الكتاب : الديباج الوضي في الكشف عن أسرار كلام الوصي
المؤلف : الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة بن إبراهيم بن علي الحسيني

(((فإن فعل الله ذلك لكم(1)))): وشاهدتموه معاينة مطابقة لأغراضكم، وإبلاغاً للحجة عليكم.
(((أتؤمنون))): بي وتصدقونني في كل ما جئت به إليكم.
(((وتشهدون بالحق!))): من عبادة الله وحده، وإزالة هذه الأوثان والأصنام من بين أيديكم.
(قالوا: نعم): إقراراً على أنفسهم بالحجة.
(قال: ((فإني سأريكم ما تطلبون))): من ذلك بإذن الله.
(((وإني لأعلم أنكم لا تفيئون إلى خير))): لا ترجعون إليه، وأنكم تصرون على ما أنتم عليه من التكذيب، وهؤلاء الذين اقترحوا إتيان هذه الشجرة(2) هم: الأسنان من(3) قريش، وأهل الحنكة منهم.
(((وأن منكم(4) من يطرح في القليب))): القليب هي: البئر قبل أن تطوى، وهي بئر كانت في بدر من آبار الجاهلية طرح فيها القتلى من قريش، كالوليد بن عتبة، وعتبة وشيبة ابنا ريبعة، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأمية بن خلف، وأبو جهل بن هشام، فهؤلاء وغيرهم من قريش سحبوا لما قتلوا إلى القليب، وناداهم الرسول بندائه المشهور(5).
__________
(1) في شرح النهج: فإن فعل الله لكم ذلك.
(2) في (ب): إتيان الشجرة هذه.
(3) في (ب): في.
(4) في شرح النهج: فيكم.
(5) وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام)) فعدَّد من كان منهم في القليب: ((هل وجدتم وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً))، فقال المسلمون: يا رسول الله، أتنادي قوماً قد جيفوا، قال: ((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني)) أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية2/280 عن ابن إسحاق قال: حدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك فذكره.

(((ومن يحزِّب الأحزاب))): يعني أبا سفيان بن حرب فإنه كان رئيساً للأحزاب، قريشاً وأحابيشها، وكانوا يومئذ عشرة الآف، نزلوا بمجتمع الأسيال، فأهلكهم الله بالصَّبا(1).
(ثم قال عليه السلام)(2): مخاطباً للشجرة، إتياناً بما اقترحوه من ذلك لهم.
(((ياأيتها الشجرة))): التي عرفوها وعلموا مكانها وأمرها.
(((إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر))): تصدقين بالإلهية والوحدانية له، وتقرين بأن الله يجمع الخلائق ليوم لا ريب فيه.
(((وتعلمين أني رسول الله))): وتتحققين أني مرسل من عند الله تعالى إلى الخلق، بما أمرني بإبلاغه إليهم.
(((فانقلعي بعروقك))): الراسخة في الأرض.
(((حتى تقفي بين يدي))): خاضعة مستكينة لما أمرت به.
(((بإذن الله))(3)): إما استماعاً لأمر الله إذا أمرك، وإما بعلم من جهته إذا(4) أعلمك بذلك.
__________
(1) انظر سيرة ابن هشام 3/130-144 تحقيق عمر محمد بعد الخالق، والصًّبا: ريح ومهبها المستوى، أن تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار. (مختار الصحاح ص356).
(2) في شرح النهج: ثم قال صلى الله عليه وآله.
(3) حديث أمر الشجرة التي دعاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخرجه الإمام أبو العباس الحسني في المصابيح في السيرة ص141، وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج 13/214 ما لفظه: وأما أمر الشجرة التي دعاها رسول الله صلى الله عليه وآله فالحديث الوارد فيها كثير مستفيض، قد ذكره المحدثون في كتبهم، وذكره المتكلمون في معجزات الرسول صلى الله عليه وآله، والأكثرون رووا الخبر فيها على الوضع الذي جاء في خطبة أمير المؤمنين، ومنهم من يروي ذلك مختصراً أنه دعا شجرة فأقبلت تخدُّ إليه الأرض خدًّا. انتهى. ثم أورد حديث الشجرة من دلائل النبوة للبيهقي.
(4) في (ب): إذ.

سؤال؛ كيف خاطب الشجرة مخاطبة العقلاء، ولا عقل هناك؟
وجوابه؛ هو أن خطاب العقلاء بالأمر إنما هو على جهة فهمه، والإيتان بالمأمور على الوجه الذي أمربه، فأما أمر الجمادات فإنما يكون على جهة الوقوف على حسب الداعية والإرداة، فمتى أراد وجودها، ودعاه الداعي وجب لا محالة، ومتى لم يردها لم توجد أبداً فهذا وجه أمرها، وكونها ممتثلة للأمر.
(فوالذي بعثه بالحق): قسم ببعض صفات الله تعالى التي لا يختص بها غيره، وهي بعثة الأنبياء، وإنما ذكره ها هنا تشريفاً لمكان الرسول ورفعاً لمنزلته.
(لا نقلعت بعروقها): إذا كان جواب القسم بالفعل الماضي فتارة يكون باللام وقد، كقولك: والله لقد جاء زيد، وقد يأتي بغير اللام كقوله: {قَدْ أَفْلَحَ}، وقد يأتي باللام من دون قد، كما قال ها هنا: لانقلعت، قال امرؤ القيس:
حلفت بالله حلفة فاجر لناموا

فما إن من حديث ولا صالي(1)

(وجاءت): إلى الرسول عليه السلام: كما أمرها من غير مخالفة لأمره.
(ولها دوي شديد): الدويُّ هو: الصوت العظيم.
(وقصيف كقصيف(2) أجنحة الطير): والقصيف: الصوت الهائل، يقال: رعد قاصف إذا كان شديد الصوت، وريح قاصف أيضاً كأنها تقصف ما قابلها(3) أي تكسره، وهذه الجملة ابتدائية في موضع نصب على الحال من الضمير في جاءت.
(حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرفرفة): أراد أن أوراق أغصانها متدلية على الرسول، مضطربة من الريح، يقال: رفرف الطائر بجناحيه إذا حركهما للوقوع.
__________
(1) لسان العرب 1/696.
(2) في شرح النهج: وقصف كقصف.
(3) في (ب): ما قابلهما.

(وألقت بغصنها الأعلى على رسول الله[صلى الله عليه وآله](1)): أراد الأعظم من أغصانها وضعته عليه، متدلية شجونة(2) ومتهدلة أوراقه عليه.
(وببعض أغصانها على منكب‍ي): المنكب هو: ملتقى الكتفين من الإنسان، وإنما قال: بغصنها فأفرده في حق الرسول، وببعض أغصانها فجمعه في حقه لأنه أوسطها ربما كان غصناً عظيماً هو أعظمها، فلهذا ألقته على الرسول وسائر أغصانها القليلة وضعتها على منكب أمير المؤمنين يريد أطرافها.
سؤال؛ أراه قال: ((أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر، وتعلمين أني رسول الله)) فذكر هذه الأمور الثلاثة من بين سائر علوم الدين التي يجب على الإنسان الإقرار بها، والتصديق، كصفات الله تعالى، ومعرفة حال الثواب والعقاب، والإقرار بسائر الأنبياء، فلم خص هذه الأمور الثلاثة من بين سائر العلوم الدينية؟
وجوابه؛ هو إنَّما خصَّ هذه الأشياء الثلاثة تعريضاً بحال هؤلاء الكفرة في كونهم منكرين لها غاية الإنكار بإثبات الشركاء لله، ونفي الوحدانية، وإنكار اليوم الآخر، وهو غايتهم وهجيراهم، ثم إنكار النبوة أيضاً، وهو الذي عليه تعويلهم في هذه الحالة، فلا جَرَمَ خصَّ هذه الأمور الثلاثة مبالغة في أنه لا بد لكل أحد من التصديق بها، وتنبيهاً على أنها هي التي وقع فيها معظم خلاف الملل الكفرية من المشركين وغيرهم، وتعريضاً بحال هؤلاء الكفرة في إنكارها، فأراد أن خلاصة هذه المعجزات من جهة لا تكون إلا بعد الإقرار بها.
__________
(1) زيادة في (ب) وشرح النهج.
(2) الشِّجنة بكسر الشين وضمها: عروق الشجر المشتبكة. (مختار الصحاح ص330).

(وكنت عن يمينه [صلى الله عليه وآله](1)): أشاهد هذه المعجزة، وأنظر كُنْه حالها، وعجيب دلالتها على تصديقه وتقرير نبوته.
(فلما نظر القوم إلى ذلك): نظر إعجاب بما رأوا وتفكر حيرة من لطيف صنع الله تعالى.
(قالوا علواً): عن الاعتراف بالنبوة، وتمادياً في ضلال الكفر والجحود.
(واستكباراً): عن قبول الحق وأنفة منه، وعلى جهة التعنت، ومساعدة الأهواء.
(فمرها فليأتك نصفها): تنقسم نصفين فيأتي نصفها.
(ويبقى نصفها): في مكانه وعلى(2) ما كان مستقراً ثابتاً.
(فأمرها): بذلك إبلاغاً للحجة وقطعاً للمعذرة ومساعدة لهم فيما اقترحوه من هذه الآية.
(فأقبل إليه نصفها): متصاغراً لأمر الله، وممتثلاً لما أراده.
(كأعجب إقبال(3) وأشده): في الحضور والوجود، والكاف هذه متعلقة بمحذوف، إما في موضع الحال، وإما أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، أي إقبالاً كأعجب ما يكون من الإقبالات.
(دوياً): تخرُّ مصوِّتة(4) بصوت عظيم إجابة للأمر، ومسارعة في مطابقة المراد.
(فكادت تلتف برسول الله[صلى الله عليه وآله] (5)): تشتمل عليه من عن يمينه وشماله.
(فقالوا كفراً): إغراقاً(6) في الكفر وإسراعاً فيه.
(وعتواً):قصد المكابرة ورد الحق بعد ظهوره.
(فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان): فتكون الشجرة على حالتها الأولى من غير مخالفة في حالها.
(فأمره رسول الله [صلى الله عليه وآله] (7) فرجع): فاستمرت حالة الشجرة كما كانت من قبل.
__________
(1) زيادة في شرح النهج.
(2) في (ب): على، بدون واو.
(3) في (ب) وفي نسخة أخرى: الإقبال.
(4) مصوتة، سقط من (ب).
(5) زيادة في (ب) وشرح النهج.
(6) في (ب) وفي نسخة أخرى: اغتراقاً.
(7) زيادة في (ب) و في شرح النهج.

واعلم: أنهم ما كان مرادهم بهذه الاقتراحات إلا العناد واللجاج، كما قال تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا}(1)[الأنعام:25] وقوله تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ}[الحجر:14] وقوله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ}[الأنعام:7] إلى غير ذلك من الآيات، ولهذا قال عبد الله بن أمية لرسول الله صلى الله عليه وآله: لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلماً، ثم ترقى فيه، وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي معك بصكٍّ منشور، معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول(2).
(فقلت أنا): لما رأيت ما هالني من هذه المعجزة.
(لا إله إلا الله): شهادة له بالوحدانية، ولو كان معه إله غيره لم يكن الأمر هكذا.
(أنا(3) أول مؤمن بك يارسول الله): لما ظهر من المعجزة الباهرة على صدق نبوتك.
(وأول من أقرّ بأن الشجرة فعلت ما فعلت): من الامتثال لأمر الله في مجيئها وذهابها، وانقسامها بنصفين، إلى غير ذلك من أحوالها العجيبة التي شاهدت.
(بأمر الله تعالى(4)): لا بسحر من جهة أحد، ولا بعمل من جهة الشياطين والكهَّان؛ لأن مثل هذا لا يمكنهم فعله على هذه الحالة، مع أنه لم يحضر واحد منهم.
__________
(1) وردت الآية القرآنية الشريفة في النسختين هكذا: {ولو جاءتهم كل آية لا يؤمنوا بها}، وهو سهو من النساخ، والصواب كما أثبته من القرآن الكريم، إلا أن يكون المراد قوله تعالى في سورة يونس الآية:97، فلفظها هكذا: {ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم}.
(2) الكشاف 2/649، والرواية عن عبد الله بن عباس.
(3) في شرح النهج: إني.
(4) تعالى، زيادة في شرح النهج.

(تصديقاً لنبوتك(1)): من جهة الله تعالى.
(وإجلالاً لكلمتك): عن المخالفة والرد.
(فقال القوم كلهم): لما رأوا ما رأوا من ذلك، وبهرهم(2) الحال وأعجزهم ذلك، وما وجدوا وجهاً في ردّه وإبطاله.
(بل): إضراب عمَّا تضمنه الكلام، والتقدير فيه: ليس بنبي بل:
(ساحر): من جملة السحرة.
(كذاب): على الله في دعوى الرسالة من جهته له.
(عجيب السحر): دقيق السحر داخل في الإعجاب كل مدخل، أو يعجب من رآه وسمعه.
(خفيف فيه): قد صار ماهراً، فيده خفيفة في ذلك.
(وهل يصدقك في أمرك): هذا الذي ادَّعيته وهو النبوة من عند الله تعالى(3).
(إلا مثل هذا يعنونن‍ي(4)): يشيرون بذلك إلى ضعف عقله حيث كان صغيراً في تلك الحالة، أويريدون من كان من أهلك لا يحب جري النقص عليك في التكذيب.
(وإني لمن قوم لاتأخذهم في الله لومة لائم): يشير بذلك إلى كونه من أفاضل الصحابة، وأعظمهم حالاً وأشرفهم منزلة، وأخوفهم بالله(5)، وأعرفهم بحقه.
(سيماهم سيما الصديقين): علامتهم علامة الصدق والوفاء.
(وكلامهم كلام الأبرار): لا ينطقون إلا فيما يكون صلاحاً في الدين والدنيا كما يفعله أهل الصلاح والبر.
(عُمَّارالليل): بالركوع والسجود، والتلاوة وأنواع الخضوعات والتذللات.
(ومنار النهار): يستضيء بهم الخلق في نهارهم عن الشُّبه، ويهتدون بهم عن ظلمات الجهل.
__________
(1) في شرح النهج: بنبوتك.
(2) في (ب): وقهرهم.
(3) تعالى، زيادة في (ب).
(4) بعده في المصابيح في السيرة لأبي العباس الحسني رحمه الله ص141: فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((حسبي به ولياً وصاحباً ووزيراً، قد أنبأتكم أنكم لا تؤمنون، والذي نفس محمد بيده، لقد علمتم أني لست بساحر)).
(5) كتب فوقها في (ب) علامة تظنين فقال: ظ: لله.

(متمسكون بحبل القرآن): لا يخالفون أحكامه في تحليل ولا تحريم، ويطابقونه في جميع أحواله.
(يحيون سنن الله): يظهرونها، ويحثون الخلق على فعلها.
(وسنن رسوله): وما كان من جهة الرسول من السنن.
واعلم: أن أحكام الشريعة التي فرضها الله تعالى، وأنزلها على الخلق منقسمة إلى ما يكون واجباً، وتعريف وجوبه من جهة الله في كتابه، وهكذا القول في التحريم والندب، يكون طريقه من جهة الكتاب، وربما كانت هذه الأحكام من جهة السنة على لسان الرسول عليه السلام، فالكتاب حاكم على السنة، والسنة حاكمة على الكتاب، وكله موكول إلى لسان الرسول عليه السلام، فلهذا قال: (سنن الله)، يريد ما كان معلوماً من جهة الكتاب، (وسنن رسوله)، يريد ما كان معلوماً من جهة السنة كماقررناه.
(لا يستكبرون): عن أخذ الحق وإعطاءه من جهة أنفسهم.
(ولا يعلون): بالعين المهملة أي لا يترفعون على أحد، وبالغين المنقوطة أي لا يصيبهم غلو فيما هم فيه؛ لأن الغلو هو: إفراط عن الحق وتجاوز له.
(ولا يفسدون(1)): بما يعرض من الفسادات كالحسد والبغض وغير ذلك من الخصال المفسدة للقلوب، ولا يفسدون في الأرض بالبغي والقتل والقتال، وإهلاك الحرث والنسل.
(قلوبهم في الجنان): ترتاح بذكر الله، وتشتاق إلى ثوابه، وعظيم ما أعدَّ لأوليائه.
(وأجسادهم في العمل): دائبة في عمل الطاعات، وأنواع العبادات كلها.
وليس يخفى على من له أدنى فطانة ما اشتملت عليه هذه الخطبة من الأنواع الوعظية، وتعليم الحكم الدينية، والإشارة إلى تعريف الآداب الدنيوية بحيث لا يوجد مجتمعاً في كتاب، ولا يحيط به ويستولي على أسراره رمز ولا خطاب.
__________
(1) في شرح النهج: ولا يعلون ولا يَغُلّون ولا يفسدون.

(225) ومن كلامه(1) عليه السلام لعبد الله بن العباس
وقد جاءه برسالة من عثمان بن عفان، وهو محصور يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع، ليقل هتف الناس باسمه للخلافة، بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل:
ينبع هذه: قرية من قرى الحجاز على ثمان مراحل من مكة، وعلى ثلاث مراحل من المدينة ، والحصر هو: المنع.
واعلم: أنا قد ذكرنا من قبل عند عروض ذكر عثمان طرفاً مما طعن الناس عليه في خلافته في مواضع متفرقة من الكتاب ، ونزهنا أمير المؤمنين عن الرضا بقتله، ولهذا لعن قاتليه، وأنهم لما قالوا له: قتلوه قال:
(تباً لهم آخر الدهر) ولم يتصد(2) لقتله وحصره إلا أسافل الخلق وأراذلهم. وما أقدم على قتله إلا نفسان أو ثلاثة من الغوغاء، والأوباش، والموالي، وقد كان حصروه في داره ومنعوه عن الشراب والطعام، فأراد الاستعانة بأمير المؤمنين ليخرج إلى ينبع ليسكن الدهماء، ويقلَّ كلام الناس عليه وطعنهم عليه في الخلافة، وقد كان قبل ذلك سأل أمير المؤمنين مثل ذلك ولم يَجِدْ(3) عليه فيه.
فقال أمير المؤمنين:
(يا ابن عباس(4)، ما يريد عثمان): في مقالته هذه لي، وهو أن يسألني أن أحول بينه وبين الناس، ثم أمرني بترك ذلك.
(أن يجعلن‍ي الا جملا ناضحاً بالغرب): الناضح: هو البعير الذي يسنى به، والغرب هو: الدلو العظيمة.
(أقْبِلْ وأَدْبِرْ): أراد أقبل عن رأيه وأدبر عن رأيه، ما أملك من التصرف في نفسي شيئاً.
__________
(1) في (ب): ومن كلام له.
(2) وردت في النسخ: يتصدى بإثبات الألف اليائي في آخره مع دخول حرف الجزم، وهو خطأ، والصحيح يتصد بحذف حرف العلة في آخره، كما أثبته.
(3) أي يغضب عليه.
(4) قوله: يا ابن عباس، زيادة في شرح النهج.

(بعث إليَّ أن أخرج): إلى ينبع لإصلاح الحال في ذلك.
(ثم): لما خرجت من أجل ذلك.
(بعث إليَّ أن أقدم): واترك الخروج.
(ثم هو الآن يبعث إليَّ أن أخرج!): كلام من لايملك رأيه، ولا يثبت(1) في أمره، ولا يدري ما يورد ويصدر من الأمور كلها.
(والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثماً): أراد أنه جادل عنه غاية المجادلة، وخشية الإثم التي ذكرها أمير المؤمنين إنما هو من جهة أن الناس نقموا عليه مظالم أخذها عليهم فدافع عنه حتى خشي أن يكون دفاعه منعاً للناس عن أخذ مظالمهم منه، فلهذا قال: خشيت أن أكون آثماً، يريد من هذه الجهة.
واعلم: أن إهراق دمه لاشك في كونه خطأ، ويدل على خطأهم في قتله، أوجه ثلاثة.
أما أولاً: فلأن ما عرض من هذه الحوداث إنما توجب عزله ولا توجب قتله، فإقدامهم على قتله يكون خطأً لا محالة.
وأما ثانياً: فلأنه لو قدَّرنا وجوب القتل عليه، فلأي شيء كان منعه من الطعام والشراب في داره وحصره.
وأما ثالثاً: فلأنه لو استحق القتل، فالمتولي لذلك لا يكون هم سفلة الناس وأوباشهم، وإنما يكون من جهة أهل الدين والمسلمين إذا رأوا لذلك(2) صلاحاً، فبان أن قتله خطأ لا محالة.

(226) ومن كلام له عليه السلام يحث فيه أصحابه على الجهاد
(والله مستأديكم شكره): أي طالب منكم تأدية شكر أياديه ونعمه عليكم.
(ومورثكم أمره): يريد الأمر والنهي، والإيراد والإصدار، والحل والعقد، والتصرف في الناس بالحق، والسيرة فيهم بالمصلحة(3) العامة، والأمر الذي يرضيه، كما أشار إليه بقوله تعالى: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ}[النمل:62].
__________
(1) في (ب): ولا تثبّت.
(2) في (ب): في ذلك.
(3) في نسخة: بالمصالح (هامش في ب).

(وممهلكم في مضمار ممدود): الإمهال هو: التوقف والتلبث، والمضمار هي: المدة تجعل لسباق الخيل، والغرض بمدة تطويله، وغرضه المدة المضروبة في الدنيا.
(لتتنازعوا سبقه): السبق بالتحريك: ما يوضع بين أهل السباق من الأخطار، والتنازع هو: التخاصم، أي كل واحد يدعي أنه السابق فيأخذ السبق.
(فشدوا عقد المآزر): الغرض الجد والتشمير في أمر الجهاد، من جهة أن الواحد إذا أراد استنهاض أمر من الأمور(1)، شدَّ عُقْدَة إزاره كيلا ينحلَّ فيشغله عن المقصود.
(وأطروا(2) فضول الخواصر): أراد اقطعوا التنعم بالمآكل الطيبة والتلذذ بها، ولا يشغلكم عن الجهاد، والاطرار هاهنا: القطع، من قولهم: ضربه فأطرَّ يده أي قطعها، وهو بالطاء بنقطة من أسفلها.
(لا تجتمع عزيمة ووليمة): العزيمة هو: القطع وتوطين النفس على إمضاء الفعل، وترك التردد فيه، والوليمة: طعام العرس، والغرض من هذا هو أن الجد في الأمور والترفه والتنعم بالطيبات لا يجتمعان، فكنى بهذا الكلام عما ذكرناه.
(ما أنقض، النوم لعزائم اليوم!): أراد أن الإنسان إذا كان عازماً على أمر يفعله في الغد ثم نام واستراح في تلك الليلة، فإنه ينقض لا محالة النوم ما كان قد قطع على فعله في الغد، والغرض من هذا هو أن الراحة وتذكرها تفتر عن تحمل المشاق العظيمة.
(وأمحى الظُّلَمَ، لتذاكير الهمم!): يعني أن ظلمة الليل تدعو إلى النوم والاستراحة، وتمحو ما تذكره الهمم من تحمل المشاق في طلب معظمات الأمور وكفاية المهمات.

(227) ومن كلام له عليه السلام اقتص فيه ذكر ما كان منه بعد الهجرة ويذكر لحاقه به
__________
(1) قوله: من الأمور، سقط من (ب).
(2) في شرح النهج: واطووا.

(فجعلت أتبع مأخذ رسول الله[صلى الله عليه وآله](1)): يريد أني خرجت من مكة أقتص أثره وأسلك طريقه التي سلكها.
(فأطأ ذكره): أراد بوطئ الذكر هو أنني(2) كنت أُغطِّي خبره وأعلم به من بدء خروجي من مكة إلى أن انتهيت إلى هذه الغاية، فكنى بقوله: (أطأ ذكره) عن هذا المعنى، وهو من لطيف الكناية وغريبها، وأبلغها في الفصاحة وعجيبها.
(حتى انتهيت إلى العرج): وهو قرية بين مكة والمدينة، وإليه ينسب الشاعر العرجي(3)، وهو من أولاد عثمان بن عفان، والسبب في ذلك هو أن الرسول عليه السلام لما أذن الله له في الهجرة أمر أمير المؤمنين بالإقامة بعده لردِّ الودائع، وقضاء الديون التي عليه بعده، فلما فرغ من ذلك تبعه يقتصُّ أثره(4)، فكنى بهذه الكناية العجيبة عن ذلك.
__________
(1) زيادة في (ب) وشرح النهج.
(2) في (ب): أني.
(3) هو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان الأموي القرشي، المتوفى نحو سنة 120ه‍، شاعر غزل مطبوع، كان مشغوفاً باللهو والطرب، وكان من الأدباء الظرفاء، وهو صاحب البيت المشهور:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا

ليوم كريهة وسداد ثغر

وله ديوان شعر مطبوع. (انظر الأعلام 4/109).
(4) قال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في الروضة الندية ص36، عن ابن إسحاق ما لفظه: قال -أي ابن إسحاق-: وأقام علي رضي الله عنه بمكة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عنه صلى الله عليه وآله وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزل معه على كلثوم بن هدم ولم يقم بقبا إلا ليلة أو ليلتين. انتهى. (وانظر المصابيح في السيرة للإمام أبي العباس الحسني ص226-228، وشرح النهج لابن أبي الحديد 13/303ـ306).

وزعم الشريف علي بن ناصر الحسيني أن مراده بقوله: (أطأ ذكره): أي أني أذكر ما وصاني(1) به من أني لا أسلك الجادة خوفاً من قريش(2)، وهذا من تعسفاته، فإن هذه الكناية لا تستعمل فيما ذكره، والأحق في معناها ما ذكرناه، والله أعلم.

(228) ومن خطبة له عليه السلام
(فاعملوا وأنتم في نَفَسِ البقاء): يريد سعة الحياة ومتنفسها، ومدة الآجال المضروبة.
(والصحف منشورة): لأن الإنسان ما دام حياً تكون صحيفة أعماله منشورة في يد الملك الموكل بها، يكتب فيها كل مافعل وإذا مات طويت.
(والتوبة مبسوطة): لا يزال من لطف الله ورحمته على هذه الحالة حتى يغرغر بالموت ويزول الاختيار، فعندها ينسدُّ بابها، ويطوى بساطها.
(والمدبر يُدْعَى): والمتولي عن الله تعالى، وعن الإقبال إلى طاعته يدعى بالرجز والوعيد، والتخويف الشديد.
(والمسيء يرجى): له العودة(3) والإسراع إلى التوبة.
(قبل أن يجمد العمل): يروى بالجيم، وأراد بجمود العمل انقطاعه، وذهابه بالموت، كالماء إذا جمد فإنه ينقطع عن الجريان، ويروى بالخاء بنقطة(4)، وهو السكون من خمدت النار إذا سكن لهبها، والمعنى فيهما قريب.
(وينقطع المهل): المهل التؤدة والإرواد، وهوالاسم من الإمهال والاستمهال.
(وتنقضي المدة): مدة الأعمار المضروبة لها.
(ويُسَدُّ باب التوبة): بحضور أمارات الساعة، وزوال الاختيار بالإلجاء.
(وتصعد الملائكة): عن الكتابة والحفظ للأعمال، وتطوي الأعمال كلها.
__________
(1) في أعلام النهج: أوصاني.
(2) أعلام النهج -خ-.
(3) في (ب): العود.
(4) أي يخمد، كما هو في شرح النهج.

(فأخذ امرؤ من نفسه): هذا خبر في معنى الأمر، وأراد فليأخذ امرؤ من نفسه، أراد أنه إذا أخذ في طاعة الله تعالى ورضاه، ومنعها عن اتباع الشهوات واستيفاء اللذات في حياته فإنه يكون آخذاً من نفسه ما ينفعها في الآخرة.
(لنفسه): أي من أجل نفسه وهو تمهيد حالها عند الله تعالى، واستحقاق الثواب العظيم من جهة الله تعالى فيحصل له الفوز به.
(وأخذ من حي لميت): أراد وأخذ من حياته بالاجتهاد في الأعمال(1) الصالحة وهو حي لما يكون بعد الموت.
(ومن فاني(2)): أراد إما من(3) الدنيا فإنها فانية منقطعة، وإما مِمَّا في يده من الأموال فإنها فانية منقطعة.
(لباقي): أراد إما الآخرة فإنها باقية لا نهاية لها، وإما الثواب فإنه أيضاً لا انقطاع له.
(ومن ذاهب): ومما يذهب عن يديه ويزول بالموت، والتفرق والانقطاع.
(لدائم): وهي الآخرة أو الجنة.
(امرؤ خاف الله): أراد ليخف الله امرؤ.
(وهو معمَّر إلى أجله): يعني والعمر حاصل إلى الأجل الذي قدَّره الله تعالى وحتمه.
(ومنظور إلى عمله): لابد من عرضه على الله تعالى وتحققه وانتقاده، كما قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ}[الحاقة:18].
(امرؤ ألجم نفسه بلجامها): يعني ليلجم امرؤ نفسه بلجامها، وهو كناية عن زجرها بالوعيد وكفَّها بالتخويف.
(وزمَّها بزمامها): أخذاً لذلك من زمام البعير، وهو عبارة عن الخيط الذي تشد بها البُرَة(4) في أنف البعير.
(فأمسكها بلجامها): يريدقبضه إليه.
__________
(1) في (ب): بالأعمال.
(2) في (ب): من فانٍ لباقٍ.
(3) من، سقط من (ب).
(4) الْبُرَةُ: حلقة في أنف البعير أو في لحمة أنفه. (القاموس المحيط ص1630).

(عن معاصي الله): مناهيه التي نهى عنها، وقبحها من جهة العقل، وعلى لسان نبيه [صلى الله عليه وآله وسلم] (1).
(وقادها بزمامها): كما يقاد الجمل المخشوش بزمامه.
(إلى طاعة الله تعالى(2)):
سؤال؛ أراه جعل اللجام في حق المعاصي، وجعل الزمام في حق الطاعات، وكل واحد منهما يحتاج إلى إكراه النفس على فعل الطاعة، والكفُّ عن المعصية؟
وجوابه؛ هو أن اللجام لامحالة أملك لرأس الفرس من الزمام لرأس الجمل، فلهذا خصَّ المعاصي باللجام لما في النفوس من محبتها والتقحم عليها، وإيثار الشهوات العاجلة من أجلها، فلا بد من أن يكون في مقابلها زاجر قوي.
فأما الطاعات فانجذاب النفس إليها يكون بداعي الترغيب، فلهذا خصَّها بالزمام لكونها دون ذلك، فالتكليف تارة يكفُّها عن التوثب(3) عن المعصية، وتارة يكون بإكراهها على عمل الطاعة.

(229) ومن خطبة له عليه السلام في شأن الحكمين، وذم أهل الشام
(جفاة): يشير بذلك إلى قسوة قلوبهم وغلظتها وفظاظتها(4).
(طغام): أسافل الناس وأراذلهم، وأنشد المبرد:
إذا كان اللبيب كذا جهولاً

فما فضل اللبيب على الطغام

وهم أوغاد الناس.
(عبيد): ليس الغرض أنه جرى عليهم الرق، فإن المعلوم خلافه من حالهم، لكن العرب تكني عن شرار الناس بالعبيد إذ لا حسب لهم، ولا خُلُق يردهم عن اللؤم والقبيح.
(أقزام): جمع قَزَم بالتحريك، وهم: حثالة الناس، قال الشاعر:
وهم(5) إذا الخيل جالوا في كواثبها
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) تعالى، زيادة في (ب).
(3) ظنن فوقها في (ب): بقوله: ظ: الوثوب على.
(4) في النسخ: وفضاضتها، بالضاد المعجمة، وهو تحريف.
(5) في نسخة: قوم، (هامش في ب).

فوارس الخيل لا ميل ولا قَزَمُ(1)

(جمعوا من كل أوب): أي من كل ناحية.
(وتلقطوا من كل شوب): أي من كل مكان ذي شوب، وأراد أنهم مشوبون في أنسابهم(2) لا يرجعون إلى حسب صميم(3).
(ممن ينبغي أن يفقَّه ويؤدَّب): يشير إلى جلافتهم فيحتاجون إلى الأدب، وإلى جهلهم بأحكام الله فيحتاجون إلى التفقه في دينه.
(ويعلَّم): الآداب الحسنة، أو معالم الدين إذ هو جاهل بها.
(ويدرَّب): يروى بالدال بنقطة من أسفلها، من الدربة بالشيء وهو اعتياده وتكريره مرة بعد مرة للحكمة، قال الشاعر:
وفي الحلم إدهان وفي العفو دربة

وفي الصدق(4) منجاة من الشر فا صدق

ويروى بالذال بنقطة من أعلاها، واشتقاقه من الذربة، وهي حدة اللسان، والأول أقوى.
(ويولَّى عليه): جعل هذا كناية عن نقصان عقله، كما يولَّى على الصبي والعبد والسفيه.
(ويؤخذ على يديه):كما يؤخذ على أيدي السفهاء عن عمل القبيح، لفقد تمييزهم وتوخيهم للمصالح .
(ليسوا من المهاجرين والأنصار): أهل التقوى والورع، والأحساب العالية، الذين علموا عن الله وفهموا عن رسوله، وفازوا بالخير كله، وأحرزوا الفلاح بحذافيره.
(ولا من(5) الذين تبوءوا الدار): توطَّنوا دار الإيمان والهجرة.
(والإيمان): واتخذوا الإيمان مباءة يسكنون فيها فلا يرتحلون عنها.
(ألا وإن القوم اختاروا): من الرجال في التحكيم.
__________
(1) البيت هو لزياد بن منقذ (لسان العرب3/83)، وأورد البيت ابن أبي الحديد في شرح النهج 13/310، وقوله هنا: كواثبها، فيه: كتائبها.
(2) في نسخة: في آبائهم، (هامش في ب).
(3) صميم الشيء: خالصه.
(4) في (ب): وفي الصبر. والبيت هو لكعب بن زهير (انظر لسان العرب 1/962).
(5) من، زيادة في شرح النهج.

(لأنفسهم): من أجل ما يتعلق بخاصتهم في ذلك.
(أقرب القوم مما يحبون): يعني أن أهل الشام معاوية وأصحابه اختاروا للتحكيم عمرو بن العاص، وهو يدير الحيلة لهم فيما يحبونه ويكون مصلحاً لحالهم.
(وإنكم اخترتم لأنفسكم): من أجل إصلاحها.
(أقرب(1) القوم مما تكرهون): يعني وأنتم اخترتم أبا موسىالأشعري وليس هذا بسديد الرأي، لأن أبا موسى شاكٌّ أو متهم في صلاح أحوالكم، ومن أجل هذا كان منه من الخدع والمكر في التحكيم ما كان.
(إنما(2) عهدكم بعبد الله بن قيس): يشير إلى تحقيق الشك والتهمة في حقه.
(بالأمس): يعني أبا موسى، فإنه:
(قال(3)): بالأمس.
(إنها فتنة): يشير إلى أنهم ليسوا على بصيرة في قتالهم مع أمير المؤمنين.
(فقطِّعوا أوتاركم، وشيموا سيوفكم): شام السيف إذا رفعه وغمده في قِرَابِه(4)، يقول: فمن هذه حاله لا يستنصح، ولا يكون حكماً فيما يتعلق بالأمور الدينية، فقد وقع منكم الخطأ أولاً بتحكيمه، وهو على خلاف رأيي ومشورتي.
(فإن كان صادقاً): فيما قال من قطع الأوتار، وإغماد السيوف.
(فقد أخطأ بمسيره غير مستكره): أراد فإذا كان شاكاً في قتالهم فَلِمَ سار ولا أحد هناك يكرهه.
(وإن كان كاذباً): فيما قاله من ذلك.
(فقد لزمته التهمة): كيف يأمرهم بتقطيع أوتارهم، وإغماد سيوفهم وهم على الحق وبصيرة(5) الجهاد، فمن ها هنا صار متهماً في دينه، فإذا كان ولا بد من التحكيم وأنتم على عزمه:
(فادفعوا في صدر عمرو بن العاص): الدفع في الصدر كناية عن الخصام والمحاجّة.
__________
(1) في (ب): دون.
(2) في (ب) وشرح النهج: وإنما.
(3) في شرح النهج: يقول، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(4) القِرَاب: غمد السيف.
(5) في نسخة: ونصرة (هامش في ب).

(بعبد الله بن العباس):فإنه يقاومه ويصاوله، ولا يغدره ولا يخدعه، فإن عبد الله بن العباس كان في غاية الذكاء والكياسة، فلا يجوز عليه مكر عمرو(1) ولا خديعته.
(وخذوا مهل الأيام): سكونها، وإروادها بكم.
(وحوطوا قواصي الإسلام): أراد احفظوا من كان بعيداً منكم من أهل الدين.
(ألا ترون إلى بلادكم تغزى): يشير إلى ما اختصوا به من الذل؛ لأنه لو كانت لهم هيبة لم يغزوا إلى عقر دارهم، وربما قيل: ما غزي قوم إلى عقر دارهم إلا ذلوا.
(وإلى صَفَاتِكُمْ ترمى): الصفاة: الحجر الأملس الصلب، يشير بذلك إما إلى نفسه؛ لأنه هو عمدة أمرهم، وإما إلى أفنية الدور أي ترمى بالحجارة.

(230) ومن خطبة له عليه السلام، وهي آخرخطبة يذكر فيها آل محمد، صلوات الله [عليه و](2)عليهم أجمعين
(هم عيش العلم): استعارة بالغة، نزَّلهم فيها منزلة العيش، فكما أن الحيوان لا يمكن قوام حياته إلا بالعيش،فهكذا لا يمكن قوام العلم إلا بهم.
(وموت الجهل): لأن من كان حياته في شيء، فموته يكون في نقيض ذلك الشيء.
(يخبركم حلمهم): ما هم عليه من الصفح والتغاظي، وكظم الغيظ.
(عن علمهم(3)): الواسع؛ لأن هذه الأمور إنما تكون حاصلة في حق من علم حقيقة الحال، وأحاط بعلوم الآخرة، أو يريد عن علمهم بما في الحلم من الخصال العظيمة، والآراء المحمودة.
(وصمتهم عن حكم منطقهم): لما كان صمتهم لا يكون إلا عن حكمة وصواب، فإذا انتقلوا عن الصمت كان أدخل في الحكمة أيضاً وأوقع؛ لأنهم ينتقلون من الصواب إلى الأصوب، ومن الحق إلى الأحق.
__________
(1) في (ب): عمرو بن العاص.
(2) زيادة في (ب).
(3) بعده في شرح النهج: وظاهرهم عن باطنهم.

سؤال؛ النطق أدل على الصواب من السكوت والصمت، فأراه ها هنا جعل الصمت هو الدليل، ومن حق النطق أن يكو ن أحق بالدلالة؛ لكونه أظهر وأقوى، وأدل على المقصود؟
وجوابه؛ هو أنه أراد المبالغة بما ذكره، فإن الصمت إذا كان دليلاً على صوابهم، وأنهم لا يصمتون إلا عن حكمة، وعصمة من الله تعالى، فكيف حال النطق فهو لا محالة بالدلالة على الصواب أحق، وبه أولى وأخلق.
(لا يخالفون الحق): فيعدلون عنه إلى غيره.
(ولا يختلفون فيه): فيقول بعضهم: هذا حق، ويقول الآخر عكسه وخلافه.
(هم(1) دعائم الإسلام): أساطينه التي يرتفع عليها أساسه وأبنيته، وعليها يظهر مناره.
(وولائج الاعتصام): دخائله الحسنة التي يعتصم بها كل أحد، ويلجأ إليها وتكون عمدة له في إسلامه وديانته.
(بهم عاد الحق في(2) نصابه): يشير إلى نفسه، بعد اضطراب الأمر في خلافة عثمان، وظهور الفتنة بقتله، واضطراب أمر المسلمين في ذلك.
(وانزاح الباطل عن مقامه): ذهب وزال ما كان من الأحاديث الباطلة، أو يشير بذلك إلى حرب معاوية والخوارج، وما كان من الفتنة، بسبب حربهم وحرب أهل الجمل؛ فإن الفتنة هناك كانت عظيمة، ولكنها صغرت بالإضافة إلى ما كان من عنايته في الدين بحربهم، وتحصيل البصيرة في أحكامهم، فزالت تلك الأمور كلها ببركته، وحميد سعايته، فلهذا قال: انزاح الباطل عن مقامه، يشير إلى تلك الحالات العظيمة، وارتباك الأمر وعظمه من أجل ذلك.
(وانقطع لسانه عن منبته): عن أصله الذي نبت منه، بما كان من اقتطاع الدابر لمن ذكرناه، واستئصال الشأفة.
(عقلوا الدين): فَهِمُوه وأحكموا المراد منه وأوضحوه.
__________
(1) في شرح النهج: وهم.
(2) في شرح النهج: إلى.

(عقل وعاية(1)): فَهْمَ من وعى وتدبَّر الأمر في أوله وعاقبته، واستبان الرشد في بدايته ونهايته.
(لا عقل سماع ورواية): وليس الغرض مما فهموه هو روايتهم له، وسماعهم لألفاظه؛ فإن مثل هذا لايكون نافعاً، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ}[ق:37] وبقوله تعالى: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}[الحاقة:12].
(وإن(2) رواة العلم كثير): لا يُحْصَوْنَ، يريد قُصَّاص الآثار، ورواة الأخبار.
(ورعاته قليل): الرعاة: جمع راعي، وهو الذي يرعى العلم بالعمل به، ويحوطه بالتفقه فيه.
وبتمام ما ذكرناه وقع الانتهاء من شرح خطب أمير المؤمنين، وهو القطب الأول من أقطاب الكتاب المؤسس عليها كما ذكرناه في صدره.
وأقول: إنها قد اشتملت على الترغيب والترهيب، وبيان صفات الثواب والعقاب، وأحوال الجنة والنار، وأهوال القيامة، وذكر الموت، وغير ذلك من أمور الآخرة وأحوالها ما لا يوجد في كلام الخطباء، ولا تسمح به قريحة واحد من البلغاء، ومصداق هذه المقالة: إن أبلغ من وعظ من المتقدمين الحسن البصري، وأحسن من خطب منهم واصل بن عطاء(3).
__________
(1) في شرح النهج: عقل وعاية ورعاية.
(2) في شرح النهج: فإن.
(3) هو: واصل بن عطاء الغزال، أبو حذيفة [80-131ه‍] رأس المعتزلة ومن أئمة البلغاء والمتكلمين، ولد بالمدينة، ونشأ بالبصرة، وكان ممن بايع لمحمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) في قيامه على أهل الجور، له تصانيف منها: أصناف المرجئة، والمنزلة بين المنزلتين، ومعاني القرآن وغيرها. (انظر الأعلام8/108-109).

وأعجب من خطب من المتأخرين يحيى(1) بن نباتة، وأبلغ من وعظ من المتأخرين أيضاً هو ابن الجوزي(2)، فهؤلاء الأربعة ممن تقدم وتأخر قد فاقوا أهل زمانهم في الخطب والوعظ، وأنت إذا أعملت الفكرة في ذلك، وحققت النظر وجدت كلاماتهم كلها لاتداني أقصر خطبة من خطب أمير المؤمنين، ولا أحقر موعظة من مواعظه الشافية، وما ذاك إلا لأنه سبق وقصروا، وتقدَّم وتأخروا، وآتاه الله من ذلك ما لم يؤت أحداً من العالمين.

فهرس الموضوعات
ومن خطبة له عليه السلام في الوعظ…
ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها الدنيا…
ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها من تقدم من القرون الماضية…
ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها صفة النار وحالها…
ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها المتقين، ويصف أحوالهم…
ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها المنافقين…
__________
(1) يحيى بن نباته، كذا ورد الاسم في النسختين، والصواب أبو يحيى بن نباته، وهو عبدالرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نباته الفارقي، أبو يحيى [335-374ه‍] صاحب الخطب المنبرية، ولد في ميافارقين (بديار بكر) ونسبته إليها، وسكن حلب فكان خطيبها، واجتمع بالمتنبي في خدمة سيف الدولة الحمداني، توفي بحلب، وله ديوان الخطب المنبرية مطبوع. (انظر الأعلام 3/347-348).
(2) هو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي، أبو الفرج [508-597ه‍] عالم بالتأريخ والحديث، مولده ووفاته ببغداد، وهو كثير التصانيف، له نحو ثلاثمائة مصنف منها: تلقيح فهوم أهل الآثار في مختصر السير والأخبار، وروح الأرواح، وتلبيس إبليس، والمدهش في المواعظ وغرائب الأخبار، والمنتظم في تأريخ الملوك والأمم وغيرها. (انظر الأعلام 3/316-317).

ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها أحوال القيامة…
ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها الدنيا…
ومن خطبة له (ع) [ينبه فيها على فضيلته لقبول قوله وأمره ونهيه]…
ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها الإسلام…
ومن كلام له عليه السلام يوصي به أصحابه…
ومن كلام له عليه السلام يذكر فيه عقوبة من مضى من الأمم والقرون…
ومن كلام له (ع) [في معاوية]…
ومن كلام له عليه السلام عند دفن سيدة النساء فاطمة عليها السلام…
ومن كلام له عليه السلام في ذكر الدنيا…
ومن كلام له عليه السلام يخاطب به أصحابه، وكان كثيراً ما يناديهم به…
ومن كلام له (ع) كلَّم به طلحة والزبير بعد أن بايعه الناس بالخلافة، وقد عتبا من ترك مشورتهما والاستعانة في الأمور بهما…
ومن كلام له (ع) وقد سمع قوماً من أصحابه يسبون أهل الشام…
وقال عليه السلام بصفين وقد رأى الحسين يتسرع للحرب…
وقال عليه السلام لما اضطرب عليه أصحابه في أمرالحكومة…
ومن كلام له (ع) بالبصرة، لما دخل على العلاء بن زياد الحارثي يعوده…
ومن كلام له (ع) وقد سأله سائل عن أحاديث البدع، وعما في أيدي الناس من اختلاف الأخبار …
ومن كلام له عليه السلام يذكر فيه خلق السماء…
ومن خطبة له(ع)كان يستنهض بها أصحابه إل‍ى جهاد أهل الشام في زمانه…
ومن خطبة له (ع) [في تمجيد الله وتعظيمه]…
ومن كلام له (ع) يصف جوهر الرسول ويصف العلماء ويعظ بالتقوى…
ومن دعاء له عليه السلام كان كثيراً ما يتضرع به…
ومن خطبة له عليه السلام بصفين…
ومن كلام له عليه السلام على جهة الدعاء…
ومن كلام له (ع) في ذكر السائرين إل‍ى البصرة لحربه (ع) …

ومن كلام له (ع) لما مرَّ بطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عتاب وهما قتيلان يوم الجمل…
ومن كلام له (ع) [في وصف السالك الطريق إلى الله سبحانه]…
ومن كلام له (ع) بعد تلاوته: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ…
ومن كلام له (ع) عند تلاوته: رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ…
ومن كلام له (ع) قاله عند تلاوته: يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ…
ومن كلام له عليه السلام يخاطب به أخاه عقيل بن أبي طالب…
ومن دعاء له عليه السلام كان يدعو به…
ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها الدنيا…
ومن دعاء له عليه السلام كان يدعو به…
ومن كلامه (ع) [يريد به بعض أصحابه]…
ومن كلام له (ع) في وصف بيعته بالخلافة…
ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها الموت…
ومن خطبة له (ع) بذي قار، وهو متوجه إلى البصرة …
ومن كلام له (ع) كلم به عبد الله بن زمعة وهو من شيعته، وذلك أنه قدم عليه في خلافته يطلب منه مالاً…
ومن كلام له (ع) [في فضل أهل البيت ووصف فساد الزمان]…
ومن كلام له (ع) [رواه ذعلب اليماني عن أحمد بن قتيبة عن عبد الله بن يزيد عن مالك بن دحية]…
ومن كلام له (ع) قاله وهو يلي غسل رسول الله (ص) وتجهيزه…
ومن خطبة له عليه السلام في التوحيد…
ومن خطبة له (ع) في التوحيد، وتجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة غيرها…
ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها الملاحم…
ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها الموت…
ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها الهجرة…
ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها الموت وأهواله…
ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها الدنيا…

ومن خطبة له عليه السلام تسمى: القاصعة…
ومن كلامه عليه السلام لعبد الله بن العباس…
ومن كلام له عليه السلام يحث فيه أصحابه على الجهاد…
ومن كلام له (ع) اقتص فيه ذكر ما كان منه بعد الهجرة ويذكر لحاقه به…
ومن خطبة له (ع) [في المسارعة إلى العمل]…
ومن خطبة له عليه السلام في شأن الحكمين، وذم أهل الشام…
ومن خطبة له (ع) وهي آخرخطبة يذكر فيها آل محمد (ص) …
فهرس المحتويات…

الديباج الوضي
في الكشف عن أسرار كلام الوصي(السفر الثاني)
المجلد الخامس

الديباج الوضي
في الكشف عن أسرار كلام الوصي
للإمام الأعظم يحيى بن حمزة عليه السلام

تحقيق
خالد بن قاسم بن محمد المتوكل

القطب الثاني من كلام أمير المؤمنين
في الكتب والرسائل والعهود والوصايا
ويدخل في ذلك رسائله إلى أعدائه، وأمراء بلاده، وما اختير من عهوده إلى عماله ووصاياه لأهله وأصحابه.
واعلم: أن الكتاب عبارة عن القرطاس المكتوب فيه، والكتاب: الفرض والحكم، قال الله تعالى: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}[النساء:24] أي فرضه، قال الشاعر:
يا ابنة عمي كتاب الله أخرجني
عنكم وهل أمنعنَّ الله ما فعلا(1)

والعهد أيضاً عبارة عن الأمان والموثق، وهو ها هنا عبارة عمَّا يوصي به أمراءه، والذين يقلدهم أمر البلاد والخراجات.
وأما الرسالة فهي: عبارة عمَّا يرسل به من مو ضع إلى موضع، والرسول أيضاً الرسالة، قال:
ألا أبلغ أبا عمرو رسولاً

بأني عن فتاحتكم(2) غني(3)

وأما الوصية فهي: عبارة عن الكلام الذي يعهده إلى الأمراء والعمال، والكل من هذه الأشياء معانيها متقاربة، والغرض هو التعويل على المعاني.
ونشرع الآن في شرح كتبه مستعينين بالله وهو خير معين.

[بسم الله الرحمن الرحيم] (4)
(1) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إل‍ى البصرة
__________
(1) البيت للجعدي، لسان العرب 3/217.
(2) في النسخ: قبائحكم، وأصلحته من اللسان.
(3) البيت للأسعر الجعفي، المصدر السابق 1/1166، وقوله: فتاحتكم أي حكمكم.
(4) زيادة في (ب).

(من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة): هكذا كانت التعريفات في الكتب والرسائل والعهود، أن يذكر اسمه واسم من يكون إليه الكتاب من غير زيادة، وعلى هذا مضى الصدر الأول من الصحابة وخلفائها وجميع خلافة بني أمية، معاوية ومن بعده منهم على هذا، وما حدثت هذه الألقاب إلا من أيام أبي الدوانيق أبي(1) جعفر، فإنه تسمى بالمنصور بعد أخيه عبد الله بن محمد بن علي، ثم جرى ذلك بعده في أولاده المهدي بن المنصور، ثم الهادي بن المهدي، ثم الرشيد هارون بن المهدي، ثم المأمون والأمين، إلى آخر خلفاء بني العباس، ما زالت هذه الألقاب فيهم إلا أن انقرضوا واقتلع الله جرثومتهم(2)، فبعداً لقوم لا يؤمنون، ثم هي الآن جارية، وليس ورائهاكثير فائدة، ولو كان فيها خير سبق إليها الصدر الأول.
(جبهة الأنصار): الجبهة يكنى بها عن أحسن الشيء وخياره وأعلاه؛ لأنه أوردها ها هنا مورد المدح والثناء على الأنصار، فلهذا(3) وجب حملها على ما قلناه، وأراد أنهم أعظم الناصرين له وأكثرهم جهاداً في حقه.
(وسنام العرب): والسنام أيضاً: عبارة عن خيار الشيء ووسطه، ومنه سنام الناقة والجمل لكونه وارداً مورد المدح، ولا وجه بحمل السنام والجبهة على غير ذلك لفساد معناه.
(أما بعد): وهذه كلمة فصيحة تراد للقطع للكلام الأول عمَّا يأتي بعده.
(فإني أخبركم عن أمر عثمان): وما جرى فيه من الفتنة والخصومة العظيمة.
__________
(1) حاشية في (ب) لفظها: المشهور في غير هذا الكتاب أن أبا الدوانيق هو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، تمت.
(2) جرثومة الشيء بالضم أصله. (القاموس المحيط ص1405).
(3) في (ب): ولهذا.

(حتى يكون سمعه كعيانه): حتى هذه متعلقة بكلام محذوف، تقديره: أخبركم خبراً عظيماً جامعاً للقول فيه واضحاً جلياً، السامع له بمنزلة المعاين.
(إن الناس طعنوا عليه): في سيرته مطاعن كثيرة، ونقموا عليه أشياء أحدثها.
(فكنت رجلاً من المهاجرين): أراد واحداً منهم، وغرضه تميزه عن المهاجرين في حقه.
(أكثر استعتابه): الاستعتاب: الاسترضاء، وأراد أنه يكثر من طلب الرضا له.
(وأُقِلُّ عتابه): والعتاب هو: ذكر الخطأ الذي أخطأه، وغرضه من هذا كله أنه يسترضيه، ولا يذكر له ما يكرهه.
(وكان طلحة والزبير): في حقه وبالإضافة إليه.
(أهون سيرهما الوجيف(1)): الوجيف: ضرب من سير الإبل والخيل كثير السرعة والعجلة، وغرضه من هذا أن سعيهما في قتل عثمان أبلغ من سعي غيرهما من أفناء الناس.
(وأرفق حدائِهِمَا العنيف): العنف: الشدة، وجعل هذا كناية عن مبالغتهما في قتله ومحبتهما لذلك وتأليب الناس عليه.
(وكان من عائشة فلتة(2) غضب فيه): يقال: كان هذا الأمر فلتة إذا لم يكن عن تدبُّر وتحقق، وكان صدوره فجأة، فكانت تسبُّه وتؤذيه، وتحرض الناس على قتله، حتى أنها قالت يوماً: اقتلوا نعثلاً لعن الله نعثلاً، بالعين المهملة والثاء المثلثة(3)، والنعثل: ذكرالضباع، وقيل: اسم رجل كان طويل اللحية، وكان عثمان إذا نيل من عرضه شبه به، وهو مراد عائشة ها هنا.
(فأتيح له قوم فقتلوه): أي قُدِّر له أقوام قليلون قتلوه من غيربصيرة في قتله.
(وبايعن‍ي الناس): بعد قتله.
__________
(1) في (ب) وفي شرح النهج: أهون سيرهما فيه الوجيف.
(2) في شرح النهج: وكان من عائشة فيه فلتة غضب.
(3) أورده ابن الأثير في النهاية 5/81، وابن منظور في لسان العرب 3/668.

(غير مُسْتَكْرَهِيْنَ): لم يكن من أحد لهم إكراه ولا حمل.
(ولا مُجْبَرِيْنَ): مقهورين على البيعة، وإنما جاءوا من جهة أنفسهم بالطوع والاختيار دون الإكراه.
(بل طائعين مُخَيَّرِيْنَ): تأكيد ومبالغة في ذكر حال بيعته، وأن إمامته لا مغمز فيها لأحد، ولا فيها وجه من وجوه الاعتراض الحاصلة في إمامة غيره.
(واعلموا أن دار الهجرة قد قلعت بأهلها وقلعوا بها): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد بدارالهجرة الكوفة، ومعنى قلعت بهم أي أخلتهم وطردتهم، وقلعوا بها أي أخلوا عنها وأهملوها فصارت خالية بعدهم.
وثانيهما: أن يكون المراد بدار الهجرة المدينة، وهو السابق إلى الأفهام من دار الهجرة؛ لأن ما عداها من المدائن والأمصار لا يقال فيه: دار الهجرة، وأراد أنهم أخلوها وخلوا عنها، وغرضه أيام الفتنة بقتل عثمان.
(وجاشت جيش المِرْجَل): جاش القدر إذا عظم غليانه، واشتدت حركته، وَالْمِرْجَلُ: القدر.
(وقامت الفتنة على القطب): أراد استقرت رحاها على قطبها؛ لأن كل ما يدور على القطب إذا لزم القطب وقام عليه، و(1)استوسق واستقر.
(فأسرعوا): بالإقبال فيما يأمركم به وينهاكم عنه.
(إلى أميركم): من جعله الله والياً عليكم، وسلطاناً قائماً على أموركم كلها.
(وبادروا جهاد عدوكم): أن يحال بينكم وبينه بعارض من العوارض.

(2) [ومن كتاب له عليه السلام إليهم بعد فتح البصرة](2)
ثم كتب إليهم بعد فتحه للبصرة:
(جزاكم الله من أهل مصر): يريد أهل الكوفة لما بالغوا في النصيحة، وأخذوا في امتثال أمره، ومن هذه لابتداء الغاية.
__________
(1) الواو، زيادة في (ب).
(2) ما بين المعقوفين زيادة من شرح النهج.

(عن أهل(1) بيت نبيِّكم): يريد نفسه وأولاده إذ هم أهل البيت في ذلك الزمان لا شيء غيرهم.
(أحسن ما يجزي العاملين بطاعته): من الثواب العظيم ورفع الدرجات العالية.
(والشاكرين لنعمته): أي وأحسن ما يجزي الشاكرين على نعمته، كما قال تعالى: {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}(2)[آل عمران:144] إشارة إلى عظم(3) ما أعدَّ الله لهم من كرامته من جزيل ثوابه وحسن عطائه.
(فقد سمعتم): ما أقوله من المواعظ والآداب.
(وأطعتم): أمري بما أمرتكم به من أمر الجهاد.
(ودعيتم): إلى الطاعة أو إلى مقاتلة العدو وجهاده.
(فأجبتم): إلى ذلك مسرعين منقادين.

(3) ومن كتاب له [عليه السلام](4) كتبه لشريح بن الحارث(5) قاضيه
روي أن شريح بن الحارث قاضي أمير المؤمنين اشترى على عهده داراً بثمانين ديناراً، فبلغه ذلك فاستدعاه وقال له(6):
__________
(1) قوله: أهل، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(2) الآية القرآنية الشريفة في (ب): {وسنجزي الشاكرين}.
(3) في (ب): عظيم.
(4) زيادة في (ب).
(5) هو شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي، المتوفى سنة78ه‍، من أشهر القضاة في صدر الإسلام، أصله من اليمن، استعمله عمر بن الخطاب على القضاء بالكوفة، وولي القضاء للإمام علي على الكوفة أيضاً، قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: وسخط عليعليه السلام مرة عليه فطرده عن الكوفة ولم يعزله عن القضاء، وأمره بالمقام ببانقيا -وكانت قرية قريبة من الكوفة- فأقام بها مدة حتى رضي عنه وأعاده إلى الكوفة. انتهى. وَعُمِّر عمراً طويلاً قيل: إنه عاش مائة سنة وثمانياً وستين،، وقيل: مائة سنة، ومات بالكوفة. (انظر شرح النهج لابن أبي الحديد 14/28-29، والأعلام3/161).
(6) له، زيادة في (ب).

(بلغن‍ي أنك ابتعت داراً بثمانين ديناراً، وأشهدت شهوداً، وكتبت كتاباً)(1).
فقال شريح: قد كان ذلك ياأمير المؤمنين.
قال: فنظر إليه [عليه السلام] (2) نظر مغضب(3) ثم قال له:
(ياشريح، أما إنه سيأتيك): يصل إليك، ويحلُّ بفنائك.
(من لا ينظرفي كتابك): الذي كتبته تقريراً لملكك، وخوفاً عن دعوى من يدَّعيها.
(ولا يسألك عن بيتك(4)): إما عن بيتك(5) الذي جعلت هذه(6) العناية من أجله ، وإما عن بينتك التي تقيمها من عندك(7) لو جحدها جاحد، فلا يزال بك:
(حتى يخرجك منها شاخصاً): شخص عن البلد إذا خرج عنها.
(ويسلمك إلى قبرك خالصاً): من قولهم: أسلمته إلى كذا أي خلَّيت بينه وبينه، وأراد بقوله: خالصاً عن العلائق كلها لا شيء معك من الدنيا، وأراد بما ذكره ملك الموت، فإنه يأتي إلى(8) الإنسان، فيفعل(9) به هذه الأفاعيل كلها.
(فانظر يا شريح): تفكَّر في أمرك وشأنك، وحقِّق النظر فيما أنت فيه.
(لا تكون ابتعت هذه الدار من غير مَالِكٍ): أراد أن مالكها الذي أخذتها منه، لعله غصبها(10) أو أخذها على غيره وباعها منك، فانظر في هذا.
__________
(1) في (ب): وكتبت كتاباً وأشهدت شهوداً، وفي شرح النهج: وكتبت لها كتاباً وأشهدت فيه شهوداً.
(2) زيادة في (ب) وفي نسخة أخرى.
(3) في شرح النهج: المغضب.
(4) في (ب) وفي شرح النهج: بينتك.
(5) في (ب): بينتك.
(6) في (ب): هذا.
(7) في (ب): من غيرك.
(8) إلى، سقط من (ب).
(9) في (ب): فيفعلن.
(10) في (ب): اغتصبها.

(أو نقدت الثمن من غير حلالك): وكان نقدك للثمن من غير مال تملكه، بأن تكون قد أخذته من غير حله، فانظر فإن تطرق الشبهة يكون(1) إما في المبيع، وإما في الثمن، وكل واحد منهما يكون محرماً للبيع، ويقع الخطأ والإثم بالوقوع في أحدهما لامحالة.
(فإذاً أنت): بالوقوع في أحد هذين الشبهتين أو كلاهما.
(قد خسرت دار الدنيا): بكونك شريت ما لا يحل لك شراؤه.
(ودارالآخرة): بالوقوع في معصية الله تعالى وإثمه، والمراد بالخسران هو فوات الدارين كلاهما، وذهابهما عن يده كما قررناه.
(أما إنك لو كنت أتيتن‍ي عند شرائك ما اشتريت):من هذه الدار بثمنها المعلوم.
(لكنت كتبت لك كتاباً)(2): حررت فيه ألفاظاً وعظية، وقوارع شافية مرغِّبة عن الدنيا.
(على هذه النسخة): التي سأذكرها بعد هذا بمعونة الله تعالى.
(فلم ترغب): عند معرفتك بها.
(في شراء هذه الدار بدرهم فما فوقه): لاشتماله على الزهد في الدنيا، والترغيب في الآخرة.
(والنسخة: هذا ما اشترى عبد ذليل): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد بذلك على جهة العموم، والغرض أن كل الخلق عباد الله ذليلون لأمره، خاضعون لجلاله.
__________
(1) في (ب): قد يكون.
(2) في شرح النهج: لكتبت لك كتاباً.

وثانيهما: أن يكون مراده على جهة الخصوص، وأراد بالعبد شريحاً؛ لأنه كان عبداً، ولهذا فإنه يحكى أنه نقم عليه(1) نَقْماً في بعض الأقضية التي قضاها، فقال: ائتوني بهذا العبد الأبظر(2) والبظر بظاء منقوطة من أعلاها: لحمة ناتية(3) في الشفة العليا، وكان شريح بهذه الصفة.
(من ميت قد أزعج بالرحيل(4)): ممن يموت ويستعجل الرحيل(5) إلى الآخرة، والتولي عن الدنيا، فهذه حالة البائع والمشتري وأوصافهما.
(اشترى منه داراً من دار(6) الغرور): الدار الأولى هي المشتراة، والدار الثانية هي الدنيا، فإنها دار المكر والخديعة بأهلها.
(من جانب الفانين [وخطة الهالكين] (7)): مِمَّا يجري عليه الفناء، والخطة: ما يُخْتَطُّ للعمارة، وأراد من مكان الهالكين، وأراد بذلك ذكر هذه الأوصاف مبالغة في تخليتها وإظهار أمرها، كما يقول أهل الشروط: من خطة بني فلان، وشارع بني فلان لئلا تكون ملتبسة بغيرها تهكماً لأمرها واستركاكاً لحالها.
(وتجمع هذه الدار): بحيث لاتلتبس بغيرها على مشتريها.
(حدود أربعة): مشتملة على أقطارها، ومستولية عليها من جميع نواحيها.
(الحد الأول ينتهي إلى دواعي الآفات): يريد أن هذه الدار لايخلو أمرها أصلاً عن طرو الآفات وعروض المتالف لها.
__________
(1) عليه، سقط من (ب).
(2) وله شاهد أورده ابن الأثير في النهاية 1/138 فقال: وفي حديث علي (أنه قال لشريح في مسألة سألها: ما تقول فيها أيها العبد الأبظر) هو الذي في شفته العليا طول مع نتو. انتهى. وهو في لسان العرب 1/230.
(3) أي بارزة.
(4) في شرح النهج: للرحيل، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(5) في (ب): بالرحيل.
(6) في نسخة: بدار، (هامش في ب).
(7) زيادة في (ب) وشرح النهج.

(والحد الثاني ينتهي إلى دواعي المصيبات): وهكذا أيضاً فإن هذه الدار لا تخلو عن المصائب الجارية على الخلق، والذين هم بصددها، ولا خلاص عن ذلك.
(والحد الثالث ينتهي إلى الهوى(1) المردي): في الهلاك فإنه لا ضرر على الإنسان أضر من اتباع الهوى، وإليه الإشارة بقوله:{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى}[النازعات:40].
(والحد الرابع ينتهي إلى الشيطان المغوي): للخلق عن مصالحهم الدينية، وعمَّا أراد الله بهم من مسالك الخير والصلاح.
(وفيه(2) يشرع باب هذه الدار): أي يسلك.
سؤال؛ أراه جعل مشرع باب الدار من جهة حد الشيطان، دون غيره من سائر الحدود التي ذكرها، مع أنها كلها مستوية في الإهلاك للإنسان؟
وجوابه؛ هو أن باب الدار إنما شرع(3) من أجل دخولها، ولما كان الشيطان له مداخل عظيمة في الإنسان، ويأتي له في الإغواء من أبواب متفرقة، وجهات مختلفة حتى يستولي عليه ويستحكم من أي باب وجده يهلك فيه، فلهذا جعل مشرع باب الدار من جهة الشيطان وإغواءه وزلله واستحواذه.
وعن إبليس أن الله لما لعنه، قال: يارب، قد جعلتني رجيماً، وأنظرتني إلى الوقت المعلوم فاجعل لي بيتاً.
قال: ((الحمام)).
قال: فاجعل لي مجلساً.
قال: ((الأسواق ومجامع الطرقات)).
قال: فاجعل لي حديثاً.
قال: ((الغنا(4))).
قال: فاجعل لي كتابة.
__________
(1) في نسخة: البلاء، (هامش في ب).
(2) في (ب): ومنه.
(3) في (ب): يشرع.
(4) في نسخة أخرى: العياذة.

قال: ((الوشم(1))).
قال:فاجعل لي مؤذناً.
قال: ((النوائح)).
قال:فاجعل لي مصائد.
قال: ((النساء)).
(اشترى هذا المغتر بالأمل): حيث شرى منزلاً يطمأنَّ إلىالسكون إليه والمقام فيه، والاستقرار عليه ثقة بالدنيا واطمئناناً إليها، وفي الحديث: ((ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر ما يرجع إليه))(2).
(من هذا المزعج بالأجل): يريد البائع فإن الليالي والأيام تحثه لا محالة إلى الآخرة، وفي الحديث: ((الدنيا حلم، وأهلها مجازون ومعاقبون وهالكون)).
(هذه الدار): المخصوصة بهذه الصفات، والمحدودة بهذه الحدود التي ذكرناها.
(بالخروج من عز القناعة): كأنه جعل ثمنها الخروج من عز القناعة، يشير إلى أن هذا المشتري لو تقنَّع ما شراها ورضي بالحقير عنها؛ لأن فيه كفاية عن الجليل، وفي الحديث: ((من أحبَّ دنياه أضرَّ بآخرته،ومن أحبَّ آخرته أضرَّ بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى))(3).
__________
(1) الوشم: أن يغرز الجلد بإبرة، ثم يحشى بكحل أو نيل، فيزرق أثره أو يخضرّ، وقد وشمت تشم وشماً فهي واشمة، وفي الحديث ((لعن الله الواشمة والمستوشمة)) ويروى ((الموتشمة)) و((المستوشمة))، والموتشمة: التي يفعل بها ذلك. (نهاية ابن الأثير5/189).
(2) أخرج مثله المرشد بالله في الأمالي الخميسية 2/162 بسنده عن المستورد بن شداد، وص172 بسنده عن ابن فهم، وهو في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 9/50 وعزاه إلى سنن الترمذي رقم(2321)، وكنز العمال رقم (6138)، (وله شواهد فيها عدة انظرها هناك).
(3) أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده الكوفيين برقم (18866) و(18867) عن أبي موسى الأشعري.

(والدخول في ذلِّ الطلب والضراعة): الضراعة هي: الذلة والمسكنة، فقد دخل بشرائها في الذل، وخرج عن العزِّ بالتقنع(1).
(فما أدرك هذا المشتري فيما اشترى من درك): الدرَك والدرْك بالفتح والسكون(2) هو: التبعة، وأراد فما اتبع فيما اشتراه من هذه الدار.
(فعلى مبلبل أجسام الملوك): البلبلة: القطع والاستئصال، أخذاً من قولهم: تبلبلت الإبل الكلأ إذا قطعته فلم تُبْقِ منه شيئاً، وأراد فإنه موكول إلى الله تعالى الفاعل لهذه الأشياء، وذكرها إنما هو على جهة التهويل وإعظام الأمر وإكباره.
(وسالب نفوس الجبابرة): مزيلها عن أجسامهم.
(ومزيل ملك الفراعنة): من تشيطن في البلاد بإكثار الفساد في الإرض فهو فرعون، وقد أزال الله كل من تفرعن في الأرض وأهلكه.
(مثل كسرى): ملك الفرس.
(وقيصر): ملك الروم.
(وتبَّع): والتبابعة هم ملوك اليمن، وكانوا ثمانين تبعاً.
(وحمير): وملوك حمير، كانوا في اليمن.
(ومن جمع المال على المال فأكثر): من جمعه، وكنزه وادخاره.
(ومن بنى): القصور العظيمة.
(فشيَّد(3)): بناءها وزخرفها وزينها.
(وزخرف): نقش.
(ونجَّد): والتنجيد: التزيين، قال ذو الرمة:
حتى كأن رياضَ القفرِ ألبسها

من وشي عبقر تجليلٌ وتنجيدُ(4)
__________
(1) أي بالسؤال والتذلل من القُنُوعُ بالضم وهو السؤال والتذلل، ومن دعائهم: (نسأل الله القناعة، ونعوذ بالله من القُنوع) والقُنوع بالضم أيضاً: الرضا بالقسم وهو من الأضداد. (انظر القاموس المحيط ص977).
(2) قوله: بالفتح والسكون، سقط من (ب).
(3) في شرح النهج: وشيد.
(4) لسان العرب 3/583، وقوله هنا: القفر، في اللسان: القُفّ: وهم اسم جبل، وعبقر: قرية ثيابها في غاية الحسن. (انظر القاموسى المحيط).

(وادخر): الأموال النفيسة.
(واعتقد): أن ليس أحداً مثله، أو أنه لا جمع كجمعه.
(ونظر بزعمه للولد): أراد إما ونظر بزعمه فيما جمعه أنه مصلحة لولده، وإما كان منتظراً للولد فيسترُّ به كما يسترُّ بالمال إذا جمعه.
(إشخاصهم(1)): هذا على حذف مضاف تقديره: وقت إشخاصهم، والعامل فيه ما تعلق(2) به على في قوله: فعلى مبلبل، أي فهو حاصل وقت إشخاصهم لكن حذف الوقت، وترك المصدر(3) لما فيه من الدلالة على الوقت، كما قالوا: انتظرتك نحر جزور، ومنه قوله تعالى: {فَسَبِّحْهُ(4) وَإِدْبَارَ النُّجُومِ}[الطور:49].
(جميعاً): مجتمعين بكليتهم.
(إلى موقف العرض والحساب): العرض على الله تعالى والمحاسبة على الأعمال.
(وموضع الثواب والعقاب): وفي هذا الوقت أيضاً، وأراد عند هذه الأحوال الهائلة، والأمور الخطرة.
(إذا وقع الأمر بفصل القضاء): إذا متعلقة أيضاً بما تعلق به الظرف المقدر، أو يكون هذا بدلاً من ذاك(5)؛ لأنهما مستويان.
({وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ})[غافر:78]: لأعمالهم بإحباطها بالسيئات، أو ذوو البطلانات والجحود في اعتقاداتهم.
(شهد على ذلك): الذي ذكرناه في هذه الأشياء كلها.
__________
(1) كتب فوقها في نسخة أخرى: معاً يعني بفتح الهمزة وكسرها أي إشخاصهم وأشخاصهم، وفي نسخة: أشخصهم (هامش في ب).
(2) في نسخة أخرى: ما تتعلق.
(3) في نسخة: والعامل فيه المصدر لما فيه من الدلالة ...إلخ (هامش في ب).
(4) ورد في (أ) وفي نسخة أخرى: وسبحه، ولعلها قراءة، وما أثبته من المصحف الذي بين يدي على قراءة حفص، ومن (ب).
(5) في (ب): ذلك.

(العقل): وهو الذي ركَّبه الله في الإنسان قاضياً بصحة هذه الأمور كلها ومعترفاً بها، وأنها كلها حق وصواب، وهو إنما يشهد بها إذاكان باقياً على الخلقة الغريزية والفطرة الإلهية التي جعله الله عليها، وذلك إنما يكون:
(إذا خرج عن(1) أسر الهوى): لأن الهوى إذا [كان] آسراً للعقل(2)، وصار موطؤاً بقدم الهوى فلا حيله له هناك ولا وقع لتصرفه، ولا يقدر على التخلص عن وثاق الهوى، وعند هذا لا نفع فيه لصاحبه.
(وسلم من علائق الدنيا): وكان أيضاً سالماً عن أطماع الدنيا وعوارضها، فمهما سلم عن(3) هذين الأمرين فإنه قاضٍ بما ذكرناه، ومهما فسد بأحد هذين الأمرين فإنه يبطل أمره، ويخرج عن النظام الذي ركَّبه الله عليه.
اللَّهُمَّ، إنا نعوذبك من أسر الهوى، والانقياد لحكمه.
واعلم: أن هذا الكتاب حذا عليه كتَّاب الشروط في البياعات(4) والإجارات والمزارعة وغير ذلك، وجعلوه إماماً لهم يحتذون عليه كتب شروطهم.

(4) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى بعض أمراء جيشه
(فإن عادوا إلى ظل الطاعة): استعار الظل للطاعة لما فيه من موافقة مراد الله تعالى، ورضوانه عليهم، فعاقبة ذلك راحة ولذة، فلهذا جعل عودتهم مما يلتذ به لما كان يؤول إلى ذلك.
(فذاك الذي نحب): الإشارة إلى العود إلى الطاعة، أي فهو الأمر المحبوب منهم، والمطلوب حصوله من جهتهم.
(وإن توافت الأمور بالقوم): أي تطابقت الأمور بالقوم بتمامها وكمالها.
__________
(1) في شرح النهج: من.
(2) في (ب): أسر العقل شيئاً، وما بين المعقوفين وهو قوله: كان، سقط من (أ،ب)، وهو زيادة من نسخة أخرى.
(3) في (ب): من.
(4) ظنن فوقها في (ب)، بقوله: ظ: البيوعات، قلت: والبياعات جمع بياعة بالكسر وهي: السلعة.

(إلى الشقاق): المشاقة والعصيان لأمري والمخالفة عليَّ.
(والعصيان): لأمر الله وأمري.
(فانهد بمن أطاعك): نهد الرجل في الأمر إذا نهض إليه بجد وسرعة، وأراد فانهض مستصحباً بمن(1) أطاعك.
(إلى من عصاك): إلى جهاد من خالفك وبغى عليك.
(واستعن(2) بمن انقاد معك): اجعله عوناً لك وبصِّره واستصحبه، واجعله غنىً عن غيره لك.
(عمن(3) تقاعس عنك): أي تأخر بتكبر وعتو.
(فإن المكره(4)): الآتي إلينا كرهاً لا عن خيرة من نفسه، ولا انجذاب منها خوفاً من ربه.
(مغيبه خير من شهوده(5)): لأنه ربما بكراهته أفسد غيره، وخذله عن النهوض، وفتَّ في عضده.
(وقعوده): في بيته عن الجهاد والقتال.
(أغنى): أكثر غناءً ونفعاً.
(من نهوضه): بزعمه مكرهاً للجهاد، لما في ذلك من الضررو حصول المفسدة، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى الذي ذكره أمير المؤمنين في كتابه، حيث قال في حق أهل النفاق: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ}[التوبة:47] يريد في تبوك {مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً}[التوبة:47] فساداً وشراً، {وَلاََوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ}[التوبة:47] بالمكر والخديعة، والسعي بها بينكم، وإفساد ذات البين، {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ}[التوبة:47]: يطلبون فتنتكم، وإفساد نياتكم في مغازيكم هذه، ومن هذه حاله فقعوده خير من مسيره، كما أشار إليه ها هنا.
__________
(1) في (ب): من.
(2) في شرح النهج: واستغنِ.
(3) في (ب): على من.
(4) في شرح النهج: المتكاره، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(5) في (ب) وفي شرح النهج: خير من مشهده.

(5) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى الأشعث بن قيس [وهو](1) عامل أذربيجان(2)
(وإن عملك ليس بطعمة لك): يعني أنه ليس أمراً سهلاً ولا تبعة عليك فيه، فلا تظننَّ أنه بمنزلة الطعمة الهنية.
(ولكنه في عنقك أمانة): يريد فيه تكليف عليك وأمانة في عنقك حتى تؤديها إلى من ائتمنك عليها.
(وأنت مسترعى لمن فوقك): يريد جعلك راعياً من هو فوقك في الأمر ووجوب الطاعة.
(ليس لك أن تفتات في رعية): الافتيات(3): افتعال من الفوت، وهو السبق إلى الشيء من دون أمر من له الأمر فيه، يقال: فلان لا يفتات عليه أي لا يعمل شيء دون أمره، وفي الحديث: ((أمثلي يفتات عليه في أمر بناته(4))).
(ولا تخاطر إلا بوثيقه): أي ولا تركب خطراً من الأمور تكون مغروراً فيه من دون أن تستوثق، وأراد أن هذه الأمور كلها واجبة على المتولي فيما ولي عليه.
(وفي يدك(5) مال من مال الله عز وجل): إنما نكَّر المال، إما لجلالته وكثرته كأنه قال: مال وأي مال، وإما لقلته كأنه قال: ما يقع عليه اسم المال.
(وأنت من خزاني(6)): ممن جعلته خازناً له، والواجب عليه حفظه ورعايته.
(حتى تسلمه إليَّ):وعند هذا قد أدَّيت أمانتك، والفرض الواجب عليك لله فيه.
__________
(1) وهو، زيادة في شرح النهج.
(2) أذربيجان اسم بلد، ويعرف اليوم: بجمهورية أذربيجان، وهو اسم أعجمي غير مصروف، الألف مقصورة، والذال ساكنة، والنسبة إليه أذري بسكون الذال هكذا القياس. (وانظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 14/33).
(3) في (ب): الافتعال.
(4) في (ب): بيانه، والحديث أورده ابن الأثير في النهاية3/406 موقوفاً لعبد الرحمن بن أبي بكر.
(5) في شرح النهج: يديك، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(6) في شرح النهج: خزانه.

(ولعليَّ ألاَّ أكون شر ولاتك لك(1)): وأرجو من الله تعالى أن أكون خير من تولى عليك بحفظ ما أديت من المال وصرفه في أهله، وإنما قال: ولعليَّ، جرياً على عادته في الأدب عند الدعاء، كما قال الرسول عليه السلام: ((وأرجو أن أكون أخوفكم بالله، وأعرف بما آتي وأذر))(2).

(6) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى معاوية
(إنه بايعن‍ي القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان): الضمير للشأن والقصة، والجملة بعده مفسرة له، وأراد أمير المؤمنين الملاطفة له في الخطاب والنزول معه، وإفحامه بالإلزام على قرب، وتقريره(3) أن يقول: هب أن إمامتي ليس منصوصاً عليها بالبراهين الواضحة، والنصوص الواردة، فالذين كانوا قبلي(4) هم أئمة على زعمك، وما كانوا أئمة إلا من أجل من عقد لهم من المهاجرين والأنصار، والذين عقدوا لهم ورضوهم قد عقدوا لي ورضوا بي إماماً لهم وبايعوني:
(على ما بايعوهم عليه): من امتثال أمرالله، وأمر رسوله، والقيام بالواجبات كلها، وليس الغرض اجتماع الناس بأجمعهم، وإنما انعقاد الإمامة بالعدد المعتبر من الأعيان والجماهير.
(فلم يكن للشاهد أن يختار): أمراً خلاف ما أجمعوا عليه واختاروه، ولكن الواجب الانقياد لهم والمتابعة لما فعلوه.
(ولا للغائب أن يرد): ما قد فعلوه من ذلك ويزعم أني لم أحضر.
(وإنما الشورى): المشاورة في الأمر، وهي فُعلى بضم الشين.
__________
(1) بعده في (ب) وشرح النهج: والسلام.
(2) روى قريباً منه بلفظ: ((أنا أرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم به)) العلامة الزمخشري في الكشاف3/620.
(3) في (ب): وتقديره.
(4) في (ب): قبل.

(للمهاجرين والأنصار): تعريض بحال معاوية، يريد أن المشاورة في هذا الأمر، وعقد الإمامة إنما يكون لرجال أهل الدين من المهاجرين والأنصار الذي تبوأوا الدار والإيمان دونك، فليس لك فيها ورد ولا صدر، ولا أنت ممن يستشار في هذا الأمر، وإنما الحكم والأمر لهم.
(فإن اجتمعوا على رجل): ورأوه صالحاً لهذا الشأن وعقدوا له ورضوه.
(وسموه إماماً): وقالوا: هذا إمام المسلمين وأميرهم.
(كان ذلك لله رضاً): لأن ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن))، وبعد إجماعهم عليه فهو الحق الذي لا يُعْدَلُ عنه، إذ لا يجتمعون على ضلالة.
(فإن خرج من أمرهم خارج): يريد مما أجمعوا عليه هاهنا.
(بطعن): في الإمام على غير بصيرة وحق.
(أو بدعة): فسق وتمرد.
(ردوه): بالمراجعة والمناظرة و إيضاح الخطأ لماهو عليه.
(إلى ما خرج منه): وهو إمامة الإمام المجمع على إمامته.
(فإن أبى): إلا الفسق والتمرد والطعن
(قاتلوه): حاربوه.
(على اتباع(1) غير سبيل المؤمنين):على فسقه وخرقه للإجماع، وخروجه عمَّا عليه المسلمون.
(وولاَّه الله ما تولَّى): من عذابه ونكاله في الآخرة لأجل فسقه، وهذا كله تعريض بحال معاوية، وتحذير له عن البغي والتمرد والمخالفة للحق، وإيضاح للأمر(2) له.
(ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك): العمر قسم قد مرَّ تفسيره، لئن كان نظرك عن عقل وبصيرة وتروي في الحق واتباع له وانقياد لأمره.
(دون هواك): يريد ولم تحكِّم هواك ولم تكن سِيْقَةً له.
(لتجدنَّي أبرأ الناس من دم عثمان): لأنه لم يكن تعويلة ولا ديدنه الذي يصول به إلا أنه ثائر بدم عثمان، فلهذا كان سبباً للخروج والبغي على أمير المؤمنين.
__________
(1) في (ب) وفي شرح النهج: على اتباعه.
(2) في (ب): الأمر.

(ولتعلمن أني كنت في عزلة منه(1)): جانب ومعزل لا علقة لي به، وكيف يظن بمثلي أن يكون من جهتي أمر يكون فيه إهدار دم رجل من أفناء المسلمين فضلاً عن دم عثمان كلا وحاشى!.
(إلا أن تتجنى): تتجرَّم عليَّ بجرم لم أجترمه، وهذا الاستثناء يكون منقطعاً لعدم اتصاله بما قبله، وفي المثل: أجناؤها أبناؤها(2)، أي الذين جنوا على هذه الدار بالخراب والهدم هم الذين كانوا بنوها، وهذا المثل خارج عن القياس لأن فاعل لا يجمع على أفعال، ولعل المثل: جناتها بُناتُها، فإن كان هذا فالمثل مستقيم، وإن كان على الرواية الأولى فقد يغتفر في الأمثال ما لا يغتفر في غيرها من الخروج عن القياس.
(فتجنَّ ما بدا لك!): ما هذه يحتمل أن تكون موصولة، أي فتجرَّم الذي تحبّ وتريده، ويحتمل أن تكون نكرة موصوفة، وتقديره: فتجرَّم شيئاً ظهر لك.

(7) ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضاً
(أما بعد، فقد أتتن‍ي منك موعظة موصَّلة): يريد موعظة طويلة يتصل بعضها ببعض لطولها.
(ورسالة مُحَبَّرة): تحبير الكلام: تزيينه وتحسينه.
(نَمَّقتها بضلالك): التنميق: التزيين أيضاً، قال النابغة:
كأن مجر الرامسات ذيولها

عليه(3) قضيم نَمَّقَته الصوانع(4)

وأراد زينتها بما أودعتها من المكر والخديعة بزعمك.
__________
(1) في شرح النهج: عنه.
(2) المثل في لسان العرب 1/519: أبناؤها أجناؤها. (انظر الأقوال الواردة في شرحه هناك).
(3) في (ب): عليها.
(4) البيت للنابغة الذبياني، وانظر لسان العرب 3/723، والرامسات: الطير التي تطير بالليل أو كل دابة تخرج بالليل، والقضيم: الجلد الأبيض يكتب فيه. (انظر القاموس المحيط).

(وأمضيتها بسوء رأيك): وجعلتها ماضية فيما دلت عليه من المخالفة، والخروج عن الحق بالرأي السوء، المخالف للدين،والناكب عن طريقه.
(وكتاب امرئ): أي وكتابك كتاب امرئٍ.
(ليس له بصر يهديه): بصيرة ترشده إلى الحق.
(ولا قائد يرشده): يأخذه(1) بزمامه إلى طريق الرشاد.
(قد دعاه الهوى فأجابه): أراد أن هواه صار مالكاً له، يصرِّفه كيف شاء فلا حيلة له معه.
(وقاده الضلال فاتَّبعه): يريد وضلاله عن الحق هو القائد له، ومن كان مقوداً بزمامه في يد غيره فلا ملك له في نفسه، ومن كانت هذه حالته ملكه الشيطان واستولى عليه.
(فهجر لاغطاً): الهجر: الهذيان، واللغط: الأصوات الكثيرة واللجبة(2).
(وضلَّ خابطاً): وضلَّ عن الطريق يخبط على غير جهة مستقيمة، كمن تخبط من غير هداية ولا إرشاد، وانتصاب لاغطاً وخابطاً على الحال من الضميرفي الجملة قبلها، وهي حال مؤكدة؛ لأنها معطية فائدة الجملة قبلها، كهي في مثل قوله تعالى: {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا}[البقرة:91].
ثم خرج إلى ذكرالبيعة بقوله:
(لأنها بيعة): أراد ليست من عقود المعاوضات، وإنما نكَّرها مبالغة في عظم شأنها، أي بيعة وأي بيعة لما ينشأ عنها من الأمور المهمة، ويتفرع(3) عليها من الفوائد الدينية.
(واحدة): لا يكون فيها تكرير.
سؤال؛ التاء في بيعة دالة على الوحدة، فلِمَ أردفه بقوله: واحدة؟
__________
(1) في (ب): يأخذ.
(2) اللجب محركة: الجلبة والصياح واضطراب أمواج البحر. (القاموس المحيط ص171).
(3) في (ب): ويتفرغ.

وجوابه؛ هو أن دلالة التاء على الوحدة ليس أمراً قاطعاً، ولهذا فإنها قد ترد والغرض فيها الجنس لا الوحدة كالزلزلة، فلهذا وصفها بالوحدة رفعاً لهذا الوهم، وإزالة له، كما قال تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ}[الحاقة:13].
(لا يُثنّى فيها النظر): يرجع إليه مرة بعد مرة.
(ولا يستأنف فيها الخيار): ولا يبتدأ فيها خيار لمن بلغته.
(الخارج عنها(1)): بالرد لها، والتكذيب.
(طاعن): أي ذو طعن على المسلمين، ومريد لتفريق كلمتهم، وتبديد شملهم.
(والمروِّي فيها): والمتفكر فيها بعد جريان العقد لصاحبها، وانبرام الأمر له من جهة أهل الدين.
(مداهن): المداهنة: المصانعة.
وأقول: إن هذا هو غاية النصح والرشد لمعاوية لو قَبِلَهُ.

(8) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى جرير بن عبد الله البجلي لما أرسله إل‍ى معاوية
(أما بعد، فإن(2) أتاك كتابي): بلغك وقرأته.
(فاحمل معاوية على الفصل): بالصاد المهملة أي على القطع والحتم فيما هو فيه، واالجد الذي لا هوادة له ولا مهازلة(3) فيه.
(وخذه): عامله، من قولهم: فلان يأخذ اليهود بالصَّغار أي يعاملهم.
(بالأمر الجزم(4)): فيما يجري بينكما من المحاورة بالأمر بالجزم، يروى بالجيم، أي بالأمر المقطوع به، ويروى(5) بالحاء أي ضبط الأمر وشده(6)، وأراد أنه إذا فعل ذلك فلعله يَسْلَمُ من مكر معاوية وخدعه، ولعل أمير المؤمنين أراد ذلك؛ لأنه إذا عامله معاملة الجد لم يجد سبيلاً إلى الخديعة.
__________
(1) في شرح النهج: منها، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(2) في شرح النهج: فإذا.
(3) في (ب): ولا مهلة له فيه.
(4) في (ب): الحزم.
(5) في (ب): وروي.
(6) في نسخة أخرى: وشدته.

(ثم خيِّره): بعد فعلك ما أمرتك به من الجزم(1).
(بين حرب مجليَّة): أراد إما أنها تجلي القوم عن أوطانهم أي تخرجهم عنها، وإما ينفرجون(2) بسببها أي يتفرقون، من قولهم: أجلوا عن القتيل إذا تفرقوا عنه(3).
(أو سلم مخزية): أو وضع الحرب على الخِزي والذلة.
سؤال؛ قد فهمنا أن الحرب يصاحبها الجلاء والتفرق، فكيف قال: أو سلم مخزية، والسلم مسالمة، ومصالحة فمن أين يلزمها الخزي؟
وجوابه؛ هو أن أمير المؤمنين لو سالمه ووضع الحرب عنه، لم يكن ذلك إلا على ما يُهينه ويُذِلُّه ويسقط حاله وقدره، وهو ألاّ يكون له أمر ولا حلٌّ ولا عقد، ولهذا قال: أو سلم مخزية، يشير إلى ما ذكرناه.
(فإن اختار الحرب فانبذ إليه): العهد الذي جرى بيننا وبينه، وأظهر أنه لا مصالحة واقعة الآن.
(وإن اختار السلم): وضع الحرب بيننا وبينه.
(فخذ بيعته): على السمع والطاعة والانقياد لأمر الله، والاحتكام لي من غير مخالفة منه.
(والسلام): أراد والسلام على من اتبع الهدى، أو والسلام منَّا على أهله، والسلام هو تحية من عند الله، ومعناه السلامة(4) جارية عليك أيها المخاطب، ولم يفعل ذلك في أوائل كتبه إلى معاوية وغيره ممن يخالفه ويضاد أمره؛ لأن من هذه حاله فليس أهلاً للسلامة من الله تعالى.

(9) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى معاوية
(فأراد قومنا): سائر بطون قريش ما خلا بني هاشم.
(قتل نبينا): إهدار دمه بغياً وحسداً.
واعلم: أن الرسول عليه السلام قد هُمَّ بالفتك في روحه في مواطن أربعة من قريش وغيرهم:
__________
(1) في (ب): الحزم.
(2) ظنن فوقها في (ب) بقوله: ظ: ينجلون بسببها.
(3) في مختار الصحاح ص108: وأجْلَوْا عن القتيل لا غير أي انفرجوا.
(4) في (ب): السلام.

أولها: ما كان من قريش حين اقتعدوا له يريدون قتله على بابه، فجاءه جبريل فأخبره بمقامهم، وأنزل عليه صدر سورة يس، فخرج يقرؤها وحثا التراب على رؤوسهم(1).
وثانيها: ما كان من اشتوارهم في أمره في دارالندوة، وإجماعهم على الرأي الذي جاء به إبليس، وهو أن يجتمع فتيان من قريش، من كل قبيلة واحد فيضربونه ضربة ضربة(2) فيتفرق دمه في قبائل قريش، فلا يطالب به أحد(3).
__________
(1) انظر سيرة ابن هشام 2/96-97 تحقيق عمر محمد عبد الخالق.
(2) في نسخة أخرى: ضربة واحدة، وظنن في (ب) فكتب فوقها: ظ: ضربة واحدة.
(3) في المصابيح لأبي العباس الحسني ص225 ما لفظه: قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنهم غدوا إليها -أي دار الندوة، دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمراً إلا فيها -في اليوم الذي اتعدوا له، فاعترضهم إبليس فقال قائل منهم: احبسوه في الحديد يعنون النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأغلقوا عليه باباً، فقال إبليس: لا والله ما هذا برأي لئن حبستموه ليرقينَّ أمره إلى أصحابه، وفي نسخة: ليرجعن، فلأوشك أن يثبوا عليكم فينتزعونه من أيديكم.
فقال قائل: ننفيه من بلدنا، فلا نبالي أين يذهب.
…قال إبليس: ما هذا لكم برأي، ولو فعلتم ما أمنت أن يحل على حي فيبايعونه فيسير إليكم بهم.
فقال أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة شاباً نسيباً ثم يعطى كل فتى منهم سيفاً صارماً، ثم يضربوه ضربة رجل واحد فيقتلونه، فيتفرق دمه في القبائل.
فقال إبليس: القول ما قال هذا الرجل، فتفرقوا على ذلك، فأتى جبريل رسول الله فقال له: ((لا تبت هذه الليلة على فراشك)).

وثالثها: ما كان من عمرو بن جحاش وقد قعد رسول الله تحت جدار، فأراد أن يلقي عليه صخرة من فوق(1)، فجاءه جبريل فأقامه من تحت ذلك الجدار(2).
ورابعها: هو أن رجلاً استلَّ سيف الرسول فلما صار في يده هَمَّ بقتله، وقال: من يمنعني منك؟ فقال: ((الله)) ثم نزلت الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا...}الآية[المائدة:11](3).
(واجتياح أصلنا): اجتاحه إذا استأصله، يريد بني هاشم، فإن سائر بطون قريش وأحلافها نصبوا لهم العداوة العظيمة بسبب الرسول عليه السلام.
(وهموا بنا): أي قصدوا.
(الهموم): أراد إما إنزال الهموم بنا والغموم من جهتهم، وإما يريد وقصدوا بنا فعل كل ما يهم في نفوسهم، ويخطر على قلوبهم من الأفعال الرديَّة.
(وفعلوا بنا الأفاعيل): أراد إما الأفاعيل القبيحة، وإما الأفاعيل ذات الألوان في القبح والشناعة.
__________
(1) في (ب): من فوقه.
(2) في الكشاف للزمخشري 1/648 ما لفظه: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى بني قريظة يستقرضهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين، فقالوا: نعم، يا أبا القاسم، اجلس حتى نطعمك ونقرضك، فأجلسوه في صفة وهموا بالفتك به، وعمد عمرو بن جحاش إلى رحا عظيمة يطرحها عليه، فأمسك الله يده، ونزل جبريل فأخبره، فخرج.
(3) في المصدر السابق أيضاً 1/648 ما لفظه: نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاة يستظلون بها، فعلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي فسلّ سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك مني؟ قال: ((الله)) قالها ثلاثاً.

(ومنعونا العِذَاب(1)): أراد العيش الطيب، يشير بهذا إلى ما كان من حديث الصحيفة، وهو أن قريشاً تعاقدوا حلفاً على إخراج بني هاشم إلى الشعب، وهو مكان من أودية مكة، فاحتلفوا أن لا يصلهم أحد بطعام ولا شراب، وكتبوا بينهم صحيفة متضمنة لما ذكرناه، ثم وضعوها في الكعبة، والكاتب لها منصور بن عكرمة، ثم استمر الأمر في ذلك حتى قام في نقضها جماعة من قريش، فجاءوا وإذا الصحيفة قد أكلتها الأرضة، ومنصور هذا شلت أنامله(2).
(وأجلسونا(3) الخوف): أي مجالس الخوف، وهذا من باب الإسناد المجازي كقولك: فلان بحر، وتعليقها(4) الأسراج والألجام.
(واضطرونا إلى جبل وعر): أراد إما الحقيقة وهو ما كان من حديث الشعب، وإما أن يريد المجاز أي إلى الأمر الصعب الشديد.
(وأوقدوا لنا نار الحرب): أي ورمونا عن قوس واحدة بالحرب، واجتمعت آرائهم عليه حتى مابقي منهم بطن واحد إلا وهو محارب لنا، وناصب للعداوة من أجلنا.
(فعزم الله لنا): أي أراد لنا وقطع على ذلك، من قولهم: عزمت على الشيء إذا قطعت عليه، قال الله تعالى: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}[طه:115] أي قطعاًعلى ذلك.
(على الذب عن حوزته): المنع عن حوزة الإسلام، وهي: بيضته.
__________
(1) في (ب): الغذاء، وفي شرح النهج: العَذْب.
(2) في (ب): قد سلت أنامله، وعن حديث تحالف قريش على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى بني هاشم وكتبهم لصحيفة المقاطعة وما كان منهم من حصار بني هاشم في شعب مكة، وقيام جماعة من قريش في نقض الصحيفة انظر ذلك كله بالتفصيل في شرح ابن أبي الحديد14/52-61.
(3) في شرح النهج: وأحلسونا الخوف بالحاء المهملة أي ألزموناه.
(4) في (ب): ويعلقها.

(والرمي من وراء حرمته(1)): الحرمة: ما يمنعه ويكون العار عليه باجتياحه وأخذه من مال أو حريم أو غيرذلك، وأراد بالرمي إما حقيقته وهي المحاماة(2) بالنبال، وإما أن يريد بالرمي الدفع، والضميران في الحوزة والحرمة إما لله تعالى، وإما لرسوله.
(مؤمننا(3) يبتغي بذلك الأجر): يشير إلى نفسه، وإلى من آمن في ذلك اليوم من بني هاشم، فإن دفاعه إنما كان من أجل الله تعالى، وطلباً لما عنده من مذخور الأجر.
(وكافرنا يحامي على(4) الأصل): أراد من كفر(5) من بني هاشم نحو حمزة والعباس وأبو طالب وغير هؤلاء، ممن كان كافراً في ذلك اليوم، فإنه لا غرض له بالدفاع(6) إلا محاماة على الأصل والجرثومة أن تضيع أو ينهدم أصل من أصولها، وتزول قاعدة من قواعدها، ونذكر من ذلك أموراً ثلاثة:
أولها: ما كان من عناية أبي طالب في حق الرسول، وكان كافراً مظهراً للكفر وعبادة الوثن، وما كان من حديث قريش إليه من أنه يسلِّم إليهم الرسول يفعلون به ما شاءوا ويعطونه عمارة، فأبى عن ذلك، وشرح الله صدره،وقال: أعطيكم ابن أخي تقتلونه، وتعطونني صاحبكم أكفله وأربيه، ماهذا إلا الرأي السوء(7).
__________
(1) في شرح النهج: حومته.
(2) في (ب): المحامات.
(3) في (أ):مؤمناً، وما أثبته من (ب) ومن شرح النهج.
(4) في شرح النهج: عن، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(5) في (ب)، ونسخة أخرى: من كفار.
(6) في (ب): في الدفاع.
(7) في نسخة أخرى: إلا رأي السوء، وانظر السيرة النبوية لابن هشام 1/266-267 تحقيق مصطفى السقا وآخرين.

وثانيها: ما كان من حديث حمزة لما نال أبو جهل بن هشام من عرض رسول الله بالسبِّ والأذية، فبلغه ذلك، وكان يصطاد على يد امرأة، وقالت له: لقد نال أبو الحكم من ابن أخيك نيلاً عظيماً، فدخل مغضباً، فلما رآه في فناء الكعبة علاه بقوسه فشجَّه شجَّةً منكرة، فتواثب الناس، فقال أبو جهل: إنه معذور، إني نلت من عرض ابن أخيه، وكان ذلك سبباً في إسلام حمزة(1).
وثالثها: ما كان من حديث العباس واجتهاده في أمر رسول الله في بيعة العقبة، ومبايعته للأنصار(2)، وهو باقٍ على الشرك و الكفر، ووصيته لهم في حقه والحثُّ لهم على منعه، والتأكد عليهم في ذلك(3)، فكل بني هاشم كان حريصاً على الرسول عليه السلام عن أن تجرى عليه نكبة، أو يضام بضيم.
__________
(1) انظر المصدر السابق 1/291-292، وانظر تيسير المطالب في أمالي أبي طالب ص226-228 برقم(187).
(2) في (ب): ومبايعة الأنصار.
(3) حديث العباس بن عبد المطلب للأنصار عند بيعة العقبة نصه: (يا معشر الخزرج، إن محمداً منَّا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده). (انظر سيرة ابن هشام1/441-442).

(ومن أسلم من قريش خِلَّوٌ عما نحن فيه): أي والذين أسلموا من سائر بطون قريش خالين عن مثل هذه العناية، وهذا الاجتهاد والخوف والبلاء والتمحيص، وإنما خصَّ المسلمين من قريش لأنهم ربما تلحقهم أنفة الإسلام، فإذا كانوا خالين عن ذلك، فالكفار أعظم خلواً وأبعد عن ذلك، فلا ناقة لهم في هذا ولا جمل.
(بحلف(1) يمنعه):كما كان من حديث أبي بكر فإنه كان جاراً لابن الدُّغَنَّة، وما أمكنه المقام في مكة إلا بجواره، وهو حليف لقريش(2)، وأما عثمان بن مظعون فإنه استجار بالوليد بن المغيرة، ثم أبو سلمة بن عبد الأسد(3) كان في جيار(4) أبي طالب إلى غيرذلك(5)، ممن كان مستضعفاً فاستجار(6).
(أو عشيرة تقوم دونه): كما كان في حق الرسول فإن بني هاشم منعوه عن أن يسام خسفاً أو يحمل ضيماً.
__________
(1) في نسخة: لحلف (هامش في ب).
(2) انظر قصة دخول أبي بكر في جوار ابن الدُّغنّة سيرة ابن هشام 1/372-374.
(3) في (ب): الأشد، وهو تصحيف.
(4) كتب فوقها في (ب): جوار، ولعلها حياز بالحاء.
(5) انظر المصدر السابق 1/369-372.
(6) في نسخة: استجاره.

وحكى ابن هشام في سيرته: أن ناساً من أسنان قريش ورؤسائها(1) منهم أبو سفيان واسمه صخر، وأبو جهل بن هشام، وأبو البختري بن هشام، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، مشوا إلى أبي طالب وقالوا له: إن ابن أخيك هذا سفه أحلامنا وعاب آلهتنا، فإما أن تكفّه عنَّا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فقال أبو طالب لرسول الله: يا ابن أخي، إن قومك جاءوني فقالوا هذه المقالة فَأَبقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا تحمِّلني ما لا أطيق من الأمر، فظنَّ رسول الله أن عمه قد بدا له في نصره وأنه مُسلّمه إليهم، وأنه قد ضعف عن(2) نصرته، فأقبل الرسول على عمه وقال: ((والله ياعم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى أظهره أو أهلك فيه ما تركته)) ثم استعبر رسول الله فبكى، ثم قام، فلما ولى ناداه عمه أبو طالب فقال له: أقبل يا ابن أخي فأقبل، ثم قال: إذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبداً(3).
وهكذا ما كان من عثمان وعمر، فإن بني عبد شمس وبني عدي كانوا يمنعونهما عن(4) أن يجري عليهما نقص، فمن عدانا من سائر بطون قريش:
(فهو من القتل بمكان أمن): إذ لا غرض لهم في قتلهم(5)، وما تصدوا بالقتل والعداوة البالغة إلا لنا يا بني هاشم.
(فكان رسول الله [صلى الله عليه وآله] (6) إذا احمرَّ البأس): يريد اشتدَّ الحرب وقامت على ساق.
__________
(1) في (ب): ورؤسائهم.
(2) في (ب): في.
(3) السيرة النبوية لابن هشام 1/264-266، وانظر الرواية في المصابيح في السيرة لأبي العباس الحسني ص183، وشرح النهج لابن أبي الحديد 14/53-54.
(4) عن، سقط من (ب).
(5) في (ب): قتله.
(6) زيادة في (ب) و في شرح النهج.

(وأحجم الناس): عن التقدم في القتال لشدة الأمر وصعوبة الحال.
(قدَّم أهل بيته): من يليه من أقاربه وبني عمه وخاصته.
(فوقى بهم أصحابه): تمحيصاً لأهله ومبالغة في زيادة أجورهم، ورفع درجاتهم، واجتهاداً في صيانة أصحابه فلهذا وقاهم به.
(حرَّ السيوف والأسنة): إكراماً لأهله بالشهادة، وإعظاماً لأمر أصحابه.
(فقتل عبيدة بن الحارث يوم بدر): يريد ابن عبد المطلب، وكان الحارث أكبر أولاد عبد المطلب، وكانوا عشرة(1)، قتل يوم بدر عن مبارزة لبعض المشركين(2).
(وقتل حمزة يوم أحد): قتله وحشي(3).
(وقتل جعفر يوم مؤتة): وكان معه الراية فقطعت يداه، ثم قطع بنصفين(4).
(وأراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة): يشير إلى نفسه؛ لأنه قد كان محباً في حصول الشهادة في تلك الأيام، ولكن الرسول عليه السلام أخبره أنه يستشهد من بعد، فقرَّ خاطره بذلك.
(ولكن آجالهم عجلت): فأزهقت أرواحهم إلى الجنة.
(ومنيته أخرِّت): لم تحضر، أجلها إلى وقت آخر.
(فيا عجبا للدهر!): أراد يا عجباه أو يا عجبي، أبدلت الياء ألفاً، من أجل صنع الدهر هذا الصنع.
__________
(1) أي من الذكور، وهم: عبد الله، وأبو طالب، والعباس، وحمزة، والزبير، والحارث، وحجلا، والمقوم، وضرار، وأبو لهب. (انظر سيرة ابن هشام1/75).
(2) انظر المصدر السابق 2/214.
(3) انظر المصدر السابق 3/24-26.
(4) انظر المصدر السابق 4/9.

(إذ صرت يقرن بي): العامل في إذ هاهنا هو المصدر، وهو قوله: فيا عجباً لأنه نازل منزلة الفعل وعوض عنه، ولهذا فإنه لا يجوز ذكره معه، أي وقت أن صرت أقرن إلى غيري وأكون مثلاً له، لئن معاوية ربما جرى في كلامه حال عثمان وغيره من الخلفاء قبله، وذكر مناقبهم وتفضيلهم على أمير المؤمنين، فلهذا قال: كيف يقرن بي، ويُفَضَّلُ عليَّ.
(من لم يسع(1) بقدمي): في الفضل وإحرازي لقصب(2) السبق دون غيري في العلوم وسائر خصال الفضائل.
(ولم تكن له كسابقت‍ي): من القرب إلى رسول الله، وجهاد أعدائه، واستئصال شأفتهم، وقطع دابرهم.
(الت‍ي لا يدلي أحد بمثلها): فمن يزاحمني في هذه الدرجة؟! أو فمن ترمز إليه يا معاوية بزعمك، وتدَّعي أنه أفضل مني؟!.
(إلا أن يدَّعي مدَّعي(3) ما لا أعرفه): مما ذكرت اختصاصي به دونه.
(ولا أظن الله يعرفه): وأراد أنه قاطع على أنه لم يكن وأن مدّعيه كاذب فيما ادَّعاه من ذلك؛ لأنه لو كان يعلمه، لعلمه الله تعالى(4) فإن علمه محيط بكل المعلومات، وعدة من قتله أمير المؤمنين كرم الله وجهه من بني أمية خمسة نفر:
العاص بن سعيد، وعقبة بن أبي معيط، وحنظلة بن أبي سفيان، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.
ومن حلفائهم: عامر بن عبدالله من بني أنمار، ومن بني أسد أربعة نفر: نوفل بن خويلد، وزمعة بن الأسود، [والحرث بن الأسود] (5)، وعقيل بن الأسود بن المطلب، وقتل من بني نوفل: طعيمة بن عدي.
__________
(1) في (أ): يسمع، وفي (ب) وشرح النهج كما أثبته.
(2) في (ب): لقصبه، وكذا في نسخة أخرى.
(3) في (ب) وفي شرح النهج: مدعٍ.
(4) تعالى، زيادة في (ب).
(5) سقط من (ب). والصواب: الحرث بن زمعة بن الأسود.

ومن بني عبد الدار: النضر بن الحرث، [وطعيمة بن الحرث](1).
ومن بني تيم(2) بن مرة: عمير بن عثمان، ومن بني مخزوم: أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، ومسعود بن لعبة(3).
وأبو قيس(4) وحذيفة بن أبي حذيفة [و](5) من بني عائذ أبو المنذر المخزومي، وعبد الله بن المنذر، والحاجب بن السائب.
ومن بني سهم: نبيه ومنبه ابنا الحجاج، والعاص بن منبه، وأبو العاص بن قيس.
ومن بني عامر: سعيد بن وهب(6).
ومن بني جمح(7): أوس(8) بن سعيد(9).
فانظر إلى ما خصَّه الله به من إظهار الدين على يديه بقتل أعدائه قبل النبوة وبعدها.
(فالحمدلله(10) على كل حال): من نقص حق أو إيفائه أو اعتراف به أو إنكاره، أو إقراركم بفضلي أو جحوده، فالله تعالى مشكور على كل هذه الأحوال.
__________
(1) في (ب): والحرث بن الأسود.
(2) في (ب): ومن بني تميم.
(3) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مسعود بن أبي أمية بن المغيرة. (انظر سيرة ابن هشام، وشرح ابن أبي الحديد).
(4) وهو أبو قيس بن الوليد بن المغيرة.
(5) الواو، سقط من (ب).
(6) في سيرة ابن هشام، وشرح ابن أبي الحديد: معبد بن وهب.
(7) في (ب): جميح.
(8) هكذا في النسختين، وفي سيرة ابن هشام2/361: أوس بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح، وفي شرح ابن أبي الحديد 14/212: أوس بن المغيرة بن لوذان.
(9) انظر سيرة ابن هشام 2/355-362، وشرح ابن أبي الحديد 14/208-212.
(10) في (ب) وفي شرح النهج: والحمدلله.

(وأما ما سألت من دفع قتلة عثمان إليك): اعلم أن معاوية بخدعه ومكره ما وجد ما يعتلُّ على أمير المؤمنين في البغي عليه إلا ثأره بدم عثمان، وتسليم قاتليه إليه يتحكم فيهم كيف شاء(1)، خدعاً ومكراً، وإراءة لطلب الحق، وهو عنه بمعزل.
(فإني نظرت في هذا الأمر): يشير إلى إمامته وقتلة عثمان، وطلب معاوية لتسليمهم.
(فلم أره يسعن‍ي): عند الله تعالى من جهة الدين.
(دفعهم إليك): كما زعمت، ولا إلى غيرك، أما إليك فلأمرين:
أما أولاً: فلعل أمير المؤمنين كان لا يعلمهم بأعيانهم لأنه قتله من لا يؤبه له، ولا هو أهل للذكر من أوباش الناس وأخلاطهم.
وأما ثانياً: فلأنك لست بولي لدم عثمان فيجب الدفع إليك، والمطالبة بالدم إنما تكون في حق الأولياء والأقارب على جهة الاختصاص، وأما غيرك فلا يتوجه ذلك أيضاً لأمرين:
أما أولاً: فلأنهم وإن كانوا أقرباء فلعلهم لم يطالبوا أمير المؤمنين بالتسليم، ولو قدَّرت أنه عرفهم بإقرار أو بيِّنة، فإنه لا يجب تسليمهم إلا عند المطالبة من جهة الأولياء لا غير.
وأما ثانياً: فلأن بعض أولياء الدم كانوا في غاية النكوص والإدبار عن أمير المؤمنين، والبعد عن إمامته، والقول بها، ولابد في ذلك من حكمه، وإصداره عن رأيه، وإذا كان لايقول بإمامته فلا وجه لوجوب القول بتسليمهم إليهم والحال هذه، فهذا وجه المعذرة لأمير المؤمنين عن تسليمهم، وإبطال دعوى معاوية الفاسدة.
(ولعمري لئن لم تنزع عن(2) غيك): تهدد وإرعاد بالفيء إلى الحق، والانكفاف عن القول الخطأ والمكابرة.
(وشقاقك): تمردك وعنادك، وطلبك ما ليس لك أن تطلبه.
(لتعرفنهم عن قليل): يريد قتلة عثمان، تعرفهم على القرب:
__________
(1) في (أ): شاءوا.
(2) في نسخة: من، هامش في (ب).

(يطلبونك، لا يكلفونك(1) طلبهم): يبحثون عنك أشد البحث من غير حاجة لك إلى طلبهم كما زعمت.
(في بر ولا بحر، ولا جبل ولا سهل): ولعل مراد أمير المؤمنين بطلبهم لمعاوية على أحد وجهين:
أما أولاً: فبأن يكونوا في معسكر أمير المؤمنين طالبين لمعاوية لفسقه وبغيه.
وأما ثانياً: فبأن يأمرهم على الخصوص بطلب معاوية، وإحضاره لفصل الخصومة فيما بينهم، وقطع الشجار.
(إلا أنه طلب يسوءك وجدانه): وجوده وحصوله، أما على الوجه الأول فلأنه طلب لإزهاق روحه، وأما على الوجه الثاني فلأنه طلب لإنصاف الحق منه، وكلاهما طلب لا يسره.
(وَزَوْرٌ لا يسرك لقيانه): مكان زور أي بعيد، وأراد أنه لا يسره لما فيه من إيحار صدره، وضنكه عليه.
(والسلام لأهله): أراد عدم استحقاقه للسلام، وبطلان أهليته له، فلهذا قال: والسلام لأهله من الملائكة والصالحين، ثم أخَّره إلى آخر الكتاب، يريد بذلك التنبيه على ركة حاله، وأنه ليس أهلاً لشيء من ذلك.

(10) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى معاوية أيضاً
(وكيف أنت صانع إذا انكشفت(2) عنك جلابيب ما أنت عليه): الجلباب: الملحفة من الثياب، وهذا استفهام وارد على جهة الإنكار، والمعنى ليت شعري ما حالك عند انكشاف هذه الجلابيب عنك عند الموت، أو في يوم القيامة التي أنت لابس لها، والتي أنت مقيم عليها.
(من دنيا قد تَبَهَّجَتْ بزينتها): البهجة: الحسن والنضارة، ومن هذه مفسرة لإبهام قوله: ما أنت عليه.
(وخدعت بلذتها): يريد آثروا لذتها، فكان سبب الخدع بهم من جهتها.
(دعتك): بزخرفها وزهرتها.
(فأجبتها): مسارعاً في تحصيلها، ومنهمكاً في لذاتها.
(وقادتك): جذبتك بزمامك.
__________
(1) في (ب): ولا يكلفونك.
(2) في شرح النهج: تكشفت.

(فاتبعتها): من غير مخالفة لها، ولا اعتياص(1) منك لها.
(وأمرتك): بمراداتها وشهواتها ولذاتها.
(فأطعتها): في ذلك كله.
سؤال؛ أراه أطلق الخطاب في الابتهاج والخدع، ولم يظهر فيه الكاف، ثم أظهرها بعد ذلك في سائر الأفعال؟
وجوابه؛ هو أن الابتهاج والخدع عام في جميع أبناء الدنيا، لا يختص به واحد دون واحد، فلهذا أطلقه لعمومه، فأما الدعاء والانقياد والأمر فربما يختص به بعض الأشخاص بكثرة المثابرة عليها، والتعلق بها، وكثرة الانهماك في حبها والإصغاء إليها، فمن أجل هذا وصل به الكاف.
(وإنه يوشك): أي يقرب.
(أن يقفك واقف): أراد إما الله يقفه عند الموت على حقائق أعماله، وأسرارها وخفاياها، وإما أن يريد نفسه بأن يقفه في الحرب، ويلجيه إلى مضائق صعبة، وأمور هائلة.
(على ما لا ينجيك منه منجي(2)): لا خلاص لك عن أحد الأمرين اللذين ذكرناهما، ولا ينفعه(3) عنهما نافع.
(فَاقْعَسْ عن هذا الأمر): اخرج، من قولهم: تقعوس الرجل عن الأمر إذا ظهر منه، وغرضه أنه لا حق لك فيه بزعمك ولا ولاية لك عليه في حال، وأراد الخلافة فإنه أخذها من غير أهلية، وطلبها من غير استحقاق.
(وخذ أهبة الحساب): لعدته في الآخرة، فإنك لا محالة مسئول عن أمورك كلها، وإقدامك فيها وإحجامك.
(وشَمِّر لما قد نزل بك): من جلائل الأمور، وعظائمها بقطع الدابر بالحرب(4) واستئصال شأفتك.
(ولا تمكِّن الغواة من سمعك): فيولجوا فيه العُجْبَ، فيكون سبباً في هلاكك في الدين والدنيا، وغرضه الإصغاء إلى مقالات الناس، وفتح أذنه لسماع كلامهم.
__________
(1) في (ب): ولا اعتراض.
(2) في (ب) وفي شرح النهج: منج.
(3) في نسخة: ولا ينفعك. (هامش في ب).
(4) في (ب): في الحرب.

(وإلاَّ تفعل): إما خروجك عن الأمر(1)، وإما تمكين الغواة من سمعك.
(أُعْلِمْك، ما أَغْفَلْتَ عن(2) نفسك): من أمر الآخرة ونسيانك الوقوف بين يدي الله للمحاسبة على القليل والكثير.
(فإنك مترف): أراد كثير التنعم وإيثار اللذة العاجلة، فلهذا أطغتك النعمة إلى الأشر والبطر والورود في كل مكروه، وإليه الإشاة بقوله تعالى: {وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}[المؤمنون:33].
(قد أخذ الشيطان منك مأخذه(3)): أي سلك بك(4) طرقه وساربك مواضعه، قال أبو عمرو: ويقال: استعمل فلان على الشام وما إخذه(5).
(وبلغ فيك أمله): أي ما كان يؤمِّلُه فيك ويصدِّق ظنّه عليك، ويحدسه بفراسة رأيه من المساعدة والانقياد لما أراده.
(وجرى فيك(6)): خالطك، وباشرك.
(مجرى الروح والدم): أراد إما مخالطة الروح والدم للجسم؛ فإنهما يجريان فيه جميعاً ويخالطانه معاً، وإما أن يكون غرضه مخالطة الروح مع الدم؛ فإن الروح مخالط للدم غاية المخالطة، حتى لقد قال بعض الناس لما بينهما من المناسبة: إن الروح هو الدم.
بلغ أمير المؤمنين أن معاوية يقول: إنهم الولاة لأمور الناس، وإنهم ساسوا الخلق، وجمعوا أمر قريش وغيرها وسادوهم، فلهذا قال أمير المؤمنين:
__________
(1) في (ب): عن هذا الأمر.
(2) في (ب) وفي شرح النهج: من.
(3) في (أ): ما أخذه، وما أثبته من (ب)، ومن نسخة أخرى، ومن شرح النهج.
(4) في (أ): به.
(5) هذا القول ذكره في لسان العرب 1/218، ولم يذكر قائله، ولفظه فيه: واستعمل فلان على الشام وما أخذ إخذه بالكسر أي لم يأخذ ما وجب عليه من حسن السيرة، ولا تقل آخِذِه، وقال الفراء: ما والاه وكان في ناحيته. انتهى.
(6) في شرح النهج: منك، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).

(ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية): أراد أعلمني متى كنتم على هذه الحالة، فإني لا أعرف ذلك، ولا يعرفه أحد غيري، والساسة: جمع سائس وهم: الذين يدبرون الأمر، ويحسنون إيالته(1).
(وولاة أمر الأمة): والمتولين بالقيام على أمة(2) محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والحافظين لحوزة الإسلام، والحامين عن ذِماره(3).
(بغير قدم سابق): يريد رتبة عالية في الذين يستأهلون أخذ الولاية لأجلها.
(ولا شرف باسق): أي عالي، من قولهم: بسق فلان على قومه أي علاهم، وأراد ولا حصل لكم شرف عالي تستحقون به الولاية، وهي لا تستحق إلا بأحد هذين الأمرين وأنتم خالون عنهما.
(ونعوذ بالله من لزوم سوابق الشقاء): غلبتها واستحكامها، بدعوى ما ليس حقاً، ولا قام عليه برهان، ولا أوضحته دلالة.
(وأحذرك أن تكون متمادياً في غرة الأمنية): الغرة: الغرور والانخداع، وأراد التحذير عن الاستمرار في غرور الأماني الكاذبة، والتسويفات الباطلة.
(مختلف السر والعلانية(4)): أي وأحذِّرك عن اختلاف السر والعلانية فإن هذه هي علامات أهل النفاق، وفي الحديث: ((نهى رسول الله عن ذي الوجهين، وذي اللسانين))؛ لأن من هذه حاله فلا يوثق بكلامه ولا وقع له بحال.
(وقد دعوت إلى الحرب): أسرعت إليها وحشدت جموعك مواظبة عليها، وإذا أردت الإنصاف وركوب غارب التحقق والاعتراف:
(فدع الناس جانباً): أي في جانب ومعزل، وانتصابه على الظرفية أو على الحال من الناس أي منعزلين(5).
(واخرج إليَّ): من بين هذه الجموع التي أنت متوسط بينها بالمكر والخديعة.
__________
(1) الإيالة: السياسة.
(2) في (ب): على أمر أمة.
(3) الذِّمار: ما يحق للإنسان أن يحميه.
(4) في شرح النهج: مختلف العلانية والسريرة.
(5) في (ب): معتزلين.

(وأعفِ الفريقين): من جانبي وجانبك عن القتل وإهراق(1) الأرواح، وإراقة الدماء وأسكنهم عن ذلك وصنهم:
(من(2) القتال): الذي قد تأهَّبوا له، وشَمَّروا من أجله.
(لتعلم): تعليل للخروج، أي لتكون متحققاً بعد خروجك وشخوصك:
(أينا المرين على عقله(3)): المطبوع على قلبه، والرين: الطبع بالغفلة والقسوة، أو المغلوب على عقله من ران على قلبه أي غلب، وهو أن يرين الذنب على القلب فيكون مسوداً.
(والمغطَّى على بصره): بحجاب الغفلة وأكنة الفساد والقسوة، وأغشية العناد والشقوة.
(فأنا أبو حسن): أراد فأنا أب للولد الذي تعرفون، وقد يعظم الأب باعتبار حال الابن، ويعظم الابن باعتبار حال الأب، وأراد ها هنا عظم حال الأب والابن جميعاً، فيكون مقصود التعريف والإعظام من مجموع الأبوة والبنوة معاً، وأراد بهذا الإيقاظ والتنبيه لمعاوية عن سكرة ضلالته(4)، وغمرة جهالته في تعاطيه ما ليس أهلاً له، وارتقائه مكاناً ليس يناله، ثم أزيدك تعريفاً آخر إن كنت جاهلاً بحالي:
(قاتل جدك): عتبة بن ربيعة، وهو أب هند أم معاوية، وهي الآكلة لكبد حمزة تشفياً عمَّا لحقها من الغيظ بقتل من قتل من أقاربها(5).
(وخالك): الوليد بن عتبة.
(وأخيك): حنظلة بن أبي سفيان، فهؤلاء وغيرهم من أهل الشرك قتلهم أمير المؤمنين، وكان هو المستولي على قتلهم باتفاق أهل التأريخ وأهل السير، وما شاركه فيهم مشارك إلا على الندرة والقلة(6).
__________
(1) في نسخة: وإزهاق، (هامش في ب).
(2) في (ب): عن.
(3) في (ب) وفي شرح النهج: على قلبه.
(4) في (ب): عن سكره وضلاله.
(5) انظر السيرة النبوية لابن هشام 3/40 تحقيق عمر محمد عبد الخالق.
(6) انظر المصدر السابق 2/278-283.

(شدخاً): الشدخ: كسر الشيء المجوَّف كالهامة وما شاكلها، وانتصاب شدخاً على المصدرية، وهو في موضع الحال أي قاتل هؤلاء شادخاً لهاماتهم، وكاسراً لها.
(يوم بدر): في اليوم العظيم الذي أعزَّنا الله فيه وأذلَّكم، ورفعنا ووضعكم، وشيَّد أمورنا وصغَّركم، وحمى به الحوزة، ودوَّخ من أجله الصناديد منكم والأعزة، وقتل فيه الرؤوس والأكابر، وأورثنا فيه المجد ببلائنا وصبرنا، كابراً عن كابر.
(وذلك السيف): الذي شدخت به الهامات من أعزتك وأهل ولايتك ومحبتك.
(معي): مصاحباً لي لا يزال، ولا أفارقه أبداً.
(وبذلك القلب): الذي لقيتهم به يوم بدر، وكافحتهم بالنصال بحدته(1).
(ألقى عدوي): أنت وغيرك من أعداء الله وأعداء دينه والخارجين عن أمره، والنابذين لطاعته وأمره.
(ما استبدلت(2) ديناً): يخالف التوحيد وما جاء به الرسول إليَّ وأقرَّه في سمعي، ووعته أذناي وقلبي.
(ولا استحدثت نبياً): خلاف من جاء بالرسالة، وعرفت صدقه بالمعجزات الظاهرة عليه.
(وإني لعلى المنهاج): الطريق.
(الذي تركتموه طائعين): يشير بذلك إلى من قتل كافراً من بني عبد شمس مثل عتبة وشيبة ابنا(3) ربيعة وغيرهما من رهطهما، فإنهم ولَّوا الإسلام ظهورهم، واختاروا الكفر لأنفسهم، فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدينا بالقتل، ولعذاب الآخرة أخزى.
__________
(1) في (ب): بحديه.
(2) في (ب): وما استبدلت.
(3) هكذا في النسخ، بالرفع، فلعله خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هما ابنا ربيعة.

(ودخلتم فيه مكرهين): يشير [بذلك](1) إلى من بقي منهم من القتل كأبي سفيان، فإنما دخل مكرهاً يوم الفتح حيث جاء به العباس رديفاً على بغلة رسول الله قد أَمَّنه والمهاجرون والأنصار يتبادرون إلى قتله، لولا إجارة العباس له، فأسلم لذلك، وشهد شهادة الحق على جهة الإلجاء والضرورة عن حزِّ الرأس واصطلام(2) المال، فلما رأى ما دخل به رسول الله من العساكر يوم الفتح، التفت إلى العباس وقال: لقد أعطي ابن أخيك ملكاً عظيماً، فقال له: ويحك! إنها النبوة(3).
(وزعمت أنك جئت ثائراً بعثمان): الزعم: القول الذي ليس على حقيقة(4) من حاله، فإنه كان كثيراً ما يقول معاوية: ما أريد إلا طلب الثأر بدم عثمان.
(ولقد علمت حيث وقع دم عثمان): يريد من غريمه، وأين صار، ومع من هو، فطلبك لي بدم عثمان مع معرفتك بحاله مكر وخديعة وإظهار لشيء، وباطنك مشتمل على خلافه نفاقاً وتمرداً، والثائر هو: الذي يطلب بالدم.
(فاطلبه من هناك): هنا(5) إشارة إلى الأمكنة، وغرضه من الأمكنة التي يعرفها، ووقوعه فيها.
(إن كنت طالباً): أراد إن كنت طالباً على الحقيقة فاطلبه في موضعه، فإن كنت غير مطالب فلاتخدع نفسك بالأكاذيب في الطلب والطمع في غير مطمع من ذاك.
(فكأني قد رأيتك): فعن قريب وقد أبصرتك.
(تضج من الحرب): الضجيج: رفع الصوت خوفاً وجزعاً.
(إذا عضَّتك): كنى بالعضِّ عن القتل الكثير واجتياح الأموال.
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) اصطلام المال: استئصاله.
(3) انظر سيرة ابن هشام 2/402-404.
(4) في (ب): الحقيقة.
(5) في (ب): هذه إشارة.

(ضجيج الجمال بالأثقال): مثل صياح الجمال عند حملها ما يثقلها؛ لأنه إذا كان الأمر كما قلناه ظهرت لها أصوات عظيمة من ثقل ما حمِّلت، وانتصاب ضجيج على المصدرية.
(وكأني بجماعتكم): المجتمعين من أوباش أهل الشام وأجلافهم الذين خدعتهم فانقادوا بزمامك، وزيَّنت لهم الأكاذيب فأحاطوا بك من خلفك وقدامك.
(يدعونن‍ي(1) جزعاً من الضرب المتتابع): يشير إلى ما كان من الخديعة من رفع المصاحف لما رأوا الموت عياناً، وبلغت الأرواح منهم التراقي(2)، فلأجل هذا صاحوا خوفاً مما حل بهم من الضرب، المتتابع فيه روايتان:
أحدهما: متتابع أي متدارك بعضه في إثر البعض(3) تابعاً له.
وثانيهما: بالياء بنقطتين من أسفلها، والتتايع: التهافت، وسكران متتايع أي يرمي بنفسه، والريح تتايع بالنفس، قال أبو ذؤيب:
وَمُفْرِهةٍ عَنْسٍ(4) قَدَرْتُ لِسَاقِها

فخرَّتْ كما ريح تَتَّايعُ بالقفلِ(5)

(والقضاء الواقع): الحاصل من جهة الله تعالى على أيدي أوليائه من المؤمنين؛ قطعاً لدابر البغاة.
(ومصارع بعد مصارع): أي يصرعون جماعات بعد جماعات، وجيلاً بعد جيل، لا يرفع عنهم السيف، ولا تكفُّ عنهم الرماح.
__________
(1) في شرح النهج: وكأني بجماعتك تدعوني ...إلخ.
(2) التراقي: العظام المكتنفة لثغرة النحر عن يمين وشمال. (الكشاف 4/664).
(3) في (ب): بعض.
(4) في (ب): عيش، وهو تصحيف، ومفرهة أي خفيفة ونشيطة، والعَنْسُ: الناقة القوية، شبهت بالصخرة لصلابتها.
(5) لسان العرب 1/341، ورواية الشطر الثاني فيه:
… فخرّت كما تَتَّايَعُ الرِّيحُ بالقَفْلِ
والقفل: ما يبس من الشجر.

(إلى كتاب الله(1)): يكون حاكماً بيننا وبينهم خديعة(2) ومكراً من معاوية وعمرو في ذلك لما طاشت حلومهم من إزهاق الأرواح، وأرعدت فرائصهم من أفاعيل الصوارم(3) والرماح، {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ}[غافر:84-85].
(وهي كافرة): أراد إما كافرة بأنعم الله تعالى في البغي والظهور على إمام الحق، وهذا هو الذي عليه التعويل، فإنه ما عاملهم معاملة الكفار في حال أصلاً، وإنما هم بغاة، وقد صرَّح بذلك غير مرة وفي غير موطن، أو أراد من يعلم من حاله النفاق والكفر بالله لوجه غير البغي.
(جاحدة): للنعم غير وافية بشكرها.
(أو مبايعة): أعطوني أيمانهم وعقودهم على الطاعة لله تعالى(4) ولي.
(حائدة): مائلة عن الحق والطريق الواضح، فأهل الشام على كثرتهم لا يخلون عن الحال التي ذكرها، وقررها هاهنا.

(11) ومن وصية له عليه السلام أوصى بها جيشاً له
(فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم عدو(5)): أراد أنكم إذا نزلتم ببعض أعدائكم، وأردتم حصارهم، أو نزل بكم بعض الأعداء يريد حصاركم فالرأي الحزم لكم، والأمر الذي يكون نافعاً لكم حسن التصرف في الحرب والمكيدة.
(فليكن معسكركم في قُبُل الأشراف): أراد أن العساكر تكون قدام الأماكن العالية، والأشراف: جمع شَرَف وهو المكان العالي.
__________
(1) في (ب): إلى كتاب الله تعالى.
(2) في (ب): خدعاً.
(3) الصوارم: السيوف القاطعة.
(4) تعالى، زيادة في (ب).
(5) في (ب): عدوكم.

(وأسفاح الأجبال(1)): سفح الجبل: أسفله، والأجبال: جمع جبل كفرس وأفراس.
(أو أثناء الأنهار): غضونها ومعاطفها، وأراد أن العساكر لا تكون مجتمعة في مكان واحد، وإنما تكون متفرقة في هذه المواضع على اختلافها أعلى وأسفل، ورفع وخفض.
ثم قرر ذلك وأبان وجه المصلحة فيه، بقوله:
(كيما يكون لكم ردءاً): أي عوناً تستظهرون بهم.
(ودونكم مَرَدًّا): أي ويردون عليكم من جاءكم يريد القتال، وهؤلاء كلهم عن معظم العسكر وأكثره .
(ولتكن مقاتلتكم): أي قتالكم.
(من وجه أو اثنين): لأن الجموع والعساكر إذا كثرت، وغلبت الحد(2) في الكثرة، كان قتالهم على هذا الوجه أنفع وأوقع من حاله إذا كان من جهة واحدة.
(واجعلوا لكم رقباء): حفاظاً يحفظونكم عن أن تُؤْتَوا على غِرّة أو تخدعون بخديعة لا تشعرون بها.
(في صياصي الجبال): أعاليها.
(ومناكب الهضاب): الهضبة هي: الأكمة المرتفعة، ومناكبها: أعلاها.
ثم ذكر وجه المصلحة في ذلك، بقوله:
(لئلا يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن): لأنكم إذا فعلتم ما ذكرته لكم(3) فلا سبيل للعدو إليكم، لا من مكان تخافون منه هجومه عليكم، ولا من مكان تأمنون فيه على أنفسكم لتحصنكم عنه؛ لأن من فعل هذه الأفعال فقد أحرز نفسه عن مكر العدو في المواضع الآمنة والخائفة.
(واعلموا أن مقدِّم(4) القوم عيونهم): أراد أن مقدمة العساكر بمنزلة العيون لها(5) تنظرون ما قدامهم، وهم بمنزلة الأعين لمن يتلوهم من سائر العساكر.
__________
(1) في (ب): الجبال، و في شرح النهج: أو سفاح الجبال.
(2) العبارة في (ب): وغلبت الحد الكثرة.
(3) لكم، سقط من (ب).
(4) في شرح النهج: مقدمة، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(5) في (ب): بها.

(وعيون المقدمة طلائعهم): أراد والطلائع أيضاً وهم(1): الفرسان القليلة الذين يطالعون الجيوش نحوهم هم أيضاً، بمنزلة الأعين للمقدمة(2)، وهم العالمون بِكُنْهِ حقائق الجيوش وتفاصيلها ليعلموا(3) ذلك من ورائهم.
(وإياكم والتفرق): عند النزول؛ لأن التفرّق يورث الذلة ويكثر الفشل والدهشة عند إلمام ملمة أو حدوث حادثة .
(فإذا نزلتم فانزلوا جميعاً): أي مجتمعين.
(وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعاً): مجتمعين(4).
سؤال؛ قال هنا: (إذا نزلتم فانزلوا جميعاً، وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعاً) وقد قال فيما تقدم: (إذا نزلتم بعدو أو نزل بكم عدو فليكن معسكركم في قُبُل الأشراف، وأسفاح الجبال وأثناء الأنهار) فيكف يمكن أن يجمع بين الكلامين؟
وجوابه؛ هو أن في كلامه ما يزيل المناقضة، وذلك أنه إنما أمر بالتفرق في أشراف الجهات والجبال والأنهار إذا نزلوا بعدو أو نزل بهم عدو لا غير، فالتفرق هناك مصلحة، فأما ما عدا ذلك فالاجتماع هو المصلحة لما أشار إليه من تلك الحكم والمصالح في ذلك.
(وإذا غشيكم الليل): بظلمته شبه دخول الليل واشتماله على كل شيء بالشيء يكون غاشياً لغيره مشتملاً عليه، كما قال تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}[الليل:1].
(فاجعلوا الرماح كِفةً): الكفِة من كل شيء: ما كان(5) مستديراً، وانتصابها على الحال من الرماح.
(ولا تذوقوا النوم إلا غِراراً أو مضمضة): الغِرَارُ: قلة النوم، ويقال: ما مضمضت عيني بنوم أي ما نمت؛ لأن ذلك يكون أعظم للحزم، وأبعد عن الغفلة، وأكثر ما يكون الأخذ والاستئصال في مواطن الغفلة.
__________
(1) في (ب): هم، بغير واو.
(2) في نسخة أخرى: المتقدمة.
(3) في (ب): ليعلم.
(4) في (ب): أي مجتمعين.
(5) في (ب): ما يكون.

(12) ومن وصية له [عليه السلام](1) لمعقل بن قيس الرياحي(2) حين أنفذه مقدمة إل‍ى الشام في ثلاثة آلاف
(اتق الله الذي لا بد لك من لقائه): بدَّ الشيء يبدُّه إذا فرَّقه، والتبديد: التفريق، وأراد ها هنا أنه لا تفرّق يبطل التلاقي ويحول دونه بحال حتى يلاقيه، ويجوز أن يكون المراد بقوله: لا بد أي حقاً أنه لا بد من لقائه.
(ولا منتهى لك دونه): أي ولا تنتهي إلى غاية إلا إليه، فإن إليه مصائر الأمور كلها، كما قال تعالى: {أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ}[الشورى:53].
(ولا تقاتلنَّ إلا من قاتلك): أراد أن دماء الناس محرَّمة لا اعتراض إليها، والإسلام مسترسل على الخلق، ودار الإسلام عامة فلا سبيل إلى إهراق الدماء إلا من بغى واعترضك بالقتال.
(وسر الْبَرْدَيْنِ): يعني أول اليوم وآخره؛ لأن فيهما ترويحاً على النفوس وتنفيساً عليها من قائم الظهيرة، أو ظلمة الليل.
(وغوِّر بالناس): أراد بالتغوير القيلولة، من قولهم: غار النهار إذا اشتدَّ حرُّه.
(ورفِّه في السير): أراد سِرْ سيراً ليناً سلساً لا عناء فيه ولا إملال.
(ولا تسر أول الليل): يريد عند دخول الليل، وغشيانه، ثم علل ذلك بقوله:
__________
(1) زيادة في (ب) وشرح النهج.
(2) هو معقل بن قيس الرياحي، من ولد رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، كان معقل من رجال الكوفة وأبطالها وله رئاسة وقدم، أوفده عمار بن ياسر إلى عمر بن الخطاب مع الهرمزان لفتح تستر، وكان من شيعة الإمام علي عليه السلام، وجهه إلى بني ساقة فقتل منهم وسبى، وحارب المستورد بن عُلْفة الخارجي من تميم الرباب، فقتل كل واحد منهما صاحبه بدجلة. (انظر نهج البلاغة لابن أبي الحديد 15/92).

(فإن الله جعله سكناً): يسكن فيه كل من غشيه وأجنه، وإليه الإشارة بقوله تعالى(1): {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}[الأنعام:13].
(وقَدَّره مُقَاماً): يقيم فيه المقيم.
(لا ظَعْناً) أي أنه لم يجعل ظعناً، والظعون هو: التحرّك والانتقال من مكان إلى مكان، ((وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن السير في أول الليل، وأومئ(2) أن ذلك وقت تنشر(3) فيه الشياطين(4)))، ويقال: أفحموا من الليل أي لا تسيروا في أول فَحْمَته(5).
(فأرح فيه بدنك(6)): عن النصب والتعب.
(وروِّح ظهرك): أعفها يريد الخيل والإبل عن الرواح، وهو اسم للوقت ما بين زوال الشمس إلى الليل.
سؤال؛ هل من تفرقة بين بنائي(7) الفعلين حيث جعل في البدن أراح، وفي الخيل والإبل روح، مع أن المقصود بهما جميعاً هو الاستراحة؟
وجوابه؛ هو أن المعنى فيهما واحد، وهو الأمر بالاستراحة، لكن اختلافهما من جهة تصريف الفعل، فأراح(8) من قولهم: أراح الرجل إذا رجعت إليه نفسه من الإعياء والتعب، وروح من قولهم: روح إبله ترويحاً إذا تركها عن السير في الرواح.
__________
(1) تعالى، زيادة في (ب).
(2) في (ب): فأومى.
(3) في (ب): تسير.
(4) أورد الخبر ابن أبي الحديد رحمه الله في شرح النهج 14/93.
(5) القول هذا أورده الزمخشري في أساس البلاغة ص335 ولفظه فيه: وفحموا عنكم من الليل وأفحموا أي لا تسيروا في أوله حتى تذهب الفحمة. انتهى، وهو في لسان العرب 2/1058، وفحمة الليل: سواده وظلمته أو أشده سواداً.
(6) في نسخة: نفسك، (هامش في ب).
(7) في (ب): بناء.
(8) هكذا في النسخ، ولعلها: فأرح.

(فإذا وقفت حين ينبطح(1) السحر): السحير، والسحر: اسم للوقت قبل طلوع الفجر، يقال: بطحه أي ألقاه على وجهه فانبطح(2)، وأراد أنك إذا عرفت انبساط السحر وامتداده؛ لأن المنبطح ينبسط على الأرض.
(أو حين ينفجر الفجر): يطلع الفجر يريد أحد هذين الوقتين، وقوله: ينفجر الفجر من باب الاشتقاق، كقوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ}[الروم:43] ولا يخفى عليك موقعه في(3) البلاغة.
(فسر على بركة الله): يُمْنه وتيسيره إلى حيث تريد.
(فإذا(4) لقيت العدو): الذي تريد طلبه.
(فقف من أصحابك وسطاً): أي في وسطهم وهم عن يمينك وشمالك مكتنفون لك.
(ولا تَدْنُ من القوم): تقرب منهم.
(دنو من يريد أن ينشب الحرب): بين الناس، يقال: نشبت الحرب بينهم إذا غشي بعضهم بعضاً، أراد أن ذلك ليس مصلحة لأجل القلة فيخاف الكثرة عليكم.
(ولا تباعد عنهم): تتأخر عمن تريد قتاله.
(تَبَاعُدَ من يهاب البأس): لأن ذلك يورث الذل والفشل(5) ويفت في أعضاد الناس، وقف على ما أمرتك وأدبتك من هذه الآداب، وأريتك من هذه المصالح(6) في الحرب، ولا تحدث شيئاً:
(حتى يأتيك أمري): بما تفعل من ذاك(7)؛ لأن هذا هو نهاية المقدمة وغايتها، وبعد وصول الإمام والعساكر يقضي الله على لسانه ويده ما قضى.
(ولا يحملنَّكم سبابهم(8) على قتالهم): نهاهم أن يكون سبب الجرأة عليهم ما يسمعونه من الأذى.
(قبل دعائهم): إلى الله تعالى وإلى دينه، وترك البغي وإهماله.
__________
(1) في (ب): يتبطح.
(2) في (ب): فابتطح.
(3) في (ب): من.
(4) في (ب): وإذا.
(5) في (ب): يورث الفشل والذل.
(6) في (ب): النصائح.
(7) في (ب): ذلك.
(8) في شرح النهج: شنآنهم.

(والإعذار إليهم): أعذر إليه إذا بالغ في المعذرة إليه.
ولله درُّ أمير المؤمنين فإنك إذا تصفحت كلامه، وأوامره ونواهيه فيما يتعلق بأهل البغي وجدته كلام من يريد نجاة الخلق وتقريبهم إلى الله تعالى، وبلوغ الغاية في المناصحة وبذل الحق بجهده.

(13) ومن كتاب له إل‍ى أميرين من أمراء جيشه
(وقد أمَّرت عليكما): أي جعلت عليكما أميراً يكون أمركما موكولاً إليه، ورأيكما مفوضاً إلى رأيه، لا أمر لكما معه.
(وعلى من في حيزكما): خطتكما وناحيتكما.
(مالك بن الحارث الأشتر): الشتر: انقلاب في جفن العين، ورجل أشتر إذا كان بهذه الصفة، والأشتران: مالك، وابنه، وكان أميراً من أمرائه، وهو عنده بمكان عظيم، ومنزلة رفيعة وسيأتي ذكره.
(فاسمعا له وأطيعا): فيما أمركما به ونهاكما عنه من غير مخالفة.
(واجعلاه درعاً): تتحصنان به عن كل مكروه.
(وَمَجِنَّاً): المجن: الترس، أي واجعلاه سترة بينكما(1) وبين الأمور العظائم.
(فإنه ممن لا يخاف وَهْنُه): ضعفه عمَّا إليه القيام به وعمَّا له تولّيه، والوَهْنُ: الضعف، قال تعالى: {إِنّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي}[مريم:4].
(ولا سقطته): عثاره وزلله في أمره وحاله.
(ولا بُطْؤُه عمَّا الإسراع إليه أحزم): أي ولا يخشى منه التواني والتثاقل عما يكون الإسراع فيه أخذاً بالحزم وأبعد عن التساهل.
(ولا إسراعه عمَّا البُطء(2) عنه أمثل): أي ولا يخشى إسراعه في أمر من الأمور يكون التثاقل فيه والتأني أحسن وأجود، يشير بما ذكره إلى عظم(3) الخبرة، وكثرة الحنكة، وثبات الرأي والحزم.
__________
(1) في (أ): بينهما.
(2) في شرح النهج: ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل.
(3) في (ب): عظيم.

(14) ومن وصية له عليه السلام لعسكره(1) بصفين
(لا تقاتلوهم حتى يبدءوكم): بالقتال ليتحقق فيهم أمر البغي، فإن ذلك يكون سبباً للاستظهار لكم والنصر من عند الله.
(فإنكم بحمد الله على حجة): بينة ظاهرة في قتالهم بما أتوه من المنكر، وركوب غارب البغي في مخالفة أمري، ومنعي عما أريده من القيام بأمر الدين وأهله.
(وترككم إياهم حتى يبدءوكم حجة أخرى): ثم حربهم لكم، وقتالهم إياكم عمداً حجة أخرى تُسْتَحَلُّ بها دماؤُهم لو لم تتقدم الحجة الأولى، فإذا اعتضدا كان ذلك أقوى في الأمر وأعظم عند الله حجة:
(لكم عليهم): بين يدي الله، فإذا سألكم الله تعالى عن قتالهم كان إدلاؤكم بهذين الأمرين أقوى عند الله، وأدخل في العذر، فأجهدوا نفوسكم في قتالهم لله تعالى، وإعزازاً لدينه.
(فإذا كانت الهزيمة): وقعت وحصلت.
(بإذن الله): عن علم من الله ومصلحة في ذلك، فإن لهم أحكاماً تخالف أحكام أهل الحرب، فلا تغفلوا عن علمها وتحفظها، فإن الله بلطفه قد جعل لكل جريمة عقوبة.
(فلا تقتلوا مدبراً): يريد من ولى مدبراً عند الهزيمة، فلا يتبع بالقتل؛ لأن توليته مدبراً فيه كفاية عن بغيه؛ ولأن توليه عن مقامه ذلك تركٌ للبغى ورجوع عنه، فلا يقتل من غير سبب يوجب قتله لما ذكرناه.
(ولا تصيبوا معوراً): المعور بالعين المهملة والراء، وله معنيان:
أحدهما: أن يريد بالمعور الربيئة(2) للقوم، يعني ولا تقتلوا إلا من تعلمون أنه من جملة العدو، فأما الربيئة فلا قتال من جهتهم يوجد فيكفُّ عنهم.
__________
(1) لعسكره، سقط من (ب).
(2) الربيئة: هو العين والطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو، ولا يكون إلا على جبل أو شرف ينظر منه. (النهاية لابن الأثير 2/179).

وثانيهما: أن يكون مراده بالمعور الرَّكيّة(1) أي لا تفسدوها بالإصابة فيزول ماؤها وينضب عنها(2).
(ولا تجهزوا على جريح): أجهز على الجريح إذا أسرع في قتله، ولا يقال فيه: أجاز، وغرضه أنه بعد جرحه لا يسارع في قتله؛ فإن في جرحه كفاية عن بغيه، وزوال عنه، وفعيل بمعنى مفعول، يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا ذكر معه موصوفه، فيقال: هذا رجل جريح، وهذه امرأة جريح، فأما إذا طرح الموصوف جرى على قياسه، فيقال فيه: هذا جريح وهذه جريحة بني فلان.
(ولا تهيجوا النساء بأذىً): هاج الرجل إذا ثار غضبه، وأراد أنكم لا تحركوا غضبهن بذكر أذاهن.
(وإن شتمن أعراضكم): بالذم وذكر القبيح.
(وسببن أمراءكم): بإظهارالكلام السوء، ثم علل ذلك بقوله:
(فإنهن ضعيفات القوى): لا صبر لهن على الحرب؛ ولهذا رفع الله عنهن حكم الجهاد من أجل الضعف.
(والأنفس): ونفوسهن أيضاً ضعيفة عن احتمال المكاره، والضيم.
(والعقول): وعن هذا كانت شهادة امرأتين بمنزلة شهادة رجل واحد.
(وإن كنا لنؤمر بالكف عنهن): يعني القتل والضرب وهن بين أظهركم(3) في المعركة.
__________
(1) الركيّة: البئر.
(2) وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج 15/104 في شرح قوله: (ولا تصيبوا معوراً) ما لفظه: قوله عليه السلام: (ولا تصيبوا معوراً) هو من يعتصم بك في الحرب بإظهار عورته لتكف عنه، ويجوز أن يكون المعور هاهنا المريب الذي يظن أنه من القوم وأنه حضر للحرب وليس منهم، لأنه حضر لأمر آخر. انتهى.
(3) في (ب): أظهرهم.

(وإنهن لمشركات): فبين العلة التي لها أبيحت دماء الرجال فلا يقتلن(1)، وفي الحديث: ((نهيت عن قتل النساء))(2).
ويحكى أن هند بن عتبة خرجت يوم أحد وغيرها من النسوان يسقين الرجال، ويضربن بالدفوف، قالت(3) هند:
إن تقبلوا نوافق(4)

ونفرش النمارق

أو تدبروا نفارق

فراق غير وامق(5)

ومع ذلك فإن أحداً ما اعترض لها أصلاً، مع ما في كلامها من التهييج للرجال، وحملهم على اقتحام موارد الموت.
(وإن كان الرجل): في الجاهلية في حروبها ووقائعها.
(ليتناول المرأة بالِفهْرِ): الحجر الطويل.
(والهراوة): العصا فضلاً عما وراء ذلك من الأسلحة.
(فيعيَّر بها): الضمير للفعلة هذه.
__________
(1) في (أ): فلا يقتلهن.
(2) أورد قريباً منه السيد العلامة أحمد بن يوسف زبارة رحمه الله تعالى في أنوار التمام في تتمة الاعتصام للإمام القاسم بن محمد عليه السلام 5/466 فقال ما لفظه: وروى نافع أن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فأنكر ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان، وعزاه إلى الشفاء للأمير الحسين، وقال في تخريجه: وأخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي عن ابن عمر مرفوعاً، وأرسله في الموطأ عن نافع كما في الشفاء. انتهى.
(3) في (ب): وقالت.
(4) في نسخة أخرى، وسيرة ابن هشام: نعانق.
(5) الوامق: المحب، وانظر خبر هند الذي ذكره المؤلف وشعرها في السيرة النبوية لابن هشام 2/67-68، وانظر شرح النهج 14/235 لابن أبي الحديد، وهو فيه نقلاً عن مغازي الواقدي.

(وعقبه بعده(1)): ومن يأتي من(2) أولاده ويكون سبة لهم، والعار: السبة والعيب، وفي أخبار أحد: وكان الرجل منَّا يدنو من هند، فإذا حمل عليها السيف والهراوة صاحت وولولت، فيكف عنها ذلك(3).

(15) وكان عليه السلام يقول إذا لقي العدو محارباً
(اللَّهُمَّ، إليك أفضت القلوب): أفضى إليه بسره إذا أباحه، وأراد أفضت القلوب بسرائرها وضمائرها التي لا تخفى عليك.
(ومُدَّت الأعناق): خضعت وذلت لعظمتك وجلالك.
(وشخصت الأبصار): شخص البصر إذا انفتح جفن العين وجعل لا يَطْرِفُ(4)، ومنه شخوص بصر الميت فإنه لا يطرف أبداً حتى يفارق الحياة.
(ونقلت الأقدام): طالبة لرضوانك، واتباع أمرك وموافقة مرادك.
(وأنضيت الأبدان): الإنضاء هو: الإتعاب؛ رجاءً لما وعدته من كريم ثوابك، ورفيع مآبك.
(اللَّهُمَّ، قد صرّح مكنون الشنآن): أي ظهر مستور العداوة والبغض.
وفي رواية أخرى: (مكتوم) وهما متقاربان في معناهما.
(وجاشت مراجل الأضغان): جاش القدر إذا غلا، والأضغان هي: الأحقاد، والْمِرْجَل: واحد المراجل، وهي: القدور، وهذه كلها استعارة لما هم عليه من إظهارالعداوة والأحقاد والضغائن الشنيئة(5) لسبب الدين، وأراد بذلك فلا يخفى عليك حالهم وما يريدون(6) من البغي، وإظهار خلاف أمرك، وهدم منار دينك، وتعطيل أحكامك.
(اللَّهُمَّ، إنا نشكو إليك غيبة نبينا): فقده عن الدنيا وزواله عنها.
__________
(1) في شرح النهج: وعقبه من بعده.
(2) في (ب): ومن يأتي بعده من أولاده.
(3) انظر سيرة ابن هشام 3/24 تحقيق عمر محمد عبد الخالق.
(4) طرف بصره من باب ضرب إذا أطبق أحد جفنيه على الآخر. (مختار الصحاح ص390)، وفي (ب): لا يطرق.
(5) في (أ): السيئة.
(6) في (ب): وما يديرون.

(وكثرة عدونا): تألبهم علينا من كل جانب يريدون اجتياحنا، وقطع دابرنا.
(وتشتت أهوائنا): افتراقها، كل واحد منها في جانب، لا تجتمع على أمرك ولا تكون متفقة على نصرة دينك.
سؤال؛ هب أن قوله: (كثرة عدونا، وتشتت أهوائنا) له اتصال بما نحن فيه وتعلق، فما وجه اتصال قوله: (وغيبة نبينا) بما نحن فيه من قتال البغاة، وفقده عليه السلام عن الدين ثلمة لا تنسد؟
وجوابه من وجهين؛
أما أولاً: فلأن بحضوره لا ينبض من هذه العروق عرق ، ولا ينهض من رءوس هؤلاء الشياطين ناهض إجلالاً لهيبته، وامتثالاً لأمره ومقالته.
وأما ثانياً: فلما في حضوره من النصرو التأييد والظفر، كما كان في غير هذه المواطن؛ لما يعرفون من نصر الله له وتأييده له بالملائكة من عنده، وعلى الجملة فإن غيبته عن الدنيا وعن هذا العالم مصيبة لا تجبر، وحزن لا ينفك أبد الدهر.
ثم تلا هذه الآية عقيب كلامه: ({رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ})[الأعراف:89]: ولهذه الآية من الفخامة وحسن الموقع ها هنا، وجيد الملائمة لما نحن فيه ما يحلو في الألسنة مذاقه، ويروق في أعين النظار ترتيبه وسياقه.

(16) وكان عليه السلام يقول لأصحابه عند الحرب
(لا تشتدَّن عليكم فرَّةٌ بعدها كرَّةٍ): الفرُّ: الهرب، والكرُّ هو: الرجوع، وأراد أنه لا يكبرنّ في نفوسكم ذلك؛ فإن هذه تكفر هذه وتمحوها، فلا وقع لها معها.
(ولا جولة بعدها حملة): الجولة: واحدة الجولات، وتجاول الفرسان: رجوع بعضهم على بعض، والحملة هي: الكرة أيضاً، أي ولا تضركم جولاتهم لكم، وتأخرهم لكم عن مقاماتكم في الحرب إذا حملتم عليهم حملة فأزحتموهم عن مواضعهم.

(وأعطوا السيوف حقوقها): الضرب بها حتى تنحني، وفي الحديث أن الرسول عليه السلام أخذ سيفاً فقال: ((من يأخذ هذا السيف مني(1) بحقه يوم أحد)) فجاءه رجال من الصحابة فأبى أن يعطيهم إياه، فجاء أبو دجانة(2) فقال: يارسول الله، وما حقه؟
فقال(3): ((أن تضرب به حتى ينحني))(4) فأعطاه إياه.
[وقال: نعم](5): وكان من شجعان الصحابة، وأهل البأس منهم.
(ووطنِّوا للجنوب مصارعها): فيه روايتان:
أحدهما: بالنون، والموطن: المشهد من مشاهد الحرب، قال الله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ}[التوبة:25] وأراد ها هنا اجعلوها للجنوب مواطن تصرع فيها.
وثانيهما: [بالياء](6) من التوطية أي مهدوا للجنوب أمكنة تصرع فيها، والغرض في هذا كله العزم وتصميم النفس على لقاء الله، ومفارقة الدنيا.
(واذمروا نفوسكم(7)): حثوها وازجروها.
(على الطعن الدَّعْسِيِّ): طريق دعس إذا كان بيِّن الآثار ظاهرها، وأراد على الطعن الذي تظهر آثاره وكلومه.
(والضرب الطِّلَحْفِيّ): ضرب طلحف إذا كان شديداً بالغاً.
وقوله(8): الدعسيّ فيه مبالغة من وجهين:
__________
(1) مني، سقط من (ب).
(2) واسمه سماك بن خرشة.
(3) في (ب): قال.
(4) انظر الرواية في السيرة النبوية لابن هشام 2/66، واللفظ في آخرها: ((أن تضرب به العدو حتى ينحني)).
(5) سقط من (ب).
(6) سقط من (أ).
(7) في شرح النهج: أنفسكم.
(8) في (أ): وقولهم.

أما أولاً: فلأنه وصف بالمصدركما قالوا: رمي سَعْر، وضرب هبر(1).
وأما ثانياً: فإلحاق ياء النُّسْبَة به، كما قالوا: جزئي وجزء وكلي وكل، وكله دلالة على المبالغة وعلامة عليها.
(وأميتوا الأصوات): أراد لا تكثروها.
(فإنه): يعني موتها.
(أطرد للفشل): أذهب به فلا يبقى إلا الثبوت والاتئاد.
(والذي فلق الحبة): بنصفين.
(وبرأ النسمة): خلقها وأوجدها.
(ما أسلموا): عن طمأنينة وانشراح صدر بالدين وأحكامه، يشير بهذا إلى معاوية وعمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، وغيرهم من أخدان الغي، وأعوان الظلم والبغي.
(ولكن استسلموا): انقادوا خوفاً من السيف.
(وأسروا الكفر): أبطنوه في أنفسهم، وكتموه في أفئدتهم.
(فلما وجدوا أعواناً عليه أظهروه): من أوباش أهل الشام وأجلافهم ومن لا معرفة له(2)، ولا ميز بين الحق والباطل.
والظاهر من كلامه هذا أنه تفطَّن بحال هؤلاء وتفرَّس في أمورهم، فلهذا أثبت لهم مزية على الفسق، وصار هذا هو الحكم بالكفر على هؤلاء، والمعلوم من حاله أنه لم يعاملهم بالأحكام الكفرية من السبي وغيره فلا بد من تأويل كلامه على مطابقة فعله فيهم وعلى ما قام الدليل الشرعي عليه وهو الفسق لا غير، فيمكن أن يكون في مراده من ذلك وجهان:
أحدهما: أشخاص معدودين قد علم كفرهم بإعلام الرسول له ذلك، وهذا لامانع منه.
__________
(1) الهبر: القطع، وقوله: رمي سعر أي رمياً سريعاً شبهه باستعار النار، وللقول هذا شاهد من كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام أورده ابن الأثير في النهاية 2/368 فقال في مادة سعر ما لفظه: ومنه حديث علي رضي الله عنه يحث أصحابه: (اضربوا هبراً، وارموا سعراً).
(2) له، زيادة في (ب)، وفي نسخة أخرى: ومن لا يعرفه.

وثانيهما: أن يكون غرضه أنه أخبر عن كفرهم عند الله تعالى دون ظاهر الشرع، فمن أجل هذا أخبر عنهم به.

(17) ومن كتاب له عليه السلام جواباً لمعاوية
(وأما طلبك إليَّ الشام): أي ولاية الشام؛ لأن معاوية كان طلب من أمير المؤمنين أن يوليه الشام، ويجعله أميراً عليه في جباية الأموال، وتأدية الخراجات كلها.
(فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك بالأمس): أراد أنك قد سألتني ذلك من قبل فمنعتك، وما كنت لأعطيك اليوم ما منعتك من قبل، والحال مستوية، فما تغير في حالك من المكر والخديعة ولا تغير(1) حالي في وثاقة الدين والتصلب فيه.
(وأما قولك: إن الحرب قد أكلت العرب): أفنتهم با لقتل، وسحت الأموال.
(إلا حُشَاشَات أنفس قد بقيت): الحشاشة(2) والحشاش: بقية الروح في الجسد، وأراد إلا أنفساً أُخِّرَتْ آجالها فبقيت.
(ألا ومن أكله الحق فإلى الجنة): أراد أن من قُتِلَ مجاهداً في سبيل الله صابراً محتسباً فمصيره إلى الجنة.
(ومن أكله الباطل فإلى النار): أي ومن كان مقاتلاً على البغي والمخالفة لإمام الحق فمصيره إلى النار، وهذا كله تعريض بحال معاوية، وإصراره على البغي والفساد والتمرد، ويومئ بذلك إلى هلاكه وهلاك من قتل معه.
(وأما استواؤنا في الحرب والرجال): لأن معاوية قال: قد توافت بنا الحرب، والعساكر منَّا ومنكم متساوية، وغرضه بهذا أن أمير المؤمنين غير نايل غرضاً منه، ولا مدركٌ ثأراً.
__________
(1) في (ب): ولا تغير في حالي وثاقة...إلخ.
(2) في (ب): الحشاشات.

(فلست بأمضى على الشك من‍ي على اليقين): يريد أنا ولو استوينا كما زعمت، فأنا فيما أنا فيه على بصيرة، وأنت فيما أنت فيه على شك، وصاحب اليقين أشرح صدراً وأوثق قلباً من صاحب الشك؛ فإنه متردد قلق الأحشاء مضطرب الفؤاد، فإذا مضيت على ما أنت فيه من الغي وجريت عليه، فأنا أمضى منك على الحق، ونفوذ البصيرة.
(وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا): يريد معاوية ومن كان معه ما هو بأكثر حرصاً على الدنيا والتوطن فيها، والإخلاد إليها.
(من أهل العراق على الآخرة): يريد نفسه وأصحابه، وإذا كان الأمر هكذا فانظر أينا أشد صبراً على الحرب، وأكثر رجاءً لثواب الله، وأعظم حالةً عنده.
(وأما قولك: إنَّا بنو عبد مناف!): أراد معاوية أن عبد مناف يجمعنا؛ لأن له أولاداً أربعة: هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل، فهؤلاء أولاد عبد مناف، ومعاوية من بني عبد شمس.
فقال أمير المؤمنين:
(فكذلك نحن): يريد إنَّا لا ننكر أن عبد مناف يجمعنا كما ذكرت، ولكن أين الغرب(1) عن النبع! وأين الحصى عن المرجان!، وأين السنام عن المنسم!(2)، وشتان ما بين الآباء!، فهب أن عبد مناف قد جمعنا كما زعمت:
(ولكن ليس أمية كهاشم): في فخره ولا فضله ولا في كرمه وجلالة قدره.
(ولا حرب كعبد المطلب): أراد ولا جدك مثل جدي في الرئاسة، واجتماع أمر مكة إليه وسيادته للناس.
(ولا أبو سفيان كأبي طالب): أراد ولا أبوك مثل أبي؛ فإن أبا طالب شرفه لا يخفى، وأمره لا ينكر.
__________
(1) الغرب: الذهب (المعجم الوسيط ص647).
(2) السنام: أعلا البعير، وسنام كل شيء أعلاه، والمنسم: طرف خف البعير.

(ولا المهاجر كالطليق): أراد أنه ليس من هاجر إلى الله تعالى تطوعاً واختياراً من جهة نفسه، كمن يُمَنُّ عليه ثم يُطْلَقُ بعد ذلك، وكان معاوية وأبوه من الطلقاء، وقد تقدم حديث الطلقاء(1) وسبب ذلك فيهم، فلا وجه لتكريره.
(ولا الصريح كاللصيق): أراد ولا من هو خالص النسب كمن هو دَعِيّ مؤتشب، يلصق نفسه بنسب قوم وليس منهم، ولعله يشير بذلك إلى حديث كان لأبي سفيان في حق زياد، وعلى هذا يكون فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد ما كان من أبي سفيان من ادِّعاء(2) زياد ابناً له.
وثانيهما: أن يريد ما كان من معاوية من ادّعاء زياد أخاً له، فقوله: ولا الصريح كاللصيق، محتمل لما ذكرناه من هذين الوجهين، وسنذكر ما يدل على احتمال الوجهين في كلام لأمير المؤمنين كرم الله وجهه بعد هذا، كلَّم به معاوية وزياد بن أبيه، وليس هذا موضع ذكره.
(ولا المحق كالمبطل): أراد ولا من كان مستقيماً على الحق داعياً إليه؛ مثل من هو مكبٌّ على الباطل لا ينفك منه، يشير إلى نفسه ومعاوية.
(ولا المؤمن كالمُدْغِل): ولا من هو مصدِّق بالله تعالى كمن هو مُدْغِلُ في الدين، مُدْخِلٌ فيه ما يفسده ويبطله.
(ولبئس الخلف خلف يتبع سلفاً(3)): السلف: المتقدم، والخلف: الذين يتلونهم، وأراد بذلك بني أمية فإنه ما منهم إلا كافر مشرك عابد وثن، أو فاسق خارج عن الدين مارق.
(وفي أيدينا بعد): ما ذكرته، وأشرت إليه من الرئاسة والفخر بمن ذكرت من الآباء.
__________
(1) انظر حديث الطلقاء في سيرة ابن هشام 4/34-35، تحقيق عمر محمد عبد الخالق.
(2) في (ب): من إدعائه.
(3) في شرح النهج: ولبئس الخلف خلف يتبع سلفاً هوى في نار جهنم.

(فضل النبوة): التي تفضَّل الله بها على الخلق، وجعلها مصلحة لهم، أو يريد شرف النبوة التي جعلها الله شرفاً لنا على الخلق، وأعطانا بها فخراً وعلواً لم يسبق إليه أحد.
(الت‍ي أذللنا بها العزيز): أنزلنا بها مراتب الأعزة ممن خالفها، كما كان من الأعزة من قريش آبائك وغيرهم من أفناء الناس.
(ونعشنا بها الذليل): رفعنا منزلة من وافقها، وامتثل أمرها، وإن كان ذليلاً في نفسه لا شرف له، مثل ما كان من الضعفاء نحو صهيب وبلال وسلمان، وغيرهم من فقراء الصحابة ومساكينها، فإن الله تعالى أركس أبا لهب وغيره كالوليد والنضر بن الحرث لما ضادوها وخالفوها بالمكابرة، مع شرفهم وعلو مراتبهم عند قومهم، وأعزَّ بها هؤلاء مع ضعف حالهم ومسكنتهم.
(ولما أدخل الله العرب في دينه أفواجاً): أي فريقاً بعد فريق.
(وأسلمت له): الضمير إما لله تعالى، وإما للرسول.
(هذه الأمة طوعاً وكرهاً): بالاختيار من جهة أنفسهم، وهداية الله لهم إلى ذلك، أو بالكراهة خوفاً من السيف، كما كان من أقوام كثيرين.
(كنتم): يريد بني أمية.
(ممن دخل في الدين إما رغبة): بالاختيار من جهة أنفسكم طمعاً في التألف.
(وإما رهبة): حذراً من السيف كما كان من أبي سفيان يوم الفتح.
(على حين فاز أهل السبق بسبقهم): يريد بعدما تقدم إسلام [من أسلم من](1) المهاجرين والأنصار، وحازوا الفضل بأسره، وأحرزوا الخير بحذافيره.
__________
(1) ما بين المعقوفين سقط من (ب).

(وذهب المهاجرون والأنصار بفضلهم(1)): بتقدمهم في الإسلام، كما قال تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}[الحديد:10].
وأقول: إن معاوية كان غنياً عن هذا الافتخار على أمير المؤمنين، وما كان له غنى عن(2) تعريف حاله وإعلامه بفخره من أين كان، وعلى أي وجه هو!
ويحكى أن معاوية يوماً افتخر والحسن بن علي عنده بقوله: أنا ابن بطحاء(3) مكة، أنا ابن أغزرها جوداً، وأكرمها جدوداً، أنا ابن من ساد قريشاً فضلاً ناشئاً وكهلاً.
فقال الحسن: أعليَّ تفتخر يا معاوية، أنا ابن عروق الثرى، أنا ابن مأوى التقى(4)، أنا ابن من جاء بالهدى، أنا ابن من ساد أهل الدنيا بالفضل السابق، والجود الرائق، والحسب الفائق، أنا ابن من طاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله، هل لك أب كأبي تباهيني به، وقدم كقدمي تساميني به، قل: نعم أو لا!، قال معاوية: بل أقول: لا، وهي تصديق لك، فأقرَّ له معاوية، ثم تَمَثَّل الحسن بن علي عليهما السلام:
الحق أبلج ما تخيل سبيله

والحق يعرفه ذوو الألباب(5)

(فلا تجعلن للشيطان فيك نصيبا): بانقيادك له واتباعك لطريقه.
__________
(1) العبارة في (ب): وذهب من أسلم من المهاجرين والأنصار بفضلهم، وهي في شرح النهج: وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم.
(2) في (ب): من.
(3) في (ب): أنا من بطحاء..إلخ.
(4) في (ب): البقاء.
(5) ورد البيت هذا في أساس البلاغة ص124 بدون نسبة لقائله، وقوله هنا: ما تخيل، في أساس البلاغة: لا يخيل.

(ولا على نفسك سبيلاً): السبيل: الطريق، قال الله تعالى: {يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً}[الفرقان:27] وهو مما يذكر ويؤنث، وأراد لا تجعل للشيطان عليك طريقاً، يسلكها في نفسك فيغويها ويضلها.

(18) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى ابن عباس وهو عامله على البصرة
(اعلم(1) أن البصرة مهبط إبليس): الْمَهْبِطُ بالكسر: موضع الهبوط، كما أن المنزل موضع النزول، والْمَهْبَطُ بالفتح هو: الهبوط، ومنه مهبَط جبريل وهو: نزوله، وغرضه أنها لكثرة نحوسها وشرورها كأنها منزل له، ومكان يستقر فيه.
(ومغرس الفتن): حيث تكون ناشئة عنها ومتفرعة منها.
(فجاذب(2) أهلها بالإحسان إليهم): في جاذب روايتان:
أحدهما: بالجيم والباء بنقطة، ومعناه أجذبهم إليك بالمعروف وإسداء الإحسان، وعاملهم بالعطاء كيما تنجذب قلوبهم إليك.
وثانيهما: بالحاء المهملة، والثاء بثلاث، وأراد فاكههم بالأحاديث الحسنة بما(3) يكون فيه تقرير لخواطرهم، وتسكين لأنفسهم.
(واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم): أسلس لهم القياد بالملاطفة ولين العريكة، وسهولة النفس.
(وقد بلغن‍ي تَنَمُّرك لبن‍ي تميم): تنمَّر إذا تغيَّر وتنكَّر له؛ لأن النمر لا تلقاه أبداً إلا وهو غضبان متنكراً، قال عمرو بن معدي كرب:
قوم إذا لبسوا الحديد

تنمَّروا حَلَقاً وقدّا(4)

أي تشبهوا بأخلاق النمر.
(وغلظتك عليهم): في أخلاقك ومعاملتك.
__________
(1) في شرح النهج: واعلم.
(2) في شرح النهج: فحادث.
(3) في (ب): مما.
(4) أورده العلامة ابن منظور في لسان العرب 3/720 وقبله فيه:
وعلمت أني يوم ذا

ك مُنَازِلٌ كعباً ونهدا

(وإن بن‍ي تميم لم يغب لهم(1) نجم إلا طلع آخر(2)): فيه معنيان:
أحدهما: أن يريد أن رجلاً منهم لايموت ممن يكون مخلصاً في مودتنا، وداعياً إلى محبتنا، إلا ويبدلنا الله به غيره ممن يكون أدخل في ذلك وأصدق موالاة.
وثانيهما: أن يكون مراده أنه لا تمضي منهم مكرمة في حقنا إلا ويجددونها بأخرى، وإنما أظهر اسمهم في موضع الإضمارمبالغة في ذكرهم، وهم بطن من بطون نزار.
(وإنهم لم يسبقوا بوغم في جاهلية ولا إسلام): الوغم: الحقد، والوغم بالغين المنقوطة: الغيظ، وأراد أنهم لم تكن لهم سابقة سوء قبل النبوة ولا بعدها.
(وإن لهم بنا رحماً ماسة): أي قرابة قريبة، وتلك القرابة من جهة الأجداد البعيدة، وذلك أن النضر بن كنانة هو قريش، فمن كان من ولده فهو قرشي، وكانت أم النضر هي أخت لتميم بن مر(3)، وتميم خاله، ولهذا قال جرير بن عطية أحد بني تميم يمدح هشام بن عبد الملك بن مروان:
فما الأم التي ولدت قريشاً

بمقرفة(4) النجار ولا عقيم

وما قَرْم(5) بأنجب من أبيكم

ولا خال بأكرم من تميم(6)
__________
(1) في (ب): منهم.
(2) في شرح النهج: إلا طلع لهم آخر.
(3) واسمها برة بنت مر.
(4) المقرف: الذي دانى الهجنة من الفرس وغيره، وهو الذي أمه عربية وأبوه ليس بعربي، فالإقراف من قبل الأب والهجنة من قبل الأم (مختار الصحاح ص531)، والنجار: أي الطبع والمنبت، وهو من المجاز يقال: هو كريم النجر والنجار وهو الطبع والمنبت. (انظر أساس البلاغة ص447).
(5) القرم: البعير المكرم لا يحمل عليه ولا يذلل ولكن يكون للفحلة، ومنه قيل للسيد: قَرْم ومقرم تشبيهاً به. (مختار الصحاح ص531-532).
(6) السيرة النبوية لابن هشام 1/65-66.

(وقرابة خاصة): مختصة بنا من الوجه الذي ذكرناه.
سؤال؛ كيف قال: رحماً ماسة، وقرابة خاصة، وأكَّد ذلك، وبينهم هذه الآباء الكثيرة، والقرون المتباعدة؟
وجوابه؛ هو أن الأخلاق الشريفة والشيم الكريمة قاضية بهذا، وهو رعاية حق الرحم، وإن كانت الوشيجة متباعدة، وعن هذا قيل: المعارف في أهل النُّهَى ذِمَمُ.
ويحكى عن صاحب الشريعة صلوات الله عليه(1) أنه قال: ((إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بأهلها، فإن لهم ذمة ورحماً))(2).
وفي حديث آخر: ((الله الله في أهل المدرة السوداء، السحم(3) الجعاد، فإن لي فيهم نسباً وصهراً)) (4).
فأما النسب فإن أم إسماعيل كانت منهم، وأما الصهر فإن مارية أم إبراهيم التي أهداها له المقوقس، كانت منهم أيضاً، فانظر كيف لاحظ هذا النسب على بُعْدِه، وهذه الصهارة على تباينها وانقطاعها، مواظبةً على أخلاق النبوة، واستمراراً على شرف الرسالة.
__________
(1) في (ب): صلوات الله وسلامه عليه.
(2) رواه ابن هشام في السيرة النبوية 1/7 تحقيق إبراهيم الإبياري وآخرين، وهو فيه بزيادة ((خيراً)) بعد قوله: ((فاستوصوا بأهلها)) وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 1/253 إلى المستدرك2/553، وله فيه شاهد آخر بلفظ: ((إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيراً)) وعزاه إلى البداية والنهاية لابن كثير6/220 ودلائل النبوة للبيهقي6/322.
(3) المدرة بفتحتين واحدة المدر، والعرب تسمي القرية مدرة، والسحمة: السواد، والأسحم: الأسود. (مختار الصحاح ص289،619).
(4) رواه ابن هشام في السيرة النبوية 1/6 بسنده عن عمر مولى غفرة بلفظ" قال رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم: ((الله الله في أهل الذمة، أهل المدرة السوداء السحم الجعاد، فإن لهم نسباً وصهراً)).

(نحن مأجورون على صلتها): نرجو الأجر من جهة الله تعالى(1) على وصلها بالمعروف والخير.
(ومأزورون على قطيعتها): الوزر: الإثم، وأراد أنَّا آثمون عند قطعها.
(فَارْبَعْ أبا العباس): أي ارفق بنفسك وحالك، وكف عمَّا أنت فاعل له.
(رحمك(2) الله): ملاطفة له(3) بالدعاء والكنية، وتمجيد له ورفع لمنزلته، وتحريك لعزيمته في المواظبة على الخصال الشريفة، والأفعال المحمودة، وتعريض(4) بالقول اللطيف في ذلك.
(فيما جرى على يدك): من قطع الإحسان، ومنع المعروف منهم.
(ولسانك): من بذل الإنصاف واستعمال المداراة والإتحاف.
(من خير): أي من منع الخير منك.
(وشر): أي ومن إيصال شر.
(فإنَّا شريكان في ذلك): الضمير في قوله: فإنَّا يصلح للواحد العظيم، وللاثنين والجماعة، وأراد ها هنا فإني(5) وإياك شريكان في ثواب ما فعلته من خير، أو في إثم ما فعلته من شر، فيقسم لك من الثواب بقدر ما فعلته، وأردت فيه وجه الله تعالى، ويقسم لي من الثواب مثله؛ لأنك تُصْدِرُ عن رأيي وتقوم مقامي، وهكذا الحال في الإثم والمعصية، فإن الإمام هو سلطان الله في أرضه، وظله الممدود فيها، والولاة والعمال أعوان له.
(وكن عند صالح ظن‍ي بك): أي لا أظن صلاحاً إلا وأنت فاعله.
(ولا يفيلن رأيي فيك): أي ولا يضعفنَّ ما حدسته(6) فيك من أعمال الصلاح.

(19) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى بعض عماله
__________
(1) تعالى، زيادة في (ب).
(2) في (ب): يرحمك الله.
(3) له، زيادة في (ب).
(4) في (ب): وتعريضاً.
(5) في (ب): فأنا.
(6) الحَدْسُ: الظن والتخمين.

(أما بعد، فإن دهاقين أهل بلدك شكوا منك): الدهقان: واحد الدهاقين، وهو فارسي معرب فيحتمل أن تكون نونه أصلية أو زائدة، وأراد بذلك التجَّار من اليهود والنصارى ممن يكون معك، وفي بلد ولايتك.
(غلظة): فظاظة في الطبع.
(وقسوة): شكساً في الخلائق(1).
(واحتقاراً): لأحوالهم، واستصغاراً لمقاديرهم.
(وجفوة): إعراضاً عن إنصافهم وإيحاراً لصدورهم.
(ونظرت(2)): تفكرت في الأمر في صنعك معهم، ونفار طباعهم عنه.
(فلم أرهم أهلاً لأن يُدْنَوْا): يستأهلون الإدناء والتقريب، ولين العريكة والإنصاف.
(لشركهم): من أجل كونهم كفاراً بالنبوة مشركين مع الله غيره، حيث قال تعالى حاكياً عنهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ}[التوبة:30].
(ولا أن يُقْصَوْا(3)): يُبْعَدُوا.
(وَيُجْفَوْا): يُفْعَلُ بهم أفعال الجفاء.
(لعهدهم): أي(4) من أجل ما صنع الرسول معهم من المصالحة على الجزية والذمة من جهته لهم.
(فالبس لهم جلباباً): الجلباب: نوع من أنواع الثياب، وهو استعارة ها هنا.
(من اللين): إسلاس الطبيعة وتهوينها.
(تشوبه بطرف من الخشونة(5)): تخلطه بطرف من الشدة لهم في حالك.
(وداول لهم بين القسوة والرأفة): أراد استعملهم مرة ببسط الخلق ولينه، ومرة بقبضه وانزوائه، ومنه المداولة، وهي: المناوبة، والأيام دول أي مرة لهؤلاء ومرة لأولئك.
__________
(1) ظنن فوقها في (ب) بقوله: ظ: الأخلاق.
(2) في (ب): فنظرت.
(3) في (ب): ولا لأن يقصوا.
(4) أي، سقط من (ب).
(5) في شرح النهج: تشوبه بطرف من الشدة.

(وامزج لهم بين التقريب والإدناء): أي اخلط لهم في الأفعال والمعالجة بين ما يكون منها تقريباً لهم، وبين ما يكون منها تبعيداً.
(والإبعاد والإقصاء): وبين ما يكون فيه إبعاد وإقصاء وبين ما لايكون كذلك؛ فإن الأمور إذا فعلت على هذه الحالة كانت أقرب إلى الاعتدال والتوسط بين خطتي التفريط والإفراط، وأميل إلى جانب الرفق، كما قالعليه السلام: ((عليك بالرفق يا عائشة، فإنه ما نزع من شيء إلا شانه، ولا وضع في شيء إلا زانه))(1).

(20) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى زياد بن أبيه
وهو خليفة عامله عبد الله بن العباس على البصرة، وعبد الله عامل أمير المؤمنين يومئذ عليها وعلى كُوَر الأهواز(2)، وفارس، وكِرْمَان(3):
(وإني لأقسم بالله(4) قسماً صادقاً): انتصاب قسماً على المصدرية المؤكدة للفعل، كقولك: ضربت ضرباً.
__________
(1) الحديث بلفظ: ((عليك بالرفق، فإن الرفق لا يك في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/472 وعزاه إلى مسند أحمد بن حنبل 6/125،171، وهو بلفظ: ((يا عائشة، ارفقي فإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)) أورده القاضي العلامة الحسين بن ناصر المهلا رحمه الله تعالى في مطمح الآمال ص81، وعزاه إلى مسلم عن عائشة.
(2) الكورة: المدينة، وكور الأهواز: تسع كور بين البصرة وفارس، لكل كورة منها اسم، ويجمعهن الأهواز، لا تفرد واحدة منهن بهوز، وهي: رامهرمز، وعسكر مكرم، وتستر، وجنديسابور، وسوس، وسرق، ونهرتيري، وأيذج، ومناذر. (القاموس المحيط ص681).
(3) كرَمان بالفتح وقد يكسر إقليم بين فارس وسجستان. (القاموس المحيط ص1489).
(4) في (ب) وفي شرح النهج: وإني أقسم.

(لئن بلغن‍ي أنك خنت في(1) فيء المسلمين): وهو ما أفاءه الله عليهم من هذه الغنائم، أو أراد من هذه الأموال التي تحت يدك والخراجات، فإنها كلها فيء من عند الله تعالى.
(شيئاً صغيراً أو كبيراً): شيئاً مما يصغر أمره، أو يكبر خطره وحاله.
(لأشدنّ عليك شَدةً): أثب عليك وثبة، أو أراد أحمل عليك حملة، كما قال:
سائل فوارس يربوع بشدتنا

أي بحملتنا عليهم.
(تدعك قليل الوفر): تتركك قليل المال.
(ثقيل الظهر): بتحمل الأوزار والمآثم.
(ضئيل الأمر(2)): ضعيف الأمر في كل حالة من الحالات؛ حتى لا أمر منك إلا وهو في غاية الضعف والهوان.
سؤال؛ إذا كان عاملاً لعبد الله بن العباس وخليفة له في عمالاته، فأمره في الجباية والاستقامة إليه، والعهدة في ذلك على من استخلفه، فكيف كالمه أمير المؤمنين هذه المكالمة، وأوعده بهذه الوعيدات العظيمة؟
وجوابه؛ هو أن الأمر وإن كان كما ذكرت، لكن يد أمير المؤمنين قاهرة على كل الأيدي، وهي مستولية عليها فهو يراقبهم(3) بالأعين الكالية، ويحرسهم بالألحاظ الساهرة، سواء كان عاملاً له أو عامل عامله، وما فعل ذلك مع زياد بن أبيه إلا لعلمه بتهوره في أخذ لأموال وتساهله في حقها، فلأجل هذا أخشن له القول ليعرف ما عنده من ذلك وليكن في تصرفه على وَجَلٍ وحذر، لئلا يقع فيما أوعده به من هذه الوعيدات.

(21) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى زياد بن أبيه أيضاً(4)
__________
(1) في شرح النهج: من، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(2) بعده في شرح النهج: والسلام، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(3) في (ب): فهو يرى فيهم.
(4) أيضاً، زيادة في (ب) وشرح النهج.

(فدع الإسراف مقتصداً): الإسراف: هو إنفاق الأموال في غير وجهها وعلى غير مستحقها، وهو نقيض التقتير، وهو: منعها عن أهلها، وحجرها عن مصرفها، وأراد فاترك إنفاق الأموال في غير وجهها، وكن مقتصداً في أمور ك كلها، أو في إنفاقها على وجهها.
(واذكر في اليوم غداً): أراد واذكر اليوم ما تستقبله من الشدائد والأهوال في الغد، أو يكون معناه واذكر في اليوم يوم القيامة، وما يكون فيه(1) من المحاسبة على القليل والكثير.
(وأمسك من المال بقدر ضروراتك(2)): بقدر ما يضطرك الحال إلى إمساكه، من غير أن يكون هناك ادخار له وكنز.
(وقدِّم الفضل ليوم حاجتك): أراد وقدِّم ما يفضل منه بالصدقة، وإنفاقه في سبيل الله، وابتغاء ثوابه.
(أترجو أن يؤتيك(3) الله أجر المتواضعين): بإعطاء الأموال وإنفاقها، وترك التلذذ بها مع وجدانها.
(وأنت عنده من المتكبرين!): المتفاخرين بجمع الأموال، والمتباهين بكثرتها وجمعها.
(وتطمع وأنت متمرغ في النعيم(4)): كنى بالتمرغ عن استعمال اللذات والترفه فيها، والتمرغ هو: التمعك في التراب.
(تمنعه(5) الضعيف والأرملة): أراد أن ذلك التنعم ما كان سببه إلا من أجل منع الضعيف والأرملة حقهما مما قسم الله لهما من هذه الأموال، والأرملة التي لا زوج لها، والضعيف هو: الذي يضعف حاله عن التكسب، فتطمع وأنت على هذه الحالة.
(أن يوجب الله لك ثواب المتصدقين): وأنت مانع لهذه الأموال مدخر لها.
__________
(1) في (ب): فيها.
(2) في شرح النهج: ضرورتك.
(3) في شرح النهج: يعطيك، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(4) في (ب): النعم.
(5) في شرح النهج: أن تمنعه.

(وإنما المرء مجزي بما أسلف): أراد ليس الأمر كما تحسبه مما أنت فيه، وإنما الجزاء يكون على قدر ما سلف من الأعمال، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
(وقادم على ما قدّم): قدم من سفره فهو قادم، وأراد أنه واصل إلى ما كان سبق منه من هذه الأعمال محمودها ومكروهها، وقوله: قادم على ما قدَّم، من باب الاشتقاق، وهو غرر في كلامه، وأوضاح(1) في قلائد نظامه.

(22) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى ابن عباس رضي الله عنه
وكان ابن عباس يقول: ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانتفاعي بهذا الكلام:
(أما بعد، فإن المرء يسره(2) درك ما لم يكن ليفوته): يريد أن الإنسان يسترُّ ويلحقه فرح وَجَذَل(3) لإ دراك ما قدَّر الله له حصوله ووقوعه، وما ليس فائتاً عنه بحال.
(ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه): أي ويلحقه(4) ألم وغم بفوت ما لم يقدِّر الله له إدراكه وتحصيله، وما ذاك إلا بقلة(5) الثقة بالله، ومن أجل ذلك لحقه السرور، بما ضمنه الله تعالى(6) وقدَّره من الأرزاق والأقوات، وكثرة الهلع في الدنيا، ولهذا لحقه الغم بفوات ما لم يقدر الله له نيله، ولا قسم شيئاً من حصوله.
(فليكن سرورك بما نلت من آخرتك): أراد فالسرور الحقيقي إنما يكون بإحراز الآخرة وأعمالها.
__________
(1) الوضاح: نوع من الحلي يعمل من الفضة، سميت بها لبياضها، واحدها وضح. (النهاية لابن الأثير 5/196).
(2) في (ب): ليسره، وفي نسخة وشرح النهج: قد يسره، (هامش في ب).
(3) الجَذَلُ: الفرح.
(4) في نسخة: ويلحق المرء (هامش في ب).
(5) في (ب): لقلة.
(6) تعالى، زيادة في (ب).

(وليكن أسفك على ما فاتك(1) منها): الأسف: أشد الحزن، وأراد وليكن غمك على ما فاتك من أعمال الآخرة، فالسرور(2) والغم إنما يكونان على الحقيقة فيما ذكرته من أعمال الآخرة، لا على ما كان منهما فيما ذكره أولاً مما ضمن وجوده للإنسان أو منع وجوده منه.
(وما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحاً):لأنه على شرف الانقطاع والزوال، وما هذا حاله فلا يليق بعاقل الفرح به والسرور.
(وما فاتك منها(3) فلا تأس عليه جزعاً): التأسي: التعزي، وتآسوا أي آسى بعضهم بعضاً، والأسى: الحزن، وأراد ها هنا وما فاتك من الدنيا فلا تحزن عليه جزعاً أي جازعاً، وانتصابه على المصدرية في موضع الحال.
(وليكن همُّك فيما(4) بعد الموت): أراد وما الهمُّ حقيقة إلا لما كان بعد الموت من الأهوال العظيمة والطامات.
ولله در ابن عباس أي أسد فرَّاس، لقد أنافت فراسته على فراسة إياس(5)، حيث أحاط بأسرار هذا الكلام ونهايته، واستولى على البغية من إحراز مقاصده وغايته، ولهذا قال فيه ما قال.

(23) ومن كلام له عليه السلام قبل موته على جهة الوصية(6)
الوصايا: جارية مجرى الكتب، ولهذا أوردت الوصايا ها هنا من أجل ذلك.
(وصيت‍ي لكم ألاّ تشركوا بالله شيئاً): في عبادته ولا تتخذوا إلهاً غيره، وانتصاب قوله: شيئاً على المصدرية أي لا تشركوا به إشراكاً.
__________
(1) في (ب): ما فات.
(2) في (ب): والسرور.
(3) في (ب): منه.
(4) في نسخة لما، (هامش في ب).
(5) وهو القاضي إياس بن معاوية بن قرة المزني [46-122ه‍]، أبو واثلة، قاضي البصرة، كان يضرب به المثل في الذكاء والفطنة والفراسة. (وانظر عنه الأعلام 2/33).
(6) في شرح النهج: على سبيل الوصية لما ضربه ابن مُلجم لعنه الله.

سؤال؛ إذا كان نصبه على المصدرية، فأراه عدل عن لفظ الفعل وهو مشتق منه، ولِمَ لم يقل: ولا تشركوا به إشراكاً؟
وجوابه؛ أنه إنما عدل عنه إلى غير لفظه ليكون مندرجاً تحته غيره فيكون عاماً في النهي عن الإشراك نفسه وعن المشرك به، فيكون النهي متناولاً لهما جميعاً، وهذا كثير الورود في كتا ب الله تعالى كقوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}[الإسراء:74].
(ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا تضيعوا سنته): أراد والوصية بمحمد(1) هو ألاَّ تهملوا ما سنّ لكم من معالم الهدى، وطرق الصلاح.
(أقيموا هذين العمودين(2)): يريد التوحيد والسنة؛ لأنه لم يسبق الذكر إلا فيهما، وقيل: أراد القرآن والعترة(3)، وليس شيئاً لأنه لم يجرلهما ذكر، ولا حاجة إلى التعسف.
(وخلاكم ذم): أراد زال عنكم الذم وبرئتم عنه،يقال: افعل هذا وخلاك ذم أي سقط عنك وأعذرت.
(أنا بالأمس صاحبكم):إمامكم والمتولي لأموركم والقائم بها.
(واليوم عبرة لكم): أراد موعظة تتعظون بها؛ لقرب أجلي وانقطاع مدتي.
(وغداً مفارقكم): بالموت وهو أبلغ ما يكون من الانقطاع.
(إن أبقَ): من جرحي هذا ويكون في أجلي بقية.
(فأنا ولي دمي): أفعل فيه ما أشاء من عفو أو غيره .
(وإن أَفنَ): أموت وينقطع أجلي.
(فالفناء ميعادي): أراد فالموت لا بد منه، وهو ميعاد لا خلف فيه ولا كذب.
(فإن(4) أعف): عما أصابني وأدخره عند الله.
__________
(1) في (ب): لمحمد.
(2) في شرح النهج: أقيموا هذين العمودين، وأوقدوا هذين المصباحين وخلاكم ذم.
(3) القيل هذا، ذكره الشريف علي بن ناصر الحسيني في أعلام نهج البلاغة -خ-، بدون نسبة إلى قائله.
(4) في (ب) وفي شرح النهج: وإن.

