الكتاب : إعراب القرآن
المؤلف : الزجاج
 

الأول
ما ورد في التنزيل من إضمار الجمل
ولا شك أنك قد عرفت الجمل، ألا ترى أنهم زعموا أن الجمل اثنتان فعليه وأسمية، وقد ورد القبيلان في التنزيل وذكر إضمار الجمل سيبويه في مواضع من ذلك قوله العباد مجزيون بأعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر أي إن عملوا خيراً فالمجزى به خير ومثله هذا ولا زعماتك، أي ولا أتوهم أو فرقاً خير من حب، أي أفرق قال وحدثنا أبو الخطاب أنه سمع بعض العرب، وقيل له لم أفسدتم مكانكم هذا؟ قال الصبيان يا أبي فنصب، كأنه حذر أن يلام فقال لم الصبيان ومن ذلك قوله عز وجل بسم الله الرحمن الرحيم قال التقدير أبدأ باسم الله أو بدأت باسم الله، أو ابدأ باسم الله وأضمر قوم فيها اسماً مفرداً على تقدير اٌبتدائى باسم الله فيكون الظرف خبراً للمبتدأ وفيه فإذا قدرت أبدأ أو اٌبدأ يكون باٌسم الله في موضع النصب مفعولاً به وإذا قدرت اٌبتدائى باٌسم الله، يكون التقدير ابتدائى كائن باٌسم الله، ويكون في باسم الله ضمير انتقل إليه من الفاعل المحذوف، الذي هو الخبر حقيقة ومنه قوله تعالى " وإذ قال ربك " أي واذكر إذ قال ربك وإن شئت قدرت وابتداء خلقكم إذ قال ربك وكذلك قوله تعالى " وإذ قلنا للملائكة " أي واذكر إذ قلنا للملائكة وجميع إذ في التنزيل أكثره على هذا ومن حذف الجملة قوله تعالى " فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت " أي فضرب فانفجرت نظيره في الأعراف والشعراء فضرب فانبجست؛ فضرب " فاٌنْفَلَقَ " ومن ذلك قوله تعالى " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " أي فمن اضطر فأكل، وهو في صلة من و غير حال من قوله " اضطُرَّ " ، أو من الضمير في أكل وفيه كلام يأتيك في حذف المفعول ومثله " فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام " أي فأفطر فعدة من أيام، موضعين جميعاً ومثله " وعلى الذين يطيقونه فدية " أي فيفطرون ففدية ومثله " فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام " أي حلق ففدية فهذه أفعال حذفت من الصلة ومثله بل ملة إبراهيم حنيفاً أي تتبع ملة إبراهيم حنيفاً والكسائي يقول نكون أهل ملة إبراهيم حنيفاً ومثله صبغة الله أي الزموا صبغة الله فأما قوله تعالى " ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا " فالتقدير إذا حلفتم وحنثتم فحذف حنثتم و لابد من إضماره؛ لأن الكفارة بالحنث تجب لا بذكر اسم الله وهذه من طرائف العربية؛ لأن حنثتم معطوف على حلفتم؛ و " حلفتم " مجرور بالإضافة، فكأنه قال وقت حلفكم وحنثكم، والمتعارف حذف المضاف دون المضاف إليه وقد جاء ذلك أيضاً في التنزيل، وله باب في هذا الكتاب ومن ذلك إضمار القول في قوله تعالى " ورفعنا فوقكم الطور خذوا " في الموضعين في سورة البقرة وفي قوله تعالى " وظنوا أنه واقع بهم خذوا " أي قلنا لهم خذوا ومثله " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسمعيل ربنا " أي يقولان ربنا ومن ذلك قوله تعالى " الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا " أي يقولون ربنا عن الأخفش؛ لأنه يبتديء بقوله " الذين يذكرون الله قياماً " ويسند إليه " يقولون " المضمر مثله " وكتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة وتفصيلاً لكل شئ فخذها بقوة أي فقلنا له خذها بقوة ومنه قوله تعالى " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم " أي يقولون سلام عليكم ومنه قوله تعالى في قول الخليل " ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن " قال التقدير من يقال لهم أيهم؛ فحذف القول، كقولهم وكانت عقيل خامري أم عامر فيحمله على الحكاية دون " لَنَنْزِعَنَّ " ، على تعليق العلم عند الكوفيين و يجوز أن يكون تقديره لننزعن كل شيعة وكذلك يجوز عندهم لننزعنهم متشايعين ننظر أيهم أشد وسيبويه يجعله مبنياً على الضم ومن إضمار القول قوله تعالى " واٌخر من شكله أزواج هذا فوج مقتحم " أي يقال لهم هذا فوج مقتحم معكم ومنه قوله تعالى " والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم " أي يقولون ما نعبدهم " فيقولون " خبر المبتدأ ومنهم من جعل يقولون في موضع الحال، وجعل الخبر قوله " إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون "

ومنه قوله تعالى " إنما نطعمكم لوجه الله " أي يقولون " إنما نطعمكم " إذ الآيتان داخلتان في القول فلا وقف على قوله " ولا شكوراً " ومنه قوله تعالى " كلوا من رزق ربكم " ومن إضمار القول قوله تعالى " واسجد واقترب " ، أي قل للإنسان الطاغي واقترب تر العجب ومثله " قد جاءكم بصائر من ربكم " ، تقديره قل لهم قد جاءكم، فأضمر قل يدل عليه قوله تعالى " وما أنا عليكم بحفيظ " ومن إضمار الجملة قوله تعالى " فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين، أن أرسل معنا بني إسرائيل، قال ألم نربك " أي فأتياه وقالا له أرسل معنا بني إسرائيل فقال ألم نربك ومن ذلك قوله تعالى " يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال " في قراءة ابن عامر مرتبا للمفعول، كأنه قيل من يسبح؟ فقال يسبحه رجال ومن ذلك قوله تعالى " واللائي يئسن من المحيض " إلى قوله " واللائي لم يحضن " أي واللائى لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، فحذف المبتدأ والخبر ومن ذلك قوله تعالى " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة " والتقدير أمة غير قائمة ومنه قوله تعالى " وتؤمنون بالكتاب كله " أي وهم لا يؤمنون به كله، فحذف " وهم لا يؤمنون به كله " ومنه قوله تعالى " ولتستبين سبيل المجرمين " أي وسبيل المؤمنين، فحذف وقيل في قوله تعالى " وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون " إن التقدير وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون، فحذف؛ كقوله تعالى " ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن " والتقدير إن أردن أو لم يردن ومنه قوله تعالى " يغشى الليل النهار " أي ويغشى النهار الليل، فحذف ومنه قوله تعالى " سرابيل تقيكم الحر " أي وسرابيل تقيكم البرد، فحذف وقال تعالى " ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم، ربنا " أي يقولون ربنا وقال تعالى " فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم " أي بعثناهم ليسوءوا وقال تعالى " فآمنوا خيراً لكم " أي فآمنوا وأتوا خيراً لكم وقال الكسائي يكن الإيمان خيراً لكم وقال تعالى " وانفقوا خيراً لأنفسكم " أي وأتوا خيراً لأنفسكم " وأنشدوا
فواعديه سرحتى مالك ... أو الربا بينهما أسهلا
أي ائتى مكاناً أسهل ومن إضمار الجملة قوله تعالى " فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى " أي فضربوه ببعضها فحيى، وأخبر بقاتليه ثم خر ميتاً يدل على صحة الإضمار قوله " ثم قست قلوبكم " ، ف قست معطوف على " خَرَّ " ومن إضمار الجملة قوله تعالى " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه " أي فأكل غير باغ فلا إثم عليه ونظيره في المائدة " فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم " أي فأكل غير متجانف نظيره في سورة النحل " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم " أي فأكل وكذا في الأنعام " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم " أي فأكل وفي الآى كلام تراه في حذف المفعول ومن إضمار الجملة قوله تعالى " قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله " والتقدير فليمت غيظاً نظيره " فإن استطعت أن تبتغى نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية " ولم يقل فافعل وعلى هذا إضمار جواب لو في التنزيل، كلها جمل حذفت قال الله تعالى " ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً " أي لعلموا أن القوة ومنه قوله تعالى " ولو أن قرآناً سيرت بن الجبال " ولم يقل لكان هذا القرآن فأما قوله تعالى " لو تعلمون علم اليقين " فالتقدير عند الأخفش ماألهاكم التكاثر، فأضمر لجرى ذكره في أول السورة وعند غيره لو تعلمون علم اليقين لعلمتم أنكم ستردون الجحيم في الآخرة دل على هذا الخلاف " لترون الجحيم " فأما قوله تعالى " كلا سوف تعلمون " فالمعنى كلا لا ينفعكم التكاثر، فحذف وقوله " كلا لو تعلمون " أي كلا لا تؤمنون ومن ذلك قوله تعالى " فتوبوا إلى بارئكم " ثم قال تعالى " فتاب عليكم " وأضمر " فتبتم " أي تبتم فتاب عليكم ومنه قوله تعالى، في حذف الجملة " ويعقوب يا بنيَّ إن الله اصطفى لكم الدين " أي ويعقوب قال وقال عثمان في قوله تعالى " فمن عفى له من أخيه شئ " يجوز أن يرتفع " شئ " ب " عفي " ، أو بفعل محذوف يدل عليه قوله " عُفي " ؛ لأن معناه ترك له شئ من أخيه، أي من حق أخيه، ثم حذف المضاف وقدم الظرف الذي هو صفة للنكرة عليها، فانتصب على الحال في الموضعين منها

وهذه الآية تجاذبها باب الجملة، وباب الإضافة، وباب حذف حرف الجر، وباب الحال، وستراها هناك إن شاء الله وحده ومن ذلك قوله تعالى " كتب عليكم الصيام أياماً معدودات " تقديره صوموا أياماً معدودات، فحذف صوموا لأن قوله " كتب عليكم الصيام " يدل عليه ولا ينتصب ب " الصيام " ؛ لأن الصيام مصدر فلا يفصل بينه وبين أيام بالكاف المنصوبة ب " كتب " ؛ لأن التقدير كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على الذين من قبلكم ومثل هذه الآية قوله تعالى " لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً " والتقدير وأحسنوا بالوالدين إحساناً؛ فأضمر وأحسنوا؛ لأن المصدر يدل عليه والدليل عليه قوله تعالى " وقولوا للناس حسناً " ومنه قوله تعالى " فإن خفتم فرجالاً " أي فصلوا رجالاً ومن إضمار الجملة قوله تعالى " وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس " والتقدير لتستيقن ولنجعلك آية للناس نظيره قبله " ولأتم نعمتى عليكم " تقديره واشكروا ولأتم وقيل هو معطوف على قوله " لئلا يكون للناس عليكم حجة " ، ولأتم نعمتي عليكم " وأما قوله تعالى " ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم " فهو معطوف على المعنى؛ لأن قبله " قد جئتكم ومصدقا لما بين يدى " أي جئتكم لأصدق التوراة والإنجيل، ولأحل لكم، ولتكملوا العدة نظيره في أحد القولين في سورة مريم عليها السلام " ولنجعله آية للناس " والتقدير قال كذلك قال ربك، ويكون " علّي هّين " لأخلقه من غير أب، ولنجعله آية للناس وقيل هو معطوف على قوله تعالى " لأهَبَ لَكِ " وقيل الواو في الآى كلها مقحمة ومثله " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث " والتقدير ليستقيم أمره ولنعلمه مثله " وكف أيدي الناس عنكم " أي لتسلموا من أذاهم، وشذاهم " ولتكون آية للمؤمنين " ومثله " فبإذن الله وليخزى الفاسقين " أي فبإذن الله ليظهر الحق قال أبو علي في قوله تعالى " بوالديه إحساناً في سورة الأحقاف في قراءة الكوفيين إحساناً منصوب بمضمر يدل عليه ما قبله، وهو قوله " ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً " كأنه لما قال " أخذنا ميثاق بني إسرائيل " قال وقلنا لهم أحسنوا بالوالدين إحساناً كما قال " وإذا أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة " ، فالجار يتعلق بالفعل المضمر، ولا يجوز أن يتعلق بالمصدر، لأن ما يتعلق بالمصدر لا يتقدم عليه و " أحسن " يوصل بالباء كما يوصل بإلى، يدلك على ذلك قوله تعالى " وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن " فعداه بالباء كما تعدى بإلى في قوله تعالى " وأحسن كما أحسن الله إليك " والتقدير أنه لما قال " ووصينا الإنسان " وكان هذا الكلام قولا، صار كأنه وقلنا أحسن أيها الإنسان بالوالدين إحسانا ووجه من قرأ في الأحقاف " بوالديه حسناً " أن يكون أراد بالحسن الإحسان، فحذف المصدر ورده إلى الأصل، كما قال الشاعر
فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يهلك فذلك كان قدري
أي تقديري ويجوز أن يكون وضع الاسم موضع المصدر كما قال
وبعد عطائك المائة الرتاعا
والباء في هذين الوجهين متعلقة بالفعل المضمر، كما تعلقت به في قول الكوفيين في قراءتهم إحساناً ومن إضمار الجملة قراءة ابن كثير في قوله تعالى " أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم " بالاستفهام، على تقدير بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، تعترفون أو تقرون؟ فأضمر، لأن قوله " ولا تؤمنوا " يدل عليه كما قال " آلآن وقد عصيت قبل " والتقدير الآن آمنت، فأضمر آمنت لجرى ذكره في قوله " آمنت " ومن ذلك قوله تعالى " كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم " والتقدير ولو شهدتم على أنفسكم، فحذف الفعل فأما قوله تعالى " وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى " أي ولو كان المشهود عليه ذا قربى ومن ذلك قوله تعالى " ولما جاءهم كتاب من عند الله " إلى قوله " يستفتحون على الذين كفروا " فحذف جواب " لمَّا " أي كفروا ودل عليه قوله تعالى " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به " ولا يكون " لما " الثانية بجوابها جواب " لما " الأولى؛ لأنا لا نعلم " لما " في موضع، لما أجيب بالفاء، كذا ذكره الفارسي فإذن نجئ بقول عمرو بن معد يكرب
فلما رأيت الخيل زورا كأنها ... جداول زرع خليت فاسبطرت
فجاشت إلى النفس أول مرة ... فردت على مكروهها فاستقرت
فأجاب لما بقوله فجاشت

فأما قوله تعالى " فلما أسلما وتله للجبين " فإن الجواب محذوف أيضاً وقيل بل الواو مقحمة وعلى هذا الخلاف قوله تعالى " إذا السماء انشقت " قيل جوابه محذوف، أي قامت القيامة وقيل بل الواو في وأذنت مقحمة، والجواب أذنت وقيل بل الجواب قوله " فأما من أوتي كتابه " وقيل بل الفاء مضمرة، أي ف " يا أيها الإنسان إنك كادح " ونظير هذا قوله تعالى " حتى إذا فتحت ياجوج ومأجوج " إلى قوله " واقترب الوعد الحق " ومثله " ولنحمل " أي اتبعوا سبيلنا ولنحمل ومثله " فلما ذهبوا به وأجمعوا " إلى قوله " وأوحينا " الواو مقحمة وقيل بل الجواب مضمر فأما قوله تعالى " إذا وقعت الواقعة " ، فقيل الجواب " ليس لوقعتها كاذبة " أي إذا وقعت الواقعة لم يكن التكذيب بها وقيل بل الجواب قوله " خافضة رافعة " أي فهي خافضة رافعة قال أبو علي وإذا جاز " فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم " على تقدير فيقال لهم أكفرتم بعد إيمانكم؟ فحذف الفاء مع القول، وحذف الفاء وحده أجوز وقيل جوابه " إذا رجت الأرض " أي وقت وقوع القيامة وقت رج الأرض وقيل بل العامل فيه اذكر ومن حذف الجملة قوله تعالى " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وتقديره وأنتم محدثون فاغسلوا وقدره قوم إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا من أجلها وكلاهما تحتمله العربية ومن حذف الجملة ما وقع في سورة الأعراف وفي سورة هود من قوله " وإلى عاد أخاهم هوداً " " وإلى ثمود أخاهم صالحاً " " وإلى مدين أخاهم شعيباً " والتقدير في ذا كله وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا؛ وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً، وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيباً هذا على قول من قال إن العامل مع الواو في تقدير الثبات، وله العمل دون الواو ومن قال بل العامل هو الواو نفسه، لم يكن معطوفاً على ما تقدم من قوله " ولقد أرسلنا نوحاً " وذلك كقوله تعالى " فكيف إذا جمعناهم " " فكيف إذا أصابتهم مصيبة " " كيف وإن يظهروا عليكم " والتقدير فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم يدل على صحته قوله تعالى " كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله " ف " عهد " اسم يكون وعند الله صفة له وكيف خبر عنه، أعني يكون وللمشركين ظرف يكون ومن حذف الجملة، قوله تعالى " ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم " والتقدير من يحادد الله ورسوله يعذب، فحذف الجواب كحذفه فيما قدمناه وقوله تعالى " فأن له نار جهنم " بدل من " أنه من يحادد الله ورسوله " والفاء زيادة على قوله سيبويه وقال غيره إن " أنّ " مرتفع بالظرف، أي فله أن له، وستراه في بابه ومن حذف الجملة قوله تعالى " قال لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد " والتقدير لالتجأت إليه فحذف الجواب وقال النبي صلى الله عليه وآله رحم الله أخي لوطاً قد وجد ركناً شديداً ومن ذلك الآية الواردة في صلاة الخوف، وهو قوله عز من قائل " وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم؛ ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم " اختصر وأوجز وأطنب وأسهب، وأتى بالبلاغة والفصاحة بحيث لا يفوتها كلام، ولا يبلغ كنهها بشر، فتحقق قوله " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً " فاعرف أيها الناظر كيفية صلاة الخوف، ثم انظر في الآية يلح لك إيماؤنا إلى ما أومأنا إليه قال أبو حنيفة إذا اشتد الخوف جعل الإمام الناس طائفتين في وجه العدو، وطائفة خلفه؛ فصلى بهذه الطائفة ركعة وسجدتين، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية مضت هذه الطائفة إلى وجه العدو، وجاءت تلك الطائفة فصلى بهم ركعة وسجدتين وتشهد وسلم، ولم يسلم القوم وذهبوا إلى وجه العدو، وجاءت طائفة أخرى فصلوا وحدانا ركعة وسجدتين بغير قراءة وتشهد، ومضوا إلى وجه العدو، وجاءت طائفة أخرى فصلوا ركعة وسجدتين بقراءة وتشهد وسلموا

فإذا عرفت هذا فقوله تعالى " فلتقم طائفة منهم معك " فمعناه فلتصل طائفة منهم لم يصلوا معك، أي فلتقم طائفة بركعة، فحذف ثم قال " فليأخذوا أسلحتهم " أي الذين انصرفوا إلى تجاه العدو ولم يصلوا معك، وليأخذوا أسلحتهم ثم قال " فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم " يعني الطائفة التي صلت تقوم بإزاء العدو حين فرغت من ركعة عقيب السجدة، لأن الفاء للتعقيب فلا يجوز إذا سجدت الثانية أن تقف لتتم الركعة الأولى فتضم إليها الركعة الثانية، لأن الفاء يبطل معناها إذ ذاك، فوجب أن يكونوا من وراء عقيب السجدة بإزاء العدو، ولا تقف للركعة الباقية، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ركعة، فحذف المفعول ولم يقل فلتنصرف الأولى وتؤدى الركعة بغير قراءة وتسلم فحذف هذه الجملة، وحذف المفعول من قوله " فليصلوا معك " ، وحذف الجار والمجرور من قوله " فليقم طائفة منهم معك " وأضمر في قوله " وليأخذوا أسلحتهم " غير الطائفة المأمورين بالقيام معه فلا ينصرف الضمير من قوله " وليأخذوا " إلى الظاهر قبله؛ وإنما التقدير وليأخذ باقيهم أسلحتهم؛ فحذف المضاف فاتصل المنفصل ونظير حذف الباقي قوله تعالى " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين " ، أي ليتفقه باقيهم ولما أضمر غير المقدم ذكرهم رجع إلى ذكرهم في قوله " فإذا سجدوا " فخالف بين الضميرين اللذين أحدهما بعد صاحبه فلا يمكنك إنكاره بقولك لم خالفت بينهما؟ ولم تجعل قوله " وليأخذوا " راجعاً إلى الطائفة التي أمرت بالقيام معه حتى تأخذ السلاح معه في الصلاة؛ لأن اختلاف الضميرين قد جاء في التنزيل قال عز من قائل " فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها " فالهاء الأولى لصاحبه، والثانية له صلى الله عليه وآله وقال " إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون " فالهاء في به لله؛ والمتقدمان للشيطان وقال " وما بلغوا معشار ما آتيناهم " فالضمير في بلغوا لمشركي مكة؛ والذي في آتيناهم للمتقدمين من المشركين وقال " الشيطان سول لهم وأملي لهم " ، أي أملي لهم الله، فالذكر في أملى غير الذكر في " سَوَّلَ " وقال تعالى " لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه " فالهاء الأخيرة لله، والمتقدمان للنبي صلى الله عليه وعلى آله فكذا ها هنا " وليأخذوا أسلحتهم " لمن لم يقم معه، ويكون الضمير في " فإذا سجدوا " لمن معه فتحقق قولنا إنه اختصر وأوجز فأما قولنا أطنب وأسهب، فقوله عز من قائل " ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا " ولو قال ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك، كان حسناً أيضاً، لكنها وصفت بقوله " أخرى " إطنابا في الكلام، كما قال " لا تتخذوا إلهين اثنين " وقال " ومناة الثالثة الأخرى " وقال " فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة " وقال " أولئك لهم عذاب من رجز أليم " فيمن رفع، لأن المعنى لهم عذاب أليم من عذاب؛ لأن الرجز العذاب، بدلالة قوله " فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء " وقوله تعالى " لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك " وقال " فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه " وفي موضوع آخر " فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم " قال أبو علي ومن قال لهم عذاب من رجز أليم، فرفع أليماً كان المعنى لهم عذاب أليم من عذاب وليست فائدته كذلك فالقول في ذلك أمران أحدهما أن الصفة قد تجيء على وجه التأكيد، كما أن الحال قد تجئ كذلك في قوله تعالى " وهو الحق مصدقاً " وفي قوله " نزاعة للشوى " وكذا الصفة فيما تلونا، وفي بعض المصاحف " ولي نعجة أنثى " والآخر أن الرجز النجاسة، فيحمل على البدل للمقاربة ومعنى النجاسة فيه قوله " ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه " فكأن المعنى عذاب من تجرع رجزاً ومن شربه، فتكون من تبييتاً للعذاب مما هو؟ ومن أي شئ؟ وقال الشافعي في صلاة الخوف يفتتح الإمام الصلاة بالجميع، ثم تذهب طائفة إلى وجه العدو، ويصلى بطائفة ركعة وسجدتين بمقام ويقف حتى تصلى هذه الطائفة ركعة أخرى ويسلموا ثم تذهب هذه الطائفة وتقف بإزاء العدو، وتأتى الطائفة التي لم تصل شيئاً، فيصلي الإمام بهم الركعة الثانية، ثم يقومون ويقضون الركعة الأخيرة والدليل على ما قلنا قول الله تعالى " وإذا كنت فيهم فأقمت لهم " الآية

فالله تبارك وتعالى أثبت طائفة لم يؤدوا شيئاً من الصلاة مع الإمام، وعنده لا يتصور هذا ها هنا، لأن الطائفة الثانية افتتحوا الصلاة مع الإمام فقد أدوا جزءاً من الصلاة حال الافتتاح، ولأنه قال " ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك " وهذا يدل على خلاف قوله؛ لأن الطائفة الثانية قد صلت عنده وقال " فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم " والفاء للتعقيب، فهذا يدل على أن الطائفة الأولى تنصرف عقيب السجود، وعنده تصلى ركعة ثم تنصرف ولأن ما يقوله الشافعي يؤدى إلى سبق المؤتم الإمام بالفراغ بالصلاة، وإلى أن يقف الإمام ينتظر فراغ المؤتم من الصلاة، وهذا لا يجوز في غير حال الخوف، فكذلك فيها كسائر الأعمال وإنما قلنا إن الطائفة الأولى تقضي ركعة بغير قراءة، لأنها أدركت الصلاة فهي في حكم من هو خلف الإمام؛ وأما الثانية فلم تدرك أول الصلاة، والمسبوق فيها يقضى كالمنفرد في صلاته ومن ذلك قوله " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه " أي لولا أن رأى برهان ربه لواقعها، أو لهم بها وقال " ولولا أن تصيبهم مصيبة " أي لولا أن يحتجوا لو أصابتهم مصيبة، بأن يقولوا لولا أرسلت رسولاً فاتبعنا لما أرسلنا الرسل وقيل عاجلناهم بالعقوبة وقيل لكان فيما تقدم من الرسل المبعوثين قبلهم حجة عليهم ومن حذف الفعل قوله تعالى " إذا الشمس كورت " أي إذا كورت الشمس و " وإن أحد من المشركين استجارك " أي إن استجارك أحد و " إن امرؤ هلك " أي هلك امرؤ و " إن امرأة خافت " أي إن خافت امرأة و " إذا السماء انفطرت " إلى قوله " وإذا القبور بعثرت " أي انفطرت السماء، وانتثرت الكواكب، وفجرت البحار، وبعثرت القبور وقال " إذا السماء انشقت " أي إذا انشقت السماء وأما قوله " وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ " فالتقدير أحلف وأقسم، فحذف الفعل مع الفاعل، وفي الأول حذف الفعل، فحسب ومن ذلك قوله تعالى " كيف وإن يظهروا عليكم " أي كيف لا يقاتلونكم، فحذف الجملة فأما قوله تعالى " فكيف إذا جئنا " أي كيف أنتم إذا جئنا! فحذف المبتدأ، بخلاف قوله؛ " فكيف إذا جمعناهم " لأنه كالأول، أي كيف تكون حالهم! أي وكيف يصنعون! ومن إضمار الجملة قوله تعالى " حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها " كذا وكذا، صدقوا وعدهم وطابت نفوسهم والكوفى يحمله على زيادة الواو ومن ذلك قوله تعالى " وآتاكم من كل ما سألتموه " والتقدير وما لم تسألوه، فحذف هذه الجملة، وهي من موضع الجر، أعنى الموصولة بالعطف على " ما " الأولى وقد حذف في الحقيقة اسما معطوفا على المضاف إليه، وكأنه قال من كل مسئولكم وغير مسئولكم، ف ما يكون موصولا أو موصوفا، وأن يكون موصوفا أحب إلينا، لأن " كُلاًّ " يقنضى النكرة؛ نظيره " هذا ما لدى عتيد " أي هذا شئ لدى عتيد؛ ومن كل شئ سألتموه ومن ذلك قوله تعالى " وإن تولوا فإنى أخاف عليكم " أي فقل لهم إني أخاف ويجوز في " تولوا " تقديران المضى، والاستقبال، لقوله " يمتعكم " ومن ذلك قوله تعالى " ودخل معه السجن فتيان " أي عزموا على سجنه فسجنوه، ودخل معه السجن فتيان ومن ذلك قوله " هذا بلاغ للناس ولينذروا به " قيل الواو مقحمة وقيل التقدير هذا لإبلاغ الناس ولينذروا به وقال أبو علي اللام تتعلق بفعل محذوف، كأنه قال وأنزل لينذروا ويعلموا التوحيد من الدلالات التي فيه؛ كما قال الله تعالى " كتاب أنزل إليك لتنذر " وقال " أنزل على عبده الكتاب لينذر بأساً شديداً " ومنه قوله تعالى " أرسل معنا بني إسرائيل " أي بأن أرسل معنا، فحذف ومنه قوله تعالى " قل اللهم مالك الملك " والتقدير أعزنا ولا تذلنا وقال " لو أنهم كانوا يهتدون " أي لو أنهم كانوا ما رأوا العذاب ومنه قوله تعالى " لكن الله يشهد " لما قال الله تعالى " إنا أوحينا إليك " قال المشركون نحن لا نشهد لك بذلك فقيل " لكن الله يشهد " لا بد من ذا الحذف، لأن " لكن " استدراك بعد النفي ومنه قوله تعالى " فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه " أراد فبعث الله غراباً يبحث التراب على غراب ميت ليواريه، أي ليريه كيف يوارى سوأة أخيه

ومن ذلك ما وقع في قصة شعيب " أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقاً حسناً " لم يذكر للاستفهام جواباً، والمعنى أخبروني إن كنت على بينة من ربي ورزقني النبوة وجعلني رسولاً إليكم وأنتم تدفعونني، فماذا حالكم مع ربكم؟ فحذف ماذا حالكم
الثاني
ما جاء من حذف المضاف في التنزيل
وليس من هذه الأبواب في التنزيل أكثر من هذا وقد ذكر سيبويه حذف المضاف في الكتاب في مواضع، فمن ذلك قوله حكاية عن العرب اجتمعت اليمامة، أي أهل اليمامة؛ وقوله " صدنا قنوين " ، أي وحش قنوين فمما جاء في التنزيل قوله تعالى " مالك يوم الدين " والتقدير مالك أحكام يوم الدين وقدره الفارسي تقدير حذف المفعول، أي مالك يوم الدين الأحكام؛ فتكون الأحكام المفعول، فلا يكون على قوله من هذا الباب ومن ذلك قوله تعالى " لا ريب فيه " أي في صحته وتحقيقه ومنه قوله تعالى " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم " أي على مواضع سمعهم، فحذف؛ لأنه استغنى عن جمعه، لإضافته إلى الجمع؛ لأن سيبويه قال
وأما جلدها فصليب
أكثره في الشعر وتبعه الفارسي فحمل " في مقعد صدق " على حذف المضاف، أي ذي صدق؛ وحمل " لسبأ في مسكنهم " على حذف المضاف وخفيت الخافية عليهم في قوله تعالى " لا يريد إليهم طرفهم " فأضاف المفرد، وليس هناك مضاف محذوف ومنه قوله تعالى " ويمدهم في طغيانهم " أي في عقوبة طغيانهم ومنه قوله تعالى " أو كصيب من السماء " أي كأصحاب صيب من السماء؛ دليله قوله يجعلون أصابعهم " ف يجعلون في موضع الجر وصف للأصحاب؛ من الصواعق أي من شدتها وأجلها؛ وقوله تعالى " فيه ظلمات " لأنه لا يخلو من أن يعود إلى " الصيب " أو إلى " السماء " ؛ فلا يعود إلى " الصيب " لأن الصيب لا ظلمات فيه ويدل على هذا الحذف قوله تعالى " ورعد وبرق " فهما معطوفان على " الظلمات " ولا يجوز أن يكون الرعد والبرق مما ينزل؛ وأنهما في السماء، لاصطكاك بعض أجرامها ببعضها روى عن الحسن أن ذلك من ملك، فقد يجوز أن يكون الملك في السحاب، ويكون من هذا قراءة من قرأ سحاب ظلمات، بالإضافة، لاستقلال السحاب وارتفاعه في وقت كون هذه الظلمات وقدره مرة أخرى، أي سحاب وفيه الظلمات؛ فكذلك فيه ظلمات، أي في وقت نزوله ظلمات ومنه قوله تعالى " جعل لكم الأرض فراشاً " أي ذا فراش " والسماء بناء " أي ذا بناء، " يضل به كثيراً " أي بإنزاله " ويهدي به كثيراً أي بإنزاله " خلق لكم ما في الأرض " ، أي لانتفاعكم، ثم " استوى إلى السماء " أي إلى خلق السماء وقوله تعالى " جنات تجري من تحتها الأنهار " أي من تحت أشجارها وقدره أبو علي من تحت مجالسها ومنه قوله تعالى " إني أعلم غيب السموات والأرض " أي ذا غيب السموات وقيل غيب، بمعنى غائب؛ لأن ذا غيب صاحب غيب، وهو يكون غائباً ومنه قوله تعالى " ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً " أي ذا ثمن، لأن الثمن لا يشتري، وإنما يشتري شئ ذو ثمن ومن ذلك قوله تعالى " واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً " أي عقاب يوم، لا بد من هذا الإضمار، لأنه مفعول اتقوا، فحذف وأقيم اليوم مقامه فاليوم مفعول به وليس بظرف، إذ ليس المعنى ائتوا في يوم القيامة، لأن يوم القيامة ليس بيوم التكليف ومن حذف المضاف قوله تعالى " وإذا واعدنا موسى أربعين ليلة " أي انقضاء أربعين ليلة قال أبو علي ليس يخلو تعلق الأربعين ب الوعد من أن يكون على أنه ظرف أو مفعول ثان، فلا يجوز أن يكون ظرفاً لأن الوعد ليس فيها كلها فيكون جواب كم، ولا في بعضها فيكون كما يكون جواباً ل متى، لأن جواب كم يكون عن الكل، لأنك إذا قلت كم رجلاً لقيت؟ فالجواب عشرين، فأجاب عن الكل وجواب متى جواب البعض لأنك إذا قلت متى رأيت؟ يقال في جوابه يوم الجمعة، وهو بعض الأيام التي يدل عليه متى، فإذا لم يكن ظرفاً كان انتصابه بوقوعه موقع المفعول الثاني، والتقدير واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة، أو تتمة أربعين ليلة، فحذف المضاف، كما تقول اليوم خمسة عشر من الشهر، أي تمامه ونظيره في الأعراف " وواعدنا موسى ثلاثين ليلة " أي انقضاء ثلاثين " وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة " والميقات هو الأربعون، وإنما هو ميقات ووعد، لما روى أن القديم سبحانه وتعالى وعده أن يكلمه على الطور

فأما انتصاب الأربعين في قوله " فتم ميقات ربه أربعين ليلة " فذلك كقولك تم القوم عشرين رجلاً والمعنى تم القوم معدودين هذا العدد وتم الميقات معدوداً هذا العدد فيكون عشرين حالاً، كما أن معدودين كذلك ونظيره قوله تعالى " وواعدناكم جانب الطور الأيمن " أي إتيان جانب الطور الأيمن، فحذف المضاف الذي هو مفعول ثان وقام مقامه جانب وليس جانب ظرفاً لأنه مخصوص، كقوله
فواعديه سرحتى مالك
أي إتيان سرحتى مالك ومن ذلك قوله تعالى " ثم اتخذتم العجل " أو صورته، لأنهم لم يعبدوا العجل حقيقة من بعده، أي من بعد خروجه وكذلك " ثم اتخذتم العجل من بعده " في رأس التسعين، فإنه لم يكن فيه حياة كما يكون في العجل حقيقة، بل كان صورة مموهة وصنعوه صورة العجل وقيل من بعد إنجائنا إياكم نظيره " ما تعبدون من بعدي " أي من بعد وفاتي " ثم عفونا عنكم " أي عن عبادتكم العجل ومثله " أتتخذنا هزواً " أي ذوي هزو ومنه قوله " وكلا منها رغداً " أي من نعيمها نظيره " فكلوا منها حيث شئتم " أي من نعيمها ومثله في الأعراف ومن ذلك قوله " وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم " أي حب عبادة العجل، فحذف حب أولا، فصار وأشربوا في قلوبهم عبادة العجل، ثم حذف العبادة ومثله " من أثر الرسول " أي من أثر تراب حافر فرس الرسول وقال الكلبي لما ذرى العجل في اليم وشربوا منه الماء ظهرت علامة الذهب على بدن محبي العجل، فذلك قوله " وأشربوا في قلوبهم العجل " وإذا جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً " أي ذا أمن وإن شئت أمنا كان بمعنى آمن ومن ذلك قوله تعالى " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت " أي لها جزاء ما كسبت " ولكم ما كسبتم " أي جزاء ما كسبتم ومنه قوله تعالى " والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها " أي في عقوبة اللعنة، وهي النار " كذلك يريهم الله أعمالهم " أي جزاء أعمالهم قوله تعالى " ومثل الذين كفروا " أي مثل داعي الذين كفروا " كمثل الذي ينعق " لا بد من هذا الإضمار ليكون الداعي بمنزله الراعي وقيل " ومثل الذين كفروا " مثل وعظ الذين كفروا، فحذف المضاف قال سيبويه وهذا من أفصح الكلام إيجازاً واختصاراً؛ ولأن الله تعالى أراد تشبيه شيئين بشيئين الداعي والكفار، بالراعي والغنم؛ فاختصر وذكر المشبه في الغنم بالظرف الأول؛ فدل ما أبقى على ما ألقى وهذا معنى كلامه ومثله " إنما حرم عليكم الميتة " أي أكل الميتة، فحذف وقوله تعالى " ولكن البر من آمن " أي ولكن ذا البر وإن شئت ولكن البر بر من آمن وإن شئت كان البر بمعنى البار، فلا يكون من هذا الباب ولا وجه أن يكون التقدير ولكن البر بر من آمن، ليكون ابتداء الكلام على الحقيقة؛ لأنه إذا حذف منه ذا، أو جعل بمعنى البار، فعلى الوجهين يكون مغيراً عن أصله " فمن عفى له من أخيه شيء " أي من جناية أخيه، وتقديره من جنايته على أخيه والعفو التيسير دون الصفح، كالذي في قوله وآخره عفو لله، أي يسر له حيث قبلت الصلاة في آخره قبولها في أوله، لم تضيق على المصلى وقال في موضع آخر " فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان " الآية هذا في قبول الدية في العمد، أي من يسر له من أخيه القاتل فاتباع بالمعروف، أي ليتبعه ولى المقتول بالمعروف، فيتجمل في المطالبة، وليؤد المطالب ذلك منه إلى ولي المقتول بإحسان فلا يمطله ولا يبخسه فقوله تعالى " وأداء إليه بإحسان " مرتفع بالابتداء، وخبره له، هي مضمرة في تقدير الفاعل أن يؤدى إليه أخوه، والجار في بإحسان متعلق بمضمر في موضع حال والتقدير متلبساً بإحسان، أي محسناً ولا يتعلق بالمصدر نفسه، لأنه قد تعلق به إلى، والضمير في إليه، راجع إلى " مَنْ عُفِىَ لَهُ " ومن ذلك قوله " إنا لله وإنا إليه راجعون " أي إلى كرامته ومنه قوله تعالى " ولكم في القصاص حياة " أي في استيفاء القصاص، أو في شرع القصاص ومن ذلك قوله تعالى " الشهر الحرام بالشهر الحرام " أي انتهاك حرمة الشهر الحرام " والحرمات قصاص " أي ذات قصاص ومن ذلك قوله تعالى " الحج أشهر معلومات " أي أشهر الحج أشهر وإن شئت الحج حج أشهر وإن شئت كان الحج نفس الأشهر، مجازاً واتساعاً، لكونه فيها ومن ذلك قوله " قل فيهما إثم كبير " أي في استعمالهما ووقع في الحجة في استحلالهما، وهو فاسد، لأن استحلالهما كفر، واستعمالهما إثم

ومن ذلك قوله تعالى " فمن شرب منه فليس منى " أي ليس من أهل ديني ومن ذلك قوله " نساؤكم حرث لكم " أي " فروج نسائكم ومثله قوله تعالى " وإني خفت الموالي من ورائي " أي تضييع بني عمي، فحذف المضاف والمعنى على تضييعهم الدين، ونبذهم إياه، واطراحهم له، فسأل ربه وليا يرث نبوته ومنه قوله تعالى " قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله " أي ملاقون ثواب الله، كقوله تعالى " ملاقوا ربهم " وقوله تعالى " أنكم ملاقوه " أي ثوابه وهذا قول نفاة الرؤية ومن أثبت الرؤية لم يقدر محذوفا ومن ذلك قوله تعالى " فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما " أي فلتحدث شهادة رجل وامرأتين أن تضل إحداهما وقال أبو علي لا يتعلق " أَنْ " بقوله " واستشهدوا شهيدين من رجالكم أن تضل إحداهما " لم يسغ، ولكن يتعلق " أن " بفعل مضمر دل عليه هذا الكلام، وذلك أن قوله " فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان " يدل على قولك واستشهدوا رجلا وامرأتين، فتعلق " أَنْ " إنما هو بهذا الفعل المدلول عليه من حيث ما ذكرناه وقال أبو الحسن في قوله " فرجل وامرأتان " التقدير فليكن رجل وامرأتان وهذا قول حسن، وذلك أنه لما كان قوله " أن تضل إحداهما " لا بد أن يتعلق بفعل، وليس في قوله " فَرَجُلٌ وامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ " فعل ظاهر، جعل المضمر فعلا يرتفع به النكرة ويتعلق به المصدر، وكان هذا أولى من تقدير إضمار المبتدأ الذي هو ممن شهد به رجل وامرأتان، لأن المصدر الذي هو أن تضل إحداهما، لا يجوز أن يتعلق به، لفصل الخبر بين الفعل والمصدر فإن قلت من أي الضريين تكون كان المضمرة في قوله " رَجُلٌ وامْرَأَتَانِ " هل يحتمل أن تكون الناصبة للخبر، أو تكون التامة؟ فالقول في ذلك أن كل واحد منهما يجوز أن يقدر إضماره، فإذا أضمرت الذي يقتضي الخبر كان تقديره إضمار المخبر فليكن ممن يشهدون رجل وامرأتان وإنما جاز إضمار هذه، وإن كان قد قال لا يجوز عبد الله المقتول، وأنت تريد كن عبد الله المقتول، لأن ذكرها قد تقدم، فتكون هذه إذا أضمرتها لتقدم الذكر بمنزلة المظهرة؛ ألا ترى أنه لا يجوز العطف على عاملين؟ ولما تقدم ذكر " كل " في قوله
أكل امرئ تحسين امرأ ... ونار توقد في الليل نارا
كان كل بمنزلة ما قد ذكر في قوله ونار توقد بالليل وكذلك جاز إضمار كان المنتصبة للخبر كما أضمر بعد " إنْ " في قوله إن خنجراً فخنجر، لما كان الحرف يقتضيها ويجوز أن تضمر التامة التي بمعنى الحدوث والوقوع؛ لأنك إذا أضمرتها أضمرت شيئاً، وإذا أضمرت الأخرى احتجت أن تضمر شيئين، وكلما قل الإضمار كان أسهل، فأيهما أضمرت فلا بد من تقدير المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه المعنى فليحدث شهادة رجل وامرأتين، أو يقع، أو نحو ذلك ألا ترى أنه ليس المعنى فليحدث رجل وامرأتان، ولكن لتحدث شهادتهما، أو تقع، أو تكن شهادة رجل وامرأتين ممن يشهدون ويجوز أن يتعلق قوله " أن تضل إحداهما " بشئ ثالث، وهو أن تضمر خبر المبتدأ، ويكون العامل في أن وموضع إضماره فيمن فتح الهمزة من أن تضل قبل أن، وفيمن كسر إن بعد انقضاء الشرط بجوابه يعني أن من كسر إن يجعل الجملة الشرطية وصفا لقوله امرأتان والصفة قبل الخبر فقد جاز في أن تضل أن تتعلق بأحد ثلاثة أشياء أحدها المضمر الذي دل عليه قوله " واستشهدوا شهيدين " والثاني الفعل الذي هو فليشهد رجل وامرأتان والثالث الفعل، الذي هو خبر المبتدأ فإن قيل فإن الشهادة لم توقع للضلال الذي هو النسيان، إنما وقعت للذكر والحفظ فالقول في ذلك أن سيبويه قد قال أمر بالإشهاد لأن تذكر إحداهما الأخرى، ومن أجل أن تذكر إحداهما الأخرى وذكر الضلال لأنه سبب للإذكار، كما تقول أعددته أن تميل الحائط فأدعمه وهو لا يطلب بذاك ميلان الحائط، ولكنه أخبره بعلة الدعم وسببه ومن حذف المضاف قوله تعالى " إن تبدوا الصدقات فنعما هي " أي فنعم شيئاً إبداؤها، فحذف المضاف، وهو إبداء، فاتصل الضمير فصار ها هي لأن ها يتصل بالاسم فإذا انفصل قيل هي ومن ذلك قوله تعالى " إنه كان حوباً كبيراً " أي إن أكله ومثله " وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم " أي وقت دوامي فيهم ومثله " أعلم بنا لبثتم " أي بوقت لبثكم

وقال " ياحسرتنا على ما فرطنا فيها " أي في عملها وتأهبها ويجوز أن تعود الهاء إلى ما حملا على المعنى ومثله " فقد لبثت فيكم عمراً من قبله " أي من قبل تلاوته ومن حذف المضاف قوله تعالى " سيجزيهم وصفهم " أي جزاء قولهم، لقوله " قالوا هذه أنعام وحرث حجر " والوصف القول، فحذف المضاف كقوله تعالى " فيها متاع لكم " أي في دخولها استمتاع لكم ألا ترى أنه قيل أراد به البنادق ومثله " وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم " أي ليس عليكم جناح العمل وإثمه دون الخطأ ومثله " رب نجني وأهلي مما يعملون " تقديره تقدير حذف المضاف، أي من عقوبة ما يعملون، أو جزاء ما يعملون ألا ترى أن الأنبياء تعتزل عن المعاقبين في المحل إذا عوقبوا؛ على هذا " وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون " وقوله تعالى " فأسر بأهلك " ونحو ذلك ويجوز أن يكون التقدير من مشاهدة ما يعملون ومثله " إنما تقضى هذه الحياة الدنيا " أي أمور هذه الحياة الدنيا، وإنما تقضى بوقت هذه الحياة الدنيا؛ فعلى الأول مفعول، وعلى الثاني ظرف وكقوله تعالى " بجذع النخلة " أي بهز جذع النخلة وقيل الباء زيادة وقيل وهزى إليك رطباً بجذع النخلة وكقوله تعالى " لا تقربوا الصلاة " أي مواضع الصلاة ألا ترى أنه إنما يعبر موضع الصلاة، وموضع الصلاة هو المسجد؛ لأن سائر المواضع عبوره قد وقع الاتفاق على إباحته ومن ذلك قوله تعالى " اليوم يئس الذين كفروا من دينكم " أي من توهين دينكم ومثله قوله تعالى " لقد كان لسبأ في مسكنهم " أي في مواضع سكناهم، فحذف المضاف، والمسكن السكنى وقال " في مقعد صدق " أي في مواضع قعود صدق، فلا يكون من باب قوله
في حلقكم عظم وقد شجينا
وأما جلدها فصليب
لأن ذلك في الشعر كذا ذكره سيبويه وأبو علي، وقد وجدنا خلاف ذلك في التنزيل وقال " لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء " وقال " ويضع عنهم إصرهم " ومن ذلك قوله تعالى " قل ما يعبؤ بكم " أي بعذابكم، أي لا وزن لعذابكم عنده لولا دعاؤكم الآلهة الذين أشركتموها في عبادته والمفعول الذي هو مفعول المصدر محذوف، وكل واحد من الفاعل والمفعول قد يحذف مع المصدر ويجوز أن يكون قوله تعالى " لولا دعاؤكم " الآلهة، أي عبادتكم إياها وعلى هذا قوله تعالى " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " أي لم يكن يعذبكم بعذابه لولا دعاؤكم الآلهة، ولكن إذا عبدتم داعين إليها، كما يرغب الموحدون مجتهدين في دعاء الله وعبادته، عذبكم ويقوى أن الدعاء يراد به دعاء الآلهة، الذي هو العبادة لها والرغبة إليها في دعائها، قوله " فقد كذبتم " لأنهم إذا دعوا الآلهة فقد كذبوا الموحدين في توحيدهم وكذبوا الرسل " فسوف يكون لزاماً " أما فاعل يكون للعذاب المحذوف لذى قد حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، أي سوف يكون العذاب لازماً لكم، ولزاماً مصدر، فإما أن يكون بمعنى لازم، أو يكون ذا لزام ومثله " ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا " أي حين كبرهم؛ لأنهم إذا كبروا زالت ولايتهم عنهم ومثله " لحبط عنهم " أي عن ثواب أعمالهم، فلهذا عداه ب عن ومثله " هل يسمعونكم " أي هل يسمعون دعاءكم ومثله " إنا خلقناهم مما يعلمون " أي من أجل ما يعلمون، وهو الطاعة، كقوله تعالى " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " وقال الله تعالى " يسارعون فيهم " أي في معونتهم وقال الله تعالى " وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " أي من إحدى القريتين مكة والطائف، أي أبي مسعود الثقفي، " أ " و الوليد بن المغيرة هكذا قالوه وأنكره الأسود، وقال هذه الآية نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، وكان من أهل الطائف، وكان ينزل مكة، وهو حليف لبني زهرة، وهو أحد المنافقين مطاع، فلما كان ثقيفياً من أهل الطائف ثم نزل مكة، جاز أن يقال على رجل من القريتين، وهذا ظاهر ومثله " وجعلوا له من عباده جزءاً " المعنى من مال عباده نصيباً، لأن الجزء هو النصيب؛ كقوله تعالى " يجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم " ومثله " فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم " أي وليأخذ باقيهم كقوله تعالى " ليتفقهوا في الدين " أي ليتفقه باقيهم وقال " لهم عذاب من رجز أليم " أي من شرب رجز؛ كقوله تعالى " ويسقى من ماء صديد " وقال الله تعالى " إن كتاب الأبرار لفي عليين " أي في محل عليين، وهم الملائكة

ومثله " ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا " أي مس حاجة من فقد ما أوتوا ومثله " فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله " أي من ترك ذكر الله ومثله " عن ذكر ربي " ومثله " فمن يهديه من بعد الله " أي من بعد إضلال الله إياه، يطبعه على قلبه، جزاء بأعمالهم الخبيثة ومثله " استحقا إثماً " أي عقوبة إثم ومثله " إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك " تقدير هذا الكلام إني أريد الكف عن قتلى كراهة أن تبوء بإثم قتلى وإثم فعلك، الذي من أجله لم يتقبل قربانك، فحذف ثلاثة أسماء مضافة، وحذف مفعول أريد لا بد من هذا التقدير، فموضع " أن تَبوُءَ " نصب، لأنه قام مقام كراهة الذي كان مفعولاً له، وليس مفعول أريد ومثله " يبين الله لكم أن تضلوا " أي كراهة أن تضلوا، ولئلا تضلوا عن الكوفى وعن النحاس أن موضع " أنْ تَضلُّوا " نصب بوقوع الفعل عليه، أي يبين الله لكم الضلالة ومثله " وألقى في الأرض رواسى أن تميد بكم " أي كراهة أن تميد بكم ومثله " قل إن الهدى هدى الله أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم " أي كراهة أن يؤتي وفيه قول آخر ستراه في حذف الجار ومثله " ولقد كنتم تمنون الموت " أي أسباب الموت، فحذف المضاف، يدل عليه " فقد رأيتموه " أي رأيتم أسبابه، لأن من رأى الموت لم ير شيئاً ومثله " وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون " أي شكر رزقكم، فحذف المضاف ومثله " أن بورك من في النار " أي من في طلب النار، أو قرب النار ومن ذلك قوله تعالى " ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم " قال محمد بن كعب كانوا ثمانية، والثامن راعي كلبهم فيكون التقدير وثامنهم صاحب كلبهم والجمهور على خلافه، وأنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم ومثله من حذف المضاف، قوله تعالى " حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده " أي عند جزاء عمله قال أبو علي في الآية معنى " لم يجده شيئاً " لم يجده وجوداً، فصار قوله شيئاً موضوعاً موضع المصدر؛ ألا ترى أن التقدير، لم يدركه، فهو من وجدان الضالة التي هي رؤيتها وإدراكها وأما قوله تعالى " ووجد الله عنده " فإن أبا إسحاق فسر الوجود ها هنا بما في الحديث، من قول القائل ذروني في الريح لعلى أضل الله، أي وجده فلم يضل عنه ويجوز قد أحاط بعلمه عنده ومعنى عنده يشبه أن يكون عند جزاء عمله، فيكون محيطاً لم ينتفع بشئ منه وأما قوله تعالى " أو كظلمات في بحر لجى " ، فمعناه أو كذى ظلمات، ويدل على حذفه قوله تعالى " إذا أخرج يده لم يكد يراها " والضمير الذي أضيف إليه يده يعود إلى المضاف المحذوف ومعنى ذى ظلمات أنه في ظلمات ومعنى " ظلمات بعضها فوق بعض " ظلمة البحر، وظلمة الموج الذي فوق الموج، وظلمة الليل وقوله تعالى " فنادى في الظلمات " ظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت ويجوز أن يكون الالتقام كان في ليل، فهذه ظلمات وقوله تعالى " خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث " قيل من ظلمة بطن الأم، والرحم، والمشيمة، عن ابن عباس وقيل ظلمة صلب الأب، ثم بطن الأم، ثم الرحم فمن قرأ " سحاب ظلمات " بالرفع، أي هذه ظلمات ومن جر ظلمات ونون سحاباً كان بدلاً من ظلمات الأولى، ومن ذلك قوله تعالى " سمعوا لها تغيظاً، والمعنى على الصوت، لأن التغيظ لا يسمع ومثله " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل " كقوله تعالى " أضل أعمالهم " أي جزاء أعمالهم، كقوله تعالى " على شئ مما كسبوا " أي جزاء ما كسبوا ومثله " إنما الحياة الدنيا " تقديره إنما مثل متاع الحياة الدنيا كمثل ماء يدلك على ذلك قوله تعالى " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار " وقال " مثل الفريقين كالأعمى " أي كمثل الأعمى، وكمثل السميع، هل يستويان مثلا، أي ذوي مثل وقال الله تعالى " ضرب الله مثلاً رجلاً " أي مثل رجل، ومثلاً قرية " ، أي مثلا مثل قرية و " مثلا رجلين " أي مثلا مثل رجلين وقال الله تعالى " واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية " أي مثلا مثل أصحاب القرية وقال مرة أخرى " إنما مثل الحياة الدنيا كماء " أي مثل زينة الحياة الدنيا كمثل زينة الماء، وزينة الماء نضارة ما ينبته وقال " قادرون عليها " أي على قطف ثمارها وقوله تعالى " فيه شركاء متشاكسون " أي في ملكه أي ضرب الله مثل عبد مشرك بين شركاء متشاكسين ومثله قوله تعالى " إلا ما حملت ظهورهما أو لحوايا أي شحم الحوايا وقال أبو علي في الآية الذي حرم عليهم الشحوم، والثروب

قال الكلبي وكأنه ما خلص فلم يخالط العصب وغيره فأما الحوايا، فيجوز أن يكون له موضعان أحدهما رفع، والآخر نصب فالرفع أن تعطفها على " حملت ظهورهما " كأنه إلا ما حملته ظهورهما، أو حملته الحوايا والآخر أن يريد إلا ما حملت ظهورهما، أو شحم الحوايا، فيحذف الشحم ويقيم الحوايا مقامه والمعنى في الوجهين التحليل؛ ألا ترى ما حملت الظهور محلل وكذلك إذا جعلت موضع الحوايا نصباً بالعطف على " إلاَّ ما حملَّت " كان أيضاً محللاً، " وما اختلط بعظم " ، أي الإلية والحوايا المباعر وبنات اللبن ومثله " سواء منكم من أسر القول ومن جهر به " والتقدير فيه حذف المضاف، كأنه سواء منكم أسرار من أسر وجهر من جهر، كما قال الله تعالى " يعلم سركم وجهركم " وأما الجار في قوله تعالى " سواء منكم " ، فيجوز أن يكون وصفاً لسواء، تقديره سر من أسر وجهر من جهر سواء ثابت منكم ويجوز أن يكون متعلقاً بسواء، أي يستوي فيكم مثل مررت بزيد ويجوز ألا يكون جهر من جهر منكم، وسر من أسر منكم، سواء هكذا قال أبو علي على الموصول؛ إلا أن تجعله من باب قوله " وكانوا فيه من الزاهدين " " وأنا على ذلكم من الشاهدين " و " إني لكما لمن الناصحين " ومثله " إن المتقين في ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون " تقديره إن المتقين في ظلال وشرب عيون أي شرب ماء عيون، وأكل فواكه يدل على ذلك قوله تعالى " كلوا واشربوا هنيئاً " وقوله " إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً عيناً " أي يشربون من كأس ماء عين، فحذف الماء كما حذف في الأولى، فحذف الماء للعلم بأن الماء من العين، ماؤها لا نفسها ومثله " لولا يأتون عليهم بسلطان بين " أي على دعواهم بأنها آلهتهم، كقوله تعالى " ولهم على ذنب " أي دعوى ذنب ومن حذف المضاف قوله تعالى " وازدادوا تسعا " أي لبث تسع ف " تِسْعاً " منصوب؛ لأنه مفعول به، والمضاف معه مقدر ومثله " جامع الناس ليوم " أي لجزاء يوم لا ريب فيه ومثله " فليس من الله في شئ " فحذف ومثله " ويحذركم الله نفسه " أي عذاب نفسه ومثله " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " أي تحبون دين الله فاتبعوا ديني يحبب الله فعلكم قال أبو علي في قوله تعالى " فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله " أي من ترك ذكر الله ألا ترى أن القلوب إنما تقسو من ترك الذكر لا من الذكر؛ كما قال الله تعالى " تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " و " الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله " وقد يمكن أن تكون الآية على ظاهرها، فتكون القسوة تحدث عن ذكر الله، وذلك ممن يستكبر ولا ينقاد ولا يخضع ولا يعترف وقريب من هذا قوله تعالى " وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة " وهؤلاء الذين تشمئز قلوبهم عن ذكر الله يجوز أن تقسو من ذكره، فيكون المعنى بالآية هؤلاء ومن حذف المضاف قوله تعالى " ومن قتل مؤمناً خطأً " أي قتلاً ذا خطأ، فحذف الموصوف والمضاف جميعا ومن هذا الباب قوله تعالى " ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم " أي جزاؤه واقع، أي جزاء الكسب، فحذف المضاف فاتصل ضمير المنفصل ومثله " إلى ربك كدحاً فملاقيه " أي ملاق جزاءه ومثله " والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون " أي إلى جزائه وثوابه وجنته ومثله " ولا تجهر بصلاتك أي بقراءة صلاتك، ألا ترى أن الصلاة لا يخافت بها وإنما يخافت بالقراءة ومثله " قربا قرباناً " أي قرب كل واحد منهما فحذف المضاف كقوله تعالى " فاجلدوهم ثمانين جلدة " أي فاجلدوا كل واحد منهم وقال الله تعالى " إلى قوم مجرمين " أي إلى إهلاك قوم مجرمين وقال " " وعند الله مكرهم " أي جزاء مكرهم ومثله " ولا تحزن عليهم " أي على كفرهم ومثله " والذين هم به مشركون " أي بتوليته وقال " ما أخلفنا موعدك بملكنا " أي بمعاناة ملكنا وإصلاحه ومن ذلك قوله تعالى " وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا " أي كراهة أن تقولوا وقال الفراء لئلا تقولوا وكذلك " أو تقولوا لو أنا أنزل " تقديره أو كراهة أن تقولوا ومثله " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم " إلى قوله " أن تقولوا " أي أشهدهم على أنفسهم كراهة أن يقولوا، فيمن قرأ بالياء فأما من قرأ بالتاء، فالتقدير وقال لهم " ألست بربكم قالوا بلى " فقال الله تعالى شهدنا كراهة أن تقولوا

وقيل " وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " فقال الله للملائكة اشهدوا قالت الملائكة شهدنا كراهة أن تقولوا ومن حذف المضاف قوله تعالى " ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآيات الله " تقديره ساء المثل مثلاً مثل القوم الذين كذبوا، فحذف المثل المخصوص بالذم فارتفع القوم لقيامه مقامه ومثله " بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله " أي بئس مثل القوم الذين كذبوا، فحذف المضاف، فيكون الذين على هذا في موضع الرفع مقام المضاف إليه ويجوز أن يكون الذين في موضع الجر وصفاً للقوم، والمخصوص بالذم مضمر، والتقدير بئس مثل القوم المكذبين بآيات الله مثلهم فأما قوله تعالى " نعم أجر العاملين الذين صبروا " أي أجر الذين صبروا، فحذف المضاف فيجوز أن يكون التقدير فنعم أجر العاملين أجر الذين صبروا، فحذف المضاف ويكون الذين في موضع الرفع لقيامه مقام الآخرة ويجوز أن يكون الذين في موضع الجر؛ والتقدير فنعم أجر العاملين الصابرين أجرهم، فحذف المخصوص بالمدح ومن ذلك قوله تعالى " فسألت أودية بقدرها " أي سالت مياه أودية وكذلك قوله تعالى بقدرها يعني بقدر مياهها ألا ترى أن المعنى ليس على أنها سالت بقدر أنفسها؛ لأن أنفسها على حال واحدة، وإنما تكون كثرة المياه وقلتها، وشدة جريها ولينه؛ على قدر قلة المياه المنزلة وكثرتها ومن حذف المضاف قوله تعالى " إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل تستطيع ربك " بالتاء ونصب الباء والمعنى هل تستطيع سؤال ربك؟ فحذف المضاف وذكروا الاستطاعة في سؤالهم لأنهم شكوا في استطاعته، ولكنهم ذكروه على وجه الاجتماع عليه منهم، كأنهم قالوا إنك تستطيع فما يمنعك؟ مثل ذلك قولك لصاحبك أتستطيع أن تذهب عني فإني مشغول؟ أي اذهب لأنك غير عاجز عن ذلك وأما أن في قوله " هل يستطيع ربك أن ينزل " فهو من صلة المصدر المحذوف، ولا يستقيم الكلام إلا بتقدير ذلك ألا ترى أنه لا يصلح هل تستطيع أن يفعل غيرك؟ وإن الاستفهام لا يقع عنه، كما لا يصح في الإخبار أنت تستطيع أن يفعل زيد وأن في قوله " أن ينزل علينا " متعلق بالمصدر المحذوف على أنه مفعول به فإن قلت هل يصح هذا على قوله سيبويه، وقد قال إن بعض الاسم لا يضمر في قوله إلا الفرقدانفإن ذلك لا يصح، لأنه كما ذهب إليه في قوله
ونار توقد بالليل نارا
ومثل حذف المضاف قوله تعالى " إنه عمل غير صالح " أي ذو عمل، فحذف المضاف ومثله قوله تعالى " كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار " أي على كل قلب كل متكبر، وذلك فيمن قرأ مضافاً، أعني قلباً، إذ لا يصح أن يقال يطبع على جملة كل قلب من المتكبر إنما المعنى أنه يطبع على القلوب إذا كانت قلباً قلباً وقد ظهر هذا المضاف في قراءة ابن مسعود على قلب كل متكبر ومثله " ثم لا تجد لك به " أي بإذهابه وإغراقه ومن حذف المضاف قوله تعالى " وما علمناه الشعر " تقديره وما علمناه صناعة الشعر، لأنهم نسبوه عليه السلام إلى ذلك في قوله تعالى " افتراه بل هو شاعر " وقوله تعالى " أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون " فنفى ذلك وليس المراد بهذا الكرم أنه لا يقيم بيتا؛ لأن ذلك تكرر عليه مع صحة العقل والسمع بعد ألا يحفظه ألا ترى أن الصغار منا ومن يقرب من الأطفال قد يحفظون ذلك ويؤدونه والبيت الواحد يكون شعراً إلا أن قائله لا يكون شاعراً، كما أن من بنى مفحصاً ودرجة ومعلفاً ونحو ذلك مما يقل يقال له بناء إلا أن فاعله لا يقال له بناء؛ كما أن من أصلح قميصاً لا يكون خياطاً، وإن كان ذلك الإصلاح خياطة ومن ذلك قوله تعالى " وحرمنا عليه المراضع " أي ثدي المراضع قال أبو علي في الآية يجوز أن يكون جمع المصدر، كأنه جمع مرضعاً مراضع ويجوز أن يكون جمع المصدر، كأنه جمع مرضعاً مراضع، على أنه صفة للمرأة، مثل مطفل ومطافل، فيكون التقدير ثدي المراضع وعلى الوجه الأول وحرمنا عليه الإرضاعات ومن ذلك قوله تعالى " واسأل القرية " أي أهل القرية كما قال " فليدع ناديه " أي أهل ناديه ومن ذلك قوله تعالى " ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً " والتقدير على موطئ عقبيه فنكص عليهما، فلم يسلك الصراط السوى فحاد وزاغ عنه وزال، فإنما ذلك عليه، لن يضر الله بذلك شيئاً

ومثله " انقلبتم على أعقابكم " أي على مواطىء أعقابكم ومن ذلك قوله تعالى " من شر الوسواس الخناس " أي من شر ذي الوسواس، فحذف المضاف قال أبو علي في الآية فاعل يوسوس من قوله الذي يوسوس في صدور الناس الجنة وذلك أن أبا الحسن يقول إن قوله من الجنة والناس متعلق بالوسواس، كأنه من شر الوسواس، من الجنة والناس وإذا كان كذلك ففاعل يوسوس هو اِلْجنَّة ولا يمتنع ذلك، وإن كان لفظ الجنة مؤنثا، لأن معنى الجن والجنة واحد والعائد على هذا إلى الموصول، الهاء المحذوفة، أي الذي يوسوسه، فحذف فإن قلت إن في هذا إضمار قبل الذكر، كما أن ضرب غلامه زيد، كذلك وإن شئت كان مثل ما حكاه من قوله إذا كان غدا فائتني والحال قد دلت عليه وإن شئت قدرت في الوسواس فيكون العائد إلى الموصول ذكر الفاعل في يوسوس ولا تضمر الهاء كما أضمرت في الوجه الآخر ومن حذف المضاف قوله تعالى " ثم توفى كل نفس ما كسبت " في البقرة أي جزاء ماكسبت؛ وفي آل عمران في موضعين؛ وفي سورة النحل " توفى كل نفس ما عملت " أي جزاء ما عملت وفي " حم عسق " و " الجاثية " وفي جميع التنزيل ومنه قوله تعالى " هم درجات عند الله " أي ذوو درجات، عند الجمهور وقدره البخاري لهم درجات، على نزع الخافض ومن حذف المضاف قوله تعالى " قد نرى تقلب وجهك في السماء " قال أبو علي هذا يكون على ضربين أحدهما تقلب وجهك نحو السماء؛ وهذا يفعله المهتم المتفكر، فالسماء هذه التي تظل الأرض، ويكون السماء ما ارتفع وكان خلاف السفل، أي تقلب وجهك في الهواء ولا يكون في السماء متعلقاً ب نرى لأنه سبحانه وتعالى يرى في السماء وغيرها، فلا وجه لتخصيص السماء هذه لفظة ذكرها سيبويه في الأبنية مع كينونته في باب سيد، وميت، مما مقحمة يقلب فيه الواو ومن ذلك قوله تعالى " وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين " المعنى من قبل مجيئها، أي " أوتينا العلم " بالعرش أنه عرشها، وكنا مسلمين هذا من قول سليمان، ولذلك قد عطف على هذا من قوله قال هذا من فضل ربي، وأوتينا العلم من قبلها، أي كنا مؤمنين بأن الله يقدر من نقل العرش على ثقله، في المدة التي ذكرها أنه ينقله فيها، لأن ذلك بإقدار الله إياه على هذا، من هذا الذي هو معجز له ومن حذف المضاف قوله تعالى " شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان " أي إذا حضر أحدكم أسباب الموت حين الوصية شهادة اثنين ومن ذلك قوله " يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم " أي من أحدكم لأنه لم يأت الجن رسل قاله ابن جريج وقال الضحاك بل أتتهم الرسل كما أتت الإنس وقال غيرهما الرسل التي أتتهم هم النفر المذكورون في قوله تعالى " فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين " ومن ذلك قوله تعالى " نسيا حوتهما " أي نسى أحدهما، وهو يوشع، لأن الزاد كان في يده وقال الله تعالى " ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة " أي في إحداهما وقال " على رجل من القريتين عظيم " أي من إحدى القريتين، وقد تقدم وقال " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " أي من أحدهما، وهو الملح دون العذب ومثله " وجعل القمر فيهن نوراً " أي في إحداهن وقال الله تعالى " فلا جناح فيما افتدت " أي على أحدهما، وهو الزوج؛ لأنه آخذ ما أعطى قال ويراد الزوج دون المرأة، وإن كانا قد ذكرا جميعا، كما قال الله تعالى " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه " وموضع طرح تعجل الإثم للمتعجل، فجعل للمتأخر الذي لم يقصر مثل ما جعل على المقصر قال وقد تحتمل هذه وجها آخر، وهو أن يريد لا يقولن واحد منهما لصاحبه أنت مقصر؛ فيكون المعنى لا يؤثمن أحدهما صاحبه ومثله " من العذاب المهين من فرعون " أي من عذاب فرعون ومن حذف المضاف قوله تعالى " لا يرجون لقاءنا " أي لقاء رحمتنا ومثله " قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور " أي من ثوابها، لإنكارهم وكفرهم بها، في نحو قوله تعالى " لا تأتينا الساعة " " وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا " فأما قوله تعالى " كما يئس الكفار من أصحاب القبور " أي من بعث أصحاب القبور، يدل على ذلك قوله " زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا "

أو يكون من مجازاة أهل القبور، أي لا يثابون ولا يعاقبون، ويكون كما يئس الكفار الموتى من الآخرة، فأضمر من الآخرة لجرى ذكره ويكون قوله من أصحاب القبور متعلقاً ب الكفار دون يئس محذوف، لجرى ذكره ومن ذلك قوله تعالى " جعل الله الكعبة البيت الحرام " أي حج الكعبة ليكون في المعنى " قياماً للناس " ومنه قوله تعالى " ولا تزال تطلع على خائنة منهم " أي على ذوى خيانة منهم " إلا قليلاً " والاستثناء من المضاف المحذوف ومن حذف المضاف قوله " لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة " أي إلا نجوى من أمر قال أبو علي قد تكون موضع من نصباً إذا استثنيته من المنتجين، كما جاء " وإذ هم نجوى " أي هم منتجون وقد يكون جزاء، أي لا خير في كثير من نجواهم إلا في انتجاء من أمر بصدقة ويكون هذا على قياس قوله " ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى " فهذا لا يكون من المنتجين، ولكن على الانتجاء وإنما قال أبو علي قد يكون نصباً على أصل الباب كقراءة ابن عامر " ما فعلوه إلا قليلاً منهم " وقوله تعالى " إلا امرأتك " إذا استثنيته من أحد ونصبته وأما قوله تعالى " ما يكون من نجوى ثلاثة " فالأظهر فيه أن تكون ثلاثة وصفاً لنجوى والنجوى ها هنا مثله في قوله تعالى " وإذ هم نجوى " ولا يكون جراً بإضافة النجوى إليه، كقوله تعالى " لا نسمع سرهم ونجويهم " ومنه قوله تعالى " وأنا لمسنا السماء " أي لمسنا غيب السماء ورمناه ومنه قوله تعالى " لا يسمعون إلى الملاء الأعلى " أي إلى قول الملأ الأعلى، وإلى كلام الملأ الأعلى كقوله تعالى " إن هى إلا أسماء سميتموها " أي ذوات أسماء ومن ذلك قوله تعالى " لترون الجحيم " ، أي عذاب الجحيم، لأن الوعيد برؤية العذاب لا برؤيتها، لأن المؤمنين أيضاً يرونها، قال الله تعالى " وإن منكم إلا واردها " ومن ذلك قوله تعالى " الرجال قوامون على النساء " أي على مصالح النساء ومن ذلك قوله تعالى " فلا عدوان إلا على الظالمين " أي فلا جزاء ظلم إلا على ظالم ومن ذلك قوله تعالى " فلا يصدنك عنها " أي عن اعتقادها، ومثله " لن نؤثرك على ما جاءنا " أي لن نؤثر اتباعك ومن حذف المضاف قوله تعالى " لن يضروا الله شيئاً " أي دين الله أو جند الله، أو نبي الله ومن ذلك قوله تعالى " ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم " التقدير ولا تحسبن بخل الذين كفروا خيرا لهم، فيمن قرأ بالتاء، فيكون المضاف محذوفاً مفعولاً، وهو تكرار لطول الكلام وخيراً المفعول الثاني ومن قرأ بالياء، فقد كفانا سيبويه حيث قال ومن ذلك قوله عز وجل " ولا يحسبن الذين يبخلون " البخل " هو خيراً لهم " ولم يذكر البخل اجتزاء لعلم المخاطب بأنه البخل، لذكره يبخلون ومن ذلك قول العرب من كذب كان شراً له يريدون كان الكذب شراً له إلا أنه استغنى بأن المخاطب علم أنه الكذب، لقوله كذب، في أول حديثه، فصارت هو ها هنا وأخواتها بمنزلة ما إذا كانت لغوا في أنها لا تغير ما بعدها عن حاله، قبل أن تذكر ومن ذلك قوله تعالى " فطلقوهن لعدتهن " المعنى لقبل عدتهن لأن العدة الحيض، والمرأة لا تطلق في حيضها ألا ترى أن ابن عمر لما طلق في الحيض، أمره بأن يراجعها ثم يطلقها فإذا كانت العدة الحيض، وكان النهى قد حصل وثبت عن الطلاق في الحيض، لم يجز أن يكون المراد إيقاع الطلاق في العدة، وإذا لم يجز ذلك ثبت أنه لقبل عدتهن، إذ ذلك هو الظرف، وهو المأمور بإيقاع الطلاق فيه ومن ذلك قوله تعالى " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم " المعنى خذ من مال كل واحد منهم كقوله تعالى " فاجلدوهم ثمانين جلدة " المعنى فاجلدوا كل واحد ألا ترى أنه لا تفرق الثمانون على الجماعة، إنما يضرب كل واحد ثمانين وإذا كان كذلك دل أن ما دون النصاب بين الشريكين لا يحتسب فيه شئ بظاهر قوله " خذ من أموالهم " ومن حذف المضاف قوله تعالى " فتيمموا صعيداً طيباً " هو على حذف المضاف، كأنه قال تيمموا استعمال صعيد ولا يكون على الظاهر وغير حذف المضاف، لحلو اللفظ من الفائدة على هذا ألا ترى أن قوله " فامسحوا " يغنى عن ذلك وهذا الحذف ينبغي أن يكون على تأويل أبي حنيفة، لأن أبا يوسف روى عنه فيما حكى الشيخ أنه قال أمر الله في آية التيمم بشيئين تيمم، ومسح

وفي قول زفر لا يلزم أن يقدر هذا المضاف، لأن المراد كان عنده المسح، ولا ينبغي أن يكون المراد، تيمموا الصعيد اقصدوه لأن من الفقهاء من لم يذهب إليه؛ لأن زفر كان المعنى عنده امسحوا؛ لأن زفر يقول يصح التيمم بغير النية؛ وأبو حنيفة يقول لا يصح إلا بالنية؛ لأن التيمم قصد، والقصد هو النية وزفر يقيسه على الوضوء، فيصير في الآية تكرار، لأنه لا يقدر المضاف ولا يجعل التيمم النية ومن حذف المضاف قوله تعالى " من أول يوم أحق أن تقوم فيه " أي من تأسيس أول يوم، لا بد من ذا، لأن من لا تدخل ومن ذلك قوله تعالى " تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت " يجوز أن يكون الجار والمجرور صفة للمصدر المحذوف، كأنه تدور أعينهم دورا كدور الذي يغشى عليه، أي كدور عين الذي يغشى عليه من الموت، أي من حذر الموت، أو من خوف الموت، أو من مقارفته الموت ويجوز أن يكون حالاً من المضاف إليه الأعين، أي تدور أعينهم مشبهين الذي يغشى عليه، لأن الذي يغشى عليه تدور عينه، فيكون الكاف على هذا حالا، وعلى القول الأول وصفا للمحذوف منه، وفي كلا الأمرين فيه ذكر من هو له ومن حذف المضاف قوله تعالى " هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم " أي في ملك ما ملكنا كم تخافونهم، أي تخافون تسويتهم في الملك، لأن سياقة الكلام عليه، ولا يكون المعنى على تخافون مكايدتهم أو بأسهم، لأن ذلك غير مأمون منهم فالمعنى تخافون تسويتهم إياكم، فتقدير المصدر الإضافة إلى الفاعل، فقوله " كخيفتكم أنفسكم " أي كخيفتكم المساواة بينكم فهو من باب " فمن اعتدى عليكم " ، لأن التسوية بين الأحرار قائمة واقعة، أي تخافون المماليك كما تخافون الأحرار والمراد بأنفسكم الأحرار ومن ذلك قوله تعالى " وثيابك فطهر " ، أي ذا ثيابك فطهر، فحذف المضاف، فهذا كقوله تعالى " إن الله اصطفاك وطهرك " أي برأك مما رميت به ومن ذلك قوله تعالى " قل أحل لكم الطيبات وما علمتم " أي صيد ما علمتم ومنه قوله تعالى " طريقا في البحر يبساً " أي ذا يبس ومن ذلك قوله تعالى " سبل السلام " أي سبل دار السلام، يعني سبل دار الله ويجوز أن يكون السلام السلامة، أي دار السلامة ومن ذلك قوله تعالى " فأتوا به على أعين الناس " أي على مرآة أعين الناس ومن ذلك قوله تعالى " ولا تولوا عنه " أي لا تعرضوا عن أمره وتلقوه بالطاعة والقبول، كما قال عز وجل " فليحذر الذين يخالفون عن أمره " ومن ذلك قوله تعالى " أيعدكم أنكم إذا متم " أي أن إخراجكم إذا متم لا بد من حذف المضاف، لأن ظرف الزمان لا يكون خبراً عن الجثة، كقولهم الليلةُ هلالُ ومن ذلك قوله تعالى " ما وعدتنا على رسلك " أي على ألسن رسلك وقال " ثم أصبحوا بها كافرين " أي بردها، لأنهم إذا سألوا عما يسوؤهم إذا أظهر لهم فأخبروا به ردوها، ومن رد على الأنبياء كفر، فالتقدير فيه بردها وتركهم قبولها وقال الله تعالى " إلا أن يكونا ملكين " أي كراهة أن يكونا ملكين ومن ذلك قوله تعالى " من بعد قوة أنكاثاً " أي من بعد إمرار قوة، وقوة واحد في معنى الجمع وأنكاثاً، حال مؤكدة، لأن في النقض دلالة على النكث ومن ذلك قوله تعالى " فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب " والجن قد تبينوا أنهم لا يعلمون الغيب، فهو على حذف المضاف، أي بتبين أمر الجن، فصار بمنزلة اجتمعت اليمامة وحمل أن على موضع المحذوف، ف أن بدل من أمر الجن ومن ذلك قوله تعالى، في قصة شعيب " إن أريد إلا الإصلاح " أي فعل الإصلاح، لأن الاستطاعة من شرط الفعل دون الإرادة ومن ذلك قوله تعالى " أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن يدخلونها " أي دخول جنات عدن " ومن صلح " أي دخول من صلح فإن قلت فهل يكون " ومن صلح " على زيدا ضربته وعمرا، فتحمله على المضمر دون ضربته، فإن ذلك لا يجوز ألا ترى أن يدخلونها صفة وليس بخبر، لأن جنات عدن نكرة وليس كزيد قاله أبو علي وعندي فيه نظر، لأن كون قوله " يَدْخُلُونَهَا " صفة لجنات لا يمنع عطف ومن صلح على الضمير الذي فيه ومن ذلك قوله تعالى " قالوا جزاؤه من وجد في رحله " أي أخذ من وجد في رحله، فحذف المضاف ومنه قوله تعالى " إلا أن يأتيهم الله " أي أمر الله ومنه قوله تعالى " وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم " أي أمم النبيين

وقال " كمثل ريح " ، أي كمثل إنفاق زرع ذى ريح، فحذف، أي فإنفاق بعض هذا الزرع لا يجدي عليه شيئاً، كذلك إنفاق هؤلاء لا يجدي عليهم نفعاً ولا يرد عنهم ضيراً ووصف الزرع بأنه ذو ريح، في وقتها كان، كما أن من قرأ في قوله تعالى " سحاب ظلمات " أضاف السحاب إلى الظلمات، لأنه في وقتها نشأت، وعلى هذا ينبغي أن يحمل، ليكون مثل النفقة ولا تكون النفقة كالريح ولا كمثل الريح، فإنما هو كلام فيه اتساع لمعرفة المخاطبين بالمعنى، كقولهم ما رأيت كاليوم رجلاً وقدره أبو علي مرة أخرى كمثل إهلاك ريح، أو فساد ريح وإن جعلت ما بمنزلة الذي كان التقدير مثل إفساد ما ينفقون، وإتلاف ما ينفقون، كمثل إتلاف ريح، تقدر إضافة المصدر إلى المفعول في الأول، وفي الثاني إلى الفاعل وقال في قوله تعالى " إن تمسسكم حسنة تسؤهم " اللفظ على تسؤهم للحسنة، والتقدير على حذف المضاف، أي تسؤهم إصابتك الحسنة، نقدر المصدر مضافاً إلى المفعول به وكذلك " يفرحوا بها " أي بإصابتهم السيئة ومن ذلك قوله تعالى " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله " أي كإبطال الذي ينفق، أو كإهلاك الذي ينفق ومن ذلك قوله تعالى " لن ينال الله لحومها " أي ينال ثواب الله " ولكن يناله التقوى " ، أي ينال ثواب التقوى ومن ذلك قوله تعالى " لا تكلف إلا نفسك " أي قتال نفسك، أو جهاد نفسك وفي الأخرى " وجاهدهم به جهاداً كبيراً " ألا ترى أن الإنسان لا يكلف العين، وإنما يكلف معنى فيه، كقول الأعشى
إلا كخارجة المكلف نفسه ... وابنى قبيصة أن أغيب ويشهدا
والتقدير فيه؛ شرة نفسه المعنى والمتكلف شرة نفسه، فحذف المضاف إليه، كما حذف في الآية ومن ذلك قوله تعالى " لست منهم في شيء " أي من قتالهم في شئ، نسختها سورة التوبة عن الكلبي وقيل لست عن مخالطتهم في شيء نهى نبيه صلى الله عليه وآله عن مقاربتهم، وأمره بمساعدتهم عن قتادة قال أبو علي لست منهم، كقوله فإني لست منك، للمبارأة وحمل الجار في شئ على أنه حال من الضمير في منهم على الوجوه كلها ومن ذلك قوله تعالى " بشراكم اليوم جنات تجري " أي دخول جنات، فحذف المضاف وقال " جزاؤهم عند ربهم جنات عدن " أي دخول جنات، كما أن قوله " فجزاؤه جهنم " كذلك، لأن جهنم والجنة عين، فلا يكون حدثا ومن ذلك قوله تعالى " فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله " أي خلاف خروج رسول الله والخلاف والخلف واحد، وهو ظرف وقيل هو مصدر في موضع الحال، أي فرح المخلفون بمقعدهم مخالفين رسول الله، والمقعد المصدر لا غير لتعلق خلاف به، والمكان لا يتعلق به شئ وإن كان خلاف مصدراً فهو مضاف إلى المفعول به والمقعد، والمثوى في قوله تعالى " النار مثواكم " ومغار في قول حميد بن ثور
مغار ابن همام على حي خثعما
مصادر كلها، لما يتعلق به ما بعدها، فالمقعد القعود والمثوى الثواء والمغار الإغارة والملقى، في قول ذى الرمة
فظل بملقى واجف جرع المعا
أي فظل بالإلقاء والمجر، في قول النابغة
كأن مجر الراسيات ذيولها
" فاْلَملْقَى " والمجر مصدران ومن ذلك قوله تعالى " وقودها الناس " لا يكون إلا على الاتساع، أي وقودها يلهب الناس ومن ذلك قوله تعالى " والله مخرج ما كنتم تكتمون " ما بمنزلة الذي ويجوز أن تجعلها مصدراً، أي الكتمان ويريد مع هذا بالكتمان المكتوم، أي ذا الكتمان، فحذف المضاف، ويخرج على معنى الحكاية، كقوله " باسط ذراعيه " وإنما قال " ما كنتم تكتمون " لمن علم القاتل وكتم أمره، دون القاتل، لأنه يجحد ولا يكتم ومن ذلك قوله تعالى " وكفى بجهنم سعيراً " وقال أبو عبيدة أي وقوداً وهذا يصح على حذف المضاف والمضاف إليه كله، أي وكفى بسعير جهنم سعيراً، لأن السعير هو الاستعار، وجهنم اسم مكان، فلا يكون ذو الحال الحال إلا على هذا التقدير، وتكون الحال مؤكدة كقوله
كفى بالنأى من أسماء كاف
وقال أبو الحسن في سعير أي مسعورة واستدل على ذلك بقوله تعالى " وإذا الجحيم سعرت " وإن أراد أبو عبيدة بالوقود الحطب، كان أيضاً على حذف المضاف، أي وكفى بوقود جهنم وقودا، والحال أيضاً مؤكدة

ومن ذلك قوله تعالى " وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة ورحمة " انتصب أجرا لأن " فَضَّل " يدل على أجر ولا ينتصب بفضل، لاستيفائه المجاهدين أولاً، والثاني على القاعدين ودرجات أي أجر درجات، فحذف، وهو بدل أو يكون بدرجات، فهو ظرف ومغفرة، أي وجزاهم مغفرة، أو يكون وغفر مغفرة ومن ذلك قوله تعالى " وحرم عليكم صيد البر " أي اصطياد صيد البر، لأن الأسم غير محرم وإن حملت الصيد على المصدر، والتقدير صيد وحش البر، لأن البر لا يصاد، فالصيد هنا مثله في قوله " لا تقتلوا الصيد " على الوجه الأول ومن ذلك قوله تعالى " ورسلاً قد قصصناهم عليك " يحتمل أمرين أحدهما رسلاً قصصنا أخبارهم عليك ورسلاً لم نقصص عليك، أي لم نقص أخبارهم عليك وقد يكون على رسلا قصصنا أسماءهم عليك، ورسلا لم نقصص أسماءهم ففي كلا القولين يكون على تأويل حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ومن ذلك قوله عز وجل " وما من حسابك عليهم من شيء " ومن ذلك قوله تعالى " أو من كان ميتاً فأحييناه " والتقدير أو مثل من كان ميتا، ليطابق قوله كمن مثله فحذف المضاف وإن شئت كان التقدير كمن مثله فهو كقولهم أنا أكرم مثلك، أي أكرمك وقال عز وجل " كمن هو أعمى " ومن ذلك قوله تعالى " قد استكثرتم من الإنس " ، أي من استمتاع الإنس، أي من استمتاعكم بالإنس، فحذف بعدما أضاف إلى المفعول مع الجار، والمجرور مضمر لقوله " اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ " ومن ذلك قوله تعالى " لا يزال بنيانهم الذي بنوا " أي هدم بنيانهم، أو حرق بنيانهم ومن ذلك قوله تعالى " ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم " أي كتب ثواب قطعه، فحذف المضاف، فصار كتب لهم قطعه؛ ثم حذف أيضاً القطع فارتفع الضمير ومن ذلك قوله تعالى " ويؤت كل ذى فضل فضله " أي جزاء فضله، لأن الفضل قد أوتيه ومن ذلك قوله تعالى " بدم كذب " أي ذي كذب؛ وقيل بدم مكذوب فيه ومن ذلك قوله تعالى " إنى أرانى أعصر خمراً " أي عنب خمر، فحذف ومن ذلك قوله تعالى " وكان الكافر على ربه ظهيرا " أي على معصية ربه، فحذف المضاف قال أبو علي أي ساقطاً مثل قوله جعل قضاء حاجتي بظهر، أي نبذه وراء ظهره، ولم يلتفت إليه وقوله تعالى " فكيف تتقون إن كفرتم يوماً " أي عقاب يوم ومن ذلك قوله تعالى " فإنها محرمة " أي إن دخولها، لقوله " لن ندخلها أبداً ما داموا فيها " ومن ذلك قوله تعالى " إن العهد كان مسئولاً " أي ذا العهد كان مسئولا عنه، وذا الأمانة، فحذف وقوله تعالى " إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا " أي كل أفعال أولئك، أي إن ذا العهد كان مسئولا عنه، أي عن كل الأفعال وقيل أي يكون الإنسان هو المسئول عن السمع والبصر والفؤاد، تسأل عن الإنسان لتكون شهوداً عليه وله، بما فعل من طاعة وارتكب من معصية وقيل يعود إلى البصر وقيل يعود إلى كل ومن ذلك قوله تعالى " لن تخرق الأرض " أي لن تخرق عمقها، أي لن تبلغ طول ذا ولا خرق ذا وأنت ضعيف عاجز ومن ذلك قوله تعالى " ويزيدهم خشوعاً " أي تزيدهم تلاوته خشوعاً، أو سماعهم له ومن ذلك قوله تعالى " كانت لهم جنات الفردوس نزلاً " أي دخول جنات الفردوس، ف نزلاً، حال من الضمير المجرور فيمن جعلها جمع نازل ومن جعله كقوله " هذا نزلهم " كان خبراً، والتقدير كانت لهم ثمر الجنات، فحذف المضاف ومن ذلك قوله تعالى " كما بدأكم تعودون " أي كما بدأ خلقكم تعودون أي يعود خلقكم عودا كبدئه والخلق اسم الحدث، لا الذي يراد به المخلوق ومن ذلك قوله تعالى " وكان بين ذلك قواماً " أي كان الانفاق ذا قوام بين ذلك وإن شئت علقت الظرف بما دل عليه القوام، كأنه قال مستقيما بين الإسراف والإقتار، فلا تجعله متقدماً على المصدر وما يجرى مجراه، لأن ذلك لا يستقيم وإن شئت علقته به فكان على هذا النحو وإن شئت علقته بمحذوف جعلته الخبر، كأنه قال بين الإسراف أو التبذير والإقتار، فأفرد ذلك كما أفرد في قوله " عوان بين ذلك " وكلا ذلك وجه حسن ومن ذلك قوله تعالى " حسبته لجة " أي حسبت صحن الصرح من القوارير ماءً ذا لجة

وقال تعالى " بل أدارك علمهم في الآخرة " بمعنى أدرك ولحق؛ فالمعنى أنهم لم يدركوا علم الآخرة، أي لم يعلموا حدوثها وكونها ودل على ذلك " بل هم في شك منها بل هم منها عمون " أي من عملها ف في بمعنى الباء، أي لم يدركوا علمها، ولم ينظروا في حقيقتها فيدركوها، أي إدراك علمهم بحدوثها، بل هم في شك من حدوثها، بل هم عن علمها عمون ومن ذلك قوله تعالى " أجعلتم سقاية الحاج " أي صاحب سقاية الحاج وقال عز من قائل " وكأين من قرية " أي من أهل قرية " هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك " أي أخرجك أهلها ومن ذلك قوله تعالى " وعدكم الله مغانم " أي تمليك مغانم، ويراد به المفعول، لأن الحرث لا يؤخذ ومن ذلك " لقد صدق الله رسوله الرؤيا " أي تأويل الرؤيا؛ لأن الرؤيا إنما هي مخايل ترى في المنام وليس بحديث فيحتمل الصدق والكذب والتأويل حديث، فيحتمل الصدق والكذب، وصدق فعل يتعدى إلى مفعولين ومن ذلك قوله تعالى " لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله " أي من رهبة الله والمعنى يرهبونكم أشد مما ترهبون الله وهذا مثل قوله تعالى في صفتهم " ولكنهم قوم يفرقون " وقال عز من قائل " يحسبون كل صيحة عليهم " فوصفوا في ذلك بالجبن والفرق والتقدير رهبتهم لكم تزيد على رهبة الله فالمصدر المقدر حذفه في تقدير الإضافة إلى المفعول به ومن ذلك قوله تعالى " قوارير من فضة " أي من صفاء فضة ويكون قوله من فضة صفة للقوارير، كما أن قدروها صفة ومن ذلك قوله تعالى " وما أدرك ما العقبة " أي اقتحام العقبة ثم قال " فك رقبة " أي اقتحامها فك رقبة " ثم كان " أي إن كان، أي ثم كونه من الذين، فحذف أن كقوله " أحضر الوغى " ومن ذلك قوله تعالى " من كل أمر سلام " أي من كل ذى أمر ومن ذلك قوله تعالى " إن الذين هم من خشية ربهم " أي من خشية عقاب ربهم والخشية خوف فيه تعظيم للمخشى منه، بخلاف الإشفاق، فكأنه قال هم حذرون المعاصي من أجل خشية عقاب الله
الثالث
ما جاء في التنزيل معطوفاً بالواو والفاء
وثم من غير ترتيب الثاني على الأول
فمن ذلك قوله تعالى " إياك نعبد وإياك نستعين " ألا ترى أن الاستعانة على العبادة قبل العبادة ومن ذلك قوله تعالى " وإذا قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة " وقال عز من قائل في سورة الأعراف " وقولوا حطة وادخلوا الباب سجداً " والقصة قصة واحدة، ولم يبال بتقديم الدخول وتأخيره عن قول الحطة ومثله " فاعفوا واصفحوا " لأن العفو ألا يكون في القلب من ذنب المذنب أثر، والصفح أن يبقى له أثر ما، ولكن لا تقع به المؤاخذة ومن ذلك قوله تعالى " يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين " والسجود قبل الركوع، ولم يبال بتقديم ذكره لما كان بالواو، فوجب أن يجوز تقديم غسل اليد والرجل على غسل الوجه في قوله تعالى " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين " ومن ذلك قوله تعالى " إنى متوفيك ورافعك إليَّ " والرفع قبل التوفي ومن ذلك قوله تعالى " ووهبنا له إسحاق ويعقوب " إلى قوله " وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً " فأخر لوطا عن إسماعيل وعيسى نظيره في النساء " وعيسى وأيوب ويونس " وعيسى بعد جماعتهم ومن ذلك قوله تعالى " رب موسى وهارون " في الأعراف، وفي طه " برب هارون وموسى " وفي الشعراء أيضاً، فبدأ أولا بموسى ثم قدم هارون في الأخريين ومن ذلك قوله تعالى " فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة " وإمطار احجارة قبل جعل الأسافل أعالي فقدم وأخر الإمطار نظيره في سورة الحجر وقال تعالى " فكيف كان عذابي ونذر " والنذر قبل العذاب وفسر قوله تعالى " فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت " أي وانتفخت لظهور نباتها، فيكون من هذا الباب؛ وفسروها بأضعف نباتها، فلا يكون من هذا الباب

وأما قوله تعالى " وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا " فلا يخلو أهلكناها من أن يكون خبراً أو صفة؛ فالذي يقوى الخبر قوله تعالى وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها " وقوله تعالى " وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح " فكما أن كم في هذه المواضع محمولة على أهلكنا كذلك إذا شغل عنها الفعل بالضمير ترتفع بالابتداء، مثل زيداً ضربت، وزيد ضربته ومن قال زيدا ضربته، كان قوله تعالى " وكم من قرية أهلكناها " كم في موضع النصب فإن قلت فما وجه دخول الفاء في قوله فجاءها بأسنا والبأس لا يأتي المهلكين، إنما يجيئهم البأس قبل الإهلاك، ومن مجئ البأس يكون الإهلاك، فإنه يكون المعنى في قوله أهلكناها قربت من الهلاك ولم تهلك بعد، ولكن لقربها من الهلاك ودنوها وقع عليها لفظ الماضي، لمقاربتها له وإحانته إياها ونظير هذا قولهم قد قامت الصلاة، إذا كان المقيم مفرداً، وإن لم تقع التحريمة بها، للقرب من التحريمة بها ومنه قول رؤبة
يا حكم الوارث عن عبد الملك ... أوديت إن لم تحب حبو المعتنك
فأوقع لفظ الماضي على الهلاك لمقاربته منه، ومراده الآتي ألا ترى أنك لا تقول أتيتك إن قمت؛ وإنما تقول آتيك إن قمت فمن حيث كان معناه الآتي، قال إن لم تحب، ومن حيث قارب ذاك أوقع عليه لفظ الماضي، وكأن المعنى كم من قرية قاربت الهلاك فجاءها البأس ليلاً أو نهاراً فأهلكناها، خبر على هذا وقوله فجاءها معطوف فإن جعلت أهلكناها صفة للقرية ولم تجعله خبراً، ف كم في المعنى هي القرية فإذا وصفت القرية فكأنك قد وصفت كم إذ كان كم في المعنى هو القرية ويدلك على ذلك قوله تعالى " وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً فعاد الذكر على كم على المعنى، إذ كانت الملائكة في المعنى وعلى هذا قال " أو هم قائلون " فيعاد مرة الذكر على لفظ القرية، ومرة على معناها، فيكون دخول الفاء في قوله " فجاءها بأسنا " على حد كل رجل جاءني فله درهم؛ فيكون المعنى كم من قرية جاءها الهلاك فقاربت البأس، فكان سبب الإهلاك مجئ البأس، لأن الإهلاك إنما يكون عما يستحق له الإهلاك، فكأنها استحقت الإهلاك فجاءها البأس، فصار نزول البأس استحقاق ذلك فإذا سلكت فيه هذا المسلك لم يجز في موضع كم النصب لأن من قال زيدا ضربته، لا يقول أزيداً أنت رجل تضربه؛ إذا جعلت تضربه صفة للرجل وكذلك أهلكناها إذا جعلتها صفة ولم تجعلها خبراً ويكون قوله فجاءها في موضع الخبر، كما أن قوله فله درهم، من قولك كل رجل يأتيني فله درهم، في موضع الخبر ويجوز أيضاً أن تكون الفاء عاطفة جملة على جملة، على تقدير جاءها البأس قبل الإهلاك؛ لأن المعنى يدل على أن البأس مجئ الإهلاك، فصار جاءها بأسنا كالتبيين للإهلاك لهم، والتعريف لوقته قال أبو سعيد دخول الفاء في هذا الموضع ونحوه يجري مجرى الفاء في جواب الشرط، وجواب الشرط قد يكون متأخراً في الكلام ومتقدماً في المعنى، كقول القائل من يظهر منه الفعل المحكم فهو عالم به؛ ومن يقتصد في نفقته فهو عاقل ومعلوم أن العلم بالفعل المحكم قبل ظهوره، وعقل المقتصد قبل الاقتصاد ممتنع وإنما يقدر في ذلك من يظهر منه الفعل فيحكم أنه عالم به وكذلك لو جعلناه جزاء فقلنا زيد إن ظهر منه الفعل المحكم فهو عالم، فهو محكوم له بالعلم بعد ظهور ذلك وكذلك قوله تعالى " فجاءها بأسنا بياتاً " لما أهلكها الله حكم بأن البأس جاءها بياتاً أو بالنهار ونحو هذا في القرآن والكلام كثير قال الله تعالى " فلم تقتلون أنبياء الله " والخطاب لليهود بعد قتل أسلافهم الأنبياء، على معنى لم ترضون بذلك؟ وقال عز من قائل " إذا زلزلت الأرض زلزالها " إلى قوله " فمن يعمل مثقال ذرة " الآية ومعلوم أنه لا يشترط في الآخرة شروط الثواب والعقاب وفي هذا جوابان أحدهما أن معنى " فمن يعمل " أي فمن يظهر ذلك اليوم في صحيفته خير أو شريرى مكافأته والآخر أن المعنى فمن يعمل في الدنيا ويكون كون الفاء بعد ذكر ما ذكر في الآخرة على معنى أن ما يكونه الله في الآخرة من الشدائد التي ذكرها توجب أنه من عمل في الدنيا خيراً أو شراً يره، كما يقول القائل الآخرة دار المجازاة فمن يعمل خيراً يره ولم يرد خيراً مستأنفاً دون ما عمله العاملون

وقد يكون ذلك أيضاً على مذهب الإرادة، فيكون التقدير وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا كما قال الله تعالى " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " والقيام بعد غسل الوجه والمعنى إذا أردتم القيام إلى الصلاة قال الفراء ربما أتى ما بعد الفاء سابقاً إذا كان في الكلام دليل السبق فإذا عدم الدليل لم يجز وذكر قول الله تعالى " وكم من قرية أهلكناها فجاءها باسنا " فذكر عن قوم قالوا البأس قبل الإهلاك، كما تأولوا في " ثُمَّ " مثل هذا في قوله تعالى " خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها " أي ثم خلقكم منها وقيل معناها خلقكم من نفس وحدها جعل الزوج منها بعد التوحيد، فأفادت واحدة هذا المعنى قال والأجود في قوله تعالى " ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة " أن يريد ولقد خلقنا أصلكم الذي هو آدم، كما قال " هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً " ، معناه خلق أصلكم، الذي هو آدم، من طين وقال الفراء في قوله تعالى " فجاءها بأسنا " إذا كان الشيئان يقعان في حال واحدة نسقت بأيهما شئت على الآخر بالفاء كقولك أعطيتني فأحسنت، وأحسنت فأعطيتني؛ لا فرق بين الكلامين؛ لأن الإحسان والإعطاء وقتهما واحد قال أبو سعيد وهذا مشبه الذي بدأت به في تفسيره، إلا أنه متى جعلنا أحدهما شرطاً جاز أن يجعل الآخر جواباً، فتدخل الفاء حيث جاز أن تكون جواباً، كقولك إن أعطيتني أحسنت، وإن أحسنت أعطيت، وإن يعط فإنه محسن، وإن يحسن فإنه معط وقال غير الفراء في قوله " هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش " معناه ثم كان قد استوى على العرش قبل أن يخلق السموات والأرض وهذا يشبه الجواب الذي حكاه الفراء في قوله " فجاءها بأسنا " وقالوا فيها جواباً آخر، على جعل ثم للتقديم، تقديره هو الذي خلق السموات والأرض، أي أخبركم بخلقهما، ثم استوى، ثم أخبركم بالاستواء ومثله " اذهب بكتابى هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم " أي فأخبرهم بالإلقاء، ثم أخبرهم بالتولي ومثله " ثم استوى إلى السماء وهى دخان " وقد قال قبله " قل ائنكم لتكفرون بالذى خلق الأرض في يومين وقال " والأرض بعد ذلك دحاها " ثم يكون ثم استوى على الإخبار، ويكون الدحو بعد، وخلق الأرض قبل خلق السماء، وقبل في قوله تعالى " ثم تول عنهم فانظر " فليس التولي الانصراف، وإنما معناه، تنح عنهم بعد إلقاء الكتاب إليهم بحيث يكونون عنك بمرأى ومسمع، فانظر ماذا يردون من جواب الكتاب وقيل في قوله تعالى " والأرض بعد ذلك دحاها " أي مع ذلك كما قال " عتل بعد ذلك زنيم أي مع ذلك وعكسه قوله تعالى " إن مع العسر " أي بعد العسر وأما قوله تعالى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى " أي ثم دام وثبت على الاهتداء وهذا كقوله تعالى " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين والمعنى في ذلك الدوام على الإيمان والعمل الصالح، لأن الإيمان الذي يحظر النفس والمال قد تقدم فيما ذكر في قوله تعالى " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات " فقال بعد " إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا " ومما يبين أن المعنى فيه ما ذكرت قوله تعالى " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة " وفي الأخرى " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " والمعنى اتبعوا التوحيد ثم داموا عليه وأقاموا فاستقام مثل أقام، كاستحاب وأجاب وقال أبو الحسن في قوله تعالى " ثم تاب عليهم ليتوبوا " إن ثم زيادة، والمعنى على ما قال لأن المعنى حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت تاب عليهم ليتوبوا فجواب الجزاء، إن لم يقدر ثم زيادة، غير مذكور فإن قال قائل إن ثم زيادة في قوله " ثم اهتدى " كما قال أبو الحسن في الآية الأخرى، فإنه يكون اهتدى بعد تقدير زيادة ثم على تقديرين أحدهما " وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل عمل صالحاً " إنساناً مهتدياً، ويكون حالا ولم يقع بعد، فإنه كقوله " هديا بالغ الكعبة " ويجوز أن يكون على إضمار قد على تقدير " وكنتم أمواتاً " أي قد كنتم

وقال أبو علي في قوله تعالى " ولقد خلقنا كم ثم صورناكم " على ما تقدم من حذف المضاف وعلى قولهم هزمناكم، أي هزمنا إياكم، كقوله " فلم تقتلون أنبياء الله " أي فلم قتلتم وأما قوله تعالى " ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن " بعد قوله " قل تعالوا " فالتقدير ثم قل آتينا موسى الكتاب وكذلك قوله " خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون " هو على ترتيب الخبر، أي أخبركم أولا بخلقه من تراب، ثم أخبركم بقوله كن وأما قوله " فلا اقتحم العقبة " وبعده " ثم كان من الذين آمنوا " فهو مثل الأول في ترتيب الخبر وأما قوله تعالى " وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه " أي اثبتوا على التوبة ودوموا عليه قال عثمان في بعض كلامه في قوله تعالى " وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم " الواو وإن كان لا يوجب الترتيب، فإن لتقديم المقدم حظاً وفضلاً على المؤخر ألا ترى كيف قال " أيديهم عنكم " فقدم المؤخر في موضع تعداد النعم، فكان أولى وقال أبو علي أيضاً في موضع آخر في قوله تعالى " ثم تاب عليهم " ثم، زائدة؛ وقد يجوز أن يكون جواب إذا محذوفاً، و " ثُمَّ تَابَ عَليَهِمْ " معطوف على جملة الكلام، أي حتى إذا ضاقت عليهم الأرض تنصلوا وتندموا، ثم تاب عليهم وإذا بعد حتى للجزاء، وهي بمعنى متى، أي متى ضاقت عليهم الأرض وأما قوله تعالى " ثم محلها إلى البيت العتيق " فإن ثم للعطف على تراخ، وقد عطفت في الآية النحر الذي هو بآخرة، أو الطواف الذي هو الخاتمة، على الانتفاع بما يقام في المناسك في الدين، أو بمنافع البدن والهدايا في الدنيا، على القولين، وكذلك إلى التي هي غاية الفرائض، إما لنحر الهدايا، وإما للطواف الذي هو غاية إقامة جمع الواجبات وقيل معناه إن أجرها على رب البيت العتيق وأما قوله تعالى " ثم لتسألن يومئذ عن النعيم " فقد قيل هذا على الإخبار أيضاً، أي ثم أخبركم بالسؤال عن النعيم، لأن السؤال قبل رؤية الجحيم وقيل بل المعنى يقال لكم أين نعيمكم في النار وأين نمتعكم به؟ وشاهد هذه الآى البيت المعروف، وهو قوله
قل للذي ساد ثم ساد أبوه ... ثم ساد من بعد ذلك جده
ومعلوم أن سيادة الجد قبل سيادة أبيه، وسيادة أبيه قبل سيادته أولا، ثم أخبركم بسيادة أبيه ثانيا، ثم أخبركم بسيادة جده ثالثا
الرابع
ما جاء في التنزيل وقد حذف منه حرف الجر
فمن ذلك قوله تعالى " اهدنا الصراط المستقيم " والتقدير اهدنا إلى الصراط، فحذف إلى، دليله قوله تعالى " وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم " ، وقوله تعالى " ويهديهم إليه صراطاً " ؛ لأن العرب تقول هديته إلى الطريق؛ فإذا قال هديته الطريق، فقد حذف إلى ومن ذلك قوله تعالى " وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن " أي بأن لهم، فحذف الباء وانتصب أن على مذهب سيبويه، وبقي الجر عند الخليل والكسائي وحجاجهم مذكور في الخلاف وعلى هذا جميع ما جاء في التنزيل من قوله " ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً " في بني إسرائيل والكهف، دليله ظهوره في قوله تعالى " بشر المنافقين بأن لهم " وقوله " يبشرهم ربهم برحمة منه " ، وقوله " فبشرناها بإسحاق " ، وقوله " بشرباك بالحق " وقوله " يبشرك بيحيى " وقوله " لتبشر به المتقين " ومن ذلك قوله تعالى " إن الله لا يستحيى أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها " أي لا يستحيى من ضرب المثل، فحذف من ويكثر حذف المثل لجر من أن ويقل مع المصدر؛ يحسن أن يضرب والتقدير من أن يضرب، ولا يحسن حذف من ضرب وأما قوله بعوضة فقيل التقدير أن يضرب مثلاً ببعوضة، وما صلة زائدة، فحذف الباء وقيل أن يضرب مثلا ما بين بعوضة فما فوقها عن الفراء فحذف بين وقيل ما، نكرة في تقدير شئ، و بعوضة بدل منه وقال أبو علي، في معنى الآية لا يجوز في القياس أن يريد أصغر منها وقد حكى عن الكلبي أنه يريد دونها وقال ابن عباس فما فوقها الذباب فوق البعوضة، وهو الحسن قال أبو علي وإنما يجوز هذا في الصفة، هذا صغير وفوق الصغير، وقليل وفوق القليل، أي جاوز القليل فأما هذه نملة وفوق النملة، وحمار وفوق حمار؛ يريد أصغر من النملة ومن الحمار، فلا يجوز ذلك؛ لأن هذا اسم ليس فيه معنى الصفة التي جاز فيها ذلك

الفراء فما فوقها، يريد أكبر منها، وهو العنكبوت والذباب ولو جعلت في مثله من الكلام فما فوقها تريد أصغر منها، لجاز، ولست أستحسنه، لأن البعوضة غاية في الصغر، فأحب إلى أن أجعل فما فوقها أكبر منها ألا ترى أنك تقول تعطى من الزكاة الخمسون فما دونها، والدرهم فما فوقه، ويضيق الكلام أن تقول فوقه فيهما، أو دونه فيهما وموضع حسنها في الكلام أن يقول القائل إن فلاناً لشريف فيقول السامع وفوق ذلك؛ يريد المدح أو يقول إنه لبخيل فيقول وفوق ذلك يريد بكليهما معنى أكبر فإذا عرفت الرجل فقلت دون ذاك؛ فكأنك تحطه عن غاية الشرف، أو غاية البخل ومن ذلك قوله تعالى " إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " أي بأن تذبحوا، لأن أمر فعل يتعدى إلى مفعولين، الثاني منهما بالباء؛ دليله " أتأمرون الناس بالبر " ومثله " أعوذ بالله أن أكون " أي من أن أكون ومثله " أفتطعمون أن يؤمنوا لكم " أي في أن يؤمنوا لكم ومن ذلك قوله تعالى " بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغياً أن ينزل الله " أي بغيا لأن ينزل الله، فإن ينزل الله متعلق ب بغيا بواسطة حرف الجر وبغياً مفعول له، وأن يكفروا رفع مخصوص بالذم وماشتروا، ما يجوز أن يكون نصباً على تقدير بئس شيئا؛ ويجوز أن يكون رفعا على تقدير بئس الذي اشتروا به ومن ذلك قوله تعالى " ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه " أي في نفسه، فحذف في وقال قوم سفه، بمعنى سفه وقال قوم هو تمييز والمعرفة لا تكون تمييزا ومن ذلك قوله تعالى " فمن عفى له من أخيه شئ " قال عثمان يمكن أن يكون تقديره فمن عفى له من أخيه عن شئ، فلما حذف حرف الجر ارتفع شئ لوقوعه موقع الفاعل؛ كما أنك لو قلت سير بزيد، ثم حذفت الباء، قلت سير زيد ومثل حذف عن في التنزيل قوله تعالى " ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل " والتقدير فقد ضل عن سواء السبيل ومن ذلك قوله تعالى " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهر بيتى " أي بأن طهرا بيتي ومنه قوله تعالى " فلا جناح عليه أن يطوف جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم " أي في أن تبتغوا أي في أن يطوف، وكذلك " ليس عليكم " ومثله قوله تعالى " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا " أي في أن تبروا وقال أبو إسحاق بل أن تبروا مبتدأ، والخبر محذوف أي البر والتقوى أولى ومنه قوله تعالى " أن تسترضعوا أولادكم " أي لأولادكم ومنه قوله تعالى " ولا تعزموا عقدة النكاح " أي على عقدة النكاح، لقوله
عزمت على إقامة ذي صباح ... ليوم ما يسود من يسود
ومثله قوله تعالى " وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله " التقدير ما لنا في ألا نقاتل، فحذف في وقال الأخفش إن أن زائدة، أي ما لنا غير مقاتلين؛ لأن قوله لا نقاتل في موضع الحال وعن بعض الكوفيين إنما دخلت أن لأن معناه ما يمنعنا، فلذلك دخلت أن، لأن الكلام مالك تفعل كذا وكذا قال أبو علي والقول هو الأول وجه قول أبي الحسن إن أن لغو كإذن، يكون لغواً، كما تكون هي، وكما تكون عوامل الأسماء لغوا، ولا يمنعها كونها لغوا من العمل في معمولها، كما لم تمتنع عوامل الأسماء، كقوله تعالى " فما منكم من أحد " فإن قال قائل فهلا أجاز في لن أيضاً أجاز في أن كذلك، فإن هذا لا يلزمه، لأن أن أشد تصرفاً من لن وهي لذلك أحمل للتوسع وأجلد به ألا ترى أنها تدخل على الماضي والمستقبل، وتدخل على أمثلة الأمر، كقولك كتبت إليه بأن قم، وليس شئ من هذا في لن ألا ترى أنها تلزم المستقبل ولا تتجاوز عن ذلك، إلا أن الوجه فيها مع ذلك ألا تكون ك إذن لأن إذن إذا وقع بعدها فعل الحال ألغيت ولم تعمل فيه، وأن قد عملت هنا، فلو كانت مثل إذن لوجب ألا تعمل فيما بعدها من الفعل، كما لم تعمل إذن إذا كان الفعل الذي بعده فعل الحال، ألا ترى أن الاسم في مالك قائماً ينتصب على الحال، فكذلك الفعل بعد إذن هنا فعل حال، فلو كانت أن ك إذن لوجب ألا تعمل في فعل الحال كما لم تعمل إذن فيه، في نحو قولك إذا حدثت بحديث إذن أظنك كاذباً وأيضاً فلا يجوز أن تكون أن مثل إذن في أن تلغى كما تلغى إذن ألا ترى أن فيها من الاتساع أكثر مما في أن، تقول أنا أقوم إذن؛ فلا توليه فعلا وتقول إذن والله أقوم، فتفصل بينه وبين الفعل

والإلغاء سائغ فيه فإذا كان له من التصرف ما ليس لأن ، لم ينكر أن يجوز فيه الإلغاء، فلا يجوز في أن لكون تصرفها أقل من تصرف إذن وجوز أبو الحسن أن يكون المعنى وما لنا في ألا نقاتل وهذا أوضح، ويكون أن مع حرف الجر في موضع النصب على الحال، كقوله تعالى " فما لهم عن التذكرة معرضين " ونحو ذلك، ثم حذف الحرف فسد أن وصلتها ذلك المسد والحال في الأصل هو الجالب للحرف المقدر، إلا أنه ترك إظهاره لدلالة المنصوب عنه عليه ومثل هذه الآية في التنزيل " وما لكم ألا تأكلوا " أي ما لكم في ألا تأكلوا ومن إضمار حرف الجر قوله تعالى " ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن أتاه الله الملك " أي لأن آتاه الله الملك ومنه قوله تعالى " ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه " أي إلا على إغماض فيه، وعلى مع المجرور في موضع الحال، أي إلا مغمضين فيه ومن حذف حرف الجر قوله تعالى " ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم " الذي عليه البصريون حذف المضاف على تقدير كراهة أن تؤتي قال أبو علي في الآية أن لا يخلو من أن يكون منتصباً بأنه مفعول به، أو مفعول له، فلا يجوز أن ينتصب بأنه مفعول به؛ وذلك أن الفعل قد تعدى باللام إلى قوله " لمن تبع دينكم " كما تعدى بها في قوله " وما أنت بمؤمن لنا " فإذا انتصب هذا بأنه مفعول به لم ينتصب به مفعول آخر، فإذا لم ينتصب بأنه مفعول به انتصب بالوجه الآخر، والتقدير لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهة ذكر أن تؤتي أحد، وذكر أن يحاجوكم والدليل على انتصابه بهذا الوجه قوله في الآية الأخرى " وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم " وكما أن قوله ليحاجوكم في هذه الآية مفعول له، وقد دخلت اللام عليه؛ وكذلك قوله أو يحاجوكم عند ربكم منتصب بالعطف على ما هو مفعول له وهذه الآية عندنا على غير ما قاله الشيخ رحمه الله، والتقدير ولا تؤمنوا بأن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم، أو يحاجوكم عند ربكم، إلا من تبع دينكم، فالباء مضمر، وأن يؤتي مفعول لا تؤمنوا واللام زيادة، ومن تبع دينكم استثناء من أحد على التقدير الذي ذكرنا ويجوز أن يكون قوله لمن تبع دينكم، من صلة تؤمنوا وإنما لا يتعدى الفعل بحرفين إذا كانا متفقين، وأما إذا كانا مختلفين فالتعدى بهما جائز وقد استقصينا هذه المسألة في غير كتاب من كتبنا ومن ذلك قوله تعالى " واختار موسى قومه " أي من قومه، فحذف من ومنه قوله تعالى " فقد جاءوا ظلماً وزوراً " أي بظلم وزور، فحذف الباء وإن زعمت على أنه ليس على حذف الباء، وإنما هو من باب " والعاديات ضبحاً " لم يمكنك تقدير زور على لفظه، وإنما تقدره ظالمين مزورين، فتعدل أيضاً عما تلزمنيه فقد ثبت أنه على تقدير فقد جاءوا بظلم وزور ومنه قوله تعالى " وضائق به صدرك أن يقولوا " أي من أن يقولوا، أي يضيق صدرك من مقالتهم " لولا أنزل عليه كنز " ومن ذلك قوله تعالى " عتل بعد ذلك زنيم أن كان ذا مال وبنين " أي لأن كان ذا مال، فحذف اللام وفيما يتعلق به هذا اللام اختلاف واضطراب في قول أبي علي، مرة هو متعلق بمحذوف ولم يعلقه بقوله " إذا تتلى " ولا بقوله قال الذي هو جواب إذا قال لأن ما بعد إذا لا يعمل فيما قبله وقال مرة بقوله عتل وهذا كلامه على تفرقة قال في التذكرة ومن لم يدخل همزة الاستفهام كان أن متعلقاً ب عتل وذلك كأنه القليل الانقياد، وأنشد أبو زيد
وعتل داويته من العتل ... من قول ما قيل وقيل لم يقل
فإن قلت كيف جاز تعلقه بقوله عُتل وهو موصوف؟ وما يعمل عمل الفعل، إذا وصف لم يعمل عمله، ألا ترى أنه لم يستجز ولم يستحسن مررت بضارب ظريف زيداً؟ وقد وصف عتل ب زنيم

فالقول إن ذلك إنما لم يستحسن لخروجه بالصفة إلى شبه الاسم، وبعده من شبه الفعل، وقد يعمل ما يبعد من شبه الأسماء، نحو مررت برجل خير منه أبوه؛ وإن كان غير ذلك أحسن والإعمال في الآية له مزية، وإن كان قد وصف، وذلك أن حرف الجر كأنه ثابت في اللفظ، لطول الكلام ب أن، ولأن أن قد صارت كالبدل منه؛ ومن ثم قال الخليل في هذا النحو إنه في موضع جر، وإذا كان كذلك فقد يعمل بتوسط الحرف وقد ينتصب أن من وجه آخر غير ما ذكرنا، وذلك أن قوله " إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين " يدل على الإنكار والاستكبار وترك الانقياد، فأعمل هذا المعنى، الذي دل عليه هذا الكلام، في أن وكان التقدير، استكبر وكفر، لأن كان ذا مال وبنين فأما من أدخل الهمزة فقال أأن كان ذا مال وبنين فقد يكون في موضع النصب أيضاً من وجهين أحدهما أن ما تقدم مما دل من قوله عتل صار بمنزلة الملفوظ به بعد الاستفهام، فكأنه ألأن كان ذا مال وبنين يعتل أو يكفر أو يستكبر، ونحو ذلك كما أن ما تقدم من ذكر قوله " آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل " صار كالمذكور بعد قوله " آلآن وقد عصيت قبل " ، ويكون " إذا تتلى عليه آياتنا " كلاما مستأنفاً ثانيهما ويجوز أيضاً مع الاستفهام أن يعمل في أن ما دل عليه قوله " إذا تتلى عليه آياتنا قال " كما جاز أن يعمل إذا لم يدخل الاستفهام؛ ومثل ذلك قوله تعالى " يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين " ومن حذف الجر قوله " إنى أعظك أن تكون " أي من أن تكون وكذلك " إني أعوذ بك أن أسألك " أي من سؤالك فأما قوله في التنزيل " يرسل السماء عليكم مدرارا " إن حملت السماء على التي هي تظل الأرض، أو على السحاب، كان من هذا الباب، وكان التقدير يرسل من السماء عليكم مدرارا فيكون مدرارا مفعولا به وإن حملت السماء على المطر، كان مفعولا به، ويكون انتصاب مدرارا على الحال ويقوى الوجه الأول " فأنزلنا من السماء ماءً " ، " وينزل من السماء من جبال " ، " وأنزل من السماء ماءً " وغير ذلك من الآى ومن ذلك قوله تعالى " إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه " والتقدير يخوفكم بأوليائه فحذف المفعول والباء وقيل الأولياء المنافقون، لأن الشيطان يخوف المنافقين وأما قوله تعالى " في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى " فقيل التقدير لا يضل عن ربي، أي الكتاب لا يضل عن ربي ولا ينساه ربي، فحذفت عن وقيل التقدير لا يضل ربي عنه، فحذف الجار مع المجرور، والجملة في موضع جر صفة للكتاب ومن ذلك قوله تعالى " لأقعدن لهم صراطك المستقيم " أي على صراطك وقال " واقعدوا لهم كل مرصد " أي على كل مرصد قال أبو إسحاق قال أبو عبيدة المعنى كل طريق وقال أبو الحسن على محذوفة المعنى على كل مرصد وانشد
نغالى اللحم للأضياف نيئاً
أي باللحم، فحذف الباء، وكذلك حذف على قال أبو إسحاق كل مرصد ظرف، كقولك ذهبت مذهبا، وذهبت طريقا، وذهبت كل طريق، فلست تحتاج إلى أن تقول في هذا الأمر بقوله في الظرف، نحو خلف وقدام قال أبو علي القول في هذا عندي كما قال، وليس يحتاج في هذا إلى تقدير على إذا كان المرصد اسماً للمكان كما أنك إذا قلت ذهبت مذهباً، ودخلت مدخلا، فجعلت المدخل والمذهب اسمين للمكان لم نحتج إلى على ولا إلى تقدير حرف جر إلا أن أبا الحسن ذهب إلى أن المرصد اسم للطريق، كما فسره أبو عبيدة وإذا كان اسما للطريق كان مخصوصا، وإذا كان مخصوصا وجب ألا يصل الفعل الذي لا تتعدى إليه إلا بحرف جر، نحو ذهبت إلى زيد، ودخلت به، وخرجت به، وقعدت على الطريق؛ إلا أن يجئ في شئ من ذلك اتساع، فيكون الحرف معه محذوفاً، كما حكاه سيبويه من قولهم ذهبت الشام، ودخلت البيت فالأسماء المخصوصة إذا تعدت إليها الأفعال التي لا يتعدى فإنما هو على الاتساع والحكم في تعديها إليها، والأصل أن يكون بالحرف وقد غلط أبو إسحاق في قوله " كل مرصد " حيث جعله ظرفاً كالطريق، كقولك ذهبت مذهبا، وذهبت طريقا، وذهبت كل مذهب، في أن جعل الطريق ظرفاً كالمذهب، وليس الطريق بظرف ألا ترى أنه مكان مخصوص، كما أن البيت والمسجد مخصوصان وقد نص سيبويه على اختصاصه، والنص يدل على أنه ليس كالمذهب ألا ترى أنه حمل قول ساعدة
لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب

على أنه قد حذف معه الحرف اتساعا، كما حذف عنده من ذهبت الشام وقد قال أبو إسحاق في هذا المعنى خلاف ما قاله هذا ألا ترى أنه قال في قوله تعالى " لأقعدن لهم صراطك المستقيم " أي على صراطك قال ولا اختلاف بين النحويين أن على محذوفة ومن حذف الجار قوله تعالى " لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم " أي في أن يجاهدوا، فحذف في وقال " وتخر الجبال هدًّا أن دعوا للرحمن ولدا " أي لأن دعوا، فحذف اللام وأما قوله " ثم السبيل يسره " فقد قالوا التقدير ثم يسره للسبيل، وإنها كناية الولد المخلوق من النطفة في قوله " من أى شئ خلقه من نطفة خلقه " ثم يسره للسبيل، فحذف اللام وقدم المفعول، لأن يسر يتعدى إلى مفعولين، أحدهما باللام؛ قال " ونيسرك لليسرى، " فسنيسره لليسرى " ، " فسنيسره للعسرى " ولو قالوا إن التقدير ثم السبيل يسره له، فحذف الجار والمجرور، لكان أحسن كقوله تعالى " رب اشرح لى صدرى ويسر لى أمرى " فينصب إذ ذاك السبيل بمضمر فسره يسره ومن ذلك قوله تعالى " سنعيدها سيرتها الأولى " أي إلى سيرتها، أو كسيرتها ومن حذف حرف الجر قوله تعالى " نودي يا موسى أني أنا ربك " فيمن فتح؛ والتقدير بأني أنا ربك، لأنك تقول ناديت زيدا بكذا ومثله " فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله " فيمن فتح الهمزة، أي نادته بأن الله فأما من كسر الهمزتين في الموضعين فبإضمار القول، وما قام مقام فاعل مقام الفاعل، نودي ضمير موسى، أي نودي هو يا موسى ويجوز أن يقوم المصدر مقام الفاعل، ولا يجوز أن يقوم يا موسى مقام الفاعل، لأنه جملة هذا كلامه في الحجة وقد جرى فيه على أصلهم حيث خالفوا سيبويه في قوله " ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه " ، من أن الفاعل هو المصدر دون ليسجننه بخلاف مذهبه أعني سيبويه حيث جعل ليسجننه الفاعل وإن كان جملة فإذا كان كذلك كان في قوله يا موسى بمنزلة ليسجننه عند سيبويه، هذا سهو ومثله " وأنا اخترناك " في قراءة حمزة، بفتح الألف والتشديد والألف والنون على تقدير ولأنا اخترناك فاستمع لما يوحى؛ أي استمع لما يوحى لأنا اخترناك، فاللام الأولى بمعنى إلى، لولا ذلك لم يجز، لأنه لا يتعدى فعل واحد بحر في جر متفقين، وإن اختلفوا في المختلفين وزعم الفارسي أن قوله وأنا اخترناك محمول على " أني أنا ربك " فسبحان الله إن من قرأ أني أنا ربك بالفتح يقرأ وأنا اخترناك وهو ابن كثير وأبو عمرو فكيف نحمل عليه! إنما ذلك على قوله فاستمع أو على المعنى، لأنه لما قال " فاخلع نعليك إنك بالوادى المقدس طوى " كأنه قال اخلع نعليك لأنك بالوادي المقدس طوى ولو قال ذلك صريحا لصلح وأنا اخترناك على تقدير ولأنا اخترناك أي اخلع نعليك لهذا ولهذا ومثله " عبس وتولى، أن جاءه الأعمى " أي لأن جاءه الأعمى، فحذف اللام ومثله " وفجرنا الأرض عيوناً " أي وفجرنا من الأرض عيونا أو يكون كقوله " جاءوا ظلما وزوراً " أي بظلم والتقدير وفجرنا الأرض بعيون ومن ذلك قوله تعالى " فكيف تتقون إن كفرتم يوماً " أي بيوم، فحذف الحرف، وأوصل للفعل، وليس بظرف، لأن الكفر لا يكون يومئذ لارتفاع الشبه لما يشاهد وقيل التقدير، كيف تتقون عقاب يوم؟ ومن ذلك قوله تعالى " تبغونها عوجاً " حكم تعديه إلى أحد المفعولين أن يكون بحرف الجر، نحو بغيت لك خيراً، ثم يحذف الجار وحكى في قوله تعالى " ومن يبتغ غير الإسلام ديناً " أي دينا غير الإسلام ف، غير على هذا وصف للنكرة فتقدم عليها، فانتصب على الحال؛ نحو فيها قائما رجل ومن ذلك قوله تعالى " نودى أن بورك من في النار " أي على من في النار كما قال " وباركنا عليه وعلى إسحاق " وقال " إلى الأرض التى باركنا فيها للعالمين " فكأنه قال باركت على من في النار من دخل فيها ولكن على معنى من قرب منها ومن داناها، فحذف المضاف فإن قلت ف من حولها بقربها، فما معنى التكرير؟ قيل لا يدل حول كذا على التقريب، لأنك تقول هو يطوف حول البيت، ويكون متراخيا عنه وأبين من هذا قوله تعالى " وممن حولكم من الأعراب منافقون " والأعراب لا يكونون في الأكثر إلا متراخين عن البلدان فالمعنى أن بورك من في قرب النار أو طلب النار ومن في بعدها، ومن حولها الملائكة وغيرهم والقريب منها موسى، لأنه أراد أن يحمل نارا إلى أهله ليصطلوا بها

ومثله قوله تعالى " ولما ورد ماء مدين " أي قربه ولم يتوغل فيه ومن ذلك " أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً " فمن فتح أراد لأن كنتم والمعنى أفنضرب عنكم ذكر الانتقام منكم والعقوبة لكم لأن كنتم قوماً مسرفين وهذا يقرب من قوله " أيحسب الإنسان أن يترك سدى " وانتصاب صفحا على المصدر، من باب " صنع الله " ، " وكتاب الله " ، و " وعد الله " ومن ذلك قوله تعالى " فأجمعوا أمركم " أي على أمركم ومن هذا الباب قوله " يسبحون الليل والنهار لا يفترون " والتقدير يسبحون بالليل كقوله تعالى " يسبح له فيها بالغدو والآصال " فأما قوله والنهار فقيل هو منصوب بقوله لا يفترون والأحسن أن يكون عطفاً على الليل ومثله " وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفاً أن يبلغ محله " فإنه يجوز أن يحمل على عن تقديره معكوفاً عن أن يبلغ محله فلما كانت أن الموصولة بالفعل قد طال الكلام بها جاز إضمار الجار ويجوز النصب في موضع أن على هذا، والعامل فيه على ضربين أحدهما أن يكون التقدير والهدى معكوفاً كراهة أن يبلغ، أو لئلا يبلغ محله؛ على تقدير الكوفيين فإن قلت فإن معكوفاً يقتضى حرف جر على تقدير على ولا يكون متعدياً بنفسه، والتنزيل يشهد بصحة ذا؛ قال عز من قائل " يعكفون على أصنام لهم " و " سواء العاكف فيه والباد " قيل هو محمول على المعنى، كأنه قال والهدى محبوساً كراهة أن يبلغ، كالرفث حيث حمل على الإفضاء في قوله " الرفث إلى نسائكم " وجاز ذا لأن المسلمين أحصروا إذ ذاك، ويكون معكوفاً في بابه، كمدرهم، حيث لم يقل درهم، ومفؤود، للجبان، و " ماء معين " ، ولم يقل عين، وكذلك لم يقل عكف وإن حملته على وصدوكم كان فيه إضمار عن كالأول، أو يكون من باب " اختار موسى قومه " أو يكون من باب بمن تمرر أمرر؛ ولم يحتج إلى امرر به؛ لجرى الأول فكذا لم يحتج إلى عن لذكره عن المسجد الحرام ومن ذلك قوله تعالى " تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة " أي لأن تكون فموضع أن نصب، مفعول له وقدره الزجاج بان يكون، فحذف الباء ومن ذلك قوله تعالى " فإن استقر مكانه فسوف تراني " أي في مكانه وكذلك قوله تعالى " ليس عليكم جناح أن تبتغوا " أي في أن تبتغوا لقوله " وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به " فحذف في وقال " وترغبون أن تنكحوهن " يجوز أن يكون وترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن؛ ويجوز أن يكون ترغبون عن نكاحهن لدمامتهن وأما قوله تعالى " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض " فقد قيل التقدير يستضعفون في مشارق الأرض، أي جعلنا الذين يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها ملوك الشام ومصر وأنكر الطبري هذا القول، واعتل بأنهم ما كانوا يستضعفون إلا في أرض مصر من جهة القبط وغلط الطبري، لأنه ظن أنهم لا يكونون مستضعفين إلا بعد أن يقتل أبناؤهم وتستحيا نساؤهم، ويلزموا أن يضربوا لبنا صلبا بلا تبن، وليس كذلك، لأنهم لما تفردوا بدين إبراهيم، ولم يكن يدين به في ذلك الوقت أحد، إلا وكانوا مدفوعين عندهم غير مقبولين، ومقهورين غير مالكين ألا ترى أن قوماً منهم صاروا بعد بختنصر إلى أرض فارس، وكانوا أذل من بها، لمفارقتهم لهم في أديانهم والشأن في أنه أنكر هذا القول، ولم يذكر هو شيئاً يعبأ به، لأنه قال أورثهم مشارق الشام؛ وذلك مما يلي الشرق منها، ومغاربها التي باركنا فيها وقيل التقدير أورثنا مشارق هذه الأرض التي أغرقنا مالكيها وسالكيها فإذا نصبت مشارق بأورثنا، كان قوله التي جراً، صفة ل الأرض المجرورة، وإذا نصبت مشارق ب يستضعفون، كان التي نصبا صفة موصوف محذوف منصوب ب أورثنا أي أورثناهم الأرض التي باركنا فيها ومثله قوله تعالى " ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله " ففي موضع أن قولان أحدهما أن يكون بتقدير الباء، أي أرسلناه بأن اعبدوا الله؛ فانتصب بالنزع والثاني أن تكون أن بمعنى أي المفسرة وأما قوله تعالى في التنزيل " لا جرم أن لهم النار " و " لا جرم أن ما تدعونني إليه " " ولا جرم أنهم في الآخرة " فبعضهم يحمله على إضمار من أي من أن لهم النار، فيحمل لا جرم على معنى لا بد وهذا لا يصح، لأن جرم يقتضى مرفوعاً، لأنه فعل ماض عندنا وذهب الفراء إلى أن جرم معمول لا وهو اسم، وهو جار مجرى القسم وقيل إن أن منصوبة الموضع، مفعول جرم

وقال بعض الكوفيين جرم أصله الفعل الماضي، فحول عن طريق الفعل، ومنع التصرف، فلم يكن له مستقبل ولا دائم ولا مصدر، وجعل مع لا قسما، وتركت الميم على فتحها الذي كان عليها في المضى، كما نقلوا حاشى وهو فعل ماض، مستقبله يحاشى، ودائمه محاش، ومصدره محاشاة من باب الانفعال إلى باب الأدوات، لما أزالوه عن التصرف والصحيح أنه فعل ماض، وتجعل لا داخلة عليه، وهو مذهب سيبويه ومن أصحابه من يجعلها جواباً لما قبله ومثله يقول الرجل كان كذا وكذا، وفعلوا كذا، فيقول لا جرم أنهم سيندمون وبين غير الخليل وقال إنه رد على أهل الكفر فيما قدروه، من اندفاع عقوبة الكفر ومضرته عنهم يوم القيامة وقد ذكر حجاج هؤلاء في المختلف ومن ذلك قوله تعالى " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً " أي، كدعاء بعضكم على بعض فالمصدر في قوله دعاء الرسول مضاف إلى الفاعل، أي كدعاء الرسول عليكم وقيل لا تجعلوا دعاءه إياكم إلى الحرب كدعاء بعضكم بعضا إليها، فيكون أيضاً مضافاً إلى الفاعل وقيل لا تجعلوا دعاءكم الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا، أي لا تدعوه ب يا محمد، وادعوه ب يا نبي الله، كقوله تعالى " ولا تجهروا له بالقول " فيكون المصدر مضافاً إلى المفعول ومن ذلك قوله تعالى " والقمر قدرناه منازل " أي يسير في منازل، سائراً فيها ومن ذلك قوله تعالى " لو تعلمون علم اليقين " قيل التقدير بعلم اليقين لترون، فحذف الجار وقيل بل هو نصب على المصدر ومن ذلك قوله تعالى " فمن تطوع خيراً " أي بخير، فحذف الباء ويجوز أن يكون التقدير فمن تطوع تطوعاً خيراً، فحذف الموصوف ومن ذلك قوله تعالى " آتنا غداءنا " قال أبو علي آتنا ليس من الإعطاء، إنما هو من، أتى الغداء وآتيته، كجاء وأجأته، ومنه قوله تعالى " تؤتى أكلها " أي تجئ و آتنا غداءنا يتعدى إلى غدائنا بإرادة الجار، لا بد من ذلك؛ لأن الهمزة لا تزيده إلا مفعولاً واحداً؛ بخلاف " وآتاكم من كل ما سألتموه " " وما أتاكم الرسول " لأنه من الإعطاء؛ إذ هو متعد إلى ضمير الموصول، وإلى الكاف والميم وقد عددت لك هذه الآى وقد قال سيبويه في الباب المترجم عنه فهذا باب ما ينتصب من الأسماء ليست بصفة ولا مصادر، لأنه حال يقع فيه الأمر، فينتصب لأنه مفعول فيه قال وزعم الخليل أن قولهم ربحت الدرهم درهما، محال؛ حتى يقولوا في الدرهم، أو للدرهم كذلك وجدنا العرب تقول ومن زعم أنه يريد معنى الباء واللام ويسقطهما، قيل له أيجوز أن تقول له مررت أخاك، وهو يريد بأخيك؟ فإن قال لا يقال؛ فإن هذا لا يقال أيضاً
الخامس
ما جاء في التنزيل وقد زيدت فيه لا وما
وفي بعض ذلك اختلاف، وفي بعض ذا اتفاق
وقد ذكر سيبويه زيادة لا في قوله أما العبيد فذو عبيد وأما قول الناس للرجل أما أن يكون عالم؛ وأما أن يعلم شيئاً فهو عالم وقد يجوز أن تقول أما أن لا يكون يعلم فهو يعلم؛ وأنت تريد أن يكون كما جاءت " لئلا يعلم أهل الكتاب " في معنى لأن يعلم أهل الكتاب، فهذا يشبه أن يكون بمنزلة المصدر في كلام طويل فمن ذلك قوله تعالى " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " ف لا في قوله ولا الضالين زيادة وجاءت زيادتها لمجئ غير قبل الكلام، وفيه معنى النفي ألا ترى أن التقدير لا مغضوباً عليهم ولا الضالين، وكما جاء " وما يستوى الأحياء ولا الأموات " فكرر لا وهي زيادة، وكذلك هذا ومن ذلك قوله تعالى " وما منعك ألا تسجد إذ أمرتك " والتقدير ما منعك أن تسجد، ف لا زائدة وقيل في قوله تعالى " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون " إن لا زائدة والمعنى وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، فيمن فتح أن ولما كان فتح أن يؤدي إلى زيادة لا عدل الخليل إلى أنّ أن من قوله أنها بمعنى لعلها قال والمعنى وما يشعركم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون؛ لأن في حملها على بابها عذراً لهم في ترك الإيمان حيث لم ينزل الآية، وذلك لأنه إذا قال وما يشعركم أن الآيات إذا جاءت لا يؤمنون، فالمعنى لو جاءت آمنوا فلما كان كذلك حملها على لعل وقيل بل إن أن على بابها والتقدير وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون، فيكون من باب حذف الجمل

