النصيحة، وليكن رأس مالك عنده ثلاث: الرضا، والصبر، والصدق.
واعلم أن لكل شئ حدا، فما جاوزه كان سرفا، وما قصر عنه كان عجزا، فلا تبلغ بك نصيحة السلطان أن تعادى حاشيته وخاصته وأهله، فإن ذلك ليس من حقه عليك، وليكن أقضى لحقه عنك، وأدعى لاستمرار السلامة لك، أن تستصلح أولئك جهدك، فإنك إذا فعلت ذلك شكرت نعمته، وأمنت سطوته، وقللت عدوك عنده، وإذا جاريت عند السلطان كفؤا من أكفائك فلتكن مجاراتك ومباراتك إياه بالحجة، وإن عضهك(1)، وبالرفق وإن خرف بك.
واحذر أن يستحلك فتحمى، فان الغضب يعمى عن الفرصة، ويقطع عن الحجة، ويظهر عليك الخصم، ولا تتوردن على السلطان بالدالة وإن كان أخاك، ولا بالحجة وإن وثقت انها لك، ولا بالنصيحة وإن كانت له دونك، فإن السلطان يعرض له ثلاث دون ثلاث: القدرة دون الكرم، والحمية دون النصفة، واللجاج دون الحظ.
---
(1) عضهك: كذبك.
---

[152]
(270)
الأصل:
أحسنوا في عقب غيركم تحفظوا في عقبكم.
الشرح:
أكثر ما في هذه الدنيا يقع على سبيل القرض والمكافأه، فقد رأينا عيانا من ظلم الناس فظلم عقبه وولده، ورأينا من قتل الناس فقتل عقبه وولده، ورأينا من أخرب دورا فأخربت داره، ورأينا من أحسن إلى أعقاب أهل النعم فأحسن الله إلى عقبه وولده.
وقرأت في تاريخ أحمد بن طاهر(1) أن الرشيد أرسل الى يحيى بن خالد وهو في محبسه يقرعه بذنوبه، ويقول له: كيف رأيت! ألم أخرب دارك؟ ألم أقتل ولدك جعفرا؟ ألم أنهب مالك؟ فقال يحيى للرسول: قل له: أما إخرابك دارى فستخرب دارك، وأما قتلك ولدى جعفر فسيقتل ولدك محمد، وأما نهبك مالى فسينهب مالك وخزانتك.
فلما عاد الرسول إليه بالجواب وجم طويلا وحزن، وقال: والله ليكونن ما قال، فإنه لم يقل لى شيئا قط إلا وكان كما قال، فاخربت(2) داره - وهى الخلد - في حصار بغداد، وقتل ولده محمد، ونهب ماله، وخزانته، نهبها طاهر بن الحسين.
---
(1) هو أحمد بن طاهر صاحب تاريخ بغداد.
(2) ا:(خربت).
---

[153]
(271)
الأصل:
إن كلام الحكماء إذا كان صوابا كان دواء، وإذا كان خطا كان داء.
الشرح:
كل كلام يقلد المتكلم به لحسن عقيدة الناس فيه نحو كلام الحكماء وكلام الفضلاء والعلماء من الناس إذا كان صوابا كان دواء وإذا كان خطا كان داء، لان الناس يحذون حذو المتكلم به، ويقلدونه فيما يتضمنه ذلك الكلام من الاداب والاوامر والنواهي، فإذا كان حقا أفلحوا، وحصل لهم الثواب واتباع الحق، وكانوا كالدواء المبرئ للسقم، وإذا كان ذلك الكلام خطا واتبعوه خسروا(1) ولم يفلحوا، فكان بمنزلة الداء والمرض.
---
(1) ا:(خسروا ذلك).
---

[154]
(272)
الأصل:
وقال عليه السلام حين سأله رجل أن يعرفه ما الايمان) فقال: إذا كان غد فأتني حتى أخبرك على أسماع الناس، فإن نسيت مقالتي حفظها عليك غيرك، فإن الكلام كالشاردة يثقفها هذا ويخطئها هذا.
قال: وقد ذكرنا ما أجابه به عليه السلام فيما تقدم من هذا الباب، وهو قوله:(الايمان على إربع شعب).
الشرح:
يقول إذا كان غد فأتني فتكون(كان) هاهنا تامة، أي إذا حدث ووجد، وتقول: إذا كان غدا فأتني فيكون النصب باعتبار آخر، أي إذا كان الزمان غدا، أي موصوفا بأنه من الغد، ومن النحويين من يقدره: إذا كان الكون غدا، لان الفعل يدل على المصدر، والكون هو التجدد والحدوث.
وقائل هذا القول يرجحه على القول الاخر، لان الفاعل عندهم لا يحذف إلا إذا كان في الكلام دليل عليه.
ويثقفها، يجدها، ثقفت كذا بالكسر، أي وجدته وصادفته.
والشاردة: الضالة.
---

[155]
(273)
الأصل:
يا بن آدم، لا تحمل هم يومك الذى لم يأتك على يومك الذى أتاك، فإنه إن يكن من عمرك يأت الله فيه برزقك.
الشرح:
قد تقدم هذا الفصل بتمامه.
واعلم أن كل ما ادخرته مما هو فاضل عن قوتك فإنما أنت فيه خازن لغيرك.
وخلاصة هذا الفصل النهى عن الحرص على الدنيا والاهتمام لها، وإعلام الناس أن الله تعالى قد قسم الرزق لكل حى من خلقه، فلو لم يتكلف الانسان فيه لاتاه رزقه من حيث لا يحتسب.
وفى المثل: يا رزاق البغاث(1) في عشه.
وإذا نظر الانسان إلى الدودة المكنونة داخل الصخرة كيف ترزق، علم إن صانع العالم قد تكفل لكل ذى حياة بمادة تقيم حياته إلى انقضاء عمره.
---
(1) البغاث: صغار الطير.
---

[156]
(274)
الأصل:
أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما.
الشرح:
الهون بالفتح: التأني، والبغيض: المبغض.
وخلاصة هذه الكلمة.
النهى عن الاسراف في المودة والبغضة، فربما انقلب من تود فصار عدوا، وربما انقلب من تعاديه فصار صديقا.
وقد تقدم القول في ذلك على أتم ما يكون.
وقال بعض الحكماء: توق الافراط في المحبة، فإن الافراط فيها داع إلى التقصير منها، ولان تكون الحال بينك وبين حبيبك نامية أولى من أن تكون متناهية.
ومن كلام عمر: لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا.
وقال الشاعر: وأحبب إذا أحببت حبا مقاربا فإنك لا تدرى متى أنت نازع! وأبغض إذا أبغضت غير مباين(1) فإنك لا تدرى متى أنت راجع! وقال عدى بن زيد: ولا تأمنن من مبغض قرب داره ولا من محب أن يمل فيبعدا
---
(1) مباين: مفارق.
---

[157]
(275)
الأصل:
الناس في الدنيا عاملان: عامل في الدنيا للدنيا، قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يخلف الفقر، ويأمنه على نفسه، فيفنى عمره في منفعة غيره.
وعامل عمل في الدنيا لما بعدها، فجاءه الذى له من الدنيا بغير عمل، فأحرز الحظين معا، وملك الدارين جميعا، فأصبح وجيها عند الله، لا يسأل الله حاجة فيمنعه.
الشرح:
معنى قوله:(ويأمنه على نفسه)، أي ولا يبالى أن يكون هو فقيرا، لانه يعيش عيش الفقراء وإن كان ذا مال، لكنه يدخر المال لولده فيفنى عمره في منفعة غيره.
ويجوز أن يكون معناه إنه لكثرة ماله قد أمن الفقر على نفسه ما دام حيا، ولكنه لا يأمن الفقر على ولده لانه لا يثق من ولده بحسن الاكتساب كما وثق من نفسه، فلا يزال في الاكتساب والازدياد منه لمنفعة ولده الذى يخاف عليه الفقر بعد موته.
فأما العامل في الدنيا لما بعدها فهم أصحاب العبادة، يأتيهم رزقهم بغير اكتساب ولا كد، وقد حصلت لهم الاخرة، فقد حصل لهم الحظان جميعا.
---

[158]
(276)
الأصل:
وروى أنه ذكر عند عمر بن الخطاب في إيامه حلى الكعبة وكثرته، فقال قوم: لو أخذته فجهزت به جيوش المسلمين، كان أعظم للاجر، وما تصنع الكعبة بالحلى! فهم عمر بذلك، وسأل عنه أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: إن هذا القرآن أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، والاموال أربعة: أموال المسلمين، فقسمها بين الورثة في الفرائض، والفئ فقسمه على مستحقيه، والخمس فوضعه الله حيث وضعه، والصدقات فجعلها الله حيث جعلها، وكان حلى الكعبه فيها يومئذ، فتركه الله على حاله، ولم يتركه نسيانا، ولم يخف عنه مكانا، فأقره حيث أقره الله ورسوله، فقال له عمر: لولاك لافتضحنا! وترك الحلى بحاله.
الشرح:
هذا استدلال صحيح، ويمكن أن يورد على وجهين: أحدهما أن يقال: أصل الاشياء الحظر والتحريم، كما هو مذهب كثير من أصحابنا البغداديين، فلا يجوز التصرف في شئ من الاموال والمنافع إلا بإذن شرعى، ولم يوجد إذن شرعى في حلى الكعبة، فبقينا فيه على حكم الاصل.
والوجه الثاني أن يقال: حلى الكعبة مال مختص بالكعبة، هو جار مجرى ستور الكعبة، ومجرى باب الكعبة، فكما لا يجوز التصرف في ستور الكعبة وبابها
---

[159]
إلا بنص فكذلك حلى الكعبه، والجامع بينهما الاختصاص الجاعل كل واحد من ذلك كالجزء من الكعبة، فعلى هذا الوجه ينبغى أن يكون الاستدلال.
ويجب أن يحمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام عليه، وألا يحمل على ظاهره، لان لمعترض أن يعترض استدلاله إذا حمل على ظاهره، بأن يقول: الاموال الاربعة التى عددها إنما قسمها الله تعالى حيث قسمها لانها أموال متكررة بتكرر الاوقات على مر الزمان يذهب الموجود منها ويخلفه غيره، فكان الاعتناء بها أكثر، والاهتمام بوجوه متصرفها أشد، لان حاجات الفقراء والمساكين وأمثالهم من ذوى الاستحقاق كثيرة ومتجددة بتجدد الاوقات، وليس كذلك حلى الكعبة، لانه مال واحد باق غير متكرر، وأيضا فهو شئ قليل يسير، ليس مثله مما يقال: ينبغى أن يكون الشارع قد تعرض لوجوه مصرفه حيث تعرض لوجوه مصرف الاموال، فافترق الموضعان.
---

[160]
(277)
الأصل:
روى أنه رفع إليه رجلان سرقا من مال الله، أحدهما عبد من مال الله، والاخر من عرض الناس، فقال: أما هذا فهو من مال الله فلا حد عليه، مال الله أكل بعضه بعضا، وأما الاخر فعليه الحد الشديد.
فقطع يده.
الشرح:
هذا مذهب الشيعة أن عبد المغنم إذا سرق من المغنم لم يقطع، فأما العبد الغريب إذا سرق من المغنم فإنه يقطع إذا كان ما سرقه زائدا عما يستحقه من الغنيمة بمقدار النصاب الذى يجب فيه القطع، وهو ربع دينار، كذلك الحر إذا سرق من المغنم حكمه هذا الحكم بعينه، فوجب أن يحمل كلام أمير المؤمنين على أن العبد المقطوع قد كان سرق من المغنم ما هو أزيد من حقه من الغنيمة بمقدار النصاب المذكور أو أكثر.
فأما الفقهاء فإنهم لا يوجبون القطع على من سرق من مال الغنيمة قبل قسمتها، سواء كان ما سرقه أكثر من حقه أو لم يكن، لان مخالطة حقه وممازجته للمسروق شبهة في الجملة تمنع من وجوب القطع، هذا إن كان له حق في الغنيمة بان يكون شهد القتال بإذن سيده، فإن لم يكن ذلك وكان لسيده فيها حق لم يقطع أيضا، لان حصة سيده المشاعة شبهة تمنع من قطعه، فإن لم يشهد القتال(1) ولا شهده سيده وسرق من الغنيمة قبل القسمة ما يجب في مثله القطع وجب عليه القطع.
---
(1) ا:(ولم يشهده سيده).
---

[161]
(278)
الأصل:
لو قد استوت قدماى من هذه المداحض لغيرت اشياء.
الشرح:
لسنا نشك إنه كان يذهب في الاحكام الشرعية والقضايا إلى أشياء يخالف فيها أقوال الصحابة، نحو قطعه يد السارق من رءوس الاصابع، وبيعه أمهات الاولاد، وغير ذلك، وإنما كان يمنعه من تغير أحكام من تقدمه اشتغاله بحرب البغاة والخوارج، وإلى ذلك يشير بالمداحض التى كان يؤمل استواء قدميه منها، ولهذا قال لقضاته:(اقضوا كما كنتم تقضون حتى يكون للناس جماعة)، فلفظة(حتى) - هاهنا مؤذنة بأنه فسح لهم في اتباع عادتهم في القضايا والاحكام التى يعهدونها إلى أن يصير للناس جماعة، وما بعد(إلى) و(حتى) ينبغى أن يكون مخالفا لما قبلهما.
فأما أصحابنا فيقولون: إنه كان فيما يحاول أن يحكم بين الناس مجتهدا، ويجوز لغيره من المجتهدين مخالفته.
والامامية تقول: ما كان يحكم إلا عن نص وتوقيف، ولا يجوز لاحد من الناس مخالفته.
والقول في صحة ذلك وفساده فرع من فروع مسألة الامامة(1).
---
(1) د:(الامامية).
---

[162]
(279)
الأصل:
إعلموا علما يقينا إن الله لم يجعل للعبد وإن عظمت حيلته، واشتدت طلبته، وقويت مكيدته، أكثر مما سمى له في الذكر الحكيم، ولم يحل بين العبد في ضعفه وقلة حيلته، وبين أن يبلغ ما سمى له في الذكر الحكيم.
والعارف لهذا، العامل به، أعظم الناس رحمة في منفعة: والتارك له، الشاك فيه، أعظم الناس شغلا في مضرة.
ورب منعم عليه مستدرج بالنعمى، ورب مبتلى مصنوع له بالبلوى.
فزد إيها المستمع في شكرك، وقصر من عجلتك، وقف عند منتهى رزقك.
الشرح:
قد تقدم القول في الحرص والجشع وذمهما وذم الكادح في طلب الرزق، ومدح القناعة والاقتصار، ونذكر هنا طرفا آخر من ذلك.
قال بعض الحكماء: وجدت أطول الناس غما الحسود، وأهنأهم عيشا القنوع، وأصبرهم على الاذى الحريص، وأخفضهم عيشا أرفضهم للدنيا، وأعظمهم ندامة العالم المفرط.
وقال عمر: الطمع فقر، واليأس غنى، ومن يئس مما عند الناس استغنى عنهم.
---

[163]
وقيل لبعض الحكماء: ما الغنى؟ قال: قلة تمنيك، ورضاك بما يكفيك، ولذلك قيل: العيش ساعات تمر، وخطوب تكر.
وقال الشاعر: أقنع بعيشك ترضه واترك هواك وأنت حر فلرب حتف فوقه ذهب وياقوت ودر وقال آخر: إلى متى أنا في حل وترحال من طول سعى وإدبار وإقبال! ونازح الدار لا أنفك مغتربا عن الا حبه لا يدرون ما حالى بمشرق الارض طورا ثم مغربها لا يخطر الموت من حرص على بالى ولو قنعت أتانى الرزق في دعة أن القنوع الغنى لا كثرة المال.
وجاء في الخبر المرفوع:(اجملوا في الطلب، فإنه ليس لعبد إلا ما كتب له، ولن يخرج عبد من الدنيا حتى يأتيه ما كتب له في الدنيا وهى راغمة).
---

[164]
(280) الشرح:
لا تجعلوا علمكم جهلا، ويقينكم شكا، إذا علمتم فاعمآلوا، وإذا تيقنتم فأقدموا.
الشرح:
هذا(1) نهى للعلماء عن ترك العمل، يقول: لا تجعلوا علمكم كالجهل، فإن الجاهل قد يقول: جهلت فلم أعمل، وأنتم فلا عذر لكم، لانكم قد علمتم وانكشف لكم سر الامر، فوجب عليكم أن تعملوا، ولا تجعلوا علمكم جهلا، فان من(2) علم المنفعة في أمر ولا حائل بينه وبينه ثم لم يأته كان سفيها.
---
(1) ا:(في).
(2) ا:(الذى).
---