(فالعفو لي قربة): قد ندب الله إليها وحث على فعلها، وهو من أجل القرب وأعظمها عند الله تعالى، وفي الحديث: ((ينادي مناد يوم القيامة: يقوم من له أجر على الله، فيقوم العافون عن الناس))(1).
(وهو لكم حسنة): تؤجرون عليها من عند الله.
(فاعفوا): يحتمل أن يكون عاماً أي اعفوا عن كل مذنب وتجاوزوا عن ذنبه، ويحتمل أن يكون خاصاً فيما هو فيه وهو أمر لهم بالعفو إذا صار مستحقاً لهم بموته، ثم تلا هذه الآية: ({أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ})[النور:22]: أراد بسبب العفو.
ونزولها في مسطح بن أثاثة وامتناع أبي بكر عن(2) الانفاق عليه لأجل مقالته في الإفك، فقال تعالى(3): {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ(4)}[النور:22]، ثم قال: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}[النور:22] فعاد أبو بكر عليه بالإنفاق(5).
سؤال؛ أراه قال: العفو قربة لي، وهو لكم حسنة، ففرق بين حاله وحالهم بالإضافة إلى العفو، فهل له وجه في ذلك؟
__________
(1) أخرجه من حديث عن أبي هريرة الشريف السيلقي في الأربعين السيلقية الحديث السادس عشر وبلفظ: ((إنه ينادي منادٍ يوم القيامة: من له على الله أجر فليقم...))الحديث، وله شاهد أورده العلامة الزمخشري في الكشاف 1/443 بلفظ: ((ينادي مناد يوم القيامة: أين الذين كانت أجورهم على الله فلا يقوم إلا من عفا)).
(2) في (ب): من.
(3) تعالى، زيادة في (ب).
(4) والسعة، زيادة في (ب).
(5) انظر الكشاف 3/226.

وجوابه؛ هو أن القربة إنما تكون بفعل الإنسان خاصة ليصح أن يقصد بها وجه الله تعالى، وأما الحسنة فقد تكون جزاء على فعله، وقد تكون الحسنة تفضلاً من جهة الله تعالى كما قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}[الأنعام:160] والذي بالاستحقاق ليس إلا جزء واحد، وما عداه فضل، فلهذا(1) سمى أمير المؤمنين العفو من جهته قربة لما كان الألم واصلاً إليه، وسمى عفوهم حسنة لما كان المستحق على الألم واصلاً إليهم من جهة الشرع إشارة إلى هذه التفرقة.
(والله ما فجأن‍ي من الموت وارد كرهته): فجئه الأمر فجأه فُجَاءة بكسر العين وفتحها، وغرضه هو الوارد الذي يأتي من غير شعور به، والمعنى فيه ما ورد عليَّ الموت وأنا أكرهه.
(ولا طالع أنكرته): الطالع هو: الذي يأتي القوم ويطلع عليهم، وفي الحديث: ((لا يهيدنكم الطالع المصعد))(2) وهو الفجر الكاذب، أي لا يمنعكم عن السحور، وأراد ولا جاءني الموت وأنا منكر له .
(وما كنت): بالإضافة إلى حالة الموت.
__________
(1) في (ب): ولهذا.
(2) أورده ابن الأثير في النهاية 5/286 من حديث بلفظ: ((كلوا واشربوا، ولا يهيدنكم الطالع المصعد))، وقال في شرحه: أي لا تنزعجوا للفجر المستطيل فتمتنعوا به عن السحور، فإنه الصبح الكاذب، وأصل الهيد: الحركة، وقد هدت الشيء أهيده هيداً إذا حركته وأزعجته. انتهى.
والحديث أورده في موسوعة أطراف الحديث النبوي 6/464، وعزاه إلى سنن أبي داود(2348)، وسنن الترمذي (705)، والمعجم الكبير للطبراني8/404، وإتحاف السادة المتقين6/452 إلى غيرها من المصادر.

(إلا كقارب ورد): القارب هو: الذي لم يبق بينه وبين الماء إلا ليلة واحدة، وقيل: هو(1) الذي يطلب الماء ليلاً دون من يطلبه نهاراً، وأراد ما أنا فيه إلا كطالب الماء ورده، ووجد بغيته.
(وطالب): لما يطلبه من الأمور.
(وجد): مطلوبه، وغرضه من هذا كله تشوقه إليه ومحبته للقائه، ثم تلا هذه الآية: ({وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ})[آل عمران:198]: يشير إلى أن ما عند الله خيرمما(2) في الدنيا بأسرها، ولقد طابق بهذه الآية المجر، وأصاب بها المفصل.

(24) ومن وصية له عليه السلام بما يعمل في أمواله كتبها بعد منصرفه من صفين(3)
__________
(1) في (ب): وقيل: القارب الذي...إلخ.
(2) في (ب): خير من الدنيا.
(3) حاشية في (ب) لفظها: وقد مضى بعض هذا الكلام فيما تقدم من الخطب إلا أن فيه هاهنا زيادة فأوجبت تكراره. انتهى.

(هذا ما أمر به(1) عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين): اعلم أن هذا اللقب أعني لقب أمير المؤمنين لا يصدق على أحد كصدقه عليه، لما خصه الله به من الفضائل الباهرة، وإحراز صفات(2) الإمامة على أكمل حد، ولهذا فإن الرسول عليه السلام أمر الصحابة رضي الله عنهم بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين(3)، وما ذاك إلا لاستحقاقه لها وخلافته بها.
(في ماله): فيما يملك التصرف فيه من الأموال كلها.
(ابتغاء وجه الله): أي من أجل التقرب إلى الله وطلب ما عنده من مذخور الأجر ومزيد الثواب.
(ليولجن‍ي الله به الجنة): أي يدخلني فيها من أولجه في كذا إذا أدخله فيه.
(ويعطين‍ي به الأمنية(4)): الأمنية: أفعولة من قولهم: تمنى كذا إذا أراد وصوله إليها، وغرضه أن يعطيه الله تعالى ما تمناه من رضاه، وإحراز ثوابه وأجره.
__________
(1) به، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.
(2) في (ب): صفة.
(3) حديث أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة بالتسليم على الإمام علي عليه السلام بإمرة المؤمنين أخرجه الحافظ ابن عساكر في ترجمة الإمام علي من تأريخ دمشق2/259-260 برقم (784) بسنده يبلغ به إلى بريدة الأسلمي قال: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نسلم على علي بإمرة المؤمنين ونحن سبعة، وأنا أصغر القوم يومئذ)). وهو بلفظ: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نسلم على علي بن أبي طالب عليه السلام بيا أمير المؤمنين)) أخرجه المرشد بالله في الأمالي الخميسية1/141 بسنده يبلغ به إلى بريدة أيضاً.
(4) في شرح النهج: ليولجه به الجنة ويعطيه به الأَمَنَة

ويحكى أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه وقف عامة أمواله بينبع وغيرها، وقال: (ليولجه الله الجنة، ويصرف وجهه عن النار في سبيل الله وذوي الرحم القريب والبعيد)(1).
__________
(1) خبر وقف أمير المؤمنين علي عليه السلام لماله في ينبع وغيرها أخرجه الإمام الأعظم زيد بن علي عليهما السلام في المجموع الحديثي والفقهي ص253 برقم(597) بسنده عن أبيه، عن جده، عن علي “ أنه كتب في صدقته: (هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب وقضى به في ماله إني تصدقت بينبع ووادي القرى والأذينة وراعة في سبيل الله ووجهه، أبتغي بها مرضاة الله، ينفق منها في كل نفقة في سبيل الله ووجهه في الحرب والسلم والجنود وذوي الرحم والقريب والبعيد، لا تباع ولا توهب ولا تورث، حياً أنا أو ميتاً أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، لا أبتغي إلا الله تعالى، فإن يقبلها وهو يرثها وهو خير الوارثين، فذلك الذي قضيت فيها فيما بيني وبين الله عز وجل الغد منذ قدمت مسكن واجبة بتلة حياً أنا أو ميتاً، ليولجني الله عز وجل بذلك الجنة، ويصرفني عن النار، ويصرف النار عن وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وقضيت أن رباحاً وأبا نيزر وجبيراً إن حدث بي حدث محررون لوجه الله عز وجل ولا سبيل عليهم، وقضيت أن ذلك إلى الأكبر فالأكبر من ولد علي المرضيين هديهم وأمانتهم وصلاحهم، والحمد لله رب العالمين).
…وانظر أنوار التمام في تتمة الاعتصام 4/222-226، ومناقب الحافظ محمد بن سليمان الكوفي رحمه الله 2/80-83 الرقم (566،567،568).

وعن فاطمة عليها السلام أنها وقفت مالها على نساء رسول الله، وعلى فقراء بني هاشم وبني المطلب(1).
وعن عمر أنه وقف ماله للسائل والمحروم ولذوي القربى والضيف وفي سبيل الله وابن السبيل(2).
(وإنه يقوم بذلك الحسن بن علي): يصرفه في وجهه ويقوم على عمارته.
(يأكل منه بالمعروف): من غير إسراف ولا تقتير.
(وينفق منه بالمعروف): من غير تبذير ولا منع لحق فيه.
(فإن حدث بحسن حدث): هجم عليه الموت، وانقطع عن الدنيا.
(وحسين حي، قام بالأمر بعده): في هذه الوقوفات.
(وأصدر(3) مصدره): فعل ما كان أخوه يفعل لو كان حياً، يقال: فلان يصدر الأمور في مصادرها إذا كان يأتي بها على أوجهها .
(وإن لابن‍ي فاطمة): يعني الحسن والحسبن.
(من صدقة علي): يريد هذه الوقوف التي جعلهاصدقة لوجه الله تعالى.
__________
(1) قال في أنوار التمام 4/223 ما لفظه: وأخرج -أي البيهقي- من طريق عبد الله بن حسن، عن غير واحد من أهل بيته، وأحسبه قال زيد بن علي: أن فاطمة بنت رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم تصدقت بمالها على بني هاشم وبني المطلب، وأدخل معهم غيرهم.
(2) قال في المصدر السابق 4/227 ما لفظه: وفي رواية للبخاري عن ابن عمر قال: أصاب عمر بخيبر أرضاً فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منه فكيف تأمرني به، فقال: ((إن شئت حبست أصلها وتصدقت))، فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث في الفقراء أو القربى والرقاب وفي سبيل الله والضعيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل بالمعروف، أو يطعم صديقاً غير متمول فيه.
(3) في (ب) وشرح النهج: وأصدره.

(مثل الذي لبن‍ي علي):أراد أن يكون لهما على انفرادهما من هذه الصدقة مثل الذي يستحقه الكل من أولاده، وعلى هذه تكون أصولها موقوفة وغلتها تقسم نصفين، فنصف يكون للحسنين، ونصف يكون مقسوماً على كل أولاده على الرؤوس بعد ذلك.
(و(1)إنما جعلت القيام بذلك [إلى ابن‍ي فاطمة](2)): حفظه وصرفه في مصرفه، والتولي لأحواله، وأعطيتهماأيضاً هذا القسم الذي ذكرت.
(ابتغاء وجه الله):طلباً لثوابه.
(وقربة إلى رسول الله [صلى الله عليه وآله](3)): وصلة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث كانا ولديه ابني بنته، وفي الحديث: ((لكل نبي ذرية، وذريتي من صلبك يا علي))(4).
(وتكريماً لحرمته): أراد إما تكريماً لبنته حيث كانت تحتي، وإما أن يريد تكريماً لما جعل الله له من الحرمة والجلالة والأبهة بالنبوة.
(وتشريفاً لوصلته): وإكراماً للوصلة التي بيني وبينه بالنسب القريب الملاصق، وبما كان من المصاهرة.
__________
(1) في شرح النهج: وإني إنما ...إلخ.
(2) زيادة في (ب) وشرح النهج.
(3) زيادة في شرح النهج.
(4) الحديث بلفظ: ((إن الله عز وجل جعل ذرية كل نبي من صلبه، وإن الله عز وجل جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب)) أخرجه الإمام المرشد بالله في الأمالي الخميسية1/152 بسنده عن جابر، وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 3/148 إلى المعجم الكبير للطبراني3/35، وتأريخ بغداد للخطيب البغدادي1/317، وجمع الجوامع للسيوطي4772، وكنز العمال برقم (32892) وأمالي المرشد بالله الخميسية1/152، وعزاه أيضاً إلى غيرها من المصادر، وأخرجه الفقيه ابن المغازلي في المناقب ص50 برقم(72) بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري أيضاً مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه.

(وأشترط علي الذي جعلته إليه(1)): بتولي إنفاقه وإخراجه وهو الحسن بن علي وبعده الحسين كما ذكره.
(أن يترك المال على أصوله): من غير تفريط في بيع شيء منه أوإعطاء بعضه مزارعة أو مغارسة أو مساقاة أو غير ذلك من عقودالمعاوضة الموجبة لا نتقال أصله عن كونه موقوفاً.
(وينفق من ثمره(2) حيث أمر به): يصرفها في مصارفها ولا سبيل له إلى الأصل بحالة من الحالات.
(فهذا له): الإشارة بقوله: هذا إلى النفقة التي ذكر، وصرفه في المصارف التي عينها.
(وألاَّ يبيع من نخيل هذه القرى وديَّة): الوديَّة هي: الواحدة من صغار النخل، وجمعها ودي من باب ثمرة وثمر، وأراد أنه لا يباع من ثمر نخيل هذه القرى؛ لأن الأراضي كلها موقوفة، فلا بد من حمله على ما ذكرناه كيما يصح ويستقيم.
(حتى تُشْكِلَ أرضها غراساً): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد به أن الأرض يكثر فيها غراس النخل حتى يراها الناظر على غير(3) تلك الصفة التي عرفها فيشكل عليه أمرها ويحسبها غيرها.
وثانيهما: أن يكون غرضه حتى تطيب، قال الكسائي: يقال: أشكل النخل إذا طاب رطبه وأدرك، وغرضه أنه لا يباع حتى يكون يانعاً طيباً.
(ومن كان من إمائي اللاتي أطوف عليهن): كنى بالطواف ها هنا عن الوطئ وهو من غريب الكناية وبديعها، كما كنى الله تعالى(4) عن ذلك بالملامسة حيث قال: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ}[النساء:43].
(لها ولد أوهي حامل): قد بان أثر حملها.
__________
(1) في شرح النهج: ويشترط على الذي يجعله إليه.
(2) في (ب): من ثمرته.
(3) في (ب): على خلاف تلك الصفة.
(4) تعالى، زيادة في (ب).

واعلم: أن الذي عليه أكابر أهل البيت وجماهيرالعلماء أن من استولد جارية فولدت ولداً تاماً أو ما يظهر فيه أثر الخلقة فإنها تعتق بموته، ولا يجوز بيعها قبل الموت، وهذا هو رأي أمير المؤمنين أولاً ورأي جلة الصحابة، ثم حكي عنه بعد ذلك جواز بيعها في حال حياة السيد وهو رأي بعض ولده، وقول قديم للشافعي، فهذا هو المذكور عن العلماء في الخلاف فيها، وظاهر كلامه ها هنا يخالف هذه الأقاويل؛ لأنه قال: إن كان لها ولد أوهي حامل ثم مات السيد عنها.
(فتمسك على ولدها وهي حظه(1)): فظاهر هذا يقضي بأنها تمسك عن البيع ويأخذها من حظه من ميراث أبيه.
(فإن مات ولدها وهي حية): أراد تأخر موتها عن موت ابنها.
(فهي عتيقة): لا سبيل لأحد إلى ملكها.
(فقد(2) أفرج عنها الرق): زال وذهب بموته، من قولهم: فرجت عنه كربة إذا أزلتها عنه.
(وحررها العتق): قضى بحريتها العتق، وظاهر هذه المقالة يخالف آراء العلماء من أهل البيت، وغيرهم من أوجه ثلاثة:
أما أولاً: فلأنه جوز بيعها في حال حياة سيدها.
وأما ثانياً: فلأنه قال: تمسك على ولدها بعد موت سيدها، وهي حظه(3) من الميراث.
وأما ثالثاً: فلأنه قال: إذا مات ولدها فهي حرة، وظاهر كلامه أنه إذا لم يمت فهي باقية تحت الرق، وهو أمة وحده، لا يقول إلا عن دلالة، ولا يحكم إلا عن بصيرة، وهو رأس المجتهدين وإمامهم.

(25) ومن وصية له عليه السلام كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات
وإنما ذكرنا منها جملاً ليُعلم بها أنه عليه السلام كان يقيم عماد الحق ويشرع أمثلة العدل في صغير الأمور وكبيرها، ودقيقها وجليلها:
__________
(1) في (ب) وفي شرح النهج: وهي من حظه.
(2) في (ب) وفي شرح النهج: قد.
(3) في (ب): وهي من حظه.

(انطلق): فيما أمرتك به من أخذ حقوق الله الواجبة على خلقه، وقبضها منهم.
(على تقوى الله): مراقبته في الأمور كلها.
(وحده لا شريك له): لا يخطر ببالك مراقبة غيره ولا مشاركة سواه له في الأمر والملك والإلهية.
(ولا تروِّعنَّ مسلماً): تفجعه بورودك عليه، والروع: الفزع، وفي الحديث: ((وَدَى أمير المؤمنين للقوم الذين قتلهم خالد جميع ما فات عليهم، حتى مِيلَغَة الكلب وعلبة الحالب(1)، ثم أعطاهم بروعة الخيل))(2) أي بإفزاعها لنسائهم وصبيانهم ما يجبر ذلك من المال.
(ولا تجتازنَّ عليه(3) كارهاً): جاز البيت إذا دخله، وأراد أنك لا تدخل عليه ماله وضيعته إلا بأذنه.
(ولا تأخذن منه أكثر من حق الله): لأن ذلك يكون ظلماً وعدواناً.
(في ماله): أي وخذ مقدار ما فرضه الله عليه في ماله من غير زيادة فتكون ظالماً، أو نقصان فتكون خائناً لإمامك ولله في نقصان حقه.
(فإذا قدمت على الحي): على القبيلة من قبائل العرب وأحيائها.
(فأنزل بمائهم): حيث يسقون وحيث تكون المواشي مجتمعة.
(ولا تخالط أبياتهم(4)): لغير حاجة، وربما شق عليهم ذلك لما فيه من الاحتراس والانزواء.
(ثم امض إليهم بالسكينة والوقار): من غير انزعاج ولا فشل في حالك وطريقتك؛ لأن ذلك يكون أقرب إلى تقرير خواطرهم، وتسكين نفوسهم.
__________
(1) المِيلَغ والمِيلغة بكسر الميم: الإناء يلغ فيه الكلب في الدم، وعلبة الحالب بالضم: قدح ضخم من جلود الإبل أو من خشب يحلب فيها. (انظر القاموس المحيط ص1020،151).
(2) نهاية ابن الأثير 2/277، 5/226، وانظر الخبر في سيرة ابن هشام4/47-48، تحقيق عمر محمد عبد الخالق.
(3) في (ب): عليهم.
(4) في شرح النهج: من غير أن تخالط أبياتهم.

(حتى تقوم بينهم): متمكناً من خطابهم مقبلاً بوجهك إليهم.
(فتسلم عليهم): تفاتحهم أولاً بالتحية، وتسرهم بها، وفي الحديث: ((السلام قبل الكلام))(1).
(ولا تخدج التحية): أي لا تنقص التحية(2)، [وأكملها لهم](3) من قولهم: أخدجت السحابة إذا قل مطرها، وأخدجت الشاة إذا ولدت لغير تمام، وفي الحديث: ((كل صلاة لا تقرأ فيها الفاتحة(4) فهي خداج))(5) أي ناقصة التمام.
(ثم تقول: عباد الله): بالملاطفة والقول اللين السهل.
(أرسلن‍ي إليكم ولي الله وخليفته): المتولي عليكم بأمر الله، والمستخلف عليكم من جهته، من صلاح أحوالكم وانتظام أموركم.
(لآخذ منكم حق الله في أموالكم): الذي فرضه الله وقدره في أموالكم، كما جاء ذلك في كتابه وعلى لسان رسوله.
(فهل لله من حق(6)): فأخبروني هل عندكم من ذلك شيء.
__________
(1) أورده في موسوعة أطراف الحديث 5/279 وعزاه إلى سنن الترمذي (1969) ومشكاة المصابيح للتبريزي برقم (4653)، وتلخيص الحبير لابن حجر4/95، والدر المنثور للسيوطي 5/39، وكشف الخفاء 1/550 إلى غيرها أيضاً.
(2) في (ب): أي لا تنقصها.
(3) ما بين المعقوفين سقط من (ب).
(4) في (ب): بفاتحة الكتاب.
(5) رواه الإمام الهادي عليه السلام في الأحكام 1/104 بلفظ: ((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)) وأخرجه الإمام أحمد بن عيسى عليه السلام في أماليه، وهو في الاعتصام للإمام القاسم بن محمد عليه السلام 1/367 وعزاه إلى أصول الأحكام، وإلى الشفاء، وأورده في موسوعة أطراف الحديث 6/434 وعزاه إلى مصادر عدة منها مسند أحمد بن حنبل2/478، والسنن الكبرى للبيهقي2/38/167، والدر المنثور للسيوطي1/6، وحلية الأولياء لأبي نعيم10/31.
(6) في شرح النهج: فهل لله في أموالكم من حق.

(فتؤدونه إلى وليه): تؤدونه هو مرفوع على القطع، وكان القياس حذف النون، ونصبه جواباً للإستفهام، ولكنه رفعه على وأنتم تؤدونه، كما قال:
ألم تسأل الرَّبْع القَواء(1) فينطق

فلم يجعل استقرار الحق سبباً للتأدية، ولكنه جعلهم مؤدين بكل حال كما جعل الربع ناطقاً بكل حال.
(فإن قال قائل: لا): يعني أنه لا حقاً عندنا لله في أموالنا.
(فلا تراجعه): إذ لا سبيل إلى توجه الحق عليه إلا بإقراره أن له مالاً، إذ لا وجه لإقامة بينه من جهة المصدق على ذلك، وكيف يقيم المصدق بيَّنة لغير مدعي، فلهذا قال: لا(2) تراجعه إذا أنكر، يشير إلى ما ذكرناه.
(وإن أنعم منعم لك): أي قال لك: نعم عندي حقوق لله.
(فانطلق معه): لقبضه لما أقر به ولزمه فرضه.
(من غير أن تخيفه(3)): بظلم من جهتك له بالزيادة.
(أو توعده): على ما ليس حقاً لك عنده.
(أو تعسفه): عسف الطريق واعتسفها إذا خبط فيها على غير صواب، وأراد الطلب له فيما لا يتوجه عليه ولا يلزمه لله.
(أو ترهقه): إما تظلمه وإما تكلفه أمراً عسيراً.
(فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة): إذا كان ماله ذلك بعد أن تعرّفه ما يتوجه عليه في ذلك المال كيلا يزيد جهلاً بالحق المفروض من جهةالله تعالى، فربع العشر يكون في أموال التجارة عند حلولها حولاً كاملاً، وفي الركاز الخمس، ولا زكاة في هذه الأموال الناضَّة(4) حتى تبلغ الفضة مائتي درهم قفلة، والذهب عشرون مثقالاً إلى غير ذلك من الأحكام التي لابد من معرفتها.
(وإن كانت له ماشية): بقراً أو غنماً.
__________
(1) الرَّبْع: الدار بعينها، والقَواء: الخالية، من أقوت الدار إذا خلت.
(2) في (ب): فلا تراجعه.
(3) في نسخة أخرى: تحفيه.
(4) الأموال الناضة: هي الذهب والفضة.

(أو إبل): فإطلاق الماشية على هذه الأنواع الثلاثة.
(فلا تدخلها): للعدِّ والدرية بحالها وحال ما يؤخذ منها.
(إلا بإذنه): عن رضًا منه واستئمار.
(فإن أكثرها له): تعليل للمنع من الدخول، وأراد إن لك شيئاً حقيراً فيها، والأمر كله فيها إليه.
(فإذا أتيتها): طالباً للحق وقابضاً له منه.
(فلا تدخلها(1) دخول متسلط عليه): قاهر له، والسلطنة: القهر.
(ولا عنيف به): العنف: ضد الرفق، وأراد أنه لا رحمة له عندك.
(ولا تنفرن بهيمة): تزعجها عن(2) مكانها فشلاً وجزعاً من دخولك.
(ولا تفزعنَّها): بما يكون منه من الخشونة وشكس التصرف.
(ولا تسوءن صاحبها):تدخل عليه غماً وضيقاً في ماله بالتنفير، والتشديد وتغيير الحالة التي هو عليها.
(فيها): أي من أجلها وبسببها.
(واصدع المال صدعين): أي أقسمه نصفين.
(ثم خيِّره): أن يختار أحدهما فلا يعترض ولا يؤخذ الحق منه.
(فإذا اختار): أحدهما.
(فلا تعترض(3) لما اختار): ولا تأخذ منه شيئاً من حق الله.
(ثم اصدع الباقي صدعين): أي اقسم النصف الثاني نصفين.
(ثم خيِّره): أحدهما.
(فإذا اختار): واحداً منهما.
(فلا تعترض لما اختار(4)): فتأخذ حق الله منه.
(فلا تزال بذلك(5)): عاملاً بما قلت لك من تقسيم المال وصدعه قسمين قسمين.
(حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله): من المال على قدر ما تراه من الحساب، ويعرفه المالك للمال(6).
(في ماله): على حد قلته وكثرته.
(فاقبض حق الله منه): الذي يعطيه من ماله وتخبره بما يتوجه عليه فيه.
__________
(1) في شرح النهج: فلا تدخل عليها.
(2) في (ب): من.
(3) في شرح النهج: فلا تعرضن لما اختاره
(4) في شرح النهج: فلا تعرضن لما اختاره.
(5) في (ب) وفي شرح النهج: كذلك.
(6) في (ب): المال.

(فإذا استقالك):فيما تأخذه منه، وقال لك: أعد القسمة.
(فأقله): أعد له القسمة إذا طلبها.
(ثم اخلطها): أراد اخلط الزكاة التي كانت معه بماله كما كانت من قبل.
(ثم اصنع مثل الذي صنعت أولاً): من صدع المال وقسمه وتخييره، حتى ترضى نفسه وتطيب، وافعل ذلك وكرره.
(حتى تأخذ حق الله في ماله): عن رضىً منه، وطيبة خاطر من جهته.
(ولا تأخذن عَوْداً): العَوْدُ هو: الجمل المسن الذي قد أعيا، وهو الذي قد جاوز سنه البازل(1)، وفي بعض النسخ: (ولا تأخدن عوراء): وهو فاسد، فإن قوله: ولا ذات عوار يغني عنه فلا وجه لذلك.
(ولا هرمة):الكبيرة السن.
(ولا مكسورة): قد كسرت إحدى قوائمها.
(ولا مهلوسة): وهي التي قد هلسها المرض وأذهب لحمها، والهلاس هو: السل من الأدواء والعاهات.
(ولا ذات عوار): في عين ولا طرف، ولا ما يكون مُشَوِّهاً لها، وإذا أخذتها وصارت في كفك وقبضتك.
(فلا(2) تأمنن عليها إلا من تثق بدينه): أراد فلا تولي حالها في سقي ولا مرعى إلا من يكون موثوقاً بدينه، وخوفه لله تعالى.
(رافقاً بأموال المسلمين): كثير الرفق وعظيم الشفقة، والتعطف على ما كان متعلقاً بالمسلمين، ثم اجتهد في حفظه ورعايته.
(حتى يوصّله إلى وليهم): وهو الإمام والمتولي عليهم.
(فيقسمه بينهم): على ما فرضه(3) الله تعالى وقدره، فما كان من أموال المصالح فمصرفه ما كان مصلحة في الدين، وما كان من غيرها فمصرفه الفقراء على حد ما يراه الإمام ويقتضيه رأيه ويوجبه اجتهاده.
(ولا توكِّل بها): في سوقها وحفظها.
(إلا ناصحاً): لله وللإمام ولك.
__________
(1) البازل: هو الجمل أو الناقة الذي في تاسع سنيّه. (انظر القاموس المحيط ص1248).
(2) في (ب) وشرح النهج: ولا.
(3) في (ب): ما فرض.

(شفيقاً): رحيماً لها في جوعها وعطشها، وسيرها ومواضع مراحاتها.
(وأميناً): عليها فلا يخون في شيء منها.
(حفيظاً): محافظاً على مصالحها، وتفقد أحوالها ,
(غير معنِّف): العنف: نقيض الرفق، وأراد غير آخذ لها بالجُرْز(1).
(ولا مجحف): بأحوالها أي ذاهب بما يقيمها، من قولهم: أجحف به إذا ذهب بصلاح أموره.
(ولا ملغب): الإلغاب هو: الإتعاب والإعياء، كما قال تعالى(2): {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ}[ق:38].
(ولا متعب): التعب هو: المشقة العظيمة.
(ثم احدر إلينا ما اجتمع عندك): أرسل إلينا، ومنه الانحدار وهو الانصباب إلى أسفل، وإنما قال: احدر مبالغة في سرعة الإرسال والإعطاء تشبيها بمن ينحدر في سيره إذا كان مسرعاً.
(نصيَّره حيث أمر الله به): أن نصيره فيه ونقضه في أهله وأهل استحقاقه من جهاد وفقراء ومصالح وغير ذلك مما قد فرضه الله، وعينه وقدره وأحكمه.
(فإذا أخذها أمينك): أعطيتها من تستأمنه فيها.
(فأوعز إليه): أي قدم إليه الحديث في الوصية:
(ألاَّ يحول بين ناقة وفصيلها): أراد إما بأن يأخذ من رب المال الناقة ويترك فصيلها، فنهاه عن ذلك ولكن يأخذ الناقة عن الفرض، ويأخذ الولد بالقيمة يدفعها له، وإما أن يريد إذا صارا(3) زكاة من جهة رب المال فلا يفصل بينهما لغرض من الأغراض ومقصد من المقاصد.
(ولا يَمْصُرْ لبنها): يستوعب جميع ما في ضرعها من اللبن.
(فيضر ذلك بولدها): لأنه هو قوته وبلغته.
(ولا يجهدها(4) ركوباً): أي لا يتعبها بالركوب، وانتصاب ركوباً إنما هو على التمييز .
__________
(1) الجُرز بالضم: عمود من حديد. (القاموس المحيط ص649).
(2) تعالى، زيادة في (ب).
(3) في (ب): صارت.
(4) في شرح النهج: ولا يجهدنها، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).

(وليعدل بين صواحبها(1) في ذلك وبينها): أراد أن الركوب لايكون مختصاً بها وحدها، وليجعل الركوب مناوبة بالقسط والعدل.
(وليرفه على اللاغب): على الذي لغب وأعيا، وأراد باللاغب أي الجمل اللاغب، ويحتمل أن يكون أراد الناقة، وإنما طرح التاء لأنه في معنى النسب كما قالوا: جمل ضامر وناقة ضامر أي ذات ضمور .
(وليستأن بالنقب): من الأناة والتوقف بالنقب وهو: الذي رقت أخفافه من السير، أو أصابه نقب في خفه وظلفه، فلا يستطيع السير.
(والظالع): وهو الذي يعرج من أحد قوائمه.
(وليوردها ما تمر به من الغُدُر): كي تشرب فيها ولا يقطعها العطش.
(ولا يعدل بها(2) عن نبت الأرض إلى جواد الطريق): وأراد أن من جملة الرعاية لأحوالها هو أنه لا يعدل بها عن المراعي الحسنة في السهول والأوطان إلى جواد الطريق، وهي أوسطها، حيث لا كلاء ولا شجر، ولكن يجنبها عن الجواد كيما تستريح بالأكل للشجر.
(وليروحها في الساعات): يريح عليها في ساعة بعد ساعة، ووقتاً بعد وقت.
(ليمهلها(3) عند النطاف والأعشاب): النطاف هو: الماء القليل، والأعشاب: جمع عشب، وهو: كثرة الشجر والتفافه، وغرضه أن يتوقف بها للأكل والشرب حتى تعطى أغراضها.
(حتى تأتينا بإذن الله): بأمره وعلمه.
(بُدَّناً): سماناً.
(منقيات): ذوات نِقْى أي دهن، والنقى هو: مخ العظم.
(غير متعبات): قد أعياهن التعب والإقصاء.
(ولا مجهودات): قد أصابهن الجهد.
__________
(1) في شرح النهج: صواحباتها، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(2) بها، سقط من (ب).
(3) في (ب) وشرح النهج: وليمهلها.

(لنقسمها على كتاب الله وسنة نبيه [صلى الله عليه وآله] (1)): أراد نقضها بين المسلمين على ما حكم الله به في كتابه، وعلى ما كان مأ ثوراً في سنة الرسول.
(فإن ذلك): جميع ما ذكرته لك من الترفيه والرفق في حالها.
(أعظم لأجرك): أكثر وأوفر لثوابك عند الله.
(وأقرب لرشدك): لأن تكون راشداً مصيباً للحق، فإذا كانت هذه حاله بالإضافة إلى البهائم ومن لا عقل له، فكيف حاله بالإضافة إلى علماء الأمة وأعيان الأئمة، وأهل الفاقة والمسكنة يكون لا محالة رفقه أعظم، ورحمته أكمل وأتم.
وفي الحديث: ((ما من نبي إلا وقد رعى)).
قالوا: وأنت يارسول الله.
قال: ((وأنا))(2).
وعن هذا قال العلماء: وجه الحكمة في ذلك هوأن الله تعالى يختبرأحوالهم ورحمتهم بالبهائم، فإن علم من حالهم الرفق بها، والحنو عليها فهم لا محالة للخلق أرحم، فلهذا تنباهم بعد ذلك، وأرسلهم إلى الخلق، ولأمر ما يسود من يسود.

(26) ومن عهد له عليه السلام لأهل الخراج(3)
(آمُرُهُ بتقوى الله في سرائر أمره): أن يكون متقياً لله في السرائر الحاصلة في القلوب.
__________
(1) زيادة في شرح النهج.
(2) أورده ابن هشام في السيرة النبوية1/167 تحقيق مصطفى السقا وآخرين، وورد منه قوله: ((ما من نبي إلا وقد رعى الغنم)) في موسوعة أطراف الحديث 9/299 وعزاه إلى كنز العمال برقم (9242)، والبداية والنهاية لابن كثير 6/324، وقريباً مما أورده المؤلف هنا أخرجه البخاري في صحيحه برقم (2102) كتاب الإجارة بسنده عن أبي هريرة، وابن ماجة في سننه برقم (2140) كتاب التجارات.
(3) في شرح النهج: ومن عهد له عليه السلام إلى بعض عماله، وقد بعثه على الصدقة.

(وخفيات عمله): وفي الأعمال التي تخفى على العباد، ولا يمكنهم الاطلاع عليها فإن المراقبة فيها(1) لله تكون أعظم وأكبر موقعاً عند الله تعالى.
(حيث لا يشهد(2) غيره): لا يشاهدها أحد سواه، ولا يراقبها(3) إلا هو.
(ولا وكيل دونه): أي ولا حفيظ عليه أحد(4) غيره.
(وآمره أن لا يعمل بشيء من طاعة الله فيما ظهر): أراد بذلك النهي عن أن يعمل شيئاً من الطاعة فيما يظهر الناس، ويبدو لهم من ذلك؛ لأنه إذا فعل الطاعة ظاهراً فربما غيَّر ذلك.
(فيخالف إلى غيره فيما أسر): أي أنه يفعل خلاف ما فعل من الطاعة سراً وهو معصية لا محالة، ولكن يفعل الطاعة لوجه الله تعالى من غير التفات إلى ظهور للناس بشيء من ذلك، فيؤدي إلىالمحذور الذي ذكره.
(ومن لم يختلف سره وعلانيته): ما يظهر من أفعاله وما يبطنها.
(وفعله ومقالته): وقوله وفعله.
(فقد أدى الأمانة): وهو التكليف الذي ائتمنه الله تعالى عليه، والواجبات التي أوجبها عليه.
(وأخلص العبادة): أدَّاها خالصة لوجه الله تعالى؛ لأن من لم يختلف حاله في الظهور والإسرار والأقوال والأفعال فهذا هو المخلص حقيقة.
اللَّهُمَّ، إنا نعوذبك من مخالفة القول للفعل، والسر للعلانية.
(وآمره ألا يجبههم): أي يستقبلهم بما يكرهونه من الكلام، والضمير للمولى عليهم.
(ولا يعضههم): عضهه إذا رماه بالبهتان وقول الأثم.
(ولا يرغب عنهم): أي لا يكون زاهداً فيهم.
(تفضلاً بالإمارة): أي من أجل تفضله بكونه أميراً، فإن مثل هذا يكون زيادة في التواضع لهم، كما قال تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}[الحجر:88].
__________
(1) فيها، سقط من (ب).
(2) في شرح النهج: حيث لا شاهد غيره.
(3) في (ب): ولا يراه فيها إلإهو.
(4) في (ب): أحداً.

(فإنهم الأخوان في الدين): إشارة إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[الحجرات:10] أي أن هذه الأخوة ما حصلت إلا من أجل الدين.
(والأعوان على استخراج الحقوق): ممن كتمها، وأراد خلاف الحق فيها.
(وإن لك في هذه الصدقة): يخاطب به المصدق والمتولي لجباية الأموال .
(نصيباً مفروضاً، وحقاً معلوماً): فرضه الله تعالى وقدره، فلا يزاد عليه ولا ينقص منه.
(وشركاء): أي ولك شركاء فيها.
(أهل مسكنة): أي هم أهل مسكنة، ضعف في أحوالهم.
(وضعفاء): أي وهم ضعفاء.
(ذوي فاقة): الفاقة: الفقر.
(وإنا موفوك حقك): معطوك نصيبك لا نقصان عليك فيه.
(فوفهم حقهم(1)): أعطهم نصيبهم موفراً.
(وإلا(2) فإنك من أكثر الناس خصوماً يوم القيامة): أي وإلاَّ تفعل ماأمرتك به من ذلك من التوفير والإيفاء فإن خصومك لامحالة يكونون كثيراً يوم القيامة.
(وبؤساً(3)): بئس الرجل بؤساً إذا اشتدت حاجته، وعظم فقره، وانتصابه علىالمصدرية، وفعله مضمر لايظهر.
(لمن خَصْمُهُ عند الله الفقراء): أهل الفاقة.
(والمساكين): الضعيفة أحوالهم.
(والسائلون): كثيروا المسألة من أجل فقرهم.
(والمدفوعون): وهم الفقراء؛ لأن كل أحد يدفعهم عن نفسه من أجل إلحاحهم(4).
(والغارم(5)): وهو: الذي لحقه الدين من أجل خاصة نفسه، أو من أجل مصلحة فعلها في الدين.
(وابن السبيل): المنقطع في السفر، وإن كان موسراً في بلده.
(ومن استهان بالأمانة): خف موقعها في نفسه ولم يلتفت إليها.
__________
(1) في (ب) وشرح النهج: حقوقهم.
(2) في شرح النهج: وإلا تفعل فإنك ...إلخ.
(3) في شرح النهج: وبؤسى.
(4) في (ب) ونسخة أخرى: إيحاجهم.
(5) في شرح النهج: والغارمون.

(ورتع في الخيانة): تمكن فيها واستحكم أمره في أخذها، ورتعت الماشية إذا أكلت ما شاءت، ويقال: خرجنا نرتع ونلعب أي نلهو وننعم.
(ولم ينزِّه): يبعِّد عنها:
(نفسه ودينه): والتنزُّه: التباعد عمَّا يسوء ويسقط النفوس، قال الهذلي:
أقبَّ طريد بنزه الفلا

ة لا يرد الماء إلا ائتيابا(1)

ونزه الفلاة: ما تباعد عن المياة.
(فقد أحل بنفسه(2) في الدنيا الذل والخزي): حلَّ به كذا إذا أصابه وخالطه، وأراد أن من حاله هكذا فقد أصابه الخزي وهو المذلة في الدنيا.
(وهو في الآخرة أذل وأخزى): أحقر وأدنئ؛ لأن ما كان في الدنيا من الخزي والعذاب والهوان فإنه لا نسبة له إلى ما يستحق في الآخرة.
(وإن أعظم الخيانة): عند الله.
(خيانة الأمة): خانه يخونه خوناً وخيانة ومخانة إذا لم يَفِ له، قال تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ}[البقرة:187].
(وأعظم(3) الغش): حالة عند الله.
(غش الأئمة): والغش: خلاف النصح، وفي الحديث: ((ليس منَّا من غشَّ))(4)
__________
(1) البيت في لسان العرب 3/620 وهو فيه من بيتين، نسبهما لأسامة بن حبيب الهذلي وهما:
كأسحم فرد على حافة

يشرِّد عن كتفيه الذبابا

أقبّ رباع بنزه الفلا

ة لا يرد الماء إلا ائتيابا

(2) في (ب): نفسه، وقوله: الذل سقط منها، والعبارة في شرح النهج: فقد أحل بنفسه الذل والخزي في الدنيا.
(3) في شرح النهج: وأفظع الغش.
(4) رواه الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الاعتصام 2/28 عن الجامع الصغير للسيوطي، وقال: قال -أي السيوطي- رواه أحمد في مسنده، وأبو داود، وابن ماجة، والحاكم.

قلت: وهو في السنن الكبرى للبيهقي 5/320، والمعجم الكبير للطبراني22/198، والترغيب والترهيب للمنذري2/359، وانظر موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف6/867.

، وقوله: خيانة الأمة، وغش الأئمة، مصدران مضافان إلى مفعولهما، والفاعل فيهما محذوف وتقديره(1) خيانة الأمة وغش الأئمة غيرهم.

(27) ومن عهد له عليه السلام كتبه لمحمد بن أبي بكر [رضي الله عنه](2) حين قلَّده مصر
(فاخفض لهم جناحك): هذه كناية حسنة دالة على الأمر بالتواضع، وأخذها من خفض الطائر جناحه إذا دنا للوقوع.
(وألن لهم جانبك): لين الجانب كناية عن البشاشة وحسن المودة.
(وابسط لهم وجهك): المراد ببسط الوجه لين العريكة، وسعة الخلق.
(وآس بينهم في اللحظة والنظرة): أراد أنهم يكونون بالإضافة إلى إنصافك على جهة الاستواء، لا تفضيل لأحد منهم على أحد، فيكونون(3) أسوة في ذلك.
(حتى لا يطمع العظماء في حيفك): الحيف: الميل.
(ولا ييأس الضعفاء عن(4) عدلك): العدل: الاستقامة على الحق، وأراد أنك إذا فعلت ما ذكرته من المؤاساة بينهم كان أقرب إلى بطلان طمع أهل العظمة والتكبر في أن تحيف وتميل عن الحق، وأبعد عن إياس أهل الفاقة والمسكنة عن عدلك واستقامتك على الحق.
(وإن(5) الله يسائلكم(6) معشر عباده): يباحثكم ويناقشكم.
(عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة): عما يكون صغيراً مكفراً، وعما يكون كبيراً(7) محبطاً للثواب مهلكاً.
(والظاهرة): المكشوفة للناس.
(والمستورة): التي لا يعلمها إلا الله تعالى(8).
(فإن يعذب): على أفعالكم وعلى ما أنتم مصرون عليه من الأعمال السيئة.
(فأنتم أظلم): أعظم ظلماً وأكثر إثماً.
__________
(1) في (ب): تقديره بغير واو.
(2) زيادة في شرح النهج.
(3) في (ب): فتكون.
(4) في (ب) وشرح النهج: من.
(5) في (ب) وشرح النهج: فإن.
(6) في (ب): يسألكم.
(7) كبيراً، سقط من (ب).
(8) تعالى، زيادة في (ب).

(وإن يعف): عما اجترحتموه من الأفعال القبيحة.
(فهو أكرم): من أن يستوفي له(1) حقاً.
(واعلموا عباد الله): علماً لا شك فيه، وتحققاً لا ريب(2) يخالطه.
(أن المتقين): لله تعالى والخائفين له في جميع أ حوالهم.
(ذهبوا بعاجل الدنيا): نعيمها ولذاتها.
(وآجل الآخرة): وما يكون في الآخرة من اللذة والنعمة أيضاً.
(فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم): بما كان بإعطاء الله لهم من راحة النفوس وقرار الخواطر، وتعجيل أرزاقهم الهنية، وطمأنينة أنفسهم إلى ذلك.
(ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم): فيما يستحقون من جهة الله تعالى من الثواب والدرجات العالية بصالح أعمالهم.
(سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت): من قرار الأنفس وطيب الخواطر، وثلج الصدور وراحة الأبدان.
(وأكلوها بأفضل ما أكلت): في مآكلهم ومشاربهم، ومناكحهم وجميع لذاتهم فيها.
(فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون): رجل حظي إذا كان ذا حظوة، ومكانة وشرف ومنزلة واستحقاق لما هو فيه، وأراد أنهم امتازوا فيها بما امتاز به أهل الترف والنعمة من أهل الدنيا.
(وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبرون): من التنعم بلذاتها، والتفكه بغضارتها، وإحراز رونقها.
(ثم انقلبوا عنها): يريد إلى الآخرة.
(بالزاد المبلغ): لهم إلى الجنة.
(والمتجر الرابح): بالفوز برضوان الله تعالى وكريم ثوابه.
(أصابوا لذة): ظفروا بها وأحرزوها.
(زهد الدنيا في دنياهم):أراد الرغبة عن الدنيا، والانقطاع عنها في عاجلتهم المتقدمة.
__________
(1) في (ب): حقاً له.
(2) في (ب): لا ريب فيه يخالطه.

(وأيقنوا أنهم جيران الله)(1): قريبون من رحمته، ولا تعقل المجاورة في حق الله تعالى(2) إلا القرب من الرحمة كما ذكرناه.
(في آخرتهم): في الدار الآخرة.
(لا ترد لهم دعوة): لقربهم إلى الله وعلو درجتهم عنده فلا يخالفهم في تنجيز مراداتهم.
(ولا ينقص لهم نصيب من لذة): جزاء على أعمالهم وتوفيراً عليهم ما يستحقونه.
(فاحذروا عباد الله الموت وقربه): هجومه على غفلة، وقرب نزوله على فجعة.
(وأعدوا له عدته): من الأعمال الصالحة والتوبة النصوح، وحسن الظن بالله تعالى(3)، وفي الحديث: (([لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو محسن للظنِّ بالله، فإنَّ الله يقول](4): أنا حيث ظنَّ عبدي بي، فليظنَّ بي ما شاء))(5).
(فإنه يأتي بأمر عظيم): هول لا أعظم منه، ومصيبة لا أطم منها من استلاب الروح ودخول القبر، وملاقاة أهوال الآخرة
(وخطب جليل): جل الخطب إذا عظم واتسع.
__________
(1) في شرح النهج: جيران الله غداً.
(2) تعالى، سقط من (أ).
(3) تعالى، سقط من (أ).
(4) ما بين المعقوفين سقط من (ب).
(5) الحديث بلفظ: ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)) أورده في موسوعة أطراف الحديث النبوي7/466 وعزاه إلى مسلم (2205) و(2206)، ومسند أحمد بن حنبل1/325،330، 3/293، والبداية والنهاية لابن كثير5/238،234، وحسن الظن لابن أبي الدنيا1،3،4. روى جزءاً منه بلفظ: ((يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)) الإمام الموفق بالله في الاعتبار ص499 برقم (430). (انظر تخريجه فيه)، وبلفظ الموفق بالله رواه العلامة ابن أبي الحديد في شرح النهج10/155.

(بخير لا يكون معه شر أبداً): بخير في موضع البيان، لقوله: يأتي بأمر عظيم، إما على البدلية وإما على عطف البيان، وأراد بالخير لأهل ولاية الله وأهل العمل بطاعته.
(و(1)شر لايكون معه خير أبدا‍ً): لأهل عداوة الله وأهل العمل بمعصيته.
اللَّهُمَّ، اجعلنا من أهل طاعتك والولاية لك يا أكرم مسئول.
(فمن أقرب إلى الجنة من عاملها!): استفهام على جهة التقرير، وغرضه أن أقرب الناس من(2) الجنة هم العاملون لها الأعمال المبرورة والقربات المتقبلة.
(ومن أقرب إلى النار من عاملها!): أراد أنه لا أقرب إلى النار من أهل العمل لها، بأعمالها من ارتكاب المناهي وفعل المحظورات.
(وأنتم طرداء الموت): جمع طريد وهو: الذي يساق بالعنف والشدة فيذهب كل مذهب.
(إن أقمتم له): على طريقه.
(أخذكم): تناولكم.
(وإن فررتم منه): هربتم من أجله خوفاً منه.
(أدرككم): لحقكم ولم تفوتوه.
(وهو ألزم لكم من ظلكم): لأن الظل لا ينفك عن الإنسان بحال؛ لأنه حاصل على جهة الوجوب عن الشبح.
(الموت معقود بنواصيكم): لا يحل أبداً.
(والدنيا تطوي خلفكم): أراد أن الأيام والليالي تمضي مستمرة كل ما مضى منها لا يعود البتة، فكأن طاوياً يطوي كل ساعة من خلفنا.
(فاحذروا ناراً): إنما نكرها لعظم شأنها، كأنه قال: نار وأي نار، لا يمكن وصفها.
(قعرها بعيد):لا ينال ولا يوقف له على غاية في البعد، منتهاه حيث أراد الله وعلمه.
(وحرها شديد): عظيم بالغ في الشدة كل مبلغ.
(وعذابها جديد):لا يندرس أبداً أو لا يفنى.
(ليس فيها رحمة): لأحد ممن هو كائن فيها.
(ولا تسمع فيها دعوة): لمن يدعو منهم أبداً.
__________
(1) في (ب): وبشر، وفي شرح النهج: أو شر.
(2) في (ب): إلى الجنة.

(ولا تفرِّ ج فيها كربة): لا يزول ما هم فيه من الغصص، والكرب اللاحقة بهم والغموم، وقد وصف الله تعالى ماهم فيه من الويل والعذاب فيها على أوجه مختلفة، وضروب متفاوته.
(وإن استطعتم أن يشتد خوفكم من الله): من أجل جلاله وعظم سلطانه، واقتحامكم على مناهيه، وتضييعكم لأوامره.
(وأن يحسن ظنكم به): لرحمته الواسعة، وعفوه الكثير.
(فاجمعوا بينهما): لما في ذلك من المصلحة، فالخوف يحمل على الانكفاف عن المعاصي، والرجاء يحمل على الاتكال على رحمة الله وسعة عفوه، وعن عمر: الرجاء والخوف بعيران لا أبالي أيهما ركبت.
(فإن العبد إنما يكون حسن ظنه بربه على قدر خوفه من ربه): اعلم أن الرجاء والخوف إنما يكونان(1) في الأمور المنتظرة، فإن كان مما(2) يتألم به القلب فهو الخوف، وإن كان ممن يفرح به القلب فهو الرجاء، وهما كلاهما ينشأن عن المعرفة بجلال الله تعالى(3)، وتكون سبباً فيهما، فمن عرف الله تعالى كان على قدر حاله في المعرفة يكون خوفه منه ورجاؤه له، وهما من المقامات العظيمة لأولياء الله، وفي الحديث: ((دخل الرسولعليه السلام على رجل وهو في النزع))، فقال: ((كيف تجدك))؟
قال: أجدني أخاف ذنوبي، وأ رجو رحمة ربي.
__________
(1) في (ب): يكون.
(2) في (ب): ما.
(3) تعالى، زيادة في (ب).

فقال: ((ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما رجا، وآمنه مما يخاف))(1).
(وإن أحسن الناس ظناً بالله أشدهم خوفاً لله): لأن المرء إذا اشتد خوفه من الله بعثه ذلك(2) على الاضطرار إلى الله وحسن الرجاء له.
وروت عائشة: ((أنه عليه السلام كان إذا اشتدَّ عصف الريح تغيَّر وجهه فيقوم ويتردد في الحجرة، ويدخل ويخرج، كل ذلك خوف(3) من عذاب الله))(4).
__________
(1) رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج 10/155، وأخرجه الإمام الموفق بالله عليه السلام في الاعتبار ص417 برقم (306) بسنده يبلغ به إلى أنس بن مالك، وهو فيه باختلاف يسير في بعض ألفاظه، قال المحقق في تخريجه: أخرجه ابن ماجة في سننه كتاب الزهد رقم (4261) عن عبد الله بن الحكم بن أبي زياد به. انظر بقية تخريجه فيه، ورواه العلامة محمد بن مطهر الغشم رحمه الله في رضا رب العباد ص383، وقال في هامشه: أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب، وابن ماجة، وابن أبي الدنيا عن أنس، قال المنذري: إسناده حسن. انتهى.
(2) ذلك، سقط من (ب).
(3) في (ب): خوفاً.
(4) وروى العلامة الزمخشري في الكشاف 4/311-312 قال: وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((أنه كان إذا رأى الريح فزع))، وقال: ((اللهم، إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به)) وإذا رأى مخيلة قام وجاء وذهب وتغيَّر لونُه فيقال له: يا رسول الله، ما تخاف؟ فيقول: ((إني أخاف أن يكون مثل قوم عاد حيث قالوا: هذا عارض ممطرنا))، وانظر تفسير الحديث في مجموع كتب ورسائل الإمام المرتضى محمد بن الإمام الهادي إلى الحق عليهما السلام 1/140، في كتاب الإيضاح.

(واعلم يا محمد بن أبي بكر، أني قد وليتك أعظم أجنادي في نفسي): أحبهم إليَّ وأعظمهم موقعاً عندي، وأقواهم حالة وأشدهم أمراً.
(أهل مصر): فإني قد جعلتك عليهم والياً، واخترتك لمصالحهم أميراً.
(فأنت محقوق أن تخاف(1) على نفسك): أراد إما أنه يحق عليك لله تعالى(2) أن تخاف على نفسك من عذابه، وإما أن يريد أنت جدير وقمين(3) بأن تكون خائفاً منه.
(وأن تنافح على دينك): المنافحة: المخاصمة، والمنافحة أيضاً مثل المكافحة، وغرضه من هذا كله الاجتهاد في الدين، والمنابذة عنه عما يسوؤه ويثلمه في هذه الأعمال والولايات.
(ولو لم يكن لك إلا ساعة واحدة من الدهر): فيه وجوه ثلاثة:
أما أولاً: فبأن يريد لو لم يكن لك إلا ساعة واحدة لا فتقرت فيها إلى رضوان الله، والخوف من عذابه.
وأما ثانياً: فبأن يكون غرضه لو لم يكن لك إلا ساعة واحدة في الولاية لافتقرت إلى مراعاة أحوالها، وإصلاح حالك فيها.
وأما ثالثاً: فبأن يكون مراده لو لم يكن إلا ساعة واحدة لا فتقرت إلى معاملة الناس، وإصلاح حالك معهم.
(فلا تسخط الله برضى أحد من خلقه): فإن من هذه حاله فهو أخسر الناس صفقة؛ لأنه في غنى عن الخلق بالله، وليس له عن الله غنى.
وأيضاً:
(فإن في الله خلفاً من(4) غيره): عوضاً عنه.
(وليس من الله خلف في غيره): أحد يسد مسده، ويقوم مقامه في الأمور كلها.
(صلِّ الصلاة لوقتها المؤقت لها): المضروب المحدود لها المقدر، كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً}[النساء:103]، أي مؤقتاً مقدراً لا زيادة عليه ولا نقصان منه.
__________
(1) في شرح النهج: تخالف.
(2) تعالى، زيادة في (ب).
(3) في (ب): وقمن.
(4) في (ب): عن.

(ولا تعجِّل وقتها لفراغ): أراد أنك لا تعجلها في أول(1) وقتها، لأن تفرغ للاشتغال بغيرها، فتكون قد استعجلت بأدائها وتأنَّيت في تأدية غيرها، وهي أحق بالأناة والتؤدة.
(ولا تؤخرها عن وقتها بشغل(2)): يريد ولا يكون سبب تأخيرها انشغالك بغيرها فتكون قد قدَّمت عليها غيرها اهتماماً به وتركاً لها.
(واعلم أن كل شيء من عملك تبع لصلاتك):يريد أن جميع الأعمال كلها متوقفة على الصلاة، فإن قبلت فهي مقبولة، وإن ردت فهي أحق بالرد، وفي الحديث: ((خير أعمالكم الصلاة))(3)، فإذا كان الأفضل مردوداً فكيف حال الأدنى يكون لا محالة أخلق(4) بالرد.
(فإنه لا سواء، إمام الهدى وإمام الردى): أراد بذلك تهييجاً له إلى فعل الخير، وأنه لا يستوي الحال فيمن يكون داعياً إلى الله تعالى ودليلاً على الخير، ومن يكون داعياً إلى الشر، وعاملاً في الخلق بغير رضاء الله وتقواه.
(وولي النب‍ي وعدو النب‍ي): أراد ومن يكون موالياً للنبي في العمل بمراده، ومن يكون مضاداً مخالفاً لهواه على جهة المعاداة، فهذان لا يستوي حالهما، وبينهما لا محالة بعد متفاوت.
__________
(1) ظنن فوقها في (ب) بقوله: ظ: قبل وقتها.
(2) في (ب): لشغل، وفي شرح النهج: لاشتغال.
(3) عزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 4/642 إلى سنن ابن ماجة (279)، ومسند أحمد بن حنبل 5/280، والاستذكار لابن عبد البر1/262، وتهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر2/89.
(4) في (ب): أخف.

(ولقد قال لي رسول الله [صلى الله عليه وآله] (1): ((إني لا أخاف على أمت‍ي مؤمناً ولا مشركاً))): يشير بهذا لمحمد بن أبي بكر، إما على جهة العموم وهو تعريفه بضرر من هذه حاله، وإما على جهة الخصوص وهو تحذيره من حال معاوية؛ لأن من كان حاله على جهة واحدة فعلاجه يكون سهلاً وأمره يكون أيسر.
(((أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه))): عن الإقدام على ما ليس له فعله، ويبعثه إيمانه على فعل كل خير من ذلك.
(((وأما المشرك فيقمعه الله بشركه))): قمعه إذا كفه، وأراد أن الله تعالى يكفه عما يريد وعما يخطر على باله من الأعمال المكروهة، فهذان علاجهما لامحالة أسهل لكونهما على حالة واحدة.
(((ولكن‍ي أخاف عليكم كل منافق الجَنَان))): أراد كل من كان نفاقه في جنانه وهو القلب يظهر الإيمان ويبطن خلافه من الكفر.
(((عالم اللسان))): يصف الإيمان بلسانه ولا يعمل به.
(((يقول ما تعرفون))): من الأمر بالحق والوصف له.
__________
(1) زيادة في (ب) وشرح النهج.

(((ويفعل ما تنكرون)))(1): من أعمال السوء، فمن هذه حاله فهو لا محالة مخوف على الدين وإفساده.

(28) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى معاوية [جواباً](2) وهو من محاسن الكتب
(أما بعد، فقد أتاني كتابك تذكر(3) اصطفاء الله محمداً [صلى الله عليه وآله](4) لدينه): صدَّر معاوية كتابه بذكر اختيار الله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، من أجل إحياء دينه وتقرير معالمه.
(وتأييده إياه بمن(5) أيده من أصحابه): ومن جملة ما ذكره معاوية أن الله تعالى أيده بأصحاب وأعوان.
(فلقد خبَّأ لنا منك الدهر(6) عجباً): ستره وكتمه ولم يظهره، والعجب: ما يعجب منه.
(إذ طفقت): إذ هذه معمولة لما قبلها وهي معمولة لخبأ، وطفق من أفعال(7) المقاربة طفق يفعل كذا إذا أخذ في فعله.
(تخبرنا ببلاء الله عندنا):البلاء هو: الا ختبار والامتحان.
__________
(1) أخرجه الإمام الناصر الأطروش عليه السلام في البساط ص108-109 بسنده عن الحارث الأعور، عن أمير المؤمنين علي عليه السلام باختلاف يسير، والإمام الموفق بالله عليه السلام في الاعتبار ص180 برقم(150) بسنده عن الحارث، عن أمير المؤمنين باختلاف يسير في بعض لفظه، وقال المحقق في تخريجه: هو في كنز العمال رقم (29416) عن الحارث عن علي عليه السلام، وعزاه إلى العسكري في المواعظ، وهو في مجمع الزوائد بلفظ مقارب، وعزاه إلى الطبراني في الأوسط والصغير، قال: وفيه الحارث الأعور وهو ضعيف. قلت: ضعفوه تحاملاً لتشيعه، إلى أن قال: وعزاه في موسوعة الأطراف إلى الترغيب والترهيب 3/236، وإتحاف السادة المتقين1/378.
(2) زيادة في شرح النهج.
(3) في شرح النهج: تذكر فيه.
(4) زيادة في شرح النهج.
(5) في شرح النهج: لمن.
(6) في (ب) وشرح النهج: فلقد خبأ لنا الدهر منك عجباً.
(7) في (ب): أعمال.

(ونعمته علينا في نبينا): وتذكر ما منَّ الله به علينا من بعثة(1) هذا النبي فينا وبيننا.
(فكنت في ذلك): أي في كلامك هذا.
(كناقل التمر إلى هجر): هذا مثل يضرب لمن يجلب الشيء إلى موضعه ومكانه ليبيعه فيه، هجر: بلد يذكر ويؤنث(2).
(وداعي(3) مسدده إلى النضال): وهذا أيضاً مثل لمن يعلم غيره صنعة(4) من الصناعات، أو أدباً من الآداب، فلما تمَّ تعليمه له طفق يباريه في ذلك ويعترض عليه، والمسدد هو: المعلم لتسديد السهم نحو الغرض، والنضال هو: المناضلة، وهي: الرمي على خطر وسبق، وعن هذا قال بعضهم:
أعلمه الرماية كل يوم
فلما شد(5) ساعده رماني(6)

(وزعمت أن أفضل الناس في الإسلام): أعلاهم درجة، وأكثرهم عند الله ثواباً وأرفعهم عند الله مكانة ومنزلة.
(فلان وفلان): يريد معاوية أبابكر وعمر، ولكن أمير المؤمنين كنى عنهم(7) بهذه الكناية.
(فذكرت أمراً): ليس لك ذكره، ولا أنت أهلاً لأن تكون خائضاً فيه لأمور ثلاثة:
__________
(1) في (ب): نعمته.
(2) وانظر أصل المثل والبلدة في شرح ابن أبي الحديد 15/188، والقاموس المحيط ص638، ولسان العرب3/774.
(3) في (ب) وشرح النهج: أو داعي.
(4) في (أ): صنيعة.
(5) هكذا في النسخ، وفي شرح النهج 15/189، ولسان العرب2/117: استد، بالسين المهملة، أي استقام.
(6) بعده:
فلا ظفرت يمينك حين ترمي

وشلت منك حاملة البنان

والبيتان ينسبان لمعن بن أوس، وقيل: لمالك بن نهم الأزدي، وقيل: لعقيل بن علفة. (انظر لسان العرب 2/117-118).
(7) هكذا في النسخ ولعل الصواب: عنهما.

أما أولاً: فلأن درجات الفضل بين الفضلاء إنما تكون بعلم من جهة الله ومن جهة ر سوله؛ لأن ذلك كله بالإضافة إلى كثرة الثواب وزيادته، وهذا أمر غيبي لا يطلع عليه إلا الله أو من أطلعه(1) عليه.
وأما ثانياً: فلأن الخوض في درجات الفضل بين الفضلاء إنما يكون من جهة من يكون في مراتبهم، وعارفاً لمقاديرهم، وأنت خارج عن هذا.
وأما ثالثاً: فلأن هذا أمر:
(إن تمَّ اعتزلك كله): أي لم تكن منه في ورد ولا صدر، ولا له تعلق بك بحال.
(وإن نقص لم يلحقك ثلمه): أراد وإن لم يتم فلا يلحقك فيه نقص لا نفصالك عنه.
(وما أنت والفاضل والمفضول): أي وما أنت وذكر من هو فاضل وذكر من هو مفضول.
(والسائس والمسوس!): أراد وذكر من هو حسن السياسة للأمة ممن(2) ليس حاله كذلك، لأن كتاب معاوية(3) فيه ذكر ذلك.
(وما للطلقاء): يريد أبا سفيان بن حرب.
(وأبناء الطلقاء): يريد معاوية؛ لأنهما أطلقا يوم الفتح عن الأسر والقتل والاسترقاق.
(والتمييز بين المهاجرين الأولين): في المهاجرة مع الرسول، والمتقدمين فيها.
(وترتيب درجاتهم): وأن هذا أفضل من ذاك، وأن ذاك أفضل من هذا كما فعلت.
(وتعريف طبقاتهم!): في العلو والرفعة.
(هيهات): بَعُدَ ما قاله عن الصحة.
__________
(1) في (ب): أطلعه الله عليه.
(2) في (ب): ومن.
(3) انظر عن كتاب معاوية إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام الذي يقصده المؤلف هنا في شرح النهج لابن أبي الحديد 15/184-187.

(لقد حنَّ قدح ليس منها(1)):الضمير في منها للقداح التي يستقسم بها، وحنَّ أي ظهر له صوت يخالف أصواتها، فلما كان الأمر كذلك عرف المفيض بها والمجلجل لقداحها أنه خارج عنها وليس من جملتها.
(وطفق يحكم فيها): الضمير في فيها إما لهذه القضية، وإما للطبقات لما(2) تقدم ذكرها، وأراد يحكم فيها بالفضل لبعضهم على البعض.
(من عليه الحكم لها!): الذي(3) كانوا أحق بالحكم عليه في ذلك، والمعنى في هذا هو أن معاوية لم يكن أهلاً لما ذكر(4) من التمييز بين من ذكر حاله، وأنهم كانوا هم الأهل لأن يميزوا بينه وبين غيره.
(ألا تَرْبعُ أيها الإنسان على ظلعك): هذا مثل يضرب لمن يقدم على أمر لا يطيقه، ومعناه ارفق بنفسك، ولا تحمل عليها أكثر مما تطيق.
(وتعرف قصور ذرعك): القصور هو: العجز عن تحمل الشيء والنهوض به، وأراد أن ذرعه قاصر عما يحمله من هذه الأعباء(5)، يقال: ضقت بالأمر ذرعاً إذا لم يطقه، وقال آخر يصف ذئباً:
__________
(1) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 15/191 في شرح قوله: (لقد حنَّ قِدْحُ ليس منها): هذا مثل يضرب لمن يدخل نفسه بين قوم ليس له أن يدخل بينهم، وأصله القداح من عود واحد يجعل فيها قدح من غير ذلك الخشب فيصوَّت بينها إذا أرادها المفيض، فذلك الصوت هو حنينه. انتهى.
وقال ابن الأثير في النهاية 1/452 في شرح المثل: هو مثل يضرب للرجل ينتمي إلى نسب ليس منه، أو يدعي ما ليس منه في شيء، والقِدْح بالكسر: أحد سهام الميسر، فإذا كان من غير جوهر أخواته ثم حركها المفيض بها خرج له صوت يخالف أصواتها فعرف به. انتهى.
(2) في (ب): كما.
(3) في (ب): الذين.
(4) في (ب): ذكره.
(5) في (ب): من هذا الأعياء.

وإن بات وحشاً ليلة لم يضق(1) بها

ذراعاً ولم يصبح لها وهو خاشع(2)

(وتتأخر حيث أخرك القدر!): أراد حيث وضعك الله تعالى، ولاتكن متطلعاً إلى مراتب الأفاضل ممن هو فوقك في الدين والفضل وعلو الرتبة.
(فما عليك غلبة المغلوب): أراد أن كل من كان مغلوباً مقهوراً بفضل غيره فما يلحقك نقصه، ولا ينالك ما لحقه(3) منه.
(ولا لك ظفر الظافر): وأن كل من ظفر بالفضل وعلابه فما ينالك منه فائدة ولا تحصل لك منفعة، وإن هذا الكلام مع اشتماله على الحق الواضح ففيه غاية الإنصاف لمن كان له قلب.
(وإنك لذهاب في التيه): تاه إذا تحيّر، وأراد أنك لذاهب في أودية الحيرة.
(رواغ عن القصد): الروغان هو: الميل، والقصد هو: الطريق، وغرضه أنه مائل عن مسالك الحق في كل أحواله.
(ألا ترى): إلى ما أقول لك وأحدثك به.
(غير مخبر لك): أراد إما أني أذكره لك ليس على جهة الإخبار لأنك عارف به فلا فائدة في إخبارك(4) به، وإما أن يريد غير مخبر لك على جهة الافتخار.
__________
(1) في (ب) وفي نسخة أخرى: يطق.
(2) لسان العرب 1/1064، ونسبه لحميد بن ثور يصف ذئباً، وقوله: خاشع، وردت في النسخ: جاشع بالجيم، وأصلحته من اللسان.
(3) في (ب): لحقك، وهو تحريف.
(4) به، سقط من (ب).

(ولكن بنعمة الله أحدث): يشير إلى قوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}[الضحى:11]، وفي الحديث: ((التحدث بالنعمة شكر))(1).
(أن قوماً استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين): يسرت لهم الشهادة في مجاهدة المشركين على إعزاز دين الله.
(ولكل منهم فضل): يستبد به ويحوزه دون غيره، وهو على حظ عند الله تعالى منه، على حد ما يعلم من الإخلاص والإبلاء.
(حتى إذا استشهد شهيدنا): من يختصنا ويتعلق بنا ومن هو منا تميز على غيره من الشهداء وعظم، وارتفعت درجته عند الله تعالى، حتى(2):
__________
(1) رواه السيد العلامة أحمد بن يوسف زبارة رحمه الله تعالى في أنوار التمام 4/403 بلفظ: ((التحدث بالنعم شكر)) وعزاه إلى الشفاء للأمير الحسين، وهو في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 4/435 وعزاه إلى كشف الخفاء 1/354، وله شاهد فيها بلفظ: ((التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر)) وعزاه إلى مسند أحمد بن حنبل4/278،375، والدر المنثور للسيوطي 6/362، وكنز العمال برقم (6418)، وإتحاف السادة المتقين4/156 إلى غيرها من المصادر انظرها هناك.
(2) تعالى، زيادة في (ب).

(قيل سيد الشهداء):يريد حمزة بن عبد المطلب، فإنه أعلم نفسه بريش نعامة يوم أحد، وقتله وحشي شهيداً(1)، وسيد كل شيء أعلاه وأعظمه، وفي الحديث: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر))(2)، وفي حديث آخر: ((أنا سيد العالمين، وعلي سيد العرب))(3)، وفي الحديث: ((سيد الكلام القرآن، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الطعام الثريد))(4)
__________
(1) انظر تفاصيل مقتل سيد الشهداء الحمزة بن عبد المطلب عليه السلام في شرح النهج لابن أبي الحديد 15/11-19.
(2) عزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 2/520 إلى المستدرك للحاكم النيسابوري2/604، والشفاء للقاضي عياض 1/90، وإتحاف السادة المتقين7/572، وكنز العمال برقم (32040) ورقم (33682) وإلى غيرها، وله شواهد كثيرة انظر مصادرها في الموسوعة.
(3) وللحديث شاهد بلفظ: ((أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب)) أخرجه الحافظ محمد بن سليمان الكوفي في المناقب2/515 برقم (1018) بسنده عن حميد الطويل عن أنس، وبلفظ الكوفي أورده في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 2/520 وعزاه إلى الحاكم في المستدرك3/124، والمعجم الكبير للطبراني 3/90، والتأريخ الكبير للبخاري7/400، وكنز العمال برقم (33006) و(36448) و(36456)، ولسان الميزان لابن حجر4/856، والأسرار المرفوعة لعلي القاري220، وتأريخ أصفهان لأبي نعيم1/308.
(4) الحديث وجدته مفرقاً في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/255 كالآتي: قوله: ((سيد الكلام القرآن)) وعزاه إلى الجامع الكبير المخطوط الجزء الثاني، وقوله: ((سيد الأيام يوم الجمعة)) عزاه إلى مصنف ابن أبي شيبة2/149، وصحيح ابن خزيمة (1728)، ومسند الشافعي73، وتأريخ الطبري1/114، وقوله هنا: ((سيد الطعام الثريد)) لم أجده في الموسوعة بهذا اللفظ، ووجدت فيها حديثاً قريباً منه بلفظ: ((سيد الطعام في الدنيا والآخرة اللحم)) وعزاه إلى كشف الخفاء1/560، 2/226، والثريد لا يكون إلا من لحم غالباً، وانظر النهاية لابن الأثير1/209.

.
(وخصه رسول الله [صلى الله عليه وآله](1)): عند الصلاة عليه.
(بسبعين تكبيرة): لأنه يوم أحد صلى على الشهداء بأحد، ومن كملت عليه الصلاة رفعوه إلا حمزة، فإنه استوفى عليه هذه التكبيرات تشريفاً له ورفعاً لمكانه في الشهادة(2).
(عند صلاته عليه!): من بين سائر الشهداء .
(أولا ترى أن قوماً قطعت أيديهم في سبيل الله): صبراً واحتساباً لله تعالى.
(ولكل فضل): يعلمه الله، ويوفي عليه أجره.
(حتى إذا فعل بواحدنا):أراد إما عظيم الشأن فينا، كما يقال: فلان واحد زمانه، وإما أن يريد شخصاً من آحادنا وأفرادنا.
(كما يفعل(3) بواحدهم): بالشخص الواحد منهم.
(قيل: الطيار في الجنة وذو الجناحين)(4)
__________
(1) زيادة في شرح النهج.
(2) قال في الاعتصام 2/165 ما لفظه: وفيه أيضاً -أي في الشفاء-: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما صلى على حمزة وكانت توضع جنازة بعد جنازة، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي عليها وجنازته موضوعة فحصل له سبعون تكبيرة. (وانظر روايات الحديث ومصادره فيه).
(3) في شرح النهج: ما فعل، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(4) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 15/67: قال الواقدي: وقد روى نافع عن ابن عمر أنه وجد في بدن جعفر بن أبي طالب اثنان وسبعون ضربة وطعنة بالسيوف والرماح.

…قال البلاذري: قطعت يداه، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((لقد أبدله الله بهما جناحين يطير بهما في الجنة)) ولذلك سمي الطيار. انتهى. (وانظر سيرة ابن هشام2/378).

: يريد جعفر بن أبي طالب فإنه قتل في مؤتة، اقتحم عن فرس له أشقر، ثم ضرب عراقيبه، ثم أخذ الراية بعد زيد بن حارثة فقاتل بها فقطعت يداه، فاحتضنها، ثم قطع(1) بنصفين بعد ذلك يرحمه الله، ثم أخذ الراية بعده عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل، فاستشهد الثلاثة يوم مؤتة(2)، وأكرمهم الله بما نالوا منها(3).
(ولولا ما نهى الله عن تزكية المرء نفسه(4)): حيث قال تعالى: {فَلا(5) تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}[النجم:32].
(لذكر ذاكر فضائل جمة): يشير إلى نفسه، والجم: الكثير.
__________
(1) في (ب): فقطع نصفين.
(2) عن غزوة مؤتة واستشهاد جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم. (انظر شرح النهج لابن أبي الحديد 15/61-73).
(3) قال ابن أبي الحديد في المصدر السابق 15/69 ما لفظه: وروى محمد بن إسحاق قال: لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيداً وجعفراً سكت عن عبد الله بن رواحة حتى تغيرت وجوه الأنصار وظنوا أنه قد كان من عبد الله بعض ما يكرهون، ثم قال: ((أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل شهيداً))، ثم قال: ((لقد رفعوا لي في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب، فرأيت في سرير ابن رواحة ازوراراً عن سريري صاحبيه، فقلت: لِمَ هذا؟ فقيل: لأنهما مضيا، وتردد هذا بعض التردد ثم مضى)). وانظر عن غزوة مؤتة ومقتل جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم انظر تفاصيل ذلك في سيرة ابن هشام2/373-381 تحقيق عبد الحفيظ شلبي وآخرين.
(4) في النهج: ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه
(5) وردت في (أ) وفي نسخة أخرى: ولا. ولعلها قراءة، وما أثبته من المصحف الذي بين يدي ومن (ب).

(تعرفها(1) قلوب المؤمنين): يتحققها من حسن إيمانه، وصدق يقينه، ولم يكن غامصاً لفضل، ولا منكراً له.
(ولا تمجها آذان السامعين): مج الشراب من فِيْهِ إذا رمى به ودفعه، وأراد أنها مقبولة في أذن من سمعها لا(2) يدفعها.
(فدع عنك من مالت به الرمَّية): الرمية: الصيدة ترمى فتصاب، وهذا تعريض بمعاوية، وأراد فدع عنك ذكر من أعمته الدنيا وأمالته إليها عن صراط الله، وطلب مرضاته، وخض في حديث آخر غيره، كما قال زهير:
فدع ذا وعد القول في هرم(3)

واذكر ما خصنا به الله وكرَّمنا به.
(فإنَّا صنائع ربنا): أي إحساناته، واصطنعنا بنفسه، لا إحسان لأحد علينا سواه.
(والناس بعد): أي بعدنا وهو مقطوع عن الإضافة.
(صنائع لنا): إحساننا عليهم، وهم مصطنعون لنا، ومصداق هذه المقالة هو أنا:
(لم يمنعنا قديم عزنا): ما تقادم لنا من العز والفخر عليكم.
(وعادي طولنا(4)): وقديم كرمنا منسوب إلى عاد، يقال: مجد عادي إذا كان متقادماً.
(أن خلطناكم بأنفسنا): أن ها هنا في موضع نصب على المفعولية أي لم يمنعنا ما تقادم من العز المخالطة لكم.
__________
(1) في نسخة: تعيها، (هامش في ب).
(2) في (ب): ولا يدفعها.
(3) تمامه:
خير الكهول وسيد الحضر (هامش في ب)

(4) في (ب) وشرح النهج: وعادي طولنا على قومك.

(فنكحنا): يشير إلى نكاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم حبيبة(1) بنت أبي سفيان.
(وأنكحنا): يشير إلى ما كان من نكاح عثمان لرقية وأم كلثوم بنتي رسول الله(2).
(فعل الأكفاء): أراد فعلنا معكم فعل من يعتقد الكفاءة، وانتصابه على المصدرية.
(ولستم هنالك): هنا إشارة إلى الأمكنة، وأراد(3) ولستم في ذلك المقام يعني مقام الكفاءة لما يظهر من شرف بني هاشم على غيرهم من سائر بطون قريش قديماً قبل النبوة بحيث لا يمكن جحوده، ومتأخراً بعد النبوة بما شرفهم الله تعالى وجعل فيهم النبوة.
(وأنى يكون ذلك[كذلك](4)): أي ومن أي جهة تكون المماثلة والمساواة بيننا وبينكم.
(ومنا النب‍ي): الذي رفع الله قدره على مراتب الأنبياء، وأظهر شرفه في الأولين والآخرين.
__________
(1) واسمها رملة، كانت تحت عبيد الله بن جحش بن رئاب الأسدي، أسد خزيمة، وكان حليفاً لبني أمية بن عبد شمس، خرج مع المسلمين مهاجراً إلى الحبشة، فلما قدم أرض الحبشة تنصَّر بها وفارق الإسلام، ومات هنالك نصرانياً، فخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان من بعده، وعقد له صلى الله عليه وآله وسلم عليها بالحبشة، وأصدقها عنه صاحب الحبشة أربعين ديناراً، وذلك في سنة ست. (انظر سيرة ابن هشام 3/242، والمصابيح لأبي العباس الحسني ص209).
(2) شرح ابن أبي الحديد 15/195.
(3) في (ب): أراد بغير واو.
(4) زيادة في النهج.

(ومنكم المكذب): يعني عبد الله بن أمية(1)، وهو جد عبد الملك بن مروان، أمه عائشة بنت عبد الله، فإنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والله لو صعدت السماء وأنا أنظر إليك وأتيت بصكٍ والملائكة شهود فيه على أنك نبي ما صدقتك، فقد أغرق في التكذيب كما ترى،أو يريد بذلك الوليد بن المغيرة.
(ومنا أسد الله): يريد حمزة بن عبد المطلب، فإنه كان يقال له: أسد الله وأسد رسوله(2).
__________
(1) في الكشاف 2/649: عبد الله بن أبي أمية، وانظر الرواية فيه. وقال ابن أبي الحديد في شرح قوله: (ومنكم المكذب) ما لفظه: يعني أبا سفيان بن حرب، كان عدو رسول الله، والمكذب له، والمجلب عليه.
(2) من ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمته صفية بنت عبد المطلب وابنته فاطمة الزهراء وهما يبكيان لمقتل الحمزة رضي الله عنه، فقال لهما صلى الله عليه وآله وسلم: ((أبشرا، أتاني جبرائيل عليه السلام فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السماوات السبع: حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله)). (انظر شرح ابن أبي الحديد15/17).

(ومنكم أسد الأحلاف): يريد عتبة أيضاً، فإنه لما قال(1) حمزة: أنا أسد الله، قال: أنا أسد الأحلاف، وغرضه أسد الحلفاء .
__________
(1) وذلك يوم بدر فإنه لما خرج عتبة وشيبة والوليد من جيش المشركين، ونادوا للمبارزة، ثم خرج إليهم حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف رضي الله عنهم، فبارز الحمزة عتبة فقتله الحمزة في قصة مشهورة وخبر معروف، ولما التقيا للقتال قال حمزة بن عبد المطلب عليه السلام لعتبة: أنا حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله، فقال عتبة: كفء كريم، وأنا أسد الحلفاء، ويروى: أسد الأحلاف، من هذان معك؟ قال: علي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث بن المطلب، فقال: كفآن كريمان. (انظر شرح ابن أبي الحديد 14/128-130).

(ومنا سيدا شباب أهل الجنة): يريد الحسن والحسين(1).
__________
(1) يشير بذلك إلى حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)) رواه الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين في مجموع رسائله ص53-54 في كتاب معرفة الله عزّ وجلّ وص195 في كتاب أصول الدين، وأخرجه المرشد بالله في الأمالي الخميسية 1/44 بسنده عن ابن عمر، و2/235 بسنده عن شريح القاضي، وأخرجه الحافظ محمد بن سليمان الكوفي رحمه الله تعالى في المناقب2/223 برقم (687) بسنده عن أبي سعيد الخدري و ص245 برقم(712) و ص250 برقم(716) بسنده عن مالك بن الحسن بن أبي الحويرث، عن أبيه، عن جده، و ص257 برقم (723) بسنده عن أبي سعيد الخدري، وأخرجه الحافظ ابن عساكر في ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من تأريخ دمشق ص82-84 رقم (129) من حديث بسنده عن حذيفة، وكذلك رقم(132) وهو فيه برقم (133-134) أخرجه بسنده عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، وبرقم (135) عن عبد الله بن عمر، وبرقم (138) عن بريدة الأسلمي، وبرقم (139) عن أبي سعيد الخدري، وبرقم(140، 141) عن أنس بن مالك، وبرقم (142) عن جهم الصحابي، وبرقم (143) عن أبي سعيد الخدري أيضاً، وللحديث مصادر وأسانيد كثيرة انظرها في ترجمة الإمام الحسن من تأريخ ابن عساكر، وانظر الروضة الندية ص176، وموسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 4/569 حيث عزا الحديث فيها إلى ثمانية وعشرين مصدراً من كتب الحديث المعتمدة عند القوم وعند غيرهم.

(ومنكم صبية النار): يريد أولاد مروان بن الحكم لصلبه(1)، ثم أولاد ابنه عبد الملك بن مروان: الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام، فهؤلاء وغيرهم من أولاده طغوا وبغوا في الأرض، ولقيت الأمة منهم موتاً أحمر، وقد سبق ذكرهم.
__________
(1) وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج 15/197 في شرح قوله: (ومنكم صبية النار)، قال ما لفظه: هي الكلمة التي قالها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعقبة بن أبي معيط حين قتله صبراً يوم بدر، وقد قال كالمستعطف له عليه السلام: من للصبية يا محمد؟ قال: ((النار))، وعقبة بن أبي معيط من بني عبد شمس. انتهى، وانظر الرواية في سيرة ابن هشام1/644.

(ومنا خير نساء العالمين): يريد فاطمة بنت رسول الله، فإنها سيدة نساء عالمها(1).
(ومنكم حمالة الحطب): يريد عمة معاوية أم جميل أخت أبي سفيان، كانت تحمل حزم الشوك فتنثره في طريق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(2)، وقيل: كانت تمشي بالنمائم بين الناس فتورث بينهم الشحناء والعداوة، أخزاها الله تعالى، وما نقص فعله عن الجميل من توسل إلى الله بسبِّ أم جميل(3).
__________
(1) يشير بذلك إلى حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ((فاطمة سيدة نساء العالمين)) أورده في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/552 وعزاه إلى الدر المنثور2/203، وكنز العمال برقم (34233)، وأورده من حديث طويل الفقيه ابن المغازلي رحمه الله في المناقب ص246 برقم(452) بسنده عن عمران بن الحصين في خبر عيادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابنته فاطمة سلام الله عليها وهي مريضة وفيه: ((يا بنية، لا تجزعي فوالذي بعثني بالنبوة حقاً إنك سيدة نساء العالمين))، وروى نحوه البدر الأمير رحمه الله في الروضة الندية ص161 من حديث عن أنس واللفظ فيه: ((يا بنية، أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين)) وعزاه إلى الترمذي، وأخرجه الحافظ محمد بن سليمان الكوفي رحمه الله في المناقب2/197 برقم (670) بسنده عن الحسين بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، وانظر ترجمة أمير المؤمنين من تأريخ دمشق لابن عساكر1/267-268 تحت الرقم(313) و(314) وللحديث شواهد كثيرة، وانظر لوامع الأنوار للعلامة الحجة مجد الدين المؤيدي3/27-28.
(2) سيرة ابن هشام 1/355، وأعلام نهج البلاغة -خ-.
(3) وانظر الكشاف 4/821، وأم جميل هي امرأة أبي لهب التي ذمها الله في كتابه الكريم في سورة المسد بقوله عزّ وجلَ: {وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد}.

(في كثير مما لنا): من المناقب العالية والمدائح الشريفة.
(وعليكم): من المساوئ والأذكار السيئة، وقوله: في كثير، خبر مبتدأ محذوف تقديره: ذلك الذي ذكرته في كثير.
(فإسلامنا ما قد(1) سمع): به وظهر حاله واشتهرأمره بحيث لا ينكره أحد سبقنا إليه.
(وجاهليتنا لا تدفع): أي لا ينكر حالها من اصطناع المعروف وبذله بحيث لا يعد فيها عدوان، ولا تقصير على أحد، كما كان من غيرنا.
(وكتاب الله يجمع لنا): من المحامد والفضائل.
(ما شذ عنا(2)): ما غاب عني ولم أذكره، ثم تلا قوله تعالى: ({وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}[الأنفال:75]، وقوله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}[آل عمران:68]).
(فنحن مرة أولى بالقرابة): أراد أن الأولوية لنا من جهة قرب النسب بالرسول، واختصاصنا به.
(وتارة أولى بالطاعة): فإنا أعظم الناس انقياداً لأمره، ومتابعة له في كل أحواله، فالأولوية حاصلة لنا من هذين الوجهين.
__________
(1) في (أ): قد سمع، وما أثبته من (ب) ومن شرح النهج.
(2) في نسخة: عني، (هامش في ب).

(ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله [صلى الله عليه وآله](1) فلجوا عليهم): يشير بما ذكره ها هنا إلى ما كان من حديث السقيفة، وهو أن المهاجرين(2) والأنصار لما بكروا للاشتوار في الأمر إلى سقيفة بني ساعدة، فقالت الأنصار: منَّا أمير، ومنكم أمير، فقال المهاجرون: نحن أحق برسول الله، والبيضة التي تفقأت عنه، ففلجوا عليهم، أي غلبوهم بما قالوا، وسكت الأنصار عن مقالتهم هذه لما عرفوه من الحق ولم ينكروه(3).
(فإن يكن الفلج به): يريد بما ذكره المهاجرون من ذكر الاختصاص والقرابة.
(فالحق لنا دونكم): أراد فنحن أولى به وأحق منكم.
(وإن يكن بغيره): أراد وإن تكن الغلبة بغير ما ذكره المهاجرون من ذلك.
(فالأنصار على دعواهم): أراد فحجة الأنصار باقية لم تبطل على زعمك هذا.
(وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت): يشير إلى أبي بكر وعمر وعثمان؛ لأن معاوية يزعم أنه كان حاسداً لهم الخلافة، وأنه يريد تحويلها إلى نفسه.
(وعلى كلهم بغيت): أردت خلاف الحق بأخذها منهم وهم أحق بها.
(فإن يكن ذلك كذلك): فإن يكن البغي مني كما ذكرت حاصلاً.
(فليس الجناية عليك): فيما ذكرته من البغي والحسد.
__________
(1) زيادة في شرح النهج.
(2) لم يكن من المهاجرين في يوم السقيفة إلا ثلاثة وهم: أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح لا غير. (انظر قراءة في كتب العقائد ص44 للباحث حسن بن فرحان المالكي).
(3) عن أخبار السقيفة وحوار الأنصار مع المهاجرين انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2/21-61، 6/5-14 تجدها فيه بالتفصيل، كما تجد بعض ما يتصل بذلك في أجزاء أخرى منه في مواضع متفرقة. (انظر الفهرس)، وانظر عن ذلك كتاب قراءة في كتب العقائد ص43ـ51.

(فيكون العذر إليك): فأوجِّه العذر في ذلك إليك وتكون مختصاً به.
ثم تمثل ببيت أبي ذؤيب:
(وعيَّرها الواشون أني أحبها

وتلك شكاة ظاهر عنك عارها):

ولنذكر(1) إعرابه وموضع الشاهد منه.
أما إعرابه فهو ظاهر، وأني أحبُّها: في مو ضع نصب على نزع الجار(2) أي بأني أحبها.
والشكاة: هي الشكاية، وظاهر عنك عارها أي زائل.
وأما موضع الشاهد منه فإنما أورده متمثلاً به بأن الجريمة التي ذكرتها هي بمعزل عنك فلا حاجة إلى توجيه العذر فيها إليك.
(وزعمت أني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش): خششت الجمل أخشه إذا جعلت في أنفه الخشاش، وهي: الخزامة، وأراد بذلك أن يجعله كناية عن بيعته وهو مُكْرَهٌ من غير اختيار من جهة نفسه.
(حتى أبايع): أعطي في الطاعة والانقياد لمن له الأمر في الخلافة.
(فلعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت): يريد أنك جعلت هذا القول منك وارد على جهة الذم لي، وهو حقيقة مدح ومنقبة، وزيادة في الفضل وعلو في المرتبة.
(وأن تفضح فافتضحت): وأن تجعله عاراً علي في المخالفة وذماً لي، فكانت الفضيحة عليك إما بنقصك من لا ينبغي نقصه، وإما بذمك لي من غير جناية ولا استحقاق، وإما لجهلك بحاله وعدم تمييزه، فكانت الفضيحة عليك حاصلة من هذه الأوجه.
ثم أخذ في بيان ما قاله من ذلك بقوله:
(وما على المسلم من غضاضة): أي مذلة ومنقصة.
(في أن يكون مظلوماً): أي عار يلحقه في كونه مظلوماً.
(ما لم يكن شاكاً في دينه): على شك وزلزال من عقيدته.
(ولا مرتاباً بيقينه!): ولا(3) ريب يلحقه فيما هو متيقن له متحقق بحاله.
__________
(1) في (ب): ونذكر.
(2) في (ب): الخافض.
(3) في (ب): لاريب بغير واو.

(وهذه حجت‍ي إلى غيرك قصدها): أراد وهذه الحجج التي ذكرتها هي في الحقيقة متوجهة إلى غيرك؛ لأن الحق هو له على زعمك.
(ولكن‍ي أطلقت لك منها): أظهرت وجه الحجة منها.
(بقدر ما سنح من ذكرها): سنح الشيء إذا عرض، وأراد بمقدار ما عرض من لسانك في ذكرها.
(ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان): في خذلانه ونصرته والنصيحة له والاجتهاد في حقه، وغير ذلك مما يكون شداً لعضده وقياماً في حقه.
(فلك أن تجاب عن هذه): أي فأنت مستحق للجواب فيما قلته فيه.
(لرحمك منه): أي لقرابتك منه واختصاصك به، فإذا كنت منصفاً فانظر في حالي وحالك معه نظر منصف،
(فأينا كان(1) أعدى له): أعظم له في العداوة وأدخل فيها.
(وأهدى إلى مقاتله!): وأوضح طريقاً يهتدى بها ويسلكها من يريد مقاتله، والمقاتل: جمع مقتل، وهي أمكنة القتل.
(أمن(2) بذل له نصرته): عرضها عليه.
(فاستقعده واستكفه): طلب قعوده وكفه عن النصرة، وذلك هو الذي وقع من أمير المؤمنين، فإنه أراد الخروج في نصرته والذب عنه، فأرسل إليه بترك الخروج وكفه عنه.
(أم من استنصره فتراخى عنه): طلب النصرة من جهته، وحثه عليها فلم يفعل شيئاً من ذلك، بل تراخى، أي تقاعد عنه بإهمال النصرة وتركها.
(وبثَّ المنون إليه): المنون هو: الموت، وبثه أي نشره(3)، ووجهه إليه فخذله وأعمل رأيه في خذلانه.
(حتى أتى قدره عليه): وهو الموت بالقتل الذي قدره الله له وحتمه عليه.
(كلا والله): ردع وزجر أي ليس الأمر كما قال معاوية وزعم من أنه ناصر وأني(4) خاذل بل الأمر في ذلك كما حققته وأشرت إليه.
__________
(1) كان، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(2) في (ب) وشرح النهج: أمن، كما أثبته، وفي (أ): من.
(3) في (ب): نشره إليه.
(4) في (ب): وأنا.

(لقد علم الله(1) {الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ})[الأحزاب:18]: أورد هذه الآية إلى آخرها مثالاً بحاله(2) وحال معاوية فيما نقم من أمر عثمان، وأراد لقد علم الله المثبطين عن رسول الله وهم المنافقون، ({وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ}[الأحزاب:18]): من أهل الكفر والنفاق ({هَلُمَّ إِلَيْنَا}[الأحزاب:18]): اقربوا إلينا، واقعدوا معنا عن الرسول ({وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ}[الأحزاب:18]): أي الحرب ({إِلاَّ}): إتياناً ({قَلِيلاً}): لقعودهم عن ذلك وتثبيطهم(3) عنه، وما أحسن موقعها في حال أمير المؤمنين وحال معاوية ومطابقتها لما هما عليه.
(وما كنت لأعتذر من أني كنت أنقم عليه أحداثاً): منها توليته لأمور المسلمين من لا يصلح أن يكون متولياً لها نحو استعماله للوليد بن عقبة وقد ظهر منه شرب الخمر، واستعماله سعيد بن العاص وعبد الله بن أبي سرح مع ما يظهر من هؤلاء من قلة الدين وأنواع الفسق.
ومنها إعطاؤه لمروان ألف ألف دينار على فتح أفريقيه، وهذا تبذير في مال الله وإعطائه من لا يستحقه.
__________
(1) بداية الآية هكذا: {قد يعلم الله المعوقين...} إلى آخرها.
(2) في (ب): لحاله.
(3) في (أ): وتثبطهم.

ومنها إقدامه على أكابر الصحابة بالاستخفاف نحو ما كان منه إلى عبد الله بن مسعود، وأبي ذر، وعمار بن ياسر، وغيرهم من فضلاء الصحابة، وغير ذلك من المطاعن(1)، فهذه أحداث قد نقمها أمير المؤمنين عليه.
(فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايت‍ي له): إلى الحق ونصيحتي له في الله.
(فرب ملوم لا ذنب له): فهذا مثل(2) يضرب فيمن توجِّه إليه اللوم وهو عنه بريء.
ثم تمثل بالبيت:
(وكم سقت في آثاركم من نصيحة

وقد(3) يستفيد الظنة المتنصحُ):

ولنذكر إعرابه وموضع الشاهد منه:
أما إعرابه فهو ظاهر، كم(4) هذه هي الخبرية، وأراد كم يوم وكم سوق، ونصيحة تمييز، وقد هذه مفيدة للتقليل عند دخولها على الفعل المضارع، كقولهم: إن الكذوب قد يصدق، والظنة: التهمة، والمتنصح هو: الآتي بالنصيحة لغيره.
وأما موضع الشاهد فإنما أورده شاهداً على أني قد بذلت غاية النصح ولكني في ذلك متهم، فأشبه حالي فيما بذلته من النصح وجري التهمة حال هذا القائل من غير مخالفة، ثم تلا هذه الآية: (وما أردت(5) {إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ}): مبلغ جهدي وطاقتي.
__________
(1) عمَّا ذكره المؤلف من المطاعن التي طُعِنَ بها على الخليفة عثمان بن عفان انظرها بالتفصيل في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2/324-333، 3/3-69، وانظرها أيضاً في المصابيح في السيرة لأبي العباس الحسني ص283-294، والمغني لقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد 20/2/38-57.
(2) ذكره البحراني في شرح نهج البلاغة 4/392، ونسبه لأكتم بن صيفي.
(3) في نسخة: وكم، (هامش في ب).
(4) في (ب): وكم.
(5) لفظ أول الآية الشريفة هكذا: {إن أريد إلا الإصلاح ...إلخ}، وما هو مثبت هو كذلك في النسخ وشرح النهج.

({وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ})[هود:88]: فما أعجب موقعها في كلامه! وأحسن مكانها فيه!(1).
(وذكرت أنه ليس لي ولأصحابي عندك إلا السيف): يريد أن العتاب والمناصحة في جقهم لا ينفعان؛ وإنما النافع في حقهم هو السيف.
(فلقد أضحكت بعد استعبار): الاستعبار هو: ظهور العبرة والبكاء، وأراد أنك أضحكت بكلامك هذا كل من سمعه من جهتك، بعد بكائه على الدين لتصرفك فيه، وكونك أميراً عليه.
(متى أُلْفِيت(2) بنو عبد المطلب عن الأعداء ناكلين): نكل عن عدوه إذا جبن عن لقائه، وأراد متى لقوا يوماً متأخرين عن لقاء الأعداء ومكافحتهم.
(وبالسيوف مخوفَّين): ومتى ألفوا مخوفين عن لقاء السيوف ومزاحمتها.
ثم تمثل عليه السلام بقوله:
(لبِّث قليلاً يلحق الهيجا حمل

لا يأسَّ بالموت إذا حان الأجل)(3)

ولنذكر إعراب هذا الرجز، وموضع الشاهد منه:
أما إعرابه فهو ظاهر، الهيجا: هي الحرب تمد وتقصر، ويوم الهياج(4): يوم القتال، وحمل فيه روايتان:
أحدهما بالحاء المهملة، وذلك أن مالك بن زهير توعد حمل بن بدر، فقال حمل هذا البيت(5).
__________
(1) في (ب): منه.
(2) في شرح النهج: متى ألفيت بني عبد المطلب.
(3) البيت لحمل بن بدر (ذكره البحراني في شرح نهج البلاغة 4/393)، ورواية الشطر الثاني فيه:
ما أحسن الموت إذا الموت نزل
…وذكر البيت بلفظ المؤلف هنا الشريف علي بن ناصر الحسيني في أعلام نهج البلاغة -خ-، وابن هشام في السيرة النبوية 3/139 تحقيق عمر محمد عبد الخالق، وقوله هنا: لا يأس، في السيرة: لا بأس.
(4) في (ب): ويوم الهيجا.
(5) شرح نهج البلاغة للبحراني 4/393.

وثانيهما: بالجيم وذلك أن جمل بن سعد أغير على إبله في الجاهلية، فاستنقذها ممن أخذها، وهو يقول:
لبث قليلاً...
البيت(1)

وأما موضع الشاهد منه فإنما(2) أورده متمثلاً به كما كان حال من أنشأ البيت، وأراد أمير المؤمنين أرود بنفسك فكأنك ببني عبد المطلب، وقد وافوك عن قريب.
(فسيطلبك من تطلب): أراد أنك إذا اجتهدت في طلبهم ولقائهم فسيطلبونك أيضاً ويحبون لقاءك.
(ويقرب منك ما تستبعد): من وقوع الحرب، فأتى في الأول بمن لما كان مراده بني عبد المطلب، وأتى في الثاني بما لما كان مراده الحرب.
(وأنا مرقل نحوك): الإرقال: ضرب من الخبب(3) يكون في الخيل والإبل.
(في جحفل من المهاجرين والأنصار): الجحفل هو: الجيش العظيم، وقوله: من المهاجرين والأنصار يشير إلى ما هو عليه من الحق باتباع أهل البصائرله ، ويعرِّض بحال أهل الشام من أهل الجلافة والغلظة والجهل بالحال.
(والتابعين لهم بإحسان): في صحة البصائر وصدق الأسرار والضمائر عند الله تعالى.
(شديد زحامهم): أراد أن ازدحامهم(4) شديد لكثرتهم.
(ساطع قتامهم): مرتفع غبارهم.
(متسربلين سرابيل الموت): السربال هو: الملحفة الواسعة، واستعار ذلك ها هنا لما يكون في صدورهم من السعة والانشراح بالقتال.
(أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم): كنى بذلك عن شوقهم إلى الله تعالى وسماحتهم بمفارقة الدنيا.
(قد صحبتهم ذرية بدرية): أراد قد صحبهم أولاد آباؤهم من أهل بدر.
(وسيوف هاشمية):من بني هاشم أيضاً.
(قد عرفت مواقع نصالها): مواقع ضربها في هاماتهم ورءوسهم.
(في أخيك): حنظلة قتل يوم بدر.
(وخالك): الوليد بن عتبة.
__________
(1) أعلام نهج البلاغة -خ-.
(2) في (أ): وإنما.
(3) أي العدو.
(4) في (ب): زحامهم.

(وجدك): عتبة بن ربيعة.
(وأهلك) من بني أمية بن عبد شمس(1)، ثم تلا قوله تعالى:
({وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ})[هود:83]: يشير بذلك إلى معاوية وأحزابه من أهل الشام، ولقد صدَّق الله قوله بما كان في صفين وغيره من المشاهد.

(29) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى أهل البصرة
(وقد كان من انتشار حبلكم): كنى بذلك عن تفرقهم وتشتت آرائهم(2)، ومخالفتهم له.
(وشقاقكم): عنادكم وبعدكم.
(ما لم تَغْبُوا عنه): أي ليس خافياً عليكم ولا بكم عنه غباوة.
(فعفوت عن مجرمكم): بالصفح وتداركته عن العثور والزلل.
(ورفعت السيف عن مدبركم): ولم أجهز عليه، وأراد في هذا أني لم أتبعكم العساكر في آثاركم ولم أجهز الجيوش نحوكم.
(وقبلت من مقبلكم): ممن أقبل منكم بالعذر ولم أكذبه فيما قاله.
(فإن خطت بكم الأمور المردية): خطت بخاء بنقطة، وطاء منقوطة من أسفلها، أي تجاوزت بكم الأمور المهلكة.
(وسفه الآراء الجائرة): السفه: نقيض الحلم، وأراد نقصان الآراء المائلة عن الطريقة(3) المستقيمة.
(إلى منابذتي): بالحرب.
(وخلافي): إلى الباطل والغي.
(فها أناذا): على القرب منكم والملاصقة.
(قد قربت جيادي): الخيل المسومة، وسميت جياداً لما فيها من النفاسة.
(ورحلت ركابي): يريد جعلت على الإبل رحالها.
(ولئن ألجأتموني): اضطررتموني.
(إلى المسير إليكم): من أجل خلافكم وشقاقكم.
(لأوقعن بكم وقعة): اللام الأولى هي الموطئة للقسم، واللام الثانية هي الجواب للقسم.
(لا يكون يوم الجمل إليها): يريد ما كان من حرب عائشة وطلحة والزبير ، وركوب عائشة الجمل.
__________
(1) انظر سيرة ابن هشام 2/355-356، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 14/208-209.
(2) في (ب): أمرهم.
(3) في (ب): الطريق.

(إلا كلعقة لاعق): يشير إلى سهولة الأمر في اللعقة، فإذا كان يوم الجمل على عظمه، وتفاقم أمره هو بالإضافة إليها كلعقة لاعق، فكيف يكون حالها في ذلك.
(مع أني عارف لذي الطاعة(1) فضله): أراد وإن كنتم على خلافكم هذا فإني لا أنكر فضل أهل الطاعة منكم ولا أجحده.
(ولذي النصيحة حقه): يعني ومن كان ناصحاً لله تعالى وللمسلمين ولي، فإني أوفيه حقه من غير نقص له في ذلك، كما قال تعالى: {يُمَتّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ}[هود:3] فمعرفة الفضل لأهل الفضل حث لهم على فعله، وترغيب لغيرهم في مثل حالهم.
(غير متجاوز متَّهماً إلى بريٍّ): أراد أني لا أتجاوز عمن كان مطيعاً وناصحاً ولاأعدل عن أهل الطاعة والنصح إلى من كان متبرئاً عني.
(ولا ناكثاً إلى وفيِّ): يريد ولا أنكث بمن كان وافياً لي في عقوده ومعاملاته.

(30) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى معاوية
(فاتق الله فيما لدنك(2)): لدن من ظروف الأمكنة، وفيها لغات كثيرة، وقد تكون مضافة، قال الله تعالى: {مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ}[هود:1] {مِنْ لَدُنَّا}، ولا يدخل عليه من حروف الجر إلا من، وأراد
هاهنا اتق الله فيما في جهتك، ويتعلق بك من الأمور التي أنت مطالب بها ومحاسب عليها.
(وانظر في حقه عليك): من تأدية ماأوجبه عليك، والانكفاف عما نهاك عنه، فإن حق الله على العباد هو أن يطاع فلا يعصى، وأن يشكر فلا يكفر.
__________
(1) في شرح النهج: لذي الطاعة منكم.
(2) في (ب) وشرح النهج: لديك.

(وارجع إلى معرفة ما لا تعذر في جهالته(1)): يريد وارجع عن جهلك الذي استبدلته عما هو واجب عليك علمه والإحاطة بمعرفته، وغرضه من هذا الرجوع إلى طاعته والكف عن البغي والتعرض لسخط الله بإقامته، والدعاء إليه، والإصرار على الجهل فيه.
(فإن للطاعة أعلاماً واضحة): لا تلتبس على من أراد سلوكها.
(وسبلاً نيرة): منيرة لمن سار فيها.
(ومحجة نهجة): جادة ينهجها من أرادها.
(وغاية): الغاية: منتهى الأشياء.
(مطَّلبة): أي ذات طلب يطلبها من كان قاصداً لها، ومعنياً بتحصيلها وفعلها.
(يردها الأكياس): جعلها ها هنا كالمورد من الماء، ولهذا قال: يردها أي يقصدها، الأكياس: أهل الكياسة والعقل، وفلان كيس أي عاقل، والكيس: الظرف أيضاً، وفي الحديث: ((إن أكيس الكيس من نظر لنفسه، وعمل لما بعد الموت))(2).
(ويخالفها الأنكاس): أي ينكب عن طريقها الأراذل من الخلق، والنكس هو: الرجل الضعيف.
(من نكب عنها):عدل وجانبها.
(جار عن الحق): انصرف عنه ومال.
(وخبط في التيه): تاه إذا تحير وذهب في كل جهة.
(وغيَّر الله نعمته): من أجل صدوده عن الحق، وإعراضه عنه، {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}[الأنفال:53] من القيام بحدود الله وواجباته.
(وأحل به نقمته): أصابه بها وأوقعها به.
__________
(1) في شرح النهج: بجهالته.
(2) أخرج نحوه الإمام أبو طالب في أماليه ص437 تحت الرقم (561) من حديث بسنده يبلغ به إلى شداد بن أوس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله عزّ وجلّ)).

(فنفسك نفسك): إما تحذير أي أحذر نفسك أن تولجك في المكاره، واحذر اتباع هواها فإنه مهلكة لك، وإما إغراء، وأراد الزم نفسك عن التهور في العظائم والموبقات.
(فقد بيَّن الله لك سبيلك): أوضحه لك غاية الإيضاح.
(وحيث تناهت بك أمورك): في تعلق حيث وجهان:
أحدهما: أن يريد وقف حيث تناهت بك أمورك، ولا تتعدى ذلك وقف عنده.
وثانيهما: أن يكون مراده فقد بين الله لك سنتك(1)، وبين لك حيث تناهت بك الأمور أيضاً، وكشفه لك.
(فقد أجريت إلى غاية خسر): أراد فقد أجريت نفسك، أو يريد فقد أجريت خيلك إلى غاية الخسارة، وهي خسارة النفس بالبغي وركوب غاربه.
(ومحلة كفر): بنعم الله تعالى وكتمان سائر آلائه عليك.
(فإن نفسك قد أوحلتك(2) شراً): الوحل بالتحريك والحاء المهملة هو: الطين الرقيق، وأراد أن نفسك قد أوقعتك في وحل الشر ومكروهه.
(وأقحمتك غياً(3)): قحم نفسه وأقحمها قحوماً وإقحاماً إذا رمى بها من غير روية، وأراد أنه باتباع هواها أوقعته في خلاف الرشد وفي كل عماية.
(وأوردتك المهالك): جمع مهلكة وهي: موضع الهلاك.
(وأوعرت عليك المسالك): فلا يمكنك سلوكها لوعورتها، وامتناع المضي فيها، وفي هذا غاية النصح والبيان لمعاوية لو أفلح، ورجع عن جهله وأصلح {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً}[النساء:119].

(31) ومن وصيته للحسن بن علي عليهما السلام كتبها له بحاضر قنسرين منصرفاً من صفين
__________
(1) في (ب): سبيلك.
(2) في شرح النهج: أولجتك.
(3) غيا، زيادة في النهج.

وهي من أعجب الوصايا؛ لاشتمالهاعلى غرائب الحكم، وبدائع الأدب(1)، وقد قيل: إنه لو كان كلام يكتب بالذهب لكان هذا(2):
[بسم الله الرحمن الرحيم](3)
(من الوالد الفانِ): أي الهالك، وطرح الياء من الفان من أجل المشاكلة في التسجيع(4).
(المقر للزمان):بالتغير(5) والنفاد والتحول والانقلاب.
(المدبر العمر): الذي قد تولَّى عمره، وذهب يوماً فيوماً، وساعة فساعة.
(المستسلم للدهر): المنقاد له وما يحدث فيه من التغيرات، والتقلُّبات العظيمة.
سؤال؛ هل من تفرقة بين الدهر والزمان كما أشار إليه ها هنا؟
__________
(1) وانظر وصية أمير المؤمنين عليه السلام لولده الحسن عليه السلام وأسانيدها وطرقها في كتاب الاعتبار وسلوة العارفين للموفق بالله ص559-573.
(2) ومثله مذكور في الاعتبار ص560 بلفظ: ولو كتبت حكمة بماء الذهب لوجب أن تكتب هذه ويستضاء بها وبدراستها
(3) زيادة في نسخة، ذكره في هامش (ب) وقال: صح.
(4) وزاد ابن أبي الحديد وجهاً آخر في شرح النهج 16/52 فقال: ولأنه وقف، وفي الوقف على المنقوص يجوز مع اللام حذف الياء وإثباتها، والإثبات هو الوجه، ومع عدم اللام يجوز الأمران وإسقاط الياء هو الوجه. انتهى.
(5) في (ب): بالتغيير.

وجوابه؛ أما من جهة اللغة والشرع فلا فرق بينهما؛ فإن ماهية أحدهما هي ماهية الآخر، وذكر بعضهم(1) تفرقة عقلية وليس ورائها كثير فائدة، وحاصل كلامه هو أن الزمان عبارة عن حركة الفلك، ويعرض لها أمران:
أحدهما: يكون باعتباره زماناً، وذلك يكون باعتبار تقدمها وتأخرها، فهي من هذا الوجه زمان لانقسامها في نفسها باعتباره إلى متقدم ومتأخر.
وثانيهما: يكون باعتباره دهراً، وذلك بالإضافة إلى مطلق استمرار الحركة، وأنها لا تنفك، فهي من هذا الوجه دهر.
__________
(1) هو الشريف علي بن ناصر الحسيني قاله في أعلام نهج البلاغة -خ- حيث قال ما لفظه: والفرق بين الزمان والدهر أن الزمان هو حركة الفلك من جهة انقسامها إلى متقدم ومتأخر، والأمور الموجودة إما أن يكون فيها تقدم أو تأخر كجميع أنواع الحركات والتغيرات، وإما أن لا يكون، بل تكون ثابتة مستمرة الوجود، فالذي فيه تقدم وتأخر يكون وجوده في زمان لا محالة، ويكون وجود المتقدم منه مطابقاً لزمان، ووجود المتأخر منه مطابقاً لزمان آخر، وأما الذي ليس فيه تقدم وتأخر بوجه من الوجوه بل له وجود ثابت مستمر لا تغيّر فيه البتة فإنه لا يكون موجوداً في الزمان بل وجوده بعينه كما هو مطابق لكل آن بعد آن على الاتصال، ويقال لمثل هذا: ليس موجوداً في الزمان، وإن كان موجوداً في الزمان، وفرق بين قولنا: موجود في الزمان، وبين قولنا: موجود مع الزمان، فإنا موجودون مع أشياء كثيرة، ولسنا موجودين فيها، فإذا كان الشيء له من جهة تقدم وتأخر مثلاً من جهة ما هو متحرك، وله من جهة أخرى لا يقبل بها التقدم والتأخر مثلاً من جهة ما هو ذات وجوهر فهو من جهة ما لا يقبل تقدماً وتأخراً ليس في زمان، وهو من الجهة الأخرى في زمان. انتهى.

(الذام للدنيا): الناقص لها في كل أحوالها، والمزري عليها في جميع أمورها، وإليه الإشارة بقوله: (أناً كابُّ الدنيا)، وقد شرحناه.
(الساكن مساكن الموتى): يعني القبور؛ لأنه عن قريب وقد صار إليها.
(الظاعن منها(1) غداً): المنتقل منها على القرب.
وقوله: من الوالد الفان، خبر مبتدأ متعلق بمحذوف(2) تقديره: كتابي هذا من الوالد.
(إلى المولود): وهذا هو الخبر، وأراد بالمولود يشير إلى أنه بعضه(3) بالولادة منه؛ لكونه مخلوقاً من مائه.
(المؤمل ما لايدرك): من أغراضه ومقاصده من الدنيا.
(السالك سبيل من قد هلك): الحاصل في طريقهم، والعابر في معابرهم(4).
(غرض الأسقام): الغرض بالغين والضاد المنقوطين هو: ما يُرْمَى، وأراد أنه كالغرض ترميه الأسقام بسهامها.
(ورهينة الأيام(5)): أراد أن كل نفس فهي(6) مرتهنة عند الأيام لا يفكها إلا الموت.
(ورمية المصائب): أي لا تزال المصائب ترميه حتى تهلكه.
سؤال؛ أراه ذكَّر الغرض وأنَّث الرهينة والرمية، وكلها راجعة إلى المولود فهل له وجه في ذلك؟
__________
(1) في شرح النهج: عنها.
(2) في (ب): خبر مبتدأ محذوف...إلخ.
(3) في نسخة أخرى: يقضي.
(4) في (ب): والغابر في مغابرهم، فيجوز أن يكون تصحيفاً، ويجوز أن يكون الغابر بمعنى الماضي أو الباقي لأن غبر من الأضداد يقال: غبر الشيء بمعنى بقي، وغبر أيضاً بمعنى مضى.
(5) في (ب): الآثام.
(6) فهي، سقط من (ب).

وجوابه؛ أما الغرض فإنه اسم مذكر لامحالة فلا وجه لتأنيثه، وأما الرهينة والرمية فليستا بتأنيثي رهين ومرمي، لأن(1) فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث نحو: جريح وقتيل، وإنما هما اسمان بمعنى الرهن والرمي كالشتيمة بمعنى الشتم، ويمكن أن يقال: إنه أراد بالمولود النفس وهي مؤنثة، وفعيل بمعنى مفعول إنما(2) يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا كان معه موصوفه، كما يقال: امرأة جريح ورجل جريح، فأما إذا لم يكن معه موصوفه أُنِّث لا محالة، ولهذا تقول: مررت بقبيلتهم فتؤنثه بلا مرية، فلما أراد بالرهينة والرمية النفس،ولم يذكر موصوفه أنَّثه كما ترى.
(وعبد الدنيا): لكونه ساعياً بالجد والاجتهاد في شهواتها، كما يسعى العبد في خدمة سيده ومولاه.
(وتاجر الغرور): يريد أن تصرفه فيما هو فيه تصرف المغرور.
(وغريم المنايا): فهي لا تزال طالبة له حتى تأتي عليه.
(وأسير الموت): يأسره ويقبض عليه بالإهلاك والفناء.
(وحليف الهموم): أخوها والملازم لها، وفي الحديث: ((أنه عليه السلام حالف بين قريش والأنصار))(3) أي آخا بينهم؛ لأنه لا حلف في الإسلام.
(وقرين الأحزان): المقارن لها حتى لا تنفك منه أبداً؛ لكثرة ما يعرض من البلايا والأسقام.
__________
(1) في (أ): لا فعيلاً ...إلخ.
(2) في (ب): وإنما.
(3) النهاية لابن الأثير 1/424.

(ونَصْب الآفات): النصب بتحريك العين هو: التعب والمشقة، قال الله(1) تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ}(2)[التوبة:120]، والنصْب بسكون العين: ما نصب لِيُعْبَدَ من دون الله(3)، قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ}[المعارج:43]، والنُصب بضم الفاء: الشر والبلاء، قال تعالى {أَنّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}[ص:41] ونصبت الشيء نصباً إذا أقمته، وسماعنا ها هنا بفتح الفاء وسكون العين أي أنه منصوب لعروض الآفات عليه.
(وصريع الشهوات): أراد(4) أنها تلقيه على وجهه لكثرة المواظبة عليها(5).
(وخليفة الأموات): على ما كان بعدهم من تراثهم؛ لأن أكثر ما في يده حاصل من جهة غيره خلَّفه له وصدر عنه.
(أما بعد، فإن فيما تبيَّنت من إدبار الدنيا عن‍ي): توليها وانقطاعها من يدي بالموت والإسراع إلى الفناء.
(وجموح الدهر عليَّ): جمح الفرس إذا لم يملك صاحبه رأسه، وأراد أنه متوثب عليه كثير النزو بالبلايا والفجائع والشرور.
(وإقبال الآخرة إليَّ): بأعباءها وأهوالها، والعظائم التي تكون فيها.
(ما يزعن‍ي عن ذكر من سواي): ما هذه موصولة، وهي في موضع نصب اسماً لأن قبلها، ويزعني يكفني(6) عن أن أكون ذاكراً لغيري، وأراد أن في نفسه شغلاً له عن التعلق بغيرها من أفناء الخلق.
__________
(1) الله، زيادة في (ب).
(2) وردت الآية -في النسختين هكذا: (ذلك بأنه لا ينالهم نصب) وهو سهو من النساخ، والصواب كما أثبته من المصحف الكريم.
(3) في (ب): من دون الله تعالى.
(4) في (ب): يريد.
(5) عليها، سقط من (ب).
(6) في (أ): كفني عن أن تكون.

(والاهتمام بما ورائي): الاهتمام افتعال من الهمِّ، وأراد أن همَّ نفسي يكفيني عن همِّ من بعدي.
(غير أني حيث(1) تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي): غير ها هنا منصوبة على الاستثناء المنقطع، وأراد لكن حيث كنت متفرداً بذكر هموم نفسي وما يعنيني أمره من أمر نفسي وحدها.
(فصدَّقن‍ي رأيي): لما شغلت نفسي بأمرها.
(وصرفن‍ي عن هواي): ذكري لأحوالها وأمورها .
(وصرح لي محض أمري): المحض من الشيء: خالصه، وأراد أنه تمحض لي خالص أمري من ذلك، واستظهرت على حقيقة الأمر فيه.
(فأفضى بي): الفاعل في أفضى مضمر تقديره: عائد علىالرأي، أي أخرجني، من قولهم: أفضينا إلى الصحراء، وأفضيت بسري إلى فلان، وأراد أخرجني بعد ذلك:
(إلى جد): من الأمر.
(لا يكون(2) فيه لعب): يخالطه ويمازجه بل هو(3) خالص عن ذلك.
(وصدق لا يشوبه كذب): يتعلق به زُوْرٌ ولا يخالطه.
(وقد وجدتك بعضي): يشير بها إلى أن ولد الإنسان هو كبده وفؤاده(4)، وعن بعضهم: من أراد أن ينظر إلى كبد تمشي على الأرض فلينظر إلى ولده(5)، ولقد أحسن من قال:
وما ولد الإنسان إلا فؤاده

يرفرف ما بين الجوانح والصدر

إذا مات ولى القبر نصف فؤاده

وعاد بنصف القلب والنصف في القبر

(بل وجدتك كلي): نفسك نفسي، وأمرك أمري.
__________
(1) في نسخة: حين، (هامش في ب).
(2) في نسخة: لايزري به، (هامش في ب).
(3) هو، سقط من (ب).
(4) وعن هذا قال بعض الشعراء:
وإنما أولادنا بيننا

أكبادنا تمشي على الأرض

لو هبت الريح على بعضهم

لامتنعت عيني من الغمض

(5) وقد نظمه بعضهم شعراً أنشده الرياشي:
من سره الدهر أن يرى الكبدا

يمشي على الأرض فلير الولدا

(شرح ابن أبي الحديد 16/62).

ثم بيَّن مصداق ذلك على جهة التعليل، بقوله(1):
(حتى كأن شيئاً لو أصابك): من خير وشر، ومحمود ومكروه.
(أصابن‍ي): وقع فيَّ وضامني.
(وكأن الموت لو أتاك): با شرك وخالطك.
(أتاني): باشرني وخالطني.
(فعناني): أي أهمَّني، من قولهم: اعتنيت(2) بحاجتك أي اهتممت بها، وفي الحديث: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) أي يهمُّه.
(من أمرك ما يعنين‍ي من أمر نفسي): أي من حالك وإصلاحه ما يهمني من إصلاح أمري وشأني.
(فكتبت إليك كتابي هذا): عهدت إليك هذا العهد، وأوصيت إليك بهذه الوصية.
(مستظهراً به): أي مستعيناً، من قولهم: استظهرت بفلان على الأمر إذا استعنت به عليه.
(إن أنا بقيت أو فنيت): فهو في كلتا الحالتين استعانة واستظهار، وقوة على أمرك في الدين والدنيا، وإصلاح في الآخرة والأولى، وإنه لكتاب بالغ في استنهاض الحكم الدينية، وغاية في الوصول إلى المنافع الأخروية، ولا يكاد يبلغ كُنْهِ حاله ويستولي على أسراره ويقع في نفسه غاية الوقوع؛ إلا من ظفر من الزهادة وخوف الله بحظ وافر، وكان له في الإعراض عن الدنيا، والإقبال إلىالآخرة نصيب كابر(3).
(فإني أوصيك أي بن‍ي): التصغير ها هنا إما للترحم كقوله عليه السلام: ((أصيحابي أصيحابي))(4)، وإما لتقريب ما بينهما من المنزلة، كقولك(5): هذا أصيغر من ذاك.
(بتقوى الله ولزوم أمره): مراقبته في السر والعلانية، وملازمة أمره بامتثاله والمسارعة في فعله.
__________
(1) بقوله، سقط من (ب).
(2) في (ب): أعنيت.
(3) أي كبير.
(4) في (أ): أصحابي أصيحابي.
(5) في (ب): كقوله.

(وعمارة قلبك بذكره): يشير إلى قوله تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}[الرعد:28] وقوله تعالى: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الزمر:23]، وفي الحديث: ((ذاكر الله في الغافلين كشجرة خضراء في وسط الهشيم))(1)، وفي حديث آخر: ((من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ أعظم منه))(2)، وفي حديث آخر: ((أفضل ما قلته وقاله الأنبياء قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له))(3).
(والاعتصام بحبله): فيه وجهان:
__________
(1) رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج 1/153، وهو بلفظ: ((ذاكر الله في الغافلين مثل الشجرة الخضراء في وسط الشجر الذي قد تحات ورقه)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/54 وعزاه إلى حلية الأولياء6/181، وانظر مسند شمس الأخبار 1/340 الباب (54).
(2) عزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8/270 إلى مسند أحمد بن حنبل2/354،405. قلت: وهو في مسند أحمد بن حنبل برقم (8296) وبرقم (8886) بسنده عن أبي هريرة مع اختلاف يسير في آخره، ورواه من حديث ابن أبي الحديد في شرح النهج10/154، واللفظ في أوله: ((إذا ذكرني عبدي في نفسه ...))إلخ.
(3) الحديث بلفظ: ((أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 2/68 وعزاه إلى سنن الترمذي (3585)، والسنن الكبرى للبيهقي 4/89،289، 5/117، وإتحاف السادة المتقين4/371،373، 5/10، وكشف الخفاء1/172، (وله فيها شواهد أخر انظرها هناك).

أحدهما: أن يريد تمسكوا بالدين الذي هو حبل الله وامتنعوا به عن عذابه ، ومنه عصام القربة وهما ما تشد به لِتُحمل(1)، وهو السير(2) الذي تُحْمَلُ به.
وثانيهما: أن يكون مراده تحفظ بلطف الله الذي هو حبله عمَّا يعرض لك من الأمور الهائلة، أخذاً من قولهم: عصمت المال فانعصم أي حفظته فاحتفظ، وأراد في هذا كله اللجأ إلى الله تعالى في كل أموره، والاستناد إليه، ولهذا قال بعده:
(وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله): لأن سائر الأسباب كلها منقطع إلا هو، وإنها يخشى عليها التغير(3) إلا ما كان من جهة الله تعالى.
(إن أنت أخذت به!): في أمورك كلها، واعتمدت عليه في كل أحوالك، وعوَّلت عليه.
(أحي قلبك بالموعظة): يريد أن إغفاله عن الموعظة إقبال على الدنيا وهو موت، وتذكيره أحوال الماضين والاتعاظ بهم هو إقبال على الآخرة وهو نفس الحياة.
(وأمته بالزهادة): عن ذكر الدنيا والإقبال عليها، والتعرض لها.
(وقوِّه باليقين): بالتحقق للأمر والقطع به، وأن المقصود هوالآخرة والعمل لها.
(ونوِّره بالحكمة): باكتساب الآداب والتخلق بها والمواظبة عليها.
(وذل‍لِّه بذكر الموت): عن جموحه ونزواته، وفي الحديث: ((لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه: الفقر، والمرض، والموت))(4) وهو أعظمها وأهولها وأدخلها في الصِّغار والذلة.
(وقرره بالفناء): سكّنه عمَّا ينزع إليه.
سؤال؛ أي قرار للقلب في ذكر الفناء كما أشار إليه هاهنا؟
__________
(1) في (ب): للحمل.
(2) السير: الذي يقطع من الجلد.
(3) في (ب) وفي نسخة أخرى: التغيير.
(4) ذكره الإمام الموفق بالله في الاعتبار ص108 في باب إيثار البلاء على الرخاء والشدة على النعمة، ولم يشر إلى قائله، بل اكتفى بقوله: ولبعضهم، فذكره بلفظه.

وجوابه؛ هو أن الإنسان إذا تذكر حاله في الفناء فإنه يُنْزِعُ عمَّا يختلج في قلبه من الإسراع إلى الدنيا، والإقبال عليها، ويسكن ما يضطرب في جوانح صدره من ذلك، فلهذا قال: قرره بالفناء، يشير إلى ما ذكرناه.
(وبصِّره فجائع الدنيا): أعرض عليه ليرى مصائب الدنيا بأهلها وأخذها لأرواحهم وسلبها لما في أيديهم من النعم واللذات، وتغيرها عليهم في كل أحوالها.
(وحذِّره صولة الدهر): صال الجمل يصول إذاغلب وقهر، وأراد كن على حذر من قهره وغلبانه، فإن له صولات لا تُرَدُّ، ووثبات لا تُدْفَعُ.
(وفحش تقلب الليالي(1)): كل شيء جاوز الحد في المبالغة فهو فاحش، ومنه الفاحشة لأنها جاوزت الحد في القبح والشناعة، قال طرفة:
عقيلة مال الفاحش المتشدد(2)

أراد الذي جاوز الحد في البخل.
(وأعرض عليه أخبار الماضين): من الأمم الماضية والقرون الخالية ممن ترأس وساد، وجمع الجيوش والعساكر وقاد.
(وذكِّره بما أصاب من كان قبلك من الأولين): من العقوبات العظيمة، والنوازل الباهرة(3)، والحوادث المفرِّقة.
(وسر في بلادهم(4) وآثارهم): فالبلاد مُدَعْثَرَة، والآثار منطمسة.
(فانظر(5) ما فعلوا): من الأفعال، فإنها مكتوبة محفوظة عليهم، ما يغادر منها صغيرة ولا كبيرة.
__________
(1) في (ب) وشرح النهج: وفحش تقلب الليالي والأيام.
(2) لسان العرب 2/1057، وصدره:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي
(3) أي الغالبة من بهره إذا غلبه.
(4) في شرح النهج: ديارهم، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(5) في نسخة: وانظر، (هامش في ب). وقوله هنا: (ما)، في شرح النهج: (فيما).

(وعمَّا انتقلوا): من المساكن الرفيعة، والقصور المشيدة، والمراتب العالية، والأموال والكنوز والذخائر.
(وأين حلوا ونزلوا‍): في القبور والأجداث، ثم أوضح ذلك بقوله:
(فإنك تجدهم انتقلوا عن الأحبة): من الأولاد والبنين والزوجات والأمهات والآباء.
(وحلوا ديار الغربة): حيث لا أنيس معهم ولا مصاحب يؤنسهم، في قبور خالية وأماكن وحشة.
(وكأنك عن قليل وقد صرت كأحدهم): كالواحد منهم في الموت والفناء والتغيروالزوال.
(فأصلح مثواك): موضع إقامتك.
(ولا تبع آخرتك بدنياك): أراد ولا تجعل دنياك عوضاً عمَّا يحصل لك في الآخرة، فإن الدنيا منقطعة، والآخرة باقية دائمة.
(ودع القول فيما لا تعرف): أراد أن القول فيما لا يعرف الإنسان حاله هو الجهل بعينه.
(والخطاب فيما لا(1) تكلّف): فإن الخطاب فيما لم يرد على الإنسان فيه تكليف يكون لا محالة رمي في العماية، وخبط في الجهالة، وعبث لا فائدة تحته.
(وأمسك عن طريق): تترك السلوك لها.
(إذا خفت ضلالته): إذا كنت لا تأمن وقوعك منها في المحذور في الدين.
(فإن الوقف(2) عند حيرة الضلال): عند التحير والارتباك في المكاره العظيمة.
(خير من ركوب الأهوال): أهون من الخوض في الأهوال العظيمة وارتكابها.
(وأمر بالمعروف): حض على فعله، وحث على الإتيان به.
__________
(1) في شرح النهج: لم.
(2) في شرح النهج: الكف.

(تكن من أهله): من المنسوبين، والمعزوين إليه، وفي الحديث:((أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة))(1).
(وأنكر المنكر): إِنْهَ عنه وأبعد غاية البعد.
(بيدك): أي وغيَّره بيدك وهو الكفُّ عنه.
(ولسانك): بالنكير عليه، والتعنيف على من فعله.
(وباين من فعله بجهدك): المباينة هي: المباعدة، وأراد البعد عنه بقدر الطاقة، والإمكان منك.
(وجاهد في الله حق جهاده): القدر الذي يتوجه من جهتك من حقه من جهاد النفس على فعل الطاعة، وجهادها على الانكفاف عن المعصية، والجهاد بالدعاء(2) إلى الله تعالى بالعلم، وجهاد(3) أعداء الله بالسيف، فهذه الأوجه كلها جهاد.
(ولا تأخذك في الله لومة لائم): أراد أنك لا تخشى فيما يكون متعلقاً بحق الله من أحد ملامة، فتترك حق الله من أجل ما يلحقك من اللوم، ولقد مدح المؤمنين في جهادهم بقوله:
{يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ}[المائدة:54].
(وخض الغمرات إلى الحق): الغمرة: كثرة الماء، والغمرة: الزحمة من الناس، وأراد اقتحم الأمور الشديدة إلى نيل الحق وبلوغه.
(حيث كان): لايحجزك عن نيله بُعْدُ مكان، ولا حزونة طريقة(4).
__________
(1) الحديث بلفظ: ((المعروف معروف كاسمه، وأهل المعروف في الدنيا كأهل المعروف في الآخرة)) أخرجه الإمام الموفق بالله في الاعتبار ص628 برقم (502) بسنده عن الوليد بن صالح (انظر تخريجه فيه) وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 4/12 إلى المستدرك1/124، ومجمع الزوائد7/262،263، ومصنف ابن أبي شيبة8/361، وحلية الأولياء9/319 وعزاه أيضاً إلى غيرها من المصادر.
(2) في (ب): الدعاء.
(3) في (ب): وجاهد، ولعله تحريف.
(4) في (ب): طريق.

(وتفقَّه في الدين):تفهَّم ما يهمك ويعنيك من أمره، وفي الحديث: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))(1) أي يعلِّمه(2) معالمه، ويرشده إلى طرائقه(3).
(وعوَّد نفسك الصبر على المكروه): أراد تعويد النفس وتمرينها على احتمال الأذى، وتحمل المكاره فإن ذلك يقود إلى كل خير، وفيه التشبُّه بأخلاق النبوة، وفي الحديث: ((الصبر أعظم جنود المؤمن))(4) لأنه يغلب به كل من قاومه، وأراد المكر به.
(ونعم الخلق التصبُّر): التصبُّر هو: تكلُّف الصبر.
__________
(1) أخرجه الإمام المرشد بالله في الأمالي الخميسية 1/47 بسنده يبلغ إلى عبد الله بن عباس، وص46 بسنده عن عبد الله، بزيادة في آخره: ((ويلهمه رشده))، وللحديث مصادر كثيرة جداً انظرها في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8/616.
(2) في (أ): يعلِّم.
(3) في (ب): طريقه.
(4) أخرج قريباً منه الإمام المرشد بالله في الأمالي الخميسية 1/68 من حديث للإمام علي عليه السلام، أخرجه بسنده عن عباس بن بزيغ الأزردي قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام: (العلم خليل المؤمن، والعقل دليله، والحلم وزيره، والرفق قيده، والصبر أمير جنوده...) إلى آخر الحديث، وروى مثله ابن أبي الحديد في شرح النهج 11/203 مع اختلاف يسير، ولم ينسبه لقائل معين بل قال: وفي الخبر، فذكر الخبر بلفظ المرشد بالله.

وسئل عليه السلام عن الإيمان؟ فقال: ((الصبر، والسماحة))(1)، وفي الحديث: ((التصبُّر كنزٌ من كنوز البر))(2).
وعن ابن عباس رضي الله عنه: الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه:
صبر على أداء الفرائض لله وله ثلاث مائة درجة.
وصبر عن محارم الله، وله ثلاث مائة درجة.
وصبر في المصيبة عند الصدمة الأولى وله تسعمائة درجة(3).
__________
(1) أخرجه الإمام المرشد بالله في الأمالي الخميسية 2/194 بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري، ورواه في شمس الأخبار 2/136 الباب (134) وعزاه إلى أمالي السمان، وهو في شرح النهج لابن أبي الحديد 11/203 وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/378 إلى مسند أحمد بن حنبل4/385، ومجمع الزوائد للهيثمي1/59، ومصنف ابن أبي شيبة11/33، ومسند الربيع بن حبيب3/6، وإتحاف السادة المتقين8/171، 9/5 وإلى غيرها من المصادر.
(2) الحديث بلفظ: ((الصبر كنز من كنوز الجنة)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي4/378 وعزاه إلى إتحاف السادة المتقين9/5، والمغني عن حمل الأسفار للعراقي4/60، وكشف الخفاء 2/27 وإلى غيرها.
(3) أورد خبر ابن عباس القاضي العلامة محمد بن مطهر الغشم في رضا رب العباد ص317، وفيه اختلاف عما هنا في قوله: وصبر عن محارم الله وله ثلاثمائة درجة، فالعبارة في رضا رب العباد: وصبر على محارم الله وله ستمائة درجة، وقول ابن عباس رضي الله عنهما هو من مضمون حديث نبوي شريف ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، رواه القاضي العلامة علي بن حميد القرشي في مسند شمس الأخبار 2/133-134، عن علي عليه السلام.

وإن نفَّس الله لي في المهلة، وزاد لي في الأجل ذكرت حقيقة الصبر وأسبابه، وكيفية اكتسابه، في شرحي لكتاب (المصباح) للصادقعليه السلام، في علم التصوف، وسلوك طريق الآخرة، فالنية صادقة في ذلك(1) بمعونة الله تعالى(2).
(ألجئ(3) نفسك في الأموركلها إلى إلهك): أراد فوّضها في التدبير إليه، ولا تكلِّف نفسك ما لا تطيقه من تدبيرها(4)، فهو كافيك في ذلك كله.
(فإنك تلجئها إلى كهف حريز): لا يمكن الوصول إليه.
(ومانع):لك عن كل محذور.
(عزيز): لا يضام ولا يهضم من كان ناصراً له.
(وأخلص في المسألة لربك): أراد أنك إذا سألت الله مسألة، فمن آداب الدعاء فيها هو الإخلاص فيها، والعلم بأنه لا قضاء لها إلا من جهته، ولا يقدر عليه أحد سواه، أو أراد إذا سألت مسألة من جهة الله فاقطع واجزم ولا تردد نفسك، وفي الحديث: ((إذا سأل الله أحدكم مسألة فليجزم فيما يسأل(5) فيه))(6).
(فإن بيده العطاء): لمن يحب.
__________
(1) في ذلك، سقط من (ب).
(2) تعالى، سقط من (أ).
(3) في (ب) وشرح النهج: وألجئ نفسك في أمورك كلها ...إلخ.
(4) في (ب): من تدبيرك.
(5) في (ب): يسأله.
(6) للحديث شاهد أخرجه الإمام المرشد بالله في الأمالي الخميسية 1/223 بسنده إلى أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا دعا أحدكم فليعزم بالدعاء، ولا يقول: اللهم، إن شئت فأعطني فإن الله لا مستكره له))، وبلفظ: ((إذا دعا الله أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة ويعظم الرغبة، فإن الله تعالى لا يتعاظم شيء أعطاه)) رواه في مسند شمس الأخبار 1/361 الباب (59) وعزاه إلى أمالي قاضي القضاة، وانظر تخريجه فيه.

(والحرمان): لمن يريد، قال الله تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ}[فاطر:2] أبداً.
(وأكثر الاستخارة): يروى بالخاء أي اطلب الخيرة من الله تعالى في جميع أمورك(1) كلها.
وفي الحديث: ((أن الرسول عليه السلام كان يلقننا الاستخارة؛ كما يلقننا السورة من القرآن))(2).
وبالجيم أيضاً، وأراد وأكثر(3) ما تستجير بالله في جميع أحوالك من مهمات الدين والدنيا؛ فإنه لا تُسْتَدْفَعُ البلايا إلا بلطفه وحفظه.
(وتفهم وصيت‍ي): تحققها وتعقَّل ما تضمنتها.
(ولا تذهبن عنك(4) صفحاً): ذهب عن الشيء صَفْحاً إذا أعرض عنه.
(فإن خيرالقول ما نفع): صاحبه وظهرت فيه علاماته.
__________
(1) في (ب): الأمور.
(2) أخرج الإمام أبو طالب في أماليه 336-337 برقم (356) بسنده عن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن أبيه، عن جده، عن أبيه “ قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أصحابه الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن ....)الحديث، ورواه الإمام الهادي إلى الحق في الأحكام2/532 بلاغاً.
(3) في (ب): أكثر بغير واو.
(4) عنك، زيادة في (ب) وشرح النهج.

(واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع): صاحبه في دينه ولادنياه، ولهذا فإن الرسول [عليه السلام](1) كان يعوذ بالله من العلم الذي لا ينفع، فكان(2) يقول في دعاءه: ((أعوذ بك من علم لا يَنْفَعُ، ومن قلب لا يَخْشَعُ، ومن عين لا تَدْمَعُ، ومن دعاء لا يُسْمَعُ، أعوذ بك من شرِّ هذه الأربع))(3).
(ولا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لا يَحقُّ تَعَلُّمُهُ): أراد أن كل ما لا يجب تعلُّمه من العلوم؛ فإنه لا ينتفع به صاحبه، وعلى هذا يكون أنفع العلوم أوجبها فرضاً، وأعظمها وجوباً.
ثم حثَّه بعد ذلك على فعل خصال ينتفع بها، بقوله:
(أي بن‍ي(4)، لما رأيتن‍ي قد بلغت سناً): أفعال القلوب نحو: علمت ورأيت يجوز الجمع فيها بين ضميري الفاعل والمفعول، فتقول: رأيتني وعلمتني، وأراد أني قد كبرت، والسنُّ: أكبر العمر.
(ورأيتن‍ي أزداد وَهْناً): ضُعْفاً كلما دخلت في السنِّ ونقصت أيامي.
(بادرت): عاجلت.
(بوصيت‍ي إياك خصالاً(5)): الخصلة هي: الخلة من خير أو شر، قال الكميت:
سبقت إلى الخيرات كل مناضل

وأحرزت بالعشر الولاء خصالها(6)

(منها أن يعجل بي أجلي): يسبق عليَّ الموت.
(دون أن أفضي إليك بما في نفسي): أظهره لك وأحثك على فعله.
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) في (ب): وكان.
(3) أخرجه الإمام أبو طالب في أماليه ص332 برقم (343) بسنده يبلغ به إلى أنس: أن النبيصلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو بهذه الدعوات: ((اللهم، إني أعوذ بك من علم لاينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع، ثم يقول: اللهم، إني أعوذ بك من هؤلاء الأربع)).
(4) في شرح النهج: أي بني، إني لما رأيتني ...إلخ.
(5) في شرح النهج: بادرت بوصيتي إليك وأوردت خصالاً منها قبل أن يعجل بي أجلي.
(6) لسان العرب 1/842.

(وأن(1) أنقص في رأيي): بالضعف والوهن.
(كما نقصت في جسمي): بالهزال والشيخوخة والهرم.
(أو يسبقن‍ي إليك بعض غلبات الهوى): بعض الأهواء الغالبة.
(وفِتَن الدنيا): ما يفتتن به الإنسان من خير يلهي أو شر أو غير ذلك من البلاوي.
(فتكون كالصعب النفور): كالبعير الذي صار فحلاً غير ذلول لا يطاق عليه.
(وإنما قلب الحدث): الصغير من الرجال.
(كالأرض الخالية): عن سائر النباتات الطيبة.
(ما ألقي فيها من شيء قَبِلتُهُ): نبت فيها على أحسن هيئة وأجملها وأحمدها في المنظر والمرأى.
(فبادرتك بالأدب): بالتذكير والموعظة.
(قبل أن يقسو قلبك): عن قبول المواعظ(2)، فلا يقبل شيئاً منها.
(ويشتغل لبك): أي عقلك بغيرها مما لا فائدة فيه ولا منفعة وراءه.
(لتستقبل): تعليل لقوله: بادرتك من أجل أن تستقبل.
(بجد رأيك من الأمر): أعلاه وأقواه وأعظمه تبصرة في الأمور.
(ما كفاك(3) أهل التجارب بغيته(4)): ما هذه موصولة في موضع نصب على المفعولية، أي تستقبل ما قد فرغ أهل الخبرة عن طلبه وتحصيله.
(وتجربته): الخبرة فيه والتحقق بحاله(5).
(فتكون): نصب عطفاً على قوله: لتستقبل، أو رفع على الاستئناف، أي وأنت تكون:
__________
(1) في شرح النهج: أو أن.
(2) في (ب): الموعظة.
(3) في شرح النهج: ما قد كفاك.
(4) في (ب): تعبه.
(5) في (ب): لحاله.

(قد كفيت مؤونة الطلب): المؤونة فعولة من الأوْن، وهو: الخُرج(1)؛ لأنها تثقل الإنسان وتتعبه، وفي الحديث: ((تكون المعونة على قدر المؤونة))(2)، تهمز ولا تهمز، وأراد أنك تكفى ثقل الطلب وكلفته.
(وعوفيت من علاج التجربة): المعافاة هي: المسالمة، وأراد أنك قد سولمت من علاج أهل التجارب.
(فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه): أراد فجاءك على سهولة من غير مشقة وعلاج، ما قد كنَّا نعالج ويشقُّ علينا مقاساته وتعبه.
(واستبان لك): أي اتضح.
(ما ربما أظلم علينا فيه(3)): ما كان مظلماً علينا عند طلبه وتحصيله.
(أي بن‍ي، وإن(4) لم أكن عمرت عمر من كان قبلي): من الأمم والقرون.
(فقد نظرت في أعمالهم): الحسنة والسيئة.
(وفكرت في أخبارهم): قصصهم وسيرهم.
__________
(1) الخُرج بالضم: وعاء يوضع فيه المتاع أو غيره.
(2) الحديث بلفظ: ((إن المعونة تأتي من الله للعبد على قدر المؤونة)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 3/252، وعزاه إلى مجمع الزوائد4/324، وكنز العمال برقم(15993) و(16129)، ومسند الشهاب992، والترغيب والترهيب للمنذري3/64، إلى غيرها من المصادر.
…قلت: وهو بلفظ: ((إن المعونة تأتي العبد من الله على قدر مؤنته))، رواه القاضي العلامة علي بن حميد القرشي رحمه الله في مسند شمس الأخبار 2/223 في الباب (153) وعزاه إلى مسند الشهاب، وقال العلامة الجلال في تخريجه: أخرجه الحكيم، والبزار، والحاكم في الكنى، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة، بلفظه وزيادة في آخره وهي: ((إن الصبر يأتي من الله على قدر المصيبة)) وصححه السيوطي. انتهى.
(3) في شرح النهج: منه.
(4) في (ب) وفي شرح النهج: أي بني، إني وإن لم أكن...إلخ.

(وسرت في آثارهم): أماكنهم التي عمروها ومساكنهم التي زخرفوها، وطرقهم التي سلكوها.
(حتى عدت كأحدهم): كالواحد منهم في تحققها وتبينها.
(بل): إضراب(1) عما ذكره من أنه كالواحد منهم.
(كأني بما انتهى إليّ من أمورهم): قرع سمعي وتحققته من أحوالهم كلها.
(قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم): في شدة التحقق وعظم التبصر.
(فعرفت صفو ذلك من كدره): خيره من شره، فأخذت ماهو خير، وتركت ما هو شر.
(ونفعه من ضره(2)): وما يضر من ذلك وما يكون نافعاً منه.
(فاستخلصت لك من كل أمر جليله(3)): أعظمه وأسناه، وأحسنه موقعاً.
(وتوخيت لك جميله): طلبت لك من ذلك أجمله وأحمده.
(وصرفت عنك مجهوله): ما يكون مجهولاً من أموره، لا يعرف حاله.
(ورأيت حين(4) عناني من أمرك): وعرفت وقت ما أهمني من إصلاح حالك وأمرك.
(ما يعن‍ي الوالد الشفيق): ما هذه موصولة في موضع رفع فاعلة لعناني، والشفقة: المحبة، والمشفق: المحب لما يوده.
(وأجمعت عليه من أدبك): يقال: أجمعت أمري إذا عزمت عليه، ولا يقال: جمعته، قال الله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ}[يونس:71]، أي وادعوا شركاؤكم؛ لأنه لا يقال: أجمعت شركائي حكاه الكسائي.
(أن يكون ذلك): أي الأدب، والتثقيف مني.
(وأنت مقبل العمر): أي في أول أوانه.
(مقتبل(5) الدهر): أي ذو إقبال منه وبُلَهْنِيَة(6).
(ذو نية سليمة): عما يعرض لها ويشوش حالها وأمرها.
__________
(1) في (ب): أضرب.
(2) في (ب) وفي شرح النهج: من ضرره.
(3) في نسخة: نخيله، وفي نسخة أخرى: نخيلته. (هامش في ب).
(4) في شرح النهج: حيث.
(5) في (ب): مقبل، وفي شرح النهج: ومقتبل.
(6) هو في بُلَهْنِيَةٍ من العيش بضم الباء أي سعة ورفاهية. (القاموس المحيط ص1524).

(ونفس صافية): عن المكدرات والعوارض.
(وأن أبتدئك بتعليم كتاب الله وتأويله): أول ما أضعه في صدرك هو فهم كتاب الله تعالى، وفهم تأويله فيما كان منه مفتقراً إلى التأويل.
(وشرائع الإسلام): التي شرعها الله لخلقه، وعرَّفهم مصالحهم فيها.
(وأحكامه) ما حكم منها وفرض.
(وحلاله وحرامه): ومعرفة ما أحلَّه لعباده، وحظره عليهم.
(لا أجاوز ذلك بك إلى غيره): لا أعدل عما ذكرته من العلوم إلى غيرها لما في ذلك من المصلحة العامة.
(ثم أشفقت أن يلتبس عليك): الإشفاق ها هنا هو: الخوف، وأراد أني أتخوف عليك أن يلتبس عليك.
(ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم): يريد اختلافهم في هذه المذاهب وميلهم إلى هذه الأهواء، واستحداثهم لهذه(1) الآراء، وغرضه بذلك اختلافهم في الديانات، ومسائل الاعتقاد مما يكون الحق فيه واحداً ومما يعظم فيه الخطر، ويحصل بسببه الهلاك في هذه المسائل الإلهية، والاعتقادات الدينية.
(مثل الذي التبس عليهم): أراد أن تقع في مثل ما وقعوا فيه من اللبس واختلاف الآراء.
(فكان إحكام ذلك): الإشارة إلى ما ذكره أولاً من الأمر الملتبس.
(على ما كرهت من تنبيهك): الكره بالضم والفتح هو: المشقة، يقال: فعلت هذا على كره أي مشقة، وغرضه فكان إحكام ذلك من جهتي على ما يلحقني من المشقة بترك تنبيهك في ذلك.
(له): أي من أجله وسببه(2).
(أحب إليّ من إسلامك): أعظم إليّ محبة من تسليمك.
(إلى أمر لا آمن عليك فيه الهلكة): أن تكون هالكاً مع من هلك فيه، واتبع رأيه ولم يعول على حجة واضحة، ولا كتاب منير.
(ورجوت): إذا فعلت لك ذلك.
(أن يوفقك الله فيه): يريد الأمر الذي تخوض فيه.
__________
(1) في نسخة أخرى: بهذه.
(2) في (ب): وبسببه.

(لرشدك): لما قضاه لك من الرشد من جهته.
(وأن يهديك): يدلك.
(لقصدك): للطريق المستقيمة التي تقصدها.
(فعهدت إليك وصيت‍ي هذه): لتكون إماماً لك في أمورك، وعوناً لك على مصالحك الدينية.
(واعلم أي(1) بن‍ي أن أحب ما أنت آخذ به من وصيت‍ي هذه): أعظم ما أحبه وأريد لك أخذه منها.
(تقوى الله): اتقاه ومراقبته في الأمور كلها.
(والاقتصار على ما فرضه الله عليك): تأدية هذه الأمور المفترضة من جهة الله تعالى، فإن هذه الفروض مصالح عظيمة، وحالها عند الله عظيم، ولهذا وعد على فعلها الجنة، وأوعد على تركها النار.
(والأخذ بما مضى عليه الأولون(2) من آبائك): يريد بهذا من كان من ولد إسماعيل من الأنبياء وأهل الصلاح منهم، فإن الأخذ بطرائقهم فيه النجاة لا محالة.
(والصالحون من أهل بيتك): ممن كان سالكاً لطريق الصلاح من أولاد هاشم، ويحتمل أن يريد بذلك نفسه عليه السلام، فإن الاقتداء به والاهتداء بهديه هي الطريقة الحسنى، والمنقبة المثلى.
(فإنهم لم يَدَعُوا): لم يتركوا أنفسهم.
(أن نظروا(3) لأنفسهم كما أنت ناظر): في خواص دينهم وما يتعلق بتكاليفهم.
(وفكروا كما أنت مفكر): فيما يعنيهم أمره من ذلك.
(فردهم آخر(4) ذلك إلى الأخذ بما عرفوا): أراد فرجع الأمر في عاقبة أمرهم إلى الأخذ بما تحققوه وعقلوه.
(والإمساك عما لم يكلفوا): أراد وترك الخوض فيما لا حاجة لهم فيه، ولا غرض لهم فيه.
__________
(1) في (ب) وفي شرح النهج: واعلم يابني.
(2) في نسخة: أولوك. (هامش في ب).
(3) في (ب): أن ينظروا.
(4) في (ب): أجر.

(فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك): الإباء هو: الكراهة، وأراد فإن كرهت نفسك قبول ترك الخوض في مذاهب الناس، والاطلاع على ما هم عليه في هذه الاعتقادات، والدرية بأحوالهم فيها ولم تقف على غرضك.
(دون أن تعلم كما علموا): تحيط بما أحاطوا به، وتدرك غوره.
(فليكن طلبك ذلك بتفهّم): إدراكك له بعلم ودراية.
(وتعلُّم): ومعرفته(1) شيئاً فشيئاً، وافعل ما قلته لك، وأشرت إليك به.
(لا بتورط الشبهات): الورطة: الهلكة، وأراد من غير أن تكون هالكاً في اتباع الشبهات واقتفاء آثارها وسلوك مناهجها.
(وعلو(2) الخصومات): ارتفاعها وكثرتها، والمعنى في هذا هو أنك إذا أردت الخوض في مذاهب الناس فاحبس نفسك على تقوى الله والورع، ولا ترسلها في هواها فتهلك، وتقع في المتالف.
(وابدأ قبل نظرك في ذلك): الإشارة إلى خلاف الناس.
(بالاستعانة بإلهك): بطلب(3) الإعانة منه في كل أحوالك، وأمورك.
(والرغبة إليه(4) في توفيقك): وأن تكون راغباً إليه في تحصيل اللطف لك بموافقة الحق من ذلك، ومطابقته.
(وترك كل شائبة): واسأل منه أن يوفقك لترك ما يشوب دينك، أو ترك كل خصلة شائبة له أيضاً.
(أولجتك في شبهة): أدخلتك في الشبهات، وأورطتك في كل عظيمة وهلكة.
(أو أسلمتك إلى ضلالة): أو كانت مسلمة لك إلى ضلالة عن الحق ومخالفة له إلى الباطل.
(فإذا أيقنت أن قد صفا قلبك): عن كدورة التعصب، ومال عن اتباع الهوى.
(فخشع): وكان خاشعاً لله متواضعاً لقبول الحق وإعطائه.
(وتمَّ رأيك): في تقوى الله.
(واجتمع): على فعلها والاحتكام لها.
__________
(1) في (ب): وتذكَّر ومعرفته...إلخ.
(2) في شرح النهج: وعلق.
(3) في (أ). لطلب.
(4) إليه، زيادة في شرح النهج.

(وكان همك في ذلك هماً واحداً): ليس متفرقاً إلى جهات مختلفة وشعوب متشتتة.
(فانظر فيما فسرت لك): يريد أنك تأخذ بما عرفت من الأمور كلها، وتمسك القول عما لا تعرفه، ففي هذا(1) سلامة عن كل محذور في الدين، وأمن من الوقوع في المهالك.
(وإن لم يجتمع لك ما تحب من نفسك): ولم تملكها عند الخوض، ولم تكن آمناً عليها في ذلك.
(وفراغ(2) فكرك ونظرك): فما أديا إليه فاعمل به من غير مخالفة.
(واعلم أنك إنما تخبط العشواء): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أنك بمخالفتي فيما أمرتك به، ونهيتك عنه.
وثانيهما: أن يكون مراده أنك إن نظرت في مذاهب الناس وما هم عليه من الخلاف من غير تثبت وتسديد من الله، فإنما تخبط العشواء، وهو مثل فيمن لا يكون من أمره على بصيرة، وأصله من سير الناقة التي لا تبصر، وانتصابه على المصدرية.
(وتتورط الظلماء): الورطة: الهلاك، وغرضه أن تقع في الظلمات وهي الأمور الملتبسة.
(وليس طالب الدين من خبط): يريد وليس يطلب الدين من كان خابطاً في أموره على غير بصيرة فيها.
(أو خلط): فيه ما ليس فيه(3) من الضلالات والوقوع في العمايات.
(والإمساك عن ذلك أمثل): في الطريقة(4) وأقوم للدين لا محالة.
(فتفهم يا بن‍ي وصيت‍ي): أحط بها حقيقة، وكن عارفاً بها.
(واعلم أي بن‍ي أن مالك الموت هو مالك الحياة): أنه إله واحد، كما أشار إليه تعالى بقوله: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ}[الملك:2].
(وأن الخالق هو المميت): الموجد للأجسام وجميع العالم هو القابض لأرواحها، والمتولي لذلك.
__________
(1) في (ب): فهذا إسلامه.
(2) في (أ): فراغ.
(3) في نسخة: منه (هامش في ب).
(4) في (ب): الطريق.

(وأن المفن‍ي): لها والمعدم لتأليفاتها(1)، والمبطل لنظامها.
(هو المعيد): لها على حقائقها وتفاصيل أحوالها.
(وأن المبتلي): بجميع أنواع البلايا من الغنى والفقر، والألم والغم وسائر الشرور والمصائب في العالم.
(هو المعافي): فيها كلها، والصارف لها أجمع.
(وأن الدنيا ما كانت(2) لتستقر): تنتظم أحوالها ويحصل المقصود منها في الحكمة.
(إلا على ما جعلها الله تعالى(3)): طَبَعَهَا:
(عليه): وجعل أحوالها منتظمة فيه.
(من النعماء والابتلاء): أراد بالنعماء على قوم والابتلاء لآخرين، وإما بالنعماء في حالة والابتلاء في حالة أخرى.
(والجزاء في المعاد): يريد والمجازاة بالخير والشر في الآخرة.
(وما شاء): من هذه الأحوال والاختلافات العظيمة.
(مما لا يُعلم): يحيط به علم عالم ولا تستولي عليه معرفة عارف، وفي كلامه هذا إشارة إلى أن أحوال العالم لا تنتظم إلا بما ذكره من إثبات الصانع، وعدله وحكمته والرغبة في الثواب، والرهبة من العقاب، وإثبات المعاد الأخروي.
(فإن أشكل عليك شيء من ذلك): مما ذكرته لك وأوضحته.
(فاحمله على جهالتك به): أراد فاتهم فيه نفسك، وأنه(4) لم تحط به علماً، ولا بلغت كنه حاله وحقيقته.
__________
(1) في (ب): لتأليفها.
(2) في شرح النهج: وأن الدنيا لم تكن لتستقر، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(3) في (ب): فيها.
(4) في (ب): وأنك لم تحط.

(فإنك(1) أول ما خلقت جاهلاً ثم عُلِّمت): أراد لا تأخذك أنفة في أنك تجهل أكثر الأمور، فإنك مولود على الجهالة وعدم العلم(2)، ثم علمك الله بعد ذلك كما قال تعالى(3): {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ}[النحل:78]،.
(وما أكثر ما تجهل من الأمور): إخبار عن كثرة الجهل بالأمور في معرض التعجب من ذلك والاستطراف له.
(ويتحير فيه رأيك): فلا تجد سبيلاً إلى حله وكشفه.
(ويضل فيه بصرك): تذهب عنه بصيرتك وعقلك.
(ثم تبصره بعد(4)): بإلهام الله لك ودلالتك عليه من جهته.
(فاعتصم بالذي خلقك ورزقك): إما تمسك به في جميع أمورك، وإما امتنع بألطافه عن كل ما تكره من الأمور وتحذر(5).
(وسواك): أقام صورتك وعدل قوامك وأحكم خلقك.
(وليكن له تعبدك): إما مصرف عبادتك، وإما تذللك وتصاغرك.
(وإليه رغبتك): في جميع الأمور العظيمة، وتحصيلها واكتسابها.
(ومنه شفقتك): أي لا تخف أحداً غيره، ولا تراقبنَّ أحداً سواه.
(واعلم يا بن‍ي أن أحداً لم ينبئ عن الله تعالى(6)): يخبر عنه من الأخبار الغيبية والأسرار الحكمية.
(كما أنبأ عنه الرسول(7) صلى الله عليه وآله وسلم): فإنه نصح في ذلك غاية النصح، وأبلغ نهاية البلاغ، ولم يكتم شيئاً مما ينفع الخلق، ويقربهم إلى النجاة، ويكون طريقاً لهم إلى الجنة.
__________
(1) في نسخة: فإنك كنت أول ...إلخ، (ذكره في هامش ب).
(2) قوله: وعدم العلم، سقط من (ب).
(3) تعالى، زيادة في (ب).
(4) في شرح النهج: بعد ذلك.
(5) قوله: وتحذر، سقط من (ب).
(6) تعالى، زيادة في (ب)، وفي شرح النهج: سبحانه.
(7) في شرح النهج: كما أنبأ عليه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.

(فارض به رائداً): الرائد هو: الذي يبعثه(1) القوم ليطلب لهم الكلأ.
(وإلى النجاة قائداً): أراد وهادياً إلى كل خير مما يكون فيه نجاة لك.
(فإني لم آلك نصيحة): أي لم أقصر في نصحك ولا منعتك منه شيئاً.
(وأنك لم(2) تبلغ في النظر لنفسك وإن اجتهدت): أي لا تبلغ غاية في النظر لنفسك إلا وأنت مقصر فيها فلا تبلغ.
(مبلغ نظري لك): في الأمور الدينية، والآداب الدنيوية.
(واعلم يا بن‍ي أنه لو كان لربك شريك): ثان مشارك له في الوحدانية.
(لأتتك رسله): أنبياؤه يدعونك إليه، ويعرفونك حاله، وما أمر به ونهى عنه، كما كان ذلك في حق الله تعالى، وهذه إشارة منه إلى برهان عقلي على أنه لا ثاني مع الله تعالى، وتقريره على مثال ما قاله هو أن الله تعالى لو كان معه إله آخر لكان داعي الإحسان متوفراً من جهته إلى الإحسان إلى الخلق، والتفضل إليهم، فكان من حقه بعثة الرسل إلى خلقه؛ ليكون متفضلاً عليهم بهذه التكاليف، وينعم بها عليهم ليحصل لهم بها الفوز في الآخرة، وإحراز النعيم المقيم بها، فإذا كان داعي الإحسان متوفراً بحيث لا مانع له عنه وجب فعله، فلما لم يفعله دل على بطلانه وزواله، وأنه لا إله إلا إله واحد.
(ولرأيت آثار ملكه وسلطانه): وهذه منه إشارة إلى برهان آخر عقلي، وهو أن الله تعالى لو كان معه إله آخر لكان داعيه متوفراً إلى الإحسان إلى الخلق بخلقهم وإكمال حياتهم، ليلتذوا بها، ويصلوا بها إلى إدراك هذه المنافع، ولن يتم ذلك إلا بإيجاد عوالم غير هذه العوالم ليكون دلالة عليه، وليكون معها منعماً متفضلاً، فلما لم يكن شيء من ذلك دل على بطلانه وزواله.
__________
(1) في (ب): بعثه.
(2) في شرح النهج: لن، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).

(ولعرفت أفعاله وصفاته): وهذه أيضاً إشارة إلى برهان عقلي، وهو أن الله تعالى لو كان معه إله آخر لوجب أن يكون عالماً قادراً، حكيماً في أفعاله، ولو كان الأمر كذلك لوجب أن يدلنا على هذه الأفعال دلالة لتكون حاصلة بالبرهان العقلي في حقه ليكون إلهاً لأجل اختصاصه بها.
(ولكنه إله واحد كما وصف نفسه): يشير إلى ما وقع في الكتاب الكريم من صفة الله تعالى، بكونه واحداً، كما أشار إليه تعالى في ثلاثين موضعاً من كتابه، كلها دالة على توحيده، وأنه إله واحد، والأدلة النقلية أصرح بالمراد، والأدلة العقلية فلا غبار عليها كما أشرنا إليه.
(لا يضاده(1) في ملكه أحد): التضاد في الملك هو أن يأمر هذا بما ينهى عنه ذاك وعكسه، أو يريد هذا ما يكرهه ذاك أو غير ذلك من الأحكام المتضادة، وأراد أنه ليس له مثل، فيكون مضاداً له، ومخالفاً له في مراداته، وهذا لأن هذه قضية واجبة أعني الاختلاف في الدواعي بين الملوك، والتعالي لبعضهم على بعض، كما أشار إليه تعالى بقوله: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى}[الأعراف:26].
(ولا يزول أبداً): أراد أن وجوده إنما كان لذاته، وما كان هذا حاله استحال أن يكون لوجوده آخر وانقضاء، فلهذا قال: لا يزول أبداً.
(ولم يزل أولاً): أراد أن وجوده بلا أول؛ إذ لو كان لوجوده أول، لكان حاصلاً بعد أن لم يكن، فيحتاج إلى مؤثر وفاعل، وهذا محال في حقه.
(قبل الأشياء): لأن جميع الأشياء كلها سواه محدثة، ولها أول، فلهذا قال: إنه قبل الأشياء.
(بلا أولية): يريد أنه وإن كان قبل الأشياء فهذه القبلية ليس لها حد، ولا لها غاية.
(وآخر بعد الأشياء): يريد أن وجوده سرمدي، فلهذا كان متأخراً بعدها.
__________
(1) في (ب): ولا يضاده.

(بلا نهاية): له(1) في الآخرية كما لا بداية له في الأولية.
(عظم أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب): أراد أن من هذه حاله في عدم الأولية لوجوده، وعدم الآخرية لوجوده أيضاً(2)، وأنه مختص بالصفات الإلهية، فإنه يتعالى في ذاته عن أن تكون ربوبيته يشتمل عليها قلب في الإحاطة والاستيلاء.
(أو بصر): أو يكون إدراك يستولي على ذلك، أو عقل، إن حملنا الإدراك على العقل، فكلاهما بعيد عن الاستيلاء عليه؛ لأنه تعالى في ذاته غير متناه في جميع أحواله، وما لا نهاية له فلا يمكن الاستيلاء على حقيقته والإحاطة بها.
(فإذا عرفت ذلك): ما وصفته لك من خالقك واختصاصه بما ذكرته لك من الصفات.
(فافعل ما ينبغي لمثلك أن يفعله): من التذلل لجلاله والتصاغر لعظيم سلطانه، ولما يظهر عليك من قدرته وقهره.
(في صغر خطره): ضعف حاله.
(وقلة مقدرته): وحقارة قدرته على ما يقدر عليه.
(وكثرة عجزه): عن أكثر الأشياء وإيجادها.
(وعظيم حاجته إلى ربه): في قليل الأمور وكثيرها وجليلها ودقيقها.
(في طلب طاعته): فعلها وتحصيلها، والاجتهاد في أدائها.
(والرهبة من عقوبته): وأن تكون راهباً عن الوقوع في المعاصي الموجبة لعقوبته.
(والشفقة من سخطه): والخوف مما يوجب الوقوع في سخطه وغضبه، وهو أحق بذلك وأولى به.
(لأنه(3) لم يأمرك إلا بحسن): مصلحة في دينك، فلهذا وجب امتثال أمره.
(ولم ينهك إلا عن قبيح): ما يكون ارتكابه مفسدة، فلهذا وجب الانكفاف عما نهى.
(يا بن‍ي، إني قد أنبأتك عن الدنيا): أخبرتك عنها وأعلمتك.
(وحالها): في التغير والزوال والتقلب بأهلها، والتحول.
(وزوالها): عن أهلها.
__________
(1) قوله: له، سقط من (ب).
(2) قوله: أيضاً، سقط من (ب).
(3) في شرح النهج: فإنه.

(وانتقالها): إما نفادها مطلقاً، وإما انتقالها من قوم إلى آخرين.
(وأنبأتك عن الآخرة): أعلمتك وعرفتك.
(وما أعد لأهلها فيها): من النعيم المقيم لأهل الجنة والعذاب الأليم لأهل النار.
(وضربت لك فيهما الأمثال): يريد الدنيا والآخرة.
(لتعتبر بها): تتعظ بما ذكرته.
(وتحذو عليها): تتبع آثارها وتسلك على طريقها.
(إنما مَثَلُ من خبر الدنيا): عرف حالها، وقلبَّها ظهراً لبطن.
(كمثل قوم سَفْرِ): السفر: اسم للجمع كنفر ورهط، ويجوز أن يكون جمعاً لسافر نحو راكب وركب، وصاحب وصحب.
(نبا بهم): نبا الشيء: إذا ارتفع، وأراد أنه لم يوافقهم فارتفع عن الموافقة.
(منزل جديب): مكان لا خصب فيه ولا مرعى لأنعامهم.
(فأمَّوا منزلاً خصيباً): قصدوا مكاناً خصيباً فيه الخصب، وهو المرعى لأنعامهم.
(وجَنَاباً مريعاً): الْجَنَابُ بالفتح هو: فناء الدار، وما قَرُبَ من محلَّة القوم، والمريع: الممرع، يريد كثير الشجر.

(فاحتلموا وعثاء الطريق): الوعثاء: ما يصيب في الطريق من المطر وألم السفر(1)، وفي الحديث في دعائه عليه السلام: ((أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب))(2). وفي حديث آخر: ((السفر قطعة من العذاب))(3).
(وفراق الصديق): وما(4) يصيب من ألم بفراقه أيضاً.
(وخشونة السفر): الخشونة بالخاء بنقطة والنون هي: خلاف اللين.
(وجشوبة المطعم): بالجيم والباء بنقطة، وهو خلاف السلس، وفي الحديث: ((اجشوشبوا)) يريد كلوا الجشب من الطعام، وهو خلاف الطيب.
(ليأتوا سعة دارهم): اللام هذه متعلقة باحتملوا، وأراد ليأتوا الواسع من هذه الدار المقصودة.
(ومنزل قرارهم): والمنزل الذي يستقرونه ويجعلونه موطناً لهم.
(فليس يجدون لشيء من ذلك ألماً): أي مما أصابهم واختص بهم ألماً ينفرون عنه، ويتوجعون من إصابته.
(ولا يرون نفقة فيه مغرماً): ولا يرون لما أنفقوا فيه من النفقات أنها من جملة المغارم المثقلة، والأمور المتعبة.
__________
(1) في (ب): ما يصيب في الطريق من الطريق وألم السير.
(2) أخرجه بلاغاً من حديث الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام في الأحكام 2/544، وهو بلفظ: ((اللهم، إني أعوذ بك من وعثاء السفر)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 2/219 وعزاه إلى مسلم979، وسنن النسائي8/272، وسنن ابن ماجة3888 إلى غيرها.
(3) رواه في لوامع الأنوار 3/232 في سلسلة الإبريز رقم (39)، وفي مسند شمس الأخبار 2/75 في الباب (119)، وعزاه إلى مسند الشهاب، وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/273 إلى البخاري 3/10، 4/71، 7/100، ومسلم في الإمارة (179)، وسنن ابن ماجة2882، ومسند أحمد بن حنبل2/236،445،496، وموطأ مالك980 إلى غيرها.
(4) في (ب): ما يصيب، بدون واو.

(ولا شيء أحب إليهم مما قربهم من منزلهم): هذا الذي يقصدونه؛ لما لهم إليه من الشوق.
(وأدناهم من محلتهم): التي يأتونها، ويريدون الوقوف فيها، فهذا مثل من عرف حالها وتحقق أمرها، وأمر الآخرة كما ذكرت.
(ومَثَلُ من اغتر بها): الغرر: الخديعة، وأراد من انخدع بلذاتها.
(كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب): كثير المرعى لأنعامهم وأنفسهم.
(فنبا بهم إلى منزل جديب): ارتفع إلى منزل مجدب لا مرعى فيها(1) ولا شجر.
(فليس شيء أكره ولا أفظع عندهم(2) من مفارقة): الفظاعة: هي الشدة في الأمر.
(ما كانوا فيه): من الرخاء والنعمة والراحة والدعة، وطيب المآكل والمشارب لهم ولأنعامهم.
(إلى ما يهجمون عليه، ويصيرون إليه): هجم على الشيء: إذا طلع عليه على بغتة، وأراد إلى ما تصير عاقبتهم إليه من الجوع والعطش، ومفارقة الراحة وحصول الألم، فهذا مثال من اغتر بها وخدعته.
(يا بن‍ي، اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك): أراد اجعلها معياراً صادقاً فيما بينك وبين من تعامله من الخلق.
(فأحب(3) لغيرك ما تحب لنفسك): من جميع المحبوبات كلها.
(واكره له ما تكره لها): من جميع المكروهات كلها.
(ولا تظلم): أحداً من الخلق.
(كما لا تحب أن تظلم): يجري عليك ظلم من أحد من الخلق.
(وأحسن): إلى من أمكنك الإحسان إليه من الخليقة.
(كما تحب أن يحسن إليك): يحسن إليك الناس، وتريد ذلك وتهواه.
(واستقبح من نفسك): استنكره وكف عنه نفسك.
(ما تستقبح من غيرك): تكرهه وتنفر عنه من جهته.
(وارض من الناس): من المعاملة وإنصاف الحق.
__________
(1) في نسخة: فيه (هامش في ب).
(2) في (ب): فليس شيء أفظع ولا أكره إليهم...إلخ.
(3) في (ب) وفي شرح النهج: فاحبب.

(بما ترضاه لهم من نفسك): بما تحب أن يعاملوك به من جهة أنفسهم.
(ولا تقل ما لا تعلم): فتكون ممقوتاً عند الله، كما قال تعالى: {كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ}[الصف:3].
(وإن قَلَّ ما تعلم): فإن قليل القول مما يكون معلوماً مفهوماً واضحاً أحسن من كثير القول الذي ليس معلوماً ولا يفهم.
(ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك): أراد ولا تقل في أحد قولاً لو قيل لك من جهة غيرك لكنت كارهاً له.
(واعلم(1) أن الإعجاب ضد الصواب): يريد أن إعجاب الرجل بنفسه في مال أو جمال أو علم أو فضل، أو غير ذلك من أوصاف الفضل مضاد للصواب ومباين له، فلا يصاحب الإعجاب صواب قط في حالة من الحالات.
(وآفة الألباب): أراد وهو آفة العقول، ومفسد لها ومغير لأحكامها.
(فاسع في كدحك): أراد اجتهد في صلاح ما أنت فيه من أمر معيشتك ورمّها(2).
(ولا تكن خازناً لغيرك): بجمع المال فيأتي من يأخذه بعدك فتكون قد جمعته وأخذه غيرك، فتكون خزاناً على الحقيقة؛ لأن علامة الخزان أن يكون حافظاً لمال غيره حتى يأتي له ويأخذه.
(وإذا أنت هديت لقصدك): للطريق الموافقة لرضاء الله تعالى فاشكر ذلك.
(فكن أخشع ما تكون لربك): أخوف ما تكون وأخضع وأذل له.
وأقول: إن هذه الكلمات مع قلتها، وتقارب أطرافها، قد بلغت في الحكمة أقصاها، وصارت مستولية على حدها وقصاراها.
ثم أخذ في نوع آخر من الموعظة بقوله:
__________
(1) في نسخة: واعلم أي بني (هامش في ب).
(2) أي إصلاحها، من رمَّ الشيء يرُمُّه بضم الراء وكسرها رمًّا ومرمَّة أصلحه. (مختار الصحاح5/257).

(واعلم أن أمامك طريقاً ذا مسافة بعيدة): يريد الطريق إلى العرصة والقيامة، ويحكى أن بعد النفخة الثانية يساقون إلى أرض المحشر وهم حفاة عراة قد غرقوا في العرق، كل واحد منهم على قدر ذنبه، فيقفون في طول يوم القيامة شاخصة أبصارهم.
(ومشقة شديدة): لما يلقون من الأهوال، ولما هنالك من الشدائد.
اللَّهُمَّ، أجرنا من هولها برحمتك الواسعة.
(وأنه لا غنى لك(1) فيه): يريد الطريق.
(عن حسن الارتياد): الطلب لما يصلحك، ويكون عدة لك من هوله.
(وقدر بلاغك من الزاد): ومقدار ما يبلغك إليه ويوصلك من الزاد.
(مع خفة الظهر): عن ثقل الأوزار وتحمل المآثم.
(فلا تحملن على ظهرك): من الخطايا والمعاصي.
(فوق طاقتك): أزيد مما تحتمله قوتك ومنّتُك(2)، فإن فعلت ذلك واخترته صعب الأمر عليك.
(فيكون ثقل ذلك وبالاً عليك): الوبال: الهلاك، وأراد أنه يكون مهلكاً لك في الآخرة بتحمله لا محالة.
(وإذا وجدت من أهل الفاقة(3)): وهم(4) أهل الفقر والمسكنة.
(من يحمل عنك(5) زادك إلى يوم القيامة): يتحمل ثقله ويكون عليه إيصاله.
(فيوافيك به غداً حيث تحتاج إليه): الموافاة: هي الملاقاة، وأراد يلاقيك به وأنت في غاية الافتقار إليه.
(فاغتنمه): اجعله كالغنيمة وأعطه إياه.
(وحمله إياه): اجعله حاملاً له دونك.
(وأكثرمن تزويده): من إعطائه ما يكون لك زاداً.
(وأنت قادر عليه): الآن ومتمكن منه.
(فلعلك تطلبه): بعد هذا.
(فلا تجده): لأنه ربما عرض فقر بعد غنى.
__________
(1) في شرح النهج: بك، وكذا في نسخة، ذكره في هامش (ب).
(2) المنة بالضم: القوة، يقال: هو ضعيف المُنة. (مختار الصحاح ص636).
(3) في (ب): الحاجة.
(4) وهم، زيادة في (ب).
(5) في شرح النهج: لك.

(واغتنم من استقرضك): أراد من طلب منك قرضاً بإعطائه على جهة الصدقة، فإنها في الحقيقة قرضاً لله تعالى ليجازي عليها(1) أضعافها، كما(2) قال تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}[الشعراء:214]، وقال تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}[الشعراء:214]، والأظهر أنه يريد الصدقات كلها، وأراد بكونه حسنة إخراج أنفس المال(3)، ومراعاة وجه الله تعالى، وجودة النفس بها.
(في حال غناك): ما دمت متمكناً من المال ومن إخراجه.
(لتجعل(4) قضاءه لك في(5) يوم عسرتك): لتجعل أنت بإعطائك له، أو ليجعل الله قضاءه في موضع الحاجة العسيرة.
(واعلم أن أمامك عقبة كؤوداً): شاقة صعبة.
(المخف فيها أحسن حالاً من المثقل): لما يكون في الخفة من السلامة، ولما يخشى في الثقل من العطب والهلاك.
(والمبطئ عليها(6) أقبح حالاً من المسرع): لأن مع التأخر والبطء لا يأمن الهلكة.
(وإن مِهْبَطَهَا(7)): الْمِهْبطُ بالكسر هو: موضع الهبوط، كالمِضْرَب لموضع(8) الضرب.
(لا محالة): بلا شك ولا مرية، والمحالة: مفعلة من الحيلة، يقال: الموت آتٍ لا محالة، أي لا بد من وقوعه.
(على(9) جنة أو على نار): أراد أنه لا بد من أحد المنزلين، فإن الإجماع منعقد على أن كل من كان من المكلفين، فلا بد من كونه في الآخرة في جنة أونار(10).
(فارتد لنفسك): اطلب لها ما يصلحها من الأعمال الصالحة، وتزود التقوى.
__________
(1) عليها، سقط من (ب).
(2) كما، سقط من (ب).
(3) في (ب): الأموال.
(4) في شرح النهج: ليجعل.
(5) في، سقط من (ب).
(6) في (ب): عنها.
(7) في شرح النهج: وأن مهبطها بك لا محالة.
(8) في (ب): كالمضرب موضع.
(9) في شرح النهج: إما على جنة ...إلخ.
(10) في (ب): أو في نار.

(قبل نزولك): في حفرتك التي هي منزلك ومستقر وطنك.
(ووطئ المنزل قبل حلولك): أراد مهده، وقرر قواعده قبل استقرارك فيه.
(فليس بعد الموت مستعتب): استعتبته إذا طلبت(1) رضاه، والمستعتب هاهنا هو: الاستعتاب، وهو طلب الرضا، وأراد أنه لا يطلب رضا أحد بعد الموت بل هو الغاية.
(ولا إلى الدنيا منصرف): مرجع ولا رد بعد الموت، وإنما المرجع إلى الدار الآخرة.
(واعلم أن الذي بيده خزائن السموات والأرض): ملكهما وما فيهما من الخزائن والممالك.
(قد أذن لك في الدعاء): أمرك بالسؤال له، وحثك على الدعاء.
(وتكفل لك بالإجابة(2)): ضمن لك بذلك، والكفيل: الضامن.
(وأمرك أن تسأله): حيث قال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}[غافر:60].
(ليعطيك) من خزائنه ما سألته إياه.
(وتسترحمه): تطلب منه الرحمة.
(ليرحمك(3)): يلطف بك.
(ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه): من هذه الوسائط، وإنما سؤالك هو الشفيع، وطلبك هو الذريعة.
(ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه): يضطرك إلى واسطة شفيع إليه.
(ولم يمنعك إن أسأت من التوبة): يسدها عليك عن فعل المعصية، وتدارك ما سلف من جهتك.
(ولم يعاجلك بالنقمة) أراد ولم يعاجلك بالعذاب عند إقدامك على فعل المعصية.
(ولم يفضحك حيث الفضيحة(4)) فضحه: إذا كشف مساوئه وأظهرها للخلق، وغرضه أنه لم يكشف مساوئك عند انكشافها من جهتك بهتك سترك بفعلك للقبيح.
(ولم يشدد عليك في قبول الإنابة): أراد أنه جعل الإنابة والتوبة أسهل ما يكون من الأمر وأيسر، من غير مشقة من جهة الله تعالى، ولا تعسير في حالها.
__________
(1) في (ب): استعتبه إذا طلب رضاه.
(2) في (ب): وتكفل لك الإجابة.
(3) في (ب): فيرحمك.
(4) في شرح النهج: ولم يفضحك حيث تعرضت للفضيحة.

(ولم يناقشك بالجريمة): المناقشة هي: الاستقصاء في الحساب، وفي الحديث: ((من نوقش الحساب عذب))، وغرضه هاهنا هو أن الله تعالى من جهة عظيم(1) لطفه وسعة رحمته لم يستقص عند فعله(2) المعصية من جهته على المناقشة، بل عفا وسمح حقه في ذلك.
(ولم يؤيسك من الرحمة): اليأس هو: القنوط، وهو غلبة الظن على عدم حصول الشيء، وغرضه أنه لم يقنطك عن رحمته مع التهالك في المخالفة.
(بل): إضراب عما ذكره أولاً من هذه التفضلات الكاملة.
(جعل نزوعك عن الذنب): إقلاعك عنه، وفلان قد نزع عن الإساءة إذا أقلع عنها وانصرف.
(حسنة): من جملة الحسنات التي يضاعف عليها الأجر، ويوفر عليها الثواب.
(وحسب سيئتك واحدة، وحسب حسنتك عشراً): حيث قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا}[الأنعام:160]،.
__________
(1) في (ب): عظم
(2) في (ب): فعل، وفي نسخة أخرى: عند فعل المعصية من جهتك.

(وفتح لك باب المتاب(1)): يريد التوبة، كما قال تعالى: {وَإِلَيْهِ مَتَابِ(2)}[الرعد:30]، أي توبتي، وأراد أنها غير مغلقة عن العبد في حالة من الحالات، وفي الحديث: ((باب التوبة مفتوح لا يغلق؛ حتى تطلع الشمس من مغربها))(3).
(فإذا ناديته سمع نداك): بجميع حوائجك، وكشف كربك وقضاء حوائجك من جهته كلها.
(وإذا ناجيته علم نجواك): النجوى هو: التناجي، وأراد أنه محيط بما تناجيه من مهماتك، وعالم بها، كما قال تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا}[المجادلة:7].
(ومتى شئت دعوته فلباك): وأي وقت دعوته أجابك بالتلبية التي هي نهاية الإنصاف في الإجابة.
(فأفضيت إليه بحاجتك): أظهرتها عنده وكشفتها لديه.
(وأبثثته ذات نفسك): بث إليه السر إذا كشفه(4) له، وأظهرت له حقيقة حالك.
__________
(1) بعده في شرح النهج: وباب الاستعتاب.
(2) في النسخ: متابي، بإثبات الياء في آخره، فلعله قراءة، وما أثبته من المصحف الذي بين يدي على قراءة حفص.
(3) للحديث شاهد بلفظ: ((التوبة مقبولة ما لم تطلع الشمس من مغربها)) أخرجه مرسلاً الإمام الموفق بالله عليه السلام في الاعتبار ص433-434 برقم (322). (انظر تخريجه فيه)، ورواه في مسند شمس الأخبار 2/324 الباب (177)، وله شاهد آخر من حديث عن صفوان بن عسال أخرجه الإمام المرشد بالله في الأمالي الخميسية 1/200 بلفظ: ((إن الله تعالى يفتح باباً من المغرب مسافته سبعون خريفاً للتوبة، لن يغلقه الله تعالى حتى تطلع الشمس من مغربها)).
(4) في (ب): كشفته.

(وشكوت إليه همومك): أعلمته بحالك فيما يهمك من الأمور ويعييك.
(واستكشفته كروبك): طلبت منه كشفها وإزالتها عنك.
(واستعنته على أمورك): طلبت منه الإعانة على كل ما يعرض لك، ويخصك(1) من أحوالك.
(وسألته من خزائن رحمته): ألطافه الخفية، وعطاياه الجزيلة.
(ما لا يقدر على إعطائه غيره): لأن الأمر إذا كان على هذه الصفة كان سؤاله أحق والتواضع له أجدر؛ لأن من هذه حاله فهو حقيق بذلك وأهل له.
(من زيادة الأعمار): تطويلها والتنفيس فيها.
(وصحة الأبدان): عافيتها واستقامتها.
(وسعة الأرزاق): كثرتها والبركة فيها.
سؤال؛ أليس هذه الأمور كلها -أعني الأعمار، والأبدان والأرزاق- أمور(2) مقدرة مفروضة، وأحوال معلومة لا يزاد عليها ولا ينقص، وتجري على مقادير معلومة، فما فائدة الدعاء والحال ما قلناه؟
وجوابه من وجهين؛
أما أولاً: فلأنه وإن كان الأمر كما ذكرت؛ لكنه قد ورد الشرع بذلك لمصلحة لا يُعْلَم حالها، فلهذا جاز وإن كان الحال كما قلت(3).
__________
(1) في (ب): ويحصل.
(2) هكذا في جميع النسخ: أمور بالرفع، وهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي أمور، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب خبر ليس الواردة في أول السؤال. والله أعلم.
(3) في (ب): كما قلناه.

وأما ثانياً: فلأنه لا يمتنع أن يعلم الله تعالى من حاله أنه إذا دعا مد الله عمره إلى مدة مقدرة، لو(1)لم يدع لم يستحق ذلك، وهكذا القول في الرزق والصحة، وإذا كان العلم عندنا يجوز دخول الشرط فيه جاز ماذكرناه، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ}[الأعراف:96]، ولأن العلم يتعلق بالشيء على جميع وجوهه ومن جملتها الشرط، وإذا جاز ذلك جاز ما ذكرناه.
(ثم يجعل في يديك(2) مفاتيح خزائنه): يمكَّنك منها ويجعلها كأنها حاصلة في يديك(3)، أي وقت أردت فتحها أطاعتك.
(بما أذن لك من مسألته): حيث أمرك بسؤاله وندبك إلى ذلك، وحثك عليه.
(فمتى شئت): أردت وطلبت.
(استفتحت بالدعاء): لا يعتاص عليك، ولا يؤخر عنك:
(أبواب نعمته): أنواعها.
(واستمطرت شآبيب رحمته): الشؤبوب: واحد الشآبيب، وهو الدفعة الواحدة من المطر، قال كعب بن زهير يصف حماراً يتبع الأتن(4):
إذا ما انتحاهنّ شؤبوبه

رأيت لجاعرتيه غضونا(5)

أراد أنه إذا عدا رأيت لجاعرتيه تكسراً وتعطفاً عند عدوه.
(فلا يقنطك(6)): يؤيسك.
(إبطاء إجابته): تأخرها عنك.
(فإن الإجابة(7) على قدر النية): على حد ما يعلم الله من ذلك، ويعلم المصلحة(8) فيه.
__________
(1) في (ب)، وفي نسخة أخرى: ولو.
(2) في (ب): يدك، والعبارة في شرح النهج: ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه.
(3) في نسخة: يدك، (هامش في ب).
(4) الأتن: أنثى الحمار.
(5) لسان العرب 1/466.
(6) في شرح النهج: فلا يقنطنَّك.
(7) في شرح النهج: فإن العطية...إلخ.
(8) في (ب): ويعلم من المصلحة.

(وربما أخِّرت الإجابة(1)): عن التعجيل على إثر الدعاء.
(ليكون ذلك أعظم لأجر السائل): أكثر لثوابه لما يحصل من الإلحاح بالدعاء وتكريره.
(وأجزل لعطاء المسئول(2)): أعظم في عطيته وأوسع.
(وربما سألت الشيء فلا تؤتاه(3)): يعني أنك ربما سألت، وفي تأخيره مصلحة لك فلا تسعد بالإجابة إليه.
(وأوتيت خيراً منه): أفضل وأعظم حالاً.
(عاجلاً): على الفور.
(أوآجلاً): إما متأخراً بعد ذلك بأزمنة، وإما مؤخراً إلى الآخرة.
(أو صرف عنك لما هو خير لك): إما لأن الله تعالى يريد أن يدخره لك إلى الآخرة، وإما لأن الله تعالى يعلم أن في تعجيله مفسدة لك فلهذا لم يعجله لك.
(فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته): لما يعلم الله فيه من المفسدة بالإعطاء والتمكين.
(فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله): خيره ومصلحته.
(ويُنْفَى عنك وباله): ويزول عنك ما يهلكك منه، يريد مما يعلم الله أن لك فيه صلاحاً في الدين والدنيا.
(والمال لا يبقى لك): لأنه فانٍ متفرق.
__________
(1) في (ب) وفي شرح النهج: وربما أخرت عنك الإجابة.
(2) في شرح النهج: الآمل.
(3) في شرح النهج: فلا تعطاه.

(ولا تبقى له): لأنك منطقع عنه بالموت، وفي الحديث:((إنَّ المؤمن إذا دعا إلى(1) الله تعالى في حاجة له(2)، فإنَّ الله تعالى يقول لملك الإجابة: أخِّر دعوته، فإنّي أحبُّ أن أسمع صوته، وإذا دعا الفاجر في حاجة له، يقول الله لملك الإجابة: عجِّل له دعوته، فإنِّي أكره أن أسمع صوته))، فالدعاء لا محالة قدورد به الشرع، وكثرة الإلحاح على الله تعالى، والإجابة وعدمها إنما يكون على حد ما يراه من المصلحة ويعلمه منها، والدعاء بجميع المنافع كلها، ودفع المضار كله مشروط بالمصلحة، وهي مضمرة في الدعاء بلا إشكال.
ثم أخذ في نوع آخر من الآداب والحكم، بقوله:
(واعلم(3) أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أنك إنما خلقت لغرض الآخرة وهو العبادة لله تعالى المستحق بها منافع الآخرة، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56]، لا من أجل منافع الدنيا ولذاتها وطيباتها.
وثانيهما: أن يريد أنك إنما خلقت للأمر الدائم، وهو ما كان في الآخرة، لا لما يكون منقطعاً بالزوال والفناء، وهوالدنيا.
(وللفناء): أي ولأن(4) يكون منتهاك الفناء.
(لا للبقاء): أي وليس الغرض بقاءك في الدنيا.
(وللموت): أي ولأن تموت.
(لا للحياة): أي لأن تحيا في الدنيا، والمقصود من هذا كله هو العلم بأن المطلوب هو الآخرة لا الدنيا.
__________
(1) إلى، سقط من (ب).
(2) له، زيادة في (ب).
(3) في شرح النهج: واعلم يا بني أنك ...إلخ.
(4) في (أ): أي ولا يكون، وما أثبته من (ب).

(وأنك(1) في منزل قُلْعَة): يقال: هذا منزل قلعة إذا كان ليس مستوطناً، ومجلس قلعة إذا كان صاحبه يحتاج فيه إلى أن يقوم مرة بعد مرة، ويقال: هم على قلعة، أي على رحلة.
(ودار بُلْغَة): إلى الآخرة، وإلى الدرجات العالية من الجنة بالأعمال الصالحة.
(وطريق إلى الآخرة): توصل بها(2) إليها.
(وأنك طريد الموت): الطريد: ما يتبع من الصيد وغيره، وأراد أن الموت تابع لك وهو في أثرك.
(الذي لا ينجو منه(3) هاربه(4)): من يهرب منه.
(ولا بد أنه مدركه): لابد من كذا أي لا فراق عنه، وغرضه أن الموت لا يفارقه، فإذا كان ملازماً لك لا محيص لك عنه.
(فكن منه على حذر أن يدركك): مخافة أن يدركك.
(وأنت على حالة(5) سيئة): قبيحة عند الله غير مرضية.
(قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة): تأمل الإقلاع عنها، والخروج عن عهدتها بالإنابة إلى الله تعالى.
(فيحول بينك وبين ذاك(6)): يريد فاحذر أن يكون الموت حائلاً بينك وبين الإنابة، والإقبال إليه.
(فإذا أنت(7) قد أهلكت نفسك): بالتساهل حتى أخذ الموت بعنقك.
(أي بن‍ي(8)، أكثر من ذكر الموت): أخطره على بالك وكرر حاله على ذهنك، واذكره بلسانك، ولا تغفله عن قلبك ولسانك.
(وذكر(9) ما تهجم عليه، وتفضي بعد الموت إليه): هجم علينا إذا طلع بغتة، وأراد أحوال الآخرة كلها وما تؤول إليه عاقبة أمره بعد الموت.
(فاجعله أمامك): مقابلاً لك.
(كأنك تراه): بعينك لا يستره عنك شيء.
__________
(1) في (ب): فإنك.
(2) في (ب): به.
(3) منه، سقط من شرح النهج.
(4) بعده في شرح النهج: ولا يفوته طالبه.
(5) في شرح النهج: حال.
(6) في (ب) وفي شرح النهج: ذلك.
(7) في (ب): وأنت قد أهلكت ...إلخ.
(8) في شرح النهج: يا بني.
(9) في (ب): واذكر.

(حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك): أي تحرزت منه بمبلغ جهدك وطاقتك.
(وشددت له أزرك): الأزر: القوة، قال الله تعالى:{اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي}[طه:31]،.
(ولا يأتيك بغتة): من غير تيقظ له ولا تحفظ عنه.
(فيبهرك(1)): أراد يغلبك.
(وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها): تحذير له عن أن ينخدع بما يرى من ركون أهل الدنيا إليها.
(وتكالبهم عليها): التكالب: هو التواثب عليها.
(فقد نبأك الله عنها): أخبرك في كتابه الكريم بأخبارها، ووصفها بصفاتها من كونها متاعاً وغروراً ولعباً ولهواً وزينة، وغير ذلك مما يؤذن باستحقارها وهونها عند الله تعالى وانقطاعها.
(ونعت(2) إليك نفسها): بأنها فانية، وأنها منقطعة غير باقية ولا دائمة.
(وتكشفت لك عن مساويها): أبانت عيوبها وأظهرت مساوئها؛ بما كان من خدعها لأهلها ومكرها بمن اطمأن إليها، فهذه هي المساوئ، إذ لا مساوئ أعظم منها.
(واذكر الآخرة): أخطرها ببالك، وأجرِ ذكرها على لسانك.
(وما فيها من النعيم المقيم): لأهل الطاعة، وأهل ولاية الله تعالى ومحبته.
(والعذاب المقيم(3)): لأهل المعصية، وأهل عداوة الله تعالى.
(فإن ذلك): يريد ذكر الآخرة.
(يزهدك في الدنيا): يزيدك فيها زهادة وإعراضاً عنها.
(ويصغرها في عينك): فلا ترى لها قدراً ولا وزناً.
(فلا تركن إليها): أراد لا تستند إليها.
(فإنما أهلها كلاب عاوية): يشبهون فيما هم فيه الكلاب العاوية.
(وسباع ضارية): ضرا يضري بكذا إذا كان متعوداً له، وأراد أنها متعودة للأكل والافتراس.
__________
(1) في نسخة أخرى: فيقهرك.
(2) من النعي (هامش في ب)، ولفظ العبارة في شرح النهج: ونعتت لك نفسها.
(3) في (ب): الأليم.

(يهر بعضها على بعض): هرير الكلب: صياحه، قال آخر يصف شدة البرد:
إذا كَبَّدَ النجم السماء بشتوة

على حين هرَّ الكلب والثلج خاشف(1)

أي ذاهب في الأرض.
(ويأكل عزيزها ذليلها): تسلطاً عليه وقهراً له(2).
(ويقهر كبيرها صغيرها): ذلاً واستهانة.
(نعم معقَّلة): أي معقولة، فلا تقدر على الذهاب والتصرف.
(وأخرى مهملة): من غير عقال سائبة على رءوسها.
(قد أضلت عقولها): أي ذهبت حيرة وفشلاً فلا يُنْتَفَعُ بها.
(وركبت مجهولها): أراد إما دخلت مواطن تجهلها ولا تدري حالها، وإما احتملت أموراً لا تعرف مواردها ومصادرها لجهلها بها.
(سروح عاهة): أعاه القوم إذا أصابت ماشيتهم العاهة، والسروح: جمع سرح وهو قطعة من الماشية، وكنى بذلك عن أهل الدنيا وتغير أحوالهم كلها.
(بوادٍ وعث): الوعث: الرمل الرخو الذي تغيب فيه الأقدام لرخاوته.
(ليس لها راعٍ يقيمها): على مصالحها، ويسلك بها مراعيها.
(ولا مسيم يسيمها): والمسيم هو: الراعي، وأراد ليس لها راعٍ يكون حافظاً لها عن المحذورات، فجعل ما ذكره مثالاً للدنيا وأهلها وما هم عليه من عدم التحفظ والإهمال.
(سلكت بهم الدنيا طريق العمى): باتباعهم لها وانقيادهم لأمرها، وانهماكهم في لذاتها.
(وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى): أمالت أبصارهم عن أعلام الهداية إلى الدين وطرق السلامة.
(فتاهوا في حيرتها): تحيروا في ضلالها.
__________
(1) أورد البيت ابن منظور في لسان العرب 3/794 من بيتين نسبهما للقطامي أولهما:
أرى الحق لا يعيا عليَّ سبيله

إذا ضافني ليلاً مع القرِّ ضائف

إذا كبَّد النجم .....................

البيت

(2) له، سقط من (ب).

(وغرقوا في نعمتها): استعارة لما هم عليه من الاشتغال فيها بالرفاهية والتنعم، وطلب اللذات فيها.
(واتخذوها رباً): هذه مبالغة عظيمة في الخضوع لها، وأنها بلغت مبلغ من يُعْبَدُ، ويكون رباً يُخْضَعُ له، ويكون ذليلاً من أجله، ونظير هذا قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}[الجاثية:23]، فلما انقاد لأمره واحتكم له، صار هواه بمنزلة إله يعبده، فلما صار أمرها كما ذكرناه واستحكمت فيهم.
(فلعبت بهم): باحتكامها عليهم واستعبادها لهم وإنفاذ أمرها عليهم.
(ولعبوا بها): في استعمال لذاتها والتنعم في طيباتها، وشغل أنفسهم بها.
(ونسوا ما وراءها): من الأهوال العظيمة والأمور المفظعة، والأخطار الجليلة.
(رويداً يسفر الظلام): انتصاب رويداً على المصدر، وهو تصغير إرواد(1) على الترخيم، وأراد أمهل، يسفر الظلام أي ينكشف(2)، وأراد أمهل قليلاً فعن قريب وقد انكشف عن حقيقته(3) الأمر، ورجعت الأشياء إلى حقائقها وأصولها.
(كأن قد وردت الأظعان!): الأظعان: جمع ظَعْن، والْظَّعْنُ: اسم للجمع كالْنَّفْرِ والْرَّهْطِ، فأما قوله تعالى: {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ}[النحل:80]، فهو مصدر، والأظعان: الإبل التي عليها الهوادج، والمعنى في هذا أنا مسافرون، وكأن قد وردت الأظعان مناهلها، وكأن قد قدمنا منازلنا، وانقطعت هذه الأسفار.
(يوشك من أسرع يلحق(4)): يقرب، أي(5) من أسرع في سيره يلحق بمن كان متقدماً عليه، وأراد أنا عن قريب لاحقون بمن تقدمنا من الأموات، مسرعون إليهم.
__________
(1) في (ب): رواد.
(2) في (ب): إلى أن ينكشف.
(3) في (ب): حقيقة الأمر.
(4) في (ب) وفي شرح النهج: أن يلحق.
(5) في (أ): أن.

(واعلم أن من كانت مطيته الليل والنهار، يسار(1) به وإن كان واقفاً): شبه جري الليل والنهار بالمطايا المسرعة في سيرها، وهما في غاية السير والإسراع بمن فيهما، وإن كان واقفاً لا يشعر بالسير.
(ويقطع المسافة): إلى الآخرة.
(وإن كان مقيماً وادعاً): أي ساكناً، من قولهم: ودع الرجل فهو وديع أي ساكن، وقيل لبعض الصالحين: كيف أصبحت؟ وكيف حالك؟ فقال: ما حال من ينتقل كل يوم مرحلة إلى الآخرة(2).
ثم أخذ في بيان حال الرزق والتفويض إلى الله بقوله:
(واعلم يقيناً): إما علماً يقيناً، وإما متيقناً، فالأول يكون صفة لمصدر، والثاني على الحال.
(أنك لن تبلغ أملك): يريد ما كنت تأمله في الدنيا، وأنه لا بد من انقطاعه بالموت لا محالة، فكل أحد من الخلائق ليس بالغاً أمله بحال.
(وأن الله قد أذن في خراب الدنيا وعمارة الآخرة): إذنه علمه بخرابها، أو أمره بذلك وترغيبه عنها، وأن الآخرة قد أمر بعمارتها لكونها دائمة غير منقطعة وأنها دار الجزاء.
(فإن زهدت فيما زهدتك فيه): زهد في الأمر إذا انصرف عنه، وأراد إن أعرضت عن زخارف الدنيا ولذاتها.
(ورغبت فيما رغبتك فيه): رغب في الأمر إذا أراده، وغرضه إن رغبت في الآخرة ونعيمها كما أشرت إليك في هذا وهاذاك(3).
(فأهل ذاك أنت): أراد فهو المرجو فيك والمؤمل من عندك.
(وإن كنت غير قابل نصحي): غير(4) ملتفتٍ إلى ما أودعتك من النصيحة في أمرك كله.
(فاعلم يقيناً): لا شك فيه.
__________
(1) في شرح النهج: فإنه يسار به.
(2) هذا القول هو لمحمد بن واسع بن جابر الأزدي، انظر الاعتبار وسلوة العارفين ص413 فهو فيه مع اختلاف يسير في بعض لفظه.
(3) في (ب): كما أشرت في هذا أو ذاك.
(4) غير، سقط من (ب).

(أنك لن(1) تبلغ أملك): وأن الموت حائل بينك وبينه، وقاطع لك عن إتمامه.
(ولن تعدو أجلك): الذي قد فرض الله لك وقدره من أجلك، فلا يزاد عليه ولا ينقص منه.
(وأنت(2) في سبيل من كان قبلك): يريد سالكاً لطرائقهم، تابع لآثارهم.
(فخفض في الطلب): أراد هون الطلب في الأمور كلها.
(وأجمل في المكتسب): أراد إما في الاكتساب، وإما في تحصيل الأمر بكسبه، ولا تجهد نفسك، ولا تكلفها فوق طوقها(3) في ذلك.
(فإنه): الضمير للشأن.
(ربَّ طلب جرَّ إلى(4) حرب): الحرب هو: استلاب المال من صاحبه ظلماً وعدواناً، وأراد أن الطلب ربما كان سبباً في أخذ المال واصطلامه(5) من صاحبه، وهذا كثير(6) ما يعرض.
(وليس كل طالب بمرزوق): أراد كم من مجدٍ في الطلب ومع ذلك فإنه لا يرزق ما في نفسه، ولا يبلغه أصلاً.
(ولا كل مجمل): ساع في طلب الرزق على الإجمال والسهولة في حاله.
(بمحروم): ممنوع ما قدر له عند الله تعالى.
(وأكرم نفسك عن كل دنيَّة): الدنيَّة من الأمور: ما يسقط الهمة وينزل القدر، وأراد نزّه نفسك عن الوقوع في كل خصلة مسقطة لقدرك عند الله وعند الخلق.
(وإن ساقتك إلى الرغائب): وإن كانت مؤدية لك إلى كل ماترغب فيه النفوس وتدعو إليه.
(فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضاً): أراد أنك إذا أسقطت نفسك وهونَّت منزلتك في طلب شيء من حقير الدنيا وحطامها، فإنه لا يكون عوضاً وإن عظم خطره وكان(7) نفيساً، عما فات من نقص نفسك وإنزالها عن قدرها.
__________
(1) في (ب): لم.
(2) في شرح النهج: وأنك، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(3) في (ب): طاقتها.
(4) في شرح النهج والاعتبار: قد جرَّ إلى حرب.
(5) اصطلام المال: استئصاله.
(6) في (أ): كثيراً.
(7) في (ب): وإن كان نفيساً.

(ولا تكن(1) عبداً لغيرك): أراد أنك لا تذل نفسك بطلب طمع من أحد فتكون عبداً له بملكه لك بما كان من جهته من الإحسان إليك، والتذلل له في طلبه.
(وقد جعلك الله حراً): مالكاً لنفسك غنياً بإحسانه إليك عن إحسان غيره، فلا تذل نفسك وقد أعزك بما أعطاك من خيره.
(وما خير خير لا يوجد إلا بشر): استفهام فيه معنى التعجب، وأراد(2) أي خير في الخير الذي لا يمكن تحصيله إلا بتحمل الشر والتلبس به.
(ويسر لا ينال إلا بعسر): وما حال يسر لا يمكن إيجاده إلا بتحمل العسر.
(وإياك أن توجف بك مطايا الطمع): الوجيف: هو ضرب من السير السريع، يقال: وجف البعير يجف وجوفاً إذا سار سيراً سريعاً، وأراد تحذيره عن أن تسرع مطايا الأطماع بك، أي بسببك ومن أجلك، ومطايا الطمع في موضع رفع على الفاعلية لتوجف.
(فتوردك مناهل الهلكة): الورود مع المناهل من باب توشيح الاستعارة، وأراد تحقق العطب مع المواظبة على الأطماع.
(وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل): أراد أنه إن أمكنك الاكتفاء بما قسم الله لك من جهته، والاستغناء عما في أيدي الناس، وكف السؤال عنهم؛ كيلا يكونوا منعمين عليك، فيكون الله قد قسم على أيديهم نعمة(3) منه عليك.
(فإنك مدركٌ قسمك): ما قدره الله لك وحتمه من الرزق من غير وساطة أحد من خلقه.
(وآخذٌ سهمك): الذي فرضه الله لك.
(فإن اليسير من الله سبحانه): من الرزق.
(أكثر(4) وأعظم من الكثير من خلقه): أجزل وأحمد عاقبة مما يكون على أيدي الخلق، وقد ظهر ذلك من أوجه:
__________
(1) في (ب): فلا تكن.
(2) في (ب): أراد.
(3) في (ب): نعمته.
(4) في (ب) وفي شرح النهج: أكرم.

أما أولا: فلأن عطاء الله تعالى ليس فيه منِّة من جهة مخلوق، بخلاف ما يكون من جهة بني آدم فإن فيه المنّة.
وأما ثانياً: فلأن عطاء الله تعالى(1) أهنأ وأمرأ بخلاف عطاء غيره من جهة الخلق، فإن فيه تعباً ونصباً.
وأما ثالثاً: فلأنهم يرجون بما ينعمون به من النعم المكافأة والمصانعة، والله تعالى لا يرجو شيئاً من ذلك.
وأما رابعاً: فلأن عطاءهم حقير هين، وعطاؤه جل جلاله لا يمكن حصره ولا عده.
وأما خامساً: فلأن في سؤال الخلق إراقة ماء الوجه عند المسؤل، وليس أهلاً لذلك، بخلاف سؤاله تعالى فإنه مستحق لأكثر من ذلك.
وعلى الجملة فإن إحسانه تعالى مخالف لإحسان جميع الخلق من جميع الوجوه، فلا وجه لطلب المخالفة في ذلك.
(وإن كان الكل منه): يريد أن الإحسان وإن حصل لك من جهة الغير فهو في الحقيقة من جهة الله تعالى(2)؛ لأن الله تعالى هو الذي أعطاه ومكنه من فعل الإحسان ورغبه في فعله، ووعده العوض في الدنيا، وإجزال(3) الثواب له في الآخرة، فلهذا قال: الكل منه لأجل ما قررناه.
(واعلم أنك لست بايعاً شيئاً من دينك وعرضك بثمن وإن جل إلا كنت مغبوناً): أراد أن تحصيل شيء من الدنيا وإن جل حاله وعظم خطره بنقص(4) في الدين أو نقص من العرض بإهراق ماء الوجه في المسألة، أو التواضع لمخلوق، فإنه لا محالة يكون الغبن فيه كبيراً؛ لأن ما يحصل من ذلك حقيراً بالإضافة إلى ما يفوت من الدين والعرض.
(فالمغبون من غبن نصيبه من الله): أراد أن المنقوص حقيقة هو من نقص نصيبه من ثواب الله وجزيل ما عنده.
__________
(1) تعالى، زيادة في (ب).
(2) تعالى، سقط من (ب).
(3) في (ب): وأجزل.
(4) في (ب): نقص.

(خذ من الدنيا ما آتاك): ما قسمه الله لك من غير كلفة ولا مشقة؛ لأن كل ما قدره الله لك منها فهو آتيك لا محالة على أيسر الوجوه وأسهلها.
(وتول عمَّا تولاك): وأعرض عمَّا أعرض عنك منها، ولا تذهب نفسك على ذلك حسرة وجزعاً.
(وإن أنت لم تفعل): ما أشرت إليه من أخذ ما جاءك منها، والإعراض عما لم يأتك منها.
(فأجمل في الطلب): اطلب ما طلبت منها على سهولة، وتيسير حال من غير تهالك في طلب وإتعاب النفس في تحصيلها.
(وإياك ومقاربة من ترهبه): تخافه وتشفق منه.
(على دينك وعرضك): فإن من هذه(1) حاله لا خير في خلطته لما فيها من الضرر على الدين بالثلم والنقص، وعلى العرض بالإهدار.
(تباعد من السلطان الجائر): ففي بعدك عنه سلامة للدين وراحة للقلب عن التكلف؛ لأن في خلطته إيناساً له والواجب إيحاشه وفيها تقريب له وقد أمرنا بالإبعاد له، وفي الحديث: ((إذا مدح الفاسق اهتز العرش))(2).
(ولا تأمن خدع الشيطان): ختله ومكره وإدلاؤه بالغرور في الخلطة لهم، والقرب منهم، وتقريب الحال منه في ذلك.
(فيقول لك: متى أنكرت): عليهم ما يفعلونه من الظلم والجور.
(أو علمت): بمنكر فأزلته، أو ظلم فغيرته.
(أو تشفعت): في حال ضعيف أو في إزالة منكر، أو غير ذلك من الأمور المقربة إلى الله تعالى.
(أجرت): أعطاك الله الأجر العظيم، وكان له ثواب عند الله تعالى.
__________
(1) في (ب): هذا.
(2) عزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 1/407 إلى ميزان الذهبي (3041)، وكشف الخفاء1/105، 2/16، وتأريخ بغداد للخطيب البغدادي 7/298، 8/428، وتهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر6/40، والكامل لابن عدي 3/1307، 1308 وإلى غيرها.

(فإنه هكذا أهلك من كان قبلكم): الضمير للشيطان، يعني أنه خدعهم بهذه الأماني، وقرب لهم الحال بهذه التسويفات، وزين لهم ذلك بهذه الأكاذيب حتى وقعوا فيما وقعوا.
(وإن أهل القبلة): ممن آمن بالرسول وصلى إلى قبلته.
(آمنوا بالمعاد): أحكام الآخرة، وصدقوا بيوم القيامة، وما اشتمل عليه من الأهوال.
(ولو سمعت أحدهم يبيع آخرته بدنياه): يعني ولو خوطب الواحد منهم، وكلم على أن يبيع آخرته بشيء من حطام الدنيا ورغائبها النفيسة.
(لم يفعل): ما دعاه إلى ذلك داعي ولا أراده.
(ولم يطب بذلك نفساً): ما ساعدته نفسه ولا طابت به، لما فيه من القوة والصلابة على دينه.
(ثم قد يختله الشيطان): الختل هو: الخدع والمكر، وغرضه أنه لا يزال يمنيه الأماني، ويرغبه فيها بخدعه ومكره وبأمانيه وأكاذيبه.
(حتى يورطه): يهلكه في كل ورطة، والورطة: الهلكة.
(في هلكته): الضمير إما للشيطان أي في هلكاته التي يهلك بها غيره، وإما للواحد منا أي في هلكته التي قد(1) قدرت له، وأحكم فيها رأيه من أجله.
(بعرض من الدنيا): شيء.
(حقير يسير): فَيُطْمِعُهُ فيه، ويُمَنِّيه أخذه وتناوله على قرب وسهولة.
(وينقله من شيء): من المعاصي.
(إلى شيء): فوقه وأعلا منه، أو ينقله من درجة في ترك الدين وإهماله إلى درجة أسفل منها.
(حتى يؤيسه من رحمة الله): حتى هذه متعلقة بكلام، أي فلا يزال يفعل ذلك به حتى يزيل رجاه عن الرحمة، فينقطع عنها ولا تخطر له على بال، وعند ذلك يقتحم العظائم وهي سهلة عليه لا يكترث(2) بها، ولا يبالي بالدخول فيها.
__________
(1) قد، سقط من (ب).
(2) في (ب): ثم لا يكترث بها.

(فيجد الراحة إلى ما يخالف الإسلام وأحكامه): فيسهل عليه الحال بعد ذلك إلى ترك الدين وراء ظهره، ولا يبالي عن ذلك، فهذه حال من اطمأن إلى قرب الظلمة وساعد نفسه إلى ذلك.
(فإن أبت نفسك إلا حب الدنيا): بالتقرب إليهم ومخالطتهم.
(وقرب السلاطين): أهل الأمر والدولة على الخلق.
(وخالفتك عما فيه رشدك): سلامتك ونجاتك في الآخرة.
(فأملك عنك(1) لسانك): احفظه عن الكلام بحضرتهم، والمحاذرة عن إكثاره معهم.
(فإنه لا بقيَّة للملوك عند الغضب): الرواية في قوله: بُقَيَّة بالتصغير [تحقير بَقيَّة] (2)، وله معنيان:
أحدهما: أن يكون مراده أنه لا انتظار لهم عند الغضب، ولا مراعاة أصلاً، من قولهم: بقيت فلاناً إذا انتظرته.
وثانيهما: أن يكون مراده أنه لا استبقاء لهم عند الغضب، وأخذه من بقية الماء في الكوز، أي أنهم لا يتركون شيئاً يبقى عند الغضب، بل يهلكون هلاكاً باستئصال.
(ولا تسأل عن أخبارهم): عما يتعلق بأحوالهم الخاصة فإن ذلك يبعث على الغيرة والغضب من جهتهم.
(ولا تنطق بأسرارهم): فإن فيه مخالفة لمقاصدهم، وآرائهم.
(ولا تدخل فيما بينهم): فإن فيه تغريراً بالنفس ومخاطرة بها.
(وفي الصمت السلامة عن الندامة): عما فرط من الكلام، وعن بعضهم:
ما إن ندمت على سكوتٍ مرة

ولقد ندمت على الكلام مرارا

(وتلا فيك فيما(3) فرط من صمتك): يريد أنك إن فرطت في الصمت فإنه يمكنك تداركه بأن تتكلم فيما بدا لك منه فهو لا محالة.
__________
(1) في (ب) وفي الاعتبار وسلوة العارفين: عليك.
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): عما، وفي شرح النهج: ما، والعبارة في الاعتبار: وتلا فيك ما فرطت فيه من صمتك ...إلخ.

(أيسر من إدراك(1) ما فات من منطقك): يعني وأنت إذا تكلمت بكلام فإنه لا يمكنك تداركه بأن تصمت عنه، فإنه يستحيل استرجاع ما خرج من الكلام ورده، ولهذا قال بعضهم: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، وعن بعضهم: أنا على ما لم أقل أقدر مني على ما قلت، وقال آخر: أنا إذا تكلمت بالكلمة ملكتني، وإذا لم أتكلم بها ملكتها(2).
__________
(1) في الاعتبار، وشرح النهج: إدراكك.
(2) انظر تصفية القلوب للمؤلف ص95، ومثل ذلك ورد في شرح النهج لابن أبي الحديد16/138 فقال: اجتمع أربعة حكماء: من الروم، والفرس، والهند، والصين، فقال أحدهم: أنا أندم على ما قلت، ولم أندم على ما لم أقل، وقال الآخر: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني ولم أملكها، وإذا لم أتكلم ملكتها ولم تملكني، وقال الآخر: عجبت للمتكلم إن رجعت عليه كلمته ضرته، وإن لم ترجع لم تنفعه، وقال الرابع: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت. انتهى.

ولقد أشار صاحب الشريعة إلى هذه الأسرار بقوله: ((من صمت نجا))(1)، وبقوله: ((من سكت سلم))(2)، وبقوله: ((الصمت خير، وقليل فاعله))(3)، فهذه الكلم كلها من جهته قد اشتملت على جميع أسرار الصمت، واحتوت عليها.
(وحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء): وكاء القربة: الخيط الذي يشد به رأسها، وفي الحديث: ((احفظ عفاصها ووكاءها))(4) وغرضه من هذا التحفظ عن عورات الكلام بالصمت.
(وحفظ ما في يديك): من الأموال وما تحتاج إليه في الدنيا.
__________
(1) رواه الإمام الموفق بالله في الاعتبار ص513 برقم (443)، وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8/378 إلى سنن الترمذي (2501)، ومسند أحمد بن حنبل 2/159، 177، وسنن الدارمي 2/299، وإتحاف السادة المتقين 7/449، 459، 578 وعزاه إلى غيرها من المصادر انظرها هناك.
(2) له شاهد بلفظ: ((من أراد أن يسلم فليحفظ لسانه)) رواه في مسند شمس الأخبار1/507 في الباب السادس والتسعين عن أنس بن مالك، وعزاه إلى الاعتبار وسلوة العارفين.
(3) الحديث بلفظ: ((الصمت حكم، وقليل فاعله)) رواه في مسند شمس الأخبار 1/509 في الباب السادس والتسعين وهو في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/383 وعزاه إلى إتحاف السادة المتقين 7/449، والمطالب العالية 3219، وكنز العمال رقم(6880)، والمغني عن حمل الأسفار للعراقي 3/105، والكامل لابن عدي 5/1816.
(4) النهاية لابن الأثير 3/263، وقال في شرح الحديث: العفاص: الوعاء الذي تكون فيه النفقة من جلد أو خرقة أو غير ذلك، من العفص وهو: الثني والعطف، وبه سمي الجلد الذي يجعل على رأس القارورة عفاصاً وكذلك غلافها.

(أحب إليك(1) من طلب ما في يد غيرك): والمعنى في هذا هو أن حفظ ما في يدك عن الإتلاف بالهبة، وسائر أنواع التفضلات أحب وأقرب إلى الله من إتلافه، وطلب ما في أيدي الناس، والخضوع لهم بالسؤال والطلب.
(ولا تحدثن(2) إلا عن ثقة): عمَّن يغلب على الظن صدقه وأمانته في(3) الحديث، فإذا حدثت عمن يغلب عليه الكذب.
(فتكون كذاباً): لأن نقل الحديث عن الكاذب يكون كذباً لامحالة.
(والكذب ذل): لصاحبه وعار عليه لما فيه من المقت عند الله تعالى، وعند الخلق.
(وحسن التدبير مع الكفاف): [الكفاف] (4) هو: الذي يكون فيه كفاية من غير إسراف ولا تقتير، وفي الحديث: ((اللَّهُمَّ، اجعل رزق آل محمد كفافاً))(5) وأراد أن الاقتصاد في المعيشة وإن كان كفافاً.
(أكفى لك): أعظم كفاية لمآقي وجهك.
(من الكثير مع الإسراف): لأن مع الاقتصاد فالكفاية حاصلة، ومع الإسراف لا كفاية، فلهذا كان ذلك أحق وأولى.
(ومرارة اليأس خير من الطلب إلى لئام الناس): المعنى في هذا هو(6) أن اليأس وإن كان مراً عما في أيدي الخلق، فهو خير من الرجوى والطلب إلى أسافل الناس وأراذلهم.
__________
(1) في شرح النهج: أحب إليَّ من طلب ما في يدي غيرك، والعبارة في الاعتبار: وحفظ ما في يديك أعود عليك من طلب ما في يد غيرك.
(2) في (ب): ولا تحدث.
(3) في (ب): وفي الحديث.
(4) سقط من (ب).
(5) الحديث بلفظ: ((اللهم اجعل رزق آل محمد في الدنيا كفافاً)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 2/159 وعزاه إلى مسلم (730) و(2281)، وسنن الترمذي(2361)، وسنن ابن ماجة(4139)، والسنن الكبرى للبيهقي 2/150، 7/46، وأخلاق النبوة 268، إلى غيرها.
(6) هو، سقط من (ب).

(والعفة مع الحرفة): أراد أن التعفف عن كل ما يشين المرء ويسقط منزلته مع الحرفة، وهو نقصان الحظ والحرمان.
(خير من الغنى مع الفجور): أعود لا محالة، وأحسن حالاً؛ لأن الفجور فيه نقصان الدين وهدمه، والعفة مع نقصان الحظ لا نقص فيه على الدين ولا هدم له.
(والمرء أحفظ لسره): أراد أن المرء إذا كان معه سر فهو أحفظ لسره وأملك به، فإذا أباحه وأفشاه إلى غيره، فذلك الغير لا محالة أكثر إظهاراً له، وعن هذا قال بعضهم:
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه

فصدر الذي يستودع السر أضيق(1)

(رب ساعٍ فيما يضره): في الدين والدنيا، وبيانه هو: أنا نرى من يكون مجتهداً في التعلق بالملوك، ومحباً في خدمتهم ومع ذلك يضره في دينه، وهكذا فإنا نرى كثيراً ممن يتعلق بطلب الأموال فيولع بالأسفار، ويعلم ما فيها من النقص بجسمه بالمرض، فلهذا قال: رب ساعٍ فيما يضره، يشير به إلى ما ذكرناه، ونرى من هذا شيئاً كثيراً.
(من أكثر): من الكلام فيما لا يعنيه.
(أهجر): الإهجار: هو الإفحاش في المنطق، وغرضه أن كثرة الكلام تؤدي إلى ذلك، وترشد إليه.
(ومن تفكر أبصر): أراد أن كل من تفكر في عواقب أمره(2) وما يؤول إليه حاله استبصر في أمره، وكان منه على حقيقة وبصيرة.
(خير حظ المرء قرين صالح): الحظ: ما يقدره الله للإنسان ويقسمه من سعادة وشقاوة، وأراد أن خير ما يقدره الله تعالى(3) للمرء مقارنة أهل الصلاح؛ لما في ذلك من السعادة والنفع في الآخرة.
__________
(1) أورد البيت ابن أبي الحديد في شرح النهج 16/99 بدون نسبه لقائله.
(2) في (ب): الأمور.
(3) تعالى، زيادة في (ب).

(قارن(1) أهل الخير تكن منهم): أراد أن المقارنة(2) والخلطة تكسب البعضية، فمن قارن(3) أهل الخير، واختلط بهم كان من جملتهم ونسب إليهم، وفي الحديث: ((المرء من قرينه)) أي أنه يكتسب من خلائقه، ويأخذ من شيمه.
(باين أهل الشر تبن عنهم): اعتزل عنهم تكن مخالفاً لهم في كل أحوالك.
(لا يغلبن عليك سوء الظن): يعني كن في أكثر أحوالك محسناً للظن بكل(4) أحد، ولا يغلبن عليك سوء الظن بكل أحد، فيؤدي إلى التهمة وانقطاع الألفة.
(بئس الطعام الحرام): وفي الحديث عن الرسول عليه السلام أنه قال: ((طلب الحلال فريضة على كل مسلم))(5)، وفي حديث(6) آخر: ((كل لحم نبت من الحرام فالنار أولى به))(7).
وعن ابن عباس: لا يقبل الله صلاة(8) امرئ في جوفه حرام.
__________
(1) في (ب): قارب.
(2) في (ب): المقاربة.
(3) في (ب): قارب.
(4) في (ب): في كل أحد.
(5) عزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/409 إلى إتحاف السادة المتقين6/4، وتأريخ أصفهان2/339، والكامل لابن عدي 2/779، 3/1043، 4/1525، 5/1810.
(6) في (ب): وفي الحديث.
(7) عزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 6/439 إلى إتحاف السادة المتقين 5/226، 6/81،106، والمغني عن حمل الأسفار للعراقي 2/9207.
(8) في (ب): لاتقبل صلاة امرئ...إلخ.

(ظلم ضعيف أفحش الظلم): أعظمه وأعلاه، وكل شيء جاوز حده فهو فاحش، وفي الحديث: ((اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد ناصراً غيري))(1).
(الفاحشة كاسمها): أراد أن لفظها(2) مطابق لمعناها، فلما كان الزنا عظيماً عند الله وأجل الكبائر، ولهذا جعل في مقابلته عقوبة لا تشبه العقوبات، فلما عظم أمره وكبر خطره عند الله، لا جرم سمي فاحشة، وهكذا كلما عظم حاله أطلق عليه هذا الاسم.
(التصبر(3) على المكروه): على ما تكرهه النفس وينفر عنه الطبع من احتمال الأذى وكظم الغيظ، وغير ذلك مما يعد تصبراً.
(يعصم القلب): عن الميل عن الحق، وعن الطيش والفشل، والعجلة، وغير ذلك من الأمورالمكروهة.
__________
(1) رواه في مسند شمس الأخبار 2/266 الباب (163)، وقال العلامة الجلال في تخريجه: أخرجه الطبراني في الأوسط عن علي عليه السلام ولفظه: ((أشد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصراً غيري)) ...إلخ، وأشار إلى طرفه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 11/382 وعزاه إلى المعجم الصغير للطبراني 1/31، والدر المنثور 1/353، وكشف الخفاء 1/143.
(2) في (ب): اسمها.
(3) في (ب): الصبر.

(ربما كان الدواء داء، والداء دواء): يعني ربما أهلك الدواء الذي ترجا منه الصحة للإنسان، وربما كان الشيء الذي يؤلم ويؤذي دواءً مفيداً للصحة، مثل: الكي وقطع بعض الأعضاء لسلامة الروح، وهكذا ما يحكى عن بعض الأطباء أن من الأمراض ما يكون سبباً لزوال مرض آخر، وهذا نحو المالَنْخُوليا(1) فإنه يذهب وينجل(2) بالبواسير.
(إذا كان الرفق خرقاً، كان الخرق رفقاً): الخَرَقُ بالخاء المعجمة بفتحتين هو المصدر، والاسم منه الْخُرُق بضمتين هو: الجهل، والرفق: هو نقيضه، وفي الحديث: ((عليك بالرفق يا عائشة، فإنه ما حصل في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه))، ومثال ما يكون فيه الرفق خرقاً أنه إذا أقدم عليك العدو في الحرب فتأنيت في دفعه وقتله، فهذا يكون رفقاً بالإضافة إلى العدو، وهو بالإضافة إليك خرقاً؛ لأنه يؤدي إلى هلاك(3) نفسك.
ومثال ما يكون الخرق رفقاً: هو أنك إذا خاطرت وعاجلت في قتل العدو، وكان هذا خرقاً بالإضافة إلى العدو، ورفقاً بالإضافة إلى نفسك، وحاصل المعنى فيما ذكر هاهنا هو أن الرفق في بعض المواضع قد يكون خرقاً، والخرق في بعض المواضع قد يكون رفقاً على أوجه مختلفة، لا يخفى حالها على الأذكياء.
__________
(1) في (ب): المالوخيا، قلت: والمَلَنْخُوليا: في رأي القدماء مرض عقلي من مظاهره فساد التفكير، ينشأ من تغلب أحد الأخلاط الأربعة وهي السوداء في الدم، وذلك لعجز الطحال عن امتصاصها منه، وفي رأي المحدثين: مرض عقلي، من مظاهره اضطراب الوجدان، وتغلب الغم والحزن والقلق وضيق الصدر والميل إلى التشاؤم، وسببه اضطرابات جسمانية أهمها عدم الاعتدال في نشاط الغدد الصم. (المعجم الوسيط 2/887).
(2) أي يزيل.
(3) في (ب): إهلاك.

(سوف يأتيك ما قدرِّ لك): أراد وإن بعد الأمر في ذلك وتراخت المدد، فإنه لا بد من وصوله إليك من خير وشر.
(رب يسير أهنئ(1) من كثير): من الرزق؛ لأنه ربما حصل في الكثير ما يكدره من كثرة العوارض والآفات والغموم والأحزان، واليسير(2) لا يلزمه شيء من هذه الأمور، فلهذا كان أهنئ.
(ساهل الدهر ماذل لك قَعُوْدُهُ): القَعود بفتح القاف من الإبل: ما يقتعده الراعي في جميع حوائجه، وهو الذي تمت له سنتان إلى أن يثنى(3)، فإذا أثنى فهو جمل، وغرضه من هذا الأمر بمواتاة الدهر، وأخذ أموره بالسهولة مهما كان مذعناً منقاداً، فأما إذا اعتاص أمره فلا سبيل إلى مساهلته.
(ربما نصح غير الناصح): الجاري على الأكثر النصيحة ممن طلبت منه(4)، وفي الحديث: ((المستشار مؤتمن))(5) وربما جرى على القلة أن يُسْتَنْصَحُ إنسان فتأتي النصيحة من غيره.
(وغش المستنصح): أي وحصل الغش والخديعة ممن طلبت منه النصيحة، ومهما كان الأمر هكذا فلا ينبغي لعاقل الاتكال على نصح الناصح، وغش الغاش؛ لأنه ربما جرى منهما خلاف ذلك.
__________
(1) في شرح النهج: أنمى، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(2) في (أ): والكثير، وهو تحريف، والصواب ما أثبته من (ب).
(3) يثنى: يدخل في السنة السادسة فعند دخوله فيها يسمى جمل. (وانظر نهاية ابن الأثير4/87).
(4) منه، سقط من (ب).
(5) أخرجه الإمام أبو طالب عليه السلام في أماليه ص469 رقم (624) بسنده عن أم سلمة، وللحديث مصادر كثيرة انظرها في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8/671، ورواه في لوامع الأنوار 3/228 في سلسلة الإبريز رقم (6) وقال: أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والطبراني في الكبير.

(إياك والاتكال على المنى): المنى: جمع منية، وهو: ما يتمناه الإنسان من جميع الأشياء، فحذَّره عن الاعتماد عليها.
(لأنها(1) بضائع النوكى): البضاعة: ما يتوصل بها إلى الربح، وغرضه أنها بضائع أهل الحمق والجهل، والنوكى: جمع أنوك وهو الأحمق.
(وفي تركها خير الدنيا والأخرى): يريد أنك إذا تركتها، وآثرت ما هو الصحيح المعتمد عليها دونما هو أمر موهوم لا تدري هو يحصل أم لا، فقد اعتمدت في أمرك على ما هو الحق من أعمال الدنيا والآخرة، وعملت على ما هو الأفضل منهما.
(ذكِِّ قلبك بالأدب كما تذكى النار بالحطب): ذكت النار تذكو ذكواً: إذا اشتعلت، وأراد نوِّر قلبك بتذكر الآداب الدينية والدنيوية، وأشعل فيها نيرانها كما تشعل النار وتذكو وقودها بإيراد الحطب عليها.
(لا تكن كحاطب ليل): نهاه عن أن يكون جامعاً بين غث الأمور وسمينها، وقويها وضعيفها، وجيدها ورديئها، وإنما يأخذ من الأمور أحسنها وأعلاها وأرفعها من أمور الدين والدنيا، وفي الحديث: ((إن الله تعالى(2) يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها)).
(وغثاء السيل): الغثاء: ما يحمله السيل من بطون الأودية من الأخلاط المجتمعة، قال امرؤ القيس:
كأن ذرى رأس المجيمر(3) غدوة

من السيل والغثاء فلكة مِغْزَل
__________
(1) في شرح النهج: فإنها، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(2) تعالى، زيادة في (ب)، والحديث رواه في مسند شمس الأخبار 2/20 في الباب (105)، وقال العلامة الجلال في تخريجه: أخرجه الطبراني في الكبير عن الحسين بن علي عليهما السلام، وحسنه السيوطي. انتهى.
(3) في (ب) وفي نسخة أخرى: المخيم، والبيت ورد في شرح المعلقات السبع للزوزني ص32 بلفظ: المجيمر كما في (أ)، والمجيمر: أكمة بعينها.

ويكون مثقلاً ومخففاً.
(كفر النعمة لؤم): اللَّومُ بفتح الفاء: العذل، يقال: لامه لوماً إذا عذله، واللُوْمُ بضم الفاء هو: الاسم من الملامة واللائمة، وألام الرجل إذا أتى بما يلام عليه، واستلام الرجل إلى الناس أي استذمَّ.
(صحبة الجاهل شؤم): الشؤم هو: نقيض اليمن، وأراد أن كل من صحب الجهال فإنه يكون لا محالة مشئوماً لا خير فيه ولا معه.
(العقل حفظ التجارب): وهي جمع تجربة، وهي(1) خبرة الأمور والحنكة فيها، ومعاناتها مرة بعد مرة، وفيه معنيان:
أحدهما: أن يريد أن من حكم العقل وقضيته حفظ ما جربه الإنسان وعالجه مرة بعد أخرى.
وثانيهما: أن يكون غرضه أن العاقل لا يكون عاقلاً، ولا يكون عقله كاملاً، إلا بعد أن يكون مجرباً للأمور، ذا حنكة فيها، وأما من يأتي الأمور ويفعلها من غير تجربة فيها، فليس على حد العقلاء، ولا ذاك من حقيقة شأنهم.
(وخير ما جربت ما وعظك): وأفضل ما عالجت من الأمور كلها، ما كان سبباً في اعتبارك وموعظتك، وانتفاعك في أمر الدين وحال الآخرة.
(بادر الفرصة): يقال(2): أفرصتني الفرصة أي أمكنتني، وأراد الأمر بالإسراع والمعاجلة(3) في إحراز الخيرات من جميع الأمور، والمواثبة عليها قبل فواتها، وعروض ما يعرض من أخذها وتناولها.
(قبل أن تكون غصة): الغصة: واحدة الغصص وهي: الشجا في الحلق، وأراد أن إهمالها وترك المعاجلة في أخذها يكون شجاً في الحلق لا محالة.
__________
(1) في (ب): وهو.
(2) يقال، سقط من (ب).
(3) في (ب): والماجلة، وهو تحريف.

(من الحزم العزم): أراد أن العزم على أخذ الشيء، وتناوله هو أحد أجزاء الحزم؛ لأنه إذا أخذه وقطع على تناوله فهو آخذ بالحزم لا محالة، مخافة أن يفوت أو يعرض عن أخذه عارض، فلهذا قال: من الحزم العزم.
ثم أخذ في تقرير الحكم وبيان أسرارها وغرائبها بقوله:
(سبب الحرمان التواني): اشتقاق التواني من الونى، وهو: الضعف، وغرضه أن السبب في امتناع بعض الأشياء وحرمانها هو الضعف عن طلبها والتساهل في إدراكها، ولهذا نجد الإنسان إذا جدَّ في طلب شيء حصل، وإذا توانى فيه فات لا محالة.
(ليس كل طالب يصيب): مطلوبه، ويحصل له، فكم من طالب ولا ينال مطلوبه، ولا يكون حاصلاً وإن جد واجتهد.
(ولا كل غائب يؤوب): فكم من غائب يعرض(1) دون إيابه الموت، فلا يؤوب أبداً.
(من الفساد): في الدين والإعراض عن الآخرة:
(إضاعة الزاد): وهو التقوى وما بلغ إلى الآخرة، ولا فساد كهو؛ لأن كل فساد يرجى صلاحه إلا ما كان من فساد الزاد في الآخرة فإنه لا رجوى لصلاحه بحال.
(وهو مفسدة المعاد): يعني أن من أضاع زاده في الآخرة فقد أفسد لا محالة معاده إلى الله تعالى، ومرجعه إليه؛ إذ لا معاد من دون زاد.
(لكل أمر عاقبة): يؤول إليها ويرجع، وإلى الله عاقبة الأمور كلها وصيرورتها.
(رب دائب مفرط): الدأب: المداومة على الشيء وتكراره، وأراد رب مداوم على فعل شيء وهو في الحقيقة مفرط في فعله، كأنه بمنزلة من لم يفعله، إما لفساد قصده وتغير نيته، وإما لإيقاعه له على غير الوجه المأمور به.
__________
(1) في (ب): يعرض له.

(ورب ساعٍ مضيع): أي رب(1) من يكون ساعياً في تحصيل شيء ومجتهداً في فعله وهو في الحقيقة مضيع له(2)؛ لكون سعيه غير موافق للأمر، ولا مطابقاً له، وما ذكره أمير المؤمنين يقع كثيراً.
(التاجر مخاطر): في اضطرابه في تجارته وركوب البر والبحر، فهو على غير حقيقة في تجارته هل تسلم أو لا؟ وهل يربح أو يكون خاسراً؟ فلا يزال في خطر في تصرفاتها(3) كلها، ولا يزال راكباً للأخطار.
(لا خير في معين مهين): الإعانة إنما تراد من أجل تحصيل المقصود وإيقاعه، فإذا كان المعين في غاية الضعف والهوان فلا فائدة فيها، ولا نفع واقع بها.
(ولا في صديق ضنين): أراد بالضنين إما البخيل، وإما المتهم، وكلاهما يشوبان الصداقة، ويقطعان حالها، ويبطلان أمرها.
(ولا تبنينَّ في أمر على غرور): الغرور هو: الخدع والمكر، وأراد أن كل أمر قررت قواعده على خديعة ومكر، فهوباطل متلاشي لا ثبات له، فلهذا نهى عنه.
(من حلم ساد): أراد أن الصبر على المكاره وتحمل أذى الخلق والاصطبار على ما يأتي منهم من المكروه، يورث السؤدد عليهم، وعن هذا قال بعضهم:
تحلم عن الأدنين واستبق ودهم

فلن تستطيع الحلم حتى تحلمّا(4)

(ومن تفقه ازداد): التفقه: التفهم لمراد الله وإصلاح حاله في الدين والدنيا، ومن فهم عن الله ازداد خيره وكثر صلاحه.
(لقاء أهل الخيرات عمارة القلوب): لأن عمارة القلوب لا تحصل بأعظم من ذكر الموت وأحوال الآخرة، ولقاء أهل الصلاح يكون فيه أبلغ ذلك وأعظمه.
__________
(1) في (ب): أي ورب.
(2) في (ب): فلا يزال في خطر تصرفاته كلها.
(3) له، سقط من (ب).
(4) لسان العرب 1/707 بدون نسبة لقائله.

(إياك أن تجمح بك مطايا اللجاج): جمح الفرس براكبه، إذا خالفه في مراده ولم يملك أمره، وأراد التحذير عن أن يكون اللجاج والشجار طامحين بالإنسان إلى المكاره السيئة والمداخل الضيقة، والمعنى في هذا هو كف النفس وزمها عن الورود في اللجاج والخصومات.
(إن قارفت سيئة فعجِّل لها توبة(1)): القرف: الاكتساب، يقال: فلان يقترف لعياله إذا كان يكتسب عليهم، وأراد أنك إذا اكتسبت سيئة فلا تمَّالك في تعجيل توبة من أجلها تمحوها.
(لا تخن من ائتمنك وإن خانك): أراد أن الواجب عليك أن لا تخون أحداً، وخيانته لك لا تبطل هذا الواجب، ولأنه إذا خانك فقد أسقط حقك، وإذا أسقط حقك فلا تسقط حقه بالخيانة من جهتك.
(لا(2) تذع سره وإن أذاع سرك): الإذاعة: هي الإفشاء، وفلان خدَّاع مذَّاع أي يفشي الأسرار وينشرها، وغرضه أنك لا تفش(3) سره وإن أساء في إفشاء سرك.
(لا تستوثق بثقة رجاء): يقال: فلان أخذ بالوثيقة في أمره، أي بالثقة، وأراد هاهنا أنك إذا طلبت وثيقة في أمر فلا تجعلها على جهة الرجاء، وكن فيها على قطع فيطمئن بها القلب، ويكون الصدر إليها منشرحاً.
(لا تخاطر بشيء رجاء أكثر منه): يعني أن حفظ القليل في يدك خير من بذله على غير حقيقة من حاله لرجوى ما هو أكثر منه، وأراد بهذا حيث لا يكون ظن السلامة أكثر، فأما إذا كان ظن السلامة أكثر فالعقول مشيرة إلى حسن ذلك لا محالة.
__________
(1) في (ب): فعجل لها توبة تمحوها.
(2) في الاعتبار: ولا تذع.
(3) في النسخ: لا تفشي، بإثبات الياء في آخره، والصواب ما أثبته؛ لأن الفعل المضارع المعتل الآخر إذا دخلت عليه لا الناهية، جزمته وذلك بحذف الحرف الأخير منه.

(جد بالفضل(1)): في جميع أحوالك، وغرضه كن مفضلاً على من قدرت عليه.
(وأحسن البذل): أي ليكن بَذْلُكَ [وعطاؤك حسناً](2) متوسطاً من غير إسراف في حالك، ولا إضرار به، كما قال تعالى: {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}[الإسراء:29]،.
(قل للناس حسناً): أي قولاً ذا حسن، وأراد قولاً لطيفاً لا خشونة فيه، ولا يجوز حسناً بغير تنوين، على أن يكون تأنيث الأحسن؛ لأن المؤنث من ذلك لا يجوز إتيانه(3) بغير اللام أو الإضافة إلا على جهة الشذوذ، فلهذا وجب حمله على المصدر كما ذكرناه.
(قلَّ ما تسلم ممن تسرعت إليه): بالمكروه والأذى، وغرضه أن كل من بادرت إليه بفعل القبيح فإنه لا يزال مجتهداً في المبالغة، [في المكر](4) والخديعة، والكيد لك لا محالة، فلا تكاد تسلم من كيده.
(أو تندم إن تفضلت عليه): أي أن الإحسان يقود إلى كل خير، فلا تكاد تندم على فضل على أحد بحال.
(من الكرم): في الطباع، واتباع محامد الشيم.
(الوفاء بالذمم): بالعقود والمواثيق، والمكر والخديعة هو اللؤم بعينه.
(الصدود آية المقت): صدَّ عنه صدوداً إذا أعرض عنه، والمقت: البغض والكراهة، وأراد أن الإعراض علامة للبغض لا مرية فيه.
(الانقباض يجلب العداوة): لأن مع الانقباض البعد، والبعد يورث الوحشة والقطيعة، وهذه كلها أسباب جالبة للعداوة.
__________
(1) في (أ) وفي نسخة أخرى: (خذ الفضل)، وقوله: في جميع أحوالك غير واضح في (أ) وأثبته من (ب).
(2) ما بين المعكوفين في (أ): غير واضح وهو بياض في نسخة أخرى، وما أثبته من(ب).
(3) في (ب): إثباته.
(4) سقط من (ب).

(والخلطة تورث المحبة): لأن مع الخلطة الألفة، والألفة تورث البشاشة، والبشاشة حِباَلَةُ(1) المودة.
(كثرة العلل): أراد أن المرء إذا كان كثيراً ما يكثر العلل على صاحبه في أحوال معاشرته له، فإن ذلك كله.
(آية الملل): علامة السآمة له، والنفرة عن خلطته ومفاكهته.
(من الكرم): في الطباع والشيم.
(صلة الرحم): برها وكرامتها بالمواصلة والتعهد، ولهذا ترى ذلك كثيراً في أفاضل الناس وأهل الشهامة منهم.
(التجن‍ي وجه القطيعة): التجني هو: التجرم وهو ادعاء ذنب لم يذنبه الغير، وأراد أنه وجه المقاطعة عن التواصل، وحقيقتها وعلامتها، ومعه حصولها لا محالة.
(احمل نفسك في أخيك عند صرمه على الصلة):أراد أنه إذا صرمك فأكره نفسك على صلته واحملها على ذلك، وقوله: احمل نفسك، يدل على أنه إكراه للنفس على ذلك؛ لأنه خلاف هواها ومرادها.
(وعند صدوده): إعراضه عنك.
(على اللطف والمقاربة): الرفق به والتقرب إليه.
(وعند جموده): بخله ومنع جود نفسه.
(على البذل): على إسداء المعروف إليه، وإنالته بخيرك.
(وعند تباعده على الدنو): على القرب منه(2)، والتعهد لحاله.
(وعند شدته): بخله بما في يده أوعلى ضيق أخلاقه وضنكها.
(على اللين): إما على المسامحة، وإما على بسط الأخلاق ولينها له.
(وعند جرمه): إساءته إليك.
(على العذر): على قبول عذره إذا اعتذر في ذلك.
(حتى كأنك له عبد): أراد أنك تفعل ذلك وتستمر عليه حتى كأنك في منزلة العبد له.
(وكأنه ذونعمة عليك): تفضل وعطاء في اصطبارك على ذلك، وإكراه النفس عليه.
__________
(1) الحِبالة بالكسر هي: التي يصاد بها. (وانظر مختار الصحاح 121).
(2) في (ب): منك.

(وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه): يعني أن خضوعك وقربك ودنوك ولينك، إنما يكون ذلك مستحقاً ومندوباً إليه في حق من يعرف ذلك، ويتحققه ويكون موضعاً له.
(أو أن تفعله في غير أهله): لأن فعلك ذلك في غير موضعه، وفي غير أهله سقوط في الهمة، وركة في الطبيعة، وذل في النفس.
(لا تتخذَّن عدو صديقك صديقاً): لأن الأعداء ثلاثة: عدوك، وعدو صديقك، وصديق عدوك، والأصدقاء ثلاثة أيضاً: صديقك، وصديق صديقك، وعدوعدوك، فإذا اتخذت عدو صديقك صديقاً.
(فتعادي صديقك): باتخاذ عدوه صديقاً، وهو أحد الأعداء لك.
(ولا تعمل بالخديعة): في أحوالك كلها فتري صاحبك النصح وغرضك خدعه.
(فإنها خلق اللئام): جمع لئيم وهو: الدني الأصل الشحيح [الفعل وأراد أن](1) ذلك دال على لآمة أصله، وسخافة(2) فعله.
(امحض أخاك النصيحة): [محضته الود أخلصته] (3) له ويقال: هو عربي محض أي خالص نسبه، أي أخلصها له، وكل شيء [أخلصته فقد](4) أمحضته، قال الشاعر:
قل للغواني أما فيكنَّ فاتكةٌ

تعلو اللئيم بضربٍ فيه إمحاض(5)
__________
(1) ما بين المعقوفين غير واضح في (أ)، وهو بياض في النسخة الأخرى، وما أثبته من (ب).
(2) في (ب): وشحاحة.
(3) ما بين المعقوفين غير واضح في (أ)، وما أثبته من (ب)، ولفظه في النسخة الأخرى: محض النصيحة له ويقال: هو عربي محض ...إلخ.
(4) ما بين المعقوفين غير واضح في (أ) وما أثبته من (ب)، ومحله في النسخة الأخرى بياض.
(5) لسان العرب 3/445 بدون نسبة لقائله.

(حسنة كانت أو قبيحة): يعني مراده كانت حسنة عنده أو مكروهة، فعبَّر عن(1) الحسن عما يكون مراداً، وعن القبيح بما(2) يكون مكروهاً، وليس الغرض أن النصيحة تكون قبيحة، فإن كل ما كان قبيحاً فلا وجه للأمر به.
(لا تصحبن الإخوان بالإيهان): الوهن: الضعف، وأراد لا تصحبهم بالإفساد والضعف، والركة في الحال.
(صاحبهم بالتذكير عند الزلة): تذكير التوبة ليتوب عنها، أو تذكير كونها خطيئة فيقلع، أو تذكَّر عظمة الله وخوفه، فيكون ذلك سبباً للانزجار عنها.
(وأمحضهم المودة): أي(3) أخلصها لهم، وود محض إذا كان خالصاً لا شوب فيه.
(عند الهَبَّةِ): يُروى مفتوحاً، وهي واحد الهبات، يقال: هب البعير هبة وهباباً إذانشط في سيره، قال لبيد:
فلها هَبَابٌ في الزِّمام كأنَّها

صهباء راح(4) مع الجنوب جهامها

ويُروى بالكسر وهي: الحالة، يقال: هب البعير هِبَة إذا هاج للضراب، وكلاهما صالح هاهنا، فإن الغرض محض المودة عند شدة الأمر وصعوبته.
(كم من أخ ثقة): تثق به في جميع أحواله، ويطمئن صدرك إليه وينشرح.
(بعث العتب بحقه(5)): البعث: الإرسال، قال تعالى: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا}[الإسراء:5]، وأراد أزال العتب حقه وأرسله، وغرضه من هذا كله هو أن كثرة عتاب الصاحب تزيل حقه وتبطله.
__________
(1) في (ب): فعبّر بالحسن بما يكون...إلخ.
(2) ظنن فوقها في (ب) بقوله: ظ: وبالقبيح عما ...إلخ.
(3) أي زيادة في (ب).
(4) في شرح المعلقات السبع ص 79: صهباء خَفَّ، والبيت في لسان العرب 3/760 وروايته فيه كرواية المؤلف له هنا.
(5) في الاعتبار وسلوة العارفين: كم من أخ ثقة يعد هدية العيب تحفة.

(ساعد أخاك على كل حال): في أمور الصحبة والإخوة، فإن مع المساعدة تكون استقامة الأحوال كلها وانتظامها.
(وزل معه في الحق حيث زال): أي لا تفارقه مهما كان على الحق، وكن معه عليه على أي وجه كان.
(جد على عدوك بالفضل): عامله بالتفضل عليه في أحواله كلها.
(فتسخير العدو بالإحسان إليه أجلى الظفرين): التسخير: هو التذليل(1)، وأراد أن تذليل العدو بإعطائه المعروف والإحسان من جهتك، فإن الظفر بالعدو يكون بوجهين:
أحدهما: القهر له والغلبة.
وثانيهما: الإحسان إليه، لكن تذليله بالإحسان إليه(2) أجلى من قهره، وأحمد عاقبة في مذاهب الكرام؛ لكونه أخف حالاً وأسهل من القهر لا محالة، ولأنه بالإحسان ينجذب من جهة نفسه، وبالقهر إنما ينجذب بداعية الإكراه لا غير، فلهذا كان ذلك أجلى وأجود.
(بصر صديقك): أره البصيرة في أمره، واهده إلى الرشد.
(وتجرع الغيظ): اصبر على ما يغيظك من أمرك، واكظم غيظك فيه.
(فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة): يريد أن عاقبتها حلوة المطعم.
(ولا ألذ منها مغبة): مغبة كل شيء: عاقبته، وهي بفتح الغين المصدر، وبالكسر أيضاً كالمحمدة والمعذرة.
(لن لمن غالظك): قاساك وناواك، والغلظة: الفظاظة، قال الله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ}[آل عمران:159].
(يوشك أن يلين لك): أراد أنك إذا لنت له في أول الأمر فيقرب لا محالة أن يلين لك في آخره.
(تفضل على عدوك): بالإحسان إليه وإسداء المعروف عليه.
(فإنه أجلى الظفرين): إما القهر له، وإما الإحسان إليه، ولا شك أن الإحسان هو أجلاهما وأعظمهما نفعاً وجدوى.
__________
(1) في (ب): التذلل.
(2) إليه، سقط من (ب).

(وإن أردت قطيعة أخيك): يقول: إذا عزمت يوماً على قطعه عن المواصلة، وإيحاشه عن الألفة.
(فاستبق له من نفسك بقية): اجعل عند نفسك له(1) بقية من المواصلة، ولا تبالغ في القطيعة والوحشة.
(إن بدا لك): عن ذلك من(2) المواصلة، واستقبحت أمرك.
(يوماً ما): يوماً(3) من الأيام على القلة والندور وهذه إشارة منه إلى أن الإنسان لا يستمر على حالة واحدة، فليكن من أمره على ثقة في التبقية لنفسه من ذلك.
(ومن ظن بك خيراً فصدق ظنه): من قصدك في طلب حاجة وظن فيك قضاءها، أو قصدك في عطية، وظن بك غنى، أو غير ذلك من الظنون الحسنة فلا تخيب رجاءه فيما قصد من ذلك، وصدِّق رجاءه في ذلك، ولا تخالفه فيما أمَّل فيك من قضائها.
(ما أقبح القطيعة بعد الصلة!): أي أن القبح فيها يعظم حاله، ولهذا أتى به على جهة التعجب من حاله، لما فيه من زيادة القبح وشناعته(4).
(والجفاء بعد الإخاء): الجفاء: خلاف البر، والإخاء: المودة.
(والعداوة بعد المودة): وإنما عظم القبح لما تقدم قبل ذلك مما ينافيه ويعاكسه، فلهذا ازداد قبحاً؛ لأن العداوة ابتداءً ليس حالها مثل حالها إذا تقدمها(5) مودة وموالاة، فإن ذلك يكون أدخل في القبح لا محالة.
(لا تضيعن حق أخيك): تسقطه وتزيله.
(اتكالاً على ما بينك وبينه): من الإدلال والألفة والصحبة.
(فإنه ليس(6) بأخ لك من ضيعت حقه): يعني أن ذلك كله يبطل ويسقط حكمها ويبطل حقيقتها.
__________
(1) له، زيادة في (ب).
(2) في (ب): من ذلك عن المواصلة.
(3) يوماً، سقط من (ب).
(4) في (ب): والشناعة.
(5) في (ب): تقدمتها.
(6) العبارة في (ب): فليس بأخ لك ...إلخ.

(لا ترغبنَّ فيمن زهد فيك(1) [ولا تزهدنَّ فيمن رغب فيك](2)): لأن رغبتك في زاهد فيك دلالة على هون النفس وركتها، وسقوط حالها، وزهدك فيمن رغب فيك أيضاً نقصان حظ في حقه.
(لا يكن أهلك): قرابتك ومن يختص بك من أهلك.
(أشقى الناس بك): أعظم الناس شقاء بك، يشير إلى حسن المعاشرة لهم والتوسيع في حالهم، والمواساة لهم، فإذا فعلت ذلك كانوا أسعد الناس بك حالاً، وأعظمهم حظاً بك.
(لا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على مواصلته(3)): أراد أن أخاك وإن قطعك عن المواصلة وقوي على ذلك، فكن أقوى منه، على خلاف ذلك من المواصلة والقرب، لتكون أفضل منه وأعلى حالاً.
(ولا على(4) الإساءة أقوى منك على الإحسان): وإذا كان قوياً على الإساءة إليك، فكن أقوى منه على الإحسان إليه.
(ولا على البخل أقوى منك على الجود): وإذا كان قوياً على البخل فكن أقوى منه على الجود والتفضل .
(ولا على التقصير أقوى منك على التفضل): وإذا كان قوياً على التقصير في الأحوال كلها، فكن أقوى على الإفضال والإعطاء منه.
(وليس جزاء من سرك أن تسوءه): ليس من خلائق الكرام ولا من خصال أهل الشيم الشريفة؛ أنه إذا صدر من جهة أحد إليك(5) مسرة أن تكافئ صاحبها بمكروه، ولا أن من فعل فعلاً من الإحسان يكون جزاؤه الإساءة إليه.
(لا يكبرنَّ عليك ظلم من ظلمك): أي لا يَعْظُمَنَّ عليك، إما في العفو عنه والصفح، وإما في وقوع الغم فيه.
__________
(1) في شرح النهج: ولا ترغبن فيمن زهد عنك.
(2) زيادة في (ب) ما بين المعقوفين.
(3) في شرح النهج والاعتبار: صلته.
(4) في شرح النهج: ولا تكونن على الإساءة ...إلخ.
(5) إليك، زيادة في (ب).

(فإنما سعى(1) في مضرته): بما يحصل عليه من اللوم من الخلق في الدنيا، والعقوبة من الله تعالى في الآخرة.
(ونفعك): بما يحصل من الثواب على كظم الغيظ عنه أو بالعفو عنه أيضاً، وما يحصل من محمدة الناس لك في ذلك كله.
(الرزق): الذي قدَّره الله لك وحتمه، وجعله بلغةً لك.
(رزقان): نوعان، ووجهان:
(رزق تطلبه): بالاجتهاد في طلبه بحرفة أو سفر، أو عمل أوكدٍّ على أي وجه كان ذلك في إيجاده.
(ورزق يطلبك): يسوقه الله تعالى إليك من غير كد ولا تعب، ولا نصب في ذلك.
(وأنت إن(2) لم تأته أتاك): يعني أن الله تعالى قد قدر وقوعه وحصوله إليك، فأنت وإن لم تأته بالطلب فهوآتٍ إليك لا محالة لا يتخلف عنك.
(والزمان): الذي خلقه الله تعالى مصلحة للعباد ومقداراً لآجالهم.
(يومان: يوم لك): نفعه.
(ويوم عليك): ضره.
(فما كان لك): فيه من المنافع والأرزاق المقدرة لك.
(أتاك على ضعفك): وصلك وإن كنت ضعيفاً عن تناوله وأخذه.
(وما كان عليك): وباله من الهموم، والغموم، والآلام المقدر(3) وصولها إليك.
(لم تقدر على دفعه): إزالته عنك وإبعاده.
(بقوتك): وإن كنت قوياً.
(ما أقبح الخضوع عند الحاجة‍!): أتى به على قضية التعجب، لما فيه من المبالغة في القبح والشناعة، وهو أن تكون خاضعاً عند حاجتك لغيرك، لا وجه للخضوع سوى الحاجة.
(والجفاء عند الغنى!): أي وما أقبح الجفاء، وهو خلاف البر عند الاستغناء، وأراد أن التذلل إذا كان عند طلب الحاجة، ثم يكون الجفاء بعد الاستغناء، فهذا يكون أقبح ما يكون.
__________
(1) في (ب): فإنما يسعى، وفي شرح النهج: فإنه يسعى، وفي الاعتبار: فإنه إنما يسعى.
(2) في (ب): وأنت وإن.
(3) في (ب): المقدرة.

(ما أقبح المعصية لمن لم يزل(1) بره عندك): فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون خاصاً في حق الله تعالى، فإذا كان الله تعالى لا يزال بره واصلاً إلى الخلق في كل ساعة، فمعصية من هذه حاله لها مدخل عظيم في القبح.
وثانيهما: أن يكون عاماً في حق الله تعالى وفي حق غيره، وهو أن كل من كان بره واصلاً إليك على الدوام فمعصيته تعظم لا محالة، سواء كان في حق الله أو حق غيره من المخلوقين.
(إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك): يشير إلى ما(2) في الدنيا فهو فانٍ، ولا بقاء لشيء منها إلا ما كان صلاحاً للآخرة من الأعمال الصالحة، وجميع أنواع البر كلها، والمثوى: موضع الإقامة والثوى.
(إن كنت جازعاً على ما نقل(3) من يديك): يشير إلى أن الجزع كله مذموم، وبيانه أنك لا يخلو جزعك، إما أن يكون على ما هو حاصل في يديك شحاً عليه وبخلاً أن يفوت، أو يكون جزعك على ما نقل من يديك، [فإن كان على ما نقل من يديك](4) من الأموال والأولاد وسائر النفائس:
(فاجزع على كل ما لم يصل إليك): لأنهما سيان في الفوات عن يديك، لا مزية لأحدهما على الآخر في ذلك، وإن كان جزعك على ما هو حاصل في يديك، فهو إساءة ظن بالله تعالى(5) وقلة ثقة بكرمه ومزيد إحسانه، فلا فائدة فيه كما قال.
(استدلل على ما لم يكن بما قد(6) كان): فيه وجوه:
أحدها: أن يكون مراده في الدنيا، وهو أن ما كان من الدنيا فهو زائل فانٍ، فهكذا ما يحصل منها من بعد، يكون حاله هكذا.
__________
(1) في (أ): لم لمن يزل، وهو تحريف، وما أثبته من (ب).
(2) في (ب): يشير إلى أن ما ...إلخ.
(3) في (ب) وفي شرح النهج: تفلت.
(4) ما بين المعقوفين سقط من (ب).
(5) تعالى، زيادة في (ب).
(6) قد، سقط من (ب).

وثانيها(1): أن يريد ذلك في خطوب الدهر وحوادثه، وهي لا تزال حادثة في كل أوان، فافعل فيما يحدث منها من الصبر وكظم الغيظ مثلما فعلت فيما مضى منها.
وثالثها: أن يكون ذلك بالإضافة إلى الله تعالى، وعلى هذا يكون مراده استدلل على لطف الله وحسن رعايته بالخلق بما فعل من ذلك فيما مضى، فهو لا محالة يفعل مثله فيما يستقبل، وهو يحتمل(2) لغير ما ذكرناه من المعاني، ولكنها مندرجة تحت هذا.
(فالأمور أشباه(3)): أي أن الأمور متشابهة يشبه بعضها بعضاً، ويستدل ببعضها على بعض.
(لا تكونن ممن لا ينتفع(4) بالموعظة إلا إذا بالغت في إيلامه): يحث في هذا على أن الإنسان ينتفع بالذكر القليل، وينهى عن أن يكون لا ينتفع إلا بالمبالغة في الإيلام، وكدّ القلوب وجرح الأفئدة بالزواجر الوعظية، والقوارع الوعيدية.
(فإن العاقل يتعظ بالأدب): أدنى الموعظة وأيسرها وأسهلها.
(والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب): وهذا تعريض بأن من هذه حاله في كونه لا ينتفع إلا بعظيم الموعظة، مشبه(5) للبهائم في أن انقيادها والانتفاع بها لا يكون(6) إلا بالضرب، ومن ينقاد بأسهلها فهو مشبه بالعاقل في ذلك، وبين العاقل والبهيمة من التفاوت بون(7) لا يدرك حده، ولا ينال أمره وقصده.
__________
(1) في (ب): وثانيهما.
(2) في (ب): محتمل.
(3) في نسخة: فإن الأمور متشابهة (هامش في ب)، وفي الاعتبار وشرح النهج: فإن الأمور أشباه.
(4) في نسخة: لا تنفعه العظة (هامش في ب)، وكذا في شرح النهج، ونص العبارة في الاعتبار: ولا تكونن ممن لا ينتفع بالعظة إلا بما لزمه فآلمه.
(5) في (ب): يشبه البهائم.
(6) لا يكون، سقط من (أ).
(7) أي بُعْدٌ.

(اعرف حق من عرفه لك(1)): أراد أن من جملة الإنصاف معرفة الحق لمن اعترف به لك، ولا تلتفت إلى حاله.
(رفيعاً كان أو وضيعاً(2)): سواء كان قدره مرتفعاً أو متضعاً فذاك بمعزل عنه.
(استعد للموت): خذ العدة لوقوعه وهجومه، فإنك لا تدري أي وقت يهجم عليك، وما هذا حاله خليق بإحضار عدته والتأهب لوقوعه.
(اطَّرِحْ عنك واردات الهموم): أزل عن نفسك جميع ما ورد عليك من المهمات كلها.
(بعزائم الصبر): بالجد في الصبر والإعتماد عليه.
(وحسن اليقين): على ما يحصل في ذلك من الأجر والثواب، وتعلق الباء في قوله: بعزائم الصبر تعلق الآلة، كما تقول: كتبت بالقلم، أو تعلق الأحوال أي اطرحها أعني الهموم معتزماً بالصبر.
(من تعدى الحق ضاق مذهبه): أي من خالف الحق ضاق عليه تصرفه في أموره كلها وذهابه فيها، ومنه قولهم: لفلان في الأمور مذهب حسن أي تصرف معجب.
(من اقتصر على قدره كان أبقى له): يعني من قصر نفسه على قدرها كان أبقى لما هو عليه من الزوال والتغير؛ لأن الجهل بالحال يؤدي إلى ذلك، ولقد أحسن من قال في ذلك:
من طال فوق منتهى بسطته

أعجزه نيل الدنى بَلْهَ القضاء

من لم يقف عند انتهاء قدره

تقاصرت عنه فسيحات الخطاء

فهذا كله يشير إلى ما قلناه من تغير الحال عند جهل الإنسان بقدر نفسه، وسيأتي لأمير المؤمنين فيه كلام بالغ نشرحه في موضعه بمعونة الله تعالى.
__________
(1) العبارة في الاعتبار: اعرف الحق لمن عرفه لك.
(2) في (أ): أو ضيعاً، وما أثبته من (ب) ومن الاعتبار..

(أوثق سبب ما بين الله وبينك(1)): يريد أن الأسباب والوُصَل وإن كانت كثيرة بينك وبين غيرك، لكن أحقها بالوثاق والربط هو السبب الذي بينك وبين الله، لما فيه من محمود العاقبة وجميل السلامة في الدنيا والآخرة، وكيف لا يكون أحق الأسباب بالإيثاق، وفيه صلاح الحال كله، والبغية المقصودة، المعول عليها.
(ليس كل عورة تظهر): أراد أن بعض العورات وإن حسن اطلاع غيرك عليها، فليس هذا حاصلاً في كلها، وإنما يكون ذلك في بعضها دون بعض.
(ولا كل فرصة تصاب): الفرصة: النهزة، وفي الحديث: ((من فتح له باب خير فلينتهزه)) أي يعاجله بالأخذ قبل فواته، فهكذا حال الفرصة ينبغي معاجلتها قبل فواتها، وليس هذا في كل فرصة، فربما ساعد فيها القدر فأخذت، وربما كان الأمر على خلاف ذلك
(فربما(2) أخطأ البصير قصده): أكثر تصرفات البصير على نعت الصواب لموافقة المقادير، وربما خالفت المقادير فأخطأ ما قصده من ذلك.
(وأصاب الأعمى رشده): [وأكثر تصرفات الأعمى لا تجري على قانون الاستقامة، وربما أذعنت المقادير له فأصاب رشده] (3)، وهو ما يطلبه من ذلك.
(أخِّر الشر): يريد تأنَّ فيه ولا تعجل على فعله، فالعجلة إنما تنبغي في أعمال الآخرة، فأما الشر فلا عجلة فيه.
(فإنك إن شئت تعجلته): يريد أنما كان يمكن فعله في كل حالة فلا حاجة به إلى العجلة.
(قطيعة الجاهل): يريد مقاطعته، وعدم الإتصال به.
__________
(1) في شرح النهج: وأوثق سبب أخذت به سبب بينك وبين الله سبحانه.
(2) في (ب): وربما.
(3) ما بين المعقوفين سقط من (ب).

(تعدل صلة العاقل): يشير إلى أن النفع بمقاطعة الجاهل يساوي ما يحصل من النفع بصلة العاقل؛ لأنه لا يحصل بمواصلة الجاهل إلا ضرر، كما لا يحصل بانتفاء خلطة العاقل إلا نقص، فلهذا كان قطيعة هذا توازي صلة هذا(1).
(نعم حظ المرء القنوع): يشير إلى أن الله تعالى ما رزق المرء من الحظوظ والعطايا أفضل ولا أعظم من القناعة، وسيأتي له في القناعة كلام غير هذا، نورده في موضعه بمشيئة الله.
(شر أخلاق المرء الحسد): يشير إلى أنه لا شر أعظم في الخلائق من الحسد، وحقيقته: أن تريد إزالة نعمة غيرك إليك فتكون لك دونه، فهذا هو الحسد المذموم، وقد أكثر الله من الوعيد على صاحبه، وفي الحديث: ((الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب))(2)، وفي حديث آخر: ((ما ذئبان ضاريان في زريبة أحدكم؛ بأسرع(3) من الحسد في حسنات المؤمن)).
__________
(1) في (ب): ذاك.
(2) رواه من حديث عن أنس القاضي العلامة علي بن حميد القرشي رحمه الله في مسند شمس الأخبار 1/489 الباب (91)، وعزاه إلى أمالي السمان، وقال العلامة الجلال في تخريجه: أخرجه ابن ماجة، وحسنه السيوطي، وأبو يعلي عن أنس بلفظه. انتهى، وعزاه موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 4/568 إلى سنن ابن ماجة (4210)، والدر المنثور للسيوطي 6/419، والترهيب والترغيب للمنذري 3/547، وإتحاف السادة المتقين1/294، 8/50، 449، وتفسير القرطبي 5/251 وعزاه إلى غيرها.
(3) في (ب): بأسرع فساداً.

(الشح يجلب الملامة): يريد أنه أعظم أسبابها وأقواها، وفي الحديث: ((أخوف ما أخاف على أمتي: شح مطاع، وهوى(1) متبع، وإعجاب المرء بنفسه))(2).
(الصديق من صدق غيبه): أراد أن الصديق حقيقة من كان صادقاً في حال الغيبة، فيكون حاله في حضورك كحاله في حال غيبتك من النصيحة والمواساة والذب عن العرض.
(الهوى شريك العمى): يعني أن العمى في البصيرة كماهو مهلك للإنسان، فهكذا أيضاً الهوى فإنه مشارك للعمى في هلاك المرء باتباعه وإيثاره.
(من التوفيق الوقوف عند الحيرة): التوفيق: هو اللطف الذي يكون معه موافقة رضاء الله تعالى، وسمي(3) توفيقاً من أجل ذلك، ومن حكم هذا اللطف هو التوقف عند التحير في الأمور العظيمة؛ لأن مع الوقوف السلامة، ومع التهور العطب.
(طارد الهمِّ اليقين): يريد أن الهمَّ إذا عرض لك وتراكم فلا طارد له من الأمور شيء سوى اليقين بما قدر الله تعالى(4) لك وعلم أنه لا يفوتك، وأنه لا محيص لك عنه، ومع هذا التحقق لا يبقي للهمِّ وجه أصلاً.
(رب بعيد): يعني أن(5) من الأمور ما يستبعده الإنسان، ويحيِّل وقوعه وحصوله، ومع ذلك فإن المقادير تقضي بوجوده وحصوله وأنه:
(أقرب من قريب): أي أقرب ما يستقربه الإنسان ويظن وقوعه.
(الغريب): على الحقيقة.
(من ليس له حبيب): يوده، ويحنو عليه ويتعطف دون غيره من سائر الغرباء، فمن ليس حاله هذه [فليس بغريب](6).
__________
(1) في (أ): أو هوى.
(2) أورد قوله: ((أخوف ما أخاف على أمتي شح مطاع)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 1/186 وعزاه إلى كنز العمال برقم (43863).
(3) في (ب): ويسمى.
(4) تعالى، زيادة في (ب).
(5) أن، سقط من (ب).
(6) ما بين المعقوفين سقط من (أ).

(أوثق العرى التقوى): يريد أن سائر العرى منقطعة بصاحبها إلا عروة التقوى، فإنه لا انقطاع لها ولا انفصام.
(من أعتبك): أي أرضاك من نفسه، وأعتبت فلاناً إذا أرضيته.
(فهو منك): أي موافق لك على ما أنت فيه، أو راعي لحقك منصف لك في إعطائك ما تستحق.
(من لم يبالك): يحتفل بأمرك ولا يطول بحالك، ولا يرعيك طرفاً.
(فهو عدوك): لأن هذه حالة العدو وحكمه.
(قطيعة الجاهل): قطع الوصل بينك وبينه، وسائر الأسباب.
(مصلحة): إصلاح(1) لحالك ومراعاة لجانبك، إذ لا خير في مواصلته.
(بر الوالدين): بجميع أنواع البر من المعروف، وإسداء الخير إليهما وإنصافهما بكل ممكن تجده.
(كرم): أي من كرم النفوس وجودتها.
(المخافة): يعني الخوف من عدو أو لصٍّ أو سَبُعٍ أو غير ذلك من أنواع المخافات كلها:
(شر لحاف(2)): أقبح ما تردَّى به الإنسان والأم للقلب من كل شيء؛ لأن مع الخوف تتغير أكثر الحالات، وتضيق فرائص الإنسان ويشذُّ نومه، ولهذا قال الله تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ}[النحل:112]، مبالغة في عظم ما أصابها ونالها من ذلك.
(لا خير في لذة): أراد لا فائدة ولا جدوى في لذة.
(تعقب ندماً): لأن ما يحصل بعدها من الندم يوفي ويزيد على ما يحصل منها من اللذة ويربي على ذلك.
(العاقل): أراد العاقل حقيقة.
(من وعظته التجارب): التجربة هي: خبرة الأمور والدرية بأحوالها حتى صار عارفاً ماهراً فيها، فمن هذه حاله فهو العاقل دون غيره.
(رسولك): بأي رسالة كانت وإلى أي رجل كان.
__________
(1) في (ب): أصلح.
(2) في (ب): شر يخاف.

(تَرْجُمانُ عقلك): الترجمان هو: الذي يفسر كلامك ويظهر معناه بلغة أخرى، وأراد أن الرسول هو الذي يُعَبِّرُ عن عقلك ويظهر مقصودك، ويبين عن(1) غرضك، فاختر من شئت يكون رسولاً لك، فهذه حاله.
(ليس مع الاختلاف ائتلاف): يعني أن كل ما وقع فيه مخالفة وتفرق كلمة وتشتت آراء، فلا وجه للموافقة فيه بحال.
(ينبئ عن كل امرئ دخيلته): الدخيل والدُّخْلُلُ هو: الذي يختص بالإنسان ويداخله في أموره كلها، وأراد أن كل من يختص بالإنسان فهو دليل عليه من جودة ورداءة.
(رب باعث عن حتفه): الحتف: الموت، وأراد رب من يبعث الموت على نفسه ويجره عليها، وترى(2) هذا كثيراً، ومنه قولهم: فلان باعث عن حتفه بظلفه.
(رب هزل عاد جدّاً): من الطلاق والحرية(3) وغير ذلك من الأمور؛ لأنه ربما وقع في أول الأمر أحاديث ليس لها وقع، ثم كان عاقبة الأمر الجد في ذلك وبلوغ غايته.
(من أمن الزمان خانه): يعني أن طبع الدهر هو الخيانة، فهو لا يزول عن طبعه وما هو من مقتضى ذاته، فإذا أمنه أحد فهو يرجع إلى طبعه الأول في المكر والخديعة والخيانة.
(من(4) تعظَّم عليه أهانه): يعني من صاوله ولم يجنح له أذله وصرعه لجنبه.
(ليس كل من رمى أصاب): جعل هذا كناية، وأراد به أن كل من توصل بسبب إلى غرض من الأغراض فليس يكاد يناله، وربما عرض دونه عارض فحال بينه وبينه.
(إذا تغيَّر السلطان): في العدل والقيام بالأمر، وإنصاف كل ذي حق حقه.
__________
(1) عن، سقط من (ب).
(2) في (ب): ويرى.
(3) في (أ): والحرب.
(4) في الاعتبار: ومن، والعبارة في شرح النهج: ومن أعظمه أهانه.

(تغيَّر الزمان): إما بفساد الرعية من جهة أنفسهم لما يلحقهم في ذلك من الضرر، وإما بتغير من جهة الله تعالى يسلطه الله عليهم، وفي الحديث: ((خمس بخمس)) قيل: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ فقال: ((ما نقض قوم العهد إلا سلَّط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال والميزان إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس [الله](1) عنهم القطر))(2). وإذا كان الأمر هكذا فلا يمتنع مع تغير الزمان أن يصيبهم الله بشيء من البلاوي عند تغير السلطان.
(خير أهلك من كفاك): أراد إما من كفاك نفسه فلم تشتغل به، وإما أن يريد من كفاك بعض أمورك وأعانك بها.
(اعتذر(3) من اجتهد): أراد أن كل من اعتذر إليك فقد بالغ في الاجتهاد في زوال العتب عنه، أو من اعتذر عن الإساءة فقد(4) بالغ في الاجتهاد في محو الذنب.
__________
(1) الله، زيادة في (ب).
(2) رواه العلامة الزمخشري رحمه الله في الكشاف 4/719، ورواه القاضي العلامة الحسين بن ناصر المهلا رحمه الله في مطمح الآمال ص415 وعزاه إلى الطبراني عن ابن عباس عن النبيصلى الله عليه وآله وسلم قال:.. وذكر الحديث، وهو فيه مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه، وعزاه المحقق في الهامش إلى الطبراني في الكبير 1/10992، والمتقي الهندي في منتخبه 6/436.
(3) في نسخة: أعذر، (هامش في ب)، وكذا في الاعتبار.
(4) في (أ): قد.

(رأس الدين): أعلاه وأكمله، كما قال عليه السلام: ((رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس))(1).
(صحة اليقين): الإيقان بالله، والقطع بوجوده، والتصديق بما جاءت به رسله.
(تمام الإخلاص): في العبادة لله تعالى والوفاء بحقه.
(تجنب المعاصي): البعد عنها ومجانبتها، فلا إخلاص لله فيما عمل لوجهه مع فعل المعاصي وارتكاب المناهي.
(خير المقال): أجوده عند الله، وأعلاه حالة عنده.
(ما صدَّقه الفعال): يريد ما كان مطابقاً له، فمن قال قولاً ثم صدقه فعله فذلك القول هو أنفس الأقوال وأعلاها وخيرها.
(السلامة مع الاستقامة): أراد أن الدين مهما كان راسخاً في النفس فالاستقامة حاصلة، ومهما كانت الاستقامة موجودة فالسلامة عن(2) الأخطار كلها موجودة أيضاً، ومع الاضطراب حصول الفشل والتغير في الحال، ولا سلامة مع ذلك، ولما نزل قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}[هود:112]، شق ذلك على الرسول عليه السلام (3)لما فيه من الصعوبة(4).
__________
(1) عزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/76 إلى الدر المنثور للسيوطي 3/256، ومصنف ابن أبي شيبة 8/361، وقضاء الحوائج لابن أبي الدنيا 17، وتهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر 2/301، والضعفاء للعقيلي 2/244.
(2) في (ب): من.
(3) في (ب): صلى الله عليه وآله وسلم.
(4) قال العلامة المفسر الزمخشري رحمه الله في الكشاف 2/407-408 في تفسير قوله تعالى: {فاستقم كما أمرت} قال ما لفظه: وعن ابن عباس: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية. ولهذا قال: ((شيبتني هود والواقعة وأخواتهما))، وروي أن أصحابه قالوا له: لقد أسرع فيك الشيب، فقال: ((شيبتني هود)).

(الدعاء مفتاح الرحمة): يريد اللطف من الله للخلق، ولولا أنه مفتاح الرحمة لما أمر الله به عباده حتى قال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}[غافر:60]، وندبهم إلى ذلك وحثهم عليه حتى قال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}[البقرة:186]، وفي الحديث: ((الدعاء يرد القضاء))(1)، وفي حديث آخر: ((الدعاء سلاح المؤمن))(2) شبهه بالسلاح؛ لأنه يصاول به كل من غالبه، ومن آدابه تربص الأوقات الشريفة، واستقبال القبلة، وأن يكون على وضوء وخفض الصوت، والتضرع والإيقان بالإجابة، وافتتاح الدعاء بذكر الله والصلاة على الرسول(3).
__________
(1) أخرجه من حديث الإمام أبو طالب في أماليه ص336 رقم (352) بسنده عن علي عليه السلام واللفظ في أوله: ((إن الدعاء يرد القضاء ...)) الحديث، وهو باللفظ الذي أورده المؤلف هنا في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/39 وعزاه إلى إتحاف السادة المتقين5/30، وكنز العمال رقم (3118)، والترهيب والترغيب للمنذري 3/596، وكشف الخفاء1/486.
(2) أخرجه الإمام الأعظم زيد بن علي عليهما السلام في المجموع ص114 برقم (151) بسنده عن علي عليه السلام، والحديث بلفظ: ((الدعاء سلاح المؤمن، وعمود الدين، وزين ما بين السماوات والأرض)) أخرجه الإمام أبو طالب في أماليه ص337 رقم (354) بسنده عن علي عليه السلام. وانظر موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/38.
(3) في (ب): على رسول الله. وعن آداب الدعاء، انظر كتاب رضاء الرحمن في الذكر والدعاء وتلاوة القرآن 60-71 للسيد العلامة المجتهد علي بن محمد العجري رحمه الله تعالى، وانظر شرح النهج لابن أبي الحديد 6/196-198.

(سل عن الرفيق قبل الطريق): يعني إذا سافرت سفراً فاسأل أولاً عمن يرافقك فيها قبل سلوكها، فإن الرفيق لا بد منه في الطريق، وفي الحديث: ((الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة رفقة))(1).
(والجار قبل الدار): وسل عن جيرانك قبل الشروع في شرائها، فإن كانوا صالحين وإلا فلا.
(احتمل ممن أدل عليك): فإن إدلاله عليك لأحد أمرين:
أما أولاً: فلما يظنه من سعة الخلق، ولين الجانب.
وأما ثانياً: فلما يعهد من كرم النفس وشرف الطبع، وكل هذه الأمور موجبة للاحتمال في الإدلال.
(واقبل عذر من اعتذر إليك): لأن اعتذاره عما فرط منه دلالة على ندمه على ذلك، وفي الحديث: ((من لم يقبل العذر لم يرد عليَّ الحوض))(2).
(أطع أخاك وإن عصاك): لأن في ذلك دلالة على حسن الشمائل، وشرف الخلائق، وهذا كله في الطاعة التي لاخلل على الدين بها(3).
__________
(1) أخرجه الإمام الهادي عليه السلام في الأحكام 2/554 بلاغاً ولفظ آخره فيه: ((الثلاثة جماعة))، وأورد بعضه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 10/483 وهو قوله: ((الواحد شيطان، والاثنان شيطانان)) وعزاه إلى صحيح ابن خزيمة2570، ومصنف ابن أبي شيبة 12/522، والترغيب والترهيب للمنذري 4/71، وكنز العمال برقم (17571).
(2) الحديث بلفظ: ((من لم يقبل العذر من محق أو مبطل لا ورد عليَّ الحوض)) أخرجه الإمام الهادي إلى الحق في الأحكام 2/545 بلاغاً عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وأخرجه الإمام أبو طالب في أماليه ص459 برقم (606) بسنده عن عليعليه السلام، والحديث بلفظ: ((من اعتذر إليه فلم يقبل لم يرد عليَّ الحوض)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8/106 وعزاه إلى مجمع الزوائد للهيثمي 8/81.
(3) في (ب): فيها.

(خذ العفو من الناس): يعني ما سمحت به أنفسهم من غير إكراه لهم على ما يشق ويكره، وهو من محاسن الشمائل، ولهذا أمر الله به نبيه حيث قال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}[الأعراف:199]،.
(إياك أن تذكر من الكلام قذراً): القذر: ما تستقذره النفس من هذه العقوبات، والقذر: الكلام الفاحش، وإنما حذر عن ذكره؛ لأن في ذكره ولوع اللسان به، وفيه أيضاً سقوط الحالة وركة النفس وهونها، والقياس هاهنا، ورود الواو في أن، وأن يقال: إياك وأن، كما مر في مواضع من كلامه، ولكن الواو حذفت عن أن ها هنا لما كان التقدير فيه: إياك عن أن تذكر أو من أن تذكر، وطرح حرف الجر يكثر في أن المخففة والثقيلة.
(وأن تكون مضحكاً): أراد وإياك أن تكون مضحكاً لجلسائك أو للناس لما في ذلك من ركة الهمة وسخف الطبيعة، وفي الحديث: ((إن الرجل ليتكلم(1) بالكلمة ليضحك بها جلساءه فيهوى بها من الثريا إلى الثرى)).
(وإن حكيت ذلك من غيرك): فإنه لا خير(2) فيه أيضاً؛ لأن يجري على لسانك لا محالة.
(عوِّد نفسك السماح): يعني إن كان السماح غريزة من الله فهي خصلة محمودة، وإن لم تكن غريزة فتعودها فإنها تأتي بكل خير، وفي الحديث: ((السخي قريب من الله، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، قريب من النار))(3).
__________
(1) في (ب): يتكلم.
(2) العبارة في (ب): فلا خير فيه أيضاً.
(3) هو من حديث عن أبي هريرة رواه القاضي العلامة الحسين بن ناصر المهلا في مطمح الآمال ص87، وعزاه إلى الترمذي.

(تخيَّر من كل خلق أحسنه): معناه تبصَّر الخلائق كلها، فما رأيته يزينك فخذه واعمل عليه، كما قال تعالى: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا}[الأعراف:145]، وقال تعالى(1): {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}[الزمر:18]، فالأحسن(2) من كل شيء هو: أفضله وأعلاه.
(فإن الخير عادة): يريد أن فعل الخير على حسب ما تعوده الإنسان فإن تعود خيراً فعله، وإن تعود شراً فعله.
(إياك ومشاورة النساء): في أمورك في الدين والدنيا واقتباس الرأي منهنَّ في ذلك، فحذره من ذلك.
(فإن رأيهنَّ إلى أَفْنٍ): الأفن: مصدر قولك أفنه الله أفناً بسكون العين، والاسم منه: الأفَن(3) بتحريك العين، والأفن: ضعف الرأي والعقل جميعاً، ورجل مأفون أي ضعيف.
(وعزمهنَّ إلى وهن): الوهن: الضعف أيضاً، وأراد وما عزمن عليه فهو يؤول إلى الضعف والهوان.
(اكفف أبصارهنَّ بحجابك إياهنَّ(4)): يشير إلى أن أبصارهنَّ طوامح، ولا يكف أبصارهنَّ مثل الحجاب لهنَّ، فإن فيه خلاصاً عن تشوف أبصارهنَّ.
(فشدة الحجاب خير من الارتياب(5)): يعني فما يلحقهنَّ من الغم بشدة الحجاب خير من لحوق الريبة، وهي الخوف عليهنَّ من الفتنة وركوب الفاحشة.
__________
(1) تعالى، زيادة في (ب).
(2) في (ب): والأحسن.
(3) في (ب): أفن.
(4) في الاعتبار وشرح النهج: واكفف عليهن من أبصارهن ...إلخ.
(5) في شرح النهج: فإن شدة الحجاب أبقى عليهن، وفي الاعتبار: فإن شدة الحجاب خير لهن من الارتياب.

(وليس خروجهنَّ بأضر من دخول من لا تأمنه(1) عليهنَّ): يشير بذلك إلى مصلحة الحجاب لهن، يعني فإذا كنت لا ترضى دخول أحد عليهنَّ لأجل الريبة، فهكذا حالهنَّ في الخروج أيضاً من غير تفرقة بينهما.
(فإن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل): لأن معرفتهنَّ بحال غيرك آنس به ولا حاجة إلى ذاك(2)، وكل هذا تبعيد عن الريبة، وتحرز في النزاهة، ومواظبة على الشهامة ومبالغة في الغيرة.
(ولا تُمَلِّكِ المرأة من أمرها ما جاوز نفسها): لأنها إذا مُلِّكت أمراً آخر فإنه يجرُّ إلى التسلط والشطارة، وهو خلاف ما هي مأمورة به من الستر والوقوف في قعر البيوت(3)، ومهما كانت لا تملك إلا ما يتعلق بإصلاح حالها في نفسها لا غير كان أقرب إلى الخِفارة(4) والستر عليها.
(المرأة ريحانة): يشير إلى أنها بمنزلة الريحانة المشمومة، فيجب أن تقتصر على التمتع بها، ولا تكون متمكنة من خلاف ذلك من أمر ولا نهي ولا تصرف في الأمور.
(وليست بِقَهْرَمَانَة): الْقَهْرَمَانُ: فارسي معرب، وهو الذي يملك التصرف في الأمور بالإيراد والإصدار عن رأيه.
__________
(1) في الاعتبار: لا يوثق به.
(2) في (ب): ذلك.
(3) في (ب): بيتها.
(4) أي حفظها من الفساد، من الخِفارة بالكسر في النخل وهو حفظه من الفساد، هذا إذا كانت الخاء مكسورة، فإن كانت مفتوحة أي: الخَفارة، فهي من الخَفر، وهو شدة الحياء، ومن معاني الخفر أيضاً: المنع والحماية والاستجارة. (وانظر القاموس المحيط ص494، ومختار الصحاح ص182)، وفي (ب): الخثارة، فلعله من قولهم: خثرت نفسه كفرح أي استحيا، وخثر الرجل أي أقام في الحي ولم يخرج مع القوم إلى الميرة -أي الطعام-. (انظر القاموس المحيط ص490).

(لا تَعْدُ بكرامتها نفسها): يعني احجرها عن أن تكون متكرمة على غيرها، وأقصر كرامتها على نفسها؛ لأن قصر كرامتها على نفسها فيه السلامة، وتعدي الكرامة فيه الريبة.
(ولا تطمعها أن تشفع لغيرها): أي لا تكون طامعة في هذا منك؛ لأنه يكون فيه تشجيع لها على غير هذا واعتقاد أمر في نفسها.
(إياك والتغاير في غير موضع غَيْرَةٍ): الغيرة: الأنفة، وهي مصدر غار الرجل على أهله غيرة، وأراد التحذير عن وضع ذلك في غير موضعه، وهو أن يأنف في غير موضع الأنفة(1).
ثم علل(2) ذلك بقوله:
(فإن ذلك يدعو الصحيحة إلى السقم، والبريئة إلى الريب): لأن المرأة إذا رأت الرجل يأنف من(3) غير موضع الأنفة كان ذلك جرأة لها على اقتحام الريبة، ظناً منها وعملاً على أنه إنما ينكر ما لا ريبة فيه، ويترك ما فيه الريبة.
سؤال؛ أفليس إذا كان ينكر(4) ما لا ريبة فيه، ويغار في غير موضع الغيرة(5)، فغيرته في موضع الغيرة أحق، وإنكاره لما فيه الريبة أولى، فمن أين تكون الجرأة في ذلك والحال هذه؟
وجوابه؛ هو أن التغاير في غير موضعه جهل منه، وتوهمها لترك الإنكار لما فيه غيرة جهل منها أيضاً، فلا يؤمن أن يتولد هذا من ذاك.
__________
(1) في (أ): للأنفة.
(2) في (ب): وعلل.
(3) في (ب): في.
(4) في (ب): منكراً
(5) في (ب): الريبة.

(أقلل الغضب): لأن مع قلة الغضب فالإنسان مالك لأمره كله، ومع كثرته لا يملك أمره، وفي ذلك حصول الفساد وتغير الأحوال كلها، وفي الحديث: ((الغضب توقد(1) في فؤاد ابن آدم من النار))(2) وفي حديث آخر: ((أقرب ما يكون الشيطان إلى ابن آدم في حال غضبه)).
(ولا تكثر العتاب في غير ذنب): لأن فيه إيحاراً(3) للصدور ووقعاً في النفوس حرجاً وضيقاً، ويحرك أموراً ساكنة.
(أحسن للمماليك(4) الأدب): أي ليكن الأدب لهم مقدراً بمقدار محكم لا يزيد فيفسد، ولا ينقص فيكون سبباً للجرأة على التهاون في الخدمة، وعلى الإقدام على ما نهوا عنه.
(وأحسن العفو عنهم إذا أجرموا مع العذل): يريد أن حسن العفو أنجع في الانكفاف إذا صاحبته الملامة لهم على ما فعلوه، وارتكبوه من الجرم؛ لأنهم يتوقعون ماهو أشد من ذلك وأعظم منه، فلا تجاوز ما ذكرته في حقهم.
(فإنه أشد من الضرب): أبلغ منه وأنفع؛ لأنهم لا يتوقعون حالة بعده.
(لمن كان له قلب): فطانة وفهم منهم، فأما من كان منهم على خلاف ذلك فقد جاوز الحد.
(وخف القصاص): في ضربهم من غير جرم وعلى غير ذنب.
(حيث(5) لا مناص): مخلص وهو يوم القيامة.
سؤال؛ كيف قال هاهنا: وخف القصاص، ولا قصاص بين الحر والعبد، ولا بين السيد وعبده؟
__________
(1) في (ب): موقد.
(2) له شاهد أخرجه من حديث الإمام أبو طالب عليه السلام في أماليه ص557 رقم (781) بسنده عن الإمام علي عليه السلام واللفظ فيه: ((واتقوا الغضب فإنه جمرة تتوقد في جوف ابن آدم، ألا ترون إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه، فإذا أحس أحدكم بشيء من ذلك فليذكر الله سبحانه وتعالى))، وانظر مسند شمس الأخبار 1/481 الباب (89).
(3) في (ب): إيغاراً.
(4) في الاعتبار: لمماليكك.
(5) في نسخة: حين (هامش في ب).

وجوابه: هو أن الغرض المقاصة في الآلام والأعواض بينهما، والشرع إنما أباح إيلامهم على ترك الخدمة والاهتمام بأمر السادة في ذلك، فأما إذا كان الأمر في الإيلام من غير جرم ولا تسهيل في الخدمة فالقصاص كائن لا محالة، والانتصاف واقع إذ لا وجه في ذلك.
(واجعل لكل امرئ منهم عملاً يأخذ به): وضف بكل(1) واحد منهم عملاً تكون عهدته عليه(2)، ويكون أمره مفوضاً إليه.
(فإنه أحرى أن لا يتواكلوا): يريد أن ذلك أقرب إلى أن كل واحد منهم لا يكل عمله إلى صاحبه، ويقول: هو يعمله دوني.
(في خدمتك): التي أردتهم من أجلها.
(أكرم عشيرتك): أقاربك الذين يلصقون بك وتعتزي إليهم.
(فإنهم جناحك الذي به تطير): استعارة رشيقة، يشير بذلك إلى أنهم بمنزلة جناح الطير(3) الذي به يملك التصرف لنفسه في جميع أحواله.
(وأصلك الذي إليه تصير): من حيث كان استنادك إليهم، واعتمادك في الأمور كلها عليهم.
(فإنك بهم تصول): الصولة: القهر والغلبة، وأراد أنك تقهر بهم كل أحد.
(وبهم تطول): إما من الطَّوْلِ وهو: الكرم، فإن كرامتك إنما كانت بهم، وإما من الطُّول وهو: نقيض القصر، فإن علّوه على غيره إنما هو من أجلهم، ولهذا ترى كثيراً من الشعراء ما يفتخر(4) إلا بعشيرته وأهله في أكبر مفاخره، ولهذا قال بعضهم:
ولو أن قوماً لارتفاع قبيلة

دخلوا السماء دخلتها لا أحجبُ

(وهم العدة): للشر والمكافحة للأعداء.
(عند الشدة): مواضع الشدائد والعظائم.
(أكرم كريمهم): اعترف له بالفضل، وارفع حاله وشرف أمره.
(وعد سقيمهم) في مرضه، وأظهر(5) الشفقة عليه.
__________
(1) في (ب): لكل.
(2) في (ب): إليه.
(3) في (ب): الطائر.
(4) في (أ): ما يفخر.
(5) في (ب): وأكثر.

(وأشركهم في أمرك وأمرهم): يشير إلى إيناسهم بالمشاورة في الأمر والمشاركة لهم في ذلك لما يكون فيه من تقرير خواطرهم وتأنيسهم وانجذاب خواطرهم وإعظام أمرهم.
فهذا(1) تمام هذه الوصية.
وفي نسخة أخرى تكرير من قوله: (واعلم يقيناً أنك لن تبلغ أملك إلى آخرها): وليس فيها مخالفة لما سبق إلا في قوله:
(من ترك القصد جار): أي من ترك الطريق المستقيم مال عن الحق وعدل.
وقوله: (قد يكون اليأس إدراكاً): للمقصود والبغية؛ لما فيه من سلامة الدين.
(إذا كان الطمع إهلاكاً): أراد إما مهلكاً للخلق، وإما ذا إهلاك لهم، وما عداه مذكور فيما أوردناه من هذه الوصية فلا فائدة في تكريره.
ثم قال في آخرها: (واستعن بالله على أمرك كله): اطلب من جهته الإعانة، واللطف بك في كل أحوالك.
(فإنه أكرم معين): أعظم من يسمح بالإعانة، وأولاه بذلك.
(واستودع الله دينك ودنياك): أطلب منه أن يحفظ عليك دينك، وأمورك في الدنيا.
(وأسأله خير القضاء لك): أن يقضي لك بكل خير.
(في العاجلة): فيما تتعجله.
(والآجلة): وما يتأجل فيه.
(والدنيا والآخرة): وأسأله أن يصلحك في الدارين جميعاً.
(إنه قريب): لمن دعاه.
(مجيب): لمن ناداه.
(فعال لما يريد): من ذلك كله.
ثم أقول: لولا أن القرآن قد سبق بالإحاطة بالمصالح الدينية والأسرار الربانية، والحكم الأدبية والزواجر الوعظية، والقوارع الوعيدية، والأوامر المؤكدة، والنواهي المشددة، لكانت هذه الوصية هي الجامعة لهذه الأسرار؛ لاشتمالها على مثل ما ذكرناه، فكتاب الله سابق بذلك، وهي تلوه.

(32) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى معاوية
__________
(1) في (ب): هذا تمام الوصية.

(وأرديت جيلاً من الناس): أرداه إذا جعله بصدد الردى، كما يقال: أقبره إذا جعل له قبراً، والجيل: الكثير من الناس، وغرضه أنك أوقعتهم في الردى، وأوردتهم المهالك.
(كثيراً، خدعتهم بغيِّك): الغيُّ: خلاف الرشد، وأراد بأمانيك وخدائعك وتسويفاتك ومواعيدك الكاذبة لهم في ذلك.
(وألقيتهم في بحر موجك(1)): استعار ذلك لما هم عليه من اضطراب الأمر، وتراكم الإزعاج والفشل.
(تغشاهم الظلمات): العمايات من كل جانب.
(وتتلاطم بهم الشبهات): لما استعار في حقهم الموج والبحر أردفه بما يليق به، فعقَّب ذكر البحر بغشيان الظلمات لكثرة سواده، وعقَّب ذكر الموج بتلاطم الشبهات لغلبة اضطرابه، ويسمى توشيح الاستعارة، وقد ذكر فيه لمعاً وفصوصاً في كلامه، ونبهنا عليها في مواضعها.
(فجاروا عن وجهتهم): الوجهة: الطريقة، قال تعالى: {وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا}[البقرة:148]، أي طريقاً، فجاروا إن روي بالجيم فالغرض(2) أنهم عدلوا عن طريقهم التي أوضحت لهم، وإن روي بالحاء(3) فالمراد أنهم وقفوا من أجل التحير عن سلوكها.
(ونكصوا على أعقابهم): النكوص: هو الرجوع، وأراد أنهم رجعوا عن الدين إلى خلافه، وتركوه وراء ظهورهم.
(وتولوا على أدبارهم): عن متابعة الحق وملازمته.
(وعولوا على أحسابهم): أراد أنهم اعتمدوا على حفظ مفاخر آبائهم في الجاهلية، فهذه حال من اتبعك من هؤلاء.
__________
(1) في شرح النهج: في موج بحرك.
(2) في (ب): والغرض.
(3) أي: فحاروا.

(إلا من فاء من أهل البصائر) الاستثناء من قوله(1): أرديت جيلاً من الناس، هذه صفتهم، إلا من رجع من أهل العلم، ونفذت بصيرته، والفيء هو: الرجوع، يشير بذلك إلى انقياد أهل الجهل(2) لمعاوية؛ لأجل(3) خدعه لهم ومكره بهم، ويشير إلى أن ناساً رجعوا عما هو عليه بتدارك الله تعالى لهم، وإنقاذه لهم عن وُرَطِ(4) العمى، ومن أجل استبصارهم وعلمهم بمعرفة حاله.
(فإنهم فارقوك بعد معرفتك): بأنك خارج عن الدين، ناكص على عقبك.
(وهربوا إلى الله من موازرتك): الموازرة: المعاضدة والمعاونة، وجعل فيئهم عنه هرباً إلى الله، تنبيهاً على أنه مُنْكِبٌ عن الطريق المستقيم، مستمر على المخالفة لله.
(إذ حملتهم على الصعب): إذ هذه معمولة لقوله: فارقوك وقت حملك لهم على الأمور العسيرة.
(وعدلت بهم عن القصد): ملت بهم عن الطريق المستقيمة، والقصد: هو العدل، أي الطريق ذات العدل والاستقامة.
(فاتق الله يا معاوية): مبالغة في النصح، وملاطفة في الفيء إلى الحق.
(في نفسك): فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون الجار متعلقاً بقوله: اتق الله، ويكون معناه راقبه في نفسك أن تهلكها، وتوقعها في المكاره.
وثانيهما: أن يكون متعلقاً بمحذوف تقديره: فاتق الله، واجتهد في إصلاح نفسك.
(وجاذب الشيطان قيادك): القياد: الحبل الذي تقاد به الدابة، وأراد أنك لا تسلط الشيطان عليك ونازعه قيادك، واجذبه إليك كيلا يقودك به ويملكه عليك.
(فإن الدنيا منقطعة عنك): ذاهبة عن يدك.
(والآخرة قريبة منك): لأنك سائر إليها.
وما أحسن ما ختم به هذا الكلام من قوله في انقطاع الدنيا وقرب الآخرة، وما أوقع معناه.
__________
(1) في (أ): قولك.
(2) في (ب): الخمل.
(3) في (ب): من أجل.
(4) في (ب): ورطة.

(33) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى قثم بن العباس(1) وهو عامله على مكة
قثم: اسم معدول عن قاثم، واشتقاقه من قولهم: قثم له من المال إذا أعطاه عطية جيدة، ويقال للرجل إذا كان كثير العطاء: مائح قثم(2)، قال الشاعر:
ماح البلاد لنا في أوليّتنا

على حشود الأعادي مائح قُثَمُ(3)

(أمابعد، فإن عين‍ي بالمغرب كتب إلي): عين الإمام: هوالرجل الذي يستعمله؛ لأن يرفع إليه أعلام الأقطار والأقاليم وأخبارها.
(يعلمن‍ي أنه وُجِّهَ إلى الموسم): يعني مكة.
(أناس من أهل الشام): من أصحاب معاوية.
(العمي القلوب): الذين أعمى الله قلوبهم عن بصر الحق ورؤيته.
(الصم الأسماع): الذين أصم الله أسماعهم عن سماع الحق وإدراكه.
(الْكُمْهِ الأبصار): الذين لا أعين لهم في الحقيقة فيدركون بها الحق ويرونه.
__________
(1) هو قثم بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي المتوفى سنة57ه‍، أمير، أدرك صدر الإسلام، ومر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحمله، قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: قال ابن عبد البر: وروى عبد الله بن عباس، قال: كان قثم آخر الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أي آخر من خرج من قبره ممن نزل فيه، إلى أن قال: وكان قثم والياً لعلي عليه السلام على مكة. انتهى. استشهد قثم بسمرقند، وكان يشبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس له عقب. (انظر الأعلام 5/190، وشرح النهج لابن أبي الحديد 16/140).
(2) أي غرّاف.
(3) البيت أورده الزمخشري في أساس البلاغة صـ355، بدون نسبة إلى قائله، وابن منظور في لسان العرب 3/22 بدون نسبة لقائله أيضاً، وقوله هنا: حشود، في لسان العرب: حسود، وفي أساس البلاغة كما أورده المؤلف هنا..

(الذين يلتمسون(1) الحق بالباطل): إن كانت الراوية: يلتمسون فالمراد به يطلبون الحق بزعمهم بالتعلق بالباطل، يشير بهذا إلى خلافهم عليه ظناً منهم أنهم فيه على حق، وإن كانت الرواية: (يلبسون) فالمراد منه يخلطون الحق بالباطل، حتى لا يتميز حقهم من باطلهم.
(ويطيعون المخلوق في معصية الخالق): يشير إلى انقيادهم لمعاوية، وأمره مخالف لأمر الله من حيث كان متعدٍ بالحدود بالخدع والمكر وإعمال الحيل.
(ويحتلبون الدنيا درها): أي لبنها.
(بالدين): بما يظهرونه من التمسك بالدين وإظهار الحق والعمل عليه.
(ويشترون عاجلها): ما يحضر منها ويتعجلون حصوله.
(بآجل الأبرار المتقين): بما يكون مؤجلاً في الدار الآخرة للأبرار أهل التقوى والصلاح، وهو الثواب العظيم والدرجات العالية عند الله تعالى، فهذه الأماني كاذبة والتسويفات باطلة لا محالة.
(ولن يفوز بالخير إلا عامله): الذي كدَّ نفسه في تحصيله، وأبلى جسمه لله تعالى، وجدَّ في اجتهاده.
(ولا يُجْزَى جزاء الشر إلا فاعله): من مضاعفة العقاب والإهانة من جهة الله تعالى(2)، كما قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه}[الزلزلة:7-8]، وقوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ}[النساء:123]، وغير ذلك.
(فأقم على ما في يديك): أراد إما استقم على ما تحت يديك من الولايات والاجتهاد في تحصيل الخراجات المفوضة إليك، وإما اثبت على ما أمرت به من الطاعة لله تعالى(3) ولإمامك فيما وليت عليه مما في يدك.
(قيام الحازم): في أموره.
__________
(1) في شرح النهج: يلبسون.
(2) تعالى، زيادة في (ب).
(3) تعالى، زيادة في (ب).

(الصليب(1)): في ذات الله تعالى وفي دينه.
(والناصح): الذي لايعتريه الغدر والخيانة في عمالاته كلها.
(اللبيب): العاقل لأمر الله وخطابه.
(والتابع لسلطانه): في جميع أوامره كلها من غير مخالفة منه في شيء منها.
(المطيع لإمامه): الفاعل لما يريده منه(2).
سؤال؛ هل من تفرقة بين الإمام والسلطان كما ذكره هاهنا؟
وجوابه؛ أما من جهة الشرع فلا فرق بينهما، فإن سلطان الإسلام هو الإمام، وهو المراد بقوله عليه السلام: ((السلطان ظل الله في الأرض))(3)، وفي حديث آخر: ((السلطان ولي من لا ولي له(4))) وغرضه في هذه الأحكام هو الإمام، وأما العرف فظاهر، فإن السلطان يطلق على من له ولاية الحق وعلى(5) غير ذلك، ولهذا يقال: سلاطين الجور وأمراءوه، وقد أشار إلى التفرقة بينهما بقوله: التابع لسلطانه؛ لأن المتابعة قد تكون على الحق وعلى غير الحق، المطيع لإمامه لأن الطاعة أغلب أحوالها تستعمل في الحق.
__________
(1) في شرح النهج: الطبيب.
(2) منه، سقط من (ب).
(3) ورد بلفظ: ((إن السلطان ظل الله في الأرض)) أخرجه من حديث الإمام أبو طالب في أماليه ص413 رقم (510) بسنده عن كثير بن مرة، وانظر موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/274، 3/84.
(4) في نسخة: لها، (هامش في ب)، والحديث أورده في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/274 وعزاه إلى مصادر عدة منها سنن أبي داود في النكاح ب(20)، وسنن الترمذي (1102)، وسنن ابن ماجة(1879) و(1880)، ومسند أحمد بن حنبل1/250، 6/47، 270، وسنن الدارمي 2/137، والسنن الكبرى للبيهقي 7/106، 10/148 وغيرها.
(5) على، سقط من (ب).

(وإياك وما يعتذر منه): احذر(1) من كل أمر يفتقر إلى الاعتذار؛ لأن ما هذا حاله فهو متفق على قبحه، ولهذا فإنه مفتقر إلى الاعتذار، ولو كان حسناً ما افتقر إليه، وهذا من أبلغ الحكم وأعجبها.
(ولا تكن عند النعماء بطراً): البطر: الطغيان عند كثرة النعم.
(ولا عند البأساء فشلاً): البأس والبأساء: الحرب، والفشل: الخور والجبن، فإن هاتين الخصلتين من خصال اللئام: البطر عند النعمة، والجبن والخور عند لقاء الأبطال.

(34) من كتاب له عليه السلام إل‍ى محمد بن أبي بكر
لما بلغه توجده من عزله بالأشتر، ثم توفي الأشتر في توجهه إلى مصر قبل وصوله إليها:
(وقد بلغن‍ي موجدتك): وجد مطلوبه يجده وجوداً، ووجدضالته وجداناً، ووجد في نفسه موجدة، وهو عبارة عما يلج في الصدر من الغم، وفي الحديث: ((فلان يجد في قلبه موجدة علينا، قوموا بنا إليه)).
(من تسريح الأشتر إلى عملك): التسريح: هو الإرسال، وأراد من إرسال الأشتر ليقوم مقامك في أعمالك كلها.
(وإني لم أفعل ذلك): يشير إلى عزله، وإقامة الأشتر مقامه.
(استبطاء لك في الجهد): الجهد بفتح الجيم وضمها هو: الطاقة، أي لأنك أبطأت في الاجتهاد فيما أنت [بصدده.
(ولا ازدياداً لك في الجدّ): ولا فعلت ذلك؛ لأن تزداد في جدك فيما أنت فيه](2) فيكون ذلك سبباً للموجدة في نفسك، واختلاطها بك.
(ولو نزعت ما في يدك): من الولايات وأزلتها.
(من سلطانك): ونفوذ أمرك فيها بالقهر والسلطنة.
(لوليتك ما هو أيسر عليك مؤونة): أسهل حملاً، وأخف تعباً ومشقة.
(وأعجب إليك ولاية): لما يظهر فيها من الجمال، وحسن الهيئة والمنظر.
(وإن الرجل الذي كنت وليته أمر مصر): يعني الأشتر من أمرائه.
__________
(1) في (أ): حذر.
(2) ما بين المعقوفين سقط من (ب).

(كان رجلاً لنا ناصحاً): في جميع أموره وعمالاته كلها، والنصح: خلاف الغش والغدر.
(وعلى عدونا شديداً): متشدداً في أموره كلها.
(ناقماً): نقمه إذا كرهه، ونقم عليه إذا عتب، وأراد أنه كان كارهاً للأعداء، عاتباً عليهم ما يفعلونه من العداوة.
(فرحمه الله): أوصل الله إليه الرحمة من عنده، وهي الثواب من جهة الله تعالى.
(فلقد استكمل أيامه): العمر الذي قدَّره الله له وحتمه.
(ولاقى حمِامه): الحمِام: الموت وقدره.
(ونحن عنه راضون): هذه الجملة الإبتدائية في موضع نصب على الحال، مثلها في قولك: جاء زيد والشمس طالعة.
(أولاه الله رضوانه): أي أعطاه، من قولهم: أولاني معروفاً من عنده.
(وضاعف له الثواب): جعله أضعافاً زائدة على مقدار المستحق تفضلاً وإحساناً من جوده.
(فأصحر لعدوك): المصاحر: الذي يقاتل عدوه في الصحراء ولا يخاتله، وأراد أظهر له نفسك وتكشف له.
(وامض على بصيرتك): على معرفتك بالحق وعلمك به.
(وشمر لحرب من حاربك): عن ساق الجد، والأمر بالتشمير هاهنا كناية عن الاجتهاد في الحرب للأعداء، والجد فيه من غير تهوين.
(وادع إلى سبيل ربك): إلى صراطه وطريقه بالنصرة والسيف.
(وأكثر الاستعانة بالله): إن كانت الرواية بالنون فالمراد اطلب(1) العون من الله تعالى، وإن كانت الرواية بالثاء(2) فالمراد به طلب الغوث من عند الله، واستغاثني فلان فأغثته إغاثة، والاسم منه الغياث.
(يكفك ما أهمك): ما أنت مهموم به من الأمور كلها.
(ويعينك على ما ينزل بك): يلطف لك فيما ينزل بك من المهمات العظيمة.

(35) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى عبد الله بن العباس بعد قتل محمد بن أبي بكر بمصر رحمه الله تعال‍ى
__________
(1) في (ب): طلب.
(2) أي الاستغاثة.

(أما بعد، فإن مصر قد افتتح): أعاننا الله تعالى حتى فتحناه، وصارت من جملة أعمالنا، وما ينفذ فيه أمر الله وأمرنا.
(ومحمد بن أبي بكر رحمه الله(1) قد استشهد): حيزت له الشهادة، ولقي الله تعالى(2) شهيداً.
(فعند الله نحتسبه ولداً ناصحاً): يقال: فلان نحتسبه ولداً إذا مات وهو كبير، فإن مات وهو صغير قيل: افترطه، وفي الحديث: ((أسقاطكم أفراطكم)).
(وعاملاً كادحاً): الكدح: جهد النفس في العمل وكدها فيه، من: كدح جلده إذا خدشه.
(وسيفاً قاطعاً): يقال: فلان سيف قاطع إذا كان ماضياً في أموره.
(وركناً دافعاً): أي عظيماً، من قولهم: سيل دفاع إذا كان يدفع ما قابله.
(وقد كنت حثثت الناس على لحاقه): للنصرة له والدفاع عنه.
(قبل الوقعة): واشتباك الحرب والتحامها.
(وأمرتهم بغياثه): بالإغاثة له والإسراع إلى نصرته.
(ودعوتهم سراً وجهراً): أراد أني كالمتهم على أعيان الملأ مرة، وخفية فيما بيني وبينهم مرة أخرى.
(وعوداً وبدءاً): وأعدت عليهم المراجعة بعد أن ابتدأتها، فتحزبوا عند ذلك أحزاباً، وتفرقوا فرقاً.
(فمنهم الآتي كارهاً): من غير رضا من نفسه.
(ومنهم المعتل كاذباً): يعني يعتل بعلة وهو كاذب فيها أنه معذور، وما له عذر يعذر به.
(ومنهم القاعد): من غير علة.
(خاذلاً): متقاعداً عن نصرة الحق وهو متمكن منها(3).
(أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجاً عاجلاً): لطفاً من عنده معجلاً لمخالفتهم لأمري، ونكوصهم عن نصرة دينه.
(فوالله لولا طمعي): الطمع: شدة الرغبة في مطلوب الطامع.
__________
(1) قوله: رحمه الله، زيادة في شرح النهج.
(2) تعالى، زيادة في (ب).
(3) في (ب): فيها.

(عند لقاء(1) عدوي في الشهادة): شدة رغبتي فيها، وانقطاع نفسي في محبتها.
(وتوطين‍ي نفسي على المنية): وعزمي على موافاة الأجل ولقائه.
(لأحببت ألاَّ أبقى مع هؤلاء): هذا جواب القسم، وهوفي الحقيقة جواب لولا، ولكنه مع لولا نازل منزلة جواب القسم وساد مسده، وأراد أنه لا يحب الدوام معهم.
(ولا يوماً(2) واحداً): على قلته وحقارته.
(ولا ألتقي بهم): ألاقيهم.
(أبداً): زماناً لا ينقطع.

(36) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى عقيل بن أبي طالب(3)
(فسرحت إليه(4) جيشاً كثيفاً من المسلمين): الكثيف: الغليظ يقال: كثف الشيء كثافة إذا غلظ، وأراد جيشاً متكاثفاً لكثرة عساكره، وقد كان أرسله في هذه العساكر لحرب بعض البغاة وأظنه معاوية.
(فلما بلغه ذلك): يريد وصول العسكر(5) وخروج عقيل فيهم.
(شمر هارباً): جزعاً وفشلاً عن اللقاء.
(ونكص): على عقبيه، يعني رجع عما أراد.
(نادماً): على ما فعل من اللقاء، أومن استمراره على المخالفة لما رأى ما رأى.
(فلحقوه ببعض الطريق): تداركوه بعد توليته هارباً.
(وقد طفَّلت الشمس للإياب): تطفيل الشمس: ميلها إلى الغروب، وإيابها: رجوعها إلى مكانها الذي تستقر فيه.
(فاقتتلواشيئاً): أي اقتتالاً.
__________
(1) في شرح النهج: لقائي.
(2) في (ب): يوماً، وقوله: ولا، سقط منها.
(3) في شرح النهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى أخيه عقيل بن أبي طالب في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء، وهو جواب كتاب كتبه إليه عقيل.
(4) إليه، سقط من (أ).
(5) في (ب): العساكر.

(كلا ولا): أي ليس بالقليل ولا بالكثير أي متوسطاً بين الأمرين، كما قال تعالى: {لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ}[النور:35]، أي لا هي في مضحاة للشمس، ولا في مقنأة(1) للظل(2).
(فما كان): بعد الاقتتال الذي كان منهم.
(إلا كموقف ساعة): كساعة قليلة يوقف فيها.
(حتى نجا): عن القتل والأسر والسلب.
(حريصاً)(3): في غاية الحرص على الذهاب، وانتصابه على الحال من الضمير في نجا.
(بعدما أُخِذَ منه بالْمُخَنَّق): المخنَّق بالتشديد هو: موضع الخنق من العنق، أورد هذا كناية عن شدة الحال التي بلغوها، وصعوبة الأمر هناك.
(ولم يبق معه غير الرمق): آخر النفس، ومنه عيش رمق أي يمسك الرمق لقلته.
(فلأياً بلأي): أي شدة بعد شدة وإبطاء، وانتصابه على المصدرية تقديره: لأى لأياً(4) أي اشتد شدة وإبطاء.
(ما نجا): ما هذه زائدة للإبهام أي شدة بعد شدة عظيمة كان نجاؤه.
(فدع عنك قريشاً): اترك أخبارهم وأحاديثهم.
(وَتَرْكاضَهُم في الضلال): التفعال من أبنية المصادر الموضوعة للمبالغة كالتسيار والتضراب.
(وتَجْوَالهُم في الشقاق): التجوال: الاضطراب، ومنه: تجاول الفرسان.
__________
(1) المقنأة: المكان الذي لا تصيبه الشمس، يقال: هذه الشجرة ليست في مضحاة ولا مقنأة. (وانظر أساس البلاغة ص378).
(2) في (ب): أي لا هي في مضحاة الشمس، ولا في مفيأة الظل.
(3) في (ب) وشرح النهج: جريضاً، وقال ابن أبي الحديد في شرحه: أي قد غصَّ بالريق من شدة الجهد والكرب. انتهى.
(4) في (ب): لأياً لأياً.

(وجماحهم في التيه): جمح الفرس: إذا اشتد رأسه فلا يملك، وأراد بهذا كله إصرارهم على ماهم فيه من الضلال، وركوب الشقاق في مخالفته، يشير به إلى طلحة والزبير وعائشة ومعاوية ممن تحزب عليه من قريش.
(فإنهم أجمعوا على حربي): اجتمعوا عن آخرهم على شقاقي ومخالفتي.
(كإجماعهم على حرب رسول الله[صلى الله عليه وآله وسلم](1) قبلي): يريد في الاجتماع والتألب دون الحكم؛ لأن حرب رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم](2) كان كفراً وشركاً ونفاقاً، وحربه إنما هو فسق وبغي ومخالفة.
(فجزت قريشاً عن‍ي الجوازي): الجوازي: جمع جازية، وأراد إما الأرحام، وإما الخصال المحمودة، وإما الفعلات المذمومة على ما فعلوه معي وأسندوه إلي.
(فقد قطعوا رحمي): بما كان منهم من الشقاق والمخالفة، والحرب بيني وبينهم التي تؤذن بقطع الأرحام.
(وسلبوني سلطان ابن أمي): أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما عبَّر عنه بابن الأم؛ لأمرين:
__________
(1) سقط من (أ).
(2) سقط من (أ).

أما أولاً: فلأن فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين كانت تربي رسول الله[صلى الله عليه وآله وسلم](1) في حجر أبي طالب فكانت كالوالدة له(2).
وأما ثانياً: فلأن أبا طالب وعبد الله أب رسول الله كانا أخوين من الأب والأم، وأم الأب أم، فلهذا قال: ابن أمي يشير إلى ما ذكرناه، وأراد بالسلطان الولاية بعد رسول الله كانت مستحقة له.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) قال المولى العلامة المجتهد الكبير مجد الدين بن محمد المؤيدي في لوامع الأنوار 3/209-210 في ترجمة فاطمة بنت أسد رضي الله عنها ما لفظه: أخرج الطبراني في الكبير والأوسط، وابن حبان، والحاكم عن أنس قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجلس عند رأسها فقال: ((رحمك الله يا أمي بعد أمي)) وذكر ثناءه عليها وتكفينها ببرده، قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسامة، وأبا أيوب الأنصاري، وعمر بن الخطاب، وغلاماً أسود يحفرون فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده، فلما فرغ دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاضطجع فيه ثم قال: ((الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي)). انتهى ما نقلته من لوامع الأنوار، وقال الإمام أبو العباس الحسني رحمه الله في المصابيح ص120 بعد ذكر وفاة فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين رضي الله عنها ونزول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في قبرها ودعاءه لها قال ما لفظه: وفي حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وآله وسلم ألبسها قميصه واضطجع معها في قبرها وقال: ((إني كنت يتيماً في حجرها فأحسنت إليَّ)).

وزعم الشريف علي بن ناصر أنه أراد بقوله: ابن أمي، نفسه، وهذا بعيد لا يعهد مثله، والوجه فيه ما ذكرناه(1).
(وأما ما سألت عنه من رأيي في القتال): لأن عقيلاً سأل أمير المؤمنين عن رأيه في قتال أهل القبلة، فأجابه بقوله:
(فإن رأيي قتال المحلِّين): بالحاء المهملة أي إن(2) الذي أذهب إليه، وأقوله بالحجة الواضحة، والدليل القاطع أن أقاتل من أحل قتالي وأباحه، وبغى عليَّ، وخالف أمري من هؤلاء.
(حتى ألقى الله): ألاقيه عند انقضاء أجلي بالشهادة في حربهم وقتالهم.
(لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة): أي أني لا أعتز باجتماع الناس إليَّ، وإنما عزتي بالله ونفوذ بصيرتي في ذلك.
(ولا تفرقهم علي(3) وحشة): ولا يزيدني بعدهم عني وحشة، ولا نكوصاً عما أنا فيه من قتالهم ومنابذتهم.
__________
(1) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 16/152 تعليقاً على الراوندي الذي سبق أن شرح (نهج البلاغة) قبل ابن أبي الحديد، ما لفظه: وقال أيضاً - أي الراوندي- قوله: (سلطان ابن أمي) يعني نفسه أي سلطانه لأنه ابن أم نفسه، قال: وهذا من أحسن الكلام، ولا شبهة أنه على تفسير الراوندي لو قال: وسلبوني سلطان ابن أخت خالتي، أو ابن أخت عمتي، لكان أحسن وأحسن، وهذا الرجل قد كان يجب أن يحجر عليه، ولا يمكن من تفسير هذا الكتاب، ويؤخذ عليه أيمان البيعة ألاّ يتعرض له. انتهى بلفظه.
(2) إن، سقط من (ب).
(3) في شرح النهج: عني.

(ولا تحسبن أن ابن أبيك -ولو أسلمه الناس-): إنما قال: ابن أبيك، ولم يقل: ولا تحسبني ملاطفة في أدب(1) الخطاب، وتذكيراً للرحم الباعثة على المواصلة والنصرة، وتشجيعاً له على معاضدته في الخطوب العظيمة، ونظيره قول إبراهيم لآزر: {يَاأَبَتِ}، وقول لقمان: {يَابُنَيَّ}، وقول هارون: {يَبْنَؤُمَّ}، وغير ذلك، وأراد ولا تظننَّ ابن أبيك عند إسلام الناس له وانقطاعهم عن نصرته وانفلاتهم عن يده.
(متضرعاً): ذليلاً خاضعاً.
(متخشعاً): إن كانت الرواية فيه(2) بالخاء المنقوطة، فالغرض بالخشوع هو: الخضوع والتصاغر، وإن كانت الرواية بالجيم(3)، فالغرض بالتجشع هو: أشد الحرص على الدنيا والبقاء فيها.
(ولا مقراً للضيم): أي ولا معترفاً بالظلم.
(واهناً): أي ضعيفاً من الوهن(4)، وهو: الضعف.
(ولا سلس القياد(5) للقائد): ولا سهلاً لمن أراد قياده.
(ولا وَطِئَ الظهر للراكب): استعار هذا من الجمل الذي تكون فيه صلابة وخشونة، فلا ينجذب لمن يقوده بزمامه، ولا يتوطئ ظهره لمن أراد ركوبه.
(المقتعد): الذي يقعد عليه عند ركوبه له.
(ولكنه كما قال أخو بن‍ي سليم): سليم: قبيلة من قيس غيلان، وسُليم: قبيلة من غطفان.
(فإن(6) تسألني كيف أنت فإنني
يعز عليَّ أن ترى بي كآبة

صبور على ريب الزمان صليب
فيشمت عادٍ أو يساء حبيب)(7)
__________
(1) في (ب): في آداب.
(2) فيه، سقط من (ب).
(3) أي متجشعاً.
(4) في (ب): والوهن هو: الضعف.
(5) في شرح النهج: الزمام، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(6) في (ب): وإن، و في شرح النهج: فإن تسأليني.
(7) ذكر ابن أبي الحديد أن هذين البيتين ينسبان إلى العباس بن مرداس السلمي، وذكر أنه لم يجدهما في ديوانه.

ولنذكر إعرابهما وموضع الشاهد منهما:
أما إعرابهما فهو(1) ظاهر، والكآبة: سوء الحال وشدة الحزن، والشماتة: الفرح ببلية العدو ووقوعه في المكاره، وقوله: أن ترى بي(2) في موضع رفع على الفاعلية ليعز.
وأما موضع الشاهد منهما: فإنما أوردهما تمثلاً(3) لما هو فيه من التجلد وإظهار حسن الحال، والصبر على المكاره، وإمضاء العزم على الاصطبار عند كل مساءة(4).

(37) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى معاوية
(فسبحان الله!): تنزيهاً له وبراءة له عما أنت فيه من خبث السريرة، وفساد العلانية وقبح الأعمال.
(ما أشد لزومك للأهواء المبتدعة): تعجب من شدة ملازمته لما ابتدعه من جهة نفسه من الأهواء وضلال الآراء التي افتعلها بالمكر، وأعمل فيها رأيه بالخديعة.
(والحيرة المتَّبعة): واتباعك للمذاهب(5) التي هي مواطن للحيرة والارتباك، وتعمقك فيها من غير بصيرة هناك ولا رأي مسدد.
(مع تضييع الحقائق): الحقائق: جمع حقيقة، وهي ما ينبغي للإنسان أن يحرسه عن الإهمال والضياع، وأراد أن معاوية مهمل لما يتوجه عليه حراسته من حقائق الدين والقيام بواجباته وامتثال أوامره، والانكفاف عن الوقوع في مناهيه.
(واطّراح الوثائق): الوثائق: جمع وثيقة وهي واجبات الدين ومهماته.
(الت‍ي هي لله طِلْبَةٌ): أي مطلوبة من جهة كونه آمراً بها وحاثًّا على فعلها، وإرساله للرسل اعتناء بها.
(وعلى عباده حجة): إن هم أتوا بها استحقوا الجنة، وإن هم أعرضوا عنها استحقوا النار، وحال معاوية لا يخفى في إهماله لهذه الأشياء وإعراضه عنها.
__________
(1) في (ب): أما إعرابهما فظاهر.
(2) بي، سقط من (ب).
(3) في (ب): تمثيلاً.
(4) في (ب): عند مسآءة.
(5) في (ب): المذاهب.

(فأما إكثارك الحجاج في عثمان وقتلته): اعلم أن معاوية لكثرة غدره وعظم محاله ومكره، لا(1) يزال تكرير أحاديث قتلة عثمان وأمره إغراقاً في مخالفة الحق، وإعراضاً منه عن المسالك الواضحة، واتخاذ ذلك طعناً في الدين ومخالفة لسبيل المؤمنين.
(فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك): يشير بكلامه هذا إلى أنه ليس من عثمان في ورد ولا صدر، وأن كلامه هذا ليس انتصاراً من أجل عثمان، وإنما هوتقرير لما هو فيه من البدعة والضلالة والبغي؛ لأن عثمان لا ينتفع بانتصاره له الآن، وإنما هو انتصار من أجل نفسه فلهذا قال: نصرته حيث كان النصر لك.
(وخذلته حيث كان النصر له): يريد أن خذلانك له ظاهر يوم كان محاصراً في داره، فتركت نصره، ولو نصرته ذلك اليوم؛ لكان النصر له؛ لأنه يكون تفريجاً لما هو فيه، فأما الآن فلا ينفعه نصرك بحال.
فانظر إلى كلامه هذا ما أشمله للمعاني، وأفحمه للأفئدة، وأقطعه للشغب واللجاج.

(38) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى أهل مصرلما ولَّى عليهم الأشتر
(من عبد الله علي أمير المؤمنين، إلى القوم): من هذه لابتداء الغاية، وهي في موضع رفع خبر لمبتدأ تقديره: هذا الكتاب من عبد الله، والخبر إلى القوم.
(الذين غضبوا لله): أي من أجل الله.
(حين عصي في أرضه): بارتكاب المناهي وإضاعة الحدود.
(وذُهِبَ بحقه): ذهب بكذا إذا أخذه، وأراد أنهم أخذوا بها كل جهة في تضييعها وإبطالها.
(فضرب الجور سرادقه): السرادق: هو الخيمة من القطن، واستعاره هاهنا لدخول الناس في الجور واندراجهم تحته.
(على البر والفاجر): المسلم والفاجر، والفاجر(2) يُظْلَمُ وَيَظْلِمُ، والمؤمن يُظْلَمُ ولا يَظْلِمُ.
__________
(1) في نسخة: ما (هامش في ب).
(2) في (ب): فالفاجر.

(والمقيم والظاعن): والقاطن في بيته، والمرتحل عنه، وغرضه بذلك عمومه وشموله لكل أحد.
(فلا معروف يستراح إليه): أي يحث عليه ويفعل، فتستريح إليه قلوب المؤمنين الأولياء، وتطمئن أفئدتهم بفعله وتميل نفوسهم إليه.
(ولا منكر يتناهى عنه): ينهى كل واحد صاحبه عن فعله والإقدام عليه، فهذه حال أهل مصر على ما ذكره من الثناء عليهم في ذلك.
(أما بعد، فإني قد بعثت إليكم عبداً من عباد الله): ولياً من أوليائه، والبعث هو: الإرسال.
(لا ينام أيام الخوف): لشدة تيقظه وتحفظه من الأعداء، فيذهب نومه إذا كان خائفاً.
(ولا يَنْكُلُ عن الأعداء): ولا يجبن عن ملاقاة الأعداء.
(ساعات الروع): أحيان الفشل من شدة الخوف والفزع.
(أشد على الفجار من حريق النار): في هيبته وشدة انتقامه، وتسلطه عليهم بالقهر والتطاول، يشبه النار عند حريقها في سطواته(1) عليهم، وهو مالك بن الحارث.
(أخو مَذْحَجٍ): قد ذكرنا تفسير الأشتر فيما سبق، ومذحج(2): قبيلة من اليمن.
(فاسمعوا له): قوله فيما يقوله من الدعاء إلى الله تعالى وإلى دينه.
(وأطيعوا أمره): فيما يأمركم به من القيام بالواجبات، والمحافظة على حدود الله.
__________
(1) في نسخة: سطواتها. (هامش في ب).
(2) مَذْحج بالفتح، والبعض يضم الميم أو يكسرها، وهي إحدى القبائل الكهلانية الكبرى، سميت باسم مذحج بن أدد بن زيد بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان، ولها بطون كثيرة داخل اليمن وخارجه تبلغ إلى أربعة وعشرين بطناً. (انظر معجم البلدان والقبائل اليمنية للمقحفي ص576.

(فيما طابق(1) الحق): يريد أن سماع قوله، والطاعة له إنما هو في موافقة الحق لا غير، وفي الحديث:((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))(2).
(فإنه سيف من سيوف الله): شبهه في العزيمة الماضية، والحدة البالغة بمنزلة السيف، وإنما أضافه إلى الله؛ لأن مضاه في عزمه وتصلبه في أمره إنما كان من أجل الله وغضباً لدينه وانتصاراً له، فلهذا أضافه إليه لما له في ذلك من الاختصاص .
(لا كليل الظُّبة): الظُبة: طرف السيف، وأصلها ظبو(3)، لكنها حذفت الواو وأبدل منها التاء، قال الشاعر:
إذا الكماة تنحوا أن ينالهم

حد الظبات وصلناها بأيدينا(4)

وكل حد السيف يكل كلولاً إذا لم يكن قاطعاً.
(ولا نابي الضريبة): يقال: نبا السيف إذا لم يعمل عند الضرب، والضريبة هي: المضروبة بالسيف، وإنما برزت الياء في فعيل بمعنى مفعول لما كان غير مصحوب بموصوفه كما مر بيانه، وأراد أن سيفه لا ينبو عما ضرب به، يشير بذلك إلى أنه كامل في أمره، مُعْجِبٌ في أحواله كلها.
__________
(1) في (ب): يطابق.
(2) رواه السيد العلامة أحمد بن يوسف زبارة رحمه الله تعالى في أنوار التمام 5/433 وعزاه إلى الشفاء للأمير الحسين بن بدر الدين، ورواه ابن أبي الحديد في شرح النهج 16/158، وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 7/265 إلى مصنف ابن أبي شيبة 12/546، والدر المنثور للسيوطي 2/177، وتأريخ بغداد للخطيب البغدادي 3/145، 10/22، وتأريخ أصفهان1/133.
(3) في الأصل: ظبوة، وأصلحته من لسان العرب 2/641، قال فيه: وأصل الظبة ظُبو بوزن صُرَد فحذفت الواو وعوض منها الهاء.
(4) لسان العرب 2/641، ونسبه لبشامة بن حري النهشلي.

(فإن أمركم أن تنفروا): إلى جهاد أحد من(1) المخالفين له، وأهل العداوة في الدين.
(فانفروا): معه حيث أراد ووجه.
(وإن أمركم أن تقيموا): في مصركم وبلدكم.
(فأقيموا): فيها من غير مخالفة له في أمره.
(فإنه لا يقدم): في أمر من أموره.
(ولا يحجم): يتأخر عن إمضائه.
(ولا يؤخِّر): شيئاً من الأمور.
(ولا يقدِّم): شيئاً منها.
(إلا عن أمري): ما آمره به من ذلك.
(وقد آثرتكم به على نفسي): آثرت فلاناً بكذا إذا أوليته ذلك دونك وجعلته مختصاً به، ومنه قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}[الحشر:9].
(لنصيحته لكم): في أمور الدين وصلاح أحوالكم الدنيوية.
(وشدة شكيمته على عدوكم): الشكيمة: حديدة تجعل في فم الفرس تتصل بها فأس(2) اللجام، يقال: فلان شديد الشكيمة إذا كان عظيم الأنفة قوي النفس.

(39) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى عمرو بن العاص
(فإنك قد(3) جعلت دينك تبعاً لدنيا امرئ): يريد أنك أسلست القياد في اتباعك لمعاوية، وجعلت دينك تبعاً لدنياه، فأصلحت له دنياه بفساد دينك وبطلان آخرتك، واتبعت بزعمك رجلاً.
(ظاهر غيُّه): الغي: خلاف الرشد، وأراد أن مجانبته للرشد ظاهرة، لا تخفى على أحد.
(مهتوك ستره): هتك الستر: خرقه، وأراد أن الله تعالى مسبل لستر الدين على أهل الإيمان بإيمانهم، ومعاوية قد خرق هذا الستر بما كان منه من البغي(4) والفسوق.
(يشين الكريم بمجلسه): الشين: النقص، وقد شانه إذا نقصه، وأراد أنه إذا جالس الكرام وخالطهم نقصتهم خلطته.
__________
(1) من، سقط من (ب).
(2) فأس اللجام: الحديدة القائمة في الحنك. (مختار الصحاح ص489).
(3) قد، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(4) في (ب): الغي.

(ويُسَفِّه الحليم بخلطته): سفهه إذا نسبه إلى السفاهة، وأراد أنه يكسب الحليم سفاهة باختلاطه به، ومرافقته له.
(فاتبعت أثره): تابعته في أقواله وأفعاله وسلكت سبيله.
(وطلبت فضله): أراد إما إفضاله وإنعامه عليك، وإما ما تفضل عليه من المتاع، ويزيد على كفايته، وهذا هو مراده، ويدل عليه ما بعده.
(اتباع الكلب للضرغام): يريد الأسد، ومثَّله بالكلب لخسته وحقارته، ولما له به من المشابهة فيما ذكره.
(يلوذ إلى مخالبه): المِخْلَبُ: ظُفُر البرْثُن(1)، وأراد أنه يميل إلى ما يشب بمخلب الأسد من الفريسة فيأكله.
(وينتظر ما يلقى إليه من فضل فريسته): وهكذا حاله مع معاوية، فإنه لا غرض له(2) في اتباع معاوية إلا حطام الدنيا، والالتذاذ بلذاتها المنقطعة والتهالك في جمعها.
(فأذهبت دنياك): بانقطاعها عنك، وفواتها من يدك,
(وآخرتك) بما كان من إعراضك عنها؛ باتباع معاوية على فسقه وغيه.
(ولو بالحق أخذت): في اتباعي وترك مخالفتي ونزاعي.
(أدركت ما طلبت): من إحراز رزقك في الدنيا، والفوز برضوان الله في الآخرة.
(فإن يمكّن الله منك ومن ابن أبي سفيان): بالاستظهار عليكما، والتمكن من استئصال الشأفة وقطع الدابر.
(أجزكما بما قدمتما): من المخالفة والبغي والتمرد، وتغيير أحكام الله تعالى، وإيثار الدنيا وترك الآخرة.
(وإن تُعْجِزا): ولا أتمكن منكما.
(وتبقيا): في حياتي معجزين لي وبعد وفاتي أيضاً .
(فما أمامكما): أي فالذي أمامكما من خزي الله تعالى(3) وعذابه المعد لأعدائه والخارجين عن مراده وطاعته.
__________
(1) البراثن من السباع والطير كالأصابع من الإنسان، والمخلب: ظفر البرثن. (مختار الصحاح ص45).
(2) له، زيادة في (ب).
(3) تعالى، سقط من (ب).

(شر لكما): أدخل(1) في الشر وأعظم في الويل مما هوقبله، كما قال تعالى:{وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى}[فصلت:16].

(40) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى بعض عماله
(أما بعد؛ فقد بلغن‍ي عنك أمر): الأمر: واحد الأمور، ويستعمل عند إطلاقه في العظائم، قال الله تعالى:{وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ}[النحل:77]، {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ}[القمر:50]، وإنما أبهمه لعظمه.
(إن كنت فعلته): وكان صادقاً(2) ما قيل في ذلك، وما نقل عنك.
(فقد أسخطت ربك): أي صار ذا سخط عليك.
(وعصيت إمامك): بمخالفتك له في فعلك.
(وأخزيت أمانتك): ظهر الخزي على ما كنت مؤتمناً عليه وهي الخيانة فيه.
(بلغن‍ي أنك جردت الأرض): أراد إما قشرتها بقطع أشجارها، وتركها فضاء، وإما أن يريد بالجرد مجازاً، وجعله كناية(3) عن إذهاب ما فيها واستغراقه، وهذا هو مراده بدليل قوله:
(فأخذت ما تحت قدميك): من غلات الأراضي والعقارات والزروع وأنواع الثمار بالإتلاف والتبذير، وإنفاقها في غير وجهها، ووضعها في غير أهلها.
(وأكلت ما تحت يديك): مما يرتفع إليك من الجبايات والخراجات، ومما يكون حاصلاً في يدك بالإنفاق في المأكل(4) والتنعم باللذات، وغير ذلك من الخضم والقضم(5).
(فارفع إليَّ حسابك): كمية ما يرتفع إلى يدك، وكيفية خروج ما يخرج من ذلك ومعرفة ما يفضل.
(واعلم أن حساب الله): لك في ذلك، وعلمه بما أخذت ومقدار ما خنت فيه.
__________
(1) في (ب): أوصل.
(2) في (ب): وكان صدقاً ما قيل فيك.
(3) كناية، سقط من (ب).
(4) في المأكل سقط من (ب).
(5) الخضم: الأكل بجميع الفم، والقضم: الأكل بأطراف الأسنان.

(أعظم من حساب الناس): أبلغ من محاسبة الناس بعضهم لبعض؛ لأنهم ربما جرى عليهم الغلط والنسيان والذهول عن بعض ذلك، أو عن أكثره، والله تعالى محيط بكل شيء، وعالم به، فلا تخفى على علمه خافية [سبحانه وتعالى](1).

(41) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى بعض عماله عبد الله بن عباس(2)
(أما بعد؛ فإني كنت أشركتك في أمانت‍ي): أراد فيما أنا مؤتمن عليه من حفظ أموال المسلمين، والتعهد لمصالحهم والقيام عليها(3).
(وجعلتك شعاري وبطانت‍ي(4)): الشعار من الثياب: ما يمس الجسد، وأراد أني جعلتك من خاصتي وبطانتي.
(ولم يكن في أهلي رجل أوثق منك): الأهل: هم العشيرة والأقرباء، يشير إلى أنه لم يكن في إخوته وبني الأعمام أثبت منه في الأمور، ولا أوثق منه في الديانة.
(في نفسي): فيما أعرفه ويسبق إلى خاطري واعتقده.
(لمواساتي): من أجل مواساتي، جعل نفسك أسوة لي في الشدائد والعظائم.
(وموازرتي): معاونتي(5) بالنفس والمال من جهتك.
(وأداء الأمانة إليَّ): مما ائتمنتك عليه من أمور المسلمين، وأموالهم فتؤديها إليَّ كما وليتك إياها.
(فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كَلِبَ): اشتد شره، ومنه قولهم: كلب الشتاء اشتد برده.
(والعدو قد حرب): اشتد غضبه، وكلب وحرب بكسر العين.
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) قوله: عبد الله بن عباس، سقط من شرح النهج لابن أبي الحديد، هذا وقد اختلف الرأي فيمن كتب له هذا الكتاب، انظر عن ذلك شرح ابن أبي الحديد 15/169-172، وانظر لوامع الأنوار3/110ـ111.
(3) في (ب): بها.
(4) قوله: وبطانتي، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.
(5) في (ب): ومعاونتي.

(وأمانة الناس قد حزبت(1)): أي قلّت والحزب: القليل من الشيء، ويقال للطائفة من الرجال: حزب.
(وهذه الأمة قد فتكت): خدعت ومكرت.
(وشَغَرَت): أراد إما بعدت عن الحق، من قولهم: منهل شاغر عن القرية إذا كان بعيداً، وإما ارتفعت عن العمل بالحق، من قولهم: شغر الكلب برجله إذا رفعها ليبول.
(قلبت لابن عمك ظهر الْمِجَنِّ): هذا يقال لمن بدا منه خلاف ما يعهد من أخلاقه من الغلظة بعد اللين، والجفاء بعد المودة، وهذا هو مراده هاهنا.
(ففارقته): بنت عنه وأوحشته.
(مع المفارقين): المباينين له.
(وخذلته): بما كان من جهتك من الخيانة وتأخرت عن نصرته بتأخرك عن أداء الأمانة.
(مع الخاذلين(2)): مع الذين خذلوه، وتألبوا عليه بالعداوة والحرب.
(فلا ابن عمك آسيت): جعلته أسوتك، وأعنته بنفسك.
(ولا الأمانة أديت): ولا ما ائتمنك عليه أديته إليه على الوجه المرضي أداؤه.
(وكأنك لم تكن الله تريد بجهادك): يريد ومع ما فعلته من الخيانة ما أردت وجه الله بالجهاد الذي كان منك، وإبلاءك ما أبليت فيه.
(وكأنك لم تكن): فيما أتيته وفعلته من هذه الخيانة.
(على بينة من أمرك): على أمر واضح، وبصيرة نافذة فيما تأتي وتذر.
(وكأنك إنما كنت تكيد هذه الأمة): ترصد لها الحيل، وتعمل لها المكائد.
(عن دنياهم): لتخدعهم عنها، وتسلبهم إياها.
(وتنوي غرتهم عن فيئهم): الغرة بالكسر: الغفلة، وأراد وتقصد غفلتهم لتأخذ فيئهم وتكون مستولياً عليه.
(فلما أمكنتك الشدة): شد يشد شدة إذا حمل حملة واحدة، وقد تقدم في كلام لزياد بن أبيه: لأشدَّن عليك شدة.
(في خيانة الأمة): بما أخذته من أموالهم، واقتطعته من خراجهم.
__________
(1) في شرح النهج: خزيت.
(2) بعده في (ب) وفي شرح النهج: وخنته مع الخائنين.

(أسرعت الكرة): الكر: خلاف الفر، وأراد عاجلت في الرجوع، واجتهدت في إيثاره.
(وعاجلت الوثبة): أمعنت نفسك في معاجلتها مخافة الفوات.
(واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم): الاختطاف: أخذ الشيء في سرعة وعجلة، وأراد أنه عاجل في أخذ ما قد أُحْرِزَ من الأموال(1).
(المصونة لأراملهم): صان الشيء إذا حجزه عن الإهمال من أجل صلاح أراملهم، وسد خَلّتهم بها(2).
(وأيتامهم): ومن أجل الضعفاء الذين مات عنهم آباؤهم، وتركوهم عالة.
(اختطاف الذئب الأزلّ): ذئب أزل إذا كان خفيف الوركين.
(دامية المعزى الكسيرة): الدامية من كثرة الجرب، والكسيرة: المكسور(3) أحد أطرافها، وإنما مثَّل ذلك؛ لأن الذئب إليها أسرع أكلاً من غيرها؛ لهزالها وضعفها واقتداره عليها.
(فحملته إلى الحجاز): مكة ونواحيها، والمدينة وما حولها، وسمي حجازاً؛ لأنه حاجز بين نجد وتهامة.
(رحيب الصدر بحمله(4)): الرحيب: الواسع، ومنه رحبة الدار وهو: فناؤها، ورحبة المسجد أي متوسع الصدر من غير ضيق يلحقه.
(غير متأثم من أكله): معتقداً أنه لا يلحقك في ذلك إثم بأخذه وأكله، ولا لوم من جهة الله تعالى.
(كأنك -لا أبا لغيرك-): قد ذكرنا أن قولك: لا أبا لك كلمة يراد بها المدح، فقال هاهنا: لا أبا لغيرك صرفاً لها عن وجهها في المدح إلى غيره.
(حدرت على أهلك): الحدر هو: الإرسال من فوق، وغرضه هاهنا سهولة الأمر فيه.
(تراثك من أبيك وأمك): ميراثك منهما من غير حرج عليك فيه.
(فسبحان الله!): براءة لله تعالى عما لا يليق به، وتنزيهاً له عن أفعالك هذه.
__________
(1) في (ب): من أموال المسلمين.
(2) الخَلَّة بالفتح: الحاجة والفقر.
(3) في (ب): المكسورة.
(4) بحمله، زيادة في (ب) وشرح النهج.

(أما تؤمن بالمعاد!): تصدق بالرجوع إلى القيامة، وأما هذه للتنبيه.
(أما تخاف من نقاش الحساب!): من المناقشة في الحساب، والتحفظ على القليل والكثير، والحقير والجليل.
(أيها المعدود كان عندنا(1) من ذوي الألباب): تشهير له بندائه، وإعلان بحاله، وتحقيق بزواله عن حالته التي كان عليها، بقوله: كان، وإخراج له عما يتسم به أهل اللب والفطانة، وإدخال له بما فعل في أهل الجهل.
(كيف تسيغ طعاماً وشراباً): تعجب من حاله في إساغة الطعام والشراب.
(وأنت تعلم): حقيقة لا شك فيه، وقطعاً لا ريب في حاله بما يظهر من الأدلة والبراهين.
(أنك تأكل حراماً، وتشرب حراماً): غصباً لا حق لك فيه.
(وتبتاع الإماء): الجواري النفيسة.
(وتنكح النساء): الحرائر، فأنت في جميع أحوالك هذه تدفع هذه الأثمان وتنقد هذه المعاوضات(2).
(من مال(3) اليتامى، والمساكين، والمؤمنين، والمجاهدين): فكل واحد من هذه الأصناف وغيرها له حق في المال الذي أخذته لا محالة، وهم:
(الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال): جعلها فيئاً لهم، وأعطاهم إياها، وجعلها مصروفة فيهم.
(وأحرز بهم هذه البلاد!): بجهادهم عليها بالسيف حتى صارت حقاً لهم، ومحرزة برماحهم، لا ينالها أحد سواهم، ولا يأخذ خراجها أحد غيرهم.
(فاتق الله): راقبه في جميع أحوالك كلها.
(واردد إلى هؤلاء القوم): الذين وصفت لك حالهم في الإيمان، والضعف، والمسكنة.
(أموالهم): التي غصبتها عليهم، وأخذتها خيانة لهم.
(فإنك إن لم تفعل): ما أمرتك به من ذلك، وحثثتك على فعله وإتيانه.
__________
(1) في (ب): عندنا كان من ذوي ...إلخ.
(2) في (أ): المقاوضات.
(3) في شرح النهج: أموال.

(ثم أمكنن‍ي الله منك): مكنني من الانتصاف منك، وأقدرني عليك، من المكنة وهي: القدرة.
(لأعذرنَّ إلى الله فيك): لا أبلغن حالة في النصفة يعذرني الله تعالى فيها من أجلك.
(ولأضربنَّك بسيفي): المشهور المعروف بذي الفقار.
(الذي ما ضربت به أحداً إلا دخل النار): يشير بما ذكره إلى أنه على الحق، وأن من خالفه على الباطل، مستحق للوعيد بالنار لا محالة، وليس في هذا دلالة على عصمته؛ لأن هذه الحالة أعني المخالفة لإمام الحق والقطع بهلاك المخالف له، والسالّ للسيف في وجهه حاصلة لغيره ممن لا يُدَّعَى عصمته؛ فلهذا لم يكن ذلك دليلاً على كونه معصوماً.
(والله لو أن الحسن والحسين): مع عظم قدرهما، وقربهما من الرسول، وارتفاع حالهما عند الله تعالى، وأنهما سيدا شباب أهل الجنة بنص أبيهما(1)
__________
(1) يشير المؤلف عليه السلام إلى الحديث المشهور: ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما)) رواه الإمام الهادي إلى الحق في مجموع رسائله ص53-54 في كتاب معرفة الله عز وجل، و ص195 في كتاب أصول الدين، وأخرجه المرشد بالله في الأمالي الخميسية 1/44 بسنده عن ابن عمر، 2/235 بسنده عن أمير المؤمنين علي عليه السلام بلفظ: ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة))، وأخرجه باللفظ المذكور أولاً الموفق بالله في الاعتبار ص663 برقم (529) عن ابن عمر، وأخرجه الحافظ محمد بن سليمان الكوفي في مناقبه 2/250 رقم (716) بسنده عن مالك بن الحسن بن أبي الحويرث، عن أبيه، عن جده، والحديث فيه أيضاً بأرقام (687، 712، 723) عن أبي سعيد الخدري.

…وأخرجه الحافظ ابن عساكر في ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من تأريخ دمشق ص 79-83 تحت الأرقام (138-143) عن بريدة الأسلمي، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وجهم، وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 4/569 إلى مصادر كثيرة منها: سنن الترمذي برقم (3768)، وسنن ابن ماجة 118، وتأريخ بغداد للخطيب البغدادي 11/90، ومسند أحمد بن حنبل 3/3، 62، 64، 82، والمستدرك للحاكم النيسابوري3/166، 167، والمعجم الكبير للطبراني 3/25، 28، و19/272، ومجمع الزوائد9/178، 182، 183، 184، ومصنف ابن أبي شيبة12/96،97، والبداية والنهاية لابن كثير2/51، 8/35، والدر المنثور 4/262، وغيرها. (انظر الموسوعة).

.
(فعلا مثل الذي فعلت): من الخيانة، وأخذ المال الذي لا عذر لك في أخذه ولا شبهة.
(ما كانت عندي لهما هوادة): تهوين في الأمر، ولا مصالحة لهما ولاميل إليهما فيما فعلاه من ذلك، وفي الحديث: ((أسرعوا المشي بالجنازة، ولا تهوِّدوا كما تُهَوَّد اليهود))(1) لأنهم يهونون في السير ويدبون دبيباً.
(ولا ظفرا من‍ي بإرادة): فيما طلباه من ذلك، ولا حللت من ذلك عقدة.
(حتى آخذ الحق منهما): ما كان مستحقاً عليهما لغيرهما.
(وأزيح الباطل من مظلمتهما): فيه روايتان:
أحدهما: أريح بالراء، أي أرد الباطل فيما ظلماه(2)، وأخذاه من غير حقه، من قولهم: أرحت على الرجل حقه إذا رددته عليه.
وثانيهما: بالزاي وغرضه أبعد الباطل من ظلمهما الذي ظلماه، من قولهم: زاح الشيء(3) يزيح إذا بعد وذهب.
(وأقسم بالله رب العالمين): العالمين: جمع عالم، وهم(4) اسم لذوي العلم من الملائكة والثقلين، وفيه تعريض بحاله حيث كان ظالماً لمن هذه حاله من الخلائق.
__________
(1) أورده في مختار الصحاح ص701، وقريباً منه أورده من أثر لعمران بن حصين رضي الله عنه ابن الأثير في النهاية 5/281 في مادة هَوَدَ، فقال ما لفظه: وفي حديث عمران بن حصين رضي الله عنه: ((إذا مت فخرجتم بي، فأسرعوا المشي، ولا تهودوا كما تهوِّد اليهود والنصارى)).
(2) في (ب): فيما ظلما.
(3) في (ب): الباطل.
(4) في (ب): وهي.

(ما يسرني أن ما أخذت(1) من أموالهم حلال لي، أتركه(2) ميراثاً لمن بعدي): يريد أنه ما يسرني أن الذي أخذته من هذه الأموال حلال لي(3) لا تبعة علي فيه أخلفه ميراثاً بعدي، فهذا لا يسرني فضلاً عن أن تكون هذه الأموال فيئاً للمسلمين لا أملكها لا أنا ولا أنت، فالغم علي فيها أكثر لكوني مطالباً بها.
(فضحِّ رويداً(4)): أي ضياحاً رويداً، وأراد هون على نفسك الحال ولا تعجل.
(فكأنك قد بلغت المدى): غاية أجلك ومنتهى عمرك.
(ودفنت تحت الثرى): حيث لا ينفع مال ولا عشيرة.
(وعرضت عليك أعمالك): نشرت عليك دواوينها، وقرئت عليك صحائفها.
(بالمحل): في الموضع، وهو: يوم القيامة في العرصة.
(الذي ينادي فيه الظالم(5) بالحسرة): على ما فعل من الأفعال وغصبه من الأموال.
(ويتمنى المضيع): الذي أضاع أوقاته، وفرط في حياته.
(الرَّجعة): الرد ليعمل صالحاً، كما قال تعالى:{رَبِّ ارْجِعُونِي ، لَعَلّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ}[المؤمنون:99-100]،.
__________
(1) في (ب) وفي شرح النهج: أخذته.
(2) في نسخة: أخلفه، (هامش في ب).
(3) لي، سقط من (ب).
(4) فضح رويداً، قال ابن أبي الحديد: في شرح النهج: 16/169 عند شرح هذه الكلمة ما لفظه: كلمة تقال لمن يؤمر بالتؤدة والأناة والسكون، وأصلها الرجل يطعم إبله ضحى، ويسيرها مسرعاً ليسير فلا يشبعها، فيقال له: ضحِّ رويداً انتهى.
(5) في (ب) وفي شرح النهج: الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة.

(ولات حين مناص!): المناص: الملجأ، وأراد ليس الوقت وقت فرار وتأخر، ولقد بالغ في عتاب ابن عباس وشدد النكير عليه، وخشن له في القول، وأغلظ عليه في الوعيد؛ لما يعلم من حسن بصيرته وشدة ورعه، وتحرزه في أمور الديانة، واتقاد قريحته في العلم، ولما بلغه الكتاب على ما اشتمل عليه من الخشونة والمبالغة في العتاب وإظهار اللائمة، لم يتمالك في الإذعان والانقياد، ورد المال، وإظهار الندم عمَّا فعل من ذلك، والاعتذار إلى أمير المؤمنين كرم الله وجهه في هذه الزلة، وهكذا يكون حال أهل البصائر النافذة، ومن يرده الله بتوفيقه، وحقيق بمن كان حاله كحال ابن عباس في التقدم في العلم وإحراز الفضل أن يتداركه الله بالتوفيق من عنده، فما قصد أمير المؤمنين بما فعل؛ إلا تشنيعاً للقضية عليه لفضله وتمييزه، وليكون ذلك وازعاً لمن يكون في درجته عن اقتحام مثل هذه الشبه، والورود على مثل هذه الموارد الضنكة القبيحة عند الله.

(42) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى عمر بن أبي سلمة المخزومي(1)، عامله على البحرين
كل نهر عظيم فهو: بحر، ولهذا يقال لدجلة وسيحون وجيحون: بحور، وإن كانت أنهاراً جارية، قال الشاعر:
سره ماله وكثرة ما يم‍
__________
(1) هو عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال المخزومي، أبو حفص، ربيب رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم، ولد بالحبشة في السنة الثانية من الهجرة الأولى، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمه أم سلمة سنة أربع من الهجرة، فنشأ في حجره، وعلمه أدب الأكل، شهد مع علي عليه السلام الجمل، واستعملهعليه السلام على فارس والبحرين، وتوفي سنة83ه‍، وقد حفظ عن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم الحديث وروى عنه. (انظر شرح ابن أبي الحديد 16/173، ولوامع الأنوار 3/148).

‍لك والبحر معرضاً والسدير(1)

يعني الفرات، والبحران اللذان ذكرهما: واديان في اليمن، يقال لهما: الحسا والقطيف، وقيل: غيرهما، والله أعلم بذلك.
(أما بعد، فإني قد وليت النعمان بن عجلان(2) الزرقي(3) على البحرين): جعلت أمرهما إليه، وأوليته العقد والحل فيهما.
(ونزعت يدك): أزلت ولايتك فيهما.
(بلا ذم لك): في ولايتك، ولا خيانة لاحقة بك في عمالتك.
(ولا تثريب عليك): لا عتب لا حق بك، ولا تأنيب، والثرب: شحم رقيق يغشى الكرش والمعاء، ومعناه إزالة الثرب؛ لأنه إذا ذهب كان ذلك أمارة على غاية الهزال، فضرب مثلاً للتقريع الذي بلغ الغاية في تمزيق العرض وإهداره، قال الشاعر:
فعفوت عنهم عفو غير مُثَرِّبٍ

وتركتهم لعقاب يوم سرمد(4)

(فلقد أحسنت الولاية): في وضعك لها مواضعها، وإعطاها حقها.
__________
(1) لسان العرب 2/119 ونسبه لعدي وقال في شرحه: السدير: نهر، ويقال: قصر وهو معرّب وأصله بالفارسية رسه دِلّة أي فيه قباب مداخله.
(2) هو النعمان بن عجلان الزرقي الأنصاري، كان سيداً في قومه، وهو الذي خلف على خولة زوجة حمزة بن عبد المطلب رحمه الله بعد قتله، قال ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب: كان النعمان هذا لسان الأنصار وشاعرهم، وهو القائل يوم السقيفة:
وقلتم حرام نصب سعد ونصبكم

عتيق بن عثمان حلال أبا بكر

وأهل أبو بكر لها خير قائم

وإن علياً كان أخلق بالأمر

وإن هوانا في علي وإنه

لأهل لها من حيث يدري ولا يدري

…(انظر شرح ابن أبي الحديد 16/174).
(3) الزرقي، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(4) البيت أورده الزمخشري في أساس البلاغة ص 44 ونسبه لتبع، وأورده ابن منظور في لسان العرب1/352 ونسبه لبشر، قال: وقيل: هو لتبع.

(وأديت الأمانة): أوصلت ما اؤتمنت عليه على وجهه، وقمت فيه بحكمه.
(فأقبل): إلينا وَزُلْ عن عملك الذي كان تحت يدك بأمرنا.
(غير ظنين): متهم فيما أنت فيه، ولا بخيل بما كان من حقوقه.
(ولا ملوم): على تفريط كان هنالك منك ولا خيانة.
(ولا متهم): في أمر من أمور الولاية.
(ولا مأثوم): في جناية(1) في يد ولا لسان.
(فقد أردت المسير إلى ظلمة أهل(2) الشام): معاوية وأصحابه، وإنما كانوا ظلمة إما لأنهم ظلموا أنفسهم بتعاطيهم البغي والمخالفة، وإما لما أخذوه من البلاد والجبايات على غير وجهه وصرفوه في غير أهله، فهم ظالمون لا محالة، فلهذا سماهم ظلمة.
(وأحببت أن تشهد معي): حربهم وقتالهم، وتكون معي في المشاهد كلها والمواطن المشهودة.
(فإنك ممن أستظهر به على جهاد العدو): أجعله ظهيراً وعمدة ألجأ إليها عند الشدائد، والحاجات المهمة والأمور العظيمة.
(وإقامة عمود الدين): عن أن يكون مضطرباً، وأن يكون فيه اعوجاج، وما ذكره مجاز، والحقيقة جري أحكام الشريعة على مجاريها، وتقريرها على قواعدها.

(43) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى مصقلة بن هبيرة الشيباني
وهو عامله على أزدشير خرته(3)، وأزدشير خرَّة وهو اسم قرية:
(بلغن‍ي عنك أمر): على أيدي النقلة ولم يتحققه أمير المؤمنين، ولهذا أتى بإن، وهي موضوعة للشك، وهذا فيه دلالة على جواز الإنكار مع غلبة الظن، إذا كان(4) هناك قرائن مؤذنة بذلك.
(إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك): صار ذا سخط عليك.
(وأغضبت إمامك): أي صار غاضباً عليك.
__________
(1) في (ب): في خيانة.
(2) أهل، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(3) في شرح النهج: أردشير خرَّة، وهي كورة من كور فارس.
(4) كان، زيادة في (ب).

(أنك تقسم فيء المسلمين): أن هذه هي المصدرية في الأسماء، وهي في موضع رفع، إما بدلاً، وإما عطف بيان على قوله: أمر.
(الذي حازته رماحهم وخيولهم): أحرزوه بالقوة بالخيل والرجال.
(وأريقت عليه دماؤهم): باستشهاد من استشهد منهم عليه.
(فيمن اعتامك): أي اختارك، من قولهم: اعتام الشيء إذا اختاره، والعِيمة هي: خيار المال.
(من أعراب قومك): أجلافهم، وأهل الغباوة منهم.
(فوالذي فلق الحبة): شقها بنصفين.
(وبرأ النسمة): خلق النفس.
(لئن كان ذلك حقاً): يشير إلى ما ذكره من الأمر الذي بلغه عنه.
(لتجدنَّ بك(1) علي هواناً): ليهوننَّ عندي أمرك، وينزلنَّ قدرك.
(ولتخفَّنَّ عندي ميزاناً): انتصاب ميزان يكون على التمييز، من باب قولهم: طاب زيد نفساً.
(فلا تستهن بحق ربك): الاستهانة من الهوان، وأراد فلا تهونه.
(ولا تصلح دنياك بمحق دينك): أي ولا يكن همك إصلاح دنياك وتسديدها بما يكون مَحْقاً عليك في الدين وتغييراً في حاله.
(فتكون من الأخسرين أعمالاً): من الذين خسروا أعمالهم بإحباطها بالسيئات، وإسقاط أجورها باقتحام الموبقات.
(ألا وإن حق مَنْ قِبَلَكَ): من في جهتك.
(وقِبَلَنَا): ومن في جهتنا.
(من المسلمين): أهل الدين والصلاح.
(في قسمة هذا الفيء سواء): مستوية لا فضل لأحد منهم على الآخر، وفي هذا دلالة على أن رأيه عليه السلام كان التسوية في العطاء، كما كان رأي أبي بكر قبله، وأما عمر فكان(2) رأيه التفضيل في العطاء على مقادير الحقوق في الدين، وعلو المراتب في الإسلام(3).
(يردون عندي عليه): يأخذونه.
__________
(1) في شرح النهج: لك.
(2) في (ب): وكان.
(3) انظر شرح النهج لابن أبي الحديد 8/111.

(ويصدرون عنه، والسلام(1)): ويذهبون به في قضاء حوائجهم، ويصرفونه في مآربهم كلها.

(44) ومن كتاب له عليه السلام إلَى زياد بن أبيه
وقد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه:
(وقد عرفت أن معاوية كتب إليك يستزلُّ لبك):يريد استزلالك في لبك ويطلب ذلك منك.
(ويستفلُّ غربك): الغرب: حد السيف، وأراد يكفه ويرده عن حده كالاً.
(فاحذره): عن(2) أن يخدعك بأمانيه، ويستزلك بأكاذيبه.
(فإنما هو الشيطان): أراد إن كنت تعرف الشيطان فهو معاوية بعينه لا مخالفة بينهما في حال.
(يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه): كما يفعل الشيطان.
(ومن(3) عن يمينه وعن(4) شماله): كما حكى الله ذلك عن إبليس بقوله: {ثُمَّ لاَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ}[الأعراف:17].
(ليقتحم غفلته): تقحيم النفس إدخالها في الأمر من غير روية وثبات، وأراد يقتحم على الإنسان في حال كونه غافلاً.
(ويستلب غرته): أي يستلبه في حال كونه مغتراً بما يقع فيه من ذلك، أي يخدعه ويمكر به.
(وقد كان من أبي سفيان في زمن عمر بن الخطاب فلتة): أي فجأة لا عن تدبر وروية.
(من حديث النفس): التي لا يلتفت إليها ولا يعول عليها.
(ونزغة من نزغات الشيطان): النزغ من جهته هو: الإفساد والإغواء.
__________
(1) والسلام، زيادة في (ب).
(2) عن، سقط من (ب).
(3) من، سقط من شرح النهج.
(4) عن، سقط من (أ).

(لا يثبت بها نسب): أي لا يكون لاحقاً بمن ألحق به(1).
(ولا يستحق لمكانها(2) إرث): لبطلانها وفسادها شرعاً، وقد كان أبو سفيان ادَّعى زياداً في عهد عمر بن الخطاب، وزعم أنه ولد له، وحاكم إلى عمر، فلم يقض عمر له بشيء من ذلك(3).
(والمتعلق بها): يريد بهذه الدعوة الباطلة.
(كالواغل): بالغين المنقوطة، وهو: الذي يهجم على الشربة ليشرب معهم وليس منهم.
(المدفَّع): بالعين المهملة، وهوالذي لا يزال مدفوعاً في صدره، محاجزاً عن(4) الكون من جملة الشربة.
(والنوط): وهو ما يعلَّق بعد تمام الحمل من قدح، أو غير ذلك.
(المذبذب): لأنه أبداً لا يزال يتقلقل إذا حثَّ الجمل ظهره واستعجل في سيره.
__________
(1) قال السيد العلامة أحمد بن يوسف زبارة رحمه الله في أنوار التمام 3/299: قال في حاشية الهداية ناقلاً عن كتاب الشجرة: لا خلاف أن مجرد الوطء لا يثبت به نسب، وما يحكى عن معاوية في استلحاقه زياداً فقد أجمع المسلمون على إنكاره وبطلانه، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ليس رجل ادّعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر))، وفي حديث: ((فالجنة عليه حرام))، وفي حديث: ((عليه لعنة الله)) وكذلك قالت عائشة لمعاوية حين ادعى زياداً: ركبت الضلعاء أي الداهية، والأمر الشديد، والسوءة الشنيعة أي البارزة. انتهى.
(2) العبارة في شرح النهج: ولا يستحق بها إرث، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(3) أعلام نهج البلاغة -خ- وعن زياد بن أبيه وأخباره والدعوة التي استلحق بها انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16/179-204.
(4) العبارة في (ب): محاجزاً على الكون معهم، وليس من جملة الشربة.

(فلما قرأ زياد الكتاب قال: شهد بها ورب الكعبة): أراد أن كلام أمير المؤمنين على زعم زياد موهم للشهادة على أبي سفيان بالدعوة له.
(ولم يزل): ذلك.
(في نفسه): يريد كلام أمير المؤمنين ونقله عن أبي سفيان ما نقله، فما كان بعد ذلك إلا أياماً قليلة.
(حتى ادَّعاه معاوية): يباعد تلك المقالة التي ذكرها أمير المؤمنين.

(45) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى عثمان بن حنيف الأنصاري
وهو عامله على البصرة(1)، الرواية فيه حُنيف-بضم الحاء-.
[بسم الله الرحمن الرحيم](2)
(أما بعد، يا ابن حنيف، فقد بلغن‍ي أن رجلاً من فتية أهل البصرة): الفتية: جمع فتى، قال الله تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ}[الكهف:10].
(دعاك إلى مأدبة): المأدبة: ما كان طعاماً من غير وليمة، والوليمة: كالعرس، والإعذار وهو: طعام الختان وغير ذلك.
(فأسرعت إليها): من غير سؤال عن حالها، ومعرفة بحقيقتها، وطيب مكسبها.
(تستطاب لك الألوان): يُطْلَبُ لك أطيبها فيقدَّم نحوك.
(وتنقل إليك الجفان): أراد إما واحدة بعد واحدة لاختلافها وتباين أطعمتها، وإما تقدم هذه وتؤخر هذه ترفهاً بالمعايش، وتأنقاً في اللذات.
(فكرعت): في حياضها، والكروع: هو تناول الماء بالفم من غير واسطة الكف.
(وأكلت): من ألوانها ومختلفات أنواع طيباتها.
__________
(1) في شرح النهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري وكان عامله على البصرة، وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها.
(2) ما بين المعقوفين زيادة في نسخة، ذكره في هامش (ب).

(أكل ذئب نَهِمٍ): النهم: بلوغ الغاية في حفظ الشيء وضبطه، وفلان منهوم على كذا إذا كان مولعاً به، وفي الحديث: ((منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا))(1) وإنما أضاف النهم إلى الذئب؛ لأنه مولع بكثرة الافتراس.
(أو ضيغم قَرِمٍ): الضيغم: اسم من أسماء الأسد، وسمي بذلك لشدة ضغمه لما يفترسه من الحيوانات، والقرم: شدة شهوة اللحم، وإنما شبهه بهذين الحيوانين؛ لكثرة ولوعهما بأكل اللحوم.
(وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم، غنيهم مدعوّ(2)، وفقيرهم مجفوّ): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أو لم تعلم أنهم في ولائمهم هذه يدعون الأغنياء ويتركون الفقراء، ومن هذه حاله(3) فإن إجابته مكروهة من أجل ذلك.
وثانيهما: أن يكون مراده أنه لا غرض لهم(4) في هذه الولائم إلا الرياء والسمعة والذكر، ومن هذه حاله فإنه لا يجب إجابة دعوته، ولا ينبغي لأحد من أهل الدين حضورها، ولهذا فإنهم يتركون الفقراء ويدعون الأغنياء من أجل ذلك.
ووجه آخر أهم مما ذكرته كله وهو: أنك إذا دعيت إلى وليمة قوم:
__________
(1) الحديث بلفظ: ((منهومان لا يشبعان: منهوم دنيا، ومنهوم علم)) أخرجه من حديث طويل الإمام أبو طالب في أماليه ص224 رقم (181) بسنده عن سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال، فذكر الحديث بطوله، وهو فيه أيضاً بنفس اللفظ ص205 رقم(144)، وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8/632 إلى العلل المتناهية لابن الجوزي1/86،87، والدرر المنتثرة للسيوطي162.
(2) في (ب): يدعى، والعبارة في نسخة وشرح النهج: عائلهم مجفو، وغنيهم مدعو.
(3) في (ب): حالته.
(4) لهم، سقط من (ب).

(فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقْضَمِ): المقضم: بمقدم(1) الأسنان، وأراد ما تأكله من هذه المآكل.
(فما اشتبه عليك علمه): ولم تدر حاله، ومن أي وجه حصل مكسبه، وانقدحت الشبهة فيه.
(فالفظه): إن كان حاصلاً في فِيْكَ، أو أراد فاتركه إن لم تكن قد تناولته.
(وما أيقنت بطيب وجوهه): بكونه مأخوذاً من أوجه طيبة لا حرج في أخذها وتناولها.
(فَنَلْ منه): أي خذ مقدار الكفاية منه من غير حاجة إلى الزيادة.
(ألا وإن لكل مأموم إماماً): ألا هذه للتنبيه، وأراد أن كل مأموم فلا بد له من إمام.
(يقتدي به): في جميع عباداته، وأحوال دينه.
(ويستضيء بنور علمه): في ظلمات الجهل، وقتام الغباوة، وحنادس الضلالة.
(ألا وإن إمامكم): يشير إلى نفسه.
(قد اكتفى من دنياه بِطِمْرَيْه): الطمر: الثوب الخلق، وأراد إزاراً ورداء من غير زيادة.
(ومن طُعِمه بِقرصيه): ومما يطعم من ملاذ الدنيا وطيباتها برغيف بكرةٍ، ورغيف عشياً من غير زيادة.
(ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك): لصعوبته ومشقة الحال فيه، وكونه منافراً للنفوس في غاية الكراهة له.
(ولكن أعينوني بورع): عن الأمور المحرمة والملاذ القبيحة.
(واجتهاد(2)): في الطاعة لله، والانقياد لأمره.
(فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً): الكنز: الادخار، والتبر: ما كان من الذهب غير مضروب، فإذا ضرب فهو عين، ولا يقال ذلك في الفضة، وبعضهم يطلقه عليها.
(ولا ادخرت من غنائمها وفراً): ادخره إذا خبأه، والغنيمة: ما يؤخذ من الكفار، والوفر: المال الكثير، سمي بذلك؛ لوفوره وكثرته.
(ولا أعددت): أراد إما للتجمل، وإما أراد من زينة الدنيا ولذاتها.
__________
(1) في (ب): مقدم.
(2) في شرح النهج: ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد.

(سوى بالي ثوبي طِمْراً(1)): انتصاب طِمْراً على المفعولية لأعددت، أي ولا أعددت طمراً للتجمل إلا بالي ثوبي هذا من غير زيادة.
سؤال؛ كيف قال هاهنا: سوى بالي ثوبي، وقال فيما تقدم: قد قنع من الدنيا بطمريه، فما وجه ذلك؟
وجوابه؛ لعله تارة يلبس الرداء، وتارة يلبس الإزار، فعبَّر على ما يقتضيه الحال من لباسه لأحدهما دون الآخر.
(بلى): تصديق لكلام محذوف منفي تقديره: أليس قد كان في أيديكم شيء من الأموال، فقال(2) مصدقاً له: بلى:
(قد كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء): فدك(3)
__________
(1) بعده في شرح النهج: (ولا حزت من أرضها شبراً، ولا أخذت منها إلا كقوت أتان دَبِرَةٍ، ولهي في عيني أوهى من عفصة مَقِرةٍ).
(2) في (ب): قالوا.
(3) قال أبو العباس الحسني رضي الله عنه في المصابيح: أخبرنا علي بن سليمان البجلي، بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن فدكاً تسع قريات متصلات حد منها مما يلي وادي القرى، غلتها في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، لم يضرب عليها بخيل ولا ركاب، أعطاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام قبل أن يقبض بأربع سنين وكانت في يدها تحمل غلاتها وعبد يسمى جبير وكيلها، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنفذ أبو بكر رجلاً من قريش بعد خمسة عشر يوماً، فأخرج وكيل فاطمة عليها السلام منها.

وقال أبو العباس أيضاً في المصابيح: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الحديدي بإسناده عن أبي سعيد الخدري رضي الله قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {وآت ذا القربى حقه} دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة وأعطاها فدكاً. انتهى. (انظر المصابيح ص265، وانظر الاعتصام 2/251).

: قرية قريب(1) من المدينة نحلها رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم](2) فاطمة +، وأعطاها إياها، وكانت مما لم يوجف عليه بخيل ولا بركاب(3)، فكان رسول الله يأخذ منها لخاصة نفسه ما يحتاجه، ثم أعطاها بعد ذلك فاطمة(4).
وقوله: (من جميع ما أظلته السماء)، تعريض إلى ما كان منهم من الاستئثار عليه بالخلافة وبغيرها.
__________
(1) في (ب): قريبة.
(2) زيادة في (ب).
(3) في (ب): ولا ركاب.
(4) قال الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الاعتصام 2/250 ما لفظه: لا يختلف آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن فدكاً مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من غير إيجاف عليها بخيل ولا ركاب، وكانت لرسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم مِلْكاً، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنحلها فاطمة صلوات الله وسلامه عليها.
…قال: وفي شرح التجريد: والأصل في ذلك ما صح من الأخبار المتواترة أن فدكاً لما أجلي عنها أهلها من غير أن يوجف عليهم بخيل ولا ركاب صارت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
…قال: وأخرج البخاري في تفسير قوله تعالى: {فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} عن عمر بن الخطاب قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة ينفق على أهله منها نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله عز وجل. انتهى.

(فشحَّت عليها نفوس قوم): يشير إلى ما كان من تيم وعدي وبني أمية، وإنما عدى شحَّت بعلى؛ لأن الشح في معنى الحرص، فإن فاطمة عليها السلام أخبرت بأن أباها نحلها إياها، فمنعها أبو بكر ذلك(1)، وكان هذا من أقوى ما يذكر في مطاعن خلافته مع ما كان من حديث الميراث(2)
__________
(1) عن أخبار فدك انظر الاعتصام للإمام القاسم بن محمد 2/250-266، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16/209-286، والمصابيح لأبي العباس الحسني ص263-266.
(2) قال الإمام القاسم في الاعتصام: قال أبو العباس الحسني في المصابيح: أخبرنا أحمد بن سعيد بن عثمان الثقفي بإسناده عن عائشة أن فاطمة والعباس سلام الله عليهما أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر، فقال لها أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((لا نورث ما تركناه صدقة)) فهجرته فاطمة+ فلم تكلمه حتى ماتت ودفنها علي عليه السلام ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر.
…قال أبو العباس رضي الله عنه: الذي طلباه ميراثاً سهمه من خيبر، فأما فدك فقد كانت لفاطمة+ حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما قدمنا وهو وجه الحديث. انتهى. (انظر الاعتصام 2/251-252، والمصابيح ص266).

…قلت: وفي الخبر الذي رواه أبو بكر، قال الإمام القاسم في الاعتصام 2/264 بعد سياقه لعدد من الروايات في قضية فدك ومنع فاطمة + منها ما لفظه: وقال الهاديعليه السلام في حديث: ((إنا لا نورث ما تركناه صدقة)): ولو سألنا جميع من نقل من أصحاب محمدصلى الله عليه وآله وسلم هل روى أحد منكم عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سمع من رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم مثل ما روي عن أبي بكر من هذا الخبر لقالوا: اللهم، لا. ثم جاءت بعد ذلك أسانيد قد جمعها الجهال لحب التكثير بما لا ينفع عن عائشة وعن عمر، فنظرنا عن ذلك إلى أصل هذه الأحاديث، فإذا عائشة تقول: سمعت أبا بكر، وإذا عمر يقول: سمعت أبا بكر، وإذا هذه الأسانيد المختلفة ترجع إلى أصل واحد. انتهى. إلى أن قال الإمام القاسم ما لفظه: قلت: وأجمع آل محمدصلى الله عليه وآله وسلم أن الأنبياء يورثون لقوله تعالى: {وورث سليمان داود} وقوله تعالى: {فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب} ومن الباطل حمل القرآن على خلاف ظاهره بغير دليل، والله بصير بالعباد. ولو كان حقاً ما رواه من تقدم ذكرهم عن أبي بكر لما رد عمر بن عبد العزيز فدكاً على أولاد فاطمة عليها وعليهم السلام، وكان من أعلم الناس بالحديث ورجاله وعلله. انتهى. (وانظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد).

، وغير ذلك من المطاعن، فإنها لما ادَّعتها قال لها أبوبكر: اثبتي برجلين أو برجل وامرأتين، فقد قيل: إنها جاءت بأمير المؤمنين فأبى ذلك(1)، ولعله كان يذهب إلى بطلان الحكم بالشاهد واليمين للمدَّعي، وفاطمة تذهب إلى جواز ذلك(2)
__________
(1) قال الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الاعتصام 2/250 ما لفظه: وقال الهادي عليه السلام: لما ادعت فاطمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنحلها فدكاً، ونزع أبو بكر عاملها وطلبها شهوداً جاءت بعلي والحسن والحسين" وأم أيمن رضي الله عنها يشهدون لها، فقال أبو بكر: لا أقبل شهادتهم لأنهم يجرون المال إلى أنفسهم، وأم أيمن امرأة لا أقبلها وحدها. انتهى. وانظر عن قضية فدك ومناقشة حكم أبي بكر في ذلك كتاب الأساس في عقائد الأكياس للإمام القاسم بن محمد عليه السلام ص157-159.
(2) قال العلامة المجتهد الكبير مجد الدين المؤيدي رضي الله عنه في لومع الأنوار 2/78-79 ما لفظه: قال الإمام محمد بن عبد الله عليه السلام: وحكى الإمام عز الدين، عن الإمام يحيىعليه السلام [قلت أي الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام] نقلاً من كتابه المسمى التحقيق في الإكفار والتفسيق ما نصه: والمختار عندنا أمران:
الأول: أن الذي ادَّعت فاطمة + كان حقًّا، ثم قال ما حاصله: إنه يشهد لها أمير المؤمنينعليه السلام وأم أيمن، فقال أبو بكر: رجل مع رجل، أو امرأة مع امرأة، ثم قال أبو بكر: إن الله إذا أطعم نبيه طعمة فهي للخليفة من بعده، فلما أقر بالملك لرسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم وإقراره مقبول، قالت: ويحك يا ابن أبي قحافة، ترث أباك ولا أرث أبي، فاحتج بالخبر، ثم ذكر إعراضها عنه، ورجوعها إلى قبر أبيها صلى الله عليه وآله وسلم وتمثلها بالأبيات المشهورة:
قد كان بعدك أنباء وهينمة

لو كنت تعلمها لم تكثر الخطب

إلى آخرها، وهذه المناظرة ظاهرة لا يمكن إنكارها.

ثم قال: الأمر الثاني: أنها صادقة فيما ادعته؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشرها بالجنة، وأن منزلها ومنزل أمير المؤمنين حذاء منزله، وساق أحاديث شأنها وكمالها وأحاديث: ((فاطمة مني يريبني ما يريبها، ويؤذيني ما يؤذيها))، فكيف لا تكون صادقة في تلك الدعوى، وقد شهد بصدقها أمير المؤمنين، ولا يشهد إلا بالحق، ولا يقول إلا الحق. انتهى باختصار.

.
(وسخت عنها نفوس أخرين): يشير إلى نفسه وفاطمة والحسن والحسين، وإنما عدَّاه بعن؛ لأن السخاوة متضمنة لانقطاع الرغبة عن الشيء المسخو به، فلهذا عدَّاه بعن؛ لأنهم لما رأوا من كثرة المطالبة فيها أهملوها وتركوها.
(ونعم الحكم الله): بين الخلائق، أو فيما ندَّعي من فدك وغيرها.
(وما أصنع بفدك وغير فدك): استفهام وارد على جهة التقرير عند النفوس، وفيه معنى التعجب، وأراد وما تنفعني فدك وأضعافها من الدنيا.
(والنفس مظانها في غدٍ جدث): الجدث: القبر، قال الله تعالى: {يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً (1)}[المعارج:43]، ومظنة الشيء: موضعه الذي يظن حصوله فيه(2)، وأراد أن القبر مكانها وموضعها لا موضع لها سواه.
(ينقطع في ظلمته آثارها): فلا يوجد لها أثر بعد صيرورتها فيه.
(وتغيب أخبارها): فلا يسمع لها بخبر، وأراد امحاء جميع رسومها وأعلامها.
(وحفرة): أي ومظانها حفرة.
(لو زيد في فسحتها): لوبلغت كل غاية في السعة والفسحة.
(وأوسعت(3) يدا حافرها): وكان غرض الحافر لها توسيعها(4).
(لأضغطها الحجر والمدر): الضغط: هو الزحم، يقال: اللَّهُمَّ، ارفع عنا هذه الضغطة، وفي الحديث: ((إن للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد(5))) يريد سعد بن معاذ.
(وسد فرجها التراب المتراكم): الفرجة: الخلل في الشيء، وأراد أنها وإن فسحت في نفسها فإنها تزدحم بالأحجار المهيلة، وتسد ما فيها من الخلل بالتراب المحثي فيها.
__________
(1) سراعاً، سقط من (أ).
(2) في (ب): فيها.
(3) في (ب): وأوسعتها.
(4) في (ب): ترشيقها.
(5) في (ب): لنجا منها سعد بن معاذ، وقوله: يريد سعد بن معاذ، سقط منها، وانظر الحديث في سيرة ابن هشام 3/158.

(وإنما هي نفسي): أراد لا أملك سواها، ولا أمارس إلا إياها.
(أروضها بالتقوى): أعالجها بالرياضة كما يعالج المُهْرَ(1) المروض بمراقبة الله تعالى وخوفه، والانكفاف عن محرماته، والمواظبة على القيام بواجباته.
(لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر): أراد يوم القيامة كما سماه الله الفزع الأكبر(2)، إذ لا فزع أطمَّ منه.
اللَّهُمَّ، نجنا من أهواله وعظائمه بكرمك الواسع.
(وتثبت على جوانب المزلقة(3)): المزلقة والمزلق: موضع لا يثبت عليه قدم يقال: مكان زلق، قال الله تعالى:{فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً}[الكهف:40]، أي أرضاً ملساء لا ثبات فيها، وإنما قال: على جوانب المزلق مبالغة في الاستقرار والثبوت؛ لأن المزلقة لا تثبت في وسطها قدم فضلاً عن جوانبها، فإذا كانت قدمه ثابتة على طرف المزلقة كانت في غاية الرسوخ(4) والاستقامة والثبوت، وكثيراً ما يرمز إلى مثل هذه الأسرار في كلامه، ويتفطن لها أولو البصائر.
(ولو شئت لاهديت الطريق إلى لباب هذا القمح): لباب كل شيء: خلاصته(5) ونقاوته، وأراد خلاصة البر ومخ الحنطة.
(ومصفى هذا العسل): وأعلا هذه الأعسال عندكم.
(ونسائج هذا(6) القز): والثياب الغالية المنسوجة من القز، يريد أعلا الإبريسم من الديباج وغيره.
__________
(1) الْمُهْرُ: ولد الفرس.
(2) وهو قوله تعالى: {لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون}[الأنبياء:103].
(3) في شرح النهج: المزلق، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(4) في (ب): في غاية الثبوت والرسوخ والاستقامة.
(5) في (أ): خاصته.
(6) في (ب): هذه.

(ولكن هيهات): هيهات: اسم من أسماء الأفعال دال على الخبر، والغرض منه بَعُدَ ذلك، ولكن هذه الاستدراك(1) عما ذكره من قبل، والمعنى بَعُدَ الإيثار مني لهذه الأشياء.
(أن يغلبن‍ي هواي): فأكون منقاداً له.
(ويقودني جشعي): الجشع بالجيم هو: الحرص، وأراد أني غير مغلوب للهوى، ولا سلس القياد للحرص.
(إلى تخيّر الأطعمة): انتقاء أطيبها، وأعلاها فآكله، وأغتنم قضمه.
(ولعل بالحجاز أو اليمامة(2)): اليمامة: اسم لجارية كانت تبصر على مسافة ثلاثة أيام، يقال لها: الزرقاء، يقال: أبصر من زرقاء اليمامة، واليمامة: قرية أيضاً(3)، وكانت تسمى الجو فسميت باسم هذه الجارية وغلبت عليها.
(من لا طمع له في القرص): لشدة الفقر والحاجة.
(ولا عهد له بالشبع): لا يكاد يذكر الشبع، ولا يخطر بباله لقلته وندوره.
(أو أبيت مبطاناً): البطنة: هي الامتلاء من العيش، وفي الحديث: ((البطنة تذهب الفطنة))(4) والمبطان: وصف للمبالغة، وهو: كثير الشبع.
(وحولي بطون غرثى): الغرث: الجوع.
(وبطون(5) حرى): رجل حران وامرأة حرى أي عطشى، والحِرة بالكسر: العطش، ومنه المثل: أشد العطش حرة على قرة، إذا عطش في يوم بارد.
(أو أن أكون كما قال القائل:
__________
(1) ظنن فوقها في (ب) بقوله: ظ: للاستدراك.
(2) في شرح النهج: أو باليمامة.
(3) وهي دون المدينة في وسط الشرق عن مكة على ستة عشر مرحلة من البصرة وعن الكوفة نحوها. (وانظر القاموس المحيط ص1514).
(4) عزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 4/323 إلى كشف الخفاء1/339، والأسرار المرفوعة لعلي القاري 153.
(5) في (ب): وأكباد حرى، و في شرح النهج: أو أكباد حرى.