وقال قوم بل في الآية تقديم وتأخير، والتقدير إنما الآيات عند الله ولا ينزلها، لأنها إذا جاءت لا يؤمنون فهذه ثلاثة أقوال ومن ذلك قوله تعالى " وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون " قالوا لا زائدة والتقدير وحرام على قرية أهلكناها رجوعها إلى الدنيا، ف لا زائدة وقال أبو علي إن قوله أنهم لا يرجعون داخل في المصدر، الذي هو حرام؛ وخبر حرام مضمر والتقدير وحرام على قرية أهلكناها بأنهم لا يرجعون، موجود، أو كائن، أو مقضى، أي حرام عليهم بالاستئصال وجودهم في الدنيا أو رجوعهم إليها وأما قوله تعالى " فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " لا يخلو لا من أن يكون لتأكيد النفي، كالتي في قولك ما قائم زيد ولا عمرو فيفيد أن كل واحد منتف على حياله أو يكون لا نفيا مستأنفا فالدلالة على الوجه الأول أنك لو حملته على الوجه الثاني لم يجز حتى تكررها، كما تقول لا زيد عندك ولا عمرو فلما لم تكرر علمت أنها على الوجه الأول ولا يكون مثل
حياتك لا نفع وموتك فاجع
لأن ذلك يقع في الشعر فأما قوله تعالى " لا أقسم " فقيل لا زائدة وقيل لا رد لكلامهم لا يبعث الله من يموت فقال لا أي ليس الأمر كما تظنون ومن ذلك قوله تعالى " لئلا يعلم أهل الكتاب " قالوا التقدير ليعلم أهل الكتاب؛ ولا، زائدة أجمعوا على هذا، غير ابن بحر فإنه زعم أن الأولى ألا يكون في كلام الله شذوذ وما يستغنى عنه والذي يوجبه اللفظ على ظاهره أن يكون الضمير في يقدرون للنبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين والمعنى لئلا يعلم اليهود والنصارى أن النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين لا يقدرون على ذلك، وإذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون فقد علموا أنهم يقدرون عليه أي إن آمنتم كما أمرتم آتاكم الله من فضله فعلم أهل الكتاب ذلك ولم يعلموا خلافه والعلم في هذا ومثله يوضع موضع وقوع الفعل؛ لأنه إنما يعلم الأشياء واقعة بعد وقوعها قال أبو سعيد السيرافي إن لم تجعل لا زائدة جاز؛ لأن قوله " يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب " أي يفعل بكم هذه الأشياء ليتبين جهل أهل الكتاب وأنهم لا يعلمون ما يؤتيكم الله من فضله، لا يقدرون على تغييره وإزالته عنكم فعلى هذا لا يحتاج إلى زيادة لا قلت وحمل ابن بحر زيادة لا على الشذوذ جهل منه بقواعد العربية وليس كل من يعرف شيئاً من الكلام يجوز له التكلم على قواعد العربية وليس كون لا زائدة في فحوى خطاب العرب مما يكون طعناً من الملحدة على كلام الله، لأن كلام الله منزل على لسانهم فما كان متعارفاً في لسانهم لا يمكن الطعن به على كتاب الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً وكيف يكون زيادة لا شاذة، وقد جاء ذلك عنهم وشاع، كقول الهذلى
أفعنك لا برق كأن وميضه ... غاب تسنمه ضرام مثقب
أي، أفمن ناحيتك أيتها المرأة هذا البرق الذي يشبه ضوؤه ضوء غاب وأنشد أبو عبيدة للأحوص
وتلحيننى في اللهو ألا أحبه ... وللهو داع دائب غير غافل
أي في اللهو أن أحبه؛ ولا زائدة ومنه ما أنشده سيبويه لجرير
ما بال جهلك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين
لا فيه زائدة؛ إذا قلت علاك مشيب حين حين، فقد أثبت حيناً علاه فيه المشيب فلو جعلت لا غير زائدة لوجب أن تكون نافية على حدها في قولهم جئت بلا مال، وأبت بلا غنيمة فنفيت ما أثبت من حيث كان النفي ب لا عاماً منتظماً لجميع الجنس فلما لم يستقم حمله على الجنس لتدافع العارض في ذلك حكمت بزيادتهما، فصار التقدير حين حين وهو من باب حلقة فضة، وخاتم حديد؛ لأن الحين يقع على الزمان القليل كالساعة ونحوها؛ وعلى الطويل كقوله تعالى " هل أتى على الإنسان حين من الدهر " وعلى ما هو أقصر من ذلك كقوله تعالى " تؤتى أكلها كل حين " فصار حين حين، كقوله ولولا يوم يوم ما أردنا ومنه قول الشماخ
أعايش ما لأهلك لا أراهم ... يضيعون الهجان مع المضيع
وروى التوزى عن أبي عبيدة أن لا زائدة ومنه فول المرار، بيت الكتاب
ولا ينطق الفحشاء من كان منهم ... إذا جلسوا منا ولا من سوائنا
وأما قوله تعالى " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم " فإن موضع قوله في الأرض يحتمل ضربين

أحدهما أن يكون مفعولاً فيه ظرفاً والآخر أن يكون وصفاً فإن جعلته ظرفاً احتمل أن يكون ظرفاً ل أصاب واحتمل أن يكون ل مصيبة ولا ذكر فيه على شئ من هذين التأويلين كما أن قولك بزيد، من مررت بزيد كذلك يؤكد ذلك ويحسنه دخول لا في قوله ولا في أنفسكم فصار ذلك مثل ما ضربت من رجل ولا امرأة والضرب الآخر أن يكون صفة للنكرة، ويكون متعلقاً بمحذوف وفيه ذكر يعود إلى الموصوف وقوله ولا في أنفسكم صفة معطوفة على صفة، لأنه صفة منفى، فيكون كالبدل في قوله
في ليلة لا ترى بها أحداً ... يحكى علينا إلا كواكبها
من الضمير في يحكى لما جرى على المنفى وزيادة الحروف في التنزيل كثير، فأقرب من ذلك إلى ما نحن فيه قوله " فبما رحمة من الله " وقوله " فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم " وقوله تعالى " فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم " وكقوله " عما قليل ليصبحن " أي عن قليل وكقوله " جند ما هنالك " أي جند هنالك وقيل في قوله تعالى " كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون " ما صلة وكذلك قوله " إنه لحق مثل ما أنكم " أي مثل أنكم وقيل في قوله " في أي صورة ما شاء " فكقوله فهي ترثى بأبي وابنيما وكقولهم أفعله آثرا ما فهذه حروف جاءت للتأكيد عند سيبويه وعند قوم، هو اسم ولا خلاف في زيادتها فمن قال هو اسم، قال قد جاء من الأسماء مثله مزيداً، كقولهم كان زيد هو العاقل قال الله تعالى " إن كان هذا هو الحق " فهو فصل وقال " تجدوه عند الله هو خيراً " وقال " إنك أنت العزيز الحكيم " وقال " إن ترن أنا أقل منك " وسأعد لك الفصل فيما بعد والصحيح قول سيبويه، إذ لا معنى لها سوى التوكيد، ولا تكاد الأسماء تزاد فأما هو فإنما جئ به ليفصل الخبر عن الوصف، فهو لمعنى فثبت أن ما حرف زيدت كزيادة من في النفي، وزيادة الباء في ألقى بيده وساعده لك وزيادة أن وإن في قوله تعالى " فلما أن جاء البشير " وقوله
فما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا
وأما قوله تعالى " ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه " فإن الكسائي يقول إن " إْن " زائدة، والتقدير في الذي مكناكم فيه والفراء يقول في الذي نمكنكم فيه وإياه اختار أبو علي، وزعم أنه من جهة المعنى واللفظ أقرب فأما المعنى، فلأن قوله " فيما إن مكناكم فيه " في المعنى في قوله " مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم " وكما أن لم نفى بلا إشكال، وكذلك إن، ويبين ذلك قوله " أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها " فهذا كله يدل على أن تمكين من تقدمهم يزيد على تمكينهم، فهذا بمنزلة ما لم نمكن لكم وأما اللفظ فلأن ما موصولة، وأن يزاد بعد ما الموصولة وإنما يزاد بعد النفي في نحو ما إن طبنا جبن والذي جاء من ذلك في الشعر فيما أنشده سيبويه وأبو زيد من قوله
ورج الفتى للخير ما إن رأيته
إنما هو لتشبيه اللفظ فثبت بهذا كله وتحقق أن من تكلم في الجوهر والعرض والجزء الذي يتجزأ أو لا يتجزأ لا يعرف معنى قوله حين لا حين لأن ذاك عقلى وهذا سماعي، وبين ما يكون مبيناً على السماع، وبين ما يكون مبنياً على العقل تفاوت وبون ولولا أني خفت أن تقول بعدي ما لا يحل لك في هذا الكتاب؛ لسقت جميع ما اختلفوا في زيادته في التنزيل في هذا الباب، لكني ذكرتها في مواضع ليكون أحفظ عندك
السادس
ما جاء في التنزيل من الأسماء التي سميت بها الأفعال
وهي أبواب ذكرها سيبويه، نحو صه، ومه، ورويد، والنجاء، وإياك، وعليك، وهاك، وهلم كما تراه في الكتاب فهذه كلها أسماء سميت بها الأفعال وقد أبطلنا قول من قال هي قسم رابع، في غير كتاب من كتبنا فمما جاء في التنزيل من ذلك قولهم في الدعاء بعد الفاتحة آمين وفيه لغتان أمين، وآمين، بالقصر والمد؛ وكلاهما اسم ل استجب؛ كما أن صه اسم ل اسكت ومه كذلك وفي آمين ضمير المخاطب وروى عن الأخفش أنه اسم أعجمي، مثل هابيل وقابيل؛ فإن سميت به رجلاً لم ينصرف قال أبو علي في التذكرة لو قال قائل إنه ليس بأعجمي، لأنه لا يخلو لو كان أعجمياً من أن يكون اسم جنس، أو منقولاً من معرفة، وليس باسم جنس ولا منقولاً من معرفة، فإذا لم يخل من هذين الوجهين في العجمة، وليس واحداً منهما، ثبت أنه ليس بأعجمي، فهو وجه

فإن قلت إنه وزن جاء في الأعجمية قيل لا ينكر، وإن كان جاء في الأعجمي مثل، هابيل، أن يجئ هذا عربياً، ويكون إفراده في الأبنية العربية مثل درى، ومرنق، ونحو ذلك من الأبنية التي تجئ مفردة، نحو انقحل، وما أشبهه فبعضهم لا يصرفه لتوهم العجمة، وبعضهم يصرفه ويجعله مثل قيراط، وفيروز قال أبو علي في موضع آخر اختلف في آمين فقال قائلون إنه اسم من الأسماء التي سمي بها الفعل، نحو صه، ومه، وإيه، ورويد، وما أشبه ذلك وقال قائلون هو اسم من أسماء الله فمما يدل على أنه سمي به الفعل ما روى حجاج عن ابن جريج عن عكرمة قال أمن هارون على دعاء موسى عليه السلام، فقال الله " قد أجيبت دعوتكما فاستقيما " وكما أن قول موسى " ربنا اطمس على أموالهم " جملة مستقلة وكلام تام، كذلك قول هارون آمين جملة مستقلة وكلام تام ولولا أنه كذلك لم يكن هارون داعياً، لأن من تكلم باسم مفرد أو كلمة مفردة لم يكن داعياً، كما لا يكون آمرا، ألا ترى أن الدعاء لفظه كلفظ الأمر، فيقول القائل اللهم اغفر لي في الأمر لي، كقوله لصاحبه اذهب بي إلا أنه استعظم في الدعاء أن يقال إنه أمر كما أن قولهم صه، بمنزلة اسكت؛ ومه، بمنزلة اكفف كذلك في الدعاء آمين، بمنزلة استجب وفيه ضمير مرفوع بأنه فاعل كما أن في سائر هذه الأسماء التي سمي بها الفعل أسماء مضمرة مرتفعة ويدل على ذلك ما رواه عبد الوهاب عن إسماعيل بن مسلم قال كان الحسن إذا سئل عن آمين قال تفسيرها اللهم استجب عبد الوهاب، عن عمر بن عبيد، عن الحسن في آمين ليكن ذلك ومن حيث كان دعاء كما ذكرنا، أخفى في قول أبي حنيفة وأصحابه في الصلاة ولم يجهر به، لأن المسنون في الدعاء الإخفاء، بدلالة قول الله تعالى " ادعوا ربكم تضرعاً وخفية " ولما روى من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله أنه قال لقوم رافعي أصواتهم بالدعاء إنكم لا تنادون أصم ولا غائباً، وإن الذي تنادونه أقرب إليكم من رءوس مطيكم ومما يدل على أن هذه الأسماء المسمى بها الفعل فيها ضمير فاعل، كما أن في قولنا اضرب وما أشبهه من أمثلة الأمر ضمير فاعل، إنك لما عطفت عليه المضمر المرفوع أكدته، كما أنك لما عطفت على الضمير المرفوع في مثال الأمر أكدته وذلك نحو قوله تعالى " مكانكم أنتم وشركاؤكم " لما عطف الشركاء على مكانكم، وكان قوله مكانكم بمنزلة قولك اثبتوا، واسما لهذا الفعل، أكد بأنتم؛ كما أنه لما عطف على المضمر المرفوع في مثال الأمر أكد في قوله تعالى " فاذهب أنت وربك فقاتلا " ، " اسكن أنت وزوجك الجنة " فإذا ثبت احتمال هذه الأسماء المسمى بها الفعل الضمير، كما احتملته أمثلة الأمر، ثبت أنها جمل وإذا كانت جملاً لم تصح أن تكون من أسماء الله سبحانه، وأن القائل بذلك مخطئ، لا دعائه ما لا دليل عليه وقد قامت الدلالة على فساده ألا ترى أن أسماء الله ليس فيها ما هو جملة، وأنها كلها مفردة، وهي على ضربين أحدهما ما كان صفة، نحو عالم، وقادر، وخالق، ورازق والآخر ما كان مصدراً، نحو الإله، والسلام، والعدل فإذا لم تخل من هذين الضربين، ولم يكن آمين من واحد من هذين، ولا اسما غير وصف ولا مصدراً، كقولنا شئ ثبت أنه ليس منها فأما ما روى عن جرير بن عبد الحميد، عن منصور بن المعتمر عن هلال بن يساف، عن مجاهد أنه قال آمين اسم من أسماء الله تعالى فعندنا هذا الاسم لما تضمن الضمير المرفوع الذي وصفنا، وذلك الضمير مصروف إلى الله سبحانه، قال إنه اسم الله على هذا التقدير، ولم يرد أن الكلمة اسم من أسماء الله دون الضمير، كعالم، ورازق فإذا احتمل هذا الذي وصفت لم يكن فيما روى عنه حجة لمن قال إن جملة الكلمة اسم ومما يدل على أنه ليس باسم من أسماء الله تعالى، وأنه من أسماء الأفعال على ما ذكرت، أنه مبني، كما أن هذه الأسماء الموضوعة للأمر مبنية وليس في أسماء الله تعالى اسم مبني على هذا الحد فلما كان هذا الاسم مبنياً كصه، وإيه، ونحوهما دل ذلك على أنه بمنزلتهما، وليس من أسماء القديم سبحانه، إذ ليس في أسمائه اسم مبني على هذا الحد فإن قال قائل فقد حكى سيبويه وعامة البصريين في لاه أبوك أنهم يريدون لله أبوك وهذا الاسم مبني لأنه لا يخلو من أن يكون على قول من قال لاه لأفعلن فأضمر حرف الجر واختص به أو على قول من قال
ألا رب من قلبي له الله ناصح

لأنه ليس بمنون، فأوصل الفعل لما حذف الجار، وأعمله، فبين أنه ليس على إضمار حرف الجر، إذ هو مفتوح في اللفظ وليس في نحو إبراهيم، وعمر فيكون مفتوحاً في موضع الجر، أو منصوباً بلا تنوين، نحو رأيت عمر، لتعرى الاسم مما يمنع الصرف فإذا لم يكن على شئ من هذه الأنحاء، التي ينبغي أن يكون المعرب عليها ثبت أنه مبني، وإذا كان مبنياً لم يمتنع أن يكون آمين اسما مثله وإن كان مبنياً قيل له إنما بني هذا الاسم الذي حكاه سيبويه لتضمنه معنى الحرف ال للتعريف ألا ترى أنه زعم أنهم أرادوا لله أبوك، فلما لم يذكر لام المعرفة وتضمن الاسم معناها بني كما بني آمين، لما تضمن معنى الألف واللام، وكما بني خمسة عشر لما تضمن معنى حرف العطف، وكم، وكيف، وأين لما تضمنت معنى الاستفهام أغنت عن حروف الاستفهام والاسم إذا تضمن معنى الحرف بني فأما آمين لم يتضمن معنى الحرف على هذا الحد، ولا على نحو كيف وكم، بني كما بني صه ومه ونزال وحذار، ونحو ذلك من الأسماء التي تستعمل في الأمر للخطاب وحكى قطرب له أبوك، بإسكان الهاء وهذا صحيح في القياس مستقيم، وذلك أنه لما وجب البناء وحرك الآخر منه بالفتح لالتقاء الساكنين، ثم حذف منه حرف اللين الواقع موقع اللام، كما حذف في نحو يد ودم، وبقي على حرفين، زال التقاء الساكنين، فبني على السكون، لزوال ما كان يوجب التحريك من التقاء الساكنين فإن قال فهلا بني على الحركة وإن كان على حرفين، لأنه قد جرى متمكناً في غير هذا الموضع، كما بني عل عند سيبويه على الحركة، في قولهم من عل وإن كان على حرفين، تجربه غير متمكن مجراه متمكناً، قبل حال البناء قيل لم يشبه هذا عل، لأن عل ونحوه مما يلحقه الإعراب في التمكن على اللفظ الذي هو عليه وله من قولهم له أبوك، لحقه الحذف من شئ لم يتمكن قط في كلامهم فإذا كان كذلك لم يلزم أن يكون مثل عل لمفارقته ل عل في أنه لم يجر الاسم المحذوف هذا عنه متمكناً؛ فلما كان كذلك صار بمنزلة حذفهم مذ في منذ في أن المحذوف مبني كما أن المحذوف منه كذلك، وفي أن المحذوف أسكن لزوال ما كان له حرك بالحذف، وهو التقاء الساكنين فأما قوله تعالى " مكانكم أنتم وشركاؤكم " فالقول أنه مبني غير معرب من حيث صار اسماً للفعل، كما كان صه وهلم ونحوهما مبنية فإن قلت إن مكانكم منصوب والنصب فيه ظاهر قيل ليست هذه الفتحة بنصب، وذلك أن انتصابه لا يخلو من أن يكون بعامل عمل فيه بعد أن جعل اسما للفعل، أو أن يكون بعد التسمية به في الانتصاب على ما كان عليه قبل ذلك، فلا يجوز أن يكون انتصابه الآن، وقد سمي به الفعل على ما كان قبل، ألا ترى أن تقديره معمولاً لذلك العامل، واتصاله به لا يصح كما يصح اتصاله به في هذه المواضع التي لا تكون أسماء للفعل؛ وذلك قولك زيد مكانك، والذي مكانك زيد؛ فهذا سد مسد الفعل الذي عمل فيه، وأغنى من حيث كان تقدير العامل الذي تعلق به الظرف في الأصل غير ممتنع، نحو زيد استقر مكانك، أو مستقر؛ والذي استقر مكانك وقدرت هذا العامل في الموضع الذي سميت الفعل به لم يتعلق به، على حد تعلق الظرف في المعمولات بعواملها ألا ترى أنك إن علقته بها على أنه ظرف بطل أن يكون جملة وزال عنه معنى الأمر، فإذا كان كذلك لم يتصل به بعد أن صار اسما للفعل كما كان يتصل به قبل وإذا لم يتصل به لم يكن معمولاً له، ولم يجز أن يكون، وهو اسم للفعل، معرباً بالإعراب الذي كان يعرب به قبل ولا يجوز أيضاً أن يكون انتصابه بعامل عمل فيه بعد أن جعل اسما للفعل، وذلك أنه بمنزلة الأمر، وهو نفسه العامل، كما أن أمثال الأمر نفس العامل، وكما أنه لا عمل لشئ في أمثلة الأمر، كذلك ما أقيم مقامه فإن قلت إن الأفعال المضارعة عاملة في فاعليها، ولم يمنعها ذلك من أن تكون معمولة لعوامل أخر؛ فكذلك ما تنكر، ألا يمنع كون مكانك ونحوه عاملاً في الفاعل المضمر فيه أن يكون هو نفسه أيضاً معمولاً لغيره، كما لم يمنع المضارع أن يكون معمولاً لغيره وإن كان عاملاً في فاعله

قيل إن المضارع لما أشبه الأسماء ووقع موقعها في بعض المواضع تعرف، للمشابهة التي بينه وبين الاسم، على ما ذكر في مواضع ذلك وهذه الأسماء إذا سمي بها الفعل تخرج بذلك عن أن تقع مواقع الأسماء، فوجب بناؤها لوقوعها موقع مالا يكون إلا مبنياً، كما بني قولهم فدى لك في قوله
مهلاً فداء لك يا فضاله ... أجره الرمح ولا تهاله
لما وقع موقع الأمر، وكما بني المضارع في قول أبي عثمان لما وقع موقع فعل الأمر كذلك بني دونك وحذرك ونحوه، لوقوعه موقع فعل الأمر؛ ألا ترى أنهم بنوا رويد في هذا الباب مع أنه مصغر فما عداه من هذه الأسماء أجدر بالبناء وإذا كان كذلك لم يجز أن يتعرب مكانك بإعراب بعد ما سمي به الفعل، فإذا لم يجز أن يتعرب بما كان متعرباً قبل أن سمي به الفعل، ولم يجز أن يعرب بشئ بعدما سمي به ثبت أنه غير معرب وهذا مذهب أبي الحسن الأخفش وإذا لم يكن معرباً كان مبنياً، ولم يجز أن يكون في موضع رفع ولا نصب ولا جر، لأن ما يعمل في الأسماء لا يعمل فيه الآن عامل فأما ما يعمل في الفعل فلا يعمل فيه أيضاً، لأنه ليس بفعل؛ فإذا كان كذلك ثبت أنها غير معربة فأما تحرك بعض هذه الأسماء بحركة قد يجوز أن يكون للإعراب، نحو مكانك، وحذرك، وفرطك؛ فإن ذلك لا يدل على أنها معربة ألا ترى أن الحركات قد تتفق صورها وتختلف معانيها، كقولك يا منص، في ترخيم رجل اسمه منصور على قول من قال يا حارِ ويا حاٌر وكذلك من قال درع دلاص، وأدرع دلاص لا تكون الكسرة التي في الجمع الكسرة التي في الواحدة، لأن التي في الواحد مثل التي في كناز وضناك والتي في الجمع مثل في شراف وظراف وكذلك قوله تعالى " في الفلك المشحون " فضمة الفاء مثل ضمة قفل وبرد وقوله تعالى " والفلك التي تجري في البحر " ضمة الفاء فيه للجمع على حد أسَدِ وْأسْدِ و وَثٍن و وُثْنٍ وكذلك لا ينكر أن تتفق الحركات في مكانك ويختلف معناها، لما ذكرنا من الدلالة على ذلك؛ فتكون، إذا كان ذلك ظرفاً أو مصدراً، حركة إعراب، وإذا كان اسما للفعل حركة بناء ونحوه ألا ترى اتفاق حركة الإعراب وحركة البناء في يا بن أم ولا رجل عندك فكذلك اتفاقهما في مكانك وفي آمين لعتان قصر ومد؛ فالمقصور عربي، لكثرة فعيل في العربي والممدود مختلف فيه وقد حكينا عن الأخفش أنه أعجمي، لما لم ير هذا المثال في العربي وهذا لا يصح؛ لأن الأعجمي لا يخلو من قسمين أحدهما نحو اللجام والآخر نحو إبراهيم، وإسماعيل وهذا ليس واحداً منهما، فإذن هو عربي والمد فيها لإشباع الفتح، كإشباع منتزاح، ولا ترضاها، وأنظور، والصياريف، وغير ذلك وكما لا يجوز لأحد أن يقول إن هذه الكلمات أعجميات لخروجها عن كلامهم، فكذلك لا يقال في آمين وإذا كان هذا للإشباع فيها، فكذلك في آمين وقال محمد بن يزيد آمين مثل عاصين وأراد به أن الميم خفيفة كالصاد، ولم يرد به أنه جمع، لأنه إن كان اسماً من أسماء الله فالجمع فيه كفر، وإن كان اسماً للفعل فإنه نائب عن الجملة، فلا يجوز جمعه وأما قول الأخفش إنك إذا سميت ب آمين رجلاً لم تصرفه فإن قال قائل فأحذ السببين المانعين من الصرف التعريف، فما السبب الثاني المنضم إلى التعريف، وليس آمين بمنزلة هابيل في أنه اسم جرى معرفة في كلام العجم فيمنعه الصرف، كما يمنع إبراهيم ونحوه؟ قيل يجوز أن تقول إنه ما لم يكن اسم جنس ك شاهين أشبه الأسماء المختصة فامتنع من الصرف كما امتنعت عنده عريط وهذا الشبه فيما لا ينصرف معمل ألا ترى أنهم شبهوا عثمان في التعريف بسكران ومن كان آمين عنده عربياً فالقياس أن يصرفه إذا سمي به رجلاً، على قول بني تميم، ولا يمنعه خروجه عن أبنية كلامهم من الانصراف، لأنه يصير بمنزلة عربي لا ثاني له من دونه، نحو إنقحل وعلى قياس قول أهل الحجاز ينبغي أن يحكى، ألا ترى أنهم لو سموا رجلا بفعال، نحو حذام، وقطام، لحكوه ولم يعربوه فهذا هو القول في آمين ومن ذلك قوله تعالى في قول الكسائي " كتاب الله عليكم " والتقدير عنده عليكم كتاب الله كقوله تعالى " عليكم أنفسكم " أي احفظوها هذا عندنا لا يصح، لأن معمول عليك لا يتقدم عليه، وإنما كتاب الله نصب مصدر مؤكد ما تقدم وسأعد لك من أخواته معه ما يفهم به صحته فإن قلت فقد جاء ذلك في قولها

يأيها الماتح دلوى دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا
قال التقدير دونك دلوى، وهذا عندنا مبتدأ وخبر ليس كما قالوا فأما وقف من وقف على قوله تعالى " فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح " ثم يبتديء فيقرأ عليه أن يطوف بهما فليس بالمتجه، لأن سيبويه قال إن هذا يكون في الخطاب دون الغائب، فلا يجوز حمله على الإغراء وهذا لفظ سيبويه قال حدثني من سمعه أن بعضهم قال عليه رجلاً ليسنى هذا قليل، شبهوه بالفعل يعني أنه أمر غائباً، فقال عليه وأما ما روى عن النبي عليه السلام أنه قال " من استطاع منكم الباءة فليتزوج وإلا فعليه بالصوم فإنه له وجاء " وإنما أمر الغائب بهذا الحرف على شذوذه، لأنه قد جرى للمأمور ذكر، فصار بالذكر الذي جرى له كالحاضر، فأشبه أمر الحاضر وإنما قوله عليه خبر لا أي لا إثم عليه في التطوف بينهما، والطواف ليس بفرض وأما قوله تعالى " هيت لك " فقد قالوا معناه هلم لك قال رجل لعلي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه
أبلغ أمير المؤمنين ... أخا العراق إذا أتيتا
أن العراق وأهله ... عنق إليك فهيت هيتا
أي هلم إلينا، وقد كسر قوم الهاء، وهو لغة في ذا المعنى، ورفعت في ذا المعنى قال وقراءة أهل المدينة هيت لك في ذا المعنى، الهاء مكسورة والتاء مفتوحة والمعروف هَيْتُ هيتَ بضم التاء وفتحها وحكى الكسر أيضاً وهو اسم للفعل ولك على هذا للتبيين بمنزلة لك في قولهم هلم لك ومثل تبيينهم رويدك بالكاف في رويدك وتبيينهم هآء وهآء بقولهم هاك، وهاك ولك في هلم لك متعلق بهذا الاسم الذي سمي به الفعل ولا يجوز أن يتعلق بمضمر، لأنك لو علقته بمضمر لصار وصفاً وهذه الأسماء التي سميت الأفعال بها لا توصف، لأنها بمنزلة مثال الأمر، وكما لا يوصف مثال الأمر كذلك لا توصف هذه الأسماء ومن ذلك هلم في قوله هلم شهداءكم، وفي قوله هلم إلينا وهي ها ضمت إلى لم فجعلا كالشئ الواحد وفيه لغتان أحدهما وهو قول أهل الحجاز، ولغة التنزيل أن يكون في جميع الأحوال للواحد والواحدة والآثنين والآثنتين والجماعة من الرجال والنساء على لفظ واحد، لا تظهر فيه علامة تثنية ولا جمع، كقولهم هلم إلينا فيكون بمنزلة رويد، وصه، ومه، ونحو ذلك، نحو الأسماء التي سميت بها الأفعال، وتستعمل للواحد والجمع، والتأنيث والتذكير على صورة واحدة والأخرى أن تكون بمنزلة رد في ظهور علامات الفاعلين، على حسب ما تظهر في رد وسائر ما أشبهها من الأفعال وهي في اللغة الأولى وفي اللغة الثانية، إذا كانت للمخاطب، مبنية مع الحرف الذي بعدها على الفتح كما أن هل تفعلن مبنى مع الحروف على الفتح وإن اختلف موقع الحرفين في الكلمتين، فلم يمنع الاختلاف من البناء على الفتح ولخفة ها المنبهة، لكون الأمر موضعا للاستعطاف، كما لحقت يا ألا يا اسجدوا وها هاأنتم فحذف لكثرة استعمال الألف من ها ك لا أدري، ولم أبل ولأن الألف حذفت لما كانت اللام في نية السكون، وكأنه هلمم والساكن معتبر بدليل جيل، ومول، فلم يعلوا اعتباراً بسكون الياء والواو في موئل، وجيأل وحسن حذف الألف جعلها مع لم كخمسة عشر، بدلالة اشتقاقهم الفعل منه فيما حكى الأصمعي إذا قيل لك هلم فقال ما أهلم، فاشتقاقهم الفعل نظير أهريق زيادة لا معنى له ويكون اشتقاق هلل، وحوقل، وهو أحسن، لأنهم لم يغيروه في التثنية والجمع وقال الفراء إن أصله هل أم وأم، من قصدت والدليل على فساد هذا القول أن هل لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون بمعنى قد، وهذا يدخل في الخبر وأما أن يكون بمعنى الاستفهام، وليس لواحد من الحرفين تعلق بالأمر وإن قلت هو خبر بمعنى الأمر؛ فإن ذلك لا يدخل عليه هل لأن من قال رحم الله لا يقول هل رحم الله، والفتح فيه كالفتح في ليقومن وليس لالتقاء الساكنين، كالفتح في رد لأن رد يجوز فيه الأوجه الثلاثة، وهلم لا يجوز فيه إلا الفتح، على لغة أهل الحجاز ومن ذلك أفٍّ في قوله تعالى " ولا تقل لهما أف " وقوله " أف لكم " وفي قوله " والذي قال لوالديه أف لكما " وفيه لغات والمقروء منها الكسر بلا تنوين، والكسر بتنوين، عن نافع وحفص، والفتح بلا تنوين، ويجوز في العربية الضم بلا تنوين، والضم بتنوين وفي لغة سابعة، أفي، مثل أمليت، وأمللت

ومعنى كله نتناً وذفراً وقد سمي الفعل به فبني وهذا في البناء على الفتح، كقولهم سرعان ذا إهالة، لما صار اسماً ل يسرع، وكذلك أف، لما كان اسماً لما يكره أو يضجر منه، ونحو ذلك فمن نون نكرة، ومن لم ينون كان عنده معرفة؛ مثل صَهْ، وصَهٍ، ومَهْ، ومَهٍ، إلا أن أف في الخبر، وصه في الأمر فإن قلت ما موضع أف في هذه الآى بعد القول، هل يكون موضعه نصباً كما ينتصب المفرد بعده، أو كما تكون الجمل؟ وكذلك لو قلت أف وإذا لم يكن مع أف لك، كان ضعيفاً، ألا ترى أنك لو قلت ويل لم يستقم حتى توصل به لك فيكون في موضع الجر ومن الأسماء التي سميت بها الأفعال قوله تعالى " هاؤم اقرءوا كتابيه " وفيها لغات إحداها هاك، للرجل، وهاك، للمرأة والكاف للخطاب يدل على ذلك أن معنى هاك زيدا، أي خذ زيداً فزيداً، هو منصوب بهذا الفعل، ولا يتعدى إلى مفعولين ويدلك على أن الكاف في هاكَ وهاكِ حرف لا اسم إيقاعهمم موقعها ما لا يكون اسما على وجه؛ وذلك قولك هاؤم وعلى هذا قوله تعالى " هاؤم اقرءوا كتابيه " وعلى هذا قالوا للاثنين هاؤما، وللنساء هاؤن؛ كما يقال هاك، وهاكما، وهاكم، وهاكن وفيها لغة ثالثة، وهي أن تترك الهمزة مفتوحة على كل حال وتلحقها كافاً مفتوحة للمذكر، ومكسورة للمؤنث، فتقول هاءك، وهاءكما، وهاءكم، وهاءك، وهاءكما، وهاءكن وفيها لغة رابعة وهي قولك للرجل هأ، بوزن هع وللمرأة هانى، بوزن هاعى، وللاثنين هاءا، بوزن هاعا، وللمذكرين هاءوا، بوزن هاعوا وللنساء هأن، بوزن هعن فهذه اللغة تتصرف تصرف خف وخافي وخافا وخافوا وخفن، وهي لغة، مع ما ذكرناه، قليلة فأما قول علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه
أفاطم هانى السيف غير ذميم ... فلست برعديد ولا بلئيم
لعمري لقد قاتلت في جنب أحمد ... وطاعة رب بالعباد رحيم
وسيفي بكفي كالشهاب أهزه ... أجذ به من حالق وصميم
وما زلت حتى فض ربي جموعهم ... وأشفيت منهم صدر كل حطيم
والوجه أن يكون على قول من كسر الهمزة للمؤنث، لأن القرآن بهذه اللغة نزل، وهو أفصح اللغات ويجوز أن يكون على قول من قال هائى، بوزن خافى فحذف الياء لالتقاء الساكنين وفيه لغة خامسة، وهو أن يقال للواحد والواحدة والتثنية والجمع على صورة واحدة والذي ينبغي أن يحمل هذا عليه أن يجعل بمنزلة صه و مه ورويد و إيه وأما رويداً من قوله عز وجل " فمهل الكافرين أمهلهم رويداً " فإن رويداً في الآية ليست بمبنية اسما ل ارفق، نحو رويد علياً، ولكنه صفة مصدر مضمر، أي أمهلهم إمهالاً رويدا، ويجوز أن يكون حالاً وفي كلا الوجهين تصغير إرواد تصغير الترخيم، أو تصغير رود فأما قوله تعالى " قيل ارجعوا وراءكم " فالتقدير ارجعوا ارجعوا و وراءكم لا موضع له لأنه تكرير ألا ترى قولهم وراءك أوسع لك وأما قوله تعالى " هيهات هيهات لما توعدون " فهيهات مبنية على الفتح وهو اسم ل بعد والفاعل مضمر فيه والتقدير هيهات إخراجكم؛ لأنه تقدم أنكم تخرجون ولا يصح قول من قال إن التقدير البعد لما توعدون، أو البعيد لما توعدون، لأن هذا التقدير لا يوجب لها البناء على الفتح، وإنما يوجب بناءه كونه في موضع بعد، كسرعان، في موضع سرع، وقد ذكرته في المختلف وأما قولهم إيها وقوله عليه السلام إيها أصيل، دع القلوب تقر فإيها، مبني على الفتح، وهو بالتنوين، اسم لكف، وهو نكرة
السابع
ما جاء في التنزيل من أسماء الفاعلين
مضافة إلى ما بعدها، بمعنى الحال أو الاستقبال
فمن ذلك قوله تعالى " مالك يوم الدين " الإضافة فيه إضافة غير تحقيقيه، وهو في تقدير الانفصال، والتقدير مالك أحكام يوم الدين؛ وإذا كان كذلك لم يكن صفة لما قبله، ولكن يكون بدلا فإن قلت إنه أريد به الماضي فأضيف؛ فجاز أن يكون وصفاً لما قبله، والمعنى معنى المستقبل، كما قال " ونادى أصحاب الجنة " فالوجه الأول أحسن؛ لأنه ليس في لفظه ما يدل على الماضي، والشئ إنما يحمل في المعنى على ما يخالف في اللفظ، نحو نادى، يقال لفظه لفظ الماضي والمعنى معنى المستقبل، وهذا التقدير لا يصح في " مالك يوم الدين " إذ لا يقال لفظه لفظ الماضي ومعناه المستقبل

ومن ذلك قوله تعالى " كل نفس ذائقة الموت " لولا ذلك لم يجز خبراً على كل لأنه لا يكون المبتدأ نكرة والخبر معرفة نظيره في الأنبياء " كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير " ومن ذلك قوله تعالى " هدياً بالغ الكعبة " أي بالغاً الكعبة، إضافة في تقدير الانفصال، أي هديا مقدار به بلوغ الكعبة، ليس أن البلوغ ثابت في وقت كونه هديا؛ فإنما الحال هنا كالحال في قوله تعالى " وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها " أي مقدرين الخلود فيها ومثله " ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثانى عطفه " أي ثانياً عطفه، والإضافة في تقدير الانفصال، لولا ذلك لم ينتصب على الحال ومن ذلك قوله تعالى " ولا الليل سابق النهار " أي سابق النهار والتقدير به التنوين ومن ذلك قوله تعالى " إنكم لذائقوا العذاب الأليم أي لذائقون العذاب الأليم، فالنية به ثبات النون؛ لأنه بمعنى الاستقبال ومن ذلك قوله تعالى " هل هن كاشفات ضره، أو أرادنى برحمة هل هن ممسكات رحمته " هو في تقدير التنوين، دليلة قراءة من نون ونصب ضره ورحمته ومن ذلك قوله تعالى " فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم " أي مستقبلاً أوديتهم ومثله ما بعده " عارض ممطرنا " أي عارض ممطر إيانا، ولولا ذلك لم يجز وصفاً على النكرة ومن ذلك قوله " إنما أنت منذر من يخشاها " دليله قراءة يزيد منذر من يخشاها بالتنوين فهذه الأسماء كلها إذا أضيفت خالفت إضافتها إضافة الماضي، نحو قوله تعالى " فالق الإصباح وجعل الليل سكنا " لأن الإضافة في نحو ذلك صحيحة، وتوصف به المعرفة؛ ألا ترى أن فالق صفة لقوله " ذلكم الله " وإنما صحت إضافة لأنه لا يعمل فيما بعده، فلا يشبه الفعل، وإذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال عمل فيما بعده، لأنه يشبه يفعل بدليل أن يفعل أعرب فأما قوله تعالى " واتقوا الله واعملوا أنكم ملاقوه " وقوله تعالى " فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه " وقوله تعالى " تحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه " وقوله تعالى " إنا منجوك وأهلك " وقوله تعالى " إن في صدوركم إلا كبر ما هم ببالغيه " وقوله تعالى " لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه " فالهاء والكاف عند سيبويه في موضع الجر بالإضافة، لكف النون، كما أن الظاهر في قوله " سابق النهار " وقوله " لذائقوا العذاب " جر، وإن كانت الإضافة في تقدير الانفصال وعند الأخفش الكاف والهاء في موضع النصب، بدليل قوله " وأهلك " فنصب المعطوف، فدل على نصب المعطوف عليه وسيبويه يحمل قوله " وأهلك " على إضمار فعل، كما يحمل " والشمس والقمر حسبانا " على إضمار فعل وكذلك " وما كنت متخذ المضلين عضداً " فسيبويه يعتبر المضمر بالظاهر وكما جاز " ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام " بجر المسجد وإضافة حاضري إليه، فكذا هذا والأخفش يدعى أن النون لا يمكن إظهارها هنا، لا يجوز منجونك، ولا بالغينه، ولا بالغونه فافترق الحال بين الظاهر والمضمر وأما قوله " فتبارك الله أحسن الخالقين " ليس بوصف لله، لأنه نكرة، والإضافة في تقدير الانفصال بدليل تعلق الظرف به في أحوج ساعة و " أعلم بمن ضل " ، وقد جاء
ملك أضلع البرية مايو ... جد فيها لما لديه كفاء
فإن أحسن مرتفع ب هو، لأنه موضع بناء وإن شئت كان بدلاً؛ لأن إضافة أفعل في تقدير من فإذا ثبت زيد أفضل القوم؛ والتقدير أفضل من القوم؛ فإضافته غير محضة، لا يتعرف بها، فوجب أن يكون أحسن بدلاً لا وصفاً ومن ذلك قوله " وخاتم النبيين " بالكسر، اسم الفاعل، ليكون معرفة فيشاكل المعطوف عليه، ومن فتح، فهو مصدر، أي، ذا ختم
الثامن
ما جاء في التنزيل من إجراء
غير في الظاهر على المعرفة
فمن ذلك قوله تعالى " صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم " قال قوم إنما انجر غير لأنه بدل من الذين وهو معرفة، ولا كلام في هذا وقال قوم بل هو صفة ل الذين فقيل لهم إن غيراً أبداً نكرة، فكيف تجري وصفاً على المعرفة؟ وإنما قالوا ذلك لأنك إذا قلت مررت برجل غيرك، فكل الناس غير المخاطب وقال أبو إسحاق في ذلك إن غيرا جرى وصفا ل الذين هنا، لأن معنى الذين أنعمت عليهم كل من أنعم الله عليه منذ زمن آدم إلى قيام الساعة وليسوا مقصوداً قصدهم

وقال أبو بكر بن دريد غير إذا أضيف إلى اسم يضاد الموصوف وليس له ضد سواه، يتعرف غير بالإضافة، كقولك مررت بالمسلك غير الكافر، وعليك بالحركة غير السكون، لا يضاد المنعم عليهم إلا المغضوب عليهم، فتعرف غير وقال أبو علي يشكل هذا بقوله " اخرجنا نعمل صالحاً غير الذى كنا نعمل " ومثل غير المغضوب قول تعالى " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر " فمن رفع غيرا جعله تابعاً ل القاعدين على الوجهين وكذا قوله " او التابعين غير أولى الإربة من الرجال " ، فيمن جر غيرا
التاسع
ما جاء في التنزيل من كاف الخطاب
المتصلة ولا موضع لها من الإعراب
فمن ذلك الكاف المتصلة بقوله تعالى " إياك نعبد، وإياك نستعين " فالكاف هنا للخطاب ومن ادعى فيه أنه جر بالإضافة فقد أحال، لأن إيا اسم مضمر والمضمر أعرف المعارف، فلا يجوز إضافته بتة فإن قال إن إيا اسم ظاهر قلنا لم نر اسماً ظاهراً ألزم إعراباً واحداً إلا في الظروف، نحو الآن، وإذ في أغلب الأحوال وأين، وإيا ليس بظرف فإن قال فقد قالت العرب إذا بلغ الرجل الستين فإياه والشواب، فهذا نادر لا اعتبار به، ولا يجوز بناء القواعد عليه وإذا كان كذلك كان إياكما وإياكم وإياك وإياى من قوله " فإياي فارهبون " ، وإياه الياء والهاء أيضاً حرفان، وقد جردتا عن الاسمية وصارتا حرفين ومن ذلك الكاف في ذلك من قوله " ذلك الكتاب " وذانك من قوله " فذانك برهانان " وماأشبهه الكاف للخطاب لثبات النون في ذانك ولو كان جراً بالإضافة حذفت النون كما تحذف من قولهم هذان غلاماك، لأن ذا اسم مبهم، وهو أعرف من المضاف، فلا يجوز إضافة بتة ولأنك تقول عندي ذلك الرجل نفسه ولا يجوز أن تقول ذاك نفسك، بالجر، ولو كان الكاف جراً لجاز، فثبت ذلك نفسه، وذاك نفسه، يفسد كون الكاف مجروراً ومن ذلك الكاف في قوله تعالى " أرأيتك هذا الذى كرمت على " فالكاف هنا للخطاب، ولا محل له من الإعراب؛ لأن العرب تقول أرأيتك زيداً ما صنع؟ ولو كان الكاف المفعول الأول لكان زيدا المفعول الثاني، وزيدا غير الكاف، لأن زيدا غائب وهو غير المخاطب، ولأنه لا فرق بينه وبين قول القائل أرايتك زيدا ما صنع؟ ألا ترى قوله " قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله " وقوله تعالى " قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم " فالكاف والميم ثبوتهما لا يزيد معنى يختل بسقوطهما، فعلى هذا فقس جميع الكاف المتصل ب إياك، وذلك، وذاك، وذانك، وأرأيتك، وأرأيتكم وهذا قوله " فذلكن الذي لمتنني فيه " وقوله " وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة " وقوله " ونودوا أن تلكما الجنة " الكاف في هذه المواضع للخطاب ولا محل لها من الإعراب وهكذا الكاف في أولئك، وأولئكم، في جميع التنزيل للخطاب، وليس لها محل من الإعراب، لاستحالة معنى الإضافة فيه
العاشر
ما جاء في التنزيل من المبتدأ
ويكون الاسم على إضمار المبتدأ، وقد أخبر عنه بخبرين
وقد ذكر سيبويه ذلك في الكتاب حيث يقول في باب ما يجوز فيه الرفع مما ينتصب في المعرفة وذلك قولك هذا عبد الله منطلق حدثنا بذلك يونس وأبو الخطاب عمن يوثق به من العرب وزعم الخليل أن رفعه يكون على وجهين فوجه أنك حيث قلت هذا عبد الله منطلق، أضمرت هذا أو هو فكأنك قلت هذا عبد الله هو منطلق والوجه الآخر أن تجعلهما جميعاً خبراً ل هذا، كقولك هذا حلو حامض لا تريد أن تنقص الحلاوة، ولكن تزعم أنه قد جمع الطعمين قال الله تعالى " كلا إنها لظى، نزاعة للشوى " وزعم أنها في قراءة ابن مسعود " وهذا بعلى شيخ " وقال الشاعر
من يك ذا بت فهذا بتى ... مقيظ مصيف مشتى
البت الكساء انتهت الحكاية عن سيبويه فمن ذلك قوله تعالى " آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين " ف ذلك مبتدأ؛ والكتاب عطف بيان، أي جمع أنه لا شك فيه، وأنه هدى وكان أبو علي يقول إنك إذا قلت هذا حلو حامض؛ فالعائد إلى المبتدأ ضمير من مجموعهما ألا ترى أنهم فسروه بقوهم هذا مز وكان عثمان يقول قد قال هذا وعندي أن الضمير يعود إليه من كل واحد منهما وبينهما كلام طويل ذكرته في الاختلاف

ومن ذلك قوله تعالى " إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " ف " الَّذِينَ كَفَرُوا " اسم " إِنَّ " بمنزلة المبتدأ " و سَوَاءٌ عَلَيْهِم " ابتداء وقوله " أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ " استفهام بمعنى الخبر في موضع الرفع خبر سواء والتقدير سواء عليهم الإنذار وترك الإنذار والجملة خبر الذين وقوله " لاَ يُؤْمِنُونَ " جملة أخرى خبر بعد خبر، أي إن الذين كفروا فيما مضى يستوي عليهم الإنذار وترك الإنذار، لا يؤمنون في المستقبل وهذا يراد به قوم خاص، كأبي جهل وأصحابه، ممن لم ينفعهم الإيمان، وليس على العموم فإن قلت فإن قوله " أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ " إذا كان خبرا ل سواء فليس في هذه الجملة ما يعود إلى المبتدأ الذي هو سواء، فكيف صح وقوعه خبراً عنه؟ فالجواب أن هذه جملة في تقدير المفرد، على تقدير سواء عليهم الإنذار وترك الإنذار ولو صرح بهذا لم يكن ليحتاج فيه إلى الضمير، فكذا إذا وقع موقعه جملة وقد قوم أن الإنذار، مبتدأ، وترك الإنذار عطف عليه، وسواء خبر والأولى أوجه، ولكنه على هذا المخبر عنه مقدر، وليس في اللفظ وعلى الأول المخبر عنه في اللفظ ومثله " سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون " والتقدير سواء عليكم الدعاء والصموت ويجوز أن يكون هدى خبر مبتدأ مضمر، أي هو هدى لأن سيبويه جوز في المسألة المتقدمة هذا ومن إضمار المبتدأ قوله " وقولوا حطة " والتقدير قولوا مسألتنا حطة؛ أو إرادتنا حطة، فحذف المبتدأ وأما قوله تعالى " قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر " فحمله أبو إسحاق مرة على حذف المبتدأ، أي لا هي فارض ولا بكر وحمله مرة أخرى على أن فارض صفة لبقرة، كما حكاه سيبويه مررت برجل لا فارس ولا شجاع وفي التنزيل " وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة " ، فجر مقطوعة صفة ل فاكهة ومن هذا الباب قوله تعالى " بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا " ف أن يكفروا مخصوص بالذم والمخصوص بالمدح والذم في باب بئس ونعم فيه قولان أحدهما أنه مبتدأ وبئس خبر، على تقدير بئس كفرهم، بئسما اشتروا به أنفسهم والقول الثاني أنه خبر مبتدأ مضمر، لأنه كأنه لما قيل بئسما اشتروا به أنفسهم، قيل ما ذلك؟ قيل أن يكفروا والقول الثاني أي هو أن يكفروا، أي هو كفرهم وعلى هذا فقس جميع ما جاء من هذا الباب من قوله تعالى " فنعماه هى " وقوله " بئسما اشتروا به أنفسهم " وغير ذلك ومن ذلك قوله تعالى في قراءة أبي حاتم " لا ذلول تثير الأرض " ألا ترى أنه يقف على ذلول ثم يبتدئ فيقرأ تثير الأرض على فهي تثير الأرض وقال قوم هذا غلط، لأنه لو قال وتسقى الحرث لجاز، ولكنه قال " ولا تسقى الحرث " وأنت لا تقول يقوم زيد ولا يقعد، وإنما تقول يقوم زيد لا يقعد وقد ذكرنا في غير موضع من كتبنا أن الواو واو الحال، أي تثير الأرض غير ساقية والحسن أن يكون تثير داخلاً في النفي ومن حذف المبتدأ قوله تعالى " مسلمة لاشية فيها " أي هي مسلمة وإن شئت كان قوله لا ذلول أي لا هي ذلول مسلمة، خبر بعد خبر ومن حذف المبتدأ قوله تعالى " فعدة من أيام أخر " أي فالواجب عدة وكذلك فما استيسر من الهدى " أي فالواجب ما استيسر من الهدى وأما قوله تعالى " فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج " من رفع رفثاً ولا فسوقاً ونصب لا جدال في الحج فإن خبر المرفوعين مضمر، على قول الأخفش، لأنه يزعم أن رفعهما بالابتداء، ويجعل الناصب جدال نفس " لا " ولا يجعل لا مع جدال مبتدأ، كما هو مذهب سيبويه، وإنما يجعل لا بمنزلة أن، فلا يجوز أن يشترك المنصوب المرفوع في الخبر، وعلى هذا مذهب سيبويه خبر الجميع قوله في الحج لأن الجميع مبتدأ وعلى هذا الخلاف قوله
فلا لغو ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به أبداً مقيم
ومن ذلك قوله تعالى " لمن اتقى، واتقوا الله " أي هذا الشرع، وهذا المذكور لمن اتقى، أي كائن لمن اتقى ومن ذلك قوله تعالى " الطلاق مرتان فإمساك بمعروف " أي فالواجب إمساك بمعروف ومنه " فنصف ما فرضتم " أي فالواجب نصف ما فرضتم ومنه قوله تعالى " وصية لأزواجهم " أي فالواجب وصية لأزواجهم

فأما قوله تعالى " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن " فإن أبا إسحاق وأبا العباس حملا قوله يتربصن على أنه خبر ابتداء محذوف، مضاف إلى ضمير الذين، على تقدير والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً أزواجهم يتربصن والجملة خبر الذين والعائد إلى الذين من الجملة المضاف إليه الأزواج وقد جاء المبتدأ محذوفاً في قوله تعالى " لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل " أي تقلبهم متاع قليل، فحذف المبتدأ في مواضع وقال الأخفش التقدير في الآية يتربصن بعدهم، فحذف بعدهم العائد إلى الذين وإن كان متصلاً بالظرف؛ لأنه قد جاء مثل ذلك كقوله تعالى " ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا " التقدير وكأن لم يلبثوا قبله لا بد من إضمار قبله وسترى ذلك في مواضع إن شاء الله وقال الكسائي إن قول يتربصن جرى خبراً عن الاسم الذي تقدم في صلة الموصول، لأن الغرض من الكلام أن يتربصن هن وأنشد الفراء
لعلى إن مالت بي الريح ميلة ... على ابن أبي الذبان أن يتندما
فأخبر عن ابن أبي الذبان، الذي تعلق بقوله إن مالت بي الريح فقال أن يتندما ولا حجة له في البيت، لأنه قد عاد من جملة الكلام إلى ياء المتكلم ضمير، وهو قوله إن مالت بي الريح فبطل حجته بالبيت وصح قول أبي الحسن وقول أبي العباس، ومن ذلك قوله تعالى " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه " قال سيبويه قال الله عز وجل " فلا تكفر، فيتعلمون " فارتفع لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما قالا فلا تكفر فيتعلموا؛ لنجعل قولهما لا تكفر سبباً للتعلم، ولكنه قال فيتعلمون أي فهم يتعلمون ومثله " كن فيكون " كأنه قال إنما أمرنا ذاك فيكون، أي فهو يكون قال أبو علي تقدير قولك لا تقرب الأسد فيأكلك، ها هنا غير سائغ ألا ترى أن كفر من نهى عن أن يكفر في الآية ليس سبباً لتعلم من يتعلم ما يفرق به بين المرء وزوجه؛ وذلك أن الضمير الذي في قوله فيتعلمون لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون راجعاً إلى الناس من قوله " يعلمون الناس " ، أو إلى " أحد " فإن كان راجعاً إلى الناس فلا تعلق له بقوله فلا تكفر، لأمه لا معنى لقوله فيتعلمون إذا كان فعل الغير أن يحمل على لا تكفر، لفساده في المعنى وإن كان راجعاً إلى أحد لم يكن فيتعلمون أيضاً جواباً لقوله فلا تكفر، لأن التقدير لا يكن كفر فتعلم والمعنى إن يكن كفر يكن تعلم، وهذا غير صحيح، ألا ترى أنه يجوز أن يكفر ولا يتعلم، فليس الأول سبباً للثاني، فإذا لم يجز ذلك لم يخل من أحد أمرين إما أن تجعل الفعل معطوفاً بالفاء على فعل قبله؛ وإما أن نجعله خبراً لمبتدأ محذوف والفعل الذي قبله لا يخلو من أن يكون كفروا أو يعلمون أو يعلمان، أو فعلا مقدراً محذوفاً من اللفظ، وهو يأبون فإن عطفت على كفروا جاز، ويكون موضعه رفعاً كموضع كفروا وإن عطفت على يعلمون الناس فيتعلمون، جاز ويعلمون الناس يجوز أن يكون منصوباً على الحال من الواو في كفروا ويجوز أن يكون بدلاً عن كفروا، لأن تعليم السحر كفر فأما ما اعترض به أبو إسحاق على المعطوف على يعلمون من أنه خطأ، لأن قوله منهما دليل ها هنا على التعلم من الملكين خاصة، فهو ساقط غير لازم من جهتين إحداهما، أن التعلم إن كان من الملكين خاصة لا يمنع أن يكون قوله فيتعلمون عطفاً على كفروا وعلى يتعلمون، وإن كان متعلقاً ب منهما فكأن الضمير في منهما راجع إلى الملكين فإن قلت كيف يجوز هذا؟ وهل يسوغ أن يقدر هذا التقدير ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر فيتعلمون منهما فتضمر الملكين قبل ذكرهما؟ قيل له أما المضمر فعلى ما ذكرته صحيح فأما الإضمار قبل الذكر فساقط هنا، ليس يلزم على تقديره في قول سيبويه إضمار قبل الذكر ألا ترى أن منهما إذا كان ضميراً عائداً إلى الملكين، فإن إضمارهما بعد تقدم ذكرهما، وذلك شائع ونظيره قوله " وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " فإن قال إن المعطوف على قول سيبويه بعيد من المعطوف عليه، وعلى قول غيره قريب، ومهما احتملت الآية من غير تأويل كان أولى قيل له إن بعد المعطوف عن المعطوف عليه وتراخيه عنه لا يمنع من عطفه عليه وإتباعه إياه

ألا ترى أن الناس " حملوا قوله تعالى " وقيله يارب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون " فيمن جر على " وعنده علم الساعة " وعلم قيله، وليس بعده من المعطوف عليه وتراخيه عنه بأقل من هذا، وهذا كثير والجهة الأخرى، وهي أن الضمير لهاروت وماروت والتقدير " ولكن الشياطين هاروت وماروت كفروا يعلمون الناس السحر فيتعلمون منهما " فلا يعود إلى الملكين، إنما يعود إلى هاروت وماروت، وجاز يعلمون حملا على المعنى ويجوز عطف يتعلَّمون على ما يعلمان، فيكون التقدير وما يعلمان من أحد فيتعلمون منهما، فيكون الضمير الذي في يتعلمون على هذا التأويل لأحد إلا أنه جمع لما حمل على المعنى، كقوله تعالى " فما منكم من أحد عنه حاجزين " وارتفاعه لا يمنع عطفك إياه على هذا الفعل الذي ذكرناه، لأن هذا الفعل، وإن كان منفيا في اللفظ، فهو موجب في المعنى ألا ترى أن معناه يعلمان كل أحد إذا قالا له " إنما نحن فتنة فلا تكفر " ويجوز أن يكون معطوفاً على مضمر دل عليه الكلام، وهو يأبون فيتعلمون إلا أن قوله فلا تكفر نهى عن الكفر، فدل فيتعلمون على إبائهم فأما كونه خبراً للمبتدأ المحذوف، فعلى أن تقدره فهم يتعلمون منهما، فهذا ما احتملته هذه الآية ومن إضمار المبتدأ قوله تعالى " صم بكم عمىٌ " فأضمر المبتدأ وأخبر عنه بثلاثة أخبار وكان عباس بن الفضل يقف على صم ثم على بكم ثم على عمى فيصير لكل اسم مبتدأ، والأول أوجه ودل قوله في الأخرى " والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات " على أن الواو هنا مقدرة أيضاً؛ وأنه في قولهم هذا حلو حامض، مقدر أيضاً والجار في قوله في الظلمات متعلق بمحذوف والتقدير صم وبكم ثابتون في الظلمات ومن هذا الباب قوله تعالى " الله لا إله إلا هو الحى القيوم " إذا وقفت على هو كان الحى خبر مبتدأ مضمر ولا يجوز أن يكون الحي وصفاً ل هو لأن المضمر لا يوصف ويجوز أن يكون خبراً لقوله الله ويجوز أن يرتفع الحى بالابتداء والقيوم خبره ويجوز أن يكون الحي مبتدأ والقيوم صفة، و " لا تأخذه سنة " جملة خبر المبتدأ ويكون قوله " ما في السموات وما في الأرض " الظرف، وما ارتفع به خبر آخر، فلا تقف على قوله " ولا نوم " ومن ذلك قوله تعالى " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله " هذا خبر مبتدأ مضمر، والتقدير فيه وجوب صدقة البر للفقراء الذين أحصروا " وقيل اللام بدل من اللام في قوله تعالى " وما تنفقوا من خير فلأنفسكم " " للفقراء الذين أحصروا " وهذا لا يصح، لأن الفقراء مصرف الصدقة، والمنفقون هم المزكون، فإنما لأنفسهم ثواب الصدقة التي أدوها إلى الفقراء وإن قال إن المراد بالعموم الخصوص، يعني بالأنفس بعض المزكين الذين لهم أقرباء فقراء، فهو وجه ضعيف ومن ذلك قوله تعالى " فإمساك بمعروف " أي فالواجب إمساك بمعروف ومنه قوله تعالى " ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة " أي فالواجب تحرير رقبة وقوله بعده " فتحرير رقبة " أي فالواجب وكذلك فدية أي فالواجب دية وكذلك في سورة المجادلة " ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة " أي فالواجب تحرير رقبة فأما قوله تعالى " ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا " ف ذلك مبتدأ، وجزاؤهم خبر ذلك، وجهنم خبر ثان ويجوز أن يكون ذلك خبر مبتدأ مضمر، أي ذلك جزاؤهم ثابتاً بما كفروا ومثله قراءة ابن مسعود " وهذا بعلى شيخ " في الأوجه المتقدمة فأما المخصوص بالذم والمدح فإنه على أحد الوجهين، نحو قولهم نعم الرجل زيد وقال قوم زيد خبر، مبتدأ مضمر؛ لأنه لما قال نعم الرجل؛ كأنه قيل من هو؟ فقيل زيد، أي هو زيد فعلى هذا يكون قوله " ولنعم دار المتقين جنات عدن " أي هي جنات عدن ومن قال جنات عدن مبتدأ، ويكون قوله " ولنعم دار المتقين " خبراً عنه، كان المقدر في نحو قوله تعالى " نعم العبد " " وبئس المهاد " " وبئس المصير " " وبئس مثوى الظالمين " " فلبئس مثوى المتكبرين " وفي الزمر والمؤمن " فبئس مثوى المتكبرين " وقوله تعالى " نعم الثواب وحسنت مرتفقا " و " بئس للظالمين بدلاً " فهذه الأشياء كلها على الوجه الأول، حذف الخبر والمبتدأ جميعاً وعلى القول الثاني، حذف المبتدأ وحده فأما قوله تعالى " وأسروا النجوى الذين ظلموا " فقيل إن الذين ظلموا خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال وأسروا النجوى قيل من هم؟ فقال الذين ظلموا، أي هم الذين ظلموا وقيل بل الذين ظلموا مبتدأ

وقوله تعالى " هل هذا إلا بشر مثلكم " في موضع الجر، وقيل هو بدل من الواو في وأسروا كقوله " ثم عموا وصموا كثير منهم " وقوله تعالى " إما يبلغان عندك الكبر أحدهما أو كلاهما " فيمن قرأ بالألف وقيل إن كثيراً منهم، مبتدأ وخبره عموا وصموا، أي كثير منهم عموا وصموا ومما لا يتجه إلا على إضمار المبتدأ قوله " وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين " فالجار يتعلق بمحذوف خبر ابتداء مضمر، وهو هو، أي هو ثابت في كتاب مبين، وإلا بمعنى لكن ولا يجوز أن يكون إلا في كتاب استثناء متصلاً بقوله " وما يعزب عن ربك " لأنه يؤدي إلى أن يكون يعزب عن ربك مثقال ذرة إذا كان في كتاب مبين، فثبت أن الجار خبر ابتداء مضمر وكذلك في سورة سبأ فكذلك قوله تعالى " ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب " أي لكن هو في كتاب ومن هذا الباب قوله تعالى " إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا " فمن رفع متاع كان خبر مبتدأ مضمر محذوف، أي ذلك متاع الحياة الدنيا قال أبو علي في قوله على أنفسكم يحتمل تأويلين أحدهما أن يكون متعلقاً بالمصدر، لأن فعله يتعدى بهذا الحرف يدلك على ذلك قوله تعالى " بغى بعضنا على بعض " و " ثم بغى عليه لينصرنه الله " فإذا جعلت الجار من صلة المصدر كان الخبر متاع الحياة الدنيا والمعنى بغى بعضكم على بعض متاع الحياة الدنيا، وليس مما يقرب إلى الله تعالى من الطاعات أن يجعل على متعلقاً بمحذوف في موضع الخبر، ولا تجعله من صلة المصدر؛ فإذا جعلته كذلك كان خبراً للمصدر وفيه ذكر يعود إلى المصدر، كما أنك إذا قلت الصلاة في المسجد، كان كذلك والمعنى فيه أن المصدر مضاف إلى الفاعل، ومفعول المصدر محذوف المعنى إنما بغى بعضكم على بعض عائد على أنفسكم ف على هذا يتعلق بالمحذوف دون المصدر المبتدأ وهذا في المعنى كقوله تعالى " ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله " و " فمن نكث فغنما ينكث على نفسه " وفي قوله ثم بغى عليه لينصرنه الله إبانة عن هذا المعنى، ألا ترى أن المبغى عليه إذا نصره الله لم ينفذ فيه بغي الباغي عليه ولا كيده، فإذا لم ينفذ فيه صار كالعائد على الباغي فإذا رفعت متاع الحياة الدنيا على هذا التأويل كان خبر مبتدأ محذوف، كأنك قلت ذلك متاع الحياة الدنيا، أو هو متاع الحياة الدنيا ومن نصب متاع الحياة الدنيا احتمل النصب فيه وجهين أحدهما أن تجعل على من صلة المصدر، فيكون الناصب للمتاع هو المصدر الذي هو البغي ويكون خبر المبتدأ محذوفاً وحسن حذفه لطول الكلام، ولأن بغيكم يدل على تبغون فيحسن الحذف لذلك وهذا الخبر المقدر لو أظهرته لكان يكون مذموماً أو منهياً عنه والآخر أن تجعل على من قوله على أنفسكم خبر المبتدأ فإذا حملته على هذا، احتمل نصب متاع وجهين أحدهما تتمتعون متاعاً، فيدل انتصاب المصدر عليه والآخر أن تضمر تبغون لأن ما يجري مجرى ذكره قد تقدم، كأنه لو أظهر لكان تبغون متاع الحياة الدنيا، فيكون مفعولاً به وأما قوله تعالى " ويقولون طاعة " وقوله " قل لا تقسموا طاعة معروفة " وقوله " طاعة وقول معروف " فالمبتدأ مضمر في جميع ذلك، والتقدير ويقولون أمرك طاعة، وقل لا تقسموا أمرنا طاعة وكذلك طاعة وقول معروف " أي أمرنا طاعة فحذف المبتدأ، كقوله " فصبر جميل " أي فشأني صبر جميل وقدره قوم على أن الخبر مضمر، أي طاعة وقول معروف أمثل من غيرهما وقال أبو إسحاق بل قوله " طاعة وقول معروف " تقديره ويقول الذين آمنوا لولا أنزلت سورة ذات طاعة، فحذف المضاف وأما قوله تعالى " قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله " والتقدير هي النار ويجوز أن يكون مبتدأ، و وعدها الله خبره ومن ذلك قوله تعالى " لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ " أي ذلك بلاغ، فحذف المبتدأ وأبقي الخبر وقال " سورة أنزلناها " أي هذه سورة أنزلناها وقال " كتاب أنزل إليك " أي هذا كتاب أنزل إليك وقال الفراء تقديره " ألمص كتاب " ، أي بعض حروف كتاب أنزل إليك، فحذف الاسمين المضاف أحدهما إلى صاحبه وأنكره الزجاج وقال حذف المبتدأ أحسن وقال " آلر كتاب أنزلناه " أي هذا كتاب أنزلناه وقال " تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم " أي هذا تنزيل الكتاب، والجار خبر بعد خبر ويجوز أن يكون هو من الله

وعلى هذا " حم تنزيل الكتاب " و " حم تنزيل من الرحمن الرحيم " و " ألم تنزيل الكتاب " أي هذا تنزيل الكتاب، ومثله " تنزيل العزيز الرحيم " أي هذا تنزيل العزيز ومثله " تنزيل من رب العالمين " ومما جاء وقد حذف منه المبتدأ قوله تعالى " قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم " موضع الذين رفع بأنه خبر مبتدأ، ولا يكون رفعا بأنه وصف ل هؤلاء ألا ترى أنك لو جعلته صفة لكان أغويناهم الخبر فإذا جعلته الخبر لم يستقم، لأنك لا تفيد به إلا ما استفيد من المبتدأ، فصار بمنزلة قولك الذاهبة جاريته صاحبها؛ ونحو ذلك فإن قلت فهلا جعلت أغوينا الخبر، وجعلت الذين صفة المبتدأ، واستجزت أن يكون الخبر، لاتصال كما به، وجواز الكاف أن يكون وما اتصل به في موضع الخبر، كما يكون في موضع الحال فإذا كان كذلك صار فيه فائدة لم تكن في قوله أغوينا الذي في الصلة قيل لا يستقيم ذلك؛ لأن الجزء الذي هو خبر ينبغي أن يكون مفيداً بنفسه، فإذا افتقر إلى اتصال ما هو فضلة به لم يفد إلا كذلك، لم يجز ألا ترى أنك لا تجيز زيداً ضرب، إذا كان الضمير الذي فيه لزيد، لأن المفعول الذي هو فضلة يصير محتاجاً إليه وغير مستغنى عنه فإذا لم يجز ذلك في الفاعل لم يجز في خبر المبتدأ أيضاً، لأن خبر المبتدأ كالفاعل عند سيبويه فقوله أغوينا جملة مستأنفة، واستغنت عن حرف العطف لتضمنها الذكر مما تقدم ولا يجوز على حلو حامض فتجعل الذين أغوينا وأغويناهم كما غوينا خبرين، ولم يجز أن تجعله كالمفرد، ألا ترى أنك لم تستفد من قولك هذا حلو حامض واحداً من الخبرين ونظير ما منعنا منه في الخبر منع سيبويه منه في الصفة في قوله
إذا كان يوم ذو كواكب أشهبا
قال عثمان الفضلة قد تصير معتمد الكلام دون الخبر والصلة، في نحو قامت هند في داره ولولا الفضلة فسد الكلام، وكذا الذي قمت إليه قمت في داره فينبغي أن يصير " الذين أغوينا أغويناهم " خبراً؛ ف أغوينا بالفضلة معتمد الكلام وفي التنزيل " إن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض " لولا الفضلة أعنى عليه لم يجز للجملة أن تجري على إن ومن حذف المبتدأ قوله تعالى ذكر رحمة ربك أي هذا ذكر رحمة ربك، فحذف المبتدأ وقوله تعالى " ذلك عيسى ابن مريم قول الحق " قرئ بالرفع والنصب فالرفع على أن قوله " ذلك عيسى ابن مريم كلام، والمبتدأ المضمر ما دل عليه هذا الكلام، أي هذا الكلام قول الحق ويجوز أن تضمر هو وتجعله كناية عن عيسى فيكون الرافع قول الحق، أي هو قول الحق؛ لأنه قد قيل فيه روح الله، وكلمته، والكلمة قول ومن ذلك قوله تعالى " رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده " يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي هو رب السموات والأرض ويجوز أن يكون بدلاً من اسم كان في قوله " وما كان ربك نسياً رب السموات والأرض " ويجوز على قول الأخفش أن يكون مبتدأ وخبره فاعبده لأنه يجيز إدخال الفاء في خبر المبتدأ وسيبويه لا يجيز ذلك في قوله
وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومة الحيين خلو كما هيا
أي هذه خولان ولم يجز أن يكون فانكح مسندا إلى خولان لأنه لا يرى الفاء في خبر المبتدأ إلا في الموصول والنكرة الموصوفة، وقد قلنا ما يقتضيه قول أبي الحسن
يا رب، موسى أظلمى وأظلمه ... فاصبب عليه ملكاً لا يرحمه
من أن التقدير يا رب، اظلمنا فاصبب على أينا أظلم ومن ذلك قوله تعالى " يسألونك ماذا ينفقون قل العفو " أي الذي ينفقون العفو، فيمن رفع، ومن نصب نصبه بفعل مضمر ومن ذلك قوله تعالى " ولا تقولوا ثلاثة " أي لا تقولوا هو ثالث ثلاثة، أي لا تقولوا الله ثالث ثلاثة، لأنه حكى عنهم في قوله " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة " فنهاهم عن قول ما حكى عنهم فالمبتدأ مضمر والمضاف محذوف، لأنهم لم ينتهوا عن قول ثلاثة التي تنقص عن أربعة ومثله " كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون " قد ثبت أن عليين موضع، بقوله لفي عليين وبما في الحديث من قوله عليه السلام إن أهل الجنة ليتراءون أهل عليين، كما ترون الكوكب الذي في أفق السماء فالمعنى إن كتاب الأبرار في هذا الموضع وقال " وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم " فالمعنى عليون موضع كتاب مرقوم، فحذف المبتدأ والمضاف وهذا الموضع يشهده المقربون من الملائكة

وقال " إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين " فا لسجين فعيل من السجن كأنه موضع متأخر فالقول في كتاب مرقوم كالقول فيما تقدم ذكره قال ابن بحر ظاهر التلاوة، قد فسر السجين فقال وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم فأخبر أن السجين كتاب مرقوم وكأن المعنى إن الذي كتبه الله على الفجار أي أوجبه عليهم من الجزاء هو في هذا الكتاب المسمى سجينا ويكون لفظ تسميته من السجن والشدة، واشتمال الصخرة، على معنيين أحدهما أن مصير أصحابه إلى ضيق وشدة وسفال والآخر أن يكون ما كتب عليهم لا يتبدل ولا ينمحى، كالنقش في الحجر، فإنه لا يزال باقيا كبقاء النقش في الحجر وقال في قوله تعالى إن كتاب الأبرار لفي عليين ظاهر التلاوة يدل على أن عليين اسم للكتاب، وإن كان على بناء الجمع؛ أي الذي أوجبه الله للأبرار لفي كتابه المسمى عليين، وهو كتاب مرقوم يشهده الملائكة المقربون وذكر بعضهم أن عليين الملائكة فإن كان في حديث صحيح فإن وجهه أن يكون قوله كتاب مرقوم خبر إن مؤخراً؛ وتقديره إن كتاب الأبرار كتاب مرقوم في عليين، أي في محل الملائكة فعلى هذا يكون قد حذف المضاف، وتكون اللام داخلة على الفضلة، كقولهم إن زيداً لطعامك آكل وكان هذا لا يصح؛ لأن الاختيار إدخال اللام على الخبر دون الفضلة وشئ آخر، وهو أنهم قالو إن كل ما جاء في التنزيل من قوله وما أدراك فإنه فسره كقوله " وما أدراك ما هيه نار حاميه " وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة " " وما أدراك ما العقبة فك رقبة " وها هنا إذا جعلت كتاباً مرقوماً خبر إن لم يكن ل سجين ولا ل عليين تفسير وهذا نظير قولهم على هذا القول إن زيداً فافهم ما أقول رجل صدق، فيكون اعتراضاً بين اسم إن وخبره وهناك شئ آخر، وهو أنك إذا قلت إن التقدير إن كتاب الأبرار كتاب مرقوم في عليين، وجب أن تعلق الجار بمضمر يكون خبراً ثانياً، على تقدير كائن في عليين ثابت فيه ولا تعلقه ب مرقوم لأنك قدمته على الموصوف ب مرقوم، وما تعمل فيه الصفة لا يتقدم على الموصوف، لأنه يوجب تقديم الصفة على الموصوف، لأن العامل يقع حيث يقع المعمول، ولا يجوز أن تعلقه بمحذوف يكون صفة ل كتاب لما ذكرناه من أن الصفة لا تتقدم على الموصوف فإن جعلته خبر إن أعني في عليين، وجعلت كتاباً مرقوماً خبراً أيضاً، لم يجز، لأنه لا فائدة فيه أكثر مما في الاسم وقد قالوا إن الذاهبة جاريته صاحبها، لا يجوز فثبت أن القول قول أبي علي، وهو ما قدمناه ومن ذلك قوله تعالى " كدأب آل فرعون " أي دأبهم كدأب آل فرعون، فحذف المبتدأ، وقيل بل الكاف في موضع النصب، أي يتوقدون في النار توقدا مثل توقد آل فرعون، وكدأب آل فرعون ومنه قوله تعالى " ذلك ومن يعظم " أي الأمر ذلك وكذا " ذلك ومن عاقب " أي الأمر ذلك فأما قوله تعالى " ذلك بما قدمت أيديكم " فذلك مبتدأ والباء خبره ولا يجوز أن يكون التقدير الأمر ذلك، لأنه يبقى الباء لا تعلق له بشئ وأما قوله تعالى " ويقولوا سحر مستمر " فالتقدير هو سحر مستمر، أو هي سحر مستمر ومثله " هذا ذكرو إن للمتقين " " هذا وإن للطاغين " أي الأمر هذا وأما قوله " هذا فليذوقوه " اعتراض وقوله " حميم وغساق " خبر والغساق، هو الحميم كما يقول زيد ظريف وكاتب، فتجعل الكاتب صفة للظريف، فتخبر عنه بهما ولو كان الحميم غير الغساق لوجب تثنية المبتدأ الذي هو هذا وقال أبو إسحاق حميم رفع من جهتين إحداهما على معنى هذا حميم وعساق فليذوقوه ويجوز أن يكون هذا على معنى التفسير، أي هذا فليذوقوه ثم قال بعد هو حميم وغساق ويجوز أن يكون هذا في موضع نصب على هذا التفسير ويجوز أن يكون في موضع رفع فإذا كان موضع نصب، فعلى فليذوقوه هذا فليذوقوه كما قال " وإياي فاتقون " ومثله هذا زيد فاضربه ومن رفع فبالابتداء، ويجعل الأمر في موضع خبر الابتداء، مثل " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " قال أبو علي اعلم أنه لا يجوز أن يكون هذا في موضع رفع بالابتداء، ويكون الأمر في موضع خبره، لمكان الفاء؛ ألا ترى أن الفاء قد دخل في الأمر، فإذا كان كذلك لم يكن في موضع خبره، ولو جاز هذا لجاز زيد فمنطلق، على أن يكون منطلق خبر الابتداء

فأما تشبيهه له بالسارق والسارقة فلا يشبه قوله هذا فليذوقوه قوله والسارق والسارقة، لأن في السارق والسارقة معنى الجزاء في الصلة، وهو مثل قوله " والذين ينفقون أموالهم " ثم قال " فلهم أجرهم عند ربهم " وليس في هذا الاسم معنى الشرط والجزاء، ويجوز دخول الفاء فيما وقع موقع خبره، ألا ترى أن سيبويه حمل قول من قال
وقائلة خولان فانكح فتاتهم
على أن خولان من جملة أخرى، فقال كأنه قال هذه خولان، أو هؤلاء خولان؛ فيكون عطف جملة على جملة، ولا يكون مثل زيد فمنطلق وأما قوله تعالى " وآخر من شكله أزواج " فالتقدير ولهم آخر، أي عذاب آخر من شكله أزواج، أي ثابت من شكله، أي من شكل العذاب أنواع فيرتفع أزواج بالظرف، لكون الظرف وصفا ل آخر فيرفع ما بعده بالاتفاق وجوز أن يكون وآخر فيمن أفرد مبتدأ، والظروف مع ما ارتفع به خبر والعائد إلى المبتدأ الهاء المضاف إليه في من شكله، كما تقول زيد ما في داره عمرو ويجوز عندي أن يكون وآخر معطوفاً على غساق أيوحميم وغساق وآخر من شكل الغساق أزواج، ويكون من شكله وصفاً ومن قال وآخر على الجميع فهو مبتدأ، وأزواج خبره، ومن شكله وصف، أي من شكل الحميم وأما قوله " ذلكم فذوقوه وإن للكافرين عذاب النار " التقدير الأمر ذلك، والأمر أن للكافرين عذاب النار وقال أبو علي إن شئت جعلت قوله " فَذُوقُوهُ " اعتراضاً بين الابتداء والخبر، فأضمرت الخبر، وإن شئت أضمرت الخبر بعدها ولم تجعل " فَذُوقُوهُ " اعتراضاً، كما جعلت في الوجه الأول، وعطفته على الوجهين جميعاً على خبر الابتداء، المعنى أن الأمر هذا وهذا ومما يدل على الوجه الأول، قوله تعالى " هذا فليذوقوه حميم وغساق " وإن شئت جعلت ذلكم ابتداء، وجعلت الخبر ذوقوه على أن تجعل الفاء زائدة، فإن جعلته كذلك احتمل أن يكون رفعاً على قول من قال زيداً اضربه، ونصبا على قول من قال زيداً اضربه ومثله قوله تعالى " قال كذلك الله يفعل ما يشاء " وقوله " قال كذلك الله يخلق ما يشاء " وقوله " قال كذلك قال ربك " التقدير في كلهن الأمر كذلك، فحذف المبتدأ ومن ذلك قوله " يوم ينفخ فى الصور عالم الغيب والشهادة " التقدير أي هو عالم الغيب والشهادة فيجوز أن يرتفع " عالُم " بفعل دل عليه ينفخ أي ينفخ فيه عالم الغيب، كقوله تعالى " يسبح له فيها بالغدو والآصال " فهو من باب قوله لبيك يزيد ضارع لخصومه ألا ترى أنه حمل ضارع على إضمار فعل دل عليه ليبك فزعم أن هذا الكلام يدل على أن له باكيا، فصار كأنه قال ليبك ضارع به ومثله قراءة بعضهم زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم " على أن يكون زين مرتباً للمفعول، وارتفع قتل به مضافاً إلى أولادهم ويكون شركاؤهم محمولا على فعل آخر، لأن التقدير كأنه قال زينه شركاؤهم وهذه القراءة مروية عن السلمى، والحسن، ويحيى بن الحارث الذمارى، عن أهل الشام وقال سيبويه في هذا القول أبو علي وأظنني مربى من كلام غلامه أنه حمل رفع شركائهم على المصدر، أي أن قتل أولادهم شركأوهم ويحكى ذلك أيضاً عن قطرب وهذا وإن كان محمولا على العامل الأقرب، فإنما الإخبار في الآية عن تزيين الشركاء قتل أولاد المشركين وقراءة السلمى إنما يكون الشركاء قاتلين أولادهم بتشبيبهم وتربيتهم والكلام في هذا طويل والله أعلم ومن ذلك قوله تعالى " قال موعدكم يوم الزينة وإن يحشر الناس ضحى " فيمن نصب تقديره موعدكم في يوم الزينة، وموعدكم في حشر الناس فقوله أن يحشر في موضع الرفع خبر مبتدأ محذوف دل عليه وقوله موعدكم الأول ومن رفع كان التقدير موعدكم موعد يوم الزينة، فحذف المضاف، يدل على ذلك قوله وأن يحشر، أي موعد حشر الناس، أو وقت حشر الناس، فحذف وأما قوله تعالى " اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة " فإن جعلت في لهم ضمير يعود إلى ما كان في رفع آلهة وجهان أحدهما إضمار هي، أي هي آلهة والآخر إبدالها من الضمير في الظرف وزعم ابن عيسى أنه يجوز أن تكون ما كافة، فيستأنف الكلام بعدها، ويجوز في ما أن تكون موصولة بلهم كأنه قيل اجعل لنا إلهاً كالذي لهم، فيجوز الجر على هذا الوجه في آلهة، كأنه قيل اجعل لنا إلهاً كآلهة لهم ويجوز على هذا الوجه النصب في آلهة على الحال، ففيه ثلاثة أوجه الرفع، والنصب، والجر، ولا يجوز على الكافة إلا الرفع

ومن هذا الباب قوله تعالى " الحق من ربك " أي هذا الحق من ربك وقوله تعالى " فالحق والحق أقول لأملأن جهنم " أي قال فأنا الحق وأقول الحق ومن نصبهما قال فأقول الحق حقاً ومن رفعهما جميعاً قال فأنا الحق، وقولي لأملأن جهنم الحق، فيصير قولي في صلة الحق، ويرتفع الحق باليمين، وكأنه قال والحق يميني، ويكون الحق الأول خبر مبتدأ محذوف، على التقدير الذي ذكرنا ويجوز أن يكون المبتدأ والتقدير فالحق مني ويجوز أن يكون فيمن نصب الحق أن يكون حالا ل أملأن جواب قوله فالحق، ويكون قوله والحق أقول اعتراضاً بين القسم وجوابه، وجاز ذلك لأنه يوضح الأول، ويكون التقدير فبالحق لأملأن، كما تقول الله لأفعلن وأما قوله تعالى " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به " فلا يجوز ارتفاع قوله وصد عن سبيل الله من أن يكون بالعطف على الخبر الذي هو كبير، كأنه قال قتال فيه كبير وصد وكفر، أي القتال قد جمع أنه كبير وأنه صد وكفر أو يكون مرتفعاً بالابتداء، وخبره مضمر محذوف، لدلالة كبير المتقدم عليه، كأنه قال والصد كبير، كقولك زيد منطلق وعمرو أو يكون مرتفعاً بالابتداء والخبر مظهر، فيكون الصد ابتداء وما بعده من قوله وكفر به وإخراج أهله، مرتفع بالعطف على المبتدأ، والخبر قوله أكبر عند الله فلا يجوز الوجهان الأولان، وهما جميعاً أجازهما الفراء أما الوجه الأول فلأن المعنى يصير قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والقتال وإن كان كبيراً فيمكن أن يكون صداً، لأنه ينفر الناس عنه، فلا يجوز أن يكون كفراً، لأن أحداً من المسلمين لم يقل ذلك، ولم يذهب إليه فلا يجوز أن يكون خبر المبتدأ شيئاً لا يكون المبتدأ، ويمنع من ذلك أيضاً بعد " وإخراج أهله منه أكبر عند الله " ومحال أن يكون إخراج أهله منه أكبر من الكفر، لأنه لا شئ أعظم منه ويمتنع الوجه الثاني أيضاً، لأن التقدير فيه يكون قتال فيه كبير، وكبير الصد عن سبيل الله والكفر به، وكذلك مثله الفراء وقدره، فإذا صار كذلك، فكأن المعنى وإخراج أهل المسجد الحرام أكبر عند الله من الكفر، فيكون بعض خلال الكفر أعظم منه كله، وإذا كان كذلك امتنع الأول، وإذا امتنع هذان ثبت الوجه الثالث، وهو أن يكون قوله وصد عن سبيل الله ابتداء وكفر به وإخراج أهله معطوفان عليه، وأكبر خبر فيكون المعنى وصد عن سبيل الله، أي منعهم لكم أيها المسلمون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام وإخراجكم منه وأنتم ولاته، والذين هم أحق به منهم، وكفر بالله من قتال في الشهر الحرام وأما قوله تعالى " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم " قريء والأنصار بالرفع على أن يجعل الأنصار ابتداء، ولا تجعلهم من السابقين الذين هم المهاجرون دليل هذه القراءة قوله " والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان " والذين جاءوا من بعدهم الأنصار والذين في موضع جر، لأنه معطوف على قوله " للفقراء المهاجرين " ، ففي الآية من وجهين على أن المهاجرين هم السابقون في قوله " والذين جاءوا من بعدهم " وقوله " الذين سبقونا بالإيمان " وعلى هذا ما روى عن خالد بن الوليد أنه قال لعمار إن كنت أقدم منى سابقة فليس لك أن تنازعني فالسابقون على هذا هم المهاجرون من دون الأنصار ويقوى ذلك ما روى من قوله عليه السلام لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ووجه الجر في الأنصار أن يجعل الأنصار مع المهاجرين السابقين والمعنى أن كلا القبيلين سبقوا غيرهم ممن تأخر عن الإيمان إلى الإيمان ويقوى هذه القراءة أن في بعض الحروف من المهاجرين ومن الأنصار حكاه أبو الحسن وقوله تعالى والذين اتبعوهم يجوز أن يكون مبتدأ ويكون الخبر رضى الله عنهم ويجوز أن يكون والذين اتبعوهم عطفاً على الصنفين المتقدمين وإذا رفعت الأنصار بالابتداء يكون التقدير هؤلاء في الجنة فأضحر الخبر ويجوز أن يكون والسابقون الأولون أي وفيما يتلى عليكم والسابقون الأولون، أو منهم وأما قوله تعالى " وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب " الجار يتعلق بمحذوف خبر ثان ل أن ولا يتعلق ب بادون إلا أن تعنى أنهم خرجوا إلى البدو وفيهم ويجوز أن يكون حالا من الضمير في بادون

ويجوز في يسألون أن يكون صفة للنكرة، وأن يكون حالا مما في بادون حكاية لحال، أو من باب صائداً به غداً من قولك مررت برجل معه صقر صائداً به غدا وقوله " هدياً بالغ الكعبة " ومن ذلك قوله تعالى " وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون " ، التقدير بل هم عباد مكرمون، فأضمر المبتدأ فأما ما ذهب إليه أبو إسحاق في قوله تعالى " للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها " من أنه يجوز أن يرتفع جنات بإضمار مبتدأ على تقدير ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار، فحذف المبتدأ، فباطل أن يبقى قوله خالدين فيها لا ناصب له ولا عامل يعمل فيه، وإنما يرتفع جنات بالظرف، على قول الأخفش فيكون خالدين حالا من المجرور باللام وإن رفعته بالابتداء وجعلت في الظرف ضميراً كان الحال عنه ومن ذلك قوله تعالى " منها قائم وحصيد " قال أبو علي يبين أن الخبر محذوف في نحو قوله منها قائم وحصيد ظهوره في قوله
لاشئ في ريدها إلا نعامتها ... منها هزيم ومنها قائم باقي
وكذلك منها قسى وزائف لا يكون إلا على إضمار منها لأن القسى غير الزائف كما أن الهزيم غير القائم فكذلك، الحصيد غير، القائم والتقدير ومنها حصيد ومن ذلك قوله في قول أبي إسحاق إن هذان لساحران أي إنهما ساحران، فحذف المبتدأ وإنما أضمره عنده وعند عالمه لأنه يرى أن إن بمعنى نعم، وهذان مبتدأ فلو حمل على الظاهر لدخل اللام على الخبر فأضمر المبتدأ فقال أبو علي ليس هذا بصحيح؛ لان الإضمار ضد التأكيد، واللام للتأكيد فإنما تلا هذا على لغة من قال
إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها
ومن ذلك قوله تعالى " ماذا أراد الله بهذا مثلاً يضل به كثيراً " قال أبو علي هذا خبر مبتدأ وليس بصفة ل مثلٍ، بدلالة قوله " كذلك يضل الله " في الأخرى ومن ذلك قوله تعالى " عوان بين ذلك " أي هي عوان، ويكون بين ذلك بدلاً من عوان كحامض بعد حلو ومن ذلك قوله تعالى " إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً " فقوله منه اسمه المسيح ابن مريم أي هو ابن مريم، خبر ابتداء مضمر قال أبو علي ينبغي أن يكون عيسى بدلاً من المسيح من المبدل الذي هو هو، ولا يكون إلا كذلك ألا ترى أن المسيح اسم، وأن الاسم مبتدأ، فيجب أن يكون خبره إذا كان مفرداً شيئاً هو هو في المعنى، ولا يجوز أن يكون عيسى خبراً أيضاً من حيث كان الاسمان له، لأنه لو كان كذلك لكان أسماه على المعنى أو أسماه على الكلمة وإذا كان على ما ذكرنا لم يجز أن يكون ابن مريم وصفاً لعيسى في هذا الموضع، وإن كان يجوز أن يكون وصفاً له في غير هذا الموضع، وإنما كان كذلك لأن عيسى هنا عبارة عن غير شخص ألا ترى أنه خبر عن الاسم، والاسم لا يكون الشخص، فوجب من هذا أن يكون ابن مريم في هذه الآية خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ محذوف الخبر، أي هو ابن مريم، أو ابن مريم هذا المذكور ومن ذلك قوله تعالى " فيه آيات بينات مقام إبراهيم " أي منها مقام إبراهيم وأما قوله تعالى " إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله " إذا للمفاجأة وفريق مبتدأ، وإذا خبره، ويخشون خبر ثان أو حال من الضمير في إذا عند سيبويه، وعند الأخفش من فريق أي فبالحضرة فريق وأما قوله تعالى " إن ربك هو أعلم من يضل " ف من استفهام مرفوع بالابتداء، وخبره يضل، ويجوز فيه النصب بفعل مضمر، ولمجئ الجار في موضع آخر ومثله " أعلم من جاء بالهدى " و " أعلم بمن جاء بالهدى " من هو؟ ومن يكون؟ ومن ذلك قوله تعالى " أو آباؤنا الأولون " فمن فتح الواو كان الخبر مضمراً، أي مبعوثون أو يكون محمولاً على موضع أن أو على الضمير في مبعوثون ومنه قوله تعالى " عن اليمين وعن الشمال قعيد " أي عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد ومن ذلك قوله " لأقسم بيوم القيامة " فيمن قصر، عن ابن كثير والحسن وتقديره لأنا أقسم فاللام لام المبتدأ والمبتدأ محذوف هذا هو الصحيح واضطرب كلامه فقال مرة اللام لام القسم، وإن لم يدخل النون واحتج بأن النون ينفرد عن اللام، واللام ينفرد عن النون، كقوله

وقال مرة إنها رد ثم رجع عن هذا، وتذكر قول الخليل في قوله " والشمس وضحاها والقمر " من أن القمر لا يدخل على القسم، فقال اللام زيادة، مثلها في قراءة ابن جبير " إلا أنهم ليأكلون " بالفتح، وقوله
ولكنني من حبها لكميد
وبيت آخر في ديوان ابن الأعرابي ومن ذلك قوله تعالى " ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض " فقوله طوافون خبر مبتدأ مضمر، أي أنتم طوافون وقوله بعضكم بدل من الضمير في قوله طوافون أي أنتم يطوف بعضكم بعض هذا أيضاً من طرائف العربية، لأن الضمير في قوله طوافون يعود إلى أنتم وأبدل منه قوله بعضكم وقد مررت بك المسكين، ممتنع ولكن يكون من باب قوله وما ألفيتني حلمي وأوعدني رجلي وزعم الفراء أن التقدير هم طوافون، وأنت لا تقول هم يطوف بعضكم على بعض ولو قلت إن المبدل منه في تقدير الثبات كحاجبيه معين فربما يمكن أن يقال ذلك وحمل قوم قوله بعضكم على بعض على الابتداء والخبر، أي بعضكم من بعض، وجعل على بمنزلة من وقال قوم يدخل بعضكم على بعض، فأضمر يدخل لأن ذكر الطواف يدل عليه وأما قوله تعالى " قالوا سلاماً قال سلام " فقد قال أبو علي في نصب الأول إنه لم يحك شيئاً تكلموا به فيحكى كما يحكى الجمل ولكن هو معنى ما تكلمت به الرسل، كما أن المؤذن إذا قال لا إله إلا الله قلت حقاً، وقلت إخلاصاً، أعملت القول في المصدرين، لأنك ذكرت معنى ما قال ولم تحك نفس الكلام الذي هو جملة تحكى، فلذلك نصب سلاماً في قوله قالوا سلاماً، لما كان معنى ما قيل ولم يكن نفس المقول بعينه وقوله قال سلام أي أمرى سلام، كقوله " فافصح عنهم " وقل سلام أي أمرى سلام، فحذف المبتدأ، وقدر مرة حذف الخبر، أي سلام عليكم، كما حذف من قوله فصبر جميل يبين ذلك قوله تعالى " قالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم " وأكثر ما يستعمل سلام بغير ألف ولام، وذلك أنه في موضع الدعاء فهو مثل قولهم خبر بين يديك؛ لما كان المعنى المنصوب استجيز فيه الابتداء بالنكرة ومن ذلك قوله تعالى " قال سلام عليك سأستغفر لك ربي " وقال " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم " وقال " سلام على نوح في العالمين " " سلام على إبراهيم " " وسلام على عباد الذين اصطفى " وقد جاءت بالألف واللام، قال الله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام " والسلام على يوم ولدت " فمن ألحق الألف واللام حمله على العهد، ومن لم يلحقه حمله على غير المعهود قال سيبويه وزعم أبو الخطاب أن قولك للرجل سلاماً وأنت تريد تسلماً منك، كما تقول براءة منك، تريد ألا ألتبس بشئ من أمرك وزعم أن أبا ربيعة كان يقول إذا لقيت فلاناً فقل له سلاماً فزعم أنه سأله، وفسر له معنى، براءة منك وزعم أن هذه الآية " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " بمنزلة ذلك؛ لأن الآية فيما زعموا مكية، ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، ولكنه على قولك، براءة منكم، أو تسلما لا خير بيننا وبينكم ولا شر انتهت الحكاية عن سيبويه وفي كتاب أبي علي هذا غلط، وإيضاح هذا ووجهه أنه لم يؤمر المسلمون يومئذ بقتال المشركين، إنما كان شأنهم المناركة، ولكنه على قوله براءة ومما يقرب من هذا الباب قول عدي
أنت فانظر لأي ذاك تصير
ذكر فيه وجوهاً، منها حمله على حذف الخبر، أي أنت الهالك؛ ولم يحمله على حذف المبتدأ، على تقدير هذا أنت، لأنك لا تشير إلى المخاطب، إلى نفسه، ولا يحتاج إلى ذلك، فإنما تشير إلى غيره ألا ترى أنك لو أشرت إلى شخصه فقلت هذا أنت، لم يستقم وقال في حد الإضمار وزعم الخليل أن ها هنا التي مع ذا قلت هذا، وإنما أرادوا أن يقولوا هذا أنت، ولكنهم جعلوا أنت بين ها وذا وأرادوا أن يقولوا أنا هذا، وهذا أنا فقدموها وصارت أنت وأنا بينهما وزعم أبو الخطاب أن العرب الموثوق بهم يقولون أنا هذا، وهذا أنا وبمثلها قال الخليل هذا البيت
انا اقتسمنا المال نصفين بيننا ... فقلت لها هذا لها وهذا ليا

كأنه أراد أن يقول وهذا ليا، فصير الواو بين ها وذا، زعم أن مثل ذلك أي ها الله ذا، إنما هو هذا وقد يكون ها في ها أنت ذا، غير مقدمة، وإنما تكون بمنزلتها للتنبيه في هذا يدلك على ذلك قوله تعالى " ها أنتم هؤلاء " فلو كانت " ها " ها هنا هي التي تكون أولا إذا قلت هؤلاء لم تعد ها ها هنا بعد أنتم حدثنا يونس تصديقاً لقول أبي الخطاب أن العرب تقول هذا أنت تقول كذا وكذا، ولم ترد بقولك هذا أنت، أن تعرفه نفسه؛ كأنك تريد أن تعلمه أنه ليس غيره هذا محال ولكنه أراد أن ينبههه كأنه قال الحاضر عندنا أنت، والحاضر القائل كذا وكذا أنت وإن شئت لم تقدم ها في هذا الباب قال الله تعالى " ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم " قال أبو سعيد ها أنا ذا، وها نحن أولاء، وها هو ذاك، وها أنت ذا، وها أنتم هؤلاء، وها أنتن أولاء؛ فها للتنبيه، والأسماء بعدها مبتدآت، والخبر أسماء أشارة؛ ذا، وذاك وإن شئت جعلت الضمير المقدم هو الخبر، والإشارة هي الاسم وأما ها فيجوز أن يكون مع ذا وفصل بينهما بأنت، المراد ب هذا أن يكون مع ذا والتقدير أنا هذا، ويجوز أن يكون التنبيه للضمير، لأنهما مشتركان في الإبهام فأما من قدرها مع ذا وإن فصل بينهما، فإنه يحتج بقول زهير
تعلمن ها لعمر الله ذا قسماً ... فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك
و فقلت لهم هذا لها ها وذاليا والتقدير هذا لها وذا لى، فصير الواو بين ها وذا ويحتج أيضاً بقولهم لا ها الله ذا، واسم الله ظاهر لا يدخل عليه هاء التنبيه، كما لا يدخل على زيد ونحوه وإنما معناه لا والله هذا وإن من يقدر أن ها داخلة على أنت غير منوى دخولها على ذا فإنه يحتج بقوله ها أنتم هؤلاء فأتى ب ها فأدخلها على أنتم ثم أعادها في الأولاء فلو كانت ها أولاء بمعنى الاولى منوياً بها التأخير، لكانت ها الأولى والثانية جميعاً لأولاء وهذا بعيد وهذه حجة سيبويه ومعنى قوله وقد يكون ها في ها أنت ذا غير متقدمة، أي موضعها ل أنت، غير متقدمة من ذا إلى أنت قال أبو سعيد وإنما يقول القائل ها أنا ذا، إذا طلب رجل لم يدر أحاضر هو أم غائب، فقال المطلوب ها أنا ذا أي الحاضر عندك أنا وإنما يقع جواباً لقول القائل أين من يقوم بالأمر؟ فيقول له الآخر ها أنا ذا، أو ها أنت ذا أي أنا في الموضع الذي التمست فيه من التمست، أو أنت في ذلك الموضع وأكثر ما يأتي في كلام العرب هذا بتقديم ها والفصل بينها و بين ذا بالضمير المنفصل والذي حكاه أبو الخطاب عن العرب من قوله هذا أنا و أنا هذا هو في معنى أنا ذا ولو ابتدأ إنسان على غير الوجه الذي ذكرناه فقال هذا أنت، وهذا أنا، يريد أن يعرفه نفسه، كان محالاً؛ لأنه إذا أشار له إلى نفسه بالإخبار عنه ب أنا و بأنت لا فائدة فيه، لأنك إنما تريد أن تعلمه أنه ليس خبره ولو قلت ما زيد غير زيد، وليس زيد غير زيد، كان لغواً لا فائدة فيه أو قلت هذا أنت، والإشارة إلى غير المخاطب، كان معناه هذا مثلك، كما تقول زيد عمرو، على معنى زيد مثل عمرو والذي حكاه يونس عن العرب هذا أنت، تقول أنت تفعل كذا وكذا هو مثل قوله " ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم " لأن قولهم هذا أنت، كقولك أنت هذا، أحدهما مبتدأ والآخر خبره، أيهما شئت جعلته المبتدأ والآخر الخبر، وقوله تفعل كذا وكذا في موضع الحال عند البصريين، كأنك قلت هذا زيد فاعلاً كذا والعامل فيه معنى التنبيه وعند الكوفيين أن المنصوب في هذا بمنزلة الخبر، لأن المعنى عندهم زيد فاعل كذا ثم أدخلوا هذا للوقت الحاضر،كما يدخلون كان لما مضى فإذا ادخلوا هذا وهو اسم، ارتفع به زيد وارتفع هذان به على ما لو اختير حكم المبتدأ والخبر والذي بعده فارتفاع زيد بهذا ويسمى أهل الكوفة هذا التقريب ومنزلة ها عند منزلة كان لأن كان دخلت على زيد قائم به فانتصب به ولا يجوز إسقاط المنصوب، لأن الفائدة به، معقودة والقصد إليه ويجوز عند الكوفيين هذا زيد القائم، كما يجوز كان زيد القائم ولا يجوز عند البصريين هذا زيد القائم، لأن مجراه عندهم مجرى الحال، بخلاف خبر كان، إذ ليس هو بحال وأما قوله تعالى " ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم " ففيه ثلاثة أقوال أحدها مذهب أصحابنا، وهو أن أَنْتُمُ و هَؤُلاء مبتدأ وخبر وتقتلون أنفسكم في موضع الحال، تقديره قاتلين أنفسكم

وعلى مذهب الكوفيين تقتلون خبر التقريب، على ما ذكرناه من مذهبهم وقال ثعلب هؤلاء في معنى الذين وتقتلون في صلتها كأنه قال ثم أنتم تقتلون أنفسكم، كما قال ابن مفرع
عدس ما لعباد عليك إمارة ... أمنت وهذا تحملين طليق
وكان ينبغي على ما قدره ثعلب أن يقرأ " ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم " ، على تقدير أنتم الذين تقتلون أنفسكم ويجوز عند البصريين ثم أنتم الذين أنفسكم، في الضرورة، وليس بالمختار وأنشدوا فيه لمهلهل
وإن الذي قتلت بكر بالقنا ... ويركب منها غير ذات سنام
والوجه وإن الذي قتل والآخر
يا أيها الذكر الذي قد سؤتنى ... وفضحتني وطردت أم عياليا
والوجه يا أيها الذي قد ساءني والآخر
يا مرو يابن واقع ياأنتا ... أنت الذي طلقت عام جعتا
حتى إذا اصطبحت واغتبقتا ... أقبلت مرتاداً لما تركتا
والوجه الذي طلق عام جاع، لأن الضمير في طلق يعود إلى الذي وهو غائب، فوجب أن يكون ضمير غائب ومثله " ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم " و " ها أنتم أولاء تحبونهم " فيها الوجوه التي ذكرنا فإن قال قائل إذا زعمتم أن قوله " تقتلون أنفسكم " في موضع الحال، والحال فضلة في الكلام فهل يجوز أن يقول ثم أنتم هؤلاء؟ قيل له إذا كان المقصد الإخبار، فما أوجب حكم اللفظ فيه أن يكون حالاً وجب أن يجري لفظه على الحال، وتصير الحال لازمة عما أوجبه المعنى، كما أن الصفة في بعض المواضع لازمة، كقولك بمن صالح، ويا أيها الرجل فصالح والرجل، لازمتان لا يجوز إسقاطهما من الكلام، وإن أصل الصفة أن تكون مستغنى عنها وأيضاً فإنا رأينا الحال مع المصادر لا يستغنى عنها في مثل قولك شربك السويق ملتوتاً، ونحوه وأما قوله هذا لها وذاليا بمعنى وهذا ليا فإنما جاز تقديم ها على الواو لأن ها تنبيه، والتنبيه قد يدخل على الواو إذا عطفت بها جملة على جملة، كقولك ألا إن زيداً خارج، ألا إن عمراً مقيم ونحو هذا، فاعرفه وأما القول في الهاء التي في ها أنتم هؤلاء فقد روى بالمد والقصر فوجه ها أنتم أنه قد أبدل من الهمزة الهاء، أراد أنتم فأبدل من الهمزة الهاء ولا يمتنع أن تبدل من الهمزة الهاء، كما لم يمتنع إبدال الواو والتاء والباء في القسم، وإن كان على حرف واحد؛ ولا يحمل على حرف الألف من ها هنا في هلم فإنه جاز، لأن اللام في تقدير السكون، لأن الحركة نقلت إليها من غيرها فحذفت الألف لالتقاء الساكنين وهذا الاستفهام بمعنى التقرير وأما ها أنتم فإنها للتنبيه، ولحقت الجملة كما لحقت يا في ذا البيت
يا قاتل الله صبياناً تجئ بهم ... أم الضبيغس من زند لها وارى
ويجوز أن تكون في ها أنتم بدلاً من همزة الاستفهام، كما كان بدلاً منها في قول من قال ها أنتم، وتكون الألف التي تدخل بين الهمزة لتفصل بينهما، لأن الهاء بمنزلة الهمزة في حمراء؛ في حكم الألف، بدلالة ترك الصرف ومما أضمر فيه المبتدأ قولهم من مسائل الكتاب لا سواء والتقدير هذان لا سواء فحذفوا المبتدأ وصارت لا كافة عوضاً منها، وسواء خبر المبتدأ، وكما صارت لا هنا عوضاً عن المبتدأ صارت كذلك عوضاً عنه في قولك " أزيد عندك أم لا؟ قال التقدير أم هو لا فلم يظهر، لأن لا قد صار عوضاً عنه كما صار عوضاً في سية قوله لا سواء والمعنى لا هما سواء، ولا هذان سواء فلم يكرر لا لم يستقبح ذلك، كما استقبحوا لا زيد عندك حتى يقال ولا عمرو، لأنه كما أنه لو أظهر المبتدأ لم يلزم تكرير لا كذلك لم يلزم تكريره فيما هو بدل منه وأما خبر المبتدأ المضمر، فاستغنى عن إظهاره كما استغنى عن إظهار الخبر، نحو زيد عندك وعمرو وحسن هذا الكلام أن لا قد حذفت بعدها الجمل في نحو قول ذى الرمة
خليلى هل من حيلة تعلمانها
تقديره هل من حيلة تعلمانها، أو لا حيلة لكم؟ واعلم أن أم لا تخلو من أن تكون الكائنة مع الهمزة بمنزلة أى أو المنقطعة، فلو كانت التي بمعنى أى مع الألف لوجب أن يكون بعدها اسم أو فعل، كقولك أزيد قام أم عمرو؟ و أقام زيد أم عمرو قعد؟ ولو كانت المنقطعة لوجب أن يكون بعدها جملة، كقولك عندك زيد أم عمرو؟ فلم يجئ واحد من الضربين
الحادي عشر
ما جاء في التنزيل من الاشمام والروم

والإشمام يكون في الرفع دون الجر، والروم يكون في الرفع والجر جميعاً وذكر ذلك سيبويه في كتابه حيث قال فأما الذين أشموا فأرادوا أن يفرقوا بين ما يلزمه التحريك في الوصل، وبين ما يلزمه الإسكان على كل حال وأما الذين لم يشموا فقد علموا أنهم لا يقفون أبدا إلا عند حرف ساكن، فلما سكن في الوقف جعلوه بمنزلة ما يسكن على كل حال لأنه وافقه في هذا الموضوع وأما الذين راموا الحركة فإنهم دعاهم إلى ذلك الحرص على أن يخرجوها من حال ما لزمه إسكان على كل حال وأن يعلموا أن حالها عندهم ليس كحال ما سكن على كل حال وذاك أراد الذين أشموا، إلا أن هذا أشد توكيداً قال وأما ما كان في موضع نصب أو جر، فإنك تروم فيه الحركة وتضاعف، وتفعل به ما تفعل بالمجزوم على كل حال، وهو أكثر في كلامهم فأما الإشمام فليس إليه سبيل، وإنما كان ذا في الرفع، لأن الضمة من الواو، فأنت تقدر أن لسانك في أي موضع من الحروف شئت، ثم تضم شفتيك، لأن ضمك شفتيك كتحريكك بعض جسدك، وإشمامك في الرفع للرؤية، وليس بصوت للأذن ألا ترى أنك لو قلت هذا معن فأشممت، كان عند الأعمى بمنزلتها إذا لم تشمم، فأنت قد تقدر على أن تضع لسانك موضع الحرف قبل تزجية الصوت، ثم تضم شفتيك، ولا تقدر على أن تفعل ذلك، ثم تحرك موضع الألف والياء، فالنصب والجر لا يوافقان الرفع في الإشمام انتهت الحكاية عن سيبويه فأما القراء فإنهم يطلقون على الروم في المجرور اسم الإشمام والحقيقة ما ذكرت لك عن سيبويه وأكثر ما يجئ الإشمام والروم في إدغام أبي عمرو، فإذن أدغم المضموم أو المكسور فيما بعده وقد وقع الإجماع على إشمام حرف مضموم مدغم فيما بعده، وهو قوله " قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف " والقراء مجمعون على إشمام الضمة في النون الأولى من تأمنا، ولم يختلفوا فيه إلا في رواية شذت عن نافع قال أبو علي وجه الإشمام أن الحرف المدغم بمنزلة الحرف الموقوف عليه من حيث جمعهما السكون، فمن حيث أشموا الحرف الموقوف عليه، إذا كان مرفوعاً في الإدراج، أشموا النون المدغمة في تأمنا وقد يجوز ذلك في وجه آخر في العربية وهو أن يبين ولا تدغم، ولكنك تخفي الحركة، وإخفاؤها هو ألا تشبعها بالتمطيط، ولكنك تختلسها اختلاساً وجاز الإدغام والبيان جميعاً، لأن الحرفين ليسا يلزمانه، فلما لم يلزما صارا بمنزلة اقتتلوا في جواز البيان فيه والإدغام جميعاً فمما جاء فيه الإشمام عن أبي عمرو في سورة البقرة ينقسم إلى قسمين مضموم، ومرفوع فالحروف المضمومة ثمانية قوله تعالى " ونحن نسبح بحمدك " " حيث شئتما " " حيث شئتم " ونحن له مسلمون " " ونحن له عابدون " " ونحن له مخلصون " حيث ثقفتموهم " والحروف المرفوعة خمسة قوله تعالى " وإسماعيل ربنا " " شهر رمضان " " يشفع عنده " " الأنهار له " " المصير لا " وأما المجرور الذي فيه الروم قوله تعالى " فيه هدى " " ثم عفونا عنكم من بعد ذلك " " ثم توليتم من بعد ذلك " ثم قست قلوبكم من بعد ذلك " " بالبينات ثم اتخذتم " " قل إن هدى الله هو " " آيات الله هزوا " " النكاح حتى " فأما قوله تعالى " يحكم بينهم " فقد اختلف القراء فيه فذهب ذاهبون إلى أنه إدغام، وذهب آخرون إلى أنه إخفاء ومما جاء في سورة عمران فيه روم المكسور وهو حرف واحد، وهو قوله تعالى " ومن يبتغ غير الإسلام ديناً " والمجرور تسعة أحرف " والحرث ذلك " " إلى يوم القيامة ثم " " من بعد ذلك " " ففي رحمة الله هم " " القيامة ثم " " الغرور لتبلون " " والنهار لآيات " " النار ربنا " " الأبرار ربنا " فأما قوله تعالى " قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السموات " ففي كتاب أبي عمرو عن مجاهد قال اليزيدي ويعلم ما رفع، وإذا أدغم لم يشم الميم المدغمة للضم وقال عباس يشم قلت ولعل عباساً إنما يشم ليعلم أنه ليس كقوله تعالى " ويعلم يجادلون في آياتنا " فيمن نصب كما رواه نعيم بن ميسرة، عن أبي عمرو ويعلم ما بالنصب على الصرف ومن لم يشم أجراه على الأصل والرفع هو الوجه، لأنه ليس جواباً للشرط؛ إذ علم ما في السموات غير متعلق بالإخفاء والإبداء، فأما ما يعلمه الله فعلى المجازاة وكذا ويعلم الذين يجادلون إنما هو على الوعيد والجزاء وأين هؤلاء من هذا الفرق والتخريج ومما جاء في سورة النساء يشم إشمام الضم فستة أحرف

" حيث ثقفتموهم " " فتحرير رقبة " " وتحرير رقبة " " الملائكة ظالمى " " يريد ثواب الدنيا " والمجرور " ولتأت طائفة " " وعملوا الصالحات سندخلهم " " وعملوا الصالحات سندخلهم " " وإلى الرسول رأيت " ومما جاء في سورة المائدة من ذلك أحد عشر حرفاً يشم إشمام الضم " تطلع على خائنة " " يبين لكم " " يبين لكم على فترة " " يعذب من " " ويغفر لمن " ينفق كيف " " ثالث ثلاثة " " كيف نبين لهم " " والله هو السميع " " أو تحرير رقبة " " قال الله هذا " الحروف المكسورة " بالبينات ثم " " من بعد ظلمه " " من بعد ذلك " " فإن حزب الله هم الغالبون " " الصيد تناله " " الموت تحبسونهما " " الآيات ثم " " الصالحات جناح " " الصالحات ثم " فهذه تسعة ومما جاء في سورة الأنعام أربعة أحرف تشم إشمام الضم " نحن نرزقكم " " الموت توفته " " الليل رأى " " حيث يجعل رسالته " والمكسورة " الأنثيين نبئونى " " الآيات ثم " والمجرور حرف واحد " قل إن هدى الله هو الهدى " ومما جاء في سورة الأعراف الحروف المضمومة " حيث شئتما " " حيث شئتم " " نحن لك " " ينزع عنهما " " ونطبع على قلوبهم " " السحرة ساجدين " " ويضع عنهم " " سيغفر لنا " والمكسور " السيئات ثم " " من الرزق قل " " عن أمر ربهم " " من الشيطان نزغ " ومما جاء في سورة الأنفال المضموم " الأنفال لله " والمكسور " الشوكة تكون " و " الفئتان نكص " ومما جاء في سورة التوبة المضمومة " نحن نتربص " " نحن نعلمهم " " زادته هذه إيماناً " " ويؤمن للمؤمنين " والمكسورة " والمؤمنات جنات " " من بعد ذلك " " وكلمة الله هي العليا " " في الفتنة سقطوا " ومما جاء في سورة يونس المضمومة " وما نحن لكما " " نطبع على " " الغرق قال " والمكسورة " بالخير لقضى " " من بعد ضراء " وهما مجروران " السيئات جزاء " ومما جاء في سورة هود المضمومة " وما نحن لك " " أطهر لكم " " لما جاء أمر ربك " المكسورة " ومن حزي يومئذ " " الآخرة ذلك " " ففي النار لهم " ومما جاء في سورة يوسف المضمومة " نحن نقص " " سوف أستغفر لكم " المكسورة " إنك كنت " " والآخرة توفنى " وأما قوله " يخل لكم " فإني قرأته بالإظهار، وقرأت " يبتغ غير الإسلام " بالإدغام، مع استوائهما في أنهما منقوصان والفرق بينهما أن يبتغ كلمة طويلة فاحتملت الإدغام، ويخل كلمة على ثلاثة أحرف وقد سقطت منها الواو، فلو أدغمت الواو لبقى بينهما حرفان، فكان ذلك مودياً إلى الإجحاف بها ومما جاء في سورة الرعد المضمومة " الكفار لمن " المكسورة " الثمرات جعل " " بالنهار له معقبات " " المحال له " " الصالحات طوبى " ومما جاء في سورة إبراهيم، صلوات الله عليه المضمومة قوله " وتغشى وجوههم النار ليجزي الله " المكسورة " في الأصفاد سرابيلهم " وهو مجرور والثاني قوله " وعملوا الصالحات جنات " ومما جاء في سورة الحجر المضمومة " نحن نزلنا " " وإنا لنحن نحيي " " حيث تؤمرون " ومما جاء في سورة النحل ال مضمومة " الملائكة ظالمى " الأنهار لهم " " الملائكة طيبين " " أمر ربك " " أكبر لو كانوا " " يؤذن للذين " المكسورة " وبنعمة الله هم " " والبغى يعظكم " " إن ما عند الله هو خير " " لهم من بعد ذلك " " البنات سبحانه " ومما جاء في سورة بنو إسرائيل المضمومة قوله " نحن نرزقهم " المكسورة " في البحر لتبتغوا " " وضعف الممات " ثم " من أمر ربى " ومما جاء في سورة الكهف المضمومة " نحن نقص " " تريد زينة " " أبرح حتى " " فهل نجعل لك " المكسورة " ففسق عن أمر ربه " ومما جاء في سورة مريم المضمومة " نحن نرث " " أخاه هارون " " ذكر رحمت ربك " " الرأس شيباً " " سأستغفر لك " " وأحسن ندياً " " سيجعل لهم " المكسورة " النخلة تساقط " " في المهد صبياً " " أمر ربك " " الصالحات سيجعل " ومما جاء في سورة طه المضمومة " نحن نرزقك " " كيد ساحر " " السحرة سجداً " المكسورة " وأطراف النهار لعلك " ومما جاء في سورة الأنبياء المضمومة " يقال له إبراهيم " المكسورة " ذكر ربهم " ومما جاء في سورة الحج المضمومة " يدافع عن " المكسورة " الساعة شيء " " للناس سواء " " بالله هو مولاكم " " الصالحات جنات " في موضعين ومما جاء في سورة المؤمنون المضمومة " وما نحن له بمؤمنين " " وأخاه هارون " " أنؤمن لبشرين " المكسورة " يوم القيامة تبعثون " ومما جاء في سورة النور المضمومة

" تحسبونه هينا " " يكاد زيتها " " والأبصار ليجريهم الله " " يكاد سنا برقه " المكسورة " المحصنات ثم " " بأربعة شهداء " في موضعين " من بعد ذلك " " عند الله هم " " ومن بعد صلاة العشاء " ومما جاء في سورة الفرقان المضمومة " فجعلناه هباء منثوراً " " إلهه هواه " " أخاه هرون " والمكسورة " بالساعة سعيراً " ومما جاء في سورة الشعراء المضمومة " السحرة ساجدين " " أنؤمن لك " " وإنه لتنزيل رب " المكسورة " من ورثة جنة " " من دون الله هل " ومما جاء في سورة النمل المكسورة " بالآخرة ربنا " " من فضل ربي " " عرشك قالت " ومما جاء في سورة القصص المضمومة " ونجعل لكما " " القول ربنا " ويقدر لولا " والمكسورة " النار لملكم " " من عند الله " " هو أهدى " ومما جاء في سورة العنكبوت المضمومة " ونحن له مسلمون " " لا تحمل رزقها " " ويقدر له " المكسورة " ذائقة الموت ثم " ومما جاء في سورة الروم المكسورة " آثار رحمت الله " " من بعد ضعف " ليس في لقمان شئ ومما جاء في سورة السجدة المكسورة " الأكبر لعلهم " ومما جاء في سورة الأحزاب المضمومة " من قبل لا يولون " " أطهر لقلوبكم " المكسورة " إذا نكحتم المؤمنات ثم " ومما جاء في سورة سبأ المضمومة " ويقدر له " ومما جاء في سورة الملائكة المضمومة " فلله العزة جميعاً " ومما جاء في سورة يس المضمومة " إنا نحن نحيي " " نعلم ما يسرون " ومما جاء في سورة الصافات المكسورة " والصافات صفاً فالزاجرات زجراً " المضمومة " قول ربنا " ومما جاء في سورة ص المضمومة " خزائن رحمة ربك " " القهار رب " المكسورة " عن ذكر ربي " ومما جاء في سورة الزمر المضمومة " أكبر لو " " الشفاعة جميعاً " المكسورة " في النار لكن " " ويوم القيامة ترى " " بنور ربها " " إلى الجنة زمراً " ومما جاء في سورة المؤمن المضمومة " وينزل لكم " " البصير لخلق " المكسورة " ذى الطول لا " " الدرجات ذو العرش " " الغفار لا " " لخزنة جهنم " " الطيبات ذلكم " ومما جاء في سورة حم السجدة المضمومة " النار لهم " " والقمر لا تسجدوا " " ما يقال لك " المكسورة " من الشيطان نزغ " " بالذكر لما " " من بعد ضراء " ومما جاء في سورة حم عسق المضمومة " البصير له مقاليد " المكسورة " ولولا كلمة الفصل لقضى بينهم " ومما جاء في سورة الزخرف المكسورة " من يعش على ذكر الرحمن نقيض " ليس في الدخان شيء ومما جاء في سورة الجاثية المضمومة " بصائر للناس " " إلهه هواه " المكسورة " اتخذتم آيات الله هزواً " " الصالحات سواء " ومما جاء في سورة الأحقاف المكسورة " اتخذتم آيات الله " " بأمر ربها " ومما جاء في سورة محمد، صلى الله عليه وآله المضمومة " القتال رأيت " المكسورة " الصالحات جنات تجري " ومما جاء في سورة الفتح المضمومة " يغفر لمن يشاء " المكسورة " الكفار رحماء " " السجود ذلك " " والمؤمنات جنات " ومما جاء في سورة الحجرات المكسورة " الأمر لعنتم " ومما جاء في سورة ق المضمومة " ما يبدل القول لدى " " إنا نحن نحيي " ومما جاء في سورة الذاريات المضمومة " حديث ضيف إبراهيم " المكسورة " والذاريات ذروا " " عن أمر ربهم " ومما جاء في سورة الطور المضمومة " خزائن ربك " ليس في النجم شيء، ولا في القمر ومما جاء في سورة الرحمن المكسورة " فيهما عينان نضاختان " ومما جاء في سورة الواقعة المضمومة " وتصلية جحيم " ومما جاء في سورة المجادلة المضمومة " فتحرير رقبة " المكسورة " ألا إن حزب الله هم " ومما جاء في سورة الحشر المضمومة " المصور له " ومما جاء في سورة الممتحنة المضمومة " المصير ربنا " المكسورة " الكفار لاهن " ومما جاء في سورة الجمعة المضمومة " من قبل لفي " ليس في المنافقين والتغابن شيء ومما جاء في سورة الطلاق المضموم " حيث سكنتم " المكسورة " عتت عن أمر ربها " ومما جاء في سورة التحريم المضمومة " لم تحرم ما " ومما جاء في سورة الملك المضمومة " تكاد تميز " ومما جاء في سورة القلم المضمومة " أكبر لو كانوا " ومما جاء في سورة الحاقة المضمومة " إنه لقول رسول كريم " ومما جاء في سورة نوح عليه السلام المضمومة " لا يؤخر لو كنتم " ومما جاء في سورة الجن المضمومة " ولن نعجزه هرباً " " يجعل له "

المكسورة " ذكر ربه " ومما جاء في سورة المزمل المكسورة " عند الله هو " ومما جاء في سورة المدثر المضمومة " سقر لا " " تذر لواحة " ومما جاء في سورة الإنسان المضمومة " نحن نزلنا " المكسورة " الدهر لم يكن " ومما جاء في سورة والمرسلات المضمومة " ولا يؤذن لهم " المكسورة " ذي ثلاث شعب " ومما جاء في سورة النازعات المضمومة " الراجفة تتبعها " المكسورة " والسابحات سبحا فالسابقات سبقا " ومما جاء في سورة التكوير المضمومة " إنه لقول رسول كريم " ومما جاء في سورة التطفيف المكسورة " الفجار لفى " " الأبرار لفي " ومما جاء في سورة البروج المكسورة " والمؤمنات ثم " ومما جاء في سورة القدر المضمومة " ليلة القدر " المكسورة " ليلة القدر " تشم إشمام الكسر، مطلع الفجر ومما جاء في سورة لم يكن المكسورة " البرية جزاؤهم " ومما جاء في سورة العاديات المكسورة " والعاديات ضبحاً " " فالمغيرات صبحاً " لحب الخير لشديد " ومما جاء في سورة الهمزة " تطلع على الأفئدة " فهذا ما جاء في الإدغام من الإشمام، وجميع ما أدغمه أبو عمرو ومما ذكرنا نشير إلى إعراب الحروف المدغمة في الخفض والرفع إلا الباء في الفاء في الميم، والميم في الميم، والفاء في الميم، والميم في الباء، والباء في الباء، والباء في الميم، فإنه كان لا يشير إلى الإعراب إلا في رواية مدين والمعدل، فإنه كان يشير إلى إعرابهن، كقوله تعالى " يكذب بالدين " و " يعلم ما تبدون " و " يحكم بينهم " و " ويعذب من يشاء " و " تعرف في وجوههم " و " الصيف فليعبدوا " ولا يشم هذا وأمثاله في ظاهر الرواية قال سيبويه زعموا أن أبا عمرو قرأ " يا صالح يتنا " جعل الهمزة ياءً، ثم لم يقلبها واواً ولم يقولوا هذا في الحرف الذي ليس منفصلاً وهذه لغة ضعيفة، لأن قياس هذا أن يقول يا غلام وجل قال أبو علي القول في ذلك أن الفاء من أتى همزة، فإذا أمرت منه أدخلت همزة الوصل على الهمزة التي هي فاء، فاجتمعت همزتان، فقلبت الثانية بحسب الحركة التي على الأولى، فصار حينئذ إيت وهذه الهمزة إذا اتصل الفعل الذي هي فيه بكلام قبله سقطت، فلك في التي هي فاء ضربان إن شئت تركتها مبدلة، وإن شئت خففتها أما وجه التخفيف، فإنك إنما خففت لاجتماع الهمزتين، فلما زالت العلة التي لها أبدلت، عادت مخففة هذا وجهه، وهو قياس إلا أن الوجه الآخر أشبه على مذهب العربية وطرقها، ألا ترى أنا نجد الأفعال يلزم بعضها اعتلال في موضع العلة، فإذا زالت تلك العلة أجرى السائر في الاعتلال، وإن خلا من العلة، جرى ما فيه العلة، وذلك نحو يعد، ويقوم، ويقول، وما أشبهه وكذلك ينبغي أن تترك الهمزة التي هي فاء في الأمر من أتى مخففة فهذا حجة أبي عمرو، وعلى هذا تحمل قراءته يومنون مخففة، لم يحقق الهمزة من يؤمنون بعد أن تكلم بأنها مخففة، كقولك جؤنة، ثم جون ولكنه خفف الهمزة في آمن لاجتماع الهمزتين، وكذلك في أؤمن ثم انتظم المضارع ما في الماضي اللازم فيه القلب، لاجتماع الهمزتين، ما خلا همزة أفعل الزائدة، فصارت حرف المضارعة المضموم الألف المنقلبة عن الهمزة التي هي فاء ساكنة، فقلبها واواً، فخفف يومنون على هذا إتباعاً لبعض الفعل بعضاً، لا على التخفيف في جؤنة وإن كانت اللفظتان متفقتين أيضاً، فعلى هذا أيضاً لم يحقق الهمزة في يا صالح إيتنا، ولم تقلب الياء الهمزة التي هي فاء واواً، وإن كانت ساكنة مضموماً ما قبلها، وشبهها بقيل قال سيبويه وهذه لغة رديئة يلزم من قالها أن يقول يا غلام اوجل يريد أنه كما لم يقلب الياء الساكنة المضموم ما قبلها واواً، كذلك يلزمه ألا يقلب الواو الساكنة المكسورة ما قبلها ياء وهذا الذي ألزمه إياه في قراءة يا صالح يتنا من قوله يا غلام اوجل، لا يقوله أحد قال وأخبرني أبو بكر محمد بن السري، قال أخبرنا أبو العباس، أن أبا عثمان قال لا يلزم أبا عمرو ما ألزمه سيبويه من قوله يا غلام اوجل، وذلك أنه قاس قوله يا صالح يتنا على شئ موجود مثله، وهو قولهم قيل، وسيق، وليس في الكلام متصلة ومنفصلة، مثل يا غلام وجل لا مخففة الحركة ولا مشممتها، فلا يلزمه يا غلام وجل، وقد ثبت قوله يا صالح يتنا قياسا على ما ذكرنا

قال أبو علي فالقراءة بتخفيف الهمز وإبداله في قوله " ومنهم من يقول ايذن لى " و " فليؤد الذي لو تمن أمانته " وما أشبه ذلك، مثال " يا صالح يتنا " وما أشبه ذلك هذا أقوى عندي في العربية لما ذكرومما جاء في الإشحام " قيل " و " غيض " و " سيء " و " سيق " و " حيل " و " جئ " جاء في هذه الأوائل إشمام الضم، ليعلم أن أصله كله فعل ألا ترى أنهم قالوا أما كيد زيد يفعل، وما زيل يفعل، وهم يريدون فعل فإذا حركوا الفاء هذه التحريكة أمن بها التباس الفعل المبني للفاعل بالفعل المبني للمفعول، وانفصل بها، فدلت عليه، وكان أشد إبانة للمعنى المراد ومن الحجة في ذلك أنهم قد أشموا نحو رد و عد وما أشبه ذلك من التضعيف المبني على فعل، مع أن الضمة الخالصة تلحق فاءه، فإذا كانوا قد تركوا الضمة الصحيحة إلى هذه في المواضع التي تصح فيها الضمة، فإلزامها حيث تلزم الكسرة فيها في أكثر اللغات أجدر ودل استعمالهم هذه الحركة في رد ونحوه من التضعيف على تمكنها في قيل و بيع وكونها أمارة للفعل المبني للمفعول به، ولولا ذلك لم تنزل الضمة المحضة إليها في نحو قولهم رد ونحوه، من الحجة في ذلك أنهم قد قالوا أنت تغزين، فألزموا الزاي إشمام الضمة و زين من تغزين بمنزلة قيل فكما ألزم الإشمام هنا كذلك يلزم ذلك في قيل ألا ترى أن من قال بيع و قيل قال اختير و انقيد، فأشم ما بعد الخاء والنون لما كان بمنزلة قيل، وبيع، وكما ألزم بالإشمام نحو لا تغزين، لينفصل من باب ترمين كذلك ألزم قيل و بيع الإشمام في الضمة لينفصل من الفعل المبني للفاعل في كيد و زيل وليكون أدل على فعل فإن قلت فهلا ألزم القاف في قيل ونحوه إشمام الضمة كما ألزم تغزين؟ فالقول إن هذه الحركة لما لم تكن ضمة خالصة ولا كسرة محضة ضعفت في الابتداء بخروجها عما عليه الحركات اللاحقة أوائل الكلمة المبتدأ بها ألا ترى أن عمرو لم يشم في الاستئناف في يا صالح يتنا وقد قدمنا أن أبا عمرو في الإدغام يشم المرفوع والمضموم، وأبو علي يفرق بينهما، فزعم أن أبا عمرو لا يشم، يقول إيذن لي، كما يشم يا صالح يتنا والصحيح ما قدمنا ومما يدل على أن هذه التحريكة قد صارت أمارة لبناء الفعل للمفعول به، وأنها مما يختص به الفعل، أنك لو سميت رجلاً بمثل قيل و بيع شيئاً وخلعت منه الضمير الذي كان فيه لأخلصت الكسرة فقلت قيل، و بيع فدل هذا من مذهب سيبويه على أن هذه الحركة أشبه عنده بالفعل، وأشد لزوماً من الأمثلة التي تختص بالفعل، ولا يكون في الاسم، نحو ضُرِب، وضورِب، وضُرِّب ألا ترى أنك لو سميت بشئ من ذلك مجرداً من الضمير لم تغيره عن بنائه إلى ما يختص الاسم، وقد رأى تغيير هذه الحركة وإخلاسها كسرة ومما يقوى قول من قال قيل أن هذه الضمة المنحو بها نحو الكسرة قد جاءت في نحو قولهم شربت من المنقر، وهو بئر ضيقة، وهذا ابن مذعور، وابن بور، فأمالوا هذه الضمات نحو الكسرة لتكون أشد مشاكلة لما بعدها وأشبه به، وهو كسر الراء وإذا أخذوا بهذا التشاكل اللفظ، حيث لا تميز معنى من معنى آخر، فأن يلزموا ذلك حيث يزيل اللبس ويخاص معنى من معنى، أجدر وأولى قال الرازي وإذا ريم إدغام المتحرك سكن، غير أن القرأة يسمون الضم والكسر عند الإدغام إبانة عن الأصل، إذا اختلف حركتا المدغم فيه، أو حركة المدغم وما قبله، أو سكن، وكان الساكن جامدأ، فإن كان ذائباً فأنت مخير فيه بين إشمام الحركة وإتمام المد، أو الجمع بين قليل من المد وقليل من الإشمام، إلا إذا كانت الذائبة واواً قبلها ضمة، وكان المدغم مرفوعاً، أو كانت ياءً قبلها كسرة وكان المدغم مجروراً، فإنك تمده لا غير ولا إشمام للنصب ومنهم من يفرق في ذلك بين حركات البناء والإعراب، فيشم للإعراب فقط، والإشمام للباء والميم الفاء في إدغامها وكان الدوري لا يشم بتة، ولعل ذلك كان منه لضرر كان به، لأن الإشمام مرئى غير مسموع، وهو قول النجاة ومن ترك الإشمام لزمه تفخيم " الأبرار، ربنا " ونحوه حال الإدغام وإشمام الكسر يسمى روماً وإشمام الضم دون الروم

