الكتاب : شرح شافية ابن الحاجب
المؤلف : رضي الدين الأستراباذي
مصدر الكتاب : موقع يعسوب
 

وإن كان منفصلا، وإمالة " في دار قاسم " أقوى من إمالة " في مال قاسم "، لما ذكرنا من أن كسرة الراء أقوى من كسرة غيرها، وإمالة " جارم قاسم " أقوى من إمالة " في دار قاسم " للزوم كسرة الراء في الاول مع تباعد المستعلى كما كان إمالة " عابد قاسم " أولى بسبب لزوم الكسر وبعد المستعلى من إمالة " في مال قاسم " وكسرة راء نحو " حضار (1) " ككسرة راء نحو " في الدار " وإن كانت الاولى بنائية، لانها تزول بجعله علما لمذكر، وكسرة راء نحو " بفار قبل (2) " ككسرة راء نحو " في الدار قبل " لان الحرف المشدد كحرف
واحد، ومن أمال نحو جاد وجواد اعتبارا بكسر الدال المقدرة لم يمل نحو " هذا جار " و " جوار " لما ذكرنا من قوة ضمة الراء وفتحتها فتمنعان الكسرة المقدرة لضعفها.
قوله: " قبلها " كراشد وفراش، ولا تكون إلا مفتوحة.
قوله: " أو بعدها " قد تكون مفتوحة ومضمومة، نحو: هذا حمار، ورأيت حمارا.
قوله " فإذا تباعدت " قد مضى حكم الراء التى تلى الالف قبلها أو بعدها، وهذا حكم الراء المتباعدة عن الالف، فنقول: إن كانت الراء بعد الالف، وبينها وبين الالف حرف كانت كالعدم في المنع، إن كانت غير مكسورة، نحو: هذا كافر، ورأيت كافرا: أي لا تمنع منع المستعلى في نحو نافق ودافق، لانها ملحقة بالمستعلى، كما ذكرنا، فلا يكون لها قوة المستعلى، ومن ثم كان إمالة " لن
__________
(1) حضار - كقطام -: نجم، قال ابن سيده: " هو نجم يطلع قبل سهيل، فتظن الناس به أنه سهيل " اه.
ويكون " حضار " اسم فعل أمر بمعنى احضر (2) في بعض الاصول نحو " مغار " بالميم والغين المعجمة والصواب " بفار قبل " كما في سيبويه (*)

يضربها راشد " أقوى من إمالة " لن يضربها قاسم " وبعضهم عكس وجعلها مانعة مع بعدها من الامالة في نحو " هذا كافر " كما منع المستعلى البعيد في نحو نافق، وكذا إذا تباعدت المكسورة بعدها، فالاولى أنها كالعدم في الغلبة على المستعلى، فلا تغلب الراء المكسورة القاف في " بقادر " بل القاف تعمل عملها في منع كسرة الدال من اقتضاء الامالة، وذلك لان الراء المكسورة بعدت عن الالف، بخلاف نحو " الغارب (1) " فان الراء غلبت المستعلى لقربها من الالف،
وبعضهم عكس ههنا أيضا، وجعلها غالبة للمستعلى: أي مجوزة للامامة، فيكون كأن بعد الالف ثلاث كسرات وقبلها مستعل واحد، وإن كانت الراء قبل الالف متباعدة مفتوحة أو مضمومة، نحو رواقد وبرقات (2)، فيجوز أن تجعل كالمستعلى، فلا تمال كما في " قوافل " ويجوز أن لا تجعل مثله، لكونها أضعف منه، فيمال نحو " رواقد "، وأما إن كانت مكسورة فإنها لاتغلب المستعلى قبل الالف كان المستعلى كرقاب أو بعدها كرواق، أما في الاول فلان المستعلى أقرب إلى الالف، وأما في الثاني فلما ذكرنا من أن المستعلى بعد الالف في غاية القوة، حتى غلب على الراء المكسورة التى هي أقرب إلى الالف منه في نحو فارض، فكيف بالمكسورة التى هي أبعد منه ؟ فإمالة نحو عفرا وعشرا (3) أولى من إمالة نحو عمران، لان الاخر محل التغيير.
__________
(1) الغارب: الكاهل، أو ما بين السنام والعنق، والجمع غوارب، ومنه ما في حديث الزبير: " ما زال يفتل في الذروة والغارب حتى أجابته عائشة إلى الخروج "، الغارب: مقدم السنام.
(2) البرقات: - بضمتين -: جمع برقة - بضم فسكون - وهى أرض ذات حجارة بيض وحمر وسود، وفى بلاد العرب برق كثيرة تنيف على المائة ذكرها صاحب القاموس (ب وق)، والبرقة أيضا: قلة الدسم في الطعام (3) العشر - بكسر أوله وسكون ثانيه -: ورد الابل اليوم العاشر، قال في اللسان: " قال الاصمعي: إذا وردت الابل كل يوم قيل: قد وردت رفها (بكسر (*)

قال: " وقد يمال ما قبل هاء التأنيث في الوقف، وتحسن في نحو رحمة، وتقبح في الراء نحو كدرة، وتتوسط في الاستعلاء نحو حقه "
أقول: لما كان هاء التأنيث يشابه الالف في المخرج والخفاء ومن حيث المعنى لكون الالف أيضا كثيرا للتأنيث أميل ما قبل هاء التأنيث، كما يمال ما قبل الالف، لان ما قبل ألف التأنيث مطرد جواز إمالته لا يمنعه شئ: لا المستعلى كما في الوسطى، ولا الراء المفتوحة كالذكرى، والالف في الوقف أقبل للامالة لقصد البيان، كما قلنا في باب الوقف على نحو أفعى، فأميل ما قبل هاء التأنيث، إذ لا يكون إلا في الوقف، تشبيها للهاء بالالف الموقوف عليها، وأيضا الهاء خفية، فكأن الفتحة في الاخر، والاخر محل التغيير، فباجتماع هذه الاشياء حسن إمالة ما قبل هاء التأنيث، قال سيبويه: إمالة ما قبل هاء التأنيث لغة فاشية بالبصرة والكوفة وما قرب منهما قوله " وتحسن في نحو رحمة " أي: إذا لم يكن ما قبل الهاء لا راء ولا حرف استعلاء، وتقبح في الراء لان إمالة فتحتها كإمالة فتحتين، لتكرر الراء، فالعمل في إمالتها أكثر قوله " وتتوسط في الاستعلاء " لانه لما أجرى الهاء مجرى الالف لم يكن كالمشبه به مطلقا، فلم يمنع المستعلى الامالة ههنا بالكلية كما منعها هناك، بل
__________
فسكون) فأذا وردت يوما ويوما لا قيل: وردت غبا، فأذا ارتفعت عن الغب فالضم ء الربع، وليس في الورد ثلث، ثم الخمس إلى العشر، فأذا زادت فليس لها تسمية ورد، ولكن يقال: هي ترد عشرا وغبا، وعشرا وربعا، إلى العشرين، فيقال حينئذ، ضمؤها عشران، فأذا جاوزت العشرين فهى جوازئ " اه، وأسماء الاضماء المذكورة كلها بكسر فسكون كما ضبطنا في " رفه " (*)

توسطت الامالة معه في الحسن والقبح، ولم تقبح قبح إمالة فتحة الراء، لان سب قبحها - كما قلنا - كون إمالة فتحتها كإمالة فتحتين، وليست إمالة
فتحة المستعلى كذلك، وليس استقباح إمالة فتحة الراء وتوسط إمالة فتحة المستعلى لكون الراء أقوى في الاستعلاء من المستعلى، لانا قد ذكرنا أن المستعلى أقوى منها، وهى ملحقة بالمستعلى ومشبهة به، فلا تبلغ درجته، والمروى عن الكسائي إمالة ما قبل هاء التأنيث مطلقا، سواء كان من حروف الاستعلاء أو لا، إلا إذا كان ألفا كالصلاة، واختار له أهل الاداء طريقا آخر، وهو إمالة ما قبل الهاء، إلا إذا كان أحد الحروف العشرة، وهى قولك " حق ضغاط عص خظا " كالنطيحة والحاقة وقبضة وبالغة والصلاة وبسطة والقارعة وخصاصة والصاخة (1) والموعظة، وذلك لان " قظ خص ضغط " من هذه العشرة حروف الاستعلاء، والحاء والعين شبهتا بالخاء والغين، لكونهما حلقيين مثلهما، وأما الالف فلو أميلت لاميل ما قبلها، فكان يظن أن الامالة للالف لا للهاء، أو كان أحد حروف أكهر (2)، فإنه إذا جاءت قبل الهاء وقبلها إما ياء ساكنة أو كسرة كالايكة (3) والخاطئة والالهة والحافرة، أميلت فتحتها، وكذا إن كان
__________
(1) الصاخة: في الاصل اسم فاعل من صخ يصخ - كشد يشد - إذا ضرب بشئ صلب على مصمت، ثم قيل للصيحة: صاخة، لكونها تصم الاذان بشدتها، وسميت القيامة صاخة بما يتقدمها من صيحة الملك، ويقال للداهية أيضا: صاخة (2) أكهر: قد جمع في هذه الكلمة حروفا تمنع من إمالة الفتحة، ومع هذا فلهذه الكلمة معنى لغوى، فقد تكون فعلا مضارعا ماضيه كهره - كمنع - إذا قهره أو انتهره، وقرئ قوله تعالى (وأما اليتيم فلا تقهر) بالكاف بدل القاف، وقد تكون أفعل تفضيل من هذا (3) الايكة: واحدة الايك، وهو الشجر الكثير الملتف، والايكة أيضا الغيضة تنبت السدر والاراك، وقوله تعالى (كذب أصحاب الايكة المرسلين) (*)

بين الكسرة وحروف أكهر حرف ساكن كعبرة ووجهة، أما إذا كان قبل حروف أكهر ضمة أو فتحة كالتهلكة والميسرة لم تمل (1)، وكذا إن جاء قبلها ألف كالسفاهة، وإنما ألحقوا حروف أكهر بحروف الاستعلاء لمشابهة الهمزة والهاء للغين والخاء المستعليين في كونها حلقية وكون الكاف قريبة من مخرج القاف الذى هو مستعل، وكذا الراء، لان فتحتها كفتحتين كما ذكرنا، وإنما ألحقوها بالمستعلية إذا لم يكن قبلها ياء ولا كسرة لان ذلك ينقص من مشابهتها للمستعلية، وأما الالف قبل أكهر فإنما منعت لكونها ضد الامالة قال " والحروف لا تمال، فإن سمى بها فكالاسماء، وأميل بلى ويا ولا في إما لتضمنها الجملة، وغير المتمكن كالحرف، وذا وأتى ومتى كبلى، وأميل عسى لمجئ عسيت " أقول: يعنى لا تمال الحروف لعدم تصرفها، والامالة تصرف، فنحو إما وإلا وإن كان فيه كسرة لا يمال، كما لا يمال حتى وألا وهلا، فإن سميت بمثل هذه الحروف كانت الاسماء: إن كان فيها سبب الامالة أميلت، كألف حتى وألا وهلا، لانها طرف رابعة كألف حبلى، فتثنيتها على حتيان وأليان وهليان، وكذا إن سميت بإلى، لان الكسرة سبب الامالة، مع أن الالف طرف، ويثنى بالواو نحو إلوان، كما ذكرنا في باب المثنى، وعلى ما ذكره المصنف - وهو أن الكسرة لا تأثير لها مع الالف التى عن الواو - ينبغى أن لا تمال، ولو سميت بعلى وعدا وخلا الحرفيتين وبأما وألا لم تمل، إذ لا سبب للامالة، وإنما أميل بلى لجواز السكوت
__________
قال القاضى البيضاوى: " الايكة غيضة تنبت ناعم الشجر، يريد غيضة بقرب مدين تسكنها طائفة بعث الله إليهم شعيبا وكان أجنبيا منهم " اه.
(1) كذا في.
الاصول كلها، والواجب أن يقول " فأنها لا تمال " لانه يجب اقتران الفاء بما بعد تالى أما (*)

عليها وتضمنها معنى الجملة، إذ تقول في جواب من قال أما قام زيد " بلى " أي: بلى قام، فصار كالفعل المضمر فاعله نحو غزا ورمى في الاستعلاء، فأميل لمشابهته الفعل، وكذا أميل يا لتضمنها معنى الفعل، وهو دعوت وناديت، فصارت كالفعل، مع أنه يحذف المنادى ويقدر في نحو (ياليت) و (ألا يا اسجدوا) فيصير كالفعل المضمر فاعله، وكذا " لا " أي في " إمالا " إذ يحذف الشرط بعدها، تقول لشخص: افعل كذا، فيأبى، فتقول له: افعل هذا إمالا: أي إمالا تفعل ذاك، وإذا انفردت لا عن إما لم تمل وإن كانت كبلى في الاغناء عن الجملة، لكونها على حرفين، وأمايا فلان معها الياء وهو سبب الامالة، وحكى قطرب إمالة لا من دون إما نحو لا أفعل، لافادتها معنى الجملة في بعض الاحوال كبلى.
قوله: " وغير المتمكن كالحرف " لان غير المتمكنة لعدم تصرفها تكون كالحرف، فان سميت بها كانت الحروف المسمى بها: إن كان فيها سبب الامالة أميلت، كإذا، للكسرة، وإنما أميل " ذا " في الاشارة لتصرفها، إذ توصف وتصغر ويوصف بها، بخلاف ما الاستفهامية فانها لا تصغر، وأما أنى ومتى فإنما تمالان - وإن لم يسم بهما أيضا - لاغنائهما عن الجملة، وذلك لانك تحذف معهما الفعل، كما تقول: متى ؟ لمن قال سار القوم، وكذا قوله: 126 - * أنى ومن أين آبك الطرب (1) *
__________
(1) هذا صدر بيت من المنسرح، وعجزه: * من حيث لا صبوة ولا ريب * وهو مطلع قصيدة طويلة للكميت بن زيد الاسدي مدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: مدح بها على بن أبى طالب فورى عنه بذكر النبي صلى الله عليه وسلم خوفا من بنى أمية.
والاستشهاد بالبيت على أن " أنى " قد
يستغنى بها عن الجملة، فيكون التقدير في البيت أنى آبك الطرب، فحذف الفعل (*)

فلا تمالان إذن، إلا في الاستفهام، لانه إنما يحذف الفعل بعدهما فيه بخلاف ما إذا كانتا للشرط.
قوله: " وأميل عسى " إنما ذكر ذلك وإن كان فعلا لئلا يظن به أن عدم تصرفه ألحقه بالاسماء غير المتمكنة في عدم جواز الامالة، فقال: الفعل وإن كان غير متصرف فتصرفه أقوى من تصرف الاسم غير المتمكن والحرف، لانه ينقلب ألفه ياء أو واوا إذا كان يائيا أو واويا عند لحوق الضمائر بها، وإنما أميل أسماء حروف التهجى - نحو با، تا، ثا - لانها وإن كانت أسماء مبنية كاذا وما لكن وضعها على أن تكون موقوفا عليها، بخلاف إذا وما، فأميلت لبيان ألفاتها، كما قلبت ألف نحو أفعى في الوقف ياء، كما مر في باب الوقف، والدليل عليه أنها لاتمال إذا كملت بالمد نحو باء وتاء، وذلك لانها لا تكون إذن موقوفا عليها، ولقوة الداعي إلى إمالتها أميلت مع حرف الاستعلاء، نحو طا، ظا، بخلاف طالب وظالم.
قال: " وقد تمال الفتحة منفردة نحو من الضرر ومن الكبر ومن المحاذر " أقول: الراء المكسورة قد تمال لها الفتحة التى قبلها بلا فصل، سواء كانت على الراء كالضرر أو على حرف الاستعلاء كالمطر أو على غيرهما كالكبر والمحاذر، وتمال أيضا الضمة التى قبلها نحو من السمر ومن المنقر، وهو الركية الكثيرة الماء، ومن السرر (1)، وإذا أملت فتحة الذال في المحاذر لم تمل الالف التى قبلها، لان الراء لا قوة لها على إمالة فتحة ما قبلها مع إمالة الالف
__________
من الاول لدلالة الثاني عليه.
والطرب: خفة تعترى الانسان من حزن أو فرح، والصبوة: الصبا، والريب: جمع ريبة، وهى الشبهة، ومعنى البيت: كيف طربت
مع كبر سنك ومع عدم وجود داعى الطرب (1) السرر - بضمتين -: ما تقطعه القابلة من سرة الصبى (*)

التى قبل تلك الفتحة، بل لا تقوى إلا على إمالة حركة قبلها: متصلة بها كما ذكرنا، أو منفصلة عنها بحرف ساكن، كما تميل فتحة من عمر وضمة من عمر وكذا إذا كان الساكن واوا نحو ابن أم مذعور وابن نور، قال سيبويه: " تميل الضمة وتشمها شيئا من الكسرة، فتصير الواو مشمة شيئا من الياء وتتبع الواو حركة ما قبلها في الاشمام كما تبعت الالف ما قبلها في الامالة، فإن هذا الاشمام هو الامالة " وقال الاخفش: " الالف لابد لها من كونها تابعة لما قبلها، وليس الواو كذا، فإنها قد لا يكون ما قبلها مضموما " فعلى قوله تجئ بالواو صريحة غير مشمة شيئا من الياء بعد الضمة المشمة كسرة، وما ارتكبه الاخفش يتعذر اللفظ به ولا يتحقق، وأما قوله " قد لا يكون ما قبلها مضموما " فنقول: أما الفتح فمسلم أنه يجئ الواو الصريح بعده، كقول، وأما الكسر والضم المشم كسرا فلا يجئ بعدهما الواو الساكنة إلا مشمة ياء، وعليك بالاختبار، وإن كان قبل الراء المكسورة ياء ساكنة قبلها فتحة نحو بغير وبخير فلا يجوز إشمام الفتح شيئا من الكسر، لان إشمام الكسر لا يبين إذا كان بعده ياء كما يبين إشمام الضم الكسر إذا كان بعده واو، نحو من نور، وقد يمال أيضا لكسرة الراء فتحة ما قبلها وضمته - وإن كانتا منفصلتين في كلمة أخرى - نحو إن خبط رياح (1) وهذا خبط رياح، كالمطر والمنقر، فهو كإمالة الالف والفتحة في قفا رياح، ونحو خبط الريح أبعد، لكون ساكن بين فتحة الطاء وكسرة الراء، ونحو خبط فريد أبعد، لكون حرف متحرك بينهما.
واعلم أن المستعلى بعد الراء المكسورة يمنع إمالة ما قبل الراء، فلا يمال
سين السرق (2) للقاف كما منع في نحو فارض وفارط، على ما تقدم، وأما قبل
__________
(1) الخبط - بفتحتين -: ورق العضاه من الطلح ونحوه يضرب بالعصا فيتناثر ثم يعلف الابل (2) السرق - بفتح فكسر -: مصدر سرق الشئ يسرقه سرقا، إذا أخذه خفية (*)

الراء المكسورة فلا يمنع، ألا ترى إلى إمالة بالمطر ومن المنقر ؟ وذلك لما تكرر من كون الاستفال بعد الاصعاد أسهل من العكس، وأما غلبة المستعلى قبل الالف الراء المكسورة بعدها، نحو طارد وقارب وغارب، فلان أسباب الامالة إنما تميل الحركة أولا، ثم إن كان بعدها ألف أو واو، كما في عالم ومن نور، يتبعها في الامالة، ففى نحو طارد الفتحة الى المستعلى أقرب منها إلى الراء المكسورة، فلا جرم استولى عليها المستعلى ولم يخلها تؤثر فيها الراء، وأما نحو بالمطر وطرب، ومن المنقر، فالراء قريبة من الحركة المراد إمالتها، لان الالف ليست بفاصلة بينهما فاستولت عليها وغلبت المستعلى لقوتها، لان كسرتها ككسرتين.
واعلم أن الفتحة من دون الالف لا تمال إلا لهاء التأنيث كما مر، أو للراء المكسورة من بين أسباب الامالة، لقوتها من بينها بتكررها، كما مر غير مرة.
قال: " تخفيف الهمزة، يجمعه الابدال والحذف وبين بين: أي بينها وبين حرف حركتها، وقيل: أو حرف حركة ما قبلها وشرطه أن لا تكون مبتدأ بها، وهى ساكنة ومتحركة، فالساكنة تبدل بحرف حركة ما قبلها: كراس، وبير، وسوت، وإلى الهداتنا، والذيتمن، ويقولو ذن لى " أقول: قوله " يجمعه الابدال والحذف وبين بين " أي لا يخرج من هذه
الثلاثة، لان المجموع لا يخرج عن جامعه، ولو قال يجمع الابدال والحذف وبين بين لم يفهم منه أنه لا ينقسم إلى غير هذه الثلاثة، لان الشئ ربما يجمع الشئ ويجمع غيره، كما أن الاسم يجمع المنصرف وغير المنصرف ويجمع أيضا المبنى قوله " بينها وبين حرف حركتها " أي: بين الهمزة والواو إن كانت مضمومة،

وبينها وبين الالف إن كانت مفتوحة، وبينها وبين الياء إن كانت مكسورة قوله " أو حرف حركة ما قبلها " يعنى قال بعضهم: بين بين على ضربين: أحدهما ما ذكر، والثانى أن يكون بينها وبين حرف حركة ما قبلها، وهذا الثاني على قول هذا القائل أيضا لا يكون في كل موضع، بل في المواضع المعينة، كما في سئل ومستهزئون، على ما يجئ قوله " وشرطه أن لا تكون مبتدأ بها " أي: شرط تخفيف الهمزة، ولا يريد بكونها مبتدأ بها أن تكون في ابتداء الكلمة، لانها تخفف أيضا في ابتداء الكلمة بالحذف في نحو (قد أفلح) والقلب في (الهدى اتنا) ونحوه، بل المراد أن تكون في ابتداء الكلام، وإنما لم تخفف إذن لان إبدالها بتدبير حركة ما قبلها كما يجئ، وكذا حذفها بعد نقل حركتها إلى ما قبلها، وكذا المجعولة بين بين البعيد تدبر بحركة ما قبلها، وإذا كانت في ابتداء الكلام لم يكن قبلها شئ، وأما بين بين المشهور فيقر بها من الساكن، كما يجئ، والمبتدأ به لا يكون ساكنا ولا قريبا منه، ولم تخفف في الابتداء نوعا آخر من التخفيف غير الثلاثة الانواع المذكورة، لان المبتدأ به خفيف، إذ الثقل يكون في الاواخر، على أنه قد قلبت الهمزة في بعض المواضع في الابتداء هاء، كهرحت وهرقت وهياك، ولكن ذلك قلب شاذ ثم اعلم أن الهمزة لما كانت أدخل الحروف في الحلق ولها نبرة (1) كريهة
تجزى مجرى التهوع (2) ثقلت بذلك على لسان المتلفظ بها، فخففها قوم، وهم أكثر
__________
(1) النبرة: ارتفاع الصوت، يقال: نبر الرجل نبرة، إذا تكلم بكلمة فيها علو، قال الشاعر إنى لاسمع نبرة من قولها * فأكاد أن يغشى على سرورا (2) التهوع: تكلف القئ، وفى الحديث: كان إذا تسوك قال: أع أع، كأنه يتهوع (*)

أهل الحجاز، ولا سيما قريش، روى عن أمير المؤمنين على رضى الله تعالى عنه: نزل القرآن بلسان قريش، وليسوا بأصحاب نبر (1)، ولولا أن جبرائيل عليه السلام نزل بالهمزة على النبي صلى الله عليه وسلم ما همزنا، وحققها غيرهم، والتحقيق هو الاصل كسائر الحروف، والتخفيف استحسان.
فنقول: إذا خففت فإما أن تكون ساكنة أو متحركة، وهذه قسمة حاصرة، فالساكنة تبدل بحرف حركة ما قبلها، إذ حرف العلة أخف منها، وخاصة حرف علة ما قبل الهمزة من جنسه، وحركة ما قبلها إما أن تكون في كلمة الهمزة أولا، وفى الاول إما أن تكون الهمزة في الوسط كرأس وبئر ومؤمن، أو في الاخر كلم يقرأ ولم يردؤ ولم يقرئ، وفى الثاني في نحو (الهدى ائتنا) و (الذى اؤتمن) و (يقول ائذن) وإنما لم تجعل بين بين إذ لا حركة لها حتى تجعل بينها وبين حرف حركتها، ولم تحذف لانها إنما تحذف بعد إلقاء حركتها على ما قبلها لتكون دليلا عليها، والحركة إنما تلقى على الساكن، لا على المتحرك.
قال: " والمتحركة إن كان قبلها ساكن وهو واو أو ياء زائدتان لغير الالحاق قلبت إليها وأدغمت فيها، كخطية ومقروة
وأفيس، وقولهم التزم في نبى وبرية، غير صحيح، ولكنه كثير، وإن كان ألفا فبين بين المشهور، وإن كان حرفا صحيحا أو معتلا غير ذلك نقلت حركتها إليه وحذفت، نحو مسلة، وخب، وشى، وسو، وجيل، وحوبة، وأبو يوب، وذو مرهم، واتبعي مره، وقاضوبيك، وقد جاء باب شئ وسوء مدغما أيضا،
__________
(1) النبر: الهمز، ومصدر نبر الحرف ينبره نبرا إذا همزه، وفى الحديث: قال رجل للنبى صلى الله عليه وسلم: يا نبئ الله، فقال: لا تنبر باسمى: أي لا تهمز، وفى رواية فقال: أنا معشر قريش لا ننبر (*)

والتزم ذلك في باب يرى، وأرى يرى، للكثرة، بخلاف ينأى، وأنأى ينئى، وكثر في سل، للهمزتين، وإذا وقف على المتطرفة وقف بمقتضى الوقف بعد التخفيف، فيجئ في هذا الخب وبرى ومقرو السكون والروم والاشمام، وكذلك شئ وسو، نقلت أو أدغمت إلا أن يكون ما قبلها ألفا إذا وقف بالسكون وجب قلبها ألفا، إذ لا نقل، وتعذر التسهيل، فيجوز القصر والتطويل وإن وقف بالروم فالتسهيل كالوصل " أقول: قد مضى حكم الهمزة الساكنة، وهى قسم واحد، إذ لا يكون ما قبلها إلا متحركا، لانه لا يلتقى ساكنان، بلى إن سكنت للوقف وقبلها ساكن - وذلك مما يجوز كما مضى في باب التقاء الساكنين - فقد يجئ حكمها، وأما المتحركة فعلى قسمين، وذلك لان ما قبلها: إما ساكن، أو متحرك، فإن سكن ما قبلها فلا يخلو ذلك الساكن من أن يكون مما يجوز تحريكه، أو لا يجوز، فما لا يجوز تحريكه الالف والواو والياء الزائدتان في بنية الكلمة إذا كانتا مدتين:
أي يكون ما قبلها من الحركة من جنسهما، وكذا ياء التصغير، نحو سائل ومقروء وخطيئة وأفيئس، وإنما قلنا " الزائدتان في بنية الكلمة " لانهما إن كانتا أصليتين كالسوء (1) والسئ (2) قبلتا الحركة، لان فاء الكلمة وعينها ولامها مما لا يمتنع من قبول الحركة وكذا يقبلان الحركة إذا لم يكونا من بنية الكلمة، نحو اتبعوا أمرهم، واتبعي أمرهم، إذ الواو والياء كلمتان مستقلتان تحتملان الحركة نحو اخشون واخشين، وأجرى مجراهما واو نحو: مسلمو أبيك وياء المسمى أبيك، لانهما في الحقيقة ليستا زائدتين في بنية الكلمة، لكونهما لمعنى كالتنوين،
__________
(1) السوء - بالضم -: البرص، وكل آفة (2) السئ - بالكسر -: اللبن يكون في أطراف الاخلاف (*)

فيحتملان الحركة نحو مصطفو القوم، ومصطفى القوم، وكذا إذا لم يكونا مدتين مع كونهما في بنية الكلمة، نحو حوأبة (1) وجيأل (2)، فإنهما للالحاق في مقابلة حرف أصلى، وأما ياء التصغير فإنها وإن لم تكن مدة لكنها موضوعة على السكون، ولهذا جاز نحو أصيم كما مضى في باب التقاء الساكنين، والذى يجوز تحريكه ما عدا ما ذكرناه: صحيحا كان كمسألة، أو حرف علة كالواو والياء للالحاق نحو حوأبة، وجيأل، أو الواو والياء للضمير نحو اتبعوا أمره، واتبعي أمره، وكذا إن كانتا علامتى المثنى والمجموع، كقاتلوا أبيك، وكقاتلي أبيك، أو كانتا من أصل الكلمة سواء كان حركة ما قبلهما من جنسهما كالسوء والسئ وذو إبل، وبذي إبل، وضرب هو أمه، وتضرب هي أباه، وفى أبيه، وفى أمه، أو لم تكن كسوأة (3) وجيئة، فالواو والياء اللتان لا تقبلان الحركة إذا وليهما الهمزة وقصد التخفيف قلبت الهمزة إلى الحرف الذى قبلها وأدغم فيها، نحو مقرو ونبى وأفيس وهو تصغير أفؤس جمع فأس
وقول المصنف " زائدتان لغير الالحاق " يعنى زائدتين في بنية الكلمة حتى يخرج قاضوا أبيك، واتبعوا أمره، وإنما لم تحذف إذا كان قبلها حرف علة لا يقبل الحركة، لان قياس حذفها - كما مر - أن تنقل أولا حركتها إلى ما قبلها لتدل عليها، وكذا لم تجعل بين بين، لئلا يلزم شبه ساكنين، فلما
__________
(1) الحوأبة: الضخم من الدلاء والعلاب (2) الجيأل: الضع، والضخم من كل شئ، قال في اللسان: " قال أبو على النحوي: وربما قالوا جيل - بالتخفيف - ويتركون الياء مصححة، لان الهمزة وإن كانت ملقاة من اللفظ فهى مبقاة في النية معاملة معاملة المثبتة غير المحذوفة، ألا ترى أنهم لم يقلبوا الياء ألفا كما قلبوها في ناب ونحوه، لان الياء في نية السكون ؟ قال: والجأل الضخم من كل شئ " اه.
(3) السوءة: الفرج، والفاحشة، والخلة القبيحة (*)

امتنعا قصد التخفيف بالادغام وإن لم يقرب مخرج الهمزة من مخرج الواو والياء، لكنهم اقتنعوا في الادغام بأدنى مناسبة، وهو اشتراك الجميع في صفة الجهر، لاستكراههم الهمزة وانسداد سائر أبواب التخفيف كما مر، ولهذا قلبوا الثانية للادغام إلى الاولى، مع أن القياس في إدغام المتماثلين - كما يجئ في بابه - قلب الاولى إلى الثانية، لان حاملهم على الادغام مع تباعد المخرجين قصد تخفيف الهمزة المستكرهة والفرار منها، فلو قلبوا الاولى إلى الثانية لوقعوا في أكثر مما فروا منه.
قوله " في نبى وبرية " قال سيبويه: " ألزمهما أهل التحقيق البدل، قال: وقد بلغنا أن قوما من أهل التحقيق يقولون: نبئ، وبريئة، وذلك قليل ردئ " يعنى قليل في كلام العرب ردئ فيه، لا أنه ردئ في القياس، وهى
ثابتة في القراءات السبع، ومذهب سيبويه أن النبئ مهموز اللام، وهو الحق، خلافا لمن قال: إنه من النباوة: أي الرفعة، وذلك لان جمعه نبآء، وإنما جمع على أنبياء - وإن كان أفعلاء جمع فعيل المعتل اللام كصفى وأصفياء وفعلاء جمع الصحيح اللام ككرماء وظرفاء - لانهم لما ألزموا واحده التخفيف صار كالمعتل اللام، نحو سخى، وكذا ألزم التخفيف في مصدره كالنبوة، وجاء في السبع النبوءة - بالهمز، ولما رأى المصنف ثبوت النبئ والبريئة مهموزين في السبع حكم بأن تخفيفهما ليس بلازم، وكذا ورد في السبع النبوءة بالهمز، ومذهب سيبويه - كما ذكرناه - أن ذلك ردئ مع أنه قرئ به، ولعل القراءات السبع عنده ليست متواترة، وإلا لم يحكم برداءة ما ثبت أنه من القرآن الكريم، تعالى عنها وأما القسم الثاني: أي الواو والياء القابلتان للحركة، فالقياس فيه نقل حركة الهمزة إليهما وحذفها، وإنما لم تستثقل الضمة والكسرة على الواو والياء في قاتلو

امك، وجازرو ابلك، وبقاتلي امك، وأحلبنى ابلك، لان الحركتين ليستا في الاصل لحرفي العلة، بخلاف نحو قاضى وقاضي، فإن حركات الاعراب وإن كانت عارضة على الحرف لكنها حركاتها، وليست بمنقولة إليها فهى ألزم من الحركات المنقولة، قال سيبويه: بعض العرب يدغم آخر الكلمة في الواو والياء المبدلتين عن الهمزة المفتوحة الكائنة في صدر كلمة بعدها، نحو أونت وأبو يوب وأرمى باك، في: أو أنت، وأبو أيوب، وأرمى أباك، وكذا جميع المنفصلة بشرط كونها مفتوحة، قال: وإن كانت في كلمة واحدة حذفوا، نحو سوة وحوب، قال: وقد قال بعض هؤلاء في المتصلة أيضا سوة وضو، وجيل ومسوة، ومسى، جعلوا الواوات والياءات كحروف المد الزائدة في مقرو ونبى، وإنما لزم
الادغام في مشية لكثرة استعمالها، وأما الهمزة المكسورة والمضمومة ضمة وكسرة لازمتين أو كلازمتين فلا يدغم فيها في هذا الباب، لثقله، فلا يقال في أبو أمك وأبى أمك: أبو مك وأبى أمك، ولا في ذو إبل وذى إبل: ذو بل وذى بل ولا في سوءوا، وأسيئي: سووا، وأسيى، لان الضمة والكسرة كاللازمتين، وأما مسوء وبمسئ فإن الضمة والكسرة للاعراب، وهو غير ثابت، قال: وبعض العرب ينقل فتحة الهمزة أخيرا على الواو والياء قبلها يحذف، كما هو القياس، نحو لن يجيك، ولن يسوك، وإذا كانت مضمومة أو مكسورة حذفت الهمزة لاستثقال الضمة والكسرة على الياء والواو، فيقول: هو يجيك ويسوك، وقد يحذف الهمزة المفتوحة نحو لن يجيك ولن يسوك، قال: وكذا يحذف الهمزة مطلقا بأى حركة كانت إذا كانت قبلها ألف، لامتناع نقل الحركة إليها، فيقول: هو يشا، فعلى هذا يقول في الجزم والوقف، لم يج، ولم يس، ولم يش، وجه وسه وشه، فيقع الجزم والوقف على العين، وعلى هذا يقول في المنفصلة: يرم اخوانه، بحذف الهمزة المكسورة مع كسرتها، لاستثقال الكسرة على الياء قبلها، ثم يحذف ياء برمى للساكنين، قال السيرافى: ومما جاء

من الشاذ نقل بعضهم حركة الهمزة المنفصلة إلى آخر الكلمة المتحركة بحركة بنائية، نحو قال اسحق، وقال اسامة، وإن كانت الحركة إعرابية لم ينقل، فلا يقول: يقول اسحق، ولن يقول اسامة، احتراما لحركة الاعراب، قال: وبعضهم يحذف الهمزة من غير نقل الحركة إلى آخر الكلمة، فيقول: قال اسحق، وقال اسامة، والاول أجود، وقال بعضهم: تحذف الهمزة المنفصلة: أي التى في أول الكلمة إذا وقعت بعد الالف في آخر الكلمة، فإن كان بعد الهمزة ساكن سقطت الالف للساكنين، نحو ما احسن زيدا، وما امرك، وإن كان بعدها
متحرك بقى الالف نحو ما شد: أي ما أشد، قال: 127 - ما شد أنفسهم وأعلمهم بما * يحمى الذمار به الكريم المسلم (1) وربما حذف بلا علة ولا ضابط، نحو ناس، في " أناس " ومع ألف الاستفهام في رأيت، فيقال في أرأيت: أريت، وهو قراءة الكسائي في جميع ما أوله همزة الاستفهام من رأى المتصل به التاء والنون، قال أبو الاسود: 128 - أريت امرأ كنت لم أبله * أتانى فقال أتخذنى خليلا (2)
__________
(1) هذا بيت من الكامل لم نقف على نسبة إلى قائل معين، ولا على سابقه أو لاحقه، وقوله " ما شد أنفسهم " تعجب، والذمار - ككتاب -: ما وراء الرجل مما يجب عليه أن يحميه ويدفع عنه، وسمى بذلك لما يجب على أهله من التذمر له، ويقال: فلان حمار الذمار، وفلان أمنع ذمارا من فلان، والاستشهاد بالبيت في قوله " ما شد أنفسهم " على أن أصله ما أشد أنفسهم، فحذف الهمزة، وذلك ضرورة من ضرائر الشعر (2) هذا بيت من المتقارب، وقائله أبو الاسود الدؤلى، وكان من حديثه أنه كان يجلس إلى فناء امرأة بالبصرة وكان يتحدث إليها، وكانت جميلة، فقالت له يوما: يا أبا الاسود، هل لك في أن أتزوجك، فانى صناع الكف، حسنة التدبير، (*)

وإنما كثر ذلك في رأيت وأخواته لكثرة الاستعمال، ألا ترى إلى وجوب الحذف في يرى، وأرى يرى - كما يجئ - وعدم وجوبه في أخواته من يسأل وينأى ؟ فإذا دخلت على رأيت همزة الاستفهام شبهت بهمزة الافعال، فتحذف الهمزة جوازا، وربما حذفت مع هل أيضا تشبيها لها بهمزة الاستفهام، قال: 129 - صاح هل ريت أو سمعت براع *
رد في الضرع ما قرى في العلاب (1)
__________
قانعة بالميسور ؟ قال: نعم، فلما تزوجها أسرعت في ماله وأفشت سره، فجمع أهلها فقال لهم: أريت امرأ كنت لم أبله *...البيت فخاللته ثم أكرمته * فلم أستفد من لديه فتيلا وألفيته حين جربته * كذوب الحديث سروقا بخيلا ثم أشهدهم أنه طلقها وأرأيت: بمعنى أخبرني، وهو معنى مجازى من باب إطلاق السبب وإرادة المسبب، وقوله " لم أبله " معناه: لم أجر به ولم أختبره، وفعله من باب نصر، و " الخليل " في الاصل الصديق الخالص المودة، وأراد به امرأته، والفتيل: الشئ الحقير.
والاستشهاد بالبيت في قوله " أريت " على أن أصله أرأيت، فحذفت الهمزة التى هي عين الفعل، وقرأ الكسائي " أريت الذى يكذب بالدين " (1) هذا البيت لاسماعيل بن يسار مولى بنى تيم بن مرة تيم قريش من كلمة له أولها: ما على رسم منزل بالجناب * لو أبان الغداة رجع الجواب والرسم: ما بقى من آثار الديار لاصقا بالارض، والجناب: موضع بعينه، وقرى: جمع، والعلاب: جمع علبة - بضم العين وسكون اللام - وهى وعاء من (*)

وربما قدمت الهمزة التى لو بقيت بحالها لكان تخفيفها بالحذف، استكراها للحذف، فيقال في يسألون: يأسلون، لان تخفيفها إذن بالقلب لا بالحذف، قال: 130 - إذا قام قوم يأسلون مليكهم * عطاء فدهماء الذى أنا سائله (1)
ومثله في ييأس ياءس.
رجعنا إلى ما أصلنا، فنقول: وإن كانت الهمزة بعد الالف وقصدت التخفيف لم يجز الحذف إلا على اللغة القليلة التى ذكرنا، نحو يشا في يشاء، لان
__________
جلد، وقيل: من خشب، ويجمع على علب أيضا، وعليه قول جرير: لم تتلفع بفضل مئزرها * دعد ولم تسق دعد في العلب والاستشهاد بالبيت في قوله " هل ريت " على أن أصله هل رأيت، فحذف الهمزة التى هي عين الفعل تشبيها لهل الاستفهامية بالهمزة لاشتراكهما في المعنى، ورواه في اللسان " * صاح يا صاح هل سمعت براع * " ورواه صاحب الاغانى " * صاح أبصرت أو سمعت براع * " ولا شاهد في البيت على الروايتين لما نحن بصدده، ولكن في رواية الاغانى حذف همزة الاستفهام، وأصله " صاح أأبصرت " كما حذفها الكميت بن زيد الاسدي في قوله: طربت وما شوقا إلى البيض أطرب * ولا لعبا منى وذو الشيب يلعب أراد " أو ذو الشيب يلعب " فحذف الهمزة، بدليل أنه يروى " أذو الشيب يلعب ".
(4) هذا بيت من الطويل، ولم نقف له على خبر، ولا على نسبة، ولا على سابق أو لاحق، ودهماء: علم، يجوز أن يكون لانسان، أو لفرس، وهو خبر مقدم، والاسم الموصول بعده مبتدأ مؤخر، وجملة " أنا سائله " لا محل لها صلة، والاستشهاد بالبيت في قوله " يأسلون " على أن أصله يسألون فقدم الهمزة التى هي عين الفعل على فاء الفعل استكراها لتخفيفها بالحذف (*)

الحذف حقه أن يكون بعد نقل حركة الهمزة إلى ما قبلها، ونقل الحركة إلى ما قبلها محال، وكذا لا يجوز قلبها واوا أو ياء ساكنة، للساكنين (ولا متحركة) (1)
والادغام، لان الالف لا يدغم كما يجئ في بابه، فلم يبق إلا جعله بين بين المشهور، لانه وإن كان قريبا من الساكن إلا أنه على كل حال متحرك، وهذا أمر مضطر إليه عند قصد التخفيف، لانسداد سائر أبواب وجوه التخفيف، ولم يكن بين بين البعيد، إذ لا حركة لما قبلها.
قوله " وإن كان صحيحا أو معتلا غير ذلك " أي: غير حروف العلة التى تقدم أنها لا تحتمل الحركة، نقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها وحذفت، وإنما لم تجعل بين بين لئلا يلزم شبه الساكنين، فلا تجعل الهمزة بين بين إلا في موضع لو كان مكانها فيه ساكن لجاز، إلا مع الالف وحدها، نحو قائل وكساء كما ذكرنا، للضرورة، ولم يبدلوها حرف علة بلا نقل حركة ولا بعد نقلها، قال سيبويه: لانهم كرهوا أن يدخلوها في بنات الواو والياء وجوز الكوفيون وبعض البصريين - كأبى زيد - قلب الهمزة حرف علة من دون نقل الحركة على وجوه مختلفة من غير قياس وضبط، فقالوا في رف ء مصدر (2) رفأت: رفو،
__________
(1) في الاصول التى بين ايدينا " وكذا لا يجوز قلبها واوا أو ياء ساكنة للساكنين والادغام - الخ " والصواب ما أثبتناه وذلك لان الاستدلال على امتناع جميع الفروض التى تحتملها الهمزة، وقد أبطل إمكان تخفيفها بنقل حركتها إلى ما قبلها بسبب أن ما قبلها غير قابل للحركة، وبقى الكلام في تخفيفها بالقلب واوا أو ياء، وهذا يحتمل وجهين: أولهما أن تكون الواو أو الياء ساكنة، وثانيهما أن تكون الواو أو الياء متحركة مع إدغام ما قبلها فيها، وعدم جواز الاول لما يلزم عليه من التقاء الساكنين غير المغتفر، وعدم جواز الثاني لما ذكره من أن الالف لا يدغم فيها (2) يقال: رفأ السفينة يرفؤها رفئا - من باب منع، إذا أدناها من الشاطئ، ورفأ الثوب يرفؤه رفئا، إذا لام خرقه وضم بعضه إلى بعض، وأصلح ما وهى (*)

وفى خب ء (1): خبو، وهذا كما قالوا في الهمز الساكن المتحرك ما قبله نحو رفأت ونشأت: رفوت ونشوت، وفى خبأت وقرأت: خبيت وقريب، وهذا عند سيبويه ردئ كله، وأجاز الكوفيون قياسا قلب الهمزة المفتوحة خاصة ألفا بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها نحو المراة والكماة وحكى سيبويه ذلك، وقال: هو قليل، ولا يجوز نقل الحركة في باب انأطر (2) لالزامهم نون انفعل السكون قوله " والتزم ذلك في باب يرى وأرى يرى " كل ما كان من تركيب رأى سواء كان من الرؤية أو من الرأى أو الرؤيا إذا زدت عليه حرفا آخر لبناء صيغة وسكن راؤه وجب حذف همزته بعد نقل حركتها، إلا مرأى، ومرآة، وذلك لكثرة الاستعمال، وقد جاء إثباتها في الشعر نحو قوله: 131 - أرى عيني ما لم ترأياه كلانا عالم بالترهات (3)
__________
منه، وقد يخفف الفعل والمصدر فيقال: رفوت الثوب والسفينة رفوا، ومنه قول ابن خراش الهذلى: رفونى وقالوا: يا خويلد لاترع * فقلت وأنكرت الوجوه: هم هم (1) الخب ء: مصدر خبأ الشئ يخبؤه - كمنعه يمنعه - إذا ستره، والخب ء أيضا: اسم ما خبأته، من باب تسمية المفعول بالمصدر، ومنه قوله تعالى (وهو الذى يخرج الخب ء في السموات والارض) (2) انأطر: مطاوع أطره يأطره أطرا - من بابى ضرب ونصر - إذا عطفه فانعطف: أي ثناه فانثنى (3) هذا بيت الزجاجي إلى سراقة البارقى من أبيات يقولها للمختار بن عبيد، ونسبه الجاحظ في المحاسن والاضداد لرجل من خزاعة، ولم يعينه، والابيات التى نسبت لسراقة هي: ألا أبلغ أبا إسحق أنى * رأيت البلق دهما مصمتات
أرى عينى ما لم ترأياه...البيت (*)

ويكثر حذف الهمزة مع تحرك ما قبلها مع همزة الاستفهام في نحو أرأيت كما ذكرنا.
قوله: " وكثر في سل للهمزتين " استعمال اسأل أكثر من استعمال اجأر (1) ونحوه، فصار تخفيفه بنقل حركة همزته إلى ما قبلها وحذفها، كثيرا، بخلاف نحو اجأر، ولو كان كثرة التخفيف للهمزتين فقط لكان اجأر مثله، وبعد نقل حركة الهمزة إلى السين وحذفها قال المصنف: يلزم حذف همزة الوصل وإن كان حركة السين عارضة، لان مقتضى كثرة التخفيف فيه اجتماع الهمزتين، ولو كانت الهمزة باقية لما بقيت حركتها على السين، فحذفت همزة الوصل وجوبا، وقال السيرافى: حكى بعض النحاة - يعنى الاخفش - إسل نحو الحمر، قال: ويفسد
__________
كفرت بوحيكم وجعلت نذرا * على قتالكم حتى الممات وأبو إسحاق: كنية المختار، ويروى في مكانه " * ألا من مبلغ المختار عنى * " والبلق: جمع أبلق وهو من الخيل ما فيه سواد وبياض، والدهم: جمع أدهم، وهو من الخيل مثل الابلق، والترهات - بضم التاء وتشديد الراء مفتوحة أو مضمومة -: جمع ترهة - بضم التاء وتشديد الراء مفتوحة - وهى الباطل، وما لاحقيقة له، وكان سراقة قد وقع أسيرا في يدى أعوان المختار فزعم له حين أمر المختار بقتله أنه رأى الملائكة على خيل بلق يقاتلون في صفوف المختار، وأنهم الذين أسروه، فهذا معنى قوله " أرى عينى ما لم ترأياه ".
والاستشهاد بالبيت في قوله " ترأياه " حيث أثبت الهمزة التى هي عين الكلمة لضرورة الشعر، والاستعمال جار على تخفيف هذه الكلمة بحذف همزتها بعد نقل حركتها إلى ما قبلها كما ذكر المؤلف، وقد رواه أبو الحسن الاخفش والزجاجى " * ما لم ترياه * " على الاستعمال
المطرد، وفيه حذف نون مفاعلتن (1) اجأر: فعل أمر من جأر يجأر جأرا - من باب منع - وجؤارا أيضا، إذا رفع صوته مع تضرع واستغاثة، وفى الحديث: كأنى أنظر إلى موسى له جؤار إلى ربه بالتلبية، (*)

ما حكاه أنه ليس أحد يقول: أقل ولا أرد، وفرق بين الحمر وإسل بأن أصل السين الحركة، كما في سأل، ولام التعريف أصلها السكون، وقال سيبويه: الفرق بينهما أن همزة لام التعريف: تشبه همزة القطع في احمر بانفتاحها مبتدأة وبثباتها في الاستفهام نحو آلله، وفى يا ألله أيضا قوله " وإذا وقف على المتطرفة " اعلم أنه إذا وقف على المتحركة المتطرفة فإما أن يوقف على مذهب أهل التحقيق أو على مذهب أهل التخفيف، فالاول مضى حكمه مستوفى في باب الوقف، وأما على مذهب أهل التخفيف، فإنه تخفف الهمزة أولا، لان حالة الوصل متقدمة على حالة الوقف، ونقل الهمزة حاصل حالة الوصل، فتخفف على ما هو حق التخفيف من النقل والحذف، في نحو الخب ء، والقلب والادغام في نحو برئ ومقروء، فيبقى الخب بتحريك الباء كالدم، ثم يوقف عليه بالسكون المحض، أو الروم، أو الاشمام، أو التضعيف، ويبقى برى ومقرو مشددتين فيوقف عليهما بالاسكان والروم والاشمام، ويخفف نحو شئ وسوء في حال الوصل بالنقل والحذف، وهو الاصل، والقلب والادغام على قول بعضهم، كما ذكرنا، ويجوز السكون والروم والاشمام والتضعيف في الاول، ويجوز السكون والروم والاشمام ولا يجوز التضعيف في الثاني هذا إذا لم يكن ما قبل الهمزة فيه الالف، فإن كان قبل الهمزة المتطرفة ألف، وقد ذكرنا أن تخفيف مثلها بجعلها بين بين المشهور، فإذا خففتها كذلك ثم أردت
الوقف عليها فإن راعيت في الوقف التخفيف الذى كان في الوصل وأبقيته وهو بين بين لم يجز لك إلا الوقف بالروم، لان تضعيف الهمزة لا يجوز، ومع الاسكان المحض والاشمام - وهو الاسكان أيضا - لا يجوز بين بين، لان بين بين لا يكون إلا بشئ من الحركة، وإن لم تراع في الوقف تخفيف الوصل وأردت الوجه المشهور من وجوه الوقف وهو الاسكان أسكنت الهمزة المجعولة بين بين، وجاز التقاء الساكنين، لانه في الوقف، فبطل تخفيف بين بين

بإسكانها، فقصدت تخفيفا آخر، ولم يتأت الحذف، إذ ذلك إنما يكون بنقل الحركة إلى ما قبل الهمزة، ولا تنقل الحركة إلا الالف، فلم يبق إلا قلب الهمزة الساكنة ألفا، لكون الالف قبلها بمنزلة الفتحة، فصار نحو لم يقرأ، ولا يكون مع الاسكان روم ولا إشمام، لان الحركة كانت على الحرف الذى هذه الالف بدل منه، لا على الالف حتى ترام أو تشم، كما قلنا في الوقف على هاء التأنيث، وأيضا فالروم بإبقاء بعض الحركة، والالف الصريحة لا تحتمل ذلك، وهذا الوجه - أعنى الوقف بالاسكان وقلب الهمزة ألفا - أكثر في هذا الباب من الوقف بالروم، والهمزة بين بين، فإذا قلبتها ألفا وقبلها ألف جاز لك إبقاء الالفين، لان الوقف يحتمل فيه الساكنان، فيمد مدة طويلة في تقدير ألفين، ويجوز حذف أحدهما، لاجتماع المثلين، فيمد مدة قصيرة بتقدير ألف واحدة، وإن كانت الهمزة منصوبة منونة فليست متطرفة، فلا يجئ فيها هذه الفروع، بل يقلب التنوين ألفا نحو دعاءا، وعشاءا قال: " وإذا كان قبلها متحرك فتسع: مفتوحة وقبلها الثلاث، ومكسورة كذلك، ومضمومة كذلك، نحو سأل ومائة ومؤجل وسئم ومستهزئين وسئل ورؤوف ومستهزئون ورؤوس، فنحو مؤجل
واو، ونحو مائة ياء، ونحو مستهزئون وسئل بين بين المشهور، وقيل: البعيد، والباقى بين بين المشهور، وجاء منساة وسال، ونحو الواجى وصلا، وأما: * يشجج رأسه بالفهرواجى * فعلى القياس، خلافا لسيبويه " أقول: اعمل أن الحكم المذكور في المتصل جار في المنفصل سواء، وأمثلته قال هذا (غلام) أحمد، وبغلام أبيك، وإن غلام أبيك، وقال إبراهيم، وبغلام إبراهيم، وهذا مال إبراهيم، وإن غلام أختك،

وبغلام أختك، وهذا مال أختك، إذا قصدت تخفيفها متصلة كانت أو منفصلة قلبت المفتوحة المكسور ما قبلها كمائة ياء محضة، لتعذر حذفها، إذ لا تحذف إلا بعد نقل الحركة، ولا تنقل الحركة إلى متحرك، ويتعذر التسهيل أيضا، إذ تصير بين الهمزة والالف، فلما استحال مجئ الالف بعد الكسرة لم يجوزوا مجئ شبه الالف أيضا بعدها، وكذا تقلب المفتوحة المضموم ما قبلها واوا محضة كموجل، لمثل ما ذكرنا في مائة، فبقى بعد المثالين سبعة أمثلة، وتسهل كلها بين بين المشهور عند سيبويه، وإنما لم تخفف بالحذف لتحرك ما قبلها، ولم تخفف بالقلب كما في المثالين، لان القصد التخفيف، وقد حصل بتسهيلها بين بين، والاصل عدم إخراج الحرف عن جوهره، وأما في المثالين فالقلب كالمضطر إليه كما ذكرنا، ومعنى التسهيل أن تأتى بها بين الهمزة وبين حرف حركتها، وتجعل الحركة التى عليها مختلسة سهلة بحيث تكون كالساكنة وإن لم تكنها، فلهذا لم تسهل الساكن ما قبلها لئلا يكون كالجمع بين الساكنين، بلى يجوز ذلك إذا اضطر إليه، وذلك إذا كان قبلها ألف، لتعذر سائر أنواع التخفيف كما ذكرنا، ولكون المد في الالف أكثر منه في سائر حروف اللين فيصح الاعتماد عليه كالمتحرك، كما مر في باب التقاء
الساكنين، وذهب الكوفية إلى أن المسهلة ساكنة، واحتج على تحريكها سيبويه بحجة لا مدفع لها، وهى أنها تسهل في الشعر وبعدها ساكن في الموضع الذى لو اجتمع فيه ساكنان لانكسر البيت، كقول الاعشى: 132 - أأن رأت رجلا أعشى أضربه * ريب المنون ودهر متبل خبل (1)
__________
هذا بيت من بحر البسيط من لامية الاعشى التى أولها: ودع هريرة إن الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيها الرجل والاعشى: الذى لا يبصر بالليل، ويقال للذى لا يبصر بالنهار: أجهر، والريب (*)

وعند الاخفش تسهل السبعة بين بين المشهور، إلا اثنتين منها: المضمومة المكسور ما قبلها كالمستهزئون، والمكسورة المضموم ما قبلها كسئل، قال: تقلب الاولى ياء محضة والثانية واوا محضة، إذ لو سهلتا لكانت الاولى كالواو الساكنة، ولا تجئ بعد الكسرة، والثانية كالياء الساكنة، ولا تجئ بعد الضمة، كما لا تجئ الالف بعد الضمة والكسرة، وهذا الذى ذهب إليه قياسا على مؤجل ومائة وإن كان قريبا لكن لسيبويه أن يفرق ويقول: المسهلة المفتوحة لم يستحل مجيئها بعد الضم والكسر لكن لما استحال مجئ الالف الصريح بعدهما منع مجئ شبه الالف أيضا بعدهما، وأما الواو الساكنة فلا يستحيل مجيئها بعد الكسرة، بل يستثقل، وكذا الياء الساكنة بعد الضمة، فلم يمنع مجئ شبه الواو الساكنة بعد الكسرة وشبه الياء الساكنة بعد الضمة وذهب بعضهم في نحو مستهزئون وسئل إلى بين بين البعيد، ونسب بعضهم هذا القول أيضا إلى الاخفش، وإنما ارتكب هذا الوجه من التسهيل ههنا من ارتكبه وإن كان بعيدا نادرا فرارا مما لزم سيبويه في بين بين المشهور من مجئ
شبه الواو الساكنة بعد الكسر وشبه الياء الساكنة بعد الضم، كما مر، ومما لزم الاخفش من مجئ الواو الصريحة متحركة بالكسر بعد الضم في سول، ومن مجئ الياء الصريحة متحركة بالضم بعد الكسر في مستهزيون، وذلك
__________
أصله قلق النفس واضطرابها والتردد بين أمرين، والمنون، المنية، سميت المنية بذلك لان الله قد مناها: أي قدرها، ومتبل: مهلك ومبيد، وخبل: ملتو على أهله، والاستشهاد بالبيت في قوله " أأن " على تخفيف الهمزة الثانية وجعلها بين بين، وأن همزة بين بين في حكم المتحركة، إذ لو لم تكن في حكم المتحركة لانكسر البيت وبيان ذلك أن بعد الهمزة الثانية نونا ساكنة، فلو كانت الهمزة المخففة في حكم الساكنة لا لتقى ساكنان في غير القافية، وذلك مما لا يجوز، وأيضا لما يلزم عليه من تسكين ثانى الوتد المجموع - وهو عين فعولن - في غير عروض ولا ضرب، وذلك مما لا يجوز عند كافة علماء العروض (*)

مرفوض في كلامهم، وليس بشئ، لانه لا يلزم سيبويه على ما ذكرنا محذور في مجئ شبه الواو الساكنة بعد الكسر وشبه الياء الساكنة بعد الضم، وكذا لا يلزم الاخفش فيما ذهب إليه أمر شنيع، لان تخفيف الهمزة عارض غير لازم، فهو مثل رويا (1)، بلا إدغام.
ولا خلاف في الخمسة الباقية أن فيها بين بين المشهور.
وقد تبدل الهمزة المفتوحة ألفا إذا انفتح ما قبلها، مثل سال، وواوا ساكنة إذا انضمت وانضم ما قبلها كرووس، وياء ساكنة إذا انكسرت وانكسر ما قبلها نحو المستهزيين، قال سيبويه: وليس ذا بقياس متلئب، بل هو سماعي، كما قالوا: أتلجت، في أولجت، فلا تقول: أتلغت (2)، في أولغت، قال: وإذا كان في ضرورة الشعر كان قياسا، قال:
133 - راحت بمسلمة البغال عشية * فارعي فزارة لا هناك المرتع (3)
__________
(1) في بعض النسخ " رييا " وهو مخفف " رئيا " من نحو قوله تعالى (هم أحسن أثاثا ورئيا).
والذى أثبتناه وفاقا لبعض النسخ هو تخفيف " رؤيا " وقد ذكروا أنه يجوز الوجهان في هاتين الكلمتين: الادغام مراعاة لما صارت إليه الهمزة، وعدم الادغام نظرا إلى عروض الحرف بالتخفيف (2) في بعض النسخ " أتغلت في أوغلت " وكلا النسختين صحيح (3) هذا بيت من الكامل يقوله الفرزدق بعد أن عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق وولى عمر بن هبيرة الفزارى، وبعده قوله: ولقد علمت إذا فزارة أمرت * أن سوف تطمع في الامارة أشجع عزل ابن بشر وابن عمرو قبله وأخو هراة لمثلها يتوقع وقوله " راحت بمسلمة " أنشد في الاغانى مكانه " ولت بمسلمة ".
وقوله " أن سوف تطمع " أن مخففة من الثقيلة، وابن بشر هو عبد الملك بن بشر بن مروان، وابن عمرو هو سعيد بن عمرو بن الوليد بن عقبة، وأخو هراة هو سعيد بن (*)

وقال: 134 - سالتانى الطلاق إذ رأتانى * قل مالي، قد جئتماني بنكر (1) وقال: 135 - سالت هذيل رسول الله فاحشة * ضلت هذيل بما قالت ولم تصب (2)
__________
عبد العزيز بن الحكم بن أبى العاص، ويقال: ابن عمر وهو سعيد بن عمرو بن الحرث ابن الحكم، وأخو هراة هو سعيد بن الحرث بن الحكم.
والاستشهاد بالبيت في قوله " لاهناك " يريد لا هنأك، تقول: هنأه الطعام يهنؤه إذا ساغ ولذله بلا مشقة، فخفف
الهمزة المفتوحة المفتوح ما قبلها بقلبها ألفا ساكنة (1) هذا البيت من الخفيف، وهو لزيد بن عمرو بن نفيل القرشى العدوى، وهو أحد الذين برئوا من عبادة الاوثان في الجاهليية وطلبوا دين إبراهيم وتنسكوا.
وقبله: تلك عرساى تنطقان على عمد إلى اليوم قول زور وهتر عرساى: مثنى عرس مضاف إلى ياء المتكلم، وعرس الرجل - بكسر فسكون -: زوجه، والهتر - بفتح الهاء وسكون التاء -: مصدر هتره يهتره، إذا مزق عرضه، وبكسر الهاء وسكون التاء: اسم بمعنى الكذب، والامر العجيب، والساقط من الكلام.
واستشهاد بالبيت في قوله " سالتانى " على أن أصله سألتانى، فخفف الهمزة المفتوحة المفتوح ما قبلها بقلبها ألفا على نحو ما ذكرنا في البيت الذى قبله (2) هذا بيت من البسيط لحسان بن ثابت الانصاري رضى الله عنه من كلمة يهجو فيها هذيلا، لانهم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم أبو كبير الهذلى، فقال أبو كبير للنبى صلى الله عليه وسلم: أحل لى الزنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتحب أن يؤتى إليك مثل ذلك ؟ قال: لا، قال: فارض للناس ما ترضى لنفسك، قال فادع الله أن يذهب ذلك عنى.
وقد روى كلمة حسان هذه ابن هشام في السيرة (ح 3 ص 176 طبعة المكتبة التجارية) وبعده: سالوا رسولهم ما ليس معطيهم * حتى الممات وكانوا سبة العرب (*)

وأنشد سيبويه فيما لا يجوز في غير الشعر إلا سماعا قول الشاعر: 135 - وكنت أذل من وتد بقاع * يشجج رأسه بالفهر واجى (1) قال المصنف - وهو الحق -: إن هذا القياس ليس من ذلك، لان " واج "
__________
ولن ترى لهذيل داعيا أبدا * يدعوا لمكرمة عن منزل الحرب لقد أرادوا خلال الفحش ويحهم * وأن يحلوا حراما كان في الكتب
والاستشهاد بالبيت في قوله " سالت " وأصله سألت فخفف الهمزة المفتوحة المفتوح ما قبلها بقلبها ألفا، ومثله قوله: " سالوا رسولهم " في البيت الذى أنشدناه بعده (1) هذا البيت من الوافر، وهو لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت من كلمة يهجو بها عبد الرحمن بن الحكم بن أبى العاص وقبله قوله: وأما قولك الخلفاء منا * فهم منعوا وريدك من وداجى ولولاهم لكنت كحوت بحر * هو في مظلم الغمرات داجى وقوله " وداجى " هو مصدر قولك: وادج فلان فلانا بمعنى ودجه كسافر بمعنى سفر، وتقول: ودجت الدابة ودجا كوعدته وعدا، إذا قطعت ودجها، وقطع الودج للدابة كالفصد للانسان، وهوى: سقط، والغمرات: جمع غمرة، وهى في الاصل القطعة من الماء، وداج: أسود مظلم، والقاع: المستوى من الارض، ويشجج: يدل على المبالغة في الشج، والفهر - بكسر فسكون -: الحجر إذا كان مل ء اليد، والواجى: اسم فاعل من وجأت عنقه أجؤها، إذا ضربتها، ويضرب المثل في الذل والمهانة بالوتد، فيقال: هو أذل من وتد بقاع، وفى هذا المعنى يقول الشاعر: ولا يقيم على ضيم يراد به * إلا الاذلان عير الحى والوتد هذا على الخسف مربوط برمته * وذا يشج فلا يرثى له أحد والاستشهاد بالبيت في قوله " واجى " وأصله الواجئ - بالهمز - فلما وقع في القافية ووقف عليه سكنت الهمزة فخففت بقلبها ياء لانكسار ما قبلها (*)

آخر البيت، وهو موقوف عليه، فكأن آخر الكلمة همزة ساكنة قبلها كسرة كما في " لم يقرئ " وقياسه التخفيف بجعلها ياء في الشعر وفى غيره، بلى إذا كان
نحو الواجى في الوصل كما تقول: مررت بالواجى يا فتى، بجعل الهمزة ياء ساكنة، فهو من هذا الباب وقد أطلق سيبويه وقال: تقلب الهمزة التى تجعل عند أهل التخفيف بين بين ألفا إذا انفتح ما قبلها، وياء إذا انكسر ما قبلها، وواوا إذا انضم ما قبلها، والحق أن يقيد - كما قال ابن يعيش - فيقال: الهمزة المفتوحة المفتوح ما قبلها تقلب ألفا، والمكسورة المكسور ما قبلها تقلب ياء، والمضمومة المضموم ما قبلها تقلب واوا، ولم يقيد ابن يعيش الواو والياء المقلوب إليهما بالسكون، والاولى أن يقال ياء ساكنة، وواوا ساكنة، كما قدمنا، فعلى هذا لا يقلب نحو لؤم وسئم، ألفا، لا في الضرورة ولا في غيرها، وكذا لا يقلب نحو مستهزئون ومائة ياء ساكنة، ونحو سئل ومؤجل واوا ساكنة قال: " والتزموا خذ وكل على غير قياس للكثرة، وقالوا مر، وهو أفصح من أومر، وأما وأمر فأفصح من ومر " أقول: هذا كان حقه أن يذكر بعد قوله " والهمزتان في كلمة إن سكنت الثانية وجب قلبها "، لان أصل خذ وكل ومر أؤخذ وأؤكل وأؤمر، وكان القياس قلب الثانية واوا لانضمام ما قبلها، فخففت بغير القلب، وذلك بأن حذفت الثانية لكثرة استعمالها، وعلى كل حال فالحذف أوغل في التخفيف من قلبها واوا، والتزموا هذا الحذف في خذ وكل، دون مر، فان الحذف فيه أفصح من القلب، وليس بلازم، هذا إذا كان مبتدأ به، وذلك لكونه أقل استعمالا من خذ وكل، وأما إذا وقع في الدرج نحو " وأمر " و " فأمر " و " قلت لك اؤمر " فان إبقاء الهمزة فيه أكثر من الحذف، لان علة الحذف اجتماع الهمزتين، ولا تجتمعان

في الدرج، وجاز نحو " ومر " و " فمر " أيضا، على قلة، لان أصل الكلمة
أن تكون مبتدأ بها، فكأنه حذفت الهمزة (في الابتداء) أولا، ثم وقعت تلك الكلمة المحذوفة الهمزة في الدرج، فبقيت على حالها قال: " وإذا خفف باب الاحمر فبقاء همزة اللام أكثر، فيقال: الحمر ولحمر، وعلى الاكثر قيل: من لحمر، بفتح النون وفلحمر، بحذف الياء، وعلى الاقل جاء (عادلولى) ولم يقولوا: اسل ولا اقل لاتحاد الكلمة " أقول: يعنى إذا نقل حركة الهمزة التى في أول الكلمة إلى لام التعريف قبلها، فتلك اللام في تقدير السكون، لوجوه: أحدها: أن أصل اللام السكون، بخلاف نحو قاف قل، والثانى: كون اللام كلمة أخرى غير التى في أولها الهمزة، فهى على شرف الزوال، فكأنها زالت وانتقلت حركة الهمزة التى نقلت إليها إلى الهمزة، وبقيت اللام ساكنة، بخلاف قاف قل، فانها من كلمة الواو، والثالث: أن نقل حركة الهمزة إلى ما قبلها غير لازم، فكأنها لم تنقل، بخلاف نقل حركة واو قل إلى ما قبلها، وأما سل فحركة السين فيه ليست بلازمة لزوم حركة قاف قل، ولا بزائله زوال حركة لام الاحمر، لانه مثل قل في جميع الوجوه، إلا الثالث، فإن نقل الحركة فيه ليس لازما لزوم نقل حركة واو أقول، لكنه - وإنلم يلزم لزومه - أكثر من نقل حركة همزة الاحمر، ففى الاحمر بقاء الهمزة أكثر، وفى قل حذف الهمزة واجب، وفى سل وقع الخلاف: أوجبه المصنف كما ترى، وهو مذهب سيبويه، وأجاز الاخفش اسل، كما تقدم، وهذا كله في قل مبنى على أن أصله أقول المأخوذ من تقول قبل نقل حركة الواو إلى القاف، فأما إن قلنا:

إن قل مأخوذ من تقول المضموم القاف، فليس هناك همزة وصل حتى تحذف
الحركة أو تبقى لعروضها قوله " وعلى الاكثر قيل من لحمر " يعنى على جعل اللام في حكم الساكن حركوا النون لالتقاء الساكنين، وحذف ياء " في " لاجله أيضا، ولو اعتد بحركة اللام سكن النون، كما في " من زيد " ولم تحذف ياء في كما في " في دارك " وحكى الكسائي والفراء أن من العرب من يقلب الهمزة لاما في مثل هذا، فيقول في الاحمر والارض: اللحمر، واللرض، ولا ينقل الحركة، محافظة على سكون اللام المعرفة.
قوله " وعلى الاقل " أي: على جعل حركة اللام كاللازم أدغموا تنوين " عادا " الساكن في لام " الاولى " كما تقول: من لك، ولو جعلت اللام في تقدير السكون لحركت النون فقلت: عادن لولى، ولم يجز الادغام، إذ لا يدغم الساكن في الساكن، وإنما اعتد بحركة اللام - وإن كان على الوجه الاقل - لغرض التخفيف بالادغام، بخلاف قوله (سيرتها الاولى) فان التخفيف يحصل ههنا لعدم الاعتداد بحركة اللام، وهو بحذف ألف (سيرتها) للساكنين.
قوله " لاتحاد الكلمة " كما ذكرنا في الوجه الثاني.
قال: " والهمزتان في كلمة إن سكنت الثانية وجب قلبها كآدم وايت وأوتمن، وليس آجر منه، لانه فاعل، لا أفعل، لثبوت يؤاجر، ومما قلته فيه: دللت ثلاثا على أن يوجر * لا يستقيم مضارع آجر فعالة جاء الافعال عز * وصحة آجر تمنع آجر وإن تحركت وسكن ما قبلها كسئال تثبت، وإن تحركت وتحرك ما قبلها قالوا: وجب قلب الثانية ياء إن انكسر ما قبلها أو انكسرت،

وواوا في غيره نحو جاء وأيمة وأويدم وأوادم، ومنه خطايا في التقدير الاصلى، خلافا للخليل، وقد صح التسهيل والتحقيق في نحو أيمة، والتزم في باب أكرم حذف الثانية، وحمل عليه أخواته، وقد التزموا قلبها مفردة ياء مفتوحة في باب مطايا، ومنه خطايا على القولين، وفى كلمتين يجوز تحقيقهما، وتخفيفهما، وتخفيف إحداهما على قياسها، وجاء في نحو يشاء إلى الواو أيضا في الثانية، وجاء في المتفقتين حذف إحداهما، وقلب الثانية كالساكنة " أقول: اعلم أن الهمزتين إذا اجتمعتا، فإما أن يكون اجتماعهما في كلمة أو في كلمتين.
فان كان في كلمة فإما أن تتحرك الاولى فقط، أو تتحرك الثانية فقط، أو تتحركا معا، وسكونهما معا لا يجوز.
فان تحركت الاولى فقط دبرت الثانية بحركة الاولى: أي قلبت واوا إن انضمت الاولى كأوتمن، وياء إن انكسرت كايت، وألفا إن انفتحت كآمن، وإنما قلبت الثانية لان الثقل منها حصل، وإنما دبرت بحركة ما قبلها لتناسب الحركة الحرف الذى بعدها، فتخف الكلمة، وإذا دبرت بحركة ما قبلها وليس المتحرك همزة كما في راس وبير وسوت فهو مع كونه همزة أولى.
قوله " وليس آجر منه " أي: مما اجتمع فيه همزتان والثانية ساكنة، قال: لانه من باب فاعل، لا أفعل، واستدل على ذلك بأن مضارعه يؤاجر، لا يؤجر والذى أنشده من قبله - مع ركاكة لفظه - ليس فيه دليل على مدعاه، أعنى أن يؤجر لا يستعمل في مضارع آجر: قال " فعالة جاء " يعنى أن مصدر آجر فعالة، وفعالة مصدر فاعل ككاتب كتابا وقاتل قتالا، والتاء في إجارة للوحدة، وليس بشئ، لوجهين: أحدهما أنا بينا في باب المصادر أن المرأة إنما تبنى في ذوات الزيادة على المصدر المشهور المطرد، فيقال: قاتلت مقاتلة واحدة، ولا يقال: قاتلت قتالة

لان فعالا ليس بمطرد في فاعل، وثانيهما أن إجارة لو كان مصدر فاعل للمرة لجاز آجر لغير المرة، ولم يستعمل إجارا أصلا، وأيضا لم يكن استعمال إجارة إلا للمرة كما لا يستعمل نحو تسبيحة وتقديسة إلا لها.
قوله: " والافعال عز " يعنى لا يستعمل إيجارا، وذلك ممنوع، لان في كتاب العين " آجرت مملوكي أوجره إيجارا فهو مؤجر " وفى أساس اللغة " آجرنى داره إيجارا فهو مؤجر، ولا تقل: مؤاجر، فإنه خطأ قبيح " قال: " وليس آجر هذا فاعل، بل هو أفعل، وإنما الذى هو فاعل آجر الاجير مؤاجرة، كقولك: شاهره وعاومه " وفى باب أفعل من جامع الغورى " آجره الله تعالى: لغة في أجره مقصورا " وفى باب فاعل منه " آجره الدار " وهكذا في ديوان الادب، قلت: فآجره الدار من فاعل ممنوع عند صاحب الاساس جائز عند الغورى، والحق ما في أساس اللغة، لان فاعل لا يعدى إلى مفعولين إلا الذى كان يعدى في الثلاثي إلى مفعول، كنزعت الحديث ونازعته الحديث، فآجر المتعدى إلى مفعولين إذن من باب الافعال، فأجرتك الدار إيجارا، مثل أكريتك الدار، وآجرت الاجير مؤاجرة: أي عقدت معه عقد الاجارة، يتعدى إلى مفعول واحد، وكأن الاجارة مصدر أجر يأجر إجارة نحو كتب يكتب كتابة: أي كان أجيرا، قال تعالى: (على أن تأجرني ثمانى حجج)، فالاجارة كالزراعة والكتابة، كأنها صنعة، إلا أنها تستعمل في الاغلب في مصدر آجر أفعل، كما يقام بعض المصادر مقام بعض نحو (تبتل إليه تبتيلا) والاجير من أجر يأجر قوله: " وصحة آجر تمنع آجر " أي: صحة آجر فاعل تمنع آجر أفعل، قال في الشرح: " أي أن آجر فاعل ثابت بالاتفاق، وفاعل ذو الزيادة لابد أن يكون مبنيا من أجر الثلاثي لا آجر الذى هو أفعل، فيثبت أجر الثلاثي، ولا يثبت
آجر أفعل " هذا كلامه، يا سبحان الله ! ! كيف يلزم من عدم بناء فاعل

من أفعل أن لا يكون أفعل ثابتا ؟ وهل يجوز أن يقال: أكرم غير ثابت، لان كارم غير مبنى بل من كرم ؟ وإذا تقرر ما ذكرنا ثبت أن أفعل وفاعل من تركيب (أج ر) ثابتان، وكل واحد منهما بمعنى آخر، فأفعل بمعنى أكرى، وفاعل بمعنى عقد الاجارة هذا، وإن سكنت الاولى وتحركت الثانية، فإن كان ذلك في صيغة موضوعة على التضعيف، كسئال وسؤال، وجب الادغام محافظة على وضع الصيغة، ولا يكون ذلك إلا إذا اتصلت الاولى بالفاء، وذلك أن الهمزة ثقيلة، ولا سيما ما ضعف منها، فإذا وليت الاولى أول الكلمة خفت، وأما في غير ذلك فلا يجوز، فلا يبنى من قرأ نحو قمد (1) ولا فلز (2)، ويجوز اجتماعهما مع سكون الاولى وتحرك الثانية في صيغة غير موضوعة على التضعيف، وعند ذلك تقلب الثانية ياء، ولا تدغم، نحو قرأى، على وزن سبطر (3) من قرأ، ولا يخفف بنقل حركة الثانية إلى الاولى وحذفها كما في مسلة، لان تلك في حكم الثانية فإن تحركتا قلبت الثانية وجوبا، ثم إن كانت الثانية لاما قلبت ياء مطلقا، بأى حركة تحركتا، لان الاخر محل التخفيف، والياء أخف من الواو، وأيضا فمخرج الياء أقرب إلى مخرج الهمز من مخرج الواو، فتقول في مثل جعفر من قرأ: قرأى، قرأيان، قرأون.
وقرآة، وقرآتان، وقرأيات.
وإن لم تكن الثانية لاما
__________
(1) القمد - كعتل -: القوى الشديد، أو الغليظ.
أنظر (ح 1 ص 53) (2) الفلز - بكسر الفاء واللام بعدهما زاى مشددة -: نحاس أبيض تجعل منه القدور المفرغة، أو هو خبث الحديد، أو هو الحجارة، أو جواهر الارض كلها،
أو ما ينفيه الكير مما يذاب منها، ويقال فيه: فلز - كهجف، وفلز - كعتل - (3) السبطر - كهزبر -: الشهم الماضي، وهو الطويل أيضا، وهو أيضا الاسد يمتد عند الوثبة (*)

فإن كانت مكسورة قلبت ياء أيضا، بأى حركة تحركت الاولى: بالفتحة نحو أيمة أين، أو بالكسر كما إذا بنيت من الانين مثل إجرد (1) قلت: إين، وكذا لو بنيت مثل أكرم منه قلت: أين، مراعاة لحركتها، ألا ترى أنك تجعلها بين الهمزة والياء في مثل هذه المواضع، إذا قصدت تخفيفها وليس قبلها همزة كما في سئم وسئل ومستهزئين، وتقول عند الاخفش في أين: أون، كما ذكرنا من الخلاف في نحو سئل، وإن كانت مضمومة جعلتها واوا صريحة مطلقا قياسا على التسهيل، فتقول في حكاية النفس من يؤب: أوب، ومن يؤم: أوم، بواو خالصة، وفى مثل أبلم (2) من أم: أوم، ولا يوجد مضمومة مكسور ما قبلها في كلامهم، ولو جاء إفعل - بكسر الهمزة وضم العين - لقلت من أم: إوم عند سيبويه بالواو، وإيم بالياء عند الاخفش كما ذكرنا في مستهزئون، وإن كانت مفتوحة فإن كانت بعد كسرة جعلتها ياء كما في نحو بئر (3)، فتقول في نحو إصبع من أم: إيم، وإن كانت بعد ضمة جعلتها واوا، كما في جون (4)، فتقول في تصغير آدم: أويدم، وإن كانت بعد فتحة قلبتها واوا أيضا عند غير المازنى، فتقول في أفعل منك من الام، أوم، وكذا أور، من (8) الار، وعند المازنى: أيم وأير، ولعله نظر إلى أن القياس على
__________
(1) الاجرد - بكسرتين بينهما ساكن كأثمد -: نبت يخرج عند الكمأة، فيستدل به عليها.
انظر (ح 1 ص 59) (2) أبلم - بضمتين بينهما سكون -: الخوص، واحدته أبلمة (أنظر ح 1 ص 56) (3) بئر - بكسر ففتح -: جمع بئرة، وهى ما خبئ وادخر
(4) جون - بضم ففتح -: جمع جونة، وأصله جؤن وجؤنة، فخففت الهمزة فيهما بقلبها واوا، والجؤنة: سلة مستديرة مغشاة أدما يجعل فيها الطيب والثياب (5) الار: مصدر أر يؤر - كشد يشد - ومعناه: السوق، والطرد، والجماع، ورمى السلح، وإيقاد النار (*)