[165]
(281)
الأصل:
إن الطمع مورد غير مصدر، وضامن غير وفى، وربما شرق شارب الماء قبل ريه، وكلما عظم قدر الشئ المتنافس فيه عظمت الرزيه لفقده، والاماني تعمى أعين البصائر، والحظ يأتي من لا يأتيه.
الشرح:
قد تقدم القول في هذه المعاني كلها.
وقد ضرب الحكماء مثالا لفرط الطمع، فقالوا: إن رجلا صاد قبره فقالت: ما تريد أن تصنع بى؟ قال: أذبحك وآكلك، قالت: والله ما أشفى من قرم، ولا أشبع من جوع، ولكني أعلمك ثلاث خصال هن خير لك من أكلى، أما واحدة فأعلمك إياها وأنا في يدك، وأما الثانية فإذا صرت على الشجرة، أما الثالثة فإذا صرت على الجبل.
فقال: هاتى الاولى، قالت: لا تلهفن على ما فات، فخلاها، فلما صارت على الشجرة قال: هاتى الثانية، قالت: لا تصدقن بما لا يكون إنه يكون، ثم طارت، فصارت على الجبل، فقالت يا شقى لو ذبحتني لاخرجت من حوصلتي درتين وزن كل واحدة ثلاثون مثقالا، فعض على يديه وتلهف تلهفا شديدا، وقال: هاتى الثالثة، فقالت: أنت قد انسيت الاثنتين، فما تصنع بالثالثة؟ ألم أقل لك: لا تلهفن على
---

[166]
ما فات، وقد تلهفت، وألم أقل لك لا تصدقن بما لا يكون إنه يكون.
وأنا ولحمي ودمى وريشى لا يكون عشرين مثقالا، فكيف صدقت أن في حوصلتي درتين كل واحدة منهما ثلاثون مثقالا! ثم طارت وذهبت.
وقوله:(وربما شرق شارب الماء قبل ريه) كلام فصيح، وهو مثل لمن يخترم(1) بغته، أو تطرقه الحوادث والخطوب وهو في تلهيه من عيشه.
ومثل الكلمة الاخرى قولهم: على قدر العطية تكون الرزية.
والقول في الامانى قد أوسعنا القول فيه من قبل وكذلك في الحظوظ.
---
(1) يخترم بغتة، أي يأتيه الموت بغتة.
---

[167]
(282)
الأصل:
اللهم إنى أعوذ بك من أن تحسن في لامعة العيون علانيتي، وتقبح فيما أبطن لك سريرتي، محافظا على رياء الناس من نفسي بجميع ما أنت مطلع عليه منى، فأبدى للناس حسن ظاهري، وأفضى إليك بسوء عملي، تقربا إلى عبادك، وتباعدا من مرضاتك.
الشرح:
قد تقدم القول في الرياء، وأن يظهر الانسان من العبادة والفعل الجميل ما يبطن غيره، ويقصد بذلك السمعة والصيت لا وجه الله تعالى.
وقد جاء في الخبر المرفوع(أخوف ما أخاف على أمتى الرياء والشهوة الخفية).
قال المفسرون: والرياء من الشهوة الخفية، لانه شهوة الصيت والجاه بين الناس بأنه متين الدين، مواظب على نوافل العبادات، وهذه هي الشهوة الخفية، أي ليست كشهوة الطعام والنكاح وغيرهما من الملاذ الحسية.
وفى الخبر المرفوع ايضا أن اليسير من الرياء شرك(1)، وإن الله يحب الاتقياء الاخفياء الذين هم في بيوتهم إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، ينجون من كل غبراء مظلمه.
---
(1) كلمة غامضة في الاصول.
---

[168]
(283)
الأصل:
وقال عليه السلام: لا والذى أمسينا منه في غبر ليلة دهماء، تكشر عن يوم أغر، ما كان كذا وكذا.
الشرح:
قد روى:(تفتر عن يوم أغر).
والغبر البقايا(1)، وكذلك الاغبار، وكشر أي بسم، وأصله الكشف.
وهذا الكلام إما أن يكون قاله على جهة التفاؤل، أو أن يكون إخبارا بغيب، والاول أوجه(2).
---
(1) ومنه قول أبى كبير الهذلى: ومبرأ من كل غبر حيضة وفساد مرضعة وداء مغيل قال في اللسان:(وغبر الحيض: بقاياه).
(2) ا:(والوجه الاول).
---

[169]
(284)
الأصل:
قليل تدوم عليه، أرجى من كثير مملول منه.
الشرح:
لا ريب أن من أراد حفظ كتاب من الكتب العلمية فحفظ منه قليلا قليلا، ودام على ذلك، فإن ذلك انفع له وأرجى لفلاحه من أن يحفظ كثيرا، ولا يدوم عليه لملاله إياه وضجره منه، والتجربة تشهد بذلك.
والقول في غير الحفظ كالقول في الحفظ، نحو الزيارة القليلة للصديق، ونحو العطاء اليسير الدائم(1) الذى هو خير من الكثير المنقطع، ونحو ذلك.
---
(1) بعدها في ا:(غير المنقطع).
---

[170]
(285)
الأصل:
إذا اضرت النوافل بالفرائض فارفضوها.
الشرح:
قد تقدم القول في النافلة: هل تصح ممن عليه فريضة لم يؤدها، وذكرنا مذاهب الفقهاء في ذلك.
ولا ريب أن من استغرق الوقت بالنوافل حتى آن أوقات الفرائض لم يفعل الفرائض فيها، وشغلها بالعبادة النفلية، فقد أخطأ، والواجب أن يرفض النافلة حيث يتضيق وقت الفريضة، لا خلاف بين المسلمين في ذلك، ويصلح أن يكون هذا مثلا ظاهره ما ذكرنا، وباطنه أمر آخر.
---

[171]
(286)
الأصل:
من تذكر بعد السفر استعد.
الشرح:
هذا مثل قولهم في المثل:(الليل طويل، وانت مقمر)(1)، وقال ايضا: عش ولا تغتر(2).
وقال أصحاب المعاني: مثل الدنيا كركب في فلاة وردوا ماء طيبا، فمنهم من شرب من ذلك الماء شربا يسيرا، ثم أفكر في بعد المسافة التى يقصدونها، وإنه ليس بعد ذلك الماء ماء آخر، فتزود منه ماء أوصله إلى مقصده، ومنهم من شرب من ذلك الماء شرب عظيما، ولها عن التزود والاستعداد، وظن أن ما شرب كاف له ومغن عن ادخار شئ آخر، فقطع به، وأخلفه ظنه، فعطش في تلك الفلاة ومات.
وقد روى عن النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) إنه قال لاصحابه:(إنما مثلى ومثلكم ومثل الدنيا كقوم سلكوا مفازة غبراء حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أم ما بقى! أنفدوا الزاد وحسروا الظهر، وبقوا بين ظهرانى المفازة لا زاد ولا حمولة، فأيقنوا بالهلكة، فبينما هم كذلك خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه ماء، فقالوا: هذا قريب عهد بريف، وما جاءكم هذا إلا من قريب، فلما انتهى إليهم وشاهد حالهم قال: أرأيتم إن هديتكم الى ماء رواء، ورياض خضر ما تعملون؟ قالوا لا نعصيك شيئا،
---
(1) الميداني..
(2) الميداني 2: 16.
---

[172]
قال: عهودكم ومواثيقكم بالله، فأعطوه ذلك، فأوردهم ماء رواء ورياضا خضرا، ومكث بينهم ما شاء الله، ثم قال: إنى مفارقكم، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى ماء ليس كمائكم، ورياض ليست كرياضكم، فقال الاكثرون منهم: والله ما وجدنا ما نحن فيه حتى ظننا إنا لا نجده، وما نصنع بمنزل خير من هذا! وقال الاقلون منهم: ألم تعطوا هذا الرجل مواثيقكم وعهودكم بالله لا تعصونه شيئا، وقد صدقكم في أول حديثه، والله ليصدقنكم في آخره، فراح فيمن تبعه منهم، وتخلف الباقون، فدهمهم عدو شديد الباس عظيم الجيش، فأصبحوا ما بين اسير وقتيل.
---

[173]
(287)
الأصل:
ليست الرؤية مع الابصار، فقد تكذب العيون أهلها، ولا يغش العقل من استنصحه.
الشرح:
هذا مثل قوله تعالى:(فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التى في الصدور)(1).
أي ليس العمى عمى العين، بل عمى القلب.
كذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام، ليست الرؤية مع العيون، وإنما الرؤية الحقيقية مع العقول.
وقد ذهب أكابر الحكماء إلى إن اليقينيات هي المعقولات لا المحسوسات، قالوا: لان حكم الحس في مظنة الغلط، وطال ما كذب الحس، واعتقدنا بطريقة اعتقادات باطلة، كما نرى الكبير صغيرا، والصغير كبيرا، والمتحرك ساكنا، والساكن متحركا، فأما العقل فإذا كان المعقول به بديهيا أو مستندا الى مقدمات بديهية فإنه لا يقع فيه غلط أصلا.
---
(1) سورة الحج 46.
---

[174]
(288)
الأصل:
بينكم وبين الموعظة حجاب من الغرة.
الشرح:
قد تقدم ذكر الدنيا وغرورها، وإنها بشهواتها ولذاتها حجاب بين العبد وبين الموعظة، لان الانسان يغتر بالعاجلة، ويتوهم دوام ما هو فيه، وإذا خطر بباله الموت والفناء وعد نفسه رحمة الله تعالى وعفوه، هذا إن كان ممن يعترف بالمعاد، فإن كثيرا ممن يظهر القول بالمعاد هو في الحقيقة غير مستيقن له، والاخلاد الى عفو الله تعالى والاتكال على المغفرة مع الاقامة على المعصية، غرور لا محالة، والحازم من عمل لما بعد الموت ولم يمن نفسه الامانى التى لا حقيقة لها.
---

[175]
(289)
الأصل:
جاهلكم مزداد، وعالمكم مسوف.
الشرح:
هذا قريب مما سلف: يقول: إن الجاهل من الناس مزداد من جهله، مصر على خطيئته، مسوف من توهماته وعقيدته الباطلة بالعفو عن ذنبه، وليس الامر كما توهمه.
(ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا)(1).
---
(1) سورة النساء 123.
---

[176]
(290)
الأصل:
قطع العلم عذر المتعللين.
الشرح:
هذا أيضا قريب مما تقدم، يقول قطع العلم عذر الذين يعللون انفسهم بالباطل، ويقولون: إن الرب كريم رحيم، فلا حاجة لنا إلى إتعاب أنفسنا بالعبادة، كما قال الشاعر: قدمت على الكريم بغير زاد من الاعمال ذا ذنب عظيم وسوء الظن أن تعتد زادا إذا كان القدوم على الكريم وهذا هو التعليل بالباطل، فإن الله تعالى وإن كان كريما رحيما عفوا غفورا، إلا إنه صادق القول، وقد توعد العصاة وقال:(وإن الفجار لفى جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين)(1)، وقال:(لا تختصموا لدى وقد قمت إليكم بالوعيد * ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد)(2)، ويكفى في رحمته وعفوه وكرمه أن يغفر للتائب أو لمن ثوابه أكثر مما يستحقه من العقاب، فالقول بالوعيد معلوم بادله السمع المتظاهرة المتناصرة التى قد أطنب اصحابنا في تعدادها وإيضاحها، وإذا كان الشئ معلوما، فقد قطع العلم به عذر أصحاب التعلل والتمنى، ووجب العمل بالمعلوم ورفض ما يخالفه.
---
(1) سورة الانفطار 64 - 66.
(2) سورة ق 28، 29.
---

[177]
(291)
الأصل:
كل معاجل يسأل الانظار، وكل مؤجل يتعلل بالتسويف.
الشرح:
قال الله سبحانه:(حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلى أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)(1).
فهذا هو سؤال الانظار لمن عوجل، فأما من أجل فإنه يعلل نفسه بالتسويف، ويقول: سوف أتوب، سوف اقلع عما أنا عليه، فأكثرهم يخترم(2) من غير أن يبلغ هذا الامل، وتأتيه المنية وهو على أقبح حال وأسوئها، ومنهم من تشمله السعادة فيتوب قبل الموت، واولئك الذين ختمت أعمالهم بخاتمة الخير، وهم في العالم كالشعرة البيضاء في الثور الاسود.
---
(1) سورد المؤمنون 99، 100.
(2) يقال: اخترمته المنية، أي أخذته من بينهم.
---

[178]
(292)
الأصل:
ما قال الناس لشئ: طوبى له! إلا وقد خبا له الدهر يوم سوء.
الشرح:
قد تقدم هذا المعنى، وذكرنا فيه نكتا جيدة حميدة.
[نبذ من الاقوال الحكمية في تقلبات الدهر وتصرفاته] كان محمد بن عبد الله بن طاهر أمير بغداد في قصره على دجلة يوما، وإذا بحشيش على وجه الماء، في وسطه قصبة عليها رقعة، فأمر بأخذها، فإذا فيها: تاه الاعيرج واستولى به البطر فقل له: خير ما استعملته الحذر أحسنت ظنك بالايام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالى فاغتررت بها وعند صفو الليالى يحدث الكدر فما انتفع بنفسه مدة.
وفى المثل: الدهر إذا أتى بسحواء سحسح(1)، يعقبها بنكباء زعزع.
وكذاك شرب العيش فيه تلون، بيناه عذبا إذ تحول آجنا.
---
(1) أي سحابة تصب مطرا شديدا.
---

[179]
يحيى بن خالد: أعطانا الدهر فأسرف، ثم مال علينا فأجحف.
وقال الشاعر: فيا لنعيم ساعدتنا رقابه وخاست بنا أكفاله والروادف.
إسحق بن إبراهيم الموصلي: هي المقادير تجرى في أعنتها فاصبر فليس لها صبر على حال يوما تريش خسيس الحال ترفعه إلى السماء ويوما تخفض العالي إذا أدبر الامر أتى الشر من حيث كان يأتي الخير.
هانئ بن مسعود: إن كسرى أبى على الملك النعمان حتى سقاه أم الرقوب كل ملك وأن تصعد يوما بأناس يعود للتصويب.
أحيحة بن الجلاح: وما يدرى الفقير متى غناه وما يدرى الغنى متى يعيل وما تدرى إذا أضربت شولا أتلقح بعد ذلك أم تحيل(1) وما تدرى إذا أزمعت سيرا بأى الارض يدركك المقيل! آخر: فما درن الدنيا بباق لاهله ولا شره الدنيا بضربه لازم.
آخر: رب قوم غبروا من عيشهم في سرور ونعيم وغدق
---
(1) الشول: الناقة التى نقصت ألبانها.
---

[180]
سكت الدهر زمانا عنهم ثم أبكاهم دما حين نطق.
ومن الشعر المنسوب إلى محمد الامين بن زبيدة: يا نفس قد حق الحذر أين الفرار من القدر كل امرئ مما يخاف ويرتجيه على خطر من يرتشف صفو الزمان يغص يوما بالكدر
---

[181]
(293)
الأصل:
وقال عليه السلام وقد سئل عن القدر: طريق مظلم فلا تسلكوه.
ثم سئل ثانيا فقال: بحر عميق فلا تلجوه، ثم سئل ثالثا، فقال: سر الله فلا تتكلفوه.
الشرح:
قد جاء في الخبر المرفوع: القدر سر الله في الارض، وروى: سر الله في عباده، والمراد نهى المستضعفين عن الخوض في إرادة الكائنات، وفى خلق أعمال العباد، فإنه ربما أفضى بهم القول بالجبر، لما في ذلك من الغموض، وذلك أن العامي إذا سمع قول القائل: كيف يجوز أن يقع في عالمه ما يكرهه، وكيف يجوز أن تغلب إرادة المخلوق إرادة الخالق! ويقول ايضا: إذا علم في القدم أن زيدا يكفر، فكيف لزيد أن لا يكفر! وهل يمكن أن يقع خلاف ما علمه الله تعالى في القدم، اشتبه عليه الامر، وصار شبهة في نفسه، وقوى في ظنه مذهب المجبرة، فنهى عليه السلام هؤلاء عن الخوض في هذا النحو من البحث، ولم ينه غيرهم من ذوى العقول الكاملة، والرياضة القوية، والملكة التامة، ومن له قدرة على حل الشبه، والتفصى عن المشكلات.
فإن قلت، فإنكم تقولون: أن العامي والمستضعف يجب عليهما النظر! قلت: نعم إلا أنه لا بد لهما من موقف بعد أعمالها ما ينتهى إليه جهدهما من النظر، بحيث يرشدهما إلى الصواب، والنهى إنما هو لمن يستبد من ضعفاء العامة بنفسه في النظر ولا يبحث مع غيره ليرشده.
---