قال الفراء كان أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف يقفون بروم الحركة على المرفوع والمجرور ونحو " نستعين " و " من غفور رحيم " و " يشاء " ونحو ذلك، إلا أن يكون هاء منقلبة عن تاء التأنيث، نحو رحمة فإنهم لا يرومون في ذلك، و الباقون يقفون على السكون ومن هذا الباب ما رواه أبو بكر عن عاصم في قوله تعالى " بأساً شديداً من لدنه " بإشمام الدال الضمة وكسر النون والهاء قال أبو علي هذا ليعلم أن الأصل كان في الكلمة الضمة، ومثل ذلك قولهم أنت تغزين، وقولهم قيل، أشممت الكسرة فيها الضمة لتدل على أن الأصل فيها التحريك بالضم فإن كان إشمام عاصم ليس في حركة خرجت إلى اللفظ، وإنما هو تهيئة العضو لإخراج الضمة ولو كانت مثل الحركة في تغزين لم يلتق ساكنان، ولم يكسر النون لاجتماعهما، ولكن يجتمعان في أن أصل الحرف التحريك بالضم، وإن اختلفا في أن الحركة في تغزين قد خرجت إلى اللفظ ولم تخرج في قوله لدن وأما وصله الهاء بباء في الوصل فحسن، ألا ترى أنه لو قال ببابه، وبعبده، فلم يوصل الهاء بباء لم يحسن، ولكان ذلك مما يجوز في الشعر وكذلك أبو بكر عن عاصم في قوله " من لدنا " يشم الدال شيئاً من الضم، واختلف عن يحيى والله أعلم
الثاني عشر
ما جاء في التنزيل ويكون الجار والمجرور
في موضع الحال محتملاً ضميراً من صاحب الحال
وذلك معروف في كلامهم، حكى عن العرب خرج زيد بسلاحه أي متسلحاً فمن ذلك قوله تعالى، في أحد التأويلين " الذين يؤمنون بالغيب " قال أبو علي أي يؤمنون إذا غابوا عنكم، ولم يكونوا كالمنافقين الذين يقولون " إنا معكم إنما نحن مستهزئون " وقد قال " الذين يخشون ربهم بالغيب " وقال " من خَشِي الرحمن بالغيب " وقال أبو ذؤيب
أخالد ما راعيت من ذى قرابة ... فتحفظنِي بالغيب أو بعض ما تبدى
فالجار مع المجرور في موضع الحال، أي يحفظنى غائباً ويخشون ربهم غائبين من مراءاة الناس، لا يريدون بإيمانهم التصنع والتقرب رجاء المنالة، ولكن يخلصون إيمانهم لله قال ويجوز فيها وجه آخر وهو أن هذه الآية إجمال ما فصل، في قوله " والمؤمنون كلُّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله " والموصوفون فيها خلاف من وصف في قوله " ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً " وكفرهم بالملائكة ادعاؤهم بنات الله فيها، كما ادعوا في قوله " أم اتخذ ممَّا يخلق بنات " وقوله " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً " وكفرهم بالكتاب إنكار له قوله " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء " وكفرهم بإرسال الرسل إنكارهم إرسالهم، نحو قوله " ولئن أطعتم بشراً مثلكم " وقوله " أهذا الذي بعث الله رسولاً " وكفرهم بالآخرة، قوله " لا تأتينا الساعة قل بلَى وربي " وكل هذه الأمور غيب قد أنكروه ودفعوه، فلم يؤمنوا به ولم يستدلوا على صحته فقال تعالى " الذين يؤمنون بالغيب " أي بهذه الأشياء التي كفروا بها، هؤلاء الذين ذكر كفرهم بها عنهم، وخصهم بالإيقان بالآخرة في قوله " وبالآخرة هم يوقنون " وإن كان الإيمان قد شملها، لما كان من كفر المشركين بها وجحدهم إياها، في نحو ما حكى عنهم في قوله تعالى " وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا " ومن ذلك قوله تعالى " ونحن نسبح بحمدك " أي حامدين لك نظيره " يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده " أي حامدين له نظيره " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " أي حامدين له، ومن ذلك قوله " أتيناكم بقوة " أي مجدين مجتهدين نظيره بعده في الأعراف " كأنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوةٍ " أي بجد واجتهاد ومن ذلك قوله تعالى " وأداءٌ إليه بإحسان " أي محسناً، أي له أن يؤدي إليه محسناً لا مماطلاً ومن ذلك قوله " فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف " أي مؤتمرة بأمر الله، فالباء في موضع الحال ومن ذلك قوله تعالى " نزل عليك الكتاب بالحق مصدِّقاً " ف الكتاب مفعول به، وقوله بالحق في موضع نصب على الحال، وهو متعلق بمحذوف ومصدقاً حال من الضمير الذي في قوله بالحق والعامل فيه المعنى، ولا يجوز أن تجعله بدلاً، لأن الاسم لا يبدل من الاسم، هكذا ذكروه، وفيه إشارة إلى أن الظرف لا يتعلق بالاسم، ويكون بدلاً من الاسم قبله

وأعجب من ذا جعله مصدقاً حالاً من نفس الحق، بعد أن قال في قوله " والسَّاعة لا ريب فيها " أنه يجوز أن يكون عطفاً على الضمير في حق وقال غيره وهو رضي به في قوله " إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون " إن نصب مثل راجع إلى الضمير في لحَقّ فلم لا تجعل قوله مصدقاً حالاً من الضمير في قوله بالحق؟ ومثله " وبالحقِّ أنزلناه " حال من الضمير في أنزلناه وأما قوله " وبالحق نزل " فيحتمل الجار فيه ضميرين أحدهما أن يكون التقدير نزل بالحق؛ كما تقول نزلت بزيد ويجوز أن يكون حالاً من الضمير الذي في نزل ومثله " نزل به الروح الأمين " فمن رفع الأمين يكون الجار مثل الذي في مررت بزيد؛ ويكون حالاً، كما تقول نزل زيد بعدته، وخرج بسلاحه وفي التنزيل " وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به " أي دخلوا كافرين وخرجوا كافرين ومثله " منزل من ربك بالحق " ألا ترى أن أنزلت يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا بنيته للمفعول لم يبق له متعدًّى إلى مفعول به وقوله من ربك على حد " ولما جاءهم كتاب من عند الله " وبالحق حال من الذكر الذي في منزل ومما جاء الجار فيه حالاً كما جاء في الآى الآخر " أنزله بعلمه " المعنى أنزله وفيه علمه كما أن خرج بعدته تقديره خرج وعليه عدته والعلم المعلوم أي أنزله وفيه معلومه ومثل ذلك قوله تعالى " ويوم تشقق السماء بالغمام " فالمعنى والله أعلم يوم تشقق السماء وعليها الغمام فالجار متعلق بمحذوف في موضع الحال كما تقول خرج زيد بثيابه ومنه قوله تعالى " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات " الجار في موضع الحال، أي ثابتاً منه آيات محكمات وآيات يرتفع بالظرف هنا على المذهبين ومنه قوله تعالى " وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقاً " أي ثابتاً فيه هدى ونور يدل عليه انتصاب قوله ومصدقاً ويرتفع هدى بالظرف في المذهبين ومن هذا الباب قوله " ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زيد مثله " قوله في النار لا يخلو من أن يكون متعلقاً ب يوقدون أو بمحذوف؛ فلا يجوز أن يكون تعلقه ب يوقدون من حيث لا يستقيم أوقدت عليه في النار إلا أن الموقد عليه إنما يكون في النار فصير في النار على هذا غير مفيد، وكذلك " فأوقدْ لىِ ياهامانُ عَلَى الطِّين " وكما أنه لو قيل هنا أوقد لى يا هامان على الطين في النار، لم يستقم كذلك الآية الأخرى وإذا كان كذلك ثبت أن تعلق في النار من قوله " ومما يوقدون عليه في النار " إنما هو المحذوف، والظرف الذي هو في النار في موضع حال وذو الحال الهاء التي في عليه أي ومما يوقدون عليه ثابتاً في النار، أو كائناً في النار ففي قوله في النار ضمير مرفوع يعود إلى الهاء التي هي اسم ذى الحال ومن ذلك قوله تعالى " إنما يأكلون في بطونهم ناراً " الجار في قوله في بطونهم حال من المذكور، وكان وصفاً له كقوله
لميةً موحشاً طَلَلُ
ولا يتعلق ب يأكلون لأن الأكل لا يكون في بطنه والمعنى إنما يأكلون مثل النار في بطونهم، لأنه يؤدي إلى حصول النار في بطونهم أو يجعله ناراً على الاتساع، لما يصير إليه من ذلك في العاقبة ومن هذا الباب قوله " ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله " فالباء في قوله بحبل متعلق بحذوف في موضع الحال والتقدير ضربت عليهم الذلة في جميع أحوالهم أينما ثقفوا إلا متمسكين بحبل الله فحذف اسم الفاعل وانتقل الضمير إلى الظرف وقال أبو علي الاستثناء من الذلة المعنى يذلون إلا أن يكون معهم حبل من الله، وهو ما يكونون به ذمة ولا يكون متعلقا بقوله ثقفوا ألا ترى أنه لا يصح أينما ثقفوا إلا بحبل من الله؛ لأنه إذا كان معهم حبل من الله لم يثقفوا ومن هذا الباب قوله تعالى " ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا " الكاف في موضع الحال، أي مشابهة أحوالهم أحوال من لم يلبثوا وفيه غير هذا، ذكرناه في باب آخر ومن ذلك قوله تعالى " يا يحيى خذ الكتاب بقوة " أي بجد واجتهاد، أي خذ الكتاب مجداً ومثله خذها بقوة أي بجدٍ، أي مجداًّ ومثله قوله تعالى " وهزِّي إليكِ بجذع النخلة " أي هزى إليك رطبا جنيا متمسكة بجذع النخلة فعلى هذا لا تكون الباء زائدة، بل يكون مفعول هزي فيمن أعمل الأولى رطباً، وأضمر في تساقط ومن أعمل الثاني أضمر في هزى

ومثله " فانبذ إليهم على سواء " أي فانبذ إليهم مستوين كما أن قوله " فقل آذنتكم على سواء " أي آذنتكم مستوين فالحال من الفاعل والمفعول جميعاً كقوله متى ما تلقنى فردين وقوله وإن تلقنى برزين ولأبي علي في هذا كلام طويل ذكر فيه أن الحال كالصفة، من حيث لا يجوز تعريض الصفة لعاملين مختلفين وكذا يقبح في الحال ما يقبح في الصفة من تعريضها لعمل عاملين مختلفين فيهما، كما قبح ذلك في الصفة وقد حمل سيبويه شيئاً منها على المعنى، نحو ما أجازه من قولهم هذا رجل مع رجل قائمين حيث جعل ما عملت فيه مع داخلاً في المعنى الإشارة، فأجاز نصب قائمين على الحال، كما أجاز نصبهما في هذا رجل ورجل قائمين فأما قوله متى ما تلقنى فردين و تعلقت من ليلى صغيرين و إن تلقنى برزين لا يعتد به ولا أعلم لسيبويه في ذلك نصاً، ولا يجوز أن نقول إنه لا يجوز على قياس قوله، لأن السائل الذي منع ذلك فيها عاملان، وليس في هذا إلا عامل واحد فإذا كان هناك عامل واحد، وذو الحال واحد من جهة تعريضه لعاملين، لا يصح لأنه ليس هناك عاملان فإن قلت فهلا فسد حمله على الحال؛ لأن الحال تقتضى أن يكون فيها ذكر من ذى الحال، وذو الحال مفردان وحالهما مثناة، فلا يرجع إذن إليهما من حاليهما ذكر، وإذا لم يرجع فسد أن يكون حالاً لهما، فاحمله على فعل مضمر قلنا لا يفسد أن يكون ذلك حالاً لأنا نحمله على المعنى، ألا تراهم قالوا مررت برجلين قائم وقاعد فرددت الذكر إليهما على المعنى، فكما رددت إلى المثنى المفردين، للحمل على المعنى، كذلك ترد إلى المفردين من المثنى للحمل على المعنى ومن ذلك قوله تعالى " ولقد جئناهم بكتابٍ فصلناه على علمٍ " أي فصلناه عالمين وقال عز وجل " علمها عند ربي في كتاب " والتقدير علمها ثابت في كتاب ثابت عند ربي، ف عند ربي كان صفة للمجرور فلما تقدم انتصب على الحال ومن ذلك قوله تعالى " الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم " أي مضطجعين، ففي الظرف ضمير لوقوعه موقع مضطجعين وقائمين ومثله " وإذا مسَّ الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً " أي دعانا مضطجعاً لا بد من ذا التقدير في الموضعين ليصح العطف عليه وأبو إسحاق حمل اللام وما بعده على المس دون الدعاء، وإذا مس الإنسان مضطجعاً أو قائماً أو قاعداً الضُّر دعانا وحمله على الدعاء أولى من حمله على المس لكثرة الآى في ذلك من قوله " الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم " وقوله " وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيين إليه " وغيرهما فأما قوله " وسار بأهله آنس " فقد يكون من هذا الباب، أي لم يخرج منفرداً عن مدين ويجوز أن يكون كقوله " أسرى بعبده " فتعديه بالباء وأما قوله في " أحببت حب الخير عن ذكر ربيِ " أي لزمت حب الخير معرضاً عن ذكر ربي والجار في موضع الحال وأحببت بمعنى لزمت الأرض، من قولهم أحبَّ البعير إذا برك ومن قال أحببت بمعنى آثرت، كان عن بمعنى على، أي آثرت حب الخير على ذكر ربي ومن ذلك قوله تعالى " ولكم فيها ما تدعون نزلاً من غفور رحيم " فيما يتعلق به الجار وما ينتصب عنه " نُزُلاً " أوجه يجوز أن يكون نزلاً جمع نازل، مثل شارف وشُرف قال الأعشى
أو تنزلون فإنا معشرٌ نُزُلُ
فإذا حملته على ذلك أمكن أن يكون حالاً من شيئين أحدهما الضمير المرفوع في تدَّعون والآخر أن يكون من الضمير المجرور في قوله لكم والآخر أن يكون النزل كالتي في قوله " فنزل من حميم وتصلية جحيمٍ " فإذا حملته على هذا كان حالاً للموصول والعامل فيها لكم فأما قوله " من غفور رحيم " فمتعلق بمحذوف، وهو صفة للحال، كقوله جاءني زيد رجلاً صالحاً ولا يجوز أن يكون من متعلقاً ب تدَّعون إذا جعلت نزُلاً حالاً من ما لأنك لا تفصل بين الصلة والموصول بأجنبي ألا ترى أن الحال إذا كانت من الموصول كانت بمنزلة الصفة له، ولا يجوز أن يعترض بها بين الصلة والموصول، كما لا يجوز ذلك في الصفة ولو جعلت نُزُلاً جمع نازل، حالاً من الضمير المرفوع لجاز أن يكون من غفور رحيم متعلقاً ب تدَّعون ولم تكن لتفصل بها؛ لأن الحال والجار جميعاً في الصلة ولو جعلت الحال أعني نزلاً من كُمْ في ولَكُمْ والجار متعلق ب تدَّعون لم يجز أيضاً؛ للفصل بأجنبي بين الصلة والموصول

ولا يجوز أن يكون متعلقاً ب لكم على أن يكون ظرفاً، لأنه تعلق ظرف آخر وهو فيها ويجوز أن يكون من والمجرور به في موضع حال من الضمير المجرور في لكم وفي هذا نظر، لأنك لو قدرت لكم ثابتين من غفور رحيم لم يكن له معنى، فإذا حملته جعلت نزلاً حالاً من الضمير المرفوع في تدعون أو من ما ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المجرور في لكم لأنه لا يكون منه حالان، كما لا يكون له ظرفان فإن جعلت من صفة لنزلٍ جاز أن يكون نزلاً حالاً من الضمير المجرور في لكم فأما قوله تعالى " كانت لهم جنات الفردوس نزُلاً " فإن جعلت نزلاً، من قوله " فنزل من حميم " فعلى حذف المضاف، كأنه كانت لهم كل جنات الفردوس نزلاً، لأن الجنات مكان وإن جعلته جمع نازل، كانت حالاً من الضمير المجرور في لهم ومن ذلك قوله تعالى " فما للذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين " فإن قِبلك ينتصب على ثلاثة أضرب أحدها أن يكون ظرفاً لمعنى الفعل في اللام الجارة والآخر أن يكون ظرفاً لمهطعين والثالث أن يكون الظرف في موضع الحال، وكون الظرف في موضع الحال كثير فاش ومثله " يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ " أي ركبانا كقوله تعالى في الأخرى " فرجالاً أو ركباناً " فيكون فيه ذكر فيمكن أن يكون مهطعين حالاً من ذلك الضمير وأما قوله عزين فيجوز أن ينتصب من ثلاثة أضرب أحدها أن يكون صفة للحال الذي هو مهطعين ويجوز أن ينتصب عن مهطعين وفيه ضمير يعود إلى ما في مهطعين ويجوز أن ينتصب عما في قوله " عن اليمين وعن الشمال عزين " ذلك أن الظرف يجوز أن يكون صفة ل مهطعين لأنه نكرة، وإذا كان كذلك تضمن ضميراً، وإذا تضمن الضمير أمكن أن ينتصب عزين عن ذلك ويجوز في قوله " عن اليمين وعن الشمال " أن يكون متعلقاً ب مهطعين ويجوز أن يتعلق ب عزين على حد قولك أخذته عن زيد ومن ذلك قوله تعالى " فأتبعهم فرعون بجنوده " أي أتبعهم عقوبته مستعداً جامعاً لجنوده ومن ذلك قول الفراء " فمن كان منكم مريضاً أو على سفر " أي مسافراً؛ لأن مسافراً حال عند الفراء، وخبر كان على قولنا وقال " وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ " ومثله " يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر " أي ركبانا ففي الظرف ضمير، كما في قوله " فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم " أي مضطجعين ومن ذلك قوله " ويكلم الناس في المهد " أي يكلمهم صبياً وكهلاً وكذلك قوله " ومن الصالحين " أي صالحاً كما أن ما قبله " ومن المقربين " حال، أي مقرباً ومن ذلك قوله " وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل " فقوله بالليل جنس في موضع الحال، أي مصبحين ومظلمين، وفيه ذكر ومن ذلك قوله تعالى " فخرج على قومه في زينته " أي متزيِّنا ومن ذلك قوله تعالى " في بيوتٍ أذن الله أن ترفع " الجار يتعلق بمحذوف في موضع النصب على الحال من الضمير في قوله " ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم " أي خلوا من قبلكم ثابتين في بيوت أذن الله، وما بينهما من الكلام تسديد لهم وبيان أحوالهم وإن قدرت مبتدأ على معنى أولئك في بيوت أذن الله أن ترفع، جاز، وجاد وقال والمراد بهم الأنبياء، صلوات الله عليهم، والمؤمنون معهم وقيل بل هو متعلق بمحذوف صفة مصباح في قوله فيها مصباح أي المصباح ثابت في بيوت وقيل بل هو صفة ل مشكاة، أي كمشكاة ثابتة في بيوت وقيل هو من صلة توقد أي توقد في بيوت أذن الله وقيل إن البيوت لا تكون مسجداً واحداً، ولا يستعمل مصباح واحد إلا في مسجد واحد، فالمشكاة إذا كانت كوة غير نافذة فمصباحها لا يضئ عدة مساجد وقيل بل هو من صلة يسبِّح فيمن جعل رجالاً فاعلين ومن رتب المفعول للمفعول فإنه يمكن أن يكون كقولهم في الدار زيد فيكون رجال مبتدأ والظرف خبراً وهكذا في تفسير الدمياطي فتسقط خصومة الفارسي من أن رجالاً يرتفع بمضمر، كقوله
ليبك يزيد ضارع لخصومة
ولعل الحارثي لم يحتج بهذه الآية لهذا المعنى، واحتج بقراءة الذمارى " قتل أولادهم شركاؤهم " ، وقد رجحنا قول قطرب على ذلك ومن ذلك " فليس من الله في شئ " أي من دين الله، فيكون في شئ حالاً من الضمير في من الله ومعنى ليس من الله البراءة وخلاف الموالاة، ألا ترى إلى قوله
عرينٌ من عرينة ليس منىِّ ... برئت إلى عرينة من عرين
وقد يكون منه قوله " لست منهم في شئ "

ومن ذلك قوله تعالى " وجعلنا له نوراً يمشى به في الناس وقوله " ويجعل لكم نوراً تمشون به " أي تمشون ولكم هذا النور فيجوز أن يكون ذلك علماً للمؤمنين وفصلاً لهم ممن خالفهم ورغب عن دينهم ومن ذلك قوله " قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار " قال أبو علي في أمم متعلق ب ادخلوا ولا يجوز أن يتعلق بخلت نفسه، لتعلق حرف الجر به وفي النَّار يجوز أن يكون صفة ل أمم ويجوز أن يكون حالاً من الضمير الذي في الظرف، الذي هو " من الجن والإنس " ويجوز أن يكون حالاً من الذكر الذي في خلت ومتى جعلت الشيء حالاً لم يجز أن تكون عنه حال أخرى ومن ذلك قوله تعالى " وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون " قيل الباء زيادة ومعنى منعنا اقتضى منا ألا يفعل وكل ما أوجب ألا نفعل شيء فهو مانع منه، وإن لم تزل القدرة عليه، وموضع أن نرسل نصب، لأنه مفعول منع وقيل الباء في بالآيات باء الحال، أي نرسل رسولنا ومعه الآيات ومن ذلك قوله " يدعون فيها بكل فاكهة " قال أبو علي لا تكون الباء زائدة، لأن الفاكهة لا تدعى، فتكون على وجهين إما أن تكون حالاً من الداعين، أي يدعون مقدرين فيها الملابسة بكل فاكهة، فيكون كقولهم خرج بناقته، وركب بسلاحه وإما أن تكون صفة للمصدر المحذوف، كأنه يدعون فيها دعاء بكل فاكهة، أي قد التبس الدعاء بكل فاكهة ومن ذلك قوله تعالى " إنَّي رسول الله إليكم مصدقاً " قال أبو علي هو حال مؤكدة منتصبة عن معنى الفعل الذي دلت عليه الجملة ولو جعلت قوله إليكم متعلقاً بمحذوف وجعلته حالاً مؤكدة كقوله ومصدقاً فيمن جعل إليكم غير متعلق بالرسول ولكن بالمحذوف، أمكن أن يكون مصدقاً حالاً من الضمير في إليكم فكان العامل في الحال ما معنى الفعل من إليكم ومن ذلك قوله " فسبِّح بحمد ربك واستغفره " قيل الباء للحال والمعنى فسبح حامداً، أو فسِّبح تسبيحك حامداً لتكون الحال مضامة للفعل وقيل الباء للسبب، أي سبِّحه بأن نحمده والمعنى احمده لتكون مسبحاً له وأما قوله تعالى " ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق " أي عن قوله، فتصير معه محاذراً ما جاءك من الحق وقال " أطعمهم من جوع " وأما قوله " ما أصاب من مصيبة في الأرض إلى قوله يسير " فقد قال أبو علي يجوز أن يكون في ظرفاً ل أصاب ول مصيبة أيضاً يؤكد ذلك ويحسنه دخول لا في قوله ولا في أنفسكم فصار بمنزلة ما مررت برجل ولا امرأة ويجوز أن يكون صفة للنكرة وقوله تعالى " ولا في أنفسكم " صفة أخرى لها فيحتمل على ذلك أن يكون موضعه جراً على لفظ مصيبة رفعاً على الموضع وجاز دخول لا هنا وإن لم يكن الكلام على هذا التأويل نفياً؛ لأنه لما كان معطوفاً على ما هو منفي في المعنى، حمل عليه، كقوله
يحكى علينا إلا كواكبها
وكذلك قوله " في الأرض " لما كان صفة لمنفى حمل الأمر على معناه وإن شئت قلت إن لا زائدة والأول أبين، لأن الحمل على معنى لا قد كثر قالوا إن أحداً لا يقول ذاك إلا زيد وقوله " إلا في كتاب " منصوب الموضع على الحال ولا يجوز أن يكون صفة، لأن إلا لا تدخل بين الموصوف والصفة كدخولها بين الحال وذى الحال، نحو ما جاء زيد إلا قائماً وذلك لأن الصفة مع الموصوف كالجزء الواحد، وما بعد إلا جار مجرى ما بعد حرف النفي في انقطاعه من الأول، والحال بمنزلة الخبر، وليس الخبر مع المخبر عنه كالشيء الواحد فأما العامل في الحال إذا كان في الأرض ظرفاً فشيئان أحدهما أصاب وذو الحال نكرة والآخر أن يجعل حالاً مما في مصيبة من الذكر وحسنت الحال من النكرة لتعلق الظرف به، ك منك في خير منك لأنه قد خصصه وأما من جعل في الأرض وصفاً فيجوز أن يكون هو العامل في الحال، وذو الحال الذكر الذي فيه ويجوز أن يكون ذو الحال الذكر الذي في قوله " ولا في أنفسكم " والعامل فيها الظرف ولا يجوز أن تكون الحال منهما جميعاً، لأنه لا يعمل في معمول واحد عاملان فأما قوله " من قبل أن نبرأها " فمتعلّق في بقوله في كتاب ويكون ذو الحال إن ذلك على الله يسير وفي قوله " من قبل أن نبرأها " ذكر من الفاعل الظاهر ولا شيء في قوله في كتاب لارتفاع الظاهر به في القولين والمعنى ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا مكتوبا، بتيسير ذلك على الله من قبل أن نبرأها

ويجوز في قوله " من قبل أن نبرأها " أن يتعلق بما دل عليه ما تقدم قبل إلا، فيكون المعنى ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم من قبل أن نبرأها إلا في كتاب، تيسير ذلك على الله ونظير هذا المعنى قوله " وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحى إليهم فاسألوا أهل الذكر " ومثله قول الأعشى
ولا قائلاً إلاّ هو المتعتِّبا
ولا يمتنع هذا الوجه من أجل الفصل الذي وقع بين الفاعل وما ارتفع به بذلك، لأنه مما يلابسه، فلا يتنزّل منزلة الأجنبي منه ومع ذلك فالظرف أحمل للفصل من غيره انتهت الحكاية عن أبي علي، وفيه غير سهو أما تشبيهه إلا بحرف النفي، ومنع ما بعد إلا متعلقا بما قبلها كحرف النفي، فليس كذلك ألا ترى قوله " وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة " فجر مقطوعة حملا على ما قبل إلا وقال " إنها بقرة لا فارض " وقال " إنها بقرة لا ذلول " ومسألة الكتاب مررت برجلين لا شجاع ولا جبان وأما قوله " من قبل أن نبرأها أنه متعلق بمحذوف حال، وصاحب الحال إنَّ ذلك على الله يسير فهو فاسد، كسرت إن أو فتحت أما الكسر فلأن ما بعد إنَّ لا يتقدم عليه، لأن إنَّ تقطع ما بعدها مما قبلها وقد ذكرنا هذا في هذا الكتاب وأما فتح أنَّ فإنه لم يقرأ به، وهو في تقدير المصدر، وما في حيّز المصدر لا يتقدم عليه وقد وقعت هذه المسألة في عدة نسخ من التذكرة، وليس فيه هذا الفصل الأخير وإنما وقع في تهذيب عثمان، وهو يتكلم على مثل هذه الأشياء، ولم يتكلم هنا بشيء، فلا أدري كيف سها عنه مع وضوحه؟
الثالث عشر
ما جاء في التنزيل دالاً على جواز
تقدم خبر المبتدأ
وإنما ذكرنا هذا الباب لأن أبا علي خيل إلى عضد الدولة أنه استنبط من الشعر ما يدل على جواز ذلك فقال ومما يدل على جواز تقديم خبر المبتدأ على المبتدأ قول الشماخ
كلا يومي طوالة وصل أروى ... ظنون آن مطرح الظنون
قال ف وصل أروى مبتدأ، وظنون خبره وكلا ظرف لظنون والتقدير فيه كلا يومي مشهد طوالة كأنها رباب بها في اليومين، كقول جرير
كلا يومي أمامة يوم صدٍ ... وإنْ لم تأتها إلاَّ لماما
المعنى كلا يومي زيارة أمامة يوم صد أي إن زرناها لماما أو دراكا صدت عنا كلا يومي زيارتها ولو كان أبو الحسن حاضراً لم يستدل بقول الشماخ، وإنما يتبرك بقوله عزّ من قائل " وبالآخرة هم يوقنون " ألا ترى أن هم مبتدأ ويوقنون في موضع خبره، والجار، من صلة يوقنون وقدمه على المبتدأ ومثله " وفي النار هم خالدون " أي هم خالدون في النار وأما قوله تعالى " وهم بالآخرة كافرون " فليس من هذا الباب، لأن هم مبتدأ وكافرون خبره والجار من صلة الخبر وكذلك في هود ويوسف قوله " وهم بالآخرة هم كافرون " هم مبتدأ وكافرون الخبر، والجار من صلة الخبر، فكرر هم تأكيداً وسأعدُّه في جملة المكررات ومثله قوله " ومن قبل ما فرطتم في يوسف " ما فرطتم في موضع ابتداء، ولا يكون مرتفعاً بالظرف، لأن قبل لما بُني خرج من أن يكون خبراً ألا ترى أنه قال لا يبنى عليه شيء ولا يبنى على شيء فإذا لم يجز أن يكون مستقراً علمت أن قوله في يوسف وأن قوله من قبل معمول هذا الظرف الذي هو في يوسف وإن تقدم عليه، لأن الظرف يتقدم على ما يعمل فيه، وإن كان العامل معنى قوله أكلَّ يومٍ لك ثوبٌ؟ والتقدير لك ثوب كل يوم والتقدير وتفريطكم في يوسف من قبل، فوقع الفصل بين حرف العطف والمبتدأ بالظرف وإذا كان كذلك فالفصل فيه لا يقبح في الرفع والنصب كما قبح في الجر ويجوز ألا يكون ذلك فصلاً ولكن الحرف يعطف جملة على ما قبل وكما استدل أبو الحسن بجواز تقديم الخبر على المبتدأ بالبيت، استدل بجواز تقديم خبر كان على كان بقوله " قل أ بالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون " والتقدير أكنتم تستهزئون بالله وقد جاء تقديم خبر كان، على كان، في قوله " وهو معكم أينما كنتم " وقوله " وهو معهم أينما كانوا " ف أينما في الآيتين خبر كان وكذلك في قصة عيسى " وجعلني مباركاً أينما كنت " فأما قوله " حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله " ف ما موصولة بمعنى الذي، والفعل بعده صلة له والعائد إليه محذوف، أي كنتم تدعونه أو تدعونهم، لقوله ضلُّوا والموصول مرفوع بالابتداء، وأين خبر مقدم عليه

بخلاف ما في الآيتين المتقدمتين، لأنها صلة زائدة؛ والتقدير أين كنتم؟ وأين كانوا؟ وكما استدل بهذين فيما ذكرنا استدل بتقديم خبر ليس على ليس بقوله تعالى " ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم " فقال التقدير ألا ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم ف يوم، منصوب بمصروف، وقدمه على ليس فدل على جواز قائماً ليس زيد فزعم عثمان أن الآية تحتمل وجهين غير ما قاله أحدهما أن يوماً ظرف، والظرف يعمل فيه الوهم، فيجوز تقديم الظرف الذي عمل فيه خبر ليس على ليس، ولا يدل على جواز قائماً ليس زيد والوجه الثاني أن يوماً منصوب بمعنى ألا لأن معنى ألا تنبيه قال سيبويه ألا تنبيه، تقول ألا إنه ذاهب وألا حرف واحد، وليست لا التي للنفي دخل عليها الهمزة ألا ترى وقوع إنَّ بعدها في قوله " ألا إنهم يثنون صدورهم " " ألا إنهم هم السفهاء " " ألا إنهم هم المفسدون " ، " ألا إنهم من إفكهم " ولو كانت تلك لم تخل من أن يقع بعدها اسم أو فعل، نحو ألا رجل، وألا أمرأة، وألا يقوم زيد، ففي وقوع إن بعدها دليل على ما ذكرنا فإن قلت إذا كان حرف تنبيه فكيف جاز أن يدخل على التنبيه في مثل قوله ألا يا اسلمى، و " ألا يسجدوا " فإنما جاز ذلك لأن يا لما استعمل استعمال الجمل سد مسدهه في النداء، جاز دخول هذا الحرف عليه كما جاز دخولها على الجمل ويدلك على أنها ليست للنفي قوله تعالى " ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم " ولو كان نفياً لم يدخل على ليس، إذ تقلب المعنى إلى الإيجاب، وليس الأمر كذلك، لأن معنى النفي بلا قائم صحيح في ليس هذا، فهذا يدلك على أنها ليست لا التي للنفي ويدلك على ذلك أيضاً أن لا النافية لم تدخل على ليس في موضع فحملها على النافية هنا لا يصح، لأنه لم يوجد له نظير، ف ألا بمعنى انتبه وقد عمل في يوم يأتيهم، فلا يدل على جواز قائماً ليس زيدٌ وإنما يدل عليه " أينما كانوا " " أينما كنتم " لأن ليس من أخوات كان وقد جاء ألا في التنزيل يراد ب لا فيه معنى النفي في موضعين في ابتداء الكلام أحدهما قوله " ألا يعلم من خلق " والموضوع الآخر " ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون " وما ذكرناه من أن قوله " ما فرطتم " مبتدأ، و " في يوسف " خبره لأنه لا يجوز أن يكون " من قبل " خبراً؛ لما نقلناه عن سيبويه، يقودك إليه في قول الشاعر
وما صحب زهرٍ في السنين التي مضت ... وما بعد لا يدعون إلا الأشائما
ألا ترى أن شارحكم زعم أن ما موصولة وبعد صلته، ولو يكن له حسّ ولا علم بقول صاحب الكتاب من أن قبل و بعد في حالتي البناء لا يخبر عنهما ولا بهما، ولا توصل بهما الموصولات ف ما في البيت زيادة غير موصولة كقوله " فبما نقضهم ميثاقهم " فأما تقدم خبر كان على اسمها فقد شاع عنهم، وجاء في التنزيل في مواضع منها قوله " ليس البر أن تولوا وجوهكم " فيمن نصب البر وقوله " وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا " وهي قراءة أهل الأمصار أعني قولهم " ثم لن تكن فتنتهم إلا أن قالوا " فيمن نصب وقوله " إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا " وقوله " أو لم يكن لهم آية أن يعلمة " فإن يعلمه اسم يكن وآية خبر مقدم على الاسم، وهي قراءة الناس سوى ابن عامر، فإنه قرأ أو لم تكن بالتاء، وآية رفعا فحمله الفارسي على إضمار القصة، وأن يعلمه مبتدأ وآية، خبره والجملة خبر تكن، كقوله " أو لم تك تأتيكم رسلكم " إلا أن التقدير أو لم تكن القصة، وقوله " تأتيكم رسلكم " فعل وفاعل في موضع الجر ومثل قوله " وما كان جواب قومه " قوله " ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا " ومثل قوله " وبالآخرة هم يوقنون " قوله " كل يوم هو في شأن " فهو مبتدأ وفي شأن خبره أي هو كائن في شأن كل يوم ف كل يوم ظرف لقوله في شأن ف في شأن ضمير انتقل إليه من اسم الفاعل، وليس في كل يوم ضمير لتعلقه بالظرف دون المضمر وهذا على قول من وقف على قوله " كُلَّ يَوٍْم " ، فهو منصوب؛ يسأله وقوله هو في شأن مبتدأ وخبر ومثل الأول ما حكاه سيبويه من قولهم أكل يوم لك ثوب وأما جعل أن بصلته اسم كان، وليس في الآى التي تلوناها، فإنما كان لأن أن وصلتها أولى وأحسن لشبهها بالمضمر في أنها لا يوصف بها المضمر، وكأنه اجتمع مضمر ومظهر

والأولى إذا اجتمع مضمر ومظهر لأن يكون الاسم من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر، فكذلك إذا اجتمع مع مظهر غيره كان أن يكون اسم كان المضمر والمظهر الخبر أولى فلهذا المعنى قال قوم إذا قلت في الدار إنك قائم، ونحو قوله " ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة " " ومن آياته أن تقوم السماء والأرض " " ومن آياته أن خلقكم من تراب " إنما رفع بالظرف لأنه يشبه المضمر و غداً الرحيل، هو أن مع الفعل، فيشبه المضمر ويلزم على تشبيه أن بالمضمر أن تكون أن الناصبة للفعل مرتفعة في قوله بالظرف لاجتماعها مع أن فيما ذكرنا وليس الأمر في أن كذلك لارتفاعها بالابتداء، وإن لم يجز تقديمه في قوله " وأن تصوموا خيرٌ لكم " و " أن يستعففن خير لهن " ولا يستقيم أن يفعل بينهما ب أن يقال إنّ " أنْ " الخفيفة قد ابتدئت والثقيلة لم تبتدأ لأنه يقال له ارفعه بالابتداء، وإن لم يجز تقديمه، كما رفعت زيدا ونحوه بالابتداء، وإن لم يجز أن يبتدأ بها في أول الكلام وأما قوله تعالى " من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم " ، فمذهب سيبويه أن في كاد ضمير القصة والحديث، وفسر بالجملة من الفعل والفاعل وجاز ذلك فيها وإن لم تكن مثل كان وبابها من الأفعال المجردة من الدلالة على الحدث، لمشابهتها لها في لزوم الخبر إياها ألا ترى أنها لا تخلو من الخبر، كما أن تلك الأفعال كذلك وقد أجاز أبو الحسن في قوله " من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم " أن يكون في كاد ضمير ممن تقدم، ويرفع قلوب فريق؛ تزيغ قال وإن شئت رفعتها، يعني القلوب ب كاد وجعلت تزيغ حالاً فأما احتماله الضمير مما جرى، فوجهه أنه لما تقدم قوله " لقد تاب على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة " وكانوا قبيلا، ومن عاندهم من الكفار والمنافقين قبيلا، أضمر في كاد، قبيلا فأما كون يزيغ حالاً فيدل على صحته قول العجاج
إذا سمعت صوتها الخرَّارا ... أصم يهوى وقعها الصوارا
ألا ترى أنه قد تقدم يهوى على وقعها في موضع هاويا، وهذا يدل على جواز تقديم الحال من المضمر ومن تقديم خبر كان قوله " ولم يكن له كفواً أحدٌ " فالظرف حشو وأحد اسم كان، وكفوا خبره، وأجاز أن يكون له وصفا للنكرة، فلما تقدم انتصب على الحال وحمله الكوفي على إضمار المجهول في يكن، وفي يكن ضمير القصة، وكفوا حال وهذا إنما جاز عندهم للحاق النفي الكلام، وإلا كان كفرا، لأنك إذا قلت لم يكن الأمر له كفواً أحد، كان إيجاباً، تعالى الله عن ذلك وتقدس فهو كقولهم ليس الطيب إلا المسك، على إضمارٍ في ليس وإدخال إلا بين المبتدأ والخبر، لأنه يؤول إلى النفي والعامل في الظرف إذا كان حالاً هو يكن وعلى قول البغداديين في كفوا المنتصب على الحال " لَهُ " ، و " لَهُ " متعلق بمحذوف في الأصل، وأحد مرتفع به على قولهم وكانَّ له إنما قدمت وإن لم يكن مستقراً، لأن فيه تبييناً وتخصيصاً ل كفو فلهذا قدم، وحسن التقديم وإن لم يكن مستقراً فهذا كله في تقديم ما في حيز المبتدأ فأما الظرف إذا كان خبراً ل كان فتقديمه على اسم كان كثير، كقوله " ومن تكون له عاقبة الدار " وقوله " وتكون لكما الكبرياء " وقوله " قد كان لكم آية " وكقوله " ولم تكن له فئة " فأما قوله " وكان حقاً علينا نصر المؤمنين " فقيل نصر يرتفع ب كان، وحقاً خبر مقدم وقيل بل اسم كان مضمر، والتقدير كان الانتقام حقاً، فتقف على هذا، وتبتدئ " علينا نصر المؤمنين " ومن هذا الباب قوله تعالى " كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون " ف هم مبتدأ، ويستغفرون الخبر، والجار في صلة يستغفرون، وقدمه على المبتدأ كما قدم " وبالآخرة هم يوقنون " ومثله " أفبهذا الحديث أنتم مدهنون " ف أنتم مبتدأ، ومدهنون خبره، والجار من صلة مدهنون وأما قوله قليلاً فستراه في باب آخر إن شاء الله
الرابع عشر
ما جاء في التنزيل وقد حُذف الموصوف
وأقيمت صفته مقامه
وهو جائز حسن في العربية يعد من جملة الفصاحة والبلاغة وقد ذكره سيبويه في غير موضع من كتابه فمن ذلك قوله " وبالآخرة هم يوقنون " والتقدير وبالدار الآخر هم يوقنون ومن ذلك قوله " وإنه في الآخرة لمن الصالحين " أي في الدار الآخرة كما أن قوله " ولقد اصطفيناه في الدنيا " أي في الدار الدنيا

دليله قوله " وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خيرٌ " وما جاء في التنزيل من قوله " ولدار الآخرة خير " فهو على تقدير ولدار الساعة الآخرة، فتكون الآخرة صفة للساعة المضمرة وعليه قراءة ابن عامر في قوله " ولدار الآخرة خير للذين يتقون " في الأنعام وليست الدار مضافة إلى الآخرة، لأن الشيء لا يضاف إلى صفته كما لا يضاف إلى نفسه وعلى هذا مسجد الجامع، أي الوقت الجامع؛ وصلاة الأولى، أي صلاة الساعة الأولى؛ و " دين القيمة " ، أي الملة القيمة؛ وكذلك " حب الحصيد " أي حب الزرع الحصيد؛ و " حق اليقين " أي حق العلم اليقين فمن قال بخلاف ذا فقد أخطأ ومن ذلك قوله تعالى " آمنوا كما آمن الناس " أي آمنوا إيمانا مثل إيمان الناس، " قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء " أي أنؤمن إيماناً كإيمان السفهاء فحذف الموصوف وأقيمت الكاف التي هي صفته بمقامه وعلى هذا جميع ما جاء في التنزيل من قوله كما ومثله كذلك في نحو قوله " كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم " أي قولاً مثل ذلك قال الذين لا يعلمون ويكون مثل قولهم بدلاً من الأول وتفسيراً ومثله " كذلك الله يفعل ما يشاء " ، و " كذلك الله يخلق ما يشاء " ومثله " كذلك قال ربك " أي فعلا مثل ذلك، وقولاً مثل ذلك وأما قوله " كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم " إن شئت كان وصفاً لمصدر قوله " ولأتم نعمتي عليكم " على تقدير إتماما مثل إرسالنا الرسول وإن شئت كان من صلة قوله " فاذكرونى أذكركم " أي ذكرا مثل إرسالنا الرسول وأما قوله " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق " فإن شئت كان صفة لمصدر خبر مبتدأ تقدم ذكره، على تقدير " قل الأنفال لله والرسول " أي الأنفال ثابتة لله ثبوتاً كثبوت إخراج ربك إياك من بيتك وإن شئت فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم إصلاحاً مثل إخراجك من بيتك وأما قوله تعالى " كما بدأكم تعودون " أي تودون عودا مثل بدئنا إياكم، كقوله " بدأنا أول خلق " وعلى هذا قياس كاف التشبيه في التنزيل، وهذا نوع آخر من حذف الموصوف ومن ذلك " ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا " فريق " يود أحدهم " فحذف الموصوف وجعل يود وصفاً له وقدره آخرون ولتجدنهم ومن الذين أشركوا، أي ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس؛ فهو وصف لموصوف منصوب معطوف على مفعول لتجدنهم وقدره الفراء من يود ومن إن كان موصولاً فلا يجوز إضماره، وإن كان موصوفاً جاز إضماره، كقول حسان
فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء
أي من يمدحه ومن ينصره ويكون من موصوفاً ومن لم يقف على حياة، فإنما أدخل من على قوله " ومن الذين أشركوا " حملاً على المعنى إذ المعنى ولتجدنهم أحرص من الناس ومن الذين أشركوا ومن ذلك قوله تعالى " من الذَّين هادوا يحرفون الكلم " قال أبو علي ومن الذين هادوا فريق يحرف الكلم، فحذف الموصوف، كما قال " ومن آياته يريكم البرق " أي ومن آياته آية يريكم البرق دليله قوله " ومن الذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه " أي سماعون من أجل الكذب أي يسمعون ليكذبوا عليك ويحرفوا ما سمعوا فقوله يحرفون صفة لقوله سماعون وليس بحال من الضمير الذي في يأتوك ألا ترى أنهم إذا لم يأتوا لم يسمعوا فيحرفوا، وإنما التحريف ممن يشهد ويسمع ثم يحرف وإذا كان كذلك فالمحرفون من اليهود بعضهم، وإذا كانوا بعضهم لا جميعهم كان حمل قوله من الذين هادوا فريق يحرفون الكلم أشبه من حمله على ما أحببنا نحن به أحد شيوخنا، لأنه لهذه الآية أوفق يعني بذلك حين سأله أحد شيوخه عن تعلق منْ في قوله " من الذين هادوا " فأجابه بأنه يتعلق ب نصير من قوله " وكفى بالله نصيراً " كقوله " فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا " فإن قلت فلم لا نجعل قوله " يحرفون " حالاً منها في " لم يأتوك " على حد " هدياً بالغ الكعبة " أي مقدرا البلوغ فيه، فإن الذي قدمناه أظهر إن شاء الله ومن حذف الموصوف، قوله " أو جاءوكم حصرت صدورهم " أي قوماً حصرت صدورهم، فحذف الموصوف وقدر قوم فيه أي قد حصرت صدورهم، ليكون نصباً على الحال وقال قوم هو على الدعاء ومن حذف الموصوف قوله " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " أي عشر حسنات أمثالها فحذف الموصوف وفيه وجهان آخران نخبرك عنهما في بابيهما إن شاء الله

ومن حذف الموصوف قوله تعالى " ولقد جاءك من نبإ المرسلين " أي شيء من نبأ المرسلين لا بد من هذا التقدير، لأنك لو لم تقدر هذا لوجب عليك تقدير زيادة من في الواجب، وليس مذهب صاحب الكتاب ومثله قراءة من قرأ " يرسل عليكما شواظ من نارٍ ونحاس " بالجر تقديره وشيء من نحاس فحذف الموصوف، إذ لا يجوز جر نحاس على النار، لأن النحاس لا يكون منه شواظ ومن حذف الموصوف قوله " وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء " أي ما أنتم بمعجزين من في الأرض فمن موصوف، وقد حذفه ومن حذف الموصوف " ودانية عليهم ظلالها " أي " وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا ودانية " أي وجنة دانية، فحذف الموصوف ومثله " وما منا إلا له مقام معلوم " أي ما منا أحد إلا ثابت له مقام، فالظرف صفة ل أحد المضمر ولا بد من تقديره ليعود الهاء إليه، وهذا يدل على قول الفقهاء حيث قالوا فيمن قال لعبده إن كان في هذا البيت إلا رجل فأنت حر فإذا كان فيه رجل وصبي فإنه يحنث؛ لأن التقدير إن كان في هذا البيت أحد إلا رجل والصبي من جملة الأحد، إلا أن يعني أحداً من الرجال، فيدَّين إذ ذلك والذي يقوله النحويون في قولهم ما جاءني إلا زيد زيد فاعل ل جاء وأحد غير مقدر، وإن كان المعنى عليه؛ لأن تقدير أحد يجوز نصب زيد، ولم يرد عن العرب نصبه في شيء من كلامهم بتة وحذف أحد جاء في التنزيل، وإن لم يكن موصوفاً، كقوله " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به " والتقدير وإن من أهل الكتاب أحد كذا " وإن منكم إلا واردها " أي إن منكم أحد وإن جعلت الظرفين في الآيتين وصفاً ل أحد على تقدير وإن أحد ثابت من أهل الكتاب، وإن أحد منكم إلا واردها، كان وجها وإن طلبت شاهداً على حذف أحد من أشعارهم، فقد أنشد سيبويه
لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفضلها في حسب وميسم
أي ما في قومها أحد يفضلها ولفظ سيبويه في ذلك وسمعنا بعض العرب الموثوق به يقول ما منهم مات حتى رأيته في حال كذا وكذا وإنما أراد ما منهم أحد مات، ومثل ذلك " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننَّ به قبل موته " ومثل ذلك في الشعر للنابغة
كأنك من جمال بنى أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن
أي كأنك جمل من جمال بني أقيش ومن ذلك قوله تعالى " ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم " والتقدير وقوم أخذنا ميثاقهم، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه وقيل إن التقدير وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم، ففصل بين الواو والفعل وقيل هو محمول على قوله " ولقد أخذ الله ميثاق بَنِي إسرائيل " " ومن الذين قالوا " ، فحمل على المعنى ومن ذلك قوله " وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق " أي قوم مردوا " وآخرون " " والذين اتخذوا " والمعنى ومنهم آخرون، ومنهم الذين اتخذوا ومن ذلك قوله " كبرت كلمة تخرج من أفواههم " أي كبرت كلمة تخرج، فحذف وأقام الجملة مقامه وقال أبو علي يحتمل ضربين أحدهما أن يكون في كبرت ضمير مما جرى من اتخاذ الولد، وأنث على المعنى، لأن ذلك كلمة فعلى هذا لا يكون بمنزلة نِعْمَ، لأن فاعل نعم لا يكون معهوداً وتكون كلمة على هذا منتصبة على الحال كما أن مقتاً في قوله " كبر مَقْتاً عند الله أن تقولوا " حال ويجوز أن تجعله بمنزلة نِعْمَ وتضمر فيها شائعا كما تضمر في نِعْمَ رجلاً فإذا جعلته كذلك احتمل قوله " تخرج من أفواههم " أمرين، ولكن لا بد منها لتبيين الضمير والآخر أن يكون صفة للمخصوص بالذم وقد حذف، والتقدير كبرت الكلمة كلمةً تخرج من أفواههم، فحذف المخصوص بالذم، لأنه إذا جاز أن يحذف بأسره في نحو نعم العبد، كان أن يحذف وتبقى صفتها أجود وإن جعلت قوله " تخرج من أفواههم " صلة ل كلمة المذكورة، كان المخصوص بالذم مرادا، ويكون ذلك قولهم " اتخذ الله ولداً " فحذف ولم يذكر لجرى ذكرها، كما لم يذكر أيُّوب في قوله " نعم العبد " لجرى ذكره ومن ذلك قوله تعالى " وقولوا للنّاس حسناً " أي قولا ذا حسن، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه بعد حذف المضاف ومن قرأ حسناً فالتقدير قولاً حسناً قال أبو علي وحسُن ذلك في حَسَن، لأنه ضارع الصفة التي تقوم مقام الأسماء، نحو الأبرق، والأبطح، والأبتر ثم يقولون هذا حسن، ومررت بحسن، ولا يكادون يذكرون معه الموصوف

ومثل ذلك في حذف الموصوف قوله " قال ومن كفر فأمتعه قليلاً " أي متاعاً قليلاً، يدلك على ذلك قوله " قل متاع الدنيا قليلٌ " وقوله " لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل " يحسن هذا، وإن كان قد جرى على الموصوف في قوله " إن هؤلاء لشرذمة قليلون " وكذلك يحسن في قوله " وقولوا للناس حسناً " وأما قوله " ثم بدل حسنا بعد سوء " فينبغي أن يكون اسماً، لأنه قد عودل به مالا يكون إلا اسما، وهو السوء وأما قوله " وإما أن تتخذ فيهم حسناً " فيمكن أن يكون أمرا ذا حسن، ويمكن أن يكون الحسن، مثل الحلو ومن ذلك قوله " فقليلاً ما يؤمنون " أي إيماناً قليلاً يؤمنون ف قليلا صفة إيمان، وقد انتصب ب يؤمنون أعني إيماناً وكذلك قوله " قليلاً ما تذكرون " أي تذكرا قليلا تذكرون و " قليلاً ما تشكرون " أي شكراً قليلاً تشكرون ومعنى " فقليلاً ما يؤمنون " أي الإيمان لهم، لأن القلة يراد به النفي قال سيبويه قَّل رجل يقول ذاك إلا زيد والمعنى ما رجل يقول ذاك إلا زيد فزيد لا يجوز فيه إلا الرفع لأنه منفي؛ وكذلك قلما سرت حتى أدخلها، بالنصب كما تقول ما سرت حتى أدخلها وأما قوله " فلا يؤمنون إلا قليلاً " فقد قال أبو علي قلة إيمانهم قولهم الله ربنا، والجنة والنار حق وليس هذا بمدح إيمانهم، إذ ليس القدر مما يستحق به الجنة، ولا يكون التقدير إلا جماعة قليلاً لقوله " لعنهم الله " فعمَّهم باللعن وإنما التقدير إيماناً قليلاً وأما قوله " كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون " أي قليلاً في العدد من الليل لم يهجعوا، عن الضحّاك، وهو ضعيف لأنه قدم الجار على المنفى وقيل كانوا قليلاً هجوعهم، وما مصدرية، فتكون بدلاً من الضمير في كانوا، أي يرتفع بالظرف و " قليلاً من الليل " خبره، لأنه حدث والجملة في موضع خبر كان قال الشيخ هذا سهو منه، لأنه إذا ارتفع بالظرف لم يرتفع بالابتداء، وإذا لم يرتفع بالابتداء لم يكن قليلاً خبراً، لا سيما وقليلاً منصوب، فكيف يكون خبر ما، إنما نصبه لأنه خبر كان ولا يمتنع أن يكون قليلاً خبراً عن ما وصلته، وإن لم يجز أن يكون خبراً عن المبدل منه؛ لأن المقصود الآن هو البدل ولا يجوز أن يرتفع ما ب قليل وهو موصول بالظرف؛ لأن القليل لما وصلت به من قول " من الليل ما يهجعون " قد دل على أنه ليس بصفة الهجوع، إنما القلة للّيل وإن علقت من الليل بكانوا أو ب قليل ما نفي لم يجز، ألا ترى أن قليلاً على هذا الخبر للضمير الذي في كانوا ولا يكون من الليل فلا يتعلق أيضاً ب كانوا على حد قولك كانوا من الليل ولم يرض أبو علي أن يكون من الليل مثل قوله " من الزاهدين " " وأنا على ذلكم من الشاهدين " قال أبو علي في الآى التي تقدم ذكرها فصل نقلته لك، وهو أنه قال في قوله " فقليلاً ما يؤمنون " أي فلا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً، كما تقول ضربته يسيراً وهيناً وقال " والذين يمكرون السيئات " أي المكرات السيئات ويجوز أن يكون " فلا يؤمنون إلا قليلاً " أي لا يؤمنون إلا نفراً قليلاً، كقوله " وما آمن معه إلا قليل " فهذا قلة في العدد، ويكون حالاً ولا يراد به القلة التي هي الوضع، والتي هي خلاف الكثرة في قوله
وأنت كثير يابن مروان طيب
وما روى من قوله المرء كثير بأخيه، لأن ذلك لا يوصف به المؤمنون وعكسه " فأبى أكثر الناس إلا كفوراً " فأما قوله " ولا يأتون البأس إلا قليلاً " فيكون العدد من الذل؛ لأنهم لكفرهم لا يكثرون عند البأس، فهم خلاف الأنصار الذين قال فيهم إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع وقوله تعالى " عما قليل ليصبحن نادمين " ليس هو من قلة العدد، كأنه عن زمان قليل يندمون و " عَمَّا " متعلق بمحذوف يدل عليه " ليصبحن نادمين " ومن حذف الموصوف قوله " نِعمَّا يعظكم به " أي نعم شيئاً يعظكم به موعظته، فحذف المخصوص بالمدح، وكلاهما حسن ومنه قوله " ولا تزال تطلع على خائنة " ، أي فرقة خائنة وقيل على خيانة وقيل الهاء للمبالغة فأما قوله " فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية " أي بالصيحة الطاغية فحذف الموصوف وقيل بفعل النفس الطاغية فحذف المضاف والموصوف، وهو عاقر الناقة وقيل بل الطاغية للطغيان؛ أي أهلكوا بطغيانهم كالكاذبة وقال " كذبت ثمود بطغواها " وقيل بالذنوب الطاغية، أي المطغية

ولما قال " وأما عاد فأهلكوا بريح صرصرٍ " فذكر العذاب، اقتضى ذلك الوجه الأول، كي يكون المعطوف كالمعطوف عليه واعلم أن فاعلة التي بمنزلة العافية والعاقبة أريتك في هذه الآى الثلاث الخائنة و الكاذبة و الطاغية وفي آيتين الخالصة في قوله " ما في بطون هذه الأنعام خالصة " أي ذات خلوص وقال " إنا أخلصناهم بخالصة " ، أي بإخلاصهم أو بالخلوص لهم، ذكرى الدار فهذه خمسة مواضع حضرتنا الآن ومثله الكافة فهو كالعافية والعاقبة، ونحوه ويدل عليه قوله " ادخلوا في السلم كافة " فأوقع على الجماعة وقال " وما أرسلناك إلا كافة " ومثله الفاحشة في قوله " والذين إذا فعلوا فاحشة " وقوله " إلا أن يأتين بفاحشة " هي فاعلة بمعنى المصدر، عن أبي علي وعن غيره، بل هي صفة موصوف محذوف، أي فعلوا خصلة فاحشة، وإن يأتين بخصلة فاحشة ومثله " لا تسمع فيها لاغية " قيل لغواً مثل العافية وقيل كلمة لاغيةً وقيل قائلُ لغوٍ ومثله قوله تعالى " أئّنا لمردودون في الحافرة " " أإذا كنَّا عظاماً نحرة " أو ناخره، نرد في الحافرة ف إذا في موضع نصب بهذا الفعل والحافرة مصدر كالعاقبة، والعافية، " وليس لوقعتها كاذبة " كأنه أراد نرد إلى الطريق الذي حفرناه بسلوكنا ومن حذف الموصوف جميع ما جاء في التنزيل من قوله " وعملوا الصالحات " والتقدير وعملوا الخصال الصالحات كما أن السيئات في قوله " وكفِّر عنَّا سيَّئاتنا " و " نكفر عنكم سيئاتكم " أي الخصال السيئات ومن ذلك قوله " واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخفية ودون الجهر " فحذف للدلالة عليه، نحو قوله " ومن آياته يريكم البرق " وقال " منهم الصالحون ومنهم دون ذلك " فحذف الموصوف وقال " وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك " أي فريق دون ذلك وعلى قياس قول أبي الحسن يكون دون في موضع الرفع، ولكنه جرى منصوباً في كلامهم وعلى محمل قراءة من قرأ " لقد تقطع بينكم " على أنه ظرف ووقع موقع الفاعل وكذا قوله " يوم القيامة يفصل بينكم " فيمن قرأه مرتباً للمفعول بجعله قائماً مقام الفاعل، لأنه جرى منصوباً ويجوز لقد تقطع بينكم على ما بينكم، فحذف الموصوف دون الموصول ومنه قوله " ومن تاب وعمل صالحاً " أي عملاً صالحاً، لقوله قبله " وعمل عملاً صالحاً " وقال " يبدل الله سيئاتهم حسناتٍ " أي الأعمال السيئات الأعمال الحسنات، فلم أعده لك وصاحب الكتاب يقول لو بمنزلة إن في هذا الموضع تبنى عليها الأفعال، فلو قلت ألا ماء ولو بارد، لم يحسن إلا النصب؛ لأن بارداً صفة ولو قلت ائتنى ببارد، كان قبيحاً ولو قلت ائتنى بتمر، كان حسنا، ألا ترى كيف قبح أن تضع الصفة موضع الاسم ومن ذلك قوله تعالى " ولا تكونوا أول كافر به " أي فريق كافر به، فحذف الفريق ومن ذلك قوله تعالى " الخبيثات للخبيثين " أي النساء الخبيثات للرجال الخبيثين وقيل الكلمات الخبيثات للرجال الخبيثين، وكذا التقدير فيما بعدها ومن ذلك قوله " عن قولهم الإثم " أي عن قولهم كلاماً ذا الإثم قال أبو علي ويكون من باب ضرب الأمير، ونسج اليمن، وتقديره عن قولهم كلاماً مأثوماً فيه ومن ذلك قوله تعالى " لا تغلوا في دينكم غير الحق " فقد قيل هو موضعه مصدر محذوف، وقيل منتصب بفعل مضمر وعندي أنه على الاستثناء المنقطع، وليس على تغلوا غلوا غير الحق؛ لأن غُلُوا نكرة، وإن كان لا يتعرف في غير هذا الموضع بالإضافة، فقد تعرف هنا، إذ ليس إلا بالحق أو الباطل ومن ذلك قوله تعالى " ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار " يجوز أن يكون من زيادة على قياس قول أبي الحسن ويجوز أن يكون على حذف الموصوف، أي وأوزارا من أوزار الذين يضلونهم ويؤكد هذا قوله " وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم، فكما أن مع صفة فكذلك الجار ها هنا ومن ذلك قوله تعالى " ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً " أي ما تتخذون، فحذف ما وهو موصوف ومن ذلك قوله تعالى " وقل رب ارحمهما كما ربيانِي صغيراً " أي ارحمهما رحمة مثل رحمة تربيتهما إياى صغيراً؛ فحذف ذا الكلام ومعنى رحمة التربية الرحمة التي كانت عنها التربية، مثل ضرب التلف ويجوز أن يكون المعنى على ما ربياني صغيراً وكذلك تأول أبو الحسن قوله " فاستقم كما أمرت " أي على ما اُمرت، فكذلك ارحمهما على ذلك ونحو منه في أول السورة " ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير " التقدير دعاء مثل دعائه الخير

ومن ذلك قوله تعالى " فمكث غير بعيد " أي زماناً غير بعيد من الزمان، فيكون فاعل مكث سليمان وقيل الفاعل الهدهد؛ أي بمكان غير بعيد ومن ذلك قوله " وحب الحصيد " أي وحبّ الزرع الحصيد " وحبل الوريد " أي حبل عرق الوريد و " دين القيمة " و " حق اليقين " كل هذا على حذف المضاف الموصوف ومن ذلك قوله تعالى " أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم " يحتمل موضع " الذين من قبلهم " وجهين الأول أن يكون رفعاً بالعطف على قوم تبع، تقديره أهم خير أم هذا؟ فإذا جعلته على هذا أمكن في صلة الذين أن تكون أهلكناهم، ويكون من قبلهم متعلقاً به ويجوز أن يكون صلة الذين من قبلهم، فيكون على هذا في الظرف عائد إلى الموصول فإذا كان كذلك كن أهلكناهم على أحد أمرين إما أن يكون يريد فيه حرف العطف، وقد يكون في موضع الحال؛ أو يقدر حذف موصوف كأنه قوما أهلكناهم وهذان على قول أبي الحسن والمعنى أفلا تعتبرون أنا إذا قدرنا على إهلاك هؤلاء واستئصالهم قدرنا على إهلاك هؤلاء المشركين ويجوز أن يكون الذين مبتدأ، وأهلكناهم الخبر، أي الذين من قبل هؤلاء أهلكناهم، فلمَ لا تعتبرون والثاني يجوز أن يجعل الذين جراً بالعطف على تبَّع، أي قوم تبع والمهلكين من قبلهم ومن ذلك ما قاله الفرّاء في قوله " وإذا رأيت ثم " أي ما ثم، فحذف وقال أبو علي قول الكسائي وإجازته نعم الرجل يقوم، وأنه منع في النصب نعم رجلاً يقوم فأما منعه في النصب فبيِّن، وذلك أن يقوم يصير صفة للنكرة، فيخلو الكلام من مقصود بالذم أو المدح مخصوص به، وإذا خلا منه لم يجز ولو زاد في الكلام مقصوداً بالمدح جازت المسألة وأما نعم الرجل يقوم، فإنه أجازه على أنه أقام الصفة مقام الموصوف، كأنه نعم الرجل رجل يقوم، فحذف رجلا المقصود بالمدح أو الذمِ قال أبو بكر هذا عندي لا يجوز، لأن إقامة الصفة مقام الموصوف، إذا كانت الصفة فعلاً، غير مستحسن قال فإذا كان كذلك وجب ألا يجوز إذا لم يكن اسماً، إذ الاسم الموافق للمحذوف في أنه مثله اسم، لذلك، غير مستحسن فيه، فإن هذا الذي ذكره حسن فإن قيل قد جاء " وما منَّا إلا له مقام معلوم " ، " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننَّ به " وقول الشاعر
وما منهما قد مات حتى رأيته
وقوله
وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغى العيش أكدح
والتقدير تارة منهما أموت وتارة منهما أكدح، ونحو هذا فحذف الموصوف في هذه الأشياء قيل إنما جاز الحذف في قوله " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننَّ به " لأنه مبتدأ غير موصوف، إنما هو محذوف من قوله وإنَّ من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به فهذا خبر محذوف على هذا التقدير، والمبتدأ حذفه سائغ وكذلك " وإن منكم إلا واردها " " وما منا إلا له " أي ما منا أحد إلا مقام معلوم ويستدل متأول هذا على أن قوله أرجح بقوله تعالى " فما منكم من أحد عنه حاجزين " ألا ترى أن منكم ليس صفة ل أحد، فإذا كان كذلك لم يكن فيه دلالة وما جاء من نحو ذا في الشعر، لا يحمل الكلام عليه، لأنه حال سعة، وليس حال ضرورة فإن قيل منكم متعلقة بحاجزين، ولا يصح أن يعلق منكم في قوله " وإن منكم إلا واردها " " وما منا إلا له مقام معلوم " بما بعد إلاَّ ولا يصح أن يكون خبراً عن أحد لأن واردها خبر عنه وله مقام معلوم خبر عنه، ولا يكونان خبرين، كقولهم هذا حلو حامض، لأن إلا لا يفصل بينهما لأنهما بمنزلة اسم واحد في المعنى وأيضاً فإن المعنى يمنع من ذلك، لأنه ليس يريد إنه لا أحد منهم فهذا يمنع من أن يكون منكم خبراً، ويمنع أن يكون واردها صفة ل أحد وكذلك له مقام معلوم ويمنع من ذلك أن إلا لا مدخل لها بين الاسم وصفته فأما ما جاءني أحد إلا ظريف، فإنه على إقامة الصفة مقام الموصوف، كأنه إلا رجل ظريف أو على البدل من الأول، فكذلك " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به " وهذا يمنع فيه من تعلق من بقوله ليؤمنن أعني اللام من إلا وإذا كان كذلك فلا وجه ل مِنْ إلا الحمل على الصفة قيل هي متعلقة بفعل مضمر يدل عليه قوله " له مقام معلوم " و " واردها " ، و " ليؤمنن به " ومعناها البيان ل أحد

فإن قياس قول الكسائي في نعم الرجل يقوم، أن يجوز في المنصوب نعم رجلاً يقوم يذهب على أن يكون يذهب صفة محذوف، كأنه نعم رجلاً يقوم رجل يذهب كما كان التقدير في حذف الموصوف، فمرة أجازوه مستحسناً، ومرة منعوه ولم يستحسنوا وكثرة ذلك في التنزيل لا محيص عنه، على ما عددته لك
الخامس عشر
ما جاء في التنزيل من حذف الجار والمجرور
وقد جاء ذلك في خبر المبتدأ، وصفة الموصوف، وصلة الموصول، وفي الفعل جميعاً فأما في الفعل، فكقوله عز وجل " إن الذين كفروا سواء عليهم " والتقدير إن الذين كفروا بالله، وهو شائع في التنزيل، أعني حذفها من أكفروا قال " وأما الذين كفروا فيقولون " " والذين كفروا أعمالهم كسراب " " ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق " والتقدير في كله كفروا بالله، وكفروا بربهم كما أن قوله " إن الذين آمنوا والذين هادوا " ، " إن الذين آمنوا والذين هاجروا " ، وقوله " لا يؤمنون " ؛ التقدير في كله بالله فأما قوله " الذين كفروا وكذبوا بآياتنا " فالباء من صلة التكذيب عندنا، وقد حذف صلة كفروا لدلالة الثاني عليه، وهو متعلق بالفعل الأول عند الكوفيين دون الثاني نظيره " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة " وهذا باب من إعمال الفعلين، سنأتي عليه هناك إن شاء الله ومما جاء وقد حذف منه العائد إلى المبتدأ من خبره قوله تعالى " إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله " إلى آخر الآية ف مَنْ آمنَ مبتدأ وخبره " فَلَهمْ أَجْرهُمْ " والجملة خبر الذين، والتقدير من آمن منهم بالله وقال " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن " والتقدير يتربصن بعدهم وقال قوم إن قوله " والذين يتوفون " مبتدأ، والخبر مضمر أي فيما يتلى عليكم الذين يتوفون منكم ومثله " والسارق والسارقة " ، و " الزَّانية والزَّاني " وقوله " مثل الجنة " وقوله " شهر رمضان " هذا كله على إضمار الخبر، أي فيما يتلى عليكم كما أضمر الخبر في قوله " واللائِى يئسن من المحيض من نسائكم إن أرتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائِي لم يحضن " والتقدير واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، فأضمر المبتدأ والخبر وإضمار الخبر على أنواع، فنوع منها هذا الذي ذكرناه، ونوع آخر يضمر الخبر لتقدم ذكره، كقوله " والله ورسوله أحق أن يرضوه " والتقدير والله أحق أن ترضوه ورسوله أحق أن يرضوه وقوله " أن الله بريء من المشركين ورسوله " أي ورسوله برئ من المشركين وإذا جاز حذف الخبر بأسره، فحذف الضمير أولى ومن حذف الضمير في حذف المبتدأ، قوله تعالى " ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون " أي فإن حزب الله هم الغالبون معه، لأن من موصولة مبتدأة، وتمت بصلتها عند قوله آمنوا وإن مع اسمه وخبره خبر من والعائد مضمر ومثله " والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنَّا لا نضيع أجر المصلحين " أي المصلحين منهم وقال " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنَّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً " أي أجر من أحسن منهم وقال " ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور " أي منه ومثله " إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين " أي للأوابين منكم، فحذف ومما جاء من العائد المحذوف في الوصف إلى الموصوف قوله تعالى " واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس " أي لا تجزي فيه وكذلك " ولا يقبل منها شفاعة " أي فيه " ولا يؤخذ منها عدل " أي فيه " ولا هم ينصرون " أي فيه كل هذه جمل جرت وصفاً على يوم المنتصب بأنه مفعول به، وقد حذف منه فيه وفي هذه المسألة اختلاف ذهب سيبويه إلى أن فيه محذوف من الكلام، قال في قولهم أما العبيد فذو عبيد المعنى أما العبيد فأنت منهم ذو عبيد كما قال " واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً " أي فيه وقال أبو الحسن في ذلك اتقوا يوما لا تجزي فيه قال وقال قوم لا يجوز إضمار فيه، ألا ترى أن من يقول ذلك لا يقول هذا رجل قصدت، وأنت تريد إليه ولا رأيت رجلاً، وأنت تريد فيه فالفرق بينهما أن أسماء الزمان يكون فيها ما ليس في غيرها وإن شئت حملته على المفعول في السعة، كأنك تقول قلت واتقوا يوماً لا تجزيه، ثم ألغيت الهاء، كما تقول رأيت رجلاً أحب، تريد أحبه

قال أبو علي حذف الظرف في الأسماء مراد، وإن كان محذوف اللفظ فيها، فمن أجل ذلك تمتنع الإضافة إليها، والحديث عنها، وأن تجعلها مفعولاً بها في حال ما هي ظروف، لأن ما يقدر من الحرف المراد يمنع ذلك ويحجر عنه ويدلك على إرادة الحرف في كل ذا؛ إظهارك إياه في جميع ذلك، إذا كنيت عنها عن خلف ونحوه في قولك قمت خلفك، وخلفك قمت فيه، كما تقول السوق قمت فيها وكما أعلمتك من إرادة الحرف معها إذا كانت ظروفاً كثيراً ما ترى سيبويه إذا علم أنها مفعولة على الاتساع يذكرها مضافة، ليبدي بذلك أن الظرفية زائلة عنها والجائز عندي من هذه الأقاويل التي قيلت في الآية قول من قال إن اليوم جعل مفعولاً على الاتساع، ثم حذفت الهاء من الصفة كما تحذف من الصلة، لأن حذفها منها في الكثرة والقياس كحذفها منها أما القياس فإن الصفة تخصيص الموصوف، كما أن الصلة تخصيص الموصول، ولا تعمل في الموصوف، ولا تتسلط عليه، كما لا تعمل الصلة في الموصول، ومرتبتها أن تكون بعد الموصوف، كما أن مرتبة الصلة كذلك وقد تلزم الصفة في أماكن كما تلزم الصلة، وذلك لن يعرف الموصوف إلا بها ولا تعمل فيما قبل الموصوف كما لا تعمل الصلة فيما قبل الموصوف وتتضمن ذكرا من موصوفها كما تتضمنه الصلة من موصولها وشدة مشابهة الصفة الصلة على ما تراه وقد كثر مجيء الصلة محذوفاً منها العائد إذا كان مفعولاً في التنزيل، وجميع التنزيل والنظم، حتى إن الحذف في التنزيل أكثر من الإثبات فيها، والصفة كالصلة فيما ذكرت لك من جهات الشبه، فإذا كان كذلك حسن الحذف منها حسنه من الصلة فإن قيل ما تنكر أن يكون المحذوف من الآية فيه دون الهاء على التأويل الذي ذكرته، وإن حذف الجار والمجرور في هذا ونحوه كحذفهما في قولهم السمن منوان بدرهم وما شبَّه سيبويه به ونحوه؟ قيل له ليس يسوغ حذفهما، ولا يحسن حسنه من خبر المبتدأ كحذفهما من الخبر، لأن خبر المبتدأ قد يحذف بأسره حتى لا يترك منه شيء فيما كثر تعداده، فإذا حسن حذف الخبر وجاز كان حذف بعضه أسوغ وأجود وإبقاء البعض في باب الدلالة على المحذوف وإرادته أقوى من حذف الكل، وليس كذلك الصفة، ألا ترى أن الصفة لا تحذف كما يحذف الخبر، فيسوغ حذف هذا البعض منها كما حسن حذف كلها، فلا يجوز حذف الجار والمجرور هنا من حيث جاز حذفهما في الخبر لما ذكرنا قال وليس حذف فيه في الآية كحذف الهاء من قوله ويوم نسر؛ لأن فيه جار ومجرور ولا يجوز في الصلة الذي مررت زيد تريد مررت به، وكذا لا يجوز حذف فيه بخلاف قوله يوم نسر؛ لأنه يحسن الذي ضربت زيد وهذا الذي قاله عندي غيره قد جاء في التنزيل قال الله تعالى " وخضتم كالذِى خاضوا " أي خاضوا فيه وقال " ذلك الذِى يبشر الله عباده " أي يبشر الله به عباده قال " ثم بعثناهم لنعلم أىُّ الحزبين أحصى لما لبثوا " أي لما لبثوا فيه على أنه حكى عن يونس أن الذي في الآيتين بمنزلة المصدر، والتقدير خضتم كخوضهم والذي يبشر بمنزلة التبشير رجع إلى كلام أبي علي قال أبو علي فإن قلت أو كلام سيبويه في هذا مثل قول من قال إن الحذف وجب فيه من حيث وجب في المظهر في البعد من الصواب؟ فالجواب أن قول سيبويه أقرب إلى الصواب وأبعد من الخطأ، وذلك أنه لم يذكر أن الحذف في هذا أوجب من حيث يحذف في المظهر لكنه شبهه بما يحذف للدلالة عليه كخبر المبتدأ ونحو ذلك، وكأنه عنده حذف حذفاً لذلك، لا من حيث حذف في المظهر وقد قدمنا الفصل بين هذا وبين خبر المبتدأ، فإن الحذف فيه أسوغ من الحذف في هذا لأنه صفة وليس الوصف من المواضع التي يسوغ فيها الحذف، وليس قول سيبويه في حذف فيه كقول من قال إن الحذف مع المضمر يجوز، كالحذف مع المظهر في سرت اليوم فأما ما احتج به أبو الحسن على من منع جواز إضمار فيه في الآية عند قولهم لا يجوز هذا، كما لا يجوز هذا رجل قصدت، وأنت تريد قصدت إليه ولا رأيت رجلاً أرغب، وأنت تريد فيه فالفرق بينهما أن أسماء الزمان يكون فيها مالا يكون في غيرها فالذي في أسماء الزمان مما لا يكون في غيرها ما جاز فيها من إضافتها إلى الفعل، وتعدى الفعل كل ضرب منها مختصها ومبهمها

وأما إضافة الفعل فليس شئ يوجب حذف هذا، وإن أراد أن قوة دلالة الفعل عليها يسوغ الحذف فيها، فهو كأنه شبيه بما ذهب إليه سيبويه أنه حذف حذفاً وليس في قوة دلالة الفعل على أسماء الزمان وما يوجب الحذف من الصفة كما قدمنا، إلا أن هذا القول أقرب إلى الصواب من غيره كما ذكرت لك ومن هذا الباب قوله تعالى " ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم " وقال أبو علي في قوله " كأن لم يلبثوا " ثلاثة أوجه أحدهما أن يكون صفة لليوم والآخر أن يكون صفة للمصدر المحذوف والثالث أن يكون حالاً من الضمير في نحشرهم فإذا جعلته صفة لليوم احتمل ضربين من التأويل أحدهما أن يكون التقدير كأن لم يلبثوا قبله إلا ساعة، فحذفت الكلمة لدلالة المعنى عليها ومثل ذلك في حذف الظرف لهذا النحو، منه قوله تعالى " فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف " أي أمسكوهن قبله وكذلك قوله " فإن فاءوا فإن الله " ، أي، قبل الأربعة الأشهر الثاني ويجوز أن يكون المعنى كأن لم يلبثوا قبله، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم حذف الهاء من الصفة، كقولك الناس رجلان رجل أكرمت ورجل أهنت وإن جعلته صفة للمصدر كان على هذا التقدير الذي وصفنا، وتمثيله ويوم نحشرهم حشراً كأن لم يلبثوا قبله، فحذف وإن جعلته حالا من الضمير المنصوب لم يحتج إلى حذف شيء من اللفظ، لأن الذكر من الحال قد عاد إلى ذي الحال والمعنى نحشرهم مشابهة أحوالهم أحوال من لم يلبث إلا ساعة، لأن التقدير كأن لم يلبثوا، فلما خفف أضمر الاسم كقوله
كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم
فأما قوله " يوم يحشرهم " فإن يصلح أن يكون منصوبا ب يتعارفون في هذا اليوم، فيكون ظرفاً له، أو مفعولاً به على السعة ويجوز أن يعمل فيه فعلاً مضمراً دل عليه " كأن لم يلبثوا " أي يستقلون المدة يوم نحشرهم، فيكون " يتعارفون " صفة ل يوم أيضاً، كما أن لم يلبثوا صفة والتقدير يتعارفون فيه بينهم، فحذف فيه ولا يجوز أن يعمل " كأن لم يلبثوا " في يوم لأن الصفة لا تعمل في الموصوف وكذلك الحال لا تعمل فيما قبل صاحبها وكذا صفة المصدر لا يعمل فيما قبل المصدر، وفي الآية كلام طويل ومن ذلك قوله تعالى " إن ربَّي على صراط مستقيم " أي إن ربي في تدبيركم على صراط مستقيم، فالجار الثاني خبر إن والمحذوف متعلق بالخبر معمول له ذكره الرماني وقيل إن ربي على طريق الآخرة، فيصيركم إليها لفصل القضاء وقيل إن ربي على الحق، دون آلهتكم والعبادة له دونهم ومن ذلك قوله تعالى " فإن أحصرتم فما استيسر " أي إن أحصرتم بمرض وغيره وقوله " فإذا أمنتم " أي من العدو، فالأول عام والثاني خاص ومن ذلك قوله " وبشر المؤمنين " " وبشر المحسنين " والتقدير في كله بالجنة أبو عبيدك يُبَشِّرُكَ، ويَبْشُرُكَ، ويُبْشِرُكَ، واحد، أبو الحسن في يُبشر ثلاث لغات بشر، وأبشر إبشاراً، وبشر، يبشر، وبشر يبشر بشراً وبشوراً، بكسر الشين يقال أتاك أمر بشرت به وأبشرت به، في معنى بشرت، ومنه " وأبشروا بالجنة " وأنشدوا
وإذا رأيت الباهشين إلى العلا ... غبراً أكفهم بقاع ممحل
فأعنهم وابشر بما بشروا به ... فإذا هم نزلوا بضنك فانزل
قال أبو زيد وبشرني القوم بالخير تبشيراً والاسم البشرى ومما حذف فيه الجار والمجرور قوله تعالى " ألم تعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم " التقدير فله أن له نار جهنم، ويقوى رفعه بالظرف فتح أن ويكسر هو في الابتداء، واستغنى عن الظرف بجريه في الصلة، كما استغنى عن الفعل بعد لو في لو أنه ذهب لكان خبراً له ومن حذف الجار والمجرور قوله تعالى " أبصر به وأسمع " أي واسمع به وقال " أسمع بهم وأبصر " أي وأبصر بهم قال أبو علي لا يكون من باب حذف المفعول، لأن بهم فاعل، نحو قولهم ما جاءني من رجل والفاعل لا يحذف وإن قدرت حذف الباء لكان أبصروا لكنه جرى أبصر مجرى الاسم به، لدلالة ما أميلح زيداً، وما أقوله! ويجري مجرى نِعْم، وبِئْسَ، أو يصير، كقوله
ونار، توقد بالليل نارا
حيث حذف كلا لجرى ذكره في قوله
أكل امرئ تحسين امرأ
ولأنك لم تجمع الضمير في ما أفعل في موضع، فحمل عليه

ومن ذلك قوله تعالى " وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب " بعد قوله " ألم تر أن الله يسجد من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر " روى عن ابن عباس أنه قال المعنى وكثير من الناس في الجنة وهذا حسن، كأنه جعله استئناف كلام، لأن ما تقدم من قوله " يسجد له من في السموات ومن في الأرض " ، قد دخل تحته كثير الناس وقليلهم فلم يحمله على التكرير، وأضمر الخبر لدلالة ما يجيء بعد عليه لأن قوله " وكثير حق عليه العذاب " يدل على أن من تقدمهم لهم حالة أخرى ونظيره " فريق في الجنة وفريق في السعير " وقوله تعالى " ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون " وإن حملت قوله " وكثير من الناس " على أنه معطوف على يسجد ويرتفع بذلك، كان تكريراً، كقوله " اقرأ باسم ربك الذي خلق " ومن حذف الجار والمجرور قوله تعالى " كلا لما يقض ما أمره " أي ما أمره به فحذفت الباء، فصار ما أمر هو فحذف الأول دون الثاني ومثله " فاصدع بما تؤمر " وإن شئت كان على ما تؤمر به، ثم تؤمره، ثم تؤمر قال أبو عثمان الضميران عندي في الآيتين مختلفان، وذلك أن الضمير المحذوف في " أهذا الذي بعث الله رسولاً " هو عائد إلى الموصول والضمير المحذوف من قوله سبحانه أمره ليس ضمير الموصول إنما هو ضمير الرجل المذكور ولعمري إن حذف الضمير من الصلة، وإن كان عائداً على غير الموصول جائز كقراءة من قرأ " من يصرف عنه يومئذ " فيمن فتح الياء ومن ذلك قوله تعالى " جنات عدن مفتحة لهم الأبواب " فقوله مفتحة صفة لجنات، والأبواب مرتفعة بها وليس فيه ضمير يعود إلى الموصوف فيجوز أن يكون التقدير مفتحة لهم الأبواب منها فحذف منها للدلالة عليه ويجوز أن يكون الأبواب بدلاً من الضمير في مفتحة لأن التقدير مفتحة هي، كما تقول فتحت الجنان، أي أبوابها وقال الكوفيون التقدير، مفتحة أبوابها، فقامت الألف مقام الضمير قال أبو إسحاق إلا أنه على تقدير العربية الأبواب منها أجود من أن تجعل الألف واللام بدلاً من الهاء والألف، لأن معنى الألف واللام ليس من معنى الهاء والألف في شيء، لأن الهاء والألف أسماء، والألف واللام دخلتا للتعريف، ولا يبدل حرف جاء لمعنى من اسم، ولا ينوب عنه، هذا محال قال أبو علي اعلم أنه لا تخلو الألف واللام في قوله الأبواب من أن يكون للتعريف كما تعرف الرجل والفرس، ونحو ذلك أو يكون بدلاً من الهاء التي هي ضمير التأنيث التي كان يضاف أبواب إليها ليتعرف بها كما أن الألف واللام في الوجه في قولك حسن الوجه بدل منها فلو كان مثل التي في حسن الوجه لوجب أن يكون في مفتحة ضمير جنات كما أن في حسن الوجه من مررت برجل حسن الوجه، ضمير رجل، بدليل مررت بامرأة حسنة الوجه ولو كان في مفتحة ضمير جنات كما أن في حسن ضمير رجل، وقد نون مفتحة لوجب أن ينتصب الأول، ولا يرتفع، لكون الضمير في مفتحة للجنان، فإذا صار فيه ضمير لم يرتفع به اسم آخر، لامتناع ارتفاع الفاعلين بفعل واحد، غير وجه الإشراك، فكما لم ينتصب قوله الأبواب كما ينتصب مررت برجل حسن الوجه، أنه ليس فيه ضمير الأول، وإذا لم يكن فيه ضمير الأول فلا بد من أن يكون الثاني مرتفعاً لم يكن مثل الوجه، لأن الوجه في قولك مررت برجل حسن الوجه، لا يرتفع ب حسن وإذا لم يكن مثل حسن الوجه لم يكن الألف واللام فيه بدلاً من الضمير، ثبت أنه للتعريف المحض، على حد التعريف في رجل وفرس وإذا كان للتعريف لم يكن بدلاً من الضمير، وإذا لم يكن بدلاً من الضمير الذي كان يضاف أبواب إليه، لم يعد على الموصوف مما جرى صفة عليه ذكر، لارتفاع الأبواب به في اللفظ بالظاهر، فإذا كان كذلك فلا بد من ضمير في شيء يتعلق بالصفة يرجع إلى الموصوف وذلك الراجع لا يخلو من أن يكون منها أو فيها، فحذف ذلك، وحسن الحذف للدلالة عليه لطول الكلام وعلى هذا الحد حذف في قوله " فإن الجحيم هي المأوى " أي المأوى لهم، وعلى هذا التقدير في هذه الآية أوضح، لأنه لا ضمير فيه عائد على موصوف، فيشكل بباب حسن الوجه فتقدير من قدر مفتحة أبوابها، إن كان المراد إفهام المعنى، فإنه لا بد من شيء يقدر في الكلام يرجع إلى الموصوف فمستقيم وإن كان أراد أن الألف واللام في الأبواب كالألف واللام في الوجه، فليس مثله

لأن الألف واللام إذا صارت بدلاً من الضمير الذي يضاف إليه الاسم المتعلق بالصفة التي هي نحو حسن وشديد، انتصب الاسم الذي هو فاعل الصفة، إذا نونت الصفة لكون ضمير الذي يجري عليه فيه ألا تراهم قالوا
الحزن ناباً والعقور كلباً
و الشعر الرقابا
فترك نصب الأبواب هنا دلالة على أن الألف واللام لم يرد بها أن تكون بدلاً من علامة الضمير كالتي في حسن الوجه وإذا لم يجز هذا فلا بد من تقدير الراجع إلى الموصوف الذي جرى مفتحة صفة عليه، وهو منها أو نحوها، فمن ها هنا كان التقدير أجود ويجوز أن تكون الأبواب بدلاً من الضمير الذي في مفتحة على ما تقدم، وقوله لام التعريف لا يكون بدلاً من الهاء، فللقائل أن يقول قد قالوا مررت برجل حسن وجهه، ثم قالوا مررت بالرجل الحسن الوجه، فقد قام اللام مقام الضمير وقد قالوا، غلام زيد، فقام الاسم مقام التنوين هذا كلامه في الإغفال وقال في موضع آخر ولم يستحسنوا مررت برجل حسن الوجه، ولا بامرأة حسن الوجه وأنت تريد منه لما ذكرت من أن الصفة يحتاج فيها إلى ذكر يعود منها إلى الموصوف ولو استحسنوا هذا الحذف من الصفة كما استحسنوه من الصلة لما قالوا مررت بامرأة حسنة الوجه وأما قوله " جنات عدن مفتحة لهم الأبواب " فليست على مفتحة لهم الأبواب منها، ولا أن الألف واللام سد مسد الضمير العائد من الصفة ولكن الأبواب بدل من الضمير الذي في مفتحة لأنك لا تقول فتحت الجنان، إذا فتحت أبوابها وفي التنزيل " وفتحت السماء فكانت أبواباً " فصار ذلك بمنزلة ضرب زيد رأسه وقال مرة أخرى يكون من باب سلب زيد ثوبه ألا ترى أن الأبواب تشتمل على الجنة، كما اشتمل الأخدود على النار والشهر على القتال فإن قلت فهل يجوز أن يكون المعنى مفتحة لهم الأبواب منها، فحذف منها؟ قيل هذا لا يستقيم، كما جاز السمن منوان بدرهم، وأنت تريد منه، فتحذف، لأن خبر المبتدأ قد يحذف بأسره وإذا جاز أن يحذف جميعه جاز أن يحذف بعضه، وليس الصفة كذلك، لأنه موضع تخصيص وتلخيص ولا يجوز أن يراد الصفة وتحذف، كما يراد الخبر ويحذف، ولو جاز ذا لجاز مررت بهند حسن الوجه، يريد منها واعلم أن البدل من الشيء ليس يلزم أن يكون حكمة حكم المبدل منه، وليس يريد أهل العربية بقولهم في نحو هذا أن معنى البدل معنى المبدل منه ألا تراهم يقولون التنوين بدل من الألف واللام ومن الإضافة، والتنوين إذا ثبت في النكرات دلت على الإشاعة والتنكير، والألف واللام والإضافة، وإذا دخلا شيئاً دلا على خلاف ذلك وإنما يريدون بالبدل أنه لا يجتمع مع ما هو بدل منه في اللفظ ألا ترى أن الهاء في زناذقة عوض من الياء، في زناديق لمعاقبتهما، وتنافى اجتماعهما، ولم يلزم أن يكون ثبات الهاء لمنع الصرف، كما يمتنع الصرف في الاسم إذا ثبتت الياء ويقولون الميم في فم بدل من الواو التي هي عين ولم يلزم أن يمتنع تعاقب الحركات عليها بعد حذف اللام كما يمتنع تعاقبها على الواو ويقولون الألف في يمان بدل من إحدى الياءين، ولو نسبت إلى قريش لحذفت، وأثبت ياءين أخريين، ولو أضفت إلى يمان لم تحذف الألف ويقولون التاء في أخت بدل من الواو، ولم يجب ألا تدل على التأنيث كما لو ثبتت الواو لم تدل على التأنيث، وهذا يكثر إذا جمع، فليس يريدون أن معنى المبدل منه قد يكون في البدل معان لا تكون في المبدل منه، ويكون في البدل معان لا تكون في المبدل، وإنما مرادهم بالبدل أنه لا يجتمع في اللفظ مع ما هو بدل منه لا غير وعلى هذا قياس قول سيبويه في نون التثنية أنه بدل من الحركة والتنوين ومن ذلك قوله تعالى " وغدوا على حرد قادرين " أي قادرين على حيازة ثمار ذلك، ويكون قادرين من باب هدياً بالغ الكعبة " وإن قدرت قادرين مقدرين عند أنفسهم رفع غلتهم وتحصيلها وعلى هذا قراءة من قرأ " فقدرنا فنعم القادرون " وقال في موضع آخر قادرين عليها، أي على جناها وثمارها عند أنفسهم، فحذف الجار لتقديم ذكره في الكلام، كما حذفه عند الخليل من قوله
إن الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوماً على من يتكل
والمعنى عنده على من يتكل عليه، وكذلك الآية، وهو وجه ويبين أن على مرادة بدليل قوله في الآية الأخرى " وظن أهلها أنهم قادرون عليها " أي على ما أخرجت من ثمر وجنى

وقوله خلقه فقدره " أي قدره على الاستواء، فحذف الجار والمجرور، لقوله " ثم سواك رجلاً " ، وقدره على هذه الصورة التي هو عليها وقيل أخرجه على التقدير وقيل جعله على مقدار تقتضيه الحكمة وقيل قدره أحوالاً نطفة تارة، وعلقه أخرى، ثم مضغة، إلى أن أتت عليه أحواله وهو في رحم أمه وقيل وقوع التقدير هنا بين الخلق وتيسير السبيل وتيسير السبيل، يحتمل أن يكون بمعنى الإقدار، لأن فعل وأفعل أختان أي خلقه من النطفة ثم قدره، أي جعله قادراً على الطاعة والعصيان، ثم سهل عليه السبيل، بأن بينه له، ودله عليه ومن ذلك قوله تعالى " سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها " أي كلما نضجت جلودهم منها؛ فحذف الجار والمجرور من الصفة إلى الموصوف ومثله " جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له " قال أبو علي هذا الكلام صفة للجنتين المقدم ذكرهما، فإذا كان كذلك فالراجع فيه مقدر محذوف التقدير قيل لهم كلوا من رزق ربكم منهما، والقول مراد فيه محذوف، وهذا مما يدل على أن الحذف من الصفة كالحذف من الصلة وفي الكتاب يقول إنه في الصلة أكثر، ألا ترى أنه قال وإنما شبهوه يعني حذف الهاء من الخبر بقولهم الذي رأيت فلان، حيث لم يذكر الهاء وهو في هذا أحسن، لأن رأيت تمام الاسم وبه يتم، وليس بخبر، ولا صفة، فكرهوا طوله حيث كان بمنزلة اسم واحد، كما كرهوا طول اشهيباب فقالوا اشهباب وهو في الوصف أمثل منه في الخبر وهو على ذلك ضعيف، يعني حذف الهاء ليس كحسنة في الهاء التي في الصلة، لأنه في موضع ما هو من الاسم وما يجري عليه، وليس منقطع منه خبراً منفياً ولا مبتدأ، فضارع ما يكون تمام الاسم، وإن لم يكن تماماً له ولا منه في النداء، وذلك قولك هذا رجل ضربته، والناس رجلان رجل أهنته ورجل أكرمته قلت حذف الهاء في الصلة مستحسن جداً، وهو في التنزيل كثير كقوله " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " أي هداهم الله وقال " والذين يدعون من دونه " أي يدعونهم وقال " فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله " أي اتخذوهم من دون الله، وما أشبه ذلك وفي الخبر قبيح جداً، لم يأت إلا في موضع واحد، وذلك في قراءة ابن عامر " وكل وعد الله الحسنى " أي وعده الله الحسنى وحذفها من الصفة منزلة بين المنزلتين، وفي الكتاب كما نقلته لك وقد قدمنا مجيئه في آي شتى، فوجب أن يكون حذفها من الصفة كحذفها من الصلة فمن ها هنا تردد كلامه في قوله " مفتحة لهم الأبواب " فحمله مرة على حذف منها ومرة على البدل وقد نقلت لك ما ذكر في الكتاب ومن ذلك قوله تعالى " إلى صراط مستقيم " يصاحبه حتى يهجم به على الجنة ومن ذلك قوله تعالى " سنفرغ لكم أيها الثقلان " أي سنفرغ لكم مما وعدناكم أنا فاعلوه بكم من ثواب أو عقاب، هذا قول أبي حاتم قال أبو عثمان فرغت إلى الشيء والشيء عمدت له قال الشاعر
فرغت إلى العبد المقيد في الحجل
ومن ذلك قوله تعالى " فهل عسيتم إن توليتم " أي إن توليتم عن كتابي وديني ومن ذلك قوله " فلما آتاهم من فضله بخلوا به " أي آتاهم ماتمنوا ومما حذف فيه الجار والمجرور " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى " أي إن أحصرتم بمرض ومنه قوله " فإذا أمنتم " أي أمنتم من العدو، فحذف، ففي الثاني اتفاق، وفي الأول خلاف ويقدر الشافعي بأن أحصرتم بعدو، فينشأ من هذا التقدير، أن المريض له أن يتحلل بالدم لأن التقدير عندنا فإن أحصرتم بمرض، وعنده لا يتحلل، لأن التقدير عنده فإن أحصرتم بعدو وإنما يقدر هذا التقدير، لأن الآية نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه عام الحديبية، وكان الإحصار بالعدو ونحن نقول إن الإحصار بالمرض دون العدو، يقال أحصره المرض، وحصره العدو ولهذا جعل محمد بن الحسن الإحصار بالمرض أصلاً في كتابه والحصر بالعدو بناء عليه والحصر بالعدو على تفسير اللغة دون بيان الحكم فإن قيل الفرّاء يخالف في ذلك قلنا ما خالفهم في حقيقة اللغة، ولكن حمل الآية على المنع، لأنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنا ممنوعاً بالعدو، لا بالمرض وهذا التأويل حجة، كأن الله تعالى قال فإن منعتم، فتكون مطلقة سببا للتحلل بالهدى من غير اعتبار أسباب المنع

فإن قيل كيف يستقيم الحمل على المرض، والآية نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه، وكان المنع بالعدو؟ قلنا إن النصوص إذا وردت لأسباب لم تعلق بها، إلا أن يكون السبب منقولا معها، كقول الراوي سها رسول الله صلى الله عليه وآله فسجد فأما إذا وردت مطلقة عن الأسباب، فيعمل بظاهرها، ولا تحمل على السبب، فبقي الإشكال في أنهم كيف عرفوا التحلل؟ فنقول إن كان تأويل الإحصار المنع مطلقاً من غير اعتبار سبب، وإنما عرَّفوا الإحلال بنص مطلق غير مقيد، فإن كان التأويل هو المنع بالمرض فعرفوا الإحلال بمدلول النص؛ فإن النص لما أباح الإحلال، بمنع من جهة المرض، فالمنع من جهة العدو أولى بالإباحة، لأن منع العدو أشد، فإنه حقيقي لا يدفع له إذا كانت القوة لهم، ومنع المرض مما يزول بالدابة والمحمل ونحوه وكذلك إباحة الإحلال لضرب من الارتفاق يحصل به، وهذا الارتفاق في العدو أكثر، لأن جميع ما يستفيده المريض يستفيده الممنوع بالعدو وزيادة، وهي النجاة من شرهم بالرجوع، والمريض لا يستفيد هذا؛ والبيان من جهة الشرع مرة يكون بالنص ومرة بدلالته فإن قيل فإذا حملناه على المرض فإن الله تعالى قال " فإن أُحصرتم فما استيسر من الهدى، ولا تبتدر الأوهام إلى العدو قلنا لا كذلك، فإن الإحصار في اللغة ليس بعبارة عن المرض فحسب، بل عن منع يكون بالمرض، فيكون المنع علة، والمرض سبباً، ويصير كأن الله تعالى قال فإن منعتم بمرض فما استيسر فدل على المنع بالعدو من طريق الأولى، لأن المنع موجود نصاً في الحالين، وبالعدو أشد، والارتفاق بالإحلال فيه أكثر، فجرى مجرى الشتم من التأفيف في تحريمه فإن قيل إن الله تعالى نسق به " فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية " ، ولو كان أحصرتم عبارة عن المرض، لم يستقم نسق المرض به ثانيا، لأنه تكرار، لأن المعطوف أبدا يكون غير المعطوف عليه قلنا قد ذكرنا أن الإحصار ليس بالمرض بعينه، لكن منع بسبب المرض، فيستفاد به التحلل بالدم، ولا يباح به الحلق، إذا لم يتأذَّ به رأسه، وبمرض يتأذى به رأسه يباح الحلق، أو بنفس الأذى، وإن لم يمنعه عن الذهاب فلا يباح به التحلل، فكانا غيرين، وتكون العبارة عنهما على أن عطف الخاص جائز على العام، كعطف جبريل وميكائيل وغير ذلك فإن قيل كيف يستقيم هذا والله يقول في آخر الآية " فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج " يعني زال عنكم السبب المانع، ولو كان السبب المانع مرضاً، لكان من حق الكلام فإذا شفيتم؛ فلما قال أمنتم علم أن المانع كان خوف العدو قلنا يقال في اللغة أمن الرجل، إذا شفي، وإنما يعني به إذا زال عنه خوف عدو أو سبع قلنا روى في التفسير، فإذا أمنتم من الوجع، ويقال مرض مخوف، ومرض يؤمن معه، فلا كلام على هذا على أنه نبه في الأول على المرض، فدخل تحته العدو على طريق الأولى ثم عاد إلى الطرف الآخر في آخر الآية، وهذه سنة معتادة في التنزيل، إذا اجتمع شيئان يذكر طرفاً من كل واحد من الشيئين ألا ترى أنه ذكر الركعتين مع الإمام في صلاة الخوف عن طائفتين، وذكر مثل العدو في قوله " ومثل الذين كفروا " مثل الداعي في الطرف الآخر في قوله " كمثل الذي ينعق " فكذا ههنا ذكر المرض أولاً، فدخل تحته العدو، ثم ذكر الأمن من العدو، فلم يكر على الأول بالنقض والإبطال ومن ذلك قوله تعالى " سيهديهم ويصلح بالهم " أي يهديهم إلى طريق الجنة وقال " فإن الله يهدى من يضل " أي لا يهدي إلى طريق الجنة قال " من يهد الله فهو المهتد " ، أي من يهد الله إلى الحق وأما قوله " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم " فإنه يكون مثل قوله " سيهديهم ويصلح بالهم " بدلالة اتصال الحال به، وهو قوله " تجرِى من تحتهم الأنهار في جنات النعيم " ويكون الظرف على هذا متعلقاً ب يهديهم، أعني بإيمانهم، ويجوز أن يكون يهديهم في دينهم، كقوله " والذين اهتدوا زادهم هدى " فأما قوله " ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً " فقوله " صراطاً مستقيما " على فعل دل عليه يهديهم، كأنه يعرفهم صراطاً مستقيما، ويدلهم عليه وإن شئت قلت إن معنى يهديهم إليه يهديهم إلى صراطه فيكون انتصاب صراط كقوله مررت بزيد رجلاً صالحاً ومن ذلك قوله تعالى " وإن يأتوكم أسارى تفادوهم " أي تفادوهم بالمال وكذلك من قرأ تفدوهم، أي تفدوهم بالمال

ومن ذلك ما قال الفراء في قوله تعالى " قل هِي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة " إن التقدير وهي لهم خالصة، فحذف لهم، غير جائز، لأن الظرف يشبه الفعل، وليس بفعل محض، فلا يعمل وهذا مضمراً، كما لا تعمل ليت مضمراً، ولهذا امتنع
إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
من إعمال الظرف في مثل هذا وقد قال في قوله " ولمن خاف مقام ربه جنتان " إلى قوله " متكئين على فرش " إن العامل في الحال ما في اللام من قوله ولمن ولا كلام في هذا ثم قال " ومن دونهما جنتان " إلى قوله متكئين، والتقدير ولهم من دونهما جنتان، فأعمل الظرف مضمراً في متكئين ومن ذلك قوله تعالى " أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات " أي نسارع لهم به، فحذف به، ولا بد من تقديره ليعود إلى إسم إن عائد من خبره ومن ذلك قوله تعالى " لا مقام لكم فارجعوا " أي لاثبات لكم في القتال، بالفتح، أو لاثبات لكم في المكان، بالضم، ويكون الإقامة، وبالفتح المنزل فإن حملت لا مقام لكم على القتال، يكون فارجعوا إلى طلب الأمان؛ عن الكلبي وقيل لا مقام لكم على دين محمد عليه السلام، فارجعوا إلى دين مشركي قريش؛ عن الحسن وقيل لا مقام لكم في مكانكم، فارجعوا إلى مساكنكم ومن ذلك قوله تعالى " فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة " ما بمعنى الذي، والعائد من الخبر إليه محذوف، أي أجورهن له ويجوز أن يكون ما بمعنى من، ويكون به على اللفظ، وآتوهن على المعنى، ولا يكون مصدراً بعود الضمير إليه ومن ذلك قوله " باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم " أي باسطوا أيديهم بالعذاب، فحذف لقوله " اليوم تجزون عذاب الهون " وفي الكتاب بسط عليه مرتين، يريد بسط عليها العذاب مرتين فليس إضمار العذاب هنا على حد إضماره في الآية لكنه على أحد أمرين إما أن يكون جرى ذكر العذاب فأضمر لجرى ذكره، وإما أن يكون دلالة حال كقوله إذا كان غدا فائتني ومن ذلك قوله تعالى " إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفوراً " أي للأوابين منكم، أو لأن الأوابين هم الصالحون كقوله " أجر من أحسن عملاً " بعد قوله " الذين آمنوا " ومنه قوله " لا عوج له " ، أي لا عوج له منهم ومن ذلك قوله " اتبعوا سبلنا ولنحمل خطاياكم " أي لنحمل خطاياكم عنكم ومنه قوله " يريدون وجهه " ، أي في الدعاء ومن ذلك قوله " سقفاً من فضة ومعارج " أي ومعارج من فضة، وأبواباً من فضة، وسررا من فضة وزخرفاً محمول على موضع قوله من فضة ومنه قوله تعالى " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة " أي يشترون الضلالة بالهدى وقال " إن العهد كان مسئولاً " أي مسئولاً عنه وقال " يومئذ يتبعون الداعِي لا عوج له " أي لا عوج لهم عنه وقوله " من كان يريد العزة " أي ليعلم أن العزة لمن هي وقال الله تعالى " مالكم من زوال " أي عن الدنيا، لأنهم قالوا " ما هي إلا حياتنا الدنيا " وقال " قلوبهم منكرة " أي لذكر الله وقوله " فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم " أي لهم، على قول أبي الحسن وقال " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمِى أنفسهم قالوا فيم كنتم " أي قالوا لهم ومن ذلك قوله تعالى " وصدها ما كانت تعبد من دون الله " أي صدها عبادة غير الله عن عبادة الله، فحذف الجار والمجرور، وهو المفعول، وما فاعلة وقيل صدها سليمان عما كانت تعبد، فحذف عن وقيل التقدير صدها الله عما كانت تعبد بتوفيقها وقيل الواو في قوله وصدها واو الحال، والتقدير تهتدي أم تكون على ضلالتها، وقد صدها ما كانت تعبد من دون الله ومثله قوله " فإنه كان للأوابين غفوراً " أي للأوابين منكم وقيل بل الأوابون هم الصالحون، فوضع الظاهر موضع المضمر، كقوله " ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم " على قول الأخفش، أي مصدق له فوضع الظاهر موضع المضمر، كقوله " ثم جاءكم به " فحذف الجار والمجرور كقوله " نسارع لهم في الخيرات " أي نسارع لهم به ومن ذلك قوله " ألم يجدك يتيماً " عن الأمة فآوى أي فآواك إلى أبي بكر وقيل إلى خديجة وقيل إلى أبي طالب وقيل بل آواه إلى كنف ظله، وربَّاه بلطف رعايته ويقال فآواك إلى بساط القربة، بحيث انفردت بمقامك فلم يشاركك فيه أحد

ووجدك ضالاً عن الاستثناء حين سئلت، فلم تقل إن شاء الله فهدى أي فهداك لذلك، ويقال في محبتنا، فهديناك بنور القربة إلينا ويقال ضالاً عن محبتي فعرفتك أني أحبك ويقال جاهلاً بمحل شرفك، فعرفتك قدرك ويقال مستتراً في أهل مكة لم يعرفك أحد، فهداهم إليك، حتى عرفوك ووجدك عائلاً فأغنى أي أغناك عن الإرادة والطلب، بأن أرضاك بالفقر ويقال أغناك عن السؤال، فيما أعطاك ابتداء بلا سؤال منك ويقال أغناك بالنبوة والكتاب ومن ذلك حكاية عن إبليس اللعين " إنىّ كفرت بما أشركتموِن من قبل " قال قوم منهم الفراء إني كفرت بالله، وجعل ما في مذهب ما يؤدي عن الاسم، ويعني من قوله من قبل في وقت آدم حين أبى السجود واستكبر وقال قوم التقدير إني كفرت اليوم بما كنتم تعبدونه لي في الدنيا، فحذفوا الظرف دون الجار وقال أبو علي تقدير من قبل أن يكون متعلقاً ب كفرت المعنى إني كفرت من قبل بما أشركتموني ألا ترى أن كفره قبل كفرهم، وإشراكهم إياه فيه بعد ذلك فإذا كان كذلك علمت أن من قبل لا يصح أن يكون من صلة أشركتمون وإذا لم يصح ذلك فيه، ثبت أنه من صلة كفرت فأما ما فيحتمل وجهين يجوز أن يكون المصدر، فإذا كان إياه لم يحتج إلى عائد، وكان التقدير بإشراككم إياي فيه وإن جعلتها موصوله، كان التقدير بإشراككم إياي فيه، فحذف فيه على قياس ما قاله في قوله " لا تجزِي نفس عن نفس شيئاً " وأوصل إليه الفعل ثم حذف الضمير والمعنى، إني كفرت من قبل بما أشركتموني فيه من بعد، ويقدر أشركتمون جعلتموني شريكاً في كفركم ومما حذف منه الجار والمجرور قول العرب الحملان حمل ودرهم فالحملان يرفع بالابتداء وحمل ابتداء ثان ودرهم في موضع الجر والمعنى الحملان حمل منهما بدرهم فقولك منهما مقدر في الكلام، وبتقديره يستقيم، ولو قلت حمل ودرهم رخيص ويكون ب درهم يتعلق برخيص جاز ومما حذف منه الجار والمجرور قوله " وما أسألكم عليه من أجر " أي على إيمانهم أجراً، أي ما دعوا إليه من الإيمان والإيمان المقدر المحذوف على ضربين أحدهما أن يكون إيمان من آمن، ويجوز أن يكون إيماناً نسب إلى من يؤمن وجاز ذلك فيه للالتباس الذي لهم به في دعائهم إليه، كما قال " وليلبسوا عليهم دينهم " والتقدير الذي شرع لهم ودعوا إليه ومن ذلك قوله تعالى " ومن لم يجعل الله له نوراً " أي نوراً في القيامة " فما له من نور " أي في الخلق ومنه قوله تعالى " ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً " أي دليلاً على الظل، إذ لولاه لم تعرف، وبضدها تتبين الأشياء، عن ابن سحبرة، وقيل تاليا على الظل حتى يأتي عليه كله عن قتادة وقيل دليلاً على قدرة الله، " ثم قبضناه " يعني الظل، أي بطلوع الشمس، وقيل بغروبها، يسيراً أي سريعاً، وقيل هو فعيل بمعنى مفعوله أي جعلنا الشمس مدلولة على الظل، أي دللناها عليه حتى أذهبته وحكت له وأما قوله " ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله " فقيل هو من هذا الباب والذين آمنوا هم الفاعلون والتقدير ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات لربهم، كالآية الأخرى " والذين استجابوا لربهم " وقيل بل الذين آمنوا نصب مفعول به على تقدير ويستجيب الله للذين آمنوا، فحذف اللام وأما قوله " فلما جاء أمرنا نجيباً صالحاً والذين آمنوا معه برحمة " أي نجيناهم من الإهلاك " ونجيناهم من عذاب غليظ " فحذف الجار والمجرور ولا يكون ونجيناهم مكرراً لمكان الواو ومن ذلك قوله تعالى " إذ أنتم بالعدوة الدنيا " أي الدنيا من المدينة " وهم بالعدوة القصوى " أي من المدينة وقال " في أدنى الأرض " أي في أدنى الأرض منهم وعند الكوفيين قام اللام مقام الضمير، كقوله " فإن الجنة هي المأوى " ومن ذلك قوله تعالى " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها " أي أمرنا مترفيها بالطاعة، ففسقوا فيها، فحذف بالطاعة وفسره قوم فقالوا أمرنا، أي كثرنا، قالوا ويقال أمرت القوم وآمرت وأمرت، إذا كثرتهم وفي الحديث خير المال سكة مأبورة، أو مهرة مأمورة؛ أي كثيرة النتاج فمأمورة من أمرت وزعم أبو عبيدة عن يونس عن أبي عمرو أنه قال لا يقال أمرت، أي كثرت؛ وإنما فسر أمر، أي أمرناهم بالطاعة وزعم ثعلب أمر القوم، إذا كثرواو؛ أمر علينا فلان، إذا ولي

وكأنه اقتدى بأبي عمرو، ولم ير أمرت أي كثرت، صحيحاً ولم يرحجة في قوله مهرة مأمورة؛ لأنه يكون من باب قوله " حجاباً مستوراً " أي ذا ستر، ويكون بمعنى ساتر؛ فكذا مأمورة أي ذات كثرة؛ أو بمعنى أمر وزعم أبو علي أن أمر وأمرته، من باب رجع ورجعته، ووقف ووقفته ومن ذلك قوله تعالى " فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن فريضة " قال أبو علي يجوز أن يكون ما بمعنى الذي ولا يكون استمتعتم في موضع جزم بالجزاء، وقد عاد الذكر في به إليه، ويكون العائد إليه من الخبر محذوفاً، كأنه فآتوهن أجورهن له أي لما استمتعتم به ولا يجوز أن تكون ما مصدراً لعود الذكر إليها من قوله؛ ولا يستقيم في المعنى أيضاً، لأن الأجور المهور فلا تؤتاه المرأة إلا مرة ولا يجوز أيضا أن تكون ما كالتي في قوله
فما تك يابن عبد الله فينا
هذا المعنى أيضاً ويجوز أن يكون ما بمنزلة من، فإذا كان كذلك لم يلزم أن يضمر شيئاً يعود على المبتدأ؛ لأن قوله فآتوهن يرجع إلى ما على المعنى، لأن التقدير ب ما يجوز أن يكون جمعاً، قد قال هذا فقال في قوله " مهما تأتنا به من آية " فكلاهما في موضع رفع فيمن قال زيد ضربته، ومن قال زيداً ضربته، وزيداً مررت به؛ كان عنده في موضع نصب وكلام سيبويه في هذا ويرفع الجواب حين يذهب الجزم قولهم أيهم يأتك تضرب، إذا جزمت؛ لأنك جئت بتضرب مجزوماً بعد أن عمل في أيهم، ولا سبيل له عليه، وكذلك هذا جئت بجوابه مجزوماً بعد أن عمل فيه الابتداء قلت الصحيح ما ذكر في قوله " مهما تأتنا به " ومنعه في " فما استمتعتم به " من أن يكون شرطاً، محتجاً بما يعود إليه من به شبهة وقعت له من قول سيبويه أيهم يأتك تضرب، إذا جزمت تضرب على الجواب لم يعمل في أيهم فأما أيهم تضرب يأتك؛ فإنك تنصبه بتضرب ولو أدخلت الهاء فقلت أيهم تضربه يأتك، جاز رفعه، وإن كان الاختيار النصب ومثل الآية قول المتنخل الهذلي
إذا سدته سدت مطواعة ... ومهما وكلت إليه كفاه
فالهاء في كفاه عائدة إلى مهما، كما يعود إلى ما ولا يكون بمثل هذا العائد في أين ومتى، لا تقل أين تكن أكن فيه، ولا متى تأتني آتك فيه، لأن أين ومتى لا يبتدآن، فهما منصوبان على الظرف فلا يشتغل الفعل عنهما، وما قد تكون مبتدأة ثم اعلم بعد أني لا أختار في ما من قوله " فما استمتعتم به " أن يكون بمعنى الذي، لأنه يحتاج إلى ما يعود إليه من الخبر، على حد ما قال من قوله فآتوهن أجورهن له؛ إذ لا يكاد يفيد معنى ولكن ما يكون شرطاً؛ إما منصوباً بفعل مضمر يفسره " فما استمتعتم به " ، أو يكون مبتدأ، وما بعده خبره ولا أختار أن يكون بمعنى من لقلة ذلك، وكلام الله لا يحمل على القليل ووجدت في موضع آخر قال لا يجوز أن تكون ما مصدراً على حد قوله " بما كانوا يكذبون " أي بتكذيبهم؛ لأن الذكر قد عاد به من الصلة في قوله به، فإذا كان كذلك كان بمعنى الذي، ودخلت الفاء على حد دخولها في قوله " وما بكم من نعمة فمن الله " ، وقوله " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم " وإذا حملته على هذا وجب أن يعود مما بعد الفاء ذكر يعود إلى المبتدأ فآتوهن أجورهن له أو من أجله، أي من أجل ما استمتعتم به؛ لا يكون إلا كذلك فإن قلت لا يجوز أن تكون ما للجزاء، فإنه يجوز أن يكون له، ويكون موضع استمتعتم جزماً والفعل، وما بعد ما في موضع الجزم، ويكون اسماً للوقت وقد قال
فما تك يابن عبد الله فينا
وموضع ما رفع لاشتغال الفعل بالجار ومن قال زيداً مررت به، كانت عنده في موضع نصب، ورجوع الذكر من الشرط لا يمنع أن يكون الاسم الذي قبله للمجازاة ألا ترى أنك لو قلت ما يحملك تركبه؛ لم يمتنع أن يكون جزاء وكذلك لو قلت ما يحملك ينفعك وقد جاءت ما في مواضع للجزاء يراد به الزمان وكذلك في الآية إن استمتعتم وقتاً منهن به وينبغي في قياس قول أبي الحسن أن يكون في الشرط ذكر يعود إلى ما يعود من الخبر على الجمل على هذا حمل هذا النحو في مسائل الكثير، وهذا حكوا عنه في الكتاب
السادس عشر
ما جاء في التنزيل وقد حذف منه همزة الاستفهام
وحذف الهمزة في الكلام حسن جائز، إذا كان هناك ما يدل عليه

فمن ذلك قوله تعالى في قراءة الزهري " سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم " والتقدير أسواء عليهم الإنذار وترك الإنذار، فحذف الهمزة ومثله قراءة ابن أبي عبلة في قوله " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه " بالرفع على معنى أقتال فيه؟ وقيل في قوله تعالى " وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه " فحذف الهمزة وقال الأخفش في قوله تعالى " وتلك نعمة تمنها علي " التقدير أو تلك نعمة؟ فحذف الهمزة ومثله " قال هذا ربي " أي أهذا ربي؟ فحذف الهمزة، فكذلك في أختيها وقيل في قوله تعالى " تلقون إليهم بالمودة " أتلقون إليهم بالمودة؟ فحذف الهمزة وقيل في قوله تعالى " أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون " تقديره أئنكم؟ لأنه في الظاهر يؤدي إلى الكذب وقيل أراد سرقتم يوسف من أبيه؛ لا أنهم سرقوا الصاع وهذا سهو، لأن إخوة يوسف لم يسرقوا يوسف، وإنما خانوا أباهم فيه وظلموه وقيل قالوه على غلبة الظن، ولم يتعمدوا الكذب، ويوسف لا علم له، فيكون التقدير إنكم لسارقون في غلبة ظنوننا وقال ميمون بن مهران ربما كان الكذب أفضل من الصدق في بعض المواطن، وهو إذا دعا إلى صلاح لإفساد وجلب منفعة
السابع عشر
ما جاء في التنزيل من اجتماع الهمزتين
وذلك يكون على وجوه في الكلام، وينبغي أن نعلمك أصلاً قبل ذلك، فإن اجتماعهما يبتني على ذلك الأصل، وهو أن تعرف أن الهمزة المتحركة وقبلها ألف متحرك تكون على تسعة أوجه أحدهما أن تكون مفتوحة مضموما ما قبلها، نحو جُؤَن والثاني أن تكون مفتوحه مكسوراً ما قبلها، نحو مئر بوزن معر، وهذه ليس فيها إلا أن تقلب واوا في حال الضم، وياء في حال الكسر، نحو جون ومير بواو وياء خالصين، ولا يجوز فيها بين بَيْنَ وذلك أن الهمزة المفتوحة، إذا جعلتها بين بَيْنَ قربتها من الألف، والألف لا تقع بعد الضمة والكسرة بوجه ما، وهو مما تشهد الضرورة به، فكذلك لا يقع ما بعدهما ما يقارب الألف، كما أن الألف لما لم يمكن الابتداء به لم يكن جعل الهمزتين بين بينً في الابتداء، وإذا امتنع كونها بين بينً فليس إلا القلب والضرب الثالث أن تكون الهمزة مفتوحة ما قبلها، فهذه تخفيفها أن تجعل بين بَيْنَ، نحو سال وقرا زيد وذلك أن الألف من شأنها أن تقع بعد الفتحة، وكذلك يقع المقرب منها بعدها، وقد عرفتك أن هذا التخفيف مما ينكشف سره بالمشافهة والضرب الرابع أن تكون الهمزة مكسورة مفتوحاً ما قبلها نحو سئم فهذه تجعل بين بَيْنَ، فأنت لأجل أنها مكسورة تقربها بالتخفيف من الياء الساكنة، والياء الساكنة تسلم بعد الفتحة، فما ظنك بالمقارب لها والضرب الخامس أن تكون الهمزة مضمومة مفتوحا ما قبلها نحو لؤم، فهذه أيضاً تجعل بين بَيْنَ، لأجل أنك تقربها من الواو الساكنة، والواو الساكنة تقر بعد الفتحة، فكذلك ما يقاربها والضرب السادس أن تكون الهمزة مضمومة قبلها ضمة نحو هذا عبد أختك و شقَّ أبلم فهذه أحرى بأن تجعل بين بَيْنَ، لأجل أنك تقربها من الواو الساكنة، وشأنها أن تقع بعد الضمة، فكذا ما يقرب منها والضرب السابع أن تكون الهمزة مكسورة مكسوراً ما قبلها، نحو من عند إبلك تجعلها بين بَيْنَ، لأجل أنك تقربها من الياء الساكنة، وحقها أن تقع بعد الكسرة، وكذلك القريب منها والضرب الثامن أن تكون الهمزة مضمومة مكسوراً ما قبلها، نحو هذا قارئ يا فتى مثل قارع يا فتى وهذا فيه خلاف، فمذهب الخليل وصاحب الكتاب جعلها بين بَيْنَ، ومذهب أبي الحسن القلب إلى الياء والتاسع أن تكون مكسورة قبلها ضمة، نحو سئل وهذه مثل الثامن في قلب، إلا أن أبا الحسن يقلبه واو للضمة قبلها، كما يقلبها ياء للكسرة قبلها في قاريء فأما ما حكاه محمد بن السري في كتابه في القراءات عن أبي الحسن من أنه قال من زعم أن الهمزة المضمومة لا تمنع الكسرة إذا خففت دخل عليه أن يقول هذا قاريء و هؤلاء قارئون و يستهزئون قال يعني أبا الحسن، وليس هذا من الكلام من خفف من العرب، إنما يقولون يستهزئون فخطأ في النقل، ألا تراه يلزم الخليل وسيبويه أن يقولا هذا في المتصل؟ قالا ذلك في المنفصل، نحو من عند أخيك، ونسمعهما يقولان إنه قول العرب، هذا مما لا يظن وأبو الحسن قد فصل بين المتصل والمنفصل في وغلام، نحو إبلك، فقلب المتصل واوا والمنفصل ياء

هذا الذي حكاه عنه غلط في النقل، وإنما دخل عليه أن يقول هذا قارو بالواو، كما حكيناه فكذلك رواه أبو عبد الله اليزيدي عنه، ثم حكاه عن أبي الحسن من قولهم إنما يقولون يستهزيون على ماذا يحمله، على التحقيق أم على فصلها بين بين؟ فإن حمله على التحقيق لم يجز، على أن الكلام ليس فيه، إنما الكلام على التخفيف أم على جعلها بين بين فإن حمله على أنه جعلها بين بين، فقد أثبت إذن ما أنكره، وما لم يقله أحد من أهل التخفيف عنه، وهذا خطأ عليه فاحش في النقل وأما ما ذكره محمد بن يزيد في هذه المسألة في كتابه المترجم بالشرح من قوله والأخفش لا يقول إلا كما يقول النحويون هذا عند ئِبِلك ولكن يخالف في يستهزئون فهذا الإطلاق يوهم أنه لا يفصل بين المتصل والمنفصل، وقد فصل أبو الحسن بين أكمؤك و " عند نحوبك " فينبغي إذا كان كذلك ألا نرسل الحكاية عنه، حتى يعتد ويفصل بين المتصل والمنفصل كما فصل هو وأما الهمزة المفتوحة التي بعدها همزة مضمومة من كلمة واحدة، فقد جاء في التنزيل في أربعة مواضع في آل عمران " أَ أُنبئكم " وفي ص " أَ أُنزل " وفي القمر " أَ أُلقي " والرابع في الزحرف " أَ أُشهدوا " والهمزة المفتوحة التي بعدها مكسورة من كلمة أولها من الأنعام " أَ إنكم لتشهدون " والثانية في النمل " أ إنكم لتأتون " والثالثة في الشعراء " أ إنَّ لنا لأجراً " والرابعة في التوبة " أئمة الكفر " والخامسة في يوسف " أ إنك لأنت يوسف " والسادسة في مريم " أ إذا ما مت " والسابعة في الشعراء " أ إن لنا " والثامنة والتاسعة في القصص " أئمة " فيهما والعاشرة في السجدة " أئمة " والحادية عشر في يس " أ إن ذكرتم " والثانية عشر في الصافات " أ إنا لتاركوا " والثالثة عشر فيها " أ إنك لمن المصدقين " والرابعة عشر فيها " أ إفكاً آلهة " والخامسة عشر في السجدة " أ إنكم لتكفرون " والسادسة عشر في الواقعة " أ إنَّا لمغرمون " والسابعة عشر في النمل " أ إنكم " والثامنة عشر في ق " أ إذا متنا وكنا " والتاسع عشر في الأنبياء " أئمة " وخمسة في النمل " أ إله " فذلك أربعة وعشرون فهذه همزتان اجتمعتا مفتوح بعدها مكسور، وفي مدها وتليين الثانية اختلاف؛ إلا التي في الشعراء، فإنه لم يقرأ هناك على الخبر أحد، كما قرأ في الأعراف؛ وقد يرد غير ذلك مع استفهام بعده فأولها في سورة الرعد " أ إذا أإنا " وفي بني إسرائيل اثنان وفي المؤمنين واحد وفي السجدة واحد وفي النمل " أإنا لمخرجون " وفي العنكبوت " أإنكم لتأتون الفاحشة أإنكم " وفي الصافات موضعان وفي الواقعة وفي سورة النازعات فهذه أحد عشر موضعاً وعشرون كلمة وأما المفتوحتان ففي إحدى وثلاثين موضعاً أولها في البقرة " أأنذرتهم " وفيها " أأنتم أعلم " والثالثة في آل عمران " أن يؤتى أحد " في قراءة ابن كثير والرابعة فيها " أأسلمتم " والخامسة فيها " أأقررتم " السادسة في المائدة " أأنت قلت للناس " السابعة، والثامنة، والتاسعة " أأمنتم " في الأعراف وطا والشعراء والعاشرة في هود " أألد " الحادي عشر في يوسف " أأرباب " الثاني عشر في سبحان " أأسجد " الثالث عشر في الأنبياء " أأنت فعلت " الرابع عشر في الفرقان " أأنتم أضللتم عبادي " والخامس عشر في النمل " أأشكر " السادس عشر في يس " أأنذرتهم " السابع عشر فيها " أأتخذ " الثامن عشر في السجدة " أأعجمي " التاسع عشر في الزخرف " أآلهتنا " العشرون في الأحقاف " أأذهبتم " الحادي والعشرون والثاني والثالث والرابع والعشرون في الواقعة " أأنتم " الخامس والعشرون في المجادلة " أأشفقتم " السادس والعشرون في الملك " أأمنتم " السابع والعشرون في القلم " أأن كان ذا مال وبنين " الثامن والعشرون في النازعات " أأنتم أشد " التاسع والعشرون " أألهاكم " الثلاثون " آ الذكرين " الحادي والثلاثون " آزر " وفي كل ذلك اختلاف بين القراء السبعة؛ إلا في قوله " آلذكرين " " وآزر " فإن السبعة اجتمعت على مد آ الذكرين في الموضعين وآزر على وزن أفعل وأما قوله " آلله أذن لكم " وقوله " آلله خير لكم وقوله " آلان " فإنهم أجمعوا على مد هذه الأحرف، ولم يحذفوا المد، كي لا يشتبه الخبر بالاستفهام لو قيل الآن، والله أعلم

وأما التقاؤهما من الكلمتين، مما جاء في التنزيل على ثلاثة أضرب فهما متفقتان على الفتح، وهي في تسعة وعشرين موضعاً أولها في النساء " السفهاء أموالكم " وفيها " أو جاء أحد منكم من الغائط " وهكذا في المائدة وفي الأنعام " جاء أحدكم " وفي الأعراف " جاء أجلهم " وفي هود " جاء أمر ربك " اثنان " وجاء أمرنا " خمسة وفي الحجر " جاء آل لوط " وفيها " جاء أهل المدينة " وفي النحل " جاء أجلهم " وفي الحج " السماء أن تقع " وفي المؤمنين " جاء أمرنا " وفيها " جاء أحدهم الموت " وفي الفرقان " من شاء أن يتخذ " وفي الأحزاب " إن شاء أو يتوب عليهم " وفي الملائكة " جاء أجلهم " وفي المؤمن " جاء أمر الله " وفي الحديد مثله وفي المنافقين " إذا جاء أجلها " وفي اقتربت الساعة " جاء آل فرعون " وفي سورة محمد عليه السلام " جاء أشراطها " وفي عبس " شاء أنشره " الضرب الثاني همزتان مكسورتان من كلمتين، وهي في ثلاثة عشر موضعاً أولها في البقرة " هؤلاء إن كنتم " وفيها على قول الزيات والأعمش " من الشهداء أن تضل " وفي النساء " من النساء إلاَّ " موضعان وفي يوسف " بالسوء إلاَّ " وفي الأحزاب " النساء إن اتقيتن " وفيها " أبناء إخواتهن " وفيها " للنبي إن أراد النبي " " لا تدخلوا بيوت النبي إلاَّ " على قول نافع عن قالون، وأبي حاتم عن ابن كثير وفي النور " البغاء إن أردن " وفي الشعراء " من السماء إن كنت " وفي سبأ " السماء إن في ذلك " وفيها " أهؤلاء إياكم " وفي الزحرف " في السماء إله " وفي هود " ومن وراء إسحق " وفي ص " هؤلاء إلا صيحة " وفي بني إسرائيل " هؤلاء إلا رب السموات " وفي السجدة " من السماء إلى الأرض " وأما المضمومتان من كلمتين ففي موضع واحد " أولياء أولئك " فهذا في المتفقين وأما المختلفان، ففي التنزيل على خمسة أضرب، مضمومة دخلت على مفتوحة مثل " السفهاء ألا " والثاني ضدها مفتوحة على مضمومة نحو " جاء أمة " ولا ثاني له الثالث مكسورة دخلت على مفتوحة مثل " وعاء أخيه " الرابع ضدها " شهداء إذ حضر " الخامس مضمومة دخلت على مكسورة مثل " نشاء إنك " ولا ضد لها والضرب الأول " السفهاء ألا " " النبي أن يستنكحها " " يشاء ألم تر " " سوء أعمالهم " " البغضاء أبداً " " لو نشاء أصبناهم " " تشاء أنت ولينا " " الملأ أفتوني " " الملأ أيكم " وأيضاً " الملأ أفتوني في رؤياي " " جزاء أعداء الله " الضرب الثاني " جاء أمة " لا ثاني له الثالث " من الشهداء أن تضل " " وعاء أخيه " موضعان " السوء أفلم يكونوا " " هؤلاء آلهة " " من الماء أو مما رزقكم الله " " السماء أن يخسف " " السماء أن يرسل " " السماء أو ائتنا " " أبناء أخواتهن " " الفحشاء أتقولون " والضرب الرابع " شهداء إذ حضر " " البغضاء إلى " موضعان، " شهداء إذ وصاكم الله " " شركاء إن يتبعون " " الفحشاء إنه " إن شاء إن الله " " أولياء إنا اعتدنا " " الدعاء إذا " ثلاثة مواضع " وجاء إخوة يوسف " زكريا إذ نادى " وفي الأنبياء مثله " نبأ إبراهيم " " حتى تفئِ إلى أمر الله " الضرب الخامس " يشاء إلى صراط " " يشاء إذا قضى " " الشهداء إذا ما دعوا " " نشاء إنك " " وما مسنى السوء إن " " السيء إلا بأهله " " يا زكريا إنا " " نشاء إلى أجل مسمى " " لما يشاء إنه " " الملأ إنُّي ألقى " " النبي إنا أرسلناك " " من يشاء إلى صراط " في يونس وفي النور " من يشاء إلى " موضعان وفي الملائكة " العلماء إن الله " " الفقراء إلى الله " " النبي إذا جاءك المؤمنات " " النبي إذا طلقتم النساء " في حم عسق " من يشاء إناثاً " وفيها " ما يشاء إنه بعباده " فذلك اثنان وستون موضعاً هذه الهمزات المختلفة، روت القراء عن أبي عمرو تليين الثانية، وتحقيق الأولى وروى سيبويه عنه تليين الأولى، وتحقيق الثانية نحو يا زكريا زكريا وأما الهمزتان إذا التقتا وكانت كل واحدة منهما من كلمة، فإن أهل التخفيف يخففون إحداهما، ويستثقلون تحقيقهما لما ذكرت لك، كما استثقل أهل الحجاز تخفيف الواحدة، فليس في كلامهم أن تلتقي همزتان فتحققا ومن كلامهم تخفيف الأولى، وتحقيق الثانية، سمعنا ذلك من العرب وحدثني هارون القاريء أنه سمع العرب يقولون، وهو قوله " فقد جاء اشراطها " و " يا زكريا إنا نبشرك " وهو قول أبي عمرو، وأنشد الشاعر
كل غراء إذا ما برزت ... ترهب العين عليها والحسد
انتهى كلامه

وكان المقصود من إدخال هذا الباب الإشارة بهذا الخلاف بين سيبويه والقراء في روايتهم عن أبي عمرو، وكل حسن جائز فصيح
الثامن عشر
ما جاء في التنزيل من لفظ
مَنْ ومَا والَّذي وكُلُّ وأحَدٍ، وغير ذلك
كنى عنه مرة على التوحيد وأخرى على الجمع، وكلاهما حسن فصيح ذكره سيبويه وغيره فمن ذلك قوله تعالى " ومن الناس من يقول آمنا بالله " فكنى عن من بالمفرد حيث قال يقول ثم قال " وما هم بمؤمنين " ، فحمل على المعنى وجمع وقال " بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه " ، فأفرد الكناية في أسلم وله وهو ثم قال " ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " فجمع ومن ذلك قوله تعالى " ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة " ، فأفرده ثم جمع وقال في موضع آخر " ومنهم من يستمعون إليك " وقال " ومن يقنت منكن لله ورسوله " فذكر يقنت ثم قال " وتعمل صالحاً نؤتها " فأنث حملاً على المعنى، والقياس في هذا أن يكنى عن لفظ، ثم يحمل على المعنى ويثنى ويجمع ويؤنث فأما إذا كنيت عنه بالجمع، ثم تكنى عنه بالمفرد، فإنهم قالوا هذا لا يحسن، وقد جاء التنزيل بخلاف ذلك قال " ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً قد أحسن الله له رزقاً " فجمع خالدين بعد إفراد اللفظ ثم قال " قد أحسن الله له رزقاً " ، فأفرد قال عثمان، في قول الفرزدق من أبيات الكتاب
ورثت أبي أخلاقة عاجل القرى ... وضرب عراقيب المتالي شبوبها
عاجل القرى بدل من أخلاقة جوهر عن حدث، لأن أخلاقه بدل من أبي فهو كمعين بعد جاء حينه ولا يلزم عوده إلى الأول، لأنه قد جاء " قد أحسن الله له رزقاً " ويجوز أن يكون عاجلاً كالعافية ويوضحه ما بعده من المصدر قال فرق بين معين وعاجل في العود إلى الأول بأنه بيان، وليس في العود إلى من بيان الأول وهو كلام ساقط بعد الجهل بقوله " قد أحسن الله له رزقاً " وجوز في أخلاقه أن يكون مفعولاً ثانياً، ويجوز حذف من أي من أبي وإذا ثبت وصح أنه يجوز ويحسن العود إلى الإفراد بعد الجمع، كان قوله " وقالوا ما في بطون الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا " تذكيراً بعد التأنيث، لأنه أنث خالصة حملا لها على معنى التأنيث ثم عاد إلى اللفظ وإذا كان كذلك فقول الشماخ
أمن دمنتين عرس الركب فيهما ... بعقل الرجامى قد عفا طللاهما
أقام على ربعيهما جارتا صفاً ... كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما
لا يبطل به حجة من احتج على إجازة سيبويه مررت برجل حسن وجهه، قد احتج بهذا البيت على جواز المسألة وقال جونتا مصطلاهما كحسنى وجهها فقال قائلون إن قوله مصطلاهما بعودهما إلى الأعالي، لأن الأعالي بمعنى الأعليين قيل لهم التثنية بعد الجمع محال لا يحسن فقالوا قد جاء الإفراد بعد الجمع، والتذكير بعد التأنيث، وإنما يبطل احتجاجهم بأنه لا يقال كميتا الأعالي جونتا مصطلى الأعالي وإنما يقال مصطلى الأسافل وهذا حديث قد كتبناه في مواضع ليس من بابه هذا الكتاب ومن ذلك قوله تعالى " كمثل الذِي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله " فكنى عنه بالمفرد ثم قال " ذهب الله بنورهم " فكنى عنه بالجمع ومثله " والذِي جاء بالصدق وصدق به " ثم قال " أولئك هم المتقون " وقال " والذِي قال لوالديه أف لكما " ثم قال " أولئك الذين حق عليهم القول " ويجوز أن يكون التقدير في قوله " والذِي قال لوالديه " أي، وفيما يتلى عليكم فحذف الخبر ومثله " تماماً على الذِي أحسن " أي تماماً على المحسنين عن مجاهد، كأنه قيل تماماً على المحسنين الذي هو أحدهم وقيل تماماً على إحسانه أي إحسان موسى بطاعته فيكون مصدراً كقوله " وخضتم كالذِي خاضوا " أي كخوضهم وعلى الأول جنس كقوله " بأحسن الذِي كانوا يعملون " وقوله " أرنا اللذين أضلانا " ومن ذلك قوله تعالى " ويجعلون لما لا يعملون نصيباً مما رزقناهم " قال أبو علي القول فيما يعود من الصلة إلى الموصول، إنه لا يخلو من أن يكون ما يقدرها محذوفة، أو يكون الواو فلا يجوز أن تكون الهاء لأن الكفار يعرفون ما يتخذونه آلهة فإذا لم يجز ذلك علمت أن الراجع إلى الموصول، الواو في يعلمون