تسهيلها محال ههنا، إذ الهمزة في مثله تسهل بين الهمزة والالف، وقلب المتحركة ألفا متحركة محال، فوجب قلبها لاجتماع همزتين: إما إلى الياء، أو إلى الواو، والياء أخف فقلبت إليه، وغيره نظر إلى حال التسهيل فقلبها ألفا، ثم لما كان الالف إذا وجب تحريكها ولم تجعل همزة كما جعلت في قائل ورداء قلبت واوا كما في خواتم وخويتم قلبت الالف المنقلبة عن الهمزة واوا، فقال: أوم، وأما نحو أوادم في جميع آدم فلا يخالفهم فيه (1) المازنى، لان الهمزة الثانية وجب قلبها في المفرد ألفا وهو آدم، فصار كألف عالم وخاتم وحائط، والهمزة المقلوبة واوا أو ياء وجوبا حكمها حكم الواو والياء، كما ذكرنا في أول الكتاب، ويقول المازنى في تصغير أيمة: أييمة، وفى جمعه أيام، بالياء فيهما، وكذا يقول هو في تصغير أيم أفعل التفضيل عنده من أم: أييم، بالياء، وكل ذلك مراعاة للمكبر فيهما والمفرد في أيام، ويوافقهم في تصغير آدم على أويدم، وغيره لا يراعى حال الاصل إذا زال علة القلب في الفرع، فيقول: أويمة وأوام، في تصغير أيمة وتكسيره، وإن
__________
(1) اعلم أن الجمهور والمازني جميعا متفقون على أنه يقال في جمع آدم: أوادم وفى تصغيره: أويدم، ولكن الجمهور يقدر أن هذه الواو مقلوبة عن الهمزة، فأصل أوادم عندهم أآدم، وأصل أويدم أأيدم، والمازني يجعل الواو في الجمع والتصغير منقلبة عن الالف التى في المفرد والمكبر المنقلبة عن الهمزة، ومذهب
الجمهور في هذا أرجح، لوجهين: الاول أن الجمع والتصغير يردان الاشياء إلى أصولها ما لم يمنع من ذلك مانع، والامر الثاني أن قلب الهمزة ألفا في آدم قد زال مقتضيه في أوادم وأويدم، فلا سبيل إلى ادعاء أن هذه الواو منقلبة عن الالف.
ثم إن الجمهور قاسوا على أوادم قولهم: محمد أون من على: أي أكثر أنينا، بجامع أن في كل منهما همزتين متحركتين في أول الكلمة وثانيتهما مفتوحة وليست الاولى مكسورة، ويرى المازنى قلب الثانية ياء لضرب من الاستحسان، ولا مستند له من المستعمل في كلام العرب (*)

كانت المفتوحة بعد كسرة قلبت ياء كما في مائة، فتقول: إين على مثال إصبع من الانين وجاء في الهمزتين المتحركتين في كلمة وجهان آخران: أحدهما ما ذكره أبو زيد عن بعض العرب أنهم يحققون الهمزتين معا، قال: سمعت من يقول: اللهم اغفر لى خطائئى، كخطاياى بمعنى، وكذا دريئة (1) ودرائئى، وقرأ جماعة من القراء - وهم أهل الكوفة وابن عامر - (أئمة) بهمزتين، وثانيهما تخفيف الثانية كتخفيف الهمزة المتحركة المتحرك ما قبلها إذا لم يكن همزة سواء، فيقول في " أئمة ": أيمة، يجعلها بين الهمزة والياء كما في سئم، وكذا في نحو أؤمك، وغير ذلك وفى هذين الوجهين - أعنى تحقيقهما وتسهيل الثانية - زاد بعضهم ألفا بين الاولى والثانية، إذا كانت الاولى مبتدأ بها، لكراهة اجتماع الهمزتين أو شبه الهمزتين في أول الكلمة، واجتماع المثلين في أول الكلمة مكروه، ألا ترى إلى قولهم: أواصل وأوايصل ؟ وإذا اجتمع في كلمة همزتان وبينهما ألف لا تقلب واحدة منهما اعتدادا بالفاصل، ألا ترى إلى مذهب من أراد
الجمع بينهما بلا تخفيف كيف يزيد بعضهم ألف الفصل، فيقول أائمة، حتى لا يكون اجتماع همزتين، فكيف لا يعتد بالالف الموجودة فاصلا ؟ وأما قلب همزة ذوائب واوا على سبيل الوجوب فلكونه أقصى الجموع، ولكون واحده - أي ذؤابة (2) - مقلوبا همزته في الاغلب واوا
__________
(1) الدريئة: حلقة يتعلم عليها الطعن والرمى، وهى أيضا كل ما استتر به الصياد ليختل الصيد، قال الشاعر: ولقد أرانى للرماح دريئة * من عن يمينى وأمامي (2) الذؤابة: الناصية أو منبتها.
انظر (ح 1 ص 213) (*)

كما هو قياس التخفيف في مثله، ومع هذا كله التزام القلب في هذا الجمع على غير قياس، ورآه الاخفش قياسا، تقلب الهمزة الاولى عنده في مثله واوا وجوبا، لاجتماع الهمزتين، والفاصل ضعيف، وليس بوجه، لان القياس مع اجتماع الهمزتين تخفيف الثانية لا الاولى قوله " جاء وأيمة " قد مضى شرحهما في أول الكتاب قوله " أويدم وأوادم " أي: في تصغير آدم وجمعه، إذا سميت به، فان لم تسم به فجمعه أدم قوله " وقد صح التسهيل والتحقيق في أئمة " أي: في القراءة، ولم يجئ في القراءة قلب الهمزة الثانية في أئمة ياء صريحة، كما هو الاشهر من مذهب النحاة، بل لم يأت فيها إلا التحقيق أو تسهيل الثانية، وقد ذكرنا أن هذين الحكمين لا يختصان عند بعضهم بأئمة، بل يجريان في كل متحركتين، لكن الاشهر عند النحاة قلب الثانية ياء صريحة قوله " ومنه خطايا في التقدير الاصلى " أي: من اجتماع الهمزتين في كلمة،
وذلك أنه جمع خطيئة، وياء فعيلة تقلب في الجمع الاقصى همزة، كما يجئ في باب الاعلال، نحو كبيرة وكبائر، فصار خطائئ عند سيبويه، فقلبت الثانية ياء، لما ذكرنا أن قياس همزتين في كلمة قلب الثانية ياء إذا تطرفت، فصار خطائى، وليس غرضه ههنا إلا اجتماع همزتين في خطايا في الاصل عند سيبويه، فقلبت ثانيتهما ياء، وأما قلب الاولى ياء مفتوحة فسيجئ عن قريب، وأما الخليل فانه يقول أيضا: أصله خطايئ بياء بعدها الهمزة، لكنه يقلب فيجعل الياء موضع الهمزة والهمزة موضع الياء، كما مر في أول الكتاب في نحو جاء قوله " والتزم في باب أكرم حذف الثانية " القياس فيه قلب الثانية واوا

كما في أويدم، لكنه خففت الكلمة بحذف الثانية، لكثرة الاستعمال، كما خففت في خذ وكل بالحذف، والقياس قلبها واوا، ثم حمل أخواته من تؤكرم ويؤكرم عليه، وإن لم يجتمع الهمزتان قوله " وقد التزموا قلبها مفردة ياء مفتوحة في باب مطايا " اعلم أن الجمع الاقصى إذا كان آخره ياء ما قبلها همزة لا يخلو من أن يكون في مفرده ألف ثانية بعدها همزة أصلية كشائية من شأوت، أو منقلبة كشائية من شئت أو واو كشاوية من شويت، أو ألف ثالثة بعدها واو كإداوة وهراوة، أو ياء كدواية وسقاية، أو لم يكن مفرده على شئ من هذه الاوجه: سواء كان لامه همزة كخطيئة، أو لم يكن كبلية فالاصل في جميع جموع هذه المفردات تخفيف الثقيلين وجوبا، أعنى الياء المكسور ما قبلها والهمزة، وذلك لكون الوزن وزن أقصى الجموع، وكون هذين الثقيلين في آخره الذى هو موضع التخفيف،
وتخفيفهما بأن تقلب الياء ألفا، والكسرة قبلها فتحة، وتقلب الهمزة ياء، وإذا قلبت الياء ألفا جوازا في نحو مدارى، مع أن ما قبل الياء ليس همزة، فالوجه وجوب القلب ههنا، لثقل الهمزة، وإنما قلبت الهمزة ياء دون الواو لكونها أخف منها وأقرب مخرجا إلى مخرج الهمزة منها، وإنما قلبت في نحو " حمراوان " واوا في الاغلب، لا ياء، طلبا للاعتدال، لان الياء قريبة من الالف، فكأن إيقاع الياء بين الالفين جمع بين ثلاث ألفات، فاستريح من توالى الامثال إلى الواو مع ثقلها، لخفة البناء، أو لعدم لزوم اكتناف الالفين للواو في المثنى، إذ ألف التثنية غير لازمة، فلا يلزم الواو العارضة بسببها، ولما لزمت ألف التثنية في ثنايان (1) بقيت الياء بحالها، وأما في الجمع الاقصى فلا
__________
(1) الثنايان مما جاء مثنى ولا واحد له، ومعناه مفرد أيضا، فهو يطلق على (*)

تقلب واوا، لثقل البناء، ولزوم اكتناف الالفين، فيلزم الواو لو قلبت إليها، وقد جاء في جمع هدية هداوى كما في حمراوان، وهذا شاذ، إلا عند الاخفش، فانه رآه قياسا كما في حمراوان وخولف الاصل المذكور في موضعين: أحدهما إذا كان في مفرده ألف بعده همزة نحو شائية من شأوت أو من شئت، فتركت الهمزة والياء بحالهما، فقيل: هؤلاء الشوائى، مراعاة في الجمع للمفرد، كما روعى في نحو حبالى وخناثى، كما مر في باب الجمع، وثانيهما إذا كان في مفرده ألف ثالثة بعدها واو، نحو أداوى وعلاوي فقلبت الهمزة، لكن إلى الواو لا إلى الياء، لمراعاة المفرد أيضا، وكان على هذا حق ما في مفرده ألف ثانية بعدها واو، كشوايا جمع شاوية، أن يراعى مفرده فيقال: شواوى، لكن لما كان أصله شواوى، فقلبت الواو التى بعد الالف همزة كما في أواول، لا كتناف حرفي العلة لالف الجمع، لم يقلب الهمزة بعده واوا، لئلا
يكون عودا إلى ما فر منه، فرجع فيه من مراعاة المفرد إلى الجرى على الاصل من قلب الهمزة ياء، فقيل: شوايا، في جمع شاوية، وكذا في الجمع الذى في مفرده ألف بعده الياء كالدواية والسقاية لو جمعتا هذا الجمع قيل: دوايا وسقايا، والياء في هذا أولى لوجهين: لمراعاة المفرد، وللجرى على الاصل، وكذا تقول في الجمع الذى ليس في مفرده ألف بعده همزة أو ياء أو واو فقلبت الهمزة ياء والياء ألفا، كخطايا وبلايا وبرايا في جمع خطيئة وبلية وبرية، وقد جاء فيه هدية وهداوى، كما ذكرنا فإذا تقرر هذا فاعلم أن الالف في هذه الجموع كلها مجتلبة للجمع، ولم تكن في المفرد، والهمزة بعد الالف في شواء جمع شائية من شأوت هي الاصلية التى
__________
حبل واحد تشد بأحد طرفيه إحدى يدى البعير وبالاخر الاخرى، قال في اللسان: " وعلقت البعير بثنايين غير مهموز، لانه لا واحد له، وذلك إذا علقت يديه جميعا بحبل أو بطرفي حبل، وإنما لم يهمز لانه لفظ جاء مثنى لا يفرد واحده فيقال ثناء، فتركت الياء على الاصل " اه.
(*)

كانت في المفرد، وفى شواء من شئت عارضة في الجمع عروضها في المفرد، والالف التى كانت في مفرديهما قلبت في الجمع واوا، وكذا ألف شاوية قلبت في الجمع واوا، أعنى شوايا، وقلبت واو المفرد التى كانت بعد الالف شاوية همزة كما في أوائل، ثم قلبت الهمزة ياء مفتوحة كما ذكرنا، والالف التى كانت في إداوة قلبت في الجمع همزة كما في رسائل وقلبت واوه ياء لانكسار ما قبلها، ثم قلبت الهمزة ياء (1) مفتوحة والياء ألفا، كما في سقاية لو قيل: سقايا، والياء في خطيئة تقلب همزة عند سيبويه: كما في صحائف، فيجتمع همزتان، فتقلب الثانية ياء، وتقلب الاولى ياء مفتوحة، كما في بلايا ونحوها، وتقلب الياء التى بعدها ألفا، لان الياء المنقلبة عن همزة على وجه الوجوب حكمها حكم الياء الاصلية، والهمزة الثانية ههنا واجبة القلب إلى الياء،
لكونها متطرفة، كما سبق تحقيقه في هذا الباب، فخطايا كهدايا، قلبت ياؤها - أي الحرف الاخير - ألفا، وقال الخليل: أصله خطايئ بالهمزة بعد الياء التى كانت في الواحد، فجعلت الياء في موضع الهمزة والهمزة في موضع الياء، ثم قلبت الهمزة التى كانت لام الكلمة ياء مفتوحة، فوزنه (2) فوالع، فقول المصنف " ومنه خطايا على القولين " أي: من باب قلب الهمزة المفتوحة ياء مفتوحة على قول الخليل وسيبويه واعلم أنه إذا توالى في كلمة أكثر من همزتين أخذت في التخفيف من الاول
__________
(1) قوله " قلبت الهمزة ياء مفتوحة...إلخ " ليس بصحيح، فأن الهمزة في جمع إداوة قلبت واوا حملا على المفرد، لا ياء، وهذا أحد الموضعين اللذين خولف فيهما الاصل الذى أصله المؤلف من قبل، والعجب مه أنه صرح بذكر الموضعين اللذين خولف فيهما هذا الاصل ثم غفل عنه (2) قوله " فوزنه فوالع " ليس صحيحا، بل وزن خطايا فعائل عند سيبويه وفعالى - كعذاري -: عند الخليل والكوفيين، على اختلاف بينهما في التقدير، ولعله من تحريف النساخ (*)

فخففت الهمزة الثانية، ولم تبتدئ في التخفيف من الاخر، كما فعلت ذلك في حروف العلة في نحو طوى ونوى، وذلك لفرط استثقالهم لتكرار الهمزة، فيخففون كل ثانية إذ نشأ منها الثقل، إلى أن يصلوا إلى آخر الكلمة فان بنيت من قرأ مثل سفرجل قلت: قرأيأ، حققت الاولى، وقلبت الثانية التى منها نشأ الثقل، وإنما قلبتها ياء، لا واوا، لكونها أقرب مخرجا إلى الهمزة من الواو، وصححت الاخيرة لعدم مجامعتها إذن للهمزة وإن بنيت مثل سفرجل من الهمزات قلت: أوأيأ، على قول النحاة،
وأيأيأ، على قول المازنى، كما ذكرنا في قولك: هو أيم منك، فتحقيق الاولى هو القياس، إذ الهمزة الاولى لا تخفف، كما مر، وأما تحقيق الثالثة فلانك لما قلبت الثانية صارت الثالثة أولى الهمزات، ثم صارت الرابعة كالثانية مجامعة للهمزة التى قبلها، فخففت بقلبها ياء، كما ذكرنا في قرأيأ، ثم صارت الخامسة كالاولى ولو بنيت منها مثل قرطعب (1) قلت: إيئاء، قلبت الثانية ياء كما في إيت، والرابعة ألفا كما في آمن، وتبقى الخامسة بحالها كما في راء وشاء ولو بنيت منها مثل جحمرش قلت: أاأيئ، قلبت الثانية كما في آمن، والرابعة كما في أيمة، وتبقى الخامسة بحالها، لعدم مجامعتها الهمزة ولو بنيت مثل قذعمل قلت: أوأيئ، قلبت الثانية كما في أويدم، والرابعة كما في قرأى، وتبقى الخامسة بحالها فإن اجتمعت الهمزتان في كلمتين والثانية لا محالة متحركة، إذ هي أول الكلمة، فإن كانت الاولى مبتدأ بها، كهمزة الاستفهام، فحكمها حكم الهمزتين
__________
(1) القرطعب - بكسر فسكون ففتح فسكون -: السحابة، وقيل: دابة، انظر (ح 1 ص 51) (*)

في كلمة إذا كانت الاولى مبتدأ بها كأيمة وايتمن، فلا تخفف الاولى إجماعا، وتخفف الثانية كما ذكرنا من حالها في كلمة سواء، إلا أن تحقيق الثانية ههنا أكثر منه إذا كانتا في كلمة، لان همزة الاستفهام كلمة برأسها، وإن كانت من حيث كونها على حرف كجزء مما بعدها، فمن فصل هناك بالالف بين الهمزتين المتحركتين: المحققتين، أو المسهلة ثانيتهما نحو أيمة، فصل ههنا أيضا، ومن لم يفصل هناك لم يفصل ههنا أيضا.
قال:
136 - أيا ظبية الوعساء بين جلاجل * وبين النقا آأنت أم أم سالم (1) وقال: 137 - حزق إذا ما الناس أبدوا فكاهة * تفكرا إياه يعنون أم قردا (2) وإذا كانت الاولى همزة استفهام والثانية همزة وصل، فإن كانت مكسورة أو مضمومة حذفت، نحو أصطفى وأصطفى، وإلا قلبت الثانية ألفا، أو سهلت كما
__________
(1) هذا بيت من الطويل من قصيدة طويلة لذى الرمة غيلان بن عقبة، وقبله قوله: أقول لدهناوية عوهج جرت * لنا بين أعلى عرفة فالصرائم والدهناوية: المنسوبة إلى الدهناء، وهو موضع في بلاد تميم، وأراد ظبية، والعوهج كجوهر -: الطويلة العنق، وجرت: أراد به سنحت، وعرفة - بضم العين وسكون الراء المهملتين -: القطعة المرتفعة من الرمل، والصرائم، جمع صريمة، وهى القطعة من الرمل أيضا، وبيت الشاهد كله مقول القول، والوعساء: الارض اللينة ذات الرمل، وجلاجل - بجيمين، أو بمهملتين -: اسم مكان بعينه، والنقا: التل من الرمل، وأم سالم: كنية محبوبته مية.
والاستشها بالبيت في قوله " آأنت " حيث فصل بين الهمزتين بألف زائدة (2) هذا البيت من الطويل، وهو من كلمة لجامع بن عمرو بن مرخية الكلابي، والحزق - كعتل -: القصير العظيم البطن إذا مشى أدار أليته، وأبدوا: أظهروا، والاستشهاد بالبيت في قوله " آإياه " حيث زاد بين همزة الاستفهام والهمزة التى في أول الكلمة ألفا، على نحو ما في الشاهد السابق (*)

تقدم، وإن لم تكن الاولى ابتداء - وذلك في غير همزة الاستفهام، ولا تكون الثانية إلا متحركة كما قلنا - فالاولى: إما أن تكون ساكنة أو متحركة، وفى كلا الوجهين قال سيبويه: إن أهل التحقيق - يعنى غير أهل الحجاز -
يخففون إحداهما ويستثقلون التحقيق فيهما، كما يستثقل أهل الحجاز تحقيق الواحدة، قال: ليس من كلام العرب أن تلتقي الهمزتان فتحققا، فإن كانتا متحركتين فمنهم من يخفف الاولى دون الثانية، لكونها آخر الكلمة والاواخر محل التغيير، وهو قول أبى عمرو، ومنهم من يخفف الثانية دون الاولى، لان الاستثقال منها جاء، كما فعلوا في الهمزتين في كلمة، وهو قول الخليل، وقد اختار جماعة وهم قراء الكوفة وابن عامر التحقيق فيهما معا، كما فعلوا ذلك بالهمزتين في كلمة، وهو ههنا أولى، لافتراق الهمزتين تقديرا، وأما أهل الحجاز فيستعملون التخفيف فيهما معا كما فعلوا ذلك في الهمزة الواحدة، فمن خفف الاولى وحدها فكيفيته ما مر من الحذف أو القلب أو التسهيل، كما مر في الهمزة المفردة فليرجع إليه، ومن خفف الثانية وحدها كانت كالهمزة المتحركة بعد متحرك، فيجئ الاوجه التسعة المذكورة، فليرجع إلى أحكامها، فهى هل بعينها، فيجئ في " يشاء إلى " المذاهب الثلاثة في الثانية: بين بين المشهور، والبعيد، وقلبها واوا، وفى نحو هذا ءأمك (1): التسهيل المشهور، والبعيد، وقلبها ياء.
ونقل عن أبى عمرو حذف أولى المتفقتين، نحو أولياء أولئك، و (جاء أشراطها)، ومن السماء إن.
ونقل عن ورش وقنبل (2) في ثانية
__________
(1) وقع في جميع الاصول " هذا إمك " وهو من تحريف النساخ والغفلة عن مراد المؤلف، فان غرضه التمثيل لاجتماع همزتين من كلمتين، و " ذاء " بهمزة مكسورة بعد الالف لغة في " ذا " اسم الاشارة، قال الراجز: هذائه الدفتر خير دفتر (2) قنبل - كقنفذ -: أصله الغلام الحاد الرأس الخفيف الروح، وقد لقب به محمد بن عبد الرحمن أحد القراء (*)

المتفقتين قلبها حرف مد صريحا: أي ألفا إن انفتحت الاولى، وواوا إن انضمت
وياء إن انكسرت، وهذا معنى قوله " وجاء في المتفقتين حذف إحداهما، وقلب الثانية كالساكنة " ومن خففها معا - وهم أهل الحجاز - جمع بين وجهى التخفيف المذكورين الان.
وأما إن كانت الاولى ساكنة نحو اقرأ آيه، وأقرئ أباك السلام، ولم يردؤ أبوك، ففيه أيضا أربعة مذاهب: أهل الحجاز يخففونهما معا، وغيرهم يحققون: إما الاولى وحدها، أو الثانية وحدها، وجماعة يحققونها معا - كما ذكرنا في المتحركتين - وهم الكوفيون، وحكى أبو زيد عن العرب مذهبا خامسا، وهو إدغام الاولى في الثانية كما في سائر الحروف، فمن خفف الاولى وحدها قلبها ألفا إن انفتح ما قبلها، وواوا إن انضم، وياء إن انكسر، ومن خفف الثانية فقط نقل حركتها إلى الاولى الساكنة وحذفها، وأهل الحجاز المخففون لهما معا قلبوا الاولى ألفا أو ياء أو واوا، وسهلوا الثانية بين بين إذا وليت الالف، لامتناع النقل إلى الالف، وحذفوها بعد نقل الحركة إلى ما قبلها إذا وليت الواو والياء، لامكان ذلك، فيقولون: اقرا آية، بالالف في الاولى والتسهيل في الثانية، وأقري اباك، بالياء المفتوحة بفتحة الهمزة المحذوفة، ولم يردوا ابوك، بالواو المفتوحة، وعليه قس نحو لم تردو امك، ولم تردو ابلك، وغير ذلك، وكذا إذا كانت الثانية وحدها ساكنة، نحو من شاء ائتمن، فلا بد من تحريك أولاهما فيصير من هذا القسم الاخير.
قال: " الاعلال: تغيير حرف العلة للتخفيف، ويجمعه القلب، والحذف، والاسكان.
وحروفه الالف، والواو، والياء.
ولا تكون الالف أصلا في المتمكن ولا في فعل، ولكن عن واو أو ياء " أقول: اعلم أن لفظ الاعلال في اصطلاحهم مختص بتغيير حرف العلة: أي

الالف والواو والياء، بالقلب أو الحذف، أو الاسكان.
ولا يقال لتغيير الهمزة بأحد الثلاثة: إعلال، نحو راس ومسلة والمراة، بل يقال: إنه تخفيف للهمزة، ولا يقال أيضا لابدال غير حروف العلة والهمزة، نحو هياك وعلج (1) في إياك وعلى.
ولا لحذفها نحو حرفي حرح، ولا لاسكانها نحو إبل في إبل، ولفظ القلب مختص في إصطلاحهم بإبدال حروف العلة والهمزة بعضها مكان بعض، والمشهور في غير الاربعة لفظ الابدال، وكذا يستعمل في الهمزة أيضا قوله: " للتخفيف " احتراز عن تغيير حرف العلة في الاسماء الستة نحو أبوك وأباك وأبيك، وفى المثنى وجمع السلامة المذكر نحو مسلمان ومسلمين، ومسلمون ومسلمين، فإن ذلك للاعراب لا للتخفيف، وقد اشتهر في إصطلاحهم الحذف الاعلالى للحذف الذى يكون لعلة موجبة على سبيل الاطراد، كحذف ألف عصا وياء قاض، والحذف الترخيمى والحذف لا لعلة غير المطرد، كحذف لام يدودم وإن كان أيضا حذفا للتخفيف قوله " ويجمعه القلب، والحذف، والاسكان " تفسيره كما ذكرنا في تخفيف الهمزة في قوله " يجمعه الابدال، والحذف، وبين وبين " قوله: " وحروفه الالف، والواو، والياء " أي: حروف الاعلال، تسمى
__________
(1) هذا التمثيل غير صحيح، وذلك لان هياك أصله إياك، فهو من إبدال الهمزة، وعلج أصله على، فهو من إبدال الياء، وهو أحد حروف العلة، وبعيد أن يكون غرضه المبدل لا المبدل منه، وخير من هذا أن يمثل بأصيلال، وأصله أصيلان، فأبدل النون لاما، ومنه قول النابغة الذبيانى وقفت فيها أصيلالا أسائلها * عيت جوابا وما بالربع من أحد والتمثيل بالطجع، وأصله اضطجع، فأبدلت الضاد لاما، ومنه قول الرجز: لما رأى أن لادعه ولا شبع * مال إلى أرطاة حقف فالطجع (*)

الثلاثة حروف العلة، لانها تتغير ولا تبقى على حال، كالعليل المنحرف المزاج المتغير حال بحال، وتغيير هذه الحروف لطلب الخفة ليس لغاية ثقلها بل لغاية خفتها، بحيث لا تحتمل أدنى ثقل، وأيضا لكثرتها في الكلام، لانه إن خلت كلمة من أحدها فخلوها من أبعاضها - أعنى الحركات - محال، وكل كثير مستثقل وإن خف قوله " ولا تكون الالف أصلا في المتمكن ": أما في الثلاثي فلان الابتداء بالالف محال والاخر مورد الحركات الاعرابية، والوسط يتحرك في التصغير، فلم يمكن وضعها ألفا، وأما في الرباعي فالاول والثانى والرابع لما مر في الثلاثي، والثالث لتحركه في التصغير، وأما في الخماسي فالاول والثانى والثالث لما مر في الثلاثي والرباعى، والخامس لانه مورد الاعراب، والرابع لكونه معتقب الاعراب في التصغير والتكسير، وأما في الفعل الثلاثي فلتحرك ثلاثتها في الماضي، وأما في الرباعي فلاتباعه الثلاثي وقد ذكر بعضهم أن الالف في نحو حاحيت وعاعيت غير منقلبة كما مر في باب ذى الزيادة (1)
__________
(1) لم يذكر المؤلف النسبة بين الابدال والقلب والاعلال وتخفيف الهمزة والتعويض، وهذه الاشياء بين بعضها وبعض مناسبات وفروق، فيجمل بالباحث معرفة ما بينها من الصلات وما بينها من الفروق، وسنذكر لك حقيقة كل واحد من هذه الانواع ثم نبين وجوه الاتحاد والاختلاف فنقول: (1) الابدال في اللغة مصدر قولك: أبدلت الشئ من الشئ، إذا أقمته مقامه ويقال في هذا المعنى: أبدلته، وبدلته، وتبدلته، واستبدلته، وتبدلت به، واستبدلت به، قال سيبويه: " ويقول الرجل للرجل: اذهب معك بفلان، فيقول: معى رجل
بدله: أي رجل يغنى غناءه ويكون في مكانه " اه والابدال في اصطلاح علماء العربية: جعل حرف في مكان حرف آخر، وهو (*)

[...]
__________
عندهم لا يختص بأحرف العلة وما يشبه أحرف العلة، سواء أكان للادغام أم لم يكن، وسواء أكان لازما أم غير لازم، ولا بد فيه من أن يكون الحرف المبدل في مكان الحرف المبدل منه وإذا تأملت هذا علمت أنه لا فرق بين الابدال في اللغة والابدال في اصطلاح أهل هذه الصناعة إلا من جهة أن الاصطلاح خصه بالحروف، وقد كان في اللغة عاما في الحروف وفى غيرها (ب) وللعلماء في تفسير القلب ثلاث طرق: الاولى - وهى التى ذكرها الرضى هنا - أنه جعل حروف العلة والهمزة بعضها مكان بعض، وهو على هذا التفسير يشمل تخفيف الهمزة في نحو بير وسوتم وراس، ويخرج منه إبدال الواو والياء تاء في نحوا اتعد واتسر.
والطريق الثانية - وهى التى سلكها ان الحاجب - أنه جعل حرف مكان حرف العلة للتخفيف، فهو عنده خاص بأن يكون المقلوب حرف علة، وأن يكون القلب للتخفيف، وهو من ناحية أخرى عام في المقلوب إليه حرف العلة، فيخرج عنه تخفيف الهمزة في نحو بير وسوتم وراس وخطايا، ويدخل فيه قلب الواو والياء تاء نحو اتعد واتسر، وهمزة نحو أواصل وأجوه وأقتت والاول.
والطريق الثالثة - وهى التى سلكها غير هذين من متأخرى الصرفيين كالزمخشري وابن مالك - أنه جعل حروف العلة بعضها مكان بعض، فيخرج عنه تخفيف الهمزة وقلب حرف العلة تاء أو همزة أو غيرهما من الحروف الصحيحة، ويدخل هذان النوعان عند هؤلاء في الابدال
(ح) الاعلال في اصطلاح علماء العربية: تغيير حرف العلة بالقلب أو التسكين أو الحذف قصدا إلى التخفيف (د) تخفيف الهمزة: تغييرها بحذفها أو قلبها إلى حرف من حروف العلة، أو جعلها بين الهمزة وحروف العلة (ه) التعويض في اللغة: جعل الشئ خلفا عن غيره، وفى الاصطلاح: جعل الحرف خلفا عن الحرف.
وللعلماء فيه مذهبان: أحدهما أنه يشترط كون الحرف المعوض في غير مكان الحرف المعوض منه، وهذا ضعيف وإن اشتهر عند الكثيرين، (*)

[...]
__________
والثانى أنه يجوز فيه أن يكون الحرف المعوض في غير مكان المعوض منه، وهو الغالب الكثير، نحو صفة وعدة، ونحو ابن واسم بناء على أنه من السمو، ويجوز أن يكون المعوض في مكان المعوض منه، كالتاء في أخت وبنت بناء على رأى، وكالالف في اسم بناء على أنه من الوسم، وكالياء في فرازيق وفريزيق، فانهما في مكان الدال من فرزدق.
فإذا علمت هذا تبين لك ما يأتي: أولا: أن بين الابدال والقلب - على الطريق الاولى - العموم والخصوص المطلق، إذ يجتمعان في إبدال حروف العلة والهمزة، وينفرد الابدال في ادكر أو الطجع ونحوهما مما ليس في حروف العلة والهمزة ثانيا: أن بين الابدال والقلب - على الطريق الثانية - العموم والخصوص المطلق أيضا، إذ يجتمعان في نحو قال وباع وميزان وكساء ورداء واتصل واتسر، وينفرد الابدال في تظنى وفى أصيلال ونحوها ثالثا: أن بين الابدال والقلب - على الطريق الثالثة - العموم والخصوص المطلق
أيضا، إذ يجتمعان في نحو قال وباع وميزان وسيد وميت، وينفرد الابدال في نحو دينار وقيراط وعلج وتميمج رابعا: أن بين الابدال والاعلال عموما وخصوصا وجهيا، إذ يجتمعان في نحو قال ورمى، وينفرد الابدال في نحو ادكر وازدحم واصطبر واضطجع، وينفرد الاعلال في نحو يقول ويبيع ويذكو ويسمو ويرمى ويقضى، ويعد ويصف، وعد وصف: أمرين من وعد ووصف خامسا: أن بين الابدال وتخفيف الهمزة عموما وخصوصا وجهيا إذ يجتمعان في نحو راس وبير ولوم، وينفرد الابدال في هراق في أراق، وهياك في إياك، وينفرد تخفيف الهمزة في نحو مسلة في مسألة وجيل في جيأل، وضو في ضوء، وشى في شئ سادسا: أن بيد الابدال والتعويض على المشهور التباين، إذ يشترط في الابدال كون المبدل في مكان المبدل منه، ويشترط في التعويض أن يكون العوض في غير مكان المعوض منه.
وعلى غير المشهور يكون بينهما العموم والخصوص المطلق، فكل (*)

قال: " وقد اتفقتا فاءين كوعد ويسر، وعينين كقول وبيع، ولامين كغزو ورمى، وعينا ولاما كقوة وحية، وتقدمت كل واحدة على الاخرى: فاء وعينا كيوم وويل، واختلفتا في أن الواو تقدمت عينا على الياء لاما، بخلاف العكس، وواو حيوان بدل من الياء، وأن الياء وقعت فاء وعينا في يين،
__________
إبدال تعويض ولا عكس، إذ يجتمعان في نحو فرازيق، وينفرد التعويض في نحو عدة وزنة وابن سابعا: أن بين الاعلال وتخفيف الهمزة التباين، إذ الاعلال خاص بحروف العلة، وتخفيف الهمزة خاص بالهمزة بداهة، ومن أدخل الهمزة في حروف العلة أو نص عليها في تعريف الاعلال، فقال: " إنه تغيير حروف العلة أو الهمزة بالقلب
أو الحذف أو الاسكان " كان بين الاعلال وتخفيف الهمزة عنده العموم والخصوص الوجهى، إذ يجتمعان في نحو سال ومقرو، ونبى على أنه من النبأ، وينفرد الاعلال في نحو قال وباع ويقول ويبيع وقل وبع، وينفرد تخفيف الهمزة في جعلها بين بين ثامنا: أن بين الاعلال والقلب - على الطريق الاولى - العموم والخصوص الوجهى، إذ يجتمعان في نحو قال، وينفرد الاعلال في نحو يقول وقل، وينفرد القلب في نحو بير وراس، وهذا على الرأى المشهور.
أما على رأى من يجعل الهمزة من حروف العلة فيكون بين القلب والاعلال - على الطريق المذكورة - العموم والخصوص المطلق، إذ ينفرد الاعلال عن القلب في الحذف والتسكين، ويكون بينهما - على الطريق الثانيه والثالثة - العموم والخصوص المطلق، إذ يجتمعان في نحو قال ورمى وأواصل واتعد واتسر، وينفرد الاعلال في الحذف والاسكان تاسعا: أن بين الاعلال والتعويض التباين عاشرا: أن بين القلب - على الطريق الاولى - وتخفيف الهمزة العموم والخصوص الوجهى، إذ يجتمعان في نحو بير، وينفرد تخفيف الهمزة في نحو مسلة، وينفرد القلب في نحو قال.
أما على الطريق الثانية والثالثة فبينهما التباين، إذ شرط القلب أن يكون المقلوب حرفا من حروف العلة، وتخفيف الهمزة خاص بها حادى عشر: أن بين تخفيف الهمزة والتعويض التباين، وهو واضح

وفاء ولاما في يديت، بخلاف الواو، إلا في أول على الاصح، وإلا في الواو على وجه، وأن الياء وقعت فاء وعينا ولاما في يبيت، بخلاف الواو إلا في الواو على وجه " أقول: اعلم أن كون الفاء ياء والعين واوا لم يسمع إلا في يوم ويوح (1)، ولم
يسمع العكس إلا في نحو ويل (2) وويح (3) وويس (4) وويب (5)، واتفقتا أيضا في كونهما عينا ولاما كقو (6) وبو (7) وحى وعى (8)، وكلاهما قليلان قلة كون العين واللام حلقيين كلحح (9) وبع (10) وبخ (11)، وأهمل كونهما
__________
(1) يوح، ويوحى - كطوبى -: من أسماء الشمس، انظر (ح 1 ص 35) (2) الويل: كلمة يراد بها الدعاء بالعذاب.
انظر (ح 1 ص 35) (3) ويح: كلمة رحمة.
انظر (ح 1 ص 35) (4) ويس: كلمة تستعمل في الرحمة، وفى استملاح الصبى.
انظر (ح 1 ص 35)، والويس أيضا: الفقر، وما يريده الانسان، فهو من أسماء الاضداد (5) ويب: كلمة بمعنى الويل.
انظر (ح 1 ص 35).
وتستعمل أيضا بمعنى العجب، يقال: ويبا لهذا: أي عجبا له (6) القو: موضع بين فيد والنباج، وهما في طريق مكة من الكوفة، وقيل: هو واد بين اليمامة وهجر، وقيل: منزل ينزله الذاهب من البصرة إلى المدينة بعد أن يرحل من النباج، قال الشاعر: سما لك شوق بعد ما كان أقصرا * وحلت سليمى بطن قو فعرعرا (7) البو - بفتح الباء وتشديد الواو -: الحوار، وهو ولد الناقة، وقيل: البو: جلد الحوار يحشى تبنا أو ثماما أو حشيشا ثم يقرب إلى أم الفصيل لتر أمه فتدر عليه، وقيل في المثل: " حرك لها حوارها تحن " (8) العى - بكسر العين المهملة وتشديد الياء -: مصدر عيى - كرضى - وهو الحصر (9) لحح: بوزن فرح، يقال: لححت عينه، إذا لصقت بالرمص والقذى (10) يقال: بع السحاب، إذا كثر نزول مطره (11) يقال: بخ الرجل، إذ سكنت ثورة غضبه، ويقال: بخ في نومه، إذا غط (*)

همزتين، وندر كونهما هاءين، نحو قه (1) وكه (2) في وجهى، وكون الواو عينا والياء لاما نحو طويت أكثر من كون العين واللام واوين كقوة، فالحمل على الاول عند خفاء الاصل أولى، فيقال: إن ذا في اسم الاشارة أصله ذوى لا ذوو (3) قوله " الواو تقدمت عينا على الياء لاما " هو كثير: (نحو) طويت ونويت وغويت، بخلاف العكس: أي لم يأت العين ياء واللام واوا، لان الوجه أن يكون الحرف الاخير أخف مما قبله، لتثاقل الكلمة كلما ازدادت حروفها، والحرف الاخير معتقب الاعراب قوله " وواو حيوان بدل من ياء " عند سيبويه وأصحابه، أبدلت منها لتوالى الياءين، وأبدلت الثانية، لان استكراه التتالى إنما حصل لاجلها، وأيضا لو أبدلت العين واوا لحمل على باب طويت الكثير، وظن أنها أصل في موضعها، لكثرة هذا الباب، فلما قلبت الثانية واوا صارت مستنكرة في موضعها، فيتنبه بذلك على كونها غير أصل، وقال المازنى: واو حيوان أصل، وليس في حييت دليل على كون الثانية ياء، لجواز أن يكون كشقيت ورضيت، قلبت ياء لانكسار ما قبلها، لكن سيبويه حكم بما حكم لعدم نظيره في كلامهم لو جعل الواو أصلا.
قوله " وأن الياء وقعت فاء وعينا في يين " هو واد ولا أعلم له نظيرا
__________
(1) يقال: قه الرجل، إذا رجع في ضحكه، أو اشتد ضحكه، أو قال في ضحكه: قه (2) يقال: استنكهت السكران فكه في وجهه، إذا طلبت منه أن يخرج نفسه لتشم رائحته فأخرجه، وهو مثل جلس يجلس جلوسا
(3) انظر (ج 2 ص 36) ثم (ج 1 ص 285) فقد أشبعنا الكلام عليها هناك (*)

قوله " إلا في أول على الاصح " يعنى أن فاءه وعينه واوان أيضا على الاصح، كما مر (1) فالحق أن الواو والياء متفقتان ههنا في كون كل واحدة منهما فاء وعينا، كل واحدة منهما في كلمة واحدة فقط (2)، وكون الفاء والعين من جنس واحد قليل نادر في غير حروف العلة أيضا نحو بير (3) لا لتقاء مثلين مع تعذر إدغام أولهما في الثاني، وتقل الكراهة شيئا بوقوع فصل نحو كوكب، وبحصول موجب الادغام كما في أول قوله " وفاء ولاما في يديت " أي: أصبت يده، وأنعمت قوله " إلا في الواو على وجه " ذهب أبو على إلى أن أصل واو ويو لكراهة بناء الكلمة عن الواوات، ولم يجئ ذلك في الحرف الصحيح إلا لفظه ببه (4)، وذلك لكونها صوتا، وذهب الاخفش إلى أن أصله ووو، لعدم تقدم الياء عينا على الواو لاما، فتقول على مذهب أبى على: وييت واوا، قلبت الواو الاخيرة ياء كما في أعليت، وتقول في مذهب الاخفش: أويت، وقال ثعلب: وويت، ورده ابن جنى، وهو الحق، وذلك لان الاستثقال في وويت أكثر منه في وواصل، لاجتماع ثلاث واوات واعلم أن تماثل الفاء واللام في الثلاثي قليل، وإن كانا صحيحين أيضا كقلق وسلس.
قوله " وأن الياء وقعت فاء وعينا ولاما في يييت " مذهب أبى على أن
__________
(1) انظر (ج 2 ص 340 و 341) (2) هذه الجملة حال من الواو والياء (3) الببر: ضرب من السباع شبيه بالنمر انظر (ج 2 ص 367) (4) ببة: حكاية صوت صبى، ولقب لعبد الله بن الحارث وقالت أمه هند
بنت أبى سفيان وهى ترقصه: لانكحن ببه * جارية خدته مكرمة محبه * تجب أهل الكعبه (*)

أصل الياء يوى، فتقول: يويت ياء حسنة: أي كتبت ياء، وعند غيره أصله ييي، وكذا الخلاف بينهم في جميع ما هو على حرفين من أسماء حروف المعجم ثانيه ألف، نحو باتا ثا را، فهم يقولون: بييت وتييت وثييت، إلى آخرها، وقال أبو على: بويت إلى آخرها، وعند أبى على جمعها: أبواء وأتواء وعند غيره: أبياء وأتياء، وإنما حكموا بذلك لورود الامالة في جميعها، وليس بشئ، لانه إنما تمال هذه الاسماء وهى غير متمكنة فألفاتها في ذلك الوقت أصل، كألف ماولا، وإنما يحكم على ألفاتها بكونها منقلبة إذا زيد على آخرها ألف أخرى وصيرت همزة، قياسا على نحو رداء وكساء، وذلك عند وقوعها مركبة معربة، فألحقوا إذن ألفاتها بألفات سائر المعربات في كونها منقلبة، وهى لا تمال ألفها إذن، كما مر في باب الامالة (1)، فلا دلالة إذن في إمالتها قبل التركيب على كون ألفاتها بعد التركيب في الاصل ياء، وإنما حكم أبو على بكونها واوا وبأن لامها ياء لكثرة باب طويت ولويت، وكونه أغلب من باب قوة وحييت، وأما حيوان فواوه ياء على الاصح، كما مر، وما ثانيه ألف من هذه الاسماء وبعده حرف صحيح نحو دال ذال صاد ضاد كاف لام فقبل إعرابها وتكريبها لا أصل لالفاتها، لكونها غير متمكنة في الاصل، كما مر، وأما بعد إعرابها فجعلها في الاصل واوا أولى من جعلها ياء، لان باب دار ونار أكثر من باب ناب وغاب، فتقول: ضودت ضادا، وكوفت كافا، ودولت دالا، والجمع أضواد وأكواف وأدوال، وأما جيم وشين وعين فعينها ياء نحو بيت وديك، إذ الياء موجودة، ولا دليل على كونها عن الواو، ويجوز عند
سيبويه أن يكون أصل جيم فعلا - بضم الفاء، وفعلا - بكسرها - خلافا للاخفش (2)
__________
(1) انظر (ص 26) من هذا الجزء (2) اعلم أن سيبويه والاخفش قد اختلفا في الياء الساكنة المضموم ما قبلها إذا لم تكن عينا لفعلى ولا عينا لجمع: هل تقلب الضمة كسرة لتسلم الياء ؟ أو تقلب (*)

قال: " الفاء: تقلب الواو همزة لزوما في نحو أواصل وأويصل، والاول، إذا تحركت الثانية، بخلاف وورى، وجوازا في نحو أجوه وأورى، وقال المازنى: وفى نحو إشاح، والتزموه في الاولى حملا على الاول، وأما أناة وأحد وأسماء فعلى غير القياس ".
أقول: اعلم أنهم استثقلوا اجتماع المثلين في أول الكلمة، فلذلك قل نحو ببر وددن، فالواوان إذا وقعتا في الصدر - والواو أثقل حروف العلة - قلبت أولاهما همزة وجوبا، إلا إذا كانت الثانية مدة منقلبة عن حرف زائد، نحو وورى في وارى، فانه لا يجب قلب الاولى همزة، لعروض الثانية من جهتين: من جهة الزيادة، ومن جهة انقلابها عن الالف، ولكون المد مخففا لبعض الثقل، وإن لم تكن الثانية مدة: سواء كانت منقلبة عن حرف زائد كأواصل وأويصل، أو غير منقلبة عنه كأوعد على جورب من وعد، وكذا إن كانت مدة لكنها غير منقلبة عن شئ كما تقول من وعد على وزن طومار (1): أو عاد، وجب قلب الاولى همزة، وكذا إذا كانت الثانية منقلبة عن حرف أصلى، كما قال الخليل في فعل من وأيت مخففا: أوى (2) ومن ذلك مذهب الكوفية في أولى، فان أصله عندهم وؤلى، ثم وولى
__________
الياء واوا لتسلم الضمة ؟ ذهب سيبويه إلى الاول والاخفش إلى الثاني، وسيأتى هذا الخلاف مبسوطا ومعللا في كلام المؤلف في هذا الباب، فقول المؤلف " ويجوز عند سيبويه أن يكون أصل جيم فعلا - بضم الفاء - وفعلا - بكسرها -
خلافا للاخفش " معناه أنه يتعين على قول الاخفش أن تكون على فعل - بالكسر - إذ لو كانت فعلا - بالضم - لوجب عنده قلب الياء واوا، فكان يقال: جوم، وأما على مذهب سيبويه فيجوز أن تكون الكسرة أصلية، فهو فعل - بالكسر - ويجوز أن تكون الكسرة منقلبة عن ضمة فأصله فعل - بالضم - (1) الطومار: الصحيفة.
وانظر (ح 1 ص 198، 217) (2) أصل أوى وؤى - كقفل - ثم خفف بقلب همزته الساكنة واوا كما تخفف سؤلا: فصار وويا، فاجتمع واوان في أول الكلمة فوجب قلب أولاهما همزة.
(*)

ثم أولى، وعليه قراءة قالون (عاد لؤلى) (1) بالهمزة عند نقل حركة همزة أولى إلى لام التعريف، ورد المازنى على الخليل بأن الواو في مثله عارضة غير لازمة، إذ تخفيف الهمزة في مثله غير واجب، فقال: يجوز أوى وووى، لضمة الواو، لا لاجتماع الواوين، كما في وجوه وأجوه وإن كانت الثانية أصلية غير منقلبة عن شئ وجب قلب الاولى همزة: سواء كانت الثانية مدة كما في الاولى عند البصرية وأصله وولى، أو غير مدة كالاول عندهم.
وقول المصنف " إذا تحركت الثانية " هذا شرط لم يشترطه الفحول من النحاة كما رأيت من قول الخليل: أوى، في ووى، وقال الفارسى أيضا إذا اجتمع الواوان أبدلت الاولى منهما همزة كأويصل، ثم قال: ومن هذا قولهم الاولى في تأنيث الاول، ثم قال: وإن كانت الثانية غير لازمة لم يلزم إبدال الاولى منهما همزة كما في وورى، وقال سيبويه: إذا بنيت من وعد مثل كوكب قلت: أوعد، فقد رأيت كيف خالفوا قول المصنف، وبنى المصنف على مذهبه أن قلب الاولى في أوى (2)
__________
(1) أنظر (ح 2 ص 341) (2) أصل أوى - كفتى -: ووأى - ككوكب - من وأى يئى، ثم خفف بالقاء حركة الهمزة على الساكن قبلها وحذف الهمزة، فصار ووى - كفتى - وعند المصنف أن الواوين المجتمعتين في أول الكلمة إن كانت الثانية متحركة بحركة أصلية وجب قلب الاولى همزة، وإن كانت الثانية ساكنة أو متحركة بحركة عارضة جاز قلب الاولى همزة وجاز بقاؤها، فيجوز عنده على هذا أن تقول: ووى، وأن تقول: أوى، وذلك لان حركة الواو الثانية عارضة بسبب تخفيف الهمزة، وخالفه في ذلك المؤلف المحقق تبعا لمن ذكرهم من فحول النحاة، فأوجب قلب أولى الواوين المصدرتين همزة: سواء أكانت الثانية ساكنة أم متحركة بحركة أصلية أو عارضة بشرط ألا تكون الثانية مدة منقلبة عن حرف زائد، كما في وورى، فيقول في مثل كوكب من وأيت مخففا: أوى، لاغير (*)

- كما يجئ في مسائل التمرين - غير واجب، وأن واوا أولى قلبت همزة وجوبا، حملا للواحد على الجمع هذا، وإنما قلبت الواو المستثقلة همزة لاياء لفرط التقارب بين الواو والياء، والهمزة أبعد شيئا، فلو قلت ياء لكان كأن اجتماع الواوين المستثقل باق.
قوله " وجواز في نحو أجوه وأورى " كل واو مخففة غير ما ذكرنا مضمومة ضمة لازمة: سواء كانت في أول الكلمة كوجوه، ووعد، ووورى، أو في حشوها كأدؤر وأنؤر والنؤور (1) فقلبها همزة جائز جوازا مطردا لا ينكسر، وذلك لان الضمة بعض الواو، فكأنه اجتمع واوان، وكان قياس الواوين المجتمعين غير أول نحو طووى جواز قلب الاولى همزة، لكن لما كان ذلك الاجتماع بياء النسبة وهى عارضة كالعدم - كما تقرر في باب النسبة - صار الاجتماع كلا اجتماع.
هذا، وإن كان الضم على الواو للاعراب نحو هذه دلوك أو للساكنين نحو اخشوا القوم، لم تقلب همزة، لعروض الضمة، وإن كانت الواو المضمومة مشددة كالتقول لم تقلب أيضا همزة، لقوتها بالتشديد وصيرورتها كالحرف الصحيح قوله " وقال المازنى وفى نحو إشاح " يعنى أن المازنى يرى قلب الواو المكسورة المصدرة همزة قياسا أيضا، والاولى كونه سماعيا، نحو إشاح (2) وإعاء وإلدة (3) وإفادة (4) في ولدة ووفادة، وإنما جاء القلب في المكسورة
__________
(1) النؤور - كصبور -: دخان الشحم، والمرأة النفور من الريبة..أنظر (ح 1 ص 207) (2) الاشاح: الوشاح، وهو ما ينسج من أديم عريضا ويرصع بالجواهر تشده المرأة بين عاتقيها وكشحيها (3) الالدة - بالكسر -: هي الولدة، وهى جمع ولد، وظاهر عبارة القاموس أن الالدة لا إبدال فيها، لانه ذكرها في (أل د) وإن كان قد أعادها في (ول د) (4) الافادة: الوفادة، وهى مصدر قولهم: وفد عليه يفد وفودا ووفادة، (*)

أيضا لان الكسرة فيها ثقل أيضا، وإن كان أقل من ثقل الضمة، فاستثقل ذلك في أول الكلمة دون وسطها، نحو طويل وعويل (1)، لان الابتداء بالمستثقل أشنع وأما الواو المفتوحة المصدرة فليس قلبها همزة قياسا بالاتفاق، بل جاء ذلك في أحرف، نحو أناة (2) في وناة، وأجم في وجم (3)، وأحد في وحد، وأسماء في اسم امرأة فعلاء من الوسامة عند الاكثرين، وليس بجمع، لان التسمية بالصفة أكثر من التسمية بالجمع، وقال بعض النحاة: أصل أخذ وخذ، بدلالة اتخذ كاتصل (4)
__________
قال سيبويه (ج 2 ص 355): " ولكن ناسا كثيرا يجرون الواو إذا كانت مكسورة مجرى المضمومة فيهمزون الواو المكسورة إذا كانت أولا، كرهوا الكسرة فيها، كما استثقل في ييجل وسيد وأشباه ذلك، فيمن ذلك قولهم: إسادة، وإعاء، وسمعناهم ينشدون البيت لابن مقبل: إلا الا فادة فاستولت ركائبنا * عند الجبابير بالبأساء والنعم " اه (1) العويل: رفع الصوت بالبكاء، وانظر (ج 2 ص 176) (2) قال في اللسان: " امرأة وناة وأناة وأنية: حليمة بطيئة القيام، الهمزة فيه بدل من الواو.
وقال اللحيانى: هي التى فيها فتور عند القيام والقعود والمشى.
وفى التهذيب: فيها فتور لنعمتها " اه بتصرف (3) الوجوم: السكوت على غيظ، وقد وجم يجم وجما ووجوما، وقالوا: أجم، على البدل (4) يريد أن بعض النحاة لما رأى أن العرب تقول: اتخذ بمعنى أخذ، والمقرر عندهم أن الهمزة لا تقلب تاء، ولذلك خطأوا المحدثين في روايتهم " أمرنى رسول الله أن أتزر " تحلل من ذلك بأن ذكر أن أخذ أصله وخذ، فاتخذ ليس من المقلوب عن الهمزة، ولكنه عن الواو، وهو رأى غير سديد، لان اتخذ يجوز أن يكون ثلاثيه المجرد تخذ بدليل قول الشاعر وهو جندب بن مرة الهذلى: تخذت غراز إثرهم دليلا * وفروا في الحجاز ليعجزوني (*)

ولم يأت في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة كما جاء ما أوله واو مضمومة إلا يسار لغة في يسار لليد اليسرى، ويقاظ جمع يقظان.
وربما فروا من اجتماع الواوين في أول الكلمة بقلب أولاهما تاء كما في توراة وتولج (1)، وهو قليل، كما يفر من واو واحدة في أول الكلمة بقلبها تاء نحو
تراث (2) وتقوى * قال " وتقلبان تاء في نحو اتعد واتسر، بخلاف ايتزر " أقول: اعلم أن التاء قريبة من الواو في المخرج، لكون التاء من أصول الثنايا، والواو من الشفتين، ويجمعهما (3) الهمس، فتقع التاء بدلا منها كثيرا،
__________
وإذا كانت محتملة لهذا الوجه وهو وجه لا شذوذ فيه سقط الاستدلال بها على ما ذكره، وقد قرئ قوله تعالى: (لو شئت لتخذت عليه أجرا) (1) التولج: كناس الوحش، والمكان الذى تلج فيه، وأصله وولج - بزنة كوثر - من الولوج (2) التراث: المال الموروث، وانظر (ج 1 ص 207 - 216) (3) مفاد كلام المؤلف أن الواو من الحروف المهموسة، وليس كذلك، لان حروف الهمس هي المجموعة في قولهم: حثه شخص فسكت، وليست الواو منها، بل هي من الحروف المجهورة، ولذلك علل غيره من النحاة بغير هذا التعليل، قال ابن يعيش (ح 10 ص 37): " ولما رأوا مصيرهم إلى تغيرها (يريد الواو) بتغير أحوال ما قبلها، قلبوها إلى التاء، لانها حرف جلد قوى لا يتغير بتغير أحوال ما قبله، وهو قريب المخرج من الواو، وفيه همس مناسب لين الواو " اه.
وقال أبو الحسن الاشمونى في شرحه للالفية عند قول ابن مالك ذو اللين فاتا في افتعال أبدلا * وشذ في ذى الهمز نحو ائتكلا: " أي إذا كان فاء الافتعال حرف لين: يعنى واوا أو ياء، وجب في اللغة الفصحى إبدالها تاء فيه وفى فروعه من الفعل واسمى الفاعل والمفعول لعسر النطق (*)

لكنه مع ذلك غير مطرد، إلا في باب افتعل، لما يجئ، نحو تراث وتجاه وتولج وتترى (1) من المواترة، والتلج (2) والتكأة (3) وتقوى من وقيت،
وتوراة (4) عند البصريين فوعلة من ورى الزند، كتولج، فان كتاب الله نور
__________
بحرف اللين الساكن مع التاء لما بينهما من مقاربة المخرج ومنافاة الوصف، لان حرف اللين من المجهور والتاء من المهموس " اه.
هذا على المصطلح عليه في معنى الهمس، ولعله يريد منه معنى أوسع من المعنى: الاصطلاحي كالذى ذكره صاحب اللسان عن شمر حيث قال: " قال شمر: الهمس من الصوت والكلام: مالا غرر له في الصدر، وهو ما همس في الفم " (1) قال في اللسان: " وجاءوا تترى، وتترى (الاول غير منون والثانى منون): أي متواترين، التاء مبدلة من الواو، قال ابن سيده: وليس هذا البدل قياسا، إنما هو في أشياء معلومة، ألا ترى أنك لا تقول في وزير: تزير، إنما تقيس على إبدال التاء من الواو في افتعل وما تصرف منها إذا كانت فاؤه واوا، فأن فاءه تقلب تاء وتدغم في تاء افتعل التى بعدها، وذلك نحو اتزن، وقوله تعالى: (ثم أرسلنا رسلنا تترى) من تتابع الاشياء وبينها فجوات وفترات، لان بين كل رسولين فترة، ومن العرب من ينونها فيجعل ألفها للالحاق بمنزلة أرطى ومعزى، ومنهم من لا يصرف، يجعل ألفا للتأنيث بمنزلة ألف سكرى وغضبى، قال الازهرى: قرأ أبو عمرو وابن كثير منونة، ووقفا بالالف، وقرأ سائر القراء تترى غير منونة " اه (2) التلج: فرخ العقاب، وهو مأخوذ من الولوج، فأصله ولج كصرد (3) التكأة - كتخمة -: العصا، وما يتكأ عليه، والرجل الكثير الاتكاء، وأصله وكأة، بدليل توكأت (4) اختلف النحويون في التوراة، فقال البصريون تاؤها بدل من الواو، وأصلها ووراة على وزن فوعلة، وذهبوا إلى أن اشتقاقها من ورى الزند، إذا أخرج النار، وذلك لان كتاب الله تعالى يهتدى به، والنار مصدر النور الذى
يهتدى به، ونصر هذا المذهب أبو على الفارسى، لان فوعلة في الكلام أكثر من تفعلة مثل الحوصلة والجوهرة والدوخلة والحوقلة، وهو مصدر قياسي لكل فعل على (*)

وعند الكوفيين هما تفعلة وتفعل، والاول أولى، لكون فوعل أكثر من تفعل والتاء أقل مناسبة للياء منها للواو، فلذلك قل إبدالها منها، وذلك في ثنتان وكلتا على قول (1) وإبدال التاء من الواو (في الاول) أكثر منه في غيره، نحو أحت وبنت، ولولا أداؤها لشئ من معنى التأنيث لم تبدل من الواو في الاخر، فلما كثر إبدال التاء من الواو في الاول واجتمع معه في نحو أو تعد واو تصل داع إلى قلبها مطلقا، صار قلبها تاء لازما مطردا، وذلك الداعي إلى مطلق القلب حصول التخالف في تصاريفه بالواو والياء لو لم يقلب، إذ كنت تقول: ايتصل، وفيما لم يسم فاعله أو تصل، وفى المضارع واسم الفاعل والمفعول يوتصل موتصل موتصل، وفى الامر ايتصل، فلما حصل هذا الداعي إلى مطلق قلبها إلى حرف جلد لا يتغير في الاحوال - وللواو
__________
مثال فوعل، والحمل على الكثير أولى، وذهب قوم منهم أبو العباس المبرد إلى أن توراة تفعلة - بكسر العين - وأصلها تورية مصدر ورى - بالتضعيف - ثم نقلت حركة الياء إلى ما قبلها ثم قلبت الياء ألفا على لغة طيئ الذين يقولون: باداة وناصاة وجاراة وتوصاة في بادية وناصية وجارية وتوصية، فصار توراة والاشتقاق عندهم كالاشتقاق عند الفريق الاول، إلا أن فعل هذا مضعف العين، وضعف النحاة هذا المذهب بأن تفعلة في الاسماء قليل، وأنت لو تدبرت ما ذكرناه لعلمت أن أبا العباس لم يحمله على القليل، إذ القليل إنما هو تفعلة من الاسماء، فأما المصادر فأكثر من أن يبلغها الحصر، وهذا الوزن قياس مطرد في مصدر فعل
المضعف العين المعتل اللام كالتزكية والتعزية والتوصية ومهموز اللام كالتجزئة والتهنئة، ويأتى قليلا في صحيح اللام نحو التقدمة، ومن القليل في الاسماء التدورة وهو المكان المستدير تحيط به الجبال والتتوبة وهى اسم بمعنى التوبة، ولولا ما فيه من قلب الياء ألفا اكتفاء بجزء العلة لكان مذهبا قويا (1) انظر في الكلام على هاتين الكلمتين (ج 1 ص 221) (*)

بانقلابها عهد قديم - كان انقلابها تاء ههنا أولى، ولا سيما (و) بعدها تاء الافتعال، وبانقلابها إليها يحصل التخفيف بالادغام فيها، والياء وإن كانت أبعد عن التاء (من الواو) وإبدالها منها أقل، كما ذكرنا، لكن شاركت الواو ههنا في لزوم التخالف لو لم تقلب، إذ كنت تقول ايتسر، وفى المبنى للمفعول أو تسر، وفى المضارع ييتسر، وفيما لم يسم فاعله يوتسر، وفى الفاعل والمفعول موتسر وموتسر، فأتبعت الياء الواو في وجوب القلب والادغام فقيل: اتسر، وأما افتعل من المهموز الفاء - نحو ائتزر وائتمن - فلا تقلب ياؤه تاء، لانه وإن وجب قلب همزته مع همزة الوصل المكسورة ياء، وحكم حروف العلاة المنقلبة عن الهمزة انقلابا واجبا حكم حروف العلة، لا حكم الهمزة، كما تبين في موضعه، لكن لما كانت همزة الوصل لا تلزم، إذ كنت تقول نحو " قال ائتزر " فترجع الهمزة إلى أصلها، روعى أصل الهمزة، وبعض البغاددة جوز قلب يائها تاء فقال: اتز واتسر، وقرئ شاذا (الذى اتمن أمانته) وبعض أهل الحجاز لا يلتفت إلى تخالف أبنية الفعل ياء وواوا، فيقول: ايتعد وايتسر، ويقول في المضارع: يا تعد ويا تسر، ولا يقول يوتعد وييتسر، استثقالا للواو والياء بين الياء المفتوحة والفتحة، كما في ياجل وياءس، واسم الفاعل موتعد وموتسر، والامر ايتعد وايتسر، هذا عندهم قياس مطرد
قال: " وتقلب الواو ياء إذا انكسر ما قبلها، والياء واو إذا انضم ما قبلها، نحو ميزان وميقات، وموقظ وموسر " أقول: اعلم أن الواو إذا كانت ساكنة غير مدغمة وقبلها كسرة، فلا بد من قلبها ياء، سواء كانت فاء كميقات أو عينا نحو قيل (1)، وأما إذا كانت
__________
(1) لا خلاف بين العلماء في أن أصل قيل قول - بضم القاف وكسر الواو، وقد اختلفوا في الطريق التى وصلت بها هذه الكلمة إلى ذلك، واستمع للمؤلف (*)

لاما فتقلب ياء وإن تحركت كالداعي، لان اللام محل التغيير، وإن كانت فاء متحركة مكسورا ما قبلها لم تقلب ياء، نحو إوزة، وأصله إوززة، وكذا العين نحو عوض، إلا أن تكون عين مصدر معل فعله، نحو قام قياما، أو عين جمع معل واحده كديم (1)، كما يجئ بعد، وإنما لم تقلب المتحركة التى ليست لاما ياء لكسرة ما قبلها لقوتها بالحركة، فلا تجذبها حركة ما قبلها إلى
__________
في شرح الكافية (ج 2 ص 251) حيث يقول: " في ما اعتل عينه من الماضي الثلاثي نحو قال وباع فيما بنى للمفعول منه ثلاث لغات: قيل وبيع باشباع كسرة الفاء - وهى أفصحها، وأصلهما قول وبيع استثقلت الكسرة على حرف العلة فحذفت عند المصنف ولم تنقل إلى ما قبلها، قال: لان النقل إنما يكون إلى الساكن دون المتحرك، فبقى قول وبيع - بياء ساكنة بعد الضمة - فبعضهم يقلب الياء واوا لضمة ما قبلها، فيقول قول ونوع، وهى أقل اللغات، والاولى قلب الضمة كسرة في اليائى فيبقى ببيع، لان تغيير الحركة أقل من تغيير الحرف، وأيضا لانه أخف من بوع، ثم حمل " قول " عليه لانه معتل عين مثله، فكسرت فاؤه، فانقلبت الواو الساكنة ياء.
وعند الجزولى استثقلت الكسرة على الواو والياء فنقلت إلى ما قبلهما، لان الكسرة أخف من حركة ما قبلهما، وقصدهم التخفيف ما أمكن، فيجوز على
هذا نقل حركة إلى متحرك بعد حذف حركته إذا كانت حركة المنقول أخف من حركة المنقول إليه، فبقى قول وبيع، فقلبت الواو الساكنة ياء كما في ميزان، قال: وبعضهم يسكن العين ولا ينقل الكسرة إلى ما قبلها، فيبقى الواو على حالها، ويقلب الياء واوا، لضمة ما قبلها، وهذه أقلها، لثقل الضمة والواو، والاولى أولى، لخفة الكسرة والياء، وقول الجزولى أقرب، لان إعلال الكلمة بالنظر إلى نفسها أولى من حملها في العلة على غيرها، والمصنف إنما اختار حذف الكسرة لاستبعاد نقل الحركة إلى متحرك، ولا بعد فيه على ما بينا " اه (1) الديم: جمع ديمة - ككسرة وكسر - وهى المطر الدائم في سكون ليس فيه رعد ولا برق.
انظر (ح 2 ص 104) (*)

ناحيتها، مع كونها في غير موضع التغيير، وكذا إذا كانت مدغمة، نحو اجلوذا (1)، لانها إذن قوية فصارت كالحرف الصحيح، وقد تقلب المدغمة ياء، نحو اجليواذ، وديوان، كما تقلب الحروف الصحيحة المدغمة ياء،، نحو دينار قوله " والياء واوا إذا انضم ما قبلها " إذا انضم ما قبل الياء فان كانت ساكنة متوسطة فلا يخلو: إما أن تكون قريبة من الطرف، أو بعيدة منه.
فان كانت بعيدة منه بأن يكون بعدها حرفان قلبت الياء واوا، سواء كانت زائدة كما في بوطر (2) أو أصلية كما في كولل، على وزن سودد من الكيل، وكذا فعلل يفعلل منه، نحوكولل يكيلل، وسواء كانت الياء فاء كموقن وأوقن، أو عينا نحو كولل، إلا في فعلى صفة نحو كيصى (3) وضيزى (4) وفى فعلان جمعا نحو بيضان، كما يجئ حكمهما، ولا تقلب الضمة لاجل الياء كسرة، وذلك لان الياء بعيدة من الطرف، فلا يطلب التخفيف بتبقيتها بحالها،
بل تقلب واوا إبقاء على الضمة، إذ الحركات إذا غيرت تغير الوزن، وبإبدال
__________
(1) الاجلواذ: مصدر اجلوذ الليل، إذا ذهب، واجلوذ بهم السير، إذا دام مع السرعة فيه.
انظر (ح 1 ص 55 و 118) (2) بوطر: مبنى للمجهول، ومعلومه بيطرت الدابة، والياء فيه زائدة للالحاق بدحرج، والبيطرة: معالجة الدواب، وانظر (ح 1 ص 3) (3) يقال: رجل كيصى، إذا كان ينزل وحده ويأكل وحده، وأصله كيصى - بالضم - قلبت الضمة كسرة لتسلم الياء، وإنما قلنا: أصله الضم، لان فعلى - بالكسر - لا يكون وصفا، وفعلى - بالضم - كثير في الصفات (4) يقال: ضاز في الحكم، إذا جار، وضازه حقه يضيزه ضيزا، إذا نقصه وبخسه، وقسمة ضيزى: أي جائرة، وأصلها ضيزى - بالضم - أبدلت الضمة كسرة لما قلنا في كيصى (*)

الحرف لا يتغير، والابقاء على الوزن أولى إذا لم يعارض ذلك موجب لابقاء الياء على حالها مثل قربها من الطرف الذى هو محل التخفيف، كما في بيض، وإذا كانت الضم التى قبلها من كلمة والياء الساكنة من كلمة أخرى، نحو يا زيد أوأس، قال سيبويه: يقول بعض العرب: يا زيد ايأس، بالياء، تشبيها بقيل مشما، واستضعفه سيبويه، وقال: يلزم أن يقال: يا غلام اوجل، بالواو، مع كسرة ما قبلها، ولهم أن يفرقوا باستثقال الواو في أول الكلمة مع كسرة ما قبلها، بخلاف الياء المضموم ما قبلها، إذ ثبت له نظير نحو قيل، وإن كانت قريبة من الطرف بأن يكون بعدها حرف، فإن كان جمع أفعل كبيض وجب قلب الضمة كسرة إجماعا، لاستثقالهم الجمع مع قرب الواو من الطرف الذى هو محل التخفيف، وحمل فعلان عليه، لكونه بمعناه، مع أن
فعلا أكثر كبيض وبيضان، وجعل ياء فعلى صفة كحيكى (1) وضيزى كالقريبة من الطرف، لخفة الالف مع قصد الفرق بين فعلى اسما وبينها صفة والصفة أثقل والتخفيف بها أولى، فقيل طوبى في الاسم وضيزى في الصفة، وأما بيع فأصله بيع، حذفت كسرته ثم قلبت الضمة كسرة، وبعضهم يقول بوع بتغيير الحرف دون الحركة حملا على قول، وإن لم تكن القريبة من الطرف شيئا من هذه الاشياء كفعل من البيع وتفعل منه فقد يجئ الخلاف فيها، وإن كانت الياء المضموم ما قبلها لاما فإنه يكسر الضم نحو الترامي، وإن كانت متحركة أيضا، ولا تقلب واوا، لان آخر الكلمة ينبغى أن يكون خفيفا، حتى لو كان واوا قبلها ضمة قلبت ياء والضمة كسرة كالتغازى
__________
(1) يقال: امرأة حيكى، إذا كان في مشيها تبختر واختيال، قال سيبويه: " أصلها حيكى فكرهت الياء بعد الضمة، وكسرت الحاء لتسلم الياء، والدليل على أنها فعلى أن فعلى (بكسر الفاء) لا تكون صفة البتة " اه (*)

وإن كانت الياء المضموم ما قبلها خفيفة متحركة، فإن كانت فاء أو عينا سلمت: سواء كانت مفتوحة كميسر وهيام (1) وعيبة (2) أو مضمومة نحو تيسر وعين في جمع عيان (3) وبيض في جمع بيوض (4) كما ذكرنا في باب الجمع، وإن كانت لاما كسرت الضمة كما ذكرنا، لان الاخر محل التخفيف وإن كانت الياء المضموم ما قبلها مشددة سلمت نحو سيل (5) وميل (6) وإن كانت أخيرا: فإن كانت الكلمة على فعل كلى في جمع الوى (7) جاز إبقاء الضمة وجعلها كسرة، وإن لم يكن كذلك وجب قلب الضمة كسرة، لثقل الكلمة مع قرب الضمة من الاخر نحو سلى قال: " وتحذف الواو من (نحو) يعد ويلد، لوقوعها بين ياء وكسرة
أصلية، ومن ثم لم يبن مثل وددت - بالفتح - لما يلزم من إعلالين في يد، وحمل أخواته نحو تعد ونعد وأعد وصيغة أمره عليه، ولذلك حملت فتحة يسع ويضع على العروض، ويوجل على الاصل، وشبهتا
__________
(1) الهيام - كغراب -: أن يصير العاشق هائما متحيرا كالمجنون (2) يقال: رجل عيبة - كهمزة - إذا كان كثير العيب للناس (3) العيان - ككتاب -: حديدة تكون في متاع الفدان وجمعها عين - ككتب - وقد تسكن العين تخفيفا، كما قالوا في رسل: رسل، انظر (ح 2 ص 127) (4) تقول: دجاجة بيوض وبياضة، إذا كانت كثيرة البيض، ودجاجات بيض - بضمتين - انظر (ح 2 ص 128) (5) سيل: جمع سائل اسم فاعل من سال الماء يسيل (6) ميل: جمع مائل اسم فاعل من مال يميل إذا عدل عن الشئ وانحرف (7) يقال: قرن ألوى، إذا كان ملتويا معوجا، والالوى أيضا: الشديد من الرجال وغيرهم، قال امرؤ القيس: ألا رب خصم فيك ألوى رددته * نصيح على تعذاله غير مؤتل (*)

بالتجاري والتحارب، بخلاف الياء في نحو ييسر وييئس، وقد جاء يئس، وجاء ياءس كما جاء يا تعد، وعليه جاء موتعد وموتسر في لغة الشافعي، وشذ في مضارع وجل ييجل وياجل وييجل، وتحذف الواو من نحو العدة والمقة، ونحو وجهة قليل " أقول: اعلم أن الفعل فرع على الاسم في اللفظ كما في المعنى، لانه يحصل بسبب تغيير حركات حروف المصدر، فالمصدر كالمادة والفعل كالمركب من الصورة
والمادة، وكذا اسم الفاعل والمفعول والموضع والالة، وجميع ما هو مشتق من المصدر، وعادتهم جارية بتخفيف الفروع كما ظهر لك فيما لا ينصرف، لانها لاحتياجها إلى الاصول فيها ثقل معنوى، فخففوا ألفاظها تنبيها عليه، وفى الفعل ثقل من وجه آخر وهو أن ثلاثيه - وهو أكثره - لا يجئ ساكن العين، وأنه يجر عيالا كالفاعل ضرورة، والمفعول والحال والتمييز كثيرا، وأيضا يتصل بآخر الفعل كثيرا ما يكون الفعل معه كالكلمة الواحدة - أعنى الضمائر المتصلة المرفوعة - والمضارع فرع الماضي بزيادة حرف المضارعة عليه، فلذا يتبع الماضي في الاعلال كما سنبين، والامر فرع المضارع، لانه أخذ منه على ما تقدم، فعلى هذا صار الفعل أصلا في باب الاعلال، لكونه فرعا ولثقله، ثم تبعه المصدر الذى هو أصله في الاشتقاق كالعدة والاقامة والاستقامة والقيام، وسائر الاسماء المتصلة بالفعل كاسم الفاعل والمفعول والموضع كقائم ومقيم ومقام على ما سيتبين بعد، وخفف المضارع لادنى ثقل فيه، وذلك كوقوع الواو فيه بين ياء مفتوحة وكسرة: ظاهرة كما في يعد، أو مقدرة كما في يضع ويسع، فحذف الواو لمجامعتها للياء على وجه لم يمكن معه إدغام إحداهما في الاخرى كما أمكن في طى، ولا سيما مع كون الكسرة بعد الواو، والكسرة بعض الياء، ومع كون حركة ما قبل الواو غير موافقة له كما وافقت في يوعد مضارع أوعد، وإنما حذفت الواو دون الياء لكونها أثقلهما، مع أن الياء علامة المضارعة، وأن

الثقل حصل من الواو، لكونها الثانية ثم تحذف الواو مع سائر حروف المضارعة من تعد وأعد ونعد، طردا للباب، والامر مأخوذ من المضارع المحذوف الواو نحو تعد، ولو أخذناه أيضا من توعد الذى هو الاصل لحذفناها أيضا، لكونه فرعه.
وأما المصدر فلما كان أصل الفعل في الاشتقاق لم يجب إعلاله باعلال
الفعل، إلا إذا كان جزء مقتضى الاعلال فيه ثابتا كالكسرة في قيام، أو كان مناسبا للفعل في الزيادة المصدرة كإقامة واستقامة، فلهذا جاز حذف الواو من مصدر يعد وإثباتها نحو عدة ووعد: إذ ليس فيه شئ من علة الحذف ولا المناسبة المذكورة، وإذا حذفت منه شيئا بالاعلال لم تذهل عن المحذوف رأسا، بل تعوض منه هاء التأنيث في الاخر كما في عدة واستقامة، وذلك لان الاعلال فيه ليس على الاصل، إذ هو إتباع الاصل للفرع، وإنما كسر العين في عدة وأصله وعد لان الساكن إذا حرك فالاصل الكسر، وأيضا ليكون كعين الفعل الذى أجرى هو مجراه (1)، فلهذا لم يجتلب همزة الوصل بعد حذف الفاء، وإذا فتحت العين في المضارع لحرف الحلق جاز أن يفتح في المصدر أيضا، نحو يسع سعة، وجاز في بعضها أن لا يفتح نحو يهب هبة، وقولهم في الصلة صلة بالضم شاذ، وقد يجرى مصدر فعل يفعل - بضم عينهما - إذا كان اللام حلقيا مجرى مصدر يسع، نحو ودع (2)
__________
(1) هذا الذى ذهب إليه المؤلف غير ما ذهب إليه أكثر النحويين، فانهم ذكروا أن أصل عدة وعد - بكسر الواو - فحذفت الواو ونقلت كسرتا إلى الساكن بعدها، وعوضت منها التاء، يدل على هذا أنهم قالوا: وتره وترا ووترة - بكسر الواو - حكاه أبو على في أماليه.
قال الجرمى: ومن العرب من يخرجه على الاصل فيقول: وعدة ووثبة أي بالكسر (2) يقال: ودع الرجل، إذا سكن واستقر ولان خلقه، فهو وادع ووديع (*)

يودع دعة، ووطؤ (1) يوطؤ طئة وطأة، وذلك للتنبيه على أن حق واو مضارعه أن تكون محذوفة، لاستثقال وقوعها بين ياء مفتوحة وضمة، ولكنها لم تحذف تطبيقا للفظ بالمعنى، إذ معنى فعل للطبائع اللازمة المستمرة على حال، وكذا كان حق عين مضارعة أن تكون مفتوحة، لكون اللام حلقية، وقولهم لدة
أصله المصدر (2)، جعل اسما للمولود: كقولهم ضرب الامير: أي مضروبه، وأما الجهة (3) والرقة (4) فشاذان، لانهما ليسا بمصدرين، فليس تأوهما بدلا من الواو، وإنما لم يحذف الواو في نحو يوعيد على مثال (5) يقطين من الوعد لضعف
__________
(1) وطؤ - بالضم -: سهل ولان، فهو وطئ (2) يقال: فلان لدة فلان، إذا كان مثله في السن، قال الشاعر: لم تلتفت للداتها * ومضت على غلوائها ومن العلماء من نظر إلى عارض الاستعمال في لدة فحكم بأن حذف الواو منها شاذ، لانها ليست مصدرا (3) اعلم أنهم قد قالوا: جهة - بالحذف - وقالوا أيضا: وجهة - بالاثبات - وعلى الثاني جاء قوله تعالى (ولكل وجهة هو موليها) ومن العلماء من ذهب إلى أن المحذوف واوه مصدر والثابت واوه اسم للمكان الذى يتوجه إليه، وعلى هذا فلا شذوذ في واحد منهما، ومنهم من ذهب إلى أنهما جميعا مصدران، وعليه فالمحذوف واوه قياس والثابت واوه شاذ، ومنهم من ذهب إلى أنهما جميعا اسمان للمكان الذى تتجه إليه، وعلى ذلك يكون المحذوف الواو شاذا والثابت الواو قياسا، ومنهم من ذهب إلى أن الجهة اسم للمكان الذى تتجه إليه والوجهة مصدر، فهما شاذان، والذى هون شذوذ وجهة على هذا أنه مصدر غير جار على فعله، إذ المسموع توجه - كتقدس، واتجه - كاتصل، ولم يسمع وجه يجه - كوعد يعد - فلما لم يوجد مضارع محذوف الفاء سهل عليهم إثباتها في المصدر (4) الرقة: اسم للفضة، ويقال: اسم للنقد: ذهبا كان أو فضة، وجمعه رقون (5) اليقطين: كل نبات انبسط على وجه الارض نحو الدباء والقرع والبطيخ والحنظل، ويخصه بعضهم بالقرع في قوله تعالى (وأنبتنا عليه شجرة من يقطين) (*)

علة الحذف، وحذفها في الفعل نحو إنما كان لكونه الاصل في باب الاعلال كما مر، وحذف في يذر حملا على يدع، لكونه بمعناه، ويدع مثل يسع لكنه أميت (1) ماضيه، ويجد بالضم عند بنى عامر (2) شاذ، وحذف الواو منه: إما لان أصله يجد - بالكسر - أو لاستثقال الواو بين الياء المفتوحة والضمة في غير باب فعل يفعل - بضم العين فيهما - وإنما حذفت من يضع مضارع وضع - بفتح العين - لكونه مكسور العين في الاصل، إذ جميع باب فعل يفعل بفتح العين فيهما: إما فعل يفعل - بضم عين المضارع - أو فعل يفعل - بكسر عينه - كما ذكرنا في أول الكتاب، ومضارع فعل من المثال الواوى لا يجئ مضموم العين كما مر هناك، فتبين أنه كان يفعل بالكسر، وأما وسع يسع ووطئ يطأ فقد تبين لنا بحذف الواو أن عينهما كان مكسورا ففتح، لحرف الحلق كما مر، ولا ثالث لهذين اللفظين، ففتح نحو يؤجل أصل، بدليل بقاء الواو، وإذا وقع الياء في المضارع بين ياء مفتوحة وكسرة لم تحذف كالواو، لان اجتماع الياءين ليس في الثقل كاجتماع الواو والياء وحكى سيبويه حذف الياء في لفظين يسر البعير يسره (3) - من اليسر - ويئس يئس، وهما شاذان، وبعضهم يقلب الواو الواقعة بين الياء المفتوحة والفتحة ألفا، لان فيه ثقلا، لكن ليس بحيث يحذف الواو له، فيقول
__________
(1) قد أثبتنا ورود الماضي تبعا للمؤلف فارجع إلى ذلك (ح 1 ص 130) (2) قد بينا القول في ذلك بيانا شافيا، وذكرنا خلاف العلماء في هذا الكلام أهو خاص بيجد أم أن بنى عامر يضمون العين في كل مثال واوى فارجع إلى ذلك التفصيل في (ح 1 ص 133) (3) قد بحثنا طويلا عن استعمال هذا الفعل محذوف الفاء في المضارع متعديا فلم نعثر على نص يفيد ذلك، وكل ما عثرنا عليه هو قولهم: يسر الرجل يسر
- كوعد يعد - فهو ياسر، إذا لعب الميسر (*)