[182]
(294)
الأصل:
إذا أرذل الله عبدا حظر عليه العلم.
الشرح:
أرذله جعله رذلا، وكان يقال: من علامة بغض الله تعالى للعبد أن يبغض إليه العلم.
وقال الشاعر: شكوت إلى وكيع سوء حفظى فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال: لان حفظ العلم فضل وفضل الله لا يؤتيه عاصي.
وقال رجل لحكيم ما خير الاشياء لى؟ قال: أن تكون عالما، قال: فإن لم أكن؟ قال: أن تكون مثريا، قال: فإن لم أكن؟ قال: أن تكون شاريا، قال: فإن لم أكن؟ قال: فأن تكون ميتا.
أخذ هذا المعنى بعض المحدثين فقال: إذا فاتك العلم جد بالقرى وإن فاتك المال سد بالقراع فإن فات هذا وهذا وذاك فمت فحياتك شر المتاع.
وقال أيضا في المعنى بعينه: ولو لا الحجا والقرى والقراع لما فضل الاخر الاولا ثلاث متى يخل منها الفتى يكن كالبهيمة أو أرذلا
---

[183]
(295)
الأصل:
وقال عليه السلام: كان لى فيما مضى أخ في الله، وكان يعظمه في عينى صغر الدنيا في عينه، وكان خارجا من سلطان بطنه، فلا يتشهى ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتا، فان قال بذ القائلين، ونقع غليل السائلين، وكان ضعيفا مستضعفا، فإن جاء الجد فهو ليث عاد، وصل واد، لا يدلى بحجة حتى يأتي قاضيا، كان لا يلوم أحدا على ما لا يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره، وكان لا يشكو وجعا الا عند برئه، وكان يفعل ما يقول، ولا يقول ما لا يفعل، وكان أن غلب على الكلام لم يغلب على السكوت، وكان على أن يسمع احرص منه على أن يتكلم، وكان إذا بدهه أمران نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه، فعليكم بهذه الخلائق فالزموها، وتنافسوا فيها، فإن لم تستطيعوها فاعلموا إن أخذ القليل خير من ترك الكثير.
الشرح:
قد اختلف الناس في المعنى بهذا الكلام، ومن هو هذا الاخ المشار إليه؟ فقال قوم: هو رسول الله صلى الله عليه وآله، واستبعده قوم لقوله:(وكان ضعيفا مستضعفا)، فإن النبي (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) لا يقال في صفاته مثل هذه الكلمة،
---

[184]
وإن أمكن تأويلها على لين كلامه وسماحة أخلاقه، إلا انها غير لائقة به عليه السلام.
وقال قوم: هو أبو ذر الغفاري واستبعده قوم(لقوله: فإن جاء الجد فهو ليث عاد، وصل واد)، فإن أبا ذر لم يكن من الموصوفين بالشجاعة، والمعروفين بالبسالة.
وقال قوم: هو المقداد بن عمرو المعروف بالمقداد بن الاسود، وكان من شيعة على عليه السلام المخلصين، وكان شجاعا مجاهدا حسن الطريقة، وقد ورد في فضله حديث صحيح مرفوع.
وقال قوم: إنه ليس بإشارة إلى أخ معين، ولكنه كلام خارج مخرج المثل، وعادة العرب جارية بمثل ذلك، مثل قولهم في الشعر: فقلت لصاحبي، ويا صاحبي، وهذا عندي أقوى الوجوه.
[نبذ من الاقوال الحكمية في حمد القناعة وقلة الاكل] وقد مضى القول في صغر الدنيا في عين أهل التحقيق، فأما سلطان البطن ومدح الانسان بأنه لا يكثر من الاكل إذا وجد أكلا، ولا يشتهى من الاكل ما لا يجده، فقد قال الناس فيه فأكثروا.
قال أعشى باهله يرثى المنتشر بن وهب: طاوى المصير على العزاء منصلت بالقوم ليله لا ماء ولا شجر(1) تكفيه فلذة لحم إن ألم بها من الشواء ويروى شربه الغمر ولا يبارى لما في القدر يرقبه ولا تراه أمام القوم يفتقر
---
(1) الكامل للمبرد 4: 65، المصير: واحد المصران.
والعزاء: الامر الشديد.
---

[185]
لا يغمز الساق من أين ولا وصب ولا يعض على شرسوفه الصفر.
وقال الشنفرى: وأطوى على الخمص الحوايا كما انطوت خيوطه مارى تغار وتفتل(1) وإن مدت الايدى إلى الزاد لم أكن باعجلهم إذ أجشع القوم أعجل وما ذاك إلا بسطه عن تفضل عليهم وكان الافضل المتفضل.
وقال بعضهم لابنه: يا بنى عود نفسك الاثره، ومجاهده الهوى والشهوة، ولا تنهش نهش السباع، ولا تقضم قضم البراذين، ولا تدمن الاكل إدمان النعاج، ولا تلقم لقم الجمال، إن الله جعلك انسانا، فلا تجعل نفسك بهيمة ولا سبعا، واحذر سرعة الكظة، وداء البطنة، فقد قال الحكيم: إذا كنت بطنا فعد نفسك من الزمنى(2).
وقال الاعشى: * والبطنة يوما تسفه الاحلاما(3) *.
واعلم أن الشبع داعية البشم، والبشم داعية السقم، والسقم داعية الموت، ومن مات هذه الميتة فقد مات موتة لئيمة، وهو مع هذا قاتل نفسه، وقاتل نفسه الوم من قاتل غيره.
يا بنى والله ما أدى حق السجود والركوع ذو كظة، ولا خشع لله ذو بطنة، والصوم مصحة، ولربما طالت اعمار الهند، وصحت أبدان العرب، ولله در الحارث بن كلدة حيث زعم أن الدواء هو الازم، وإن الداء ادخال الطعام في أثر الطعام، يا بنى لم صفت اذهان الاعراب، وصحت أذهان الرهبان مع طول الاقامة في الصوامع، حتى لم تعرف وجع المفاصل، ولا الاورام، إلا لقلة الرزء، ووقاحة الاكل، وكيف لا ترغب في تدبير يجمع لك بين صحة البدن وذكاء الذهن وصلاح المعاد
---
(1) لامية العرب 27.
(2) الزمنى: المرضى عن كبر وهرم.
(3) ديوانه 247، والبيت بتمامه: يا بنى المنذر بن عبد الله والبطنة يوما قد تأفن الاحلاما.
---

[186]
والقرب وعيش الملائكة.
يا بنى لم صار الضب أطول شئ ذماء! إلا لانه يتبلغ بالنسيم.
ولم زعم رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) أن الصوم وجاء! إلا ليجعله حجابا دون الشهوات! فافهم تأديب الله ورسوله، فإنهما لا يقصدان إلا مثلك.
يا بنى، إنى قد بلغت تسعين عاما ما نقص لى سن، ولا انتشر لى عصب، ولا عرفت دنين أنف، ولا سيلان عين، ولا تقطير بول، ما لذلك علة إلا التخفيف من الزاد، فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تريد الموت فلا يبعد الله إلا من ظلم.
وكان يقال البطنة تذهب الفطنة.
وقال عمرو بن العاص لاصحابه يوم حكم الحكمان: أكثروا لابي موسى من الطعام الطيب فو الله ما بطن قوم قط إلا فقدوا عقولهم أو بعضها، وما مضى عزم رجل بات بطينا.
وكان يقال: أقلل طعاما تحمد مناما.
ودعا عبد الملك بن مروان رجلا إلى الغداء فقال: ما في فضل، فقال: إنى أحب الرجل يأكل حتى لا يكون فيه فضل، فقال: يا أمير المؤمنين، عندي مستزاد، ولكني اكره أن أصير إلى الحال التى استقبحها أمير المؤمنين.
وكان يقال مسكين ابن آدم، أسير الجوع، صريع الشبع.
وسأل عبد الملك أبا الزعيرعة، فقال: هل أتخمت قط؟ قال: لا، قال: وكيف؟ قال: لانا إذا طبخنا أنضجنا، وإذا مضغنا دققنا، ولا نكظ المعدة ولا نخليها.
وكان يقال: من المروءة أن يترك الانسان الطعام وهو بعد يشتهيه.
وقال الشاعر: فإن قراب البطن يكفيك ملؤه ويكفيك سوآت الامور اجتنابها.
وقال عبد الرحمن ابن أخى الاصمعي: كان عمى يقول لى: لا تخرج يا بنى من منزلك
---

[187]
حتى تأخذ حلمك - يعنى تتغذى - فإذا أخذت حلمك فلا تزدد إليه حلما، فإن الكثرة تئول الى قلة.
وفى الحديث المرفوع: ما ملا ابن آدم وعاء شرا من بطن، بحسب الرجل من طعامه ما أقام صلبه، وأما إذا أبيت فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث نفس.
وروى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وآله:(من قل طعمه، صح بطنه، وصفا قلبه، ومن كثر طعمه، سقم بطنه وقسا قلبه)، وعنه صلى الله عليه وآله:(لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فان القلب يموت بهما، كالزرع يموت إذا أكثر عليه الماء).
وروى عون بن أبى جحيفة عن أبيه قال: أكلت يوما ثريدا ولحما سمينا، ثم أتيت رسول الله وأنا أتجشأ، فقال: أحبس جشأك أبا جحيفة، إن أكثركم شبعا في الدنيا أكثركم جوعا في الاخرة، قال: فما أكل أبو جحيفة بعدها ملء بطنه إلى أن قبضه الله.
وأكل على عليه السلام قليلا من تمرد دقل(1) وشرب عليه ماء، وإمر يده على بطنه وقال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله، ثم تمثل فإنك مهما تعط بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا وكان عليه السلام يفطر في رمضان الذى قتل فيه عند الحسن ليلة، وعند الحسين ليلة، وعند عبد الله بن جعفر ليلة، لا يزيد على اللقمتين أو الثلاث، فيقال له، فيقول: إنما هي ليال قلائل، حتى يأتي أمر الله وأنا خميص البطن، فضربه ابن ملجم لعنه الله تلك الليلة.
وقال الحسن: لقد أدركت أقواما ما يأكل أحدهم إلا في ناحية بطنه، ما شبع رجل منهم من طعام حتى فارق الدنيا، كان يأكل، فإذا قارب الشبع أمسك.
وأنشد المبرد:
---
(1) اتنمر الدقل: أردأ التمر.
---

[188]
فإن امتلاء البطن في حسب الفتى قليل الغناء وهو في الجسم صالح.
وقال عيسى عليه السلام: يا بنى اسرائيل، لا تكثروا الاكل، فإنه من أكثر من الاكل أكثر من النوم، ومن أكثر النوم أقل الصلاة، ومن أقل الصلاة كتب من الغافلين: وقيل ليوسف عليه السلام: ما لك لا تشبع وفي يديك خزائن مصر؟ قال: إنى إذا شبعت نسيت الجائعين.
وقال الشاعر: وأكلة أوقعت في الهلك صاحبها كحبة القمح دقت عنق عصفور لكسرة بجريش الملح آكلها ألذ من تمره تحشى بزنبور.
ووصف لسابور ذى الاكتاف رجل من اصطخر للقضاء، فاستقدمه، فدعاه إلى الطعام، فاخذ الملك دجاجة من بين يديه فنصفها، وجعل نصفها بين يدى ذلك الرجل، فأتى عليه قبل أن يفرغ الملك من أكل النصف الاخر، فصرفه إلى بلده، وقال: إن سلفنا كانوا يقولون: من شره الى طعام الملك كان إلى أموال الرعية أشره.
قيل لسميرة بن حبيب: إن ابنك أكل طعاما فأتخم، وكاد يموت، فقال: والله لو مات منه ما صليت عليه.
انس يرفعه: أن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت.
دخل عمر على عاصم ابنه وهو يأكل لحما، فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا إليه، قال: أو كلما قرمت إلى اللحم أكلته! كفى بالمرء شرها أن يأكل كل ما يشتهى.
أبو سعيد يرفعه: استعينوا بالله من الرعب، قالوا: هو الشره، ويقال الرعب شؤم.
أنس يرفعه: أصل كل داء البردة، قالوا: هي التخمة، وقال أبو دريد: العرب تعير بكثرة الاكل، وأنشد: لست بأكال كأكل العبد ولا بنوام كنوم الفهد.
---

[189]
وقال الشاعر: إذا لم أزر إلا لاكل أكلة فلا رفعت كفى إلى طعامي فما اكلة إن نلتها بغنيمة ولا جوعه إن جعتها بغرام.
ابن عباس، كان رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) يبيت طاويا ليالى ما له ولاهله عشاء، وكان عامة طعامه الشعير، وقالت عائشة: والذى بعث محمدا بالحق ما كان لنا منخل، ولا أكل رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) خبزا منخولا منذ بعثه الله إلى أن قبض، قالوا فكيف كنتم تأكلون دقيق الشعير؟ قالت: كنا نقول: أف أف.
أنس، ما أكل رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) رغيفا محورا إلى أن لقى ربه عز وجل.
أبو هريرة: ما شبع رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) وأهله ثلاثه أيام متوالية من خبز حنطه حتى فارق الدنيا.
وروى مسروق قال: دخلت على عائشة وهى تبكى، فقلت: ما يبكيك قالت: ما أشاء أن أبكى إلا بكيت، مات رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ولم يشبع من خبز البر في يوم مرتين، ثم انهارت علينا الدنيا.
حاتم الطائى وإنى لاستحيى صحابي أن يروا مكان يدى من جانب الزاد أقرعا(1) أقصر كفى أن تنال أكفهم إذا نحن اهوينا وحاجاتنا معا أبيت خميص البطن مضطمر الحشا حياء أخاف الضيم أن اتضلعا
---
(1) ديوانه 115.
---

[190]
فإنك إن أعطيت نفسك سؤلها وفرجك نالا منتهى الذم اجمعا.
فأما قوله عليه السلام:(كان لا يتشهى، ما لا يجد) فإنه قد نهى أن يتشهى الانسان ما لا يجد، وقالوا: إنه دليل على سقوط المروءة.
وقال الاحنف: جنبوا مجالسنا ذكر تشهى الاطعمة وحديث النكاح.
وقال الجاحظ جلسنا في دار فجعلنا نتشهى الاطعمة، فقال واحد: وأنا أشتهى سكباجا(1) كثيرة الزعفران.
وقال آخر: أنا أشتهى طباهجة ناشفة، وقال آخر: أنا أشتهى هريسة كثيرة الدارصينى، وإلى جانبنا امرأة بيننا وبينها بئر الدار، فضربت الحائط وقالت: أنا حامل، فأعطوني ملء هذه الغضارة من طبيخكم، فقال ثمامة: جارتنا تشم رائحة الامانى.
---

[191]
(296)
الأصل:
لو لم يتوعد الله سبحانه على معصيته، لكان يجب ألا يعصى شكرا لنعمه.
الشرح:
قالت المعتزلة: إنا لو قدرنا أن الوعيد السمعى لم يرد لما أخل ذلك بكون الواجب واجبا في العقل، نحو العدل والصدق، والعلم ورد الوديعة، هذا في جانب الاثبات، وأما في جانب السلب فيجب في العقل ألا يظلم، وألا يكذب، وألا يجهل، وألا يخون الامانة، ثم اختلفوا فيما بينهم، فقالت معتزلة بغداد: ليس الثواب واجبا على الله تعالى بالعقل، لان الواجبات إنما تجب على المكلف، لان أداءها كالشكر لله تعالى، وشكر المنعم واجب، لانه شكر منعم، فلم يبق وجه يقتضى وجوب الثواب على الله سبحانه، وهذا قريب من قول أمير المؤمنين عليه السلام.
وقال البصريون: بل الثواب واجب على الله تعالى عقلا، كما يجب عليه العوض عن إيلام الحى، لان التكليف إلزام بما فيه مضرة، كما إن الايلام إنزال مضرة، والالزام كالانزال.
---