وإنما عاد عليه على لفظ الجمع كما قال " ولا يستطيعون " فحمل على المعنى، والضمير في يجعلون للكفار، والذي في يعملون، يعود إلى ما كما قال " وما يشعرون " فهذا كقوله " ما لا يملك لهم من السموات والأرض شيئاً ولا يستطيعون " فالضمير في لا يستطيعون وقال في موضع آخر التقدير ويجعلون لما لا يعلمونه إلهاً فحذف المفعولين ومن ذلك قوله " وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا " يحتمل قوله تلقف أمرين يجوز أن يكون في تلقف ضمير قوله ما في يمينك وأنت على المعنى، لأنه في المعنى عصا ويؤكد ذلك قوله " فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون " وكذلك يكون الضمير في قوله " وألق ما في يمينك تلقف " ويجوز أن تكون تلقف للمخاطب وجعله هو المتلقف، وإن كان المتلقف في الحقيقة العصا لأنه بإلقائه كان، فأسند التلقف إليه، وإن كان للعصا في الحقيقة، كما قال " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " ومما حمل على المعنى قوله " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما " فالضمير في يتعلمون يعود إلى أحد وقال " لا نفرق بين أحد منهم " ، وبين لا تضاف إلى المفرد، قال في ثلاثة مواضع هذا اللفظ وقال " أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم " فجمع الضمير في يحاجوكم حملا على المعنى وقال " فما منكم من أحد عنه حاجزين " فهذا على الحجازية أحد اسمها، وحاجزين خبر له ولم يبطل الفصل هنا عمل ما لأن الفصل بالظرف كلا فصل وعلى التميمية حاجزين نعت ل أحد على المعنى ومنكم خبره ومن الحمل مرة على اللفظ وأخرى على المعنى قوله " إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً " وقال " وكلهم آتيه " ولم يقل آتوه ولا آتوا الرحمن كما قال " وكل أتوه داخرين " " وكل في فلك يسبحون " وقال " كل شيء هالك إلا وجهه "
التاسع عشر
ما جاء في التنزيل من ازدواج الكلام
والمطابقة والمشاكلة وغير ذلك
وهو باب واسع مرة يشاكل اللفظ باللفظ، والمعنى بالمعنى، وباللفظ دون المعنى، وبالمعنى دون اللفظ فمما جاء من ذلك قراءة من قرأ وما يخادعون إلا أنفسهم بالألف طابق به قوله " يخادعون الله " وأراد أن يكون اللفظ المثبت هو المعنى ومثله " إنما نحن مستهزئون " " الله يستهزيء بهم " والثاني جزاء الاستهزاء ومثله " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه " والثاني جزاء وليس بعدوان ومثله " ومكروا ومكر الله " أي جازاهم وقوله " فيسخرون منهم سخر الله منهم " ومثله " وجزاء سيئة سيئة مثلها " فهذا كله طباق على المعنى وروعى في ما يخادعون طباق اللفظ والمعنى ومن ذلك قوله تعالى " اهدنا الصراط المستقيم " أبدلوا من السين صادا لتوافق الطاء في الإطباق لأن السين مهموسة والطاء مجهورة ولهذا أبدلها من أبدلها، لتوافق الطاء في الجهر ومثله قوله " أنبئهم " " فانجبست " " وإن يك " أبدلوا من النون ميماً، لأن الميم يوافق الباء في المخرج، وتوافق النون في الغنة فلما لم يستتب إدغام النون في الباء لبعدها منها وأرادوا تقريب الصوت أبدلوها ميماً وهذه الميم مخفاة، غيري مدغمة في الباء بتة، وليست بمظهرة كإظهارها في قولهم شاة زنماء وأنملة لأن إدغامها هناك يتوهم معه أنه من المضاعف بخلاف قولهم أمحي وأدخل لأن المثال انفعل وليس في الكلام إفعل ومن المشاكلة أيضاً قوله " وجعلنا في قلوب الذين اتبعوا رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها " فنصبوا رهبانية في الاختيار وسعة الكلام، بفعل مضمر، ليطابق الفعل المصدر به الكلام ومثله لو وقع ابتداء اختير فيه الرفع دون النصب، نحو زيد ضربته ومثل الآية " يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم " فجاء والظالمين منصوباً بفعل مضمر، ليطابق يدخل على تقدير يدخل من يشاء في رحمته، ويعذب الظالمين ومثله " وكلا ضربنا له الأمثال " فنصبوا كلا بمضمر لأنه قد تقدم " فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميراً " وقد جاء " والقمر قدرناه " بالرفع والنصب فمن نصب نظر إلى قوله " نسلخ منه النهار " ومن رفع نظر إلى قوله " وآية لهم الأرض " " وآية لهم الليل " فأما قوله تعالى " والنجم والشجر يسجدان والسماء رفعها " فإن الاختيار كان النصب وإن كان الصدر قوله والنجم والشجر، لأن قوله يسجدان فعل وفاعل

وكان سيبويه يقول إن قلت زيد ضربته وعمراً كلمته إن الاختيار في عمرو النصب لأنه معطوف على قولك ضربته فثار ثاثر الزيادي وقال إنا لو قلنا زيد وعمرو كلمته لم يصح هذا لأن قولك عمرو كلمته ليس فيه ضمير يعود إلى زيد فلا يصلح العطف على ما هو خبره فقال أبو سعيد إن هذا الكلام من سيبويه، محمول على إضمار الهاء، والتقدير زيد ضربته وعمرو كلمته في داره، أو عنده، وأنت لو قلت زيد عمرو كلمته في داره صح وجاد وليس الأمر كما قال الزيادي، ولا كما قال السيرافي، لأن المعطوف لا يعتبر فيه وصفه موضع المعطوف عليه فسيبويه أضمر الفعل، ليشاكل ضربته ويشاكل يسجدان والإعراب ما لم يظهر في موضع الجملة، لم يعتد به وباب المطابقة باب حسن جداً على ما حكى سيبويه حجر ضب خرب فتركوا الرفع في خرب، وجروه حرصاً على المطابقة ومنه قراءة الحسن " الحمد لله " بضم اللام تبعاً للدال، وعكسه كسر الدال، تبعاً للام عن الحمصي وعليه قراءة أبي جعفر " للملائكة اسجدوا " بضم التاء تبعاً للجيم وعليه ما رواه أبو حاتم في اختياره " والجروح قصاص " بكسر الحاء تبعاً للقاف وعليه ما رواه عن يعقوب هو أو غيره " إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا " بكسر العين تبعاً لأنفسكم وعليه ما قرأ به أبو جعفر " وكل أمر مستقر " ومثله " وامسحوا برءوسكم وأرجلكم " ولهذا المعنى اختص قوله في سورة النحل " فلبئس مثوى المتكبرين " بإدخال اللام وجاء في الأخريين فبئس لمجاورة قوله " ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين " فأما قوله تعالى " إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله " فإن أولئك في موضع الرفع بالابتداء، في قياس ما اختاره سيبويه، في قولهم إني زيد لقيت و إني أخوك رأيته لأن الموضع لا يختص بالفعل فأولئك ابتداء ويلعنهم الله خبره، والجملة خبر إن، ويجوز النصب، وليس باختيار وهذا بخلاف قوله تعالى " إنا كل شيء خلقناه بقدر " لأنه جاء منصوباً، دون أن يكون مرفوعاً، لأنه لو رفع، لاحتمل أن يكون الخبر بقدر ويكون خلقناه حراً صفة للنكرة، واحتمل أن يكون خلقناه خبراً، والغرض تعميم كل شيء بالخلق والتقدير إنا خلقنا كل شيء فعلى هذا قوله " إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم " وكذلك " والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم فأولئك سوف يؤتيهم أجورهم " أولئك مبتدأ، وسوف يؤتيهم خبره والجملة خبر الذين وكذلك قوله " ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا " الاختيار في أولئك الرفع دون النصب بمضمر دل عليه أعتدنا لهم، لأنه ابتداء وخبر والجملة خبر قوله ولا الذين إذا رفعت الذين بالابتداء فأما قوله " إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله " فالاختيار النصب في الموتى بإضمار فعل على تقدير ويبعث الموتى ليكون معطوفاً على يستجيب فإذن الوصل أحسن من الوقف، أعني على يسمعون وأما قوله تعالى " وأما ثمود فهديناهم " فالاختيار الرفع، لأن الموضع موضع اسم، لأن أما وإن كان يعني الشرط، حيث أقيم مقام مهماً، فإن الشرط محذوف وما بعد الفاء مقدم على الفاء من المبتدأ، فالموضع موضع اسم، وقرأها الحسن والأعمش وأما ثمود بالنصب بفعل مضمر، مقدر بعده مفسر ب هديناهم على تقدير وأما ثمود فهدينا فحذف فهدينا لاستغنائه بهديناهم، لا يكون وأما هديناهم لأن أما اسم لا يدخل الفعل وتقول إذا زيد ضربته أهنته الاختيار الرفع عنده خلافاً للبرد إن زيداً ضربته فائتني الاختيار النصب لأن الشرط يصح في الفعل وكذلك " وإن امرأة خافت " و " إن إمرؤ هلك " " وإن أحد من المشركين " محمول على إضمار فعل وكذلك في كنت أخاك، و زيداً اشتريت له ثوباً الاختيار النصب لأن كنت يتصرف تصرف الفعل وكذلك لست أخاك وزيداً أعينك عليه لأنه من أخوات كان وكذلك هذا ضارب زيد وعمراً تمر به الاختيار النصب لأن ضارباً بمعنى يضرب وكذلك ضربت زيداً وعمراً أنا ضاربه فأما قولهم لقيت زيداً وأما عمرو فقد مررت به فالاختيار الرفع وكذلك لقيت زيداً وعمرو مررت به، و لقيت زيداً فإذا عبد الله يضربه عمرو وأما حتى نعله ألقاها فالرفع على الابتداء، لأن حتى من حروف الابتداء، والنصب بالعطف، والجر بنفس حتى

وكذلك قد ضربت زيداً وسوف أضرب عمراً ولم يجز التقدم في قد زيداً ضربت، ولا سوف عمراً أضرب، هلا زيداً أتيته، الاختيار النصب لأنه تخصيص بمنزلة الاستفهام في أزيداً ضربته وهذا زيد يذهب أقبح من أزيد قام لأن الألف أم الباب وهل زيد منطلق أحسن من هل زيد يذهب لأن الفعل ينبغي أن يلي هل، وازيد ضربته أحسن من إن زيد ضربته لأن الشرط لا يحسن معه التأويل كما يحسن مع الهمزة أأنت عبد الله ضربته بالحمل على الابتداء يختار الرفع في الحمل على الابتداء، لأن الهمزة تعتمد على معنى الهمزة، وأبو الحسن يحمله على الفعل، فيختار النصب وفي التنزيل " أفأنت تنقذ من في النار " أزيد أخوه تضربه بالحمل على الابتداء، ولم يجز النصب بإجماع، لأنه ليس لزيد في الفعل نصب، ولو كان يضربه كان فيه الخلاف أزيداً أخاه تضربه في الحمل على الفعل، لأن الفعل الواقع على أخيه، واقع على سببه وقيل لا تقول في زيداً إلا بالرفع لئلا تتعسف بالحمل على تفسير التفسير زيد لم يضربه إلا هو بالحمل على المرفوع، دون المنصوب، لأن في حمله على المنصوب، يجيء زيد اضرب، فتصير الفضلة لا بد منها إذا عبد الله تلقاه فأكرمه بالنصب، وليس مثل نظرت فإذا زيد يضربه عمرو لأن إذا التي للمفاجأة بالاسم أولى جئت فإذا زيد ضربه عمرو و جئت إذا زيد ضربه عمرو بخلاف إذا زيد يضربه عمرو لأن إذ يطلب الماضي خاصة، فإذا وقع المضارع صار بمنزلة الاسم، في أنها لا تطلبه زيداً اضربه بالنصب، لأن الهمزة بالفعل أولى زيداً ليقطع الله يده بالنصب، لأنه دعاء، وهو بمنزلة الأمر ما زيداً ضربته ولا عمراً كلمته لأنه بالفعل أولى، ما لم يعمل في الاسم قال أبو الحسن وتقول أزيداً كان أبوه منطلق منطلق في موضع النصب، خبر كان وهو بسبب من زيد وهكذا زيد عسى أبوه أن يقوم لأن أن يقوم في موضع النصب وكذا في كاد وعسى تقول أزيد عسى أن تقوم أخواه وأزيد كاد أن يقوم أخواه في الشعر، فترفع لأن سببه في موضع رفع وكذلك أخواك عسى أن يقوما كأنك قلت عسى قيامهما ولو قلت عسى أخواك أن يقوما كانت في موضع نصب وكذلك زيداً ليس أخوه منطلق يختار النصب في ليس ضمير الحديث وتقول أخويك زيد وعمرو عسى أن يضرباهما فتضمر في عسى ويكون أن يضرباهما في موضع نصب، وتحمل أخويك عليه ويجوز أخواك زيد وعمرو عسى أن يضرباهما على أن تجعل أن تضرباهما في موضع رفع، ولا تضمر في عسى وترفع أخواك لأن سببهما في موضع رفع، فيكون زيد وعمرو أحدهما معطوفاً على الآخر، وهما في موضع الابتداء بالثاني وعسى أن تضرباهما في موضع الجر، والضمير الذي في يضرباهما يعود إلى المبتدأين فهذا تقدير والتقدير الآخر على أن ترفع الأول والثاني بالفعل؛ لأن سببهما رفع، وهو الضرب، إذ الضرب متصل بضميرهما، وضمير زيد وعمرو والضرب مرفوع بالفعل، فترفع الأول والثاني بالفعل، كأنك قلت أيرجا أخواك رجاء زيد وعمرو أن يضرباهما فهذا التقدير الثاني، على قياس إعمال الفعل، إذا عمل في السبب أن يعمل في الأول ومن المطابقة قوله تعالى في سورة هود " وأخذت الذين ظلموا الصيحة " فأدخل التاء في الفعل مع الفصل لمجاورة قوله " كما بعدت ثمود " ومثله " وتغشى وجوههم النار " ، بالتاء مع الفصل، لمجاورة قوله " يوم تبدل الأرض " وقال " وتكون لكما الكبرياء " ، بالتاء كقوله " أجئتنا لتلفتنا " وإن كان ذلك للخطاب وقال " ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق " ، فترك النون في سورة النحل، لأن سياق الآية " ولم يك من المشركين " بخلاف ما في سورة النحل، حيث جاءت بالنون ومن المطابقة قراءة حفص عن عاصم " ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم " " ولئن مُتم أو قتلتم " بضم الميم مع كسرها في سائر التنزيل، ليطابق ضم القاف في قتلتم وعلى هذا قراءة أبي عمرو " قل إن الله قادر على أن ينزل " بالتشديد مع تخفيفه في سائر التنزيل، ليطابق قوله " لولا نزل عليه آية من ربه " كما أن ابن كثير خص الموضعين بالتشديد في قوله تعالى " وننزل من القرآن " وقوله " حتى تنزل علينا " لمجاورة قوله " ونزلناه تنزيلاً " وخص يعقوب بالتشديد قوله " والله أعلم بما ينزل " لقوله قل نزله روح القدس " وأظهر أبو عمرو الباء عند الميم في جميع التنزيل، نحو قوله " والله يكتب ما يبيتون " وأدغمها في قوله " يعذب من يشاء " في خمسة مواضع

في البقرة وآل عمران وفي المائدة في موضعين وفي سورة العنكبوت لموافقة " يعذب من يشاء ويرحم من يشاء " وهو يدغم الراء في اللام والميم في الميم ومن ذلك قوله تعالى " وكل شيء فصلناه تفصيلاً " ، جاء منصوباً، لأن قبله " وجعلنا الليل والنهار آيتين " فنصب لما ذكرنا بفعل مضمر، ليكون مطابقاً وموافقاً وكذا " وكل إنسان ألزمناه " جاء منصوباً لهذا المعنى وأما قوله تعالى " أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه " ففاعل علم الضمير على كل ولا يجيء على مذهب سيبويه وما جاء عليه التنزيل من هذا النحو، أن يكون فاعل علم الله، ولو كان كذلك لوجب أن ينصب كل ألا ترى أنك تقول يقوم زيد وزيداً أضرب غلامه فتنصب زيداً لأن الذي من سببه منصوب وكذلك قوله كل قد علم ولو كان فاعل علم اسم الله دون الضمير العائد إلى كل لنصب وكذلك قوله " والعمل الصالح يرفعه " ففاعل يرفع الضمير العائد إلى العمل الصالح، والعمل الصالح مبتدأ ولو كان فاعل يرفعه اسم الله أو الكلم على رفع الكلم العمل لوجب نصب العمل، لأنه معطوف على يصعد وكأن المعنى والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، في رفعه الكلم، أنه لا يحبط بالعمل السيء، ولا يرتفع إليه، ويخلص من غير إحباط يقع عليه، من أجل عمل سيء وذكر الضمير في يرفعه، لأنه للكلم، كشجرة وشجر ومن المطابقة قراءة حفص في سورة الكهف " وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره " بضم الهاء في أنسانيه لما رأى أن الهاء المتصل ب أذكره وهو في صلة أن الذي صار بدلاً من الهاء، وفق بين الحركتين في الهاء ولهذا المعنى هرب في قوله " ويخلد فيه مهاناً " عن الكسرة فأشبعها، كيلا يلزمه أن يتبع الهاء الميم ومن المطابقة والمجاورة قراءة ابن عامر، في جميع التنزيل يا أبت بفتح التاء تبعاً للباء وعلى هذا حكاية سيبويه في يا طلحة لما رخموا ثم ردوا التاء، فتحوها تبعاً للحاء ومثل ذلك ما رواه أبو بشر عن ابن عامر " ثم يجعله حطاماً " بفتح اللام تبعاً للعين وعن أبي حنيفة " طعام ترزقانه " ، بضم النون تبعاً للهاء وعن الحلواني عن ابن عامر " أتعدانني " ، بفتح النون تبعاً للألف، وطلباً للمطابقة وعن ابن أبي عبلة " إنما أموالكم وأولادكم فتنة " بفتح التاء تبعاً لفتحة النون وعن الأئمة السبعة فتح الميم من قوله " ويعلم الذين يجادلون في آياتنا " غير نافع وابن عامر وهم يعدون النصب في مثل هذا شاذاً نحو إن تقعد أقعد وأكرم يختارون الجزم والرفع، دون النصب في وأكرم، ومع هذا أطبقوا خمستهم على فتح الميم تبعاً للام وعلى هذا أطبقوا خمستهم على فتح الميم تبعاً للام وأما قوله تعالى " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " بنصب الميم فيجوز أن يكون من هذا الباب فتح الميم إجماعاً ولم يكن فتح العين في قوله " ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم " إجماعاً، وإنما هي قراءة ابن أبي عبلة وقال النحويون في الآيتين إن نصبهما على الصرف، فلم كان أحدهما إجماعاً، والآخر شاذاً؟ وإن كانت التبعية عندك هي العلة، فقد وجدت التبعية أيضاً في النون من قوله ونمنعكم فالجواب أن المستحسن من هذا إنما هو الجزم، والنصب على الصرف ليس بمستحسن، فجاء ونمنعكم مجزوماً على ما هو المختار وإنما عدلوا إلى الفتح في ويعلم الصابرين لأن إسكان الميم هنا محال، لما يتأتى من التقاء الساكنين، وكان الجزم ممتنعاً، فلا بد من التحريك، والتحريك هنا الكسر، كما هي قراءة بعضهم ويعلم الصابرين والأئمة عدلوا عن الكسر إلى الفتح، لأنها أخف مع انفتاح ما قبله وليس في قوله ونمنعكم التقاء الساكنين فيجب التحريك وعن شعيب عن أبي بكر عن عاصم " إني آمنت بربكم فاسمعون " بفتح النون، لتساوي " المكرمين " من بعده، و " ترجعون " من قبله ولأن قوله عون بالكسر بعد الضم يصير كقولهم زيدون فكما وجب فتح النون بعد الواو هنا وجب فتحه أيضاً ههنا ومن المطابقة حذف الجار والمجرور في سورة الأعراف " فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل " ولم يقل كذبوا به، لما كان سياق الآية " ولكن كذبوا فأخذناهم " ولما قال " فكذبوه فنجيناه " في سورة يونس فأثبت الهاء قال في سياقها " بما كذبوا به من قبل " ومن المطابقة

قوله تعالى " والجان خلقناه من قبل " نصبه بإضمار فعل لأن قبله " ولقد خلقنا الإنسان " وكان أن تضمر وخلقنا الجان أحسن وأجود وإذا لم تعرف أنت حيث تستبدل بأن النصب هو المختار في قوله قام زيد وعمراً كلمته إلا قوله
أصبحت لا أنقل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا
والذئب أخشاه إن هممت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا
ولا تطلب هذه الآي التي عددتها لك، فما ذنبي من المطابقة وقوله تعالى " وجزاء سيئةٍ سيئةً مثلها " ومن ذلك قوله " ولا أنتم عابدون ما أعبد " ولم يقل من أعبد لأن قبله " ما تعبدون " يعني الأصنام فجاء على الأزدواج والمطابقة /المتمم العشرين
ما جاء في التنزيل من حذف المفعول
والمفعولين، وتقديم المفعول الثاني على المفعول الأول وأحوال الأفعال المتعدية إلى مفعوليها، و غير ذلك مما يتعلق به
ونحن نذكر من ذلك ما يدق النظر فيه، لأن ذلك لو حاول إنسان أن يأتي بجميعه توالت عليه الفتوق، ولم يمكنه القيام به لكثرته في التنزيل، وكان بمنزلة من يستقى من بئر زمزم فيغلبه الماء فمن ذلك قوله تعالى وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون أي وما يشعرون أن وبال ذلك راجع إليهم وكذلك ولكن لا يشعرون أي لا يشعرون أنهم هم المفسدون، ولكن لا يعلمون أي لا يعلمون أنهم هم السفهاء فأما قوله تعالى مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فقيل إن التقدير كمثل الذي استوقد صاحبه ناراً، فحذف المفعول الأول وقيل إن استوقد وأوقد كاستجاب، وأجاب ومنه قوله تعالى ولو شاء لذهب بسمعهم وأبصارهم وجميع ما جاء من لو شاء كان مفعوله مدلول جواب لو والتقدير ولو شاء الله إذهاب السمع والبصر لذهب بسمعهم وأبصارهم ومن ذلك قوله تعالى كلما أضاء لهم مشوا فيه أي أضاء لهم البرق الطريق مشوا فيه ومنه قوله تعالى لعلكم تتقون أي تتقون محارمه، وقيل بل قوله الذي جعل لكم الأرض فراشاً مفعول يتقون والأرض مفعول أول لجعل وفراشاً مفعول ثان، ومعنى جعل صير وقد يجيء جعل بمعنى صنع، وخلق؛ فيكون متعدياً إلى مفعول واحد، قال الله تعالى الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور بمعنى صنع وخلق وقال الله تعالى وجعل منها زوجها وإذا كانت بمعنى صيرت تعدت إلى مفعولين، لا يجوز الإقتصار على أحدهما، وهي في هذا الوجه تنقسم على ثلاثة أقسام كما تنقسم صيرت أحدها بمعنى سميت، كقوله تعالى وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أي صيروهم إناثاً بالقول والتسمية، كما تقول جعل زيد عمراً فاسقاً أي صيره بالقول كذلك والوجه الثاني أن تكون على معنى الظن والتخيل، كقولك اجعل الأمير غائباً وكلمه، أي صيره في نفسك كذلك والوجه الثالث أن تكون في معنى النقل، فتقول جعلت الطين خزفاً أي صيرته خزفاً ونقلته عن حال إلى حال قال الله تعالى اجعل هذا البلد آمناً أي صيره آمناً، وانقله عن هذه الحال قال سيبويه وتقول جعلت متاعك بعضه فوق بعض وله ثلاثة أوجه في النصب إن شئت جعلت فوق في موضع الحال، كما فعلت ذلك في رأيت، في رؤية العين وإن شئت نصبت على ما نصبت عليه رأيت زيداً وجهه أحسن من وجه فلان، تريد رؤية القلب وإن شئت نصبته على أنك إذا قلت جعلت متاعك تدخله معنى ألقيت، فيصير كأنك قلت ألقيت متاعك بعضه فوق بعض وهذه الوجوه الثلاثة يرجع وجهان منها إلى وجه واحد مما ذكرنا، وهو أن يجعل جعلت متعدياً إلى مفعول واحد غير أن معنى الوجهين اللذين ذكرهما مختلف، وإن كانا مجتمعين في التعدي إلى مفعول واحد فأحد الوجهين هو الأول الذي قال فيه إن شئت جعلت فوق في موضع الحال، فيكون معناه عملت الباب مرتفعاً، أي أصلحته، وهو في هذه الحال والوجه الثاني من هذين الوجهين هو الثالث مما ذكر سيبويه في قوله وإن شئت نصبته، على أنك إذا قلت جعلت متاعك، يدخله معنى ألقيت، فيصير كأنك قلت ألقيت متاعك بعضه فوق بعض؛ لأن ألقيت كقولك أسقطت متاعك بعضه فوق بعض، فيكون هذا متعدياً إلى مفعول، وهو منقول من سقط متاعك بعضه فوق بعض

فهو يوافق الوجه الأول في التعدي إلى مفعول واحد، ويخالف في غير ذلك، لأنك لم تعمل المتاع هاهنا لإصلاح شيء منه وتأثير فيه، كما تعمل الباب بنجره ونحته وقطعه وفوق في هذا كالمفعول إلا في موضع الحال، لأنه في جملة الفعل الذي هو ألقيت، لأنه منقول من سقط متاعك بعضه فوق بعض، والسقوط وقع على فوق وعمل فيه، على طريق الظرف وفي المسألة الأولى يعمل فيه جعلت، وإنما عمل فيه الاستقرار، وصار في موضع الحال وهذان الوجهان كوجه واحد وقوله وإن شئت نصبته على ما نصبت عليه رأيت زيداً على وجهه أحسن من وجه فلان؛ فتعديه إلى مفعولين من جهة النقل والعمل، كما تقول صيرت الطين خزفاً وإنما حملنا هذا الوجه على هذا، لأنه في ذكر جعلت الذي في معنى عملت، وأثرت قال والوجه الثالث أن تجعله مثل ظننت متاعك بعضه أحسن من بعض فهذا أحد وجوه صيرت التي ذكرناها، وهو الذي في معنى التخيل، والذي هو من طريق التسمية يشبه هذا الوجه، إلا أنه لم يذكره اكتفاء بهذا فأما قوله تعالى ويجعل الخبيث بعضه على بعض فالخبيث هو المفعول وبعضه بدل منه وقوله على بعض ظرف ليجعل، كما تقول يلقي الخبيث بعضه على بعض، ومن هذا الباب قوله تعالى أنبئوني بأسماء هؤلاء وقوله أنبئهم بأسمائهم قال ونبئهم عن ضيف ابراهيم أي اخبرهم عن ضيفه وقال ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر أي يخبر به فلما كان النبأ مثل الخبر كان أنبأته عن كذا، بمنزلة أخبرته عنه، ونبأته عنه مثل خبرته عنه، ونبأته به مثل خبرته به وهذا يصحح ما ذهب إليه سيبويه، من أن معنى نبأت زيداً نبأت عن زيد، فحذف حرف الجر، لأن نبأت قد ثبت أن أصله خبرت بالآي التي تلوناها، فلما حذف حرف الجر وصل الفعل إلى المفعول الثاني، فنبأت يتعدى إلى مفعولين أحدهما، يصل إليه بحرف جر، كما أن خبرته عن زيد كذلك فأما ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولين نحو نبأت زيداً عمراً أبا فلان فهو في هذا الأصل إلا أنه حمل على المعنى، فعدي إلى ثلاثة مفعولين وذلك أن الإنباء، الذي هو إخبار، إعلام، فلما كان إياه في المعنى، عدي إلى ثلاثة مفعولين كما عدي الإعلام إليها ودخول هذا المعنى فيه، وحصول مشابهته للإعلام لم يخرجه عن الأصل الذي هو له من الإخبار، وعن أن يتعدى إلى مفعولين، أحدهما يتعدى إليه بالباء أو بعن نحو ونبئهم عن ضيف ابراهيم ونحو قوله فلما نبأت به كما أن دخول أخبرني في أرأيت لم يخرجه عن أن يتعدى إلى مفعولين، كما كان يتعدى إليهما إذا لم يدخله معنى أخبرني به، إلا أنه امتنع من أجل ذلك أن يرفع المفعول بعده على الحمل على المعنى، من أجل دخوله في حيز الاستفهام، فلم يجز أرأيت زيداً أبو من هو كما جاز علمت زيدأ أبو من هو حيث كان المعنى علمت أبو من زيد، وذلك دخول معنى الإعلام في الإنباء، والتنبؤ لم يخرجهما عن أصليهما وتعديهما إلى مفعولين، أحدهما يصل إليه الفعل بحرف الجر، ثم يتسع فيه فيحذف حرف الجر، ويصل الفعل إلى الثاني فأما من قال إن الأصل في نبأت على خلاف ما ذكرنا، فإنه لم يأت على ما ادعاه بحجة ولا شبهة وأما قوله تعالى نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم فيحمل على وجهين أحدهما أن يكون نبئ بمنزلة أعلم، ويكون أني أنا الغفور الرحيم قد سد مسدهما فيكون في هذه، في قول الخليل على هذا، في موضع جر، وعلى قول غيره، في موضع نصب فأما قوله تعالى قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم، فإن جعلت اللام متعلقة بأنبئكم، جاز الجر، في جنات على البدل من خير، وإن جعلته صفة خير لأنه نكرة، جاز الجر في جنات أيضاً وإن جعلتها متعلقة بمحذوف لم يجز الجر في جنات وصار مرتفعاً بالإبتداء أو بالظرف، ولم يجز غير ذلك، لأن اللام حينئذ لا بد لها من شيء يكون خبراً عنها فأما قوله تعالى قد نبأنا الله من أخباركم فلا يجوز أن يكون من فيه زيادة، على ما يتأوله أبو الحسن من زيادة في الواجب، لأنه يحتاج إلى مفعول ثالث ألا ترى أنه لا خلاف في أنه إذا تعدى إلى الثاني، وجب تعديه إلى المفعول الثالث وإن قدرت تعديه إلى مفعول محذوف، كما تأول قوله تعالى يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها أي شيئاً ما، لزم تعديه إلى آخر، فإن جعلت من زيادة أمكن أن تضمر مفعولاً ثانياً، كأنه نبأنا الله أخباركم مشروحة

ويجوز أن تجعل من ظرفاً غي مستقر، وتضمر المفعول الثاني والثالث؛ كأنه نبأنا الله من أخباركم ما كنتم تسرونه تبييناً، كما أضمرت في قوله أين شركائي الذين كنتم تزعمون أي تزعمونهم إياهم وأما قوله تعالى ويستنبئونك أحق هو فيكون يستنبئونك يستخبرونك فيقولون أحق هو؟ ويكون يستنبئونك يستعلمونك، والاستفهام قد سد مسد المفعولين ومما يتجه على معنى الإخبار دون الإعلام قوله تعالى وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق فالمعنى يخبركم فيقول لكم إذا مزقتم، وليس على الإعلام ألا ترى أنهم قالوا افترى على الله كذباً أم به جنة ومن ذلك قوله تعالى وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون أي تكتمونه إلا إبليس أبى واستكبر أي أبى السجود واستكبر عنه ثم اتخذتم العجل أي اتخذتموه إلهاً وكذلك باتخاذكم العجل أي باتخاذكم إياه الهاً فحذف المفعول الثاني، لا بد من إضماره، لأنهم عوتبوا بذلك، ولا يعاتب أحد باتخاذ صورة العجل فإن قال قائل فقد جاء في الحديث يعذب المصورون يوم القيامة وفي بعض الحديث يقال لهم أحيوا ما خلقتم، قيل يعذب المصورون يكون على من صور الله تصوير الأجسام وأما الزيادة من أخبار الآحاد، التي لا توجب العلم، فلا يقدح في الإجماع ما ذكر الله وأما اتخذت فإنه في التعدي، على ضربين أحدهما أن يتعدى إلى مفعول واحد والثاني أن يتعدى إلى مفعولين فأما تعديه إلى مفعول واحد، فنحو قوله ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً، وأم اتخذ مما يخلق بنات، و اتخذوا من دون الله آلهة ولو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه وأما إذا تعدى إلى مفعولين، فإن الثاني منهما الأول في المعنى، قال اتخذوا أيمانهم جنة، وقال لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، وقال فاتخذتموهم سخرياً وأما قوله تعالى واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى فإن من أجاز زيادة من في الإيجاب جاز على قوله أن يكون قد تعدى إلى مفعولين، ومن لم يجز ذلك كان عنده متعدياً إلى مفعول واحد ومن حذف المفعول قوله تعالى اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم أي أنعمتها عليكم، فحذف؛ و قوله تعالى وسنزيد المحسنين أي ثواباً وكرامة؛ لأن زدت فعل يتعدى إلى مفعولين، قال الله تعالى وزدناهم هدىً، وقال زدناهم عذاباً فوق العذاب، وقال وزاده بسطة في العلم والجسم فأما قوله تعالى فزدناهم إيماناً فالمعنى زادهم قول الناس إيماناً، أضمر المصدر في الفعل، وأسند الفعل إليه وكذلك قوله تعالى فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً أي ما زادهم مجيء النذير وقال وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً أي ما زادهم نظرهم إليهم أو رؤيتهم لهم إلا إيماناً وأما قوله لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً أي ما زادوكم قوة ونصرة إلا خبالاً، فحذف المفعول الثاني وليس انتصاب خبالاً كانتصاب إيماناً لقوله وما زادهم إلا إيماناً لكن على الاستثناء، أي يوقعون خبالاً وفساداً هذا هو الصحيح في هذه الآية، وأظنني نقلت عن بعضهم غير هذا في هذه الأجزاء وقوله تعالى ولأوضعوا خلالكم أي لأوضعوا بينكم ركائبهم عن أبي الهيثم وقال أبو اسحاق لأوضعوا فيما يحل بكم ومن حذف المفعول قوله تعالى وإذ استسقى موسى لقومه أي استسقى ربه، وكذلك يخرج لنا مما تنبت الأرض، التقدير يخرج لنا شيئاً مما تنبت الأرض، فالمفعول مضمر، وقوله مما تنبت الأرض في موضع الوصف له، أي شيئاً مما تنبت الأرض وهذه مسألة عرضت، فنقول فيها إن من لا تزاد في الواجب عندنا وقال الأخفش تجوز زيادتها في الواجب، كما جازت زيادتها في النفي، وكما جاز ما لكم من إله غيره وهل من خالق غير الله، وما من إله إلا إله واحد، و وما من إله إلا الله، بالإتفاق؛ فكذا في الواجب، والتقدير عنده يخرج لنا مما تنبت الأرض، وكذا واسألوا الله من فضله وسيبويه يحمل هذا ونظائره في التنزيل على حذف الموصوف، الذي هو المفعول، وإقامة الصفة مقامه فأما قوله تعالى ولقد جاءك من نبأ المرسلين، فإن التقدير ولقد جاءك شيء من نبأ المرسلين وجاز إضمار شيء وإن كان فاعلاً، لأن الفعل لا بد له من الفاعل، وقد تقدم هذا فأما قوله وما نزل من الحق، فمن خفف، كان ما بمنزلة الذي، وفيه ذكر مرفوع يعود إلى ما ولا يجوز فيمن خفف، أن يجعل ما بمنزلة المصدر مع الفعل، لأن الفعل يبقى بلا فاعل

ولهذا المعنى، حملنا قراءة أبي جعفر حافظات للغيب بما حفظ الله بالنصب، على أن ما بمعنى الذي، أي بالشيء الذي حفظ أمر الله فلا تكون ما مصدرية، كما ذهب إليه عثمان في المحتسب، لأنه يبقي حفظ بلا فاعل ولا يجوز فيمن جوز من زيادة من في الإيجاب، أن يكون الحق مع الجار في موضع الحال، وقد جعلت ما بمنزلة الذي لأنه لا يعود إلى الموصول شيء ومن شدد، كان الضمير الذي في نزل لاسم الله تعالى، والعائد محذوف من الصلة فأما دخول الجار، فلأن ما لما كان على لفظ الجزاء حسن دخول من معه، كما دخلت في قوله
فما يك من خير أتوه
فأما قوله تعالى وينزل من السماء من جبال فيها من برد، فإن أبا الحسن ذكر أن التقدير وينزل من السماء جبالاً فيها بردا قال وقال بعضهم ينزل من السماء من جبال فيها من برد أي في السماء جبال من برد يريد به أن يجعل الجبال من برد في السماء، ويجعل الإنزال منها قال أبو علي قلت أنا في هذه الآية، قبل أن أعرف هذا القول لأبي الحسن إن قوله وينزل من السماء من جبال فيها من برد المعنى وينزل من السماء جبالاً فيها من برد فموضع من الأولى نصب، على أنه ظرف، والثانية نصب على أنه في موضع المفعول وفيها صفة لجبال، ومن الثالثة للتبيين، كأنه بين من أي شيء هذا المكثر، كما تقول عندي جبال من المال، فيكثر ما عنده منه، ثم تبين المكثر بقولك من المال ويحتمل أن يكون موضع من من قوله من جبال نصبا على الظرف على أنه منزل منه ويكون من برد نصبا، أي وينزل من السماء من جبال فيها بردا ويكون الجبال على هذا التأويل، تعظيماً لما ينزل من البرد من السحاب ويحتمل أن يكون موضع من في قوله من برد رفعا، وموضع من من قوله من جبال نصباً على أنه مفعول به، كأنه في التقدير وينزل من السماء جبالاً فيها بردا فيكون الجبال على هذا تعظيماً وتكثيراً لما ينزل من السماء من البرد والمطر، ويكون من برد مرفوع للموصوف، لصيرورة موضع قوله من برد رفعاً قال وقد جعلنا من في بعض هذه التأويلات زائدة في الإيجاب، وذلك مذهب أبي الحسن والكسائي وحكى أبو الحسن أنهم يقولون قد كان من مطر وكان من حديث يريدون كان مطر، وكان حديث ولم يجز سيبويه هذا فقال ولا يفعلون هذا بمن في الواجب يريد أن من لا تزاد كما زيدت الباء في كفى بالله وليس بزيد وحمل أبو الحسن قوله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم على هذا وقال المعنى فكلوا ما أمسكن عليكم وإذا ثبت رأى ثقة بما لا يدفعه قياس لزم قبوله واستعماله، ولم يجب دفعه وجعل أبو الحسن من زائدة في التأويل الأول الذي ذكره قال أما أنا فجعلت من الثانية في التأويل الأول زائدة منصوبة الموضع، على أنه مفعول به، والثالثة للتبيين؛ وجعلت الثانية في التأويل الثاني زائدة نصباً على الظرف، والثالثة أيضاً زائدة في موضع نصب؛ وجعلت الثانية في التأويل الثالث زائدة نصباً على المفعول، والثالثة أيضاً زائدة رفعاً، على أنه مرتفع بالظرف؛ وجعلت من الأولى في الآية، في التأويلات الثلاث، نصباً على الظرف وأما أبو الحسن فجعل من الثانية والثالثة في الآية في التأويل الأول زائدة فأما موضعهما من الإعراب، فالأولى نصب على أنه مفعول به، وهي الثانية من الآية وموضع من الثالثة في الآية رفع بالظرف، وهذا هو التأويل الثالث، الذي ذكرناه نحن فأما القول الثاني الذي ذكره في الآية فمن الثانية في الآية نصب بالظرف، والثالثة للتبيين من الجبال، فكأنه على هذا التأويل ذكر الموضع الذي ينزل منه، لم يذكر المنزل للدلالة عليه ولا أدري ما صحة هذا الوجه الذي ذكره - أعني أبا إسحاق - عن بعضهم في التأويل وأما قوله كلوا من طيبات ما رزقناكم فقد قالوا إن التقدير كلوا من طيبات المن والسلوى بدل طيبات ما رزقناكم، وفوتموها أنفسكم بجنايتكم التي لأجلها جعلتم تتيهون في الفلوات أربعين سنة يدل على جواز هذا المعنى أنه قال كلوا من طيبات ما رزقناكم فجمع الطيب، ثم جعل الطيبات بعض ما رزقوه، وهذا يفهم منه أنهم رزقوا أرزاقاً، منها الطيبات، ومنها الخبيثات، فأمروا بأكل الطيبات منها دون الخبيثات وليس هناك كل هذا، وإنما هناك المن والسلوى فقط، لم يكن لهم طعام غيرهما، ولأنهم اشتاقوا من المن والسلوى إلى البقل والقثاء، فأي استطابه لهما مع ذا؟

فثبت أنه مغنى من طيبات، أي بدلها، لا من هذه الطيبات ومن ذلك قوله تعالى فكلوا مما ذكر اسم الله، فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً، كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا، ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه هذا كله على مذهب سيبويه، المفعول محذوف وعلى مذهب الأخفش من زيادة ومن حذف المفعول قوله تعالى اهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم، أي ما سألتموه بينكم، فحذف المفعولين وسألت فعل يتعدى إلى مفعولين، مثل أعطيت ويجوز أن يقتصر فيه على مفعول واحد، فإذا اقتصر فيه في التعدي إلى مفعول واحد، كان على ضربين أحدهما أن يتعدى بغير حرف، والآخر أن يتعدى بحرف فأما تعديه بغير حرف فقوله تعالى واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا، وقال فاسألوا أهل الذكر وأما تعديه بحرف، فالحرف الذي يتعدى به حرفان أحدهما الباء كقوله تعالى سأل سائل بعذاب واقع والآخر عن قولك سل عن زيد فإذا تعدى إلى مفعولين كان على ثلاثة أضرب أحدهما أن يكون بمنزلة أعطيت، وذلك كقوله
سألت زيداً بعد بكر حقنا
بمعنى استعطيه هذا، أي سألته أن يفعل ذلك والآخر أن يكون بمنزلة اخترت الرجال زيداً، ولا يسأل حميم حميماً فالمعنى هاهنا ولا يسأل حميم عن حميمه، لذهوله عنه، واشتغاله بنفسه، كما قال الله تعالى لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه فهذا على هذه القراءة، كقوله تعالى واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر والثالث أن يتعدى إلى مفعولين، فيقع موقع المفعول الثاني منهما استفهام، وذلك كقوله تعالى سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة؛ وقوله تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون فأما قول الأخطل
واسأل بمصقلة البكري ما فعلا
فما استفهام، وموضعه نصب بفعل، ولا يكون ما جراً على البدل من مصقلة على تقدير سل بفعل مصقلة، ولكن بجعله مثل الآيتين اللتين تلوناهما وإن شئت جعلته بدلاً، فكان بمنزلة قوله فاسألوا أهل الذكر ولو جعلت المفعول مراداً محذوفاً من قوله واسأل بمصقلة، فأردت واسأل الناس بمصقلة ما فعل، لم يسهل أن يكون ما استفهاماً، لأنه لا يتصل بالفعل ألا ترى انه قد استوفى مفعوليه، فلا تقع الجملة التي هي استفهام موقع أحدهما كما تقع موقعه في قوله تعالى سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة فإن جعلت ما موصولة وقدرت فيها البدل من مصقلة لم يمتنع وإن قلت أجعل قوله ما فعل استفهاماً؟ وأضمر قل لأني إذا قلت أسأل الناس بمصقلة، فإنه يدل على قل لأن السؤال قولٌ، فأحمله على هذا الفعل، لا على أنه في موضع المفعول، لاستغناء الفعل بمفعوليه، فهو قوله، يدل على ذلك قوله تعالى يسألونك عن الساعة أيان مرساها ألا ترى أنه قد استوفى مفعوليه؟ أحدهما الكاف، والآخر قد تعدى إليه الفعل بعن، فلا يتعلق به أيان إلا على الحد الذي ذكرناه، وهو أن نقدر يسألونك عن الساعة، قائلين أيان مرساها؟ وأما قوله سأل سائل بعذاب واقع، فكان المعنى سأل سائل النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين بعذاب واقع، فلم يذكر المفعول الأول وسؤالهم عن العذاب، إنما هو استعجالهم له، لاستبعادهم لوقوعه، ولردهم ما يوعدون به منه وعلى هذا، ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده، ويستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين، ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم ويدلك على ذلك قوله فاصبر صبراً جميلاً إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً وأما قوله تعالى يسألونك كأنك حفي عنها، فإنه يحتمل أمرين أحدهما أن يجعل عنها متعلقة بالسؤال، كأنه يسألونك عنها كأنك حفي بها، فحذف الجار والمجرور وحسن ذلك لطول الكلام بعنها التي من صلة السؤال ويجوز أن يكون عنها بمنزلة كما أن السؤال فصل مرة بالباء ومرة بعن وتصل الحفاوة مرة بالباء، ومرة بعن بها فيما ذكرنا ويدلك على تعديه بالباء قوله تعالى إنه كان بي حفياً وقال ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيراً فقوله فاسأل به مثل سل عنه خبيراً

فأما خبيراً فلا يخلو انتصابه من أن يكون على أنه حال أو مفعول به، فإن كان حالاً لم يخل أن يكون حالاً من الفاعل أو من المفعول، ولو جعلته حالاً من الفاعل السائل لم يسهل، لأن الخبير لا يكاد يسأل إنما يسأل ولا يسهل الحال أيضاً من المفعول، لأن المسئول عنه خبير به، فليس للحال كبير فائدة فإن قلت يكون حالاً مؤكدة، فغير هذا الوجه إذا احتمل أولى، فيكون خبيراً إذن مفعولاً به، كأنه فاسأل عنه خبيراً، أي مسئولاً خبيراً وكأن معنى اسأل تبين بسؤالك وبحثك من تستخبر، ليتقرر عندك مما اقتص عليك، من خلقه ما خلق، وقدرته على ذلك، وتعلمه بالفحص عنه، والتبين له ويجوز في قوله فاسأل به أي اسأل بالله خبيراً، أي اسأل الله خبيراً، كما قال
......منه النوفل الزفر
وسنعيد ذلك إن شاء الله ومن حذف المفعول قوله تعالى فافعلوا ما تؤمرون أي تؤمرونه، أي تؤمرون به وقالفاصدع بما تؤمر وقال يا أبت افعل ما تؤمر فإذا كانت ما خبرية، كان على هذا الوجه؛ وإذا كانت مصدرية، لم يحتج إلى الضمير وما كادوا يفعلون أي ذبح البقرة، مخرج ما كنتم تكتمون أي تكتمونه وقوله تعالى وإن منها لما يهبط من خشية الله قال أبو علي في التذكرة المعنى - والله أعلم - ما يهبط رائيه أو متأمله، أو المعتبر به، أي إذا رآها فتأمل ما فيها، هبط المتأمل له، والمعتبر به من أجل خشية الله، لأن ذلك يكسبه خشوعاً واتباعاً، ويزيل عنه العناد، وترك الانقياد للحق الذي علمه، فلما حدث ذلك بتأمل الحجر نسب إليه وهبط متعد على هذا، وحذف المفعول، كقول لبيد
إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا ... يوماً فهم للفناء والنفد
ومن حذف المفعول قوله تعالى بما فتح الله عليكم أي فتحه الله أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون أي يسرونه ويعلنونه، إذا جعلت ما خبراً، وإذا جعلته استفهاماً لم تقدر شيئاً، وكان مفعولاً وإن هم إلا يظنون أي يظنون ما هو نافع لهم، فحذف المفعولين، وحذفهما جائز فأما قوله تعالى وظنوا ما لهم من محيص فمن وقف على ظنوا كان من هذا الباب، أي ظنوا ما كانوا عليه في الدنيا منجياً لهم، ومن جعله مما يتلقى به القسم، جعل قوله ما لهم من محيص جواباً للقسم، فيتلقى بما يتلقى به القسم، نحو أخذنا ميثاقكم، وإذ أخذ الله ميثاق إذ لم يذكر للظن مفعولاه، فالأحسن أن يجعل بمنزلة القسم قال أبو عمر يقبح الله الاقتصار على علمت وظننت، وألا يتعدى إلى مفعولين، وإن لم يقبح ذلك في باب علمت، فإن هذا عندي كما قال، وذلك لأنه لا يخلو مخاطبك، من أن يعلم أنك تعلم شيئاً وتظن آخر، فإذا كان كذلك، صار كالابتداء بالنكرة، نحو رجل منطلق وقام رجل وليس كذلك قولك أعطيت ولا أعلمت، لأن ذلك مما قد يجوز أن لا تفعله، فلذلك حسن هذا وامتنع ذاك وأما قوله تعالى ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم فمن قرأ بالياء، فالذين هم الفاعلون، وأن مع اسمه وخبره بدل من الذين كفروا قالوا وهذا يوجب نصب قوله خير لأنفسهم وليس كذلك، لأن ذلك إنما يكون إذا جعلت أن باسمه هو البدل دون خبره وكذلك القول في قوله تعالى ولا تحسبن الذين يبخلون من قرأ بالتاء كان المفعول الأول المضاف المحذوف، أي لا تحسبن بخل الباخلين هو خيراً لهم ومن قرأ بالياء كان التقدير ولا يحسبن الذين يبخلون البخل خيراً؛فيكون هو خيراً لهم كناية عن البخل وأما قوله تعالى لا تحسبن الذين يفرحون، فمن قرأ بالياء كان الذين يفرحون هم الفاعلون ولم يذكر له مفعولين، لأن قوله فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب يدل عليه، ويكون الضمير في يحسبن يعود إلى الذين أي لا يحسبن أنفسهم بمفازة، فهذا فيمن قرأهما بالياء وأما من قرأ بالتاء، فإنه جعل الذين مفعولاً أول، والمفعول الثاني قوله بمفازة من العذاب ويكون قوله فلا تحسبنهم تكراراً للأول، وتكون الفاء زيادة في الوجوه كلها، إذ لا وجه للعطف، ولا للجزاء وإذا أخذ الرجل في الكلام طالباً منك باب التكرار، فاقرأ عليه ما أثبته لك هنا وقوله تعالى ولما جاءهم كتاب من عند الله... فلما جاءهم فهذا تكرير للأولى

ألا ترى أنا لا نعلم لما جاء جوابها بالفاء في موضع، فإذا كان كذا، ثبت أنه تكرير ومما يكون كذلك أيضاً إني رأيت أحد عشر كوكباً ثم قال رأيتهم لي ساجدين وقال في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال بعد قوله مشكاة فيها مصباح فكرر في وقال عز من قائل وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها فكرر في قال أبو بكر في آيات في سورة الجاثية إنها تكرار، وعند الجرمى أن قوله أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم أيعدكم أنكم إلى قوله أنكم مخرجون أنه تكرار، وقال لا تحسبن الذين يفرحون إلى قوله فلا تحسبنهم فيكون هذا كله تكرار وأما قوله ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا، فمن قرأ بالتاء، فلا إشكال فيه، لأن الذين كفروا مفعول أول، وسبقوا مفعول ثان ومن قرأ بالياء، فيجوز أن يكون التقدير ولا يحسبن الكافرون أن سبقوا، فحذف أن ويكون أن سبقوا قد سد مسد المفعول الأول ويجوز أن يكون في ولا يحسبن ضمير الإنسان، أي لا يحسبن الإنسان الكافرين السابقين وأما قوله تعالى لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض فمن قرأ بالتاء فلا إشكال فيه، ويكون الذين كفروا مفعولاً أول، ويكون معجزين مفعولاً ثانياً ومن قرأ بالياء، كان في لا يحسبن ضمير الإنسان، أو يكون التقدير لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين، فحذف أنفسهم وأما قوله أعنده علم الغيب فهو يرى، فيرى هذه هي التي تعدى إلى مفعولين، لأن علم الغيب لا يوجبه الحس، حتى إذا علمه أحس شيئاً وإنما المعنى أعنده علم الغيب فهو يعلم الغيب كما يشهده، لأن من حصل له علم الغيب، يعلم الغيب كما يعلم ما يشاهد، والتقدير فهو يرى علم الغيب مثل المشاهدة، فحذفهما للدلالة عليه، قال
ترى حبها عاراً علي وتحسب
وأما قوله تعالى وأن سعيه سوف يرى يجوز أن يكون من الرؤية التي هي حس، والضمير في يرى هو للسعي، فيكون على هذا كقوله تعالى وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ألا ترى أن سعيه إنما هو حركات كما أن عمله كذلك وقد يجوز أن يكون يرى يفعل، من رأيت المتعدية إلى مفعولين، وذلك أن سعيه إن كان حركات ونحوها مما يرى، فقد يكون اعتقادات لا ترى، وإذا كان كذلك، حملته على المتعدية إلى مفعولين، لأن كل محسوس معلوم، وإن لم يكن كل معلوم محسوساً، فحمله على المتعدية إلى مفعولين أولى والموضع الذي يعلم ذلك منه قوله تعالى هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت، والذي أسلفته يكون اعتقاداً غير مرئي، وأعمالنا مرئية ويعلم من قوله هاؤم اقرءوا كتابيه وقوله تعالى ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فيكون التقدير على هذا وأن سعيه سوف يرى محصىً، لقوله إلا أحصاها؛ أو محصلاً أو مجزياً، ويكون المبتدأ والخبر، قبل دخول رأيت سعيك يحصى، أو يحصل، أو مجزى عمله، فحذف المفعول الثاني، إذا بنيت الفعل للمفعول، لدلالة قوله ثم يجزاه الجزاء الأوفى والاقتضاء الأول المقام مقام الفاعل، كما حذف من قوله أين شركائي الذين كنتم تزعمون وحذف المفعول وقال ثم يجزاه الجزاء وهو يستدعي مفعولين، والمعنى ثم يجزى مثل سعيه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر وكذلك كل نفس ما كسبت وإن شئت جعلت المضاف المحذوف الجزاء فقلت المعنى ثم يجزى الإنسان جزاء سعيه، وترى كل نفس جزاء ما كسبت، على أن يخرج الجزاء من أن يكون مصدراً، كما أخرج الصيد والخلق عن ذلك، فيصير في موضع المفعول، فإذا لم يخرج المفعول عن المصدر لم يجز، لأنك حينئذ قد عديت الفعل إلى مصدرين، ولا يتعدى إلى مصدرين، كما لا يتعدى إلى حالين قال أبو إسحاق جائز أن يقرأ سوف يرى والأجود أن يقرأ يرى لأن قولك إن زيداً سوف أكرمه، فيه ضعف؛ لأن إن عاملة، وأكرم عاملة، فلا يجوز أن ينتصب الاسم من جهتين، ولكنه يجوز على إضمار الهاء، على معنى، على معنى سوف يراه، فلا يجوز في الكلام أن يقول إن زيداً سأكرمه قال أبو علي أما جواز هذا على إضمار الهاء في سوف يراه، فلا يجوز في الكلام، وإنما يجوز في الشعر، كذلك يجيزه أصحابنا في الشعر قياساً على قوله
...كله لم أصنع
وأجازوا على هذا الشعر زيداً اضرب، يريد اضربه ومنع غيرهم من هذا فقال لا أجيزه في زيد ونحوه، وإنما أجيزه في كل، لأن فيه معنى الجحد

وأما إجازته في التنزيل فلا ينبغي أن يجيزه أحد وأما إضمار الهاء في إن فمثل الأول، في أنه لا يجوز في الكلام؛ وإنما يجوز في ضرورة الشعر، كالأبيات التي أنشدها في الكتاب نحو قوله
إن من لام......
إن من يدخل الكنيسة......
ومن ذلك قوله تعالى ربنا علم إنا إليكم لمرسلون فمفعول يعلم مضمر، والتقدير قالت الرسل للمرسل إليهم ربنا يعلم لم أرسلنا إليكم؟ لأن هذا جواب قولهم ما أنتم إلا بشر مثلنا يعنون كيف تكونون رسلاً وأنتم بشر مثلنا، فقالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون، استئناف الكلام، وليس كسر إن لمكان اللام بل كسرها لأنه مبتدأ فأما قوله تعالى فانظر ماذا ترى، فمن فتح التاء فقال ماذا ترى كان مفعول ترى أحد شيئين، أحدهما أن يكون بمنزلة الذي فيكون مفعول ترى الهاء المحذوفة من الصلة، ويكون ترى على هذا التي معناها الرأي، وليس إدراك الجارحة، كما تقول فلان يرى رأي أبي حنيفة ومن هذا قوله تعالى لتحكم بين الناس بما أراك الله فلا يخلو أراك من أن يكون نقلها بالهمزة من التي هي رأيت رؤية البصر، أو رأيت التي تتعدى إلى مفعولين، أو رأيت التي بمعنى الرأي، الذي هو الاعتقاد والمذهب، فلا يجوز أن تكون من الرؤية التي معناها أبصرت بعيني، لأن الحكم في الحوادث بين الناس ليس مما يدرك بالبصر، فلا يجوز أن يكون هذا القسم، ولا يجوز أن يكون من رأيت التي تتعدى إلى مفعولين، لأنه كان يلزم بالنقل بالهمزة أن يتعدى إلى ثلاثة مفعولين، وفي تعديه إلى مفعولين - أحدهما الكاف التي للخطاب، والآخر المفعول المقدر حذفه من الصلة، تقديره بما أراكه الله، ولا مفعول ثالث في الكلام - دلالة على أنه من رأيت التي معناها الاعتقاد والرأي، وهي تتعدى إلى مفعول واحد، وإذا نقل بالهمزة تعدى إلى مفعولين، كما جاء في قوله تعالى بما أراك الله فإذا جعلت قوله ذا من قوله ماذا ترى بمنزلة الذي، صار تقديره ما الذي تراه؟ فيصير ما في موضع ابتداء، والذي في موضع خبره، ويكون المعنى ما الذي نذهب إليه فيما ألقت إليك، هل تستسلم له وتتلقاه بالقبول، أو تأتي غير ذلك؟ فهذا وجه قول من قال ماذا ترى بفتح التاء وقرئ ماذا تري بضم التاء وكسر الراء، فإنه يجوز أن يكون ما مع ذا بمنزلة اسم واحد، فيكونا في موضع نصب، والمعنى أجلداً تري على ما تحمل عليه أم خوراً؟ ويجوز أن تجعل ما مبتدأة وذا بمنزلة أحد، ويعود إليه الذكر المحذوف، من الصلة، والفعل منقول من رأى زيد الشيء، وأريته الشيء، إلا أنه من باب أعطيت، فيجوز أن يقتصر على أحد المفعولين دون الآخر، كما أن أعطيت كذلك، ولو ذكرت المفعول، كان أرأيت زيداً جلداً، فيكون التقدير في الآية ماذا ترينيه؟ ومن ذلك قوله تعالى ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون أي تزعمونهم إياهم، فالمفعولان محذوفان، لأنك إذا أظهرت العائد إلى الذين كان مفعولاً أول، فيقتضي مفعولاً ثانياً ومن حذف المفعول قوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها والتقدير ننسكها، أي نأمرك بتركها، أو بنسيانها، فالمفعول الأول محذوف، نأت بخير منها أي نأتك بخير منها وأما قوله تعالى أرأيت الذي يكذب بالدين ينبغي أن تكون هذه من رؤية العين، لأنه اقتصر فيه على مفعول واحد، كأنه أأبصرت؟ أو شاهدت؟ وهذا لا يسوغ أن يقع بعده الاستفهام، لأنه إنما يقع بعد الأفعال التي تلغى، فيعلق عنها وأما أرأيت الذي بمنزلة العلم فإنها تكون على ضربين أحدهما أن تتعدى إلى مفعول، ويقع الاستفهام في موضع خبره، كأنه قبل دخول أرأيت مبتدأ وخبر الاستفهام، وعلى هذا الآي التي تلوها والثاني أن يقع الاستفهام في موضع المفعول، فيعلق عنها، نحو أرأيت من زيد؟ فإذا قال أرأيت زيداً؟ احتمل ثلاثة أضرب أحدهما أن يكون رأيت بمعنى أبصرت، كقوله تعالى أرأيت الذي يكذب بالدين والآخر أن يكون رأيت بمعنى علمت، فيكون بمعنى أخبرني فهذا إذا كان كذلك، لم يجز أن يرتفع الاسم بعدها في قول من قال علمت زيداً من هو؟ ويجوز ألا يذكر قبل الاستفهام الاسم نحو أرأيت أبو من زيد؟ لأن دخول معنى آخر فيه لا يمنع من أن يستعمل على أصله الذي له وقوله تعالى ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم، وقوله تعالى يود أحدكم لو يعمر ألف سنة، وقوله ودوا لو تكفرون وود لو تدهن فيدهنون، وغير ذلك من الآي

إن قال قائل ما مفعول ود في هذه الآي، وما موضع لو بعده، وهل تقتضي لو هنا جواباً؟ فالقول في ذلك إن ود فعل متعد، وإذا كان متعدياً اقتضى المفعول به، وليس من جنس الأفعال التي تعلق، لأنه لا يلغى كما ألغيت المعلقة، ولا هو مثل ما شبه به نحو انظر في قوله انظر أزيد أبو من هو؟ ولا مثل بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه لأن هذه الأفعال تشبه الأول من حيث كانت بمعنى العلم، فلذلك أجريت مجراها، فأما وددت فليس من هذا الباب ألا ترى أنه لا يشبه العلم، ولا يضمر بعد القول أيضاً، كما أضمر بعد قوله فدعا ربه أني مغلوب ولا مثل يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ومثل قوله
إني سأبدي لك فيما أبدي ... شجن لي ببلاد سند
وشجن لي ببلاد نجد
لأن هذه الأفعال ونحوها لما كانت بمعنى القول استقام إضمار القول بعدها لسدها مسده، حتى قال بعض الناس إنها بمنزلة القول، وليس وددت كذلك وإذا لم تكن مثله، وكان معناها التعدي، قلنا إن لو بعده زائدة، والتقدير في الفعل الواقع بعد أن، وحذفت أن ووقع الفعل موقع الاسم فالفعل في موضع المفعول وحسن هذا الحذف لذكر لو في الكلام أنه حرف، فصار الحرف المذكور كالبدل من المحذوف، كما صار اللام في قولهم ما كان ليفعل، بدلاً من أن وكما استجازوا أن يحذف حرف الجر مع أن في نحو جئت أنك تريد الخير وذهب الخليل إلى أنه في موضع جر، ولم يقل ذلك أحد، إذ كان المصدر الصحيح لا تجوز إرادة الحذف معه وإذا كانوا قد حذفوا الحرف في الكلام لجري ذكر الحرف فيه، نحو متى يمرر أمرر؛ ونحو ما مررت برجل إن صلح فطالح، فحذف الحرف حيث ذكرنا أسوغ وحسن ذلك ألا يظهر معه الحرف لكون المذكور بدلاً من المحذوف ألا ترى أن الخليل وسيبويه استجازا حذف الجار والمجرور من الصلة في قوله
إن لم يجد يوماً على من يتكل
لجرى ذكر على قبل فإذا كان كذلك كان حذف هذا أجدر، لذكر الحرف، وكونه بدلاً من المحذوف ألا ترى أن هذه قد حذفت في مواضع لم يقع منها بدل، والمعنى على الحذف قولهم عسينا نفعل، وقول الشاعر
ألا أيها ذا الزاجري أحضر الوغى
و أفغير الله تأمروني أن أعبد، فإذا حذفت، حيث لم يقع من حذفها عوض، كان حذفها هنا أجدر، لذكر لو؛ فإذا كانت لو زائدة كان الفعل الواقع بعده في موضع المفعول، كما كان ألهو فيما أنشده أبو زيد من قوله
وقالوا ما تشاء فقلت ألهو
واقعاً موقع المفعول، وهو فعل مشابه له ويدل على زيادة لو في هذا الموضع أنها تحذف بعد وددت فيقع الاسم بعده في موضع نصب فإذا صار دخولها وخروجها في المعنى واحداً كان كدخول من ونحوه، في نحو ما جاءني من أحد وذلك نحو قوله تعالى وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم فهذا في المعنى كقوله يود المجرم لو يفتدى، فهذا يدل على زيادة لو فإن قلت ما ننكر أن يكون الفعل معلقاً، لأنه قد وقع بعده أن الثقيلة في نحو وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم؛ كما وقعت بعد علمت أن زيداً منطلق فإذا جعل بمنزلة علمت في هذا جعل بمنزلته في التعليق فالقول إن ذلك لا يوجب فيه التعليق، ولو جاز التعليق فيه لما ذكرت لجاز أن يعلق سررت لقول الأعشى
هل سر حنقط أن القوم صالحهم ... أبو حريث ولم يوجد لهم خلف
ويروى ولم يؤخذ وحنقط امرأة، ويقال حنقط امرأة أبي حريث، وأبو حريث رجل من بني ثعلبة بن يربوع، قتل يومئذ، يريد هل سرها أنه سلم ولم يتزوج بعد وكما أن هذا النحو من الأفعال لا يعلق وإن وقعت بعده أن كذلك لا يعلق وددت، لأن وددت لا ينكر أن يقع بعدها أن الخفيفة كما وقعت الثقيلة، كما كان ذلك في سررت، في نحو قوله
هل سركم في جمادى أن نصالحكم
ومما يدل على زيادة لو في هذا النحو وأن الفعل في تقدير الحذف لأن معه رفعهم الفعل المعطوف عليه، في نحو قوله تعالى ودوا لو تدهن فيدهنون، و ود الذين كفروا لو تغفلون، ثم قال فيميلون عليكم، فهو نحو عسى زيد يقوم فيذهب، فهذا هو الوجه، لأن الكلام في تقدير إيجاب وإذا كان كذلك بعد النصب كما بعد في قولك أليس زيد عندك فتضربه؟ لأن المعنى موجب والذي ذكرنا أنه في بعض المصاحف ودوا لو تدهن فيدهنوا بالنصب، على أحد أمرين

إما أن يكون لما كان معنى ودوا لو تدهن معنى ودوا أن تدهن، بحمل المعطوف على المعنى، كما أن قوله هو أحسن الفتيان وأجمله، محمول على المعنى، لأن أحسن الفتيان وأحسن فتى واحد في المعنى وإما أن تكون لو، وإن كانت زائدة في هذا الموضع، لما كانت على لفظ غير الزائدة أجريت مجراها للشبه اللفظي، كما أجرى أحمد مجرى أضرب في منع الجر والتنوين ألا ترى أن لو هذه على لفظ لو التي معناها الآخر في قوله
لو تعان فتنهدا
والمعنى أعانها الله وكذلك قوله تعالى فلو أن لنا كرة فنكون، المعنى لتكن لنا كرة، إلا أن الدعاء لا يقال فيه أمر، فالتقدير أحدث لنا كرة فنكون ومثله في التشبيه اللفظي في الحروف قوله
يرجى العبد ما إن لا يراه
وقوله لما أغفلت شكرك فكذلك لو هذه أجريت مجرى غير الزيادة قوله تعالى ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك التقدير ربنا واجعلنا مسلمين لك وأمة مسلمة لك من ذريتنا، ففصل بين الواو والمفعول بالظرف وقوله تعالى رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي يكون على أحد أمرين يكون على قياس قول أبي الحسن من زائدة، والتقدير واجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي مقيم الصلاة، والمفعول محذوف، لا بد من ذلك، ألا ترى أنه لا يجوز رب اجعلني من ذريتي قوله تعالى فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ولكل وجهة هو موليها قال أبو علي وليتك القبلة، إذا صيرتك تستقبلها بوجهك، وليس هذا المعنى في فعلت منه ألا ترى أنك إذا قلت وليت الحائط، ووليت الدار، لم يكن في فعلت منه دلالة على أنك واجهته، كما أنك في قولهم وليتك القبلة، ووليتك المسجد الحرام، دلالة على أن المراد واجهته، ف فعلت في هذه الكلمة ليس بمنقول من فعلت الذي هو وليت، فيكون على حد قولك فرح وفرحته، ولكن هذا المعنى الذي هو المواجهة عارض في فعلت ولم يكن في فعلت وإذا كان كذلك كان فيه دلالة على أن النقل لم يكن من فعلت كما كان قولهم ألقيت متاعك بعضه على بعض، لم يكن النقل فيه من لقي متاعك بعضه بعضاً، ولكن ألقيت كقولك أسقطت ولو كان منه زاد مفعول آخر في الكلام، ولم يحتج في تعديته إلى المفعول الثاني إلى حرف الجر وإلحاقه المفعول الثاني في قولك ألقيت بعض متاعك على بعض، كما لم يحتج إليه في ضرب زيد عمراً، وأضربته إياه، ونحو ذلك وكذلك وليتك قبلة، من قولك وليت، كألقيت من قولك لقيت وقال عز وجل فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام فهذا على المواجهة له، ولا يجوز على غير المواجهة مع العلم أو غلبة الظن، الذي ينزل منزلة العلم، في تحري القبلة وقد جاءت هذه الكلمة مستعملة على خلاف المقابلة والمواجهة، وذلك في نحو قوله ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون، ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته، عبس وتولى أن جاءه الأعمى أي أعرض عنه وقال عز وجل وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف فأعرض عمن تولى عن ذكرنا فهذا مع دخول الزيادة للفعل في غير الزيادة قوله تعالى ثم وليتم مدبرين فالحال مؤكدة، لأن في توليتم دلالة على أنهم مدبرين، فهذا على نحوين أما ما لحق التاء أوله فإنه يجوز أن يكون من باب تحوب وتأثم، إذا ترك الحوب، والإثم، وكذلك إذا ترك الجهة، التي هي المقابلة ويجوز أن تكون الكلمة استعملت على الشيء وعلى خلافه، كالحروف المروية في الأضداد فأما قوله تعالى لئن يقاتلوكم يولوكم الأدبار، وقوله وإن نصروهم ليولن الأدبار، وقوله سيهزم الجمع ويولون الدبر فهذا منقول من فعل، تقول داري تلي داره، ووليت داري داره، فإذا نقلته إلى فعل قلت وليت مآخيره، وولاني مآخيره، ووليت ميامنه، وولاني ميامنه، فهو مثل فرح وفرحته، وليس مثل لقي وألقيته ولقيته وقوله ليولن الأدبار، وقوله ويولون الدبر، المفعول الثاني في نقل فعل إلى فعل محذوف، ولو لم يحذف كان كقوله يولوكم الأدبار وأما قوله تعالى وإن تلوا أو تعرضوا فيمن قرأ تلوا فمعناه والله أعلم الإقبال عليهم، والمقاربة لهم في العدل في قسمهم

ألا ترى أنه قد عودل بالإعراض في قوله تعالى أو تعرضوا، فكان قوله وإن تلوا، كقوله إن أقبلتم عليهم ولم تعرضوا عنهم فإن قلت فهل يجوز أن يكون في تلوا دلالة على المواجهة فتجعل قوله فلنولينك منقولاً من هذا ثم اقتضى المواجهة، وتستدل على ذلك بمعادلته على خلاف، الذي هو الإعراض فالقول إن ذلك في هذه الكلمة ليس بالظاهر، ولا في الكلمة دلالة على هذه المخصوصية التي جاءت في قوله فلنولينك قبل ترضاها وإذا لم يكن عليها دلالة، لم يصرفها عن الموضع الذي جاء فيه فلم يتعدها إلى سواها وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه فالضمير في عنه إذا جعلته للرسول احتمل أمرين لا تولوا عنه لا تنفضوا عنه، كما قال انفضوا إليها وتركوك قائماً وقال وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه وقال قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً وعلى هذا المعنى قوله تعالى بعد أن تولوا مدبرين أي بعد أن تتفرقوا عنها ولا يكون لا تولوا عنه لا تعرضوا عن أمره، وتلقوه بالطاعة والقبول كما قال عز وجل فليحذر الذين يخالفون عن أمره ومن إضمار المفعول قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه المعنى فمن شهد منكم المصر في الشهر فحذف المفعول لابد من تقديره، لأن المسافر شاهد الشهر، ولا يلزمه الصوم، بل يجوز له الإفطار، فانتصاب الشهر على الظرف، وإنما قال فليصمه ولم يقل، فليصم فيه، والظروف إذا كنى عنها رد حرف الظرفية معها، لأنه قد اتسع فيها، ونصبه نصب المفعول بعد أن استعمله ظرفاً واعلم أن شهد فعل استعمل على ضربين أحدهما الحضور والآخر العلم فالذي معناه الحضور، يتعدى إلى مفعول ويدل على ذلك قوله
لو شهد عاد في زمان عاد
وقوله
ويوماً شهدناه سليماً وعامراً
فتقدير هذا شهدنا فيه ومن ذلك قوله
شهدنا فما نلقى به من كتيبة ... يد الدهر إلا جبرائيل أمامها
فهذا محذوف المفعول، التقدير فيه شهدنا المعركة، أو من تجمع لقتالنا ومنه قوله
لقد شهدت قيس فما كان نصرها ... قتيبة إلا عضها بالأباهم
فهذا الضرب المتعدي إلى مفعول واحد إذا نقل بالهمزة تعدى إلى المفعولين، تقول شهد زيد المعركة، وأشهدته إياها فمن هذا قوله ما أشهدتهم خلق السموات والأرض لما نقل بالهمزة صار الفاعل مفعولاً، والتقدير ما أشهدتهم فعلي والفعل في أنه مفعول ثان، وإن كان غير عين، مثل زيد، ونحوه من الأسماء المختصة وقالوا امرأة مشهد، إذا كان زوجها شاهداً لم يخرج في بعث من غزو وغيره وامرأة مغيب، إذا لم يشهد زوجها، فكأن المعنى ذات غيبة أي ذات غيبة وليها، وذات شهادة وليها والشهادة خلاف الغيبة، قال الله تعالى عالم الغيب والشهادة فهذا المعنى في قريب من قوله ويعلم ما تخفون وما تعلنون ويعلم سركم وجهركم وأما شهدت الذي بمعنى علمت فيستعمل على ضربين أحدهما أن يكون قسماً والآخر أن يكون غير قسم فاستعمالهم إياه قسماً، كاستعمالهم علم الله، ويعلم الله، قسماً تقول علم الله لأفعلن، فنلقاه بما يتلقى به الأقسام، وأنشد سيبويه
ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها
وتقول أشهد بالله إنك لذاهب، وأشهد إنك لذاهب قال وحدثنا أبو الحسن أن محمداً قال إن زفر يذهب إلى أنه إذا قال أشهد بالله، كان يميناً؛ فإن قال أشهد ولم يقل بالله لم يره يميناً قال وقال محمد أشهد غير موصولة بقولك بالله في أنه يمين، كقولك أشهد بالله وقال واستشهد محمد على ذلك بقوله قالوا نشهد إنك لرسول الله وقال والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة فجعله يميناً ولم يوصل بقوله بالله وأما شهدت الذي يراد به علمت، ولا يراد به اليمين، فهو ضرب من العلم مخصوص، وكل شهادة علم، وليس كل علم شهادة ومما يدل على اختصاصها بالعلم، انه لو قال عند الحاكم أعلم أن لزيد على عمرو عشرة لم يحكم به حتى يقول أشهد فالشهادة مثل التيقن في أنه ضرب من العلم مخصوص، وليس كل علم تيقناً، وإن كان كل تيقن علماً، وكان التيقن هو العلم الذي عرض لعالمه إشكال فيه نتبين ذلك في قصة ابراهيم عليه السلام وليكون من الموقنين ويبين ذا قول رؤبة
يادار عفراء ودار البخدن ... أما جزاء العالم المستيقن

فلو لم يكن في المستيقن زيادة معنى، لم يكن في الوصف الأول، لم يحسن هذا الكلام، وكان غير مفيد، وهذا كقول زهير
فلأياً عرفت الدار بعد توهم
وقال بعد
فلما عرفت الدار
أي عرفتها بعد إشكال أمرها والتباسها علي وعلى هذا قول الآخر
حيوا الدار وحيوا ساكن الدار ... ما كدت أعرف إلا بعد إنكار
وكان معنى أشهد أيها الحاكم على كذا، أي أعلمه علماً يحضرني قد تذلل لي فلا أتوقف عنه ولا أتلبث فيه، لوضوحه عندي وتبينه لي؛ وليس كذلك سبيل المعلومات كلها ألا ترى أن منها ما يحتاج إلى توقف فيه؛ واستدلال عليه، وتذليل له؛ ويدل على هذا، وأن الشهادة يراد بها المعنى الزائد على العلم، أنه لا يخلو من أن يكون العلم مجرداً مما ذكرناه، أو العلم مقترناً بما وصفناه من المعاني، والذي يدل على أنه المقترن بالمعنى، الذي ذكرناه وقوله تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون، وقوله وما شهدنا إلا بما علمنا فلو كان معنى شهد العلم خالياً من هذه المعاني، لكان المعنى وما علمنا إلا بما علمنا، ومن علم الحق لم يقل بما علمنا، وهو يعلم فإذا لم يسهل حمله على هذا، علم أن معناه ما ذكرنا وشهد في هذا الوجه يتعدى بحرف جر، فتارة يكون الباء والأخرى على ومما يعدى بعلى قوله تعالى وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا، وقوله تعالى شهد عليهم سمعهم وأبصارهم، ويوم تشهد عليهم ألسنتهم، وشهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم ومن التعدي بالباء قوله تعالى وما شهدنا إلا بما علمنا، وإلا من شهد بالحق، وقوله تعالى فشهادة أحدكم أربع شهادات بالله فإذا نقل بالهمزة، زاد بالهمزة مفعول، كسائر الأفعال المتعدية إذا نقلت بالهمزة وقال عز من قائل وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى فأما قوله أشهدوا خلقهم، فمن الشهادة التي هي الحضور، كأنهم وبخوا على ما قالوا مما لم يحضروه مما حكمه أن يعلم بالمشاهدة ومن قرأ أشهدوا خلقهم فالمعنى أو أحضروا ذلك؟ وكان الفعل يتعدى إلى مفعولين بعد النقل، فلما بني للمفعول به نقص مفعول، فتعدى الفعل إلى مفعول واحد ويقوي هذه القراءة قوله تعالى ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم، فتعدى إلى مفعولين، لما بني الفعل للفاعل فأما قوله تعالى إني أشهد الله وأشهدوا أني بريء، فعلى إعمال الثاني، كما أن قوله تعالى آتوني أفرغ عليه قطراً، كذلك، والتقدير إني أشهد الله أني بريء، وأشهد أني بريء فحذف المفعول الأول على حد ضربت وضربني زيد وهذا منقول من شهد بكذا، إلا أن حرف الجر يحذف مع أن ومن حذف المفعول قوله تعالى ولكن البر من اتقى أي اتقى محارم الله وكذلك لمن اتقى واتقوا الله أي اتقى محارمه وقال ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وقال ويهلك الحرث والنسل فهلك لازم في المعروف، ويهلك متعد، وقد جاء هلك متعدياً، وأنشدوا
ومهمهٍ هالك من تعرجا
فكأنه قال هالك من تعرج فيه، أي هالك المتعرج، فمن تعرج، على هذا التقدير، فاعل في المعنى، وعلى تقدير من حمله على مهلك أنه حذف مفعوله في المعنى، بمنزلة ضارب زيد ومن حذف المفعول قوله فيغفر لمن شاء، أي يغفر الذنوب، في جميع التنزيل ومن ذلك قوله تعالى لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال أبو علي يحتمل وجهين يجوز أن يكون من النسيان، الذي هو خلاف الذكر، والخطأ، من الإخطاء، الذي ليس التعمد ويجوز أن يكون من نسينا، على أن تركنا شيئاً من اللازم لنا ومثله قوله تعالى ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي أي ترك عهدنا إليه ومنه قوله ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أي لم يلطف لهم كما يلطف للمؤمنين في تخليصهم أنفسهم من عقاب الله والتقدير ولا تكونوا كالذين نسوا أمر الله أو طاعته، فأنساهم تخليص نفسهم من عذاب الله وجاز أن ينسب الإنساء إلى الله، وإن كانوا هم الفاعلون له، والمذمومون عليه، كما قال وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى فأضاف الرمي إلى الله، لما كان يقويه إقداره، فكذلك نسب الإنساء إليه لما لم يلطف لهذا المنسي كما لطف للمؤمن الذي قد هدى

وكذلك قوله تعال وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا أي الاستعداد للقاء يومكم هذا، والعمل من التخلص من عقابه وأما قوله تعالى واذكر ربك إذا نسيت فعلى معنى الترك، لأنه إذا كان المقابل للذكر لم يكن مؤاخذاً وقوله تعالى وإله موسى فنسي أي نسي السامري؛ أي ترك التوحيد باتخاذه العجل، وقيل نسي موسى ربه عندنا، وذهب يطلبه في مكان آخر وأما قوله تعالى اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فإن أنساه الشيطان هو أن يسول له، ويزين الأسباب التي ينسى معها وكذلك فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ويجوز أن يكون الضمير في أنساه ليوسف، أي انسى يوسف ذكر ربه كما قال وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ويجوز أن يكون الضمير في أنساه للذي ظن أنه ناج منهما، ويكون ربه ملكه وفي الوجه الأول، يكون ربه سبحانه وتعالى، كأنه أنساه الشيطان أن يلجأ إلى الله في شدته وأما قوله تعالى فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون والتقدير تنسون دعاء ما تشركون، فحذف المضاف، أي تتركون دعاءه والفزع إليه، وإنما يفزعون إلى الله سبحانه وتعالى ويكون من النسيان الذي هو خلاف الذكر، كقوله تعالى وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه أي تذهلون عنه فلا تذكرونه وقال فاتخذتموهم سخرياً حتى أنسوكم ذكري فهذا يجوز أن يكون منقولاً من الذي بمعنى الترك، ويمكن أن يكون من الذي هو خلاف الذكر، واللفظ على أنهم فعلوا بكم النسيان والمعنى أنكم أنتم أيها المتخذون عبادي سخرياً نسيتم ذكري، باشتغالكم باتخاذكم إياهم سخرياً، وبالضحك منهم، أي تركتموه من أجل ذلك، وإن كانوا ذاكرين غير ناسين فنسب الإنساء إلى عباده الصالحين وإن لم يفعلوا، لما كانوا كالسبب لإنسائهم فهذا كقوله رب إنهن أضللن كثيراً من الناس وعلى هذا قوله تعالى فأنساهم أنفسهم فأسند النسيان إليه، والمعنى على أنهم نسوا ذلك وأما قوله تعالى سنقرئك فلا تنسى؛ فالأشبه أن يكون من الذي هو خلاف الذكر وهذا أشبه من أن يحمل على ما يراد به الترك وذلك أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله، كان إذا نزل عليه القرآن أسرع القراءة وأكثرها مخافة النسيان، فقال سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله أي تنساه، لرفعه ذلك بالنسيان كرفعه إياه بالنسخ بآية أو سنة ويؤكد ذلك قوله تعالى لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه وقوله تعالى ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه فحمل قوله فلا تنسى، إذا كان يسلك هذا المسلك، ليس بالوجه ومما حذف المفعول فيه قوله وبشر المؤمنين أي بشرهم بالجنة ومن حذف المفعول قوله ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله أي كحب الله المؤمنين فالمصدر مضاف إلى الفاعل، والمفعول محذوف وإن شئت كان كحب كحب المؤمنين الله، فحذف الفاعل، والمضاف إليه مفعول في المعنى ويقوي الأول قوله والذين آمنوا أشد حباً لله ومثله وأقم الصلاة لذكري؛ إن شئت، كان التقدير أقم الصلاة لأذكرك، فيكون مضافاً إلى الفاعل وإن شئت كان التقدير لذكرك إياي فيها كقوله تعالى في غطاء عن ذكري أي عن ذكرهم إياي ومثله ولذكر الله أكبر؛ إن شئت كان التقدير ولذكركم الله أكبر من كل شيء، فحذف الفاعل وأضافه إلى المفعول، كما قال من دعاء الخير، أي من دعائه الخير وقال بسؤالك نعجتك أي بسؤاله نعجتك وقال رحمة ربك عبده زكريا أي هذا ذكر الله رحمة عبده، فحذف الفاعل، وأضاف إلى المفعول، وهو الرحمة، والرحمة مضاف إلى الفاعل ونصب بعضاً به، كقوله كجهر بعضكم لبعض وكقوله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض أي أن دفع الله الناس، فأضاف إلى الفاعل ونصب المفعول به ومنه قوله تعالى الم، غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون أي من بعد أن غلبهم الفرس يغلبون الفرس، فالمصدر مضاف إلى المفعول وقد حذف الفاعل، كأن المشركين سرتهم غلبة الفرس الروم، فرجع أبو بكر إلى النبي - صلى الله عليه وعلى آله - وأخبره بأنه ذكر للمشركين ذلك، وأن بينه وبينهم خطراً، والصديق ضرب المدة في ثلاث سنين فالنبي - صلى الله عليه وآله - أمره أن يرجع إليهم، ويزيد في الأجل وفي الخطر، ففعل ذلك

وقرأها الحسن وهم من بعد غلبهم سيغلبون مرتباً للمفعول به وقرئ غلبت الروم بفتحتين مرتباً للفاعل وفسر ابن عمر غلبت الروم على أدنى ريف الشام يعني بالريف السواد، فيكون المصدر - أعني من بعد غلبهم - مضافاً إلى الفاعل، أي من بعد أن غلبوا على الريف وهذه القراءة أيضاً مروية عن علي وابن عمر وابن عباس ومعاوية عن قرة ومثله إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي أي عن ذكر ربي، فحذف الفاعل وأضاف إلى المفعول، يعني به صلاة العصر وقال قوم بل التقدير عن ذكر ربي إياي حيث أمرني بالصلاة، فيكون قد حذف المفعول والمصدر ويجوز إضافته إلى الفاعل، وينصب به المفعول ويجوز حذف المفعول، إذا أضيف إلى الفاعل به ويجوز إضافته إلى المفعول ورفع الفاعل ويجوز في هذا الوجه حذف الفاعل ويجوز أن ينون، يرفع الفاعل به، وينصب المفعول ويجوز حذف الفاعل مع التنوين، وحذف المفعول مع التنوين فمما جاء من ذلك في التنزيل قوله تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السموات والأرض شيئاً شيئاً ينتصب برزقاً، أي ما لا يملك لهم أن يرزقوا شيئاً فحذف الفاعل، ونصب المفعول بالمصدر المنون وأما قوله قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً فيجوز أن ينتصب رسولاً بذكراً أي أنزل الله إليكم بأن ذكر رسولاً ويجوز أن ينتصب بفعل مضمر، أي أرسل رسولاً ويجوز أن يكون التقدير أنزل الله إليكم ذا ذكراً رسولاً، فحذف المضاف، ويكون رسولاً بدلاً منه ومن ذلك قوله تعالى أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً أي أن تطعم يتيماً، فنصب يتيماً بإطعام وأما قوله تعالى إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار فمن نون احتمل أمرين أحدهما أن يكون ذكري بدلاً من الخالصة، تقديره إنا أخلصناهم بذكر الدار ويجوز أن يقدر في قوله ذكري التنوين، فيكون الدار في موضع نصب، تقديره بأن يذكروا الدار، أي يذكرون بالتأهب للآخرة ويزهدون في الدنيا ويجوز ألا يقدر البدل، ولكن تكون الخالصة مصدراً فتكون مثل من دعاء الخير فيكون المعنى بخالصة تذكير الدار ويقوي هذا الوجه ما روي من قراءة الأعمش بخالصتهم ذكر الدار فهذا يقوي النصب، ويقوي أن من نون خالصة أعملها في ذكرى الدار، كأنه بأن أخلصوا تذكير الدار فإذا نونت خالصة احتمل أمرين أحدهما، أن يكون المعنى بأن خلصت لهم ذكرى الدار، فيكون ذكرى في موضع رفع بأنه فاعل والآخر أن تقدر المصدر الذي هو خالصة من الإخلاص، فحذفت الزيادة كما حذفت من نحو دلو الدالي، ونحوه فيكون المعنى بإخلاص ذكري، فيكون في موضع نصب، كانتصاب الاسم في عمرك الله الدار، ويجوز أن يعنى بها الآخرة والذي يدل على أنه يجوز أن يراد بها الدنيا قوله تعالى في الحكاية عن ابراهيم واجعل لي لسان صدق في الآخرين وقوله تعالى وجعلنا لهم لسان صدق علياً، فاللسان هو القول الحسن والثناء عليه، وليس اللسان هنا الجارحة وأما جواز كون الدار الآخرة في قوله تعالى إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار فيكون ذلك بإخلاصهم ذكرى الدار، ويكون ذكرهم لها وجل قلوبهم منها ومن حسابها كما قال وهم من الساعة مشفقون، وإنما أنت منذر من يخشاها فالدار مفعول بها، وليست كالوجه الآخر المتقدم وأما من أضاف فقال بخالصة ذكرى الدار فإن الخالصة تكون على ضروب تكون للذكر وغير الذكر فإذا أضيفت إلى ذكرى اختصت الخالصة بهذه الإضافة، فتكون الإضافة إلى المفعول به، بإخلاصهم ذكرى الدار، أي أخلصوا ذكرها والخوف منها لله

ويكون على إضافة المصدر، الذي هو الخالصة إلى الفاعل، تقديره بأن خلصت لهم ذكرى الدار والدار على هذا يحتمل الوجهين اللذين تقدما من كونها للآخرة والدنيا وأما المصدر المعرف باللام فإنهم كرهوا إعماله، ومع ذلك فقد جاء في التنزيل في موضعين أحدهما قوله تعالى لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم فمن في موضع الرفع من الجهر، أي لا يحب الله أن يجهر بالسوء من القول إلا المظلوم والموضع الآخر قوله تعالى ولايملك الذين تدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق أي أن يشفع أحد إلا الشاهد بالحق ومن حذف المفعول قوله تعالى إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك إن أضمرت المفعول به، كما أضمر في قوله كلما أضاء لهم مشوا فيه، والمعنى كلما أضاء لهم البرق الطريق مشوا فيه، جاز ذلك وحذف المفعول وإرادته قد كثر عنهم، فلا يكون أن تبوء بإثمي وإثمك على هذا التأويل مراداً، ولكن يكون مفعولاً له، ويكون المفعول المحذوف كأنه أنا أريد كفك عن قتلي وامتناعك منه ونحو ذا مما يدل عليه قوله تعالى ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ألا ترى أن معنى هذا أنه يريد الكف والامتناع عن مقاتلته، والتقدير إني أريد كفك عن قتلي كراهة أن تبوء بإثمي وإثمك، ولأن تبوء بإثمي وإثمك وقال قتل أخيه أي قتله أخاه، فحذف الفاعل، وقال ويوم القيامة يكفرون بشرككم المصدر فيه مضاف إلى الفاعل والمعنى أنكم أشركتم الآلهة مع الله - سبحانه - وكفرتم، كقوله تبرأنا إليك في نحو آي تشبهها وقوله يحبونهم كحب الله أي يحبون الأنداد كحب الله، فحذف على ما تقدم ومثل ذلك ما جاء في التنزيل من قوله تعالى وذلك جزاء الظالمين وذلك جزاء المحسنين فالمصدر مضاف إلى المفعول، وجزى فعل يتعدى إلى مفعولين، قال الله تعالى وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً أي سكنى جنة قال أبو علي في قوله تعالى إني جزيتهم اليوم بما صبروا أي جزيتهم بجزاء ما صبروا ألا ترى أنهم لا يجزون صبرهم، إنما يجزون جزاء صبرهم، عما حظر عليهم ونهوا عنه وكذلك اليوم تجزون ما كنتم تعملون أي جزاء أعمالكم، إذ أنهم لا يجزون تلك الأعمال التي عملوها، ولكن جزاءها والثواب عليها وأما قوله تعالى وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً فيكون على وجزاهم بصبرهم سكنى جنة ولباس حرير، فيكون على الإلباس والإسكان الجزاء وكذلك ماذكر من قوله تعالى ودانية عليهم ظلالها أي جزاهم جنة، أي سكنى جنة دانية عليهم ظلالها، فيكون في المعنى كقوله ولمن خاف مقام ربه جنتان ومن حذف المفعول قوله تعالى فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة تقديره الذين اتخذوهم قرباناً آلهة قربان لفظه مفرد في معنى الجمع، كما أريد به التثنية في قوله إذ قربا قرباناً والمعنى قرب كل واحد منهما قرباناً، فحذف المضاف يقوي ذلك أن قرباناً جمع أنه قد جمع في قول ابن مقبل
كانت لساسته تهدى قرابيناً
فلو كان هذا على الظاهر، لثني، كما جمع القرابين في قول ابن مقبل وقربان في الأصل مصدر كغفران، فمن أفرد، حمل على الأصل ومن جمع، اعتبر اللفظ، لأنه صار اسماً، وخرج عن المصدرية، كقوله
لله در اليوم من لامها
ألا ترى أنه قال هو بمنزلة لله بلادك وأما قوله سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب فمن مبتدأ الاستفهام، و يأتيه الخبر ويخزيه صفة العذاب، والعلم معلق، مثلها في علمت من في الدار، ومن هو كاذب، من استفهام أيضاً، وهو كاذب مبتدأ وخبر، في موضع خبر من وليس من موصولة، لأنه معطوف على من يأتيه، وهو مبتدأ وخبر، لأنها علقت العلم، والموصولة لا تعلق وأما قوله تعالىقل أروني الذين ألحقتم به شركاء، أروني هنا منقولة من رؤية القلب، وشركاء المفعول له الثالث ويقويه أروني ماذا خلقوا من الأرض فأقام الجملة الاستفهامية مقام المفعولين وألحقتم من قوله ألحق الحاكم الولد بأبيه، أي حكم بذلك، والمعنى على ذلك التقدير دلوني على هذا الذي تدعونه، وهو من باب علم القلب وإن جعلت أروني من رؤية البصر كان شركاء حالاً، أي أوجدونيهم مشركين، أي في هذه الحال، ويكون من رؤية العين، لأن الضلال قد يكون اعتقاداً فلا يحس

وإن جعلته من رؤية البصر جاز، لأنه أراد عبادة الأصنام، وذلك مما يحس، فيكون شركاء على هذا حالاً ويقوي ذلك قوله تعالى وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض فلم يذكر المفعول الثالث ويمكن أن يقال إنه محذوف أي منا فيكون كذلك حالاً ويجوز أن يكون كذلك هو المفعول الثالث وأما قوله تعالى فسوف يعلمون من يأتيه عذاب يخزيه، فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ما فيه استفهام فما يدل على ذلك قوله تعالى فسيعلمون من أضعف ناصراً ألا ترى أن ما لا تخلو فيه من أن تكون استفهاماً أو موصولة فلو كان صلة لم يخل من ذكر عائد إلى الموصول، فلما جاء فسيعلمون من أضعف ناصراً فلم يذكر هو دل على أنه استفهام وليس بوصل فأما قوله تعالى فاقض ما أنت قاضٍ تكون الموصولة، والعائد قد حذف من اسم الفاعل، كما يحذف من الفعل، وحذفه من اسم الفاعل لا يكثر كثرة حذفه من الفعل ولو جعلت ما استفهاماً معناه الرفع، والوضع مما يقتضيه، يريد أن ما يقتضيه ليس في شيء، لأنك إنما تقتضي في العاجلة ولو جعلت موضع ما نصباً بقاض لكان قولاً وأما قوله تعالى أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين فنقول من قال يرون يحتمل رؤية العين، ورؤية القلب، فمن قال هو من رؤية القلب، ففي المعنى يتعدى إلى مفعولين، فإذا جعلتها المتعدية إلى مفعولين سد مسدهما وأن تكون من رؤية العين أولى؛ لأنهم يستنظرون في مشاهدة ذلك، والإعراض عنه، وترك الاعتبار به، وهذا أبلغ في هذا الباب من المتعدية إلى مفعولين؛ ألا ترى أن تارك الاستدلال أعذر من المنصرف عما يشاهد ومن قرأ أولا يرون فبنى الفعل للمفعول به، كان أن في موضع نصب بأنه مفعول الفعل الذي يتعدى إلى مفعول واحد، وذلك أنك تقول رأى عمرو كذا؛ وتقول أرأيت عمراً كذا، فيتعدى إلى مفعولين بالنقل، فإذا بنيت الفعل للمفعول به تعدى إلى مفعول واحد، كالدرهم، في قولك أعطى زيد درهماً ولا يكون يرون هنا كالتي في قولك أرى زيداً منطلقاً، لأن المعنى ليس على يظنون أنهم يفتنون في كل عام ؛ إنما المعنى على أنهم يشاهدون ذلك ويعلمونه علم مشاهدة وليس المعنى أنهم يظنون الفتنة في كل عام؛ لأن الظن في الفتنة ليس بموضع اعتبار، وإنما فزعوا على ترك الاعتبار بالمشاهدة، وأنهم مع ذلك لا يتوبون ولا يذكرون فيعتبروا ويتنبهوا على ما يلزمهم الانتهاء و الإقلاع عنه فهذا وجه قراءة من ضم الياء أن قرئ به قوله تعالى وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت دخلت اللام في إبراهيم على حد دخولها في ردف لكم ألا ترى أن بوأ يتعدى إلى مفعولين، قال لنبوئنهم من الجنة غرفاً وقال ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق فيجوز أن يكون المبوأ المفعول الثاني، كما أن مكان البيت كذلك، كل واحد منهما يجوز أن يكون ظرفاً، وأن من قوله أن لا تشرك بي شيئاً يجوز أن يكون بمعنى أي لأن ما قبلها كلام تام، ويجوز أن تكون الناصبة للفعل، وصلت بالنهي كما توصل بالأمر ويجوز أن يكون تقديره لإبراهيم، أي لمكان إبراهيم، أي مكان دعوته، وهو قوله فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وأما قوله أن تبوءا لقومكما، فكالتي في قوله ردف لكم، والمفعول الأول كعلامة الضمير في قوله لنبوئنهم ألا ترى أن المطاوع من الأفعال على ضربين أحدهما لا يتعدى، نحو انشوى وانتأى، في مطاوع له شويته ونأيته والآخر أن يتعدى كما تعدى ما هو مطاوع له، وذلك نحو تعلقته، وتقطعته، فتعلقته يتعدى كما تعدى علقته، وليس فيه أن ينقص مفعول المطاوع عما كان يتعدى إليه ما هو مطاوع له فإذا كان كذلك، كان اللام على الحد الذي ذكرنا ويقوي ذلك قوله تعالى وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت فدخلت اللام على غير المطاوع في قوله أن تبوءا لقومكما فأما قوله مكان البيت، فيحتمل ضربين أحدهما أن يكون ظرفاً والآخر أن يكون مفعولاً ثانياً فأما الظرف فيدل عليه قول ابن هرمة
وبوئت في صميم معشرها ... وتم في قومها مبوؤها
فكما أن قوله في صميم معشرها ظرف، كذلك يكون مكان البيت والمفعول الثاني الذي ذكر في قوله تعالى لنبوئنهم من الجنة غرفاً لم يذكره في هذه، لأن الفعل من باب أعطيت، فيجوز ألا يذكر ويقتصر على الأول

ويجوز أن يكون مكان البيت مفعولاً ثانياً وكذلك قوله ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق فيجوز أن يكون مكاناً مثل مكان البيت، والمفعول الثاني فيه محذوف، وهو القرية، التي ذكرت في قوله وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها ويجوز أن يكون مصدراً، أي تبوأ صدق ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً من وجهين أحدهما أن تجعله اسماً غير ظرف والآخر أن تجعله اسماً بعد أن استعملته ظرفاً، كما قال
...وسطها قد تفلقا
وفي التنزيل هم درجات عند الله ويجوز فيه وجه ثالث وهو أن يمتنع، فيقرر نصبه، بأن كان مصدراً انتصب انتصاب المفعول به وقوله وبوأكم في الأرض فتقديره بوأكم في الأرض منازل، أو بلاداً، وانتصاب قوله بيوتاً على أنه مفعول به، وليست بظرف لاختصاصها بالبيوت كالغرف في قوله لنبوئنهم من الجنة غرفاً فأما قوله نتبوأ من الجنة حيث نشاء، فيجوز في قياس قول أبي الحسن أن يكون قوله من الجنة كقولك نتبوأ الجنة؛ فأما قوله حيث نشاء فيحتمل أن يكون ظرفاً فإذا جعلته ظرفاً، كان المفعول الثاني محذوفاً، كأنه نتبوأ الجنة منازلها حيث نشاء ويجوز أن يكون حيث نشاء في موضع نصب، بأنه المفعول الثاني؛ وبوأته منزلاً من قولك باء فلان منزلاً، أي لزمه، وتعديه إلى مفعولين، وإن كنا لا نرى ذلك، ولكن يدل على ذلك المباءة؛ وقالوا في المباءة هي المراح تبيت فيه، ف المباءة اسم المكان فإذا كان اسم المكان مفعلاً، أو مفعلة، فالفعل منه قد يكون فعل، يفعل، أو يفعل؛ فكأنه باء المنزل، وبوأته أنا المنزل ومن حذف المفعول قوله تعالى فإن أعطوا منها رضوا أي فإن أعطوا شيئاً منها رضوا وعند الأخفش إن أعطوها رضوا ومن ذلك قوله تعالى إني أسكنت من ذريتي بواد تقديره أسكنت ناساً أو جماعة من ذريتي وعن الأخفش، أسكنت ذريتي ومن ذلك قوله تعالى وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى أي أخفى سره، كقوله عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً وقيل بل تقديره بل أخفى من السر، فحذف الجار والمجرور، كقوله الله أكبر، أي أكبر من كل شيء ومن حذف المفعول قوله تعالى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا وقيل التقدير أتقولون للحق لما جاءكم هذا سحر؟ فحذف الجملة، ثم ابتدأ، فقال أسحر هذا؟ فحسن الوقف على جاءكم وقيل هو على التكرير، كقولك أتقول أعندك مال؟ فيكون تأكيداً، لأنك لو قلت أعندك مال؟ لكفى وقيل يجوز أن يكون حكاية قولهم على التعجب، فيكون قوله أسحر هذا مفعول أتقولون حكاية بينهم على التعجب وزعم الرازي لما جاءكم كأنه ذهب إلى قول قاسم إن التقدير أتقولون للحق لما جاءكم هذا سحر! فأضمر المفعول، ثم استأنف فقال أسحر هذا ومن حذف المفعول، قوله تعالى أو وزنوهم يخسرون التقدير أو وزنوا لهم ما يوزن يخسرون الموزون، فحذف المفعول من أو وزنوهم والمفعولين من يخسرونهم فأما قوله تعالى ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد؛ فمن زيادة عند الأخفش، أي لننزعن كل شيعة، والفعل معلق عند يونس، نحو علمت لزيد في الدار، لأن النزع هذا يراد به التمييز وقال الخليل هو رفع على الحكاية، على تقدير من يقال له أيهم وقال سيبويه هو نصب، مفعول لننزعن لكنه بني على الضم، على تقدير أيهم هو أشد وقد ذكرنا وجه كل قول في الخلاف وأما قوله تعالى والذين تبوءوا الدار والإيمان فيكون على تبوءوا دار الهجرة واعتقدوا الإيمان، لأن الإيمان ليس بمكان فيتبوأ، فيكون كقوله فأجمعوا أمركم وشركاءكم ويجوز على تبوءوا الدار مواضع الإيمان ويجوز أن يكون تبوءوا الإيمان، على طريق المثل، كما قال تبوأ من بني فلان الصميم وحذف المفعول كثير جداً وأما قوله تعالى له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء

فيجوز أن يكون التقدير والذين تدعونهم، فحذف العائد إلى الذين، ويعني به الأصنام، والضمير في تدعون للمشركين، أي الأصنام الذين يدعوهم المشركون من دون الله، لا تستجيب لهم الأصنام بشيء ويجوز أن يكون التقدير والمشركون الذين يدعون الأصنام، فحذف المفعول، والعائد إلى الذين الواو في تدعون وأما قوله تعالى إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه أي إلا كاستجابة باسط كفيه إلى الماء، فالمصدر المحذوف المشبه به في تقدير الإضافة إلى المفعول به، وفاعل المصدر مراد في المعنى، وهو الماء المعنى كاستجابة باسط كفيه إلى الماء الماء ، كما أن معنى بسؤالك نعجتك، ومن دعاء الخير، لم يذكر معهما الفاعل فكذلك هاهنا واللام متعلق بالبسط وأما قوله تعالى وما هو ببالغه فيأتيك في اختلافهم في عود الضمير إلى ما قبله، وهو باب مفرد وأما قوله تعالى أولئك الذين يدعون يبتغون فيجوز فيه التقديران المتقدمان يجوز أولئك الذين يدعونهم يبتغون، فحذف العائد ويجوز أن يكون التقدير أولئك المشركون الذين يدعون غير الله يبتغون إلى ربهم الوسيلة وحذف العائد من الصلة إلى الموصول أكثر من أن أحصيه لك في التنزيل قال أهذا الذي بعث الله رسولاً أي بعثه الله، ولم يأت في الصلة الهاء في التنزل إلا في مواضع معدودة، منها قوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب يتلونه وبعده يعرفونه في موضعين من البقرة وقال الله تعالى إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان وقال الذين آتيناهم الكتاب في سورة الأنعام وقال كالذي استهوته الشياطين في الأرض وقال واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا وقال والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق وقال والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك من ربك وقال أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة في الأنعام أيضاً وقال وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به فهذه مواضع، جاء فيها العوائد إلى الموصولات ، وهي مفعولات، وأمكن حصرها، ولا يمكن حصر ما حذف لكثرته فأما ما اتصل به الجار، فإنه قد جاء محذوفاً في موضعين أحدهما قوله وخضتم كالذي خاضوا أي خاضوا فيه وقال ذلك الذي يبشر الله عباده التقدير ذلك الذي يبشر الله به، فحذف الباء ثم الهاء ويحكى عن يونس أنه أجرى الذي في الآيتين مجرى ما، فجعله في حكم المصدر، على تقدير وخضتم كخوضهم، و ذلك تبشير الله عباده كقوله تعالى سلام عليكم بما صبرتم أي بصبركم وقال كما نسوا لقاء يومهم هذا أي نسيانهم وغير ذلك وأما قوله فاصدع بما تؤمر، ويا أبت افعل ما تؤمر فقد ذكرنا أن التقدير بما تؤمر به؛ أي، بما تؤمر بالصدع به وقد شرحناه في باب حذف المضاف وقوله تعالى بما عهد عندك أي بما عهد به عندك، فحذف به إن جعلت ما موصولة ومن ذلك قوله تعالى وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء المعنى لا تغني شفاعتهم أن لو يشفعوا، ليس أن هناك شفاعة مثبتة فأطلق على المعنى الاسم، وإن لم يحذف، كما قال
لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس

والمعنى انتظار أصواتها فأوقع عليه الاسم، ولما يكن، فإضافة الشفاعة إليهم كإضافة الصوت إليها وقوله لمن يشاء ويرضى أي لمن يشاء شفاعته، على إضافة المصدر إلى المفعول به، الذي هو مشفوع له، ثم حذف المضاف، فصار لمن يشاؤه، أي يشاء شفاعته، ثم حذف الهاء، كما أن يرضى تقديره يرضاه ومن ذلك قوله تعالى أفرأيتم اللات والعزى أفرأيتم بمنزلة أخبروني واللات المفعول الأول ولكم سد مسد الثاني والمعنى أرأيتم أن جعلتم اللات والعزى بناتاً لله ألكم الذكر؟ فإن قلت فقد نص على أن الموصول لا يحذف، فكيف ساغ هذا؟ قيل هذا جائز لأن المعنى قد تكرر، وهو معلوم، ودل على حذفه ألكم الذكر ومن ذلك قوله ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً أي جعلها الله لكم قياماً، أي ذا قوم معايشكم ومعايش سفهائكم فعلى هذا جعل بمعنى صير، فحذف المفعول الأول، وهو الهاء، والمفعول الثاني المصدر الذي هو بمعنى القوام وقيل يعني الأموال التي جعلتم قواماً عليها وحفظة لها على السفهاء فعلى هذا قياماً جمع قائم، وهو في معنى الحال، والمفعول مضمر، أي جعلها لكم قياماً على هذا، أي لسفهائكم، كما أن أموالكم في أحد التأويلين أموال سفهائكم، فحذف، والذكر إلى الموصول كان مجروراً بعلى، فحذف كما حذف كالذي كانوا عليه، أي جعلكم الله قواماً لسفهائكم قياماً عليهاقوله تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون، في السماء أي في كتاب، لقوله وعنده أم الكتاب، وما توعدون أي توعدونه من الثواب والعقاب، لأن هذا اللفظ قد وقع عليهما بالثواب قوله هذا ما توعدون ليوم الحساب وهذا ما توعدون لكل أواب قوله وفجرنا الأرض عيوناً، فجر فعل يتعدى إلى مفعول واحد قال الله وفجرنا خلالهما نهراً فالعيون يحتمل انتصابها على وجهين أحدهما أن يكون بدلاً من الأرض، على حد ضرب زيد رأسه، لأن العيون بعض الأرض أو يريد فجرناها بعيون، فحذف الجار، ولا يكون حالاً، لأنه ينبغي أن يكون ذا الحال، والعيون لا تكون كل الأرض ويجوز أن يقدر ذات عيون، على حذف المضاف ومن هذا الباب قوله تعالى وجد عليه أمة من الناس يسقون أي يسقون مواشيهم ووجد من دونهم امرأتين تذودان أي تذودان مواشيهم قال ما خطبكما، قالتا لا نسقي أي لا نسقي مواشينا حتى يصدر الرعاء أي يصدروا مواشيهم، فيمن ضم الياء ومن هذا الباب قوله تعالى وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن فتنة مفعول ثان، والشجرة معطوفة على الرؤيا ومفعولها الثاني مكتفى منه بالمفعول الثاني الذي هو الفتنة، والرؤيا ليلة الإسراء، والشجرة الزقوم والفتنة أنهم قالوا كيف يكون في النار شجرة، والنار تأكل الشجرة ومن ذلك قوله تعالى فاضربوا فوق الأعناق يحتمل أمرين أحدهما يكون مكاناً فوق الأعناق، فحذف المفعول وأقيمت الصفة مقام الموصوف، وفيها ذكر منه ويجوز أن يجعل المفعول محذوفاً، أي فاضربوا فوق الأعناق الرؤوس، فحذفت والآخر أن تجعل فوق مفعولاً على السعة، لأنه قد جاء اسماً نحو ومن فوقهم غواشٍ وقالوا فوقك رأسك، فتجعل فوق على هذا مفعولاً به، ويقوي ذلك عطف البيان عليه، كأنه قال اضربوا الرأس واضربوا كل بنان وقال فإن كن نساء فوق اثنتين، كأن المعنى ارتفعن على هذه العدة، أي زدن عليها، وكأن الآية علم منها الزائدات على اثنتين، وعلم حكم الاثنتين، وأنهما ترثان الثلثين، كما ترث الثلثين الزائدات على الاثنتين، من أمر آخر من توقيف وإجماع عنه وأما قوله تعالى وهو القاهر فوق عباده، يكون فوق ظرفاً، ويكون حالاً، فإذا كان ظرفاً كان كقوله والله غالب على أمره، ويعلق بالظاهر ويجوز أن يكون ظرفاً حالاً فيه ذكر مما في اسم الفاعل، ولا يجوز أن يكون فيه ذكر من الألف واللام ويجوز في على أمره أن يكون حالاً مما في غالب قال سيبويه وتقول أخذتنا بالجود قوله امتنع فوق من الحمل على الباء وإن كانت من تدخل عليها، كما امتنعت عند من ذلك، أي من مع ذلك، ولهذا امتنعت، لا لأن الجود ليس فوقه مطر، ألا ترى أن الوابل فوق الجود، قال
إن دوموا جادوا وإن جادوا وبل

ومعنى هذا الكلام أخذتنا السماء بالجود من المطر، وبمطر فوق الجود لأن العرب لا تكاد تدخل الباء على فوق لا يقولون أخذتنا بفوق الجود وإنما يقولون أخذتنا بمطر فوق الجود، ولو جررت جاز، وليس الاختيار ومن ذلك قوله تعالى فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً أي كيف تتقون عذاب يوم، أو جزاء يوم، فاليوم على هذا اسم لا ظرف ومن هذا الباب قوله تعالى ولا يحض على طعام المسكين من أجرى الطعام مجرى الإطعام، كما حكاه البغداديونعجبت من طعامك طعامنا، كان المصدر مضافاً إلى المفعول والفاعل محذوف، أي من إطعامه المسكين، وأصله على طعام المطعم المسكين ومن لم يعمل الطعام عمل الفعل كان الطعام عنده عيناً كقوله ويطعمون الطعام على حبه تقديره عنده على إطعام طعام المسكين؛ لا يكون إلا كذلك، لأن الحض لا يقع على العين، والطعام على هذا منصوب الموضع بالإطعام المراد، وإضافة الطعام على هذا إلى المسكين، هو للملابسة بينهما ومن ذلك قوله تعالى ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني التقدير ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب بنيه ومن حذف المفعول قوله تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد أي غير باغ الميتة قصداً إليها، أي لا يطلبها تلذذاً بها، واقتضاء لشهوة، ولا يعدو حد ما يسد به رمقه، فحذف المفعولين من باغ وعاد والتقدير فمن اضطر فأكل الميتة غير باغيها ولا طالبها تلذذاً بها؛ فانتصاب قوله غير باغ على الحال من الضمير الذي في أكل المضمر، لدلالة الكلام عليه ألا ترى أن المنصوب يقتضي الناصب وفي الآية إضمار الجملة، وإضمار المفعولين فإن قلت فلم لا تجعل غير باغ حالاً من الضمير في اضطر دون الضمير في أكل؟ فإن الآية سيقت في تحريم أكل الميتة ألا ترى أن قبل الآية إنما حرم عليكم الميتة ثم عقب التحريم بقوله فمن اضطر، فوجب أن يكون التقدير فأكل غير باغ بها وإذا لم تحمله على أكل، وحملته على اضطر، لم يكن لقوله باغ مفعول، وباغ متعد ألا ترى قوله تبغونها عوجاً والتقدير تبغون لها عوجاً فإن قيل لا يكون باغ هاهنا بمعنى الطالب، وإنما يكون من قوله إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم فيكون التقدير في الآية فمن اضطر غير باغ على الإمام، ولا عاد على الأمة بقطع الطريق قلنا أنك في هذا القول أضمر الجار والمجرور، ونحن أضمرنا المفعول، وكلاهما وإن جاء في التنزيل، فإضمار المفعول أحسن، لأنه أقرب وأقل إضماراً، على أن الآية في ذكر الميتة، وليس من ذكر الإمام والأمة في شيء وأبداً إنما يليق الإضمار بما تقدم في الكلام حتى يعود إليه، ولا يضمر شيء لم يجر ذكره، والآية متعلقة به، فجميع ما جاء في التنزيل من قوله فمن اضطر غير باغ ولا عاد إنما جاء عقيب ذكر الميتة، وتحريم أكلها، ولم يأت في موضع بعد حديث الإمام والأمة، فما بال العدول عن نسق الآية إلى إدخال شيء في الكلام، وإضماره، ولم يجر له ذكر، فانتصاب غير إنما هو على الحال من الضمير في أكل لا في اضطر فإن قلت فهل يجوز حذف الصلة، وإبقاء الموصول، والصلة بعض الموصول، ولا يجوز حذف بعض الاسم، فإذا أضمرتم أكل فهو داخل في صلة من فما وجه ذلك؟ قلنا إن من وصلت بفعلين أحدهما اضطر والآخر أكل، فإذا ذكر اضطر وذكر ما انتصب عن فاعل أكل كان أكل كالمذكور الثابت في اللفظ، إذ المنصوب لا بد له من الناصب وإذا ذكرت اضطر وجعلت غير باغ حالاً من الضمير فيه، ثم أضمرت بعده أكل كنت أضمرت شيئاً يستغنى عنه في الصلة؛ لأن الموصول قد تم بالفعل وما يقتضيه، ولم تذكر معمولاً يحتاج إلى عامل، وكنت كأنك أضمرت شيئاً فاضلاً فالأحسن أن تضمر الفعل بجنب الفعل، ويصرف الحال إلى الضمير في الفعل المضمر دون الفعل الظاهر، وإضمار أكل على الحد الذي أضمرنا يقتضيه نصب غير باغ وتعليق الغفران به وعلى الحد الذي يقوله السائل، يضمره لتعلق الغفران به، دون تعليق الحال به وهكذا القول في فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم تقديره فأكل غير متجانف لإثم

فانتصاب غير إنما هو من فاعل أكل وفيه قولان أحدهما أن يأكل ما حرم عليه مما قدم ذكره من غير ضرورة والثاني ألا يتجاوز في الضرورة ما أمسك الرمق، ولا ينتهي إلى حد الشبع ويجوز، على القول الأول، أن ينتهي إلى حد الشبع فإن قيل إذا كان هذا الأكل مباحاً فلماذا عقبه قوله فإن الله غفور رحيم ولا معصية هناك، فجوابنا أن المراد به أنه غفور إن وقع في هذه الرخصة ضرب من التجاوز لأن ذلك من حيث رخص في ذلك عند الشدة ومن ذلك قوله تعالى وما أكل السبع أي ما أكله السبع، أي أكل بعضه، فحذف المضاف المفعول ومن ذلك قوله تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات أي والسموات غير السموات ومثله ما روى من قوله عليه السلام ألا لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده أي ولا ذو عهد في عهده بكافر ونحو ذلك مما يذكر على تكرير المفعول فيه، وحذفه لتقدم ذكره فيما تقدم من الكلام ومن حذف الفاعل وإضافة المصدر إلى المفعول قوله تعالى يخشون الناس كخشية الله أي كخشيتهم من الله وقوله يهبط من خشية الله وأما قوله وعنده علم الساعة، فالساعة مفعول به حقيقة، وليس على الاتساع، وجعل الظرف مفعولاً على السعة ألا ترى أن الظرف إذا جعل مفعولاً على السعة فمعناه متسعاً فيه بمعنى الظرف وإذا كان كذلك كان المعنى يعلم الساعة، وليس ذلك بالسهل، لأنه سبحانه يعلم على كل حال، وإنما معنى يعلم الساعة أي يعرفها وهي حق، وليس أمرها على ما أنتم عليه من إنكارها، من قوله لا تأتينا الساعة وإذا كان كذلك فمن نصب وقيله كان حملاً له على المعنى، وموضع الساعة منصوب في المعنى، لأنه مفعول بها وقيل إن قيله منتصب بالعطف على قوله لا نسمع سرهم ونجواهم، وقيله قال أبو علي ووجه الجر في قوله وقيله على قوله وعنده علم الساعة أي يعلم الساعة، ويصدق بها، ويعلم قيله ومعنى يعلم قيله أي يعلم أن الدعاء مندوب إليه، نحو قوله ادعوني استجب لكم وادعوا ربكم تضرعاً وخفية قلت في قول أبي علي هذا فيه نظر، لأن الضمير في قوله وعنده علم الساعة يعود إلى الله سبحانه، هو العالم بوقت حلولها وإنما التقدير وعنده علم وقت الساعة، ولا يتوجه على هذا عطف وقيله على موضع الساعة على معنى ما قال أبو علي ويعلم قيله أي يعلم أن الدعاء مندوب إليه، لأن هذا مما لا شبه به أن يكون من صفة الرسول، وبعد أن يعلم المصدر، الذي هو قيل، مضاف إلى الهاء، وهي مفعولة في المعنى لا فاعلة، أي، وعنده علم أن يقال يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون والمصدر هنا مضاف إلى المفعول لا إلى الفاعل وإنما هو من باب قوله لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه أي بسؤاله إياك نعجتك، لا بد من هذا التقدير ألا ترى أنه لا يجوز أن تقدره على أنه وعنده علم أن يقول الله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون لأن هذا إنما يقال لله تعالى دون أن يكون هو سبحانه يقول يا رب إن هؤلاء كذا، فتم الكلام على يؤمنون وأحسن من جميع ما ذكره أبو علي أن يكون نصب قيل، بالعطف على مفعول يعلمون والتقدير وهم يعلمون الحق، وقيله أي قول الحق، أو قول محمد عليه السلام، والمراد بقيله شكواه إلى ربه ويجوز أن يكون ينتصب قيله بفعل مضمر، أي قال قيله وشكواه ومن ذلك قوله تعالى وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى أي أخذ ربك القرى، إذا أخذ القرى، إن أخذه القرى أليم شديد، فحذف المفعولين في الموضعين ومن ذلك قوله تعالى إني أحببت حب الخير، إذا جعلته من الإحباب الذي هو إرادة، فإن الحب في القياس كان ينبغي أن يكون الإحباب، ولكن المصدر حذف منه، كما حذف من عمرك الله، وكما حذف في قوله
وإن يهلك فذلك كان قدري
أي بقدري وكما قال أبغضت قوماً، يريد قياماً وأضاف المصدر إلى المفعول، وإن كان محذوفاً، كما نصب الاسم في عمرك الله وأضافه إلى المفعول، وإن كان محذوفاً منه، وكما قال
وبعد عطائك المائة الرتاعا
أي إعطائك، واستغنى بإضافة المصدر إلى المفعول عن إعمال الفعل الذي هو أحببت فيه لأن المفعول قد يحذف من الكلام، إذا قامت عليه دلالة في مواضع ومن حمل أحببت على البروك، من قوله
بعير السوء إذا أحبا

فإن حب الخير ينبغي أن ينتصب على أنه مفعول له قوله تعالى فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوىً فانتصاب مكان على أحد أمرين إما أن تنصبه بموعد على موعد مكاناً أي تعدنا مكاناً، مثل
مغار ابن همام على حي خثعما

والآخر أن يكون مفعولاً ثانياً لجعلت، على أن يكون على الكلام قبل دخول جعل موعدك مكاناً سوى، كما تقول موعدك باب الأمير، وكما قرئ موعدكم يوم الزينة، فيجعل الموعد الباب، واليوم المكان على الاتساع، وتدخل جعلت عليه كما دخلت في قوله تعالىوجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرجمن إناثاً وأن تحمله على جعلت أوجه، لأن الموعد قد وصف، وإذا وصف لم يسغ أن يعمل عمل الفعل ألا ترى أنه لم يستحسن هذا ضارب ظريف زيداً، ولا يكون مكاناً سوى محمولاً على نخلفه لأنه ليس المعنى لا نخلف الموعد في مكان عدل ووسط بيننا وبينكم، إنما المعنى تواعدوا مكاناً وسطاً بيننا لنحضره جميعاً ومن ذلك قوله تعالى وإنه لذو علم لما علمناه، العامل في اللام المصدر الذي هو العلم، ونحمله على ضربين أحدهما أن يكون مفعولاً له والآخر أن يكون مثل ردف لكم والمعنى أنه يعلم ما علمناه، أي لم ينسه، ولكن تمسك به فلم يضيعه وقال وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله، لا يجوز أن يكون ما نفياً ألا ترى أن من نابذهم أصحاب الكهف وخرجوا عنهم كانوا كفاراً؛ فإذا حملت ما على النفي كان عكس المعنى، فإذا لم يجز أن يكون ما نفياً مع القراءة بالياء احتمل وجهين أحدهما أن يكون بمعنى الذي، كأنه وإذ اعتزلتموهم والذين يعبدونه من دون الله، وذلك آلهة كانوا اتخذوها يدلك على ذلك قوله هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة ويقوي ذلك قوله تعالى واعتزلكم وما تدعون من دون الله في قصة إبراهيم، وكانوا قد اتخذوا أيضاً آلهة ويجوز أن تكون ما مصدرية على تقدير وإذ اعتزلتموهم وعبادتهم إلا عبادة الله، فيكون الاستثناء منقطعاً والمضاف محذوفاً، وما منصوب المحل بالعطف على المفعول ومن حذف المفعول قوله تعالى فلما آتاهم من فضله بخلوا به أي فلما آتاهم ما تمنوا ومثله من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد أي لمن نريد تعجيله له، والهاء في تعجيله يعود إلى ما نشاء، والتي في له تعود إلى الموصول وليس هذا على حد الذي مررت زيد، وأنت تريد الذي مررت به، فيمكن أن يكون على حد من تنزل عليه أنزل ألا ترى أن اللام الجارة والتعجيل قد جرى ذكرهما، وما حذف على هذا النحو كان في حكم المثبت، فأما اللام في لمن نريد فيحتمل ضربين أحدهما أن يكون المعنى هذا التعجيل لمن نريد ليس لكل أحد، كقوله تعالى ومن تأخر في يومين فلا إثم عليه لمن اتقى أي هذه التوسعة لمن اتقى ما أمر أن يتقيه والآخر أن يكون بدلاً من اللام الأولى التي في قوله عجلنا له، كأنه عجلنا لمن نريد ما نشاء، فيكون ما نشاء منتصباً بعجلنا ومن حذف المفعول قوله تعالى ومن آبائهم وذرياتهم أي ووهبنا لهم من ذرياتهم فرقاً مهتدين، لأن الاجتباء يقع على من كان مهتدياً وأما قوله تعالى وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون الضمير الذي بعد الضمير المرفوع في كالوا منصوب، وليس بمرفوع على أن يكون وصفاً للمضمر، لأن المعنى ليس عليه وذلك أن المراد أنهم إذا قبضوا من الناس استوفوا منهم المكيال، وإذا دفعوا إليهم بخسوهم، فمن هنا استحقوا الوعيد في التطفيف، وإنما هو على كلتك ووزنتك فالمعنى إذا قبضوا من الناس استوفوا، وإذا أقبضوا الناس لم يوفوهم، فهذا موضع ذمهم، والمكان الذي استحقوا منه الوعيد والتقدير وإذا كالوا الناس أو وزنوهم، أخسروهم مكيلهم وموزونهم فيخسرون، يراد تعديته إلى مفعولين، وحذف المفعولين، يدلك على ذلك، أن خسر يتعدى إلى مفعول، بدلالة قوله تعالى خسر الدنيا والآخرة فإذا نقلته بالهمزة تعدى إلى مفعولين، تقول أخسرت زيداً ماله، فتعديه إلى مفعولين، وهو من باب أعطيت فكذلك أريد المفعولان في قوله يخسرون، فحذف المفعولان، كما حذف فيما يتعدى إلى مفعولين، الثاني منه هو الأول في المعنى، كقوله كنتم تزعمون وقوله فهو يرى ومن حذف المفعول قوله بما حفظ الله أي بما حفظهن الله وقد قرئ بالنصب قال الفراء وتقدير هذا بالذي حفظ أمر الله، نحو قوله لا تقربوا الزنى وقوله محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ولست أشتهي النصب، لأنه مصدر، وليس يقصد شيئاً، فأما إذا كان مصدراً، خلا الفعل من الفاعل، لأنه حرف عندهم ذهبوا فيه إلى قول سيبويه، ولكن إذا نصب جعل ما بمنزلة الذي قوله تعالى وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون استدل مستدل على أن الحركات ترى لأنه لم يتعد رأيت

إلا إلى مفعول واحد فلولا أن معناها الرؤية، التي هي حس البصر، لتعدى إلى مفعول ثان فالقول عندنا إن الذي ذهب إليه ليس له دلالة فيه، على ما ذكر، لغير شيء أحدهما أن سيرى من قوله فسيرى الله عملكم ورسوله لا يراد به الحس، لأن من أعمالهم ما لا يحس بالأبصار، نحو الآراء و الاعتقادات ولأن المعنى في فسيرى الله أنهم يجازون على أعمالهم جزاء هو ثواب أو عقاب، كما يعرف عريف الجيش من هو عليهم بحلالهم وصفاتهم وعلى هذا تقول لمن توعد قد علمت ما صنعت، لا تريد أن تفيده أنك فهمته، ولكن توعده وتهدده بالجزاء عليه وكذلك قوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره أي يرى الجزاء عليه، وليس يراد به الرؤية التي هي إدراك البصر؛ ألا ترى أن في الجزاء وفي الثواب أو العقاب ما لم يعلم بإدراك البصر ومثله قوله تعالى أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم أي يجازيهم عليه وكذلك قراءة من قرأ فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض أي جازى على بعض، وهو إفشاء السر الذي كان أسره - عليه السلام - إلى بعض أزواجه، وأعرض عن بعض ما أغضى عنه، ولم يخبر به وليس المعنى على أنه عرف ذلك عرفاناً، ألا ترى أنه - عليه السلام - عرف جميع ما أسره، ولا يجوز أن يكون عرف بعضاً، ولم يعرف بعضاً فكما أن هذه الآي على الجزاء، فكذلك فسيرى الله عملكم ورسوله وجزاء الرسول هو دعاؤه لهم أو عليهم، وتزكيته إياهم بذلك أو لعنه لهم، وجزاء المسلمين هو الولاية أو البراءة ومن ذلك قوله تعالى فلما جاوزا أي مكان الحوت؛ فحذف المفعول قوله فأتبع سبباً ثم أتبع سبباً، فالقول في ذلك أن تبع فعل يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا نقلته بالهمزة تعدى إلى مفعولين يدلك على ذلك قوله تعالى وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة، وفي أخرى وأتبعوا في هذه لعنة لما بني الفعل للمفعول، قام أحد المفعولين مقام الفاعل فأما أتبع فافتعل يتعدى إلى مفعول واحد، كما تعدى فعل إليه، مثل شويته واشتويته، وحفرته واحتفرته، وجرحته واجترحته وفي التنزيل اجترحوا السيئات وفيه ويعلم ما جرحتم بالنهار وكذلك فديته وافتديته، وهذا كثير وأما قوله تعالى فأتبعوهم مشرقين فتقديره فأتبعوهم جنودهم، فحذف أحد المفعولين، كما حذف من قوله لينذر بأساً شديداً من لدنه، ومن قوله لا يكادون يفقهون قولاً المعنى لا يفقهون أحداً، ولينذر الناس بأساً شديداً وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم أي عذابه أو حسابه فقوله فأتبع سبباً إنما هو افتعل الذي للمطاوعة؛ فيعدى إلى مفعول واحد كقوله واتبعوا ما تتلوا الشياطين واتبعك الأرذلون وأما قوله تعالى فأتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً فتقديره أتبعهم فرعون طلبته إياهم، أو تتبعه لهم كذلك فأتبعه شهاب مبين المعنى أتبعه شهاب مبين الإحراق، أو المنع من استراق السمع وقوله تعالى واتبع الذين ظلموا مطاوع تبع يتعدى إلى مفعول واحد ومثله واتبعك الأرذلون ومن قرأ فأتبع سبباً أي أتبع سبباً سبباً، أو أتبع أمره سبباً، أو أتبع ما هو عليه سبباً وقوله فأتبعهم فرعون بجنوده فقد يكون الباء زيادة، أي أتبعهم جنوده، وقد يكون الباء للحال، أي أتبعهم عقوبته، ومعه جنوده قوله من يضلل الله فلا هادي له، هدى فعل يتعدى إلى مفعولين، يتعدى إلى الثاني منهما بأحد حرفي الجر إلى، واللام فمن تعديه بإلى قوله فاهدوهم إلى صراط الجحيم، واهدنا إلى سواء الصراط ومن تعديه باللام قوله تعالى الحمد لله الذي هدانا لهذا وقوله قل الله يهدي للحق فهذا الفعل بتعديه مرة باللام، وأخرى بإلى، مثل أوحى في قوله وأوحى ربك إلى النحل، وقوله بأن ربك أوحى لها وقد يحذف الحرف في قولك من قولهم هديته لكذا؛ وإلى كذا، فيصل الفعل إلى المفعول الثاني، كما قال اهدنا الصراط المستقيم أي دلنا عليه، واسلك بنا فيه، فكأنه سؤال واستنجاز لما وعدوا به وقوله يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام أي سبل دار السلام، بدلالة قوله لهم دار السلام عند ربهم ومن ذلك قوله ثم ائتوا صفاً أي ثم ائتوني صفاً، إن جعلت صفاً حالاً أضمرت المفعول، ويجوز أن تجعل الصف مفعولاً به ومن ذلك قوله تعالى إما أن تلقي وإما أن نكون، أي إما أن تلقي العصا، وإما أن نكون أول من ألقى ما معه قال بل ألقوا أي ألقوا ما معكم ومثل هذا كثير يتسع على العاد الخرق اتساعه على الراقع ومن ذلك قوله

ولسوف يعطيك ربك فترضى قال كعب ألف قصر في الجنة، كل قصر مخلوق من در واحد فترضى أفترضى بالعطاء عن المعطي؟ قال بلى، ألم يجدك يتيماً فآوى أي فآواك ووجدك ضالاً عن الطريق فهدى أي فهداك، ووجدك عائلاً فأغنى أي فأغناك، كما قال أغنى، وأقنى، وأضحك وأبكى، وأمات وأحيا فحذف المفعول فيهن كلهن لا أعبد ما تعبدون أي تعبدونه، ولا أنتم عابدون ما أعبد أي ما أعبده، وكذلك ما عبدتم أي ما عبدتموه فسبح بحمد ربك أي فسبحه ومن ذلك قوله تعالى ولقد فتنا سليمن وألقينا على كرسيه جسداً التقدير وألقيناه على كرسيه جسداً، ذا جسد أي مريضاً، فقوله جسداً، في موضع الحال، والمفعول محذوف وقال قوم بخلاف هذا، وجعلوا جسداً مفعولاً به، وإنه ما أقعد مكانه جسد آخر، في قصة يذكرونها طويلة ومن ذلك قوله وأوتيت من كل شيء، أي أوتيت من كل شيء شيئاً وعليه قوله فغشاها ما غشى أي ما غشاها إياه، فحذف المفعولين جميعاً ومن ذلك قوله تعالى والبدن جعلناها لكم من شعائر الله، فجعل هنا من أخوات ظننت، وقد قالوا زيداً ظننته منطلقاً، فلما أضمرت الفعل، فسرته بقولك ظننته، وحذفت المفعول الثاني من الفعل الأول المقدر، اكتفاء بالمفعول الثاني الظاهر في الفعل الآخر، وكذلك بقية أخوات ظننت ومن ذلك قوله تعالى ودع أذاهم، والتقدير دع الخوف من أذاهم حذف المفعول والجار، كقوله لينذر بأساً شديداً ومن ذلك قوله تعالى فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا قيل التقدير آتنا ما نريد في الدنيا، فحذف المفعول الثاني وقيل في زائدة، أي أتنا الدنيا ومن ذلك قوله تعالى إلا بلاغاً من الله ورسالاته يجوز أن يكون المراد بالبلاغ، ما بلغ النبي - صلى الله عليه وعلى آله - عن الله وآتاه يعطيك ربك فترضى قال كعب ألف قصر في الجنة، كل قصر مخلوق من در واحد فترضى أفترضى بالعطاء عن المعطي؟ قال بلى، ألم يجدك يتيماً فآوى أي فآواك ووجدك ضالاً عن الطريق فهدى أي فهداك، ووجدك عائلاً فأغنى أي فأغناك، كما قال أغنى، وأقنى، وأضحك وأبكى، وأمات وأحيا فحذف المفعول فيهن كلهن لا أعبد ما تعبدون أي تعبدونه، ولا أنتم عابدون ما أعبد أي ما أعبده، وكذلك ما عبدتم أي ما عبدتموه فسبح بحمد ربك أي فسبحه ومن ذلك قوله تعالى ولقد فتنا سليمن وألقينا على كرسيه جسداً التقدير وألقيناه على كرسيه جسداً، ذا جسد أي مريضاً، فقوله جسداً، في موضع الحال، والمفعول محذوف وقال قوم بخلاف هذا، وجعلوا جسداً مفعولاً به، وإنه ما أقعد مكانه جسد آخر، في قصة يذكرونها طويلة ومن ذلك قوله وأوتيت من كل شيء، أي أوتيت من كل شيء شيئاً وعليه قوله فغشاها ما غشى أي ما غشاها إياه، فحذف المفعولين جميعاً ومن ذلك قوله تعالى والبدن جعلناها لكم من شعائر الله، فجعل هنا من أخوات ظننت، وقد قالوا زيداً ظننته منطلقاً، فلما أضمرت الفعل، فسرته بقولك ظننته، وحذفت المفعول الثاني من الفعل الأول المقدر، اكتفاء بالمفعول الثاني الظاهر في الفعل الآخر، وكذلك بقية أخوات ظننت ومن ذلك قوله تعالى ودع أذاهم، والتقدير دع الخوف من أذاهم حذف المفعول والجار، كقوله لينذر بأساً شديداً ومن ذلك قوله تعالى فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا قيل التقدير آتنا ما نريد في الدنيا، فحذف المفعول الثاني وقيل في زائدة، أي أتنا الدنيا ومن ذلك قوله تعالى إلا بلاغاً من الله ورسالاته يجوز أن يكون المراد بالبلاغ، ما بلغ النبي - صلى الله عليه وعلى آله - عن الله وآتاه