في يوجل: ياجل، وبعضهم يقلبها ياء، لان الياء أخف من الواو، وبعضهم يستشنع قلب الواو ياء لا لعلة ظاهرة، فيكسر ياء المضارع ليكون انقلاب الواو ياء لوقوعها بعد كسرة، وليس الكسر فيه كالكسر في نعلم وتعلم، لان من كسر ذلك لا يكسر الياء، فلا يقول: يعلم وظاهر كلام السيرافى وأبى على يدل على أن قلب واو نحو يوجل ألفا أو ياء قياس، وإن قل، قال السيرافى: يقلبون الواو ألفا في نحو يوجل ويوحل وما أشبه ذلك، فيقولون: يا جل وياحل، وقال أبو على: أما فعل يفعل نحو وجل يوجل ووحل يوحل ففيه أربع لغات، وهذا خلاف ظاهر قول المصنف - أعنى قوله " وشذ في مضارع وجل كذا وكذا " - فإنه مفيد خصوصية الوجوه المذكورة بهذا اللفظ.
وبعضهم يقلب الياء الواقعة في المضارع بين الياء المفتوحة والفتحة ألفا نحو يابس وياءس، حملا للياء على الواو، كما حملت في اتسر من اليسر، على ما مر، ولا يكون ذلك إلا في المفتوح العين، كما أن نحو يا حل وياجل كان فيه، قال سيبويه: وليس ذلك بمطرد، ولا يكسر الياء ههنا كما كسرت في ييجل، لان ذلك في الواو لقصد عروض علة قلب الواو ياء، كما مر قوله " وكسرة أصلية " ليشمل نحو يعد ويقع، فان أصله يوقع، قال الكوفيون: إنما حذف الواو في يعد فرقا بين المتعدى واللازم، وذلك لانك تقول في اللازم: يوجل ويوحل، من غير حذف، وليس ما قالوا بشئ، إذ لو كان كذلك لم يحذف من وحد يحد (1) ووجد: أي حزن - يجد، وونم (2) الذباب ينم، ووكف البيت يكف.
__________
(1) تقول: وحدت الشئ وحدا، وأوحدته، إذا أفردته، وتقول: وحد الشئ يحد حدة، إذا بان من غيره، فهو متعد ولازم (2) تقول: ونم الذباب ينم ونيما، إذا خرئ، فونيم الذباب خرؤه.
قال الفرزدق: لقد ونم الذباب عليه حتى * كأن ونيمة نقط المداد (*)

قوله " ومن ثم لم يبن مثل وددت " يعنى ومن جهة وجوب حذف الواو الواقعة بين الياء المفتوحة والكسرة الاصلية لم يبن فعل - بفتح العين - من المضاعف المعتل فاؤه بالواو، إذ كان يلزم إذن أن يكون مضارعة مكسور العين كما ذكرنا في أول الكتاب، من أن مضارع فعل مفتوح العين إذا كان مثالا واويا يفعل بالكسر لا غير، فكان يجب إذن حذف الواو والادغام، فكان يجتمع إعلالان في كلمة واحدة.
وقولهم لا يجمع بين إعلالين في كلمة واحدة فيه نظر، لانهم يجمعون بين أكثر من إعلالين في كلمة، وذلك نحو قولهم من أويت مثل إجرد (1) إى (2)، وذلك ثلاث إعلالات، كما يتبين في مسائل التمرين، وكذا في قولهم إياة (3) - مثل إوزة - من أويت، وفى قولهم: إيئاة (4) - مثل إوزة - من وأيت جمع بين إعلالين، وكذا قولهم: حيى على (5) فيعل من حويت، وغير ذلك مما يكثر
__________
(1) الاجرد نبت يدل على الكمأة، انظر (ح 1 ص 59) (2) أصل " إى " إئوى، قلبت الهمزة الثانية ياء لسكونها إثر همزة مكسورة كما في إيمان، فصار " إيوى " فهذا إعلال، ثم قلبت الواو ياء، لاجتماعها مع الياء وسبق أولاهما بالسكون، ثم أدغمت الياء في الياء فصار " إيى " وهذا إعلال ثان، فلما اجتمع ثلاث ياءات فاما أن تحذف الثالثة نسيا كما قالوا في تصغير على ونحوه، وإما أن تعلها إعلال قاض، وهذا إعلال ثالث، فان جعلت الادغام إعلالا
مستقلا كان في الكلمة أربع إعلالات (3) أصل " إياة " إئوية، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقلبت الهمزة ياء لسكونها بعد همزة مكسورة، فصار " إيواة " ثم قلبت الواو ياء لاجتماعهما مع الياء وسبق إحداهما بالسكون، وأدغمت الياء في الياء فصار إياة (4) أصل " إيئاة " أو أية، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقلبت الواو ياء لسكونها إثر كسرة فصار " إيئاة " (5) أصل " حيى " حيوى - كدحرج - قلبت الياء الفا لتحركها وانفتاح (*)

تعداده، ولعلهم قالوا ذلك في الثلاثي من الاسم والفعل، لانه لخفته لا يحتمل إعلالا كثيرا، على أنهم أعلوا نحو ماء (1) وشاء باعلالين، لكنه قليل، واضطرب في هذا المقام كلامهم، فقال السيرافى: الاعلال الذى منعنا من جمعه في العين واللام هو أن يسكن العين واللام جميعا من جهة الاعلال، وقال أبو على: المكروه منه أن يكون الاعلالان على التوالى، أما إذا لم يكن كذلك كما تقول في ايمن الله: من الله، بحذف الفاء، ثم تقول بعد استعمالك من الله كثيرا: م الله، فليس ذلك بمكروه.
ومثل ما منع المصنف من الاعلالين في يد لا يتجنبون منه، ألا ترى أنك تقول في أفعل منك من الام: هو أوام أو أيم، على المذهبين (2) تقلب الفاء وتدغم العين وهما إعلالان، وكذا في أيمة قلبوا وأدغموا، وأما نحو قه وشه فليس فيهما إلا إعلال واحد، لانه مأخوذ من تقى وتشى، فحذفت اللام للوقف قوله " ولذلك حمل " يعنى لان الواو تحذف بين الياء والكسرة قوله " بخلاف الياء نحو ييسر " أي: بخلاف الياء الواقعة بين الياء المفتوحة والكسرة الاصلية أو الفتحة
قوله " وقد جاء يئس " أي: بحذف الياء بين الياء المفتوحة والكسرة
__________
ما قبلها، وقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون، وأدغمت الياء في الياء فصار " حيى " (1) انظر (ح 1 ص 213) و (ح 2 ص 56 وما بعدها) (2) أصل " أوم " أو " أيم " أأمم - كأحمد - نقلت حركة أول المثلين إلى الساكن قبلهما، ثم أدغم المثلان فصار أأم، فاجتمع همزتان متحركتان ثانيتهما مفتوحة، فسيبويه والجمهور يقلبون الثانية واوا اعتبارا بنحو أوادم، والمازني يقلب الثانية ياء نظرا إلى أن الياء أخف من الواو، وليس له من مستند من مستعمل كلام العرب، وهذان هما المذهبان اللذان يعنيهما المؤلف (*)

قال: " العين تقلبان ألفا إذا تحركتا مفتوحا ما قبلهما أو في حكمه، في اسم ثلاثى، أو فعل ثلاثى، أو محمول عليه، أو اسم محمول عليهما، نحو باب وناب وقام وباع وأقام وأباع واستقام، واستبان، واستكان منه، خلافا للاكثر، لبعد الزيادة ولقولهم استكانة، ونحو الاقامة والاستقامة، ومقام ومقام، بخلاف قول وبيع، وطائى وياجل شاذ، وبخلاف قاول وبايع وقوم وبيع وتقوم وتبيع وتقاول وتبايع، ونحو القود والصيد وأخيلت وأغيلت وأغيمت شاذ " أقول: اعلم أن علة قلب الواو والياء المتحركتين المفتوح ما قبلهما ألفا ليست في غاية المتانة، لانهما قلبتا ألفا للاستثقال، على ما يجئ، والواو والياء إذا انفتح ما قبلهما خف ثقلهما، وإن كانتا أيضا متحركتين، والفتحة لا تقتضي مجئ الالف بعدها اقتضاء الضمة للواو والكسرة للياء، ألا ترى إلى كثرة نحو قول وبيع، وعدم نحو قيل وبيع، بضم الفاء، وقول وبوع بكسرها، لكنهما قلبتا ألفا - مع هذا -
لانهما وإن كانتا أخف من سائر الحروف الصحيحة لكن كثرة دوران حروف العلة، وهما أثقلها، جوزت قلبهما إلى ما هو أخف منهما من حروف العلة: أي الالف، ولا سيما مع تثاقلهما بالحركة وتهيؤ سبب تخفيفهما بقلبهما ألفا، وذلك بانفتاح ما قبلهما، لكون الفتحة مناسبة للالف، ولوهن هذه العلة لم تقلبا ألفا إلا إذا كانا في الطرف: أي لامين، أو قريبين منه: أي عينين، ولم يقلبا فاءين نحو أود وأيل، وإن كانت الحركة لازمة بعد العروض، لان التخفيف بالاخر أولى، ولو هنها تقف عن التأثير لادنى عارض، كما يكون هناك حرف آخر هو أولى بالقلب، لكن لم يقلب لاختلال بعض شروط إعلاله، فلا يقلب إذن الحرف الذى ثبت علة قلبه لعدم قلب ما هو أولى منه بالقلب لولا اختلال شرطه، وذلك نحو طوى

وحيى، كان اللام أولى بالقلب لو انفتح ما قبلها كما في روى ونوى، فلما انكسر ما قبلها لم تعل، فلم تقلب العين ألفا أيضا، وإن اجتمع شرائط قلبها.
فإذا تقرر ضعف هذه العلة قلنا: الاصل في تأثير هذه العلة أن يكون في الفعل، لما ذكرنا من ثقله، فتليق به الخفة أكثر، أو يكون في آخر الكلمة: إما لفظا كربا، أو تقديرا كغزاة، وذلك بأن يكون بعد الاخير حرف أصله عدم اللزوم: اسما كانت الكلمة، أولا، لان الكلمة تتثاقل إذا انتهت إلى الاخير، فتليق به الخفة، وإن كانت علتها ضعيفة.
فنقول: الفعل في هذا الاعلال على ضربين: أصل، ومحمول عليه، والاصل ما يتحرك واوه أو ياؤه وينفتح ما قبلهما، نحو قول وبيع وغزو ورمى والمحمول عليه ما ينفتح الواو والياء فيه بعد حرف كان مفتوحا في الماضي الثلاثي، وذلك: إما في المضارع، المبنى للفاعل كيخاف ويهاب، أو المبنى للمفعول
كيخاف ويهاب ويقال ويباع، أو الماضي مما بنى من ذى الزيادة: أفعل نحو أقام وأبان، واستفعل نحو استقام واستبان، أو ما بنى للمفعول من مضارعهما، نحو يقام ويستبان، وشذ أعول (1) وأغيلت المرأة واستحوذ (2) وأجود (3)
__________
(1) يقال: أعول الرجل والمرأة وأعيلا، إذا كثرت عيالهما، ويقال: أعول أيضا، إذا رفع صوته بالبكاء.
(2) استحوذ: غلب واستولى، قال تعالى: (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله).
ويقال: استحاذ أيضا على ما يقتضيه القياس.
كما ورد في اللسان وقد ذكر عن ابن جنى مثل ما ذكره المؤلف عن سيبويه، وهو من الحوذ، وهو السوق في الاصل.
(3) يقال: أجود الفرس في العدو، بمعنى أجاد فيه، ويقال أجود الشئ، وأجاده إذا جعله جيدا، ويقال: أجاد الرجل وأجود، إذا صار ذا جواد.
(*)

وأطول (1) واستروح: أي شم الريح، وأطيب (2) وأخيلت السماء وأغيمت (3)، وأبو زيد جوز تصحيح باب الافعال والاستفعال مطلقا قياسا، إذا لم يكن لهما فعل ثلاثى، قال سيبويه: سمعنا جميع الشواذ جميع الشواذ المذكورة معلة أيضا على القياس، إلا استحوذ واستروح الريح وأغيلت، قال: ولا منع من من إعلالها، وإن لم يسمع، لان الاعلال هو الكثير المطرد، وإنما لم تعل هذه الافعال دلالة على أن الاعلال في مثلها غير أصل، بل هو للحمل على ما أعل، وإنما لم يحمل باب فعل التعجب على الثلاثي، نحو ما أقومه وما أبيعه، لكونه بعدم التصرف لاحقا بأفعل الاسمى كأبيض وأسود، أو لجريه مجرى أفعل التفضيل لمشابهته له معنى، وإنما لم يحمل باب قاول وتقاول وبايع وتبايع وقوم وتقوم وبين وتبين على الثلاثي كما حمل أقوم وأبين
واستقوم واستبين عليه لانا شرطنا كون الساكن الذى قبل الواو والياء المتحركتين منفتحا في الماضي الثلاثي فان قلت: أليس قد أعللت اسم الفاعل في قائل وبائع بقلب الواو والياء ألفا، مع أن ما قبل الواو والياء ألف، ومع أنه في الاسم الذى إعلاله على خلاف الاصل، والاول في الفعل
__________
(1) تقول: أطول وأطال بمعنى، قال عمر بن أبى ربيعة: صددت فأطولت الصدود وقلما * وصال على طول الصدود يدوم (2) يقال: أطيب الشئ، إذا وجده طيبا، ويقال: أطاب أيضا بمعناه، وكذا استطيبه واستطابه وطيبه.
(3) يقال: أغيمت السماء، إذا صارت ذات غيم، وأغامت كذلك، وغامت وتغيمت وغيمت بمعناه، ويقال: أغيم القوم، إذا أصابهم غيم، وأخيلت السماء: تهيأت للمطر، وذلك إذا أرعدت وأبرقت، وهذا معنى قول المؤلف فيما سيأتي " إذا صارت خليقة بالمطر " (*)

قلت: هو كذلك، إلا أن قائلا وبائعا بمعنى الثلاثي، ويعمل عمله، وهو من بابه، بخلاف قاول وبايع.
فان قلت: فأقوم واستقوم من باب آخر غير الثلاثي قلت: بلى، إلا أن ما قبل حرف العلة هو الذى كان مفتوحا في الثلاثي، فالمقصود أن الفرع إذا كان من غير باب الاصل يحتاج في الاعلال إلى كون الساكن قبل حرف العلة هو الحرف المفتوح في الاصل قبلها، وإن كان الفرع من باب الاصل أعل، وإن لم يكن الساكن ذاك المفتوح، بشرط أن يكون الساكن ألفا لفرط خفته
وأما إعلال قوم وبين وتقوم وتبين فأبعد من إعلال تقاول وتبايع وقاول وبايع، لان إدغام العين في البابين واجب وإنما لم يعمل نحو عور وحول لان الاصل في الالوان والعيوب الظاهرة باب افعل وافعال، كما ذكرنا في صدر الكتاب، فالثلاثي - وإن كان أصلا لذوات الزيادة في اللفظ - لكن لما كان هذا البابان أصلين في المعنى عكس الامر، فأجرى الثلاثي مجرى ذى الزيادة في التصحيح تنبيها على أصالته في المعنى المذكور.
ولم يعل (1) في اسود واعور واصيد (2) لان إعلال نحو أقوم واستقوم
__________
(1) ظاهر هذا الكلام يفيد الدور، فانه جعل علة تصحيح الثلاثي نحو عور كونه فرعا في المعنى عن المزيد فيه نحو اعور، فإذا جعل علة تصحيح المزيد فيه كون ثلاثيه غير معل فقد جعل كل واحد منهما معللا بالاخر، اللهم إلا أن يقال: إن المزيد فيه في هذا المعنى هو الموضوع أولا فهو حين الوضع ليس له ثلاثى ألبتة، فضلا عن أن يكون له ثلاثى معل، وشرط إعلال المزيد فيه وجود ثلاثى معل له، فلما أريد وضع الثلاثي بعد ذلك وكان معناه متحدا مع المزيد فيه حمل عليه في التصحيح.
(2) يقال: اصيد الرجل - كاحمر -، إذا لوى عنقه من كبر، وأصله من (*)

مع كونه خلاف الاصل إنما كان حملا على الثلاثي المعل، ولا ثلاثى معلا ههنا، كما بينا، ومثله في إتباع لفظ لفظا آخر في التصحيح تنبيها على كونه تابعا له في معناه قولهم: اجتوروا واعتوروا (1) واعتونوا، بمعنى تجاوروا وتعاوروا وتعاونوا، وإن لم يقصد في افتعل معنى تفاعل أعللته، نحو ارتاد (2) واختان (3) ولما لم يعل عور وحول لما ذكرنا لم يعل فرعاه أيضا نحو أعور واستعور، وقد يعل باب
فعل من العيوب نحو قوله: - 138 - * أعارت عينه أم لم تعارا * (4)
__________
قولهم: اصيد البعير، إذا أصابه داء في رأسه فيخرج من أنفه مثل الزبد فيرفع رأسه عند ذلك.
(1) يقال: اعتور القوم الشئ، وتعوروه، وتعاوروه، إذا تداولوه بينهم.
(2) ارتاد الشئ وراده: طلبه في موضعه.
(3) اختان خان، قال الله تعالى (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم).
واعلم أن افتعل من الاجوف إما أن تكون عينه ياء أو واوا، فان كانت عينه ياء أعل: سواء أكان بمعنى التفاعل نحو استافوا وابتاعوا وامتازوا، أم لم يكن نحو امتار الرجل واكتال واصطاد.
وإن كانت عينه واوا: فان كان بمعنى التفاعل صحت عينه نحو ما ذكره المؤلف من الامثلة، وإن لم يكن بمعنى التفاعل أعلت عينه نحو اشتار العسل وارتاد واختال فإذا علمت هذا تبين لك أن ما ذكره المؤلف من التفصيل خاص بواوى العين.
(4) هذا عجز بيت من الوافر، وصدره قوله: * وربت سائل عنى حفى * وهو لعمرو بن أحمر الباهلى، و " ربت " هي رب الدالة على التقليل أو التكثير وألحق بها التاء لتأنيث اللفظ، والحفى: المبادر في السؤال المستقصى له، وفى التنزيل العزيز (يسألونك كأنك حفى عنها).
وقوله " أعارت عينه " هو بالعين المهملة وهو محل الاستشهاد بالبيت على أنه قد يعل باب فعل - بكسر العين - من العيوب (*)

فيعل فرعاه أيضا، نحو أعار واستعار وإنما حمل على الماضي الثلاثي في هذا القلب ما انفتح واوه وياؤه ولم يحمل عليه
ما انضما فيه أو انكسرا كيقوم ويبيع ويقيم، لان الحامل على النقل في جميع ذلك مفتوحا كان العين أو مضموما أو مكسورا إتباع الفرع للاصل في تسكين العين مع الدلالة على البنية، كما مر في أول الكتاب (1)، ولا يمكن ذلك بقلب الجميع ألفا.
وأما إذا كانت الواو والياء المتحركتان المفتوح ما قبلهما في آخر الكلمة فانهما تقلبان ألفا، وإن كان ذلك في اسم لا يشابه بوجه، نحو (2) ربا وربا فانهما لا يوازنان الفعل، فان وزانه كفتى وعصا فانهما كضرب، وكمردى (3) ومبري (4) فانهما كاعلم، فلا كلام في القلب وإنما لم يعل نحو النزوان والغليان للزوم اللالف والنون، فأخرجت
__________
وذلك لان عارت أصله عورت فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والاكثر في هذا الباب والقياس المطرد هو التصحيح، ويروى في مكان هذه الكلمة " أغارت " وعليها لا شاهد فيه، وقوله " لم تعارا " هو مضارع عار الذى أعل، والالف في آخره منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة في الوقف.
(1) انظر (ح 1 ص 80، 81) (2) الربا - بكسر الراء -: معروف، والربا - بضم الراء -: جمع ربوة، وهى المرتفع من الارض، ووقع في بعض النسخ " نحو ربا وزنا " وهى صحيحة أيضا وفيها التمثيل للواوى واليائى، كما أن فيما أثبتناه التمثيل بوجهين من وجوه عدم موازنة الفعل.
(3) المردى: الحجر يرمى به، ويقال: فلان مردى حروب، إذا كان يرمى به فيها لشجاعته، وعليه قول أعشى باهلة يرثى أخاه المنتشر بن وهب: مردى حروب ونور يستضاء به * كما أضاء سواد الظلمة القمر (4) المبرى - بكسر الميم وسكون الباء - آلة البرى (*)

اللام من التطرف، فصارت الواو والياء كما في الجولان والطيران فان قيل: هلا منع التاء اللازم في نحو غزاة وتقاة من إعلال اللام (ومن التطرف) (1) كما منعت التاء اللازمة في (نحو) عنصوة (2) وقمحدوة (3) من قلب الواو ياء.
قلت: لان الواو المضموم ما قبلها لم تقلب ياء في موضع إلا متطرفة، بخلاف قلب الواو والياء ألفا فانه ثبت في المتوسطة أيضا كثيرا، كقال ومقال، فلم يعتد بالتاء التى أصلها عدم اللزوم، بخلاف الالف والنون فانهما على اللزوم هذا، ولمناسبة القلب آخر الكلمة أعل الواو والياء أخيرا هذا الاعلال، وإن كان قبلهما ألف، بشرط كون الالف زائدة، لانهما إذن في حكم العدم، وذلك نحو كساء ورداء، وأما إذا كانت أصلا كراى وآى فلا تعلان لكون الفاصل قويا بالاصالة، وقد تقلب الواو والياء أيضا قريبين من الطرف وقبلهما ألف زائدة ألفا، بشرط أن ينضم إلى العلة المقتضية للانقلاب مقتض آخر، وذلك لضعف العلة إذن بسبب فصل الالف بين الواو والياء وبين الفتحة، وبعدم كونهما في الطرف، وذلك المقتضى: إما مشابهة الفعل المعل كما يجئ وأداؤه معناه وعمله عمله كما في قائم وبائع، وإما اكتناف حرف العلة لالف الجمع الاقصى فيستثقل لاجل حرفي العلة وكون الجمع أقصى الجموع، وذلك كما في بوائع وأوائل وعيائل، في جمع بائعة وأول وعيل (4) وإما كون الواو
__________
(1) سقطت هذه العبارة من بعض النسخ (2) العنصوة - مثلثة العين ساكنة النون مضمومة الصاد - القليل المتفرق من النبت وغيره، وبقى كل شئ
(3) انظر (ج 2 ص 46 وج 1 ص 261) (4) عيل - بفتح العين وتشديد الياء مكسورة، مثل سيد وميت وهين - وهو (*)

والياء في الجمع الاقصى الذى هما في واحده مدتان زائدتان كعجائز وكبائر، وذلك لقصد الفرق بين المدتين الزائدتين وبين الواو والياء اللتين كان لهما في الواحد حركة، سواء كانتا أصليتين كمقاوم ومعايش، في جمع مقامة (1) ومعيشة، أو زائدتين ملحقتين بالاصل كعثاير وجداول في جمع عثير (2) وجدول، فان ماله حركة أصلية أجلد وأقوى، فلا ينقلب فإذا بعدت الواو والياء من الطرف نحو طواويس (3) لم ينقلبا ألفا، كما يجئ فعلى هذا تبين كذلك أن الهمزة في نحو رداء وكساء وقائل وبائع وأوائل وبوائع وعجائز وكبائر أصلها الالف المنقلبة عن الواو والياء، فلما احتيج إلى تحريك الالف وامتنع قلبها إلى الواو والياء لانه إنما فر منهما قلبت إلى حرف يكون أنسب بها بعد الواو والياء، وهو الهمزة، لانهما حلقيتان، وإنما لم تحذف الالف الاولى للساكنين، كما هو الواجب في مثله، لكون ألف نحو قائل علامة الفاعل وألف نحو أوائل وعجائز علامة الجمع، ولو حذفت في نحو رداء لا لتبس بالمقصور، وأما الهمزة في نحو رسائل فبدل من الالف التى في الواحد لا من الالف المنقلبة عن الواو والياء.
__________
فيعل من عال يعول، إذا جار ومال، وهو واحد العيال، وهم الذين يعولهم الانسان، سموا بذلك لانهم يدعونه بالانفاق عليهم إلى الجور والميل (1) مقامة: هي في الاصل اسم مكان من قام يقوم، ثم سمى به مجلس القوم لانهم يقومون فيه، ثم سمى به القوم
(2) العثير - بوزن درهم والياء زائدة للالحاق - التراب، وانظر (ج 2 ص 184 و 366) (3) الطواويس: جمع طاووس، طائر، وهو أيضا الرجل الجميل، وهو الفضة والارض المخضرة، ووقع في بعض النسخ " طوى وريس " وهو تحريف شنيع (*)

هذا، وإن لم يكن الواو والياء في الفعل ولا في آخر الكلمة، وذلك إذا كانتا في الاسماء في غير الطرف، فههنا نقول: لا يعل من الاسماء هذا الاعلال إلا أربعة أنواع: نوعان منها مشابهان للفعل، وإنما اعتبر ذلك لما ذكرنا من أن الاصل في الاعلال الفعل، وأن هذه العلة ليست بقوية، فهى بالفعل أولى.
أحد النوعين: ما وازن الفعل نحو باب وناب، والاصل بوب ونيب، ورجل ومال ونال، والاصل مول (1) ونول، بكسر العين، وكذا كبش (2) صاف، وقولهم الروح (3) والغيب (4) والخول (5) والقود شاذ، وكذا رجل حول: أي كثير الحيلة، وروع: أي خائف، ولم يجئ فعل بضم العين أجوف في الاسم لثقل الضمة، ونريد بموازنة الفعل ههنا مساواته له في عدد الحروف والحركات المعينة، وإن باينه في تعيين الزيادات وأمكنتها، فمفعل على وزن يفعل، وإن كانت زيادته غير زيادته، وفاعل موازن ليفعل وزيادته غير زيادته ومكانها غير مكانها، فالاسم الثلاثي: إما أن يكون مجردا (كما ذكرنا)، أو مزيدا فيه، وأما الرباعي والخماسي فانه لا يوازن الفعل منهما إلا باب جعفر
__________
(1) المول: الكثير المال، والنول: الكثير النال أي العطاء (أنظر ج 1 ص 149 (2) كبش صاف: كثير الصوف (3) الروح - بالتحريك -: تباعد بين الرجلين، ومن الطير: المتفرقة الرائحة
إلى أوكارها (4) يقال: قوم غيب - بالتحريك -: وغيب وغياب، إذا كانوا غائبين الاخيران جمعان، والاول اسم جمع (5) الخول: ما أعطاك الله من أنعام وعبيد وإماء وغيرهم من الحاشية، يطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث (*)

نحو جهور (1)، والواو والياء لا يكونان فيه إلا للالحاق، لما تبين أن الواو والياء مع ثلاثة أصول لا يكونان إلا مزيدتين، فلا تعل إذن، محافظة على بناء الالحاق، فالثلاثي المزيد فيه يشترط فيه أن يكون مع موازنته للفعل مباينا له بوجه، وذلك كالحرف الزائد الذى لا يزاد في الفعل كميم مقام ومقام ومستقام، فانها في الاصل كيحمد ويحمد ويستخرج، لكن الميم لا تزاد في أول الفعل، أو كالحروف التى تزاد في الفعل لكن تكون متحركة بحركة لا تحرك في الفعل بمثلها نحو تباع على وزن تفعل بكسر التاء وفتح العين، فانه يوازن اعلم، لكنه ليس في الفعل تاء مزيدة في الاول مكسورة، وأما نحو تعلم فهى لغة قوم، ومع ذلك فليست بأصل، بل للدلالة على كسر العين في الماضي كما تقدم (2)، وقد يعل لمباينة غير المذكورتين، نحو قائم وبائع، فانه يوازن يفعل، لكن ليس الزائد في مكان الزائد، ولا هو إياه، وكان القياس أن يعل نحو مقول (3) ومخيط إذ هما بوزن اعلم، لكن الخليل قال: لم يعلا لكونهما مقصورى مفعال، وهو غير موازن للفعل، والدليل على أن مفعالا أصل مفعل اشتراكهما في كثير نحو مخيط ومخياط ومنحت ومنحات.
وقد شذ مما وجب إعلاله قياسا المشورة والمصيدة بفتح الميم، وقولهم:
__________
(1) جمهور: اسم موضع، وبنو جهور: ملوك الطوائف بالاندلس، والجهور
أيضا: الجرئ المقدم الماضي (2) أنظر (ح 1 ص 141) (3) يقال: رجل مقول ومقوال، إذا كان بينا ظريف اللسان حسن البيان وفى الصحاح الكثير القول، وقد سموا اللسان مقولا، لكونه آلة القول، قال حسان بن ثابت: لسان وسيفي صارمان كلاهما * ويبلغ ما لا يبلغ السيف مقولى (*)

الفكاهة مقودة إلى الاذى، وأما مريم ومدين (1) فان جعلتهما فعيلا فلا شذوذ، إذ الياء للالحاق، وإن جعلتهما مفعلا فشاذان، ومكوزة شاذ في الاعلام.
وقال المبرد: المزيد فيه الموازن للفعل إنما يعل إذا أفاد معنى الفعل كالمقام، فانه موضع يقام فيه، وكذا المقام، بضم الميم، موضع يفعل فيه الاقامة، فعلى ما ذهب إليه مريم ومدين ليسا بشساذين، وإن كانا مفعلا، لعريهما عن معنى الفعل، وكذا نحو تفعل من البيع بكسر التاء ينبغى أن لا يعل، بل يقال: تبيع.
وإنما لم يشترط التباين في الثلاثي واشترط في ذى الزيادة لان ذلك في المزيد فيه لئلا يشتبه بالفعل لو سمى به معلا، فإنه لو أعل لكان يلتبس بعد التسمية به بالفعل، بسبب سقوط الكسر والتنوين، وأما الثلاثي فكسره وتنوينه وإن كان علما يفصله عن الفعل.
وإن لم يكن ذو الزيادة الاسمى مباينا للفعل بوجه نحو أبيض وأسود وأدون منك وأبيع، ونحو أبيع على وزن إصبع من البيع ونحو تبيع على وزن ترتب منه، فلا يعل شئ منها ليكون فرقا بين الاسماء والافعال، والافعال بالاعلال أولى، لاصالتها فيه، وأما إعلال نحو أبان على قول من لم يصرفه فلكونه منقولا
عن فعل معل إلى الاسم، ومن صرفه فهو فعال، وليس مما نحن فيه.
وإن لم يوازن الاسم الثلاثي المزيد فيه الفعل لم يعل هذا الاعلال، فعند سيبويه لم يعل هذا الاعلال نحو الطوفان والحيدان والنزوان والغليان وحمار حيدى (2) والصورى (3) لخروج الاسم بهذه الزيادة اللازمة للكلمة عن وزن
__________
(1) أنظر (ح 2 ص 391، 392) (2) يقال: حمار حيدى، إذا كان يحيد عن ظله من النشاط، ولم يوصف مذكر بوصف على وزن فعلى إلا بهذه الكلمة، ويقال: حمار حيد - كميت - بالمعنى السابق (3) الصوري - بفتحات مقصورا -: موضع أو ماء قرب المدينة، وقال ابن (*)

الفعل، بخلاف نحو الغارة (1) والقارة (2) والغابة (3) فان التاء وإن أخرجت الكلمة عن وزن الفعل لكن لما كان وضعها على العروض وإن كانت لازمة ههنا لم تكن كجزء الكلمة، فحوكة (4) وخونة شاذان، ووجهه الاعتداد بالتاء، مع أن الواو ليست في الطرف، وبعض العرب يعل فعلان الذى عينه واو أو ياء، فيقول: داران من دار يدور، وهامان من هام يهيم، ودالان من دال يدول، وحالان من حال يحول، وهو شاذ قليل، وعند المبرد هو قياس، لجعله الالف والنون كالتاء غير مخرج للكلمة عن وزن الفعل.
فان قيل: كيف أخرج التاء الاسم عن وزن الفعل في يعملة (5) حتى انصرف ولم تخرجه في نحو غارة فأعل.
__________
الاعرابي: هو واد في بلاد مزينة من المدينة، وقالوا في قول أبى الطيب المتنبي: - ولاح لها صور والصباح * ولاح الشغور لها والضحى إنه خطأ، والصواب الصوري - بالالف في آخره - (1) الغارة: اسم من قولهم: أغار على القوم إغارة، إذا دفع عليهم الخيل
(2) القارة: الجبل الصغير ينقطع عن الجبال، أو هو الصخرة العظيمة.
أو الصخرة السوداء، والقارة أيضا: قبيلة من العرب، وفيهم المثل السائر: قد أنصف القارة من راماها (3) في بعض النسخ الغاية - بالياء المثناة في مكان الباء الموحدة - وهى صحيحة أيضا.
(4) حوكة: جمع حائك، وهو اسم فاعل من حاك الثوب يحيكه حوكا وحياكة، إذا نسجه، وقد جاء " حاكة " على القياس (5) اليعملة: الناقة النجيبة التى تصبر على العمل والسير، وهم يقولون: أعملت الناقة، إذا ركبتها في السفر، وقال الخليل: اليعملة لا يوصف بها إلا النوق، قال غيره: يقال للجمل: يعمل، وهو اسم له من العمل، قال الشاعر: إذلا أزال على أقتاد ناجية * صهباء يعملة أو يعمل جمل (*)

قلت: لانه لو لم يعتد بالمخرج في نحو يعملة يظهر أثر الموازنة على المخرج عن الموازنة: أي على التاء، وذلك الاثر سقوط الجر والتنوين، بخلاف أثر الاعلال.
ونحو جولان وحيدان عند المبرد شاذ خارج عن القياس، فإن أورد عليه نزوان وغليان، وقيل: إن اللام بالتغيير أولى، أجاب بأنه لو قلب لزم الحذف، فيلتبس فعلان بفعال، إد يبقى نزان وغلان، وكذا قال الاخفش في حمار حيدى والصورى: إنهما شاذان وجعل ألف التأنيث كالتاء غير مخرجة للكلمة عن وزن الفعل، والاولى قول سيبويه، لما ذكرنا.
فان قيل: كيف أعل نحو العياذ واللياذ باعلال فعله، ولم يعل نحو الطيران والدوران والتقوال والتسيار باعلال أفعالها، وكلاهما لا يوازن فعليهما،
فان كان جرى المصدر على الفعل وعمله عمله في نحو عياذ كافيا في إعلاله فليكن كذلك في طيران وغليان.
قلت: طلب الكسرة لقلب الواو التى بعدها ياء أشد من طلب الفتحة تقلب الواو والياء التى بعدها ألفا ألا ترى إلى كثرة نحو قول وبيع، وقلة نحو بيع، وعدم نحو قول بكسر الفاء وسكون الواو، فبأدنى مشابهة بين المصدر وفعله يعل المصدر بقلب واوه ياء لانكسار ما قبلها لقوة الداعي إليه، وإذا بنيت من غزا ورمى مثل جبروت (1) فالقياس غزوت ورميوت، لخروج الاسم بهذه الزيادة عن
__________
ومن هنا تعلم أن اليعملة اسم وليست علما ولا صفة حتى يدعى لها أنها ممنوعة من الصرف لولا التاء التى أخرجتها عن وزن الفعل، لكونها من خصائص الاسماء وهذا الذى ذكرناه هو مذهب سيبويه في هذه الكلمة، وقد نص على أن يفعل لم يأت وصفا، وذهب غيره إلى أن اليعملة وصف منقول من مضارع عمل، وعلى هذا يتجه كلام المؤلف (1) الجبروت: الكبر والقهر، انظر (ح 1 ص 152) (*)

موازنة الفعل، وبعضهم يقلبهما ألفين ويحذفهما للساكنين، وذلك لعدم الاعتداد بالواو والتاء ولم يعل نحل النوال والسيال (1) والطويل والغيور والقوول والتقوال والتسيار والمواعيد والمياسير لعدم موازنة الفعل، وقيل: للالتباس لو أعل، إذ يلزم الحذف، ورد بأنه كان ينبغى الاعلال إن كان سببه حاصلا كما في قائل وبائع وكساء ورداء، ثم التحريك وجعله كما في الامثلة المذكورة.
وثاني النوعين المذكورين: الاسم الذى فيه واو أو ياء مفتوح، إذا كان مصدرا قياسيا جاريا على نمط فعله في ثبوت زيادات المصدر في مثل مواضعها من
الفعل، كإقوام واستقوام، فلمناسبته التامة مع فعله أعل إعلاله بنقل حركتهما إلى ما قبلهما وقلبهما ألفا، ولم يعل نحو الطيران الدوران والنزوان والغليان علة فعله مع تحرك حروف العلة فيه وانفتاح ما قبلها لضعف مناسبتهما.
والنوعان الاخران من الانواع الاربعة من باب الجمع الاقصى، وهما باب بوائع وعجائز، وإنما أعلا الاعلال المذكور وإن لم يشابها الفعل لالف الجمع في أحدهما وقصد الفرق في الاخر كما تقدم شرحهما هذا، ولضعف هذه العلة - أعنى تحرك الواو والياء وانفتاح ما قبلهما - في إيجاب القلب ترد الالف إلى أصلها من الواو والياء، ويحتمل تحركهما وانفتاح ما قبلها إذا أدى ترك الرد إلى اللبس: في الفعل كان، أو في الاسم، وذلك إذا لقى الالف حرف ساكن بعدها لو أبقى الالف معه على حالها سقطت والتبس، فالفعل نحو غزوا ورميا، فان ألف الضمير اتصل بغزا ورمى معلين، ولو لم يردوا الالف إلى أصلها لسقطت للساكنين والتبس المسند إلى ضمير المثنى بالمسند إلى ضمير
__________
(1) السيال: اسم جنس جمعى واحدته سيالة - كسحابة - وهو شجر له شوك أبيض طويل، انظر (ص 5 من هذا الجزء) (*)

المفرد أو إلى الظاهر، وكذا يرضيان، لانه كان يسقط النون جزما (1)، وأما في أرضيا فلكونه فرع يرضيان، والاسم نحو الصلوات والفتيات، لو حذفت الالف للساكنين لا لتبس الجمع بالواحد، ونحو الفتيان والرحيان إذ لو لم يرد لا لتبس المثنى بالمفرد عند الاضافة، وأما نحو الفتيين والرحيين فلكونهما فرعى الفتيان والرحيان، كما تبين في أول شرح الكافية، ومع ياء النسب ترد الالف المحذوفة في نحو عصى ورجى المنونين، لزوال الساكنين: أي الالف والتنوين، وبعد ردها تقلبها واوا لاجل ياء النسب، كما قلبتها في العصا
والرحى لما نسبت إليهما، ولا نقول: إن الالف المحذوفة ترد إلى أصلها من الواو والياء، وإنما لم تحذف الالف للياء الساكنة اللاحقة بها لما ذكرنا في باب النسب، وبعد رد جميع الحروف المذكورة وتحريكها لم تقلها ألفا مع تحركها وانفتاح ما قبلها، لعروض الحركة عليها، ولانه إنما فر من الالف حتى لا يلتبس بعد الحذف، فكيف يعاد إلى ما فر منه ؟ وأما رد الالف إلى أصلها في نحو هل ترين وترضين، والاصل هل ترى وترضى، فليس لخوف الالتباس، بل للقياس على هل تغزون وترمين، وإنما رد اللام في نحو ارضين ولا ترضين وكذا في نحو اغزون وارمين ولا تغزون ولا ترمين لان الفعل مع النون
__________
(1) قول المؤلف جزما معناه قطعا، وليس المراد به الجزم الذى هو حالة من حالات إعراب الفعل المضارع، وذلك لان هذه الحالة لا يقع فيها اللبس على فرض إعلال يرضيان، لانك كنت تقول في المسند إلى ضمير الواحد: محمد لم يرض - بحذف لام الفعل للجزم - وكنت تقول: المحمدان لم يرضا - بألف هي ضمير المثنى - فلا لبس حينئذ، فثبت أن جزما لا ينبغى أن يحمل على حالة الاعراب المذكورة، وصورة الالتباس إنما تقع في حالة النصب، لانك تقول: محمد لن يرضى والمحمدان لن يرضا، والالف في الاول لام الفعل وفى الثاني ضمير التثنية، ونريد أن ننبهك إلى أن اللبس حينئذ في النطق لا في الرسم (*)

ليس موقوفا ولا مجزوما، وحذف اللام إنما كان للجزم أو الوقف، ولم تقلب الياء في أرضين ولا ترضين ألفا بعد الرد لكون حركتها عارضة لاجل النون التى هي كلمة مستقلة، وأيضا لئلا يلزم منه حذف الالف فيؤدى إلى ما فر منه، وكذا في نحو ارضون وارضين يا امرأة، لم تقلبا لعروض الحركة لما ذكرنا في باب التقاء الساكنين، ولكون الواو والياء اسمين مستقلين، فلا يغيران،
ولان الواو والياء لا تقلبان ألفا إلا إذا كان ما قبلهما من حروف كلمتها مفتوحا، وههنا الواو كلمة أخرى، وأيضا لو غيرا بالقلب لحذفا بلا دليل عليهما، كما كان في اغزن واغزن وإن لم يؤد حذف الالف للساكنين إلى اللبس لم يرد نحو يرضون وتغزين وترضين والمصطفون والمصطفين وغزوا ورموا وغزت ورمت قوله " تحركتا " أي: في الاصل فيخرج نحو ضو وشى مخففتين، حركة لازمة، ليخرج نحو غزوا ورميا وعصوان وارضين وجوزات وبيضات، عند بنى تميم، وإنما قلبا في نحو العصا والرحى وإن كانت الحركة الاعرابية عارضة، لان نوعها وإن كان عارضا لكن جنسها لازم، إذ لابد لكل معرب بالحركات من حركة ما رفعا أو نصبا أو جرا قوله " أو في حكمه " أي: في حكم الفتح، نحو أقول وأبيع ومقوم ومبيع قوله " في فعل ثلاثى " كقال وطال وخاف وباع وهاب قوله " أو محمول عليه " كأقام وأبان واستقام واستبان، وقد يكون الفعل الثلاثي محمولا على الثلاثي، كيخاف ويقال ويهاب، لان الاصل في الاعلال الماضي، والمضارع فرعه فيعتل باعتلاله، وذلك لانه هو الماضي بزيادة حرف المضارعة عليه قوله " أو اسم محمول عليهما " أي: على الفعل الثلاثي كباب ودار وكبش

صاف، وعلى الفعل المحمول عليه كمقام والاستقامة قوله " بخلاف قول وبيع " أي: بخلاف ما كان الواو والياء فيه ساكنين مفتوحا ما قبلهما قوله " وطائى وياجل شاذ " قد ذكرنا حكم طائى في باب النسب، وكذا
ذكرنا أن نحو ياجل مطرد، وإن كان ضعيفا، وكذا ذكرنا أن بعض الحجازيين يقلب الواو الساكنة ألفا قياسا في مضارع نحو ايتعد وايتسر، وبعض بنى تميم يقلبون واو نحو أولاد: أي جمع ما فاؤه واو، ألفا قياسا، فيقول: آلاد، وطئ يفتحون ما قبل الياء إذا تحركت بفتحة غير إعرابية وكانت طرفا وانكسر ما قبلها، لتنقلب الياء ألفا، وذلك لكون الطرف محل التغيير والتخفيف، وشرط فتحة الياء لتنقل إلى ما قبلها، وشرط كونها غير إعرابية، لئلا تكون عارضة فيعتد بها، وشرط انكسار ما قبلها لان الكسر أخو السكون، على ما تبين في باب التقاء الساكنين، فتكون كأنك نقلت الفتح إلى الساكن، كما في أقوم، قال نستوقد النبل بالحضيض * ونصطاد نفوسا بنت على الكرم (1) وإن توسطت الياء بسبب التاء اللازمة نحو ناصاة في ناصية فقليل غير مطرد قوله " بخلاف قاول وبايع " أي: بخلاف الثاني المزيد فيه، إذا كان ما قبل الواو والياء ساكنا، ولم يكن ذلك للساكن حرفا كان مفتوحا في الثلاثي قوله " أخيلت السماء " أي: صارت خليقة بالمطر، وأغيلت المرأة: أي أرضعت على الحبل، ومثله استصوب واستروح الريح، وعند أبى زيد التصحيح
__________
(1) قد مضى شرح هذا البيت مفصلا (ح 1 ص 124) (*)

قياس في مثله، إذا لم يكن له فعل ثلاثى كاستنوق (1)، وعند سيبويه نحو استنوق أيضا شاذ، والقياس إعلاله طردا للباب كما أعل سائف (2) وخائل (3) في النسبة، وإن لم يأت منه فعل معل، طردا لباب فاعل في إعلاله علة واحدة، وإذا طرد باب تعد ونعد وأعد فهذا أولى
قال: " وصح باب قوى وهوى للاعلالين، وباب طوى وحيى لانه فرعه أو لما يلزم من يقاى ويطاى ويحاى، وكثر الادغام في باب حيى للمثلين، وقد يكسر الفاء، بخلاف باب قوى، لان الاعلال قبل الادغام، ولذلك قالوا يحيى ويقوى واحواوى يحواوى وارعوى يرعوى، فلم يدغموا، وجاء احو يواء واحوياء، ومن قال اشهباب قال احوواه كاقتتال، ومن أدغم اقتتالا قال: حواء، وجاز الادغام في أحيى واستحيى بخلاف أحيى واستحيى، وأما امتناعهم في يحيى ويستحيى فلئلا ينضم ما رفض ضمه، ولم يبنوا من باب قوى مثل ضرب ولا شرف كراهة قووت وقووت، ونحو القوة والصوة والبو والجو محتمل للادغام " أقول: قوله " باب قوى " أي: فعل بالكسر مما عينه ولامه واو، ولابد من
__________
(1) استنوق الجمل: تشبه بالناقة، وهو مثل يضرب لمن يخلط الشئ بغيره انظر (ح 1 ص 86) (2) يقال: سافه يسيفه فهو سائف، إذا ضربه بالسيف، ويقال: رجل سائف: أي ذو سيف، فهو على الاول اسم فاعل، وإعلاله اصل، وعلى الثاني للنسبة كلا بن وتامر، وإعلاله بالحمل على الاول، طردا لباب فاعل كما قال المؤلف (3) يقال: خال يخال فهو خائل، إذا ظن، ويقال: رجل خائل، إذا كان ذا خيلاء، فهو على النسب في قول أكثر أهل اللغة، والقول في إعلال اللفظين كالقول في سائف، ومنهم من ذهب إلى أن الخائل المتكبر اسم فاعل فاعلا له بالاصل لا بالحمل (*)

قلب الواو ياء، لانكسار ما قبلها، كما يجئ بعد أن كل واو في آخر الكلمة مكسور ما قبلها: متحركة كانت أو ساكنة، قلبت ياء للاستثقال، والاشتغال
باعلال الاطراف أسبق من الاشتغال باعلال الوسط: إما بالقلب، أو بالادغام، لما عرفت، فبعد قلب الثانية ياء لو قلبت الاولى ألفا لاجتمع إعلالان على ثلاثى ولا يجوز، كما مر، وأما هوى فقد أعللت اللام أيضا بقلبها ألفا، فلم يكن لك سبيل إلى إعلال العين، حذرا من الاعلالين، و " قوى " من المضاعف بالواو بدليل القوة، " وحيى " من المضاعف بالياء، إلا عند المازنى، وهوى مما عينه واو ولامه ياء، وكذا طوى، بدليل طيان (1)، ولم يعل في حيى بقلب العين عند المازنى، لان أصله حيو عنده، أو لانه مثل طوى كما يجئ قوله " وباب طوى وحيى " يعنى لم يعلا وإن لم يلزم إعلالان، لانهما فرعا هوى، وذلك لان فعل - بفتح العين - في الافعال أكثر من أخويه، لكونه أخف، والخفة مطلوبة في الفعل، وهو أيضا أكثر تصرفا، لان مضارعه يأتي على ثلاثة أوجه، دون مضارعها ثم ذكر علة أخرى لتركهم إعلال عين ثلاثة من الافعال المذكورة، وهى ما على فعل - بكسر العين - وذلك أن كل أجوف من باب فعل قلبت عينه في الماضي ألفا تقلب عينه في المضارع أيضا، نحو خاف يخاف، وهاب يهاب، فلو قالوا في الماضي: قاى وطاى وحاى لقالوا في المضارع: يقاى ويطاى ويحاي، وضم لام
__________
(1) طيان: صفة مشبهة من قولهم: طوى يطوى - كفرح يفرح - إذا جاع وخلا بطنه، كقولهم: شبعان من شبع، وريان من روى، وضمآن من ضمئ، ووجه دلالة طيان على أن لام طوى ياء قلب الواو التى هي العين ياء وإدغامها في الياء، وأصله على هذا طويان، ولو لم تكن اللام ياء لما قبل: طيان، بل كان يقال: طوان، انظر (ح 1 ص 211) (*)

المضارع إذا كان ياء مرفوض مع سكون ما قبله أيضا، بخلاف الاسم، نحو ظبى
وآى وراى، وذلك لثقل الفعل كما ذكرنا، ويجوز أن يقال في هوى أيضا مثله، وهو أن كل أجوف من باب فعل تسكن عينه بقلبها ألفا وجب تسكين عين مضارعه ونقل حركته إلى ما قبله، نحو قال يقول وباع يبيع وطاح يطيح (1) والاصل يطوح فكان يجب أن يقال يهى مشددا في مضارع هاي، ولا يجئ في آخر الفعل المضارع ياء مشددة، لانه مورد الاعراب مع ثقل الفعل، وأما في الاسم فذلك جائز لخفته، نحو حى، ويجوز كما قدمنا أن نعلل ترك إعلالهم عين طوى وحيى بامتناع إعلال لامهما الذى كان أولى بالاعلال لو انفتح ما قبله، لكونه آخر الكلمة.
قوله " وكثر الادغام في باب حيى " قال سيبويه: الادغام أكثر والاخرى عربية كثيرة (2)، وإنما كان أكثر لان اجتماع المثلين المتحركين مستثقل، ويشترط في جواز الادغام في مثله: أي فيما تحرك حرف العلة فيه، لزوم حركة الثاني، نحو حى، حيا، حيوا، حيت، حيتا، قال: 139 - عيوا بأمرهم كما * عيت ببيضتها الحمامه جعلت لها عودين من * نشم وآخر من ثمامة (3)
__________
(1) انظر (ح 1 ص 81، 115) (2) هذه عبارة سيبويه (ح 2 ص 387) وقد استظهر أبو الحسن الاشمونى من عبارة ابن مالك أن مذهبه كون الفك أجود من الادغام مع اعترافه بكونهما فصيحين، وقد علل جواز الوجهين في حيى بأن من أدغم نظر إلى حقيقة الامر فيه، وهى اجتماع مثلين متحركين وحركة ثانيهما لازمة، من فك نظر إلى أن حركة الماضي وإن كانت لازمة فيه إلا أنها كالمفارقة، بسبب عدم وجودها في المضارع، ففارق بهذا نحو شدد يشدد، إذ الحركة في الماضي والمضارع (3) هذا الشاهد من مجزوء الكامل المرفل، وهو لعبيد بن الابرص من (*)

وإن كانت حركة الثاني لاجل حرف عارض غير لازم لم يدغم، كما في محيية ومحييان، فان الحركة لاجل التاء التى هي في الصفة ولالف المثنى، وهما عارضان لا يلزمان الكلمة، وكذا الحركات الاعرابية، نحو قوله تعالى: (أن يحيى الموتى) وقولك: رأيت معييا وإن كانت الحركة لازمة في نفس الامر كما في حيى، أو لاجل حرف عارض لازم كما في تحيية وأحيية جمع حياء (1) جاز الادغام والاظهار، إذ التاء في مثله لازمة، بخلاف تاء الصفة، وكذا يجوز في جمع عيى أعيياء وأعياء، للزوم الالف، والادغام في هذا النوع أيضا أولى، كما كان في حى وأحى وإنما اشترط للادغام في هذا الباب لزوم حركة الثاني بخلاف باب يرد ويمس، لان مطلق الحركة في الصحيح يلزم الحرف الثاني، إلا أن يدخله ما يوجب سكونه، كلم يردد ويرددن، وأما في المعتل نحو معيية ورأيت
__________
كلمة له يبكى فيها قومه بنى أسد حين قتلهم حجر الكندى أبو امرئ القيس الشاعر لمنعهم الاتاوة التى كان قد فرضها عليهم، وأول هذه الكلمة قوله: يا عين ما فابكى بنى * أسد فهم أهل الندامة أهل القباب الحمر والنعم * المؤبل والمدامه " ما " زائدة، والقباب: جمع قبة، وكانت لا تكون إلا للرؤساء والاشراف، والنعم: المال الراعى: إبلا أو غيرها، وقيل: يختص بالابل، والمؤبل: المتخذ للقنية، والمدامة: الخمر.
والاستشهاد بالبيت في قوله " عيوا " حيث أدغم المثلين في الفعل المسند لواو الجماعة (1) الاحيية: جمع حياء، مثل قذال وأقذلة، والحياء هو الفرج من ذوات
الخف والظلف والسباع (*)

معييا فيسكن الثاني بلا دخول شئ، نحو معى، فلم يروا إدغام حرف فيما هو كالساكن، وحيث أظهرت الياء سواء كانت واجبة الاظهار كما في محيية أو جائزته كما في حيى، وانكسرت، فاخفاء كسرها أحسن من إظهاره، ليكون كالادغام، فان الكسر مستثقل، وإن انفتحت الاولى، كما تقول في تثنية الحيا: (1) حييان، جاز الاخفاء والتبيين، والتبيين أولى، لعدم الاستثقال، ولا يجوز هاهنا الادغام، لعدم لزوم ألف التثنية، ومن أظهر في حيى قال في الجمع حيوا مخففا كخشوا، قال: 140 - وكنا حسبناهم فوارس كهمس * حيوا بعد ما ماتوا من الدهر أعصرا (2) قوله " وقد تكسر الفاء " يعنى في حى المبنى للفاعل، والظاهر أنه غلط نقله من المفصل (3)، وإنما أورد سيبويه في المبنى للمفعول حى وحى،
__________
(1) الحيا - مقصورا -: الخصب والمطر، وتثنيته حييان مثل فتى وفتان (2) هذا بيت من الطويل، وهو من شواهد سيبويه (ح 2 ص 387) وهو من كلمة أولها - فيما رواه صاحب الاغانى -: فلله عينا من رأى من فوارس * أكر على المكروه منهم وأصبرا وأكرم لو لاقوا سدادا مقاربا * ولكن لقوا طما من البحر أخضرا وقد نسبت هذه الابيات لابي حزابة التميمي، وهو الوليد بن حنيفة، شاعر من شعراء الدولة الاموية، وقيل: هي لمودود العنبري، وكهمس: أبو حى من العرب.
والاستشهاد بالبيت في قوله " حيوا " بتخفيف الياء مضمومة على لغة من قال في الماضي: حيى بالفك، مثلما تقول: رضوا في رضى، ورواية الاغانى " وحتى حسبناهم "
(3) عبارة جار الله: " وقد أجروا نحو حيى وعيى مجرى قى وفنى، فلم يعلوه، وأكثرهم يدغم فيقول: حى وعى - بفتح الفاء وكسر - كما قيل لى ولى في جمع (*)

كقولهم في الاسم في جمع قرن ألوى: قرون لى - بالضم والكسر - (1) فان قيل: كيف وجب كسر الضم في غير فعل نحو مسلمى وعتى وجثى وغزوى على مثال عصفور من الغزو، وجاز الوجهان في فعل ؟ قيل: لان فعلا يلتبس بفعل فجاز إبقاء الضم فيه دلالة على أصل البنية وفى غيره لا يلتبس بنية ببنية، أو يقال: المجوز لضم فعل قبل الياء خفة البناء، وقال السيرافى: يجوز أن يقال لى: بالكسر في جمع ألوى، كبيض في جمع أبيض، جعل الياء الساكنة المدغمة كغير المدغمة، وحى في حى كقيل وبيع
__________
ألوى، قال الله تعالى (ويحيى من حى عن بينة) وقال عبيد: عيوا بأمرهم كما * عيت ببيضتها الحمامه اه كلام الزمخشري ولم يتعرض ابن يعيش لذلك في شرحه، ولا خطأ جار الله في شئ مما قاله، وقد بحثنا من كتب القراءات كتاب النشر لابن الجزرى ووجوه قراءات القرآن للعكبرى، ومن كتب التفسير كتاب الكشاف، والبيضاوي والشهاب الخفاجى، والبحر المحيط لابي حيان، فلم نجد أحدا من هؤلاء ذكر أنه قرئ في قوله تعالى: (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة) بالادغام مع كسر الحاء، ثم بحثنا من كتب النحو واللغة: لسان العرب لابن المكرم (ح ى ى - ع ى ى) والقاموس المحيط، وكتاب سيبويه وأوضح المسالك لابن هشام، والاشمونى، والهمع للسيوطي، والكافية الشافية لابن مالك، فلم نجد أحد من هؤلاء جميعا ذكر أن
حى ونحوه من المبنى للمعلوم إذا أدغم جاز كسر فائه، فإذا علمت هذا تبين لك أن وجه تخطئة المؤلف للزمخشري عدم النقل عن أحد من النحاة وعدم وروده في كلام العرب، ولعل الزمخشري إنما حكى ذلك لوجه من القياس كما يشعر به تنظيره (لى) - جمع ألوى - وإن كان قوله " وأكثرهم يدغم فيقول " ظاهرا في النقل عن العرب (1) تقول: قرن ألوى، إذا كان شديد الالتواء (*)

وقالوا في الاسم: حياة ودواة ونواة، وشذ غاية وغاى، وراية وراى، وآية وثاية، (1) والقياس غواة أو غياة، والاول أولى، لان باب طويت أكثر من باب حيى، وإنما قلنا بشذوذ ذلك لان الاولى إعلال الاخر كما في هوى ونوى وقال الفراء وجماعة من المتقدمين في آية: إنه ساكن العين، والاصل أية وأى قلبت العين الساكنة ألفا، لفتح ما قبلها كما في طائى وياجل (2) وعاب، وهو ههنا أولى، لاجتماع الياءين وقال الكسائي: آيية، على وزن فاعلة، فكرهوا اجتماع الياءين مع انكسار أولاهما، فحذفت الاولى وعلى جميع الوجوه لا يخلو من شذوذ في الحذف (3) والقلب
__________
(1) الثاية: مأوى الابل، وعلم بقدر قعدة الانسان، وأصلها ثوى لاثيى، لان باب طوى أكثر من باب حيى، وكان مقتضى القياس أن تقلب اللام ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولان الاعلال باللام أولى كما فعلوا في النوى والحيا، ولكنهم أعلوا العين بقلبها ألفا على خلاف مقتضى القياس فصار ثايا.
وانظر في الكلام على بقية هذه الالفاظ (ح 2 ص 51) (2) العاب: أصله العيب - بفتح فسكون - فقلبت الياء ألفا أكتفاء بجزء العلة وهو انفتاح ما قبلها، ومثله الذام والقاب في نحو (قاب قوسين) ومثله " آد " بمعنى القوة من نحو قوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد) ومثله " رادة " في قولهم: ريح
ريدة ورادة، إذا كانت لينة الهبوب، ومثله الذان بمنى الذين - بفتح الذال وسكون الياء - وهو العيب، ومن العلماء من زعم أن المقلوب من هذه الالفاظ مفتوح العين، وأن كل كلمة من هذه الكلمات قد وردت على لغتين، وحينئذ يكون القلب مستوفيا علته (3) ليس بك حاجة إلى بيان الوجوه وما يلزم على كل وجه من الشذوذ إذا رجعت إلى ما كتبناه في (ح 2 ص 51) ولاحظت أن الاعلال بالام أولى منه بالعين، وأن العين لا تعل إذا كانت اللام حرف علة سواء أعلت بالفعل أم لم تعل، وأن علة انقلاب الواو والياء ألفا هي تحركهما وانفتاح ما قبلهما، فأذا طبقت هذه القواعد على الاقوال التى ذكرناها في الموضع المشار إليه ظهر لك أن كل قول منها لا يخلو من شذوذ.
(*)

ويمكن أن يقال: الوجهان أيضا في غاية وثاية وراية واعلم أن في استحيا لغتين: لغة أهل الحجاز استحيا يستحيي - بياءين - مستحى مستحيا منه، على وزن استرعى يسترعى سواء، ولغة بنى تميم استحى يستحى، بتحريك الحاء وحذف إحدى الياءين فمذهب الخليل أنه مبنى على حيى معلا إعلال هاب وباع، فكأنه قيل: حاى، فكما تقول في باع: استبعت، تقول في حاى: استحيت، وإنما بنى على حاى المرفوض، لان حق حيى إعلال عينه لما امتنع إعلال لامه، فاستحى على هذا في الاصل استحاى كاستباع، حذفت حركة الياء، إذ لم يوجد في كلامهم لام الماضي ياء متحركة ساكنا ما قبلها، فالتقى ساكنان، فحذفت أولاهما، ثم قلبت الياء الساكنة ألفا لانفتاح ما قبلها كما في ياجل وطائى، وكذا تقول في المضارع: إن حقه يستحيى كيستبيع، حذفت حركة الياء، إذ لا نظير له في الافعال، ثم حذفت الياء الاولى للساكنين، والامر منه استح،
وحق مصدره على هذا استحاءة كاستباعة، ولا يستعمل، واسم الفاعل مستح، والاصل مستحيى فأعل إعلال المضارع، والمفعول مستحى منه، وأصله مستحاى حذفت حركة الياء كما في يستحاى، وأعل إعلال استحاى، وقد مر، وفيما ذهب إليه الخليل ضعف لا يخفى للارتكابات المكروهة وقال غيره - واختاره المازنى -: إن الياء الاولى في جميع هذه التصرفات حذفت كما في أحست وظلت ومست، لان حق المثلين الادغام، فلما امتنع حذفت الاولى، لكونه أشبه شئ بالادغام، وقال المازنى: لو حذفت للساكنين لم تحذف في المثنى نحو استحيا ولقالوا: استحايا كاستباعا قوله " بخلاف باب قوى " يعنى أن قوى من مضاعف الواو، بدليل القوة كما أن حيى من مضاعف الياء، لكنه إنما جاز إدغام حيى بخلاف قوى فلم

يقل قو كما قيل حى، لان قلب الواو ياء إعلال في الطرف، وإدغام العين في اللام إعلال في الوسط، والاول أولى لما ذكرنا غير مرة، ولذلك ابتدئ بإدغام أيمة قبل قلب همزة الساكن ألفا، لانفتاح ما قبله كما ذكرنا في أول الكتاب، (1) وأيضا قوى بقلب الواو ياء أخف منه بإدغام الواو في الواو، والطريق المؤدى إلى زيادة الخفة أولى بالسلوك مما ليس كذلك قوله " ولذلك قالوا يحيا " أي: لم يقولوا يحى مع أنهم أدغموا في الماضي، لان الاعلال قبل الادغام، وأيضا الكلمة بالاعلال أخف منها بالادغام، ولذلك قيل: يقوى، لا يقو، وأيضا لا يجوز الادغام في يحيى ويقوى، لعدم لزوم حركة الثاني، وهو شرط الادغام في مثله كما تقدم قوله " احواوى " هو افعالل من الحوة (2) وأصله احواوو، ولم يدغم، بل أعل، لسبق الاعلال على الادغام، ولكون الكلمة به أخف، وكذا يحواوى
في مضارعه، والحركة في آخره عارضة، وكذا ارعوى، وهو من باب افعل كاحمر، وأصله ارعوو كاحمرر، ومصدر احواوى احويواء كاحميرار، واحوياء، ولم يذكر سيبويه إلا هذا، فمن قال: احويواء بلا قلب وإدغام فلكون الياء عارضا في المصدر للكسرة وأصلها الالف في احواوى، فصارت لعروضها لا يعتد بها كما لا يعتد بواو سوير وقوول، لكونها بدلا من الالف في ساير (3) وقاول، وسيبويه نظر إلى كون المصدر أصلا للفعل، فلا يكون الياء بدلا من الالف، بل الالف في الفعل بدل من الياء في المصدر
__________
(1) أنظر (ح 1 ص 27) (2) الحوة - بضم الحاء وتشديد الواو -: سواد إلى الخضرة، أو حمرة إلى السواد.
انظر (ح 1 ص 208، 232، 233) (3) هذه العلة التى ذكرها المؤلف ههنا لعدم إعلال سوير بقلب واوه ياء ثم إدغامها في الياء ولعدم الادغام في قوول، هي العلة التى ذكرها سيبويه، وهى التى (*)

قوله " ومن قال اشهباب " يعنى أن باب افعلال مقصور افعيلال في بعض الكلمات،: يقال احميرار واحمرار، واشهيباب واشهباب (1)، فيقال على ذلك في احويواء، احوواء، فيجتمع الواوان كما يجتمع التاءان في اقتتال، وإن لم يكن احوواء من باب اقتتال، وسيجئ في باب الادغام أنه قد يدغم نحو اقتتل يقتتل اقتتالا فيقال: قتال، فيقال أيضا هنا: حواء، والواوان المدغم إحداهما في الاخرى لا يستثقلان في الوسط كما يستثقلان في الطرف، فيقال حوى يحوى، بفتح الحاء فيهما، أو حوى يحوى، بكسر الحاءين (2)، حواء نحو قتل يقتل قتالا
__________
اختارها متأخرو النحاة كابن مالك وشراح كلامه، لكن ابن الحاجب ذكر في باب
الادغام أن عدم القلب في سوير وعدم الادغام في قوول لخوف الالتباس بنحو سير مبنيا للمجهول من نحو قوله تعالى: (وإذا الجبال سيرت) وبنحو قول مبنيا للمجهول من قول - بالتضعيف - وأيد المؤلف كلامه هناك حيث قال " وعند سيبويه والخليل أن سوير وقوول لم يدغما لكون الواوين عارضين، وقول المصنف أولى، وهو أنهما لم يدغما، لخوف الالتباس، لان العارض إذا كان لازما فهو كالاصلى، ومن ثم يدغم إينة - كامعة - وأول - كابلم - مع عروض الواو الياء " اه، وخلط بين العلتين في الكلام على قلب الواو ياء إذا اجتمعت مع الياء وسبقت إحداهما ساكنة.
(1) الشهبة: البياض الذى غلب على السواد، وقد قالوا: اشهب الفرس اشهبابا واشهاب اشهيبابا، إذا غلب بياضه سواده، هذا قول أكثر أهل اللغة، وقال أبو عبيدة: الشهبة في ألوان الخيل: أن تشق معظم ألوانها شعرة أو شعرات بيض كمتا كانت أو شقرا أودهما.
(2) وجه كسر الحاء في " حوى " أنه لما قصد الادغام سكن أول المثلين فالتقى ساكنان: الحاء التى هي فاء الكلمة، والواو التى هي عينها، فحرك أول الساكنين بالكسر الذى هو الاصل في التخلص من التقاء الساكنين، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها، وأما " حوى " بفتح الحاء فوجهه أنه لما أريد الادغام نقلت حركة أول المثلين إلى الساكن قبله وحذفت همزة الوصل استغناء عنها.
(*)

وإذا بنيت من حيى ورمى مثل احمر قلت: احييا وارميا، والاعلال قبل الادغام.
وإذا بنيت مثل احمار منهما قلت: احيايا وارمايا، وفى المثنى احيييا وارمييا واحياييا وارماييا، ولا يجوز الادغام لعروض الحركة في الاخيرة، لاجل ألف المثنى، وتقول في الجمع: احييوا، واحيايوا، فإذا لزمت الحركة
- وذلك فيما لم يسم فاعله نحو احييى وارميى واحيويى وارمويى واحيييا واحيييوا واحيوييا واحيوييو - جاز الادغام، فتقول: أحيى وأصله أحيى كسرت الياء المضمومة كما في مسلمى، واحييا واحييوا واحيوى واحيويا واحيويوا، وفى المضارع: يحييى ويرميى ويحيايى ويرمايى، ولا يجوز إدغام الواو في احيويى كما لم يدغم في سوير، كما ذكرنا، وتقول في اسم الفاعل: محييية ومحيايية، ولا يجوز الادغام، لعروض الحركة، بل إخفاء الكسر أولى من الاظهار كما بينا وتقول في مصدر احييا: احيياء، وفى مصدر احيايا احيياء بالادغام، ومن لم يدغم في احويواء لكون الياء بدلا من الالف ينبغى أن لا يدغم أيضا ههنا، لكنه مستثقل، ومن أدغم في اقتتل يقتتل اقتتالا قال ههنا: حيا يحيى حياء.
قوله " وجاز الادغام في أحيى واستحيى " من أدغم قال: أحى أحيا أحيوا واستحى استحيا استحيوا، وذلك للزوم الحركة، ومن لم يدغم قال أحيى أحييا أحيوا، نحو أرمى أرميا، أرموا، وفى استحيى ثلاث لغات، هذه أصلها، وثانيتها الادغام، وثالثتها حذف الياء الاولى كما في استحى عند بنى تميم، وتقول في مضارع أحيا واستحيا: يحيى ويستحيى، من غير إدغام، لعدم لزوم الحركة.
قوله " ومن ثم لم يبن من باب قوى " أي: من مضاعف الواو " فعل " (*)

بالفتح كراهة اجتماع الواوين إذا اتصل بالماضي الضمير المرفوع، وأما فعل - بالضم - فلو بنى منه لحصلت الواوان من دون اتصال الضمير، إذ لم يكن تقلب الواو التى هي عين لما لم تكن علة القلب في اللام حاصلة، كما ذكرنا في حيى وطوى، ولم تكن تقلب الثانية ياء لضمة ما قبلها كما في الادلى، لان ذلك في الاسم كما
يأتي، ألا ترى إلى نحو سرو ؟ قوله " ونحو القوة والصوة (1) " جواب سؤال، كأنه قيل: فإذا لم ينوا من باب قوى مخافة الواوين، فلم احتملوا ذلك في القوة ؟ فقال: لان الادغام ههنا حاصل، فخفت الكلمة به، ولو كان الادغام مقدما على الاعلال أيضا لم يجز ذلك في الفعل كما جاز في الاسم، لثقل الواوين في الفعل الذى هو ثقيل قال " وصح باب ما أفعله لعدم تصرفه، وأفعل منه محمول عليه أو للبس بالفعل، وازدوجوا واجتوروا، لانه بمعنى تفاعلوا، وباب اعوار واسواد للبس، وعور وسود، لانه بمعناه، وما تصرف مما صح صحيح أيضا كأعورته واستعورته ومقاول ومبايع وعاور وأسود، ومن قال: عار قال: أعار واستعار وعائر، وصح تقوال وتسيار للبس، ومقوال ومخياط للبس، ومقول ومخيط محذوفان منهما، أو (لانهما) بمعناهما، وأعل نحو يقوم ويبيع ومقوم ومبيع بغير ذلك، للبس ونحو جواد وطويل وغيور للالباس بفاعل أو بفعل أو لانه ليس بجار على الفعل ولا موافق، ونحو الجولان والحيوان والصورى والحيدى، للتنبيه
__________
(1) الصوة: جماعة السباع، وهى أيضا حجر ينصب في الفيافي والمفازة المجهولة ليستدل به على الطريق، وتجمع على صوى، نظير مدية ومدى، كما جاء في حديث أبى هريرة (إن للاسلام صوى ومنارا كمنار الطريق) أراد أن للاسلام طرائق وأعلاما يهتدى بها.
(*)

بحركته على حركة مسماه، والموتان، لانه نقيضه، أو لانه ليس بجار ولا موافق، ونحو أدور وأعين للالباس، أو لانه ليس بجار ولا مخالف، ونحو جدول وخروع وعليب، لمحافظة الالحاق أو للسكون المحض "
أقول: قد تبين بما قدمت في أول هذا الباب علة تركهم إعلال الاشياء المذكورة، ولنفسر ألفاظ المصنف قوله " لعدم تصرفه " يعنى أن الاصل في الاعلال الفعل، لما ذكرنا من ثقله، ولم يعل باب التعجب نحو ما أقوله وأقول به - وإن كانا فعلين على الاصح - لمشابهتهما بعدم التصرف للاسماء، فصارا كأفعل التفضيل وأفعل الصفة قوله " وأفعل منه " أي: أفعل التفضيل محمول عليه: أي مشابه لافعل التعجب، لان التعجب من الشئ لكونه أفضل في معنى من المعاني من غيره، ولذلك تساويا في كثير من الاحكام كما تبين في بابيهما، ولا وجه لقوله " محمول عليه " لانه اسم، وأصل الاسم أن لا يعل هذا الاعلال كما ذكرنا، وقد يعل من جملة الاسماء الاقسام المذكورة كما مر، وشرط القسم المزيد فيه الموازن للفعل إذا قصدنا إعلال عينه أن يكون مخالفا للفعل بوجه كما تقدم، وهذا لا يخالف الفعل بشئ، فكان يكفى قوله " أو للبس بالفعل " قوله " وباب اعوار واسواد للبس " أي: لو قلبت الواو ألفا ونقلت حركتها إلى ما قبلها لكان يسقط همزة الوصل وإحدى الالفين، فيبقى ساد وعار فيلتبس بفاعل المضاعف، ولا وجه لقوله " للبس " لانه إنما يعتذر لعدم الاعلال إذا حصل هناك علته ولم يعل، وعلة الاعلال فيما سكن ما قبل واوه أو يائه كونه فرعا لما ثبت إعلاله، كما في أقام واستقام، ولم يعل عور وسود حتى يحمل اعوار واسواد عليهما، بل الامر بالعكس، بلى لو سئل كيف لم يعل اعوار واسواد

وظاهرهما أنهما مثل أقوم، فالجواب أن بينهما فرقا، وذلك أن العلة حاصلة في أقوم دون اعوار قوله " وما تصرف..إلى آخره " أي: لم يعل نحو استعور وأعور وإن
كانا في الظاهر كاستقوم وأقوم، لان أصلهما ليس معلا حتى يحملا في الاعلال عليه، وكذلك عاور ومقاول ومبايع لم يعل إعلال نحو قائل وبائع، لان إعلال نحو قائل للحمل على فعله المعل، وأفعال هذه الاشياء غير معلة قوله " وتقوال وتسيار للبس " يعنى أن نحوه وإن كان مصدرا لفعل معل لم يعل ولم يجر مجراه كما أجرى إقامة واستقامة مجرى أقام واستقام، لئلا يلتبس بعد الاعلال بفعال، هذا قوله، والوجه ما تقدم من أن المصدر لا يعل عينه هذا الاعلال إلا أن يكون مصدرا مطردا مساويا لفعله في ثبوت الزيادة فيه في مثل موضعها من الفعل، كإقامة واستقامة، وليس نحو تقوال وتسيار كذا، وأما إعلال نحو قيام وعياذ بقلب الواو ياء وإن لم يساو الفعل بأحد الوجهين فلما ذكرنا من أن علة قلب الواو ياء لكسرة ما قبلها أمتن من علة قلب الواو ألفا لفتحة ما قبلها.
قوله " ومقوال ومخياط للبس " يعنى أنه آلة جارية على الفعل فكان سبيله في الاعلال سبيل الفعل، لكنه لم يعل للبس بفعال، والحق أن يقال: لم يثبت فيه علة الاعلال، وهى موازنة الفعل، فكيف يعل ؟ وليس كل اسم متصل بالفعل يعل هذا الاعلال.
قوله " ومقول ومخيط " هذا يحتاج إلى العذر، لانه موازن للامر نحو اذهب واحمد، وفيه المخالفة بالميم المزيدة في الاول، فكان الوجه الاعلال، فالعذر أنه مقصور من مفعال، فأجرى مجرى أصله، ولنا أن لا نقول: إنه فرعه، بل نقول: هما أصلان، ومفعل محمول على مفعال في ترك الاعلال، لكونه بمعناه، وهذا

أولى، إذا موافقته لمعناه لا تدل على أنه فرعه.
قوله " بغير ذلك " أي: لم تقلب عينها ألفا كما قلبت في أصولها لئلا يلتبس
وزن بوزن كما تكرر ذكرنا له قوله " للالباس بفاعل " أي: لو حركت الالف الثانية بعد الاعلال كما في قائل لا لتبس فعال وفعول وفعيل بفاعل، ولو حذفت الالف بعد قلبها لا لتبس بفعل - المفتوح العين والفاء - والحق أن يقال: إنها لم تعل، لانها ليست مما ذكرنا من أقسام الاسم التى تعل قوله " ونحو الجولان " هذا عجيب، فإن حركة اللفظ لا تناسب حركة المعنى إلا بالاشتراك اللفظى، إذ معنى حركة اللفظ أن تجئ بعد الحرف بشئ من الواو والياء والالف كما هو مشهور، وحركة المعنى على فراسخ من هذا، فكيف ينبه بإحداهما على الاخرى ؟ فالوجه قوله " أو لانه ليس بجار " أي كإقامة واستقامة كما ذكرنا من مناسبته للفعل، ولا موافق: أي موازن له موازنة مقام ومقام وباب ودار.
قوله " للالباس " أي: بالفعل.
قوله " ولا مخالف " لان شرط الموازن الموازنة المذكورة مخالفته بوجه حتى لا يلتبس بالفعل.
قوله " لمحافظة الالحاق " فإن الملحق لا يعل بحذف حركة ولا نقلها ولا حذف حرف لئلا يخالف الملحق به، فيبطل غرض الالحاق إلا إذا كان الاعلال في الاخر فإنه يعل لان الاواخر محل التغيير، ولان سقوط حركة الاخر كالمعزي لا يخل بالوزن كما ذكرنا في أول الكتاب (1)، وسقوط الحرف الاخير لاجل التنوين كلا سقوط كمعزى لان التنوين غير لازم للكلمة.
__________
(1) انظر (ح 1 ص 58) (*)

قوله " عليب " (1) وهو عند الاخفش ملحق بجخدب، وعند سيبويه
للالحاق أيضا كسودد، وإن لم يأت عنده فعلل كما يجئ بعد.
قوله " أو للسكون المحض " هذا هو الحق لا الاول، لان الواو والياء الساكن ما قبلهما إنما تقلبان ألفا لكون ذلك الساكن مفتوحا في أصل تلك الكلمة، ولم يثبت فيما نحن فيه حركة في الاصل.
قال: " وتقلبان همزة في نحو قائم وبائع المعتل فعله بخلاف نحو عاور، ونحو شاك وشاك شاذ، في نحو جاء قولان، قال الخليل: مقلوب كالشاكي وقيل: على القياس، وفى نحو أوائل وبوائع مما وقعتا فيه بعد ألف باب مساجد وقبلها واو أو ياء، بخلاف عواوير وطواويس، وضياون شاذ، وصح عواور، وأعل عيائيل لان الاصل عواوير فحذفت وعيائل فأشبع، ولم يفعلوه في باب معايش ومقاوم للفرق بينه بين باب رسائل وعجائز وصحائف، وجاء معائش بالهمز على ضعف، والتزم همز مصائب.
" أقول: كل ما في هذا الفصل قد تقدم ذكره بتعليله، وقول النحاة في هذا الباب: تقلب الواو والياء همزة، ليس بمحمول على الحقيقة، وذلك لانه قلبت العين ألفا ثم قلبت الالف همزة، فكأنه قلبت الواو والياء همزة.
__________
(1) العليب، بضم أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه -: موضع بتهامة.
قال جرير: غضبت طهية أن سببت مجاشعا * عضوا بصم حجارة من عليب ويقال: هو واد فيه نخل، قال أبو دهبل: فما ذر قرن الشمس حتى تبينت * بعليب نخلا مشرفا ومخيما وذلك لان النخل لا يكون في رءوس الجبال، فانه يطلب الدف ء (*)

قوله " بخلاف نحو عاور " يعنى أن اسم الفاعل محمول على الفعل في الاعلال
كما تقدم، فلما صح فعله هو أيضا قوله " ونحو شاك وشاك شاذ " يعنى أن بعض العرب يقلب العين إلى موضع اللام في بعض أسماء الفاعلين من الاجوف، فيعله إعلال قاض، قال: 141 - * لاث به الاشاء والعبرى * (1) وقال: 142 - فتعرفوني، إننى أنا ذاكم * شاك سلاحي في الحوادث معلم (4)
__________
(1) هذا بيت من الرجز المشطور، وهو للعجاج يصف أيكة، وقبله: في أيكة فلا هو الضحى * ولا يلوح نبته الشتى لاث به...البيت * فتم من قوامها القومي الايكة: غيضة تنبت السدر والاراك، والضحى: البارز للشمس، وهو فعيل من ضحى يضحى - كرضى يرضى -، ولاث: أصله لائث، تقول: نبات لائث، ولاث، إذا التف واجتمع بعضه على بعض، وأصله من لاث يلوث، إذا اجتمع والتف، والاشاء - بالفتح والمد -: صغار النخل، واحدته أشاءة، والعبرى: مالا شوك فيه من السدر.
وما فيه شوك منه يسمى الضال، ويقال: العبرى ما نبت على شطوط الانهار.
والقوام - بالفتح -: الاعتدال، والقومي: القامة وحسن الطول.
والاستشهاد بالبيت في قوله " لاث " على أن أصله لاوث فقدمت الثاء على الواو فصار لاثو، ثم قلبت الواو ياء لتطرفها إثر كسرة، ثم أعل إعلال قاض.
(2) هذا البيت من الكامل، وهو لطريف بن تميم العنبري.
وقبله قوله: أو كلما وردت عكاظ قبيلة * بعثوا إلى عريفهم يتوسم وعكاظ: سوق من أسواق العرب قريبة من عرفات كانوا يجتمعون فيها من نصف ذى القعدة إلى هلال ذى الحجة، والعريف: النقيب، وهو دون الرئيس
الاعلى، ويتوسم: يتفرس، وشاك: أصله شاوك فقدمت الكاف على الواو، ثم (*)