[192]
(297)
الأصل:
وقال عليه السلام للاشعث بن قيس وقد عزاه عن ابن له: يا أشعث، إن تحزن على ابنك فقد استحقت ذلك منك الرحم، وإن تصبر ففى الله من كل مصيبة خلف.
يا أشعث، إن صبرت جرى عليك القدر وأنت ماجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت مازور.
يا أشعث، ابنك سرك، وهو بلاء وفتنة، وحزنك، وهو ثواب ورحمة.
الشرح:
قد روى هذا الكلام عنه عليه السلام على وجوه مختلفة وروايات متنوعة، هذا الوجه أحدها، وأخذ أبو العتاهية ألفاظه عليه السلام فقال: لمن يعزيه عن ولد ولا بد من جريان القضاء إما مثابا وإما أثيما.
ومن كلامهم في التعازى: إذا استأثر الله بشئ فأله عنه، وتنسب هذه الكلمة إلى عمر بن عبد العزيز.
وذكر أبو العباس في الكامل إن عقبة بن عياض بن تميم أحد بنى عامر بن لؤى استشهد، فعزى أباه معز، فقال: احتسبه ولا تجزع عليه، فقد مات شهيدا، فقال عياض: أتراني كنت أسر به وهو من زينة الحياة، الدنيا وأساء به وهو من الباقيات الصالحات!
---

[193]
وهذا الكلام مأخوذ من كلام أمير المؤمنين عليه السلام.
ومن التعازى الجيدة قول القائل: ومن لم يزل غرضا للمنون يتركه كل يوم عميدا(1) فإن هن اخطأنه مرة فيوشك مخطئها أن يعودا فبينا يحيد واخطأنه قصدن فاعجلنه أن يحيدا.
وقال آخر: هو الدهر قد جربته وعرفته فصبرا على مكروهة وتجلدا وما الناس إلا سابق ثم لاحق وفائت موت سوف يلحقه غدا.
وقال آخر: أينا قدمت صروف الليالى فالذي أخرت سريع اللحاق غدرات الايام منتزعات عنقينا من أنس هذا العناق(2).
ابن نباتة السعدى نعلل بالدواء إذا مرضنا وهل يشفى من الموت الدواء! ونختار الطبيب وهل طبيب يؤخر ما يقدمة القضاء! وما أنفاسنا إلا حساب وما حركاتنا إلا فناء.
البحترى إن الرزية في الفقيد فإن هفا جزع بلبك فالرزية فيكا(3) ومتى وجدت الناس إلا تاركا لحميمة في الترب أو متروكا لو ينجلى لك ذخرها من نكبه جلل لاضحكك الذى يبكيكا.
---
(1) رجل عميد: هده العشق.
(2) حاشية ب: قوله:(عنقينا) التثنية باعتبار التقدم والتأخر.
(3) ديوانه 2: 153، من رثائه لمحمد بن وهب.
---

[194]
وكتب بعضهم إلى صديق له مات ابنه: كيف شكرك لله تعالى على ما أخذ من وديعته، وعوض من مثوبته! وعزى عمر بن الخطاب أبا بكر عن طفل، فقال: عوضك الله منه ما عوضه منك، فإن الطفل يعوض من أبويه الجنة.
وفي الحديث المرفوع:(من عزى مصابا كان له مثل اجره).
وقال عليه السلام:(من كنوز السر كتمان المصائب، وكتمان الامراض وكتمان الصدقة).
وقال شاعر في رثاء ولده: وسميته يحيى ليحيا ولم يكن إلى رد أمر الله فيه سبيل تخيرت فيه الفأل حين رزقته ولم ادر أن الفأل فيه يفيل.
وقال آخر: وهون وجدى بعد فقدك إننى إذا شئت لاقيت أمرا مات صاحبه.
آخر: وقد كنت أرجو لو تمليت عيشه عليك الليالى مرها وانتقالها فأما وقد أصبحت في قبضة الردى فقل لليالي فلتصب من بدا لها أخذه المتنبي فقال: قد كنت أشفق من دمعى على بصرى فاليوم كل عزيز بعدكم هانا(1) ومثله لغيره فراقك كنت أخشى فافترقنا فمن فارقت بعدك لا ابالى
---
(1) ديوانه 4: 222.
---

[195]
(298)
الأصل:
وقال عليه السلام عند وقوفه على قبر رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) ساعة دفن رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الصبر لجميل إلا عنك، وإن الجزع لقبيح إلا عليك، وإن المصاب بك لجليل، وإنه بعدك لقليل.
الشرح:
قد أخذت هذا المعنى الشعراء، فقال بعضهم: أمست بجفني للدموع كلوم حزنا عليك وفي الخدود رسوم(1) والصبر يحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه مذموم وقال أبو تمام: وقد كان يدعى لابس الصبر حازما فقد صار يدعى حازما حين يجزع(2) وقال أبو الطيب: أجد الجفاء على سواك مروءة والصبر إلا في نواك جميلا(3) وقال أبو تمام ايضا: الصبر أجمل غير أن تلذذا في الحب أولى أن يكون جميلا(4).
---
(1) الكامل: 2: 41، ونسبهما إلى محمد بن عبد الله العتبى.
(2) ديوانه 333(بشرح الخياط)، التبيان 1: 246.
(3) ديوانه 3: 233.
(4) ديوانه 242(بشرح الخياط).
---

[196]
وقالت خنساء اخت عمرو بن الشريد: ألا يا صخر إن ابكيت عينى لقد اضحكتني دهرا طويلا بكيتك في نساء معولات وكنت أحق من أبدى العويلا دفعت بك الجليل وأنت حى فمن ذا يدفع الخطب الجليلا! إذا قبح البكاء على قتيل رأيت بكاءك الحسن الجميلا(1).
ومثل قوله عليه السلام:(وإنه بعدك لقليل)، يعنى المصاب، إى لا مبالاة بالمصائب بعد المصيبة، بك قول بعضهم: قد قلت للموت حين نازلة والموت مقدامه على ألبهم إذهب بمن شئت إذ ظفرت به ما بعد يحيى للموت من الم.
وقال الشمردل اليروعى يرثى أخاه: إذا ما أتى يوم من الدهر بيننا فحياك عنا شرقه وأصائله(2) أبى الصبر إن العين بعدك لم تزل يحالف جفنيها قذى ما تزايله وكنت أعير الدمع قبلك من بكى فأنت على من مات بعدك شاغله أعيني إذ أبكاكما الدهر فابكيا لمن نصره قد بان عنا ونائله وكنت به أغشى القتال فعزني عليه من المقدار من لا أقاتله لعمرك إن الموت منا لمولع بمن كان يرجى نفعه وفواضله قوله: * فأنت على من مات بعدك شاغله * هو المعنى الذى نحن فيه، وذكرنا سائر الابيات لانها فائقة بعيدة النظير.
---
(1) ديوانها 225.
(2) أمالى اليزيدى 32، 33.
---

[197]
وقال آخر يرثى رجلا اسمه جارية: أجارى ما أزداد إلا صبابة عليك وما تزداد إلا تنائيا أجارى لو نفس فدت نفس ميت فديتك مسرورا بنفسى وماليا وقد كنت أرجو أن أراك حقيقة فحال قضاء الله دون قضائيا ألا فليمت من شاء بعدك إنما عليك من الاقدار كان حذاريا.
ومن الشعر المنسوب الى على عليه السلام - ويقال: إنه قاله يوم مات رسول الله صلى الله عليه وآله: كنت السواد لناظري فبكى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر.
ومن شعر الحماسة: سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض فحسبك منى ما تجن الجوانح كان لم يمت حى سواك ولم تقم على أحد إلا عليك النوائح لئن حسنت فيك المراثى بوصفها لقد حسنت من قبل فيك المدائح فما أنا من رزء وإن جل جازع ولا بسرور بعد موتك فارح
---

[198]
(299)
الأصل:
لا تصحب المائق فإنه يزين لك فعله، ويود أن تكون مثله.
الشرح:
المائق: الشديد الحمق، والموق: شدة الحمق، وإنما يزين لك فعله لانه يعتقد فعله صوابا بحمقه فيزينه لك كما يزين العاقل لصاحبه فعله لاعتقاد كونه صوابا، ولكن هذا صواب في نفس الامر، وذلك صواب في اعتقاد المائق، لا في نفس الامر، وأما كونه يود أن تكون مثله فليس معناه إنه يود أن تكون أحمق مثله، وكيف وهو لا يعلم من نفسه أنه أحمق، ولو علم إنه أحمق لما كان أحمق، وإنما معناه إنه لحبه لك، وصحبته إياك، يود أن تكون مثله، لان كل أحد يود أن يكون صديقه مثل نفسه في أخلاقه وأفعاله، إذ كل أحد يعتقد صواب أفعاله، وطهارة أخلاقه، ولا يشعر بعيب نفسه لانه يهوى نفسه، فعيب نفسه مطوى مستور عن نفسه، كما تخفى عن العاشق عيوب المعشوق.
---

[199]
(300)
الأصل:
وقال عليه السلام وقد سئل عن مسافه ما بين المشرق والمغرب، فقال: مسيرة يوم للشمس.
الشرح:
هكذا تقول العرب(بينهما مسيرة يوم) بالهاء ولا يقولون(مسير يوم) لان المسير المصدر، والمسيرة الاسم.
وهذا الجواب تسمية الحكماء جوابا إقناعيا، لان السائل أراد أن يذكر له كمية المسافة مفصلة، نحو أن يقول: بينهما ألف فرسخ أو أكثر أو أقل، فعدل عليه السلام عن ذلك وأجابه بغيره، وهو جواب صحيح لا ريب فيه، لكنه غير شاف لغليل السائل، وتحته غرض صحيح، وذلك لانه سأله بحضور العامة تحت المنبر، فلو قال له: بينهما ألف فرسخ مثلا، لكان للسائل أن يطالبه بالدلالة على ذلك، والدلالة على ذلك يشق حصولها على البديهة، ولو حصلت لشق عليه أن يوصلها إلى فهم السائل، ولو فهمها السائل لما فهمتها العامة الحاضرون، ولصار فيها قول وخلاف، وكانت تكون فتنة أو شبيها بالفتنة، فعدل إلى جواب صحيح إجمالي أسكت السائل به، وقنع به السامعون ايضا واستحسنوه، وهذا من نتائج حكمته عليه السلام.
---

[200]
(301)
الأصل:
أصدقاؤك ثلاثة، وأعداؤك ثلاثة، فأصدقاؤك: صديقك، وصديق صديقك، وعدو عدوك.
وأعداؤك: عدوك، وعدو صديقك، وصديق عدوك.
الشرح:
قد تقدم القول في هذا المعنى والاصل في هذا أن صديقك جار مجرى نفسك، فاحكم عليه بما تحكم به على نفسك، وعدوك ضدك، فاحكم عليه بما تحكم به على الضد، فكما أن من عاداك عدو لك، وكذلك من عادى صديقك عدو لك، وكذلك من صادق صديقك فكأنما صادق نفسك، فكان صديقا لك أيضا، وأما عدو عدوك فضد ضدك ضد ضدك، ملائم لك، لانك أنت ضد لذلك الضد، فقد اشتركتما في ضدية ذلك الشخص، فكنتما متناسبين، وأما من صادق عدوك فقد ماثل ضدك، فكان ضدا لك أيضا، ومثل ذلك بياض مخصوص يعادى سوادا مخصوصا ويضاده.
وهناك بياض ثان هو مثل البياض الاول وصديقه، وهناك بياض ثالث مثل البياض الثاني، فيكون أيضا مثل البياض الاول وصديقه، وهناك بياض
---

[201]
رابع تأخذه باعتبار ضدا للسواد المخصوص المفروض، فإنه يكون مماثلا وصديقا للبياض الاول، لانه عدو عدوه، ثم نفرض(1) سوادا ثانيا مضادا للبياض الثاني، فهو عدو للبياض الاول، لانه عدو صديقه، ثم نفرض سوادا ثالثا هو مماثل السواد المخصوص المفروض، فإنه يكون ضدا للبياض المفروض المخصوص، لانه مثل ضده، وإن مثلت ذلك بالحروف كان أظهر وأكشف.
---
(1) ب:(نفض) تحريف.
---

[202]
(302)
الأصل:
وقال عليه السلام لرجل رآه يسعى على عدو له بما فيه إضرار بنفسه: إنما أنت كالطاعن نفسه ليقتل ردفه.
الشرح:
هذا يختلف باختلاف حال الساعي، فإنه إن كان يضر نفسه أولا ثم يضر عدوه تبعا لاضراره بنفسه، كان - كما قال أمير المؤمنين عليه السلام - كالطاعن نفسه ليقتل ردفه، والردف: الرجل الذى ترتدفه خلفك على فرس أو ناقة أو غيرهما، وفاعل ذلك يكون أسفه الخلق وأقلهم عقلا، لانه يبدأ بقتل نفسه وإن كان يضر عدوه أولا، يحصل في ضمن إضراره بعدوه إضراره بنفسه، فليس يكون مثال أمير المؤمنين عليه السلام منطبقا على ذلك، ولكن يكون كقولي في غزل من قصيدة لى: إن ترم قلبى تصم نفسك إنه لك موطن تأوى إليه ومنزل(1)
---
(1) تصمى أي تصيب.
---

[203]
(303)
الأصل:
ما أكثر العبر وأقل الاعتبار! الشرح:
ما أوجز هذه الكلمة وما أعظم فائدتها! ولا ريب أن العبر كثيرة جدا، بل كل شئ في الوجود ففيه عبرة، ولا ريب أن المعتبرين بها قليلون، وإن الناس قد غلب عليهم الجهل والهوى، وأرداهم حب الدنيا، وأسكرهم خمرها، وإن اليقين في الاصل ضعيف عندهم، ولو لا ضعفه لكانت أحوالهم غير هذه الاحوال.
---

[204]
(304)
الأصل:
من بالغ في الخصومة أثم، ومن قصر فيها ظلم، ولا يستطيع أن يتقى الله من خاصم.
الشرح:
هذا مثل قوله عليه السلام في موضع آخر: الغالب بالشر مغلوب.
وكان يقال ما تساب اثنان إلا غلب الامهما.
وقد نهى العلماء عن الجدل والخصومة في الكلام والفقه، وقالوا: إنهما مظنة المباهاة وطلب الرئاسة والغلبة، والمجادل يكره أن يقهره خصمه، فلا يستطيع أن يتقى الله.
وهذا هو كلام أمير المؤمنين عليه السلام بعينه.
وأما الخصومة في غير العلم كمنازعة الناس بعضهم بعضا في أمورهم الدنياوية، فقد جاء في ذمها والنهى عنها شئ كثير، وقد ذكرنا منه فيما تقدم قولا كافيا، على أن منهم من مدح الجهل والشر في موضعهما.
وقال الاحنف: ما قل سفهاء قوم إلا ذلوا.
وقال بعض الحكماء: لا يخرجن أحد من بيته إلا وقد أخذ في حجزته قيراطين من جهل، فإن الجاهل لا يدفعه إلا الجهل.
وقالوا: الجاهل من لا جاهل له.
وقال الشاعر: إذا كنت بين الجهل والحلم قاعدا وخيرت انى شئت فالعلم أفضل ولكن إذا انصفت من ليس منصفا ولم يرض منك الحلم فالجهل أمثل إذا جاءني من يطلب الجهل عامدا فإنى سأعطيه الذى هو سائل
---

[205]
(305)
الأصل:
ما أهمنى أمر أمهلت بعده، حتى أصلى ركعتين، وأسأل الله العافية.
الشرح:
هذا فتح لباب التوبة وتطريق إلى طريقها، وتعليم للنهضة إليها والاهتمام بها، ومعنى الكلام أن الذنب الذى لا يعاجل الانسان عقيبه بالموت ينبغى للانسان ألا يهتم به، أي لا ينقطع رجاؤه عن العفو وتأميله الغفران، وذلك بأن يقوم إلى الصلاة عاجلا، ويستغفر الله، ويندم ويعزم على ترك المعاودة، ويسأل الله العافية من الذنوب والعصمة من المعاصي، والعون على الطاعة، فإنه إذا فعل ذلك بنية صحيحة واستوفى شرائط التوبة سقط عنه عقاب ذلك الذنب.
وفي هذا الكلام تحذير عظيم من مواقعة الذنوب، لانه إذا كان هذا هو محصول الكلام، فكأنه قد قال: الحذر الحذر من الموت المفاجئ قبل التوبة، ولا ريب إن الانسان ليس على ثقة من الموت المفاجئ قبل التوبة، إنه لا يفاجئه ولا يأخذه بغتة، فالانسان إذا كان عاقلا بصيرا يتوقى الذنوب والمعاصي التوقى
---