وحسبك داءً(1) أن تبيت ببطنة

وحولك أكباد تحنُّ إلى القدِّ)

ولنذكر إعرابه وموضع الشاهد منه.
أما إعرابه فهو ظاهر:
أن: في موضع رفع خبر لحسبك(2)، وداءً: نصب على التمييز، وإن رفعت داء على أنه خبر لحسبك، وأن في موضع رفع عطف بيان على داء أو بدل منه.
والقدُّ: جلد تحرقه العرب في الجدب، ويستفون رماده.
وأما موضع الشاهد منه: فإنما أورده تمثلاً به لما له في حالته التي هو عليها من المناسبة والملائمة في الإيثار على نفسه، والمواساة لغيره.
(أأقنع من نفسي بأن يقال: أمير المؤمنين): استفهام فيه معنى التعجب، والمعنى في هذا كيف يطلق عليَّ هذا اللقب، ويضاف إليَّ هذا الاسم، وأتسمى بإمرة المؤمنين والرئاسة لهم، ويأمر رسول الله بتلقيبي(3) به(4)، وكيف أنال هذه الحالة، وأترقى إلى هذه الدرجة العالية.
__________
(1) في شرح النهج: وحسبك عاراً، والبيت ينسب لحاتم الطائي(انظر شرح النهج لابن أبي الحديد16/288)، وهو من أبيات وأولها:
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك

ويا ابنة ذي الجدين والفرس الورد

إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له

أكيلاً فإني لست آكله وحدي

قصياً بعيداً أو قريباً فإنني

أخاف مذمات الأحاديث من بعدي

كفى بك عاراً أن تبيت ببطنة

وحولك أكباد تحن إلى القد

وإني لعبد الضيف ما دام نازلاً

وما من خلالي غيرها شيمة العبد

(راجع المصدر المذكور).
(2) في (أ): بحسبك.
(3) في (ب):بتلقيني.
(4) أخرج الإمام المرشد بالله في الأمالي الخميسية 1/141 بسنده عن بريدة الأسلمي قال: ((أمرنا رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم أن نسلم على علي بن أبي طالب عليه السلام بيا أمير المؤمنين)).

(ولا أشاركهم في مكاره الدهر): يعني وأنا غير مشارك لهم فيما يأتي به الدهر من الحوادث المكروهة، والجملة(1) السلبية في موضع نصب على الحال من الضمير في أقنع، والمعنى أقنع غير مشارك لهم.
(أو أكون(2) أسوة لهم في جشوبة العيش): الأسوة: ما يتأسى به الحزين ويتعزى به، والجشوبة: غلظ العيش وجرزه، والمعنى في هذا كله أني لا أكون أمير المؤمنين وراعياً لهم، ولا يصدق عليَّ إطلاق هذا اللقب إلا مع مشاركتهم في المكاره، والتأسي بهم في غلظ العيش وجشوبته.
(فما خلقت ليشغلن‍ي أكل الطيبات): لأن أكون مشتغلاً بالمأكولات الطيبة، أخضمها وأقضمها وأن أكون:
(كالبهيمة المربوطة همها علفها): لا هم لها سوى أكل ما يؤتى لها به من العلف حيث كانت مربوطة غير مرسلة.
(أو المرسلة): حبلها على غاربها من غير ربط.
(شغلها تقممها): التقمم: جمع البهيمة للمرعى والنبات بمقمتها وهي: شفتها.
سؤال؛ أراه قال في المربوطة: همها علفها، وقال في المرسلة: شغلها تقممها؟
وجوابه؛ هو أنها إذا كانت مربوطة فلا شغل لها تشتغل به، وإنما غايتها هو الهم لما تأكله ولما يوضع بين يديها من الأعلاف والحشائش، فأما إذا كانت مرسلة فهي مشتغلة لا محالة بإصلاح حالها فيما تجده، وتهتدي إليه من رزقها وتأخذه بمقمتها، وتستولي على إحرازه بها.
(تكترش من أعلافها): أي تجمع في الكرش، ومن هاهنا للتبعيض، أي تأخذ ما يكفيها من بعض الأعلاف.
(وتلهو): بالأكل وطلب المتاع لها.
(عما يراد بها): من التكاليف العظيمة، وتحصيل الأعباء المهمة.
__________
(1) في (أ): والجملية.
(2) في (ب): وأن أكون.

(أو أترك سدى): عطفاً على قوله: ليشغلني أكل الطيبات، أي أترك مهملاً من غير هم وشغل(1)، كما قال تعالى: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى}[القيامة:36].
(أو ألهو عابثاً)(2): أو أكون مشتغلاً باللهو من غير حاجة وأرب.
(أو أجر حبل الضلالة): على غير بصيرة من أمري، ولا طريقة رشد.
(أو أعتسف طريق المتاهة!): الاعتساف هو: الأخذ على غير طريق، والمتاهة: هو التحير، والمتاهة: مفعلة من التيه.
(وكأني بقائلكم يقول): عند معرفته بحالي وتحققه بسيرتي في ذلك، وعلمه بمأكلي ومشربي.
(إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب): في الخشونة، ورقة العيش، وهونه وركته.
(فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران): أي حبسه، والقرن: المثل بالكسر، من قولهم: ما يقعدني عنك إلا شغل أي ما يحبسني، وأراد فقد حبسه الهزال والضعف عن أن يقاتل قِرْناً مثله.
(و منازلة الشجعان): المنازلة: من النزول، وذلك يكون في الحرب، وهو أن يقتحم كل واحد عن فرسه، ويتجالدون بالسيوف على الأقدام، قال:
ودعوا نزال فكنت أول نازل

وعلام أركبه إذا لم أنزل

(ألا وإن الشجرة البريَّة): النابتة في البراري.
(أصلب عوداً): الصلابة: القوة، وأراد أن عودها صليب ليس دهساً(3).
(والروائع(4) الخضرة): أي والأشجار الرائعة، يريد المعجبة، من قولهم: راعني الشيء أي أعجبني، ومنه الأروع من الرجال، وغرضه أن المخضرة من الأشجار المعجبة التي يبدو لها رونق وطلاوة، ويظهر لها رواء ونضارة.
(أرق جلوداً): يريد أنها تنخدش بأدنى مس، ويزول رونقها بأدنى تغير.
__________
(1) في (ب): ولا شغل.
(2) في شرح النهج: أو أهمل عابثاً.
(3) الدهس: النبت لم يغلب عليه لون الخضرة. (القاموس المحيط ص705).
(4) في شرح النهج: والرواتع.

(والنابتات العذية(1)): يعني والأشجار النابتة بماء المطر دون غيره من الأمواء.
(أقوى وقوداً): الوَقود بالفتح هو: ما يوقد من حطب وغيره، والوُقود بالضم هو: المصدر.
(وأبطأ خموداً): يريد أن خمودها لا يكاد يذهب؛ لقوتها وصلابة عودها، وأراد من هذا كله بياناً لحاله، وأنه وإن كان على ما ذكر من القوت اليسير وأكل الطعام الخشن، فإن بنية جسمه قوية، وعظامه أقرب إلى الصلابة والشدة، فلا يضرها ذلك، وما ذكر من تنويع الأشجار تمثيل لحاله(2)، وبيان لصفاته في ذلك.
__________
(1) في (ب): الغذية.
(2) في (ب): بحاله.

(وأنا من رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم](1) كالصنو من الصنو(2)): يعني أن منزلته ومكانه من رسول الله مكان الصنو من صنوه في الدنو والمقاربة، فإذا خرج غصنان من أصل واحد فكل واحد منهما صنو، وأراد أنه هو ورسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم غصنان خرجا من أصل واحد، فهو منه بمنزلة الصنو من صنوه من غير مخالفة، وهذا ظاهر فإن عبد الله وأبا طالب لأب وأم أخوين(3)، ثم إن أبا طالب كفل رسول الله بعد جده عبد المطلب ورباه في حجره(4)، فهو بمنزلة الولد له؛ [لأنه ابن أخيه، ولأنه كفله ورباه فهو بمنزلة الولد له](5)، فلهذا قال أمير المؤمنين: إنه من الرسول بمنزلة الصنو من الصنو يشير إلى ما ذكرناه.
(والذراع من العضد): يريد أن الذراع متصل بالعضد لا حاجز بينهما ولا حائل، وهذا يضرب به المثل في شدة الاتصال.
قالت امرأة من العرب ترقص ولدها:
يا بكر بكرين يا خِلْب(6) الكبد

أصبحت مني كذراع من عضد(7)
__________
(1) ما بين المعقوفين زيادة في (ب).
(2) في شرح النهج: كالضوء من الضوء.
(3) وأمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران، من بني مخزوم، وقوله: أخوين، هكذا في النسخ بالنصب، وهو خبر لكان واسمها محذوفين والتقدير: كانا أخوين.
(4) خبر عناية وتربية أبي طالب بن عبد المطلب بعد أبيه عبد المطلب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مشهور، وانظر المصابيح في السيرة لأبي العباس الحسني ص116-127، وسيرة ابن هشام 1/120ـ122 تحقيق عمر محمد عبد الخالق.
(5) ما بين المعقوفين سقط من (ب).
(6) أي يا قطعة من الكبد، من خلب النبات واستخلبه إذا قطعه.
(7) أورده ابن أبي الحديد في شرح النهج 16/290، بدون نسبة لقائله.

(والله لو تظاهرت العرب على قتالي): تظاهروا أي تعاونوا، وصار كل واحد منهم ظهراً للآخر يستند إليه عند الحوادث الكريهة، قال الله تعالى: {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[البقرة:85]، وقال تعالى:{وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً}[التوبة:4]، والمظاهرة: المعاونة.
(لما وليت عنها): فراراً، وذلة وجبناً.
(ولو أمكنت الفرص من رقابها): الفرص:جمع فرصة وهي: النهزة(1)، يقال: فلان ينتهز الفرص أي يغتنمها ولا تفوته، وأراد أني لو تمكنت من رقابها لاغتنمت فرصها.
(لسارعت إليها): من غير تلبث ولا ترتب(2) في حالها، وأراد بذلك من كان من العرب مرتداً عن الدين أو باغياً(3) عليه، مخالفاً بالفسق والخروج والتمرد.
(وسأجهد في أن أطهر الأرض): أطلب الاجتهاد، ولا أوثر عليه شيئاً حتى أنقي وجه الأرض، وأزيل عنه ما يطخيه(4) ويكدره.
(من هذا الشخص المعكوس): يعني معاوية ومن قال بقوله وذهب إلى مذهبه في المخالفة والبغي، وإنما وصفه بالعكس؛ لأن العكس هو: رد الشيء مقلوباً، فإنه كان في أول حاله في أيام الرسول عليه السلام على حالة مستقيمة في الدين، وكان من جملة رواة الحديث، ثم انعكس أمره بعد ذلك بالفسق والبغي والخروج على أمير المؤمنين.
__________
(1) في (ب): النصرة، وهو تحريف.
(2) أي: ولا تثبت.
(3) في (ب): أو باعثاً.
(4) أي يظلمه ويغطي نوره، ومنه الحديث: ((إن للقلب طخاء كطخاء القمر)) أي ما يغشيه من غيم يغطّي نوره. (انظر نهاية ابن الأثير 3/117).

(والجسم المركوس): الركس: القذر، وفي حديث الاستجمار أنه أوتي بروثة فرمى بها وقال: ((إنها ركس))(1)، وأراد الجسم الخبيث من الذين قال الله تعالى فيهم:{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}[المائدة:41].
(حتى تخرج المذرة(2) من بين حب الحصيد): المذرة: الحبة الفاسدة، ومنه بيضة مذرة أي فاسدة، والمذر: الفساد والتغير، والحصيد: المحصودمن الزرع وهو الجيد الذي قد حضر استحصاده، وهو البالغ في الجودة، وأراد حتى يتميز الجيد من الردي والصحيح من الفاسد، والإشارة بما قاله من ذلك إلى تطهر الأرض من أهل الزيغ في العقائد، التاركين لأحكام الدين، والماحين لرسومه وأعلامه.
(إليك عن‍ي يا دنيا): إليك هذه اسم(3) من أسماء الأفعال في معنى الأمر، أي ارجعي عني وابعدي، كما تقول: إليك زيداً أي خذه، وعندك عمراً أي الزمه، وعني متعلق بما دل عليه إليك من الفعل، كما نصب الظاهر في قولك: عليك زيداً وإليك عمراً.
(فحبلك على غاربك): الغارب: من الجمل ما بين السنام والعنق، يقال: فلان حبله على غاربه، استعارة له من إلقاء خطام البعير على غاربه ليذهب حيث شاء، وقولك: حبلك على غاربك، كلمة كانت العرب يطلِّقون بها نساءهم في الجاهلية، والمراد بها اذهبي حيث شئت، ثم شرع في الإسلام الطلاق الصريح، وبقيت هذه كناية إذا نوى بها الطلاق الآن كانت طلاقاً.
__________
(1) نهاية ابن الأثير 2/259، وانظر موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 3/604.
(2) في (ب): المذرا، وأشار في هامشها إلى أنه في نسخة: المذرة، و في شرح النهج: المدرة.
(3) في (ب): إليك هذا الاسم ...إلخ.

(قد انسللت من(1) مخالبك): خلصت وخرجت، والمخالب: جمع مخلب وهو ظُفُرُ البُرْثُن(2) في سباع الوحش كالأسد والنمر، وهو(3) المنقار الذي يخلب به في سباع الطير كالصقر والشاهين، وغير ذلك، فكل واحد منهما مخلب في حقه.
(وأفلت من حبائلك): أفلت بمعنى فلت وتخلص، والحبائل(4): جمع حبالة وهي الشبكة للصيد.
(واجتنبت الذهاب في مداحضك): جانبت المضي والسير في المزالق، ومنه دحضت رجله إذا زلقت وزلت، أخبريني حين أسألك:
(أين القوم(5) الذين غررتهم): الغرر(6): المكر والخديعة.
(بمداعيك!): فيه روايتان:
أحدهما: بالياء بنقطتين من أسفلها، وهوجمع مدعاة إلى اللهو واللعب، وسائر أنواع الطرب.
وثانيهما: بمداعبك بالباء بنقطة من أسفلها جمع مدعبة، وهي الدعابة والمزاح، والمعنى فيهما متقارب.
(أين الأمم الذين فتنتهم بزخارفك!): الفتنة: الاختبار والامتحان، والزخرف: الذهب في الأصل ثم شبه به كل مموه مزور، والمزخرف: المزين، وأراد أن الله تعالى جعلها في حقهم بلوى واختباراً لهم وامتحاناً، فكان سبباً(7) للضلال والهلاك.
(هاهم): ها هذه للتنبيه، مثلها في قولك: هاذاك، كما(8) قال تعالى: {مَا هَذَا بَشَراً}[يوسف:31]، والضمير هاهنا(9) منفصل راجع إلى من(10) تقدم من القرون والأمم.
__________
(1) في نسخة: عن (هامش في ب).
(2) وجمعه البراثن وهي من السباع والطير كالأصابع من الإنسان، (وانظر مختار الصحاح ص45).
(3) هو، سقط من (ب).
(4) في (أ): والحابل.
(5) في شرح النهج: القرون، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(6) في (ب): الغر.
(7) في (ب): سبب.
(8) كما، سقط من (أ).
(9) في (ب): بها هنا.
(10) في (ب): ما.

(رهائن القبور): موثقين بأعمالهم لا يفك رهنهم إلا بأدائها كاملة [عند الله تعالى] (1).
(ومضامين اللحود): قد ألصقوا إليها.
(والله لو كنت شخصاً مرئياً): شبحاً يرى ويدرك بالحاسة الناظرة.
(أو قالباً حسِّياً): القالب بالفتح: ما يطبع على مثاله وحذوه، ومنه قالب النعل، وأراد أنك لو كنت مما يحتذى على مثاله ويحسه الراؤون له.
(لأقمت حدود الله عليك): أراد بالحد التعزير والأدب؛ لأن من(2) يَغِرُّ ويخدع لا يستحق إلا الأدب والتعزير، ويحتمل أن يكون مراده الحد بالقتل؛ لأنها لا محالة قاتلة لمن سبق من الأمم، ملقية لهم في المهالك العظيمة والمتالف المردية.
(في عباد): من خلق الله.
(غررتهم بالأماني): الكاذبة.
(وأمم): الأمة: الجماعة من الناس.
(ألقيتهم في المهاوي): جمع مهواة وهي: الحفرة العميقة يقع فيها الجاهل بها.
(وملوك): من الجبابرة.
(أسلمتهم): من الاستسلام وهو: الانقياد.
(إلى التلف): إلى الهلاك المتلف.
(وأوردتهم موارد البلاء): المورد: الموضع الذي يورد منه الماء، وقد استعاره هاهنا في نقيضه من الهلاك والردى.
(إذ لا ورد ولا صدر!): الورد هو: الوصول إلى الماء، والصدر: هو الصدور عنه بالارتواء، وهو هاهنا كناية عن عدم الحيلة في الأمر، يقال: فلان لا يملك في هذا الأمر ورداً ولا صدراً، هذه إذ معمولة لما قبلها من الفعل، وهو قوله: أسلمتهم إلى التلف وقت لا حيلة لهم ولا تصرف.
(هيهات!): بَعُدَ ما يرجى منك من الخير وفيك لراحته، وبرهان ذلك وعلامته هو أن:
(من وطئ دحضك): الدحض هو: المكان الزلق، وأراد أنه من تمكن منك، وتوطن في حالك(3).
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (ب): ما.
(3) في (ب): حلالك، فلعله من المحلة وهو المكان الذي ينزل به.

(زلق): أي زلت به رجله فلم تثبت ولم تستقر.
(ومن ركب لججك): اللجة هو(1): معظم الماء، وأراد ومن ركب سفن لججك.
(غرق): في بحارك.
(ومن ازوَّر عن حبالك(2)): ازورَّ عن الشيء إذا مال عنه وعدل، وغرضه مال عن الاصطياد بحبالك.
(وفق): للنجاة في أمره وللسعادة في عمله.
(والسالم منك): والذي سلم من خدعك وغرورك، وكان بمعزل عن كذبك وأباطيلك.
(لا يبالي أن ضاق به مُنَاخُه): غير ملتفت على(3) ضيق مجلسه، وضنك موضعه، والمناخ: موضع الإناخة، واستعاره لموضع الاستقرار والكون في الأماكن.
(والدنيا عنده): بالإضافة إليه.
(كيوم حان انسلاخه): مثل يوم قد ذهب أكثره، وصار منسلخاً بورود الليل عليه.
(اغربي عن‍ي!): أي تباعدي بالغين المنقوطة والراء المهملة.
وفي بعض النسخ: (اعزبي): بالعين المهملة، والزاي المنقوطة، وهوتصحيف لا وجه له.
(فوالله لا أذل لك): أخضع وأكون في غاية الهوان لك.
(فتستذلين‍ي): أي فأكون ذليلاً عندك، ونصبه على أنه جواب للنفي في قوله: لا أذل لك.
(ولا أسلس لك القياد): القياد: الحبل الذي يقاد به الحيوان، وأراد ولا أرخيه لك.
(فتقودين‍ي): به عند إرخائه، ولكن أملكه حذراً(4) من ذلك.
(وايم الله): جمع يمين، وقد مر تفسيره.
__________
(1) في (ب): هي.
(2) في (ب) وشرح النهج: حبائلك.
(3) في (ب): عن.
(4) في (ب): حذاراً.

(يميناً أستثن‍ي فيها(1) بمشيئة الله): إشارة إلى قوله تعالى:{وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً}[الكهف:23]، وانتصاب يميناً إما على المصدر(2) كأنه قال: أحلف حلفاً، وإما على التمييز أي وايم الله من الأيمان العظيمة، والمعنى فيه: ولا تقولنَّ قولاً من الأقوال كبيراً كان أو صغيراً إلا متلبساً بمشيئة الله تعالى قائلاً فيه: إن شاء الله، فلهذا قال أمير المؤمنين: أستثني بمشيئة الله، يشير إلى هذا الأدب من الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
(لأروضنَّ(3) نفسي رياضة): لأسوسنَّها سياسة في أكلها وشربها، وقد تقدم رياضتها بالتقوى، فرياضتها في المطعم هو أن:
(تهش معها): الضمير للرياضة، وتهش أي ترتاح، من قولهم: فلان يهش إلى سماع الشعر أي يرتاح له.
(إلى القرص): الواحد من الخبز.
(إن قدرت عليه): بشرط أن تكون قادرة عليه أيضاً.
(مطعوماً): أي طعاماً، وانتصابه على التمييز أي ممَّا تتطعم.
(وتقنع بالملح): أي وتكون قانعة بالملح من غير زيادة إن وجدته أيضاً.
(مأدوماً): أي إداماً، وانتصابه على الوجه الذي ذكرناه في مطعوماً، ويجوز أن يكونا منصوبين على الحال من القرص وبالملح، أي في حال كون القرص مطعوماً، وفي حال كون الملح مأدوماً به.
(ولأ دعنَّ مقلت‍ي): المقلة: عبارة عن شحمة العين الجامعة لسوادها وبياضها.
(كعين ماء): كالعين التي ينبع منها الماء ويستقر فيها.
(نضب معينها): غار ماؤها وذهب، وأراد لأبكِينَّ حتى استفرغ دموعي كلها حتى لا أبقي منها شيئاً من خشية الله، وخوفاً من عذابه.
__________
(1) فيها، زيادة في (ب)، و شرح النهج.
(2) في (ب): المصدرية.
(3) في (ب)، و شرح النهج: لأروضنَّ، كما أثبته، وفي (أ): لأروض.

(مستفرغة دموعها): استفرغ الإناء إذا أذهب(1) ما فيه وصار فارغاً.
(أتمتلئ السائمة من رعيها): السائمة هي: الأنعام التي تهمل على رءوسها(2) من غير راعٍ لها، والرعي هو: النبات المرعي.
(فتبرك): للاستراحة عند الشبع، والبروك إنما هو في الإبل خاصة.
(وتشبع الربيضة): وهي الغنم، برعائها.
(من عشبها): وهو الحشيش.
(فتربض): والربوض للغنم والبقر.
(ويأكل عليُّ من زاده فيهجع!): الهجوع: النوم ليلاً، وأراد ويأكل عليُّ من زاده قرير العين ناعم العيش لذيذ النوم، لا يكدر ذلك مكدر، ولا ينغصه منغص.
(قرَّت إذاً عينه): عما يسوءها ويزيل لذتها.
(إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة): إذا كان متابعاً بعد تكرير السنين والأيام على الرياضة للنفس، وتأديبها على التقوى.
(بالبهيمة الهاملة): وهي المرسلة لترعى ليلاً ونهاراً من غير راعٍ(3) لها، ولا حافظ يكلأها(4) ويحفظها.
(والسائمة المرعية!): والتي هي غير معلوفة.
(طوبى): من الطيب كالكوسى من الكيس، لكن قلبت ياؤها واواً لانضمام ما قبلها، وهي فعلى بضم الفاء، وأراد الطيب حاصل.
(لنفس أدت إلى ربها فرضها): أوصلت إليه ما افترض عليها على الوجه الذي افترضه عليها، وفعلته فعلاً مطابقاً مرضياً.
(وعركت بجنبها بؤسها): البؤس: الضر والشدة يقال: بئس الرجل يبئس بؤساً إذا اشتدت حاجته وفقره، وأراد وقلبت(5) جنبها في المضرة والحاجة تقرباً إلى الله تعالى، وطلباً لثوابه وفوزاً برضاه.
(وهجرت في الليل غمضها): الغمض: قلة النوم، وأراد أزالت نومها في عبادة الله وقياماً بحقه، وداومت على ذلك.
__________
(1) في (ب): ذهب.
(2) في (ب): رأسها.
(3) في (أ): راعيٍ.
(4) في (ب): يكلأوها.
(5) في (ب): قلبت، بغير الواو.

(حتى إذا غلب الكرى): يريد النوم.
(عليها): غشيها واستولى بجنده على حواسها.
(افترشت أرضها): يشير إلى أن الأرض صارت مهاداً لها من غير توطئة فراش، ولا تقرير قاعدة للنوم.
(وتوسدت كفها): لا وساد لها سواها، وغرضه من هذا كله خفة الحال وعدم الرفاهية عند النوم، وفي الحديث: ((أنه عليه السلام كان له فراش من أدم حشوه ليف، طوله ذراعان، وعرضه ذراع وشبر أو نحوه))(1).
(في معشر): جماعة من الناس.
(أسهر عيونهم): أذهب نومها وأزال هجودها.
(ذكر(2) معادهم): ما يذكرون من أمر القيامة، وذكر العودة إلى الله تعالى.
__________
(1) روى قريباً منه الإمام الموفق بالله عليه السلام في الاعتبار ص117 برقم (74) عن أنس قال: دخلت على النبيصلى الله عليه وآله وسلم، وهو في عبأة يهنأ بعيراً له ورداءه صلى الله عليه وآله وسلم أربع أذرع وشبر في ذراع، وضجاعه من أدم حشوه ليف.
(2) في نسخة وشرح النهج: خوف.

(وتجافت جنوبهم عن مضاجعهم(1)): التجافي هو: الارتفاع والتنحي عنها، أعني المضاجع، وهي(2) الفرش ومواضع الاستراحة للنوم، وفي الحديث: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء منادٍ ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل))(3).
وعن أنس بن مالك أن ناساً كانوا من أصحاب رسول الله يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة، [فنزلت فيهم: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ}[السجدة:16]، وقيل: هم الذين يصلون صلاة العشاء الآخرة](4) لا ينامون عنها(5).
(وهمهمت بذكر ربهم شفاههم): الهمهمة: تردد الصوت في الصدر.
(وتقشعت بطول الاستغفار(6) ذنوبهم(7)): قشع السحاب وانقشع إذا زال وتفرق، وأراد أن الله تعالى أزال عنهم الذنوب وقشعها بما كان من جهتهم من العناية، والاستغفار لربهم والتضرع إليه.
__________
(1) في شرح النهج: وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم.
(2) في (ب): وهو.
(3) رواه العلامة الزمخشري رحمه الله في الكشاف 3/518-519 من حديث وبقيته بعد قوله: ((وهم قليل)). ((ثم يرجع فينادي: فليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء، فيقومون وهم قليل، فيسرحون جميعاً إلى الجنة، ثم يحاسب سائر الناس))، وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 1/291 إلى تفسير ابن كثير 6/75، 366، والمطالب العالية لابن حجر رقم(4627).
(4) ما بين المعقوفين سقط من (ب).
(5) الكشاف 3/519.
(6) في (ب) وشرح النهج: استغفارهم.
(7) بعده في شرح النهج: (({أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} فاتق الله يا ابن حنيف ولتكفف أقراصك، ليكون من النار خلاصك)).

(46) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى بعض عماله
(أما بعد، فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين): أطلب تكون ظهراً لي، وأستند إليه على إقامة حدود الله، وتأدية واجباته والقيام بفروضه.
(وأقمع به): قمعه إذا ردَّه وكفَّه عما أراد.
(نخوة): العظمة والتكبر.
(الأثيم): كثير الآثام.
(وأسد به أفواه الثغر المخوفة(1)): الثغر هو: موضع المخافة من فروج المدينة والبلدان، والسد للأفواه من الثغور من باب الاستعارة.
(فاستعن بالله): اطلب منه الإعانة.
(على ما أهمك): من أمور الدين والدنيا.
(واخلط الشدة بضغث من اللين): الضغث: الحزمة الصغيرة من حطب أو حشيش، وفي المثل: إنها لضغث على إبَّالة(2)، قال تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ}[ص:44]، وأراد تأديبه في سيرته بأن يمزج بين لين الأخلاق وشدتها، ولقد أحسن من قال:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له
……

بوادر تحمي صفوه إن يُكَدَرا(3)

(وارفق ما كان الرفق أرفق): يريد أن الرفق إنما يستحسن في مواضع يدريها العاقل، ويتفطن لها الذكي.
(واعتزم بالشدة حين(4) لا تغن‍ي عنك إلا الشدة): عزمت على الشيء واعتزمت عليه إذا قطعت على فعله، وأراد اعتمد على فعل الشدة في المواضع التي لا يقوم غيرها مقامها.
(واخفض للرعية جناحك(5)): أي ضعه عن الارتفاع، من خفض الطائر جناحه إذا كسره للوقوع.
__________
(1) في شرح النهج: وأسد به لهاة الثغر المخوف.
(2) الإبالة: الحزمة من الحشيش والحطب. (وانظر لسان العرب1/8).
(3) لسان العرب 1/174 ونسبه للنابغة.
(4) في (ب): حيث.
(5) بعده في شرح النهج: وابسط لهم وجهك.

(وأَلِنْ لهم جنابك(1)): الجناب هو: الجانب، وغرضه سعة الخاطر واحتمال الأذى عنهم.
(آسِ(2) بينهم في اللحظة والنظرة): اللحظة هي(3): النظرة بمؤخر العين، والنظرة هي: المرة من المقابلة.
(والإشارة): بيدك وعينك، وغير ذلك مما يفهم منه.
(والتحية): أي ولتكن التحية مستوية بينهم من جهتك(4)، كل هذا تفعله معهم:
(كيلا(5) يطمع العظماء في حيفك): في أن تميل معهم.
(ولا ييأس الضعفاء من عدلك): ينقطع رجاؤهم، والمعنى في هذا هو أنه إذا ساوى بينهم فيما ذكر عرف العظماء حقهم، فلا يطمعوا من جهتك بالحيف معهم وإعطائهم أكثر من حقهم، ولا ييأس أهل المسكنة من(6) أن تعدل بينهم فتنقصهم عن حقهم، وقد تقدم هذا في خطبة قد ذكرت.

(47) ومن وصية له عليه السلام للحسن والحسين عليهما السلام لما ضربه ابن مُلْجَم لعنه الله وأخزاه
[بسم الله الرحمن الرحيم] (7)
(أوصيكما بتقوى الله): المراقبة بالإتيان بأوامره، والانكفاف عن مناهيه، وحقيقتها آيلة إلى أنه لا يفقدك حيث أمرك، ولا يجدك حيث نهاك.
(وألاَّ تبغيا(8) الدنيا): تطلباها، وترغبا في تحصيلها، وجمعها وادِّخارها.
(وإن بغتكما): طلبتكما وأرادتكما، فإن طلبكما لها شغل وغرور، وطلبها لكما مكر وبور.
(ولا تأسفا على شيء منها): يشتد حزنكما على أمر من الأمور منها.
(زوي عنكما): قبض وأخفي لمصلحة لا تعلمانها.
(وقولا بالحق): في تعلق الباء وجهان:
__________
(1) في نسخة وفي شرح النهج: جانبك.
(2) في (ب) وشرح النهج: وآس.
(3) في (ب): هو.
(4) من جهتك، سقط من (ب).
(5) في نسخة وشرح النهج: حتى لا.
(6) في (ب): بين.
(7) زيادة في نسخة ذكره في هامش (ب).
(8) في (ب): ولا تبغيا.

أحدهما: أن تكون للآلة كما تقول: كتبت بالقلم، ونجرت بالقَدُوْمِ، وأراد أن يكون الحق آلة في قولهما، حتى لا يمكنهما القول إلا به، كما لا يمكن الكتابة إلا بالقلم.
وثانيهما: أن تكون للحال، ويكون المعنى وقولا ملتبسين(1) بالحق في جميع أحوالكما كلها.
(واعملا للأجر): أي من أجل الأجر، ولا يكون عملكما رياء ولا سمعة، ولا مخالفاً(2) لمراد الله وثوابه.
وفي نسخة أخرى: (واعملا للآخرة): أي من أجل الآخرة وثوابها ونعيمها، كما قال تعالى:{وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ}[الأحزاب:29].
(وكونا للظالم خصيماً(3)): أي ذوي خصام وإنكار، ورداً له عما هو فيه من الظلم.
(وللمظلوم عوناً):أي ذوي عون له على أخذ حقه وإيصاله إليه.
سؤال؛ القياس في قوله: خصيماً وعوناً التثنية لكونهما خبرين عن مثنى، فأراه ترك تثنيتهما هاهنا؟
وجوابه: أما قوله: عوناً؛ فلأنه مصدر، وهو على حذف مضاف، أي ذوي عون، كما تقول: الزيدان رضى والعمران زور، وأما قوله: خصيماً فإنما ترك التثنية فيه؛ لأن فعيلاً وفعولاً مما يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع فيه، قال الله تعالى: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ}[ق:17]، وقوله: {وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}[التحريم:4]، وقوله تعالى: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الشعراء:16].
(أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي): ممن يتوجه عليَّ نصحه، وتجب عليَّ موعظته، وتعريفه بما يجب عليه، من ولد وأهل والإخوان من المسلمين الذين يسمعون كلامي ويبلغهم كتابي هذا.
__________
(1) في (ب): متلبسين.
(2) في (ب): ولا مخالفة.
(3) في شرح النهج وفي نسخة أخرى: خصماً.

(بتقوى الله ونظم أموركم): انتظامها وجمع الشمل فيها.
(وصلاح ذات بينكم): أحوال ما بينكم من المعاملات في المعاوضة والأمانات، وإيفاء الحقوق، والألفة والمحبة والقيام بطاعة الله تعالى في كل الأحوال.
(فإني سمعت جدكما صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إصلاح(1) ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام)))(2): وإنما كان ذلك لأمرين:
أما أولاً: فلأن في إصلاح ذات البين إصلاح القلوب والسرائر، ومتى صلحت كانت هذه الأعمال البدنية أقرب إلى الصلاح والسداد.
وأما ثانياً: فلأن ذات البين عبارة(3) عمَّا ذكرناه من معاملات الخلق فيما بينهم، وما ذكره من الصلاة والصيام معاملة فيما بينهم وبين الخالق، وما هذا حاله فالأمر فيه أخف والحال فيه أسهل، فلأجل هذا كان إصلاح ذات البين أفضل لما ذكرناه.
(الله الله في الأيتام فلا تُغبُّوا أفواههم): الغب: أن ترد الإبل الماء يوماً وتدعه يوماً.
__________
(1) في نسخة وشرح النهج: صلاح.
(2) أخرجه الإمام أبو طالب عليه السلام في أماليه ص128 رقم(98) بسنده عن عبد الله بن جندب عن أبيه، وهو فيه من وصية أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً للحسن والحسين عليهما السلام لما ضربه ابن ملجم لعنه الله، والحديث بلفظ: ((إن صلاح ذات البين أفضل من الصلاة والصيام)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 3/344 وعزاه إلى البداية والنهاية لابن كثير 7/328، وأخرجه الإمام الموفق بالله في الاعتبار ص325 بسنده عن أبي جعفر محمد بن علي “، من وصية أمير المؤمنين أيضاً. (وانظر تخريجه فيه).
(3) عبارة، سقط من (ب).

قال الكسائي: أغببت القوم إذا جئتهم يوماً وتركت يوماً(1)، وعن هذا يقال: زر غباً تزدد حباً، يريدون أنه في الزيارة في كل أسبوع يوماً، وأراد هاهنا إطعامهم كل يوم.
(ولا يضيعوا بحضرتكم): أي وأنتم حاضرون، لا يقع في حقهم تسهيل.
(الله الله في جيرانكم): والجار هو: من يكون بالقرب(2) من دارك.
وحد ذلك: ما قاله الرسول عليه السلام فإنه أمر منادياً ينادي على باب المسجد: ((ألا إن أربعين داراً جار، أربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأومئ إلى أربع جهات)) (3)، وفي الحديث: ((الجيران ثلاثة،: فجار له حقوق ثلاثة: وهو الجار المسلم ذو الرحم، وجار له حقان: وهو الجار المسلم، وجار له حق واحد، وهو الجار المشرك، فله حق الجيرة لا غير))(4).
__________
(1) لسان العرب 2/951.
(2) في (ب): في القرب.
(3) ورد منه قوله: ((إن أربعين داراً جار)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف3/31 وعزاه إلى إتحاف السادة المتقين 6/306، والمعجم الكبير للطبراني19/73، وانظر تصفية القلوب للمؤلف عليه السلام ص404.
(4) الحديث بلفظ: ((الجيران ثلاثة: فجار له حق، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، فصاحب الواحد جار مشرك لا رحم له، فحقه حق الجوار، وصاحب الحقين جار مسلم لا رحم له، وصاحب الثلاثة جار مسلم ذو رحم، وأدنى حق الجوار ألا تؤذي جارك بقتار قدرك، إلا أن تقتدح له منها))، رواه مرفوعاً ابن أبي الحديد في شرح النهج17/10-11 من رواية جابر، وانظر موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 4/516، وتصفية القلوب للمؤلف ص403.

(فإنهم وصية نبيكم): يشير إلى قوله عليه السلام: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرمنَّ جاره))(1)، وقوله عليه السلام: ((إذا رميت كلب جارك فقد آذيته)).
(ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه يورثهم(2)): كما قالعليه السلام: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه))(3)، وفي الحديث: ((لا يؤمن عبد حتى يأمن جاره بوائقه))(4)
__________
(1) رواه في مسند شمس الأخبار 2/176 في الباب (143)، عن أنس (وانظر تخريجه فيه)، ورواه ابن أبي الحديد في شرح النهج 17/8، وللحديث مصادر جمة انظرها في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8/506.
(2) في (ب) وشرح النهج: أنه سيورثهم.
(3) رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج 17/8 من حديث عن عبد الله بن عمر، وأخرجه الإمام أبو طالب في أماليه ص465 رقم(618) بسنده عن أبي أمامة، واللفظ في أوله: ((لم يزل جبريل ...)) الحديث، ورواه القاضي العلامة علي بن حميد القرشي في مسند شمس الأخبار 2/175 الباب (143) عن أبي أمامة (انظر تخريجه فيه)، وللحديث مصادر كثيرة انظرها في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف9/142.
(4) عزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 7/315 إلى مجمع الزوائد للهيثمي 8/75، وإتحاف السادة المتقين 6/306، والترغيب والترهيب للمنذري 1/584، وللحديث شاهد بلفظ: ((والذي نفسي بيده لا يسلم العبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ويأمن جاره بوائقه)) قالوا: يا رسول الله، وما بوائقه؟ قال: ((غشمه وظلمه)) رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج17/18 عن ابن مسعود مرفوعاً، وهو بلفظ: ((الرجل لا يكون مؤمناً حتى يؤمن جاره بوائقه)) رواه من حديث في مسند شمس الأخبار 2/176 (وانظر تخريجه فيه)، ورواه الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام في أصول الأحكام من باب ما تضمن به النفس بلفظ ((لا يكون الرجل مؤمناً حتى يأمن جاره بوائقه)).

.
(الله(1) الله في القرآن): يريد في إقامة حقه وتلاوته حق تلاوته، وتعظيمه، ورفع منزلته.
(لا يسبقكم إلى العمل به غيركم): أراد أن تكونوا أول من دعا إلى امتثال أوامره والانكفاف عن مناهيه، والانزجار بوعيداته كلها، والعمل بمقتضياته.
(الله(2) الله في الصلاة): في المحافظة على أوقاتها والحث عليها وإتمام ركوعها وسجودها، وتمام هيئتها، وفي الحديث: ((مثل الذي لا يتم صلاته كمثل الحامل حملت حتى إذا دنا نفاسها أملصت(3)، فلا هي ذات حمل، ولا هي ذات ولد))(4)، وإليهم الإشارة بقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلّينَ ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ}[الماعون:4-5]، يريد أنهم ينقرونها نقراً من غير خشوع ولا إخبات، ولا استيفاء أركان، يعبث أحدهم بلحيته، ويكثر التثاؤب(5) والالتفات يمنة ويسرة، ولا يخطر على باله تعظيم من يناجيه، ويقوم بين يديه.
(فإنها عمود دينكم): يشير إلى قوله صلى الله عليه وآله: ((الصلاة عماد الدين، فمن هدمها فقد هدم الدين))، وفي حديث آخر: ((لا خير في دين لا صلاة فيه)).
__________
(1) في شرح النهج: والله الله، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(2) في شرح النهج: والله الله، وكذا في نسخة، ذكره في هامش (ب).
(3) أملصت أي أسقطت.
(4) الحديث بلفظ: ((يا علي، مثل الذي لا يتم صلاته كحبلى حبلت، فلما دنا نفاسها أسقطت، فلا هي ذات حمل، ولا هي ذات ولد))، أخرجه من حديث الإمام أبو طالب في أماليه ص308 رقم(295) بسنده عن علي عليه السلام، وانظر موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 9/363، 10/200، وكما في أمالي أبي طالب أخرجه الإمام أحمد بن عيسى في أماليه ص104 بسنده عن علي عليه السلام.
(5) تثاءب وتثأب: أصابه كسل وفترة كفترة النعاس. (القاموس المحيط ص79).

(الله الله في بيت ربكم): يريد الكعبة وكل مسجد فهو بيت الله، ولكنها أشرفها وأعظمها، ولهذا جعلت مثابة للناس وأمناً، ومطافاً للخلق يطوفون حولها تعظيماً لحالها، وتشريفاً لقدرها.
(لا تُخْلُوه ما بقيتم): عن الحج والاعتمار، والتطواف حوله.
(فإنه إن ترك): عن القصد إليه وتعظيمه بالحج والقيام بالمناسك كلها.
(لم تناظروا): في الهلاك وإنزال العذاب عليكم، وفي الحديث: ((إذا ترك هذا البيت أن يؤم لم(1) يناظروا))(2).
(والله الله في الجهاد): الجهد هو: الطاقة، وأراد إبلاغ الطاقة وبذل الوسع في حق الله تعالى.
(بأموالكم): إنفاقها بالصدقات لوجه الله تعالى، أو في إعزاز دين الله ببذلها في الجهاد.
(وأنفسكم): تعريضها للقتل بسبب أن تكون كلمة الله هي العليا.
(وألسنتكم): بقول الحق، ولا تأخذكم في الله لومة لائم؛ بقول الحق ولو على أنفسكم.
(وعليكم بالتواصل): التواصل: تفاعل من المواصلة بالخير والإحسان، وبذل المعروف واصطناعه.
__________
(1) في (ب): لما تناظروا.
(2) هو جزء من حديث أخرجه الإمام زيد بن علي عليهما السلام في المجموع الحديثي والفقهي ص90 برقم (68) بسنده عن أبيه عن جده، عن علي “ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تزال أمتي يكف عنها البلاء ما لم يظهروا خصالاً: عملاً بالربا، وإظهار الرشا، وقطع الأرحام، وقطع الصلاة في جماعة، وترك هذا البيت أن يؤم، فإذا ترك هذا البيت أن يؤم لم يناظروا))، وأخرج هذا الحديث بلفظه الإمام أبو طالب في أماليه ص556 برقم (779) بسنده عن أبي خالد الواسطي رضي الله عنه قال: حدثني زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي"، قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم، فذكر الحديث السابق بلفظه.

(والتباذل): من المباذلة، وهو: أن يبذل كل واحد منكم معروفه لأخيه ما كان قادراً عليه.
(وإياكم والتدابر): من المدابرة وهو: التولي والإعراض عن المواساة والإعانة.
(والتقاطع): يقطع كل واحد أخاه عن معروفه وإحسانه.
(لا تتركوا الأمر بالمعروف): الحظ عليه والحث.
(والنهي عن المنكر): المنع منه بكل ممكن تجدون(1) إليه سبيلاً باللسان واليد والقلب، وفي الحديث: ((القلب إذا لم ينكر المنكر نكس فجعل(2) أعلاه أسفل))(3) يريد إما أنه يصير بمنزلة من لا قلب له لعدم انتفاعه به، وإما أن يريد أن الله تعالى يخذله، فمن أجل خذلانه ينقلب حاله في ذلك، فيصير منكراً للمعروف(4) معترفاً بالمنكر مبالغة في ذلك وزيادة فيه.
(فَيُوَلَّى عليكم شراركم): فَيُوَلَّى إما منصوب؛ لأنه جواب النهي بالفاء، وإما مرفوع على الاستئناف(5) فهو يولي، وغرضه أن الله يسلِّط عليكم شراركم بالقهر والاستيلاء عليكم، والضيم.
(ثم تدعون): بعد ذلك لكشف ما أنتم فيه من البلاء والضر.
(فلا يستجاب لكم): عقوبة على فعلكم ومكأفأة على ما ضيعتموه من تضييع الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
__________
(1) في (ب): بكل ممكن ممن تجدون...إلخ.
(2) في (ب): فيجعل أعلاه أسفله.
(3) أخرج مثله من حديث للإمام علي عليه السلام الإمام زيد بن علي عليهما السلام في المجموع الحديثي والفقهي ص275 برقم (668) والحديث فيه بلفظ: حدثني زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: ((أول ما تغلبون عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأيديكم ثم بألسنتكم، ثم بقلوبكم، فإذا لم ينكر القلب المنكر وتعرَّف المعروف نكس فجعل أعلاه أسفله)).
(4) في (ب): فصير منكر المعروف ومعترفاً بالمنكر.
(5) في (ب): الاستثناء، وهو خطأ.

(يا بن‍ي عبد المطلب): تشهير وإعلان بحالهم.
(لا ألفينَّكم): ألفاه إذا وجده، قال الشاعر:
فألفيته غير مستعتبٍ

ولا ذاكر الله إلا قليلا(1)

(تخوضون دماء المسلمين): تقتلون الجاني وغير الجاني.
(خوضاً): تأكيد ومبالغة في شأنهم في ذلك.
(تقولون: قتل أمير المؤمنين، قتل أمير المؤمنين): يريد تسفكون دماء المسلمين على غير وجهها، وتعتذرون بقتلي، يريد أن الغيظ والحنق والتشفي تحمل على الزيادة في القتل في أقارب القاتل وأهله، حتى لا يبقى منهم مخبر، وهذه كانت عادة العرب قديماً وحديثاً، إذا قتل منهم رئيس المبالغة في قتل قاتله، وإهدار دماء أهله وأقاربه كما كان في قتل بني بكر لكليب، وما فعله فيهم أخوه، فأراد عليه السلام النهي عن ذلك والكف عنه بقوله:
(ألا لا يقتلنَّ(2) بي إلا قاتلي): من غير زيادة في ذلك كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ}[البقرة:178]، وكيف لا يكون ذلك وهو الذي شرع أمثلة العدل ليحتذى عليها وأوضح مسالك الحق ليهتدى إليها.
سؤال؛ أراه قال: (يا بني عبد المطلب) هاهنا، ولم يقل: يا بني هاشم، مع كون هاشم أجمع لكثير من بطون قريش؟
وجوابه؛ هو أن غرضه هاهنا ذكر من يعنيهم القتل، ويلحقهم عاره ويتعلق بهم ثأره، فلا جرم ذكر بني(3) عبد المطلب لما كانوا أقرب رحماً وأكثر تلاصقاً بالرحم الماسة والقرابة الخاصة.
(انظروا إذا أنا مت): تفكروا في الأمر بعد موتي.
__________
(1) لسان العرب 2/675، ونسبه لأبي الأسود الدؤلي.
(2) في شرح النهج: ألا لا تقتلن.
(3) بني، سقط من (أ).

(من ضربته هذه): يحكى أن أمير المؤمنين خرج ليلة لتهجده فضربه ابن ملجم(1) الملعون على قرنه، فجاءه الطبيب فأدخل رية على رأس المجس فخرج دماغه على رأس المجس، فقال الطبيب: يا أمير المؤمنين، اعهد عهدك؟ فإن عدو الله قد بلغ(2)، يريد أنه قد بلغ فيك(3) مبلغه في إنفاد روحك وإهراقه.
(فاضربوه ضربة بضربة): يشير إلى المماثلة في القصاص من غير زيادة في ذلك.
(ولا يمثل(4) بالرجل): في القتل.
وروى ما سمعه عن رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم](5) أنه قال: (((إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور)))(6).
__________
(1) ابن ملجم، سقط من (أ).
(2) الرواية في أمالي أبي طالب ص 127-128 برقم (100) بسنده عن عمر بن تميم وعمرو بن بكار واللفظ فيها: أن علياً عليه السلام لما ضرب جمع له أطباء أهل الكوفة فلم يكن فيهم أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هاني السكوني، وكان متطبباً صاحب كرسي يعالج الجراحات، وكان من الأربعين غلاماً الذين كان خالد بن الوليد أصابهم في بيعة عين التمر فسباهم، وأن أثير لما نظر جرح أمير المؤمنين عليه السلام دعا برية شاة حارة، فاستخرج عرقاً منها فأدخله في الجرح ثم استخرجه فإذا عليه بياض الدماغ، فقال له: يا أمير المؤمنين، اعهد عهدك، فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى أم رأسك. انتهى. وانظر الروضة الندية ص227.
(3) فيك، سقط من (أ).
(4) في شرح النهج: ولا تمثلوا.
(5) زيادة في (ب).
(6) لفظ الجملة من أولها في شرح النهج: (فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ((إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور))).

ويحكى أنه عليه السلام لما رأى عمه حمزة قد مُثِّلَ به يوم أحد، فرآه مبقور(1) البطن قد أُكِلتْ كبده، فقال: ((أما(2) والذي أحلف به لئن أظفرني الله بهم لأمثلنَّ بسبعين فنزلت الآية: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ....}إلى آخرها[النحل:126]))(3).
سؤال؛ كيف جاز قتل الحسن بن علي(4) لابن ملجم لعنه الله قصاصاً، ولأمير المؤمنين يومئذٍ أولاد صغار، ومذهبكم أنه لا يجوز استيفاء القصاص إلا إذا كبروا؟
وجوابه عند أصحابنا من وجهين؛
أما أولا: فلأنه حكموا بردته؛ بقول الرسول عليه السلام: ((أشقى الأولين عاقر ناقة ثمود، وأشقى الآخرين قاتلك يا علي))(5) وأشقى الناس لا يكون إلا كافراً.
__________
(1) في (ب): منقور.
(2) أما، سقط من (ب).
(3) أخرج نحوه المرشد بالله في الأمالي الخميسية 2/187 بسنده يبلغ به إلى ابن عباس قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما فعل بحمزة رضوان الله عليه يوم أحد قال: ((لئن أمكنني الله من قريش لأمثلن بسبعين منهم، فنزلت: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} قال: بل نصبر يا رب)) فلم يمثل ونهى صلى الله عليه وآله وسلم عن المثلة. انتهى.
(4) في (ب): كيف جاز للحسن بن علي قتل ابن ملجم لعنه الله.
(5) الحديث بلفظ: ((أشقى الأولين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين الذي يطعنك يا علي)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 1/543 وعزاه إلى الطبقات الكبرى لابن سعد 3: 1 : 23، وللحديث مصادر كثيرة قد سبق ذكر بعضها في تخريج حديث نحوه، وانظر الروضة الندية للبدر الأمير ص223-225.

وأما ثانياً: فلأنه كان ساعياً في الأرض بالفساد، ولافساد أعظم من قتل أمير المؤمنين، فقتله عندهم إنما كان من جهة هذين الوجهين، لا بالقصاص، والظاهر من كلام أميرالمؤمنين أنه فاسق وليس(1) كافراً، وأن قتله إنما كان على جهة القصاص لا غير.

(48) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى معاوية
(وإن البغي والزور يوتغان المرء في دينه): الإيتاغ: الإهلاك، يقال: فلان يوتغ دينه بالإثم إذا أهلكه.
(ودنياه): أي وهما يهلكان حاله في الدنيا، ويكدران ما هو عليه، وهذان الوصفان يختصان بمعاوية(2) لما هو عليه من المخالفة لأمير المؤمنين، وتزويره في أقواله وأفعاله.
(ويبديان خلله عند من يعيبه): ويظهران نقصه ومعائبه عند من يريد نقصه.
(وقدعلمت أنك غير مدرك ما قُضِيَ(3)): يعني وأنت تعلم قطعاً ويقيناً أنك لا تقدر بالتحيل ولا بالقوة ما قدر الله.
(فواته): منك، وقضي بامتناعه عليك، ولا لك قدرة على تحصيله وإيجاده.
(وقد رام أقوام أمراً بغير الحق): يريد طلب قوم ولاية أمر الأمة(4) بغير حق لهم في ذلك من الله، ولا من جهة رسوله.
(فتأولوا على الله): أول وتأول بمعنى، وهو: صرف الظاهر إلى غير وجهه لوجه ما، وفيه معنيان:
أحدهما: أن يريد أنهم تأولوا القرآن تصديقاً لما قالوه، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء:59]، فقالوا لمن نصبوهم: أنتم أولوا الأمر بنص الله.
__________
(1) في (ب): أنه فاسق لا كافر.
(2) في (أ): معاوية.
(3) في (أ): ما مضى، وما أثبته من (ب)، ومن شرح النهج.
(4) الأمة، سقط من (ب).

وثانيهما: أن يكون غرضه أنهم حلفوا(1) على الله تعالى وتحكمواعليه بالأيمان، وفي الحديث: ((من يتألَّ على الله تعالى يكذِّبْه))(2) أي من يقسم على الله متحكماً لم يصدقه فيما حلف عليه، وخيب مأموله.
(فأكذبهم الله): إما على الوجه الأول فبقوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}[البقرة:124]، وإما على الثاني فبقوله: ((يكذبه الله)).
(فاحذر يوماً): يريد يوم القيامة.
(يغتبط فيه من حَمِدَ(3) عاقبة عمله): الغبطة هي: حسن الحال، أي يحسن حال من كانت عاقبة أعماله فيه محمودة من أهل الدين، والصلاح والخير.
(ويندم): فيه.
(من أمكن الشيطان من قياده): من تمكن الشيطان من جذب زمامه.
(فلم يجاذبه): يملكه عليه ويأخذه من يده مخافة أن يملكه عليه.
(وقد دعوتنا إلى حكم القرآن): أي بما كان منك من الخديعة والمكر بالدعاء إلى كتاب الله تعالى وحكمه.
(ولست من أهله): الضمير إما للقرآن أي لست من أهل القرآن؛ لأن أهله الذين يعملون بأحكامه ويحلون حلاله ويحرمون حرامه، وإما للحكم أي ولست أهلاً لحكمة لمخالفتك له في كل أمورك وأحوالك.
(ولسنا إياك أجبنا): بما كان من كفنا للحرب والمقاتلة، واستئصال الشأفة لك.
(ولكن(4) أجبنا القرآن إلى حكمه): لما دعينا إليه فأجبناه محتكمين(5) لأمره، واقفين عنده.
__________
(1) على هذا الوجه تكون الجملة المشروحة: فتألّوا على الله، من التألي وهو الحلف.
(2) عزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8/610 إلى الدر المنثور للسيوطي2/225، وهو بلفظ: ((من تألَّ على الله أكذبه الله))، رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج 17/12.
(3) في شرح النهج: أحمد.
(4) في شرح النهج: ولكنَّا.
(5) في نسخة: متحكمين (هامش في ب).

(49) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى غيره(1)
(أما بعد؛ فإن الدنيا مشغلة عن غيرها): المشغلة هي: الشغل، وأراد أنها ذات شغل عن الآخرة، فمن كان همه الدنيا لاجرم اشتغل بها عن طلب الآخرة، وإرادتها والعمل لها(2).
(ولم يصب صاحبها منها شيئاً): من لذاتها ونعيمها.
(إلا فتحت له حرصاً عليها): الحرص: أشد الرغبة في الشيء، قال الله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}[يوسف:103].
(ولهجاً بها): ولوعاً وكثرته طلباً لها.
(ولن يستغن‍ي صاحبها مما(3) نال منها عما لم يبلغه منها): يعني أن كل ما لم يدركه الإنسان ولا يناله منها فهو مفتقر إليه، وما قد أحرزه منها لا يكفيه عما لم يدركه.
(ومن وراء ذلك): ما أدركه وما لم يدركه منها.
(فراق ما جمع): من حطامها ومتاعها.
(ونقض ما أبرم): ما أحكمه من أموره وأتقنه بالموت وذهابه عنه، وانقطاعه عن يده وانفلاته عنه.
(ولو اعتبرت بمن مضى): من الأمم الماضية، والقرون الخالية كيف تفرق ما جمعوه، وبطل عنهم ما توهموه، من إخلادهم إلى الدنيا، وانقطاعهم إليها.
(حفظت ما بقي): من عمرك وتداركته في فعل الأعمال الصالحة وإحرازها، أو يريد لو اتعظت بمن مضى؛ لكنت أحفظ على ما بقي في الاتعاظ والانزجار به.

(50) ومن كتاب له [عليه السلام](4) إل‍ى أمرائه على الجيوش
[بسم الله الرحمن الرحيم](5)
(من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أصحاب المسالح): المسالح: جمع مسلحة وهي: الثغر والمرقب، قال الشاعر:
بكل قياد مسنِفة عنود
__________
(1) في شرح النهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية أيضاً.
(2) في (ب): بها.
(3) في شرح النهج: بما نال فيها.
(4) زيادة في شرح النهج.
(5) زيادة في نسخة ذكره في هامش (ب).

أضرَّبها المسالح والغِوار(1)

والمسنفة: بكسر النون هي: الفرس التي تتقدم(2) الخيل في سيرها، وبفتحها: الناقة التي يُشَدُّ عليها بالسِناف وهو: الحبل.
(أما بعد؛ فإن حقاً على الوالي أن لا يغيِّره على رعيته فضل ناله): أراد أن الحق الواجب لله تعالى على من تولى أمر هذه الأمة وتصرف عليهم، أن الله تعالى إذا خصه بفضل وأعطاه كرامة من عنده لم يتغير عمَّا كان عليه قبل ذلك، من التواضع والرفق والنصيحة.
(ولا طَوْلٌ خُصَّ به): أي ولا يغيره ما خصه الله به من الكرم والطَّوْل، عن أن يزيده ذلك رفقاً وتواضعاً لهم.
(وأن يزيده ما قسم الله له من نِعَمِهِ): وأن يكون ما أمده الله به من النعم وخوله من العطاء.
(دُنُوّاً من عباده): قرباً منهم.
(وعطفاً على إخوانه): عوداً عليهم بالمصلحة، ورجوعاً عليهم بالمنفعة، من قولهم: عطفت الناقة على بوِّها(3) إذا رجعت عليه بالإرامة(4).
(ألا وإن لكم عندي): المتوجه من حقكم، والواجب علي لله من أجلكم.
(ألاّ أحتجز دونكم سراً): أي لا أمنعه بل أفضيه إليكم وأطلعكم عليه.
(إلا في حرب): إلا ما كان مصلحة في تدبير الحرب، ومصالح الجيوش، فإنه لا ينبغي إفضاؤه إلى كل أحد؛ لما في ذلك من المصلحة في الأمر العام وهو الجهاد.
__________
(1) لسان العرب 2/179 ونسبه لبشر، والغِوار بكسر الغين أي كثرة الغارات بها.
(2) في (أ): الذي يتقدم.
(3) البوُّ: ولد الناقة ساعة أن تضعه أو إلى أن يفصل عن أمه، وفي (ب): على ولدها.
(4) رئمت الناقة ولدها ترأمه رأماً ورأماناً عطفت عليه ولزمته، والناقة رؤوم ورائمة ورائم: عاطفة على ولدها، وأرأمها عليه: عطفها فترأمت هي عليه تعطفت، ورأمها ولدها الذي ترأم عليه. (انظر لسان العرب 1/1091).

(ولا أطوي دونكم أمراً): أسرُّه، ويكون مطوياً لا يعلم بحاله.
(إلا في حكم): فإن إخفاءه مصلحة لما يرجع إلى الخصومة والتنازع فيها، وفي هذا دلالة على أن الحاكم لا ينبغي منه أن يكون مفتياً، وإنما يحكم في القضية بما أداه إليه رأيه فيها.
(ولا أؤخر لكم حقاً(1) عن محله): محل الدين: أجله، ومحل الهدي: موضعه الذي يُنْحَرُ فيه، وأراد لا أؤخره عن موضعه الذي يستقر فيه .
(ولا أقف به(2) دون منقطعه): يعني ولا أقطعه قبل وقت انقطاعه، وغرضه من هذا كله الوفاء بما يجب الوفاء به من حقوقهم، وإتمامها وإكمالها لهم.
(وأن تكونوا عندي في الحق سواء): لا فضل لأحدكم على الآخر في ذلك، ضعيفاً كان أو قوياً.
(فإذا فعلت ذلك): من نفسي لكم والتزمته.
(وجبت لله عليكم النعمة): بما هداكم إليه من الأحكام، وتعليمكم ما لا تعلمون من سنن من كان قبلكم.
(ولي عليكم الطاعة): بما وفيت به من الحقوق لكم.
(وألاَّ تنكصوا عن دعوة): ترجعوا على أعقابكم عند دعائي لكم، وتتأخروا عن مرادي.
(ولا تفرطوا في صلاح): تهاونوا في إصلاح حال تقدرون على إصلاحه وتتحققون وجوبه عليكم.
(وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق): الغمرات: جمع غمرة وهي: الماء الكثير، وأراد أنكم تجاوزا في الوصول إلى الحق الأمور الصعبة والأهوال العظيمة.
(فإن أنتم لم تستقيموا لي(3) على ذلك): الذي أشرت إليه من امتثال الأمر(4) والمناصحة في كل شيء.
(لم يكن أحد أهون عليَّ ممن اعوجَّ منكم): أراد أنه قد بلغ في الهوان كل غاية من أجل اعوجاجه عن الاستقامة على ما قلته والميل عنه.
__________
(1) في (ب): أمراً.
(2) في نسخة: بكم (هامش في ب).
(3) لي، زيادة في (ب)، وفي شرح النهج.
(4) في (ب): الأوامر.

(ثم أعظم له العقوبة(1)): التعزير البالغ والإهانة العظيمة، وفي هذا دلالة على جواز التعزير عند مخالفة الإمام لما يأمر به من أوامر الدين ومصالح الشرع.
(ولا يجد عندي فيها رخصة): أي ولا أتركها طلباً للرخصة في ذلك.
(فخذوا هذا من أمرائكم): أي الذي أشرت إليه ممن كان أميراً عليكم فهو حق واجب عليهم لكم.
(وأعطوهم من أنفسكم): ما فرض الله عليكم من طاعتهم، والامتثال لما أمروا به، وهو:
(ما يصلح الله به أمركم(2)): في الدين وجهاد أعداء الإسلام.

(51) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى عماله على الخراج
(من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أصحاب الخراج): والخراج: هو عبارة عما يؤخذ على هذه الأراضي التي تجعل في يدي أهلها على خراج يؤدونه، افتتحها عمر وجعلها على هذه الصفة(3)، وهي سواد العراق، وهي ما بين عُبَّادان إلى الموصل في الطول، وما بين القادسية إلى حلوان في العرض(4)، واستمر ذلك بعد عمر فلم يغيره أمير المؤمنين.
(أما بعد؛ فإن من لم يحذر ما هو صائر إليه): من الأهوال العظيمة كالموت والقبر والإفضاء إلى القيامة، وغير ذلك من الفجائع.
(لم يقدِّم لنفسه ما يحرزها): عن هذه المخافات؛ لأنه إذا كان آمناً لها لم تخطر له على بال ولا هو في شيء منها.
(واعلموا أن ما كلفتم يسير): بالإضافة إلى نعم الله تعالى عليكم، وبالإضافة إلى ما يستحقه من التعظيم.
(وأن ثوابه): الذي جعله الله جزاء عليه.
(كثير): بغير نهاية لا يعلم حاله إلا الله.
__________
(1) في (ب): في العقوبة.
(2) بعده في نسخة وشرح النهج: والسلام.
(3) انظر عن الخراج وكيفية وضعه الاعتصام 2/293-294 للإمام القاسم بن محمدعليه السلام.
(4) انظر المصدر السابق 2/294.

(ولو لم يكن فيما نهى الله عنه من البغي والعدوان عقاب يخاف): يريد لو فرضنا فرضاً على جهة التقدير أنه لا يستحق في مقابلة هذه المناهي من البغي والعدوان شيء من العقوبات المخوفة.
(لكان في ثواب اجتنابه ما لا عذر في ترك طلبه): لكان ما وعد الله على اجتنابه من الثواب العظيم ما لا يعذر أحد في ترك طلبه، فكيف به وقد أوعد عليه هذه العقوبات العظيمة، وفي كلامه هذا دلالة على أن لطلب النفع موقعاً عظيماً في النفوس لا يخفى حاله،وينبغي المواظبة على تحصيله،وتشير إليه العقول، ويدل على أن توقي الضرر أدخل في الاجتناب من طلب النفع لا محالة، ولهذا لو لم(1) يكن في ذلك إلا فوات النفع فكيف بحاله وقد اختص بضرر عظيم لا يقوم له شيء، فهو بالانكفاف لا محالة أحق.
(فأنصفوا الناس): حقوقهم.
(من أنفسكم): وأعطوهم إياها سمحة من جهتكم.
(واصبروا لحوائجهم): أي من أجل قضائها وإنفاذها.
(فإنكم خزان الرعية): تحفظون ما أعطوكم من أموالهم.
(ووكلاء الأمة): يشير إلى العامل على الصدقة هو وكيل صاحب المال، وأمينه على ما دفعه إليه، ولهذا فإن القول هو قوله على ما دفعه إليه.
(وسفراء الأئمة): الذين يختلفون بين الإمام ورعيته، ويسفرون في حوائجهم فيأخذون من الرعية ما أعطوهم، ثم يؤدونه إلى الإمام.
(ولا تحسموا أحداً عن حاجته): بالسين منقوطة من أسفلها، أي لا تقطعوه بما يشغله عنها، وفيه رواية أخرى: بالشين المنقوطة من أعلاها(2) أي ولا تغضبوه ولا تؤذوه عن حاجته.
(ولا تحبسوه عن طَلِبَتِهِ): الطلبة: ما يطلب، أي ولا تمنعوه عن إدراك مطلوبه وإحرازه.
__________
(1) لم، سقط من (ب).
(2) أي: ولا تحشموا.

(ولا تبيعنَّ للناس(1) في الخراج): لا تكلفوهم إذا طلبتم منهم الخراج.
(كسوة شتاء): يتوقون به البرد عند شدته.
(ولا صيف): ولا ما يتوقون به الحر عند فورته.
(ولا دابة يعتملون عليها): كالبقر للحرث والزراعة، والإبل للحمل، والدواب التي للاعتمال والاضطراب، فأما ما عدا ذلك من الدواب كالخيل(2) والسوائم، وغير ذلك مما لا مضرة عليهم في بيعه فيؤخذ منه.
(ولا عبداً): للخدمة يضر بصاحبه فقده.
(ولا تضربنَّ أحداً سوطاً لمكان درهم): حاصل كلامه هذا أن طلب الخراج فيه سهولة من جهة الشرع ورفاهية لما ذكره من هذه الآداب، وتقرير هذه الوظائف، ولكن إن أعطى صاحب الخراج قُبِلَ منه وإلا فضربه حرام، لا يحل لمكان آدائه .
__________
(1) في شرح النهج: الناس.
(2) في (ب): فأما عدا ذلك كالخيل والسوائم ...إلخ.

(ولا تمسنَّ مال أحد من الناس): لما ورد عن الرسول: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه))(1).
(مصلٍ ولا معاهد): من أهل الصلاة والإسلام فإنه قد أحرز ماله بإسلامه، ولا معاهد من أهل الذمة كاليهود والنصارى، فإن هؤلاء لا يحل شيء من أموالهم لأحد.
(إلا أن تجدوا فرساً أو سلاحاً): في أيدي البغاة عند قتالهم، ولهذا قال:
(يعدى به على أهل الإسلام): يتعدى عليهم بالقتال به، ويبغي عليهم:
(فإنه لا ينبغي للمسلم(2) أن يدع ذلك في أيدي أعداء الإسلام): فيكون سبباً للقوة والاستظهار على المسلمين، ولا يُتْرَكُ في أيديهم.
(فيكون(3) شوكة عليه): أي قوة.
__________
(1) رواه الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام في أصول الأحكام في باب من يقتل حداً، ورواه القاضي العلامة علي بن حميد القرشي في مسند شمس الأخبار 2/262-263 الباب (163) وعزاه إلى أمالي أبي طالب، وقال العلامة الجلال في تخريجه: أخرجه أبو داود، والبيهقي في الشعب، وابن قانع، وأبو نعيم، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه حرة الرقاشي، وعبد الرزاق، عن الحسن مرسلاً بلفظه. انتهى، قلت: وهو بلفظ: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 7/363 وعزاه إلى السنن الكبرى للبيهقي 6/100، 8/182، وسنن الدارقطني3/26، ومجمع الزوائد للهيثمي4/172، وتلخيص الحبير لابن حجر3/45، والتمهيد لابن عبد البر1/202، وكنز العمال برقم (397)، وكشف الخفاء2/96، قلت: ورواه السيد العلامة أحمد بن يوسف زبارة في أنوار التمام 4/519.
(2) في (ب): لمسلم.
(3) في (ب): فيكون ذلك ...إلخ.

(ولا تدِّخروا أنفسكم نصيحة): ولكن ابذلوها لله تعالى(1) ولرسوله، وللأئمة ولسائر المسلمين، فالدين هو النصيحة.
(ولا الجند حسن سيرة): أي ولا تكتموا الجند تعليم حسن السيرة.
(ولا الرعية معونة): أي وأعينوا الرعية بما أمكن في أمورهم.
(ولا دين الله قوة): ولا تتدخروا عنه ما يكون قوة في حاله.
(وأبلوا في سبيل الله): أي أعطوا، من قولهم: أبلاه الله بلاءً حسناً إذا أعطاه، ومنه قولهم: أبليته معروفاً أي أعطيته.
(ما استوجب عليكم): ما طلب وجوب الإعطاء فيه، وهي الأمور المفروضة في الأموال، وقد عرفها وأعلم بها.
(فإن الله سبحانه قد اصطنع عندنا وعندكم): أي وضع صنائع ونعماً عندنا وعندكم، يعني معاشر الأئمة بما فضلهم، وأوجب طاعتهم، ومعاشر الرعية بما رزقهم، وأعطاهم من الخيرات.
(أن نشكره بجهدنا): أي من أجل أن نؤدي شكره على حد طاقتنا.
(وأن ننصره ما بلغت قوتنا): ننصر دينه مقدار القوة في ذلك.
(ولا قوة): لنا على ذلك الذي أوجبه علينا.
(إلا بالله): بتقوية الله لنا، وإعانته ولطفه بنا.
(العلي): المتعالي بنعمه، أو المتعالي عن شبه الممكنات بذاته.
(العظيم): فلا يمكن وصفه، أو لا يمكن بلوغ غاية شكر نعمه [جلّ وعلا](2).

(52) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى أمراء البلاد في معنى(3) الصلاة
وإنما فعل ذلك ليعلم أنه لم يبق شيئاً من معالم الدين إلا أوضحه، ولا طريقاً في تعليم الخير إلا سلكه، ولقد أبان لمن تحقق وأبصر، ورمز إلى المواعظ لمن اتعظ واعتبر.
__________
(1) تعالى، زيادة في (ب).
(2) زيادة في (ب).
(3) معنى، زيادة في (ب) وشرح النهج.

(أما بعد؛ فصلوا بالناس الظهر حين تفيء الشمس مثل مربض العنز): اعلم أن المعتمد في تقرير الوقت المشروع للصلاة، ما رواه ابن عباس عن الرسول أنه قال: ((أمَّني جبريل عند باب البيت مرتين، فصلَّى بي الظهر حين زالت الشمس، وصلَّى بي العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، وصلَّى بي المغرب حين أفطر الصَّائم، وصلَّى بي العشاء حين غاب الشَّفق الأحمر ، وصلَّى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، ثم عاد فصلَّى بي الظهر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، وصلَّى بي العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثليه، وصلَّى بي المغرب كصلاتي بالأمس، وصلَّى بي العشاء حين ذهب ثلث الليل، وصلَّى بي الصبح حتى كاد حاجب الشمس يطلع، ثم قال: يا محمَّد، الوقت ما بين هذين الوقتين(1)
__________
(1) الوقتين، زيادة في (ب)، والحديث أورده الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الاعتصام 1/321 وعزاه إلى المنتخب للإمام الهادي عليه السلام حيث قال ما لفظه: وفي المنتخب: أجمعوا جميعاً يعني المحدثين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ذكر الخبر المذكور في المنتخب وهو فيه باختلاف في بعض لفظه عما هنا، والمعنى واحد، واللفظ في آخره: ((ثم التفت إليَّ جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، الوقت فيما بين هذين الوقتين))، قال الإمام القاسم: قال -أي الهادي في المنتخب: وروى هذا الحديث من أهل العراق أبو بكر بن أبي شيبة وغيره، ورواه عبد الرزاق عن سفيان الثوري، وابن أبي سبرة عن عبد الرحمن بن الحارث قال: حدثني حكيم بن حكم عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم...الخبر -يعني المتقدم المذكور في المنتخب- قال الهادي: وقد جاء هذا الحديث من وجوه شتى لم نذكرها لئلا يطول الكلام. انتهى كلام الهادي عليه السلام في المنتخب. ثم ساق الإمام القاسم رواية أخرى للخبر وعزاها إلى شرح التجريد للمؤيد بالله عليه السلام بسنده عن ابن عباس وذكر مخرجيها من أصحاب الحديث. انتهى. (انظر المصدر المذكور 1/321-325، وانظر سيرة ابن هشام 1/160، تحقيق عمر محمد عبد الخالق).

)) فهذه هي الأوقات المشروعة من جهة الرسول للصلاة.
فأما أمير المؤمنين فقد اختار هاهنا أموراً على قدر المصلحة نذكرها ونظهر وجهها، فبدأ بالظهر تأسياً بجبريل، فقدَّر فيها رجوع الشمس مثل مربض العنز في ناحية المشرق(1)، فاختار إدخال نصف الذراع في الوقت، ووجهه ما ورد عن الرسول: ((أبردوا عن الصلاة بالظهر، فإن شدة الحرِّ من فيح جهنم))(2)، فالإبراد سنة على هذا خاصة في الحجاز، فإن الحرِّ فيه شديد.
(وصلوا بهم العصر والشمس بيضاء): ليس فيها اصفرار.
(حية): لم يضعف ضوؤها.
(في عضو من النهار): أي في بعض كثير منه.
(حين يسار فيه(3) فرسخان): [ستة أميال](4) يأتي نصف بريد؛ لأن البريد أربعة فراسخ، والفرسخ: ثلاثة أميال، فيأتي الفرسخان ستة أميال من اثني عشر، وهي البريد، فكلامه في العصر يدل على بعض تأخر ليس بالكثير.
__________
(1) في (ب): الشرق.
(2) الحديث بلفظ: ((إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة)) في الاعتصام للإمام القاسم بن محمد عليه السلام 1/333 وعزاه إلى البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي عن أبي ذر رحمه الله، وهو بلفظ: ((أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 1/33، وعزاه إلى سنن ابن ماجة (679)، والكامل لابن عدي4/1335، وبلفظ: ((أبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم)) وعزاه إلى البخاري 1/142، ومسلم في المساجد (181) وللحديث شواهد عدة وروايات مختلفة انظرها ومصادرها في الموسوعة.
(3) في نسخة وشرح النهج: فيها.
(4) ما بين المعقوفين زيادة في (ب).

(وصلوا بهم المغرب حين يفطر الصائم): يعني حين تغيب الشمس، ولا خلاف أن وقت وجوبها متعلق بغروب الشمس، ولكن الخلاف إنما هو في أمارة(1) الغروب.
(ويدفع الحاج(2)): يسير(3) من عرفة إلى مزدلفة، فإنه أيضاً يتعلق بالغروب.
(وصلوا بهم العشاء حين يتوارى الشفق): يريد الأحمر.
(إلى ثلث الليل): يشير إلى أن وقت اختيارها إلى ثلث الليل.
(وصلوا بهم الغداة): يعني صلاة الصبح.
(والرجل يعرف وجه(4) صاحبه): يشير إلى أن الإسفار(5) هو المستحب، كما ورد عن الرسول(6) صلى الله عليه وآله وسلم: ((أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر))(7)، وقد ورد أنه كان في آخر عمره [يداوم](8) على التغليس بها، ثم لأصحابنا وللفقهاء في هذه الأوقات اضطراب عظيم، وليس من همنا ذكره.
(وصلوا بهم صلاة أضعفهم): يريد في صلاة الجماعة، كما جاء عن الرسول:((صلوا بهم صلاة أضعفهم))(9).
__________
(1) في (ب): أمارات.
(2) في شرح النهج: ويدفع الحاج إلى منى.
(3) في (أ): يشير.
(4) وجه، سقط من (ب).
(5) أسفر الصبح: أضاء وانكشف.
(6) في (ب): عن النبي.
(7) رواه ابن الأثير في النهاية 2/372 وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف1/521 إلى سنن الترمذي (154)، وسنن النسائي (المجتبى) 1/272، ومسند أحمد بن حنبل 4/142،143، 5/429، والسنن الكبرى للبيهقي 1/457، والمعجم الكبير للطبراني 4/295، ومصنف ابن أبي شيبة1/320، إلى مصادر أخرى انظرها هناك..
(8) زيادة من هامش في (ب) حيث أثبتها هناك، وظنن عليها بقوله: ظ.
(9) الحديث بلفظ: ((صل بهم صلاة أضعفهم)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/533 وعزاه إلى الكنز العمال برقم (22872)، والمطالب العالية لابن حجر423، والطبقات الكبرى لابن سعد7/27.

(ولا تكونوا فتانين): تفتنون الناس بإطالة الصلاة عليهم جماعة، والفتنة: البلوى، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ}[الدخان:17].

(53) ومن عهد [له عليه السلام](1) كتبه للأشتر النخعي حين ولاه مصر وأعمالها، لما اضطرب أمرمحمد بن أبي بكر رضي الله عنه وهو أطول عهد كتبه، وأجمعه للمحاسن
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين): اسم الله مكتوب في صدر كل كتاب من كتبه، وكل وصية من وصاياه، ولكنها أسقطت لما كانت مجموعة في كتاب واحد، وكيف لا وهو أحق الناس بالعمل على السُّنة وملاحظة أدبها.
(مالك بن الحارث الأشتر): يحتمل أن يكون تلقيبه بالأشتر؛ لانقلاب جفن عينه، ويحتمل أن يكون ذلك أخذاً له من لقب الديك، فإنه يسمى أشتر، وإنما لقب بذلك وصفاً له بالشجاعة، وتشبيهاً(2) له في لقط الرجال في الحرب (3) بالديك في لقط الحبوب وانتقائها.
ويحكى أن الطرمِّاح دخل يوماً على معاوية، وكان من أصحاب أمير المؤمنين، فقال له معاوية: قل لابن أبي طالب: إني قد جمعت من العساكر بعدد حبات جاورس(4) الكوفة، وها أنا قاصده، فقال له الطرمِّاح: إن لعلي ديكاً أشتر يلتقط جميع ذلك، فانكسر معاوية لكلامه(5).
__________
(1) زيادة في (ب) وشرح النهج.
(2) في (ب): تشبيهاً، بغير الواو.
(3) في (ب): بالحرب.
(4) الجاورس: هو حب الدخن. تمت من الجوهري (هامش في (أ)، و(ب)، ونسخة أخرى) فلعله تفسير من المؤلف.
(5) أعلام نهج البلاغة -خ- للشريف علي بن ناصر الحسيني، وشرح نهج البلاغة لميثم بن علي البحراني 5/127، منشورات دار الثقلين بيروت - لبنان (ط1 سنة1420ه‍- 1999م) والرواية فيه مع اختلاف يسير.

(في عهده إليه حين ولاَّه مصر): جعله أميراً فيها ووالياً على أمورها.
(جبوة(1) خراجها): الجبوة والجباوة هو: أخذ الخراج، والواو فيهما على غير قياس، والوجه فيهما الياء.
(وجهاد عدوها): من كان معادياً لها.
(واستصلاح أهلها): القيام فيهم بما يصلحهم في أمور الدين والدنيا.
(وعمارة بلادها): بالعدل فيهم والسيرة الحسنة.
(أمره بتقوى الله): اتَّقاه في ملاحظة أمره ونهيه.
(وإيثار طاعته): آثرته بكذا إذا جعلته أحق به، وأراد إيثارها على كل شيء من الأعمال.
(واتباع ما أمر به): فعله والاحتكام له.
(في كتابه من فرائضه وسننه): مما أوعد على تركه بالعقاب، وهو الفرض، وما لم يكن حاله كذلك وهو عبارة عن السنة، والفرض والواجب أمر واحد، ومن خالف في ذلك فخلافه متعلق بالعبارة لا غير.
(الذي(2) لا يَسْعَدُ أحد إلا باتِّباعها): امتثالها والإتيان بها، والسعادة هي: إحراز الجنة.
(ولا يشقى أحد إلا مع جحودها): إنكارها.
(وإضاعتها): إهمالها واطّراحها، والشقاوة: الخسارة بالوقوع في النار.
(وأن ينصر الله بيده): في تغيير المنكر.
(وقلبه): بأن يكون كارهاً له.
(ولسانه): بالنهي عنه والذم لمن فعله.
(فإنه جلَّ اسمه قد تكفَّل بنصر(3) من نصره): حيث قال تعالى(4): {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ}[الحج:40].
(وإعزاز من أعزَّه): برفع درجته، وإعلاء كلمته وإنفاذها.
(وأمره أن يكسر نفسه(5) عند الشهوات): كسرالنفس: وضعها عن العلو وإنزالها عند(6) السمو، ومخالفتها في كل ما تريده وتهواه.
__________
(1) في شرح النهج: جباية.
(2) في نسخة وشرح النهج: التي.
(3) في نسخة: بنصرة (هامش في ب).
(4) تعالى، سقط من (ب).
(5) في نسخة وشرح النهج: من نفسه.
(6) في (ب): عن.

(ونزعها عند الجمحات(1)): كفَّها عند تقحمها والوثبات لها على ما يهلكها، ثم تلا قوله تعالى: (ف‍{إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ})[يوسف:53]: في جميع حالاتها.
({إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي})[يوسف:53]: بالتدارك بالألطاف الخفية، والحماية عن الشر بالتوفيقات المصلحية.
واعلم: أن رياضة النفس هي من أهم المقاصد، وأجل المطالب بتصفيتها عن الأخلاق المذمومة؛ لتكون واصلة إلى سعادة الأبد، ونعيم السرمد.
(ثم اعلم يا مالك): ناداه باسمه على جهة الملاطفة.
(أني قد وجهتك إلى بلاد): مصر وأعمالها.
(قد جرت على أهلها دول قبلك): الدول: جمع دولة بالفتح، وهي: ما يتداوله(2) الناس بينهم مرة لهذا ومرة لذاك.
(من عدل وجور): يريد من استقامة طرقهم في العدل، واعوجاجها في الجور.
(وأن الناس ينظرون من أمورك): أفعالك وأحوالك كلها.
(في مثل ما كنت تنظر فيه من أمر(3) الولاة قبلك): من المعاملة وحسن السيرة، وطيب المعاشرة، وغير ذلك من الأحوال.
(ويقولون فيك ما كنت تقوله فيهم): من الثناء الحسن أو خلافه.
__________
(1) في شرح النهج: وينزعها عند الجمحات، فإن النفس أمارة بالسوء.
(2) في (أ): ما تداوله.
(3) أمر، سقط من (ب)، وفي شرح النهج: أمور.

(فإنما(1) يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسنة(2) عباده): من الثناء الحسن والذكر الجميل، وفي الحديث: ((لو أطيع الله من وراء سبعين باباً لأظهره الله))(3) وهكذا حال المعصية.
(فليكن أحب الذخائر إليك): الذخيرة: واحدة الذخائر، وهو(4): ما يخبأ.
(العمل الصالح(5)): إما الذي أصلح حال صاحبه في القيامة، أو(6) الصالح الذي يصلح للقبول عند الله تعالى.
(فاملك هواك): أراد لا تكون سيقة له، ولا يكون مالكاً لك فتهلك.
(وشُحَّ بنفسك عمَّا لا يحل لك): أراد اقبضها عن فعل ما لا يحل فعله، ولا تبذلها فيه.
(فإن الشح بالنفس): وهو منعها.
(الإنصاف منها فيما أحبت و(7)كرهت): أراد أنك إذا ملكتها وشححت عليها فقد انتصفت منها في مرادها ومكروهها.
(وأشعر قلبك الرحمة للرعية): اجعل الرحمة شعاراً له تلاصقه في حالاته كلها.
(والمحبة لهم): الشفقة والحنو عليهم.
(واللطف بهم): في جميع أمورهم.
(ولا تكوننَّ عليهم سَبُعاً ضارياً): في معاملتك لهم، التي من طبعها(8) العداوة والافتراس.
__________
(1) في شرح النهج: وإنما.
(2) في شرح النهج: ألسن.
(3) له شاهد رواه من حديث طويل عن أنس بن مالك، القاضي العلامة علي بن حميد القرشي رحمه الله في مسند شمس الأخبار 1/392 الباب (66)، ولفظ الشاهد فيه: ((ولو أن عبداً اتقى الله في بيت في جوف بيت إلى سبعين بيتاً، على كل بيت باب من حديد، لألبسه الله رداء عمله، حتى يتحدث به الناس وحتى يزيدوا))، وقال العلامة الجلال في تخريجه: أخرجه الحاكم في تأريخه عن أنس. انتهى.
(4) في (ب): وهي.
(5) في شرح النهج: ذخيرة العمل الصالح.
(6) في (ب): وإما.
(7) في شرح النهج: أو.
(8) أي السباع.

(تغتنم أكلهم): تجعل أكلهم بمنزلة الغنيمة التي لا تبعة(1) في أخذها.
(فإنهم صنفان): يريد على تفاوت أخلاقهم وبيان طرقهم، لا ينفكون عن نوعين:
(إما أخ لك في الدين): وإن كانت رتبتك فوق رتبته، فأنتما سواء من جهة الأخوة في الدين.
(وإما نظير لك في الخلق): مماثل لك في الطبائع والسجايا.
(يفرط منه(2) الزلل): يتقدم منه، ومنه الفارط وهو: الذي يتقدم القوم لطلب الماء.
(وتعرض لهم العلل): في أجسامهم ومقاصدهم وأغراضهم.
(ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ): ويعرض لهم الزلل والخطأ في تصرفاتهم عمدها وخطئها، وفي الحديث: ((الناس كإبل مائة، لا تجد فيها راحلة))(3).
(فأعطهم من عفوك): عن زللهم.
(وصفحك): عن خطأهم.
(مثل الذي تحبُّ أن(4) يعطيك الله من عفوه وصفحه): يريد اجعل حالهم بالإضافة إليك على مثل حالك بالإضافة إلى الله تعالى، فإذا(5) كنت تحبُّ عفوه وصفحه مع استغنائه عنك، فهم أيضاً يحبُّون عفوك وصفحك، مع افتقارك إليهم في أكثر الأمور.
(فإنك فوقهم): بما جعل لك من الولاية عليهم، والتصرف في أمورهم.
(ووالي الأمر عليك فوقك): يريد والإمام الذي ولاَّك مَالِكٌ لتصرفك أيضاً.
__________
(1) أي لا ذنب ولا حرج.
(2) في شرح النهج: منهم.
(3) أخرجه الإمام المرشد بالله في الأمالي الخميسية 2/145 بسنده عن أبي هريرة مع اختلاف يسير في بعض لفظه، وهو في نهاية ابن الأثير1/15، وقال في شرحه: يعني أن المرضيّ من الناس في عزة وجوده كالنجيب من الإبل القوي على الأحمال والأسفار الذي لا يوجد في كثير من الإبل.
(4) في شرح النهج: مثل الذي تحب وترضى أن ...إلخ.
(5) في (ب): فإن.

(والله فوق من ولاّك): وهذه الفوقية هي فوقية القهر والسلطنة، والاحتكام والولاية، لا فوقية الجهة في جميع مواقعها هاهنا.
(وقد استكفاك أمرهم): طلب منك، والضمير لله تعالى(1) أو للإمام، أن تكون كافياً فيما يحتاجون إليه من أمور دينهم.
(وابتلاك بهم): امتحنك بالتصرف عليهم واختبرك في ذلك.
(لا تنصبن نفسك لحرب الله): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد لا تفعل شيئاً من المعاصي التي تكون مؤدية لحرب الله تعالى، نحو أكل الربا، فإن الله تعالى أوعد عليه بالمحاربة، كما قال تعالى(2): {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}[البقرة:279].
وثانيهما: أن يكون غرضه لا تحاربنَّ أولياء الله من المؤمنين وأهل الصلاح، فتكون في الحقيقة محارباً لله بحرب أوليائه(3).
(فإنه لا يَدَىْ لك بنقمته): أي لا طاقة لك بعقوبته، وإنما حذفت النون للإضافة، واللام هاهنا مقحمة مؤكدة للإضافة.
(ولا غنى لك عن عفوه ورحمته): أي لا يعقل لأحد غناء من دون رحمة الله وعفوه لكل مخلوق، فكل غنى ليس فيه رحمة من الله ولا عفو فهو باطل كذب.
(ولا تندمنَّ على عفو): عن عقوبة عن جريمة لأحد من الخلق، فإن الله تعالى قد ندب إليه مطلقاً، ولا حالة يمكن قبحه فيها.
(ولا تبجحنَّ بعقوبة): التبجح: إظهار التكبر والفرح بما أصابه من تلك العقوبة، وأراد لا تفرح بذلك.
__________
(1) تعالى، زيادة في (ب).
(2) تعالى، سقط من (أ).
(3) يشير المؤلف عليه السلام إلى الحديث القدسي: ((من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة)) أخرجه من حديث طويل المرشد بالله في الأمالي الخميسية 2/204 بسنده عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عن جبريل عليه السلام، عن الله تبارك وتعالى قال: فذكر الحديث بطوله.

(ولا تُسْرِعنَّ إلى بادرة): البادرة: ما تسرع النفس إليه.
(وجدت عنها مندوحة): المندوحة: السعة، وأراد لا تعجل إلى ما تدعو إليه النفس من بوادر السوء من(1) فعل أو قول، ما دام لك عنها سعة في تركها، والتغاضي عنها.
(ولا تقولن: إني مؤمر آمر(2) فأطاع): يعني لا تحدثك نفسك وتزين لك الإسراع إلى البوادر، وتوقع(3) في نفسك أن تقول: أنا أمير على ما تحت يدي من هذه الولاية، وأمير على هذه الرعية، فلا بد لهم من الانقياد لي في كل ما أمرت به.
(فإن ذلك إدغال في القلب): إفساد له وإبطال لقاعدة أمره.
(ومنهكة للدين): إضعاف له، يقال: نهكته الحمى إذا أضعفت قواه وحواسه.
(وتقرُّبٌ من الغِيَرِ): دنو من حوادث الدهر ونوازله.
(وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك): يريد وإذا وجدت في نفسك وانقدح في فؤادك(4) لما ترى من العظمة والإمرة والحالة الجليلة بالسلطنة، ونفوذ الأمر لك(5):
(أُبَّهةً): العظمة والكبر.
(أو مَخِيلَةً): خُيَلاءَ في حالك.
(فانظر إلى عِظَمِ ملك الله فوقك): تفكَّر في نفوذ ملك الله عليك وقهره لك وسلطانه عليك.
(وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك): وأنه(6) قادر من تدبيرك وتصريفك على ما لا يمكنك القدرة عليه من جهة نفسك.
(فإن ذلك): التفكر.
(يُطَامِنُ إليك): يخفض إليك.
(من طِمَاحِكَ): الطماح: علو النفس وارتفاعها(7)، وهو مثل الجماح.
(ويكف عنك من غَرْبِكَ): غرب الشيء: حدّه، وأراد يكفُّ حدَّة النفس وشرتها(8).
__________
(1) من، سقط من (ب).
(2) آمر، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(3) في (ب): ويقع.
(4) في نسخة أخرى: مرادك.
(5) لك، سقط من (ب).
(6) في (ب): فإنه.
(7) وارتفاعها، سقط من (ب).
(8) شرتها أي غلبة حرصها.

(ويفيء إليك ما(1) عزب عنك من عقلك): فاء الشيء إذا رجع، وأراد يرجع إليك(2) ما بَعُدَ من فهمك، وينبِّهك على خطئك في ذلك.
(وإياك ومساماة الله في عظمته): الترفع عليه في عظم كبريائه، من قولهم: سما إذا ارتفع وعلا، و(3)إياك والعلو عليه والتكبر في ذلك.
(والتشبه(4) به في جبروته): والمشابهة له فيما اختص به، وجعله رداءً له وهو الكبرياء.
(فإن الله يُذِلُّ كلَّ جبَّار): بما ادَّعى(5) من تجبُّره وتكبُّره.
(ويُهِيْنُ كل مختال!): أهانه إذا أذلَّه، وأراد يُهِيْنُ كلَّ من تكبّر وتعاظم.
ثم إنه شرع في نوع آخر من الأدب، بقوله:
(أنصف الله): من نفسك في أداء حقوقه الواجبة عليك، وفروضه اللازمة.
(وأنصف الناس من نفسك): بأداء حقوقهم التي هي واجبة عليك.
(ومن خاصَّة أهلك): من يقرب إليك من أهلك وعشيرتك(6).
(ومن لك فيه هوى من رعيتك): يريد ومن تميل إليه ولك به اختصاص وميل، واتركهم في الحق على سواء ولا تميل(7) عن الحق لأجل اختصاصهم بك.
(فإنك إلاَّ تفعل): ما أمرتك به فيهم من الإنصاف للحق منهم.
(تظلم): لا محالة من كان له حق عندهم.
(ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه): مخاصماً له على مخالفته لما نهى عنه من الظلم.
(دون عباده): أي يتولى خصومته بنفسه دونهم؛ لأن الأمر لله ذلك اليوم.
(ومن خاصمه الله): كان خصيماً له.
(أدحض حجته): حجة داحضة أي باطلة منقطعة عن الحق.
(وكان لله حرباً): لا ينزع عن محاربته.
(حتى ينزع): يقلع عما هو فيه من الظلم.
(ويتوب): يرجع إلى الله تعالى.
__________
(1) في نسخة وشرح النهج: بما.
(2) في (أ): إليه.
(3) في (أ): أو.
(4) في (ب): والتشبيه.
(5) في (ب): ادعاه.
(6) في (ب): وعترتك.
(7) في (ب): ولا تمل.

(وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله): إزالتها وتحويلها.
(وتعجيل نقمته): عقوبته وعذابه.
(من إقامة على ظلم)(1): سواء كان ذلك ظلماً في عِرْضٍ، أو ظلماً في حق، أو مال، أو غير ذلك من أنواع الظلامات، ولهذا نكَّره أي ظلماً أي ظلم كان.
(وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق): لما ورد في الحديث:((خير الأمور أوساطها))، ولأن الوسط أقرب إلى جانب الإنصاف من غير إفراط في الأمر ولا تفريط فيه.
(وأعمَّها في العدل): أجمعها لمعانيه، وأشملها لمقاصده.
(وأجمعها لرضاء الرعية): فإن في رضاهم صلاح الأمر، وقوام قانونه.
(فإن سُخْطَ العامة يجحف برضاء الخاصة): الإجحاف: الإذهاب، ومنه سيل جحاف أي يذهب بكل شيء، وأراد أن العامة مهما سخطت عليك تغير الأمر، ورضا الخاصة لا وقع له مع ذلك لذهابه عند سخط العامة.
(وإن سُخْطَ الخاصة يغتفر مع رضاء العامة): الغفر: التغطية، ومنه المغفر، وغفر الله ذنوبه إذا غطاها وسترها، وأراد أن أهل البطانة والخاصة إذا غضبوا فإنه لا يضر مع كون العامة راضين.
(وليس أحد أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء): لأنهم يسألون الكثير ولا يقنعهم.
(وأقل معونة له(2) عند البلاء): لنكوصهم وإعراضهم.
(وأكره للإنصاف): من أنفسهم الحق.
(وأسأل بالإلحاف): يريد الإلحاح، وألحف السائل في سؤاله إذا ألح، وعن هذا قيل: ليس للملحف مثل الرد(3).
(وأقل شكراً عند الإعطاء): لما يظهر في نفوسهم من استقلاله، وازدراء النعمة عليهم.
__________
(1) بعده في النهج: فإن الله سميع دعوة المضطرين، وهو للظالمين بالمرصاد.
(2) له، زيادة في (ب)، وشرح النهج، وقوله: عند البلاء، في شرح النهج: في البلاء.
(3) مختار الصحاح ص‍.

(وأبطأ عذراً عند المنع): يريد أنهم إذا منعوا عن العطاء فهم أبطأ الناس وأعظمهم تأخراً عن العذر عند منعهم، وحرمانهم عن المعروف والإحسان.
(وأضعف صبراً عند ملمات الدهر): ألم الخطب إذا خالط وعظم، وأراد أنهم لا يصبرون عن الخطوب العظيمة، والنوازل الكريهة.
(من أهل الخاصة): الأقارب والعشيرة، والبطانة من الأصحاب والأخدان.
(وإنما عمود الدين): الذي يستقيم به.
(وجماع المسلمين): معظم أمرهم، ومجتمع رأيهم.
(والعدة لأعداء الملة): والأمر الذي يعد ويهيأ لمن كان عدواً للدين والإسلام.
(العامة من الأمة): هم العامة من الأمة، فإنهم الأساس للدين، وعليهم تدوار عموده.
(فليكن إليهم صِغْوُك): صغا إلى كذا إذا مال إليه، ومنه قولهم: صغت النجوم إذا مالت عند غروبها، وأراد الإصغاء إلى أحاديثهم، والتفطن لما تقوله من غير إعراض عن ذلك.
(وميلك معهم): أراد أنك تكون مصاحباً لهم في أكثر حالاتك.
(وليكن أبعد رعيتك منك): أقصاهم مكاناً، وأكثرهم تأخراً.
(وأشنأهم عندك): أبغضهم إليك، والشناءة: هي البغض.
(أطلبهم لمعايب الناس): المعاب والمعيبة: العيب، وهو ما يكون فيه الذم واللوم.
(فإن في الناس عيوباً): وفي الحديث: ((إذا أراد الله بعبد خيراً بصَّره عيوب نفسه))(1).
ولما قدم سلمان على عمر رضي الله عنه، قال له: ما الذي بلغك عني مما تكرهه؟ فاستعفى، فألحَّ عليه.
فقال له: سمعت أنك تجمع بين إدامين على مائدتك، وأن لك حلتين: حلة بالليل، وحلة بالنهار.
فقال: وهل بلغك غيرهما؟
__________
(1) الحديث بلفظ: ((إذا أراد الله بعبد خيراً بصره بعيب نفسه)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 1/234، وعزاه إلى المغني عن حمل الأسفار للعراقي4/320، وإتحاف السادة المتقين9/614.

قال: لا، فقال: أما هذان(1) فقد كفيتكهما، فالعيوب كثيرة في الخلق.
(الوالي أحق من سترها): لأمرين:
أما أولاً: فلأن ذلك من حسن الرعاية، وقد استرعي وهذا من أعظمها.
وأما ثانياً: فلما في ذلك من المصلحة؛ لأنه إذا كان هو الساتر لها مع قدرته وقهره فغيره بذلك أحق وأولى.
(فلا تكشفنَّ عمَّا غاب عنك منها): بَعُدَ عنك خبره، ولم يظهر لك أمره.
(فإنما عليك تطهير ما ظهر لك): بالحدود المشروعة، والآداب المفوضة إلى آراء الولاة، ومصالح استصوابهم في الزيادة والنقصان.
(والله يحكم على ما غاب عنك): بما قد شرع من الوعيد العظيم عليها، والعقوبة في الآخرة.
(فاستر العورة ما استطعت): بقدر إمكانك وقوتك على ذلك، وفي الحديث: ((أنا ستار، فمن ستر على أحد من خلقي سترت عليه)).
(يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك): من العيوب التي تلام عليها، وعن هذا قال بعضهم:
لا تَكْشِفَنْ عن(2) مساوى الناس ما ستروا

فيكشف الله ستراً من مساويكا

(أطلق عن الناس عقدة كل حقد): الحقد: الضغن الكامن، وأراد هاهنا أطلقه عن قلبك بإظهار البشاشة في وجهك، والسرور في قلبك.
__________
(1) في (ب): هذين.
(2) في (ب): لا تكشفنَّ، وقوله: عن سقط منها، والبيت أورده ابن أبي الحديد في شرح النهج 17/38 بدون نسبة لقائله وأوله فيه: لا تلتمس من ... إلى آخره، وبعده فيه:
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذُكِرُوا

ولا تَعِبْ أحداً منهم بما فيكا

(واقطع عنك(1) سبب كل وتر): وتره حقه إذا نقصه إياه، قال تعالى: {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}[محمد:35]، والموتور هو: المقتول الذي لم يؤخذ بدمه، واستعاره من ذلك، وغرضه قطع التذكار لما سلف من الجرائم، والذحول(2) المتقدمة.
(وتجاف(3) من كل ما لا يضح(4) لك): مما يوجب الحد، أويوجب التعزير والأدب، وفي الحديث أنه جاءه رجل فقال: يا رسول الله، إنّي قبَّلتُ امرأة فأعرض عنه، وقال: ((توضأ وصلِّ معنا)).
(ولا تعجلنَّ إلى تصديق ساعٍ): بمكر أو وشاية.
(فإن الساعي غاش): لك لا محالة بإيصاله إليك معائب الناس، ونقصهم عندك.
(وإن تشبه بالناصحين): لك لأنه في الظاهر يريد نصحك بما أهدى إليك من ذكر معائب الناس، وهذا هو الغش بعينه لما فيه من الفساد والرذالة(5).
(لا تدخل(6) في مشورتك بخيلاً): يريد إذا جمعت جمعاً من إخوانك للاستشارة فيما يعرض من أمورك وإصلاح حالك وقوام دولتك، فلا يكن من جملتهم بخيل في معروفه وفضله، فإنه لا محالة.
(يعدل بك عن الفضل): إما عن أفضل الأمور وأعلاها، وإما عن الإحسان والمعروف، وكله نقص وخطأ.
(ويعدك الفقر): من أجل بخله وضنته، فلا يزال يتوهم الفقر، ويعمل عليه.
(ولا جباناً): الجبن: الخور والفشل، وأراد ولا تدخل من يغلب عليه الجبن والفشل، فإنه لا محالة:
__________
(1) عنك، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(2) الذَحْلُ: الحقد والعدواة، يقال: طلب بِذَحْلِه أي بثأره، والجمع ذحول (مختار الصحاح ص220)
(3) في شرح النهج: وتغاب، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(4) في (ب): يصلح.
(5) في (أ): والرذلة، و في (ب): الرداءة، وما أثبته من نسخة أخرى.
(6) في شرح النهج: ولا تدخلنَّ.

(يضعِّفك عن الأمور): أي يقل جسرتك على الأمور المهمة، ويفتِّرك عن مقاساة الشدائد العظيمة مما يكون زيادة في قدرك، وعظماً في أمرك.
(ولا حريصاً): الحرص: التهالك في الحفظ والضِّنة.
(يزين لك الشره بالجور): يحسن في عينيك الحرص، فيكون ذلك سبباً في التسرع إلى الجور.
(فإن البخل والجبن والحرص): وغير ذلك من المساوئ.
(غرائز شتى(1)): طبائع وشيم وخلائق.
(يجمعها سوء الظن بالله): لأن من وثق بالله وبعطائه وخيره جاد بكل ما تحويه يده، اتكالاً على عوض الله وخيره، ومن أساء الظن بالله أقدم على هذه الخلائق(2).
(شر وزرائك من كان وزيراً للأشرار قبلك(3)): الوزير: هو الذي يتحمل الأثقال وينهض بالأعباء، وغرضه هو أن أبعدهم عن الحق وأعظمهم شراً عليك، من مارس(4) الظلمة قبلك، وكان متحملاً لأثقالهم، فمن هذه حاله لا تعدم مضرة من جهته.
(ومن شركهم في الآثام): بدخوله معهم فيها، واتخاذهم إياه ذريعة إلى المآثم والمظالم.
(فلا يكوننَّ لك بطانة): لفساد دينه وإهلاك آخرته بما فعل من ذلك لغيره.
(فإنهم أعوان الأثمة): أعوانهم على تحصيل الآثام وكسبها.
(وإخوان الظلمة): المؤاخين لهم على أخذ المظالم وخضمها وقضمها، فإن فعلت ذلك كنت شريكاً لهم.
(فأنت واجد منهم): في الظلم والإثم.
(خير الخلف): بعدهم وأفضلهم في السيرة، وأحرزهم في الديانة.
(ممن له مثل آرائهم ونفاذهم): في الأمور، وحسن تدبيرهم وإتقان سياستهم.
__________
(1) شتى، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(2) في (ب): الأخلاق.
(3) في (ب) وشرح النهج: شر وزرائك من كان قبلك للأشرار وزيراً.
(4) تمرس بالشيء، وامترس: احتك به. (القاموس المحيط ص741).

(وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم(1)): الآصار: جمع إصر، والأوزار: جمع وزر، وهي: الأعباء والأثقال عليهم(2)، فهؤلاء خير الخلف بعد السابقين لهم.
(ممن لم يعاون ظالماً على ظلمه): يكون عوناً له وقوة لعضده، وردفاً(3) له عند حاجته إليه في ذلك.
(ولا آثماً على إثمه): ولا يكون عوناً له فيما يكسبه من المآثم والأوزار.
(أولئك أخف عليك مؤونة): لسهولة الحال فيهم، وقلة أثقالهم.
(وأحسن لك معونة): في تدبير الأمور والإرشاد إلى الطاعة، والقربة إلى الله تعالى.
(وأحنى عليك عطفاً): الحنو: هو الشفقة، والعطف: الرحمة، وأراد أعظم عليك رحمة وشفقة.
(وأقل لغيرك إلفاً): يريد(4) أنهم لا يألفون غيرك، ولا يخالطون سواك.
(فاتخذ أولئك خاصة بخلواتك(5)): عند المخاضة في الأمور المهمة في الأوقات الخالية والساعات الخفية.
(وحفلاتك): وعند المحافل العظيمة، والمشاهد المجتمعة.
(ثم ليكن آثرهم عندك): أحقهم بالإيثار والتمكن وعلو المنزلة.
(أقولهم بمرِّ الحق لك): أنطقهم بالحق، وإن كان مرّا على من سمعه؛ لأن من هذه حاله فهو ناصح لله ولك.
(وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه): وأكثرهم تأخراً عنك في الأمور التي كره الله لأوليائه فعلها والتلبس بها.
__________
(1) بعده في شرح النهج: وآثامهم.
(2) عليهم، سقط من (ب).
(3) الرِّدْف بالكسر: الراكب خلف الراكب، وكل ما تبع شيئاً، والردف أيضاً: المعاون، (وانظر القاموس المحيط ص1049-150).
(4) في (ب): ويريد.
(5) في (ب) وشرح النهج: لخلواتك.

(واقعاً ذلك(1) من هواك حيث وقع): يعني افعل ذلك وواظب عليه سواء كان مخالفاً لهواك أو موافقاً له، وانتصاب واقعاً على الحال من فعل مقدر تقديره ما فسرنا به كلامه، ومن هذه لابتداء الغاية.
(والصق بأهل الورع والصدق): كن لاصقاً بهم في جميع أحوالك وتقلباتك، وأكثر المخالطة لهم حتى كأنك ملاصق لهم.
(ثم رُضْهُمْ على ألاَّ يطروك): أدبهم بأدبك واجعلهم مرتاضين على ترك المدح لك، وإنما قال: رضهم، ولم يقل: انههم يشير بذلك إلى حسن الممارسة وجودة السياسة لما في النهي من الخشونة والانزواء مع الوحشة.
(ولا يبجحوك بباطل لم تفعله): التبجح: الفرح والسرور، وأراد ولا يدخلون عليك المسرة بالأباطيل والأكاذيب تقرباً إليك.
(فإن كثرة الإطراء): المدح.
(تحدث الزهو): الخيلاء والفخر.
(وتدني من العزة): التكبر والأنفة.
(ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء): يعني لا يكونان بالإضافة إلى تعظيمك وقربك وإنصافك وإدنائك وجميع تصرفاتك، على السوية من غير تفرقة بينهما، ولا فضل لأحدهما على الآخر.
(فإن في ذلك): يشير إلى المساواة لهما.
(تزهيداً لأهل الإحسان في إحسانهم): ترغيباً لهم عنه، لأنهم موقعون في أنفسهم عدم ثمرته وإبطال فائدته، فيدعوهم ذلك إلى تركه وترك التعلق به لما ذكرناه.
__________
(1) في نسخة: ذاك (هامش في ب).

(وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة): التدريب(1): بدال بنقطة(2) من أسفلها هو العادة، يقال: فلان له دُرَبَةٌ بالخير أي عادة، وبذال بنقطة من أعلاها هو: الحدة في الأمر، من قولهم: فلان ذرب اللسان أي حديده، والأول هو الوجه، وهو سماعنا في الكتاب، وأراد إما يكثر اعتيادهم لها، وإما يزيدهم حدة فيها وجرأة عليها.
(وألزم كلاً منهم ما ألزم نفسه): من ذلك يعني خصهم بحكم ما خصوا به أنفسهم من أحكام الإحسان أو بأحكام الإساءة.
(واعلم أنه ليس شيء بأ دعى إلى حسن ظن والٍ برعيته): أراد أن الذي يدعو الوالي إلى أن يكون محسناً للظن بالرعية، وإلى عدم التهمة لهم في جميع أحوالهم وأمورهم.
(من إحسانه إليهم): لأنه إذا كان محسناً عليهم دعاه ذلك إلى تحسين الظن بهم والمحبة لهم.
(وتخفيفه المؤونات(3) عليهم(4)): يعني ولا تحملهم الأمور الصعبة، ولا تكلفهم الأشياء الشاقة.
(وترك استكراهه إياهم على ما ليس قِبَلَهم(5)): أي ولا يكرههم على أخذ ما لا يتعلق بهم ولا يكون متوجهاً عليهم، فإن هذه الأمور كلها تكون داعية إلى حسن ظنه بهم، وسلامة خاطره وقلبه في حقهم.
(فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك): يعني فاجتهد في تحصيل ما يكون سبباً في حسن ظنك بهم.
(فإن حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً): يريد أن حسن الظن يسد عنك أبواباً كثيرة في المحتملات، لو اجتهدت في العناية في سدها وعلاجها لكان ذلك يحصل بنَصَبٍ عظيم ومكابدة شديدة، وحسن الظن يرفع ذلك عنك، ويغلق عنك تلك الأبواب والاحتمالات.
__________
(1) في (ب): التدرب.
(2) في (ب): منقوطة.
(3) في نسخة أخرى: المؤديات.
(4) في نسخة: عنهم (هامش في ب).
(5) في (ب) وشرح النهج: على ما ليس له قبلهم.

(وإن أحق من حَسُنَ ظنك به): من كان ظنك في حقه صالحاً لا ميل فيه ولا اعوجاج في طريقه.
(لمن حَسُنَ بلاؤك عنده): هو الذي أحسنت إليه وأعطيته وأوليته المعروف؛ لأنه يقع منه موقعاً عظيماً.
(وإن أحق من ساء ظنك به): من كان ظنك سيئاً في حقه.
(لمن ساء بلاؤك عنده): هو الذي حرمته إحسانك ومنعته معروفك.
(ولا تنقض سنة صالحة): تبطل العمل بها وتمحو رسمها(1) بإهدارها.
(عمل عليها(2) صدور هذه الأمة): الصدور: جمع صدر وهو العالم النحرير، وأراد أهل الصلاح من هذه الأمة المتقدمون في أوائلها، فإن عملهم عليها هو الحق.
(واجتمعت بها الألفة): يعني كانت سبباً في الألفة واتفاق الكلمة وجمعها.
(وصلحت عليها الرعية): وكانت سبباً في صلاح الرعية وجمع شملهم.
(ولا تحدثنَّ سنة تضر بما مضى(3) من تلك السنن): تبطلها وتفسدها.
(فيكون الأجر لمن سنها): فعلها ودعا إليها.
(والوزر عليك): يعني الإثم متعلق بك.
(بما نقضت منها): في إبطالها وتغييرها، وأراد في جميع هذا(4) كله ما أجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم؛ فإنه لا سبيل لأحد إلى نقضه وإبطاله، وكيف لا وإجماعهم قاطع فيما تعلق به(5)، فيكون ما عداه خطأ وضلالة، وبدعة وجهالة.
(أكثر(6) مدارسة العلماء): أراد إما الوقوف معهم والدرس عليهم، وإما أن يريد مناطقتهم في المسائل ومراجعتهم عليها، فإن مجالسة العلماء زيادة في الدين وإصلاح للبصيرة، وبعد عن الزلل، وتذكر لأحوال الآخرة.
__________
(1) في (ب): رسومها.
(2) في شرح النهج: بها، وكذا في نسخة ذكره في ها مش (ب).
(3) في نسخة: بماضي تلك السنن (هامش في ب)، وفي شرح النهج: تضر بشيء من ماضي تلك السنن.
(4) في (ب): ذلك.
(5) في (ب): بهم.
(6) في شرح النهج: وأكثر.

(ومثافنة الحكماء(1)): المثافنة: المجالسة والقعود معهم، أخذاً لها من ثفنة البعير، وهو ما يقع على الأرض من أعضائه كالصدر والركبتين وغيرهما.
سؤال؛ من هم العلماء، ومن هم الحكماء، حتى فرق بينهما ها هنا؟
وجوابه؛ هو أن الحكماء هم الزهاد؛ لأنهم أحكم الناس، لأنهم آثروا الآخرة على الدنيا وأعرضوا عن الفاني، وقيل: هم العالمون العاملون بما علموا، فمن جمع إلى العلم العمل به فهو الحكيم بعينه.
(في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك): في معاملاتهم ومقدار ما يؤخذ منهم من الأموال في الضيق والسعة والرخاء والقحط، وغير ذلك من الأمور المصلحة للأحوال.
(وإقامة ما استقام به الناس قبلك): من الخلفاء في أمر الرعية، واعتمد ذلك في سيرتك معهم ومعاملتك لأحوالهم، فإن فيه صلاحاً لما أنت فيه.
ثم أردف ما ذكره بالرعية وبيان طبقاتهم بقوله:
(واعلم أن الرعية طبقات): يريد أنهم وإن اشتركوا في الرعاية وأنهم تحت حكم الله تعالى وحكمك، فهم على أنواع مختلفة وطبقات متفاوتة.
(لا يصلح بعضها إلا ببعض): أي أن كل واحد من هذه الطبقات صلاح في الطبقة المخالفة.
(ولا غنى ببعضها عن بعض): يريد أن كل واحد(2) منها مفتقر إلى الأخرى كما قال تعالى: {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً}[الزخرف:32]، فكل واحد منهم يعود بالمنفعة على صاحبه من غير عناية منه لذلك ولا إرادة.
__________
(1) في شرح النهج: ومناقشة الحكماء.
(2) في (ب): واحدة.

(فمنها جنود الله): وهم عساكر الإسلام وأهل الإيالة(1)، وإنما قدمهم على سائر الطبقات لما يحصل للإسلام بسببهم من القوة والأبهة العظيمة، ولما يقع في نفوس أعدائه من أجلهم من الخيفة والمهابة، فإن بهم قوام الدين وشدة أمره.
(ومنها كُتَّاب العامة والخاصة): فأما العامة فهم الزرعة وأهل الحرف والصناعات، وأما الخاصة فهم البطانة والشعار المتولي من أهل دولته، والحافظين لأمره، والمتولين لإصلاح أحواله.
(ومنها قضاة العدل): الحكام والمتولين للفصل لشجار الخلق وقطع لجاجهم ودفع خصوماتهم، العادلين في أحكامهم من غير حيف ولا ميل فيها.
(ومنها عمال الإنصاف والرفق): أراد الكتاب والعمال على الخراج والصدقات وكُتَّاب الشروط وغير ذلك.
(ومنها أهل الجزية): وهم الذين أقروا على أديانهم مع التزام الجزية، إذا كانوا أهل كتب نحو اليهود والنصارى.
(والخراج من أهل الذمة): وهو ما يؤخذ من أموالهم على جهة الخراج مما يضطرب(2) فيه من هذه الأموال.
(ومسلمة الناس): الضعفاء والمساكين، والمسلمين من الأمة.
(ومنها التجار): المضطربين في البلدان لزيادة الأموال ونمائها.
(وأهل الصناعات): العائدين بهذه الارتفاقات على الناس من أجل صناعاتهم.
(ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة): وإنما أخرهم لضعفهم، وازدراء الأعين لهم، ولهذا سماهم الطبقة السفلى إشارة إلى ما ذكرناه من حالهم.
(وكل قد سمى الله سهمه): وكل من ذكرت من هؤلاء قد أعطاه الله تعالى حظه من ماله.
__________
(1) الإيالة: السياسة، آل الملك رعيته إيالاً ساسهم، وعلى القوم أولى وإيالاً وإيالة: ولَي، والمال: أصلحه وساسه. (القاموس المحيط ص1244).
(2) أي يتجر فيه.

(ووضع على حده وفريضته): يعني أنه أعطاه ما يستحقه من ذلك على قدر حاله وحاجته.
(في كتابه أوسنة(1) نبيه [صلى الله عليه وآله](2)): يعني تحديد نصيبه مذكور في الكتاب أو في السنة.
(عهداً منه عندنا محفوظاً): الضمير للرسول أي عهده إلينا، وعهده محفوظ عندنا لا نخالف في ذلك.
(فالجنود بإذن الله): بأمره في تجنيدهم وعلمه بما فيهم من النفع للإسلام.
(حصون الرعية): يلجأون إليهم عند النوائب، ويحرزون بهم أنفسهم عن أعداء الله وأعداء الإسلام.
(وزين الولاة): لما يحصل لهم فيهم من الجمال وحسن الهيئة والمنظر ونفوذ الأمر.
(وعز الدين): عن أن يضام أو تبطل قاعدة من قواعده، وتمحى رسومه وأعلامه.
(وسبل الأمن): طرق الأمان للخلق، وحراس الإسلام وحفظته.
(وليس تقوم الرعية إلا بهم): إذ لا سبيل إلى حفظ الرعية إلا بقوة الجند وشدة أمرهم وحالهم.
(ثم لا قِوَامَ للجنود): لا تنتظم أحوالهم ولا تستقيم صورتهم(3).
(إلا بما يخرج الله لهم من الخراج): فرضه من هذه الحقوق في جميع الأموال وأصنافها، ما أخرجت الأرض مكيلاً أو غير مكيل، وما وصف على هذه النقود وأموال التجارة، وغير ذلك من أصناف الأموال.
(الذي يتقوون به في(4) جهاد عدوهم): يصرفونه في السلاح والكراع(5) وآلة الحرب.
(ويعتمدون عليه فيما أصلحهم(6)): مما يحتاجون إليه من ذلك.
(ويكون من وراء حاجتهم): فيه وجهان:
__________
(1) في (أ): وسنة.
(2) زيادة في شرح النهج.
(3) في (أ): صورهم.
(4) في شرح النهج: على، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب)، وقوله هنا: يتقوون، في شرح النهج: يقوون.
(5) الكراع: الخيل.
(6) في شرح النهج: يصلحهم.

أحدهما: أن يريد أن يكون ذلك زائداً على مقدار الكفاية لما يحصل في ذلك من التقوي؛ لأن مقدار الكفاية من غير زيادة لا تحصل به قوة ولا نهضة أصلاً.
وثانيهما: أن يريد أن يكون ذلك مهيئاً معداً، حتى إذا ندب إليه الحاجة كان حاصلاً من غير طلب.
(ثم لا قوام لهذين الصنفين): يعني الجند والرعية.
(إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكُتَّاب): فهؤلاء أيضاً الحاجة إليهم ماسة والنفع بهم كثير.
(لما يحكمون من المعاقد): يبرمون من هذه العقود من المعاوضات والأنكحة والإجارات وغير ذلك.
(ويجمعون من المنافع): بحفظ أموال الناس وضبطها حذراً من النزاع وخيفة من التظالم والتشاجر.
(ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها): يعني الحكام في حكوماتهم وأحوال الشهادات التي يسمعونها، والعمال بالإضافة إلى ما تحت أيديهم من الجبايات والخراجات العظيمة، والكتاب بالإضافة إلى كتابة الشروط وحفظها للأموال.
(ولا قِوَامَ لهم جميعاً): من جميع من(1) ذكره من الجند، والرعية، والقضاة، والعمال، والكتاب.
(إلا بالتجار وذوي الصناعات): فالتجار يخوضون البر والبحر في تأدية المنافع من بلد إلى بلد، بحيث لا يمكن ذلك إلا بتصرفهم وعنايتهم، وأهل الصناعات عنايتهم وجهدهم في تحصيل هذه الارتفاقات للخلق، بحيث لا تنقام لهم صورة إلا معهم.
(فيما يجتمعون عليه من مرافقهم): يعني من تحصيل هذه المنافع بالاجتماع من جهتهم.
(ويقيمونه من أسواقهم): لأن إقامة الأسواق لا تقوم إلا بأهل الحرف والصناعات.
(ويكفونهم عن الترفق(2) بأيديهم): يعني أن أهل الصناعات فيهم كفاية في صناعتهم عن أن يكون المنتفع بها هو المتولي لعملها، وهم كفاة في ذلك.
__________
(1) في (ب): ما.
(2) في (ب) وشرح النهج: من الترفق.

(مما لا يبلغه(1) رفق غيرهم): يعني بحيث لا يمكن غيرهم أن يبلغ مبلغهم في ذلك، وهذا ظاهر لا يمكن دفعه، فإن أهل كل صناعة قد مهروا في تلك الصناعة، وحصَّلوا علومها والاطلاع على دقائقها بحيث لا يمكن حصول تلك الصناعة على وجهها ممن ليس من أهلها.
(ثم الطبقة السفلى): وهم(2) آخر الطبقات، وأضعفهم حالاً، وأنزلهم قدراً.
(من أهل الحاجة): يعني الفقر، فإنه هو الحامل على الحاجة لهم إلى غيرهم.
(والمسكنة): وخمول القدر وركة الهمة.
(الذين يحق رفدهم): مواساتهم وإعطائهم.
(ومعونتهم): وإعطاءهم ما يستعينون به على حاجاتهم ومصالحهم.
(وفي الله لكل سعة): يعني وفي كرم الله تعالى وفضله وسعة جوده ما يسع الكل من هذه الطبقات، ويقيم حالته ويستغني به عن غيره.
(ولكل): من هؤلاء الذين ذكرناهم.
(على الوالي حق بقدر ما يصلحه): نظر خاص معه تصلح أحواله وتستقيم أموره، وليس يخفى ما يختص كل واحد من هذه الطبقات من النظر في مصالحه، فليس النظر في أحوال العلماء وأهل الفضل مثل النظر في أحوال الحاكة، والحدادين وسائر أهل الصناعات، وهكذا فإن أهل(3) كل طبقة يخالف نظرهم سائر الطبقات، ولا استمداد لبعضها من بعض.
(فولِّ(4) من جنودك): من رعيتك وأهل أمانتك.
(أنصحهم في نفسك): أعظمهم نصحاً لك ولمن وليته عليه، وأدخلهم في ذلك مراقبة.
__________
(1) في (ب): ولا يبلغه، وأشار في الهامش إلى أنه في نسخة: مما لا يبلغه.
(2) في (ب): وهي.
(3) أهل، سقط من (ب).
(4) قبله في شرح النهج: (وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله تعالى من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة بالله، وتوطين نفسه على لزوم الحق والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل).

(لله ولرسوله ولإمامك): فإن هذه الخصلة من أعظم ما يراعى في الولاة.
(وأنقاهم(1) جيباً): أكثرهم أمانة، يقال: فلان نقي الجيب إذا كان غير خائن في أموره.
(وأفضلهم(2) حلماً): أعلاهم في الحلم، وهو الانكفاف عند الغضب عن المحرمات.
(ممن يبطئ عند(3) الغضب): لا يعاجل إليه ويتأخر عنه.
(ويستريح إلى العذر): يقبله إذا قيل له، وإنما قال: يستريح إليه مبالغة في قبوله؛ كأنه بحصول الاعتذار إليه عن الخطيئة يحصل له لذة ومسرة يستريح إليهما.
(ويرأف بالضعفاء): يكون في قلبه لهم رأفة ورحمة ورقة وتعطف.
(وينبو على الأقوياء): يرتفع حكمه عليهم ولا يُهِنْ ولا يضعف من أجلهم في ذات الله تعالى.
(ممن لا يثيره العنف): يحرك غضبه غلظته وقساوة قلبه وجرز أخلاقه.
(ولا يقعد به الضعف): عن استيفاء الحقوق وإبلاغها غايتها.
(ثم الصق بذوي الأحساب(4)): خالط واتصل بأهل الرئاسة ومن كان له حسب فاخر.
(وأهل البيوتات الصالحة): أهل التقوى والصلاح والعفاف والديانة، والبيوتات: جمع بيوت جمع بيت، ولا يجمع جمع الكثرة إلا بالألف والتاء، وذلك نحو دورات وطرقات وغيره، وهو: عبارة عن القبيلة والجماعات المجتمعة.
(والسوابق الحسنة): والعنايات المرضية في الدين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ}[يونس:2]، أي سابقة حسنة، وسميت المسعاة الجميلة قدماً لما كان السبق بالقدم، كما سميت النعمة يداً لما كان إعطاؤها باليد.
__________
(1) في شرح النهج: وأطهرهم، وكذا في نسخة (هامش في ب).
(2) في (ب): وأكثرهم.
(3) في شرح النهج: عن، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(4) في شرح النهج: بذوي المروءات والأحساب.

(ثم أهل النجدة): أراد الصق نفسك بأهل النجدة: أهل النفاسة في الحرب.
(والشجاعة والسخاء والسماحة): وغير ذلك من الخصال المحمودة وشرائف الخصال العالية.
(فإنهم جماع الكرم(1)): منتهاه وغايته ومجتمعه.
(وشعب من المعروف(2)): وأنحاء وأودية من المعروف والإحسان.
(ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من ولدهما): يشير إلى كثرة الحنو والتعطف على هؤلاء، ويأمر بإصلاح أمورهم وأحوالهم كلها، وأن ينزَّلوا منزلة الأولاد في البر والكرامة.
(ولا يتفاقمنَّ في نفسك شيء قويتهم به): ولا يعظمنَّ في نفسك ويكبرنَّ، من قولهم: تفاقم الخطب إذا عظم وكثر، فإن ذلك يقلُّ من حق من هذه حاله(3).
(ولا تُحَقِّرنَّ لطفاً تعاهدتهم به): أي ولا تستقل شيئاً يكون عوناً لهم على أمورهم.
(وإن قلَّ): أي وإن كان حقيراً فهو عند الله كثير، وفي الحديث: ((لا تحقرنَّ من المعروف شيئاً، لا تحقرنَّ من المعروف ولو أن تلقى أخاك بوجه منطلق))(4).
(فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك): في كل أمورك عن اجتهاد في ذلك.
(وحسن الظن بك): ويدعوهم ذلك إلى حسن المعاملة والظنون الصادقة الحسنة فيك.
(ولا تدع تفقد لطيف أمورهم): أصغرها وأحقرها وأقلها قدراً عندك وعندهم.
__________
(1) في شرح النهج: فإنهم جماع من الكرم.
(2) في شرح النهج: العرف.
(3) في (ب): حالته.
(4) الحديث بلفظ: ((لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تفرِّغ من دلوك في إناء المستسقى، ولو أن تكلِّم أخاك ووجهك إليه منبسط)) أخرجه من حديث الإمام أبو طالب في أماليه ص522 برقم (708) بسنده يبلغ به إلى أبي جُرَيّ الهجيمي، وانظر موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 7/81-82.

(اتكالاً على جسيمها): أعلاها وأعظمها، والاتكال: هو الاعتماد، وفلان يتكل على كذا أي يعتمد عليه.
(فإن لليسير من لطفك موضعاً ينتفعون به): يشير إلى أن اليسير من جهة الوالي له موقع عظيم تقر به نفسه، ويطمئن إليه خاطره، وينشرح به صدره.
(وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه): يريد ولما عظم من إحسانك وجليل امتنانك محل ومكان لا غنى لهم عنه.
(وليكن آثر رءوس جندك عندك): أعلاهم حالة وأحقهم بالأثرة والنفع من عظماء الجند وأكابرهم وأهل المكانة منهم.
(من واساهم في معونته): الضمير في واساهم لمن قدم ذكرهم من أهل الشجاعة والنجدة؛ فإنه في ذكرهم وذكر حكمهم، من جعلهم أسوته فيما يستعين به على نفسه ومن تحت يده وجعل لهم قسطاً منه.
(وأفضل عليهم من جَدتِهِ): وأعطاهم مما يجد من جهة نفسه.
(بما يسعهم ويسع من وراءهم): بما يكون فيه كفاية لهم وكفاية لما يموّنون من ورائهم.
(من خُلُوفِ أهليهم): الخلوف: جمع خلف وهو: من يخلف عليه الرجل من أهله ويموِّنه.
(حتى يكون همُّهم همَّاً واحداً في جهاد العدو): يشير أنه إذا فعل هذه الآداب مع من ذكرنا حاله من أهل النجدة، لم يتفرق همهم، مرة في طلب القوت وهم العيال، ومرة في جهاد الأعداء، فإذا كُفِيْتِ عنهم هذه المؤن أقبلوا على همٍّ واحد هو جهاد عدو الإسلام ونفع الله بهم.
(فإن عطفك عليهم): بالإحسان والتفقد والتعاهد بما ذكرته.
(يعطف قلوبهم عليك): بالمودة والنصيحة وحسن الظن بك، والعطف: هو الميل بالشفقة، ويقال للناقة: تعطف على البوِّ إذا كانت مائلة(1) مشفقة عليه.
__________
(1) مائلة، سقط من (ب)، والبوّ: ولد الناقة ساعة أن تضعه، أو إلى أن يفصل عن أمه.

(ولا تصح(1) نصيحتهم إلا بحيطتهم): أي ولا يحصل لك التمكن من نصيحتهم لك وإشفاقهم عليك إلا بالشفقة والتحنن على ما يحوطونه ويشفقون عليه من الأهلين والأولاد.
(على ولاة أمورهم): ما يلونه من المهمات في أنفسهم.
(وقلة استثقال دولتهم(2)): يعني ولا تستثقل بقاء أيامهم ودوام أمرهم ودولتهم.
(وترك استبطاء انقطاع مدتهم): يعني واترك الاستبطاء لانقطاع أيامهم، ولا تستعجل ذلك من نفسك.
(وافسح في آمالهم): أوسع فيما يرجونه من جهتك، ويحبون وصوله من عندك.
(وواصل في(3) حسن الثناء عليهم): مرة بعد مرة؛ ليكون ذلك فضلاً على الاستمرار.
(وتعديد ما أبلى الله ذوي البلاء منهم(4)): يعني وعدد ما أعطى الله أهل الصبر منهم والابتلاء من حسن الثناء ومزيد الذكر، وجميل الأحدوثة في المواقف المشهودة والمشاهد المجتمعة.
(فإن كثرة الذكر بحسن(5) أفعالهم): لما فعلوه من بذل الأرواح والسماحة بالمهج لوجه الله تعالى.
(تهز الشجاع): تحرك نشاطه على فعل أمثال ذلك، وتحمله على الازدياد منه.
(وتحرِّض الناكل(6)): وتجرِّئ الجبان على القتال والإقدام عند الحرب، والناكل: هو المتأخر عن القتال.
(ثم اعرف لكل امرئ منهم بلاء ما أبلى): يريد أن واحداً منهم إذا فعل مكرمة في الدين من قتال عدو أو إقداماً في حرب أو إصابة في رأي أو غير ذلك من البلاءات في الإسلام الحسنة، فاعرف ذلك له في نفسك وتحققه واذكره به، وأشهر أمره في ذلك، ولا تكتم له كل خصلة محمودة فعلها.
__________
(1) في (ب): ولا تحصل.
(2) في شرح النهج: دولهم.
(3) في شرح النهج: من.
(4) في شرح النهج: وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم.
(5) في شرح النهج: لحسن.
(6) بعده في شرح النهج: إن شاء الله.

(ولا تضم(1) بلاء امرئ إلى غيره): يعني إذا فعله على انفراده فلا تضم غيره معه؛ فإن ذلك يوقع في نفسه ويكسر همته عن فعل أمثاله، مع ما فيه من الكذب والتقول والافتراء.
(ولا تقصرنَّ به دون غايته(2)): يريد وإذا كان يستاهل مدحاً عظيماً وإشادة في ذكره كثيرة فلا تحسده(3) ذلك، ولا تنقصه عما أعطاه الله؛ فإن ذلك عطية من جهة الله تعالى، فلا يقصر دون الوصول إلى غايتها، فإنه حقيق بذلك يستاهله.
(ولا يدعوك(4) شرف امرئ أن تعظِّم من بلائه ما كان صغيراً): يعني أن بعض الجند وإن كبر مكانه عندك وعظم قدره في نفسك، وكانت عنايته قليلة في الدين وجهاد العدو؛ فليس كبر مكانه مما يكبِّر ما كان صغيراً من عنايته، ولا يزيد مكانه عند الله مع كونها حقيرة.
(ولا ضعة امرئ):كونه وضيعاً مستحقراً في العيون.
(إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيماً): فلا يدعوك صغر قدره إلى استحقار ما فعله مع عظمه عند الله وشدة حاله في موقعه الذي وقع فيه، ولهذا فإن الله تعالى لم ينس صنيع بلال وصهيب وغيرهما من الموالي، وخباب بن الأرت وكثير من ضعفاء المسلمين فيما فعلوه في بدر، وأثنى عليهم الثناء العظيم، ولم يحتقر أقدارهم في ذلك، وأعطاهم الجنة مع رضوانه الأكبر.
ولقد بالغ أمير المؤمنين في الوصية بحال هؤلاء، وأنزلهم هذه المنازل الكريمة، وما ذاك إلا لعظم(5) موقعهم في الدين، وشرف مكانتهم(6) في العناية فيه.
__________
(1) في شرح النهج: ولا تضُمَّنَّ، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(2) في (ب) وشرح النهج: ولا تقصرن به دون غاية بلاءه.
(3) في (ب): فلا تخسرِّه.
(4) في (ب) وشرح النهج: ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم ...إلخ.
(5) في (ب): لعظيم.
(6) في (ب): مكانهم.

(واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب): ومن جملة ما تراعيه من الآداب أن الأمور التي تقهرك، وأمر مضلع إذا كان قاهراً لصاحبه، والضلع: العرج، فاردده إلى من هو أعلم بحاله، وأقدر على إصداره منك.
(ويشتبه عليك من الأمور): فلا تدري كيف تصيره، ولا تعلم حاله في إيراده وإصداره.
(فقد قال الله سبحانه(1) لقوم أحب إرشادهم): يشير إلى الصحابة رضي الله عنهم، فإن الله خاطبهم خطاب من يريد الرشاد بهم، حيث قال، ثم تلا هذه الآية:
({يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ})[النساء:59]: بامتثال أوامر الله والانكفاف عما نهى عنه ورسوله(2).
({وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ})[النساء:59]: يعني المتولين لإصلاح(3) أحوالكم والقيام بأموركم.
({فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ})[النساء:59]: من أمور الدين ولم تعلموا حاله وحكمه.
({فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ})[النساء:59]: تعالى(4).
({وَالرَّسُولِ}).
(فالرد إلى الله أن نأخذ بمحكم كتابه(5)): يعني إن اعتاص على أفهامكم أمر من الأمور الدينية فلم يمكنكم اقتباسه من أفهامكم واجتهاده بآرائكم الصائبة، فارجعوا به إلى كتاب الله، فإنه شامل لحكمه، لا يغيب عنه، كما قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}[الأنعام:38].
(والرد إلى الرسول الأخذ بسنته): يعني فإن لم تجدوه في الكتاب لغموضه ودقة استنباطه منه فردوه إلى السنة.
__________
(1) سبحانه، زيادة في شرح النهج.
(2) ورسوله، سقط من (ب).
(3) في (ب): من إصلاح.
(4) تعالى، سقط من (ب).
(5) في (ب) وشرح النهج: فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه.

(الجامعة): للأحكام كلها، أو الجامعة لكتاب الله تعالى(1).
(غير المفرقة): التي لا تفريق(2) فيها ولا تناقض في شيء من أحكامها لما في كتاب الله تعالى.
سؤال؛ فِيْمَ هذا التنازع الذي ذكره الله، وكيف يكون الردُّ إلى الكتاب والسنة، وهل فيه إشارة إلى بطلان العمل على القياس(3)؟
وجوابه؛ أما التنازع فيحتمل أن يكون في المقدرات التي لا مجال للقياس فيها وهي أكثر العبادات، فإن معظمها محكمات من جهة الشارع، لا اهتداء لنا إلى معانيها، ولا تجري فيها الأقيسة، ويحتمل أن يكون ذلك في جميع الأحكام كلها.
وأما كيفية الردِّ فما كان مقدراً فالحكم فيه موكول إلى الكتاب والسنة ونصوصهما، وما يجري من جهتهما، ولا أصل لها سواهما، إذ لا يعلم التقدير إلا بأمر غيبي، وليس ذلك إلا ما يكون من لفظ الشارع واقتراحه(4)، وما كان من الأحكام غير مقدر فهو موكول إليهما أيضاً، بالنظر في ظواهرهما ونصوصهما وأخذ الحكم من ذلك.
قوله: هل في الآية إشارة إلى ردِّ القياس وإنكاره؟ فهو فاسد؛ لأن العمل بالقياس مردود إلى الكتاب والسنة وأخذه منهما، فكيف يقال: إن فيها إشارة إلى بطلانه.
ثم ذكر حال القضاء وما يجب مراعاته فيه، بقوله:
__________
(1) تعالى، زيادة في (ب).
(2) في (ب): لا تفرق.
(3) في (ب): بالقياس.
(4) من معاني الاقتراح: ارتجال الكلام، واستنباط الشيء من غير سماع، والاجتباء، والاختيار، والتحكم. (انظر القاموس المحيط ص302).

(ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك): يريد أنه لابد للناس من حاكم يفصل شجارهم، ويقطع مواد خصوماتهم، ويوِّصل إلى كلٍ حقه(1)؛ لأن ترك ذلك يؤدي إلى دوام التخاصم ويثير التظالم بين الخلق، وهو من أهم قواعد الشريعة وأعلاها بالمحافظة والمراقبة، فاختر له أحق الناس بالفضل من الرعية التي تحت يدك، وأعلاهم همة في الدين، وأعظمهم:
(في نفسك): بالإضافة إليك وإلى فراستك فيه وتفكرك في حاله، لا تكليف عليك سوى ما ينقدح في نفسك من ذاك.
(ممن لا تضيق به الأمور): ينزعج ويفشل عند ازدحام الأحكام والأقضية وتشاجر الخصوم وكثرة الدعاوي فتضيق نفسه.
(ولا تمحكه الخصوم): المحك هو: اللجاج، يقال: محكته فامحك كما يقال: خاصمته فخصمته.
(ولا يتمادى في الزلة): يعني أنه إذا زلَّ فليس يتمادى فيها(2) بالإصرار، بل لا يتمالك في تداركها والرجوع عنها.
(ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه): الحصر هو: العي، وأراد أنه لا يعيا عن الرجوع إلى الحق إذا تحقق ذلك وتيقنه.
(ولا تشرف نفسه على طمع): يعني ولا تتطلع نفسه إلى تحصيل الأطماع، من قولهم: أشرفت على(3) كذا إذا كان مطلعاً عليه، والغرض أنه بعيد عن الورود في المطامع.
(ولا يكتفي): في قضائه وحكمه.
(بأدنى فهم دون أقصاه): بسابق النظر والفهم من دون أن يكون تابعاً لمنتهى ذلك وغايته بالتدبر والتفهم والإبلاغ.
(أوقفهم في الشبهات): أكثر توقفاً في الأمور المشتبهة.
(وآخذهم بالحجج): أي وأقطعهم عند ظهور الحجة الواضحة.
__________
(1) في (ب): ويوصل إلى كل جهة.
(2) في (ب): بها.
(3) في (ب): إلى.

(وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصوم(1)): البرم هو: السآمة والملل، وأراد أنه لا يكون سائماً بمراجعة أهل الخصومات مالاًّ لها؛ لأن ذلك يؤدي إلى تغير حاله وطيشه وفشله.
(وأصبرهم على تكشف(2) الأمور): بالملمات والدواهي العظيمة، وأراد عند ظهورها وبدوها، يقال: كشفته فانكشف وكاشفته بالعداوة إذا بدأته بها، وفي الحديث: ((لو تكاشفتم ما تدافنتم))(3) أي لو أظهر بعضكم لبعض عيبه.
(وأصرمهم عند اتضاح الحكم): أفصلهم للقضية، وأقطعهم للجاج الخصوم عند قيام البينة، ووضوح الحجة، والمعنى في هذا أنه لا يقدم من غير بصيرة، وإذا حصلت البصيرة فهو غير متردد في الإنفاذ لقضائه وحكمه.
(ممن لا يزدهيه إطراء): أي لا يستخفُّه مدح.
(ولا يستميله): إلى الحكم بالباطل.
(إغراء): من يغري، وحث من يحثه على ذلك.
(أولئك قليل): يريد المستحقين لهذه الأوصاف العاملين على ما قلته من هذه الوظائف، ولقد صدق عليه السلام في مقالته هذه، فإن أكثر أئمة الزمان يعدم فيهم مراعاة هذه الصفات فضلاً عن حكامهم وولاة أمر حكمهم.
(ثم أكثر تعاهد قضائه): تفقده مرة بعد أخرى، والمطالعة لأحكامه الصادرة من جهته وإنفاذاته، وراقبها بعين كالية.
(وأفسح له في البذل): أمدَّه(4) من جهتك بالعطاء وارزقه رزقاً غامراً له.
(ما يزيح علته): أي يزيلها عن الرشوة والتباعد عن الأطماع الباردة والتهور فيها.
__________
(1) في شرح النهج: الخصم، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(2) في (ب): وأصبرهم بكشف الأمور... إلخ.
(3) النهاية لابن الأثير 4/176 وقال في شرحه: أي لو علم بعضكم سريرة بعض لاستثقل تشييع جنازته ودفنه.
(4) في (ب): أفده.

(وتقل معه حاجته إلى الناس): يريد أنك إذا أعطيته عطاء فاضلاً لم يحتج إلى أحد من الخلق في قليل ولا كثير.
(وأعطه من المنزلة لديك): من رفع المكانة وإشادة المنزلة من جهة(1) نفسك.
(ما لا يطمع فيه أحد(2) من خاصتك): الضمير في قوله: فيه له معنيان:
أحدهما: أن يكون عائداً إلى الحاكم، وأراد ما لايطمع أحد من الخاصة في السعاية به إليك، ويأمن ذلك.
وثانيهما: أن يكون عائداً إلى نفس المعطي، وغرضه وأعطه من الإنصاف ما لا يطمع فيه أحد من الخاصة فيكون له مثل حقه.
(ليأمن بذلك): ليكون على ثقة وأمن من وقوع إنصافك له ورفع منزلته عندك.
(اغتيال الرجال(3)): غدرهم ومكرهم به من حيث لا يشعر ولا يدري.
وفي نسخة أخرى: (اغتياب الرجال): أي أن يغتابوه بحضرتك وفي وجهك؛ لما يرون من شدة إنصافك له وارتفاع درجته عندك، فلا ينطقون فيه بما يكرهه منهم.
(فانظر في ذلك نظراً بليغاً): الإشارة بقوله: في ذلك يريد أمر القضاء؛ لأنه يتكلم فيه، ويحتمل أن يكون عاماً لجميع ما أسلفه من الآداب كلها، والأول هو الوجه.
(فإن هذا الدين قد كان أسيراً): يشير إلى ما كان قبل النبوة من أمر الجاهلية، يعني لا حكم له(4).
__________
(1) جهة، زيادة في (ب).
(2) في شرح النهج: غيره، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(3) في شرح النهج: اغتيال الرجال له عندك.
(4) وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج 17/60 ما لفظه: ثم قال: (إن هذا الدين قد كان أسيراً) هذه إشارة إلى قضاة عثمان وحكامه، وأنهم لم يكونوا يقضون بالحق عنده، بل بالهوى لطلب الدنيا. وأما أصحابنا فيقولون: رحم الله عثمان! فإنه كان ضعيفاً، واستولى عليه أهله، وقطعوا الأمور دونه، فإثمهم عليهم، وعثمان بريء منهم. انتهى.

(في أيدي الأشرار): من حكَّام الجاهلية نحو عامر بن الظرب(1) وغيره من الكهان، نحو شق(2) وسطيح(3) وغيرهما.
(يعمل فيه بالهوى): من غير هدى من الله بنبي ولا كتاب منير من عنده.
__________
(1) هو عامر بن الظرب بن عمرو بن عياذ العدواني، رئيس من الجاهليين، كان رئيس مضر وحكمها وفارسها، وكانت العرب لا تعدل بفهمه فهماً ولا بحكمه حكماً، وهو أحد المعمرين في الجاهلية. (انظر الأعلام 3/252).
(2) هو شق بن صعب بن يشكر بن رهم القسري البجلي الأنماري الأزدي، المتوفى سنة55ق.ه‍، كاهن جاهلي. (المصدر السابق 3/170).
(3) هو ربيع بن ربيعة بن مسعود بن عدي بن الذئب من بني مازن من الأزد، المتوفى نحو سنة52ق.ه‍. كاهن جاهلي غساني، من المعمرين، يعرف بسطيح، كان العرب يحتكمون إليه ويرضون بقضائه. (المصدر السابق 3/14).

(وتطلب به الدنيا): حطامها والرئاسة فيها نحو ما كان من حديث الحمس(1)
__________
(1) ذكر ابن هشام حديث الحمس في السيرة النبوية 1/131 فقال ما لفظه: قال ابن إسحاق: وقد كانت قريش لا أدري أَقَبْل الفيل أم بعده ابتدعت رأي الحمس رأياً رأوه وأداروه، فقالوا: نحن بنو إبراهيم، وأهل الحرمة، وولاة البيت، وقطان مكة وساكنها فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئاً من الحل كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم، وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم، فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما نعظمها ونحن الحمس، والحمس: أهل الحرم، ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذي لهم، بولادتهم إياهم، يحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم. انتهى، ثم استطرد الكلام في ذلك.

(انظره في المرجع السابق1/131-134 تحقيق عمر محمد عبد الخالق (ط1) 1420ه‍/1999م دار الفجر. القاهرة).

، وما كان من وضع القيافة في بني مدلج، ونحو البحيرة والسائبة والوصيلة(1) والحامي(2) وغير ذلك من الجهالات والضلالات، حتى جاء الله بالنور والضياء بالرسول والقرآن، فأمات هذه البدع ومحاها، وأحيا ما اندرس من السنن وأعلاها.
ثم ذكر حال العمال على جباية الخراجات، بقوله:
__________
(1) وقد ذكر الله عز وجل ذلك في سورة المائدة الآية103 فقال سبحانه: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} صدق الله العظيم. قال العلامة المفسر جار الله الزمخشري رحمه الله في تفسيرها في الكشاف1/717 ما لفظه: كان أهل الجاهلية إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها أي شقوها وحرموا ركوبها، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، وإذا لقيها المعيي لم يركبها، واسمها البحيرة، وكان يقول الرجل: إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي سائبة، وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها. وقيل: كان الرجل إذا أعتق عبداً قال: هو سائبة فلا عضل بينهما ولا ميراث، وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، فإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، وإذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: من حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى، ومعنى {ما جعل} ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير والتسييب وغير ذلك، ولكنهم بتحريمهم بما حرموا {يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} فلا ينسبون التحريم إلى الله حتى يفتروا، ولكنهم يقلدون في تحريمها كبارها. انتهى.
(2) والحامي، سقط من (ب).

(ثم انظر في أمور عمالك): جباة الخراج إليك والكتَّاب وأهل الديوان وحفَّاظ الجيوش، ومن كان مستعملاً على عمل من الأعمال لك.
(فاستعملهم اختياراً): من جهة نفسك لما ترى من صلاحيتهم لتلك الأعمال ومطابقتهم لإتقانها وعملها.
(ولا تولهم محاباة): مصانعة لهم ومداهنة وميلاً عن الحق في ذلك.
(وأثرة): الأثرة هي: الاسم من الاستئثار، وأراد وإيثاراً لهم على ذلك العمل من غير استتحقاق، ومحبة لا ستبدادهم به.
(فإنهم أجماع(1) من شعب الجور والخيانة): الأجماع جمع جمع، ويروى:
(جماع): أخذاً له من قوله عليه السلام: ((الخمر جماع الآثام(2)))، وأراد أنهم مجموعون من شعب الجور والخيانة، يشير بذلك إلى أنهم مطبوعون على ذلك مجبولون عليه، فما أحوجهم إلى المراقبة لأحوالهم والمطالعة(3) لتصرفاتهم.
(وتوخَّ منهم أهل التجربة والحياء): فاختر منهم وتحرى(4) ممن(5) كان له تجربة في ذلك وحياء، فلعل من يكون بهذه الصفة بمنعة عن التهور في المطامع والوقوع في المآثم بالخيانة، والإقدام على الأمور المحظورة.
(من أهل البيوتات الصالحة): ممن يشار إليه بالصلاح من القبائل وأهل المنازل الرفيعة.
(والقدم في الإسلام المتقدمة): ومن له عناية في الدين وقدم راسخة .
(فإنهم أكرم أخلاقاً): عن أن تتطرق إليهم التهمة.
(وأوضح أعراضاً(6)): عرض واضح إذا كان نقياً، وأراد أنهم أبعد عن الخيانة فيما اعتملوا عليه من الولايات.
__________
(1) في شرح النهج: فإنهما جماع ...إلخ.
(2) في (ب): الإثم.
(3) في (ب): والمراقبة.
(4) في نسخة: وتوخّ (هامش في ب).
(5) في (ب): من.
(6) في شرح النهج: وأصح أعراضاً.

(وأقل في المطامع إسرافاً(1)): أراد وإن بدا منهم يوماً مطمع من المطامع فهو قليل لا إسراف فيه، لما يحذرون من اللوم ويخافون من الفضيحة.
(وأبلغ في عواقب الأمور نظراً): يعني وأنظارهم فيما يؤمل من العواقب بالغة في الجزالة والحصافة(2) مبلغاً عظيماً.
(ثم أسبغ عليهم الأرزاق): أفضلها على مقدار كفايتهم وأوسعها عليهم.
(فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم): في القيام بأعمالهم التي يختصون بها وزيادة في عظم حالهم؛ لما يحصل بالقوة من الشيار(3) والأُبهة.
(وغنى لهم(4) عن تناول ما تحت أيديهم): ويكون فيه استغناء عن الخيانة فيما هم فيه؛ لأن أكثر ما تحصل به الجرأة على الخيانة لمن هذه حاله، هو الفقر إليه والحاجة الماسة من أجله.
(وحجة عليهم إن خالفوا أمرك): ومبالغة في وجوب الحجة عليهم مع المخالفة فيما أؤتمنوا عليه من ذلك، إذ لا عذر لهم في ذلك مع الغنى والتمكن والبسطة في الرزق.
(وثلموا(5) أمانتك): بالخيانة التي هي خلاف الاستقامة، والتي هي ثلم في الدين والأمانة.
(ثم تفقد أعمالهم): راقب ما وضعت لهم من تلك الأعمال وأرصدتهم لحفظها وأخذها.
(وابعث العيون): الحراس وأهل الحفظ.
(من أهل الصدق والوفاء(6)): ممن لا يكذب فيما ينقله إليك من أفعالهم، ولا يخون عهداً فيما قلته له من أجلهم، وعهدته إليه من إبلاغ أسرارهم إليك.
__________
(1) في شرح النهج: إشرافاً.
(2) في (ب): والحصانة.
(3) في (أ): السيار، بدون تنقيط، وفي (ب): الشنار، وهو تصحيف، والشيار بالياء: الحسن، والجمال، والهيئة، واللباس، والزينة. (انظر القاموس المحيط ص539).
(4) لهم، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(5) في (ب) وشرح النهج: أو ثلموا.
(6) في (ب) وشرح النهج: من أهل الصدق والوفاء عليهم.

(فإن تعاهدك(1) في السر لأمورهم): تفقدك لها في الخفية والاطلاع عليها سراً.
(حدوة لهم): بعث لهم عليها وحث على حفظها وصيانتها.
(على استعمال الأمانة): التي تحت أيديهم لك واستصحابها ومدوامتها، وكفاً لهم عما يخطر لأحد منهم على باله من خلاف ذلك.
(والرفق بالرعية): أي وحث على الرفق بالرعية؛ لأن أحوالهم إذا كانت على هذه الهيئة من المراقبة(2) كان ذلك أدعى إلى ما ذكره، وأبعد من الخيانة وعن تطرق التهمة.
(وتحفَّظ من الأعوان): من الخدم والجند والكتاب وسائر أعوان الدولة، وغرضه أنه يملك حذره في ذلك ويراقب أحوالهم.
(فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة): فيما اعتملته عليه من العمالات، أو في غيرها مما يتعلق بالدولة والرعية في مال أو خان في أي وجه من الخيانات.
(اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك): يشير إلى أن العمل في ذلك على سابق الرأي، وأول الظن(3) لا وجه له؛ لأنه يطرق خللاً عظيماً، ويؤدي إلى بطلان النظام واختلال أحوال العمال، ولابد في ذلك من غلبة ظن قوية تكون حاصلة من جهة العيون بأخبار مختلفة، بحيث لا يتطرق إليهم التواطؤ في ذلك.
(اكتفيت بذلك شاهداً): على صحة ما جنى، ولم يراع قيام البينة العادلة وتعديل الشهادة عند الحاكم، بل ذلك يكون(4) كافياً في الإقدام على الأدب عليه.
(فبسطت عليه العقوبة): أذقته وبالها.
(في بدنه): بالضرب وصبِّ جلدات النكال عليه.
(وأخذته بما أصاب من عمله): يعني أنك تخمِّن الأمر في مقدار ما خان في تلك الولاية وأتلف من أموال الله، فتأخذه به وتقتطعه من ماله.
__________
(1) في نسخة: فإن بتعاهدك (هامش في ب).
(2) في (ب): في المراقبة.
(3) في (ب): وأول النظر.
(4) في (ب): بل يكون ذلك.

ويحكى أن عمر بن الخطاب استعمل خالد بن الوليد في بعض الولايات، فاتهمه في الخيانة(1) فيها، فضرب بسهام الرأي في ذلك، فرأى أنه قد استغرق في تلك الولاية نصف ماله فقاسمه في نصفه، حتى لقد أخذ منه فردة نعله ونصف عمامته(2)، حراسة لأموال الله عن الإهمال، ومراقبة للولاة بالأعين الكالية.
(ثم نصبته): بعد ذلك.
(بمقام المذلة): الصغار والمهانة.
(ووسمته بالخيانة): علمته للناس بأنه خائن في عمالته حتى لا يعتمل على عمل قط، ولا يؤمن في قليل ولا كثير.
(وقلدته عار التهمة): جعلته بمنزلة القلادة في عنقه، وكل ذلك مبالغة في الأمر، وحفظ للدولة ومراعاة لأحوال السياسة والإيالة.
ثم عقب ذلك بذكر الخراج والتعهد لأحواله، بقوله:
(وتفقد أمر الخراج): وهو عبارة عن جميع الأموال المأخوذة من الخلق من أموال المصالح وغيرها، ثم هو ضربان:
فالضرب الأول من ذلك:
__________
(1) في (ب): بالخيانة.
(2) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 1/180 ما لفظه: عزل عمر خالداً عن إمارة حمص في سنة سبع عشرة، وأقامه للناس، وعقله بعمامته، ونزع قلنسوته عن رأسه وقال: أعلمني من أين لك هذا المال؟ وذلك أنه أجاز الأشعث بن قيس بعشرة آلاف درهم، فقال: من الأنفال والسهمان، فقال: لا والله لا تعمل لي عملاً بعد اليوم، وشاطره ماله، وكتب إلى الأمصار بعزله، وقال: إن الناس فتنوا به، فخفت أن يواكلوا إليه، وأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع. انتهى.

أموال المصالح وهي الفيء، والأموال المضروبة(1) للخراج، والجزية، واللقط، والأموال التي لا مالك لها، فهذه كلها مصروفة في مصالح الدين، في العلماء، وإصلاح الطرقات، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة، وما تكون مصلحته راجعة إلى جملة الدين، وهل يعطى الفقير الذي لا مصلحة فيه؟ فيه تردد للنظر، وقد كان ابن عمر يعطيه.
الضرب الثاني من ذلك:
أموال الفقراء وهي عبارة عن الزكوات، والفطر، والكفارات، والنذور المطلقة، فهذه لا يجوز صرفها في المصالح، وإنما هي مصروفة في الأصناف الثمانية التي ذكرها الله في كتابه، ولها أحكام مخصوصة ليس هذا موضع ذكرها.
(بما يصلح أهله): بما يكون نظراً في صلاح أهله، وتعهد لأحوالهم من أجله.
(فإن في(2) صلاحه): بالحفظ والصيانة.
(وصلاحهم): بالتخفيف(3) والرفق في أحوالهم.
(صلاحاً لمن سواهم): من الجند والديوان بحفظ بيضة الإسلام.
(ولا صلاح لمن سواهم): من الجند والضعفاء والمساكين وغيرهم من أهل الخراج.
(إلا بهم): بسبب قوتهم وإصلاح أحوالهم(4).
(لأن الناس كلهم): من أجناد الإسلام وأعوانه وسائر الفقراء والمساكين وغيرهم ممن له حظ في الخراج ونصيب فيه.
(عِيَالٌ على الخراج): ثقل عليه وَكلٌّ.
(وأهله): ومن يؤخذ الخراج منه.
(وليكن نظرك في عمارة الأرض): يعني اجعل أهم أنظارك في عمارة البلدان والأراضي بالقوة لأهلها.
(أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج): في تحصيله وكثرته.
(لأن ذلك لايدرك إلا بالعمارة): يعني أن كثرة الخراج وقوته لا يدرك إلا بالعمارة للأرض(5).
__________
(1) في (ب): المصروفة.
(2) في، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(3) في (ب): بالتحقيق.
(4) في (ب): حالهم.
(5) في (ب): بعمارة الأرض.

(ومن طلب الخراج من غير(1) عمارة أخرب البلاد): يريد أن الوالي إذا كان همه تحصيل الخراج على أي وجه كان من غير نظر في عمارة الأراضي وتقويتها، فإن ذلك إخراباً للأرض وإفساداً لها؛ لأنهم إذا كانوا يطلبون الخراج من أهله من غير عمارة ضعفوا بأخذ أموالهم وهانوا عن عمارة الأرض، فيكون ذلك سبباً في خرابها لا محالة، وهذه عادة كثير من الظلمة وأهل الجور، يطلبون ما في الأيدي(2) من غير التفات حتى تهلك الأرض، وتبطل عمارتها، ويهلك أهلها فقراً وهزالاً بما يلحقهم من الظلم في ذلك.
(وأهلك العباد): بالظلم والجور.
(ولم يستقم أمره إلا قليلاً): لأمرين:
أما أولاً: فلإسراع الله تعالى له بالعقوبة وتعجيل النقمة بما كان منه من الظلم والجور.
وأما ثانياً: فلأن قوامه ودوامه إنما هو بما يحصل من الخراج وقوة أهله، فإذا بطل الخراج وضعف أهله فلا بقاء له بحال، فلهذا قال: لم يستقم أمره إلا قليلاً.
(فإن شكوا ثقلاً): يعني الموظف(3) عليهم الخراج من الرعية زيادة تثقل عليهم أداؤها وتضعف أحوالهم.
(أو علة): أصابت الزرع من المصائب المتلفة له والناقصة لأحواله كالبرد والدود أو غير ذلك من الآفات.
(أو انقطاع شرب): يريد فيما كان شربه بالعيون والآبار فينقطع الماء عنه.
(أو بالّة): يعني(4) إما جعله كناية عن الماء القليل قدر ما يبل، ولهذا يقال: لا تبل فلان عندي بالَّة أي لا يصيبه مني خير ولا ندى، وإما أن يريد السحب البالَّة، والأمطار تكون قليلة، فيضعف الزرع لأجلها.
__________
(1) في شرح النهج: بغير، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(2) في (ب): ما في أيدي الناس.
(3) أي المقدر عليهم الخراج.
(4) يعني، سقط من (ب).

(أو إحالة أرض): تحولَّها عما كانت عليه من الصلاح للزراعة، ثم فسر ما حولها غير ذلك بقوله:
(اغتمرها غرق): أي علاها ودام عليها حتى أهلكها.
(أو أجحف بها عطش): أذهبها وأزال ما زرعته.
(خففت عليهم(1)): الخراج المطلوب منهم ورفعته.
(بما ترجو أن يصلح به أمرهم): يريد أن التخفيف على قدر الحال في ذلك، فإن اقتضى رفع الكل أو رفع البعض كان ذلك على قدر ما يراه الوالي مصلحاً لأحوالهم وأمورهم.
(ولا يثقلنَّ عليك شيء خففت به المؤونة عنهم(2)): أراد ولا يصعبنَّ عليك إزالة ما تزيله عنهم من المطالب وتخففه عنهم من الغرامات والمؤن.
(فإنه ذخر): كأنك ذخر ته عندهم وخبيَّة خبأتها في أيديهم.
(يعودون به عليك): يرجعون بها إليك، وينفقونها:
(في عمارة بلادك): إصلاح أحوالها وتهيئتها للزراعة والقوة.
(وتزيين ولايتك): لأن البلاد إذا كانت عامرة وأهلها في دعة ورخاء وبُلَهْنِيَةٍ(3) من العيش وأمن من السبل؛ فإن ذلك كله يزين الوالي ويحسِّن ظن الخلق فيه.
(مع استجلابك حسن ثنائهم): بما فعلته معهم من التخفيف والرفق.
(وتبجَّحك باستفاضة العدل عليهم(4)): يعني وظهور ما يظهر من جهتك من النشاط والفرح بما أسبلته عليهم من ستر عدلك.
(معتمداً): فيما فعلته من رفع المطالب وإزالة الغرامات.
(أفضل(5) قوتهم): أعظم ما يتقوون به ويكون سبباً في قوة أمرهم.
__________
(1) في شرح النهج: عنهم، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(2) في (ب): عليهم.
(3) هو في بُلَهْنِيةٍ من العيش بضم الباء أي سعة ورفاهية. (انظر القاموس المحيط ص1524).
(4) في (ب) وشرح النهج: فيهم.
(5) في شرح النهج: فضل.

(بما ذخرته(1) عندهم من إجمامك لهم): خبأته عندهم من ترفيهك وإراحتك لهم عن هموم المطالب وعموم الغرم، يقال: فرس جامُّ إذا كان متروكاً عن السير(2)، مقيماً على الراحة.
(والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم): وواثقين بما ألفوه من بسط العدل من جهتك إليهم.
(في رفقك(3) بهم): وبالرفق الواصل إليهم من عندك والرحمة لهم في ذلك، فطابت خواطرهم إلى ذلك، واطمأنوا إليه، وانشرحت به صدورهم.
(فربما حدث من الأمور): العظيمة والنوائب الهائلة.
(ما إذا عوَّلت فيه عليهم): الذي إذا طلبتهم لأجله من الأموال العظيمة والخراجات الكثيرة.
(من بعد): يعني من بعد ما قد فعلت ما فعلته من التخفيف والرفق.
(احتملوه طيبة أنفسهم به(4)): حملوه ودفعوه على طيب من أنفسهم وثلج من خواطرهم، لا يتضررون به لقوتهم وعمارة أوطانهم.
(فإن العمران محتمل ما حمَّلته): يريد أن البلدان والأقاليم وسائر الأقطار كلها إذا كانت قوية عامرة، فهي محتملة لما حمَّلتها من الخراجات الواسعة لا تحتفل(5) بها، ولا تشغر(6) بما دفعوه من ذلك.
(وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها): الإعواز: الفقر والإملاق، وأراد أنهم إذا كانوا فقراء عوزين محتاجين ضعفوا عن عمارة الأرض، فلهذا كان ذلك سبباً في خرابها ودمارها.
(وإنما يعوز أهلها): يكون السبب في فقرهم.
__________
(1) في شرح النهج: ذخرت، وكذا في نسخة، ذكره في هامش (ب).
(2) عن السير، سقط من (ب).
(3) في (ب) وشرح النهج: ورفقك بهم.
(4) به، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(5) أي لا تبالي.
(6) أي ولا تنقص، من قولهم: شغر السعر إذا نقص.

(لإسراف أنفس الولاة على الجمع): لتجاوزهم الحد في الجمع والادخار للأموال وكسبها من غير حلها، هذا إذا كانت الرواية بالسين المنقوطة(1) من أسفلها، فأما من رواه بالشين منقوطة(2) من أعلاها، فالغرض إقبالهم على جمع الأموال، من قولهم: فلان مشرف على أمره إذا كان مقبلاً عليه بإصلاحه.
(وسوء ظنهم بالبقاء): يعني أنهم موطنون نفوسهم على الزوال والذهاب فلا يلتفتون إلى العاقبة للأمر في ذلك.
(وقلة انتفاعهم بالعبر): بالمواعظ، هذا على رواية من رواه بالعين المهملة، فأما(3) من رواه بالغين المنقوطة(4)، فالغرض به تغيرات الدهر وحوادثه أي لا يحتفلون بها، ولا يكنزون(5) من أجلها، ولقد بالغ في تعليم كيفية أخذ الخراج من أهله مخافة تجرِّي(6) الظلم في حق الخراج، ومحافظة على الترفيه بالرعية والرفق بأحوالهم، رعاية من كان همه خوف الله وإشادة قوانين العدل، ووضع موازين القسط، ورفقاً بالأمة وحماية لهم.
ثم أردف ذلك بذكر أحوال الكتَّاب، بقوله:
(ثم انظر حال(7) كتَّابك): يعني الذين يكتبون الرسائل ويصدرون الأجوبة، مما يرد من العمال والأسرار وأحوال الحوادث في الأقاليم والبلدان وغير ذلك، مما يستدعيه أمر الكتابة.
(فولِّ على أمورك): فيما يكون متعلقاً بها.
(خيرهم):أفضلهم في الدين والتقوى.
__________
(1) في (أ): منقوطة.
(2) أي لإشراف.
(3) في (أ): وأما.
(4) أي بِالْغِيَرِ.
(5) في (ب): ولا يكترثون.
(6) في (ب): مخافة أن يجري ...إلخ.
(7) في (ب) وشرح النهج: في حال.

(واخصص رسائلك(1) الت‍ي تدخل فيها مكايدك وأسرارك): الكيد هو: الخدع، والمكايد: المخادع والمراصد، ومنه قولهم: عرف فلان ما يكاد به أي ما يخدع به ويرصد له، وأراد ها هنا تخصيص الرسائل التي تُضَمِّنُها مراصد الحرب، ومكايدها وأسرارك التي تضمرها لمصالح دولتك وإصلاح أمرك.
(بأجمعهم لوجود(2) صالح الأخلاق): بالذي تجتمع فيه الخلائق المرضية والشمائل الشريفة.
(ممن لا تبطره الكرامة): يخرج بها عن الحد، والبطر: المرح وشدة الاختيال.
(فيجترئ بها عليك): فيكون سبباً للإقدام في الأمور المكروهة عليك.
(في خلاف لك): فيما يخالفه(3) من أمرك الذي أمرته به.
(في ملأ): في مجمع من(4) الخلق ومحفل من محافلهم.
(ولا تقصِّر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك): يعني ولا يتهاون بأمرك تقصيراً منه وتغافلاً عن إيراد المكاتبات الواصلة من العمال؛ لأن في تأخيرذلك ضرراً عظيماً وخللاً في الدولة بإغفال ذلك.
(وإصدار جواباتها على الصواب عنك): من غير مخالفة لرأيك فيما يصدره من الأجوبة.
(وفيما يأخذ لك): على الرعية والولاة من الحل والعقد والقبض والبسط.
(ويعطي عنك(5)): من الجوائز والإنعامات والذمم والعهود والأمانات، فإن الكتاب هم حفظة الأسرار، وبأيديهم ملاك الأمور ومقاليد الدولة.
(ولا يُضْعِفُ عقداً اعتقده لك): ولا يهوِّن ما أخذ(6) لك من العقود، ويبلغ فيها كل مبلغ من تأكيدها والتحفظ فيها والمبالغة في وثاقها.
__________
(1) في (ب): برسائلك.
(2) في (ب): بوجوه.
(3) في (ب): يخالفك.
(4) من، سقط من (ب).
(5) في شرح النهج: منك، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(6) في (ب): أخذه.

(ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك): وإذا عقد عليك عقداً من ذمة أو وفاء بأمر، أو غير ذلك فلا يتأخر عن إطلاقه لمن هو له، فأنت أحق الناس بالوفاء بالعهد وأصونهم للميثاق.
(ولا يجهل مبلغ قدر(1) نفسه في الأمور): يعني وليكن عالماً بمنتهى قدره في الأمور فيما يأتي منها وما(2) يذر، وفيما يكون له(3) التصرف فيه، وفيما لا يكون كذلك.
(فإن الجاهل بقدر نفسه): [في الأمور](4) الذي لا يعرف حالها في الإقدام والإحجام والأخذ والترك.
(يكون بقدر(5) غيره أجهل): لأن نفسه أخص، فإذا جهلها فغيرها أدخل لا محالة في الجهالة، ومهما جهل حالك لم يكن داخلاً في مرادك ولا كان على وفقه، وفي ذلك ما لا يخفى فساده وضرره عليك.
(ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك): الفراسة في الشيء هي: الخبرة بحاله والانتقاد لأمره، يعني وإذا اخترت واحداً منهم للكتابة فلا تختره على تفرسك في حاله.
(واستنامتك): الاستنامة: السكون والاطمئنان إلى الشيء، يقال: استنام إليه إذا سكن واطمأن، ومنه النوم.
(وحسن الظن منك): بأحوالهم وما يبدونه من حسن سيرهم وطرائقهم.
(فإن الرجال يتعرفون فراسات(6) الولاة بتصنعهم): التصنع: تكلف حسن السمت وإظهار جميل الحال، وغرضه أن الرجال يزورون الولاة ويتطلعون على خلائقهم بما يظهرونه لهم من حسن الهيئة في أول الأمر بإظهار السمت الحسن.
(وحسن خدمتهم(7)): ليخبروا كنه حالهم.
__________
(1) قدر، سقط من (ب).
(2) ما، زيادة في (ب).
(3) له، سقط من (ب).
(4) زيادة في (ب).
(5) في (ب): لقدر.
(6) في شرح النهج: يتعرضون لفراسات.
(7) في شرح النهج: وحسن حديثهم.

(وليس وراء ذلك من النصيحة شيء والأمانة(1)): وليس يفعلونه نصحاً وإنما غرضهم الاختبار، فلا ينبغي للوالي أن يغتر بمثل ذلك ولا ينخدع به.
(ولكن) استدراك عما(2) نفاه أولاً.
(اختبرهم بما(3) ولوا للصالحين قبلك): يعني وإذا أردت الامتحان الصادق في حقهم فامتحنهم بما قد كانوا تولوا لأهل الصلاح قبل دولتك.
(فاعمد): في التولية والاستخدام.
(لأحسنهم(4) في العامة أثراً): لمن كانت آثاره حسنة جميلة، محمودة طرائقه، وإنما قال: في العامة؛ لأنهم لسان العالم وعنهم حصول الخبرة الصادقة والفراسة المؤكدة .
(وأعرفهم بالأمانة وجهاً): وأكثرهم علماً ومعرفة بالوجوه التي تحتملها الأمانات وتؤدى عليها(5).
(فإن ذلك): يريد ما قدمه من حسن النظر والتفرس في أحوال الكتَّاب والتعهد لأحوالهم كلها.
(دليل على نصيحتك لله): بامتثالك لأمره، وحسن رعايتك لخلقه(6) واحتياطك في ديانتك، وبلوغك أقصى الجهد في رعاية أمورهم.
(ولمن وُلِّيت أمره): ولإمامك الذي مكَّنك من هذه الولاية، فعملت فيها على ما يريده منك ويرجوه من حالك.
(واجعل لرأس كل أمر من أمورك): يحتمل أن يكون هذا عاماً في جميع أحوال الدولة، وأراد أن إيالات الدولة كثيرة وأمورها متشعبة، فاجعل على كل نوع من أنواعها من يصلحه ويقوم به، ويحتمل أن يكون خاصاً في الكتَّاب، وغرضه أن أنواع الكتابة كثيرة منتشرة فاجعل على كل نوع من أنواعها ومرتبة من مراتبها.
(رأساً منهم): يعني الكتَّاب يدري بأحوالها ويتعهد أمورها.
__________
(1) في (ب) وشرح النهج: وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شيء.
(2) في (ب): لما.
(3) في (ب): عما.
(4) في (ب) وشرح النهج: لأحسنهم كان في العامة أثراً.
(5) في (ب): إليها.
(6) في (ب): لحقه.

(لا يقهره كبيرها): فيضعف عن إتقانه وضبطه.
(ولا يتشتت عليه كثيرها): فيغيب عنه ويغفل عن مهماته ويتقاصر عن إدراكه.
(ومهما كان في كتَّابك من عيب فتغابيت عنه): يريد وتحقق أنه مهما اطلعت على عيب ومكر في كتَّابك، فتغافلت عنه وأغضيت عن إنكاره وتغييره:
(أُلْزِمْتَه): كان الله هو الملازم لك والآخذ عليك في ترك إنكاره وتغييره.
ثم أخذ في ذكر الوصية بالتُّجّار، بقوله:
(استوص بالتجَّار وذوي الصناعات): مفعولا استوص محذوفان تقديرهما: استوص بالتجار(1) نفسك فيهم خيراً، وفي الحديث: ((استوصوا بالنساء خيراً، فإنهنَّ عوارٍ عندكم))(2).
(وأوص بهم خيراً): أي وأوص الولاة بهم خيراً.
(المقيم): يريد من التجُّار؛ لأن منهم من يقيم في بلده لا يخرج منها أبداً، وإنما تقلباته كلها فيها إيثاراً للدعة وشهوة للراحة وعجزاً عن الأسفار.
(منهم والمضطرب بماله): المختلف بالأموال في الأقاليم والأقطار لطلب الأرباح والفوائد.
(والمترفق بيديه(3)): الارتفاق باليد هو: العمل بها والانتفاع بسببها؛ لأن أكثر أعمال المحترفين من ذوي الصناعات تكون بأيديهم.
__________
(1) قوله: بالتجار، زيادة في (ب).
(2) الحديث هو جزء من خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع أورده ابن هشام في السيرة النبوية 4/275-276، وابن أبي الحديد في شرح النهج1/126-127، وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 1/516 إلى آداب الزفاف 149، وقوله هنا: ((عوار)) في المصادر المذكورة: ((عوان))، وأشار في هامش سيرة ابن هشام إلى أن في بعض الروايات: ((عوار)) بالراء المهملة جمع عارية.
(3) في شرح النهج: ببدنه.

وفي نسخة أخرى: (ببدنه) بالنون، وهو أن يؤجر نفسه للمنافع العظيمة كالرعاية وحفظ الأموال وغير ذلك مما لايكون فيه عمل باليد.
(فإنهم مواد المنافع): يمدون الخلق بما يأتون به من البلدان، ويكتسبونه(1) من أقاصي الأرض وأطرافها.
(وأسباب المرافق): الانتفاعات كلها.
(وجلاَّبها من المباعد): والجالبون لها من الأماكن البعيدة.
(والمطارح): جمع مطرح وهو: المكان البعيد، واطَّرحه أي أبعده، والطرَحُ بالتحريك: البعيد من الأمكنة، قال الأعشى:
تبتني الحمد(2) وتسمو للعلى

وتُرَى نارك من ناء طَرَحْ(3)

أي بعيد.
(في برك وبحرك، وسهلك وجبلك): وإنما أضاف هذه الأمور إليه لاستيلائه عليها وكونها في ولايته وتحت أمره وحكمه، فلهذا أضافها إليه.
(وحيث لا يَلْتِهمُ الناس لمواضعها): يعلمون بها فيؤدونها ولكنهم يتصلفون(4) على أدائها وتحصيلها، وفي نسخة أخرى: (يلتئم(5) الناس): أي يجتمعون على أدائها وتحصيلها.
(ولا يجترئون عليها): لما في أماكنها من المخافة والوحشة، وطرو الآفات الكثيرة، فلهذا تأخروا عن أدائها، واجترى التجار عليها طلباً للفوائد.
__________
(1) في (ب): ويكتسبونها.
(2) في (ب): للحمد.
(3) البيت في لسان العرب 2/578 ورواية الشطر الأول فيه:
تبتني الحمد وتسمو للعلى
وقد أصلحته منه، وهو في النسخ: يبتني الحمد ويسمو للعلى
(4) الصلف: مجاوزة قدر الظرف والادعاء فوق ذلك تكبراً فهو رجل صلف وقد تصلَّف. (مختار الصحاح ص368).
(5) وكذا في شرح النهج، أي يلتئم.

(فإنهم سلم لا تُخاف بائقته): يعني التجار سلم إما ذوو سلم أي مسالمة، وإما على جهة المبالغة كقولك: رجل رضى وعدل، لكثرة ما يحصل منهم من المسالمة، وكف الشرور من جهتهم، والبائقة: الداهية، فإنها مأمونة من نفوسهم، لا يخشاها أحد من جهتهم.
(وصلح لا تخشى غائلته): إما وذوي(1) صلح، أو على طريق المبالغة، والغائلة: الشر والخديعة والمكر.
(وتفقد أمورهم بحضرتك): يريد في البلد التي أنت فيها.
(وفي حواشي بلادك): أطرافها ونواحيها البعيدة، والحاشية هي: طرف الثوب وجانبه.
(واعلم -مع ذلك-): الذي أمرتك به وحققته لك من حالهم، وما ينبغي من مراعاة جانبهم من الرحمة والشفقة عليهم.
(أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً): على نفسه وأهله وولده وغيرهم.
(وشحاً قبيحاً): بخلاً لا يمكن وصفه.
(واحتكاراً للمنافع): ما ينتفع به الناس في الأقوات نحو الحنطة والشعير والزبيب والتمر وغير ذلك من أنواع المأكولات، يدخرونها من أجل التربص(2) لغلاء أثمانها، وكلامه ها هنا دال على أن الاحتكار كما يكون في الأقوات فقد يكون في غيرها كالزعفران والفلفل وغير ذلك؛ لأنه عمم المنافع من غير تخصيص لبعضها عن بعض، وأن حكم الاحتكار جار فيها كلها.
(وتحكماً في البياعات): لا يريد أن يبيع شيئاً من هذه إلا بحكمه وهواه من غير مراقبة للدين ولا مراعاة لأمر الله في ذلك.
(وذلك باب مضرة(3)): الإشارة إلى الاحتكار لما فيه من المضرة بالمسلمين وسائر الخلق.
(للعامة): يشير إلى عموم مضرته بالخلق أجمع، لا يختص واحداً دون واحد.
__________
(1) في (ب): ذوي.
(2) التربص: الانتظار، والمتربص: المحتكر. (مختار الصحاح ص229).
(3) في (ب): باب مضر.

(وعيب للولاة(1)): مدخل للطعن عليهم عظيم لما يلحق بسببه من المضرة.
(فإن رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم](2) منع منه): يشير إلى قوله عليه السلام: ((من احتكر أربعين يوماً فقد برئ الله منه))(3)، وفي حديث آخر: ((المحتكر ينتظر اللعنة، والمنفق ينتظر الرحمة))(4).
واعلم: أن الاحتكار إنما يكون حراماً على فاعله، مستحق للنكير، باعتبار أمور ثلاثة:
أما أولاً: فبأن يكون زائداً على قوته وقوت من تحت يده.
وأما ثانياً: فبأن يكون بالمسلمين إليه حاجة ماسَّة.
وأما ثالثاً: فبأن لا يكون موجوداً إلا معه، فإن كان يوجد معه ومع غيره وبذله غيره حتى استغني عنه، فلا يكون بذلك محتكراً، فإن امتنعوا كلهم كان حكمهم حكم(5) واحد(6) في الإنكار والوعيد.
__________
(1) في شرح النهج: على الولاة، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب)، وبعده في شرح النهج: فامنع من الاحتكار فإن رسول الله ...إلخ.
(2) زيادة في شرح النهج.
(3) الحديث بلفظ: ((من احتكر طعاماً أربعين يوماً فقد برئ من الله وبرئ الله منه)) رواه الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام في أصول الأحكام (تحت الطبع بتحقيق الأستاذ العلامة عبد الله حمود العزي) ورواه السيد العلامة أحمد بن يوسف زبارة في أنوار التمام في تتمة الاعتصام 4/54 وعزاه إلى أصول الأحكام، وأمالي الإمام أحمد بن عيسى، والشفاء وقال: وأخرجه رزين، وانظر موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8/36.
(4) أوله وهو قوله: ((المحتكر ينتظر اللعنة)) هو في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8/661 وعزاه إلى المعجم الكبير للطبراني12/427، ومجمع الزوائد للهيثمي9/191، وتأريخ بغداد للخطيب البغدادي 9/425 وإلى غيرها.
(5) حكم، سقط من (ب).
(6) في (ب): كان حكمهم واحداً.

(وليكن البيع سمحاً(1)): من غير غلاء فيضر بالمشتري، ولا رخص فيضر البائع.
(بموازين قسط وعدل(2)): لاحيف فيها بزيادة ولا نقصان.
(وأسعار): وجري أسعار.
(لا تجحف بالفريقين من البائع والمشتري(3)): أي لا تضر بهما جميعاً، وإنما بالغ في أمر البيع بالكيل والوزن، وحرم الاحتكار؛ لأن الله أنزل فيهما سورة وافتتح أولها بالويل، حيث قال: {وَيْلٌ لِلْمُطَفّفِينَ}[المطففين:1]، وعقب ذلك بالوعيد العظيم بالبعث بقوله: {أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ}[المطففين:4]، وذكر اليوم الهائل بقوله: {لِيَوْمٍ عَظِيمٍ}[المطففين:5]، وهو يوم القيامة، وذكر المحاسب بقوله: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}[المطففين:6].
(فمن قارف حُكْرَةً): خالطها ولابسها، والمقارفة: المخالطة.
(بعد نهيك إياه): بعد أن سمع المنع في ذلك من جهتك وبلغه ذلك ليتحقق جرمه.
(فنكِّل به): اجعله نكالاً وعبرة لغيره يُتَمَثَّلُ بها وتكون وازعة له.
(وعاقب): أدِّب وعزِّر.
__________
(1) في (ب) وشرح النهج: وليكن البيع بيعاً سمحاً.
(2) في شرح النهج: بموازين عدل.
(3) في شرح النهج: والمبتاع، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).

(من غير إسراف): تجاوز حد(1) في جنس العقوبة، بأن تكون مخالفة لعقوبة من سلف من الأفاضل في الصدر الأول، نحو جدع الأنف واصطلام الشفة(2)، فإن مثل هذا لا وجه له، أو في مقدار العقوبة فيكون الضرب بالغاً مبلغ الحد، فهذا أيضاً لا وجه له، وفي الحديث: ((من ضرب الحد فهو من المعتدين))(3) يريد من(4) ضرب الحد من غير حد.
وعن أمير المؤمنين: أنه مر برجل يبيع الزعفران وقد أرجح، فقال له: أقم الوزن، ثم أرجح بعد ذلك، كأنه أمره التسوية ليعتادها(5)، ويرجح بعد ذلك ما شاء.
وعن ابن عمر أنه كان يمر بالبائع فيقول له: اتق الله، وأوف الكيل، فإن المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن(6).
ثم عقب ذلك بذكر حال أهل المسكنة، بقوله:
(ثم الله الله في الطبقة السفلى): وإنما كرر ذكرهم مبالغة في الاهتمام بهم والتعهد لأمورهم.
(من الذين لا حيلة لهم): لايستطيعون التحيل لاكتساب المعيشة، ولا يهتدون لها.
(والمساكين(7) والمحتاجين): أهل الفاقة والفقر.
__________
(1) حد، سقط من (ب).
(2) جدع الأنف: أي قطعه، واصطلام الشفة: أي استئصالها.
(3) رواه الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام في أصول الأحكام من باب التعزير، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من ضرب حداً في غير حد فهو من المعتدين))، وهو بلفظ: ((من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين)) رواه العلامة أحمد بن يوسف زبارة رحمه الله في أنوار التمام 5/149 عن الضحاك، وعزاه إلى الجامع الكافي لأبي عبد الله العلوي، والشفاء للأمير الحسين بن بدر الدين.
(4) من، زيادة في (ب).
(5) الكشاف 4/720.
(6) المصدر السابق 4/720.
(7) قوله: والمساكين، زيادة في (ب)، والعبارة في شرح النهج: من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسى.

(والبؤسى): إما ذوي البؤسى وهي ضد النعمى، وإما جمع بأس وبؤسى نحو وجع ووجعى.
(والزمنى): جمع زَمِن وهم: المرضى وأهل الزمانة.
(فإن في هذه الطبقة): الذين(1) سميت لك.
(قانعاً ومعتراً): القانع هو: السائل، من قولهم: قنعت إليه إذا خضعت له، والمعتر هو: المتعرض من غير سؤال، وقيل: القانع هو الراضي بما عنده من غير سؤال، والمعتر هو: المتعرض بالسؤال(2).
(فاحفظ لله(3) ما استحفظك من حقه فيهم): الحفظ: الحراسة، والحفظ: المراقبة، وأراد واحرس من أجل الله وراقبه ما طلب منك من الحق في حفظ هؤلاء وحراستهم، ومنه قولهم: استحفظته كذا إذا طلبت منه حفظه.
(واجعل لهم قسماً من بيت مالك(4)): نصيباً يغنيهم من أموال المصالح، وفي هذا دلالة على جواز إعطاء الفقراء من بيت المال الذين لا مزية لهم على الفقر، وهو ظاهر كلامه ها هنا.
(وقسماً من غلات صوافي الإسلام): الصوافي: جمع صافية وهو: الأراضي المغتنمة من أيدي الكفار.
(في كل بلد): حيث كانوا من بلدان الإسلام، وحيث كانت الصافية في جهتهم أو في غيرها.
(فإن للأقصى منهم): للأبعد.
(مثل الذي للأدنى): الأقرب بالإضافة إما إليك، وإما بالإضافة إلى هذه الصوافي، فإن أحداً لا يختص بها دون أحد، بل هم فوضى(5) فيها.
(وكل): من هؤلاء الذين ذكرت لك حالهم وحققت لك أوصافهم.
(قد اسْتُرْعِيْتَ حقه): طلب منك رعاية حقه، والطالب لها هو الله لا إله غيره.
(فلا يشغلنك عنهم نظر(6)): يلهينك عن أحوالهم والتعهد لها نظر في غيرها.
__________
(1) في (ب): التي.
(2) الكشاف 3/160.
(3) في شرح النهج: واحفظ الله.
(4) في نسخة: من بيت مال الله، (هامش في ب).
(5) قوم فوضى أي متساوون
(6) في شرح النهج: بطر.

(فإنك لا تعذر بتضييع التافه): يعني الحقير.
(لإحكامك الكثير المهم): يعني أن الأمور كلها تحتاج إلى تفقد وتعهد صغيرها وكبيرها، ولا يكفي شيء منها عن شيء؛ لاستوائها كلها في كونها مطلوبة من جهة الله تعالى.
(فلا تشخص همَّك عنهم): أي لا تغيِّب(1) عنهم اهتمامك بهم، وعنايتك من أجلهم.
(ولا تصعِّر خدك لهم): الصعر: الميل في الخد خاصة من الكبر، قال الله تعالى: {ولا تصاعر(2) خَدَّكَ لِلنَّاسِ}[لقمان:18].
(وتفقد أمور من لا يصل إليك(3)): لحقارة أمره ورثة هيئته.
(ممن تقتحمه العيون): تزدريه وتصغِّره ولا ترى له حقاً.
(وتحقره الرجال): تذله وتستخف بحاله.
(ففرِّغ لأولئك ثقتك): فوجه إليهم من تفرغه عن مزدحم الأشغال من أهل الثقة والديانة والصلاح والأمانة.
(من أهل الخشية): لله والمراقبة له.
(والتواضع): لعظمته وجلاله.
(فليرفع إليك أمورهم): كلها دقيقها وجليلها فتصفحها وانظر فيها نظراً ثاقباً.
(ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه): بإقامة العذر عنده، وما يكون فيه خلاص لك عن(4) عهدة ذلك عند موتك أو في يوم القيامة.
(فإن هؤلاء من بين الرعية): من أجل ضعفهم ومسكنتهم، ونزول هممهم وأقدارهم.
(أحوج إلى الإنصاف من غيرهم): لأمرين:
أما أولاً: فلأن إنصافهم يكون خالصاً لوجه الله تعالى لا غرض فيه دنيوي، ولا صنيعة فيه لآدمي.
وأما ثانياً: فلأجل ما هم عليه من ركة الحال وضعف الأمر، فلأجل هذين الوجهين(5) كانوا أحق بالإنصاف من جهتك.
(وكل): ممن ذكرت لك وسميته ووصفت حاله.
__________
(1) في (ب): أي لا تفيت.
(2) هكذا في النسخ، وهو على قراءة نافع.
(3) في (ب) وشرح النهج: من لا يصل إليك منهم.
(4) في (ب): من.
(5) الوجهين، سقط من (ب).

(فأعذر إلى الله): فأقم عذرك عنده.
(في تأدية حقه إليه): الذي فرض الله له وفرضه عليك من ذلك.
(وتعهد أهل اليتم): الذين مات آباؤهم، وخلفوهم عيلة لا أموال لهم، فحقوقهم حاصلة في بيت المال، ومؤونتهم متعلقة بك.
وفي الحديث: ((من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك عَيْلَةً فإليّ))(1).
(وذوي الرقة): يعني الشيوخ الذين بلغوا في السن غاية، يرق لهم كل أحد رآهم.
(ممن لا حيلة له): فيوكل إلى حيلته.
(ولا ينصب للمسألة نفسه): أي ولا يظهر نفسه بأن يجعلها منصوبة للسؤال.
(وذلك): الذي ذكرته لك.
(على الولاة ثقيل): لعظمه وصعوبة الأمر فيه.
(والحق كله ثقيل): على كل أحد من الخلق.
(وقد يخفِّفه الله على أقوام): مخصوصين بالتوفيق من عنده، ومقصودين بالصلاح من جهته.
(طلبوا العاقبة): المرضية عند الله تعالى، حيث قال تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[الأعراف:128].
(فصبَّروا أنفسهم): على المكاره طلباً لوجه الله وابتغاءً لمرضاته.
(ووثقوا بصدق موعود الله لهم): الموعود ها هنا إما بمعنى الوعد على غير رأي سيبويه، وإما بمعنى شيء موعود به على رأيه؛ لأنه لا يقول بأن المصدر يأتي على وزن مفعول، وإن أتى بوزن فاعل كالعاقبة والدالة.
(واجعل لذوي الحاجات منك قسماً): أي وقتاً تسمع فيه شكواهم، وتجيبهم عن فتاويهم.
__________
(1) له شاهد رواه العلامة المفسر الزمخشري رحمه الله تعالى في الكشاف 3/531-532 من حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}، فأيما مؤمن هلك وترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك ديناً أو ضياعاً فإليَّ))، وانظر موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف9/281.

(تُفَرِّغ لهم فيه شخصك): عن ازدحامات الأشغال.
(وتجلس لهم فيه مجلساً عاماً): لا يختص به أحد منهم دون أحد، بل يكونون فوضى فيه.
(فتتواضع فيه لله الذي خلقك): بما يكون من جهتك فيه من الإقبال عليهم والإنصاف من نفسك لهم وقضاء حوائجهم، والإصغاء إلى جميع أحاديثهم، وإجابتهم عن كل واحد منها جواباً شافياً فيه قضاء لأغراضهم، وإبقاءً لما قد توجه عليك من حقهم.
(وتقعد عنهم جندك وأعوانك): من يكون متعلقاً بالدولة من هؤلاء.
(من أحراسك وشُرَطِك): الحرس: خدم السلطان، الواحد منهم: حرسي، والشرط: الأسافل من الخلق، وقد يطلق على الرؤوساء أيضاً، وهو من الأضداد، الواحد منهم شرطي.
قال أبو عبيدة: وإنما سموا شرطاً؛ لأنهم أُعِدّوا(1) لمنافع الدولة، والشريط: حبل يُعَدُّ مفتولاً من الخُوص(2).
(حتى يكلمك متكلمهم(3)): يواجهك بكلامه.
(غير متعتع(4)): التعتعة في الكلام هي: التردد من حصر أو عي أو فشل أو دهشة، يروى: مُتَعْتِع بكسر التاء اسم فاعل أي ذا تعتعة، وبفتحها(5) اسم مفعول إذا تعتعه غيره.
(فإني سمعت رسول الله [صلى الله عليه وآله](6) يقول في غير موطن ((لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي))): التقديس: التطهير، وأراد لن تطهر أمة عن الدنس والعيب، يضام فيها الضعيف فلا يؤخذ له حقه من القوي.
__________
(1) قول أبي عبيد هذا ذكره في مختار الصحاح ص334.
(2) الخُوصُ: ورق النخل، الواحدة خُوصة. (مختار الصحاح ص192).
(3) العبارة وشرحها في (ب) (هكذا: حتى يكلمك مكلمهم): الأسافل من الخلق، يواجهك بكلامه.
(4) في شرح النهج: متتعتع.
(5) أي مُتَعْتَع.
(6) زيادة في شرح النهج وفي (ب).