والمعنى لا يجيرني إلا أن أعمل بما آتاني وهو قوله إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ويجوز أن يكون المراد بالبلاغ ما يبلغ به عن الله إلى خلقه، كما قال إن عليك إلا البلاغ، أي أن تبلغ ما أمرت في أداء الرسالة فعلى الأول يكون ورسالاته جراً عطفاً على لفظة الله وعلى الثاني يكون نصباً عطفاً على المفعول المحذوف، الذي يقتضيه بلاغ، فكأنه قال إلا أن أبلغ من الله ما يحب هو أن يعرف، وتعتقد صفاته فأما قوله والذين هم للزكاة فاعلون أي يفعلون ويعملون بالطاعة لأجل طهارة النفس عن المعاصي، كقوله قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى وقد أفلح من زكاها ومن حذف المفعول قوله على أن نبدل أمثالكم، أي على أن يبدلكم بأمثالكم، وعلى أن نبدل خيراً منهم، التقدير على أن نبدلهم بخير منهم، كقوله لينذر بأساً شديداً من لدنه وأما قوله إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فالتقدير تذكروا اسم الله، فحذف وقال لمن أراد أن يذكر أي نعم الله ويفكر ليدرك العلم بقدرته، ويستدل على توحيده وتخفيف حمزة، على أنه يذكر ما نسيه في أحد هذين الوقتين في الوقت الآخر ويجوز أن يكون على أن يذكر تنزيه الله وتسبيحه وأما قوله تعالى فمن شاء ذكره فروي عن الحسن كلا إنها تذكرة قال القرآن وأما قوله فمن شاء ذكره فتقديره إن ذلك ميس له كما قال ولقد يسرنا القرآن للذكر أي لأن يحفظ ويدرس، فيؤمن عليه التحريف والتبديل ، الذي جاز على غيره من الكتب لتيسيره للحفظ، وكثرة الدرس له، وخروجه بذلك عن الحد الذي يجوز معه كذلك له، والتغيير؛ أي من شاء الله ذكره، أي ذكر القرآن وقال الله تعالى فمن خاف من موص جنفاً أي خاف ظهور الجنف وقال وما أكل السبع إلا ما ذكيتم أي وما أكل السبع بعضه، فحذف ومن ذلك قوله تعالى ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك أي أرسلنا رسلاً ومن ذلك قوله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، مفعول يشعركم محذوف، أي ما يشعركم إيمانكم، وما ليست بنافية، لأنها تبقي يشعركم بلا فاعل، ولا يكون ضمير الله تعالى، لأنه أعلمنا أنهم لا يؤمنون بقوله ما كانوا ليؤمنوا ومن حذف المفعول قوله تعالى وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة وقال الظرف متعلق بمحذوف، وهو مفعول ثان للظن، أي ما ظنهم في الدنيا حالهم يوم القيامة، وما استفهام وقال في موضع آخر يوم القيامة متعلق بالظن، الذي هو خبر المبتدأ، الذي هو ما ألا ترى أنه لا يجوز أن يتعلق بالكذب، ولا يفترون، لأن ذلك لا يكون في الآخرة، كأنه ما ظنهم أشدة العذاب أم التجاوز عنهم؟ ومن ذلك قوله تعالى وآتاكم من كل ما سألتموه قال الأخفش التقدير من كل شيء سألتموه، فحذفه وأضمره، كما قال وأوتيت من كل شيء أي من كل شيء في زمانها وقال الكلبي من كل ما سألتموه وما لم تسألوه وقال قوم هذا من العام الذي يراد به الخاص قال سيبويه جاءني أهل، الدنيا؛ وعسى أن يكون قد جاء خمسة منهم، وقيل وآتاكم من كل ما سألتموه لو سألتموه ومن ذلك قوله تعالى لا يكادون يفقهون قولاً فيمن ضم الياء أي من يخاطبونه شيئاً، فحذف أحد المفعولين، وقيل لا يفقهون غير لسانهم إياهم، ولو لم يفقهوا غيرهم شيئاً، لما صح أن يقولوا ويفهموا ومن ذلك قوله تعالى ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا انتصاب لسان بالفعل الثاني دون الأول عنده وعلى قول الأخفش من رحمتنا من زائدة وأما قوله تعالى كطي السجل للكتب قيل السجل اسم ملك، وقيل اسم رجل كاتب، فيكون المصدر مضافاً إلى الفاعل، واللام مثلها في ردف لكم وقيل السجل الصحيفة تطوى على ما فيها من الكتابة؛ والمصدر مضاف إلى المفعول أي كما يطوى السجل على الكتاب وقد رواه أبو علي كطي الطاوي الصحيفة مدرجاً فيها الكتب أي كطي الصحيفة لدرج الكتب فيها، على تأويل قتادة وكطي الصحيفة لدرج الكتب، فحذف المضاف، والمصدر مضاف إلى الفاعل، على قول السدى، والمعنى كطي زيد الكتب ومن ذلك قوله تعالى إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته مفعول ألقى مضمر، أي ألقى الشيطان في تلاوته ما ليس منه ومن ذلك قوله فأرسل إلى هرون، أي أرسلني مضموماً إلى هارون، فحذف المفعول، والجار في موضع الحال وأما قوله أجر ما سقيت لنا، ليس التقدير ما سقيته لنا، وهو الماء، فلا يكون للماء أجر، وليس الجزاء للماء؛ إنما هو لاستقائه فإن قلت اجعل المعنى

ليجزيك أجر الماء، فلم يستقم أيضاً، لأن الأجر لاستقاء الماء لا للماء فإذا كان كذلك، كان المعنى ليجزيك أجر السقي لنا ومن ذلك قوله تعالى قل أرأيتم إن كان من عند الله قال أبو علي أرأيتم هذه تتعدى إلى مفعولين، الثاني منهما استفهام، والأول منصوب، وهو هاهنا مضمر، وهو للقرآن أي أرأيتم القرآن إن كان من عند الله، والمفعول محذوف، وتقديره أتأمنون عقوبته، أو لا تخشون انتقامه وقدره الزجاج قل أرأيتم القرآن إن كان من عند الله، إلى قوله فآمن واستكبرتم أفتؤمنون به؟ ومن ذلك قوله تعالى ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم، فهذا على ووهبنا له اسحق ويعقوب فالمعنى ووهبنا من ذرياته فرقاً مهتدين، لأن الاجتباء إنما يقع على من كان مهتدياً مرتضى، فحذف المفعول بهيجزيك أجر الماء، فلم يستقم أيضاً، لأن الأجر لاستقاء الماء لا للماء فإذا كان كذلك، كان المعنى ليجزيك أجر السقي لنا ومن ذلك قوله تعالى قل أرأيتم إن كان من عند الله قال أبو علي أرأيتم هذه تتعدى إلى مفعولين، الثاني منهما استفهام، والأول منصوب، وهو هاهنا مضمر، وهو للقرآن أي أرأيتم القرآن إن كان من عند الله، والمفعول محذوف، وتقديره أتأمنون عقوبته، أو لا تخشون انتقامه وقدره الزجاج قل أرأيتم القرآن إن كان من عند الله، إلى قوله فآمن واستكبرتم أفتؤمنون به؟ ومن ذلك قوله تعالى ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم، فهذا على ووهبنا له اسحق ويعقوب فالمعنى ووهبنا من ذرياته فرقاً مهتدين، لأن الاجتباء إنما يقع على من كان مهتدياً مرتضى، فحذف المفعول به
الحادي والعشرون
ما جاء في التنزيل من الظروف
التي يرتفع ما بعدهن بهن على الخلاف، وما يرتفع ما بعدهن بهن على الاتفاق، وهو باب يغفل عنه كثير من الناس

فأما الذي اختلفوا فيه فكقوله ولهم عذاب عظيم، ومن الناس من يقول، ولهم عذاب أليم فعذاب في هذا ونحوه، يرتفع بالابتداء عند سيبويه، والظرف قبله خبر عنه، وهو لهم وعند أبي الحسن والكسائي يرتفع عذاب بقوله لهم، لأن لهم ناب عن الفعل ألا ترى أن التقدير وثبت لهم، فحذف ثبت وقام لهم مقامه، والعمل للظرف لا للفعل ومثله ومنهم أميون وهو على هذا الخلاف، وغلط أبو إسحاق في هذا، فقال ارتفع أميون بفعل، كأن المعنى واستقر منهم أميون قال أبو علي ليس يرتفع أميون عند الأخفش بفعل، إنما يرتفع بالظرف الذي هو منهم ومذهب سيبويه أنه يرتفع بالابتداء، ففي منهم عنده ضمير، لقوله أميون، وموضع منهم، على مذهبه، رفع، لوقوعه موقع خبر الابتداء وأما على مذهب الأخفش، فلا ضمير لقوله أميون في منهم ولا موضع له عنده، كما أنه لا موضع لذهب من قولك ذهب فلان وإنما رفع الأخفش الاسم بالظرف في نحو هذا، لأنه نظر إلى هذه الظروف فوجدها تجري مجرى الفعل في مواضع، وهي أنها تحتمل الضمير كما يحتمله الفعل، وما قام مقامه من أسماء الفاعلين، وما شبه به ويؤكد ما فيها كما يؤكد ما في الفعل، وما قام مقامه في نحو قولك مررت بقوم لك أجمعون وتنتصب عنها الحال كما تنتصب عن الفعل، وتوصل بها الأسماء الموصولة، كما توصل بالفعل والفاعل، فيصير فيها ضمير الموصول كما يصير ضميره في الفعل، وتوصف به النكرة كما توصف بالفعل والفاعل فلما رآها في هذه المواضع تقوم مقام الفعل أجراها أيضاً مبتدأ مجرى الفعل، فرفع بها الاسم، كما رفع بالفعل، إذا قامت هذه الظروف مقام الفعل في هذه المواضع، فقال في عندك زيد، و في الدار عمرو، ومنهم أميون، ومن الناس من يعجبك، ومن الناس من يتخذ، ومن الناس من يشتري، ومنهم من يستمع إليك، ومنهم من يلمزك، ومنهم الذين يؤذون، ومنهم من يقول ائذن لي، ومنهم من عاهد الله، وممن حولكم من الأعراب منافقون، وقوله تعالى لهم دار السلام، ونحو ذلك إنه مرتفع بالظرف قد أقيم مقام الفعل، في غير هذه المواضع ومثل ذلك قال في أسماء الفاعلين، نحو ضارب وما أشبهها؛ لما رآها تجري مجرى الأفعال، يرتفع الاسم بها إذا جرت خبراً أو وصفاً أو حالاً على شيء، أجراها مبتدأة أيضاً، غير معتمدة على شيء، نحو حروف الاستفهام، يكون اسم الفاعل في الاعتماد عليه مثلها إذا جرى حالاً، أو خبراً، أو وصفاً وأجاز في نحو قوله وإنهم آتيهم عذاب غير مردود، وقوله وضائق به صدرك، وقوله وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم ارتفاع الاسم بما قبله، يجريه مجرى الفعل غير متقدم، كما أجرى الظرف متقدماً مجراه غير متقدم فرفع الاسم بالظرف واسم الفاعل، وهما متقدمان غير جاريين على شيء، كما رفعه وهما جاريان على ما قبلهما وقد قال سيبويه هذا القول في قوله تعالى ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة، ومن آياته أن خلقكم من تراب، وقوله تعالى لهم فيها زفير وشهيق، وقوله تعالى وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور، وقوله أو كصيب من السماء فيه ظلمات، وقوله ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم، وقوله تعالى ومن عنده علم الكتاب، وقوله فأما الذين في قلوبهم زيغ، وقوله أفي الله شك إن هذه الأسماء ترتفع بالظرف، إذا جرى صلة الموصول، أو حالاً لذي حال، أو صفة لموصوف، أو معتمداً على الهمزة، أو تكون لاسم إن، أو المصدر قد قال سيبويه والأخفش قولاً واحداً في هذه الأشياء فإن قيل ما تنكر أن يكون ارتفاع الاسم في نحو قوله تعالى ولكم في القصاص حياة مرتفع في الحقيقة باستقر لا بلكم؟ فالجواب أن المعروف المشهور من قول الأخفش في نحو قوله تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا أنه مرتفع بالظرف والمعلوم من قول سيبويه والأخفش وغيرهما، أنهم إذا قالوا زيد في الدار؛ فالضمير في الظرف لا في الفعل المحذوف، لأن ذلك مطرح مختزل والدليل على أن قولهم زيداً في الدار، في الظرف ضمير، والظرف هو العامل في ذلك الضمير، امتناع تقديم الحال عليه، في قولك زيد قائماً في الدار، لأن العامل غير متصرف، وهو الظرف دون الفعل ولا عبرة بالفعل، لأنه لا يجوز قائماً في الدار زيد، كما يجوز قائماً استقر زيد، فعلم أنه لا عبرة بالفعل؛ ولأنه قال إن فيها قوماً جبارين، وإن في ذلك لعبرة، وأن لهم الحسنى، فأدخل إن على الظرف، وهي لا تلي الفعل، فثبت أنه لا عبرة بالفعل وهذه

الآي دليل سيبويه من أنه لا يرتفع الاسم بالظرف، حيث يقول به الأخفش، لأن الظرف دخل عليه إن فلو كان يرتفع كما يرتفع الفعل، لم يدخل عليه إن كما لا يدخل على الفعل وقد قال أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله فنصب الاسم بأن فثبت أن الظرف لا يرتفع في الابتداء، وإنما يرتفع في المواضع التي ذكرنا، وهو إذا جرى خبراً لمبتدأ، أو حالاً لذي حال، أو صفة لموصوف، أو معتمداً على حرف النفي والاستفهام والموصول، لأن شبهها بالفعل في هذه الأحوال قد قوي واستمر، كما قوي الفاعل في هذه الأحوال أن يعمل عمل الفعل دون ما إذا ابتدئ به فقوله تعالى إنه مصيبها ما أصابهم، ما يرتفع بالابتداء عند سيبويه، ومصيبها خبر، وفيه ضمير وعند الأخفش، يرتفع ما بقوله مصيبها لأنه بمنزلة يصيبها، ولا ضمير في مصيبها عنده، فهو كقوله ولهم عذاب أليم والخلاف في الفاعل والظرف واحد ومن ذلك قوله تعالى ولهم فيها أزواج مطهرة، أزواج يرتفع بالابتداء عند سيبويه ولهم خبره وفيها معمول لهم فيرتفع أزواج بالظرف عند أبي الحسن، وهو لهم وإن رفعته بفيها جاز ولو جعلت فيها حالاً من المجرور جاز ولو جعلتها حالاً من أزواج على أن يكون في الأصل صفة لها، فلما تقدم انتصب على الحال، جاز ومن ذلك قوله تعالى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم يرتفع بالظرف في القولين، لأن الظرف جرى خبراً للمبتدأ، وهو من آمن، ولا خلاف في هذا كما أن قوله أو كصيب من السماء فيه ظلمات، تقديره أو كأصحاب صيب من السماء ثابت فيه ظلمات، لجريه وصفاً على الصيب، وكذا هاهنا يرتفع أجر بالظرف، لأنه جرى خبراً على المبتدأ فأما قوله عند ربهم فهو حال من الأجر، أي لهم أجرهم ثابتاً عند ربهم، ولو جعلته معمول الظرف ومثله قوله إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله لعنة الله يرتفع بالظرف، لأنه جرى خبراً على أولئك ومن ذلك قوله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ترتفع آيات بالظرف، لأنه جرى حالاً للكتاب، ولا يكون صفة للكتاب لأن الكتاب معرفة، والظرف نكرة ومن ذلك قوله تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ يرتفع زيغ بالظرف، لأنه جرى صلة على الذين ومن ذلك قوله قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري يرتفع جنات بالابتداء، وللذين اتقوا خبر عند سيبويه ويرتفع جنات بالظرف عند الأخفش ولا يكون للذين اتقوا صفة للمجرور قبله، وهو خير، لأنه لا ذكر فيه يعود إلى الموصوف ألا ترى أن الضمير الذي فيه، على قول سيبويه، ضمير جنات، ولا ضمير فيه على قول الأخفش لارتفاع الظاهر به وينتصب قوله خالدين فيها على الحال من الذين المجرور باللام وأزواج عطف على جنات وكذا قوله ورضوان وأما قوله تعالى ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك فقوله لكل واحد منهما، يتعلق بما يتعلق به لأبويه على وجه البدل كما أن قولك رأسه من قولك ضربت زيداً رأسه، يتعلق بضربت على حد البدل ومن رفع بالظرف ارتفع قوله السدس بقوله لكل واحد منهماآي دليل سيبويه من أنه لا يرتفع الاسم بالظرف، حيث يقول به الأخفش، لأن الظرف دخل عليه إن فلو كان يرتفع كما يرتفع الفعل، لم يدخل عليه إن كما لا يدخل على الفعل وقد قال أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله فنصب الاسم بأن فثبت أن الظرف لا يرتفع في الابتداء، وإنما يرتفع في المواضع التي ذكرنا، وهو إذا جرى خبراً لمبتدأ، أو حالاً لذي حال، أو صفة لموصوف، أو معتمداً على حرف النفي والاستفهام والموصول، لأن شبهها بالفعل في هذه الأحوال قد قوي واستمر، كما قوي الفاعل في هذه الأحوال أن يعمل عمل الفعل دون ما إذا ابتدئ به فقوله تعالى إنه مصيبها ما أصابهم، ما يرتفع بالابتداء عند سيبويه، ومصيبها خبر، وفيه ضمير وعند الأخفش، يرتفع ما بقوله مصيبها لأنه بمنزلة يصيبها، ولا ضمير في مصيبها عنده، فهو كقوله ولهم عذاب أليم والخلاف في الفاعل والظرف واحد ومن ذلك قوله تعالى ولهم فيها أزواج مطهرة، أزواج يرتفع بالابتداء عند سيبويه ولهم خبره وفيها معمول لهم فيرتفع أزواج بالظرف عند أبي الحسن، وهو لهم وإن رفعته بفيها جاز ولو جعلت فيها حالاً من المجرور جاز ولو جعلتها حالاً من أزواج على أن يكون في الأصل صفة لها، فلما تقدم انتصب على الحال، جاز ومن ذلك قوله تعالى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم يرتفع بالظرف في القولين، لأن الظرف جرى خبراً للمبتدأ، وهو من آمن، ولا خلاف في هذا كما أن قوله أو كصيب من السماء فيه ظلمات، تقديره أو كأصحاب صيب من السماء ثابت فيه ظلمات، لجريه وصفاً على الصيب، وكذا هاهنا يرتفع أجر بالظرف، لأنه جرى خبراً على المبتدأ فأما قوله عند ربهم فهو حال من الأجر، أي لهم أجرهم ثابتاً عند ربهم، ولو جعلته معمول الظرف ومثله قوله إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله لعنة الله يرتفع بالظرف، لأنه جرى خبراً على أولئك ومن ذلك قوله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ترتفع آيات بالظرف، لأنه جرى حالاً للكتاب، ولا يكون صفة للكتاب لأن الكتاب معرفة، والظرف نكرة ومن ذلك قوله تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ يرتفع زيغ بالظرف، لأنه جرى صلة على الذين ومن ذلك قوله قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري يرتفع جنات بالابتداء، وللذين اتقوا خبر عند سيبويه ويرتفع جنات بالظرف عند الأخفش ولا يكون للذين اتقوا صفة للمجرور قبله، وهو خير، لأنه لا ذكر فيه يعود إلى الموصوف ألا ترى أن الضمير الذي فيه، على قول سيبويه، ضمير جنات، ولا ضمير فيه على قول الأخفش لارتفاع الظاهر به وينتصب قوله خالدين فيها على الحال من الذين المجرور باللام وأزواج عطف على جنات وكذا قوله ورضوان وأما قوله تعالى ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك فقوله لكل واحد منهما، يتعلق بما يتعلق به لأبويه على وجه البدل كما أن قولك رأسه من قولك ضربت زيداً رأسه، يتعلق بضربت على حد البدل ومن رفع بالظرف ارتفع قوله السدس بقوله لكل واحد منهما

فإن قلت أفيكون فيمن أعمل غير الأول أن يضمر السدس في قوله لأبويه كما أضمر في قوله
فهيهات هيهات العقيق
في الأول جعل السدس مرتفعاً بالظرف الثاني، فإن ذلك لا يجوز، وليس المعنى عليه ألا ترى أن الأبوين ليس لهما السدس، إنما لكل واحد منهما السدس فإن قلت أفيستقيم أن يكون لأبويه متعلقاً بقوله لكل واحد منهما، على حد أكل يوم لك ثوب؟ فإن ذلك لا يستقيم ألا ترى أنه لا يستقيم أن يقدر لكل واحد منهما لأبويه؛ لأنه ليس ما عليه المعنى فأما قوله مما ترك فحال من السدس، والعامل فيها قوله لكل واحد منهما ولا يكون العامل فيه لأبويه وأما قوله تعالى ومن النخل من طلعها قنوان دانية فقوله من طلعها بدل من قوله ومن النخل على حد ضرب زيد رأسه ومن النخل بدل التبعيض فمن رفع بالظرف، وجب أن يكون في الأول ضمير يبينه ما ارتفع بالثاني، وإن أعمل الأول صار في الثاني ذكر منه وقوله وجنات من أعناب محمول على معنى الإخراج يبين ذلك قوله فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب فقوله وأعناب، على أحد أمرين من نخل وشجر أعناب، أو يكون سمى الشجر باسم ثمرها وأما قوله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب فحيران يكون حالاً من الهاء التي في استهوته فيكون في الصلة ويمكن أن يكون حالاً من الذكر، فيكون العامل فيه نرد وإن جعلته ظرفاً كان الظرف في موضع الحال، فأما له أصحاب فيكون صفة لحيران، فيكون أصحاب مرتفعاً بالظرف دون الابتداء في جميع الأقاويل

قال أبو علي فإن جعلته حالاً من الضمير في حيران ولم تجعله صفة له، ارتفع أصحاب بالابتداء في قول سيبويه، وفيه ذكر يعود إلى المبتدأ وعندي في هذا نظر، لأن الحال في جريه على صاحبه، إلا أن يعنى أن هناك واواً مضمرة على تقديره وله أصحاب، وفيه بعد لأنهم زعموا أن الضمير يغني عن الواو، والواو يغني عن الضمير، فلا وجه لما قال عندنا وقال الله تعالى لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً ولهم رزقهم فيها فالواو للحال ورزقهم يرتفع بالظرف عند الأخفش، وبالابتداء عند سيبويه وقال تعالى وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا هو على الخلاف أيضاً وقال فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم على الخلاف وقال ولكم في القصاص حياة هو أيضاً على الخلاف، وفي القصاص ظرف للخبر، ولكم ظرف لفي القصاص وقوله للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر تربص مرتفع بالابتداء وقوله للذين يؤلون خبره والجار في من نسائهم متعلق بالظرف، كما تقول لك مني درهم ولا يتعلق بيؤلون، أعني من لأنه لا يقال حلف على كذا، وآلى عليه وما يقول الفقهاء آلى من امرأته، فإنهم نظروا إلى ظاهر هذه الآية فأصابها إعصار فيه نار يرتفع نار بالظرف على المذهبين، لأنه جرى وصفاً على الإعصار وأما قوله تعالى وقال اركبوا فيها باسم الله مجريها ومرساها فقوله باسم الله يجوز أن يكون حالاً من الشيئين، من الضمير الذي في قوله اركبوا ومن الضمير الذي في فيها فإن جعلت قوله باسم الله مجريها، رافعاً لمجريها على المذهبين، لم يكن إلا جملة في موضع الحال من الضمير الذي في فيها ولا يجوز أن يكون من الضمير في قوله اركبوا لأنه لا ذكر فيه يرجع إلى الضمير، لارتفاع الظاهر به، ولم يكن إلا حالاً من الهاء المجرورة، لمكان الهاء المتصل بمجريها ويجوز أن يكون من الضمير في اركبوا، وكأن المعنى اركبوا متبركين باسم الله، ومستمسكين بذكر اسم الله، فيكون في باسم الله ذكر يعود إلى المأمورين فإن قلت فكيف اتصال المصدر الذي هو مجريها بالكلام على هذا؟ فإنه يكون متعلقاً بما في باسم الله من معنى الفعل، وجاز تعلقه به لأنه يكون ظرفاً على نحو مقدم الحاج، وخفوق النجم كأنه متبركين بهذا الاسم، متمسكين في وقت الجري والإجراء، والرسو والإرساء؛ على حسب الخلاف بين القراء فيه ولا يكون الظرف متعلقاً باركبوا لأن المعنى ليس عليه، ألا ترى أنه لا يراد اركبوا فيها في وقت الجري والثبات إنما المعنى اركبوا متبركين باسم الله في الوقتين اللذين لا ينفك الراكبون فيها منهما من الإرساء والإجراء؛ ليس يراد اركبوا وقت الجري والرسو، فموضع مجريها نصب على هذا الوجه، بأنه ظرف عمل فيه المعنى وعلى الوجه الأول رفع بالظرف على المذهبين، ولا يكون مرتفعاً بالابتداء، لجري الظرف حالاً على صاحبها وسها أبو علي هاهنا أيضاً فقال فيه ما قال في قوله له أصحاب وزعم أن سيبويه يرفعه بالابتداء فسبحان الله! أنت تنص في عامة كتبك على أن الحال والصفة والصلة والاستفهام بمنزلة واحدة، فمن أين هذا الارتباك؟ ومن ذلك قوله تعالى قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا من علم في موضع الرفع بالظرف لمكان، هل، أي هل عندكم علم وقال ما لكم من إله غيره، أي ما لكم أله غيره، فيرتفع بالظرف وقال إن عندكم من سلطان بهذا، أي ما عندكم سلطان، فيرتفع بالظرف وقال هنالك الولاية لله الحق، فمن قال الولاية مبتدأ، كان لله حالاً من الضمير في هنالك، ومن قال إن الولاية رفع بالظرف كان لله حالاً من الولاية، وقوله لله حال من الذكر في هنالك، أو من الولاية، على قول سيبويه سهو أيضاً، كما سها في باسم الله مجريها ومرساها وقوله له أصحاب وقال ومن عنده علم الكتاب ومن بيده ملكوت كل شيء ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر فالأسماء مرتفعة بالظرف، لجري الظرف صلة موصول وقال لهم فيها زفير وشهيق لا خلاف في رفع زفير هنا بالظرف، وهو لهم لأنه مثل الرحيل في قولهم غداً الرحيل وإنما رفع سيبويه الرحيل بالظرف في قوله غداً الرحيل، لأنه مصدر، وقد قامت الدلالة على المصدر بالظرف في نحو يوم الجمعة إنك ذاهب، وحقاً إنك منطلق ولارتفاع التهدد فيما أنشده عن يونس
أحقاً بني أبناء سلمى بن جندل ... تهددكم إياي وسط المجالس

فإذا ثبت ذلك كان ارتفاع حقاً، لإنك منطلق من أنه ظرف، وذلك أنه لا يخلو من أن يكون مرتفعاً بالظرف أو بالابتداء، ولا يجوز ارتفاعه بالابتداء لأن ذلك لو جاز للزم دخول أن عليه، فيكون اجتماع حرفين بمعنى، فلما كان يؤدي إلى هذا الذي رفضوه وطرحوه ارتفع بالظرف، لقيام الظرف مقام الفعل في غير هذا الموضع ويدلك على أنه لهذا المعنى رفض أن يرتفع بالابتداء، أنهم حيث أمنوا دخول الحرف عليه رفع به، وذلك نحو قولك لولا أن زيداً منطلق لكان كذا ألا ترى أن أن ارتفع بالابتداء بعد لولا، وإن امتنع أن يبتدأ بها أولاً، كيلا يدخل الحرف الذي بمعناه عليه فلما ثبت ارتفاع أن بالظرف في قولك أحقاً أنك منطلق، ثبت ارتفاع المصدر بها أيضاً في نحو غداً الرحيل لأن الرحيل في أنه مصدر بمنزلة أن وصلتها، وأجروه مجرى مثله في الإعراب، كما يجرون المثل مجرى مثله في غير الإعراب، نحو عطشان وريان وطيان، ونحو ذلك ألا ترى أنهم جروه مجرى عثمان، وسعدان، في مواضع الصرف، وإن كان هذا صفة وذاك علماً وكذلك أعربوا أيا في الصلة والاستفهام والجزاء لما كان بمعنى بعض، ولولا ذلك لوجب بناؤه في هذه المواضع الثلاثة، كما أجروا المثل مجرى مثله كذلك حكم إن حكم إعراب الرحيل بعد غد، وقد يفعل هذا بالخلاف كما يفعل بالمثل ألا ترى أنهم قالوا رب رجل يقوم فأجروه مجرى خلافه، الذي هو كم رجل عندك ولم يجيزوا فيه التأخير كما أجازوا مررت برجل ومن ذلك قوله وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور قال أبو علي الظرف مع ما بعده في موضع حال فإذا كان كذلك كان متعلقاً بمحذوف، كأنه مستقراً فيه هذى ونور ويدلك على أنه حال، وأن الجملة في موضع نصب، لكونها في موضع الحال، قوله بعد ومصدقاً لما بين يديه ألا ترى أن هدى كقولك هادياً، ومصدقاً، والاسم مرتفع بالظرف على المذهبين وأما قوله وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله فقوله إله رفع لأنه خبر مبتدأ مضمر، ولا يخلو من أن يكون ارتفاعه على هذا الذي ذكرته من أنه خبر مضمر راجع إلى الموصول أو يكون ارتفاعه بالابتداء أو بالظرف، على قول من رأى أنه يرتفع بالظرف وإن كان ارتفاعه بالابتداء وجب أن يكون في الظرف الذي هو قوله في السماء ضمير وذلك الضمير مرفوع، فإن كان الظرف لم يحتمل ضميراً مرفوعاً لارتفاع الظاهر به؛ وإذا كان كذلك، بقيت الصلة لا ذكر فيها للموصول فإذا كان حمله على هذين الوجهين، ويبقى الموصول على ما ذكرنا من خلو ذكره مما يوصل به، وجب أن يقدر في الصلة مبتدأ محذوفاً، كأنه وهو الذي في السماء إله وتقدير هذا الحذف من الصلة هنا حسن لطولها، وقد استحسن الخليل ذلك فإذا كان التقدير على هذا ارتفع هو المحذوف بالابتداء وإله خبره، والظرف الذي هو قوله في السماء إله متعلق بقوله إله وموضعه نصب مفعول، وإن كان مقدماً عليه، ألا ترى أنهم قد أجازوا أكل يوم لك ثوب؟ فاعمل فيه المعنى مقدماً ولا يصح أن يكون خبر المبتدأ المحذوف قوله في السماء لأنك إن جعلته خبراً للمبتدأ المحذوف صار فيه ضميره، وارتفع، وبقي قوله له معلقاً مفرداً ومع هذا، فالمعنى إنما هو الإخبار بإلهية عن الكون في السماء فإن قلت لم لا يكون قوله في السماء صلة للذي، ويكون في الظرف ضمير الموصول، ويكون إله بدلاً من الموصول لصلته، فيكون التقدير، وهو إله فقلنا إنا نستحب التأويل الأول والتقدير الأول الذي قدمناه لدلالة المعنى عليه، ودلالة ما بعده من الكلام على ذلك أيضاً ألا ترى أن بعده وفي الأرض إله فإنما الإخبار عن قصده - تبارك اسمه - بالعبادة في السماء والأرض، وقوله في الأرض إله معطوف على الصلة، ولا يجوز أن يبدل إله من الموصول، وقد بقي من صلته شيء فإن قلت أجعله كلاماً منقطعاً غير معطوف على الصلة، كان تعسفاً، وإزالة للكلام عن وجهه فإن قلت فقدر وهو الذي في السماء إله هو، ثم يكون إله موضوعاً موضع هو، فإن وضع الظاهر موضع المضمر لم يجزه سيبويه في قوله
ولا منسي معن ولا متيسر
ومن أجاز ذلك لزمه أن يجيز جاءني الذي هو قائم فإن قلت فاجعله من باب زيد نعم الرجل فإن الرجل جنس يتضمن زيداً وغيره، بخلاف لفظ إله

فثبت أن التقدير وهو الذي هو إله في السماء، إله، أي هو إله له في السماء فحذف لطول الكلام، كما قال العرب ما أنا بالذي قائل لك سوءاً، أي هو قائل فإن قلت فلم جاز حذف هو مع طول الكلام في الذي، ولم يحسن تماماً على الذي أحسن، كما حسن هذه الآية ولم فارق الذي إياه في قوله أيهم أشد، وأيهم أقرب ولم يجر تماماً على الذي أحسن مجرى أيهم أشد نص فا، وهو مشكل قال سيبويه في قوله
وكفى بنا فضلاً على من غيرنا
بالرفع في غيرنا قال هو أجود، وفيه ضعف، وهو نحو مررت بأيهم أفضل، وكما قرأ بعض الناس تماماً على الذي أحسن واعلم أنه قبيح أن تقول هذا من منطلق؛ إن جعلت المنطلق وصفاً أو حشواً، فإن أطلت الكلام فقلت خير منك، حسن في الوصف والحشو وزعم الخليل أنه سمع من العرب رجلاً يقول ما أنا بالذي قائل لك سوءاً، وما أنا بالذي قائل لك قبيحاً، إذا أفردوه فالوصف بمنزلة الحشو، لأنه يحسن ما بعده، كما أن الحشو إنما يتم بما بعده فقد رجح في الفصل رفع غيرنا، على إضمار هو على الجر، على أن يكون وصفاً ولكن يجوز هذا، أعني وضع إله موضع الضمير، على قول أبي عثمان، في قولهم زيد ضربت أخاك، والأخ زيد ومثله أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار هذا هو مذهب أبي عثمان لا الذي حرف القصر عليه، فقال هذا على مذهب أبي عثمان في قولهم أنا الذي قمت فإن ذلك قول العرب، في نحو وأنا الذي قتلت، وأنا الذي شتمني أمي قال أبو عثمان لولا أنه مسموع لرددناه وتحريفات القصر على أبي علي كثيرة، لا يقبله إلا الجاهل الخفيف الحاذ وفي تقسيم أبي علي نظر، لأنه ليس في القسمة ارتفاع إله بالابتداء، لأن الظرف جرى صلة لموصول، فليس إلا أن يقول، إن ارتفاع إله لا يخلو من أن يكون بإضمار هو أو بالظرف ومن هذا الباب قوله تعالى وحور عين فيمن رفع والتقدير وهناك حور عين، أو لهم حور عين، فحور رفع بالظرف المضمر عند الأخفش، وبالابتداء عند سيبويه، وجاز حذف الظرف، لأن ما قبله يدل عليه ومن ذلك قوله تعالى وآخر من شكله أزواج فيمن أفرد وآخر يرتفع أزواج بالظرف على المذهبين، لأن قوله من شكله جرى وصفاً على آخر، فهو كقولك مررت برجل في داره عمرو وسها الفارسي أيضاً في هذه الآية فقال ومن رفع بالابتداء، ولا يرفع هذا أحد بالابتداء، وهذا كما سها في قوله باسم الله مجريها وقوله هنالك الولاية لله الحق، هذه ثلاث آيات سها فيها، وتردد كلامه، وسها أيضاً في قوله أصحاب يدعونه فخذها عن أوراق جعة ومثله فيارتفاعه بالظرف قبله قوله أولئك لهم الأمن وهم مهتدون، فالأمن مرتفع بلهم لجريه خبراً على قوله أولئك أي أولئك ثابت لهم الأمن

وقد ذكرنا أن اسم الفاعل يرتفع ما بعده، كالظرف، فقوله عاليهم ثياب سندس، ثياب مرتفع بعاليهم سواء نصبته على الحال من الولدان أو الهاء والميم في عليهم من قوله ويطوف عليهم ولدان، ونصبه على الظرف، لأن الظرف جرى وصفا على الولدان ومن قال عاليهم فأسكن الياء فهو صفة أيضاً لولدان لأنه لا يتعرف بالإضافة، فيرتفع ثياب سندس به ولا يجوز أن يرتفع عاليهم بالابتداء وثياب سندس خبره، كما قاله في الحجة لكونه جارياً وصفاً على ولدان وإن قال هو كقوله سامراً تهجرون فأفرد وأراد الجمع لم يصح ذلك، لما ذكرنا ومن ذلك قوله تعالى أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي إن جعلت الذين وصفاً لأولئك كان قوله لهم في الدنيا خزي خبر المبتدأ ويرتفع خزي بالظرف وكذلك إن جعلت الذين خبراً كان خزي من قوله لهم في الدنيا خزي خبراً بعد خبر ويرتفع خزي أيضاً بالظرف ومن ذلك قوله تعالى ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف يكون بالمعروف متعلقاً بلهن دون عليهن، وإن كنت على هذا التقدير تعمل الأول اعتباراً بقوله وللمطلقات متاع بالمعروف، وبقوله على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، فما على الموسع والمقتر من ذلك فهو لهن، وإن لم يعتبر هذا جاز أن يتعلق بعليهن ومن ذلك قوله تعالى وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون قوله وفي أنفسكم يحتمل أمرين أحدهما أن يكون خبراً لآيات، فمن رفع بالظرف، كان الضمير الذي فيه على حد الضمير الذي يكون في الفعل ومن رفع بالابتداء، ففيه ضمير على حد الضمير الذي يكون في خبر المبتدأ والوجه الآخر من قوله، وفي أنفسكم أن يكون متعلقاً بمحذوف، يدل عليه قوله أفلا تبصرون تقديره ألا تبصرون في أنفسكم أفلا تبصرون ويكون هذا بمنزلة قوله وكانوا فيه من الزاهدين وأنا على ذلكم من الشاهدين ألا ترى أن الاستفهام لا يتقدم عليه ما في حيزه، كما أن الموصول كذلك فأما دخول في في قوله وفي أنفسكم أفلا تبصرون فعلى وجهين أحدهما أنه لما كان في معنى أفلا تنظرون، دخلت في كما دخلت في قوله أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض والآخر أنه يمكن أن يقال بصير بكذا، وبصير في كذا، قال زيد الخليل
ويركب يوم الطعن فيها فوارس ... بصيرون في طعن الأباهر والكلى
أي بصيرون بالطعن ومما يرتفع بالظرف قوله تعالى أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم، إن جعلت لهم خبراً ثانياً ارتفع شراب به كقولك زيد في الدار أبوه ومما يرتفع بالظرف قوله تعالى وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير فيمن قرأ قتل وأسنده إلى ضمير النبي عليه السلام والدليل على جواز إسناده إلى هذا الضمير، أن هذه الآية في معنى قوله أفائن مات أو قتل انقلبتم وروي عن الحسن أنه قال ما قتل نبي في حرب قط، فيكون معه ربيون يحتمل أمرين أحدهما أن يكون صفة لنبي وإذا قدرته هذا التقدير كان قوله ربيون مرتفعاً بالظرف بلا خلاف والآخر أن تجعله حالاً من الضمير الذي في قتل، وعلى الأول يعود للنبي، عليه السلام ومما يرتفع بالظرف قوله تعالى كمثل صفوان عليه تراب فتراب يرتفع بالظرف على المذهبين، لأنه صفة لصفوان ومما يمكن أن يكون من هذا قوله تعالى أولئك المقربون في جنات النعيم ثلة من الأولين فقوله ثلة رفع بالظرف، إذا وقفت على المقربين في المذهبين جميعاً؛ لأنه جرى خبراً على المبتدأ ومثله لأصحاب اليمين ثلة من الأولين إذا وقفت على قوله عرباً أتراباً، فأما إذا وصلت الكلام في آيتين ارتفع قوله ثلة على أنه خبر ابتداء مضمر ومنه قوله والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة إن وقفت على الأنام رفعت فاكهة بقوله فيها، وإن وقفت على وضعها رفعت فاكهة بقوله للأنام على مذهب الأخفش، وبالابتداء على مذهب صاحب الكتاب

وأما قوله تعالى لكل باب منهم جزء مقسوم كأنه لكل باب جزء مقسوم من الداخلين ولا يصح تعلقه به في هذا الظاهر؛ لأنه صفة لجزء متعلقة؛ إذا المعنى كقوله يوم يرون الملائكة لا بشرى وإن شئت علقته باللام، ولا يكون منهم صفة للنكرة؛ لأنه لا شيء فيه يعود على الموصوف قوله تعالى بل الإنسان على نفسه بصيرة قال أبو علي في التذكرة وإن شئت كان الإنسان هو البصيرة على نفسه وإن شئت كان على نفس الإنسان بصيرة، أي شهيد، أي يداه ورجلاه ولسانه؛ إذا جعل الإنسان هو البصيرة كان ارتفاعه بأنه خبر المبتدأ الذي هو الإنسان، وعلى نفسه متعلق ببصيرة والتقدير بل الإنسان بصيرة على نفسه، أي شاهد عليها وعلى الوجه الآخر، بمنزلة زيد في داره غلام، فلبصيرة يرتفع بالظرف بالابتداء، والراجع إلى المبتدأ الأول الهاء في نفسه واعتبر قوله يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم وقال أبو زيد البصيرة هو الشاهد، وليس في قوله دلالة على أحد الوجهين المتقدمين قلت هو رفع بالظرف، لأن الظرف خبر المبتدأ، وليس فيه خلاف قال سيبويه واعلم أنك إذا نصبته في هذا الباب فقلت مررت برجل معه صقر صائداً به غداً فالنصب على حاله، لأن هذا ليس بابتداء يعني معنى صقر، لأن معه عنده هنا صفة، وهو يرفع هنا بالظرف، ويمتنع منه في غير هذا الموضع؛ وإنما رفع هنا بالظرف، لأنه لا سبيل إلى التقديم، كما رفع في قولك في الدار إنك منطلق، بالظرف وقوله ولا يشبه فيها عبد الله قائم غداي، يعني أن معه لا يشبه فيها، وصقر لا يشبه عبد الله، وصائداً به غداً لا يشبه قائم غداً - لأن الظروف تلغى حتى يكون المتكلم كأنه لم يذكرها في هذا الموضع - يعني في قوله فيها عبد الله قائم غداً وقوله فإذا صار الاسم مجروراً - يعني برجل، يعني بقوله مررت برجل - أو عاملاً فيه فعل نحو قوله مررت برجل معه صقر وقوله أو مبتدأ، يعني مثل قولك هذا رجل معه صقر فقال في الجميع إذا صار الاسم كذا لم تلفه يعني الظرف وقوله وفي الظروف، إذا قلت فيها أخواك قائمان، رفعه الابتداء هذا كلام فا وقد ناقض في قوله وآخر من شكله أزواج، وقوله هنالك الولاية لله الحق، وقوله باسم الله مجريها، وقوله بل الإنسان على نفسه بصيرة، وقوله حيران له أصحاب، وزعم أنه الخلاف ومن ذلك قوله تعالى حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق، فيمن قرأ علي بتشديد الياء يرتفع أن الظرف على المذهبين، كقوله تعالى ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة
الثاني والعشرون
ما جاء في التنزيل من هو وأنت
فصلاً، ويسميه الكوفيون بالعماد
وذلك يجيء بين المبتدأ والخبر، وبين اسم كان وخبره، وبين اسم إن وخبره، وبين مفعولي ظننت وبابه، وهو كثير في التنزيل فمن ذلك قوله تعالى وأولئك هم المفلحون، فأولئك مبتدأ والمفلحون خبر، وهم فصل والكوفيون يقولون عماد ويجوز أن يكون هم ابتداء ثانياً، والمفلحون خبر، والجملة خبر أولئك ومن ذلك قوله تعالى إنك أنت العليم الحكيم، فالكاف نصب اسم إن وأنت مبتدأ وما بعده خبر والجملة خبر إن ويجوز أن يكون أنت فصلاً في الكلام، والخبر العليم ويجوز أن يكون أنت نصباً صفة للكاف، وإن كان ضميراً مرفوعاً قال سيبويه لو قلت مررت بأنت، أو بإياك؟ لم يجز، لأن هذه علامات المنصوب والمرفوع إن قال قائل إذا جاز مررت بك أنت ورأيتك أنت، ونحوه؛ وفي التنزيل إنك أنت التواب الرحيم، فجاز أن يتبع هذه العلامات التي تخص بالرفع المجرور، كما فعل ذلك في قولك مررت بك أنت، و رأيتك أنت، ونحو ذلك فلم لا يجوز مررت بأنت ورأيت أنت؟ فالقول في ذلك أنه يجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع، نحو يا زيد والحارث و رب رجل وأخيه و مررت بهم أجمعين و يا زيد الطويل، والطويل وقوله
فعلفتها تبناً وماءً بارداً

ومن ثم كان الصفة عند أبي الحسن معمول التبعية، وهذا كثير جداً ومثله قوله تعالى إنه هو التواب الرحيم وإنني أنا الله و لا إله إلا أنا في أنا الأوجه الثلاثة، وكذلك إن ترن أنا أقل منك، ويجوز فيه الصفة، والفصل دون الابتداء، لانتصاب قوله أقل وقال الله تعالى إن كان هذا هو الحق من عندك هو على الفصل والوصف وقال كنت أنت الرقيب عليهم وقال ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق، فالذي أنزل بصلته المفعول الأول، والحق هو المفعول الثاني، وهو فصل لا غير، كقوله هو الحق من عندك وقال ولكن كانوا هم الظالمين فهم فصل وقال وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً فهو فصل، أو وصف للهاء في تجدوه وقال الله تعالى إن هذا لهو الفوز العظيم، وقال إنهم لهم المنصورون فأدخل اللام على الفصل وكذلك قوله ولا تستعجل لهم كأنهم فيمن جعل اللام لام الابتداء في قوله لهم المنصورون وارتفع هم بالابتداء وقوله كأنهم مع اسمه وخبره خبر هم، وكأن الوقف على قوله ولا تستعجل ومن جعل اللام جارة من صلة تستعجل، وقف على من نهار والفصل يفارق حكمه حكم ما كان صفة للأول، ويفارق أيضاً حكم ما كان مبتدأ وخبراً في موضع خبر الأول فأما مفارقته للصفة، فإن الصفة إذا كانت ضميراً، لم يجز أن يوصف به غير المضمر تقول قمت أنت، ورأيتك أنت، ومررت بك أنت؛ ولا يكون صفة للظاهر، لا تقول قام زيد هو، ولا قام الزيدان هما وليس الفصل كذلك، لأنه يدخل بعد الظاهر، ومفارقة البدل له أنك إذا أردت البدل قلت ظننتك أنت خيراً من زيد، وظننته هو خيراً منه ومما يفصل بين الفصل والصفة والبدل أن الفصل يدخل عليه اللام، ولا يدخل على الصفة والبدل، كما تقول في الفصل إن كان كذلك لهو الظريف وفي التنزيل وإن كنا نحن الغالبين، وإن كنا لنحن الصالحين فنصب الظريف، والغالبين، والصالحين وقال الله تعالى وإن الله لهو خير الرازقين، وإنا لنحن الصافون ولا يجوز أن تقول إن كنا لنحن الصالحين، في الصفة والبدل، لأن اللام تفصل بين الصفة والموصوف، والبدل والمبدل منه وأما مفارقته لما كان مبتدأ وخبراً؛ فإن الفصل لا يغير الإعراب عما كان قبل دخوله والمبتدأ يغير، تقول إذا أردت الفصل كان زيداً هو خيراً منك وإذا جعلت هو مبتدأ قلت كان زيد هو خير منك، وليس للفصل موضع من الإعراب واعلم أنه لا يقع الفصل إلا بين معرفتين، أو بين معرفة وما قارب منها ولا يقع بين نكرتين، ولا بين معرفة ونكرة فقوله تجدوه عند الله هو خيراً خيراً مقارب للمعرفة؛ لأن خيراً أفعل وأفعل يستعمل معها من كذا ظاهراً أو مضمراً، فيخصصه ويوضحه وأما قوله تعالى هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، فهؤلاء مبتدأ، وبناتي عطف بيان، وهن فصل، وأطهر لكم خبر، وهؤلاء بناتي معرفتان جميعاً، وأطهر لكم منزلته منزلة المعرفة في باب الفصل؛ لأنه من باب زيد هو خير منك وقرأ محمد بن مروان من أهل المدينة أطهر بالنصب وقد روي عن عيسى بن عمر بأسانيد جياد مختلفة أنه قرأها هن أطهر لكم بالنصب فقال احتبى في لحنه وقد روي عن سعيد بن جبير أنه قرأ هن أطهر لكم بالنصب ومعنى قول أبي عمر احتبى في لحنه كقولك اشتمل بالخطأ، وتمكن في الخطأ؛ ونحو هذا مما يوجب تثبيت الخطأ عليه، وإحاطته به قال أبو عثمان وجه النصب في أطهر لكم أن تجعل هن أحد جزأي الجملة، وتجعله خبر بناتي كقولك زيد أخوك هو وتجعل أطهر حالاً من هن أو من بناتي والعامل فيه معنى الإشارة كقولك هذا زيد هو قائماً، أو جالساً، أو نحو ذلك وإنما لحن من لحن؛ لأنه لم ير قوله هن تمام الكلام، وإنما رأى قوله هن فصلاً، ورأى أطهر الخبر فلم ير ذلك تم به الكلام ومن طريف ما ذكرنا أن سيبويه قال وأما أهل المدينة فينزلون هو هاهنا منزلة قوله ما أظن أحداً هو خيراً منك، ويجعلونها فصلاً في هذا الموضع وزعم يونس أن أبا عمرو رواه لحناً وقال احتبى مروان في ذه، في اللحن وذلك أنه كان يقرأ هؤلاء بناتي هن أطهر لكم وكان الخليل يقول والله إنه لعظيم جعلهم هو فصلاً في المعرفة، وتصييرهم إياها بمنزلة ما إذا كانت ما لغواً؛ لأن هو بمنزلة أبوه، ولكنهم جعلوها في ذلك الموضع لغواً كما جعلوا ما في بعض المواضع بمنزلة ليس، وإنما قياسها أن تكون بمنزلة كأنما وإنما

ومما يقوي ترك ذلك في النكرة أنه لا يستقيم أن تقول رجل خير منك، ولا أظن رجلاً خيراً منك، حتى تنفي وتجعله بمنزلة أحد فلما خالف المعرفة في الواجب الذي هو بمنزلة الابتداء، وفي الابتداء لم يجر في النكرة مجراه، لأنه قبيح في الابتداء ، وفيما أجري مجراه من الواجب، فهذا مما يقوي ترك الفصل وهذه الآية ما وقع هن فيها بين نكرتين؛ وليس بحجة لأهل المدينة؛ ولكنه وقع في الكتاب هاهنا موقعه في باب آخر، وقد بينا هذا وأما قوله تعالى ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً يرتفع مولود بالعطف على والد لإعادة العاطف مؤكداً ولأن كونه مبتدأ، ممتنع لتنكيره، فيستدعي التخصيص بالوصف، ولو كانت الجملة وصفاً، احتاج إلى الخبر، ولا خبر هنا، وهو تأكيد لما في مولود أو مبتدأ وجاز خبره، والجملة وصف له، ولا يكون هو فصلاً؛ لأن ما هو بينهما نكرتان وأما قوله تعالى ومكر أولئك هو يبور فإن هو فصل، ويبور خبر المبتدأ الذي هو مكر أولئك، وأولئك جر بالإضافة قال أبو عثمان زيد هو يقول ذاك، هو فصل، ولا أجيز الفصل بين الأسماء والأفعال ولا يجوز في الماضية، كما جاز في المضارعة؛ وذلك أن سيبويه قد قال إني لأمر بالرجل خير منك؛ وبالرجل يكرمني؛ وهما صفة، على توهم الألف واللام، فكذلك في الفصل أتوهم الألف واللام في الفعل، ويكون بمنزلة الغاية بين المعرفتين كما أقول كان زيد هو خير منك على توهم الألف واللام في خير منك ولا يجوز كان زيد هو منطلقاً لأني أقدر على الألف واللام، وإنما يجوز هذا فيما لا يقدر فيه على الألف واللام وأما قوله تعالى أن تكون أمة هي أربى من أمة، فموضع أربى رفع؛ لأن قوله أمة اسم تكون وهي ابتداء، وأربى خبره، والجملة خبر كان، ولا يجوز أن تكون هي هاهنا فاصلة؛ لأن أمة نكرة، وأربى وإن قاربت المعرفة فيستدعي كون معرفة قبلها وأما قوله قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه، فقوله جزاؤه مبتدأ وقوله من وجد خبر المبتدأ، والتقدير أخذ من وجد، أي أخذ الإنسان الذي وجد الصاع في رحله؛ والمضاف محذوف، وفي وجد ضمير الصاع العائد إلى من، الضمير المجرور بالإضافة، فهو جزاؤه ذكرت هذه الجملة تأكيداً للأول، أي أخذه جزاؤه، ومن بمعنى الذي على هذا، وإن جعلت من شرطاً، و وجد في رحله في موضع الجزم، والفاء في قوله فهو جزاؤه جواب الشرط، والشرط والجزاء خبر المبتدأ، جاد وجاز وكان التقدير جزاؤه إن وجد الصاع في رحل إنسان فهو هو، لكنه وضع من الجملة إلى المبتدأ عائد، لأنه إذا كان من شرطاً، أو بمعنى الذي، كان ابتداء ثانياً، ويكون الفاء مع ما بعده خبراً، وتكون الجملة خبر المبتدأ، والعائد هو الذي وضع الظاهر موضعه ويجوز أن يكون جزاؤه خبراً، وهو فصل وأما قوله وهو بالآخرة هم كافرون لا يجوز الفصل هنا فإذا لم يجز الفصل كان هم الثانية إما صفة، وإما ابتداء، وجازت الصفة، لأن الأول مضمر، فيجوز أن يكون المضمر وصفاً له ونراها أشبه؛ لأنك إذا جعلته ابتداء، فصلت بين اسم الفاعل وما يتصل به بمبتدأ، وهما أذهب في باب كونها أجنبيات من الصفة؛ لأن الصفة متعلق بالأول، والمبتدأ أجنبي من اسم الفاعل وأما قوله والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون يحتمل هم ثلاثة أضرب أحدهما أن يكون مرتفعاً بمضمر دل عليه ينتصرون؛ لأن هذا الموضع فعل ألا ترى أن جواب إذا حقه أن يكون فعلاً؛ فإن أظهرت ذلك الفعل كان ينتصرون؛ لأن الضمير حقه أن يتعلق بالفعل، كما يكون أنت فانظر في بيت عدي ومن أجاز إضمار الفاء واستدل بقوله وإن أطعتموهم إنكم لمشركون جاز أن يرتفع هم على قوله بالابتداء، والتقدير فهم ينتصرون، إلا أنه حذف الفاء

وهو على تقدير العربية أن يكون صفة للضمير المنصوب في أصابهم، وليس بالقوي في المعنى ألا ترى أن البغي إذا أصابهم هم، أو أصاب أصحابهم، وجب عليهم الانتصار لهم ، كما يجب انتصارهم لأنفسهم وإنما قلنا قياس قول سيبويه رفع قوله هم بمضمر، لأنه قد قال في قوله إن يأتني زيد يضرب إنه يرتفع بفعل مضمر يفسره يضرب، ولا فصل بين إذا وإن ووصل الذين بإذا يدل على صحة ما ذهب إليه من قوله أزيد إذا أتاك يضرب إذا جعلته جواباً ولم تقدر به التقديم - وإن ذلك كان إذا كانت خبر مبتدأ مضمر يفسره يضرب، ولا فصل بين إذا وإن، ووصل الذين بإذا يدل على صحة ما ذهب إليه من قوله أزيد إذا أتاك يضرب - إذا جعلته جواباً ولم تقدر به التقديم، وأن ذلك كان إذا كانت خبر مبتدأ مضمر أو صلة تشبه بإن، كما شبهت إذا أيضاً بها في قول من جازى بها في الشعر ولا يجوز ذلك في حين، ولا في غير الأسماء التي تتضمن معنى الشرط والجزاء ولا يحمل إذن على اسم الزمان في وصل الذي بها هذا كله، كما ترى، درر نظمتها لك، وفي الكتاب فصل يخالف هذا قال سيبويه واعلم أن هو تكون فصلاً إلا في الفعل، ولا تكون كذلك إلا في كل فعل الاسم بعده بمنزلته في حال الابتداء، وذكر باب حسبت وكان فقط قال أبو بكر ولم يذكر باب إن هنا، ولا باب الابتداء بإن قال فأذكر أنه لا يكون فصلاً إلا في الأفعال، وتأويل الآية في حد إن على أنها مبتدأة، وهي قوله لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ويدل أيضاً على صحة قوله أن سيبويه لما ذكر في هذا الكتاب ما يكون هو وأخواتها فيه فصلاً ذكر باب حسبت وأخواتها، وكان وأخواتها ولم يذكر إن قال أبو سعيد ومن مذهبه أنهن يكن فصلاً في إن وفي الابتداء وإنما ابتداء بالفعل وخصه؛ لأنه لا يتبين الفصل إلا فيه وإن والابتداء لا يتبين الفصل بهما في اللفظ، لأنك إذا قلت زيد هو خير منك؛ فما بعد هو مرفوع على كل حال، وإن جعلت هو فصلاً، أو جعلته مبتدأ وإنما يتبين في كان وأخواتها، وظننت وأخواتها الفصل من الابتداء؛ لأن أخبارها منصوبة، تقول كان زيد هو أخوك، إذا جعلت هو ابتداء، وأخوك خبره، والجملة خبر زيد وكذلك ظننت زيداً هو أخوك، وإذا كان فصلاً قلت كان زيد هو أخاك، وظننت زيداً هو أخاك
الثالث والعشرون
ما جاء في التنزيل من المضمرين
إلى أي شيء يعود مما قبلهم
وهو كثير في التنزيل، لكنا نذكر نبذاً منها فمن ذلك قوله تعالى وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله قيل من مثل محمد - عليه السلام - فالهاء تعود إلى عبدنا وقيل تعود الهاء إلى قوله ما، أي فأتوا بسورة من مثله ما نزلناه على عبدنا - فيكون من زيادة - على قول أبي الحسن - دليله قوله فأتوا بسورة مثله وقيل الهاء تعود إلى الأنداد، كما قال سيبويه في قوله وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه وفي الأخرى مما في بطونها لأن أفعالا وأفعلا وأفعلة وفعلة جرت عندهم مجرى الآحاد؛ لأنهم جمعوها في قولهم أناعيم، وأكالب، وأساق، وغير ذلك، وصغروها تصغير الآحاد في أنيعام، وأكيلب فجاز عودها إلى الأنداد في قوله فلا تجعلوا لله أنداداً، والمعنى يقتضي الأوجه الثلاثة، وقرب اللفظ يقتضي عوده إلى عبدنا ومن ذلك قوله وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أول كافر به قيل التقدير أول كافر بالتوراة، وهو مقتضى قوله لما معكم فيعود إلى ما وقيل يعود الهاء إلى قوله بما أنزلت وهو القرآن والوجه الأول أقرب ويجوز أن تعود الهاء إلى النبي - صلى الله عليه وعل آله - وذلك مذكور دلالة، لأن قوله وآمنوا بما أنزلت أي أنزلته على محمد، عليه السلام ومن ذلك قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة قيل الهاء تعود إلى الصلاة أي إن الصلاة لكبيرة - أي لثقيلة - إلا على الخاشعين، كقوله وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وعندي أن الهاء تعود إلى المصدر، لأن قوله واستعينوا يدل على الاستعانة، أي إن الاستعانة لكبيرة إلا على الخاشعين، كما قال من كذب كان شراً له

ومن ذلك قوله وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم قيل يعود إلى ذبح الأبناء، واستحياء النساء أي في المذكور نقمة من ربكم ووحد ذا ولك يقل ذينكم، لأنه عبر عن المذكور المتقدم وقيل يعود ذلكم إلى الإنجاء من آل فرعون ومثل الأول قوله فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم، أي ذلكم المذكور المتقدم ومثله لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك أي بين المذكور المتقدم، لأن بين يضاف إلى أكثر من واحد، كقولك المال بين زيد وعمرو ومثله وهو محرم عليكم إخراجهم، هو عبارة عن المصدر، أي الإخراج محرم عليكم، ثم قال إخراجهم فبين ما عاد إليه هو وقال اعدلوا هو أقرب للتقوى أي العدل أقرب للتقوى وقد تقدم هو خيراً لهم على معنى البخل خيراً لهم؛ لأن يبخلون يدل عليه وقال إنه كان حوباً كبيراً، أي إن أكله وقال وإنه لفسق، أي إن أكله لفسق ومن ذلك قوله تعالى وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر قيل التقدير وما أحد يزحزحه من العذاب تعميره فهو يعود إلى أحد وهو اسم ما وقوله بمزحزحه خبر ما والهاء في بمزحزحه يعود إلى هو وقوله أن يعمر يرتفع بمزحزحه ويجوز أن يكون وما هو هو ضمير التعمير، أي ما التعمير بمزحزحه من العذاب ثم بين فقال أن يعمر، يعني التعمير، أي ما التعمير وقال الفراء هو ضمير المجهول، أي ما الأمر والشأن يزحزح أحداً تعميره من العذاب وهذا ليس بمستو، لمكان دخول الباء، والباء لا تدخل في الواجب، إلا أن يقول إن النفي سرى من أول الكلام إلى أوسطه، فجلب الباء ومن ذلك قوله تعالى وآتى المال على حبه قيل وآتى المال على حب الإعطاء وقيل وآتى المال على حب ذوي القربى فإن صح كان ذوي القربى بدلاً من الهاء وفيه نظر وقيل على حب المال؛ فعلى هذا يكون الجار والمجرور في موضع الحال، أي آتاه محباً له وأما قوله تعالى ويطعمون الطعام على حبه أي على حب الطعام، ويكون على حب الإطعام، ويكون على حب الله ومن ذلك قوله فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان قيل معناه فمن عفي عن الاقتصاص منه، فاتباع بالمعروف، وهو أن يطلب الولي الدية بمعروف، ويؤدي القاتل الدية بإحسان عن ابن عباس فالهاء في إليه يعود إلى من وقوله فاتباع بالمعروف، أي فعلى الولي اتباع بالمعروف، وعلى القاتل أداء إلى الولي بإحسان فالهاء في إليه على هذا للولي وقيل إن معنى قوله فمن عفي له من أخيه شيء بمعنى فمن فضل له فضل وهو مروي عن السدي، لأنه قال الآية نزلت في فريقين كانا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله - قتل من كلا الفريقين قتلى، فتقاصا ديات القتلى بعضهم من بعض، فمن بقيت له بقية فليتبعها بالمعروف، وليؤد من عليه الفاضل بإحسان ويكون معنى قوله فمن عفي له من أخيه شيء أي فمن فضل من قتل أخيه القاتل له شيء ولعل فارس الصناعة أراد هذا حين قال فمن عفي له أي من يسر من قتل اخيه القاتل شيء فاتباع بالمعروف، أي، ليتبعه ولي المقتول، وليؤد إليه بإحسان، فلا يمطله، والداء في تقدير فعل المفعول، أي فله أن يؤدي إليه، يعني الميسر له، ولو قدر تقدير أن يؤدي القاتل، جاز، والباء حال، ولم يكن من تمام الأداء ليعلق إلى به فمقتضى ما قدمناه في قوله فاتباع بمعروف وأداء إليه بإحسان قولان أحدهما أنهما عائدان إلى القاتل والمقتول اتباع بالمعروف عائد إلى ولي المقتول أن يطالب بالدية بمعروف، والأداء بإحسان عائد إلى القاتل أن يؤدي الدية بإحسان والثاني أنهما عائدان إلى القاتل، أن يؤدي الدية بمعروف وإحسان فالمعروف أن لا ينقصه؛ والإحسان أن لا يؤخره ففي الآيات ثلاث كنايات

أحدهما الهاء في له والثاني الهاء في أخيه والثالث الهاء في إليه فيقال الهاء في له وفي أخيه للقاتل الذي عفي له للقصاص، وأخوه ولي القتيل والضمير في إليه أيضاً له أي يؤدي القاتل الدية إلى الولي العافي بإحسان عن غير مطل وبين الفريقين في هذه الآية كلام في موجب العمد، هل هو القود؟ أو أحد الشيئين من القود والدية لا بعينه فقال الشافعي في موجبه أحدهما فإن شاء استوفى القصاص، وإن شاء أخذ الدية، فقال في الآية إن الله شرع القصاص عيناً ابتداء، ثم ألزم القاتل أداء المال إلى الولي إذا عفى له، ولأن قوله فمن كلمة مبهمة، وذكرت لبيان تغير حكم القصاص يعفو يقع له؛ فدل ضرورة أن كلمة من تنصرف إلى من تنصرف إلى من عليه القصاص، ليسقط به، وهي كناية عن الاسم المراد بقوله فمن فثبت ضرورة أن الثابت في اسم القاتل، الذي دل عليه القصاص، وأن العفو وقع له والله تعالى علق بالعفو وجوب الاتباع والقبول والأداء، فإن قوله فاتباع على سبيل التعليق بالأول بمنزلة قوله فاتبعوا كقول الله تعالى فتحرير رقبة في باب الكفارة ثم بين أن هذا الحكم من الله تخفيف ورحمة، فإن الحياة لا عوض لها، وقد حيى بعد الهلاك بالدية وعفي له يجيء بمعنى عفي عنه، فلما ثبت أن العفو وقع للقاتل علم أن العافي هو الولي ضرورة، وما لأحد غيره حق في هذا الباب، وقد تقدم الجواب عن هذا الكلام ودل قوله شيء على التنكير، فإن الله أوجب القصاص ابتداء، ثم قال فمن عفي له من أخيه شيء على سبيل التنكير، فينصرف إلى شيء من الواجب عليه، أي أي شيء من القصاص فإن قيل تأويله شيء من العفو بعفو القصاص دون البدل قلنا لما كان شيء نكرة من جملة وجب صرفها إلى الجملة المذكورة شائعة، وهو القصاص، دون العفو، الذي لم يذكر، كما يجب في الكناية والتعريف ومن ذلك قوله ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك فيه قولان أحدهما الهاء لنمرود، لما أوتي الملك، حاج في الله تعالى عن الحسن الثاني هو لإبراهيم، لما آتاه الله الملك، حاجه نمرود عن أبي حذيفة والملك النبوة ومن ذلك قوله تعالى وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب فيه قولان أحدهما أنه لا يمد في عمر معمر حتى يهرم ولا ينقص من عمره أي من عمر آخر، حتى يموت طفلاً إلا في كتاب وقيل ما يعمر من معمر قدر الله مدة أجله، إلا كان ما ينقص منه بالأيام الماضية وفي كتاب، جل سبحانه وتعالى، فالهاء على هذا للمعمر، على الأول، كقولك عندي درهم ونصفه، أي نصف مثله، كذلك لا ينقص من عمر مثل معمر، ولا يشبه الآية درهم ونصفه، لأنه ليس المعنى لا ينقص آخر من عمر ذلك الآخر إنما المعنى ولا ينقص آخر من عمر هذا المعمر أي لا ينقص بجعله أنقص عمراً منه ومن ذلك قوله تعالى وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته فيه ثلاثة أقوال أحدها إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت المسيح، إذا نزل من السماء عن ابن عباس الثاني إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت الكتابي عند المعاينة، فيؤمن بما أنزل اله من الحق وبالمسيح عن الحسن فيعود الهاء من موته إلى أحد المضمر، لأن التقدير وإن أحد من أهل الكتاب والقول الثالث إلا ليؤمنن بمحمد - صلى الله عليه وعلى آله - قبل موت الكتابي عن عكرمة وفيه ضعف؛ لأنه لم يجر هاهنا لمحمد - عليه السلام - ذكر فإن قيل إذا كان الاختيار الأول، فما وجه قوله عز وجل ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً؟ وكيف يشهدون على من لم يشاهدهم، ولم ير منهم ما يشهد بهم عليهم؟ فالجواب أنه ليس واجباً على الشاهد إلا بما شاهد؛ لأن الشهادة علم، وإذا علم الشيء وتحققه فله أن يشهد ألا ترى أنا نشهد بأن محمداً رسول الله ولم نره ولم نشاهده، لأنا علمنا بالتواتر كونه، وبالدليل رسالته، فكذلك عيسى نشهد بعلمه ومن ذلك قوله تعالى فمن تصدق به فهو كفارة له فيه قولان الأول أنها كفارة للجارح؛ لأنه يقوم مقام آخذ الحق والثاني كفارة لمجروح عن ابن مسعود وعن ابن عباس، هذا محمول على من عفي عنه بعد التوبة ويجوز أن يعود الضمير في قوله إلى المقتول، أي إذا عفا وليه زاد الله في ثواب المقتول

ويجوز أن يرجع إلى القاتل، والهاء الأولى للقتل، أي من تصدق بتبين القتل منه، وأنه هو الذي فعله، وقصد استتار القاتل، وخفي أمره على الأولياء فذلك التصدق كفارة للقاتل؛ لأنه إنفاذ لحكم الله وتخليص الناس من التهم والظنون ومن ذلك قوله تعالى ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمن قيل الهاء لنوح وقيل لإبراهيم؛ لأن الله أراد تعداد الأنبياء من ولد إبراهيم - عليه السلام - امتناناً عليه بهذه النعمة وليس القصد ذكر أولاد نوح، فهو له، ولوطاً ويونس به هدينا مضمرة عند من قال إنه لإبراهيم ولا وجه لإختلاف العطف ومن ذلك قوله إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون أي للذكر؛ لقوله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وقيل وإنا له يعني لمحمد صلى الله عليه وعلى آله؛ كما قال والله يعصمك من الناس ومن ذلك قوله هذا إلهكم وإله موسى فنسي قيل فنسي أي نسيه موسى، فمضى يطلب رباً سواه، فعلى هذا تقف على قوله فنسي دون موسى وقيل هذا إلهكم وإله موسى تمت الحكاية؛ ثم قال فنسي أي فنسي السامري ومن ذلك قوله تعالى كل قد علم صلاته وتسبيحه قيل علم الله صلاة نفسه، وتسبيح نفسه وقد ذكرنا ما في هذا من الاختيار فيما تقدم ومن ذلك قوله وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور أي فإن المذكور، كما قال ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور أي إن المذكور كما قال وما جعله الله إلا بشرى لكم أي ما جعل الله الإمداد، فكنى عن الإمداد؛ لأن قوله أن يمدكم، يدل عليه نظيره في الأنفال أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله ومن ذلك قوله لنحيي به أي بالماء، ثم قال ولقد صرفناه بينهم فقالوا يعني المطر، صرفه بين الخلق، فلم يخص به مكاناً دون مكان، ليعتبروا ويتعظوا، ومع ذلك أبوا إلا كفوراً، حين قالوا مطرنا بنو كذا وقال قوم ولقد صرفنا القرآن بينهم؛ لأنه ذكره في أول السورة والأول أوجه؛ لأنه أقرب ومن ذلك قوله وجاهدهم به أي بالقرآن، وقيل بالإنذار؛ لأن قبله نذيراً يدل على الإنذار ومن ذلك قوله والذي جاء بالصدق وصدق به، أي بالله، لقوله ممن كذب على الله وقيل بالرسول، صلى الله عليه وعلى آله فأما قوله قل هو الله أحد فقيل الضمير للأمر والشأن، أي قل الأمر والشأن الله أحد وقيل هو إشارة إلى الله، وقوله الله بدل منه، مفسر له وأما قوله تعالى أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده فيمن اختلس كسرة الهاء كان كناية عن المصدر، أي اقتد اقتداء وعلى هذا قراءة من قرأ لم يتسنه بالهاء في الوصل، يكون كناية عن المصدر وأما قوله ولكل وجهة هو موليها ففي هو وجهان أحدهما أن يكون ضمير كل، أي لكل أهل وجهة وجهة هم الذين يتولونها ويستقبلونها عن أمر نبيهم عن مجاهد والثاني الله تعالى هو الذي يوليهم إليها، وأمرهم باستقبالها عن الأخفش وقد قرئ هو مولاها وهذا حسن يدل على الثاني من القولين قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي قيل الهاء تعود إلى الله، أي هو عصمني ونجاني من الهلكة وقيل إنه سيدي أحسن مثواي؛ لأنه قال لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً فأما قوله إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، فأسرها يوسف في نفسه أي الإجابة أو المقالة أو الكلمة، ولا يكون قوله أنتم شراً مكاناً تفسيراً لقوله فأسرها؛ لأنه لا نظير لمثل هذا المثل، والمفسر في كلامهم؛ لأن المفسر في جملة، والمفسر في جملة أخرى، وإنما يكونان في جملة واحدة، نحو نعم رجلاً زيد، وربه رجلاً؛ وما أشبه ذلك ومن ذلك قوله وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً أي زاد الإنس الجن عظماً وتكبراً وقيل بل زاد الجن الإنس رهقاً، ولم يعيذوهم، فيزدادوا خوفاً ومن ذلك قوله فإذا نقر في الناقور، فذلك يومئذ أي فذلك النقر، فعبر عن المصدر بذا ومن ذلك قوله إنه على رجعه لقادر أي على رجع الإنسان وبعثه وقيل على رجع الماء إلى الإحليل ومن ذلك قوله لتؤمنن به ولتنصرنه

الهاء الأولى لما من قوله لما آتيكم؛ والثانية للرسول، إذا جعلت ما بمعنى الذي، وإذا جعلته شرطاً، كلاهما للرسول ومن ذلك قوله الشيطان سول لهم وأملى لهم قيل فاعل أملى هو الله؛ لقوله أملى لهم وقيل هو الشيطان، لأنه أهملهم، ورجاهم، وسول لهم، وزين لهم ومن ذلك قوله وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم، أي من الكافرين من أهل الكتاب ومن ذلك قوله ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه قيل الهاء للمصدر، أي يذرؤكم في الذرء ويجوز أن يكون، لقوله أزواجاً كما قال في بطونه فأما قوله وإن كنتم من قبله أي من قبل هدايته؛ لأن قبله واذكروه كما هداكم وأما قوله وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله أي من قبل السحاب؛ لأن السحاب جمع سحابة؛ فجرى مجرى النخل والحب، وقد قال يزجى سحاباً ثم يؤلف بينه كما قال أعجاز نخل منقعر وأعجاز نخل خاوية وقال من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولم يقل مواضعها فأما قوله فيتعلمون منها ما يفرقون به ففيما يعود إليه منهما ثلاثة أقوال أحدها أنه لهاروت وماروت والثاني من السحر والكفر والثالث من الشيطان والملكين، يتعلمون من الشياطين السحر، ومن الملكين ما يفرقون به بين المرء وزوجه ومن ذلك قوله سواء محياهم ومماتهم فالمعنى في الآية أن مجترحي السيئات لا يستوون مع الذين آمنوا، كما قال أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون وكما قال هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور فالمراد في الآية هذا المعنى، والضمير في قوله محياهم ومماتهم لا يخلو من أن يكون للذين آمنوا دون الذين اجترحوا السيئات، أو للذين اجترحوا من دون المؤمنين؛ أو لهما جميعاً فيجوز أن يكون الضمير في محياهم ومماتهم للذين آمنوا دون غيرهم ويكون المعنى كالذين آمنوا مستوياً محياهم ومماتهم، فتكون الجملة في موضع الحال من الذين آمنوا، كما يكون الحال من المجرور في نحو مررت بزيد ويجوز أن تكون الجملة في موضع المفعول الثاني من نجعل أي نجعلهم مستوياً محياهم ومماتهم، كالذين آمنوا، أي لا ينبغي ذلك لهم، فيكون الضمير في محياهم ومماتهم للذين اجترحوا السيئات، ومحياهم ومماتهم يعود الضمير منه إلى الضمير الذي في نجعلهم ويدل على ذلك أنه قد قرئ فيما زعموا سواء محياهم ومماتهم فنصب الممات وقد حكي عن الأعمش فهذا يدل على أنه أبدل المحيا والممات من الضمير المتصل بنجعلهم، فيكون كالبدل، كقوله وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره فيكون الذكر في محياهم ومماتهم على هذا المعنى للذين اجترحوا السيئات ويجوز أن نجعل قوله كالذين آمنوا في موضع المفعول الثاني لنجعل، ويكون الضمير في محياهم ومماتهم للقبيلين ويكون العامل في الحال أن نجعلهم الذي هو مفعول الحسبان ويكون المعنى أن نجعلهم والمؤمنين متساوين في المحيا والممات وقد روي عن مجاهد أنه قال في تفسير هذه الآية يموت المؤمن على إيمانه ويبعث عليه، ويموت الكافر على كفره ويبعث عليه فهذا يكون على الوجه الثالث يجوز أن يكون حالاً، من نجعلهم والضمير للقبيلين فإن قلنا إن من الكفار من يلحقه مكانه في الدنيا، ويكون له نعم ومزية، فالذي يلحق ذلك لي يخلو من أن يكون من أهل الذمة، أو من أهل الحرب فإن كان من أهل الذمة، فليس يخلو من أن يكون قد أدركه ما ضرب عليهم من الذلة في الحكم وإن كان من أهل الحرب، فليس يخلو من إباحة نفسه وماله، لكونه حرباً ومن أن يكون ذلك جارياً عليه في الفعل من المسلمين بهم أو الحكم، والمؤمن مكرم في الدنيا لغلبته بالحجة، وفي الآخرة في درجاته الرفيعة ومنازله الكريمة ومن ذلك قوله هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا أي الله سماكم المسلمين، من قبل إنزال القرآن، وفي هذا القرآن عن ابن عباس وقيل بل إبراهيم سماكم المسلمين؛ لقوله ومن ذريتنا أمة مسلمة لك عن ابن زيد ومن ذلك قوله تعالى فلا يكن في صدرك حرج منه والهاء ثلاثة أقوال الأول أنه من التكذيب والثاني أنه للكتاب والثالث للإنذار، وإن جاء لتنذر بعده

ومن ذلك قوله حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا قال سعيد بن جبير إن الرسل يئسوا من قومهم أن يؤمنوا به، وإن قومهم ظنوا أن الرسل قد كذبوا فيما قالوا لهم، فأتاهم نصر الله على ذلك والضمير في قوله وظنوا أنهم قد كذبوا للمرسل إليهم، أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به، من أهم إن لم يؤمنوا نزل العذاب بهم، وإنما ظنوا ذلك لما شاهدوه من إمهال الله إياهم وإملائه ودل ذكر الرسل على المرسل إليهم، فكنى عنهم، كما كنى عن الرعد حير جرى ذكر البرق في قوله
أمنك البرق أرقبه فهاجا ... فبت إخاله دهماً خلاجاً
وفيمن شدد كذبوا فالضمير للرسل، تقديره ظن الرسل، أي تيقنوا وظنوا ليس الظن الذي هو حسبان ومعنى كذبوا تلقوا بالتكذيب، كقولهم خطأته، وفسقته، وجدعته، وغفرته، فتكذيبهم إياهم، يكون بأن تلقوا بذلك وقيل في قوله تعالى وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً أي تساقط ثمرة النخلة، فأضمر الثمرة لجري ذكر النخلة، كالرعد مع البرق، والرسول مع المرسل إليه ومن ذلك قوله فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها أي فسوى الدمدمة بينهم، وهو الدمار وقيل سواهم بالأرض، أو سوى بهم بعدهم من الأمم ولا يخاف عقباها أي الله تعالى، لا يخاف عاقبة إهلاكه إياهم، ولا تبعة من أحد لفعله، كقوله لا يسأل عما يفعل وقيل لم يخف الذي عقر الناقة عقباها أي عقبى عقر الناقة، على حذف المضاف عن الضحاك وقيل لا يخاف صالح - رسول الله صلى الله عليه - تبعتها، أي قد أهلكها الله ودمرها وكفاه مؤونتها والواو يجوز أن تكون للحال، أي فسواها غير خائف عقباها، أي غير خائف أن يتعقب عليه في شيء مما فعله وقيل فعقروها غير خائف عقباها ولم يقل ولا تخافون؛ لأن لفظ أشقى مفرد، فهو كقوله من يستمع، ومن يستمعون ومن ذلك قوله ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه، فيكون على إضافة المصدر إلى المفعول، مثل بسؤال نعجتك وهم من بعد غلبهم لأن الضمير للروم، وهم المغلوبون، كأنه لما قيل فخذها بقوة أي بجد واجتهاد، علمنا أنه أخذ بما أمر به وتلقاه بالقبول والمعنى من لقاء موسى الكتاب، فأضيف المصدر إلى ضمير الكتاب وفي ذلك مدح له على امتثال ما أمر به، وتنبيه على الأخذ بمثل هذا الفعل كقوله اتبع ما أوحي إليك من ربك و فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ويجوز أن يكون الضمير لموسى - عليه السلام - والمفعول به محذوف، كقوله إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم والدعاء مضاف إلى الفاعل ويجوز أن يكون التقدير من لقائك موسى، فحذف الفاعل، فيكون ذلك في الحشر، والاجتماع للبعث، أو في الجنة، فيكون كقوله فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها ومن ذلك قوله مثل نوره كمشكاة أي مثل نور الله في قلب محمد - صلى الله عليه وعلى آله وقيل مثل نور القرآن وقيل بل مثل نور محمد - عليه السلام وقيل بل مثل نور قلب المؤمن وقوله تعالى ثم قست قلوبكم من بعد ذلك، ذا إشارة إلى الإحياء، أو إلى ذكر القصة، أو للإباحة، أو للإبهام وفي الضمير الآخر قولان أحدهما للقلوب والثاني أنها للحجارة، لأنها أقرب المذكورين ومن ذلك قوله تعالى ونحن له مسلمون الضمير لله، لتقدم ذكره في قوله آمنا بالله، أو لجميع المذكورين وفي قوله يعرفونه كما يعرفون أبناءهم غير وجه قيل يعرفون تحويل القبلة إلى الكعبة وقيل يعرفون محمداً وقيل يعود إلى العلم، من قوله من بعد ما جاءك من العلم وهو نعته وأما قوله تعالى بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين قال أبو علي الهاء تعود إلى ما عقدتم بدلالة أن الأسماء المتقدمة اللغو، والأيمان، وما عقدتم ولا يجوز أن يعود إلى اللغو؛ لأن اللغو لا شيء فيه، بلا خلاف قال ولا يعود إلى الأيمان إذ لم يقل فكفارتها والمعقود عليه ما كان موقوفاً على الحنث والبر، وما عدا ذلك لم يدخل تحت النص وعندي أنه يعود إلى الأيمان، كقوله نسقيكم مما في بطونه

ومن ذلك قوله ألا إنها قربة لهم ولم يقل ألا إنهما قربة ولا يجوز أن يعود إلى الصلوات، لأن المفعول الثاني من يتخذ هو الأول، والنفقة قربة، وليست بدعاء الرسول، والضمير في إنها للنفقة التي عليها ما ينفق، فلا يكون قوله وصلوات الرسول عطفاً على قربات ولكن يكون عطفاً على لفظة الله وقيل يكون عطفاً على لفظة ما، أي يتخذ ما ينفق قربات، ويتخذ صلوات الرسول قربات وأما قوله فانهار به في نار جهنم، فاعل انهار الجرف فكأنه فانهار الجرف بالبنيان في النار؛ لأن البنيان مذكر، بدلالة لا يزال بنيانهم الذي بنوا ويجوز أن يكو الفاعل ضمير من وسقوط البنيان زيادة في غضب الباني؛ كالصنم زيادة في عقاب عابده وإنما قوله ولذلك خلقهم قيل اللام للعاقبة، أي إلى الاختلاف صار خلقهم؛ لأنهم خلقوا للعبادة وقيل هو مردود إلى قوله وأهلها مصلحون، أي خلقهم لئلا يهلكهم وأهلها مصلحون وقيل للرحمة خلقهم وقيل للشقاوة والسعادة خلقهم عن ابن عباس وقيل للاختلاف خلقهم عن مجاهد ومن ذلك قوله ولا يحيطون به علماً قال أبو علي الهاء ضمير المصدر الذي دل عليه قوله يعلم ما بين أيديهم، أي ولا يحيطون علماً بعلمه ومما يبين ذلك قوله إني أعلم ما لا تعلمون ومن ذلك قوله هو أهون عليه، أي الإعادة أهون على الخالق، وجاز لأن الفعل يدل على مصدره، أي الإعادة أهون على الخالق من الابتداء في زعمكم ومن ذلك قوله تعالى وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون أي ما كان الله معذب المشركين وهم أي المسلمون يستغفرون بين أظهرهم
الرابع والعشرون
ما جاء في التنزيل، وقد أبدل الاسم
من المضمر الذي قبله والمظهر، على سبيل إعادة العامل، أو تبدل إن وأن مما قبله
فمن ذلك قوله تعالى ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل أي ما أمر الله بوصله، فأن بدل من الهاء المجرورة، نظيره في الرعد في الموضعين ودلت هذه الآي الثلاث، على أن المبدل منه ليس في تقدير الإسقاط؛ لأنك لو قدرت ذلك كانت الصلة منجردة عن العائد إلى الأول ومن إبدال المظهر من المضمر ما ذهب إليه الأخفش في قوله فإن عثر على أنهما استحقا إثماً فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان التقدير فيقوم الأوليان وقد عز إبدال المظهر من المضمر عندهم؛ وقل وجوده، حتى بلغ من أمرهم أنهم أخرجوه من بيت الفرزدق
على حالة لو أن في القوم حاتماً ... على جوده لضن بالماء حاتم
فقالوا حاتم مجرور، بدل من الهاء في جوده وفار فائر أحدهم، فقال إنما الرواية ما ضن بالماء حاتم برفع حاتم واستجاز الإقواء في القصيدة، حتى لا يكون صائراً إلى إبدال المظهر من المضمر، وقد أريتك هذا في هذه الآي،وأزيدك وضوحاً حين أفسر لك قوله أنزل علينا مائدة من السماء تكون عيداً لأولنا وآخرنا ألا ترى أنه قال لأولنا وآخرنا فأبدل من النون والألف بإعادة اللام كما قال للذين استضعفوا لمن آمن منهم فكرر اللام، لأن العامل مكرر في البدل تقديراً أو لفظاً ولهذا المعنى قال أبو علي في قوله ما جئتم به السحر في قراءة أبي عمرو، فألحق حرف الاستفهام، كان السحر بدلاً من المبتدأ، ولزم أن يلحق السحر الاستفهام ليساوي المبدل منه في أنه استفهام ألا ترى أنه ليس في قولك السحر استفهام، ليساوي المبدل منه في أنه استفهام ألا ترى أنه ليس في قولك السحر استفهام، وعلى هذا قالوا كم ملك أعشرون أم ثلاثون؟ فجعلت العشرون والثلاثون بدلاً من كم وألحقت أم لأنك في قولك كم درهماً مالك أعشرون أم ثلاثون؟ مدع أنه أحد الشيئين ولا يلزم أن تضمر للسحر خبراً على هذا لأنك إذا أبدلت من المبتدأ صار في موضعه، وصار ما كان خبراً لما أبدلت منه في موضع خبر البدل فأما قول أبي حيوة النميري
وكأنها ذو جدتين كأنه ... ما حاجبيه معين بسواد
لهق السراة كأنه في قهره ... مخطوطة يقق من الإسناد
فإنه أبدل الحاجبين من الضمير، على حد قولك ضربت زيداً رأسه فإن قلت أبدل من الأول، وقدر الخبر عن الأول؛ فلأن المبدل منه قد لا يكون في نية الإسقاط بدلالة إجازتهم الذي مررت به زيد أبو عبد الله ولو كان البدل في تقدير الإسقاط بدلالة ما لا يعتد به، لم يجز هذا الكلام، فهو قول

فإن قلت حمل الكلام على المعنى، فلما كان حاجباه بعضه، حمل الكلام عليه، كأنه قال كأن بعضه معين بسواد، فأفرد لذلك، فهو قول وأما قوله تعالى عم يتساءلون عن النبأ العظيم عن الثانية يتعلق بفعل محذوف؛ أي يتساءلون عن النبأ العظيم؛ ولا تكون متعلقة بيتساءلون هذه الظاهرة؛ لأنه لو يكون بدلاً للزم إعادة الاستفهام كقولك كم مالك أثلاثون أم أربعون؟ وحسن حذف الفعل لظهور الآخر وفي رفع الأوليان وجه آخر سوى البدل، يكون من باب تميمي أنا؛ مبتدأ، وآخران خبره والتقدير فالأوليان بأمر الميت آخران من أهله، وأهل دينه يقومان مقام الخائنين اللذين عثر على خيانتهما، كقولهم تميمي أنا ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوف، أي فآخران يقومان مقامهما الأوليان ويجوز أن يكون رفعاً باستحق ويجوز أن يكون خبر آخران، لأنه قد اختص بالوصف ويجوز أن يكون صفة بعد صفة؛ ويكون الخبر فيقسمان وجاز دخول الفاء؛ لأن المبتدأ نكرة موصوفة ومن البدل قوله قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله فأن جر بدل من كلمة وقيل بل أن رفع بالظرف، ويكون الوقف على سواء أي إلى كلمة سواء، ثم قال بيننا وبينكم أن لا نعبد ولا يجوز أن يكون الظرف وصفاً لكلمة، لأنه لا ذكر فيه من كلمة وقيل بل الوقف بينكم ثم ابتدأ وقال أن لا نعبد إلا الله أي هي أن لا تعبدوا إلا الله، فأضمر المبتدأ ومن ذلك قوله تعالى ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم أن جر بدل من الذين، أي ويستبشرون بأن لا خوف على الذين لم يلحقوا من خلفهم ومن ذلك قوله تعالى ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم فيمن قرأ بالتاء يكون أن مع اسمه وخبره بدلاً من الذين كفروا وقال الفراء هو كقوله فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة، أن نصب بدل من الساعة كما أن قوله لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم جر بدل من الذين وكما أن قوله أن تولوهم بعدها جر من الذين في قوله إنما ينهاكم الله عن الذين ومن ذلك قوله تعالى كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم، فيمن فتح، أن يكون بدلاً من الرحمة، كأنه كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم الرحمة، لأنه من عمل منكم وأما فتحها بعد الفاء فأنه غفور رحيم، فعلى أنه أضمر له خبراً، تقديره فله أنه غفور رحيم، أي فله غفرانه وأضمر مبتدأ يكون أن خبره؛ كأنه فأمره أنه غفور رحيم وعلى هذا التقدير يكون الفتح فيمن فتح ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم تقديره فله أن له نار جهنم إلا أن إضماره هنا أحسن؛ لأن ذكره قد جرى في صلة أن وإن شئت فأمره أن له نار جهنم، فيكون خبر هذا المبتدأ المضمر ومثل البدل في هذا قوله وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم المعنى وإذ يعدكم الله كون إحدى الطائفتين مثل قوله وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ومثله قوله واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه، أي فله أن لله؛ أو فأمره أن لله ومثله قوله كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله، أي فأمره أنه يضله ومن ذهب في هذه الآي إلى أن التي بعد الفاء تكرير، أو بدل من الأولى، لم يستقم قوله وذلك أن من لا يخلو من أن تكون للجزاء الجازم الذي اللفظ عليه، أو تكون موصولة، فلا يجوز أن يقدر التكرير مع الموصولة؛ لأنه لو كانت موصولة لبقي المبتدأ بلا خبر

ولا يجوز ذلك في الجزاء الجازم؛ لأن الشرط يبقى بلا جزاء فإذا لم يجز ذلك ثبت أنه على ما ذكرنا على أن ثبات الفاء في قوله فأن له يمنع من أن يكون بدلاً ألا ترى أنه لا يكون بين البدل والمبدل منه الفاء العاطفة، ولا التي للجزاء فإن قلت إنها زائدة يبقى الشرط بلا جزاء؛ فلا يجوز إذن تقدير هاهنا، وإن جاءت في غير هذا الموضع وأما قوله تعالى ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم فإن جواب الشرط محذوف على ما تقدم ومن جعل أن بعد الفاء بدلاً مما قبله، وجب أن يقدر زيادة الفاء وأما قوله أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون فالتقدير أيعدكم أن إخراجكم إذا متم فيكون المضاف محذوفاً، ويكون ظرف الزمان خبراً، ويكون أنكم مخرجون بدلاً من الأولى ويجوز أن يكون خبر أن الأولى محذوفاً، لدلالة خبر الثانية عليه،والتقدير أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً تبعثون فحذف الخبر لدلالة الثاني عليه وأما قوله فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى - فيمن قرأ بالتاء - كان في يخيل ضمير العصي أو الحبال، ويكون أنها بدلاً من ذلك الضمير ، أي تخيل إليه سعيها ومن ذلك قوله تعال فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب أن رفع بدل من الجن، والتقدير فلما خر تبين للإنس جهل الجن بالغيب أي لما خر تبين أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين وأما قوله كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله فقوله أنه من تولاه رفع بكتب ومن شرط، وتولاه في موضع الجزم بمن، وقوله فأنه يضله جواب الشرط وإن شئت كان من موصولة وتولى صلته، وقوله فأنه دخلت الفاء في خبر من لأن الموصولة بمنزلة الشرط وفتحت أن من قوله فأنه لأن التقدير فشأنه أنه يضله، فحذف المبتدأ وقول من قال فأنه يضله بدل من أنه من تولاه كان خطأ لأن الفاء لا تدخل بين البدل والمبدل منه وكذا قول من قال هو تكرير للأول لا تدخل الفاء بين الاسمين وأما قوله آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا فقد قال أبو إسحاق إن أن الأولى نصب، اسم حسب وخبره، وموضع أن الثانية نصب من وجهين أحدهما أن تكون منصوبة بيتركوا، فيكون المعنى أحسب الناس أن يتركوا لأن يقولوا، وبأن ، فلما حذف الجرروصل يتركوا إلى أن فنصب ويجوز أن تكون أن الثانية العامل فيها حسب، كأن المعنى على هذا، والله أعلم أحسب الناس أن يقولوا آمنا وهم لا يؤمنون، والأول أجود قال أبو علي لا يكون بدلاً، لأنه ليس هو الأول، ولا بعضه، ولا مشتملاً عليه، ولا يستقيم حمله على وجه الغلط ولا يكون صفة، لأن أن لا يوصف بها شيء في موضع ولم يوصف هو، فإذا كان تعلقه بالحسبان لا يصح ثبت تعلقه بالترك فأما قوله تعالى ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون وزعم سيبويه أن قولهم أنهم إليهم لا يرجعون بدل من موضع كم أهلكنا فإن قال قائل عن كم إنما هي استفهام، فكيف يبدل منها ما ليس باستفهام؟ فإنما ذلك لأن معنى كم هاهنا الخبر، والمعنى يؤول إلى قوله ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون ولا يجوز أن يكون بدلاً من كم وحدها، لأن محل كم نصب بأهلكنا وليس المعنى أهلكنا أنهم لا يرجعون، لأن معنى أنهم لا يرجعون الاستئصال، ولا يصح أهلكنا بالاستئصال وإنما المعنى ألم يروا استئصالهم، فهو بدل من موضع كم أهلكنا ومن ذلك قوله تعالى ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم موضع أن رفع، لأنه بدل من رجال والمعنى لولا أن تطؤوا رجالاً؛ ولا تعلق له بقوله لم تعلموهم، لأن أن الناصبة للفعل لا تقع بعد العلم؛ وإنما تقع بعد العلم المشددة، أو المخففة من الثقيلة كقوله علم أن سيكون منكم مرضى وقوله ليعلم أن قد أبلغوا وكقوله ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله وكقوله أفلا يرون ألا يرجع إليهم وكقوله وحسبوا ألا تكون فتنة، فيمن رفع ومن البدل قوله تعالى، في قراءة الكسائي أن الدين عند الله الإسلام، هو بدل من أنه لا إله إلا هو، أي شهد الله أن الدين عند الله الإسلام وجوز الكسائي أن يكون على حذف الواو، أي وأن الدين، فهو محمول على أنه لا إله إلا هو ومن البدل قوله تعالى كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم، من غم بدل من منها، والغم مصدر غممته، أي غطيته ومنه قوله
أتحقر الغم والغرقا

وهذا معنى قوله ومن فوقهم غواش أي قد عمهم العذاب وغمرهم ومن ذلك قوله تعالى فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء، فيمن فتح أنا أبدله من المجرور قبله ومن ذلك قوله تعالى ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، ذلك الثانية بدل من ذلك الأولى ولا يكون بما عصوا بدلاً من قوله بأنهم كانوا لأن العصيان أعم من الكفر، لقوله فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم وأخذهم الربا، ولا تقول مررت برجل فكيف امرأة وقال الله تعالى واجنبني وبني أن نعبد الأصنام فأن بدل من الياء والمعطوف عليه وقد قال سيبويه مررت بي المسكين، لا يجوز، وجاز هذا؛ لأنه بدل اشتمال، هكذا زعم شارحكم، وليس بمستقيم والتقدير واجنبني وبني من أن نعبد الأصنام، أي من عبادة الأصنام، فأن مفعول تعدى إليه الفعل بالجار وقال الذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها، فأن يعبدوها بدل من الطاغوت ومن ذلك قوله تعالى فاقطعوا أيديهما جزاء بما نكالاً من الله،نكالاً بدل من الجزاء ولا يجوز أن يكون غير بدل؛ لأن الفعل الواحد لا يعمل في اسمين كل واحد منهما مفعول له ومن ذلك قوله وأولئك هم الكاذبون من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره قال أبو علي لا يكون من أكره استثناء من قوله من كفر لأنه مفرد، فإذن من بدل وتقديره أولئك من كفر إلا من أكره ومن ذلك قوله تعالى جنات عدن التي وعد بدل من يدخلون الجنة وإن شئت كان نصباً على المدح ومن ذلك قوله الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله أي لكن أخرجوا بهذا القول والمعنى أخرجوا من ديارهم بغير حق يجب على الكفار إخراجهم به وليس ببدل من حق، لفساد المعنى، إذ لا يوضع موضع حق ومن ذلك قوله تعالى طوافون عليكم بعضكم على بعض أي أنتم طوافون، وبعضكم بدل من الضمير في طوافون أي أنتم يطوف بعضكم على بعض، وعلى يتعلق بالطواف وحمله الطبري على من أي بعضكم من بعض وقد تقدم هذا بأتم من هذا وأما قوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان، لا يكون اللام في لمن بدلاً من اللام في لكم ألا ترى أنه لم يجز بك المسكين، كأن الأمر بي المسكين، لكن يكون صفة للأسوة ويجوز أن يكون متعلقاً بحسنة، أي حسنت لهم؛ كقولك حسنت بهم ومثله الذين خسروا أنفسهم بعد قوله ليجمعنكم لا يكون البدل من الذين وجوز الأخفش كونه بدلاً؛ وليس بالصحيح وأما قوله تعالى ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً فقوله لبيوتهم بدل من قوله لمن يكفر وكرر اللام كما تقدم الآي الأخر وأما قوله قال يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم إلى قوله ألا تعلوا علي فقد زعموا أن قوله ألا تعلوا بدل من قوله كتاب والتقدير إني ألقي إلي أن لا تعلوا علي واضطرب كلام أبي إسحاق في هذا؛ فزعم أن التقدير إني ألقي إلي كتاب بأن لا تعلوا علي، أي كتب إلي بأن لا تعلوا علي وهذا الكلام منه محتمل إن عني أن أقول أن لا تعلوا علي متعلق بنفس قوله كتاب فهو خطأ؛ لأن كتاباً مصدر، وقد وصف بقوله كريم فلا يبقى من صلته شيء بعد كونه موصوفاً وإن أراد أن كتاباً دل على كتب، وأن لا تعلوا علي متعلق بكتب الذي دل عليه كتاب فهو وجه وسها الفارسي عن هذا الكلام في الإغفال وأما قوله تعالى فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم فيمن فتح، فإنه يجوز أن يكون موضع أنا رفعاً بدلاً من اسم كان، والتقدير انظر كيف كان تدميرنا إياهم ويجوز أن يكون على تقدير فهو أنا دمرناهم ويجوز أن يكون على تقدير لأنا دمرناهم ولا يجوز أن يكون بدلاً من كيف لأنه لا حرف استفهام معه ويجوز أن يكون كيف ظرفاً لكان، ويكون عاقبة اسم كان وأنا دمرناهم خبره وقد ذكرنا هذا في البيان وأما قوله ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوءى أن كذبوا، فيجوز أن يكون على تقدير هي أن كذبوا؛وعلى تقدير لأن كذبوا ويجوز أن يكون بدلاً من السوءى سواء جعلت السوءى اسم كان أو خبره، على حسب اختلافهم في عاقبة الذين فأما قوله تعالى فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله، بالكسر والفتح فالفتح على إيقاع النداء عليه؛ أي نادته بأن الله؛ والكسر على قال إن الله قال وفي حرف عبد الله فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب يا زكريا إن الله

فهذا يوجب الكسر لقوله نودي من شاطئ الوادي الأيمن إلى قوله يا موسى إني أنا الله فكسر؛ لأن ما بعد النداء مبتدأ وقال في قوله نودي يا موسى أي إني أنا ربك فالكسر على قياس قراءة عبد الله، الوجه قال ولا يكون يا موسى قائماً مقام الفاعل، ولا إني أنا ربك؛ لأنهما جملتان، والجملة لا تكون فاعلة وهذا منه خلاف قول سيبويه حين جوز في ليسجننه أنه فاعل بدا، وقد بينته في التتمة فلا يحتاج إلى إضمار المصدر في نودي كما لا يضمر سيبويه بدا في قوله ليسجننه بعد قوله ثم بدا وأما قوله أنا اخترناك بالفتح والتشديد، عن الزيات والأعمش، وهما يقرآن إني أنا ربك بالكسر؛ فقد سهوا بأسرهم وعندي أنه محمول على المعنى؛ لأنه لما كان قال فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوىً، وكان معناه افعل ذلك لأنك بالوادي المقدس، جاز أن يقول وأنا اخترناك، أي اخلع نعليك لهذا وهذا وأين هم من هذا؟ لم يتأملوا في أول الكلام، ولم ينظروا في قراءة الزيات، والله أعلم
الخامس والعشرون
ما جاء في التنزيل من همزة ساكنة
يترك همزها أبو عمرو وما لا يترك همزها
واعلم أن أبا عمرو يترك الهمزة الساكنة في الأسماء والأفعال نحو الكاس، والفاس، ويومرون وياكلون ويومنون ويوفكون ويالمون كما تالمون، وما أشبه ذلك، في أربعين موضعاً، فيها ثلاث وثلاثون لا خلاف عن أبي عمرو في همزها، وهو ما يكون للجزم والوقف، أو يخرج بتركه من لغة إلى لغة، أو من معنى إلى معنى، أو يكون بترك الهمزة أثقل من الهمزة فأولها في البقرة أنبئهم وفيها أو ننساها وفي آل عمران تسؤهم وفي النساء إن يشأ يذهبكم وفي الأعراف أرجئه وفي التوبة تسؤهم وفي يوسف نبئنا وفي إبراهيم إن يشأ يذهبكم وفي الحجر نبئ عبادي وفيها ونبئهم وفي بني إسرائيل اقرأ كتابك وفيها إن يشأ يرحمكم وفيها إن يشأ يعذبكم وفي الكهف وهيء ويهيء وفي مريم ورئياً وفي الشعراء إن نشأ ننزل وفيها أرجئه وفي الأحزاب و تؤوي إليك وفي سبأ إن نشأ نخسف بهم الأرض وفي فاطر إن يشأ يذهبكم وفي يس وإن نشأ نغرقهم وفي حم عسق إن يشأ يسكن الريح وفي النجم أم لم ينبأ وفي القمر نبئهم وفي المعارج تؤويه وفي البلد مؤصدة وفي العلق اقرأ باسم ربك واقرأ وربك وفي الهمزة مؤصدة وأما السبعة الباقية فهي ستة أسماء وفعل فالأسماء البأس والكأس، والرأس، والضأن، والذئب،والبئر والفعل يألتكم
السادس والعشرون
ما جاء في التنزيل من العطف على الضمير
المرفوع، وقد أكد بعض ذلك وبعضه لم يؤكد
فمن ذلك قوله اسكن أنت وزوجك الجنة، عطف وزوجك على الضمير في اسكن بعد ما أكد بقوله أنت وقال فاذهب أنت وربك فأكد وقال سميتموها أنتم وآباؤكم ومما أكد من ذلك من غير تأكيد بأنت ولكن بشيء آخر قوله فأجمعوا أمركم وشركاؤكم فيمن رفع، أكد بالمفعول دون أنتم و المفعول يقوم مقام أنتم، ثم عطف على قوله وشركاؤكم ومن ذلك فاستقم كما أمرت ومن تاب معك معطوفاً على الضمير في استقم، وقام قوله كما أمرت مقام التأكيد، ويجوز أن يكون من في موضع النصب مفعولاً معه ومن ذلك قوله جنات عدن يدخلونها ومن صلح، يجوز في من الرفع والنصب، على ما تقدم وقد قلنا في حذف المضاف مذهب أبي علي في من أن التقدير ودخول من صلح من آبائهم وأزواجهم فأما قوله تعالى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى فقد قال أبو علي في التذكرة قوله هو مرتفع بالابتداء، وليس بمحمول على الضمير الذي في استوى فإن قلت فإن استوى يقتضي فاعلين، ألا ترى أنك تقول استوى زيد وعمرو، فإن هذا المفعول يكون على ضربين الأول ما ذكرنا والثاني أن تقتصر به على فاعل واحد كقوله على العرش استوى وإذا احتمل ذا لم يكن لمن زعم أن الضمير المرفوع يعطف عليه من غير أن يؤكد دلالة في هذه الآية؛ لاحتمالها غير ما ذكر، وهو ما حملناه عليه وهذا القائل هو الفراء؛ لأنه قال المعنى استوى النبي وجبريل عليهما السلام بالأفق الأعلى ليلة المعراج، حين أسري به صلى الله عليه وآله ومنه قوله تعالى إذا كنا تراباً وآباؤنا، عطف آباؤنا على الضمير في كنا لمكان قوله تراباً

وأما قوله وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين فيمن رفع العين وجوز فيه أبو علي أن يكون العين مرفوعاً على الابتداء والجار خبر، وجوز أن يكون محمولاً على موضع أن، وجوز أن يكون رفعاً عطفاً على الضمير الذي في الظرف، وإن لم يؤكد كما جاء ما أشركنا ولا آباؤنا فعطف آباؤنا على الضمير الذي في أشركنا، كما قال ولم يؤكده؛ فكذا هاهنا فإن قلت إن لا يقوم مقام التأكيد، فقد قال في الجواب إنما يقوم لا مقام التأكيد إن كانت قبل الواو؛ فأما إذا جاءت بعد الواو، لم تقم مقام التأكيد، ألا ترى أن التأكيد في الآي التي تلونا قبل الواو، نحو اسكن أنت وزوجك، وقوله فاستقم كما أمرت وهذا من أبي علي استدراك على البصريين قاطبة؛ لا سيما وسيبويه قال في الآية الأولى إن قوله ولا آباؤنا بمنزلة قمت أنت وزيد؛ فلا يرى العطف على المضمر إلا بعد التأكيد؛ والتأكيد بأنت، وأنا، أو ما يقوم مقامهما من المفعول وغيره ولم يروا التأكيد بقولهم نفس فلم يجيزوا قمت نفسك وزيد، كما أجازوا قمت أنت وزيد، وقمتم أجمعون وزيد قالوا لأن النفس اسم متصرف، تدخلها العوامل بخلاف أنت، وأجمعين وقد يقع في التأكيد بها ليس في بعض كلامهم؛ كقولهم هند خرجت نفسها؛ فيكون كقولك خرجت هي نفسها فيكون تأكيداً لهي ويقال هند خرجت نفسها؛ فتكون الفاعلة، كما تقول خرجت جاريتها، والمعنيان مختلفان؛ فلم يجر مجرى أجمعين ومن هنا قال أبو علي لو قلت جاءوني أنفسهم؛ لم يحسن حتى تؤكد، فتقولجاءوني هم أنفسهم؛ لمل ذكرنا فلم يحسن لذلك أن تحمله على الضمير حتى تؤكد؛ يعني حتى تقول قمت أنت نفسك وزيد ولو قلت مررت بك نفسك؛ جاز تأكيد الكاف بالنفس؛ لأنك كأنك قلت مررت بنفسك ولم تذكر المؤكد بخلاف العطف؛ إذ لا يجوز مررت بك وزيد وإن قلت جاءوني أنفسهم، لا يجوز؛ لأن المضمر المتصل في غاية الضعف، والمؤكد متبوع، فيكون أقوى من التأكيد، وهنا النفس أقوى من المضمر؛ فلا يكون تابعاً له؛ فإذا انفصل المضمر جاز أن تكون النفس تابعاً له؛ بمنزلة الأسماء الأجنبية، أو بقيت بعدها بمنزلة أخرى، بخلاف المتصل؛ إذ ليس بعدها منزلة أخرى وقد ذكر سيبويه امتناع تأكيد المضمر بالنفس في ثلاثة مواضع في حد أسماء الأفعال وفي حد الأحرف الخمسة وفي حد علامات المضمرين ومن ذلك قوله تعالى أسلمت وجهي لله ومن اتبعن، فمن رفع عطف على التاء ومنه إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة رفع عطف على الضمير في تقوم ومن ذلك قوله لا أملك إلا نفسي وأخي، أخي عطف على الضمير في لا أملك وإن شئت كان مبتدأ، والتقدير وأخي كذلك؛ فحذف الخبر؛ ولا يكون جراً بالعطف على الياء؛ لأنه مضمر مجرور
السابع والعشرون
ما جاء في التنزيل، لحقت إن التي للشرط ما
ولحقت النون فعل الشرط
فمن ذلك قوله تعالى فإما يأتينكم مني هدىً فمن تبع هداي وقال فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك وقال فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك وقال وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك في السورتين قال أبو إسحاق إعراب إما في هذا الموضع إعراب حرف الشرط والجزاء؛ لأن الجزاء إذا جاء في الفعل، معه النون الثقيلة والخفيفة، لزمه ما، وفتح ما قبل النون في يأتينكم لسكون الياء وسكون النون الأولى قال أبو علي ليس الشرط والجزاء من مواضع النونين؛ إنما يدخلان على الأمر والنهي، وما أشبههما من غير الواجب وفي قوله لأن الجزاء إذا جاء في الفعل معه النون الثقيلة والخفيفة ما يوهم أنه من مواضعهما في الكلام في الكلام، وأن دخولها مساغاً فيه؛ وإنما يلحق الشرط في ضرورة الشعر، كقوله
من يثقفن منهم فليس بآيب ... أبداً وقتل بني قتيبة شافي
وكذلك الجزاء كقوله
ومهما تشأ منه فزارة يمنعا
وهذا كقوله
يحسبه الجاهل ما لم يعلما

وإن في الجزاء أمثل؛ لأنه بغير الواجب أشبه، ألا ترى أنه خبر غير مبت كسائر الأخبار وفي هذا الكلام شيء آخر وهو أن قوله الجزاء إذا جاء في الفعل معه النون الخفيفة والثقيلة؛ لزمه ما يوهم أن ما لزمت لدخول النون؛ وأن لحاق النون سبب لحاق ما؛ والأمر بعكس ذلك وخلافه؛ لأن السبب الذي له دخلت النون الشرط في قوله فإما يأتينكم مني هدى، فإما ترين من البشر أحداً، وإما تعرضن عنهم، ونحو ذلك عند النحويين، إنما هو لحاق ما أول الفعل بعد إن، فلذلك صار موضعاً للتنوين بعد أن لم يكن لهما موضع وإنما كان كذلك عند سيبويه وأصحابه، لمشابهة فعل الشرط بلحاق ما به بعد إن دون أخواتها الفعل المقسم عليه، ولمشابهة كل واحد منهما صاحبه في معنى التوكيد بهما، فسبب لحاق النون دخول ما، على ما يذهب إليه النحويون، وكان لزوم النون فعل الشرط الوجه لدخول الحرف قبله، إذا كان في خبر غير مبت فإن قيل لم لزمت النون فعل الشرط مع إن إذا لحقتها ما دون سائر أخواتها؟ وهلا لزمت سائر أفعال الشرط؛ إذا دخلت على حرف المجازاة ما كما لزمته مع إن، إذ ما ذكروه من الشبه ليفعلن موجود في سائر الحروف، وقد جاء أينما تكونوا يدرككم الموت، وأينما تكونوا يأت بكم الله، وأيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى، وكل ذلك لا نون فيه؟ الجواب في ذلك أن النون لم تلحق الشرط مع سائر حروف الجزاء، كما لحقت مع إن لاختلاف موضعي ما المؤكدة؟ وذلك أنه قد استقبح أن يؤكد الحرف ولا يؤكد الفعل، وله من الرتبة والمزية على الحرف ما للاسم على الفعل؛ فلما أكد الحرف، والفعل أشد تمكناً منه، قبح ترك تأكيده مع تأكيد الحرف، وليس سائر حروف الجزاء مثل إن في هذا الموضع؛ لأنها أسماء، وهي حروف، فلا تنكر أن تؤكد هي دون شروطها ألا ترى أن للاسم من القدمة على الفعل ما للفعل على الحرف؛ فيقبح لذلك ترك توكيد الفعل مع الاسم، كما قبح ترك توكيده مع الحرف فإن قلت فما الذي يدل على أن التوكيد لاحق للحرف؟ وما ننكر أن يكون لحاقه للفعل دون الجزاء، فيكون الفعل مؤكداً من أوله إلى آخره مثل ليفعلن؟ فالذي يدل على لحاقه حرف الجزاء دون الشرط أن الوقف عليه؛ وأن أحداً لم يقف على إن وحدها في نحو وإما تخافن من قوم خيانة فيستأنفوا ما مع الفعل؛ كما استأنفوا بلا مع الفعل، كقوله لا أقسم بيوم القيامة ويدل أيضاً على لحاقها للحرف دون الفعل أنها قد لحقت الحروف أيضاً في نحو
ألا لتما هذا الحمام لنا
وفي الإدغام أيضاً تقوية؛ لأن الكلمة لو نوي بها الانفصال جاز فيها الإظهار كما جاز في من ما وما أشبهه وكل هذا يدل على أن التأكيد لاحق للحرف، وإذا أكد الحرف الذي لا يستقل إلا بالفعل بعد إن لا يؤكد الفعل؛ فافترق فعل شرط إن وفعل شرط سائر الحروف في لزوم النون لها مع ما لاقترانهما فيما ذكرنا فهذا الذي ذكرناه يصلح أن يحتج به من زعم أن النون لازمة للشرط إذا لحقت ما إن الجزاء وقد قال أبو العباس، وخالفه في ذلك سيبويه، فقال إن ما إذا لحقت إن الجزاء تبعه الفعل منوناً بإحدى النونين، وغير منون بهما، كما أن سائر الحروف كذلك وإذا لم يلزم النون مع إن كما لم يلزم في الحروف الأخر نحو أينما تكونوا لم يلزم على قوله الفصل بينهما؛ كما لزم في قول من زعم أن النون لازمة وقد استقصينا الخلاف في هذا، والله أعلم
الثامن والعشرون
ما جاء في التنزيل عقيب اسمين كني عن أحدهما
اكتفاء بذكره عن صاحبه
وقد ذكر ذلك سيبويه في الكتاب، واحتج بأبيات، وربما أسوقها لك بعد البداية بآي التنزيل فمن ذلك قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة، ولم يقل وإنهما اكتفاء بذكر الصلاة عن ذكر الصبر، وقد ذكرنا أنهم قالوا إن الهاء للاستعانة ومن ذلك قوله وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت وقال ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً، فهذا على القياس المستمر، لأن التقدير وإن كان أحد هذين؛ ومن يكسب أحد هذين، لأن أو لأحد الشيئين ولو صرح بهذا لصح وجاد له وبه فكذلك إذا قال بلفظة أو ما

فأما قوله إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما وقوله أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين فهذا على قياس الآيتين المتقدمتين، حقهما فالله أولى به، وحرمه؛ ولكنه جاء على قولهم جالس الحسن وابن سيرين؛ على معنى أنه يجوز له مجالستهما ومثل هذا قد جاء في الشعر، أنشدوا لرجل من هذيل
وكان سيان ألا يسرحوا نعماً ... أو يسرحوه بها واغبرت السوح
وأنت تقول سيان زيد وعمرو، ولكنه قال أو يسرحوه، على ما ذكرنا ومن ذلك قوله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ولم يقل ينفقونهما وقال والنخل و الزرع مختلفاً أكله، ولم يقل أكلهما وقال والله ورسوله أحق أن يرضوه، والتقدير واله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه وقال فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه فيمن قرأ بالتاء، ولم يقل يخيلان وقال وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ولم يقل إليهما وأنشد للأنصاري
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
ولم يقل بما عندنا راضون؛ اكتفاء بالثاني عن الأول وقال
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئاً ومن أجل الطوى رماني
وقال
وكان وأنت غير غدور
فأحفظها
التاسع والعشرون
ما جاء في التنزيل صار الفصل فيه عوضاً
عن نقصان لحق الكلمة
وذلك إنما يجئ في أكثر الأحوال في باب المؤنث، فيقولون قامت هند، فإذا فصلوا بينهما قالوا قام اليوم هند فمن ذلك قراءة أكثرهم ولا يقبل منها شفاعة، قالوا إن التذكير أحسن لمكان الفصل، وقد قرئ أيضاً بالتاء، ولم يعتد بالفصل كما قال وتغشى وجوههم النار وقال وأخذت الذين ظلموا الصيحة وقال فأخذتهم الرجفة وقال ولم تكن له فئة ينصرونه فيمن قرأ بالتاء وقال وتكون لكما الكبرياء فيمن قرا بالتاء؛ وهم الأئمة السبعة، إلا حماداً رواه عن عاصم بالياء وقال فأخذتهم الرجفة وقال أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها وقال أو لك تأتهم بينة ما في الصحف الأولى وقال لا تحل لك النساء فيمن قرأ بالتاء هذه الآي ونحوها لم يعتد فيها بالفصل، كما اعتد به في قوله وأخذ الذين ظلموا الصيحة في هود وقوله يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك في آي كثيرة اعتد فيها بالفصل ومما اعتد فيه بالفصل قوله تعالى ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون، لم تدخل النون هنا؛ لأنها إنما تدخل فتفصل هذه من لام الابتداء قال أبو علي في قوله ص والقرآن ذي الذكر، وهو يبطل قول الفراء إن قوله كم أهلكنا جواب القسم، وإن التقدير لكم أهلكنا؛ قال هذا لا يجوز؛ لأن اللام على هذا الحد داخلة على الفضلة ثم قال فإن قال قائل ما ننكر أن تكون اللام التي دخلت على الأفعال مرادة في كم محذوفة لطول الكلام؛ وإن دخولها في كم العامل فيه أهلكنا بمنزلة دخولها على إلى المتعلقة بالفعل المنتصبة الموضع به في قوله لإلى الله تحشرون وكما جاز دخولها على الجار المنتصب الموضع كذلك يجوز دخولها على كم المنتصبة الموضع ثم قال الجواب عندي أن التقدير بهذه اللام في قوله لإلى الله تحشرون ألا ترى أن القسم إنما وقع على أنهم يحشرون لا على الجار والمجرور، والمقسم عليه بالفعل، وهو المؤكد باللام، والملقى المقسم به وإنما دخلت اللام على الحرف الجار لتقدمه عليه، ولم تدخل إحدى النونين على الفعل لوقوعه على الحرف، وجاز دخولها على الحرف في كلا الموضعين؛ إذ المراد به التأخير، كما جاز دخول لام الابتداء في مثل إن زيداً لطعامك آكل؛ إذ المراد به التأخير إلى الخبر فإذا كان التقدير ما ذكرنا لم يجز أن يكون كم أهلكنا بمنزلة لإلى الله تحشرون في جواز دخول اللام عليها كدخولها في كم، إذا كان دخولها في قوله لإلى الله تحشرون بمنزلة دخولها على الفعل، وعلى حسب ما تكون عليه هذه اللام في سائر مواضعها ومتصرفاتها، فليس يسوغ تقدير دخولها على الفعل في كم والفصل الذي وقع بين اللام وبين تحشرون صار عوضاً عن دخول النون ومما يجري مجرى الفصل المفعول الواقع بين المعطوف و المعطوف عليه في نحو قوله فاستقم كما أمرت، وقوله فأجمعوا أمركم وشركاءكم صار المفعول هنا عوضاً عن إبراز الضمير في نحو قوله اذهب أنت وربك، وهكذا قال ما أشركنا ولا آباؤنا
المتمم الثلاثين

ما جاء في التنزيل وقد حمل فيه اللفظ
على المعنى وحكم عليه بما يحكم على معناه لا على اللفظ
وقد ذكر ذلك سيبويه في غير موضع، وأنشد فيها أبياتاً، ربما نسوقها لك بعد البداية بالآي فمن ذلك قوله تعالى قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين من وقف على قوله فاقع وجعا فاقعاً تابعاً لصفراء ابتدأ لونها ورفعها بالابتداء، وجعل قوله تسر الناظرين خبراً عنها وإنما قال تسر ولم يقل يسر؛ حملاً على المعنى؛ لأن قوله لونها صفرتها؛ فكأنه قال صفرتها تسر الناظرين ومثله قوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم فعدى رفثاً بإلى حملاً على الإفضاء، وكما قال أفضى بعضكم إلى بعض كذا قال الرفث إلى نسائكم ومثل ذلك قول أبي علي في قوله تعالى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ثم قال أن يؤتي أحد فقال هذا محمول على المعنى؛ لأنه لما قال ولا تؤمنوا كأنه قال أجحدوا أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم؟ ومثله ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا فعداه بمن كأنه قال ونجيناه من القوم الذين كذبوا وقال فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، كأنه قال من يعصمنا من بأس الله إن جاءنا؟ وقال وتقسطوا إليهم، فحمله على الإحسان، كأنه قال وتحسنوا إليهم ومن هذا الباب قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء إلى قوله وفي الرقاب والغارمين في الرقاب لم يعطف على الفقراء؛ لأن المكاتب لا يملك شيئاً، وإنما ذكر لتعريف الموضع، والغارمين عطف على الفقراء إذ لا يملكون، وفي سبيل الله مثل قوله وفي الرقاب لأن ما يخرج في سبيل الله يكون فيه ما لا يملك المخرج فيه، مثل بناء القناطر، وعقد الجسور، وسد الثغور، وقوله وابن السبيل عطف على اللام في الغارمين أو في ابن السبيل لم يكن سهلاً والمكاتب عبد؛ لقوله هل لكم مما ملكت أيمانكم ومن هذا الباب قوله تعالى ما لكم من إله غيره فيمن رفع قوله غيره وكذلك هل من خالق غير الله فيمن رفع وكذلك قوله وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر فيمن رفع كان ذلك كله محمولاً على المعنى؛ إذ المعنى ما لكم إله غيره، وهل خالق غير الله، وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ومثله ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ثم قال ومن الذين قالوا إنا نصارى، لأم معنى قوله أخذ الله ميثاق بني إسرائيل واحد؛ فجاء قوله ومن الذين قالوا على المعنى، لا على اللفظ ومن ذلك قوله تعالى فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي، أي هذا الشخص؛ أو هذا المرئي وكذلك قوله تعالى فمن جاءه موعظة من ربه، لأن الوعظ والموعظة واحد وقالوا في قوله تعالى إن رحمة الله قريب من المحسنين إنه أراد به الرحمة هنا المطر، ويجوز أن يكون التذكير هنا إنما هو لأجل فعيل، على قوله
بأعين أعداء وهن صديق
وقوله
لا عفراء منك قريب
وأما قوله تعالى بل الإنسان على نفسه بصيرة، فإنه حمله على النفس لأن الإنسان والنفس واحد، وقيل بل التاء للمبالغة، وقيل بل التقدير عين بصيرة؛ فحذف الموصوف وقال مجاهد بل الإنسان على نفسه شاهد عينه وياه ورجلاه، فيكون الإنسان مبتدأ، والظرف فيما ارتفع به خبر، والهاء العائد من الجملة إلى المبتدأ، وهو المجرور بالإضافة، كما تقول زيد في داره عمرو وعكس الأول قول الحطيئة
ثلاثة أنفس وثلاثة ذود ... لقد جار الزمان على عيالي
حمل الأنفس على الأشخص؛ كأنه قال ثلاثة أشخص ومنه قوله تعالى فله عشر أمثالها أنث العشر لما كان الأمثال بمعنى الحسنات، حمل الكلام على المعنى ومن ذلك قوله ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم، ألم تر إلى الملأ، ألم تر إلى الذي حاج، ألم تر إلى ربك عدي ترى بإلى حملاً على النظر؛ كأنه قال ألم تنظر وإن شئت كان المعنى ألم ينته علمك إلى كذا؟ وعكس هذا قوله أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ولم يقل إلى ملكوت، لأن المعنى أو لم يتفكروا في ملكوت السموات ومن الحمل على المعنى قوله أو كالذي مر على قرية بعد قوله إلى الذي حاج كأنه قال أرأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مر على قرية؛ فجاء بالثاني على أن الأول كأنه قد سيق كذلك ومنه قوله تعالى وأنفقوا مما رزقناكم إلى قوله فأصدق و أكن، لأن معناه إن يؤخني أصدق وأكن، فحمل أكن على موضع فأصدق لأنه في موضع الجزم لما كان جواب لولا

ومن ذلك قوله تعالى ويهديهم إليه سراطاً مستقيماً الهاء في إليه يعود إلى ما تقدم ذكره، من اسم الله، والمعنى يهديهم إلى صراطه صراطاً مستقيماً كما قال وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله، وإن حملت صراطاً على أنه لما قال ويهديهم إليه دل هذا الكلام على انه قال يعرفهم، فنصب صراطاً على أنه مفعول لهذا الفعل المضمر، والأول أشبه ومن ذلك قوله ديناً قيماً، يحتمل ثلاثة أوجه أحدهما أنه لما قال إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم، استغنى بجري ذكر الفعل عن ذكره ثانياً، فقال ديناً قيماً، أي هداني ديناً قيماً، كما قال اهدنا الصراط المستقيم وإن شئت نصبته على اعرفوا، لأن هدايتهم إليه تعريف لهم، فحمله على اعرفوا وديناً قيماً إن شئت حملته على الإتباع؛ كأنه قال اتبعوا ديناً قيماً والتزموه، كما قال ابعوا ما أنزل إليكم من ربكم ومن ذلك قوله تعالى يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ

قال أبو علي وجه الجر في ولؤلؤ أنهم يحلون أساور من ذهب ومن لؤلؤ؛ أي منهما وهذا هو الوجه؛ لأنه نصب فقال يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً حمله على ويحلون لؤلؤاً، واللؤلؤ إذا انفرد من الذهب والفضة لم يكن حلية فإن قلت فقد قال الله تعالى وتستخرجون حلية تلبسونها فعلى أن يكون حلية إذا وضع في الذهب والفضة صار حلية، كما قال في العصير إني أراني أعصر خمراً لأنه قد يستحيل إليها بالشدة؛ كما يكون ذلك حلية على الوجه بخلافه ويحتمل النصب وجهاً آخر، وهو أن تحمله على موضع الجار والمجرور؛ لأن موضعهما نصب ألا ترى أن معنى يحلون فيها من أساور يحلون فيها أساور، فتحمله على الموضع وقيل في قوله ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا إن من دخلت، لأن معنى قوله أحرص الناس أحرص من الناس، فقال ومن الذين أشركوا حملاً على المعنى وقد ذكرنا ما في هذا في حذف الموصوف ومن الحمل على المعنى قوله فمن بدل بعد ما سمعه، والمتقدم ذكر الوصية؛ ولكن معناه الإيصاء، أي من بدل الإيصاء كقوله وإذا حضر القسمة ثم قال فارزقوهم منه حملاً على الحظ والنصيب ومن ذلك قوله تعالى مالي لا أرى الهدهد، وما لنا لا نرى رجالاً، لما كان المعنى في قولك ما لي لا أراه؛ وما لنا لا نراهم، أخبرونا عنهم؛ صار الاستفهام محمولاً على معنى الكلام، حتى كأنه قال أخبروني عن الهدهد، أشاهد هو، أم كان من الغائبين؟ وكذلك الآية الأخرى، فيمن وصل الهمزة ولم يقطعها في قوله أتخذناهم سخرياً وكما استقام الحمل على المعنى في هذا النحو كذلك حمل الآية عليه، فيما ترى أنه مذهب أبي الحسن يعني قوله إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله ومن ذلك قوله وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين من منصوب الموضع حملاً على المعنى؛ لأن معنى جعلنا لكم فيها معايش أعشناكم، وكأنه قال وأعشنا من لستم له برازقين ويجوز أن يكون من مبتدأ والخبر مضمر والتقدير ومن لستم له برازقين جعلنا لكم فيها معايش ومن ذلك ما قال سيبويه قال سألت الخليل عن قوله تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة، قال هذا واجب، وهو تنبيه، كأنك قلت انتبه إن الله أنزل من السماء ماء، وكان كذا وكذا ومن ذلك قوله من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة فيمن قرأ بالنصب؛ لأنه إنما ينصب إذا كان السؤال على القرض؛ لو كان أيقرض زيد فيضاعفه عمرو؟ وفي الآية السؤال عن المقرض، لا عن الإقراض؛ ولكنه حمل على المعنى؛ فصار السؤال عن المقرض، كالسؤال عن الإقراض ومن ذلك قوله وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم فيمن جزم يكفر حملاً على موضع الفاء؛ لأن الفاء في موضع الجزم ومن الحمل على المعنى لستن كأحد من النساء أن أتقيتن هم محمول على المعنى إذا جعلته يسد مسد الجواب؛ لأن ليس لنفي الحال، والجزاء لا يكون بالحال تقديره باينتم نساء المسلمين ويجوز أن يكون الجواب فلا تخضعن دون لستن، ولستن أوجه ومن ذلك قوله من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم، فيمن جزم حمله على موضع الفاء ومن ذلك قوله قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله في قراءة الجمهور، غير أبي عمرو لأن معنى من رب السموات لمن السموات؟ فقال لله حملاً على المعنى كما أن من قال في الأول وهو رواية العباس وأبي عمرو، سيقولون الله حمل قوله لمن الأرض على المعنى، كأنه قال من رب الأرض؟ فقال الله

ومثله قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين جواباً لقولهم أتتخذنا هزواً ولو حمل على اللفظ لقال أن أكون من الهازئين وأما قوله تعالى ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة فقد قال في التذكرة إنه محمول على ما قبله من المصدر، والمصدر مفعول له، وهو يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً أي للغرور وغرورهم على ضربين إما أن يغري بعضهم بعضاً، أو يغروا جميعاً من يوسوسون له ويوالونه ممن لا يؤمنون فتقديره للغرور، ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون والضمير في إليه لزخرف القول أو لوحيهم، أو ليرضوه ولا يكون أن تحمله على الأمر، على قوله واستفزز من استطعت لثبات الألف في الفعل، وليست بفاصلة، فتكون مثل السبيلا فإذا كان كذلك لم يتجه إلا على هذا الذي ذكرنا؛ أو على قول أبي الحسن، مع أن ذلك عزيز غامض ما علمته مر بي إلا هذا البيت الذي أنشده فيه قال وللقائل أن يقول إن المقسم عليه محذوف مضمر، كأنه
إذا قال قدني قلت آليت حلفة ... لتغني عني ذا إناؤك أجمعا
أي قلت بالله لتشربن أو لتقتمحن جميع ما في الإناء؛ فحذف لتقتمحن لدلالة الحال عليه، ولأن ما في الكلام من قوله لتغني عني، وإن أجاز ذلك فيه، لم يكن فيه حجة قلت الذي قال بلام الأمر في الآية؛ هو الجبائي، ولم ينظر إلى إثبات الألف، ولم يعلم أن قوله لا ترضاها وأخواته من الضرورة؛ كأنه استأنس بقراءة زبان لا تخاف دركاً ولا تخشى فزعم الفارسي أن ذاك للفاصلة كالظنونا والسبيلا، وليس قوله ولتصغي فاصلة ومن ذلك ما ذهب إليه أبو علي في قراءة أبي عمرو في نصبه ويقول الذين آمنوا فزعم أنه محمول على قوله فعسى الله أن يأتي بالفتح وأنت لا تقول فعسى الله أن يأتي بأن يقول الذين آمنوا؛ ولكن حمله على المعنى، لأن معنى فعسى الله أن يأتي بالفتح، و فعسى أن يأتي الله بالفتح، واحد وجوز أن يكون بدلاً من قوله أن يأتي أجزنا في قديماً أن يكون محمولاً على الفتح، أي وأن يأتي بالفتح ويقول المؤمنون كما قال الخليل في قوله تعالى أو يرسل رسولاً أنه محمول على الوحي وكرواية هبيرة فنجي بالنصب حملاً على نصرنا من قوله جاءهم نصرنا فنجي ومن ذلك قوله أنا خير منه ومنه فليحذر الذين يخالفون عن أمره، حمله على يعدلون فعداه بعن وهذا النحو كثير ألا ترى أن سيبويه قال في قولهم ألست أتيتنا فتحدثنا - بالرفع والنصب - فحمل مرة على اللفظ وأجاز النصب، وعلى المعنى فمنع النصب؛ إذ معناه الإثبات ولهذا جاء أليس منكم رجل رشيد، بخلاف قوله ألست بربكم قالوا بلى فجاء الاختلاف في الآيتين؛ كما جاء الرفع والنصب في المسألة فحمل مرة على الإثبات، وأخرى على النفي ومن ذلك قوله يا حسرة على العباد، إن اللفظ لفظ النداء، والمعنى على غيره كما أن قوله اغفر لنا أيتها العصابة، اللفظ على النداء، والمعنى على غير النداء، إنما هو الاختصاص قال أبو علي مثل ما يكون اللفظ على شيء والمعنى على غيره قولهم لا أدري أقام أم قعد؟ ألا ترى أن اللفظ على الاستفهام والمعنى على غيره وكذلك قولهم حسبك، اللفظ لفظ الابتداء والمعنى على غيره وكذلك قولهم اتقى الله امرؤ فعل خيراً يثب عليه؛ اللفظ لفظ الخبر والمعنى معنى الدعاء وكذلك فليمدد له الرحمن مداً وإلى هذا النحو ذهب أبو عثمان في قولهم ألا رجل ظريف؟ فقال اللفظ لفظ الخبر، والمعنى معنى التمني وليس هذا بسائغ؛ لأن الكلام قد دخله ما منع هذا المعنى، ألا ترى أن هذا ارتفع بالابتداء، وقد دخل الكلام من المعنى ما أزال معنى الابتداء؛ ألا ترى أن معنى الطلب قد أزال معنى الابتداء؛ من حيث جرى مجرى اللهم غلاماً؛ أي هب لي وكذلك قولك ألا رجل؟ بمنزلة قوله هب لي؛ وألا آخذ؛ وألا أعطي؟ ونحو ذلك فإذا دخل هذا المعنى أزال معنى الابتداء؛ وإذا زال معناه لم يجز ارتفاعه بالابتداء، لمعاقبة هذا المعنى له؛ وإذا عاقبه ذلك وأزاله لم يجز أن يرتفع أفضل بأنه خبر؛ لبطلان كون الأول أن يكون مبتدأ أوفي موضع الابتداء فالقول في ذلك قول سيبويه لهذه الآية
الحادي والثلاثون
ما جاء في التنزيل من حذف أن
وحذف المصادر، والفصل بين الصلة والموصول