وهذا هو الذى غر الخليل حتى ارتكب في جميع اسم الفاعل من الاجوف المهموز اللام القلب، فقال: إذا كانوا يقلبون في الصحيح اللام خوفا من الهمزة الواحدة بعد الالف فهم من اجتماع همزتين أفر، وهكذا لما رآهم قالوا في جمع شائع: شواع (1) بالقلب، قال: فهو في نحو خطايا ومطايا وجواء وشواء أولى، والجواب أنهم إنما التجئوا إلى القلب في لاث وشاك خوفا من الهمزة بعد الالف، وأما في نحو جاء فيلزم همزة واحدة بعد الالف، سواء قلبت اللام إلى موضع العين أولا، قال سيبويه: وأكثر العرب يقولون: لاث وشاك - بحذف العين - فكأنهم قلبوا العين ألفا ثم حذفوا العين للساكنين، ولم يحركوها فرارا من الهمزة، والظاهر أن المحذوفة هي الثانية، لان الاولى علامة الفاعلية، ويجوز أن يكون أصل لاث وشاك لوث وشوك مبالغة لائث كعمل في عامل ولبث في لابث،
__________
أعلت بقلب الواو ياء، ثم عومل معاملة قاض، ومعلم بزنة اسم الفاعل أو المفعول الذى أعلم نفسه في الحرب بعلامة ليعرف بها، وكانوا لا يأتون عكاظ إلا ملثمين مخافة الاسر.
والاستشهاد بالبيت في قوله " شاك " على أنه اسم فاعل من شاك يشوك لانه من الشوكة، ويقال: هو اسم فاعل من شك في نحو قول عنترة: فشككت بالرمح الاصم ثيابه * ليس الكريم على القنا بمحرم وأصله على هذا شاكك، فقلبوا ثانى المثلين ياء، كما قالوا: أمليت في أمللت، ثم عومل معاملة قاض، ويقال: هو بزنة فعل - بفتح فكسر - وأصله شوك قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ووجه رابع وهو أن أصله شاوك على وزن فاعل فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها مع عدم الاعتداد بالالف ثم حذفت الالف الثانية التى هي عين الكلمة، وعلى الثالث والرابع تجرى حركات الاعراب
على الكاف، بخلاف الوجهين الاولين فانه عليهما يعرب إعراب المنقوص، فان كانت رواية البيت بكسر الكاف لم يجر فيه إلا الوجهان: الاول والثانى، وإن كانت الرواية بضمها لم يجر فيه إلا الثالث والرابع (1) انظر (ح 1 ص 22) (*)

فيكونان ككبش صاف ويوم راح، وقد مضى البحث في جاء في أول الكتاب (1) قوله " وفى نحو أوائل " يعنى إذا اكتنف حرفا علة ألف باب مساجد قلبت الثانية ألفا، للقرب من الطرف واجتماع حرفي علة بينهما فاصل ضعيف، ثم تقلب الثانية همزة كما في قائل وبائع، على ما تقدم، سواء كان كلاهما واوا كما في أواول، أو كلاهما ياء كما في بيع وبيايع، أو الاول واوا والثانى ياء كما في بوايع جمع بويعة فوعلة من البيع، أو بالعكس نحو عيايل جمع عيل، وأصله عيول، لانه من عال يعول، وكان قياس ضياون (2) ضيائن، بالهمز، لكنه شذ في الجمع كما شذ في المفرد، وليس ذلك بمطرد، ألا ترى أنك تقول: بنات ألببه (3) بفك الادغام، فإذا جمعت قلت بنات ألابه مدغما، والمسموع من جميع ذلك
__________
(1) انظر (ح 1 ص 25) (2) الضياون: جمع ضيون، والضيون: السنور الذكر، (3) " بنات ألببه " أجمع العلماء في رواية هذه الكلمة على الفك، واختلفوا في ضبطها، فرواها جماعة بفتح الباء الاولى على أنه أفعل تفضيل من قولهم: رجل لب - كسمح - إذا كان عاقلا، والضمير عائد على الحى والقبيلة، فكأنه قيل: بنات أعقل هذا الحى، ورواها قوم بضم الباء الاولى على أنه جمع لب، نحو قول الكميت: إليكم ذوى آل النبي تطلعت * نوازع من قلبى ظماء وألبب
وبنات ألبب - على هذا الوجه الاخير -: اسم لعروق متصلة بالقلب تكون منها الرقة، وقد قالت أعرابية: تأبى له ذاك بنات ألببى، انظر (ح 1 ص 254) ثم اعلم أن هذا الذى ذكره المؤلف ههنا من أنك تدغم في الجمع هو ما ذكره في التصغير، وظاهر عبارته يفيد أنه ليس لك إلا الادغام في التصغير والجمع، لان الفك في الواحد والمكبر شاذ، والشاذ لا يلجئ إلى شاذ مثله، ولكن العلماء قد نقلوا في الجمع والتصغير جميعا الوجهين: الادغام، والفك، وارجع ثانيا إلى المواضع الذى أحلناك عليه من الجزء الاول (*)

ما اكتنف ألف الجمع فيه واوان، وقاس سيبويه الثلاثة الباقية عليه، لاستثقال الياءين والياء والواو كاستثقال الواوين، وقال الاخفش: القياس أن لا يهمز في الياءين، ولا في الياء والواو، لان اجتماعهما ليس كاجتماع الواوين، وأما رائع جمع بائعة، فإنما همز لكونه جمع ما همز عينه، فإذا بنيت اسم الفاعل من حيى وشوى قلت حاى بالياء وشاو كقاض، وتقول في جمعهما لغير العقلاء: حوايا وشوايا عند سيبويه، لوقوع ألف الجمع بين واو وياء في جمع حاى وبين واوين في جمع شاو، ولا تتبع جمع شاو واحده (1) كما فعلت في جمع إداوة إذ لو أتبعت لقلت شواوى، فكان فرارا إلى ما فر منه، على ما ذكرناه في تخفيف الهمزة، وتقول على مذهب الاخفش: حواى بالياء، وأما شوايا فلا خلاف فيه لاجتماع الواوين قوله " بخلاف عواوير وطواويس " يعنى إذا بعدت حروف العلة التى بعد ألف الجمع عن الطرف لم تقلبها ألفا، سواء كان المكتنفان واوين كطواويس، أو ياءين كبياييع جمع بياع، أو مختلفين كقياويم جمع قيام وبوابيع جمع بياع على وزن توراب من باع، لو جمعت الاسماء المذكورة هذه الجموع، وأما عواور جمع عوار وهو القذى فلان أصله عواوير فحذفت الياء اكتفاء بالكسرة، قال:
143 - وكحل العينين بالعواور (2)
__________
(1) في نسخة " ولا تتبع الجمعين واحديهما، كما فعلت في جمع إداوة، إذ لو أتبعت جمع حاى واحده لقلت أيضا حوايا، ولو أتبعت جمع شاو لقلت شوايا، فكان فرارا - الخ " (2) هذا البيت من مشطور الرجز، وهو لجندل بن المثنى الطهوى يخاطب فيه امرأته، وقبله قوله: غرك أن تقاربت أبا عرى * وأن رأيت الدهر ذا الدوائر * حنى عظامي وأراه ثاغرى * وقوله " تقاربت أبا عرى " قيل: معناه دنت من منازلنا، وهو كناى عن لزوم (*)

وعيائيل بالهمز لان أصله عيائل: إذ هو حمع عيل كسيد، وهو الفقير، فأشبع الكسرة، قال 144 - فيها عيائيل أسود ونمر (1)
__________
الدار وعدم خروجه للنجعة واستمناح الملوك، لضعفه وكبره، ويقال: معناه قلت فهو كناية عن الفقر، والدوائر: جمع دائرة، وهى اسم فاعل من دار يدور، وأراد بها المصائب والنوائب، وحنى عظامي: قوسها، وإنما يكون ذلك عند الشيخوخة والكبر، وثاغرى: اسم فاعل من ثغره: أي كسر ثغره: أي أسنانه، والعواور: جمع عوار - بضم العين وتشديد الواو - وهو القذى يسقط في العين فيؤذيها.
والاستشهاد بالبيت في قوله " بالعواور " حيث صحح الواو الثانية مع قربها من الاخر، وذلك لان أصله العواوير، فلما اضطر الشاعر حذف الواو (1) هذا البيت من مشطور الرجز، وهو لحكيم بن معية الربعي من بنى تميم، وقبله قوله:
أحمى قناة صلبة ما تنكسر * صماء تمت في نياف مشمخر حفت بأطواد عظام وسمر * في أشب الغيطان ملتف الحظر أحمى: مضارع حمى قومه - كرمى - حماية، إذا منعهم ودافع عنهم، والقناة: الرمح، والصلبة: الشديدة القوية، والصماء: التى يكون جوفها غير فارغ، وتمت: كملت واستوت في منبتها، والنياف - ككتاب -: العالي المرتفع، وأراد جبلا، وأجود منابت الرماح قمم الجبال، وأصله نواف فقلبت الواو ياء شذوذا، لانه ليس بمصدر ولا يجمع ومشمخر: اسم فاعل من اشمخر: أي علا وارتفع، وحفت: أحيطت، والاطواد: جمع طود، وهو الجبل، والسمر: اسم جنس جمعى واحدته سمرة، وهو نوع من الشجر عظيم طويل، والاشب - بفتح فكسر -: الملتف الذى لا يمكن الدخول فيه إلا بشدة، والحظر: يقال: هو بفتح الحاء وكسر الظاء، وهو الموضع الذى يحيط به الشجر، ويقال: هو بضمتين، وهو جمع حظيرة، والعيائيل: جمع عيل - بتشديد الياء وكسرها - وهو فيعل من عال يعيل إذا تبختر أو من عال الفرس يعيل إذا تكفأ في مشيه وتمايل، وذلك لكرمه، ويقال: اشتقاقه من عال يعيل إذا افتقر، والنمر - بضمتين -: جمع نمر - بفتح فكسر - وقياسه (*)

روعى الاصل في الجمعين هذا كله في الجمع، وأما إن وقع مثل ذلك في غير الجمع فإن سيبويه يقلب الثاني أيضا ألفا ثم همزة، فيقول: عوائر وقوائم، على وزن فواعل من عور وقام، وكذا يقول في مطاء ورماء وحياء وشواء من مطا ورمى وحيى وشوى، فيصير ثانى المكتنفين في الجميع (1) همزة، لانه وإن فات ثقل الجمع إلا أن ضم أوله ألحقه ثقلاما، قال: لا تقلب الهمزة ههنا ياء مفتوحة، والياء بعدها ألفا، كما فعل في الجمع، فلا يقال مطايا ورمايا وحيايا
وشوايا، لئلا يلتبس ببناء شكاعى (2) وحبارى، ويجوز أن يقال: إن ثقل
__________
نمور، فحذفت الواو.
والاستشهاد بالبيت في قوله " عيائيل " حيث أبقى الهمزة المنقلبة عن الياء، لانه لم يعتد بالمدة التى قبل الطرف، لانها للاشباع وليست في مقابلة حرف في المفرد (1) قوله " فيصير ثانى المكتنفين في الجميع همزة " غير مستقيم، وذلك أنه لم يكتنف الالف حرفا علة إلا في حياى وشواى، وأما مطاء ورماء فليسا كذلك كما هو ظاهر، والذى أوقع المؤلف في ذلك أنه نقل عبارة سيبويه فخلط بين نوعين من الامثلة ميز سيبويه أحدهما عن الاخر، وهاك عبارته (ح 2 ص 385): " وفواعل منهما (يريد: حوى وشوى) بمنزلة فواعل (يريد الجمع) في أنك تهمز ولا تبدل من الهمزة ياء، كما فعلت ذلك في عورت، وذلك قولك عوائر، ولا يكون أمثل حالا من فواعل وأوائل، وذلك قولك: شواء، وأما فعائل من بنات الياء والواو فمطاء ورماء، لانها ليست همزة لحقت في جمع، وإنما هي بمنزلة مفاعل من شأوت وفاعل من جئت، لانها لم تخرج على مثال مفاعل، وهى في هذا المثال بمنزلة فاعل من جئت، فهمزتها بمنزلة همزة فعال من حييث، وإن جمعت قلت: مطاء، لانها لم تعرض في الجمع " اه (2) الشكاعى: نبت دقيق العيدان صغير أخضر وله زهرة حمراء، والناس يتداوون به.
قال عمرو بن أحمر الباهلى - وكان قد تداوى به وشفى -: شربت الشكاعى والتددت ألدة * وأقبلت أفواه العروق المكاويا (*)

الضمة ليس كثقل الجمعية، فلم يطلب معها غاية التخفيف كما طلبت مع الجمع الاقصى، بل اقتصر على شئ منه، وذلك بقلب ثانى المكتنفين ألفا، ثم همزة، قال سيبويه: فإن جمعت مطاء قلت: مطاء لا مطايا، لان الهمزة كانت في
المفرد ولم تعرض في الجمع، فهو مثل شواء جمع شائية كما تقدم في تخفيف الهمزة، والاخفش والزجاج لا يغيران ثانى المكتنفين في غير الجمع، فيقولان: عواور وقواوم ومطاو ورماى وحياى وشواى، لخفة المفرد قوله " ولم يفعلوه في باب معايش " أي: فيما وقع بعد ألف الجمع فيه واو أو ياء ليست بمدة زائدة، سواء كانت أصلية كما في مقيمة ومقاوم ومريبة ومرايب، أو زائدة كما في جداول وعثاير، فتبقى على حالها: أما الاصلية فلاصالتها، وأما الزائدة المتحركة فلقوتها بالحركة وكونها للالحاق بحرف أصلى، وإن كانت الواو والياء مدة زائدة في المفرد قلبت ألفا ثم همزة، كما في تنائف وكبائر، وقد يهمز معايش، تشبيها لمعيشة بفعيلة، والاكثر ترك الهمز، وكذا قد يهمز المنائر في جمع منارة، تشبيها لها بفعالة، والفصيح المناور، والتزم الهمز في المصائب تشبيها لمصيبة بفعيلة، كما جمع مسيل على مسلان تشبيها له بفعيل أو توهما، وهى - أعنى مصائب ومنائر ومعائش - بالهمز شاذة قال: " وتقلب ياء فعلى اسما واوا في نحو طوى وكوسى، ولا تقلب في الصفة، ولكن يكسر ما قبلها لتسلم الياء، نحو مشية حيكى وقسمة ضيزى، وكذلك باب بيض، واختلف في غير ذلك، فقال سيبويه: القياس الثاني: فنحو مضوفة شاذ عنده، ونحو معيشة يجوز أن يكون مفعلة ومفعلة، وقال الاخفش: القياس الاول، فمضوفة قياس عنده، ومعيشة مفعلة، وإلا لزم معوشة وعليهما لو بنى من البيع مثل ترتب لقيل: تبيع وتبوع "

أقول: قوله " طوبى " إما أن يكون مصدرا كالرجعى، قال تعالى: (طوبى لهم) أي: طيبا لهم، كقوله تعالى (تعسا لهم)، وإما أن يكون مؤنثا
للاطيب، فحقه الطوبى، باللام، وحكمه حكم الاسماء، كما قال سيبويه: هذا باب ما تقلب فيه الياء واوا، وذلك إذا كان أسما كالطوبى والكوسى، قال: لانها لا تكون وصفا بغير الالف واللام، فأجرى مجرى الاسماء التى لا تكون وصفا بغير الالف واللام، لانها لا تستعمل مع " من " كما هو معلوم، وأما مع الاضافة فإن المضاف إليه يبين الموصوف، لان أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه، فلا تقول: عندي جارية حسنى الجوارى، لان الجوارى تدل على الموصوف، فلما لم تكن فعلى بغير لام صفة ولم تتصرف في الوصفية تصرف سائر الصفات جرت مجرى الاسماء، ولقلة معنى الوصف في أفعل التفضيل انصرف المجرد منه من " من " إذا نكر بعد العلمية اتفاقا، بخلاف باب أحمر، فان فيه خلافا كما مر في بابه (1) يقال: مشية حيكى، إذا كان فيها حيكان: أي تبختر، قال سيبويه: هو فعلى بالضم لا فعلى بالكسر، لان فعلى لا تكون صفة، وإما عزهاة (2)
__________
(1) قد ذكرنا ذلك فيما مضى ونقلنا لك العبارة التى يشير إليها هنا من شرح الكافية فارجع إليه في (ح 2 ص 169) (2) العزهاة: الذى لا يطرب للهو.
وأعلم أن العلماء قد اختلفوا في مجئ فعلى - بكسر فسكون - صفة، فأثبته قوم ونفاه شيخ هذه الصناعة سيبويه، وذكر أنه لا يجئ صفة إلا بالتاء (ح 2 ص 321)، فأما من أثبتوه فقد ذكروا من أمثلته عزهى، وسعلى، وكيصى، قد رد عليهم أنصار سيبويه بانكار الاولين، وقالوا: لا نعرفها إلا بالتاء، وأما المثال الثالث فلا يلزم أن يكون فعلى - بكسر الفاء - وإنما يجوز أن يكون أصله فعلى - بالضم - فقلبت الضمة كسرة لتسلم الياء، والالف في الثلاثة للالحاق: أما في الاولين فللا لحاق بدرهم، وأما في الثالث فللالحاق بجخدب (*)

فهو بالتاء، وقد أثبت بعضهم رجل كيصى للذى يأكل وحده، ويجوز أن يكون فعلى بالضم فيكون ملحقا بجخدب، كما في سودد وعوطط (1)، ولا يضر تغيير الضمة بالالحاق، لان المقصود من الالحاق - وهو استقامة الوزن والسجع ونحو ذلك - لا يتفاوت به، وإنما قلبت في الاسم دون الصفة فرقا بينهما، وكانت الصفة أولى بالياء لثقلها قوله " وكذلك باب بيض " يعنى جمع أفعل وفعلاء، وذلك لثقل الجمع وقد يترك في باب بيض جمع أبيض الضمة بحالها فتقلب الياء واوا، وذلك لخفة الوزن قوله " واختلف في غير ذلك " أي: في غير فعل وفعلى الجمع والصفة، سواء كان على فعل كما إذا بنيت على وزن برد من البيع، أو على غير وزن فعل فسيبويه يقلب الضمة كسرة، لتسلم الياء، ولا تقلب الياء واوا، لان الاول أقل تغييرا، والاخفش يعكس الامر، مستدلا باتفاقهم على قلب الياء - إذا كانت فاء - واوا لضمة ما قبلهما، نحو موسر، وأجيب بأن ذلك للبعد من الطرف، بخلاف ما إذا كانت الياء قريبة من الاخر، كما فيما نحن فيه قوله " فمضوفة (2) شاذ " لان المضوفة الشدة، وهى من الضيافة، لانها تحتاج في دفعها إلى انضياف بعض إلى بعض، وهو يائى، لقولهم: ضيفة
__________
(1) اختلف العلماء في هذه الكلمة فجعلها بعضهم جع عائط، وأصله على هذا عوط بطاء واحدة، مثل حائل وحول، فزيدت الطاء الثانية كما تزيد في زيد دالا فتقول: زيدد، وكما تزيد في خرج جيما فنقول: خرجج، ونحو ذلك، وذهب بعض العلماء إلى أن عوططا مصدر عاطت الناقة تعوط عوطا وعوططا، إذا لم تحمل أول عام تطرق فيه، (2) قد وردت هذه الكلمة في قول أبى جندب بن مرة الهذلى:
وكنت إذا جارى دعا لمضوفة * أشمر حتى ينصف الساق مئزري (*)

قال: " وتقلب الواو المكسور ما قبلها في المصادر ياء نحو قياما وعياذا وقيما، لاعلال أفعالها، وحال حولا شاذ كالقود، بخلاف مصدر نحو لاوذ، وفى نحو جياد وديار ورياح وتير وديم، لاعلال المفرد، وشذ طيال، وصح رواء جمع ريان، كراهة إعلالين، ونواء جمع ناو، وفى نحو رياض وثياب، لسكونها في الواحد مع الالف بعدها، بخلاف كوزة وعودة، وأما ثيرة فشاذ " أقول: كان حق الواو المتحركة المكسور ما قبلها أن لا تقلب ياء، إلا في آخر الكلمة، نحو رأيت الغازى، كما أن الياء المتحركة المضموم ما قبلها لا تقلب واوا كالترامي والهيام والعيبة، وذلك لان اقتضاء الكسرة للياء بعدها كاقتضاء الضمة للواو بعدها، والواو والياء يتقويان بالحركة، فلا يقدر كسرة ما قبل أحدهما وضم ما قبل الاخر على قلبها، وإذا كانا مضعفين فهما أشد قوة نحو اجلواذ وبيع، واجليواذ وديوان شاذان، لكنه قد يعرض للواو المتحركة غير المتطرفة المكسور ما قبلها ما يقتضى قلبها ياء، وهو الحمل على غيره كما في قام قياما، لم يثبت ذلك في الياء المتحركة غير المتطرفة المضموم ما قبلها، فبقيت على الاصل، فنقول: قلبت الواو المذكورة ياء لثلاثة أشياء: أحدها: أن تكون الكلمة مصدرا لفعل معل نحو عاذ عياذا واقتاد اقتيادا، ولا نريد كون الفعل معلا بهذا الاعلال، بل كون الفعل أعل إعلالا ما، كما أن الواو في عياذ قلبت ياء لاعلال عاذ بقلب الواو ألفا، وتصحيح الواو في حال حولا شاذ كشذوذ تصحيح الواو في القود، بخلاف مصدر نحو لاوذ، لان فعله مصحح،
ولم يقلب نحو عوض، لانه ليس بمصدر، وقوله تعالى (دينا (1) قيما) في الاصل مصدر
__________
(1) قد وصف بقيم في الاية الكريمة، والاصل في هذه الياء الواو، لانها (*)

وثانيها: أن تكون الكلمة جمعا لواحد أعلت عينه بقلبها ألفا كما في تارة وتير، أو ياء كما في ديمة وديم وريح ورياح، وشذ طيال جمع طويل، إذ لم تعل عين واحده، وصح رواء مع أن واحده معل العين، أعنى ريان، كما صح هوى وطوى، كراهة الاعلالين، وصح نواء جمع ناو: أي سمين (1)، لانه لم يعل واو واحده، ولو أعل أيضا لم يجز إعلال الجمع، لاجتماع إعلالين وثالثها - وهو أضعفها، ومن ثم احتاج إلى شرط آخر، هو كون الالف بعد الواو الواقعة بعد الكسر - كون الكلمة جمعا لواحد ساكن عينه، كحياض وثياب ورياض، وإنما احتيج إلى شرط آخر لان واو الواحد لم تعل، بل فيها شبه الاعلال، وهو كونها ساكنة، لان السكون يجعلها ميتة فكأنها معلة، وإنما أثر الشرط المذكور لان كون الواو بين الكسرة والالف كأنه جمع بين حروف العلة الثلاثة، فيقلب أثقلها: أي الواو، إلى ما يجانس حركة ما قبلها: أي الياء، وهذا الشرط - وإن لم يكن شرطا في الاولين نحو قيم وتير وديم - لكنه يقويهما، فلهذا جوز تصحيح حولا، وإن كان مصدر فعل فعل معل، وجاز ثيرة
__________
من قام يقوم، وظاهر الامر أن قلب الواو ياء شاذ، لان قياس القلب لا يكون إلا في المصدر أو الجمع، وقد أراد المؤلف أن يبين أن القلب في هذه الكلمة قياسي وأن ظاهر الامر غير مراعى، فحملها على أنها في الاصل مصدر قام، مثل الصغر والكبر، ثم نقل من المصدرية إلى الوصفية، فوصف به كما يوصف بعدل ورضا، وغور في نحو قوله تعالى (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا...الاية) وأبقى على أصله من الاعلال
(1) يقال: نوت الناقة تنوى نيا ونواية ونواية - بفتح النون وكسرها - فهى ناوية من نوق نواء، إذا سمنت، وكذلك يقال للجمل والرجل والمرأة والفرس، قال أبو النجم: أو كالمكسر لا تؤوب جياده * إلا غوانم وهى غير نواء (*)

مع ثورة لحمله على ثيران، وصح خوان (1) وصوان (2)، لانه ليس بجمع قال " وتقلب الواو عينا أو لاما أو غيرهما ياء إذا اجتمعت مع ياء وسكن السابق، وتدغم ويكسر ما قبلها إن كان ضمة، كسيد وأيام وديار وقيام وقيوم ودلية وطى ومرمى ونحو مسلمى رفعا، وجاء لى في جمع ألوى - بالكسر والضم - وأما نحو ضيون وحيوة ونهو فشاذ، وصيم وقيم شاذ، وقوله * فما أرق النيام إلا سلامها * أشذ " أقول: قوله " عينا " كما في طى وسيد وأيام وديار وقيام وقيوم، إذ أصلها أيوام وقيوام وقيووم، على فيعال وفيعول، ولو كانا فعالا وفعولا لقيل قوام وقووم قوله " لاما " كما في دلية، وأصله دليوة قوله " أو غيرهما " كما في مرمى ومسلمي، إذ الواو في الاول للمفعول، والثانى واو الجمع اعلم أن الواو والياء - وإن لم يتقاربا في المخرج (3) حتى يدغم أحدهما في الاخر كما في ادكر (4) واتعد (5) - لكن لما استثقل اجتماعهما اكتفى
__________
(1) انظر (ح 1 ص 110، 111) (2) الصوان - ككتاب وغراب -: ما تصان فيه الثياب، وقد قالوا فيه: صيان بقلب الواو ياء على غير قياس
(3) مخرج الواو ما بين الشفتين، ومخرج الياء وسط اللسان وما يحاذيه من الحنك الاعلى (4) أصل ادكر اذتكر بوزن افتعل من الذكر، استثقل مجئ التاء، وهى من الحروف المهموسة، بعد الذال وهى من المجهورة، فأبدلت التاء دالا، لانها توافق التاء في المخرج وتوافق الذال في الصفة: أي الجهر، فصار إذ دكر، فيجوز فيه حينئذ ثلاثة أوجه: الاظهار، والادغام بقلب الدال ذالا، والادغام بقلب الذال دالا، وأقل الثلاثة الادغام بقلب الدال ذالا (5) أصل أتعد إو تعد فقلبت الواو تاء وأدغمت في التاء (*)

لتخفيفهما بالادغام بأدنى مناسبة بينهما، وهى كونهما من حروف المد واللين، وجرأهم على التخفيف الادغامى فيهما كون أولهما ساكنا، فإن شرط الادغام سكون الاولى، فقلبت الواو إلى الياء، سواء تقدمت الواو أو تأخرت، وإن كان القياس في إدغام المتقاربين قلب الاول إلى الثاني، وإنما فعل ذلك ليحصل التخفيف المقصود، لان الواو والياء ليستا بأثقل من الواو المضعفة، وإنما لم يدغم في سوير وتبويع، قال الخليل: لان الواو ليست بلازمة، بل حكمها حكم الالف التى هي بدل منها، لان الاصل ساير وتبايع، فكما أن الالف التى هي أصل هذه الواو لا تدغم في شئ، فكذلك الواو التى هي بدل منها، ولذلك لم يدغم نحو قوول وتقوول، وأيضا لو أدغم نحو سوير وتسوير وقوول وتقوول لا لتبس بفعل وتفعل، وليس ترك الادغام فيه لمجرد المد، إذ المد إنما يمنع من الادغام إذا كان في آخر كلمة، نحو قوله (قالوا وأقبلوا) و (في يوم) أما في الكلمة الواحدة فلا، نحو مغزو ومرمى، وذلك لان الكلمتين بعرض الزوال، فاجتمع مع خوف زوال المد عدم الاتصال التام، ولا تدغم أيضا في نحو ديوان واجليواذ،
لان القلب عارض على غير القياس، وبزول ذلك في جمع ديوان وتصغيره نحو دواوين ودويوين، وتقول في اجليواذ: اجلوذ (على الاكثر) ولو كان ديوان فيعالا لوجب قلب الواو ياء وإدغام الياء فيها كما في أيام، لكنه فعال، قلبت الواو ياء على غير القياس كما قلب في قيراط، وجمعه قراريط، وكذا لا تدغم إذا خففت في نحو رؤيا ورؤية بقلب الهمزة واوا، بل تقول: رويا وروية، وبعض العرب يقلب ويدغم فيقول: ريا ورية، ولا يجوز ذلك في سوير وبويع على حال، لحصول الالتباس بباب فعل، بخلاف نحو ريا ورية، ويقيس عليه بعض النحاة فيقول في تخفيف قوى: قى، وإذا خففت نحو رؤية ونؤى وأدغمت جاز الضم والكسر، كما في لى جمع ألوى، كما ذكرنا، وكذا إذا بنيت مثل فعل

من وايت وخففت الهمزة بالقلب قلت: وى (1) ووى، وكذا فعل من شويت شى وشى، وأما حيوة فقلبت الياء الثانية واوا في العلم خاصة، لان الاعلام كثيرا ما تغير إلى خلاف ما يجب أن تكون الكلمة عليه، تنبيها على خروجها عن وضعها الاصلى كموهب (2) وموظب (3)
__________
(1) أصل وى وؤى - كقفل - فخففت الهمزة بقلبها واوا كما في لوم وسوت، فصار وويا - بواوين أولاهما مضمومة والثانية ساكنة - أما ابن الحاجب فيرى في ذلك عدم وجوب قلب أولى الواوين همزة، لسكون الثاني، ويجوز عنده بقاء الواوين، لان الثانية منقلبة عن همزة انقلابا جائزا فحكمها حكم الهمزة، فلا يجب قلبها ياء، ويجوز قلب الواو الثانية ياء، لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون على مذهب من يقيس من النحاة على قول العرب ريا ورية - مخففي رؤيا ورؤية - وأما المؤلف فانه أوجب قلب أولى الواوين همزة في هذا، وحكاه عن الخليل وجمهور النحويين، وندد على المصنف انفراده باشتراط تحرك ثانية الواوين، ثم بعد هذا: إما أن
لا تقلب الواو الثانية ياء وإما أن تقلب على نحو ما قدمنا، فإذا علمت هذا تبين لك أن أقول المؤلف " وى بضم الواو وكسرها " غير مستقيم على ما ارتضاه هو فيما سبق في فصل قلب الواو همزة، وهو مستقيم على أحد الوجهين اللذين يجوزان عند ابن الحاجب (2) موهب: اسم رجل، قال أباق الدبيرى: قد أخذتنى نعسة أردن * وموهب مبز بها مصن قال سيبويه: " جاءوا به على مفعل لانه اسم ليس على الفعل، إذ لو كان على الفعل لكان مفعلا " اه.
يريد أنهم بنوه على مفعل بفتح العين لما ذكر، ولو انهم جاءوا به على مذهب الفعل لقالوا موهب - بالكسر - كما هو قياس المصدر واسم الزمان والمكان من المثال الواوى، وقال في اللسان: " وقد يكون ذلك لمكان العلمية، لان الاعلام مما تغير عن القياس " اه (3) قال في اللسان: " وموظب - بفتح الظاء - أرض معروفة، وقال أبو العلاء: هو موضع مبرك إبل بنى سعد مما يلى أطراف مكة، وهو شاذ كمروق، (*)

ومكوزة (1) وشمس (2)، ونحو ذلك، وعند المازنى واو حيوة أصل، كما ذكرنا في الحيوان، وأما نهو فأصله نهوى لانه فعول من النهى، يقال: فلان نهو عن المنكر: أي مبالغ في النهى عنه، وقياسه نهى
__________
وكقولهم: ادخلوا موحد موحد، قال ابن سيده: وإنما حق هذا كله الكسر، لان آتى الفعل منه إنما هو على يفعل كيعد، قال خداش بن زهير: كذبت عليكم أو عدوني وعللوا * بى الارض والاقوام قردان موظبا
أي عليكم بى وبهجائى يا قردان موظب، إذا كنت في سفر فاقطعوا بذكرى الارض، قال: وهذا نادر، وقياسه موظب (بالكسر) وقال ياقوت: " القياس أن كل ما كان من الكلام فاؤه حرف علة فان المفعل منه مكسور العين مثل موعد ومورد وموحل إلا ما شذ مثل مورق اسم موضع، وموزن وموكل موضع، وموهب وموظب اسمان لرجلين، وموحد في العدد " اه.
ومورق اسم رجل، قال الاعشى: فما أنت إن دامت عليك بخالد * كما لم يخلد قبل ساسا ومورق ومن ذلك موزع، وهو موضع باليمن من مدن تهائم اليمن، ومنها، موزن، وهو تل، ويقال: بلد بالجزيرة وفيه يقول كثير: كأنهم قصرا مصابيح راهب * بموزن روى بالسليط ذبالها (1) قال في اللسان: " وكويز ومكوزة اسمان، شذ مكوزة عن حد ما تحتمله الاسماء الاعلام من الشذوذ، نحو قولهم: محبب ورجاء بن حيوة، وسمت العرب مكوزة ومكوازا " اه.
ووجه الشذوذ في مكوزة أنه لم يعل بالنقل والقلب على نحو ما في مقالة ومنارة، وهذا عند غير المبرد، وأما عنده فلا شذوذ، لان شرط الاعلال أن يكون الاسم متضمنا معنى الفعل (2) شمس - بضم فسكون -: هو شمس بن مالك، قال تأبط شرا: وإنى لمهد من ثنائي فقاصد * به لابن عم الصدق شمس بن مالك (*)

قوله " وصيم وقيم شاذ " يعنى أن حق الواو إذا جامعت الياء وأولاهما ساكنة قلبها ياء، وههنا اجتمعت الواوان وأولاهما ساكنة فقلبتا ياءين، فلذا شذ، والاولى أن يذكر شذوذ مثله بعد ذكر فصل دلى ومرضى، وذلك لان الواو المشددة - وإن قربت من الحرف الصحيح - لكنها تقلب ياء إذا
وقعت في الجمع طرفا، لثقل الجمع، وكون الطرف محل التخفيف، فهى في قوم وصوم لم تقع طرفا، ومع ذلك قلبت ياء، فهو شاذ، ووجه القلب فيه - مع ذلك - قربه من الطرف في الجمع، ويجئ بعد أن القلب في مثله قياسي، وإنما كان النيام أشذ لكونه أبعد من الطرف، قال 145 - ألا طرقتنامية ابنة منذر * فما أرق النيام إلا سلامها (1) قال: " وتسكنان وتنقل حركتهما في نحو يقوم ويبيع: للبسه بباب يخاف، ومفعل ومفعل كذلك، ومفعول نحو مقول ومبيع كذلك، والمحذوف عند سيبويه واو مفعول، وعند الاخفش العين، وانقلبت واو مفعول
__________
وشمس بن مالك هو الشنفرى الازدي العداء صاحب تأبط شرا وعمرو بن براق في اللصوصية والعدو، ويقال: بطن من الازد من مالك بن فهم (1) هذا بيت من الطويل، قائله ذو الرمة، وروى صدره * ألا خيلت مى وقد نام صحبتي * وروى عجزه * فما أرق التهويم إلا سلامها * طرقتنا: زارتنا ليلا، والتخييل: بعث الخيال، ومى: معشوقة الشاعر، والتأريق: التسهيد، والتهويم: أصله النوم الخفيف، وأراد به هنا النائمين.
والاستشهاد بالبيت في الرواية المشهورة على أن النيام أشذ من صميم، وذلك لان الواو في صوم قريبة من الطرف، فعوملت معاملة الواو الواقعة طرفا، كما في عتى وجثى جمعى عات وجاث، بخلافها في النيام فانها بعيدة من الطرف، فلم يكن لمعاملتها معاملة الواو الواقعة طرفا وجه

عنده ياء للكسرة فخالفا أصليهما، وشذ مشيب ومهوب، وكثر نحو
مبيوع، وقل نحو مصوون، وإعلال تلوون ويستحيى قليل، وتحذفان في نحو قلت وبعت وقلن وبعن، ويكسر الاول إن كانت العين ياء أو مكسورة، ويضم في غيره، ولم يفعلوه في لست، لشبه الحرف، ومن ثم سكنوا الياء، وفى قل وبع، لانه عن تقول وتبيع، وفى الاقامة والاستقامة، ويجوز الحذف في نحو سيد وميت وكينونة وقيلولة " أقول: إذا تحرك الواو والياء وسكن ما قبلهما فالقياس أن لا يعلا بنقل ولا بقلب، لان ذلك خفيف، لكن إن اتفق أن يكون ذلك في فعل قد أعل أصله باسكان العين، أو في أسم محمول عليه سكن عين ذلك الفعل والمحمول عليه، إتباعا لاصله، وبعد الاسكان تنقل الحركة إلى ذلك الساكن المتقدم، تنبيها على البنية، لان أوزان الفعل إنما تختلف بحركات العين، وإنما كان الاصل في هذا الاسكان الفعل دون الاسم لكونه أثقل، على ما مر في أول الباب، ويشترط أن يكون الساكن الذى ينقل الحركة إليه له عرق في التحرك: أي يكون متحركا في ذلك الاصل، فلذا لم ينقل في نحو قاول وبايع وقول وبيع، ونقل في أقام ويقيم، فإن لم يسكن في الاصل لم يسكن في الفرع أيضا، فلذا صح العين في يعور وأعور ويعور واستعور ويستعور، فإذا نقلت الحركات إلى ما قبل الواو والياء نظر: فان كانت الحركة فتحة قلبت الواو والياء ألفا، لانه إذا أمكن إعلال الفرع بعين ما أعل به الاصل فهو أولى، وإن كانت كسرة أو ضمة لم يمكن قلبهما ألفا، لان الالف لا تلى إلى الفتح فيبقيان بحالهما، إلا الواو التى كانت مكسورة فانه تقلب ياء، لصيرورتها ساكنة مكسورا ما قبلها، نحو يطيح وأصله يطوح (1) ويقيم وأصله يقوم،
__________
(1) أنظر الجزء الاول من هذا الكتاب (ص 81 و 115) (*)

فعلى هذا تقول: يخاف ويهاب ويقوم ويبيع ويطيح ويقيم قوله " للبسه بباب يخاف " يعنى أنه لم يعلا بإعلال ما ضيهما مع أن الماضي أصل المضارع، وذلك بأن يقال: إن الواو والياء متحركان وما قبلهما في تقدير الفتح بالنظر إلى الاصل الذى هو الماضي، فيقلبان ألفا، فيقال: يقام ويباع، وذلك لانه لو أعلا كذلك لا لتبسا بباب يخاف واعلم أن الاسم الذى يحمل على الفعل في هذا النقل نوعان: أحدهما: الثلاثي المزيد فيه الموازن للفعل الموازنة المذكورة قبل في قلب الواو والياء ألفا، مع مباينته للفعل: إما بحرف زائد لا يزاد في الفعل كميم مقام ومقام ومقوم، على وزن مدهن من قام ومقم، فانها على وزن يفعل ويفعل وافعل أمرا ويفعل، أو بحرف يزاد مثله في الفعل متحرك بحركة لا يحرك في الفعل بمثلها، نحو تباع وتبيع، فان التاء المكسورة لا تكون في أول الفعل، إلا على لغة، وقد ذكرنا الوجه فيه، وعند المبرد يشترط مع الموازنة والمخالفة المذكورتين شرط آخر، وهو أن يكون من الاسماء المتصلة بالافعال، فلذا لم يعل مريم ومدين، وليسا عنده بشاذين، فلا يعل عنده تقول وتبيع المبنيان من القول والبيع وغير ذلك، إذ ليس فيهما معنى الفعل، فان لم يكن مخالفا بما ذكرنا نحو أطول منك وأسود وتقول وتقول واقول على وزن تنصر وتضرب واقتل، وكذا أعين وأدور، لم يعل الاعلال المذكور لئلا يلتبس بالفعل عند التسمية، كما مر قبل، إنما لم ينقل في نحو أخونة وأصونة وإن صيره التاء مباينا للفعل كالميم في الاول لان التاء وإن كانت ههنا لازمة فوضعها على عدم اللزوم، فهى ههنا كما في أسودة تأنيث أسود في الحية، فكأن التاء معدوم، ولم ينقل في نحو أهوناء وأبيناء لان الالف التأنيث للزومه وكونه كجزء الكلمة أخرجها عن موازنة الفعل المذكور كإخراج الالف في الصوري والحيدى، والالف والنون في

الطيران والجولان، كما ذكرنا قيل، ومن العرب من ينقل كسرة الياء في أبيناء، فيقول: أبيناء، لا لمشابهة الفعل، وإلا نقل في أهوناء أيضا، بل لكراهة الكسر على الياء، وهما مثلان، كما حذفت الضمة في نور جمع نوار استثقالا للضمة على الواو، فأعل بالنقل: في نحو أبيناء خاصة مع عدم الموازنة المذكورة، لشدة الاستثقال، وعدم الاعلال في نحو أبيناء أكثر، بل النقل شاذ، بخلاف نحو نور في جمع نوار فان الاسكان فيه أكثر لكون الواو المضمومة أثقل من الياء المكسورة حتى عد شاذا في نحو قوله: * بالاكف اللامعات سور (1) * وهو جمع سوار، وأصل مفعول أن يكون مفعلا فيوازن يفعل، زيدت الواو لما ذكرنا في بابه (2)،
__________
(1) قد مضى شرح هذا الشاهد في (ح 2 ص 127، 128) (2) قال المؤلف في شرح الكافية (ح 2 ص 189: " وكان قياسه (يريد اسم المفعول) أن يكون على زنة مضارعه، كما في اسم الفاعل، فيقال: ضرب يضرب فهو مضرب، لكنهم لما أداهم حذف الهمزة في باب أفعل إلى مفعل قصدوا تغيير أحدهما للفرق، فغيروا الثلاثي لما ثبت التغيير في أخيه، وهو اسم الفاعل، لانه وإن كان في مطلق الحركات والسكنات كمضارعه، لكن ليس الزيادة في موضع الزيادة في الفاعل ولا الحركات في أكثرها كحركاته، نحو ينصر فهو ناصر، ويحمد فهو حامد، وأما اسم الفاعل من أفعل فهو كمضارعه في موضع الزيادة وفى عين الحركات فغيروه بزيادة الواو، ففتحوا الميم لئلا يتوالى ضمتان بعدهما واو، وهو مستثقل قليلا كمغرود وملمول وعصفور، فبقى اسم المفعول من الثلاثي بعد التغيير المذكور كالجاري على الفعل، لان ضمة الميم مقدرة والواو في حكم الحرف الناشئ من
الاشباع كقوله: " أدنو فأنطور " اه وقوله " أدنو فأنظور " قطعة من بيت هو: وأنني حيثما يثنى الهوى بصرى * من حيث ما سلكوا أدنوا فأنظور (*)

فلما كان أصله الموازنة أعل بإسكان العين، ولولا ذلك لم يعل، وأما سائر أسماء المفعولين فتوازن أفعالها المبنية للمفعول مع المباينة بالميم المصدرة واعلم أن أصل مقول مقوول، نقلت حركة العين إلى ما قبلها، فاجتمع ساكنان، فسيبويه يحذف الثانية دون الاولى، وإن كان القياس حذف الاولى إذا اجتمع ساكنان والاولى مدة، وإنما حكم بذلك لانه رأى الياء في اسم المفعول اليائى ثابتا بعد الاعلال نحو مبيع، فحدس أن الواو هي الساقطة عنه، ثم طرد هذا الحكم في الاجوف الواوى، وإنما خولف عنده باب التقاء الساكنين ههنا بحذف الثاني لان الكلمة تصير به أخف منها بحذف الاول، وأيضا يحصل الفرق بين المفعولين الواوى واليائى، ولو حذف الاول لا لتبسا، فلما حذف واو مبيوع كسرت الضمة لتسلم الياء كما هو قياس قول سيبويه في نحو تبيع من البيع، وأما الاخفش فانه يحذف الساكن الاول في الواوى واليائى، كما هو قياس التقاء الساكنين، فقيل له: فينبغي أن يبقى عندك مبوع، فما هذه الياء في مبيع ؟ فقال: لما نقلت الضمة إلى ما قبلها كسرت الضمة لاجل الياء قبل حذف الياء، ثم حذفت الياء للساكنين، ثم قلبت الواو ياء للكسرة، وفيه نظر، لان الياء إنما تستحق قلب ضمة ما قبلها كسرة إذا كانت مما يبقى، لا مما يحذف، فالاولى أن يقال على مذهبه: حذفت الياء أولا، ثم قلبت الضمة كسرة، فانقلبت الواو ياء، وذلك للفرق بين الواوى واليائى، قوله " فخالفا أصليهما " أما مخالفة سيبويه فلانه حذف ثانى الساكنين،
وأصله وأصل غيره حذف أولهما (1) وأما مخالفة الاخفش أصله فلان أصله
__________
(1) اعلم أن الاصل عند سيبويه في التقاء الساكنين حذف أولهما إذا كان حرف مد، وحرف المد هو حرف العلة المسبوق بحركة تجانسه، نحو لم يخف ولم يبع (*)

أن الياء الساكنة تقلب واوا لانضمام ما قبلها، وإن كانت الياء مما يبقى، وقد كسر ههنا ضم ما قبل الياء مع أن الياء مما يحذف قوله " وشذ مشيب " في مشوب من شاب يشوب (1) ومنيل في منول (2) من نال ينول: أي أعطى، ومليم في ملوم (3)، كأنها بنيت على شيب ونيل
__________
ولم يقل، وههنا في اسم المفعول من الاجوف اليائى بعد أن نقلت حركة الياء إلى الساكن الصحيح قبلها لا تبقى الياء حرف مد، لان ما قبلها ضمة، وهى حركة غير مجانسة، فإذا حذف الياء لا يقال: إنه خالف أصله، لانه حذف حرفا ساكنا غير مد، وإنما دعا إلى ذلك خوف الالباس بين الواوى واليائى، فان قلت: ففى الاجوف الواوى أول الساكنين بعد نقل حركته إلى ما قبله واو مضموم ما قبلها فهو حرف مد، وقد قدر سيبويه حذفه فخالف أصله ههنا.
قلنا: إنه لما حذف واو مفعول من اليائى لقصد الفرق بين الواوى واليائى لم يكن من حذف واو مفعول في الواوى أيضا، لئلا يلزم الفرق بين المتجانسين وطردا للباب على غرار واحد.
وانظر (ج 2 ص 225 - 227) (1) من ذلك قول السليك بن السلكة السعدى: سيكفيك صرب القم لحم معرص * وماء قدور في القصاع مشيب الصرب: اللبن الحامض، والمعرص - بعين وصاد مهملتين -: الموضوع في العرصة ليجف، ويروى مغرض - بمعجمتين - وهو الطرى، ويروى معرض - بمهملة
ومعجمة - وهو الذى لم ينضج بعد (2) قد بحثنا طويلا عن شاهد يدل على استعمال هذه الكلمة على الوجه الذى ذكره المؤلف لم نعثر عليه، ولكن سيبويه قد حكى أنهم يقولون: غار منيل ومنول انظر سيبويه (ج 2 ص 363) وقد نقل ابن جنى في شرحه على تصريف المازنى عن الفارسى تفسير ذلك حيث قال: معناه ينال فيه (3) لم يكن نصيب هذه الكلمة بعد البحث عن شاهد لها أحسن حالا من سابقتها (*)

وليم، كما شذ مهوب (1) من الهيبة، كأنه بنى على هوب قوله " وكثر نحو مبيوع ومخيوط " قال: 116 - قد كان قومك يحسبونك سيدا * وإخال أنك سيد مغيون (2) وهى لغة تميمية قوله " وقل نحو مصوون " لكون الواوين أثقل من الواو والياء، ومنع سيبويه ذلك (3) وقال: لا نعلمهم أتموا الواوات، وحكى الكسائي خاتم
__________
(1) من ذلك قول حميد بن ثور الهلالي يصف قطاة: وتأوى إلى زغب مساكين دونهم * فلا لا تخطاه الرفاق مهوب فلا: اسم جنس جمعى واحدته فلاة (2) هذا البيت للعباس بن مرداس السلمى يقول لكليب بن عيينة السلمى، وقبله: أكليب، مالك كل يوم ظالما * والظلم أنكد غبه ملعون أنكد: يعسر الخروج منه، وغبه: عاقبته، ومعيون: يروى بالعين المهملة ومعناه المصاب بالعين، من عانه يعينه، والقياس أن يقال: هو معين، والصواب
في الرواية الموافق للمعنى (مغيون) بالغين المعجمة من قولهم: غين عليه، إذا غطى، وفى الحديث: إنه ليغان على قلبى، والاصل فيه الغين، وهو لغة في الغيم، قال الشاعر: كأنى بين خافيتى عقاب * أصاب حمامة في يوم غين والاستشهاد بالبيت في قوله (مغيون) حيث تمم اسم المفعول من الاجوف اليائى، وهى لغة تميمية، ومثله قول علقمة: حتى تذكر بيضات وهيجه * يوم رذاذ عليه الدجن مغيون قال سيبويه (ح 2 ص 363): " وبعض العرب يخرجه (يريد اسم المفعول من الاجوف) على الاصل فيقول: مخيوط ومبيوع، فشبهوها بصيود وغيور، حيث (*)

مصووغ، وأجاز فيه كله أن يأتي على الاصل قياسا قوله " وتحذفان في قلت وبعت " إلى قوله " ويضم في غيره " مضى شرحه في أول الكتاب قوله " ولم يفعلوه في لست " أي: لم يكسروا اللام مع أنه يائى من باب فعل المكسور العين، وأحدهما يكفى للكسر كبعت وخفت، فكيف بهما جميعا ؟ وذلك لانه لما لم يتصرف حذفت الكسرة نسيا ولم تنقل إلى ما قبل الياء، فصار ليس كليت قوله " ومن ثم سكنوا الياء " أي: لم يقلبوا الياء ألفا لان ذلك تصرف، كما أن نقل حركة الياء إلى ما قبلها تصرف، فلما كان الفعل غير متصرف لم يتصرف فيه بقلب ولا نقل، بل حذفت الحركة نسيا، والدليل على أن العين كانت مكسورة أن فتحة العين لا تحذف، فلا يقال في ضرب: ضرب، كما يقال في علم: علم، وباب فعل - بالضم - لا يجئ فيه الاجوف اليائى إلا هيؤ، وهو شاذ
قوله " وفى قل وبع " عطف على نحو قلت وبعت قوله " لانه عن تقول وتبيع " يعنى إنما أعل قل وبع بالنقل (1) لكونهما عن تقول وتبيع
__________
كان بعدها حرف ساكن ولم تكن بعد الالف فتهمز، ولا نعلمهم أتموا في الواوات، لان الواوات أثقل عليهم من الياءات، ومنها يفرون إلى الياء، فكرهوا اجتماعهما مع الضمة " اه (1) هكذا وردت هذه العبارة في جميع أصول الكتاب، وأنت لو تأملت في عبارة ابن الحاجب وفى تعليل الرضى تبين لك أن الصواب أن يقال: إنما أعل قل وبع بالحذف، لان قول ابن الحاجب " وفى قل وبع " معطوف على قوله " في نحو قلت وبعت " وهو معمول لقوله " وتحذفان " فكأنه قال: وتحذفان في قل وبع لانه عن تقول وتبيع.
ثم إن أخذ الامر من المضارع بعد نقل حركة العين إلى الفاء ليس فيه إلا حذف العين للتخلص من التقاء الساكنين، وعلى الجملة: ليس في (*)

قوله " وفى الاقامة والاستقامة " هذا هو النوع الثاني مما تنقل حركة عينه إلى ما قبله، وضابطه ما ذكرنا قبل من كونه مصدرا قياسيا مساويا لفعله في ثبوت زيادات المصدر بعينها في مثل مواضعها من الفعل، والذى ذكره المصنف من حذف الالف المنقلبة عن الواو والياء في نحو الاقامة والابانة مذهب الاخفش، وعند الخليل وسيبويه أن المحذوفة هي الزائدة، كما قالا في واو مفعول، وقول الاخفش أولى (1) قياسا على غيره مما التقى فيه ساكنان
__________
فعل الامر نقل إلا على فرض أخذه من المضارع قبل نقل حركة العين إلى الفاء ولو قرأت قول الرضى " لكونها عن تقول وتبيع " بسكون الفاء وضم الواو وكسر الياء صح الكلام، لان في الامر حينئذ إعلالا بالنقل والحذف، ولكن
هذه القراءة تخالف عبارة ابن الحاجب، وتخالف أيضا ما قرره الرضى مرارا (1) قد رجح ابن الحاجب والرضى هنا رأى الاخفش، وهما تابعان في هذا لابي عثمان المازنى حيث رجح مذهب الاخفش في مفعول وفى إفعال، إذ يقول في كتابه التصريف: " وزعم الخليل وسيبويه أنك إذا قلت: مبيع ومفعول، فالذاهب لا لتقاء الساكنين واو مفعول، وقال الخليل: إذا قلت مبيوع فألقيت حركة الياء على الباء وسكنت الياء التى هي عين الفعل وبعدها واو مفعول فاجتمع ساكنان، فحذفت واو مفعول، وكانت أولى بالحذف، لانها زائدة، وكان حذفها أولى، ولم تحذف الياء، لانها عين الفعل، وكذلك مقول، الواو الباقية عين الفعل، والمحذوفة واو مفعول، وكان أبو الحسن يزعم أن المحذوفة عين الفعل والباقية واو مفعول، فسألته عن مبيع، فقلت: ألا ترى أن الباقي في مبيع الياء ولو كانت واو مفعول لكانت مبوع ؟ فقال: إنهم لما أسكنوا ياء مبيوع وألقوا حركتها على الباء انضمت الباء وصارت بعدها ياء ساكنة فأبدلت مكان الضمة كسرة للياء التى بعدها، ثم حذفت الياء بعد أن ألزمت الباء كسرة للياء التى حذفتها، فوافقت واو مفعول الباء مكسورة، فانقلبت ياء للكسرة التى قبلها، كما انقلبت واو ميزان وميعاد ياء للكسرة التى قبلها، وكلا الوجهين حسن جميل، وقول الاخفش أقيس، فإذا قلت من أفعلت مصدرا نحو أقام إقامة وأخاف إخافة فقد حذفت من إقامة وإخافة ألفا، لالتقاء

قوله " ويجوز الحذف في نحو سيد وميت وكينونة وقيلولة " فيه نظر، وذلك لان الحذف جائز في نحو سيد وميت، واجب في كينونة، إلا في ضرورة الشعر، قال: 147 - ياليت أنا ضمنا سفينه * حتى يعود الوصل كينونه (1) اعلم أن نحو سيد وميت عند سيبويه فيعل - بكسر العين - وكينونة وقيلولة - عنده
كينونة وقيلولة - بفتح العين - على وزن عيضموز (3) إلا أن اللام مكررة في كينونة والتاء لازمة، ولما لم يوجد في غير الاجوف بناء فيعل - بكسر العين - ولا فيعلولة في المصادر حكم بعضهم بأن أصل سيد وميت فيعل - بفتح العين - كصيرف
__________
الساكنين، فالخليل وسيبويه يزعمان أن المحذوفة هي الالف التى تلى آخر الحرف، وهى نظيرة واو مفعول في مقول ومخوف، وأبو الحسن يرى أن موضع العين هو المحذوف، وقياسه ما ذكرت لك " اه.
ولابي السعادات هبة الله بن الشجرى بحث مستفيض في أماليه ذكره في المجلس الحادى والثلاثين ثم عاد له مرة أخرى في المجلس السادس والاربعين، وقد ذكر فيه حجة سيبويه والخليل وحجج الاخفش ثم رجح مذهب الشيخين ونقض أدلة المخالف لهما فانظره في الموضع الذى ذكرناه، ولم يمنعنا من نقله إلا فرط طوله (1) هذا البيت من الرجز أنشده المبرد وابن جنى وابن برى، وذكر المبرد قبله: قد فارقت قرينها القرينه * وشحطت عن دارها الظعينه وقرينها: مفعول مقدم على الفاعل، والقرينة: الزوجة، وشحطت: بعدت، والظعينة: المرأة ما دامت في الهودج، والمراد هنا المرأة مطلقا، وكينونة: مصدر كان، والاستشهاد بالبيت في قوله " كينونة " بتشديد الياء مفتوحة فان هذا يدل على أن الكينونة - بسكون الياء - مخفف منه، ووجه الدلالة على هذا أن الشاعر لما اضطر راجع الاصل المهجور (2) العيضموز: العجوز والناقة الضخمة انظر (ح 1 ص 263) (*)

فكسر كما في بصرى - بكسر الفاء - ودهرى - بالضم - على غير القياس قال سيبويه (1): لو كان مفتوح العين لم يغير هيبان (2) وتيحان (3)
__________
(1) قال سيبويه (ح 2 ص 371 و 372): " وكان الخليل يقول: سيد فيعل وإن لم يكن فيعل في غير المعتل، لانهم قد يخصون المعتل بالبناء لا يخصون به غيره من غير المعتل، ألا تراهم قالوا: كينونة، والقيدود لانه الطويل في غير السماء، وإنما هو من قاد يقود، ألا ترى أنك تقول: جمل منقاد وأقود، فأصلهما فيعلولة، وليس في غير المعتل فيعلول مصدرا، وقالوا: قضاة، فجاءوا به على فعلة في الجمع، ولا يكون في غير المعتل للجمع، ولو أرادوا فيعل لتركوه مفتوحا كما قالوا: تيحان وهيبان، وقد قال غيره هو فيعل (بفتح العين)، لانه ليس في غير المعتل فيعل (بكسر العين) وقالوا: غيرت الحركة، لان الحركة قد تقلب إذا غير الاسم، ألا تراهم قالوا: بصرى، وقالوا: أموى، وقالوا: أخت، وأصله الفتح، وقالوا: دهري ؟ فكذلك غيروا حركة فيعل، وقول الخليل أعجب إلى، لانه قد جاء في المعتل بناء لم يجئ في غيره، ولانهم قالوا: هيبان وتيحان فلم يكسروا، وقد قال بعض العرب: * ما بال عينى كالشعيب العين * فانما يحمل هذا على الاضطراد حيث تركوها مفتوحة فيما ذكرت لك، ووجدت بناء في المعتل لم يكن في غيره ولا تحمله على الشاذ الذى لا يطرد، فقد وجدت سبيلا إلى أن يكون فيعلا (بكسر العين) وأما قولهم: ميت وهين ولين فأنهم يحذفون العين كما يحذفون الهمزة من هائر لاستثقالهم الياءات كذلك حذفوها في كينونة وقيدودة وصيرورة لما كانوا يحذفونها في العدد الاقل ألزموهن الحذف إذا كثر عددهن وبلغن الغاية في العدد إلا حرفا واحدا، وإنما أرادوا بهن مثال عيضموز " اه (2) الهيبان: الجبان، وهو أيضا الراعى، وزبد أفواه الابل، والتيس، والتراب، وسموا به، وقد حكى صاحب القاموس أنه ورد مكسورا أيضا، وهو
خلاف عبارة سيبويه (3) التيحان: الذى يتعرض لكل شئ ويدخل فيما لا يعنيه، وقال (*)

ولجاز الاستعمال شائعا، ولم يسمع من الاجوف فيعل إلا عين قال: ما بال عينى كالشعيب العين (1) وقال الفراء - تجنبا أيضا من بناء فيعل - بكسر العين -: أصل نحو جيد جويد كطويل، فقلبت الواو إلى موضع الياء والياء إلى موضع الواو، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت كما في طى، وقال في طويل: إنه شاذ، قال: وإنما صار هذا الاعلال قياسا في الصفة المشبهة لكونها كالفعل وعملها عمله، فإن لم يكن صفة كعويل لم يعل هذا الاعلال، وقال في كينونة ونحوها: أصلها كونونة كبهلول (2) وصندوق، ففتحوا الفاء لان أكثر ما يجئ من هذه المصادر ذوات الياء نحو صار صيرورة، وسار سيرورة، ففتحوه حتى تسلم الياء، لان الباب للياء، ثم حملوا ذوات الواو على ذوات الياء، فقلبوا الواو ياء في كينونة حملا على صيرورة، وهذا كما قال في قضاة: إن أصله قضى كغزى، فاستثقلوا التشديد على العين، فخففوا وعوضوا من الحرف المحذوف التاء، وقول سيبويه في ذلك كله هو الاولى، وهو أن بعض الابواب قد يختص ببعض الاحكام فلا محذور من اختصاص الاجوف ببناء فيعل - بكسر العين - وغير الاجوف ببناء فيعل - بفتحها - وإذا جاز عند الفراء اختصاص فعيل الاجوف بتقديم الياء على العين، وعند ذلك الاخر ببناء فيعل، - بالفتح - إلى فيعل بالكسر فما المانع من اختصاصه ببناء فيعل، وكذا لا محذور من اختصاص مصدر الاجوف بفيعلولة وحمع الناقص بفعلة - بضم الفاء -، وقول الفراء: إنهم حملوا الواو على الياء لان الباب للياء، ليس بشئ، لان المصادر على هذا الوزن قليلة، وما جاء منها
__________
الازهرى: هو الذى يتعرض لكل مكرمة وأمر شديد، ويقال: فرس تيحان، إذا كان شديد الجرى، وحكى في اللسان الكسر فيه أيضا (1) قد سبق شرح هذا الشاهد فارجع إليه (ح 1 ص 150) (2) البهلول: السيد الجامع لكل خير، والضحاك أيضا (*)

فذوات الواو منها قريبة في العدد من ذوات الياء أو مثلها، نحو كينونة، وقيدودة (1)، وحال حيلولة، وإنما لزم الحذف في نحو كينونة وسيدودة (2) دون سيد وميت لان نهاية الاسم أن يكون على سبعة أحرف بالزيادة، وهذه على ستة، وقد لزمها تاء التأنيث، فلما جاز التخفيف فيما هو أقل منها نحو سيد لزم التخفيف فيما كثر حروفه، أعنى نحو كينونة، ويقل الحذف في نحو فيعلان، قالوا: ريحان وأصله ريحان، وأصله ريوحان من الروح قال: " وفى باب قيل وبيع ثلاث لغات: الياء، والاشمام، والواو، فإن اتصل به ما يسكن لامه نحو بعت يا عبد وقلت يا قول، فالكسر والاشمام والضم، وباب اختير وانقيد مثله فيها، بخلاف أقيم واستقيم " أقول: قد مضى شرح هذا في شرح الكافية (3) قوله " ما يسكن لامه " أي: تاء الضمير ونونه، فإذا اتصل به ذلك حذفت العين، ويبقى الفاء مكسورا كسرا صريحا، وهو الاشهر، كما هو كذلك قبل الحذف، ويجوز إشمام الكسرة شيئا من الضم، كما جاز قبل الحذف، وضمه
__________
(1) القيدودة: مصدر قدت الدابة أقودها كالقيادة والمقادة والتقواد والقود، وقد جاءت القيدودة وصفا بمعنى الطويلة في غير صعود (2) السيدودة: مصدر ساد الرجل قومه يسودهم، ومثله السود والسودد والسيادة، وقد وقع في أصول الكتاب " سيرورة " براءين في مكان الدالين،
وذلك غير متفق مع ما سبق للمؤلف (ح 1 ص 152، 153) حيث ذكر في مصادر الاجوف اليائى الفعلولة ومثل له بالصيرورة والشيخوخة، وذكر في مصادر الواوى منه الفيعلولة ومثل له بالكينونة، وظاهر هذا أن الذى يخفف هو الواوى.
والذى يستفاد من عبارة سيبويه التى قدمناها لك قريبا أن الفيعلولة جاءت في اليائى والواوي جميعا (3) انظر (ح 2 ص 250، 251) من شرح الكافية (*)

صريحا كما كان قبل الحذف، وإذا قامت قرينة على أن المراد به المعلوم أو المجهول نحو قلت يا قول، وبعت يا عبد، وخفت يا هول، جاز الضم الصريح في الاول والكسر الصريح في الاخيرين بناء على القرينة، وإن لم تقم قرينة فالاولى الكسر أو الاشمام في الاول والضم أو الاشمام في الاخيرين قوله " وباب اختير وانقيد " يعنى باب افتعل وانفعل من الاجوف مثل فعل في جواز الاوجه الثلاثة، لان الضم والاشمام إنما جاء من ضم ما قبل الواو والياء، وأما في أقيم واستقيم وأصلهما أقوم واستقوم فليس ما قبل حرف العلة مضموما، فلا يجوز إلا الكسر الصريح قال " وشرط إعلال العين في الاسم غير الثلاثي والجارى على الفعل مما لم يذكر موافقة الفعل حركة وسكونا مع مخالفة بزيادة أو بنية مخصوصتين فلذلك لو بنيت من البيع مثل مضرب وتحلئ قلت مبيع وتبيع معلا ومثل تضرب قلت تبيع مصححا " أقول: قوله " غير الثلاثي " لان الثلاثي لا يشترط فيه مع موازنة الفعل المذكورة مخالفته قوله " والجارى على الفعل " أي: وغير الجارى، ونعنى بالجاري المصدر نحو
الاقامة والاستقامة، واسمى الفاعل والمفعول من الثلاثي وغيره، ويجوز أن يقال فيهما بالموازنة: أما فاعل فعلى وزنى يفعل، باعتبار الحركات والسكنات، وأما مفعول كمقتول فإن الواو فيه على خلاف الاصل، والاصل فيه مفعل كيفعل على ما ذكرنا قوله " مما لم يذكر " لم يحتج إليه، لانه لابد لكل اسم قلب عينه ألفا، سواء كان مما ذكر أو لم يذكر، من الموافقة المذكورة في الثلاثي والمزيد فيه، مع المخالفة المذكورة في المزيد فيه، وكذا في نقل حركة العين المزيد فيه إلى

الساكن الذى قبله، كما ذكرنا، إلا في نحو الاقامة والاستقامة، فإن فيه قلبا ونقلا مع عدم الموافقة المذكورة، وذلك لما ذكرنا قبل من المناسبة التامة لفعله، وإلا في باب بوائع، فإن فيه قلبا مع عدمها أيضا، وذلك للثقل البالغ كما مر (1) قال " اللام، تقلبان ألفا إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما إن لم يكن بعدهما موجب للفتح، كغزا ورمى ويقوى ويحيى وعصا ورحى (2) بخلاف غزوت ورميت وغزونا ورمينا ويخشين ويأبين وغزو ورمى، وبخلاف غزوا ورميا وعصوان ورحيان للالباس، واخشيا نحوه، لانه من باب لن يخشيا، واخشين لشبهه بذلك، بخلاف اخشوا واخشون واخشى واخشين " أقول: اعلم أن الواو والياء إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما وهما لامان قلبتا ألفين، وإن لم تكونا في الاسم الجارى على الفعل، ولا الموازن له، كربا وزنى، أو كانا فيما يوازن الفعل بلا مخالفة له، كما في أحوى وأشقى، وإنما اشترط الجريان أو المشابهة المذكورة في العين دون اللام لان اللام محل التغيير فيؤثر في
قلبها العلة الضعيفة: أي تحركها وانفتاح ما قبلها قوله " إن لم يكن بعدهما موجب للفتح " احتراز عن نحو غزوا ورميا في الماضي وترضيان وتغزوان في المضارع، وعصوان ورحيان في الاسم، فإن ألف الضمير في غزوا ويرضيان وألف التثنية في عصوان ورحيان إنما ألحقتا بالالف المنقلبة عن الواو والياء فردت الالف التى هي لام إلى أصلها من الواو والياء، إذ لو لم ترد لالتبس المثنى في الماضي بالمفرد ومثنى المضارع ومثنى الاسم
__________
(1) انظر (ص 101) من هذا الجزء (2) كذا في جميع النسخ المطبوعة من المتن ومن شروح الشافية، وفى الخطية " وفتى " (*)

بالمفرد، عند سقوط النون، فلو قلبت الواو والياء إلى الالف بعد رد الالف إليهما لحصل الوقوع فيما فر منه، أعنى الالتباس، وإنما لم يقلب في اخشيا لكونه فرع يخشيان المؤدى إلى اللبس لو قلبت لامه، وإنما لم يقلب في اخشين لعروض حركة الياء لاجل النون على ما تقدم، فالحق أن يقال: لم تقلب حروف العلة المتحركة لاجل إلحاق ألف الضمير في غزوا ورميا، وألف المثنى والجمع في نحو عصوان وصلوات، ونون التأكيد في نحو ارضين، ألفا، لعروض حركاتها لاجل هذه اللواحق، فانها وإن كانت أصلها الحركة إلا أنها لولا هذه اللواحق لم تتحرك، فحركتها إذن عارضة، ولا يقلب الواو والياء ألفا إذا تحركتا بحركة عارضة، ويرضيان ويغزوان وعصوان ورحيان هذه اللواحق كما ذكرنا أوجبت رجوع الالفات إلى أصولها لئلا يلتبس، ولم يقلب الواو والياء الفا بعد الرد إلى الاصل لئلا يكون رجوعا إلى ما فر منه.
قوله " لشبهه بذلك " يعنى أن النون اللاحق بالفعل من غير توسط ضمير
بينهما مثل الالف، فقولك اخشين مثل اخشيا، وقد ذكرنا ما على هذا الكلام في آخر شرح (1) الكافية، فالاولى أن عدم القلب في اخشين لان اللام قد
__________
(1) قال المؤلف في شرح الكافية (ح 2 ص 378): " لما كان النون بعد الضمير البارز صار كالكلمة المنفصلة، لان الضمير فاصل، ولما لم يكن ضمير بارز كان النون كالضمير المتصل، هذا زبدة كلامه (يريد ابن الحاجب)، ويرد عليه أن المتصل ليس هو الالف فقط بل الياء والواو في ارضوا وارضى متصلان أيضا وأنت لا تثبت اللام كما تثبتها مع الالف، فليس قوله إذن " فكالمتصل " على إطلاقه بصحيح، وأيضا يحتاج إلى التعليل فيما قاس النون عليه من المتصل والمنفصل إذا سئل مثلا لم لم تحذف اللام في اخشيا وارميا واغزوا كما حذفت في اخش وارم واغز ولم ضمت الواو في ارضوا الرجل وكسرت الياء في ارضى الرجل ولم تحذفا كما في ارموا الرجل وارمي الغرض ؟ وكل علة تذكرها في المحمول عليه فهى مطردة في المحمول فما فائدة الحمل ؟ وإنما يحمل الشئ على الشئ إذا لم يكن المحمول (*)

رد كما ذكرنا هناك (1) فلو قلب لوجب حذفه فلم يتبين رده، وفى اخشيا لكونه فرع يخشيان، ولا نقول بعروض الحركة، إذ لو لم يعتد بالحركة في مثله لم يرد العين في خافا وخافن قوله " كغزا ورمى ويقوى ويحيى وعصا ورحى " أمثلة لما تحرك الواو والياء فيه وانفتح ما قبلهما ولم يكن بعدهما موجب للفتح فقلبا ألفين قوله " بخلاف غزوت ورميت وغزونا ورمينا ويخشين ويأبين " أمثلة لما انفتح ما قبل الواو والياء فيه وسكنا فلم يقلبا قوله " وغزو ورمى " مثالان لما تحرك واوه وياؤه وسكن ما قبلهما فلم يقلبا ولم يكن كأقوم أي مفتوح حرف العلة فرعا لما انفتح ما قبلها حتى يحمل عليه
قوله " وبخلاف غزوا ورميا " إلى قوله " لشبهه بذلك " أمثلة لما تحرك واوه وياؤه وانفتح ما قبلهما وكان بعدهما موجب لبقائهما بلا قلب قوله " بخلاف اخشوا واخشون واخشى واخشين " يعنى أن أصلها اخشيوا واخشيون واخشيى واخشيين فقلبت الياء ألفا وحذفت، لان حذف اللام ههنا لا يلبس كما كان يلبس في يخشيان لو حذفت، فلم يحذف، وحمل اخشيا عليه، لانه فرعه وإن لم يلبس، وحمل اخشين على اخشيا لمشابهة النون في مثله للالف، ولمانع أن يمنع أن أصل اخشوا اخشيوا، وأصل اخشى اخشيى، وذلك لان الواو
__________
في ثبوت العلة فيه كالمحمول عليه، بل يشابهه من وجه فيلحق به لاجل تلك المشابهة وإن لم تثبت العلة في المحمول كحمل ان على الفعل المتعدى وإن لم تكن في إن العلة المقتضية الرفع والنصب كما كانت في المتعدى " اه (2) قال في شرح الكافية (2: 376): " وإنما ردت اللامات المحذوفة للجزم أو الوقف في نحو لتغزون واغزون ولترمين وارمين ولتخشين واخشين لان حذفها كان للجزم أو للوقف الجارى مجراه، ومع قصد البناء على الفتح للتركيب لا جزم ولا وقف " اه (*)

والالف والياء كل واحد منها فاعل يلحق الفعل كما يلحق زيد من رمى زيد لا فرق بينهما، إلا أن اتصال الضمير أشد، ولا يلزم أن يلحق الفاعل أصل الفعل، بل يلحقه بعد الاعلال، لانه ما لم ينقح أصل الكلمة ولم تعط مطلوبها في ذاتها لم يلحق بها مطلوبها الخارجي فان قيل: فلم لم يقل غزات ورمات، في غزوت ورميت قلت: تنبيها على عدم تقدير الحركة في حرف العلة، كما ذكرنا في ذى الزيادة (1) والدليل على أن الضمائر تلحق الكلمات بعد تخفيفها قولهم: رضيوا وغزيوا
باسكان العين للتخفيف، كما قيل في عصر: عصر، ولو لحق الواو رضى ورمى مكسور العين وجب حذف الياء للساكنين، لان الضمة على الياء بعد الكسرة تحذف، فيلتقي ساكنان: الياء، والواو، فإذا كان الضمير يلحق الفعل بعد التخفيف النادر القليل فما ظنك بالتخفيف الواجب المطرد ؟ ولو سلم أيضا أن الاصل اخشيوا واخشيى فان الحركة عارضة لاجل الضمير فلا تقلب لاجلها الياء ألفا (كما مر مرارا) والحق أن يقال: إن أصل اخشوا واخشى اخش لحقته الواو والياء، وأصل اخشون خشين اخشوا واخشى لحقته النون فحركت الواو والياء للساكنين، ولم يحذفا، لانهما ليسا بمدتين كما في اغزن وارمن، ولا يجوز حذف كلمة تامة، أعنى الضميرين بلا دليل عليهما، ولم يقلب الواو والياء ألفا في اخشون واخشين، لان كل واحد منهما كلمة برأسها فلا يغيران بالكلية، وأيضا حركتهما عارضة للساكنين كما ذكرنا قال: " وتقلب الواو ياء إذا وقعت مكسورا ما قبلها، أو رابعة فصاعدا ولم ينضم ما قبلها، كدعى ورضى والغازي، وأغزيت وتغزيت واستغزيت
__________
(1) انظر (ج 2 ص 370) (*)

ويغزيان ويرضيان، بخلاف يدعو ويغزو، وقنية وهو ابن عمى دنيا شاذ، وطيئ تقلب الياء في باب رضى وبقى ودعى ألفا وتقلب الواو طرفا بعد ضمة في كل متمكن ياء فتنقلب الضمة كسرة كما انقلبت في الترامي والتجارى - فيصير من باب قاض، نحو أدل وقلنس، بخلاف قلنسوة وقمحدوة، وبخلاف العين كالقوباء والخيلاء، ولا أثر للمدة الفاصلة في الجمع إلا في الاعراب، نحو عتى وجثى، بخلاف
المفرد، وقد تكسر الفاء للاتباع فيقال: عتى وجثى، ونحو نحو شاذ، وقد جاء نحو معدى ومغزى كثيرا، والقياس الواو " أقول: اعلم أن الواو المتحركة المكسور ما قبلها لا تقلب ياء لتقويها بالحركة إلا بشرطين: أحدهما أن تكون لاما، لان الاخر محل التغيير، فهى إذن تقلب ياء، سواء كانت في اسم كرأيت الغازى، أو فعل: مبنيا للفاعل كان كرضى من الرضوان، أو للمفعول كدعى، وسواء صارت في حكم الوسط بمجئ حرف لازم للكلمة بعدها نحو غزيان على فعلان من الغزو، وغزية على فعلة منه، مع لزوم التاء كما في عنصوة، أو لم تصر كما في غازية، وقولهم مقاتوة في جمع مقتوى شاذ (1) ووجه تصحيحه
__________
(1) تقول: قتوت أقتو قتوا ومقتى مثل غزوت أغزو غزوا ومغزى، ومعناه كنت خادما للملوك.
قال الشاعر: إنى امرؤ من بنى فزارة لا * أحسن قتو الملوك والخببا وقد قالوا للخادم: مقتوى - بفتح الميم وتشديد الياء آخره - وكأنهم نسبوه إلى المقتى الذى هو مصدر ميمى بمعنى خدمة الملوك، وقالوا: مقتوين بمعنى خدم الملوك، مثل قول عمرو بن كلثوم التغلبي: بأى مشيئة عمرو بن هند * تكون لقيلكم فيها قطينا ؟ تهددنا وأوعدنا رويدا، * متى كنا لامك مقتويا ؟ (*)

[...]
__________
وقد اختلف العلماء في ضبطه وتخريجه، فضبطه أبو الحسن الاخفش بضم الميم وكسر الواو، على أنه جمع مقتو اسم فاعل من اقتوى، وأصله مقتوو بوزن مفعلل قلبت الواو الاخيرة ياء، لتطرفها إثر كسرة، ثم يعل ويجمع كما يعل ويجمع قاض،
وأصل اقتوى اقتوو، قلبت الواو الثانية ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولم يدغموا كما يدغمون في احمر، لان الاعلال مقدم على الادغام، وذلك كما في ارعوى، ويدل لصحة ما ذهب إليه أبو الحسن قول يزيد بن الحكم يعاتب ابن عمه: تبدل خليلا بن كشكلك شكله * فإنى خليلا صالحا بك مقتوى وذهب غير واحد من الامة الى أن مقتوين بفتح الميم وكسر الواو، ولهم فيه تخريجان ستسمعهما بعد فيما نحكيه من أقوالهم، وحكى أبو زيد وحده فتح الواو مع أن الميم مفتوحة قال المؤلف في شرح الكافية (ح 2 ص 153) في الكلام على مواضع تاء التأنيث: " السادس أن تدخل أيضا على الجمع الاقصى دلالة على أن واحده منسوب كالاشاعثة والمشاهدة في جمع أشعثي ومشهدي، وذلك أنهم لما أرداوا أن يجمعوا المنسوب جمع التكسير وجب حذف ياءى النسب، لان ياء النسب والجمع لا يجتمعان، فلا يقال في النسبة إلى رجال: رجالى بل رجلى كما يجئ في باب النسبة إن شاء الله، فحذفت ياء النسبة ثم جمع بالتاء فصار التاء كالبدل من الياء كما أبدلت من الياء في نحو فرازنة وجحاجحة كما يجئ، وإنما أبدلت منها لتشابه الياء والتاء في كونهما للوحدة كتمرة ورومي، وللمبالغة كعلامة ودوارى، ولكونهما زائدتين لا لمعنى في بعض المواضع كظلمة وكرسي، وقد تحذف ياء النسب إذا جمع الاسم جمع السلامة بالواو والنون لكن لا وجوبا كما في جمع التكسير، وإنما يكون هذا في اسم تكسيره - لو جمع - على وزن الجمع الاقصى كالاشعرون والاعجمون في جمع أشعرى وأعجمي وكذا المقتوون والمقاتوة في جمع مقتوى، قال: * متى كنا لامك مقتوينا * والتاء في مثل هذا المكسر لازمة، لكونها بدلا عن الياء ولو كان جمع المعرب أو جمع المنسوب غير الجمع الاقصى لم تأت فيه بالتاء فلا تقول في جمع فارسي: (*)

[...]
__________
فرسة، بل فرس، ولا في جمع لجام: لجمة، بل لجم، وكأن اختصاص الاقصى بذلك ليرجع الاسم بسبب التاء إلى أصله من الانصراف " اه.
وقال أيضا في باب جمع السلامة (ح 2 ص 172) ما نصه: " وحكى عن أبى عبيدة وأبى زيد جعل نون مقتوين معتقب الاعراب، ولعل ذلك لان القياس مقتويون - بياء النسب - فلما حذف ياء النسب صار مقتوون كقلون وقوله: * متى كنا لامك مقتوينا * الالف فيه بدل من التنوين إن كان النون معتقب الاعراب، وإلا فالالف للاطلاق، وحيا جميعا: رجل مقتوين، ورجلان مقتوين، ورجال مقتوين، قال أبو زيد: وكذا للمرأة والمرأتين والنساء، ولعل سبب تجرئهم على جعل مقتوين للمثنى والمفرد المذكر والمؤنث مع كونه في الاصل جمع المذكر كثرة مخالفته للجموع، وذلك من ثلاثة أوجه: كون النون معتقب الاعراب، وحذف ياء النسب الذى في الواحد وهو مقتوى، وإلحاق علامة الجمع بما بقى منه وهو مقتو مع عدم استعماله، ولو استعمل لقلب واوه ألفا فقيل: مقتى، ولجمع على مقتون - كأعلون - لا على مقتوون، وإنما قلنا: إن واحده مقتو المحذوف الياء كما قال سيبويه في المهلبون والمهالبة: إنه سمى كل واحد منهم باسم من نسب إليه، فكان كلا منهم مهلب، لان الجمع في الظاهر للمحذوف منه ياء النسب، ويجوز أن يقال: إن ياء النسب في مثل مقتوون والاشعرون والاعجمون حذف بعد جمعه بالواو والنون، وكان الاصل مقتويون وأشعريون وأعجميون، وحكى أبو زيد في مقتوين فتح الواو قبل الياء في من جعل النون معتقب الاعراب نحو مقتوين، وذلك أيضا لتغييره عن صورة الجمع بالكلية لما خالف ما عليه جمع السلامة " اه
وقال أبو الحس الاخفش في شرح نوادر أبى زيد (188): القياس - وهو مسموع من العرب أيضا - فتح الواو من مقتوين فنقول: مقتوين: فيكون الواحد مقتى فاعلم، مثل مصطفى فاعلم، ومصطفين إذا جمعت، ومن قال مقتوين فكسر الواو فانه يفرده في الواحد والتثنية والجمع والمؤنث، لانه عنده مصدر فيصير بمنزلة قولهم: رجل عدل وفطر وصوم ورضى وما أشبهه، وذلك أن المصدر لا يثنى ولا (*)