[206]
(306)
الأصل:
وسئل عليه السلام كيف يحاسب الله الخلق على كثرتهم؟ فقال: كما يرزقهم على كثرتهم.
فقيل كيف يحاسبهم ولا يرونه! فقال: كما يرزقهم ولا يرونه.
الشرح:
هذا جواب صحيح، لانه تعالى لا يرزقهم على الترتيب، أعنى واحدا بعد واحد، وإنما يرزقهم جميعهم دفعة واحدة، وكذلك تكون محاسبتهم يوم القيامة.
والجواب الثاني صحيح أيضا، لانه إذا صح أن يرزقنا ولا نرى الرازق، صح أن يحاسبنا ولا نرى المحاسب.
فإن قلت: فقد ورد إنهم يمكثون في الحساب ألف سنة، وقيل أكثر من ذلك، فكيف يجمع بين ما ورد في الخبر وبين قولكم:(إن حسابهم يكون ضربة واحدة)! ولا ريب أن الاخبار تدل على أن الحساب يكون لواحد بعد واحد.
قلت: إن أخبار الاحاد لا يعمل عليها، لا سيما الاخبار الواردة في حديث الحساب والنار والجنة، فان المحدثين طعنوا في أكثرها، وقالوا: إنها موضوعة، وجملة الامر إنه ليس هناك تكليف، فيقال أن ترتيب المحاسبة في زمان طويل جدا يتضمن لطفا في التكليف فيفعله الباري تعالى لذلك، وإنما الغرض من المحاسبة صدق الوعد وما سبق من القول، والكتاب العزيز لم ينطق إلا بالمحاسبة مجملة، فوجب القول بالمتيقن المعلوم فيها ورفض ما لم يثبت.
---

[207]
(307)
الأصل:
رسولك ترجمان عقلك، وكتابك أبلغ ما ينطق عنك.
الشرح:
قالوا في المثل الرسول على قدر المرسل.
وقيل ايضا رسولك انت، إلا إنه إنسان آخر.
وقال الشاعر: تخير إذا ما كنت في الامر مرسلا فمبلغ آراء الرجال رسولها ورو وفكر في الكتاب فإنما بأطراف أقلام الرجال عقولها
---

[208]
(308)
الأصل:
ما المبتلى الذى قد اشتد به البلاء، بأحوج إلى الدعاء من المعافى الذى لا يأمن البلاء.
الشرح:
هذا ترغيب في الدعاء، والذى قاله عليه السلام حق، لان المعافى في الصورة مبتلى في المعنى، وما دام الانسان في قيد هذه الحياة الدنيا فهو من أهل البلاء على الحقيقة، ثم لا يأمن البلاء الحسى، فوجب أن يتضرع الى الله تعالى إنه ينقذه من بلاء الدنيا المعنوي، ومن بلائها الحسى في كل حال.
ولا ريب أن الادعية مؤثرة، وإن لها أوقات إجابة، ولم يختلف المليون(1) والحكماء في ذلك.
---
(1) في ا:(أصحاب الملل).
---

[209]
(309)
الأصل:
الناس أبناء الدنيا، ولا يلام الرجل على حب أمه.
الشرح:
قد قال عليه السلام في موضع آخر:(الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم).
وقال الشاعر: ونحن بنى الدنيا غذينا بدرها وما كنت منه فهو شئ محبب(1)
---
(1) الدر: اللبن، والكلام على الاستعارة.
---

[210]
(310)
الأصل:
إن المسكين رسول الله، فمن منعه فقد منع الله، ومن أعطاه فقد أعطى الله.
الشرح:
هذا حض على الصدقة، وقد تقدم لنا قول مقنع فيها.
وفي الحديث المرفوع:(اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة).
وقال صلى الله عليه وآله:(لو صدق السائل لما أفلح من رده).
وقال أيضا:(من رد سائلا خائبا لم تغش الملائكة ذلك البيت سبعة أيام).
وكان (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) لا يكل خصلتين الى غيره: كان يصنع طهوره(1) بالليل ويخمره، وكان يناول المسكين بيده.
وقال بعض الصالحين: من لم تكن نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته، فقد أبطل صدقته، وضرب بها وجهه.
وقال بعضهم: الصلاة تبلغك نصف الطريق، والصوم يبلغك باب الملك، والصدقة تدخلك عليه.
---
(1) الطهور: الماء الذى يتطهر به.
ويخمره: يستره.
---

[211]
(311)
الأصل:
ما زنى غيور قط.
الشرح:
قد جاء في الاثر: من زنى زنى به ولو في عقب عقبه.
وهذا قد جرب فوجد حقا، وقل من ترى مقداما على الزنا إلا والقول في حرمه وأهله وذوى محارمه كثير فاش.
والكلمة التى قالها عليه السلام حق لان من اعتاد الزنا حتى صار دربته وعادته والفتة نفسه، لا بد أن يهون عليه حتى يظنه مباحا، أو كالمباح، لان من تدرب بشئ ومرن عليه زال قبحه من نفسه، وإذا زال قبح الزنا من نفسه لم يعظم عليه ما يقال في أهله، وإذا لم يعظم عليه ما يقال في أهله، فقد سقطت غيرته.
---

[212]
(312)
الأصل:
كفى بالاجل حارسا! الشرح:
قد تقدم القول في هذا المعنى.
وكان عليه السلام يقول: إن على من الله جنة(1) حصينة، فإذا جاء يومى أسلمتني، فحينئذ لا يطيش السهم، ولا يبرأ الكلم.
والقول في الاجل وكونه حارسا شعبة من شعب القول في القضاء والقدر، وله موضع هو أملك به(2).
---
(1) الجنة بالضم: كل ما وقى.
(2) ا:(أولى به).
---

[213]
(313)
الأصل:
ينام الرجل على الثكل، ولا ينام على الحرب.
قال السيد: ومعنى ذلك أنه يصبر على قتل الاولاد، ولا يصبر على سلب الاموال.
الشرح:
كان يقال المال عدل النفس.
وفي الاثر: أن من قتل من دون ماله فهو شهيد.
وقال الشاعر: لنا أبل غر يضيق فضاؤها ويغبر عنها أرضها وسماؤها فمن دونها أن تستباح دماؤنا ومن دوننا أن تستباح دماؤها حمى وقرى فالموت دون مرامها وأيسر أمر يوم حق فناؤها
---

[214]
(314)
الأصل:
مودة الاباء قرابه بين الابناء، والقرابة أحوج إلى المودة من المودة إلى القرابة.
الشرح:
كان يقال الحب يتوارث، والبغض يتوارث.
وقال الشاعر: أبقى الضغائن آباء لنا سلفوا فلن تبيد وللاباء ابناء ولا خير في القرابة من دون مودة.
وقد قال القائل لما قيل له: أيهما أحب إليك؟ أخوك أم صديقك؟ فقال: إنما أحب أخى إذا كان صديقا.
فالقربى محتاجة إلى المودة لا والمودة مستغنية عن القربى(1).
---
(1) ا:(القرابة).
---

[215]
(315)
الأصل:
اتقوا ظنون المؤمنين فإن الله تعالى جعل الحق على السنتهم.
الشرح:
كان يقال ظن المؤمن كهانة.
وهو أثر جاء عن بعض السلف.
قال أوس بن حجر(1): الالمعى الذى يظن(2) بك الظن كان قد رأى وقد سمعا(3) وقال أبو الطيب(4): ذكى تظنيه طليعة عينه يرى قلبه في يومه ما يرى غدا(5)
---
(1) ديوانه 53.
(2) الديوان:(لك).
(3) الالمعى: الحديد اللسان والفلب، قال في الكامل:(وقد أبانه بقوله:(الذى يظن بك الظن).
(4) ديوانه 1: 282.
(5) التظنى: هو التظنن، قلبت النون الثانية ياء: والطليعة: الذى يطلع القوم على العدو فإذا جاءهم العدو أنذرهم.
---

[216]
(316)
الأصل:
لا يصدق ايمان عبد حتى يكون بما في يد الله سبحانه أوثق منه بما في يده.
الشرح:
هذا كلام في التوكل، وقد سبق القول فيه.
وقال بعض العلماء: لا يشغلك المضمون لك من الرزق عن المفروض عليك من العمل، فتضيع أمر آخرتك، ولا تنال من الدنيا إلا ما كتب الله لك.
وقال يحيى بن معاذ في جود(1) العبد: الرزق عن غير طلب دلالة على أن الرزق مأمور بطلب العبد.
وقال بعضهم: متى رضيت بالله وكيلا، وجدت إلى كل خير سبيلا(2).
---
(1) في ب:(وجود) تحريف.
(2) زاد بعدها في ا:(واضحا).
---

[217]
(317)
الأصل:
وقال عليه السلام لانس بن مالك، وقد كان بعثه إلى طلحة والزبير لما جاء إلى البصرة يذكرهما شيئا قد سمعه من رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) في معناهما، فلوى عن ذلك فرجع إليه، فقال: إنى أنسيت ذلك الامر، فقال عليه السلام: إن كنت كاذبا فضربك الله بها بيضاء لامعة لا تواريها العمامة.
قال: يعنى البرص، فأصاب أنسا هذا الداء فيما بعد في وجهه، فكان لا يرى إلا متبرقعا.
الشرح:
المشهور أن عليا عليه السلام ناشد الناس الله في الرحبة بالكوفة، فقال: أنشدكم الله رجلا سمع رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) يقول لى وهو منصرف من حجة الوداع:(من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) فقام رجال فشهدوا بذلك، فقال عليه السلام لانس بن مالك: لقد حضرتها، فما بالك! فقال: يا أمير المؤمنين كبرت سنى، وصار ما أنساه أكثر مما أذكره، فقال له: إن كنت كاذبا فضربك الله بها بيضاء لا تواريها العمامة، فما مات حتى أصابه البرص.
فاما ما ذكره الرضى من إنه بعث أنسا إلى طلحة والزبير فغير معروف، ولو كان قد بعثه ليذكرهما بكلام يختص بهما من رسول الله صلى الله عليه وآله
---

[218]
يرجع، فيقول إنى أنسيته، لانه ما فارقه متوجها نحوهما إلا وقد أقر بمعرفته وذكره، فكيف يرجع بعد ساعة أو يوم فيقول إنى أنسيته، فينكر بعد الاقرار! هذا مما لا يقع.
وقد ذكر ابن قتيبه حديث البرص، والدعوة التى دعا بها أمير المؤمنين عليه السلام على أنس بن مالك في كتاب المعارف في باب البرص(1) من أعيان الرجال، وابن قتيبة غير متهم في حق على عليه السلام، على المشهور من انحرافه عنه.
---
(1) المعارف 580.
---

[219]
(318)
الأصل:
إن للقلوب اقبالا وإدبارا، فإذا اقبلت فاحملوها على النوافل، وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض.
الشرح:
لا ريب أن القلوب تمل كما تمل الابدان، وتقبل تارة على العلم وعلى العمل، وتدبر تارة عنهما.
قال على عليه السلام: فإذا رأيتموها مقبلة أي قد نشطت وارتاحت للعمل فاحملوها على النوافل، ليس يعنى اقتصروا بها على النافلة، بل أدوا الفريضة وتنفلوا بعد ذلك.
وإذا رأيتموها قد ملت العمل وسئمت فاقتصروا بها على الفرائض، فإنه لا انتفاع بعمل لا يحضر القلب فيه(1).
---
(1) ا:(لا يحضره القلب).
---

[220]
(319)
الأصل:
في القرآن نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم.
الشرح:
هذا حق، لان فيه أخبار القرون الماضية، وفيه أخبار كثيرة عن أمور مستقبلة، وفيه أخبار كثيرة شرعية، فالاقسام الثلاثة كلها موجودة فيه.
---

[221]
(320)
الأصل:
ردوا الحجر من حيث جاء، فإن الشر لا يدفعه إلا الشر.
الشرح:
هذا مثل قولهم في المثل: إن الحديد بالحديد يفلح وقال عمرو بن كلثوم: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا(1) وقال الفند الزمانى: فلما صرح الشر فامسى وهو عريان(2) ولم يبق سوى العدوان دناهم كما دانوا وبعض الحلم عند الجهل للذله اذعان وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان وقال الاحنف: وذى ضعن أمت القول عنه بحلمى فاستمر على المقال ومن يحلم وليس له سفيه يلاق المعضلات من الرجال
---
(1) من المعلقة ص 323 - بشزح التبريزي.
(2) ديوان الحماسة 1: 23 - 26 - بشرح التبريزي قالها في حرب البسوس.
---

[222]
وقال الراجز: لا بد للسؤدد من أرماح ومن عديد يتقى بالراح * ومن سفيه دائم النباح * وقال آخر: ولا يلبث الجهال أن يتهضموا أخا الحلم ما لم يستعن بجهول وقال آخر: ولا أتمنى الشر والشر تاركى ولكن متى احمل على الشر أركب
---

[223]
(321)
الأصل:
وقال عليه السلام لكاتبه عبيد الله بن أبى رافع: ألق دواتك، وأطل جلفه قلمك، وفرج بين السطور، وقرمط بين الحروف فان ذلك أجدر بصباحه الخط.
الشرح:
لاق الحبر بالكاغد يليق، أي التصق، ولقته أنا يتعدى ولا يتعدى، وهذه دواة مليقة: أي قد أصلح مدادها، وجاء ألق الدواة الاقة فهى مليقة، وهى لغة قليلة وعليها وردت كلمة أمير المؤمنين عليه السلام.
ويقال للمرأة إذا لم تحظ عند زوجها: ما عاقت عند زوجها ولا لاقت، أي ما التصقت بقلبه.
وتقول هي جلفة القلم بالكسر، وأصل الجلف القشر، جلفت الطين من رأس الدن، والجلفة هيئة فتحة القلم التى يستمد بها المداد، كما تقول: هو حسن الركبة والجلسة ونحو ذلك من الهيئات.
وتقول: قد قرمط فلان خطوة إذا مشى مشيا فيه ضيق وتقارب، وكذلك القول في تضييق الحروف.
فأما التفريج بين السطور فيكسب الخط بهاء ووضوحا
---

[224]
(322)
الأصل:
أنا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الفجار.
قال: معنى ذلك أن المؤمنين يتبعونني، والفجار يتبعون المال، كما تتبع النحل يعسوبها، وهو رئيسها.
الشرح:
هذه كلمة قالها رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) بلفظين مختلفين، تارة:(أنت يعسوب الدين) وتارة:(أنت يعسوب المؤمنين)، والكل راجع إلى معنى واحد، كأنه جعله رئيس المؤمنين وسيدهم، أو جعل الدين يتبعه، ويقفو أثره، حيث سلك كما يتبع النحل اليعسوب.
وهذا نحو قوله:(وأدر الحق معه كيف دار).
---

[225]
(323)
الأصل:
وقال لبعض اليهود حين قال له: ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم فيه فقال له: إنما اختلفنا عنه لا فيه، ولكنكم ما جفت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيكم:(إجعل لنا الها كما لهم آلهة قال انكم قوم تجهلون)(1).
الشرح:
ما أحسن قوله:(اختلفنا عنه لا فيه)، وذلك لان الاختلاف لم يكن في التوحيد والنبوة، بل في فروع خارجة عن ذلك، نحو الامامة والميراث، والخلاف في الزكاة هل هي واجبة أم لا، واليهود لم يختلفوا كذلك، بل في التوحيد الذى هو الاصل.
قال المفسرون: مروا على قوم يعبدون أصناما لهم على هيئه البقر، فسألوا موسى أن يجعل لهم إلها كواحد منها، بعد مشاهدتهم الايات والاعلام، وخلاصهم من رق العبودية، وعبورهم البحر، ومشاهدة غرق فرعون، وهذه غاية الجهل.
وقد روى حديث اليهودي على وجه آخر، قيل قال يهودى لعلى عليه السلام: اختلفتم بعد نبيكم ولم يجف ماؤه - يعنى غسله - صلى الله عليه وآله، فقال عليه السلام: وأنتم قلتم: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ولما يجف ماؤكم.
---
(1) سورة الاعراف: 138.
---