وهو من باب لطائف الصناعة، لأنهم زعموا أن أن موصولة، وحذف الموصول وإبقاء صلته منكر عندهم، ومع ذلك فقد جاء في التنزيل فمن ذلك قوله تعالى وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله قالوا التقدير بأن لا تعبدوا إلا الله، فلما حذفت أن عادت النون وكذلك قوله لا تسفكون دماءكم تقديره بأن لا تسفكوا دماءكم، فحذفت أن وعادت النون قالوا ومثله قولهم تسمع بالمعيدي خير من أن تراه أي أن تسمع ومن ذلك قوله تعالى كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول، أي بعد إيمانهم أن شهدوا، فحذفت أن ليصح عطفه على إيمانهم وإن شئت كان التقدير بعد أن آمنوا وشهدوا، فتضع المصدر موضع أن ليصح عطف شهدوا عليه ومن ذلك قوله تعالى ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا فيمن قرأ بالياء، أي أن سبقوا، ليصح قيامه مقام المفعولين ومن ذلك قوله تعالى قل أفغير الله يأمروني أعبد أيها الجاهلون، فقال تأمروني لغو، كقولك هذا يقول ذاك بلغني، فبلغني لغو، وكذلك تأمروني؛ كأنه قال فيما تأمروني؛ وكأنه قال فيما بلغني، وإن شئت كان بمنزلة
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
قال س غير منصوب بأعبد على القول الأول، وعلى القول الثاني بتأمرني ولا يجوز انتصابه بأعبد؛ لأن أعبد في صلة أن وغير قبله، ولا يعمل ما في الصلة فيما قبل الموصوف فا يؤكد أنهم يراعون الحال الأولى، بعد حذف أن ما روى أبو عثمان المازني عن قطرب أحضر الوغى بنصب أحضر قال أبو سعيد أجود ما يقال فيه ما ذكر سيبويه عن الخليل، وهو نصب غير بأعبد، وتأمروني غير عامل، كما تقول هو يقول ذلك فيما بلغني، وزيد قائم ظننت، كأنك قلت هو يقول ذاك فيما بلغني، وزيد قائم فيما ظننت قال وقال سيبويه وإن شئت كان بمنزلة
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
وهو ضعيف؛ لأنه يؤدي إلى أن يقرر أعبد بمعنى عابداً غير الله، وفيه فساد والذي عليه الناس، هو الوجه الأول الذي ذكرناه قد قال سيبويه هذا الكلام هاهنا، وقال في الباب المترجم عنه
ما يكون فيه إلا وما بعده وصفاً
بمنزلة مثل وغير ومضى في كلامه
ولا يجوز أن تقول ما أتاني إلا زيد، وأنت تريد أن تجعل الكلام بمنزلة مثل، إنما يجوز ذلك صفة ثم قال ولا يجوز أن يكون رفع زيد على إضمار إلا أن يكون زيداً؛ لأنك لا تضمر الاسم الذي هذا من تمامه، لأن أن يكون اسماً وما بعده صلة له ويجوز في الآية الأولى حذف أن ولم يجوزه في الفصل الثانيوأبو إسحاق تكلم على الآية، أعني قوله أفغير الله تأمروني ونقل كلامه أبو علي في الإغفال وأراد أن يتكلم عليه، فبيض الموضع وهذا كلام أبي إسحاق أفغير منصوب بأعبد لا بقوله تأمروني المعنى أفغير الله أعبد أيها الجاهلون فيما تأمروني ولوكان أبو العباس حين تتبع سيبويه، وتكلم بمثل هذا الكلام البارد الذي لا يخدش شيئاً من كلامه، وتتبعه على هذا الوجه، وتكلم بمثل هذا الكلام، وفصل بين الموضعين كان أحق وأجدر وقد ضمنت هذا الكتاب مثل هذا الفصل فصولاً أخر، تقدم بعضها، وأنت بصدد الثاني فاحفظها قال الشيخ ومما يحمل على إضمار أن في التنزيل قوله تعالى فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب، فأن مضمرة، وهي مع الفعل في تقدير المصدر معطوف على خزي ومثله مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض، أي ثم كفر بعضكم ببعض يوم القيامة، فأضمر أن ومثله ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة، أي ويوم القيامة رؤية الذين كذبوا على الله، لأن قبله أن تقول، و أو تقول وقد قال أبو علي في قوله تعالى ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا، يجوز أن تقدر حذف أن كأنه لا تحسبن الذين كفروا أن سبقوا، فحذفت أن كما حذفتها في تأويل سيبويه في قوله أفغير الله تأمروني قال وحذف أن قد جاء في غير شيء من كلامهم قال
وإن كبيراً لم يكن رب علبة ... لدن صرحت حجاجهم فتفرقوا
أي لدن أن صرحت وأثبت الأعشى في قوله
أراني لدن أن غاب رهطي كأنما ... يراني فيكم طالب الضيم أرنبا
وقد حذفت من الفعل وبنيت مع صلتها في موضع الفاعل أنشد أحمد بن يحيى لمعاوية بن خليل النصري
وما راعني إلا بشير بشرطه ... وعهدي به فينا يفش بكير
فإذا وجهه على هذا سد أن مسد المفعولين

كما أن قوله أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا فقال هذا كلامه في الآية من الحجة وإن شئت فاسمع كلامه في موضع آخر، قال ومما يمكن أن يكون انتصابه على أنه مفعول به على الاتساع، وكان في الأصل ظرفاً، قوله أياماً معدودات في قوله يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياماً معدودات، والعامل في، الأيام كتب، تقديره كتب عليكم الصيام أياماً معدودات، أي في أيام معدودات وإن شئت اتسعت فنصبته نصب المفعول به، فتقول على هذا مكتوب أياماً عليه ولا يستقيم أن ينتصب أيام بالصيام على أن يكون المعنى كتب عليكم الصيام في أيام، لأن ذلك وإن كان مستقيماً في المعنى فهو في اللفظ ليس كذلك، ألا ترى أنك لو حملته على ذلك فصلت بين الصلة والموصول بالأجنبي منهما، وذلك أن أياماً تصير من صلة الصيام، وقد فصلت بينهما بمصدر كتب؛ لأن التقدير كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على من كان قبلكم، فالكاف في كما متعلقة، بكتب، وقد فصلت بها بين المصدر وصلته، وليس من واحد منهما فإن قلت أضمر الصيام لتقدم ذكر المتقدم عليه، كأنه صيام أياماً، فإن ذلك لا يستقيم؛ لأنك لا تحذف بعض الاسم، ألا ترى أنه قد قال في قوله
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
أنه لا يكون على أن لا يكون الفرقدان، لحذفك الموصول، وكذلك الآية وإذ قد عرفت هذا وتبينت أن المصدر وأن مع ما بعده عندهم بمنزلة واحدة، وأنهما كليهما موصول لأن، فلا بد وأن نعد لك الآي التي وردت فيها المصادر وظاهرها فصل بينها وبين صلاتها بمنزلة أن، والحديث ذو شجون فمن ذلك قوله تعالى وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه، لا يجوز تعليق على بقوله حجتنا للفصل بين المصدر وما يتعلق به بالصفة قال أبو علي وإن كان حجتنا بدلاً فآتيناها خبره، وعلى متعلق بمحذوف، كقوله إذ تدعون إلى الإيمان وكذلك إن جعلت حجتنا خبراً، فإن جعلت آتيناها في موضع الحال على حجة آتيناها، وإضمار قد، جاز أن يكون متعلقاً، بحجة لأنه لها فصل قال عثمان قلت لأبي علي في قول الله تعالىوتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه يكون آتيناها حالاً من الحجة إما على قد آتيناها، وإما على حجة آتيناها، وعادت مع هذا على قوله بنفس حجتنا، فمثل هذا ألا فصل بين الصلة الموصول بالأجنبي؟ فقال الحال تشبه الظرف، وقد يجوز في الظرف ما لا يجوز في غيره، ولم يزد على هذا بعد المراجعة والفصل بين الموصول والصلة لا يجوز بالظرف ولا غيره، ألا ترى أنك لو قلت، أعجبني ضربك يوم الجمعة زيداً، فعلقت يوم الجمعة بأعجبني لا بالضرب لم يجزه أحد، وإنما المتجوز بالفصل الفصل بالظرف ما كان بين الفعل وفاعله، نحو كان فيك زيد راغباً، ونحو قوله
فإن بحبها ... أخاك مصاب القلب جم بلا بله
وأما ما ذهب إليه أبو علي، فيما حكينا عنه، فلا، والله أعلم وقال أبو علي في موضع آخر ففي هذا دلالة على وقوع مثال الماضي حالاً، وذلك أن آتينا لا تخلو من أن تكون صفة أو جملة متبعة جملة، على حد هم فيها خالدون، أو حالاً، ولا تكون صفة أم حجتنا معرفة، ولا تكون على حد هم فيها خالدون، وثلاثة رابعهم كلبهم لأنك إن جعلته على ذلك فصلت بين الصلة الموصول بالأجنبي، فإذا امتنعتا ثبت أنه واقع موقع الحال، إذا كانت حالاً لم تفصل بين الصلة والموصول، وكانت على ذلك متصلة بالمصدر الظاهر الذي هو حجتنا فإن قلت فلم لا تكون على قول أبي الحسن في نحو أو جاءكم حصرت، أن يكون على تقدير أو جاءوكم قوم حصرت، ولا يكون على قوله أو جاءوكم قوماً قد حصرت، فإن ذلك لا يكون على حذف الموصوف، كما يكون قوله أو يكون جاءوكم قوماً حصرت؛ لأنك على هذا تحذف الموصول وتبقي بعض صلته وقد قال سيبويه إن ذلك لا يجوز فيه

وأما قوله تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض فإن قوله يوم خلق السموات والأرض تتعلق بمضمر دون عدة، لأن الفصل بين المصدر والمعمول لا يجوز، ولهذا لا يتعلق في كتاب الله بعدة ولا يكون بدلاً من عند الله للفصل، أو يكون أن يتعلق بحرم، كأنه منها أربعة حرم فيها كتب الله يوم خلق السموات؛ فيكون المعنى مثبتاً في كتاب الله، أي فيما فرض كونه حرماً أربعة أشهر لا أكثر، فإذا نشأتم أنتم الشهور فجعلتم الشهور الحرم أكثر من أربعة لما كتبه الله أجل لهم ما حرم الله ويجوز أن يتعلق يوم بكتاب وأما قوله تعالى وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن قوله من الله صفة فيها ذكر من الموصوف،وكذلك إلى الناس، ولا يكون من صلة أذان لأنه اسم، وليس بمصدر ومن أجرى هذا الضرب من الأسماء مجرى المصادر فينبغي ألا يتعلق به هذا الجار، ألا ترى أن المصدر الذي هذا منه لا يصل بهذا الحرف كما يصل قوله براءة من الله به ، لقوله
برئت إلى عرينة من عرين
و إذا تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا فأما قوله يوم الحج الأكبر فيجوز أن يتعلق بأذان لأنك تفصل بين الصلة والموصول بالصفة، ولا بد من تقدير الجار في قوله إن الله أي، بإن الله لأن الله بريء من المشركين، لا يكون الإعلام كما يكون الثاني الأول، في نحو خبر له أنك خارج وأما قوله في هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب لا يتعلق الباء بعطاؤنا للفصل، و لا بأمسك لأنه لا يقال أمسكت بغير حساب، إنما يقال أعطيت بغير حساب، فهو إذاً متعلق بامنن، ويكون معناه أنه مخير بين أن يعطي كثيراً وأن يمسك، وكأن معنى امنن أعط، لما كان مناً وتفضلاً على المعطى، قيل امنن، والمراد أعط

ومثله في جعل المن عطاء قوله تعالى ولا تمنن تستكثر، كأنه لا تعطي مستكثراً، أي لا تعط لتأخذ أكثر منه ومثله وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وتقدير تستكثر أي مقدراً فيه الاستكثار، وجزم تستكثر على هذا يبعد في المعنى، لأنه يصير إن لا تمنن تستكثر، وليس المعنى على هذا وقد أجاز أبو الحسن نحواً من هذا اللفظ، وإن لم يكن المعنى عليه وأما قوله تعالى الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون، فالذين جر، عطف على المؤمنين، أو نصب، عطف على المطوعين فالظرف أعني في الصدقات متعلق بمطوعين أو يلمزون، أي ويعيبون في إخراج الصدقات لقلتها، ولا يكون الذين يلمزون، بدلاً من من في قوله ومنهم من يلمزك في الصدقات، لأن هؤلاء غيرهم في وضع الصدقات وأما قوله وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل فعلى من صلة وتمت دون الكلمة وإن كانت الكلمة بمعنى، النعمة، لأنها وصفت بالحسنى، وكما يتعلق على بحقت في قوله حقت كلمة العذاب على الكافرين وكذا هاهنا وأما قوله فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه فقد تكلمنا عليه في باب المفعول وأما قوله تعالى ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، فقد تردد فيه كلامه، فقال مرة الظرفان صفة للنكرة متعلقان بمحذوف، والشهادة من الله هي شهادة يحملونها ليشهدوا، فهذا كما قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين، وقال في موضع آخر لا يتجه أن يتعلق من بكتم لأن الله لا يكتم شيئاً فإن قلت فقد جاء ولا يكتمون الله حديثاً فإنه يجوز أن يكون التقدير إن أحوالهم ظاهرة وإن كتموها كما قال لا يخفى على الله منهم شيء، فإذا لم يتعلق بكتم تعلق بالشهادة، وتعلقه به على وجوه فإن جعلت قوله عنده صفة للشهادة لم يجز أن يكون من الله متعلقاً بشهادة لأنه فصل بين الصلة والموصول، وكما انك لو عطفت عليه كان كذلك ويجوز أن تنصب عند لتعلقه بشهادة فإذا فعلت ذلك لم يتعلق بمن الله، لأنه لا يتعلق به ظرفان وإن جعلت عنده صفة أمكن أن يكون من الله حالاً عما في عنده، فإذا كان كذلك وجب أن يتعلق بمحذوف في الأصل، والضمير العائد إلى ذي الحال هو الظرف هذا كلامه؛ وقد منع من تعلق الظرفين بالمصدر، وهذا يجوز في الظرفين المختلفين، وإنما الكلام في المتفقين، وقد بيناه في الاستدراك وأما قوله لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فلا يخلو قوله إذ تدعون من أن يتعلق بلمقت الله، ولا يجوز أن يتعلق بقوله مقتكم لأنهم مقتوا أنفسهم في النار، وقد دعوا إلى الإيمان في الدنيا ولا يتعلق بالمبتدأ، لأنه أخبر عنه بقوله أكبر من مقتكم، والموصول لا يخبر عنه، وقد بقيت منه بقية، والفصل بين الصلة والموصول غير جائز وأما قوله تعالى إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر إن جعلت الهاء للكافر، على معنى إنه على إحيائه لقادر، لم يجز أن يتعلق يوم تبلى السرائر بقوله رجعه، لأن قوله لقادر في موضع الخبر لإن، وقد فصل بين المصدر وما يتعلق به، ولكن ينتصب بمضمر يفسره رجعه، أي يحييه يوم تبلى السرائر ويجوز أن يجعل يوم بمعنى إذا فيعمل فيه مدلول إذا فما له من قوة ولا ناصر كقوله تعالى يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه ألا ترى أن مدلول الفاء يعمل في يوم ندعو ومثله يوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون ومثله فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير ولا يجوز أن يتعلق بقوله لقادر، لئلا يصغر المعنى؛ لأن الله قادر يوم تبلى السرائر وغيره، في كل وقت وعلى كل حال، على رجع النشور قال أبو علي في الإغفال في قوله أياماً معدودات قولاً يخالف ما حكينا عنه في الحجة قبل، وهو أنه قال يجوز أن يجعل أياماً متعلقاً بالصيام، دون كتب، وكانت الكاف في موضع النصب حالاً من فاعل الصيام، الا ترى أنه لا يستقيم كتب عليكم أن تصوموا مشابهين الكتابة، فهذا من جهة المعنى ويصح كونه حالاً من الصيام على تقدير كتب عليكم الصيام مثل ما كتب الصيام على من قبلكم، أي كتب الصيام مشابهاً كتابته على الذين من قبلكم فالصيام لا يشبه الكتابة، وحق التشبيه أن تشبه كتابة بكتابة، أو صيام بصيام، فأما أن يشبه الصيام بالكتابة فليس بالوفق، إلا أن يدل اشتباه الصيام بالكتابة من حيث كان كل واحد منهما مراداً، وإن لم يكن الآخر وهذا مما يدلك على أن حمل كما، على أنه منصوب

بكتب، أوجه وأبين من أن تجعله متعلقاً بالصيام، ولا يجوز في كما أن يكون صفة لمصدر كتب الذي دل، كتب عليه، في قول من جعل أياماً معمول الصيام، لأنه يفصل بين الصلة والموصول بما هو أجنبي منهما، وما عمل فيه شيءب، أوجه وأبين من أن تجعله متعلقاً بالصيام، ولا يجوز في كما أن يكون صفة لمصدر كتب الذي دل، كتب عليه، في قول من جعل أياماً معمول الصيام، لأنه يفصل بين الصلة والموصول بما هو أجنبي منهما، وما عمل فيه شيء وأما قوله تعالى إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون لا تكون الكاف صفة لمصدر دل عليه كفروا، ولا لمصدر دل عليه قوله لن تغني، للفصل بين الصلة والموصول بالخبر أو بالجملة التي هي أولئك هم وقود النار، وإنما معمول لقوله وقود النار لأنه لا فصل بينهما وأما قوله تعالى الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين، فقوله وقعدوا اعتراض، لأنه يسدد ما يريدونه من تثبيطهم وإقعادهم عن الجهاد مع النبي صلى الله عليه وعلى آله، فقوله لو أطاعونا ما قتلوا في موضع نصب فقالوا ولا يحتاج هنا إلى إضمار فعل آخر كما احتجت إليه في قوله
وقائلة تخشى علي أظنه
ولأن تخشى وصف، وإذا وصفت اسم الفاعل لم ينبغ أن يعمل فأما الذين فموضعه رفع، وقال زيداً اضربه، نصب؛ ألا ترى أنك تنصب زيداً قال له خيراً كما تقول زيداً اضربه وليس الرفع بمختار في قول أحد فيه، لأنه لا وجه للرفع على ذلك وأما قوله تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر، فمن موصولة، وتمام الصلة عند قوله وآتى الزكاة، وقوله والموفون بعهدهم رفع، عطف على من آمن، فلا يجوز إذاً أن يكون قوله والصابرين عطفاً على قوله ذوي القربى على تقدير وآتى المال على حبه ذوي القربى والصابرين، لأنك قد عطفت على الموصول قوله والموفون، فلا يجوز أن يكون والصابرين داخلاً في الصلة، ولكنك إن رفعت والموفون على المدح جاز عطف الصابرين على قوله ذوي القربى، لأن الجملة تسدد الأولى وتوضحه؛ لقوله تعالى والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة، عطف على كسبوا، وقوله وجزاء سيئة بمثلها اعتراض وقال قوم بل التقدير جزاء سيئة، والجملة في موضع خبر قوله والذين كسبوا فأما قوله تعالى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى قال أبو علي يحتمل عندي قوله أحوى ضربين يجوز أن يكون حالاً للمرعى كأنه والذي أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء أحوى، ولا يكون فصلاً بين الصلة والموصول لأن أحوى في الصلة، وقوله فجعله أيضاً معطوف على الصلة، وتقديم بعض الصلة على بعضها غير جائز، فإذا حملته على هذا كان وصفه بالحوة إنما هو لشدة الري ولإشباع الخضرة، كأنه أسود، على هذا قوله مدهامتان، وإن كان هذا لا يقع من الوصف بالحوة؛ لأنه أذهب في باب السواد وإن جعلت أحوى صفة لغثاء كان المراد به السواد لا الخضرة التي في الري أنها سواد، ولكن بالقدرة أخرج المرعى فصار غثاءً أسود ليبسه وهيجه وتسويد الشمس له بأحراق لطيفة وأما ما ذهب إليه علي بن عيسى في قوله إلا من شهد بالحق وهم يعلمون إلى قوله وقيله من أن قوله وقيله فيمن جر، معطوف على الجار والمجرور، أعني وجداً، للفصل بين الصفة والموصول بما تراه من الكلام وأما قوله سلام هي حتى مطلع الفجر، فإن حتى متعلق إما بفعل مضمر يدل عليه سلام أو بقوله تنزل الملائكة

فإن قلت فإذا كان متصلاً بقوله تنزل فكيف فصل بين العامل والمعمول بالجملة التي هي سلام؟ فإن ذلك لا يمتنع لأمرين أحدهما أن هذه الجملة ليست بأجنبية؛ ألا تراها تتعلق بالكلام وتسدد والآخر أن تكون في موضع حال من الضمير في قوله تنزل الملائكة والروح فيها مسلمة، فهذا لا يكون فصلاً على هذا الوجه الآخر وأما إذا لم تحمله على هذا وجعلت حتى متعلقاً بفعل مضمر، فلا يخلو من أن يتعلق بهي أو سلام، فلا يتعلق بهي، لأنه لا معنى فعل فيه، ولا يجوز أن يتعلق أيضاً بسلام، لأنك تفصل حينئذ بين الصلة والموصول بالمبتدأ، ألا ترى أن سلاماً مصدر، فإذا لم يجز هذا أضمرت ما يدل عليه سلام، فكأنك قلت تسلم حتى فإن قلت فلم لا تضمر فعلاً بعد هي مما يتعلق به، ويكون المبتدأ الذي هو هي قد أخبر عنه بأنه سلام، وأنها حتى مطلع الفجر مثل حلو حامض، كأنه أراد أن يعلم أنه سلام، وأنه إلى هذا الوقت، فإن الإفادة بأنها إلى مطلع الفجر ليست بحسنة، لأن ذلك قد علم من غير هذا المكان، فإذا كان كذا حملناه على باب إذ تدعون إلى الإيمان ولهذا لم نجعل حتى خبر هي، وسلام لهي آخر، ولأنه إذا لم يكن من باب حلو حامض، فلا يكون من باب هو قائم، أولى، وإن جعلت هي فاعل سلام، وحتى في موضع الخبر، فهو وجهه قال عثمان لا يلزم إذا جعلت حتى متعلقة بسلام أن تكون فصلت بينهما بهي، لأن سلاماً في موضع مسلمة، وأنشد
فهلا سعيتم سعى عصبة مازن ... وهل كفلائي في الوفاء سواء
وأما قوله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أومن وراء حجاب، فينبغي أن يكون قوله أو من وراء حجاب إذا جعلت وحياً على تقدير أن يوحي - كما قال الخليل - لما لم يجز أن يكون على أن الأولى من حيث فسد في المعنى يكون من وراء حجاب على هذا متعلق بفعل محذوف في تقدير العطف على الفعل الذي يقدر صلة، لأن الموصولة بيوحى، ويكون ذلك الفعل يكلم، وتقديره ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحى إليه أو يكلم من وراء حجاب، فحذف يكلم لجري ذكره أولاً، كما حذف الفعل في قوله كذلك لنثبت به فؤادك لجري ذكره، والمعنى كذلك أنزلنا، وكما حذف في قوله الآن وقد عصيت قبل، والمعنى الآن آمنت، فحذف، حيث كان ذكر آمنت قد جرى، وهذا لا يمتنع حذفه من الصلة، لأنه بمنزلة المثبت، وقد تحذف من الصلة أشياء للدلالة عليها، ولا يجوز أن يقدر تعلق من في قوله أو من وراء حجاب إلا بهذا، لأنك إن قدرت تعلقه بغيره فصلت بين الصلة والموصول بالأجنبي، ولا يجوز أن يقدر فعل غير هذا، كما قدر في أو في قوله إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً، لأن هذا اعترض يسدد ما قبله، وأنت إذا قدرت أو من وراء حجاب متعلقاً بشيء آخر كان فصلاً بأجنبي، إذ ليس هو مثل الاعتراض الذي يسدد الأول وأما من رفع فقال أو يرسل رسولاً فينبغي أن يكون قوله أو من وراء حجاب متعلقاً بمحذوف، ويكون الظرف في موضع حال، لأن قوله إلا وحياً على هذا التقدير مصدر في موضع الحال، كأنه يكلم الله إيحاء، أي موحياً، كقولك جئت ركضاً و مشياً، ويكون من في قوله من الصالحين بعد قوله ويكلم الناس في المهد وكهلاً، فهذا موضع وقعت فيه من ظرفاً في موضع الحال، كما وقع سائر حروف الجر، ومعنى أو من وراء حجاب في الوجه الأول يكلمهم غير مجاهر لهم بالكلام، أي يكلمهم من حيث لا يرى سائر المتكلمين، ليس أنه هناك حجاب يفصل موضعاً من موضع

وأما قوله تعالى وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، فرسله معطوف على الضمير المنصوب الذي قبله، كما قال وينصرون الله ورسوله، ولا يجوز أن يكون معطوفاً على مفعول ليعلم؛لأنك تفصل بين الصلة والموصول؛ ألا ترى أن قوله بالغيب متعلق بينصر ولا يجوز أن يتعلق بليعلم، فإذا كان كذلك، فلو عطفت رسله على يعلم فصلت بالمعطوف بين الصلة والموصول ومن ذلك قوله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة فقوله بعد ومن يغفر الذنوب إلا الله اعتراض بين الصلة والموصول، وقوله ولم يصروا على ما فعلوا في الصلة من الفعل ونظير هذا قل إن الهدى هدى الله هو فصل بين الفعل ومفعوله دون الصلة وموصوله أما قوله أو يتوب عليهم فزعم أنه لا يكون عطفاً على ما تقدم من ألا يفصل بين الصلة والموصول بقوله ليس لك من الأمر شيء، ولكن النصب على إضمار أن بعد أو ونعني بالموصول قوله بشرى لكم لأن اللام من قوله ليقطع متعلق به، وقوله وما النصر اعتراض فهذه آي وردت، فيها يقول النحويون من امتناع الفصل بين الصلة والموصول، ولا نرى منها حرفاً في كتبهم، والحمد لله الذي هدى لهذا
الثاني والثلاثون
ما جاء في التنزيل من حذف
حرف النداء والمنادى
وذلك حسن جائز فصيح ورد به الكلام، وعلى هذا جميع ما جاء في التنزيل من قوله ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ومنه قوله تعالى يوسف أعرض عن هذا أي يا يوسف أما قوله ثم انتم هؤلاء تقتلون أنفسكم فقد قيل التقدير ثم انتم يا هؤلاء، فأنتم مبتدأ، وتقتلون الخبر، وهؤلاء نداء اعترض بين المبتدأ والخبر، كما اعترض بين الشرط والجزاء في قوله قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني أي يا رب وكما اعترض بين المصدر ومعموله في قوله
فندلاً زريق المال ندل الثعالب
وكقوله أوساً أو يس من الهباله ونحن نقول إن أنتم مبتدأ، وهؤلاء على وجهين أحدهما ثم أنتم كهؤلاء وإن شئت هؤلاء بمعنى الذين، أي أنتم الذين تقتلون أنفسكم، كما قال عز من قائل أولاء على أثري وأما قوله تعالى ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إن شئت كان ربنا من صلة قوله واغفر لنا، أي واغفر لنا ربنا، فتقف على ربنا؛ وإن شئت ابتدأت، فقلت ربنا إنك أنت العزيز الحكيم فإنما قلنا لا يكون هؤلاء على يا هؤلاء، لأن هؤلاء يجوز أن يكون وصفاً لأي، فتقول يا هؤلاء أقبل، كل ما يوصف به أي لا يحذف منه حرف النداء، ألا ترى أنه لا يجوز رجل أقبل، لأنك تقول يا أيها الرجل أقبل، وتقول زيد أقبل، لأنك لا تقول أيها الزيد أقبل وأما قوله أمن هو قانت آناء الليل فيمن خفف، فقد قيل إن الهمزة بمعنى يا، والتقدير يا من هو قانت، فأقيمت الهمزة مقام يا قال أبو علي المعنى أمن هو قانت كمن هو بخلاف هذا الوصف؟ ولا وجه للنداء هاهنا ، لأن الموضع موضع معادلة، فليس النداء مما يقع في هذا الموضع، إنما يقع في نحو هذا الموضع الجمل التي تكون أخباراً، وليس النداء كذلك ويدل على المحذوف هنا قوله قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، لأن التسوية لا تكون إلا بين شيئين، وفي الجملتين في الخبر فالمعنى أمن هو قانت كمن جعل لله أنداداً ليضل عن سبيله وكما جاز حذف حرف النداء فيما تقدم جاز حذف المنادى، كما قال يا ليتنا نرد أي يا قوم ليتنا نرد ومثله يا ليت بيني وبينك، ويا ليت قومي يعلمون وما أشبه ذلك وأما قوله تعالى ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء فقد قال المبرد إن التقدير ألا يا هؤلاء اسجدوا، فحذف المنادى والذي اختاره أبو علي أن الجملة هاهنا كأنها المنادى في الحقيقة، وأن يا هاهنا أخلصت للتنبيه مجرداً من النداء، كما أن ها من قوله ها أنتم هؤلاء جادلتم للتبيه، من غير أن تكون للنداء وقال أبو علي وجه دخول حرف التنبيه على ألا من انه موضع يحتاج فيه إلى استعطاف امأمور لتأكيد ما يؤمر به عليه، كما أن النداء موضع يحتاج فيه إلى استعطاف المنادى لما ينادى له من إخبار أو أمر أو نهي أو نحو ذلك، مما يخاطب به، وإذا كان كذلك فقد يجوز ألا يريد منادىً في نحو قوله ألا يسجدوا كما يريد المنادى
يا لعنة اله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار

وكذلك ما حكي عن أبي عمرو من قوله يا ويلاً له ويؤكد ذلك قوله هلم وبناؤهم ها للتنبيه مع لم وجعلها مع الفعل كشيء واحد، وإجماع الناس على فتح آخر الكلمتين في اللغتين وكما لا يجوز أن يراد هاهنا مأمور، لبناء الكلمتين على الفتح، وإن فكت إحداهما من الأخرى، بل لا يسوغ إرادة المنادى لمكان بنائهما معاً وجعلهما بمنزلة شيء واحد، كذلك يجوز لك ألا تريد مأموراً في قوله ألا يسجدوا ويجوز لأن يراد تقدير مأمورين، فحذفوا كما حذف من قوله
يا لعنة الله والأقوام كلهم
وكما كان يا هذا لا يكون إلا لغير اللعنة، كذلك يجوز أن يكون المأمورون مرادين، وحذفوا من اللفظ قال أبو علي في قوله ها أنتم هؤلاء يحتمل ضربين يجوز أن يكون ها للتنبيه دخلت على أنتم، ويكون التنبيه داخلاً على الجملة كما دخل في قولهم هلم، وكما دخلت يا للتنبيه في نحو ألا يسجدوا ويجوز أن يكون الهاء في انتم بدلاً من همزة الاستفهام، كما كان بدلاً منها في قول ابن كثير، حيث قرأ ها أنتم على وزن هعنتم، وتكون الألف التي تدخل بين الهمزتين لتفصل بينهما كما تدخل بين النونين لتفصل بينهما في إحسانان، وجاز ها انتم ولم يجزها قوم لشبه المضمر بالميم في الإبهام وأما قوله قالوا سمعنا فتىً يذكرهم يقال له إبراهيم، فيمكن أن يكون من هذا الباب، على تقدير يا إبراهيم، فحذف، ويمكن أن يكون رفعاً، أقيم مقام فاعل يقال وأما قوله وجعلناه هدىً لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلاً ذرية من حملنا، فقد قيل التقدير يا ذرية؛ وقيل قوله ذرية مفعول ثان لتتخذوا، ووكيلاً الأول، فيمن قرأه بالتاء وأما قوله قل اللهم مالك الملك، وقل اللهم فاطر السموات والأرض فالميم في آخر اللهم بدل من يا، فيقال يا الله، واللهم وانتصاب قوله مالك الملك على نداء آخر، أي يا مالك الملك، ويا فاطر السموات، كقوله رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تاويل الأحاديث فاطر السموات أي يا فاطر السموات وأبو العباس يحمله على موضع المنادى، كقولهم يا زيد أخا عمرو وسيبويه لا يرى ذلك، لأنه لما ضمت الميم إلى الكلمة صارت الأصوات التي لا توصف ومثله قراءة من قرأ طوبى لهم وحسن مآب بالنصب، أي يا حسن مآب، فحذف
الثالث والثلاثون
ما جاء في التنزيل قد حذف منه
المضاف إليه
وذلك يجيء أكثرها من كلمات تلت قبل وبعد وكل فأما قبل وبعد إذا كانا مضافين فإنهما معربان؛ وإذا كانا مبنيين كان المضاف إليهما قد حذف منهما ونوى فيهما، فاستحقا البناء، لأنهما صارا غايتين، على ما عرفت في كتب النحو وذلك قوله تعالىوكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، أي كانوا من قبل مجيئه، أي مجيء الكتاب، يعني القرآن، أي يستفتحون على الذين كفروا، فحذف المضاف وكذلك قوله وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات أي من قبل مجيئهم وقال لله الأمر من قبل ومن بعد، أي من قبل كل شيء ومن بعد كل شيء، وقرئ لله الأمر من قبل ومن بعد ولم يبنيا وجعلا اسمين من غير تقدير المضاف إليه ومن ذلك قوله ولكل وجهة، أي ولكل أهل قبلة وجهة، فحذف المضاف وكذلك كل له قانتون، أي كل من في السموات والأرض وكذا وكل أتوه داخرين، أي وكلهم وكذا كل في فلك يسبحون أي كل ذلك وكذا قوله إنا كل فيها أي كلنا، فحذف المضاف إليه فأما قوله فيما فلا يخلو قوله فيها أن يكون صفة أو حالاً، فإن حملته على الحال لم يستقم، لأنه ليس في هذا الكلام ما يكون هذا حالاً عنه، وإذا لم يستقم أن يكون حالاً كان صفة، وإذا كان صفة كان كل نكرة وإذا كان نكرة جاز دخول لام المعرفة عليه فإن قلت فأجعله حالاً وأحمله على المعنى، لأن معناه الجميع، وكأنه قال نجتمع مستقرين، فهذا لا يستقيم

فإن قال قائل هذا التأويل ليس بالقريب، لأن المعنى كأنه ليس عليه؛ لأنه ليس يريد إنا كل، وإنا فيها، أي جمعنا الأمرين، ولكن المعنى على الصفة، ولا حجة في هذا أن كل نكرة، لأنه يجوز أن يجعل كلا مبتدأ ثانياً وفيها خبره، فيها التقدير إنا كلنا فيها، إن الأمر كله لله فإن قلت واجعل فيها وكل جميعاً الخبر، لأن ذلك كما قال سيبويه في قوله وهذا بعلي شيخ، ومثل حلو حامض فإذا كان كذلك جاز أن يتعلق بالمضمر على حد زيد في الدار، فإذا جاز ذلك لم يكن صفة، وإذا لم يكن صفة لم يكن هذا دليلاً قاطعاً على أن كل نكرة، وإذا لم يكن نكرة لم يجز دخول اللام عليه، فهذا يمكن أن يقال ويجوز أن يكون كل ابتداء، وفيها خبراً، والجملة خبر إن، كقوله إن الأمر كله لله، وكقوله والمؤمنون كل آمن بالله فيمن رفع المؤمنون بالابتداء دون العطف على الرسول في قوله آمن الرسول وهذه آية يتجاذبها، على ما وصف لك سيبويه، وأبو العباس، لأن سيبويه يجيز إدخال لام التعريف على كل، وبه قال الأخفش وقال المبرد لا يجوز، واحتج المبرد بأن كلاً وبعضاً لا يكونان أبداً منفردين، إنما يجيئان مضافين في الابتداء، نحو قولك كل القوم جاءوني، وبعضهم قال كيت وكيت، ولا تقول كل جاءوني إلا أن يكون هذا مبنياً على كلام، كأنه قيل ما جاءك القوم، فقلت كل جاءوني، على تقدير كلهم جاءوني وهذا الحكم في كل وبعض قائم فيهما أبداً، مضافين أو في تقدير الإضافة، وإذا كان كذلك لم يجز إدخال الألف واللام عليهما، لأن الألف واللام والإضافة لا يجتمعان، فثبت أنهما لا يدخلان عليهما، ونحن نقيس البعض والكل على النصف وفي التنزيل وإن كانت واحدة فلها النصف وقد ذكرنا هذه المسألة في الخلاف مستقصى وأما قوله تعالى ولكل جعلنا موالي، فقيل التقدير ولكل مال جعلنا موالي أو ولكل قوم جعلنا موالي والأول الوجه، لقوله مما ترك الوالدان والأقربون، وهو صفة كل، أي ولكل مال مستقر مما تركه الوالدان، أي متروك الوالدين والظرف وصف لكل وزعم أبو إسحاق أن أياً في قولهيا أيها الناس ويا أيها الذين آمنوا ويا أيها الرسول ويا أيها الذين هادوا أن أياً حذف منها المضاف إليه وعوضت ها عما أضيفت إليه قال أبو إسحاق وها لازمة لأي عوض مما حذف منها من الإضافة وزيادة في التنبيه، وأي في غير النداء لا يكون معها ها، ويحذف معها الذكر، نحو اضرب أيهم أفضل، أي أيهم هو أفضل ومذهب سيبويه خلاف ما قال، جعلوا ها فيها بمنزلة يا، وأكدوا بها التنبيه، فمن ثم لم يجز لهم أن يسكتوا على أي، ولزمه التفسير وقوله ومن حيث، أي من حيث ألزموها، فصارا كاستئناف نداءوقال في موضع آخر وأما الألف والهاء اللتان لحقتا أي توكيداً، فكأنك كررت يا مرتين، إذا قلت يا، وصار الاسم بينهما كما صار بين ذا وها، وإذا قلت هاهو ذا، فقوله ذا هذا إشارة إلى أن المقصود بالنداء في هذا الكلام هو الرجل، كما أن المقصود بالإشارة في قولهم هاهو ذا الاسم المبهم دون المضمر، والمضمر قد اعترض بين حرف الإشارة والمشار إليه، كما أن المقصود في النداء في المعنى من قولهم يا أيها الرجل هو الرجل، وإن كان النداء واقعاً في اللفظ على أي، وصار هذا دلالة على هذا المعنى، ولا يلزم أن يعوض أي منها، فحذف الإضافة فيها، لأنها تدل على الإضافة، وإن حذف منها لأنها لا تكون إلا بعضاً لكل، فهي دالة على الإضافة، وكما لم يعوض كذلك، ولا يلزم تعويض أي بل لو عوض بعض وكل لكان أي جديراً ألا يعوض هنا منه لأمرين أحدهما أن النداء موضع حذف وتخفيف، ألا ترى أن فيه نحو الترخيم، وحذف الياآت، ويافل، وما أشبه ذلك والآخر أن الإضافة قد حذفت مما هو أمكن منه ولم تعوض، لدلالة المضاف على الإضافة، فإذا لم يعوض ما هو أمكن منه في الموضع الذي هو أولى بالعوض، كذلك العوض، هذا في الموضع الذي لا تليق به الزيادات للعوض وأيضاً فإن أياً قد حذفت صلتها في غير النداء ولم تعوض من صلتها شيء، مع أن الدلالة على الحذف من الصلة أنقص من الدلالة على حذف المضاف إليه منه، لأنها يعلم منها أن معناها الإضافة كيف كانت موصولة، كالعلم بأنها أبداً مقتضية للإضافة فإذا لم تعوض من حذف صلتها شيء كان ألا تعوض من حذف إضافتها في النداء

وإن قال قائل فإذٍ ليس بمتمكن، وقد عوض إضافتها لما حذفت منها يومئذ وحينئذ وقوله ومن خزي يومئذ، ومن فزع يومئذ، وعذاب يومئذ، فما تنكر أن تعوض أي في النداء إذا حذف المضاف إليه، فإن لم يعوض من بعض وكل قيل له أي أشبه ببعض وكل في اللفظ، والمعنى بحمله عليهما أولى من حملها على إذ على انه لا يلزم إذا عوض إذ أن يعوض أي، لما ذكرنا من دلالتها على المضاف إليه بمعناها ولفظها، ولأنها في موضع حذف، وليست إذ كذلك، ألا تراها أنها لا تدل على إضافة كما تدل أي عليه، وإنما تدل على وقت ماض، ولا تتمكن تمكن أي لأنها تتصرف في وجوه الإعراب، وإذ إنما تمكنت في موضعين هذا أحدهما، وكأنه كره أن يسلب ذلك ولا يعوض منه، وأي أمكن منها وأشد تصرفاً، فلم يلزم العوض منها من حيث لزم في إذ، ولأنهم قالوا اضرب أي أفضل، فحذفوا الصلة منه والإضافة ولم يعوضوا مع حذف شيئين، فلأن لا يعوض في النداء أولى، وقد استقصينا هذا في الخلاف
الرابع والثلاثون
ما جاء في التنزيل من حروف الشرط
دخلت عليه اللام الموطئة للقسم
فمن ذلك قوله تعالىولئن اتبعت أهواءهم، ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون وقوله ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس وقوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله وقوله ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك وقوله لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار وقوله لمن تبعك منهم لأملأن جهنم هذا ونحوه من الآي دخلت اللام على حرف الشرط فيه مؤذنة بأن ما بعدها جواب قسم مضمر، على تقدير والله لئن اتبعت أهواءهم؛ يدل على صحة هذا، وأن الجواب جواب قسم مضمر دون جواب الشرط، ثبات النون في قوله لا يأتون بمثله وقوله لا يخرجون معهم، ولو كان جواب الشرط لم يقل لنذهبن، ولا ليولن ولا إنه ليئوس، ولا إنكم لمشركون، ولا ما تبعوا قبلتك والجواب جواب قسم مضمر دون جواب الشرط، فلا يجوز والله لئن تأتني آتك، وإنما يقال والله لئن تأتني لأتينك وأصل هذا الكلام أن تقول والله لآتينك، ثم بدا له عن الحلف بالبتات فقال والله إن تأتني، فإذا أضمروا القسم دخلت اللام على إن تؤذن بالقسم المضمر الذي ما بعده جوابه، فهذا مساغ هذا الكلام فقول من قال إن الفاء في قوله إنكم لمشركون مضمرة، ذهاب عن الصواب، وكذا إنه ليؤوس كفور، ليست الفاء هناك مضمرة بتة وأما قوله تعالى ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة ففيه وجهان أوجههما أن يكون من بمعنى الذي، واشتراه صلته، ويكون قوله ماله في الآخرة خبر المبتدأ ويجوز أن يكون من شرطاً، واشتراه جزم بمن، ويكون ماله جواب القسم المضمر، على تقدير والله ماله وإنما قلنا إن الأول أوجه، لأنهم قد أجروا علموا في كلامهم مجرى القسم، فتكون اللام التي في لقد جواب القسم، ويكون لمن اشتراه جواب لقد علموا، فيكون هذا قسماً داخلاً على قسم؛ فلا يجوز، ولا يلزم هذا في الوجه الأول فأما قوله وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة، إن جعلت ما بمعنى الذي كانت مبتدأةً، وآتيتكم صلته، والتقدير آتيتكموه، ويكون قوله ثم جاءكم معطوفاً على الصلة، والتقدير ثم جاءكم به، إلى قوله لما معكم، ويكون قوله لتؤمنن به خبر المبتدأ ومن رأى أن الظاهر يقوم مقام المضمر كان قوله لما معكم يغني عن إضمار به ومن قال إن ما شرط، كانت اللام بمنزلتها في لئن، ويكون آتيتكم مجزوماً بما، وما منصوبة به، ويكون قوله ليؤمنن جواب القسم الذي ذكرناه

والوجهان اللذان ذكرناهما في قوله لمن اشتراه جائزان في قوله لمن تبعك منهم لأملأن جهنم وقد جاءت لام لئن محذوفة في التنزيل قال الله تعالى وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا، والتقدير لئن لم ينتهوا، كما ظهرت في قوله لئن لم ينته المنافقون إلى قوله لنغرينك بهم ومثل قوله وإن لم ينتهوا عما يقولون قوله كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية قال أبو علي ويدل أيضاً على أن اعتماد القسم على الفعل الثاني دون الأول في نحو قوله ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك، وما أشبه ذلك، أنه لا يخلو من أن يكون اعتماد القسم على الفعل الثاني، أو على الفعل الأول، والدليل على أنه على الثاني دون الأول حذفهم اللام الأولى في نحو هذا، ألا ترى أنه لو كان اعتماد القسم عليها دون الثانية لما حذفت، كما لم تحذف الثانية في موضع فما جاءت فيه هذه اللام الأولى محذوفة في التنزيل قوله وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن وفي وضع آخر لئن لم ينته المنافقون ثم قال لنغرينك بهم فيدلك حذفهم لها على الاعتماد على الثانية لا عليها فإن قلت ما ننكر أن يكون اعتماد القسم في نحو ذا على اللام الأولى دون الثانية، لأن اللام حذفت كما حذفت من قوله قد أفلح من زكاها، ولا يكون في حذفهم اللام من غير هذا دلالة على أن اعتماد القسم على الفعل الثاني قيل هذا لا يجوز؛ لأن اللام في لقد إنما استحسن حذفها لطول الكلام بما اعترض بين القسم والمقسم عليه ولم يطل في هذا الموضوع كلام فيستجاز حذفها كما استحسن حذفها هناك، فإن هذه اللام بمنزلة إن في قولك والله إن لو فعل لفعلت، تثبتها تارة وتحذفها أخرى، واللام الثانية هي المعتمدة، والأولى زيادة كان سقوطها لا يخل بالكلام، واختص به القسم، كقولهم آثراً ما، وربما، وما أشبه ذلك وأما قوله ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً لظلوا من بعده يكفرون، والتقدير ليظلن، فوضع الماضي موضع المستقبل ولأن جميع ما جاء في التنزيل على هذا الوجه فيما تقدم من الآي، من قوله ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا، وقوله لئن آتانا من فضله لنصدقن، وقوله ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكوناً من الصاغرين، وقوله لئن لم تنته لأرجمنك، وقال لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم
الخامس والثلاثون
ما جاء في التنزيل من التجريد
وهو باب شريف لطيف يعز وجوده في كتبهم، وذلك نحو قولهم لئن لقيت فلاناً لتلقين منه الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر؛ فظاهر هذا أن فيه من نفسه أسداً أو بحراً، وهو عينه هو الأسد والبحر، لا أن هناك شيئاً منفصلاً عنه وممتازاً منه، وعلى هذا يخاطب الإنسان منهم نفسه حتى كأنها تقابله أو تخاطبه، وقد يكون ذلك بحرف الباء ومن وحرف في فمن ذلك، قوله تعالى مالك من الله من ولي ولا نصير، أي مالك الله ولياً؛ وكذا مالك من الله من ولي ولا واق وقال ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، أي كونوا أمة وقال واجعل لنا من لدنك ولياً أي كن لنا ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً، أي كن لنا نصيراً وقال وهو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب، أي لكم هو شراب وقال الله تعالى ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد أي لهم هي دار الخلد ومسألة الكتاب جاء بالباب أما أبوك فلك به أب، أي لك منه أو به، أي بمكانه؛ أي بمكانه أب وقال عز من قائل وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم أي بعذاب ربهم عذاب جهنم ويجوز أن يتعلق الباء بنفس كفروا، فيكون على الأول الظرف معمول الظرف، وعلى الثاني يكون الظرف معمول الظاهروأما قوله تعالى ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون فقد قال أبو علي جعلنا بدلكم ملائكة؛ لأن الإنس لا يكون منهم ملائكة، وقال
كسونا من الربط اليماني ... ملاءً في بنائقها فصول
وإن جعلت من كالتي في قوله ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و
يأبى الظلامة منه النوفل الزفر

كان التقدير ولو نشاء لجعلنا منكم مثل ملائكة، أي فلا تعصون كما لا يعصون، فأجبرناكم على الطاعة وقال أبو علي لك به أب، أي بمكانه، فقولك بمكانه في موضع ظرف والعامل فيه لك وكذلك لهم فيها دار الخلد فيها ظرف، والعامل فيه لك وكذلك لهم فيها دار الخلد فيها ظرف، والعامل فيه لهم ويجوز على قول الشاعر
أفادت بنو مروان قيساً دماءنا ... وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل
أن يكون من قوله لهم فيها دار الخلد مستقراً، ولهم لغواً ألا ترى أن قوله
وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل
لا يكون إلا مستقراً، فإذا صح هذا هاهنا وجب جواز كونه مستقراً في الآية أيضاً، وكما تجعل هذا بمنزلة الظرف كذلك تجعل الجار والمجرور في موضع المفعول من قوله
بنزوة لص بعد ما مر مصعب ... بأشعث لا يفلي ولا هو يقمل
ومصعب بفسه هو الأشعث وقالوا في هذا الدرهم خلف من هذا الدرهم، أي هذا الدرهم خلف وكذلك لهم فيها دار الخلد أي لهم النار دار الخلد، وقال
أخو رغائب يعطيها ويسألها ... يأبى الظلامة منه النوفل الزفر
فأخو رغائب هو النوفل الزفر، فقال منه النوفل، وهو هو قال عثمان في قوله
وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل
في هذا غاية البيان والكشف، ألا ترى أنه لا يجوز أن يعتقد أن الله تعالى ظرف لشيء ولا متضمن له، فهو إذاً على حذف المضاف، أي عدل الله حكم ومثله فاسأل به خبيراً أي اسأل الله خبيراً
السادس والثلاثون
ما جاء في التنزيل من الحروف الزائدة
في تقدير وهي غير زائدة في تقدير آخر
فمن ذلك قوله تعالى فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، إن شئت كان التقدير فإن آمنوا مثل ما آمنتم به، فتكون الباء زائدة وإن شئت كان التقدير فإن آمنوا بمثل ما آمنتم والوجه الأول أحسن ومثله أو كالذي مر على قرية، إن شئت كان التقدير ألم تر إلى الذي حاج، وإلى الذي مر، وتكون الكاف زائدة وقد تقدم فيه وجه آخر ومن ذلك قوله تعالى وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة إن شئت كانت الباء زائدة، أي لا تلقوا أيديكم، وعبر بالأيدي عن الذوات وإن شئت كان التقدير ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم، وألقى فعل متعد، بدليل قوله وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم قال أبو علي الباء الجارة للأسماء تجيء على ضربين أحدهما أن تكون زائدة والآخر أن تكون غير زائدة والزائدة تلحق شيئين أحدهما جزء من الجملة والآخر فضلة عن الجملة، أو ما هو مشبه بها فأما الجزء من الجملة فثلاثة أشياء مبتدأ، وخبر مبتدأ، وفاعل مبني على فعله الأول، أو على مفعول بني على فعله الأول من ذلك، وهو دخولها على المبتدأ زائدة ففي موضع واحد في الإيجاب، وهو قولهم بحسبك أن تفعل الخير، ومعناه حسبك فعل الخير، فالجار مع المجرور في موضع رفع بالابتداء، ولا نعلم مبتدأ دخل عليه حرف الجر في الإيجاب غير هذا الحرف فأما غير الإيجاب فقد دخل الجار غير الباء عليه، وذلك نحو قوله هل من رجل في الدار؟ وقال هل لك من حاجة، وقال هل من خالق غير الله فأما قوله فهل لنا من شفعاء فيشفعوا فمن رفع ما بعد الظرف بالابتداء كان قوله هل من خالق غير الله كذلك، ومن رفعه بالظرف كان في موضع الرفع بالفعل كما يرتفع بالظرف، كقوله أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، وقوله أن ينزل عليكم من خير من ربكم أما الثاني دخولها على خبر المبتدأ في موضع، في قول أبي الحسن الأخفش، وهو قوله جزاء سيئة بمثلها، زعم أن المعنى جزاء سيئة مثلها، وكأنه استدل على ذلك بالآية الأخرى وهو قوله وجزاء سيئة سيئة مثلها ومما يدلك على جواز ذلك أن ما يدخل على المبتدأ قد تدخل على خبره لام الابتداء التي دخلت على خبر المبتدأ، في قول بعضهم إن زيداً وجهه لحسن وقد جاء في الشعر
أم الحليس لعجوز شهربه
والذي أجازه أبو الحسن أقوى من هذا في القياس، وذلك أن خبر المبتدأ يشبه الفاعل من حيث لم يكن مستقلاً بالمبتدأ، كما كان الفعل مستقلاً بالفاعل، وقد دخلت على الفاعل فيما تدخله بعد، فكذلك يجوز دخولها على الخبر وقد تحتمل الآية وجهين غير ما ذكر أبو الحسن

أحدهما أن تكون الباء مع ما قبلها في موضع الخبر، وتكون متعلقة بمحذوف، كما يقال ثوب بدرهم، ولا يمتنع هذا من حيث قبح الابتداء بالنكرة، لمعنى العموم فيه وحصول الفائدة به والآخر أن تكون الباء من صلة المصدر وتضمر الخبر لأنك تقول جزيتك بكذا، فيكون التقدير جزاء سيئة بمثلها واقع، أو كائن الثالث دخولها على الفاعل المبني على فعله، وذلك في موضعين أحدهما قوله وكفى بالله والأخر قولهم في التعجب أكرم به فالدلالة على زيادتها أن قولهم كفى بالله وكفى الله واحد، وأن الفعل لم يسند إلى فاعل غير المجرور وفي التنزيل وكفى بالله شهيداً، وكفى بالله حسيباً، وكفى بجهنم سعيراً، والتقدير في كل هذا كفاك الله شهيداً، وكفاك الله حسيباً، وكفت جهنم سعيراً؛ وكذلك وكفى بنا حاسبين، أي كفيناك حاسبين قال الشاعر
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
وتقول مررت برجل كفاك به، وبرجلين كفاك بهما، وبرجال كفاك بهم، فتفرد الفعل لأن الفاعلين بعد الباء، وإن لم تلحق الباء قلت مررت برجال كفاك من رجل، وبرجلين كفياك من رجلين، ورجال كفوك من رجال وأما الدلالة على زيادتها في قولهم أكرم به، وقوله أسمع بهم وأبصر، فهي أن الفعل لا يخلو من أن يكون للمخاطب أو الغائب، فلو كان للمخاطب لثني فيه الفاعل تثنيته للمخاطب وجمع بجمعه وأنث لتأنيثه، فلما أفرد في جميع الأحوال ولم يعتبر به الخطاب علم أنه ليس لمخاطب، وإذا لم يكن له ثبت أنه للغائب ويدل على ذلك أيضاً أن المعنى إنما هو على الإخبار عن المخاطب، ألا ترى أن قولهم أكرم به، يراد به أنه قد كرم، وإنما دخلت الهمزة على حد ما دخلت في قولهم أجرب الرجل، وأقطف، وأعرب، وألأم، وأعسر، وأيسر، إذا صار صاحب هذه الأشياء، وكذلك أكرم معناه صار ذا كرم، وأسمع بهم وأبصر صاروا ذوي بصر وسمع، خلاف من قال تعالى فيه ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى فإن قلت كيف جاء على لفظ الأمر؟ قيل كما جاء قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً، والمعنى فمد له الرحمن مدا والموضوع الآخر من الموضعين الذي لحقت الباء بهما زائدة، وهو أن يكون فضلة عن الجملة، أو مشبهاً بها، فالمشبه كقوله ألست بربكم وما هو بمزحزحه وما أنتم بمؤمنين، وقوله ليسوا بها كافرين فالباء الأولى متعلقة باسم الفاعل والثانية التي تصحب ليس قال وما هم منها بمخرجين والآخر زيادتها في المفعول، كقوله ولا تلقوا بأيديكم فأما قوله تعالى وهزي إليك بجذع النخلة، فقد قيل الباء زيادة وقد قيل التقدير بهز جذع النخلة ومن ذلك قوله تنبت بالدهن، أي تنبت الثمرة بالدهن، فحذف المفعول، فيكون الباء حالاً وقيل التقدير تنبت الدهن، والباء زائدة وأما قوله تعالى بأيكم المفتون، فقد قيل الباء زائدة، والتقدير أيكم المفتون وقد قيل المفتون بمعنى الفتنة، أي بأيكم الفتنة، كما يقال ليس له معقول، أي عقل فأما قوله تعالى وجزاء سيئة بمثلها، أي جزاء سيئة مثلها، لقوله في الأخرى جزاء سيئة سيئة مثلها وأما قوله تعالى عيناً يشرب بها فالباء زائدة وقيل بل هي بمعنى من وقيل بل هي محمول على المعنى، أي يروى بها وينتفع وقيل شربت بالعين، حقيقة، و من العين، والعين، مجازاً، لأن العين اسم للموضع الذي ينبع منه الماء، فهو كقولك شربت بمكان كذا، ولهذا يقال ماء العين، وماء السبيل، ثم توسع واجتزئ باسم العين عن الماء، لما كان لا يسمى المكان عيناً إلا ينبوع الماء منه فأما قوله عيناً فالتقدير ماء عين، أي يشربون من كأس موصوفة بهذا ماء عين وقيل بل عين بدل من كافور، لأن كافور اسم عين في الجنة وقيل هو نصب على المدح ومن زيادة الباء قوله ألم يعلم بأن الله يرى ةالتقدير ألم يعلم أن الله يرى، لقوله ويعلمون أن الله ومن ذلك قوله ومن يرد فيه بإلحاد بظلم، وقال تلقون إليهم بالمودة، ومثله اقرأ باسم ربك أي اقرأ اسم ربك، لقوله فإذا قرأناه ومن ذلك قوله تعالى أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر، فالباء في بقادر، زائدة، لأنه خبر أن وجاءت زيادتها للحاق النفي أول الكلام وأما قوله ليس كمثله شيء فالكاف زائدة، والتقدير ليس مثله شيء، لأن حمله على الظاهر يوجب إثبات المثل وقيل الباء بمعنى الصفة، أي ليس كصاحب صفته شيء، وصاحب صفته هو هو

وقيل بل المثل زيادة وقد تزاد من في النفي بلا خلاف، نحو قوله ما لكم من إله غيره أي مالكم إله، وكقوله هل من خالق غير الله، وقوله وما من إله إلا الله، وما من إله إلا إله واحد فأما زيادتها في الواجب فلا يجوز عند سيبويه، وهو جائز عند الأخفش، وقد تقدم ذلك فيما مضى، كقوله تعالى فكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً و فكلوا مما أمسكن عليكم وقد تقدم ذلك وقد تزاد الفاء، كقوله لا تحسبن الذين يفرحون إلى قوله فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب، فالفاء زائدة وقد تزاد اللام أيضاً، كقوله للذين هم لربهم يرهبون، وقوله إن كنتم للرؤيا تعبرون، وقوله ردف لكم بعض الذي تستعجلون وقوله وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، وقد تقدم وقد تزاد الواو، قال الفراء في قوله تعالى حتى إذا فتحت يأجوج، جوابه قوله واقترب الوعد الحق، الواو مقحمة وقال فلما أسلمنا وتله للجبين، الواو زائدة أي تله وقال إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت، الواو مقحمة وعندنا أن أجوبة هذه الأشياء مضمرة، وقد تقدم
السابع والثلاثون
ما جاء في التنزيل من التقديم والتأخير
وغير ذلك
فمن ذلك قوله تعالى كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم، قيل الكاف تتعلق بقوله ولأتم نعمتي عليكم وقيل بل هو متعلق بقوله فاذكروني، أي اذكروني كما أرسلنا فيكم ومثله قوله ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب قال أبو علي كما متعلق ب فليكتب، بمنزلة فامرر ولا تحمل على أن يكتب كما علمه الله فأما قوله وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً يجوز أن يكون الوقوف على خاشعين واللام من صلة يشترون، أي لأجل الله لا يشترون و يجوز أن يكون وما أنزل إليهم تماماً، ويكون التقدير لا يشترون بآيات الله خاشعين لله، فيكون حالاً مقدماً ومثله في التقديم قوله يسبحون الليل قال أحمد بن موسى والنهار لا يفترون، أي لا يفترون النهار، فهو في نية التقديم ومن ذلك قوله تعالى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، أي لا تؤمنوا أن يؤتي أحد إلا لمن تبع دينكم، فأن يؤتي مفعول لا تؤمنوا وقدم المستثنى فدل على جواز ما قدم إلا زيداً أحد ومن ذلك قوله تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه، وقال لا ينفع نفساً إيمانها، فالمفعول مقدم على الفاعل، ووجب تقديمه هاهنا، لأن تأخيره يوجب إضماراً قبل الذكر ومن ذلك فأوجس في نفسه خيفة موسى أي أوجس موسى في نفسه، فقدم الكناية على المكنى عليه، كما كان في نية التأخير، فدل على جواز ضرب غلامه زيد ومن ذلك قوله ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر التقدير ليغفر لنا خطايانا من السحر ولم يكرهنا عليه، فيمن قال إن ما نافية ومن ذلك قوله تعالى خشعاً أبصارهم يخرجون من الأجداث هذا كقولهم راكباً جاء زيد، والتقدير يخرجون من الأجداث خشعاً أبصارهم ومن ذلك قوله في البقرة ومما رزقناهم ينفقون، أي يقيمون الصلاة وينفقون مما رزقناهم؛ ففصل بين الواو والفعل بالظرف ومثله فبشرناها بإسحاق ويعقوب ومن وراء إسحاق يعقوب، فيمن فتح الباء، أي بشرناها بإسحاق ويعقوب من وراء إسحاق، ففصل بين الواو والاسم بالظرف وقد تقدم هذا في غير موضع وحمله قوم على إضمار فعل، وآخرون على إضمار الجار والمجرور ومن ذلك قوله تعالى ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى، أي كتاب موسى من قبله، ففصل بين الواو وبين ما عطف به عليه على شاهد بالظرف نظيره في الأحقاف قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله إلى قوله ومن قبله كتاب موسى كتاب معطوف على قوله شاهد، أي وشهد شاهد وكتاب موسى من قبله وكذلك قوله ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة، أي وأمة مسلمة لك من ذريتنا ومثله خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن، أي ومثلهن من الأرض

والذي نص عليه في الكتاب أن الفصل بين الواو والمعطوف بالظرف وغيره، إنما يقبح إذا كان المعطوف مجروراً، ولم يذكر في المنصوب والمرفوع شيئاً وقال أبو علي قياس المرفوع والمنصوب كقياس المجرور، قال لأن الواو نابت عن العامل وليس بعامل في الحقيقة، فلا تتصرف فيه كما لا تصرف في معمول عشرين، لما كان فرعاً على باب ضاربين وحمل هذه الآي على إضمار فعل آخر فقال التقدير في قوله ومن الأرض مثلهن أي وخلق من الأرض مثلهن وقال في قوله ومن ذريتنا أمة مسلمة لك التقدير واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك ولعله يحمل كتاب موسى في الآيتين على الابتداء، والظرف على الخلاف، ولا يحمله على المرفوع الظاهر، وقال لو قلت هذا ضارب زيد أمس وغداً عمرو، امتنع الجر والنصب في عمرو والذي نص عليه سيبويه في باب القسم عند قوله والله لأقومن ثم الله لأقتلن فقال هو رديء خبيث على تقديم الله لأقتلن قال أبو علي وإنما جاء الفصل بين الواو والمنصوب والمرفوع في الشعر دون سعة الكلام وقال قوم في قوله ومن الأرض مثلهن فيمن نصب إنه حال، على تقدير وهو من الأرض مثلهن، أي الخلق من الأرض، أي كان من الأرض مثلهن، فجعل الجار الخبر وأضمر المبتدأ، وفيمن رفع مثلهن أظهر، على تقدير وهو مثلهن من الأرض وقد نبهتك على الأبيات في البيان ومن ذلك قوله تعالى يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة، التقدير عند الفراء يستفتونك في الكلالة قل الله يفتيكم، فأخر ومثله قال آتوني أفرغ عليه قطراً، والتقدير عنده آتوني قطراً أفرغه عليه، فأخر وقال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك، أي خذ إليك، عند الفراء ومثله لكيلا يعلم بعد علم شيئاً في الموضعين، أي لكي لا يعلم شيئاً من بعد علم علماً، أي من بعد علمه، فأخر عند الفراء فأما قوله تعالى والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فقوله بالله يجوز أن يكون من صلة الشهادة، ومن صلة الشهادات، إذا نصب الأربع وقياس من أعمل الثاني أن يكون قوله بالله من صلة شهادات، وحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما تقول بالله من صلة شهادات، وحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما تقول ضربت وضربني، ومن رفع فقال فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله، فإن الجار والمجرور من صلة شهادات، ولا يجوز أن يكون من صلة شهادة، لأنك إن وصلتها بالشهادة فقد فصلت بين الصلة والموصول، ألا ترى أن الخبر الذي هو أربع شهادات بالله يجوز أن يكون من صلة شهادة أحدهم فتكون الجملة التي هي إنه لمن الكاذبين في موضع نصب، لأن الشهادة كالعلم فيتعلق بها إن كان كما يتعلق بالعلم، والجملة في موضع نصب بأنه مفعول به، وأربع شهادات ينتصب انتصاب المصادر ومن رفع أربع شهادات لم يكن قوله لمن الكاذبين إلا من صلة شهادات دون شهادة، كما كان قوله بالله من صلة شهادة ففصلت بين الصلة والموصول ومن ذلك قوله وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً، والتقدير وأنهم ظنوا أن لن يبعث الله أحداً كما ظننتم وقال الله تعالى وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً، أي هزي إليك رطباً تساقط عليك فهذه الآي محمول على الفعل الثاني عندنا، وما يقتضيه الأول مضمر، وهم يحملون الأول دون الثاني ويضمرون الثاني ويفصلون بالثاني بين الأول ومقتضاه ومن التقديم والتأخير فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم، التقدير فلا أقسم بمواقع النجوم، إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون وإنه لقسم لو تعلمون عظيم وفصل بين الصفة والموصوف بالجملة، وهو لو تعلمون، وبين القسم وجوابه بقوله وإنه لقسم ومن ذلك قوله فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون والتقدير وحين تصبحون وعشياً، فأخر واعترض بالجملة ومن التقديم والتأخير قراءة ابن عامر وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم، والتقدير قتل شركائهم أولادهم، فقدم المفعول على المضاف إليه، قالوا وهذا ضرورة ليس بضرورة، لأنه قد كثر عندهم ذلك، وأنشدوا فيه أبياتاً جمة فمن ذلك قوله
كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج
أي كأن أصوات أواخر الميس وقال
هما أخوا في الحرب من لا أخا له
أي هما أخو من لا أخ له في الحرب

وقال
بين ذراعي وجبهة الأسد
أي بين ذراعي الأسد وجبهته وقال
كأن برذون أبا عصام ... زيد حمار دق باللجام
أي برذون زيد يا أبا عصام حمار دق باللجام ومن ذلك ما قاله أبو الحسن في قول الله تعالى من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس أي إنه لراد من شر الوسواس الخناس من الجنة والناس الذي يوسوس في صدور الناس ومنه قوله تعالى اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون، أي اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم وقيل في قوله والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة إن تقديره والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة ثم يعودون قال أبو الحسن المعنى فتحرير رقبة لما قالوا ثم يعودون إلى نسائهم فإن قلت كيف جاز أن تقدر لما قالوا متعلقاً بالمصدر، وهو متقدم قبله؟ قيل لا يمتنع أن يتقدم على وجه التبيين، ليس إنه متعلق بالصلة، ألا ترى قوله
تقول ودقت نحرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس
وقوله
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
لم يجعلوه متعلقاً بجزائي، ولكن جعلوه تبييناً للجلد، وكذلك ما ذكره أبو الحسن وأما التقديم والتأخير الذي قدر، فمثله كثير، ويجوز أن يكون التقدير والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون للقول، والقول في المعنى المقول، كالخلق بمعنى المخلوق، ألا ترى أن الذي يعاد هو الجسم، فلهذا كان الخلق بمعنى المخلوق، في قوله هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده فإن قلت وكيف وقع اللام موقع إلى في قولك عدت إلى كذا فإنه لا يمتنع، ألا ترى أنه قد جاء قل يهدي للحق على أن اللام في قول من يخالف في هذا التأويل بمعنى إلى ومثله فاستمع إلى لما يوحى، أي فاستمع إلى ما يوحى لا بد من ذلك، لا سيما في قراءة الزيات وأنا اخترتك فاستمع، ويكون التقدير فاستمع لأنا اخترناك إلى ما يوحى، ولو لم تحمله على هذا لكان التقدير فاستمع لأنا اخترناك لما يوحى، فتعلق اللامين بقوله فاستمع، وقد قال لا يتعدى فعل بحر في جر متفقين فإن قلت ولم لا تحمل وأنا اخترتك على نودي في قوله نودي يا موسى أني أنا ربك وأنا اخترتك، أي نودي بأني أنا ربك وأنا اخترتك قيل إن اخترناك قراءة حمزة، وهي تقرأ إني أنا ربك، مكسورة الألف، فكيف تحمله عليه وقد ذكرنا ما في هذا البيان والاستدراك ومن ذلك قوله تعالى إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم اضطرب قول أبي علي في هذه الآية، وله كلام في الحجة وكلام في الإغفال وكلام في الحليبات وهو أجمع الثلاثة قال في الحليبات

والقول في أن حرف العطف في قوله وأقرضوا لا يخلو من أن يكون عطفاً على الفعل المقدر في صلة المصدقين أو على غيره إن قوله وأقرضوا الله لا يجوز أن يكون معطوفاً على الفعل المقدر في الموصول الأول، على أن يكون التقدير إن الذين صدقوا وأقرضوا الله، وذلك أنك إذا قدرته هذا التقدير فقد فصلت بين الصلة والموصول بما ليس منهما، وما هو أجنبي، والفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي وما ليس منهما لا يصح، ولذلك لم يجيزوا رأيت القائمين وزيداً إلا عمراً، وهذا النحو من المسائل؛ لأن زيداً معطوف على رأيت، والاستثناء من الصلة من حيث كان المستثنى معمول الفعل الذي فيها، فقد فصلت بينهما بالمعطوف، ولم يجز ذلك كما لم يجز أن يكون وأقرضوا معطوفاً على صدقوا المقدر في الصلة، لفصل المصدقات المعطوف على ما بينهما وإنما لم يجز ذلك لأن العطف على الموصوف وغيره في الأسماء يؤذن بتمامه، ألا ترى أنك لا تعطف على الاسم من قبل أن يتم بجميع أجزائه، فإذا كان العطف يؤذن بالتمام فعطفت ثم أتيت بعد العطف بما هو من تمامه فقد زعمت أنه تام غير تام، فنقضت بذكرك ما بقي من الصلة ما قدمته من حكم التمام بالعطف، وكان مدافعاً غير مستقيم ولا يستقيم أن يكون قوله وأقرضوا الله، في هذه الآية، محمولاً على المقدر في الصلة، كما كان قوله فأثرن به نقعاً على المقدر من قوله فالمغيرات صبحاً فأثرن به نقعاً، لأنك لم تزد في هذا الموضع على أنك عطفت على الموضع ولم تفصل بين الصلة والموصول بأجنبي منهما، كما فصلت بالمعطوف بينهما في الأخرى، والحمل على المعنى في هذا النحو من العطف مستقيم حسن، فإذا لم يجز أن يكون معطوفاً على الصلة لم تحمله على ذلك، ولكن على وجوه أخر، منها أن تجعل العطف اعتراضاً بين الصلة والموصول وإن شئت كملته على أن الخبر غير مذكور وإن شئت جعلت المعطوف والمعطوف عليه بمنزلة الفاعلين وجعلت العطف عليهم وأما حمله على الاعتراض فهو أرجح الوجوه عندي، لأن الاعتراض قد شاع في كلامهم واتسع وكثر، ولم يجر ذلك عندهم مجرى الفصل بين المتصلين بما هو أجنبي منهما، لأن فيه تسديداً وتثبيتاً، فأشبه من أجل ذلك الصفة والتأكيد، فلذلك جاء بين الصلة والموصول في الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر والمفعول وفعله، وغير ذلك فما جاء من ذلك من الصلة والموصول قوله تعالى والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة وكقوله
ذاك الذي وأبيك يعرف مالك ... والحق يدفع ترهات الباطل
فإذا جاء الفصل بين الصلة والموصول بما ذكرنا من الاعتراض فإنه يجوز الفصل بين اسم إن وخبرها بالاعتراض الذي هو قوله وأقرضوا الله قرضاً حسناً أحرى، لأن اتصال الصلة بالموصول أشد من اتصال المبتدأ بالخبر، ألا ترى أنهما يجريان مجرى الاسم الواحد، وأن المبتدأ قد يحذف خبره ولا يستعمل إثباته وقوله يضاعف لهم على هذا التأويل في الآية في موضع رفع بإن خبر المبتدأ ومما جاء من الاعتراض بين الفعل والفاعل قوله
ألا هل أتاها والحوادث جمة ... بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا
فالمبتدأ والخبر اعتراض، والجار والمجرور في موضع رفع بأن فاعل، كما أنهما في كفى بالله كذلك، وإذا جاز في الفعل والفاعل كان المبتدأ والخبر أجوز ومن الاعتراض بين الصفة والموصوف قوله تعالى ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون كما أن قوله لو تعلمون كذلك، والمعنى في لو تعلمون اعلموا، كما تقول لو قمت، أي قم وزعم أبو الحسن أن الماضي في هذا المعنى أكثر من المضارع وإن حملت على أن الخبر غير مذكور ولم تجعل قوله وأقرضوا الله اعتراضاً، ولكن جملة معطوفة على ما تقدم، جاز في قوله والمصدقات أمران

أحدهما أن تكون الواو بمنزلة مع، على أن تكون قد سدت مسد خبر المبتدأ، كما انك لو قلت إن المصدقين مع المصدقات، كان كذلك، ألا ترى أنه لما كان معنى قولك أقائم الزيدان أيقوم الزيدان، استغنيت بالفاعل عن خبر المبتدأ، وإن كان قد ارتفع قائم ارتفاع المبتدأ، فكذلك قولك والمصدقات، وإن كان منتصباً بالعطف على إن، فإنه سد مسد الخبر، فلا يحتاج مع ذلك إلى تقدير خبر، كما لم يحتج إليه في قولك أقائم الزيدان ومثل ذلك قولهم الرجال وأعضادها، والنساء وأعجازها؛ لما كان المعنى كذلك، يدخلان على هذا الحد، فيكون المعنى إنهم معهن في نيل الثواب وارتفاع المنزلة فإذا حملت على ذلك جاز بلا خلاف فيها وقد يجوز أن تضمر لهذا النحو خبراً، فيكون التقدير كل رجل وضيعته مقرونان؛ وعلى هذا تضمر أيضاً في خبر إن في قوله إن المصدقين والمصدقات أي إن المصدقين والمصدقات يفلحون، أو مضاعف لهم، ونحو ذلك مما ذكروا به في التنزيل، ويكون موضع يضاعف نصباً صفةً للقرض وإن شئت جعلته جملة مستأنفة، إلا أنك لم تلحق الواو، أو لالتباس أحدهما بصاحبه، وقوله ولهم أجر كبير مستأنف ومن شاء جعل ما قبله وصفاً، إذ لا تعلق بالموصوف وإن شئت جعلته حالاً من لهم في قوله يضاعف لهم وإن شئت جعلت المعطوف والمعطوف عليه بمنزلة الفاعلين، وجعلت قوله وأقرضوا معطوفاً على ذلك، لأن معنى المصدقين والمصدقات كمعنى إن الناس المصدقين فإذا كان ذلك معناه جاز أن يعطف وأقرضوا عليه كما كان يحوز ذلك لو أبرزت ما هذا المذكور في معناه وموضعه وعلى هذا الوجه حمله أبو الحسن؛ لأنه قال في تفسيرها لو قلت الضاربه أنا، وقمت زيد، كان جائزاً، كأنه يريد إنه كما استقام أن يحمل الضارب على ضرب فتعطف قمت عليه، كذلك يستقيم أن تجعل الفاعلين، فتحمل وأقرضوا عليه، إذ لا يستقيم عطف وأقرضوا على الصلة الأولى، ولأن العطف على المعنى قد جاء في الصلات وغيرها كثيراً، فأفهمه ومن التقديم والتأخير قوله تعالى ذلك جزيناهم ببغيهم، أي جزيناهم ذلك، فقدم المفعول الثاني وقال ذلك جزيناهم بما كفروا، أيجزيناهم ذلك بكفرهم وقال وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها أي مجرميها أكابر وقال وجعلوا لله شركاء الجن، أي الجن شركاء وقال والله يؤتي ملكه من يشاء أي يؤتي من يشاء ملكه وقال تؤتي الملك من تشاء، أي تؤتي من تشاء الملك وأما قوله تعالى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة جاء في التفسير أن قريشاً في الجاهلية كانت تكثر التزوج بغير عدد محصور، فإذا كثر على الواحد منهم مؤن زوجاته وقل ماله مد يده إلى ما عنده من أموال اليتامى، فحل له الأربع وإلى هذا الوجه أشار أبو علي بعدما حكى عن أبي العباس في كتابه في القرآن تعجب الكسائي من كون فانكحوا ما طاب لكم جواباً لقوله وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى قال وقاله أبو عبيد، وليس هذا الجواب، فإنما الجواب في قوله فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، كأنه قال فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة فقال أبو علي جواب إن خفتم الفاء في فواحدة، كأنه في التقدير إن خفتم ألا تقسطوا، إن كثرت عليكم مؤن الزوجات وأحوجتهم إلى مال اليتامى أي فانكحوا واحدة وقوله فانكحوا ما طاب اعتراض بين الشرط والجزاء، مثل قولك إن زيداً - فافهم ما أقول - رجل صدق قال ولما كان الكلام باعتراض الجملة المسددة للشرط كرر الشرط ثانياً، فقيل فإن خفتم ألا تعدلوا وهو قوله وإن خفتم ألا تقسطوا وهذه الجملة متأخرة معنىً، أي في حال الضيق واحدة، وفي السعة أربع والقصة عن عكرمة والشرح لأبي علي قال قوم إنهم كانوا يتوقون أموال اليتامى ولا يتوقون الزنا، فقيل كما خفتم في ذا فخافوا الزنا وأتوا الكلالة عن مجاهد وقيل كانوا يخافون ألا يعدلوا في أموال اليتامى ولا يخافون أن يعدلوا في النساء عن سعيد بن جبير وقيل التقدير ألا تقسطوا في نكاح اليتامى فانكحوا ما حل لكم من غيرهن من النساء عن عائشة وروي عن عروة عن عائشة أنها قالت كان الناس يتزوجون اليتامى ولا يعدلون بينهن، ولم يكن لهن أحد يخاصم عنهن، فنهاهم الله عن ذلك، وقال وإن خفتم

ومن ذلك قوله تعالى ذلك هو الضلال البعيد يدعو لمن ضره أقرب من نفعه ذلك منصوب بيدعو، ويكون ذلك بمعنى الذي والجملة بعده صلة وقال الفراء بل اللام في لمن ضره في نية التأخير، والتقدير من لضره، وهو خطأ، لأن الصلة لا تتقدم على الموصول وقيل إن من ليس في موضع مفعول يدعو، لأنه مكرر من الأول معاد للتوكيد، واكتفى من مفعوله بمفعول الأول، وكرر تفظيعاً للأمر في عبادة الأصنام، وقوله لمن ضره على هذا مبتدأ، وخبره لبئس المولى ووجه ثالث وهو أن يكون يدعو بمعنى يقول كقول القائل ما يدعى فلان فيكم؟ أي ما يقال له؟ وكذلك يدعون عنته، أي يقولون يا عنته، أي يقولون الذي ضره أقرب من نفعه هو إلهنا، ويكون الخبر محذوفاً لدلالة الكلام عليه ووجه رابع وهو أن يكون يدعو من تمام الضلال البعيد، أي يدعوه، ويدعوه في موضع الحال للمبتدأ، والتقدير ذلك هو الضلال البعيد داعياً، أي في حال دعايته إياه ولمن ضره ابتداء، وخبره لبئس المولى ولا يكون لبئس المولى خبراً في قول من يقول إن يدعو بمعنى يقول، لأن المنافق لا يقول إن الصنم والله لبئس المولى وإن قلت إنه لا يقول أيضاً ضره أقرب من نفعه، وإنما يقول غير ذلك، فإن ذلك على اعتقادنا ما فيه من كونه ضاراً، على تقدير أن المنافق يقول الصنم إله، ثم يأخذ في ذمه ومن ذلك قراءة من قرأ أن هذه أمتكم أمة واحدة بالفتح، لأن التقدير ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون، أي فاتقون هذا ومثله وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً المعنى ولأن المساجد لله فلا تدعو وكذلك عند الخليل، لإيلاف قريش كأنه فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش، أي ليقابلوا هذه النعمة بالشكر والعبادة للمنع بها فأما قوله وأن الله ربي وربكم فاعبدوه في سورة مريم، فيجوز أن يكون على هذا فاعبدوه لأنه ربي وربكم ولكن أبا علي حمله على قوله أوصاني بالصلاة والزكاة بأن الله ربي وأما قوله وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه فيكون مثل هذا، والفاء في قوله فاتبعوه مثل الفاء في قوله بزيد فامرر والفاء في قوله الثاني عاطفة جملة على جملة، وعلى القول الأول زيادة وقال الفراء فيمن فتح وأن هذا صراطي إنه محمول على الهاء من قوله ذلكم وصاكم به، أي به وبأن هذا وهكذا قال أيضاً في قوله وأنه تعالى جد ربنا إنه محمول على قوله فآمنا به وبأنه تعالى وقد ذكرنا أن عطف الظاهر على المضمر لا يجوز، وقد جوز في خمس آيات هذا الوجه، فهاتان، وقوله وكفر به والمسجد الحرام وقوله تساءلون به والأرحام فيمن جر؛ وقوله وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له وقد أبطلنا ذلك كله في غير موضع ومن ذلك قوله يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة إلى قوله أو جاء أحدكم من الغائط أو لامستم النساء قال الشافعي في مس أحد الزوجين إنه ينقض وضوء الماس، واحتج بهذه الآية وقال لنا متى حملنا الآية على اللمس باليد صارت الآية حاجة لبيان الطهارتين وبيان أنواع الحدث الأصغر، فإن الآية نزلت في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله - وكانوا عرسوا فالمعنى إذا قمتم إلى الصلاة، أي عن التعريس والنوم، فاغسلوا، فيكون بيان النوم حدثاً وما هو بمعناه مما يوجب استطلاق وكاء الحدث من الإغماء والجنون ثم قال أو جاء أحد منكم من الغائط، وكان بياناً لجميع ما يخرج من المخرج المعتاد دلالة، وكان في الآية تقديم وتأخير، أي إذا قمتم عن النوم، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، أي مسستم باليد، فيكون بيان أن المس حدث، إذ هو سبب اشتهاء، فاغسلوا وجوهكم فإن عدمتم الماء فتيمموا، من غير ذكر أسباب الحدث، لأن البدل يتعلق بما يتعلق به الأصل، فلا يفتقر إلى بيان زائد ومتى لم يجعلوا هكذا كانت الآية ساكتة عن بيان أنواع الحدث وعندنا المراد بالآية الجماع، مجازاً، كما في قوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن،ولأنا أجمعنا أن الجماع مراد، فإن الشافعي أباح التيمم للجنب، وذكر أنه في كتاب الله تعالىإلا هاهنا، فبطل أن تكون الحقيقة، إلا أنه يقول أبحت التيمم للجنب، لأن الله تعالى جعله بدلاً عن الوضوء والاغتسال جملة

وعن ابن عمر وابن مسعود أنهما كانا يحملان الآية على المس باليد، وكانوا لا يبيحون التيمم للجنب، فدل أن تأويل الآية بالإجماع ليس على التقديم والتأخير، ولا يصار إلى التقديم والتأخير إلا بدليل قاطع يمنع من حمله على الظاهر، على ما ذكرناه قبل في هذه الآي وكذلك قوله تعالى بل الله فاعبد، أي فاعبد الله، فقدم المفعول وأما قوله تعالى واتبعوا ما تتلوا الشياطين فهو في نية التقديم و التأخير، والتقدير نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلوا الشياطين، فاتبعوا معطوف على نبذ، وقوله كأنهم لا يعلمون في موضع الحال، أي نبذوه مشابهين الجهال وقوله وما أنزل على الملكين، في ما قولان أحدهما أنه بمعنى الذي، فيكن نصباً عطفاً على السحر على ما تتلو، أو جراً بالعطف على ملك سليمان والثاني أن يكون نفياً بالعطف على قوله وما كفر سليمان أي وما كفر سليمان على الملكين ويقال إن سحرة اليهود زعموا أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان، فأكذبهم الله بذلك، فيكون التقدير وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ببابل هاروت وماروت؛ فعلى هذا اختلفوا فيهما على ثلاثة أقوال الأول أن هاروت وماروت رجلان من سحرة أهل بابل تعلما السحر من الشياطين الثاني أنهما شيطانان من مردة الشياطين خصا بالذكر من بينهم لتمردهما، والسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ودقة أفهامهم، لأن أفعال الحيوان مناسبة وقيل إنهما ملكان من الملائكة أهبطهما الله على صورة الإنس لئلا ينفروا منهما وقيل سبب هبوطهما أن الله تعالى أهبطهما ليأمرا بالدين وينهيا عن السحر، لأن السحر كثر في ذلك الزمان وانتشر واختلف من قال بهذا هل كان للملكين تعليم الناس السحر أم لا؟ على قولين أحدهما أن الملكين كانا يعلمان الناس السحر وينهيان عن فعله، ليكون النهي عنه بعد العلم به، لأن ما لا يعلم أنه سحر لا يمكن الاحتراز منه، كالذي لا يعرف الكفر لا يمكنه الامتناع منه، فيكون التعليم إذاً بالنهي عنه عن علي بن أبي طالب، صلوات الله عليه والثاني أنه لم يكن للملكين تعليم السحر ولا إظهاره للناس، لما في تعليمه من الإغراء بفعله، ولأن السحر قد كان فاشياً، فأهبط الملكان بمجرد النهي قال ابن بحر جملة هذا أن تلا بمعنى كذب يقال تلا أي كذب يقول نبذ هذا الفريق كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا كذب الشياطين على ملك سليمان أنه كان بسحر وموضع ما في قوله وما أنزل على الملكين جر عطف على ملك سليمان أي الشياطين كذبوا عليه وعلى ما أنزل قال ومعنى أنزل على الملكين أنزل معهما وعلى ألسنتهما، كما قال الله تعالى على رسلك، أي على ألسن رسلك ومعهم فلا يجوز أن يكون نصباً عطفاً على السحر لأن الإنزال على الملكين لا يكون إلا من الله تعالى، والله لا يضاف إليه السحر وإنما يضاف إلى الكفرة وأوليائهم من الشياطين، وهما نزلا بالنهي عن السحر، فقالوا نزلا بتعليمه وكان معنى الكلام أن الشياطين يعلمان الناس السحر، وأن الملكين لا يعلمان ذلك أحداً بل ينهيان عنه حتى يبلغ من نهيهما وصدهما عن تعلمه أن يقولا للمتعلم إنما نحن فتنة فلا تكفر، فإن كان من الملائكة فإنما يقولان ذلك للأنبياء، ويقول الأنبياء لسائر البشر، وإن كان من البشر قالا ذلك لكل واحد من البشر؛ وذلك كما يقول الرجل ما أمرت فلاناً بما فعل ولقد بالغت في نهيه حتى قلت له إنك إن فعلت ذلك نالك كذا وكذا ووقع الاختصار بعد قوله وما يعلمان فحذف بل ينهيان، ليستنبطه العلماء بالفكرة فيؤجروا وقال ابن جرير من جعل ما جحداً، والملكين جبريل وميكائيل جعل التقدير لم ينزل السحر إلى سليمان مع جبريل وميكائيل، كما يقول اليهود، وجعل من في قوله ويتعلمون منهما بمعنى المكان والبدل، أي فيتعلمون مكان ما علماه ما يفرقون به بين المرء وزوجه

ومن ذلك قوله ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء إلى قوله وأن تقوموا لليتامى بالقسط ما في موضع الرفع بالعطف على الضمير في يفتيكم، أي يفتيكم الله فيهن، ويفتيكم أيضاً القرآن الذي يتلى عليكم، وفي من قوله في يتامى النساء من صلة يتلى، والمستضعفين جر عطف على يتامى النساء، وأن تقوموا لليتامى بالقسط جر عطف على المستضعفين ويجوز في المستضعفين أن يكون عطفاً على قوله في الكتاب، أي يتلى عليكم في الكتاب وفي حال المستضعفين وجاء في التفسير إنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الأطفال، فلما فرض الله تعالى المواريث في هذه السورة شق ذلك على الناس فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله - عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية و ما كتب لهن يعني الميراث عن ابن عباس وقيل إنهم كانوا لا يؤتون النساء صدقاتهن ويتملكها أولياؤهن، فلما نزل قوله وآتوا النساء صدقاتهن نحلة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله - فأنزل الله هذه الآية وما كتب لهن يعني من صداق قيل إنه وارد في ولي اليتيم، كان لا يتزوجها وإن حلت له، ويعضلها ولا يزوجها طمعاً في مالها، لأنه لا يشاركه الزوج فيه، فنزل ذلك فيه ومعنى ترغبون أن تنكحوهن أي ترغبون عن نكاحهن ومن ذلك قوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة قوله في الحياة الدنيا لا يخلو من تعلقه بحرم، أوبزينة، أو بأخرج، أو بالطيبات، أو بالرزق؛ فجوز تعلقها بحرم، أي حرم ذاك إذ ذاك ومنع من تعلقها بزينة كما يمتنع الضرب الشديد يوم الجمعة، إن علقت اليوم بالضرب، لكون المصدر موصوفاً فإن قلت فقد جاء إذا فرحين، فإن اسم الفاعل ليس كالمصدر، لأن الوصف يؤذن بانقضاء أجزائه، والوصل يؤذن ببقاءه وجوز أن يتعلق بالطيبات وبالرزق وبأخرج فإن قلت فإن أخرج في صلة التي، والطيبات في صفة اللام، والرزق مصدر، فكيف يوصل بهذه الأشياء، وهي للذين آمنوا فاصلة؟ فإنه قد جاء والطلاق عزيمة ثلاثاً، وجزاء سيئة بمثلها، لأنه يسدد الأول ويجوز أن يتعلق بالطيبات، تقديره والمباحات من الرزق ويجوز أن يتعلق بآمنوا الذي هو صلة للذين آمنوا في الحياة الدنيا ثم انظر ما أغفله أبو علي من الفصل بين الصلة والموصول بقوله والطيبات من الرزق، لأن هذا غير معطوف على قوله زينة الله ولا يمكن أبو علي أن يجيب عن هذا الفصل بأنه مما يسدد القصة، وإذا كان العطف على الموصول يتنزل منزلة، صفته في منع تعلق شيء به بعد العطف، فالعطف على ما قبل الموصول أولى بالمنع وأحق، لأن قوله والطيبات منصوب بحرم لا بأخرج، وفي تعلقه بالطيبات نظر، لأن قوله من الرزق بيان للطيبات يتنزل منزلة الحال، وكما يمنع النعت بما قبله فكذلك الحال، إلا أن لأبي علي أن ينحو بهذا البيان نحو التمييز فيتوجه له حينئذ الفرق بينه وبين الحال وجوز في الإغفال تعلقها بآمنوا في الذين، وبمحذوف في موضع الحال، والعامل فيه معنى اللام، فعلى هذا يكون فيه ضمير وعلى الأولين لا ضمير ولا يجوز تقديمه على الذين في الوجهين أعني الحال والتعلق بآمنوا ويجوز في الوجه الآخر التقديم، كما جاز كل يوم لك ثوب؛ وهي مبتدأ واللام خبره، وخالصة أيضاً كحلو حامض، فيمن رفع، و فيمن نصب حال، ولم يجز أن يتعلق بأخرج لأنه فصل به، أعني في الحياة الدنيا بين المبتدأ وخبره، فيمن رفع؛ وبين الحال وذي الحال فيمن نصب، لكون في الحياة الدنيا أجنبية من هذه الأشياء، ثم لم يرتض من نفسه أن يظن به ما يخطر بخاطر من أن هذا ظرف، والظروف يتلعب بها، فذكره حجة لأبي الحسن ومن ذلك قوله تعالى له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله قالوا إن التقدير له معقبات من أمر الله، فيكون من أمر الله معمول الظرف الذي هو قوله له وقيل يحفظونه عند نفسه من أمر الله، ولا راد لأمره ولا مانع لقضائه وقيل إن لا مضمر، أي لا يحفظونه من أمر الله وقيل في المعقبات حراس الأفراد الذين يتعاقبون الحرس عن ابن عباس وقيل إنه ما يتعاقب من الله وقضائه في عباده عن عبد الرحمن ابن زيد وقيل إنهم الملائكة، إذا صعدت ملائكة الليل عقبتها ملائكة النهار، وإذا صعدت ملائكة النهار عقبتها ملائكة الليل عن مجاهد

وقيل في من بين يديه أي من أمامه وورائه وهذا قول من زعم أن المعقبات حراس الأفراد وقيل في الماضي والمستقبل وهذا قول من زعم أن المعقبات ما يتعاقب من أمر الله وقضائه وقيل من هداه وضلالته وهذا قول من زعم أنه الملائكة وقيل يحفظونه من أمر الله، أي من تلك الجهة وقع حفظهم له، أي حفظهم إياه إنما هو من أمر الله، كما يقال هذا من أمر الله عن سعيد بن جبير فإذا حملته على التقديم كان قوله من بين يديه متعلقاً بقوله يحفظونه، والتقدير له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه قال النخعي فيكون الظرف فاصلاً بين الصفة والموصوف، فنظيره إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً، جمع راصد يعني الملائكة يحفظون النبي - صلى الله عليه وعلى آله - من الجن والإنس، وهم أربع ومن ذلك قوله كما أخرجك ربك من بيتك بالحق قيل الكاف من صلة ما قبله وقيل من صلة ما بعده فمن قال هي من صلة ما قبله، قال كما أخرجك أي كما ألزمك الخصال المتقدم ذكرها التي تنال بها الدرجات، ألزمك الجهاد وضمن النصرة لك والعاقبة المحمودة وقيل بل المعنى الأنفال لله والرسول مع مشقتها عليهم، لأنه أصلح لهم، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق مع كراهتهم، لأنه أصلح لهم وقيل هو من صلة ما بعده، والتقدير يجادلونك في الحق متكرهين كما كرهوا إخراجك من بيتك وقيل أن يعمل فيه بالحق، يعني هذا الحق كما أخرجك ربك جائز حسن وقيل التقدير يجادلونك في القتال كما جادلوا في الإخراج ومن قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان، ثم قال ذواتا أفنان فقوله ذواتا صفة لجنتين، أي جنتان ذواتا أفنان و اعترض بينهما بقوله فبأي آلاء ربكما تكذبان وهكذا الآي كلها تتلوها إلى قوله ومن دونهما، كلها صفات لقوله جنتان، والتقدير وله من دونهما جنتان، وما بعدها صفات لجنتان المرتفعة بالظرف وقوله فبأي آلاء ربكما تكذبان اعتراض، ويكون قوله متكئين على رفرف حالاً من المضمرين في قوله ومن دونهما أي ولهم من دونهما، كما أن قوله متكئين على فرش حال من قوله ولمن والتقديم والتأخير كثير في التنزيل ومضى قبل هذا الباب الخبر المقدم على المبتدأ في قوله ولهم عذاب أليم، ولهم عذاب عظيم، ولكم في القصاص حياة، ونحوه كثير وأما قوله الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد، وقد قرئ بالرفع والنصب وجه الرفع في سواء أنه خبر ابتداء مقدم، والمعنى العاكف والبادي فيه سواء، أي ليس أحدهما بأحق منه صاحبه، فاستواء العاكف والبادي، فيه دلالة على أن أرض الحرم لا تملك، ولو ملكت لم يستويا فيه، وصار العاكف فيه أولى بها من البادي بحق ملكه، ولكن سبيلهما سبيل المساجد التي من سبق إليها كان أولى بالمكان لسبقه إليه، وسبيله سبيل المباح الذي من سبق إليه كان أولى به ومن نصب فقال سواء العاكف أعمل المصدر عمل اسم الفاعل، فرفع العاكف به كما يرتفع بمستو، ولو قال مستوياً العاكف فيه والبادي، فرفع العاكف بمستو فكذلك يرفعه بسواء والأكثر الرفع في نحو هذا، وألا يجعل هذا النحو من المصدر بمنزلة الفاعل، ووجهه أن إعماله المصدر قد يقوم مقام اسم الفاعل في الصفة، نحو رجل عدل، فيصير عدل العادل وقد كسر اسم المصدر تكسير اسم الفاعل في نحو قوله
فنواره ميل إلى الشمس زاهر
فلولا أن النور عنده كاسم الفاعل لم يكسر تكسيره، فكذلك قول الأعشى
وكنت لقىً تجري عليه السوائل
ومن أعمل المصدر إعمال اسم الفاعل فقال مررت برجل سواء درهمه؛ وقال مررت برجل سواء هو والعدم؛ كما تقول مستو هو والعدم، فقال سواء العاكف فيه والباد، كما تقول مستوياً العاكف والباد، فهو وجه حسن ويجوز في نصب قوله سواء العاكف فيه وجه آخر وهو أن تنصبه على الحال، فإذا نصبته عليها وجعلت قوله للناس مستقراً، جاز أن يكون حالاً يعمل فيها معنى الفعل، وذو الحال الذكر الذي في المستقر ويجوز أيضاً في الحال أن يكون من الفعل الذي هو جعلناه، فإن جعلتها حالاً من الضمير المتصل بالفعل كان ذو الحال الضمير والعامل فيها، وجواز قوله للناس مستقر، على أن يكون المعنى أنه جعل للناس منسكاً وكتعبداً، فنصب، كما قال وضع للناس

ويدل على جواز كون قوله للناس مستقراً، أنه قد حكى أن بعض القراء قرأ الذي جعلناه للناس العاكف فيه والبادي سواء، فقوله للناس يكون على هذا مستقراً في موضع المشغول الثاني لجعلناه، فكما كان في هذا مستقراً كذلك يكون مستقراً في الوجه الذي تقدمه، ونعني الذي جعلناه للعاكف والبادي سواء أنهما يستويان فيه في الاختصاص بالموضع ومن ذلك قوله تعالى قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه قوله نصفه بدل من الليل، كما تقول ضربت زيداً رأسه، فالمعنى نصف الليل إلا قليلاً، نصفه أو انقص من النصف أو زد عليه وقوله إلا قليلاً يفيد ما أفاده أو انقص منه قليلاً، لكنه أعيد تبعاً لذكر الزيادة؛ خير الله تعالى بين أن يقوم النصف أو يزيد عليه أو ينقص منه وقال الأخفش المعنى أو نصفه أو زد عليه قليلاً، لأن العرب قد تكلم بغير أو، يقولون أعط زيداً درهماً درهمين أو ثلاثة وقال المبرد خطأ لا يجوز، إنما نصفه بدل من الليل، والاستثناء مقدم من النصف ومن ذلك قوله فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا هذا من طرائف العربية، لأن هي ضمير القصة مرفوعة بالابتداء، وأبصار الذين كفروا مبتدأة، وشاخصة خبر مقدم، وهي خبر أيضاً، والجملة تفسير هي، والعامل في إذا قوله شاخصة، ولولا أن إذا ظرف لم يجز تقديم ما في حيز هي عليها، لأن التفسير لا يتقدم على المفسر، ولكن الظرف يلغيه الوهم، وقد جاء ذلك في الشعر في غير الظرف، قال الفرزدق
وليست خراسان الذي كان خالد ... بها أسد إذ كان سيفاً أميرها
والتقدير الذي كان خالد بها سيفاً إذ كان أسداً أميرها ففي كان الثانية ضمير القصة؛ وأسد مبتدأ، وأميرها خبر، والجملة تفسير الضمير الذي في كان، وقدم الأسد على كان الذي في ه الضمير وقالوا يمدح خالد بن عبد الله القسري ويهجو أسداً، وكان أسد واليها بعد خالد، قال وكأنه قال وليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفاً، إذ كان أسد أميرها ففصل بين اسم كان الأول، وهو خالد، وبين خبرها الذي هو سيفاً بقوله بها أسد إذ كان، فهذا واحد وثان أنه قدم بعض ما أضافه إليه، وهو أسد عليها، وفي تقديم المضاف إليه أو شيء منه على المضاف من القبح ما لا خفاء به، فنظير الآية قوله فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم، وقوله إذا مزقتم كل ممزق، وقوله إذا بعثر ما في القبور، ثم قال إن ربهم، فإذا في هذه الأشياء متعلقة بمحذوف دل عليه ما بعد إن والفاء وقيل في البيت إن كان زائدة، فيصير تقديره إذ أسد أميرها، فليس في هذا أكثر من شيء واحد، وهو ما قدمنا ذكره من تقديم ما بعد إذ عليها، وهي مضافة إليها وهذا أشبه من الأول، ألا ترى أنه إنما نفي حال خراسان إذ أسد أميرها؛ لأنه إنما فضل أيامه المنقضية بها على أيام أسد المشاهدة فيها، فلا حاجة به إلى كان، لأنه أمر حاضر مشاهد فأما إذ فمتعلقة بأحد شيئين إما بليس وحدها، وإما بما دلت عليه من غيرها، حتى كأنه قال خالفت خراسان إذ أسد أميرها التي كانت أيام ولاية خالد لها، على حد ما نقول فيما يضمر للظرف، ليتأولها ويصل إليها ومن ذلك قوله إني كفرت بما أشركتموني من قبل، تقدير من قبل أن يكون متعلقاً بكفرت، المعنى أي كفرت من قبل بما أشركتموني ألا ترى أن كفره قبل كفرهم، وإشراكهم إياه فيه بعد ذلك، فإذا كان كذلك علمت أن من قبل لا يصح أن يكون من صلة ما أشركتموني، وإذا لم يصح ذلك ثبت أنه من صلة كفرت ومن ذلك قوله كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به، أي أنزل إليك لتنذر، فأخر اللام المتعلق بالإنزال وقيل فلا يضيق صدرك بأن يكذبوك عن الفراء فيكون اللام متعلقاً بالحرج ومن ذلك قوله وأنفسهم كانوا يظلمون، أي كان يظلمون أنفسهم ومنه وباطل ما كانوا يعلمون، وأهؤلاء إياكم كانوا يعبدون هذا يدل على جواز يقوم كان زيداً، ألا ترى أن أنفسهم منتصب بيظلمون، فإذا جاز تقديم مفعوله جاز تقديمه وجاز وقوعه موقع المعمول فأما قوله وذكرى للمؤمنين ففي موضعه ثلاثة أقوال رفع بالعطف على كتاب، وقيل بل مبتدأ مضمر وإن شئت كان نصباً بتذكر، أي لتنذر فتذكر وإن شئت هو جر باللام، أي لتنذر وللذكرى

وضعفه ابن عيسى فقال باب الجر ضيق لا يتسع فيه الحمل على المعاني وليس الأمر كما قال، لأنا عرفنا أن تعد اللام مضمرة، وكأنه قال للإنذار به وذكرى للمؤمنين، وإذاً جاء كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا، والتقدير وبعد أن شهدوا، لم يكن لنظر أبي الحسن مجال في هذا الباب، وابن من أنت من أبي علي، وكلامك ما تراه من الاختصار والإيجاز فأما قوله تعالى فإذا هم فريقان يختصمون فإن العامل في إذا محذوف، كقولك خرجت فإذا زيد، فبالحضرة زيد، فيكون فريقان بدلاً من هم؛ وإن كان متعلقاً بالمحذوف، فيكون الإخبار عن المبدل منه وقد قال
وكأنه لهق السراة كأنه ... ما حاجبيه معين بسواد
أخبر عن المبدل منه، والإخبار في الآية إذا قدرت قوله فريقان بدلاً من هم كان متعلقاً بمحذوف، كما يكون مع البدل منه فكذلك يجوز أن تجعل قوله فريقان يختصمون الخبر عن هم، فإذا قدرته كذلك أمكن أن تعلق إذا بما في فريقان من معنى الفعل، وإن شئت علقته بالاختصام، و قال يختصمون، على المعنى ويجوز أن تجعل الفريقان الخبر ونجعل يختصمون وصفاً، فإذا قدرته كذلك تعلق إذا بما في الفريقان من معنى الفعل، ولا يجوز أن يتعلق بيختصمون، لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف ألا ترى أنه لم يجز أزيداً أنت رجل تضربه، إذا جعلت تضرب وصفاً وأجاز المازني زيداً أنت رجل تكرمه، على أن يكون تكرمه خبراً ثانياً لأنت لا وصفاً للنكرة ويجوز أن تجعل يختصمون حالاً من هم، وتجعل فريقين بدلاً، فالعامل في الحال الظرف، كقوله فيها زيد قائماً وقال في موضع آخر يختصمون وصف أو حال والحال من أحد الشيئين إما من الضمير في فريقان لأنه منصوب، ألا تراهم قالوا يومئذ يتفرقون، وليس كذا والآخر أن يكون حالاً مما في ذا من معنى الفعل، وذاك إذا جعلته على قولهم حلو حامض، فإنه على هذا التقدير متعلق بمحذوف، فإذا تعلق بالمحذوف كان بمنزلة قولهم في الدار زيد قائماً فإذا لم تجعله على هذا الوجه لم يجز أن ينتصب عنه حال، ألا ترى أنك إذا لم تجعله على قولهم حلو حامض، كان فريقان خبر هم الواقعة بعد إذا، وإذا كان كذلك كان إذا في موضع نصب مما في قوله فريقان من معنى الفعل، فليس في إذا ضمير لتعلقه بالظاهر، فإنما ينصب الحال إذا تعلق بمحذوف خبراً لهم وأما قوله تعالى وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين، يحتمل أن يكون أتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ولعنة يوم القيامة؛ فحذف المضاف، ويجوز أن يكون محمولاً على موضع في هذه الدنيا كما قال
إذا ما تلاقينا من اليوم أوغد
ويشهد لذلك، والوجه الذي قبله، قوله تعالى في آية أخرى لعنوا في الدنيا والآخرة، وقوله وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود، ويكون قوله هم من المقبوحين جملة استغنى بها عن حرف العطف فيها بالذكر الذي تضمنت مما في الأولى، كما استغنى عنه بذلك في قوله تعالى ثلاثة رابعهم كلبهم ولو كانت الواو لكان ذلك حسناً، كما قال ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ويجوز أن يكون العامل فيه من المقبوحين لأن فيه معنى فعل، وإن كان الظرف متقدماً، كما أجاز كل يوم لك ثوب ويجوز أن يكون العامل فيه مضمراً يدل عليه قوله من المقبوحين لقوله يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين وأما قوله الملك يومئذ الحق للرحمن فيكون يومئذ من صلة المصدر، كما كان في التي قبلها، يعني في قوله والوزن يومئذ الحق، والحق صفة والظرف الخبر، ويجوز أن يكون يومئذ معمول الظرف، ولا يتقدم عليه ولا يتصل على هذا بالمصدر وأما قوله والوزن يومئذ الحق، إن جعلت الظرف من صلة المصدر جاز أن تنصبه نصب المفعول به، كقولك الوزن الدراهم حق، ويكون الحق على هذا خبر المبتدأ وإن جعلت يومئذ خبر المصدر، لأن الوزن حدث، فيكون ظرف الزمان خبراً عنه تعلق بمحذوف، جاز أن ينتصب انتصاب الظرف دون المفعول به، ألا ترى أن المفعول به لا تعمل فيه المعاني، ويكون الحق على هذا صفة للوزن، ويجوز أن يكون بدلاً من الذكر المرفوع الذي في الخبر

وأما قوله يوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون فهو متعلق بمحذوف، ألا ترى أنه ليس في هذا الكلام فعل ظاهر يجوز أن يتعلق الظرف به، فإذا كان كذلك تعلق بما دل عليه قوله فهم يوزعون كما أن قوله، أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون الظرف فيه كذلك، وكذلك قوله ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد، لأن الظرف من حيث كان مستقبلاً كان بمنزلة إذا، ومن ثم أجيب بالفاء كما يجاب إذا بها وأما قوله تعالى يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه، فقد تكون مثل التي تقدمت ألا ترى أن قوله وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ماض، كما أن قوله ونجينا الذين آمنوا كذلك، وندعو مستقبل، كما أن يحشر أعداء الله كذلك، فتجعل الظرف بمنزلة إذا كما جعلته ثم بمنزلته، فيصير التقدير يوم ندعو كل أناس بإمامهم لم يظلموا، أو عدل عليهم، ونحوه ومن ذلك قوله فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير، القول فيه إن ذلك إشارة إلى النقر، كأنه قال فذلك النقر يومئذ يوم عسير، أي نقر يوم عسير، فقوله يومئذ، على هذا متعلق بذلك، لأنه في المعنى مصدر وفيه معنى الفعل، فلا يمتنع أن يعمل في الظرف كما عمل في الحال، ويجوز أن يكون يومئذ ظرفاً لقوله يوم، ويكون يومئذ بمنزلة حينئذ، ولا يكون اليوم، الذي يعنى به وضح النهار، ويكون اليوم الموصوف بأنه عسير خلاف الليلة؛ ويكون التقدير فذلك اليوم يوم عسير حينئذ، أي ذلك اليوم يوم في ذلك الحين، فيكون متعلقاً بمحذوف ولا يتعلق بعسير، لأن ما قبل الموصوف لا تعمل فيه الصفة فأما إذا في قوله فإذا نقر في الناقور فالعامل فيه المعنى الذي دل عليه قوله يوم عسير، تقديره إذا نقر في الناقور عسر الأمر فصعب، كما أن لا بشرى يومئذ يدل على يحزنون ومن ذلك قوله تعالى ما ننسخ من آية، وما تنفقوا من خير، وما تفعلوا من خير وما يفتح الله للناس من رحمة، وما أنفقتم من شيء كل هذا ما فيه منصوب بفعل الشرط الذي بعده، والفعل منجزم به ومثله أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى، أيا منصوب بتدعو، وتدعو منجزم به ومنهم من قال إن أيا ينتصب بمضمر دون تدعو، لأن تدعو معموله، فلو نصبه وجب تقدير تقديمه وأما قوله أي منقلب ينقلبون، فالتقدير أي انقلاب ينقلبون، فمنقلب مصدر وأي مضاف إليه، فيصير حكمه حكم المصدر، فيعمل فيه ينقلبون ومن ذلك ما قيل في قوله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة عن ابن بحر إن فيه تقديماً وتأخيراً، والتقدير وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها والله مقلب قلوبهم في حال أقسامهم، وعالم منها بخلاف ما حلفوا عليه؛ إذ هو مقلب القلوب والأبصار، عالم بما في الضمير والظاهر، وما يدريكم أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة، أي قبل الآية التي طلبوها ونذرهم في طغيانهم يعمهون وحمله قوم على أن الكاف بمعنى على، وآخرون على أنه بمعنى من أجل، أي من أجل ما لم يؤمنوا به أول مرة ومن ذلك قوله لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون، أي ثبتت لهم دار السلام جزاء لعملهم، وهو أحسن من أن تعلقه بقوله وليهم، إنما يجازيهم بعملهم الجنة ومثله أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون ومن ذلك قوله الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيماً، أي على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً، ففصل وقدم وأخر ويجوز أن يكون الواو واو الحال، فيكون قيماً حالاً بعد حال ومن ذلك قوله تعالى أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، يكون التقدير على قرية على عروشها، فيكون بدلاً، ويكون وهي خاوية بمعنى خالية، والجملة تسدد الأول وأما قوله تعالى وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين، التقدير فمهما يكن من شيء فسلام لك من أصحاب اليمين إن كان من أصحاب اليمين، فقوله إن كان من أصحاب اليمين مقدم في المعنى، لأنه لما حذف الفعل وكانت تلي الفاء أما قدم الشرط وفصل بين الفاء وأما به، وعلى هذا جميع ما جاء في التنزيل ومن ذلك قوله فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً روي عن حمزة الزيات أنه قال في التفسير فكيف تتقون يوماً يجعل الولدان شيباً إن كفرتم

قال أبو علي أي كيف تتقون عذابه أو جزاءه، فاليوم على هذا اسم لا ظرف؛ وكذلك واتقوا يوماً يجعل الولدان شيباً، إن اليوم محمول على الاتقاء وقد قيل إنه على إن كفرتم يوماً فهذا تقديره كفرتم بيوم، فحذف الحرف وأوصل الفعل وليس بظرف، لأن الكفر لا يكون يومئذ، لارتفاع الشبه لما يشاهد وقال الله تعالى وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلى قوله لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً قيل الاستثناء من قوله أذاعوا به فهو في نية التقديم وقيل هو من قوله لعلمه الذين يستنبطونه، ولولا وجوابه اعتراض وقيل بل هو مما يليه ويعني به زيد بن عمرو بن نفيل، يبعث وحده ومنه قوله تعالى فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض إن نصبت أربعين بيتيهون كان من هذا الباب، وهو الصحيح وقيل بل هو متعلق بمحرمة والتحريم كان على التأبيد ومن ذلك فجزاء مثل ما قتل من النعم فيمن رفع المثل أنه صفة للجزاء، والمعنى فعليه جزاء من النعم يماثل المقتول، والتقدير فعليه جزاء وفاء اللازم له، أو فالواجب عليه جزاء من النعم مماثل ما قتل من الصيد فمن النعم على هذه القراءة صفة للنكرة التي هي جزاء وفيه ذكره، ويكون مثل صفة للجزاء، لأن المعنى عليه جزاء مماثل للمقتول من الصيد من النعم، والمماثلة في القيمة أو الخلقة، على حسب اختلاف الفقهاء في ذلك ولا يجوز أن يكون قوله من النعم على هذا متعلقاً في المصدر، كما جاز أن يكون الجار متعلقاً به في قوله جزاء سيئة بمثلها، لأنك قد وصفت الموصول، وإذا وصفته لم يجز أن تعلق به بعد الوصف شيئاً كالعطف في التأكيد وقيل قوله من النعم من صلة ما قتل وليس بوصف للجزاء وقيل هو من صلة يحكم وإن تقدم عليه؛ والجزاء يقوم في أقرب المواضع إلى القاتل عند أبي حنيفة، وعند الشافعي الجزاء من النظير، ولو كان من النظير لم يقل يحكم به ذوا عدل منكم ولم يعطف عليه أو كفارة طعام مسكين، لأن ذلك إلى الحكمين، والنظير لا يحتاج فيه إلى ذلك وأما قوله تعالى إني لكما لمن الناصحين، وأنا على ذلكم من الشاهدين، و وكانوا فيه من الزاهدين فتبيين للظاهر وليس بصلة، لأنه لا تتقدم الصلة على الموصول ومن ذلك قوله ولا تطرد الذين يدعون ربهم إلى قوله فتطردهم فتكون من الظالمين، فتطردهم جواب النفي في قوله ما عليك من حسابهم من شيء، وقوله فتكون جواب النفي في نية التقديم ومن ذلك قوله فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب إلى قوله ودرسوا ما فيه، فقوله درسوا عطف على ورثوا، وكلتا الجملتين صفة لقوله خلف وقوله ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب اعتراض بين الفعلين اللذين هما صفة خلف ومن ذلك قوله زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه إلى قوله ولتصغى والآية بينهما اعتراض ومن ذلك قوله ليذوق وبال أمره، اللام متعلق بقوله فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً، أي يحكم به ليذوق وبال أمره فيكون قوله هدياً حالاً من الهاء المجرور بالباء، وقوله أو كفارة عطف على جزاء، وطعام بدل منه، أو عدل ذلك عطف على كفارة والتقدير فجزاء مثل ما قتل من النعم، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياماً يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة ليذوق وبال أمره ومن ذلك قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور يوم ظرف لقوله له، ويجوز أيضاً أن يتعلق بالمصدر الذي هو الملك فيكون مفعولاً به، كأنه يملك ذلك اليوم، كما قال مالك يوم الدين وقوله عالم الغيب فيمن جر، وهي رواية عن أبي عمرو، نعت لقوله وأمرنا لنسلم لرب العالمين ومن رفع عالم فهو رفع بفعل مضمر، أي ينفخ فيه عالم الغيب، كقوله رجال بعد قوله يسبح ومن ذلك قوله وأخرى لم تقدروا عليها نصب عطف على قوله وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها، تقديره ومغانم أخرى؛ نظيره وأخرى تحبونها والتقدير على تجارة تنجيكم وتجارة أخرى وإن شئت كان التقدير ولكم تجارة أخرى تحبونها ثم قال نصر من اله أي هي نصر ومن ذلك قوله فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم قال معمر التقدير وجاءتهم رسلهم بالبينات من العلم ومن ذلك قوله وهو الذي كف أيديهم عنكم إلى قوله ليدخل الله في رحمته قال أبو الحسن اللام من صلة كف

ولو قال متعلق بمضمر دل عليه كف لم يكن فصلاً بين الصلة والموصول وكان أحسن ومن ذلك قوله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله قال أبو علي الظرفان صفة للنكرة متعلقان بمحذوف، والشهادة من الله هي شهادة يحملونها ليشهدوا بها، كما قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين، فإنه يجوز أن يكون التقدير إن أحوالهم ظاهرة وإن كتموها، كما قال ولا يخفى على الله منهم شيء، فإذا لم يتعلق بكتم تعلق بالشهادة، وتعلقه به على وجوه فإن جعلت قوله عنده صفة للشهادة لم يجز أن يكون من الله متعلقاً بشهادة، لأنه فصل بين الصلة والموصول، منا أنك لو عطفت عليه كان كذلك ويجوز أن تنصب عنده لتعلقه بشهادة، فإذا فعلت ذلك لم يتعلق به من الله لأنه لا يتعلق به ظرفان وإن جعلت عنده صفة أمكن من الله حالاً عما في عنده، فإذا كان كذلك وجب أن يتعلق بمحذوف في الأصل، والضمير العائد إلى ذي الحال هو في الظرف الذي هو من الله ويجوز أن تجعل الظرفين جميعاً صفة للشهادة وقيل في قوله لابثين فيها أحقاباً لا يذوقون تقديره لا يذوقون أحقاباً، فهو ظرف للايذوقون، وليس بظرف للابثين، إذ ليس تحديداً لهم، لأنهم يلبثون غير ذلك من المدد، فهو تحديد لذوق الحميم والغساق ومن ذلك قوله وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم عند الأخفش على تقدير وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغياً بينهم ولا يلزم قول ابن جرير، لأن من في قوله من بعد يتعلق بما اختلف لا المصدر، والفصل بين المفعول له والمصدر، لأن المفعول له علة للفعل، والمصدر اختلف فيه الأصحاب بيض الموضع أبو علي في الكتاب ومن ذلك قوله يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه إلى قوله والمسجد الحرام جر المسجد عندنا محمول على الشهر، والتقدير يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والشهر الحرام، لأن القتال كان حقه عند المسجد وقوم يحملونه على الباء في قوله كفر به، والمضمر المجرور لا يحمل عليه المظهر حتى يعاد الجار المعنى على هذا للقول أو حرمنا عليهم شحومهما، أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم، إلا ما حملت ظهورهما فإنه غير محرم، ودخلت أو على طريق الإباحة ومن ذلك قوله ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم قال مجاهد فيه تقديم وتأخير، والتقدير لآتينهم من بين أيديهم وعن أيمانهم حيث ينظرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم من حيث لا ينظرون وقال أبو علي أي أسول لهم تسويلاً وأغويهم إغواء أكون به كالغالب لهم المستولي عليهم، لأن من أوتي من هذه الجهات فقد أحيط به، ومن أحيط به فقد استولى عليه وقيل من بين أيديهم أشككهم في أخراهم، ومن خلفهم أرغبهم في دنياهم، وعن أيمانهم، أي من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم من قبل سيئاتهم عن ابن عباس ويقال لم دخلت من في الخلف والقدام، وعن في اليمين والشمائل؟ والجواب لأن في الخلف والقدام معنى طلب النهاية، وفي اليمين والشمال الانحراف قال أبو عيسى لم يقل من فوقهم، لأن رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم؛ ولم يقل من تحت أرجلهم، لأن الإتيان منه موحش ومن ذلك قوله فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم قال ابن عباس في الآية تقديم وتأخير، والتقدير لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، وإن كان موجزاً في اللفظ وقيل هو على حذف المضاف، أي يعذبهم بمصائبها التي تصيبهم؛ وقيل بزكاتها؛ وقيل بغنيمتها وسبي الأولاد، لأنه قيل الهاء للأولاد، لقوله انفضوا إليها وقيل يعذبهم الله بجمعها والبخل بها ومن ذلك قوله إني أسكنت من ذريتي إلى قوله ليقيموا الصلاة اللام من صلة أسكنت وهو في نية التقديم، والفصل بالنداء غير معتد به وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر فإنه في المعنى في نية التقديم والتأخير، والتقدير وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر ولكنه يمنع من ذلك شيء، وهو من قبل لأنه لا يعمل فيما بعده إذا تم الكلام قبله، ولكنه يحمله على مضمر دل عليه الظاهر، أي أرسلناهم بالبينات ومن ذلك قوله تعالى يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده، جوز إما أن يكون يوم نطوي منصوباً بنعيده، أو بدل من الهاء في كنتم توعدون، ولم يجز أن يكون منصوباً بهذا يومكم كقوله

وأما قوله لولا أن من الله علينا أولى من أن الفعل من غير فصل، وليس هذا كقوله وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، لأن ليس ليست لها قوة الفعل، ولكنه يكون لا المركبة مع لو عوضاً من الفصل، وإن تقدمت، كما كان عوضاً من التوكيد في قوله ما أشركنا ولا أباؤنا، وإن كانت بعد حرف العطف زائدة عن موضع التوكيد في الحاشية قال عثمان راجعته في هذا فقلت ولم جعلت أن مخففة من الثقيلة، وما أنكرت أن تكون هي الخفيفة الناصبة للفعل؟ فتفكر ملياً ثم جوزه ومن التقديم والتأخير قول الكوفيين نعم زيد رجلاً واستدلوا بحسن أولئك فريقاً قال وقد يكون التقدير على غير ما قالوا، لأن نعم غير متصرف ومن ذلك حم والكتاب المبين إلى قوله إنا كنا منذرين، هو جواب القسم فأما قوله إنا أنزلناه اعتراض ليس بجواب، لأنه صفة القرآن، وليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه، فهو معترض بين القسم وجوابه ومن ذلك قول الفراء في قوله فحاسبناها حسابا ًشديداً وعذبناها عذاباً نكراً قال وعذبناها في الدنيا وحاسبناها في الآخرة وأما قوله وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فإن الجار يجوز تعلقه بشيئين بالأخذ والعزة؛ فإن علقته بالأخذ كان المعنى أخذه بما يؤثم، أي أخذه بما يكسبه ذلك والمعنى، أنه للعزة يرتكب ما لا ينبغي أن يرتكبه بما يؤثمه وكأن العزة حملته على ذلك وقلة الخشوع وقد يكون المعنى الاعتزاز بالإثم، أي مما يعتز بإثمه فيبعده مما يرضاه الله ومن ذلك قوله ولقد علموا لمن اشتراه قال أبو الحسن عني به الشياطين وقوله لو كانوا يعلمون، عني به الناس الطبري هذا المخالف لقول جميع أهل التأويل، لأنهم مجمعون أن قوله ولقد علموا يعني به اليهود دون الشياطين، وهو خلاف ما دل عليه التنزيل، لأن الآيات قبل قوله وبعد قوله لو كانوا يعلمون جاءت بذم اليهود، فقوله لمن اشتراه مثله، ومعناه التقديم، والتقدير وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم و لبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق وقال بعضهم نفي عنهم العلم بعد أن أثبته لهم؛ لأنهم علموا ولم يعلموا تعمل فيما قبلها، ولكنه على أن تجعل المصدر، يعني المفعول، أي المقبوض، والمفعول ينصب ما قبله، وإن لم يعمل المصدر فيما قبله ومثل القبضة القسمة في نحو قوله وإذا حضر القسمة أولو القربى، لقوله فارزقوهم منه، أي من المقسوم، لأن الرزق لا يكون القسمة هذا كلامه في هذه الآية وقال في الظرف في قوله وهو الذي في السماء إله إنه متعلق بمعنى إله، كقوله كل يوم لك ثوب، ولك يلتفت إلى معنى إله ذو العبادة، وأن المتعلق بالمضاف إليه لا يتقدم على المضاف ولعله جعله بمعنى مألوه من أن القبض بمعنى المقبوض فإن راجعنا درس الكتاب وحضرتنا نكتة تدفع الفصل أخبرناك بها إن شاء الله وقد بلغ من أمرهم ما هو أشد من هذا، فقالوا لا يجوز زيداً ما ضربت، على تقدير ما ضربت زيداً، لأنه نقيض قولهم إن زيداً قائم فتقول ما زيد قائم، ألا ترى أن ما يكون جواباً للقسم في النفي كما يكون جواباً في الإيجاب؛ فلما صارت بمنزلة إن لم يعمل ما بعدها فيما قبلها ثم إنهم قالوا في قوله كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ويجوز أن تكون، ما نافية، وقليلاً نصب ب يهجعون، لأنه ظرف، والظرف يكتفى فيه برائحة الفعل، أي ما كانوا يهجعون من الليل فقد حصل من هذا كله أن الحارثي يسوي بين الظرف وبين الاسم المحض؛ فلا يعمل ما بعد إن فيما قبل إن، سواء كان ظرفاً أو اسماً محضاً ، فعلى هذا قوله يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن، لا يتأتى إعمال قوله في شأن في قوله كل يوم على قول الحارثي، وإن كان ظرفاً، لأن الظرف والاسم الصريح عنده سيان، فجاء من هذا أن قوله كل يوم هو في شأن كقولهم زيداً أجله أحرز، فتنصب زيداً بأحرز، للفصل بين المعمول والعامل بالمبتدأ، وهو أجنبي، وكما لا يجوز زيداً أجله أحرز، وجب ألا يجوز كل يوم هو في شأن أن تنصب كل ب في شأن لأنه مثل أجله في المسألة، فلهذا اضطرب كلام الأستاذ وغلامه فيما أنبأناك به والله أعلم وأما قوله وثمود فما أبقى فتحمله على مضمر، أو على قوله أهلك عاداً الأولى، لا تحمله على أبقى

ومثل الآي المتقدم ذكرها يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون لا تحمله على قوله إنا منتقمون لما ذكرنا، وإنما تحمله على مضمر وأما قوله
رأسها ما تقنع
فالنصب على أن يكون مفعول تقنع على هذه القاعدة خطأ، والصحيح رواية من رواه بالرفع على تقدير ورأسها ما تقنعه، فحذف الهاء كقراءة ابن عامر وكلا وعد الله الحسنى أي وعده الله ومن ذلك قوله لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر فبصائر حال من هؤلاء، وقد أخره عن الاستثناء فهشام الممدوح خال هشام الخليفة، وأبو أم الخليفة أبو الممدوح، ف حي اسم ما، ويقاربه صفته، وفصل بين الصفة والموصوف بخبر المبتدأ، وهو أبو أمه مع خبره في موضع النصب ل مملك، وقدم المستثنى وهو مملكاً على المستثنى منه وهو حي، وأنشدوا للقلاخ
وما من فتى كنا من الناس واحداً ... به نبتغي منهم عميدا ًنبادله
قال البياني هذا كلام مستكره، وتلخيصه فما كان أريب فتى، وذلك من شرط المرتبة والفصل بينهما وبين المدح، أعني إدخال كان فيها، فحذفها واكتفى منها بقوله كنا، ومن لغو، كقولك ما رأيت أحداً، وما رأيت من أحد كنا من الناس واحداً، أي كنا نبغي عميداً أو أحداً من الناس نبادله به والمعنى لا أحد أفتى وأسود نتمناه مكانه والقلاخ بن حزن بن جناب العنبري، نصري، عمر عمراً طويلاً في الإسلام، والقلاخ مأخوذ من القلخ، وهو رغاء من البعير فيه غلظ وخشونة، وأحسبه لقباً والله أعلم وله مع معاوية بن أبي سفيان خبر يذكر فيه أنه ولد قبل مولد النبي صلى الله عليه وعلى آله قال عثمان في البيت فيه أشياء في التقديم والتأخير، وذلك أنه أراد فما من الناس فتى كنا نبتغي منهم واحداً عميداً نبادله به ولا يحسن أن يكون واحداً صفة ل عميد من حيث لم يجز أن تقوم الصفة على موصوفها، اللهم إلا أن يعتقد تقديمه عليه، على أن يجعله حالاً منه، فقوله من الناس خبر من فتى، وقد فصل بينهما ببعض صفة الفتى، وهو قوله كنا، ويجوز أن من الناس صفة أيضاً ل فتى على أن يكون خبر فتى محذوفاً أي ما في الوجود أمر في المعلوم أو نحو ذلك فتى من أمره ومن شأنه ويجوز أن يكون نصب واحداً ب ينبغي، وعميداً وصف له، وقدم واحداً وهو مفعول ينبغي عليه، وقدم به وهو متعلقه بقوله نبادله، وهو صفة ل عميد هي ولا يجوز تقديم ما في الصفة على موصوفها، او قلت عندي زيداً رجل ضارب، وأنت تريد عندي ضارب زيداً، لم يجز، وذلك أنه إنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل، والعامل هنا هو الصفة، ومحال تقديمها على موصوفها، فإذا لم يجز ذلك أضمرت للناس مما يتعلق به مما يدل عليه قوله نبادله، هنا بمعنى نبدله، وقع فاعل موقع أفعل، كقولهم عافاه الله، أي أعفاه، وطارت النعل، أي أطرقتها، وجعلت لها طرقاً ويجوز أن يكون به متعلقة ب نبتغي، كقولك طلبت بهذا الثوب مائة درهم، وأردت فيما بعت، نبادله به، فحذفت الثانية لمجيء لفظة الأولى
الثامن والثلاثون
ما جاء في التنزيل من اسم الفاعل
الذي يتوهم فيه جريه على غير من هوله، ولم يبرز فيه الضمير، وربما احتج به الكوفي، ونحن لا نجيز ذلك لأنا نقول أن اسم الفاعل إذا جرى على غير من هوله خبراً أو صفة أو حالاً أو صلة وجب إبراز الضمير فيه
فمن ذلك قوله تعالى إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها فقوله خالدين حال من المجرور ب على، أي أولئك عليهم لعنة الله خالدين فيها، فقد جرى على غير من هوله، فلم يبرز فيه الضمير ومن قال إنه حال من اللعنة لمكان الكناية المتصلة به وهو فيها لم يصح، لأنه حينئذ جرى على اللعنة والفعل لغيرها، فوجب أن يبرز فيه الضمير، وكان يجيء خالدين فيها هم ومثله أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها، وهو على هذا الخلاف ومثله يدخل النار خالداً فيها، لا يكون خالداً فيها صفة للنار، لأنه لم يقل خالداً فيها هو، وإنما حال من الهاء في يدخله، أي يدخله ناراً مقدراً الخلود فيها، كما قال فتبسم ضاحكاً من قولها، أي مقدراً الضحك من قولها

وأما قوله ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها لا يكون خالداً حالاً من الهاء في جزاؤه لأنه أخبر عن المصدر بقوله جهنم، فيكون الفصل بين الصلة والموصول، ولا يكون حالاً من جهنم لمكان فيها، لأنه لم يبرز الضمير، ألا ترى أن الخلود ليس فعل جهنم، فإذا هو محمول على مضمر، أي يجزاه خالداً فيها ونظيره في الحديد بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وقال جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها قال أبو علي بشراكم اليوم جنات، أي حلول جنات، أو دخول جنات، لأن البشرى حدث، والجنة عين، ولا تكون هي هي ، وإذا كان كذلك لم تخل خالدين من أن تكون حالاً من بشراكم، أو من المصدر المحذوف في اللفظ المراد في المعنى، فلا يجوز أن يكون من بشراكم على معنى تبشرون خالدين، لئلا يفصل بين الصلة والموصول؛ فإذا كان كذلك قدرت الحال من الدخول المحذوف من اللفظ المثبت في التقدير، ليكون المعنى عليه، كأنه دخول جنات خالدين، أي مقدر بين الخلود مستقبلاً، كقوله فادخلوها خالدين فإن قلت فهل يجوز أن يكون الحال مما دل عليه البشرى، كما كان الظرف متعلقاً بما دل عليه المصدر، في قوله تعالى إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون كأنهم يبشرون خالدين؛ فالقول إن ذلك لا يمتنع فيما ذكرت من الظرف، إذ كان الظرف أسهل من الحال، ألا ترى أن الحال هو المفعول به في المعنى، فلا يحسن أن يعمل فيه مالا يعمل في المفعول به، ومن ثم اختلفا في امتناع تقديم الحال إذا كان العامل فيها بمعنى، ولم يمتنع ذلك في الظرف؛ وقد جعلنا الظرف متعلقاً بالبشرى وإن لم تقدره كذلك، ولكن إن جعلت الظرف خبراً جاز ذلك، ويكون جنات بدلاً من البشرى، على أن حذف المصدر المضاف مقدر، ويكون خالدين على الوجهين اللذين تقدم ذكرهما ومثله في التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها خالدين حال من الهاء العائدة إلى من، وحمل على المعنى فجمع ومثله في الطلاق خالدين فيها أبداً قد أحسن الله له رزقاً وفي التوبة موضعان أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وبعده ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وفي آل عمران للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلاً وفي النساء والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وفي المائدة فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها خالدين حال من المفعول دون جنات وفي التوبة وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة فهذا ونحوه على الخلاف الذي قدمناه قال أن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً ف ماكثين حال من الهاء والميم، وعندهم صفة ل الأجر فأما قوله إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هم ببالغه، أي ما الماء ببالغ فيه وإن شئت ما فوه ببالغ الماء؛ ولا يكون و ما فوه ببالغه الماء، ويكون الضميران ل فيه، وفاعل بالغ الماء؛ لأنه يكون جارياً على فيه وهو للماء، والمعنى إلا كاستجابة كفيه إلى الماء، وكما أن بسؤال نعجتك، ومن دعاء الخير لم يذكر معهما الفاعل، واللام متعلق ب البسط فأما قوله وما هو ببالغه، أي ما الماء بالغ فاه من كفيه مبسوطتين ويمكن أن يكون هو في قوله وما هو ببالغه ضميراً ل باسط، أي ما الباسط كفيه إلى الماء بالبالغ الماء، أي ليس ينال الماء بيده، فإذا لم ينل الماء لبعده عنه مع بسطه الكفين، فأن لا يبلغ فاه، مع هذه الصورة على الامتناع، أولى وقيل إن الذي يدعو الماء ليبلغ إلى فيه، وما الماء ببالغ إليه وقيل إنه كالظمآن يرى خياله في الماء، وقد بسط كفيه ليبلغ فاه، وما هو ببالغه، لكذب ظنه وفساد توهمه عن ابن عباس وقيل إنه كباسط كفيه إلى الماء ليفيض عليه، فلا يحصل في كفيه شيء منه وعن الفراء إن المراد بالماء هاهنا البئر لأنها معدن للماء، وإن المثل كمن مد يده إلى البئر بغير رشاء وأما قوله تعالى فظلت أعناقهم لها خاضعين فقد قال الفراء إن خاضعين جرى حالاً عن المضاف إليهم دون الأعناق، فجمع جمع السلامة، ولو جرى على الأعناق لقيل خاضعة