(((غير متعتع(1)))): فشل ولا قلق.
(ثم احتمل الخُرْق): الجهل.
(منهم والعِيَّ): الفهاهة والحصر، والخُرْق على وزن فُعْل.
(ونح عنك الضيق): إما ضيق الصدر؛ لأنه يتعذر معه استيفاء الحوائج، وإما البخل.
(والأنفة(2)): الكبر والخيلاء.
(يبسط الله عليك بذلك): يريد الذي فعلته معهم مما ذكرته.
(أكناف رحمته): جوانبها، والكنف: الجانب.
(ويوجب لك ثواب طاعته): ويعطيك ثواب ما فعلته من هذه الطاعة، وحصلته من هذه القربة.
(وأعط ما أعطيت هنيئاً): يريد أن عطيتك تكون سمحة بها نفسك، من غير تكدير ولا صَخَب(3) في الإعطاء ولا ملالة ولا تقتير.
(وامنع من منعت في إجمال وإعذار): يعني وإذا منعت من العطية فليكن منعك من غير أذية، ولكن أجْمِل العذر في ذلك، فإن إجمال العذر يكتب الله به الأجر عوضاً عما كان من الحسنة إذا كان العذر صادقاً.
ثم أردفه بذكر خاصة أحواله ومراعاتها، بقوله:
(ثم أمور من أمورك): لا تغفل عن حفظها ومراقبتها.
__________
(1) في شرح النهج: متتعتع، والحديث بلفظ: ((لا قدس الله أمة لا يأخذ ضعيفها من قويها حقه غير متعتع))، رواه الإمام الموفق بالله في الاعتبار ص530 رقم (461) وقال محققه في تخريجه: ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 5/208،209، عن بريدة من حديث طويل، وقال: رواه البزار، والطبراني في الأوسط، وعن جابر عزاه إلى الطبراني في الأوسط، وأورده في موسوعة أطراف الحديث7/278 بألفاظ متقاربة وعزاه إلى مجمع الزوائد، وكشف الظنون2/510، والترغيب والترهيب2/611، وكنز العمال (5609)، والبيهقي10/94، والطبراني 19/389 وغيرها. انتهى.
(2) في شرح النهج: ونح عنهم الضِّيق والأَنْفَ.
(3) الصَّخَبُ محركة: شدة الصوت.

(لا بد لك من مباشرتها): تعهدها حالة بعد حالة، ومرة بعد مرة.
(منها إجابة عمالك): بما يرد من جهتهم من السؤالات و(1) الحوادث في الأقطار والأقاليم، فإنه لا يزال منها حادثة تحدث تحتاج إلى جواب منك فيها من المعضلات والحوادث والمشكلات.
(بما يعيا عنه كتابك): يريد عهدك الأول الذي عهدته له في أول مرة فإنه إنما يتضمن جملة، وليس فيه شيء من هذه التفاصيل المتجددة في كل يوم، أو يريد كُتَّابُكَ جمع كاتب، فإنهم لا يطلعون على مثل هذه الأمور، وهذا أحسن.
(ومنها إصدار حاجات الناس عند ورودها عليك): فراعها لهم وقضاء حوائجهم فيها.
(مما تحرج به صدور أعوانك): أي تضيق؛ لأنهم لا يطيقونه ولا يقدرون على علاجه، والمعنى أن هذه الأشياء لا يتولاها إلا أنت دون الكتَّاب والأعوان لعدم هدايتهم إليها وقصور أفهامهم عن إتقانها.
(وأمض لكل يوم عمله): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أنك لا تحيل عمل يوم إلى يوم آخر، فيؤدي ذلك إلى ازدحام الأشغال عليك وتراكمها على قلبك، فلا تأمن جري الزلل لكثرتها وازدحامها.
__________
(1) في (ب): من الحوادث.

وثانيهما: أن يكون مراده أنك إذا وطنت نفسك على أن لكل يوم عملاً كان ذلك أقرب إلى الإخلاص في الأعمال لوجه الله تعالى وأعظم في الازدياد، رغبة في الثواب، ترى أنك لا تمهل ليوم آخر بعده، كما قالعليه السلام: ((يا أنس، صلِّ صلاة مودع، ترى أنك لا تصلي بعدها شيئاً))(1).
(فإن لكل يوم ما فيه): من خير وشر وفساد وصلاح، فلا تدخل عمل يوم في يوم آخر.
(واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت): يشير إلى أني قد وقَّت لكل(2) عمل وقتاً، لكني أقول: اجعل أعلاها أفضلها عندك ما كان متعلقاً لله تعالى(3) من جهة نفسك من العبادات الفاضلة، والأوراد المباركة في الأوقات الشريفة المتقبلة.
(وأجزل تلك الأقسام): واجعل أجزل الأقسام التي قدرتها لك لله تعالى خالصاً لا يشاركه فيها غيره من الأعمال، من المناجاة والابتهال إليه في إصلاح عملك وقضاء حوائجك من جهته.
__________
(1) أخرجه من حديث الإمام أبو طالب في أماليه ص302 برقم (280) بسنده يبلغ به إلى الإمام علي عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد فإذا هو بأنس بن مالك يصلي، قال: ((يا أنس، صلِّ صلاة مودع، ترى أنك لا تصلي بعدها شيئاً، واضرب ببصرك موضع سجودك حتى لا تعرف من عن يمينك ولا من عن يسارك، واعلم أنك بين يدي من يراك ولا تراه)).
(2) في (ب): يشير إلى أنك وَقَّت لكل...إلخ.
(3) تعالى، زيادة في (ب).

(وإن كانت كلها لله، إذا صلحت فيها النية): يريد أن جميع قواعد الولاية كلها وجميع هذه الآداب التي أشار إليها إنما هو من الجهاد(1) وانتظام أحوال الأمة، وجري أوامر الله على قواعدها واستقامتها على حدودها(2)، وهذه الأمور كلها لله تعالى(3) عند صلاح النية فيها وسداد القصد من أجله، وعند هذا تكون من جملة الأعمال المقربة إلى الله تعالى.
(وسلمت فيها الرعية): عن الظلم وفساد أحوالهم واختلال قواعدهم.
وفي نسخة أخرى: (وسلمت فيها الرغبة): يعني وخلص القصد ولم يشبه شائب يكدره.
(وليكن في خاصة ما تخلص لله به دينك): أراد وليكن من جملة خواص الأعمال الخالصة لله:
(إقامة فرائضه): من الصلاة والصيام وغير ذلك من العبادات المفترضة.
(الت‍ي هي له خاصة): لا تتعلق بغيره، وفي الحديث: ((ما تقرب إلىَّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم(4))). وإقامتها إتيانها على الوجه المأمور به من الإخلاص فيها، وأدائها على الخضوع والتذلل والخشوع.
(فأعط الله من بدنك): من أعمال(5) الطاعة المتعلقة بالأبدان نحو الصلاة والصيام والحج.
(في ليلك): ما يكون مختصاً به منها.
(وفي نهارك): ما يكون مختصاً به.
(ووفِّ ما تقربت به(6) من ذاك(7)): اجعله وافياً وائتِ به كما أمرك الله به.
(كاملاً): بشروطه وحدوده.
(غير مثلوم): ساقط بعض أركانه.
(ولا منقوص): من إيفائه بشرطه الذي يكون واقعاً عليه.
__________
(1) في (ب): الاجتهاد.
(2) في (ب): على حذوها.
(3) تعالى، زيادة في (ب).
(4) في (أ): عليه.
(5) في (ب): أعمالك.
(6) في شرح النهج: ما تقربت به إلى الله سبحانه من ذلك.
(7) في (ب): من ذلك.

(بالغاً من بدنك ما بلغ): يعني أده على ما ذكرته، وإن بلغ في نقص بدنك واختلاله كل مبلغ، فإن ذلك يكون أدخل في الإثابة وأعظم في الجزاء من الثواب عليه.
(وإذا قمت في صلاتك للناس): بأن تكون إماماً لهم فيها وداعياً لهم إليها.
(فلا تكوننَّ منفراً): بتطويلها وصعوبة الأمر فيها.
(ولا مضيعاً): لأوقاتها وحدودها وشروطها، ولا يكوننَّ منك فيها إفراط في أمرها فتنفر عنها، ولا تفريط فتخل بها.
(فإن في الناس من به العلة): من مرض وعجز وسلس بول(1) وغير ذلك من العِلل.
(وله الحاجة): إلى الخروج في قضاء مآربه وحوائجه أو يكون حاقناً أو حاقباً(2) فيريد الخروج لقضاء الحاجة.
(وقد سألت رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم](3) حين وجَّهَنِي إلى اليمن كيف أصلِّي بهم؟): في التطويل والتقصير والإطالة وعدمها.
(فقال: ((صلِّ بهم كصلاة أضعفهم))(4)): يعني مثل صلاة الضعفاء الذين يريدون التخفيف لأجل ضعفهم وهوانهم.
(((وكن بالمؤمنين رحيماً))): كثير اللطف والرفق بهم في جميع أحوالهم كلها.
(وأما بعد هذا؛ فلا تُطَوِّلَنَّ احتجابك من(5) رعيتك): يريد ومن جملة الآداب المرعية في الولاية إزالة تطويل الحجاب عن أهل الحوائج من الرعية.
(فإن احتجاب الولاة عن الرعية): غيبتهم عنه، وضرب الحجب والحراس على أبوابهم.
(شعبة من الضيق): نوع من أنواع الحرج والمشقة.
__________
(1) يقال: فلان سَلِسَ البول إذا كان لا يستمسكه.
(2) الحاقن: هو الذي حُبس بوله، والحاقب: الذي احتاج إلى الخلاء فلم يتبرز فانحصر غائطه. (انظر النهاية لابن الأثير1/411،416).
(3) زيادة في (ب) وشرح النهج.
(4) انظر موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/332-333.
(5) في شرح النهج: عن.

(وقلة علم بالأمور): المتعلقة بالولاة من التعهد والتفقد، وكفّ أيدي الطغاة وزمِّ الأفواه عن التعلق بالأطماع، والاطلاع على أكثر الأحوال ومراقبتها، وفي هذا فساد لاخفاء به.
(والاحتجاب منهم): الضمير للرعية.
(يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه): يعني فلا يتصل إليهم شيء من علوم أحوال الرعية.
(فيصغر عندهم): الضمير للولاة.
(الكبير): الأمر الكبير لجهلهم بكيفية وقوعه وإحاطتهم بحقيقة حاله، فلا يعلمونها.
(ويعظم الصغير): لمثل ذلك فلا يدري بكيفية وقوعه.
(ويحسن القبيح، ويقبح الحسن): للجهل بحال وقوعهما، فلا يعلم حالهما.
(ويشاب الحق بالباطل): أي يخلط أحدهما بالآخر، وكل هذا إنما ينشأ من غيبة الولاة عن الرعية وعدم افتقادهم لأحوالهم واطلاعهم عليها.
(وإنما الوالي بشر): من جملة الخلق.
(لا يعرف ما توارى به الناس عنه من الأمور): يعني أن كل ما غاب عنه الإنسان وتوارى عنه بصره وإدراكه له فإنه لا يعرف كنه حاله ولا حقيقة أمره، وإنما يعرف ذلك من الأمور بالاطلاع عليها ومشاهدتها ومراقبة أحوالها، فمن لايرى الشيء لا يمكنه معرفة حاله بحال.
(وليس(1) على الحق سمات): علامات وأمارات ظاهرة مكشوفة.
(يعرف(2) بها ضروب الصدق من الكذب): أنواع كل واحد من هذين.
(وإنما أنت): في احتجابك عن الخلق واستتارك عنهم.
(أحد رجلين): لا ثالث لهما.
(إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق): أعطيت كل ذي حق حقه، وسخت به نفسك وسمحت به.
(ففيم احتجابك): لأي وجه يكون؟ وما الداعي إليه؟
(من واجب حق(3) تعطيه!): فهل هو امتناع من حق واجب تعطيه أهله؟
__________
(1) في شرح النهج: وليست، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(2) في شرح النهج: تعرف.
(3) حق، سقط من (ب).

(أو فعل كريم تسديه!): أو هل(1) هو من أجل فعل حسن تجعله صنيعة إلى غيرك؟ فكل هذا يمنع منه الحجاب، فلا فائدة فيه على هذا الوجه.
(أو مبتلىً بالمنع): أو أنت رجل قد بلي بالشح الخالع(2).
(فما أسرع كف الناس عن مسألتك): امتناعهم منها وإعراضهم عنها.
(إذا أيسوا من بَذْلِكَ): من إعطاء معروفك.
(مع أن أكثر(3) حاجات الناس إليك): معظم حوائجهم منك ليس من أجل إعطاء ولا منع، فيكون الحجاب حاصلاً منك، وإنما هو:
(ما لا مؤونة فيه عليك): ثقل ولا كَلّ(4) عليك.
(من شكاة مظلمة): فتنتصف لصاحبها ممن ظلمه.
(أو إنصاف في معاملة(5)): بقطع الشجار فيها وإبطال المخاصمة.
(ثم إن للوالي خاصة وبطانة): ناس يختصون به وينزلون منه منزلة البطانة، وهو ما يلي الجسم من الثياب كالشعار.
(فيهم استئثار): استبداد بالحقوق والأموال.
(وتطاول): على الخلق اعتماداً على قهر الدولة وعلو الولاية.
(وقلة إنصاف(6)): من أنفسهم للخلق تعاظماً وتكبراً على قبول الحق وإعطائه.
(فاحسم مادة أولئك): امنع ما يمدهم.
(بقطع أسباب تلك الأحوال): التي تكون سبباً في ذلك، وتكون وصلة إليها، وحاصل الأمر في قطع مادتهم، إما بإزالتهم عن التعلق بك، وإما بقطع مواد ذلك، فبانقطاع تلك الأسباب يزول المحذور من ذلك.
__________
(1) هل، سقط من (ب).
(2) أي الشديد.
(3) أكثر، زيادة في (ب)، وشرح النهج.
(4) أي ولا إعياء.
(5) في (ب) وشرح النهج: أو طلب إنصاف في معاملة.
(6) في شرح النهج: وقلة إنصاف في معاملة.

(ولا تقطعنَّ لأحد من حاشيتك وخاصتك(1) قطيعة): يعني إذا أدررت لأحد من هؤلاء إدراراً أو وصلته(2) بصلة فلا تقطعها من غير سبب موجب للقطع، لما في ذلك من إيحار الصدور.
(ولا يطمعن منك في اعتقاد عُقْدة تضر بمن يليها من الناس): يعني ولا تعقدنَّ عقداً ولا تذمنَّ ذمة لأحد من خاصتك يكون فيها ضرر على أحد من المسلمين ممن يكون متصلاً بها ويليها.
(في شرب): نحو أن تعطيه ذمة على أن يسقي له ضيعته من النهر الفلاني، وفيه إضرار بمن يليه ممن يكون له فيه حق الشرب لِضَياعه(3) وعقاراته.
(أو عمل مشترك): كأن يكونا معاً مشتركين في شركة عنان(4) أو مفاوضة(5) مما يضطربان فيه على سواء، فتعطي أحدهما عقداً وذمة(6) على أنه لايتصرف مع الآخر، فيكون في هذا إضرار بالشريك من جهة أنهم:
(يحملون مؤونته على غيرهم)، لأن العمل كله صار على الشريك الآخر(7) من غير معاونة، وهذا هو الحيف والميل.
(فيكون مهنأ ذلك لهم دونك): يريد أن فائدة ذلك وهنآءة عيشه لهم من غير أن يكون لك فيه شيء.
(وغبته(8) عليك): عاقبته تختصك(9) دون غيرك، ومغبة كل شيء عاقبته، وفي رواية أخرى: (وعيبه عليك): أي ذمه ونقصه.
__________
(1) في شرح النهج: وحامتك، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(2) في (ب): ووصلته.
(3) الضيَاع: جمع ضيعة وهي العقار. (مختار الصحاح ص386).
(4) شركة العنان: أن يشتركا في شيء خاص دون سائر أموالهما، كأنه عنَّ لهما شيء فاشترياه مشتركين فيه. (مختار الصحاح ص458).
(5) تفاوض الشريكان في المال اشتركا فيه أجمع، وهي شركة المفاوضة. (المصدر السابق ص515).
(6) في (ب): أو ذمة.
(7) الآخر، سقط من (ب).
(8) في (ب) وشرح النهج: وعيبه عليك.
(9) في (ب): تخصك.

(في الدنيا): بالذم واللوم على ظلمك لغيرك.
(وفي الآخرة): بالعقاب وسخط الله.
(وألزم الحق من لزمه): يعني من كان عليه حق لغيره ألزمته أدائه وتسليمه، وخروجه منه إلى صاحبه وأهله.
(من القريب): خاصتك، وأهل دولتك، ومن يتعلق بك.
(والبعيد): منك من سائر الناس وجميع الرعية.
(وكن في ذلكً): يعني إعطاء الحق صاحبه.
(صابراً): لله تعالى على مشقة ذلك وعلاجه.
(محتسباً): ذلك لوجه الله تعالى وابتغاء رضوانه.
(واقعاً ذلك من قراباتك وخاصتك(1) حيث وقع): يريد وإن بلغ ذلك سخط أهلك ومن يقرب إليك، فإن رضاء الله أبلغ من رضاهم وأحق.
(وابتغ عاقبته): آخر أمره وغايته من ثواب الله وعظيم أجره.
(بما يثقل عليك منه): بتحمل ما يتعب نفسك من أجل ثقله، واصبر عليه:
(فإن مغبة ذلك محمودة): عاقبة الصبر عليه لما فيها من الفوز بالجنة، وجوار الله في دار كرامته التي اصطفاها لأوليائه.
(وإن ظنت بك الرعية حيفاً): ميلاً عليهم(2) في الخراج، وظلماً لهم فيما يؤدونه من الأموال.
(فأصحر لهم بعذرك): أظهر لهم عذرك في ذلك ظهوراً واضحاً، والإصحار: الإظهار، وسميت الصحراء لظهورها وانكشافها.
(وأعزل(3) عنك ظنونهم): أزلها عنك، وأذهبها عن التعلق بك.
(بإصحارك): إظهارك للعذر لهم.
(فإن في ذلك إعذاراً): إبلاغاً في العذر إليهم.
(تبلغ به حاجتك): مقصدك ومطلوبك.
(من تقويمهم على الحق): بإسقاط عذرهم وتوجه اللوم عليهم إذا لم يقبلوه.
(ولا تدفعنَّ صلحا دعاك إليه عدوك): يعني إذا طلب العدو مسالمة فيما بينك وبينه بعقد الصلح فلا تردنَّه.
__________
(1) وخاصتك زيادة في (ب)، وهي في شرح النهج: وخواصك.
(2) في (ب): عنهم.
(3) في شرح النهج: واعدل.

وفي الحديث: ((أن الرسول عليه السلام لما دعاه المشركون إلى صلح الحديبية، أجابهم إلى ذلك مع ما كان فيه من الميل على المسلمين والتحكم من جهة أهل الشرك، وكان عقده بين(1) الرسول وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين، وأنها عيبة مكفوفة من غير إسلال ولا إغلال(2)))، أي لا سرقة ولا خيانة، فكانت عاقبته أبرك عقبى على المسلمين.
(لله فيه رضاً): يريد ليس فيه نقص على الدين، ولا ترك لشعاره وأبهته.
(فإن في الصلح دعة لجنودك): خلاص عن مشقة الحرب وتحمل أثقالها وسلامة عن القتل والقتال وكفاً عنه.
(وراحة من همومك): بتدبيرها وتقرير قواعدها.
(وأمناً لبلادك): عن تغير ها وفسادها، فإن هذه الأمور كلها من عواقب الحرب وأحكامها، وغير ذلك من الهموم العظيمة والأخطار الكثيرة، وإهراق الدماء وبذل الأموال.
(ولكن الحذر كل الحذر): أي خذ الحذر من نفسك والحذر من عدوك، والتحرز غاية التحرز.
(من عدوك بعد صلحه): يشير إلى أنك إذا عقدت هدنة وصلحاً بينك وبين من تحاربه من الأعداء، فلا تهوننَّ في الحزم من العدو، ولا يغرنَّك بما عقده من الصلح.
(فإن العدو ربما قارب ليتغفَّل): يريد أن العدو قارب الأمر بالصلح أو قاربك، واختلط بك بالهدنة؛ ليخبر حالك، ويأخذ غفلتك، وينكث على غرتك، فاحذره في أيام الصلح وكن على وجل من أمره وحاله.
(فخذ بالحزم): بالتحرز في أمورك كلها.
(واتهم في ذلك حسن الظن): يعني إذا راودتك نفسك على تحسين الظن فاتهمها في ذلك فإنما هو خدعة.
ثم أردف ذلك بالذمم والعهود ومراعاتها، بقوله:
__________
(1) في (ب): من.
(2) انظر السيرة النبوية لابن هشام 3/206-207، تحقيق عمر محمد عبد الخالق.

(وإن(1) عقدت بينك وبين عدو لك عقدة): في صلح أو هدنة أو غير ذلك من العقود اللازمة والعهود المؤكدة.
(أو ألبسته منك ذمة): على أهل أو مال، واستعار اسم اللباس من أجل ذلك؛ ليكون ذلك دالاً على الشمول والإحاطة، مبالغة في ذلك.
(فحط عهدك بالوفاء): عن الخيانة والمكر والخديعة، وصنه عن تهمة الغدر(2).
(وارع ذمتك بالأمانة): إما من الرعاية وهي: الحياطة، وإما من المراعاة وهي: المراقبة والحراسة، وكان قياسه، وراع ذمتك إذا كان من المراعاة، لكنه حول إليه.
(واجعل نفسك جُنَّةَ): الجُنَّةُ: ما كان يستر من ثوب أو درع أو قميص.
(دون ما أعطيت): تكون نفسك ساتره لك عن كشفه وإباحته وإهداره، وهذا من لطيف الكلام وبليغه.
(فإنه ليس شيء من فرائض الله): التي فرضها على عباده، وأكدها على خلقه.
(الناس عليه(3) أشد اجتماعاً): أعظم التئاماً وأكثر اتفاقاً.
(مع تفريق(4) أهوائهم): في كل جهة.
(وتشتت آرائهم): في كل موضع.
(من تعظيم الوفاء بالعهود): تأكيدها والمواظبة على فعلها، ولقد تمدح الله تعالى(5) بذلك حيث قال: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ}[التوبة:111]، وافتتح الله سورة المائدة بالأمر بذلك حيث قال: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}[المائدة:1].
__________
(1) في (ب): فإن.
(2) في (ب): الغرر.
(3) عليه، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.
(4) في شرح النهج: تفرق.
(5) تعالى، زيادة في (ب).

(وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم): من الذمم والعهود والمواثيق وأكدوها، وأكرهوا نفوسهم على الوفاء بها، واقتحموا العظائم من أجل خرمها، وخاضوا غمرات الموت من دون ذلك، حتى أن رجلاً منهم ليذهب أهله وولده وماله من أجل الوفاء بذمته وعقده، وإذا اخترمت له ذمة أو أبيح له حمى أو جوار اقتحم كل عظيمة من دون ذلك، حتى يبلغ فيه مبلغه، فهم على ذلك من:
(دون المسلمين): يعني هم أهل الشرك مؤكدون لذلك فضلاً عن المسلمين، فهم أحق بذلك وأولى.
(لما استوبلوا من عواقب الغدر): استوخموا منه ما يكون في آخر الأمر منه واستثقلوا ذلك، واللام: في لما استوبلوا متعلقة بقوله: لزم أي لزموا الوفاء من أجل استيخامهم لعاقبته.
(فلا تغدرنَّ بذمتك): بالخيانة والخديعة.
(ولا تخيسنَّ بعهدك): تنكثنَّ، من قولهم: خاس بعهده إذا نكث فيه.
(ولا تختلنَّ عدوك): أي تخدعه، والمخاتلة: المخادعة.
(فإنه لا يجتري على الله إلا جاهل): الاجتراء هو: الإقدام على الشيء من غير بصيرة ولا خبرة بحاله، وأراد أنه لايقدم على الله في مخالفة أمره والوقوع في مناهيه إلا جاهل بحاله وبعظم قدرته على نكاله والانتقام منه.
(شقي): الشقاوة: خلاف السعادة.
(وقد جعل الله عهده وذمته أمناً): ما شرع من العقود والمواثيق أمراً يأمن به كل أحد ممن عقد في حقه.
(أفضاه بين العباد برحمته): أظهره بين عباده رحمة من جهته، ولطفاً بهم، وصلاحاً لأحوالهم.

(وحريماً(1) يسكنون إلى منعته): المنعة: بالتحريك: جمع(2) مانع مثل كافر وكفرة، والمنعة بالسكون هو: المنع، وأراد أن الله تعالى جعل العقد شيئاً محترماً لايمكن تخطيه ولا مخالفته، ومن فعل في حقه فهو ساكن النفس إليه، مطمئن القلب إلى ما تضمنه واشتمل عليه، وإلى منعته، من قولهم: فلان في عز ومنعة أي لايضام له جانب.
(ويستفيضون إلى جواره): فاض الخبر واستفاض إذا ظهر وعلا، وأراد أنهم يظهرون أمورهم ويستندون إليه ويعتمدون في كل أحوالهم عليه.
(فلا إدغال): المداغلة: الفساد والمخادعة.
(ولا مدالسة): التدليس هو: التزوير.
(ولا خداع فيه): مخادعة في العقد الذي يُعْقَدُ.
(ولا تعقد عقداً تجوّز فيه العلل): يعني إذا عقدت فلا تعقد عقداً يكثر فيه الالتواء والتعلل، أو يريد إذا عقدت عقداً فلا تعقده على الاستثناءات الكثيرة والشروط، وإنما يكون منبرماً مقطوعاً عن هذه الأشياء كلها.
(ولا تعولنَّ على لحن القول): أي لا تتكلم بكلام يفهمه عنك من تخاطبه، ويخفى على غيره ممن سمعه، وأراد ها هنا لا تعدل عن الصواب.
(بعد التوكيد): الوثاقة في العقود والعهود.
(والتوثقة): وهي تفعله من الوثاقة.
(ولايدعونَّك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله تعالى(3)): يعني وإذا ضاق صدرك وحرجت نفسك من أمر عارض، وقد أعطيت فيه عهد الله وذمته على نفسك، ودعتك:
(إلى طلب انفساخه بغير الحق): فلا تفعل شيئاً من ذلك.
ثم علل ذلك، بقوله:
(فإن صبرك على ضيق ترجو انفراجه(4)): من جهة الله بلطف من عنده وتيسير أمر من جهته.
__________
(1) في نسخة: وحرماً (هامش في ب).
(2) في (ب): هو جمع مانع.
(3) تعالى، سقط من (أ).
(4) في شرح النهج: فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته.

(خير من غدر): بمخالفة ما أعطيت من العقود على ألا تخالفه.
(تخاف تبعته): ما يتبع من العقوبة من الله من أجله.
(وأن تحيط بك من الله): تشملك وتستولي عليك.
(فيه طِلْبَةٌ): يطلبك الله من أجله طِلْبة.
(لا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك): أي لا ينهض منها عثارك في الدنيا ولا في الأخرة، ففي الدنيا بالهلاك، وفي الآخرة بالعقوبة.
(إياك والدماء وسفكها): إهراقها على غير وجهها وفي غير حلها.
(بغير حلها): من غير أن يكون ثَمَّ وجه مبيح لإهراقها من عدوان أو بغي أو ردة أو قصاص(1) أو غير ذلك، وفي الحديث: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث:
كفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان ، أو قتل نفس بنفس))(2).
(فإنه ليس شيء أدعى لنقمة): عقوبة.
(ولا أعظم لتبعة): وهو ما يتبع من ضرر(3) العقوبات لأجل ما تقدم من المعصية.
(ولا أحرى بزوال نعمة): أحق بزوال النعم وإبطالها.
(وانقطاع مدة): يريد ذهاب العمر وانقطاعه.
__________
(1) في (أ): أو قصاصاً.
(2) رواه الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان عليه السلام في أصول الأحكام (تحت الطبع) في باب من يقتل حدًّا، مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه، وقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد في المغني20/2/49، وللحديث مصادر كثيرة وشواهد عدة انظرها ومصادرها الكثيرة في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 7/350-351، والحديث بلفظ: ((لا يحل دم امرئ يؤمن إلا في إحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق)) رواه العلامة أحمد بن يوسف زبارة رحمه الله في أنوار التمام 5/136 وعزاه إلى شرح التجريد، وأصول الأحكام، والشفاء، وقال: وهو في البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود.
(3) في نسخة: من جرم، (هامش في ب).

(من سفك الدماء بغير حقها): من إهراقها من غير حق ولا بصيرة في ذلك يكون معذوراً عند الله بها.
(والله تعالى مبتدئ للحكم بين العباد فيما تسافكوا(1) من الدماء): إهراقوه على غير وجهه(2) من بغي بعضهم على بعض وغدر بعضهم ببعض.
وفي الحديث: ((أول ما يقضى بين الناس في الدماء))(3).
(إلى يوم القيامة): يعني من أول قتيل قتل وهو قابيل إلى أن يقيم الله القيامة عليهم .
(فلا تقوينَّ سلطانك): تشددنَّ قواعده وتشيد أركانه.
(بسفك دم حرام): بإهراق دم على غير وجهه.
(فإن ذلك مما يضعفه): يهون أمره عند الله تعالى(4).
(ويُوْهِيه(5)): إما من الوهي وهو الضعف، قال الله تعالى: {فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ}[الحاقة:16]، أو من الوهن وهو الضعف أيضاً، قال الله تعالى: {إِنّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي}[مريم:4].
__________
(1) في (ب): فيما تسافكوا فيه ...إلخ، وفي نسخة: تسافكوه، (هامش في ب).
(2) في (ب): وجه.
(3) الحديث بلفظ: ((إن أول ما يقضي الله به يوم القيامة بين العباد أمر الدماء)) رواه العلامة ابن أبي الحديد رحمه الله في شرح النهج 17/111، وهو باللفظ الذي أورده المؤلف هنا في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 4/48 وعزاه إلى البخاري 9/3، ومسلم في القسامة 28، والنسائي 7/84، والسنن الكبرى للبيهقي8/21، والمعجم الكبير للطبراني 10/234 وعزاه إلى غيرها انظرها فيه.
…قلت: ورواه في مسند شمس الأخبار 1/273 الباب (44)، وعزاه إلى مسند الشهاب، وعزاه العلامة الجلال في تخريج أحاديث شمس الأخبار إلى النسائي من حديث عن ابن مسعود، قال: وحسنه السيوطي.
(4) تعالى، زيادة في (ب).
(5) في شرح النهج: ويوهنه.

(بل يزيله): يذهبه، وفي الحديث: ((لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا))(1).
(وينقله): إلى غيرك كما كان مع غيرك من قبلك، وفي الحديث: ((لو أن أهل السماوات والأرض اشتركوا في قتل مؤمن لعذبهم الله))(2).
(ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد): يعني وإن قتلت مؤمناً متعمداً فلا عذر لك عندي ولا عند الله في تسليمك للقتل لأوليائه.
(لأن فيه قود البدن): تسليم البدن للقتل والانقياد لحكم الله تعالى وحكمهم في القتل.
(وإن ابتليت بخطأ): وإنما جعله بلوى لكثرة ما يفرط من الولاة في ذلك.
__________
(1) رواه في أنوار التمام 5/159 وعزاه إلى النسائي عن بريدة، ولفظ أوله فيه: ((قتل المؤمن ...))الحديث، وهو بلفظ: ((لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم)) رواه العلامة الزمخشري في الكشاف 1/583.
(2) رواه في أنوار التمام 5/159 بلفظ: ((لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار)) وعزاه إلى الترمذي، عن أبي الحكم البجلي، قال: سمعت أبا هريرة، وأبا سعيد الخدري يذكران، فذكره.

ويحكى أن عمر تهدد مومسة(1) فألقت جنيناً، فجمع الصحابة واستشارهم، فقال عبد الرحمن: أنت مؤدب ولا شيء عليك، فالتفت إلى أمير المؤمنين فقال له: (إن لم يجتهد فقد غشَّك، وإن اجتهد فقد أخطأ، أرى أن عليك الغُرة)(2)، فأما الإثم فمحطوط عنه لا محالة؛ لأنه إنما قصد بذلك وجه الله تعالى والتقرب إليه في كل ما يفعله من ذلك مصلحة للخلق وكفاً لهم عن المعاصي، وعن هذا قال الفقهاء: إن جناية الإمام والحاكم غرمها في بيت المال.
(وأفرط(3) عليك سوطك ويدك): يريد تجاوزت الحد فيما تفعله بيدك وتؤدب بسوطك.
(بعقوبة): فزادت على حدها ومبلغها، فإن ذلك كله فيه الدية.
(فإن في الوكزة): وهي ما كان بطرف الأصابع، وقيل: بجُمْع الكف.
(فما فوقها): من الجنايات.
(مقتلة): يريد أنها قاتلة فما فوقها، ولهذا فإن موسى وكز القبطي فقتله بها.
(فلا تطمحنَّ بك نخوة سلطانك): طمح مثل جمح، والغرض منه التعدي ومجاوزة الحد.
(أن تؤدي(4) إلى أولياء المقتول حقهم): يريد وإن كنت ذا سلطان وأبهة ودولة فلا يتطاولنَّ بك سلطانك ويعلو بك أمرك عن أداء ما جنت يدك وسوطك من دية من تقتله إلى أوليائه وورثته.
__________
(1) المومسة: المرأة الفاجرة، والجمع المومسات والمواميس. (انظر القاموس المحيط ص748).
(2) الغُرّة: العبد والأمة، وفي الحديث: ((قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجنين بغُرّة)) وكأنه عبَّر عن الجسم كله بالغرة، والغرة عند الفقهاء ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية من العبيد والإماء. (انظر مختار الصحاح ص471، والنهاية لابن الأثير3/353، وشرح النهج لابن أبي الحديد1/174).
(3) في (ب): أو فرط، وفي نسخة: أو أفرط، (هامش في ب).
(4) في (ب) وشرح النهج: عن أن تؤدي.

ثم عقَّب ذلك بذكر ذم الإعجاب وغيره من الآداب، بقوله:
(وإياك والإعجاب بنفسك).
اعلم: أن حقيقة العجب راجعة إلى تكبر يحصل في الإنسان بتخيّل كمال في علم أو عمل، فإن كان خائفاً على زواله فهو غير معجب، وإن كان فارحاً بكونه نعمة من الله تعالى(1) فهو غير معجب أيضاً، وإن كان ناظراً إليه من حيث أنه صفة له متكبر به غير ملتفت إلى إمكان زواله، ولا إلى كونه نعمة من الله فهو العجب حقيقة وهو من المهلكات، قال تعالى: {وَيَحْسَبُونَ(2) أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ}[المجادلة:18]، وفي الحديث: ((ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه))(3)، وعلاج زواله إنما يكون بتأمل العاقبة في الأمر، وأن بلعام(4)
__________
(1) تعالى، سقط من (ب).
(2) في النسخ: وهم يحسبون.
(3) رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج 17/114، والموفق بالله في الاعتبار ص287 برقم(288) في باب كلمات النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين علي عليه السلام، وأخرجه الإمام أبو طالب في أماليه ص430 برقم (543) من حديث بسنده يبلغ به إلى علي عليه السلام قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم: ((ثلاث منجيات، قالوا: يا رسول الله، ما المنجيات؟ قال: خوف الله في السر والعلانية كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والعدل في الرضا والسخط، والقسط في الغنى والفقر، قالوا: يا رسول الله، فما المهلكات؟ قال: هوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه))، وأخرجه المرشد بالله في الأمالي الخميسية 2/218 بسنده يبلغ به إلى أنس.
(4) هو بلعام بن باعوراء، كان من علماء بني إسرائيل، وقيل: من الكنعانيين، وهو الذي قال الله عزّ وجلّ فيه في سورة الأعراف: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآيتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون}. (انظر تفسير الآيتين الكريمتين في الكشاف2/167-168).

كيف ختم له بالكفر مع عظم عبادته وتبحره في العلم، وأن إبليس كان منه ما كان في العبادة ثم ختم له بالشقاوة، فمن تأمل إمكان سوء الخاتمةلم يعجب بشيء من أعماله ولا من صفاته.
(والثقة بما يعجبك منها): يشير بذلك إلى ما ذكرناه من أنه إذا كان خائفاً على زواله فلا عجب.
فأما إذا وثق بدوامه وأنه لا يتغير فهو عجب لامحالة، ولهذا نهاه عن الثقة به واستمراره.
(وإياك وحب الإطراء): يعني المدح وهو: الذبح، وأن الله تعالى يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً}[القصص:83].

واعلم: أن النفس ترتاح للمدح وتهتز له وتطيب من أجله؛ لأن فيه شعوراً بالكمال، وتكره الذم؛ لأن فيه شعوراً بالنقصان، وتَوَلُّدهُ يكون من حب الجاه والرئاسة وهما مذمومان، وفي الحديث: ((إن حب الجاه ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل))(1)، وشبَّه رسول الله حبَّ الجاه بذئبين ضاريين في زريبة غنم(2)، وعلاجه يكون بكسر النفس وهضمها وذكر الموت، وإشعار النفس بأنه لو سجد لك من فوق بسيطة الأرض لانقطع ذلك عن قريب، فالإطراء خطر كما ترى.
(فإن ذلك): يعني الإطراء.
(من أوثق فرص الشيطان): من أقوى علائقه وأمتن أسبابه ومداخله في إغواء الخلق.
(في نفسه): الضمير للشيطان أي بالإضافة إليه في نفسه، من قولهم: هذا الأمر أمكن في نفسي من غيره.
__________
(1) الحديث بلفظ: ((حب الجاه والمال ينبتان النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل)) رواه القاضي العلامة محمد بن مطهر الغشم في رضا رب العباد ص241، وأورد قوله: ((حب الجاه والمال ينبت النفاق)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 4/519 وعزاه إلى إتحاف السادة المتقين 7/570، 10/178.
(2) وذلك أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما ذئبان ضاريان في زريبة غنم، بأضر من حب الشرف والمال على المسلم في دينه)) رواه الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى عليه السلام في تكملة الأحكام ص109، والإمام الموفق بالله عليه السلام في الاعتبار وسلوة العارفين ص119 برقم (75) بلفظ: ((ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حب المال والشرف للرجل في دينه))، (وانظر تخريجه فيه).

(ليمحق ما يكون من إحسان المحسن): المحق هو: الإبطال والإفساد، وأراد أن حب الإطراء والمدح اللذين(1) يكونان في مقابلة النعمة يبطلان ما يكون في مقابلتها من الثواب؛ لأن الإنعام في الحقيقة يصير كأنه ما كان لوجه الله تعالى، وإنما هو من أجل الثناء والمدح فيبطل من أجل ذلك.
(وإياك والمنُّ على رعيتك بإحسانك): اعلم أن المنَّ هو ذكر النعم وبيان موقعها في حق المُنْعَمِ عليه، وهو من الخلائق المذمومة، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ}[البقرة:264].
ومنشأه الشغف بجب العلو والرفعة، وعلاجه ودفعه يكون بتحقير النعمة وتضعيفها، وأن الله عز سلطانه هو في الحقيقة المنعم بها؛ لأنها منه حصلت، وهو الباعث على أدائها والمخلف لعوضها في الدنيا وفي الآخرة، فإذا عرف ذلك هان عليه موقعها فلا يذكرها على جهة المنِّ بها.
(والتزيد(2) فيما كان من فعلك): يريد وإياك والتزيد يعني الكذب، وإنما سماه تزيداً؛ لأنه زيادة من جهة نفسه اختلقها ولم يكن لها حقيقة.
وفي الحديث: ((من أراد أن يلعن نفسه فليكذب)).
وفي حديث آخر: ((ثلاث من علامات النفاق: إذا حدث كذب)) وقد مضى تعديدها
__________
(1) في (ب): اللذان.
(2) في (ب) وشرح النهج: أو التزيد.

وفي حديث آخر: ((الكذب مجانب للإيمان(1))).
(أو أن تعدهم فتتبع موعودك(2) بخلفك): الموعود إما الوعد، وإما الشيء الموعود على ما سلف تقريره في غير موضع، والخلف: الإبطال لما وعد به.
(فإن المنَّ يبطل الإحسان): يشير إلى الوجه الذي ذكرناه.
(والتزيد يذهب بنور الحق): يعني الكذب، وإنما كان الأمر فيه كما قال؛ لأن الصدق ينوّرُ الحق ويزيده بهاءً وجمالاً، والكذب يُذْهِبُ ذلك ويُبْطِلُه لا محالة.
(والخلف يوجب المقت عند الله وعند الناس): لأن في الوعد إلزام نفسه فعل ذلك الموعود به، فإن أخلفه كان سبباً للمقتة من الناس ومن الله، ثم تلا هذه الآية: ({كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ})[الصف:3]:
وسبب نزولها: أن الله تعالى لما أخبر بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالاً لنفرغنَّ فيه وسعنا، ففروا يوم أحد، ولم يفوا بما قالوه(3)، فنزلت عتاباً لهم، واقعاً في المبالغة في ذلك كل موقع.
__________
(1) في (ب): الإيمان، والحديث أخرجه الإمام المرشد بالله في الأمالي الخميسية 1/18 بسنده عن علي عليه السلام، ورواه القاضي علي بن حميد القرشي في مسند شمس الأخبار1/502 في الباب(95)، عن علي عليه السلام، وعزاه إلى أمالي المرشد بالله (انظر تخريجه فيه)، وهو في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 6/539، وعزاه إلى إتحاف السادة المتقين9/531، والدر المنثور للسيوطي3/290، والكامل لابن عدي1/43، وأمالي الشجري1/18.
(2) في شرح النهج: موعدك، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(3) في (ب): قالوا، وانظر الرواية في الكشاف 4/522.

(إياك(1) والعجلة في الأمور قبل أوانها): حضور وقتها، يريد أن العجلة على الإطلاق مذمومة، وفي الحديث: ((الأناة من الله، والعجلة من الشيطان)) ثم إن(2) طلبها قبل أوانها، نقض لها وتعرض لبطلانها؛ لأن طلب الشيء في غير وقته جهل في النفس وخَوَر(3) في الطبيعة.
(والتساقط فيها عند إمكانها): يعني التثبط والتراخي عن فعلها عند إحفاز(4) وقتها وحضوره، وإنما سمى خموله عن الحاجة عند إمكانها تساقطاً؛ لأن الساقط لاينتفع بنفسه كما أن من تثبط عن الحاجة لاينتفع بها أصلاً.
(أو اللجاجة فيها إذا تنكرت): التنكر:التعذر، وأراد تحذيره عن الإلحاح في طلب الحوائج عند ظن تعذرها وتعلقها وانقطاع أسبابها، فإن اللجاجة في ذلك لا تثمر إلا نقصاً ولوماً.
(أو الوهن عنها إذا استوضحت): الوهن: الضعف ، والوضوح: الظهور، وأراد تحذيره عن الضعف عن الأمور عند ظهورها؛ لأن في ذلك تعرضاً لبطلانها.
(فضع كل أمر موضعه): الذي جعله الله له من غير مخالفة، وما أعجب هذه من كلمة وأجمعها للفوائد الجمة، كماقال تعالى: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}[الطلاق:3]،لأن ذلك يدل على كمال العقل.
وقيل لزيد بن علي: صف لنا العاقل؟
فقال: هو الذي يضع الأشياء في(5) مواضعها.
فقالوا له: صف لنا الجاهل؟
قال: قد فعلت، يشير إلى أن الجاهل هو الذي يكون على خلاف ذلك، من وضع الأشياء في غير مواضعها.
__________
(1) في (ب) وشرح النهج: وإياك.
(2) إن، زيادة في (ب).
(3) الخَوَرُ بفتحتين: الضعف.
(4) أي دنوه.
(5) في، زيادة في (ب).

(وأوقع كل عمل موقعه): أراد إما(1) من أعمالك في اللين والشدة والقبض والسماحة، واعرف قدر كل واحد من هذه الأشياء، وإما من أعمال غيرك فمن كان عمله خيراً فأنزله بمنزلته، ومن كان عمله على خلاف ذلك فأنزله منزلته.
(وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة): تحذير عن الاستبداد بما الناس فيه متساوون، كما يفعله أهل الجور والظلمة نحو منعهم الماء إلا ما يفضل عن حوائجهم، ومنعهم الكلأ، فإن الناس كلهم شركاء في هذه الأشياء.
وفي الحديث: ((المؤمن أخو المؤمن يسعهما الماء والكلأ، ويتعاونان على الفتَّان))(2) يعني الشيطان.
(والتغابي عما تُعْنَى به): يريد التغافل عما وجب عليك من جهة الله تعالى والعناية به والاهتمام بأمره والقيام بحقه من الأمور كلها.
(مما قد وضح للعيون): ظهر لها وجوب توجهه عليك بحيث لايخفى منه شيء.
(فإنه مأخوذ منك لغيرك): يريد أن الله تعالى مطالبك في النظر في مصالح غيرك لأجل ولايتك عليهم، وتدبيرك لأمورهم.
(وعما قريب تنكشف عنك أغطية الأمور): يريد بما يكون في الآخرة والقيامة، وحضور وقتها، فإن الأمور في الدنيا مستورة عن أهلها، وكشف الغطاء عنها يكون في القيامة.
__________
(1) في (ب): أراد ما كان من أعمالك...إلخ.
(2) الحديث في نهاية ابن الأثير 3/410 بلفظ: ((المسلم أخو المسلم يتعاونان على الفتان)) وقال في شرحه: يروى بضم الفاء وفتحها، فبالضم جمع فاتن: أي يعاون أحدهما الآخر على الذين يضلون الناس عن الحق ويفتنونهم، وبالفتح هو: الشيطان؛ لأنه يفتن الناس عن الدين. وفتَّان من أبنية المبالغة في الفتنة. انتهى.

(وينتصف للمظلوم منك(1)): يريد بما كان من ظلمك له وأخذك لحقه.
(أملك عليك حمية أَنْفِكَ): يعني الأنفة، والحمية: الاحتماء، وأراد املكها كيلا تؤديك إلى التكبر والفخر، يقال: فلان أحمى أنفاً وأمنع ذماراً(2).
(وسورة حدّك): سورة السلطان: سطوته، وسورة الأسد: وثبته، وأراد احذر سطوة حدّة نفسك وشِرّتها(3).
(وسطوة يدك): في غير حق وبغير وجه بسيف أو سوط.
(وغَرْبَ لسانك): أي حدته وطوله في الكلام فيما لا وجه له، وإيقاعه فيمن ليس أهلاً له.
(واحترس من كل ذلك): أي كف نفسك من جميع ذلك لما فيه من الهلاك للنفس عند الله تعالى في القيامة.
(بكفِّ البادرة): ما تسرع النفس إليه(4) من الشر والسقطة في ذلك.
(وتأخير(5) السطوة): يعني إذا أخرتها ففي تأخيرها انكفاف عنها وإبطال لحدتها في أوائلها.
(ويسكن غضبك(6)): سكون الغضب وسكوته في قوله تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ}[الأعراف:154]، عبارة عن ذهاب شدته وزوال فورته.
(فتملك الاختيار): في أمورك كلها، ومعرفة ما تأتي منها وما تذر.
(ولن تحكم ذلك من نفسك): يريد الاحتراس من جميع ما ذكره من شدة الغضب وكف البادرة.
(حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك): يعني أن ذلك لا يستحكم غاية الاستحكام إلا بذكر الموت والمعاد إلى الله تعالى، لأن ذلك كله يهون ما ذكره من مقاساة هذه الأشياء وصعوبتها.
__________
(1) في نسخة: وينتصف منك للمظلوم (هامش في ب)، وهو كذا في شرح النهج.
(2) الذِّمار بالكسر: ما يلزمك حفظه وحمايته. (القاموس المحيط ص508).
(3) الشِرة بالكسر مصدر الشر. (مختار الصحاح).
(4) في (ب): ما تسرع إليه النفس.
(5) في (أ): وتأخر.
(6) في (ب) وشرح النهج: حتى يسكن غضبك.

(والواجب عليك): لله تعالى في سيرتك وفي جميع معاملاتك كلها وأحكامك وفتاويك.
(أن تذكر(1) ما مضى لمن تقدمك): من الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم في جميع أحكامهم كلها وفتاويهم، وما فعلوه فيما يرد عليهم ويصدر من الحوادث كلها.
(من حكومة عادلة): أمضى فيها الحكم على جهة العدل من غير حيف فيها.
(أو سنة فاصلة(2)): بين الحق والباطل.
وفي نسخة أخرى: (فاضلة): بالضاد المنقوطة أي التي لها فضل على غيرها من السنن.
(أو أثر عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم): تعمل عليه فيما تناوله.
سؤال؛ الأثر والسُّنة هما كلاهما صادران عن الرسول عليه السلام، فكيف فرَّق بينهما؟
وجوابه؛ هو أن السّنَّة ما كان الرسول مواظباً عليه في أكثر أوقاته كلها ومكرراً للعمل به، والأثر ما ورد عنه وليس متكرراً، ولهذا يقال: بأن ركعتي الظهر والفجر(3) سنة لما داوم على فعلهما كثيراً، وصلاة الضحى مأثورة لما لم يدوام على فعلها، ولم يكثر من جهته ذلك.
(أو فريضة في كتاب الله): أو أمر مفروض، دل على كونه مفروضاً كتاب الله.
__________
(1) في (ب) وشرح النهج: أن تتذكر.
(2) في شرح النهج: فاضلة.
(3) في (ب): الفجر والظهر.

(فتقتدي بما شاهدت مما عملنا(1) فيها): يعني أن أصول الأدلة للأحكام هو ما ذكره من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله، وما كان من جهة الصحابة في ذلك فيكون لك قدوة عملهم من إثبات أو نسخ أو تخصيص أو غير ذلك، فإن العمدة هو على إجماعهم في ذلك، فما أجمعوا عليه وأصدروه عن آرائهم جميعاً(2) فهو المعمول عليه، وإن كان مخالفاً لظاهر الكتاب أو مخالفاً لظاهر خبر من جهة السنة، فإنَّا نعلم قطعاً أنهم لا يعرضون عن ظاهر ما في الكتاب والسنة تهاوناً بالله وبرسوله؛ لأن ذلك يكون كفراً، وقدرهم أعلا وأشرف من ذلك، وإنما يعرضون لأمور أخر تقتضي ذلك وإن لم يمكن نقلها، فلهذا وجب التعويل في ذلك على ما كان من جهتهم.
(وتجتهد لنفسك): من أجل صلاح(3) نفسك وسلامتها.
(في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا): ما أمرتك فيه من الأوامر، ونهيتك عنه، وزجرتك بالمواعظ، وأدبتك فيه بمحاسن الآداب كلها.
(واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك): يريد وما ذكرت من العهود والمواثيق عليك، والحجج البالغة في امتثال ما قلته فيه.
(لكيلا تكون لك علة عند تسرُّع نفسك إلى هواها): يشير إلى أني قد بالغت في الوعظ والنصيحة لقطع العلة مخافة إسراع نفسك إلى ما تهواه من مخالفة الحق وإبطاله.
(وأنا أسأل الله بسعة رحمته): الشاملة لكل الخلائق.
(وعظيم قدرته): باهرها وكمالها.
(على إعطاء كل رغبة): ما يُرْغَبُ إليه من جميع الأشياء.
(أن يوفقن‍ي وإياك لما فيه رضاه): للطاعات المرضية عنده.
__________
(1) في (ب) وشرح النهج: مما عملناه به فيها.
(2) جميعاً، زيادة في (ب).
(3) في (ب): إصلاح.

(من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه): من هذه لابتداء الغاية، وأراد حسن العذر في الخروج إلى الله في حقوقه الواجبة له، وحقوق العباد الواجبة لهم.
(من حسن الثناء في العباد): بحسن السيرة فيهم، أو لتأدية حقوقهم إليهم.
(وجميل الأثر في البلاد): إما لبسط العدل فيها(1)، وإما لإظهار الرفق بأهلها.
(وتمام النعمة): يريد في الدنيا بالسلامة عن العاهات وطروّ الآفات، أو بخاتمة الخير في الآخرة.
(وتضعيف الكرامة): بثواب الله في الآخرة، أو مضاعفة النعم في الدنيا (2) والإكرام بها.
(وأن يختم لي ولك بالسعادة): الأخروية وهي خاتمة الخير والتوفيق لرضوان الله تعالى(3).
(والشهادة): قتلة مرضية في سبيل الله.
(إنا إلى الله(4) راغبون): في جميع ذلك كله من كرمه وسعة رحمته.
(والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(5)): رحمته ورضوانه.
وأقول: إن هذا العهد لكافي(6) لأئمة الدين في تدبير أمورهم، ولأهل الدول في سياسة دولهم؛ لما فيه من جميع الفوائد الجمة والنكت الغزيرة وآداب الدين والدنيا.

(54) ومن كتاب له [عليه السلام](7) إل‍ى طلحة والزبير(8)
__________
(1) فيها، سقط من (ب).
(2) في (ب): بالدنيا.
(3) تعالى، زيادة في (ب).
(4) في نسخة: إنا إليه (هامش في ب).
(5) في شرح النهج: والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.
(6) في (ب): لكافٍ.
(7) زيادة في (ب) وشرح النهج.
(8) في شرح النهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى طلحة والزبير مع عمران بن الحصين الخزاعي، وذكر هذا الكتاب أبو جعفر الإسكافي في كتاب (المقامات).

ذكره أبو جعفر الإسكافي(1) في كتاب (المقامات) له.
وأبو جعفر الإسكافي هذا هو من جملة الثقات في النقل والمعتمد عليهم في الروايات، وله ثقة وأمانة فيما يرويه ومعرفة ودراية، وعليه تعويل الأكثر من أئمة النقل في الأخبار والتواريخ.
(أما بعد، فقد علمتما): علماً لاشك فيه، قطعياً لامرية به.
(وإن كتمتما): أخفيتما ذلك وأسررتماه.
(أني لم أرد الناس): على ما كان من أمر الإمامة والبيعة، ولا دعوتهم إلى ذلك.
(ولكن(2) أرادوني): طلبوني وحملوني على ذلك.
(ولم أبايعهم): أطلبها من جهتهم.
(حتى بايعوني): طلبوني.
(وإنكما ممن أرادني): للخلافة.
(وبايعن‍ي): عليها من جملة الناس كلهم، من غير إكراه مني على ذلك لأحد منكم.
(وإن العامة لم تبايعن‍ي لسلطان غالب غاصب): أراد أن انقيادهم لي في البيعة وطاعتهم لي فيها ما كان لمكان سلطان، وأمر نافذ عليهم، ولا أني غصبتهم على ذلك.
__________
(1) هو محمد بن عبد الله الإسكافي، أبو جعفر المتوفى سنة240ه‍، عده قاضي القضاة في الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة، وقال: كان أبو جعفر فاضلاً عالماً، وصنف سبعين كتاباً في علم الكلام. وهو الذي نقض كتاب (العثمانية) على أبي عثمان الجاحظ في حياته. وذكر ابن أبي الحديد أن أبا جعفر كان يقول بالتفضيل على قاعدة معتزلة بغداد. (انظر شرح النهج لابن أبي الحديد 17/132-133).
(2) في شرح النهج: وفي نسخة: حتى أرادوني.

(ولا لغرض خاطر(1)): من أغراض الدنيا، وهذا أمر ظاهر أعني ما ذكره من عدم الغصب والقهر لهم، بل جاءوا مضطرين إلى إقامته(2)، وفزعوا وجلين إلى خلافته، لما خلا عقد أمر المسلمين(3) من غير رابط، ولا حافظ لهم هناك ولا حائط.
(فإن كنتما بايعتماني طائعين): من جهة الاختيار من أنفسكما.
(فارجعا): إلى الله تعالى(4) عن النكث والخروج عن الحق والفسق بالبغي عليّ.
(وتوبا إليه(5)): من هذه المعاصي الموبقة.
(من قريب): والذنوب قليلة والحال منجبر، أو من قريب قبل التمادي في الباطل والغي.
(وإن كنتما بايعتماني كارهين): من غير اختيار من جهة أنفسكما.
(فقد(6) جعلتما لي عليكما السبيل): يريد الحجة الواضحة عليكما بما كان من تلبيسكما.
(بإظهاركما الطاعة): لي والاتباع لأمري.
(وإسراركما المعصية): بما كان من المبايعة كرهاً، وفي ذلك عدم الانقياد لأمري والمخالفة لي.
(وما كنتما(7) بأحق المهاجرين بالتقية والكتمان): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أن المهاجرين على كثرتهم وجموم أعدادهم بايعوني، لم يخافوا مني سطوة(8)، ولا هم في تقية من أمري، فكيف تخافان أنتما.
وثانيهما: أن يكون مراده أن المهاجرين ليس لأحدهم من الفضل وعلو الرتبة مثل مالكما، ومع ذلك فإنهم ليسوا في خوف ولا تقية فيما فعلوه من البيعة، فكيف يكون حالكما مخالفاً لحالهم، وأنتما أحق بعدم التقية لما لكما من الفضل والسابقة وعلو المحل.
__________
(1) في شرح النهج: ولا لحرص حاضر.
(2) في نسخة: إمامته، (هامش في ب).
(3) في (ب): لما خلى حبل المسلمين.
(4) تعالى، زيادة في (ب).
(5) في (ب) وشرح النهج: وتوبا إلى الله.
(6) في (أ): قد.
(7) في شرح النهج: ولعمري ما كنتما...إلخ.
(8) في (ب): من سطوة.

(وإن دفعكما هذا الأمر): امتناعكما من البيعة وتأخركما عنه.
(من قبل أن تدخلا فيه): بما كان من إعطاء البيعة والانقياد للأمر(1).
(كان أوسع عليكما): مجالاً وأفسح مضطرباً.
(من خروجكما منه): من غير بصيرة لكما في ذلك.
(بعد إقراركما به): تصريحكما بصحته.
(وقد زعمتما أني قتلت عثمان): بما كان من تخلفي عن نصرته وخذلاني له، أو يكون غرضهما بأمري بذلك، فإن ظاهر كلامه فيما نقله عنهما(2) محتمل لذلك.
(فبين‍ي وبينكما): متوسط وحاكم.
(من تخلف عن‍ي): وتخلفه عنه، إما عن البيعة فلم يبايع، مثل ما كان من عبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وسعد بن أبي وقاص وغير هؤلاء، وإما عن الخوض في أمر عثمان فإن منهم من وقف في حاله عن خذلانه ونصرته، ولم يتكلم فيه.
(وعنكما): بترك المتابعة لكما في النكث لبيعتي وخروجكما عنها، وإما عن النصرة لعثمان كما هو رأيكما.
(من أهل المدينة): التي هي موضع الهجرة ومهبط الوحي ودار الإسلام والإيمان.
(ثم يُلْزَمُ كل امرئ بقدر ما احتمل): من ذلك من الجرم.
(فارجعا أيها الشيخان(3)): عما أنتما فيه من البغي والخروج عن الحق، وما عليه أهل الدين.
(عن رأيكما): الخطأ وعزمكما المخالف للحق.
(فإن الآن أعظم أمركما العار): يريد أن الذي ينقم عليكما من جهة الدين إنما هو العار بما ركبتما من مخالفة المؤمنين واتباع غير سبيلهم، وسلوك غير طريقهم.
(من قبل أن يجتمع العار والنار): فالعار ما يلحق به الذم من المخالفة بالبغي، والنار من جهة الله تعالى بالعقوبة على ذلك.
__________
(1) في (ب): للإمام.
(2) في (ب): فيما نقله ها هنا عنهما ...إلخ.
(3) في نسخة: الرجلان، (هامش في ب).

(55) ومن كتاب له [عليه السلام](1) إل‍ى معاوية
(أما بعد؛ فإن الله سبحانه جعل الدنيا لما بعدها): أراد إما طريقاً إلى الجنة، وإما جعل ما يكون في الآخرة جزاء لما يكون في الدنيا من الطاعة والمعصية بالثواب والعقاب، وإما أن يريد جعل الدنيا وصلة إلى رضوان الله والفوز بجواره.
(وابتلى فيها أهلها): أراد إما بالخير والشر، وإما أن يريد بأهلها بعضهم ببعض، أو أراد بما يكون من فتنة الشيطان والنفس والهوى وغير ذلك من أنواع البلايا والمصائب اللاحقة فيها.
(ليعلم أيهم أحسن عملاً): أكثر مطابقة لرضاه مع هذه البلايا وشدة هذه الفتن.
(ولسنا للدنيا خُلِقْنَا): إنما خُلِقْنَا من أجل العبادة، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56]، وأيضاً فالخلق إنما يكون لأمر دائم وهو الثواب المستحق على العبادة.
(ولا للسعي فيها(2) أُمِرْنَا): للاجتهاد والاضطراب وإحرازها كان أمر الله لنا.
(وإنما وُضِعْنَا فيها لنبتلى(3) بها): من أجل البلوى والامتحان والاختبار.
(وقد ابتلاني الله بك): بأن أحاربك على مخالفتك(4) لي وبغيك عليَّ، وعصيانك لله، وطلبك الفساد في الأرض بغير الحق.
(وابتلاك بي): كما ابتلى إبليس بآدم، فجعل طاعتي واجبة عليك وأمري لازم لك فخالفت الأمر، وخرجت عن الطاعة.
(فجعل أحدنا حجة على الآخر): أنا حجة عليك في وجوب الاتباع والانقياد وترك المخالفة، وأنت حجة عليَّ في وجوب جهادك على مخالفة الله تعالى(5) وتعدي حدوده.
__________
(1) زيادة في (ب) وشرح النهج.
(2) في نسخة: ولا بالسعي لها، (هامش في ب).
(3) في نسخة: لنبلى (هامش في ب).
(4) في (أ): على مخالفة، وهو تحريف.
(5) تعالى، زيادة في (ب).

(فغدوتَ على طلب الدنيا): أي تجاوزت الحد في إحراز الدنيا والتهالك في حبها.
(بتأويل القرآن): بأن تأولت القرآن على غير وجهه، فأوهمت أهل الشام أني قاتل لعثمان، وأنك طالب بدمه، محتجاً بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ}[البقرة:178]، فطلبت الدنيا بتأويلك الفاسد.
(فطلبتن‍ي(1) بما لم تجن يدي): من القتل.
(ولا لساني): ولا أمر به لساني.
(وعصبته أنت وأهل الشام): بما كان منكم من المخالفة.
(بي): بسببَي ومن أجلي.
(وألَّب عالمكم جاهلكم): أي جمع عليَّ وحرض من كان عالماً بحالي وفضيلتي من كان جاهلاً بها بالحرب والمخالفة.
(وقائمكم قاعدكم): أي وحثَّ من كان قائماً بمعاداتي من كان قاعداً عنها، وساكتاً عن النطق بها.
(فاتق الله في نفسك): بالانقياد لأمره، وترك المخالفة له في أحوالك كلها.
(ونازع الشيطان قيادك): القياد: الحبل الذي يقاد به الحيوان، وأراد وأملكه على نفسك ولا تمكِّن الشيطان منه فيقودك به.
(واصرف إلى الآخرة وجهك): يشير بهذا إلى إدباره عن الآخرة، وتهالكه في حب الدنيا، وطلب الرئاسة فيها، وأخذها من غير حلها، وعلى غير وجهها.
(فهي طريقنا وطريقك): إما إلى الآخرة وأهوالها، وإما إلى النار والجنة، وإما إلى الأعمال الصالحة وخلافها.
(واحذر أن يصيبك الله بعاجل قارعة): ببلية شديدة لا يمكن وصف حالها.
(تمش(2) الأصل): أي تقلعه، وهو بالشين المنقوطة من أعلاها.
قال الأصمعي: المش: مسح اليد بالشيء الخشن بقلع الدسم منها.
قال امرؤ القيس:
نمش بأعراف الجياد(3) أكفنا
__________
(1) في شرح النهج: وطلبتني.
(2) في شرح النهج: تمس، أي تقطع.
(3) في (ب): الجبال.

إذا نحن قمنا عن شواء مضهّب(1)
ذ

(وتقطع الدابر): أي العقب؛ لأنه يدبر الإنسان ويخلفه بعده.
(فإني أولي لك بالله أَلِيَّةً غير فاجرة): أي أحلف حلفاً صادقاً، واليمين الفاجرة: هي(2) المائلة عن سمت الحق وطريقه.
(لئن جمعتن‍ي وإياك جوامع الأقدار): ما سبق به علم الله ونفذ به قضاؤه من قتل من يقتل وأخذ من يؤخذ.
(لا أزال بساحتك(3)): أي بناحيتك وجهتك، ولا أقلع عن ذلك.
(حتى يحكم الله): بما أراد من حكمه إما علي وإما لي.
(وهو خير الحاكمين(4)): أعلمهم بما فيه مصلحة لي ولك وأحقهم بذلك.

(56) ومن كلام له أوصى به شريح بن هانئ(5) لما جعله على مقدمته إل‍ى الشام
(اتق الله في كل صباح ومساء): في جميع أوقاتك كلها، وخصَّ الصباح والمساء لشمولهما طرفي النهار، كما قال تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}[طه:130].
__________
(1) أورده في لسان العرب 3/488 وقال في شرحه: المضهب: الذي لم يكمل نضجه، يريد أنهم أكلوا الشرائح التي شووها على النار قبل نضجها، ولم يدعوها إلى أن تنشف فأكلوها وفيها بقية من ماء.
(2) في (ب): وهي.
(3) في شرح النهج: بباحتك.
(4) في شرح النهج: حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
(5) هو شريح بن هانئ بن يزيد بن نهيك بن دريد المذحجي، كان أبوه هانئ يكنى في الجاهلية أبا الحكم، لأنه كان يحكم بينهم، فكناه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأبي شريح إذ وفد عليه، وابنه شريح هذا من جلة أصحاب عليعليه السلام، شهد معه المشاهد كلها، وعاش حتى قتل بسجستان في زمن الحجاج، وشريح جاهلي إسلامي، يكنى أبا المقدام. (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17/138).

(وخف على نفسك الدنيا الغَرُورَ): أي كن خائفاً في أحوالك كلها لغرورها وخدعها ومكرها.
(ولا تأمنها على حال): فإن من كان من طبعه الخدع والمكر لا يؤمن في حالة من الحالات.
(واعلم أنك إن لم تردع نفسك): ردعه إذا كفه عما يريد(1).
(عن كثير مما تحب مخافة مكروهه): المعنى أنك إذا كففت نفسك(2) عن كثير من محبوباتها مخافة أن تقع في الأمور المكروهة.
(سمت بك الأهواء إلى كثير من الضرر): علت بك إلى معظم الضرر وكثيره.
(فكن لنفسك مانعاً رادعاً): فالمنع عن الشرور، والردع عن هواها(3).
(ولنزوتك(4) عند الحفيظة): النزوة: الوثبة، والحفيظة: الغضب، ومن أمثالهم: الحفيظة تذهب الحقد؛ لأن الحقد شيء يسير يقع في القلب قليل، لا تأثير له، فإذا وقعت الحفيظة فهي أشد من الحقد وأقوى حكماً منه، ولا جرم كان الحقد لضعفه ذاهباً عندها، لما كانت أعظم حالاً منه، ولهذا فإن من كان في قلبه حقد على غيره ثم قتل ولده فإن القتل يذهب ما كان من الحقد بحصول ما هو أعظم منه جرماً، فهذا مرادهم بقولهم: الحفيظة تذهب الحقد.
(واقِمًا): الوقم: أشد الرد.
(قامعاً): قمعه إذا كفه بعنف وشدة، وأراد كن لها عند هذه أشد كافٍّ وأعظم رادٍّ.

(57) ومن كتاب له إل‍ى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إل‍ى البصرة
(أما بعد، فإني خرجت مخرجي هذا إما ظالماً وإما مظلوماً): إما هذه هي المكسورة المكررة التي تأتي للعطف، كقوله تعالى: {فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً}[محمد:4] وهذه كلها ومابعدها أحوال منصوبة من التاء في خرجت.
__________
(1) في (ب): يريده.
(2) ظنن فوقها في (ب) بقوله: ظ: إذا لم تكفف نفسك.
(3) في (ب) ونسخة أخرى: هوائها.
(4) في شرح النهج: ولنزواتك.

(وإما باغياً أو مبغياً عليه(1)): وغرضه من هذا(2) إيجاب الحجة على من بلغه وسمعه، وأنه غير منفك من(3) هذه الأحوال.
(وأنا أذكِّر الله من بلغه كتابي هذا): أراد إما أذكِّره وعيده ووعده(4) على الطاعة والمعصية من ذاك، أو أراد أسأله بالله وأناشده به.
(لما نفر إليَّ): لما إن كان مخففاً، فما ها هنا زائدة، واللام هذه جواب القسم داخلة على الفعل الماضي، وإما أن(5) تكون مثقلة بمعنى إلا، وهي في وجهها كهي في قوله تعالى:{إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}[الطارق:4]، على القرآتين جميعاً(6)، وأراد إلا أتى على عجلة نحوي.
(فإن كنت محسناً أعانن‍ي): على إحساني فله الأجر(7) مضاعفاً على ذلك.
(وإن كنت مسيئاً استعتبن‍ي): طلب عتابي عما أنا فيه وكفني عنه.

(58) ومن كتاب له إل‍ى أهل الأمصار يقتص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين
(وكان بدء أمرنا أنَّا التقينا والقوم من أهل الشام): وكان مبدأ الأمر وأوله أن المقادير جمعتنا، وقوله: (والقوم من أهل الشام): عطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد له، ولا ما يقوم مقامه، كقولك: قمت وزيد، وإلى جوازه من غير تأكيد، ذهب علماء الكوفة.
(والظاهر): من حالنا وحالهم في ذلك.
(أن ربنا واحد، ونبينا واحد): لانعدل عن أحدهما لغيره(8).
__________
(1) في (ب): عليَّ.
(2) في (ب): هذه.
(3) في (ب): عن.
(4) في (ب): وعده ووعيده.
(5) أن، زيادة في (ب).
(6) أي ل‍مَّا بالتشديد، وهي قراءة، ولَمَا بالتخفيف وهي قراءة أخرى.
(7) في (ب): فله الأجر، فله الأجر مضاعفاً على ذلك.
(8) في (ب): بغيره.

(ودعوتنا في الإسلام واحدة): وهي كلمة التوحيد، المشار إليها بقوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ}[آل عمران:64].
(لا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله): أي لا نطلب منهم الزيادة على ما هم عليه من ذلك لتمكنهم فيه وانقطاعهم إليه.
(ولا يستزيدوننا): في الإقرار به والثبات عليه شيئاً.
(والأمر واحد): بيننا وبينهم في الدين والإسلام، لا مخالفة بيننا وبينهم في ذلك.
(إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان): الاستثناء هذا متصل، وهو منصوب على الإيجاب، أي وكل أمورنا مستوية إلا ما كان من الخلاف في قتل عثمان.
(ونحن منه بَرَاءٌ): البَراء بفتح الباء هو: المصدر، والبُراء بضم الباء هو: جمع بريء كنذير ونذراء.
(فقلنا لهم: تعالوا): أي فكان من قولنا لهم وخطابنا إياهم أن قلنا لهم: أقبلوا، وتعالوا اسم من أسماء الأفعال تقول فيه: تعال يا زيد، تعالي يا هند، تعالوا يارجال، تعالين يانساء بفتح اللام في هذا كله، قال الله تعالى: {تَعَالَوْا}، وقال: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ}[الأحزاب:28]، وأراد أقبلوا.
(ندواي ما لا يُدْرَكُ اليوم): نصلح بالدواء ما لا يلحق اليوم لعظمه وتفاقمه، والإدراك: اللحوق.
(بإطفاء النائرة): الباء متعلقة بيُدْرَك، والنائرة بالنون هي: الحرب.
(وتسكين العامة): عن الفشل والاضطراب.
(حتى يشتد الأمر): يقوى ويستفحل.
(ويستجمع): يكون مجتمعاً أمره.

(فنقوى(1) على وضع الحق في مواضعه): وأراد أخذ قتلة عثمان بجرمهم، وإنصاف الحق من جهتهم؛ لأنهم قد كانوا سألوه ذلك، وهو أن يمكِّنهم من قتلة عثمان للقصاص وأخذ الحق، فقال لهم هذه المقالة، وحاصلها ترك الأمر حتى تقوى قواعده وتشتد أركانه، ويجري الشرع في ذلك مجراه، فهذا كان رأيه في أول أمره.
(فقالوا: بل ندوايه بالمكابرة): أي بالتكبر والتعاظم علينا في ذلك، ومنه الكبرياء وهو: التعاظم.
(فأبوا): فكرهوا ما أشرنا إليهم(2) من المصلحة، فكان من أمرنا وأمرهم في الحرب ما كان، وانتهت حالنا وحالهم إلى ما عرف.
(حتى جنحت الحرب): أي مالت.
(وركدت): أي ثبتت، وذكر هاتين الحالتين لشمولهما لها؛ لأنها لاتزال بين ميلان على قوم وركود على آخرين، ومنه قولهم: الحرب سجال أي يوم لك ويوم عليك.
(ووقدت نيرانها): توقدت وعظمت، وهم يستعيرون للحرب صفات النار من التوقد والالتهاب لعظمها وصعوبة الأمر فيها.
(وحمشت): بالحاء المهملة والشين بثلاث من أعلاها أي التهبت غضباً.
(فلما ضرَّستنا وإياهم): عضتنا بأضراسها، وهو كناية عن اشتدادها، يقال: ضرَّسه الزمان إذا اشتد عليه.
(ووضعت مخالبها فينا وفيهم): مخالب الأسد هي: براثنه، وهي أظفاره، وأراد أنها أخذت منا ومنهم.
(أجابوا عند ذلك): الإشارة إلى ما كان من الحرب من التأثير في الفريقين.
(إلى الذي دعوناهم إليه أولاً): وهو كف الحرب، وتسكين الدهماء، وحقن الأموال عن السحت(3) وصيانة الدماء، وهو يشير إلى التحكيم وندبهم إليه.
(فأجبناهم إلى ما دعوا): من ذلك وأسعدناهم إليه.
__________
(1) في (ب): فيقوى.
(2) في (ب): إليه.
(3) أي الاستئصال، من أسحته ماله إذا استأصله.

(وسارعناهم إلى ما طلبوا): أي كانوا سريعين(1) إلى ذلك، عجلين إليه، لكنا أسرع(2) منه(3) إليه طلباً منا للمناصحة في الدين وسعياً إلى إصلاح الأمر في ذلك.
(حتى استبانت عليهم الحجة): ظهر أنهم مغلوبون(4) بما أوضحنا عليهم من الحجج في ذلك وأفحمناهم فيه، يشير إلى طلبهم لدم عثمان.
(وانقطعت فيهم المعذرة): يعني العذر، وصار كأنه لا عذر لهم فيما طلبوه(5) من ذلك، إذ كان طلباً لاوقع له، وخصاماً لا فائدة ورائه، ولكنه تجني على من لا ذنب له، ولوم على من لا لوم عليه.
(فمن تمَّ على ذلك): يريد المبغي(6)، واستمر عليه مع ظهور ما قد ظهر له من البصيرة في رجوعه عما كان عليه من البغي.
(منهم): من أهل الشام معاوية وأحزابه.
(فهو الذي انتقذه(7) الله من الهلكة): أي نجاه الله(8) منها، والهلكة هي: الهلاك، وانتقذه وأنقذه بمعنى واحد، وكلاهما قد روي، وسماعنا فيه: (انتقذه).
(ومن لجَّ): فلان لجَّ في العداوة إذا ولع بها وأكثر من فعلها.
(وتمادى): أي أكثر من مداها، ولم يقف على غاية من ذلك.
(فهو الراكس): الراجع في غيه، ومنه قولهم: ارتكس فلان إذا رجع في أمر قد كان نجا منه.
__________
(1) في (ب): مسرعين.
(2) في (ب) وفي نسخة أخرى: أسرعنا.
(3) ظنن فوقها في (ب) بقوله: ظ: منهم.
(4) في (ب): مغلولون.
(5) في (ب): يطلبون.
(6) كذا في (أ) و(ب)، وظنن فوقها في (ب) بقوله: ظ: يريد الرجوع عن البغي.
(7) في شرح النهج: أنقذه.
(8) الله، زيادة في (ب).

(الذي ران الله(1) على قلبه): أي غلب الله على قلبه بالخذلان والفساد، والرين: الطبع والدنس، وغرضه أن القلوب منهم قد رانت عليها الذنوب فسودتها وغلبت عليها بالتطخية(2) والقساوة.
(وصارت دائرة السوء على رأسه): المراد بالدائرة هي: البلية الدائرة عليهم، شبهت بالدائرة في الخط لاستيلائها عليهم وإحاطتها بهم من جميع الجهات والجوانب، كما قال الله تعالى: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ}[التوبة:98]، وقد حكينا من أمر التحكيم في أثناء الخطب المتقدمة ما فيه كفاية.

(59) ومن كتاب له [عليه السلام](3) إل‍ى الأسود بن قطبة صاحب حلوان(4)
(أما بعد، فإن الوالي إذا اختلف هواه): يريد باختلاف الهوى هو أنه تارة يكون مع هذا على غيره، وتارة يكون مع ذاك على من سواه، من غير التفات إلى النصفة، ولا مواظبة على تحري المعدلة بين الخلق، ومراعاة الإنصاف بينهم، فمن فعل هذا في رعيته ومن تحت يده.
(منعه ذلك كثيراً من العدل): لأن العدل هو مخالف للهوى ومضاد له، فإذا كانت عمدته الهوى منعه ذلك عن العدل في كل أحواله لما ذكرناه.
(فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء): من غير حيف ولا ميل اتباعاً للهوى؛ لأن الله جعلهم بالإضافة إلى الحق على سواء، ولا تفضيل لأحد على أحد فيه.
(فإنه ليس في الجور عوض عن العدل): يعني أن الجور لا يقوم مقام العدل في شيء من أحكامه؛ لأن عوض الشيء يكون سادَّاً مسدَّه، وقائماً مقامه، والجور لايسدُّ مسدَّ العدل.
__________
(1) في (ب): الذي قد ران الله...إلخ.
(2) أي التغطية.
(3) زيادة في شرح النهج.
(4) في شرح النهج: صاحب جند حلوان.

(فاجتنب ما تُنْكر أمثاله): من غيرك وتكون رادّاً له(1) عليه من جهة نفسك، هذا على أن تنكر مبني لما سمي فاعله، فأما على من رواه مبنياً لما لم يسم فاعله، فالغرض فيه فاجتنب ما تنكر من غيرك أمثاله.
(وابتذل نفسك فيما فرض(2) الله عليك): التبذل بالذال بنقطة من أعلاها هو: الامتهان وخلاف التصون، وأراد امتهن نفسك واستخدمها في أداء ما فرض الله عليك من فروضه وأداء واجباته
(راجياً ثوابه): امتهان من يكون راجياً للثواب.
(ومتخوفاً من عقابه): أن يلحقك ويتصل بك.
(واعلم أن الدنيا دار بلية): أي فتن ومحن وشرور.
(لم يفرغ صاحبها فيها(3) ساعة إلا كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة): يعني أنه لم يفرغ ساعة عن اكتساب الأعمال الصالحة إلا ندم عليها لا محالة، حيث لم يكن اغتنمها، وفعل فيها أفعال الخير.
(وإنه لن يغنيك عن الحق شيء(4) أبداً): يعني أن عملك على الحق واشتغالك بالحق لا يقوم مقامه شيء، ولا يعتاض عنه شيء(5).
(ومن الحق حفظك(6) نفسك): عن كل ما يهلك الدين، ويوقع النفس في غضب الله تعالى(7) وسخطه وعذابه.
(والاحتساب على الرعية بجهدك): الاحتساب هو: الأجر على العدل من جهة الله تعالى.
__________
(1) له، سقط من (ب).
(2) في شرح النهج: افترض.
(3) في (ب): منها، وفي شرح النهج: لم يفرغ صاحبها فيها قط ساعة ...إلخ.
(4) في نسخة: غنآء (هامش في ب).
(5) في (ب): ولا تعتاض عنه بشيء.
(6) في نسخة: حفظ، ذكره في هامش (ب)، وفي شرح النهج: ومن الحق عليك حفظ نفسك.
(7) تعالى، سقط من (أ).

(فإن الذي يصل إليك من ذلك أفضل من الذي يصل بك): يريد أن الذي يصل إليك من الثواب بسبب حفظك(1) نفسك، وجزاء على عدلك في الرعية أفضل لا محالة مما يصل بسبب عدلك إلى الرعية من(2) الأمن والرفاهية وطيب العيش وقرار النفوس؛ لأن ذلك منقطع حقير بالإضافة إلى أجر(3) الله وثوابه.

(60) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى العمال الذين يطأ عملهم الجيش
(من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من مرَّ به الجيش): يخاطب بذلك أهل ولاياته، والذين يتصرفون عن أمره.
(من جباة الخراج): الذين(4) يأخذونه ممن وجب عليه، والأرض الخراجية هي سواد العراق(5) كما ذكرناه من قبل.
ويحكى أنها اثنان وثلاثون ألف ألف جريب، والجريب: ثلاثة آلاف ذراع وستمائة ذراع، ويؤخذ الخراج من كل جريب شعير(6) درهمان، ومن كل جريب حنطة أربعة دراهم، ومن كل(7) جريب القصب ستة دراهم، ومن كل جريب نخل عشرة دراهم، ومن كل جريب كرم ثمانية دراهم، ومن كل جريب زيتون اثني عشر درهماً.
__________
(1) في (ب): حفظ.
(2) في (ب): في.
(3) في (ب): جزاء.
(4) في (ب): الذي.
(5) قال الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الاعتصام 2/294 ما لفظه: وقال الغزالي في كتاب (فضائل المستظهرية وفضائح الباطنية) ما لفظه: ومذهب الشافعي وطوائف العلماء أن رض العراق وقف: من عُبَّادان إلى الموصل طولاً، ومن القادسية إلى حلوان عرضاً، وإنما وقفها على المسلمين عمر بن الخطاب ليكون خراجها منصباً إلى بيت المال ومصالح المسلمين. انتهى.
(6) في (أ): شعيراً.
(7) كل، زيادة في (ب).

ويحكى أن عمر رضي الله عنه جبا الأرض الخراجية في أيامه مائة ألف ألف درهم وسبعة وثلاثين ألف ألف درهم، ولا يُغيَّر عما فعله عمر فيها لإجماع الصحابة على فعله(1)، فلهذا كان حجة واجبة القبول.
__________
(1) قال الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الاعتصام 2/293-294 في ذكر الخراج وكيفية وضعه ما لفظه: ... وكما فعله الصحابة كما روي أن الصحابة وضعوا الخراج باتفاق منهم وإجماع متظاهر، ولذلك أن عمر لما افتتح بلاد العجم قال له الناس: أقسم الأرض بيننا، فاستشار عليًّاعليه السلام وسواه من الصحابة بحضر منهم فقال علي عليه السلام: (إن جرت فيها المواريث ثم حدث شيء فأخذت من أيديهم قالوا: ظلمنا، ولكن افرض خراجاً واجعل بيت مال، وافرض لهم عطاء يغنيهم) ففرض عمر على كل جريب بلغه الماء عمل أو لم يعمل درهماً وقفيزاً مما يسمى الآن حجاجياً حنطة، وعلى كل جريب من الكرم عشرة دراهم وعشرة مخاتم حنطة، وعلى كل جريب من القصابية خمسة دراهم وخمسة مخاتم حنطة، وعلى كل جريب أرض تصلح للزرع درهماً ومختوماً زرعت أم لم تزرع، والمختوم يومئذ صاع، وكان هذا باتفاق منهم من غير نكير أحد فصار إجماعاً. انتهى.
…ثم ساق روايتين الأولى من مجموع الإمام زيد بن علي عليه السلام تحكي كيفية وضع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام للأرض الخراجية، والثانية عن الإمام الهادي تحكي أمر أمير المؤمنين علي عليه السلام لعامله في كيفية وضع الأرض الخراجية، وكلاهما تختلفان في الكمية المقدرة لكل جريب من أي نوع. (انظرهما في المصدر المذكور).
…ثم قال الإمام القاسم بن محمد بعد سياق الروايتين المشار إليهما ما لفظه: قلت وبالله التوفيق: دل جميع ما تقدم على أن التصرف في الأرض المستفتحة إلى الإمام. انتهى.

(وعمال البلاد): جبات الصدقات، وما يأخذه الإمام، ويتصرف فيه.
(أما بعد، فإني قد سيَّرت جنوداً): للغزو والجهاد في سبيل الله تعالى(1).
(وهي مارَّة بكم إن شاء الله تعالى(2)): مجاوزة لكم.
(وقد أوصيتهم بما يجب لله عليهم من كف الأذى): من أنفسهم إلى سائر من يمرون به من سائر الضعفاء والمساكين، ومن لا قدرة له(3) عليهم.
(وصرف الشذى): بشين منقوطة من أعلاها وذال بنقطة من أعلاها أيضاً وهو: الشر.
قال ابن دريد:
لدن إذا لوينت سهل معطفي

ألوي إذا خوشنت مرهوب الشذى

(وأنا أبرأ إلى الله وإلى ذمتكم): برئ من الشيء إذا خلى عنه، وأراد أني بريء من الإثم إلى الله وإليكم.
(من معرة الجيش): المعرة: المساءة، قال الله تعالى: {فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ}[الفتح:25]، وأراد ضرهم ومساءتهم.
(إلا من جوعة المضطر الذي(4) لا يجد عنها مذهباً إلى شِبَعِهِ): والمعنى في هذا أني أبرأ إلى الله من مضرة أو مساءة تلحقكم من جهة الجيش وسببه، إلا من جوعة يضطر إليها ولا يجد إلى سدِّ جوعته طريقاً، وفي كلامه هذا دلالة على أنه إذا بلغ إلى هذه الحالة جاز له تناول ما يسدُّ به رمقه وينهض به حاله.
(فنكِّلوا من تناول منهم ظلماً): اجعلوه نكالاً وعبرة من همَّ منهم بأخذ المال ظلماً، وأزيلوهم:
(عن ظلمهم): عما يظلمون به الخلق ويأخذونه غصباً.
(وكفوا أيدي سفهائكم): اقبضوها عن أن يصلوا إليهم شراً وزمُّوها(5).
__________
(1) تعالى، زيادة في (ب).
(2) تعالى، زيادة في (ب).
(3) في (ب): لهم.
(4) في (ب): التي، والكلمة سقطت من شرح النهج.
(5) في (ب): بشر أو زموها.

(عن مضادتهم): المضادة: المنافاة، وهو أن تريد فعلاً ويريد غيرك أن يفعل ما يناقضه ويخالفه، فيكون فعله هذا مضادة.
(والتعرض لهم فيما استثنيناه): يعني وإذا فعلوا ما ذكرنا في الاستثناء من سدهم الجوعة(1) على جهة الاضطرار، فلا يعترضون في ذلك.
(وأنا بين أظهر الجيش): يقال: هو بين أظهرهم وبين ظهرانيهم إذا كان حاصلاً بينهم ومعهم.
(فارفعوا إليَّ مظالمكم): الظلامة والظليمة(2) والمظلمة: اسم لما يأخذه الظالم منك.
(وما عراكم): أي وما غشيكم من ذلك، يقال: فلان تعروه الضيوف أي تغشاه.
(مما يغلبكم من أمرهم): غلبه الأمر إذا قهره ولا يستطيع دفعه.
(ولا تستطيعون(3) دفعه): إزالته عنكم.
(إلا بالله وبي): بمعونة الله وعنايتي.
(أغيِّره بمعونة الله): بالإزالة والإماطة بلطف الله وإعانته لي في ذلك.
(إن شاء الله تعالى(4)): يعني أن ذلك كله موقوف على مشيئة الله تعالى(5) وإرادته ومعونته ولطفه.
__________
(1) في (ب): الجوع.
(2) في (ب): والظلمة.
(3) في شرح النهج: ولا تطيقون، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(4) تعالى، زيادة في (ب).
(5) في (أ): على مشيئته وإرادته ...إلخ.

(61) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى كميل بن زياد(1) وهو عامله على هيت(2)
(أما بعد؛ فإن تضييع المرء ما ولِّي): من هذه الولايات، واستؤمن عليه من هذه الأمانات من الرعاية للنفوس والأموال.
(وتكلفه لما كفي): وتعاطيه المشقة في رعاية ما قد كفى من ذلك.
(لعجز حاضر): غير منتظر.
(ورأي متبر): أي مهلك.
(وإن تعاطيك الغارة على أهل قرقيسيا(3)): فلان يتعاطى الشجاعة أي يأخذها من جهة نفسه، وليس أهلاً لها، وأراد ها هنا أنه تعاطاها ولم يكن رأياً صواباً.
(وتعطيلك مسالحك): المراقب التي يُخَافُ منها دخول العدو، وهي التي تكون في مفاتح الطرقات.
(الت‍ي وليناك): إصلاحها والنظر في أمرها.
(ليس لها من يمنعها): عن العدو بعدك.
(ولا يرد(4) الجيش عنها): إذا قصدها وهمَّ بها بعد صدورك عنها.
(لرأي شعاع): أي متفرق، يقال: ذهبوا شعاعاً أي متفرقين في البلاد.
(فقد صرت): بعد انتقالك عن مواضعك، وبعدك عن ولاياتك للغزو في غيرها.
__________
(1) هو كميل بن زياد بن نهيك بن الهيثم النخعي الصهباني الكوفي، المتوفى سنة82ه‍، أحد أصحاب أمير المؤمنين علي عليه السلام، وأحد العبّاد والزهاد، شهد مع الإمام علي صفين، وكان شريفاً مطاعاً في قومه، وقتله الحجاج، روى عن أمير المؤمنين، وابن مسعود، وعثمان، وعمر، وأبي هريرة، وعنه عبد الرحمن بن جندب الفزاري، وأبو إسحاق السبيعي، والأعمش وغيرهم، وهو من ثقات محدثي الشيعة. (انظر معجم رجال الاعتبار ص353 ترجمة رقم (698).
(2) هيت: بلدة بالعراق.
(3) في (أ): قرقيسا، وقرقيسيا: قرية على الفرات.
(4) في (ب): فلا يرد.

(جسراً لمن أراد الغارة من أعدائك على أوليائك): الجسر بفتح الفاء وكسرها هو: الذي يعبر عليه، وأراد أنك لما أخليت مواضعك صرت كالآلة، وكالجسر الذي يكون(1) طريقاً للمضي والعبور إلى قضاء الحوائج لأعدائك على من يكون من خاصتك وأوليائك.
(غير شديد اَلمنْكِب): المَنْكِب من الإنسان هو: مجتمع(2) الكتفين، وهو الكاهل أيضاً، وهو كناية ها هنا عن ضعف الأمر وهون الحالة.
(ولا مهيب الجانب): أي ولا يهاب جانبك، والهيبة(3): الخوف.
(ولا ساد ثُغْرَة): الثُغْر: المكان الذي يخاف من جهته العدو.
(ولا كاسر لعدو شوكة): الشوكة: الحد، وغرضه أنه غير مجتهد في نكاية عدو وإزالة حدته.
(ولا مغنٍ عن أهل مصره): بإصلاح أحوالهم، وذبَّ العدو عن حوزتهم.
(ولا مجزٍ عن أميره): ولا كافٍّ عن أميره فيما ولاَّه أمره، ولا مصلح(4) حاله، وظاهر كلامه ها هنا إنكار له على تخليته للمصر وأعماله المقصودة بالولاية والحفظ، وأنه لا ينبغي فعل ذلك وأمثاله إلا بإذن من جهة إمامه، فلهذا أنكر عليه صنعه في ذلك.

(62) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى أهل مصر مع مالك الأشتر(5) [رحمه الله] لما ولاَّه إمارتها
(أما بعد، فإن الله سبحانه(6) بعث محمداً [صلى الله عليه وآله ](7) نذيراً للعالمين): ما بين أيديهم من العقاب العظيم والألم البالغ الشديد، كما قال تعالى: {قُمْ فَأَنذِرْ}[المدثر:2].
__________
(1) في (أ): التي تكون.
(2) في (ب): مجمع.
(3) في (ب): والجانب: الخوف، وما في (أ) هو الصحيح.
(4) في (ب): ولا يصلح.
(5) في (ب): مالك بن الأشتر، وما بين المعقوفين زيادة في شرح النهج.
(6) سبحانه، زيادة في (ب)، وشرح النهج.
(7) زيادة في شرح النهج.

(ومهيمناً على المرسلين): المهيمن أصله مأ أمن(1) بهمزتين فاستثقل اجتماعهما فقلبت الأولى هاء كما في نحو: أرقت الماء هرقت الماء، ولينوا الثانية ثم قلبوها ياءً فصار مهيمن أي شاهداً ورقيباً عليهم.
(فلما مضى [صلى الله عليه وآله](2)): إلى الله بعد إبلاغ الرسالة وتأدية الأمانة.
(تنازع المسلمون الأمر بعده): يعني الولاية في الأمة والقيام بأمرهم بعده.
(فوالله ما كان يلقى في رُوْعِي): الرُوع بالضم هو: القلب.
(ولا يخطر ببالي(3)): ولا يعرض بخاطري.
(أن العرب تزعج هذا الأمر(4)): أي تزيله وتعدِّيه.
(عن أهل بيته): أقاربه وأهله.
(ولا أنهم يمنحونه غيري(5)): أي يعطونه سواي، والمنحة: العطية.
(من بعده): ومصداق ما قاله عليه السلام أمران:
أما أولاً: فلأن أقارب الرجل وأهل بيته(6) أحق برئاسته، وإحراز مرتبته من غيرهم من الأجانب، وهذا ظاهر في عرف الخلق لا ينكره أحد.
وأما ثانياً: فبما كان قد علم من الأخبار بما يقضي له بالولاية والإمامة ويصرِّح بذلك، فلهذا قال: ما كان يخطر له ببال(7) ما فعلوه من ذلك لما تقضي به(8) القرائن وتشهد به الأحوال.
(فما راعن‍ي إلا انثيال الناس): أي فما هالني من ذلك إلا انصباب الناس وإجماعهم.
(على فلان): يعني أبا بكر.
(يبايعونه): يعقدون له الخلافة.
__________
(1) في القاموس المحيط ص1600: مؤأمن.
(2) زيادة في شرح النهج.
(3) في نسخة: على بالي (هامش في ب).
(4) في شرح النهج: أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه وآله ...إلخ.
(5) في (ب): أن، وفي شرح النهج: ولا أنهم مُنَحُّوه عني.
(6) في (ب): ملته.
(7) في (أ): ببالي.
(8) به، سقط من (ب).

(فأمسكت يدي): عن البيعة له، وقد مرَّ ذكر الخلاف في المدة التي تأخر عن البيعة فيها فلا وجه لتكريره، وهذا كله يشير به إلى ما كان من أمر السقيفة، وما وقع فيها من الخبط والخلاف.
(حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام): يعني أهل الردة(1)، وهم بنو حنيفة رهط مسيلمة.
(يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم): إلى تغييره وزواله.
(فخشيت أني إن لم أنصر الإسلام وأهله): أقوم معه، وأشد أركانه، وأقوي أنصاره من أهله.
(أن أرى فيه ثلماً): نقص ينقصه.
(أوهدماً): في أركانه وقواعده وأساساته.
(تكون المصيبة(2) عليَّ أعظم من فوت ولايتكم): من بطلانها عني وفواتها عن(3) يدي.
(الت‍ي هي متاع أيام قلائل): ثم تزول بالموت، وتنقطع آثارها وتمحى رسومها.
(يزول منها ما كان، كما يزول السراب): من الأمكنة التي يكون فيها، والسراب هو: ما يكون في الأمكنة الخالية المتسعة، شيء يشبه الماء، وعن قريب يبطل كأنه ما كان، فلهذا شبه زوال الولاية به.
(وينقشع(4) كما ينقشع السحاب): أي يزول ويتفرق.
__________
(1) عن الردة وفرق المرتدين وأحكامهم انظر المجموع المنصوري رقم (2) ص41-52 وغيرها، وذلك في الرسالة الهادية بالأدلة البادية في تبيين أحكام أهل الردة للإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان عليه السلام.
(2) في (ب) وفي شرح النهج: تكون المصيبة به عليَّ...إلخ.
(3) في (ب): من.
(4) في (ب): أو ينقشع، و في شرح النهج: وكما يتقشع السحاب.

(فمضيت(1) في تلك الأحداث): مضى في حاجته إذا قصدها غير ملتفت على غيرها، وأراد أنه سار مع أبي بكر إلى قتالهم، وكان من جملة الناصرين للدين في قتالهم، فقطع الله دابرهم، واستأصل شأفتهم(2).
(حتى زاح الباطل): أي بعد وذهب عن مستقره وموضعه.
(وَزَهَقَ): أي اضمحل وزال وتلاشى أمره.
(واطمأن الدين): سكن واستقر.
(وتنهنه): أي كفَّ، من قولهم: نهنهته فتنهنه أي كففته فكفَّ.
ثم إنه التفت إلى ذكر أهل الشام بقوله:
(إني والله لو لقيتهم واحداً): منفرداً لا أحد معي.
(وهم طلاع الأرض(3)): أي ملؤها فوق ظهرها.
(ما باليت ولا استوحشت(4)): ما وجدت في نفسي خيفة ولا وحشة من القتل ومن لقائهم.
(وإني من ضلالهم الذي هم فيه): ميلهم عن الحق الذي هم متلبسون به وساكتون عليه.
(والهدى الذي أنا عليه): والنور الواضح والبصيرة النافذة.
(لعلى بصيرة من نفسي): لا أشك فيها ولا أستريب من أجلها.
(ويقين من ربي): قطع فيما أنا عليه.
(وإني إلى لقاء الله لمشتاق): فلهذا لم أبال بالقتل ولا ألتفت عليه.
(ولحسن ثوابه لمنتظر راجٍ): لما أعد لأوليائه من كرامته وجزيل عطائه.
(ولكن‍ي آسى): الأسى هو: الحزن، وأراد إنه(5) ليحزنني:
(أن يلي هذه الأمة سفهاؤها): خلاف ذوي الأحلام منها.
(وفجارها): الخارجين عن الدين والمائلين عن طريقه، يشير بذلك إلى معاوية وبني أمية.
(فيتخذوا مال الله دُولاً): الدُولة بالضم في المال، يقال: صار الفيء دولة بينهم أي يتداولونه مرة لهذا ومرة لذاك(6).
__________
(1) في شرح النهج: فنهضت.
(2) انظر شرح ابن أبي الحديد 17/153-154.
(3) في شرح النهج: وهم طلاع الأرض كلها.
(4) قوله: ولا استوحشت، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(5) أنه، سقط من (ب).
(6) في (ب): لذلك.

وقوله: فيتخذوا منصوب بإضمار أن أي فأن يتخذوا إذ لم يسبق قبله ما يكون موجباً لنصبه من الأمورالثمانية(1)، ولهذا(2) كان نصبه بإضمارها، وربما جرى كثيراً.
(وعباده خولاً): أي خدماً، وكلامه هذا يشير به إلى حديث أبي ذر رضي الله عنه.
ويحكى أن عثمان أمر معاوية بإشخاص أبي ذر من الشام على أغلظ المراكب وأوعرها، فحمله معاوية على جمل بغير وطأ، وبعث معه دليلاً عنيفاً يعنف به في السير، فلما قدم المدينة دخل على عثمان فقال له: لا أنعم الله بك عيناً ياجنيدب.
__________
(1) الأمور الثمانية التي أشار إليها المؤلف عليه السلام والتي تسبق فاء السببية الداخلة على الفعل المضارع فيكون منصوباً وجوباً بإضمار أن بعد الفاء، هي الأمور الدالة على طلب وتشمل:
…1- النفي، مثل: ما تأتيني فأكرمَك 2- الأمر مثل: أطع الله فيدخلَك الجنة
…3- النهي مثل: لا تهمل مذاكرة دروسك فترسبَ. 4- الدعاء، مثل: اللهم، تب عليَّ فأتوبَ.
…5- الاستفهام، مثل: متى تسير فأرافقَك؟ 6- العرض، مثل: ألا تأتينا فتحدثَنا.
…7- التحضيض، مثل: هلا اتقيت الله تعالى فيغفرَ لك.
…8- التمني، كقول الله تعالى: {يا ليتني كنت معهم فأفوزَ فوزاً عظيماً}.
…وقد جمعها بعضهم في بيت من الشعر فقال:
مر، وادعُ، وأنهَ، وسلْ، واعرض، لحضهم

تمن، وأرج، كذاك النفي قد كملا

(2) في (ب): فلهذا.

فقال له أبو ذر: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا مال الله دولاً، وعبيده خولاً، ودين الله دخلاً، ثم يريح الله العباد منهم))(1).
فقال عثمان لمن بحضرته: أسمعتم هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وآله؟
فقالوا: ما سمعناه.
فقال عثمان: ادعوا علي بن أبي طالب، فدعي، فلما جلس قال عثمان لأبي ذر: اقصص حديثك في بني العاص.
فأعاد أبو ذر الحديث.
فقال عثمان: يا أبا الحسن، هل سمعت هذا من رسول الله؟
فقال أمير المؤمنين: (لم أسمعه، ولكن قد صدق أبو ذر).
فقال عثمان: وبماذا صدقته؟
__________
(1) انظر تنبيه الغافلين للحاكم الجشمي ص159، ورواه ابن أبي الحديد في شرح النهج3/56، 8/258، واللفظ في أوله فيه: ((إذا بلغ بنو أبي العاص ...))إلخ ، وهو في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 1/273 بلفظ: ((إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا مال الله)) وعزاه إلى مسند أحمد بن حنبل 3/80، ومجمع الزوائد للهيثمي 5/241، ودلائل النبوة للبيهقي 6/507، وبلفظ: ((إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين كان دين الله دخلاً)) وعزاه إلى المستدرك للحاكم النيسابوري 4/480،479، والمطالب العالية لابن حجر (4531)، ومجمع الزوائد5/241، وكنز العمال برقم (30846)، (31055)، (31056)، (31057).

فقال: لحديث الرسول عليه السلام فيه: ((ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر))(1).
فقال جميع من حضر من الصحابة: صدق أبو ذر(2).
(والصالحين حرباً): أي عدواً يحاربونه.
(والفاسقين حزباً): الحزب: الجماعة، وأراد(3) يجتمعون إليهم، والتحزُّبُ: التجَمُّع.
__________
(1) رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج 3/56، 8/259، ورواه الإمام القاسم بن محمدعليه السلام في الاعتصام 1/53-54 وعزاه إلى الكامل المنير، والترمذي عن عمرو بن العاص مع اختلاف يسير في بعض لفظه، وعزاه أيضاً إلى الجامع الصغير للسيوطي عن ابن عمر، وقال: أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم، وعزاه أيضاً إلى شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني عن أبي ذر، وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 9/40-41 إلى مصادر كثيرة انظرها هناك.
(2) أعلام نهج البلاغة -خ-، وانظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3/55-56، 6/258-259.
(3) في (ب): أراد بغير الواو.

(فإن فيهم من(1) شرب فيكم الحرام): يريد المغيرة بن شعبة فإنه شرب الخمر في عهد عمر، وكان والياً من قِبَلِه فصلى بالناس سكران، وزاد في الركعات وقآء الخمر، فشهدوا عليه وضرب الحد(2)، وقيل: هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط، كان والياً على الكوفة من قِبَلِ عثمان، فخرج إلى صلاة الفجر وهو سكران فصلاها أربعاً، ثم أقبل على الناس، وقال: هل أزيدكم؟ فقال غيلان(3) بن غيلان الثقفي: لا بارك الله لك أي شيء تزيد، ما نرى هذا إلا من أمير المؤمنين - يعني عثمان- إذ يؤمر علينا مثل هذا المفسد، وأنهي ذلك إلى عثمان فعزله، وأراد الناس أن يقيموا الحد على الوليد، وكان عثمان لا يأذن، فبعث علي الحسن عليهما السلام حتى دخل المجلس وأقام الحد عليه(4).
(وجلد حداً في الإسلام): يشير إلى المغيرة بن شعبة أو الوليد كما ذكرناه من قبل.
فأما المغيرة بن شعبة فقد كان شهد عليه بالزنا في أيام عمر، فلم يزل يتلطف بالشهود، ويحتال في إسقاط حد المحصن عنه حتى سقط، وقد كانت الشهادة كاملة، لولا ما كان من تردد أبي بُكْرة في ذلك(5).
__________
(1) في (ب): الذي، وفي شرح النهج: فإن منهم الذي ...إلخ.
(2) أعلام نهج البلاغة -خ-.
(3) في نسخة: عبيدان بن غيلان (هامش في ب).
(4) انظر أعلام نهج البلاغة -خ- وشرح النهج لابن أبي الحديد 3/17-20، وعن أخبار الوليد بن عقبة وصلاته بالناس وهو سكران وغير ذلك انظر المرجع المذكور17/227-245.
(5) انظر المصدر المذكور 12/229 وما بعدها.

(وإن منهم لمن(1) لم يسلم حتى رضخت له على الإسلام الرضائخ): يشير بذلك إلى عمرو بن العاص إذ كان من المؤلفة(2)، والرضيخة: شيء قليل يرمى به على جهة الرشوة لأمر يُدْخَلُ فيه.
(فلولا ذلك): يشير إلى ما كان من بني أمية من الأحداث العظيمة في الدين.
(ما أكثرت تأليبكم): تجميعكم للحرب.
(وتأنيبكم): أي لومكم على ترك الجهاد.
(وجمعكم وتحريضكم): وضمكم وحثكم على القتال، والتحريض: الحث والزجر، قال الله تعالى(3): {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ}[الأنفال:65].
(وترككم(4) إذ أبيتم): وإهمالكم(5) إذ كرهتم ما أدعوكم إليه.
(وونيتم): ضعفتم عن ملاقاة عدوكم.
(ألا ترون إلى أطرافكم): يريد أقاصي البلاد.
(قد أخذت(6)): بالاستيلاء عليها.
(وإلى أمصاركم قد فتحت): استفتحها اعداؤكم وأخذوها قهراً عليكم من غير مبالاة.
(وإلى ممالككم تُزْوَى): الممالك هي: الأموال والنفائس، تُزوى: أي تُجمع وتُقبض.
__________
(1) في (ب) وشرح النهج: من.
(2) ومن المؤلفة قلوبهم أيضاً: معاوية بن أبي سفيان وأخوه يزيد، وأبوهما أبو سفيان، وحكيم بن حزام، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام بن المغيرة، وحويطب بن عبد العزى، والأخنس بن شريق، وصفوان بن أمية، وعمير بن وهب الجمحي، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وعباس بن مرداس وغيرهم، وكان إسلام هؤلاء للطمع والأغراض الدنيوية، ولم يكن عن أصل ولا عن يقين وعلم. (انظر المرجع المذكور 17/226).
(3) تعالى، زيادة في (ب).
(4) في (ب) وشرح النهج: ولتركتكم.
(5) في (ب): وأهملتكم.
(6) في شرح النهج: انتقصت.

(وإلى بلادكم تغزى): تقصد بالغزو وتشنُّ الغارات عليها من الأمكنة المختلفة، والأقطار المتباعدة، لايخافون منكم خوفاً.
(انفروا رحمكم الله إلى قتال عدوكم): والنفر: الخروج من المساكن والأوطان لغرض من الأغراض، كما قال تعالى: {انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً}[التوبة:41].
(ولا تثَّاقلوا إلى الأرض): كنى بهذا عن القعود عن الجهاد والتبطئ عنه، كما قال تعالى: {اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ}[التوبة:38].
(فتنفروا بالخسف): يروى (فتنفروا): وأراد أنكم إذا تثاقلتم عن الجهاد نفرتم بعد ذلك بالذل والمشقة، ويروى: (فتقرُّوا): من الإقرار أي فتقبلوا الخسف؛ لأن من أقرَّ بالشيء فقد قَبِلَهُ.
(وتبوؤوا بالذل): أي تستحقوه، من قولهم: باء بكذا إذا كان مستحقاً له.
(ويكون نصيبكم الأخس): أي الأنقص الدني، يقال: فعل(1) فلان خسيس إذا كان دنياً.
(إن(2) أخا الحرب الأَرِقُ): الأرق: السهر، وأراد هاهنا أن من كان مدارياً للحروب مداوساً(3) لها فإنه لاينام ويسهر عند ملاقاتها.
(ومن نام لم يُنَمْ عنه): يعني أنكم وإن ضعفتم وجبنتم عن ملاقاة أعدائكم، فليسوا بالموهنين للأمور وإنما هم مجدِّون فيها.

(63) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى أبي موسى الأشعري، وهو عامله على الكوفة، وقد بلغه عنه تثبيطه الناس عن الخروج إليه(4) لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل
(من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس):
__________
(1) فعل، سقط من (ب).
(2) في (ب) وشرح النهج: وإن.
(3) أي ماهراً.
(4) إليه، زيادة في شرح النهج.

يروى أنه لما كتب أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة يستنفرهم إلى حرب أهل الجمل طلحة والزبير وعائشة بالبصرة، أخذ في تخذيل الناس، وتثبيطهم عن اللحاق به، لأغراض مفهومة ومقاصد معلومة، لم يغب حالها على(1) أمير المؤمنين، فكتب إليه:
(أما بعد، فقد بلغن‍ي عنك قول): خاطبت به أهل الكوفة.
(هو لك): أي قلته من أجل نفسك، وليس للدين فيه ورد ولا صدر، ولا قصدت به وجه الله تعالى(2).
(وعليك): مضرته في الآخرة لما فيه من التخذيل عن نصرة الله والجهاد في سبيله.
(فإذا قدم عليك رسولي): بكتابي هذا.
(فارفع ذيلك): ما استحب من ثيابك، وفي الحديث: إن النساء كنَّ يجررن ذيولهنَّ على الأرض، فقلن: يا رسول الله، كم نُرخي؟
فقال: ((شبر)) فقلن: إذاً ننكشف، فقال: ((ذراع))(3).
(واشدد(4) مئزرك): إزارك، وهذا كله كناية عن العجلة وخفة السير والاستعجال فيه.
__________
(1) في (ب): عن.
(2) تعالى، زيادة في (ب).
(3) عزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/283 إلى سنن النسائي (المجتبى) 8/209، ومسند أحمد بن حنبل 6/75، 6/296، والسنن الكبرى للبيهقي2/233.
قلت: وله شاهد رواه الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام في الأحكام 2/416، في باب القول في إسبال الإزار، فقال ما لفظه: وفي ذلك ما بلغنا عن أم سلمة زوج النبيصلى الله عليه وآله وسلم أنها قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما ذكر الإزار: فالمرأة يا رسول الله، فقال: ((ترخي شبراً)) قالت: إذاً ينكشف عنها. قال: ((فذراعاً لا تزيد عليه)).
(4) في نسخة: وشدد، وفي نسخة أخرى: وشمر، (هامش في ب).

(واخرج من جحرك): أي من بيتك، وفي الحديث: ((لو كان المؤمن في جحر فارة، لقيض الله له فيها(1) من يؤذيه))(2).
(واندب من معك): من أصحابك وخاصتك وأهل بلدك على الجهاد في سبيل الله والحث عليه.
(فإن خففت): في السير واستعجلت فيه.
(فانفذ): إلينا على العجلة، يقال: خف القوم إذا استقلوا ونهضوا، هذا على من رواه بفائين، فأما من رواه بقافين فوجهه أنه يقال: حققت الأمر أي تحققته وتيقنته.
(وإن تفشلت(3)): جبنت.
(فابعد): أراد إما فابعد(4) عنّا، والبعد: خلاف القرب، أو أراد فأهلك من بَعِدَ بالكسر يَبْعَدُ بالفتح إذا هلك.
(وايم الله لتؤتينَّ حيث أنت): أراد ليوصلنَّ إليك حيث كنت من الجهات لا يمنعك منها مانع.
(ولا تترك حتى تخلط زبدك بخاثرك): الزبد: ما صفا وطلع، والخاثر: ما ركد في أسفل الإناء.
(وذائبك بجامدك): وهذا كله كناية عن الإحاطة بمعرفة مقاصده ومراداته.
(وحتى تعجل عن قعدتك): القعدة بالفتح: واحدة القعدات، وبكسر القاف: الحالة من القعود، يقال: فلان حسن القعدة، وأراد تعجل عن توطنك (5) وراحتك.
__________
(1) في (ب): لقيض الله فيه من يؤذيه.
(2) رواه في مسند شمس الأخبار 2/229 الباب (155)، وعزاه إلى مسند الشهاب، وعزاه محقق الاعتبار وسلوة العارفين ص130 إلى كنز العمال، وقال: عزاه إلى الديلمي عن أنس، وأورد له شاهداً بلفظ: ((لو كان المؤمن في جحر ضب لقيض الله له فيه من يؤذيه)) وعزاه إلى كنز العمال برقم (717، 781) وقال: وعزاه إلى الطبراني في الأوسط، وإلى البيهقي في شعب الإيمان، عن أنس.
(3) في نسخة: وإن فشلت، (هامش في ب).
(4) في (ب): ابعد.
(5) في (ب): توطئك.

(وتحذر من أمامك، كحذرك من خلفك): أي ويأتيك ما تكرهه من أمامك كما يأتيك من خلفك، وغرضه من هذا كله تنبيهه على عظم ما هو لاق من شدائد الأمر وعظائمه.
(وما هي بالهوينا): أي وما القصة أو الحالة بالهينة، يريد حرب الجمل، وفيه تعريض بحاله حيث لم يخف عند وصول كتابه إليه، ويستعجل أمره في اللحاق به، والهوينا: تصغير الهونا، تأنيث الأهون.
(الت‍ي ترجو): تقع في ظنك وتتحقق في نفسك.
(ولكنها الداهية الكبرى): المصيبة العظيمة والفتنة الشديدة، التي لا غاية في الشدة إلا وهي بالغة لها وزائدة عليها.
(يركب جملها): ركوب الجمل جعله هاهنا كناية عن تفاقم الأمر وصعوبته؛ لأن الجمل إذا كان مركوباً عليه كان ذلك أشد ما يلاقي من التعب ومقاساة البلاء، لأنه يلحقه من ذلك الغم بترك الراحة والأكل والوقوف.
(ويذل صعبها): ما يصعب من أمورها العظيمة.
(ويسهَّل جبلها): ويوطئ ما كان وعراً لا يمكن وطئه.
سؤال؛ قد فسرت قوله: ويركب جملها بشدة الأمر وصعوبته، لكن قوله: ويذل صعبها ويسهل جبلها يمنع من ذلك، فكيف يمكن الملاءمة بينهما؟
وجوابه؛ هو أن غرضه في هذا كله من ركوب الجمل وذلة الصعب منها، وسهولة جبلها، أن هذه الفتن في أوائل أمرها ومبادئ أحوالها يركب جملها لسهولتها، ويُذَلُّ ما كان منها صعباً، ويسهل ما كان منها وعراً، فإذا كان في عواقب أمرها انقلبت هذه الأحوال كلها، وبدت نقائضها من الصعوبة والوعورة فيما رُكِبَ منها من الأهوال، ويُوطئ من الأمكنة الوعرة الجرزة، وعن هذا قال أمير المؤمنين في كلام سيأتي شرحه: (الفتن إذا أقبلت شبَّهت، وإذا أدبرت نبَّهت).
(فاعقل عقلك): أي احبس عقلك بالعقال واحفظه عما يغيِّره، ويكون سبباً في تخبطه.

(واملك أمرك): عن أن تذهب به الرجال عن يمين وشمال.
(وخذ نصيبك وحظك): من الدنيا، وأقبل على ما يهمك من أمر الآخرة.
(فإن كرهت): ما أقول لك من هذه الآداب، وأعلمك من هذه الحكم للدين والدنيا والنافعة في الآخرة والأولى.
(فتنحَّ): أي ابعد عني.
(إلى غير رحب): سعة في أمرك.
(ولا في نجاة): عن الشرور والعواقب السيئة.
(فبالحريَّ لتكفينَّ وأنت نائم): يقال: فلان حري بكذا إذا كان حقيقاً به، وفيه استعمالان:
أحدهما: بفتح الراء أي هو حري أن يفعل، وعلى هذا لا يثنى ولا يجمع.
وثانيهما: بكسرها وعلى هذا يثنى ويجمع، فيقال: هو حر(1) بكذا وهما حريان وهم حريون، وهن حريات وحرايا، وفيه معنى القسم كأنه قال: فبالحري والله، ولهذا جاء باللام والنون المؤكدة جواباً له.
وقوله: وأنت نائم في موضع نصب على الحال، ويسد غيرك مسدك.
(حتى لايقال: أين فلان!): أراد أنه لايبقى موضع لذكرك أصلاً؛ لأن الرجل إنما يذكر عند الشدائد، إذا كان لايغني عنه أحد فيها(2)، ولايقوم مقامه، فأما إذا كان هناك من يقوم مقامه فلا وجه لذكره.
(وإنه لحق(3)): أي إن الذي ذكرته في شأنك وأمرك لحق سيأتيك نبأه وتفصيله.
(مع مُحِقٍّ): آخذ بالحق، فاعل له، وأراد به نفسه.
(ولايبالي ما صنع الملحدون): ما أبالي كذا أي لا أكترث به، ولا ألتفت إليه، أي لا يحتفل بما صنعه أهل الإلحاد في الدين والميل عنه، وفي هذا تعريض بحال أبي موسى لا يخفى على من له أدنى فطنة وكياسة.

(64) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى معاوية جواباً(4)
__________
(1) في (ب): حري.
(2) فيها، سقط من (ب).
(3) في شرح النهج: والله إنه لحق، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(4) في شرح النهج: جواباً عن كتابه، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).

(أما بعد، فإنا كنا نحن وأنتم(1) على ما ذكرت من الألفة والجماعة): يعني بني هاشم وبني أمية؛ لأن معاوية ذكر ذلك في كتابه من أن بني هاشم وبني أمية كانوا مؤتلفين مجتمعين، فأجابه أمير المؤمنين بقوله: إن ما قلته حق من الألفة والاجتماع.
(ففرق بيننا وبينكم أمس): يريد من الأفعال بالأمس، وكنى بقوله: أمس عن جميع الحوادث المتقدمة، وهي كناية لطيفة عجيبة، يتفطن لحالها أهل البصائر النافذة والقرائح المتقدة.
(أنَّا آمنا وكفرتم): يعني صدقنا بالرسول وكذبتموه.
(واليوم أنَّا استقمنا وفتنتم): يعني وفرق بيننا ما كان من الحوادث الآن، وهو أنَّا استقمنا على الدين، وعلى(2) ما جاء به الرسول عليه السلام، وفتنتم بإعراضكم عنه واختياركم البغي والفسق والمخالفة، والخروج عما عليه السلف الصالح من الأمة.
__________
(1) في (ب): وإياكم.
(2) على، سقط من (ب).

(وما أسلم مسلمكم إلا كرهاً): يشير إلى أبيه أبي سفيان بن حرب، وقد ذكرنا من قبل سبب إسلامه، وما كان من حديثه والعباس يوم الفتح، وأن إسلامه ما كان إلا عن ضرورة وكرهاً وخيفة من القتل، ولهذا فإن العباس لما أدخله على الرسول [صلى الله عليه وآله وسلم](1) قال له: ((ويحك يا أبا سفيان!، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله))، فقال: بأبي وأمي، ما أوصلك وأكرمك وأحلمك، والله لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى، فقال: ((ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله))؟ فقال: بأبي وأمي أنت، أما هذه ففي النفس منها شيء، فقال له العباس: ويلك! تشهد شهادة الحق قبل أن تضرب عنقك فتشَّهد، وظاهر هذه القصة(2) أن إسلامه كان لامحالة عن كره، وأي إكراه أعظم من ضرب العنق.
__________
(1) زيادة في (ب).
(2) انظر الرواية في السيرة النبوية لابن هشام تحقيق مصطفى السقا وآخرين 2/402-404، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17/268-272، وأعلام نهج البلاغة -خ-.

(وبعد أن كان أنف الإسلام كله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حزباً(1)): الحزب: الجمع، وأراد بأنف الإسلام اجتماع المهاجرين والأنصار معه، وكانوا تحت ركابه وهم عشرة آلاف، وهذا أيضاً دليل آخر على إكراه أبي سفيان؛ لأنه رأى ما هاله من هذه العدة مع الرسول(2) صلى الله عليه وآله، لا يخالفون أمره.
(وذكرت أني قتلت طلحة والزبير): أما طلحة فلا شك في قتله يوم الجمل، وقد ذكرناه من قبل، وذكرنا حديث قتله، وما كان فيه من(3) ندمه وتوبته.
وأما الزبير فلم يقتل(4) في ذلك اليوم ولكنه ولَّى هارباً، وذكرنا إنشاده لما أنشد من الشعر(5) دلالة على ندامته، وذكرنا ملقى عمار بن ياسر له.
(وشردت عائشة(6)): التشريد: الطرد والإبعاد.
(ونزلت المصرين): يعني البصرة والكوفة.
__________
(1) في شرح النهج: حربا، بالراء المهملة، قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 17/253 ما لفظه: (وبعد أن كان أنف الإسلام محارباً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) أي في أول الإسلام، يقال: كان ذلك في أنف دولة بني فلان، أي في أولها، وأنف كل شيء أوله وطرفه، وكان أبو سفيان وأهله من بني عبد شمس أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وآله في أول الهجرة إلى أن فتح مكة. انتهى.
(2) في (ب): مع رسول الله صلى الله عليه.
(3) في (ب): في.
(4) فلم يقتل، سقط من (ب).
(5) وهو قوله:
نادى علي بأمر لست أنكره

وكان عمر أبيك الخير مذحين

فقلت حسبك من عذل أبا حسن

بعض الذي قلت منذ اليوم يكفيني

ترك الأمور التي تخشى عواقبها

لله أسلم في الدنيا وفي الدين

فاخترت عاراً على نار مؤججة

أنى يقوم لها خلق من الطين

(الروضة الندية ص68).
(6) في شرح النهج: بعائشة، وكذا في نسخة (هامش في ب).

(وذلك أمر غبت عنه): يعني لم تشاهده.
(فلا عيب عليك فيه(1)): هل تكون فيه كاذباً أو غير كاذب؛ لأنك لو أخبرت عن المشاهدة أو كنت حاضراً له لأمكن تطرق التكذيب إليك فيه، ولكن أنت غائب عنه.
(ولا العذر فيه إليك)، فنوجه الاعتذار إليك، إذا كان فيه وجه من وجوه القبح.
(وذكرت أنك زائري في المهاجرين والأنصار): يعني بالمهاجرين من كان من أهل مكة وانتقل إلى المدينة، وبالأنصار من كان من أهل المدينة الأوس والخزرج، والزيارة هاهنا القصد للحرب والانتقام.
(وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك): يشير إلى قولهعليه السلام: ((لا هجرة بعد الفتح))(2)؛ لأن أخا معاوية يزيد بن أبي سفيان أسر بعد الفتح، أسره خالد بن الوليد حتى(3) تجمع معه الأحابيش في أسفل مكة(4)، وكان إسلام معاوية أيضاً بعد الفتح بستة أشهر(5).
سؤال؛ قوله: وقد انقطعت الهجرة بعد قوله: وذكرت أني زائرك في المهاجرين والأنصار، كلام متنافر، فما وجه الملاءمة بينهما؟
وجوابه؛ هو أنه لما حكى قول معاوية: إنه زائر له في المهاجرين والأنصار، أجابه بكلام مشتمل على فائدتين:
__________
(1) فيه، سقط من (ب).
(2) رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج 17/256، وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 7/292 إلى المعجم الكبير للطبراني 3/309، ومجمع الزوائد للهيثمي5/250، والتمهيد لابن عبد البر2/218، إلى مصادر كثيرة انظرها هناك.
(3) كذا في النسخ، ولعلها: حين.
(4) أعلام نهج البلاغة -خ-، وانظر شرح ابن أبي الحديد 17/256-257.
(5) أعلام نهج البلاغة -خ-، ولفظ الرواية فيه: وأن معاوية أظهر الإسلام بعد الفتح بستة أشهر أو أكثر.

الأولى منهما: تكذيبه بأن في حزبه المهاجرين وهم أنصاره وأعوانه على حربه، فقال: منكراً؛ لأن يكون معه المهاجرون أن الهجرة قد انقطعت يوم أسر(1) أخوك، فلا تذكر الهجرة ولا من هاجر، وهذا بمثابة من يقول لك: إني أريد أن(2) ألقاك في بني تميم، فتقول له: إن بني تميم قد قطعت دابرهم، وفرقت شملهم، يوم قتلت أباك وأخاك.
الثانية: أنه أراد أن يعرض بأن إيمانه كان متأخراً بعد الناس، وأن الناس قد سبقوه إلى الله تعالى، وأنه كان مع قتل أخيه، وكلاهما بعد الفتح.
(فإن كان فيك عجل فاسترفه): الرفاهية: الإرواد، وأراد إن كانت(3) تستحثك العجلة، فاطلب الرفاهية، فإنه ليس فائتاً عليك شيء.
(فإني إن أزرك فذلك جدير): الإشارة إلى المصدر، أي فذلك الزور حقيق وأهل، وأن وما بعدها في موضع نصب على نزع الجار أي حقيق بأن يكون، والمعنى في هذا فيحق على الله ذلك.
(أن يكون الله إنما بعثن‍ي للنقمة منك): أنشأني(4) للانتقام منك، وإيصال العقوبة إليك، والبعث هو: الإرسال، وهو هاهنا من قولهم: بعثته من منامه أي أنشأته.
(وإن تزرني فكما قال أخو بن‍ي أسد): وأنشد:
(مستقبلين رياح الصيف تضربهم

بحاصب بين أغوار وجلمود)

ولنذكر إعرابه وموضع الشاهد منه:
أما إعرابه فهو ظاهر، فقوله: مستقبلين حال مما قبله من القصيدة.
تضربهم: أي تصيبهم، من قوله: ضربه الله بالبلاء أي أصابه به.
والحاصب: هو الريح الشديدة التي تثير الحصباء.
والجلمود: الصخر.
والأغوار: جمع غور، وهو عبارة عما انخفض من الأرض.
__________
(1) في (أ): قتل.
(2) أن، سقط من (ب).
(3) في (ب): كنت.
(4) في (ب): أي للانتقام منك.

وأما موضع الشاهد منه فإنما أورده متمثلاً به، وهو أنه شبه حال معاوية بتوجهه إليه بحال قوم مسافرين وقعوا في أرض منخفضة ذات حجارة تستقبلهم رياح الصيف، وخصها لما فيها من شدة الهبوب والحركة، فتقذف عليهم تلك الأحجار وتصيبهم بها، ولا حال أعظم من ناس يرمون إلى أسفل بالأحجار والصخر رمياً شديداً، فهكذا يكون حاله إذا زاره.
(وعندي السيف الذي أعضضته): أعضضت السيف إذا جعلته عاضاً، والعضُّ بمقدم الأسنان، شبه ضرب السيف ولصوقه بالمضروب بمنزلة العضِّ بطرف الأسنان.
(بجدك): يريد عتبة.
(وخالك): الوليد بن عتبة.
(وأخيك): حنظلة بن أبي سفيان.
(في مقام واحد): موطن يوم بدر وفي وقعة واحدة.
(وإنك(1) والله ما علمت الأغلف القلب): ما في قوله: ما علمت يحتمل أن تكون موصولة أي الذي عرفته وتحققته، ويحتمل أن تكون مصدرية أي في علمي ومعرفتي، والأول هو الأشبه؛ لأنه كأنه(2) جعله من قبل ما لا يعلم، ولهذا أتى بما لما كانت موضوعة لما لا يعلم، والأغلف هو: الذي يكون في غلاف وغطاء فلا يعي شيئاً، كما قال تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ}[البقرة:88].
(المقارب العقل): يريد أنه ضيق الفؤاد، غير متسع للأمور(3) ولا منشرح القلب، وشيء مقارب إذا كان بين الجيد والردي، وإنما أضاف ما فيه الألف واللام إلى مثله؛ لأنه من باب الحسن الوجه، والكريم الحسب.
(والأولى أن يقال لك): والأحق أن يقال لك من الأقوال كلها هو:
__________
(1) في شرح النهج: فإنك.
(2) في (ب): كأن.
(3) في (ب): الأمور.

(إنك رقيت سلماً أطلعك مطلع سوء عليك لا لك): شبه حاله فيما أتى من هذه الأمور الصعبة، ودخوله في هذه الأشياء الضنكة من فسقه وتمرده، وخروجه عن الحق ومخالفته بنصب المحاربة والمقاتلة له، بحال من رقى سلماً فأطلعه على أمور يكرهها، ولا يحب الاطلاع عليها، فكانت كلها وبالاً عليه، وليس له من فوائدها شيء.
(لأنك نشدت غير ضالتك): التي ضيعتها وأهملتها.
(ورعيت غير سائمتك): وتصرفت بالرعي فيما لا تملكه من السوائم.
(وطلبت أمراً لست من أهله): أراد إما طلبه بدم عثمان وليس أهلاً له، وإما أن يريد طلب المحاربة وليس صالحاً لها والبغي والمخالفة في ذلك.
(ولا في معدنه): معدن الشيء: مكانه وموضعه، ومنه معدن الذهب أي مكانه.
(فما أبعد قولك من فعلك!): يريد أنك تقول: إني مسلم بلسانك وتصرح بذلك، وأفعالك(1) ليس من أفعال المسلمين.
(وقريب ما أشبهت من أعمام): أي والمشابهة بينك وبين الأعمام قريبة، فالأعمام هم الأخوة لأبي سفيان.
(وأخوالٍ): الوليد بن عتبة، فهذان قتلا يوم بدر.
(حملتهم الشقاوة): الكفر والطغيان.
(وتمن‍ي الباطل): تسويفه، وهو رد الحق والمكابرة على مخالفته.
(على الجحود بمحمد صلى الله عليه وآله): تكذيبه ورد ما جاء به من المعجزات الباهرة.
(فصرعوا مصارعهم حيث علمت): شاهدت ورأيت، وبلغك منها مالا يمكن رده.
(لم يدفعوا عظيماً): مما أصابهم من ذلك.
(ولم يمنعوا حريماً): من مال ولا نفس؛ لأنهما محترمان، بل أبيحت الدماء وأخذت الأموال من غير مانع لها، ولا دافع عنها.
__________
(1) ظنن فوقها في (ب) بقوله: ظ: وفعلك.

(بوقع سيوف ما خلا منها الوغَى): من أجل مواقع نصال سيوف حاصلة في الوغى، يعني الحرب، وسميت الحرب وَغَى لما تشتمل عليه من الجلبة والأصوات، والوغى: كثرة الأصوات.
قال الهذلي:
كأنَّ وَغَى الخَمُوش بجانبيه

مَآتِمُ يَلْتَدِمْن على قتيل(1)

والْخَمُوش: ذباب البعوض.
(ولم تماشها الْهُوَيْنى): أراد هاهنا السكينة والوقار، يمدح السيوف بأنها في غاية الخفة والعجلة عند الضرب لم تصاحبها السكينة، وفي أحاديث بدر أنه لما أمر المشركون من يحرزهم ويدري بعددهم، فرجع وقال(2): والله لقد رأيت ناساً ما لهم عهدة(3) إلا قوائم السيوف، وأنه لا طاقة لكم بهم فارجعوا(4) عمَّا أنتم فيه(5).
(وقد أكثرت في قتلة عثمان): من ذكرهم والخوض في أمرهم.
(فادخل فيما دخل الناس فيه): أراد إما في الإمامة والبيعة، وهذا هو الظاهر من كلامه، وإما أن يريد اطلب الشيء من وجهه، واقصد ما يحق لك أن تطلبه من ذاك.
__________
(1) لسان العرب 3/957 ونسبه للمتنخل الهذلي وروايته فيه:
كأن وغى الخموش بجانبيه

وغى ركب أميم ذوي هياط

…قال: وهذا البيت أورده الجوهري:
كأن وغى الخموش بجانبيه

مآتمُ يلتد من على قتيل

…قال ابن بري: البيت على غير هذا الإنشاد، وأنشده كما في اللسان. قال: وقبله:
وماء قد وردت أميم طام

على أرحائه زجل الغطاط

(2) في (ب): فقال.
(3) في (ب): عُمْد.
(4) في (ب): ارجعوا، بغير الفاء.
(5) انظر الخبر بالتفصيل في السيرة النبوية لابن هشام 2/622، تحقيق مصطفى السقا وآخرين (ط2) سنة1375ه‍/1959م طبع شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده.

(ثم حاكم القوم إليَّ): فيما تطلبه من ذلك، وإنما قال: إليَّ؛ لأن المحاكمة إنما هي في أمر الدم والقصاص فيه، ولابد فيه من حكم الإمام وأمره.
(أحملك وإياهم على كتاب الله): على حكم كتاب الله وأمره في ذلك، من غير مداهنة لك ولا لهم في ذلك ولا مصانعة.
(فأما(1) تلك الت‍ي تريد): يعني الخصلة التي تطلب وترمز إليها، وتشير في أحوالك كلها، وكان قد(2) طلب منه أن يتركه والياً على الشام كما ولاه عثمان ومن قبله ثم يبايعه، فقال له عليه السلام:
(إنها(3) خدعة الصب‍ي عن اللبن في أول الفصال): يريد أنها خدعة منك لي ومكر، كما تخدع الصبي أمه إذا فطمته عن رضاع ثديها، وتعلله بشيء يأكله ويلعب به فيلهو عن رضاعها، وقد مر في أثناء الخطب المتقدمة منعه لمعاوية التولية، وقال له عليه السلام في ذلك: {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلّينَ عَضُداً}[الكهف:51].
سؤال؛ كيف ولَّى زياداً ولم يولِّ معاوية، وليس حال أحدهما إلا قريباً من حال الآخر؟
وجوابه؛ هو أن الأمر في ذلك مفوَّض إلى رأيه وموكول إليه، ولا يتهم في حال، فلعله رأى مصلحة في تولية ذاك(4) ومنع هذا لمصلحة لانعلمها، وهو أعرف بها، ولا يمتنع أن يكون معاوية أدخل في الخدع والمكر وقلة المبالاة والجسرة من زياد.
__________
(1) في شرح النهج، وفي نسخة ذكرها في هامش (ب): وأما.
(2) في (ب): وقد كان.
(3) في (ب) وشرح النهج: فإنها.
(4) في (ب): ذلك.

ومن العجب أنه يحكى أنه كان كاتباً للوحي، وهذه رواية لم يرد صاحبها بها وجه الله تعالى، فإن كتَّاب الوحي: أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وعثمان بن عفان، فإن غابا كتب أبي بن كعب وزيد بن ثابت، ومتى كان معاوية أميناً على التافه اليسير من أمور الدين فضلاً عن(1) أن يكون أميناً على أجلّها حالاً وأعلاها مرتبة، وهو وحي الله النازل من السماء، على يد الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين!

(65) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى معاوية أيضاً
(أما بعد؛ فقد آن لك أن تنتفع باللمح الباصر من عيان الأمور): آن الشيء إذا حضر وقته، واللمح الباصر هو: النظر بتحديق شديد نحو المرئي، والباصر بمعنى ذو البصر، وكان معاوية كثيراً ما يقول لأمير المؤمنين: لك العراق ولي الشام، فأجابه بما ذكر، وعيان الأمور: معاينتها وإدراكها.
(فقد سلكت مدارج أسلافك): مذاهب من مضى من عشيرتك وأهلك الماضين.
(بادعائك الأباطيل): الأمور الباطلة وهو قوله: لي(2) العراق كما كان من أسلافك من التكذيب للرسول، ورده وإنكار ما جاء به من الحق.
(واقتحامك غرور الْمَيْنِ): وإدخالك لنفسك في مخادع الكذب.
(والأكاذيب): والأحاديث المكذوبة.
(وانتحالك(3) ما قد علا عنك): وادعائك ما ليس لك ولا أنت بالغه في حالة من الحالات.
(وابتزازك لما قد(4)اختزن عنك): واستلابك مال(5) الله الذي قد خزن عنك، وصرت ممنوعاً منه(6) فلا تناله.
__________
(1) عن، زيادة في (ب).
(2) كتب فوق الياء في (ب) كافاً أي: لك.
(3) في (ب) وشرح النهج: من انتحالك.
(4) قد، زيادة في (ب)، وفي شرح النهج: لما قد اختزن دونك.
(5) في (ب): لمال.
(6) في (ب): عنه.

(فراراً من الحق): أي فعلت ذلك من أجل الفرارعن الحق والنكوص عنه، وانتصابه على المفعول له.
(وجحوداً لما هو ألزم لك من لحمك ودمك): وهو القول بإمامتي، والتزام وجوب ما أمرت به، وإنما قال: ألزم لك من لحمك ودمك مبالغة في ذلك؛ لأن وجوب المبايعة لازم كما أن اللحم والدم لزومهما(1) لا يخفى.
(مما قد وعاه سمعك): وهو ما كان من الأدلة الظاهرة من جهة الرسول على وجوب إمامتي، مثل حديث الغدير(2)
__________
(1) في (ب): لزومها.
(2) حديث الغدير هو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع بغدير خم وهو آخذ بيد أمير المؤمنين عليعليه السلام: ((ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟)) قالوا:بلى يا رسول الله، فأخذ بيد علي وقال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعادِ من عاداه))، وهو من الأحاديث المتواترة، رواه الجم الغفير من المحدثين، فممن رواه الإمام أبو طالب في أماليه ص83-84 برقم (41) بسنده عن علي عليه السلام، والمرشد بالله في الأمالي الخميسية 1/145 بسنده عن البراء بن عازب، واللفظ في آخره: ((هذا مولى من أنا مولاه، اللهم وال من واليت، وعاد من عاديت))، فلقيه عمر فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة، ورواه الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين في مجموع رسائله ص194 في كتاب أصول الدين، بزيادة في آخره هي: ((واخذل من خذله، وانصر من نصره))، وأخرجه الفقيه ابن المغازلي الشافعي في المناقب ص29-36 من الرقم (23) إلى (39) بسنده عن زيد بن أرقم، وأبي سعيد الخدري، وعلي عليه السلام، وأبي هريرة، وبريدة، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وابن أبي أوفى، وجابر بن عبد الله، وقال في ص36 ما لفظه: قال أبو القاسم الفضل بن محمد: هذا حديث صحيح عن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم، وقد روى حديث غدير خم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نحو من مائة نفس منهم العشرة، وهو حديث ثابت لا أعرف له علة، تفرد علي عليه السلام بهذه الفضيلة، ليس يشركه فيها أحد. انتهى.
…وأخرجه الإمام الحافظ محمد بن سليمان الكوفي في المناقب 2/365-455 بطرق جمة، ورواة عدة (انظرها كاملة فيه)، ورواه الحاكم الجشمي في تنبيه الغافلين ص102-108 وقال ما لفظه: وحديث الموالاة وغدير خم قد رواه جماعة من الصحابة وتواتر النقل به حتى دخل في حيز التواتر، رواه زيد بن أرقم، وأبو سعيد الخدري، وأبو أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد الله، واختلفت ألفاظهم، وزاد بعضهم ونقص بعض. انتهى. ثم أورد الحديث باختلاف رواياته وألفاظه انظرها فيه.
…وأورده في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8/530-531 وعزاه إلى مصادر كثيرة منها سنن الترمذي، ومسند أحمد بن حنبل، والمستدرك للحاكم النيسابوري، وسنن ابن ماجة، والمعجم الكبير للطبراني، ومجمع الزوائد للهيثمي، وفتح الباري لابن حجر، وغيرها كثير (انظرها هناك).
…هذا وقال المولى العلامة المجتهد الكبير مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي رضي الله عنه في لوامع الأنوار 1/38 في تواتر حديث الغدير ما لفظه: وخبر الموالاة معلوم من ضرورة الدين، متواتر عند علماء المسلمين، فمنكره من الجاحدين، أما آل محمد صلوات الله عليهم فلا كلام في إجماعهم عليه، قال الإمام الحجة المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام في (الشافي): هذا حديث الغدير ظهر ظهور الشمس، واشتهر اشتهار الصلوات الخمس. ومن كلامهعليه السلام ورفع الحديث مفرعاً إلى مائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم العشرة، ومتن الحديث فيها واحد، ومعناه واحد، وفيه زيادات نافعة في أول الحديث وآخره، وسلك فيه اثنتي عشرة طريقاً يعني بهذا صاحب المناقب، قال الإمام عليه السلام: بعضها يؤدي إلى غير ما أدى إليه صاحبه، من أسماء الرجال المتصلين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ذكر محمد بن جرير صاحب التأريخ خبر يوم الغدير وطرقه من خمس وسبعين طريقاً وأفرد له كتاباً سماه كتاب (الولاية)، وذكر أبو العباس أحمد بن محمد بن عقدة خبر يوم الغدير وأفرد له كتاباً، وطرقه من مائة وخمس طرق، ولا شك في بلوغه حد التواتر، ولم نعلم خلافاً ممن يعتد به من الأمة إلى آخر كلامه عليه السلام. وكلام أئمة آل محمد صلوات الله عليهم في هذا المقام الشريف وغيره معلوم في جميع مؤلفاتهم في هذا الشأن، وقد رواه السيد الإمام الحسين بن الإمام عليهما السلام في (الهداية) عن ثمانية وثلاثين صحابياً بأسمائهم غير الجملة كلها من غير طرق أهل البيت".
…وقال السيد الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير: إن خبر الغدير يروى بمائة وثلاث وخمسين طريقاً. انتهى. وأما غيرهم فقد أجمع على تواتره حفاظ جميع الطوائف وقامت به وبأمثاله حجة الله على كل موالف ومخالف، وقد قال الذهبي: بهرتني طرقه فقطعت بوقوعه. انتهى، وعده السيوطي في الأحاديث المتواترة، وقال الغزالي في كتابه (سر العالمين): لكن أسفرت الحجة وجهها، وأجمع الجماهير على خطبة يوم الغدير وذكر الحديث، واعترف ابن حجر أنه رواه ثلاثون صحابياً، وذكره ابن حجر العسقلاني في تخريجه أحاديث الكشاف عن سبعة وعشرين صحابياً. إلى أن قال: وقال المقبلي فيه في أبحاثه: فإن كان هذا معلوماً وإلا فما في الدنيا معلوم. انتهى.
ولو استوفيت من صرح من العلماء بتواتره لطال المقام، وعلى الجملة إن خبر الغدير ومقدماته وما ورد على نهجه مما يفيد الولاية في ذلك المقام وغيره لا تحيط به الأسفار ولا تستوعبه المؤلفات الكبار. انتهى ما أردت نقله من لوامع الأنوار.
(وانظر الحديث وأسانيده وطرقه ورواته ومصادره فيه 1/39 وما بعدها).

، وغيره من الأحاديث.
(وملئ به صدرك): شحن به صدرك حتى امتلأ، كقوله: ((من كنت مولاه فعلي مولاه))، وقوله: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)) وغير ذلك.
(فما(1) بعد الحق إلا الضلال): أي ما بعد الشيء في الثبوت إلا نقيضه، فإذا كان الحق ثابتاً فليس بعده إلا نقيضه من الضلال.
(وبعد البيان إلا اللبس!): وإذا كان البيان ثابتاً فليس بعده إلا نقيضه وهو الالتباس، كما قال: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ}[يونس:32]، فأراد أنه لا واسطة بينهما، فإذا لم يكن ما قلته حقاً فهو منك ضلال.
(فاحذر الشبهة واشتمالها على لبستها): أي دع الشبهة وما هي مشتملة عليه من الالتباس، واللبسة بالفتح: واحدة اللبسات، وبالكسر: الحالة من الالتباس، وأراد اترك الأمور المشتبهة واشتمالها على أحوالها الملتبسة وأمورها المختلطة.
(فإن الفتنة طالما أغدفت(2) جلابيبها): الجلباب: نوع من أنواع اللباس، وأغدف(3) الثوب إذا استرخى، جعله هاهنا كناية عن اشتداد أمرها.
(وأعشت الأبصار ظلمتها): العشا: ضعف البصر، وناقة عشواء إذا كانت لا تبصر، وهو استعارة إما عن تغطيتها(4) على الأبصار، فلا تنظر مواقع الصواب، وإما عن تغطيتها على العقول فلا تهتدي لذلك أيضاً، فإن الإبصار صالح لهما جميعاً.
__________
(1) في شرح النهج: فماذا، وكذا في نسخة، ذكره في هامش (ب).
(2) في النسخ: أغدقت، ولعله تصحيف، وما أثبته من شرح النهح.
(3) هكذا في النسخ: أغدق، ولعل الصواب: أغدف، كما أثبته.
(4) في (ب): تغطيها.

(وقد أتاني منك كتاب ذو أفانين): الأفانين: جمع أفنان، أي أساليب مختلفة، قال الله تعالى: {ذَوَاتَى أَفْنَانٍ}[الرحمن:48]، وأراد أنه ليس مشتملاً على أسلوب واحد.
(ضعفت قواها عن السَّلم): أي أنها متقاصرة عن إصلاح الحال غير بالغة له، والسَّلم: الصلح.
(وأساطير): جمع أسطورة وهي: الخرافات والأباطيل.
(لم يحكها منك علم): الحوك: النسيج، وأراد أنك(1) لم تنسجها عن علم ومعرفة ودراية.
(ولا حكم(2)): أي ولا أحكمتها برأي صائب من جهتك.
(أصبحت فيها(3) كالخائض في الدهاس): وهو المكان السهل اللين، الذي لا يبلغ أن يكون رملاً ولا تراباً، والخائض هو: المقتحم للشيء، يقال: خاض الغمرات إذا اقتحمها، وإنما قال: الخائض في الدهاس لصعوبة المشي فيها لرخاوته.
(والخابط في الدِّيماس): وهو المكان الخالي نحو القبر والسرب(4)، والخابط هو: الذي يضرب بيده على الأرض إذا مشى، وأراد أن الخابط في الديماس ليس على حقيقة ومعرفة بحال ما يفعله من ذلك.
(وترقيت مرقبة(5)): المرقبة: الموضع المشرف، يعلوها من يرقب شيئاً ويراعيه.
(بعيدة المرام): مطالبها بعيدة لا يمكن نيلها.
(نازحة الأعلام): النازح هو: البعيد، وأراد أن أعلامها منتزحة عن الحق بعيدة عن طرقه.
(تقصر دونها الأنوق): وهو طائر يقال له: الرخم، يكون وَكْرُهُ فوق الأماكن الصعبة من رؤوس الجبال الشامخة.
__________
(1) في (ب): أن.
(2) في شرح النهج: لم يحكها عنك علم ولا حلم.
(3) في (ب) وشرح النهج: منها.
(4) في (ب): والشرب، وهو تصحيف.
(5) في شرح النهج: وترقيت إلى مرقبة.

(ويحاذى به العَيُّوق): المحاذاة: المساواة والمماثلة، والعيُّوق: كوكب أحمر مضيء يتلو في مكانه الثريا لا يتقدمها، ومن طرف العرب وتحفها أنهم قالوا: إنما سمي العيُّوق عيوقاً لأنه عاق سهيلاً عن نكاح الثريا، ولهذا قال شاعرهم:
أيها المنكح الثريا سهيلاً

عمرك الله كيف يلتقيان

هي شامية إذا ما استقلت

وسهيل إذا استقل يماني(1)

(وحاش لله أن تلي للمسلمين(2) بعدي صدراً أو ورداً): حاش حرف جر على رأي سيبويه، واللام مقحمة فيه، وهو على رأي المبرد فعل وينصب به، ومعناه على كلا المذهبين براءةً لله عن(3) أن تكون والياً على شيء من أمور الدين، والصدر هو: الصدور عن الماء، والورد: هو الورود لأخذه، وهما يستعملان كناية لأكثر حالات الشيء، يقال: ليس فلان من أمرك في ورد ولا صدر.
(أو أجري على أحد منهم لك عقداً(4)): في إعطاء شيء من المال وقبض العمالات كلها.
(أو عهداً!): في الطاعة والانقياد لأمره.
(فمن الآن فتدارك نفسك): الآن هو: الوقت الذي أنت فيه، والغرض فمن هذا الوقت فالحق نفسك وتلافها عن الهلاك بالإقبال على الأعمال المرضية، وسلوك الطريقة الحسنة في الاحتكام، وترك البغي والمخالفة.
(وانظر لها): نظر ناصح مشفق عليها عن أن تهلك.
__________
(1) هذان البيتان هما لعمرو بن أبي ربيعة، وقبلهما:
أيها الطائر الذي قد عناني

بعد أن نام سائر الركبانِ

سار من نازح بغير دليل

يتخطى إليَّ حتى أتاني

(2) في (ب): المسلمين.
(3) عن، سقط من (ب).
(4) في (ب) وشرح النهج: أو أجري لك على أحد منهم عقداً.

(فإنك إن فرطت حتى ينهد إليك عباد الله): توانيت في الأمر حتى تنهض إليك جنود الله من المسلمين وأهل الدين، ومنه نهود ثدي الجارية أي نهوضته(1).
(أُرتجت عليك الأمور): باب مرتج إذا كان مغلقاً، والإرتاج هو: الإغلاق، وأراد اتغلقت عليك الآراء الصائبة، وأقفلت عنك الآراء المحمودة.
(ومُنِعْتَ أمراً): يعني الاعتذار والتوبة والإقبال.
(هو منك اليوم مقبول): يشير إلى أنه لو أقبل بالتوبة والإنابة قُبِلَ منه الآن، قبل الوصول إلى ساحته بالجنود والعساكر، فأما إذا أظلتهم السيوف، وصاروا تحت حكمها فربما لا تقبل منه التوبة، وهذه منه إشارة إلى أنه في تلك الحال لا يقبل منه ما يكون من جهته في حال الرفاهية.

(66) ومن كتاب له [عليه السلام](2) إل‍ى عبد الله بن العباس رضي الله عنه
وقد تقدم بخلاف هذه الرواية: وإنما أعاده هاهنا، لأن فيه أمراً لم يتقدم ذكره، وأكثره قد فسرناه وشرحنا معانيه من قبل، فلا وجه لتكريرها.
(أما بعد؛ فإن المرء ليفرح بالشيء الذي لم يكن ليفوته): يريد أن من بلوى الدنيا وفتنها وما فيها من المحن، هو أن الأمر المحتوم وصوله إلى ابن آدم يفرح به ويصيب قلبه منه سرور من أجل استيلائه عليه.
(ويحزن على الشيء الذي لم يكن ليصيبه): ويصيبه الأسف والحزن على ما كان المعلوم من حاله أنه لا يصل إليه أصلاً، وكان من حكم العقل وإيثار المصلحة ألا يكون فارحاً بما وصل؛ لأنه لابد منه، وألاَّ يحزن على ما تعذر وصوله لأنه يستحيل وصوله، وهو في كلامه هذا يشير إلى هلع النفس وشؤمها، وأن هواها مخالف لحكم العقل وأصله.
__________
(1) في (ب): نهوضه.
(2) زيادة في (ب) وشرح النهج.

(فلا يكن أفضل ما نلت من دنياك في نفسك بلوغ لذة): يعني(1) لا يكن همك في الدنيا هو المواظبة على حصول اللذات والانهماك فيها، فإن في هذه الحالة تشبهاً بالبهائم.
(أو شفاء غيظ): من عدو لك، وأخذ الثأر منه.
(ولكن إطفاء باطل): إزالته، استعارة له من إطفاء النار، وهو إزالة تلهبها.
(وإحياء حق(2)): إشادة ذكره وإعلاء أمره عن أن يكون ميتاً خاملاً ذكره.

(67) ومن كتاب له [عليه السلام](3) إل‍ى قثم بن العباس وهو عامله على مكة
(أما بعد، فأقم للناس الحج): الأمر بإقامته هو بيان فروضه وسنن(4) مناسكه وتتبعه(5) الناس فيها وبتعليمها(6) من لا يعلمها، وإشادة أمر الله بإظهار شعائره وإعلاء مناره.
(وذكرهم بأيام الله): أراد أيام عقوباته في الأمم الماضية، وما أصاب من خالف أمره من ذلك، أو ذكرهم أيام طاعاته(7) وهي أيام الحج، وما ينبغي فيها من المناسك وأنواع القرب.
(واجلس لهم العصرين): العصران هما: الغداة والعشي؛ لأن الحر في الحجاز عظيم فلا يكاد ينتفع فيه بقضاء الحوائج إلا فيهما.
(فأفت المستفت‍ي): في أمر دينه، وبصِّره جهله، وعلِّمه ما جهل من أمره.
(وعلم الجاهل): ما غبي عليه.
(وذكر العالم): ما نسيه من ذلك.
__________
(1) في (ب): أي.
(2) بعده في شرح النهج: وليكن سرورك بما قدمت، وأسفك على ما خلفت، وهمك فيما بعد الموت.
(3) زيادة في (ب) وشرح النهج.
(4) في (ب): وتبيين مناسكه.
(5) في (أ): ويتبعه.
(6) في (أ): ويتعلمها.
(7) في (ب): طاعته.

(ولا يكن لك إلى الناس سفير إلا لسانك): السفير هو: الذي يختلف لقضاء الحوائج، وغرضه من هذا مباشرة الناس لقضاء(1) حوائجهم بنفسه من غير واسطة إلا لسانك، فلم يستثن من الوسائط(2) إلا إياه مبالغة في التحذير عن ذلك.
(ولا حاجب إلا وجهك): مبالغة في الظهور للناس والتكشف لقضاء حوائجهم، كما يقال: لا تكنُّ لأحد منهم عقوبة إلا عفوك ولا سوط إلا رضاك.
(ولا تحجبنّ ذا حاجة عن لقائك بها(3)): أراد فإذا كان لأحد من أهل ولايتك حاجة إليك، فلا تحجبن نفسك عن أن تكون ملاقياً له بها.
(فإنها إن ذيدت): صرفت الحوائج ومنعت.
(عن أبوابك في أول وردها(4)): ورودها إليك ووصولها إلى ناحيتك.
(لم تحمد فيما بعد على قضائها): لم يكن لك فضل على إتمامها من بعد؛ لأن الحمد والشكر في قضائها إنما يكون بإكماله وتحصيله على أحسن وجه، وبعد الرد قد(5) نقص حالها لما يقع في نفس صاحبها من الانكسار والحقارة والذل بالرد.
(وانظر إلى ما اجتمع معك(6) من مال الله): الذي أمرناك بقبضه وجعلنا لك ولاية على أخذه.
(فاصرفه إلى من قِبَلَكَ): يليك ويكون مختصاً بك وساكناً معك.
(من ذي العيال): صاحب العولة والأولاد.
(والمجاعة): وذي المجاعة، يعني الجوع من الفقراء وأهل الفاقة.
(مصيباً): متوخياً بالإصابة(7).
(مواضع المفاقر(8)): أي الفقر، يقال: سد الله مفاقره أي أغناه.
(والحاجات): وذوي الحاجات من الفقراء أيضاً.
__________
(1) في (ب): بقضاء.
(2) من الوسائط، سقط من (ب).
(3) في (ب): لها.
(4) في (ب): ورودها.
(5) في (ب): فقد.
(6) في شرح النهج: عندك، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(7) في (ب): للإصابة.
(8) في (ب) وشرح النهج: مواضع المفاقر والخلات.

(وما فضل): من ذلك أي بقي من قولهم: فضل الماء في الإناء يفضل.
(عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قِبَلَنا): من المسلمين وأهل الفقر والحاجة أيضاً.
(ومر أهل مكة ألا يأخذوا من ساكن أجراً): يعني في الدور والبيوت المعمورة، والخانكات والربط، وسائر المنازل التي ينتفع بها للوقوف والسكون، فلا يأخذوا في مقابلة منافعه عوضاً عيناً ولا منفعة أصلاً.
(فإن الله تعالى يقول:{سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ})[الحج:25]: أي سواء المقيم فيه من أهله وأهل البادية من غير أهله فإنهم مستوون فيه، ثم اختلف رأي العلماء في ذلك، فأما أبو حنيفة فمنع من بيع الدور وكرائها(1) محتجاً بالآية، وجوَّز ذلك الشافعي(2)، ولم يحضرني مذهب لأصحابنا فأنقله في هذه المسألة، والظاهر من مذهبهم هي(3) مقالة أمير المؤمنين في ذلك، ثم فسر العاكف والباد بقوله:
(فالعاكف: المقيم، والبادي: الذي يحج إليه(4) من غير أهله): ويحكى عن عمر أنه اشترى في مكة داراً للسجن.
(وفقنا الله وإياكم(5) لمحابه): للأعمال التي يحبها ويريدها ويرضاها.

(68) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى سلمان الفارسي رحمه الله قبل أيام خلافته
(أما بعد؛ فإن(6) مثل الدنيا مثل الحية، لين مسها، قاتل سمها): يعني أنها معجبة لنظارتها وحسنها، فهي لينة إذا مسها أحد، وهي مهلكة لمن انخدع بها، واللين والمس والقتل بالسم من الاستعارات الرشيقة لما هي عليه من الخدع، ولما فيها من الغرور.
__________
(1) في (ب): وكراها.
(2) انظر شرح ابن أبي الحديد 18/32-33.
(3) هي، سقط من (ب).
(4) إليه، زيادة في (ب)، وشرح النهج.
(5) في (ب): وإياك.
(6) في شرح النهج: فإنما.

(فأعرض عمَّا يعجبك منها): يروقك، ويليق بخاطرك ونفسك من زخارفها ونفائسها.
(لقلة ما يصحبك منها): أي يصاحبك ويكون معك عند فراقها.
(وضع عنك همومها(1)): ما يُهَمُّ منها ويلصق بالخاطر من تعبها وعنائها.
(لما أيقنت به(2) من انقطاعها): لليقين الحاصل لك بكونها منقطعة فانية.
(وكن آنس ما تكون بها(3)، أحذر ما تكون منها): أراد المبالغة في الأمر في التحذير(4) منها، وأبعد ما يكون الحذر عند الأنس بها، فإذا جعل الحذر هو الأنس بها نفسه، فقد بلغت مبلغاً عظيماً لا يمكن وصفه.
(وإن(5) صاحبها كلما اطمأن فيها إلىسرور): سكنت نفسه واستقر خاطره إلى شيء من سرورها.
(أشخصته(6) إلى محذور): أظهرته إلى مكروه من مكروهاته(7) يحذره وتنفر عنه نفسه.
وقد مضى في كلامه في ذم الدنيا ما هو أبلغ من هذا.
__________
(1) في (ب): همومك.
(2) به، زيادة في (ب). والعبارة في شرح النهج: لما أيقنت به من فراقها وتصرف حالاتها.
(3) في (ب): منها.
(4) في (ب): بالتحذير.
(5) في (ب) وشرح النهج: فإن.
(6) في (ب): أشخصته عنه...إلخ، وفي نسخة: استشخصته، وبعد العبارة في شرح النهج: أو إلى إيناس أزالته عنه إلى إيحاش، والسلام.
(7) في نسخة: مكروهاتها، (هامش في ب).

(69) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى الحارث الهمداني(1)
همدان أكثر أهل اليمن من حاشدها وبكيلها، وهو بالدال بنقطة من أسفلها.
فأما همذان بالذال بنقطة من أعلاها فهم نوع من العجم.
(أما بعد، فتمسك بحبل القرآن وانتصحه): مضى تفسيره غير مرة.
__________
(1) هو الحارث بن عبد الله بن جابر الهمداني الأعور، أبو زهير، المتوفى سنة65ه‍، من أصحاب أمير المؤمنين علي عليه السلام، قال أبو بكر بن أبي داود: كان الحارث الأعور أفقه الناس، وأفرض الناس، وأحسب الناس، تعلم الفرائض من علي. (معجم رجال الاعتبار ص95ـ96 ت(164)، ونسبه في شرح النهج لابن أبي الحديد 18/42 كما يلي: الحارث بن عبد الله بن كعب بن أسد بن نخلة بن حرث بن سبع بن صعب بن معاوية الهمداني.

ويحكى أن أعرابياً دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: التبس عليَّ معنى آية من القرآن ففسرها لي، وتلا قوله تعالى(1): {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً}[آل عمران:103]، فقال: وما الحبل الذي أمر الله بالاعتصام به؟ وكان أمير المؤمنين إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وآله، فوضع النبيعليه السلام يده على كتف أمير المؤمنين، وقال: ((هذا حبل الله فاعتصموا به))(2).
(وأحل حلاله، وحرم حرامه): يريد امتثال أوامره فيما تناوله من الانكفاف عما حرم الله(3) فيه، والتحليل لما كان متناولاً له ومبيحاً له.
(وصدق بما سلف من الحق): أراد إما نبوة الأنبياء كلهم والكتب السالفة [المنزلة عليهم، أو يريد نبوة الرسول وما جاء به من العلوم الغيبية السالفة] (4)، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ}[البقرة:3].
__________
(1) تعالى، سقط من (ب).
(2) رواه الشريف علي بن ناصر الحسيني في أعلام نهج البلاغة -خ-، وأخرج الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 1/130 برقم (177) بسنده عن علي بن موسى الرضا، عن آبائه، عن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أحب أن يركب سفينة النجاة، ويستمسك بالعروة الوثقى، ويعتصم بحبل الله المتين، فليوال علياً وليأتم بالهداة من ولده))، وذكر تحت الرقم (178) بسنده عن جعفر بن محمد قال: نحن حبل الله الذي قال الله: {واعتصموا بحبل الله جميعاً...}الآية، فالمستمسك بولاية علي بن أبي طالب المستمسك بالبر [كذا] فمن تمسك به كان مؤمناً، ومن تركه كان خارجاً من الإيمان. انتهى.
(3) الله، زيادة في (ب).
(4) ما بين المعقوفين سقط من (ب).

(واعتبر بما مضى من الدنيا ما(1) بقي منها): يريد اتعظ بذلك، فإن ما يأتي منها(2) في الزوال والتقضي والنفاد مثل ما مضى من غير تفرقة.
(فإن بعضها يشبه بعضاً): في التغير والانقطاع.
(وآخرها لاحق بأولها): في الذهاب وسرعة التقضي.
(وكلها حائل): أي جميع ما فيها زائل لا محالة.
(مفارق): لمن هو في يده ومباين له.
(وعظم اسم الله أن تذكره إلا على حق): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أنه لا ينبغي ذكر القسم بالله تعالى وصفاته إلا على حق لك أو عليك، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ}[البقرة:242]، أي تعرضونه وتذكرون اسمه في الأمور الحقيرة النازلة.
وثانيهما: أن يكون مراده المنع من ذكر اسم الله تعالى(3) على جهة الحلف والإقسام في الأمور المباحة كأكل الطعام، فلا ينبغي أن يقسم ولا يسأل بالله.
وعن الحسن أنه قال: العيش أهون من أن يحلف عليه.
(وأكثر ذكر الموت): فإنه يُهوِن حال الدنيا، ويكسر النفس عن الهمة بأمور كثيرة.
(وما بعد الموت): من الأهوال العظيمة والأخطار الجسيمة.
__________
(1) في (ب) وشرح النهج: لما.
(2) في (ب): فيها.
(3) تعالى، زيادة في (ب).

(ولا تتمنَّ الموت إلا بشرط وثيق): إلا أن تكون واثقاً بشيء من أعمالك الصالحة بما(1) يكون سبباً في نجاتك وحسن عاقبتك، وفي الحديث: ((لا يتمنين أحدكم الموت، فإن كان لابد فليقل: اللَّهُمَّ، أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وأمتني ما كانت الوفاة خيراً لي))(2).
(واحذر(3) كل عمل يعمل به في السر، ويستحيى منه في العلانية): أراد أنك لا تعمل شيئاً من الأعمال سراً إلا ما تقدر ظهوره ولا يضرك شيء منه، فما هذا حاله فهو خير الأعمال.
(واحذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره): لأنه لا ينكره إلا من أجل اشتماله على القبح والشناعة، فمن أجل هذا يزيله عن نفسه ويدفعه عنها.
(واعتذر منه): ووجَّه العذر نحوه.
(ولا تجعل عرضك غرضاً لنبال القول(4)): الغرض: ما يرمى، وأراد أنك لا تفعل ما تلام عليه فتكون متعرضاً بذلك للطعن بالألسنة من جهة الخلق.
__________
(1) في (ب): لما.
(2) أخرجه الإمام أبو طالب في أماليه ص339 برقم (359) بسنده يبلغ به إلى أنس بن مالك بلفظ: ((لا يتمنينَّ أحدكم الموت لضر نزل به، ولكن ليقل: اللهم، أحييني ما كانت الحياة خيراً لي، وأمتني إذا كانت الوفاة خيراً لي)) وهو فيه برقم (358) عن أنس أيضاً مع اختلاف يسير في لفظ أوله، وأخرجه المرشد بالله في الأمالي الخميسية 2/188 بسنده عن أبي هريرة.
(3) قبل هذه العبارة في شرح النهج: واحذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه، ويكرهه لعامة المسلمين، انتهى، وهو في هامش (ب)، وقال في آخره: صح نهج.
(4) في شرح النهج: لنبال القوم.

(ولا تحدث الناس بكل ما سمعت، فكفى بذلك كذباً): يعني ما غلب على ظنك صدق قائله فانقله على جهة الحكاية عنه، وما لم يكن الأمر فيه كذلك فلا تحدث به ولا تنقله، فإنه ليس كل ما يقال صدقاً وحقاً، وإذا كان القول بعضه صدق وبعضه يكون كذباً فنقله كله يكون كذباً لامحالة، والمخبر بالكذب يكون كاذباً فيما أخبر به منه.
(ولا تَرُدَّ على الناس في كل ما حدثوك به(1)): يعني لا يكن كلما قيل لك بشيء من الأقوال رددته وأنكرته.
(فكفى بذلك جهلاً): لأن ردك له وإنكارك لحاله كله أمارة الجهل والغباوة بأمره وحاله.
(واكظم الغيظ): أي كلما عرض لك جانب من الغيظ فكف عن إنفاذه، وصبِّر عليه نفسك، ولا تظهره فإن عواقبه محمودة، والأجر عليه عظيم.
(واحلم عند الغضب): أي كف عن العقوبة، وتصبَّر على ذلك.
(وتجاوز عند القدرة(2)): يريد وإذا قدرت على الانتقام فالتجاوز والصفح هو أفضل.
(واصفح عن الزلة(3) تكن لك العاقبة): يريد إذا زل إنسان في حقك فاصفح عنه فإن ذلك أقرب للظفر به بعد ذلك.
(واستصلح كل نعمة أنعم الله بها عليك(4)): اطلب إصلاحها، والإصلاح لها من جهتك، أعظم من تأدية شكرها، والاعتراف بموقعها وحالها.
(ولا تُضِّيعنَّ نعمة من نعم الله عندك): وإضاعتها إغفالها عما يتوجه لها من الشكر وكفرها، ولا إضاعة لها أبلغ من ذاك.
__________
(1) به، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(2) في شرح النهج: المقدرة.
(3) في شرح النهج: واصفح مع الدولة ...إلخ.
(4) في شرح النهج: أنعمها الله عليك، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).

(وَلْيُرَعليك أثر ما أنعم الله به عليك): يريد لا تكثر التباؤس، وإظهار الفقر، وتكتم النعمة، بل إذا كانت عندك نعمة الله تعالى فأظهرها في حالك، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}[الضحى:11]، وإذا أظهرت فحسن الحال خبر عنها وحديث بها.
(واعلم أن أفضل المؤمنين): أعظمهم في الفضل وأعلاهم درجة عند الله تعالى.
(أفضلهم تقدمة من نفسه وأهله وماله): بإنفاق النفس بالجهاد في إعزاز دين الله وإعلاء كلمته، وإنفاق المال لوجهه وتقديمه أمامك، وهكذا الحال في الأهل بإكرامهم وإسداء المعروف إليهم، والصبر على ما فرط من الأذى منهم.
(وإنك ما تقدِّم من خير): من الأعمال الصالحة في جميع وجوهها.
(يبق لك ذخره): عاقبته وأمره، والذخر: ما يذخر ويخبأ.
(وما تؤخِّر يكن لغيرك خيره): يعني وما تؤخِّره من أموالك بعد موتك يأخذه الوارث بعدك(1)، فيكون له ثوابه بالصدقة والتقرب إلى الله به.
(واحذر صَحَابَةَ من يفيل رأيه): الصحابة مصدر صحبه صحابة، ويفيل رأيه أي يضعف.
(وينكر عمله): أي ويكون عمله منكراً.
(فإن الصاحب معتبر بصاحبه): يشير إلى من صاحب الأشرار فهو منهم، ومن صاحب الأخيار فهو منهم، وفي الحديث: ((المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل))(2)
__________
(1) بعدك، سقط من (ب).
(2) عزاه في موسوعة أطراف الحديث 8/664 إلى سنن الترمذي (2378) ومسند أحمد بن حنبل2/303،334، والمستدرك للحاكم 4/171، وإتحاف السادة المتقين 6/198، 234، وتفسير القرطبي 4/179، وإلى غيرها من المصادر انظرها هناك.

…قلت: ورواه القاضي العلامة علي بن حميد القرشي رحمه الله في شمس الأخبار 2/14 في الباب (102) عن أبي هريرة، وعزاه إلى مسند الشهاب للقضاعي، (وانظر تخريجه فيه).

.
(واسكن الأمصار العظام): البلدان العظيمة والمدن الكبيرة.
(فإنها جِماع المسلمين): الجِماع بالكسر: ما يجمع عدداً، ومنه قولهعليه السلام: ((الخمر جماع الآثام(1))).
(واحذر منازل الغفلة): عن الله وعن أمر الآخرة.
(والجفاء): ومواضع الجفاء والقسوة والبلادة،، يعني القرى المنفردة عن أهل الخير والصلاح، والدعاء إلى الله والتذكير به.
(وقلة الأعوان على طاعة الله): من الإخوان المحبين للخير والفاعلين له.
(واقصر رأيك على ما يعنيك): أراد أنك لا تشتغل بأمر لا يهمك حاله، واقصر نفسك على أمرها من غير زيادة، ففيه شغل لك عن غيره.
(وإياك ومقاعد الأسواق): والقعود فيها.
(فإنها محاضر الشيطان): يعني أنه يحضرها في أكثر حالاته؛ لما يحصل فيها من مراداته ودعائه لأهلها إلى الانقياد لأمره.
(ومعاريض الفت‍ن): يعني أنه كثير ما يسنح فيها المقاتلة والشجار الطويل، والخصومات العظيمة، وهذه الأمور كلها أعظم وُصَل إبليس، وأقوى حبائله.
(وأكثر أن تنظر إلى من فضلت عليه): يريد إذا تفكرت في نعم الله تعالى وفضائله عليك، فتعمد في ذلك بأن تنظر إلى من أنت فوقه في النعمة، وأعظم منه حالة فيها.
__________
(1) في (ب): الإثم.

(فإن ذلك من أبواب الشكر): يريد إذا فعلت ذلك، فإنه يدعوك لا محالة إلى شكر النعمة التي أنت فيها، ويعظم قدرها عندك، وقد ورد مثل ما ذكره عن الرسول عليه السلام: ((انظر إلى من هو دونك، ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإنه أجدر ألا تزدري نعمة الله عليك))(1).
(ولا تسافر في يوم جمعة): يريد لاتتعمد(2) بالسفر في يوم الجمعة؛ لأنه يوم عيد للمسلمين واستقرار ورفاهية على الأنفس، وإذا(3) كان ولابد من ذلك فلا تسافر فيه:
(حتى تشهد الصلاة): لأن شهودها أفضل لامحالة مما تخرج له من طلب الأرزاق وإصلاح أحوال المعيشة.
(إلا فاضلاً(4) في سبيل الله): مهاجراً في سبيل الله، وهو بالضاد المنقوطة(5).
(أو في أمر تعذر به): يكون عذراً لك في الخروج من غير صلاة الجمعة، نحو خوف عند التخلف عن الرفقة، أو غير ذلك من الأعذار في ذلك.
وفي الحديث إن الرسول عليه السلام لما جهز أهل مؤتة [إلى غزاة مؤتة] (6)، ومن جملتهم عبد الله بن رواحه، فخرج الناس وتخلف عبد الله، فلما رآه الرسول قال له: ((ما خلفَّك))؟
__________
(1) أخرجه من حديث طويل المرشد بالله في الأمالي الخميسية 1/73 بسنده يبلغ به إلى أبي ذر، والقاضي علي بن حميد القرشي في مسند شمس الأخبار2/244 عن أبي ذر الغفاري، وعزاه إلى المجالس برواية السمان، وعزاه العلامة محمد بن حسين الجلال في كشف الأستار عن أحاديث شمس الأخبار إلى عبد بن حميد، والطبراني في الكبير عن أبي ذر.
(2) في (ب): يريد ولا تتعمد السفر.
(3) في (ب): فإذا.
(4) في شرح النهج: فاصلاً، بالصاد المهملة.
(5) العبارة من أولها في (ب): وهو بالضاد المنقوطة، أي مهاجراً في سبيل الله.
(6) سقط من (ب) ما بين المعقوفين.

فقال: أحببت صلاة الجمعة معك يا رسول الله، فأنكر عليه وقال: ((لغدوة في سبيل الله(1) أو روحة خير من الدنيا وما فيها))(2).
فكلام أمير المؤمنين يشير إلى هذا.
(وأطع(3) الله في جمل أمورك): يريد أن المواظبة على طاعة الله تعالى(4) أمر عسير صعب، فإذا كان كذلك، فليكن ذلك في جمل الأمور، فلعل الله أن يصلحها بذلك.
(فإن طاعة الله تعالى فاضلة على غيرها(5)): يريد أنها أفضل الأعمال.
(وخادع نفسك في العبادة): يعني اخدعها عن اتباع الشهوات واشغلها بعبادة الله بترغيبها في حسن عاقبتها وطيب عيشها في الآخرة، ونعيمها في الجنة.
(وارفق بها): من الرفق، وهو: السهولة.
(ولا تقهرها): بتكليفها للأعمال الشاقة القاهرة.
(وخذ عفوها): أي ما تيسر من حالها من غير ملالة لها ولا سآمة عليها.
(ونشاطها): أي وخذ منها ما تكون ناشطة إليه، فإن ذلك أقرب إلى المداومة وأعظم في الاستمرار على الطاعة.
(إلا ما كان مكتوباً عليك من الفريضة): من هذه الفرائض الواجبة، والفروض اللازمة لك.
(فإنه لا بد من قضائه): سواء كان ذلك(6) بسهولة أو عسرة في ذلك؛ لأن المصلحة هو في أدائها مطلقاً، ولهذا فرضت.
__________
(1) الله، زيادة في (ب).
(2) وروى الموفق بالله في الاعتبار ص539 برقم (472) بسنده عن سهل بن سعد الساعدي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)) وأخرجه من حديث الإمام أبو طالب في أماليه ص395 برقم(482) بسنده عن علي عليه السلام، وفيه: ((لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها)).
(3) في نسخة: فأطع الله، (هامش في ب).
(4) تعالى، سقط من (ب).
(5) في شرح النهج: على ما سواها، وكذا في نسخة، (هامش في ب).
(6) ذلك، سقط من (ب).

(وَتَعَاهُدِهَا): الضمير للفرائض المكتوبة من هذه الصلوات.
(عند محلها): أوقاتها التي تؤدى فيها، وتأهب لها وواظب عليها.
(وإياك أن ينزل بك الموت): يرد عليك ويأتيك فجأة.
(وأنت آبق من ربك): استعارة من إباق العبد وهو(1): هربه من سيده من غير رضاه.
(في طلب الدنيا): طالباً للدنيا ومنهمكاً في طلب لذاتها وتحصليها، فالظرف هاهنا في موضع الحال كما قررته.
(وإياك ومصاحبة الفساق): الخارجين عن الدين باقتحام الكبائر، والورود في العظائم، فإنهم لا محالة شر، وهم أهل الشر، فلا شر أعظم مما هم فيه، ولا مما وُعِدُوا به من العقاب العظيم.
(فإن الشر بالشر مُلْحَقٌ): يشير إلى أنهم شر ومصاحبتهم أشر، ومن صاحبهم فهو لاحق بهم في الشر.
(ووقَّر الله): التوقير: التعظيم والترزين(2)، وأراد إما عظم الله تعالى بفعل ما يجب له من الطاعة والانكفاف عن المعصية، وإما عظم الله تعالى بتعظيم أوليائه، كما يقال: أحب الله أي أحبه بمحبتك لأوليائه.
(وأحب(3) أحباءه): أي(4) الذين يحبهم، فإن محبتك إياهم محبة له.
(واحذر الغضب، فإنه جند عظيم من جنود إبليس): يتقوى به ويتسلط، كما يكون الجند للسلطان تنفذ بهم أوامره، ويتسلط بهم على الخلق.
__________
(1) وهو، سقط من (ب).
(2) الرزانة: الوقار، وفي (ب): والتعزيز.
(3) في شرح النهج: وأحبب، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(4) أي، سقط من (ب).

(70) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى سهل بن حُنيف الأنصاري(1) عامله على المدينة(2)
(أما بعد، فقد بلغن‍ي أن رجالاً ممن قِبَلَكَ): من أصحابك وممن يختص بك.
(يتسللون إلى معاوية): يذهبون إليه في خفية منك وسراراً من أنفسهم.
(فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم): أي تحزن على بطلان ما فات عنك من الانتصار بهم، والاعتضاد في أعظم أمورك باجتماعهم.
(ويذهب عنك من مددهم): المدد هو: الإمداد، وأراد ما يزول عنك من إمدادهم لك في النصرة.
(فكفى لهم عناء(3)): أي تعباً بالعين المهملة، وانتصابه على التمييز بعد الفاعل.
(ولك منهم شافياً): ما يشفي غيظك.
(فرارهم من الهدى والحق): هذا أعني فرارهم فاعل لكفى، وأراد هربهم من الحق الذي يريده الله والهدى الذي رضيه.
(وإيضاعهم إلى العمى والجهل): الإيضاع: ضرب من السير، وغرضه وإسراعهم إلى الأمور المعمية عن الحق والجهالات الصارفة عنه.
(وإنما هم أهل دنيا يتقلبون(4) عليها): يريد وما حملهم على ذلك إلا أنهم أهل دنيا يتصرفون فيها.
__________
(1) هو سهل بن حنيف الأنصاري الأوسي، المتوفى سنة38ه‍، أبو ثابت، والد أبي أمامة، بدري، شهد المشاهد كلها، وكان ممن بايع على الموت، وثبت يوم أحد، ثم صحب عليًّاعليه السلام من حين بويع له، واستخلفه على المدينة حين سار إلى البصرة، وشهد معه صفين، وولاه فارس، ثم مات بالكوفة، وصلى عليه علي عليه السلام، وكبّر عليه ستاً فقال: إنه كان بدرياً. (انظر لوامع الأنوار 3/96).
(2) في شرح النهج: وهو عامله على المدينة في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية.
(3) في شرح النهج: غيَّا، أي ضلالاً. والمعنى مقارب.
(4) في شرح النهج: مقبلون.

(ومهطعون لها(1)): أي مسرعون إلى ما يحصل من أطماعها باللحاق بمعاوية، فكان ذلك سبباً للخروج إليه.
(قد عرفوا العدل ورأوه): تحققوه بأفئدتهم ورأوه بأبصارهم.
(وسمعوه): بآذانهم.
(ووعوه): بقلوبهم.
(وعلموا أن الناس عندنا في الحق أسوة): لافضل لأحد منهم(2) على الآخر، ولا زيادة لأحد على غيره في الحق، والأسوة: القدوة.
(فهربوا إلى الأثرة): وهي الاسم من الاستئثار.
(فبعداً): من قولهم: بعد يبعد بعداً.
(لهم وسحقاً!): وهما مصدران من المصادر التي تضمر أفعالها ولا تظهر، وقد مر بيانه.
(إنهم والله لم(3) ينفروا من جور): ما كان هربهم من جور لحقهم مني.
(ولم يلحقوا بعدل): من جهة معاوية، وإنما طمعوا في الدنيا ونظارتها وزهرتها وغضارتها، ونفروا من مرارة العدل وكون الناس مستويين فيه.
(وإنا لنطمع في هذا الأمر): يعني الخلافة.
(أن يذلل الله(4) لنا صعبه): ما يصعب فيه فيكون ذليلاً.
(ويسهل لنا حزنه): الحزن: المكان الجرز(5).
(والسلام عليك(6)): منَّا.
__________
(1) في شرح النهج: إليها، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(2) في (ب): لا فضل لأحدهم على الآخر.
(3) في نسخة: لن، (هامش في ب).
(4) الله، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(5) أرض جُرُز وجُرْز كعُسُر وعُسْر لا نبات بها. (مختار الصحاح ص99).
(6) في شرح النهج: والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

(71) ومن كتاب(1) له عليه السلام إل‍ى المنذر بن الجارود العبدي(2)، منسوب إل‍ى بني عبد الله أو بني عبد(3)، وقد خان في بعض ولاياته من أعماله
(أما بعد؛ فإن صلاح أبيك(4) غرَّني منك): يريد أن أباك لما كان صالحاً سالكاً لطريق السلامة والخير، وربما(5) غلب على(6) الظن سلوك الولد طريق والده في الصلاح.
(وظننت أنك تتبع هديه): الهدي هو: السمت الحسن.
(وتسلك سبيله): تأتي على طريقته(7).
__________
(1) في شرح النهج: ومن كتاب له عليه السلام إلى المنذر بن الجارود العبدي، وقد كان استعمله على بعض النواحي، فخان الأمانة في بعض ما ولاه من أعماله.
(2) هو المنذر بن الجارود (واسمه بشر) بن عمرو بن خنيس العبدي، المتوفى سنة61ه‍، أمير، كان شريفاً، وشهد الجمل مع أمير المؤمنين علي عليه السلام، وولاه الإمام على إمرة اصطخر فخان في ولايته، والمنذر غير معدود في الصحابة، ولا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان تائهاً معجباً. (انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 18/55،57، والأعلام7/292).
(3) وهم بنو عبد القيس بن أفصي بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، والمنذر بن الجارود العبدي هو منهم.
(4) هو بشر بن عمرو بن خنيس بن المعلى العبدي، المتوفى سنة20ه‍، سيد عبد القيس (وهم بطن من أسد ربيعة) كان شريفاً في الجاهلية، وأدرك الإسلام، فوفد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جماعة من قومه وكانوا نصارى فأسلم، وفرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإسلامه وأكرمه، وعاش إلى زمن الردة، واستشهد يوم سهرك في عقبة الطين (موضع بفارس). (الأعلام 2/55).
(5) في (ب): ربما.
(6) على، زيادة في (ب).
(7) في (ب): طريقه.

(فإذا أنت فيما رقِّي إليَّ عنك(1)): ارتفع إليَّ من أخبارك واطلعت عليه من ذلك، ومنه قولهم: رقى السُلَّم إذا طلعه، قال الله(2) تعالى: {أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ}[الإسراء:93].
(لا تدع لهواك انقياداً): إلا سلكته وأخذت في طريقه.
(ولا تبقي لآخرتك عتاداً): أي شيئاً تُعِدُّه لها، وتهيِّئه من أجلها، كما قال تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً}[النساء:37]، أي هيأنا ذلك لهم.
(تعمر دنياك بخراب آخرتك): أراد أنك تنعم في الدنيا بأكل الطيبات، وخضمها وقضمها، وهذا هو عمارة الدنيا، وخراب(3) الآخرة بإبطال العمل لها، والإعراض عنها في كل حالة.
(وتصل عشيرتك): بأموال الله المتروكة على يدك.
(بقطيعة دينك): إبطاله وهدمه، وإنفاق(4) أموال الله تعالى في غير وجهها، وصرفها في غير أهلها.
(ولئن كان ما بلغن‍ي عنك حقاً): من الخيانة في أموال الله، وإعطائها من لا يستحقها.
(لَجَمَلُ أهلك): جعل هذا كناية عن ذله واستحقاره، لأن جمل الأهل هو الجمل الذي يكون ميراثاً بينهم(5) من أبيهم، يستعمله كل واحد منهم، ويمتهنه كل منهم في حاجته من غير صيانة.
(وشِسْعَ نعلك): الشسع: واحد الشسوع للنعل، وهو سيره(6) الذي يشدُّ به إلى السير الجامع لها في ظهر الكف.
(خير منك وممن(7) كان بصفتك): في قلة الأمانة، وعدم الثقة فيما هو بصدده، وفيما هو مولى عليه من ذلك.
__________
(1) في (ب): منك، وأشار في هامشها إلى أنه في نسخة: عنك.
(2) الله، زيادة في (ب).
(3) في (ب): وإخراب.
(4) في نسخة: بإنفاق، (هامش في ب).
(5) في (ب): الذي يكون بينهم ميراثاً من أبيهم.
(6) السير: الذي يقطع من الجلد.
(7) في (ب) وشرح النهج: ومن.

(فليس بأهل أن يُسَدَّ به ثغر(1)): الثغر مرَّ تفسيره، وأنه أبداً لا يؤهل لأمور الحرب.
(أو يُنْفَذَ به أمر(2)): من الأمور الدينية.
(أو يعلى له قدر): ترفعه على غيره.
(أو يشرك في أمانة): يستحفظ وديعة، أو يكون شريكاً في حفظها.
(أو يؤمن على جباية): على ما يجبى من الأموال، ويكون حفيظاً عليها.
(فأقبل إليَّ حين يصلك(3) كتابي هذا إن شاء الله): وهذه أمارة عزله عن الولاية؛ لأن ما تقدم من الكلام يدل عليه ويرشد إليه، والمنذر هذا هو الذي قال(4) فيه أمير المؤمنين:
(إنه لنظَّار في عِطْفَيْهِ): عطفا الرجل: جانباه من لدن رأسه إلى وَرِكه(5)، ويقال: فلان ثنى عطفه عني إذا أعرض عنك.
(مختال في بُرْدَيْه): اختال الرجل في مشيه من الخيلاء.
(تفَّال في شِراكَيْهِ): يعني إذا ركب شراكه(6) غبار تفل فيه فأزاله، والتفال هو: البزاق، وأراد في هذا كله بيان رعونته وحمقه، وتخايله وتكسره واسترخائه عند سيره.

(72) ومن كتاب له [عليه السلام](7) إل‍ى عبد الله بن العباس رضي الله عنه
(أما بعد؛ فإنك لست بسابق أجلك): يعني أنك لا تتقدم عنه ولا تتأخر، تصديقاً لقوله تعالى: {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}[الأعراف:34].
__________
(1) في (أ): أن نسّد به ثغراً.
(2) في (أ): أو ننفِّذ به أمراً.
(3) في شرح النهج: يصل إليك كتابي ...إلخ، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(4) في نسخة: يقول، (هامش في ب).
(5) الوَرِكَ: ما فوق الفخذ، وهي مؤنثة، وقد تخفف مثل فَخِذ، وفَخْذ. (مختار الصحاح ص717).
(6) الشراك: السير الذي يكون في النعل على ظهر القدم,
(7) زيادة في نسخة أخرى، وشرح النهج.

(ولا مرزوق ما ليس لك): يعني ولا ترزق ما لم يكن رزقاً لك عند الله تعالى.
(واعلم بأن الدهر يومان: يوم لك، ويوم عليك): يريد أن الدهر لاينفك عن ذلك، وأن حكمه جار على هذه الحالة، واليوم الذي يكون عليه هو ما يلحقه فيه من الضر والبؤس، واليوم الذي له هو ما يلحقه فيه من النعماء والخير.
(وأن الدنيا دُوَلٍ): أحوال متداولة بين الخلق، وأمور(1) متعاقبة.
(فما كان منها لك أتاك على ضعفك): يريد ما كان مقدَّراً لك وصوله أتاك وإن ضعفت عن نيله.
(وما كان منها عليك): تكرهه وتحذر من(2) وصوله.
(لم تدفعه بقوتك(3)): يعني من المصائب والبلاوي، وقد مر هذا الكلام في غير هذا الموضع.

(73) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى معاوية
(أما بعد؛ فإني على التردد في جوابك): أقلب رأيي ظهراً لبطن.
(والاستماع إلى كتابك): أرجعه مرة بعد مرة.
(لموهِّن رأيي): الوهن: الضعف.
(ومخطِّئ فراست‍ي): ثاقب نظري ونافذ فكرتي وصدق ظني وحسنه، وأراد من هذا كله(4) استضعاف رأيه في الإجابة لمعاوية، إذ لم يجعل جوابه السكوت والإعراض عنه والاستحقار بحاله، كما قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً}[الفرقان:63].
(وإنك إذ تحاولن‍ي الأمور، وتراجعن‍ي السطور): يعني وإنك فيما تحاول من الأمور، وتطلبها مني، وتريد مني المساعدة لك فيها، وتراجعني بكتبك طالباً لأغراضك فيها:
(كالمستثقل النائم): الثقيل: المسترخي لكثرة نومه وتهالكه فيه.
(تكذبه أحلامه): يرى في نومه أحلاماً كاذبة.
__________
(1) وأمور، سقط من (ب).
(2) من، سقط من (ب).
(3) في (ب): لم تدفعه قوتك.
(4) في (ب): من هذا الكلام استضعاف ...إلخ.

(والمتحير(1) القائم يبهظه(2) مقامه): والمتردد في حال قيامه لا يدري ما يفعل من أموره، يثقّله مكانه الذي هو فيه فلا يستقر فيه، والمعنى في هذا هو أنه شبه حال معاوية بما يطلب من الأمور ويراجع بالكتب بمن استثقل في نومه، وغلبه النوم، فهو يرى أحلاماً كاذبة لا حقيقة لها، ولا(3) يصدق منها شيء بحال، فأنت فيما أنت فيه مشبه بحال من:
(لا يدري أله ما يأتي): من الأمور.
(أم عليه): وهذا منه عليه السلام استجهال آخر بحال معاوية، فإن من لايدري ما يأتي من الأمور وما يذر فهو في غاية الجهالة، وركوب أعظم ما يكون من الضلالة.
(ولست به): يعني(4) أنك لست نائماً.
(غير أنه بك شبيه): يعني أنما قلت ليس على جهة الحقيقة، وإنما هو على جهة التشبيه.
سؤال؛ أراه قال ها هنا: ولست به غير أنه بك شبيه، وكأن قياسه غير أنك به شبيه؛ لأن حال معاوية مشبه بالنائم كما قال؟
وجوابه؛ هو أن غرضه في جميع ما ذكره المبالغة في جهل معاوية والتهالك في وصفه بالغباوة، فشبهه أولاً بالنائم المستثقل، ثم قال: ولست به يعني حقيقة، ثم استأنف المبالغة في حاله بقوله: إنك شبيه به، كأنه هو النائم على جهة الحقيقة، وما ذكره مشبه بحال معاوية(5)، ومن قرع سمعه التشبيهات للشعراء وإغراقهم فيها، ودخولهم في معانيها كل مدخل عرف صدق مقالة أمير المؤمنين، وعرف مراده من ذلك.
__________
(1) في (ب): أو المتحير.
(2) في النسخ: يبهضه بالضاد المعجمة، وما أثبته من شرح النهج.
(3) في (ب): فلا.
(4) في (ب): أي.
(5) في (أ): مشبه بمعاوية.

(وأقسم بالله لولا بعض الاستبقاء): أراد إما طلب البقاء(1) لأحواله رجاء أن يعود عن غيِّه، ويرجع عن فسقه، وإما أن يريد المباقاة تحلماً عنه وتكرماً عن سرعة الانتقام منه.
(لوصلت من‍ي إليك نوازع(2)): النوازع هي: الخصومات في الحق، يقال: كان بينهم نوازع أي خصومات ومشاجرة عظيمة، أو يكون مراده قوالع من انتزع الشيء عن أصله إذا قلعه.
(تقرع العظم): أي تقطع ما فوقه من اللحم [حتى تبلغه](3) فتكسره، والمراد بقرعه كسره.
(وتلهس(4) اللحم): أي تذهبه، ولهسه المرض إذا أذهب قواه.
(واعلم أن الشيطان قد ثبطك عن أن تراجع أحسن أمورك): أبطأ بك عن الوقوف على أحسن الآراء، وأحمدها عاقبة وأرضاها لله تعالى(5).
(وتأذن لمقال نصيحك): وتسمع لمن يناطقك بالنصح ويشافهك به.

(74) ومن حِلْفٍ [له عليه السلام](6) كتبه بين اليمن وربيعة
__________
(1) في (ب): الإبقاء.
(2) في شرح النهج: قوارع، والعبارة في (ب): لوصلت إليك مني قوارع.
(3) سقط من (ب).
(4) في شرح النهج: وتنهس.
(5) تعالى، زيادة في (ب).
(6) زيادة في شرح النهج.

نقل من خط هشام بن الكلبي(1)، يريد قبائل اليمن من همدان وقحطان وقبائل نزار، وهما ربيعتان(2): ربيعة الكبرى وهي ربيعة بن مالك بن زيد مناة، وربيعة الصغرى ربيعة بن عامر بن صعصعة، وفي عُقَيْلِ أيضاً ربيعتان: ربيعة بن عُقَيْلِ، وربيعة بن عامر، والله أعلم بمراده من ذلك(3).
(هذا ما اجتمع عليه أهل اليمن حاضرها وباديها): يعني بأجمعهم من يسكن منهم القرى ومن يكون في البداوة.
(وربيعة حاضرها وباديها): بأجمعهم أيضاً بدوهم وقرارهم.
__________
(1) هو هشام بن محمد بن السائب الكلبي الكوفي، المتوفى سنة204ه‍، أبو المنذر، نسابة، إخباري، محدث، أديب، مؤرخ كأبيه، روى عن أبيه، ومجاهد بن سعيد وغيرهما، وهو شيعي من أهل الكوفة ووفاته بها، وله تصانيف تزيد على مائة وخمسين كتاباً ورسالة منها: جمهرة الأنساب، والجمل، والنهروان، ومقتل أمير المؤمنين، ومقتل حجر بن عدي، ومقتل الحسين عليه السلام، وقيام الحسن عليه السلام، وأخبار محمد بن الحنفية وغيرها. (انظر معجم ورجال الاعتبار ص456 ترجمة رقم (902)).
(2) في (ب): ربيعيان.
(3) وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج 18/66 ما لفظه: واليمن كل من ولده قحطان نحو حمير وعك وجذام وكندة والأزد وغيرهم، وربيعة هو ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان وهم بكر وتغلب وعبد القيس، وذكر في القاموس المحيط ص928 ربيعة الفَرَس هو ابن نزار بن معد بن عدنان، أبو قبيلة، قال: وفي عُقَيْل ربيعتان ربيعة بن عقيل أبو الخُلعاء، وربيعة بن عامر بن عقيل أبو الأبرص وقحافة وعرعرة وقرة، وفي تميم ربيعتان الكبرى وهي ربيعة بن مالك وتدعى ربيعة الجوع، والصغرى وهي ربيعة بن حنظلة بن مالك، وربيعة أبو حي من هوازن وهو ربيعة بن عامر بن صعصعة وهم بنو مجد، ومجد أمهم. انتهى.