إجراؤه مجرى مقتوين كما ذكرنا في جمع السلامة، وقالوا: خنذوة (1) بالواو، لئلا يلتبس فعلوة القليل بفعلية الكثير كعفرية (2) ونفرية (3)
__________
يجمع، لانه جنس واحد، فإذا قلت رجل عدل وما أشبهه فتقديره عندنا رجل ذو عدل فحذفت ذو وأقمت عدلا مقامه فجرى مجرى قوله عز وجل (واسأل القرية) وهذا في المصادر بمنزلة قولهم: إنما فلان الاسد وفلانة الشمس يريدون مثل الاسد ومثل الشمس، فإذا حذفوا مرفوعا جعلوا مكانه مرفوعا، وكذلك يفعلون في النصب والخفض فأما أبو العباس محمد بن يزيد فأخبرني أن جمع مقتوين عند كثير من العرب مقاتوة، فهذا يدلك على أنه في هذه الحكاية غير مصدر وليس بجمع مطرد عليه باب، ولكنه بمنزلة الباقر والجامل والكليب والعبيد، فهذه كلها ما أشبهها عندنا أسماء للجميع وليست بمطردة، وهى - وإن كان لفظها من لفظ الواحد - بمنزلة نفر ورهط وقوم وما أشبهه، ويقال: مقت الرجل إذا خدم، فهذا بين في هذا الحرف " اه (1) قال في اللسان: " والخنذوة (بضمتين بينهما سكون): الشعبة من الجبل، مثل بها سيبويه، وفسرها السيرافى.
قال: ووجدت في بعض النسخ حنذوة (بالحاء المهملة)، وفى بعضها جنذوة (بالجيم المعجمة)، وخنذوة بالخاء معجمة أقعد بذلك يشتقها من الخنذيذ (وهو الجبل الطويل المشرف الضخم) وحكيت
خنذوة - بكسر الخاء - وهو قبيح، لانه لا يجتمع كسرة وضمة بعدها واو، وليس بينهما إلا ساكن، لان الساكن غير معتد به، فكأنه خذوة (بكسر الخاء وضم الذال) وحكيت: جنذوة وخنذوة وحنذوة (بكسر الاول والثالث وسكون الثاني في الجميع) لغات في جميع ذلك، حكاه بعض أهل اللغة، وكذلك وجد في بعض نسخ كتاب سيبويه، وهذا لا يعضده القياس ولا السماع، أما الكسرة فانها توجب قلب الواو ياء وإن كان بعدها ما يقع عليه الاعراب وهو الهاء، وقد نفى سيبويه مثل ذلك، وأما السماع فلم يجئ لها نظير، وإنما ذكرت هذه الكلمة بالحاء والخاء والجيم، لان نسخ كتاب سيبويه اختلفت فيها " اه (2) العفرية: الخبيث المنكر، وأسد عفرية: شديد.
انظر (ح 1 ص 255، 256) (3) نفرية: إتباع لعفرية، يقال: عفرية نفرية، كما يقال: عفريت نفريت (*)

وهبرية (1) ونحوها، ولو خففت رضى وغزى قلت: رضى وغزى، كما تقول في علم وعصر: علم وعصر، ولا ترد الياء إلى أصلها من الواو مع زوال الكسرة في التخفيف، لعروض زوالها، وقالوا: رضيوا وغزيوا، فاعتد بالكسرة المقدرة من جهة قلب الواو ياء، ولم يعتدوا بها من جهة إثبات ضمة الياء، ولو اعتدوا بها من كل جهة لقيل: رضوا وغزوا، استثقالا لضمة الياء بعد الكسرة، فلم يتبين كون الواو لاحقا برضى وغزى المخففين، وثانيهما: أن تكون عينا في اسم محمول على غيره، كما في قيام وديار ورياض، على ما مضى وأما الياء المتحركة المضموم ما قبلها فإن لم تقع لاما ولم تنكسر كما في هيام وعيبة وعين (2) جمع عيان لم تقلب واوا، لتقويها بالحركة مع توسطها، وإن انكسرت كما في بيع فقد مضى حكمها (3) وإن وقعت لاما فان كان يلزمها الفتح
قلبت الياء واوا لانضمام، ما قبلها، لان الاخر محل التغيير، وبلزوم الفتح لا يستثقل في الاخير واو مضموم ما قبلها، كما لم يستثقل في هو، وذلك إما في الفعل كرمو الرجل زيد، من الرمى، وإن خففت ضمة العين لم تتغير الواو، لعروض التخفيف تقول: رمو الرجل، كما تقول في ظرف ظرف، أو في الاسم، وإنما يكون ذلك فيه إذا جاء بعدها زائد لازم موجب لفتح ما قبله كأرموان، من الرمى على وزن أسحمان (4) فلم يستثقل، كما لم يستثقل في عنفوان وأقحوان وقمحدوة لكون الواو كأنها ليست لاما، وكرموة على وزن فعلة من رميت، إذا لزم التاء، وإن لم تلزم قلت رمية ورم، بقلب الواو ياء والضمة كسرة لكونها
__________
(1) هبرية - كشرذمة -: ما طار من زغب القطن، وما طار من الريش أيضا، وما يتعلق بأسفل الشعر من وسخ الرأس (2) انظر (ص 87 من هذا الجزء) (3) انظر (ص 86 من هذا الجزء) (4) انظر (ح 2 ص 395) (*)

في حكم المتطرفة، وكذا إذا كانت ضمة ما قبل الياء المتحركة على واو وجب قلب الضمة كسرة، وإن لزم الحرف الذى يلى الياء، نحو طويان بكسر الواو على وزن فعلان - بضم العين - من طوى ومطوية على وزن مسربة منه (1)، لان نحو قوونا تقلب واوه الاخيرة ياء كما يجئ، فكيف تقلب ياء طويان واوا ؟ وإن لم يلزمها الفتح كالتجاري والتمارى قلبت الضمة كسرة، ولم تقلب الياء واوا، لاستثقال كون أثقل حروف العلة: أي الواو، وقبلها أثقل الحركات: أي الضمة، موردا للاعراب، وأما بهو الرجل يبهو بمعنى بهى يبهى أي صار بهيا كما ذكرنا في أول الكتاب، فانما قلبت ياء بهو واوا مع كونه موردا للاعراب،
لما ذكرنا هناك فليرجع (2) إليه، وكذا تقلب الضمة كسرة إذا كانت الياء التى هي مورد للاعراب مشددة نحو رمى، على وزن قمد (3) من الرمى قوله " أو رابعة فصاعدا " تقلب الواو الرابعة فصاعدا المفتوح ما قبلها المتطرفة ياء بشرطين: أحدهما أن لا يجوز قلبها ألفا إما لسكون الواو كما في أغزيت واستغزيت، أو للالباس كما في يغزيان ويرضيان وأعليان، على ما تقدم، وذلك أن قصدهم التخفيف، فما دام يمكنهم قلبها ألفا لم تقلب ياء، إذ الالف أخف، وثانيهما: أن لا يجئ بعدها حرف لازم يجعلها في حكم المتوسط، كما جاء في مذروان (4) وإنما قلبت الواو المذكورة ياء لوقوعها موضعا يليق به الخفة، لكونها
__________
(1) المسربة - بضم الراء، وتفتح -: الشعر الدقيق النابت وسط الصدر إلى البطن، وفى الصحاح: الشعر المستدق الذى يخرج من الصدر إلى السرة، قال سيبويه " ليست المسربة على المكان ولا المصدر، وإنما هي اسم الشعر " (2) انظر (ح 1 ص 73، 76) (3) انظر (ح 1 ص 53) (4) المذروان: طرفا الالية، وذلك مما لا يستعمل إلا مثنى، وتقول: جاء فلان ينفض مذرويه، إذا جاءك باغيا متهددا، قال عنترة بن شداد العبسى يخاطب عمارة بن زياد العبسى: أحولى تنفض استك مذرويها * لتقتلني فهأنذا عمارا (*)

رابعة ومتطرفة وتعذر غاية التخفيف، أعنى قلبها ألفا، (لسكونها لفظا أو تقديرا) كما ذكرنا، فقلبت إلى حرف أخف من الواو، وهو الياء، وقيل: إنما قلبت الواو المذكورة ياء لانقلابها ياء في بعض التصرفات، نحو أغزيت وغازيت، فإن مضارعهما أغزى وأغازى، وأما في تغزيت وتغازيت فإنه وإن لم تقلب الواو ياء في مضارعيهما: أعنى أتغزى وأتعازى، لكن تعزيت وتغازيت فرعا أغزيت
وغازيت المقلوب واوهما ياء، وهذه علة ضعيفة كما ترى لا تطرد في نحو الاعليان، ولو كان قلب الواو ياء في المضارع يوجب قلبها في الماضي ياء لكان قلبها يا في نفس الماضي أولى بالايجاب، فكان ينبغى أن يقال غزيت، لقولهم غزى، وأيضا المضارع فرع الماضي لفظا فكيف انعكس الامر ؟ فكان على المصنف أن يقول: ولم يضم ما قبلها ولم يجز قبلها ألفا، ليخرج نحو أغزى، وليس أيضا قوله " ولم ينضم ما قبلها " على الاطلاق، بل الشرط أن لا ينضم ما قبلها في الفعل نحو يغزو ويدعو، وأما في الاسم فيقلب ياء نحو الادلى جمع الدلو والتغازى، وكان الاولى به أن يقول مكان قوله ولم ينضم ما قبلها: وانفتح ما قبلها، وأن يؤخر ذكر نحو يدعو إلى قوله " وتقلب الواو طرفا بعد ضمة " كما نذكر، وقوله " وقنية (1) وهو ابن عمى دنيا (2) شاذ " وذلك لانك قلبت الواو
__________
(1) القنية - بكسر القاف وضمها -: ما يقتنيه الانسان لنفسه لا للتجارة، ويقال فيه: قنوة - بكسر أوله وضمه، انظر (ح 2 ص 43).
هذا ما ذكره الكوفيون فهى عندهم ذات وجهين، فلا شذوذ فيه، ولم يحك البصريون إلا الواوى فقنية - بالكسر - شاذ عندهم لعدم اتصال الكسرة بالواو.
وقنية - بضم القاف -: فرع قية - بكسرها - ضموا بعد قلب الواو ياء (2) يقولون: هو ابن عمى أو ابن خالي أو عمتى أو خالتي أو ابن أخى أو أختى دنية ودنيا - بكسر الدال فيهما مع تنوين المقصور وترك تنوينه - ودنيا - بضم الدال غير منون -: أي لاصق القرابة، وفى معناه هو ان عمى لحا (*)

التى هي لام ياء مع فصل الساكن بينها وبين الكسرة (قبلها)، ووجه ذلك مع شذوذه كون الواو لاما وكون الساكن كالعدم، وقنية من الواوى، لقولك: قنوت، والاولى أن يقال: هو من قنيت، لان لامه ذات وجهين، ومنه قنيان
بضم القاف.
قوله " وطيئ تقلب " قد مضى شرحه في هذا الباب، وهذا حكم مطرد عندهم: سواء كان أصل الياء الواو، كما في رضى ودعى، أولا، نحو بقى.
قوله " وتقلب الواو طرفا بعد ضمة " إلى قوله " كالقوباء والخيلاء " إذا وقعت الواو لاما بعد ضمة أصلية طرفا كما في الادلو، أو في حكم الطرف: بأن يأتي بعدها حرف غير لازم، كتاء التأنيث غير لازمة نحو التغازية أو ألف تثنية كالتغازيان في مثنى التغازى، وكان ذلك في اسم متمكن، وجب قلب الواو ياء والضمة قبلها كسرة، لان الواو المضموم ما قبلها ثقيل على ثقيل، ولا سيما إذا تطرفت، وخاصة في الاسم المتمكن، فإنه إذن موطئ أقدام حركات الاعراب المختلفة، فتقلب الواو ياء ثم تقلب الضمة كسرة، ولا يبتدأ بقلب الضمة كسرة لان تخفيف الاخر أولى، فإذا لم تكن لاما وانفتحت نحو القوباء لم تقلب ياء، وكذا إذا انضمت فإن سكن ما بعدها نحو الحوول جاز إبقاؤها وجاز قلبها همزة، وإن تحرك جب إسكانها كالنور في جمع نوار، وإن انكسرت بقيت بحالها نحو أود على وزن أكرم من الود، وأما قيل - وأصله قول - فلما مر في شرح الكافية (1) وكذا إذا كانت لاما لكن بعدها حرف لازم كتاء التأنيث في نحو عنصوة وقمحدوة، والالف والنون لغير المثنى كافعوان وأقحوان، لم تقلب ياء، إلا أن تكون الضمة قبل الواو على واو أيضا، فانه تقلب الواو ياء لفرط الثقل، وإن وليها حرف لازم نحو قوية وقويان على وزن سمرة وسبعان، ولا يدغم، لان الاعلال قبل
__________
(1) قد ذكرنا ذلك قريبا فارجع إليه في (ص 83 من هذا الجزء) (*)

الادغام، وكذا لا تقلب الواو ياء إذا لم تكن الضمة لازمة نحو أبوك وفوك وأخوك، وكذا خطوات فإن الالف والتاء غير لازمة كتا تغازية، لكن ضمة
الطاء عارضة في الجمع، ويجوز إسكانها، وكذا لا تقلب إذا كانت في الفعل كسرو ويسرو ويدعو، وذلك لان الفعل وإن كان أثقل من الاسم فالتخفيف به أولى وأليق، كما تكرره ذكره، ولكن صيرورة الكلمة فعلا ليست إلا بالوزن، كما تقدم، لان أصله المصدر كما تقرر، وهو ينتقل إلى الفعلية بالبنية فقط، فالمصدر كالمادة والفعل كالمركب من المادة والصورة، فلما كانت الفعلية تحدث بالبنية فقط واختلاف أبنية الافعال الثلاثية وتمايز بعضها عن بعض بحركة العين فقط، احتاطوا في حفظ تلك الحركة، ولذلك لا تحذف إذا لم يتميز بالنقل إلى ما قبلها كما في قلت وبعت، بخلاف هبت وخفت وطلت ويقول ويخاف، على ما تبين في أول الكتاب، ولذلك قالوا رمو الرجل، بخلاف نحو الترامي، فثبت أنه لا يجوز كسر ضمة سرو ويدعو لئلا يلتبس بناء ببناء، وكذا لا تقلب ياء إذا كانت في اسم وتلزمها الفتحة، نحو هو، لم يأت إلا هذا، وإنما اغتفر ذلك فيه لقلة الثقل، بكونه على حرفين، ولزوم الفتح لواوه، والتباسه بالمؤنث لو قلبت.
وإنما ذكر الخيلاء مع القوباء - مع أن كلامه في الواو المضموم ما قبلها دون الياء المضموم ما قبلها - لان الياء المضموم ما قبلها في حكم الواو المضموم ما قبلها، في وجوب قلب الضمة معها كسرة، حيث يجب قلب ضمة ما قبل الواو كالترامي والترامية، على ما قدمنا، وعدم وجوب قلبها حيث لا يجب قلبها مع الواو، وقال الفراء: سيراء (1) في الاصل فعلاء، بالضم، فكسر لاجل الياء،
__________
(1) السيراء - بكسر السين وفتح الياء، وتسكن -: ضرب من البرود، وقيل: هو ثوب فيه خطوط كالسيور تعمل من القز، وقيل: برود يخالطها حرير، وقيل: هي ثياب من ثياب اليمن، والسيراء أيضا: الذهب، وقيل: الذهب الصافى، وقال (*)

كما تقول بيوت وعيون وبييت وعيين، في الجمع والتصغير، قال السيرافى:
الذى قاله ليس ببعيد لانا لم نر اسما على فعلاء - بكسر الفاء - إلا العنباء بمعنى العنب والسيراء والحولاء (1) بمعنى الحولاء - بضم الحاء - قوله " ولا أثر للمدة الفاصلة في الجمع " اعلم أن الواو المتطرفة المضموم ما قبلها في الاسم المتمكن، إن كانت مشددة قوية بعض القوة، ثم: إما أن يجب القلب مع ذاك، أو يكون أولى، أو يكون تركه أولى.
فما يجب فيه قلبها شيئان: أحدهما: ما تكون الضمة فيه على الواو أيضا كما تقول غزوى على وزن عصفور من الغزو، ومنه مقوى مفعول من القوة،
__________
الجوهرى: والسيراء - بكسر السين وفتح الراء والمد -: برد فيه خطوط صفر، قال النابغة: صفراء كالسيراء أكمل خلقها * كالغصن في غلوائه المتأود وفى الحديث " أهدى إليه أكيدر دومة حلة سيراء " قال ابن الاثير: هو نوع من البرود يخالطه حرير كالسوير، وهو فعلاء من السير القد (أي الجلد).
قال: هكذا روى على هذه الصفة.
قال: وقال بعض المتأخرين إنما هو على الاضافة، واحتج بأن سيبويه قال: لم تأت فعلاء صفة لكن اسما، وشرح السيراء بالحرير الصافى، ومعناه حلة حرير، وفى الحديث: أعطى عليا بردا سيراء، وقال: اجعله خمرا، وفى حديث عمر: رأى حلة سيراء تباع، والسيراء أيضا: ضرب من النبت، والجريدة من جرائد النخل، ثم انظر (ج 2 ص 330) (1) الحولاء - بكسر الحاء، وضمها، مع فتح الواو فيهما -: جلدة خضراء مملوءة ماء تخرج مع الولد، فيها خطوط حمر وخضر، وقد قالوا: نزلوا في مثل حولاء الناقة، يريدون الخصب وكثرة الماء والخضرة، وفى القاموس: " والحولاء كالعنباء والسيراء، ولا رابع لها " اه (*)

والثانى جمع على فعول كجاث وجثى (1) وعصا وعصى، ومنه قسى بعد القلب، وقد شذ نحو جمع نحو، يقال: إنه لينظر في نحو كثيرة: أي جهات، وكذا نجو جمع نجو، وهو السحاب، وبهو، جمع بهو وهو الصدر، وأبو وأخو، جمع أب وأخ، ولا يقاس عليه، خلافا للفراء.
وما كان القلب فيه أولى ويجوز تركه: فهو كل مفعول ليس الضمة فيه على الواو، لكنه من باب فعل بالكسر، نحو مرضى، فإنه أكثر من مرضو، إتباعا للفعل الماضي.
وما كان ترك القلب فيه أولى كل مصدر على فعول كجثو وعتو، ومن قلب فلاعلال الفعل، فان لم تتطرف الواو لم تقلب كالاخوة والابوة وندر القلب في أفعول وأفعولة كأغزو وأغزوة، وقد جاء أدعوة وأدعية (2) ومنه الادحى (3) وكذا في الفعول والفعولة، ويجوز أن يكون الالية بمعنى القسم فعولة وفعيلة، وهو واوى (4)، لقولهم الالوة بمعناه، وكذا في اسم مفعول
__________
(1) جاث: اسم فاعل من جثا يجثو ويجثى، كدعا وكرمى - ومعناه جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه، والجثى: جمع الجاثى، وأصله جثوو فقلبت الواو المتطرفة ياء، ثم قلبت الواو قبلها ياء أيضا لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون، ثم قلبت ضمة الثاء كسرة (2) يقال: بينهم أدعية يتداعون بها - بضم الهمزة وسكون الدال وكسر العين مع تشديد الياء - والادعوة: مثله، هي الاغلوطة، وذلك نحو قول الشاعر: أدعيك ما مستحقبات مع السرى * حسان وما آثارها بحسان أراد السيوف (3) الادحى والادحية - بضم الهمزة أو كسرها مع سكون الدال وكسر الحاء - ويقال: أدحوة، وهى مبيض النعام في الرمل، سميت بذلك لان النعامة تدحو الرمل:
أي تبسطه برجلها ثم تبيض فيه، وليس للنعام عش (6) الالية - بفتح الهمزة وكسر اللام وتشديد الياء -: اليمين، قال الشاعر: على ألية إن كنت أدرى * أينقص حب ليلى أم يزيد (*)

ليس الضمة فيه على الواو، ولا هو من باب فعل بالكسر، كمغزو، ويقال: أرض مسنوة (1) ومسنية، قال: 148 - * أنا الليث معديا عليه وعاديا (2) * وقد يعل الاعلال الذى لامه همزة، وذلك بعد تخفيف الهمزة، كقولهم.
__________
وقال الاخر: قليل الالالياء حافظ ليمينه * وإن سبقت منه الالية برت والالوة: بمعناه، والذى يتجه عندنا أن الالية فعيلة، وأصلها أليوة، فقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون، ثم أدغمتا، ويبعد عندنا أن تكون فعولة، لانه كان يجب أن يقال: ألوة - كعدوة - والقول بأن الواو قلبت ياء شذوذا لا داعى له ما دام للكلمة محمل صحيح (1) أصل هذه الكلمة من السانية، وهى الدلو العظيمة التى يستقى بها، والسانى الساقى، وتقول: سنا الارض يسنوها، إذا سقاها، وأرض مسنوة ومسنية: اسما مفعول من ذلك.
قال في اللسان: " ولم يعرف سيبويه سنيتها، وأما مسنية عنده فعلى يسنوها، وإنما قلبوا الواو ياء لخفتها وقربها من الطرف " اه (2) هذا عجز بيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثى، وصدره قوله: * وقد علمت عرسي مليكة أننى * والبيت من قصيدة طويلة له يقولها وهو أسير عند تيم الرباب يوم الكلاب، ومطلعها قوله:
ألا لا تلوماني كفى اللوم مابيا * فما لكما في اللوم خير ولا ليا وعرس الرجل - بكسر فسكون - امرأته، ومليكة: اسمها، وهو بضم أوله وفتح ثانيه، والاستشهاد بالبيت في قوله " معديا " حيث جاء به معلا، وهو من عدا يعدو، وكان حقه أن يقول: معدوا، كما تقول دعوته فهو مدعو وغزوته فهو مغزو، ولكنه شبهه بالجمع فأعله، ومنهم من يجعله جاريا على عدى المبنى للمجهول: أي فلما أعل فعله أعل هو حملا عليه كما قالوا: مرضى، لقولهم رضى: بالاعلال.
(*)

مخبى (1)، والاصل مخبو وقد جاء في جمع فتى مع كونه يائيا فتو شاذا (2)، كما شذ نحو لعدم قلب الواو ياء.
ويجوز لك في فاء مفعول: جمعا كان، أو غيره، بعد قلب الواو ياء، أن تتبعه العين، وأن لا تتبعه، نحو عنى ودلى.
ويجوز لك في عين فعل جمعا من الاجوف الواوى نحو صوم وقول قلبها ياء، نحو صيم وقيل، والتصحيح أولى، وإنما جاز لك لكونه جمعا، ولقرب الواو من الطرف.
ولا يجوز في حول حيل (3) لكونه مفردا، وحكم المصنف قبل هذا بشذوذ قلب واو نحو صوم ياء هذا القلب، وكلام سيبويه يشعر بكونه قياسا، وأما قوله: * فما أرق النيام إلا سلامها (4) * فشاذ، للبعد من الطرف.
قال: " وتقلبان همزة إذا وقعتا طرفا بعد ألف زائدة نحو كساء ورداء بخلاف راى وثاى، ويعتد بتاء التأنيث قياسا نحو شقاوة وسقاية، ونحو صلاءة وعظاءة وعباءة شاذ "
أقول: إنما تقلب الواو والياء المذكورتان ألفا ثم همزة لما ذكرنا قبل في قلب الواو والياء (ألفا) لتحركهما وانفتاح ما قبلها، ثم يجتمع الساكنان، فلا يحذف
__________
(1) أصل مخبى مخبوء اسم مفعول من خبأته مهموز اللام، فخففت الهمزة في اسم المفعول بقلبها واوا، ثم أدغمت في واو مفعول فصار مخبوا، ثم أعل شذوذا بقلب الواو ياء: إما حملا له على الجمع، وإما إجراء له عل خبى مخفف خبئ، على نحو ما ذكرناه في معدى (2) انظر (ج 2 ص 257 و 258) (3) الحول - كسكر - الشديد الاحتيال (4) (انظر ص 143 من هذا الجزء) (*)

الاول مع كونه مدة، لئلا يلتبس بناء ببناء، بل يقلب الثاني إلى حرف قابل للحركة مناسب للالف، وهو الهمزة، لكونهما حلقيين، إذ الاول مدة لاحظ لها في الحركة، ولا سبيل إلى قلب الثاني واوا أو ياء، لانه إنما فر منهما، ولكون تحرك الواو والياء وانفتاح ما قبلهما سببا ضعيفا في قلبهما ألفا، ولا سيما إذا فصل بينهما وبين حة ألف يمنعه عن التأثير وقوع حرف لازم بعد الواو والياء، لان قلبهما ألفا مع ضعف العلة إنما كان لتطرفها، إذ الاخر محل التغيير، وذلك الحرف نحو تاء التأنيث إذا لزمت الكلمة كالنقاوة (1) والنهاية، وألف التثنية إذا كان لازما كالثنايان (2) إذ لم يأت ثناء للواحد، والالف والنون لغير التثنية كغزوان ورمايان على وزن سلامان (3) من الغزو والرمى، فإن كانت التاء غير لازمة - وهى التاء الفارقة بين المذكر والمؤنث في الصفات - كسقاءة وغزاءة لقولهم: سقاء وغزاء، وتاء الوحدة القياسية نحو استقاءة واصطفاءة، أو ألف المثنى غير اللازمة نحو كساءان ورد امان، قلبتا، لكونهما كالمتطرفتين،
وإنما جاز عظاءة وعظاية (4)
__________
(1) انظر (ج 1 ص 156) (2) انظر (ص 60 من هذا الجزء) (3) سلامان: وردت هذه الكلمة مضبوطة بضبط القلم في نسخ القاموس بضم السين، وفى اللسان ضبطت بالفتح بضبط القلم أيضا، وصرت ياقوت في المعجم بأنها بفتح السين أو كسرها، والسلامان: شجر، واسم ماء لبنى شيبان، وبطنان: أحدهما في قضاعة، والاخر في الازد (4) العظاءة - بظاء مشالة مفتوحة وبالمد، ويقال فيها عظاية بالياء -: دويبة أكبر من الوزغة، وتسمى شحمة الارض، وهى أنواع كثيرة منها الابيض والاحمر والاصفر والاخضر، وكلها منقطة بالسواد، قال في اللسان: " قال ابن جنى: وأما قولهم عظاءة وعباءة وصلاءة فقد كان ينبغى لما لحقت الهاء آخرا وجرى (*)

[...]
__________
الاعراب عليها وقويت الياء بعدها عن الطرف، ألا تهمز، وألا يقال إلا عظاية وعباية وصلاية، فيقتصر على التصحيح دون الاعلال، وألا يجوز فيه الامران، كما اقتصر في نهاية وغباوة وشقاوة وسعاية ورماية على التصحيح دون الاعلال، إلا أن الخليل رحمه الله قد علل ذلك فقال: إنهم إنما بنوا الواحد على الجمع، فلما كانوا يقولون عظاء وعباء وصلاء فيلزمهم إعلال الياء لوقوعها طرفا أدخلوا الهاء وقد انقلبت اللام همزة فبقيت اللام معتلة بعد الهاء كما كانت معتلة قبلها، قال: فان قيل: أو لست تعلم أن الواحد أقدم في الرتبة من الجمع وأن الجمع فرع على الواحد ؟ فكيف جاز للاصل وهو عظاءة أن يبنى على الفرع وهو عظاء ؟ وهل هذا إلا كما عابه أصحابك على الفراء في قوله: إن الفعل الماضي إنما بنى على الفتح لانه حمل على التثنية، فقيل: ضرب
لقولهم: ضربا، فمن أين جاز للخليل أن يحمل الواحد على الجمع ؟ ولم يجز للفراء أن يحمل الواحد على التثنية ؟ فالجواب أن الانفصال من هذه الزيادة يكون من وجهين: أحدهما أن بين الواحد من المضارعة ما ليس بين الواحد والتثنية، ألا تراك تقول: قصر وقصور، وقصرا وقصورا، وقصر وقصور، فتعرب الجمع إعراب الواحد، وتجد حرف إعراب الجمع حرف إعراب الواحد، ولست تجد في التثنية شيئا من ذلك، إنما هو قصران أو قصرين، فهذا مذهب غير مذهب قصر وقصور، أو لا ترى إلى الواحد تختلف معانيه كاختلاف معاني الجمع لانه قد يكون جمع أكثر من جمع كما يكون الواحد مخالفا للواحد في أشياء كثيرة، وأنت لا تجد هذا إذا ثنيت، إنما تنتظم التثنية ما في الواحد البتة، وهى لضرب من العدد البتة، لا يكون اثنان اكثر من اثنين كما تكون جماعة أكثر من جماعة، هذا هو الامر الغالب، وإن كانت التثنية قد يراد بها في بعض المواضع أكثر من الاثنين فان ذلك قليل لا يبلغ اختلاف أحوال الجمع في الكثرة والقلة، فلما كانت بين الواحد والجمع هذه النسبة وهذه المقاربة جاز للخليل أن يحمل الواحد على الجمع، ولما بعد الواحد من التثنية في معانيه ومواقعه لم يجز للفراء أن يحمل الواحد على التثنية، كما حمل الخليل الواحد على الجماعة " اه (*)

وعباءة (1) وعباية وصلاءة وصلاية (2) بالهمز والياء - وإن كانت التاء فيها أيضا للوحدة كما في استقاءة واصطفاءة - لكون تاء الوحدة في المصدر قياسية كثيرة، فعروضها ظاهر، بخلاف اسم العين، فان ما يكون الفرق بين مفرده وجنسه بالتاء (منه) سماعي قليل: من المخلوقات كان أو من غيرها، كتمرة وتفاحة وسفينة ولبنة، فجاز الهمزة في الاسماء الثلاثة نظر إلى عدم لزوم التاء، إذ يقال: عباء، وعظاء، وصلاء، في الجنس، وجاز الياء لان الاصل لزوم التاء، إذ
ليست قياسية كما قلنا، فصارت كتاء النقاوة والنهاية، ولكون تاء الوحدة في اسم العين كاللازمة جاز قلنسوة (3) وعرقوة، (4)، وإن كان اسم الجنس منهما قلنسيا وعرقيا، وليس شقاوة وشقاء كعظاية وعظاء، إذ ليس شقاوة للواحد وشقاء للجنس، بل كل منهما للجنس، وقياس الوحدة الشقوة، فليس أصل شقاوة شقاء ثم زيدت التاء، فلهذا ألزمته الواو دون عباءة وعباية نحو غباوة، وإنما منع وقوع حرف لازم عن القلب في باب شقاوة وخزاية (5) وباب قمحدوة (6) ولم يمنع في باب غزيان وغزية فعلان وفعلة - بكسر العين - وإن جعلنا الالف والتاء فيه لازمين أيضا، لقوة علة القلب في الاخير دون الاولين، ولذلك قلبت الواو مع فصل حرف صحيح بين الكسرة وبينها في نحو دنيا.
قوله " بعد ألف زائدة " لانها تكون إذن كالعدم، فيكون الواو والياء
__________
(1) العباءة والعباية: ضرب من الاكسية واسع فيه خطوط سود كبار (2) الصلاية الصلاءة: مدق الطيب، انظر (ح 2 ص 130) (3) القلنسوة: من لباس الرأس (انظر ج 2 ص 377) (4) العرقوة: خشبة في فم الدلو يمسك منها (5) الخزاية: الاستحياء (6) انظر (ج 2 ص 46) (*)

المتحركتان كأنهما وقعتا بعد فتحة، وأما رأى (1) وثاى (2) فالالف - لانقلابها عن حرف أصلى - معتد بها قوله " ونحو عظاءة وصلاءة وعباءة شاذ " قد ذكرنا ما يخرجها عن الشذوذ، ولو اتفق غير هذه الثلاثة في مثل حالها من غير المصادر المزيد فيها لجاز فيه أيضا الوجهان قياسا، والهمزة في نحو علباء (3) وحرباء (4) من الملحقات أصلها الالف
المنقلبة عن الياء الزائدة للالحاق، بدليل تأنيثهم لمثلها كدرحاية (5) ودعكاية (6) والتاء لازمة كما في خزاية، فلذا لم تقلب الياء، بخلاف حرباءة (4) قال: " وتقلب الياء واوا في فعلى اسما كتقوى ويقوى، بخلاف الصفة، نحو صديا وريا، وتقلب الواو في فعلى اسما كالدنيا والعليا، وشذ نحو القصوى وحروى، بخلاف الصفة كالغزوى، ولم يفرق في فعلى من الواو نحو دعوى وشهوى، ولا في فعلى من الياء نحو الفتيا والقضيا " أقول: الناقص إن كان على فعلى - بفتح الفاء -: فإما أن يكون واويا، أو يائيا، والواوي لا تقلب واوه ياء، لا في الاسم كالدعوى والفتوى، ولا في الصفة نحو شهوى مؤنث شهوان، لاعتدال أول الكلمة وآخرها بالفتحة والواو، فلو قلبت ياء لصار طرفا الكلمة خفيفين، وأما اليائى منه فقصد فيه التعديل أولا
__________
(1) الراى: اسم جنس جمعى واحده راية، وفى بعض النسخ " زاى " وهى صحيحة أيضا (2) الثاى: اسم جنس جمعى واحده ثاية، وهى علم صغير (انظر ص 118 من هذا الجزء) (3) العلباء: عصب عنق البعير (انظر ح 2 ص 55) (4) الحرباء: ذكر أم حبين (انظر ج 2 ص 55) (5) الدرحاية: الرجل الكثير اللحم القصير (انظر ج 2 ص 43) (6) الدعكاية: الرجل الكثير اللحم طال أو قصر (*)

فعدل الاسم الذى هو أسبق من الصفة بقلب يائه واوا، فلما وصل إلى الصفة خليت بلا قلب، للفرق قوله " البقوى " من الابقاء، وهو الرحمة والرعاية، ولا استدلال في ريا،
لجواز أن يكون قلب واوه ياء لاجتماع الواو والياء وسكون أسبقهما (1) وإذا كان الناقص على فعلى - بضم الفاء - فلا يخلو: إما أن يكون واويا، أو يائيا، وكل واحد منهما إما اسم، أو صفة، فالثاني لا تقلب لامه: اسما كان أو صفة، لحصول الاعتدال في الكلمة بثقل الضمة في أولها وخفة الياء في آخرها، فلو قلبت واوا لكان طرفا الكلمة ثقيلين، وأما الواوى فحصل فيه نوع ثقل بكون الضمة في أول الكلمة والواو قرب الاخر، فقصد فيه مع التخفيف الفرق بين الاسم والصفة، فقلبت الواو ياء في الاسم، دون الصفة، لكون الاسم أسبق من الصفة فعدل بقلب واوه ياء، فلما صل إلى الصفة خليت، لاجل الفرق بينهما.
وذكر سيبويه من فعلى الاسمية الدنيا والعليا والقصيا، وإن كانت تأنيث الادنى والاعلى والاقصى أفعل التفضيل، إذ الفعلى الذى هو مؤنث الافعل حكمه عند سيبويه حكم الاسماء، لانها لا تكون وصفا بغير الالف واللام، فأجريت مجرى الاسماء التى لا تكون وصفا (بغير الالف واللام)، كما تقدم في هذا الباب، فعلى هذا في جعل المصنف القصوى اسما والغزوي (والقضيا تأنيثى الاغزى والاقضى صفة نظر، لان القصوى (أيضا) تأنيث الاقصى، قال سيبويه: وقد قالوا القصوى فلم يقلبوا واوها ياء، لانها قد تكون صفة بالالف واللام، فعلى مذهب
__________
(1) نقول: بل يستدل بريا على أن لام الصفة التى على فعلى - بالفتح - إن كانت ياء لم تقلب واوا، للفرق بين الاسم والصفة، وذلك لان أصله رويا، بزنة عطشى ولو قلبت لقيل روى - بتشديد الواو - ولما لم تقلب اللام واوا قلبت العين التى هي واو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون، فهذا القلب لم يحصل إلا لانهم لم يقلبوا الياء التى هي لام واوا، ولو قلبوها لما وجد المقتضى لقلب الواو ياء (*)

سيبويه الغزوى وكل مؤنث لافعل التفضيل لامه واو قياسه الياء، لجريه مجرى
الاسماء، قال السيرافى: لم أجد سيبويه ذكر صفة على فعلى بالضم مما لامه واو إلا ما يستعمل بالالف واللام، نحو الدنيا والعليا، وما أشبه ذلك، وهذه عند سيبويه كالاسماء، قال: وإنما أراد أن فعلى من ذوات الواو إذا كانت صفة تكون على أصلها، وإن كان لا يحفظ من كلامهم شئ من ذلك على فعلى، لان القياس حمل الشئ على أصله حتى يتبين أنه خارج عن أصله شاذ عن بابه، وحزوى: اسم موضع وأما فعلى بكسر الفاء من الناقص فلا تقلب واوه ياء، ولا ياؤه واوا، سواء كان اسما أو صفة، لا ن الكسرة ليست في ثقل الضمة، ولا في خفة الفتحة، بل هي تتوسط بينهما، فيحصل لها اعتدال مع الياء ومع الواو، والاصل في قلب ياء فعلى - بالفتح - وواو فعلى - بالضم - إنما كان طلب الاعتدال، لا الفرق بين الوصف والاسم، ألا ترى إلى عدم الفرق بينهما في فعلى الواوى المفتوح فاؤه وفعلى اليائى المضموم فاؤه لما كان الاعتدال فيهما حاصلا ؟ وأما أمثلة فعلى الواوى بسكر الفاء اسما وصفة واليائى كذلك فعزيزة قال: " وتقلب الياء إذا وقعت بعد همزة بعد ألف في باب مساجد وليس مفردها كذلك ألفا، والهمزة ياء، نحو مطايا وركايا، وخطايا على القولين، وصلا يا جمع المهموز وغيره، وشوا يا جمع شاوية، بخلاف شواء جمع شائية من شأوت، وبخلاف شواء وجواء جمعى شائية وجائية على القولين فيهما، وقد جاء أداوى وعلاوي وهراوى مراعاة للمفرد " أقول: قد مر في باب تخفيف الهمزة شرح جميع هذا (1)، فلنشرح ههنا ألفاظ المصنف
__________
(1) انظر (ص 59 - 62 من هذا الجزء) (*)

قول " في باب مساجد " أي: في باب الجمع الاقصى الذى بعد ألفه حرفان قوله " وليس مفردها كذلك " أي: ليس بعد ألف مفرده همزة بعدها ياء، احتراز عن نحو شائية وشواء من شأوت أو شئت، وإنما شرط في قلب همزة الجمع ياء ويائه ألفا أن لا يكون المفرد كذلك، إذ لو كان كذلك لترك في الجمع بلا قلب، ليطابق الجمع مفرده، ألا ترى إلى قولهم في جمع حبلى: حبالى، وفى جمع إداوة: أداوى (1)، وفى جمع شائية: شواء، تطبيقا للجمع بالمفرد ؟ وسيبويه لا يشترط في القلب المذكور أن لا يكون المفرد كذلك، بل يشترط فيه كون الهمزة في الجمع عارضة، فقال بناء على هذا: إن من ذهب مذهب الخليل في قلب الهمزة في هذا الباب كما في شواع (2) ينبغى أن يقول في فعاعل من جاء وساء جياء وسواء جمعى جئ وسئ كسيد، لان الهمزة على مذهب الخليل هي التى في الواحد، وليست عارضة وإنما جعلت العين التى أصلها الواو والياء طرفا، هذا كلامه، ومن لم يذهب مذهب الخليل من قلب الهمزة إلى موضع اللام يقول: جيايا وسوايا فان قيل: يلزم سيبويه أن يقول في جمع شائية من شئت: شوايا، لان الهمزة في الجمع عارضة عنده، كما هي عارضة في المفرد قلنا: إنه أراد بعروضها في الجمع أنها لم تكن في المفرد همزة، وهمزة شواء من شئت كانت في المفرد أيضا همزة، فلم تكن عارضة في الجمع بهذا التأويل ويلزم الخليل أن يقول في جمع خطيئة: خطاء، بناء على شرط سيبويه، إذ الهمزة على مذهب الخليل غير عارضة في الجمع، ولم يقل به أحد، فظهر أن الاولى أن يقال: الشرط أن لا يكون المفرد كذلك، حتى يطرد على مذهب الخليل
__________
(1) أنظر (ج 1 ص 31) (2) أنظر (ج 1 ص 22) (*)

وغيره، فلا يقال: خطاء وجياء وسواء، على شئ من المذاهب، لان آحادها ليست كذلك قوله " مطايا وركايا " جمع مطية (1) وركية فعيلة من الناقص، وهما مثالان لشئ واحد، وأما خطايا فهو جمع خطيئة فعيلة من مهموز اللام، ففى مطايا كان بعد الالف همزة بعدها ياء، لان ياء فعيلة في الجمع الاقصى همزة، وكذا في خطايا على المذهبين: أما على مذهب سيبويه فلانك تقلب ياء فعيلة في الجمع همزة، فيجتمع همزتان متحركتان أولاهما مكسورة، فتقلب الثانية ياء وجوبا، وأما على مذهب الخليل فلان أصله خطايئ بياء بعدها همزة، ثم قلبت الهمزة إلى موضع الياء، فقوله خطايا " على القولين " أي: غلى قولى الخليل وسيبويه، فتقلب على المذهبين الهمزة ياء، والياء ألفا، لان واحده: أي خطيئة، لم يكن فيه ألف بعده همزة بعدها ياء، حتى يطابق به الجمع قوله " وصلايا جمع المهموز وغيره " أي: صلاية وصلاءة، لان جمع فعالة فعائل بالهمز (3) كحمائل، فيصير جمع صلاءة بهمزتين كجمع خطيئة عند غير الخليل، فتقلب الثانية ياء مثلها، وجمع صلاية صلائى بهمزة بعدها ياء قوله " فيهما " أي: في شواء جمع شائية من شئت مشيئة، وفى جواء جمع جائية من جئت مجيئا، وكلاهما من باب واحد، إذ هما أجوفان
__________
(1) المطية: الدابة، سميت بذلك لانها تمطو في سيرها، أو لان الراكب يعلو مطاها، وهو ظهرها، فعلى الاول هي فعيلة بمعنى فاعلة، وعلى الثاني هي فعيلة بمعنى مفعولة، وأصلها على الوجهين مطيوة، قلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون، ثم أدغمتا (2) الركية: البئر، فعيلة بمعنى مفعولة من ركاها يركوها، أي: حفرها
(3) الحمائل: جمع حمالة - بزنة سحابة - وهى الدية، سميت بذلك لان أقارب القاتل يتحملونها (*)

مهموز اللام، فلم يحتج إلى قوله " فيهما " وليس القولان في شواء جمع شائية من شأوت، إذ لا قلب فيه عند الخليل، لانه إنما يقلب خوفا من اجتماع الهمزتين قوله " وقد جاء أداوى " كل ما كان في واحده ألف ثالثة بعدها واو وجمعته الجمع الاقصى قلبت ألفه همزة، كما تقلب في جمع رسالة، وقلبت الواو ياء، ثم قلبت الهمزة واوا، تطبيقا للجمع بالمفرد، وقد قالوا: هداوى في جمع هدية، قلبوا الهمزة واوا لوقوعها بين الالفين كما في حمراوان، وهو عند الاخفش قياسي، وعند غيره شاذ قال: " وتسكنان في باب يغزو ويرمى مرفوعين، والغازي والرامي مرفوعا ومجرورا، والتحريك في الرفع والجر في الياء شاذ، كالسكون في النصب والاثبات فيهما وفى الالف في الجزم " أقول: إنما سكن الواو في نحو يغزو، وهذا مختص بالفعل، لا يكون في الاسم، كما ذكرنا، لاستثقال الواو المضمومة بعد الضمة، إذ يجتمع الثقلاء في آخر الفعل مع ثقله، فخفف الاخير، وهو الضمة، لان الحركة بعد الحرف، وكذا تسكن الياء المضمومة بعد الكسرة، وهذا أقل ثقلا من الاول، ويكون في الاسم والفعل، نحو هو يرمى، وجاء الرامى، وإنما ذكر الغازى والرامي ليبين أن الياء التى أصلها الواو كالاصلية، وكذا تسكن الياء المكسورة بعد الكسرة، لاجتماع الامثال، كما في الواو المضمومة بعد الضمة، والاول أثقل، وهذا يكون في الاسم نحو بالرامي، وفى الفعل كارمى، وأصله أرميى قوله: " والتحريك في الرفع في الياء شاذ " أما الرفع فكقول الشاعر:
149 - * موالى ككباش العوس سحاح (1) *
__________
(1) هذا عجز بيت من البسيط لجرير بن عطية، وصدره قوله: * قد كان يذهب بالدنيا وبهجتها * (*)

وقوم من العرب يجرون الواو والياء مجرى الصحيح في الاختيار، فيحركون ياء الرامى رفعا وجرا، وياء يرمى رفعا، وكذا واو يغزو رفعا، قال: 150 - * كجواري يلعبن بالصحراء * (1) قوله " كالسكون في النصب " أما في الواو فكقوله: 151 - فما سودتني عامر عن وراثة * أبى الله أن أسمو بأم ولا أب (2) وأما في الياء فكقوله: فلو أن واش باليمامة داره * ودارى بأعلى حضرموت اهتدى ليا (3)
__________
وقوله " كاد " يروى في مكانه " كان " وقوله: " وبهجتها " يروى في مكانه " ولذتها " والموالي: جمع مولى، وله معان كثيرة منها السيد - وهو المراد هنا - والعبد وابن العم والناصر.
والكباش: جمع كبش، والعوس: اسم مكان أو قبيلة، وسحاح: جمع ساح، وهو السمين، تقول: سحت الشاء تسح - بالكسر - سحوحا: أي سمنت.
والاستشهاد بالبيت في قوله " موالى " حيث حرك الياء بالضم شذوذا (1) هذا عجز بيت من الكامل لم نعرف قائله، وصدره قوله: * ما إن رأيت ولا أرى في مدتي * ومعنى مفرداته واضح.
والاستشهاد به في قوله " كجواري " حيث حرك
الياء بالكسر شذوذا (2) هذا بيت من الطويل لعامر بن الطفيل الجعدى، وسودتنى جعلتني سيدا، وعامر قبيلة.
والاستشهاد به في قوله: " أن أسمو " حيث سكن الواو في حال النصب وذلك شاذ (3) قد سبق شرح هذا البيت فارجع إليه في (ح 1 ص 177).
والاستشهاد به هنا في قوله " واش " حيث حذف الياء في حالة النصب كما تحذف في حالة (*)

وقوله: 152 - كأن أيديهن بالقاع القرق * أيدى جوار يتعاطين الورق (1) قوله " والاثبات فيهما " أما في الواو فكقوله: 153 - هجوت زبان ثم جئت معتذرا * من هجو زبان لم تهجو ولم تدع (2) وأما في الياء فكقوله: 154 - ألم يأتيك والانباء تنمى * بما لاقت لبون بنى زياد (3)
__________
الرفع والجر، ونريد أن ننبهك هنا على أن ابن قتيبة قد روى هذا البيت في الشعراء (ص 314).
وكذلك أبو الفرج الاصفهانى في الاغانى (ح 2 ص 69 دار الكتب) * فلو كان واش باليمامة داره * فلا شاهد في البيت على هذه الرواية (1) نسب ابن رشيق هذا الشاهد إلى رؤبة بن العجاج، والضمير في
" أيديهن " يرجع إلى الابل، والقاع: المكان المستوى، والقرق - ككتف -: الاملس، ويقال: هو الخشن الذى فيه الحصى.
ويتعاطين: يناول بعضهن بعضا والورق: الفضة، والمراد الدراهم، والاستشهاد بالبيت في قوله " كأن أيديهن " حيث سكن الياء في حال النصب كما تسكن في حال الرفع، وهو شاذ (2) ينسب هذا البيت لابي عمرو بن العلاء، واسمه زبان، ويروى على هذا " هجوت " و " لم تهجو " بالخطاب، ومن الناس من ينسبه لشاعر كان يهجو أبا عمرو بن العلاء، ويرويه " هجوت " و " لم أهجو ولم أدع ".
والاستشهاد بالبيت في قوله " لم أهجو " حيث أثبت الواو ساكنة مع الجازم وذلك شاذ (3) هذا البيت مطلع قصيدة لقيس بن زهير العبسى، والانباء: جمع نبأ (*)

فتقدر لاجل الضرورة الضمة في الواو والياء ليحذفها الجازم، لان الجازم لابد له من عمل، وتقديرها في الياء أكثر وأولى، لان الضمة على الواو أثقل منها على الياء.
قوله " وفى الالف في الجزم " أي: إثبات الالف في الجزم كإثبات الواو والياء في الجزم كقوله: 155 - * ولا ترضاها ولا تملق (1) * وتقدير الضم في الالف أبعد، لانها لا تحتمل الحركة قال: " وتحذفان في نحو يغزون ويرمون واغزن واغزن وارمن وارمن " أقول: أصل يغزون يغزو، لحقه واو الجمع، فحذف الواو الاولى للساكنين وأصل يرمون يرمى، لحقه واو الجمع فحذف الياء للساكنين، ثم ضمت الميم لتسلم الواو، إذ هي كلمة تامة لا تتغير، أصل أغزن اغزوا، لحقه النون المشددة، فسقطت الواو للساكنين، وكذا اغزن وارمن، لان الاصل
__________
وهو الخبر وزنا ومعنى، ويقال: النبأ خاص بما كان ذا شأن والخبر عام، وتنمى تزيد وتكثر، والباء في بما لاقت يقال: هي زائدة، و " ما " فاعلي يأتي، ويقال هي أصلية متعلقة بتنمى وفاعل " يأتي " على هذا ضمير مستتر عائد على مفهوم من المقام: أي ألم يأتيك هو: أي الخبر، واللبون: الناقة ذات اللبن.
والاستشهاد بالبيت في قوله " ألم يأتيك " حيث أثبت الياء ساكنة مع الجازم الذى يقتضى حذفها، وهو شاذ (1) هذا بيت من مشطور الرجز، ينسب لرؤبة، وقبله: * إذا العجوز غضبت فطلق * وترضاها: أصله تترضاها فحذف إحدى التاءين.
والاستشهاد به في هذا اللفظ حيث أثبت الالف مع لا الناهية الجازمة التى تقتضي حذف حرف العلة، وذلك شاذ (*)

ارمو وارمي، ولا تقول: إن الاصل ارميوا وارميى، لان الفاعل يدخل على الفعل بعد إعلاله، كما تقدم.
قال: " ونحو يد ودم واسم وابن وأخ وأخت ليس بقياس " أقول: يعنى حذف اللام في هذه الاسماء ليس لعلة قياسية، بل لمجرد التخفيف، فلهذا دار الاعراب على آخر ما بقى، وأما أخت فليس بمحذوف اللام، بل التاء بدل من لامه هذا آخر باب الاعلال، ولنضف إليه ما يليق به، فنقول: إذا اجتمع ياءان، فإن لم تكن الاخيرة لاما، فإن سكنت الاولى أدغمت كبيع وبياع، وإن سكنت الثانية أو تحركتا فحكم كل واحدة منهما حكمها مفردة كبييت، وكما إذا بنيت من يين مثل باع قلت: يان، وإن بنيت مثل
هيام (1) قلت: ييان وإن كانت الاخيرة لاما، فإن سكنت أولاهما أدغمت في الثانية كحى، وإن سكنت الاخيرة سلمتا كحييت، وإن تحركتا: فإن جاز قلب الثانية ألفا قلبت نحو حياة، وإن لم يجز: فإما أن تلزم حركة الثانية، أولا، فان لزمت فإن لم يجز إدغام الاولى في الثانية فالاولى قلب الثانية واوا كما في حيوان، وإنما لم يجز الادغام لان فعلان من المضاعف نحو رددان لا يدغم، كما يجئ في باب الادغام، وإنما لم يجز قلب الثانية ألفا لعدم موازنة الفعل كما مر، وإنما قلبت واوا لاستثقال اجتماع الياءين المتحركتين وامتناع تغيير ذلك الاستثقال بالوجه الاخف من الادغام أو قلب الثاني ألفا، وإنما قلبت الثانية دون الاولى لان استثقال الاجتماع بها حصل، وإنما جاز قلب اللام واوا مع أن الاخير ينبغى أن يكون حرفا خفيفا
__________
(1) الهيام - كسحاب وغراب -: ما لا يتماسك من الرمل، فهو ينهار أبدا، وكغراب: شدة العشق، وداء يصيب الابل من ماء تشربه مستنقعا (*)

لان لزوم الالف والنون جعلها متوسطة، كما قالوا في عنفوان (1) وعنصوة (2) كما مر، وقال سيبويه: القياس حييان، فلم يقلب الثانية، وحيوان عنده شاذ، وكذا قال في فعلان من القوة قووان، كما يجئ، وكذا تقول: حيوى كجفلى (3) وقياس سيبويه حييى، وكذا تقول على وزن السبعان من حى حيوان، وإنما لم تدغم كما أدغمت في رددان فقلت: ردان على ما يجئ في باب الادغام، لان الاعلال قبل الادغام، وقياس سيبويه حيان - بالادغام - لانه لا يقلب في مثله، وإن جاز الادغام فلك الادغام وتركه كحيى وحى وحييان - بالكسر - وحيان، والادغام أكثر كما مر (4)، إذ هو أخف، وإن لم تلزم حركة الثاني نحو لن يحيى وجب تصحيحهما مظهرين، وإخفاء كسرة الاولى أولى
وإن اجتمع ثلاث ياءات: فإما أن تكون الاخيرة لاما، أولا فإن كانت لاما: فإما أن تكون الاولى مدغمة في الثانية، أو الثانية في الثالثة، أو لا يكون شئ منهما مدغما في شئ فإن كانت الاولى مدغمة في الثانية: فإما أن يكون ذلك في الفعل أو الجارى
__________
(1) عنفوان الشئ: أوله أنظر (ح 1 ص 251) (2) العنصوة - مثلثة العين -: القليل المتفرق من النبت والشعر وغيرهما، أنظر (ص 101 من هذا الجزء) (3) في بعض المطبوعات " كتملى " بالتاء المثناة، وبعضها " كثملى " بالمثلثة وكلاهما خطأ، والصواب ما أثبتناه، والجفلى: الدعوة العامة، ويقابلها " النقرى " قال طرفة: نحن في المشتاة ندعو الجفلى * لا ترى الادب فينا ينتقر يقال: دعى فلان في النقرى لا في الجفلى، أي دعى في الدعوة الخاصة لا في الدعوة العامة.
(4) أنظر (ص 114 من هذا الجزء) (*)

عليه، أولا، فإن كان في أحدهما جعلت الثانية كأنها لم تسبقها ياء، نحو حيا وحييت ويحيى، والمحيى، والمحيى.
هو مثل عزى، يعزى، المعزى، المعزى، وإنما لم تحذف الثالثة المكسور ما قبلها في الفعل نسيا نحو يحيى مع استثقال ذلك كما حذفت في معيية إبقاء على حركة العين في الفعل، إذ بها تختلف أوزان الفعل، ووزن الفعل تجب مراعاته، كما مر في تعليل امتناع قلب واو نحو يدعو ياء، ثم أجرى الجارى على الفعل كالمحيى مجرى الفعل في ترك
حذف الياء الثالثة نسيا، وإن لم يكن ذلك في الفعل ولا في الجارى عليه فإن جاز قلب الثالثة ألفا - وذلك إذا كانت المشددة مفتوحة والاخيرة طرفا - قلبت، كما في إياة على وزن إوزة من أويت، والاصل إئوية، ثم إيوية، ثم إيية، وإن لم يجز ذلك، وهو لامرين: أحدهما أن تتوسط الاخيرة مع انفتاح المشددة لمجئ حرف موضوع على اللزوم في كل موضع، كالالف والنون التى لغير المثنى، فإذا كان كذا قلبت الثالثة واوا كما تقول إذا بنيت على فيعلان من حيى: حيوان، لانه أثقل من حيوان مخففا، وعند سيبويه حييان كما مر، وثانيهما أن تنضم المشددة أو تنكسر، فإذا كان كذا كسرت المضمومة وحذفت الثالثة نسيا، لاستثقال الياءات في الطرف مع انكسار المشددة منها نحو معية، والاصل معيية، ونحو حنى على وزن كنهبل (1) من حيى، والاصل حنيى ثم حنيى، وكذا تحذف الاخيرة نسيا وان جاء بعدها حرف لازم، كما تقول في تصغير أشويان: على وزن أنبجان (2) من الشتى أشيويان، ثم أشييان، ثم أشيان، وخالف أبو عمرو فيما وازن الفعل، وأوله زيادة كزيادته، فلم يحذف
__________
(1) الكنهبل: شجر من أشجار البادية، انظر (ح 2 ص 359) (2) يقال: عجين أنبجان - بفتح الباء - إذا كان منتفخا، ولا نظير له في هذا الوزن إلا يوم أرونان، وهو الشديد.
انظر (ح 2 ص 397) (*)

الثالثة نسيا، فقال أحى في نصغيرا أحوى كما مر في التصغير (1).
وإن كانت الثانية مدغمة في الثالثة: فإن كان ما قبل الاولى ساكنا لم يغير شئ منها نحو ظبيى وقرأيى في النسب، ورميى على وزن برطيل (2) من الرمى، وإن كان ما قبل الاولى متحركا: فإن كانت الاولى ثانية الكلمة سلمت الياءات، نحو حيى كهجف (3) وحيى كقمد، (4) والاصل حيى
- بضم العين - وحيى من الحياء، لخفة الكلمة، وإن كانت ثالثتها جعلت واو، سواء كان ما قبلها مفتوحا، كما إذا بنيت من الرمى مثل حمصيصة، (5) تقول: رموية، مثل رحوية في النسب، ولم تقلب الياء الاولى ألفا، أما في النسب فلعروض الحركة، وأما في غير النسب فلعدم موازنته للفعل، وكما إذا بنيت من الرمى على وزن حلكوك (6) قلت رموى، والاصل رميوى ثم رميى، ثم رموى، أو كان ما قبلها مكسورا نحو عموى فإنك تفتح الكسر لتسلم الواو، وإنما قلبت إحدى الياءات في هذه الامثلة لاستثقال الياءات، وإنما لم تقلب الاخيرة كما في حيوان وإن كان التغيير بالاخير أولى لقوتها بالتشديد، ولهذا لم تحذف الثالثة (نسيا) كما حذفت معيية، والحذف والقلب قبل ياء النسب أبعد لكونها علامة، وإن كانت الاولى رابعة الكلمة: فإن كانت قبل ياء النسب حذفت، على الاصح، كما في قاضى، لاجتماع الياءات مع تثاقل الكلمة وكون
__________
(1) أنظر (ح 1 ص 232، 233) (2) البرطيل - كقنديل -: الرشوة، وحجر طويل صلب ينقر به الرحى، والمعول أيضا (3) الهجف: الظليم المسن، والجائع أيضا، انظر (ح 1 ص 28) (4) القمد - كعتل -: الطويل، والشديد أيضا، انظر (ح 1 ص 53) (5) الحمصيصة: بقلة رملية حامضة، انظر (ح 1 ص 272) (6) الحلكوك - كقربوس -: الشديد السواد (*)

الاولى آخر الكلمة، إذ ياء النسب عارضة، ويجوز قاضوى، كما مر في النسب (1)، وإن لم تكن قبل ياء النسب لم تحذف، لانها ليست آخر الكلمة، بل تقلب واوا، كما قلبت وهى ثالثة الكلمة، تقول على وزن خيتعور (2) من الرمى:
ريموى، والاصل ريميوى، قلبت الواو ياء، وأدغمتها في الاخيرة، ثم كسرت الضمة، وقلبت الياء واوا، وكذا إذا بنيت مثل خنفقيق (3) من بكى قلت: بنكوى وإن لم يكن شئ منهما مدغما في شئ، فان كانت الثالثة تستحق قلبها ألفا قلبت، كما إذا بنى من حيى مثل احمر، قلبتها ألفا نحو أحييى، ثم إن أدغمت كما في اقتتل قلت: حيى، وإن لم تدغم قلبت الثانية واوا، نحو احيوى، كما في حيوان، وإن لم تستحق كما إذا بنى من حيى مثل هدبد (4) وجندل (5) جاز لك حذف الثالة نسيا، لكون الثقل أكثر مما في معيية فتقول: حيا وحيا، بقلب الثانية ألفا لتحركها طرفا وانفتاح ما قبلها، وجاز لك قلب الثانية واوا كما في حيوان، فتسلم الثالثة (6) لزوال اجتماع الياءات، فيصير حيويا
__________
انظر (ح 2 ص 44، 45) (2) الخيتعور: السراب، وكل ما لا يدوم على حالة، والمرأة السيئة الخلق، والدنيا، والداهية (3) الخنفقيق: الداهية، والسريعة جدا من النوق والظلمان (4) الهدبد: اللبن الخائر، وانظر (ح 1 ص 49) (5) الجندل: موضع فيه الحجارة، انظر (ح 1 ص 51) (6) المراد بالسلامة ههنا: ما يقابل الحذف نسيا والادغام والقلب واوا، فشمل الاعلال كاعلال قاض، ألا ترى أنه قال: فيصير حيويا: أي في حالة النصب، وكذا تقول: الحيوى، كما تقول القاضى، فان جاء مرفوعا أو مجرورا منونا قلت: حيو، بحذف الياء الثالثة (*)

وحيويا، وكما إذا بنيت من قضى مثل جحمرش (1) قلت: قضيا بحذف
الاخيرة نسيا، وقلب الثانية ألفا، وقضيو، بقلب (2) الثانية واوا، وإنما لم تقلب الثالثة واوا لان آخر الكلمة بالتخفيف أولى، وأيضا لو قلبتها إياها لبقى اجتماع الياءين الاوليين بحاله، وأما الاولى فلم تقلب، لان الثقل إنما حصل من الثانية والثالثة، ولم تقلب الاولى في حيى كجندل، لانها لم يقلب مثلها ألفا في الفعل نحو حيى كما مر فكيف تقلب في اسم لم يوازن الفعل وإن لم تكن الياء الاخيرة لاما بقيت الياءات على حالها بلا قلب، ولا حذف، كما تقول في تصغير أسوار (3) أسيير وإن اجتمع أربع ياءات كما إذا بنى من حيى على وزن جحمرش قلت: حييى، أدغمت الاولى في الثانية فيصيران كياء واحدة وقلبت الثالثة واوا كما قلنا في المبنى على وزن جندل، فتسلم الرابعة نحو حيو، ويجوز لك حذف الاخيرة نسيا لكونها أثقل منها في نحو معيية، فتقلب الثالثة ألفا لترحكها وانفتاح ما قبلها نحو حيا، كما قلنا قبل.
وإذا بنيت مثل (4) سلسبيل قلت: حيوى، وإذا
__________
(1) الجحمرش: العجوز المسنة، وانظر (ح 1 ص 51) (2) الياء الثالثة أعلت كاعلال قاض، فتقول: القضيوى، ورأيت قضيويا، وهذا قضيو، ومررت بقضيو، ولكون هذا الاعلال من غير موضوع كلام المؤلف وهو مما لا يخفى لم يتعرض لبيانه (3) الاسوار - بالضم والكسر -: قائد الفرس، والجيد الرمى بالسهام والثابت على ظهر الفرس، وجمعه أساورة، وأساور بغير تاء، والاسوار - بالضم أيضا -: لغة في السوار (4) السلسبيل: اسم عين في الجنة، وهو وصف أيضا، يقال: شراب سلسبيل، إذا كان سائغا سهل المدخل في الحلق.
انظر (ج 1 ص 9، 50) واعلم أن كلام المؤلف ههنا فيما اجتمع فيه أربع ياءات وأنت لو بنيت من (*)

بنيت مثل قرطعب (1) قلت: حيى، لم تقلب ثانية المشددتين واوا كما في حيوان، لانها آخر الكلمة فلا تبدل حرفا أثقل مما كان، ولم تحذف كما في معيية، لان حذفها حذف حرفين، واحتمل اجتماعهما، لان تشديدهما قواهما، وإذا جاز نحو طيى وأميي - على قول - مع أن الاولين آخر الكلمة إذ ياء النسب عارضة فهذا أجوز، وإذا بنيت مثل قذعمل (2) قلت: حيى، أدغمت الثانية في الثالثة، وحذفت الرابعة كما في معيية، وهو ههنا أولى، ولم تقلب المضعفة واو لصيرورتها بالتضعيف قوية كالحرف الصحيح، فيبقى حيى وتقول على وزن قذ عميلة من قضى: قضيية، والمازني لم يجوز من قضي إلا قضوية، كما في النسب، وغيره جوز مع قضوية قضيية بتشديدين أكثر من تجويز أميى، والذى أرى أنه لا يجوز إلا فضيية، بياءين مشددتين، إذ الاخيرتان قويتا بالتضعيف، فلم تحذفا كما حذفت الثالثة في معيية، والاوليان ليستا في آخر الكلمة حتى يحذف أضعفهما: أي أولهما الساكن، كما حذفت في أموى، فإذا بنيت من شوى على وزن عصفور قلت: شويوى، ثم قلبت الواوين ياءين وأدغمتهما في الياءين فصار شيى - بكسر ضمة المشددة الاولى - فيجوز كسر الفاء أيضا، كما في عتى، وقال سيبويه: شووى، قياسا على طووى وحيوى في النسب إلى حى وطى أو شيى، كما قيل طيى، وكذا إذا بنيت من طوى
__________
حيى على مثال سلسبيل لاجتمع خمس ياءات، فالصواب أن يقول إذا بنيت من قضى مثل سلسبيل قلت: قضيوى، والاصل قضيي، قلبت الثانية واوا كما في حيوان (1) القرطعب: السحابة.
انظر (ح 1 ص 51) (2) القذعمل: القصير الضخم من الابل، وأصله قذعميل، والقذعمله الناقة القصيرة الضخمة، ومثلها القذعميلة، ويقال: ما في السماء قذعملة: أي شئ من
السحاب، وما أصبت منه قذعميلا: أي شيئا (*)

على وزن بيقور (1) قلت: طيووى، ثم قلبت الواو الاولى ياء، وأدغمت الياء الساكنة فيها، ثم قلبت الواو الثانية ياء وأدغمتها في الاخيرة، ثم كسرت الياء المضمومة فتقول: طيى، وعند سيبويه طيوى أيضا كالمنسوب إلى حى، هذا كله في الاربع ياءات إذا لم تكن الاخيرتان للنسبة، فإن كانتا لها كالمنسوب إلى حى، وطى، وعلى، وقصى، وتحية، ومحى فقد مضى في باب النسب حكمها (2) وقد مضى أيضا أن ياء التصغير تحذف كما في أموى إن دخلت النسبة على التصغير، وأما إن دخل التصغير على النسبة لم تحذفها أريية (3) - بياءين مشددتين - هذا كله حكم الياءات فأما حكم الواوات فنقول: إن اجتمع واوان فان سكنت ثانيتهما: فإن كانت طرفا لم يمكن أن تكون الاولى مفتوحة ولا مضمومة إلا والثانية منفصلة، نحو لم يرووا ومروو زيد، لانهم يستثقلون الواوين بلا إدغام في آخر الكلمة الذى هو محل التخفيف، فلذلك لم يبنوا مثل قووت وقووت، فلا بد لو كانا في كلمة من انكسار الاولى لتنقلب الثانية ياء، نحو قويت، وإن كانت الاخيرة وسطا جاز اجتماعهما، نحو قوول، وإن تحركتا: فإن كان ذلك في أول الكلمة قلبت الاولى همزة كما في أواصل، وإن كان ذلك في الوسط فإن جاز الادغام أدغمت، كما إذا بنيت من القوة على فعلان - بضم العين - قلت:
__________
(1) البيقور: اسم جمع دال على جماعة البقر، كالباقر، والبقير، والباقور، قال الشاعر: لا در در رجال خاب سعيهم * يستمطرون لدى الازمات بالعشر أجاعل أنت بيقورا مسلعة * ذريعة لك بين الله والمطر ؟
(2) انظر في النسب إلى حى وطى (ح 2 ص 49، 50).
وفى النسب إلى على وقصى (ح 2 ص 22).
وفى النسب إلى تحية ومحى (ح 2 ص 45) (3) أريية: تصغير أروية، وانظر (ح 1 ص 235، 236، 237) (*)

قوان عند المبرد، والاولى أن لا تدغم بل تقلب الثانية ياء كما يجئ في باب الادغام، ومن لم يدغم في حيى جاز أن لا يدغم في نحو قووان، بل يقلب الثانية ياء.
ويقلب ضمة ما قبلها كسرة، كما مر في هذا الباب، لان الاعلال قبل الادغام، وهذا قول الجرمى، وإن لم يجز الادغام كما إذا بنيت على فعلان - بفتح العين - من القوة، قال سيبويه: تقول: قووان، كما قال من حيى: حييان، والاولى أن يقال: قويان، لاستثقال الواوين، فلما لم يجز التخفيف بالادغام خفف بقلب إحداهما ياء، وإذا قلبت الياء واوا في حيوان لكراهة اجتماع الياءين فقلب الثانية ياء في قووان لكون الواو أثقل أولى، ولو بنيت على فعلان - بكسر العين - انقلبت الثانية ياء للكسرة، لان الاعلال قبل الادغام كما تقدم، وإن كان ذلك في الطرف: فإن انفتحت الاولى لزوما قلبت الثانية ألفا كما في القوى والصوى (1) ويقوى وأقوى، وأما في طووى منسوبا إلى طى فلعروض فتحة الاولى، وأما في قووى منسوبا إلى قوى علما (2) فلعروض حركة الثانية، وإن كانت الاولى مكسورة أو مضمومة قلبت الثانية ياء، كقوى وقوى - على وزن عضد وفخذ - من القوة، وإن سكنت أولى الواوين فإن كانتا في الوسط سلمتا من القلب كقوول إلا في نحو قول على ما تقدم، وإن كانتا في الطرف: فإن كانت الكلمة ثلاثية لم تقلب إلا إذا
__________
(1) الصوى: جمع - صوة - كقوة - وهى جماعة السباع، وهى أيضا حجر يكون علامة في الطريق، وانظر (ص 123 من هذا الجزء)
(2) إنما قيد قوى بكونه علما احترازا عنه جمعا، فأنه يرد في النسبة إليه إلى واحده فيقال قوى - بضم القاف وتشديد الواو - وهذا على رأى جمهور النحاة الذين يوجبون رد الجميع إلى واحده عند النسبة إليه، وأما على رأى من يجيز النسب إلى لفظ الجمع فلا محل لتقييد قوى بكونه علما، وتكون النسبة إليه حينئذ قووى علما كان أو جمعا (*)

انكسر ما قبلها، نحو قو وقو، وتقول على وزن حبر: قى، وإن كانت الكلمة على أكثر من ثلاثة صحت المفتوح ما قبلها نحو غزو، وانقلبت المكسور ما قبلها ياء وجوبا كغزى - على وزن فلز (1) - والمضموم ما قبلها جازا في المذكر المفرد نحو غزو، وغزى، كعتو وعتى، ووجوبا في الجمع كدلى وإن اجتمع ثلاث واوات فإن كانت الاخيرة لاما: فإما أن تكون الاولى مدغمة في الثانية أو الثانية في الثالثة أو ليس شئ منها مدغما في شئ، ففى الاول تقلب الثالثة ألفا إن انفتح ما قبلها كقوى والمقوى، وياء إن انكسر كيقوى والمقوى، أو انضم كقو على وزن برثن (2) من القوة، وفى الثاني تقلب المشددة ياء مشددة: انفتح ما قبلها كقوى - على وزن هجف (3) أو قمطر - أو انكسر كقوى - على وزن فلز - أو انضم كقوى - على وزن قمد - بكسر ذلك الضم، فيجوز كسر الفاء إتباعا كعتى وذلك لثقل الواوات المتحرك ما قبلها بخلاف نحو حيى فان الياء أخف، وكذا إذا كانت أولى الواوات ثالثة الكلمة وتحرك ما قبلها نحو غزوى - على وزن حلكوك - فان سكن ما قبلها: فان انفتحت الاولى سلم الجميع، نحو غزوو - على وزن قرشب (5) أو قرطعب - وإن انضمت أو انكسرت قلبت
__________
(1) الفلز - بكسر الفاء واللام وتشديد الزاى -: نحاس أبيض تجعل منه
القدور، أو هو جواهر الارض كلها، والرجل الغليظ الشديد والضريبة تجرب عليها السيوف، وفيه لغتان أخريان: كهجف وعتل، ومراد المؤلف هنا اللغة الاولى.
(2) البرثن: هو للسبع والطير كالاصابع للانسان، وانظر (ح 1 ص 51) (3) الهجف: الظليم المسن، وانظر ص 189 من هذا الجزء) (4) القمطر: ما تصان فيه الكتب، وانظر (ح 1 ص 3، 51) (5) القرشب: الضخم الطويل من الرجال، وانظر (ح 1 ص 61) (*)

المشددة ياء وكسرت الضمة.
كمقوي وغزوى - كعصفور - من الغزو، وإن لم تكن إحداهما مدغمة في الاخرى قلبت الاخيرة ألفا: إن انفتح ما قبلها، وياء إن انكسر نحو اقووى على وزن احمرر - فإن أدغمت قلت قوى، وإن لم تدغم قلبت الثانية ياء على قياس قويان، وهو ههنا أولى، فتقول: اقويا يقويى وتقول في نحو هدبد وجندل من القوة: قوو، وقوو - بقلب الثالثة ياء - لكسرة ما قبلها، ولا تدغم الاولى في الثانية مع لزوم حركة الثانية، محافظة على بناء الالحاق، وأيضا لعدم مشابهة الفعل هذا والاولى أن لا يبنى من الاسماء المزيد فيها غير المتصلة بالفعل ما يؤدى إلى مثل هذا الثقل كما يجئ في أول باب الادغام وإن اجتمعت الثلاث الواوات في الوسط بقيت على حالها نحو قوول على وزن سبوح واقوول كاغدودن (1)، والاخفش يقلب الاخيرة في اقوول ياء، فتنقلب الثانية ياء أيضا، وسيبويه لم يبال بذلك، لتوسطها، وينبغى للاخفش أن يقول في قوول: قويل، إلا أن يعتذر بخفة واو المد، وإنما لم يقلب الاخفش في نحو اقووول لكون الوسطى كالالف، لانها بدل منه، ألا ترى أنه لم يقلب
أول واوى وورى همزة وجوبا لمثل ذلك ؟ وإذا اجتمع أربع واوات فالواجب قلب الثالثة والرابعة ياء إن كانت الثالثة مدغمة في الرابعة نحو قوى - على وزن قرطعب - من القوة، لانه أثقل من نحو غزوو، وإن لم تكن مدغمة فيها قلبت الاخيرة ألفا إن انفتح ما قبلها، وياء إن انكسر، وتبقى الثالثة بحالها عند سيبويه نحو قوو - على وزن جحمرش -، لانه إذن كاقوول وتقول على وزن قذعمل: قوو، وعلى وزن اغدودن اقووى، والاخفش يقلب الثالثة ياء فتقول قوى - كجحمرش -
__________
(1) اغدودن النبت: طال، وانظر (ح 1 ص 68، 112) (*)

وقوى كقذعمل - واقويا - كاغدودن - لاستثقال الواوات، فتنقلب القريبة من الطرف ياء، ولا تقلب الواو الثالثة في قوو - كجحمرش - ألفا، كما لم تقلب واو قوى كما مر، والله أعلم بالصواب قال: " الابدال: جعل حرف مكان حرف غيره، ويعرف بأمثلة اشتقاقه كتراث وأجوه، وبقلة استعماله كالثعالى، وبكونه فرعا والحرف زائد كضويوب، وبكونه فرعا وهو أصل كمويه، وبلزوم بناء مجهول نحو هراق واصطبر وادارك " أقول: الابدال في اصطلاحهم أعم من قلب الهمزة، ومن قلب الواو، والياء، والالف، لكنه ذكر قلب الهمزة في تخفيف الهمزة مشروحا، وذكر قلب الواو والياء، والالف في الاعلال مبسوطا، فهو يشير في هذا الباب إلى كل واحد منها مجملا، ويذكر فيه إبدال غيرها مفصلا، ويعنى بأمثلة اشتقاقه الامثلة التى اشتقت مما اشتق منه الكلمة التى فيها الابدال، كترات (1) فإن أمثلة اشتقاقه في ورث يرث وارث موروث، وجميعها مشتق من الوراثة، كما
أن تراثا مشتق منها، وكذا توجه ومواجهة ووجيه مشتقة من الوجه الذى أجوه مشتق منه، فإذا كان في جميع أمثلة اشتقاقه مكان حرف واحد منه حرف آخر عرفت أن الحرف الذى فيه بدل مما هو ثابت في مكانه في أمثلة اشتقاقه.
قوله " وبقلة استعماله " أي: بقلة استعمال اللفظ الذى فيه البدل، يعنى إذا كان لفظان بمعنى واحد ولا فرق بينهما لفظا إلا بحرف في أحدهما يمكن أن يكون بدلا من الحرف الذى في الاخر فإن كان أحدهما أقل استعمالا من الاخر فذلك الحرف في ذلك الاقل استعمالا بدل من الحرف الذى في مثل ذلك الموضع
__________
(1) التراث - كغراب -: المال الموروث، انظر (ح 1 ص 207) (*)

من الاكثر استعمالا، كما ذكرنا في أول الكتاب (1) في معرفة القلب، والثعالى والثعالب بمعنى واحد، والاول أقل استعمالا من الثاني قوله " وبكونه فرعا والحرف زائد " أي بكون لفظ فرعا للفظ، كما أن المصغر فرع المكبر، وفى مكان حرف في الاصل حرف في الفرع يمكن أن يكون بدلا منه كما أن واو ضويرب بدل من ألف ضارب، أو يكون حرف الاصل بدلا من حرف الفرع، كما أن ألف ماء وهمزته بدلان من الواو والهاء اللذين في مويه، فأنت بفرعية لفظ للفظ ومخالفة حرف أحدهما لحرف الاخر لا تعرف إلا أن أحدهما بدل من الاخر ولا تعرف أيهما بدل من الاخر، بل معرفة ذلك موقوفة على شئ آخر، وهو أن ينظر في الفرع، فإن زال فيه موجب الابدال الذى في الاصل كما زال في مويه علة قلب الواو ألفا بانضمام ما قبلها، وعلة قلب الهاء همزة - وهى وقوع الهاء التى هي كحرف العلة بعد الالف التى كالزائدة - عرفت أن حرف الفرع أصل، وإن عرض في الفرع علة الابدال التى لم تكن في الاصل كما عرض بضم فاء ضويرب علة قلب ألف ضارب
واوا عرفت أن حرف الفرع فرع قوله " وبكونه فرعا " أي: بكون لفظه فرعا " والحرف زائد ": أي الحرف الذى هو مبدل منه زائد كألف ضارب قوله " وهو أصل " أي: الحرف المبدل منه أصل كواو مويه وهائه، ولا شك في انغلاق ألفاظه ههنا قوله " وبلزوم بناء مجهول " أي: يعرف الابدال بأنك لو لم تحكم في كلمة بكون حرف فيها بدلا من الاخر لزم بناء مجهول، كما أنك لو لم تحكم بأن هاء
__________
(1) انظر (ح 1 ص 24) (*)

هراق (1) بدل وكذا طاء اصطبر والدال الاولى من ادارك لزم بناء هفعل وافطعل وافاعل وهى أبنية مجهولة، ولقائل أن يمنع ذلك في افطعل وافاعل، وذلك أن كل ما هو من هذين البناءين افتعل وتفاعل، وفاء الاول حرف إطباق وفاء الثاني دال أو تاء أو ثاء أو غير ذلك مما يجئ في بابه، فإن بعد فاء الاول طاء وجوبا وقبل فاء الثاني حرفا مدغما فيه جوازا فهما بناءان مطردان لا مجهولان، بلى يعرف كون الحرفين في البناءين بدلين بأن الطاء لا تجئ في مكان تاء الافتعال إلا إذا كان قبلها حرف إطباق، وهى مناسبة للتاء في المخرج ولما قبلها من حروف الاطباق بالاطباق فيغلب على الظن إبدال التاء طاء لاستثقالها بعد حرف الاطباق ومناسبة الطاء لحرف الاطباق والتاء، وكذا الكلام في الحرف المدغم في نحو ادكر واثاقل.
قال: " وحروفه أنصت يوم جد طاه زل، وقول بعضهم: استنجده يوم طال وهم في نقص الصاد والزاى لثبوت صراط وزقر، وفى زيادة السين، ولو أورد اسمع ورد اذكر واظلم "
أقول: يعنى بحروف الابدال الحروف التى قد تكون بدلا من حروف أخر، فأما الحروف التى هذه الحروف بدل منها فتجئ عند التفصيل.
قوله: " وقولهم استنجده يوم طال " قول صاحب المفصل، ولم يعد سيبويه في باب البدل الصاد والزاى، وعدهما السيرافى في آخر الباب، وعد معهما شين الكشكشة التى هي بدل من كاف المؤنث قال: 156 - تضحك منى أن رأتنى أحترش * ولو حرشت لكشفت عن حرش (2)
__________
(1) انظر في كلمة " هراق " (ح 2 ص 384، 385) (2) هذا البيت من الرجز، وقد استشهد به المؤلف في شرح الكافية أيضا (الشاهد 956) ولم ينسبه البغدادي في شرح الكتابين، وأحترش: مضارع (*)