وليس الأمر كما قال؛ لأنه لم يقل خاضعين هم، ولكن الأعناق بمعنى الرؤساء وإن شئت كان محمولاً على حذف المضاف، أي فظلت أصحاب أعناقهم، فحذف المضاف وأما قوله إلى طعام غير ناظرين إناه فهو نصب على الحال من الضمير في قوله لا تدخلوا بيوت النبي ولم يجر وصفاً ل طعام، لأنه لم يقل غير ناظرين أنتم إناه، إذ ليس فعلاً ل طعام
التاسع والثلاثون
ما جاء في التنزيل نصباً
على المدح ورفعاً عليه
وذلك إذا جرى صفات شتى على موصوف واحد، يجوز لك قطع بعضها عن بعض، فترفعه على المدح أو تنصبه، وكذلك في الشتم تقول مررت بالرجل الفاضل الأديب الأريب، وبالرجل الفاسق الخبيث اللئيم يجوز لك أن تتبعها الأول، وأن تنصب على المدح، وترفع فمن ذلك قوله تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر، إلى قوله والموفون بعهدهم والتقدير هم الموفون والصابرين أي أمدح الصابرين وقيل إن قوله والموفون رفع عطف على من آمن ومن ذلك قوله تعالى لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة أي وامدح المقيمين والمؤتون الزكاة أي وهم المؤتون، وكذلك والمؤمنون بالله وقيل إن قوله والمقيمين جر وعطف على قوله منهم وهذا خطأ، لأنه لم يعد لفظة من وأما قوله ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين، فنصب على الذم، أي أذم الملعونين وقيل هو حال من الضمير في لنغرينك، أي لنغرينك بهم ملعونين ومن ذلك قوله تعالى سيصلى ناراً ذات لهب وامرأته حمالة الحطب، فيمن نصب على تقدير أذم حمالة الحطب، فيكون قوله وامرأته رفعاً عطفاً على الضمير في يصلى، أي يصلى هو وامرأته وأما من رفع حمالة الحطب فيكون وامرأته مبتدأة، ويكون حمالة الحطب خبره وإن رفعته بالعطف كان التقدير هي حمالة الحطب، وكل ما ذكرنا في الذي والذين إذا جاز كونهما وصفاً لما قبلهما، فإن نصبهما ورفعهما على المدح جائز وأما قوله تعالى الصابرين والصادقين، فقد يكون من هذا الباب، وقد يكون جراً جرياً على قوله للذين اتقوا عند ربهم...... الذين يقولون ربنا... الصابرين ومن ذلك قوله مذبذبين بين ذلك، أي أذمهم وأما قوله أشحة عليكم فيكون على الذم، ويكون على الحال من المعوقين، أي يعوقون هاهنا عند القتال ويشحون عن الإنفاق على فقراء المسلمين وإن شئت من القائلين وإن شئت لا يأتون البأس إلا قليلاً، ويكون على الذم
المتمم الأربعين
ما جاء في التنزيل من المبتدأ
المحذوف خبره
فمن ذلك قوله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، والتقدير فيما يتلى عليكم شهر رمضان ويكون قوله الذي أنزل فيه القرآن نعتاً وقيل بل هو الخبر وقيل بل الخبر قوله فمن شهد منكم الشهر، أي فمن شهده منكم وجاز دخول الفاء لكون المبتدأ موصوفاً بالموصول، والصفة جزء من الموصوف، وكان المبتدأ هو الموصول ومثله قوله قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم لما وصف اسم إن بالموصول أدخل الفاء في الخبر كما دخل في قوله إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم وكما قال إن الذين يكفرون بآيات الله، ثم قال فبشرهم بعذاب أليم، لأن المبتدأ الموصول والنكرة الموصوفة يدخل الفاء في خبرهما وقال الأخفش بل الفاء في قوله فإنه ملاقيكم زائدة، فعلى قياس قوله هنا تكون زائدة ويجوز أن يكون قوله الذي تفرون خبر إن، كأنه قال الموت هو الذي تفرون منه، نحو القتل أو الحرب، ويكون الفاء في فإنه ملاقيكم للعطف ومن ذلك قوله والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن، أي فيما يتلى عليكم ومن ذلك أيضاً واللذان يأتيانها منكم، أي فيما يتلى عليكم ويجوز أن يقال وإنما رفع قوله واللذان ولم ينصبه وقال في الكتاب اللذين يأتيانها فاضربهما؛ لأن الاختيار النصب، لأن الذي في الكتاب يراد بهما معينان، والفاء زائدة، فهو بمنزلة زيداً فاضرب وفي الآية لا يراد بهما معينان، بل كل من أتى بالفاحشة داخل تحتها فقوله فآذوهما في موضع الخبر، والفاء للجزاء في الآية، وفي المسألة الفاء زائدة وقال الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما وقال والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما أي فيما يتلى عليكم

فأما قوله مثل الجنة التي وعد المتقون فهو على القياس المتقدم، أي فيما يتلى عليكم وقال أبو إسحاق التقدير صفة الجنة التي وعد المتقون، وليس بصحيح، لأن اللغة لا تساعد عليه، ولأن موضوعه التشابه، ولا معنى للوصفية في شيء من تصاريفه، وكيف يصح ومن جهة المعنى أيضاً إنه لو قال قائل صفة الجنة فيها أنهار، لكان كلاماً غير مستقيم، لأن الأنهار في الجنة لا في صفتها؛ وأيضاً فقد أنث ضمير المثل حملاً على الصفة، وهذا أيضاً بعيد وقول الفراء أيضاً من أن الخبر جعل عن المضاف إليه، وهو الجنة، دون المضاف، الذي هم مثل، فباطل أيضاً؛ لأنا لم نر اسماً يبدأ به ولم يخبر عنه البتة، وكذا من قال المثل يقحم، أي يلغى، لأن الاسم لا يكون زائداً، إنما يزاد الحرف، فكذلك قول الزجاج، لأنه إن أراد بالمثل الصفة، فقوله صفة الجنة جنة فاسد، لأن الجنة ليست بالصفة، والزيادة شيء يقوله الكوفيون في مثل، واسم، ويعلم، ويكاد، ويقول هذه الأربعة تأتي في الكلام زيادة، ونحن لا نقول بذلك وأما قوله الذي خلقني إن جعلته مبتدأ، فقوله فهو يهدين خبره وما بعده معطوف على الذي، والتقدير هو يطعمني ويسقيني، إلى قوله وبالصالحين محذوف الخبر، أي فهو يهديني، كما تقول زيد قائم، وبكر وخالد ومن ذلك قوله تعالى أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس، أي البر والتقوى أولى، فحذف الخبر وأما قوله وقالت اليهود عزير ابن الله، فيمن لم ينون، فيجوز أن يكون عزيز مبتدأ، وابن صفة، والخبر مضمر أي قالت اليهود عزير ابن الله معبودهم ويجوز أن يكون حذف التنوين لالتقاء الساكنين، ويكون ابن خبراً ويجوز أن يكون لم يصرف عزير، ومثله يدعو لمن ضره أقرب من نفعه فيمن جعل يدعو بمعنى يقول وقد تقدم ذلك في المبتدأ ومثله ما أكرهتنا عليه من السحر ولم يقل محطوط عنا وقد تقدم ومثله طاعة وقول معروف و فصبر جميل، وقد تقدم ومثله قوله إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله، والتقدير إن الذين آمنوا والذين هادوا إلى قوله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك فالتقدير في والصابئون أي والصائبون كذلك، فحذف الخبر وفصل بين اسم إن بمبتدأ مؤخر تقديراً، وقال
ومن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقياراً بها لغريب
أي إني لغريب وإن قياراً كذلك وقال الله تعالى أن الله بريء من المشركين ورسوله أي رسوله بريء، فحذف الخبر وقيل بل هو عطف على الضمير في بريء هو ورسوله وعند سيبويه هو محمول على موضع إن، كقوله إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، فيمن فتح ومن ذلك قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة، ولم يذكر الخبر، والتقدير كمن كان على ضلالة وقال أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً، أي كمن لم يزين له ذلك وقال أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت، والتقدير كمن لا يقام عليه فحذف الخبر في هذه الآي وقد أظهر في قوله، أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله وأما قوله أمن هو قانت آناء الليل فيمن خفف، فيكون، أي يكون من هذا الباب، على تقدير أمن هو قانت آناء الليل كالجاحد والكافر وزعم الفارسي أن التقدير أمن هو قانت آناء الليل كمن جعل لله أنداداً ثم قال واستضعفه أبو الحسن، دون الاستفهام لا يستدل عليه بما قبله وإنما يستدل عليه بما بعده فقيل إن ذلك على تقديرك دون تقديرنا، فما تقول في قوله أفمن شرح الله صدره للإسلام، وقوله أفمن يتقي بوجهه، أليس الخبران محذوفين؟ وقوله أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار قلت أيها الفارسي، جواباً إن سيبويه قال إن الخبر محذوف، يعني خبر قوله أفمن حق عليه، ولم تكن لتذب عن أبي الحسن أن التقدير أفمن حق عليه كلمة العذاب، أفأنت تنقذ، بل قدرت حذف الخبر وزعم أحمد بن يحيى أن من قدر أمن هو قانت آناء الليل، فهو كالأول وزعم الفارسي أن هذا ليس موضع النداء بل موضع تسوية، ألا تراه قال من بعد قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وجواب الفارسي تحت قول أحمد هو كالأول، يعني أنه قال - عز من قائل قل تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار، يامن هو قانت آناء الليل أبشر إنك من أصحاب الجنة، فحذف في الثاني لذكره أولاً

فأما من شدد فقال أمن هو قانت، فالتقدير الكافر الجاحد خير أمن هو قانت؟ كقوله أم زاغت عنهم الأبصار، والتقدير أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار؟ ومن ذلك قوله وما من إله إلا الله، قوله إلا الله بدل من موضع الجار والمجرور، والخبر مضمر، والتقدير ما من إله في الوجود إلا الله، كقوله لا إله إلا الله، فليس الرفع محمولاً على الوصف للمجرور، لأن الأكثر في الاستثناء والبدل دون الوصف وأما قوله تعالى الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين، ف الذين يلمزون مبتدأ، وخبره سخر الله منهم ومن نصب زيداً مررت به كان الذين منصوباً عنده، ولا يكون فيسخرون خبره، لأن لمزهم للمطوعين لا يجب عنه سخريتهم بهم، كما أن الإنفاق يجب عنه الأجر في قوله الذين ينفقون أموالهم إلى قوله فلهم أجرهم، وإذا لم يجب عنه كان فيسخرون عطفاً على يلمزون، أو على يجدون، وموضع والذين لا يجدون جر تابع ل المؤمنين، أو نصب تابع ل المطوعين، والظرف، أعني في الصدقات يتعلق ب يلمزون دون المطوعين، للفصل بين الصلة والموصول، أي يعينون في إخراج الصدقات لقلتها، ومنه قوله فروح وريحان، ومنه قوله فنزل من حميم، أي فله نزل من حميم، وفي الظرف ذكر من الموصوف
الحادي والأربعون
ما جاء في التنزيل من إن
المكسورة المخففة من إن
وذلك إذا جاءت لزمتها اللام في الخبر، كما أن النافية يلزمها إلا في الخبر فمن ذلك قوله تعالى وإن كنتم من قبله لمن الضالين قال وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين قال وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين قال إن كنا عن عبادتكم لغافلين قال وإن كاد ليضلنا عن آلهتنا قال وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكراً من الأولين فاللام هنا ك إلا كقوله إن الكافرين إلا في غرور وقوله إن هم إلا كالأنعام وقوله إن نظن إلا ظنا قال سيبويه ويكون إن يبتدأ بما بعدها في معنى اليمين، وفي اليمين، كما قال إن كل نفس لما عليها حافظ وإن كل لما جميع لدينا محضرون قال وحدثني من لا أتهم به أنه سمع عربياً يتكلم بمثل قوله إن زيداً لذاهب، وهي التي في قوله وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا، وهذه إن مخففة من عن الشديدة قال أبو علي أما إن في الآي فالقول فيها أنها مخففة من الثقيلة، وقد دخلت على الفعل مخففة، وامتنعت من الدخول عليه مشددة؛ فالجواب أنها امتنعت من ذلك مثقلة لشبهها بالفعل في إحداثها النصب والرفع، كما يحدثهما الفعل من حيث لم يدخل الفعل على الفعل لم تدخل هي أيضاً عليه، وأصلها أنها حرف تأكيد، وإن كان لها هذا الشبه الذي ذكرنا بالفعل، فإذا خففت زال شبه الفعل عنها، فلم تمتنع من الدخول على الفعل إذ كانت الجمل المخبر بها على وجهين مبتدأ وخبر، وفعل وفاعل، وقد تحتاج المركبة من الفعل والفاعل من التأكيد إلى مثل ما تحتاج إليه المركبة من المبتدأ والخبر، فدخلت المخففة على الفعل مؤكدة، إذ كان أصلها التأكيد، وزال المعنى الذي كان امتنع من الدخول على الفعل، وهو شبهها به، ولزوال شبهها بالفعل اختير في الاسم الواقع بعدها الرفع، وجاء أكثر القراءة على ذلك، كقوله وإن كل لما جميع لدينا محضرون، و إن كل نفس لما عليها حافظ، فمن حيث اختير الرفع في الاسم الواقع بعدها جاز دخولها على الفعل في الآي التي تلوناها أو غيرها

وأما اللام التي تجيء بعدها مخففة فهي لأن تفرق بينها وبين إن التي تجيء نافية بمعنى ما، كالتي في قول الله تعالى ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وليست هذه اللام التي تدخل على خبر المشددة التي هي الابتداء، لأنه كان حكمها أن تدخل على إن فأخرت إلى الخبر لئلا يجتمع تأكيدان، إذا كان الخبر هو المبتدأ في المعنى، أو ما هو واقع موقعه وراجع إليه، فهذه اللام لا تدخل إلا على المبتدأ أو على خبر إن إذا كان إياه في المعنى أو متعلقاً به، ولا تدخل من الفعل إلا ما كان مضارعاً واقعاً في خبر إن وكان فعلاً للحال، فإذا لم تدخل إلا على ما ذكرنا لم يجز أن تكون هذه اللام التي تصحب إن الخفيفة إياها، إذ لا يجوز دخول لام الابتداء على الفعل الماضي، وقد وقع بعد إن هذا الفعل، نحو إن كاد ليضلنا و إن وجدنا أكثرهم لفاسقين وقد جاءت الأفعال الواقعة بعد إن فعملت فيما بعد اللام، ومعلوم أن لام الابتداء التي تدخل في خبر إن الشديدة لا يعمل الفعل الذي قبلها فيما بعدها، وذلك قوله وإن كنا عن عبادتهم لغافلين، وقول القائل
هبلتك أمك إن قتلت لفارساً ... حلت عليك عقوبة المتعمد
فلما أعمل الفعل فيما بعده هذه اللام علم من ذلك أنها ليست التي تدخل في خبر إن الشديدة، وليست هي التي تدخل على الفعل المستقبل، والماضي للقسم، نحو ليفعلن، أو لتفعلن ولو كانت تلك للزم الفعل، الذي تدخل عليه النون يعني ليفعلن، الذي تدخل عليه إحدى النونين، فلما لم يلزم النون علم أنها ليست إياها قال الله تعالى إن كاد ليضلنا وإن كانوا ليقولون، فلم يلزم النون

حكى سيبويه إن هذه النون قد لا تلزم المستقبل في القسم، فيقال والله لتفعل، وهم يريدون لتفعلن قال إلا أن الأكثر على ألسنتهم ما أعلمتك، يعني من دخول النون، ولا ينبغي أن نقول إن هذه اللام هي التي في لتفعلن فتحمل الآي التي تلوناها على الأقل في الكلام، على أن هذه اللام لو كانت هذه التي ذكرنا أنها للقسم، وتدخل على الفعل المستقبل والماضي، لم تدخل على الأسماء، مثل وإن كنا عن عبادتكم لغافلين وإن قتلت لفارساً، لأن تختص بالدخول على الفعل الماضي أو المستقبل المقسم عليه، أو ما يتصل بهما، نحو إلى من قوله لإلى الله تحشرون والدليل على ذلك أنها لا تعلق الأفعال الملغاة قبل إن إذا وقعت في خبرها، كما تعلقها التي تدخل على الأسماء فقد ثبت بما ذكرنا أن هذه اللام الداخلة على خبر إن المخففة التي تدخل في خبر إن المشددة، ولا هي التي تدخل على الفعل المستقبل والماضي في القسم، لكنها تلزم إن هذه لتفصل بينها وبين التي بمعنى ما النافية، ولو أدخلت شيئاً من الأفعال المعلقة على إن المكسورة المخففة من الثقيلة، وقد نصبت واللام في خبرها لم تعلق الفعل قبلها من أجل اللام، كما تعلقه مع لام الابتداء، لأن هذه اللام قد ثبت أنها ليست تلك، فإذا لم تكن تلك لم تعلق الفعل الملغى كما تعلقه لام الابتداء فهذه حقيقة إن هذه المخففة واللام التي تلحق معها عندي، ويدل على أن هذه اللام ليست التي للابتداء أن تلك تدخل على الخبر نفسه التي لا تستغنى، أو يكون قبل الخبر ويكون الأول في المعنى أو ما يقوم مقام ما هو الأولى في المعنى، أو تدخل على الاسم نفسه إذا فصل بين إن واسمها، ولا تدخل على الفضلات وما ليس بالكلام افتقار إليه، كما دخلت هذه في قوله لفارساً ونحوه، فلو أدخلت علمت على مثل إن وجدك زيداً لكاذباً لوجب انفتاح إن إذ ليس في الكلام شيء يعلق الفعل عنها، ولم يجب أن يكون في إن ضمير القصة من هذه المسألة، كما تقول أن في مثل قوله علم أن سيكون ضمير، لأن هذا الضمير إنما يكون في أن المخففة من أن الشديدة، وليست هذه تلك، إنما هي أن التي كانت قبل دخول الفعل عليه، أن التي لا تمتنع من الدخول عليه، وهي ثقيلة، وكما تقول في حال انكسارها نحو إن كاد ليضلنا إنه لا ضمير فيه كذلك تقول في حال انفتاحها بعد الفعل إنه لا ضمير فيها والوجه أن تقول إنه لا ضمير فيه، في نحو إن كاد ليضلنا وإنه دخل على الفعل كما دخل على الاسم، لأنه حرف وضعه التأكيد، فالصنفان جميعاً يؤكدان، وإنما امتنع من الدخول على الفعل في حال التثقيل لشبهه بالفعل، وكما لم يدخل فعل على فعل كذلك لم تدخل هذه مثقلة عليه، وهذه العلة زائلة عنها في حال التخفيف، فيجب أن تدخل عليها، فإذا قلنا علمت أن قد وجدك زيد لكاذباً لم تدخل اللام، كما كانت تدخل قبل دخول علمت، ولم يمنع الفعل من فتح أن شيء، وارتفعت الحاجة إليها مع دخول علمت، لأن علمت يفتحها، إذ لا مانع لها من فتحها، فإذا فتحتها لم تلتبس بإن التي ينفي بها، ولولا فتحها إياها لاحتيج إلى اللام، لأن علمت من المواضع التي يقع فيها النفي كما وقع بعد ظننت في نحو قوله وظنوا ما لهم من محيص فلو بقيت إن على كسرتها بعد علمت للزمتها اللام، وكان ذلك واجباً لتخليصها من النفي، فإذا لم تبق على الكسرة فلا ضرورة إلى اللام، فإن شئت قلت إذا أدخلت علمت عليها حذفت اللام لزوال المعنى الذي كانت اللام اجتلبت له، وإن شئت قلت أتركها ولا أحذفها، فتكون كالأشياء التي تذكر تأكيداً من غير ضرروة إليه، وذلك كثير في الكلام فأما قول أبي الحسن ويدخل على من زعم أن هاهنا ضميراً أن تقول له كيف تصنع إلى آخر الباب؟ فذلك من قوله يدل على انه جعل اللام التي في نحو إن وجدت زيداً لكاذباً، لام ابتداء، وقد بينا فساد ذلك، وكيف يجوز أن تكون هذه لام الابتداء وقد دخلت في نحو قوله وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين وليس في هذا الكلام شيء يصلح أن تدخل عليه لام الابتداء البته، ولا يوجد فيها شرطه ووصفه، وقد بينا ذلك، ولا يصلح أن يكون في إن هذه ضمير، من حيث ذكرت قبل وأما قوله تعالى وإن كلا لما ليوفينهم، من خفف إن ونصب بها كلا فهو الذي حكاه سيبويه، ويكون لما ما، صلة فصل بها بين لام إن ولام القسم ومن قال وإن كلا لما فشدد، كان لما مصدراً، لقوله كلا لما، لكنه أجرى الوصل مجرى الوقف

وأما قوله وإن كل لما جميع لدينا محضرون، وإن كل نفس لما عليها حافظ فشدد، وكذلك وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا، فشدد قوم، وأما من خفف فسهل سائغ، وإن على قراءته هي المخففة من الثقيلة المكسورة الهمزة المعملة عمل الفعل، وهي إذا خففت لزمتها اللام لتفصلها من النافية وتخلصها منها، ولهذا المعنى جاءت هذه اللام، وقد تكون ما صلة فأما من ثقل فقال لما، قيل إن لما بمنزلة إلا قال سيبويه وسألت الخليل عن قولهم أقسمت عليك إلا فعلت، ولم فعلت؟ لم جاز هذا في هذا الموضع، وإنما أقسمت هاهنا، كقولك والله؟ فقال وجه الكلام ب لمتفعلن هاهنا، ولكنهم أجازوا هذا لأنهم شبهوه ب نشدتك الله، إذ كان فيه معنى الطلب قال أبو علي ففي هذا إشارة من سيبويه إلى أنهم استعملوا لما حيث يستعملون فيه إلا وقال قطرب حكاه لنا الثقة، يعني كون لما بمعنى إلا وحكى الفراء عن الكسائي أنه قال لا أعرف جهة التثقيل وقال الفراء في قوله وإن كل لما جميع لدينا محضرون الوجه التخفيف، ومن ثقل إن شئت أردت وإن كل لمن ما جميع، ثم حذفت إحدى الميمات لكثرتها، مثل قوله
طفت علماء علة حاتم
والوجه الآخر من التثقيل أن تجعلوا لما بمنزلة إلا مع إن خاصة، فتكون في مذهبها وقال أبو عثمان المازني، فيما حكاه عنه أبو إسحاق الأصل لما فثقل فهذا ما قيل في تثقيل لما من هذه الآي الثلاث، أعني قوله وإن كل لما جميع، وقوله وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا، وقوله إن كل نفس لما عليها حافظ ويجوز أن يتأول على هذا الذي قيل من أن معنى لما ك إلا على أن يكون إن فيها هي النافية، لا يمتنع ذلك في شيء منها فأما قوله وإن كلا لما ليوفينهم، فلا يجوز فيه هذا التأويل ولا يسوغ، ألا ترى أنك لو قلت إن زيداً إلا لمنطلق، لم يكن لدخول إلا مساغ ولا مجاز فإن قال أو ليس قد دخلت إلا بين المبتدأ وخبره في المعنى، فيما حكاه سيبويه من قولهم ليس الطيب إلا المسك، وإن مثل ليس في دخولها على المبتدأ وخبره؟ قيل إنه ذكر أن قوماً يجرون ليس مجرى ما، كما أجروها مجراها، فقولهم ليس الطيب إلا المسك، كقولهم ما الطيب إلا المسك، ألا تراهم رفعوا المسك كما يرتفع خبر ما في نحو ذا، ولم يتأول سيبويه ليس على أن فيه ضمير القصة والحديث، لما كان، لا يرى في هذا التأويل، من إدخال إلا بين المبتدأ والخبر، فلا مساغ لتثقيل لما في هذه الآية على انه يكون بمنزلة إلا فأما ما قاله الفراء من قوله إن هي لمن ما، ثم حذفت إحدى الميمات لكثرتهن، فلا تخلو ما هذه التي قدرها هاهنا من أن تكون زائدة أو موصولة، فلا يسهل أن تكون موصولة، لأن التقدير يكون لمن الذين هم جميع لدينا محضرون وقلت قولي هم جميع لدينا صلة الذين، والذين مع صلته بمنزلة اسم واحد في صلة من، ومحضرون خبر ما الذي بمعنى الذي، والاسم وخبره صلة من، فقولك غير جائز، لأن من على هذا لم يرجع من صلته إليه شيء فهذا التقدير في هذه الآية غير متأت وأما قوله وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا، فلا يجوز فيه ذلك أيضاً، ألا ترى أنك إن قدرت ما زائدة، كان المعنى وزخرفاً وإن كل ذلك متاع الحياة الدنيا والزخرف وما قبله من المذكور لا يكون من في المعنى، فلا يكون من المتاع فهذا قول ساقط مستكره لانكساره وتجويز مالا يجاز فيه، حيث يوجد لتأويله مجاز، وإن كان غير هذا الوجه من حذف الحرف من من، وحذفه غير سائغ، لأن أقصى أحوالها أن تكون كالمتمكنة، والمتمكنة إذا كانت على حرفين لم تحذف، إنما تحذف من الثلاثة لتصير على حرفين، فإذا بلغ ذلك لم يكن بعده موضع حذف، هذا على إن من غير متمكنة، والحذف فيها وفي ضربها غير موجود فأما لدن فهو على ثلاثة أضرب، وقد قلنا فيه فيما تقدم، وكذلك ما قالوه من قولهم و الله لأفعلن قال العجاج
خالط من سلمى خياشم وفا

موضع ضرورة، فأما ما ذكره الفراء من الحذف من لمن ما كالحذف من قولهم علما فالذي نقول إن الحذف أحد ما تخفف به الأمثال إذا اجتمعت، وهو على ضربين أحدهما أن يحذف الحرف مع جواز الإدغام كقولهم بخ بخ، في بخٍ بخٍ والآخر أن يحذف لامتناع الإدغام في الحرف المدغم فيه لسكونه، وإن الحركة غير متأتية فيه مثل علما، أو لأن الحرف المدغم يتصل بحرف إذا أدغم فأسكن لزم تحريك ما قبله، وهو مما لا يتحرك، مثل يسطيع، فلا يشبه قولهم علما إذا أرادوا على الماء، ما شبهه به لو أريد به لمن ما؛ لأنك لو أدغمت اللام من على في التي للتعريف للزم تحريكها، وهي ما يلزمه السكون، ولذلك اجتلبت معها همزة الوصل، فلما كان كذلك حذفت اللام الأولى، وليس كذلك لمن ما، ألا ترى إن الحرف المدغم فيه هنا متحرك وليس بساكن، فلا يشبه هذا ما شبهه به فإن قلت اجعله مما ذكرته مما يحذف الحرف فيه مع جواز الإدغام ك بخ قيل هذا يمتنع من وجهين أحدهما إنه منفصل وبخ متصل، والمنفصل في الإدغام ليس كالمتصل، إذ لا يلزم لزومه، وإن التقدير باتصاله الانفصال، ألا ترى أنك تظهر مثل جعل لك، و قعد داود، ونحوه من المنفصل، ولو كان متصلاً لم يجز إلا الإدغام، وكما لم يستثقل اجتماع الأمثال، لما كان التقدير بها الانفصال في هذه الأشياء، كذلك لا يستثقل في لمن ما اجتماع الأمثال وأيضاً فإذا لم يدغم مثل قوم موسى، من أدغم مثل جعل لك، لكراهية تحريك الساكن في المنفصل، فأن يكره الحذف أولى، لأن التغيير بنقل حركة ثابتة في الحرف أسهل من حذف حرف بكثير، ألا ترى إلى كثرة ما ينقلون من الحركات للإدغام في المتصل، وقلة حذف الحرف للإدغام في المتصل، فإذا امتنعوا من الكثير الذي أنس به في المتصل كان أن يمتنعوا من القليل الذي لم يأنسوا به في المنفصل أولى والآخر أن الحذف في هذا قياساً على بخ لا يجوز لما أعلمتك من قلته، وأنا لا نعلم له مثلاً فلا مساغ للحمل على هذا الضيق القليل، مع ما ذكرته لك من الفصل بين المنفصل والمتصل، وعلى أن بخ ليس لنا أن نقول إنه حذف، لاجتماع المثلين دون أن تجعله محذوفاً على حد بناء جاء على علته غيره من ذوات الثلاثة المحذوفة، لأنها كحذف د دٍ ونحو ذلك، فقول الفراء في هذا فاسد في المعنى من حيث أريتك، وفي اللفظ لما ذكرته من امتناع حذف من قبل الإدغام وبعد الإدغام وقول المازني أيضاً ليس بالجديد، لأن الحروف يخفف مضاعفها، ك أن ورب، ونحو ذلك، ولا ينقل إلى أنه أقرب إلى الصواب، لأن الدخل فيه من جهة اللفظ دون المعنى، فأما ما حكوه من كون لما بمعنى إلا فمقبول، ويحتمل أن تكون الآي الثلاثة عليه، كما أعلمتك، وتكون إن النافية قال وقد رأينا نحن في ذلك قولاً لم أعلم أحداً تقدمنا فيه، وهو أن تكون لما هذه في قول من شدد في هذه الآي لم النافية دخلت عليها ما فهيأتها للدخول على ما كان يمتنع دخولها عليه قبل لحاق ما لها، ونظير ذلك إنما أنذركم بالوحي، ولعلما أنت حالم، وما أشبهه، وربما أوفيت ألا ترى أنها هيأت الحرف للدخول على الفعل، فكأنه في التقدير إن كل نفس لما عليها، أي ليس كل نفس إلا عليها حافظ، نفياً لقول من قال كل نفس ليس عليها حافظ، أي كل نفس عليها حافظ ف إن على هذا التقدير تكون النافية الكائنة بمعنى ما، والقراءة بالتثقيل على هذا تطابق القراءة بالتخفيف، لأن المعنى يؤول إلى كل نفس عليها حافظ، مثل قوله ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب إلا أنه أكد ب إن، والقراءة بالتخفيف لما أسهل مأخذاً وأقرب متناولاً وأما تقدير قوله وإن كل لما جميع لدينا محضرون كأنه قيل كل ما جميع لدينا محضرون، على ما كانوا ينكرونه من أمر البعث حتى حمل عظيم إلى النبي - صلى الله عليه وعلى آله - فقيل له أترى الله يحيي هذا بعد ما رم؟ وكما حكي في التنزيل من قولهم أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون في كثير من الآي تحكي عنهم أنهم ينكرون فيها البعث، فقيل لهم كل ما جميع لدينا محضرون، نفي لقولهم كلهم ليس يجمعون عند الله ولا ينشرون وأما قوله وإن كل ذلك لما متاع الحياة فكأنه قيل كل ذلك ليس متاع الحياة الدنيا، فنفى ذلك بأن قيل ليس ذلك متاع، وإذا نفي أنه كله ليس متاع الحياة الدنيا، أي ليس شيء من ذلك للكافر يقربه إلى الله وإلى الدار الآخرة إنما هو متاع الدنيا والعاجلة

وأما قوله لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين قيل التقدير ما كنا فاعلين، وليست إلا معها فأما قوله قل إن كان للرحمن ولد فقد قيل قل إن كان للرحمن ولد، وتم الكلام ثم قال فأنا أول العابدين على أنه لا ولد له وقيل إن كان للرحمن ولد على الشرط فأنا أول العابدين، على انه لا ولد له صح وثبت، ولا يكون ذلك أبداً كما قال عيسى إن كنت قلته فقد علمته أي إن صح وثبت أني كنت قلته فيما مضى فقد علمته
الثاني والأربعين
ما جاء في التنزيل من المفرد ويراد به الجمع
فمن ذلك قوله تعالى وأنزل معهم الكتاب بالحق، يعني الكتب، لأنه لا يجوز أن يكون لجميع الأولياء كتاب واحد وقال كل آمن بالله وملائكته وكتابه فيمن قرأه هكذا، يريد وكتبه وقال وصدقت بكلمات ربها وكتابه أي وكتبه فأما قوله تعالى والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت فالطاغوت يقع على الواحد وعلى الجمع، وأراد به الجمع هنا وقال في الإفراد يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به جاء في التفسير أنه أراد كعب بن الأشرف وقال في موضع آخر والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها أراد به الأصنام، وأن في موضع النصب بدل من الطاغوت، أي اجتنبوا عبادتها، وهو في الأصل مصدر طغى، وأصله طغيوت، على فعلوت، مثل الرهبوت، والرحموت، فقدم الياء وأبدل منها الفاء فصار طاغوت ومن ذلك قوله تعالى لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم لفظه لفظ المفرد ومعناه الجنس، ألا ترى قوله إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات يدل على صحة هذا والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا الذين مبتدأ وخبره فلهم أجر غير ممنون فهذا لا يصح في سورة العصر إذ لا خبر بعده ومن ذلك قوله تعالى مستكبرين بها سامراً، أي سماراً، لقوله مستكبرين قبله، وبعده تهجرون فالسامر كالباقر، والحامل، عند أبي علي ومثله فليدع ناديه عند أبي علي، وعلى هذا حمل أيضا ًقوله عاليهم ثياب سندس فيمن أسكن الياء، فقال يكون ثياب سندس مبتدأ، على قول سيبويه، وعاليهم خبر مقدم وزعم أنه بمنزلة قوله سامراً تهجرون وهذا لعلة نظره فيما قبل الآية لقوله ويطوف عليهم ولدان مخلدون ألا ترى أنه يجوز أن يكون عاليهم صفة له قالومثله دابر من قوله فقطع دابر القوم الذين ظلموا قال ينبغي أن يكون دابر فاعلاً، من باب الحامل، والباقر، على تفسير معمر إياه ب آخر القوم الذي يدبرهم قوله في موضع آخر وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين فقال وما كانوا فجمع الضمير فإن قلت يكون الضمير عائداً على الذين كذبوا، وهو جمع قيل هذا يبعد، لأن الذين كذبوا بآياتنا معلوم أنهم غير مؤمنين، فإذا لم يجز هذا ثبت أن الضمير يعود إلى الدابر، وإذا عاد إليه ثبت أنه جمع، والدابر يجوز أن يكونوا مؤمنين، ويجوز أن يكونوا كافرين، مثل الخلف، ويصح الإخبار عنهم بأنهم كانوا مؤمنين ومن ذلك قوله وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار أي الكفار، فيمن، أفراد الجنس، ومنه وكان الكافر على ربه ظهيراً أي على معصية ربه ظهيراً وأما قوله تعالى والفلك التي تجري في البحر فالفلك اسم يقع على الواحد والجمع جميعاً قال في المفرد ومن معه في الفلك المشحون وقال في الجمع حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم فقال وجرين، فجمع، وهو في الجمع مثل أسد، وفي المفرد مثل قفل ومن ذلك أحد في قوله ولم يفرقوا بين أحد منهم وقال فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً أي أنفساً وقال وحسن أولئك رفيقاً أي رفقاء وقال ثم نخرجكم طفلاً أي أطفالاً وقال ألا تتخذوا من دوني وكيلاً أي وكلاء وقال فإنهم عدو لي أي أعداء وقال خلصوا نجياً أي أنجية وقال فمالنا من شافعين ولا صديق أي أصدقاء
الثالث والأربعون
ما جاء في التنزيل من المصادر
المنصوبة بفعل مضمر دل عليه ما قبله
فمن ذلك قوله تعالى قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك، أي نسألك غفرانك، ونستغفر غفرانك، واغفر لنا غفرانك ومن ذلك قوله تعالى لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله أي لأثيبنهم ثواباً، فدل على ذلك أكفرن ومثله لكن الذين اتقوا ربهم إلى قوله نزلاً من عند الله لأنه يدل على أنزلهم إنزالاً

ومن ذلك قوله وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً، لأن قوله وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله دل على أنه كتب ذلك، أي كتب ذلك عليهم كتاباً مؤجلاً ومن ذلك قوله كتاب الله عليكم لأن قبله حرمت، وقد نقدم ذلك ومن ذلك قوله ذلك عيسى بن مريم قول الحق فيمن نصب، أي أقول قول الحق ومنه قوله تعالى ومن الليل فتهجد به نافلة لك لأن معنى تهجد وتنفل واحد ومن ذلك قوله وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله لأن معنى هذه الجملة صنع الله ذلك صنعاً ومثله قوله بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لأن معنى ينصر ويعد واحد ومثله، لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لأن ما قبله يدل على يعد الله فهذا قياس ما يرد عليك مما قد فاتني منه، والله أعلم وأما قوله تعالى استكباراً في الأرض ومكر السيء أي استكبروا ومكروا المكر السيء، ألا ترى أن بعده، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله كما أن السيء صفة للمكر، كذلك الذي قبل، تقدير ومكر المكر السيء وكذلك أفأمن الذين مكروا السيئات أي مكروا المكرات، السيئات فحذف الموصول هذا وأقام صفته، فوقعت الإضافة إليه، كما تقع على موصوفه الذي هو المصدر، وأجرى مجراه
الرابع والأربعون
ما جاء في التنزيل من دخول لام إن
على اسمها وخبرها أو ما اتصل بخبرها، وهي لام الابتداء دون القسم
وقد تقدم على ذلك أدلة، وهي تدخل على خبر إن أو ما يقع موقعه، أو على اسم إن إذا وقع الفصل بين إن، واسمها فمن ذلك قوله تعالى وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم فإذا دخل على الاسم لما وقع الفصل بينها وبين اسمها وقال إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين وقال إن في ذلك لعبرة، فأدخل على الخبر وقال وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم وقال وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم وقال وإنه لعلم للساعة وقال وإنه لذكر لك ولقومك فأدخل على الفضلة الواقعة قبل الخبر وقال إنهم لفي سكرتهم يعمهون وقال أءنك لأنت يوسف وقال إن هذا لهو الفضل وقال وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون وإنهم لهم المنصورون وأما قوله وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم، فإنك لو جعلت في أم الكتاب خبراً كنت أدخلت اللام على الخبر الثاني، والأحسن من ذلك أن تدخل على الخبر الأول، فوجب أن يكون قوله في أم الكتاب ظرفاً متعلقاً بالخبر لا خبراً وأما قوله تعالى إن هذان لساحران فيمن أضمر، لأن لو جعل إن بمعنى نعم فإنه أدخل اللام على خبر المبتدأ، لأن هذان في قولهما ابتداء، واللام لا تدخل على خبر الابتداء، وإنما تدخل على المبتدأ، وإدخالها على الخبر شاذ، وأنشدوا فيه
أم الحليس لعجوز شهر به ... ترضى من اللحم بعظم الرقبة
وقد تقدم ما هو الاختيار عندنا وتختص هذه اللام بباب إن وشبهوا بإن لكن، وأنشدوا
ولكنني من حبها لعميد
وهذا حديث يطول، وفيما ذكرناه كفاية فأما قوله تعالى وإن منكم لمن ليبطئن فإن قوماً من النحويين أنكروا أن يدخل الصلة قسم، كما ذهب إليه أبو عثمان؛ لأن الفراء حكى ذلك، وقال فاحتججنا عليه بقوله وإن منكم لمن ليبطئن بهذا ما أشار إليه في كتاب الأخبار في قوله وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه وكان الوجه الذي ذهبوا لأجله إلى ذلك القسم جملة ليس لها بالصلة ولا بالموصول التباس، فإذا لم يلتبس لم يجب أن يفصل بها، ألا ترى أن والله لعمرك، ونحوهما في نحو الذي والله، لا تعلق له بالموصول، فلما رأوه كذلك لم يجيزوا، والجواب عن ذلك أنه ينبغي أن يجوز من وجهين أحدهما أن القسم بمنزلة الشرط والجزاء، وكما يجوز أن يخلو الشرط مما يعود إلى الموصول، إذا عاد إليه من الجزاء، كذلك يجوز أن يخلو القسم من الراجع والوجه الآخر أن القسم تأكيد وتسديد ل ما الصلة، وإذا جاز الفصل فيها والاعتراض من حيث كان تسديداً للقصة، نحو قوله تعالى والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها فالفصل بين القسم وبينه أجدر وأقيس، لما ذكرناه من شبهه بالجزاء والشرط، مع أن فيه ما ذكرناه من تسديد القصة، فهذا وجه الجواز /الخامس والأربعون
ما جاء في التنزيل وفيه خلاف
بين سيبويه وأبي العباس

وذلك في باب الشرط والجزاء، وذلك أنك إذا قلت إن تأتني آتيك، فسيبويه يقدره على التقديم، أو كأن قال آتيك أن تأتني وأبو العباس يقدره على إضمار الفاء، على تقدير أن تأتني فآتيك ومن ذلك قوله وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً، فيمن ضم الراء وشدد، هو على التقديم عند سيبويه، وعلى إضمار الفاء عند أبي العباس وكذلك قوله يوم تجد كل نفسٍ ما عملت من خيرٍ محضراً وما عملت من سوءٍ تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيدا من جعل قوله وما عملت من شرطا أضمر الفاء في قوله تود وهو عند أبي العباس وعند سيبويه يقدر التقديم في تود ومن جعل ما بمعنى الذي فله أن يبتدئ بها ويجعل تود الخبر ومن قال إن ما معطوفة على قوله ما عملت جعل قوله تود في موضع الحال من عملت قال أبو علي في قوله يوم تجد كل نفسٍ ما عملت من خيرٍ محضراً وما عملت من سوءٍ تود لو أن بينها إن جعلت تجد من وجدان الضالة، كان محضرا حالاً، وقوله وما عملت من سوء في موضع نصبٍ بالعطف على ما الأولى، و تود في موضع الحال عن ما الثانية، لأن في الجملة ذكرا يعود إلى ما وإن جعلت تجد بمعنى تعلم، كان محضرا المفعول الثاني والمعنى يوم تجد كل نفس جزاء ما عملت من خير محضرا وتود لو أن بينها وبينه جزاء ما عملت؛ لا يكون إلا كذلك، لأن ما عملته فيما مضى لا يكون محضرا هناك وقريب من هذا في المعنى قوله ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقعٌ بهم، أي جزاؤه، لأن الإشفاق منه يجب ألا يقرب منه ويجوز أن يكون موضع ما الثانية رفعا، و تود في موضع رفع خبر الابتداء ولا يجوز أن يكون ما بمعنى الجزاء، إلا أن يكون تود فهي تود، ولو كان وما عملت من سوء ودت، لجاز أن يكون جزاء ويجوز على قياس قول أبي الحسن في قوله الوصية للوالدين من أن المعنى فالوصية، أن يكون جزاء، ويقدر حذف الفاء، ويكون المعنى فهي تود لو أن بينها وبينه وهو قياس قول الفراء عندي، لأنه ذكر في حد الجزاء أن قوله وإن أطعتموهم إنكم لمشركون على حذف الفاء فسيبويه حمل هذه المواضع على التقديم، ولم يجز إضمار الفاء، وقال في باب أي إذا قلت أيها تشألك، هو على إضمار الفاء، أي فلك ولعله عمل هناك على الموصول إذ أجراها مجراها، إذا قلت أيها تشأ لك هو وأبو العباس يزعم أنك إذا قلت إن تأتني آتيك فقد وقع الجزاء موقعه فلا ينوى به التقديم، كما أن الفاعل إذا وقع موقعه لا ينوى به غير موضعه وسيبويه يقول إن الشرط على وجهين أحدهما أن يكون المعتمد المقصود تقديم الشرط وإتباع الجزاء له، كقولك إن تأتني آتك، وإن تأتني فأنا مكرم لك ولا يجوز تقديم الجواب على الشرط والآخر أن يكون الاعتماد على فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبرٍ، يبتدئه المتكلم ويعلقه بشرط كما يعلقه بظرف، فيقول أكرمك إن أتيتني، وأنا مكرمك إن زرتني، كما تقول أكرمك يوم الجمعة فإذا قال إن أتيتني أكرمك، فليس أكرمك بجواب، فيكون تقديما إلى غير موضعه، وإنما هو الفعل، الذي القصد فيه التقديم
السادس والأربعون
ما جاء في التنزيل من إدخال همزة الاستفهام
على الشرط والجزاء
وهذه أيضاً مسألة فيها اختلاف بين سيبويه ويونس، وصورتها أإن تأتني آتك، بجزم الجواب عند سيبويه ويونس يقول أإن تأتني أتيك، بالرفع، ويقول هو في نية التقديم، ويقدره أآتيك إن تأتني فمن ذلك قوله تعالى أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم وقال الله تعالى أفإن مت فهم الخالدون فهاتان آيتان يحتج بهما سيبويه على يونس، وذلك أنه إذا نوى بالجزاء التقديم وجب أن يكون التقدير في الآية الأولى انقلبتم على أعقابكم فإن مات؟ وفي الآية الأخرى أفهم الخالدون فإن مت؟ وهذا ليس وجه الكلام، وإنما وجه الكلام أفهم الخالدون إن مت؟ وكذا انقلبتم على أعقابكم إن مات لأن من قال أنت ظالم إن فعلت، لم يقل فأنت ظالم إن فعلت؛ فإن قيل فإن الفاء زيادة، قيل الفاء ها هنا نظير ثم في قوله أثم إذا ما وقع آمنتم به وكما لا يجوز تقدير الزيادة في ثم فكذا ها هنا
السابع والأربعون
ما جاء في التنزيل من إضمار الحال
والصفة جميعا
وهو شيء لطيف غريب، فمن ذلك قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر، أي فمن شهده منكم صحيحا بالغا

ومن ذلك قوله في الصفة وإن كان رجلٌ يورث كلالةً أو امرأةً وله أخٌ أو أخت والتقدير وله أخ أو أخت من أم، فحذف الصفة وقال وأوتيت من كل شيء، وفتحنا عليهم أبواب كل شيء، كان المعنى كل شيء أحبته، وكل شيء أحبوه وقال في الريح ما تذر من شيءٍ أتت عليه إلا جعلته كالرميم وقال تدمر كل شيء ولم تجتح هودا والمسلمين معه وقوله وكذب به قومك يعني الكافرين لأن فيهم حمزة وعلياً وجعفرا وقال حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، أي شيئا مما ظنه وقدره، يبين ذلك قول العباس بن مرداس
وقد كنت في الحرب ذاتدرأ ... فلم أعط شيئاً ولم أمنع
أراد شيئاً مما قدرت إعطائي إياه وبعد هذا البيت
إلا أفائل أعطيتها ... عديد قوائمه الأربع
فقال لم أعط شيئا ثم قال إلا أفائل أعطيتها وعلى هذا قولهم ما أنت بشيء، أي شيء يقع به اعتداد فهذا قريب من قولهم تكلمت ولم تتكلم وقريب من هذا قول الكميت
سئلت فلم تمنع ولم تعط نائلا ... فسيان لا ذم عليك ولا حمد
كأنه لم يعط عطاء يكون له موضع، أو يكون له اعتداد وقريب من هذا قوله تعالى فإن له نار جهنم لا يمون فيها ولا يحيا والذي لا يموت يحيا، والذي لا يحيا يموت؛ ولكن المعنى لا يحيى حياة طيبة يعتد بها ولا يموت موتا مريحا، مما دفعوا إليه من مقاساة العذاب، وكأن الإحياء للعذاب ليس بحياة معتدٍّ بها قال عثمان وأما حذف الحال فلا يحسن، وذلك أن الغرض فيها إنما هو توكيد الخبر بها، وما طريقه طريق التوكيد غير لائقٍ به الحذف، لأنه ضد الغرض ونقيضه، ولأجل ذلك لم يجز أبو الحسن تأكيد الهاء المحذوف من الصلة، نحو الذي ضربت نفسه زيد، على أن يكون نفسه توكيدا للهاء المحذوفة من ضربت وهذا مما يترك مثله كما يترك إدغام الملحق إشفاقا من انتقاض الغرض بإدغامه فأما ما أجزناه من حذف الحال في قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه، أي فمن شهده صحيحا بالغا، فطريقه أنه لما دلت الدلالة عليه من الإجماع والسنة جاز حذفه تخفيفا وإما إذا عريت الحال من هذه القرينة، وتجرد الأمر دونها، لما جاء حذف الحال على وجه وحكى سيبويه سير عليه ليل، وهم يريدون ليل طويل، وكأن هذا إنما حذفت فيه الصفة لما دل من الحال على موضعها، وذلك أنك تحس في كلام القائل لذلك من التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقامه قوله طويل ونحو ذلك، وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، وذلك أن يكون في مدح، فتقول كان والله رجلاً، فتزيد في قوة اللفظ بالله هذه الكلمة، وتمكن في تمطيط اللام وإطالة الصوت عليها، أي رجلا فاضلا شجاعا، أو كريما، أو نحو ذلك؛ وكذلك تقول سألناه فوجدناه إنسانا، وتمكن الصوت بإنسان وتفخمه؛ فتستغنى بذلك عن وصفه، وتريد إنسانا سمحا، أو جوادا، أو نحو ذلك؛ وكذلك إن ذممته ووصفته بالضيق، قلت سألناه وكان إنسانا وتزوى وجهك وتقطبه، فيغنى عن ذلك قولك إنسانا لئيما، أو بخيلا، أو نحو ذلك فعلى هذا وما يجري مجراه تحذف الصفة فأما إن عريت من الدلالة عليها من اللفظ أو الحال فإن حذفها لا يجوز، ألا تراك لو قلت وردنا البصرة فاجتزنا بالأبلة على رجل، أو رأينا بستانا، وسكت، لم تفد بذلك شيئا، لأن هذا ونحوه مما لا يعرى منه ذلك المكان، وإنما المتوقع أن تصف من ذكرت وما ذكرت، فإن لم تفعل كلفت علم ما لا يدل عليه، وهو لغو من الحديث، وتجوز في التكليف ومن ذلك ما يروى في الحديث لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد أي لا صلاة كاملة أو فاضلة، ونحو ذلك ومثله لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي، عليه السلام
الثامن والأربعون
ما جاء في التنزيل من الجمع يراد به التثنية
فمن ذلك قوله تعالى فإن كان له إخوةٌ فلأمه السدس وأجمعوا، غير ابن عباس، أن الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، خلافا له، فإنه لا يحجب إلا بوجود ثلاثة إخوة ومن ذلك قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، أي يديهما ومن ذلك قوله إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما، أي قلباكما مثل هذا لا يجوز فيه الإفراد استتغناء بالمضاف إليه، وتجوز فيه التثنية اعتبارا بالحقيقة، ويجوز فيه الجمع اعتبارا بالمعنى، لأن الجمع ضم نظير إلى نظير كالتثنية

وقالوا كل شيء من شيئين فتثنيتهما جمع، كقولك ضربت رءوس الزيدين، وقطعت أيديهما وأرجلهما؛ وهذا أفصح عندهم من رأسيهما، كرهوا أن يجمعوا بين تثنيتين في كلمة واحدةٍ، فصرفوا الأول إلى لفظ الجمع، لأن التثنية جمع في المعنى، لأن معنى الجمع ضم شيءٍ إلى شيءٍ، فهو يقع على القليل والكثير، وأنشدوا
ومهمهين قذفين مرتين ... ظهراهما مثل طهور الترسين
فأما قوله تعالى فلا أقسم برب المشارق والمغارب، فقيل هو من هذا الباب، لقوله رب المشرقين ورب المغربين، فعبر عن التثنية بالجمع ومعنى رب المشرقين ورب المغربين، قيل المشرقان الشتاء والصيف، وكذا المغربان عن ابن عباس وقيل مشرق الشمس والفجر، ومغرب الشمس والشفق قوله يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين قيل معناه بعد المشرق والمغرب فهذا كالقمرين والعمرين وقيل مشرق الشتاء والصيف وأما قوله تعالى وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله وهم لم يدعوا إلهية مريم كما ادعوا إلهية المسيح؛ فيما يزعمون، فإن ذلك يجيء على
لنا قمراها والنجوم الطوالع
والعجاجان، لرؤبة والعجاج؛ والأسودان، للماء والتمر، أطلق على أحدهما اسم الآخر، وإن لم يكن ذلك اسما له واعلم أنه قد جاءت التثنية يراد بها الكثرة والجمع، كما جاء الجمع يراد به التثنية قال الله تعالى بل يداه مبسوطتان وقال فارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير أي كرتين اثنتين وإنما ذاك بكراتٍ، وكأنه قال كرة بعد كرة، كما قالوا لبيك، أي إلبابا بعد إلباب، وإسعادا بعد إسعادٍ، في سعديك، وحنانيك تحننا بعد تحنن، قال
ضرباً هذاذيك وطعناً وخضا
أي هذا بعد هذٍ وأنشدوا للكميت
وأنت ما أنت في غبراء مظلمةٍ ... إذا دعت ألليها الكاعب الفضل
أي أللا بعد ألل وهذا حديث يطول وأما قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان الفراء يريد به المفرد، كقوله ومهمهين، ثم قال قطعته، وهذا لا يصح، كقوله وجنى الجنتين، وقوله جنةً وحريرا، ودانيةً، وقوله قطعته كقوله معين بسواد في الرد إلى الأول ومن ذلك قوله أولئك مبرءون يعني عائشة وصفوان وقال وألقى الألواح، وفي التفسير كان معه لوحان وقال وكنا لحكمهم شاهدين والمتقدم داود وسليمان وأما قوله تعالى إن المتقين في جناتٍ ونهر في مقعد صدق هو على حذف المضاف، أي في موضع قعود وكذا قراءة من قرأ، في مسكنهم، أي في موضع سكناهم، لأن الاستغناء بالجمع عن المضاف إليه أكثره في الشعر، نحو في حلقكم عظم و بعض بطنكم نقل فارسهم
التاسع والأربعون
ما جاء في التنزيل منصوبا على المضاف إليه
وهذا شيء عزيز، قال فيه فارسهم إن ذاك قد أخرج بطول التأمل والفكر فمن ذلك قوله عز من قائل قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله خالدين حال من الكاف والميم المضاف إليهما مثوى ومثله إن دابر هؤلاء مقطوعٌ مصبحين، ف مصبحين حال من هؤلاء وكذلك قوله ونزعنا ما في صدورهم من غلٍّ إخواناً، إخوانا حال من المضاف إليهم في قوله في صدورهم ومثله إليه مرجعكم جميعا قال أبو إسحاق المثوى المقام، و خالدين فيها منصوب على الحال، أي النار مقامكم في حال خلودٍ دائما قال أبو علي مثوى عندي في الآية اسم للمكان دون المكان، لحصول الحال في الكلام معملا فيها، ألا ترى أنه لا يخلو من أن يكون موضعا أو اسم مصدرٍ، فلا يجوز أن يكون موضعا، لأن اسم الموضع لا يعمل عمل الفعل، لأنه لا معنى للفعل فيه، فإذا لم يكن موضعا ثبت أنه مصدر، والمعنى النار ذات إقامتكم، أي النار ذات إقامتكم فيها خالدين، أي هم أهل أن يقيموا ويثبتوا خالدين، فالكاف والميم فاعل في المعنى، وإن كان في اللفظ خفض بالإضافة وأما قوله
وما هي إلا في إزار وعلقة ... مغار ابن همام على حي خثعما

فهو أيضا على حذف المضاف المعنى وما هي إلا في إزار وعلقة وقت إغارة ابن همام ألا ترى أنه قد عداه ب على إلى حي خثعما، فإذا عداه ثبت أنه مصدر، إذ اسما المكان والزمان لا يتعديان، فهو من باب خفوق النجم، ومقدم الحاج، وخلافة فلان، ونحوه من المصادر التي استعملت في موضع الظرف، للاتساع في حذف المضاف، الذي هو اسم زمان، وإنما حسن ذلك في المصادر لمطابقتها الزمان في المعنى؛ ألا ترى أنه عبارة عن منقض غير باق، كما أن الزمان كذلك، ومن ثم كثر إقامتهم ما التي مع الفعل بمعنى المصدر مقام ظرف الزمان، لقولهم أكلمك ما خلا ليل نهارا، وما خلفت جرة درة، وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم؛ حتى إن قوما من النحويين يسمونها ما الوقت، وحقيقته ما أعلمتك وقال في التذكرة القول في مثوى إنه لا يخلو من أن يكون اسم مكان أو مصدرا، والأظهر المكان، فإذا كان كذلك فالحال من المضاف إليهم، كما إن قوله يعني الجعدي
كأن حواميه مدبراً ... خضبن وإن كان لم يخضب
حال من المضاف إليه وإن جعلت المثوى مصدرا ألزمك أن تقدر حذف المضاف، كأنه موضع ثوائكم خالدين، فيكون الحال من المصدر والعامل فيها، كأنه يثوون فيها خالدين فالعامل في الحال على هذا المصدر، وفي الوجه الأول معنى الإضافة، مثل قوله تعالى فما لهم عن التذكرة معرضين، الحال عن الإضافة، وما فيه من معنى الفعل هو العامل، والدليل على ذلك أنه لا يخلو من أن يكون العامل المضاف إليهم أو معنى اللام، فلا يكون معنى اللام، لأنه لو كان كذلك لم تكن الحال مجموعا بالواو والنون؛ ألا ترى أن ما لهم، أي شيء، وأي شيء ثبت لهم، لا يكون جميعا مما يعقل، فلا يكون الحال عنه، وإذا لم يكن عنه علمت أنه من المضاف إليهم، وأن العامل في الحال ما في الإضافة من معنى الفعل، وحروف الجر في هذا بمنزلة الأسماء كما كانت الأسماء بمنزلتها، في نحو غلام من تضرب أضرب، وفي الاستفهام غلام من تضرب؟ كما تقول بأيهم تمرر؛ وغلام من تضرب أضرب، بمنزلة من تمرر أمرر وقال في موضع آخر من التذكرة القول في قوله تعالى فما لهم عن التذكرة معرضين إن الحال لا يخلو فيه من أن يكون عما في اللام، أو عن المضاف إليهم، فلا يجوز أن يكون عما في اللام، فإذا لم يجز ذلك ثبت أنه عن المضاف إليهم، والمضاف إليه إنما جاز انتصاب الحال عنه لأنه لا تخلو الإضافة فيه من أن تكون بمعنى اللام، أو بمعنى من، فمن أي القسمين كان فمعنى الفعل فيه حاصل، فانتصابهما عن معنى الفعل، ولا يكون ذلك معنى مضمرا، كما ذهب إليه أبو عثمان في قوله
وإذ ما مثلهم بشر
ولكن حكم منزلة الحرف المراد في الظرف في ذلك حكم الإظهار، لأن الإضمار لا يلزمه، ألا ترى أنك إذا كنيت عنه ظهر الحرف، فكذلك حكم الظرف المراد في الإضافة لما لم يلزم حذفه، لقولك ثوب زيدٍ، وثوب لزيدٍ، وحلقة حديدٍ، وحلقة من حديد؛ بمنزلة الحرف الذي يراد في الظرف ولا يلزم حذفه؛ فعن هذا يلتزم الحال عن المضاف إليه ومما يبين ذلك قوله
كأن حواميه مدبرا
ألا ترى أن الحال لا تكون من المضاف إليه ولا تكون من كان، لأنه لا عمل لها في ذي الحال، ولا من خبرها، فإذا لم يجز ذلك ثبت أنه من المضاف إليه، كما أنها في الآية من المضاف إليه فأما قوله
فهل في معدٍّ فوق ذلك مرفدا
فلا يخلو من أحد أمرين أحدهما على ما يذهب إليه أبو الحسن في قوله تعالى وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ونحوها فيكون في موضع رفع والآخر أن يكون صفة والموصوف محذوف فيجوز انتصاب المرفد أن يكون حالا عن كل واحدٍ من القولين، ويجوز أن يكون من المضاف إليه، ويجوز أن يكون تبيينا عن ذلك، مثل أفضلهم رجلا ومن ذلك قوله أن دابر هؤلاء مقطوعٌ مصبحين ف مصبحين حال من المضاف إليهم، أعنى هؤلاء
المتم الخمسين
بابباب ما جاء في التنزيل أن فيه بمعنى أي
فمن ذلك قوله تعالى قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا المعنى أي لا تشركوا به شيئا، ف لا ناهية جازمة، و أن بمعنى أي وقيل بل التقدير فيه ذلك ألا تشركوا فيه؛ فيكون خبر مبتدأ مضمر، أي المتلو ألا تشركوا؛ وليس التقدير المحرم ألا تشركوا؛ لأن ترك الشرك ليس محرما، كما ظنه الجاهل، ولا أن لا زائدة وقيل التقدير حرم عليكم بألا تشركوا

وقيل التقدير أتلو عليكم ما حرم، أي أتلوا المحرم لئلا تشركوا وقيل التقدير عليكم ألا تشركوا، و أن هذه نابية عن القول، وتأتي بعد فعل في معنى القول وليس بقول، كقولك كتبت إليك أن قم تأويله قلت لك قم ولو قلت قلت لك أن تقوم، لم يجز؛ لأن القول يحكى ما بعده، ويؤتى بعده باللفظ الذي يجوز وقوعه في الابتداء، وما كان في معنى القول وليس بقول فهو يعمل، وما بعده ليس كالكلام المبتدأ وهذا الوجه في أن لم يعرفه الكوفيون ولم يذكروه، وعرفه البصريون وذكروه وسموه أن التي للعبارة، وحملوا عليه قوله وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا وفي تقديره وجهان أحدهما انطلقوا فقالوا قال بعضهم لبعضٍ امشوا واصبروا؛ وذلك أنهم انصرفوا من مجلسٍ دعاهم فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله إلى توحيد الله تعالى وذكره وترك الآلهة دونه، وصار انطلق الملأ لما أضمر القول بعده لمعنى فعلٍ يتضمن القول، نحو كتبت وأشباهه والوجه الأخر أن يكون انطلقوا بمعنى تكلموا كما يقال انطلق زيد في الحديث، كأن خروجه عن السكوت إلى الكلام هو الانطلاق ويقال في أن امشوا أن اكثروا وانموا وليس المشى ها هنا قطع الأماكن، بل المعنى هو الذهاب في الكلام، مثل والذين يسعون في آياتنا ومعنى المشى هو الدؤوب والملازمة والمداومة على عبادتها، مثل إلا ما دمت عليه قائماً ليس يريد الانتصاب، وإنما يريد الاقتضاء، ومثل القيوم، أي المديم حفظه خلقه فإن قيل فإذا كان تأويل المشى على ما ذكرتم فغير ممتنع أن يكون التقدير انطلقوا بالمشى؛ لأنه يكون على هذا المعنى أوصوهم بالملازمة لعبادتها، قيل الوصية وإنما هي العبادة في الحقيقة لا بغيرها، فلا يجوز تعليق الوصية بغير العبادة وأيضا ليس المعنى ذهبوا في الكلام وخاضوا فيه بالمداومة والملازمة بالعبادة وأما قوله ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله أن بمعنى أي، وهي تفسير أمرتني، لأن في الأمر معنى أي ولو قلت ما قلت لهم إلا ما قلت لي أن اعبدوا الله، لم يجز، لأنه قد ذكر القول، وإن أن إذا كانت بمعنى أي، فهي تحتاج إلا ثلاثة شرائط أولها أن يكون الفعل والذي يفسره، أو يعبر عنه، فيه معنى القول وليس بقولٍ، وقد مضى هذا والثاني ألا يتصل به شيء منه صار في جملته ولم يكن تفسيرا له؛ كالذي قدره سيبويه أوعزت إليه بأن افعل والثالث أن يكون ما قبلها كلاما تاما، لأنها وما بعدها جملة تفسر جملة قبلها، ومن أجل ذلك كان قوله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين وآخر قولهم، دعواهم مبتدأ، وآخر قولهم، مبتدأ لا خبر معه، وهو غير تام، فلا يكون بعده أن بمعنى أي وقوله تعالى وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ومعناه بأنك قد صدقت الرؤيا وأجاز الخليل أيضاً أن يكون على أي، لأن ناديناه كلام تام، ومعناه قلنا يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ومن ذلك قوله ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك، يكون بمعنى أي، ويكون بإضمار الباء، كما حكى الخليل أرسل إليه بأنك ما أنت وذا وأما قوله وجعلناه هدًى لبني إسرائيل أن لا تتخذوا من دوني وكيلا، فيمن زعم وهو معمر أن لا تتخذوا من دوني على إضمار القول، كأنه يراد به قلنا أن لا تتخذوا، ولم يكن قوله هذا متجها، وذلك أن القول لا يخلو من أن تقع بعده جملة على معنى يحكى، أو معنى جملة تعمل في لفظه القول الأول كقولك قال زيد عمرو لمنطلق، فموضع الجملة نصب بالقول والآخر، يجوز أن يقول القائل لا إله إلا الله، فتقول قلت حقا؛ أو يقول الثلج حار، فتقول قلت باطلا؛ فهذا معنى ما قاله، وليس نفس القول

وقوله أن لا تتخذوا خارج من هذين الوجهين، ألا ترى أن أن لا تتخذوا ليس هو معنى القول، كما أن قولك حقا، إذا سمعت كلمة الإخلاص، معنى القول، وليس قوله أن لا تتخذوا بجملة، فيكون كقولك قال زيد عمرو منطلق ويجوز أن يكون بمعنى أي أي التي للتفسير، انصراف الكلام من الغيبة إلى الخطاب، كما انصرف من الخطاب في قوله تعالى وانطلق الملأ منهم أن امشوا إلى الأمر، كذلك انصرف من الغيبة إلى النهي في قوله أن لا تتخذوا وكذلك قوله أن اعبدوا الله ربي في وقوع الأمر بعد الخطاب، ويجوز أن تضمر القول وتخمل تتخذوا على القول المضمر، إذا جعلت أن زائدة، فيكون التقدير وجعلناه هدى لبني إسرائيل، فقلنا لا تتخذوا من دوني وكيلا، فيجوز إذا في قوله أن لا تتخذوا ثلاثة أوجه أحدها أن تكون الناصبة للفعل، فيكون المعنى وجعلناه هدى كراهة أن تتخذوا من دوني وكيلا، أو لئلا تتخذوا والآخر أن تكون بمعنى أي، لأنه بعد كلام تام، فيكون التقدير أي لا تتخذوا والثالث أن تكون أن زائدة، وتضمر القول وأما قوله وقضى ربك ألا تعبدوا قال أبو علي يكون أن التفسير، لأن قضى ربك كلام تام، ولا تعبدوا نهى، كأنه قضى ربك هذا وأمر بهذا فعلى هذا يكون قوله وبالوالدين إحساناً كأنه أمر بعد نهي، كأنه وأحسنوا بالوالدين إحسانا، وتكون الناصبة للفعل أيضا، فيكون الواو في بالوالدين عاطفة على أن، كأنك قلت قضى بأن لا تعبدوا، وأن تحسنوا، ويكون الفعل بعد الواو القائمة مقام أن محذوفا، وما أقل ما يحذف الفعل في صلة أن، وكذلك ينبغي ألا يحذف بعدما يقوم مقامها، وقد قال أما أنت منطلقا انطلقت إليك، فحمله على أن كنت، وما بدل من الفعلين، وليس في الآية بل، فلا تحمل على أن الناصبة
الحادي والخمسون
ما جاء في التنزيل من المضاعف
وقد أبدلت من لامه حرف لين
فمن ذلك ما قاله القاسم في قوله تعالى لم يتسنه إنه من قوله من حمأ مسنونٍ، أي يتغير، ثم أبدلت من النون الأخيرة ياء، فصار يتسنى، فإذا جزمت قلت لم يتسن، كما تقول لم يتغن، ثم تلحق الهاء لبيان الوقف وقيل هو من السنة، تسنى، أي مرت عليه السنون فتغير ومن أثبت الهاء في الوصل، فلأنهم قالوا سنة وسنهات، فيكون الهاء لام الفعل ومن ذلك قوله تعالى فهي تملى عليه بكرةً وأصيلا، أي تمل، لقوله فليملل وليه يقال أمللت، وأمليت ومن ذلك قوله ثم ذهب إلى أهله يتمطى، والأصل يتمطط قالوا لأنه من المطيطاء ومنه قوله وقد خاب من دساها، أي دسها بالفجور والمعاصي، فأبدلت من اللام ياء، فصار دساها ومنه قوله تعالى فدلهما بغرور، أي دللهما، لقوله هل أدلك ويكون فعل، دلى يدلى، الذي مطاوعه تدلى كقوله
هما دلتاني من ثمانين قامة
أي أوقعهما في المعصية بغروره وإلقائهما فيها وطرحهما ويجوز أن يكون دلى مثل سلقى، وقد روى فلان آفى من فلان، وهذا مثل أملى في أمل قال سيبويه وكل هذا التضعيف فيه عربي كثير جيد جدا، يعني ترك القلب إلى الياء عربي جيد، إذا قلت تظنيت وتسريت وقد جعل سيبويه الياء في تسريت بدلا من الراء، وأصله تسررت، وهو من السرور، فيما قاله الأخفش، لأن السرية يسر بها صاحبها وقال ابن السراج هو عندي من السر، لأن الإنسان يسر بها ويسترها عن حزبه كثيرا والأولى عندي أن يكون من السر، الذي هو النكاح وقيل ليس الأصل فيه تسررت، وإنما هو تسريت بمعنى سراها، أي أعلاها، وسراة كل شيءأعلاه وأما كلا وكل فليس أحد اللفظين من الآخر، لأن موضعهما مختلف، تقول كلا أخويك قائم، ولا تقول كل أخويك قائم ولا يجوز أن تجعل الألف في كلا بدلا من اللام في كل، ولم يقم الدليل على ذلك، وكذلك قال سيبويه ومثله ذرية، أصله ذروة، فعلولة من الذر، فأبدلت من الراء ياء، وقلبت الواو ياء، وأدغمت فيه فصارت ذرية وفي ذلك ما روى عن ابن كثير في قوله فذانيك برهانان من ربك قال أبو علي وجه ما روى من فذانيك أنه أبدل من النون الثانية الياء، كراهية التضعيف وحكى أحمد بن يحيى لا وربيك ما أفعل؛ يريد لا وربك ومن ذلك قراءة من قرأ وقرن في بيوتكن هو من قر في المكان يقر، أصله اقررن، فأبدل من الراء الأخيرة ياء، ثم حذفها وحذف همزة الوصل، فصار قرن، وهو مشكل

ومثله فما لكم عليهن من عدة تعتدونها، فيمن قرأها بالتخفيف، أصله تعتدونها، فأبدل من الدال حرف اللين
الثاني والخمسون
ما جاء في التنزيل من حذف واو العطف
فمن ذلك قوله تعالى صمٌّ بكمٌ عمىٌ، والتقدير صم وبكم وعمى، كقوله في الأخرى صمٌّ وبكمٌ في الظلمات، فالتقدير فيه أيضا وفي الظلمات ومن ذلك قوله أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون، و أصحاب النار هم فيها خالدون، فحذف الواو وهكذا في جميع التنزيل من هذا النوع ومن ذلك قوله تعالى سيقولون ثلاثةٌ رابعهم كلبهم أي ورابعهم كلبهم وكذلك قوله ويقولون خمسةٌ سادسهم كلبهم أي وسادسهم دليل ذلك قوله ويقولون سبعةٌ وثامنهم كلبهم وكما ظهرت الواو هنا فهي مقدرة في الجملتين المتقدمتين، إذ ليست الجملتان صفة لما قبلهما ولا حالا ولا خبرا، لما تقدم في غير موضع، وإنما هما جملتان في تقدير العطف على جملتين ومن ذلك قوله تعالى ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم التقدير وأغويناهم، وقد تقدم شرحه وأما قوله تعالى ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه فإن جواب إذا قوله تولوا وليس الجواب قلت والتقدير في قلت أن يكون بحرف عطف، إلا أنك استغنيت عنه بتضمن الثانية الذكر مما في الأولى، بمنزلة قوله رابعهم كلبهم، ألا ترى أن إفاضتهم الدمع إنما هو إياسهم من الخروج والتوجه نحو العدو لتعذر الظهور الحاملة لهم عليها وأما قوله تعالى واتقوا فتنةً لا تصيبن الذين ظلموا فحمله أبو الحسن على حذف الواو، نهى بعد أمرٍ وحمله الفراء على جواب الأمر، وفيه طرف من النهي، ومثله ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ومن ذلك قوله رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما، أي وأنعم الله، فحذف الواو وقال الله تعالى فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون، أي وقال ومن ذلك قال الفراء في قوله أوهم قائلون، على إضمار الواو، كأنه أو وهم قائلون، فحذفت الواو لاجتماع شيئين قال أبو علي إنما قال هذا، لأن أوهم قائلون معطوف على بياتا الذي هو حال، فهذه الجملة إذا دخلت كانت مؤذنة بأن الجملة بعدها للحال أيضا، فالتقدير أتاهم بأسنا بائتين، أو قائلينولو قلت جاءني زيد ويده فوق رأسه، بلا واو، لكان حسنا، وإذا كان كذلك فقد يجوز ألا تقدر الواو، يدلك على أن قوله، وهم قائلون جملة في موضع مفرد، قوله أرأيتكم إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً، فقوله أوهم قائلون بمنزلة نهارا
الثالث والخمسون
ما جاء في التنزيل من الحروف التي أقيم بعضها مقام بعض
وهذا الباب يتلقاه الناس معسولا ساذجا من الصنعة، وما أبعد الصواب عنهم، وأوقفهم دونه، وذلك أنهم يقولون إن إلى يكون بمعنى مع ويحتجون لذلك بقول الله تعالى من أنصارى إلى الله، أي مع الله وقال الله تعالى ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم، أي مع امولكم ويقولون في بمعنى على، ويحتجون بقوله تعالى ولأصلبنكم في جذوع النخل، أي عليها وهذا في الحقيقة من باب الحمل على المعنى فقوله من أنصارى إلى الله معناه من يضيف نصرته إلى نصرة الله، وكذا ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم أي مضمومة إليها، وكذلك قوله هل لك إلى أن تزكى، وأنت إنما تقول هل لك في كذا؟ لكنه لما كان هذا دعاء منه صلى الله عليه وعلى آله له صار تقديره أدعوك وأرشدك إلى أن تزكى وأما قوله ولأصلبنكم في جذوع النخل، فليس في بمعنى على، وإنما هو على بابه، لأن المصلوب في الجذع، والجذع وعاء له
الرابع والخمسون
ما جاء في التنزيل من اسم الفاعل المضاف إلى المكنى
وذلك قد جاء في التنزيل في ستة مواضع فمن ذلك قوله تعالى واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وقال فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجلٍ هم بالغوه وقال الله تعالى لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس وقال الله تعالى إنا منجوك وأهلك وقال إن في صدورهم إلا كبرٌ ما هم ببالغيه وقال إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فهذه ستة مواضع فالهاء والكاف في هذه الآي جرٌّ عندنا

وقال أبو الحسن هو نصب، واحتج بانتصاب قوله وأهلك، فلولا أن الكاف منصوب المحل لم ينصب أهلك واحتج بأن النون إنما حذف حذفا لتعاقبه المضمر، لا لأجل الإضافة فوجب أن يكون منصوبا،قياسا على قولنا هؤلاء ضوارب زيداً، وحجاج بيت الله، فإن التنوين هنا حذف حذفا فانتصب ما بعده، كذلك ها هنا، ولا يلزم قولكم إن المضمر يعتبر بالمظهر، لأنا نرى نقيض ذلك في باب العطف، حيث لم يجز عطف المظهر على المضمر المرفوع ولا على المضمر المجرور، وإن جاز عطفه على المضمر المنصوب، فكذلك ها هنا يجوز أن يقع المضمر منصوبا، وإن كان المظهر لو وقع كان مجرورا ولنا أنه اسم مضاف إليه اسم قبله، فوجب أن يكون مجرورا قياسا على ضاربا زيدٍ، وغلاما بكر، وهذا لأن المضاف إليه يعاقب النون أو التنوين، وهذا الاسم عاقب النون، حتى لا يجمع بينه وبين النون في حال السعة، فوجب أن يكون مجرورا، ولأن المضمر يعتبر بالمظهر ما لم يعرض هناك عارض مثل ما عرض في باب العطف بامتناع المظهر على المضمر المرفوع، لما صار المضمر المرفوع كالجزء من الفعل، بدليل إسكانهم لام الفعل من أجل هذا المضمر، في ضربت، وامتنع عطف المظهر المجرور على المضمر المجرور، لامتناع الفصل بين الجار والمجرور، وهذا المعنى لم يعرض ها هنا، فبقى اعتباره بالمظهر وأما انتصاب أهلك من قوله إنا منجوك وأهلك فبفعلٍ مضمرٍ، لامتناعه من أن يكون معطوفا على مضمر مجرور، لأن الظاهر لا يعطف على المضمر المجرور وأما الهاء في قوله ما هم ببالغيه فقد قال أو على المعنى ما هم ببالغي ما في صدورهم، وليس المعنى ما هم ببالغي الكبر، لأنهم قد بلغوا الكبر، إذ كانوا قد فعلوه وطووا صدورهم عليه فإن قلت فإن معنى قوله إن في صدورهم إلا كبر ما في صدورهم إلا كبر وإذ لم يكن في صدورهم إلا كبر، قلت المعنى ما هم ببالغي ما في صدورهم؛ فقد قلت إن المعنى ما هم ببالغي ما في الكبر؛ لأن في صدورهم الكبر لا غير فالقول في ذلك إن هذا على الاتساع، وتكثير الكبر لا يمتنع أن يكون في صدورهم غيره، ألا ترى أنك قد تقول للرجل ما أنت إلا سير، وما أنت إلا شرب الإبل؛ وإذا كان كذلك كان المعنى إن في صدورهم إلا كبر، ما هم ببالغي ما في صدورهم، ويكون المعنى بقوله ما في صدورهم ما كانوا يجاد لونه من أمر النبي، صلى الله عليه وعلى آله كقوله تعالى يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره، فمعنى ما هم ببالغيه؛ ما هم ببالغي ما يرونه من توهين أمره وتنفير الناس عنه وصدهم عن الدين قال أبو عثمان المازني ولا يضاف ضارب إلى فاعله، لأنك لا تضيفه إليه مضمرا، وكذلك لا تضيفه إليه مظهرا قال وجازت إضافة المصدر إلى الفاعل مظهراً لما جازت إضافته إليه مضمرا وكأن أبا عثمان إنما اعتبر في هذا الباب المضمر فقدمه وحمل عليه المظهر، من مثل أن المضمر أقوى حكما في باب الإضافة من المظهر، وذلك أن المضمر أشبه بما تحذفه الإضافة، وهو التنوين، من المظهر وكذلك لا يجتمعان في نحو ضاربانك، وقاتلونه، من حيث كان المضمر بلطفه وقوة اتصاله، وليس كذلك المظهر لقوته ووفور صورته، ألا ترك تثبت معه التنوين فتنصبه، نحو ضاربان زيدا، وقاتلون بكرا، فلما كان المضمر مما تقوى معه مراعاة الإضافة حمل المظهر، وإن كان هو الأصل، عليه
الخامس والخمسون
ما جاء في التنزيل في جواب الأمر
فمن ذلك قوله تعالى فادع لنا ربك يخرج لنا ف يخرج لنا جزم، لأن التقدير ادع لنا ربك وقل له أخرج يخرج لنا مما تنبت الأرض ومنه قوله اسلك يدك في جيبك تخرج أي أخرجها تخرج وقال قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة، ففي يقيموا ثلاثة أقوال الأول أن يكون جواب قل، لأنه يتضمن معنى مرهم بالصلاة يفعلوا، لأنهم آمنوا والثاني أن قل تقتضى مقولا، وذلك المقول ها هنا أقيموا، فالتقدير قل لهم أقيموا الصلاة يقيموها، أي إن قلت أقيموا أقاموا، لأنهم يؤمنون، فيكون جواب أمر محذوف دل عليه الكلام والثالث أن يكون بحذف اللام من فعل أمر الغائب، على تقدير قل لهم ليقيموا الصلاة وجاز حذف اللام هنا، ولا يجوز ابتداء مع الجزم، لأن لفظ الأمر ها هنا صار عوضا من الجازم، وفي أول الكلام لا يكون له عوض إذا حذف

وفي التذكرة في قوله هل أدلكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابٍ أليم تؤمنون بالله إلى قوله يغفر لكم قيل تؤمنون على إرادة أن فلما حذفت رفع، كأنه هل أدلكم على أن تؤمنوا، على أنه بدل من تجارة فلما حذف رفع، فيكون المعنى معنى أن، وإن حذفت، وأن يكون بمعنى آمنوا أقوى، لانجزام قوله يغفر، ألا ترى أنه لا يخلو من أن يكون جوابا لقوله هل أدلكم، أو يكون جواب آمنوا، فلا يكون جواب هل أدلكم لأنه ليست المغفرة تقع بالدلالة، إنما تقع بالإيمان، فإذا لم يمتنع أن يكون جوابا له ثبت أنه بمعنى الأمر هذا قول سيبويه وقال قوم إن قول الفراء أجود، وذا كأن تؤمنوا لا يقتضى جوابا مجزوما، لأنه مرفوع والاستفهام يقتضيه، وإذا وجب بالإجماع حمل الكلام على المعنى، فأن يقدر هل تؤمنوا يغفر أولى، لارتفاع تؤمنون، ولكون المعنى عليه، ويكون تؤمنون بدلا من أدلكم قال أبو عثمان في قوله وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن التقدير في يقولوا قولوا، لأنه إذا قال قل فقوله لم يقع بعد، فوقوع يفعل في موضع افعلوا غير متمكنٍ في الأفعال، فلما وقع التمكن وقع افعلوا وهكذا تقول في قوله
إذا الدين أودى بالفساد فقل له ... يدعنا ورأساً من معدٍّ نصارمه
أي دعنا وهذا لا يرتضيه أبو علي، لأن الموجب للبناء في الاسم الواقع موقع المبني لا يكون مثل ذلك في الأفعال، وإنما يكون في الأسماء
السادس والخمسون
ما جاء في التنزيل من المضاف الذي اكتسى
من المضاف إليه بعض أحكامه
فمن ذلك قوله تعالى فاقع لونها تسر الناظرين، وقف على فاقع، أنث اللون، لأنه قد اكتسى من المضاف إليه التأنيث وقال فله عشر أمثالها، لما أضاف الأمثال إلى المؤنث اكتسى منه التأنيث، ولم يقل عشرة وقال تلتقطه بعض السيارة، في قراءة الحسن بالتاء ومن ذلك قوله ومن خزي يومئذٍ، وهم من فزعٍ يومئذٍ، من عذاب يومئذٍ وقوله فذلك يومئذٍ يومٌ عسير، فيمن فتح، فتحه لأنه بناه حين أضافه إلى إذ فاكتسى منه البناء وربما يكتسى منه الشيوع، ومعنى الشرط، ومعنى الاستفهام فالشيوع كقوله بئس مثل القوم الذين كذبوا، لما أضاف مثل إلى اللام كان بمعنى اللام فأما قوله تعالى قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم، فليس من هذا الباب، لأنه مضاف إلى المعرب دون المبني، فانتصابه إنما هو على الظرف، أي هذا واقع يوم ينفع الصادقين؛ أو يكون ظرفا ل قال، أي قال الله هذا في ذلك اليوم وقال قوم يسألون أيان يوم الدين يوم هم على النار يفتنون إن قوله يوم هم على النار مبني على الفتح، وهو في موضع الرفع، لأنه بدل من قوله يوم الدين وقالوا إنما بني لأنه أضيف إلى الجملة، والجملة لا يتبين فيها الإعراب، فلما أضيف إلى شيئين كان مبنياًّ وقالوا في قوله تعالى وما أدريك ما يوم الدين فجرى ذكر الدين، وهو الجزاء، قال يوم لا تملك أي الجزاء يوم لا تملك، فصار يوم لا تملك خبر الجزاء المضمر، لأنه حدث، فيكون اسم الزمان خبرا عنه؛ ويقوى ذلك قوله اليوم تجزى كل نفسٍ بما كسبت ويجوز النصب على أمرٍ آخر، وهو أن اليوم لما جرى في أكثر الأمر ظرفا ترك على ما كان يكون عليه في أكثر أمره؛ ومن الدليل على ذلك ما اجتمع عليه القراء في قوله تعالى ومنهم الصالحون ومنهم دون ذلك وقوله تعالى وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ومثله وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس ومثله لقد تقطع بينكم فيمن نصب ومثله يوم القيامة يفصل بينكم، مرتبا للمفعول، لما جرى بين في كلامهم منصوبا بقاه على النصب قال سيبويه وسألته عن قولهم في الأزمنة كان ذلك زمن زيدٍ أمير؟ فقال لما كانت بمنزلة إذ أضافوها إلى ما قد عمل بعضه في بعض، كما يدخلون إذ على ما قد عمل بعضه في بعض فلا يغيرونه، فشبهوا هذا بذاك ولا يجوز هذا في الأزمنة حتى تكون بمنزلة إذ، فإن قلت يكون هذا يوم زيد أمير، خطأ حدثنا بذلك عن يونس عن العرب في ذلك، لأنك لا تقول يكون هذا إذا زيد أمير قال أبو عثمان جملة هذا الباب إن الزمان إذا كان ماضيا أضيف إلى الفعل أو إلى الابتداء والخبر، لأنه في معنى إذ، فأضيف إلى ما يضاف إليه، وإذا كان لما لم يقع لم يضف إلا إلى الأفعال، لأنه في معنى إذا وإذا هذه لا تضاف إلا إلى الأفعال

قلت وفي التنزيل يوم هم بارزون، و يوم هم على النار يفتنون وفيما اكتسى المضاف من المضاف إليه التأنيث وتوفى كل نفسٍ و اليوم تجزى كل نفسٍ، وقوله ثم توفى كل نفس، جاء تأنيث الفعل في هذه الآي وأمثالها، لأن كلا لما أضيف إلى المؤنث اكتسى منه التأنيث ليكون حجة لقراءة الحسن تلتقطه بعض السيارة و كل ك بعض و بعض ك كل
؟السابع والخمسون
ما جاء في التنزيل وصار المضاف إليه عوضا
من شيء محذوف
فمن ذلك قوله تعالى رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة، وأنت تقول أقمت إقامة، فإذا قلت إقام الصلاة، حذفت التاء، ويصير المضاف إليه عوضا من التاء نظيره في الأنبياء فعل الخيرات وإقام الصلاة وقد شاع كون المضاف إليه بدلاً من التنوين والألف واللام
الثامن والخمسون
ما جاء في التنزيل معطوفا وليس المعطوف
مغايرا للمعطوف عليه وإنما هو هو أو بعضه
فمن ذلك قوله تعالى ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا، إن حملت الكلام على المعنى وقلت إن التقدير أحرص من الناس، كان الذين أشركوا داخلين معهم، وخصوا بالذكر لشدة عنادهم ومثله من كان عدواًّ لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ومثله إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ ومثله ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياءً، و الضياء في المعنى هو الفرقان وقال ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم فأما قوله فيها فاكهةٌ ونخلٌ ورمان، فالشافعي يجعله من هذا الباب فيقول، لو قال رجل والله لا آكل الفاكهة؛ فأكل من هذين يحنث، وجعله من هذا الباب ك جبريل وميكال وأبو حنيفة يحمله على أصل العطف من المغايرة دون ما خص بالذكر بعد الواو، إما تعظيماً، وإما لمعنى آخر ومثله الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين، إلى قوله والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين وحكى سيبويه مررت بزيد وصاحبك، ولا يجوز فصاحبك، بالفاء، خلافا لأبي الحسن الأخفش وقال تلك آيات الكتاب وقرآنٍ مبين وفي موضع آخر تلك آيات القرآن وكتابٍ مبين والكتاب والقرآن واحد فأما قوله، تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق فيكون من هذا الباب، فيكون الذي في موضع الجر، أي تلك آيات الكتاب المنزل إليك، ويرتفع الحق إذاً بإضمار مبتدأ، ويكون الذي مبتدأ، و الحق خبرا له
التاسع والخمسون
ما جاء في التنزيل من التاء في أول المضارع
فيمكن حمله على الخطاب أو على الغائبة
فمن ذلك قوله تعالى خذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها، يجوز أن يكون تطهرهم أنت، وأن يكون التقدير تطهرهم هي، يعني الصدقة، فيكون الأول حالا من الضمير في خذ، وفي الثانية صفة ل صدقة قال أبو علي يمكن أن يكون حالا للمخاطب، أي خذها مطهراً لهم، فإن جعلت تطهر صفة ل صدقة لم يصح أن يكون تزكيهم حالا من المخاطب، فيتضمن ضميره؛ لأنك لو قلت خذ مزكيا، وأنت تريد الحال، فأدخلت الواو، لم يجز ذلك لما ذكرنا، ويستقيم في تطهرهم أن يكون وصفا، وكذلك تزكيهم وصفا له، وكذلك تزكيهم لمكان بها كما يستقيم فيهما أن تكونا حالين، ولا يستقيم أن تكون الأولى وصفا والأخرى للمخاطب، كما لا يجوز أن تكون الأولى حالا والأخرى وصفا، لمكان الواو ومن ذلك قوله ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعةٌ أو تحل أي تحل أنت وإن شئت أو تحل القارعة ومثله وألق ما في يمينك تلقف، إن شئت تلقف أنت، وإن شئت تلقف العصا التي في يمينك، فأنث على المعنى وقال يومئذٍ تحدث أخبارها إن شئت تحدث أنت، أو تحدث هي، يعني الأرض
المتم الستين
ما جاء في التنزيل من واو الحال
تدخل على الجملة من الفعل والفاعل، والمعروف منها دخولها على المبتدأ والخبر، كقوله وطائفة قد أهمتهم أنفسهم وقد دخل على الفعل والفاعل في مواضع
فمن ذلك قوله لا ذلولٌ تثير الأرض ولا تسقي الحرث كان سهل يقف على ذلول ويبتدى بقوله تثير الأرض فيكون الواو في ولا تسقى الحرث للحال دون العطف، لأن النفي لا يعطف على الإثبات ومن ذلك قوله إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً، ولا تسأل عن أصحاب الجحيم، أي غير مسئول، فهو في موضع الحال، وحمله مرةً أخرى على الإثبات

ومن ذلك قوله تعالى قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان، فيمن خفف النون قال وإن شئت كان على لفظ الخبر، والمعنى معنى الأمر، كقوله يتربصن بأنفسهن، ولا تضار والدةٌ بولدها، أي لا ينبغي ذلك وإن شئت جعلته حالا من استقيما، وتقديره استقيما غير متبعين وأنشد فيه أبياتاً تركتها مع أبيات أخرى فأما قوله وإذ قالت طائفةٌ منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريقٌ منهم النبي، فإنهما كانا طائفتين طائفة قالت يا أهل يثرب لا مقام لكم، وطائفة تستأذن النبي فالواو للاستئناف عطف على وإذ قالت ويجوز أن يكون للحال من الطائفة، أي وإذ قالت طائفة منهم كيت وكيت، مستأذنا فريق منهم النبي وجاز لربط الضمير الجملة بالطائفة، أي قالت كذا، وحال طائفة كذا ومن ذلك قوله تعالى الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً يجوز أن يكون حالاً من الباغين، أي يصدون باغين؛ ويجوز أن يكون حالا من السبيل ويجوز الاستئناف، لقوله في الآية الآخرى وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجاً وحكم تعديته أعني تبغون إلى أحد المفعولين، أن يكون بحرف الجر، نحو بغيت لك خيرا، ثم يحذف الجار ومن ذلك قوله تعالى واتخذتموه وراءكم ظهرياً الواو في اتخذتموه واو الحال، أي أرهطي أعز عليكم من الله وأنتم بصفة كذا؟ فهو داخل في حيز الاستفهام ومن ذلك قوله تعالى إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون قيل لم يقولوا إن شاء الله وقيل لم يستثنوا حق المساكين فعلى الثاني الواو للحال، أي أقسموا غير مستثنين، وعلى الأول الواو للعطف، أي أقسموا وما استثنوا، فهو حكاية الحال من باب وكلبهم باسطٌ وإن شئت من باب كفروا ويصدون نظير قوله إنا نحن نزلنا الذكر، وقوله على خوف من فرعون، وقوله رب ارجعون وأما قوله يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا قال الجرجاني كما لا يجوز أن يكون لا نكذب معطوفاً على نرد لأنه يدخل بذلك الحتم ويجرى مجرى أن يقال يا ليتنا لا نكذب، كذلك لا يجوز أن تكون الواو للحال، لأنه يوجب مثل ذلك من دخوله في التمني من حيث كانت الواو إذا كانت للحال ربطت الجملة بما قبلها فإذا قلت ليتك تأتيني وأنت راكب، كنت تمنيت كونه راكبا، كما تمنيت الإتيان فإن قلت ما تقول في مثل قول المتنبي
فليتك ترعاني وحيران معرضٌ
لا يتصور أن يكون دنوه من حيران متمنًّى، فإن ذلك لا يكون؛ لأن المعنى في مثل هذا شبيه التوقيف، نحو ليتك ترعاني حين أعرض حيران، وحين انتهيت إلى حيران، ولا يكون ذلك إلا في الماضي الذي قد كان ووجد، وكلامنا في المستقبل، فهذه زيادة في آخر الكتاب تجئ على قول الفراء دون سيبويه وأصحابه، من عطف الظاهر المجرور على المضمر المجرور، يذهب إليه في عدة آي منها قوله وصدٌّ عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرام، يحمل جر المسجد على الهاء ومنها قوله واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، فيمن قرأها بالجر ومنها قوله قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم ومنها قوله لا أملك إلا نفسي وأخى، يحمل أخي على الياء في نفسي ومنها قوله وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين، يحمل من على الكاف والميم ونحن ذكرنا الأجوبة في هذا الكتاب وأبطلنا مقالته أن سيبويه لا يجيز مررت به وزيدٍ، حتى يقول وبزيد، بإعادة الباء، لأنه لا يقال بزيد و ك، حتى تقول وبك فأخذ هذا من ذاك، ولأن حرف الجر لا ينفصل عن المجرور، والتأكيد في هذا مخالف للعطف، لأنه يجيز مررت بك نفسك، لأنه يجوز مررت بنفسك، ولا يجوز مررت بك أنت وزيد، حتى تقول وبزيد، فالتأكيد ب أنت يخالف التأكيد بالنفس، وللفراء أبياتٌ كلها محمولة على الضرورة قالوا والتوكيد بالمضمر المجرور لا يحسن عطف الظاهر عليه كما حسن في المرفوع، لأن المرفوع بالفعل قد يكون غير متصل بالفعل الرافع له الظاهر فيه، وإنما استحسن التوكيد لأن التوكيد خارج عن الفعل، فنصبوه بمنزلة الفاعل الذي ليس متصلا، فيعطف عليه كما يعطف على ما ليس بمتصل من الفاعل، والمجرور لا يكون إلا متصلا بالجار، فلا يخرجه التوكيد إلى شبه ما ليس بمتصل
الحادي والستون
ما جاء في التنزيل من حدف هو من الصلة
وهذا الباب وإن تقدم على التفصيل فينبغي أن يفرد له باب
فمن ذلك قوله تعالى مثلاً ما بعوضةً فما فوقها، فيمن رفع

وقوله تماماً على الذي أحسن، فيمن رفع أيضا وقوله تعالى وهو الذي في السماء إله فالتقدير في هذه كلها ما هي بعوضة، وتماما على الذي هو أحسن، وهو الذي هو في السماء إله فأما قوله ثم لننزعن من كل شيعةٍ أيهم أشد على الرحمن عتياًّ، فعلى مذهب سيبويه من هذا الباب، والتقدير أيهم هو أشد، فحذف هو، فلما حذف هو دخله نقص فعاد إلى البناء، لأن أيا إنما أعرب من جملة أخواته إذ كان بمعنى الذي حملاً على البعض، فلما نقص عاد إلى البناء واستبعد أبو بكر قول سيبويه، وقال لأنه لو كان مبنيا ًّ لكل بناؤه في غير الإضافة أحق وأجوز، ولا يلزم ذلك لأنه على تقدير إضافة لازمة مع الحذف، وكلزوم الألف واللام في الآنفإن قلت لم استحسن لأضربن أيهم أفضل، وامرر على أيهم أفضل ومثله قوله تعالى لننزعن من كل شيعة أيهم بإضمار هو، ومثل قوله
إذا ما أتيت بني مالك ... فسلم على أيهم أفضل
ولم يستحسن بالذي أفضل، ولأضربن الذي أفضل، وقال هذا ضرورة، مثل قول عدي
لم أر مثل الفتيان في غبن ال ... أيام ينسون ما عواقبها
أي هو فيمن قال ما خبر، دون أن تجعله زيادة، فالجواب قال؛ لأن أيهم أفضل مضاف، وكان المضاف إليه قام مقام المحذوف، والذي ليس بمضاف، فخالف أيهم فأما إذا لم يكن أي مضافا فهو في نية الإضافة اللازمة قال سيبويه واعلم أن قولهم
فكفى بنا فضلاً على من غيرنا
أجود؛ يعنى، الرفع وهو ضعيف، وهو نحو مررت بأيهم أفضل، وكما قرأ بعض الناس هذه الآية تماما على الذي أحسن واعلم أنه قبيح أن تقول هذا من منطلق، إن جعلت المنطلق وصفا أو حشوا، فإن أطلت الكلام فقلت خيرٌ منك، حسن في الوصف والحشو وزعم الخليل أنه سمع من العرب رجلا يقول ما أنا بالذي قائل لك سوءا، وما أنا بالذي قائل لك قبيحا، إذا أفرده فالوصف بمنزلة الحشو، لأنه يحسن بما بعده، كما أن المحشو إنما يتم بما بعده فنرى سيبويه رجح في هذا الفصل رفع غير، وإن كان هو محذوفا على حده تابعاً ل من المذكور والحديث ذو شجون، جر هذا الحديث ما فيه تدافعٌ يدفع أحدهما صاحبه، فمن ذلك هذا ما نقلته لك ومنه قوله تعالى إن الذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم، يحرك هنا شيئان الابتداء بالنكرة، أو أن تقدر الجملة تقدير المفرد فتجعله مبتدأ، وإن لم يكن في اللفظ، فإما أن تقدر الإنذار وترك الإنذار؛ سواء أو تقدر سواء عليهم الإنذار وتركه ولما كان هذا الكلام على هذا التجاذب قرأ من قرأ سورة يس وسواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم، فجعل سواء دعاء، كما كان ويل و ويح و ويس و جندلٌ وترب كذا ومما تجاذبه شيآن من هذا الجنس قوله تعالى ومن آياته يريكم البرق فتحمله على حذف الموصوف، أو على حذف أن، وكلاهما عنده كما ترى إلا أن حذف الموصوف أكثر من حذف أن ومنه قوله تعالى وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا إما أن تقدر وممن حولكم من الأعراب منافقون مردوا ومن أهل المدينة، أو تقدر ومن أهل المدينة إن مردوا ومن ذلك قوله ليس كمثله شئ إما أن تقدر ليس كصاحب صفته، فتضمر المضاف؛ أو تقدر زيادة الكاف فهذا مما تجاذبه الحذف والزيادة، وكان الحذف أكثر من الزيادة، ومثله فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به
الثاني والستون
ما جاء في التنزيل من إجراء غير اللازم
مجرى اللازم وإجراء اللازم مجرى غير اللازم
فمن ذلك قوله وهو بكل شيءٍ عليم، وقوله فهي كالحجارة جعلوا الواو من قوله وهو، والفاء من قوله فهي بمنزلة حرف من الكلمة، فاستجازوا إسكان الهاء تشبيها ب فخذ و كبد، لأن الفاء والواو لا ينفصلان منهما ومثله لام الأمر من قوله وليوفوا نذورهم وليطوفوا استجازوا إسكانها لاتصالها بالواو، فأما ثم ليقطع وقوله ثم هو فمن أسكن اللام والهاء معها أجراها مجرى أختيها، ومن حركها فلأنها منفصلة عن اللام والهاء قال أبو علي قد قالت العرب لعمري، و رعملى، فقلبوا لما عدوا اللام كأنها من الكلمة، كما قلبوا قسيا ونحو ذلك، وكذلك قول من قال كاء في قوله وكأين من نبى و كأين من قرية أبدل الألف من الياء، كما أبدلها في طيئ طاء ونحو ذلك ومثل ذلك ويخش الله ويتقه لما كان يتقه مثل علم

ومن ذلك قوله الذي جعل لكم الأرض فراشاً، وقوله ويجعل لك قصورا ولما كان مثلين من كلمتين استجازوا الإدغام كما استجازوه في نحو رد، ومد وقد قالوا لم يضربها ملق، فامتنعوا من الإمالة لمكان المستعلى، وإن كان منفصلا، كما امتنعوا من إمالة نافق، ونحوه من المتصلة ومن ذلك قوله ولو شاء الله ما اقتتل الذين وولو شاء الله ما اقتتلوا فهذا بيانه نحوٌ من بيان سبب تلك، و جعل لك إلا أنه أحسن من قوله
الحمد لله العلي الأجلل
وبابه، لأن هذا إنما يظهر مثله في صورةٍ، وإظهار نحو اقتتل مستحسن، وعن غير ضرورةٍ، وكذلك قوله أتحاجوننا في الله و أتمدونني بمال و فبم تبشرون وما أشبه ذلك، وكذلك يضربونني، وهم يضربانني، أجرى مجرى يضربان نعمان ويشتمون نافعا ووجه الشبه بينهما أن نون الإعراب هذه لا يلزم أن يكون بعدها نون الأتراك،تقول يضربان زيداً، ويكرمونك؛ ومن أدغم نحو هذا، واحتج بأن المثلين في كلمة واحدة، فقال يضرباني، وقل أتحاجونا، فإنه يدغم أيضا، نحو اقتتل فيقول قتل، ومنهم من يقول اقتتل، فيثبت همزة الوصل مع حركة الفاء لما كانت الحركة عارضة للنقل أو للالتقاء الساكنين، وهذا مبين في فصل الإدغام ومن ضد ذلك قولهم ها الله، أجرى مجرى دابة و شابة وكذلك قراءة من قرأ ولا تيمموا، ولا تفرقوا، واذكروا، ولا تعاونوا على الإثم، وقوله فتفرق بكم عن سبيله، في نيف وثلاثين موضعا، أدغم التاء الأولى في الثانية، وجعل ما ليس من الكلمة كأنهما واحد ومثله وإن أدرى أقريبٌ ما توعدون، هذا كما أنشدوه من قوله
من أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يقدر ام يوم قدر
والقول فيه أنه أراد أيوم لم يقدر أم يوم قدر، ثم خفف همزة أم فحذفها وألقى فتحتها على لم يقدر، فصار تقديره أيوم لم يقدر، ثم أشبع فتحة الراء فصار تقديره لم يقدر ام، فحرك الألف لالتقاء الساكنين، فانقلبت همزة فصار يقدر أم، واختار الفتحة إتباعا لفتحة الراء ونحو من هذا التخفيف قولهم في المرأة و الكمأة إذا خففت الهمزة المراة و الكماة، وهذا إنما يجوز في المتصل ومن ذلك قوله لكنا هو الله ربي لكنا أصله لكن أنا، فخففت الهمزة فحذفها وألقيت حركتها على نون لكن، فصارت لكنا فأجرى غير اللازم مجرى اللازم، فاستثقل التقاء المثلين متحركين فأسكن الأول وأدغم الثاني، فصار لكنا كما ترى وقياس قراءة من قرأ قالوا الآن فحذف الواو، ولم يحفل بحركة اللام، أن يظهر النونين هناك، لأن حركة الثانية غير لازمة، فقوله لكننا بالإظهار كما يقول في تخفيف حوأبة و جيأل حوية، وجيل، فيصبح حرفا اللين هنا لا يقلبان، لما كانت حركتهما غير لازمة ومثله قوله قالوا لان لأن قوله عاداً لولى من أثبت التنوين في عاد ولم يدغمها في اللام فلأن حركة اللام غير معتد بها، لأنها نقلت إليها من همزة أولى، فاللام في تقدير السكون وإن تحركت، فكما لا يجوز الإدغام في الحرف الساكن فكذا لا يدغم في هذه اللام و عادا على لغة من قال ألحمر، فأثبت همزة الوصل مع تحرك اللام، لأنها غير معتد بها ومن قال عاد لولى، فأدغم، فإنه قد اعتد بحركة اللام فأدغم، كما أن من قال قالوا لان، أثبت الواو اعتداداً بحركة اللام ومثله قوله تعالى إنا إذاً لمن الآثمين، من اعتد بحركة اللام أسكن النون، ومن لم يعتد حرك النون ومن ذلك قوله تعالى لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب، حرك النون من يكن لالتقاء الساكنين، ولم يعتد بها لأنها في تقدير السكون، ولو كان الاعتداد بها لأعاد ما حذف من أجله، وهو الواو وقال أبو علي فإن قلت فقد اعتدوا بتحريك التقاء الساكنين في موضع آخر، وذلك قوله لم يكن الذين كفروا، ألا ترى أن من يقول لم يك زيد منطلقا، إذا تحرك لالتقاء الساكنين لم يحذف، كما أنه إذا تحرك بحركة الإعراب لم يحذف، فالقول إن ذلك أوجه من الأول من حيث كثر في الاستعمال وجاء به التنزيل، فالاحتجاج به أقوى فأما حذف الشاعر له مع تحريكها بهذه الحركة، كما يحذفها إذا كانت ساكنة، فإن هذه الضرورة من رد الشيء إلى أصله، نحو يعنى بحذف الشاعر له قوله
لم يك الحق على أن هاجه ... رسم دارٍ قد تعفى بالسرر
وقد ذكرنا في المستدرك أن هذا ليس بلغة من قال لم يكن، وإنما من لغة من قال أو لم تك تأتيكم و ولا تك في ضيق، وما أشبه ذلك

ومن ذلك قوله وقل الحق من ربكم، و قل اللهم مالك الملك، وقم الليل، قل الله، وإنا أو إياكم يعتد بكسرة اللام والميم فلم يرد المحذوف، كما اعتد بها في قوله فقولا له قولا لينا، فقولا إنا رسول رب العالمين فرد المحذوف لما اعتد بفتح اللام ومن قرأ فقلا له قولاً لينا حمله على قوله وقل الحق من ربكم، فإن قلت إنهم قد اعتدوا بحركة التقاء الساكنين في قوله عليهم الذلة ومن دونهم امرأتين وإليهم اثنين فيمن قرأ بضم الهاء، إنما ضموا تبعا لضم الميم وهي لالتقاء الساكنين، وعلى ما قدمت تلك حركة لا اعتداد بها، فكيف أتبعها الهاء؟ قيل إن من ضم الهاء أراد الوفاق بين الحركتين وهم مما يطلبون المطابقة، فكأنهم اعتدوا لأجل هذا المعنى بحركة التقاء الساكنين فمن ذلك قوله تعالى وقد خلت القرون من قبلى و قد خلت النذر وقوله زنت الأمة، وبغت الأمة، فحذفوا الألف المنقلبة عن اللام، لسكونها وسكون تاء التأنيث، ولما حركت التاء لالتقاء الساكنين لم ترد الألف ولم تثبت، كما لم تثبت في حال سكون التاء، وكذلك لم يخف الرجل، ولم يقل القوم، ولم يبع ومن ذلك قولهم اضرب الاثنين، واكتب الاسم، فحركت اللام من افعل بالكسرة لالتقاء الساكنين، ثم لما حركت لام المعرفة من الاسم والاثنين لم تسكن اللام من افعل كما لم تسكنها في نحو اضرب القوم، لأن تحريك اللام لالتقاء الساكنين، فهي في تقدير السكون ومن ذلك قوله تعالى ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم، وقوله حتى يقولا إنما نحن فتنة، وقوله هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله، وقوله ألم تعلموا أن أباكم، فحذفوا النون في هذه المواضع، كما حذفوا الألف والواو والياء السواكن إذا كن لامات من حيث عودلن بالحركة، ولو كانت حركة النون معتدّاً بها لحذفت هي من دون الحرف، كما فعل ذلك بسائر الحروف المتحركة إذا لحقها الجزم، ويدل على ذلك أيضا اتفاقهم على أن المثلين إذا تحركا ولم يكونا للإلحاق، أو شاذا عن الجمهور، أدغموا الأول في الآخر وقالوا، اردد ابنك، واشمم الريحان، فلم يدغموا في الثاني، إذا تحرك لالتقاء الساكنين، كما لم يدغموه قبل هذا التحريك، فدل ذلك على أن التحريك لا اعتداد به عندهم ومن ذلك قوله تعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدىو لا تنسوا الفضل بينكم لم يهمزوها كما همزوا أقتت، وأجوه، لما لم يعتد بحركة التقاء الساكنين ومن ذلك قوله تعالى لا تقصص رؤياك على إخوتك وقوله قد صدقت الرؤيا وقولهم نوى قالوا في تخفيف ذلك كله رويا ونوى، فيصح الواو هنا، وإن سكنت قبل الياء، من قال إن التقدير فيهما الهمزة، كما صحت في ضو ونو، تخفيف ضوء ونوء، لتقديرك الهمز وإرادتك إياه وكذلك أيضا صح نحو شي، وفى، في شيء، وفيء، كذلك
؟الثالث والستون
ما جاء في التنزيل من الحروف المحذوفة
تشبيها بالحركات، وذلك يجيء في الواو والياء، وربما يكون في الألف
قال الله تعالى ما كنا نبغ، والليل إذا يسر، عسى ربي أن يهدينى، وما أشبه ذلك، حذفت الياء تشبيها بالحركة استخفافا، كما حذفت الحركة لذلك وذلك قولهم أخراهم طريق أولاهم، كما قيل يراد ألاهم وقال قلن حاش لله، يريد حاشى وقال رؤبة
وصاني العجاج فيما وصنى
فنظير حذف هذه الحروف للتخفيف حذف الحركات أيضا له، في نحو قوله
وقد بداهنك من المئزر
وقوله
فاليوم أشرب غير مستحقب
وحذف الياء أكثر من حذف الألف لخفاء الألف، ألا تراه قال
ورهط ابن المعل

أقل من قوله نبغ و يسر، ولهذا لم يحمل البصريون قوله قال يا ابن أم على أن أصله يا ابن أمى، فقلبت الكسرة فتحة والياء ألفا ثم حذفت الألف، لقلة ذلك، ولكن حملوه على باب خمسة عشر، مما جعل الاسمان فيه اسما واحدا، وهكذا قالوا في قوله يا أبت إنه فتح التاء تبعا للباء، وعلى أنه أقحم التاء، على لغة من قال يا طلحة، ولم يحملوه على أن أصله يا أبتا فحذف الألف ولكن من قال يا بني، أدغم ياء التصغير في ياء الإضافة، وياء الإضافة مفتوحة، وحذف لام الفعل وحذف الألف من هذه الكلمات الثلاث مذهب أبي عثمان ومن ذلك إن تاء التأنيث في الواحد لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، نحو حمزة، وطلحة، وقائمة، ولا يكون ساكنا، فإن كانت الألف وحدها من سائر الحروف جازت، وذلك نحو قطاة، وحصاة، وأرطاة، وحبنطاة، أفلا ترى إلى مساواتهم بين الفتحة والألف حتى كأنها هي هي وهذا أحد ما يدل على أن أضعف الحروف الثلاثة الألف دون أختيها، لأنها قد خصت هنا بمساواة الحركة دونها ومن ذلك أنهم قد بينوا الحرف بالهاء، كما بينوا الحركة بها، وذلك قولهم وازيداه، واغلاماه، واغلامهوه، واغلامهيه، وانقطاع ظهراه فهذا نحو من قولهم أعطيتكه، ومررت بكه، واغزه، ولا تدعه، والهاء في كله لبيان الحركة ومن ذلك قراءة من قرأ إن بيوتنا عورة بكسر الواو وقولهم القود، والحوكه، والخونة وقد جرت الياء والواو هنا في الصحة لوقوع الحركة بعدهما مجراهما فيها، لوقوع حرف اللين ساكنا بعدهما، نحو القواد، والعياب، والصياد، وإن بيوتنا عورة فهذا إجراء الحركة مجرى الحرف ومنه باب قدر و هند في باب ما لا ينصرف في الثلاثي المؤنث الحركة في قدر بمنزلة حرف، نحو زينب و عقرب ومنه حذف الحرف من جمزى، لما جرى الميم متحركا جرى مجرى الخماسي، نحو مرتمى، ومرتضى
الرابع والستون
ما جاء في التنزيل أجرى فيه
الوصل مجرى الوقف
وهو شيء عزيز نادر حتى قالوا إنه يجوز في ضرورة الشعر، ولكن أبا علي حمل قوله وإن كلاًّ لما ليوفينهم فيمن شدد النون، أن أصله لمًّا، من قوله أكلاً لمًّا، فوقف وأبدل من التنوين ألفا، فصار لما ثم حمل الوصل على الوقف ومن ذلك قوله يا بنى لا تشرك بالله و يا بنى أقم الصلاة فيمن خفف الياء، قال هذا على الوقف ومثله قول عمران
قد كنت عندك حولاً لا تروعنى ... فيه روائع من إنس ولا جانى
ومن ذلك قراءة من قرأ فإما يأتينكم مني هدًى و قال يا بشراى هذا غلام هذا على أن الوقف في هدًى هدى بالإسكان، وفي بشراى بشرى، كما حكاه سيبويه من أنهم يقفون على أفعى، أفعى، ثم لما أدخل ياء الإضافة أدغم الياء في الياء وأجرى الوصل مجرى الوقف ومن ذلك قراءة نافع أنا أحيى وأميت، وأنا أول المؤمنين، وأنا أعلم بما أخفيتم فهذه على لغة من وقف على أنا فقال أنا ومثله ولكنا هو الله ربى، الأصل لكن أنا هو الله ربي، فحذف الهمزة وأدغم النون في النون ومن ذلك قراءة حمزة ومكر السيئ ولا يحيق، بإسكان الهمزة في الإدراج، فإن ذلك يكون على إجرائها في الوصل مجراها في الوقف، وهو مثل سيساء، وعيهل، والقصباء، وحسناء، وهو في الشعر كثير ومما يقوى ذلك أن قوما قالوا في الوقف أفعى وأفعو، أبدلوا من الألف الواو والياء ثم أجروها في الوصل مجراها في الوقف، فقالوا هذا أفعويا وكذلك حمل حمزة في هذا الموضع، لأنها كالألف في أنها حرف علة، كما أن الألف كذلك، ويقوى مقاربتها الألف أن قوما يبدلون منها الهمزة في الوقف فيقولون رأيت رجلأ، ورأيت جبلأ ويحتمل وجها آخر، وهو أن تجعل يأولا من قوله ومكر السيئ ولا بمنزلة إبل ثم أسكن الحرف الثاني كما أسكن من إبل لتوالي الكسرتين، أجراها وقبلها ياء فخفف بالإسكان، لاجتماع الياءآت والكسرات، كما خففت العرب من نحو أسيدى وبالقلب في رحوى، ونزلت حركة الإعراب بمنزلة غير حركة الإعراب، كما فعلوا ذلك في قوله
فاليوم أشرب غير مستحقب
وقد بدا هنك من المئزر
و لا يعرفنكم العرب

وكما أن حركة غير الإعراب نزلت منزلة حركة الإعراب في نحو رد، وفر، وعض، فأدغم كما أدغم يعض، ويفر، لما تعاقب حركات الإعراب على لامها، وهي حركة التقاء الساكنين وحركة الهمزة المخففة وحركة النونين، ونزلت هذه الحركات منزلة حركة الإعراب حتى أدغم فيها كما أدغم المعرب، وكذلك نزلت حركة الإعراب منزلة غير حركة الإعراب في أن استجيز فيها من التخفيف كما استجيز في غيرها، وليس تختل بذلك دلالة الإعراب، لأن الحكم في مواضعها معلوم، كما كان معلوما في المتصل والإسكان للوقف
الخامس والستون
ما جاء في التنزيل من بناء النسب
فمن ذلك قوله تعالى لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، أي لاذا عصمة، ليصح استثناء قوله من رحم منه ويحمل الفراء على لا معصوم ويحمله غيره على بابه، ويكون من رحم بمعنى راحم ومن ذلك قوله تعالى حجاباً مستوراً، أي حجابا ذا ستر، لأن الحجاب ستر لا يستر ومنه قوله في عيشةٍ راضية، إنه بمعنى مرضية، والوجه ما قلنا ومن ذلك خلق من ماءٍ دافق، أي ذي دفق والفراء يقول من ماء دفوق فهذا كله محمول على النسب قال الحطيئة
وغررتني وزعمت أن ... ك لابنٌ في الصيف تامر
أي ذو لبن وذو تمر ومنه عندي خير الملك سكة مأبورة أو مهرة مأمورة أي ذات كثرة؛ لأن أمر القوم إذا كثروا، فهو مثل قوله حجاباً مستورا قال قال أبو عمرو إنما نعرف مأمورة على هذا الوجه، ولا نعرف أمرته أي كثرته وحكاه غيره، فإن صح فهو على بابه
السادس والستون
ما جاء في التنزيل أضمر فيه
المصدر لدلالة الفعل عليه
وذكر سيبويه من ذلك قولهم من كذب كان شرا له، أي كان الكذب شرا له فمن ذلك قوله تعالى فما يزيدهم إلا طغياناً كبيرا أي فما يزيدهم التخويف ومنه وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا أي لا يزيد إنزال القرآن إلا خسارا ومنه يخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً أي يزيدهم البكاء والخرور على الأذقان وقد ذكرنا قديما في قوله واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرةٌ أن الهاء كناية عن الاستعانة وفي قوله يذرؤكم فيه أي يذرؤكم في الذرء ومن ذلك قوله اعدلوا هو أقرب للتقوى أي العدل أقرب للتقوى ومن ذلك قوله تعالى ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله، يقرأ بالتاء والياء، فمن قرأ بالتاء فتقديره لا تحسبن بخل الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله، فحذف البخل وأقام المضاف إليه مقامه، وهو الذين، كما قال واسأل القرية ومعناه أهل القرية ومن قرأ بالياء ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله البخل خيرا لهم وهو في هذه القراءة استشهاد سيبويه وهو أجود القراءتين في تقدير النحو، وذلك أن الذي يقرأ بالتاء يضمر البخل من قبل أن يجرى لفظه تدل عليه، والذي يقرأ بالياء يضمر البخل بعد ذكر يبخلون، كما قال من كذب كان شرًّا له
السابع والستون
ما جاء في التنزيل ما يكون على وزن مفعل
بفتح العين ويراد به المصدر ويوهمك أنه مكان
فمن ذلك قوله تعالى النار مثواكم خالدين فيها المثوى، ها هنا، مصدر، أي قال النار ذات ثوائكم، لا بد من هذا ليعمل في الحال، ف خالدين حال، والعامل فيه نفس المصدر وجوز مرة أخرى أن يكون حالا من المضاف إليه، والعامل فيه معنى المضامة والممازجة، كما قال ونزعنا ما في صدورهم من غلٍّ إخواناً وقال إن دابر هؤلاء مقطوعٌ مصبحين فيجوز على هذا أن يكون المثوى المكان ومن ذلك قوله لقد كان لسبإ في مسكنهم آيةٌ أي في مواضع سكناهم، لا بد من هذا، لأنه إذا كان مكانا كان مفردا مضافا إلى الجمع، والأحسن في مثل هذا أن يجمع، فلما أفرد علمت أنه مصدر ومثله في مقعد صدق، أي في مواضع قعود صدق، فهو مصدر، والمضاف محذوف قال سيبويه وأما ثلثمائة إلى تسعمائة فإنه شاذ، كان ينبغي أن يكون مئين أو مئات، ولكنهم شبهوه بعشرين وأحد عشر، حيث جعلوا ما يبين به العدد واحدا، لأنه اسمٌ العدد، كما أن عشرين اسم العدد، وليس بمستنكر في كلامهم أن يكون اللفظ واحدا والمعنى جميع، حتى قال بعضهم في الشعر من ذلك ما لا يستعمل في الكلام قال علقمة بن عبدة
بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيضٌ وأما جلدها فصليب
وقال آخر

لا تنكر القتل وقد سبينا ... في حلقكم عظمٌ وقد شجينا
ونظير هذا قول حميد
وما هي إلا في إزار وعلقةٍ ... مغار ابن همام على حي خثعما
ف مغار ليس بزمان لتعلق على به، والمضاف فيه محذوف، أي وقت إغارة ابن همام ومثله
كأن مجر الرامسات ذيولها ... عليه قضيمٌ نمقته الصوانع
أي كان مكان مجر الرامسات، ف مجر مصدر، لانتصاب ذيولها به، والمضاف محذوف وكذلك قول ذي الرمة
فظل بملقى واحف جزع المعى
نصب جزع المعى ب ملقى لأنه أراد به المصدر، أي موضع إلقاء واحف جزع المعى
الثامن والستون
ما جاء في التنزيل من حذف
إحدى التاءين في أول المضارع
فمن ذلك قوله تعالى تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وقال في سورة الأحزاب تظاهرون منهن أمهاتكم وقال وإن تظاهرا عليه والأصل تتظاهرون، و تتظاهرا، فلما اجتمعت تاآن حذفت إحداهما وكذلك قوله تعالى لعلكم تذكرون، فيمن خفف وقال قليلاً ما تذكرون، في جميع التنزيل وأصله تتذكرون، فحذفت إحدى التاءين، والمحذوفة الثانية، لأن التكرار بها وقع، وليس الأول بمحذوف، لأن الأول علامة المضارع، والعلامات لا تحذف ومن ذلك قراءة العامة دون قراءة ابن كثير ولا تيمموا الخبيث، إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، فتفرق بكم عن سبيله، فإذا هى تلقف ما يأفكون، ولا تولوا في الأعراف وطه والشعراء، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم في الأنفال، وقل هل تربصون في التوبة، لا تكلم، فإن تولوا فقد في هود، ما ننزل في الحجر، إذ تلقونه، فإن تولوا في النور، على من تنزل تنزل في الشعراء، ولا تبرجن، أن تبدل بهن في الأحزاب، لا تناصرون في الصافات، ولا تجسسوا، لتعارفوا، ولا تنابزوا في الحجرات، أن تولوهم، في الممتحنة تكاد تميز، لما تخيرون في القلم، عنه تلهى في عبس، ناراً تلظى في الليل، تنزل الملائكة في القدر؛ بتشديد الراء حذفت العامة إحدى التاءين من هذه الحروف، وأدغم الأولى في الثانية ابن أبي بزة، إجراءً للمنفصل مجرى المتصل، نحو اطيرنا واداركوا وترى في كتب النحو يقولون فلا تتناجوا بالإثم والعدوان، وذلك ليس بمروى في القراءة، إنما قاسوه على هذه الحروف وزاد بعضهم على ابن كثير فبأى آلاء ربك تتمارى، أي تتمارى وروى عن عاصم بما كنتم تعلمون الكتاب، أي تتعلمون، فحذف إحدى التاءين ومن الحذف الذي جاء في التنزيل قوله قال أتحاجونى في الله، وقوله فبم تبشرونى، وقوله أفغير الله تأمرونى منهم من يدغم النون الأولى في الثانية، ومنهم من يحذف، فمن حذف حذف النون الثانية التي يتصل بها ياء الضمير، ويبقى علامة الرفع ويكسرها لمجاورة الياء والدليل على أن النون الثانية هي المحذوفة حذفها في ليتى، و، لعلى، و قدى وقد جاء في القراءة عن ابن عامر أفغير الله تأمروني، بإثبات النونين ولم يجئ عن أحد تبشروننى، ولا تحاجوننى في الله، إلا الإدغام أو الحذف، ، والحذف ضرب من الإدغام، والفرق بين تأمروننى وبين الكلمتين الأخريين أن الأخريين لما شدد فيه الجيم و الشين جاء التشديد فيما بعده للمجاورة، والحذف مثل الإدغام، وليس في تأمرننى إدغام حرف قبله، فلم يدغم فأما قوله قال أتحاجوننى في الله فإن أحدا لم يدغم كما أدغم أتحاجونى و تبشرون، ولم يحذف أيضا، لأنه جاء على الأصل، وليس كل ما جاز في موضع جاز في موضع وروى عن ابن محيصن قل أتحاجونا في الله، بنون واحدة مشددة، قياسا على ما ذكرناه قال ابن مجاهد كان أبو عمرو لا يدغم الحرف إذا لقى مثله في كلمة واحدة وهما متحركان، مثل أتحاجوننا وأتمدونن بمال ومثل قوله من بعد إكراههن ووفي وجوههن، إلا أن يكون مدغما في الكتاب، مثل قوله تأمروني أعبد وما مكنى، وأتحاجونى في الله إلا قوله ما سلككم، ومناسككم فإنه أدغمها ومثل هذه الآية قوله أتمدوننى بمال لا يدغمها أبو عمرو وغيره جرياً على الأصل، ولأن النون الثانية غير لازمة، ألا تراك تقول تمدون زيدا وأدغمها حمزة كما أدغم غيره أتحاجونى اعتبارا بسماحة العربية ومن حذف التاء قوله تعالى وأن تصدقوا خيرٌ لكم، تقديره تتصدقوا فأدغمه الجماعة، وحذفها عاصم، كما حذف هو وغيره ولا تيمموا الخبيث

ومنه قوله تسوى بهم الأرض، أي تتسوى، فحذف ومنهم من أدغم فقرأ، تسوى، كما أدغم تصدقوا وقد اختلفوا في حذف هذه التاء أيتها هي، فمن قائل المحذوفة الأولى، ومن قائل المحذوفة الثانية، وهذا هو الأولى، لأنهم أدغموها في نحو تذكرون، وتزكى، ولأنه لو حذف حرف المضارعة لوجب إدخال ألف الوصل في ضروب من المضارع، نحو يذكرون ودخول ألف الوصل لا مساغ له هنا، كما لا يدخل على أسماء الفاعلين والمفعولين، لأن حذف الجار أقوى من حذف حرف المضارعة، للدلالة عليه بالجر الظاهر في اللفظ، يعني في لاه أبوك فلهذا خفف الثاني في هذا النحو دون حرف المضارعة، لأن الحذف غير سائغ في الأول مما لم يتكرر، لأنك قد رأيت مساغ الحذف من الأول من هذه المكررة
التاسع والستون
ما جاء في التنزيل حمل فيه الاسم
على الموضع دون اللفظ
فمن ذلك قوله تعالى وما من إله إلا الله فقوله إلا الله رفع محمول على موضع من إله، وخبر من إله مضمر، وكأنه قال الله في الوجود ولم يجز حمله على اللفظ، إذا لا يدخل من عليه وعلى هذا جميع ما جاء في التنزيل في قوله لا إله إلا الله خبر لا مضمر، ولفظة الله محمول على موضع لا إله ومثله ما لكم من إله غيره، فيمن قرأه بالرفع في جميع التنزيل ومثله هل من خالقٍ غير الله، فيمن رفعه ومثله فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، هو محمول على موضع الجار والمجرور في أحد الوجوه وقيل في قوله وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إن نصبه محمولا على الجار والمجرور؛ ويراد بالمسح، الغسل، لأن مسح الرجلين لما كان محدودا بقوله إلى الكعبين حمل على الغسل وقيل هو محمول على قوله فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ومن ذلك قوله تعالى قل إنني هدانى ربى إلى صراط مستقيم ديناً قيما، ف دينا محمول على الجار والمجرور، أي هدانى دينا قيما وقيل فيه غير ذلك ومثله قوله وجاهدوا في الله، إلى قوله ملة أبيكم إبراهيم، أي جاهدوا في دين الله ملة أبيكم، هو محمول على موضع الجار والمجرور، أي هدانى وأما قوله قل كفى بالله شهيداً بينى وبينكم ومن عنده، ففي موضع من وجهان الجر على لفظة الله، والحمل على موضع الجار والمجرور، أي كفاك الله ومن عنده علم الكتاب وهذا قوله أولم يكف بربك أنه، يجوز في موضع أن الجر والرفع، فالجر على اللفظ، والرفع على موضع الجار والمجرور، أي ألم يكف ربك شهادة على كل شيء
المتم السبعين
ما جاء في التنزيل حمل فيه ما بعد إلا
على ما قبله، وقد تم الكلام
فمن ذلك قوله تعالى وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى ف بادى الرأى، منصوب بقوله اتبعك، وهم لا يجيزون ما أعطيت أحدا درهما إلا زيداً دينارا، وجاز ذا ها هنا؛ لأن بادى ظرف، والظرف تعمل فيه رائحة الفعل وقيل هو نصب على المصدر، أي ابتداء الرأى قلت وذكر الأخفش هذه المسائل وفصل فيها، فقال لو قلت أعطيت القوم الدراهم إلا عمراً الدرهم، لم يجز، ولكن يجوز في النفي ما أعطيت القوم الدراهم إلا عمراً الدرهم فيكون ذلك على البدل؛ لأن البدل لا يحتاج إلى حرف، فلا يعطف بحرف واحد شيئان منفصلان، وكذلك سبيل إلا ومثله وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحى إليهم، إلى قوله بالبينات والزبر، حمله قوم على من قبلك، لأنه ظرف، وحمله آخرون على إضمار فعل دل عليه أرسلنا ومثله ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر، ف بصائر حال من هؤلاء، والتقدير ما أنزل هؤلاء بصائر إلا رب السموات والأرض، جاز فيه ذا لأن الحال تشبه الظرف من وجه فأما قوله وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً، فقد تكلمنا فيه غير مرة في كتب شتى

قال أبو علي ينبغي أن يكون قوله أو من وراء حجاب إذا جعلت وحيا على تقدير أن يوحى، كما قاله الخليل، ما لم يجز أن يكون على أن الأولى، من حيث فسد في المعنى، يكون من وراء حجاب على هذا متعلق بفعل محذوف في تقدير العطف على الفعل الذي يقدر صلة ل أن الموصولة ب يوحى، ويكون ذلك الفعل يكلم، وتقديره ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحى إليه أو يكلم من وراء حجاب، فحذف يكلم لجرى ذكره أولا، كما حذف الفعل في قوله كذلك لنثبت به فؤادك لجرى ذكره، والمعنى كذلك أنزلناه، وكما حذف في قوله الآن وقد عصيت قيل والمعنى، الآن آمنت، فحذف حيث كان ذكر آمنت قد جرى وهذا لا يمتنع حذفه من الصلة، لأنه بمنزلة المثبت، وقد تحذف من الصلة أشياء للدلالة ولا يجوز أن يقدر تعلق من من قوله من وراء حجاب إلا بهذا، لأنك إن قدرت تعلقه بغيره فصلت بين الصلة والموصول بأجنبي؛ ولا يجوز أن يقدر فصل بغير هذا، كما قدر في أو في قوله إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزيرٍ فإنه رجسٌ أو فسقاً لأن هذا اعتراض يسدد ما قبله، وأنت إذا قدرت أو من وراء حجاب متعلقا بشيء آخر كان فصلاً بأجنبي، إذ ليس هو مثل الاعتراض الذي يسدد وأما من رفع فقال أو يرسل رسولا، فينبغي أن يكون قوله أو من وراء حجاب متعلقا بمحذوف، ويكون الظرف في موضع حال، إلا أن قوله إلا وحيا، على هذا التقدير، مصدر في موضع الحال، كأنه يكلمه الله إلا إيحاء، أي موحيا، كقولك جئتك ركضاً ومشياً، ويكون من في قوله أو من وراء حجاب في أنه في موضع حال، مثل من في قوله ومن الصالحين، بعد قوله ويكلم الناس في المهد وكهلاً فهذه مواضع وقعت فيها في ظرفا في موضع حال، كما وقع سائر حروف الجر وعلى هذا الحديث المروى أدوا عن كل حرٍّ وعبدٍ من المسلمين، ف من المسلمين حال من الفاعلين المأمورين المضمرين، كما أنه، أدوا كائنين من المسلمين، أي أدوا مسلمين؛ كما أن قوله ومن الصالحين معناه يكلمهم صالحا ومعنى أو من وراء حجاب في الوجه الأول يكلمهم غير مجاهر لهم بالكلام من حيث لا يرى، كما يرى سائر المتكلمين، ليس اله حجاب يفصل موضعا من موضع، ويدل على تحديد المحجوب هذا كلامه في التذكرة ومن هذا يصلح ما في الحجة، لأنه قال ذلك الفعل يرسل، وقد أخطأ، والصحيح ذلك الفعل يكلم وقال في موضع آخر وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل قوله من وراء حجاب في موضع نصب ب أنه في موضع الحال بدلالة عطفه على وحيا، وكذلك من رفع أو يرسل رسولا فيوحى، أو يرسل في موضع نصب على الحال فإن قلت فمن نصب أو يرسل كيف القول فيه مع انفصال الفعل ب أن وكونه معطوفا على الحال؟ فالقول فيه إنه يكون المعنى أو بأن يرسل، فيكون الفاء على هذا في تقدير الحال، وإن كان الجار محذوفا وقد قال أبو الحسن في قوله وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وما لكم ألا تأكلوا إن المعنى وما لكم في أن لا تأكلوا، وأنه في موضع حال؛ كما أن قوله فما لهم عن التذكرة معرضين كذلك، فكذلك يكون قوله أو يرسل فيمن نصب، في موضع الحال؛ لعطفه على ما هو حال قال أبو علي في موضع آخر ما بعد حرف الاستئناء لا يعمل فيما قبله، فلا يجوز ما زيد طعامك إلا أكل؛ لأن إلا مضارع لحرف النفي ألا ترى أنك إذا قلت جاءني القوم إلا زيدا، فقد نفيت المجئ عن زيد ب إلا، فكما لا يعمل ما بعد حرف النفي فيما قبله، كذلك لا يعمل ما بعد إلا فيما قبلها فإن قلت فهلا لم يعمل ما قبلها فيما بعدها، فلم يجز ما زيد آكل إلا طعامك؟ قيل ما قبلها يجوز أن يعمل فيما بعدها، وإن لم يجز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، ألا ترى أنه قد جاز علمت ما زيد منطلق وقوله تعالى وظنوا ما لهم من محيص وتظنون إن لبثتم إلا قليلا، فيعمل ما قبلها فيها، ولم يجز ما بعدها أن يعمل فيما قبلها
الحادي والسبعون
ما جاء في التنزيل وقد حذف منه ياء النسب
فمن ذلك قوله تعالى ولو نزلناه على بعض الأعجمين وجمع أعجمى مثل أشعرى، حذف منه ياء النسب في الجمع، وليس جمع أعجم، لأن أعجم مثل أحمر، ولا يقال في أحمر أحمرون ومثله سلام على آل ياسين؛ هو جمع الياس، مثل أشعرين، في جمع أشعرى

ومنه قراءة من قرأ فاسأل العادين، بالتخفيف، جمع عاد، لكن أبدل من حرف التضعيف ياء، مثل تظنيت، في تظننت، وكأنه أبدل في عد، و عددت عديت و عدا
الثاني والسبعون
ما جاء في التنزيل وقد أبدل المستثنى
من المستثنى منه
فمن ذلك قوله تعالى ما فعلوه إلا قليلٌ منهم، رفعوا قليلا بالبدل من، الواو، في فعلوه، إلا ابن عامر ومن ذلك قوله ولا يلتفت منكم أحدٌ إلا امرأتك رفعه ابن كثير وأبو عمرو على البدل من أحد ومن ذلك قوله ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، رفعوا أنفسهم عن آخرهم، على البدل من، شهداء ومنه قوله ومن يغفر الذنوب إلا الله، ف من مبتدأ استفهام بمعنى النفي، وفي يغفر ضمير يعود إلى من وقوله إلا الله رفع بدل من الضمير في يغفر وكأنه قال ما أحد يغفر الذنوب إلا الله فثبت أن نظر شارحكم الجليل في هذا الباب ساقط، حيث قال من مبتدأ، وقوله إلا الله خبره ومثله ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه رفع، بدل من الضمير في يرغب فالاختيار في هذه الأشياء إذا كان بعد النفي أن يكون بدلا مما قبله، عند سيبويه وغيره وقال قوم إذا لم يجز في الاستثناء لفظ الإيجاب لم يجز البدل، فيقولون ما أتاني إلا زيد، على البدل، لأنه يجوز أتاني القوم إلا زيدا، ولا يقولون ما أتاني أحد إلا زيد، لأنه لا يجوز أتاني أحد قال أبو سعيد ولأنه قد أحاط العلم إنا إذا قلنا ما أتاني أحد، فقد دخل فيه القوم وغيرهم، فإنما ذكر بعض ما اشتمل عليه أحدهما يستثنى بعضه وقد احتج عليهم سيبويه ببعض ما ذكرناه، بأن قال كان ينبغي إن قال ذلك أن يقول ما أتاني أحد إلا وقد قال ذاك إلا زيدا، والصواب في ذلك نصب زيد و، ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك إلا زيدا؛ لأنك لما قلت ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك، صار الكلام موجبا لما استثنى من المنفي، فكأنه قال كلهم قالوا ذاك، فاستثنى زيدا من شيء موجب في الحكم، فنصب، وإنما ذكر هذا لأنه ألزم القائل بما ذكر من جواز ما أتاني أحد إلا زيد، ومنع ما أتاني القوم إلا زيد، فإن قال إن كان يوجب النصب لأن الذي قيل إلا جمع، فقد قال الله تعالى ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم بعد الجمع، وإن كان جواز الرفع والبدل لأن الذي قبل إلا واحد، فينبغي أن يجيزوا الرفع في قولهم ما أتاني إلا أحد إلا قد قال ذاك إلا زيد، فالواجب فيه النصب، وإنما ألجأهم سيبويه، إلا أن يقولوا الذي يوجب البدل أن يكون ما قبل إلا نفيا فقط، جمعا كان أو واحدا قال أبو علي الوجه في قولهم، ما أتاني أحد إلا زيد، الرفع، وهو الأكثر الأشيع في الاستعمال والأقيس، فقوته من جهة القياس أن معنى ما أتاني أحد إلا زيدا، وما أتاني إلا زيد، واحد، فكما اتفقوا على ما أتاني إلا زيد، إلا الرفع، وكان ما أتاني أحد إلا زيد، بمنزلته وبمعناه، اختاروا الرفع مع ذكر أحد وأجروا ذلك على يذر، ويدع، في أن يذر لما كان في معنى يدع فتح، وإن لم يكن فيه حرف حلق ومما يقوى ذلك أنهم يقولون ما جاءني إلا امرأة، فيذكرون حملاً على المعنى ولا يؤنثون، ذلك فيما زعم أبو الحسن، إلا في الشعر، قال
ترى البحر والآجال يأتى عروضها ... فما بقيت إلا الضلوع الجراشع
فكما أجروه على المعنى في هذا الوضع فلم يلحقوا الفعل علامة التأنيث، كذلك أجروه عليه في نحو ما جاءني أحد إلا زيد، فرفعوا الاسم الواقع بعد حرف الاستثناء؛ وأما من نصب فقال ما جاءني أحد إلا زيدا، فإنه جعل النفي بمنزلة الإيجاب، من حيث اجتمعا، في أن كل واحدٍ منهما كلام تام
الثالث والسبعون
ما جاء في التنزيل وأنت تظنه فعلت الضرب
في معنى ضربته، وذلك لقلة تأملك في هذه الصناعة
فمن ذلك قوله تعالى ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم إذا فسرت ما ب ما النافية توجه عليك أن تقول لا يعذبكم الله إن شكرتم وآمنتم وقوله لا يعذبكم الله أفصح من قوله ما يفعل الله بعذابكم وإذا فسرته بالاستفهام لم يلزمك هذا الطعن