(أنهم على كتاب الله): يريد مجتمعة آرائهم على حكم كتاب(1) الله تعالى، يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ويوردون ويصدرون عن أمره، لا يخالفونه في أمر من الأمور.
(يدعون إليه): أي إلى إحياء أحكامه من بلغه وسمعه.
(ويأمرون به): أي يأمرون بما تضمن من الأحكام، أو أراد لا يصدرون أوامرهم إلا على وفقه ونحوه.
(ويجيبون من دعا إليه وأمر به): أراد وإذا دعاهم داعٍ إلى كتاب الله تعالى(2) أجابوه ونصروه وأعانوه على أمره كله، وهكذا حال من أمر به يعضدونه على ذلك.
(ولا يشترون به ثمناً(3)): أي ولا يبيعونه بأبخس الأثمان وأهونها، ولا يخالفونه بشيء من حقير الدنيا وحطامها.
(ولا يرضون به بدلاً): ولا يتبدلون به(4) غيره من سائر الكلامات وسائر الكتب المنزلة، مع غيرهم كاليهود والنصارى.
(وأنهم يد واحدة على من خالف ذلك وتركه): يعني أنهم مجتمعون على حرب من خالف ذلك وأهمله، لايفترقون عن تغييره وهدمه.
(أنصار بعضهم لبعض(5)): هذا ينصر ذاك، وذاك ينصر هذا على دين الله وكتابه، ولا يحرف ولايبدل.
(دعوة(6) واحدة): أي دعوتهم على ذلك دعوة واحدة، لا اختلاف فيها، ولا تفريق.
(لا ينقضون عهدهم): ما تعاهدوا عليه من ذلك.
(لمعتبة عاتب): لرضاء من يسترضي.
(ولا لغضب غاضب): ولا يخالفونه لمكان غضب من يغضب منهم.
(ولا لاستذلال قوم قوماً): ولا من أجل أن قوماً يستذلون قوماً ويستضعفونهم فيقهرونهم.
__________
(1) كتاب، سقط من (ب).
(2) تعالى، سقط من (ب).
(3) في شرح النهج: لا يشترون به ثمناً قليلا.
(4) به، زيادة في (ب).
(5) في (أ): أنصار لبعضهم بعض، وأثبته من (ب)، وفي شرح النهج: وأنهم أنصار بعضهم لبعض.
(6) في شرح النهج: دعوتهم، وكذا في نسخة، ذكره في هامش (ب).

(ولا لمشية(1) قوم قوماً): ولا لأن قوماً يريدون قوماً بالمكروه(2)، فلا يخالفون كتاب الله من أجل هذه العوارض، ولا يكون ذلك سبباً لتغيير أحكامه وإبطال أعلامه.
(على ذلك شاهدهم وغائبهم(3)): أي أقرَّ على ذلك من شهد منهم(4) ومن غاب.
(وحليمهم وجاهلهم): ومن كان منهم كبيراً يوصف بالحلم والعقل، ومن كان صغيراً يوصف بالجهل.
(ثم إن عليهم بذلك عهد الله وميثاقه): في الوفاء به والاستمرار عليه، وعهود الله: تأكيداته وتوثيقاته على الوفاء بما عقدت عليه، ثم تلا هذه الآية:
({إِنَّ الْعَهْدَ(5) كَانَ مَسْئُولاً})[الإسراء:34]: أي مسؤلاً(6) عنه يوم القيامة في الوفاء به، وفي حفظه على ما عقد عليه، ثم إن آخر العهد مكتوب: (وكتب علي بن أبي طالب): شهادة على ذلك، وتوكيداً لأمره، وتوثيقاً لحاله.

(75) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى معاوية في أول خلافته، ذكره الواقدي(7) في كتاب (الجمل)
__________
(1) في شرح النهج: ولا لمسبِّة.
(2) في (ب): بمكروه.
(3) بعده في شرح النهج: وسفيههم وعالمهم.
(4) في (أ): فيهم.
(5) في (أ): إن عهد الله، وصواب الآية كما أثبته من (ب) ومن المصحف الكريم.
(6) أي مسئولاً، سقط من (ب).
(7) هو محمد بن عمر بن واقد السهمي، المدني، الواقدي [130-207ه‍] أبو عبد الله، مؤرخ، حافظ، قاضي، ولد بالمدينة، واتصل بهارون العباسي والبرامكة فأعطوه وقربوه، وولي قضاء شرق بغداد، وأكرمه المأمون كذلك، له مؤلفات كثيرة منها: تأريخ الفقهاء وغيره. (انظر معجم رجال الاعتبار ص397-398 ترجمة رقم (782)).

(من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان):وهذا الكتاب إنما كان في أول خلافته، وقبل حدوث الحوادث من معاوية، فلهذا لاطفه فيه، وأجمل فيه عتابه.
(أما بعد؛ فقد عرفت(1) إعذاري فيكم): بلوغ الغاية في نصيحتي لكم وقبول المعذرة منكم.
(وإعراضي عنكم): عن المكافأة لكم، واستلحاقكم في كل ما فعلتموه من الأفاعيل المكروهة.
(حتى كان ما لا بد منه): أي ما علم الله وقوعه، وما سبق في علمه.
(ولا دفع له(2)): من الحروب والوقائع.
(وقد أدبر ما أدبر): ممَّا كان ووقع وحدث.
(وأقبل ما أقبل): مما نريد استقباله من الأمور كلها.
(فبايع من قِبَلَكَ): من سائر المسلمين الموافقين لأمري والمتابعين لي.
(وأقبل إليَّ في وفد من أصحابك): الوفد: الجماعة من الناس.

(76) ومن وصية له عليه السلام لعبد الله بن عباس عند استخلافه إياه على البصرة
(سع الناس بوجهك): جعل هذا كناية عن سعة الأخلاق ولين الجانب والعريكة.
(ومجلسك(3)): أي لاترد أحداً من بابك وموضعك الذي أنت فيه.
(وإياك والغضب): احذره وجانبه أشد المجانبة.
(فإنما هو طَيْرَةٌ(4) من الشيطان): يقال: فلان طَيْرة وطَيْرُوْرة أي ذو طيش وفشل، قال الكميت:
وحلمك عزٌّ إذا ما حلمت

وطيرتك الصاب والحنظل(5)

(واعلم أن ما قربك من الله يباعدك عن النار): من أعمال البر والتقوى وإصلاح الحال.
__________
(1) في شرح النهج: علمت.
(2) بعده في شرح النهج: والحديث طويل، والكلام كثير,
(3) بعده في شرح النهج: وحكمك.
(4) في شرح النهج: فإنه طيرة ...إلخ.
(5) أورد البيت ابن أبي الحديد في شرح النهج 18/70، ونسبه إلى الكميت أيضاً، والصاب: شجر مرّ، والبيت أيضاً في لسان العرب 2/636.

(وما باعدك من الله يقربك من النار): من الأعمال القبيحة، واتباع الهوى، والانقياد للشيطان واتباعه.
ثم قال له للاحتجاج على الخوارج:
(لا تخاصمهم(1) بالقرآن): اعلم أن الخوراج لما نقموا عليه ما نقموا بعث عبد الله بن العباس يقرر عليه ما التبس عليهم ويوضحه لهم، ويفحمهم بالحجج والبينات، فنهاه أولاً عن المخاصمة بالقرآن.
(فإن القرآن حمَّال ذو وجوه): محتمل(2) للتأويلات الكثيرة، يمكن أن يفسره كل واحد بوجه له من التأويل يخص مذهبه.
(تقول): أنت بقول(3) من جهة القرآن.
(ويقولون): بقول آخر يخالفه ويعارضه.
(ولكن حاجهم(4) بالسنة): بنصوص الرسول صلى الله عليه وآله فإنها أقطع للاحتمالات وأصرح بالمقصود، وأشفى للغرض.
(فإنهم لايجدون عنها محيصاً): أي معدلاً يعدلون إليه ويستمدون منه.
سؤال؛ كيف قال: لاتخاصمهم بالقرآن، والقرآن كلام الله، وهو أبهر الحجج وأعظمها حالاً، فكيف منعه من ذلك، وأمر بالمخاصمة بالسنة وهي أضعف حالاً من القرآن؟
__________
(1) في (ب): لا تحاكمهم.
(2) في (ب): متحمل.
(3) في (ب): تقول.
(4) في شرح النهج: حاججهم.

وجوابه؛ هو أن الكتاب والسنة حجتان من حجج الله تعالى على خلقه، وعليهما التعويل في جميع اقتباس الأحكام من التحليل والتحريم، وغير ذلك من الأحكام الشرعية، خلا أن القرآن لما كان المقصود منه الإعجاز والإفحام لمن تحدي به(1) من سائر الفصحاء، وكان لا محالة لاشتماله على البلاغة والفصاحة، اللفظة الواحدة محتملة لمعاني كثيرة، وتحمل على أوجه متعددة، ومن أجل هذا قد بلغ في الفصاحة والبلاغة كل مبلغ، والسنة ليس المقصود منها الإعجاز والإفحام، وإنما المقصود منها البيان والإيضاح للمقاصد، فلا جرم لم يكن احتمالها كاحتمال القرآن، فلا جرم أمره بما ذكرناه، لما كانت تصريحاتها أكثر في ذلك.

(77) ومن كتاب له عليه السلام في أمر الحكمين جواباً لأبي موسى الأشعري
ذكره سعيد بن يحيى الأموي في (المغازي)(2):
(فإن الناس قد تغير كثير منهم عن كثير من خطهم(3)): يعني أن كثيراً من الخلق قد غيَّروا كثيراً من طرائقهم المحمودة التي كانوا عليها.
(فمالوا مع الدنيا): إلى أطماعها وزهرتها.
(ونطقوا بالهوى): من جهة أنفسهم وآرائهم، وليس نطقهم بالحق ولا على موافقته، وإنما [كان ذلك](4) لما تابعوا الدنيا نطقوا وتكلموا بما يهوونه من أنفسهم.
(وإني نزلت من هذا الأمر منزلاً معجباً): يريد إن إمامتي وخلافتي أمر يستطرف منه ويعجب كل أحد، لما فيه من اتباع الحق وترك الانقياد للأهواء.
(اجتمع به أقوام):قالوا به ودخلوا فيه.
__________
(1) به، سقط من (ب).
(2) في شرح النهج: ومن كتاب له عليه السلام أجاب به أبا موسى الأشعري عن كتاب كتبه إليه من المكان الذي اتعدوا فيه للحكومة، وذكر هذا الكتاب سعيد بن يحيى الأموي في كتاب المغازي.
(3) في (ب) وشرح النهج: حظهم.
(4) زيادة في (ب).

(أعجبتهم أنفسهم): أعجبوا بآرائهم، واستهواهم الإعجاب بأنفسهم، يشير بذلك إلى أبي موسى، فإنه من جملة أصحابه وأعوانه، ولكنه أعجب برأيه.
(فإني(1) أداوي منه(2) قرحاً): أي جرحاً عظيماً، قال الله تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ}[آل عمران:140].
(أخاف أن يكون عَلَقاً): أي(3) لازماً، والعلق بالفتح: ما لزم، يقال: أصاب ثوبي علق وهو ما يمسكه ويكون لازماً له.
(وليس رجل أحرص على(4) جماعة أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم): على اجتماعهم وكونهم مؤتلفين.
(وألفتها): أن تكون قلوبهم واحدة على الحق.
(من‍ي): فإني أعظمهم محبة لذلك، وأقواهم شهوة له.
(أبتغي بذلك حسن الثواب): الدرجات العالية عند الله.
(وكرم المآب): وعظم المنزلة الرفيعة عند الله تعالى.
(وسأفي بالذي وأيت من(5) نفسي): أوفي لله تعالى بما وعدته من ذلك،والوأي: الوعد.
(وروَّأت): يقال: روَّأت في الأمر إذا نظرت فيه وتفكرت في أحواله، وأراد أنه وافٍ بما وعد، وبما نظر فيه وتفكر في عاقبته من أمور الأمة.
(وإن تغيَّرت عن صالح ما فارقتن‍ي عليه): يشير إلى أبي موسى، وظاهر كلامه أنه كان يوم(6) فارقه على الطريقة الحسنى، ولازم للخصلة المثلى.
__________
(1) في (ب) وشرح النهج: فأنا.
(2) في شرح النهج: منهم.
(3) أي، سقط من (ب).
(4) في (ب): وليس رجل -أعلم- أحرص على ...إلخ، وفي شرح النهج: وليس رجل -فاعلم- أحرص على ...إلخ.
(5) في (ب) وشرح النهج: على.
(6) في (ب): كان في يوم فارقه ...إلخ.

(فإن الشقي من حرم نفع ما أوتي من العقل والتجربة): أراد أن أعظم الشقاوة في الإنسان أن يؤتيه الله تعالى عقلاً وافراً وتجربة في الأمور عظيمة(1)، ثم يحرم نفع ذلك، ولا يلحقه خيره.
(وإني لأَعْبَدُ): لآنف وأحتمي.
(أن يقول قائل بباطل): أن في موضع نصب على نزع الجار، أي عن أن يقول أحد(2) من الأمة بباطل مخالف للحق.
(وأن أفسد أمراً قد أصلحه الله): وأن يكون ساعياً بفساد أمر قد أذن الله بصلاحه واستمراره.
(فدع ما لاتعرف): من الأمور، فإن خوض الإنسان فيما لا يعرفه جهالة لأمره وخبط في حاله.
(فإن شرار الناس طائرون إليك بأقاويل السوء): شبه حالهم بما يسعون به من النميمة، والإغراء بالباطل، والسعي بالفساد في الإسراع والخفة والعجلة بسرعة الطيران.

(78) ومن كتاب له عليه السلام إل‍ى أمراء الأجناد لما استخلف
(أما بعد، فإنما هلك من كان قبلكم): يريد من الأمم والقرون الماضية.
(أنهم منعوا الناس الحق فاشتروه): يعني من جهة أخذ الحق وتناوله، فاشتروه منهم بدفع الأعواض النفيسة ليصلوا إليه.
(وأخذوهم بالباطل فافتدوه(3)): يعني وقهروهم فأخذوا منهم الباطل فافتدوه، والضمير في قوله: فافتدوا(4) للباطل أي فافتدوا الباطل عن أن يكون مأخوذاً منهم.
وبتمامه يتمُّ الكلام في الكتب والوصايا وهو آخر القطب الثاني، ونشرع الآن في شرح القطب الثالث [إنشاء الله](5).

فهرس الموضوعات
__________
(1) عظيمة، سقط من (ب).
(2) في (ب): واحد.
(3) في شرح النهج: فاقتدوه، وقال في شرحه: أي حملوهم على الباطل فجاء الخلف من بعد السلف، فاقتدوا بآبائهم وأسلافهم في ارتكاب ذلك الباطل ظنًّا أنه حق لما قد ألفوه ونشئوا وربّوا عليه. انتهى.
(4) في (ب): وافتدوه.
(5) زيادة في (ب).

القطب الثاني من كلام أمير المؤمنين في الكتب والرسائل والعهود والوصايا…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إل‍ى البصرة…
ومن كتاب له (ع) إليهم بعد فتح البصرة…
ومن كتاب له (ع) كتبه لشريح بن الحارث قاضيه…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى بعض أمراء جيشه…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى الأشعث بن قيس وهو عامل أذربيجان…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى معاوية…
ومن كتاب له (ع) إليه أيضاً…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى جرير بن عبد الله البجلي لما أرسله إل‍ى معاوية…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى معاوية…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى معاوية أيضاً…
ومن وصية له (ع) أوصى بها جيشاً له…
ومن وصية له (ع) لمعقل بن قيس الرياحي حين أنفذه مقدمة إل‍ى الشام…
ومن كتاب له إل‍ى أميرين من أمراء جيشه…
ومن وصية له (ع) لعسكره بصفين…
وكان (ع) يقول إذا لقي العدو محارباً…
وكان (ع) يقول لأصحابه عند الحرب…
ومن كتاب له (ع) جواباً لمعاوية…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى ابن عباس وهو عامله على البصرة…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى بعض عماله…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى زياد بن أبيه…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى زياد بن أبيه أيضاً…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى ابن عباس رضي الله عنه…
ومن كلام له (ع) قبل موته على جهة الوصية…
ومن وصية له (ع) بما يعمل في أمواله كتبها بعد منصرفه من صفين…
ومن وصية له (ع) كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات…
ومن عهد له (ع) لأهل الخراج…
ومن عهد له (ع) كتبه لمحمد بن أبي بكر رضي الله عنه حين قلَّده مصر…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى معاوية جواباً وهو من محاسن الكتب…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى أهل البصرة…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى معاوية…

ومن وصيته للحسن بن علي (ع) كتبها له بحاضر قنسرين منصرفاً من صفين…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى معاوية…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى قثم بن العباس وهو عامله على مكة…
من كتاب له (ع) إل‍ى محمد بن أبي بكر…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى عبد الله بن العباس بعد قتل محمد بن أبي بكر بمصر …
ومن كتاب له (ع) إل‍ى عقيل بن أبي طالب…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى معاوية…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى أهل مصرلما ولَّى عليهم الأشتر…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى عمرو بن العاص…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى بعض عماله…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى بعض عماله عبد الله بن عباس…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى عمر بن أبي سلمة المخزومي، عامله على البحرين…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى مصقلة بن هبيرة الشيباني…
ومن كتاب له (ع) إلَى زياد بن أبيه…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى عثمان بن حنيف الأنصاري…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى بعض عماله…
ومن وصية له (ع) للحسن والحسين (ع) لما ضربه ابن مُلْجَم لعنه الله وأخزاه…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى معاوية…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى غيره…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى أمرائه على الجيوش…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى عماله على الخراج…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى أمراء البلاد في معنى الصلاة…
ومن عهد له (ع) كتبه للأشتر النخعي حين ولاه مصر وأعمالها…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى طلحة والزبير…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى معاوية…
ومن كلام له أوصى به شريح بن هانئ لما جعله على مقدمته إل‍ى الشام…
ومن كتاب له إل‍ى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إل‍ى البصرة…
ومن كتاب له إل‍ى أهل الأمصار يقتص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى الأسود بن قطبة صاحب حلوان…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى العمال الذين يطأ عملهم الجيش…

ومن كتاب له (ع) إل‍ى كميل بن زياد وهو عامله على هيت…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى أهل مصر مع مالك الأشتر رحمه الله لما ولاَّه إمارتها…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى أبي موسى الأشعري، وهو عامله على الكوفة، وقد بلغه عنه تثبيطه الناس عن الخروج إليه لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى معاوية جواباً…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى معاوية أيضاً…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى عبد الله بن العباس رضي الله عنه…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى قثم بن العباس وهو عامله على مكة…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى سلمان الفارسي رحمه الله قبل أيام خلافته…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى الحارث الهمداني…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى سهل بن حُنيف الأنصاري عامله على المدينة…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى المنذر بن الجارود العبدي…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى عبد الله بن العباس رضي الله عنه…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى معاوية…
ومن حِلْفٍ له (ع) كتبه بين اليمن وربيعة…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى معاوية في أول خلافته، ذكره الواقدي في كتاب الجمل…
ومن وصية له (ع) لعبد الله بن عباس عند استخلافه إياه على البصرة…
ومن كتاب له (ع) في أمر الحكمين جواباً لأبي موسى الأشعري…
ومن كتاب له (ع) إل‍ى أمراء الأجناد لما استخلف…
فهرس الموضوعات…

الديباج الوضي
في الكشف عن أسرار كلام الوصي(السفر الثاني)
المجلد السادس

الديباج الوضي
في الكشف عن أسرار كلام الوصي

للإمام الأعظم يحيى بن حمزة عليه السلام

تحقيق
خالد بن قاسم بن محمد المتوكل

القطب الثالث
في المختار من الحكم والأجوبة للمسائل والكلام القصير من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه الخارج في سائر أغراضه ومقاصده

اعلم: أن الحِكَمَ جمع حكمة نحو سِدْرَة وسدر، والحكمة هي: العلم، والحكيم هو: العالم بالأمور كلها المتقن لها، وقد حكُم الرجل بضم الكاف أي صار حكيماً، قال الشاعر:
وابغض بغيضك(1) بغضاً رويداً

إذا أنت حاولت أن تحكما(2)

يريد إذا طلبت أن تكون حكيماً عالماً، واشتقاق الحكمة من قولهم: أحكمت الشيء فاستحكم أي صار محكماً، ومنه حكمة اللجام؛ لأنها مانعة لها(3) عن التقحم على خلاف مراد الفارس، وإنما سميت حكمة لأنها مانعة(4) عن فعل كل قبيح، قال جرير:
أبني حنيفة أحكموا(5) سفهاءكم

إني أخاف عليكم أن أغضبا

يقال: حكمت السفيه إذا أخذت على يده، فمن أخذ بالحِكَم وكان منقاداً لها سامعاً لأقوالها منعته عن أكثر الهوى.
ونحن الآن نورد ما أَثُرَ عنه عليه السلام من الحكم النافعة والآداب البالغة ما فيه بلاغ لمن اتعظ به، وشفاء لمن اعتمد عليه، وهو آخر الأقطاب الثلاثة المقرر عليها (نهج البلاغة).
قال أمير المؤمنين كرم الله وجهه:
__________
(1) في (ب): وابغض ببغضك.
(2) لسان العرب 1/688 ونسبه للنمر بن تولب.
(3) أي الفرس.
(4) قوله: لأنها مانعة، سقط من (ب).
(5) في (ب): حكموا، وبيت جرير أورده الزمخشري في أساس البلاغة ص91، وابن منظور في لسان العرب 1/689.

[1] (كن في الفتنة كابن اللبون): أراد بابن اللبون ولد الناقة إذا استكمل سنتين ودخل في الثالثة؛ لأن أمه قد وضعت ولداً غيره فصار لها لبن، واللام فيه لتعريف الجنس، وغرضه من هذا كن في الحرب مستضعفاً غير جامع للمال، بحيث لايطمع فيك لأجل قوتك، ولا في مالك لقلته.
(لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب): أي أنه لم ينته إلى حالة الركوب فيكون مركوباً، ولا هو مما يحلب فيكون ذا لبن.
[2] (أزرى بنفسه من استشعر الطمع): الشعار من الثياب: ما يلي الجسم، وأراد تهاون بنفسه من جعل الطمع شعاراً له.
(ورضي بالذل من كشف ضره): أراد أن من أظهر ضعف حاله للناس فقد ذل في أعينهم.
(أهان نفسه من أمرَّ عليها لسانه(1)): يعني من جعل لسانه أميراً على نفسه بحيث لايقدر على ضبطه وكفِّه فقد أهان نفسه، إما بأن يتكلم كلاماً يورده في المتالف العظيمة والمهالك الخطرة، وإما بأن يؤذي الناس فلا يبقى له عندهم قدر، وربما آذوه كما آذاهم، وفيه ما لا يخفى من الهوان بالنفس وإسقاطها.
[3] (البخل عار): العار: كل أمر يكسب صاحبه الذم واللوم، وهذا حال البخل، فإن صاحبه مذموم ملوم(2) في كل حال.
__________
(1) في شرح النهج: وهانت عليه نفسه من أمّر عليها لسانه.
(2) في (ب): ملوم مذموم.

(الجبن منقَصة): نقصته إذا عبته، والمنقَصة بفتح القاف هي(1): العيب، وأراد أن(2) الجبن الذي هو خلاف الشجاعة ونقيضها، وفي الحديث: ((الولد مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ))(3)، وأراد أنه من أعظم العيوب في الإنسان:
(الفقر يخرس الفطن عن حجته(4)): أراد أن الرجل إذا كان فقيراً فربما تقاعد عن نصرة حقه؛ لما يلحقه من المذلة بالفقر، وتهاون الناس به، وعن هذا قال بعضهم:
عبيد ذي المال وإن لم يطمعوا
من غمرة في جرعة تشفي الصدى

وهم لمن أملق أعداء وإن

شاركهم فيما أفاد وحوى(5)
__________
(1) في (ب): هو.
(2) أن، كتبها في (ب) ثم شخط عليها.
(3) أخرجه من حديث الحافظ ابن عساكر في ترجمة الإمام الحسن بن علي عليهما السلام من تأريخ دمشق ص85-86 تحت الرقم (145) بسنده عن يعلى بن مرة قال: جاء الحسن والحسين يسعيان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجاء أحدهما قبل الآخر، فجعل يده في رقبته ثم ضمّه إلى إبطه، ثم جاء الآخر فجعل يده الأخرى في رقبته ثم ضمّه إلى إبطه، ثم قبَّل هذا، ثم قبَّل هذا، ثم قال: ((اللهم، إني أحبهما فأحبهما))، ثم قال: ((أيها الناس، إن الولد مبخلة مجبنة مجهلة))، وهو فيه أيضاً تحت الرقم (146) عن الأسود بن خلف بلفظ: ((إن الولد مبخلة مجبنة))، (وانظر تخريجه في المصدر المذكور)، وأورده بلفظ المؤلف هنا في مختار الصحاح ص42.
(4) في شرح النهج: حاجته.
(5) في (ب): وجوى، بالجيم، فلعله من الجوى وهو الحرقة وشدة الحزن.

(الْمُقِل غريب في بلدته): لأن الغريب تعتريه المذلة لا محالة لمكان وحشته بالغربة، وهكذا حال الْمُقِل يلحقه مثل ذلك، وإن كان في بلده وبين عشيرته، ولهذا قال بعضهم: المال في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة، يشير به إلى ما ذكرناه.
[4] (العجز آفة): يعني أن كل من عجز عن حفظ نفسه ومنعها عن اتباع الشهوات، وعن كسب الأموال من وجهها، وعن مكافأة الأعداء فقد لحقته الآفة.
(والصبر شجاعة): لما فيه من تحمل المشاق العظيمة، فلا بد من أن يكون شجاعاً عليها.
(الزهد ثروة): الثروة: كثرة المال، وأراد أن نفوس الزهَّاد قانعة بالزهادة مطمئنة إليها، كما أن نفوس أهل الأموال قانعة بالثروة وساكنة إليها، فلهذا قال: الزهد ثروة، يشير إلى ما ذكرناه، أو يريد أن(1) من كثر زهده في اللذات الدنيوية عظم ثراؤه في المال وكثر لقلة الإنفاق فيها(2)، والوجه هو الأول.
(الورع جُنَّة): الْجُنَّة:ما سترك(3) من ثوب أو قميص، وأراد [أنه ساتر عن جميع مداخل الشك، أو أراد](4) أنه من أعظم الجنن عن النار وأجودها حالاً في الوقاية عنها.
(نعم القرين الرضا): يشير إلى أن الرضا من أجود ما يقارن الرجل من الخلائق والشيم؛ لأنه إذا كان راضياً بحاله كان أقر الناس عيناً وأهنأهم عيشاً؛ لرضاه بما هو فيه، ولهذا قيل لبعض الحكماء: من أهنئ الناس عيشاً؟
__________
(1) في (ب): أنه.
(2) فيها، سقط من (ب).
(3) في (ب): ما يسترك.
(4) ما بين المعقوفين سقط من (ب).

فقال: أرضاهم بحاله كائناً من كان، وفي الحديث: ((إن الله بلطفه جعل الرَوْحَ والراحة في الرضا واليقين، وجعل الهمَّ والحزن في الشك والسخط))(1).
[5] (العلم وراثة كريمة): يعني أنه لا ميراث أفضل من ميراث العلم، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((العلماء ورثة الأنبياء))(2)، وغرضه أنه يشرف صاحبها بوراثتها، ويعظم حاله، ويكمل أمره.
(الآداب حلل مجددة): يشير إلى أنه بمنزلة الملابس كلما دخل في أدب وألزمه نفسه كان بمنزلة من يلبس خِلْعَة(3) جديدة، وأنواعه كثيرة، وضروبه مختلفة.
(الفكر مرآة صافية): ولهذا يطلع به على كل ما خفي من الأمور الدقيقة، كما أن المرآة ترى فيها عند الاطلاع كل صغير وكبير من المحسوسات المدركة.
__________
(1) أخرجه الشريف السيلقي في الأربعين السيلقية ص39-40 الحديث رقم (30) من حديث عن أنس بن مالك، واللفظ فيه: ((إن الله تبارك اسمه بحكمه جعل الروح والفرج في الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط)) ورواه مرفوعاً من حديث العلامة ابن أبي الحديد في شرح النهج 11/203 أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعبد الله بن مسعود، ثم ذكر الحديث وفيه: ((وأن الله جعل الروح والفرج في الرضا واليقين وجعل ...))إلخ.
(2) الحديث بلفظ: ((العلماء مصابيح العلم، وورثة الأنبياء)) أخرجه المرشد بالله في الأمالي الخميسية 1/58 بسنده يبلغ به إلى الإمام الأعظم زيد بن علي عليهما السلام، والحديث باللفظ الذي رواه المؤلف هنا هو في مسند شمس الأخبار 1/170 في الباب (24)، وقال العلامة الجلال في تخريجه: أخرجه ابن النجار عن أنس، بلفظه..
(3) في (ب) ونسخة أخرى: حلة، والخِلعة بالكسر: ما يخلع على الإنسان من الكسوة.

[6] (وصدر العاقل صندوق سره): يعني أن كتمان السر من شروط العقلاء؛ لما فيه من ملك الأمر والحكم على النفس.
(البشاشة حبالة المودة): رجل بش إذا كان طلق الوجه.
قال ابن السِّكيِّت في (إصلاح المنطق): يقال: لقيته فتبشبش بي، وأراد هنا أن طلاقة الوجه وسَبَاطَة(1) الخلق هو وصلة المودة وحبالتها التي يُصطاد بها، ومنه حبالة الصائد وهي: شَرَكَه(2) التي(3) يصيد بها.
(الاحتمال قبر العيوب): يعني أن من كان من(4) شيمته الاحتمال للأذى والصبر على مكارهها فهو تغطية لذكر المعايب؛ لأنه مهما كان محتملاً فإنه لايبدو منه شيء منها فهي بمنزلة المقبورة.
وفي رواية أخرى في العبارة عن هذا المعنى:
(المسالمة خَبْءُ(5) العيوب): أراد أن المصالحة بين الناس إذا وقعت فعيوبهم لا محالة(6) مستورة؛ لأنهم مع ذلك لايذكر بعضهم عيب بعض.
[7] (ومن رضي عن نفسه كثر الساخط(7) عليه): يعني أن كل من أرضى نفسه باتباع هواها والانقياد له، فإنه يكثر من يسخط عليه ويمقته من الخلق، ومن جهة الله تعالى؛ لأنها لا تهوى إلا ما يكرهه الله ويكرهه الخلق، فلهذا سخطوا عليه.
__________
(1) سباطة الخُلق: أي لينها.
(2) في (ب): شبكة.
(3) التي، سقط من (ب).
(4) من، سقط من (ب).
(5) في نسحة: حتُّ، وفي نسخة أخرى: جبُّ (هامش في ب).
(6) في (ب): فعيوبهم مستورة لا محالة.
(7) في (ب): كثر سخط الناس عليه.

(الصدقة دواء منجح): للمرضى، وفيه غاية الشفاء، وفي الحديث: ((داووا مرضاكم بالصدقة))(1).
(أعمال العباد في عاجلهم): يعني أن كل ما فعله الإنسان من الأعمال في الدنيا العاجلة، فهو:
(نصب أعينهم في الآجلة(2)): فكأنه شيء منصوب بين أعينهم، ينظرون إليه ولا ينظرون إلى سواه، ولا ينفعهم في الآخرة إلا هو.
[8] (اعجبوا لهذا الإنسان): تفكروا في عجيب خلقته(3)، ودقيق الإحكام في تركيبه وصنعته، وما اشتمل عليه من البدائع الغريبة، والإتقانات المحكمة العجيبة في خلقته كلها، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}[الذايات:21].
__________
(1) رواه الإمام القاسم بن محمد في الاعتصام 2/299، وعزاه إلى الجامع الصغير للسيوطي، وهو فيه أيضاً من حديث عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، وأعدوا للبلاء الدعاء))، وعزاه إلى أمالي قاضي القضاة بإسناده عن عبد الله، ورواه العلامة علي بن حميد القرشي في مسند شمس الأخبار2/43، وعزاه إلى مسند الشهاب، وقال الجلال في كشف الأستار عن أحاديث شمس الأخبار في تخريجه: أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عمر بلفظه، وزيادة في آخره: ((فإنها تدفع عنكم الأمراض والأعراض)). انتهى.
قلت: ورواه بلفظه ابن أبي الحديد في شرح النهج 18/101.
(2) في شرح النهج: آجلهم، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(3) في (ب): خلقه.

(ينظر بشحم):وهما العينان فإنهما شحمتان مركبان على جهة التدوير من طبقات سبع، وثلاث رطوبات مختلفة(1)، هكذا شرحه الأطباء، وفيها لطائف ودقائق في الإدراك لا يحيط بعجائبها إلا الله تعالى(2)، وهي آلة في (3) الإدراك.
(ويتكلم بلحم): وهو اللسان، وهو مركب من لحم وعصب، وهو متصل بالمعدة، ومنفعته: الكلام وتقليب الطعام، والإعانة على بلع الغذاء.
(ويسمع بعظم): وهو الأذن، وهي مركبة من هذا الغضروف(4)، ومنفعتها: لرد الصوت إلى الصِّماخ(5)؛ لأن السماع إنما هو به.
(ويتنفس من(6) خرم): وهي الأنف، فإنها مركبة على هذه الاستطالة، ومنفعتها: الشم للروائح، إلى غير ذلك من هذه الأعضاء كالرئة والكبد والطحال والمعدة والمعاء، وكل من هذه الأشياء مركب تركيباً بديعاً يليق بمنفعته، يخالف تركيب الآخر، فسبحان من نفذ في الإتقان علمه، ومضى بعجيب القضاء أمره وحكمه!
[9] (إذا أقبلت الدنيا على قوم): يعني مكنتهم من منافعها وجمالها وهيئتها ونظارتها.
(أعارتهم محاسن غيرهم): يشير إلى أنها كانت قبلهم مع غيرهم، فإذا جاءتهم فإنما هو على جهة العارية لهم من غيرهم أياماً قليلة.
__________
(1) في (ب): مختلفات.
(2) تعالى، زيادة في (ب).
(3) في، سقط من (ب).
(4) الغضروف: داخل قوف الأذن، وقوف الأذن: أعلاها، والغضروف أيضاً: كل عظم لين رخص -أي ناعم- في أي موضع كان. (انظر القاموس المحيط ص1086،1095، ولسان العرب2/994).
(5) الصِّماخ بالكسر: خرق الأذن. (مختار الصحاح ص369).
(6) في (أ): في، وما أثبته من (ب) وشرح النهج.

(فإذا أدبرت عنهم سلبتهم محاسن أنفسهم): لأنهم إذا نعموا فيها، وتحلوا(1) بما كان معهم من زينتها، وأعجبوا بحالها فصارت هذه الزينة مختصة بهم منسوبة إلى أحوالهم(2)، فإذا زالت عنهم أزالت ما كان عليهم منها، من المحاسن مما اختصوا وصار لهم، فلهذا قال: سلبتهم محاسن أنفسهم بإدبارها عنهم، يشير إلى ما قررناه.
[10] (خالطوا الناس مخالطة): تكون صلاحاً لأحوالهم، وعوداً عليهم بالمنافع الحسنة في الدين والدنيا.
(إن متم معها بكوا عليكم): فقداً لما كانوا يعهدون من ذلك.
(وإن عشتم حنوا إليكم): اشتاقوا إلى ما يألفون من أخلاقكم، ويتحققونه(3) من شيمكم.
[11] (إذا قدرت على عدوك): يريد(4) بالانتصار عليه، والقهر له.
(فاجعل العفو عنه شكراً للمقدرة عليه): يريد فإن إقدار الله لك عليه بالانتصار هو من أعظم النعم وأعلاها حالاً، ولا بد لهذه النعمة من شكر، فاجعل العفو عنه هو شكرها، والوافي بحقها لله تعالى.
[12] (أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان): يشير إلى أنه لا عجز أعظم منه؛ لما فيه من المنفعة الدنيوية، وهو المناصرة والمعاضدة على من أرادك بسوء وهمَّ بقهرك، ولما فيه من منفعة الآخرة بالمعاونة على الطاعة ومحادثة(5) القلوب بذكر الله، والاجتماع على ما يرضيه.
(وأعجز منه من ضيَّع من ظفر به منهم): يعني أن الأول وإن كان عاجزاً لما أشرنا إليه من المصلحة بذلك، لكن هذا يكون لامحالة أدخل في العجز لتفريطه في الإضاعة، ولجهله بالموقع(6) من أحوالهم، ولهذا ضيعهم من أجل جهله.
__________
(1) في (ب): وبخلوا.
(2) في (ب): حالهم.
(3) في (ب): ويتحققون.
(4) يريد، زيادة في (ب).
(5) في (ب): ومجاذبة.
(6) في (ب): في الموقع.

[13] (إذا وصلت إليكم أطراف النعم): أوائلها ومبادئها، فأعدوا لها الشكر وبالغوا في تحصيله، وبعد وصولها إليكم:
(فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر): يعني إذا أسقطتم شكر الأوائل من النعم السابقة كان أدعى إلى عدم وصول النعم التالية، ومنفراً عنها لكفرانها وإسقاط شكرها.
[14] (من ضيَّعه الأقرب): من عشيرته وأقاربه في نصرته ومعاضدته.
(أتيح له الأبعد): قدَّر الله له من لطفه به(1) ورعايته لحقه من يكون منه رحماً بعيدة تنصره وتعاونه وتعضده.
[15] (ما كل مفتون يعاتب): يريد أن كل من أوقع نفسه في فتنة ومحنة شديدة باختيار نفسه، فمنهم من ينفع فيه العتاب فيكف(2) عن ذلك ويرجع عنه، ومنهم من لاينفع فيه العتاب ولا يزيده إلا إصراراً وتمادياً في ذلك، فلهذا قال: ما كل مفتون ينفع فيه العتاب.
[16] (تذل الأمور للمقادير): أي تخضع التصرفات، ويضيع أمرها، ويهون حالها لما قد قدره الله وحتمه، وما كان لا محيص عنه حتى يكون الحكم للمقادير ويبطل أمر التصرفات والعنايات كلها.
(حتى يكون الحتف في التدبير): يعني إذا كان الله تعالى قد أذن بقضاء وقدر فلا بد من إنفاذه، فإذا أراد ذلك أبطل كل عناية وأذهب كل حيلة حتى يجعل الهلاك إذا أراده وقدره في أجمل الأمور وأبعدها عن الهلاك، وهو التدبير، ومع هذا فلا حيلة بعده لأحد من المحتالين.
[17] وسئل أمير المؤمنين عن قول الرسول عليه السلام:
__________
(1) به، سقط من (ب).
(2) في (أ): فكف.

((غيَّروا الشيب، ولا تشبَّهوا باليهود))(1)؟
فقال عليه السلام: (إنما قاله صلى الله عليه وآله(2) والدين قُلٌّ): أي قليل حقير ضعيف حاله.
(فأما الآن وقد اتسع نطاقه): النطاق هو: الحبل الذي تشد به المرأة حقوها وتنتطق به، وقيل لأسماء بنت أبي بكر: ذات النطاقين(3)؛ لما شقت نطاقها بنصفين في جهاز أبيها للخروج إلى الغار مع الرسول.
(وضرب بِجِرَانه): الجران: مقدم عنق(4) البعير، وهو كناية عن التمكن والاستقرار؛ لأن البعير إنما يفعل ذلك عند القرار والتوطن والاستراحة.
(فامرؤ وما اختار): يعني أن الخضاب أمر مباح، وليس واجباً كما هو في ظاهر الأمر، وفي هذا دلالة على أن مذهب أمير المؤمنين أن الأمر متى كان مطلقاً فهو دال على الوجوب كما هو مذهبنا ومذهب المعتزلة، ولهذا تأول(5) الأمر في ذلك بما ذكره، والخضاب إنما يكون بالحمرة، فأما السواد والزرقة فهي مكروهة.
[18] وقال في الذين اعتزلوا القتال معه، يعني عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة(6):
__________
(1) عزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/537 إلى مصادر جَمّة، منها: سنن الترمذي (1752)، وسنن النسائي (المجتبى) 8/137،138، ومسند أحمد بن حنبل1/165، 2/261، والسنن الكبرى للبيهقي 7/311، ومجمع الزوائد 5/160 إلى غيرها من المصادر انظرها هناك.
(2) في (ب): إنما قاله صلى الله عليه وآله ذلك، وفي شرح النهج: إنما قال صلى الله عليه وآله ذلك.
(3) انظر سيرة ابن هشام 2/99-100، تحقيق عمر محمد عبد الخالق.
(4) في (ب): كتف.
(5) في (أ): تأوله.
(6) وزاد ابن أبي الحديد في شرح النهج 18/115: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وأسامة بن زيد، وأنس بن مالك، وقال: وجماعة غيرهم.

(خذلوا الحق): يريد بتركهم القتال معي والكون في صفي، ونصرة الحق بهم ظاهرة، فإذا تركوها فهو خذلان لامحالة.
(ولم ينصروا الباطل): يعني لم يكونوا في(1) حزب معاوية متألبين عليّ معه كما كان من أهل الشام، ويحتمل أن يكون مراده من ذلك الأحنف بن قيس، والزبير ومن تابعهما، فإنهم خذلوا الحق بمخالفتهم لي، ولم ينصروا [الباطل](2) أصحاب الجمل بتأخرهم عنهم.
[19] (من أرخى عنان أمله عثر بأجله): أراد أن كل من استرسل في طلب الدنيا والتعلق بآمالها وما يطمح به من ذلك وقع في عثار الأجل وقطعه عمَّا يأمله منه، فاستعار إرخاء العنان والتعثر بالأجل لهذا المعنى الذي أشرنا إليه.
وفي نسخة: (من جرى في عنان أمله) وكله متقارب.
[20] (أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم): يعني إذا وقع بعض أهل الكرم والمرؤة في عثرة وهفوة وسقط سقطة في شيء من أفعاله وأعماله، فارفعوه عن تلك السقطة، وتداركوه بالصفح والاحتمال عنها.
(فما يعثر منهم عاثر إلا ويد الله بيده ويرفعه(3)): فإذا برزت(4) العثرة من بعضهم رفعه الله ونهضه وتداركه.
وقوله: يد الله بيده، من باب التخييل، وإلا فلا يد هناك لله تعالى، وإنما هو تمثيل بحال من تكون يده في يدك فتعثر فيقيمك بيده، فهكذا حال الله تعالى مع أهل الكرم والمروءة بالتدارك بالألطاف الخفية.
[21] (قُرِنَتْ الهيبةُ بالخيبةِ): يعني أن كل من هاب أمراً من الأمور عن الوقوع فيه فإنه لا محالة منقطع عن ثمرته وفائدته، ولا يناله لأجل خوفه وفشله عن الوقوع فيه بشيء من ذلك.
__________
(1) في (ب): إلى.
(2) زيادة في (ب).
(3) في (ب): حتى يرفعه، وفي شرح النهج: إلا ويده بيد الله يرفعه.
(4) في (ب): ندرت.

(والحياء بالحرمان): يعني ومن استحيى من شيء فهو لا محالة محروم من نفعه، فإذا استحيى عن أخذ العلم حرمه فائدته ومنفعته، وإذا هاب عن الوقوع في الخطر خاب عن ارتفاع الخطر والقدر، فأحدهما كما قال مقرون بالآخر.
(الفرصة تمرُّ مرَّ السحاب): يعني سريعة العجلة لا وقوف لها ولا مهلة، فمن أحرزها أخذها، ومن فوَّتها ذهبت عنه، كما قال عليه السلام في الشفعة: ((إنها كنشطة عقال، وإنها لمن واثبها))(1).
(فانتهزوا فرص الخير): استعجلوها وأحرزوها بالتدارك.
[22] (لنا حق): يريد الإمامة.
(فإن أعطيناه): فهو لنا ونحن أهله.
(وإلا ركبنا أعجاز الإبل): عجز البعير هو: مركب شاق.
(وإن طال السُّرى): وهو سير الليل، وأراد أنَّا إن مُنِعْنَا حقنا تحملنا المشقة وصبرنا عليها، وهذا من الكنايات اللطيفة، فإٍنه جعله هاهنا كناية عن الذلة، وذلك أن الرديف يركب عجز الإبل كالعبد والأسير ومن يجري مجراهما.
[23] (من أبطأ به عمله): قعد به.
(لم يسرع به حسبه): وأراد أن كل من لم تكن أعماله حسنة مرضية لله تعالى لم ينفعه شرف آبائه وعلو منصبه.
__________
(1) وجدته مفرقاً من حديثين رواهما السيد العلامة أحمد بن يوسف زبارة في أنوار التمام في تتمة الاعتصام 4/130، فالأول وهو قوله: ((الشفعة كنشطة عقال)) رواه من حديث وعزاه إلى شرح للإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني عليه السلام، وإلى أصول الأحكام للإمام أحمد بن سليمان عليه السلام، وإلى شفاء الأوام للأمير الحسين بن بدر الدين رضي الله عنه، والثاني هو قوله: ((الشفعة لمن واثبها)) وعزاه إلى من ذكر، وقال: وروى هذين الحديثين في شرح القاضي العلامة زيد بن محمد الكلاري رحمه الله. انتهى.

[24] (من كفارات الذنوب العظام إغاثة المظلوم(1)): أراد أن الواحد إذا أعان مظلوماً أو أغاث ملهوفاً، واللهف هو: الحزن والتحسر على الشيء، فإن الله تعالى يلطف له(2) ويوفقه لتحصيل التوبة عن الذنوب العظيمة، والكبائر الموبقة، ولا بد من حمله على ما ذكرناه؛ لأن شيئاً من الطاعات وإن عَظُمَ حاله(3) فإنه لايكفرها؛ لأن ثوابها ينحبط لأجل الكبيرة(4) فكيف يكفرها(5).
(والتنفيس عن المكروب): يكون مكفراً أيضاً على التقرير الذي ذكرناه، ونفس عليه الكرب إذا سهله، والكرب: الضيق.
[25] (يا ابن آدم، إذا رأيت الله(6) يتابع عليك نعمه): يوصلها إليك كاملة مرة بعد مرة.
(فاحذره): فكن منه على وجل وحذر، يريد أن ذلك لا يمتنع أن يكون استدراجاً للأخذ، وإملاءً(7) كما قال تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ، وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}[الأعراف:182-183].
[26] (ما أضمر أحد شيئاً): أسره في نفسه وكتمه.
(إلا ظهر في فلتات لسانه): أي عثراته وسقطاته.
(وصفحات وجهه): صفحة الوجه: بشرته.
[27] (امش بدائك ما مشى بك): يعني إذا لم يقعدك الداء ولم يعجزك عن المشي فامش وتجلد، وهو خارج مخرج الأمثال في الإغضاء عن أكثر ما يعرض من المشاق، وترك الالتفات إليها مهما أمكن.
[28] (أفضل الزهد): أعلاه حالة عند الله تعالى، وأعظمه فضلاً.
__________
(1) في شرح النهج: الملهوف.
(2) في (ب): به.
(3) حاله، سقط من (ب).
(4) في (ب): الكثير.
(5) في (ب): يكفر بها.
(6) لفظ هذه الحكمة في شرح النهج: (با ابن آدم، إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره).
(7) الإملاء: الإمهال.

(إخفاء الزهد): وهو زهد القلوب؛ لأنه هو النافع بخلاف ما يظهر منه فإنه لايؤمن فيه الرياء، ولهذا ترى كثيراً ممَّن يدعي التصوف بزعمه، يلبس المرقعات، ويظن أن هذا هو غاية الزهد، وهذا هو الغرور بعينه، وفي الحديث: ((حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يغلبون سهر الحمقى واجتهادهم))(1).
[29] (إذا كنت في إدبار): بذهاب عمرك يوماً فيوماً وساعة فساعة.
(والموت في إقبال): عليك، تقطع المسافة إليه.
(فما أسرع الملتقى): لأنك تسير إليه، وهو في غاية السرعة إلى لقائك.
ويحكى أنه صلى الله عليه وآله أخذ ثلاثة أعواد - أعني الرسولعليه السلام- فغرز عوداً بين يديه والآخر إلى جنبه.
وأما الثالث فأبعده، ثم قال: ((تدرون ما هذا؟))
فقالوا: الله ورسوله أعلم.
فقال: ((هذا هو الإنسان، وهذا الأجل إلى جنبه، وذاك الأمل يتعاطاه ابن آدم، فيختلجه الأجل دون الأمل))(2).
[30] (الحذر الحذر): يريد ترك الاغترار بحلم الله وجميل ستره.
__________
(1) رواه في مسند شمس الأخبار 1/399-400 في الباب (68) عن ابن عباس وعزاه إلى الذكر لمحمد بن منصور المرادي، واللفظ في أوله: ((يا حبذا)) وقوله: ((حبذا نوم الأكياس وفطرهم)) أورده في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 4/522 وعزاه إلى إتحاف السادة المتقين 8/427، والمغني عن حمل الأسفار للعراقي 3/368.
(2) وأخرج الإمام الموفق بالله عليه السلام في الاعتبار وسلوة العارفين ص385 رقم (286) حديثاً قريباً منه عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((مثل الإنسان والأجل والأمل كمثل الأجل خلفه والأمل أمامه، فبينا هو يؤمل أمامه إذ أتاه فاختلجه))، وهو أيضاً في مسند شمس الأخبار 2/289 عن أنس بن مالك، وعزاه إلى الاعتبار وسلوة العارفين.

(فوالله لقد ستر): على ابن آدم المعاصي، وأسبل عليه الغطاء.
(حتى كأنه غفر(1)): لأن الستر كما يكون مع المغفرة، فهو يكون أيضاً مع الحلم والإغضاء.
[31] وسئل عليه السلام عن الإيمان؟ فقال:
(الإيمان على أربع دعائم)(2).
سؤال؛ قال ها هنا: الإيمان على أربع دعائم، وعن الرسول أنه قال: ((بني الإسلام على خمس:
شهادة أن لا إله إلى الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، والصوم)).
وقال أمير المؤمنين: (الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد)، فما التفرقة بينهما فيما قالاه؟
وجوابه؛ هو أن الإيمان على وجهين: عام، وخاص.
فالعام: هو الذي يكون فيه إحراز الرقبة عن القتل وإحراز الأموال عن الأخذ، وهذا هو مراد الرسول صلى الله عليه وآله، فإن غرضه ذكر الإيمان الذي يكون حاله ما ذكرناه.
وأما الخاص فهو إنما يكون بالأعمال الصالحة، وهو الذي أراده أمير المؤمنين بما ذكره، ولهذا قرره على هذه الخصال الأربع، وهي عمدة التقوى وقاعدتها ومهادها على ما يندرج تحتها من الشعب والتفاريق، كما سنوضحه في شرح كلامه بمعونة الله تعالى، فحصل من هذا أن كلام الرسول وأمير المؤمنين في غاية الملائمة، وأن مراد الرسول ذكر الخصال في الإيمان التي يحرز بها نفسه عن السيف ويتميز به عن الكفار، وأن غرض أمير المؤمنين ذكر خصال التقوى وما يكون به محرزاً لدرجتها.
__________
(1) في شرح النهج: حتى كأنه قد غفر.
(2) وللإمام محمد بن القاسم بن إبراهيم الرسي رحمه الله المتوفى سنة 279ه‍كتاب أسماه (شرح دعائم الإيمان) شرح فيه كلام الإمام علي عليه السلام الوارد هنا من قوله: (الإيمان على أربع دعائم ...إلى آخره، انظره في مجموع كتبه ورسائله ص125-333)

(فالصبر منها(1) على أربع شعب): يريد أن أصل قواعد الإيمان الخاص هو الصبر، وهو مقرر على أمور أربعة:
(على الشوق): إلى لقاء الله والجنة.
(والشفق(2)): من غضب الله والنار.
(والزهد): في الدنيا والإعراض عنها.
(والترقب): للموت وأهوال يوم القيامة.
(فمن اشتاق إلى الجنة): طرب إلى الخلود فيها، ومرافقة الأنبياء والأولياء والصالحين.
(سلا عن الشهوات): أعرض عما يشتهيه في الدنيا، وأقبل بوجهه إلى(3) الآخرة.
(ومن أشفق من النار): خاف من مواقعتها، والكون مع الشياطين والمنافقين وأهل الكفر والفسوق.
(اجتنب المحرمات): جميع ما نهى الله عنه، وأوعد على فعله بالنار.
(ومن زهد في الدنيا): أعرض عن لذاتها وصرف وجهه عن طيباتها.
(استهان بالمصيبات): هون في نفسه ما يصيبه منها ويلم بحاله ويغشاه.
(ومن ارتقب الموت): انتظره وراعاه حتى يصل إليه وتحقق وصوله.
(سارع في الخيرات): حث في فعلها والإكثار منها، فهذه كلها دعامة الصبر، مشتملة على هذه الخصال.
(واليقين منها(4) على أربع شعب): أراد أن تحقق الأمر وهو أمر الآخرة والنجاة مبني:
(على تبصرة الفطنة): على أن يكون ذا بصيرة في الأمور وفطنة فيها، ليس مغفلاً عما يراد به من ذلك، ولا لاهياً عنه بغيره.
(وتأول الحكمة): وأن يكون موءوِّلاً للحكم، مصرِّفاً لها على وجهها.
(وموعظة العبرة): وأن يكون معتبراً بالمواعظ، مقبلاً إليها.
__________
(1) منها، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(2) في نسخة: والإشفاق، (هامش في ب).
(3) في (ب): على.
(4) منها، زيادة في (ب) وشرح النهج.

(وسنة الأولين): من الأنبياء وأهل الصلاح ممن تقدم، كما قال تعالى: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا}[الإسراء:77]، وقال تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ}[غافر:85].
(فمن تبصَّر في الفطنة): تفكر وكان فطناً لأخذها والعمل بها، والمواظبة على فعلها.
(تبيَّنت له الحكمة): عرفها واستبانت له من وجوهها، وظهرت له علومها، والحكمة هي: العلم بالله تعالى، وسلوك طريق الآخرة وتحققها، والإقبال عليها، فمن أحرز هذا فهو الحكيم بعينه.
(ومن عرف(1) الحكمة): قطع بها، وكان مبصراً لها بعينه.
(عرف العبرة): كان متيقناً للموعظة منتفعاً بها.
(ومن عرف العبرة): أحرز الاتعاظ لنفسه وخاض فيه، وكان على حقيقة من حاله.
(فكأنما كان مع(2) الأولين): من الأنبياء والأولياء، لأن هذه هي حالتهم، فمن أحرزها وعمل بها فكأنما كان مشاهداً لأحوالهم وطرائقهم في ذلك، فهذه الأمور كلها دعامة اليقين.
(والعدل منها(3) على أربع شعب): يعني أن الاستقامة على الأحوال الدينية كلها ومراقبة النفس، وحفظها عما يهلكها مبنية:
(على غائص الفهم): غاص في الشيء إذا خاضه، وغوص الفهم هو: التبحر في العلوم والدقة فيها.
(وغور العلم): غارت عينه إذا دخلت، وأراد و(4) الدخول في أغوار العلوم(5)، وإظهار ما هو كامن فيها والانتفاع به.
__________
(1) في شرح النهج: ومن تبينت له الحكمة، وكذا في نسخة، ذكره في هامش (ب).
(2) في (ب) وشرح النهج: في، وفي نسخة: من، ذكره في هامش (ب).
(3) منها، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(4) الواو، سقط من (ب).
(5) في (ب): العلم.

(وزهرة الحِكَمِ): المراد بالحِكَمِ الحكمة ها هنا، وأراد غضارتها وحسنها ونور بهجتها، وزهرة النبات: نوره.
(ورساخة الحلم): وأن يكون حلمه راسخاً متأصلاً ليس مسرعاً إلى الطيش والفشل وكثرة الانزعاج.
(فمن فهم): تحقق وتيقن، واستبصر في أموره كلها.
(علم غور العلم): أقصاه وخلاصته، وكان مشتملاً على الصفو منه والنقاوة.
(ومن علم غور العلم): أحاط بالأسرار منه.
(صدر عن شرائع الحكم(1)): أصدر أمره على الحكمة، وكان قائماً بشريعتها وأمرها؛ لأن هذا هو شأن الحكيم، والأمر الذي يكون عليه أمره.
(ومن حكم(2) لم يُفرِّط في أمره): يعني ومن كان حكيماً فإن من شأنه ألا يكون مفرطاً مسهلاً في إتقان حاله وإصلاح نفسه.
(وعاش في الناس حميداً): محمودة آثاره، مشكورة أفعاله، فهذه كلها دعامة العدل، مقررة على هذه الخصال.
(والجهاد على أربع شعب): ليس الغرض ها هنا جهاد النفس، وإنما الغرض هو(3) جهاد أعداء الدين بالسيف، وذلك لأن الجهاد أمران:
أحدهما: جهاد النفس بالكف عن هواها، وهو أعظم الجهاد، وقد أشار إليه بما ذكره من الخصال المتقدمة.
وثانيهما: جهاد أعداء الله بالسيف، وهو مبني:
(على الأمر بالمعروف): على إتيان الواجبات كلها، وما أمكن من المندوبات.
(والنهي عن المنكر): الكف عن القبائح كلها.
(والصدق في المواطن): يعني إبلاء العذر في القتال والصدق فيه، كما أشار إليه تعالى بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا}[الأنفال:45].
__________
(1) في شرح النهج: الحلم.
(2) في شرح النهج: ومن حَلُمَ.
(3) هو، سقط من (ب).

(وشنآن الفاسقين): بغضهم وكراهتهم لله تعالى، ولمخالفتهم للدين وإهمالهم له، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}[المائدة:51].
(فمن أمر بالمعروف): حضّ عليه وحث واجتهد في أدائه.
(شد ظهور المؤمنين): قواها لما(1) فيه من تكثير أعدادهم، وتقوية أحوالهم في ذلك.
(ومن نهى عن المنكر): منع منه وكف من(2) وقوعه.
(أرغم أنوف المنافقين): يقال: أرغم الله أنفه أي ألصقها بالتراب.
(ومن صدق في المواطن): ثبتت قدمه في مواضع الحرب، ولم يفر عنها، وينكص على قدمه متأخراً.
(قضى ما عليه): من الواجب لله تعالى في جهاد أعدائه.
(ومن شنئ الفاسقين): أبغضهم وكره أحوالهم كلها.
(وغضب لله): أي من أجل دينه.
(غضب الله له): أي من أجله، وغضب الله عبارة عن إنزال العقوبة وإيصال العذاب.
(وأرضاه يوم القيامة): إما بإعطائه رضوانه كما قال تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}[التوبة:72]، وإما بالفوز بالجنة ونجاته من عذابه، فهذه هي دعائم الإيمان مقررة على ما ذكرناه، وفيما ذكره ها هنا من حقيقة الإيمان إشارة إلى ما يقوله أهل التصوف من حقائق المعاملة وسلوك طريق المكاشفة.
(والكفر على دعائم أربع(3)): يعني أن الكفر هو نقيض الإيمان وضده، وهو مقرر على صفات تعاكس ما ذكره في الإيمان.
(على التعمق): في الأشياء، وهو التقعر فيها، والتعسف في أحوالها.
(والتنازع): المنازعة واللجاج، والخصومة.
(والزيغ): الميل عن الطريق، والإعراض عن سلوك الحق.
(والشقاق): المعاداة، والمخاصمة الشديدة.
__________
(1) في (ب): بما.
(2) في (ب): عن.
(3) في شرح النهج: على أربع دعائم.

(فمن تعمق لم يُنِبْ إلى(1) الحق): تقعر وتعسف الأشياء كلها، فليس براجع إلى الحق، ولا منقلب إليه.
(ومن كثر نزاعه): خصومته، ولجاجه.
(بالجهل): متجاهلاً.
(دام عماه عن الحق): لأن المنازعة بالجهل لا تزيد إلا عماء عن الحق وزيغاً عنه.
(ومن زاغ ساءت عنده الحسنة): مال عن الحق، جهل حال الحسنة فاعتقدها سيئة.
(وحسنت عنده السيئة): لجهله بحالها، وعدم معرفته بأمرها.
(وسَكِرَ سُكْرَ الضلالة): أراد أن الضلالة هي التي أسكرته حتى لم يدر ما هو فيه، كما يكون حال السكران من الخمر فإنه لايشعر بحاله، ولا يدري بأمره في ذلك.
(ومن شاقَّ): خاصم ونازع الناس.
(وعرت عليه طرقه): استصعبت عليه المسالك، وتوعر عليه سلوكها.
(وأعضل عليه أمره): أعضل الأمر إذا اشتد وصعب حاله.
(وضاق عليه مخرجه): عما هو فيه من الحيرة، فلا يستطيع ذهاباً ولا حيلة في ذلك.
(والشك على أربع شعب): يريد الشك في الدين مبني:
(على التماري): وهو المماراة، والمجادلة بالباطل.
(والهول): وهو ما يهول من الأمور، ويعظم حاله.
(والتردد): وهو التحير.
(والاستسلام): الانقياد في المهالك.
(فمن جعل المراء ديدناً): الديدان: الدأب والعادة، قال الراجز:
ولا تزال عندهم ضيفانه

ديدانهم ذاك وذا ديدانه(2)

وأراد أن من جعل المِرَاء عادة له وَدَأْباً(3):
(لم يصبح ليله): يعني لم يُرجَ له فلاح، ولا كان له صلاح في حاله.
__________
(1) في (ب): لم يتب على الحق.
(2) لسان العرب 1/959 بدون نسبة لقائله، ورواية الشطر الأول فيه:
ولا يزال عندهم حفَّانُه
(3) الدأب بسكون الهمزة: العادة والشأن، وقد يحرّك. (مختار الصحاح ص196).

(ومن هاله ما بين يديه): من أمور الدين وأحوالها، وصعوبة الأمر فيها.
(نكص على عقبيه): يعني تأخر عن الإتيان بها والوصول إليها.
(ومن تردد في الريب(1)): تحير في شكه ولم يزل عنه.
(وطئته سنابك الشياطين): السنبك في ذوات الحافر بمنزلة الخف للبعير والظلف في الأنعام، وجعل هذا كناية عن استحكام أمرها عليه وانجذابه لها، وإجابته لداعيها.
(ومن استسلم لهلكة الدنيا والآخرة): يعني انقاد للأمور المهلكة فيهما، وتعرض للأخطار الواقعة من أجلهما(2).
(هلك فيهما(3)): بالصيرورة إلى العذاب والوقوع فيه.
[32] (فاعل الخير خير منه): لأن أحكام الخير راجعة إلى فاعله ومستحق لجزائه(4) من الله تعالى بالجنة والفوز برضوانه، ونفس الخير لا يلحقه ذلك.
(و(5)فاعل الشر شر منه): لأن أحكام الشر راجعة إليه، ويستحق من الله الويل بالعذاب.
[33] (كن سمحاً): يعني كريماً، باسطاً لكفك.
(ولا تكن مبذراً): يعني ومع السماحة فلا تكن مبذراً؛ لأن ذلك هو الغالب.
(وكن مقدراً): لأمورك، متقناً لإصلاحها وعلاجها.
(ولا تكن مقتِّراً): مضيِّقاً، يعني ومع التقدير فلا يغلب عليك التقتير، فإن ذلك هو الغالب من حاله.
[34] (أشرف الغنى): أعلاه وأفضله.
(ترك المنى): إماتة الأماني عن قلبه وعدم التعلق بها، فإن التعلق بها حمق وجهل.
[35] (من أسرع إلى الناس بما يكرهون): عجل إليهم بالأقوال المكروهة.
(قالوا فيه ما لايعلمون): يريد أنهم يكذبون عليه إذا بدأهم بالمكروه، وتكلفوا ذلك.
[36] (من أطال الأمل): أبعده وكان على غاية بعيدة فيه.
__________
(1) في (ب): الدين، وفي نسخة: الذنب، (هامش في ب).
(2) في (ب): أجلها.
(3) في (ب): فيها.
(4) في (أ): بجزائه.
(5) الواو، زيادة من شرح النهج.

(أساء العمل): جعله(1) سيئاً، إما لتغطية الأمل على فؤاده وقلبه، وإما لأنه يسوف من الأعمال ما لايبلغه فيقطعه الأجل(2) دونها.
[37] وقال [عليه السلام](3) وقد لقيه دهاقين العراق فترجَّلوا(4) بين يديه(5):
(ما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا: خلقٌ نعظم به أمراءنا، فقال: والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم): أي أنه لا يزيدهم علواً عند الله ولا رفعة.
(وإنكم لَتَشُقُّون به على أنفسكم [في دنياكم](6)): لما فيه من التعب عليكم.
(وَتَشْقَوْنَ به في آخرتكم): لما فيه من مخالفة الشرع والكبر والخيلاء.
وقوله: تَشُقُّونَ، وتَشْقَوْنَ من باب الاشتقاق، كقوله تعالى: {يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ}[يوسف:84]، على ما مر في نظائره.
(وما أخسر المشقة): أدخلها في الخسارة، وأعظمها فيها.
(وراءها العذاب(7)): يأتي بعدها عذاب الله ونكاله.
(وأربح الدعة): أعظمها في الربح وأدخلها فيه، والدعة: السكون.
(معها الأمان من النار!): فإن(8) ذلك فيه نهاية الربح وعظيم الفوز.
[38] وقال(9) لابنه الحسن عليهما السلام:
(احفظ لي(10) أربعاً وأربعاً): يعني خصالاً ثمانية.
__________
(1) في (ب): جعل، وهو تحريف.
(2) الأجل، سقط من (ب).
(3) زيادة في (ب) وشرح النهج.
(4) أي مشوا راجلين.
(5) في شرح النهج: وقال عليه السلام وقد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الأنبار فترجلوا له واشتدوا بين يديه.
(6) زيادة من النهج.
(7) في شرح النهج: العقاب، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(8) في (ب): فإن في ذلك فيه ...إلخ.
(9) في (ب): وقال عليه السلام لابنه الحسن عليهما السلام.
(10) في شرح النهج: عني، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب)، وأوله في شرح النهج: يا بني، احفظ عني ...إلخ.

(لا يضرك ما عملت معهنَّ): يعني أنك إذا أحرزتهنَّ وواظبت على العمل عليهنَّ فلا يضرك إهمال ما عداهنَّ.
(إن أغنى الغنى العقل): يعني لاغنى كهو، ومن أعظم(1) غنائه إتيانه بكل خير في الدين والدنيا، واحترازه عن كل ضرر في الدين والدنيا، وهو ملاك الأمور كلها وغاية الخيرات، وعن هذا قال بعضهم: ما أعطي أحد أفضل من العقل.
(وأكبر الفقر الحمق): يريد الجهل، وإنما كان أعظم الفقر؛ لأنه عدم الغنى كله وهو العقل، فلهذا كان أعظم الفقر.
(وأوحش الوحشة العجب): وفي الحديث: ((ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه)).
(وأكرم الحسب حسن الخلق): أعلاه وأعظمه سلاسة الخلائق ولين الطبيعة.
(يا بن‍ي إياك ومصادقة الأحمق): يعني أن يكون لك صديقاً(2) وتوده وتحبه.
(فإنه يريد أن ينفعك فيضرك): يشير إلى أن الجاهل لايؤمن شره فإنه ربما فعل شيئاً بجهله يريد أن ينفع به، فإذا هو سبب للمضرة(3)؛ لكونه جاهلاً بأحوال مواضع النفع والضر(4).
(وإياك ومصادقة البخيل): تحذيراً له عن أن يتخذه صديقاً.
(فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه): يعني أنه لمكان لؤمه وبخله يتأخر عنك في المواطن التي تحتاجه فيها، وتكون مفتقراً إليه لأجلها.
(وإياك ومصادقة الفاجر): نهى(5) عن صحبته واتخاذه صديقاً.
(فإنه يبيعك بالتافه): بأيسر الأثمان وأقلها وأبخسها، وأراد أنه إذا بذل له في مضرتك شيء حقير من حطام الدنيا لم يأسف(6) في الدلالة على مضرتك وتوليها، ويعتاض شيئاً حقيراً على ذلك.
(وإياك ومصادقة الكذاب): اتخاذه صاحباً.
__________
(1) في (ب): عظم.
(2) في (ب): أن يكون صديقاً لك.
(3) في (ب): المضرة.
(4) في (ب): والضرر.
(5) نهي، زيادة في (ب).
(6) في (ب): لم يتأسف.

(فإنه كالسراب): يعني ما يكون في المواضع الخالية، الذي يشبه الماء.
(يقرِّب عليك البعيد): بكذبه ومينه(1).
(ويبعِّد عليك(2) القريب): بخلفه(3)، فإنه لايبالي في الإخبار عن الأشياء بما يكون مناقضاً لما هي عليه من صفاتها وأحوالها، فهذه أمور ثمانية، أربعة على جهة التحذير، وأربعة على غير ذلك كما أوضحناها.
[39] (لا قربة بالنوافل): أي لايُتْقَرَبُ بها ولا تفعل، أي ولا تكون مقبولة عند الله تعالى.
(إذا أضرت بالفرائض): يشير إلى وجهين:
أما أولاً: فبأن يتنفل حتى يستغرق الوقت في فعل النوافل، ثم يؤدي الفرائض على إدبار من أوقاته.
وأما ثانياً: فبأن يكون متنفلاً حتى تفتر أعضاؤه، ثم يؤدي الفرائض بعد ذلك على نقصان وفتور في أركانها، فما هذا حاله لا وجه للنوافل معه لما فيه من الضرر بها.
[40] (لسان العاقل وراء قلبه): يعني أن العاقل لايطلق لسانه إلا بعد مشاورة الرويَّة ومؤامرة الفكرة الصائبة بما(4) يقول وينطق، فلهذا كان لسان العاقل تابعاً لقلبه.
(وقلب الأحمق(5) وراء لسانه): يشير إلى أن الأحمق نفثات لسانه وفلتات كلامه سابقة لمراجعة فطنته ومتقدمة على مراودة فكرته، فلهذا كان قلبه تابعاً للسانه، وقوله: وراء قلبه، ووراء لسانه -أي بين يديه-، كما قال تعالى: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ}[إبرهيم:16]، أي من(6) بين يديه، وأراد لسان العاقل بين يديه يتصرف فيه كيف شاء، وقلب الأحمق وراء لسانه يتصرف فيه كيف شاء.
__________
(1) المين: الكذب أيضاً.
(2) في نسخة: عنك، (هامش في ب).
(3) في (ب): تخلفه.
(4) في (ب): لما.
(5) في (أ): وقلب الأحمق من وراء لسانه.
(6) من، زيادة في (ب).

وقد روي عنه عليه السلام هذا المعنى بلفظ آخر، وهو قوله: (قلب الأحمق في فِيْهِ، ولسان العاقل في قلبه)، والمعنى فيهما واحد كما أشرنا إليه.
[41] وقال عليه السلام لبعض أصحابه في علة اعتلها:
(جعل الله ما كان من شكواك حطاً لسيئاتك): تكفيراً لها وإزالة لعقابها.
(فإن المرض لا أجر فيه): يريد لا ثواب يستحق عليه؛ لأنه ليس من جملة الأعمال.
(ولكنه يحط السيئات): يكفرها ويزيلها.
(ويحتُّها حتَّ الأوراق): حتَّه إذا فرَّقه، وأراد حتَّ الريح للأوراق، فإنها تزيلها وتفرق أجزاءها، ومصداق ما قاله عليه السلام في كلامه هذا هو أن الأجر هو الثواب، والمرض هو من قَبِل الله فلا يستحق عليه إلا العوض؛ لأن العوض إنما يستحق على ما كان في مقابلة فعل الله بالعبد من الأمراض والآلام والغموم، والأجر والثواب إنما يستحقان على ما كان في مقابله فعل العبد، ثم يفترق الحال في إسقاط العوض للسيئة وإسقاط الثواب، هو أن العوض إنما يسقط السيئة ليس على جهة الدوام، وإنما يسقطها وقتاً واحداً، بخلاف الثواب فإنه يسقطها على جهة الدوام فيعود ما كان مستحقاً من العقاب في الوقت الثاني في(1) الألم، ولا يعود في إسقاط الثواب، وإن اشتركا في مطلق الإسقاط، فبينهما هذه التفرقة(2)، ولهذا نبَّه عليها(3) في كلامه هذا، ثم قال:
(وإنما الأجر في القول باللسان): يعني في جميع الأذكار كلها من القرآن(4) وأنواع التسبيح والذكر.
__________
(1) في (ب): من، وكتب فوقها: في.
(2) في (ب): الفرقة.
(3) في (ب): عليه.
(4) في (أ): القراءات.

(والعمل بالأيدي والأقدام): كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك من العبادات المتعلقة بالجوارح، فحصل من هذا أن الثواب إنما يستحق على ما يلحق العبد نفسه من الآلام لتأدية الواجبات والمندوبات، ويستحق العوض على ما يلحقه الله تعالى وعلى ما يلحق نفسه من غير أن يكون واجباً أو مندوباً، نحو شرب الأدوية وغير ذلك.
(و(1)إن الله سبحانه يدخل بصدق النية): خالص الإرادة في الفعل لوجهه.
(والسريرة الصالحة): وهو عبارة عما يسره الإنسان في نفسه من الأعمال الصالحة.
(من يشاء من عباده الجنة): وهذا غير ممتنع، فإن الإنسان مهما كان مؤدياً للواجبات، منكفاً عن المنهيات، وعلم الله تعالى من حاله ما ذكرناه فإنه يكون سبباً في دخول الجنة.
سؤال؛ ليس يخلو الحال في ذلك إما أن يدخله الله الجنة بالسريرة الصالحة لاغير من غير فعل هذه التكاليف أو مع فعلها، فإن كان الأول فهو خطأ، وليس مذهباً لكم، وإن كان الثاني فهي(2) كافية في دخول الجنة، فما فائدة كلامه في ذلك؟
وجوابه؛ هو أن السريرة الصالحة لايمتنع أن تكون سبباً في القيام بهذه التكاليف كلها ولطفاً في الإتيان بها، وإذا(3) كان الأمر كما قلناه(4) جاز إضافة دخول الجنة إليها لما كانت سبباً.
__________
(1) في (أ): إن، بغير الواو، وما أثبته من (ب) وشرح النهج.
(2) في (ب): فهو كافيه.
(3) في (ب): وإن.
(4) في (ب): قلنا.

[42] ثم قال(1) عليه السلام في ذكر خباب بن الأرت(2):
(يرحم الله خباباً(3)! فلقد أسلم راغباً): في الدين والإسلام، وكان إسلامه متقدماً على إسلام عمر.
(وهاجر طائعاً): من غير إكراه إلى الله ورسوله.
(وعاش مجاهداً): في الله.
ويحكى أن إسلام عمر بن الخطاب كان بسببه، وذلك أنه دخل على أخته فاطمة بنت الخطاب وخباب يقرئها سورة طه لما نزلت، فلما دخل عليهما (4)بطش بها، فقال له(5) خباب: اتق الله ياعمر، والله لأرجو أن يكون قد خصَّك بدعوة نبيئه، فإني سمعته يقول بالأمس: ((اللَّهُمَّ، أيّد الإسلام بعمر بن الخطاب(6) أو بأبي جهل بن هشام))(7).
(طوبى لمن ذكر المعاد): فخاف من هوله، والطوبى: من الطيب.
(وعمل للحسنات): أي كان عمله من أجل اكتسابها وإحرازها.
__________
(1) في شرح النهج: وقال.
(2) هو خباب بن الأرتّ بن جندلة بن سعد، ينتهي نسبه إلى زيد مناة بن تميم، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا محمد، وقيل: أبا يحيى، توفي سنة37ه‍، وقيل: سنة39ه‍، وكانت أمه ختانة، وخباب من فقراء المسلمين وخيارهم، وكان في الجاهلية قيناً حداداً يعمل السيوف، وهو قديم الإسلام، قيل: إنه كان سادس ستة، وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد، وهو معدود من المعذبين في الله، نزل خباب الكوفة ومات بها بعد أن شهد مع أمير المؤمنين علي عليه السلام صفين ونهروان، وصلى عليه علي عليه السلام، وكانت سنه يوم مات ثلاثاً وسبعين سنة، ودفن بظهر الكوفة. (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 18/171-172).
(3) في شرح النهج: رحم الله خباب بن الأرت.
(4) في (أ): عليها.
(5) له، سقط من (ب).
(6) في نسخة: اللهم أيد الإسلام بأحد العمرين (هامش في ب).
(7) انظر السيرة النبوية لابن هشام 1/342-346 تحقيق مصطفى السقا وآخرين.

(وقنع بالكفاف): من الرزق، وهو أن يكون لا عليه ولا له.
(ورضي عن الله!): ما أعطاه من خير وشر، وعافية وبلوى، وقبض وبسط.
[43] (لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا): الخيشوم: أقصى الأنف، وهو أصعب ما يكون في الضرب.
(على أن يبغضن‍ي): يكرهني بقلبه.
(ما أبغضن‍ي): ما فعل ذلك أصلاً.
(ولو صببت الدنيا بجمَّاتها على المنافق): الجمُّ هو: الكثير، والجمّة هو(1): المكان الذي يرتفع ماؤه، والجمَّات: جمع جمَّة، قال الله تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}[الفجر:20]، أي كثيراً، والْجَمُوم من الخيل هو: الذي كلما ذهب منه جري جاء آخر(2)، قال الشاعر:
جَمُومُ الشدِّ شَائِلة الذُّنَابى

تخالُ بياضَ غُرَّتِهَا سِرَاجَا(3)

وأراد ها هنا الكثير من الدنيا.
(على أن يحبن‍ي ما أحبن‍ي): على أن يريد نفعي ما أراده، ثم ذكر السبب في ذلك بقوله:
(وذلك): إشارة إلى محبة المؤمن له، وبغض المنافق.
(أنه قُضِيَ): قُدِّر وحُتِمَ.
(فانقضى): ففرغ الأمر فيه.
(على لسان النبي الأمي[صلى الله عليه وآله](4)): أنطق الله به لسان نبيه، وما قاله فهو حق لا محيص عنه.
(أنه قال: ((يا علي(5)، لا يبغضك مؤمن))): يريد مضرتك.
__________
(1) هو، زيادة في (ب).
(2) أي جاءه جري آخر.
(3) ورد البيت في أساس البلاغة ص65، ونسبه للنمر بن تولب، وهو في لسان العرب 1/504، ونسبه للنمر بن تولب أيضاً، وقال في شرحه: قوله: شائلة الذنابي: يعني أنها ترفع ذنبها في العدو. انتهى.
(4) زيادة في شرح النهج.
(5) يا علي، زيادة في شرح النهج.

(((ولا يحبك منافق(1)
__________
(1) رواه الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الاعتصام 1/45، وعزاه إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائده عن مساور الحميري عن أم سلمة، وهو فيه بدون لفظ: ((يا علي)) في أوله، والحديث بلفظ: ((لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق))، أخرجه الإمام المرشد باللهعليه السلام في الأمالي الخميسية 1/135، عن أحمد بن حنبل، والفقيه ابن المغازلي الشافعي في المناقب ص137-139 تحت الأرقام (225، 226، 228، 229، 231) من طرق عن الإمام عليعليه السلام، وله في مناقب ابن المغازلي شواهد أخرى مع اختلاف في بعض الألفاظ، وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 7/345 إلى سنن الترمذي رقم (3736)، وسنن النسائي8/116، ومجمع الزوائد9/133، وكنز العمال برقم (32878) و(33028)، وفتح الباري1/63، والبداية والنهاية لابن كثير7/355، وتأريخ بغداد للخطيب البغدادي 8/417، 14/426 وإلى غيرها، وله في الموسوعة شواهد انظرها فيه، والحديث عن زر بن حبيش قال: سمعت عليًّا عليه السلام يقول: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إليّ ((إنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق)) في الاعتصام 1/44 وعزاه إلى البخاري، ومسلم، والنسائي، والحسن بن علي الصفار في الأربعين، وأورد نحوه وعزاه إلى الزرندي في درر السمطين عن الحرث الهمداني.
والحديث بلفظ: ((لا يحب علياً إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق)) أخرجه الإمام أبو طالبعليه السلام في أماليه ص121 رقم (89) بسنده عن أم سلمة، وانظر أسانيد الحديث ومصادره وتعدد رواياته وألفاظه الاعتصام للإمام القاسم بن محمد 1/42-46، ولوامع الأنوار للمولى العلامة المجتهد الكبير مجد الدين المؤيدي 2/657-661، والروضة الندية للبدر الأمير ص132ـ133.

))): أي(1) يريد نفعك.
[44] (سيئة تسوءك عند الله): أي يلحقك بها السوء وهو المضرة عند الله ومن جهته.
(خير من حسنة تعجبك): يلحقك بها العجب؛ لأن السيئة إذا ساءتك كان ذلك يدعوك إلى التوبة منها، والإعجاب بالحسنة يكون داعياً إلى إحباطها وإسقاط ثوابها عند الله تعالى، وفي هذا دلالة على عظم خطر الإعجاب، وكثرة المقت به، فنعوذ بالله من العجب وشر إهلاكه للأعمال، ونسأله العصمة عن الموبقات والعظائم.
[45] (قدر الرجل على قدر همته): يعني أن كل من كان من الرجال له همة عالية ونفس طامحة إلى معالي الأمور ونفائسها فقدر حاله يعظم من أجل ذلك، ويكون له خطر عند الناس ومكانة عظيمة، ومن كانت همته دانية خسيسة فقدره على حسب ذلك من غير زيادة.
(وصدقته(2) على قدر مروءته): المروءة: هي البذل، وغرضه أن من كان كثير العطاء سخي النفس فصدقته نافعة، ومن كان قليل العطاء فصدقته نزرة قليلة لا تنفع صاحبها.
(و(3)شجاعته على قدر أنفته): الأنفة: الاستنكاف، وغرضه هو أن إقدامه على الأخطار والمخافات على قدر ما يكون فيه من النَكَفَة(4).
(وعفته على قدر غَيْرَتهِ): وانكفافه عن القبائح وسائر الأمور المكدرة للأعراض على قدر ما يكون فيه من الاحتماء، يقال: غار الرجل غيرة إذا احتمى.
[46] (الظفر بالحزم): أي أن الظفر بالأمور لا يكون إلا بإعمال الحزم وإيثاره.
(والحزم بإجالة الرأي): يعني أن الحزم لا يمكن(5) إلا بإجالة سهامه وإمعان النظر فيه.
__________
(1) أي، سقط من (ب).
(2) في شرح النهج: وصدقه، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(3) الواو، سقط من (أ).
(4) النكفة: العُدُول.
(5) في (ب): لايكون.

(والرأي بتحصين الأسرار): أي وخلاصة الرأي وجمال أمره وكماله إنما يكون بصون الأسرار عن الإذاعة والنشر.
[47] (احذروا صولة الكريم إذا جاع): يشير بهذا إلى أن عزة نفس الكريم تأبى عليه أن يحتمل ضيماً أو أذى فهو لا يعتاد الجوع، فإذا جاع غلب على مزاجه الحدّة والغضب.
(واللئيم إذا شبع): لأن الليئم وهو: الدنيء الخسيس، معتاد للجوع، أَلِفٌ له بخسته(1) وبخله، فإذا شبع استنكر حاله وخالف ما هو عليه، فلهذا يستولي عليه البطر والأشر.
[48] (قلوب الرجال وحشية): مستوحشة نافرة، من طبعها الشرود.
(فمن تألَّفها): بالمداراة لها والإحسان إليها.
(أقبلت إليه(2)): بالمودة والمحبة والألفة.
[49] (عيبك مستور): خفي كامن، لا يذكره أحد.
(ما أسعدك جَدُّكَ): إسعاد الجد هو: إذعان الأيام ومساعدة المقادير؛ لأن مساعدة الجد تمنع الإنسان عن فعل القبيح، فلهذا بقي مستوراً عنه عيبه لإقبال الدهر وإذعانه له، ألا ترى أن الملوك وأكابر الناس لا تذكر عيوبهم، وإن كانت كبيرة عظيمة لأجل مساعدة المقادير لا غير.
[50] (أولى الناس بالعفو): أحقهم به، وأعظمهم حالة فيه.
(أقدرهم على العقوبة): لأن من لا يقدر فلا وجه لعفوه؛ لأنه يكون عجزاً لا عفواً.
[51] (السخاء ما كان ابتداء): يعني أن الكرم إنما يكون على جهة الابتداء من غير سؤال؛ لأنه يكون تفضلاً محضاً.
(فأما ما كان عن مسألة فحياء وتذمم): يعني فأما إذا كان الإعطاء بعد المسألة فإنما هو حياء عن الرد، واستنكاف عن رد السائل ومنعه.
[52] (لا غنى كالعقل): يريد أنه لايشبهه شيء في كون الإنسان مستغنياً به عن غيره.
__________
(1) في (ب): لخسته.
(2) في شرح النهج: عليه، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).

(ولا فقر كالجهل): يعني(1) أنه لايشبهه شيء في حاجة الإنسان، وإن حصل له كل شيء.
(ولا ميراث كالأدب): يريد أنه لاميراث أفضل منه من(2) جميع ما يورث.
(لا(3) ظهير كالمشاورة): الظهير والظهريِّ هو: المعين والمرافد، وأراد(4) أنه لا معين كالمشاورة في الرأي وتحصيله من جهة غيرك.
[53] (الصبر صبران): يعني أنه يقع على وجهين: وكله صبر.
(صبر على ما تكره): من المصائب والأحزان والآلام.
(وصبر عما تحب): من اللذات المحرمة والمشتهيات الطيبة المكروهة.
[54] (الغنى في الغربة وطن): يشير إلى أن ذا المال وإن كان غريباً فهو في الحقيقة مستوطن بماله متمكن به في(5) تحصيل ما يشتهيه.
(والفقر في الوطن غربة):يعني أن الفقير وإن كان في وطنه فإنه لا يمكنه تحصيل أغراضه، وقضاء مآربه لقلة تمكنه(6) من ذلك للفقر.
[55] (القناعة مال لا ينفد): لأن القناعة هو ألا تكون طالباً للمشتهيات والملاذ للتعفف عنها، وصاحب المال متمكن من تحصيلها، فلهذا لم يكن طالباً لها، فلهذا قال: هي مال؛ لأن حكمها حكم صاحب المال في ذلك، وإنما قال: لا ينفد مبالغة في استمرار الاستغناء عن المطلوبات.
[56] (المال مادة الشهوات): يعني أن كل من كان ذا مال ويسار فشهواته لاتزال غضة طرية متجددة على ممر الأيام، من قولهم: أمده بكذا إذا أمكنه منه.
[57] (من حذَّرك): عن الوقوع في الأمور(7) المكروهة والشدائد العظيمة.
(كمن بشَّرك): بالأمور السارة؛ لأنهما بالإضافة إلى النفع على سواء.
__________
(1) في (ب): يريد.
(2) في (ب): في.
(3) في شرح النهج: ولا ظهير.
(4) في (ب): يعني.
(5) في (ب): من.
(6) في (ب): لقلة ما يمكنه.
(7) الأمور، سقط من (ب).

[58] (اللسان سَبُعُ): يعني بمنزلة السبُع في المضرة بالكلام والسب والأذية.
(إن خلي عنه عقر): إن أطلقه صاحبه ضرَّ غيره وأتلفه بعقره له بما يكون منه من التسلط بالإيذاء، وسمي ما يكون من جهة الذم باللسان عقراً لدخوله في الألم، وعن هذا قال بعضهم:
وكَلْمُ السيف تَدْمُلُهُ فيبرا

وجرحُ(1) الدهرِ ما جرحَ اللّسانُ(2)

[59] (المرأة عقرب): يشبه حالها حال العقرب.
(حلوة اللَّسْبة): أي اللدغة، يقال: لسبته العقرب إذا لدغته، وغرضه أن صحبة النساء لذيذة حلوة تميل إليها النفس وتشتهيها، ولكن فيها مضرة لما في مباشرتهنَّ من نقصان مادة الحياة وتحلل القوة وإذهابها بالجماع.
[60] (الشفيع جناح الطالب): لأن به تنجح المسألة، وهو آلة فيها كما أن جناح الطائر آلة في(3) طيرانه.
[61] (أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام): يشير إلى أنه يسار بهم إلى الآخرة، بجري الليل والنهار وهم لا يشعرون، بمنزلة من هو نائم.
[62] (فقد الأحبة غربة): يريد إلى أنه يألم بفقدهم كما يألم بالغربة ويحزن بها.
[63] (فوت الحاجة): تعذرها وبطلانها.
(أهون من طلبها إلى غير أهلها): وإنما كان أهون؛ لأنها إذا تعذرت فليس فيها إخلاق للوجه، وإبطال لمائه وإذهاب لجماله بخلاف طلبها إلى غير أهلها، ففيها(4) ذلك كله.
[64] (لا تستحيي(5) من إعطاء القليل): يعني أنك لا يلحقك تأفف عن أن تكون معطياً للعطاء القليل.
__________
(1) في نسخة: وكلم، (هامش في ب).
(2) الكَلْمُ: الجرح، والبيت في لسان العرب 1/1014 بدون نسبة لقائله، وروايته فيه:
وجرح السيف تدمله فيبرا

ويبقى الدهر ما جرح اللسان

(3) في (ب): آلة في آلة في طيرانه.
(4) في (ب): ففيه.
(5) في شرح النهج: لا تستح.

(فإن الحرمان أقل منه): لأن القليل وإن قل فهو عطاء وبر ومكرمة فيك، والحرمان إبطال لذلك كله، وفي الحديث: ((لا تردوا السائل ولو بشق تمرة))(1) أي ببعضها.
[65] (العفاف زينة الفقر)(2): التعفف هو: الانكفاف عن المسألة، وغرضه أن الانكفاف عن السؤال هو جمال في حق الفقراء وزينة في أحوالهم.
[66] (إذا لم يكن ما تريد): يعني إذا لم تكن لك قوة وطاقة على تحصيل مرادك.
(فلا تُبَلْ كيف كنت!): ظالماً أو مظلوماً؛ لأن من لا قدرة له على نيل مراده، فلا ضير عليه في تحمل ما يجري عليه من صروف(3) المقادير.
[67] (لا ترى(4) الجاهل إلا مُفْرِطاً أو مُفَرِّطاً): يعني أنه في جميع أحواله مخالف لجهة الإصابة، فتارة يكون مفرطاً في الأمور مبطلاً لها، وتارة يكون متجاوزاً للحد في طلبها وتحصيلها، وفي الحديث: ((الجاهل إما مُفَرّطُ أو مُفْرِط)).
[68] (إذا تم العقل نقص الكلام): لأن من كمل عقله أفكر في الأمور وأحكمها، ولا حكمة مثل الصمت عن أكثر الكلام.
[69] (الدهر يُخْلِقُ الأبدان): أي يذهب جمالها ويبطل رونقها من الشباب إلى المشيخ، ومن القوة إلى الهزال، ومن الحياة إلى الموت.
__________
(1) رواه في مسند شمس الأخبار 2/43، وعزاه إلى مسند الشهاب، وقريباً منه بلفظ: ((لا تردوا السائل ولو بشربة ماء)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 7/101 وعزاه إلى مسند أحمد بن حنبل 6/435، وتأريخ أصفهان1/137، وكنز العمال برقم (16174) ورقم (16175).
(2) لفظ هذه الحكمة في شرح النهج برقم (66): (العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى).
(3) في نسخة: ضروب، (هامش في ب).
(4) في شرح النهج: لا يُرى.

(ويجدد الآمال): لأن بالكبر تكثر آمال الإنسان، وفي الحديث: ((يكبر ابن آدم ويشب فيها(1) اثنتان: الحرص، وطول الأمل))(2).
(ويقرب المنية): بذهاب العمر ونفاده.
(ويباعد الأمنية): يقطعها ويزيلها لتعذرها وانقطاعها عن صاحبها.
(المأمول من ظفر به نصب): كل ما يرجى حصوله في مستقبل الزمان فمن حصل له وظفر به، أصابه النصب بمعاناته وتحصيله.
(ومن فاته تعب): بانقطاعه عنه وتعذره عليه.
[70] (من نصب نفسه للناس إماماً): يقتدون به ويهتدون بهديه ويسلكون على أثره.
(فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه): تهذيبها، وأراد أن الواجب عليه في ذلك هو البداية بتهذيب نفسه وهدايتها إلى الخيرات.
(قبل تعليم غيره): من أفناء الخليقة؛ لأن خلاف ذلك يكون نقصاً في حاله.
(وليكن تأديبه): لغيره ممن يقتدي به.
(بسيرته): بما يكون من أفعاله.
__________
(1) في (ب): ويشب معه.
(2) انظر موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 11/398، 435، 436، وهو بلفظ: ((يهرم ابن آدم، وتبقى معه خصلتان: الحرص، وطول الأمل)) عن قتادة، عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحديث، أخرجه الإمام الموفق بالله عليه السلام في الاعتبار ص385 رقم (288) قال محققه في تخريجه: أخرجه أبو يعلى 5/242 رقم (2857، 2979، 3010، 3268) بلفظ: ((يهرم ابن آدم وتشب معه اثنان: الحرص على المال، والحرص على العمر))، عن قتادة، عن أنس. قال: وأخرجه أحمد بن حنبل، ومسلم في الزكاة، والترمذي في الزهد، وابن ماجة، وابن حبان، والطيالسي، والبخاري في الرقاق، وأبو نعيم، وابن المبارك في الزهد، وكلهم من طرق عن قتادة عن أنس. انتهى.
قلت: وأخرجه الإمام أبو طالب في أماليه ص522 رقم (706) بسنده عن قتادة عن أنس أيضاً.

(قبل تأديبه بلسانه): يشير إلى أن التأديب بالأفعال والاقتداء بها أنجع وأعظم من التأديب باللسان وأدخل في الموعظة، لأن الفعل أشق من القول وأعظم موقعاً.
(ومعلّم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال): يعني ومن أدب نفسه وعلمها فهو أحق بالتعظيم.
(من معلم الناس ومؤدبهم): لأن نفسه أحق بذلك، ومهما عني بالأحق فهو أولى بما ذكره من الإجلال.
[71] (نَفَسُ المرء): يعني تنفسه وبقاؤه في الدنيا.
(خطاه إلى أجله): بمنزلة من يخطو إلى الأجل فيقطع الغاية التي بينه وبينه.
[72] (كل معدود ينقص(1)): يريد كل(2) ما كان له وفرة وتجمع وكمال فهو لا محالة لابد من انتقاصه وزوال عدده وتفرقه.
(وكل متوقع آت): يعني أن كل ما توقع وجوده وكان له وجود فالأيام والليالي يأتيان به.
[73] (إن الأمور إذا اشتبهت): التبست فلم يعلم حالها وحكمها.
(اعتبر آخرها بأولها): يعني ما حدث الآن بما مضى من قبل، فخذ منه حكمه.

[74] ومن خبر ضرار بن ضمرة الضبابيّ(3) منسوب إل‍ى بني ضباب، عند دخوله على معاوية، وسؤاله عن أمير المؤمنين
فقال له ضرار: (فأشهد لقد رأيته وهو قائم(4) في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله): استعارة من سدول الهودج وهو ما أُسْبِلَ عليه من الأستار لِتُغَطِّيه.
(وهو قائم في محرابه، قابض على لحيته يتململ): يعني يتحرك، ويضطرب.
(تململ السليم): وهو اللديغ.
(ويبكي بكاء الحزين): يعني الذي فقد أهله بالموت.
( ويقول: يادنيا يادنيا): نداء تحقير وتوبيخ وتهكم بحالها، كما تقول لمن توبخه: يا فلان يا فلان باسمه ولقبه.
__________
(1) في شرح النهج: منقض.
(2) كل، سقط من (ب).
(3) في شرح النهج: الضابيّ.
(4) قوله: وهو قائم، سقط من شرح النهج.

(إليك عن‍ي): إليك ها هنا اسم من أسماء الأفعال أي خذي نفسك عن التعلق بي، وقوله: عني متعلق بفعل محذوف تقديره: وارجعي عني؛ لأن كل من رد غيره عن نفسه ويئس المردود منه فإنه لا محالة يرجع إلى نفسه.
(أبي تعرضت): أي أتصديت من أجلي وبسبَبْي لتغريني.
(أم إليّ تشوفِّت!): يروى بالفاء، والتشوف: التطلع، ويروى بالقاف من الاشتياق، وهو: النزوع إلى من تحبه، وكلاهما صالح ها هنا.
(لا حان حَينُك): أي لاحضر وقتك.
(هيهات): أي(1) بَعُدَ رجاؤك مما تطلبينه(2) مني.
(غري غيري): اخدعي غيري، فأما(3) أنَّا فلست من أهل الخديعة بك.
(لا حاجة لي فيك): فأكون ملاحقاً على طلبك ومطالباً فيك.
(قد طلقتك ثلاثاً): وهو كمال الطلاق وتمام نصابه.
(لا رجعة لي فيك(4)): بعد هذا الطلاق، وكلام أمير المؤمنين ها هنا فيه دلالة وإشعار على أن الطلاق تابع للطلاق، ولهذا قال: لا رجعة بعده، وعليه تعويل أكثر العلماء.
(فعيشك قصير): أياماً قليلة مقدار الحياة التي يعاش فيها.
(وخطرك يسير(5)): أي قدرك حقير لا يزن شيئاً.
(آه): صوت يقال عند التوجع والتحزن، ومعناه: أتوجع.
(من قلة الزاد): المبلغ إلى الآخرة، وهو التقوى.
(وبعد السفر): وهو السير إلى العرصة.
(وعظم(6) المورد‍!): على القيامة وأهوالها.
__________
(1) أي، سقط من (أ).
(2) في (ب): تطلبيه.
(3) في (أ): فما، وما أثبته من (ب).
(4) في شرح النهج: لا رجعة فيها.
(5) بعده في شرح النهج: وأملك حقير، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(6) في شرح النهج: وعظيم.

[75] ومن كلام له عليه السلام للسائل وهو الأصبغ العدواني(1)
قال لأمير المؤمنين: (أكان مسيرك إلى الشام): يعني لحرب معاوية وأصحابه (بقضاء من الله وقدر): فكلمه بكلام طويل هذا مختاره:
(ويحك!): كلمة دعاء بمنزلة ويلك.
(لعلك ظننت قضاء لازماً): أي واجباً لا يجوز خلافه.
(وقدراً حتماً(2)): لا محيص لأحد عنه.
(ولو كان ذلك(3) كذلك): يعني على ما قلت من القضاء الواجب والقدر الحتم.
(لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد): لأن هذه الأمور إنما تكون متوجهة إذا كان لنا أفعال هي واقعة(4) على حسب القصد والداعية من جهتنا، فيقال: إن الوعد متوجه إلى فعل الطاعة، والوعيد متوجه إلى فعل المعصية، ويكون الثواب والعقاب متوجهين عليهما أيضاً، فأما إذا كانت الأفعال من خلق الله تعالى، حاصلة بقضائه، ومتعلقة بقدرته فلا وجه لذلك، كما هو مذهب هؤلاء المجبرة، فإنهم مجمعون على أن الأفعال كلها واقعة بقدرة الله تعالى(5) ومتعلقة بإرادته.
(إن الله سبحانه أمر عباده تخييراً): يعني على جهة الاختيار إن شاءوا فعلوا ذلك وإن شاءوالم يفعلوه، فالقدرة حاصلة على كل واحد من الوجهين.
__________
(1) ذُكِرَ هنا أن السائل لأمير المؤمنين علي عليه السلام هو الأصبغ العدواني، وذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج 18/227 ما يدل على خلاف ذلك، فقال: قد ذكر شيخنا أبو الحسين رحمه الله هذا الخبر في كتاب الغرر ورواه عن الأصبغ بن نُباته، قال: قام شيخ إلى علي عليه السلام فقال: أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام، أكان بقضاء الله وقدره؟ فذكره إلى آخره.
(2) في (ب) وشرح النهج: حاتماً.
(3) ذلك، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(4) في (أ): واقفة.
(5) تعالى، سقط من (ب).

(ونهاهم تحذيراً): أي على جهة التحذير، وليس على جهة القسر والإلجاء.
(وكلف يسيراً): فعلاً هيناً يمكن فعله على سهولة.
(ولم يكلف عسيراً): ما يبهظ(1) النفوس ويثقلها ويفدحها.
(وأعطى على القليل): من فعل الطاعة.
(كثيراً): من جزيل ثوابه.
(ولم يُعْصَ مغلوباً): يريد أن فعل المعصية لم يكن موجوداً على جهة الغلبة له، وأنه لم يكن قادراً على منعها.
(ولم يُطَعْ مُكْرِهاً): يعني أن الطاعة له ما كانت على جهة الإكراه من جهته بطريق الإلجاء.
(ولم يرسل الأنبياء لعباً): لغير فائدة، بل لهداية الخلق، وتعريفهم مصالح دينهم.
(ولم ينزل الكتب للعباد عبثاً): لغير مقصد أو يريد عابثاً ولاعباً.
(ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً): الباطل هو: الذي لا حقيقة له، وأراد وما كان خلق هذه الأشياء إلا لأغراض حكمية ومصالح دينية استأثر الله بعلمها واستبد بالإحاطة بها.
واعلم: أن هذه الأمور التي أوردها إلزامات للمجبرة ورداً لمقالتهم المنكرة، فإن عندهم أن الله يجوز أن يفعل هذه الأشياء لا لغرض فيكون عابثاً لاعباً في بعث الأنبياء، وإنزال الكتب وخلق السماء والأرض إلى غير ذلك من الهذيان، وأن يكلف ما ليس في الطاقة والوسع، ثم ختم كلامه بتلاوة هذه الآية:
({ذَلِكَ}): أي ما قالوه من أن المعاصي بخلق الله تعالى وإيجاده لها فيهم.
({ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ}[ص:27]): جزاء على هذه المقالة ووعيداً عليها.
[76] (خذ الحكمة أنى كانت): يريد احفظها من أي جهة أتت، فإن النفع الديني إنما هو فيها وليس في قائلها.
__________
(1) في النسخ: يبهض، بالضاد، وهو تحريف، والصواب كما أثبته بالظاء.

(فإن الحكمة تكون في صدر المنافق): مستقرة حاصلة متمكنة.
(فتختلج في صدره): أي تضطرب.
(حتى تخرج(1)): من قلبه، وإنما كان ذلك لأمرين:
أما أولاً: فلأن المنافق من شأنه الرياء والإظهار باللسان لما يضمره في قلبه، فلهذا لم تستقر الحكمة في قبله لعادته في ذلك.
وأما ثانياً: فلأن الحكمة مناسبة لصفاء النفوس وزكائها وحسن عقيدتها، فهي تنمو بذلك وتستقر.
فأما النفوس الخبيثة فإنها لا تناسب الحكمة لميلها إلى الشر، وتمكن الهيئات الردية، فلأجل هذا لم تكن الحكمة مستقرة فيها، بل تكون على شرف الزوال والمفارقة.
(فالحكمة ضالة المؤمن): ومثل هذا قد(2) ورد عن الرسول(3)، وأراد أنه لا يزال ينشد عنها حتى يجدها فيحفظها في قلبه.
(فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق): يريد أن نفاقهم لا يضرك، فإن الأشياء الرفيعة الغالية لا يضرها إيداعها في الأوعية الخبيثة.
[77] (قيمة كل امرئٍ ما يحسن(4)): فانظر إلى ما كان يفعله، فإن كان له قيمة ووزن فقيمته من أعظم القيم وأعلاها، وإن كان ما يحسنه لا قيمة له فقيمته من أخس القيم وأنزلها.
وأقول: إن هذه الحكمة من الحكم التي بلغت كل غاية وجاوزت كل نهاية، فلا يصاب لها ولا قيمة، ولا توزن بها حكمة، ولا تقرب إليها كلمة، وقد نظمها عليه السلام بقوله:
فوزن كل امرئ ما كان يحسنه
__________
(1) بعده في شرح النهج: فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن، وكذا في حاشية (ب).
(2) قد، سقط من (ب).
(3) وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الحكمة ضالة المؤمن، ومن حيث وجدها فهو أحق بها)) أخرجه الموفق بالله في الاعتبار ص43 رقم (1) بسنده يبلغ به إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام (وانظر تخريجه في الاعتبار) وهو في مسند شمس الأخبار 2/10 عن علي عليه السلام.
(4) في شرح النهج: ما يحسنه.

والجاهلون لأهل العلم أعداء

[78] ثم قال:
(أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الإبل لكانت لذلك أهلاً): ضرب آباط الإبل كناية عن الأسفار البعيدة، وتحمل المشاق الشديدة، والإبط: هو ما يلاصق مرفق البعير.
(لا يرجونَّ أحد منكم إلا ربه): يشير إلى أنه يكون منقطعاً إليه في جميع أموره ومعلقاً لها إلى قدرته وقضائه، فإن ذلك أحمد للعاقبة وأقوى للثقة بالله.
(ولا يخافنَّ إلا ذنبه): لأنه إذا كان خائفاً من ذنبه كان أدعى له إلى الإقلاع والانكفاف عن المعاصي.
(ولا يستحينَّ أحد إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم): لأن في خلاف ذلك إقداماً على الجهالة، وتقحماً على الدخول في الضلالة، فإذا قال: لا أعلم خلص من درك ذلك كله.
(ولا يستحينَّ أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه): فإن خلاف ذلك فيه الإصرار على الجهل، والوقوف عليه.
(وبالصبر(1)): على الأمور كلها، فإنه ملاكها وقاعدة أصلها.
(فإن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد): يشير إلى أنه أعلا خصال الإيمان وأعظمها، كما أن الرأس أشرف أعضاء الإنسان وأعلاها.
(لا(2) خير في جسد لا رأس معه): أي لا منفعة فيه بحال.
(ولا في إيمان لا صبر معه): لأنه يكون ناقصاً.
[79] وقال لرجل أفرط في مدحه وكان له متَّهماً:
(أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك): يشير إلى بطلان مقالته فيما قال ، وإلى إيحار صدره فيما توهم من ذاك، فأنا دون مدحك لإفراطه، وأنا فوق ما في نفسك لحسدك ونقصك لي.
[80] (بقية السيف أبقى(3) عدداً): يعني ما بقي بعد القتل والاستئصال فإن الله تعالى(4) ينميه ويكثر عدده ويبقيه.
__________
(1) في شرح النهج: وعلكم بالصبر.
(2) في شرح النهج: ولا خير.
(3) في شرح النهج: أنمى.
(4) تعالى، سقط من (ب).

(وأكثر ولداً): أوفرهم في الولادة.
وما أحق هذا الكلام وأخلقه بحال الفاطمية، وما كان من العباسية والأموية إليهم في القتل والاستئصال وقطع الدابر، ومع ذلك فإن الله تعالى بلطفه أبقى عددهم وأكثر أولادهم، وقطع دابر أولئك، فلا يوجد منهم إلا حُثالة(1) على الندرة والقلة.
[81] (من ترك قول: لا أدري أصيبت كلمته): ويروى: (مقاتله)(2): والمراد بالأول هو أن من سئل عما لا يعلمه ولم يقل لا أدري، بل أجاب بما لا يدري، فإنه يكذب ويخطئ فيصير كلامه مصاباً بالخطأ والزلل، والمراد بالثاني أن الإنسان ربما كان عالماً بشيء لو سئل عنه فأخبر(3) به لكان في ذلك هلاكه وقتله، ولو قال: لا أدري لسلم، وأولهما هو الوجه.
[82] (رأي الشيخ أحب إليّ من جلد(4) الغلام): الجلد هو: القوة والشدة، وأراد أن رأي الشيخ ربما كان أدخل في النفع وأبلغ(5) من شدة الغلام وصلابته.
ويروى: (من مشهد الغلام): يعني حضوره.
[83] (عجبت لمن يقنط ومعه الاستغفار): القنوط هو: الأياس، يعني كيف ييأس عن الرحمة والمغفرة للذنوب مع كونه مستغفراً، والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}[الزمر:53].
[84] وحكى عنه(6) أبو جعفر محمد بن علي الباقر “ أنه قال: (في الأرض(7) أمانان من عذاب الله، وقد رفع أحدهما فدونكم الآخر فتمسكوا به.
__________
(1) الحُثالة بالضم: ما يسقط من قشر الشعير والأرز والتمر وكل ذي قشارة إذا نقيّ، وحثالة الدهن ثفله، فكأنه الرديء من كل شيء. (مختار الصحاح ص122).
(2) وفي نسخة أخرى: مقالته.
(3) في (ب): فأخبر عنه.
(4) في شرح النهج: جهد.
(5) وأبلغ، زيادة في (ب).
(6) عنه، زيادة في شرح النهج.
(7) في شرح النهج: كان في الأرض ...إلخ.

أما الأمان الأول: فهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما الأمان الثاني: فهو الاستغفار)، ثم تلا هذه الآية تصديقاً لما قاله: ({وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ})[الأنفال:33]، وهذا من محاسن استخراجاته، ومن لطيف استنباطاته للأسرار الدقيقة، والمعاني الغريبة.
[85] (من أصلح ما بينه وبين الله): بالتقوى لله تعالى(1)وخوفه ومراقبته في أحواله كلها.
(أصلح الله ما بينه وبين الناس): بالحفظ له والدفاع عنه.
(ومن أصلح أمر آخرته): بالأعمال الصالحة، والتزود لها من الدنيا لها.
(أصلح الله(2) له أمر دنياه): بالكفاية له وإصلاح حاله.
(ومن كان له من نفسه واعظ): يعظها، ويهديها إلى فعل الخيرات، ويجنبها المضار المكروهة.
(كان له من الله حافظ): إما حافظ يحفظه عن الوقوع في الهلكات، وإما لطف يحفظه عن الوقوع في المعاصي والخطايا.
[86] (الفقيه كل الفقيه): الفقه هو: الفهم، وأراد أن الفاهم كل الفاهم حتى لا فاهم إلا هو.
(من لم يقنط الناس من رحمة الله): يؤيسهم من الرحمة، بل يعدهم إياها ويقربهم إليها ولا يباعدهم عنها.
(ولم يؤيسهم من روح الله): رحمته وفرجه عليهم.
(ولم يؤمنهم مكر الله): بهم وعذابه إياهم، وغرضه من هذا التوسط بين الحالتين هو غاية الإصلاح لأحوال الخلق، ولهذا فإن من حكمة الله تعالى خلطه لآيات الوعد بآيات الوعيد، وآيات التحذير بآيات التبشير، فما ذكر آية من ذلك إلا عقبها بنقيضها، فلو كان وعداً محضاً لأمنوا من العذاب، ولو كان وعيداً محضاً لأيسوا من الرحمة، فلهذا وعد بعثاً على الرحمة، وأوعد حثاً على الأعمال الصالحة.
__________
(1) تعالى، سقط من (ب).
(2) الله، زيادة في (ب) وشرح النهج.

[87] (أوضع العلم): أدناه حالة، وأنزله قدراً.
(ما وقف على اللسان): يعني ما كان قولاً من غير عمل، كما يحكى عن بعض فرق(1) المرجئة أن الإيمان قول بلا عمل.
(وأرفعه ما ظهر في الجوارح والأركان): يريد ما صدقته الجوارح باستعمالها في الخدمة واشتغالها بالأعمال الفاضلة.
[88] (إن هذه القلوب تملُّ كما تملُّ الأبدان): يعني تسأم وتفتر كما تصيب الأبدان السآمة والفتور.
(فابتغوا لها طرائف الحكمة): الطريف من المال: ما كان مستحدثاً، وهو نقيض التليد(2)، وأراد فاطلبوا لها مستحدثات الحكم ومستجداتها لتكون نشيطة مقبلة على الأعمال، وفي الحديث: ((القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد))(3)، وفي حديث آخر: ((عليكم من العمل(4) بما تطيقون، فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا))(5)
__________
(1) فرق، سقط من (ب).
(2) التليد: المال القديم الأصلي.
(3) رواه في مسند شمس الأخبار 1/356 عن عبد الله بن عمر، وعزاه إلى أمالي السمان، والحديث بلفظ: ((إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف3/119 وعزاه إلى كنز العمال برقم (3924)، وميزان الاعتدال رقم (9085)، ولسان الميزان 6/576، والعلل المتناهية2/347، والكامل لابن عدي 1/258.
(4) في (ب): من الأعمال ما تطيقون.
(5) عزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/490 إلى مسلم في صلاة المسافرين ب(31) رقم (221)، ومسند أحمد بن حنبل 6/122،212، والمعجم الكبير للطبراني18/228، ومجمع الزوائد للهيثمي 2/259 إلى غيرها.

…قلت: وهو في نهاية ابن الأثير 4/360 بلفظ: ((اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا)) وقال في شرحه: معناه أن الله لا يمل أبداً مللتم أو لم تملوا، فجرى مجرى قولهم: حتى يشيب الغراب، ويبيض الفار، وقيل: معناه لا يطّرحكم حتى تتركوا العمل وتزهدوا في الرغبة إليه، فسمى الفعلين مللاً، وكلاهما ليسا بملل، كعادة العرب في وضع الفعل موضع الفعل إذا وافق معناه، نحو قولهم:
ثم أضحوا لعب الدهر بهم

وكذاك الدهر يودي بالرجال

…فجعل إهلاكه إياهم لعباً. وقيل: معناه: أن الله لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله، فسمى فعل الله مللاً على طريق الازدواج في الكلام كقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها}، وقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه}، وهذا باب واسع في العربية، كثير في القرآن. انتهى.

، وأراد من هذا أن أفضل ما يكون من الأعمال ما كان بالإقبال والنشاط دون الإكراه.
[89] (لا يقولنَّ أحدكم: اللَّهُمَّ، إني أعوذ بك من الفتنة ؛ لأنه ليس أحد إلا وهو مشتمل على فتنة)(1): ثم تلا هذه الآية: ({وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}[الأنفال:28]).
(ولكن من استعاذ فليستعذ من مُضِلاَّت الفتن): عظائمها وجلائلها.
(والمعنى(2) في هذه الآية هو أن الله تعالى يختبرهم بالأموال والأولاد ليتبيَّن حال(3) الساخط لرزقه، والراضي بقسمه(4)، وإن كان(5) الله أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الأفعال الت‍ي بها يستحق الثواب والعقاب؛ لأن بعضهم يحب الذكور ويكره الإناث، وبعضهم يحب تثمير المال، ويكره انثلام الحال)(6): فامتحنهم الله(7) بما ذكره ليبلو حالهم في ذلك.
[90] وسئل عليه السلام عن الخير ما هو(8)؟
فقال: (ليس الخير أن يكثر مالك وولدك): بالزيادة والنمو في الأموال وكثرة الأولاد، فإن هذا هو خير منقطع يزول ويفنى.
(ولكن الخير أن يكثر علمك): بالله وبطريق الآخرة.
(وأن(9) يعظم حلمك): احتمالك وإغضاؤك عن أكثر المكاره كلها.
__________
(1) اللفظ من هنا في شرح النهج: (ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلات الفتن، فإن الله سبحانه يقول: {واعلموا أنما أمواكم وأولادكم فتنة}).
(2) في شرح النهج: ومعنى ذلك أنه سبحانه يختبر عباده بالأموال و ...إلخ.
(3) حال، سقط من شرح النهج.
(4) في (ب): بقسمته.
(5) كان، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.
(6) بعده في شرح النهج: قال الرضي رحمه الله تعالى: وهذا من غريب ما سمع منه عليه السلام في التفسير.
(7) الله، زيادة في (ب).
(8) ما هو، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.
(9) أن، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.

(وأن تباهي الناس بعبادة ربك): المباهاة: المفاخرة، وأراد أنك تفاخر الناس بما كان من عبادتك لله وحسن بلائك عنده.
(فإن أحسنت حمدت الله): على ما وفقك للإحسان.
(وإن أسأت استغفرت الله): على ما كان من جتهك من الإساءة.
(ولا خير في الدنيا إلا لرجلين): يعني لا خير في عيشها، ولا في المقام فيها.
(رجل أذنب ذنوباً فهو يتداركها بالتوبة): التدارك هو: التلاحق، وأراد أنه يمحوها بما كان من جهته من التوبة والإنابة إلى الله تعالى.
(ورجل يسارع في الخيرات): في عمل الأعمال الصالحة، كما قال: {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ}[الأنبياء:90]، أي في أعمالهم الفاضلة.
(لا(1) يقلُّ عمل مع التقوى): أراد أن كل عمل وإن قل فهو كثير إذا صاحبته التقوى.
(وكيف يقلُّ ما يُتَقَبَّلُ!): يشير إلى قوله تعالى: ({إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ})[المائدة:27]، وغرضه أن كل عمل قُبِلَ فإنه لا يُعْدُّ قليلاً ولايوصف بالقلة.
[91] (إن أولى الناس بالأنبياء): أخصهم بالولاية، وأحقهم بالاختصاص.
(أعلمهم بما جاءوا به): من عند الله من العلوم الشرعية والأسرار الغيبية، (ثم تلا): قوله تعالى: ({إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا}[آل عمران:68]): ثم قال:
(إن ولي محمد من أطاع الله): في أوامره ونواهيه.
(وإن بعدت لحمته): اللحمة بالضم هي: القرابة الخصيصة، وأراد أنه أولى الناس به وإن كانت قرابته بعيدة.
(وإن عدو محمد من عصى الله): خالف أمره ونهيه.
(وإن قربت قرابته): يعني وإن كان في غاية الاختصاص بالقرابة.
__________
(1) في شرح النهج: ولا يقلُّ.

[92] (وسمع رجلاً من الحرورية): وهم فرقة من الخوارج ينسبون إلى قرية يقال لها: حروراء(1) بفتح الحاء والراء بها، كان فيها أول اجتماعهم.
(يتهجد ويقرأ، فقال: نوم في سنة(2)): يريد على موافقة السنة من غير بغي ولا خروج ولا فسق.
(خير من صلاة في شك): في الحال التي هو عليها، وكلامه هذا إنما هو تعريض بالحروري وفعله، وأن قراءته وصلاته وتهجده لا تغني شيئاً مع ما هو عليه من المخالفة والمعصية، وفي الحديث: ((نوم العالم خير من عبادة الجاهل))(3) لأن النائم يرفع عنه القلم، والعابد مع الجهالة لا(4) يمتنع أن يكون مخطئاً في عبادته، فلهذا كان نومه خيراً من العبادة.
[93] (اعقلوا العلم(5) إذا سمعتموه): يريد إذا قرع أسماعهم شيء من العلوم الدينية، فافهموه عند سماعه:
(عقل رعاية): لحقه في الحفظ، والعمل على وفقه ومقتضاه.
(لا عقل رواية): لا لأنكم تروونه ويحفظه أحد منكم.
(فإن رواة العلم كثير(6)): يعني الذين يجرونه على ألسنتهم من غير عمل.
(ورعاته قليل): يريد(7) الذين يعملون به.
__________
(1) في (أ): حرور، وحروراء: قرية بظاهر الكوفة، نزل بها الخوارج الذين خالفوا أمير المؤمنين علي عليه السلام، والحرورية نسبة إليها.
(2) في شرح النهج: نوم على يقين، خير من صلاة على شك.
(3) ورد قريب منه بلفظ: ((نوم على علم خير من صلاة على جهل)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 10/91، وعزاه إلى إتحاف السادة المتقين 5/157، وحلية الأولياء 4/385، وكشف الخفاء 2/449،456، وكنز العمال برقم (28711)، والأسرار المرفوعة374.
(4) في (ب): لا يبعد.
(5) في شرح النهج: اعقلوا الخبر... إلخ.
(6) في نسخة: كثيرون، (هامش في ب).
(7) في (ب): يعني.

[94] وسمع رجلاً يقول: ({إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ})[البقرة:156]، فقال:
(إنَّ قولنا: {إنَّا لله} إقرار على أنفسنا بالملك): يريد لأن اللام دالة على الملك، كما تقول: المال لزيد والفرس له، ومن حق من كان مملوكاً أن يقيم على طاعة سيده من غير مخالفة له.
(وقولنا: {وإنا(1) إليه راجعون} إقرار بالهُلْكِ(2)): يعني بالزوال والفناء؛ لأن الرجوع لا يكون إلا مع الإفناء والإعادة، ومن حق من كانت هذه حاله أن يكون متأهباً للرجوع إلى مولاه ليعلم كنه حاله فيما أمره به، ونهاه عنه.
[95] ومدحه قوم في وجهه، فقال:
(اللَّهُمَّ، إنك أعلم بي من نفسي): أكثر إحاطة بها مني، وأعرف بأحوالها.
(وأنا أعلم بنفسي منهم): أكثر إحاطة بها من غيري.
(اللَّهُمَّ، اجعلنا(3) خيراً مما يظنون): مما يسبق إلى نفوسهم من اعتقاد الخير وظنه.
(واغفر لنا(4) ما لا يعلمون!): من الذنوب التي تعلمها.
[96] (قضاء الحوائج لا يستقيم(5) إلا بثلاث): أراد أن المعتبر في قضاء الحوائج لمن أراد أن يقضيها هو ما نذكره الآن من هذه الخصال:
(باستصغارها): من جهة من طلبت منه، فإنه إذا صغرها في عينه لم يعجز عن قضائها.
(لتعظم): في عين من طلبها عند قضائها.
__________
(1) وإنا، زيادة في شرح النهج.
(2) في شرح النهج: إقرار على أنفسنا بالهلك، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(3) في شرح النهج: اجعلني، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(4) في شرح النهج: لي، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(5) في (ب): لا تستقيم.

(وباستكتامها): وبأن يكتمها من يطلبها ليكون ذلك أقرب إلى قضائها، وفي الحديث: ((استعينوا على أموركم بالكتمان))(1).
(لتظهر): بعد أن تكون مقضية(2) يظهرها صاحبها.
(وبتعجيلها(3)): من جهة المسؤول لها.
(لتهنأ): لأن تعجيلها يكون أدخل لا محالة في المسرة بها، والمماطلة فيها تكون أدخل في تنغيصها وتكديرها، واللام في قوله: لتعظم، ولتظهر، ولتهنأ لام التعليل، وأراد أن الداعي إلى عظمها وظهورها وهنائها هو الاستصغار والاستكتام والتعجيل، كما تقول: قمت لتقوم، والمؤثر في وجود هذه الأشياء هو ما اتصلت به اللام.
[97] (يأتي على الناس زمان): يشير إلى أنه ليس الزمان الذي هو فيه.
(لا يُقَرَّبَ فيه إلا الماحل): المحل هو: المكر والكيد.
(ولا يُظَرَّفُ فيه إلا الفاجر): ظرَّفه إذا نسبه إلى الظرف والكياسة، أي لا يقال لأحد هو ظريف إلا من كان فاجراً.
__________
(1) الحديث بلفظ: ((استعينوا على حاجاتكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود)) رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج 18/258 في شرح قصار الحكم الحكمة رقم (97)، وهو بلفظ: ((استعينوا على حوائجكم بالكتمان)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف1/508 وعزاه إلى حلية الأولياء 5/215، والتمهيد لابن عبد البر 10/152، وله فيها عدة شواهد انظرها هناك، ورواه العلامة المجتهد الكبير مجد الدين المؤيدي في لوامع الأنوار 3/228، في سلسلة الإبريز رقم(7) بلفظ: ((استعينوا على الحوائج بالكتمان)) وقال: أخرجه العقيلي، وابن عدي في الكامل، والطبراني في الكبير، وأبو نعيم في الحلية.
(2) في (ب): منقضية.
(3) في شرح النهج: وبتعجلها.

(ولا يُضَعَّفُ فيه إلا المنصف): ضعفه إذا نسبه إلى الضعف والمهانة، وأراد أن كل من أنصف من نفسه الحق وأداه قيل: إنه ضعيف لا يقدر على الانتصاف.
(يعدون الصدقة فيه غرماً): المغرم والغرم: ما يلزم أداؤه، وأراد أنهم لا يؤدونها صدقة، وإنما هي ثقيلة عليهم تأديتها، ليس تسمح بها أنفسهم.
(وصلة الرحم مَنَّاً): يمنون بالصلة على أرحامهم، ليس يأتون بها على جهة(1) القربة إلى الله تعالى.
(والعبادة استطالة على الناس): تعاظم على الناس، وتفاخر بما كان منهم من العبادة.
(فعند ذلك): الإشارة إلى وجود ما كان من هذه الخصال.
(يكون السلطان بمشورة الإماء(2)): أراد يكون تدبير الأمر وسياسة الدولة بمشورة الجواري والنسوان.
(وإمارة الصبيان): ويتأمَّر فيه أهل الحداثة في السن، ومن لا عقل له من الصبيان.
(وتدبير الخصيان): أي ويدبر الأمر في ذلك الخصيان، وهم جمع خصي، وهو الذي ذهب أنثياه، وقد جاء هذا في زمان بني أمية، وأكثر جريه في زمن(3) الدولة العباسية، ولهذا قال الأمير أبو فراس:
بنو علي غراثى في بيوتهمُ

والأمرُ تملكُه النسوانُ والخدمُ

ويحكى أن الجارية المسماه شارية كانت لإبراهيم بن المهدي، ولما مات ابتاعها المعتصم بثلاث مائة ألف درهم، ثم تملكها بعده جماعة منهم كالواثق، والمتوكل، والمنتصر، والمستعين، والمعين، والمهتدي، والمعتمد، وكان يحبها محبة شديدة، ويحكى أنها غنته أبياتاً من الشعر فوهب لها(4) ألف ثوب من الثياب النفيسة.
[98] ورئي يوماً على أمير المؤمنين إزار مرقوع، فقيل له في ذلك، فقال:
(يخشع له القلب): الخشوع هو: الخضوع.
__________
(1) في (ب): وجه.
(2) في (ب): الإماه.
(3) في (ب): زمان.
(4) في (ب): فوهبها.

(وتذل له النفس): تصغر عن أن تكون متكبرة.
(ويقتدي به المؤمنون): يكون قدوة لهم؛ لأن كل من كانت له هذه المكانة في الدين والزهد والورع كأمير المؤمنين فهو حقيق بالاقتداء.
[99] (إن الدنيا والآخرة عدوان متفاوتان): يعني أنهما لا يجتمعان، وهما متضادان كتضاد الأعداء واختلافها.
(وسبيلان مختلفان): يريد طريقان لا يشبه أحدهما الآخر.
(فمن أحب الدنيا وتولاها): أرادها وسالمها، ووالاها، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}[المائدة:56]، أي يواليهما.
(أبغض الآخرة وعاداها): كرهها وكان في جانب منها، كما يكون العدو في جانب من عدوه.
(وهما بمنزلة المشرق والمغرب): في التباعد.
(وماش بينهما): ورجل يمشي بينهما.
(كلما قرب من واحد بعد من الآخر): إذ لا فاصل بينهما في ذلك.
(وهما بعد ضَرَّتان): أي بعد ذلك الذي وصفته من حالهما بمنزلة الضرَّتين، [ما أرضى أحدهما أغضب الأخرى، والضرَّتان هما: الزوجتان للرجل الواحد، سميتا ضَرَّتين](1) لما في أحدهما من الإضرار بصاحبتها.
[100] وعن نوف البكالي(2):
__________
(1) ما بين المعقوفين سقط من (ب).
(2) هو نوف بن فضالة الحميري البكالي، المتوفى بعد سنة 90ه‍، أبو زيد أو أبو رشيد، أحد العلماء الأعلام النابغين، أصحاب أمير المؤمنين علي عليه السلام ومن خواصه، يروي نوف عن أمير المؤمنين، وأبي أيوب، وثوبان، وكعب الأحبار وغيرهم، وعنه شهر بن حوشب، وأبو عمران الجوني، وسعيد بن جبير وغيرهم. (انظر معجم رجال الاعتبار ص447 ت(888)).

بالباء الموحدة، وبِكَال(1): اسم قبيلة من حمير، وهم رهط نوف صاحب أمير المؤمنين، وروايته بالنون تصحيف، وهو بالنون مأخوذ من قولهم: رجل نكل إذا كان قوياً مجرباً، وفي الحديث: ((إن الله يحب النَّكَلَ على النْكَل(2))) يعني الرجل القوي المجرِّب(3) على الفرس القوي المجرَّب.
(قال: رأيت أمير المؤمنين عليه السلام ذات ليلة وقد خرج من فراشه، وقد نظر إلى النجوم، فقال: يا نوف، أراقد أنت أم رامق؟): والرامق هو: المستيقظ.
(فقلت: بل رامق يا أمير المؤمنين، فقال: يا نوف، طوبى للزهاد(4) في الدنيا): التاركين لها بقلة الرغبة فيها، يقال: زهد في هذا إذا كانت رغبته فيه قليلة.
(الراغبين في الآخرة): رغب في كذا إذا كثرت إرادته له.
(أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطاً): يشير إلى أنهم ليس لهم فراش(5) يبسطونه سواها.
(وترابها فراشاً): يفترشونه لا فراش لهم غيره.
(وماءها طيباً): لا طيب لهم سواه.
__________
(1) بُكَال: عزلة من ناحية الجَبى، وأعمال ريمة، قال المقحفي في معجم البلدان والقبائل اليمنية ص82: إليها ينسب نوف بن فضالة البكالي التابعي، المتوفى سنة95ه‍/714م، وكان من رجال الحديث.
(2) الحديث أورده ابن الأثير في النهاية 5/166، فقال: وفيه: (( إن الله يحب النكل على النكل)).
قيل: وما ذاك؟
…قال: ((الرجل القوي المجرب المبدئ المعيد على الفرس القوي المجرَّب))، قال في شرح الحديث: النكل بالتحريك من التنكيل وهو المنع والتنحية عما يريد، وانظر مختار الصحاح ص679.
(3) في (ب): المجرب القوي.
(4) في شرح النهج: للزاهدين.
(5) في (أ): ليس فراش لهم.

(والقرآن شعاراً): الشعار من اللباس: ما يلي الجسد(1)، وأراد أنهم لاصقوا به قلوبهم وجعلوه شعاراً لها(2).
(والدعاء دثاراً): وابتهالهم إلى الله دثاراً، والدثار: ما فوق الشعار من الثياب، فكأنه عليه السلام جعل اختصاصهم بالقرآن أعظم، وملابستهم له أتمَّ وأبلغ؛ لما فيه من النفع في القلوب والشفاء للصدور.
(ثم قرضوا الدنيا قرضاً): قرضه الله إذا قطعه، ومنه المقراض؛ لأنه يقطع به، وأراد أنهم ساروا في آفاقها، وقطعوا جهاتها للتفكر والنظر.
(على منهاج المسيح): سالكين لطريقته في ذلك، فإنه يحكى أنه سمي(3) المسيح؛ لسيره في الأرض ومسحه لها، ويقال أيضاً: إن المسيح لقب من الألقاب الشريفة، وأصله مشيحاً بالعبرانية، ومعناه المبارك(4).
وحكي عنه أنه قال: دابتي رجلاي، وسراجي الشمس والقمر، وطعامي ما أنبتت الأرض.
(يا نوف، إن داود عليه السلام قام في مثل هذه الساعة من الليل، فقال: إنها ساعة لايدعو فيها أحد(5) إلا استجيب له إلا أن يكون عشَّاراً): وأراد بالعشَّار، من يأخذ عشر مال المارة في الطريق، أو يأخذ في البلد عشر مال الطارئ(6) كما يفعله الظلمة في زماننا هذا.
(أو عريفاً): هو الشيخ للبلد، والنقيب على أهلها، وفي الحديث: ((لكل قرية عريف، والعرفاء في النار)).
(أو شرطياً): الشرط: أعوان الظلمة، سموا بذلك من جهة أن الشرط هو العلامة، وهم قد جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها، الواحد منهم: شرطي.
__________
(1) في (أ): الجسم.
(2) لها، سقط من (ب).
(3) في (ب): يسمى.
(4) الكشاف 1/390.
(5) في شرح النهج: عبد، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(6) الطارئ: الغريب.

(أو صاحب عَرْطَبَةٍ): بفتح العين، والعرطبة: هي الطبل يضرب عند اللهو والطرب، وقيل هو: البربط(1).
(أو صاحب كوبة): وهي الطبل أيضاً.
[101] (إن الله افترض عليكم فرائض): أوجب واجبات من جهة العبادات ومن غيرها كالصلاة والزكاة والحج وسائر العبادات، وفي المعاملات أيضاً، وهو ما أوجب في المعاوضات وفي غيرها، مما هو مدون في كتب الفقهاء.
(فلا تضيعوها): بالإهمال والترك.
(وحدَّ لكم حدوداً): أراد وحرَّم محرَّمات كالقتل والزنا والربا، وغير ذلك من أنواع المحرَّمات.
(فلا تعتدوها): تُجاوزوها بالفعل والإقدام عليها.
(ونهاكم عن أشياء): منعكم عنها بالنهي.
(فلا تنتهكوها): انتهاك الحرمة: تلقيها بالهتك وإبطالها، واشتقاقه من: نهكه المرض إذا أبطل قوته وأذهبها.
(وسكت لكم عن أشياء): لم يذكرها لكم.
(ولم يدعها نسياناً): لأنه عالم بكل المعلومات.
(فلا تتكلَّفُوها): تُحمِّلوها أنفسكم، وتُشِقوا بها على أبدانكم.
سؤال؛ ما هذه الأشياء التي سكت عنها، وطوى علمها عنَّا، ونهانا عن تكلفها؟
وجوابه؛ أن ها هنا أشياء لا تعلق لها بمصلحة التكليف، فلا حاجة بنا إلى البحث عنها، وهذا نحو الخوض في كمية ما مضى من عمر الدنيا، وكم مقدار عمرها، ونحو التطلع إلى العلم بأن الملائكة أفضل أو الأنبياء، ونحو إعمال الفكرة فيما يحدث في الأرض من الحوادث، وغير ذلك مما لا مدخل للتكليف فيه، فمثل هذا لاحاجة لنا إلى البحث عنه.
[102] (لا يترك الناس شيئاً من دينهم): يهملونه ويطرحونه.
(لاستصلاح دنياهم): لإصلاحها واستقامتها.
__________
(1) البربط: العود، معرَّب بربط أي: صدر الإوز؛ لأنه يشبهه (القاموس المحيط ص850).

(إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه): أدخل في المشقة وأعظم في التعب، والضمير في قوله: منه للمتروك من الدين.
[103] (رب عالم قتله جهله): كان سبب هلاكه من جهة جهله.
(وعلمه معه لا ينفعه): والمراد بهذا هو من يعلم(1) علماً لا ينفعه، وجهل ما يضره جهله به، وهذا نحو من يشتغل بعلم الحساب والطب والنجوم والهندسة، ويترك العلم بأصول الديانة وما يتوجه عليه من العلم بأحكام الشريعة واجبها ومحرمها، وغير ذلك.
[104] (لقد عُلِّق بنياط هذا الإنسان): النياط: عرق علق به القلب فإذا قطع مات صاحبه.
(بَضْعَةٌ): البَضْعَةُ: القطعة من اللحم بالفتح، وفي الحديث: ((فاطمة بَضْعَةٌ مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها))(2).
(هي أعجب ما فيه): أدخل في الإعجاب من سائر الأعضاء.
(وذلك القلب): الإشارة إلى ما في قوله: هي أعجب ما فيه.
اعلم: أن القلب هو أمير أعضاء الجسم والمطاع في تصرفاتها، ولفظ القلب يطلق ويراد به معنيان:
أحدهما: عبارة عن المضغة المشكلة على صورة الصنوبرة، وموضعه الجانب الأيسر من الصدر، وفي باطنه تجويف يحصل فيه دم أسود.
__________
(1) في (ب): هو أن من يعلم.
(2) رواه الحاكم الجشمي رحمه الله في تنبيه الغافلين ص65 بلفظ: ((فاطمة بَضْعَةٌ مني، يريبني ما رابها))، ورواه في لوامع الأنوار 3/29 وقال فيه ما لفظه: وفي الإصابة لابن حجر ما لفظه: وفي الصحيحين عن المسور بن مخرمة، سمعت رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((فاطمة بَضْعَةٌ مني، يؤذيني ما آذاها، ويريبني ما يريبها)). انتهى. وانظر موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/552.

وثانيهما: أن يكون عبارة عن هيئة لطيفة لمكانها يكون عالماً بالله(1) وبصفاته، مدركاً للمعقولات، عارفاً بالحقائق، وهو أرقُّ الأعضاء وألطفها، وبهذه اللطيفة تميز الإنسان عن سائر الحيوانات؛ لأن المضغة اللحمية موجودة في البهائم، وفي الحديث: ((في جسد ابن آدم مضغة إذا صلحت صلح لها سائر البدن ألا وهي القلب))(2)، ولعظم مكانه وشرف محله وجلالة قدره غلا فيه بعض الصوفية، وقال: القلب هو(3): العرش، والصدر هو: الكرسي، وجميع ما ورد من الأحاديث في القلب إنما تناوله بالمعنى الثاني دون الأول، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ}[ق:37]، وقوله تعالى: {فإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}[الحج:46].
وفي الحديث: ((القلوب أربعة:
قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب أسود منكوس، فذلك قلب الكافر.
وقلب أغلف مربوط، فذلك قلب المنافق.
__________
(1) في (ب): يكون بالله عالماً.
(2) الحديث بلفظ: ((إن في الجسد لمضغة إذا سلمت سلم الجسد كله، وإن سقمت سقم الجسد كله ألا وهي القلب))، رواه في مسند شمس الأخبار 1/397 الباب (67) عن النعمان بن بشير، وعزاه إلى أمالي السمان، وقال العلامة الجلال في تخريجه: أخرجه ابن السني، وأبو نعيم في الطب، والبيهقي في الشعب، عن النعمان بن بشير، ولفظه: ((إن في الرجل مضغة إذا صحت صح لها سائر جسده، وإذا سقمت سقم لها سائر جسده، قلبه)).
(3) في (ب): هي.

وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه مثل البقلة يمدُّها الماء الطيب، ومثل النفاق كمثل القرحة يمدُّها القيح والصديد، فأي المدتين غلبت حكم له بها))(1).
(له موادٌّ(2) من الحكمة): إمدادات من حكمة الله تعالى، أي لطائف خصه بها وجعله حاصلاً عليها، يريد صفات كاملة.
(وأضداد من خلافها): يشير بذلك إلى أن الإنسان في أصل فطرته وتركيبه قد اجتمع فيه خصال محمودة ومذمومة.
فأما الخصال المحمودة فبما فيه من العفو والصفح، والحلم، وكظم الغيظ، وإسداء المعروف، وحسن الخلق، وطيب المعاشرة، ولين العريكة، والإيثار، يشبه في ذلك أخلاق الأنبياء، وبما فيه من إماتة الشهوة، والإعراض عن اللذة، وإيثار الطاعة على المعصية، والانكفاف عنها، والعصمة عن الأشياء القبيحة، يشبه في ذلك أخلاق الملائكة.
وأما الخصال المذمومة فبما فيه من الغضب يتعاطى أفعال السباع، وبما فيه من الشهوة يتعاطى أفعال البهائم، وبما فيه من تسلط من إيثار الغضب والشهوة يتعاطى أفعال الشياطين من القهر والغلبة والمكر والخديعة، ولهذا قال أمير المؤمنين في كلام له:
(إن لله في أرضه آنية، وهي القلوب، فأحبها إلى الله تعالى(3) أرقَّها وأصفاها وأصلبها).
ثم فسَّر ذلك بقوله:
__________
(1) ورد قوله: ((القلوب أربعة: قلب أجرد في مثل السراج)) في موسوعة الأطراف5/748 وعزاه إلى مسند أحمد بن حنبل 3/17، ومجمع الزوائد 1/63، وإتحاف السادة المتقين 2/269، 7/230، والدر المنثور 1/87، وحلية الأولياء 4/385 وإلى غيرها انظرها فيها، وورد فيها أيضاً قوله: ((القلوب أربعة: قلب أغلف)) وعزاه إلى إتحاف السادة المتقين 2/269، 7/230.
(2) في شرح النهج: وذلك أن له موادَّ ...إلخ.
(3) تعالى، سقط من (ب).

(أصلبها في الدين، وأصفاها في اليقين، وأرقَّها على الإخوان)، إلى غير ذلك من شرح عجائب القلب وحقائق أسراره، فصار بحكمة الله تعالى ولطيف صنعه، ودقيق إتقانه مختصاً بهذه الصفات من بين سائر الأعضاء.
(فإن سنح له الرجاء): عرض له الرجاء لكل ما يرجوه من الأغراض والمقاصد، ونيل الشهوات العظيمة.
(أذله الطمع): صار ذليلاً مستصغراً لمكان ما علق بقلبه من تخيل الأطماع.
(وإن هاجه(1) الطمع): أثار داعيته، وأزعجه.
(أهلكه الحرص): أفسد حاله المواظبة على الجمع والكسب، وإحراز المنافع، وتهالك في حبها وإيثارها.
(وإن ملكه اليأس): استولى عليه بالملك والقهر، يعني وإن كان اليأس عما في أيدي الخلق مستولياً عليه.
(قتله الأسف): أهلكه التأسف على ما فاته باليأس من ذلك، والندم عليه.
(وإن عرض له الغضب): سنح له من الأمور ما يغضبه ويُحْمي معه مزاجه، وتشتد معه حرارة قلبه.
(اشتد به الغيظ): عظم التلهف في فؤاده من حرارة الغيظ.
(وإن أسعده الرضا): لأحواله وساعده؛ كونه راضياً بما هو فيه من الهيئة في الضيق والسعة.
(نسي التحفظ): أنساه رضاه بحاله عن التيقظ، وملكته الغفلة عمَّا لا بد له منه.
(وإن عاله الخوف): يروى بالعين المهملة، من قولهم: عاله الأمر إذا غلبه، وأراد وإن غلبه الخوف، ويروى بالغين المنقوطة، من قولهم: غاله إذا أخذه من حيث لا يدري، وأراد وإن أتاه الخوف من حيث لا يشعربه.
(شغله الحذر): عن أكثر ما يعاني، وعما لا بد له من الاشتغال به.
(وإن اتسع له الأمن): يريد وإن كان معه فسحة في الأمان من جميع ما يحذره ويخافه.
__________
(1) في شرح النهج: وإن هاج به.

(استلبته العزة(1)): يروى بالعين المهملة والزاي، أي صار شامخاً بأنفه غير ملتفت، ويروى بالغين المنقوطة والراء من الغرر، أي صار مغتراً بالأمن، ينخدع بأدنى شيء يعرض له.
(وإن أصابته مصيبة): في نفسه أو أهله أو ماله أو قرعته قارعة.
(فضحه الجزع): أظهر مساوئه بشدة(2) أسفه على ما فات من ذلك.
(وإن أفاد مالاً): استفاده وجمعه.
(أطغاه الغنى): تجاوز الحد في المعصية لأجل غناه، وبلغ فيها كل غاية.
(وإن عضته الفاقة): العض بمقدم الأسنان، جعله ها هنا كناية عن شدة الفقر وألمه.
(شغله البلاء): الضر بالحاجة والفقر وصار في شغل به ومكابدته.
(وإن جهده الجوع): شق عليه وآلمه، وصار مثقلاً لطاقته.
(قعد به الضعف): أذهب قواه حتى صار ضعيفاً.
(وإن أفرط به الشبع): تجاوز الحد على قدر الحاجة.
(كَظَّتْهُ الْبِطْنَةُ): كظَّه الأمر إذا أجهده، والْبِطْنَةُ هي: الامتلاء من الطعام، وأراد أتعبه الامتلاء، وفي الحديث: ((ما ملأ ابن آدم وعاء شر(3) من بطنه)).
(فكل تقصير به مضر): به في أحواله لنقصانه عما يصلحه منه(4).
__________
(1) في شرح النهج: الغرة.
(2) في (ب): شدة.
(3) في (ب): أشر، والحديث أخرجه من حديث الإمام الموفق بالله في الاعتبار ص111 رقم (64) بسنده عن المقدام بن معدي كرب (انظر تخريجه فيه)، وأخرجه المرشد بالله في الأمالي الخميسية 2/209 من حديث كما في الاعتبار بسنده عنه، وهو من حديث رواه العلامة علي بن حميد القرشي في مسند شمس الأخبار 2/91 عنه أيضاً، وعزاه إلى المجالس برواية السمان، وقال العلامة الجلال في تخريجه: أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم في مستدركه عن المقدام بن معدي كرب، وحسنه السيوطي. انتهى.
(4) منه، سقط من (ب).

(وكل إفراط له مفسد): بالزيادة على مقدار الحاجة، وفي هذا إشارة إلى ضعف حاله.
[105] (نحن النُّمْرُقَةُ الوسطى): النُّمرقة بضم النون وكسرها: وسادة صغيرة ، وربما جعلوها عبارة عن الطنفسة التي فوق الرحل، قال الله تعالى: {وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ}[الغاشية:15]، والوسط من كل شيء: أعدله وأنفسه وخياره، وعنى بذلك نفسه وأولاده، فإنهم أفضل الناس وأعدلهم سيرة.
(بها يلحق التالي): أي التابع.
(وإليها يرجع الغالي(1)): المجاوز للحد في أمره، وأراد أن التابع لنا يلحق بنا ويكون من جملتنا ممن يكون موالياً(2) لنا، ومن يغلو في محبتنا فإنه يرجع إليها لامحالة، إذ لا مرجع له سواها، ولا يجد ملجأ غيرها، وهذا ظاهر.
وزعم الشريف علي بن ناصر أن المراد من قوله(3): النُّمرقة جعلها كناية عمن يوضع له الرأس على ما يرسمه ويحكم به طاعة وانقياداً له(4)؛ لأن النُّمرقة وسادة يوضع عليها الرأس، وأن المراد من قوله: الوسطى ولايته؛ لأنها(5) متوسطة بين الرسول و[بين](6) من بعده من أولاده(7)، وهذا من التعسفات الباردة(8)، والتحكمات الجامدة، ويكاد أن يكون كالرقم على الماء، والكتابة على الهواء.
__________
(1) من الغلو، (هامش في ب).
(2) في (أ): متوالياً.
(3) في (ب): بقوله.
(4) لفظ الشريف علي بن ناصر في (الأعلام) -خ-: ولعله كنى بالنمرقة عمن يوضع الرسم على ما يرسم ويحد طاعة وانقياداً له، لأن النمرقة وسادة يوضع الرأس عليها.
(5) في النسخ: لأنه، وأثبته من هامش (ب) حيث ظنن ذلك فيه بقوله: ظ: أنها، وهي سقط من أعلام النهج.
(6) سقط من (ب).
(7) في (الأعلام): الأئمة، (انظر أعلام نهج البلاغة) -خ-.
(8) في (ب): النادرة.

[106] (لايقيم أمر الله): حدوده وأوامره ونواهيه.
(إلا من لا يصانع): المصانعة: الرشوة.
(ولا يضارع): المضارعة: الخضوع المفرط والذلة، وضرع الرجل ضراعة إذا خضع وذل.
(ولا يتبع المطامع): جمع مطمع، وهو: الشيء يرجى حصوله.
[107] وقال وقد توفى سهل بن حنيف الأنصاري(1) صاحب رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم بالكوفة [بعد](2) مرجعه [معه](3)من صفين، وكان من أحب الناس إليه:
__________
(1) هو سهل بن حنيف بضم المهملة مصغر الأنصاري الأوسي، المتوفى سنة38ه‍، أبو أمامة، بدري، شهد المشاهد كلها، وكان ممن بايع على الموت وثبت يوم أحد، ثم صحب عليًّاعليه السلام من حين بويع له، واستخلفه على المدينة حتى صار إلى البصرة، وشهد معه صفين، وولاَّه فارس، ثم مات بالكوفة، وصلى عليه علي عليه السلام وكبَّر عليه ستاً، فقال: إنه كان بدرياً. (انظر لوامع الأنوار 3/96).
(2) بعد، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.
(3) معه، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.

(لو أحبن‍ي جبل لتهافت): التهافت هو: التساقط قطعة قطعة، والمعنى في هذا هو أن المحنة تغلظ عليه فتسرع المصائب إليه، ولا يفعل ذلك إلا بالأتقياء الأبرار والمصطفين الأخيار، وهذا كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أحبنا أهل البيت فليستعد للفقر جلباباً(1)))، فإن هذا الحديث(2) قد حمل على أوجه خمسة:
__________
(1) إلى هنا من قوله: أن المحنة تغلظ عليه، هو من كلام الشريف الرضي رحمه الله في النهج.
(2) رواه الإمام المرتضى محمد بن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليهما السلام موقوفاً لأمير المؤمنين علي عليه السلام، في كتاب الإيضاح من مجموع كتبه ورسائله 1/190، وقوله: هنا: فليستعد، فيه: فليعد، وأخرج قريباً منه المرشد بالله في الأمالي الخميسية 1/158-159 بسنده عن محمد بن منصور المرادي، قال: حدثنا القاسم بن إبراهيم عن أبيه عليهما السلام، قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين عليهما السلام فقال: يا ابن رسول الله، قول رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم وقد جاءه رجل فقال: إني أحبك وأهل بيتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فاستعد للفقر جلبابا)) ما ذلك الفقر؟ فقال علي بن الحسين عليهما السلام: هو الفقر إلى الله عز وجل، فلو جعلت الدنيا بحذافيرها لمؤمن ما فرح بها، ولو صرفت بكليتها ما حزن عليها، وإن أولياء الله لا يسكنون إلى شيء دونه. انتهى. وأورده ابن الأثير في النهاية 1/283 لأمير المؤمنين علي عليه السلام، وكذلك أورده ابن منظور في لسان العرب 1/478.

أولها: ما ذكره السيد الرضي رضي الله عنه، وهو أن المصائب تكون مسرعة إليه، الفقر وغيره من أنواع المحن اختياراً من الله تعالى واصطفاء له(1).
وثانيها(2): ما قاله أبو عبيد: وهو أن المراد من أحبَّنا فليعد لفقره يوم القيامة ما يجبره من الثواب والقرب إلى الله تعالى، ولم يرد الفقر في الدنيا، فإنَّا(3) نرى كثيراً ممن يحبهم مثل ما نراه في سائر الناس من الغنى والفقر.
وثالثها: ما ذكره ابن قتيبة(4): وهو أن من أحبنا فليصبر على التقلل في الدنيا والتقنع فيها.
__________
(1) لفظ الشريف الرضي رحمه الله في شرح النهج 18/275 في شرح قوله: ((لو أحبني جبل لتهافت)): ومعنى ذلك أن المحنة تغلظ عليه، فتسرع المصائب إليه، ولا يفعل ذلك إلا بالأتقياء الأبرار، المصطفين الأخيار، وهذا مثل قوله عليه السلام: ((من أحبنا أهل البيت فليستعد للفقر جلباباً))، وقد يؤوَّل ذلك على معنى آخر ليس هذا موضع ذكره. انتهى
(2) في (ب): وثانيهما.
(3) في (ب): فإنه يرى ...إلخ.
(4) هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة 276ه‍، أبو محمد، من أئمة الأدب، ومن المصنفين المكثرين، ولد ببغداد، وسكن الكوفة، وتوفي ببغداد، ومن مصنفاته: تأويل مختلف الحديث، وأدب الكاتب، وعيون الأخبار، والإمامة والسياسة، وتفسير غريب القرآن، وغريب الحديث وغيرها. (انظر الأعلام 4/137).

ورابعها: ما قاله المرتضى(1): وهو أن من أحبنا فليزم(2) نفسه وليقدها إلى الطاعات، وليذللها على الصبر على ما تكرهه، واشتقاقه من الفقر وهو أن يخزم أنف البعير فيلوي عليها حبل، يذلل به ما يصعب منها، والجلباب هو: الثوب.
__________
(1) هو علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم [355-436ه‍] أبو القاسم، من أحفاد الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، نقيب الطالبيين، وأحد الأئمة في علم الكلام والأدب والشعر، يقول بالاعتزال، مولده ووفاته ببغداد، له تصانيف كثيرة منها: الغرر والدرر ويعرف بأمالي المرتضى، ومنها الشافي في الإمامة، والمسائل الناصرية في الفقه وغيرها. (انظر الأعلام 4/278).
(2) في (ب): فليلزم.

وخامسها: ما قاله السيد علي بن ناصر صاحب (الأعلام): وهو أن الفقر ها هنا من الفاقرة وهي الداهية، يقال: فقرته الفاقرة -أي كسرت فَقَارَ ظهره(1)-، وتقدير الكلام: من أحبنا فليعد من أجل فقر الدواهي التي يوجهها إليه أعداء أهل البيت، جلباباً أي لباساً يقيه منها(2)؛ لأن محبنا أهل البيت يكون دائماً يكابد الأعداء ويقاسي بغضاءهم وكيدهم له، فهذه أقاويل في تأويل هذا الحديث(3)، وكله لا يخلو عن ضرب من التعسف، والأخلق هو الجري على ظاهر الحديث من غير حاجة إلى ما قالوه، وهو أن المراد أن ذلك جارٍ على الأغلب، فإن الغالب في محبِّ أهل البيت الفقر والفاقة، كما أن الغالب من حال أهل البيت الفقر، ومن أحبَّ قوماً فهو منهم، وحاصلاً(4) على مثل صفاتهم، ويؤيد ما ذكرناه قولهصلى الله عليه وآله وسلم: ((اللَّهُمَّ، اجعل رزق(5)
__________
(1) بعده في (الأعلام): والجلباب: الثوب الواقي.
(2) أعلام نهج البلاغة -خ-.
(3) ذكر هذه الأقاويل كلها الشريف علي بن ناصر الحسيني في أعلام النهج -خ-.
(4) في (ب): وحاصل.
(5) في (ب): اللَّهُمَّ ارزق...إلخ، والحديث بلفظ: ((اللهم اجعل رزق آل محمد في الدنيا كفافاً)) أورده في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8/159 وعزاه إلى مسلم730،2281، وسنن الترمذي 2361، وسنن ابن ماجة 4139، والسنن الكبرى للبيهقي2/150، 7/46، وإتحاف السادة المتقين 8/152، 9/283 وعزاه أيضاً إلى غيرها. وبلفظ: ((اللهم ارزق آل محمد كفافاً)) في المصدر المذكور 8/169 وعزاه إلى كنز العمال(16673)، وإتحاف السادة المتقين 8/152، وجمع الجوامع 9754.

…قلت: وله شاهد رواه من حديث القاضي العلامة علي بن حميد القرشي رحمه الله في مسند شمس الأخبار 1/367 في الباب (61) عن جعفر، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((اللهم ارزق محمداً وآل محمد، ومن أحب محمداً وآل محمد العفاف والكفاف)) إلى آخر الحديث، وعزاه إلى كتاب الذكر لمحمد بن منصور المرادي رحمه الله. (وانظر تخريجه فيه).

أهل محمد كفافاً))، وهكذا حال من أحبهم الغالب عليه الفاقة(1).
[108] (لا مال أعود من العقل): أراد أنه يعود على صاحبه إذا كان مستعملاً له بالخيرات في الدنيا والآخرة، ويكفيه عند استخدامه له جميع المضار، وذلك نعم الفائدة.
(لا وحدة أوحش من العجب): يريد أن من كان معجباً بأفعاله فإنه يدعي أنه لا أحد يفعل مثل فعله فهو معتقد للوحدة، ولا شك أن الوحشة ملازمة للوحدة وكائنة معها، فلهذا قال: لاوحدة يستوحش منها مثل العجب، يشير إلى ما قلناه.
(لا عقل كالتدبير): يشير إلى أن التدبير هو أعظم العقل وأعلاه لما فيه من إصلاح المعيشة وإتقانها.
__________
(1) ويقول الإمام المرتضى محمد بن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليهما السلام في مجموع كتبه ورسائله 1/190-191 في كتاب الإيضاح، في تفسير الحديث: ((من أحبنا أهل البيت ...إلخ)) ما لفظه: إنه لا يحب آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا مؤمن تقي، مطيع لله في ذلك زكي، فإذا كان كذلك ذخر الله عزّوجّل له الآخرة ومنعه الدنيا، لأن الله سبحانه لم يرضها لأحد من أوليائه، أما تسمع كيف يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله يذود العبد المؤمن عن الدنيا، كما يذود الراعي الشفيق إبله مراتع السوء)) فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما قد بلغك من تضايق الحال، فتلك حال من كان من ولده صالحاً، فمن أحبهم كان حاله كحالهم، يزوي الله سبحانه عنه ما يزويه عنهم، ويذخر له من الكرامة ما يذخر لهم، وقد قال قوم: إن معنى هذا الحديث عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه أراد: أن يتخذ لفقر الآخرة، وما يحتاج إليه فيها، أهبة بهذه المحبة، وما قد لبس منها وعرف به. انتهى.

(ولا كرم كالتقوى): يعني أنها من أعظم خصال الكرم، كما قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[الحجرات:13].
(لا قرين كحسن الخلق): القرين هو: المقارن المصاحب الملازم، وأراد أنه لا يلازم الإنسان أعظم من حسن الخلق، فإنه نعم ما يقارن من الخلائق(1) العالية الشريفة.
(لا ميراث كالأدب): فإنه أحسن ما يخلفه الإنسان، ويرثه بعده من خلفه.
(لا قائد(2)): إلى الأعمال الصالحة، أو إلى رضوان الله، أو إلى الجنة.
(كالتوفيق): لذلك كله.
(لا تجارة(3) كالعمل الصالح): فإنها تجارة لا يخشى كسادها، ولا بوار بضاعتها.
(ولا ربح كالثواب): فإنه لا نهاية لأمده، ولا غاية لسرمده مع اشتماله على شريف المنافع، ورفيع الدرجات.
(لا ورع كالوقوف عند الشبهة): لأنه ورع الصالحين المؤمنين، وفي الحديث: ((الحلال بيَّن والحرام بيَّن، وبين ذلك مشتبهات))(4).
(لا زهد كالزهد في الحرام): يريد أن الزهد فيه سلامة للدين عن إهماله، وفرار(5) عن النار، ولا شيء أعظم فائدة من ذاك(6).
(ولا علم كالتفكر): أراد إما لأنه يؤدي إلى العلم بالصانع وصفاته، والعلم بحكمته وصدق أنبيائه، وهذا هو أعظم العلوم وأعلاها، وإما لأن ما يحصل عقيبه(7) من العلوم في غاية الرصانة والتحقق، وليس كالظنون والحسبانات والأوهام.
__________
(1) في (ب): الأخلاق.
(2) في (ب): لا فائدة.
(3) في (ب): ولا تجارة.
(4) أخرجه من حديث بسنده عن النعمان بن بشير الإمام أبو طالب عليه السلام في أماليه ص515 برقم(694)، وانظر موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 3/63.
(5) في (ب): وفراراً.
(6) في (ب): ذلك.
(7) في (ب): عقبه.

(لا عبادة كأداء الفرائض): لأنها(1) أعلاها رتبة، وأقربها إلى تحصيل رضوان الله تعالى، فإن باقي العبادات لا يضر تركها، وما كان واجباً فتركه فيه العقاب لا محالة.
(ولا إيمان كالحياء والصبر): فإنهما الإيمان كله، أو لأنهما أعظم قواعده وأقوى أركانه.
(لا حسب كالتواضع): لأن بعلو الحسب وارتفاعه تعلو رتبة الإنسان، وتواضعه أيضاً فيه غاية العلو والرفعة.
(لا شرف كالعلم(2)): لأنه يشرف به كل أحد شريفاً كان أو وضيعاً.
واختصم إلى ابن عباس في أن المال أفضل أو العلم؟
فقال: العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الفراعنة.
(لامظاهرة): التظاهر هو: التعاون والتعاضد.
(أوثق من المشاورة): ولهذا أمر الله نبيه بها(3) في قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}[آل عمران:159]، وهو المؤيد بالوحي من السماء، فكيف حال غيره في ذلك!
[109] (إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله): يعني كان الصلاح والأمانة هو الأغلب عليهم والديانة.
(ثم أساء رجل الظن برجل): إساءة الظن هي: التهمة في الدين، وأراد فاتهمه في أمور الديانة.
(لم تظهر منه حربة(4)): أي فساد ولصاصة، والحارب هو: اللص(5).
(فقد ظلم): أي أساء بالتهمة.
(وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله): كان هو الأغلب فيهم.
(فأحسن رجل الظن برجل فقد غرَّر): أي حمل نفسه على الغرور، وهو الخطر في الدين.
[110] وقيل له عليه السلام: كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟
__________
(1) في (أ): لأنه.
(2) بعده في شرح النهج: ولا عز كالحلم.
(3) في (ب): أمر الله بها نبيئه.
(4) في (ب): خزية، و في شرح النهج: حوبة.
(5) العبارة في (ب): أي فساد لصاحبه، والخازي هو: اللص.

فقال: (كيف يكون حال من يفنى ببقائه): أي كيف حال من يكون بقاؤه في الدنيا وتعمره فيها طريق إلى ذهابه وانقطاعه عنها.
(ويسقم بصحته): وتكون صحته طريقاً إلى سقمه.
(ويؤتى من مأمنه): أي ويؤخذ في حال كونه آمناً من حاله بالموت.
[111] وقال عليه السلام:
(كم من مستدرج بالإحسان إليه): كم هذه هي الخبرية، وأراد كثير ممن يتواتر عليه الإحسان من الله بالنعمة والعافية والإمداد بالأموال على جهة الاستدراج له إلى النار ليزداد بذلك كفراً وتمادياً في المعصية.
(ومغرور بالستر عليه): وكم من مخدوع بالستر من جهة الله تعالى عليه، يسبل الله تعالى عليه ستره(1)، فيكون ذلك ذريعة إلى تهالكه في المعصية وإغراقه فيها.
(ومفتون بحسن القول فيه): يريد كم من واحد إذا أثني عليه كان ذلك سبباً للفتنة والضلالة، إما بالإعجاب بنفسه وحاله، وإما بالتكبر والتفاخر على غيره أو بغير ذلك من أنواع الهلكة.
(وما ابتلي أحد بمثل الإملاء): لما فيه من الانخداع والغرور، ولهذا قال تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}[الأعراف:183]، كما قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ}[المؤمنون:55ـ56].
[112] (هلك فيَّ رجلان): أي بسبب‍ي ومن أجلي.
(محب غال): رجل غلا في محبته حتى هلك، كالذين اعتقدوا فيه صفات الإلهية، والذين ذهبوا إلى أنه أفضل من الرسول، وأنه ناسخ للشرائع إلى غير ذلك من الهذيان.
(ومبغض قالٍ): ورجل أفرط في بغضي حتى كفرني، وأخرجني عن(2) الدين بضلاله وبغضه.
[113] (مثل الدنيا كمثل الحية): شبهها بالحية.
__________
(1) في (ب): يسبل الله تعالى ستره عليه.
(2) في (ب): من.

(لين مسها): يشير إلى ما فيها من النضارة واللذة والإعجاب بحالها.
(والسم القاتل(1) في جوفها): يريد من اعتلق بها وانغمس في تحصيل لذاتها، وسارع إلى الوقوع في شهواتها.
(يهوي إليها الغر الجاهل): يريد أنه يسارع إليها من غلب عليه الجهل والاغترار بها.
(ويحذرها ذو اللب العاقل): ويمتنع من خدعها وغرورها من كان ذا عقل وبصيرة.
[114] وسئل عن قريش فقال:
(أما بنو مخزوم): وهم رهط الوليد بن المغيرة المخزومي، وأبي جهل بن هشام.
(فريحانة قريش): هم في قريش بمنزلة الريحان في الأشجار.
(تحب حديث رجالهم): لما فيه من الحلاوة والفصاحة، وحسن المعاني.
(والنكاح في نسائهم): للكمال فيهنَّ، وطيب المعاشرة.
(وأما بنو عبد شمس): رهط معاوية وعثمان.
(فأبعدها رأياً): إما أن(2) يريد عن الإصابة، وإما أن يريد ليس الرأي يؤخذ منهم على جهة السرعة، يشير بذلك إلى كثرة الغباوة، وعدم الذكاء والكياسة فيهم.
(وأمنعها لما وراء ظهورها): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد بذلك النجدة والشجاعة وشدة الاحتماء، والتعطف، وهذا هو الأقرب.
وثانيهما: أن يريد بذلك الإشارة إلى بخلهم وكثرة ضنتهم بما في أيديهم من المال.
(وأما نحن): يعني بني هاشم.
(فأبذل لما في أيدينا): يعني أنهم كرماء لايخبئون شيئاً يقدرون عليه.
(وأسمح عند الموت بنفوسنا): يشير إلى كثرة الشجاعة فيهم.
(وهم أكثر): في العدد.
(وأمكر): وأكثر مخادعة.
(وأنكر): إما للمعروف، وإما للدين ولما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
(ونحن أفصح): ألسنة.
(وأنصح): لله، ولرسوله، وللمسلمين، ولمن استنصحنا.
(وأصبح): أحسن خلوقاً، وأكمل رجالاً.
__________
(1) في شرح النهج: الناقع.
(2) أن، زيادة في (ب).

[115] (شتان بين عملين(1)): تباينا وافترقا(2)، وشتان هذه من أسماء الأفعال، والكثير فيه: شتان زيد وعمرو، وقد روي: شتان ما بين الزيدين، وأجازه بعضهم ومنعه آخرون، فأما شتان بين زيد وعمرو، وشتان بين عملين كما قاله ها هنا، فهو غير مسموع، مع بعده عن القياس والاستعمال.
(عمل تذهب لذته، وتبقى تبعته): يعني عمل الدنيا، فإنه يفنى نعيمها، ويبقى ما يتبع منها من العقاب على تلك الأفعال(3).
(وعمل تذهب مؤونته، ويبقى أجره): يزول ثقله، ويبقى ما كان مستحقاً عليه من الثواب، وهذا هو عمل الآخرة، وأراد شتان ما بين عمل الدنيا وعمل الآخرة.
[116] وتبع جنازة فسمع رجلاً يضحك، فقال:
(كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب): يعني لو تحققنا الحال في ذلك ما كان منا لهو ولا طرب.
(وكأن الذي نرى من الأموات(4) سفر): مسافرون ليسوا أمواتاً.
(عما قليل إلينا راجعون): من أسفارهم.
(نبوئهم أجداثهم): نقررهم في قبورهم.
(ونأكل تراثهم(5)): ما خفلوه ميراثاً.
(قد نسينا كل واعظة(6)): أراد إما الكلمة الواعظة، وإما أن يريد الوعظ نفسه، كقوله تعالى: {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ}[الحاقة:8]، أي بقاء، وإتيان المصدر على وزن الفاعل كثير في كلام العرب.
(ورمينا(7) بكل جائحة): آفة مهلكة لنا.
(طوبى لمن ذل في نفسه): عن تعاطي الكبر والفخر والخيلاء.
__________
(1) في شرح النهج: شتان ما بين عملين.
(2) في (ب): تبايناً وافتراقاً.
(3) في نسخة: الحال، (هامش في ب).
(4) في (ب): الموتى.
(5) بعده في شرح النهج: كأنَّا مخلدون بعدهم.
(6) في شرح النهج: قد نسينا كل واعظ وواعظة.
(7) في نسخة: وأمنَّا (هامش في ب).

(وطاب كسبه(1)): ما يأكله.
(وصلحت خليقته(2)): حسنت أخلاقه.
(وأنفق الفضل من ماله): ما زاد على قوته وقوت أولاده، وفي الحديث: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى))(3).
(وأمسك الفضل من لسانه): فضلات قوله، وما لاحاجة له في ذكره والنطق به.
(وعزل عن الناس شره): فلا يؤذيهم ولا يسمعون منه ذماً لهم.
(ووسعته السنة): أي كان في جميع أموره وأحواله على سنة رسول الله من غير مخالفة إلى بدعة.
__________
(1) بعده في شرح النهج: وصلحت سريرته.
(2) في (ب): خلقته.
(3) رواه الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الاعتصام 2/300-301 من حديث، آخره: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) وعزاه إلى الشفاء للأمير الحسين قال: وهو في تجريد جامع الأصول عن جابر، وروى أيضاً حديثاً آخر في ذلك فقال ما لفظه: وفي الجامع الصغير عن النبيصلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول)) قال: رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي عن أبي هريرة مرفوعاً، ورواه البغوي في الصحاح من المصابيح. وانظر موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف4/646.

(ولم يُنْسَبْ إلى البدعة): يكون مبتدعاً لشيء من البدع المخالفة للسنة المضادة لها: (ومن الناس من ينسب هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(1)): وهذا هو الصحيح، فإن هذا الحديث مشهور في (الأربعين السليقية(2)).
[117] (غيرة المرأة كفر): المراد أنها تنكر أن يكون لها مشاركة في زوجها، وإنما كانت كفراً؛ لأن فيها إنكار لما أحل الله لكل حر أربع حرائر.
__________
(1) في شرح النهج: قال الرضي رحمه الله تعالى: أقول: ومن الناس من ينسب هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله.
(2) الحديث في الأربعين السيلقية ص15 الحديث رقم (1) عن أنس بن مالك، واللفظ في الأربعين السيلقية كما يلي: عن أنس بن مالك قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ناقته الجدعاء فقال: ((أيها الناس، كأنَّ الموت فيها على غيرنا كتب، وكأنَّ الحَق فيها على غيرنا وجب، وكأنَّ الذي نشيِّع من الأموات سَفْرٌ عما قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم، ونأكل تراثهم، كأنَّا مخلدون بعدهم، نسينا كل واعظة، وأمِّنا كل جائحة، فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وطوبى لمن أنفق مالاً اكتسبه من غير معصية الله، وجالس أهل الفقه والحكمة، وخالط أهل الذلة والمسكنة، طوبى لمن ذلَّت نفسُه، وحسنت خليقتُه، وصلحت سريرتُه، وعزل عن الناس شره، فطوبى لمن أنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة، ولم تستهوه البدعة)). وأخرجه الموفق بالله في الاعتبار وسلوة العارفين ص71-72 رقم (26) بسنده عن الحسين بن علي عليهما السلام قال: رأيت رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم قام خطيباً على أصحابه فقال، وذكر الحديث وفيه اختلاف يسير وزيادة يسيرة عما رواه الشريف السيلقي. (انظر الاعتبار).

(وغيرة الرجل إيمان): المراد به(1) أنه ينكر أن يكون له شريك في امرأته، وإنما كانت من الإيمان؛ لأن الله تعالى حرم ذلك، وحرم النظر إليها والاستمتاع بها.
[118] (لأ نسبنَّ الإسلام نسبة): المراد من النسبة ها هنا تعريف أصله؛ لأن من أراد تعريف شيء نسبه إلى أصله إن كان إنساناً نحو هاشمي وتميمي، أو إلى بلده نحو بصري وكوفي، أو إلى صناعته(2) نحو جوهري وحريري.
(لم ينسبها قبلي أحد(3)): من العلماء والأئمة والفضلاء.
(الإسلام هو التسليم): أراد أن الإسلام هو الانقياد، ولا يعقل الانقياد إلا بالتسليم لأمر الله وقضائه وتصرفه.
(والتسليم هو اليقين): ولا يقع التسليم إلا إذا كان الشك مرتفعاً عن ذات الله وصفاته وحكمته، وصدق رسله.
(واليقين هو التصديق): ولا يعقل يقين إلا إذا صاحبه التصديق باللسان.
(والتصديق هو الإقرار): أي ولا يتحقق التصديق إلا بالإقرار باللسان(4).
(والإقرار هو الأداء): يعني(5) ولا يكون للإقرار ثمرة إلا بأداء الواجبات والانكفاف عن المحرمات.
(والأداء هو العمل): أراد ولا يعقل أداء من غير عمل؛ لأن الغرض هو تأدية الأعمال، فإذا(6) كان لا عمل فلا أداء، فإذا كان لابد من أداء فالعمل موجود لا محالة.
[119] (عجبت للبخيل يستعجل(7) الفقر الذي منه هرب): أراد في هذا أن بخله إنما كان فراراً من الفقر فيمسك الذي في يده خيفة منه، وهو في غاية الحاجة إليه، وليس الفقر إلا هذه الحاجة لا غير، فقد استعجل الفقر واختاره بما صنع.
__________
(1) به، زيادة في (ب).
(2) في (ب): صناعة.
(3) في (ب) وشرح النهج: لم ينسبها أحد قبلي.
(4) في (ب): إلا بإقرار اللسان.
(5) في (ب): أي.
(6) في (ب): وإذا.
(7) في (ب): عجبت للبخيل كيف يستعجل...إلخ.

(ويفوته الغنى الذي إياه طلب): يعني أنه ما طلب بضنته(1) بما في يده إلا أن يكون غنياً مع شدة حاجته إليه، ومن حق من كان غنياً ألا يكون مفتقراً إلى شيء قد فاته الغنى من حيث لا يشعر به.
(ويعيش(2) في الدنيا عيش الفقراء): لبخله على نفسه، وشدة ضيقه على من تحت يده.
(ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء): من أين جمع ماله؟ وأين أنفقه؟ فيسأل عن جميع ذلك كله.
(وعجبت للمتكبر): لمن يشمخ بأنفه تكبراً، ويختال في برده(3) تفاخراً.
ويحكى أن قارون لبس ثوباً فاختال فيه فخسف الله به، كما قال تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ}(4)[القصص:81]، وكيف يتكبر مع علمه وتحققه بأنه:
(الذي كان بالأمس نطفة): أراد نطفة وأي نطفة في الخسة والقذارة، ركيكة المنظر والهيئة، خبيثة الرائحة، وقد أشار الله إلى ذلك بقوله: {مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ}[السجدة:8]، أي ممتهن ضعيف الحالة.
(وغداً جيفة): يعني بعد نزع الروح منه، يعافه كل من رآه(5).
__________
(1) في النسخ: بظنته بالظاء، والصواب ما أثبته بالضاد.
(2) في شرح النهج: فيعيش.
(3) البُرْدُ: الثوب.
(4) الرواية هذه هي في مسند شمس الأخبار 1/474 من حديث للنبي صلى الله عليه وآله عن عبد الله بن العباس وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في خطبة الوداع: ((ومن لبس ثوباً فاختال فيه خسف الله به شفير جهنم ما دامت السماوات والأرض؛ لأن قارون إنما خسف الله به لأنه لبس ثوباً فاختال فيه فخسف الله به، فهو يتخلل بين أطباق الأرضين إلى يوم القيامة)).
(5) في (ب): كل أحد رآه.

واعلم: أن الكبر صفة عارضة في النفس تنشأ مما يظهر في النفس من الإعجاب والترفع، وفي الحديث: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من الكبر))(1)، وقال عليه السلام: ((أعوذ بك من نفخة الكبرياء))، ثم وقوعه على أوجه ثلاثة:
أما أولاً: فبأن يكون تكبراً(2) على الله تعالى؛ بأن لا يذعن لأمره ويتكبر عنه، كما كان من إبليس فهذا كفر لا محالة.
وأما ثانياً: فبأن يكون على الرسل لئلا يذعن لأمر بشر مثله، فهذا كفر أيضاً.
وأما ثالثاً: فبأن يتكبر(3) على الخلق ويدعوهم إلى خدمته، فهذا خطأ أيضاً، وينبغي علاجه بحمل حاجته من السوق، وتقديم الأقران في مجامع الخلق، ولبس الخشن من الثياب، وتعاطي الأشغال في البيوت، والأكل مع الخدم وغير ذلك.
(وعجبت لمن شك في الله): في وجوده، كما هو مذهب أهل التعطيل، وفاعليته كما هو مذهب الفلاسفة، وحكمته كما هو مذهب المجبرة.
__________
(1) أخرجه الإمام المرشد بالله في الأمالي الخميسية 2/219 بسنده عن عبد الله بن سلام وقوله هنا: (مثقال ذرة) فيه: (مثقال حبة)، كما أخرجه أيضاً ص217 بسنده من حديث عن ابن مسعود واللفظ فيه: ((ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر)) ورواه الإمام القاسم بن محمد في الاعتصام 2/206 عن ابن مسعود من حديث عن النبيصلى الله عليه وآله وسلم واللفظ في آخره: ((مثقال حبة من كبر)) وعزاه إلى البخاري وأبي داود والترمذي، ورواه بلفظ المؤلف هنا ابن أبي الحديد في شرح النهج 11/194، وللحديث مصادر كثيرة جداً انظرها في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 7/375-376، وانظر مسند شمس الأخبار 1/471 الباب (87).
(2) في (ب): تكبر، بالرفع فعلى هذا فقوله: يكون، هي التامة من كان، والمعنى: يحدث أو يحصل.
(3) في (ب): فبأن يكون يتكبر.

(وهو يرى خلق الله): فبحدوثه يبطل قول من عطله عن وجود صانع له، وباختلاف أحواله يبطل قول من قال: إنه صادر على جهة الإيجاب من غير اختيار له فيه، وبإتقانه وصدوره على جهة الإحكام البالغ يدل على علمه وحكمته، ويبطل مقالة من نفى الحكمة، فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الإشارة من كلامه، من الرد على هذه الفرق(1) على كثرتها.
(وعجبت لمن نسي الموت): حتى لا يخطر له على بال.
(وهو يرى الموتى(2)): يشاهدهم أمواتاً، يدفنون في قبورهم، يشير بكلامه هذا إلى تغير هذه البنية وفسادها يعلم عقلاً فضلاً عن الشرع، وهذا قريب.
(وعجبت لمن أنكر النشأة الأخرى(3)): كما هو مذهب منكري المعاد، وهو أكثر من مضى من القرون الماضية والأمم، فإن أكثر ما أنكروه هو النشأة في(4) الآخرة.
(وهو يرى النشأة الأولى): وتقرير الدلالة من ذلك هو أن الوجود ثانياً مثل الوجود أولاً، ومن قدر على شيء فهو قادر على مثله لامحالة.
(وعجبت لعامر لدار الفناء): بالإقبال إليها، والعناية في أمرها، يعني الدنيا.
(وتارك لدار(5) البقاء): بالإعراض عنها وإهمالها، يعني الآخرة.
[120] (من قصَّر في العمل): يعني عمل الآخرة.
(ابْتُلِيَ بالهمِّ): يعني همُّ الدنيا؛ لأن تقصيره في عمل الآخرة، يلفت(6) أمره إلى الإقبال على عمل الدنيا، فيكون مهموماً به وبتحصيله.
[121] (ولا حاجة لله): لا غرض له ولا إرادة بمحبة ولا مودة ولا إصلاح لحاله.
__________
(1) في (ب): على هذه الفرق كلها ...إلخ.
(2) في شرح النهج: وهو يرى من يموت.
(3) الأخرى، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.
(4) في، سقط من (ب).
(5) في شرح النهج: دار، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(6) في (ب): يقلب.

( فيمن كان ليس لله في نفسه وماله حق ونصيب): ففي نفسه بالعبادة وتأدية الواجبات البدنية، وفي ماله بتأدية الحقوق الواجبة المالية فروضها ومندوباتها؛ لأن الأمر والتكليف شامل لهما جميعاً، وطلبهما من جهة الله تعالى متوجه.
[122] (تَوقَّوا البرد في أوله): يشير إلى أنه شديد المضرة في أول وقوعه، لأنه يأتي والأبدان لينة رطبة عقيب زمان الخريف والصيف، فإنها تلين فيهما لما فيهما من الحرارة والرطوبة.
(وتلقَّوه في آخره): لأنه إذا كان في أوائل حدوث الصيف تلين الأجسام وترطب لمقابلتها لأزمان اللين والحر.
(فإنه يفعل بالأجسام(1)): من القساوة والصلابة.
(ما يفعل(2) بالأشجار): في حتِّ ورقها وإبطال رونقها وصلابة أعوادها، وقساوة أصلها.
(أوله يُحْرِقُ): من شدة البرد، فالأجسام والأوراق تحرق وتجف وتصلب.
(وآخره يُورِقُ): تبدو فيه ورق الأشجار وثمارها.
وقوله: أوله يُحْرِقُ، وآخره يُورِقُ، بيان وتفسير لقوله: توقوا أوله، وتلقوا آخره.
[123] (عُظْمَ الخالق عندك): تصور العظمة والجلال للخالق.
(يُصَغِّرُ المخلوق في عينك): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد(3) أن من نظر إلى جلال الله وعظمة(4) ملكوته هان عليه غيره من المخلوقين، فلا ينبغي لأحد أن يكون له تعظيم كتعظيمه.
وثانيهما: أن يريد من نظر إلى جلال الله تعالى وباهر قدرته وعظم إحكامه هان عليه ما يرى من هذه المخلوقات الباهرة، بالإضافة إلى باهر القدرة وعظم الإتقان.
[124] وقال بعد رجوعه من صفين وقد أشرف على القبور بظاهر الكوفة:
__________
(1) في شرح النهج: في الأبدان، وفي نسخة: بالأبدان (هامش في ب).
(2) في شرح النهج: كفعله، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(3) أن يريد، سقط من (ب).
(4) في (ب): وعظم.

(يا أهل الديار الموحشة): لما أخلوها وارتحلوا عنها.
(والْمَحَالِّ الْمقفرة): لما سكنوا في غيرها وأهملوها ورائهم.
(والقبور المظلمة): بتراكم التُّرَبِ عليها، ووضعهم في لحودها.
(يا أهل التربة): المغبرَّة أجسادهم(1) بالتراب.
(يا أهل الغربة): عن الأوطان والأهلين.
(يا أهل الوحدة): إذ لا أنيس معهم، كل واحد منهم وحده، وإن اجتمعوا.
(يا أهل الوحشة): بفراق(2) الأهل والأزواج والأولاد والأصدقاء والأقارب.
(أنتم لنا فَرَطٌ): الفارط هو: المتقدم أي متقدمون، من مات فهو متقدم على من كان حياً.
(سابق): تسبقوننا إلى الآخرة.
(ونحن لكم تبع لاحق): تابعون لكم على الأثر، ونحن نقصُّ عليكم الأخبار بعدكم:
(أما الدور فقد سكنت): سكنها آخرون غيركم.
(وأما الأزواج فقد نكحت): افترشها غيركم واطمأنوا إليها.
(وأما الأموال فقد قسمت): بين الورثة، والغرماء من أهل الدين والوصايا.
(هذا خبر ما عندنا): أي هذا خبر ما كان بعدكم من الأحوال.
(فما خبر ما عندكم): من أمر الآخرة، وما آلت إليه أحوالكم فيها.
ثم التفت إلى أصحابه وقال:
__________
(1) في (ب): أجسامهم.
(2) في (ب): لفراق.

(أما لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم أن خير الزاد التقوى): فما أشبه هذا النداء منه عليه السلام بنداء الرسول لأهل القليب في بدر(1) حيث نادى كل واحد منهم باسمه، فلما قيل له: كيف تنادي جيفاً لا أرواح فيها، فقال: ((ما أنتم بأسمع منهم))(2).
[125] وقال وقد سمع رجلاً يذم الدنيا، فقال له(3) عليه السلام:
(أيها الذام للدنيا(4)): أراد الشاتم لها والرزاي عليها.
(أتغترُّ في الدنيا ثم تذمها!): الاستفهام ها هنا للإنكار، وأردا كيف يصدر من جهتك الانخداع بها، والميل إليها، وأنت مع ذلك تذمها وتنكر صنيعها معك.
(أأنت المتجرِّم عليها): المدعي عليها الذنب بزعمك.
(أم هي المتجرِّمة عليك!): بإدعائها أنك المذنب بعينك؛ لأنك المغتر بها، فليت شعري أيكما يكون(5) المتجرم في الحقيقة!.
(متى استهوتك): أي أي وقت طلبت سقوطك، وهونك إلى أسفل.
__________
(1) في (ب): ببدر.
(2) الرواية في سيرة ابن هشام 2/280 بلفظ: قال ابن إسحاق: وحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من جوف الليل، وهو يقول: ((يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام)) فعدد من كان منهم في القليب: ((هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً)) فقال المسلمون: يا رسول الله، أتنادي قوماً قد جيفوا، قال: ((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني)).
(3) له، سقط من (ب).
(4) في شرح النهج: أيها الذام للدنيا، المغتر بغرورها، المنخدع بأباطيلها، أتفتتن بها ثم تذمها؛ أنت المتجرم عليها ...إلخ.
(5) يكون، سقط من (ب).

(أم متى غرَّتك): خدعتك ومكرت بك، وهذا الاستفهام وارد على جهة التقرير والتهكم، ولهذا قال بعده:
(أبمصارع آبائك من البلى): من هذه؛ لابتداء الغاية في المكان، أي من مواضع البلى.
(أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى!): أضجعه إذا وضعه لجنبه، وغرضه أن هذه الأشياء فيها غاية النصح لك والموعظة من أجلك، فأين الغرر منها!، وأين الخديعة من جهتها!.
(كم عَلَّلت بكفيك): عالجت في حال اعتلالهم.
(ومرَّضت بيديك(1)): وقمت عليه في مرضه وزاولته(2) بالقيام والقعود والسهر والمطاولة(3) لأحوالهم.
(تبغي(4) لهم الشفاء): من هذه الأمراض.
(وتستوصف لهم الأطباء(5)): تطلب منهم الصفات لهذه الأمراض.
(لم ينفع أحدهم إشفاقك): خوفك عليه من الموت، ولا كان فيه سبب لبراءته من مرضه.
(ولم تُسْعَفْ فيه بِطَلِبَتِكَ): ولم يساعد ما طلبت من أجله.
(ولم تدفع عنه): ما وقع فيه(6) من البلاء وفوات الروح وذهابها عنه.
(بقوتك): من أجل قوتك وشدة جلدك.
(قد مثَّلت لك به الدنيا نفسك): جعلته مثالاً لك، وإماماً تقتدي به في غد.
(وبمصرعه مصرعك): أي وعن قريب يكون مصرعك مثل مصرعه.
(إن الدنيا دار صدق لمن صدقها): فيما أبدته من المواعظ، ودلت عليه من العبر، فمن هذه حاله فهي عنده دار صدق.
__________
(1) في شرح النهج: وكم مرضت بيديك.
(2) أي عالجته، والمزاولة كالمحاولة والمعالجة، وتزاولوا: تعالجوا. (مختار الصحاح ص279).
(3) لعله من قولهم تطاول علينا الليل: طال، أو من تطاول إذا تمدد قائماً لينظر إلى بعيد، (وانظر أساس البلاغة ص287).
(4) في شرح النهج: تبتغي.
(5) بعده في شرح النهج: غداة لا يغني عنهم دواؤك، ولا يجدي عليهم بكاؤك!.
(6) فيه، سقط من (ب).

(ودار عافية): أراد إما دار عافية أي معافاة ومسالمة، وإما دار عافية يصلح فيها أمر الآخرة التي تعقب.
(لمن فهم عنها): انتفع بمواعظها الشافية، فحصلت له بذلك المعافاة والمسالمة، أو كانت سبباً في إصلاح عاقبته وآخرته.
(ودار غنى لمن تزود منها): للآخرة التي يغنى فيها، ويسعد حاله بإحرازها.
(ودار موعظة لمن اتعظ بها): أراد أنها يحصل بالاتعاظ(1) فيها الفوز في الآخرة برضوان الله، والسلامة من عقوبته.
(مسجد أحباء الله): مكان الأولياء في السجود والعبادة، والقيام بحق الله، وتلاوة كتابه وغير ذلك.
(ومصلى ملائكته): من كان منهم في الأرض مكلف بالعبادة فيها، أو يريد الحفظة على الأعمال والموكلين بكتبها، أو غيرهم ممن يعلم الله تعالى وقوفه في الأرض لضرب من الصلاح لأهلها.
(ومهبط وحي الله): كتبه المنزلة على أنبيائه التي تعبَّد بها الخلق، وجعل صلاحهم متضمناً لها.
(ومتجر أوليائه): مكان التجارة بالأعمال الصالحة، والقربات المتقبلة فيها.
(اكتسبوا فيها الرحمة): من الله تعالى بما كان من جهتهم من العناية في الخدمة.
(وربحوا فيها(2) الجنة): جزاء على تلك الأعمال.
(فمن ذا يذمها): وفيها من الخصال المحمودة ما ذكرته.
(وقد آذنت ببينها(3)): إما أسمعت بانقطاعها أو عرفت وأعلمت بذلك.
(ونادت بفراقها): صاحت بينهم بأنهم مفارقوها إلى غيرها.
(ونعت نفسها وأهلها): أخبرت بعدمها وموت من فيها، يقال: نعاه نعياً ونُعياناً بالضم إذا أخبر بموته، وجاء نعيُّ فلان على فعيل أي خبر موته.
__________
(1) في (ب): يحصل فيها بالاتعاظ فيها.
(2) فيها، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.
(3) في نسخة: بفراقها (هامش في ب)

(فمثَّلت لهم ببلائها البلاء): أراد أنها شبهت لهم بلاوي الآخرة وعذابها بما يصيبهم في الدنيا من الآلام والمصائب، وعَرَّف البلاء باللام مبالغة في شأنه وحاله، أي البلاء المعهود في الآخرة الذي لايبلغ كنهه، ولا يطاق وصفه ونعته.
(وشوقتهم بسرورها): جعلتهم مشتاقين بما يلحقهم فيها من هذه المسرات بالملاذ من المناكح والمآكل والمشارب والملابس.
(إلى السرور!): اللاحق بهم في الآخرة، وعرَّفه باللام مبالغة في شأنه كما ذكرناه في البلاء.
(راحت بعافية): أي تقضت(1) وزالت بمعافاة لأهل الطاعة وسلامة عن الأهوال.
(وابتكرت بفجيعة): لأهل المعصية لما رأوا من وخيم أفعالهم.
سؤال؛ أراه خصَّ الرواح بالعافية، وخصَّ الابتكار بالفجيعة، فما(2) وجه ذلك؟
وجوابه؛ هو أنه جعل الرواح عبارة عن زوالها وتقضيها، وليس يختص يوماً ولا ليلة في حق الأولياء؛ لأن منهم من يموت ليلاً، ومنهم من يموت نهاراً، فلهذا عبر به بالرواح ليعم ذلك، وجعل الابتكار عبارة عن صبيحة يوم القيامة وبكرتها حيث تحصل الفجيعة لأهل المعصية، فلهذا خصها بالابتكار، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُستَقر}[القمر:38]، وقوله: {فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ}[الصافات:177]، وقوله: {فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ}[الأحقاف:25]، فصار الصباح خاص في البلاء.
اللَّهُمَّ، أجرنا من أهوال صبحة يسفر عنها يوم القيامة.
(ترغيباً): في أفعال الخير رجاء لثواب الله.
(وترهيباً): لأفعال السوء خيفة من عقاب الله.
(وتخويفاً): لمضار الآخرة وبلاويها.
__________
(1) في (ب): انقضت، وقوله: أي، سقط من (ب).
(2) في (أ): وما.

(وتحذيراً): عنها، وانتصاب هذه الأسماء على المصدرية، إما مفعولاً لها(1)، وإما مصادر في موضع الأحوال.
(فذمها(2) رجال غداة الندامة): يعني لما ندموا على ما فعلوه من الأعمال السيئة أخذوا في ملامتها، وتقبيح صنيعها(3).
(وحمدها آخرون يوم القيامة): وهؤلاء حمدوها لما أوصلتهم إلى النعيم الدائم يوم القيامة، فذمها أولئك لما كان عقباهم النار، وحمدها هؤلاء لما كان عقباهم الجنة منها.
(ذكَّرتهم الدنيا): إما مضار الآخرة، وإما من سلف من الأمم الماضية.
(فذكروا): اتعظوا بما ذكرتهم إياه من ذلك كله.
(وحدثتهم): بما كان من أخبارها وآثارها فيمن(4) كان قبلهم.
(فصدَّقوا): بأخبارها وأحاديثها، ولم يكذبوها فيما قالته، ونطقت به من ذلك.
(ووعظتهم): بمواعظها الشافية ومَثُلاتِها(5) [بأهلها](6) المتقدمة.
(فاتعظوا): انتفعوا بمواعظها وأخبارها.
[126] (إن لله ملكاً ينادي كل يوم: لِدُوا للموت): أراد من أجل الموت.
(واجمعوا للفناء): أي من أجل الزوال والعدم.
(وابنوا للخراب): أي من أجل خرابها، يعني المساكن.
سؤال؛ أراك فسرت هذه اللام ها هنا بالغرض، وليس يمكن ولا يعقل أن يكوت الموت غرضاً في الولادة، ولا يكون الفناء علة للجمع، ولا يكون الخراب سبباً للبناء، ثم هذا يخالف ما عليه جمهور المتكلمين؟
__________
(1) في (ب): مفعولاتها.
(2) في (ب): قد ذمها.
(3) في (ب): صنعها.
(4) في نسخة: ممن (هامش في ب).
(5) الْمَثُلَةُ بفتح الميم وضم الثاء: العقوبة، والجمع المَثُلات. (مختار الصحاح ص651).
(6) سقط من (ب).