[226]
(324)
الأصل:
وقيل له عليه السلام بأى شئ غلبت الاقران؟ قال: ما لقيت احدا إلا أعانني على نفسه قال الرضى رحمه الله تعالى: يومئ بذلك إلى تمكن هيبته في القلوب.
الشرح:
قالت الحكماء: الوهم مؤثر، وهذا حق، لان المريض إذا تقرر في وهمه أن مرضه قاتل له ربما هلك بالوهم، وكذلك من تلسبه الحية(1)، ويقع في خياله أنها قاتلته، فانه لا يكاد يسلم منها، وقد ضربوا لذلك مثالا، الماشي على جذع معترض على مهواه، فإن وهمه وتخيله السقوط يقتضى سقوطه، وإلا فمشيه عليه وهو منصوب على المهواة كمشيه عليه وهو ملقى على الارض، لا فرق بينهما إلا الوهم والخوف والاشفاق والحذر، فكذلك الذين بارزوا عليا عليه السلام من الاقران، لما كان قد طار صيته، واجتمعت الكلمة إنه ما بارزه أحد إلا كان المقتول، غلب الوهم عليهم، فقصرت أنفسهم عن مقاومته، وانخذلت أيديهم وجوارحهم عن مناهضته، وكان هو في الغاية القصوى من الشجاعة والاقدام، فيقتحم عليهم ويقتلهم.
---
(1) لسبته الحية: لدغته.
---

[227]
(325)
الأصل:
وقال عليه السلام لابنه: يا بنى إنى أخاف عليك الفقر، فاستعذ بالله منه، فإن الفقر منقصة للدين، مدهشة للعقل، داعية للمقت.
الشرح:
[نبذ من الاقوال الحكيمة في الفقر و الغنى] هذا موضع قد اختلف الناس فيه كثيرا، ففضل قوم الغنى، وفضل قوم الفقر.
فقال أصحاب الغنى: قد وصف الله تعالى المال، فسماه خيرا، فقال:(إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى)(1).
وقال ممتنا على عباده، واعدا لهم بالانعام والاحسان:(ويمددكم بأموال وبنين)(2).
وقال:(وجعلت له مالا ممدودا)(3).
وقال النبي صلى الله عليه وآله:(المال الحسب، إن أحساب أهل الدنيا هذا المال).
وقال عليه السلام:(نعم العون على تقوى الله المال).
---
(1) سورة ص 32.
(2) سورة نوح 12.
(3) سورة المدثر 12.
---

[228]
قالوا ولاريب أن الاعمال الجليلة العظيمه الثواب لا يتهيا حصولها إلا بالمال، كالحج والوقوف والصدقات و الزكوات والجهاد.
وقد جاء في الخبر:(خير المال سكة مأبورة(1) أو مهرة مامورة).
وقالت الحكماء: المال يرفع صاحبه وإن كان وضيع النسب، قليل الادب وينصره وإن كان جبانا، ويبسط لسانه وإن كان عيا، به توصل الارحام، و تصان الاعراض، وتظهر المروءة، وتتم الرياسة، ويعمر العالم، وتبلغ الاغراض، وتدرك المطالب، وتنال المآرب، يصلك إذا قطعك الناس، وينصرك إذا خذلوك، ويستعبد لك الاحرار، ولولا المال لما بان كرم الكريم، ولا ظهر لؤم اللئيم، ولا شكر جواد، ولا ذم بخيل، ولا صين حريم، ولا أدرك نعيم.
وقال الشاعر: المال أنفع للفتى من علمه والفقر أقتل للفتى من جهله ما ضر من رفع الدراهم قدره جهل يناط إلى دناءة اصله وقال آخر: دعوت أخى فولى مشمئزا ولبى درهمى لما دعوت وقال آخر: ولم أر أوفى ذمة من دراهمي وأصدق عهدا في الامور العظائم فكم خاننى خل وثقت بعهده وكان صديقا لى زمان الدراهم وقال آخر: أبو الاصفر المنقوش انفع للفتى من الاصل والعلم الخطير المقدم
---
(1) السكة: الطريقة.
والمأبورة: الملقحة، وانظر نهاية ابن الاثير 1: 10.
---

[229]
وما مدح العلم امرؤ ظفرت به يداه ولكن كل مقو ومعدم وقال الشاعر: ولم أر بعد الدين خيرا من الغنى ولم أر بعد الكفر شرا من الفقر.
وقال العتابى: الناس لصاحب المال الزم من الشعاع للشمس، وهو عندهم أرفع من السماء، وأعذب من الماء، وأحلى من الشهد، وأزكى من الورد، خطؤه صواب، وسيئته حسنة، وقوله مقبول، يغشى مجلسه، ولا يمل حديثه، والمفلس عندهم أكذب من لمعان السراب، ومن رؤيا الكظة، ومن مرآه اللقوة، ومن سحاب تموز، لا يسأل عنه إن غاب، ولا يسلم عليه إذا قدم، إن غاب شتموه، وإن حضر طردوه، مصافحته تنقض الوضوء، وقراءته تقطع الصلاة، أثقل من الامانة، وأبغض من السائل المبرم.
وقال بعض الشعراء الظرفاء، وأحسن كل الاحسان مع خلاعته أصون دراهمي وأذب عنها لعلمي إنها سيفى وترسي وأذخرها واجمعها بجهدي ويأخذ وارثي منها وعرسي فيأكلها ويشربها هنيئا على النغمات من نقر وجس ويقعد فوق قبري بعد موتى ولا يتصدقن عنى بفلس أحب إلى من قصدي عظيما كبيرا أصله من عبد شمس أمد إليه كفى مستميحا وأصبح عبد خدمته وأمسى ويتركنى أجر الرجل منى وقد صارت كنفس الكلب نفسي.
---

[230]
وقال: أصحاب الفقر الغنى سبب الطغيان، قال الله تعالى:(كلا إن الانسان ليطغى * أن رآه استغنى)(1).
وقال تعالى:(وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونأى بجانبه)(2).
وكان يقال الغنى يورث البطر، وغنى النفس خير من غنى المال.
وقال محمود البقال الفقر خير فاتسع واقتصد إن من العصمة الا تجد كم واجد اطلق وجدانه عنانه في بعض ما لم يرد ومدمن للخمر غاد على سماع عود وغناء غرد لو لم يجد خمرا ولا مسمعا يرد بالماء غليل الكبد كم من يد للفقر عند امرئ طاطا منه الفقر حتى اقتصد.
وكان يقال الفقر شعار الصالحين، والفقر لباس الانبياء.
ولذلك قال البحترى: فقر كفقر الانبياء وغربة وصبابة ليس البلاء بواحد(3) وكان يقال الفقر مخف، والغنى مثقل.
وفى الخبر نجا المخفون.
وما أحسن قول أبى العتاهية: ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى وإن الغنى يخشى عليه من الفقر وقد ذم الله تعالى المال، فقال:(إنما أموالكم وأولادكم فتنة)(4).
---
(1) سورة العلق 6، 7.
(2) سورة الاسراء 83.
(3) ديوانه 1: 168.
(4) سورة الانفال 28.
---

[231]
وكان يقال المال ملول، المال ميال، المال غاد ورائح، طبع المال كطبع الصبى، لا يوقف على وقت رضاه ولا وقت سخطه.
المال لا ينفعك حتى يفارقك.
وإلى هذا المعنى نظر القائل: وصاحب صدق ليس ينفع قربه ولا وده حتى تفارقه عمدا - يعنى الدينار.
وما أحسن ما قاله الاول: وقد يهلك الانسان حسن رياشه كما يذبح الطاوس من أجل ريشه وقال آخر: رويدك إن المال يهلك ربه إذا جم واستعلى وسد طريقه ومن جاوز الماء الغزير فمجه وسد طريق الماء فهو غريقه
---

[232]
(326)
الأصل:
وقال لسائل سأله عن مسألة: سل تفقها، ولا تسال تعنتا، فإن الجاهل المتعلم شبيه بالعالم، وإن العالم المتعنت شبيه بالجاهل.
الشرح:
قد ورد نهى كثير عن السؤال على طريق الاعنات.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له: من حق العالم ألا تكثر عليه بالسؤال، ولا تعنته في الجواب، ولا تضع له غامضات المسائل، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تفش له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تنقلن إليه حديثا، ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره وتعظمه لله ما دام حافظا أمر الله، ولا تجلس أمامه، وإذا كانت له حاجة فاسبق أصحابك إلى خدمته.
وقال ابن سيرين لسائل سأله: سل أخاك أبليس، إنك لن تسال وأنت طالب رشد.
وقالوا اللهم إنا نعوذ بك أن تعنت كما نعوذ بك أن نعنت، ونستكفيك أن تفضح، كما نستكفيك أن تفضح.
وقالوا إذا آنس المعلم من التلميذ سؤال التعنت حرم عليه تعليمه.
---

[233]
(327)
الأصل:
وقال عليه السلام لعبد الله بن العباس رضى الله عنه وقد أشار إليه في شئ لم يوافق رأيه: لك أن تشير على وارى فإذا عصيتك فاطعني.
الشرح:
الامام أفضل من الرعية رأيا وتدبيرا، فالواجب على من يشير عليه بأمر فلا يقبل أن يطيع ويسلم ويعلم أن الامام قد عرف من المصلحة ما لم يعرف.
ولقد أحسن الصابى في قوله في بعض رسائله: ولو لا فضل الرعاة على الرعايا في بعد مطرح النظرة، واستشفاف عيب العاقبة، لتساوت الاقدام، وتقاربت الافهام، واستغنى المأموم عن الامام.
---

[234]
(328)
الأصل:
وروى إنه عليه السلام لما ورد الكوفة قادما من صفين مر بالشباميين، فسمع بكاء النساء على قتلى صفين، وخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامى، وكان من وجوه قومه، فقال له: أيغلبكم نساؤكم على ما أسمع ألا تنهونهن عن هذا الرنين! وأقبل حرب يمشى معه وهو عليه السلام راكب، فقال له: ارجع فان مشى مثلك مع مثلى فتنه للوالى ومذلة للمؤمن.
قد ذكرنا نسب الشباميين فيما اقتصصناه من أخبار صفين في أول الكتاب.
والرنين الصوت، وإنما جعله فتنة للوالى لما يتداخله من العجب بنفسه والزهو، ولا ريب أيضا في أنه مذلة للمؤمن، فإن الرجل الماشي إلى ركاب الفارس أذل الناس.
---

[235]
(329)
الأصل:
وقال عليه السلام وقد مر بقتلى الخوارج يوم النهروان: بؤسا لكم! لقد ضركم من غركم.
فقيل له: من غرهم يا أمير المؤمنين؟ فقال: الشيطان المضل، والنفس الامارة بالسوء، غرتهم بالآماني، وفسحت لهم في المعاصي، ووعدتهم الاظهار، فاقتحمت بهم النار.
الشرح:
يقال بؤسى لزيد وبؤسا(بالتنوين) لزيد، فبؤسى نظيره نعمى، وبؤسا نظيره نعمة، ينتصب على المصدر.
وهذا الكلام رد على المجبرة، وتصريح بان النفس الامارة بالسوء هي الفاعلة.
والاظهار مصدر، أظهرته على زيد، أي جعلته ظاهرا عليه غالبا له، أي وعدتهم الانتصار والظفر.
---

[236]
(330)
الأصل:
اتقوا معاصي الله في الخلوات، فإن الشاهد هو الحاكم.
الشرح:
إذا كان الشاهد هو الحاكم استغنى عمن يشهد عنده، فالانسان اذن جدير أن يتقى الله حق تقاته، لانه تعالى الحاكم فيه وهو الشاهد عليه(1).
---
(1) ا:(فيه).
---

[237]
(331)
الأصل:
وقال عليه السلام لما بلغه قتل محمد بن أبى بكر رضى الله عنه.
إن حزننا عليه على قد سرورهم به، إلا أنهم نقصوا بغيضا، ونقصنا حبيبا.
الشرح:
قد تقدم ذكر مقتل محمد بن أبى بكر رضى الله عنه.
وقال عليه السلام: إن حزننا به في العظم على قدر فرحهم به، ولكن وقع التفاوت بيننا وبينهم من وجه آخر، وهو إنا نقصنا حبيبا إلينا، وأما هم فنقصوا بغيضا إليهم.
فإن قلت: كيف نقصوا، ومعلوم أن أهل الشام ما نقصوا بقتل محمد شيئا لانه ليس في عددهم! قلت: لما كان أهل الشام يعدون في كل وقت اعداءهم وبغضاءهم من أهل العراق، وصار ذلك العدد معلوما عندهم محصور الكمية، نقصوا بقتل محمد من ذلك العدد واحدا، فإن النقص ليس من عدد اصحابهم، بل من عدد اعدائهم الذين كانوا يتربصون بهم الدوائر، ويتمنون لهم الخطوب والاحداث، كأنه يقول: استراحوا من واحد من جملة جماعة كانوا ينتظرون موتهم.
---

[238]
(332)
الأصل:
وقال عليه السلام: العمر الذى اعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنه.
الشرح:
أعذر الله فيه، أي سوغ لابن آدم أن يعتذر، يعنى إن ما قبل الستين هي أيام الصبا والشبيبة والكهولة، وقد يمكن أن يعذر الانسان فيه على اتباع هوى النفس لغلبة الشهوة وشره الحداثة، فإذا تجاوز الستين دخل في سن الشيخوخة، وذهبت عنه غلواء شرته، فلا عذر له في الجهل.
وقد قالت الشعراء نحو هذا المعنى في دون هذه السن التى عينها عليه السلام.
وقال بعضهم: إذا ما المرء قصر ثم مرت عليه الاربعون عن الرجال ولم يلحق بصالحهم فدعه فليس بلاحق أخرى الليالى
---

[239]
(333)
الأصل:
ما ظفر من ظفر الاثم به، والغالب بالشر مغلوب.
الشرح:
قد قال عليه السلام نحو هذا، وذكرناه في هذا الكتاب: من قصر في الخصومة ظلم ومن بالغ فيها أثم.
---

[240]
(334)
الأصل:
أن الله سبحانه فرض في أموال الاغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما متع به غنى، والله تعالى جده سائلهم عن ذلك.
الشرح:
قد تقدم القول في الصدقة وفضلها وما جاء فيها.
وقد ورد في الاخبار الصحيحة أن أبا ذر قال: انتهيت إلى رسول الله (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله) وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رأني قال: هم الاخسرون ورب الكعبة! فقلت من هم؟ قال: هم الاكثرون أموالا، إلا من قال: هكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، وقليل ما هم، ما من صاحب أبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدى زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها، وتطأه بأظلافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى الله بين الناس..
---

[241]
(335)
الأصل:
الاستغناء عن العذر، أعز من الصدق به.
الشرح:
روى(خير من الصدق)، والمعنى: لا تفعل شيئا تعتذر عنه وإن كنت صادقا في العذر، فألا تفعل خير لك وأعز لك من أن تفعل ثم تعتذر وإن كنت صادقا.
ومن حكم ابن المعتز: لا يقوم عز الغضب بذل الاعتذار.
وكان يقال إياك أن تقوم في مقام معذرة، فرب عذر أسجل بذنب صاحبه.
اعتذر رجل إلى يحيى بن خالد، فقال له: ذنبك يستغيث من عذرك.
ومن كلامهم ما رأيت عذرا أشبه بذنب من هذا.
ومن كلامهم اضربه على ذنبه مائة، واضربه على عذره مائتين.
قال شاعرهم: إذا كان وجه العذر ليس بواضح فإن إطراح العذر خير من العذر.
كان النخعي يكره أن يعتذر إليه ويقول: اسكت معذورا، فإن المعاذير يحضرها الكذب.
---

[242]
(336)
الأصل:
اقل ما يلزمكم لله سبحانه ألا تستعينوا بنعمه على معاصيه.
الشرح:
لا شبهة أن من القبيح الفاحش أن ينعم الملك على بعض رعيته بمال وعبيد وسلاح، فيجعل ذلك المال مادة لعصيانه والخروج عليه، ثم يحاربه بأولئك العبيد، وبذلك السلاح بعينه.
وما أحسن ما قال الصابى في رسالته إلى سبكتكين من عز الدولة بختيار: وليت شعرى بأى قدم تواقفنا وراياتنا خافقة على رأسك، ومماليكنا عن يمينك وشمالك، وخيلنا موسومة بأسمائنا، تحتك وثيابنا محوكة في طرازنا على جسدك، وسلاحنا المشحوذ لاعدائنا في يدك!
---

[243]
(337)
الأصل:
إن الله سبحانه جعل الطاعة غنيمة الاكياس عند تفريط العجزة.
الشرح:
الاكياس: العقلاء أولو الالباب.
قال عليه السلام: جعل الله طاعته غنيمة هؤلاء، إذا فرط فيها العجزة المخذلون من الناس، كصيد استذف(1) لرجلين: أحدهما جلد والاخر عاجز، فقعد عنه العاجز لعجزه وحرمانه، واقتنصه الجلد لشهامته وقوة جده(2).
---
(1) استذف: تهيأ.
(2) ا:(وقوته).
---