وأما التى تزاد بعد كاف المؤنث نحو أكر متكش فليست من هذا، ولم يعد سيبويه السين كما عدها الزمخشري، ولا وجه له، قالوا: وجاء الثاء بدلا من الفاء، حكى أبو على عن يعقوب ثروغ (1) الدلو، وفروغها، وهو من التفريغ، وكذا الباء من الميم، حكى أبو على عن الاصمعي: ما اسبك: أي ما اسمك ؟ وقد جاء الحاء في الشعر بدلا من الخاء شاذا، قال: 157 - ينفحن منه لهبا منفوحا * لمعا يرى لا ذاكيا مقدوحا (4) قال رؤبة: 158 - غمر الاجارى كريم السنح * أبلج لم يولد بنجم الشح (2)
__________
من الاحتراش، وهو صيد الضب خاصة، ويقال: حرشه يحرشه - من باب ضرب - واحترشه كذلك، وأصله أن يدخل الحارش يده في جحر الضب
ويحركها فيظنه الضب حية فيخرج ذنبه ليضربها به فيصيده، وحرشت وكشفت بكسر التاء، على خطاب الانثى، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، والاستشهاد به في قوله " حرش " حيث أبدل من كاف خطاب المؤنثة، وأصله " حرك " وهذه لغة بنى عمرو بن تميم (1) ثروغ الدلو: جمع ثرغ - بفتح فسكون - وهو ما بين عراقى الدلو، والثاء فيه بدل من الفاء، ويقال: فرغ، وفراغ - ككتاب - وفى القاموس: الفرغ مخرج الماء من الدلو بين العراقى (2) هذا البيت من الرجز المشطور، ولم نعرف قائله، وقد أنشده ابن جنى في سر الصناعة عن ابن الاعرابي ولم ينسبه، وينفحن - بالحاء المهملة - أصله ينفخن - بالخاء المعجمة - فأبدل الخاء حاء، واللهب: ما تطاير من ألسنة النيران، والذاكى: الشديد الوهج.
ومقدوح: اسم مفعول، من قدح الزند ونحوه، إذا أخرج منه النار، والاستشهاد بالبيت في " ينفحن " حيث أبدل الخاء المعجمة حاء مهملة (3) هذا بيت لرؤبة بن العجاج ذكر البغدادي أنه من قصيدة له يمدح فيها (*)

وجاء الراء بدلا من اللام شاذا، كقولهم في الدرع: نثرة (1) ونثلة (2) وذلك لانهم قالوا: نثل عليه درعه، ولم يقولوا: نثرها، فاللام أعم تصرفا، فهى الاصل، والفاء تكون بدلا من الثاء، حكى أبو على عن يعقوب: قام زيد فم عمرو، وقالوا: جدث وجدف (3) والفاء بدل، لقولهم: أجداث، ولم يقولوا: أجداف، وجاء الكاف بدلا عن القاف، يقال: عربي كح (4) وقح وجاء في
__________
أبان بن الوليد البجلى، وقد رجعنا إلى ديوانه فوجدنا هذه القصيدة، وأولها إنى على جنابة التنحي * وعض ذاك المغرم الملح لا أبتغى سيب اللئيم القح * قد كان من نحنحة وأح
* يحكى سعال الشرق الابح * ولكنا لم نجد بيت الشاهد في هذه القصيدة، ووجدناه في زيادات الديوان من أبيان هكذا: فابتكرت عاذلة لا تلحى * قالت ولم تلح وكانت تلح عليك سيب الخلفاء البجح * غمر الاجارى كريم السنح أبلج لم يولد بنجم الشح * بكل خشباء وكل سفح والغمر - بفتح فسكون -: الماء الكثير الساتر، والاجاري: جمع إجريا - بكسر الهمزة والراء بينهما جيم ساكنة وبعد الراء ياء مشددة - وهو ضرب من الجرى، والسنح - بكسر فسكون -: الاصل، وأصله السنخ - بالخاء - فأبدل منها حاء مهملة، وهو محل الاستشهاد بالبيت، والشح: البخل (1) النثرة: الدرع السلسة الملبس، أو الواسعة، ومثلها النثلة: الراء بدل من اللام، قالوا: نثل الدرع ينثلها - من باب ضرب - إذا ألقاها عنه، ولم يقولوا: نثرها.
(2) الجدث: القبر، وجمعه أجدث وأجداث، وقالوا فيه: جدف، فأبدلوا من الثاء فاء، كما قالوا: فوم في ثوم (3) الكح: هو القح - بالقاف - وهو الخالص من كل شئ، يقولون: لئيم قح، إذا كان معرقا في اللؤم، وأعرابى قح، إذا لم يدخل الامصار ولم يختلط بأهلها.
(*)

الجمع أقحاح، ولم يقولوا: أكحاح، وجاء الكاف بدل من التاء، قال: 159 - يا ابن الزبير طالما عصيكا * وطالما عنيتنا إليكا * لنضربن بسيفنا قفيكا (1) *
ويجوز أن يكون وضع الضمير المنصوب مقام المرفوع، وتكون العين في تميم بدلا من الهمزة في أن وهى عنعنة تميم، قال:
__________
(1) هذا البيت من الرجز المشطور، أنشده أبو زيد في نوادره، ونسبه لراجز من حمير ولم يعينه، وأنشده صاحب اللسان غير منسوب إلى أحد، وابن الزبير: أراد به عبد الله بن الزبير بن العوام حوارى النبي صلى الله عليه وسلم، و " عصيكا " أراد به عصيت، و " عنيتنا " من العناء وهو الجهد والمشقة، و " قفيكا " أراد به قفاك فأبدل الالف ياء مع الاضافة إلى الكاف كما تبدلها هذيل عند الاضافة إلى ياء المتكلم، نحو قول أبي ذؤيب سبقوا هوى وأعنقوا لهواهمو * فتخرموا ولكل جنب مصرع وعليها قرئ قوله تعالى (فمن تبع هدى).
والاستشهاد بالبيت في قوله " عصيكا " وقد اختلف العلماء في تخريجه، فذهب بعضهم إلى أنه من وضع ضمير النصب موضع ضمير الرفع، كما تراهم فعلوا ذلك في قولهم " لولاى ولولاك ولولاه " وفى قولهم " عساك وعساه " من نحو قول رؤبة.
تقول بنتى قد أنى أناكا * يا أبتا علك أو عساكا وذهب أبو الفتح ابن جنى تبعا لشيخه أبى على أبى على الفارسى إلى أنه من إبدال الحرف مكان الحرف إبدالا تصريفيا، قال ابن جنى: " أبدل الكاف من التاء لانها أختها في الهمس، وكان سحيم إذا أنشد شعرا قال: أحسنك والله، يريد أحسنت " اه (*)

160 - أعن ترسمت من خرقاء منزلة * ماء الصبابة من عينيك مسجوم (1) وإنما لم يعد المصنف هذه الاشياء لقلتها وكونها شواذ قوله " وزيادة السين " قالوا: السين بدل من الشين في السدة والشدة
ورجل مشدود ومسدود، والشين أصل، لكونها أكثر تصرفا، وقالوا في استخذ: إن أصله اتخذ من التخذ، فهى بدل من التاء، وقيل أيضا: أصلها استخذ فاذن لا حجة فيه، وبمثله تمسك الزمخشري، لا باسمع كما قال المصنف، وإنما لم يعد سين نحو اسمع والذال والظاء في اذكر واظلم في حروف البدل لان البدل في هذه الاشياء ليس مقصودا بذاته، بل لما كان السين والذال والظاء مقاربة للتاء في المخرج وقصد الادغام ولم يمكن في المتقاربين إلا بجلعهما متماثلين قلبت التاء سينا وذالا وظاء، لما سيجئ في باب الادغام، فلما كان البدل لاجل الادغام لم يعتد به.
قال: " فالهمزة تبدل من حروف اللين والعين والهاء، فمن اللين إعلال لازم في نحو كساء ورداء وقائل وبائع وأواصل، وجائز في أجوه وأورى، وأما نحو دأبة وشأبة والعألم وبأز وشئمة ومؤقد فشاذ، وأباب بحر أشذ، وماء شاذ " أقول: قوله " في نحو كساء ورداء " ضابطه كل واو وياء متطرفتين، أصليتين كانتا ككساء ورداء، أولا كعلباء (2) ورداء، في ترخيم رداوى،
__________
(1) هذا بيت من البسيط، وهو مطلع قصيدة لذى الرمة غيلان بن عقبة، وأعن: يروى في مكانه أأن - بهمزة استفهام داخلة على أن المصدرية، ومن رواه أعن فقد أبدل الهمزة عينا، وترسمت: تبينت ونظرت، والاصل فيه ترسم الدار: أي تعرف رسمها.
وخرقاء: لقب مية صاحبته، والصبابة: رقة الشوق، ومسجوم: سائل منسكب.
والاستشهاد بالبيت في " أعن " حيث أبدل الهمزة عينا (2) علباء: انظر (ص 177 من هذا الجزء) (*)

واقعتين بعد ألف زائدة، فانهما تقلبان ألفين، ثم تقلب الالف همزة، كما تقدم.
قوله " وقائل وبائع " ضابطه كل واو وياء هي عين فاعل المعل فعله أو
فاعل الكائن للنسب كسائف (1)، لكونه كاسم الفاعل من ساف يسيف، فإنه تقلب الواو والياء ألفا ثم تقلب الالف همزة، كما تبين قبل.
قوله " وأواصل " ضابطه كل واوين في أول الكلمة ليست ثانيتهما زائدة منقلبة عن حرف آخر، نحو أواصل وأواعد من وعد على وزن جورب وأوعاد على وزن طومار (2) فانه تقلب أولاهما همزة قوله " أجوه وأورى " ضابطه كل واو مضمومة ضمة لازمة: في الاول كانت، أو في الوسط، والتى في الاول سواء كانت بعدها واو زائدة منقلبة عن حرف كأورى، أولا كأجوه، قولنا " ضمة لازمة " احتراز عن ضمة الاعراب، والضمة للساكنين، وعند المازنى هذا القلب مطرد في الواو المتصدرة المكسورة أيضا نحو إفادة وإشاح قوله " نحو دأبة " ذكرنا حاله في التقاء الساكنين، وكذا حال المشتئق في قوله: * صبرا فقد هيجت شوق المشتئق (3) * فقد حرك الشاعر الالف بعد قلبها همزة للضرورة، وحكى الفراء في غير الضرورة رجل مئل: أي كثير المال، وقالوا: لبأ الرجل بالحج، وعن العجاج أنه كان يهمز العالم والخاتم، وليس ذلك فرارا من الساكنين، ولكن لتقارب مخرجى الالف والهمزة، وأنشد قوله:
__________
(1) سائف: انظر (ص 112 من هذا الجزء) (2) الطومار: الصحيفة، انظر (ج 1 ص 198، 217) (3) قد مضى في شرح هذا البيت فارجع إليه في (ج 2 ص 250) (*)

161 - يادار سلمى يا سلمى ثم اسلمي *
فخندف هامة هذا العألم (1) بالهمز، وذلك لان ألف عام تأسيس لا يجوز معها إلا مثل الساحم (2) اللازم، فلما قال: اسلمي همز العألم، ليجرى القيافة على منهاج واحد في عدم التأسيس، وحكى اللحيانى عنهم بأز وأصل ألفه واو، بدليل أبواز، وقالوا: الشئمة (3)، أصلها الياء، كما قالوا: قطع الله أديه: أي يديه فردوا اللام (4)
__________
(1) هذا الشاهد من الرجز، وهو للعجاج، وليس البيتان اللذان أنشدهما المؤلف متصلين في الارجوزة، والاول منهما مطلعها، وبعده: * بسمسم أو عن يمين سمسم * وإنما يذكر النحاة هذين البيتين معا - وإن لم يكنا متصلين - ليبينوا أن الارجوزة، مبنية من أولها على غير التأسيس.
والاستشهاد به في قوله " العألم " بالهمز، وأصله العالم، فهمزه لئلا يكون بعضها مؤسسا وبعضها غير مؤسس، وقد همز " الخاتم " في هذه الارجوزة أيضا في قوله: عند كريم منهمو مكرم * معلم آى الهدى معلم * مبارك من أنبياء خأتم * (2) الساجم: اسم فاعل من قولك: سجمت الدمع: أي صببته، ويقولون: سجمت العين الدمع وسجمت السحابة المطر، فالدمع والمطر مسجومان، وربما قالوا: دمع ساجم على النسب (3) الشئمة: الطبيعة، وأصله الشيمة بالياء فهمز (4) قولهم " قطع الله أديه " هو بفتح الهمزة وسكون الدال، وأصلها قطع الله يديه، برد اللام فقلبوا الياء همزة، قال ابن جنى في المحتسب: " وقلبت الياء همزة في قولهم: قطع الله أديه، يريدون يده، فردوا اللام المحذوفة، وأعادوا العين إلى سكونها " (*)

وأبدلوا الياء الاولى همزة، كذا قال ابن جنى، ويقال: في أسنانه ألل: أي يلل.
قوله " مؤقد " أنشد أبو على 162 - * لحب المؤقدين إلى مؤسى (1) * بهمز واو الموقدين وموسى، وقرئ (بالسؤق والاعناق) مهموزا، قيل: وجه ذلك أن الواو لما جاورت الضمة صارت كأنها مضمومة، والواو المضمومة تهمز، نحو نؤور وغؤور
__________
(1) هذا صدر بيت من الوافر، وعجزه: * وجعدة إذا أضاءهما الوقود * وهو لجرير بن عطية بن الخطفى من قصيدة له يمدح بها هشام بن عبد الملك بن مروان، ومطلعها قوله: عفا النسران بعدك والوحيد * ولا يبقى لحدته جديد وقبل بيت الشاهد قوله: نظرنا نار جعدة هل نراها * أبعد غال ضوءك أم همود قوله " لحب المؤقدين " رويت هذه العبارة على عدة أوجه: أحدها " أحب المؤقدين " على أنه أفعل تفضيل مضاف إلى جمع المذكر، وثانيها " لحب المؤقدين " بلام الابتداء وبعدها أفعل تفضيل مضاف إلى جمع المذكر، وأصله لاحب المؤقدين فحذفت الهمزة كما حذفها الشاعر في قوله.
وزادني كلفا بالحب أن منعت * وحب شئ إلي الانسان ما منعا وكما حذفت كثيرا في خير وشر، وثالثها " لحب المؤقدان " باللام بعدها فعل تعجب كالذى في قول الشاعر: فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها * وحب بها مقتولة حين تقتل
وموسى وجعدة ابنا الشاعر، والوقود: مصدر وقدت النار وقودا، ويقال: هو اسم لما توقد به النار (انظر ح 1 ص 15، 160) (*)

قوله " وأباب بحر أشذ " إنما كان أشذ إذ لم يثبت قلبت العين همزة في موضع بخلاف قلب الواو والياء والالف، فانها تقلب همزة، أنشد الاصمعي 163 - * أباب بحر ضاحك هزوق (1) * الهزوق: المستغرق في الضحك، قال ابن جنى: أباب من أب إذا تهيأ، قال: 164 - * وكان طوى كشحا وأب ليذهبا (2) * وذلك لان البحر يتهيأ للموج، قال: وإن قلت: هو بدل من العين فهو
__________
(1) هذا البيت من بحر الرجز لم نقف على نسبته إلى من قاله، والاباب: قيل: هو العباب - كغراب - وهو معظم الماء وكثرته وارتفاعه، وقيل: هو فعال من أب: أي تهيأ وذلك لان البحر يتهيأ لما يزخر به، فالهمزة على الاولى بدل من العين، كما أبدلها الشاعر منها في قوله: أريني جوادا مات هزلا لالنى * أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا أراد لعلنى، وهمزة أباب على الوجه الثاني أصل، وضاحك: كناية عن امتلاء البحر، وزهوق: مرتفع، ويروى هزوق " بتقديم الهاء (2) هذا عجز بيت للاعشى ميمون، وصدره مع بيت سابق هكذا: فأبلغ بنى سعد بن قيس بأننى * عتبت فلما لم أجد لى معتبا صرمت ولم أصرمكم، وكصارم * أخ قد طوى كشحا وأب ليذهبا ومن هذا تعلم أن النحاة - ومنهم المؤلف - قد غيروا في إنشاد هذا الشاهد، وقوله " طوى كشحا " كناية، يقولون: طوى فلان كشحه على كذا، إذا أضمره في قلبه وستره، ويقولون: طوى فلان كشحه، إذا أعرض بوده، وأب: تهيأ،
وبابه نصر، والاستشهاد بالبيت في قوله " أب " بمعنى تهيأ، فأنه يدل على أن الا باب في قول الشاعر: * أباب بحر ضاحك هزوق * فعال وهمزته أصلية (*)

وجه، لكنه غير قوى، ومن قال: إنه بدل منه، فلقرب مخرجيهما، ولذا أبدل منه العين، نحو قوله * أعن ترسمت من خرقاء منزلة (1)...البيت * قوله " وماء شاذ " هو شاذ لكنه لازم، وأصله موه، قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم شبه الهاء بحرف اللين لخفائها، فكأنها واوا أو ياء واقعة طرفا بعد الالف الزائدة، فقلبت ألفا، ثم همزة، وقالوا أيضا في أمواه: أمواء، لمثل هذا، قال: 165 - وبلدة قالصة أمواؤها يستن في رأد الضحى أفياؤها (2) قيل: آل أصله أهل ثم أأل - بقلب الهاء همزة - ثم آل - بقلب الهمزة ألفا - وذلك لانه لم يثبت قلب الهاء ألفا وثبت قلبها همزة، فالحمل على ما ثبت مثله أولى، وقال الكسائي: أصله أول، لانهم يؤولون إلى أصل، وحكى أبو عبيدة في هل فعلت ؟: أل فعلت ؟ وقيل: إن أصل ألا في التحضيض هلا قال: " والالف من أختيها والهمزة، فمن أختيها لازم في نحو قال وباع
__________
(1) قد سبق قريبا شرح هذا الشاهد فارجع إليه في (ص 203 من هذا الجزء) (2) هذا الشاهد من الرجز المشطور، ولم يتيسر لنا الوقوف على قائله، وقوله " وبلدة " الواو فيه واو رب، و " قالصة " اسم فاعل من قلص الماء في البئر إذا
ارتفع، و " أمواؤها " جمع ماء، و " يستن " معناه يجرى في السنن، وهو الطريق و " رأد الضحى " ارتفاعه، و " أفياؤها " جمع فئ، وهو الظل.
والاستشهاد بالبيت في قوله " أمواؤها " وللعلماء فيه وجهان: أحدهما أن أصلها أمواهها، فقلب الهاء همزة، كما قلبها في المفرد، والوجه الثاني أن هذه الهمزة هي الهمزة التى في الواحد (*)

وآل على رأى، ونحو ياجل ضعيف، وطائى شاذ لازم، ومن الهمزة في نحو رأس، ومن الهاء في آل على رأى " أقول: قوله " قال وباع " ضابطه كل واو وياء تحركتا وانفتح ما قبلهما، على الشروط المذكورة في باب الاعلال، قوله " ونحو ياجل ضعيف " أي: وإن كان مطردا في بعض اللغات، كما ذكرنا في باب الاعلال، وضعفه لقلب الواو الساكنة المفتوح ما قبلها ألفا قوله " وطائى شاذ " وذلك لما ذكرنا، لكنه واجب قوله " في نحو رأس " مطرد لكنه غير لازم إلا عند أهل الحجاز، وضابطه كل همزة ساكنة مفتوح ما قبلها، وفى نحو آدم لازم ويبدل من النون والتنوين وقفا في نحو رأيت زيدا ولنسفعا قال: " والياء مع أختيها ومن الهمزة ومن أحد حرفي المضاعف والنون والعين والباء والسين والثاء، فمن أختيها لازم في نحو ميقات وغاز وأدل وقيام وحياض ومفاتيح ومفيتيح وديم وسيد، وشاذ في نحو حبلى وصيم وصبية وييجل، ومن الهمزة في نحو ذيب، ومن الباقي مسموع كثير في نحو أمليت وقصيت وفى نحو أناسى، وأما الضفادى والثعالى والسادى والثالى فضعيف "
أقول: قوله " في نحو ميقات " ضابطه أن يسكن الواو وقبله كسرة، وضابط نحو غاز أن يتطرف الواو وقبله كسرة، وضابط نحو أدل أن يتطرف الواو المضموم ما قبلها على الشرط المذكور، وضابط نحو قيام أن تكون العين واوا مكسورا ما قبلها في مصدر أعل فعله، وضابط نحو حياض أن تكون العين واوا في جمع قد سكن عين مفرده، وقبل الواو كسرة، وبعده ألف، وضابط نحو ديم أن تكون الواو عينا قبلها كسرة في جمع ما قد قلبت عينه، وضابط نحو سيد أن (*)

يجتمع الواو والياء وتسكن أولاهما، وضابط نحو أغزيت أن تقع الواو رابعة فصاعدا متطرفة مفتوحا ما قبلها على الشرط المذكور قوله " شاذ في نحو حبلى وصيم " قد ذكرنا في باب الوقف أن حبلى بالياء مطرد عند فزارة، فكان الاولى أن يقول ضعيف لا شاذ، وكذا ذكرنا أن نحو صيم مطرد وإن كان ضعيفا، وكذا نحو ييجل، قال أبو على: هو قياس عند قوم وإن كان ضعيفا، وحكم الزمخشري بشذوذه، وصبية وثيرة شاذ كما ذكرنا قوله " ومن الهمزة " هو واجب في نحو إيت، ومطرد غير لازم في نحو ذيب، وتبدل الياء مكان الواو والالف في نحو مسلمان ومسلمون، وفى نحو (قراطيس) وقريطيس لكسر ما قبل الالف، وكذا الالف التى بعد ياء التصغير، نحو حمير قوله " كثير في نحو أمليت وقصيت " يعنى بنحوه ثلاثيا مزيدا فيه يجتمع فيه مثلان ولا يمكن الادغام لسكون الثاني، نحو أمللت، أو ثلاثة أمثال أولها مدغم في الثاني، فلا يمكن الادغام في الثالث نحو قصيت وتقضى البازى (2)، فيكره اجتماع الامثال، ولا طريق لهم إلى الادغام فيستريحون إلى قلب الثاني ياء لزيادة الاستثقال، وإن كان ثلاثيا مجردا لم يقلب الثاني، فلا يقال في مددت
مديت، أما قولهم " فلا وربيك " أي ربك فشاذ، وأبدلوا أيضا من أول حرفي التضعيف في وزن فعال، إذا كان اسما، لا مصدرا، ياء، نحو ديماس (3)
__________
(2) تقضى البازى: مصدر تقضض، بمعنى انقض وقد وقع ذلك في قول العجاج: إذا الكرام ابتدروا الباع بدر * تقضى البازى إذا البازى كسر (3) الديماس - بكسر الدال، وتفتح -: الكن، والحمام، وجمعوه على دماميس ودياميس (*)

وديباج (1) ودينار وقيراط وشيراز، فيمن قال: دماميس ودبابيج ودنانير وقراريط وشراريز، وهذا الابدال قياس، إذ لا يجئ فعال غير المصدر إلا وأول حرفي تضعيفه مبدل ياء، فرقا بين الاسم والمصدر، ولا يبدل في المصدر نحو كذب كذابا، فإن كان الاسم بالهاء كالصنارة (2) والدنامة (3) لم يبدل، للامن من الالتباس، وأما من قال دياميس وديابيج فيجوز أن يكون لم يردهما إلى الاصل وإن زالت الكسرة للزوم الياء في آحادهما ويجوز أن يكون آحادهما على وزن فيعال في الاصل من غير أن يكون الياء بدلا من حرف التضعيف، وأما قولهم شواريز بالواو في شيراز فمبنى على أن أصله شوراز، وإن لم يكن فوعال في كلامهم، ويجوز أن يكون شواريز أصلها شياريز فأبدلت الياء واوا تشبيها للياء بالالف في نحو خاتم وخواتم فيكون أصله شيراز، وجاز اجليواذ (4) واخريواط (5) في مصدر اجلوذ واخروط قوله " أناسى " يجوز أن يكون جمع إنسى فلا تكون الياء بدلا من النون، كذا قال المبرد، وأن يكون جمع إنسان، والاصل أناسين، وقد
__________
(1) الديباج - بكسر الدال، وتفتح -: الثياب المتخذة من الابريسم، وتجمع على دبابيج وديابيج
(2) الصنارة - بكسر الصاد المهملة وتشديد النون -: شجرة تعظم وتتسع وليس لها نور ولا ثمر، وهو واسع الورق، وورقه شبيه بورق الكرم، والاكثر فيه تخفيف النون، وجمعه صنار (3) الدنامة والدنمة: القصير من كل شئ (4) اجلوذ الليل: ذهب، واجلوذ بهم السير، إذا دام مع السرعة، انظر (ح 1 ص 55، 112) (5) اخروط: أسرع.
أنظر (ح 1 ص 112) (*)

يستعمل أيضا.
فيكون كالظرابى في جمع الظربان (1) وأما العين والباء والسين والثاء، فكقوله: 166 - ومنهل ليس له حوازق * ولضفادى جمة نقانق (2) وقوله: 167 - لها أشارير من لحم تتمره * من الثعالى ووخز من أرانيها (3)
__________
(1) الظربان - بفتح فكسر، والظرباء -: دابة تشبه القرد على قدر الهر.
انظر (ح 1 ص 198) (2) هذا الشاهد من الرجز المشطور، ولم نقف له على قائل، ويقال: صنعه خلف الاحمر، والمنهل: أصله اسم مكان من نهل بمعنى شرب، ثم استعمل في المورد من الماء، والحوازق: يروى بالحاء المهملة والزاى، وهى الجوانب، ويقال: الحوازق: الجماعات، يريد أنه بعيد مخوف لا يجسر أحد على الدنو منه، والضفادى: الضفادع، واحدها ضفدعة، والجم: أصله الكثير، وما اجتمع من الماء في البئر، ويراد به هنا ماء المنهل لاضافته إلى الضمير العائد إليه، والنقانق:
جمع نقنقة، وهو الصوت المتكرر.
والاستشهاد بالبيت في قوله " ضفادى " حيث قلب العين ياء وأصله ضفادع (3) هذا بيت من البسيط من قصيدة لابي كاهل اليشكرى - وقبله: كأن رحلى على شغواء حادرة * ظمياء قد بل من طل خوافيها والشغواء: العقاب التى في رأسها بياض، وحادرة: نازلة من عال، ويروى حاذرة، ومعناه المتيقظة، والظمياء: العطشى إلى دم الصيد، والطل: المطر الضعيف، والخوافى: جمع خافية، وهى أربع ريشات في جناح الطائر، والاشارير: جمع إشرارة - بكسر الهمزة - وهى اللحم القديد، وتتمره: تجففه، ويروى متمرة، اسم مفعول من ذلك، وروى منصوبا ومجرورا، وصحفه المبرد.
فرواه مثمرة بالمثلثة.
والثعالى: الثعالب، والوخز: قطع اللحم واحدتها وخزة، والارانى: الارانب، والاستشهاد به في قوله " من الثعالى " وقوله " أرانيها " حيث قلب الباء في كل منهما ياء، وأصله " من الثعالب " " وأرانبها " (*)

وقوله: 168 - إذا ما عد أربعة فسال * فزوجك خامس وأبوك سادى (1) وقوله: 169 - يفديك يازرع أبى وخالى * قد مر يومان وهذا الثالى (2) * وأنت بالهجران لا تبالي * وقد يبدل الياء من الجيم، يقال: شيرة وشييرة في شجرة وشجيرة.
قال: " والواو من أختيها ومن الهمزة، فمن أختيها لازم في نحو ضوارب وضويرب ورحوى وعصوى وموقن وطوبى وبوطر وبقوى، وشاذ
ضعيف في هذا أمر ممضو عليه ونهو عن المنكر وجباوة، ومن الهمز في نحو جؤنة وجؤن " أقول: قوله " ضوارب وضويرب " ضابطه الجمع الاقصى لفاعل أو فاعل كحائط وخاتم، أو مصغرهما، وإنما قلبت واوا في فواعل حملا على فويعل، لان التصغير والتكسير من واد واحد، وبينهما تناسب في أشياء، كما مر في بابيهما، وكذا تقلب الالف واوا في ضورب وتضورب.
__________
(1) هذا بيت من الوافر، وينسب إلى النابغة الجعدى يهجو فيه ليلى الاخيلية، وينسب أيضا للحادرة، والفسال: جمع فسل، وهو الرذل من الرجال، وقد فسل الرجل فسالة وفسولة.
والاستشهاد به في قوله " سادى " حيث قلب السين ياء وأصله " سادس " (2) هذا الشاهد من الرجز المشطور، ولم نقف له على قائل، وزرع - بضم فسكون -: مرخم زرعة، والاستشهاد به في قوله " الثالى " حيث قلب الثاء ياء، وأصله الثالث.
(*)

قوله " عصوى ورحوى " ضابطه الالف الثالثة أو الرابعة إذا لحقها ياء النسب، فإنك تقلب الالف واوا، سواء كانت عن واو أو عن ياء، لمجئ الياء المشددة بعدها، وقد مر (1) في باب النسب وباب الاعلال وجه قلبها واوا، ووجه عدم قلبها ألفا مع تحريكها وانفتاح ما قبلها.
قوله: " موقن وطوبى وبوطر " ضابطه كل ياء ساكنة غير مدغمة مضموم ما قبلها بعدها حرفان أو أكثر، إلا في نحو بيضان (2) وحيكى وضيزى (3)، وقولنا " حرفان أو أكثر " احتراز عن نحو بيض.
قوله " وبقوى " ضابطه كل ياء هي لام لفعلى اسما، وكذا يقلب الياء واوا
في نحو عموى قياسا.
قوله " أمر ممضو عليه " أصله ممضوى، لانه من مضى يمضى، وكذا نهو عن المنكر أصله نهوى، كأنه قلب الياء واوا ليكون موافقا لامور، لانهم يقولون: هو أمور بالمعروف ونهو عن المنكر، ولو قلبوا الواو ياء على القياس لكسرت الضمة فصار نهيا، فلم يطابق أمورا، وقالوا: الفتوة (4) والندوة (5) والاصل الفتوية والندوية، وشربت مشوا ومشيا، وهو الدواء
__________
(1) قد ذكر المؤلف علة انقلاب الالف في عصار ورحا واوا في عصوى ورحوى في باب النسب (ح 2 ص 38) وذكر وجه عدم قلب الواو في عصوى ورحوى ألفا مع تحركها وانفتاح ما قبلها في باب النسب (ح 2 ص 38) أيضا، وفى باب الاعلال (ص 158 من هذا الجزء) (2) انظر (ص 158 من هذا الجزء) (3) انظر (ص 85 من هذا الجزء) (4) الفتوة: الشباب وحداثة السن، انظر (ح 2 ص 257، 258) (5) الندوة: مصدر ندى، يقال: نديت ليلتنا ندى وندوة، إذا نزل فيها مطر خفيف قدر ما يبل وجه الارض (*)

الذى يمشى البطن، وقالوا: جبيت الخراج جباية وجباوة، والكل شاذ قوله " ومن الهمزة ": وجوبا في نحو أو من، وجوازا في نحو جونة وجون (1) كما مر في تخفيف الهمز، ويجب أيضا في نحو حمراوان على الاعرف، وحمراوات وحمراوى، وضعف أفعو في أفعى كما مر في باب الوقف (2) قال: " والميم من الواو واللام والنون والباء، فمن الواو لازم في فم وحده وضعيف في لام التعريف، وهى طائية، ومن النون لازم في نحو عنبر
وشنباء، وضعيف في البنام وطامه الله على الخير، ومن الباء في بنات مخر وما زلت راتما ومن كثم " أقول: لم يبدل الميم من الواو إلا في فم، وهذا بدل لازم، وقد ذكرنا في باب الاضافة أن أصله فوه، بدليل أفواه وأفوه وفويهة وتفوهت، حذفت الهاء لخفائها، ثم أبدلت الواو ميما لئلا تسقط فيبقى المعرب على حرف، وقال الاخفش: الميم فيه بدل من الهاء، وذلك أن أصله فوه، ثم قلب فصار فهو، ثم حذفت الواو وجعلت الهاء ميما، واستدل على ذلك بقول الشاعر: * هما نفثا في في من فمويهما (3) * فهو عنده كقوله: 170 - * لا تقلواها وادلواها دلوا * إن مع اليوم أخاه غدوا (4)
__________
(1) الجؤنة: سلة مستديرة مغشاة جلدا يجعل فيها الطيب والثياب (انظر ص 56 من هذا الجزء) (2) انظر الكلام على هذا في (ح 2 ص 285، 286) (3) قد مضى شرح هذا الشاهد في (ح 2 ص 66) (4) هذا بيت من الرجز، ولم نقف على قائله، وتقلواها: مضارع مسند لالف الاثنين، وأصله من قلا الحمار الاتان يقلوها قلوا، إذا طردها وساقها، (*)

في رد المحذوف للضرورة، والميم والواو شفويتان، والميم تناسب اللام والنون لكونهما مجهورتين وبين الشديدة والرخوة قوله " وضعيف في لام التعريف " قال عليه السلام: " ليس من امبر امصيام في امسفر "
قوله " ومن النون لازم " ضابطه كل نون ساكنة قبل الباء: في كلمة كعنبر، أو كلمتين نحو سميع بصير وذلك أنه يتعسر التصريح بالنون الساكنة قبل الباء، لان النون الساكنة يجب إخفاؤها مع غير حروف الحلق كما يجئ في الادغام، والنون الخفية ليست إلا في الغنة التى معتمدها الانف فقط، والباء معتمدها الشفة، ويتعسر اعتمادان متواليان على مخرجى النفس المتباعدين فطلبت حرف تقلب النون إليها متوسطة بين النون والباء، فوجدت هي الميم، لان فيه الغنة كالنون، وهو شفوى كالباء، وأما إذا تحركت النون نحو شنب (1) ونحوه فليست النون مجرد الغنة، بل أكثر معتمدها الفم بسبب تحركها، فلا جرم انقلب ميما، وضعف إبدالها من النون المتحركة، كما قال رؤبة: 171 - ياهال ذات المنطق التمتام * وكفك المخضب البنام (2)
__________
والمراد لا تعنفا في سوقها، وادلواها: مضارع مسند لالف الاثنين كذلك، وتقول: دلوت الناقة دلوا، إذا سيرتها رويدا، يريد لا تشقا على هذه الناقة وارفقا بها، وغدوا: يريد به غدا، برد اللام المحذوفة، ومثله قول لبيد: وما الناس إلا كالديار وأهلها * بها يوم حلوها، وغدوا بلاقع وكذلك قول عبد المطلب بن هاشم في بعض الروايات: لا يغلبن صليبهم * ومحالهم غدوا محالك (1) الشنب: ماء ورقة وعذوبة وبرد في الاسنان، وفعله شنب - كفرح - والفم أشنب، والمرأة شنباء، وقد قلبوا النون ميما فقالوا شمباء (2) هذا الشاهد من بحر الرجز، ينسب لرؤبة بن العجاج، وهال: مرخم (*)

ويقال: طامه الله على الخير: أي طانه، من الطينة (1): أي جبله، قال: 172 - * ألا تلك نفس طين منها حياؤها (2) * ولم يسمع لطام تصرف،
بنات بخر وبنات مخر: سحائب يأتين قبل الصيف بيض منتصبات في السماء، وقال ابن السرى: هو مشتق من البخار، وقال ابن جنى: لو قيل إن بنات مخر من المخر بمعنى الشق من قوله تعالى: (وترى الفلك فيه مواخر) لم يبعد.
قال أبو عمرو الشيباني: يقال: ما زلت راتما على هذا، وراتبا: أي مقيما، فالميم بدل من الباء، لانه يقال: رتم مثل رتب، قال ابن جنى: يحتمل أن تكون الميم أصلا من الرتمة، وهى خيط يشد على الاصبع لتستذكر به الحاجة، وهو أيضا ضرب من الشجر، قال:
__________
هالة، وأصلها الدائرة حول القمر، ثم سمى به، والتمتام: الذى فيه تمتمة: أي تردد في الكلام.
والاستشهاد بالبيت في قوله " البنام " حيث قلب النون ميما وأصله البنان.
(1) الطينة: الجبلة والطبيعة (2) هذا عجز بيت من الطويل، أنشده أبو محرز خلف بن محرز الاحمر، وهو مع بيت سابق عليه قوله: لئن كانت الدنيا له قد تزينت * على الارض حتى ضاق عنها فضاؤها لقد كان حرا يستحى أن يضمه * إلى تلك نفس طين فيها حياؤها ومنه تعلم أن عجز البيت الذى رواه المؤلف قد صحف عليه من ثلاثة أوجه: الاول " إلى " إذا وضع بدلها " ألا " الاستفتاحية، الثاني قوله " فيها " الذى وضع بدله " منها ".
وفى بعض نسخ الشرح " ألا كل نفس " وهى التى شرح عليها البغدادي، فهذا هو التحريف الثالث.
والاستشهاد بالبيت في قوله " طين " ومعناه جبل، وهذا يدل على أن قولهم: طانه الله معناه جبله (*)

173 - هل ينفعنك اليوم إن همت بهم * كثرة ما توصى وتعقاد الرتم (1) وذلك أنه كان الرجل منهم إذا أراد سفرا عمد إلى غصنين من شجرتين يقرب أحدهما من الاخر ويعقد أحدهما بصاحبه، فإن عاد ورأى الغصنين معقودين بحالهما قال: إن أمرأته لم تخنه، وإلا قال: إنها خانته.
وقال يعقوب: يقال: رأيناه من كثم: أي كثب أي قرب، ويتصرف في كثب يقال: أكثب الامر: أي قرب قال: " والنون من الواو واللام شاذ في صنعاني وبهرانى وضعيف في لعن " أقول: قوله " في صنعاني وبهرانى " منسوبان إلى صنعاء وبهراء، فعند سيبويه النون بدل من الواو، لان القياس صنعاوى، كما تقول في حمراء: حمراوى، وهما متقاربان بما فيهما من الغنة، وأيضا هما بين الشديدة والرخوة وهما مجهروتان، وقال المبرد: بل أصل همزة فعلاء النون، واستدل عليه برجوعها إلى الاصل في صنعاني وبهرانى، كما ذكرنا في باب مالا ينصرف، (2)
__________
(1) هذا بيت من الرجز لم نقف له على قائل، وينفعنك: مضارع مؤكد بالنون الخفيفة، لوقوعه بعد الاستفهام، وفاعله قوله " كثرة ما تعطى ".
وإن: شرطية، والرتم: اسم جنس جمعى واحده رتمة، والرتمة: الخيط الذى يشد في الاصبع لتستذكر به الحاجة، والاستشهاد به في قوله " الرتم " وهو مأخوذ من الرتمة، وذلك يدل على أن الميم أصلية وليست مبدلة من الباء، وهذا أحد وجهين للعلماء في قولهم: ما زلت راتما: أي مقيما، وهو وجه ذكره ابن جنى ونقله عنه المؤلف بتوجيه، والوجه الاخر أن الميم بدل من الباء، وهو وجه ذكره أبو عمرو الشيباني كما قال المؤلف، لانهم يقولون: مازلت راتبا، وما زلت راتما، بمعنى واحد.
(2) قد نقلنا لك عبارته التى يشير إليها، واستكملنا بحث هذه المسألة في (ح 2 ص 58، 59) (*)

والاولى مذهب سيبويه، إذ لا مناسبة بين الهمزة والنون قوله " وضعيف في لعن " قيل: النون بدل من اللام، لان لعل أكثر تصرفا، وقيل: هما أصلان لان الحرف قليل التصرف قال: " والتاء من الواو والياء والسين والباء والصاد، فمن الواو والياء لازم في نحو اتعد واتسر على الافصح، وشاذ في نحو أتلجه وفى طست وحده وفى الذعالت ولصت ضعيف " أقول: قوله " نحو اتعد واتسر " أي: كل واو أو ياء هو فاء افتعل كما مر في باب الاعلال قوله " أتلجه " قال: 174 - رب رام من بنى ثعل * متلج كفيه في قتره (1) وضربه حتى أتكأه (2)، ومنه تجاه (3) وتكلة (4) وتيقور (5)
__________
(1) هذا بيت من المديد، وهو مطلع قصيدة لامرئ القيس بن حجر الكندى بعده: قد أتته الوحش واردة * فتنحى النزع في يسره وثعل - كعمر -: أبو قبيلة من طى يقال: إنه أرمى العرب، وهو ثعل بن عمرو ابن الغوث بن طى، ومتلج: اسم فاعل من أولج: أي أدخل، وأصله مولج، فأبدل من الواو تاء، والقتر، جمع قترة - بضم فسكون - وهى حظيرة يكمن فيها الصياد لئلا يراه الصيد فينفر، ويروى " في ستره "، والاستشهاد بالبيت في قوله " متلج " حيث بدل التاء من الواو كما ذكرنا
(2) اتكأه: أصلها أوكأه، فأبدل من الواو تاء، ومعناه وسده، وقيل: معنى أتكأه ألقاه على جانبه الايسر، وقيل: ألقاه على هيئة المتكئ (3) تقول: قعد فلان تجاه فلان، أي تلقاءه، والتاء بدل من الواو، وأصله من المواجهة (4) انظر (ج 1 ص 215) (5) التيقور: الوقار، وهى فيعول، وأصلها ويقور، فأبدلت الواو تاء، قال العجاج: * فإن يكن أمسى البلى تيقورى * (*)

من الوقار، وتخمة (1) وتهمة (2) وتقوى (3) وتقاة وتترى (4) من المواترة وتوراة من الورى (5) وهو فوعلة لندور تفعلة، وكذا تولج (6) وتوأم (7) وأخت وبنت (8) وهنت وأسنتوا (9) من السنة قوله " طست " لان جمعه طسوس لا طسوت قوله " وحده " إنما قال ذلك مع قولهم ست لان الابدال فيه لاجل
__________
(1) التخمة: الثقل الذى يصيبك من الطعام.
انظر (ح 1 ص 216) (2) التهمة: ظن السوء.
انظر (ح 1 ص 216) (3) التقوى: اسم من وقيت، وأصلها الحفظ، ثم استعملت في مخافة الله، وأصل تقوى وقوى، فأبدلت الواو تاء (4) تترى: أصلها وترى من المواترة وهى المتابعة، أبدلت واوها تاء إبدالا غير قياسي، وانظر (ح 1 ص 195 وص 81 من هذا الجزء) (5) انظر (ص 81 من هذا الجزء) (6) انظر (ص 80 من هذا الجزء) (7) التوأم: الذى يولد مع غيره في بطن: اثنين فصاعدا من جميع الحيوان، وهو من الوئام الذى هو الوفاق، سمى بذلك لانهما يتوافقان في السن، وأصله
ووءم بزنة فوعل كجوهر، فأبدلت الواو الاولى تاء كراهة اجتماع الواوين في صدر الكلمة، وحمله على ذلك أولى من حمله على تفعل، لان فوعلا أكثر من تفعل، وانظر (ح 2 ص 167) (8) قد استوفينا الكلام على هذه الالفاظ في (1 ص 220) وفى (ح 2 ص 255 - 257) فارجع إليها هناك (9) يقال: أسنت القوم، إذا أجدبوا، وأصلها من السنة، فلامها في الاصل واو، وأصل اسنتوا على هذا اسنووا فأبدلت الواو تاء.
وانظر (ح 1 ص 221) (*)

الادغام، وهى تركيب التسديس، وقال: 175 - يا قاتل الله بنى السعلاة * عمرو بن يربوع شرار النات * غير أعفاء ولا أكيات (1) * وهو نادر قوله " ذعالت " قال: 176 - صفقة ذى ذعالت سمول * بيع امرئ ليس بمستقيل (2) أي: ذعالب، قال ابن جنى: ينبغى أن تكونا لغتين، قال: وغير بعيد أن تبدل التاء من الباء، إذ قد أبدلت من الواو، وهى شريكة الباء من الشفة،
__________
(1) هذه أبيات من الرجز المشطور، وهى لعلباء بن أرقم اليشكرى يهجو فيها بنى عمرو بن مسعود، وقيل بنى عمرو بن يربوع ويقال لهم: بنو السعلاة، وذلك أنهم زعموا أن عمرو بن يربوع تزوج سعلاة: أي غولا، فأولدها بنين، وقوله " يا قاتل الله " المنادى فيه محذوف، والجملة بعده دعائية، وقوله عمرو بن
يربوع - بالجر - بدل من السعلاة، وكأنه قال بنى عمرو بن يربوع، وأعفاء: جمع عفيف، وأكيات: أصله أكياس جمع كيس، بتشديد الياء مكسورة - والاستشهاد بالبيت في قوله " النات " وفى قوله " أكيات " حيث أبدل السين تاء (2) هذا الشاهد من الرجز المشطور، وقائله أعرابي من بنى عوف بن سعد، هكذا ذكروه ولم يعينوه.
وصفقة: منصوب على أنه مفعول مطلق، وتقول: صفقت له بالبيع صفقا، إذا أنفذت البيع وأمضيته، وكانوا إذا أبرموا بيعا صفق أحد المتبايعين بيده على يد الاخر: أي ضرب، فكان ذلك علامة على إمضائه، والذعالت: الذعالب، وهى جمع ذعلبة - بكسرتين بينهما سكون - وهو طرف الثوب أو ما تقطع منه، وسمول: جمع سمل - كأسد وأسود - وهو الخلق البالى والمستقيل: الذى يطلب فسخ البيع، والاستشهاد بالبيت في قوله " ذعالت " حيث أبدل الباء تاء على ما بيناه (*)

هذا كلامه، والاولى أن أصلها الباء، لان الذعالب أكثر استعمالا، وهو بمعنى الذعاليب، واحدها ذعلوب، وهى قطع الخرق الاخلاق وقالوا في لص: لصت: وجمعوه على اللصوت أيضا، قال: 177 - فتركن نهدا عيلا أبناؤها * وبنى كنانة كاللصوت المرد (1) وجاء بدلا من الطاء، قالوا: فستاط في فسطاط (2) قال: " والهاء من الهمزة والالف والياء والتاء، فمن الهمزة مسموع في هرقت وهرحت وهياك ولهنك وهن فعلت، في طيئ، وهذا الذى في أذا الذى، ومن الالف شاذ في أنه وحيهله وفى مه مستف ؟ ؟ وفى ياهناه على رأى، ومن الياء في هذه، ومن التاء في باب رحمة ؟ قفا "
أقول: يقال هنرت الثوب: أي أنرته (3) وهرحت الدابة: أي أرحتها،
__________
(1) هذا البيت من بحر الكامل، وقد نسبه الصاغانى في العباب إلا عبد الاسود ابن عامر بن جوين الطائى، وتهد: أبو قبيلة من اليمن، وعيل: جمع عائل - كصوم جمع صائم - من عال يعيل يعيل عيلة، إذا افتقر، ومرد: جمع مارد، من مرد من باب نصر، إذا خبث وعتا، وربما كان من مرد بمعنى مرن ودرب.
ومعنى البيت أنهم تركوا أبناء هذه القبيلة فقراء، لانهم قتلوا آباءهم، وكذلك قتلوا آباء بنى كنانة فجعلوهم فقراء حتى صاروا من شدة الفقر كاللصوص المرد.
والاستشهاد بالبيت في قوله " كاللصوت " حيث أبدل الشاعر الصاد تاء (2) الفسطاط: ضرب من الابنية دون السرداق يكون في السفر، وانظر (ح 1 ص 17) (3) يقال: نرت الثوب أنيره - من باب باع - وأنرته، ونيرته - بالتضعيف - إذا جعلت له علما، ويقال للعلم: النير - بالكسر - روى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال: لولا أن عمر نهى عن النير لم نر بالعلم بأسا، ولكنه نهى عن النير (*)

وحكى اللحيانى: هردت الشئ: أي أردته، أهريده، بفتح الهاء، كهرقته أهريقه، وقال: 178 - فهياك والامر الذى إن توسعت * موارده ضاقت عليك المصادر (1) والهاء بدل، لان إياك أكثر، وقد مضى الكلام في لهنك في الحروف المشبهة بالفعل (2) وطيئ تقلب همزة إن الشرطية هاء، وحكى قطرب: هزيد
__________
(1) هذا البيت من الطويل، وقد أورد أبو تمام في باب الادب من الحماسة ونسبه في كتاب مختار أشعار القبائل إلى طفيل الغنوى، والموارد: جمع مورد،
وهو المدخل، والمصادر: جمع مصدر، وهو المخرج.
والاستشهاد بالبيت في قوله " فهياك " حيث أبدل الهمزة هاء (2) قال المؤلف في شرح الكافية (ج 2 ص 332): " واعلم أن من العرب من يقول: لهنك لرجل صدق، قال: لهنا لمقضى علينا التهاجر قال: لهنى لاشقى الناس إن كنت غارما وقد يحذف اللام، وهو قليل، قال: ألا ياسنا برق على قلل الحمى * لهنك من برق على كريم وفيه ثلاثة مذاهب: أحدها لسيبويه، وهو أن الهاء بدل من همزة إن كاياك وهياك، فلما غيرت صورة إن بقلب همزتها هاء جاز مجامعة اللام إياها بعد الامتناع، والثانى قول الفراء، وهو أن أصله: والله إنك، كما روى عن أبى أدهم الكلابي: له ربى لا أقول ذلك، بقصر اللام، ثم حذف حرف الجر، كما يقال: الله لافعلن، وحذفت لام التعريف أيضا، كما يقال: لاه أبوك، أي لله أبوك، ثم حذفت ألف فعال كما يحذف من الممدود إذا قصر، كما يقال: الحصاد، والحصد، قال: ألا لا بارك الله في سهيل * إذ ما الله بارك في الرجال (*)

منطلق، في ألف الاستفهام، أنشد الاخفش: 179 - وأتت صواحبها فقلن هذا الذى * منح المودة غيرنا وجفانا (1) أي: أذا الذى، ويقال في أيا في النداء: هيا، وفى أما والله: هما قوله " أنه " قيل: الهاء بدل من الالف في الوقف، لان الالف في الوقف،
أكثر استعمالا من الهاء، وقد ذكر في الوقف أن الهاء للسكت كما في قه وره، وكذا في حيهله، وأما قولهم " مه " فالاولى كون هائها بدلا من الالف، كما في قوله: 180 - قد وردت من أمكنه * من ههنا ومن هنه (2) ويجوز أن يقال: حذف الالف من ما الاستفهامية غير المجرورة كما يحذف من ما المجرورة.
نحو فيم وإلام، ثم دعم بهاء السكت كما في ره وقه
__________
ثم حذفت همزة إنك، وفيما قال تكلفات كثيرة، والثالث: ما حكى المفضل ابن سلمة عن بعضهم أن أصله لله إنك، واللام للقسم، فعمل به ما عمل في مذهب الفراء، وقول الفراء أقرب من هذا، لانه يقال: لهنك لقائم، بلا تعجب " اه (1) هذا بيت من الكامل، قال البغدادي: " وقائله مجهول، ويشبه أن يكون من شعر عمر بن أبى ربيعة المخزومى، فأنه في غالب شعره أن النساء يتعشقنه " اه.
وقد راجعنا ديوان عمر بن أبى ربيعة فوجدنا له قصيدة على هذا الروى أولها: يا رب إنك قد علمت بأنها * أهوى عبادك كلهم إنسانا ولم نجد فيها هذا البيت كما لم نجد على هذا الروى غير هذه القصيدة.
وقد قال في اللسان: " أنشده اللحيانى عن الكسائي لجميل.
وقوله " وأتت صواحبها " هو في اللسان " وأتى صواحبها ".
والصواحب: جمع صاحبة، والاستشهاد به في قوله " هذا الذى " حيث أبدل الهمزة التى للاستفهام هاء، وأصله " أذا الذى " (2) هذا بيت من الرجز المجزوء لم نعرف قائله، والضمير في وردت للابل.
والاستشهاد بالبيت في قوله " هنه " حيث أبدل الالف هاء للوقف، وأصله هنا (*)

قوله " في ياهناه " قد ذكرنا الخلاف (1) فيه وأن الهاء فيه للسكت عند أبى زيد والاخفش والكوفيين، وبدل من الواو عند البصريين، وأصله عندهم هناو
لقولهم هنوات، وقيل: الهاء أصل، وهو ضعيف لقلة باب سلس وقلق، وهاء هذه بدل من الياء كما ذكرنا في الوقف عند بنى تميم، فليرجع إليه في معرفته (2) ولا يطرد هذا في كل ياء، فلا يقال في الذى: الذه قوله " ومن التاء في رحمة وقفا " مضى في الوقف (3)
__________
(1) قال المؤلف في شرح الكافية (ح 2 ص 129): " ومنه (يريد من كنايات الاعلام) يا هناه للمنادى غير المصرح باسمه تقول في التذكير: يا هن، وياهنان، ويا هنون، وفى التأنيث: يا هنة، ويا هنتان، ويا هنات، وقد يلى أواخرهن ما يلى أواخر المندوب وإن لم تكن مندوبة، تقول: يا هناه - بضم الهاء - في الاكثر، وقد تكسر كا ذكرنا في المندوب، وهذه الهاء تزاد في السعة وصلا ووقفا مع أنها في الاصل هاء السكت، كما قال: * يا مرحباه بحمار ناجيه * وقال: * يا رب يا رباه إياك أسل * في حال الضرورة، هذا قول الكوفيين وبعض البصريين، ولما رأى أكثر البصريين ثبوت الهاء وصلا في السعة أعنى في هناه مضمومة ظنوا أنها لام الكلمة التى هي واو في هنوات كما أبدلت هاء في هنيهة، وقال بعضهم: هي بدل من الهمزة المبدلة من الواو إبدالها في كساء - وإن لم يستعمل هناه - كما أبدلوا في " إياك " فقالو: هياك، ومجئ الكسر في هاء هناه يقوى مذهب الكوفيين، وأيضا اختصاص الالف والهاء بالنداء، وأيضا لحاق الالف والهاء في جميع تصاريفه وصلا ووقفا - على ما حكى الاخفش - نحو يا هناه، ويا هناناه أو يا هنانيه، كما مر في المندوب، ويا هنوناه، ويا هنتاه، ويا هنتاناه أو يا هنتانيه، ويا هناتاه " اه (2) انظر (ح 2 ص 286، 287)
(3) انظر (ح 2 ص 288 وما بعدها) (*)

قال: " واللام من النون والضاد في أصيلال قليل، وفى الطجع ردئ " أقول: أصل أصيلال أصيلان، وهو إن كان جمع أصيل كرغيف ورغفان، وهو الظاهر، فهو شاذ من وجهين: أحدهما إبدال اللام من النون، والثانى تصغير جمع الكثرة على لفظه، وإن كان أصلان واحدا كرمان وقربان، - مع أنه لم يستعمل - فشذوذه من جهة واحدة، وهى قلب النون لاما، قال الاخفش: لو سميت به لم ينصرف، لان النون كالثابتة، يدل على ذلك ثبات الالف في التصغير كما في سكيران، وكذا هراق إذا سميت به غير منصرف، لان الهمزة في حكم الثابت قوله " الطجع " من قوله: لما رأى أن لادعه ولا شبع * مال إلى أرطاة حقف فالطجع (1) قال: " والطاء من التاء لازم في اصطبر، وشاذ في فحصط " أقول: قوله " في اصطبر " يعنى إذا كان فاء افتعل أحد الحروف المطبقة المستعلية، وهى الصاد والضاد والطاء والظاء، وذلك لان التاء مهموسة لا إطباق فيها، وهذه الحروف مجهورة مطبقة، فاختاروا حرفا مستعليا من مخرج التاء، وهو الطاء، فجعلوه مكان التاء، لانه مناسب للتاء في المخرج والصاد والضاد والظاء في الاطباق قوله " وشذ في فحصط " هذه لغة بنى تميم، وليست بالكثيرة، أعنى جعل الضمير طاء إذا كان لام الكلمة صادا أو ضادا، وكذا بعد الطاء والظاء، نحو فحصط برجلي، (2)
__________
(1) قد سبق شرح هذا البيت فارجع إليه في (ح 2 ص 324)
(2) فحصط: أصلها فحصت، فأبدلت تاء الضمير طاء، والفحص: البحث، وفعله من باب فتح (*)

وحصط عنه (1): أي حدت وأحط (2) وحفط (3) وإنما قل ذلك لان تاء الضمير كلمة تامة، فلا تغير، وأيضا هو كلمة برأسها، فكان القياس أن لا تؤثر حروف الاطباق فيها، ومن قلبه فلكونه على حرف واحد كالجزء مما قبله، بدليل تسكين ما قبله، فهو مثل تاء افتعل قال: " والدال من التاء لازم في نحو ازدجر وادكر، وشاذ في نحو فزد واجدمعوا واجدز ودولج " أقول: إذا كان فاء افتعل أحلا ثلاثة أحرف: الزاى، والدال، والذال، قلبت تاء الافتعال دالا، وأدغمت الدال والذال فيها، نحو ادان وادكر، كما يجئ، وقد يجوز أن لا يدغم الذال نحو إذ دكر، والقلب الذى للادغام ليس مما نحن فيه، كما ذكرنا في أول هذا الباب، والحروف الثلاثة مجهورة، والتاء مهموسة، فقلبت التاء دالا، لان الدال مناسبة للذال والزاى في الجهر، وللتاء في المخرج، فتوسط بين التاء وبينهما، وإنما أدغمت الذال في الدال دون الزاى لقرب مخرجها من مخرج الدال وبعد مخرج الزاى منها قوله " وادكر " قلب التاء دالا بعد الذال المعجمة لازم، وبعد القلب الادغام أكثر من تركه، فإن أدغمت فإما أن تقلب الاولى إلى الثانية، أو بالعكس، كما يجئ في باب الادغام
__________
(1) حصط: أصلها حصت، فأبدلت تاء الضمير طاء، وتقول: حاص عن الشئ يحيص حيصا وحيصة وحيوطا ومحيصا ومحاصا وحيصانا، إذا حاد عنه وعدل.
(2) أصل أحط: أحطت، فأبدلت تاء الضمير طاء، ثم أدغمت الطاء في الطاء، وتقول: أحاط بالشئ يحيط به إحاطة، إذا أحدق به كله من جوانبه، وكل من أحرز الشئ كله وبلغ علمه أقصاه فقد أحاط به (3) أصل حفظ: حفظت، فأبدلت التاء طاء، ثم أبدلت الظاء المعجمة طاء مهملة، ثم أدغمت الطاء في الطاء (*)

قوله " وشاذ في فزد " حاله كحال فحصط، وقد ذكرناه، وكذا شذ قلبه بعد الدال، نحو جدد في جدت، وقد شذ قلب تاء الافتعال بعد الجيم، لان الجيم وإن كانت مجهورة والتاء مهموسة إلا أنها أقرب إلى التاء من الزاى والذال، فيسهل النطق بالتاء بعد الجيم، ويصعب بعد الزاى والذال، قال: 181 - فقلت لصاحبي لا تحبسانا * بنزع أصوله واجدز شيحا (1) ولا يقاس على المسموع منه، فلا يقال اجدرأ (2) واجدرح (3)، والدولج:
__________
(1) هذا البيت من الوافر، وهو من كلمة لمضرس بن ربعى الفقعسى، وأولها قوله: وضيف جاءنا والليل داج * وريح القر تحفز منه روحا وقوله " والليل داج " معناه مظلم، والقر - بالضم -: البرد، وتحفز: تدفع، وقوله " فقلت لصاحبي الخ " خاطب الواحد بخطاب الاثنين في قوله " لا تحبسانا " ثم عاد إلى الافراد في قوله " واجدز شيحا " وليس هذا بأبعد من قول سويد ابن كراع العكلى: فإن تزجراني يا ابن عفان انزجر * وإن تدعانى أحم عرضا ممنعا ويروى في بيت الشاهد:
* فقلت لحاطبي لا تحبسني * والكلام على هذه الرواية جار على مهيع واحد.
والمعنى لا تؤخرنا عن شئ اللحم بتشاغلك بنزع أصول الحطب، بل اكتف بقطع ما فوق وجه الارض منه، والاستشهاد بالبيت في قوله " واجدز " وهو افتعل من الجز، وأصله اجتز، وبه يروى، فأبدل التاء دالا إبدالا غير قياسي (2) اجدرأ: هو افتعل من الجرأة التى هي الاقدام على الشئ، وأصله اجترأ فأبدل التاء دالا (3) اجدرح: هو افتعل من الجرح، وأصله اجترح، فأبدل التاء دالا، (*)

الكناس، من الولوج، قلبت الواو تاء، ثم قلبت التاء دالا، وذلك لان التولج أكثر استعمالا من دولج، وقلبت التاء دالا في ازدجر واجد مع لتناسب الصوت، كما في صويق، بخلاف دولج.
قوله: " والجيم من الياء المشددة في الوقف، في نحو فقيمج، وهو شاذ ومن غير المشددة في نحو * لاهم إن كنت قبلت حجتج * أشذ، ومن الياء المفتوحة في نحو قوله * حتى إذا ما أمسجت وأمسجا * أشذ " الجيم والياء أختان في الجهر، إلا أن الجيم شديدة، فإذا شددت الياء صارت قريبة غاية القرب منها، وهما من وسط اللسان، والجيم أبين في الوقف من الياء، فطلب البيان في الوقف، إذ عنده يخفى الحرف الموقوف عليه، ولهذا يقال في حبلى - بالياء -: حبلو بالواو - وقد تقلب الياء المشددة لا للوقف جيما، قال: 182 - كأن في أذنا بهن الشول * من عبس الصيف قرون الاجل (1)
__________
ومن هذا تقول: جرح فلان الاثم واجترحه، إذا كسبه، قال تعالى (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات)
(1) هذا الشاهد بيتان من مشطور الرجز من أرجوزة طويلة لابي النجم العجلى أولها: الحمد لله العلى الاجلل * الواسع الفضل الوهوب المجزل والضمير في أذنابهن عائد للابل، والشول: جمع شائل، وتقول: شالت الناقة بذنبها تشول، إدا رفعته للقاح وقد انقطع لبنها، والعبس - بفتحتين -: ما يعلق بأذناب الابل من أبعارها وأبوالها فيجف عليها، وأضافه إلى الصيف، لانه يكون في ذلك الوقت أجف وأيبس، والاجل - بكسر الهمزة وضمها مع تشديد الجيم مفتوحة -: الوعل، وهو تيس الجبل.
شبه ما يعلق بأذناب النوق في زمن الصيف بقرون التيس الجبلى في صلابته ويبسه، والاستشهاد بالبيت في قوله " الاجل " حيث أبدل الياء المشددة جيما في غير الوقف (*)

وقد جاء في المخففة في الوقف، لكنه أقل من المشددة، وذلك أيضا لبيان الياء في الوقف، وقد جاء من الياء في غير الوقف، قال: 183 - * حتى إذا ما أمسجت وأمسجا (1) * أي: أمسيت وأمسى، فلما أبدلت جيما لم ينقلب ألفا، ولم يسقط للساكنين، كالياء في أمست وأمسى، وفى قوله " في الياء المخففة أشذ " دلالة على أن ذلك في المشددة شاذ، وإنما كان في المخففة أقل لان الجيم أنسب بالياء المشددة، كما قلنا، وإنما كان في نحو أمسجت أشذ لان الاصل أن يبدل في الوقف لبيان الياء، والياء في مثله ليس بموقوف عليه.
قال: " والصاد من السين التى بعدها غين أو خاء أو قاف أو طاء جوازا، نحو أصبغ، وصلخ، ومس صقر، وصراط " أقول: اعلم أن هذه الحروف مجهورة مستعلية، والسين مهموس مستفل،
فكرهوا الخروج منه إلى هذه الحروف، لثقله فأبدلوا من السين صادا، لانها توافق السين في الهمس والصفير، وتوافق هذه الحروف في الاستعلاء، فتجانس الصوت بعد القلب، وهذا العمل شبيه بالامالة في تقريب الصوت بعضه من بعض، فإن تأخرت السين عن هذه الحروف لم يسغ فيها من الابدال ما ساغ وهى متقدمة، لانها إذا تأخرت كان المتكلم منحدرا بالصوت من عال، ولا يثقل ذلك ثقل التصعد من منخفض، فلا تقول في قست: قصت، وهذه الحروف تجوز القلب: متصلة بالسين كانت كصقر، أو منفصلة بحرف نحو صلخ، أو بحرفين أو ثلاثة
__________
(1) هذا بيت من الرجز المشطور لم نعثر له على نسبة إلى قائل ولا على سابق أو لاحق، ونسبه بعض العلماء إلى العجاج، وقد اختلفوا في الضمير في قوله " أمسجت وأمسجا " فقيل: هما عائدان إلى أتان وعير، وقيل: هما عائدان إلى نعامة وظليم، والاستشهاد في قوله " أمسجت وأمسجا " حيث أبدل الياء المخففة جيما في غير الوقف، قال في اللسان: " أبدل مكان الياء حرفا جلدا شبيها بها، لتصح له القافية والوزن " اه (*)

نحو صملق (1) وصراط، وصماليق (2)، وهذا القلب قياس، لكنه غير واجب، ولا يجوز قلب السين في مثلها زايا خالصة، إلا فيما سمع نحو الزراط، وذلك لان الطاء تشابه الدال قوله: " والزاى من السين والصاد الواقعتين قبل الدال ساكنتين، نحو يزدل، وهكذا فزدى أنه " السين حرف مهموس، والدال مجهور، فكرهوا الخروج من حرف إلى حرف ينافيه، ولا سيما إذا كانت الاولى ساكنة، لان الحركة بعد الحرف، وهى جزء حرف لين حائل بين الحرفين، فقربوا السين من الدال، بأن
قلبوها زايا، لان الزاى من مخرج السين ومثلها في الصفير، وتوافق الدال في الجهر، فيتجانس الصوتان، ولا يجوز ههنا أن تشرب السين صوت الزاى، كما يفعل ذلك في الصاد، نحو يصدر، لان في الصاد إطباقا، فضارعوا لئلا يذهب الاطباق بالقلب، وليست السين كذلك، ويجوز في الصاد الساكنة الواقعة قبل الدال قبلها زايا صريحة وإشرابها صوت الزاى، أما الابدال فلان الصاد مطبقة مهموسة رخوة وقد جاورت الدال بلا حائل من حركة وغيرها، والدال مجهورة شديدة غير مطبقة، ولم يبدلوا الدال كما في تاء افتعل نحو اصطبر لانها ليست بزائدة كالتاء، فتكون أولى بالتغيير، فغيروا الاولى لضعفها بالسكون، بأن قربوها من الدال، بأن قلبوها زايا خالصة، فتناسبت الاصوات، لان الزاى
__________
(1) الصملق: السملق، وهو الارض المستوية، وقيل: القفر الذى لا نبات فيه، والقاع المستوى الاملس، قال: جميل: ألم تسل الربع القديم فينطق * وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق (2) الصماليق: السماليق، قال في اللسان: " وحكى سيبويه صماليق، قال ابن سيده: ولا أدرى ما كسر إلا أن يكونوا قد قالوا: صملقة، في هذا المعنى، فعوض من الهاء، كما حكى مواعيظ " اه (*)

من مخرج الصاد وأختها في الصفير، وهى تناسب الدال في الجهر وعدم الاطباق، ومن ضارع: أن نحى بالصاد نحو الزاى، ولم يقلبها زايا خالصة، فللمحافظة على فضيلة الاطباق، كما ذكرنا.
قوله " فزدى أنه " قول حاتم الطائى لما وقع في أسر قوم فغزا رجالهم وبقى مع النسوة فأمرنه بالفصد فنحر، وقال: هكذا فزدى (1) أنه، وأنه تأكيد للياء قال: " وقد ضورع بالصاد الزاى دونها وضورع بها متحركة أيضا،
نحو صدر وصدق، والبيان أكثر فيهما، ونحو مس زقر كلبية، وأجدر وأشدق بالمضارعة قليل " أقول: قوله " ضورع بالصاد الزاى " أي: جعل الصاد مضارعا للزاى، بأن ينحى بالصاد نحو الزاى، فقولك " ضارع " كان يتعدى إلى المشابه - بفتح الباء - بنفسه، فجعل متعديا إلى المشابه - بكسر الباء - بحرف الجر قوله " دونها " أي: دون السين: أي لم تشم السين صوت الزاى، بل قلبت زايا صريحة، لما ذكرنا من أنه لا إطباق فيه حتى يحافظ عليه قوله " وضورع بها " أي: بالصاد الزاى متحركة أيضا: أي إذا تحركت الصاد وبعدها دال أشم الصاد صوت الزاى، ولا يجوز قلبها زايا صريحة، لوقوع الحركة فاصلة بينهما، وأيضا فإن لحرف يقوى بالحركة، فلم يقلب، فلم يبق إلا المضارعة للمجاورة، والاشمام وفيها أقل منه في الساكنة، إذ هي محمولة فيه على الساكنة التى إنما غيرت لضعفها بالسكون، فإن فصل بينهما أكثر من حركة كالحرف والحرفين لم تستمر المضارعة، بل يقتصر على ما سمع من العرب، كلفظ الصاد والمصادر والصراط، لان الطاء كالدال قوله " والبيان أكثر فيهما " أي: في السين الساكنة الواقعة قبل الدال،
__________
(1) انظر (ح 2 ص 294، 295) و (ح 1 ص 43) (*)

والصاد الواقعة قبلها: سكنت الدال أو تحركت، ولو روى " منهما " لكان المعنى من المضارعة والقلب، ويعنى بالبيان الاتيان بالصاد والسين صريحين بلا قلب ولا إشراب صوت، ففى الصاد الساكنة قبل الدال البيان أكثر، ثم المضارعة، ثم قلبها زايا قوله " ومس زقر كلبية " أي: قبيلة كلب تقلب السين الواقعة قبل
القاف زايا، كما يقلبها غيرهم صادا، وذلك لانه لما تباين السين والقاف لكون السين مهموسة والقاف مجهورة أبدلوها زايا، لمناسبة الزاى للسين في المخرج والصفير، وللقاف في الجهر قوله " وأجدر وأشدق (1) " يعنى إشراب الجيم والشين المعجمتين الواقعتين قبل الدال صوت الزاى قليل، وهذا خلاف ما قاله سيبويه، فإنه قال في إشراب مثل هذا الشين صوت الزاى: " إن البيان أكثر وأعرف، وهذا عربي كثير " وإنما بضارع بالشين الزاى إذا كانت ساكنة قبل الدال، لانها تشابه الصاد والسين اللذين يقلبان إلى الزاى، وذلك بكونها مهموسة رخوة مثلهما، وإذا أجريت في الشين الصوت رأيت ذلك بين طرف لسانك وأعلى الثنيتين موضع الصاد والسين، ثم إن الجيم حملت على الشين وإن لم يكن في الجيم من مشابهة الصاد السين مثل ما بينهما وبين الشين، وذلك لان الجيم من مخرج الشين، فعمل بها ما عمل بالشين، ولا يجوز أن يجعل الشين والجيم زايا خالصة كالصاد والسين، لانهما ليستا من مخرجهما قال: " الادغام: أن تأتى بحرفين ساكن فمتحرك من مخرج واحد
__________
(1) الاشدق: الواسع الشدق، وهو جانب الفم، ويقال: رجل أشدق، إذا كان متفوها ذابيان، وقد قالوا لعمر بن سعيد: الاشدق، لانه كان أحد خطباء العرب.
(*)

من غير فصل، ويكون في المثلين والمتقاربين، فالمثلان واجب عند سكون الاول إلا في الهمزتين إلا في نحو السأال والدأاث، وإلا في الالفين لتعذره، وإلا في نحو قوول للالباس وفى نحو تووى ورييا - على المختار - إذا خففت، وفى نحو قالوا وما، وفى يوم، وعند تحركهما في كلمة
ولا إلحاق ولا لبس نحو رد يرد، إلا في نحو حيى فإنه جائز، وإلا في نحو اقتتل وتتنزل وتتباعد، وسيأتى، وتنقل حركته إن كان قبله ساكن غير لين نحو يرد، وسكون الوقف كالحركة، ونحو مكنني ويمكنني ومناسككم وما سلككم من باب كلمتين، وممتنع في الهمزة على الاكثر وفى الالف وعند سكون الثاني لغير الوقف نحو ظللت ورسول الحسن، وتميم تدغم في نحو رد ولم يرد، وعند الالحاق واللبس بزنة أخرى نحو قردد وسرر، وعند ساكن صحيح قبلهما في كلمتين نحو قرم مالك، وحمل قول القراء على الاخفاء، وجائز فيما سوى ذلك " أقول: قوله " الادغام أن تأتى بحرفين ساكن فمتحرك " يعنى أن المتحرك يكون بعد الساكن (1) وإلا فليس بد من الفصل: أي فك أحد الحرفين من الاخر، لان الحركة بعد الحرف قوله " من غير فصل " أي: فك، احتراز عن نحو رييا (2) فإنك تأتى
__________
(1) يريد أن الادغام لا يكون إلا مع سكون الاول، لانه لو كان متحركا والحركة بعد الحرف فلا يتأتى النطق بالحرفين دفعة واحدة، لان الحركة فاصلة بينهما، ولا يكفى أيضا في تحقق الادغام سكون الاول وتحرك الثاني، بل لابد مع ذلك من وصل الحرفين في النطق لئلا تسكت بعد نطقك بالحرف الاول، ولذا قال ابن الحاجب: " الادغام أن تأتى بحرفين ساكن فمتحرك من مخرج واحد من غير فصل " (2) انظر (ح 1 ص 28) (*)

بياء ساكنة فياء متحركة، وهما من مخرج واحد، وليس بإدغام، لانك فككت إحداهما عن الاخرى، وإنما الادغام وصل حرف ساكن بحرف مثله متحرك
بلا سكتة على الاول، بحيث يعتمد بهما على المخرج اعتماده واحدة قوية، ولا يحترز به عن الحرف الفاصل أو الحركة الفاصلة بين المثلين، لخروجه بقوله " ساكن فمتحرك " والادغام في اللغة: إدخال الشئ في الشئ، يقال: أدغمت اللجام في فم الدابة: أي أدخلته فيه، وليس إدغام الحرف في الحرف إدخاله فيه على الحقيقة، بل هو إيصاله به من غير أن يفك بينهما قوله " في المثماثلين والمتقاربين " لا يمكن إدغام المتقاربين إلا بعد جعلهما متماثلين، لان الادغام إخراج الحرفين من مخرج واحد دفعة واحدة باعتماد تام، ولا يمكن إخراج المتقاربين من مخرج واحد، لان لكل حرف مخرجا على حدة، والذى أرى أنه ليس الادغام الاتيان بحرفين، بل هو الاتيان بحرف واحد مع اعتماد على مخرجه قوى: سواء كان ذلك الحرف متحركا نحو يمد زيد، أو ساكنا نحو يمد، وقفا، فعلى هذا ليس قوله " ساكن فمتحرك " أيضا بوجه، لانه يجوز تسكين المدغم فيه اتفاقا: إما لانه يجوز في الوقف الجمع بين الساكنين عند من قال هما حرفان، وإما لانه حرف واحد على ما اخترنا، وإن كان كالحرفين الساكن أولهما من حيث الاعتماد التام، وقوله " ساكن فمتحرك " وقوله " من غير فصل " كالمتناقضين، لانه لا يمكن مجئ حرفين أحدهما عقيب الاخر إلا مع الفك بينهما، وإن لم تفك بينهما فليس أحدهما عقيب الاخر قوله " فالمثلان واجب عند سكون الاول " جعل الادغام ثلاثة أقسام: واجبا، وممتنعا، وجائزا، فذكر الواجب والممتنع، وما بقى فجائز، فالواجب من

قوله " واجب " إلى قوله " من باب كلمتين " والممتنع من قوله " وممتنع " إلى قوله " على الاخفاء "
قوله " عند سكون الاول " أي يجب الادغام إذا سكن أول المثلين: كانا في كلمة كالشد والمد، أو في كلمتين متصلتين نحو اسمع علما قوله " إلا في الهمزتين " ليس الاطلاق بوجه، بل الوجه أن يقال: الهمز الساكن الذى بعده همز متحرك: إما أن يكونا في كلمة، أو في كلمتين، فإن كانا في كلمة أدغم الاول إذا كانا في صيغة موضوعة على التضعيف، كما ذكرنا في تخفيف الهمزة (1)، وفى غير ذلك لا يدغم، نحو قرأى على وزن قمطر (من قرأ) وإن كانا في كلمتين نحو اقرأ آية، وأقرئ أباك، وليقرأ أبوك، فعند أكثر العرب على ما ذهب إليه يونس والخليل يجب تخفيف الهمزة، فلا يلتقى همزتان، وزعموا أن ابن أبى إسحق كان يحقق الهمزتين، وأناس معه، قال سيبويه: وهى رديئة، وقال: فيجب الادغام في قول هؤلاء مع سكون الاولى، ويجوز ذلك إذا تحركتا نحو قرأ أبوك، قال السيرافى: توهم بعض القراء أن سيبويه أنكر إدغام الهمزة، وليس الامر على ما توهموا، بل إنما أنكره على على مذهب من يخفف الهمزة، كما هو المختار عنده، وقد بين سيبويه ذلك بقوله: ويجوز الادغام في قول هؤلاء (2)، يعنى على تلك اللغة الرديئة قوله: " الدأاث " (3) اسم واد، الصغانى مخفف الهمز على وزن كلام وسلام.
__________
(1) انظر (ص 33 وما بعدها من هذا الجزء) (2) في أصول هذا الكتاب " ويجب الادغام...الخ " وهو تحريف، وما أثبتناه عن كتاب سيبويه (ح 2 ص 410) وهو الصواب (3) ذكره ياقوت بتشديد ثانيه مفتوحا، وهو ما ذكره ابن الحاجب، وقد ذكر أيضا أنه اسم موضع، ويصح أن تكون الدأاث صيغة مبالغة من دأث الطعام يدأثه - كفتح - إذا أكله (*)

قوله: " وإلا في الالف " لما قال: " واجب عند سكون الاول " ولم يقل: مع تحرك الثاني، أوهم أن الالف يدغم في مثله، لانه قد يلتقى ألفان، وذلك إذا وقفت على نحو السماء، والبناء، بالاسكان كما مر في تخفيف الهمزة (1) فإنك تجمع فيه بين ألفين، ولا يجوز الادغام، لان الادغام اتصال الحرف الساكن بالمتحرك، كما مر، والالف لا يكون متحركا، والحق أنه لم يحتج إلى هذا الاستثناء، لانه ذكر في حد الادغام أنه الاتيان بحرفين: ساكن فمتحرك، والالف لا يكون متحركا.
قوله: " وإلا في نحو قوول " اعلم أن الواو والياء الساكنين إذا وليهما مثلهما متحركا، فلا يخلو من أن يكون الواو والياء مدتين، أولا، فإن لم يكونا مدتين وجب إدغام أولهما في الثاني: في كلمة كانا كقول وسير، أو في كلمتين نحو (تولوا واستغنى الله) واخشي ياسرا، وإن كانا مدتين: فإما أن يكون أصلهما حرفا آخر قلب إليهما، أولا، فإن لم يكن فان كانا في كلمة وجب الادغام، سواء كان أصل الثاني حرفا آخر، كمقرو وبرى وعلى، أولا، كمغزو ومرمى، وإنما وجب الادغام في الاول: أعنى مقروا وبريا وعليا - وإن لم يكن القلب في الثاني واجبا - لان الغرض من قلب الثاني إلى الاول في مثله طلب التخفيف بالادغام، فلو لم يدغموا لكان نقضا للغرض، ووجب الادغام في الثاني: أعنى نحو مغزو ومرمى، لان مدة الواو والياء الاولين لم تثبت في اللفظ قط، فلم يكن إدغامهما يزيل عنهما شيئا وجب لهما، بل لم يقع الكلمتان في أول الوضع إلا مع إدغام الواو والياء في مثلهما، وإن كانا في كلمتين، نحو قالوا وما، وفى يوم، وظلموا وافدا، واظلمي ياسرا، لم يجز الادغام، لانه يثبت للواو والياء إذن في الكلمتين مد، وإدغامهما فيما عرض انضمامه إليهما من الواو والياء في أول الكلمتين مزيل
__________
(1) انظر (43 وما بعدها من هذا الجزء) (*)