وجوابه؛ هو أنها إذا كانت للتعليل كان الكلام أبلغ وأوقع، وذلك أنه لما كان الموت لازماً لمن وُلِدَ، والفناء لا ينفك عمَّا جُمِعَ، والخراب لازم لما كان مبنياً، فلما كان الأمر كذلك صار لملازمته، كأن هذه الأشياء عِلَلٌ في تلك، فلهذا كان تفسيرها بالتعليل أحق، وقد ورد ذلك في كتاب الله تعالى كما قال تعالى(1): {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ}[الأعراف:179]، وقوله: {رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ}[يونس:88]، إلى غير ذلك، فأما من يتأوَّل هذه اللامات على أنها لام العاقبة فبمعزل عمَّا عليه النُّظار وأهل التحقيق من علماء البيان، كما هو مروي على بُعْدِه عن جُلَّةِ المتكلمين من المعتزلة، ومخالفته لما عليه أئمة اللغة والعربية من تأويلها(2) على لام العاقبة.
[127] (الدنيا دار ممر): إلى الآخرة.
(لا دار مقر): وليست دار استقرار وتوطن، والممر والمقر هما مكان المرور والاستقرار.
(والناس فيها رجلان): على كثرتهم وتفاوت أعدادهم، فهم لا ينفكون عن ذلك.
(رجل باع نفسه): عبر عن التساهل والانقياد للأهواء بالبيع؛ لأنه كأنه لمكان تعجله لهذه اللذات المنقطعة، جعلها ثمناً لنفسه وعوضاً عنها، فلهذا قال: باع نفسه.
(فأوبقها): أهلكها بما فعل من ذلك، والإيباق: الإهلاك.
(ورجل ابتاع نفسه): اشتراها، جعل كفه لنفسه لاتباع(3) هواها بمنزلة الشراء، كأنه بذلك تدراكها عن الهلاك.
(فأعتقها): بفعله ذاك.
[128] (لا يكون الصديق صديقاً): أراد أن صديق(4) الصحبة إنما يظهر بالاختبار والامتحان في أفعاله وأقواله، فلا يكون كذلك.
__________
(1) تعالى، سقط من (ب).
(2) في (ب): تأولها.
(3) كتب فوقها في (ب): عن اتباع.
(4) في (أ): صدق.

(حتى يحفظ أخاه في ثلاث): فمتى حفظه فيها كان صديقاً على الحقيقة.
(في غيبته): يعني إذا غاب حفظه في ماله وولده وأهله، وما يحفظه من ذلك.
(ونكبته): وإذا جرت عليه مصيبة من مصائب الدهر ونكباته [كان عوناً له](1).
(ووفاته): وإذا مات كان عظيم الحياطة لما وراءه من ذلك.
[129] ثم قال عليه السلام:
(من أعطي أربعاً لم يحرم أربعاً):
سؤال؛ ما وجه التلازم بين هذه الأربعة وهذه الأربعة، هل هو من جهة الاقتضاء، أو من جهة التسبيب(2)، أومن جهة أخرى غير ما ذكرناه فلا بد من بيانه؟
وجوابه؛ هو أن الغرض من ذلك هو أن من وفقه الله تعالى ولطف له في تحصيل [أحد هذه](3) الأربعة من هذه الأمور التي ذكرها، فهي بنفسها داعية إلى تحصيل تلك الأربعة الباقية.
قوله: من جهة الاقتضاء أو من جهة التسبيب(4).
قلنا: من جهة داعي الحكمة، ومن جهة الاستصلاح.
(من أعطي الدعاء): في أي حاجة أرادها من حوائج الدين والدنيا.
(لم يحرم الإجابة): بالإعطاء لما طلب من جهة الله تعالى.
(ومن أعطي التوبة): عن جميع الذنوب والإنابة إلى الله تعالى منها.
(لم يحرم القبول): من الله تعالى.
(ومن أعطي الاستغفار): طلب غفران ذنوبه من جهة الله تعالى.
(لم يحرم المغفرة): لم يمنعه الله إياها.
(ومن أعطي الشكر): على النعم.
(لم يحرم الزيادة) من النعم.
__________
(1) ما بين المعقوفين زيادة في (ب).
(2) في (ب): أو من التسبب.
(3) سقط من (ب).
(4) في (ب): التسبب.

سؤال؛ هب أنا سلمنا ما ذكر هنا في الاستغفار والتوبة لما كان في ذلك مستوراً عنَّا، فما وجه ذلك في الدعاء والشكر، ونحن نعرف كثيراً من أهل الدعاء يجتهدون فيه فلا تحصل لهم الإجابة، وكثيراً من أهل الشكر يحصل من جهتهم الشكر، ولا تحصل لهم الزيادة، فكيف أطلق الأمر في ذلك؟
وجوابه؛ هو أن الأمر في هذه الأشياء كلها وإن ورد مطلقاً فإنه(1) مشروط بالصلاح، فإنه لا يمتنع أن يدعو بما تكون الإجابة فيه مفسدة في أمر دينه ودنياه، فلهذا لا يجاب من أجل ذلك، وهكذا فإنه لا يمتنع أن تكون الزيادة في النعمة مفسدة، فلهذا يمتنع من فعلها لما ذكرناه، فهذه اللطيفة لابد من التنبه لها، وفي ذلك بطلان ما أورده السائل.
(وتصديق ذلك في كتاب الله سبحانه(2)): الإشارة إلى ما ذكره أولاً وعدده من هذه الأمور الأربعة.
(قال الله تعالى في الدعاء(3): {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ})[غافر:60].
وقال في الاستغفار: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً})[النساء:110].
وقال في الشكر: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ})[إبراهيم:7].
وقال في التوبة: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا})[النساء:17].
[130] (الصلاة قربان كل تقي): القربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى(4) من جميع النوافل والأعمال المبرورة، وفي الحديث: ((الصلاة خير كلها)).
__________
(1) في (ب): فهو.
(2) سبحانه، زيادة في (ب).
(3) في الدعاء، سقط من (ب).
(4) تعالى، زيادة في (ب).

(والحج جهاد كل ضعيف): يعني من لايستطيع الجهاد بالسيف فالحج هو جهاده.
(ولكل شيء زكاة): أي وكل شيء فيه حق لله يتوجه أداؤه وإخراجه.
(وزكاة البدن الصيام): يعني حق الله من البدن هو الصيام واجبه ومندوبه، وفي الحديث: ((الصوم لي، وأنا أجزي به)).
(وجهاد المرأة حسن التبعل): البعال والمباعلة والتباعل كله عبارة عن ملاعبة الرجل امرأته وملاعبتها له، وفي الحديث: ((إنها أيام أكل وشرب وبعال))(1)، وأراد بحسن التبعل حسن الملاعبة والدعابة له(2) لتطييب نفسه.
[131] (استنزلوا الرزق بالصدقة): يعني إذا قل رزق أحدكم فليتصدق؛ فإنها تكون سبباً لإنزاله وقسمته من عند الله تعالى.
[132] (من أيقن بالخلف): بالعوض من الله تعالى.
(جاد بالعطية): بالإعطاء لوجه الله تعالى.
[133] (تنزل المعونة): من الله تعالى.
__________
(1) أي أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، والحديث رواه ابن الأثير في النهاية1/141، وأخرجه من حديث لأمير المؤمنين علي عليه السلام الإمام أبو طالب عليه السلام في أماليه ص324-325 بسنده، عن يوسف بن مسعود، عن جدته أنها قالت: بينا نحن بمنى إذ أقبل راكب فسمعته ينادي: (إنهن أيام أكل وشرب وبعال) وذلك على عهد رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: من هذا؟ قالوا: علي بن أبي طالب عليه السلام، والحديث بلفظ: ((ألا إن هذه أيام أكل وشرب وبعال)) رواه من حديث القاضي العلامة علي بن حميد القرشي في مسند شمس الأخبار 1/438 في الباب التاسع والسبعين في تعظيم عيد النحر وقيام ليلته والترغيب في الضحايا وذكر أيام التشريق، وعزاه إلى المجالس برواية السمان عن أبي نبيشة، عن النبيصلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: فذكر الحديث. (وانظر تخريجه فيه).
(2) في (ب): والرعاية لتطييب نفسه.

(على قدر المؤونة): وهذا معلوم لا شك فيه، فإن من يمون عشرة لا يكون حاله كحال من يمون واحداً في الإعانة من جهة الله تعالى(1)، واللطف به وقسمة الرزق من عنده.
[134] (ما عال من(2) اقتصد): عال في الحكم إذا جار فيه، وعال إذا كثر عوله، وعال إذا مال، وأراد ها هنا ما كثر عول من اقتصد في معيشته، كما قال تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا}[النساء:3]، أي يكثر عولكم.
[135] (قلة العيال أحد اليسارين): لأن اليسار كما يكون بالمال وهو اليسار الأعظم، فقد يكون بقلة العيال؛ لأن عياله إذا كانوا قليلين لم يحتج إلى كثير المؤونة(3).
[136] (التودد نصف العقل): يعني التحبب إلى الناس هو نصف العقل؛ لأن العاقل هو الذي يأتي بالواجبات وينكف عن المقبحات، ويحسن المحبة للناس، فكان القيام بالأحكام العقلية نصف، والتودد نصف كما ذكر.
[137] (الهمُّ(4) نصف الهرم): يريد أن الهرم وهو ضعف القوى، كما يكون من أجل طول العمر، فقد يكون بالهمِّ، فصار الهمُّ نصفاً له من هذا الوجه.
[138] (ينزل الصبر على قدر المصيبة): أراد أن نزول اللطف من جهة الله تعالى(5) للصبر إنما يكون على عظم المصيبة وخفتها، فإن كانت عظيمة احتاجت إلى لطف قوي من جهة الله، وإن كانت خفيفة احتاجت إلى لطف خفيف من عنده أيضاً، فهو على قدر حالها في ذلك.
(ومن ضرب يده على فخذه عند مصيبة(6)): نزلت به حسرة وندامة وتلهفاً.
__________
(1) تعالى، زيادة في (ب).
(2) في (ب): امرؤ.
(3) في (ب): كثير مؤونة.
(4) في (ب) وشرح النهج: والهم.
(5) تعالى، زيادة في (ب).
(6) في شرح النهج: مصيبته.

(حبط أجره): يعني ذهب ثوابه الذي كان يستحقه على الصبر على هذه المصيبة، ولا يحمل على خلاف ذلك؛ لأن حمله على الفسق خطأ لا وجه له.
[139] (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ(1)): أراد أن بعض الصائمين لا يسلم صومه عما يحبط ثوابه عليه، فلهذا(2) لا يكون له منه إلا مجرد الامتناع عن شرب الماء البارد، وهذا بعينه قد روي عن الرسول(3) عليه السلام حيث قال: ((كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش))(4) يشير إلى ما ذكرناه.
(وكم من قائم ليس له من قيامه إلا العناء(5)): وهذا من ذاك فإنه لا يمتنع لبعض المصلين إبطال أجره على الصلاة بما يعرض منه من المعاصي الموجبة لإحباط عمله، ونقصان أجره.
(حبذا نوم الأكياس): يشير إلى أهل البصائر وأهل الظرف، فإنهم ينامون على السنة ويصلون على السنة من غير إفراط ولا تفريط.
(وإفطارهم!): يعني وحبذا صومهم وإفطارهم، وحبذا هذه كلمة دالة على المدح مثل نعم.
__________
(1) في شرح النهج: إلا الجوع والظمأ.
(2) في (ب): فهذا.
(3) في (ب): عن رسول الله.
(4) الحديث بلفظ: ((رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش)) أخرجه من حديث بسنده عن أبي هريرة المرشد بالله عليه السلام في الأمالي الخميسية 2/106،112، وكما في المرشد بالله رواه في مسند شمس الأخبار 1/417 في الباب الثاني والسبعين، عن أبي هريرة أيضاً وعزاه إلى المجالس برواية السمان، وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/114 إلى مسند أحمد بن حنبل 2/373، والمستدرك للحاكم 1/431، ومجمع الزوائد للهيثمي3/202، وهو فيها أيضاً 6/469 بلفظ: ((كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع)) وعزاه إلى مسند أحمد بن حنبل 2/441، وسنن الدارمي 2/301.
(5) في شرح النهج: إلا السهر والعناء.

[140] (سوسوا إيمانكم بالصدقة): السياسة هي: حسن التدبير للأمور، وأراد ها هنا أن الصدقة هي نهاية تقرير قواعد الإيمان وإثباتها.
(وحصنِّوا أموالكم بالزكاة): يعني عن الآفات والمصائب، وفي الحديث: ((إذا منعت الزكاة هلكت المواشي)).
(وادفعوا أمواج البلاء بالدعاء): فإنه يرد القضاء، وفي الحديث: ((الدعاء يرد القضاء)).

[141] كلامه لكميل بن زياد النخعي
(قال كميل بن زياد: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فأخرجن‍ي إلى الجبَّان): يعني الصحراء.
(فلما أصحر) : أي خرج إلى الصحراء.
(تنفس الصُّعَداء):، أراد استطلع نفسه من جوانح صدره، وهذا إنما يكون في حق من كان منقطعاً في الحزن والأسف.
ثم قال:
(يا كميل بن زياد، إن هذه القلوب أوعية): لما أقر فيها من العلوم والمواعظ والآداب والحكم.
(وخيرها أوعاها): أدخلها في النفع، وأعظمها قدراً عند الله تعالى(1) ما كان منها واعياً لما أودع فيه من ذلك.
(احفظ(2) عن‍ي ما أقول لك): أنطق به من لساني من أجل نفعك وتقريبك إلى الخير.
(الناس ثلاثة): أراد أن الناس على كثرتهم وتباين(3) أحوالهم وطبقاتهم لا يخرجون عن هذه العدة.
(عالم(4) رباني): الرباني هو: العالم بأحوال الربوبية وأحكامها وما يجب لها، وما يجوز عليها، وما يستحيل، وإدخال الألف والنون في النسبة إلى الرب على جهة المبالغة في ذلك، كما تقول: في النسبة إلى الروح: روحاني.
__________
(1) تعالى، زيادة في (ب).
(2) في (ب): واحفظ، وفي شرح النهج: فاحفظ.
(3) في (ب): وبيان.
(4) في (ب): فعالم.

(ومتعلم على سبيل نجاة): أراد لينجو في الدنيا من الجهل وفي الآخرة من العذاب، وهذا هو(1) دون الأول في الرتبة، فإن الأول يشير إلى عظم حاله في العلم بالله تعالى وبصفاته، وهذا ليس له في التعلم إلا مقدار ما يصل به إلى النجاة في الدنيا والآخرة كما أشرت إليه.
(وهَمَجٌ رِعَاعٌ): الهَمَجَة: ذباب صغير كالبعوض يقع على وجوه الحمير، وقد فسرناه، حيث مرَّ في كلامه من قبل، والرِّعَاعُ: الأحداث من الناس والطغام.
(أتباع كل ناعق): يعني من هتف(2) أجابوه من غير بصيرة لهم في أنفسهم.
(يميلون مع كل ريح): يشير بذلك إلى قلة بصائرهم وضعف أحوالهم في الديانة والعلم، فلا قوة لهم على شيء من أمورها بحال.
(لم يستضيئوا بنور العلم): في طريقهم إذا مشوا إلى طريق الآخرة.
(ولم يلجأوا إلى ركن وثيق): فيما هم فيه من أمر الديانة، واللجأ: الاستناد، يقال: لجأ في أمره إلى كذا إذا كان مستنداً إليه.
(ياكميل): تصغير كامل أو أكمل على طريقة الترخيم.
(العلم خير من المال): أعلا منه حالاً عند الله تعالى، وأجل قدراً، ومصداق هذه المقالة هو أن:
(العلم يحرسك): عن آفات الدين وأعظمها الجهل، وآفات الدنيا وأعظمها الزلل في التصرفات كلها.
(وأنت تحرس المال): بالقلاع المشيدة، والأبواب المغلقة، والأقفال الأكيدة، وكثرة الحفاظ والحراس له.
(والمال تنقصه النفقة): كلما أنفق منه نقص لا محالة، ويقل عدده سواء أنفق لله أو لغيره، خلا أن كل ما أنفق لله فإن الله تعالى يخلفه، بخلاف ما أنفق لغيره، فإنه لا عوض له من الله تعالى.
(والعلم يزكو على الإنفاق): يزيد على كثرة التعليم، ويزداد قوة ونفوذاً.
__________
(1) هو، سقط من (ب).
(2) في نسخة: من نعق، (هامش في ب).

وعن هذا قال بعضهم: العلم كامن وظهوره بالمناظرة والمراجعة، فإذا ظهر فهو ميت وحياته بالتعليم، فإذا حيَّ فهو عقيم، ونتيجته العمل به.
(وصنيع المال يزول بزواله): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أن صاحب المال إذا أعطى غيره شيئاً منه وجعل ذلك صنيعة إليه، فإنما يكون ذلك باقياً ما بقي المال في يده، فإذا زال امَّحى ذلك الصنيع ونسي أمره.
وثانيهما: أن يكون مراده أن كل من كان صاحب مال فإن صنيعه بالمال وإعطائه من يستحقه إنما يكون حكمه باقياً مهما بقي على اليسار والتمكن، فأما إذا صار فقيراً فإنه لا يبقى صنيعه أصلاً، ولا يستحق مدحاً بعد ذلك على ما فعله من الصنائع، بخلاف العلم فإن حاله(1) مخالف لذلك كله.
(ياكميل بن زياد، معرفة العلم دين(2) يدان به الله): أي يطاع به، بل هو من أعظم الطاعات وأفضلها؛ لأن كل طاعة فهي مفتقرة إلى العلم، والعلم لايحتاج إلى الطاعات، فلهذا شرف حاله، ونزل العلماء منزلة الآباء، كما قال بعضهم:
من علَّم الناسَ ذاك خيرُ أبٍ

ذاك أبو الروح لا أبو النطف

(به(3) يكسب الإنسان الطاعة في حياته): يعني أنه يكون سبباً في طاعة الله والانقياد لأمره، ولهذا قال ابن عباس: إن العلم يتعلم(4) لغير الله تعالى فيأبى الله إلا أن يجعله لله، يشير بما ذكره أمير المؤمنين إلى أنه يكون لطفاً في كثرة الطاعة والانكفاف عن المعصية.
(وجميل الأحدوثة بعد وفاته): يعني ويفيد صاحبه الثناء الجميل عليه بعد موته.
(والعلم حاكم): فيه وجهان:
__________
(1) في (ب): فإنه مخالف...إلخ.
(2) في (ب): دين الله يدان به الله.
(3) به، زيادة من شرح النهج.
(4) في (ب): ليتعلم.

أحدهما: أن يريد أن صاحب العلم حاكم على كل أحد في الإقدام والإحجام والعقد والحل بيده على حسب ما يراه، ويصوِّبه في الأمور كلها.
وثانيهما: أن يكون مراده أن رتبته عالية على كل رتبة، وأمره مرتفع على كل أمر، فلا أمر ينفذ عليه لأحد، وأمره نافذ على كل أحد.
(والمال محكوم عليه): نقيض لما ذكرناه من الوجهين في العلم.
(ياكميل بن زياد، هلك خزان المال(1) وهم أحياء): يعني أن أذكارهم في القلوب ماتت واندرست وهم باقون على الحياة، لا يلتفت إليهم ولا يجري ذكرهم على الألسنة بحال؛ لنزول أقدراهم وركة هممهم.
(والعلماء باقون ما بقي الدهر): يعني ذكرهم باقي في الحياة وبعد الموت، على المنابر والمساجد والمواضع الشريفة والكتب والدفاتر، فلا تسمع على المنابر إلا كلامهم، ولا ترى(2) مع الخلق إلا فتاويهم وأحكامهم، فلهذا بقي ذكرهم على وجه الدهر.
(أعيانهم مفقودة): بالموت والإدبار عن الدنيا.
(وأمثالهم في القلوب موجودة): لا تزال مصوَّرة في الأفئدة لتكرر أذكارهم على الآذان.
(ها): للتنبيه، كقوله تعالى: {هَاأَنْتُمْ أُوْلاَءِ}[آل عمران:119].
(إن هنا(3) لعلماً جماً): هنا إشارة إلى الأمكنة، يقال فيه: هنا مخففاً، وهَنَّا مضاعفاً بفتح الهاء، وأشار به إلى صدره، والجم هو: الكثير.
(لو أصبت له حملة): وجدت له من يحمله على ما أريد من الاستقامة على حدوده وشرائطه.
(بلى): موضوعة للإيجاب بعد النفي.
(أصبت لقناً): أي سريع الفهم، جيد القريحة.
(غير مأمون عليه): في تغييره وتحريفه وتبديله.
__________
(1) في شرح النهج: الأموال، وكذا في نسخة، ذكره في هامش (ب).
(2) في (ب): ولا يرى.
(3) في (ب) وشرح النهج: إن ها هنا.

(مستعملاً آله الدين للدنيا): لا غرض له فيه إلا طلب الدنيا، واستعمال لذتها، يتوصل به إلى ذلك.
(ومستظهراً بنعم الله على عباده): يجعل نعم الله ظهراً له وقوة على البغي على عباده، والظلم لهم، والتسرع إلى مضرتهم.
(وبحججه على أوليائه): أي ويجعل حجج الله ذريعة ووصلة إلى مخاصمة أوليائه وجدالهم.
(أو منقاداً لجملة(1) الحق): أو أصبت رجلاً منجذباً سلس القياد للأمور الظاهرة، وجمل الدين دون تفاصيله ودقائقه.
(لا بصيرة له في أحنائه): جوانبه، الواحد منها: حنو.
(ينقدح الشك في قلبه): يحصل الشك في قلبه على سرعة، ومنه انقداح النار.
(بأول عارض من شبهة): بأول ما يعرض له من الشبه والخيالات.
(ألا): للتنبيه، كقوله تعالى: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ}[يونس:62].
(لا ذا ولا ذاك): أي لا أريد من كان خائناً، ولا أريد من كان منقاداً لجمل هذا العلم، ولا أرضاهما أهلاً له.
(أو منهوماً باللذة): أي مولعاً باكتساب اللذات واستعمالها.
(سلس القياد للشهوة): يأتي لها بسهولة، لا يصعب عليه أمرها وحالها.
(أو مغرماً بالجمع والادخار): الغرام: شدة الولوع بالشيء، وأراد أنه مولع بجمع الدنيا وادخار حطامها وكسبها على أي وجه كان، ومن أي وجه حصلت.
(ليسا): الضمير للمنهوم والمغرم.
(من رعاة الدين): من الذين استرعاهم الله خلقه وأئتمنهم على حقائق دينه وأسراره.
(في شيء): لا في ورد ولا صدر، ولا مغدى ولا مراح، يقال: فلان ليس من(2) أمر الدين في شيء إذا كان لا يعرِّج عليه في وقت من الأوقات.
(أقرب شيء شبهاً): أقرب ما يشابه من الأشياء، ومماثلاً له في خلائقه وطرائقه.
__________
(1) في شرح النهج: لحملة.
(2) في (ب): في.

(بالأنعام السائمة): بالبهائم المرعية، كما قال تعالى: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ}[الفرقان:44]، وما قنع بهذا الشبه بل زاد بل(1) هم أضل منها حالاً.
(كذلك): الكاف هذه متعلقة بيموت.
(يموت العلم بموت حامليه): والمعنى مثل ما ذكرته من حال هؤلاء يموت العلم بموت من يكون حاملاً له منهم، وذا إشارة إلى المذكور من حالهم(2).
(اللَّهُمَّ): هذه كلمة تستعمل متوسطة بين كلامين متغايرين، كقولك: والله لأزورنك اللَّهُمَّ إلا أن تجد مني ملالة، ولألزمنك(3) اللَّهُمَّ إلا أن تكون لي كارهاً.
(بل(4)): للإضراب عما سبق من الإعراض عمن ذكر من هؤلاء الحملة.
(لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة): تعريف أحكام الدين، والقيام بواجباته، والمواظبة على أدائها.
(إما ظاهراً): للخلق يرونه، ويتعلمون منه شرائعه ورسومه.
(مشهوراً): فيما بينهم يتواصفونه من أجل ذلك، ويعرفونه لا يغبا على أحد منهم حاله ونعته.
(أو خاملاً): مدفون الذكر.
(مغموراً): بغيره في الاشتهار والظهور، وفي كلامه هذا دلالة على أن الواجب في حكمة الله تعالى هو حراسة الدين بالعلماء والقائمين لله تعالى بالحجج على عباده من أهل الفضل، إما بأن يكونوا ظاهرين للخلق يشاهدونهم ويرونهم ويتعلمون منهم، وإما بأن يكونوا بحيث لا يؤبه لهم لمكان البذاذة(5) ورثة الهيئة.
__________
(1) في (ب): بل زاد بل أراد بل هم ...إلخ.
(2) في (ب): أحوالهم.
(3) في (ب): ولأكرمنك.
(4) في شرح النهج: بلى.
(5) البذاذة: سوء الحالة، من بَذِذْتَ بَذاذة وبَذَاذاً، وبِذاذاً، وبُذوذة: أي ساء حالك. (انظر القاموس المحيط ص422) ورثة الهيئة: أي بذاذتها، ومنه الرثاثة والرثوثة.

(لئلا تبطل حجج الله وبيناته): على الخلق يعني أوامره ونواهيه وأحكامه اللازمة لخلقه.
(وكم ذا): فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون ذا(1) راجعاً إلى ما ذكره ممن يقوم بحجج الله، والمعنى وكم ذا أعدِّد(2) من لطف الله تعالى، وعنايته في الدين، واهتمامه بإصلاح خلقه.
وثانيهما: أن يكون راجعاً إلى المذكور أولاً من الذين لا يصلحون لحمل العلم ولا يكونون أهلاً له ولحمله، والمعنى وكم ذا أعدِّد ممن لا يصلح لذلك.
(وأين أولئك(3)!): أي لا يوجدون إلا على القلة والندور.
(أولئك والله الأقلون عدداً): في الخلق فلا يوجد أمثالهم.
(والأعظمون عند الله قدراً): لعلوهم في الدين وارتفاع درجتهم عند الله.
(يحفظ الله بهم حججه): على الخلق في أمر دينه.
(وبيناته): وبراهينه على ذلك.
(حتى يودعوها نظراءهم): يحفظونها حتى يدفعوها(4) إلى أمثالهم، يقال(5): أودعته مالاً إذا دفعته إليه.
(ويزرعونها(6) في قلوب أشباههم): يشير إلى الحجج على الدين، والزراعة ها هنا استعارة لتمكنها في أفئدتهم.
(هجم بهم العلم): يعني دخل بهم العلم بغتة.
(على حقيقة البصيرة): على التحقق(7) والاستبصار.
__________
(1) ذا، سقط من (ب).
(2) في (ب): عدِّد.
(3) أولئك، سقط من شرح النهج.
(4) في النسخ: يدفعونها، والصواب كما أصلحته.
(5) في (ب): ويقال.
(6) كذا في النسخ، وفي شرح النهج: ويزرعوها.
(7) في (ب): التحقيق.

(وباشروا روح اليقين): أي خالطوا، والرُّوح بضم الراء هو: النفس الجاري، والرَّوح بفتحها هو: الراحة، قال الله تعالى: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا}[الأنبياء:91]، وقال: {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ}[الواقعة:89]، والمعنى في هذا هو أنه أطلعهم العلم بالله تعالى، وبما أفاضه عليهم من الأنوار الإلهية واختصهم به من الأسرار على حقيقة أمر الدين وعلم طريق الآخرة، وخالط قلوبهم اليقين بذلك والتحقق له، فاستراحوا إليه واطمأنت قلوبهم عليه، وانشرحت صدورهم به، فتجاوزوا من أجله كل غاية، واحتملوا لإحرازهم له(1) كل مكروه.
(واستلانوا ما استوعره المترفون): المترفه هو: صاحب التنعم باللذات، وأراد أنهم استسهلوا ما وجده أهل النعمة وعراً من أجل ما عرفوه من حاله.
(وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون): يعني ووجدوا الأنس بما كان أهل الجهل يجدون منه الوحشة لجهلهم بحاله وعاقبة أمره.
(وصحبوا الدنيا): أراد إما أهل الدنيا لمخالطتهم لهم، أو أراد الدنيا نفسها.
(بأبدان): يعني أن أشباحهم حاصلة مع أهل الدنيا، أو تتصرف في أحوال الدنيا.
(أرواحها معلقة بالمحل الأعلى): والأرواح المودعة في هذه الأشباح معرضة عن ذلك متعلقة بالله تعالى، والتفكر في أحوال المعاد وطريق الآخرة، والشغل بعظمة الله تعالى، ومعرفة جلاله وكنه كبريائه، وكنى بالمحل الأعلى عن ذلك.
(أولئك): الذين وصفت حالهم(2)، وقررت طرائقهم.
(خلفاء الله): في دينه وعلى خلقه.
(في أرضه): التي هي مسكنهم، وموضع اجتهادهم في حقه.
(والدعاة إلى دينه): والمجتهدون في دعاء الخلق إلى دين الله وإحيائه.
(آه آه): صوت يستعمل للتوجع والتحزن، ينون تارة للتنكير، وتارة غير منون.
__________
(1) له، سقط من (ب).
(2) في (ب): أحوالهم.

(شوقاً إلى رؤيتهم!): إلى الاطلاع عليهم، والانتفاع بمخالطتهم.
(انصرف إذا شئت): لقضاء حوائجك، وإصلاح أمورك.
فأما ما زعمه الباطنية من أن كلامه هذا إشارة إلى كلبهم المعصوم المنتظر وجوده وظهوره، فمن تهويساتهم(1) وكذبهم في الدين وهذيانهم، فتباً لها من ظنون كاذبة!، وسحقاً لها من آراء غير صائبة! فمالهم أنى يؤفكون! مالهم لا يؤمنون! {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ}[المؤمنون:71].
ثم رجع إلى ذكر الحكم والآداب، بقوله:
[142] (المرء مخبؤ تحت لسانه): وهذه من الحكم التي أناف فيها على حكمة الحكماء، وسبق بها على بلاغة البلغاء، وغرضه منها هو أن الإنسان مستور لا يعرف حاله ما لم يتكلم، فإذا تكلم عرف حاله في الفطنة والكياسة، أو في اللكنة(2) والفهاهة.
[143] (هلك امرؤ لم يعرف قدره): أراد أن كل من لا يعرف حاله وقدره فإنه عن قريب لا محالة يرد في المهالك، ويوقع نفسه في المتالف، ولشرف هذه الحكمة ولطيف جوهرها وردت في كلامه على أوجه مختلفة، وعبارات متفاوتة.
[144] وقال لرجل سأله أن يعظه:
(لا تكن ممن يرجو الآخرة(3)): أي يتوقع الوصول إلى ثواب الآخرة، ويأمل ذلك.
(بغير العمل(4)): الذي يرجى حصول الثواب به، وإنما عرفه إشارة إلى العمل الصالح المرضي لله تعالى والمفعول لوجهه.
(ويُرجّي(5) التوبة): يأملها ويظنها.
__________
(1) في (ب): تهوراتهم.
(2) اللّكنة: عجمة في اللسان وعيُّ. (مختار الصحاح ص603).
(3) في نسخة: الأجر، (هامش في ب).
(4) في نسخة: بغير عمل، (هامش في ب)، وكذا في شرح النهج.
(5) في شرح النهج: ويرجو.

(بطول الأمل): وهو مع ذلك طويل الآمال بعيدها، ومن حق راجي التوبة قصر أمله ليحسن عمله بعد ذلك.
(يقول في الدنيا بقول الزاهدين): أي يظهر الرغبة عنها بلسانه، وينطق بالزهد فيها.
(ويعمل فيها بعمل الراغبين): وإذا نظرت إلى أعماله وجدتها عمل من هو راغب فيها مجتهد في تحصيلها، مكبٌّ على التحيل في طلبها.
(إن أعطي منها لم يشبع):لم تنقطع شهوته عنها وإن عظم إعطاؤه منها.
(وإن منع منها لم يقنع):لم يكن ذلك قنوع منه ولا رغبة في الآخرة؛ لشدة تلهفه على الدنيا.
(يعجز عن شكر ما أوتي): لا يقوم بشكر ما خوّل من نعم الدنيا.
(ويبتغي الزيادة فيما بقي): أراد إما فيما بقي من عمره، وإما فيما بقي فيما لم يعط إياه من قبل.
(ينهى(1)): غيره عن فعل المنكر وعن الإتيان بالمعصية.
(ولا ينتهي): عن ذلك كله.
(ويأمر بما لا يأتي(2)): من الطاعات وفعل الأعمال الصالحة.
(يحب الصالحين): بإظهار ذلك من قلبه ولسانه.
(ولا يعمل عملهم): بالطاعة لله والانقياد لأمره.
(ويبغض المذنبين): يكرههم بقلبه ولسانه.
(وهو أحدهم): يعني من جملة من أتى بالذنوب، وجاء بالمعاصي، فلهذا قال: وهو أحدهم.
(يكره الموت): لا يحب أن يموت قط.
(لكثرة ذنوبه): من أجل ما يسوءه عقيبه من كثرة ذنوبه، والعقاب عليها.
(ويقيم على ما يكره الموت له(3)): ومع كراهته للموت فهو مقيم على المعصية التي يكره الموت من أجلها وبسببها.
(إن سقم ظل نادماً): على مافاته من اللهو والطرب والمعصية لأجل سقمه.
__________
(1) في (ب): وينهي.
(2) في شرح النهج: ويأمر الناس بما لم يأتِ.
(3) في شرح النهج: على ما يكره الموت من أجله.

(وإن صحَّ ظل(1) لاهياً): في لذاته منهمكاً في طلب شهواته.
(يعجب بنفسه إذا عوفي): يصيبه العجب العظيم بنفسه إذا تنعم بالعافية وترفه في لذاتها.
(ويقنط إذا ابتلي!): وييأس من رحمته إذا أصابه بلوى في جسمه.
(إن(2) أصابه بلاء): ألم في جسمه أو مصيبة وجائحة في ماله.
(دعا مضطراً): على جهة الاضطرار لكشف ما هو فيه من الاضطرار.
(وإن ناله رخاء): تمكن في المعيشة.
(أعرض): عن الله، وشمخ بأنفه.
(مغتراً): مخدوعاً بالأماني الكاذبة والتسويفات الباطلة، وكأنه عليه السلام يشير بكلامه هذا إلى قول الله تعالى(3): {وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرّ مَسَّهُ}[يونس:12]، وقوله تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ}[فصلت:51]، {وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ}[فصلت:49]، وفي آية أخرى: {فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ}[فصلت:51].
(تغلبه نفسه على ما يظن): أراد أنه(4) ينقاد للأطماع المظنونة، وتغلبه نفسه على اتباعها من غير قطع عليها.
(ولا يغلبها على ما يستيقن): يعني أن الثواب مقطوع به مستيقن حصوله، ومع ذلك فإنه لا يقهرها على الأعمال الصالحة التي تكون سبباً في الوصول إليه.
(يخاف على غيره): من أفناء الناس.
(بأدنى من ذنبه): يريد أن ذنبه عظيم وهو لا يخافه، وذنب غيره دون ذنبه، وهو مع ذلك يشفق عليه من النار مخافة أن يقع فيها.
__________
(1) في نسخة : أمن (هامش في ب)، وهي كذلك في شرح النهج.
(2) في (ب): إذا، وفي شرح النهج: وإن.
(3) في (ب): إلى قوله تعالى.
(4) أنه، سقط من (ب).

(ويرجو لنفسه بأكثر من عمله): يعني أنه يأمل لنفسه من الثواب وارتفاع الدرجات عند الله تعالى، بأكثر مما يستحق من جزاء عمله إذا عمل.
(إن استغنى): عن الناس بأن أغناه الله تعالى.
(بطر): تجاوز الحد في كفران النعمة.
(وفت‍ن): في دينه بالخروج عنه.
(وإن افتقر): إلى الناس، واحتاج إلى ما في أيديهم.
(قنط): يئس عن خير الله تعالى.
(ووهن): ضعف في أحوال دينه، ويزلّ فيه.
(يُقَصِّر إذا عمل): يعني إذا عمل شيئاً من الأعمال التي يرجو بها وجه الله تعالى فهو في غاية التقصير في تأديتها على الوجه المرضي عند الله تعالى(1).
(ويبالغ إذا سأل): يعني ويلح في المسألة إذا سأل غيره شيئاً من حطام الدنيا.
(إن عرضت له شهوة): سنحت وعنَّت في مأكل أو مشرب أو ملبس.
(أسلف المعصية): قدّمها من أجل حصوله على شهوته.
(وسوَّف التوبة): عما أتاه من المعصية، وقال: سوف آتي بها بعد حين.
(وإن عَرَته محنة): التبسته وخالطته، من قولهم: عراه الجنون إذا خالطه، وأراد إذا خالطه شيء من البلاوي والامتحانات.
(انفرج عن شرائط الملة): انكشف وزال عن رسوم الدين وحدوده.
(يصف العبرة): بلسانه.
(ولا يعتبر): يظهر الاتعاظ في أفعاله ولا يُرَى عليه أثر الاعتبار.
(ويبالغ في الموعظة): لغيره من أفناء الناس.
(ولا يتعظ): ينزجر عن فعل القبائح في نفسه.
(فهو بالقول مُدِلُّ): أي فهو(2) بما يقوله من جهة لسانه من الدين واثق مستظهر.
(ومن العمل مُقِلُّ): يعني ومن عمل الآخرة وطاعاتها في غاية الإقلال.
(ينافس فيما(3) يفنى): المنافسة هي: الرغبة في الشيء على جهة المباراة للغير فيه، والمزاحمة له في فعله.
__________
(1) تعالى، زيادة في (ب).
(2) فهو، سقط من (ب).
(3) في (ب): بما.

(ويسامح فيما يبقى): أي ويستسهل فيما يكون خيره باقياً، وغرضه من هذا كله منافسته في أعمال الدنيا، وتساهله في أعمال الآخرة.
(يرى الغنم مغرماً): يعني أنه إذا أعطى الزكاة والصدقة فهو(1) غنم في الحقيقة؛ لما فيها من إعظام الأجر، ويراها غرماً لثقلها عليه وكراهته لإخراجها.
(والغرم مغنماً): ويرى منع الزكاة والصدقة غنيمة بخلاً وضِنّة بهما، وذلك مغرم في الحقيقة لما فيه من العقاب والوعيد.
(يخشى الموت): يخاف هجومه عليه ويشفق من موافاته.
(ولا يبادر الفوت): أي ولا يعاجل ما يفوته من الأعمال الصالحة عند موته وينقطع عنه من ذلك.
(يستعظم من معصية غيره): يستكبر ذلك في نفسه ويهول في وقوعه ويستنكر.
(ما يستقلُّ أكثر منه من نفسه): ما يكون أكثر منه قليلاً إذا وقع من جهة نفسه، ولا يُرى لذلك أثر.
(ويستكثر من طاعته): يعده(2) كثيراً في نفسه، ويستعظم:
(ما يحقِّره من طاعة غيره): يعني إذا وقع من ذلك في حق غيره استحقره واستقله.
(فهو على الناس طاعن): في أفعالهم وطاعاتهم، مولعاً بالاعتراض عليهم في جميع أحوالهم.
(ولنفسه مداهن): المداهنة: المصانعة، وأراد أنه غاش لنفسه في ذلك، يقال: أدهنت في الأمر إذا غششت فيه.
(اللهو مع الأغنياء): إفراط المزاح والطرب بأنواع الملاهي.
(أحب إليه من الذكر مع الفقراء): أميل إلى قلبه من أن يكون ذاكراً لله تعالى مع أهل الفقر والمسكنة.
(يحكم على غيره لنفسه): يريد أنه يستوفي حقه ممن كان عليه لنفسه ويوفيها إياه.
(ولا يحكم عليها لغيره): يعني وإذا كان عليه حق لغيره من الناس فهو غير موف له من جهة نفسه.
(ويرشد غيره): يدله على مواضع الرشد.
__________
(1) في (ب): فهي.
(2) في (ب): يراه.

(ويغوي نفسه): بسلوك طريق الضلال، وتعمية الحق على نفسه.
(فهو يطاع): فيما قال وأمر وحكم على غيره بشيء من الأحكام.
(ويعصي): أي ويخالف في جميع ما أمر به ونهي عنه.
(ويستوفي) حقه في كيل أو وزن أو غير ذلك.
(ولا يوفي): من جهة نفسه بشيء من ذلك.
(ويخشى الخلق): يخافهم ويشفق منهم.
(في غير رَبِّه): يريد أن خشيته للخلق ليس في أمر من أمور الدين، ولا من الأمور المتعلقة بالله تعالى، وإنما كانت من أجل ما بينه وبينهم من المعاملة.
(ولا يخشى رَبَّه في خلقه): أي ولا يخاف الله في خيانته في معاملة الخلق ونقص حقوقهم، فصار خائفاً للخلق، وخوفه لغير الله، وإنما خوفه لما يلحقه من مضرة الخلق، ولا يخاف الله فيما يفعله بالخلق.
وأقول: لقد عظم هذا الكلام وأوفى، وأغنى عن غيره في النفع وكفى، وبالغ في الزجر والموعظة وشفى، ولو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذا الكلام لكان خليقاً بأن يكون تبصرة لمبصر، وعبرة لناظر مفكر، وكيف لا وهذا بالإضافة إلى ما اشتمل عليه من الأسرار والرموز، وتضمنه من الجواهر والكنوز كغرفة من بحر لجي كما قررناه.
[145] (لكل أمر(1) عاقبة): أي منتهى وغاية يصل إليها ولا يتجاوزها.
(حلوة): تشتهيها النفوس وتميل إليها.
(أو مرة): تنفر عنها الطباع ولا تلائمها.
[146] (لكل مقبل): من جميع الأمور كلها.
(إدبار): تقضي وزوال، وذلك لأن الدنيا كلها إلى نفاد فما أقبل منها من علم أو عمل أو عمر أوسعادة أو بلوى، فلا بد من تقضيه وزواله.
(وما أدبر): تقضَّى وزال(2).
__________
(1) في شرح النهج: امرئ.
(2) في (ب): تقضياً وزوالاً.

(كأن لم يكن(1)):كأنه في الحقيقة ما كان ولا كان له حصول ووجود، وهذا كله من شؤم الدنيا وهوانها، أن كل ما أقبل منها فلا بد له من إدبار، وما أدبر منها كأنه ما وجد في حال أصلاً.
اللَّهُمَّ، اجعل عاقبة أمرنا، وقصارى أحوالنا رضوانك والفوز بكرامتك.
[147] (لا يَعْدَمُ الصبور الظفر): أراد أن كل من كان صابراً على تحصيل مراد وغرض في الدين والدنيا، فعن قريب وقد حصل له الظفر بمراده.
(وإن طال به الزمان): وإن تراخت الأيام والليالي فعاقبته ذلك.
[148] (الراضي بفعل قوم كالداخل معهم(2)): أراد أن كل من كان راضياً بأفعال قوم فحكمه حكمهم، وظاهر(3) كلامه هذا دالٌّ على أن الرضا بالكفر يكون كفراً، والرضا بالفسق يكون فسقاً، فمن رضي بأفعال الكفار، فقد دخل معهم في الكفر، وهكذا حال الفُسَّاق، ومن رضي بأفعال قوم فقد تولاهم لأجل ذلك، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}[المائدة:51]، وكثرة الخوض في مثل هذا يحرك علينا قطباً من أسرار الإكفار وذكر حقيقة الموالاة وحكمها، وفيه خروجنا عن مقصد الكتاب، وقد رمزنا إلى حقائق القول فيه في الكتب الدينية.
(وعلى كل داخل في باطل إثمان): أراد أن كل من فعل معصية فسقاً كانت أو كفراً أو غير ذلك مما ليس كفراً ولا فسقاً، فلابد فيها من وجهين في الإثم.
(إثم العمل به): الإقدام على فعله وقد نهي عنه.
(وإثم الرضا به): إرادته.
__________
(1) في (ب): كان كأن لم يكن.
(2) في شرح النهج: كالداخل فيه معهم.
(3) في (ب): فظاهر هذا كلامه...إلخ.

سؤال؛ كلام أمير المؤمنين ها هنا مخالف لما قالته المعتزلة وغيرهم من المتكلمين من أن أقل المعاصي يستحق عليها جزءان من الإثم، وها هنا قال: لا يستحق عليها إلا جزء واحد، على الفعل جزء، وعلى الرضا جزء فما وجهه؟
وجوابه؛ هو أنه عليه السلام ليس غرضه ذكر ما يستحق على المعصية من أجزاء العقاب، فيكون ما قاله السائل طعناً في كلامهم، وإنما غرضه أن الفعل لا يفعل إلا مع كونه مرضياً، فأراد أن يبين أن على مطلق الفعل إثم، وعلى مطلق الرضا إثم آخر غير ذلك الذي على الفعل، ولم يرد تقرير(1) مقدار أقل ما يستحق على المعصية من الآثام والعقاب.
[149] (إعتصموا بالذمم): يعني العهود والمواثيق، وعصمتها: منعها عن النقض والإخلاف فيها.
(في أوتادها(2)): فيه وجهان:
__________
(1) في (ب): تقدير.
(2) هذه الحكمة في شرح النهج لفظها: (استعصموا بالذمم في أوتارها)، قال ابن أبي الحديد في شرح ذلك في شرح النهج 18/372: أي في مظانها ومركزها، أي لا تستندوا إلى ذمام الكافرين والمارقين، فإنهم ليسوا أهلاً للاستعصام بذممهم، كما قال تعالى: {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} وقال: {إنهم لا أيمان لهم}.
…وهذه كلمة قالها بعد انقضاء أمر الجمل وحضور قوم من الطلقاء بين يديه ليبايعوه، منهم مروان بن الحكم، فقال: وماذا أصنع ببيعتك؟ ألم تبايعني بالأمس! يعني بعد قتل عثمان، ثم أمر بإخراجهم ورفع نفسه عن مبايعة أمثالهم، وتكلم بكلام فيه ذمام العربية وذمام الإسلام، وذكر أن من لا دين له فلا ذمام له، ثم قال في أثناء الكلام: (فاستعصموا بالذمم في أوتارها) أي إذا صدرت عن ذوي الدين، فمن لا دين له لا عهد له. انتهى.

أحدهما: أن يريد المواظبة على ما يعلق على العقود والمواثيق من الأفعال والتحفظ بها، كما يكون الوتد حفظاً لما يعلَّق عليه من الأمتعة.
وثانيهما: أن يكون مراده التشدد في العهود والمواثيق، استعارة له من شدة الوتد وضربه في الجدار.
[150] (عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته): يشير بذلك إلى معرفة الله تعالى، فإنه لا عذر لأحد في الجهل به(1)، لما فيه -أعني العلم به- من اللطف، والمصلحة والتقريب من الطاعة، والانكفاف عن المعصية؛ لأن مع معرفته يحصل الداعي إلى الطاعة وهو الثواب عليها، ويحصل الانكفاف عن المعصية بما يستحق عليها من العقاب.
[151] (قد بصرتم): إما من البصر وهو رؤية الأدلة الباهرة على وجود الصانع وتوحيده، وإما من البصيرة بما عرَّفنا به من الهداية، والآداب والحكمة.
(إن أبصرتم): إن استعملتم أبصاركم وبصائركم في ذلك.
(وقد هديتم): إلى الدين.
(إن اهتديتم): طرقه وأحكامه.
[152] (عاتب أخاك بالإحسان إليه): يعني إذا سمعت ما تكرهه من أخيك المؤمن فاجعل العتاب له هو الإحسان إليه.
(واردد شره بالإنعام عليه): أراد واردد ما وصل منه من الشر إليك بالإفضال عليه من جهتك، فإن ذلك يكون أدعى إلى انكفافه عن الشر إليك، وأقرب إلى ارعوائه عما كان فيه من إيصال الإيذاء.
[153] (من وضع نفسه مواضع التهمة): في الأماكن التي تكون سبباً في التهمة وطريقاً إليها.
__________
(1) به، زيادة في (ب).

(فلا يلومن(1) من أساء به الظن): يعني فلومه من جهة نفسه لكونه فعل ذلك، ولا لوم على من ساء ظنه فيه بالتهمة له في ذلك، وفي الحديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم))(2).
[154] (من ملك): أمراً من الأمور، أو(3) كان له قدرة على غيره.
(استأثر): أي استبد بما يملكه من ذلك، ولم يرض المشاركة فيه.
[155] (من استبد برأيه هلك): يشير إلى أنه يتطرَّق إليه الزلل فلا يأمن الهلكة في بعض آرائه.
(ومن شاور الرجال): أخذ آرائهم في القضايا، واستمد منهم المصالح في الرأي.
(شاركها في عقولها): يريد أن الرأي هو غاية فهم الإنسان ونهاية عقله، فإذا أخذته من صاحبه فقد شاركته فيما يُوصِّل إليه عقله من ذلك.
[156] (ومن كتم سره كانت الخِيَرَةُ بيده): يعني أنه إذا كتم السر كان مخيراً في الإقدام والإحجام، وكان مالكاً لأمره، وبعد إفضائه لسره لا يكاد يملك ذلك من حاله وأمره.
[157] (الفقر هو الموت الأكبر): إنما كان أكبر لوجهين:
أما أولاً: فلأن الفقر في بعض الأحوال يتمنى صاحبه عنده الموت، وهو خروج الروح، وما كان يتمنى عنده الموت فهو أخف لا محالة وأصغر عنده مما يلاقيه من ذلك.
وأما ثانياً: فلأن الموت الذي هو خروج الروح فيه راحة للأبدان والخواطر والقلوب والجوارح، والفقر فيه عذاب لهذه الأشياء، فلهذا قال: هو الموت الأكبر يشير إلى ما ذكرناه، وفي الحديث: ((ما من بر ولا فاجر إلا وبطن الأرض خير له من ظهرها))، فهذا فيه إشارة إلى الراحة التي ذكرناها بالموت، وعن هذا قال بعضهم:
ليس من مات فاستراح بميت
__________
(1) في (أ): فلا يلوم، وما أثبته من (ب) ومن شرح النهج.
(2) رواه العلامة المفسر الزمخشري في الكشاف 2/450، 3/568.
(3) في (ب): وكان.

إنما الموت في سؤال الرجال

وفي الحديث: ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعوذ بالله من الفقر))(1).
اللَّهُمَّ، أدخلنا في دعوته المباركة، وأشملنا ببركتها.
[158] (من(2) قضى حق من لا يقضي حقه فقد عبَّده): يعني إذا كنت مساعداً لغيرك في قضاء حوائجه، ومبادراً إليها في تحصيلها، وهو لا يقضي لك حاجة قط، فهذه هي العبودية والذل والتصاغر الذي هو من شأن العبيد.
[159] (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق): يعني أن طاعة أولي الأمر فيما يأمرون به إنما هو فيما هو طاعة لله تعالى، ووجوب ذلك إنما هو بإيجاب الله تعالى، فإذا كان معصية ومخالفة لله فلا تتوجه طاعتهم بحال.
ويحكى أن خالد بن الوليد أمَّره الرسول على سرية، فأجج لهم ناراً وأمرهم بالاقتحام فيها، فمنهم من اقتحم لما أمره ومنهم من أبى ذلك، فلما بلغ ذلك الرسول قال: ((لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق))(3)، فهذه هي من كلام الرسول كما أوضحناه.
__________
(1) وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة)) أورده في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 2/215، وعزاه إلى سنن النسائي الكبرى (المجتبى) 8/261، والمستدرك للحاكم النيسابوري 1/540، والسنن الكبرى للبيهقي 7/12، وإتحاف السادة المتقين 4/350، 9/271، والمعجم الكبير للطبراني 9/50 إلى غيرها. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في دعائه: ((اللهم، إني أعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك)) رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج6/191.
(2) في (ب): ومن.
(3) الحديث ورد في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 7/265، وعزاه إلى مصنف ابن أبي شيبة12/546، والدر المنثور2/177، وتأريخ بغداد 3/145، 10/22، وتأريخ أصفهان1/133.

[160] (لا يعاب الرجل(1) بتأخير حقه): يعني لا نقص عليه في ذلك، بل ذلك يكون من جملة التفضلات بتأخير الآجال وتراخيها، وفيه إشارة إلى أنه لا نقص عليه في تركه للقيام بالإمامة؛ لأنه كما لا يعاب بالتأخير فلا يعاب أيضاً بالترك؛ لأنه إسقاط لحقه لا غير.
(إنما يعاب من أخذ ما ليس له): لأنه يكون ظالماً لا محالة، فلا جرم توجه اللوم والذم إليه.
[161] (الإعجاب يمنع الازدياد): [يعني أن من دخله](2) الإعجاب في عمله فقد استكثره ورآه عظيماً في عينه، ومع هذا يفتر عن الزيادة وتكبر عليه، وتصور الكثرة يمنع من الزيادة.
[162] (الأمر قريب): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أن أمر الدنيا قريب هين فلا حاجة إلى التعريج عليها، وفي الحديث: أن الرسول رأى ابن عمر يصلح جداراً، فقال: ((الأمر أقرب من هذا))(3).
وثانيهما: أن يكون مراده أن أمر الآخرة قريب، فينبغي الالتفات إليها والمواظبة على إحرازها.
__________
(1) في شرح النهج: المرء، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(2) في (ب): لأن من داخله الإعجاب...إلخ.
(3) روى قريباً منه القاضي العلامة محمد بن مطهر الغشم في رضا رب العباد ص34 عن عبد الله بن عمر، قال: مر بي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أطين حائطاً أنا وأمي فقال: ((ما هذا يا عبد الله؟)) فقلت: يا رسول الله، وَهِيَ فنحن نصلحه، فقال: ((الأمر أسرع من ذلك)) وفي رواية: ((ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك)) قال: رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه.

(والاصطحاب قليل): يعني في ذات الله قليلة، والاصطحاب هو: المصاحبة، وهو افتعال، لكن الصاد إذا لاقت تاء الافتعال تقلب طاء، ومع الضاد في نحو اضطرب(1)، ومع الطاء في نحو اصطلم، ومع الدال ذالاً في نحو اذدكر.
[163] (قد أضاء الصبح لذي عينين): هذا مثل يضرب لمن اتضح له معرفة الشيء ثم تغافل عنه، وأعرض عن رؤيته، والمعنى أن الصبح يدرك إضاءته من كان مهتماً بإدراكه، وله عينان يدرك بهما.
[164] (ترك الذنب أهون من طلبة(2) التوبة): لأمرين:
أما أولاً: فلأن في ترك الذنب إهمالاً عن الاشتغال بالتوبة وفعلها وإراحة للنفس عن ذلك.
وأما ثانياً: فلأن في ترك الذنب سلامة؛ لأنه لا يدري إذا فعل التوبة هل يؤديها بشروطها فتكون مقبولة أو(3) لا، وفي ترك الذنب سلامة عما ذكرناه كله، وهو يضرب مثلاً فيمن يفعل أمراً كان له(4) عنه مندوحة وسعة.
[165] (كم من أكلة منعت أكلات): يشير إلى أن الإنسان إذا أكل أكلة زائدة على ما يعتاده فربما لم تتسع لها معدته، فتصيبه هيضة(5) فتمنعه عن أكلات كثيرة، وربما يضرب مثلاً لمن يفعل فعلاً فيمنعه تعاطي أفعال كثيرة، لو لم يفعله لأمكنه فعلها.
[166] (الناس أعداء ما جهلوا): ما عرفه الإنسان وأحاط به علماً فهو ملائم له موافق(6) لمزاجه، فلهذا تكثر مراجعته له، ويزداد النظر فيه، وما جهله فهو نافر عنه مخالف لطبعه، ويكون هاجراً له لا يعلق بخاطره(7) كأنه عدو له في المهاجرة وقلة الاحتفال بأمره.
__________
(1) في (ب): اضطراب.
(2) في (ب) وشرح النهج: طلب.
(3) في (ب): أم لا.
(4) له، سقط من (ب).
(5) الهيضة: معاودة المرضة بعد المرضة. (القاموس المحيط ص848).
(6) في (ب): وموافق.
(7) في (ب): لاتعلق له بخاطره.

[167] (من استقبل وجوه الآراء): بالنظر الصائب والفكر المستقيم(1).
(عرف وجوه(2) الخطأ): عند تصفحه لها واستعمال الفكرة الصائبة فيها.
[168] (من أخذ(3) سنان الغضب لله): أخذ السنان استعارة، وأراد من تسلح الغضب من أجل إعزاز دين الله وإعلاء كلمته.
(قوي على قتل أشداء الباطل): الأشداء: جمع شديد كنبي وأنبياء، وأراد قوَّاه الله ونصره على قتل من كان شديد الشكيمة(4) في الباطل وناصراً له، ويروى: (آساد الباطل): وهو: جمع أسد أي شجعان الباطل، وأهل الشطارة(5) فيه.
[169] (إذا هبت أمراً فقع فيه): يعني إذا كنت خائفاً من أمر ومشفقاً من الوقوع فيه فافعله، وادخل فيه وتلبس به.
(فإن توقيه(6) أعظم مما تخاف منه): أراد فإن محاذرتك من الوقوع فيه أدخل ألماً وأعظم خوفاً من فعله.
[170] (آلة الرياسة): يعني قاعدتها، والأصل الذي تكون مبنية عليه.
(سعة الصدر): احتمال كل مكروه للخلق والصبر على علاجهم، والتغمد لما يجري منهم.
[171] (ازجر المسيء بثواب المحسن): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد اذكر للمسيء(7) العاصي ثواب المحسن المطيع فلعله بذكرك لثوابه ينقرع(8) عن إساءته ويكف عنها، ويغار على تركه لثواب المحسن.
__________
(1) في (ب): السليم.
(2) في شرح النهج: مواقع، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(3) في شرح النهج: من أحدَّ.
(4) فلان شديد الشكيمة إذا كان شديد النفس أنفاً أبياًّ. (مختار الصحاح ص345).
(5) الشاطر: الذي أعيا أهله خبثاً. (المرجع السابق ص337).
(6) في شرح النهج: فإن شدة توقيه ...إلخ.
(7) في (ب): المسيء
(8) في (ب): أن ينقرع.

وثانيهما: أن يكون مراده كفَّ من أساء إليك بالإحسان إليه، فإن كفَّك له بالإحسان إليه يكون زجراً له عن الإساءة إليك.
[172] (اقلع(1) الشر من صدر غيرك، بقلعه من صدرك): يريد إذا كانت الشحناء بينك وبين غيرك وأردت زوالها وإبعادها، فَأَزِلْهَا أولاً عن قلبك فإنها لا محالة تزول من صدر صاحبك(2) ثانياً، وهذا ظاهر فإنه لا يمكنه علاج نفس غيره، وإنما قدرته على علاج نفسه، وعند إزالة ذلك الوَحَر(3) من صدره، تنجذب نفسه وتسلس خلائقه فيكون من ذاك(4) مثله لا محالة، وفي ذاك(5) زواله بالكلية.
[173] (اللجاجة تسل الرأي): أي تزيله بسهولة، من قولهم: سللت الشعرة من العجين إذا أخرجتها، وأراد أن اللجاج إذا عظم وكثر زالت معه الإصابة وفسد الرأي كله.
[174] (الطمع رقُّ مؤبد): يريد مهما كان الإنسان طامعاً فلا يزال في رق العبودية لمن هو طامع منه، لا فكاك لرقه، ولاخلاص له عنه.
[175] (ثمرة التفريط الندامة): أي لكل شيء ثمرة، وثمرة من فرط في عمل من أعمال(6) الدنيا والدين هو الأسف على ذلك العمل، وإحراز فرصته.
(ثمرة(7) الحزم السلامة): أراد أن كل من حَزُمَ في أحواله وبناها عليه، فإنه يسلم لا محالة مما كان يحاذره ويخافه.
__________
(1) في شرح النهج: احصد.
(2) في (ب): من صدر غيرك صاحبك.
(3) الوَحَر بفتحتين: الغل.
(4) في (ب): ذلك.
(5) في (ب): ذلك.
(6) أعمال، سقط من (ب).
(7) في شرح النهج: وثمرة.

[176] (لا خير في الصمت عن الحكم): المراد بالحكم ها هنا الحكمة، وأراد أنه لا فائدة في الصمت عن التكلم بالحكمة، فالنطق بها خير من الصمت عنها، وما ورد من جهة الشرع في إيثار الصمت إنما هو فيما لا حكمة فيه، وإليه تشير ظواهر الآي والأخبار إلى ما ذكره ها هنا.
(كما أنه لا خير في القول بالجهل): يريد أنهما سيَّان، فترك الكلام بالحكم مثل النطق بالقول الجهل في الضرر والمفسدة.
[177] (ما اختلفت دعوتان إلا كانت إحداهما ضلالة): فيه روايتان:
أحدهما: بالياء بنقطتين من أسفلها وهو تثنية دعوى، وأراد من ادَّعى شيئاً وادَّعى آخر خلافه في المسائل الدينية والأحكام العقلية، وما يكون طريقه القطع، فلا بد من أن تكون أحدهما لا محالة خطأ وباطلاً.
وثانيهما: بالتاء بنقطتين من أعلاها، وهي تثنية دعوة، وغرضه من دعا إلى حق ودعا غيره إلى خلافه، فلا(1) بد من أن تكون أحدهما ضلالة، وهي التي تخالف الحق.
[178] (ما شككت في الحق مذ أُرْيِتُه(2)): يشير بهذا إلى استقامة طبعه وسلامة نظره عن الميل عن الحق، وعصمة الله له عن الخطأ في الدين والاعتقاد، وغرضه من هذا كثرة الانقياد منه للحق عند معرفته بكونه حقاً وصواباً.
[179] (ما كَذَبْتُ): كذبة على الله تعالى(3) ولا على رسوله، ولا نقلت حديثاً يخالف ما هو عليه.
__________
(1) في (ب): ولا بد.
(2) في (ب): رأيته.
(3) تعالى، زيادة في (ب).

(ولا كذبت): فإن كان مبنياً لما سمي فاعله فالغرض أني ما كذَّبت الرسول ولا أحداً من الأنبياء قبله فيما جاءوا به من عند الله، وإن كان مبنياً لما لم يسم فاعله(1)، فالغرض أني ما نقلت شيئاً من الرسول ولا عن غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم ولا عن الله فكذبني فيه أحد ممن رويته له ونقلته إليه.
سؤال؛ أليس الخوارج قد كفروه وخطاؤه فيما فعل من التحكيم، وهذا تكذيب له في مقالته؟
وجوابه؛ هو أن إكفارهم له ليس تكذيباً له فيما أخبر به عن نفسه، ولا فيما أخبر به عن الله وعن رسوله، فيكون طعناً على ما ذكرناه، وإنما كفَّروه لاعتقادهم أنه أخطأ فيما حكَّم من الحكمين، وكل خطأ فهو كفر، فإكفارهم له من هذا الوجه، لا من جهة التكذيب، وفي ذلك صحة ما قلناه.
(ولا ضللت): عن الحق، وزغت عن طريقه.
(ولا ضُلَّ بي): أي ولا كان من جهتي بسبب(2) فعلته مما يضل به أحد من الخلق، ولا بد من تأويله على ما ذكرناه.
فأما(3) كونه سبباً لضلال كثير من الخلق مثل الخوارج وغيرهم من غير فعل سبب من جهته ضلوا به، فهذا قد وجد وحصل، وإنما الغرض تأويله على ما ذكرناه ليستقيم.
[180] (للظالم(4)): بإيلام غيره أوبأخذ حقه.
(البادِي): السابق لغيره بالظلم في ذلك.
(غداً): يعني يوم القيامة.
__________
(1) أي كُذِّبْتُ.
(2) في (ب): ولا كان من جهتي ضلال بسبب فعلته ...إلخ.
(3) في (ب): وأما.
(4) في (أ): الظالم، والصواب ما أثبته من (ب) وشرح النهج.

(بكفه عضة): عض الكف كناية عن الندم، وأراد أنه يندم على ما فعله يوم القيامة من البداية بالظلم، ومصداق ذلك قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ}[الفرقان:27]، أي يندم على ما فعله حسرة وتأسفاً(1) على إقدامه عليه.
[181] (الرحيل وشيك): وشك الأمر إذا قرب، وأراد أن الارتحال إلى الآخرة يقرب حاله.
[182] (من أبدى صفحته للحق هلك): صفحة كل شيء جانبه، وأراد من جاهر بالجدال بالباطل، وأعرض عن قبول الحق فسد وبطل أمره.
[183] (من لم ينجه الصبر): على الأمور كلها.
(أهلكه الجزع): أراد أنه إذا لم يكن في الصبر على المصائب وجميع البلاوي نجاة عن الشرور، فالجزع فيها هو الهلاك بعينه، كما قالوا: من لم ينجه الصدق أوبقه الكذب.
[184] (واعجبا أتكون(2) الخلافة بالصحابة، ولا تكون بالصحابة والقرابة): هذا الكلام وارد على جهة الرد على من زعم تقرير إمامة أبي بكر وعمر بالصحبة، فقال متعجباً من ذلك كيف تكون ثابتة بالصحابة فقط! ولا تكون ثابتة لمن ثبت في حقه الصحابة والقرابة جميعاً! فهو لا محالة يكون أحق وأولى لأمرين:
أما أولاً: فلأن ما ثبت في حق غيره فهو ثابت في حقه، على أكمل وجه وأتمه.
وأما ثانياً: فلأن القرابة إن لم تكن سبباً في استحقاق الخلافة وتقريرها، فلا أقل من كونها عاضدة ومقوية للصحبة، فلهذا كان أحق بالخلافة على ما يزعمونه من ذلك.
(وقد روي له في هذا شعر وهو قوله يخاطب أبا بكر:
فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم

فكيف بهذا والمشيرون غُيَّبُ

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم

فغيرك أولى بالنبي وأقربُ):
__________
(1) في (ب): أي يندم على فعله حسرة وأسفاً.
(2) في شرح النهج: واعجبا أن تكون ...إلخ.

الشورى هي: المشاورة في الأمر، وأراد أخبرني بما حصلت لك الخلافة، وملك أمور الأمة والرئاسة عليها، فإن كان بالمشاورة من جهة الفضلاء من الأمة وجماهير الصحابة فالأكثر منهم كان غائباً لم يحضر هذه المشورة، فكيف تدَّعي الإجماع في ذلك من بعض الأمة دون بعض، وما هذا حاله لا يُعدُّ إجماعاً، وٍإن كان بالقربى من جهة الرسول حججت من قال من الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، وقلت: هذا الأمر لا يكون إلا في هذا البطن من قريش، ومن كان يقرب إلى الرسول ويدنو منه في نسبه وقرابته(1) منه، فإن كان الأمر كما قلته، فغيرك يشير إلى نفسه أدنى منك قرابة وأولى منك اختصاصاً ومودة، وهذا كلام(2) بالغ في قطع لاحتجاجه(3) بما ذكر من دعوى الإجماع واختصاصه بالقرابة، ولا زيادة على ما ذكره وقرره.
[185] (إنما المرء في الدنيا غرض): الغرض: ما يرمى.
(تنتضل فيه المنايا): أي ترميه بسهامها.
(ونهب تبادره المصائب): النهب: اسم للمنهوب تسمية له بالمصدر كالصيد فيما يصاد أي تسابقه المصائب.
(ومع كل جرعة شَرَقٌ): الشَرَقُ: عبارة عما يشتجر في الحلق فلا يسوغ.
(وفي كل أكلة غصص): إما جمع غصة إن كان بضم الغين، وإن كان بفتحها فهو مصدر غصه، وهو عبارة عما يكون في الحلق أيضاً.
__________
(1) في (ب): في نسبة وقرابة.
(2) في (ب): وهذا الكلام.
(3) في (ب): وقطع لاحتجاجه، وكتب تحتها: في قطع احتجاجه.

(لا ينال(1) العبد نعمة إلا بفراق أخرى): يشير إلى أن النعمة في الوقت الثاني مغايرة للنعمة في الوقت الأول من القدرة والحياة والشهوة وإكمال العقل، وهذه كلها لا ينالها في الوقت الثاني إلا بعد مفارقتها(2) للوقت الأول؛ لاستحالة خلاف ذلك.
(لا يستقبل(3) يوماً من عمره إلا بفراق آخر من أجله): أراد أن كل ما يستقبله الإنسان من الأيام فهو معدود من عمره، وما يمضي عليه من الأيام فهو معدود من أجلهِ، وإنما كان الأمر كما قلناه؛ لأنه لا يصل إلى أجله إلا بعد انقطاع عمره وذهابه، وليس الذاهب إلا ما يمضي دون ما يكون مستقبلاً، فلهذا قال: بفراق آخر من أجله، يشير إلى هذا.
(فنحن أعوان المنون): أراد أنا نعين المنية على ذهاب الأرواح بما يكون من تقضي الآجال وذهابها.
(وأنفسنا نصب الحتوف): أراد أنها منصوبة لما يعرض لها من الحتف وهو الموت.
(فمن أين نرجو البقاء، وهذا الليل والنهار): أراد كيف نتصور الدوام لأحد من الخلق مع جري هذا الليل والنهار وإسراعهما وقطعهما للأعمار، اللذين لا يزالان جديدان على ممر الدهور وتكرر الأعوام.
(لم يرفعا من شيء شرفاً): يعني ما رفعا لأحد حالاً من شرف أو كرم، أو ارتفاع قدر وخطر.
(إلا أسرعا الكرة): كانت العودة من جهتهما سريعة.
(في هدم ما بنياه): من ذلك.
(وتفريق ما جمعاه!): وغرضه من هذا إشارة إلى تغير(4) الأحوال بتكرر الليل والنهار وجريهما، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران:140].
__________
(1) في (ب) وشرح النهج: ولا ينال.
(2) في (ب): مفارقة.
(3) في (ب) وشرح النهج: ولا يستبقل.
(4) في (ب): تغيير.

[186] (يا ابن آدم، ما كسبت(1) فوق قوتك): يعني ما زاد من الجمع فوق مقدار القوت لك، ولمن تحت يدك وتمونه من الأولاد.
(فأنت فيه خازن لغيرك): يعني ادخارك له تكون فيه بمنزلة الخزان لمن يأتي فينفقه؛ لأنك لا تنتفع به وإنما ينتفع به غيرك.
[187] (إن(2) للقلوب شهوة): للشيء(3) ونفرة عن غيره من جميع ما يُشتهى ويُلتذ به.
(وإقبالاً، وإدباراً): تقبل تارة، وتدبر أخرى.
(فأتوها): على جهة الاغتنام لها والرغبة من جهتها.
(من قِبَلِ شهواتها): في الأوقات التي تشتهي فيه.
(وإقبالها): وفي حال إقبالها.
(فإن القلب إذا أكره عمي): يعني إذا أتي له في حال كراهته عمي، فلا يستطيع البصر لما هو فيه.
وعن الحسن: اطلبوا نفوسكم عند التهجد(4) في الصلاة، وعند قراءة القرآن، فإن لم تجدوها فامضوا فإن الباب مغلق، يشير إلى ما يجده الإنسان من الرقة والإقبال إلى الله تعالى، والرغبة، وأحق ما يجد الواحد إقبال نفسه في هذه الأوقات الثلاثة.
[188] (متى أشفي غيظي إذا غضبت!): أي أخبروني متى يكون الشفاء من الغيظ والحدة من جهة النفس.
(أحين أعجز عن الانتقام): يعني العقوبة، وأراد أحين لا أكون قادراً على عقوبة من أريد عقوبته، فهذا لا وجه له.
(فيقال لي: لو صبرت!): على هذا الغيظ؛ لأنك لا تقدر على إنفاذه، وقضاء غرضك منه.
(أم حين أقدر عليه): على الانتقام والأخذ بالثأر، فهذا أيضاً لا وجه له.
__________
(1) في (أ): ما كسبت فيه فوق قوتك، وما أثبته من (ب) ومن شرح النهج، وقوله: ما كسبت، في نسخة: ما جمعت (هامش في ب).
(2) إن، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.
(3) في (ب): لشيء.
(4) في (أ): عند التهجد وفي الصلاة.

(فيقال لي: لو غفرت(1)!): تجاوزت وصفحت عن ذلك، فإذاً لا وجه لشفاء الغيظ لكل متدين، ولهذا قالت عائشة: وهل تركت التقوى لأحد أن يشفي غيظه.
[189] وقال وقد مرَّ بقذرٍ على مزبلة:
(هذا ما كنتم تنافسون عليه بالأمس!(2)): تحاسدون عليه، من(3) نَفِسَهُ إذا حسده.
وروي: (هذا ما بخل به الباخلون!): يعني أن كل أمر تحسد عليه وتبخل به النفوس يصير إلى هذه الحالة(4) إنه لحقير.
[190] (لم يذهب من مالك ما وعظك): ما هذه: نكرة موصوفة، والتقدير فيها لم يذهب من مالك شيء هو واعظ لك، وفي إعرابها وجهان:
أحدهما: أن تكون مرفوعة على الفاعلية على أنه هو الذاهب.
وثانيهما: أن تكون مفعولة على أنها هي المذهوب بها، أي لم تُذْهِبْ أنت من مالك شيئاً واعظاً لك، والمعنى في هذا أنه لا يقع اعتبار بما ذهب من المال، إنما(5) الاعتبار النافع ما يكون في القلوب.
[191] وقال لما سمع قول الخوارج: لا حُكْمَ إلا لله:
(كلمة حق يراد بها باطل): يريد أن قولهم: لا حُكْمَ إلا لله هو الحق لا محالة، فإن الحكم والقبض والبسط والخلق والأمر والإبرام والنقض إنما هو لله لا لغيره، كما قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْر}[الأعراف:55]، ولكن أرادوا بهذه الكلمة غرضاً قبيحاً، وهو أن يجعلوها ذريعة إلى البغي والمخالفة وإبطال ولاية أمير المؤمنين، وهذا كله باطل، فلهذا قال: هي كلمة حق، يشير إلى ما قلناه، ولكنهم أرادوا بها مقصداً باطلاً.
[192] وقال في صفة الغوغاء:
وهم: أخلاط الناس، والسفلة منهم:
__________
(1) في شرح النهج: عفوت.
(2) في شرح النهج: هذا ما كنتم تتنافسون فيه بالأمس!.
(3) من، سقط من (ب).
(4) في (ب): الحال.
(5) في (ب): وإنما.

(هم الذين إذا اجتمعوا غلبوا): يشير إلى أنهم إذا اجتمعوا غلبوا(1) بالكثرة على حق كان أو باطل، فإن كثرتهم تكون سبباً للغلبة في ذلك.
(وإذا تفرقوا لم يعرفوا): يعني أن كل واحد منهم لا يؤبه له(2) ولا يدرى حاله، ولكن الاجتماع هو الذي جاء من جهته النصرة، وعند الافتراق يبطل حالهم كله.
وقال: (بل هم الذين إذا اجتمعوا ضروا): يشير إلى أن اجتماعهم لا خير فيه، وإنما هو مضرة محضة؛ لأنه(3) إنما يكون اجتماعهم على اللهو واللعب وأنواع الملاهي وضروب الطرب، أو أراد إذا اجتمعوا ضروا على ما كان اجتماعهم عليه، فإن اجتماعهم لا يأتي بخير.
(وإذا تفرقوا نفعوا فقيل له: قد عرفنا مضرة اجتماعهم، فما منفعة افتراقهم؟
فقال: يرجع أصحاب المهن): يعني الحرف.
(إلى مهنهم): وإنما سميت الحرفة مهنة؛ لأنه يمتهن فيها نفسه وجوارحه، أي يستخدمها.
(فينتفع الناس بهم، كرجوع البنَّاء إلى بنائه، والنسَّاج إلى منسجته، والخبَّاز إلى مخبزه).
[193] (وأتي بجان): يعني برجل جنى جناية استحق بها الأدب أوالحد.
(ومعه غوغاء، فقال: لا مرحباً بوجوه لا ترى إلا عند كل سوأة): انتصاب مرحباً على المصدرية، والرحب: السعة، قال تعالى: و{َضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ}[التوبة:118]، وأراد لا سعة لها؛ لأنها لا ترى إلا عند كل أمر قبيح يسوء صاحبه ويكسبه العار، فيجتمعون يشاهدون ما يجري عليه، وليسوا أهلاً للستر ولا أهلاً للحلم والأناة.
__________
(1) غلبوا، سقط من (ب).
(2) له، زيادة في (ب).
(3) في (ب): لأنهم.

[194] (إن مع كل إنسان ملكين(1) يحفظانه): عن كل سوء، ويكتبان عمله، قال الله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}[ق:18].
(فإذا جاء القدر خلَّيا بينه وبينه): يعني فلم يدفعا عنه ما هو واقع به من المحذورات.
(إن(2) الأجل جُنَّةٌ حصينة): يعني أن الأجل الذي قدر الله للإنسان بلوغه لا بد من استيفائه له، لا يعرض له عنه عارض حتى يستكمله، فهو مختص به عن كل سوء يخافه ويحذره.
وزعم الشريف على بن ناصر صاحب (الأعلام): أن للإنسان أجلين:
طبيعي، واخترامي.
فالأجل الطبيعي وهو(3) الضروري لا يمكن دفعه، ويزيل الله عنه سائر العوارض حتى يبلغه.
وأما الأجل الاخترامي فإنه يتعلق بأسباب عارضة، يمكن دفعها من القتل وغيره من سائر الآلام.
ثم قال: وغرضه ها هنا هو(4) الأجل الضروري، فيدفع الله عنه سائر أسباب الهلاك حتى يَبْلُغَهُ، فلهذا كان جنة يتحصن بها(5)، وهذا الذي ذكره، وإن كان جائزاً من جهة العقل تصوره وإمكانه، لكنه لم يدل عليه دلالة، فلهذا كان موقوفاً حتى تدل عليه دلالة سمعية قاطعة.
[195] وقال له طلحة والزبير:
(نبايعك على أن نكون شركاؤك في الأمر).
فقال لهما:
(ولكنكما شريكان في القوة والاستعلاء(6)): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أن كل ما حصل للمسلمين من القوة والاستعلاء على غيرهم بالقهر والغلبة فلكما نصيبكما من ذلك.
__________
(1) في (أ): ملكان، وهو خطأ.
(2) في شرح النهج: وإن.
(3) في (ب): هو، بغير واو.
(4) هو، سقط من (ب).
(5) أعلام نهج البلاغة -خ-، باختلاف يسير في اللفظ.
(6) العبارة في شرح النهج: [لا] ولكنكما شريكان في القوة والاستعانة.

وثانيهما: أن يكون مراده أن العناية في القوة والاستعلاء مشتركة بين المسلمين فيشتركون في قوة الدين وإعلاء كلمته.
(وعونان على العجز والأود): أي ويستعان برأيكما وأنفسكما عند العجز عن الأمور العظيمة في الدين، وعلى تقويم المعوج من الآراء(1).
[196] (أيها الناس، اتقوا الله): المحيط بأحوالكم كلها.
(الذي إن قلتم سمع): أقوالكم كلها بحيث لا يخفى عليه منها شيء.
(وإن أضمرتم): شيئاً في صدوركم وأسررتموه.
(علم): عرفه وتحققه.
(وبادروا الموت): اسبقوه قبل أن يحول بينكم وبينها.
(الذي إن هربتم أدرككم): الإدراك ها هنا: اللحوق، قال الله تعالى: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}[الشعراء:61]، أي ملحقون.
(وإن أقمتم): في مواضعكم من غير هرب.
(أخذكم): من قولهم: أخذته الحُمَّى وأخذه السيل، قال الله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ}[النحل:113]، أي استولى عليهم(2).
(وإن نسيتموه): تغافلتم عنه بالنسيان لأحواله.
(ذكركم): بوروده عليكم وهجومه عن قريب.
[197] (لا يزهدنَّك في المعروف من لا يشكره لك): أراد أنه لا يمنعك من اصطناع المعروف إضاعة شكره من جهة من فعل في حقه.
(فقد يشكرك من لا يستمتع بشيء منه): فإن الشكر لك عليه ربما حصل من جهة من لا يناله نفعك ولا يصل إليه معروفك، وهو سائر الخلق؛ فإن جميعهم يحمدونك على فعله ويشكرونك على إسدائه.
(وقد يُدْرَكُ من شكر الشاكر): يعني ومن لطف الله وحسن صنيعه(3) في حق من فعل معروفاً أن يناله من شكر الشاكر عليه:
__________
(1) في (ب): الأمور.
(2) في (أ): عليه.
(3) في (ب): صنعته.

(أكثر مما أضاع الكافر): أعظم قدراً مما أضاعه من كفره ممن وصل إليه، ثم تلا هذه الآية: ({وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ})[آل عمران:134]: لما لها ها هنا من الملائمة وعظم الموقع وحسنه، ومعناها والله يريد إيصال النفع إلى من كان محسناً إلى غيره.
[198] (كل وعاء يضيق بما جعل(1) فيه): يعني أن كل وعاء وضع فيه شيء من الموضوعات فإنه يضيق مكانه لا محالة.
(إلا وعاء العلم): وهو القلب والصدر.
(فإنه يتسع(2)): يعني كلما ازداد العلم في الصدر فإنه يكون أوسع وأبلغ عند الزيادة فيه، وهذا من عجائب تركيب القلب، ولطيف حكمة الله فيه، وأعضاء ابن آدم مشتملة على أسرار ودقائق في الحكمة، والقلب من بينها مختص بأعجبها وأعلاها وأدخلها وأسماها.
[199] (أول عوض الحليم من حلمه): أول ما يحصل للحليم من النفع على صبره وكظم غيظه.
(أن الناس أنصاره على الجاهل): يعينونه على تقبيح فعله وعلى الإنكار عليه.
[200] (إن لم تكن حليماً فتحلَّم): أراد أن الحلم ربما كان بالاكتساب، فإذا تكلف الحلم من لا يعتاد الحلم كان حليماً وعُدَّ في الحلماء.
(فإنه قلَّ من تشبَّه بقوم إلا أوشك أن يكون منهم): أوشك: أي قرب، وأراد أن كل من تشبه بقوم فإنه يكون من جملتهم.
[201] (من حاسب نفسه ربح): بالمحاسبة؛ لأنه إذا حاسب نفسه عرف ما يأتي من ذلك وما يذر.
(ومن غفل عنها خسر): أراد ومن غفل عنها بترك المحاسبة لها في جميع أحوالها خسر عمله.
(ومن خاف): من الله تعالى(3) ومن عقوبته، أو خاف من أهوال القيامة.
__________
(1) جعل، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.
(2) في شرح النهج: فإنه يتسع به.
(3) في (ب): من الله عز وجل.

(أمن): مما يخافه؛ لأنه إذا خاف من ذلك اجتهد في تحصيل ما يؤمنه من القيام بأمر الله وامتثال أوامره.
(ومن اعتبر أبصر): ومن اتعظ بالمواعظ أبصر في أمر دينه.
(ومن أبصر): استبصر في الأمور.
(فهم): عن الله تعالى(1) ما يريده منه.
(ومن فهم): عن الله ما يقوله.
(علم): ما يصلحه مما يفسده من ذلك.
[202] (لتعطفن الدنيا علينا): ترجع إلينا بعد ذهابها عنا، وتعود إلينا.
(بعد شِمَاسِها): شَمَسَ الفرس إذا منع صاحبه عن ركوبه(2)، وأراد بعد امتناعها علينا.
(عطف الضروس على ولدها): الضروس هي: الناقة السيئة الخلق التي(3) تعض حالبها عند حلبها، وأراد من هذا أن الله تعالى يمكنِّهم من الدنيا، ويعطيهم من لذاتها بعد أن كانوا على خلاف ذلك في زمن الرسول عليه السلام؛ لأنهم كانوا في غاية الشدة في أيامه، وفي الحديث أنهم قالوا: متى لا نزال في هذه الشدة؟ فقال: ((ما دمت فيكم))، ولهذا فإن الله تعالى فتح عليهم الفتوحات العظيمة بعد وفاته، وأعطاهم الأموال الجمة، ومكَّنهم من النفائس الكثيرة، ثم تلا عقيب ذلك هذه الآية: ({وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ})[القصص:5].
[203] (اتقوا الله): خافوه في جميع أحوالكم كلها.
(تقية(4) من شمَّر تجريداً): شمَّر في الأمر إذا نهض فيه بسرعة، والتجريد هو: الخفة عن العلائق، وغرضه من هذا السرعة فيما هو فيه.
(وجد تشميراً): وكان مجداً في تشميره غير هازل فيه.
(وأكمش): أي عجل.
(في مهل): في إرواد وتُؤدَة.
(وبادر): عاجل فيما هو فيه من أمر الآخرة.
__________
(1) تعالى، سقط من (ب).
(2) عن ركوبه، سقط من (ب).
(3) في (ب): أي.
(4) في شرح النهج: تقاة.

(عن وجل): خوف وإشفاق.
(ونظر في كرة الموئل): تفكر في رجوعه ومآله إلى الله تعالى.
(وعاقبة المصدر): وما يكون آخر أموره وعاقبتها عند الله.
(ومغبة المرجع): عاقبته، وما تؤول إليه حالته.
[204] (الجود حارس الأعراض): المعنى في هذا هو أن من كان جواداً فإن جوده وسخاءه يمنعه ويحرسه عن الزلل، ويحمي مقاصده عن الزيغ والفساد.
(الحلم فدام(1) السفيه): الفدام: ما يوضع في فم الإبريق ليخرج منه الماء صافياً، والفدام أيضاً: خرقة يجعلها المجوسي على فِيْهِ(2)، وأراد أن حلم الحليم يمنعه عن السفاهة وجريها من جهته، أو يريد أن الحلم من جهة الحليم يكون مانعاً عن أن تجري عليه أذية من جهة السفيه، ويكون حلمه مانعاً له.
(العفو زكاة الظفر): أراد أن لكل شيء زكاة، وزكاة من ظفرت به من الأعداء عفوك عنه.
(السلو عوضك عمن(3) غدر): أراد أن عوضك عمن خانك وغدر بك هو إذهاب الحزن عنك واطراحه وتركه.
(والاستشارة عين الهداية): المشاورة في الأمر هو محض الصواب وعينه.
(وقد خاطر من استغنى برأيه): عرض نفسه للخطر وهو الهلاك، من أنفرد برأيه عن رأي غيره من العقلاء.
(الصبر يناضل الحدثان): يقال: ناضلت فلاناً إذا راميته فنضلته أي غلبته، وأراد أنه يغلب الحدثان، وهو ما يحدث من الخطوب، فإن الصبر عليها غالب لها.
(الجزع من أعوان الزمان(4)): العجلة في الأمور تعين الزمان على فساد الأحوال وتغيرها.
__________
(1) في نسخة لجام، (هامش في ب).
(2) وذلك عند السقي.
(3) في (ب) وشرح النهج: ممن.
(4) بعده في شرح النهج: وأشرف الغنى ترك المنى.

(كم من عقل أسير تحت(1) هوى أمير!): أراد كم ترى من أهل الشقاوة ورجال السوء ممن يكون عقله موطؤاً بقدم هواه، وصار عقله أسيراً في ربقة الذل لهواه، لا يستطيع معه حيلة، وهذا هو الهلاك بعينه، فإن العقل إذا صار موطؤاً بقدم الهوى فلا يكاد ينتفع به صاحبه بحال.
(من التوفيق حفظ التجربة): يريد ومما يقود الإنسان إلى الخير ويؤذن بتوفيقه للصلاح حفظه للأمور المجرَّبة، وأن لا يكون غافلاً عنها بحال.
(المودة قرابة مستفادة): أراد أن القرابة لا يمكن التوصل إليها لأنها من جهة الله تعالى، يعني بها قربة(2) النسب، وأما المودة فهي قرابة يمكن استفادتها بالتودد وتحصيل أسبابها.
(لا تأمننَّ ملولاً): يعني في إبطال ما يكون من جهته من مودة وصحبة وإحسان وغير ذلك.
[205] (عجب المرء بنفسه أحد حسَّاد عقله): أراد من هذا هو أن من أعجب بعقله وبنفسه وعلمه فإن عجبه هذا هو نقص في عقله، ومانعاً له عن الكمال والتمام.
[206] (أغض على القذى): وهو ما يؤلم العين ويؤذيها.
(وإلا لم ترض أبداً(3)): يعني وإن لم تفعل ما قلته، لم تزل غاضباً على كل أحد، وهذا جاري مجرى المثل، وأراد منه احتمل الأمور الصغيرة، واصبر على ما يصيبك منها، وإن لم تفعل لم تكن راضياً عمرك.
[207] (من لان عوده، كثفت أغصانه): هذا وارد على جهة الكناية، وأراد منه هو أن من رقَّت أخلاقه وزكت وكانت صافية عذبة كَثُرَ إخوانه وأصحابه، وكَثُفَ الشيء إذا غلظ.
__________
(1) في شرح النهج: عند.
(2) في (ب): قرابة.
(3) لفظ الحكمة هذه في شرح النهج: (أغض على القذى، والألم ترض أبداً).

[208] (الخلاف يهدم الرأي): أي يفسده ويبطله، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}[الأنفال:46].
[209] (من نال): سعة في جاهه أو ماله أو غير ذلك من ضروب التوسعات.
(استطال): على الناس، وكان قاهراً لهم.
[210] (في تقلب الأحوال): تصرفها واختلافها في الزيادة والنقصان(1)، والعلو والارتفاع، فهذه الأمور كلها فيها:
(علم جواهر الرجال): أي أنها محك أصفارهم(2) ومعرفة أحوالهم.
[211] (حسد الصديق): أراد أن تحسده أو هو يحسدك، فهذا كله إنما يكون:
(من سُقْمِ المودة): ضعفها وهوانها.
[212] (أكثر مصارع العقول): صرعه إذا وضعه وأسقطه لجنبه.
(تحت بروق الأطماع(3)): كنى ببروق الأطماع عن مواضعها ومظانها، وحيث تكون موجودة، والمعنى في هذا هو أن العقول إنما تكون ساقطة ومصروعة حيث تتوهم الطمع وتظنه.
[213](ليس من العدل): يريد الإنصاف.
(القضاء على الثقة بالظن): الحكم على من كان ثقة عندك بسوء الظن، فإن مثل هذا لا يكون إنصافاً في حقه ولا عدلاً.
[214] (بئس الزاد إلى المعاد): أراد أخبث زاد وأرداه إلى الآخرة.
(العدوان على العباد): إما بأخذ حقوقهم، وإما بمنعهم عن استيفائها وظلمهم بذلك.
[215] (من أشرف أفعال(4) المرء): أعلاها وأعظمها.
(غفلته عما يعلم): تغافله عما يكون عالماً به من الأمور كلها.
[216] (من كساه الحياء ثوبه): أراد أن الله تعالى إذا أعطى الإنسان وكساه شيئاً من الحياء غطاه وستره به.
__________
(1) في (ب): والنقص.
(2) أي عقولهم ولبِّ قلوبهم، والصَّفَرُ بالتحريك من معانيه: العقل، والرُوع، ولب القلب.
(3) في شرح النهج: المطامع.
(4) في (ب): أعمال، و في شرح النهج: أفعال الكريم.

(لم يَرَ الناس عيبه):لم يطلعوا عليه.
[217] (بكثرة الصمت تكون الهيبة): أراد أن الجلالة والمهابة تكون للإنسان من جهة إكثاره للصمت وإيثاره له.
(وبالنَّصَفَة): أي وبالإنصاف للحقوق والاعتراف بها.
(يكثر الواصلون): لك ويزداد الإخوان كثرة.
(وبالإفضال تعظم الأقدار): أي وبالإحسان إلى الخلق ترتفع الأقدار عند الله وعند الخلق.
(وبالتواضع تتم النعمة): تكمل ويعلو أمرها؛ لأن التكبر نقص لها ووضع من حالها.
(باحتمال المؤن): أي الأثقال.
(يجب السؤدد): ارتفاع القدر.
(وبالسيرة العادلة): الحسنة المنصفة الصادقة.
(يُقْهَرُ المناوئ): أي المغالب.
(و(1)بالحلم عن السفيه): بالصبر على أذاه والإعراض عنه.
(تكثر الأنصار عليه): الأنصار: جمع ناصر، وهو قليل في جمع فاعل كالأشهاد في جمع شاهد.
[218] (العجب لغفلة الحساد): جمع حاسد، وهو الذي يريد تحويل نعمة غيره إليه.
(عن سلامة الأجساد!): يعني أن الحسد يضر بالأجسام، فكيف غفلوا عنه، وهذا عظيم من حال الحسد فإنه كما هو مضر بالأديان في إبطالها وإذهابها، فإنه مضر بالأجسام أيضاً في إسقامها وإذهاب غضارتها وحسنها.
[219] (الطامع في وثاق الذل): المعنى في هذا أن كل من استشعر طمعاً فإنه يكون موثقاً بالذل والمهانة، يشبه حاله بحال من أوثق فِيْهِ، فهو لا يزال فيه متصلاً به.
[220] (الإيمان معرفة بالقلب): يشير بهذا إلى تحصيل المعارف الدينية.
(وإقرار باللسان): يشير بهذا إلى النطق بكلمة التوحيد، والشهادة بالرسالة.
(وعمل بالأركان): يشير بهذا إلى الأعمال البدنية من الصلاة والصوم والحج، وغير ذلك من العبادات.
__________
(1) الواو، زيادة في شرح النهج.

وقوله عليه السلام في شرح ماهية الإيمان هو: الذي عليه تعويل أكثر السلف، وإلى هذا ذهب أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة، وللمخالفين فيه أقوال كثيرة.
[221] (من أصبح على الدنيا حزيناً): آسفاً على ما فاته منها ونادماً على ذلك.
(فقد أصبح لقضاء الله ساخطاً): لأن الغنى، والفقر، والمرض، والصحة كلها من جهة الله تعالى، فمن حزن على شيء من هذه الأمور التي قضاها الله تعالى عليه؛ فقد سخط ما قضاه الله عليه وقدره له، وفي الحديث: ((من لم يرض بقضائي، ويصبر على بلائي، فليتخذ رباً سوآي))(1).
(ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به): الشكوى هي: الإخبار بالبلوى.
(فقد(2) أصبح يشكو ربه): وهذا محمول على أنه إنما شكا ضره على فاجر، وفي الحديث: ((من شكا على مؤمن فكأنما يشكو إلى الله، ومن شكا إلى(3) فاجر، فكأنما يشكو الله))(4)، فأما إذا شكا على مؤمن فهو خارج عن هذا وفي الحديث:
((إذا مسَّ أحدكم ضرُّ فليقصد إخوانه، فإنه لن يعدم خصلة من أربع: إما مشورة، أو معونة، أو مواساة، أو دعاء)).
(ومن أتى غنياً فتواضع(5) لغناه): يعني أتاه إلى موضعه ومكانه فخضع لغناه، وذل من أجل أن ينال من خيره.
__________
(1) الحديث بلفظ: ((من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي، فليلتمس رباً سوائي)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8/546 وعزاه إلى تهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر6/128، كما أورده أيضاً بلفظ قريب وعزاه إلى إتحاف السادة المتقين 9/651.
(2) في شرح النهج: فإنما.
(3) في (ب): على.
(4) ومثله ورد لأمير المؤمنين علي عليه السلام في النهج (انظر الحكمة رقم (427).
(5) في شرح النهج: فتواضع له لغناه ...إلخ.

(ذهب ثلثا دينه): لإتيانه له إلى موضعه ثلث، وبخضوعه(1) له ثلث، وهذا إنما يقوله عليه السلام عن توقيف من جهة الرسول؛ لأن مثل هذه الأمور لا تعلم إلا بتوقيف من جهة الله وإذنٍ منه؛ لأنها كلام في أحكام الثواب والعقاب، وهو أمر غيبِي.
(من(2) قرأ القرآن فمات فدخل النار): يريد عقيب تلاوته له(3).
(فهو ممن يتخذ آيات الله هزؤاً): والمعنى في هذا أن القرآن عظيم الفضل كثير البركة فيبعد فيمن تلاه، وأحسن تلاوته أن يموت ويدخل النار، فإن دخل النار فما ذاك إلا لأنه كان يستهزئ بها ولا يحتفل بها، ولا لها(4) عنده قدر أصلاً.
(من(5) لهج قلبه بحب الدنيا): أولع بحبها وكان مشغوفاً بجمعها.
(التاط منها بثلاث): التصق قلبه بخصال ثلاث كلها مهلكة له.
(همٌّ لا يُغِبُّهُ): الغبُّ: أن تزور يوماً وتترك يوماً، وأراد أنه لا ينفك عنه وقتاً واحداً.
(وحرص لا يتركه): الحرص هو: التهالك في الرغبة في(6) تحصيل المرغوب فيه.
(وأمل لا يدرك منتهاه): الأمل هو: إرادتك تحصيل الشيء في مستقبل الزمان، وأراد أنه لا غاية لما يأمله من ذلك، وهذا الحديث بعينه هو سماعنا عن الرسول عليه السلام في (الأربعين السيلقية) فإنه قال: ((ما سكن حب الدنيا في قلب عبد إلا التاط منها بثلاث:
__________
(1) في (ب): ولخضوعه.
(2) في شرح النهج: ومن.
(3) له، سقط من (ب).
(4) في (ب): ولا له.
(5) في شرح النهج: ومن.
(6) في (ب): وتحصيل.

همٌّ لا ينفك عناؤه، وفقر لا يدرك غناؤه، وأمل لا يدرك منتهاه))(1).
[222] (كفى بالقناعة ملكاً): يريد أن من يقنع بالشيء فهو غني عن غيره، والقانع هذه حاله، فلهذا كانت القناعة في حقه ملكاً؛ لأن الملك هو ألا تفتقر إلى غيرك في أكثر أمورك وأحوالك.
__________
(1) هو الحديث الثامن والثلاثون من الأربعين السيلقية ص47 عن ابن عباس، قال: سمعت رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إنه ما سكن حب الدنيا قلب عبد إلا اختص منها بثلاث: شغل لا ينفك عناؤه، وفقر لا يدرك غناءه، وأمل لا ينال منتهاه)) إلى آخر الحديث. ورواه في مسند شمس الأخبار 2/121 في الباب الثلاثين والمائة عن ابن عباس، وعزاه إلى الأربعين السيلقية أيضاً، وقال العلامة الجلال في تخريجه: أخرجه الطبراني في الكبير، وأبو نعيم في الحلية، عن ابن مسعود مختصراً. ثم ذكر لفظه فيهما.

(وبحسن الخلق نعيماً): يروى نعيماً أي ينعم الخاطر والبال به لما فيه من سعة النفس وسهولة الخاطر، ويروى تغنماً، أي أنه هو الغنيمة الباردة؛ لما فيه من الفوائد الدينية، والمنافع الدنيوية، وفي الحديث: ((أول ما يوضع في الميزان الخلق الحسن، وإن الرجل ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم))(1).
[223] وسئل عليه السلام عن قوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}[النحل:97]؟
فقال: (هي القناعة).
__________
(1) وجدته مفرقاً من حديثين: الأول وهو قوله: ((أول ما يوضع في الميزان الخلق الحسن)) رواه مرفوعاً ابن أبي الحديد في شرح النهج 6/339، وهو من حديث رواه القاضي العلامة الحسين بن ناصر المهلا رحمه الله، في مطمح الآمال ص86 وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريفة 4/49 إلى المطالب العالية لابن حجر 2549، وحلية الأولياء5/75، ومسند الشهاب214، ومصنف ابن أبي شيبة 8/333، وغيرها من المصادر، وبقية الحديث وهو من قوله: ((وإن الرجل ...)) إلى آخره أخرجه من حديث الإمام أحمد بن عيسى بن زيدعليه السلام في أماليه 3/346 بسنده عن علي عليه السلام، وابن أبي الحديد في شرح النهج 6/338 عن الحسن بن علي عليهما السلام، مع اختلاف يسير في بعض لفظه، ورواه القاضي العلامة علي بن حميد القرشي رحمه الله في مسند شمس الأخبار 1/495 وعزاه إلى مسند الشهاب، وأورده في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف3/73، وعزاه إلى المستدرك للحاكم النيسابوري 1/60، ومجمع الزوائد للهيثمي 8/25، والمعجم الكبير للطبراني 8/198، وغيرها.

[224] (شاركوا الذي أقبل عليه الرزق(1)): أراد التصقوا وادنوا منه، يعني من أقبلت الدنيا عليه(2)، وكان في فسحة من رزقه.
(فإنه أخلق للغنى): يعني أقرب إلى كثرة التمكن من المال؛ لأنه لا يعدم من مخالطته خيراً.
(وأجدر بإقبال الحظ): أحق بإقبال ما قدره الله للعبد وعلم وصوله إليه.
[225] وقال في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}[النحل:90]:
(العدل هو: الإنصاف، والإحسان هو: التفضل): وغرضه بالإنصاف الواجب؛ لأنه إنصاف الغير لحقه الواجب له، أوترك ما لايستحق عليه، وكله واجب.
[226] (من يُعْطِ باليد القصيرة، يُعْطَ باليد الطويلة): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أن كل ما ينفقه الإنسان من ماله في سبل الخير وأنواع البر وإن كان يسيراً؛ فإن الله تعالى(3) يخلفه، ويجعل الجزاء عليه عظيماً في الآخرة من الثواب، واليدان ها هنا عبارتان(4) عن النعمتين: نعمة العبد ونعمة الرب.
وثانيهما: أن يكون مراده في الدنيا، وهو أن العبد إذا أعطى شيئاً لوجه الله تعالى؛ فإن الله تعالى يخلف له في الدنيا أجزل مما أعطى، وتكون اليدان ها هنا من باب التخييل والتمثيل، وإلا فلا يد هناك، وهذا هو الأحسن؛ لأنه بأساليب البلاغة أشبه.
[227] وقال لابنه الحسن بن علي عليهما السلام:
__________
(1) في شرح النهج: شاركوا الذين قد أقبل عليهم الرزق ...إلخ.
(2) في (ب): أقبلت عليه الدنيا.
(3) تعالى، زيادة في (ب).
(4) في (ب): عبارة.

(لا تدعونَّ إلى مبارزة): المبارزة هو: أن يظهر الرجل لقرنه في الحرب فيتصاولان بالسلاح، فإما كانت الكرة لهذا، وإما لذاك، وقد وقع في أيام الرسولعليه السلام، فإن أمير المؤمنين بازر عمرو بن عبد ود يوم الخندق(1)، وبارز أمير المؤمنين، وحمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة من قريش: عتبة، وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة، فقتل أمير المؤمنين الوليد بن عتبة لما بارزه، وقتل حمزة عتبة(2) لما بارزه، وقتل عبيدة شيبة اشترك فيه هو وحمزة وعلي بن أبي طالب(3)، وبارز الزبير بن العوام مرحباً القرظي فقتله الزبير(4)
__________
(1) مبارزة أمير المؤمنين علي عليه السلام لعمرو بن عبد ود وقتله عمراً، روتها كتب التأريخ والسير والفضائل وغيرها. انظر الروضة الندية ص46-50، وشرح النهج لابن أبي الحديد 19/60ـ64، وسيرة ابن هشام 3/137-138، تحقيق عمر محمد عبد الخالق.
(2) في (أ): شيبة، والصواب ما أثبته من (ب) لتناسبه مع ما أورده المؤلف هنا.
(3) انظر سيرة ابن هشام 2/265-266، والروضة الندية 38ـ40.
(4) في هذه الرواية نظر، فالذي قتل مرحباً اليهودي هو أمير المؤمنين علي عليه السلام وذلك في يوم خيبر، والقصة والخبر في ذلك مشهوران ومتواتران تذكرها كتب السير والمناقب والفضائل، وقد سبق الكلام حول هذا الموضوع.

أما الزبير بن العوام فإنه لما كان يوم خيبر، وبعد خروج مرحب ودعوته للمبارزة فبرز إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقتله أمير المؤمنين، فلما كان بعد ذلك خرج أخو مرحب، واسمه ياسر وهو يقول: من يبارز، قال ابن هشام في السيرة النبوية3/220: فزعم هشام بن عروة أن الزبير بن العوام خرج إلى ياسر، فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب: يقتل ابني يا رسول الله! قال: ((بل ابنك يقتله إن شاء الله))، فخرج الزبير، فالتقيا، فقتله الزبير. انتهى. (انظر المصدر المذكور)، فلعل مراد المؤلف عليه السلام ذلك، فعليه يكون صواب العبارة هكذا: وبارز الزبير بن العوام أخا مرحب القرظي فقتله الزبير، والله أعلم.

، فهؤلاء كلهم دعوا إلى المبارزة ولم يدعوا إليها.
(وإن(1) دعيت إليها فأجب): يعني لا تتأخر بعد الدعاء، كما فعل من ذكرناه من هؤلاء.
(فإن الداعي باغي(2)): على غيره بما كان منه من الدعاء.
(والباغي مصروع): لجنبه، مغلوب لا محالة.
[228] (خيار خصال النساء شر(3) خصال الرجال): يعني أن كل ما كان في النساء من صفات الخير في حقهنَّ، فهو في حق الرجال أقبح الصفات بلا مرية.
(الزهو والجبن والبخل): فهذه كلها أنفس ما في النساء من الخصال، وهي شر ما في الرجال من الخصال، والزهو هو: الخيلاء، والجبن هو: خلاف الشجاعة، والبخل: نقيض الكرم.
(فإذا كانت المرأة مزهوة): يعتريها الخيلاء وتختص به.
(لم تمكِّن من نفسها): في الفجور بها في الزنى لتعاظمها في نفسها، وتكبَّرها عن ذلك.
(وإذا كانت بخيلة): ضنينة بمالها.
(حفظت مالها): عن الضياع والإهمال وإنفاقه في غير وجهه.
(ومال زوجها): وتكون حافظة أيضاً لمال زوجها.
(وإذا كانت جبانة): يعتريها الجبن ويصيبها.
(فَرِقَتْ من كل شيء): الفرق: الخوف، وأراد أنها تكون خائفة من كل شيء!
(يعرض لها): في جميع أحوالها.
[229] وقيل له: صف لنا العاقل؟
فقال: (هو الذي يضع الشيء مواضعه): أراد أنه عالم بكل الأمور، مقدراً(4) لها في قلبه، وحافظاً(5) لمقاديرها في صدره، فهو لا يغادر من أحكامها شيئاً، فلما كانت هذه حاله لا جرم وضع الأشياء في(6) مواضعها.
__________
(1) في (ب) وشرح النهج: فإن.
(2) في شرح النهج: فإن الداعي إليها باغٍ.
(3) في شرح النهج: شرار.
(4) في (ب): مقدر.
(5) في (ب): وحافظ.
(6) في، زيادة في (ب).

(فقيل له: صف لنا الجاهل؟ فقال: قد فعلت): يشير إلى أنه الذي لا يضع الأشياء مواضعها، فكان ترك صفته(1) صفة له، إذ كان نقيضاً له، فلهذا كان بخلافه، وعلى العكس من صفته.
[230] (والله لدنياكم هذه): يشير إلى ما أنتم عليه، وإنما أضافها إليهم لما لهم فيها من التعلق والمحبة في القلوب، فلهذا قال: دنياكم، يشير إلى الأمر المتمكن في صدوركم محبته، والحالُّ(2) في أفئدتكم شهوته، وفيه تعريض بهم واستركاك لهممهم من أجل ذلك.
(أهون عندي من عُراق خنزير في يد مجذوم): العُراق بالضم: جمع عَرْق، وهو العظم الذي أخذ منه اللحم، والخنزير حيوان، وهو نظير الكلب في نزول قدره وتحريم أكله، والمجذوم: من تقطعت أوصاله، وهذه هي نهاية الركة ونزول القدر.
[231] وقالعليه السلام:
(إن قوماً عبدوا الله رغبة): فيما عنده من الدرجات العالية(3) والمنافع النفيسة.
(فتلك عبادة التجار): لأن تعويلهم على إحراز الأعواض.
(وإن قوماً عبدوا الله رهبة): من عذابه وعقابه.
(فتلك عبادة العبيد): لأنهم يخافون العقوبة من السادة.
(وإن قوماً عبدوا الله شكراً): على نعمه وأياديه كلها.
__________
(1) في (ب): الصفة.
(2) من حلّ بالمكان إذا أقام وسكن فيه.
(3) العالية، سقط من (ب).

(فتلك عبادة الأحرار): لأن الأحرار دأبهم الشكر على النعم والآلاء، وكلامهعليه السلام ها هنا مشعر بأن هذه العبادات وإن كانت حسنة لا غبار عليها، لكن عبادة الأحرار هي أحلاها وأولاها، فأما كلام أهل التصوف فيشير إلى أنه مستحق للعبادة لذاته لا من أجل شيء من هذه الأمور كلها، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ [فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ](1)}[الأنعام:91]، فأشار إلى نفس الذات فقط من غير أمر ورائها.
[232] (المرأة شر كلها): يعني جميع خصالها شر ومعالجتها شر.
(وشر ما فيها): يعني ومن جملة الشر فيها شدة البلوى بها.
(أنه لا بد منها): يعني لإزالة الشبق وغير ذلك من المصالح الدينية فيها.
[233] (من أطاع التواني): أي مال إلى الدعة والراحة، والضعف والتساهل.
(ضيَع الحقوق): الدينية والدنيوية كلها؛ لأن التواني عنها يخل بها لا محالة.
(ومن أطاع الواشي): وهو الذي يدخل الضغائن والأحقاد ويحوك(2) الكلام بين الناس.
(ضيَّع الصديق): يشير إلى أنه إذا أطاعه فيما يقول له من ذلك أضاع حقه وأسقطه، وفي ذلك إضاعته وزواله.
[234] (الحجر الغصب في الدار): يعني أن الحجر إذا كانت مغصوبة وبني عليها دار فهي لا محالة.
(رهن بخرابها): أي لا تزال مرهونة بخراب الدار، وفي هذا تحذير عن الغصب في أحقر الأشياء وأعلاها، وأنه ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)).
[235] (يوم الظالم على المظلوم): يشير إلى أن عواقب يوم المظلوم وهي إيفاء مظالمه وإيصاله بحقوقه.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) أي ينسجه، من حاك الثوب إذا نسجه.

(أشد من يوم المظلوم على الظالم(1)): لأن ما كان من جهة الظالم من الغموم والآلام اللاحقة بالمظلوم فهي منقطعة ذاهبة، وأما ما كان على الظالم من ذلك فهو أشِد وأصعب؛ لأن مضاره دائمة غير منقطعة، فلهذا كانت أشق وأتعب.
[236] (اتق الله بعض التقى وإن قلَّ): يشير بكلامه هذا إلى أن تقوى الله عظيمة المنفعة في الآخرة والدنيا وإن كانت قليلة، فلهذا أمر بها على قلتها.
(واجعل بينك وبين الله ستراً وإن رقَّ): يعني حجاباً عن معصيته والإقدام عليها، وإن كان ذلك الحجاب رقيقاً، كنى به عن الانكفاف الضعيف عن المعصية فإنه أهون لا محالة من(2) التهالك في المعصية.
[237] (إذا ازدحم الجواب): تراكمت الأسؤلة والجوابات وضاق وقتها.
(خفي الصواب): كثر الخطأ وغمض الجواب؛ لأجل الازدحام والتضايق.
[238] (إن لله في كل نعمة حقاً): أراد أن لله شكراً على كل نعمة من نعمه التي أعطاها بني آدم، من العافية، والشهوة، والقدرة، والعلم، وغير ذلك من النعم.
(فمن أداه): يريد الشكر المتوجه على هذه النعم.
(زاده): إما زاده من تلك النعم وضاعفها له، وإما زاده من مضاعفة الثواب والأجر على ذلك.
(ومن قصر عنه): نقص عن ذلك الشكر.
(خاطر بزوال نعمته): المخاطرة هي: ظن الزوال للشيء والوقوع في الهلاك، ومصداق ذلك قوله تعالى:{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}[إبراهيم:7].
[239] (إذا كثرت المقدرة): على نيل المشتهيات(3)، وصدق التمكن منها.
__________
(1) لفظ هذه الحكمة من أولها في(ب) وشرح النهج: (يوم المظلوم على الظالم، أشد من يوم الظالم عى المظلوم).
(2) في (أ): عن.
(3) في (ب): الشهوات.

(قلَّت الشهوة): لها وتناقصت، والسبب في ذلك هو أن من كان قادراً على تحصيل المشتهيات واللذات فكأنها في حكم الموجودة الكائنة، وما كان موجوداً فللقلب عنه سآمة وإعراض إلا أن يكون ثَمَّ أسباب توجب تجدد النشاط إليه حالة بعد حالة.
[240] (احذروا نفار النعم): المعنى في هذا هو الأمر بشكرها كيلا تنفر وتزول.
(فما كل شارد بمردود): يعني أن الشارد إذا شرد فتارة يرجع، وربما يعرض له عارض فلا يعود أبداً.
[241] (الكرم أعطف من الرحم): العطف هو: العود بالمنفعة، وأراد أن الواحد متى كان كريماً سخياً، فإن عوده بالمنفعة على أهله وأقاربه وغيرهم من سائر الأجانب، أكثر من عودة القريب(1) على قرابته بالنفع إذا لم يكن سخياً كريماً(2)؛ لأن ما يكون من جهة الطبع أقوى مما يكون من جهة القرابة.
[242] (من ظن فيك خيراً فصدِّق ظنه): أراد أن كل من توهم من جهتك خيراً، إما ظن الصلاح، وإما ظن إيصال الإحسان، فالأخلق بالشيم الطاهرة، والخلائق الشريفة تصديق الظن، فإنه دال على كرم الطبع.
[243] (أفضل الأعمال): أعظمها عند الله تعالى، وأقربها إليه.
(ما أكرهت نفسك عليه): يعني كلفتها وكان حاصلاً بمشقة، وأراد بهذا ما كان عمله شاقاً، والمشقة فيه شديدة وألم النفس به عظيم، فإن الله تعالى يعظم فيه الأجر على قدر ما أصاب فيه من المشقة، وليس الغرض من هذا هو إكراه النفس على العمل مع إدبارها عنه، فإن الأفضل هو خلاف ذلك، وفي الحديث: ((عليكم من العمل بما تطيقون، فإن الله لا يملُّ حتى تملِّوا))، وهذا كله في غير ما كان واجباً، فأما الواجب فلا بد من تأديته على كل وجه.
__________
(1) في (ب): من عوده على قرابته.
(2) في (ب): إذا لم يكن كريماً سخياً.

[244] (عرفت الله تعالى بفسخ العزائم، وحل العقود): أراد أن من جملة ما يستدل به على وجود صانع مدبِّر حكيم مما يجد الإنسان من نفسه، وهو أن يكون عازماً على أمر مصمماً على فعله لا يلويه شيء عن إيجاده وتحصيله، ثم يأتي ما ينقض عزمه ويُحِلُّ عقد ضميره، فيكفّ عن فعل ذلك الشيء، فهذا وأمثاله فيه دلالة باهرة على وجود الصانع الحكيم الذي يقلّب القلوب على ما يشاء، ويحكم فيها ما يريد، وهو الناقض لتدبير المدبرين، الذي بيده نواصي الخلق وقلوبهم، يصرفها على ما يحب، وتقضي به حكمته.
[245] (مرارة الدنيا): ما يصيب فيها من المرارات بتحمل هذه التكاليف الشاقة والآصار(1) الثقيلة التي أوجبها الله تعالى.
(حلاوة الآخرة): لما يكون عليها من الثواب والأجر.
(وحلاوة الدنيا): وهو ما يكون فيها من اتباع الشهوات المحظورة، واللذات الممنوعة، وبما يكون من الإعراض عن أداء هذه الواجبات والميل إلى الدعة والراحة في تركها.
(مرارة الآخرة): لما يكون فيها من العقاب العظيم والنكال الشديد لأجل ذلك.
[246] (فرض الله الإيمان): أوجبه على الخلق، وأوعد على تركه بالنار والعذاب.
(تطهراً(2) من الشرك): لأن أعلى الإيمان هو التوحيد والعمل عليه، وذلك هو نفس التطهر(3) عن الإشراك بالله غيره، وأن يعبد معه سواه.
(والصلاة تنزيهاً عن الكبر): أراد وفرض الله الصلاة ولا وجه لفرضها، إلا تنزيهاً وترفعاً عن التكبر(4)؛ لما فيها(5) من الخضوع والتواضع لله تعالى.
__________
(1) الآصار: جمع إصر بالكسر، وهو العهد والثقل.
(2) في (ب) وشرح النهج: تطهيراً.
(3) في (ب): التطهير.
(4) في (ب): وترفعاً عن الكبر.
(5) في (أ): فيه.

(والزكاة تسبيباً(1) للرزق): أراد وفرض الزكاة على الخلق؛ لأن تكون سبباً في الرزق لهم، وأن يخلف لهم أضعافها من عنده.
(والصيام ابتلاء للإخلاص من الخلق): يعني أنه يمتحن به(2) إخلاصهم؛ لأن الصيام هو سر بين العبد وبين الله تعالى، لا يطلع عليه أحد سوى الله، فلهذا كان فرضه اختباراً لذلك، ومثله في كونه سراً بين العبد وبين الله غسل الجنابة.
(والحج تقوية للدين): لما فيه من الشعار العظيم والأبهة الكبرى من تعظيم المناسك وسوق الهدي، وغير ذلك من الشعارات فيه.
(والجهاد عزاً للإسلام(3)): أي والسر في إيجاب الجهاد بالنفس والمال هو أن الله يعز به الدين، ويحمي به سوح(4) الإسلام، ويشيد به أركانه؛ لما فيه من مضادة الكفار وإهابتهم وقطع دابرهم بالسيف.
(والأمر بالمعروف مصلحة للعوام): لما فيه من الصلاح للجملة وإصلاح(5) العامة، وتجري المقاصد الحسنة المرضية لله تعالى في أحوالهم.
(والنهي عن المنكر ردعاً(6) للسفهاء): كف لهم عن هذه المناكير(7) التي يأتونها، وإنما قال السفهاء؛ لأنه لا يكاد يقع في القبائح والمنكرات الشنيعة إلا ضعفاء العقول والأحلام.
(وصلة الأرحام منماة للعدد): أي تنمو بها الأولاد ويكثر عددهم؛ لما فيها من المودة والتراحم فينميه الله لما في وصلها من الرضا له.
__________
(1) في (ب): تسبباً.
(2) في (أ): بهم.
(3) في (أ): والجهاد عز الإسلام.
(4) في (أ): سرج، والسوح هو: جمع ساحة، وساحة الدار: ناحيتها وجانبها.
(5) في (ب): وصلاح.
(6) في (أ): ردع.
(7) في (ب): المناكر.

(والقصاص حقناً(1) للدماء): لأن من علم أنه إذا قتل غيره قتل به، كان ذلك مانعاً له عن الوقوع في القتل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}[البقرة:179].
(وإقامة الحدود إعظاماً للمحارم): أراد أن السر في مشروع الحدود وإقامتها على من ارتكبها هو أن الله تعالى عظَّم حال هذه المحرمات التي جعل في مقابلتها الحدود [لما فيها من المفسدة للدين، فلهذا شرع في مقابلتها هذه الحدود] (2) تعظيماً لأمرها واستحقاراً لمرتكبها وتنكيلاً به.
(وترك شرب الخمر تحصيناً للعقل): أراد أن الله تعالى يحب صيانة العقول عن زوالها وتغيرها لما فيها من المصلحة، وكونها ملاكاً للتكليف والتمييز(3)، فلأجل هذا صانها بما شرع على المسكرات من الحدود والتعزيرات، وما ذاك إلا لما ذكرناه من دوام مصلحتها.
(ومجانبة السرقة إيجاباً للعفة): يشير إلى أن الله تعالى شرع عقوبة السرقة وهو قطع اليد لما في ذلك من العفة، ومجانبة الأمور المستخفة، فلهذا صان الأموال بالقطع للأيدي، فيحصل بذلك العفاف(4) عن القاذورات وارتكابها.
(وترك الزنا تحصيناً للنسب): أراد أن الله إنما شرع عقوبة الزنا وحرمه خيفة على ضياع الأنساب وإهدارها، فلهذا صانها بهذه الحدود المشروعة عليها، إما الجلد في غير المحصن، وإما القتل على من أحصن، وما كان تحريمها إلا للوجه الذي ذكرناه.
__________
(1) في (أ): حقن.
(2) ما بين المعقوفين، سقط من (ب).
(3) في (ب): للتمييز والتكليف.
(4) في (أ): العقاب.

(وترك اللواط تكثيراً للنسل): يعني وإنما حرم اللواط وهو إتيان الذكور، وهو عمل قوم لوط؛ لأن فيه تكثيراً للنسل؛ لأنه لو اعتمد بالنكاح لانقطع النسل، وفي(1) ذلك ذهاب العالم وانقطاع الدنيا، والله يريد بقاها إلى الوقت الذي يعلم انقطاعها فيه.
(والشهادات استظهاراً على المجاحدات): أراد وإنما أوجب الإشهاد في الأنكحة وندبها في سائر العقود خوفاً من إجحاد الحقوق، فلهذا قررها بالشهادة خوفاً من ذلك ومحاذرة عليها من الإهمال والضياع بالجحود، فلهذا صانها بها.
(وترك الكذب تشريفاً للصدق): يعني وإنما أوجب الصدق وحرم الكذب لما فيه من المفسدة العظيمة التي لا يعلم تفاصيلها ولا يحيط به إلا الله تعالى، وكلامه ها هنا يشير إلى ما يكون منه من ركة النفس وسخف الطبيعة بفعل الكذب، وإليه الإشارة بقولهصلى الله عليه وآله وسلم: ((الكذب مجانب للإيمان)).
وزعم بعض الأشعرية أن تحريم الكذب فيه بقاء العالم وانتظامه.
(والإسلام(2) أماناً من المخاوف): يريد وإنما أوجب الإسلام لما فيه من الأمن من المخاوف الأخروية وهو العقاب من جهة الله تعالى، وأمن من المخاوف الدنيوية، وهو حز الرقبة واصطلام الأموال؛ لأن ذلك كله إنما حصل -أعني السلامة في الآخرة من العقاب ومن هذه المضار الدنيوية- ببركة الإسلام والتعلق به.
__________
(1) في (ب): ومن ذلك.
(2) في شرح النهج: والسلام.

(والإمامة نظاماً للأمة(1)): وكان السبب في إيجاب الإمامة، إما عقلاً وشرعاً على رأي بعض العلماء، وإما شرعاً على رأي أكثر العلماء؛ لما فيها(2) من نظام الخلق والتئام أحوالهم، وارتفاع كلمة الدين، وظهور أبهته ورفع شياره(3) والهيبة في قلوب أعدائه، وتقوية كلمته وشدة أمره إلى غير ذلك من المصالح الدينية.
(والطاعة تعظيماً للإمامة): لأن بالطاعة يقوم أمرها ويعظم حالها، أعني الإمامة.
[247] وكان عليه السلام يقول: (احلفوا الظالم إذا أردتم يمينه).
وفي نسخة أخرى: (الفاجر) (بإنه بريء من حول الله وقوته، فإنه إذا حلف بها كاذباً عوجل):
__________
(1) في (أ): والإمامة نظام الأمة.
(2) في (ب): فيه.
(3) الشيار بالياء: هو الحسن، والجمال، والهيئة، واللباس، والزينة.

ويحكى أن يحيى بن عبد الله(1) حلَّف عبد الله بن مصعب بن الزبير(2)
__________
(1) هو الإمام الشهيد يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب “، المتوفى شهيداً نحو سنة180ه‍، أحد الأئمة الأعلام في العلم والفضل والشجاعة والزهد والورع والجهاد والثورة على الظلم، دعا حوالي سنة 171ه‍، وبايعه أناس من الجزيرة ومصر واليمن والمغرب، وقد استنفر بعد مقتل الإمام الحسين بن علي صاحب فخ، وجال متنكراً من الجزيرة إلى اليمن ثم إلى العراق ومنها إلى بلاد الديلم، ودعا ثانياً هنالك سنة 175ه‍، واشتد طلب هارون العباسي له، وبعث من يخادع الديلم فيه، ويعرض له الأمان، فلما شعر الإمام يحيى بفتور الديلم في نصرته قبل الأمان، وجرت بينه وبين هارون العباسي مراسلات وعهود، وعاد يحيى، ثم غدر به هارون، ونقض عهده وحبسه، ودسَّ له السمَّ في سجنه. (انظر معجم رجال الاعتبار ص485 ت(948)).
(2) هو عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، أبو بكر [111-184ه‍]، أمير، ولد بالمدينة، وولي اليمامة في أيام المهدي العباسي ثم الهادي، واعتزل ببغداد، فألزمه الرشيد بولاية المدينة، وعمره نحو (70) سنة، فقبلها ثم أضيف إليها نيابة اليمن، كان يلقب بعائد الكلب لقوله:
مالي مرضت فلم يعدني عائد

منكم ويمرض كلبكم فأعود

(انظر الأعلام 4/138).

قلت: وعبد الله بن مصعب الزبيري هذا الذي سعى بالإمام يحيى بن عبد الله عند هارون العباسي، وذلك أن الإمام يحيى بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب “ لما أمَّنه هارون بعد خروجه بالديلم، وصار إليه بالغ في إكرامه، فسعى به بعد مدة عبد الله بن مصعب الزبيري إلى هارون، وكان الزبيري هذا قد كسد سوقه عند ملوك بني العباس، فأراد النفاق بالكذب والسعاية، فسعى بيحيى بن عبد الله إلى هارون، وقال له: إنه قد عاد يدعو إلى نفسه سراً، وحسَّنَ له نقض أمانه، فأحضره وجمع بينه وبين عبد الله بن مصعب ليناظره فيما قذفه به ورفعه عليه، فجبهه ابن مصعب بحضرة هارون، وادَّعى عليه الحركة في الخروج وشقِّ العصا، وفي بعض الروايات: أن الزبيري قال لهارون: قد جاءتني دعوة يحيى، فعلمت أنها لم تبلغني مع العداوة بيننا وبينه، حتى لم يبق أحد خلف بابك إلا وقد أدخله في الخلاف عليك، ثم جرت مناظرة بين الإمام يحيى بن عبد الله وابن مصعب بحضرة هارون، فذكر الإمام يحيى في مناظرته شعراً للزبيري هذا يحرض فيها الإمام محمد بن عبد الله النفس الزكية على الوثوب والنهوض إلى الخلافة ويمدحه، ويقول له:
لاعزَّ ركنا نزار عند سطوتها

إن أسلمتك ولا ركنا ذوي يمن

ألست أكرمهم عوداً إذا انتسبوا

يوماً وأطهرهم ثوباً من الدرن

وأعظم الناس عند الناس منزلة

وأبعد الناس من عيب ومن وهن

قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتها

إن الخلافة فيكم يا بني حسن

…إلى آخر الأبيات وهي من قصيدة طويلة، فتغير وجه هارون عند سماع الشعر وتغيظ على ابن مصعب، فابتدأ ابن مصعب يحلف بالله الذي لا إله إلا هو وبأيمان البيعة أن هذا الشعر ليس له وأنه لسديف، فقال يحيى: والله ما قاله غيره، وما حلفت كاذباً ولا صادقاً بالله قبل هذا، وإن الله عز وجل إذا مجَّده العبد في يمينه فقال: والله الطالب الغالب الرحمن الرحيم استحيا أن يعاقبه، فدعني أن أحلِّفه بيمين ما حلف بها أحد قط كاذباً إلا عوجل، قال: فحلِّفه، قال: قل: برئت من حول الله وقوته، واعتصمت بحولي وقوتي، وتقلدت الحول والقوة من دون الله، استكباراً على الله واستعلاءً عليه، واستغناء عنه إن كنت قلت هذا الشعر، فامتنع عبد الله بن مصعب من الحلف بذلك، فغضب هارون، ثم وكز الفضل بن الربيع عبد الله بن مصعب برجله، وقال له: احلف ويحك، فجعل يحلف بهذه اليمين ووجهه متغير وهو يرعد، فضرب يحيى بين كتفيه وقال: يا ابن مصعب، قطعت عمرك لا تفلح بعدها أبداً.
…قالوا: فما برح من موضعه حتى عرض له أعراض الجذام، استدارت عيناه، وتفقأ وجهه، وقام إلى بيته فتقطع وتشقق لحمه، وانتثر شعره، ومات بعد ثلاثة أيام، وقيل: من يومه، وقيل: ثانيه.
…(انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 19/91-94، والتحف شرح الزلف للمولى المجتهد مجد الدين المؤيدي ص128-129).

هذه اليمين في مخاطبة جرت بينه وبين يحيى بن عبد الله في مجلس الرشيد، فحلفها الزبيري فعوجل بالعقوبة، فقيل: إنه مات من يومه، وقيل: مات بعد ثلاثة أيام.
(وإذا(1) حلف بالله الذي لا إله إلا هو): يريد إذا ذكر لفظ التوحيد والتنزيه لله تعالى عن اتخاذ الشركاء.
(لم يعاجل): بالعقوبة وإن كان فاجراً.
(لأنه وحَّد الله سبحانه): أي أخبر عنه بأنه واحد.
[248] (يا ابن آدم، كن وصي نفسك): يريد ما كنت تفعله عند الموت وبعده فافعله وأنت صحيح.
(واعمل في مالك ما تؤثر أن يعمل فيه بعدك(2)): أراد واعمل في مالك من الصدقة والبر والصلة للأقارب والأرحام، والإيثار هو: الاختصاص، ومنه قولهم: آثرته بكذا إذا خصصته به، وأراد ما تختص غيرك أن يكون عاملاً فيه بعد موتك.
[249] (الجدة ضرب من الجنون): أراد السعة والتمكن من المال، هذا على من رواه بالجيم.
فأما من رواه بالحاء(3) وهو الأحسن، فأراد أن حدة المزاج والإسراع إلى الغضب هو نوع من الجنون، يشير بهذا إلى ما في الحدة من تغير(4) الحال وإبطال العقل وإفساده، ثم قرر تقريبها من الجنون، بقوله:
(لأن صاحبها يندم): على ما كان منه من الأفعال الردية.
(فإن لم يندم): على ما فعله(5) من ذلك.
(فجنونه مُسْتَحْكِمٌ): يعني أنه لا دواء له، ولا يرجى إفاقته منه.
[250] (صحة الجسد): سلامته عن الأسقام والعاهات.
(من قلة الحسد): لأنه إذا كان حاسداً فمعه غمٌّ قاتل، وهمٌّ(6) لا يفارقه، وفي الحديث: ((ما رأيت ظالماً أشبه منه بالمظلوم منه بالحاسد)).
__________
(1) في (ب): فإذا.
(2) في (ب): أن تعمل فيه بعد.
(3) أي الحدة، كما هو في شرح النهج.
(4) في (ب): تغيير.
(5) في (ب): ما فعل.
(6) في (ب): وهو.

[251] [وقال عليه السلام لكميل بن زياد النخعي](1):
(يا كميل، مُرْ أهلك أن يَرُوحُوا في كسب المكارم): اصطناع المعروف، وإسداء الخير، والتفضل على كل أحد.
(ويُدْلِجُوا في حاجة من هو نائم): الدلجة هو: أول البكرة، وفي الحديث: ((من خاف البيات أدلج، ومن أدلج في المسير وصل))(2)، وأراد الحض له على كفاية الخلق بحوائجهم، وقضاء حاجة من هو قاعد عنها، وفيه وجهان:
أحدهما: أن يريد قضاء حاجة من لا يمكنه قضاء حاجة نفسه ويعجز عنها.
وثانيهما: أن يكون مراده قضاء حاجة من لا يشعر أنه يعني(3) في حاجته، وأراد العناية في هذه الأمور العامة منفعتها للمسلمين، نحو إصلاح الطرقات والمناهل والمساجد إلى غير ذلك مما لا يكون مختصاً بواحد دون واحد.
(فوالذي وسع سمعه الأصوات): فلا يخفى عليه ظاهرها وخفيها.
(ما من أحد أودع سروراً قلباً(4)): فعل به ما تقتضيه مسرة قلبه وطمأنينة صدره.
(إلا وخلق الله له(5) من ذلك السرور لطفاً): من أنواع التوفيقات وضروب المصالح العظيمة.
__________
(1) زيادة في شرح النهج.
(2) أخرجه من حديث عن أبي هريرة الشريف السيلقي في الأربعين السيلقية ص20 الحديث السابع، وهو بلفظ: ((من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل)) وأورده في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8/250 وعزاه إلى سنن الترمذي 2450، والمستدرك للحاكم النيسابوري 4/308، وحلية الأولياء 8/277، وإتحاف السادة المتقين 8/441، 10/179،259.
…قلت: وهو بلفظ الموسوعة والأربعين السيلقية، في مسند شمس الأخبار1/469 في الباب السادس والثمانين.
(3) في (ب): يغني.
(4) في شرح النهج: أودع قلباً سروراً.
(5) له، زيادة في شرح النهج.

(فإذا نزلت به نائبة): حادثة من حوادث الدهر، وسميت الحادثة نائبة؛ لأنها تنوب كل أحد وتأتي عليه.
(جرى إليها): يعني ذلك اللطف.
(كالماء في انحداره): يريد منحدراً لا يرده شيء كما ينحدر الماء عن موضع مرتفع، فإنه لا يرده شيء من نفوذه.
(حتى يطردها عنه): يزيلها ويبعدها.
(كما تُطْرَدُ غريبة الإبل): أراد أن الناقة إذا جاءت إلى غير القطيع الذي تألفه، فإنها تُطْرَدُ وتنكرها إبل ذلك القطيع التي ليست من أهله.
[252] (إذا أملقتم): الإملاق: الفقر، قال تعالى(1): {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ}[الإسراء:31].
(فتاجروا الله بالصدقة): أراد فتصدقوا؛ فإن الله يخلف لكم أضعاف ذلك بما يزول عنكم الإملاق لأجله.
[253] (الوفاء لأهل الغدر غدر): أراد أن كل من كان غادراً ثم وفيت له فهذا تغرير وغدر؛ لأن الوفاء ليس أهلاً له، فمن وفى لهم بذلك فهو غادر.
(عند الله): فيما يوجبه الدين، ويقتضيه حكم الله تعالى.
(والغدر بأهل الغدر وفاء): أراد ومكافأتهم بغدرهم غدراً مثله يكون وفاء بما فعلوه.
(عند الله): وإليه الإشارة بقوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}[النحل:126]، وقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}[الشورى:40].
سؤال؛ أليس قد مر في كلامه: أدِ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك، فكيف قال ها هنا: الغدر بأهل الغدر وفاء، ومن أين يكون الجمع بينهما؟
__________
(1) تعالى، زيادة في (ب).

وجوابه؛ هو أن الغرض بقوله: ولا تخن من خانك من بدت منه الخيانة على الندرة والقلة، فلا ينبغي وإن خان أن يخان، والغرض بقوله: الغدر بأهل الغدر وفاء هو أن من صار الغدر فيه طريقة وسجية بحيث لا يقلع عنه، فالغدر في مثل هذا وفاء؛ لأن الوفاء له يكون خيانة لا محالة، فقد تبين وجه الجمع بينهما، والله أعلم.

قال الشريف الرضي رضي الله عنه
فصل نذكر فيه شيئاً من اختيار غريب كلامه المحتاج إل‍ى تفسير
[254] (فإذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين بِذَنَبِه): اليعسوب للدين هو: السيد العظيم المالك لأمور الناس يومئذ، بِذَنَبِه: يعني استقام أمره، وتقررت قواعده، والإشارة بقوله: ذلك، أظن أنه يريد زمان خروج المهديعليه السلام.
(فيجتمعون إليه كما تجتمع قُزَعُ الخريف): القزع: جمع قَزَعَة وهي السحاب الذي لا ماء فيها، وإنما خص قزع الخريف؛ لأنه أسرع حركة وأقرب إلى الاجتماع لقلة الماء فيه.
[255] وفي حديثه هذا:
(هذا الخطيب الشحشح): بالحاء المهملة والشين بثلاث من أعلاها، يريد الماهر في الخطب الماضي في كلامه، وكل ماضٍ في كلام أو سير فهو شحشح، والشحشح في غير هذا هو: البخيل الممسك(1).
[256] وفي حديثه:
__________
(1) الممسك، زيادة في (ب) وشرح النهج.

(إن للخصومة قُحَماً) يريد بالقحم المهالك؛ لأنها تقحم أصحابها فيها(1)، أي تولجهم في المهالك والمتالف، ومنه قحمة الأعراب، وهو أن تصيبهم السنة فتولجهم في المهالك والمتالف، أو يقال(2): تولجهم بلاد الريف بعد أن كانوا في البدو.
[257] وفي حديثه:
(إذا بلغ النساء نص الحقاق فالعصبة أولى): هذا الحديث فيه روايتان:
فالرواية الأولى:
نص الحقاق، ولها معنيان:
أحدهما: أن يكون المراد بالنص هو الظهور ومنتهى الأشياء وغايتها وقصاراها، يقال: نصصت الرجل عن الأمر إذا بلغت غاية ما معه منه، واستخرجت ما عنده من ذلك، فنص الحقاق على هذا هو الإدراك والبلوغ؛ لأنه منتهى الصغر، والوقت الذي يخرج به الصغير إلى حد الكبير، وهذا من أفصح الكنايات وأغربها، والمعنى في هذا هو أن النساء متى بلغن هذا الوقت، فالعصبة أولى بالمرأة من أمها إذا كانوا محارم مثل الأخوة والأعمام والأخوال وبتزويجها إن طلبوا ذلك، والحقاق على هذا هو: مُحاقَّةُ الأمر للعصبة في المرأة، وهو عبارة عن الجدال والخصومة في ذلك، وقول كل واحد منهم: أنا أحق بها منك، فيقال فيه على هذا: حاققته حقاقاً مثل جادلته جدالاً.
__________
(1) في (ب): في المهالك.
(2) وقال الشريف الرضي: فمن ذلك قحمة الأعراب، وهو أن تصيبهم السنة فتتفرق أموالهم، فذلك تقحمها فيهم، وقيل فيه وجه آخر، وهو أنها تقحمهم بلاد الريف أي تحوجهم إلى دخول الحضر عند محول البدو. (انظر شرح النهج 19/107).

وثانيهما: أن يكون مراده أن نص الحقاق هو الإدراك وبلوغ كمال العقل، وأراد منتهى الأمر الذي تجب به الحقوق [وتستقر الأحكام، والمعنى في هذا هو أن المرأة إذا بلغت الحد الذي فيه تجب عليها الحقوق](1) وهو وقت البلوغ فالعصبة الذين ذكرناهم يكونون أحق بها.
[و](2)الرواية الثانية
قوله: إذا بلغ النساء نص الحقائق، ولها معنيان:
أحدهما: أن تكون الحقائق جمع حقيقة، وهو ما يجب على الرجل أن يحيمه، ويقال: فلان حامي الحقيقة من النساء وغيرها، هذه فائدة ما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام، ولم يذكر تنزيل الكلام على هذا التأويل.
__________
(1) ما بين المعقوفين سقط من (ب).
(2) سقط من (أ).

وثانيهما: ما ذكره الشريف الرضي وهو أن المراد بنص الحقاق ها هنا بلوغ المرأة إلى الحد الذي يجوز فيه(1) تزويجها، وتصرفها في حقوقها، فشبهها(2) بالحقاق من الإبل، وهي جمع حقة [وحق](3)، وهو الذي يستكمل ثلاث سنين ويدخل في الرابعة(4)، وعند ذلك يبلغ الحد(5) الذي يتمكن فيه من ركوب ظهره ونصه في السير، والحقائق أيضاً جمع حقة، فالروايتان جميعاً ترجعان إلى معنى(6) واحد، ثم قال: وهذا أشبه بطريقة العرب من غيره من المعاني(7)، فهذا ملخص(8) ما قيل في تفسير قوله: نص الحقاق والحقائق(9) كما ترى.
والذي يظهر لي في فائدة قوله: إذا بلغ النساء نص الحقاق فالعصبة أولى، أن غرضه إذا بلغن منتهى كمال عقولهن، وحيث يكون التخاصم، فعبر عن منتهى العقل وكماله بالنص؛ لأن نص كل شيء منتهاه وغايته، وعبر عن صلاحية المخاصمة بقوله: الحقاق، أخذاً من قولهم: فلان نزق الحقاق إذا كان يخاصم في أصغر الأشياء، وقولهم: ماله فيه حق ولا حقاق، أي خصومة، والتَّحاقّ: التخاصم، والاحتقاق: الاختصام، فكنى بهذه الكناية اللطيفة عما ذكرناه.
[258] وفي حديثه:
__________
(1) فيه، زيادة في شرح النهج.
(2) في (ب) وشرح النهج: تشبيها.
(3) زيادة في (ب) وشرح النهج.
(4) في شرح النهج: وهو الذي استكمل ثلاث سنين ودخل في الرابعة.
(5) في شرح النهج: إلى الحد الذي يمكِّن فيه من ركوب ظهره ونصِّه في سيره.
(6) في شرح النهج: مسمى.
(7) في شرح النهج: وهذا أشبه بطريقة العرب من المعنى المذكور أولاً. (انظر شرح النهج19/108-109).
(8) في (ب): تلخيص.
(9) والحقائق، سقط من (ب).

(إن(1) الإيمان يبدو لُمْظَةً في القلب، كلما ازداد الإيمان ازدادت اللُّمْظَة): أراد باللمظة ها هنا النكتة ونحوها من البياض، ومنه قولهم: فرس ألمظ إذا كان بجحفلته(2) شيء من البياض، والمعنى في هذا هو التشبيه للإيمان في أول أحواله بالنكتة تكون في القلب، فلا تزال النكتة تزداد قوة وبياناً مهما كانت أحواله مستقيمة في الديانة والتقوى، فإذا واقع شيئاً(3) من هذه القبائح ازدادت تلك النكتة ضعفاً وتلاشياً، والإشارة إلى الأول بقوله تعالى: {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ}[الزمر:22]، والإشارة إلى الثاني بقوله: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[المطففين:14].
[259] وفي حديثه:
(إن الرجل إذا كان له الدَّيْنُ الظَّنُون يجب عليه أن يزكيه لما مضى إذا قبضه): والدَّيْنُ الظنون: الذي لا يعلم صاحبه أيقتضيه أم لا يقتضيه(4)، فكأنه الذي يظن به فيرجوه مرة وييأس منه مرة ثانية، وهذا من فصيح الكلام وغريبه، وهكذا كل أمر تحاوله ولا تدري بحاله أيحصل أم لا فهو ظنون، والظنون: البئر الذي لا يعلم حالها أفيها ماء أو لا، وأنشدوا للأعشى:
ما(5) يجعل الجُدَّ الظَّنُون الذي

جُنِّب صوب اللجب الماطر

مثل الفراتيَّ إذا ما طما

يقذف بالبوصيِّ والماهر(6)
__________
(1) إن، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.
(2) الجحفلة: بمنزلة الشفة للخيل والبغال والحمير، ورقمتان في ذراعي الفرس. (القاموس المحيط ص1260).
(3) في (ب): فإذا وقع شيء.
(4) في (ب): أيقضيه أم لا يقضيه.
(5) في (ب): لا، وفي شرح النهج: من.
(6) لسان العرب 2/655، وأول البيت الأول فيه: ما جعل ...إلخ ، والبيتان أيضاً في شرح النهج لابن أبي الحديد 19/112.

وغرضه من هذا هو أن البئر التي لا يُدْرَى هل فيها الماء أم ليس فيها مثل صوب السحاب الصائح بالرعد، واللجب: الصوت العظيم بصب الماء وسكبه، ولا يجعل مثل الفراتي، وهو: نهر الفرات، والنسبة إليها على جهة التأكيد، وطموه بالماء: ارتفاعه على حده المعتاد.
والبوصي: ضرب من سفن البحر صغار.
والماهر هو: الملاَّح أو السابح في البحر، فحال البئر الذي وصفنا حالها لا تشبه واحداً من هذين الأمرين.
[260] وفي حديثه:
(أنه شيع جيشاً يُغْزِيه): أي يجعله غازياً إلى أرض بعيدة، فقال:
(اعزبوا عن ذكر النساء ما استطعتم): والمعنى في هذا أعرضوا عن ذكر النساء وشغل القلب بهنَّ، وامتنعوا عن(1) المقاربة لهنَّ؛ لأن ذلك يفت في عضد الحمية، ويقدح في معاقد العزيمة، ويكسر عن العدو، ويفتِّر عن الإبعاد في الغزو، وكل من امتنع من(2) شيء فقد أعزب عنه، والعازب والعَزُوبُ: الممتنع من الأكل والشرب.
[261] وفي حديثه:
(كالياسر الفالج، ينتظر أول فوزة من قداحه): الياسر هو: اللاعب بقداح الميسر، والفالج هو: الغالب لغيره(3)، والفوز: النجاة من كل محذور، وقد تقدم موضع هذا التشبيه، وفسرناه هناك.
[262] وفي حديثه:
__________
(1) في (ب): من.
(2) في (ب): عن.
(3) في (ب): القاهر الغالب لغيره.

(كنا إذا احمرَّ البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم): ومعنى هذا هو أنه إذا عظم الخوف من العدو، واشتد عضاض الحرب بالمسلمين، وأشفقوا على أنفسهم فزعوا إلى قتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه، فينزل الله عليهم النصر بسبب ذلك، ويأمنون ما كانوا يخافون من قبل، واحمرار البأس جعله ها هنا كناية عن شدة الأمر في الحرب، وهو بالباء بنقطة من أسفلها، ونظير هذا قول الرسول عليه السلام لما رأى مجتلد القوم بحنين: ((الآن حمي الوطيس))(1)، والوطيس: مستوقد النار، فشبه ما اشتد من جلاد القوم باتقاد النار وشدة التهابها.
(فلم يكن أحد منَّا أقرب منه إلى العدو): يشير بهذا إلى ما أعطاه الله من شدة الجأش وثبوت القلب، وقوة العزيمة، وشجاعة الْجَنَان، ولقد أثخن(2) في درعين يوم أحد.
قال الشريف الرضي رضي الله عنه: (انقضى هذا الفصل، ورجعنا إلى سنن الغرض الأول في هذا الباب): يعني ذكر الحكم والآداب المأخوذة من جهته، وذكره لهذا الفصل إنما هو على جهة العروض، والمقصود خلافه.
[263] وقال عليه السلام لما بلغه غارة أصحاب معاوية على الأنبار، خرج(3) بنفسه ماشياً حتى أتى النُخيْلَةَ فأدركه الناس(4)، وقالوا: يا أمير المؤمنين، نحن نكفيكهم، فقال عليه السلام:
(والله ما كفيتموني(5) أنفسكم): يعني بحسن الانقياد والإئتمار لإمامكم بالسمع والطاعة.
__________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 19/116، ونهاية ابن الأثير 1/447،وسيرة ابن هشام 4/59.
(2) أي أصابته جراحة، وانظر تفصيل ذلك في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 15/3-9 عن الواقدي.
(3) في شرح النهج: فخرج.
(4) الناس، سقط من (أ)، والنُخَيْلَة: موضع بالعراق بظاهر الكوفة.
(5) في (ب) وشرح النهج: والله ما تكفونني.

(فكيف تكفونن‍ي غيركم!): من تدبير أحوال سائر(1) الناس، ولأنكم أقوى على كفاية أنفسكم، فإذا لم تكفوها فأنتم أعجز عن كفاية غيرها.
(إن الرعايا قبلي تشكو(2) حيف رعاتها): ميلهم عن الحق والعدل إلى الجور.
(فأنا اليوم أشكو حيف رعيت‍ي(3)): ميلهم عن أمري، ونكوصهم عن متابعتي، وتأخرهم عن نصرتي.
(كأني المقود وهم القادة): أراد كأني التابع لهم وهم المتبوعون.
(وأنا الموزوع وهم الوزعة): أي المحثوث [في اتباع الأمر](4) وهم الحاثون لي في ذلك.
قال الشريف الرضي: فلما قال هذا القول في كلام طويل، قد ذكرنا مختاره في جملة الخطب من(5) قبل هذا، تقدّم إليه رجلان من أصحابه فقال أحدهما: {إِنّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي}[المائدة:25]، فمرنا يا أمير المؤمنين بأمرك نُنَفِّذْ فيه، فقال: وأين تقعان مما أريده!): يعني أن هذا الأمر إنما(6) يكون بالتناصر والتعاضد، واتفاق المسلمين، فأما الواحد والاثنان والعدد اليسير فلا يكاد يقع موقعاً نافعاً منه.
[264] وقيل: إن الحارث بن حوط أتى أمير المؤمنين، فقال: أترى أن(7) أصحاب الجمل كانوا على ضلالة؟
__________
(1) سائر، سقط من (ب).
(2) في (ب): إن الرعايا لتشكو، وفي شرح النهج: إن كانت الرعايا قبلي لتشكو ...إلخ.
(3) في شرح النهج: فإني اليوم لأشكو حيف رعيتي، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(4) سقط من (ب).
(5) من، سقط من (ب).
(6) إنما، سقط من (ب).
(7) في شرح النهج: أتراني أظن أن أصحاب ...إلخ.

فقال: (يا حارِ، إنك نظرت تحتك، ولم تنظر فوقك): وهذه(1) من أعجب الكنايات وأرفعها قدراً، وأراد أنك من أهل الجهل، ولست من أهل العلم، فكنى بالتسفل عن الجهل لما كان يضع أهله ومن تلبس به، وعنى(2) بالفوقية عن العلم لما كان يرفع أهله.
(فحرت): أراد تحيرت في الأمر فلم تعرف ما فيه من الإيراد والإصدار.
(إنك لم تعرف الحق): لم تحط به معرفة، ولا أتقنته دراية.
(فتعرف من أتاه(3)): من عمل به، وكان معولاً عليه في جميع أموره.
(ولا(4) عرفت الباطل): أحطت به معرفة ودراية.
(فتعرف من أتاه): من تلبس به وخالطه، وحاصل كلامه أنه في لبس من دينه، لا يعرف ما يأتي منه وما يذر.
وفي رواية أخرى: (الحق لا يعرف بالرجال، وإنما الرجال يعرفون بالحق، فاعرف الحق تعرف أهله قلُّوا أم كثروا، واعرف الباطل تعرف أهله قلُّوا أم كثروا)(5).
(فقال الحارث: فإني أعتزل مع سعد بن مالك، وعبد الله بن عمر): فإنهما كانا ممن اعتزل أمير المؤمنين، ثم ندما على ذلك بعد، كما حكيناه من قبل عند عروض ذكرهما.
فقال:
__________
(1) في (ب): وهذا.
(2) ظنن فوقها في (ب) بقوله: ظ: كنى.
(3) في شرح النهج: فتعرف أهله.
(4) في شرح النهج: ولم تعرف.
(5) روى هذه الرواية القاضي العلامة أحمد بن يحيى حابس الصعدي رحمه الله في الإيضاح في شرح المصباح ص375، ولفظ أولها فيه: (يا حار، إنه لملبوس عليك، إن الحق لا يعرف بالرجال وإنما ...إلخ).

(إن سعداً، وعبد الله بن عمر لم ينصرا الحق، ولم يخذلا الباطل): أراد بهذا أنهما اعتزلا الأمر لعروض شبهة لهما في ذلك، فلاهما نصرا الحق فيكونان(1) معنا في جيشنا، ولا هما أيضاً خذلا الباطل فيكونان(2) عوناً على إبطاله وفساده.
[265] (صاحب السلطان كراكب الأسد): يعني من يجالس السلطان، ويكون بالقرب منه مثل من يركب الأسد في حالته هذه.
(يغبط بموضعه(3)): الغبطة هي: حسن الحال، يعني تحسن حاله في النفوس لمكانه من الأسد، وأن أحداً لا ينال هذه الحالة فإنه لا يستطاع صيده وأخذه، فضلاً عن استذلاله بالركوب.
(وهو أعلم بموقعه): ما يناله من الخوف والإشفاق، فهكذا الحال يغبطه الناس بقربه من الملك، وهو على إشفاق من أمره من غضبه وحدته.
[266] (أحسنوا في عقب غيركم): يشير إلى رعاية حق الأموات في أولادهم وحسن التكفل بهم والإحسان إليهم.
(تحفظوا في عقبكم): يريد أنكم إذا فعلتم ذلك في أعقاب غيركم يسر الله لكم لطفاً في أعقابكم من يفعل ذلك في حقكم.
[267] (إن كلام الحكماء إذا كان صواباً(4) كان دواء): يشير إلى العلماء فإنهم أهل الحكمة، فإذا كان ما يتكلمون به جارياً على الأحكام الشرعية ومطابقاً لما أراد الله، ومقرراً على التقوى والورع، فهو دواء عن داء الجهل.
(وإن كان خطأ فهو(5) داء): يعني وإن كان مخالفاً لتقوى الله وإرادته فهو مفسد لا محالة، لأن الناس ينقادون له ويتبعونه، ولهذا يقولون: نعمل به؛ لأن فلاناً قد قال به، فيكون الداء من هذه الجهة.
__________
(1) في (ب): فيكونا.
(2) في (ب): فيكونا.
(3) في شرح النهج: يغبط بموقعه، وهو أعلم بموضعه.
(4) في (ب): حقاً، وأشار في هامشها إلى أنه في نسخة: صواباً.
(5) في شرح النهج: كان.

[268] وسأله رجل أن يعرفه الإيمان(1) وحقيقته؟
فقال: (إذا كان غداً(2) فأتن‍ي حتى أخبرك على أسماع الناس، فإن نسيت مقالت‍ي حفظها عليك غيرك، فإن الكلام كالشاردة): يريد من الإبل أو من الشاء التي تشرد عن صواحبها التي هي معهن.
(يثقفها هذا): أي يصدفها، من قولهم: ثقفته إذا صادفته، قال الله تعالى: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ}[الأنفال:57]، أي تصادفهم.
(ويخطئها هذا): يزول عنها فلا توجد معه.
(قال الشريف الرضي رضي الله عنه: وقد ذكرنا ما أجابه عليه السلام من هذا الباب، وهو قوله: الإيمان على أربع شعب): وقد مضى فلا نعيده.
[269] وقال:
(يا ابن آدم، لا تحمل همَّ يومك الذي لم يأتك): يعني الذي تستقبله من عمرك(3)، لا تشتغل بتدبير أمرك فيه، وحفظ رزقك من أجله.
(على يومك الذي أتاك): فتكون مدبراً فيه(4) رزق غيرك، وجامعاً للرزق فيه، وليس حاصلاً، ولا تدري بحاله كيف يكون.
(فإنه إن يكن من عمرك يأت(5) الله فيه برزقك): يعني(6) فلا تشتغل بما يصلحه الآن، وأنت على غير ثقة من أمره، وحقيقة من حاله.
[270] (احبب حبيبك هوناً ما): يشير إلى أنه إذا أحببت فأحبب بالهون والإرواد، ولا تَّهالك في حب من تحب فإنه:
(عسى أن يكون بغيضك يوماً ما): يعني فربما كان باغضاً لك في بعض الأيام.
(وابغض بغيضك هوناً ما): يشير إلى أنك إذا بغضت(7) أحداً فلا تَّهالك في بغضه، وليكن بغضك له بالهون.
__________
(1) في (ب) وشرح النهج: ما الإيمان.
(2) في (ب): الغد، و في شرح النهج: غدٌ.
(3) من عمرك، سقط من (ب).
(4) فيه، سقط من (ب).
(5) في النسخ: يأتي، وهو تحريف.
(6) يعني، سقط من (ب).
(7) في (ب): أبغضت.

(عسى أن يكون حبيبك يوماً ما): فربما كان محباً لك في بعض الأيام، وربما أثر هذا عن الرسول عليه السلام(1)، وهذا قريب؛ لأنهما ينزعان عن قوس واحدة، فلهذا يصيبان الغرض إصابة واحدة، ويردان مورداً واحداً، فلا جرم يحصل التطابق في كلامهما في هذا وفي غيره، وقد نبهنا عليه، وما هذه صفة لهون أي هوناً قليلاً.
[271] (الناس في الدنيا عاملان: عامل في الدنيا للدنيا): أي من أجل إصلاح الدنيا.
(قد شغلته دنياه عن آخرته): شغله إصلاحها عن إصلاح الآخرة والالتفات إليها.
(يخشى على من يخلِّف الفقر): من أولاده.
(ويأمنه على نفسه): ولهذا لم يشتغل بنفسه، وإنما اشتغل بأولاده خيفة الفقر عليهم والحاجة بعده.
(فيفن‍ي عمره في منفعة غيره): وهو استغراق عمره؛ لأن يعود على أولاده بمنفعة بعد موته، فهو مفني لعمره في خدمتهم وجلب المنفعة إليهم.
(وعامل في الدنيا لما بعدها): يعني للآخرة في الدنيا، مشغول بعمل الآخرة.
__________
(1) أخرجه بلفظه الإمام الموفق بالله عليه السلام في الاعتبار ص310 برقم (238) بسنده عن عليعليه السلام، وقال المحقق في تخريجه: أورده في كشف الخفاء 1/54 رقم (130) وقال: رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، عن أبي هريرة، والطبراني عن عمر، والدارقطني، وابن عدي، والبيهقي عن علي موقوفاً، ثم ساق الكلام في تخريجه (انظره فيه).
…قلت: ورواه بلفظه العلامة علي بن حميد القرشي رحمه الله في مسند شمس الأخبار2/163ـ164 في الباب التاسع والثلاثين والمائة عن علي عليه السلام وعزاه إلى مسند أنس، وص235 في الباب السادس والخمسين والمائة عن علي عليه السلام، وعزاه إلى أمالي الأشج، وانظر موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 1/134.

(فجاءه الذي له(1) من الدنيا بغير عمل): من غير عناية ولا جهد من نفسه ولا تعب لها في تحصيل رزقه.
(فأحرز الحظين معاً(2)): يعني عمل للآخرة، فأحز عمل(3) الآخرة، وجاءه نصيبه من الدنيا من غير كلفة ولا مشقة.
(فأصبح وجيهاً عند الله): ذا جاه ومقدار عنده، كما قال تعالى: {وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}[آل عمران:45]، يعني عيسى عليه السلام.
(لا يسأل الله حاجة فيمنعه): وهذه فائدة كونه وجيهاً عند الله، أي أنه لا يرده في حاجة توجه لها من الله، ولهذا يقال: فلان وجيه عند الأمير أي يقضي له كل حاجة طلبها من جهته.
[272] وروي أنه ذكر عند عمر بن الخطاب في أيامه حلي الكعبة وكثرته، فقال قوم: لو أخذته فجهزت به جيوش(4) المسلمين، كان أعظم للأجر، وما تصنع الكعبة بالحلي، فهمَّ عمر بذلك، فسأل عنه أمير المؤمنين؟ فقال:
(إن القرآن أنزل على الرسول صلى الله عليه وآله والأموال أربعة): يعني على أنواع أربعة:
(أموال المسلمين، فقسَّمها بين الورثة في الفرائض): فهذا مال لهم يملكونه في مدة الحياة، فإذا ماتوا كان مقسوماً في الورثة بعدهم.
(والفيء فقسَّمه على مستحقيه): مال الفيء نوعان:
أحدهما: ما أخلى عنه الكفار خوفاً من المسلمين.
وثانيهما: ما أخذ من غير خوف كالجزية، وعشور أموالهم للتجارة، أعني أهل الذمة، والفيء كله ما كان حاصلاً من غير قتال.
(والخمس فوضعه الله حيث وضعه):
__________
(1) له، زيادة في شرح النهج.
(2) بعده في شرح النهج: وملك الدارين جميعاً.
(3) عمل، سقط من (ب).
(4) جيوش، سقط من (ب).

وعن أمير المؤمنين أنه قيل له: إن الله قال: {والْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ}[الأنفال:41](1)؟
فقال: (أيتامنا، ومساكيننا).
وعن زيد بن علي رضي الله عنه أنه قال: ليس لنا أن نبني منه قصوراً، ولا نركب البراذين(2).
وقد اضطرب رأي(3) العلماء في قسمة الخمس(4)، وليس من همنا ذكر ذلك.
(والصدقات فجعلها الله حيث جعلها): يعني في الأصناف الثمانية.
(وكان حلي الكعبة فيها يومئذ): يريد يوم قسمة هذه الأموال وحديثها.
(فتركه الله على حاله): من غير تغيير له عن موضعه، ولا إزاحة له عن مكانه.
(ولم يتركه نسياناً): فإنه عالم بكل المعلومات.
(ولم يخف عليه(5) مكاناً): أراد لم(6) يخف عليه مكانه
(فَأقِرِّه حيث أقرَّه الله): أراد لا تغيره عن حالته التي هو عليها.
(فقال له عمر: لولاك لافتضحنا!): في أخذه وتغييره عما كان عليه.
(وترك): عمر.
(الحلي على ما كان عليه): وهي إلى الآن محلى بابها، ما أنكره أحد من العلماء لهذا الوجه.
__________
(1) الكشاف 2/211، وقال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام في الأحكام2/489 بعد كلام طويل في قسمة الخمس قال ما لفظه: وفي ذلك ما بلغنا عن علي بن الحسين بن عليعليه السلام أنه كان يقول في قول الله تبارك وتعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} هم يتامانا، ومساكيننا، وابن سبيلنا. انتهى، ورواه عنه الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الاعتصام 2/289 قال: وهذا في الشفاء.
(2) الكشاف 2/211، والبراذين: جمع برذون، وهي: الدابة.
(3) رأي، سقط من (ب).
(4) عن قسمة الخمس، انظر الاعتصام بحبل الله المتين للإمام القاسم بن محمدعليه السلام، 2/288ـ292.
(5) في شرح النهج: عنه.
(6) في (ب): ولم.

[273] وروي(1) أنهعليه السلام دفع(2) إليه رجلان سرقا من مال الله، أحدهما عبد(3)، والآخر من عُرْضِ(4) الناس، فقال:
(أما هذا): يعني العبد.
(فهو من مال الله): وكان من الفيء.
(ولا حد عليه): لأجل الشبهة.
(مال الله أكل بعضه بعضاً): يعني أن(5) المال لله والعبد من ماله أيضاً، فلا وجه للحد لسقوطه بالشبهة، وأراد مال الله أخذ بعضه من بعض.
(وأما الآخر): يعني الحر، فلا وجه للشبهة في حقه.
(فعليه الحد(6) فقطع يده): للسرقة.
سؤال؛ كيف قطعه وله حق في بيت المال، ومن حق الحد أن يكون مدرؤاً بالشبهة، ولا شبهة أعظم من ذاك(7)؟
__________
(1) في (ب): ويروى.
(2) في (ب) وشرح النهج: رفع.
(3) في (ب) وشرح النهج: أحدهما عبد من مال الله.
(4) فلان من عُرْضِ الناس أي من العامة. (مختار الصحاح ص426).
(5) أن، سقط من (ب).
(6) في شرح النهج: فعليه الحد الشديد، فقطع يده.
(7) في (ب): ذلك.

وجوابه؛ هو أن الرواية عنه مختلفة، فقال في موضع آخر: لا يقطع من سرق من بيت المال(1)، وهي(2) رواية الشعبي(3) عنه، وهو محكي عن عمر أيضاً(4)، وهذا هو المختار لأجل ما ذكرناه من الشبهة له.
__________
(1) أخرج الإمام الأعظم زيد بن علي عليهما السلام في مجموعه ص230 برقم (506)، عن أبيه، عن جده، عن عليعليه السلام، فذكر حديثاً في حد السارق، واللفظ في آخره: ((ولا قطع على سارق من بيت مال المسلمين، فإن له فيه نصيباً)) والخبر هذا في أنوار التمام5/118 وعزاه إلى مجموع الإمام زيد بن علي عليهما السلام، وشرح الأحكام للعلامة علي بن بلال.
(2) في (ب): وهو، وانظر رواية الشعبي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في أنوار التمام5/119.
(3) هو عامر بن شراحيل بن عبد الشعبي الحميري، أبو عمر [19-103ه‍]، أحد الأعلام، من التابعين، فقيه، محدث، خرج مع ابن الأشعث على الحجاج، وشهد وقعة الجماجم، ثم نجا وعفي عنه، ولد ونشأ ومات بالكوفة، اتصل بعبد الملك بن مروان فكان نديمه وسميره، عدّه بعض المؤرخين في رجال الشيعة، ومنهم السيد صارم الدين الوزير، ومن كلامه: إن أحببنا أهل البيت هلكت دنيانا، وإن أبغضناهم هلك ديننا، وكان يقول: أحبب آل البيت ولا تكن رافضياً. (معجم رجال الاعتبار وسلوة العارفين ت(402)).
(4) الرواية في أنوار التمام 5/119، قال: وفي الشفاء خبر رُوي أن عمر كتب إليه -أي إلى الإمام عليعليه السلام- يسأله عمن سرق من بيت مال المسلمين؟ فقال: (لا تقطعه، فما من أحد إلا وله فيه حق). انتهى.

فأما ما(1) ذكره ها هنا من قطعه فهو محمول على أنه لا شبهة له فيه بأن يكون غنياً، فإنه متى كان غنياً فلا حق له في بيت المال، فلهذا وجب قطعه كما لو سرق ذمي من بيت المال فإنه يقطع لا محالة، وكما لو سرق غني من الأموال الموقوفة للفقراء فإنه يقطع بلا مرية، فيجب حمله على ما ذكرناه.
[274] (لو قد(2) استوت قدماي من هذه المداحض): مكان دحض إذا كان زلقاً لا تثبت فيه الأقدام، وعنى باستواء قدميه فراغه عما في وجهه من الجمل وصفين وحرب الخوارج.
(لَغَيَّرتُ أشياء): يريد أمت بدعاً وضلالات في الدين، وتغييرها: إزالتها وطمسها.
[275] (واعلموا علماً يقيناً): قاطعاً لا تشكون فيه.
(أن الله لم يجعل للعبد وإن عظمت حيلته): تصرفه في أموره واحتياله بأبلغ الحيل وأعلاها.
(وقويت مكيدته): المكيدة والكيد هو: الخدع والتغرير.
(واشتدت طَلِبَتُه): وكان طلبه لرزقه عظيماً شديداً، فإن الله تعالى(3) ما فرض له من الرزق:
(أكثر مما سُمِّي له في الذكر الحكيم): يريد به اللوح المحفوظ، فإن الله تعالى قد كتب فيه أرزاق الخلق وآجالهم، فما يزاد مما قد(4) قدر وحتم شيء.
(ولم يَحُلْ بين العبد في ضعفه وقلة حيلته): احتياله في طلب رزقه، وقلة قدرته على طلبه.
__________
(1) ما، سقط من (ب).
(2) قد، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.
(3) تعالى، سقط من (ب).
(4) قد، سقط من (ب).

(وبين أن يبلغ ما سُمِّي له في الذكر الحكيم): يشير بكلامه هذا إلى أن قوة الإنسان وبسطته لا تزيده على ما قد فرض له، ولا ضعفه وقلة احتياله(1) تبطل عنه ما سمي له وفرض من الأرزاق والآجال، وهذه قاعدة عظيمة في الدين يعظم نفعها ويكبر(2) خطرها وقدرها، وفيها راحة عن أكثر التكلفات، وإغفال للنفس عن التوهمات.
(والعارف بهذا): المحيط بعلمه ومعرفته، و:
(العامل به): الضمير والإشارة إلى ما قرره أولاً من العلم بما قد كتبه الله للعبد في لوحه المحفوظ من الرزق والأجل، فأراد فمن عرفه وعمل به:
(أعظم الناس راحة في منفعة): أراد أكثرهم استراحة فيما ينفعه من ذلك.
(والتارك له): بالإعراض عنه(3).
(الشاك فيه): الذي لا يعلمه، ولا يدري بكنه حاله.
(أعظم الناس شغلاً في مضرة): أكثرهم اشتغالاً فيما يضره، ومصداق ما قاله عليه السلام هو أن من عرف ما قاله هان عليه الأمر، فأراح نفسه عن أكثر المطالب التي لا تجدي، ولا تكون نافعة له، ومن جهله شغل نفسه وأتعبها(4) غاية التعب، وضرها غاية المضرة، من غير زيادة ولا نقصان في أمر من الأمور.
(رب(5) منعم عليه متسدرج بالنُّعمى(6)): الاستدراج هو: الإملاء بإدرار النعم وكثرتها، والنعمى(7) مصدر نعم ينعم كالبشرى والرجعى، والنعمة هي: الاسم من التنعم، وأراد أن الله يملي لكثير من الفسقة، ويرادف عليه النعمة خذلاناً منه له لعلمه بأنه لا لطف له، وأنه غير منتفع بالألطاف وإن فعلت له، فلهذا خذله بالإملاء والاستدراج.
__________
(1) في (ب): ولا قلة احتياله له.
(2) في (ب): ويكثر.
(3) في (ب): له.
(4) في (ب): وإتعابها.
(5) في شرح النهج: ورب.
(6) في (ب): بالنعماء.
(7) في (ب): والنعماء.

(ورب مبتلى مصنوع له بالبلوى): أراد أن من أهل البلوى من يفعل معه صنيع حسن بكثرة ما ابتلي به؛ لما له فيه من المصلحة وكثرة العوض وإعظام الأجر.
(فزد أيها المستمع في شكرك): على ما أعطاك الله من النعم وخولك منها.
(وقصِّر من عجلتك): في المعاصي والإسراع إليها بالفعل.
(وقف عند منتهى قدرك(1)): أي لا تزيد على ذلك شيئاً فتهلك.
وفي رواية أخرى: (عند منتهى رزقك): أي لا تطلب أكثر منه، فإنه أمر مفروغ منه، لا يزاد فيه ولا ينقص منه.
[276] (لا تجعلوا علمكم جهلاً): بمنزلة الجاهل الذي لا علم معه.
(ويقينكم شكاً): بمنزلة من لا قطع معه، فإن من حق العلم أن يعمل به، ومن حق اليقين أن يقطع به.
(فإذا علمتم): شيئاً من العلوم.
(فاعملوا): لأجله بالأعمال الصالحة.
(وإذا تيقنتم): الأحوال، وقطتعم على صحتها.
(فأقدموا): على فعل ما نفذت فيه بصائركم(2) في الدين، وافعلوه من غير تردد في فعله.
[277] (إن الطمع مورد غير مصدر): يعني يورد صاحبه الموارد الضنكة، وينزله المنازل المتعبة، ولا يصدره عنها، ولا يخلصه عن عهدتها.
(وضامن): لصاحبه بالفوز والنجاح في ظنه ووهمه، أو بالخسارة والهلاك من جهة الحقيقة.
(غير وفيّ): بما ضمن له من ذلك.
وقوله: غير وفيِّ، مما يؤيد الاحتمال الأول دون الثاني.
(وربما شرق شارق من الماء(3) قبل ريّه): شرق بريقه إذا غص به فلم يسغه، وما ذكره مثال للطمع، فإن الطامع ربما هلك قبل وصوله إلى ما طمع فيه، كما أن الشارب من الماء ربما هلك قبل أن يروي.
__________
(1) في شرح النهج: رزقك.
(2) العبارة في (ب): على فعل ما يقترن به نظامكم في الدين.
(3) العبارة في (ب) وشرح النهج: وربما شرق شارب الماء قبل ريّه.

(كلما(1) عظم قدر الشيء المتنافس فيه): أراد أن الشيء إذا كان عظيم القدر في المنفعة، وكان في نفسه غالياً نفيساً.
(عظمت الرزية لفقده(2)): لأنه لولا عظم منفعته لما عظمت الرزية بعدمه وذهابه، ولهذا تعظم الرزية في فقد العلماء والأفاضل لما عظم قدر النفع بهم، وفي الحديث: ((من أصيب بمصيبة فليذكر مصابه فيّ(3) فإنكم لن تصابوا بمثلي))(4).
[278] (اللَّهُمَّ، إني أعوذ بك أن تَحْسُنَ في لامعة العيون علانيت‍ي): اللامعة هي: المضيئة النيِّرة من العيون، وهذه الإضافة من باب إضافة الصفة إلى فاعلها، كقولك: حسن الوجه، والعلانية هي: ما ظهر من الأمور، وأراد الاستعاذة بالله من شر الرياء.
(وتَقْبُح فيما أبطن(5) لك سريرتي): أي ويلام فيما أضمره لك ما أسره في نفسي، والقبيح: ما يلام عليه صاحبه ويذم.
(محافظاً على رياء الناس): انتصاب محافظاً على الحال من الضمير في أعوذ، والمعنى محافظاً بما أفعله من ذلك على(6) ثناء الناس بما أفعله من ذلك.
(من نفسي): مما أختص به، ولا يشاركني فيه غيري.
__________
(1) في شرح النهج: وكلما.
(2) بعده في شرح النهج: والأماني تعمي أعين البصائر، والحظ يأتي من لا يأتيه.
(3) في (ب): بي.
(4) أخرجه من حديث الإمام زيد بن علي عليهما السلام في مجموعه ص258 برقم (610) بسنده عن أبيه عن جده عن عليعليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذكر الحديث، وأوله وهو قوله: ((من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي)) أورده في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8/98، وعزاه إلى كنز العمال برقم (6655)، وعمل اليوم والليلة لابن السني 575، والكامل لابن عدي 7/625.
(5) في (ب): بَطَنُ.
(6) في (ب): عن.

(بجميع ما أنت مطلع عليه من‍ي): الباء ها هنا متعلقة بقوله: محافظاً بجميع، أي أحافظ على الرياء بجميع أعمالي كلها.
(فأُبْدِي للناس حسن ظاهري): أحسن ما يظهر من أعمالي في الخير والتقوى والصلاح.
(وأفضي إليك بأسوإ(1) عملي): وأظهر لك أقبح ما يكون من أعمالي وأسوأها، أفعل ذلك:
(تقرباً إلى عبادك): من أجل أن أكون قريباً من عبادك.
(وتباعداً من مرضاتك): أي ومن أجل أن أكون بعيداً مما يرضيك من الأعمال كلها.
[279] (لا والذي أمسينا منه(2) في غُبَّر ليلة دهماء): غُبَّر الحيض وغُبَّر الظلام هي: بقاياه، وأراد في بقايا ليلة مظلمة.
(تكشر عن يوم أغرَّ): يقال: كشر عن نابه إذا ابتسم وضحك، وأراد هنا(3) القسم بالقدرة، وبما يظهر من عجائب آثارها، ومن أعجبها قدراً وأوضحها أثراً بيناً، ترانا في ليل مظلم وسواد مستحكم إذ جلاَّه بنور طالع وعقَّبه بفجر ساطع، فهذا من أعظم دلائل القدرة وأبهر آيات الحكمة.
(ما كان كذا وكذا): هذا هو جواب القسم الذي ذكره.
[280] (قليل تدوم عليه): يعني قليل من الأعمال الصالحة تداوم عليه ويستمر فعلك له.
__________
(1) في شرح النهج: بسوء، و في (ب): بأسواء أعمالي.
(2) في (ب): فيه.
(3) في (أ): وأرادها.

(أرجى من كثير مملول(1)): يرجى به الخير أكثر من كثير من الأعمال يُمَلُّ ويسأم، [وإنما كان الأمر كما قال؛ لأن القليل إذا كان مرغوباً فيه منشوطاً إلى فعله كان أرضى لله](2) وأدخل في الإقبال، وإذا كان كثيراً يُمَلٌّ كان ذلك أقرب إلى نفار النفس عنه فلا يكمل إخلاصه، وفي الحديث: ((إنَّ الله يحبُّ المدوامة على العمل وإن قلَّ))(3).
[281] (إذا(4) أضرت النوافل بالفرائض فارفضوها): قد ذكرنا تفسيره فلا وجه لإعادته، وفيه دلالة على أن كل ما كان فيه دعاء إلى إكمال الفرائض وجب فعله، ويدل على وجوب تأديتها على أكمل وجه وأحسنه.
[282] (من تذكر بُعْدَ السفر استعدَّ): أراد من أخطر بباله بُعْدَ المسافة التي يقطعها تأهب من كثرة الزاد، وإصلاح حاله لقطع هذه المسافة.
[283] (ليس الرؤية(5) مع الإبصار): الإدراك بالعيون.
__________
(1) في شرح النهج: مملول منه.
(2) ما بين المعقوفين سقط من (ب).
(3) أورد قريباً منه بلفظ: ((أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قلّ)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 1/131 وعزاه إلى صحيح مسلم في الصيام 177، ومسند أحمد بن حنبل 6/199، وبلفظ: ((أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلت)) رواه في مسند شمس الأخبار 1/344 في الباب الخامس والخمسين وعزاه إلى مسند الشهاب، قال العلامة الجلال في تخريجه: أخرجه الشيخان عن عائشة بلفظه إلا أنه قال: ((وإن قل)) بالتذكير.
(4) في (ب): وإذا.
(5) قوله: ليس الرؤية، زيادة من (ب)، وفي شرح النهج: ليست الرؤية.

(فقد تكذب العيون أهلها): بما يكون من خطأ المناظر وحصول الخيالات لبعد المبصر أو عروض عارض من أسباب الخطأ في الإدراكات فيقع كذبها لا محالة، ومن أجل ذلك ترى الكبير صغيراً كالنجوم، والصغير كبيراً إلى غير ذلك من الاختلافات، وللمتكلمين في هذا الاختلاف خلاف طويل عند من يقول بالشعاع، وعلى قول من يقول بالانطباع، وعلى رأي الفلاسفة بتشكل الهواء بين الرآئي والمرئي، وفيه بحث دقيق ليس هذا من مواضع ذكره.
(ولا يغش العقل من استنصحه): وغرضه من هذا الكلام هو أن ما دل عليه العقل فهو الصحيح الذي لا كذب فيه، وهو الحجة القاطعة لله تعالى على خلقه في إثبات وجوده وتوحيده، وما عداه فلا يعرج عليه؛ لأن أعظم العلوم الضرورية هو الإدراك، وربما وقع فيه الخطأ ليس لأجل الإدراك، فهو طريق إلى العلم، وإنما ذلك من أجل ما يعرض في الإدراك وفي طريقه من الاختلاف.
[284] (بينكم وبين الموعظة حجاب من الغِرَّةِ): أي الغفلة، ولهذا فإنكم لا تنتفعون بالموعظة لأجلها.
[285] (جاهلكم مزداد): من جهله وعمايته وضلاله.
(مسوِّف(1)): للتوبة عن خطائه غير قاطع عليها.
[286] (قَطَعَ العلم عُذْرَ المتعلِّلين): أراد أن العلم بالله تعالى قاطع لا محالة لعذر من يتعلل بجهله، فإنه لا عذر له في ذلك، وكيف لا والمصلحة في العلم(2) بالله تعالى ظاهرة، واللطف حاصل لا محالة، فإنا نعلم قطعاً بالضرورة أن كل من علم الله تعالى بصفاته وحكمته فإنه يكون أقرب إلى فعل الواجب والانكفاف عن فعل(3) كل قبيح؛ لما يرجوه من ثواب الله ويخافة من عقابه.
__________
(1) لفظ الحكمة هذه في شرح النهج: (جاهلكم مزداد، وعالمكم مسوف).
(2) في العلم، سقط من (ب).
(3) فعل، سقط من (ب).

[287] (كل معاجل يسأل الإنظار): يعني أن كل من عجلت له منيته، فإنه يسأل الإنظار والتأخر إلى وقت آخر غير هذا، ولا يزال على ذلك.
(وكل مؤجَّل يتعلَّل بالتسويف): يريد ومن كانت منيته متأخرة عنه فليس مستحثاً في فعل الواجب، وإنما يعلل نفسه بأن يقول: سوف أفعل في المستقبل وهو غير فاعل، ولكنه يسوِّف نفسه ويكذب(1) بها.
[288] (ما قال الناس لشيء: طوبى له!): أي ما غبطه الناس، وقالوا له(2): طوبى لحياته فما أهنأها وأرغد عيشه(3).
(إلا وقد(4) خبَّأ له الدهر يوم سوء): يعني تغيرت هذه الحالة وزالت هذه النعمة، وصار السوء متصلاً بعد أن كان النعيم حاصلاً له، وهذا لأن الدهر هذا حكمه.
[289] وقال وقد سئل عن القدر:
(طريق مظلم فلا تسلكوه): يشير إلى ما فيه من الصعوبة والزلل، ولهذا نرى كثيراً خاض فيه(5) فزلَّ وأزلَّ، وضلَّ وأضلَّ.
(وبحر عميق فلا تَلِجُوهُ): أي لا تدخلوه، من قولهم: ولج إذا دخل.
(وسر الله فلا تتكلفوه(6)): أي وهو أمر استأثر الله بعلمه، فلا تتكلفوا ما ليس في وسعكم، وما لا تطيقون عليه، وفي الحديث أنه خرج يوماً إلى أصحابه وهم يتكلمون في القدر، فاحمرَّ وجهه وقال: ((أقسمت عليكم ألا تخوضوا(7) فيه)).
سؤال؛ ما هو القدر الذي نهى عن اعتقاده والخوض فيه، وورد عليه الوعيد؟
__________
(1) كتب فوقها في (ب): ويكذبها.
(2) له، سقط من (ب).
(3) في (ب): عيشته.
(4) وقد، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.
(5) فيه، سقط من (ب).
(6) لفظ هذه الحكمة في شرح النهج برقم (293): (وقال عليه السلام وقد سئل عن القدر: طريق مظلم فلا تسلكوه ، ثم سئل ثانياً فقال: بحر عميق فلا تلجوه، ثم سئل ثالثاً فقال: سر الله فلا تتكلفوه).
(7) في (ب): لا تخوضوا.

وجوابه؛ هو أن يقال: بأن أفعال العباد من جهة الله تعالى طاعاتها ومعاصيها من جهة الله تعالى وقضائه وقدره، كما هو مذهب هؤلاء المجبرة، فإنهم زعموا ذلك، وقالوا: إنه لا تصرف للعبد في فعله، وإنما هو حاصل من جهة الله تعالى(1)، والذي عليه أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة أن المعاصي والطاعات كلها من جهة العبد، وأن الله غير خالق لها ولا مُوجِد، فأما قضاؤه لها وقدره عليها بمعنى العلم فمما لا ننكره بحال.
[290] (إذا استرذل الله عبداً): الرذالة هي: سقوط الهمة، وركة الحالة، وغرضه هو أن الله تعالى إذا أراد استرذال عبد وسقوط همته.
(حظر عليه العلم(2)): منعه إياه وسدَّ عليه أبوابه.
سؤال؛ إذا كان العلم من أعظم الخصال وأشرفها، وأولى ما يكون من المقربات إلى الله، فكيف ساغ من الحكيم أن يمنع منه؟
وجوابه؛ هو أن الله تعالى ليس مانعاً منه، ولا سادّا لطريقه، وإنما الغرض أن الله تعالى إذا علم من حال الإنسان الإعراض عن العلم والتنكب عن طريقه خذله عن تحصيله، ولم يلطف له فيه، إذ لا لطف له، أو لأنه لو لطف له فيه لم ينتفع به كما نقول في حال الإيمان لأهل الكفر، فإن الحال فيهم واحد.
[291] وقالعليه السلام:
__________
(1) تعالى، زيادة في (ب).
(2) في (ب): العمل، وهو تحريف.

(كان لي فيما مضى أخ في الله): لم أعلم أنه واخى أحداً سوى الرسولعليه السلام، فإنه لما هاجر آخا بين المسلمين، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب وقال: ((هذا أخي))(1)
__________
(1) أخرجه الفقيه ابن المغازلي الشافعي رحمه الله في المناقب ص44 برقم (60) بسنده عن حذيفة بن اليمان، وابن هشام في السيرة النبوية 2/124، وحديث مواخاة النبيصلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من الأحاديث الصحيحة والمشهورة، وقد روي من طرق وأسانيد عدة، فممن رواه الفقيه ابن المغازلي الشافعي في المناقب ص43 برقم (57) بسنده عن ابن عمر، وبرقم (58) عن عبد الرحمن بن عابس عن أبيه، ومن طريق آخر برقم (59) عن ابن عمر، وبرقم (60) عن حذيفة بن اليمان، وبرقم (61) عن أبي الحمراء، ورواه الإمام أبو العباس الحسني رضي الله عنه في المصابيح ص231، وأخرجه بطرق عدة وأسانيد مختلفة الحافظ محمد بن سليمان الكوفي رحمه الله في المناقب1/301ـ314 من الرقم (221) إلى الرقم (235)، وهي فيه عن محدوج بن زيد الذهلي، وأسماء بنت عميس، ومحمد بن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده، وسالم بن أبي الجعد، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن عابس، عن عمه، وأم سلمة زوجة النبيصلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين عليعليه السلام، وعبد الله بن العباس، وأنس بن مالك، وانظر حديث المواخاة في الروضة الندية ص94ـ96 للعلامة محمد بن إسماعيل الأمير، وانظر أيضاً أنوار التمام في تتمة الاعتصام 5/365ـ369، حيث أورده فيه بشيء من التفصيل، وذكر من مصادره المصابيح لأبي العباس الحسني، ومسند أحمد بن حنبل، ومناقب ابن المغازلي، وسنن الترمذي، والجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري، وغيرها.

…وعلى الجملة فمصادر الحديث كثيرة جداً يطول متابعتها، ومن أراد التوسع فعليه بالبحث في كتب السير والفضائل وغيرها.

، ثم واخى بين كل اثنين من المسلمين على جهة التناصر والتعاضد، وكان سعد بن الربيع أخاً لأبي أبكر(1)، فيحتمل أن يكون أراد بذلك الرسول، وإن كان هذا الاحتمال بعيداً(2)، ويحتمل أن يكون أراد بذلك(3) غيره(4).
__________
(1) وفي رواية أبي العباس الحسني في المصابيح ص231، وابن هشام في السيرة النبوية2/124: أبو بكر بن أبي قحافة، وخارجة بن زيد بن أبي زهير الخزرجي كانا أخوين، عند مواخاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين حين الهجرة، وذكر ابن هشام في ذلك: أن سعد بن الربيع كان أخاً لعبد الرحمن بن عوف.
(2) وجه الاستبعاد في ذلك هو قوله في هذا الكلام نفسه: (وكان ضعيفاً مستضعفاً) فإن النبيصلى الله عليه وآله وسلم لا يقال في صفاته مثل هذه الكلمة، وإن أمكن تأويلها على لين كلامه وسماحة أخلاقه إلا أنها غير لائقة به عليه السلام. (انظر شرح النهج لابن أبي الحديد 19/183-184).
(3) بذلك، زيادة في (ب).
(4) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج بعد ذكر الوجه الأول ما لفظه: وقال قوم: هو أبو ذر الغفاري، واستبعده قوم لقوله: ((فإذا جاء الجد فهو ليث عاد، وصل واد)) فإن أبا ذر لم يكن من الموصوفين بالشجاعة والمعروفين بالبسالة.
وقال قوم: هو المقداد بن عمرو المعروف بالمقداد بن الأسود، وكان من شيعة عليعليه السلام المخلصين، وكان شجاعاً مجاهداً، حسن الطريقة، وقد ورد في فضله حديث صحيح مرفوع.
قال: وقال قوم: إنه ليس بإشارة إلى أخ معين، ولكنه كلام خارج مخرج المثل، وعادة العرب جارية بمثل ذلك، مثل قولهم في الشعر: فقلت لصاحبي، ويا صاحبي، قال ابن أبي الحديد: وهذا عندي أقوى الوجوه. انتهى ما ذكره ابن أبي الحديد.

(وكان يعظمه في عين‍ي صغر الدنيا في عينه): لأن كل من كان عظيماً عند الله صغرت الدنيا في عينه، لما صغرها الله وحقر أمرها.
(وكان خارجاً من سلطان بطنه): يريد أنه لا يغلب عليه سلطان شهوة الأكل فتورده في كل مكروه ومحذور، وفي الحديث: ((جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش، فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله، وإنه ليس شيء من عمل أحبَّ إلى الله من جوع وعطش))(1).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه))(2).
(فلا(3) يشتهي ما لا يجد): يعني أنه(4) لا يطلبه ولا تعلق(5) شهوته به.
(ولا يكثر إذا وجد): يعني وإذا تمكن ممَّا يشتهيه لم يكثر من تناوله.
(وكان أكثر دهره صامتاً): لا ينطق بحلوة ولا مرة، وفي الحديث: ((الصمت خير كله(6) وقليل فاعله)).
(فإذا قال): تكلم بشيء من الكلام.
(بذَّ القائلين): بذَّه إذا غلبه وفاق عليه في مقالته تلك.
(ونقع غليل السائلين): الغلة بضم الغين بنقطة(7) العطش، ونقعه: إذا سكَّن حرارة عطشه.
__________
(1) أوله وهو قوله: ((جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش)) أورده في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 4/489 وعزاه إلى إتحاف السادة المتقين 7/386،394، والسلسلة الضعيفة للألباني 247، وتهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر3/78.
(2) عزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 7/380 إلى تذكرة الموضوعات للفتني151، وأورده بلفظ: ((السماوات)) بدلاً عن ((السماء)) وعزاه إلى المغني عن حمل الأسفار للعراقي3/78، والسلسلة الضعيفة للألباني 720.
(3) في (ب): ولا.
(4) أنه، سقط من (ب).
(5) في (ب): ولا تتعلق.
(6) كله، زيادة في (ب).
(7) في (ب): الغلة بالضم بنقطة العطش.

(فكان(1) ضعيفاً): في نفسه، ركيك الحالة والمنظر.
(مستضعفاً): يستضعفه الناس، ولا يرون له قدراً.
(فإذا جاء الجد): الأمر العظيم الذي لا هزل فيه.
(فليث عادٍ): فهو أسد يعدو على غيره، وإنما قال ذلك؛ لأن الأسد أعظم شجاعته عند عدوته ليفترس.
(وصِلٌّ وادٍ): الصل: الحية التي لا تنفع منها الرقية.
(لا يدلي بحجة): أي لا يرسل حجته، ولا يحتج(2) على أحد في خصومة.
(حتى يأتي قاضياً): أي لا يظهر حجته إلا في موضعها(3) فيكون حاكماً فيه، فعبر عن إيضاح حجته بإتيانه قاضياً.
(وكان لا يلوم أحداً): يذمه على فعل من الأفعال، ويمتنع من لومه.
(على ما يجد(4) العذر في مثله): فإن وجد عذراً في مثل ذلك لم يصدر من جهته لوم له.
(حتى يسمع اعتذاره): فإن وجده مقبولاً قبله وأعرض عن لومه، ولا يلوم على شيء وهو يجد عن اللوم مندوحة وسعة.
(ولا يشكو وجعاً إلا عند برئه): كيلا يحبط عوضه وأجره عند الله تعالى، وفي هذا إشعار بأن الصبر على الألم أفضل من الشكوى له إلا عند زواله.
(وكان يقول ما يفعله(5)): يعني ما كان عازماً على فعله ومطيقاً له فإنه يتكلم به، ويقول: إنه يفعله، ولا يظهر من لسانه ما لا يفعله.
(ولا يقول ما لا يفعل): يريد وما كان لا يطيقه ولا هو فاعل له؛ فإنه لا يلفظ به ولا ينطق به لسانه أبداً.
__________
(1) في (ب) وشرح النهج: وكان.
(2) ولا يحتج، سقط من (ب).
(3) في (ب): مواضعها.
(4) في (ب): على ما يجد من العذر ...إلخ، وفي شرح النهج: على ما لا يجد العذر ...إلخ.
(5) في شرح النهج: وكان يفعل ما يقول.

(وكان إن غُلِبَ على الكلام [لم يغلب على السكوت](1)): يشير بهذا إلا أنه ربما يضطره الحال إلى الكلام فيتكلم ولا يضطره حال إلى السكوت، بل يسكت اختياراً من نفسه، فلهذا كان الغالب عليه السكوت.
(وكان على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم): يريد أن حرصه على السكوت، وأن يكون مستمعاً لكلام غيره أكثر من حرصه على الكلام لغيره.
(وكان إذا بدهه أمران): فاجأه مهمان مما يهمه ويفزعه.
(نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه(2)): لأن مخالفة الهوى هو عمدة التقوى وقاعدتها، وقلَّ ما تحصل مخالفة في حق أحد إلا من أخلص نفسه لله وباعها منه، فبذلك هو الرابح إذا خسر غيره.
(فعليكم بهذه الخصال(3) فالزموها): يريد هذه الذي عددها في أخيه هذا، وكان مختصاً بها(4).
(وتنافسوا فيها): نفست في هذا(5) الشيء إذا كنت راغباً فيه.
(فإن لم تستطيعوها): فعلها بأجمعها وأخذها بكليتها.
(فاعلموا أن أخذ القليل): منها وإحرازه.
(خير من ترك الكثير): منها.
[293] (ولو لم يتوعد الله على معصيته): بهذه الوعيدات الشديدة(6)، والقوارع العظيمة.
(لكان يجب أن لا يعصى): لكانت العقول حاكمة ومشيرة، وحاكمة(7) بترك معصيته لا محالة.
(شكراً لنعمته): من أجل شكر نعمته، فإنه حقيق ألا يعصى لما أسدى من النعم، وأجزل من المنن.
[294] وقال عند تعزيته للأشعث بن قيس في ولده:
(يا أشعث، إن تحزن على ابنك): يكثر حزنك وأسفك(8) على فقده.
__________
(1) ما بين المعقوفين زيادة من شرح النهج.
(2) في (ب): مخالفة.
(3) في شرح النهج: الخلائق.
(4) بها، سقط من (أ).
(5) هذا، سقط من (ب).
(6) الشديدة، سقط من (ب).
(7) وحاكمة، سقط من (ب).
(8) في (ب): يكثر أسفك وحزنك.

(فقد استحقت ذلك منك الرحم): يعني فكونه ولداً يوجب ذلك ويحمل(1) عليه لمكان أنه بعض منك وقطعة من كبدك، ولهذا قال بعضهم: أولادنا أكبادنا(2).
(وإن تصبر): على ما أصابك من فقده وحزنه.
(ففي الله من كل مصيبة خلف): أي ففي ثواب الله عن كل حزن مصيبة عوضاً يخلفها ويسد مسدها.
(يا أشعث، إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور): أي جرى عليك ما قدره الله لك في كتبه في لوحه وعلمه في أزله، وأنت موفر عليك الأجر لأجل صبرك.
وقوله: وأنت مأجور، جملة ابتدائية في موضع نصب على(3) الحال من الكاف في عليك.
(وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت مأزور): أصابك الأسف من غير صبر، جرى عليك حكم الله وتقديره وأنت مأثوم، والوزر هو: الإثم، والوزر: الثقل، وسمي الإثم وزراً لأنه يثقل الإنسان.
(يسرك(4)): أي كان ولدك سروراً لك.
(وهو بلاء وفتنة): يعني في حال حياته، وهو من جملة البلاوي والمحن التي بلي الإنسان بها.
(وحزنك(5)): أي صار حزناً لك في حال موته.
(وهو ثواب ورحمة): أي الصبر عليه ثواب، وموته لطف لك أيضاً؛ لما فيه من المصالح الغيبية المستأثر بعلمها علاَّمها.
[295] وقال على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(6):
(إن الصبر لجميل إلا عنك): أي يسهل حاله بالإضافة إلى جميع ما يكون من المصائب إلا عنك، فإنه لا يسهل ولا يجبر حاله.
__________
(1) في (ب): ويحمد.
(2) ومثله قول الشاعر:
وإنما أولادنا بيننا

أكبادنا تمشي على الأرض

لو هبت الريح على بعضهم

لامتنعت عيني من الغمض

(3) على، سقط من (أ).
(4) في شرح النهج: يا أشعث، ابنك سرك...إلخ.
(5) في (ب): وأحزنك.
(6) في شرح النهج: وقال عليه السلام عند وقوفه على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله ساعة دفن رسول الله صلى الله عليه وآله.