ومن ذلك قوله تعالى والذين هم للزكاة فاعلون فيقال لك هلا قال والذين هم للمال مزكون، لأن زكيت المال أفصح من فعلت زكاة المال، ولا يعلم هذا الطاعن أن معنى قوله والذين هم للزكاة فاعلون الذين هم عاملون لأجل الطهارة والإسلام ويطهرون أنفسهم، كما قال قد أفلح من زكاها، فليس هذا من زكاة المال في شيء، أو يعنى قد أفلح من زكاها، أي من المعاصي والفجور ومن ذلك قوله ودع أذاهم وتوكل على الله قال معناه لا تؤذهم، وهو أفصح من دع أذاهم، إلا أنهم قالوا معناه دع الخوف من أذاهم ومن ذلك وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل المعنى من يفعل المذكور منكم؛ لأن قبله تلقون إليهم بالمودة ولو لم يفسره بما ذكرنا كان من يفعل الإلقاء بالمودة، فيقال لو قال؛ ومن يلق المودة منكم، كان أفصح فهذه أربع آيات حضرتنا الآن
الرابع والسبعون
ما جاء في التنزيل مما يتخرج
على أبنية التصريف
فمن ذلك قوله تعالى ذرية بعضها من بعضٍ فسروه مرةً ب فعيلة من الذر، و فعلولة منه أيضا، من ذرأ الله الخلق ومن ذلك قوله تعالى كوكب درى قال أبو علي من قال درى، كان فعيلا من الدرء الذي هو الدفع، وإن خففت الهمزة من هذا قلت درى وحكى سيبويه عن أبي الخطاب كوكب درى، في الصفات، ومن الأسماء المريق، للعصفر ومن ذلك جبريل، وميكائيل، وإسرائيل

قال أبو علي روينا عن أبي الحسن من طريق أبي عبد الله اليزيدي عن عمه عنه أنه قال في جبريل خمس لغات جبرايل، وجبرئيل، وجبرال، وجبريل، وجبرين، وهذه أسماء معربة؛ فإذا أتى بها على ما في أبنية العرب مثله كان أذهب في باب التعريب، يقوى ذلك تغييرهم للحروف المفردة التي ليست من حروفهم، لتغييرهم الحرف الذي بين الهاء والباء في قلبهم إياه إلى الباء المحضة أو الفاء المحضة؛ كقولهم البرند، والفرند؛ وكذلك تحريكهم الحركة التي ليست من كلامهم، كالحركة التي في قول العجم زور وأشوب، يحصلونها ضمة، فكما غيروا الحرف والحركات إلى ما في كلامهم، فكذلك القياس في أبنية هذه الكلم، إلا أنهم قد تركوا أشياء من العجمة على أبنية العجم، التي ليست من أبنية العرب، كالآجر، والإبريسم، والفرند، وليس في كلامهم على هذه الأبنية، فكذلك قول من قال جبريل، إذا كسر الجيم كان على لفظ قنديل و برطيل، وإذا فتحها فليس لهذا البناء مثل في كلامهم، فيكون هذا من باب الآجر، والفرند؛ ونحو ذلك من المعرب الذي لم يجىء له مثل في كلامهم، فكلا المذهبين حسن لاستعمال العرب لهما جميعا، وإن كان الموافق لأبنيتهم أذهب في باب التعريب، وكذلك القول في ميكال، وميكايل، بزنة سرداح، وقنطار؛ و ميكايل خارج عن أبنية كلام العرب فأما القول في زنة ميطل فلا يخلو من أن يكون فيعالا أو مفعالا، ولا يجوز أن يكون فيعالا لأن هذا بناء يختص به المصدر كالقيتال، والحيقال، وليس هذا الاسم بمصدر، ولا يجوز أن يكون فعالا فيكون من أ كل أو وكل؛ لأن الهمزة المحذوفة من ميكايل محتسب بها في البناء؛ فإذا ثبت لك ذلك صارت الكلمة من الأربعة، وباب الأربعة لا تلحقها الزيادة في أوائلها إلا الأسماء الجارية على أفعالها، وليس هذا على ذلك الحد، فإذا لم يكن كذلك ثبت أن الميم أصل، كما كانت الهمزة في إبراهيم ونحوه أصلا ليس بزيادة ولا يجوز أيضا أن يكون فعالا لأن الهمزة المحذوفة من البناء مقدرة فيه، نظير ذلك في حذف الهمزة والاعتداد بها مع الحذف في البناء قولهم سواية، إنما هي سوائية كالكراهية، وكذلك الهمزة المحذوفة من أشياء على قول أبي الحسن مقدرة في البناء، فكذلك الهمزة في ميكائيل فإن قلت فلم لا تجعلها بمنزلة التي في حطايط و جرايض فإن ذلك لا يجوز، لأن الدلالة لم تقم على زيادتها، كما قلت في قولهم جرواض فهو ذا بمنزلة التي في برائل وكذلك جبريل الهمزة التي تحذف منها ينبغي أن يقدر حذفها للتخفيف، وحذفها للتخفيف لا يوجب إسقاطها من أصل البناء، كما لم يجز إسقاطها في سوايه من أصل البناء فإذا كان كذلك كانت الكلمة من بنات الخمسة، وهذا التقدير يقوى قول من قرأ جبرئل و ميكائيل بالهمزة، لأنه يقول إن الذي قرأ جبريل وإن كان في اللفظ مثل برطيل فتلك الهمزة عنده مقدرة، وإذا كانت مقدرة في المعنى فهي مثل مائبت في اللفظ، وأما اسرافيل فالهمزة فيه أصل،لأن الكلمة من بنات الأربعة، كما كانت الميم من ميكايل كذلك، ف إسرافيل من الخمسة، كما كان جبريل كذلك، والقول في همزة اسرايل و اسماعيل و ابراهيم مثل القول في همزة اسرافيل، فإنها من نفس الكلمة، والكلمة من بنات الخمسة، وقد جاء في أشعارهم الأمران، ما هو على لفظ التعريب، وما هو خارج عن ذلك، قال
عبدوا الصليب وكذبوا بمحمدٍ ... وبجبرئيل وكذبوا ميكالا
وقال
وجبريلٌ رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء
وقال
شهدنا فما تلقى لنا من كتيبةٍ ... يد الدهر إلا جبرئيل أمامها
وقال كعب بن مالك
ويوم بدرٍ لقيناكم لنا مدد ... فيه لذا النصر ميكالٌ وجبريل
فأما ما روى عن أبي عمرو أنه كان يخفف جبريل وميكال ويهمز اسرائيل فما أراه إلا لقلة مجىء اسرال وكثرة مجىء جبريل وميكال في كلامهم، والقياس فيهما واحد، وقد جاء في شعر أمية إسرال، قال
لا أرى من يعيشنى في حياتي ... غير نفسي إلا بنو إسرال
قال إن ايل و آل اسم الله، وأضيف ما قبلهما إليهما، كما يقال عبد الله؛ وهذا ليس بمستقيم من وجهين أحدهما أن ايل و ال لا يعرفان في اسم الله سبحانه وتعالى في اللغة العربية

والآخر أنه لو كان كذلك لم ينصرف آخر الاسم في وجوه العربية، ولكان الآخر مجرورا، كما أن آخر عبد الله كذلك، ولو كان مضافا لوقع التعريب عليه، على حد ما وقع في غيره من الأسماء المضاف إليها ومما يلحق بهذا الباب زكريا من قوله عز وجل وكفلها زكريا فالقول في همزته أنها لا تخلو من أن تكون للتأنيث أو للإلحاق به، ولا يجوز أن تكون منقلبة، ولا يجوز أن تكون للإلحاق، لأنه ليس في الأصول شيء على وزنه فيكون هذا ملحقا به، ولا يجوز أن تكون منقلبة لأن الانقلاب لا يخلو من أن يكون من نفس الحرف، أو من الإلحاق، فلا يجوز أن يكون من نفس الحرف، لأن الياء والواو لا يكونان أصلا فيما كان على أربعة أحرف، ولا يجوز أن تكون منقلبة من حرف الإلحاق، لأنه ليس في الأصول شيء على وزنه يكون هذا ملحقا به، فإذا بطل هذا ثبت أنه للتأنيث، وكذلك القول فيمن قصر وقال زكريا، ونظير القصر والمد في هذا الاسم قولهم الهيجا، والهيجاء، قال لبيد
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيفٌ مهند
لما أعربت الكلمة وافقت العربية، وقد حذفوا ألف التأنيث من الكلمة فقالوا يمشى الجيض والجيضى، فعلى هذا قالوا زكريا وزكرى، فمن قال زكرى، صرف، والقول فيه أنه حذف الياءين اللتين كانتا في زكريا وألحق الكلمة ياء النسب، يدلك على ذلك صرف الاسم، ولو كانت الياء في زكرى الياءين اللتين كانتا في زكريا لوجب ألا ينصرف الاسم للعجمة والتعريف، كما أن ابراهيم ونحوه من الأعجمية لا ينصرف، وانصراف الاسم يدل على أن الياءين للنسب فانصرف الاسم، وإن كان لو لم يلحقه الياء لم ينصرف للعجمة والتعريف، يدلك على ذلك أن ما كان على وزن مفاعل لا ينصرف، فإذا لحقته ياء النسب انصرف، كقولك مدائنى، ومغافرى وقد جرت تاء التأنيث فقالوا صياقل فلم يصرفوا، وألحقوا التاء فقالوا صياقلة، فاتفق تاء التأنيث وياء النسب في هذا، كما اتفقا في رومى وروم، وشعيرة وشعير، ولحقت الاسم يا آان، وإن لم يكن فيه معنى نسب إلى شيء، كما لم يكن في كرسى، وقمرى، وثمانى، معنى نسب إلى شيء وهذا نظير لحاق التأنيث ما لم يكن فيه معنى تأنيث، كعرفة وطلحة، ونحو ذلك ويدل على أن الياءين في زكرى ليستا اللتين كانتا في زكريا أن ياءى النسب لا تلحقان قبل ألف التأنيث، وإن كانتا قد لحقتا قبل التاء في بصرية لأن التاء بمنزلة اسم مضموم إلى اسم، والألف ليست كذلك، ألا ترى أنك تيسر عليها الاسم، والتاء ليست كذلك ذكره الفارس في الحجة ومن ذلك قراءة من قرأ ألا إنهم يثنون صدورهم على يفعوعل صدورهم بالرفع بمعنى تنطوى صدورهم انطواء وروى أيضا بالياء يثنونى من اثنونى مثل احلونى كررت العين للمبالغة ومنه اخشوشنوا، من قول عمر وروى عن ابن عباس ليثنون بلام التأكيد في خبر إن، وأراد تثنونى على ما مضى، لكنه حذف الياء تخفيفا وصدورهم كذلك رفع وروى عن ابن عباس أيضا يثنون ووزنه يفعوعل من الثن وهو ما يبس وهش من العشب، وتكرير العين فيه أيضا للمبالغة، و صدورهم رفع فاعل بالفعل، والمعنى لأن قلوبهم انقادت لهم للاستخفاء من الله تعالى فأما تشديد النون فلأنه كان في الأصل يثنونن فأدغم، لأن إظهار ذلك شاذ وروى أيضا يثنئن بالهمزة، مثل يطمئن و صدورهم كذلك رفع وهو من باب وشاح وإشاح، ووسادةٍ وإسادة وقد قيل إن يثنئن يفعئل، من الثن المقدم، مثل يحمار، ويصفار فحركت الألف لالتقائهما بالكسر، فانقلبت همزة وروى إلا أنهم يثنون صدورهم، من أثنى يثنى، إذا وجده منطويا على العداوة، من باب، أحمدته، أي، وجدته محمودا ومن ذلك ام جاء في التنزيل من قوله في نحو قوله إياك نعبد وإياك نستعين وقوله وإياى فارهبون، وقوله وإياى فاتقون، وقوله ضل من تدعون إلا إياه، وقوله فإياى فاعبدون كل مفسر، على قول أبي إسحاق؛ لأن إياك عنده مظهر، وهو مضاف إلى الكاف، وعلى قول غيره هو مضمر، فإذا كان مضمرا لم يحكم بوزنه ولا اشتقاقه ولا تصرفه، فأما إذا كان مظهرا وسمى به على قول من قال هو مضمر، فيحتمل ثلاثة أضرب أحدهما أن يكون من لفظ آويت والآخر أن يكون من لفظ الآية والآخر أن يكون من تركيب أو و، وهو من قول الشاعر
فأو لذكراها إذا ما ذكرتها ... ومن بعد أرضٍ دونها وسماء

فيمن رواه هكذا فأو على هذا بمنزلة قو زيدا، وهو من مضاعف الواو، ولا يكون فأو، كقولك سو زيدا، وأو عمرا، و حو حبلا، فإن ذهب إلى أن أيا من لفظ أويت احتمل ثلاثة أمثلة أحدها أن يكون، أفعل والثاني فعيلا، وفعولا والأخيرة فعلى أما أفعل فأصله إيؤى، فقلبت الياء، التي هي لامٌ، ألفاً، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت إأوا قلبت الهمزة الأولى التي هي فاء الفعل ياء، لسكونها وانكسار الهمزة قبلها، فصارت ايوا، فلما اجتمعت الياء والواو وسبقت الياء بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء فصارت إيا فإن قلت ألست تعلم أن الياء قبل الواو في إيوا ليست بأصلٍ، وإنما هي بدل من الهمزة التي هي ياء الفعل، فهلا لم تقلب لها الواو ياء، إذ كانت غير أصل وبدلا من همزة، كما يقول في الأمر من أوى يأوى إيو يا رجل، ولا تقلب الواو ياء، وإن كانت قبلها ياء، لأن تلك الياء أصلها الهمزة؟ فالجواب أن هذا إنما يفعل في الفعل لا في الاسم، وذلك أن الفعل لا يستقر على حال واحدة، ولا الهمزة المكسورة في أوله بلازمة، وإنما هي ثابتة ما ابتدأت، فإذا وصلت سقطت البتة، ألا تراك تقول أيو، و أو، وإن شئت فأو، كما قال فأووا إلى الكهف، وليس كذلك الاسم، لأنه إن كانت في أوله كسرة أو ضمة أو فتحة ثبت على كل حال، وذلك قولك إياك نعبد، وضربت القوم إلا إياك، فالهمزة ثابتة مكسورة في الوصل والوقف، ألا ترى أنهم قالوا في مثل أحوى من أويت أيا، فأصله أأوا، فقلبت الهمزة الثانية لاجتماع الهمزتين ياء، فصارت ايوا، وقلبت الواو ياء لوقوع الياء الساكنة المبدلة من الهمزة قبلها، فصار أيى فلما اجتمعت ثلاث ياءات على هذه الصفة حذفت الأخيرة تخفيفا، كما حذفت من تصغير أحوى في قولك أحى وكذلك قالوا في مثل أويةٍ من أويت أياه، وأصله أوية، فقلبت الهمزة الثانية ياء، وأبدلت لها الواو ياء، وأدغمت الأولى في الثانية، وقلبت الياء الأخيرة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت أياه فهذا حكم الأسماء لأنها غير منقلبة، والأفعال لا تثبت على طريقة واحدة، فليس التغيير فيها بثابت وأما كونه فعيلا من وزن عرتل و طريم و عذيم فأصله على هذا أويى، ففصلت ياء فعيل بين الواو والياء، كما فصلت في المثال بين العين واللام، فلما سكنت الواو وانكسر ما قبلها قلبت ياء وأدغمت في ياء فعيل، فصارت أيى، ثم قلبت الياء الأخيرة، التي هي لامٌ ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت أيا وأما كونه فعولا فأصله إووى فقلبت الواو الأولى ياء، التي هي عين لسكونها وانكسار الهمزة قبلها، ثم قلبت الواو الزائدة بعدها ياء، لوقوع الياء ساكنة قبلها، وأدغمت الأولى في الثانية، وقلبت الياء، التي هي لامٌ ألفاً، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت إيا، كما ترى، فلم تصح الواوان، لأنهما لستا عينين وأما كونه فعلى فأصله إويا فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ولوقوع الياء بعدها أيضا، ثم أدغمت في الياء بعدها فصارت إيا فإن سميت به رجلا وهو أفعل لم ينصرف معرفة وانصرف نكرة، وحاله فيه حال إشفى، وإن سميت به رجلا وهو فعلى فالوجه أن يجعل ألفه للتأنيث بمنزلة ألف ذكرى و ذفرى، فإذا كان كذلك لم ينصرف معرفة ولا نكرة، وإن ذهبت إلى أن ألفه للإلحاق وألحقته ب تجرع وأجريتها مجرى ألف مغزى لم تصرفه معرفة وصرفته نكرة، وجرى حينئذٍ مجرى ألف حبنطى و دلنطى و سرندى وأما إذا جعلت أيا من لفظ الآية فيحتمل أن يكون على واحدٍ من خمسة أمثلة، وهي أفعل، وفعل، وفعيل، وفعول، وفعلى، وذلك أن عين الآية من الياء، كقول الشاعر
لم يبق هذا الدهر من آيائه ... غير أثافيه وأرمدائه

فظهور الياء عينا في آياته يدل على ما ذكرناه من كون العين من آية ياء، وذلك أن وزن آيا افعال، ولو كانت العين واوا لقالوا أواية، إذ لا مانع من ظهور الواو في هذا الموضع، فإذا ثبت وبغيره مما يطول ذكره كون العين من آية ياء ثم جعلت ايا افعلا فأوصله اآئى، فقلبت الهمزة الثانية التي هي فاء ياءً، لاجتماع الهمزتين وانكسار الأولى منهما، ثم أدغمتهما في الياء التي هي عين بعدها فصارت أي، ثم قلبت الياء التي هي لام في آيةٍ و آى ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت أيا، ولم يسغ الاعتراض الذي وقع قديما في إدغام الياء المبدلة من الهمزة التي هي فاء في افعل من اويت إذ صار لفظها إلى أيوى لأن العين هناك واو، فاحتجت إلى قلبها ياء، لوقوع الياء المبدلة من الهمزة قبلها، والانتصار هناك لذاك وأما إذا جعلتها من الآيه والعين في الأصل ياء، ثم وقعت قبلها الياء المبدلة من الهمزة التي هي فاء، فلما اجتمع المثلان وسكن الأول منهما أدغم في الثاني بلا نظرٍ، فقلبت إيا، وجرى ذلك مجرى قوله، عز اسمه هم أحسن أثاثاً وريا فيمن لم يهمز وجعله فعلا من رأيت وأصله على هذا رئيا قال وحدثنا أبو علي أن القراءة فيه على ثلاثة أوجه رئيا، وريا، وزيا، بالزاي وإذا جعلته فعلا مثل ألق و قنب فالياء المشددة هي العين المشددة، وأصله آيى، والياء المبدلة ألفا أخرى هي لام الفعل، فهي منقلبة من الياء التي هي لام اية فقلبت الياء الأخيرة، لما ذكرت لك وإذا جعلته فعيلا، مثل عزيم، و حذيم، فالياء الثانية في إيا هي ياء فعيل والياء الأولى هي عين فعيل وإذا جعلته فعولا فأصله إيوى، وهو بوزن خروع و جردل، فيمن كسر الجيم، فلما اجتمعت الياء والواو وسبقت الياء بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء التي هي عين فعول في الياء التي أبدلت من واوه، وقلبت الياء التي هي لامٌ ألفا لما ذكرنا فصارت ألفا فإذا جعلته فعلى فالياء الأولى في إيا هي العين والثانية هي اللام، والألف ألف فعلى ويجوز أن تكون للتأنيث، ويجوز أن تكون للإلحاق، على ما تقدم، والوجه في هذه الألفات أن تكون للتأنيث، لأنها كذلك أكثر ما جاءت فأما إذا كان من لفظ فأولذ كراها، فأصله على ما يثبت لك من تركيب أوو فإنه يحتمل أربعة أمثلة، أحدها افعل، والآخر فعيل، والآخر فعول، والآخر فعلى فإذا جعلته افعل فأصله اأوو فقلبت همزته الثانية، التي هي فاء افعل، ياء لانكسار الهمزة قبلها، فصار في التقدير ايوو، ثم قلبت الواو الأولى، التي هي عين افعل ياء، لوقوع الياء الساكنة قبلها على ما تقدم، فصار في التقدير ايو ثم قلبت الواو ياء، لأنها وقعت رابعة كما قلبت في أغزيت و أعطيت، فصار في التقدير إيى ثم قلبت الياء الأخيرة ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار إيا، كما ترى وإذا جعلته فعيلا فأصله حينئذ او يو فقلبت الواو الأولى، التي هي عين الفعل ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ولأنها أيضا ساكنة قبل الإدغام، ثم أدغمت تلك الياء في ياء فعيل فصارت ايو ثم قلبت الواو ياء، لأنها واقعة طرفا، ثم قلبت تلك الياء ألفا، على ما عمل في المثال الذي قبلها، فصارت إيا وإذا كان فعولا فأصله إوو، فقلبت الواو الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وقلبت الواو بعدها لوقوع الياء ساكنة قبلها، وأدغمت الأولى، ثم قلبت الواو الأخيرة ياء ثم ألفا، على ما قدمنا وإذا كانت فعلى فأصلها اووى، فقلبت الواو الأولى ثم الثانية، ثم أدغمت الأولى فيها، على ما بيناه آنقا ولا يجوز أن يكون إيا، إذا جعلتها من لفظ اوو فعلا ويجوز فيه وجه ثالث، وهو أن يكون فعولا قلبت عينه للكسرة، ثم واوه لوقوع الياء قبلها، فقلبت إيا ولا يكون فعلى كما جاز فيما قبل، لأنه كان يلزم أن يكون اللفظ به اوى

ولا يجوز أن يكون ايا فعللا، مضعف اللام، بمنزلة ضريب، لأن ذلك لم يأت في شيء من الكلام، وإن شئت جوزت ذلك فيه وقلت إنهما ليستا عينين فتلزما وتصحا ولا يجوز أن يكون إيا من لفظ اآة، على أن يجعلهما، فعيلا منها، ولا افعلا، لأنه كان يلزمك أن تهمز آخر الكلمة، لأنه لام فتقول إياء ولم يسمع فيه همزة البتة، ولا سمع أيضا مخففا بين بين، ولكن يجوز فيه على وجه غريب أن يكون فعلى من لفظ وأيت، ويكون أصله على هذا وييا، فهمزت واوه لانكسارها، كما همزت في اساوة و إشاح ونحو ذلك، فصارت إييا، ثم أبدلت الهمزة ياء لانكسار الهمزة الأولى قبلها، ثم أدغمت الياء المنقلبة عن الهمزة ياء لانكسار الهمزة الأولى قبلها، ثم أدغمت الياء المنقلبة عن الهمزة في الياء التي هي لام وأيت فصارت إيا ومن ذلك قوله تعالى وأنزل التورية والإنجيل، إنا أنزلنا التورية فيها هدًى ونور وزن التوراة عندنا فوعلة من ورى الزند يرى، وأصله وورية فأبدل من الواو تاء، كتخمة، وتراث، وتولج، وأنت تقوم وقيل أصله توراه تفعلة، فقلب، كما قيل في جارية جاراة؛ وفي، ناصية ناصاة و إنجيل إفعيل من النجل، وهو الأصل، إذ هو أصل العلوم والحكم
الخامس والسبعون
ما جاء في التنزيل من القلب والإبدال
فمن ذلك قوله تعالى نغفر لكم خطاياكم، وقوله أو الحوايا ف خطايا عند الخليل فعالى مقلوب من فعايل، قدمت اللام على الهمزة، فصار خطا أى ثم أبدلت من الكسرة فتحة ومن الياء ألف، فصار خطآ فلما كثرت الأمثال أبدلت الهمزة ياء فصار خطايا وهكذا الحوايا أصله حوايى ثم حوايا ومن ذلك قوله على شفا جرف هارٍ أصلها هاير فصار، هار، مثل قاض، ومثله شاك السلاح، ولاث، وأنشد
لاثٍ به الأشاء والعبرى
ومن ذلك قوله تعالى لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، ف أشياء أصله شيئاء، على وزن فعلاء يدل على الكثرة كالطرفاء، والحلفاء، قلبت لامه إلى أوله، فصار لفعاء هذا مذهب الخليل وقال الأخفش أصله أشيياء على وزن أفعلاء، فحذفت لام الفعل قال الفراء وزنه أفعال، وقد ذكرت وجه كل قول في الخلاف ومن ذلك قوله تعالى كلتا الجنتين آتت أكلها، التاء بدل من الواو، التي هي لام في كلا، كما قلنا في التوراة و التراث من قوله وتأكلون التراث أكلاً لما وقيل هي بدل من التاء إنهم اختلفوا في لام كلا قال الجرمى التاء زائدة في كلتا، ووزنه فعتل، وليس في الكلام فعتل، وكذلك التاء في بيتٍ و أختٍ من قوله تعالى وله أخ أو أخت، بدل من الواو لقولك أخوان وإخوان، فأما البنت فيجوز أن يكون من الواو، ويجوز أن يكون من الياء ومن ذلك قوله تعالى وإذا الرسل أقتت أصله، وقتت، لأنه من الوقت أي جمعت لوقتها ومنه فطفق مسحاً بالسوق، فيمن همز وقوله فاستوى على سوقه همز الواو لمجاورة الضمة كما همزها إذا انضمت، ولهذا قرأ من قرأ وكشفت عن ساقيها، بالهمز، كما اعتاد الهمز في السوق ومنه قوله قل هو الله أحد، الهمزة بدل من الواو، في وحد لأنه من الوحدة
السادس والسبعون
ما جاء في التنزيل من إذا الزمانية
وإذا المكانية، وغير ذلك من قسميهما
وأعلم أن إذا الزمانية اسم في نحو قوله تعالى فإذا نفخ في الصور، فإذا نقر في الناقور، وأئذا متنا وكنا تراباً، لأنها نقيضة إذ وقد ثبت بالدليل كون إذ اسما في نحو قوله بعد إذ أنتم مسلمون والعرب تحمل النقيض على النقيض، كقوله
وقبل غدٍ يا لهف نفسي على غدٍ ... إذا راح أصحابي ولست برائح
فأبدله من غدٍ والحرف لا يبدل من الاسم، فثبت أنه اسم، وإذا كان اسما كان اسما للوقت فينضاف إلى ما بعده، وإذا كان مضافا إلى ما بعده كان العامل فيه جوابه إذا كان فعلا، فإن لم يكن فعلا قدر تقدير الفعل، كقوله فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم، والتقدير فإذا نفخ في الصور تنافروا وتجادلوا وهكذا كل ما كان بهذه المنزلة فأما قوله أئذا كنا تراباً أئنا لفى خلق جديد وأخواتها، فقد قدمنا القول فيه وقال أبو إسحاق في قوله تعالى إذا مزقتم كل ممزق العامل في إذا قوله مزقتم، ويجريه مجرى أى في الجزاء، نحو أيا تضرب أضرب، ومتى تأتنا آتك، لأن إذا يجئ بمعنى متى

قال وفي التنزيل حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت أي متى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وهذا يقوي قول أبي زيد ومحمد إن الرجل إذا قال إذا لم أطلقك فأنت طالق، ثم سكت، طلقت في الحال؛ لأن إذا ها هنا ك متى، كأنه قال متى لم أطلقك فأنت طالق، وفي متى إذا سكت طلقت ووجدنا لهذا القول حجة في الكتاب، وهو غيلان بن حريث
إذا رأتني سقطت أبصارها ... دأب بكارٍ شايحت بكارها
ألا ترى أنه لا يريد أن هذا يقع منها مرة واحدة في وقت مخصوص، لأن ذلك ينتقص حال المدح، وإنما يقول كلما رأتني سقطت أبصارها، ألا تراه يقول بعده
دأب بكار شايحت بكارها
و الدأب لا يستعمل إلا في التكرير دون الإفراد، قال
كأن لها برحل القوم دوًّا ... وما إن طبها إلا الدؤوب
وقال
دأبت إلى أن ينبت الظل بعدما ... تقاصر حتى كاد في الآل يمصح
وأما قول الهذلي
هزبر عراض الساعدين إذا رمى ... بقرحته صدر الكمى المسربل
متى ما يضعك الليث تحت لبانه ... تكن ثعلباً أو ينب عنك فتدخل
تدخل تدهش غيره يدخل في الدخل فإنه يسأل عن جواب إذا رمى وليس في البيت ما يكون جوابا، ولا قبله فعل يكون بدلا من الجواب، ودالا عليه، وفي ذلك جوابان أحدهما أنه أجرى الصفة مجرى الفعل لما فيها من معنى الفعلية، كقولك مررت برجل شجاع إذا لقى وكريم إذا سئل، أي إذا سئل كرم وإذا لقى شجع وقد تقدم نحو هذا، فتدل الصفة على الجواب دلالة الفعل عليه، فكذلك هذا، كأنه قال يعظم في العين إذا رمى بقرحته، أي بجبهته صدر الكمى؛ لأن هزبرا كأنه من لفظ أزبر وهو من معناه، وكأن الهاء، وإن كانت هناك أصلا، زائدة وليست معتدة من هاء هجرعٍ و هبلع لم يبعد أن يعتقد أيضا زيادة هاء هزبر و هبرقى وأما عراض فصفة من عرض، وأمرها واضح فهذا جواب والآخر، وهو أغمض وهو أن يكون قوله في البيت الثاني
متى ما يضعك الليث تحت لبانه
بدلاً من قوله إذا رمى بقرحته صدر الكمى، وإذا كان بدلا منه كان قوله تكن ثعلبا جوابا للثاني بدلا من الأول، فصار جواب الثاني جوابا لهما جميعا فيجرى حينئذ مجرى قولهم
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطباً جزلاً ونارا تأججا
في البدل، وإن كان حرف الشرط قد أعيد في بيت الهذلى ولم يعد في قوله تلمم بنا فإن قلت فقد علمنا أن البدل يفيد ما لا يفيد المبدل منه ويزيد به عليه، فما الذي زاده قوله
متى ما يضعك الليث تحت لبانه
على قوله إذا رمى بقرحته صدر الكمى؟ فالفائدة في ذلك أنه إذا قال رمى صدر الكمى، فإنما ذكر جنس الكماة إطلاقاً من غير تقيد، وإذا قال
متى ما يضعك الليث تحت لبانه
فقد خاطبه بذلك وخصه به وقصره عليه وفي القول الأول إنما كان يخص المخاطب منه قدر ما يصيبه في جملة الجماعة الذين هو واحد منهم، وفي الثاني من القصد له والتوجه إليه ما قدمناه، وكان ذلك أبلغ وأفخم وأشد إرهابا وتعظيما واعلم أن إذا في هذا البيت على هذا التأويل الثاني ينبغي أن تكون متعلقة بنفس رمى ومنصوبة الموضع به، وليست مضافة إليه، بل هو في موضع جزم بها، كما يجزم بالشرط الصريح، كما أن يضع في البيت الثاني مجزوم ب متى، وهي منصوبة الموضع ب يضع نفسها من غير خلاف، فهو إذاً في الضرورة كقوله
ترفع لي خندف والله يرفع لي ... ناراً إذا أخمدت نيرانهم تقد
فإن قيل فما الذي دعا إلى اعتقاد هذه الضرورة والدخول تحتها، وهلا حملت إذا على بابها من كونها مضافة إلى الفعل، كقوله تعالى إذا جاء نصر الله والفتح، وقوله إذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه، وقول كعب
وإذا ما تشاء تبعث منها ... آخر الليل ناشطا مذعوراً
ألا ترى أصحابنا يعتقدون أن الفعل بعد إذا هذه في موضع اسم مجرور، ولذلك رفعوه، أعنى لوقوعه موقع الاسم فالجواب أنا إنما ركبنا هذه الضرورة في اللفظ محافظة على صحة المعنى، وذلك إن إذا هذه واجبة، ألا تراهم يقولون آتيك إذا حمر البسر، ولا يجيزون، آتيك أن احمر البسر، لأن احمرار البسر واقع لا محالة، و إن مشكوك في فعلها، يجوز وقوعه ولا يجب، و متى كان في ذلك ليست بواجبة الفعل، ألا ترى إلى قول طرفة

متى تأتنا نصبحك كأساً روية ... وإن كنت عنها غانياً فاغن وازدد
أي فاثبت على حال غناك وإذا كانت متى لم يحسن أن تجعلها بدلا من إذا، لأن إذا معروفة مقصورة على موضع وواجبة، و متى شائعة غير واجبة، فلو أبدلت متى من إذا، وهي على ما هي عليه من كونها واجبة مضافة، كنت قد أبدلت الأعم من الأخص، فكما لا يجوز ضربت رأس زيد زيدا، على أن تبدل زيدا من رأسه، لما في ذلك من التراجع عن الخصوص إلى العموم، كذلك لا يحسن أن تبدل متى من إذا و إذا، على معتاد حالها من كونها خالصة واجبة، فإذا لم يجز ذلك عدلت بها إلى إخلاصها واطراحها وإمحاضها شرطا البتة، فإذا حصلت له شاعت شيوع جميع حروف الشرط، وإذا شاعت فارقت موضعها من الإضافة وخلصت شرطا أن يحكم على موضع الفعل بعدها بالجزم في المعنى، وإن لم يظهر ذلك إلى اللفظ، وإذا كان كذلك حملت إذا في بيت الهذلى على أنها الجازمة في الضرورة، لما عليك في ترك ذلك من إبدال الأعم من الأخص، وقد علمت ما يقوله أصحابنا في بيت الكتاب
اعتاد قلبك من سلمى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطلل
ربع قواء أذاع المعصرات به ... وكل حيران سارٍ ماؤه خضل
من أن قول ربع خبر مبتدأ مضمر، أي هو ربع؛ ولم يكن بدلا من طلل، لما ذكرنا وأبو حنيفة يجعل إذا بمنزلة إن فيقول إنما يقع الطلاق في قوله إذا لم أطلقك عند الموت كما لو قال إن لم أطلقك، وله قوله
وإذا تصبك خصاصة فتجمل
وقوله
إذا ما خبت نيرانهم تقد
والأبيات التي في الكتاب وأما قوله تعالى إذا وقعت الواقعة إلى قوله إذا رجت الأرض رجًّا فقاس عثمان هذا على قوله
إذا راح أصحابي
وزعم أن إذا الأولى مبتدأ، والثانية في موضع الخبر، وكنا قديما ذكرنا أن العامل فيه قوله خافضة رافعة على تقدير فهي خافضة رافعة، أي إذا وقعت خفضت قوما ورفعت قوما، وأجزنا فيه أن يعمل فيه ليس لوقعتها كاذبة، وأن يعمل فيه اذكر، وأن يكون جوابه فأصحاب الميمنة وأما قوله تعالى فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذٍ يومٌ عسير، فالعامل فيه مدلول الكلام، أي عسر ذلك اليوم يومئذ، أو ذلك النقر يومئذ وأما قوله تعالى فإذا هي شاخصةٌ أبصار الذين كفروا، فقد ذكرناه في باب التقديم والتأخير وكذا أئذا ما مت لسوف أخرج حيًّا وأما قوله إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى، فقد تضع العرب إذا موضع إذ، و إذ موضع إذا، قال الله تعالى إذ الأغلال في أعناقهم، و إذ لما مضى، وإنما هذا حديث عما يكون في القيامة، إلا أنه لما حكى الحال قال إذ، حتى كأن المخاطبين بهذا حضور للحال، وفي هذا ضرب من تصديق الخبر، أي كان الأمر حاضرا لا شك وواقع لا ارتياب به وحكاية الحالين الماضية، والآتية كثير في القرآن والشعر منه قوله تعالى هذا من شيعته وهذا من عدوه، فقال هذا وهذا، ولم يقل أحدهما كذا والآخر كذا وكذا قول البريق الهذلي
ونائحة صوتها رائع ... بعثت إذا ارتفع المرزم
فقوله بعثت إذا ارتفع المرزم، أي كنت موصوفا بأنني أبعثها إذا ارتفع المرزم وكذلك قول الشاعر
جارية في رمضان الماضي ... تقطع الحديث بالإيماض
فأما قول كثير
فإذا وذلك ليس إلا حينه ... وإذا مضى شيء كأن لم يفعل
حمل أبو الحسن هذا على الواو الزائدة، حتى كأنه قال فإذا ذلك وليس إلا حينه، وأنشد هذا البيت نفسه، وأنشد معه بيتا آخر، وهو قول الشاعر
فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ... إلا كلمة حالم بخيال
وقال محمد بن يزيد إن البصريين لا يرون زيادة الواو، وقد كان في الواجب أن يستثنى أبا الحسن وأعلم أن إذا ها هنا هي المكانية التي للمفاجأة، ولا بد لها من ناصب تتعلق به، والناصب ما دل عليه قوله ليس إلا حينه، وكأنه قال فإذا ذلك ذاهب مختلس، فينصب، و إذا بمعنى ذاهب ومختلس، كما أن قوله سبحانه فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون كذلك؛ ويجوز أن تنصب إذا في البيت وتعلقها بمحذوف هو خبر ذلك، وتقديره فإذا ذلك هالك، كقولك في الدار زيد جالس، فإذا فعلت هذا جاز لك في قوله ليس إلا حينه الأمران أحدهما أن تجعله في موضع الحال، فكأنه قال وإذا ذلك فانيا أو ذاهبا، كقولك خرجت فإذا زيد واقفا

والآخر أن تجعله خبرا آخر، فإذا فعلت ذلك علقت إذا بمجموع الخبرين لا بأحدهما، كما أنك إذا قلت شرابك اليوم حلو حامض، علقت اليوم بمعنى مجموع الخبرين، فجرى ذلك مجرى قولك شرابك اليوم، من أي من في هذا اليوم وأما قولهم نظرت فإذا زيد بالباب، ف إذا في موضع الرفع خبر زيد، و بالباب خبر ثان وقال بعضهم إذا ها هنا حرف ليس باسم، واحتج بأنه ناب عن الفاء في جواب الشرط وأغنى غناه، فيكون حرفا كالفاء، والدليل على ذا قوله تعالى وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون المعنى قنطوا، ولا يلزم أن الحرف لا يركب مع الاسم فيكون كلاما، ولو قلت فإذا زيد، كان كلاما، فثبت أنه اسم، لأنا نقول فإذا زيد، ليس بكلام، لأن تمامه محذوف، أي إذا زيد بالحضرة، أو، في الوجود، فلا يكون صحيحا إلا بتقدير الخبر؟ قلنا إنه اسم، لأنها كلمة تركبت مع الاسم ليس فيها علامات الحرف، فوجب أن يكون اسما، قياسا على قولنا زيد قائم، وهذا لأن التركيب إنما يكون منه كلام إذا كان اسما مع اسم، أو فعلا مع اسم، فأما الحرف مع الاسم فليس بكلام إلا في النداء، وهذا ليس بنداء، ولا إذا فعلا، فوجب أن يكون اسما في موضع الرفع خبر المبتدأ، ولهذا المعنى قلنا في قولهم كيف زيد؟ إن كيف اسم لما أفاد مع زيد، ولو كان حرفا لم يفد، فثبت أنه اسم وما ذكره من أن الخبر محذوف، قلنا لا حاجة إلى حذف الخبر فيما ذكرناه، فإذا قلت فإذا زيد قائم، ف زيد مبتدأ، و إذا خبره، و قائم كذلك وإن شئت نصبت قائما على الحال من الضمير الذي في إذا، فيمن رفع زيدا بالابتداء، أو حالا من زيد فيمن رفعه بالظرف وأما قوله
إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
قال عثمان إذا و إذا في البيت ففيهما نظر، وذلك أن كل واحدة منهما محتاجة إلى ناصب هو جوابها على شرط إذا الزمانية، وكل واحدة منهما فجوابها محذوف يدل عليه ما قبلها، وشرح ذلك أن إذا الأولى جوابها محذوف، حتى كأنه قال إذا أنا لم أطعن وجب طرحى للرمح عن عاتقى أو ساعدي، على اختلاف الروايتين في عاتقى و ساعدى فدل قوله
علام تقول الرمح تثقل ساعدى
على ما أراده من وجوب طرح الرمح إذا لم يطعن به، كما قال
فما تصنع بالسيف ... إذا لم تك قتالا
ونحو قولك أشكرك إذا أعطيتني، وأزورك إذا أكرمتني، أي إذا أعطيتني شكرتك، وإذا أكرمتني زرتك، وقولك أنت ظالم إن فعلت، أي إن فعلت ظلمت، ودل أنت ظالم على، ظلمت وهذا باب واضح، وما ناب عن جوابهما في موضع جواب إذا الثانية، أي نائب عنه ودال عليه، تلخيصه أنه كأنه قال إذا الخيل كرت وجب إلقائي الرمح مع تركى الطعن به ومثله أزورك إذا أكرمتني إذا لم يمنعني من ذاك مانع وأما قوله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا، الفاء الأولى تكون جواب إذا لأن، إذا في اقتضائه الخبر بمنزلة إن، وقوله فادفعوا جواب إن ومثل ذلك قوله تعالى فإما يأتينكم منى هدًى فمن تبع هداى فلا خوفٌ عليهم، في أن الجزاء وشرطه جواب الشرط وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض، جاز وقوع إذا ها هنا، لأن الذين، في موقع يصلح لوقوع الجزاء فيه، ألا ترى أن الفاء يدخل في جوابه وكأنه قال كالذين يقولون وقال في موضع آخر معنى إذا متى، كأنه متى ضربوا في الأرض، أي هذا دأبهم، كلما خرجوا ضاربين في الأرض قالوا هذا الكلام وقال في قوله إذا فشلتم بمعنى متى وجوابه ثم صرفكم، على زيادة ثم عند الأخفش، كما قال في قوله ثم تاب عليهم، والصحيح أن الجواب مضمر
السابع والسبعون
ما جاء في التنزيل من أحوال النون
عند الحروف ولها أربع أحوال
حالة تظهر فيها، وهي عند حروف الحلق، كقوله ومن عنده علم الكتاب، وقوله هل من خالقٍ غير الله، وقوله ما لكم من إله غيره، وقوله على شفا جرف هار، فلا بد من إظهارها هنا إلا ما رواه المسيبي من إخفائها عند العين والخاء، لما قاربتا من حروف الفم وخالفتا حروف أقصى الحلق أخفاها هناك، وأظهروهما عند الحلقية، لما بين الحلق والذلق من المسافة والبعد والحالة الثانية إخفاؤها عند غير حروف يرملون، نحو، من دابةٍ والملائكة، وقوله ثمناً قليلا، وقوله فأنجيناكم وأغرقنا، وإذ أنجيناكم من آل فرعون، وغير ذلك

الحالة الثالثة أن تقلب، ميما عند الباء نحو فانبجست، كافرٍ به، وقالوا عنبر، وشنباء فإذا تحركت عادت إلى حالتها والحالة الرابعة أن تدغم في حروف يرملون، نحو هدًى للمتقين، على هذًى من ربهم، ومن الناس من يقول، ظلمات ورعد وبرق وعلى أمم ممن معك، وما منا إلا له مقامٌ معلوم، وإذا أدغمت أدغمت بغنة، والطاء والضاد والظاء إذا أدغمن أدغمن بإطباق، وقد قلبن إلى لفظ ما أدغمن فيه البتة، وما بقى رائحة الإطباق، ولا يخرج الحرف من أن يكون قد قلب إلى لفظ ما بعده، لأن شرط الإدغام أن يتماثل فيه الحرفان، فجرى الإطباق بعد الإدغام في قلة الاعتداد به مجرى الإشمام الذي لا حكم له، حتى صار الحرف الذي هو فيه في حكم الساكن البتة، فالنون أدغم في الميم لاشتراكهما في الغنة والهوى في الفم، ثم إنهم حملوا الواو على الميم فأدغموا فيها النون، لأن الواو ضارعت الميم بأنها من الشفة، وإن لم تكن النون من الشفة، ثم إنهم أيضا حملوا الياء على الواو في هذا لأنها ضارعتها في المد، وإن لم تكن معها من الشفة، فأجازوا إدغام النون في الياء، فالميم نحو قوله ممن معك، والياء نحو قوله ظلمات ورعد وبرق، والياء نحو قوله ومن الناس من يقول، فلما جاز حمل الواو على الميم، ثم حمل الياء على الواو، فيما ذكرنا، كذلك أيضا جاز أن تحمل الكسرة على الضمة في امتناع إشمامها شيئا من الضمة، فإما إظهارهم النون في نحو قوله قنوان دانية وقوله صنوان وغير صنوان، وقوله منكم من يريد الدنيا، وقوله شاة زنماء، وأنملة، وإنما أظهروها مخافة أن يشتبه بالمضاعف فإن قال قائل ولم جاز الإدغام في انمحى، وهلا بينت النون، فقيل انمحى، كما قالوا زنماء، وزنم؛ وكما قالوا أنملة، وأنمار، ونحو ذلك؟ قيل قد كان القياس في زنماء وزنم، وأنملة وأنمار، ونحوها، أن تدغم النون في الميم، لأنها ساكنة قبل الميم، ولكن لم يجز ذلك لئلا تلتبس الأصول بعضها ببعض، فلو قالوا، زماء لا لتبس بباب زممت الناقة، ولو قالوا أملة لالتبس بباب أملت، ولو قالوا، أمار، لالتبس بباب أمرت، كما بينوا في نحو منيه، وأنول، وقنوان، وقنو، لئلا يلتبس منه بباب، مى، و أنول يفعول وفوعل، من باب ما فاؤه همزة وعينه واو، و قنوان و قنو بباب، قو وقوة، فرفض الإدغام في هذا ونحوه مخافة الالتباس، ولم يخافوا في امحى الكتاب، أن يلتبس بشيء، ولأنه ليس في كلام العرب شيء على افعل، ولم يأت في كلامهم نول ساكنة بتشديد الفاء ولهذا قال الخليل في انفعل من وجلت أوجل، وقالوا من رأيت ارأى، ومن لحن الحن، لأنه ليس في الكلام افعل، ولم يأت في كلامهم نون ساكنة قبل راء ولا لام، نحو قنر، وعنل، لأنه إن أظهره ثقل جدا، وإن أدغمه التبس بغيره، ومن أجل ذلك امتنعوا أن يبينوا مثل عنسل و عنبس، من شرب وعلم، وما كان مثلها بما عينه راء ولام، لأنه إن بين فقال شنرب، وعنلم، ثقل جدا، وإن أدغم فقال شرب، وعلم، التبس بفعل
الثامن والسبعون
ما جاء في التنزيل وقد وصف المضاف بالمبهم
وهي مسألة نازع صاحب الكتاب أبو العباس، نحو مررت بصاحبك هذا، وهكذا نازعه في العلم نحو مررت بزيد هذا، فمنع من ذلك خلافا لصاحب الكتاب وقد قال الله تعالى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم، فجعل هذا نعتا لقوله من فورهم، وكأنه قال من فورهم المشار إليه وقال الله تعالى لقينا من سفرنا هذا نصباً، وقال وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا، وقال بعد عامهم هذا فأما قوله ولباس التقوى ذلك خير، فجوزوا أن يكون ذلك نعتا لقوله لباس التقوى، ويجوز أن يكون فصلا، وأن يكون ابتداء وخبرا، أعنى خبرا فأما قوله يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا، فالفراء ذهب فيه إلى أن هذا نعت ل مرقدنا الحاضر، فقيل له فما موضع ما وعد الرحمن؟ فقال ثم ابتداء ما وعد الرحمن، أي بعثنا وعد الرحمن، فحمل ما على المصدرية مرفوعا بفعل مضمر وليس العجب هذا إنما العجب من جرجانيكم جاء بإحدى خطيئات لقمان، فزعم أن هذا نعت ل مرقدنا، وأن قوله ما وعد موصول، أي ما وعده الرحمن، ولم يقل ما موضع ما، وهو يتكلم على كلمات السورة فهذه آي كما تراها، ولعلها خفيت على أبي العباس والذاب عنه، لما يحملها على البدل

قال أبو العباس هاتين المسألتين إن المبهم أخص من العلم، فوجب ألا يوصف به العلم، قياسا على قولك مررت بالرجل أخيك، وذلك أن المضاف عند سيبويه أخص من الألف واللام، فمنع أن يوصف الألف واللام به لما كان أبهم منه، لقربه من النكرة، نحو إني لأمر بالرجل مثلك وغيرك، فكذلك وجب ألا يوصف بالمبهم العلم، لكونه أخص منه، ولهذا المعنى قال من قال إن هذين ليست تثنية هذا، لما كان في غاية المعرفة، وأجمعوا أن الزيدين تثنية زيد، والتثنية لا محالة توجب التنكير، فلما أجمعوا على جواز تثنية زيد واختلفوا في تثنية هذا علم أن هذا أخص، وجب ألا يجرى صفة على ما ليس بأخص منه، وهذا لأن البداية ينبغي أن تقع بالأخص، فإن عرف وإلا زيد ما هو أعم ليقع به البيان، وفي جواز مررت بزيد هذا، عكس ذلك المعنى، فوجب ألا يجوز واحتج سيبويه بأن ذكر هذا وذاك بعد العلم وبعد صاحبك يذهب به مذهب الحاضر والشاهد والقريب، وكذلك مذهب البعيد أو المتنحى، ولهذا قال سيبويه وإنما صار المبهم بمنزلة المضاف لأنك تقرب به شيئا أو تباعده وتشير إليه، فإذا قيل مررت بزبد هذا، وبصاحبك هذا، وكأنه قال مررت بزيد الحاضر، ولم يغير هذا تعريف زيد ولا تعريف صاحبك، وباقترانه معهما لأنه لا يتغير زيد عن تعريف العلم، ولا صاحبك عن تعريف الإضافة باقترانها بهذا، ولأنا نقول إن وضع الاسم العلم في أول أحواله لشيء بينٌ به من سائر الأشخاص، كوضع هذا في الإشارة لشيء بعينه، فاجتمع في معنى ما وصفنا في المعرفة وفصله العلم بثبات له بذكر حال، أو زوال الاسم عن المشار إليه في الغيبة
التاسع والسبعون
ما جاء في التنزيل وذكر الفعل وكنى عن مصدره
وذكر سيبويه هذا في كتابه، وحكى عنهم من كذب كان شرًّا له وتلا الآية لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم، فقال التقدير البخل خيرا لهم، وكنى عنه بقوله يبخلون وقد تقدم شرح هذا في هذا الكتاب ومن ذلك قوله اعدلوا هو أقرب للتقوى أي العدل هو أقرب للتقوى وقال واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة، أي الاستعانة وقال فبهداهم اقتده، في قراءة الدمشقي، أي اقتد اقتداء وفي بعض القراآت ولكل وجهة هو موليها، بإضافة كل إلى وجهة وزعم الفارسي أن الهاء كناية عن المصدر في موليها، أي مولى التولية ولا يكون لكل وجهة لأن الفعل إذا تعدى باللام إلى المفعول لا يتعدى بغير اللام، ولا ما أنشده صاحب الكتاب
هذا سراقة للقرآن يدرسه
أي يدرس الدرس، ولا يكون للقرآن، لما ذكرنا وبقوله
ولكل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيه
أي نلت النيل، ولا يكون لكل لما ذكرنا وقيل في قوله تعالى ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه، أي يذرأ الذرء، فالهاء كناية عن المصدر وقال وإن تفعلوا فإنه فسوقٌ بكم فأما قول القائل لامرأته إن خرجت من الدار إلا بإذني فأنت طالق، فقد قالوا إن التقدير إن خرجت من الدار إلا خروجا بإذني، فأضمر الخروج، فلإن خرجت يدل عليه، والباء من صلة المصدر، وكأن التقدير إلا خروجا بإذني، فيحتاج في كل خرجة إلى الإذن ولو قال إلا أن آذن، فأبو زكريا يجعله بمنزلة إلا بإذني، لإن إن آذن بمنزلة إذنى وأبو حنيفة يجعل إلا أن آذن بمنزلة حتى آذن فيكفى المرة الواحدة، لأن حتى آذن غاية، فيجرى إلا أن آذن مجراه وأما قوله تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعلٌ ذلك غداً إلا أن يشاء الله فالتقدير، إلا قولا بمشيئة الله، أي قولا مقترنا بمشيئة الله، وهو أن نقول أفعل إن شاء الله، ومثل هذا، أعنى إضمار المصدر، قول أبي قيس الأسلت الأنصاري
إذا نهى السفيه جرى إليه ... يخالف والسفيه إلى خلاف
أي جرى إلى السفه وقال في الحماسة
لم أر قوماً مثلنا خير قومهم ... أقل به منا على قومه فخراً
أي أقل بالخير، فالهاء يعود إلى الخير الذي هو مصدر، ولا يعود إلى خير قومهم لأنه اسم، ف قوما هو المفعول الأول، ومثلنا من نعته، و خير قومهم بدل و أقل هو المفعول الثاني، وفخرا تمييز أي أقل فخرا بالخير منا على قومنا، يعنى نحن لا نبكي على قومنا، فليس هناك أقل فخرا بالخيرية على قومه منا
المتم الثمانين
ما جاء في التنزيل عبر عن غير العقلاء بلفظ العقلاء

وقد تقدم بعض ذلك في عرض كلامنا فمن ذلك قوله تعالى إن الذين تدعون من دون الله عبادٌ أمثالكم يعني ب الذين الأصنام والتقدير إن الذين تدعونهم، فحذف العائد وقال ولا تسبوا الذين تدعون من دون الله يعني الأصنام أي لا تسبوا الذين تدعونهم، أي يدعوهم المشركون، ف الواو ضمير المشركين، فحذف العائد وقال والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء يعني الأصنام، يدعونهم المشركون، فلا يستجيبون للمشركين بشيء وهكذا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة، أي الذين يدعوهم المشركون يبتغون إلى ربهم الوسيلة، إلا أنهم ها هنا اختلطوا بالملائكة فغلب جانبهم، وجرى الفعل في هذه الأشياء صلةً على غير من هوله، ولم يبرز الضمير خلاف اسم الفاعل الجاري على غير من هوله حيث يجب إبراز الضمير، فقد صح قوله إن الفعل لما كان على صيغ مختلفة، وله علامات لم يحتج إلى إبراز الضمير، بخلاف الفاعل، ولما عدوهم معبودين جرى عليهم ما جرى على العقلاء، كما قال الله تعالى والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين، وقوله أتينا طائعين لما وصفوا بالسجود والطاعة جاز جمعهم بالواو والنون، وقوله فانكحوا ما طاب لكم، وقوله فما استمتعتم به منهن، وقوله والسماء وما بناها، وقوله لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد فقد تقدم في هذا الكتاب ومثل ما تقدم قوله والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم وقال وإن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم وقال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون فهذا بخلاف قوله ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئاً وقوله ما لا ينفعك ولا يضرك فجاء في وصفهم مرة بلفظ العقلاء، ومرة بلفظ غير العقلاء وقال ألهم أرجلٌ يمشون بها، إلى آخر الآية
الحادي والثمانون
ما جاء في التنزيل وظاهره يخالف
ما في كتاب سيبويه وربما يشكل على البزل الحذاق فيغفلون عنه
فمن ذلك قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، قال سيبويه ونقول هؤلاء ثلاثة نفر قرشيون، وثلاثة مسلمون، وثلاثة صالحون، فهذا وجه كراهية أن يجعل الصفة كالاسم، إلا أن يضطر شاعرهم وهذا يدلك على أن، النسابات، إذا قال ثلاثة نسابات، تجىء كأنه وصف لمذكر، لأنه ليس موضعا تحسن فيه الصفة كما يحسن الاسم، فلما لم يقع إلا وصفا صار المتكلم كأنه قد لفظ بمذكرين ثم وصفهم بها وقال الله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، إنما استجاز حذف الموصوف هنا على تقدير فله عشر حسنات أمثالها، لأنه لما أضيف عشر إلى الأمثال، والأمثال، وإن كان وصفا، فقد جرى مجرى الأسماء حتى يستحسن إقامته مقام الاسم، كقوله تعالى ثم لا يكونوا أمثالكم، وقال إنكم إذاً مثلهم، ويقال مررت بمثلك ومثلك لا يفعل كذا وفي التنزيل ليس كمثله شىء لولا ذلك لقبح عنده هذا التقرير وقد تقدم نبذ من هذا في هذه الأجزاء ومن ذلك ما أجمع عليه الفراء، غير نافع وأبي عامر في قوله ويعلم الذين يجادلون في آياتنا بالنصب وقد قال سيبويه واعلم أن النصب بالفاء والواو في قوله إن تأتني آتك وأعطيك، ضعيف، وهو نحو من قوله
وألحق بالحجاز فأستريحا
فهذا يجوز وليس بالجيد، إلا أنه في الجزاء أمثل قليلا، لأنه ليس يوجب أنه يفعل، إلا أن يكون من الأول فعل، فلما ضارع الذي لا يوجبه، كالاستفهام ونحوه، أجازوا فيه هذا على ضعفه، وإن كان معناه كمعنى ما قبله، إذ قال ولا أعطيك، وإنما هو في المعنى كقوله أفعل إن شاء الله، فأوجب بالاستثناء قال الشاعر، فيما جاء منصوبا بالواو في قولك إن تأتني آتك وأعطيك
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلومٍ مجراًّ ومسحبا
وتدفن منه الصالحات وإن يسىء ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا
فإنما نصبوا الميم في ويعلم ولم يكن قبيحا، كما ذكره سيبويه، لأنه مع جواز النصب تأتي فيه تبعية اللام، ألا ترى أن اللام مفتوحة، فاجتمع فيه سببان، فحسن ما لم يحسن مع سبب واحد

ومن ذلك قوله تعالى إنا كل شيء خلقناه بقدر وقد قال سيبويه بعد أشياء يختار فيها الرفع وكذلك، إني زيدٌ لقيته، وإني عمرو ضربته، وليتني عبد الله مررت به، لأنه إنما هو اسم مبتدأ، ثم ابتدىء بعده اسم قد عمل فيه عامل، ثم ابتدىء بعده الكلام في موضع خبره، وإنما جاء منصوبا أعنى كل شيء خلقناه لأنه يحتمل موضع خلقناه لو رفع أن يكون وصفا للمجرور وأن يكون خبرا، وليس الغرض أن يكون خلقناه وصفا ل شىء، على تقدير إنا كل شيء مخلوق لنا بقدر، فيكون بقدر خبرا؛ وإنما الغرض أن يكون خلقناه الخبر، على تقدير إنا خلقنا كل شيء بقدر ومن ذلك قراءة العامة عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال قرأها غير ابن كثير بحذف الياء في الوقف والوصل وقد قال سيبويه في الوقف فإذا لم يكن في موضع تنوين فإن الإثبات أجود في الوقف، وذلك قولك هذا القاضي، وهذا العمى، لأنها ثابتة في الوصل ومن العرب من يحذف هذا في الوقف، شبهوه بما ليس فيه ألف ولام، إذ كانت تذهب الياء في الوصل في التنوين لو لم تكن الألف واللام قلت وإنما حذف الجماعة الياء من قوله الكبير المتعال في الوقف، لا لما ذهب إليه سيبويه، ولكنهم شبهوا هذا بالفواصل، إذ هي فاصلة، كقوله والليل إذا يسر، و ما كنا نبغ تحذف هنا للفاصلة، فإذا انضم إليه ما قال سيبويه، كان الحذف أقوى، فلهذا ذهب إليه الجماعة غير ابن كثير، أعنى اجتماع الشيئين الفاصلة، وثقل الياء ومن ذلك قراءة العامة، نحو منه، وعنه، بغير إشباع، غير ابن كثير، فإنه أشبع وقد قال سيبويه فإن لم يكن قبل هاء التذكير حرف لين أثبتوا الواو والياء في الوصل، نحو منه فاعلم وقد يحذف بعض العرب الحرف الذي بعد الهاء، إذا كان ما قبل الهاء ساكنا، لأنهم كرهوا حرفين ساكنين بينهما حرف خفي، نحو الألف، وكما كرهوا التقاء الساكنين في أين ونحوها، كرهوا ألا يكون بينهما حرف قوي، وذلك قول بعضهم منه يا فتى، و أصابته جائحة قال والإتمام أجود، لأن هذا الساكن ليس بحرف لين والهاء حرف متحرك فتراه رجح قراءة ابن كثير على قراءة العامة، ألا ترى أن العامة يقرءون فإن أصابه خيرٌ اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب بلا إشباع، و ابن كثر يقرأ فإن أصابته بالإشباع، وهو اختيار سيبويه، والعامة تنكبوا ما اختاره لثقل الواو وآخر الكلمة ومن ذلك ما رواه العامة في اختلاف الهمزتين عن أبي عمرو، نحو يا زكريا إنا و السفهاء ألا فإنهم لينوا الثانية وخففوا الأولى، وسيبويه روى عنه عكس ذلك وقد تقدم في هذه الأجزاء هذا الفصل ومن ذلك قول سيبويه إن أبا الخطاب زعم أن مثله قولك للرجل سلاما، وأنت تريد تسلما منك، كما قلت براءةً منك، تريد لا ألتبس بشيء من أمرك وزعم أن أبا ربيعة كان يقول إذا لقيت فلانا فقل سلاما، فزعم أنه سأله ففسر له معنى براءة منك، وزعم أن هذه الآية وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً بمنزلة ذلك لأن الآية فيما زعم مكية ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، ولكنه على قولك براءةً منكم وتسلما في كتاب أبي بكر بن السراج هذا غلط، وإيضاح هذا ووجهه أنه لم يؤمر المسلمون يومئذ بقتال المشركين إنما كان شأنهم المتاركة، ولكنه على قوله براءة ومن ذلك قوله تعالى، على قراءة من قرأ ولبثوا في كهفهم ثلثمائة سنين، بإضافة ثلثمائة إلى سنين وقد قال سيبويه إن هذا العدد أعنى مائة إلى الألف يضاف إلى المفرد دون الجمع وإنما جاء هذا هكذا تنبيها على أن الأصل أن يضاف إلى الجمع، وإن جاء الاستعمال بخلافه وكقوله استحوذ عليهم الشيطان، والقياس استحاذ، وكقولهم عسى الغوير أبؤسا، والقياس أن يكون خبر عسى أن مع الفعل ومن ذلك قراءة من قرأ إن في السموات والأرض لآياتٍ، إلى قوله واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزقٍ فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آياتٌ لقومٍ يعقلون بكسر التاء من آيات بالعطف على قوله إن في السموات والأرض لآياتٍ، وقال سيبويه العطف على عاملين لا يجوز يعني إن و، في، ألا ترى أنه جر قوله واختلاف بالعطف على آيات المنصوبة ب أن، وجاز هذا لأنه ذكرت آيات ثانية، على سبيل التكرير والتوكيد، ألا تراه لو قال واختلاف الليل والنهار، إلى قوله وتصريف الرياح، ولو لم يقل آيات لقوم يعقلون لكان حسنا جيدا

ومن ذلك ما جاء من قوله تعالى وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً إذا نصبت كم بفعل يفسره أهلكناها وقد قال سيبويه أزيد أنت رجل تضربه؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف فإذاً يجب حمل قوله كم على فعل يفسره فجاءها بأسنا وقد تقدمت هذه المسألة ومن ذلك قوله إنى ألقى إلى كتابٌ كريم إلى قوله، ألا تعلوا على أي كتاب كريم بأن لا تعلوا على وقد قال سيبويه الفصل بالوصف بالصلة والموصول لا يجوز فإذا وجهة أن يكون التقدير إن هو أن لا تعلوا على، فتحمل أن على خبر ابتداء مضمر ومن ذلك قوله تعالى وقطعناهم اثنتى عشرة أسباطاً أمما فأوقع الجمع بعد اثنتى عشرة والذي في الكتاب هو أن يفسر هذا العدد بالمفرد، كما جاء من نحو أحد عشر كوكبا، و اثنا عشر شهرا ووجه الآية أن أسباطا بدل من اثني عشرة وليس تميز والمميز محذوف والتقدير اثنتى عشرة فرقة، ومن ذلك الكلام الطويل في الحذف من الصلة والصفة والخبر، فحسن الحذف من الصلة، نحو أهذا الذي بعث الله رسولاً وأخواته، وقبح الحذف من الصلة، نحو قولهم السمن منون بدرهم وألحق الحذف من الصفة بالحذف من الخبر فاستثقله، ولو لم يكثر عنده كثرة حذفه من الصلة، فاسمع إن شئت ما جاء في التنزيل من حذف ذلك في الصفة قال الله تعالى سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها، أي كلما نضجت جلودهم منها وقال جنتان عن يمينٍ وشمالٍ كلوا من رزق ربكم، أي يقال كلوا من رزق ربكم منها وقال علمها عند ربى في كتابٍ لا يضل ربى، أي لا يضل ربى عنه وقال جنات عدنٍ مفتحةً لهم الأبواب، أي الأبواب منها فهذا ما جاء في الصفة، ويعرض غيره هناك، وإن شئت فاسمع حذفه من الخبر أيضا قال الله تعالى وكلٌّ وعد الله الحسنى، أي وعده، في قراءة ابن عامر حيث رفع وقال الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا، أي قل لهم فادرءوا، فيمن رفع الذين بالابتداء وقال إنا لا نضيع أجر المصلحين، أي منهم وقال لا نضيع أجر من أحسن عملاً، أي منهم وقال ولا نضيع أجر المحسنين، أي منهم واسمع في قوله ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور، أي إن ذلك منه ومن ذلك قوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين إلى قوله مصدقٌ لما معكم لتؤمنن به وقوله والذين يمسكون بالكتاب إلى قوله لا نضيع أجر المصلحين ومنه إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين وقوله إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ظاهر هذه الآي أنه وضع الظاهر موضع المضمر، ألا ترى أنه قال في الأولى ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم أي مصدق له، ليعود الهاء إلى قوله لما أتيتكم، فموضع ما موضع الهاء وكذلك في الآي بعدها تقديره، إنا لا نضيع أجرهم، فوضع الظاهر موضع المضمر وقد قال وتقول ما زيد ذاهبا ولا محسنٌ زيدٌ، الرفع أجود وإن كنت تريد الأول، لأنك لو قلت ما زيد منطلقا، زيد لم يكن حد الكلام وكان ها هنا ضعيفا، ولم يكن كقولك ما زيد منطلقا، هو لأنك قد استغنيت عن إظهاره، وإنما ينبغي لك أن تضمره؛ ألا ترى أنك لو قلت ما زيد منطلقا أبو زيد، لم يكن كقولك ما زيدٌ منطلقا أبوه؛ لأنك قد استغنيت عن إظهاره، فلما كان هذا كذلك أجرى مجرى الأجنبي واستؤنف على حياله، حيث كان ضعيفا فيه وقد يجوز أن تنصب قال سوادة بن عدي
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
فأعاد الإظهار وقال الجعدي
إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها ... سواقط من حرٍّ وقد كان أظهرا
والرفع فيه الوجه قال أبو الحسن النصب في لغة أهل الحجاز لا يكون غيره في قوله ما زيد منطلقا زيد، لأنك إن جعلت زيدا بمنزلة الأجنبي لم يكن كلاما، فأنت إذا أعدت زيدا، فكأنك قلت، ما زيد منطلقا هو، ولا يكون على غير ذلك في لغة أهل الحجاز وإنما رفعت ولا يسيء معن على الإبتداء وعلى لغة بني تميم؛ لأنك إذا قلت ما معن بتارك حقه، استغنى الكلام قلت فالآية الأولى محمولة على إضمار به أي ثم جاءكم به، والآي الأخر محمولة على إضمار منهم، أي إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، وأجر المصلحين منهم، وأجر المحسنين منهم

فأما قوله وهو الذي فليس على وهو الذى في السماء هو، فوضع الظاهر موضع المضمر، ولكن على حذف المبتدأ، وهو الذي هو في السماء في السماء إله، فحذف هو لطول الكلام، وليس هذا كقوله تعالى تماماً على الذي أحسن فيمن رفع، ولا ما بعوضةً، ولا كقوله
ينسون ما عواقبها
لأن الكلام لم يطل، مع أنه قد استمر الحذف على مذهبه من صلة أي، نحو اضرب أيهم أفضل وقال أيهم أشد على الرحمن والتقدير أيهم هو أشد، وهو مستحسن هنا جدا بخلاف تماماً على الذي أحسن، على ما قالوا، فهذا يوجب أن قوله ومن عنده علم الكتاب وأخواته يكون على ومن هو عنده، فيكون الظرف جاريا مجراه في قوله زيد عندك ولا يصلح الاستدلال به في قيامه مقام الفعل، لأن الموصولة توصل بالجملة، ألا ترى استمرار حذف هو في أيهم أشد فهذا ما حضرنا الآن، فإن وقع لي فصل بين وأيهم فيما بعد والرجوع نبهتك على ذا إن شاء الله ومن ذلك قوله تعالى ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين حمل سيبويه نصب قوله ويعلم على الصرف، وهي قراءة الجمهور إلا الحسن، فإنه قرأ ويعلم الصابرين بكسر الميم وقالوا إنه مجزوم بالعطف على يعلم الله وهذا الإجماع هنا مخالف لما جاء في قوله ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم حيث أجمعوا على جزم نمنعكم بعد قوله ألم نستحوذ، فلعلك تشك أن النصب والجزم هنا متعارضان، وتحتج في كل واحد منهما بآية، فلا بد وأن أبين لك ذا وأقول إن الجزم أحسن من النصب على ما جاء في ونمنعكم، وإنما نصب نمنعكم ابن أبي عبلة، وهو شاذ فأما قوله تعالى ويعلم الصابرين، فإنه مجزوم ليس بمنصوب، ولكنه فتح لالتقاء الساكنين تبعا للام، فهذه فتحة بمنزلة الكسرة فأما قوله تعالى قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات، فإنه جاء مرفوعاً مقطوعا عن الأول، إلا ما روى عن ابن ميسرة حيث نصب ويعلم ما في السماوات، حمله إما على الصرف أو على التبعية قال سيبويه في قوله أنت فانظر لأي أمر تصير وجوها، منها إن التقدير أنت الهالك، فحذف الخبر وقال ولا يكون على أن تضمر هذا لأنك تشير للمخاطب إلى نفسه، ولا يحتاج إلى ذلك، وإنما تشير له إلى غيره، ألا ترى أنك لو أشرت له إلى شخصه فقلت هذا أنت، لم يستقم وقال في حد الإضمار فصلا طويلا حدثنا يونس تصديقا لقول أبي الخطاب، أن العرب تقول هذا أنت تقول كذا وكذا، ولم ترد بقولك هذا أنت، أن تعرفه نفسك، كأنك تريد أن تعلمه أنه ليس غيره، هذا محال، ولكنه أراد أن ينبهه كأنه قال الحاضر عندنا أنت، والحاضر القائل كذا وكذا أنت وإن شئت لم تعدها في هذا الباب قال الله تعالى ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وقد قال أبو سعيد في شرح هذا في الفصل الأول ويجوز هذا أنت وإذا صرنا إلى ذلك بينا ثم صار إلى ذلك الموضع، قال والذي حكاه أبو الخطاب عن العرب من قوله هذا أنا، وأنا هذا، هو في معنى ها أنا ذا، ولو ابتدأ إنسان على غير الوجه الذي ذكرناه فقال هذا أنت، وهذا أنا، يريد أن يعرفه نفسه، كان محالا، لأنه إذا أشار إلى نفسه فالإخبار عنه ثابت لا فائدة فيه، لأنك إنما تعلمه أنه ليس غيره، ولو قلت ما زيد غير زيد، وليس غير زيد، كان لغواً لا فائدة فيه، وإذا قلت هذا أنت، والإشارة إلى غير المخاطب جاز، وبمعناه هذا مثلك، كما تقول زيد عمرو، على معنى زيد مثل عمرو والذي حكاه يونس عن العرب هذا أنت تقول كذا وكذا، هو مثل قوله ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم؛ لأن قولهم هذا أنت، كقولك أنت هذا، أحدهما مبتدأ والآخر خبره، أيهما شئت جعلته المبتدأ والآخر الخبر والوجه الآخر في قوله ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم أن يكون أنتم مبتدأ، و هؤلاء الخبر، و تقتلون في موضع الحال والكوفيون يزعمون أن التقدير ثم أنتم تقتلون، ابتداء وخبر، و هؤلاء دخل للتقريب ويجوز أن يكون هؤلاء بمعنى الذين، أي الذين تقتلون أنفسكم، كما جاز أنت الذي فعلت وقد ذكرنا أنه لا يحمل على ثم أنتم يا هؤلاء؛ لأنه يقال يا أي هؤلاء، والأمر موقوف بعد وإن راجعنا مرة أخرى فربما يتضح لك أكثر من هذا إن شاء الله ومن ذلك قراءة من قرأ الذى جعلناه للناس سواءً العاكف فيه والباد، بالنصب وقوله سواءً محياهم ومماتهم بالنصب

وقد قال في الكتاب لو قلت مررت برجل سواء أبوه وأمه، ومررت برجلٍ خير منك أبوه وأمه، فتجريه على الأول وتحمله ي الثاني، كان قبيحا، وهي لغة رديئة، قال والوجه الرفع انتهت الحكاية عنه ومعاذ الله أن تحمل قراءة بعض الأئمة على اللغة الرديئة، لا سيما وهم من السبعة والوجه في ذلك أن تجعل سواء الذي هو مصدر بمعنى الفاعل، أي مستويا فيه العاكف والبادي، ومستويا محياهم ومماتهم، قال
وهل كفلائي في الوفاء سواء
أي مستوون، لولا ذلك لم يقدم الجار عليه، ولما كان الأمر في نصب سواء كما زعمه سيبويه نصب من نصب محياهم ومماتهم إلى سواء في محياهم ومماتهم، كيلا يرفع به، فيكون على اللغة الرديئة، ولم ير موضع المصدر موضع الفاعل ابن عيسى ولا غيره، ممن نصب محياهم ومماتهم ومن ذلك ما روى عن أبي عمرو فمن زحزح عن النار بإدغام الحاء في العين، بعد إجماعهم على إظهار عنهم قال أحمد وذلك لكثرة الحروف في زحزح عن النار وروى عنه إدغام فلا جناح عليه قال سيبويه ومما قالت العرب تصديقا لهذا في الإدغام قول بني تميم محم يريدون معهم، ومحاؤلاء يريدون مع هؤلاء، ومما قالت العرب في إدغام الهاء مع الحاء قوله
كأنها بعد كلال الزاجر ... ومسحي مر عقاب كاسر
يريدون ومسحه، العين مع الحاء، كقولك أقطع جملا، الإدغام حسن والبيان حسن، لأنهما من مخرج واحد، ولم تدغم الحاء في العين امدح عرفة لأن الحاء قد يفزعون إليها إذا وقعت الهاء مع العين، وهي مثلها في الهمس والرخاوة، ومع قرب المخرجين فأجريت مجرى الميم مع الباء، فجعلتها بمنزلة الهاء، كما جعلت الميم بمنزلة النون مع الباء، ولم تقو العين على الحاء، إذ كانت هذه قصتها وهما من المخرج الثاني من الحلق، وليست حروف الحلق بأصل في الإدغام، ولكنك لو قلبت العين حاء فقلت في امدح عرفة امد حرفة، جاز، كما قلت اجبحنبة، تريد اجبه عنبة، حيث أدغمت وحولت العين حاء ثم أدغمت الهاء فيها
الثاني والثمانون
ما جاء في التنزيل من اختلافهم
في لفظة ما من أي قسمة هي
فمن ذلك قوله تعالى فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزيٌ قيل هي استفهام وقيل هي نفي ونظيره في الأخرى ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن ومن ذلك قوله ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن قيل ما نفي، وكرر يتبعون والتقدير ما يتبعون إلا الظن و شركاء منتصب مفعول يدعون، أي ما يتبع داعو شركاء إلا الظن وقيل ما استفهام أي أي شيء يتبع الكافرون الداعون؟ وقيل ما بمعنى الذي أي لله من في السموات ومن في الأرض ملكا وملكا، والأصنام التي تدعوهم الكفار شركاء ف ما يريد به الأصنام، وحذف العائد إليه من الصلة و شركاء حال ومن ذلك قوله وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة قيل ما بمعنى، الذي وقيل ما نافية فحينئذ يكون الابتداء بهما أولى فأما قوله قبل الآية كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون يكون أن يكون نفيا وقيل هي مصدرية، على تقدير تبرأنا إليك من عبادتهم إيانا، فيكون الجار محذوفا والأول الوجه ومن ذلك قوله ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم وقرأ وما عملت أيديهم فمن حذف الهاء كان ما نفيا، ومن أثبت كانت موصولة محمولة على ما قبله، أي من ثمره ومن عمل أيديهم فأما قوله تعالى كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون فقيل التقدير كانوا يهجعون قليلا و ما صلة زائدة وقيل بل هي مصدرية، أي كانوا قليلا يهجعونهم وقيل نفي وقد تقدم ذلك وأما قوله وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم قرئ بالرفع والنصب فمن قرأها بالرفع كانت ما بمعنى الذي أي إن الذين اتخذتموهم أوثانا من دون الله مودة بينكم ومن نصب كانت ما كافة، ويكون أوثانا مفعولا أول، ويكون مودة بينكم مفعولا ثانيا، إن شئت، وإن شئت كان مفعولا له وأما قوله والسماء وما بناها، وما بعدها، فقيل ما مصدرية، أي والسماء وبنائها، والأرض ودحوها، ونفس وتسويتها وقيل ما بمعنى من، أي، والسماء وخالقها، والأرض وداحيها، ونفس ومسويها نظيره إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها قيل أي من على الأرض من الرجال والنساء قيل من طاب لكم وقيل ما يلحق هذا الحنس

فأما قوله وما بكم من نعمة فمن الله فحمله الفارسي على أنها موصولة قياساً على مذهب سيبويه، حين زعم أن الظرف لا يبنى على كلمة الشرط فقال إذا قلت إن عندنا رجل، إن زيد أو عمرو والتقدير إن كان زيد ولم تقدر إن عندنا زيد ثم رأيت لعثمان وهو يتكلم على شبه الظرف بالفعل في قوله
ففينا غواشيها
فزعم أنالظرف كالفعل حيث عطفه على الفعل في قوله تقاسمهم، ثم قال ألا تراه، قال وما بكم من نعمة فمن الله ففصل بكلمة الشرط بالظرف ولا أدري أنسي قول سيبويه وقول صاحبه في قوله لما آتيتكم من كتاب وحكمة حين وفقنا بين قول سيبويه والمازني وأما قوله إن الله يعلم ما يدعون من دونه شيء فحمل الخليل ما علىالإستفهام لمكان من من قوله من شيء وحمله آخرون على الذي ومثله فلا تعلم نفس ما أخفي لهم يكون استفهاماً ويكون موصولاً وأما قوله تعالى ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر فقيل ما بمعنى الذي معطوف على خطايانا وقيل ما نافية، والتقدير ليغفر لنا خطايانا من السحر ولم يكرهنا عليه فتكون ما نافية، فيه تقديم وتأخير وأظنني قدمت هذه الآية ومثله فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن أي من استمتعتم به منهن ومثله نسى ما كان يدعو إليه من قبل أي نسي الله ومثله ولا أنتم عابدون ما أعبد في الموضعين، يعنى الله وحكى أبو زيد سبحان ما سحركن وأنشد لأبي دواد
سالكاتٍ سبيل قفرة بدا ... ربما ظاعنٌ بها ومقيم
أي رب إنسان هو ظاعن بها إنسان هو مقيم بها ف ما جر ب رب ووصفها بالجملة، كما تقول رب رجلٍ أبوه مقيم
الثالث والثمانون
ما جاء في التنزيل من تفنن الخطاب
والانتقال من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى المتكلم
ومن ذلك قوله تعالى الحمد لله، ثم قال إياك نعبد وقال حتى إذا كنتم في الفلك وجرين، وحق الكلام وجرين بكم وقال وأنزل من السماء ماءً فأخرجنا به أزواجاً من نباتٍ شتى وقال وأنزل من السماء ماءً فأنبتنا به حدائق ذات بهجةٍ وهو كثير في التنزيل، والأصل في الكلام البداية بالمتكلم، ثم بالمخاطب، ثم بالغيبة قال الله تعالى فعميت عليكم أنلزمكموها فقدم المخاطب على الغيبة فبنوا على هذا فقالوا الوجه في الكلام أعطانيك، وأعطاكني، لا يجوز، وأعطيتكها، وأعطيتكهوك، قبيح، ومع قبحه قول يونس واحتج في ذلك قارئهم بقول القطامي
أبلغ ربيعة أعلاها وأسفلها ... أنا وقيساً تواعدنا لميعاد
فأخبر عن المتكلم دون الغيبة، وهو قيس والمبرد يقوى قول يونس في القياس، ويجعل إضمار الغائب والمتكلم والمخاطب في التقديم والتأخير سواء، ويجيز أعطاهوك، و أعطاهوني، و أعطاكني، ويستجيزه ويستحسنه في منحتني نفسي وسيبويه لا يجيز شيئا من ذلك إلا بالانفصال، نحو أعطاك إياك، و أعطاها إياك، و أعطاه إياكما، و أعطاها إياكما، و أعطاك إياي وهذا الذي ذكره المبرد ليس بالسهل؛ لأن ضمير المتكلم أقرب، ثم المخاطب ثم الغائب وقد رأيت غير سيبويه يجيز بين المتصل والمنفصل وغيرهما، في أعطيتكه، و أعطيتك إياه؛ لأن المفعول الثاني ليس يلاقي الفعل ولا يكترث به والأول إما أن يلقى ذات الفعل، أو يلقى ضمير الفاعل المجعول معه كشق واحد وأجاز سيبويه أعطاك إياك وتصحيحه لا يقوى ذلك؛ لأن تعلق المفعولين بالفعل من بابا واحد، واختلاف المفعولين في ترتيبهما ليس مما يغير حكم تعليقهما بالفعل وعمل الفعل فيهما ولقائل أن يقول ما الذي أنكر سيبويه من منحتيني؟ وهل سبيل منحتيني إلا سبيل أعطاهوها، وهو مستحسن؟ قيل له المنكر من منحتيني عند سيبويه أن في الثانية يؤخر ما هو حقه التقدم على كل ضمير، وليس كذلك أعطاهوهما
الرابع والثمانون
نوع آخر إضمار قبل الذكر
قوله تعالى ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابةٍ يريد على الأرض وقال فأثرن به نقعاً يعني الوادي وقوله والنهار إذا جلاها يعني الدنيا والأرض ومثل ما تقدم ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون جويبر عن الضحاك عن ابن عباس وللبسنا على الملائكة من الثياب ما يلبسه الناس من ثيابهم، ليكونوا على صورتهم، والمعروف لبس يلبس، في هذا المعنى

وقال غيره لشبهنا عليهم ما يشبهون على ضعفائهم، و اللبس في كلامهم الشك الكلبي ولخلطنا عليهم ما يخلطون وقيل لبسنا عليهم، أي على قادتهم ما يلبسون؛ كما يلبس القادة على سفلتهم وذلك أنهم أمروا سفلتهم بالكفر بالله، والشرك له، فالله عز اسمه، يقضى على قادتهم حتى يكونوا على الكفر ومن ذلك قوله تعالى إنها كلمةٌ هو قائلها، قيل الكلمة قوله فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً الآية أي الله قائل هذه الكلمات، فلا يدخلها خلف عن ابن زيد أن القائل المشرك، والضمير لكلمة المشرك، وهي قوله قال رب ارجعون أي لا يكون ذلك أبدا ومن ذلك قوله سامراً تهجرون، أي مستكبرين بحرم الله، ويقولون إن البيت لنا لا يظفر علينا أحد، وقيل مستكبرين بالكتاب لا يؤمنون به، وقد تقدم في قوله ولدينا كتابٌ ينطق بالحق ومن ذلك قوله تعالى وصدها ما كانت تعبد، الضمير في صدها، قيل لله تعالى، أي صد الله بلقيس عن عبادة غيره وقيل صدها سليمان عن ذلك، فعلى هذا ما في محل النصب وقيل ما هي الفاعلة، وقد تقدم في الجار والمجرور ومن ذلك قوله تماماً على الذي أحسن، ففي فاعل أحسن قولان أحدهما موسى، أي تماما على إحسان موسى بطاعته عن الربيع والفراء، كأنه لتكمل إحسانه الذي يستحق به كمال ثوابه في الآخرة فيكون مذهب الذي مذهب المصدر؛ كقول يونس في قوله تعالى وخضتم كالذي خاضوا والثاني أن يكون الفاعل ذكر الله، أي تماما على إحسان الله إلى أنبيائه عن ابن زيد وقيل تماما على إحسان الله إلى موسى بالنبوة وغيرها من الكرامة عن أبي علي ومن ذلك قوله إذ يغشيكم النعاس أمنةً منه، قيل من العدو، وقيل من الله وقوله ويثبت به الأقدام أي بالماء، وقيل بالربط على القلوب، كنى عن المصدر، وقيل بالرسل ومن ذلك قوله تعالى لا تحرك به لسانك لتعجل به قيل هذا كقوله ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه كان يسرع القراءة مخافة النسيان وقيل كان يحب الوحي، فيحرص على التلقن قبل أن يتم الكلام وقيل إنما أراد قراءة العبد لكتابه يوم القيامة، لأن ما تقدم هذه الآية وما تأخر عنها يدل على ذلك، ولا يدل على شيء من أمر القرآن، ولا على شيء كان في الدنيا وكأن هذا القول في معنى قراءة العبد كتابه ضرب من التقريع والتوبيخ والإعلام، بأنه صار إلى حيث لا تنفعه العجلة، وإلى موضع التثبت في الأمور، وإقامة جزاء الحسنة والسيئة؛ وهذا حسن البلخي إن العبد يسرع إلى الإقرار بذنوبه، وتكلف معاذيره، ظنا بأن ذلك ربما ينفعه، فيقال له لا تعجل فإن علينا أن نجمع أفعالك في صحيفتك، وقد فعلناه، وعلينا أن نقرأ كتابك، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، أي فاتبع قراءته، هل غادر شيئا واحتوى على زيادة لم تعملها؟ فإذا فعلت ذلك، وجاوب كتابنا أفعالك، فاعلم بعد ذلك أن علينا بيانه، أي إظهار الجزاء عليه والأول أيضا حسن، لأن الإشارة إلى الشيء في تفريقه، كمتقدم ذكره، فيحسن معها الإضمار، وكان يقرأ عليه القرآن، وأشير إليه فقيل لا تحرك به، أي بهذا الذي نقرؤه عليك وهذا المعنى أيضا حسن فعلى هذا إن علينا جمعه في قلبك؛ لتقرأه بلسانك عن ابن عباس، رضي الله عنه
الخامس والثمانون
ما جاء في التنزيل حمل فيه الفعل
على موضع الفاء في جواب الشرط فجزم
فمن ذلك قوله تعالى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خيرٌ لكم ونكفر عنكم، فجزم نكفر على موضع قوله فهو خير لكم، لأن تقديره إن تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن الإيتاء والإخفاء خير لكم والرفع فيه أيضا حسن جيد، لما لم يظهر الجزم في الفاء لم يكن به اعتداد وقد ذكر فارسهم ذلك فقال إذا قلت زيدا ضربته وعمراً كلمته ربما احتج الزيادي بأن قوله ضربته لم يظهر فيه الإعراب، فلم يقع به اعتداد، في كلام طويل ذكرته في الخلاف ومن ذلك قوله تعالى من يضلل الله فلا هادى له ويذرهم، جزم يذرهم حملا على موضع الفاء، والرفع فيه حسن على ما قلنا وأما قوله تعالى فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوماً غيركم، فإن القراء السبعة أجمعوا على رفع ويستخلف ولم يجزموه، كما جزموا ويذرهم ونكفر، إلا رواية عن حفص جزمه كما جزم أولئك في الآيتين، فقال قائلهم ليس ذا بجزم، وإنما هو اختلاس

ألا ترى أنه أطبق مع الجماعة على إثبات النون فقرأ ويستخلف ربى قوماً غيركم ولا تضرونه شيئا، فأثبت النون، ولو اعتقد في يستخلف الجزم حملاً على موضع الفاء لحذف النون ولم يثبتها، فثبت أنه ليس بمجزوم، وأنما أطبقوا على الرفع لمكان النون في ولا تضرونه شيئا، إذ وجدوها في المصحف كذلك ومن ذلك قوله لولا أخرتنى إلى أجلٍ قريبٍ فأصدق وأكن، فحمل يكن على موضع الفاء في فأصدق أي موضع الفاء جزم، وكأنه في التقدير إن أمهلتني أصدق وأكن وأبو عمرو قرأه وأكون منصوبا، بالحمل على موضع فأصدق، فهذا في الحمل على موضع الفاء، وربما كان ينشد فارسهم قول أبي دواد
فأبلوني بليتكم لعلى ... أصالحكم وأستدرج نؤبا
فحمل وأستدرج على موضع لعلى جزم على تقدير فلعلي، بالفاء محذوفة فأما ما جاء من نحو قوله إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم، وقوله يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء، فالجزم هو الجيد بالعطف على الجزاء، وجاز الرفع في مثله وقد قرئ به في فيغفر دون يخرج وجاز النصب في فيغفر وقد جاء ذلك في الشواذ، ولم يشذ في قوله ويعلم الذين بعد أو يوبقهن، المنجزم بالعطف على قوله إن يشأ يسكن الريح فيظللن وإنما لم يكن شاذا لفتح اللام قبل الميم، واجتمع فيه كونه تبعا مع جواز الصرف وقال عز من قائل أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين فإنه حمل نصبه على الصرف، وعندي أنه مجزوم، وكان حقه الكسر، لقراءة الحسن ويعلم الصابرين لكنه حمله على اللام وفتحه لمطابقة ما قبله، كما روى عن ابن عامرٍ تم تجعله بفتح اللام تبعا ل العين وأما قوله تعالى إن نشأ ننزل عليهم من السماء آيةً فظلت أعناقهم لها خاضعين فقدر أبو إسحاق موضع قوله ظلت أنه مجزوم بالعطف على ننزل، كقوله فيغفر جزم بالعطف على يحاسبكم وأنكر عليه أبو علي وزعم أن قوله ظلت بعد الفاء كقوله ينتقم الله بعد الفاء كقوله فلا هادى له ويذرهم لم يتأمل أبو علي في هذا الكلام، لأن قوله، فينتقم الله منه جواب الشرط، وقوله فظلت معطوف على ينزل كما أن فيغفر معطوف على يحاسبكم نعم، لو كان فظلت جواب إن نشأ لكان كقوله ومن عاد فينتقم الله منه، فأما إذا كان في تقدير إن نشأ ننزل فتظل عناقهم، كان كقوله فيغفر، والله أعلم
السادس والثمانون
ما جاء في التنزيل وقد رفض الأصل
واستعمل ما هو فرع
فمن ذلك الصاد في الصراط من نحو قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين جاء الاستعمال وكثرت القراءة بالصاد، وقد رفض فيه السين، إلا في القليل ومنه قوله أنعمت عليهم، كل حزبٍ بما لديهم وإليكم، و فيهم، و فيكم الأصل في كل ذلك عليهمو، و إليهمو، و لديهمو، و فيهمو، بالواو، لأنها بإزاء عليهن، و لديهن، و إليكن، و إليهما، وكما أن المثنى المؤنث بالحرفين، فكذلك المذكر وجب أن يكون بحرفين، إلا أنهم حذفوا الواو استخفافا وأسكنوا الميم، فقالوا عليهم فإن قلت فهلا تركوا الميم بالضم بعد حذف الواو؟ فلأن في إبقاء الضم استجلاب الواو، ألا تراهم قالوا
أمشى فأنظور و تنقاد الصياريف
فإذا أسكنوها أمنوا ذلك، ألا تراهم لم يصلوا
وأنت من أفنانه معتقد
وكانت الهاء في قربها و إرثها رويا، ولم تكن كالهاء في أجمالها، و بدالها و زال زوالها ومن ذلك إبدالهم الميم من النون الساكنة في قوله فانبجست، و من يك وشنبا، و عنبر وقد تقدم ذلك ومن ذلك قوله تعالى إن هذان لساحران الأصل في ألف التثنية أن تكون كعصا، ورحا، في الرفع والنصب والجر على صورة واحدة، لأن الحركة فيها مقدرة، كما هي في ألف عصا و رحا، ولكنه جاء الاستعمال على قلبها ياء في النصب والجر حرصاً على البيان، إذ لم يكن هناك ما في المفرد من البيان، ألا تراك تقول ضرب موسى العاقل عيسى الأديب، فيتبين الرفع بالصفة بعد الفاعل ونصبها بعد المفعول، وهذا المعنى لا يتأتى بالتثنية لو قلت ضرب الزيدان العاقلان العمران القائمان، لم تتغير الصفة، فجاء قوله إن هذان لساحران على الأصل الذي ينبغي أن يكون عليهم كما استحوذ على ذلك وقوله ألم نستحوذ عليكم ولم يكن كقوله وإياك نستعين، وكقولهم عسى الغوير أبؤسا، على الأصل، ولم يكن كالمستعمل في قوله تعالى عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا وكذلك جاء قول تأبط شرا

فأبت إلى فهمٍ ولم أك آيبا ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
قال عثمان وصواب الرواية فيه وما كدت آيبا، أي وما كدت أؤوب، فاستعمل الاسم الذي هو فرع، وذلك أن قولك كدت أقوم، وأصله قائما، فلذلك ارتفع المضارع، أي لوقوعه موقع الاسم، فأخرجه تأبط شرا على المرفوض كما يضطر الشاعر إلى مراجعة الأصول عن مستعمل الفروع، نحو صرف ما لا ينصرف، وإظهار التضعيف، وتصحيح المعتل، وما جرى مجرى ذلك ونحو من ذلك ما جاء عنهم من استعمال مفعول عسى على أصله، وذلك ما أنشدناه من قول الراجز
أكثرت في العذل ملحاًّ دائما ... لا تكثرن إني عسيت صائما
فهذه الرواية الصحيحة في هذا البيت، أعني قوله وما كدت آيبا، وكذلك وجدتها في شعر هذا الرجل بالخطأ القديم، وهو عتيد عندي إلى الآن، وبعد فالمعنى عليه البتة لا ينصرف به عنه، ألا ترى أن معناه وأبت وما كدت أؤوب، كقولك سلمت وما كدت أسلم، وكذلك كل ما يلي هذا الحرف من قبله ومن بعده يدل على ما قلناه، ولا معنى لقولك وما كدت آيبا، ولا ولم أك آيبا، وهذا واضح
السابع والثمانون
ما جاء في التنزيل من القراءة
التي رواها سيبويه في كتابه
فمن ذلك ما ذكره في باب ما قال وأهل الحجاز شبهوها، يعني ما ب ليس إذ كان معناها كمعناها، كما شبهوا ب ليس لات في بعض المواضع، وذلك مع الحين خاصة، لا تكون لات إلا مع الحين يضمر فيها مرفوع وينصب الحين لأنه مفعول به، ولم يتمكن تمكنها ولم يستعملوها إلا مضمرا فيها، يعني لات وليس ك ليس في المخاطبة والإخبار عن غائب، تقول لست، وليسوا، وعبد الله ليس ذاهبا، فيبنى على المبتدأ ويضمر فيه، وهذا لا يكون فيه ذاك، يعنى فيه لات ولا يكون هذا في لات لا تقول عبد الله لات منطلقا، ولا قومك لاتوا منطلقين ونظير لات في أنه لا يكون إلا مضمرا فيه ليس ولا يكون في الاستثناء، إذا قلت أتوني ليس زيدا، ولا يكون بشراً وزعموا أن بعضهم قرأ ولات حين مناصٍ وهي قليلة، كما قال بعضهم
من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح
فأعمل لا عمل ليس و لا تعمل مع ذلك إلا في نكرةٍ، فجعلها بمنزلة ليس فهي بمنزلة لات في هذا الموضوع في الرفع، ولا يجاوز بها الحين، رفعت أو نصبت، أي لا تكون، لات إلا مع الحين قال الأخفش لات لا تعمل شيئا في القياس، لأنها ليست بفعل، فإذا كان ما بعدها رفعا فهو على الابتداء، ولم تعمل لات في شيء رفعت أو نصبت قال أبو إسحاق من رفع لات حين يريد و لات الحين حين مناص، فيكون خبرا مبتدأ محذوف ويجوز أن يكون ابتداء والخبر محذوف، بخط الوراق س يريد أنه يقدر بعد لا، كأنه قال لات الحين حين مناص، ثم خزل الحين، و الحين فيه مبتدأ، و حين مناص خبره، وإنما أظهر المنصوب لأنه يدل على الفعل وإذا نصبت لات نصبت بالظرف، لأنها تعمل، وزعم وهيب عن هارون عن عيسى هذا كسر التاء والنون، وسيبويه يرفع ومن ذلك ما ذكروه في باب كان وزعم أنه سمع رؤبة يقول ما جاءت حاجتك، فرفع ومثل قولهم ما جاءت حاجتك، إذا صارت تقع على مؤنث، قراءة بعض القراء ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا، و تلتقطه بعض السيارة قلت قوله ثم لم تكن فتنتهم بنصب التاء والتأنيث، تكن قراءة أبي عمرٍو، وغيره من السبعة أنث تكن بأن قوله أن قالوا يؤول إلى معنى الفتنة وقوله تلتقطه بعض السيارة قراءة الحسن، فهو خارج عن السبعة فإما أن يكون لأن البعض من السيارة، أو يكون اكتسى التأنيث عن المضاف إليه ومن ذلك ما ذكره في باب الأمر والنهي، تقول أما زيدٌ فسلم عليه، وأما الكافر فلعنة الله عليه، لأن هذا ارتفع بالابتداء وأما قوله الزانية والزانى فاجلدوا كل واحدٍ منهما، وقوله والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما فلأن هذا لم يبن على الفعل ولكنه جاء على مثل قوله ومثل الجنة التي وعد المتقون، ثم قال بعد فيها كذا وكذا، وإنما وضع المثل للحديث الذي بعده، وذكر بعد أخبار وأحاديث، وكأنه على قوله ومن القصص أولا مثل الجنة، أي مما يقص عليكم، فهو محمول على هذا الإضمار أو نحوه والله أعلم

وكذلك الزانية والزانى كأنه لما قال سورة أنزلناها وفرضناها، قال في الفرائض الزانية والزاني، ثم قال فاجلدوا كل واحدٍ أو الزانية والزاني في الفرائض، فجاء بالفعل بعد أن مضى فيهما الرفع، كما قال
وقائلةٍ خولان فانكح فتاتهم
فجاء بالفعل بعد أن مضى عمل فيه المضمر، وكذلك والسارق والسارقة كأنه على قوله وفيما فرض عليكم السارق والسارقة، أو السارق والسارقة فيما فرض عليكم، وإنما جاءت هذه الأشياء بعد قصص وأحاديث، وتحمل على نحو من هذا ومثل ذلك واللذان يأتيانها منكم فآذوهما وقد يجري هذا في زيد وعمرو، وعلى هذا الحد إذا كنت تخبر بأشياء أو توصى ثم تقول زيد، أي زيد فيمن أوصى به فأحسن إليه وأكرمه وقد قرأ الناس والسارق والسارقة و الزانية والزانى، وهو في العربية على ما ذكرت من القوة، ولكن أبت القراءة إلا القراءة بالرفع قلت الذي قرأ بالنصب في الآيتين هو عيسى ابن عمر الثقفي، ونصب الزانية بمضمر دل عليه قوله فاجلدوا، ونصب السارق بمضمر دل عليه قوله فاقطعوا أيديهما فأما قوله واللذان فلم يرو فيه عن أحدٍ النصب ومن ذلك ما ذكر في باب إن وأما ما حمل على الابتداء فقولك إن زيدا ظريف وعمرو، و إن زيدا منطلق وسعيد، فعمرو وسعيد يرتفعان على الوجهين، فأحد الوجهين حسن والآخر ضعيف فأما الوجه الحسن فأن يكون محمولا على الابتداء، لأن معنى إن زيدا منطلق زيد منطلق، و إن دخلت توكيدا، كأنه قال زيد منطلق وعمرو وفي القرآن مثله أن الله برئٌ من المشركين ورسوله وأما الوجه الضعيف فأن يكون محمولا على الاسم المضمر في المنطلق و الظريف، فإذا أردت ذلك فأحسنه أن تقول إن زيدا منطلق هو وعمرو، و إن زيدا ظريف هو وبشر؛ وإن شئت جعلت الكلام على الأول، فقلت إن زيدا منطلق وعمرا ظريف، فجعلته على قوله ولو أن ما في الأرض من شجرةٍ أقلام والبحر يمده من بعده سبعة وقد رفعه قوم على قولك لو ضربت عبد الله وزيد قائم ما ضرك أي لو ضربت عبد الله وزيد في هذه الحال، كأنه قال ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر هذا أمره ما نفدت كلمات الله قلت هذا مبنى على قراءة الحسن أي الحسن البصري أن أبا حاتم روى عنه إن الله برئ من المشركين، أي بكسر إن، فأما قراءة العامة فهو بفتح أن وهو مع الاسم وخبره في موضع خبر أذان، على تقدير وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر كائن بأن الله برئ من المشركين ونرى عثمان قد أقام القيامة، في قوله
ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم
فقال إن و أن في هذا الباب عند سيبويه سيان وظن أن سيبويه بنى كلامه على قراءة العامة، والأمر بخلاف ما ظن فأما قوله والبحر يمده بالنصب، فقراءة أبي عمرو وحده، والرفع قراءة العامة، على أن يكون الواو واو الحال ومن ذلك ما ذكره في آخر باب المضمرات، قال هذا باب لا تكون هو فيه وأخواتها فيه فصلا، ولكن تكون بمنزلة اسم مبتدأ، وذلك قولك ما أظن أحداً هو خير منك، وما أجعل رجلا هو أكرم منك، وما إخال رجلا هو أكرم منك فلم يجعلوه فصلا وقبله نكرة، كما أنه لا يكون وصفا ولا بدلا إلا لنكرة؛ كما لا يكون وصفا ولا بدلا إلا لمعرفة وأما أهل المدينة فينزلون هو ها هنا بمنزلته بين المعرفتين ويجعلونها فصلا في هذا الموضع وزعم يونس أن أبا عمرو رآه لحنا، وقال احتبى ابن مروان في ذه في اللحن، وذلك أنه كان يقرأ هؤلاء بناتى هن أطهر لكم قال عثمان جعل ابن مروان هن خبر المبتدأ، وأطهر، نصب على الحال وليس ما قال عثمان بشيء، إذ ليس في قوله هن فائدة لم تستفد من المبتدأ ومن ذلك ما ذكره في باب أي في قوله تعالى ثم لننزعن من كل شيعة أيهم وهي لغة للعرب جيدة، نصبوها كما جروها حين قالوا امرر على أيهم أفضل، فأجراها هؤلاء مجرى الذي إذا قلت اضرب الذي أفضل، لأنك تنزل أي ومن بمنزلة الذي في غير الجزاء والاستفهام

ومن ذلك ما ذكره في باب إن فإذا قلت إن زيدا منطلق، لم يكن في إن إلا الكسر، لأنك لم تضطر إلى شيء، ولذلك تقول أشهد أنك ذاهب، إذا لم تذكر اللام وهذا نظير هذا و هذه كلمة تتكلم بها العرب في حال اليمين، وليس كل العرب تتكلم بها، تقول لهنك لرجل صدق يريدون إن، ولكنهم أبدلوها الهاء مكان الألف، كقولك هرقت ولحقت هذه اللام إن كما لحقت ما حين قلت إن زيدا لما لينطلقن، فلحقت إن اللام في اليمين كما لحقت ما، فاللام الأولى في لهنك، لام اليمين، واللام الثانية لام إن كما أن اللام الثانية في قولك إن زيدا لما ليفعلن، لام اليمين قال أبو علي يريد أن هذا بمنزلة قوله وإن كلاًّ لما ليوفينهم يريد أن اللامين في لهنك لرجل صدق بمنزلته في قولك وإن كلاًّ لما ليوفينهم، إذا عكس الحكاية، لأن اللام الأولى في لهنك لام اليمين، تقديره والله لأنك واللام الثانية في ليوفينهم لام اليمين والأولى ل أن، وإنما دخلت ما في قوله وإن كلاًّ لما ليوفينهم ليفصل بين اللامين فلا يلتقيان، فهي وإن كانت زائدة لهذا المعنى، ولو سقطت لم تصلح أن تلى أن الناصبة للفعل وكأنها سهلت وقوع الاسم بعد أن الناصبة للفعل، كما سهلت وقوع اللام في ليوفينهم بعد لام أن وقد تشابها من هذا الوجه، وهذا الذي ذهب إليه سيبويه في لهنك لام القسم، فيه بعض البعد؛ ألا ترى أن اللام إذا كانت للقسم فهي التي للابتداء، وقد دخلت على ان ولم يجتمعا في موضع، فإذا حكم بما يجئ له نظير وكان الاستعمال على غيره، ففيه بعض البعد فإن قال إنه مما قد رد إلى الأصل، ألا ترى أن الأصل في اللام أن تكون لاحقة قبل أن يدلك على ذلك قولك علمت أن زيدا لمنطلق وتعليق الفعل عن ان؟ قيل هذا يمكن أن يقوله قائل، وأحسب أن أبا إسحاق كان يقوله ويبعد هذا أن اللام في الخبر قد جاء قولهم لهنك لرجل صدق، وفي قولك
وإنا لهنك من تذكر عهدها ... لعلى شفا يأسٍ وإن لم تيأس
فلو كان لام الابتداء لم يكن في الخبر ويبعد ذلك أيضا أن ان قد يلقى القسم كما تلقاه اللام، فإذا كان كذلك فلا حاجة إلى اللام في ان، وقد كنا نقول دهرا إن البدل في الهمزة هنا لما غيرت الصورة كان كذلك كالفصل بينهما، في نحو إن في ذلك لآية وفي هذا بعض العهد أيضا، لأن البدل يجري مجرى المبدل منه، ألا ترى أن الهمزة في حمراء التي هي بدل من الألف، بمنزلة الألف وفي حكمها، وأن أبا الحسن قد قال في أصيلال إنك لو سميت به رجلا لم تصرف فإذا كان مذهبهم في البدل هذا المذهب فلا فضل بين البدل والمبدل منه، وإذا لم يكن فعل كان فتح لهنك كفتح لانك وذهب أبو زيد في قوله لهنك إلى أن المعنى لا أنه كأن المعنى لله أنك، فتحذف الجار كما يحذف في قوله لاه ابن عمك وانك قد تلقى به القسم وحذفت الهمزة منه كما حذفت من قوله
ويلمها
ويا بالمغيرة
ونحو قوله
إن لم أقاتل فالبسوني برقعا
وكما حذفت الألف حذفا في هذه المواضع كذلك حذفت في قوله لهنك، والتقدير لله أنك وقد استعملت اللام في القسم، في نحو قوله
لله يبقى على الأيام ذو حيد
إذا أرادوا التعجب، فكذلك اللام المرادة في لهنك الذي تقديره لله أنك ويؤكد ذلك ما حكاه أبو زيد من قولهم له ربي، قوله ربي عطف على له أو بدل، كما قال أبو الحسن قولهم لاها الله ذا، إنه صفة، فكذلك يكون في المواضع التي لم يوصف فيها الاسم هو اسم الله، لا على ما قدره سيبويه من المعنى لأنك وأما الألف من له ربي فإنها قد حذفت كما حذفت من قول الشاعر
ألا لا بارك الله في سهيل
فهذا المثال الذي سلكه أبو زيد أسهل في له ربي ومن ذلك ما ذكره في باب الجمع قال وقد كسر على فعل، وذلك قليل كما أن فعلة في باب فعل قليل، وذلك نحو أسد و أسد، و وثن و وثن وبلغنا أنها قراءة قلت يعني في قوله تعالى إن يدعون من دونه إلا إناثاً اعلم أن في هذه اللفظة قراءات، منها قراءة الناس إلا إناثا وقرأ إلا أثنا، الثاء قبل النون، النبي صلى الله عليه وعلى آله وعائشة، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وسعيد ابن المسيب، وعبد الله بن حسين، ومسلم بن جندب، ومجاهد وقرأ أنثا النون قبل الثاء، النبي صلى الله عليه وعلى آله، إن كان ذلك صحيحا

وروى عن عائشة وابن عمر وابن عباس بخلافٍ عنهم فقد رووا هذين الوجهين عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمن ذكرنا معه وروى عن عطاء اثنا و أنثا، ساكنة، والثاء قبل النون وعن ابن عباس أثنا و أنثا، وكذلك مسلم بن جندب فهذه خمسة أوجه مع قراءة الناس والذي أراد سيبويه ألا أثنا، الثاء قبل النون، مثل أسد وأسد، والهمزة فيها مثلها في وجوه وأجوه والضمة والإسكان يرجعان إلى شيء واحد ومن ذلك ما قال في حد التصريف قال سيبويه زعموا أن أبا عمرو قرأ يا صالح ائتنا جعل الهمزة ياء ثم لم يقلبها واوا لم يقولوا هذا في الحرف الذي ليس متصلا، وهذه لغة ضعيفة؛ لأن قياس هذا أن تقول غلام وبيك ومن ذلك ما قاله في باب الإدغام وحدثني الخليل وهارون أن ناسا يقولون مردفين فمن قال هذا فإنه يريد مرتدفين، وإنما أتبعوا الضمة الضمة حيث حركوا، وهي قراءة لأهل مكة، كما قالوا رديافتى، فضموا لضمة الراء، فهذه الراء أقرب ومن قال هذا قال مقتلين، وهذا أقل اللغات ومن قال قتل قال ردف ف ارتدف يجرى مجرى اقتتل ونحوه قلت روى أحمد بن عباد عن قنبل أيضا عن ابن كثير مردفين، وهو الذي ذكر أنه قراءة أهل مكة ومن ذلك ما قاله أيضا في حد الإدغام قال سيبويه وقالوا مصبر لما امتنعت الصاد أن تدخل في الطاء قلبوا الطاء صادا، فقالوا مصبر وحدثنا هارون أن بعضهم قرأ فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا قلت إنما قرأ بها الجحدري
الثامن والثمانون
وهذا نوع آخر من القراءات
مسألة
قوله تعالى وإن يأتوكم أسارى تفادوهم أسارى على فعالى، و أسرى على فعلى، تفرد به حمزة ويميلها أسرى ويميلان أبو عمرو والكسائي أسارى فلا يقرآن أسرى بلا إمالة فأما قوله تعالى يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسارى تفرد به أبو عمرو، وأبو عمرو صاحب الإماله، وليس في السبعة أسارى بلا إمالة، فلا يقرآن بها في الصلاة، فأما الباقون فيقرءون من الأسرى ويميلها حمزة والكسائي قوله إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خيرٌ لكم ونكفر بالنون والجزم، وبالنون والرفع؛ وبالياء والرفع، ثلاثهن في السبعة، وليس في السبعة يكفر بالياء والجزم بتة، لأنه معطوف على قوله فإن الله يعلمه، فلا يجوز الياء مع الجزم سورة آل عمران وكفلها زكريا، بالتشديد، ونصب الألف أبو بكر، وتشديد الياء وقصر زكريا حمزة والكسائي وحفص، وتخفيف الياء وضم الهمزة الباقون وليس في السبعة تخفيف الياء مع قصر الألف قوله إني أخلق لكم من الطين بفتح الألف وإسكان الياء، وأبو عمرو وابن كثير يفتحان الألف جميعا، ونافع يكسر الألف ويفتح الياء، وليس في السبعة كسر الألف مع إسكان الياء قوله أن يؤتى أحدٌ حمزة والكسائي بالإمالة، أن يؤتى بالمد والاستفهام ابن كثير وليس في السبعة آان يؤتى بالاستفهام والإمالة قوله ولا يأمركم بالهمزة والرفع والنصب في الهمزة، والاختلاس وترك الهمز، تفرد به أبو عمرو
مسألة
وسارعوا إلى مغفرة من ربكم بالواو وغير الواو، وترك الواو وقراءة نافع وابن عامر، والباقون بالواو، والكسائي يميل مع الواو
مسألة
يغشى طائفة بالياء وحمزة والكسائي تغشى بالتاء من غير إمالة، ولا يغشى بالياء مع الإمالة
مسألة
ولا تحسبن الذي قتلوا بالتاء وكسر السين وفتحها، هشام عن عمار بالياء وفتح السين، وكسر السين مع الياء ليس بمروى ولا يحسبن الذي كفروا أنما نملى بالياء وفتح السين تفرد به حمزة، وليست كسرة السين مع الياء في السبعة بتةً وكذا ولا تحسبن الذين يبخلون، وهو مثل الأول فأما قوله لا تحسبن الذين يفرحون بالتاء، فعاصم والكسائي إلا أن الكسائي يكسر السين وعاصما يفتح السين والباقون بالياء وكسر السين، إلا ابن عامر فإنه بالياء وفتح السين وأما قوله تعالى فلا تحسبنهم بمفازة، ابن كثير وأبو عمرو بالياء وضمة الباء، وضم الباء مع الياء واجب لم يقرأه أحد ولا يجوز فتح الياء مع الباء، والباقون بالتاء وفتح الباء، إلا أن ابن عامر وحمزة وعاصما والكسائي يفتحون السين، ونافعا يكسر السين مع التاء في الثاني والياء مع الأول

سورة النساء والذين عقدت أيمانكم بالتخفيف، كوفى، والباقون بالألف عاقدت، وليس في السبعة عقدت كما هو في سورة المائدة بما عقدتم الأيمان، بتشديد القاف ابن كثير وأبو عمر ونافع وحفص أرى أنهم إنما شددوه في المائدة لما رأوه مجاورا للتاء المشددة المدغم فيها دال عقدت بخلاف ما في النساء الذي لم يدغمه أحد؛ ففي النساء اثنان عقدت بالتخفيف، و عاقدت بالألف، وفي المائدة ثلاث بالتخفيف وهو مذهب الكوفي غير حفص، وبالألف ابن عامر وحده، وبالتشديد الباقون
مسألة
لو تسوى بهم الأرض، بفتح التاء وتشديد السين، نافع؛ وابن عامر بفتحها والتخفيف حمزة والكسائي يميلانه على أصلهما، والباقون بضمها بالتخفيف ولا خلاف في تشديد الواو
مسألة
هل تستطيع بالتاء ربك بنصب الباء سورة الأنعام لم تكن فتنتهم نصب، حمزة والكسائي بالياء، ورفع فتنتهم ابن كثير وابن عامر وحفص؛ بالتاء ونصب فتنتهم نافع وأبو عمرو وأبو بكر
مسألة
وقد فصل لكم ما حرم عليكم فيهما نافع وحفص بالضم فيهما ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والباقون فصل بالفتح، و حرم بالضم وليس في القسمة فصل بالضم، و حرم بالفتح، لأنه يؤدى إلى أن يكون محرما مخالفا لما قبله وما بعده، والمطابقة والمشاكلة يكون ساقطا وإن تكن ميتة بالتاء، ابن ذكوان وأبو بكر، ميتة رفع ابن كثير وابن عامر وإن جعلتهما مسألة واحدة ففيها أربعة أوجه قلت بالياء والرفع، ابن كثير وابن هشام بالتاء والرفع وابن ذكوان بالتاء، ونصب أبو بكر، والباقون بالتاء والنصب
مسألة
إلا أن تكون بالتاء، ابن كثير وحمزة وابن ذكوان ميتة رفع ابن عامر وإن جعلتهما مسألة واحدة ففيها أربعة أوجه قلت بالتاء والرفع ابن ذكوان؛ بالياء والرفع هشام وحده؛ بالتاء والنصب ابن كثير وحمزة؛ الباقون بالتاء والتشديد وليس فيه التشديد مع التاء، لا يفتح بالياء والتشديد، لم يقرأه أحد
مسألة
موهن كيد الكافرين، بالتنوين وسكون الواو ونصب كيد ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر؛ بتشديد الواو ونصب كيد حجازي وأبو عمرو؛ وحفص يسكن الواو ويضيف إلى كيد وليس في السبعة تشديد الواو والإضافة، لأنه لما اختار التشديد لم يضف، لأنه أراد الإطناب والإسهاب، وكان بالحرى ألا يشدد ولا يضيف
مسألة
في سورة هود مجراها ومرساها بضم الميم فيهما وإمالة الراء في مجراها دون الميم من مرساها أبو عمرو وابن عامرٍ؛ بفتح الميم والإمالة في الراء حمزة والكسائي وحفص زاد حمزة والكسائي إمالة مرساها دون حفص، وليس في السبعة ترك الإمالة مع فتح الميم، لأن حفصا وافقهما لما فتح الميم في الإمالة، ولا في القرآن غيره، إنما أمال لأجل الوفاق
مسألة
وليسألن يوم القيامة بفتح اللام والنون جميعا مشددة النون؛ ابن كثير وحده بفتحها وكسر النون كسرا غير مشبع؛ وبالتشديد ابن عامر وقالوا بفتحها والتشديد ووصل التوت بياء في الوصل؛ ورش وإسماعيل بسكونها وتخفيف النون ووصلها بياء في الوصل؛ أبو عمرو وحده بسكونها والتخفيف من غير إشباع؛ كسر النون عاصم وحمزة والكسائي وفيها وجه سادس خارج عن السبعة يعقوب بسكون اللام وتخفيف النون ووصلها بالياء في الحالين
مسألة
قوله لعلك ترضى، بضم التاء، الكسائي وأبو بكر، إلا أن الكسائي يميلها؛ والباقون بفتح التاء، إلا أن أبا عمرٍو وحمزة يميلانها ترضى، والآخرون لا يميلون
مسألة
وترى الناس سكرى وما هم بسكرى ممالان بفتح السين، ولم يقرأ سكارى بفتح السين غير ممالٍ؛ والباقون سكارى إلا أن أبا عمرٍو وابن عامرٍ يقرآن سكارى
مسألة
ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير نصب عاصم ونافع غير أن أبا بكر يترك الهمزة مع النصب؛ الباقون بالجر؛ غير أن أبا عمرو يترك الهمزة إذا أدرج، وحمزة إذا وقف ترك الهمزتين
مسألة
أذن بضم الألف، نافع وأبو عمرو وعاصم يقاتلون بفتح التاء، نافع وابن عامر وحفص؛ وإن جمعت بينهما ففيها أربعة أوجه قلت بضم الألف وكسر التاء، أبو عمرو وأبو بكر؛ بضمهما وفتح التاء، نافع وحفص؛ بفتحهما جميعا، ابن عامر وحده؛ والباقون بفتح الألف وكسر التاء
مسألة

خراجا فخراج بالألف فيهما، حمزة والكسائي فخرج ربك، بغير الألف، ابن عامر وحده فيهما؛ الباقون خرجا فخراج وليس في السبعة خراجا فخرج
مسألة
كأنها كوكب درى بالكسر مهموز ممدود، الكسائي وأبو عمرو؛ بالضم مهموز، حمزة وأبو بكر؛ والباقون بالضم بلا همز وليس في السبعة ترك الهمزة مع الكسر ورواه المفضل عن عاصم يوقد بالياء، ابن عامرٍ ونافع وحفص، والباقون بالتاء، وفتح حروفها أجمع ابن كثير وأبو عمرو؛ ولا خلاف في فتح القاف؛ وليس في السبعة ضم الدال مع فتح سائر الحروف
مسألة
واضمم إليك جناحك من الرهب بفتحها، ابن كثير ونافع وأبو عمرو؛ وبفتحها وإسكان الهاء، حفص وحده؛ الباقون بضمها وإسكان الهاء؛ وليس في السبعة ضمها
مسألة
مودة رفع غير منونة بينكم جر على الإضافة، ابن كثير وأبو عمرو والكسائي؛ بالنصب والإضافة، حمزة وحفص؛ الباقون بالنصب والتنوين؛ ولا يجوز مع التنوين إلا النصب، إذ ليس في السبعة
مسألة
وما آتيتم من رباً بالقصر، ابن كثير؛ ولم يختلفوا في قوله وما آتيتم من زكاةٍ مسألة الظنونا و الرسولا والسبيلا، بغير ألف فيهن في الحالين؛ أبو عمرو وحمزة؛ بألف في الحالين، نافع وابن عامر وأبو بكر؛ وحفص والكسائي، بألف في الوقف
مسألة
نضعف بالنون وكسر العين وتشديدها من غير ألف العذاب نصب ابن كثير وابن عامرٍ؛ الباقون بالياء وفتح العين العذاب رفع على ما لم يسم فاعله، وأبو عمرو بغير ألف
مسألة
علام الغيوب على فاعل، ورفعها نافع وابن عامرٍ، وليس فيه الرفع مع التشديد
مسألة
فزع بفتح الفاء والزاي جميعا، ابن عامر؛ الباقون بضم الفاء وكسر الزاي، ولا خلاف في فتح العين
مسألة
فانظر ماذا ترى بفتح التاء والتفخيم، إلا أبا عمرو فإنه يميل الراء؛ حمزة والكسائي يضمان الفاء ويكسران كسرا مشبعا؛ وليس في السبعة ضم التاء وإمالة الراء
مسألة
أفغير الله تأمرونى مخففة النون، نافع؛ بنونين مخففتين ابن عامر وحده؛ الباقون بنون واحدة مشددة؛ وفتح ياءها ابن كثير ونافع؛ وترك همزها أبو عمرو وورش فهذه خمس قراءات، وليس فيها سكون الياء وتخفيف النون، لأن نافعا يفتح التاء ويخفف النون
مسألة
قليلا ما تتذكرون بتاءين، عاصم وحمزة والكسائي؛ الباقون بالياء والتاء، ولا يدغم الكوفى ولا يخفف، كما فعل ذلك في سائر القرآن
مسألة
فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم بالياء المضمومة ممال مساكنهم، رفع حمزة، وافقه عاصم إلا في الإمالة بالتاء وإمالة مساكنهم نصب أبو عمرو وعلي؛ الباقون غير ممال سورة الطور
مسألة
ذرياتهم بالألف فيهما، أبو عمرو وابن عامرٍ؛ أبو عمرو وحده بكسر التاء في الأولى، واتفقا على كسرها في الثانية، وتابعهما نافع على ذرياتهم الثانية؛ الباقون بغير ألف فيهما، وإن جمعت بينهما في مسألة واحدة ففيهما أربعة أوجه قلت وأتبعناهم بقطع الألف، وذرياتهم بالألف فيهما وكسر التاء، أبو عمرو وحده واتبعتهم بالوصل والتاء ذرياتهم بالألف فيهما وكسر التاء معها؛ الباقون بالوصل والتاء ذريتهم جميعا بغير ألف، وافقوا نافعا وابن عامر على رفع التاء من الأولى وحدها، وفارقوهما في الثانية فنصبوهما
مسألة
أو من وراء جدارٍ على واحدة غير ممال، ابن كثير؛ وافقه أبو عمرٍو ويميل
مسالة
يوم القيامة يفصل بينكم يفصل بفتح الياء، عاصم؛ الباقون بضمها؛ وبفتح الياء، ابن عامر وحمزة والكسائي، ولم يشدد الصاد غيرهم؛ الباقون بسكونها؛ وبكسر الصاد عاصم وحمزة والكسائي؛ الباقون بفتحها، وإن شئت قلت بكسر الصاد والتخفيف؛ عاصم، بكسرها والتشديد؛ حمزة والكسائي، بفتحها؛ والتشديد، ابن عامر وحده؛ الباقون، بفتحها والتخفيف، ولم يفتح الياء عاصم، ولم يفتح الفاء إلا من شدد سورة القلم
مسألة
أن كان ذا مالٍ أن كان مستفهم بهمزتين مخففتين، حمزة وأبو بكر؛ بهمزة واحدةٍ ممدودة، ابن عامر؛ الباقون، بهمزة واحدة غير ممدودة، على الخبر سورة الأحقاف
مسألة
آذهبتم بالاستفهام، ابن كثير وابن عامر على أصولهما في الهمز، وهشام يجيز فيها على الوجوه الثلاثة الإنسان
مسألة

خضرٍ واستبرقٍ جر، أبو عمر وابن عامر؛ ضده ابن كثير وأبو بكر كلاهما، مرفوعان، نافع وحفص كلاهما مجروران، حمزة والكسائي وإن أفردت كل واحد منهما قلت خضر رفع وأبو عمرو وعامر وحفص استبرق، رفع ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو
التاسع والثمانون
ما استعمل استعمال القسم وأجيبت بجوابه
جاء في التنزيل من ألفاظ استعملت استعمال القسم وأجيبت بجواب القسم فمن ذلك قوله تعالى وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل ألا تعبدون إلا الله وقوله تعالى وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم وقوله ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق وقوله وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم وقوله وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه وقوله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم وقوله كتب ربكم على نفسه الرحمة إنه من عمل منكم سوءا فيمن كسر إن دون من فتح وقوله كتب الله لأغلبن أنا ورسلى وقوله وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص في غير قول الأنباري وسهل وغير ذلك من الآي أجريت فيهن الجمل مجرى الجمل من المبتدأ والخبر، في نحو قوله تعالى لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون أترى أن التقدير قسمي، أو لعمرك ما أحلف به، أو أقسم عليه، كقول الشاعر
فقال فريق القوم لما نشدتهم ... نعم وفريقٌ ليمن الله ما ندرى
أي لا يمن الله قسمي وقالوا على عهد الله لأقومن، فاللام و إن وما و لا كلها أجوبة الأقسام التي هي أخذنا ميثاقكم وعملوا وكتب عل نفسه الرحمة وكتب الله لأغلبن و ظنوا إذ معنى ظنوا أيقنوا وبلغ أمرهم باليقين كأنهم أقسموا ما لهم من محيص، فهكذا كتب الله على نفسه الرحمة وأوجب حتى بلغ الأمر إلى أنه أقسم إنه من عمل، فكسر ان إنما هو لمكان القسم، لا كما ذهب إليه أحمد بن موسى وفارس الصناعة من أن قوله إنه من عمل فيمن كسر تفسيرٌ للرحمة كما أن قوله لهم تفسير للوعد، في قوله وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات فكما لا يجوز الوقف على قوله لعمرك، وعلى قوله ميثاق بني إسرائيل وعلى قوله كتب الله من قوله كتب الله لأغلبن لمكان أجوبة القسم، فكذا لا يجوز الوقف على قوله كتب على نفسه الرحمة من دون قوله ليجمعنكم فقوله كتب الله أي فرض الله القتال وأوجبه، واقسم عليه لأغلبن، فاللام جواب القسم، كما إن في لعمرك إنهم، و لا في قوله لا تعبدون إلا الله، ولا تسفكون دماءكم واللام في لمن اشتراه و ما من قوله ما لهم من محيص جواب، فليس قوله لأغلبن من قوله الله كقوله الإيمان من قوله أولئك كتب في قلوبهم الإيمان إنما قوله كتب أضمر مفعوله، أي كتب الله القتال، كقوله كتب عليكم القتال، وكتب عليكم الصيام، وكتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية فكيف ظننت أيها الظان أن قوله لأغلبن مفعول كتب ومن أين لك أن تقول إن الجمل تكون فاعلات ومفعولات، ولم لا تتم الصنعة حتى لا تتوالى عليك الفتوق قال أبو علي الألفاظ التي جرت في كلامهم مجرى القسم حتى أجيبت بجوابه تستعمل على ضربين أحدهما أن تكون كسائر الأخبار التي يقسم فلا تجاب كما لا تجاب الأخبار والآخر أن يجرى مجرى القسم فتجاب كما يجاب القسم فمما لم يجب بأجوبة القسم قوله تعالى وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين ومنه قوله وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوةٍ وقال فيحلفون له كما يحلفون لكم فمما جاء من ذلك وفيه ذكر من الأول، مما يجوز أن يكون حالا، على ضربين أحدهما أن يكون حالا والآخر أن يكون قسما وإنما جاز أن تحمله على الحال دون جواب القسم، لأنه جاز أن يكون معرًّى من الجواب، وإذا جعلت ما يجوز أن يكون حالا فقد عريتها من الجواب

فمما يجوز أن يكون حالا وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا، فقوله ورفعنا يجوز أن يكون حالا غير جواب قوله وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله فهذا يكون حالا، كأنه قال أخذنا ميثاقهم موخذين، وكذلك وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم، أي غير سافكين، فيكون حالا من المخاطبين المضاف إليهم، وإنما جاز كونهما حالا بما ذكرنا، ومن أجل هذا النحو قد يعرى من أن يجاب بجواب القسم، ألا ترى أن قوله خذوا في الآية ليس بجواب قسم، ولا يجوز أن يكون جوابا له، وكذلك من قرأ لا تعبدوا فجعل لا للنهي كما كان وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه قسما وكذلك وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت وكما أن لتبيننه لا يكون إلا جوابا للقسم، يكون قوله لا تعبدون و لا تسفكون يجوز أن يكون جوابا للقسم، ويجوز أن يكون لا تسفكون ونحوه في أن لا تسفكوا، كأن تقديره أخذنا ميثاقهم بأن لا تسفكوا؛ ولا يكون ذلك جواب قسم كما كان فيمن قدره حالا غير جواب قسم، إلا أنه لما حذف أن ارتفع الفعل واعلم أن ما يتصل بهذه الأشياء الجارية مجرى القسم في أنها أجيبت بما يجاب به القسم، لا تخلو من أن تكون لمخاطب أو لمتكلم أو لغائب، جاز أن يكون على لفظ المخاطب، وإنما جاز كونه على لفظ المخاطب لأنك تحكى حال الخطاب وقت ما تخاطب به، ألا ترى أنهم قد قرءوا قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم على لفظ الغيبة، وبالتاء على لفظ الخطاب، على حكاية الحال حال الخطاب في وقت الخطاب، فإذا كان هذا النحو جاز أن تجىء القراءة بالوجهين جميعا، وجاز أن تجىء بأحدهما، كما جاء قوله وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون بالوجهين جميعا، ويجوز في قياس العربية في قوله تعالى إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف على الوجهين اللذين قرئ فيهما في ستغلبون و تحشرون، فإن كان الكلام على الخطاب لم يجز فيما يكون في تقدير ما تتلقى به القسم إلا الخطاب، كقوله وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم فهذا لا يجوز أن يكون إلا على الخطاب، لأن المأخوذ ميثاقهم مخاطبون، ولأنك إن حكيت الحال التي تكون للخطاب فيها فيما يأتى لم يجز أن تجعل المخاطبين كالغيب، كما جاز في الغيب الخطاب من حيث قدرت الحال التي يكون فيها الخطاب فيما يستقبل؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن تجعل المخاطبين غيباً فتقول أخذنا ميثاقكم لا يسفكون؛ لأنك إذا قدرت الحكاية كان التقدير أخذنا ميثاقكم فقلنا لكم لا تسفكون، كان بالتاء ولم يجز بالياء، كما لا يجوز أن تقول للمخاطبين هم يفعلون، وأنت تخاطبهم، وإن لم تقدر الحكاية فهو بالتاء، مذهب إذا قرب في ذلك غير الخطاب، فقوله تعالى وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله لا يخلو قوله تعبدون من أن يكون حالا، أو يكون تلقى قسم، أو يكون على لفظ الخبر، والمعنى فيه معنى الأمر، أو تقدر الجار في أن فتحذفه ثم تحذف أن فإن جعلته حالا جعلته على قول من قرأ بالياء، فقال لا يعبدون، ليكون في الحال ذكر من ذي الحال فإن قلت فإذا قرئ بالتاء فالمراد به هو بنو إسرائيل، والحال مثل الصفة، وقد حملت الصفة في هذا النحو على المعنى فإن هذا قول، والأول أبين وإن جعلته تلقى قسم، فإن هذا اللفظ الذي هو أخذنا ميثاق مجاز ما يقع بعده على ثلاثة أضرب أحدها أن لا يتبع شيئا مما يجرى مجرى القسم؛ كقوله وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين والآخر أن يتلقى بما يتلقى به القسم، نحو وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس والثالث أن يكون أمراً نحو وإذا أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ولم يجئ شيء من هذا النحو فيما علمنا تلقى بجواب القسم ووقع بعده أمر، فإن جعلت لا تعبدون جواب قسم، وعطفت عليه الأمر، جمعت بين أمرين لم يجمع بينهما فإن قلت لا أحمل الأمر على القسم ولكن أضمر القول، كأنه قال وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله، وقلنا لهم وأحسنوا بالوالدين إحسانا؛ فالقول إن إضمار القول في هذا النحو لا يضيق، وقلنا على هذا معطوف على أخذنا، وأخذ الميثاق قول، وكأنه قلنا لهم كذا وكذا وإن حملته على أن اللفظ في لا تعبدون لفظ خبر والمعنى معنى الأمر، فإن ذلك تقوية ما زعموا أن في إحدى القراءتين لا تعبدوا

ومثل ذلك قوله تعالى تؤمنون بالله ورسوله يدلك على ذلك قوله يغفر لكم وزعموا أن في بعض المصاحف آمنوا ويؤكد ذلك أنه قد عطف عليه بالأمر، وهو قوله وبالوالدين إحساناً وأقيموا الصلاة وإن حملته على أن المعنى أخذنا ميثاقهم بأن لا يعبدوا، فإن هذا قول إن حملته عليه كان فيه حذف بعد حذف وزعم سيبويه أن حذف إن من هذا النحو قليل
المتم التسعين
ما جاء في التنزيل من الأفعال
المفرغة لما بعد إلا
ومن ذلك قوله تعالى وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله؛ فلفظة الله منصوبة ب تعبدون، فرغ له وهكذا قوله وما يذكر إلا أولوا الألباب وقال وما يعلم تأويله إلا الله وقال والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله وقال وما يتذكر إلا من ينيب وقال إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فالأسماء بعد إلا في هذه الآي مرتفعة بفعلٍ قبل إلا عند النحاة عن آخرهم، وتنازعهم الآية التي في سورة والصافات، وهي وما منا إلا له مقام معلوم ألا ترى أن التقدير وما منا أحد إلا له مقام معلوم، ف أحد مضمر يأتى عود الهاء إليه، وكذا وإن منكم إلا واردها، أي وإن منكم أحد وقال وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به، أي وإن من أهل الكتاب أحد وقال الشاعر
لو قلت ما في قومها لم تيتم ... يفضلها من أحدٍ وميسم
أي ما في قومها أحد؛ إلا أنهم يقولون لو صح الاعتبار ب أحدٍ مضمر لكان ما بعد إلا بدلا مما قبلها، وهو أحد؛ وإذا كان بدلا جاز فيه النصب كما لو أظهر أحد، فإنه قد جاء قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله فما بعد إلا بدل من قوله من في السموات، ولا يجوز فيه النصب، ف أحد لا يضمرونه قبل إلا ولا يحيزون بعد إلا الحمل فيه على ما قبل إلا وعند محمد بن الحسن أحد مضمر في هذه الآي، وبنى عليه مسائل، فقال عبدى حر إن كان في البيت إلا رجل فإذا كان في البيت رجل وامرأة، أو رجل وصبي، فإنه حانث، لأن المستثنى منه غير مذكور، فوجب إثباته على وفق المستثنى تحقيقا للمجانسة، وذلك أن تجعل المستثنى منه أحدا فصار الشرط أن يكون فيه أحد غير رجل أو امرأةٍ، والصبي أحد غير رجل، إلا أن يكون نوى الرجال خاصة فلا يحنث، حتى يكون فيه رجلان، ولا يحنث بالصبي والمرأة، ويصدق فيما بينه وبين الله، فأما في القضاء فلا، لأن الظاهر من كلامه أوجب تحقيق المجانسة فيما قصده الحالف، وهو الكون والسكنى في الدار، وبنو آدم كلهم جنس واحد، لأنهم جميعا مقصودون ذلك، فإذا نوى تخصيص الرجال كان ذلك خلاف الظاهر فيه تخفيف فلم يصدقه القاضي ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى، لأنه نوى المجانسة أيضا، لكنه خلاف المعهود الظاهر والله أعلم حرره العبد الضعيف المحتاج إلى رحمة الله تعالى أبو الحسن سالم بن الحسن بن إبراهيم الخازمى وفرغ منه يوم الأربعاء بعد الظهر لليلتين خلتا من شهر الله المبارك رمضان بمدينة شيراز سنة عشر وستمائة، حامدا الله تعالى ومصليا على رسوله