لفضيلة المد التى ثبتت لهما قبل انضمام الكلمة الثانية إلى الاولى، وإن كان أصل الواو والياء حرفا آخر قلب إلى الواو والياء، فإن كان القلب لاجل الادغام وجب الادغام نحو مرمى، وأصله مرموى، لئلا يبطل الغرض من القلب، فإن لم يكن القلب لاجل الادغام فإن كان لازما نظر، فان كانت الكلمة التى فيها المثلان وزنا قياسيا يلتبس بسبب الادغام بوزن آخر قياسي لم يدغم، نحو قوول فإنه فعل ما لم يسم فاعله قياسا، ولو أدغم الواو فيه في الواو لا لتبس بفعل الذى: هو فعل ما لم يسم فاعله قياسا لفعل، وان لم يلزم التباس وزن قياسي بوزن قياسي أدغم نحو إينة على وزن إفعلة من الاين، وأول على وزن أبلم (1) من الاول، وذلك لان القلب لما كان لازما صار الواو والياء كالاصليتين، والالتباس في مثله وإن وقع في بعض الصور لا يبالى به، لان الوزن ليس بقياسي، فيستمر اللبس، وإن لم يكن القلب لازما نحو رييا وتووى فالاصل الاظهار، لان الواو والياء عارضان غير لازمين كما في بير وسوت، فهما كالهمزتين، والهمز لا يدغم في الواو والياء ما دام همزا، وأجاز بعضهم الادغام نظر إلى ظاهر اجتماع المثلين، وعليه قولهم: ريا ورية، في رؤيا ورؤية، وعند سيبويه والخليل أن سوير وقوول لم يدغما لكون الواوين عارضين، وقول المصنف أولى، وهو أنهما لم يدغما لخوف الالتباس، لان العارض إذا كان لازما فهو كالاصلى، ومن ثم يدغم إينة وأول مع عروض الواو والياء.
قوله " وعند تحركهما " عطف على قوله " عند سكون الاول ": أي يجب الادغام إذا تحرك المثلان في كلمة اعلم أنهم يستثقلون التضعيف غاية الاستثقال إذ على اللسان كلفة شديدة في
الرجوع إلى المخرج بعد انتقاله عنه، ولهذا الثقل لم يصوغوا من الاسماء ولا الافعال
__________
(1) الابلم - بضمتين بينهما ساكن - هو الخوص (انظر ج 1 ص 56) (*)

رباعيا أو خماسيا فيه حرفان أصليان متماثلان متصلان، لثقل البناءين، وثقل التقاء المثلين، ولا سيما مع أصالتهما، فلا ترى رباعيا من الاسماء والافعال ولا خماسيا من الاسماء فيه حرفان كذلك إلا واحدهما زائد: إما للالحقاق أو لغيره، كما مر في ذى الزيادة، (1) ولم يبنوا ثلاثيا فاؤه وعينه متماثلان إلا نادرا نحو ددن (2) وببر (3) بل إنما ضعفوا حيث يمكنهم الادغام، وذلك بتماثل العين واللام، إذ الفاء لو أدغم في العين وجب إسكانه، ولا يبتدأ بالساكن، وليس في الاسماء، التى لا توازن الافعال ذو زيادة في أوله أو وسطه مثلان متحركان، إذ لا موجب في مثله للادغام، لان الادغام إنما يكون في الاسم مع تحرك الحرفين إذا شابه الفعل الثقيل وزنا كما يجئ، وإلا بقى المتماثلان بلا إدغام، فتصير الكلمة ثقيلة بترك إدغام المثلين، وبكونها مزيدا فيها، فلم يبن من الاسماء المزيد فيها غير الموازنة للفعل ما يؤدى إلى مثل هذا الثقل، بل يجئ فيما زيد فيه من الافعال والاسماء الموازنة لها ما في أوله أو وسطه مثلان مقترنان، وذلك لكثرة التصرف في الفعل قياسا، فربما اتفق فيه بسببه مثل ذلك، فنقول: لا يخلو مثله من أن يكون من ذى زيادة الثلاثي أو من ذى زيادة الرباعي، فمن ذى زيادة الثلاثي بابان يتفق في أولهما مثلان متحركان، نحو تترس (4)، وتتارك (5) وباب يتففق في وسطه مثلان متحركان نحو اقتتل، ومن ذى زيادة الرباعي باب يتفق في أوله ذلك نحو تتدحرج، فأما ذو زيادة الرباعي فلا يخفف بالادغام،
__________
(1) ذكره في الجزء الاول (ص 61 وما بعدها)
(2) الددن: اللهو واللعب.
انظر (ح 1 ص 34) (3) الببر: حيوان شبيه بالنمر.
انظر (ح 1 ص 34، ح 2 ص 367) وفى بعض النسخ يين، وهو اسم واد.
وانظر (ح 2 ص 368) (4) يقال: تترس الرجل، إذا لبس الترس يتستر به، ويقال: تترس القوم بالقوم، إذا جعلوهم أمامهم يتقون بهم العدو (5) يقال: تتارك الرجلان الامر، إذا تركه كل واحد منهما لصاحبه (*)

إذ لو أدغمت لاحتجت إلى همزة الوصل فيؤدى إلى الثقل عند القصد إلى التخفيف، بل الاولى إبقاؤهما، ويجوز حذف أحدهما، كما يجئ، وأما ذو زيادة الثلاثي: فان كان المثلان في أوله فاما أن يكون ماضيا كتترس وتتارك، أو مضارعا كتتنزل وتتثاقل، فالاولى في الماضي الاظهار، ويجوز الادغام مع اجتلاب همزة الوصل في الابتداء، وكذا إذا كان فاء تفعل وتفاعل مقاربا للتاء في المخرج نحو اطير واثاقل على ما يجئ، فإذا أدغمت في الماضي أدغمت في المضارع والامر والمصدر واسم الفاعل والمفعول وكل اسم أو فعل هو من متصرفاته، نحو يترس، ومترس، ويتارك، ومتارك، ويطير، ويثاقل ومطير ومثاقل، وإن كان مضارعا جاز الاظهار والحذف والادغام نحو تتنزل وتنزل، وإذا أدغم لم يجتلب له همزة الوصل كما في الماضي، لثقل المضارع، بخلاف الماضي، بلا لا يدغم إلا في الدرج ليكتفي بحركة ما قبله، نحو قال تنزل، وإن كان المثلان في وسط ذى الزيادة الثلاثي فلك الاظهار والادغام نحو اقتتل وقتل كما يجئ هذا، وإنما جاز الادغام في مصادر الابواب المذكورة وإن لم توازن الفعل لشدة مشابهتها لافعالها، كما ذكرنا في تعليل قلب نحو إقامة واستقامة (1) هذا حكم اجتماع المثلين في أول الكلمة وفى وسطها، وأما إن كان المثلان
في آخر الكلمة وهو الكثير الشائع في كلامهم ومما يجئ في الثلاثي وفى المزيد فيه في الاسماء وفى الافعال فهو على ثلاثة أقسام: إما أن يتحركا، أو يسكن أولهما، أو يسكن ثانيهما، فان تحركا: فان كان أولهما مدغما فيه امتنع الادغام، نحو ردد، لانهم لو أدغموا الثاني في الثالث فلابد من نقل حركته إلى الاول، فيبقى ردد، ولا يجوز، إذ التغيير إذن لا يخرجه إلى حال أخف من الاولى، وكذا إن كان التضعيف للالحاق امتنع الادغام: في الاسم كان كقردد (2)، أو
__________
(1) انظر (ص 108 من هذا الجزء) (2) القردد: ما ارتفع من الارض، واسم جبل، وانظر (ح 1 ص 13) (*)

في الفعل كجلبب، لان الغرض بالالحاق الوزن، فلا يكسر ذلك الوزن بالادغام، وأما سقوط الالف في نحو أرطى فإنه غير لازم، بل هو للتنوين العارض الذى يزول باللام أو الاضافة، وإن لم يكن التضعيف أحد المذكورين: فإن كان الاول حرف علة نحو حيى وقوى فقد مضى حكمه، وإن لم يكن: فإما أن يكون في الفعل، أو في الاسم، فإن كان في الفعل وجب الادغام: لكونه في الفعل الثقيل، وفى الاخر الذى هو محل التغيير، وقد شذ نحو قوله: 184 - مهلا أعاذل قد جربت من خلقي * أنى أجود لاقوام وإن ضننوا (1) وهو ضرورة، وإن كان في الاسم: فإما أن يكون في ثلاثى مجرد من الزيادة، أو في ثلاثى مزيد فيه، ولا يدغم في القسمين إلا إذا شابها الفعل، لما ذكرنا في باب الاعلال (2) من ثقل الفعل، فالتخفيف به أليق، فالثلاثي المجرد إنما يدغم إذا وازن الفعل نحو رجل صب (3)، قال الخليل: هو فعل - بكسر العين -، لان صببت صبابة فأنا صب كقنعت قناعة فأنا قنع، وكذا
طب (4) طبب، وشذ رجل ضفف (5) والوجه ضف، ولو بنيت مثل
__________
(1) هذا بيت من البسيط، وقائله قعنب بن أم صاحب.
ومهلا: اسم مصدر يراد به الامر، والهمزة في أعاذل للنداء، وعاذل: مرخم عاذلة، وهو في الاصل اسم فاعل من العذل، وهو اللوم في تسخط، وضننوا: بخلوا.
والاستشهاد بالبيت في قوله " ضننوا " حيث فك ما يجب إدغامه وهو شاذ لا يجوز ارتكابه في الكلام (2) انظر (88 من هذا الجزء) (3) الصبابة: رقة الشوق، تقول: رجل صب، وهى صبة، وصب إليه صبابة: أي كلف واشتاق (4) الطب - بتثليث الطاء -: الرجل الحاذق الماهر في عمله، والطبيب مثله، تقول: طب يطب - كظل يظل - فهو طب ومتطبب وطبيب، وطبه يطبه - كمده يمده - أي: داواه، وفلان طب بهذا الامر: أي عالم به (5) تقول: هذا رجل ضف الحال، إذا كان رقيقه، والضفف - بفتحتين - (*)

ندس (1) من رد قلت: رد بالادغام، وكان القياس أن يدغم ما هو على فعل كشرر وقصص وعدد، لموازنته الفعل، لكنه لما كان الادغام لمشابهة الفعل الثقيل، وكان مثل هذا الاسم في غاية الخفة، لكونه مفتوح الفاء والعين، ألا ترى إلى تخفيفهم نحو كبد وعضد دون نحو جمل ؟ تركوا الادغام فيه، وأيضا لو أدغم فعل مع خفته لا لتبس بفعل - ساكن العين -، فيكثر الالتباس، بخلاف فعل وفعل - بكسر العين وضمها - فإنهما قليلان في المضاعف، فلم يكترث بالالتباس القليل، وإنما اطرد قلب العين في فعل نحو دار وباب ونار وناب، ولم يجز فيه الادغام مع أن الخفة حاصلة قبل القلب كما هي حاصلة قبل الادغام، لان القلب لا يوجب التباس فعل بفعل، إذ بالالف يعرف أنه كان متحرك العين لا ساكنها، بخلاف الادغام
وقد جاء لاجل الخفة كثير من المعتل على فعل غير معل نحو قرد (2) وميل (3) وغيب (4) وصيد (5) وخونة وحوكة (6)، ولم يدغم نحو سرر (7) وسرر (8)
__________
كثرة العيال، أو كثرة الايدى على الطعام، أو أن تكون الاكلة أكثر من الطعام، أو الضيق والشدة، وقد راجعنا كتب اللغة فوجدنا المستعمل هو ما ذكرنا بالادغام، فلعل الفك الذى حكاه المؤلف لغة قليلة (1) الندس - كعضد، وفى لغة أخرى - ككنف -: هو الفهم الفطن (2) القود: هو أن تقتل القاتل بمن قتله (3) الميل - بالتحريك -: ما كان خلقة في إنسان أو بناء، والفعل كفرح، تقول: ميل يميل فهو أميل (4) الغيب - بفتحتين -: القوم الغائبون (5) الصيد - بفتحتين -: ميل العنق، وقد صيد فهو أصيد (6) الحوكة - بفتحات -: جمع حائك، وتقول: حاك الثوب حوكا وحياكا وحياكة: فهو حائك من قوم حاكة وحوكة، الاولى على القياس، والثانية شاذة في القياس كثيرة في السماع (7) السرر - بضمتين -: جمع سرير وهو معروف (8) السرر - بضم ففتح -: جمع سرة (*)

وقدد (1) وكذا ردد على وزن إبل من رد، لعدم موازنة الفعل، وأما قولهم: عميمة وعم (2) فمخفف كما يخفف غير المضاعف نحو عنق ورسل وبون في جمع بوان (3) والقياس بون كعيان وعين (4)، فإذا اتصل بآخر الاسم الثلاثي الرازن للفعل حرف لازم كألف التأنيث أو الالف والنون لم يمنع ذلك من الادغام كما منع من الاعلال في نحو الطيران والحيدى (5)، لان ثقل إظهار المثلين أكثر من
ثقل ترك قلب الواو ألفا، فصار الحرف اللازم مع لزومه كالعدم، فنقول: من رد على فعلان: رددان، كشرر، وعلى فعلان وفعلان بكسر العين وضمها: ردان، بالادغام، وعلى فعلان - بضمتين - وفعلان - بكسرتين -: رددان ورددان، وعلى فعلان - بضم الفاء وفتح العين -: رددان، كله بالاظهار، وكذا الاسم الثلاثي المزيد فيه يدغم أيضا إذا وازن الفعل، نحو مستعد ومستعد ومرد، وهو على وزن يفعل، ومدق، وهو على وزن انصر، وراد، وهو كيضرب، ولا يشترط في الادغام مع الموازنة المخالفة بحركة أو حرف في الاولى ليس في الفعل،، كما اشترط ذلك في الاعلال، فيدغم نحو أدق وأشد، وإن لم يخالف
__________
(1) القدد - بكسر ففتح -: جمع قدة، وهى الفرقة من الناس يكون هوى كل واحد على حدة، ومنه قوله تعالى (كنا طرائق قددا): أي فرقا مختلفة الاهواء (2) تقول: نخلة عميمة: أي طويلة، ونخل عم - بضمتين - وقد يقال: عم - بالادغام.
(3) البوان - ككتاب، وكغراب -: أحد أعمدة الخباء، انظر (ح 2 ص 127، 208) (4) العيان - بكسر أوله -: حديدة الفدان، وجمعه عين - بضمتين - (5) الحيدى - بفتحات -: مشية المختال، وتقول: حمار حيدى، إذا كان يحيد عن ظله نشاطا ولم يوصف مذكر بما على فعلى سوى ذلك (*)

الفعل، ولا يعل نحو أقول وأطول، وذلك لما ذكرنا من أن ثقل إظهار التضعيف أكثر من ثقل ترك الاعلال، وقوله 185 - * تشكو الوجى من أظلل وأظلل (1) * شاذ ضرورة
وإن كان الساكن هو الاول فقد مر حكمه وإن كان الساكن هو الثاني فهو على ضربين: أحدهما أن تحذف الحركة لموجب، ولا يجوز أن يحرك بحركة أخرى، ما دام ذلك الموجب باقيا، وذلك هو الفعل إذا اتصل به تاء الضمير أو نونه، نحو رددت ورددنا ورددن ويرددان وارددن، والثانى: أن تحذف الحركة لموجب، ثم قد تعرض ضرورة يحرك الحرف لاجلها بغير الحركة المحذوفة، مع وجود ذلك الموجب، وذلك الفعل المجزوم أو الموقوف، نحو لم يردد واردد، فإنه حذف منه الحركة الاعرابية، ثم إنه قد يتحرك ثانى المثلين فيهما لالتقاء الساكنين، نحو اردد القوم، ولم يردد القوم فالقسم الاول - أعنى رددت ورددنا ويرددن وارددن - المشهور فيه إثبات الحرفين بلا إدغام، وجاء في لغة بكر بن وائل وغيرهم الادغام أيضا، نحو
__________
(1) هذا بيت من الرجز المشطور من أرجوزة لابي النجم العجلى أولها: * الحمد لله العلى الاجلل * وبعد البيت الشاهد قوله: * من طول إملال وظهر مملل * والوجى: الحفى، يزيد أنه حمل على إله في السير حتى اشتكت الحفى، والاظلل: باطن خف البعير، والاملال: مصدر قولك: أمله، وأمل عليه، إذا أنأمه.
والاستشهاد بالبيت في قوله: أظلل حيث فك الادغام ضرورة (*)

ردن ويردن، بفتح الثاني، وهو شاذ قليل، وبعضهم يزيد ألفا بعد الادغام، نحو ردات وردان، ليبقى ما قبل هذه الضمائر ساكنا كما في غير المدغم، نحو ضربت وضربن، وجاء في لغة سليم قليلا - وربما استعمله غيرهم - حذف
العين أيضا في مثله، وذلك لكراهتهم اجتماع المثلين، فحذفوا ما حقه الادغام: أعنى أول المثلين، لما تعذر الادغام، فإن كان ما قبل الاول ساكنا أوجبوا نقل حركة الاول إليه، نحو أحسن ويحسن، ومنه قوله تعالى: (وقرن (1) في بيوتكن) على أحد الوجوه، وإن كان ما قبل الاول متحركا جاز حذف حركة الاول ونقلها إلى ما قبله إن كانت كسرة أو ضمة، قالوا: ظلت - بفتح الفاء وكسرها - وكذا في لببت لبت ولبت - بفتح الفاء وضمها - وذلك لبيان وزن الفعل كما بينا في ضمة قلت وكسرة بعت، وهذا الحذف عندهم في الماضي أكثر منه في المضارع والامر، وقد جاء الحذف في مثله والحرفان في كلمتين إذا كان الثاني لام التعريف، نحو علماء: أي على الماء، وأما قولهم علرض فقياس، لانه نقل حركة الهمزة إلى لام التعريف، ثم اعتد بالحركة المنقولة
__________
(1) اعلم أن قولنا: قر الرجل في مكانه، قد ورد من باب علم يعلم، ومن باب ضرب يضرب.
ثم اعلم أن هذه الاية الكريمة قد قرئ فيها بالاتمام، وبالحذف مع كسر القاف، وبالحذف مع فتح القاف: أما الاتمام فلا شئ فيه، وأما الحذف مع كسر القاف فتخريجه على أن الفعل من باب ضرب يضرب، ولا شئ فيه من جهة القواعد، ولكن فيه استعمال أقل اللغتين، وذلك لان مجئ الفعل من باب علم أكثر من مجيئه من باب ضرب، وزعم بعضهم أن الفعل في هذه الاية - على قراءة الكسر - من المثال المحذوف الفاء، وأصله وقريقر، وأما قراءة الفتح فالفعل عليها من باب علم ألبتة، لان هذه الفتحة التى على القاف منقولة من أول المثلين، وقد اختلف العلماء في تخريجها فذهب قوم إلى أن الفعل من المضعف وأنه قد حذفت عينه أو لامه مع أن العين مفتوحة، وذهب قوم إلى أن الفعل أمر من الاجوف، وأصله قار يقار مثل خاف يخاف (*)

فأدغم لام على فيها، وكذا قالوا في جلا الامر وسلا الاقامة: جلمر وسلقامة، وفيه اعتداد بحركة اللام من حيث الادغام، وترك الاعتداد بها من حيث حذف ألف على وجلا.
وجاء الحذف في المتقاربين في كلمتين إذا كان الثاني لام التعريف نحو بلعنبر، وبلحارث وبلكعب، وليس بقياس والقسم الثاني: أعنى نحو رد ولم يرد، لغة أهل الحجاز فيه ترك الادغام، وأجاز غيرهم الادغام أيضا، لان أصل الحرف الثاني الحركة، وهى إن انتفت بالعارض: أعنى الجزم والوقف، لكن لا يمتنع دخول الحركة الاخرى عليه: أعنى الحركة: لالتقاء الساكنين، فجوز الادغام فيما لم يعرض فيه تلك الحركة أيضا، نحو رد زيدا، ولم يرد زيدا، فإذا أدغم حرك الثاني بما ذكرناه في باب التقاء الساكنين (1)، وقد جاء في التنزيل أيضا ذلك، قال تعالى (لا تضار والدة)، وإن سكن الحرف المدغم فيه للوقف فبقاء الادغام فيه أكثر وأشهر، لعروض السكون، وعدم لزومه، إذ قد تثبت تلك الحركة المحذوفة فيه بعينها، وذلك في الوصل، فيكون جمعا بين الساكنين، وهو مغتفر في الوقف، وقد يجوز حذف أحد المثلين أيضا نحو هو يفر، وقفا - بالتشديد والتخفيف - فهذه أحكام اجتماع المثلين في كلمة واحدة فان كان ما قبل أول المثلين فيما قصد الادغام فيه ساكنا: سواء تحرك المثلان كيردد، أو سكن ثانيهما كلم يردد، فان كان الساكن حرف مد: أي الالف والواو والياء الساكنين اللذين ما قبلهما من الحركة من جنسهما، وجب حذف الحركة، نحو ماد وتمود الثوب، وكذا ياء التصغير، إذ هو لازم السكون، فلا يحتمل الحركة نحو أصيم (2) ومديق (3) وجاز التقاء الساكنين في جميع ذلك
__________
(1) انظر (ح 2 ص 243) (2) أصيم: تصغير أصم، وهو وصف من الصمم
(3) مديق: تصغير مدق - بضمتين - وهو آلة يدق بها (*)

كله، لانه على حده كما مر في بابه (1)، وإن كان الساكن غير ذلك نقل حركة أول المثلين إليه سواء كان حرف لين كإوزة (2) وأود (3) وأيل (4)، أولا، نحو مستعدو ومستعد هذا.
وإن كان المثلان في كلمتين: فإن كان أولهما ساكنا فقط وليس بمد وجب الادغام كما ذكرنا، سواء كان همزا نحو اقرأ آية، إذا لم تخفف، أو غير همز، نحو قل لزيد، وإن كان ثانى المثلين ساكنا فقط وجب إثباتهما إلا فيما إذا كان الثاني لام التعريف فقط، فانه قد جاء في الشذوذ حذف أولهما أيضا كما مر، نحو علماء، وذلك لكثرة لام التعريف في كلامهم، فطلب التخفيف بالحذف لما تعذر الادغام، وكذا جاء الحذف في بعض المتقاربين نحو بلحارث وبلعنبر، وقال سيبويه: وكذا يفعلون بكل قبيلة يظهر فيها لام التعريف، فلا يحذفون في بنى النجار، لادغام اللام في نون النجار، وإن كانا متحركين: فإن كان ما قبل أول المثلين متحركا نحو مكنني ويمكنني وطبع قلوبهم، أو كان ساكنا هو حرف مد نحو قال لهم، وقيل لهم، وعمود داود، وتظلمونني، وتظلمينني، أولين غير مد نحو ثوب بكر، وجيب بكر وجاز الادغام، وإن كان ذلك في الهمز أيضا نحو رداء أبيك، وقرأ أبوك، فيمن يحقق الهمزتين، وإن كان الساكن حرفا صحيحا لم يجز الادغام، وأما ما نسب إلى أبى عمرو من الادغام في نحو (خذ العفو وأمر) و (شهر رمضان) فليس بإدغام حقيقي، بل هو إخفاء أول المثلين إخفاء يشبه الادغام، فتجوز باطلاق اسم الادغام على الاخفاء لما كان الاخفاء قريبا منه، والدليل على أنه إخفاء لا إدغام أنه روى عنه الاشمام والروم
__________
(1) انظر (ح 2 ص 212 وما بعدها)
(2) انظر (ح 1 ص 27 وما بعدها) (3، 4) انظر (ح 1 ص 27) (*)

في نحو (شهر رمضان) و (الخلد جزاء) إجراء للوصل مجرى الوقف، والروم: هو الاتيان ببعض الحركة، وتحريك الحرف المدغم محال، فلك في كل مثلين في كلمتين قبلهما حرف صحيح إخفاء الاول منهما واعلم أن أحسن ما يكون الادغام فيما جاز لك فيه الادغام من كلمتين أن يتوالى خمسة أحرف فصاعدا متحركة مع المثلين المتحركين، نحو جعل لك، وذهب بمالك، ونحو نزع عمر، ونزع علبط، والاظهار فيما قبل أول المثلين فيه حرف مد أحسن من الاظهار فيما قبل أول المثلين فيه حرف متحرك، والاظهار في الواو والياء اللتين ليستا بمد نحو ثوب بكر وجيب بكر أحسن منه في الالف والواو والياء المدتين، لان المد يقوم مقام الحركة، وإنما جاز الادغام في نحو ثوب بكر وجيب بكر ولم يجز في نحو (خذ العفو وأمر) لان الواو والياء الساكنين فيهما مد على الجملة وإن لم تكن حركة ما قبلهما من جنسهما، إلا أن مدهما أقل من مدهما إذا كان حركة ما قبلهما من جنسهما، ولوجود المد فيهما مطلقا يمد ورش نحو سوءة وشئ، كما يمد نحو سئ والسوء، وإنما لم يجز نقل حركة أول المثلين في كلمتين إلى الساكن قبله للادغام في نحو (العفو وأمر)، وجاز ذلك في كلمة واحدة نحو مدق ومستعد وأود وأيل لان اجتماع المثلين لازم إذا كان في كلمة، فجاز لذلك اللازم الثقيل تغيير بنية الكلمة وأما إذا كانا في كلمتين فانه لا يجوز تغيير بنية الكلمة لشئ عارض غير لازم قوله " مكنني ويمكنني من باب كلمتين " يعنى يجوز فيه إدغام الكلمة وتركه، لانه من باب كلمتين، وإن كان الثاني كجزء الكلمة
قوله " إلا في الهمزتين " قد ذكرنا أن الادغام فيهما واجب عند من يحقق الهمزتين

قوله " في نحو السئال " قد مضى شرحه في باب تخفيف الهمزة (1) قوله " وفى نحو تووى ورييا " يعنى إذا كانت الاولى منقلبة من الهمز على سبيل الجواز لا الوجوب قوله " وفى نحو قالوا وما " يعنى إذا كان الاول مدا، وهما في كلمتين قوله " ولا إلحاق " احتراز عن نحو قردد وجلبب قوله " ولا لبس " احتراز عن نحو طلل وسرر قوله " وفى نحو حيى " أي: فيما المثلان فيه ياءان ولا علة لقلب ثانيهما ألفا وحركته لازمة قوله " في نحو اقتتل " أي: فيما المثلان فيه في الوسط قوله " تتنزل وتتباعد " أي: فيما المثلان فيه في الاول قوله " فتنقل حركته " أي: إذا كانا في كلمة قوله " غير لين " احتراز عن نحو راد وتمود وأصيم، وليس له هذا الاطلاق، بل الواجب أن يقول: غير مد ولا ياء تصغير، لان نحو أود وأيل تقل فيه الحركة إلى الساكن مع أنه حرف لين قوله " وسكون الوقف " لا يريد بالوقف البناء في نحو رد، أمرا، بل الوقف في نحو جاءني زيد - بالاسكان - دون الروم والاشمام قوله " في الهمز على الاكثر " قد ذكرنا أنه لا يمتنع عند أهل التحقيق، بل الادغام واجب عند سكون الاول، وجائز عند تحركهما في كلمتين، نحو قرأ أبوك
قوله " تدغم في نحو رد ولم يرد " أي: تدغم إذا كان الثاني ساكنا للجزم أو لكون الكلمة مبنية على السكون
__________
(1) انظر (ص 55 من هذا الجزء) (*)

قوله " وعند الالحاق " عطف على قوله في الهمز: أي يمتنع عند الالحاق قوله " في كلمتين " لان ذك لا يمتنع في كلمة نحو أصيم ومديق قوله " وجائز فيما سوى ذلك " أي: سوى الواجب والممتنع، وذلك إذا تحركا في كلمتين وليس قبل الاول ساكن صحيح نحو " طبع على " يجوز لك فيه الادغام وتركه قال: " المتقاربان، ونعنى بهما ما تقاربا في المخرح أو في صفة تقوم مقامه، ومخارج الحروف ستة عشر تقريبا، وإلا فلكل مخرج، فللهمزة والهاء والالف أقصى الحلق، وللعين والحاء وسطه، وللغين والخاء أدناه، وللقاف أقصى اللسان وما فوقه من الحنك، وللكاف منهما ما يليهما، وللجيم والشين والياء وسط اللسان وما فوقه من الحنك، وللضاد أول إحدى حافتيه وما يليهما من الاضراس، وللام ما دون طرف اللسان إلى منتهاه وما فوق ذلك، وللراء منهما ما يليهما، وللنون منهما ما يليهما، وللطاء والدال والتاء طرف اللسان وأصول الثنايا، وللصاد والزاى والسين طرف اللسان والثنايا، وللظاء والذال والثاء طرف اللسان وطرف الثنايا، وللفاء باطن الشفة السفلى وطرف الثنايا العليا، وللباء والميم والواو ما بين الشفتين " أقول: قوله " أو في صفة تقوم مقامه " يعنى بها نحو الشدة والرخاو والجهر والهمس والاطباق والاستعلاء وغير ذلك مما يذكر بعد
قوله " وإلا فلكل مخرج " لان الصوت الساذج الذى هو محل الحروف - والحروف هيئة عارضة له - غير مخالف بعضه بعضا في الحقيقة، بل إنما تختلف بالجهارة واللين والغلظ والرقة، ولا أثر لمثلها في اختلاف الحروف، لان الحرف الواحد قد يكون مجهورا وخفيا، فإذا كان ساذج الصوت الذى هو مادة الحرف ليس

بأنواع مختلفة، فلولا اختلاف أوضاع آلة الحروف - وأعنى بآلتها مواضع تكونها في اللسان والحلق والسن والنطع (1) والشفة، وهى المسماة بالمخارج - لم تختلف الحروف، إذ لا شئ هناك يمكن اختلاف الحروف بسببه إلا مادتها وآلتها، ويمكن أن يقال: إن إختلافها قد يحصل مع اتحاد المخرج بسبب اختلاف وضع الالة من شدة الاعتماد وسهولته وغير ذلك، فلا يلزم أن يكون لكل حرف مخرج قوله " فللهمزة والهاء والالف أقصى الحلق، وللعين والحاء وسطه، وللغين والخاء أدناه " أي: أدناه إلى الفم، وهو رأس الحلق، هذا ترتيب سيبويه ابتدأ من حروف المعجم بما يكون من أقصى الحلق، وتدرج إلى أن ختم بما مخرجه الشفة، والظاهر من ترتيبه أن الهاء في أقصى الحلق أرفع من الهمزة، والالف أرفع من الهاء، ومذهب الاخفش أن الالف مع الهاء، لاقدامها ولا خلفها، قال ابن جنى: لو كانا من مخرج لكان ينقلب الالف هاء لا همزة إذا حركتها.
ولمانع أن يمنع من انقلاب الالف همزة بالتحريك، والحاء في وسط الحلق أرفع من العين، والخاء في أدنى الحلق أعلى من الغين، وكان الخليل يقول: الالف اللينة والواو والياء والهمزة هوائية: أي أنها من هواء الفم لا تقع على مدرجة من مدارج الحلق ولا مدارج اللسان، قال: وأقصى الحروف كلها في الحلق العين، وأرفع منها الحاء، وبعدها الهاء، ثم بعدهما إلى الفم الغين والخاء، والخاء أرفع من الغين
__________
(1) قال في اللسان: " النطع (بكسر أوله وسكون ثانيه) والنطع (بكسر أوله وفتح ثانيه) والنطع (بفتحتين) والنطعة (بكسر ففتح): ما ظهر من غار الفم الاعلى، وهى الجلدة الملتزقة بعضم الخليفاء فيها آثار كالتخريز، وهناك موقع اللسان في الحنك " اه.
(*)

قوله " وللكاف منهما " أي: من أقصى اللسان وما فوقه " ما يليهما " أي ما يقرب منهما إلى خارج الفم قوله " وللجيم والشين والياء وسط اللسان وما فوقه من الحنك " الجيم أقرب إلى أصل اللسان، وبعده إلى خارج الفم الشين، وبعده إلى خارجه الياء، قال سيبويه: بين وسط اللسان وبين وسط الحنك الاعلى مخرج الجيم والشين والياء قوله " وللضاد أول إحدى حافتيه " الحافة: الجانب، وللسان حافتان من أصله إلى رأسه كحافتي الوادي، ويريد بأول الحافة ما يلى أصل اللسان، وبآخر الحافة ما يلى رأسه قوله " وما يليهما من الاضراس " اعلم أن الاسنان اثنتان وثلاثون سنا: ست عشرة في الفك الاعلى، ومثلها في الفك الاسفل، فمنها الثنايا، وهى أربع من قدام: ثنتان من فوق، ومثلهما من أسفل، ثم الرباعيات، وهى أربع أيضا: رباعيتان من فوق يمنة ويسرة، ومثلهما من أسفل، وخلفهما الانياب الاربع: نابان ضاحتكان من فوق يمنة ويسرة، ومثلهما من أسفل، وخلف الانياب الضواحك، وهى أربع: ضاحكتان من فوق يمنة ويسرة، ومثلهما من أسفل، وخلف الضواحك الاضراس، وهى ست عشرة: ثمان من فوق: أربع يمنة وأربع يسرة، ومثلها من أسفل.
ومن الناس من ينبت له خلف الاضراس النواجذ، وهى أربع من كل جانب: ثنتان فوق، وثنتان أسفل، فيصير ستا وثلاثين سنا، فأنت تخرج
الضد من أقصى إحدى حافتى اللسان إلى قريب من رأس اللسان، ومنتهاه أول مخرج اللام، هذا الذى ذكرناه مخرج الضاد من اللسان إلى قريب من رأس اللسان، وموضعها من الاسنان نفس الاضراس العليا، فيكون مخرجها بين الاضراس وبين أقصى إحدى حافتى اللسان، وأكثر ما تخرج من الجانب الايمن، على ما يؤذن به كلام سيبويه وصرح به السيرافى، ويقال للضاد: طويل،

لانه من أقصى الحافة إلى أدنى الحافة: أي إلى أول مخرج اللام، فاستغرق أكثر الحافة قوله " واللام ما دون طرف اللسان " يريد بما دون طرفه ما يقارب رأس اللسان من جانب ظهره إلى منتهاه: أي إلى رأس اللسان قوله " وما فوق ذلك " أي: ما فوق ما دون طرف اللسان إلى رأسه، وهو من الحنك ما فوق الثنية، وعبارة سيبويه (1) " من بين أدنى حافة اللسان إلى منتهى طرفه، وبين ما يليها من الحنك الاعلى مما فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية "، واللام ابتداؤه - على ما قال سيبويه - من الضاحك إلى الثنية، لان الضاد يخرج من بين الاضراس وحافة اللسان، واللام يخرج من فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية، لا من نفس الاسنان وحافة اللسان، وجميع علماء هذا الفن على ذكر سيبويه، والمصنف خالفهم كما ترى، وليس بصواب قوله " وللراء منهما " أي: ما دون طرف اللسان إلى منتهاه وما فوق ذلك قوله " ما يليهما " أي: ما يقرب الموضعين إلى جانب ظهر اللسان، فالنون أقرب إلى رأس اللسان من الراء، وقال سيبويه: مخرج النون بين طرف اللسان إلى رأسه، وبين فويق الثنايا، ومخرج الراء هو مخرج النون، غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلا، لا نحرافه إلى اللام: أي الراء مائل إلى اللام
قوله " وللصاد والزاى والسين طرف اللسان والثنايا " كذا قال ابن جنى والزمخشري، يعنون أنها تخرج من بين رأس اللسان والثنايا من غير أن يتصل طرف اللسان بالثنايا كما اتصل بأصولها لاخراج الطاء والدال، بل يحاذيها
__________
(1) عبارة سيبويه (ح 2 ص 405) هكذا: " ومن حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرف اللسان ما بينها وبين ما يليها من الحنك الاعلى وما فويق الضاحك والباب والرباعية والثنية مخرج اللام " اه (*)

ويسامتها وعبارة سيبويه " مما بين طرف اللسان وطرف الثنايا مخرج الزاى والسين والصاد " فعلى ما قال مخرج هذه الحروف هو مخرج النون قوله " طرف اللسان وطرف الثنايا " أي: رءوس الثنايا العليا، وقال الخليل: العين والحاء والهاء والغين والخاء حلقية، لان مبتدأها من الحلق، والقاف والكاف لهويتان، إذ هما من اللهاة، والجيم والشين والضاد شجرية، لان مبدأها من شجر الفم: أي مفرجه، والصاد والزاى والسين أسلية، وأسلة اللسان: مستدق طرفه، والطاء والدال والتاء نطعية: لان مبدأها من نطع الغار الاعلى، والظاء والذال والثاء لثوية، والراء واللام والنون ذلقية، وذلق كل شئ: تحديد طرفه، والفاء والباء والميم شفوية، أو شفهية، والواو والياء والالف والهمزة هوائية، إذ هي من الهواء لا يتعلق بها شئ، وخالف الفراء سيبويه في موضعين: أحدهما أنه جعل مخرج الياء والواو واحدا، والاخر أنه جعل الفاء والميم بين الشفتين، وأحسن الاقوال ما ذكره سيبويه، وعليه العلماء بعده.
قال: " ومخرج المتفرع واضح، والفصيح ثمانية: همزة بين بين (وهى) ثلاثة، والنون الخفية نحو عنك، وألف الامالة، ولام التفخيم، والصاد كالزاي والشين كالجيم.
وأما الصاد كالسين والطاء كالتاء والفاء كالباء
والضاد الضعيفة والكاف كالجيم فمستهجنة.
وأما الجيم كالكاف والجيم كالشين فلا يتحقق " أقول: يعنى بالمتفرع حرفا يتفرع عن هذه الحروف المذكورة قبل بإشرابها صوتا من غيرها، فهمزة بين بين ثلاثة ذكرناها في تخفيف الهمزة (1): ما بين الهمزة والالف، وما بينها وبين الواو، وما بينها وبين الياء.
قوله " النون الخفية " قيل: إن الرواية عن سيبويه " الخفيفة " قال السيرافى يجب أن يقال " الخفية " لان التفسير يدل عليه، إذ هي نون ساكنة غير
__________
(1) انظر (ص 30 وما بعدها من هذا الجزء) (*)

ظاهرة مخرجها من الخيشوم فقط، وإنما تجئ قبل الحروف الخمسة عشر التى تذكر عند ذكر أحوال النون، قال السيرافى: ولو تكلف متكلف إخراجها من الفم مع هذه الخمسة عشر لامكن بعلاج وعسر.
قوله: " وألف الامالة " يسميها سيبويه ألف الترخيم، لان الترخيم تليين الصوت، قال: لها بشر مثل الحرير ومنطق * رخيم الحواشى لاهراء ولا نزر قوله " ولام التفخيم " يعنى بها اللام التى تلى الصاد أو الضاد أو الطاء، إذا كانت هذه الحروف مفتوحة أو ساكنة، كالصلوة ويصلون، فان بعضهم يفخمها، وكذا لام " الله " إذا كان قبلها ضمة أو فتحة.
ولم يذكر المصنف ألف التفخيم، وذكرها سيبويه في الحروف المستحسنة، وهى الالف التى ينحى بها نحو الواو، كالصلوة والزكوة والحيوة، وهى لغة أهل الحجاز، وزعموا أن كتبهم لهذه الكلمات بالواو على هذه اللغة.
قوله " الصاد كالزاي " قد ذكرنا في نحو يصدق وصدق.
قوله " والشين كالجيم " ذكرها سيبويه في الحروف المستحسنة، وذكر الجيم التى كالشين في المستهجنة، وكلتاهما شئ واحد، لكنه إنما استحسن الشين المشربة صوت الجيم لانه إنما يفعل ذلك بها إذا كانت الشين ساكنة قبل الدال، والدال مجهورة شديدة والشين مهموسة رخوة تنافى جوهر الدال، ولا سيما إذا كانت
__________
(1) هذا بيت من بحر الطويل من قصيدة لذى الرمة، والبشر: اسم جنس جمعى واحده بشرة، وبشرة الانسان: ظاهر بدنه، والمنطق مصدر ميمى بمعنى النطق، والرخيم: الناعم اللين، والهراء - كغراب -: المنطق الفاسد، ويقال: هو الكثير، وهو أنسب لمقابلته بالنزر وهو القليل.
والاستشهاد بالبيت على أن الرخيم معناه الصوت اللين، فالترخيم بمعنى تليين الصوت (*)

ساكنة، لان الحركة تخرج الحرف عن جوهره فتشرب الشين صوت الجيم التى هي مجهورة شديدة كالدال لتناسب الصوت، فلا جرم استحسن، وإنما استهجن الجيم التى كالشين لانها إنما يفعل ذلك بها إذا سكنت وبعدها دال أو تاء، نحو اجتمعوا وأجدر، وليس بين الجيم والدال، ولا بينها وبين التاء تباين، بل هما شديدتان، لكن الطبع ربما يميل لاجتماع الشديدين إلى السلاسة واللين فيشرب الجيم ما يقاربه في المخرج، وهو الشين، فالفرار من المتنافيين مستحسن، والفرار من المثلين مستهجن، فصار الحرف الواحد مستحسنا في موضع، ومستهجنا في موضع آخر، بحسب موقعه قوله " وأما الصاد كالسين " قربها بعضهم من السين لكونهما من مخرج واحد، والطاء التى كالتاء تكون في كلام عجم أهل المشرق كثيرا، لان الطاء في أصل لغتهم معدومة فإذا نطقوا بها تكلفوا ما ليس في لغتهم، فنطقوا بشئ بين الطاء والتاء
قوله " والفاء كالباء " قال السيرافى: هي كثيرة في لغة العجم وهى على ضربين: أحدهما لفظ الباء أغلب عليه من الفاء، والاخر لفظ الفاء أغلب عليه من الباء، وقد جعلا حرفين من حروفهم سوى الباء والفاء المخلصين، قال: وأظن أن العرب إنما أخذوا ذلك من العجم لمخالطتهم إياهم قوله " الضاد الضعيفة " قال السيرافى: إنها لغة قوم ليس في لغتهم ضاد، فإذا احتاجوا إلى التكلم بها في العربية اعتضلت عليهم، فربما أخرجوها ظاء، لاخراجهم إياها من طرف اللسان وأطراف الثنايا، وربما تكلفوا إخراجها من مخرج الضاد فلم يتأت لهم فخرجت بين الضاد والظاء، وفى حاشية كتاب ابن مبرمان: الضاد الضعيفة كما يقال في اثرد له: اضرد له، يقربون التاء من الضاد، قال سيبويه: تكلف الضاد الضعيفة من الجانب الايسر أخف، قال

السيرافى: لان الجانب الايمن قد اعتاد الضاد الصحيحة، وإخراج الضعيفة من موضع اعتاد الصحيحة أصعب من إخراجها من موضع لم يعتد الصحيحة قوله " والكاف كالجيم " نحو جافر في كافر، وكذا الجيم التى كالكاف، يقولون في جمل: كمل، وفى رجل: ركل، وهى فاشية في أهل البحرين، وهما جميعا شئ واحد، إلا أن أصل أحدهما الجيم وأصل الاخر الكاف، كما ذكرنا في الجيم كالشين والشين كالجيم، إلا أن الشين كالجيم مستحسنة وعكسه مستهجن، والكاف كالجيم وعكسه مستهجنان، فقوله " لا يتحقق " فيه نظر، وكأنه ظن أن مرادهم بالجيم كالشين حرف آخر غير الشين كالجيم، وكذا ظن أن مرادهم بالجيم كالكاف غير مرادهم بالكاف كالجيم، وهو وهم ومن المتفرعة القاف بين القاف والكاف، قال السيرافى: هو مثل الكاف التى كالجيم والجيم التى كالكاف
ومنها أيضا الجيم التى كالزاي والشين التى كالزاي، على ما ذكرنا في أجدر وأشدق ومنها أيضا الياء كالواو في قيل وبيع - بالاشمام، والواو كالياء في مذعور وابن نور، كما ذكرنا في باب الامالة قال: " ومنها المجهورة والمهموسة، ومنها الشديدة والرخوة وما بينهما، ومنها المطبقة والمنفتحة، ومنها المستعلية والمنخفضة، ومنها حروف الذلاقة والمصمتة، ومنها حروف القلقلة والضفير واللينة والمنحرف والمكرر والهاوى والمهتوت.
فالمجهورة ما ينحصر جرى النفس مع تحركه وهى ما عدا حروف (ستشحثك خصفه)، والمهموسة بخلافها ومثلا بققق وككك، وخالف بعضهم فجعل الضاد والظاء والذال والزاى والعين والغين والياء من المهموسة، والكاف

والتاء من المجهوره، وراى أن الشدة تؤكد الجهر، والشديدة: ما ينحصر جرى صوته عند إسكانه في مخرجه فلا يجرى، ويجمعها (أجدك قطبت) والرخوة بخلافها، وما بينهما ما لا يتم له الانحصار ولا الجرى، ويجمعها (لم يروعنا)، ومثلت بالحج والطش والخل، والمطبقة ما ينطبق على مخرجه الحنك، وهى الصاد والضاد والطاء والظاء، والمنفتحة بخلافها، والمستعلية ما يرتفع اللسان بها إلي الحنك وهى المطبقة والخاء والغين والقاف، والمنخفضة بخلافها، وحروف الذلاقة ما لا ينفعك رباعى أو خماسى عن شئ منها لسهولتها، ويجمعها (مر بنفل) والمصمتة بخلافها لانه صمت عنها في بناء رباعى أو خماسى منها، وحروف القلقلة ما ينضم إلى الشدة فيها ضغط في الوقف، (ويجمعها قد طبج)، وحروف الصفير
ما يصفر بها، وهى الصاد والزاى والسين، واللينة حروف اللين، والمنحرف اللام، لان اللسان ينحرف به، والمكرر الراء، لتعثر اللسان به، والهاوى الالف، لاتساع هواء الصوت به، والمهتوت التاء، لخفائها " أقول: إنما سميت الحروف المذكورة مجهورة لانه لابد في بيانه وإخراجها من جهر ما، ولا يتهيأ النطق بها إلا كذلك، كالقاف والعين، بخلاف المهموس، فإنه يتهيأ لك أن تنطق به ويسمع منك خفيا كما يمكنك أن تجهر به، والجهر: رفع الصوت، والهمس: إخفاؤه، وإنما يكون مجهورا لانك تشبع الاعتماد في موضعه، فمن إشباع الاعتماد إرتفاع الصوت، ومن ضعف الاعتماد يحصل الهمس والاخفاء، فإذا أشبعت الاعتماد فإن جرى الصوت كما في الضاد والظاء والزاى والعين والغين والياء فهى مجهورة رخوة، وإن أشبعته ولم يجر الصوت كالقاف والجيم والطاء والدال فهى مجهورة شديدة، قيل: والمجهورة تخرج أصواتها من الصدر، والمهموسة تخرج أصواتها من مخارجها في الفم، وذلك مما

يرخى الصوت فيخرج الصوت من الفم ضعيفا، ثم إن أردت الجهر بها وإسماعها أتبعت صوتها بصوت من الصدر ليفهم، وتمتحن المجهورة بأن تكررها مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة: رفعت صوتك بها أو أخفيته: سواء أشبعت الحركات حتى تتولد الحروف، نحو قاقاقا، وقوقوقو، وقى قى قى، أو لم تشبعها نحو ققق، فإنك ترى الصوت يجرى ولا ينقطع، ولا يجرى النفس إلا بعد انقضاء الاعتماد وسكون الصوت، وأما مع الصوت فلا يجرى ذلك، لان النفس الخارج من الصدر - وهو مركب الصوت - يحتبس إذا اشتد اعتماد الناطق على مخرج الحرف، إذ الاعتماد على موضع من الحلق والفم يحبس النفس وإن لم يكن هناك صوت، وإنما يجرى النفس إذا ضعف الاعتماد، وإنما كررت الحرف في الامتحان لانك لو نطقت
بواحد من المجهورة غير مكرر فعقيب فراغك منه يجرى النفس بلا فصل، فيظن أن النفس إنما خرج مع المجهورة لا بعده، فإذا تكرر وطال زمان الحرف ولم يخرج مع تلك الحروف المكررة نفس عرفت أن النطق بالحروف هو الحابس للنفس، وإنما حركت الحروف لان التكرير من دون الحركة محال، وإنما جاز إشباع الحركات لان الواو والالف والياء مجهورة فلا يجرى مع صوتها النفس، وأما المهموسة فإنك إذا كررتها مع إشباع الحركة أو بدونه فإن جوهرها لضعف الاعتماد على مخارجها لا يحبس النفس، فيخرج النفس ويجرى كما يجرى الصوت بها، نحو ككك، فالقاف والكاف قريبا المخرج، ورأيت كيف كان أحدهما مجهورا والاخر مهموسا، وقس على القاف والكاف سائر المجهورة والمهموسة فنقول جميع حروف الهجاء على ضربين: مهموسة وهى حروف (ستشحثك خصفه) بالهاء في خصفه للوقف، ومعنى الكلام ستشحذ عليك: أي تتكدى، والشحاذ والشحاث: المتكدى، وخصفة: اسم امرأة، وما بقى من الحروف مجهورة، وهى قولك: ظل قو ربض إذ غزا جند مطيع

ثم تنقسم جميع حروف التهجى قسمة مستأنفة ثلاثة أقسام: شديدة، ورخوة، وما بينهما، والحروف الشديدة (أجدك قطبت) ونعنى بالشديدة ما إذا أسكنته ونطقت به لم يجر الصوت، والرخوة: ما يجرى الصوت عند النطق بها، والفرق بين الشديدة والمجهورة أن الشديدة لا يجرى الصوت عند النطق بها، بل إنك تسمع به في آن ثم ينقطع، والمجهورة لا اعتبار فيها بعدم جرى الصوت، بل الاعتبار فيها بعدم جرى النفس عند التصويت بها، وبعضهم أخرج من المجهورة: أي من حروف (ظل قو) السبعة الاحرف التى من الرخوة: أي الضاد والظاء والذال والزاى والعين والغين والياء، فيبقى منها الحروف الشديدة: (أي أجدك قطبت)
وأربعة أحرف مما بين الشديدة والرخوة: أي من حروف (لم يروعنا) وهى اللام والميم والواو والنون، فيكون مجموع المجهورة عنده اثنى عشر، وهى حروف (ولمن أجدك قطبت)، وهذا القائل ظن أن الرخاوة تنافى الجهر، وليس بشئ، لان الرخاوة أن يجرى الصوت بالحرف عند إسكانه كالنبر، والجهر: رفع الصوت بالحرف: سواء جرى الصوت، أو لم يجر، وعلامته عدم حرى النفس.
وإنما اعتبر في امتحان الشديدة والرخوة إسكان الحروف لانك لو حركتها والحركات أبعاض الواو والالف والياء فيها رخاوة ما لجرت الحركات لشدة اتصالها بالحروف الشديدة إلى شئ من الرخاوة، فلم تتبين شدتها.
وقوله في الشديدة " ما ينحصر جرى صوته عند إسكانه في مخرجه " متعلق بينحصر: أي ينحصر في مخرجه عند إسكانه، وإنما جعل حروف (لم يروعنا) بين الشديدة والرخوة لان الشديدة هي التى ينحصر الصوت في مواضعها عند الوقف، وهذه الاحرف الثمانية ينحصر الصوت في مواضعها عند الوقف، لكن تعرض لها أعراض توجب خروج الصوت من غير مواضعها، أما العين فينحصر الصوت عند مخرجه، لكن لقربه من الحاء التى هي مهموسة ينسل

صوته شيئا قليلا، فكأنك وقفت على الحاء، وأما اللام فمخرحها - أعنى طرف اللسان - لا يتجافى عن موضعه من الحنك عند النطق به، فلا يجرى منه صوت، لكنه لما لم يسد طريق بالكلية كالدال والتاء بل انحرف طرف اللسان عند النطق به خرج الصوت عند النطق به من مستدق اللسان فويق مخرجه، وأما الميم والنون فإن الصوت لا يخرج من موضعيهما من الفم، لكن لما كان لهما مخرجان في الفم وفى الخيشوم جرى به الصوت من الانف دون الفم، لانك لو أمسكت أنفك لم يجر الصوت بهما، وأما
الراء فلم يجر الصوت في أبتداء النطق به، لكنه جرى شيئا لانحرافه وميله إلى اللام، كما قلنا في العين المائلة إلى الحاء، وأيضا الراء مكرر، فإذا تكرر جرى الصوت معه في أثناء التكرر، وكذلك الواو والياء والالف لا يجرى الصوت معها كثيرا، لكن لما كانت مخارجها تتسع لهواء الصوت أشد من اتساع غيرها من المجهورة كان الصوت معها يكثر فيجرى منه شئ، واتساع مخرج الالف لهواء صوته أكثر من اتساع مخرجى الواو والياء لهواء صوتهما، فلذلك سمى الهاوى: أي ذات الهواء، كالناشب (1) والنابل (2)، وإنما كان الاتساع للالف أكثر لانك تضم شفتيك للواو فيتضيق المخرج وترفع لسانك قبل الحنك للياء، وأما الالف فلا تعمل له شيئا من هذا، بل تفرج المخرج، فأوسعهن مخارجا الالف، ثم الياء، ثم الواو، وهذه الحروف أخفى الحروف، لاتساع مخارجها، وأخفاهن الالف، لان سعة مخرجها أكثر
__________
(1) الناشب: صاحب النشاب، والنشاب - كرمان -: النبل، والواحدة نشابة - كرمانة - (2) النابل: صاحب النبل، أو صانعه مثل النبال، والنبل: السهام، ولا واحد له من لفظه، ويقال: واحده نبلة (*)

قوله " المطبقة ما ينطبق معه الحنك على اللسان " لانك ترفع اللسان إليه فيصير الحنك كالطبق على اللسان، فتكون الحروف التى تخرج بينهما مطبقا عليها قوله " على مخرجه " ليس بمطرد، لان مخرج الضاد حافة اللسان، وحافة اللسان تنطبق على الاضراس كما ذكرنا، وباقى اللسان ينطبق عليه الحنك، قال سيبويه: لولا الاطباق في الصاد لكان سينا، وفى الظاء كان ذالا، وفى الطاء كان دالا، ولخرجت الضاد من الكلام، لانه ليس شئ من الحروف من موضعها غيرها
قوله " والمنفتحة بخلافها " لانه ينفتح ما بين اللسان والحنك عند النطق بها، والمستعلية: ما يرتفع بسببها اللسان، وهى المطبقة والخاء والغين المعجتمان والقاف، لانه يرتفع اللسان بهذه الثلاثة أيضا، لكن لا إلى حد انطباق الحنك عليها، والمنخفضة: ما ينخفض معه اللسان ولا يرتفع، وهى كل ما عدا المستعلية قوله " حروف الذلاقة " الذلاقة: الفصاحة والخفة في الكلام، وهذه الحروف أخف الحروف، ولا ينفك رباعى ولا خماسى من حرف منها إلا شاذا، كالعسجد (1) والدهدقة (2) والزهزقة (3) والعسطوس (4)، وذلك لان الرباعي والخماسي ثقيلان، فلم يخليا من حرف سهل على اللسان خفيف، والمصمتة: ضد حروف الذلاقة، والشئ المصمت هو الذى لا جوف له، فيكون ثقيلا، سميت بذلك لثقلها على اللسان، بخلاف حروف الذلاقة، وقيل: إنما سميت بذلك لانها أصمتت عن أن يبنى منها وحدها رباعى أو خماسى،
__________
(1) العسجدة: الذهب، وهو أيضا الجوهر كله كالدر والياقوت، ويقال: بعير عسجد، إذا كان ضخما (2) الدهدقة: مصدر قولك: دهدق اللحم، إذا كسره وقطعه وكسر عظامه (3) الزهزقة: شدة الضحك وهى أيضا ترقيص الام الصبى (4) العسطوس - كقربوس -: وربما شددت سينه الاولى: شجرة كالخيزران تكون بالجزيرة، وهو أيضا رأس النصارى (*)

والاول أولى، لانها ضد حروف الذلاقة في المعنى، فمضادتها لها في الاسم أنسب قوله " وحروف القلقلة " إنما سميت حروف القلقلة لانها يصحبها ضغط اللسان في مخرجها في الوقف مع شدة الصوت المتصعد من الصدر، وهذا الضغط التام يمنع خروج ذلك الصوت، فإذا أردت بيانها للمخاطب احتجت إلى قلقلة
اللسان وتحريكه عن موضعه حتى يخرج صوتها فيسمع، وبعض العرب أشد صوتا كأنهم الذين يرومون الحركة في الوقف، وبعض الحروف إذا وقفت عليها خرج معها مثل النفخة ولم تنضغط ضغط الاول، وهى الظاء والذال والضاد والزاى، فإن الضاد تجد المنفذ بين الاضراس، والظاء والذال والزاى تجد منفذا من بين الثنايا وأما الحروف المهموسة فكلها تقف عليها مع نفخ لانهن يجرين مع النفس، وبعض العرب أشد نفخا، كأنهم الذين يرومون الحركة في الوقف وبعض الحروف لا يصحبها في الوقف لا صوت كما في القلقلة، ولا نفخ كما في المهموسة، ولا شبه نفخ كما في الحروف الاربعة، وهو اللام والنون والميم والعين والغين والهمزة، أما عدم الصوت فلانه لم يتصعد من الصدر صوت يحتاج إلى إخراجه، وأيضا لم يحصل ضغط تام، وأما عدم النفخ فلان اللام والنون لا يجدان منفذا كما وجدت الحروف الاربعة بين الاسنان وذلك لانهما ارتفعتا عن الثنايا، وكذلك الميم، لانك تضم الشفتين بها، وأما العين والغين والهمزة فانك لو أردت النفخ من مواضعها لم يمكن، ولا يكون شئ من النفخ والصوت في الوصل نحو أذهب زيدا، وخذهما، واحرسهما، وذلك لاتصال الحرف الثاني به فلا يبقى لا صوت ولا نفخ قوله " قد طبج " الطبج: ضرب اليد على مجوف، وإنما سمى اللام منحرفا لان اللسان ينحرف عن النطق به، ومخرجه من اللسان - أعنى طرفه - لا يتجافى عن موضعه من الحنك، وليس يخرج الصوت من ذلك المخرج،

بل يتجافى ناحيتها مستدق اللسان، ولا تعترضان الصوت، بل تخليان طريقه، ويخرج الصوت من تينك الناحيتين، وإنما سمى الراء مكررا لان طرف اللسان إذا تكلم به كأنه يتعثر: أي يقوم فيعثر، للتكرير الذى فيه، ولذلك كانت
حركته كحركتين، كما تبين في باب الامالة (1)، ومعنى الهاوى ذو الهواء كما ذكرنا، وإنما سمى التاء مهتوتا لان الهت سرد الكلام على سرعة، فهو حرف خفيف لا يصعب التكلم به على سرعة.
قال: " ومتى قصد إدغام أحد المتقاربين فلا بد من القلب، والقياس قلب الاول إلا لعارض في نحو إذ بحتودا واذبحاذه، في جملة من تاء الافتعال لنحوه ولكثرة تغيرها، ومحم في معهم ضعيف، وست أصله سدس شاذ لازم " أقول: شرع في بيان إدغام المتقاربة بعضها في بعض، وقدم مقدمة يعرف بها كيفية إدغامها، ثم ذكر مقدمة أخرى يعرف بها ما لم يجز إدغامه منها في مقاربه، وهى قوله " ولا يدغم منها في كلمة " إلى قوله " فالهاء في الحاء " إنما كان القياس قلب الاول إلى الثاني دون العكس لان الادغام تغيير الحرف الاول بايصاله إلى الثاني وجعله معه كحرف واحد.
فلما كان لابد للاول من التغيير بعد صيرورة المتقاربين مثلين ابتدأت بتغييره بالقلب قوله " إلا لعارض " اعلم انه قد يعرض ما يمنع من القياس المذكور، وهو شيئان: أحدهما: كون الاول أخف من الثاني، وهو إما في حرفين حلقيين أولهما أعلى من الثاني، وذلك إذا قصد إدغام الحاء إما في العين أو في الهاء فقط، ولا يدغم حلقى في حلقى آخر أدخل كما يجئ لو إنما أدغمت الحاء في أحد الحرفين مع أن حروف الحلق يقل فيها الادغام - كما يجئ - لثقلها، فلهذا قل المضاعف منها كما
__________
(1) انظر (ص 20 من هذا الجزء) (*)

يجئ، فلم يدغم بعضها في بعض في كلمتين أيضا في الاغلب، لئلا يكون شبه
مضاعف مصوغ منها، وإنما أدغمت الحاء في أحدهما لشدة مقاربة الحاء لهما، وإنما قلبت الثاني إلى الاول في نحو اذبح عتودا (1) واذبح هذه، مع أن القياس العكس، لان أنزلها في الحلق أثقلها، فأثقلها الهمزة ثم الهاء، ثم العين ثم الغين ثم الحاء ثم الخاء، فالحاء أخف من الغين والخاء، والمقصود من الادغام التخفيف، فلو قلبت الاولى التى هي أخف إلى الثانية التى هي أثقل لمشت خفة الادغام بثقل الحرف المقلوب إليه فكأنه لم يدغم شئ في شئ، وأما في الواو والياء في نحو سيد وأصله سيود وذلك لثقل الواو كما مر في باب الاعلال وثانيهما كون الحرف الاول ذا فضيلة ليست في الثاني، فيبقى عليها بترك قلبه إلى الثاني، ولا يدغم في مثل هذا كما يجئ، إلا أن يكون الثاني زائدا فلا يبالى بقلبه وتغييره على خلاف القياس، نحو اسمع وازان ومعنى قوله " لنحوه ولكثرة تغيرها " أي: لكون الالف أخف من الثاني ولكثرة تغير التاء لغير الادغام كما في اضطراب واصطبر قوله " ومحم معه ضعيف " كان القياس الاول: أي قلب الاول إلى الثاني، أن يقال مهم، بقلب العين هاء، وقياس العارض، وهو كون الثاني: أي الهاء أدخل في الحلق وأثقل، أن يقلب الثاني إلى الاول فيقال معم، فاستثقل كلاهما، ولهذا كان تضعيف الهاء نحو قه (2) وكه (3) السكران، والعين نحو دع (4) وكع (5) قليلا جدا، واستثقل أيضا ترك الادغام لان كل واحدة منهما
__________
(1) العتود: ولد المعز (2) قه الرجل: اشتد ضحكه.
انظر (ص 73 من هذا الجزء) (3) كه السكران: أخرج نفسه.
انظر (ص 73 من هذا الجزء) (4) الدع: الدفع العنيف، وفى التنزيل (فذلك الذى يدع اليتيم): أي يدفعه بعنف
(5) كع الرجل: جبن، وهو من باب نصر وضرب وعلم، انظر (ح 1 ص 134) (*)

مستثقلة لنزولها في الحلق فكيف بهما مجتمعين مع تنافرهما ؟ إذ العين مجهورة والهاء مهموسة، فطلبوا حرفا مناسبا لهما أخف منهما، وهو الحاء: أما كونه أخف فلانه أعلى منهما في الحلق، ولذلك كثر نحو مح (1) ودح (2) وزح (3) بخلاف دع وكع وكه وقه، وأما مناسبته للعين فلانهما من وسط الحلق، وأما الهاء فبالهمس والرخاوة، فلذا قلب بعض بنى تميم العين والهاء حاءين وأدغم أحدهما في الاخر نحو محم ومحاؤلاء، في معهم ومع هؤلاء، والاكثر ترك القلب والادغام لعروض اجتماعهما، وكذا قولك ست أصله سدس، بدلالة التسديس وبين الدال والسين تقارب في المخرج، لان كليهما من طرف اللسان، فلو قلب، الدال سينا كما هو القياس اجتمع ثلاث سينات، ولا يجوز قلب السين دالا خوفا من زوال فضيلة الصفير، ومع تقارب الدال والسين في المخرج بينهما تنافر في الصفة، لان الدال مجهورة شديدة والسين مهموسة رخوة، فتقاربهما داع إلى ترك اجتماعهما مظهرين، وكذا تنافرهما وقلب أحدهما إلى الاخر ممتنع، كما مر، فلم يبق إلا قلبهما إلى حرف يناسبها، وهو التاء، لانها من مخرج الدال ومثل السين في الهمس قال: " ولا يدغم منها في كلمة ما يؤدى إلى لبس بتركيب آخر، نحو وطد وشاة زنماء، ومن ثم لم يقولوا: وطدا ولا وتدا، بل قالوا: طدة وتدة لما يلزم من ثقل أو لبس، بخلاف نحو امحى واطير وجاء ود في وتد في تميم "
__________
(1) مح الثوب: كنصر وضرب -: بلى (2) الدح: الدس والنكاح، وهو أيضا الدفع في القفا
(3) تقول: زحه يزحه - كمده يمده -، إذا نحاه عن موضعه ودفعه وجذبه في عجلة (*)

أقول: إذا اجتمع من المتقاربة شيئان: فإن كانا في كلمتين نحو من مثلك فإنه يدغم أحدهما في الاخر، ولا يبالى باللبس لو عرض، لانهما في معرض الانفكاك، فإذا انفكا يعرف أصل كل واحد منهما، ثم إن تحركا لم يجب الادغام ولم يتأكد، وإن سكن الاول فقد يجب كالنون في حروف (يرملون)، وكلام التعريف فيما سنذكر، ولا يجب في غيرهما، بل يتأكد ولا سيما إذا اشتد التقارب، وإن كانا في كلمة: فإن تحركا وألبس الادغام مثالا بمثال لم يدغم، كما في وطد (1): أي أحكم، ووتد: أي ضرب الوتد، وكذا في الاسم، نحو وتد، وإن لم يلبس جاز الادغام نحو ازمل (2) في تزمل، لان أفعل - بتضعيف الفاء والعين - ليس من أبنيتهم، بل لا يجئ إلا وقد أدغم في فائه تاء تفعل كاترك وازمل، ومن ثم لا تقول: اقطع واضرب، وإن كان أولهما ساكنا: فإن ألبس ولم يكن تقاربها كاملا بقى الاول عير مدغم، نحو قنوان (3) وصنوان (4) وبنيان وقنية (5) وبنية وكنية ومنية وقنواء (6)
__________
(1) قال في اللسان: " وطد الشئ يطده وطدا وطدة فهو موطود ووطيد: أثبته وثقله، والتوطيد مثله " ومثله في القاموس: ومنه تعلم أن قول ابن الحاجب " ومن ثم لم يقولوا: وطدا " غير سديد، وكذا دعواه أنه لم يرد الوتد، فقد ذكر صاحبا القاموس واللسان أنه يقال: وتدالوا تديتده وتداوتدة، إذا ثبته، وقد وجه الرضى ما ذكره ابن الحاجب.
بأنه جرى على لغة بعض العرب (2) تقول: تزمل في ثوبه، وازمل، إذا تلفف.
وفى التنزيل (يأيها المزمل قم الليل إلا قليلا)
(3) القنوان: جمع قنو، وهو من النخلة بمنزلة العنقود من العنب (4) صنوان: جمع صنو، وهو الاخ الشقيق.
انظر (ج 2 ص 93) (5) القنية - بضم فسكون أو بكسر فسكون - ما يتخذه الانسان من الغنم ونحوها لنفسه لا للتجارة، وانظر (ج 2 ص 43) (6) تقول: رجل أقنى الانف، وامرأة قنواء الانف إذا كان أعلى أنفهما مرتفعا ووسطه محدودبا، وهو من علامة الكرم عندهم.
(*)

وشاة زنماء (1) وغنم زنم، وإن كان تقاربهما كاملا جاز الاظهار نظر إلى الالتباس بالادغام وجاز الادغام نظرا إلى شدة التقارب، وذلك نحو وتد يتد وتدا ووطد يطد وطدا وعتدان في جمع عتود ومنهم من يدغم التاء في الدال فيقول وتد يتد ودا وعتودا وعدانا، قال الاخطل: 191 - واذكر غدانة عدانا مزنمة * من الحبلق تبنى حولها الصير (2) ومنه قولهم ود في وتد، خففه بنو تميم بحذف كسرة التاء نحو كبد وفخذ كما مر في أول الكتاب (3) فقالوا بعد الاسكان: ود، ولم يجز في لغتهم وتد - بسكون التاء مظهرة - كما قيل عتدان، لكثرة استعمال هذه اللفظة فيستثقل، وجمعه على أوتاد يزيل اللبس، ولم يجز الادغام في نحو وطد لئلا تزول فضيلة الاطباق، ومن العرب من يلتزم تدة وطدة في مصدر ووطد خوفا من الاستثقال لو قيل: وتدا ووطدا غير مدغمتين، ومن الالتباس لو قيل: ودا، وكذا يلتزم في وتد الحجازية: أعنى كسر التاء، ما ذكرنا
__________
(1) الزنمة - بالتحريك - شئ يقطع من أذن البعير فيترك معلقا، يفعل
بكرامها، يقال: بعير زنم وأزنم ومزنم - كمعظم - وناقة زنمة وزنماء ومزنمة (2) هذا البيت للاخطل التغلبي من قصيدة يمدح فيها عبد الملك بن مروان، وغدانة - بضم الغين المعجمة وبعدها دال مهملة - قبيلة من تميم، أبوها غدانة بن يربوع، " وعدانا " أصله عتدانا، والعتدان: جمع عتود، وهو الجذع من أولاد المعز، والمزنمة: ذات الزنمة، والحبلق - بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وتشديد اللام: - أولاد المعز، والصير: جمع صيرة، وهى الحضيرة، يهجو هؤلاء القوم بأنهم رعاة لا ذكر لهم ولا شرف - والاستشهاد بالبيت في قوله " عدانا " فان أصله عتدان فأبدل التاء دالا ثم أدغم الدال في الدال (3) انظر (ح 1 ص 39 وما بعدها) (*)

وإنما لم يبنوا صيغة تقع فيها النون الساكنة قبل الراء واللام نحو قنر وعنل، لان الادغام لا يجوز فيه كما جاز في عتدان، لان التاء والدال أشد تقاربا من النون واللام والراء، بدليل إدغام كل واحد من الدال والتاء في الاخر، بخلاف الراء واللام فإنهما لا يدغمان في النون كما يدغم النون فيهما في كلمتين نحو من ربك ومن لك، لان الادغام إذن عارض غير لازم، فعلى هذا لو قيل نحو قنر وعنل لم يجز الادغام لما ذكرنا، فلم يبق إلا الاظهار وهو مستثقل، لان النون قريبة المخرج من اللام والراء، فكأنهما مثلان، وعتدان ووتدا وتدا بفك الادغام ضعيف قليل لا يقاس عليه، وأما زنماء وصنوان ونحوهما بالاظهار فإنما جاز لعدم كمال التقارب بين الحرفين وإن لم يلبس إدغام أحد المتقاربين في الاخر في كلمة أدغم نحو امحى، لان افعل ليس سن أبنيتهم بتكرير الفاء إلا مدغما فيه نون انفعل كامحى، أو مدغما في تاء افتعل كادكر، على ما يجئ، ومن ثم لم يقل: اضرب واقطع، قال
الخليل: وتقول في انفعل من وجلت: اوجل ومن اليسر ايسر * قوله " أو لبس " أي: لو أدغم * قوله " وفى تميم " أي: في لغة تميم وهى إسكان كسرة عين فعل نحو كبد في كبد قال: " ولم تدغم حروف (ضوى مشفر) فيما يقاربها لزيادة صفتها، ونحو سيد ولية إنما أدغما لان الاعلال صيرهما مثلين، وأدغمت النون في اللام والراء لكراهة نبرتها، وفى الميم - وإن لم يتقاربا - لغنتها، وفى الواو والياء لامكان بقائها، وقد جاء لبعض شأنهم واغفر لى، ونخسف بهم، ولا حروف الصفير في غيرها، لفوات (صفتها)، ولا المطبقة في غيرها من غير إطباق على الافصح، ولا حرف حلق في أدخل منه إلا الحاء في العين والهاء، ومن ثم قالوا فيهما اذبحتودا وابحاذه " (*)

أقول: اعلم أن إدغام أحد المتقاربين في الاخر في كلمة إذا لم يلبس ليس إلا في أبواب يسيرة، نحو انفعل وافتعل وتفعل وتفاعل وفنعلل، نحو امحى واسمع وازمل وادارك وهمرش (1) وأما غير ذلك فملبس لا يجوز إلا مع شدة التقارب وسكون الاول نحو ود وعدان، ومع ذلك فهو قليل، والغالب في إدغام أحد المتقاربين في الاخر إنما يكون في كلمتين وفى انفعل وافتعل وتفعل وتفاعل وفنعلل.
فنقول: المانع من إدغام أحد المتقاربين في الاخر شيئان: أحدهما اتصاف الاول بصفة ليست في الثاني، فلا يدغم الاول في الثاني إبقاء على تلك الصفة، فمن ثم لم تدغم حروف (ضوى مشفر) (2) فيما ليس فيه صفة المدغم، وجاز إدغام الواو والياء من هذه الحروف أحدهما في الاخر، لان فضيلة اللين التى في أحدهما لا تذهب
بإدغامه في الاخر، إذ المدغم فيه أيضا متصف باللين، ولم تدغم حروف الصفير فيما ليس فيه صفير إلا في باب افتعل كاسمع وازان، ولا حروف الاطباق في غيرها بلا إطباق إلا في باب الافتعال نحو اطرب، وذلك لزوال المانع فيه بقلب الثاني إلى حروف الصفير وإلى حروف الاطباق، وذلك لكون الثاني زائدا فلا يستنكر تغيره، وفضيلة الضاد الاستطالة، وفضيلة الواو والياء اللين، وفضيلة الميم الغنة، وفضيلة الشين التفشي والرخاوة، فلا تدغم في الجيم مع تقاربهما في المخرج، وفضيلة الفاء التأفيف وهو صوت يخرج من الفم مع النطق بالفاء، وفضيلة الراء التكرير، وأيضا لو أدغم لكان كمضعف أدغم في غيره نحو ردد، ولا يجوز قوله " ونحو سيد ولية " اعتراض على نفسه، وذلك أنه قرر أن الواو والياء
__________
(1) الهمرش: العجوز المسنة.
انظر (ج 2 ص 364) (2) ضوى: هزل، والمشفر - بزنة منير - الشفة، أو خاص بالبعير (*)

لا يدغم أحدهما في مقاربه، فكأنه قال: كيف أدغم أحدهما في الاخر في سيد ولى ؟ ثم أجاب بأن قلب الواو إلى الياء لو كان للادغام لورد ذلك، لكنه إنما قلبت ياء لاستثقال اجتماعهما لا للادغام، ولهذا تقلب الواو ياء: سواء كانت أولى أو ثانية، ولو كان القلب لادغام أحد المتقاربين في الاخر لقلبت الاولى إلى الثانية فقط، كما هو القياس، ثم بعد القلب اجتمع ياءان أولاهما ساكنة فوجب الادغام، فهذا من باب إدغام المتماثلين لامن إدغام المتقاربين، وفى هذا الجواب نظر، لان القلب لو كان لمجرد استثقال اجتماعهما لقلب الواو ياء، وأولاهما متحركة كطويل وطويت، فعرفنا أن القلب من أول الامر لاجل الادغام وذلك لان الواو والياء تقاربتا في الصفة، وهى كونهما لينتين ومجهورتين وبين الشديدة والرخوة
وان لم يتقاربا في المخرج، فأدعمت إحداهما في الاخرى وقلبت الواو، وإن كانت ثانية، لان القصد التخفيف بالادغام، والواو المشددة ليست بأخف من الواو والياء كما قلنا في اذبحتودا واذبحاذه، فجعل التقارب في الصفة كالتقارب في المخرج، وجرأهم على الادغام أيضا سكون الاول وكونه بذاك عرضة للادغام، وأما فضيلة اللين فلا تذهب - كما قلنا - لان كل واحدة منهما متصفة بتلك الصفة.
قوله " وأدغمت النون في اللام " اعتراض آخر على نفسه، وذلك أن فضيلة الغنة تذهب بالادغام، وأجلب المصنف بأنها وإن كانت تذهب بالادغام لكنهم اغتفروا ذلك، لان النون نبرة: أي رفع صوت، وهذا جواب فيه نظر أيضا، لانه إن كان الموجب للادغام النيرة فلتخف بلا إدغام كما تخفى مع القاف والكاف والدال والتاء وغيرهما، كما يجئ والحق أن يقال: إن للنون مخرجين: أحدهما في الفم، والاخر في الخيشوم إذ لابد فيها من الغنة، وإذا أردت إخراجها في حالة واحدة من المخرجين، فلا

بد فيها من اعتماد قوى وعلاج شديد، إذ الاعتماد على المخرجين في حالة واحدة أقوى من الاعتماد على مخرج واحد والحروف التى هي غير النون على ضربين: أحدهما يحتاج إلى اعتماد قوى وهى حروف الحلق، والاخر لا يحتاج إلى ذلك، وهى حروف الفم والشفة، فالنون وحروف الحلق متساويان في الاحتياج إلى فضل اعتماد وإعمال لالة الصوت، وهى: أي النون إما أن تكون ساكنة أو متحركة، فإذا كانت ساكنة وبعدها غير حرف الحلق فهناك داعيان إلى إخفائها أحدهما سكونها، لان الاعتماد على الحرف الساكن أقل من الاعتماد على
الحرف المتحرك، والاخر كون الحرف الذى لا يحتاج في إخراجه إلى فضل اعتماد عقيب النون بلا فصل، ليجرى الاعتمادان على نسق واحد، فأخفيت النون الساكنة قبل غير حروف الحلق فان حصل للنون الساكنة مع الحروف التى بعدها من غير حروف الحلق قرب مخرج كاللام والراء، أو قرب صفة كالميم، لان فيه أيضا غنة، وكالواو والياء، لان النون معهما من المجهورة وما بين الشديدة والرخوة وجب إدغام النون في تلك الحروف، لان القصد الاخفاء، والتقارب داع إلى غاية الاخفاء التى هي الادغام وإن لم يكن هناك قرب لا في المخرج ولا في الصفة أخفى النون بقلة الاعتماد، وذلك بأن يقتصر على أحد مخرجيه ولا يمكن أن يكون ذلك إلا الخيشوم، وذلك لان الاعتماد فيها على مخرجها من الفم يستلزم الاعتماد على الخيشوم بخلاف العكس، فيقتصر على مخرج الخيشوم فيحصل النون الخفية، ثم بعد ذلك إن تنافرت هي والحرف الذى يجئ بعدها، وهى الباء فقط، كما في عنبر قلبت تلك النون الخفية إلى حرف متوسط بين النون وذلك الحرف، وهى الميم، كما ذكرنا

في باب الابدال، (1) وإن لم يتنافرا بقيت خفية كما في غير الباء من سوى حروف الحلق، أما مع الحلقية فلا تخفى، لان حرف الحلق يحتاج إلى فضل اعتماد فتجرى النون على أصلها من فضل الاعتماد، ليجرى الاعتماد على نسق واحد، ومن الناس من يخفى النون قبل الغين والخاء المعجمتين، لكونهما قريبتين من حروف الفم، وكذلك النون الساكنة الموقوف عليها يخرجها من المخرجين، لان الحرف الموقوف عليه يحتاج إلى فضل بيان كما مر في باب الوقف (2) ومن ثم يقال: أفعى وأفعو، وكذلك النون المتحركة - قبل أي حرف كانت -
تخرج من المخرجين، لاحتياجها إلى فصل اعتماد، فإذا ادغمت النون في حروف يرملون نظرت: فإن كان المدغم فيه اللام والراء فالاولى ترك الغنة، لان النون تقاربهما في المخرج وفى الصفة أيضا، لان الثلاثة مجهورة وبين الشديدة والرخوة، فاغتفر ذهاب الغنة مع كونها فضيلة للنون، للقرب في المخرج والصفة وإن كان المدغم فيه واوا أو ياء فالاولى الغنة لوجهين: أحدهما أن مقاربة النون إياهما بالصفة لا بالمخرج، فالاولى أن لا يغتفر ذهاب فضيلة النون: أي الغنة رأسا لمثل هذا القرب غير الكامل، بل ينبغى أن يكون للنون معهما حالة بين الاخفاء والادغام، وهى الحالة التى فوق الاخفاء ودون الادغام التام، فيبقى شئ من الغنة وإن كان المدغم فيه ميما أدغم إدغاما تاما، لان فضيلة الغنة حاصلة في المدغم فيه، إذ في الميم غنة وإن كانت أقل من غنة النون، وبعض العرب يدغمها في اللام والراء مع الغنة أيضا ضنا بفضيلة النون، فلا يكون الادغام إذا إدغاما تاما،
__________
(1) انظر (ص 216 من هذا الجزء) (2) انظر (ج 2 ص 286) (*)

وبعضهم ترك الغنة مع الواو والياء اقتصارا في الادغام التام على التقارب في المخرج أو الصفة هذا، ومذهب سيبويه وسائر النحاة أن إدغام النون في اللام والراء والواو والياء مع الغنة أيضا إدغام تام، والغنة ليست من النون، لان النون مقلوبة إلى الحرف الذى بعدها، بل إنما أشرب صوت الفم غنة، قال سيبويه: " لا تدغم النون في شئ من الحروف حتى تحول إلى جنس ذلك الحرف، فإذا أدغمت في
حرف فمخرجها مخرج ذلك الحرف، فلا يمكن إدغامها في هذه الحروف حتى تكون مثلهن سواء في كل شئ، وهذه الحروف لاحظ لها في الخيشوم وإنما يشرب صوت الفم غنة " هذا كلامه قوله " وفى الميم وإن لم يتقاربا " ليس باعتراض لكنه شئ عرض في أثناء الاعتراض قوله " وفى الواو والياء لامكان بقائها " اعتراض وجواب: أي لامكان بقاء الغنة: أما على ما اخترناه فالغنة للنون التى هي كالمدغمة، وأما على ما قال النحاة فلا شراب الواو والياء المضعفين غنة قوله " وقد جاء لبعض شأنهم واغفر لى ونخسف بهم " نقل عن بعض القراء الادغام في مثله، وحذاق أهل الاداء على أن المراد بالادغام في مثله الاخفاء، وتعبيرهم عنه بلفظ الادغام تجوز لان الاخفاء قريب من الادغام، ولو كان ذلك إدغاما لا لتقى ساكنان لا على حده في نحو لبعض شأنهم، وأجاز الكسائي والفراء إدغام الراء في اللام قياسا كراهة لتكرير اللام، وأبو عمرو يأتي بالميم المتحركة المتحرك ما قبلها خفية إذا كان بعدها باء نحو (بأعلم بالشاكرين) وأصحابه يسمون ذلك إدغاما مجازا وهو إخفاء قوله " ولا حروف الصفير في غيرها " لئلا تذهب فضيلة الصفير، وإنما يدغم بعضها في بعض كما يجئ