(وإن الجزع لقبيح إلا عليك): أي يلام صاحبه على ما يحصل منه من الجزع بالإضافة إلى ما يصيب من الغموم والأحزان؛ إلا عليك، فإنه لا يلام لعظمه وشدة حاله.
(وإن المصاب بك لجليل): جل الأمر وجسم إذا عظم وتفاقم.
(وإنه قبلك وبعدك لجلل(1)): الجلل: الأمر الهين، والجلل: الأمر العظيم، وهو من الأضداد، وأراد ها هنا الأمر الهين، وغرضه أن المصاب بكل أحد قبل مصابك وبعده لأمر يسير لا يحتفل به.
قال امرؤ القيس لما قتل أبوه:
قتلوا بنو(2) أسد ربَّهم

ألا كل شيء سواه جَلَل(3)

وفي أخبار أحد: أنه لما شاع قتل الرسول عليه السلام، شيعه(4) ابن قميئة، فمر رسول الله بامرأة من بني دينار قد أصيب زوجها وأخوها وأبوها، قالت: فما فعل رسول الله؟
قالوا: خيراً يا أم فلان؟
__________
(1) في شرح النهج: لقليل.
(2) في (ب): بني، وقال في هامشها: في نسخة: بنو.
(3) لسان العرب 1/487 ولفظ أوله فيه: بقتل بني أسد ...إلخ، وسيرة ابن هشام 3/47، وأوله فيها: لقتل بني أسد ...إلخ.
(4) أي تبعه، وابن قميئة اسمه عمرو أحد بني الحارث بن فهر، وهو الذي كسر رباعية النبيصلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد. (هامش في شرح نهج البلاغة 15/3).

قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل(1)، أي يسير.
وقد يقال في الكثير، قال الشاعر:
ولئن عفوت لأعفون(2) جللاً

ولئن سطوت لأوهنن عظمي(3)

[296] (لا تصحب(4) المنافق فإنه يزِّين لك فعله): يحسنه في عينك على وجه الخديعة.
(ويود أن تكون مثله): في الكفر والنفاق، ومن هذه حاله فلا حاجة لأحد في صحبته.
[297] وقال وقد سئل عن مسافة ما بين المشرق والمغرب:
__________
(1) انظر سيرة ابن هشام 3/47، والرواية في شرح النهج لابن أبي الحديد 15/37، بلفظ: قال الواقدي: وخرجت السمداء بنت قيس أحد نساء بني دينار، وقد أصيب ابناها مع النبي صلى الله عليه وآله بأحد: النعمان بن عبد عمر، وسليم بن الحارث، فلما نعيا لها قالت: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قالوا: بخير، هو بحمد الله صالح على ما تحبين، فقالت: أرونيه أنظر إليه، فأشاروا لها إليه، فقالت: كل مصيبة بعدك يا رسول الله جلل! وخرجت تسوق بابنيها بعيراً، تردهما إلى المدينة، فلقيتها عائشة، فقالت: ما وراءك؟ فأخبرتها، قالت: فمن هؤلاء معك؟ قالت: ابناي، حلْ حلْ -ومعناه زاجر للبعير- تحملهما إلى القبر.
(2) في النسختين: لأغفرن، وأصلحته من سيرة ابن هشام ومن لسان العرب.
(3) سيرة ابن هشام 3/47، ونسبه للحارث بن وعلة الجرمي، وهو في لسان العرب 1/487 ونسبه للحرث بن وعلة بن المجالد بن يثربي بن الرباب بن الحرث بن مالك بن سنان بن ذهل بن ثعلبة، والبيت فيه من جملة بيتين وروايته لهما:
قومي هم قتلوا أميم أخي

فإذا رميت يصيبني سهمي

فلئن عفوت لأعفون جللا

ولئن سطوت لأوهنن عظمي

(4) في (ب): لاتصحبنًّ، و في شرح النهج: لاتصحب المائق.

فقال: (مسيرة يوم للشمس): أراد التنبيه على أنه وإن عظم قدر مسافته وامتدت أطرافه وحواشيه(1) فإنه يقطعه هذا الكوكب في يوم واحد، إشارة إلى القدرة الباهرة، وإعلاماً منه بهذه الحكمة البالغة.
فانظر إلى جوابه ما أقصره، وأرماه إلى المعاني الغريبة، والبدائع العجيبة {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِي‍راً}[البقرة:269].
[298] وقال:
(أصدقاؤك ثلاثة): الذين بالغوا في محبتك، وكانوا صادقين فيها.
(وأعداؤك ثلاثة): الذين بالغوا في العداوة وأمعنوا فيها، هم على هذه العدة.
(فأصدقاؤك: صديقك): الذي صدقك في مودته، وأخلص لك في محبته.
(وصديق صديقك): وصاحب المودة لصديقك.
(وعدو عدوك): فهو صديق لك أيضاً؛ لأنه مبغض لعدوك، ومن أبغض عدوك فهو محب لك، فهؤلاء هم الأصدقاء.
(وأعداؤك ثلاثة): الذين بالغوا في العداوة وصرحوا(2) بها، هم هذه العدة.
(عدوك): الذي صرح بالعداوة وأعلن بها.
(وعدو صديقك): لأن من أبغض صديقك فهو لا محالة مبغض لك.
(وصديق عدوك): عدو لك؛ لأنه مصادق لمن عاداك على عداوتك.
[299] وقال لرجل رآه(3) يسعى على عدو له بما فيه إضرار بنفسه:
(إنما أنت كالطاعن نفسه ليقتل رديفه(4)): يعني أنه لا خير في مضرة عدوك بفعل يلحقك ضرره؛ كمن يقتل نفسه ليتوصل بها إلى قتل غيره، فهذا لا خير فيه.
__________
(1) أي جوانبه، والحاشية: واحدة حواشي الثوب وجوانبه.
(2) في (ب): وخرجوا، وهو تحريف.
(3) رآه، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.
(4) في شرح النهج: ردفه، والردف: الرجل الذي ترتدفه خلفك على فرس أو ناقة أو غيرهما.

[300] (ما أكثر العبر وأقل الاعتبار!): أي ما أكثر المواعظ وأكثر ترادفها على القلوب والخواطر، وأقل من يتعظ بها وينتفع بأحكامها.
[301] (من بالغ في الخصومة أثم): لأن الخصومة تورث الحدَّة، والحدَّة تورث الغضب، ولا خير في الغضب؛ لأنه يكسب الآثام لا محالة.
(ومن قصَّر فيها ظُلِم): حقه الذي خاصم فيه بتسهيله وتقصيره، فإذاً لا خير في الخصومات، لأن الواحد فيها بين أمرين:
إما بالغ فأثم، وإما قصر فَظُلِم، وإذا كان ولا بد من أحد الأمرين عند الاضطرار إليها فلتكن مقصراً مظلوماً؛ فإن ذلك أيسرهما في الدين.
(ولا يستطيع أن يتقي الله من خاصم): لأنه يحصل عند الخصام ما لا يملك فيه نفسه فيؤدي إلى الإثم، وتجاوز الحد عند الغضب.
[302] (ما أهمن‍ي ذنب(1)): ما وقع همه في قلبي، ولا احتفلت به، ولا باليت بأمره وإن عظم حاله.
(أمهلت أن أصلي بعده ركعتين): ثم يستغفر بعدهما، فإن ذلك يمحوه، وفي الحديث: ((ما من عبد يذنب ذنباً فيتوضأ ويحسن وضوءه، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له))(2)
__________
(1) في شرح النهج: ما أهمني أمر أمهلت بعده ...إلخ.
(2) أورد أوله بلفظ: ((ما من عبد يذنب ذنباً فيتوضأ فيحسن الطهور)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 9/271 وعزاه إلى إتحاف السادة المتقين 8/603، وبلفظ: ((ما من عبد يذنب ذنباً ثم يتوضأ فيصلي ركعتين)) وعزاه إلى تفسير القرطبي 4/209، والكامل لابن عدي 1/421، وله فيها شواهد أخر انظرها ومصادرها هناك.

…قلت: وروى الإمام أبو طالب عليه السلام في أماليه ص533 برقم (734) بسنده عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالبعليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أذنب ذنباً فذكره فأفزعه فقام في جوف اليل فصلَّى ما كتب الله له، ثم قال: ربِّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت غفر له ما لم تكن مظلمة فيما بينه وبين عبد مؤمن، فإن ذلك إلى المظلوم))، وأخرجه الإمام المرشد باللهعليه السلام في الأمالي الخميسية 1/220 بزيادة بعد قوله: ((فصلى ما كتب الله له)) فبعده في المرشد: ((ثم وضع جبهته على الأرض)) وذكر تمامه بلفظ أبي طالب.

، فقوله عليه السلام يشير إلى هذا.
[303] وسئل كيف يحاسب الله الخلائق على كثرتهم؟
فقال: (كما يرزقهم على كثرتهم): يعني فهذا ليس بأعجب من هذا، فإذا جاز هذا فليجز ذاك، والقدرة الباهرة لا تعجز عن أعظم من هذا وأبلغ.
(فقيل له: كيف يحاسبهم ولا يرونه!
فقال: كما يرزقهم ولا يرونه): فهذه مماثلة قريبة ومقايسة واقعة، مفيدة للجواب، مفحمة للسائل.
[304] (رسولك تَرْجُمَانُ عقلك): الترجمان هو: المعبر والمفسر، وغرضه من هذا هو أن الرسول لا بد فيه من جودة التمييز والذكاء، فإنه هو المعبر عنك، والمفسر لأغراضك كلها، ومراده من هذا الندب إلى كون الرسول فطناً كيساً.
(وكتابك أبلغ مزبار ينطق عنك): الزبر: الدفع، وزبره إذا دفعه، وأراد أنه نهاية الدفع من جهتك؛ لما يتضمن من القوارع الشديدة والوعيدات العظيمة، ينطق عنك بما تريده من الأغراض، ولهذا قال تعالى: {هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ}[الجاثية:29].
[305] (ما المُبْتَلى الذي قد اشتد به البلاء): عظم عليه وكثر وتراكم.
(بأحوج إلى الدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء): بل هذا يكون أعظم؛ لأن ما وقعت فيه من البلاء فهو أخف موقعاً مما ينتظر وقوعه من البلاء، فلهذا كان الدعاء من جهة المعافى أعظم، وهو إليه أحوج لما ذكرناه.
[306] (الناس أبناء الدنيا): أولادها وهي أم لهم.
(ولا يلام الرجل على حب أمه): فإذا رأيتهم مكبون على حبها، متهالكون على جمع حطامها؛ فإنما هو لأجل كونها(1) أماً لهم.
[307] (إن المسكين رسول الله): أرسله الله متعرضاً للصدقة.
(فمن منعه): من(2) الصدقة.
(فقد منع الله): منها بحرمانه له.
__________
(1) في (ب): فإنما هو لكونها أماً لهم.
(2) من، سقط من (ب).

(ومن أعطاه فقد أعطى الله): لأن يده يد الله، ولهذا قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِي‍رَةً}[البقرة:245].
[308] (ما زنى غيور(1)): الغيرة هي: الأنفة، وأراد أن كل من كان أنفاً على حسبه، فإنه لا يرسل ماءه في غير أرضه ولا يسقيه غير زرعه.
[309] (كفى بالأجل حارساً): فإنه حارس لا يغفل عن المراقبة(2).
[310] (ينام الرجل على الثُّكل): ثكله إذا حزنه، وغرضه [أن الرجل يخف عليه قتل أولاده، فلهذا ينام عند ذلك لخفته عليه.
(ولا ينام على الحْرَب): وغرضه](3) من هذا أنه لا ينام على سلب الأموال وأخذها، وعبَّر بالحرب عن ذلك لأنه مظنتها.
[311] (ومودة الآباء قرابة بين الأبناء): يعني إذا كان الأعمام الذين هم الآباء متوادون متواصلون، فهذه المودة تكون صلة وقرابة بين أبنائهم الذين هم أولاد أعمامهم.
(والقرابة إلى المودة أحوج من المودة إلى القرابة): لأن المودة مستقلة تحصل في القرابة وغير القرابة، فلهذا لم تكن محتاجة إلى القرابة.
وأما القرابة فهي محتاجة إلى المودة، فكأن القرابة إذا حصلت من غير مودة فهي كلا قرابة، لبطلان حكمها وهي المودة.
[312] (اتقوا ظنون المؤمنين): ما يقولونه من جهة الظن من أنفسهم.
__________
(1) في شرح النهج: ما زنى غيور قط.
(2) في (ب): المقاربة.
(3) ما بين المعقوفين سقط من (ب).

(فإن الله جعل الحق على ألسنتهم): ينطقون به، وفي الحديث: ((اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله))(1)، وفي حديث آخر: ((ظن المؤمن كهانة))(2).
[313] (لا يصدق إيمان عبد): يكون صادقاً عند الله محققاً.
(حتى يكون بما في يد الله أوثق منه بما في يده): يشير إلى أن الإيمان حقيقة هو العلم بحقيقة الحال، فإذا كان حاله ما ذكر فهذه لا محالة في حقيقة التصديق بالله على الكمال والتمام لا محالة.
[314] (وقال لأنس بن مالك، وقد كان بعثه إلى طلحة والزبير لما جاء إلى البصرة يذكرهما شيئاً سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في معناهما): يعني في أمرهما الذي هما بصدده.
(فلوى عن ذلك): أي أعرض ومال عنه كما قال تعالى: {لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ}[المنافقون:5].
(وقال: إني نسيت(3) ذلك الأمر): عند رجوعه إليه.
(فقالعليه السلام له(4):
إن كنت كاذباً): في مقالتك هذه أنك أنسيت ما قلت لك تذكرهما إياه.
__________
(1) أخرجه من حديث الإمام أبو طالب عليه السلام في أماليه ص230 برقم (191) بسنده عن أبي سعيد الخدري.
(2) ذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج 19/215، وذكر أنه أثر جاء عن بعض السلف.
(3) في شرح النهج: أنسيت.
(4) له، سقط من (ب)، ومن شرح النهج.

(فضربك الله بها بيضاء(1) لا تواريها العمامة): قوله: ضربك الله، من باب ضربه الله بالبلاء أي ألصقه به، وأراد رماك الله بعلة من البياض وهو البرص، وانتصاب بيضاء على الحال من الضمير في قوله: بها، أي في غاية(2) البياض تلمع للناظرين لا تسترها العمامة، فأصاب أنساً هذا الداء(3) بعدُ في وجهه(4)، فكان لا يرى إلا لابساً للبرقع يغطي وجهه، تصديقاً لكلامه، وقبولاً لدعوته عليه.
[315] (إن للقلوب إقبالاً وإدباراً): إلى الطاعات وتولياً عنها.
(فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل): لشدة رغبتها وخفتها عليها في تحملها.
__________
(1) في شرح النهج: بيضاء لامعة.
(2) في (ب): أي وغاية...إلخ.
(3) في (ب): فأصاب أنساً بعد هذا الداء بعد...إلخ.
(4) وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 19/217-218 في شرح كلامه هذا ما لفظه: المشهور أن علياً عليه السلام ناشد الناس الله في الرحبة بالكوفة، فقال: أنشدكم الله رجلاً سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لي وهو منصرف من حجة الوداع: ((من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه))، فقام رجال فشهدوا بذلك، فقالعليه السلام لأنس بن مالك: لقد حضرتها، فما بالك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، كبرت سني، وصار ما أنساه أكثر مما أذكره، فقال له: إن كنت كاذباً فضربك الله بها بيضاء لا تواريها العمامة، فما مات حتى أصابه البرص.
…إلى أن قال: وقد ذكر ابن قتيبة حديث البرص، والدعوة التي دعا بها أمير المؤمنينعليه السلام على أنس بن مالك في كتاب (المعارف) في باب البُرْص من أعيان الرجال، وابن قتيبة غير متهم في حق عليعليه السلام، على المشهور من انحرافه عنه. انتهى.

(وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض): لأجل سآمتها وملالها وإعراضها؛ لأن مع الرغبة يعظم النشاط فيشتغل بالنوافل، ومع الإعراض والإدبار يعظم النفور فيقتصر بها على أداء الفرائض.
[316] (في القرآن نبأ ما قبلكم): من الأنبياء(1) وقصصهم وأخبار القرون الماضية.
(وخبر ما بعدكم): من الحشر والنشر، وصفات القيامة، وأحوال الثواب والعقاب.
(وحكم ما بينكم): من الخصومات والشجار الطويل، فإن الله تعالى بلطفه أودعه هذه الأسرار كلها {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}[الأنعام:38].
[317] (رد الحجر من حيث جاء): المعنى في هذا أرجم من رجمك، وقد صار هذا مثلاً يضرب في دفع السوء بمثله(2)، ولهذا علله بقوله:
(فإن الشر لا يدفعه إلا الشر): أراد الإشارة إلى قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}[الشورى:40].
[318] وقال لكاتبه عبيد الله(3) بن أبي رافع:
(ألق دواتك): أي أصلحها، من قولهم: لاق طعامه إذا أصلحه بحطِّ الزبد عليه، قال الشاعر:
وإنِّي لمن سالمتم لألوقة
__________
(1) في (ب): الأنباء، ولعله تحريف.
(2) بمثله، سقط من (ب).
(3) في النسخ: عبد الله، والصواب كما أثبته من شرح النهج، وهو عبيد الله بن أبي رافع، كاتب الوصي، أحد الأعلام، ومن شيعة الوصي وأصحابه، وكتب للحسن بن علي عليهما السلام، وأمه سلمى مولاة النبيصلى الله عليه وآله وسلم، زوَّجها النبي عليه السلام أبيه أبي رافع، وأعتقه لأنه كان مولى للعباس رضي الله عنه، فوهبه النبيصلى الله عليه وآله وسلم، وذلك عندما بشره أبو رافع بإسلام عمه العباس. (انظر بغية الطالب في تراجم رجال أبي طالب ت رقم (565)، ولوامع الأنوار3/181).

وإنِّي لمن عاديتم سمٌّ أسودُ(1)

(وأطل جِلْفة قلمك): الجِلْفة بالفاء هي: القشرة، وجلفته أي قشرته، وإنما أمره بإطالة الجلفة للقلم ؛ لأنها مع الاستطالة أتم بحمل المداد(2)، وأكثر امتلاء للأحرف منه.
(وفرِّج بين السطور): باعد ما بينها لئلا تكون متداخلة فتعمى(3) بعضها ببعض.
(وقرمط بين الحروف): يعني أقصرها عن إطالتها، أخذاً من القرمطة وهي: قصر الخطى.
(فإن ذلك أجدر بصباحة الخط): أحق بحسن المنظر فيه، وصلاحية الهيئة له.
[319] (أنا يعسوب المؤمنين): اليعسوب هو: أمير النحل ورئيسها، وأراد أن المؤمنين يتبعونني(4) كما تتبع النحل رئيسها.
(والمال يعسوب الفجار(5)): أي لا يتبعه إلا من كان فاجراً لا خير فيه.
[320] وقال له بعض اليهود: ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم فيه(6).
__________
(1) لسان العرب 3/412، ونسبه لرجل من بني عذرة ولم يذكر اسمه.
(2) في (ب): لحمل.
(3) في (ب): فيعمي.
(4) في (ب): يتبعوني.
(5) قال ابن أبي الحديد رحمه الله في شرح النهج 19/224 في قصار الحكم، الحكمة رقم(322) وهي قوله: (أنا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الفجار)، قال ما لفظه: هذه كلمة قالها رسول الله صلى الله عليه وآله بلفظين مختلفين، تارة: ((أنت يعسوب الدين))، وتارة: ((أنت يعسوب المؤمنين))، والكل راجع إلى معنى واحد، كأنه جعله رئيس المؤمنين وسيدهم، أو جعل الدين يتبعه، ويقفو أثره حيث سلك، كما يتبع النحل اليعسوب، وهذا نحو قوله: ((وأدر الحق معه كيف دار)). انتهى.
…قلت: والحديث بلفظ: ((وأنت يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الكافرين))، أخرجه من حديث عن النبيصلى الله عليه وآله وسلم الإمام المرشد بالله عليه السلام في الأمالي الخميسية 1/144 بسنده عن أبي ذر.
(6) فيه، زيادة في شرح النهج.

(فقال له: إنما اختلفنا عنه لا فيه): يعني أن اختلافنا إنما كان فيما بلغنا عنه من ألفاظه النصوص منها، والظواهر وإيمائه وإشارته، وفحوى كلامه بعد التصديق له فيما جاء به من الأخبار، والغيوب وأحكام الآخرة.
(ولكنكم ما جفَّت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيكم): يريد ولكن الاختلاف المذموم والفعل الملوم ما فعلتموه أنتم، فإن الله لما نجاكم من البحر، عقيب ذلك قلتم لنبيكم:
({اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ})[الأعراف:138]: فانظر إلى جوابه هذا ما أقطعه لشغب السائل، وأفحمه للسانه، وأبلغه في المحاجة.
[321] وقيل له: بأي شيء غلبت الأقران؟ يعني الأمثال.
فقال: (ما لقيت أحداً إلا أعانن‍ي على نفسه): يومئُ بذلك إلى تمكن هيبته في القلوب وعظم موقعه منها، فمن أجل هذا تصيب غيره الدهشة والفشل، فتكون عليه الدائرة من أجل ذلك.
[322] وقال لابنه محمد:
(يابن‍ي، إني أخاف عليك الفقر، فاستعذ بالله منه): وإنما قال له ذلك؛ لأن محمداَ كان فيه نسك وصلاح وتقوى، فيكاد من هذه حاله يكون شعاره الفقر؛ لأنه شعار الصالحين.
(فإن الفقر منقصة للدين): نقص له.
سؤال؛ كيف يقال: بأن الفقر هو شعار الصالحين، وفيه ما ذكر(1) من نقص الدين وهدمه؟
وجوابه؛ هو أنه إنما يكون شعاراً لأهل الصلاح في حق من صبر عليه، وجعله من جملة البلاوي المصبور عليها رجاء للثواب من جهة الله تعالى.
فأما من لا صبر له(2) عليه، فإنه يؤدي إلى الدخول في المداخل الضنكة، ويفضي به إلى المطالب الوحشة التي تنقص الدين وتغيّر في وجهه وتثلمه.
__________
(1) في (ب): ما ذكره.
(2) له، سقط من (أ).

(مدهشة للعقل): تصيب منه دهشة وفشل في العقل واضطراب في حاله؛ لما فيه من الألم والمضرة.
(داعية للمقت): البغض والكراهة من جهة النفوس.
[323] وقال لسائل سأله عن معضلة(1):
(سل تفقهاً): أي تفهماً واستبصاراً للأمر وتحصيلاً لغرض المسألة.
(ولا تسأل تعنتاً): جاء متعنتاً أي يطلب زلتك وعثارك.
(فإن الجاهل المتعلم شبيه بالعالم): في حسن سؤاله وإيراده وتفهمه للجواب كما يفعله العالم بذلك الخبير به.
(وإن العالم المتعسف(2) شبيه بالجاهل): لأنه لا يزال يكرر السؤال ويردده طالباً للزلل فيه، وكلما أجيب بجواب أعرض وسأل عن غيره، كما يفعله الجاهل الذي لا خبرة(3) له.
[324] وقال لعبد الله بن العباس، وقد أشار عليه في شيء لم يوافق رأيه فيه:
(لك أن تشير عليَّ): أي تتوجه عليك النصيحة لي.
(وأرى): أي ولي ما أرى من اقتضاء المصلحة في رأيك وخلاف ذلك.
(فإذا عصيتك): لوجه أراه وأعرفه مصلحة.
(فأطعن‍ي): فالواجب عليك الطاعة لي.
[325] (وروي أنه عليه السلام لما ورد الكوفة قادماً من صفين مرَّ بالشباميين): وهم قوم من أصحابه، منسوب إلى شِبَام حي من العرب، وشِبَام أيضاً: قرية باليمن(4)، فيها مآثر.
__________
(1) في شرح النهج: مسألة.
(2) في شرح النهج: المتعنت.
(3) في (ب): لا خبر.
(4) وهي شبام كوكبان بكسر الشين المعجمة وفتح الباء، وقد يقال لها: شبام حميد، وعرفت قديماً باسم (يحبس) وتارة باسم شبان أقيان، وهي مدينة أثرية قديمة بسفح جبل كوكبان (ذخار) غربي صنعاء بمسافة 34كم، وكانت شبام كوكبان مركزاً للدولة اليعفرية في القرن الثالث الهجري، وبها من آثارهم جامع أثري. (معجم البلدان والقبائل اليمنية ص342 لإبراهيم المقحفي).

(فسمع بكاء النساء على قتلى صفين، وخرج إليه حرب بن شُرَحْبِيْل الشّباميّ، وكان من وجوه قومه، فقال له:
لاتغلبنكم(1) النساء على ما أسمع): يعني من الأصوات المرتفعة الشبيهة بالنياحة، فأما البكاء فإنَّا لا ننكره؛ وإنما ننكر هذه الأصوات العظيمة عقيب المصائب، كما ورد الشرع بإنكارها(2).
__________
(1) في نسخة: أتغلبكم، و في شرح النهج: أيغلبكم نساؤكم.
(2) ومن ذلك ما رواه الإمام الأعظم زيد بن علي عليهما السلام في مجموعه ص126 برقم (187)، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ليس منا من حلق، ولا من سلق، ولا من خرق، ولا من دعا بالويل والثبور)) وقال زيد بن علي عليهما السلام: السلق: الصياح، والخرق: خرق الجيب، والحلق: حلق الشعر. وقال في رواية أخرى برقم (188) عن علي عليه السلام: ((أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن النوح)).
…وروى الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الاعتصام 2/193 حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((صوتان ملعونان فاجران في الدنيا والآخرة: صوت رانة عند مصيبة، وشق جيب، وخمش وجه، ورنة شيطان، وصوت عند نعمة، صوت لهو، ومزامير شيطان)) وعزاه إلى شرح التجريد للمؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني، وإلى الأحكام للإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، وإلى أصول الأحكام للإمام أحمد بن سليمان، وإلى الشفاء للأمير الحسين بن بدر الدين.
…وفيه أيضاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لعن الله النائحة، والمستمعة، والحالقة)) قال: وهي التي تحلق شعرها عند المصيبة، وعزاه إلى الشفاء للأمير الحسين.
…وفيه أيضاً عن الخدري قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النائحة، والمستمعة إليها)) وعزاه إلى أبي داود، (وأورد فيه أيضاً أدلة عديدة أخرى في هذا الموضوع، انظرها فيه).

(ألا تنهونهن عن هذا الرنين!): الصياح بالمصيبة.
(وأقبل حرب(1) يمشي معه وهو عليه السلام راكب، فقال له(2): ارجع فإن مَشْيَ مثلك): ارجع عن مشيك هذا، فإن مشي مثلك من الرعية والإخوان والأصحاب.
(مع مثلي): من الأئمة والرؤساء والولاة.
(فتنة للوالي): لما يلحقه في ذلك من الفخر والخيلاء والتكبر.
(ومذلّة للمؤمن): لما يلحقه بذلك من الذل والصغار.
[326] (وقال وقد مرَّ بقتلى الخوارج يوم النهر)(3): يعني شطَّ الفرات، فإنهم(4) قتلهم هنالك:
(بؤساً لكم!): أي عذاباً، وانتصابه على المصدرية التي لا يظهر فعلها.
(لقد ضركم): ألحق بكم الضرر.
(من غرَّكم): زيَّن لكم الأعمال القبيحة حتى اغتررتم بها.
(فقيل له: من غرَّهم يا أمير المؤمنين؟ فقال: الشيطان المضل): عن طريق الخير.
(والأنفس(5) الأمارة بالسوء): تأمرهم بما يسوء النفوس ويؤلمها.
(غرتهم بالأماني): الكاذبة.
(وفسحت لهم المعاصي(6)): جعلتها عليهم فسيحة بتزيينها لهم.
(ووعدتهم الإظهار): الظهور على أغراضهم ومقاصدهم.
(فاقتحمت بهم النار): أوردتهم إليها وأدخلتهم فيها، يقال: أقحمته فانقحم أي أدخلته فدخل.
[327] (اتقوا معاصي الله في الخلوات): في المواضع الخالية، والأماكن المقفرة.
(فإن الشاهد هو الحاكم): يريد أن الله تعالى كما هو مشاهد لها، فإنه الحاكم فيها، فلا يحتاج فيها إلى بينة تقام، ولا تخفى عليه خافية.
[328] وقال لما بلغه قتل محمد بن أبي بكر رحمه الله:
__________
(1) حرب، في شرح النهج.
(2) له، سقط من (ب).
(3) في شرح النهج: النهروان.
(4) ظنن فوقها في (ب) بقوله: ظ: فإنه.
(5) في شرح النهج: النفس.
(6) في شرح النهج: في المعاصي، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).

(إن حزننا عليه): ما نجده من الأسف على فقده.
(على قدر سرورهم به): مثل ما يلحقهم من المسرة.
(إلا أنهم نُقِصُوا بغيضاً): يبغضهم ويدرأ في نحورهم.
(ونُقِصْنَا حبيباً): كان يحبنا ونحبه، وكان استشهاده في مصر، قتله عمرو بن العاص، أميراً في عسكر معاوية(1).
[329] وقال: (العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة): أعذر إذا صار ذا عذر عندك، أي أن الله تعالى إذا عاقبه بعد ذلك على فعل المعاصي، وترك الانكفاف عن المناهي فله العذر في ذلك، وفي الحديث: ((لن يهلك الناس حتى يُعْذِرُوا من نفوسهم))(2) أي يستوجبون العقوبة من جهة الله تعالى، فيكون لمن يعذ بهم العذر في ذلك؛ لأن بلوغ الستين هو كما ل العمر، وفي الحديث: ((معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين))(3).
[330] (ما ظفر من ظفر به الإثم(4)): أراد أنه لا ظفر لمن خالطه الإثم، وكان متلبساً به.
__________
(1) وكان استشهاد محمد بن أبي بكر رضي الله عنه في سنة 38ه‍، (وانظر عن محمد بن أبي بكر وولايته على مصر وأخبار مقتله شرح النهج لابن أبي الحديد 6/65-94)
(2) أورده ابن الأثير في النهاية 3/197، وذكره في مختار الصحاح ص420، وفي أساس البلاغة ص295.
(3) رواه الإمام الموفق بالله عليه السلام في الاعتبار ص395 برقم (296) عن أبي هريرة، وقال محققه في تخريجه: رواه في كنز العمال رقم (42696) وعزاه إلى الحكيم عن أبي هريرة، وفي موسوعة الأطراف 9/417 عزاه إلى صحيحة الألباني1517، وتفسير القرطبي 5/145، وتفسير ابن كثير 9/546، والخطيب البغدادي 5/476، والقضاعي في مسند الشهاب251، وهو في النوافح العطرة ص335 رقم (1883). انتهى.
(4) في (ب) وشرح النهج: من ظفر الإثم به.

(الغالب(1) بالشر مغلوب): يعني من كان غالباً بالبغي والظلم لغيره فهو في الحقيقة مغلوب؛ لأن الله تعالى يديل منه وينصر عليه.
[331] (إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء): يعني ما فرضه من الزكاة(2) في هذه الأموال وجعل مصرفها الفقراء، وجعلهم عالة لهم، وفي الحديث: ((الفقراء عالة الأغنياء)) أي يعولونهم بما فرض الله لهم(3) من الحقوق في هذه الأموال.
(فما جاع فقير إلا بما منع غن‍ي(4)): لأنهم(5) لو أدَّوها كلها لم تر فقيراً(6) جائعاً؛ لأن الله تعالى ما فرضها على الوجه التي فرضها إلا مع علمه بأنها كافية للفقراء، فإذا رأيت نقصاً من ذلك فهو بمخالفة(7) الله تعالى في إخراجها، وفي الحديث: ((أمرت أن آخذ الصدقات من أغنيائكم، وأردُّها في فقرائكم))(8)
__________
(1) في شرح النهج: والغالب.
(2) في (ب): من هذه الزكاة في هذه ...إلخ.
(3) لهم، سقط من (ب).
(4) في شرح النهج: إلا بما مُتِّع به غني.
(5) في (ب): أي لأنهم...إلخ.
(6) في (ب): لم يُرَ فقير.
(7) في (ب): لمخالفة.
(8) رواه الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الاعتصام 2/280، في مصرف الزكاة بلفظ: ((أمرت أن آخذها من أغنيائكم، وأردُّها في فقرائكم)) ورواه العلامة علي بن حميد القرشي رحمه الله في مسند شمس الأخبار 2/57 في الباب الرابع عشر والمائة، ولفظ أوله فيه: ((أمرت أن آخذ الصدقة ...))إلخ وعزاه إلى أصول الأحكام للإمام أحمد بن سليمانعليه السلام. (وانظر تخريجه فيه).

وروى الإمام القاسم بن محمد في الاعتصام 2/274 حديثاً عن ابن عباس: ((أن معاذاً قال: لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن أطاعوك فاعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم)) وعزاه إلى شرح التجريد، ثم أورد رواية أخرى للحديث، وعزاها إلى البخاري ومسلم (انظرها هناك).

.
(والله تعالى جده(1) سائلهم عن ذلك): أراد إما سائلهم عن المنع وما وجهه؟ وإما سائلهم عن الفرض الذي فرضه هل أدَّوه أم لا؟
[332] (الاستغناء عن العذر، أعز من الصدق به): أراد أن ترك الاعتذار إذا سئلت عن حاجة وقضاها أفضل لا محالة من أن تكون صادقاً في عذرك عن قضائها عند الله تعالى وعند السائل لها، أو يريد ترك الاعتذار والاستغناء عنه أفضل من إظهار العذر وإن كنت صادقاً فيه؛ لأن ترك العذر والاستغناء عنه لا ينقطع رجاء السائل لقضاء حاجته، فأما مع العذر فينقطع رجاؤه في قضائها.
[333] (أقل ما يلزمكم لله): أحقر الأشياء المتوجه وجوبها عليكم من جهة الله تعالى.
(ألاَّ تستعينوا بنعمه على معاصيه): ترك الاستعانة بما أنعم الله تعالى من العافية والصحة والشهوة، والقدرة وتمكين المال على ارتكاب الفواحش وإتيان المعاصي، فإن المعصية لا تمكن إلا بهذه الأشياء، وهي من نعمه الكاملة.
[334] (إن الله سبحانه(2) جعل الطاعة غنم(3) الأكياس): أي مغنمهم الذي يغنمونه، وفوزهم الذي يفوزون به في الآخرة.
(عند تفريط العجزة): إذا فرَّط هؤلاء العاجزون عنها(4) غنمها أولئك.
[335] (السلطان وَزَعَة الله في أرضه): الْوَزَعَةُ ها هنا: جمع وازع، وعلى هذا يكون له معنيان:
أحدهما: أن يكون السلطان بمعنى القهر والغلبة، ويكون على حذف مضاف كأنه قال: ذوو السلطنة والقهر والغلبة وَزَعَة الله في أرضه، أي يكفون من أراد باطلاً ويمنعونه عن إتيانه.
__________
(1) تعالى جده، زيادة في (ب) وفي شرح النهج. .
(2) سبحانه، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.
(3) في شرح النهج: غنيمة.
(4) عنها، زيادة في (ب).

وثانيهما: أن يكون السلطان اسماً على حاله، ويكون المعنى فيه أن السلطان لو لم يكن موجوداً لما كف الناس عن ارتكاب المعاصي والتظالم بأخذ الأموال وانتهاك المحارم، إلا بأن يوكل بكل واحد(1) وازعاً يكفه عن ذلك ويقهره عليه، فالسلطان لا محالة يكفي عن ذلك، فلهذا كان بمنزلة الْوَزَعَةِ، فلهذا جاز أن يقال: السلطان وَزَعَةُ الله في أرضه، لكمال هيبته وتحكيم إيالته وسياسته، فلهذا قام مقام عدِّة من الوازعين، ونظير هذا قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}[النحل:120]، يعني لكماله في التقوى والعلم كان بمنزلة جماعة.
[336] (المؤمن بشره في وجهه): يعني أنه إذا كان مستبشراً فهو مرئي في وجهه، وفي الحديث: ((كان رسول الله [صلى الله عليه](2) إذا استبشر كأن وجهه قطعة قمر))(3).
(وحزنه في قلبه): يعني أنه يكتمه ولا يظهره لأحد.
(أوسع شيء صدراً): لانشراحة بالدين والإيمان.
(وأذل شيء نفساً): إذ لا عزة فيه، ولا كبر يلحقه.
(يكره الرفعة): أن يرفع قدره، ويعظم له أمره.
(ويشنأ السمعة): الشنأة: البغض، وأراد أنه يبغض أن يسمع بعمله الذي عمله لله.
(طويل غمه): لا يزال مدة عمره.
(بعيد همُّه): ليس الغرض أن آماله بعيدة، وإنما الغرض هو أنه إذا عرض شيء من الدنيا، فهمُّه بفعله وأخذه بعيد لا يكاد يعرِّج عليه.
(كثير صمته): أي لا يكاد يتكلم، فإن تكلم فإنما كلامه مقصور على ما يعَنيه.
(مشغول وقته): بالطاعات والاشتغال بأمر الآخرة وإصلاحها، وإصلاح حال عيشه في الدنيا.
(شكور): لنعم الله تعالى.
__________
(1) بكل واحد، سقط من (ب). .
(2) زيادة في (ب).
(3) وفي موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 6/32: ((كان إذا استبشر استنار وجهه)) وعزاه إلى البخاري 6/88.

(صبور): على بلاءه.
(مغمور): لا يؤبه له، ولا يدرى بقدره ومكانه.
(بفكرته): يعني أن تفكره في أمر المعاد، وما يؤول إليه أمره في الآخرة، هو الذي غمره فلا يعلم بحاله.
(ضنين بخَلَّتِهِ): الْخَلَّةُ بفتح الخاء(1) بنقطة من أعلاها هي: الفقر، وأراد أنه بخيل بحاجته فلا يفضيها إلى أحد من الخلق.
(سهل الخليقة): أمره في أموره كلها مبني على السهولة، أو أراد(2) أن خلائقه سلسة.
(لين العريكة): أراد أن طبيعته لينة كيفما شئت قلبته، ولك الحيلة فيه.
(نفسه أصلب من الصلد): يعني أن نفسه في الدين وفي ذات الله فيها صلابة عظيمة لايعرف كنهها، والصلد هو: الحجر الأملس البرَّاق.
(وهو أذل من العبد): يعني أن نفسه عنده لا قدر لها عنده ولا خطر لها يستركُّ حالتها(3)، فهي عنده كنفس العبد في الركة والرذالة.
[337] (لو رأى العبد الأجل ومسيره(4)): يعني لو رآه وتفكَّر في حاله في سرعة جريه إليه وإتصاله به.
(لأبغض الأمل وغروره): لكره(5) الآمال كلها، وعزل عن نفسه الاغترار بها؛ لأن الأجل إذا كان قاطعاً لهذه الآمال(6) فلا حاجة إلى الاغترار بها.
[338] (لكل امرئ في ماله شريكان): أراد أن كل من كان له مال فلا بد من أن يشاركه فيه اثنان:
(الوارث): الذي يخلفه له(7) بالمهناة له(8)، والتبعة على من جمعه، وهو صاحبه.
(والحوادث): الجواري(9) التي تجري عليه بالإتلاف والأخذ، فهو لا يخلو عن هذين الأمرين.
__________
(1) قوله: بفتح الخاء، سقط من (ب).
(2) في (ب): وأراد.
(3) في (ب): حالها.
(4) في شرح النهج: ومصيره، بالصاد المهملة.
(5) في (ب): لكثرة وهو تحريف.
(6) في (ب): قاطعاً للآمال.
(7) له، سقط من (ب).
(8) له، سقط من (ب).
(9) الجواري، سقط من (ب).

سؤال؛ مشاركة الوارث مفهومة، والحوادث متلفة له، فكيف يقال بأنها مشاركة له؟
وجوابه؛ هو أن الغرض من المشاركة إنما هو اقتطاع بعض المال وأخذه، وسواء تلف في يده كما في الحوادث، أو بقي كما في حق الوارث، فلهذا كانت المشاركة مفهومة، وبطل ما قاله السائل.
[339] (الداعي بلا عمل): يعني الذي دأبه الدعاء بأن يفعل له ما يفعل لغيره من الصالحين المجتهدين في فعل الطاعة والتميز بالأعمال الصالحة، وليس فاعلاً مثلهم ولا متخلقاً بأخلاقهم، فهو فيما قاله وزعمه:
(كالرامي بغير وتر): فلا يمكن رميه، ولا يجدي جدوى.
[340] (العلم علمان: مطبوع ومسموع): أراد بالمطبوع العلم العقلي، وإنما سمي العقلي مطبوعاً؛ لأن الطبع ما جبل الإنسان عليه وطبع، والإنسان من حيث كان إنساناً غير خالي عن العقل وتركيبه، ومعرفة الله تعالى والعلم بتوحيده وحكمته من العلوم العقلية.
وأما المسموع فهو: الشرعي، وإنما(1) سماه سمعياً من حيث كان طريقه ما يسمع من كلام الرسول ونطقه وأخباره، فصارت الأمور الدينية لا تنفك عن أن تكون عقلية أو نقلية كما ذكره.
(ولا ينفع المسموع، إذا لم يكن المطبوع): يريد أن العلم النقلي لا تكون له فائدة ولا جدوى إلا بالعلم العقلي؛ لأنه هو أصله وقاعدته التي إليها يستند.
[341] (صواب الرأي بالدول [يقبل بإقبالها](2) ويذهب بذهابها): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد لا حكم للرأي في الإصابة إلا بالقهر والغلبة، فمهما كان القهر فالصواب مقارب للرأي لا محالة، فإذا كان لا قهر فالرأي لا وجه له.
__________
(1) في (ب): إنما بغير الواو.
(2) زيادة في (ب)، والحكمة في شرح النهج لفظها: صواب الرأي بالدول يقبل بإقبالها، ويدبر بإدبارها.

وثانيهما: أن يكون مراده بصواب الرأي نفوذه، فمهما كانت الدولة والقهر، فهو نافذ، ومهما كان لا دولة هناك فلا ينفذ أصلاً.
[342] (العفاف زينة الفقر): أراد بالعفاف الانكفاف عن المسألة، وهي لا محالة مما يزين الفقر؛ لأنها شرف له وزيادة في الأجر عليه.
(والشكر زينة الغنى): لأمرين:
أما أولاً: فللزيادة عليه، كما قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}[إبراهيم:7].
وأما ثانياً: فلدوامه؛ لأن في الشكر دوام النعم واستمرارها، وفي الحديث: ((قيدوا النعم بالشكر؛ فإن لها شواردَ كشوارد الإبل)) .
[343] (يوم العدل على الظالم): يشير إلى يوم القيامة؛ [لأنه يوم المقاصة من جهة الله تعالى على جهة الإنصاف والعدل فهو لا محالة](1):
(أشد من يوم الجور على المظلوم): في الدنيا؛ لأنه ظلم وجور على المظلوم، وإنما كان أشد لما يؤول إليه الأمر من المحاسبة الشديدة، والأهوال العظيمة، والصيرورة إلى النار.
[344] (الأقاويل محفوظة): الأقاويل: جمع أقوال، جمع قول، وغرضه أنها مسموعة فتصير محفوظة يُمَيَّزُ بين خيرها وشرها، وصدقها وكذبها وجيدها ورديها.
(والسرائر مبلوَّة): يعني أنه لا يُمِيَّزُ بين حسنها، وقبيحها، وخبيثها، وطيبها إلا بالاختبار دون السماع فلا يمكن فيها.
(و{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ})[المدثر:38]: أي مرتهنة بأقوالها وسرائرها وجميع أعمالها.
(الناس(2) منقوصون): أي معيبون، أخذاً له من النقيصة وهي العيب؛ أي أنه لا يوجد فيهم كامل.
(مدخولون): يقال: دَخَلُ فلان إذا كان فيه دغل وفساد في طريقته.
(إلا من عصم الله): عن العيب والفساد، والدغل في عمله وصدره.
__________
(1) ما بين المعقوفين، سقط من (ب).
(2) في شرح النهج: والناس.

(سائلهم متعنت): من سأل منهم فإنما يسأل على جهة التعنت، وهو طلب الزلل من المسؤول.
(ومجيبهم متكلف): ومن أجاب منهم عما يسأل؛ فإنما يكون جوابه تكلفاً من غير بصيرة ولا علم قاطع.
(يكاد أفضلهم رأياً): أعظمهم في الإصابة في الرأي وأجزلهم فيه:
(يردُّه عن فضل رأيه): يكفُّه عن أن يشير على غيره بالصواب، ويتفضل عليه بالسديد منه:
(الرضى والسخط): فإذا كان راضياً عنه نخله(1) مخزون رأيه وأمده بالصواب منه، وإذا كان ذا سخط عليه(2) كتمه الرأي ولم يبالغ في نصحه به، وهدايته إليه.
(ويكاد أصلبهم عوداً): أعظمهم شوكة، وأقواهم على تحمل الأمور الشديدة.
(تنكؤه اللحظة): نكأت الرجل إذا جرحته، وأراد أن اللحظة بالعين تجرحه وتؤلمه.
(وتستحيله الكلمة(3)): أي أنه إذا سمع كلمة واحدة أحالته عن طباعه، وغيَّرته عن شيمه وخلائقه، واستحال بمعنى أحال، كقولهم: استجاب بمعنى أجاب.
[345] (معاشر المسلمين(4)، اتقوا الله): المعاشر: جمع معشر وهو الجماعة من الناس، عاملوه في أموركم وأحوالكم كلها معاملة من يتقيه من نزول عذابه.
(فكم من مؤمِّل ما لا يبلغه): من جميع الآمال كلها.
سؤال؛ قوله: فكم من مؤمِّل ما لا يبلغه، منافر لقوله: اتقوا الله، فما وجه إيراده بعده؟ وكيف نظمهما في سياق واحد من الكلام؟
وجوابه؛ هو أن معظم أسباب التقوى، وأقوى قواعدها تقصير الآمال؛ لأن بتقصير الأمل يزكو العمل؛ فلأجل ذلك جعله على أثره وعقَّبه به.
__________
(1) في (ب): نحله بالحاء المهملة، قلت: ونَخَلَه بالخاء المعجمة أي استقصى أفضله، وبالحاء المهملة أي أعطاه.
(2) في (ب): عنه.
(3) في شرح النهج: وتستحيله الكلمة الواحدة.
(4) في شرح النهج: معاشر الناس.

(وبانٍ لا يسكنه(1)): أي وكم من بناء لا يسكنه بانيه، ويزعج عن سكونه فيه.
(وجامع): من الأموال والنفائس.
(ما سوف يتركه): بعد موته وارتحاله عنه.
(ولعله من باطل جمعه): يريد من المعاوضات الباطلة، والمداخل القبيحة السيئة.
(ومن حق(2) منعه): يريد أن اجتماع الأموال إنما يكون من منع الحقوق وإيفائها أهلها، أو من اجتماعها من الوجوه المحظورة.
(أصابه حراماً): إما من قولهم: صاب السهم إذا قصد، وإما من قولهم: أصابه إذا وجده.
(واحتمل به آثاماً): أي من أجل جمعه وكسبه أوزاراً عظيمة.
(فباء بوزره): أي استقر في مباءة الوزر، وتمكَّن فيها.
(وقدم على ربه آسفاً): نادماً على ما فرط في جنب الله، أو نادماً على جمع ما جمعه، وكنزه من الأموال.
(لاهفاً): اللهف: أشد الحزن، وأراد أنه متلهف على ما سلف منه في ذلك كله.
(قد {خَسِرَ الدُّنْيَا}): بذهاب ما جمعه عن يده، وانقطاعه عنه.
({وَالآخِرَةَ}): بفوات الثواب عنه، وبعده عن منازل الأبرار والصالحين.
({ذَلِكَ}): أي الذي ذكرته من خسارته للدنيا والآخرة.
({هُوَ الْخُسْرَانُ}): الذي لا خسران مثله.
({الْمُبِينُ}[الحج:11]): الواضح الذي لا شبهة فيه.
[346] (من العصمة تعذر المعاصي): أراد(3) إن من أسباب التوفيقات والعصمة من جهة الله تعالى، هو أن الإنسان إذا همَّ بمعصية وعزم على فعلها من جهة نفسه، ثم عرض عنها عارض فتعذرت لمكانه، فهذه أمارة دالة على العصمة عن المعصية، ولطف من جهة الله تعالى للعبد وخيرة في ذلك.
__________
(1) في (ب) وشرح النهج: وبان ما لا يسكنه.
(2) في (ب): أو من حق...إلخ.
(3) في (ب): وأراد.

[347] (ماء وجهك جامد يُقْطِرُهُ السؤال): كناية حسنة عن عظم المسألة وصعوبة حالها؛ لأن تَقَطُّر وجه الإنسان لا يكون إلا عند تحمل الشدائد العظيمة، فلهذا كنى بالتقطير عن السؤال.
(فانظر عند من تُقْطِرُهُ): يقول: إذا كان ولا بد من تحمل هذا الأمر الصعب(1) ومكابدة هذه الشدائد فارتد(2) له أهلاً يستحق ذلك منك، ويستوجبه من جهتك من أهل الكرم وأصحاب المعروف، ومحامد الشيم.
[348] (الثناء بأكثر من الاستحاق مَلَقٌ): رجل مَلِقٌ إذا كان يعطي بلسانه أكثر مما في قلبه، وَالْمَلَقُ بالتحريك هو: الودُّ واللطف الشديد، وأراد أن الثناء إذا كثر من غير استحقاق فهو مما يعطى باللسان فقط.
(والتقصير عن الاستحقاق عيُّ): والقعود عن الإتيان بالمستحق، إما عياية في الرجل وبلاهة في عقله.
أو حصر: فلا يستطيع القول لاعتقال لسانه.
(أو حسد): وهو منعه عما يستحقه من الثناء؛ كما يتمنى زوال نعمة المحسود.
__________
(1) في (ب): من تحمل هذه الصعوبة.
(2) أي اطلب.

[349] (أشد الذنوب ما استهان به صاحبه(1)): أراد أعظمها وزراً وذنباً عند الله تعالى ما فعلته معتمداً له مستهيناً بحاله، وأنه غير ضار لك أو تعتقد أنه صغير، وفي الحديث: ((إياك ومحقرات الذنوب؛ فإن لها من الله طالباً))، أراد أن الله يطلبها ويحققها على صاحبها ويحاسبه على اجتراحها؛ لأن استهانته بها يبعِّده عن الندم عليها والاستغفار منها، وفي الحديث: ((لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار))(2).
[350] (من نظر في عيب نفسه): تفكر في حال ما يختصه(3) من العيوب ويلزمه منها.
__________
(1) في شرح النهج: صاحبها.
(2) عزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 7/256 إلى إتحاف السادة المتقين8/570، وكشف الخفاء 2/508، والدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة للسيوطي 180، وروى قريباً منه العلامة علي بن حميد القرشي رحمه الله في مسند شمس الأخبار 1/520 في الباب التاسع والتسعين، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ما كبيرة تكبر مع الاستغفار، ولا صغيرة تصغر مع الإصرار)) وعزاه إلى المجالس برواية السمان، وقال العلامة الجلال في تخريجه: أخرجه ابن عساكر عن عائشة، ولفظه: ((ما كبيرة بكبيرة مع ...)) إلى آخر ما هنا بلفظه، وضعفه السيوطي. انتهى.
(3) في (ب): ما يخصه.

(اشتغل عن عيب غيره): لأن فيه شغلاً عن غيره، وفي الحديث: ((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس))(1).
(من رضي برزق الله): أي ما أعطاه الله من الرزق، وعلم أنه هو الذي قدر له وفرض.
(لم يحزن على ما فاته): مما لم يرزقه الله إياه، وتحقق أنه لا نصيب له فيه.
(من سل سيف البغي ضرب(2) به): أراد أن أحداً لا يسعى في إثارة الفتن، وتسعير نيرانها وتلهبها؛ إلا ويهلك من أجلها.
(من كابد الأمور عطب): يعني من لم يأت للأمور من أبوابها، ويسِّهل قياده فيها، تحمل الأمور الشدائد، فيكون ذاك سبباً للعطب والهلاك.
(ومن اقتحم اللجج غرق): اللجة هي: معظم البحر وأعمقه(3)، وأراد من تقحم في الأمور الشديدة ارتطم في بحارها وهلك.
__________
(1) أخرجه من حديث طويل الإمام الموفق بالله في الاعتبار ص71 برقم (26) بسنده عن الحسين بن علي عليهما السلام، وهو فيه أيضاً من حديث رواه بسنده عن أنس بن مالك ص525 برقم (459)، وأخرجه من حديث طويل عن أنس بن مالك الشريف السيلقي في الأربعين السيلقية الحديث الأول ص15، وعزاه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5/414 إلى إتحاف السادة المتقين 7/438،465،548، وكنز العمال (43444)، وكشف الخفاء 2/44، 54، 59، وغيرها.
(2) في شرح النهج: قتل به، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(3) في (ب): وعمقه.

(من دخل مداخل السوء اتهم): هذا عام، إما فيما يتعلق بالأموال فيتهم بقلة الورع بالدخول في المطامع، وإما فيما يتعلق بالأماكن فيرد موارد الريبة فيتهم بالزنا، وإما فيما يتعلق بالأديان يإيراد الشبه والولوع بها، فيتهم باعتقاد البدعة والتدين بها، وفي الحديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفنَّ مواقف التهمة(1))).
(من كثر كلامه): فيما لايعنيه، وفيما لا تعلق له به.
(كثر خطاؤه(2)): زلله وعثاره.
(ومن كثر خطاؤه(3)): زلله وعثاره.
(قلَّ حياؤه): لأن كثرة الحياء تمنع من ذلك، فإذا كثر وتجاوز الحدود دلَّ على قلة الحياء وعدمه.
(ومن قلَّ حياؤه قلَّ ورعه): لأن الحياء ملاك الدين كله، وعن هذا قال بعضهم: ((إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت))(4).
(ومن قلَّ ورعه مات قلبه): أصابته القسوة، فلا يدخل فيه خوف الله واستشعار القيام بين يديه، وتذكَّر أمر الآخرة.
(ومن مات قلبه دخل النار): لأن موت القلب بما ذكرناه يكون سبباً في دخول النار لا محالة؛ لأن كل من هذه حاله، أعني نسيان خوف الله تعالى، وتذكر أمور الآخرة فهو هالك بلا إشكال.
__________
(1) في (ب): فلا يقف مواقف التهم.
(2) في شرح النهج: خطؤه.
(3) في شرح النهج: خطؤه.
(4) هو لفظ حديث نبوي شريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أورده بلفظه في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 1/402 وعزاه إلى علل الحديث لابن أبي حاتم الرازي2538، وتلخيص الحبير لابن حجر 4/200، وتأريخ بغداد للخطيب البغدادي12/136، وتهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر 4/362، والمعجم الكبير للطبراني17/236، 237، 238.
…قلت: وهو في مجموع الإمام المرتضى محمد بن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليهما السلام 2/597، في مسائل عبد الله بن الحسن

(من نظر في عيوب الناس(1) فأنكرها): عليهم وأراد زوالها منهم.
(ثم رضيها لنفسه): اختص بها، وكان حاصلاً عليها.
(فذاك(2) الأحمق بعينه): يريد الجاهل الذي لا شك فيه، ولا هو يلتبس بغيره من الخلق.
(القناعة مال لا ينفد): يعني أن المال إنما يراد ليكف به نفسه عن مسألة الناس، فإذا كان معه قناعة فهي بمنزلة المال في أنها سببت(3) في الانكفاف عن السؤال، ومع ذلك فالمال ينفد بالإنفاق منه، وهي غير نافدة.
(من أكثر من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير): لأن استشعاره الموت يبطل جميع ما يخطر بباله من اللذات ويكسرها في عينه ، فلهذا يرضى منها بالقليل التافه اليسير.
(ومن علم أن كلامه من عمله): يشير إلى أنه محفوظ عليه كما تُحْفَظُ عليه سائر أعماله.
(قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه): أراد أنه يقلُّ لما يعلم من المحاسبة عليه، إلا فيما لا بد له منه فهو مغتفر في حقه.
[351] (للظالم من الرجال ثلاث علامات): يعني إذا أردت أن تعلم كون الظالم ظالماً فانظر إلى هذه العلامات فيه؛ فإن وجدتها فيه فهو الظالم بعينه وإلا فلا.
(يظلم من فوقه بالمعصية): يريد إذا كان مؤمراً عليه فهو يظلم أمره بمخالفته له فيما أمره به من الأفعال.
(ومن دونه بالغلبة): وإذا كان مستغلباً لغيره فهو(4) يظلمه بأن يغلبه على ماله بالأخذ والقطع.
(ويظاهر القوم الظلمة): معنى ذلك يكون عوناً لهم وظهيراً في قوتهم وإعانتهم.
[352] (عند تناهي الشدة): بلوغها الغاية من العسرة.
(تكون الْفَرْجَةُ): الفرج من عند الله تعالى، وإزالة الغصص.
(وعند تضايق حَلَقِ البلاء): ازدحامها واشتدادها.
__________
(1) في شرح النهج: غيره.
(2) في شرح النهج: فذلك.
(3) في (ب): تسبب، وفي نسخة أخرى: سبب.
(4) في (ب): فإنه.

(يكون الرخاء): من جهة الله تعالى بقطعها وانفصامها وإزالتها.
[353] (لا تجعلن أكثر شغلك بأهلك وولدك): يعني ولكن اشتغل بما يعنيك من نفسك، وما يهمك من صلاحها.
(فإن يكن أهلك وولدك من أولياء الله): أهل مودته ومن يريد نفعهم واللطف بهم.
(فإن الله لا يُضَيِّع أولياءه): كما قال تعالى: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[يونس:62].
(وإن يكونوا من أعداء الله): الذين يريد النكال بهم، وإنزال العقوبة بهم.
(فما همك وشغلك بأعداء الله!): يعني فلا حاجة لك إلى الاشتغال بمن هذه حاله، وهذا مما تقوى به العزائم وتشتد به الهمم، وتطمح إليه الأفئدة إلى الإعراض عما سوى النفس، وقصر الهمة على إصلاحها وتقريبها إلى الله.
[354] (أكبر العيب): أعظم ما تلام به عند الله وعند خلقه.
(أن تعيب ما مثله فيك): فهذا هو نهاية العيب وغايته.
[355] وهنَّأ رجل رجلاً بغلام ولد له، فقال: ليهنك الفارس!(1)
(فقال عليه السلام: لا تقل ذاك(2)، ولكن قل: شكرت الواهب): يريد به(3) الله؛ لأنه الواهب للولد.
(وبورك لك في الموهوب): يريد أنماه الله وجعله زيادة في الخير، والبركة هي: النماء والزيادة.
(وبلغ أشده): أي كمال قوته وعقله، وهو ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين.
__________
(1) في شرح النهج: وهنَّأ بحضرته رجل رجلاً آخر بغلام وُلِدَ له، فقال له: ليهنئك الفارس!.
(2) في شرح النهج: ذلك.
(3) به، سقط من (ب).

(ورزقت بره): لأن مع البر يكثر خير الوالد والولد، وفي هذا دلالة على أن السنة في التهنئة والتعزية إنما يكونان(1) بالدعاء بالمنافع الدينية والدنيوية، كما فعل أمير المؤمنين دون ما ليس كذلك، كما في قولهم(2): ليهنك الفارس؛ ولهذا أنكره على قائله لما خلا عن الدعاء بما ذكرناه، وفي الحديث في التهنئة بالعرس: ((لا تقولوا: بالرفاء والبنين كما كانت الجاهلية تقول، ولكن قولوا: باليمن والبركة، بارك الله لك وعليك، وجمع بينكما في خير))(3).
[356] وبنى رجل من عماله بناء فخماً، فقال:
(أطْلَعَتِ الوَرِقُ رءوسها): كنى بذلك عن كثرة المال، وأن إعلاء الأبنية واطلاعها لما كثرت وتراكمت.
__________
(1) في (ب): تكون.
(2) قولهم، سقط من (ب).
(3) روى بعضاً منه العلامة أحمد بن يوسف زبارة رحمه الله في أنوار التمام3/189 فقال ما لفظه: والدعاء لمن أعرس، في (الشفاء) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه: ((إذا دعا للإنسان إذا تزوج قال: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير)) قال: ويؤكد هذا دعاء النبيصلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين علي وفاطمة الزهراء صلوات الله عليهما كما مر في حديث الزفاف.
قلت: وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللهم، بارك لهما، وبارك عليهما، واجعل منهما ذرية طيبة إنك سميع الدعاء)). (وانظره في حديث زفاف فاطمة الزهراء عليها سلام الله في المصدر المذكور).
وقال فيه ص190: وأخرج النسائي وابن ماجة عن الحسن قال: تزوج عقيل امرأة من بني جشم، فقيل له: بالرفاء والبنين، قال: قولوا كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((بارك الله فيكم، وبارك لكم)). انتهى. وذكر ابن الأثير في النهاية 2/248 فقال: فيه -أي في الحديث-: ((إنه نهى أن يقال: بالرفاء والبنين)).

(إن البناء ليصف لك الغنى): يعني أن البناء من أقوى الأمارات والدلالات على كثرة المال والغنى.
[357] وقيل له: لو سدَّ على رجل باب بيته وترك فيه، من أين كان يأتيه رزقه؟
فقال: (من حيث يأتيه أجله): فجمع بينهما بجامع معنوي عجيب يستدرك بدقيق النظر والفطانة، وهو أن الأجل من جهة الله تعالى لا بد لكل مخلوق منه، كما أن الرزق من جهة الله تعالى لا بد لكل مخلوق منه، فإذا كان الأجل يأتيه لا محالة، فهكذا حال رزقه لاستوائهما فيما ذكرناه.
[358] وعزى قوماً عن ميت لهم، فقال:
(إن هذا الأمر): يعني الموت.
(ليس بكم بدأ): لستم أول من مات.
(ولا إليكم انتهى): ولستم آخر من يموت.
(وقد كان صاحبكم هذا): يعني الميت الذي عُزِيَ فيه.
(يسافر): في طلب الأرباح وجمع الأموال.
(فعدوه): احسبوه عند نفوسكم.
(في بعض سفراته): التي تعدوه فيها.
(فإن قدم عليكم): كما كان يفعل في السفر.
(وإلا قدمتم عليه): سرتم إلى مصيره(1)، وسافرتم مثل سفره.
[359] (أيها الناس، ليركم الله عند(2) النعمة وجلين): الوجل هو: الفَرَقُ والخوف، وأراد أن المأخوذ عليكم هو الخوف والإشفاق عند تراكم النعم عليكم وتعاظمها.
(كما يراكم عند(3) النقمة): وهي العذاب.
(فرقين): خائفين، وغرضه من هذا استواء الحالين في الوجل والخوف عند النعمة والنقمة، فالوجل عند النعمة خوفاً من الأخذ على غرة وأمن، ومن النقمة خوفاً من ألمها وعذابها، فلأجل هذا سوى بينهما في ذلك.
(إنه من وُسِّعَ عليه في ذات يده): بالأموال النفيسة والرخاء في المعيشة والتمكين من اللذات الطيبة.
(فلم ير ذلك استدراجاً): أُخِذَ على غرة وغفلة.
__________
(1) في (ب): قصده.
(2) في شرح النهج: من.
(3) في شرح النهج: من.

(فقد أمن مَخُوفاً): فقد صار آمناً لما هو مخوف في الحقيقة.
(ومن ضُيِّقَ عليه في ذات يده): بالفقر وضيق المعيشة وضنكها.
(فلم ير ذلك اختباراً): امتحاناً من الله له.
(فقد ضَيَّعَ مأمولاً): فقد أهمل من ذلك ما يؤمل رخاؤه من جهة الله تعالى؛ لأن الاختبار بالنعماء والضراء وغير ذلك ألطاف من عند الله؛ يستصلح بها عباده على حد ما يراه من ذلك مصلحة لهم.
[360] (يا سرى(1) الرغبة، أقصروا): أراد أيها المأسرون في رِبَقِ(2) الرغبة في الدنيا، والمنهمكين في حبها والطالبين لها من غير وجهها أقلوا من طلبها والرغبة فيها.
(فإن المعرِّج على الدنيا): المقيم فيها والحابس نفسه عليها طمعاً بها ورغبة في لذاتها.
(لا يروعه منها): الروع: الخوف.
(إلا صريف أنياب الْحِدْثانِ): الصريف هو: صوت أنياب الجمل عند اشتداد الغلمة به، وهو ها هنا استعارة من ذاك، وغرضه بما قاله هو المواظب على اكتساب الدنيا والرغبة فيها، لا يخوفه منها إلا عظم تغير أحوالها بأهلها، وتوثب(3) الحوادث عليهم فيها بالمنايا المتلفة والمصائب المجحفة.
(أيها الناس، تولوا من نفوسكم(4) تأديبها): أي اختصوا بتأديبها ولا تولوه غيركم، فإن أدبها من جهة أنفسكم هو الأدب النافع.
__________
(1) في (ب) وشرح النهج: يا أسرى الرغبة ...إلخ، وأشار في هامش (ب) إلى أنه في نسخة: يا سُرى.
(2) الرِبَقُ بالكسر: الحبل.
(3) في (ب): كلمة غير مفهومة ورسمها هكذا: ونقويب، فلعل الصواب: وتقريب.
(4) في شرح النهج: عن أنفسكم.

(واعدلوا عن ضراوة(1) عاداتها): ضرى الكلب بالصيد إذا لهج به، وأراد ها هنا ميلوا واعدلوا بها عما تكون لاهجة به، مما تعتاده وتألفه، وأكرهوها على الطاعة، فإن عادتها الميل إلى هواها، والنفور عن الطاعة بمبلغ جهدها.
[361] (لا تَظُنَّنَّ بكلمة خرجت من أحد سوءاً): يريد إذا تكلم أحد بكلمة وظاهرها ما يسوء، وتكرهه النفوس فلا تحملها على ما يسوء من ذلك ويكره.
(وأنت تجد لها في الخير محملاً(2)): وهو تمكنك وجهاً لها تحمله عليه في الخير والسلامة، ويروى: (محتملاً)(3): والمحمل بالفتح والمحتمل(4) هو المصدر بمعنى الحمل.
[362] (وإذا كانت لك إلى الله حاجة): وسيلة أو مطلبة تطلبها في الدين أو في الدنيا، وأردت طلبها وسؤالها من جهة الله تعالى.
(فابدأ المسألة بالصلاة على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم): صدرها أولاً بالصلاة على النبي وآله.
__________
(1) في شرح النهج: واعدلوا بها عن ضراية عاداتها.
(2) في شرح النهج: محتملاً.
(3) في نسخة أخرى: ويروى متحملاً.
(4) في (ب) وفي نسخة أخرى: والمتحمل.

(ثم سل حاجتك): بعد ذلك، وهذا من جملة الآداب المعتبرة في الدعاء قبل الشروع فيه، وهو حمد الله وتنزيهه، وتقديسه، والصلاة على الرسول(1).
(فإن الله أكرم من أن يُسْأَلَ حاجتين): وهما الصلاة على الرسول في أول الأمر، ثم قضاء الحاجة، وهي الثانية.
__________
(1) ومما ورد من السنة في ذلك ما أخرجه الإمام أبو طالب عليه السلام في أماليه ص482 برقم (646) بسنده عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((صلاتكم عليَّ جواز دعائكم، ومرضاة لربكم، وزكاة لأعمالكم)). وروى فيها أيضاً حديثاً ص480 برقم (642) بسنده عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما من دعاء إلا وبينه وبين السماء حجاب حتى يصلى على محمد النبي صلى الله عليه وعلى آل محمد، فإذا فعل ذلك انخرق الحجاب ودخل الدعاء، وإن لم يفعل ذلك رجع الدعاء))، وهذا الحديث في مسند شمس الأخبار1/83-84 في الباب الرابع، وقال العلامة الجلال في تخريجه في كشف الأستار: أخرجه الديلمي عن علي عليه السلام بلفظه، وأخرج الطبراني عن علي عليه السلام موقوفاً: ((كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد صلى الله عليه وآله وسلم)). وأخرج الترمذي عن عمر مرفوعاً: ((الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك صلى الله عليه وآله وسلم)). انتهى.
ومن ذلك ما رواه ابن أبي الحديد رحمه الله في شرح النهج 6/197 في آداب الدعاء فقال: ومن الآداب أن يفتتح بالذكر وألا يبتدئ بالمسألة، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يدعو يقول: ((سبحان ربي العلي الوهاب)).
أبو سليمان الداراني: من أراد أن يسأل الله تعالى حاجته فليبدأ بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم يسأل حاجته، ثم يختم بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله، فإن الله تعالى يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يَدَعَ ما بينهما. انتهى.

(فيعطي(1) أحدهما(2)): وهو الصلاة.
(ويمنع الأخرى): وهي حاجتك المقصودة.
[363] (من ضنَّ بِعِرْضِهِ): بخل به، وكان لا يريد نقصه.
(فليدع المراء): المماراة والجدال في كل أمر من الأمور، وفي الحديث: ((أول ما نهاني عنه ربي المماراة)).
[364] (الخُرْقُ المعاجلة قبل الإمكان): الخُرْقُ هو(3): الحمق وهو الجهل بعينه تحصيل الحوائج قبل إمكان وقتها؛ لأن وقت الشيء شرط في كونه ممكناً؛ فإذا طلب في غير وقته وفي غير أوانه فهو جهل بحكمه لا محالة.
(والأناة بعد الفرصة): الأناة هي: تراخي الوقت، وأراد أن من جملة الخرق أيضاً التراخي في الوقت(4) بعد أن كانت الحاجة محضرة حاضراً وقتها، والمعنى أن من أخَّرها عن وقتها فهو جاهل؛ لأن من حق العاقل اغتنام الفرص عند إمكانها.
[365] (لا تسأل عمَّا لا يكون): يعني عمَّا لا تُقَدِّرُ حصوله ووقوعه.
(ففي الذي قد كان لك(5) شغل): عن تقدير ما لا يكون.
[366] (الفكرة(6) مرآة صافية): يريد أنها في المعقولات النظرية بمنزلة المرآة في المدركات البصرية والمرئيات الحسية، يدرك بها ما خفي من الأسرار العقلية.
(والاعتبار منذر ناصح): والاتعاظ في غاية النصح لمن كان منذراً له.
(كفى أدباً لنفسك): انتصاب أدباً على التمييز بعد الفاعل.
(تجنبك ما تكرهه(7) لغيرك): يريد إذا تجنبت ما تكرهه للناس فهذا هو غاية الأدب والتهذيب لنفسك؛ لأن كل ما كرهته من جهة غيرك فهو لا محالة مكروه من نفسك يكرهه غيرك.
__________
(1) في نسخة: فيقضي، (هامش في ب)، وكذا في شرح النهج.
(2) في (ب) وشرح النهج: إحداهما.
(3) هو، سقط من (ب).
(4) في الوقت، سقط من (ب).
(5) لك، زيادة في شرح النهج.
(6) في شرح النهج: الفكر.
(7) في شرح النهج: ما كرهته.

[367] (العلم مقرون بالعمل): أراد أنهما توأمان وأخوان لا ثمرة لأحدهما إلا مع الآخر، فلا خير في علم بلا عمل، ولا خير في عمل لا يسبقه علم.
(فمن علم عمل): بما يعلمه(1).
(والعلم يهتف بالعمل): ينادي به.
(فإن أجابه): بالعمل بمقتضاه.
(وإلا ارتحل): العلم عن مكانه؛ إذ لا وجه لوقوفه على انفراده عن العمل.
[368] (يا أيها الناس، متاع الدنيا حطام موبئ): يعني ما فيها من المتعة لأهلها إنما هو بمنزلة ما يبس وتكسِّر وذهب رفاتاً، والموبئ: ذو الوباء وهو الداء.
(فتجنبوا مرعاة): أن ترعوا فيه أنعامكم فتهلك وباء ، وكنى به عن تجنبهم للإكثار منها والولوع بطيباتها.
(قلعتها أحظى من طمأنينتها): أي رحلتها أكثر حظوة ومكانة من سكونها والقطون فيها.
(وبلغتها أزكى من ثروتها): والأخذ منها على جهة البلغة إلى الآخرة أطهر للنفوس من الثراء فيها، وهو الإكثار منها.
(حكم على مكثريها بالفاقة): أي حكم الله(2) على من أكثر منها من الجمع لحطامها بأن يكون ذا فاقة فيها(3)، وفقر إليها في جميع حالاته.
(وأعين من غن‍ي عنها(4) بالراحة): أي وحكم على من استغنى عنها بالراحة لنفسه وجسمه.
(من راقه زبرجها): الزبرج: الذهب، وأراد ها هنا من أعجبه رونقها وحسنها ونضارتها.
(أعقبت ناظريه كمهاً): كان عاقبة نظره إليها أن تعميه عن ذكر الآخرة وأمرها، والكمه: العمى.
(ومن استشعر الشغف بها): ومن قصد المحبة لها وجعلها له شعاراً يختص جسمه من دون حائل عنه، والشغف: حجاب القلب.
(ملأت ضميره أشجاناً): ملأت قلبه أحزاناً.
__________
(1) في (ب): بعمله.
(2) في (ب): حُكِمَ على من أكثر ...إلخ.
(3) في (ب): إليها.
(4) في (ب): فيها.

(لهن رقص على سويداء قلبه): الضمير للدنانير، ويفسره شاهد الحال أو يفسره الزبرج؛ لأنها بمعناها، والسويداء: حبة القلب، وأظنه الدم الذي يسكن باطن القلب فإنه دم أسود، والرقص: التحرك والاضطراب، وأراد أن النفس لاتزال تتحرك وتضطرب إلى محبة الدنانير والدراهم.
(همٌّ يشغله): بالتعلق بها وطبلها وتحصيلها.
(وغمٌّ(1) يحزنه): على ما فات عليه منها.
(كذلك): أي لايزال أمره على هذه الحالة.
(حتى يؤخذ بِكَظْمِهِ): أي بمخرج نَفَسِهِ، والكظْم بسكون الظاء(2) هو: خروج النفس.
(فَيُلْقَى بالفضاء، منقطعاً أبهراه): الفضاء: المكان الواسع من الأرض، والأبهران: عرقان متصلان بالقلب، وأراد فيلقى بعد موته بخلاء من الأرض ميتاً لاحراك به.
(هيِّناً على الله فناؤه): الفناء ها هنا المراد به الموت، يريد أن موته ليس أمراً عظيماً عند الله تعالى، كما أشار إليه بقوله: {مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}[لقمان:28].
(وعلى الإخوان لقاؤه(3)): لأنه لا رغبة لهم فيه لا ستحالة حاله عما كانت في حال الحياة.
(وإنما ينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار): المعنى في هذا: وحق على المؤمن والواجب عليه هو النظر إليها بعين الاتعاظ والزجر دون الرغبة فيها والمواظبة على تحصيلها.
(ويقتات منها ببطن الاضطرار): أي يطلب قوته منها إذا اضطره جوع بطنه بالشيء الحقير التافه الذي لا قيمة له ولا خطر له.
__________
(1) في (أ): وهمٌّ، وما أثبته من (ب) وشرح النهج.
(2) في (ب): الراء، وهو تحريف.
(3) في شرح النهج: إلقاؤه.

(ويسمع فيها بأذن المقت والاتعاظ(1)): أراد ويكون سامعاً لأحاديثها بأذُن الذم لها والاتعاظ بأحوالها وتغيراتها، ولا يصغي إلى شيء من أحاديثها بحال.
(إن قيل: أثرى): أراد إذا قيل لك: فلان أثرى أي كثر ماله.
(قيل: أكدى): أي قلَّ خيره، وكثر بخله.
(وإن فُرِحَ له بالبقاء): وإن أصاب أحد له فرح ببقاءه فيها واطمئنانه إليها.
(حُزِنَ له بالفناء): أصاب الحزن له بالموت بعد ذلك.
(هذا): قد مضى شرح هذه الكلمة في موضع غير هذا، وبيَّنت موقعها فلا وجه لتكريره، وأراد هذا على ما ذكرته، وموضعه رفع بالابتداء، وخبره محذوف كما قدرته لك.
(ولم يأتهم يوم يبلسون فيه(2)): أي ييأسون فيه من الرحمة لما يرون من هوله وصعوبة أمره.
[369] (إن الله سبحانه وضع الثواب على طاعاته(3)): جزاء عليها وجُبراناً لما كان من مشقة التكليف بفعلها.
(والعقاب على معصيته): جزاء عليها لما كان من مخالفة أمره ونهيه، وجعل(4) ذلك أيضاً:
(ذيادة لعباده عن نقمته): ذاد الصيد إذا طردها، وأراد طرداً لهم عن عذابه وشدة انتقامه.
(وحياشة لهم إلى جنته): حاش الصيد يحوشه حوشاً وحياشة إذا جنَّبه من حواليه ليورده الحِبَالة والشَّرَك(5).
[370] وروي أنه عليه السلام قلَّما اعتدل به المنبر إلا قال أمام خطبته:
(أيها الناس، اتقوا الله فما خلق امرؤ عبثاً): أي ما خلق من أجل العبث، وهو: الذي لا غرض لفاعله فيه، ولا داعي له إليه.
__________
(1) في شرح النهج: وا لإبغاض.
(2) في شرح النهج: هذا ولم يأتهم يوم هم فيه مبلسون.
(3) في شرح النهج: طاعته.
(4) في (ب): وفعل.
(5) الحِبَالة: التي يصاد بها، والشَّرَكُ بفتحتين: حبالة الصائد، الواحدة شَرَكَة. (مختار الصحاح ص121،336).

(فيلهو): أي فيكون لاهياً، أو يكون مشغولاً باللهو واللعب.
(ولا ترك سدىً): أي مهملاً لا حكم عليه لأحد.
(فيلغو): اللغو هو: القول الباطل(1)، يقال: لغا يلغو إذا قال باطلاً.
(وما دنياه الت‍ي تحسنت له): أرته حسنها وأعجبته بنضارتها.
(بِخَلَفٍ له(2) من الآخرة): تكون عوضاً له عن الآخرة.
(الت‍ي قبَّحها): ذمَّها وبغضَّها(3) إليه.
(سوء النظر عنده): أسوء(4) الأنظار من جهته، وأبعدها عن نظر السداد والصلاح.
(وما المغرور الذي ظفر من الدنيا بأعلى همته): أي وما المغتر بالدنيا الذي ظفر منها على قدر همته في أخذها والإكثار منها.
(كالآخر الذي ظفر من الآخرة بأدنى سُهمته): كالرجل الآخر الذي ظفر من الآخرة بأدنى سهم ونصيب، والسُهمة: النصيب بضم السين، والمعنى أنه ليس أحدهما يشبه الآخر لفوز صاحب الآخرة بأوفر النصيب وأكملها، وخسارة صاحب الدنيا وإن كمل حظه فيها.
[371] (لا شرف أعلى من الإسلام): من حسب ولا عدة، ولهذا فإن سلمان، وشقران، وبلال، وصهيب لما أحرزوه مع فقد الحسب، وخسر أبو لهب، والوليد بن المغيرة، وعتبة، وشيبة وغيرهم مع علوهم في الحسب، فأي شرف أعلى من هذا.
ومن عجائبه إحراز رضوان الله والدخول في رحمته ورأفته إلى غير ذلك من الخصال الرفيعة والصفات العالية لصاحبه.
(لا عز أعز من التقوى): وأي عز أعظم(5) من ذلك، وفي الحديث: ((من اتقى الله أغناه الله بلا مال، وأعزه بلا عشيرة)).
__________
(1) في (ب): بالباطل.
(2) له، زيادة في شرح النهج.
(3) في (ب): ونقّصها.
(4) في (ب): سوء.
(5) في (ب): أعلى.

(و(1) لا معقل أحرز(2) من الورع): لأن فيه سلامة عن كل عاهة تلحق الدين وتثلمه.
(لا شفيع أنجح من التوبة): أي لا شافع ينجح مطلبه مثل التوبة المقبولة عند الله تعالى؛ فإنها أعظم شافع [عند الله تعالى](3) في حط الذنوب وغفرانها.
(لا غنى أغنى من القناعة(4)): لأن كل غنى مع الهلع فهو فقر في الحقيقة.
(لا مال أذهب للفاقة(5) من الرضى بالقوت): أراد أن الرضى بالقوت والكفاية به أذهب للفقر من التمكن من المال.
[372] وقال عليه السلام في كلام له:
(من اقتصر على بُلْغَةِ الكفاف): أي من كان همه من الاكتفاء من الدنيا بالزاد المبلغ إلى الآخرة.
(فقد انتظم الراحة): أي استوت له أحوالها، وتمهدت له قواعدها.
(وتبوأ خَفْضَ الدعة): تبوأ المكان إذا استقر فيه، وأراد لزم راحة الاستقرار.
(والرغبة(6)): في الدنيا والولوع بتحصيلها.
(مفتاح النَّصَبِ): تنفتح به على الإنسان أبواب منصبة لبدنه وقلبه.
(ومظنة(7) التعب): أي حيث يظن التعب ويكون حاصلاً، من قولهم: الوقار مظنة الحلم أي حيث يظن وجوده وحصوله.
(والحرص): على الدنيا.
(والكبر): شموخ الأنف.
(والحسد): للنعم على الخلق.
(دواعي(8) إلى التقحم في الذنوب): يعني أنها تدعو الإنسان إلى الورود في المعاصي والهجوم عليها.
__________
(1) الواو، زيادة في (ب) وفي شرح النهج.
(2) في نسخة: أحصن (هامش في ب)، وفي شرح النهج: أحسن..
(3) سقط من (أ).
(4) في شرح النهج: ولا كنز أغنى من القناعة.
(5) في (ب): بالفاقة.
(6) في شرح النهج: والدعة.
(7) في شرح النهج: ومطية التعب.
(8) في شرح النهج: دواعٍ، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).

(والشر جامع لمساوئ العيوب): الشر هو: نقيض الخير، فكما أن الخير جامع للخصال الحسنة، فهكذا الشر يجمع الخصال السيئة.
[373] (قَوَامُ الدنيا أربعة(1)): القَوام بالفتح: العدل، قال الله تعالى: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}[الفرقان:67]، والقِوام بالكسر: نظام الأمر وعماده، وقد يفتح، يقال: فلان قَوَامُ أهل بيته، وهذا مراده ها هنا، أي تنتظم الدنيا بأشخاص أربعة:
(عالم مستعمل(2) علمه): فهو يعمل بعلمه، ويفعل على حد بصيرته.
(وجاهل لا يستنكف أن يتعلم): فهذا متى أشكل عليه أمر في دينه سأل عنه وفهمه.
(وفقير لا يبيع آخرته بدنياه): فهو صابر على فقره محرز لدينه.
(وجواد بمعروفه(3)): فهو لا ينفك عن بذله في جميع أحواله، فمتى استقام أحوال هؤلاء على ما ذكرته استقام نظام الدنيا، واستقرت قواعدها.
(فإذا ضيَّع العالم علمه): يعني لم يعمل به وخالفه في جميع أحواله.
(استنكف الجاهل أن يتعلم): لأنه إذا رأى العالم يخالف علمه، ولا يعرج عليه كان ذلك صارفاً عن التعلم منه، وكافّاً له عن ذلك.
(وإذا بخل الغن‍ي بمعروفه): يعني لم يُفِضْه على الفقراء والمحتاجين ضاقت أحوالهم وصعب الأمر عليهم، وإذا كان الأمر كما قلناه:
(باع الفقيرآخرته بدنياه): لأجل ما لحقه من الفقر وتجرعه من ألم الفاقة.
وأقول: إذا نظرت في هذا الكلام وجدته يشفي علة العليل بدوائه، وينقع غُلة(4) العطشان ببرد مائه.
__________
(1) في شرح النهج: وقال عليه السلام لجابر بن عبد الله الأنصاري: يا جابر، قِوَامُ الدين والدنيا بأربعة...إلخ.
(2) في شرح النهج: يستعمل.
(3) في شرح النهج: وجواد لا يبخل بمعروفه.
(4) الغُلة بالضم: حرارة العطش.

[374] (من(1) كثرت نعم الله عليه): في التمكين والبسطة وإعطاء الرياسة، وسعة الصدر وغير ذلك من أنواع الصفات للرياسة.
(كانت(2) حوائج الناس إليه): يطلبونها من عنده لما فضله الله تعالى بوجدانها معه.
(فمن(3) قام لله بما يجب عرَّضها للدوام والبقاء): فمن أدى حق الله فيها بما يكون، بذلها ونفع الخلق بها، سواء كان ذلك من منافع الدين أو من منافع الدنيا، فمتى أدى فيها حق الله تعالى كانت بصدد الدوام والاستمرار، لا يكدرها مكدر، ولا يغيرها مغير.
(ومن لم يقم فيها بحق الله): فمنعها أهلها وقطعها عن مجاريها، سواء كانت من منافع الدين، أو من منافع الدنيا.
(عرَّضها للزوال والفناء): كانت بصدد الزوال والانقطاع عنه والانتقال إلى غيره.
[375] (أيها المؤمنون(4)): خطاب لطف وكرامة حيث ذكرهم بما يعظم أمرهم، ويكون رفعاً لهم(5) من منازلهم وهو ذكر الإيمان.
__________
(1) في شرح النهج: يا جابر، من كثرت ...إلخ، والحكمتان رقم(373) و(374)، هما في شرح النهج تحت رقم واحد وهو رقم (378).
(2) في (ب) وشرح النهج: كثرت.
(3) اللفظ من هنا في شرح النهج: فمن قام بما يجب لله فيها عرّض نعمة الله لدوامها، ومن ضيّع ما يجب لله فيها عرَّض نعمته لزوالها.
(4) قبله في شرح النهج:: وروى ابن جرير الطبري في تأريخه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه، وكان ممن خرج لقتال الحجاج مع ابن الأشعث، أنه قال فيما كان يحض به الناس على الجهاد: إني سمعت عليًّا رفع الله درجته في الصالحين وأثابه ثواب الشهداء والصديقين يقول يوم لقينا أهل الشام: أيها المؤمنون ...إلخ.
(5) لهم، زيادة في (ب).

(إنه من رأى عدواناً يعمل به): الضمير للشأن أي ظلماً وتعدياً على الخلق يفعل به، ويكون صاحبه عاملاً له.
(ومنكراً يدعى إليه): تحيا آثاره وتقام له سوق.
(فأنكره بقلبه): كرهه ونفر عنه.
(فقد سلم): عن أن يكون راضياً به.
(وبرئ): عن أن يقال فيه: إنه مريد له.
(ومن أنكره بلسانه): قبَّح فعل من فعله، وذمَّه على ما(1) فعله من ذلك، وصرَّح به من لسانه، فمن فعل هذا:
(فقد أجر): أحرز أجره من جهة الله تعالى، ونال الثواب من جهته.
(وهو أفضل من صاحبه): وإنما كان أفضل لأمرين:
أما أولاً: فلأنه أنكره بلسانه وقلبه، والأول إنما أنكره بقلبه لا غير.
وأما ثانياً: فلأنا(2) لو قدرنا أنه لم ينكره الأول بقلبه؛ فلأن إنكاره بلسانه هو أظهر وأشهر وأدخل في الكف وأظهر في اللوم، فلهذا كان بفعله له أفضل.
(ومن أنكره بالسيف): يريد بالقتل والقتال، وإهراق الدماء.
(لتكون كلمة الله هي العليا): جعل هذا كناية عن نفوذ الأمر لله تعالى، وألا يكون مردوداً، والكف عمَّا نهى عنه، وألا يكون مفعولاً، فمتى كان الأمر كما قلناه كانت كلمة الله من أمره ونهيه هي العالية المستظهرة بما ذكرناه.
(وكلمة الظالمين السفلى): بأن تكون أوامرهم فيما يأمرون به من الظلم والجور، وأنواع الفسوق غير مطاعة، ونواهيهم عن العدل والإنصاف غير مقبولة لنزول أمرهم، وبطلان حالتهم في ذلك.
(فذاك(3)): إشارة إلى المنكر بالسيف.
(الذي أصاب سبل(4) الهدى): وجد طريق الهدى واضحة فسلكها وأمَّها وقصدها.
__________
(1) ما، سقط من (ب).
(2) في (ب): فلأنه.
(3) في شرح النهج: فذلك.
(4) في (ب) وشرح النهج: سبيل.

(وقام على الطريق): أراد إما استقام على الدين من غير زيغ ولا اعوجاج في أمره، وإما استقام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير فتور ولا تهوين منه في حالهما، فالطريق شاملة لما ذكرناه.
(ونُوِّرَ في قلبه اليقين): أراد إما استنار قلبه وانشرح صدره بتحققه لأمور دينه وقطعه بها، وإما أن الله شرح صدره ونوَّر قلبه بما ألهمه من القيام بأمره ونهيه في فعل معروف، أو كف عن منكر.
[376] وفي كلام له آخر يجري على هذا المجرى:
(فمنهم المنكر للمنكر بيده ولسانه وقلبه): فإنكاره بقلبه: كراهته له ونفاره عمن هو متعلق به، وإنكاره بلسانه هو: النهي عنه، والذم لمن تلبس به وخالطه، والإنكار بيده هو: الكف عنه بالضرب والحبس والقتل والقتال بالسيف، فمن فعل هذه الأمور الثلاثة:
(فذلك المستكمل لخصال الخير): أراد الذي أحرزها وقام لله تعالى بها، كما هو عادة من سلف من الأئمة السابقين من الصدر الأول إلى يومنا هذا، لايزالون مجتهدين في إيحار صدور الظلمة وتنغيص أحوالهم وتكدير لذاتهم، وإرغام أنوفهم تقرباً إلى الله تعالى، وفوزاً بما وعد الصابرين من الأجر على ذلك.
ولله درُّ الفاطمية لقد أبلوا في إعزاز(1) دين الله وإعلاء كلمته بلاء عظيماً، وعرَّضوا نحورهم للمنايا احتساباً في الله وامتثالاً لأمره حتى نالت الأموية، والعباسية منهم نيلاً عظيماً.
__________
(1) في (ب): بإعزاز.

فأما الأموية فاستولوا على قتل الحسين بن علي(1)، ومن أولاده علي الأكبر، وأبو بكر، وعمر، وعبد الله، والقاسم(2)
__________
(1) وكذلك الحسن بن علي عليهما لاسلام، سمته امرأته جعدة بنت الأشعث باحتيال من معاوية عليها ووعده لها بأن يزوجها من يزيد، وبذل لها مائة ألف درهم، فوفى بالمال ولم يف بالتزويج. (انظر الإفادة في تأريخ الأئمة السادة ص54-55).
(2) قد يحصل التباس على القارئ في نسب من ذكر المؤلف عليه السلام من القتلى مع الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، فيظن أن أبا بكر المذكور من أولاد الحسين بن علي، والأمر ليس كذلك فأبو بكر المذكور هو ابن الحسن بن علي، وكذلك القاسم بن الحسن بن علي أيضاً، وتجنباً للالتباس أذكر هنا من استشهد من أولاد أمير المؤمنين عليه السلام ومن أولاد أولاده الذين استشهدوا مع الحسين بن علي عليهما السلام وغيرهم ممن استشهد من آل أبي طالب.
…- فممن استشهد من أولاد أمير المؤمنين علي عليه السلام العباس، وعثمان، وجعفر، وعبد الله.
…- وممن استشهد من أولاد الحسن بن علي عليهما السلام القاسم، وأبو بكر، وعبد الله.
…- وممن استشهد من أولاد الحسين بن علي عليهما السلام: علي الأكبر، وعبد الله.

…وهؤلاء الذين ذكرناهم هو على رواية الإمام أبي طالب في الإفادة، وذكر القاضي العلامة محمد بن يونس الزحيف رحمه الله في مآثر الأبرار القتلى مع الحسين بن علي صلوات الله عليه من آل أبي طالب فقال: والحاصل أنهم إحدى وعشرون نفساً، سبعة أنفس من أخوته، وهم: جعفر، والعباس، وعثمان، وأبو بكر، ومحمد (الأصغر)، وعبيد الله، وعبد الله، ثم أبناء الحسين: علي ، وعبد الله، ومن أولاد أخيه الحسن: عبد الله، وأبو بكر، والقاسم، ومن أولاد عبد الله بن جعفر: عون، ومحمد، وعبيد الله، ومسلم بن عقيل قتل بالكوفة، وجعفر بن عقيل، وعبد الرحمن بن عقيل، وعبيد الله بن عقيل، ولمسلم بن عقيل: محمد، وعبد الله، ثم أبو سعيد بن عقيل. انتهى. قال: هذه رواية (النجم الثاقب في مناقب علي بن أبي طالب).

وغير هؤلاء من أولاد أمير المؤمنين.
وقتل سليمان بن عبد الملك عبد الله بن محمد بن الحنفية(1)، وهشام قتل زيداً(2) وابنه(3)
__________
(1) هو عبد الله بن محمد (ابن الحنفية) بن علي بن أبي طالب"، أبو هاشم، المتوفى سنة99ه‍، أحد زعماء العلويين في العصر المرواني، وكان عالماً بكثير من المذاهب والمقالات، ثقة في روايته للحديث، قال ابن أبي حاتم: روى عن أبيه. انتهى. وكان يبث الدعاة سراً في الناس ينفِّرهم من بني أمية، فلما علم سليمان بن عبد الملك بشيء من خبره دسَّ له من سقاه السمَّ في الشام. (انظر الأعلام4/116، ومعجم رجال الاعتبار ص266 ت(506)).
(2) وذلك في سنة 122ه‍، والخبر في ذلك مشهور تمتلئ به كتب التاريخ والسير والمناقب، وقد تقمت ترجمته.
(3) هو الإمام الثائر الشهيد يحيى بن الإمام الأعظم زيد بن علي زين العابدين بن الحسين سيد الشهداء بن الإمام علي بن أبي طالب"، أبو عبد الله، ويقال: أبو طالب، ولد سنة98ه‍، وثار مع أبيه عليه السلام بالكوفة سنة121ه‍، وأوصاه الإمام زيد حين رمي بسهم بمواصلة قتال الظالمين، فلما استشهد أبوه خرج من الكوفة مستتراً مع نفر من أصحابه فدخل خراسان، وانتهى إلى بلخ، وقبض عليه نصر بن سيار والي بني أمية على خراسان آنذاك، قبض عليه بعد قصة مثيرة، بعد أن انكره الحريش بن عبد الرحمن الشيباني، وعُذّب من أجله، حتى خشي عليه ابنه فدلَّ نصر على الإمام، وكتب نصر إلى يوسف بن عمر، وكتب يوسف إلى الوليد بن يزيد بذلك، فأمر بالإفراج عنه، فأطلقه نصر، وأمره أن يلحق بالوليد، فسار الإمام يحيى إلى سرخس ثم إلى بيهق ثم إلى نيسابور، فامتنع بها بعد أن كان قد أظهر الدعوة ببيهق، وأرسل إليه نصر صاحب شرطته مسلم بن أحوز المازني، فلحقه في الجوزجان، فقاتله قتالاً شديداً، ورمي عليه السلام بسهم أصاب جبهته، فسقط قتيلاً في قرية يقال لها: (أرغويه) وحمل رأسه إلى الوليد، وصلب جسده بالجوزجان سنة125ه‍، وبقي مصلوباً إلى أن ظهر أبو مسلم الخراساني فأنزل جثته الطاهرة فصلى عليها ودفنت هنالك. (انظر معجم رجال الاعتبار وسلوة العارفين ص480-481 ت(940)).

.
وأما العباسية فاستولوا على خلق عظيم من الفاطمية قتلاً بالسيف، ولهذا قال الأمير أبو فراس:
ما نال منهم بنو حرب وإن عظمت

تلك الجرائر إلا دون نيلكم

فقتل أبو جعفر الدوانيقي محمد بن عبد الله النفس الزكية(1)، ثم قتل أخاه بعده إبراهيم بن عبد الله(2)
__________
(1) هو الإمام الشهيد المهدي لدين الله، محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب"، المعروف بالنفس الزكية، أحد عظماء الإسلام وروّاد الثورة ضد الظلم والطغيان، كان عليه السلام غزير العلم، واسع المعرفة، شجاعاً، سخياً، مولده بالمدينة المنورة سنة 93ه‍، وبها نشأته، كان يقال له: صريح قريش، لأنه أمه وجداته ليس فيهنَّ أم ولد، بايعه سراً جماعة من أهل بيته وبني العباس، ومن سائر العلماء للقيام بالإمامة، وكان من دعاته أبو العباس السفاح، وأبو جعفر الدوانيقي الملقب بالمنصور، ولما انقرضت دولة الأمويين نكث بنو العباس البيعة وحوّلوا الأمر إلى أنفسهم، فتخلف عنهم الإمام محمد بن عبد الله النفس الزكية وأهل بيته، وبقي مختفياً متوارياً في المدينة رغم القبض على أبيه واثني عشر رجلاً من أهل بيته، وسجنهم من قبل المنصور العباسي، فقتلهم في السجن حين قام محمد بالثورة في المدينة المنورة، وقد قاتل قتال الأبطال حتى استشهد عليه السلام فيها سنة145ه‍، وبعث برأسه إلى أبي جعفر الدوانيقي، أخباره طويلة، ومناقبه عزيرة، ومصادر ترجمته كثيرة. (انظر المرجع السابق ص388-389 ت(762)).
(2) هو الإمام الشهيد إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليه السلام، مولده بالمدينة سنة97ه‍، وبها نشأ، وكان عالماً، شاعراً، عارفاً بأيام العرب وأخبارهم وأشعارهم، ذهب إلى العراق داعياً إلى بيعة أخيه النفس الزكية، فما إن وصل البصرة حتى جاءه خبر استشهاد أخيه النفس الزكية في المدينة المنورة، فدعا إلى نفسه، وتنقَّل بين الكوفة والبصرة، وبايعه خلق كثير، ثم استولى على البصرة ومناطق أخرى، وهاجم الكوفة، وكان بينه وبين جيوش أبي جعفر الدوانيقي وقائع كبيرة، وكان ممن آزره في ثورته الإمام أبو حنيفة، أرسل إليه أربعة آلاف درهم لم يكن عنده غيرها، واستشهد سلام الله عليه بباخمرا في أول ذي الحجة سنة145ه‍، وهي السنة التي استشهد فيها أخوه النفس الزكية، وحز رأسه حميد بن قحطبة وأرسلها إلى أبي الدوانيق، ودفن بقية جسده الزكي بباخمرا، وقبره هناك مشهور، روى عن أبيه عن جده، وعنه أولاده، والإمام القاسم بن إبراهيم، ونافع، ومفضل الضبي. (انظر ترجمته ومصادرها المرجع السابق 16-17 ت(16)).

إلى غير ذلك ممن صلبوه أو قتلوه بالسيف أو مات في سجونهم، ولولا خوف الإطالة لذكرنا طرفاً من سيرهم وأخبار قتلهم(1).
(ومنهم المنكر بقلبه ولسانه): فإنكاره بلسانه بالنهي عنه والذم لمن فعله، وإنكاره له بقلبه بالكراهة له والعزم على تغييره عند القدرة على ذلك.
(والتارك): له
(بيده): أي ولا يغيره بيده لعدم القدرة له على ذلك.
(فذاك متمسك(2) بخصلتين من خصال الخير): يشير إلى إنكاره له بما كان من لسانه وقلبه بالكراهة والذم كما قررناه.
(ومضيع خصلة): وهي إنكاره له بيده لما ذكرناه من عدم القدرة، وظاهر كلامه أنه أهمله مع القدرة، ولهذا سماه مضيعاً.
(ومنهم المنكر بقلبه): كارهاً له، عازماً على تغييره.
(والتارك بيده ولسانه): فلا ينهى عن ذلك ولا يغيَّره بيده، والظاهر من كلامه تركهما مع إمكانهما.
(فذاك ضيع أشرف الخصلتين): وهما الإنكار باليد واللسان، وإنما كان ذلك أشرف الخصال لما يظهر فيهما من النفع والكف الظاهر عن المنكر، ولما يحصل عليهما من الأجر عند الله بمقابلة المشاق العظيمة فيهما.
(من الثلاث): أي من الخصال الثلاث: اليد، واللسان، والقلب.
(وتمسك بواحدة): وهو ما ذكرناه من الكراهة بالقلب.
(ومنهم تارك لإنكار المنكر): مبطل له، ساكت عنه، لا يخطر له على بال قط.
__________
(1) انظر مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني، والحدائق الوردية للشهيد الفقيه حميد المحلي، ومآثر الأبرار للعلامة محمد بن يونس الزحيف، والإفادة في تأريخ الأئمة السادة للإمام أبي طالب الهاروني، والتحف شرح الزلف للمولى العلامة المجتهد مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي، وغيرها.
(2) في (ب): متمكن.

(بلسانه، وقلبه، ويده): فلا ينهي عنه بلسانه، ولا يكرهه بقلبه، ولا يغيَّره بيده.
(فذاك): أي الذي ذكرناه.
(ميت الأحياء): يعني إن كان في الأحياء ميت فهذا هو.
(وما أعمال البر كلها): من أنواع القربات من العبادات كلها وأحوال الصدقات.
(والجهاد في سبيل الله): تعريض الأرواح لله قتلاً بالسيف؛ جهاداً على إعزاز دينه، وإيحار صدور الظلمة وأهل الجور وغير ذلك من أنواع هذه الطاعات والتقربات.
(عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر): بالإضافة إلى ما يكون إلى الأمر بالمعروف عموماً، والنهي عن المنكرات عموماً.
(إلا كنفثة): مجة من الفم.
(في بحر لجي): اللجة هي: الماء الكثير بعيد القعر، ولقد صدقعليه السلام في مقالته هذه، ولهذا فإن الفضلاء من الخلفاء الراشدين، والأئمة السابقين آثروا هذه الخصلة على غيرها من سائر أنواع القرب، والطاعات، وما ذاك إلا لعلمهم بأنه من الدين في قرار مكين.
(وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر): يريد بما يكون من القلم، واللسان، والسيف، والسنان.
(لا يقربان من أجل): بالقتل والموت.
(ولا ينقصان من رزق): مما قدره الله وفرضه وعلم بلوغه إلى الإنسان.
(وأفضل ذلك كلمة عدل عند إمام جائر): فيه وجهان:

أحدهما: أن يريد كلمة حق يلفظ بها صاحبها عند إمام جائر لا يخاف الله، كما قالعليه السلام: ((أفضل الجهاد كلمة حق بين يدي سلطان جائر))(1)، ولعله أراد هذا بما قاله.
وثانيهما: أن يكون مراده الأمر بالعدل لمن كان من الظلمة جائراً خائناً، فإن النفع بهذا الأمر يكون نافعاً لعمومه، عند هذا الجائر.
[377] (أول ما تغلبون عليه من الجهاد): يؤخذ عليكم قهراً فلا تقدرون على فعله.
(الجهاد بأيديكم): فلا تقدرون على قتال الظلمة بالسيف.
(ثم بألسنتكم): تقهرون فلا يقدر أحدكم على النهي عنه بلسانه.
(ثم بقلوبكم): فلا يقدر أحدكم على إظهار كراهته؛ فضلاً عن(2) أنه يعزم على تغييره وإنكاره.
__________
(1) الحديث بلفظ: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 2/60 وعزاه إلى المعجم الكبير للطبراني 8/388، وفتح الباري لابن حجر13/53، ودرر الأحاديث المنتثرة في الأحاديث المشتهرة للسيوطي16، وعزاه إلى غيرها، وبلفظ: ((كلمة عدل)) بدلاً عن ((كلمة حق)) وعزاه إلى سنن أبي داود4344، وسنن ابن ماجة4011، وإتحاف السادة المتقين 7/64، قلت: ورواه الإمام محمد بن القاسم في مجموع كتبه ورسائله ص298-299 في كتاب شرح دعائم الإيمان، رواه من حديث عن أبي أمامة، وروى قريباً منه الإمام الموفق بالله عليه السلام في الاعتبار وسلوة العارفين ص532 برقم (464) بلفظ: ((أحب الأعمال إلى الله، كلمة حق عند سلطان جائر))، ورواه بلفظ الموفق بالله في مسند شمس الأخبار 2/158 في الباب (138)، وقال العلامة الجلال في تخريجه: أخرجه أحمد، والطبراني عن أبي أمامة، ولفظه: ((أحب الجهاد إلى الله كلمة حق تقال لإمام جائر))، وحسنه السيوطي. انتهى.
(2) عن، زيادة في (ب).

(فمن لم يعرف بقلبه معروفاً): يعتقده ويعزم على أدائه ويقصد إليه.
(ولم ينكر منكراً): يكرهه ويعزم على الكف عنه، والتغيير له.
(قُلِبَ فجعل أعلاه أسفله)(1): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أن الله يخذله ويطمس على قلبه، ويجعل على بصره غشاوة، فلا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً بعد أن كان عالماً بالمنكر والمعروف، فهذه فائدة قلبه.
وثانيهما: أن يكون مراده أن هذا الشخص لشدة عماه واستحكام ضلاله يعتقد في المعروف أنه منكر، و(2)يعتقد في المنكر أنه معروف، فيترك المعروف لاعتقاده أنه منكر ويفعل المنكر لاعتقاده أنه معروف، فهذا أشد ضلالاً من ذاك، وهذه فائدة كونه منكوساً مقلوباً، وفي الحديث: ((إن القلب إذا لم ينكر المنكر نكس فجعل أعلاه أسفله)) يشير إلى ما وجهناه ها هنا.
[378] (إن الحق ثقيل مرئ): يشير إلى أنه يثقل بحمله ويصعب فعله، لكن فيه خفة على القلب ومراءة على الكبد.
(وإن الباطل خفيف وبئ): أراد أنه يسهل حمله لما فيه من موافقة الهوى، والسهولة على النفس، لكنه وخيم العاقبة في الدنيا بتعجيل الانتصاف من صاحبه، وتأخر العقوبة له في الآخرة.
[379] (لا تأمننَّ على خير هذه الأمة عذاب الله): ثم تلا عقيب ذلك قوله تعالى: ({فَلاَ(3) يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ})[الأعراف:99]: والمكر هو: العذاب من حيث لا يشعر به الإنسان، ولا يدري به، شبه بمكر الماكر على جهة الاستعارة، وفي القرآن أمثال من هذا كثيرة، فحاصل الاستدلال بالآية أن الأمة غير خاسرة فهي إذاً غير آمنة من العذاب.
__________
(1) بعده في شرح النهج: وأسفله أعلاه.
(2) في (أ): أو يعتقد.
(3) في (ب): {فإنه لا يأمن ...} إلخ، والصواب ما في (أ)، وما في شرح النهح كما أثبته.

(ولا تيأسنَّ لشر هذه الأمة من روح الله): من(1) فرجه ولطفه؛ لقول الله تعالى(2): ({إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ})[يوسف:87]: وشرار هذه(3) الأمة ليسوا كفاراً، فلهذا كانوا غير آيسين من فرج الله وروحه، وأراد أنه لا ينكر فرج الله ولطفه إلا كافر به مجحد له.
[380] (البخل جامع لمساوئ العيوب): يشير إلى أنه شر الخصال الردية في الإنسان، فلا شر إلا وهو مندرج تحته، وأصله وحراثه(4)، كما أن الخمر جماع الآثام.
(وهو زمام يقاد به إلى كل سوء): كما قال تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[الحشر:9]، وفي الحديث: ((إياكم والشح! فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دمائهم، واستحلوا محارمهم))(5).
__________
(1) من، زيادة في (ب).
(2) في (ب): سبحانه.
(3) هذه، زيادة في (ب).
(4) كذا في النسختين، فلعله من الحرث وهو اكتساب المال أي اكتسابه، والحرث أيضاً الزرع.
(5) قوله: ((إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم)) أورده في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 4/142 وعزاه إلى سنن أبي داود في الزكاة ب44، ومسند أحمد بن حنبل2/191،195، والسنن الكبرى للبيهقي10/243، والمستدرك للحاكم النيسابوري1/11،415، وقريباً منه فيها بلفظ: ((إياكم والشح فإنه دعا من كان قبلكم إلى أن سفكوا دمائهم)) وعزاه إلى مسند أحمد بن حنبل2/431، ومسند الحميدي1159.

وقال عيسىعليه السلام: ((لا يدخل الجنة بخيل، ولا خِبُّ(1)، ولا خائن، ولا سيء الملكة))(2).
[381] (الرزق رزقان(3)): يريد جميع الواصل إلى بني آدم من أرزاقهم من جهة الله تعالى.
(رزق تطلبه): بالاحتراف وأنواع الطلبة(4)، وضروب الحيل.
(ورزق يطلبك): من غير كد ولا تعب من جهتك له، فالأول لا بد من طلبه والاجتهاد في تحصيله.
وأما الثاني:
(فإن لم تأته أتاك): يعني أنه لا يحتاج إلى طلب وكد.
(فلا تحمل همَّ سنتك على همِّ يومك): يعني لا تهمّ إحراز رزق السنة في يومك هذا، أو(5) أراد لا تطلب رزق السنة في اليوم.
(كفاك كل يوم مافيه): من الرزق الذي قسمه لك فيه، فإنه كاف لك لا محالة.
(فإن تكن السنة من عمرك): مما قد قدرها(6) من عمرك وأبقاك فيها ومد عمرك إلى انقضائها.
(فإن الله سيؤتيك في كل غد جديد ما قسم لك): فرزقك فيها مقسوم في كل يوم جديد منها من غير حاجة إلى كلفة وتعب في همك بها.
(وإن لم تكن السنة من عمرك): لم يقدر لك العيش فيها وأجلك من دونها.
(فما تصنع بالهمِّ لما(7) ليس لك): أي لا تبلغه ولا تدري ما يفعل به بعدك.
(ولن يسبقك إلى رزقك طالب): أراد أنه لا يأخذه أحد يسبقك عليه، ولا طالب يطلبه فيعطى إياه.
__________
(1) الخِبُّ بالكسر: الرجل الخدَّاع.
(2) ويروى أيضاً من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووجدته مفرقاً من حديثين، الأول هو قوله: ((لا يدخل الجنة بخيل، ولا خب، ولا خائن))، والثاني: ((لا يدخل الجنة سيء الملكة))، انظر موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 7/372-373.
(3) في شرح النهج: يا ابن آدم ، الرزق رزقان ...إلخ.
(4) في (ب): المطلبة.
(5) في (ب): وأراد.
(6) ظنن فوقها في (ب) بقوله: ظ: الله، أي قدرها الله.
(7) في (ب): بما، و في شرح النهج: فيما.

(ولن يغلبك عليه غالب): أي ولا يقهرك(1) عليه قاهر يكون غالباً لك، تأخذه وتغلبه(2).
(ولن يبطئ عنك ما قد(3) قدِّر لك): أي أنه لا يتأخر عنك على جهة الإبطاء، وينقل عنك ما فرضه الله لك من الرزق.
[382] (رب مستبقل يوماً): يصبح في أوله على الكمال والصحة والسلامة.
(ليس بمستدبره): ثم تعجَّل له المنية في آخره، فلا يستكمله أبداً.
(ومغبوط في أول ليلة): الغبطة: حسن الحال، أراد وحاله حسن يغبط عليه في أول ليلة.
(قامت بواكيه في آخره): عجلت له منيته في آخره، فلهذا قامت بواكيه في آخرها(4).
[383] (الكلام في وَثاقِكَ): في ربطك وإيثاقك عليه، لا يفوت منه شيء.
(ما لم تتكلم به): ما لم يخرج عن لسانك.
(فإذا تكلمت به صرت في وَثاقِهِ): يعني فإذا خرج من لسانك ملكك لا محالة وصرت(5) في حكمه.
(فاخزن لسانك): عن الكلام فيما لا يعني أمره.
(كما تخزن ذهبك): عن الضياع والإهمال.
(وَوَرِقَكَ(6)): فإنه أحوج منهما إلى الحفظ والصيانة.
(فرب كلمة سلبت نعمة): يشير إلى أن خطر الكلام عظيم، وفي الحديث: ((من صمت نجا))، وقال: ((الصمت حكم(7)، وقليل فاعله)).
__________
(1) في (أ): ولا يقهره.
(2) في (ب): يأخذه ويسلبه
(3) قد، زيادة في (ب)، وشرح النهج.
(4) في (ب): آخرهما.
(5) في (ب): فصرت.
(6) في (أ): ورزقك، وما أثبته من شرح النهج، والوَرِق بفتح الواو وكسر الراء هو: الدراهم المضروبة، وفي (ب): وحدِقِك.
(7) في (ب): حكمه.

وعن ابن مسعود: والذي لا إله إلا هو ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان؛ لأنه ربما أزال نعمة من نعم الدنيا بكلمة سوء عقوبة عليها، وجزاء على فعلها، أو يريد ربما كان يصل إليه [نعمة من غيره، فيسمع منه كلمة فقطعها من أجل ذلك، وربما أزال](1) نعمة من نعم الآخرة؛ لأنه ربما كان مستحقاً للجنة فتكلم بكلمة فاستحق بها النار، فلهذا قال: رب كلمة سلبت نعمة، يشير به إلى ما ذكرناه.
[384] (لا تقل ما لا تعلم(2)): فإن ذلك يكون كذباً ومقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تعلمون(3).
(فإن الله قد فرض على جوارحك(4) كلها فرائض): فعلى العين ألاَّ تبصر ما ليس لها النظر إليه، وعلى اللسان ألاَّ يتكلم بما لا يعنيه، وعلى الرجل ألاَّ تمشي إلى قبيح وسعي بمسلم، وعلى اليد ألاَّ تبطش بقبيح، وهكذا القول في سائر الجوارح كلها.
(يحتج بها عليك يوم القيامة): يقول الله: ألم أصح لك(5) بصرك، وأنهك عن استعماله فيما لا أرضى! وأصح لك جسمك وجميع آلاتك، وأنهاك عن استعمالها في كل معصية لي ومخالفة! وهكذا القول في جميع الجوارح، ومصداق ذلك ما قاله تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[يس:65]، ففي هذه الآية تصديق لكلامه.
[385] (احذر أن يراك الله عند معصيته): أي محاولاً لفعلها مريداً لها.
(ويفقدك عند طاعته): واحذر عن التأخر عن الطاعة فتكون مفقوداً عندها.
__________
(1) ما بين المعقوفين سقط من (ب).
(2) بعده في شرح النهج: بل لا تقل كل ما تعلم.
(3) كذا في النسخ: تعلمون، وفي الآية القرآنية الشريفة الواردة في سورة الصف الآية (6): {تفعلون}.
(4) في (ب): جوارحكم.
(5) لك، سقط من (ب).

(فتكون من الخاسرين): لأعمالهم بإبطالها عند الله، ومن الخاسرين لأنفسهم باستحقاقهم النار.
(وإذا قويت فَاقْوَ على طاعة الله): يريد إذا أعطاك الله قوة وطاقة فاستعملها في الطاعة، ولا تكن مستعملاً لها في الفجور والمعصية لله تعالى.
(وإذا(1) ضعفت فاضعف عن معصية الله): يعني وإذا(2) فترت فليكن فتورك في ترك المعاصي والقعود عنها.
[386] وقال عليه السلام:
(الركون إلى الدنيا مع ما تعاين منها(3) جهل): أراد أن الثقة بها والاعتماد عليها في كل الأمور مع ما يحصل فيها من التغيرات والتقلبات، وانتقالها بأهلها من حال إلى حال، إنما هو جهل بحالها، وتغافل عن حكمها.
(والتقصير في حسن العمل إذا وثقت بالثواب عليه غبن): أراد وإذا كنت واثقاً بالمجازاة بالثواب على الأعمال الصالحة فلا شك أن تقصيرك عن العمل يكون غبناً عليك في الآخرة.
(والطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار(4) عجز): والوثوق بكل أحد قبل الدرية بحاله وخبره في الجودة والرداءة عجز عن ذلك وبلاهة في العقل.
[387] (من هوان الدنيا على الله): ركتها ونزول قدرها واستحقارها.
(ألاَّ(5) يعصى إلا فيها): أن المعصية له والمخالفة لأمره والارتكاب لمناهيه ما حصل ذلك كله إلا فيها.
(ولا ينال ما عنده): من الثواب ورفيع الدرجات والمنازل العظيمة والرضوان من عنده الأكبر.
(إلا بتركها): بالإعراض عنها والزهد فيها.
[388] (من طلب شيئاً): يعني من جدَّ فيه وكدَّ نفسه في تحصيله ودأب(6) في ذلك وأراده.
__________
(1) في (ب): فإذا.
(2) في (ب): فإذا.
(3) في (ب): يُعَاْينُ فيها.
(4) في شرح النهج: قبل الاختبار له.
(5) في (ب): أن لا، وفي شرح النهج: أنه لا.
(6) في (ب): ودان.

(ناله أو بعضه): فلا بد عقيب هذه العناية من إحرازه بكليته أو إحراز بعضه.
[389] (ما خير بخير): ما هذه نافية، وأراد أنه ليس خير بشيء(1) من أنواع الخير يكون:
(بعده النار): تتعقبه النار وتحصل بعده وعلى إثره.
(وما شر بشر): أي وليس شر يكون شراً، ولا يعدُّ من أنواع الشر تكون:
(بعده(2) الجنة): يتعقبه نعيم الجنة وسرورها؛ لأن كل شر فهو مغتفر بالإضافة إليها.
(وكل نعيم دون الجنة فهو محقور): حقَّره إذا صغَّره وذللَّه، وأراد أن كل نعيم دون الجنة وبالإضافة إليها فهو لا محالة مستصغر مذلول.
(وكل بلاء دون النار عافية): يعني أن البلاوي وإن عظمت وتكاثرت فإنها بالإضافة إلى النار عافية.
اللَّهُمَّ، أعطنا من عفوك وسعة مغفرتك ما يكون لنا ستراً من النار.
[390] (ألا وإن من البلاء الفاقة): أراد بهذا هو أن أحق الأشياء بأن يكون معدوداً من جملة البلاوي الفقر.
(وأشد من الفاقة مرض البدن): لأن العافية مع الفقر فهو مغتفر في حقها، والغنى مع المرض لا يكون مغتفراً في حقها.
(وأشد من مرض البدن مرض القلب): لأن مع مرض البدن فالأحوال مستقيمة، ومع مرض القلب لا تستقيم الحالة، ولهذا تراه مع شغل قلبه ومرضه يرى أن مع الرجل جنوناً وما به جنون، وأن به صرعاً(3) وما معه من صرع، كل ذلك لما يرى في حاله من التغير.
__________
(1) بشيء، سقط من (ب).
(2) في (أ): بعد.
(3) الصرع: علة تمنع الأعضاء النفيسة، -وفي عبارة أخرى: النفسية؛ يعني تمنع الحس والحركة- من أفعالها منعاً غير تام، وسببه سدة تعرض في بعض بطون الدماغ أو في مجاري الأعصاب المحركة للأعضاء من خلط غليظ أو لزج كثير، فتمتنع الروح عن السلوك فيها سلوكاً طبيعياً فتتشنج الأعضاء. (القاموس المحيط ص952).

(ألا وإن من النعم سعة المال): يعني أن أعظم ما يُعَدُّ في النعم كثرة المال وسعته.
(وأفضل من سعة المال صحة البدن): وهذا ظاهر؛ فإن الواحد من الخلق يود بالعافية ولا يتمكن من درهم فما فوقه.
(وأفضل من صحة البدن تقوى القلب): ولهذا ترى من كان مريضاً في جسمه وقد أحرز التقوى فإنه يكون منشرح الصدر، [طيب الخاطر، والذي يكون صحيحاً في جسمه ولا تقوى له، فإنه يكون منزعجاً في نفسه، قَلِقاً، فَشِلاً، مضطرب الخاطر](1).
[391] (للمؤمن ثلاث ساعات): يريد في يومه لا ينفك عنها، ينقطع يومه بها:
(فساعة يناجي فيها ربه): يسأله من فضله، ويستعيذ به من عذابه ، ويحمده على نعمه، ويقوم بطاعته.
(وساعة يَرُمُّ فيها معاشه): أي يصلح عيشه من جلب النفع له ودفع الضرر عنه.
(وساعة يُخلَّي بين نفسه ولذتها): يريح على نفسه فيما أحل له من اللذة والمفاكهة لمن ينبغي مفاكهته من زوجة، أو بمن تملك يمينه، أو راحة على نفسه بمأكل أو مشرب.
(فيما يحل ويَجْمُلُ): فيما يكون حلالاً له، ويَجْمُلُ أمره في تناوله.
(وليس للعاقل أن يكون شاخصاً): ظاهراً عن مكانه وبلده.
(إلا في ثلاث): وما عداها فلا وجه له.
(مرمة لمعاش): إصلاحاً لمعيشة من طلب الرزق من تجارة أو زراعة أو حرفة يحترف فيها أو غير ذلك من أنواع التكسب، فإن مثل هذا لا بأس في الظعون من أجله والخروج بسببه، وفي الحديث: ((ما أبالي أيأتي أجلي وأنا غاز في سبيل الله، أو أبتغي من فضل الله)).
__________
(1) ما بين المعقوفين سقط من (ب).

(أو حظوة(1) في معاد): الحظوة هي: التودد والقربة، ومنه حظوة المرأة عند زوجها، وأراد ومنزلة عالية في أمر المعاد إلى الآخرة.
(أو لذة في غير مُحرَّم): يريد أنواع المباحات كلها، فإنه لا حرج عليه في الظعون والشخوص من أجل ذلك.
[392] (ازهد في الدنيا): امتنع من الانهماك في لذتها.
(يبصرك الله عوراتها): بانقطاعها عن أهلها وتغييرها لأحوال أهلها وانفلاتها عن أيديهم.
(ولا تغفل): عما يراد بك من أمر الآخرة وإصلاح حالها بأمر الطاعة والانكفاف عن المعاصي.
(فليس(2) بمغفول عنك): يريد فإنك مراقب في أعمالك، ومحفوظ عليك في قولك وفعلك وتقدير أجلك.
[393] (تكلموا تعرفوا): يشير إلى أن الإنسان إذا كان ساكتاً فإن حاله في الفضل غير معروف، وأدل(3) ما يدل على فضل الإنسان وكماله أو نقصه هو كلامه؛ لأنه هو(4) أول أمارة في ذاك(5).
(فإن المرء مخبؤ تحت لسانه): يعني أنه إذا تكلم عرف أمره وحاله من زيادة أو نقص، قال زهير في حكمة:
وكائن ترى من صامت لك معجب

زيادته أو نقصه في التكلم(6)

[394] (خذ من الدنيا ما أتاك): يريد ما جاءك على سهولة فخذه فهو المقدر المكتوب لك.
(وتولَّ عما تولاك): وأدبر عما أدبر عنك منها، فإن في ملاحقتك له إتعاب النفس، والمشقة عليها في ذلك.
__________
(1) في شرح النهج: أو خطوة في معاد، يعني في عمل المعاد وهو العبادة والطاعة.
(2) في شرح النهج: فلست، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(3) في (ب): وأول.
(4) هو، سقط من (ب).
(5) في (ب): ذلك.
(6) هو من معلقة زهير الشهيرة، وبعده:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده

فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

…(انظر شرح المعلقات السبع للزوزني ص71).

(فإن أنت لم تفعل): ما قلت لك من التولي عما تولاك عنها ، وكان لا بد من الملاحقة لك فيها.
(فأجمل في الطلب): يعني فليكن الطلب بسهولة وتيسير على النفس، فإنك مع ذلك لا تبلغ إلا ما قدِّر لك، وما هو مفروض من عند الله من أجلك، من غير زيادة فيه ولا نقصان عنه.
[395] (رب قول أنفذ من صول): يريد أن بعض الأقوال أنفع وأنجع من قهر وتعدي.
[396] (كل مقتصر عليه كافي(1)): يعني ما قصرت عليه نفسك، واقتنعت به من الدنيا فهو كافي لا محالة لحالك(2)، وفيه بلغة في مرادك.
[397] (المنية ولا الدنية): الدنية: ما يستخف ويحطُّ من قدر الإنسان فعله والتلبس به، وأراد الموت أحب من الوقوع فيما يعيب ويسقط القدر.
(والتقلل): أي وإقلال المعيشة وتحقيرها.
(ولا التوسل): إلى الأغنياء في قضاء حاجتك، فإن الإقلال أفضل منه.
[398] (من لم يعط قاعداً،لم يعط قائماً): فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون مراده من لم يرزق من غير عناية لم يرزق بالعناية.
وثانيهما: أن يكون مراده أن كل من لم يعط من غير تواضع للمعطي بقعوده عن ذلك، فإنه لا يعطي مع قيامه تواضعاً لمن أعطاه، وهو وارد على جهة المثل في الرزق، وهو أنه إذا لم يعط من غيرطلب لم يعط مع الطلب، فجعل ما قاله كناية عن ذاك.
[399] (الدهر يومان: يوم لك): بإقباله عليك بالخيرات.
(ويوم عليك): بإدباره عنك وتقاصر أمرك فيه.
(فإذا كان لك فلا تبطر): البطر هو: الأشر في النعمة، وخروج عن حد شكرها.
(وإذا كان عليك فاصبر): لحكمه وانقلابه عليك.
[400] (مقاربة الناس في أخلاقهم): يشير إلى أن دنو الإنسان من الناس وقربه من طبائعهم ومعاملته لهم في أحوالهم.
__________
(1) في (ب) وشرح النهج: كافٍ.
(2) لحالك، سقط من (ب).

(أمنٌ من غوائلهم): فيه الأمان عن أن يأخذوه(1) من حيث لا يشعر بهم ولا يدري بمكرهم، فالقرب إليهم فيما ذكرناه فيه السلامة عن ذلك.
[401] (من أومأ إلى متفاوت خذلته الحيل): التفاوت: الاختلاف، وفيه معنيان:
أحدهما: أن يريد من تمسك بمتشابه من القرآن يشتمل على تأويلات مختلفة لم تنصره الحيل في ذلك.
وثانيهما: أن يكون مراده من عوَّل في أموره على من كان مختلف الخلائق والطباع لا يستقر على قاعدة واحدة لم تنصره الحيل في معاملته، ولا أمكنه الوقوف على كُنْهِ أمره؛ لما فيه من اختلاف الطباع(2) وتفاوت الخلائق.
[402] وقال عليه السلام، وقد سئل عن معنى قولهم: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم] (3)؟
فقال: (إنا لا نملك مع الله شيئاً): يشير إلى أن الأرواح بيده متى شاء أن يأخذها أخذها، والأموال كلها في قبضته فمتى شاء(4) أن يهبها لنا وهبها، وإن شاء أن يقبضها منا قبضها.
(ولا نملك): من الأموال والأولاد والمنافع.
(إلا ما ملَّكنا): أعطانا ذلك من جهته، وخوَّلنا إياه من عطيته.
(فمتى ملَّكنا): من ذلك.
(ما هو أملك به منَّا): ما هو أدخل في ملكه والاستيلاء عليه منَّا.
(كلفنا): فيه ما يعلمه مصلحة لنا في الأرواح بالجهاد، وفي الأموال بالزكوات وأنواع الصدقات، والإنفاقات في سبيله، وفي النفوس بأنواع العبادات في الصلاة والصوم والحج وسائر التقربات، وغير ذلك.
(ومتى أخذه منا): قبضه إليه واسترجعه منَّا.
__________
(1) في (أ): يأخذونه، والصواب كما أثبته من (ب).
(2) في (ب): الطبائع.
(3) زيادة في (ب).
(4) شاء، زيادة في (ب).

(وضع تكليفه عنا): فلا يكلفنا بالزكوات مع عدم الأموال وعدم تمكينه لنا فيها، ولا يؤاخذنا بالعبادات مع فوات القدرة عليها، والتمكن منها، ولا يكلفنا شيئاً إلا مع جميع ما نحتاج إليه في تحصيله وفعله، وإلا كان ذلك منه تكليفاً لما(1) لا يطاق ولا يُقْدَرُ عليه ولا يُعْلَمُ حاله، والحكمة مانعة عن ذلك، خلافاً لزعم المجبرة أن الله تعالى يكلف عباده ما(2) لا يطيقونه، وقد أرغمنا في كتبنا العقلية في ذلك آنافهم، وأظهرنا جورهم عن الحق واعتسافهم، فهذا ملخص ما ذكره في شرح: لا حول ولا قوة إلا بالله، ونزيد ما ذكره كشفاً وإيضاحاً،
فنقول: الحول والحيل كلاهما بمعنى الحيلة في تحصيل شيء أو دفعه، والقوة ها هنا هي القدرة، والنفي ها هنا واقع على جهة الاستغراق العام، وهو خارج جواباً لقول من يقول: هل من حول و قوة؟
فيقال له: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلهذا كان مستغرقاً، والمعنى في هذا أن يقال: لا تصرف لأحد في تحصيل نفع أو دفع ضرر إلا بعلم من الله، ولا قدرة لمخلوق إلا بفعل الله، فإضافة التصرف في النفع ودفع الضرر إلى الله تعالى على جهة العلم والإحاطة، وإضافة القدرة إليه للعبد على كل الأفعال على جهة الخلق لها، إذ لا يقدر إلا بإقداره له وخلق القدرة له عليها، فإسناد الحول والقوة إلى الله تعالى على هذا الوجه، وإذا حملناها على ما ذكرناه بطل تعلق المجبرة بها، إذ لا تعلق لها بالله إلا من الوجه الذي لخصناه، وفيها مباحث دقيقة أعرضنا عنها خوفاً للإطالة.
__________
(1) في (ب): بما.
(2) في (ب): بما.

[403] وقال لعمار بن ياسر وقد سمعه يراجع المغيرة بن شعبة(1) كلاماً:
__________
(1) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 20/8-9 ما لفظه: أصحابنا غير متفقين على السكوت على المغيرة، بل أكثر البغداديين يفسِّقونه، ويقولون فيه ما يقال في الفاسق، ولما جاء عروة بن مسعود الثقفي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عام الحديبية نظر إليه قائماً على رأس رسول الله مقلّداً سيفاً، فقيل: من هذا؟ قيل: ابن أخيك المغيرة، قال: وأنت هاهنا يا غُدَر! والله إني إلى الآن ما غسلت سوءتك.
…قال: وكان إسلام المغيرة من غير اعتقاد صحيح، ولا إنابة ونية جميلة، كان قد صحب قوماً في بعض الطرق، فاستغفلهم وهم نيام، فقتلهم وأخذ أموالهم، وهرب خوفاً أن يُلحَقَ فيُقتل أو يُؤخذ ما فاز به من أموالهم، فقدم المدينة فأظهر الإسلام، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يرد على أحد إسلامه، أسلم عن علة أو عن إخلاص، فامتنع بالإسلام، واعتصم وحَمِي جانبه، ذكر حديثه أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني في كتاب الأغاني، فذكر الحديث منه، ثم قال ص10: قال: فذلك معنى قول عروة يوم الحديبية: يا غُدَر، أنا بالأمس أغسل سوءتك فلا أستطيع أن أغسلها. فلهذا قال أصحابنا البغداديون: من كان إسلامه على هذا الوجه، وكانت خاتمته ما قد تواتر الخبر به؛ من لعن علي عليه السلام على المنابر إلى أن مات على هذا الفعل، وكان المتوسط من عمره الفسق والفجور وإعطاء البطن والفرج سؤالهما، وممالأة الفاسقين، وصرف الوقت إلى غير طاعة الله، كيف نتولاه، وأي عذر لنا في الإمساك عنه، وألاّ نكشف للناس فسقه. انتهى.

(دعه يا عمار): اتركه ورأيه وما هو فيه، وأراد عمار الإنكار عليه في متابعته(1) لمعاوية وإعراضه عن أمير المؤمنين.
(فإنه لم(2) يأخذ من الدين): بتمسكه به ودخوله فيه.
(إلا ما قاربته(3) الدنيا): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد(4) أنه ليس له حظ من الدين إلا مقدار ما يكون وصلة وتقرباً إلى أطماع الدنيا وأغراضها.
وثانيهما: أن يكون مراده أن دينه ليس خالصاً لوجه الله تعالى، مطابقاً لمرضاته، وإنما هو مشوب بالتعلق بالدنيا والقرب منها لينال حظاً منها.
(وعلى عمد لبَّس على نفسه): أي وما كان تلبيسه على نفسه إلا على جهة الاعتماد من هواه والقصد إلى ذلك من جهة خاطره لا على جهة الوهم والخطأ.
(ليجعل الشبهات عاذراً لسقطاته): ليتوصل بما قرره في نفسه من الشبهات إلى العذر عما سقط فيه من الزلات، ووقع فيه من التلبيس على نفسه.
[404] وقال:
(ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء): أي ما أعجبه عند الله، وأقربه إلى رضوانه، حيث لم يعجبوا بكثرة أموالهم، وحيث شكروا الله بكثرة تواضعهم للفقراء.
(طلباً لما عند الله): من جزيل الثواب ومذخور الأجر(5).
(وأحسن منه): أي وأدخل في العجب منه.
(تيهُ الفقراء على الأغنياء): تاه إذا تكبر واختال، وأراد تعاظمهم عن مسكنة الفقر وذله:
(اتكالاً على الله): توكلاً عليه في جميع أمورهم، واعتماداً على لطفه، وثقة منهم بما قسمه لهم من الأزراق المضمونة عليه.
[405] (ما استودع الله امرأً عقلاً): أودعه إياه وخبأه عنده وضمَّنه إياه.
__________
(1) في (ب): مبايعته.
(2) في شرح النهج: لن.
(3) في شرح النهج: إلا ما قاربه من الدنيا.
(4) أن يريد، سقط من (ب).
(5) في (ب): الآخرة.

(إلا استنفذه به يوماً ما(1)): نفذ السهم إذا مضى من الرمية، وفلان نافذ في أموره إذا كان ماضياً فيها، وأراد إلا جعله نافذاً في أموره في حالة من الحالات، ويوم من الأيام، وفي هذا دلالة على شرف العقل وأنه أعظم ما أوتي الإنسان من العطايا، وفي الحديث: ((أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أشرف منك، بك أعطي، وبك أمنع، وبك أحاسب، وعليك أعاقب))(2).
[406] (من صارع الحق صرعه): يعني من ردَّ الحق عن مجراه وممضاه، وكابر في نفوذه، وعزم على ردِّه من جهة نفسه ذلَّ ورجع صاغراً إليه، وكان بمنزلة من صرع لجنبه فلا يستطيع حيلة.
__________
(1) لفظ الحكمة في شرح النهج: (ما استودع الله امرأً عقلاً إلا ليستنقذه به يوماً ما).
(2) روى قريباً منه الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام في جواب مسألة رجل من أهل قم ص551 من مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق بلفظ: ((لما أن خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحبُّ إليَّ منك، بك أعطي، وبك آخذ))، وقال قبل إيراده الحديث ما لفظه: وفيما نقله الثقات من ذوي العقول ثقة عن ثقة عن الرسول. ثم ذكر الحديث. وأخرج الإمام زيد بن علي عليه السلام في المجموع ص270 برقم (652) بسنده، عن أبيه، عن جده، عن عليعليه السلام قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم، فذكر حديثاً وفيه: ((ثم خلق العقل فاستنطقه فأجابه، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحبُّ إليّ منك، بك آخذ، وبك أعطي، أما وعزتي لأكملنّك فيمن أحببت، ولأنقصنّك فيمن أبغضت، فأكمل الناس عقلاً أخوفهم لله عز وجل، وأطوعهم له، وأنقص الناس عقلاً أخوفهم للشيطان، وأطوعهم له)).

[407] (القلب مُصْحَفُ البصر(1)): أراد أن البصر(2) يقرأ ما كتب في القلب، ثم يظهر في نظر الإنسان ما في قلبه، والمعنى في هذا أن الإنسان إذا نظر إلى صديقه أو عدوه أدرك ببصره وقراءته ما في قلب المنظور إليه من الصداقة والعداوة، وعن هذا قال بعضهم:
تخبرني العينان ما الصدر كاتمٌ

وما جنَّ بالبغضاء والنظر الشزر(3)

[408] (التقى رئيس الأخلاق): يعني أن التقوى هو أمير خصال الخير من الصبر والورع والحلم وغير ذلك من خصال الخير، والتقى هو: الجامع لهذه الخصال ولا ثمرة لها إلا به، ولا حكم لها إلا باعتباره، وهو غاية كل خصلة شريفة في الدين.
[409] (لا تجعل(4) ذرب لسانك على من أنطقك): ذرب اللسان: حدته، أي لا تجعل حدة لسانك على من كان سبباً في إفصاحك ونطقك.
(وبلاغة قولك على من سدَّدك): ولا تجعل فصاحتك بالإيذاء والقهر والتسلط على من ألهمك الصواب ودلك عليه، وهو مثل يضرب لمن كان الإحسان إليه سبباً للإساءة منه، كما قال بعضهم:
أعلمه الرماية كل يوم
__________
(1) في (ب): النظر.
(2) في (ب): النظر.
(3) أورده ابن أبي الحديد في شرح النهج 20/46، بدون نسبة لقائله، والشطر الثاني من البيت أورده الزمخشري في أساس البلاغة ص66، ونسبه لسويد. ويقال: نظر إليه شزراً وهو نظر الغضبان بمؤخر عينه. (مختار الصحاح ص337).
(4) في شرح النهج: لا تجعلنًّ، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).

فلما اشتد(1) ساعده رماني

ومنه المثل: فلان دعى مسدده إلى النضال(2).
[410] (كفاك أدباً لنفسك): تعليماً لها الأدب.
(اجتنابك(3) ما تكرهه من غيرك): فهذا فيه غاية الأدب؛ لأنه مهما فعل ذلك كان فيه غاية الإنصاف للناس من نفسه.
[411] وقال عليه السلام للأشعث بن قيس معزياً له:
(إن صبرت صبر الأكارم): يشير إلى أن الصبر عند المصائب العظيمة هو من عادة أهل الكرم والرياسة، فإن لم يقع من صاحبه صبر يكون مشبهاً فيه لأهل الكرم:
(وإلا سلوت سُلُوَّ البهائم(4)): فليس في القضية إلا أحد خصلتين(5): إما تشبهاً لأهل المكارم في الصبر، وإما غفلة كغفلة البهائم، فإن سلوها عن أحزانها إنما هو بالغفلة لا غير، وشوقها إلى ما تشتهيه بالإدراك لا غير.
[412] (من صبر صبر الأحرار): يعني على كل ما يلاقيه من العظائم، فصبر الأحرار إنما هو بكظم الغيظ، فمن لم يفعل ذلك:
__________
(1) هكذا في النسخ، والصواب: فلما استد بالسين لأنه شرح لقوله: سددك، وأورد البيت الرازي في مختار الصحاح ص291 بدون نسبة لقائله، وبداية الشطر الثاني فيه: فلما استد، بالسين المهملة أي استقام، والبيت أيضاً في أساس البلاغة ص206 بدون نسبة أيضاً، بلفظ مختار الصحاح، وهو أيضاً في أعلام نهج البلاغة -خ- بدون نسبة.
(2) ناضله: أي راماه.
(3) في شرح النهج: اجتناب، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(4) أخذ هذا أبو تمام فقال:
وقال علي في التعازي لأشعث

وخاف عليه بعض تلك المآثم

أتصبر للبلوى عزاءً وحسبة

فتؤجر أم تسلو سُلُوَّ البهائم

(شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 20/50).
(5) في (أ): خطتين.

(وإلا سلا سلو الأغمار): الغِمر من الرجال هو: الجاهل، يريد من غير تصبِّر، وإنما هو سآمة وملالة لما يفعله عند المصيبة.
[413] (الدنيا تغرُّ): من ركن إليها وتخدعه بأمانيها الكاذبة ولذاتها المنقطعة.
(وتضرُّ): أهلها، إما في الدنيا فبانقطاعها عن أيديهم وذهابها عنهم، وإما في الآخرة فبما يكون من العذاب بإيثارها وترك الآخرة وراء ظهور أهلها.
(وتمرُّ): مروراً سريعاً بانقضاء الأيام والليالي والأسابيع والشهور والسنين والأعمار كلها.
(إن الله لم يرضها ثواباً لأوليائه): يعني لم يقتصر على لذاتها أن تكون ثواباً للأولياء، وعوضاً عما أصابهم من مرارة التكاليف الشاقة.
(ولا عقاباً لأعدائه): أراد أنه لم يجعل ما أصابهم من مصائبها وبلاويها(1) عقاباً لما اجترحوه من هذه السيئات التي ارتكبوها وشغلوا بها أنفسهم في الدنيا، وانهمكوا في تحصيلها.
[414] وقال عليه السلام لابنه الحسن بن علي عليهما السلام:
(يا بن‍ي، لا تُخَلِّفنَّ وراءك شيئاً من الدنيا): أراد لا تشتغل بجمعها عمَّا هو أهم من ذاك، وهو طلب الآخرة.
(فإنك تُخَلِّفه لأحد رجلين): من ورثتك وأقاربك، وحالهما لا يخلو:
(إما رجل عمل فيه بطاعة الله): بالصدقة للمؤمنين، والصلة للأقارب والأرحام.
(فسعد بما شقيت به): أي فنال الآخرة بما نلت به الشقاوة في جمعه وأخذه من غير حله، وعلى غير وجهه.
(وإما رجل عمل فيه بمعصية الله(2)): تقحَّم به المعاصي، وأقام به أسواق الشهوات بأنواع اللهو(3) والطرب، وتخطّأ(4) به إلى كل المحظورات.
__________
(1) في (ب): وبلاوتها عقاباً لما اجترحوا.
(2) بعده في شرح النهج: فشقي بما جمعت له.
(3) في (ب): الهوى.
(4) أي عمد به، ومنه الخاطئ وهو من تعمد ما لا ينبغي.

(فكنت عوناً له على معصيته): بما خلفت له من ذلك.
(وليس أحد هذين حقيقاً بأن تؤثره على نفسك): آثرته بكذا إذا خصصته به وجعلته أهلاً له، وأراد أنه ليس أحدهما(1) بأخص عندك من نفسك حتى تؤثره عليها وتجعله أحق منك بمالك.
ويروى هذا الكلام على وجه آخر، وهو قوله:
(أما بعد، فإن الذي في يديك من الدنيا): من أموالها وحطامها وأنواع شهواتها.
(قد كان له أهل قبلك): يعني أنه صار إليك منهم، ولولا انتقاله عنهم ما كان معك.
(وهو صائر إلى أهل بعدك): وهو منتقل منك إلى غيرك، ولو دام لأحد إذاً لم يصر إليك.
(وإنما أنت جامع): ما تجمعه من الدنيا وحطامها.
(لأحد رجلين): ممن يأخذه بعدك، ويكون أحق به من غيره لقربه إليك وميراثه لك.
(رجل عمل فيما جمعته بطاعة الله تعالى): من أنواع البر والصدقة والصلة وإنفاقه في الجهاد لله.
(فيسعد(2) بما شقيت به): أراد فتحصل له السعادة بإنفاقه، كما حصلت لك الخسارة بجمعه.
(أو رجل عمل فيه بمعصية الله(3)): من إنفاقه في الفسوق وتوصل به إلى الفجور بالمعاصي.
(فيشقى(4) بما جمعت له): يعني فتحصل له الشقاوة بسببك، ومن أجل ما جمعت له من ذلك.
(وليس أحد هذين أهلاً أن تؤثره على نفسك): وتجعله أخص منك بذلك.
(وتحمل له على ظهرك): أراد(5) وتحمل أوزاره على ظهرك.
(فارج لمن مضى): من أولادك وأقاربك وأهل خاصتك.
(رحمة الله): وقايته من العذاب لهم.
(ولمن بقي رزق الله): لمن كان حياً منهم تفضله عليهم بالرزق.
__________
(1) في (ب): أحدها.
(2) في نسخة: فسعد، (هامش في ب)، وكذا في شرح النهج.
(3) في شرح النهج: أو رجل عمل فيما جمعته بمعصية الله.
(4) في شرح النهج: فشقي.
(5) الواو، زيادة في (ب).

[415] (إن أهل الدنيا كَرَكْبٍ): الركب: اسم للجمع، ولهذا فإنه يُصَغَّرُ على لفظه، وليس جمعاً على الحقيقة؛ لأن هذه الصيغة لا تكون من أوزان الجموع بحال.
(بينا(1) هم حلوا): بين هذه تستعمل بين شيئين، يقال فيها: بينا وبينما.
(إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا): وأراد أنهم بين حلول وارتحال، وإذ هذه معمولة لقوله: حلوا.
[416] وقال عليه السلام لقائل قال(2) بحضرته: أستغفر الله:
(ثكلتك أمك!): الثُّكْلُ: فقد المرأة ولدها، بضم الفاء وسكون العين، والثَّكَلُ بالتحريك مثله.
(أتدري ما الاستغفار؟): ما معناه وماهيته، وكيف حكمه؟
(إن الاستغفار(3) درجة العليين): أراد بالعليين ها هنا ما عناه الله تعالى بقوله: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلّيِّينَ}[المطففين:18]، خلا أنه أراد ها هنا به(4) الرجال، وهناك أراد به المكان، وعليُّون: اسم علم لديوان الخير الذي دوِّن فيه أعمال الأبرار من الملائكة وأهل التقوى من الجن والإنس، وهو منقول من جمع عليّ على فعيل، واشتقاقه من العلو كسجين من السجن، وسمي بذلك إما لأنه مرفوع في السماء السابعة، وإما لأنه سبب الارتفاع إلى الدرجات العالية في الجنة(5)، فالاستغفار درجة من كان مختصاً به، وهو معرب بالحروف على طريق الحكاية للجمع، كما قالوا: قنسرون وقنسرين.
(وهو اسم واقع على ستة معاني(6)): يشملها وتكون مندرجة تحته.
__________
(1) في (ب): فبينا.
(2) قال، زيادة في شرح النهج.
(3) في شرح النهج: للاستغفار.
(4) في (ب): خلا أنه أراد به ها هنا.
(5) انظر الكشاف 4/723.
(6) في شرح النهج: معانٍ، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).

(أولها الندم على ما مضى): يعني من فعل المعاصي والإقدام على المناهي، ومتعلقه الأمور الفائتة(1) على أنه لِمَ فُعِل أو على أنه ترك، وفي الحديث: ((الندم توبة))(2)، وفي حديث آخر: ((اليمين حنث أو مندمة))(3).
(والثاني: العزم على ترك العود إليه): والعزم إنما يتعلق بالأمور المستقبلة، والغرض هو صرف النفس عن العود إليه وكفها عنه.
(أبداً): في العمر كله فهو الأبد بالإضافة إليه.
(والثالث: أن تؤدي(4) إلى المخلوقين حقوقهم): من خراجاتهم وديونهم، وودائعهم التي استهلكها، وغير ذلك من مطالبهم التي هي متعلقة بذمته، فإن حقوق الآدميين عظيمة، لا صحة للتوبة إلا مع ذلك.
(حتى تلقى(5) الله أملس ليس عليك(6) تبعة): مجرداً من المطالب خالصاً عن أن تكون متبوعاً بحق من الحقوق الآدمية.
(والرابع: أن تعمد إلى كل فريضة عليك): من الصلوات والصيامات وغير ذلك من أنواع الأمور الواجبة عليك.
(ضيعتها): أهملتها حتى فات وقتها، أو(7) امتنعت من أدائها، فالأول مخصوص بالواجبات المؤقتة من الصلاة والصوم.
__________
(1) في (ب): الفانية.
(2) أخرجه الإمام المرشد بالله في الأمالي الخميسية 1/195 بسنده عن ابن مسعود، وص196 بسنده عن ابن عباس، والموفق بالله في الاعتبار وسلوة العارفين ص440 برقم (330) عن عبد الله بن مسعود (انظر تخريجه فيه)، وأورده في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف10/100 وعزاه إلى ثلاثين مصدراً. (انظرها هناك).
(3) أورده ابن الأثير في النهاية 1/449، وهو بلفظ: ((اليمين حنث وندم)) في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 11/454، وعزاه إلى كشف الخفاء2/558، وميزان الاعتدال1179.
(4) في (أ): يؤدي.
(5) في (أ): يلقى.
(6) في (أ): عليه.
(7) في (ب): وامتنعت.

والثاني: مخصوص بالواجبات المطلقة.
(فتؤدي حقها): إما بقضائها فيما كان يقضى، وإما بتأدية ما لم يكن أداءه مما ليس مؤقتاً ولا فائتاً بفوات وقته.
فهذه الأمور الأربعة لابد من اعتبارها في التوبة المقبولة من جهة الشرع.
ولست أقول: إنها شرط في صحة التوبة، وإنما هي معتبرة في كمالها وتمامها، فالحق(1) عندنا أن التوبة إنما هي الندم لا غير، كما ورد في ظاهر الخبر الذي ذكرناه.
فأما ما أشار إليه أمير المؤمنين من اعتبار هذه الأشياء الخمسة فيها فإنما هو على جهة التمام لها والكمال لأمرها، والمعتبر في صحتها ما أشرنا إليه.
(الخامس: أن تعمد إلى الشحم(2) الذي نبت على السحت): وهو المال الحرام، كما قال تعالى: {وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ}[المائدة:62].
(فتذيبه بالأحزان): ذاب الشحم إذا انهلَّ(3) وتلاشى أمره، وأراد إذهابه بتذكر الأحزان على فعل المعاصي.
(حتى يلصق الجلد بالعظم): بالنحول والسقم.
(وينشأ بينهما لحم جديد): نبت من الحلال.
(السادس: أن تذيق اللحم(4) الطاعة): أراد مرارة الطاعة؛ لأن الطاعة لا تدرك.
(كما أذقته حلاوة المعصية): لذتها وسرورها، وانشراح الصدر بها.
(فعند ذلك): الإشارة إلى المعدود فيها هذه الشروط الستة واستكمالها فيه.
(تقول: أستغفر الله): أي يصلح لك أن تقول هذا القول، ويكون صدقاً عند الله تعالى.
وعن أمير المؤمنين أنه قال:
__________
(1) في (ب): والحق.
(2) في شرح النهج: اللحم، وكذا في نسخة ذكره في هامش (ب).
(3) في (أ): إذا نهل.
(4) في (ب) وشرح النهج: أن تذيق الجسم ألم الطاعة.

(سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((لله على عبده اثنان وسبعون ستراً، فإذا أذنب ذنباً انهتك عنه ستر من تلك الأستار، فإن تاب ردَّه الله إليه، ومعه سبعة أستار، فإن أبى إلا قُدُماً في المعاصي يهتك أستاره، [فإن تاب ردَّها الله عليه، ومع كل ستر سبعة أستار، وإن أبى إلا قُدُماً في المعاصي يهتك أستاره](1) وبقي بلا ستر، وأمر الله الملائكة أن تستره بأجنحتها، فإن أبى إلا قُدًماً في المعاصي شكت الملائكة إلى ربها ذلك، فأمر الله أن يرفعوا عنه، فلو عمل خطيئة في سواد الليل ووضح النهار أو في مغارة أو في قعر بحر لأظهرها الله عليه وأجراها، على الناس))).
[417] (الحلم عشيرة): أراد بذلك أن الحلم يندفع به من الشر والبلاوي وأذى الخلائق ما يندفع بالعشيرة من ذاك.
[418] (مسكين ابن آدم): يشير إلى أنه ضعيف الأحوال في كل أموره.
(مكتوم الأجل): لا يدري أي وقت يواثبه الموت.
(مكنون العلل): لا يدري أيها تصيبه.
(محفوظ العمل): لا يعمل صغيرة ولا كبيرة إلا كانت محصاة عليه.
(تؤلمه البّقَّةُ): وهو ذباب صغير، يعني أنه يتألم منها على حقارتها وهونها، لا يقدر على الانتصار منها.
(وتقتله الشرقة): الشرق: إعراض(2) الماء في الحلق، فلا يزال مكانه حتى يقتل صاحبه في إعراضه.
(وتنتنه العرقة): النتن هو: الريح الخبيث، وأراد أنه إذا عرق بدت منه رائحة خبيثة في المرة الواحدة من أرفاعه ومعاطفه(3)، ومن هذه حاله لقد بلغ في الضعف كل غاية.
[419] (وروي أنه عليه السلام كان جالساً في أصحابه): في بعض الأيام.
__________
(1) ما بين المعقوفين سقط من (ب).
(2) ظنن فوقها في (ب) بقوله: ظ: اعتراض.
(3) الأرفاع: الفَرشُ، والمعاطف: جمع معطف بكسر الميم وهو الرداء.

(فمرت بهم امرأة جميلة، فرمقها(1) القوم بأبصارهم): أي حدَّقوا إليها وصرفوا أبصارهم إليها.
فقال عليه السلام:
(إن أبصار هذه الفحول طوامح): طمح إذا زاد على الغاية وتجاوزها.
(وإن ذلك سبب هبابها): الهباب: صياح التيس للسفاد(2)، جعله ها هنا كناية عن شدة الغلمة، وعدم ملك الإنسان لنفسه في تلك الحالة.
(فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه): يقع حسنها في عينه.
(فليلامس أهله): أي يجامع امرأته، وكنى بالملامسة عن ذلك، كما قال تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ}[المائدة:6]، وهذا من الآداب العجيبة والكنايات الرشيقة التي استعملها الله تعالى(3) في كتابه الكريم تأديباً للخلق، وحملاً لهم على أحمد الشيم وأعلاها.
(فإنما هي امرأة كامرأة(4)): يعني أنه إذا قضى نهمته منها فهو مثل ما لو قضى ذلك من غيرها حراماً.
(فقال رجل من الخوراج: قاتله الله من كافر ما أفقهه!): يريد لقد بلغت في الفهم كل غاية، لما رأى من مطابقة كلامه للحكمة وملائمته للمعنى في ذلك كله.
(فوثب إليه القوم ليقتلوه، فقال عليه السلام: رويداً): أي لا تعجلوا على قتله، فإن ذلك لا وجه له.
__________
(1) في (ب): فرمتها.
(2) السفاد كناية عن الجماع.
(3) تعالى، سقط من (ب).
(4) في شرح النهج: كامرأته.

(إنما هو سبُّ بسبٍّ): إنما هو قصاص أذية باللسان بأذية باللسان مثلها من غير مجاوزة للقتل، إنما كان ذلك خاصاً للرسول، وفي الحديث: ((من سبني فاقتلوه))(1).
(أو عفو عن ذنب): أو أفضل من(2) ذلك العفو عن الأذية.
[420] (كفاك من عقلك، ما أوضح لك سبيل غيِّك من رشدك): أراد أن العقل لو لم يكن فيه من المنافع إلا إيضاح سبيل السلامة عن مسالك العطب؛ لكان فيه أعظم كفاية وأجود نفع.
[421] (افعلوا الخير): في كل الأحوال.
(ولا تحقروا منه شيئاً): أي لا تستصغروا من قدره شيئاً.
(فإن صغيره كبير): عند الله تعالى.
(وقليله كثير): لعظم حاله وجلالة قدره.
(ولا يقولن أحدكم: إن فلاناً أولى بفعل الخير من‍ي): يعني أحق به، وأراد أنه لا يفعله ويحيل به إلى غيره.
(فيكون والله كذلك): أي فيصدق(3) الله تعالى هذا القيل، ويجعله كما قال، يمكِّن ذلك الآخر ويلطف له حتى يكون أولى وأحق على الحقيقة.
__________
(1) رواه الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام في أصول الأحكام في باب من يقتل حدًّا، ورواه السيد العلامة أحمد بن يوسف زبارة رحمه الله في أنوار التمام في تتمة الاعتصام للإمام القاسم بن محمدعليه السلام 5/144-145، وعزاه إلى أصول الأحكام للإمام أحمد بن سليمان عليه السلام، والجامع الكافي لأبي عبد الله العلوي، وأخرج الإمام الأعظم زيد بن علي عليهما السلام قريباً منه في مجموعه ص231 برقم (512) من حديث لأمير المؤمنين علي عليه السلام قال فيه: ((من شتم نبياً قتلناه)).
(2) من، زيادة في (ب).
(3) في (ب): فيصده.

[422] (إن للخير والشر(1) أهلاً): أراد أن الله تعالى قد جعل للخير أهلاً بلطفه لهم في فعله، وتمكينه إياهم منه، فلهذا كانوا أهلاً له، يؤخذ منهم ويوجد فيهم ويطلب من عندهم، وجعل للشر أهلاً بأن خذلهم عن فعل الخير وصرفهم عن إتيانه والحث عليه، فصار الشر موجوداً عندهم لايوجد سواه.
(فمهما تركتموه منهما كفاكموه أهله(2)): الضمير في قوله: تركتموه راجع إلى ما في قوله: مهما؛ لأن الأصل فيها(3) ما ما خلا أن الألف الأولى قلبت هاء كقولك: إن آتك فمه؟ أي فما تفعل؟ ونظيره قوله تعالى: {وَقَالُوا مَهْمَا(4) تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ}[الأعراف:132].
__________
(1) في شرح النهج: وللشر.
(2) قوله: كفاكموه أهله، سقط من (أ).
(3) في (ب): فيهما.
(4) قال العلامة الزمخشري رحمه الله في الكشاف 2/137-138 في تفسير الآية الشريفة: {مهما} هي ما المضمنة معنى الجزاء، ضمت إليها ما المزيدة المؤكدة للجزاء في قولك: متى ما تخرج أخرج {أينما تكونوا يدرككم الموت} {فإما نذهبن بك} إلا أن الألف قلبت هاء استثقالاً لتكرير المتجانسين، وهو المذهب السديد البصري، ومن الناس من زعم أن مه هي الصوت الذي يصوت به الكاف، و(ما) للجزاء، كأنه قيل: كف ما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين. انتهى.

وزعم بعض من شرح كلامه عليه السلام أن هذا الضمير قائم مقام الظاهر، تقديره: فمتى تركتم واحداً منهما(1)، وهذا لا وجه له، فإنه لاحاجة إلى ذلك مع جريه على ما ذكرناه من عوده على ما يفسره(2) من قبل، كما أشرنا إليه(3)، كما هو قياس سائر الضمائر.
[423] (من أصلح سريرته): أعمال قلبه من الاعتقادات والإرادات كلها، وكانت كلها جارية على رضوان الله تعالى.
(أصلح الله علانيته): ما يظهر من أحواله كلها باللطف الخفي له من جهة الله تعالى.
(ومن عمل لدينه): من الانكفاف عن معاصي الله ومكروهاته.
(كفاه الله أمر دنياه): إصلاح ما يعود إليه نفعه في الدنيا واستقامة حاله.
(ومن أحسن فيما بينه وبين الله): من قيامه بأمر الله واجتهاده في طاعته.
(كفاه الله ما بينه وبين الناس): أصلح الله له حاله فيما بينه وبين الخلق بالكفاية من جهته لشرهم عنه، وأن يحول بين مكرهم وبينه كيف شاء، وهذا الحديث مروي(4) عن الرسول عليه السلام في (الأربعين السيلقية)(5).
[424] (الحلم غطاء ساتر): يشير إلى أنه ساتر لجميع المساوئ التي لولاه لظهرت على أعين الملأ من الخلق.
__________
(1) هذا القول ذكره الشريف علي بن ناصر الحسيني في أعلام نهج البلاغة -خ-، ولم ينسبه إلى قائله بل اكتفى بالقول: قال بعض الشارحين، فذكره.
(2) في (ب): تفسيره.
(3) إليه، سقط من (أ).
(4) في (ب): يروى.
(5) هو جزء من حديث أخرجه الشريف السيلقي رحمه الله في الأربعين السيلقية ص21 الحديث الثامن عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذكر الحديث وفيه: ((ومن أحسن فيما بينه وبين الله كفاه الله فيما بينه وبين الناس، ومن أحسن سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه)).

(والعقل حسام قاطع): فَيْصَلٌ(1) في الأمور كلها، يفصل ما التبس منها وصعب الأمر فيه.
(فاستر خلل خلقك بحلمك): يعني استر ما كان في أخلاقك كالغضب والحقد والحسد وغيرها من المساوئ بتغاضيك عن الأمور وسكوتك(2) عنها، وإعراضك عن أكثرها.
(وقاتل هواك بعقلك): أراد وقاتل ما ينازعك إليه هواك من الخواطر الردية بردها إلى العقل وتحكيمه فيها وإزالتها عنك بذلك.
[425] (إن لله عباداً): خلقاً من خلقه، جعلهم أهلاً له وقربهم إلى رحمته.
(يختصهم بالنعم): من بين سائر الخلق في الإعطاء والرزق، وإعظام أحوالهم.
(لمنافع الخلق(3)): لا وجه لإعطائهم النعم إلا من أجل إصلاح الخلق ومنافعهم.
(فيقرها فيهم ما بذلوها): يعني فيديمها عليهم وقت بذلهم لها وإعطائهم إياها أهلها.
(فإذا منعوها): تركوها واستبدوا بها.
(نزعها منهم): أخذها من أيديهم.
(ثم حوَّلها إلى آخرين غيرهم): يقومون بحقها، ويفون لها بشرطها من أولئك.
[426] (لا ينبغي للعبد أن يثق بخصلتين): يعني أن الأحوال في الإنسان وإن كانت على شرف المفارقة من العقل والقدرة والشهوة، لكن أدخلها في الزوال والانقطاع والتغير:
(العافية والغنى): فهاتان الخصلتان سريعتا(4) الانقلاب والتغير.
(بينا(5) تراه معافى إذ سقم): أراد تراه بين أوقات عافيته سالماً إذ عرض له المرض.
(وبينا(6) تراه غنياً إذ افتقر): وتراه بين أوقات غناه حاصلاً إذ عرض له الفقر.
__________
(1) الفيصل: الحاكم، وقيل: القضاء بين الحق والباطل. (مختار الصحاح ص505).
(2) في (ب): وسلوتك.
(3) في شرح النهج: لمنافع العباد، فيقرّها في أيديهم ...إلخ.
(4) في (ب): سريعا.
(5) في (أ): بيناه.
(6) في (أ): وبيناه.

[427] (من شكا الحاجة إلى مؤمن): يعني من أطلع مؤمناً على فقره، وضربه على طريق الشكوى.
(فكأنما شكاها إلى الله): لأن المؤمن يكون(1) واسطة خير إلى لله تعالى(2) [بالدعاء إليه؛ ولأن المؤمن من أهل محبة الله وولايته، فكأنه يشكوها إليه](3).
(ومن شكاها إلى كافر فكأنما يشكو(4) الله): [لأن الكافر لا يكون واسطة خير إلى الله تعالى](5) إذ لا وجه لقبول دعائه، ولأنه من أهل عدواة الله وأهل بغضه، فلا تكون شكواه إليه مقبولة، وإذا بطل كونها شكوى إلى الله كانت لا محالة شكوى له.
[428] وقال عليه السلام في بعض الأعياد:
(إنما هو عيد لمن قَبِلَ الله صيامه): أجزل له عليه الثواب.
(وشكر قيامه): أراد إما شكر قيامه في لياليه بالعبادة، وإما قيامه بواجباته.
(وكل يوم لا نعصي الله فيه فهو يوم عيد): لأن العيد إنما سمي عيداً أخذاً له من عودة المسرات فيه، ولا مسرة أعظم من طاعة الله تعالى والتجنب عن معصيته، فهذا هو(6) أعظم السرور وأعلاه.
[429] (إن(7) أعظم الحسرات عند الله يوم القيامة(8) حسرة): التحسر هو: التلهف، وانتصاب حسرة على التمييز أي من الحسرات.
(رجل كسب مالاً في غير طاعة الله): أي أخذه من الوجوه المحظورة كالظلم والربا، وإدخال المنافع المحظورة بسبب اكتسابه وغير ذلك.
(فَوَرَّثه رجلاً أنفقه(9) في طاعة الله): في أنواع القرب والطاعات المرضية، لله المقربة إلى رضوانه.
__________
(1) يكون، سقط من (ب).
(2) تعالى، زيادة في (ب).
(3) ما بين المعقوفين سقط من (ب).
(4) في (ب) وشرح النهج : شكا.
(5) ما بين المعقوفين سقط من (ب).
(6) هو، سقط من (ب).
(7) في (ب): وإن.
(8) يوم القيامة، زيادة في (ب).
(9) في شرح النهج وفي نسخة: فأنفقه.

(فدخل به الجنة): جزاء على إنفاقه له.
(ودخل به الأول النار): من أجل جمعه من المكاسب المحظورة والمداخل القبيحة.
[430] (إن أخسر الناس صفقة): الصفقة في البيع، وجعلها ها هنا استعارة، وأراد أعظم الناس خسراناً في أموره ومعاملاته.
(وأخيبهم سعياً): خاب الرجل في حاجته إذا لم يتيسر وينجح مطلبه.
(رجل أخلق بدنه): أتعبه وأهلكه.
(في طلب آماله): ما يرجوه من الأغراض الدنيوية.
(ولم تساعده المقادير): تأتي له بما أراد من ذلك، وتذعن له بتحصيله، ولا أقدرته.
(على إرادته): ما يريده من ذلك.
(فخرج من الدنيا بحسرته): بتلهفه على ما فاته من أغراضه(1) من ذلك، وما تعذر عليه من بطلان مقاصده.
(وقدم على الآخرة بتبعته): بما يتبعه من ذلك من اللوم والذم والعقاب السرمدي في الآخرة.
[431] (الرزق رزقان): قد(2) مضى معنى هذا على غير هذه العبارة، وهو من الدلالة على مَلَكَتِهِ عليه السلام لفنون الكلام، واقتدراه على أنواعه، ولهذا يعبر عن المعنى الواحد بعبارات كثيرة على أوجه مختلفة، وأنحاء متفاوتة.
(طالب): لصاحبه حتى يأخذه من غير تعب، ولا مشقة عليه في ذلك.
(ومطلوب): يطلبه صاحبه حتى يقدره الله تعالى له، ويقضي به من عنده، ويستحقه بالطلب له.
(فمن طلب الدنيا): شغل نفسه بطلبها، وأنفق عمره في تحصيلها.
(طلبه الموت): أتى له في سرعة وقرب.
(حتى يخرجه منها(3)): كارهاً على رغم أنفه من غير أهبة ولا طلب استعداد.
(ومن طلب الآخرة): بالأعمال الصالحة، يفعلها ويكون مجدّاً في تحصيلها.
(طلبته الدنيا): عاش فيها عيشاً رخياً حميداً.
__________
(1) من أغراضه، سقط من (ب).
(2) قد، سقط من (ب).
(3) في شرح النهج وفي نسخة: عنها.

(حتى يستوفي رزقه منها): يوفره الله تعالى عليه، ولا ينقصه فيه(1) شيئاً.
[432] (إن أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا): أراد بالأولياء المحبين لطاعته والشاغلين أنفسهم بها والقاصدين إليها، وهؤلاء هم الذي تفكروا بعقولهم، واستعملوها في النظر والفكر.
(إذا نظر الناس إلى ظاهرها): يعني أنهم وِفْقُّوُا للنظر المُخَلِّص من دَرَكِ(2) الخسارة، فنظروا في باطن الدنيا وما تؤول إليه عاقبتها من الانقطاع لها والزوال، لما نظر الناس إلى عاجل لذتها(3)، وتقدم شهواتها.
(واشتغلوا بآجلها): أراد أنهم شغلوا نفوسهم بما كان من أمر الآخرة، وهو الآجل المتأخر.
(إذا اشتغل الناس بعاجلها): بما تقدم من شهواتها واتباع لذاتها.
(فأماتوا منها(4) ما خشوا أن يميتهم): يعني أنهم أهملوا لذاتها لما يخشوا من ذلك من وخيم عاقبتها من قسوة قلوبها وإماتتها عن ذكر الآخرة، ما خشوا أن يميتهم الذي يخافون أنه يفسد قلوبهم من محبتها والشوق إليها.
[433] وقال عليه السلام(5):
(هم تركوا ما علموا أنه سيتركهم): يريد أنهم أعرضوا عن الدنيا ولذاتها لما يتحققونه من انقطاعها عنهم، وانفلاتها من أيديهم.
(ورأوا استكثار غيرهم استقلالاً(6)): يريد أنهم استحقروا كثيرها ورأوه قليلاً حقيراً لما رآه غيرهم خطيراً جسيماً.
(ودركهم لها فوتاً(7)): أي وإدراكهم لها فوتاً من الآخرة وبُعْداً منها.
__________
(1) في (ب): منه.
(2) أي لحوق الخسارة.
(3) في (ب): لذاتها.
(4) منها، زيادة في (ب) وشرح النهج.
(5) الحكمة رقم (432) والحكمة رقم (433) هما في شرح النهج تحت رقم واحد وهو الرقم(441).
(6) في (ب): إقلالاً.
(7) في شرح النهج: فواتا.

(أعداء ما(1) سالم الناس): يريد أعداء الدنيا؛ لأن الناس سالموها واجتهدوا في إحرازها وتحصيلها.
(وسلم ما(2) عادى الناس): يعني أنهم مسالمون للآخرة لما عاداها الناس وهجروها، وأعرضوا عن ذكرها.
(بهم عُلِمَ الكتاب): أي أن القرآن إنما يعلم من جهتهم.
(وبه علموا): أي وما كان علمهم حاصلاً إلا من جهة كتاب الله تعالى ومن طريقه.
(وبهم قام الكتاب(3)): استقامت أحكامه، وظهرت أعلامه.
(وبه قاموا): أي أن طرائقهم إنما حسنت وزكت خلائقهم وظهرت لما قرورها على كتاب الله وأقاموا على حكمه وشرطه.
(لا يرون مرجواً): أي لا يعرفون قدر المرجو، ولا يزن عندهم قلامة ظفر من جميع الأمور كلها.
(فوق ما يرجونه): أعظم حالة مما يرجونه، يؤملون حصوله في الآخرة من ثواب الله والفوز برضوانه.
(ولا مخوفاً): أي ولا يرون مخوفاً من جميع الأمور المخوفة في الدنيا.
(فوق ما يخافون): من أهوال الآخرة وشدائدها، وعظائم العقاب وما يتعلق به.
[434] (اذكرا انقطاع اللذات): زوالها بالموت والتغيرات العظيمة.
(وبقاء التبعات): ما يتبعها من العقاب والحساب عليها، وسخط الله وغضبه في ذلك.
[435] (اُخْبُرْ تَقْلَه): أي أخبر الناس في جميع أحوالهم وامتحنهم في جميع أسرارهم(4) تبغضهم وتكرههم، والقِلَى هو: البغض لما يطلع بالخبرة على فساد القصود في حقهم، وخبث النيات في سرائرهم(5).
__________
(1) في شرح النهج: لما.
(2) في شرح النهج: لمن.
(3) في شرح النهج: وبهم قام كتاب الله تعالى.
(4) في (أ): سرارهم.
(5) في (ب): أسرارهم.

وروى ثعلب(1)، عن ابن الأعرابي(2) قال: قال المأمون: لولا أن علياًعليه السلام قال: اُخْبُرْ تَقْلَه، لقلت أنا: إقْلَهْ(3) تَخْبُرْ، هذا شيء حكاه السيد الرضي عن ثعلب(4).
__________
(1) هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني النحوي، المعروف بثعلب [200ـ291ه‍]، إما الكوفيين في النحو واللغة في زمانه، وكان ثقة ديناً مشهوراً بصدق اللهجة والمعرفة بالغريب ورواية الشعر، ولد ومات ببغداد، وله مؤلفات منها: الفصيح، وقواعد الشعر، وشرح ديوان زهير، ومجالس ثعلب مجلدان، ومعاني القرآن وغيرها. (انظر معجم رجال الاعتبار وسلوة العارفين ص37 ت(62)).
(2) هو محمد بن زياد، المعروف بابن الأعرابي [150-231ه‍]، أبو عبد الله، راوية، علاّمة باللغة، من أهل الكوفة، قال ثعلب: شاهدت مجلس ابن الأعرابي، وكان يحضره زهاء مائة إنسان، كان يسأل ويقرأ عليه، فيجيب من غير كتاب، ولزمته بضع عشرة سنة ما رأيت بيده كتاباً قط، ولقد أملى على الناس ما يحمل على أجمال، ولم يُرَ أحد في علم الشعر أغزر منه. وله تصانيف كثيرة منها: أسماء الخيل وفرسانها، والنوادر في الأدب، وتفسير الأمثال، ومعاني الشعر وغيرها. (انظر الأعلام 6/131).
(3) في (أ): أقل، وما أثبته من (ب) وشرح النهج.
(4) انظر شرح النهج لابن أبي الحديد 20/80.

وأقول: إن مراد المأمون أن أمير المؤمنين هو رأس الحكماء وأميرهم، وإمام العلماء وسفيرهم، لا يأخذون(1) إلا عنه وبدلالته، ولا يغترفون إلا من بحره، ولا يرتوون إلا من فُضَالته، ولا يَسْرَوْنَ في ظلمات الشبه إلا بفكره ودلالته، فلولا أنه قد سبق إلى تقديم الخبرة لتكون سبباً للقِلَى، لقلت أنا: إقْل تخبر، وهو أن يكون القِلَى متقدماً على الخبرة وسبباً فيها؛ لأنه(2) إذا قليت إنساناً عرفت كنه حاله، ومحك صَفَرِه(3) في دوام المودة واستمرار الصحبة(4)، وكلاهما لا غبار عليه، وكلام أمير المؤمنين أحسن؛ لأنه عام؛ لأن الخبرة في الناس هو الدرية بأحوالهم في أسفارهم ومعاملاتهم كلها، فيحصل القِلَى بعد ذلك بخلاف ما قاله المأمون، فإن القِلَى إنما يكون في حق من كنت محباً له مختصاً به، ثم تقليه بعد ذلك فتعرف كنه حاله، فلهذا كان كلام أمير المؤمنين أعجب وأدخل في الحكمة لعمومه وشموله كما أشرنا إليه.
[436] وقال عليه السلام:
(ما كان الله ليفتح على عبد باب الشكر، ويغلق عنه(5) باب الزيادة): يريد أن الله تعالى أعدل وأحكم عن أن يقول قولاً لايكون صادقاً حيث قال: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}[إبراهيم:7]، فلا يمكن أن يُوَفقَّه للشكر ولا يزيده من نعمه كما قال.
(ولا ليفتح على عبد باب الدعاء): يوفقِّه لأن يدعوه بجميع حوائجه ويفضي إليه بها.
(ويغلق عنه باب الإجابة): فمثل هذا لا يليق بحكمة الله تعالى ولا بعدله.
(ولا ليفتح على عبد باب التوبة): يوفقِّه لها وللإتيان بأحكامها وشرائطها.
__________
(1) في (ب): ولا يأخذون.
(2) في نسخة: لأنك، (هامش في ب).
(3) الصَفَرُ بالتحريك: لبّ القلب. (القاموس المحيط ص545).
(4) في (أ): الصحة.
(5) في (ب): عليه.

(ويغلق(1) عنه باب المغفرة): يعني ويحرمه القبول عند توبته وإنابته، ويحرمه أيضاً غفران ذنوبه عند تجدد المغفرة وإحداثها.
[437] وسئل أيما أفضل؟ العدل أو الجود؟ فقال عليه السلام:
(العدل يضع الأمور مواضعها): يريد يقيم حقائق الأشياء ويعدُّ لها من غير زيادة عليها ولا نقصان منها، ولا سرف فيها.
(والجود يخرجها عن(2) جهتها): بالزيادة في شيء منها، ونقص في غيره، وإسراف في بعض الأمور.
(والعدل سائس عام): يعني أنه يحتاج في جميع الأمور كلها، فإن الأمور كلها مفتقرة إلى الاستقامة على أحوالها من غير زيادة ولا نقصان.
(والجود عارض خاص): أي(3) أنه إنما يحصل(4) في بعض الأشياء، وهو أيضاً من جملة الأمور العارضة التي تحصل تارة وتزول أخرى، وتحصل في بعض الأشخاص، وهو مفقود عن(5) أكثرهم فلهذا كان عارضاً.
(فالعدل(6) أشرفهما): حالاً.
(وأفضلهما): قدراً عند كل أحد لما أشرنا إليه.
[438] (الناس أعداء ما جهلوا): يريد أن العداوة هي هجران من تعاديه وزوال الأنس بينك وبينه، وهذا حاصل فيما كان الإنسان جاهلاً له، فإن الواحد منا لا يأنس بما لا يعرفه، فهو في الحقيقة عدوه، ولهذا فإنك ترى الإنسان إذا علم شيئاً أنس به وكرره على ذهنه وفهمه مرة بعد مرة، وإذا كان جاهلاً له فإنه غير آنس به ولا يرعيه(7) طرفاً ولا يلتفت إليه.
__________
(1) في (أ): ولا ينفتح عليه باب المغفرة، وما أثبته من (ب) ومن شرح النهج.
(2) في شرح النهج: من.
(3) في (ب): يعني.
(4) في (أ): يختص.
(5) في (ب): في.
(6) في (ب): والعدل.
(7) أي لا ينظر إليه.

[439] (الزهد كله كلمتان(1)): قد جمعهما الله تعالى(2) في كتابه الكريم، ثم تلا عليه السلام قوله: ({لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ})[الحديد:23]: أي لا تحزنوا عليه.
({وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ})[الحديد:23]: أي لا يصيبكم بذلك سرور، فعدم الالتفات إلى ما فات وعدم الفرح بما حصل(3) قد اشتملا على الزهد بأسره، فاستوليا عليه بحذافيره.
(فمن لم يَأسَ على الماضي): يلتفت إليه ولا يعرِّج عليه.
(ولم يفرح بالآتي): الحاصل في المستقبل.
(فقد أخذ الزهد بطرفيه): لأن طرفاً له متعلقاً بالماضي وهو عدم الاحتفال بالماضي، وطرفاً يتعلق منهما بالمستقبل وهو ألاَّ يفرح بما يحصل له فيما يستقبله من عمره من الخيرات، وهذا كله تعويل على زوال الدنيا وانقطاعها وبطلانها وفسادها، فلا يعرج فيها(4) على ما فات، ولا يفرح فيها(5) بما يأتي.
[440] (الولايات مضامير الرجال): المضمار هو: الموضع الذي تُضَمَّرُ فيه الخيل، وهو مكان السباق، والمضمار: عبارة عن الزمان، ومقداره أربعون يوماً تعلفها حتى تسمن ثم ترد إلى قوتها هذه المدة، فكل ما ذكرناه يسمى المضمار، وأراد أنها للولاة بمنزلة المضمار؛ لأنهم يمتحنون بها في الجودة والرداءة والشجاعة والجبن، وغير ذلك من الصفات الجيدة والردية.
__________
(1) في شرح النهج: الزهد كله بين كلمتين.
(2) تعالى، سقط من (ب).
(3) في (ب): يحصل.
(4) فيها، سقط من (ب).
(5) في (ب): منها.

[441] (ما أنقض اليوم لعزائم غد(1)!): يشير إلى أن من وعد أن يفعل فعلاً في الغد فإن إرواده في اليوم وتأنيه فيه يهون أمره وينقض ما قد كان عزم فيه على أن يفعله، وهو قد أورده على جهة التعجب من حاله، وهو جار مجرى الكناية في بطلان ما وعد به على أن يفعل(2) غداً، فإنه بصدد البطلان والزوال، وإنما الذي يرجى وقوعه ما وعد بفعله في وقته وحينه لا غير.
[442] (ليس بلد أحق(3) بك من بلد): يشير إلى أن البلاد مستوية بالإضافة إليك، لا تختص بك واحدة منها دون واحدة.
(خير البلاد ما حملك): استقامت فيه أحوالك وظهر فيها أمرك، وكنت فيها طيباً عيشك، هنياً مشربك ومأكلك، وعن هذا قال بعضهم:
تباً لذي أدب يرضى بمنقصة

ولا يكون كبان فوق قفاز(4)

يوماً بمصر وأرض الشام يسكنها

وبالعراقين أحياناً وشيراز

[443] وقال عليه السلام وقد جاءه نعي الأشتر رحمه الله:
(مالك وما مالك؟): الإستفهام وارد على جهة المبالغة والتهويل، والإفخام في شأنه، كأن حاله بلغ مبلغاً لا يعلم فهو يستفهم عنه، وهذا كثير في كتاب الله حيث يريد التعبير عما عظم شأنه، كقوله تعالى: {الْقَارِعَةُ ، مَا الْقَارِعَةُ}[القارعة:1-2]، {الْحَاقَّةُ ، مَا الْحَاقَّةُ}[الحاقة:1-2]، وذلك كثير لا يحصر.
(لو كان جبلاً لكان فِنْداً(5)): الفند: الطويل من الجبال، وقيل: المتفرد منها، وأراد ها هنا العظيم في الطول والانفراد عنها.
__________
(1) الحكمة في شرح النهج: ما أنقض النوم لعزائم اليوم!
(2) في (ب): يفعله.
(3) في شرح النهج: بأحق.
(4) القفيز: حديدة مشتبكة يجلس عليها البازي. (انظر القاموس المحيط ص670)
(5) بعده في شرح النهج: أو كان حجراً لكان صَلْداً.

(لا يرتقيه الحافر): تطلعه ذوات الحافر لصعوبته ولعسرة مرقاه.
(ولايوفي عليه الطائر): أوفى بالفاء إذا أشرف على الشيء، وأراد أن الطير لا توفي عليه أي لا تشرف لعلوه.
[444] (قليل مدوم عليه): أراد من الطاعات، وفي الحديث: ((إن الله يحب المداومة على العمل وإن قلَّ)).
(خير من كثير مملول منه): لأن مع الرغبة يحصل القبول، ومع الملالة يحصل الرد لا محالة، وفي الحديث: ((عليكم من العمل بما تطيقون، فإن الله لا يملُّ حتى تملَّوا)).
[445] وقال عليه السلام لغالب بن صعصعة(1) والد الفرزدق، واسم الفرزدق همام بن غالب(2)، في كلام دار بينهما:
(ما فعلت إبلك الكثيرة؟): البالغة في الكثرة مبلغاً عظيماً.
(فقال: ذعذعتها الحقوق يا أمير المؤمنين): أي فرقتها، يعني أخذتها الصدقات المطلوبة منها في كل عام.
فقال عليه السلام:
(ذاك أحمد سبلها): الإشارة إلى الأخذ على هذا الوجه، وأراد أنه أعظم الطرق التي يصدر تفريقها فيه، ويكون تبددها بسببه.
__________
(1) هو غالب بن صعصة بن ناجية التميمي الدارمي المجاشعي، المتوفى سنة40ه‍، جواد، من وجوه تميم، يلقب بابن ليلى، وهو والد الفرزدق الشاعر، أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووفد على علي، وله أخبار. (الأعلام5/114).
(2) هو همام بن غالب بن صعصعة التميمي، أبو فراس، المتوفى سنة111ه‍، المعروف بالفرزدق، شاعر من أهل البصرة، عظيم الأثر في اللغة والأخبار، شريف في قومه، عزيز الجانب، وهو صاحب القصيدة الشهيرة في الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام والتي مطلعها:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

والبيت يعرفه والحل والحرم

(انظر معجم رجال الاعتبار ص459 ت(908)).

ويحكى أن غالباً فاخر سحيم بن وثيل(1)، فعقر غالب ناقة، فعقر سحيم ناقتين، فنحر سحيم ثلاثاً، فعمد غالب إلى مائة ناقة فنحرها، فنكل سحيم عن ذلك، فقال له قومه: جلبت علينا عار الدهر كله، فاعتذر بأن إبله كانت غائبة، ثم تقدم الكوفة فعقر ثلاث مائة ناقة بكناسة الكوفة من إبله، ثم قال للناس: شأنكم بهذا(2)، فشعر بذلك أمير المؤمنين فقال:
(هذا مما أُهِلَّ به لغير الله، فلا يأكل منه أحد شيئاً) ثم أمر بطرد الناس عنه، فتخطفتها الطير وأكلتها السباع والوحوش.
ولله درُّ أمير المؤمنين فما أصلب نفسه في الدين!، وأعظم وطأته على إيحار صدور المتمردين!.
[446] (من عظَّم صغار المصائب، بلي(3) بكبارها): يريد أن الواحد إذا جرى عليه مصيبة وهي صغيرة في حالها فعظَّمها وكبَّرها في نفسه، ولم يجعل الصبر ذخيرة عند الله تعالى(4) من أجلها، فلا يمتنع أن الله تعالى يبلاه بأعظم منها عقوبة له(5) على فعله ذاك، وإبطال صبره على تلك المصيبة.
[447] (من كرمت عليه نفسه): عظمت عنده حالة نفسه، وأراد تكريمها.
__________
(1) هو سحيم بن وثيل بن عمرو الرياحي اليربوعي الحنظلي التميمي، المتوفى نحو سنة60ه‍، شاعر مخضرم، عاش في الجاهلية والإسلام، وناهز عمره المائة، كان شريفاً في قومه، نابه الذكر، أشهر شعره أبيات مطلعها:
أنا ابن جلا وطلاَّع الثنايا
(الأعلام 3/79).
(2) في (ب): بها.
(3) في شرح النهج: ابتلاه الله بكبارها.
(4) تعالى، سقط من (ب).
(5) له، سقط من (ب).

(هانت عليه شهوته): أراد أن إكرام النفس وإعزازها إنما يكون بانقطاع الشهوة عنها، وإذا قطع شهوته لم يتواضع لأحد، ولا يزول عن حالة العزة بنفسه؛ لأن ذلك إنما يكون من أجل التهالك في محبة الشهوات وإحرازها.
[448] (ما مزح رجل مزحة، إلا مجَّ من عقله مجَّة): يشير إلى أن المزاح قليله وكثيره لا خير فيه، وأرد أن المزحة الواحدة لا محالة تنزل قدره وتسقط(1) جلالة حاله، وفي الحديث: ((إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً))(2) وكلامهعليه السلام محمول على إفراط المزاح، أو على أنه مزح بما يكون سقوطاً في حاله وإنزالاً لدرجته في ذلك.
[449] (زهدك في راغب فيك نقصان حظ): يشير إلى أنك إذا انكففت عن صحبة من هو راغب في صحبتك وأبيت عنها، فإنما ذلك نقصان حظ لذلك الذي صحبك في صحبتك.
(ورغبتك في زاهد فيك ذل نفس): يريد أنك إذا رغبت فيمن يكون ممتنعاً من صحبتك فهذا لامحالة ذل نفس منك، وهون في الطبيعة، وعدم أنفة من جهتك.
[450] (ما لابن آدم والفخر!): إنكار عليه في التعلق بالفخر والرغبة فيه والتصريح به من جهة نفسه، وحاله معروفة.
__________
(1) في (ب): بسقوط جلالة حاله.
(2) رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج 6/330 ولفظ أوله فيه: ((إني أمزح ...))إلخ، وهو باللفظ الذي أورده المؤلف عليه السلام هنا في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف3/677، وعزاه إلى مجمع الزوائد للهيثمي9/17، والشفاء للقاضي عياض2/424، والمعجم الكبير للطبراني12/391، وكشف الخفاء1/572، وأخلاق الأنبياء86.

(أوله نطفة): مهينة قذرة لها رائحة خبيثة، ثم جرت في موضع البول عند انصبابها من الإحليل، ثم جرت في موضع الحيض عند صبِّها في رحم المرأة مرة وعند خروجه من بطن أمه مرة ثانية، ثم صار يغتذي في بطن أمه بدم الحيض، فهذه حالته في الأولية من خلقه.
(وآخره جيفة): وبعد موته يستقذر من رائحته، ويعاف أمره، وتنفر النفوس من رؤيته وقذر رائحته، فإذا كانت هذه حاله فكيف يفخر ويعلو أمره؟
(لا يرزق نفسه): لا يقدر على ذلك، ولا له مكنة عليه.
(ولا يدفع حتفه): ولايقدر على دفع ما يصيبه من الآفات والمصائب.
[451] (الغنى والفقر بعد العرض على الله): يشير بذلك إلى أن الغنى على الحقيقة(1) إنما هو بعد أن تعرض الأعمال على الله ثم يقبلها فهذا هو الغنى والفوز لا محالة، والفقر على الحقيقة بعد عرض الأعمال على الله وردها فهذا هو الويل على الحقيقة لأهله.
اللَّهُمَّ، أسعدنا بقبول الأعمال يوم يقوم الأشهاد.
[452] وسئل عليه السلام عن أشعر الشعراء؟
فقال:
__________
(1) في (ب): إلى أن الغنى حقيقة.

(إن القوم لم يجروا في حلبة تعرف الغاية عند قصبتها): الحلبة هي: موضع السباق للخيل، أو اسم للخيل المجتمعة التي تأتي من جهات مختلفة، ولم أحط بمراد أمير المؤمنين في قوله: (إنهم لم يجروا في حلبة واحدة)، فإن أراد أنهم لم يكونوا في وقت واحد فالتفرقة بالسبق والتأخر في الفصاحة والبلاغة في الشعر تدرك ولو كانوا في أزمنة متفاوتة، ولهذا فإنها تعرف الآن بينهم وإن تفاوتت أزمانهم، وإن أراد أن كل واحد لم يعارض صاحبه فيما جاء به من المعاني والمقاصد فليس الأمر كذلك، فإن المعارضة قد وقعت بين علقمة وامرئ القيس في معنى واحد، وزاد أحدهما على الآخر في ذلك المعنى فصاحة وبلاغة، وعُرِفَ مقدار التفاوت بينهما فيه، وإن أراد أن مقاصدهم في العلوم الشعرية متباينة وأفانينهم فيه مختلفة، إذ ليس لتلك الأساليب غاية ولا يمكن الإشارة إلى ضبطها بحد ونهاية(1)، فهذا وإن كان الأمر فيه كما ذكر، لكن هذا لايمنع مما (2) ذكرناه من معرفة السبق والتقدم، والفصيح والأفصح، وإن أراد أنهم لم يقصدوا معنىً واحداً يعبِّرون عنه بعبارات يعرف بها قدر التفاوت بينهم في السبق والتأخر، فقد رأينا الشاعرين يزدحمان على معنى واحد، ويعبِّر كل واحد منهما عن ذلك المعنى بعبارة يُعْرَفُ بها مقدار فضلهما في الفصاحة والبلاغة، ويزيد أحدهما على الآخر في ذلك، وهذا ظاهر لا يمكن دفعه.
__________
(1) في (ب): بحد ولا نهاية.
(2) في (ب): ما.

وهم في تناولهم المعنى الواحد وكسوه(1)، كل واحد منهم آتاه(2) عبارات غير عبارات الأول، منهم من يزيد على صاحبه فيه، ومنهم من يساوي، ومنهم من ينقص، فهذه ضروب ثلاثة نذكر من كل واحد منها مثالاً ليطَّلع الناظر على رونق البلاغة، ومحاسن الفصاحة، وكيفية تأديتهم للمعنى الواحد وتفاوت مقادير بلاغتهم فيه.
الضرب الأول: ما يكون بالزيادة
فمن ذلك قول قيس بن الخطيم(3) يصف كتيبة:
لو أنَّك تُلْقِي حَنْظَلاً فَوْقَ هَامِنَا

تَدَحرَج عن ذي سامةِ(4) المتقاربُ
__________
(1) في (أ): وكسبوه.
(2) في (ب): إياه.
(3) هو قيس بن الخطيم بن عدي الأوسي، المتوفى نحو سنة2 ق.ه‍، شاعر الأوس وأحد صناديدها في الجاهلية، أول ما اشتهر به تتبع قاتلي أبيه وجده حتى قتلهما وقال في ذلك شعراً، أدرك الإسلام فلم يسلم. (انظر الأعلام 5/205).
(4) في (ب): شامة وهو تصحيف، والبيت في لسان العرب 2/246 وقوله هنا: (هامنا) في اللسان: (بيضنا)، وقال في شرحه: قال ثعلب: معناه أنهم تراصُوا في الحرب حتى لو وقع حنظل على رؤوسهم على امِّلاسه واستواء أجزائه لم ينزل إلى الأرض. انتهى.

وذو سامة: بيضة الحديد المطلي بالذهب، والسام: عروق الذهب، أخذه ابن الرومي(1) فقال:
فلو حصَبتْهُم بالفضاءِ سحابةٌ

لظلّت على هاماتِهم تَتَدحرجُ(2)

ومن ذلك قول نهشل(3) في هذا المعنى:
تظلّكَ من شمسِ النهارِ رماحُهم

إذا رفعَ القومُ الوشيجَ المقوَّمَا

أخذه المتنبي فقال فيه:
تمنعَّها أن يصيبَها مطرٌ
شدة ما قد تضايق الأسلُ(4)
__________
(1) هو علي بن العباس بن جريج الرومي [221-283ه‍] أبو الحسن، شاعر كبير من طبقة بشَّار والمتنبي، رومي الأصل، كان جده من موالي بني العباس، ولد ونشأ ببغداد، ومات فيها مسموماً، وهو شيعي موالٍ لآل البيت"، وله ديوان شعر طبع في ستة مجلدات، وحول أدبه وشخصيته كتبت عدة كتب، منها: ابن الرومي حياته من شعره للأستاذ الأديب الكبير عباس محمود العقاد، قال العقاد: كان شيعياً معتزلياً. (انظر معجم رجال الاعتبار وسلوة العارفين ص301-302 ت(598)).
(2) هو من قصيدته الجيمية الشهيرة التي قالها في رثاء الإمام يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين السبط “، والذي استشهد سنة250ه‍في أيام ا