[244]
(338)
الأصل:
السلطان وزعه الله في أرضه.
الشرح:
الوازع عن الشئ: الكاف عنه، والمانع منه، والجمع وزعة، مثل قاتل وقتله.
وقد قيل هذا المعنى كثيرا، قالوا لا بد للناس من وزعة.
وقيل ما يزع الله عن الدين بالسلطان أكثر مما يزع عنه بالقرآن.
وتنسب هذه اللفظة الى عثمان بن عفان.
قال الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا(1).
وكان يقال السلطان القاهر وإن كان ظالما خير للرعية وللملك من السلطان الضعيف وإن كان عادلا.
وقال الله سبحانه:(ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض)(2).
قالوا في تفسيره: أراد السلطان
---
(1) للافوه الاودى، ديوانه 10(ضمن مجموعة الطرائف الادبية).
(2) سورة البقرة 251.
---

[245]
(339)
الأصل:
وقال عليه السلام في صفه المؤمن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أوسع شئ صدرا، وأذل شئ نفسا، يكره الرفعة، ويشنا السمعة، طويل غمه، بعيد همه، كثير صمته، مشغول وقته، شكور صبور، مغمور بفكرته، ضنين بخلته.
سهل الخليقة، لين العريكة، نفسه أصلب من الصلد، وهو أذل من العبد.
الشرح:
هذه صفات العارفين، وقد تقدم كثير من القول في ذلك.
وكان يقال: البشر عنوان النجاح، والامر الذى يختص به العارف أن يكون بشره في وجهه وهو حزين وحزنه في قلبه، وإلا فالبشر قد يوجد في كثير من الناس.
ثم ذكر إنه أوسع الناس صدرا، وأذلهم نفسا، وإنه يكره الرفعة والصيت.
وجاء في الخبر في وصفهم(كل خامل نومه).
وطول الغم وبعد الهم من صفاتهم، وكذلك كثرة الصمت وشغل الوقت بالذكر والعبادة، وكذلك الشكر والصبر والاستغراق في الفكر وتدبر آيات الله تعالى في خلقه، والضن بالخلة وقله المخالطة والتوفر على العزلة وحسن الخلق ولين الجانب، وأن يكون قوى النفس جدا، مع ذل للناس وتواضع بينهم، وهذه الامور كلها قد أتى عليها الشرح فيما تقدم.
---

[246]
(340)
الأصل:
الغنى الاكبر اليأس عما في أيدى الناس.
الشرح:
هذه الكلمة قد رويت مرفوعة، وقد تقدم القول في الطمع وذمه، واليأس ومدحه.
وفى الحديث المرفوع:(ازهد في الناس يحبك الله، وازهد فيما أيدى الناس يحبك الناس).
ومن كلام بعضهم: ما أكلت طعام واحد إلا هنت عليه.
وكان يقال: نعوذ بالله من طمع يدنى إلى طبع(1).
وقال الشاعر: أرحت روحي من عذاب الملاح لليأس روح مثل روح النجاح وقال بعض الادباء هذا المعنى الذى قد أطنب فيه الناس ليس كما يزعمونه، لعمري إن لليأس راحة، ولكن لا كراحة النجاح، وما هو إلا كقول من قال: لا أدرى نصف العلم، فقيل له: ولكنه النصف الذى لا ينفع! وقال ابن الفضل: لا أمدح اليأس ولكنه أروح للقلب من المطمع
---
(1) الطبع: الدنس.
---

[247]
أفلح من أبصر روض المنى يرعى فلم يرع ولم يرتع ومما يروى لعبد الله بن المبارك الزاهد: قد أرحنا واسترحنا من غدو ورواح واتصال بأمير ووزير ذى سماح بعفاف وكفاف وقنوع وصلاح وجعلنا اليأس مفتاحا لابواب النجاح
---

[248]
(341)
الأصل:
المسئول حر حتى يعد.
الشرح:
[نبذ من الاقوال الحكيمة في الوعد والمطل] قد سبق القول في الوعد والمطل.
ونحن نذكر هاهنا نكتا أخرى: في الحديث المرفوع(من وعد وعدا فكأنما عهد عهدا).
وكان يقال: الوعد دين الكرام، والمطل دين اللئام.
وكان يقال: الوعد شبكة من شباك الاحرار يتصيدون بها المحامد.
وقال بعضهم: الوعد مرض المعروف، والانجاز برؤه.
وقال يحيى بن خالد: الوعد سحاب، والانجاز مطره.
وفي الحديث المرفوع(عدة المؤمن عطية).
وعنه عليه السلام:(لا تواعد أخاك موعدا لتخلفه).
وقال يحيى بن خالد لبنيه: يا بنى كونوا أسدا في الاقوال، نجازا في الافعال، ولا تعدوا إلا وتنجزوا، فإن الحر يثق بوعد الكريم، وربما أدان عليه.
وكان جعفر بن يحيى يكره الوعد ويقول: الوعد من العاجز، فأما القادر فالنقد.
---

[249]
وفي الحديث المرفوع:(مطل الغنى ظلم).
وقال ابن الفضل: اثروا ولم يقضوا ديون غريمهم واللؤم كل اللؤم مطل الموسر وقال الاخر: إذا أتت العطية بعد مطل فلا كانت وإن كانت سنية وكان يقال: المطل يسد على صاحبه باب العذر، ويوجب عليه الاحسن والاكثر، والتعجيل يحسن سيئه، ويبسط عذره في التقليل.
وقال يحيى بن خالد لبنيه: يا بنى لا تمطلوا معروفكم، فإن كثير العطاء بعد المطل قليل، وعجلوا فإن عذركم مقبول مع التعجيل.
ومن كلام الحسن بن سهل: المطل يذهب رونق البر، ويكدر صفو المعروف، ويحبط أجر الصدقة، ويعقل اللسان عن الشكر.
وللتعجيل حلاوة وإن قلت العارفة، ولذة وإن صغرت الصنيعة، وربما عرض ما يمنع الانجاز من تعذر الامكان، وتغير الزمان، فبادر المكنة، وعاجل القدرة، وانتهز الفرصة.
وقال الشاعر: تحيل على الفراغ قضاء شغلى وأنت إذا فرغت تكون مثلى فلا أدعى بخادمك المرجى ولا تدعى بسيدنا الاجل وقال آخر: لو علم الماطل أن المطال فقد به يذهب طعم النوال وأن أعلى البر ما ناله طالبه نقدا عقيب السؤال عجل للسائل معروفة مهنا من طول قيل وقال
---

[250]
(342)
الأصل:
لو رأى العبد الاجل ومصيره، لابغض الامل وغروره.
الشرح:
قد تقدم من الكلام في الامل ما فيه كفاية.
وكان يقال وا عجبا لصاحب الامل الطويل! وربما يكون كفنه في يد النساج وهو لا يعلم.
---

[251]
(343)
الأصل:
لكل امرئ في ماله شريكان: الوارث والحوادث.
الشرح:
أخذه الرضى فقال: خذ من تراثك ما استطعت فإنما شركاؤك الايام والوراث(1) لم يقض حق المال إلا معشر نظروا الزمان يعيث فيه فعاثوا وقد قال عليه السلام في موضع آخر: بشر مال البخيل بحادث أو وارث.
ورأيت بخط ابن الخشاب رحمه الله على ظهر كتاب(لعبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد ثم لحادث أو وارث) كأنه يعنى ضنه به، أي لا أخرجه عن يدى اختيارا.
---
(1) ديوانه 1: 178.
---

[252]
(344)
الأصل:
الداعي بلا عمل، كالرامى بلا وتر.
الشرح:
من خلا من العمل فقد أخل بالواجبات، ومن أخل بالواجبات فقد فسق، والله تعالى لا يقبل دعاء الفاسق.
وشبهه عليه السلام بالرامي بلا وتر، فإن سهمه لا ينفذ(1).
---
(1) ا:(فإن سهامه).
---

[253]
(345)
الأصل:
العلم علمان: مطبوع ومسموع، ولا ينفع المسموع، إذا لم يكن المطبوع.
الشرح:
هذه قاعدة كلية مذكورة في الكتب الحكمية، أن العلوم منها ما هو غريزى، ومنها ما هو تكليفي، ثم كل واحد من القسمين يختلف بالاشد والاضعف، أما الاول فقد يكون في الناس من لا يحتاج في النظر إلى ترتيب المقدمات، بل تنساق النتيجة النظرية إليه سوقا من غير احتياج منه إلى التأمل والتدبر، وقد يكون فيهم من هو دون ذلك، وقد يكون من هو دون الدون، وأما الثاني فقد يكون في الناس من لا يجدى فيه التعليم، بل يكون كالصخرة الجامدة بلادة وغباوة، ومنهم من يكون أقل تبلدا وجنوح ذهن من ذلك، ومنهم من يكون الوقفة عنده أقل، فيكون ذا حال متوسطة، وبالجملة فاستقراء أحوال الناس يشهد بصحة ذلك.
وقال عليه السلام: ليس ينفع المسموع، إذا لم يكن المطبوع، يقول إذا لم يكن هناك أحوال استعداد لم ينفع الدرس والتكرار، وقد شاهدنا مثل هذا في حق أشخاص كثيرة اشتغلوا بالعلم الدهر الاطول، فلم ينجع معهم العلاج، وفارقوا الدنيا وهم على الغريزة الاولى في الساذجية وعدم الفهم.
---

[254]
(346) الاصل صواب الرأى بالدول يقبل باقبالها، ويدبر بإدبارها.
الشرح:
قال الصولى: اجتمع بنو برمك عند يحيى بن خالد في آخر دولتهم وهم يومئذ عشرة، فأداروا بينهم الرأى في أمر فلم يصلح لهم، فقال يحيى: إنا لله! ذهبت والله دولتنا! كنا في إقبالنا يبرم الواحد منا عشرة آراء مشكلة في وقت واحد، واليوم نحن عشرة في أمر غير مشكل، ولا يصح لنا فيه رأى! الله نسأل حسن الخاتمة.
أرسل المنصور لما(1) هاضه أمر إبراهيم إلى عمه عبد الله بن على وهو في السجن يستشيره ما يصنع! وكان إبراهيم قد ظهر بالبصرة، فقال عبد الله: أنا محبوس، والمحبوس محبوس الرأى، قال: له فعلى ذاك؟ قال: يفرق الاموال كلها على الرجال ويلقاه، فإن ظفر فذاك، وإلا يتوجه إلى أبيه محمد بجرجان، ويتركه يقدم على بيوت أموال فارغة، فهو خير له من أن تكون الدبرة عليه، ويقدم عدوه على بيوت أموال مملوءة.
قال سليمان بن عبد الملك ليزيد بن أبى مسلم صاحب شرطة الحجاج يوما: لعن الله رجلا أجرك رسنه، وخرب لك آخرته.
قال: يا أمير المؤمنين، رأيتنى والامر عنى مدبر ولو رأيتنى والامر على مقبل لاستكبرت منى ما استصغرت، ولاستعظمت منى ما استحقرت.
---
(1) ا:(حين).
---

[255]
(347) الاصل العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى.
الشرح:
قد سبق القول في أن الاجمل بالفقير أن يكون عفيفا، وألا يكون جشعا حريصا، ولا جادا في الطلب متهالكا، وإنه ينبغى أنه إذا افتقر أن يتيه على الوقت وابناء الوقت، فإن التيه في مثل ذلك المقام لا بأس به، ليبعد جدا عن مظنة الحرص والطمع.
وقد سبق أيضا القول في الشكر عند النعمة ووجوبه، وإنه سبب لاستدامتها، وإن الاخلال به داعيه إلى زوالها وانتقالها، وذكرنا في هذا الباب أمورا مستحسنة، فلتراجع، وقال عبد الصمد بن المعذل في العفاف: ساقنى العفاف وارضى الكفاف وليس غنى النفس حوز الجزيل ولا اتصدى لشكر الجواد ولا استعد لذم البخيل واعلم أن بنات الرجاء تحل العزيز محل الذليل وأن ليس مستغنيا بالكثير من ليس مستغنيا بالقليل
---

[256]
(348)
الأصل:
يوم العدل على الظالم، أشد من يوم الجور على المظلوم.
الشرح:
شيئان مؤلمان أحدهما ينقضى سريعا، والاخر يدوم أبدا، فلا جرم، كان اليوم المذكور على الظالم، أشد من يوم الجور على المظلوم.
---

[257]
(349) الاصل الاقاويل محفوظة، والسرائر مبلوة و(كل نفس بما كسبت رهينة).
والناس منقوصون مدخولون إلا من عصم الله، سائلهم متعنت، ومجيبهم متكلف، يكاد أفضلهم رأيا يرده عن فضل رأيه الرضا والسخط، ويكاد أصلبهم عودا تنكؤه اللحظة، وتستحيله الكلمة الواحدة.
الشرح:
السرائر هاهنا: ما أسر في القلوب من النيات والعقائد وغيرها، وما يخفى من أعمال الجوارح ايضا.
وبلاؤها: تعرفها وتصفحها، والتمييز بين ما طاب منها وما خبث.
وقال عمر بن عبد العزيز للاحوص لما قال: ستبلى لها في مضمر القلب والحشا سريره حب يوم تبلى السرائر إنك يومئذ عنها لمشغول.
ذكر عليه السلام الناس فقال: قد عمهم النقص إلا المعصومين.
ثم قال: سائلهم يسأل تعنتا، والسؤال على هذا الوجه مذموم، ومجيبهم متكلف للجواب، وأفضلهم رأيا يكاد رضاه تارة وسخطه اخرى يرده عن فضل رأيه، أي يتبعون الهوى
---

[258]
ويكاد أصلبهم عودا، أي أشدهم احتمالا.
تنكؤه اللحظة، نكات القرحة إذا صدمتها بشئ فتقشرها.
قال:(وتستحيله الكلمة الواحدة)، أي تحيله وتغيره عن مقتضى طبعه، يصفهم بسرعة التقلب والتلون، وإنهم مطيعون دواعى الشهوة والغضب.
واستفعل بمعنى(فعل) قد جاء كثيرا استغلظ العسل، أي غلظ.
---

[259]
(350) الاصل قال: معاشر الناس، اتقوا الله، فكم من مؤمل ما لا يبلغه، وبان ما لا يسكنه، وجامع ما سوف يتركه، ولعله من باطل جمعه، ومن حق منعه، أصابه حراما، واحتمل به آثاما، فباء بوزره، وقدم على ربه، آسفا لاهفا، قد(خسر الدنيا و الاخرة ذلك هو الخسران المبين).
الشرح:
قد تقدم شرح هذه المعاني والكلام عليها، أما الامال التى لا تبلغ، فأكثر من أن تحصى، بل لا نهاية لها.
وما أحسن قول القائل: واحسرتا مات حظى من وصالكم وللحظوظ كما للناس آجال إن مت شوقا ولم أبلغ مدى أملى كم تحت هذى القبور الخرس آمال! وأما بناء ما لا يسكن، فنحو ذلك.
وقال الشاعر: ألم تر حوشبا بالامس يبنى بناء نفعه لبنى نفيلة يؤمل أن يعمر عمر نوح وأمر الله يطرق كل ليلة وأما جامع ما سوف يتركه، فأكثر الناس، قال الشاعر: وذى إبل يسعى ويحسبها له أخو تعب في رعيها ودءوب غدت وغدا رب سواه يسوقها وبدل أحجارا وجال قليب
---

[260]
(351)
الأصل:
من العصمة تعذر المعاصي.
الشرح:
قد وردت هذه الكلمة على صيغ مختلفة.
من العصمة ألا تقدر.
وأيضا، من العصمة ألا تجد.
وقد رويت مرفوعة أيضا.
وليس المراد بالعصمة هاهنا العصمة التى ذكرها المتكلمون، لان العصمة عند المتكلمين من شرطها القدرة، وحقيقتها راجعة إلى لطف يمنع القادر على المعصية من المعصية، وإنما المراد إن غير القادر في اندفاع العقوبة عنه كالقادر الذى لا يفعل.
---

[261]
(352)
الأصل:
ماء وجهك جامد يقطره السؤال، فانظر عند من تقطره.
الشرح:
هذا حسن، وقد أخذه شاعر فقال: إذا أظماتك اكف اللئام كفتك القناعة شبعا وريا فكن رجلا رجله في الثرى وهامة همته في الثريا فإن إراقة ماء الحياة دون إراقه ماء المحيا وقال آخر: رددت لى ماء وجهى في صفيحته رد الصقال بهاء الصارم الجذم وما أبالى وخير القول اصدقه حقنت لى ماء وجهى أو حقنت دمى.
وقال مصعب بن الزبير: إنى لاستحيى من رجل وجه إلى رغبته، فبات ليلته يتململ ويتقلقل على فراشه، ينتظر الصبح قد جعلني أهلا لان يقطر ماء وجهه لدى أن أرده خائبا.
وقال آخر: ما ماء كفيك إن أرسلت مزنته من ماء وجهى إذا استقطرته عوض
---

[262]
(353)
الأصل:
الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق، والتقصير عن الاستحقاق عى أو حسد.
الشرح:
كانوا يكرهون أن يثنى الشاعر في شعره على الممدوح الثناء المفرط، ويقولون: خير المدح ما قارب فيه الشاعر واقتصد، وهذا هو المذهب الصحيح، وإن كان قوم يقولون: إن خير الشعر المنظوم في المدح ما كان أشد مغالاة وأكثر تبجيلا وتعظيما ووصفا ونعتا.
وينبغى أن يكون قوله عليه السلام محمولا على الثناء في وجه الانسان، لانه هو الموصوف بالملق إذا افرط، فأما من يثنى بظهر الغيب فلا يوصف ثناؤه بالملق، سواء كان مقتصدا أو مسرفا.
وقوله عليه السلام:(والتقصير عن الاستحقاق عى أو حسد) لا مزيد عليه في الحسن، لانه إذا قصر به عن استحقاقه كان المانع أما من جانب المثنى فقط من غير تعلق له بالمثنى عليه، أو مع تعلق به، فالاول هو العى والحصر، والثانى هو الحسد والمنافسة.
---

[263]
(354)
الأصل:
لاشد الذنوب ما استهان به صاحبها.
الشرح:
قد ذكرنا هذا فيما تقدم وذكرنا العلة فيه، وهى أن فاعل ذلك الذنب قد جمع بين فعل الذنب وفعل ذنب آخر، وهو الاستهانة بما لا يستهان به، لان المعاصي لا هين فيها، والصغير منها كبير، والحقير منها عظيم، وذلك لجلاله شأن المعصى سبحانه.
فأما من يذنب ويستعظم ما أتاه، فحاله أخف من حال الاول، لانه يكاد يكون نادما(1).
---
(1) بعدها في ا:(على ما فعل).
---

[264]
(355)
الأصل:
من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره، ومن رضى برزق الله لم يحزن على ما فاته، ومن سل سيف البغى قتل به، ومن كابد الامور عطب، ومن اقتحم اللجج غرق، ومن دخل مداخل السوء اتهم.
ومن كثر كلامه كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار.
ومن نظر في عيوب غيره فانكرها ثم رضيها لنفسه فذلك الاحمق بعينه.
والقناعة مال لا ينفد.
ومن أكثر من ذكر الموت رضى من الدنيا باليسير.
ومن علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه.
الشرح:
كل هذه الفصول قد تقدم الكلام فيها وهى عشرة: أولها: من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره، كان يقال: أصلح نفسك أولا، ثم أصلح غيرك.
وثانيها: من رضى برزق الله لم يحزن على ما فاته، كان يقال: الحزن على المنافع الدنيوية سم ترياقه الرضا بالقضاء
---

[265]
وثالثها: من سل سيف البغى قتل به، كان يقال: الباغى مصروع وإن كثر جنوده.
ورابعها: من كابد الامور عطب، ومن اقتحم اللجج غرق، مثل هذا قول القائل: من حارب الايام أصبح رمحه قصدا وأصبح سيفه مفلولا.
وخامسها: من دخل مداخل السوء اتهم، هذا مثل قولهم: من عرض نفسه للشبهات فلا يلومن من أساء به الظن.
وسادسها: من كثر كلامه..
إلى قوله: دخل النار، قد تقدم القول في المنطق الزائد وما فيه من المحذور، وكان يقال: قلما سلم مكثار، أو أمن من عثار.
وسابعها: من نظر في عيوب غيره فأنكرها، ثم رضيها لنفسه فذاك هو الاحمق بعينه، وكان يقال أجهل الناس من يرضى لنفسه بما يسخطه من غيره.
وثامنها: القناعة مال لا ينفد، قد سبق القول في هذا، وسيأتى أيضا.
وتاسعها: من ذكر الموت رضى من الدنيا باليسير، كان يقال: إذا أحببت ألا تحسد أحدا فأكثر ذكر الموت، واعلم أنك ومن تحسده عن قليل من عديد الهلكى.
وعاشرها: من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه، لا ريب أن الكلام عمل من الاعمال، وفعل من الافعال، فكما يستهجن من الانسان ألا يزال يحرك يده وإن كان عابثا، كذلك يستهجن ألا يزال يحرك لسانه فيما هو عبث، أو يجرى مجرى العبث.
وقال الشاعر: يخوض أناس في الكلام ليوجزوا وللصمت في بعض الاحايين أوجز إذا كنت عن أن تحسن الصمت عاجزا فأنت عن الابلاغ في القول أعجز
---

[266]
(356)
الأصل:
للظالم من الرجال ثلاث علامات: يظلم من فوقه بالمعصية، ومن دونه بالغلبة، ويظاهر القوم الظلمة.
الشرح:
يمكن أن يفسر هذا الكلام على وجهين: أحدهما أن كل من وجدت فيه أحدى هذه الثلاث فهو ظالم، إما أن يكون قد وجبت عليه طاعة من فوقه فعصاه، فهو بعصيانه ظالم له 7 لانه قد وضعه في غير موضعه، والظلم في أصل اللغة، هو هذا المعنى، ولذلك سموا اللبن يشرب قبل أن يبلغ الروب مظلوما، لان الشرب منه كان في غير موضعه إذا لم يرب ولم يخرج زبده، فكذلك من عصى من فوقه فقد زحزحه عن مقامه إذ لم يطعه.
وإما أن يكون قد قهر من دونه وغلبه.
وإما أن يكون قد ظاهر الظلمة.
والوجه الثاني أن كل ظالم فلا بد من اجتماع هذه العلامات الثلاث فيه، وهذا هو الاظهر
---

[267]
(357)
الأصل:
عند تناهى الشدة تكون الفرجه، وعند تضايق حلق البلاء يكون الرخاء.
الشرح:
كان يقال: إذا اشتد المضيق، اتسعت الطريق، وكان يقال: توقعوا الفرج عند ارتتاج المخرج، وقال الشاعر إذا بلغ الحوادث منتهاها فرج بعيدها الفرج المطلا فكم كرب تولى إذ توالى وكم خطب تجلى حين جلى.
وفي الاثر: تضايقي تنفرجي، سيجعل الله بعد العسر يسرا.
والفرجه بفتح الفاء: التفصى من الهم، قال الشاعر: ربما تجزع النفوس من الامر له فرجه كحل العقال(1) فأما الفرجة بالضم، ففرجة الحائط وما أشبهه.
---
(1) لامية ابن أبى الصلت، وقبله: لا تضيقن في الامور فقد يكشف غماؤها بغير احتيال.
---

[268]
(358)
الأصل:
وقال عليه السلام لبعض أصحابه: لا تجعلن أكثر شغلك بأهلك وولدك، فإن يكن أهلك وولدك أولياء الله فإن الله لا يضيع أولياءه، وأن يكونوا أعداء الله فما همك وشغلك باعداء الله! الشرح:
قد تقدم القول نحو هذا المعنى، وهو أمر بالتفويض والتوكل على الله تعالى فيمن يخلفه الانسان من ولده وأهله، فإن الله تعالى أعلم بالمصلحة، وأرأف بالانسان من أبيه وأمه، ثم إن كان الولد في علم الله تعالى وليا من أولياء الله سبحانه، فإن الله تعالى لا يضيعه، قال سبحانه:(ومن يتوكل على الله فهو حسبه)(1).
وكل ولى لله فهو متوكل عليه لا محالة، وإن كان عدوا لله لم يجز الاهتمام له والاعتناء بأمره، لان أعداء الله تجب مقاطعتهم، ويحرم توليهم، فعلى كل حال لا ينبغى للانسان أن يحفل بأهله وولده بعد موته.
واعلم أن هذا كلام العارفين الصديقين، لا كلام أهل هذه الطبقات التى نعرفها، فإن هذه الطبقات تقصر أقدامهم عن الوصول إلى هذا المقام.
ويعجبنى قول الشاعر أيا جامع المال وفرته لغيرك إذ لم تكن خالدا فإن قلت: أجمعه للبنين فقد يسبق الولد الوالدا وإن قلت أخشى صروف الزمان فكن من تصاريفه واحدا
---
(1) سورة الطلاق 3.
---

[269]
(359)
الأصل:
أكبر العيب أن تعيب ما فيك مثله.
الشرح:
قد تقدم هذا المعنى مرارا.
وقال الشاعر: إذا أنت عبت الامر ثم أتيته فأنت ومن تزرى عليه سواء
---

[270]
(360)
الأصل:
وهنأ بحضرته رجل رجلا آخر بغلام ولد له فقال له: ليهنئك الفارس! فقال عليه السلام: لا تقل ذلك، ولكن قل: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، وبلغ أشده، ورزقت بره.
الشرح:
هذه كلمة كانت من شعار الجاهلية، فنهى عنها كما نهى عن تحية الجاهلية:(أبيت اللعن)، وجعل عوضها(سلام عليكم).
وقال رجل للحسن البصري وقد بشره بغلام: ليهنئك الفارس! فقال: بل الراجل، ثم قال: لا مرحبا بمن إن عاش كدنى، وإن مات هدني، وإن كنت مقلا انصبنى، وإن كنت غنيا أذهلني، ثم لا أرضى بسعيى له سعيا، ولا بكدى عليه في الحياة كدا، حتى أشفق عليه بعد موتى من الفاقة، وأنا في حال لا يصل إلى من فرحه سرور، ولا من همه حزن.
---

[271]
(361)
الأصل:
وبنى رجل من عماله بناء فخما فقال عليه السلام: أطلعت الورق رؤوسها، إن البناء يصف لك الغنى.
الشرح:
قد رويت هذه الكلمة عن عمر - رضى الله عنه - ذكر ذلك ابن قتيبة في عيون الاخبار.
وروى عنه ايضا: لى على كل خائن امينان: الماء والطين.
قال يحيى بن خالد لابنه جعفر حين اختط داره ببغداد ليبنيها: هي قميصك، فان شئت فوسعه، وإن شئت فضيقه.
ورآه وهو يجصص حيطان داره المبنية بالاجر، فقال له: إنك تغطى الذهب بالفضة، فقال جعفر: ليس في كل مكان يكون الذهب خيرا من الفضة، ولكن هل ترى عيبا؟ قال: نعم، مخالطتها دور السوقة.
وقيل ليزيد بن المهلب.
ألا يبنى الامير دارا، فقال: منزلي دار الامارة أو الحبس.
وكان يقال، في الدار: لتكن أول ما يبتاع وآخر ما تباع.
ومر رجل من الخوارج بآخر من أصحابهم وهو يبنى دارا فقال: من ذا الذى يقيم كفيلا.
وقالوا: كل ما يخرج بخروجك، ويرجع برجوعك، كالدار والنخل ونحوهما فهو كفيل.
---

[272]
(362)
الأصل:
وقيل له عليه السلام: لو سد على رجل باب بيت وترك فيه، من أين كان يأتيه رزقه؟ فقال عليه السلام: من حيث يأتيه أجله.
الشرح:
ليس يعنى عليه السلام إن كل من يسد عليه باب بيت، فإنه لا بد أن يرزقه الله تعالى، لان العيان والمشاهدة تقتضي خلاف ذلك، وما رأينا من سد عليه باب بيت مدة طويلة فعاش، ولا ريب إن من شق إسطوانة وجعل فيها حيا ثم بنيت الاسطوانة عليه فإنه يموت مختنقا، ولا يأتيه رزقه ولا حياته، ولان للحكماء إن يقولوا في الفرق بين الموضعين: إن أجله إنما يأتيه لان الاجل عدم الحياة، والحياة تعدم لعدم ما يوجبها، والذى يوجب استمرارها الغذاء، فلما انقطع الغذاء حضر الاجل، فهذا هو الوجه الذى يأتيه منه اجله، ولا سبيل إلى ذكر مثله في حضور الرزق لمن يسد عليه الباب.
فإذا معنى كلامه عليه السلام إن الله تعالى إذا علم فيمن يجعل في دار ويسد عليه بابها أن في بقاء حياته لطفا لبعض المكلفين فإنه يجب على الله تعالى أن يديم حياته، كما يشاء سبحانه، إما بغذاء يقيم به مادة حياته، أو
---

[273]
يديم حياته بغير سبب، وهذا هو الوجه الذى منه يأتيه أجله أيضا، لان إماته الله المكلف أمر تابع للمصلحة، لانه لا بد من انقطاع التكليف على كل حال للوجه الذى يذكره أصحابنا في كتبهم، فإذا كان الموت تابعا للمصلحة، وكان الاحياء تابعا للمصلحة، فقد أتى الانسان رزقه - يعنى حياته - من حيث يأتيه أجله.
وانتظم الكلام.
---

[274]
(363)
الأصل:
وعزى قوما عن ميت مات لهم فقال عليه السلام: إن هذا الامر ليس بكم بدا، ولا إليكم انتهى، وقد كان صاحبكم هذا يسافر؟ فقالوا: نعم قال: فعدوه في بعض سفراته، فإن قدم عليكم وإلا قدمتم عليه.
الشرح:
قد ألم أبراهيم بن المهدى ببعض هذا في شعره الذى رثى به ولده فقال: يئوب إلى أوطانه كل غائب وأحمد في الغياب ليس يئوب(1) تبدل دارا غير دارى وجيرة سواى وأحداث الزمان تنوب أقام بها مستوطنا غير أنه على طول أيام المقام غريب(2) وإنى وإن قدمت قبلى لعالم بأنى وإن أبطأت عنك قريب وإن صباحا نلتقي في مسائه صباح إلى قلبى الغداة حبيب
---
(1) من كلمة له في: الكامل 4: 23 - 25.
(2) بعده: كأن لم يكن كالغصن في ميعة الضحى سقاه الندى فاهتز وهو رطيب.
---

[275]
(364)
الأصل:
أيها الناس، ليراكم الله من النعمة، وجلين كما يراكم من النقمة فرقين.
إنه من وسع عليه في ذات يده، فلم ير ذلك استدراجا، فقد أمن مخوفا، ومن ضيق عليه في ذات يده، فلم ير ذلك اختبارا، فقد ضيع مأمولا.
الشرح:
قد تقدم القول في استدراج المترف الغنى، واختبار الفقير الشقى، وإنه يجب على الانسان وإن كان مشمولا بالنعمة أن يكون وجلا(1)، كما يجب عليه إذا كان فقيرا أن يكون شكورا صبورا.
---
(1) وجلا: خائفا.
---

[276]
(365)
الأصل:
يا أسرى الرغبة، اقصروا، فإن المعرج على الدنيا لا يروعه منها إلا صريف أنياب الحدثان.
أيها الناس، تولوا عن أنفسكم تأديبها، واعدلوا بها عن ضراية عاداتها.
الشرح:
ضرى يضرى ضراية مثل رمى يرمى رماية، أي جرى وسال، ذكره ابن الاعرابي، وعليه ينبغى أن يحمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام، أي اعدلوا بها عن عاداتها الجارية، من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وهذا خير من تفسير الراوندي: وقوله: إنه من ضرى الكلب بالصيد، لان المصدر من ذلك الضراوة بالواو وفتح الضاد، ولم يأت فيه ضراية.
وقوله:(يا أسرى الرغبة) كلمة فصيحة.
وكذلك قوله:(لا يروعه منها إلا صريف أنياب الحدثان)، وذلك لان الفهد إذا وثب والذئب إذا حمل يصرف نابه، ويقولون لكل خطب وداهية: جاءت تصرف نابها.
والصريف: صوت الاسنان إما عند رعدة أو عند شدة الغضب والحنق، والحرص على الانتقام، أو نحو ذلك.
وقد تقدم الكلام في الدنيا والرغبه فيها، وغدرها وحوادثها، ووجوب العدول عنها، وكسر عادية عادات السوء المكتسبة فيها.
---

[277]
(366)
الأصل:
لا تظنن بكلمة خرجت من أحد سوءا وأنت تجد لها في الخير محتملا(1).
الشرح:
هذه الكلمة يرويها كثير من الناس لعمر بن الخطاب، ويرويها بعضهم لامير ال