قوله " ولا المطبقة في غيرها " تقول: احفظ ذلك، واحفظ ثابتا، بالادغام مع الاطباق وتركه، وإبقاؤه أفصح كما يجئ قوله " ولا حرف حلق في أدخل منه " اعلم أن الادغام في حروف الحلق غير قوى، فإن المضاعف من الهاء قليل، نحو كه الرجل ورجل فه (1)، وأما
الالف والهمزة فلم يجئ منهما مضاعف، وكذا المضاعف من العين قليل، نحو دع وكع، وكان حق الحاء أن تكون أقل في باب التضعيف من الغين والخاء، لانه أنزل منهما في الحلق، لكنه إنما كثر نحو بح (2) وزح (3) وصح (4) وفح (5)، وغير ذلك لكونه مهموسا رخوا، والهمس والرخاوة أسهل على الناطق من الشدة والجهر، والغين لا تجئ عينا ولاما معا إلا مع حاجز (6) كالضغيغة (7)،
__________
(1) رجل فه، وفهيه، وفهفه، إذا كان عييا (2) بح الرجل - من باب علم وفتح - إذا أصابته بحة، وهى بضم الباء: خشونة وغلظ في الصوت (3) انظر (ص 266 من هذا الجزء) (4) صح الرجل فهو صحيح، إذا ذهب مرضه، أو برئ من كل عيب (5) فحت الافعى: صوتت من فيها، وبابه قعد (6) لم يصب المؤلف في هذا الذى زعمه من أن الغين لا تكون عين الكلمة ولامها إلا مع حاجز بين العين واللام، فقد ورد الفغة، وهو تضوع الرائحة، قالوا: فغتنى الرائحة - بتشديد الغين - إذا فاحت.
وقالوا: الطغ - بتشديد الغين - وهو الثور.
وقالوا: صغ، إذا أكل كثيرا.
وقالوا: شغ البعير ببوله، إذا فرقه، وشغ القوم: تفرقوا (7) الذى في القاموس: الضغيغ - كأمير -: الخصب، وأقمت عنده في ضغيغ دهره: أي قدر تمامه.
وبهاء: الروضة الناضرة، والعجين الرقين، والجماعة من الناس يختلطون، وخبز الارز المرقق، ومن العيش الناعم الغض.
ولم نعثر على المعنى الذى ذكره الشارح (*)

وهى اللبن المحقون حتى تشتد حموضته، والخاء أكثر منه، لانه أقرب إلى الفم،
وأيضا هي مهموسة رخوة كالحاء نحو المخ والفخ ورخ: أي نكح، والغين مجهورة كالعين، وإنما قل تضعيفها لصعوبتها وتكلف إخراجها مخففة فكيف بها مضعفة، فعلى هذا ثبت قلة إدغام المتقاربين من حروف الحلق، وسيجئ، فإن اتفق أدغم الانزل في الاعلى نحو اجبه حاتما (1) كما يجئ بعد، فإن اتفق كون الثاني أنزل لم يدغم إلا أن يكون بينهما قرب قريب، ويدغم إذ ذاك بمخالفة شرط إدغام المتقاربين، وذلك بأن يقلب الثاني إلى الاول، وذلك كالحاء التى بعدها العين أو الهاء، نحو اذبحتودا واذبحاذه إذ لو قلب الاول إلى الثاني لم يكن أخف منه قبل الادغام قوله " ومن ثم قالوا إذ بحتودا " أي: ومن أجل أن إدغام حرف الحلق في أدخل منه لا يجوز لاجل الثقل قلبوا الثاني لما اتفق مثل ذلك إلى الاول حتى لا يكون ثقل قال: " فالهاء في الحاء والعين في الحاء والحاء في الهاء والعين بقلبهما حاءين، وجاء (فمن زحزع عن النار) والغين في الخاء والخاء في الغين " أقول: أخذ في التفصيل بعد ما أجمل، فالهمزة والالف لا يدغمان كما ذكر، وأما الهاء فتدغم في الحاء فقط، نحو اجبه حاتما (1)، والبيان أحسن، لان حروف الحلق ليست بأصل في التضعيف في كلمة كما ذكرنا، وقل ذلك في كلمتين أيضا، والادغام عربي حسن، لقرب المخرجين، ولانهما مهموسان رخوان، ولا تدغم الهاء في الغين وإن كانت الغين أقرب مخرجا إلى الهاء من الحاء، لان الهاء مهموسة رخوة كالحاء، والغين مجهورة بين الشديدة والرخوة وأما العين فتدغم في الحاء، وذلك لقرب المخرج نحو ارفع حاتما، قال
__________
(1) تقول: جبهه - مثل منع - أي ضرب جبهته (*)

سيبويه: الادغام والبيان حسنان، لانهما من مخرج واحد، وتدغم العين في الهاء أيضا ولكن بعد قلبهما حاءين نحو محم ومحاؤلاء، والبيان أكثر، ولا يجوز ههنا - كما ذكرنا قبل - قلب الاول إلى الثاني ولا قلب الثاني إلى الاول، فقلبا حاء لما مر، ولم يفعلوا مثل ذلك إذا تقدم الهاء على العين نحو اجبه عليا، فلم يقولوا: اجبه هليا، لان قياس إدغام الانزل في الاعلى بقلب الاول إلى الثاني قياس مطرد غير منكسر، وقد تعذر عليهم ذلك لثقل تضعيف العين فتركوا الادغام رأسا وأما الحاء فلا تدغم فيما فوقها لان الغين التى هي أقرب مخرجا إليها من الخاء مجهورة، والحاء مهموسة والخاء المعجمة - وإن كانت مثلها مهموسة - لكن مخرجها بعيد من مخرج الحاء فالحاء المهملة تدغم في أدخل منها، وهو شيئان الهاء والعين بأن تقلبا حاءين كاذبحتودا واذبحاذه كما مر قوله " وجاء فمن زحزع عن النار " قرأ أبو عمرو بالادغام بقلب الحاء عينا وأما الغين فانه يدغم في الخاء، لان الخاء أعلى منه نحو ادمغ خلفا، (1) قال سيبويه: البيان أحسن والادغام حسن وأما الخاء فتدغم في الغين نحو اسلخ غنمك، والبيان أحسن والادغام حسن ولكن لا كحسن إدغام الغين في الخاء معجمتين، وذلك لان الخاء أعلى من الغين ولان تضعيف الخاء كثير وتضعيف الغين لم يأت إلا مع الفصل كما ذكرنا، وإنما جاز إدغام الخاء في الغين معجمتين بقلب الاول إلى الثاني مع أن الاول أعلى من الثاني لان مخرجهما أدنى مخارج الحلق إلى اللسان، ألا ترى إلى قول بعض
__________
(1) تقول: دمغ الرجل الرجل - من باب منع ونصر - إذا ضرب دماغه، أو إذا شجه حتى بلغت الشجة الدماغ، وتقول: دمغت الشمس فلانا، إذا آلمت دماغه (*)

العرب منخل ومنغل (1) باخفاء النون قبلهما كما تخفى قبل حروف الفم، ولم يجز مثل ذلك الادغام في الحاء والعين فلم يقولوا إذبعتودا لبعدهما من الفم قال: " والقاف في الكاف والكاف في القاف والجيم في الشين " أقول: أما القاف فيدغم في الكاف بقلب الاول إلى الثاني نحو الحق كلدة (2)، قال سيبويه: البيان أحسن والادغام حسن، لقرب المخرجين وتقاربهما في الشدة وأما الكاف فإنما يدغم في القاف نحو انهك قطنا (3) بقلب الاول إلى الثاني، والادغام حسن والبيان أحسن، لان القاف أدخل، قال سيبويه: إنما كان البيان أحسن لان مخرجها أقرب مخارج اللسان إلى الحلق فشبهت بالخاء مع الغين كما شبه أقرب مخارج الحلق إلى اللسان بحروف اللسان فيما ذكرنا من البيان والادغام وأما الجيم فإنما يدغم في الشين نحو ابعج شبثا، فالادغام والبيان حسنان لانهما من مخرج واحد، وقد أدغمها أبو عمرو في التاء في قوله تعالى (ذى المعارج تعرج)، وهو نادر، والشين لا يدغم في شئ مما يقاربه كما ذكرنا، وقد روى عن أبى عمرو إدغامها في السين في قوله تعالى (ذى العرش سبيلا)، وكذا يدغم أبو عمرو السين فيها في قوله تعالى (الرأس شيبا) مع أنها من حروف الصفير، لكونهما من حروف التفشي والصوت، فكأنهما من مخرج واحد - وإن تباعد مخرجاهما - كما ذكرنا في إدغام الواو والياء أحدهما في الاخر ونحاة البصرة يمنعون إدغام الشين في السين والعكس
__________
(1) نغل الاديم - من باب علم - أي: فسد في الدباغ، وأنغله الدابغ فهو منغل (2) كلدة - بفتحات -: علم رجل، وممن سمى به كلدة بن حنبل الصحابي،
وأبو الحارث بن كلدة الصحابي، وأحد أطباء العرب، وأبو كلدة: كنية الضبعان (3) القطن - بفتحتين -: ما بين الوركين، وهر أصل ذنب الطائر - (*)

قال: " واللام المعرفة تدغم وجوبا في مثلها وفى ثلاثة عشر حرفا، وغير المعرفة لازم في نحو (بل ران، وجائز في البواقى) أقول: يريد بالثلاثة عشر النون والراء والدال والتاء والصاد والزاى والسين والطاء والظاء والثاء والذال والضاد والشين، وإنما أدغمت في هذه الحروف وجوبا لكثرة لام المعرفة في الكلام وفرط موافقتها لهذه الحروف، لان جميع هذه الحروف من طرف اللسان كاللام إلا الضاد والشين، وهما يخالطان حروف طرف اللسان أيضا أما الضاد فلانها استطالت لرخاوتها حتى اتصلت بمخرج اللام كما مر، وكذا الشين حتى اتصلت بمخرج الطاء، وإذا كانت اللام الساكنة غير المعرفة نحو لام هل وبل وقل فهى في إدغامها في الحروف المذكورة على أقسام: أحدها: أن يكون الادغام أحسن من الاظهار، وذلك مع الراء لقرب مخرجيهما، ولك أن لا تدغم نحو هل رأيت، قال سيبويه: ترك الادغام هو لغة أهل الحجاز، وهى عربية جائزة، ففى قول المصنف " لازم في نحو (بل ران) " نظر، بلى لزم ذلك في لام هل وبل وقل خاصة مع الراء في القرآن، والقرآن أثر يتبع ويليه في الحسن إدغام اللام الساكنة في الطاء والدال والتاء والصاد والزاى والسين، وذلك لانهن تراخين عن اللام إلى الثنايا وليس فيهن انحراف نحو اللام كما كان في الراء، ووجه جواز الادغام فيها أن آخر مخرج اللام قريب من مخرجها، واللام معها من حروف طرف اللسان ويليه في الحسن إدغامها في الظاء والثاء والذال، لانهن من أطراف الثنايا
وقاربن مخرج الفاء، وإنما كان الادغام مع الطاء والدال والتاء والزاى والسين أقوى منه مع هذه الثلاثة لان اللام لم تنزل إلى أطراف الثنايا كما لم تنزل الطاء وأخواتها إليها، بخلاف الثلاثة

ويليه إدغامها في الضاد والشين، لانهما ليسا من طرف اللسان كالمذكورة، لكنه جاز الادغام فيهما لا تصال مخرجهما بطرف اللسان كما مر، وإدغام اللام الساكنة في النون أقبح من جميع ما مر، قال سيبويه: لان النون تدغم في الواو والياء والراء والميم كما تدغم في اللام، فكما لا تدغم هذه الحروف في النون كان ينبغى أن لا تدغم اللام فيها أيضا قال: " والنون الساكنة تدغم وجوبا في حروف (يرملون) والافصح إبقاء غنتها في الواو والياء وإذهابها في اللام والراء، وتقلب ميما قبل الباء، وتخفى في غير حروف الحلق، فيكون لها خمس أحوال، والمتحركة تدغم جوازا " أقول: قد مر بيان هذه كلها قوله " والمتحركة تدغم جوازا " يعنى تدعم جوازا في حروف يرملون بعد إسكانها، قال سيبويه: لم نسمعهم أسكنوا النون المتحركة مع الحروف التى تخفى النون الساكنة قبلها، كالسين والقاف والكاف وسائر حروف الفم، نحو ختن سليمان، قال: وان قيل ذلك لم يستنكر واعلم أن مجاورة الساكن للحرف بعده أشد من مجاورة المتحرك، لان الحركة بعد المتحرك، وهى جزء من حروف اللين، فهى فاصلة بين المتحرك وبين ما يليه قال: " والتاء والدال والذال والظاء والطاء والثاء يدغم بعضها في
بعض، وفى الصاد والزاى والسين، والاطباق في نحو فرطت إن كان مع إدغام فهو إتيان بطاء أخرى، وجمع بين ساكنين، بخلاف غنة النون في من يقول، والصاد والزاى والسين يدغم بعضها بعض، والباء في الميم - والفاء "

أقول: اعلم أن كل واحد من الستة المذكورة أولا يدغم في الخمسة الباقية، وفى الثلاثة المذكورة أخيرا، فإدغام الطاء فرط دارم (1) أو ذابل أو ظالم أو تاجر أو ثامر (2) أو صابر أو زاجر أو سامر وإدغام الدال جرد طارد أو ذابل أو ظالم أو تاجر أو ثامر أو صابر أو زاجر أو سامر وإدغام الذال نبذ طارد أو دارم أو ذابل أو تاجر أو ثامر أو صابر أو زاجر أو سامر.
وإدغام الظاء غلظ طارد أو دارم أو ذابل أو تاجر أو ثامر أو صابر أو زاجر أو سامر.
وإدغام التاء سكت طارد أو دارم أو ذابل أو ظالم أو ثامر أو صابر أو زاجر أو سامر.
وإدغام الثاء عبث طارد أو دارم أو ذابل أو ظالم أو ثامر أو صابر أو زاجر أو سامر.
فإذا أدغمت حروف الاطباق فيما لا إطباق فيه فالافصح إبقاء الاطباق لئلا تذهب فضيلة الحرف، وبعض العرب يذهب الاطباق بالكلية، قال سيبويه: ومما أخلصت فيه الطاء تاء سماعا من العرب حتهم أي حطتهم، وقال: ذهاب
__________
(1) دارم: أصله اسم فاعل من درم القنفذ يدرم - من باب ضرب - إذا قارب الخطوفى عجلة، وسموا به، فممن سمى به دارم بن مالك بن حنظلة أبو حى من تميم، وكان يسمى بحرا، لان أباه أتاه قوم في حمالة فقال له: يا بحر ائتنى بخريطة المال، فجاءه يحملها وهو يدرم تحتها (2) الثامر: الذى خرج ثمره (*)

إطباق الطاء مع الدال أمثل قليلا من ذهاب إطباقها مع التاء، لان الدال كالطاء في الجهر والتاء مهموسة، ومع بقاء الاطباق تردد المصنف في أنه هل هناك إدغام صريح أو إخفاء لحرف الاطباق مسمى بالادغام لتقاربهما، فقال: إن كان الاطباق مع الادغام الصريح فذلك لا يكون إلا بأن يقلب حرف الاطباق - كالطاء مثلا في فرطت - تاء وتدغمها في التاء إدغاما صريحا، ثم تأتى بطاء أخرى ساكنة قبل الحرف المدغم، وذلك لان الاطباق من دون حرف الاطباق متعذر فيلزم الجمع بين ساكنين، قال: وليس كذلك إبقاء الغنة مع النون المدغمة في الواو والياء إدغاما صريحا، لان الغنة قد تكون لا مع حرف الغنة، وذلك بأن تشرب الواو والياء المضعفين غنة في الخيشوم، ولا تقدر على إشراب التاء المضعفة إطباقا، إذ الاطباق لا يكون إلا مع حرف الاطباق، قال: والحق أنه ليس مع الاطباق إدغام صريح بل هو إخفاء يسمى بالادغام لشبهه به كما يسمى الاخفاء في نحو (لبعض شأنهم) و (العفو وأمر) إدغاما واعلم أنه إذا كان أول المتقاربين ساكنا والثانى ضمير مرفوع متصل فكأنهما في الكلمة الواحدة التى لا يلبس الادغام فيها، وذلك لشدة اتصال الضمير.
ثم إن اشتد تقارب الحرفين لزم الادغام كما في عدت وزدت، بخلاف الكلمتين المستقلتين نحو أعد تمرك فانه يجوز ترك الادغام إذن، والادغام أحسن، وبخلاف
ما لم يشتد فيه التقارب نحو عذت واعلم أن الاحرف الستة المذكورة أعنى الطاء والظاء والدال والذال والتاء والثاء تدغم في الضاد والشين المعجمتين أيضا، لكن إدغامها فيهما أقل من إدغام بعضها في بعض، ومن إدغامها في الصاد والزاى والسين، لان الضاد والشين ليستا من طرف اللسان كالتسعة الاحرف المذكورة، وإنما جاز ذلك لان الضاد والشين كما ذكرنا استطالتا حتى قربتا من حروف طرف اللسان، وإدغام هذه

الحروف في الضاد أقوى من إدغامها في الشين، لان الضاد قريب من التثنية باستطالتها، وهذه الحروف من الثنايا، بخلاف الشين وأيضا الضاد مطبقة والاطباق فضيلة تقصد أكثر مما يقصد إلى التفشي، وأيضا لم تتجاف الضاد عن الموضع الذى قربت فيه من الظاء تجافى الشين، بل لزمت ذلك الموضع وقد جاء في القراءة إدغام التاء في الجيم نحو (وجبت جنوبها) قوله " والصاد والزاى والسين يدغم بعضها في بعض " فإن أدغمت الصاد في أختيها فالاولى إبقاء الاطباق كما مر، قال سيبويه: إدغام حروف الصفير بعضها في بعض أكثر من إدغام الظاء والثاء والذال بعضها من بعض، لان الثلاثة الاخيرة إذا وقفت عليها رأيها طرف اللسان خارجا عن أطراف الثنايا، بخلاف حروف الصفير، والاعتماد بالادغام على الحرف المنحصر بالاسنان أسهل منه على الحرف الرخو الخارج عن رءوس الاسنان قوله " والباء في الميم والفاء " هو نحو اضرب مالكا أو فاجرا قال: " وقد تدغم تاء افتعل في مثلها فيقال: قتل وقتل، وعليهما مقتلون ومقتلون، وقد جاء مردفين إتباعا، وتدغم الثاء فيها وجوبا على الوجهين نحو اثأر واتأر، وتدغم فيها السين شاذا على الشاذ نحو اسمع، لامتناع
اتمع، وتقلب بعد حروف الاطباق طاء، فتدغم فيها وجوبا في اطلب وجوازا على الوجهين في اظطلم، وجاءت الثلاث في * ويظلم أحيانا فيضطلم * وشاذا على الشاذ في اصبر واضرب، لامتناع اطبر واطرب، وتقلب مع الدال والذال والزاى دالا فتدغم وجوبا في ادان، وقويا في ادكر، وجاء اذكر واذ دكر، وضعيفا في ازان، لامتناع ادان، ونحو خبط وحصط وفزد وعد في خبطت وحصت وفزت وعدت شاذ " أقول: اعلم أنه إذا كان فاء افتعل تاء وجب إدغامها في التاء، لما قدمنا أن

المثلين إذا التقيا وأولهما ساكن وجب الادغام: في كلمة كانا، أو في كلمتين، وذلك نحو اترك واترس، وإذا كان عينه تاء جاز الادغام وتركه، لما قدمنا أن المثلين المتحركين إذا لم يكونا في الاخير لم يجب الادغام، فتقول: اقتتل وقتل، وقال سيبويه: إنما لم يلزم الادغام في نحو اقتتل لان التاء الثانية لا تلزم الاولى، ألا ترى إلى نحو اجتمع وازتدع ؟ فالمثلان فيه كأنهما في كلمتين من حيث عدم التلازم، فإذا أدغمت فإما أن تنقل حركة أولهما إلى فاء الكلمة كما هو الرسم في نحو يمد ويعض ويفر فتستغني عن همزة الوصل، وإنما وجب حذف الهمزة ههنا ولم يجب في باب ألحمرلان أصل لام التعريف السكون وأصل فاء الكلمة الحركة كما قلنا في سل (1)، وإما أن تحذف حركة أولهما فيلتقي ساكنان: فاء الفعل، وتاء افتعل، فتكسر الفاء، لان الساكن إذا حرك فالكسر أولى، فتسقط همزة الوصل بتحرك ما بعدها، وإنما لم يجز حذف حركة أول المثلين في نحو يرد ويعض ويفر لما ذكرنا في باب الاعلال (2) من أنه يجب المحافظة على حركة العين في الفعل، إذ بها يتميز بعض أبوابه عن بعض، وقال سيبويه: إنما جاز حذف الحركة ههنا دون نحو يرد ويعض لانه يجوز في نحوه الاظهار والاخفاء والادغام: أي في نحو
اقتتل، بخلاف نحو يرد ويعض ويفر، فإنه يجب فيه الادغام، وكذا في رد وعض وفر عند بنى تميم، فلما تصرفوا في الاول بالاوجه الثلاثة أجازوا التصرف فيه بحذف حركة أول المثلين أيضا، قال الفراء: بل لابد من نقل حركة أولهما إلى الفاء، فأما كسرة قتل فهى الفتحة ليكون دليلا على همزة الوصل المكسورة المحذوفة، وإنما قال ذلك لانه رأى امتناع حذف الحركة في باب يرد ويعض، والجواب عنه ما مضى
__________
(1) انظر (ص 51 من هذا الجزء) (2) انظر (ص 100 و 145 من هذا الجزء) ثم انظر (ج 1 ص 76 و 80 و 81) (*)

وتقول في مضارع اقتتل المدغم يقتل - بنقل الفتحة إلى القاف - كما في الماضي، ويقتل - بكسر القاف - كما في الماضي سواء، وأجاز بعضهم حذف حركة أولهما من غير أن يحرك القاف بحركة، فيجمع بين ساكنين، وهو وجه ضعيف ينكره أكثر الناس، والاولى أن ما روى من مثله من العرب اختلاس حركة، لا إسكان تام، ويجوز في نحو يقتل - بكسر القاف - أن تكسر الياء إتباعا للقاف، فتقول: يقتل كما في منخر ومنتن، ومنه القراءة (أم من لا يهدى) بكسر الياء والهاء وتقول في اسم الفاعل: مقتل - بكسر القاف وفتحها - ولا يجوز كسر الميم اتباعا كما جاز كسر حرف المضارع، لان حرف المضارع متعود للكسر لغير الاتباع أيضا نحو إعلم ونعلم، لكن لا يكسر الياء الا لداع آخر كما في ييجل ويقتل، وأما نحو منتن في منتن فشاذ، وقد قرأ أهل مكة (مردفين) بإتباع الثاني للاول كما في رد ولم يرد، وذلك بحذف حركة أول المتقاربين وتحريك
ما قبله بحركة الاتباع لازالة الساكنين وإذا كان عين افتعل مقاربا للتاء لم تدغم التاء فيه إلا قليلا، لان الادغام في غير الاخر خلاف الاصل كما ذكرنا، ولا سيما إذا أدى إلى تحريك الساكن بعد تسكين المتحرك، وأما الادغام في نحو ادكر فإنه وإن كان في غير الاخر لكنه لم يؤد إلى تحريك ولا تسكين، وفى نحو ازمل أدى إلى تسكين فقط، وإذا جاز إظهار المثلين في مثل اقتتل وكان هو الاكثر فكيف بالمتقاربين، وإنما جاز الادغام إذا كان العين دالا كيهدى ومردفين، أو صادا كيخصمون، ولا يمنع القياس من إدغام تاء افتعل فيما يدغم فيه التاء من التسعة الاحرف المذكورة كالزاي في ارتزق، والسين في اقتسر، (1) والثاء في اعتثر، (2) والطاء في
__________
(1) تقول: قسره على الامر، واقتسره عليه، إذا قهره وغلبه عليه (2) اعتثر: اتخذ لنفسه عاثورا، والعاثور: البئر، وما أعد ليقع فيه غيره (*)

ارتطم، (1) والظاء في اعتظل، (2) والذال في اعتذر، والصاد والدال في اختصم واهتدى، والضاد في اختضر (3) وإذا كان فاء افتعل مقاربا في المخرج لتائه وذلك إذا كانت الفاء أحد ثمانية الاحرف التى ذكرنا أن التاء تدغم فيها لكونها من طرف اللسان كالتاء، وهى الدال والذال والطاء والظاء والثاء والصاد والسين والزاى، وتضم إلى الثمانية الضاد، لما ذكرنا من أنها باستطالتها قربت من حروف طرف اللسان، وأما الشين فبعيدة منها كما ذكرنا، فإذا كان كذا جاز لك إدغام فاء افتعل في تائه أكثر من جواز إدغام تائه في عينه، تقول في الدال: ادان، وفى الذال: اذكر، وفى الطاء: اطلب، وفى الظاء: اظلم، وفى الثاء: اثرد (4)، وفى الصاد: اصبر، وفى السين: اسمع، وفى الزاى: ازان، وفى الضاد: اصجع، وإنما قلبت
التاء في هذه الامثلة إلى الفاء خلافا لما هو حق إدغام أحد المتقاربين من قلب الاول إلى الثاني، لان الثاني زائد دون الاول، وفى الطاء والظاء والصاد والضاد والسين والزاى لا يجوز قلب الاول إلى الثاني، لئلا تذهب فضيلة الاطباق والصفير.
ويجوز مع الثاء المثلثة قلب الاول إلى الثاني كما هو حق الادغام، تقول: اثأر (5)، واترد
__________
(1) ارتطم: مطاوع رطمت الرجل، إذا أوقعته في أمر لا يقدر على الخروج منه (2) تقول: اعتظلت الكلاب والجراد، إذا ركب بعضها بعضا (3) تقول: اختضرت الكلا، إذا جززته وهو أخضر، وقد قالوا من ذلك: اختضر الرجل، إذا مات في طراءة السن (4) تقول: اثرد الخبز، إذا فته ليصنعه ثريدا (5) اثأر: أدرك ثأره (*)

ومع الحروف المذكورة يجوز أن لا تخفف الكلمة بالادغام، لكون المتقاربين في وسط الكلمة، والغالب في الادغام آخر الكلمة، كما مر، فتخففها بقلب التاء إلى حرف يكون أقرب إلى فاء الكلمة من التاء فتقربها إلى حروف الاطباق الثلاثة: أي الصاد والضاد والظاء المعجمة، بأت تجعل في التاء إطباقا فتصير طاء، لان الطاء هو التاء بالاطباق، وتقربها إلى الزاى والذال المعجمة بأن تجعل التاء دالا، لان الدال مجهورة شديدة كالزاي والذال، والتاء مهموسة، والدال أقرب حروف طرف اللسان إلى التاء، فتقول: ازدان واذ دكر - على ما روى أبو عمرو - ومنع
سيبويه إذ دكر وأوجب الادغام، وقال: إنما منعهم أن يقولوا مذدكر كما قالوا: مزدان، أن كل واحد من الدال والذال قد يدغم في صاحبه في الانفصال فلم يجز في الكلمة الواحدة إلا الادغام ويجوز مع السين والثاء أن تبقى تاء الافتعال بحالها، لان السين والثاء مهموستان كالتاء، فتقول: اثتأر واستمع، فليسا بمتباعدين حتى يقرب أحدهما من الاخر وإنما وجب تخفيف الكلمات مع غير الثاء والسين إما بالادغام أو بغيره كما مضى لكثرة استعمال افتعل، فيستثقل فيه أدنى ثقل، ويجوز - بعد قلب التاء التى بعد الظاء المعجمة طاء وقلب التى بعد الذال المعجمة دالا نحو اظطلم واذدكر - أن تدغم الظاء في الطاء والذال في الدال بقلب الاول إلى الثاني في الموضعين كما هو حق إدغام المتقاربين، فتقول: اطلم وادكر - بالطاء والدال المهملتين - قال سيبويه: وقد قال بعضهم: مطجع في مضطجع، يدغم الضاد في الطاء مع أنها من حروف (ضوى مشفر) وقال: قد شبه بعض العرب ممن ترضى عربيته الصاد والضاد والطاء والظاء مع تاء الضمير بهن في افتعل، لشدة اتصال، تاء الضمير بالفعل كاتصال تاء الافتعال بما

قبلها، فتقول: فحصط برجلي، وحصط عنه، وخبطه، وحفطه، فتقلب في جميعها تاء الضمير طاء مهملة قال: وكذا يقول بعضهم: عده - بقلب التاء دالا - كما في ادان، قال السيرافى: وقياس هذه اللغة أن تقلب تاء الضمير دالا إذا كان قبلها دال أو ذال أو زاى كما في افتعل، لكن سيبويه لم يحكه عنهم إلا في الدال المهملة ولشدة اتصال تاء الضمير بما قبله كان الادغام في نحو أخذت وبعثت
وحفظت أولى وأكثر منه في نحو احفظ تلك، وخذ تلك، وابعث تلك، وقلب ما قبل تاء الافتعال أكثر من قلب ما قبل تاء الضمير طاء أو دالا نحو فحصط وحفط وفزد وعد، لانها على كل حال كلمة وإن كانت كالجزء واعلم أنه لم يدغم التاء في استطاع واستدان لان الادغام يقتضى تحريك السين التى لا تتحرك ولاحظ لها في الحركة، وأيضا فان الثاني في حكم السكون، لان حركته عارضة منقولة إليه مما بعده، وقراءة حمزة اسطاع بالادغام شاذ قوله " وتدغم التاء فيها وجوبا " فيه نظر، لان سيبويه ذكر أنه يقال: مثترد، ومترد، ونحوه قوله " على الوجهين " أي: على قلب الاول إلى الثاني وقلب الثاني إلى الاول قوله " تدغم فيها السين شاذا على الشاذ " أي: أن إدغام السين في غير حروف الصفير شاذ، وقلب ثانى المتقاربين إلى الاول شاذ، وإنما ارتكب قلب الثاني لامتناع اتمع، فانه تذهب إذن فضيلة الصفير، وقد زال كراهة الشذوذ الاول لسبب الشذوذ الثاني، لانك إذا قلبت الثاني سينا لم تدغم السين إلا في حروف الصفير قوله " وجاءت الثلاث " أي: الطاء والظاء المشددتان، والظاء المعجمة قبل الطاء المهملة، وأول البيت:

192 - * هو الجواد الذى يعطيك نائله * عفوا (1) قوله " وشاذا على الشاذ في اصبر واضرب " عطف على قوله " وجوبا في اطلب " يعنى يقال: اصبر واضرب - بصاد وضاد مشددتين - والشذوذ الاول إدغام الصاد الذى هو حرف الصفير في غير الصفير أي الطاء، وكذا إدغام الضاد المعجمة، والشذوذ الثاني قلب الثاني إلى الاول، وقد مر أن الشذوذ الثاني
يدفع مضرة الاول، والاولى أن يقول: إن تاء الافتعال قلبت صادا أو ضادا من أول الامر، وأدغمت الصاد والضاد فيها كما ذكر قبل، إذ لا دليل على قلبه طاء أولا ثم قلب الطاء صادا أو ضادا قوله " لامتناع اطبر واطرب " يعنى: إنما قلب الثاني إلى الاول لامتناع قلب الاول إلى الثاني، لئلا يذهب الصفير والاستطالة قوله " وقويا في ادكر " بالدال المشددة المهملة قوله " وجاء اذكر " أي: بالذال المشددة المعجمة اعلم أنه لما كان الادغام بقلب الثاني إلى الاول على خلاف القياس كان
__________
(1) هذا بيت لزهير بن أبى سلمى المزني، من قصيدة له يمدح فيها هرم ابن سنان المرى، وأولها قوله: قف بالديار التى لم يعفها القدم * بلى، وغيرها الارواح والديم والجواد: الكريم، والنائل: العطاء، وقوله " عفوا " معناه سهلا من غير مطل ولا تسويف، وقوله " يظلم أحيانا " معناه أنه يطلب منه في غير وقت الطلب السائل ما سأله وتكلفه لذلك قبولا للظلم، والاستشهاد بالبيت في قوله " فيظلم " فقد روى بثلاثة أوجه أولها " فيظطلم " باظهار كل من الحرفين، وثانيها " فيظلم " بقلب الطاء المهملة معجمة والادغام، وثالثها " فيطلم " بقلب الظاء المعجمة طاء مهملة والادغام، وحكى ابن جنى في سر الصناعة أنه روى بوجه رابع، وهو " فينظلم " بالنون على ينفعل من الظلم، ورواه سيبويه بالادغام على الوجهين (*)

الاغلب مع الصاد والضاد والظاء المعجمة قلب تاء الافتعال طاء بلا إدغام، لان قلب الاول إلى الثاني فيها ممتنع، واظطلم واضطرب واصطبر أولى من غيرها، وكذا ازدان - بالدال - أولى من أزان - بالزاى - وادكر - بالدال
المهملة - أولى من اذكر - بالذال المعجمة، وكذا اتغر - بالتاء - أولى من اثغر - بالثاء المثلثة - وإبقاء التاء بحالها في استمع أولى من اسمع، ولا منع من إدغام اللام في التاء، وإن لم يسمع نحو اتمع في التمع، لان اللام يدغم في التاء كما تقدم قال: " وقد تدغم تاء نحو تتنزل وتتنابزوا وصلا وليس قبلها ساكن صحيح، وتاء تفعل وتفاعل فيما تدغم فيه التاء، فتجلب همزة الوصل ابتداء نحو اطيروا وازينوا واثاقلوا وادارأوا، ونحو اسطاع مدغما مع بقاء صوت السين نادر " أقول: إذا كان في أول مضارع تفعل وتفاعل تاء فيجتمع تاءان جاز لك أن تخففهما وأن لا تخففهما، والتخفيف بشيئين: حذف أحدهما، والادغام، والحذف أكثر، فإذا حذفت فمذهب سيبويه أن المحذوفة هي الثانية، لان الثقل منها نشأ، ولان حروف المضارعة زيدت على تاء تفعل لتكون علامة، والطارئ يزيل الثابت إذا كره اجتماعهما، وقال سيبويه: لانها هي التى تدغم في تترس، وتطير، وقال الكوفيون: المحذوفة هي الاولى، وجوز بعضهم الامرين، وإذا حذفت لم تدغم التاء الباقية فيما بعدها وإن ما ثلها، نحو تتارك، أو قاربها نحو تذكرون، لئلا يجمع في أول الكلمة بين حذف وإدغام مع أن قياسهما أن يكونا في الاخر، وإذا أدغمت فإنك لا تدغم إلا إذا كان قبلها ما آخره متحرك نحو قال تنزل، وقال تنابزوا، أو آخره مد نحو قالوا تنزل قالا تنابزوا، وقولى تابع، ويزاد في تمكين حرف المد، فإن لم يكن قبلها شئ

لم يدغموا، إذ لو أدغم لاجتلب لها همزة الوصل، وحروف المضارع لابد لها من التصدر لقوة دلالتها، وأيضا تتثاقل الكلمة، بخلاف الماضي، فانك إذا قلت:
اتابع واتبع، لم يستثقل استثقال اتنزل، واتنابزون، وكذا لا يدغم إذا كان قبله ساكن غير مد: سواء كان لينا نحو لو تتنابزون، أو غيره نحو هل تتنابزون، إذ يحتاج إذن إلى تحريك ذلك الساكن، ولا تفى الخفة الحاصلة من الادغام بالثقل الحاصل من تحريك ذلك الساكن، وظهر بما شرحنا أن الاولى أن يقول المصنف: وليس قبلها ساكن غير مدة، وقراءة البزى (كنتم تمنون الموت) و (ألف شهر تنزل) - بالادغام فيهما والجمع بين ساكنين - ليست بتلك القوة وإذا كان الفعل المضارع مبنيا للمفعول نحو تتدارك وتتحمل لم يجز الحذف ولا الادغام، لاختلاف الحركتين، فلا تستثقلان كما تستثقل الحركتان المتفقتان، وأيضا يقع لبس بين تتفعل وتفعل من التفعيل لو حذفت التاء الثانية وبين تتفعل وتتفعل لو حذفت الاولى قوله " وتاء تفعل وتفاعل فيما تدغم فيه التاء " أي: تاء الماضي من البابين تدغم في الفاء إذا كانت إحدى الحروف الاثنى عشر التى ذكرنا أن التاء تدغم فيها، وهى التاء نحو اترس، والطاء نحو اطير، والدال نحو ادارأتم، والظاء نحو اظالموا، والذال نحو إذا كروا، والثاء نحو أثاقلتم، والصاد نحو اصابرتم، والزاى نحو ازين، والسين نحو اسمع واساقط، والضاد نحو اضاربوا واضرع، والشين نحو اشاجروا، والجيم نحو اجاءروا (1)، وهذا الادغام مطرد في الماضي والمضارع والامر والمصدر واسمى الفاعل والمفعول
__________
(1) أصل اجاءروا: تجاءروا، وهو تفاعل من الجؤار، والجؤار: رفع الصوت (*)

قوله " ونحو اسطاع " قراءة حمزة (فما اسطاعوا ان يظهروه) وخطأه
النحاة، قال أبو على: لما لم يمكن إلقاء حركة التاء على السين التى لا تتحرك أبدا جمع بين الساكنين قال: " الحذف الاعلالى والترخيمى قد تقدم، وجاء غيره في تفعل وتفاعل، وفى نحو مست وأحست، وظلت وإسطاع يسطيع، وجاء يستيع، وقالوا بلعنبر وعلماء وملماء في بنى العنبر وعلى الماء ومن الماء، وأما نحو يتسع ويتقى فشاذ، وعليه جاء * تق الله فينا والكتاب الذى تتلو * بخلاف تخذ يتخذ فإنه أصل واستخذ من استتخذ، وقيل: أبدل من تاء اتخذ وهو أشذ ونحو تبشروني وإنى قد تقدم " أقول: يعنى بالحذف الاعلالى ما حذف مطردا لعلة، كعصا وقاض، وبالترخيمي ما حذف غير مطرد كما في يد ودم قوله في نحو " تفعل وتفاعل " يعنى في مضارع تفعل وتفاعل مع تاء المضارعة، كما تقدم قوله " وفى نحو مست وأحست وظلت " تقدم حكمه في أول باب (2) الادغام قوله " وإسطاع يسطيع " بكسر الهمزة في الماضي وفتح حرف المضارعة، وأصله استطاع يستطيع، وهى أشهر اللغات، أعنى ترك حذف شئ منه وترك الادغام، وبعدها إسطاع بسطيع، بكسر الهمزة في الماضي وفتح حرف المضارعة وحذف تاء استفعل حين تعذر الادغام مع اجتماع المتقاربين، وإنما تعذر الادغام لانه لو نقل حركة التاء إلى ما قبلها لتحركت السين التى لاحظ لها في الحركة، ولو لم ينقل لالتقى الساكنان، كما في قراءة حمزة، فلما كثر استعمال هذه اللفظة - بخلاف استدان - وقصد التخفيف وتعذر الادغام حذف الاول كما في ظلت
__________
(1) انظر (ص 245 من هذا الجزء) (*)

وأحست، والحذف ههنا أولى، لان الاول - وهو التاء - زائد، قال تعالى (فما اسطاعوا أن يظهروه) وأما من قال يسطيع - بضم حرف المضارعة - فماضيه اسطاع بفتح همزة القطع، وهو من باب الافعال، كما مر في باب ذى الزيادة (1)، وجاء في كلامهم استاع - بكسر همزة الوصل - يستيع - بفتح حرف المضارعة، قال سيبويه: إن شئت قلت: حذفت التاء، لانه في مقام الحرف المدغم، ثم جعل مكان الطاء تاء، ليكون ما بعد السين مهموسا مثلها، كما قالوا ازدان ليكون ما بعد الزاى مجهورا مثله، وإن شئت قلت: حذفت الطاء، لان التكرير منها نشأ، وتركت الزيادة كما تركت في تقيت، وأصله اتقيت كما يأتي قوله " وقالوا بلعنبر " قد ذكرنا حكمه في أول باب (2) الادغام، وأن سيبويه قال: مثل هذا الحذف قياس في كل قبيلة يظهر فيها لام المعرفة في اللفظ بخلاف نحو بنى النجار قوله " وأما نحو يتسع ويتقى " قد حذفت التاء الاولى من ثلاث كلمات يتسع ويتقى ويتخذ، فقيل: يتسع ويتقى ويتخذ، وذلك لكثرة الاستعمال، وهو مع هذا شاذ، وتقول في اسم الفاعل: متق، سماعا، وكذا قياس متخذ ومتسع، ولم يجئ الحذف في مواضى الثلاثة إلا في ماضى يتقى، يقال: تقى، وأصله اتقى، فحذفت الهمزة بسبب حذف الساكن الذى بعدها، ولو كان تقى فعل كرمى لقلت في المضارع يتقى كيرمى، بسكون التاء، وفى الامر اتق كارم (3)، وقال الزجاج: أصل اتخذ حذفت التاء منه كما في تقى، ولو كان كما قال لما قيل تخذ - بفتح الحاء - بل تخذ يتخذ تخذا كجهل
__________
(1) انظر (ج 2 ص 380) (2) انظر (ص 246، 247 من هذا الجزء) (3) انظر (ج 1 ص 157) (*)

يجهل جهلا بمعنى أخذ يأخذ أخذا، وليس من تركيبه، وفى تقى خلاف، قال المبرد: فاؤه محذوف والتاء زائدة، فوزنه تعل، وقال الزجاج: التاء: بدل من الواو كما في تكأة وتراث، وهو الاولى قوله " استخذ " قال سيبويه عن بعض العرب: استخذ فلان أرضا بمعنى اتخذ، قال: ويجوز أن يكون أصله استتخذ من تخذ يتخذ تخذا فحذفت التاء الثانية كما قيل في استاع: إنه حذف الطاء، وذلك لان التكرير من الثاني، قال: ويجوز أن يكون السين بدلا من تاء اتخذ الاولى، لكونهما مهموستين، ومثله الطجع بإبدال اللام مكان الضاد لمشابهتها لها في الانحراف، لانهم كرهوا حرفي أطباق كما كرهوا في الاول التضعيف، وإنما كان هذا الوجه أشذ لان العادة الفرار من المتقاربين إلى الادغام، والامر ههنا بالعكس، ولا نظير له قوله " تبشروني وإنى قد تقدم " أي في الكافية في باب الضمير في نون الوقايه.
(1) قال: " وهذه مسائل التمرين.
معنى قولهم: كيف تبنى من كذا مثل كذا: أي إذا ركبت منها زنتها وعملت ما يقتضيه القياس فكيف تنطق به، وقياس قول أبى على أن تزيد وتحذف ما حذفت في الاصل
__________
إذا اجتمعت نون الرفع ونون الوقاية في كلمة فلك فيها ثلاث لغات: أولاها: إبقاؤهما من غير إدغام، نحو تضربونني، وعليه قوله تعالى: (لم تؤذونني) وثانيتها: إبقاؤهما مع الادغام، وعليه قوله تعالى: (أغير الله تأمروني أعبد) وثالثتها: أن تحذف إحداهما وتكتفي بواحدة، وهذه اللغة هي التى يشير إليها المؤلف

قياسا، وقياس آخرين أن تحذف المحذوف قياسا أو غير قياس، فمثل محوى ممن ضرب مضربى، وقال أبو على: مضرى ومثل اسم وغد من دعا دعو ودعو لا إدغ ولا دع خلافا للاخرين، ومثل صحائف من دعا دعايا باتفاق إذ لاحذف في الاصل " أقول: اعلم أن هذه المسائل لابواب التصريف كباب الاخبار لابواب النحو قوله " منها " الضمير راجع إلى " كذا " في قوله " من كذا " لانه بمعنى الكلمة واللفظة، وفى قوله " زنتها " راجع إلى كذا في قوله: مثل كذا، لانه بمعنى الصيغة أو البنية، وفى قوله " تنطق به " إلى " مثل ": أي كيف تنطق بهذا المبنى بعد العمل المذكور فيه قوله " وعملت ما يقتضيه القياس " أي: عملت في هذه الزنة المركبة ما يقتضيه القياس التصريفى من القلب أو الحذف أو الادغام إن كان في هذه الزنة أسباب هذه الاحكام، وعند الجرمى لا يجوز بناء ما لم تبنه العرب لمعنى كضربب ونحوه، وليس بوجه، لان بناء مثله ليس ليستعمل في الكلام لمعنى حتى يكون إثباتا لوضع غير ثابت بل هو للامتحان والتدريب (1)، وقال سيبويه: يجوز صوغ وزن ثبت في كلام العرب مثله، فتقول: ضربب وضرنبب على وزن جعفر وشرنبث، بخلاف ما لم يثبت مثله في كلامهم، فلا يبنى من ضرب وغيره مثل جالينوس، لان فاعيلولا وفاعينولا لم يثبتا في كلامهم، وأجاز الاخفش صوغ وزن لم يثبت في كلامهم أيضا، للامتحان والتدريب، بأن يقال: لو ثبت مثل هذا الوزن في كلامهم كيف كان ينطق به، فيمكن أن يكون في مثل هذا الصوغ فائدة التدريب والتجريب
__________
(1) ذهب أبو على الفارسى وأبو الفتح ابن جنى إلى أن تكرير اللام للالحاق
أمر مقيس مطرد مقصود به معنى، وهو زيادة المعنى، وقد ذكرنا ذلك في أول هذا الكتاب (انظر ج 1 ص 64) (*)

فنقول: إذا بنيت من كلمة ما يوازن كلمة حذف منها شئ ففيه بعد البناء ثلاثة مذاهب: مذهب الجمهور أنك لا تحذف في الصيغة المبنية إلا ما يقتضيه قياسها، ولا ينظر إلى حذف الثابت في الصيغة الممثل بها: سواء كان الحذف فيها قياسيا كحذف ياءين في محوى، أو غير قياسي كحذف اللام من اسم، فتقو مضربى من ضرب على وزن محوى، ودعو من دعا على وزن اسم، ولا تقول: مضرى وإدع، إذ ليس في الصيغتين المبنيتين علة الحذف، وهذا الذى قالوا هو الحق، إذ لا تعل الكلمة بعلة ثابتة في غيرها إلا إذا كان ذلك الغير أصلها، كما في أقام وقيام وقال أبو على: تحذف وتزيد في الصيغة المبنية ما زيد أو حذف في الصيغة الممثل بها قياسا، فتقول في مضربى: مضرى، لان حذف الياءين في محوى قياس كما مر في باب النسب، (1) وأما إن كان الحذف في الممثل بها غير قياس لم تحذف ولم تزد في المبنية، فيقال: دعو، في المبنى من دعا على وزن اسم، لان حذف اللام من اسم غير قياس وقال الباقون: إنه يحذف في الفرع ما حذف في الاصل ويزاد فيه ما زيد في الاصل، قياسا أو غير قياس، فيقولون مضرى وإدع ودع كاسم وسم، لان القصد تمثيل الفرع بالاصل هذا الخلاف كله في الحذف، وأما الزيادة فلا خلاف في أنه يزاد في الفرع كما زيد في الاصل إلا إذا كان المزيد عوضا من المحذوف، فيكون فيه الخلاف
كهمزة الوصل في اسم، وكذا لا خلاف في أنه يقلب في الفرع كما يقلب في الاصل، فيقال على وزن أيس من الضرب: رضب: وتقول في دعا على وزن صحائف:
__________
(1) انظر (ج 2 ص 9 و 22)، ثم انظر (ج 2 ص 30 و 31) (*)

دعايا، وأصله دعائو، فلما لم يكن في صحائف الذى هو الاصل حذف لم يختلف في دعايا، بل أعل علة اقتضاها هو، وهى قلب الهمزة ياء مفتوحة والياء بعدها ألفا كما مر في بابه (1) قوله " أن تزيد وتحذف " أي: في الفرع، وهو الصيغة المبنية قوله " في الاصل " أي: في الكلمة الممثل بها قوله " أو غير قياس " أي: أن تزيد وتحذف في الفرع ما حذفت وزدت في الاصل: قياسا كان أو غير قياس قوله " محوى " مثال للاصل المحذوف منه شئ قياسا قوله " اسم وغد " لما حذف منه شئ غير قياس، ففى " اسم " حذف اللام وريد همزة الوصل عوضا منه حذفا غير قياسي، وفى " غد " حذف اللام غير قياس وأصل غد غدو - بسكون العين - قال: لا تقلواها وادلواها دلوا * إن مع اليوم أخاه غدوا (2) وأما إن كانت في الاصل علة قلب حرف ليست في الفرع فلا خلاف في أنه لا يقلب في الفرع، فيقال على وزن أوائل من القتل أقاتل، وكذا الادغام قال: " ومثل عنسل من عمل عنمل، ومن باع وقال بنيع وقنول بإظهار النون فيهن للالباس بفعل، ومثل قنفخر من عمل عنمل، ومن باع وقال بنيع وقنول بالاظهار، للالباس بعلكد فيهن، ولا يبنى مثل جحنفل من كسرت أو جعلت، لرفضهم مثله، لما يلزم من ثقل أو لبس "
أقول: قد ذكرنا أنه لا يدغم أحد المتقاربين في الاخر في كلمة إذا أدى إلى اللبس، فلو قيل بيع وقول بالادغام لا لتبس بفعل، وهو إن كان
__________
(1) انظر (ص 59 - 62 و 130 و 179 من هذا الجزء) (2) قد مر شرح هذا البيت، فارجع إليه في (ص 215 من هذا الجزء) (*)

مختصا بالافعال لكنه يظن أنه علم منكر، فلذا يدخله الكسر والتنوين، والعلكد: الغليظ قوله " لما يلزم من ثقل " لان إدغام النون الساكنة في الراء واللام واجب، لتقارب المخرجين، وأما الواو والياء والميم فليس قربها من النون الساكنة كقرب الراء واللام منها، فلذا جاء صنوان وبنيان وزنماء ولم يجئ نحو قنر وقنل كما تقدم قوله " أو لبس " يعنى يلتبس بنحو شفلح وهو ثمر الكبر وإذا بنيت من كسر مثل احر نجم فللمبرد فيه قولان: أحدهما أنه لا يجوز لانه لابد من الادغام فيبطل لفظ الحرف الذى به ألحق الكلمة بغيرها، والاخر الجواز، إذ ليس في الكلام افعلل فيعلم أنه افعنلل، ولا يجوز أن تلقى حركة الراء الاولى إلى الراء التى هي بدل من النون، لئلا يبطل وزن الالحاق ولئلا يلتبس بباب اقشعر وإذا بنيت من ضرب مثل اقشعر - وأصله اقشعرر - فعند المازنى، وحكاه عن النحويين -: إدغام الباء الاولى الساكنة في الثانية نحو اضربب، بباء مشددة بعدها باء مخففة، وعند الاخفش اضربب، بباء مخففة بعدها باء مشددة، ليكون كالملحق به: أعنى اقشعر، فاكسرر على هذا يلتبس باضربب على قول المازنى، فلا يصح إذن قول المبرد، إذ ليس في الكلام افعلل، والحق
أنه ليس المراد بمثل هذا البناء الالحاق كما يجئ قال: " ومثل أبلم من وأيت أوء، ومن أويت أو مدغما، لوجوب الواو، بخلاف تووى، ومثل إجرد من أويت إئ، ومن أويت إى فيمن قال: أحى، ومن قال أحى قال: إى " أقول: قوله " أوء " أصله أوؤى فأعل إعلال تجار مصدر تجارينا: أي

قلبت ضمة ما قبلها الياء كسرة، ثم أعل إعلال قاض، وأو أصله أؤوى، قلبت الهمزة الثانية واوا وجوبا كما في أو من، فوجب إدغام الواو كما تقدم في أول بالكتاب (1) أن الواو والياء المنقلبتين عن الهمزة وجوبا كأنهما غير منقلبتين عنها، وإن كان الانقلاب جائزا فحكمها في الاظهر حكم الهمزة كرييا وتووى، فصار أويا فأعل إعلال تجار قوله " إجرد " هو نبت يخرج عند الكمأة يستدل به عليها قوله " إئ " أصله إوئى، قلبت الواو ياء كما في ميزان وأعل إعلال قاض قوله " إى " أصله ائوى، قلبت الهمزة ياء وجوبا كما في إيت فصار إيويا أعل إعلال معيية، بحذف الياء الثالثة نسيا، فتدر حركات الاعراب على الياء المشددة، وعلى ما نسب الاندلسي إلى الكوفيين - كما ذكرنا في باب التصغير - وهو إعلالهم مثله إعلال قاض، تقول جاءني إى ومررت بإى ورأيت إيا قال: " ومثله إوزة من وأيت إيئاة ومن أويت إياة مدغما " أقول: أصل إوزة إوززة كإصبع، لان إفعلة ليست بموجودة، والهمزة زائدة دون التضعيف، لقولهم وز أيضا بمعناها، فأصل إيئاة أو أية، قلبت الواو ياء كما في ميزان، والياء ألفا كما في مرماة، وأصل إياة إئوية، قلبت الياء ألفا كما ذكرنا، وقلبت الهمزة ياء وجوبا كما في إيت صار إيواة، أعل إعلال سيد صار إياة
قال: " ومثل اطلخم من وأيت إيأيا، ومن أويت إيويا " أقول: اطلخم واطرخم أي تكبر، أصله اطلخمم بدليل اطلخممت، وفى الامر اطلخمم - بسكون الخاء في الموضعين - فأصل إيأيا إو أيى، أدغمت الياء الساكنة في المتحرك وقلبت الياء الاخيرة ألفا وقلبت الواو ياء كما في ميزان، صار إيأيا، فقد اجتمع في الكلمة ثلاث إعلالات كما ترى، وهم
__________
(2) انظر (ج 1 ص 25 وما بعدها) (*)

يمنعون من اثنين، وأصل إيويا إئويى، قلبت الياء ألفا وأدغمت الياء في الياء وقلبت الهمزة ياء كما في إيت ولم يعل إعلال سيد، لان قلب الهمزة ياء وإن كان واجبا مع الهمزة الاولى لكنها غير لازمة للكلمة، لكونها همزة وصل تسقط في الدرج نحو قال ائويا، فحكم الياء إذن حكم الهمزة قال: " وسئل أبو على عن مثل ما شاء الله من أولق فقال: ما ألق ألالاق على الاصل واللاق على اللفظ، والالق على وجه، بنى على أنه فوعل " أقول: يعنى أن أبا على جعل الواو من أولق زائدة والهمزة أصلية، فإذا جعلته على وزن شاء وهو فعل قلت: ألق، وأصل الله الالاه عند سيبويه، فتقول منه: الالاق، وحذفت الهمزة من الالاه قيسا كما في الارض والاسماء، لكن غلبة الحذف كما في الالاه شاذة، وكذا إدغام اللام في اللام، لانهما متحركان في أول الكلمة، وخاصة مع عروض التقائهما، لكن جرأهم على ذلك كون اللام كجزء ما دخلته، وكونها في حكم السكون، إذ الحركة التى عليها للهمزة وأيضا كثرة استعمال هذه اللفظة جوزت فيها من التخفيف في الاغلب ما لم يكن في غيرها، ويجوز عند أبى على أن يقال: ما ألق الالاق، من غير تخفيف الهمزة، بنقل حركتها وحذفها، وذلك لان مثل هذا الحذف وإن كان قياسا في
الاصل والفرع، لتحرك الهمزة وسكون ما قبلهما، إلا أن مثل هذا الحذف إذا كانت الهمزة في أول الكلمة نحو قد أفلح أقل منه في غير الاول، لان الساكن إذن غير لازم، إذ ليس جزء كلمة الهمزة كما كان في غير الاول، واللام كلمة على كل حال، وإن كانت كجزء الداخلة هي فيها، فتخفيف الارض والسماء أقل من تخفيف نحو مسألة وخب ء، ويجوز عنده أيضا أن تنقل حركتها إلى ما قبلها، لان ذلك قياس في الفرع وإن قل، مع كون اللام كالجزء وهو مطرد غالب في الاصل، فقوله " ما ألق الالاق " يجوز أن يكون مخففا وغير مخفف، لان كتابتهما سواء

قوله " واللاق على اللفظ " أي: بإدغام اللام في اللام كما في لفظة الله، لكن سهل أمر الادغام في لفظة الله كثرة استعماله، بخلاف الالاق قوله " والالق على وجه " يعنى به أحد مذهبي سيبويه، وهو أن أصل الله الليه، من لاه: أي تستر، لتستر ما هيته عن البصائر وذاته عن الابصار، فيكن وزنه فعلا، فالالق عليه، وليس في " الالق " علة قلب العين ألفا كما كانت في الله قال: " وأجاب في باسم بالق أو بالق على ذلك " أقول: أي على أن أولقا فوعل قيل له: كيف تقول مثل باسم من أولق، قال: بالق أو بالق، لان أصل اسم سموا أو سمو، حذفت اللام شاذا وجئ بهمزة الوصل، وأبو على لا يحذف في الفرع ما حذف في الاصل غير قياس قال: " وسأل أبو على ابن خالويه عن مثل مسطار من آءة فظنه مفعالا، وتحير فقال أبو عل مسئاء فأجاب على أصله وعلى الاكثر مستئاء " أقول: المسطار: الخمر، قيل: هو معرب، وإذا كان عربيا فكأنه مصدر مثل المستخرج، بمعنى اسم الفاعل من استطاره: أي طيره قال:
193 - متى ما تلقني فردين ترجف * روادف أليتيك وتستطارا (1) ويجوز أن يكون اسم مفعول، قيل: ذلك لهديرها وغليانها، وأصله
__________
(1) هذا الشاهد من بحر الوافر، وهو من كلمة لعنترة بن شداد العبسى يهجو فيها عمارة بن زياد العبسى.
وقوله " ترجف " يروى مكانه " ترعد " بالبناء للمجهول، وقوله " فردين " حال من الفاعل والمفعول في " تلقني " وقوله " روادف " يروى في مكانه " روانف " والروانف: جمع رانفة، وهى طرف الالية، وقوله " تستنطار " فعل مضارع مبنى للمجهول ماضيه المبنى للمعلوم استطار، وتقول: استطار هذا الامر فلانا، إذا طيره وأهاجه.
والاستشهاد بالبيت في قوله " وتستطارا " والمراد معناه الذى ذكرناه (*)

مستطار، والحق أن الحذف في مثله ليس بمطرد، فلا يقال: اسطال يسطيل واسطاب يسطيب، وآءة في الاصل أوأة، لان سيبويه قال: إذا أشكل عليك الالف في موضع العين فأحمله على الواو، لان الاجوف الواوى أكثر فتصغيرها أويأة، فقوله: مستئاء في الاصل مستأوو قوله " على أصله " يعنى حذفه في الفرع ما حذف في الاصل قياسا وإن لم يثبت في الفرع علة الحذف، فحذفت التاء في مسئاء كما حذفت في مسطار، لاجتماع التاء والطاء، والاولى - كما قلنا - أن حذف التاء في مسطاع ليس بقياس، فلا يحذف في مستطاب ولا مستطيل ونحوهما، وآءة نبت على وزن عاعة، وهو من باب سلس وقلق، وهو باب قليل وخاصة إذا كان الاول والاخر همزة مع ثقلها، ومثلها أجاء والاءة وأشاءة عند سيبويه، وحمل على ذلك أنه لم يسمع الآية وأشاية، وقل ألاوة وأشاوة كعباية وسقاوة، وقالوا في أباءة، وهى الاجمة: إن أصلها أباية وإن لم يسمع، لان فيها معنى الاباء لامتناعها بما
ينبت فيها من القصب وغيره من السلوك، وليس في أشاءة وألاءه مثل هذا الاشتقاق قوله " وعلى الاكثر " أي على القول الاكثر، وهو أنه لا يحذف ولا يزاد في الفرع إلا إذا ثبتت علته، ولو كان مسطار مفعالا من السطر لقلت من آءة مؤواء قال: " وسأل ابن جنى ابن خالويه عن مثل كوكب من وأيت مخففا مجموعا جمع السلامة مضافا إلى ياء المتكلم فتحير أيضا فقال ابن جنى: أوى "
__________
(1) الالاءة - مثل سحابة - واحدة الالاء - كسحاب - وهو شجر مر (2) الاشاءة - مثل سحابة - واحدة الاشاء، وهو صغار النخل، قال ابن القطاع، همزته أصلية، عن سيبويه.
وتوهم الجوهرى أنها مبدلة فأتى بها في المعتل (*)

أقول: إذا بنيت من وأيت مثل كوكب قلت: ووأى، أعلت الياء كما في فتى، فقلت: ووأى فإذا خففت همزته بنقل حركتها إلى ما قبلها وحذفها قلت: ووى، قلبت الواو الاولى همزة كما في أواصل صار أوى قال المصنف: الواو الثانية في تقدير السكون، فلو قلت ووى من غير قلب جاز قلت: لو كانت الواو الثانية ساكنة أيضا نحو ووأى وجب الاعلال كما مر تحقيقه في باب الاعلال (1)، فإذا جمع أوى وهو كفتى جمع السلامة بالواو والنون صار أوون، فإذا أضفته إلى ياء المتكلم سقطت النون وبقى أووى، تقلب الواو وتدغم كما في مسلمى قال: " ومثل عنكبوت من بعت ببععوت " أقول: لا إشكال فيه، لانك جعلت العين وهو لام الكلمة ككاف
العنكبوت مكررا وجعلت مكان الواو والتاء الزائدتين مثلهما في الفرع كما مر في أول الكتاب (2) قال: " ومثل اطمأن ابيعع مصححا " أقول: أصل اطمأن اطمأنن بدليل اطمأننت واطمأنن في الامر قوله " مصححا " فيه نظر، لان نحو اسود وابيض إنما امتنع من الاعلال لان ثلاثيه ليس معلا حتى يحمل عليه كما حمل أقام على قام، أولانا لو أعللناهما لصار ساد وباض فالتبسا بفاعل، وليس الوجهان حاصلين في ابيعع، إذ ثلاثيه معل، ولا يلتبس لو قيل باعع، وأما سكون ما بعد الياء فليس بمانع، إذ مثل هذين الساكنين جائز اجتماعهما، نحو الضالين، والاخفش يقول في مثله: ابيعع
__________
(1) انظر (ص 77 من هذا الجزء) (2) انظر (ج 1 ص 12 وما بعدها) (*)

بتشديد العين الثانية كما ذكرنا في أول مسائل التمرين قال: " ومثل اغدودن من قلت اقوول، وقال أبو الحسن: أقويل، للواوات، ومثل اغدودن من قلت وبعت أقووول وابيويع مظهرا " أقول: قد ذكرنا الخلاف في نحو اقوول في آخر باب الاعلال (1)، وإنما لم يدغم نحو اقووول وابيويع، لان الواو في حكم الالف التى هي أصلها في المبنى للفاعل كما ذكرنا من قول الخليل في قوول وبويع، ولو عللنا بما علل المصنف هناك وهو خوف الالتباس كما مر في باب الاعلال (2) لجاز إدغام اقووول وابيويع إذ لا يلتبسان بشئ إلا أن تذهب في نحو اضربب على وزن اقشعر مذهب المازنى من تشديد الباء الاولى، فإنه يقع اللبس إذن بالمبنى للمفعول منه.
قال: " ومثل مضروب من القوة مقوى، ومثل عصفور قوى، ومن
الغزو غزوى، ومثل عضد من قضيت قض، ومثل قذعملة قضية كمعية في التصغير، ومثل قذعميلة قضوية، ومثل حمصيصة قضوية فتقلب كرحوية، ومثل ملكوت قضووت، ومثل جحمرش قضيى، ومن حييت حيو ".
أقول: قد ذكرنا في آخر باب الاعلال من أحكام الياءات المجتمعة والواوات المجتمعة ما ينحل به مثل هذه العقود.
أصل مقوى مقووو، وكذا أصل غروى غزووو، أدغمت الثانية في الثالثة وقلبت المشددة ياء، لاجتماع الواوات كما ذكرنا أنك تقول من قوى على وزن قمد: قوى وكذا في قوووو على وزن عصفور، وهو أولى لاجتماع أربع
__________
(1) انظر (ص 193 وما بعدها من هذا الجزء).
(2) انظر (ص 145 من هذا الجزء).
(*)

واوات، وقد مر حكمها، وأصل قض قضى، أعل إعلال ترام مصدر ترامينا.
قوله " قضية كمعية " أصلها قضيية، وقد ذكرنا قبل أن الاولى في المبنى على وزن قذعميلة من قضى قضيية - بياءين مشددتين - قوله " قضوية " في المبنى على وزن حمصيصة قد ذكرناه هناك (1) قوله " ومثل ملكوت قضووت " قد ذكرنا في باب الاعلال أن الاصل أن يقال: غزووت ورميوت ورضيوت كجبروت من غزوت ورميت، لخروج الاسم بهذه الزيادة عن موازنة الفعل، فلا يقلب الواو والياء كما لا يقلب في الصوري والحيدى، وأن بعضهم يقلبهما ألفين ويحذفهما للساكنين، لعدم الاعتداد بالواو والياء.
قوله " ومثل جحمرش قضيى " يعنى تعله إعلال قاض والاولى كما ذكرنا في آخر باب الاعلال: حذف الثالثة نسيا، ثم قلب الثانية ألفا، أو قلب الثانية واو فتسلم الثالثة.
قوله " حيو " قد ذكرنا هناك أنه يجوز حيو وحيا.
قال: " ومثل حلبلاب قضيضاء، ومثل دحرجت من قرأ قرأيت، ومثل سبطر قرأى، ومثل اطمأننت اقرأيأت، ومضارعه يقرئيئ كيقرعيع " أقول: العين واللام في حلبلاب مكررتان على الصحيح، كما ذكرنا في صمحمح، فكررتهما مثله في قضيضاء، وكذا تقول من الغزو: غزيزاء بقلب الواو والياء المتطرفين ألفا ثم همزة كما في رداء وكساء، وكذا تقول على وزن صمحمح: قضيضى وغزوزى، وأصل قرأيت قرأ أت بهمزتين، قلبت الثانية ألفا كما في آمن، ولا يكون قبل تاء الضمير ونونه في كلامهم، بل
__________
(1) انظر (ص 192 من هذا الجزء).
(*)

يكون قبلهما إما واو أو ياء نحو دعوت ورميت وأغزيت، ولا يجوز الواو هنا، لكونها رابعة ساكنة وقبلها فتحة، فيجب قبلها ياء كما في أغزيت، فقلبت الالف من أول الامر ياء.
قوله " قرأى " قد ذكرنا في تخفيف الهمزة أن الهمزتين إذا التقتا وسكنت أولاهما والثانية طرف قلبت ياء.
قوله " اقرأيأت " هذا على مذهب المازنى كما ذكرنا في باب تخفيف الهمزة عند ذكر اجتماع أكثر من همزتين (1) وعند النحاة اقرأ وأت، وإنما قال في المضارع يقرئيئ لكونه ملحقا بيطمئن بقلب حركة الهمزة الثانية إلى الاولى كما في الاصل، ثم قلبت الثانية ياء لكسر الاولى، ولو أعللناه بما فيه من العلة لقلنا
يقرأيئ عند المازنى، ويقرأوئ عند غيره، ولم تنقل حركة الياء أو الواو إلى ما قبلها كما قلنا في يقيم ويبيع ويبين، لان ذلك لاتباعه للماضي في الاعلال بالاسكان كما مر في باب الاعلال (2) ولم تسكن ههنا الياء في الماضي.
والحق أن بناءهم لامثال الابنية المذكورة ليس مرادهم به الالحاق، بل المراد به أنه لو اتفق مثلها في كلامهم كيف كانت تعل، ومن ثم قال المازنى في نحو اقشعر من الضرب: اضربب - بتشديد الباء الاولى - ولو كان ملحقا لم يجز ذلك، فالاولى على هذا في مضارع اقرأيأت أو اقرأ وأت يقرأيئ أو يقرأوئ.
هذا آخر ما ذكره المصنف من مسائل التمرين، ولنضم إليه شيئا آخر فنقول: إذا بنيت من قوى مثل بيقور (3) قلت: قيو، والاصل قيووو، قلبت الواو
__________
(1) انظر (ص 52 وما بعدها من هذا الجزء).
(2) انظر (ص 143 وما بعدها من هذا الجزء).
(3) البيقور: اسم جمع دال على جماعة البقر، كالباقر، والبقير، وانظر (ص 193 من هذا الجزء).
(*)

الاولى ياء وأدغمت الياء فيها كما في سيد، وأدغمت الواو الثانية في الثالثة ولم تقلبهما ياءين لكونهما في المفرد، كما لم يقلب في مغزو، ولم تنقل حركة العين إلى ما قبلها كما فعلت ذلك في مقوول ومبيوع، لان العين واللام إذا كانا حرفي علة لم تعل العين: سواء أعلت اللام كما في قوى وثوى (1) أو لم تعل كما في هوى على ما مضى في باب الاعلال (2) وإذا بنيت على وزن صيرف من حوى وقوى قلت حيا وقيا، والاصل حيوى وقيوو، أدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياء كما في سيد، وقلبت الواو ألفا لحصول علته، قال السيرافى: اجتمع ههنا إعلالان، لكن الذى منعنا من اجتماع الاعلالين أن تسكن العين واللام
جميعا من جهة الاعلال، وفيعل - بفتح العين - في الاجوف نادر، كقوله: * ما بال عينى كالشعيب العين (3) * فالوجه أن يبنى من حوى وقوى على فيعل - بالكسر - فيصير حى وقى، فتحذف الياء الثالثة نسيا كما في معية، وتقول على وزن نزوان (4) من قوى: قووان، لا يدغم، لما ذكرنا في باب الادغام من عدم إدغام نحو رددان (5) ولم يقلب آخر الواوين ألفا لعدم موازنة الفعل كما ذكرنا في باب الاعلال، (6) هذا قول سيبويه، والاولى أن يقال: قويان بقلب الثانية ياء كما ذكرنا في آخر باب الاعلال (7).
__________
(1) ثوى يثوى - مثل رمى يرمى - ثواء - بفتح الثاء -: أي أقام، قال: * رب ثاو يمل منه الثواء * (2) انظر (ص 112 وما بعدها من هذا الجزء).
(3) قد مر شرح هذا الشاهد فانظره في (ج 1 ص 150).
(4) النزوان: الوثبان، ولا يقال إلا للشاء والدواب والبقر في معنى السفاد، وانظر (ج 1 ص 156).
(5) انظر (ص 243 من هذا الجزء).
(6) انظر (ص 145 من هذا الجزء).
(7) انظر (ص 194 من هذا الجزء).
(*)

وتقول على وزن فعلان - بضم العين - من قوى وحيى: قويان وحيان، بقلب الواو الثانية ياء والضمة قبلها كسرة، والاصل قووان، والالف والنون وإن كانتا لازمتين كتاء عنصوة (1) وقرنوة (2) إلا أن كون الضمة على الواو هو الذى أوجب القلب كما تقول: غزوية على وزن قرنوة، وقال سيبويه: تقول: قووان، وقد غلط فيه، لموافقته على أنه تقول: غزوية على وزن قرنوة
وتقول في فعلان - بكسر العين - من حيى: حيان بالادغام، لان رددانا واجب الادغام، وحييان أيضا، لان الاصل في باب الادغام أعنى الفعل في مثله يجوز فكه، نحو حيى وحى، تقل من قوى: قويان، بقلب الثانية ياء، لتقدم الاعلال على الادغام كما مر (3) ولكون الكلمة بالاعلال أخف منها بالادغام، ومن خفف نحو كبد باسكان العين وقال في قويان: قويان - بسكون الواو - ولا يعله إعلال طى ولية، لعروض سكون الواو، ومن قال في رؤيا المخففة: ريا فاعتد بالعارض، قال ههنا: قيان، وتقول من قوى وشوى وحيى على وزن فيعلان - بكسر العين -: قيان وشيان وحيان، والاصل في الاولين قيويان وشيويان، أعلا إعلال سيد وحذفت الياء الثالثة من الثلاثة نسيا، كما في معيية، وتقول في تصغير أشويان: أشييان وتقول من أويت على وزن فيعلان - بكسر العين -: أييان، والاصل أيويان وإذا بنيت فعللة من رميت قلت: رميوة، قلبت الياء الاخيرة واوا لانضمام ما قبلها، ومثل أسحمان (4) منه: أرموان، ومن حيى: أحيوان، ولا تدغم،
__________
(1) العنصوة: القليل المتفرق من النبت، انظر (ص 161 101 من هذا الجزء).
(2) القرنوة: نوع من العشب، انظر (ج 2 ص 44).
(3) انظر (ص 120 من هذا الجزء).
(4) أسحمان: جبل، انظر (ج 2 ص 395).
(*)

لان الاعلال قبل الادغام، ولا تستثقل الواو في مثله للزوم الحروف الذى بعدها: أي التاء، والالف والنون، كما مر في باب الاعلال (1) وتقول في فوعلة - مشددة اللام - من غزوت: غوزوة، وفى أفعلة: اغزوة،
وفى فعل: غزو، لا تقلب الواو المشددة المضموم ما قبلها في أفعلة وفعل ياء، كما لم تقلب في مدعو، بل ترك القلب ههنا أولى، لان أسم المفعول قد يتبع الفعل الذى هو بمعناه، نحو غزى (2)، وأما نحو أدعية (3) في أدعوة فقليل نادر، فان اعتد به قيل في أغزوة: أغزية.
وتقول في أفعلة من رميت: أرمية - بكسر الميم - كما في مضى، والاصل مضوى وتقول في فوعلة من الرمى: رومية، وليست في الاصل فوعللة، وإلا قيل: رومياة.
وتقول في فعل: رمى، وليس أصله رمييا، وإلا قيل: رميا (4)، وكذلك نحو هيى وهبية للصبى والصبية.
وتقول على وزن كوألل (5) والواو إحدى اللامين زائدتان من القوة:
__________
(1) انظر (ص 176 من هذا الجزء).
(2) يريد أن اسم المفعول قد يحمل على الفعل المبنى للمجهول كما قالوا من عدا عليه يعدو: معدى عليه، حملا على عدى عليه.
(3) انظر (ص 171 من هذا الجزء).
(4) يريد أن رمييا - بفتح الراء والميم وتشديد الياء - ليس أصله رمييا - بفتح فسكون -، لانه لو كان كذلك لقلبت الياء الثانية ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم تعامل معاملة عصى (5) الكوألل - بزنة سفرجل -: القصير مع غلظ وشدة (ج 1 ص 256) (*)

قووى عند سيبويه، وقويا عند الاخفش كما مر (1)، وعلى وزن (2) عتول من قوى: قيا، والاصل قووو، قلبت الواو الاخيرة ألفا لتحركها وانفتاح
ما قبلها، والواو الاولى ياء كما في ميزان، والواو الثانية ياء أدغم فيها الياء كما في سيد.
وإذا بنيت مثل عفرية من غزوت قلت: غزوية، والاصل غزوة، ومن الرمى رميية، ولا يجوز الادغام كما في أحيية، مع لزوم التاء في الموضعين، لان رميية كعفرية، وهو ملحق بزبرجة، وأحيية ليس ملحقا، كذا قيل، والاولى أن هذا البناء ليس للالحاق كما مر، ولو جمعت هبيا على فعالل قلت: هباي كدواب، ولو بنيت على فعاليل من رميت قلت: رمايى، ويجوز رماوى، لاجتماع الياءات كما في سقاوى، ولا يجوز بالهمز، لعدم تطرف الياء.
وكذا فعاليل ومفاعيل من حيي نحو حيايى، ومحايى وحياوي، ومحاوى، قال سيبويه: ولو حذفت إحدى الياءات في جميعها لم يبعد، لانه قد يستثقل الياءان في نحو أثافى (3) فيخفف بحذف إحداهما، فيقال: أثاف، فما ظنك بالثلاث ؟ وحذف ياء مفاعيل ثابت وإن لم يجتمع ياءان نحو قراقير وقراقر (4)
__________
(1) انظر (ص 196 من هذا الجزء) (2) هذا الذى ذكره المؤلف ينبغى أن يكون على زنة درهم ليطابق ما ذكره من التصريف، ولكن الذى وقع في الاصول عثول - بالثاء المثلثة - ولا يصح ذلك لان العثول مشدد الاخر، فغيرناه إلى عتول - بالتاء المثناة - وقد ضبطه المجد في القاموس بزنة درهم، وإن كان الشارح الزبيدى حكاه مشددا، وهو الذى لاغناء عنده للنساء (4) الاثافي: جمع أثفية، وهى حجر يوضع فوقه القدر، انظر (ج 2 ص 162) (3) القراقير: جمع قرقور، والقرور - بزنة عصفور، السفينة مطلقا، أو الطويلة خاصة، (انظر ج 2 ص 162) (*)

وجراميز وجرامز (1)، قال سيبويه: إلا أن من يحذف في هذه الامثلة التى اجتمعت (فيها) (2) ثلاث ياءات يلتزم الحذف، لكونها أثقل من أثافى وعوارى (3)
حتى يكون فرقا بين الياءات والياءين، وتقول في فعاليل من غزوت: غزاوي فلا تغير الواو لعدم اجتماع الامثال كما في رمياني وهذا آخر ما أردناه إيراده، ولك أن تقس على هذا ما ماثله بعد إتقانك الاصول المتقدمة في باب الاعلال وغيره والله الموفق للصواب تمت مقدمة التصريف، والحمد لله رب العالمين
__________
(1) الجراميز: جمع جمر موز، والجرموز - بزنة عصفور - حوض مرتفع النواحى، أو حوض صغير (2) زيادة يقتضيها المقام (3) العوارى: جمع عارية، وهى بتشديد الياء منسوبة إلى العار، انظر (ج 2 ص 164) (*)

قال: " الخط تصوير اللفظ بحروف هجائه إلا أسماء الحروف إذا قصد بها المسمى، نحو قولك: اكتب جيم، عين، فا، را، فإنك تكتب هذه الصورة (جعفر) لانها مسماها خطا ولفظا، ولذلك قال الخليل لما سألهم كيف تنطقون بالجيم من جعفر فقالوا: جيم، فقال: إنما نطقتم بالاسم ولم تنطقوا بالمسئول عنه، والجواب جه، لانه المسمى، فإن سمى بها مسمى آخر كتبت كغيرها نحو ياسين وحاميم، وفى المصحف على أصلها على الوجهين، نحو يس وحم " أقول: حق كل لفظ أن يكتب بحروف هجائه: أي بحروف الهجاء التى ركب ذلك اللفظ منها إن كان مركبا، وإلا فبحرف هجائه: سواء كان المراد باللفظ ما يصح كتابته كأسماء حروف التهجى نحو ألف باتا ثا جيم، وكلفظ الشعر والقرآن ونحو ذلك، أو مالا يصح كتابته كزيد والرجل والضرب واليوم وغيرها، وكذا كان حق حروف أسماء التهجى في فواتح السور، لكنها لا تكتب بحروف
هجائها، بل تكتب كذا (ن والقلم، ق والقرآن) ولا يكتب (نون والقلم) ولعل ذلك لما توهم السفرة (1) الاول للمصاحف أن هذه الاسماء عبارة عن الاعداد كما روى عن بعضهم أن هذه الاسماء كنايات عن أعمار قوم وآجال آخرين، وذلك أن أسماء حروف التهجى قد تصور مسمياتها إذا قصد التخفيف في الكتابة، نحو قولهم: كل ج ب، وكذا كتابتهم نحو قولهم: الكلمات ثلاث: ا الاسم، ب الفعل، ج الحروف، فعلى هذا في قوله " إلا أسماء الحروف إذا قصد المسمى " نظر، لان تلك الاسماء مع قصد المسمى تكتب بحروف هجائها أيضا، ألا ترى أنه تكتب هكذا: اكتب جيم عين فاء راء، ولا تكتب
__________
(1) السفرة - بفتحات - جمع سافر، وهو اسم دال على النسب، ومعناه صاحب السفر، وهو الكتاب الكبير، وقد يراد منه الكاتب (*)

هكذا: اكتب ج ع ف ر، والذى يختلف فيه الحال أنك إذا نسبت الكتابة إلى لفظ على جهة المفعولية فإنه ينظر: هل يمكن كتابة مسماه، أولا، فإن لم يمكن نحو كتبت زيد ورجل، فالمراد أنك كتبت هذا اللفظ بحروف هجائه، وإن أمكن كتابة مسماه نحو كتبت الشعر والقرآن وجيم وعين وفاء وراء، فالظاهر أن المراد به مسمى اللفظ، فتريد بقولك: كتبت الشعر والبيت، أنك كتبت مثلا: * قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل * البيت (1) وبقولك: كتبت القرآن، أنك كتبت مثلا بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، السورة، وبقولك: كتبت جيم عين فاء راء أنك كتبت جعفر، ويجوز مع القرينة أن تريد بقولك: كتبت الشعر والبيت والقرآن، أنك كتبت صورة حروف تهجى هذه الالفاظ
والبحث في أن المراد باللفظ هو الاسم أو المسمى غير البحث في أن ذلك اللفظ كيف يصور في الكتابة، والمراد بقوله " الخط تصوير اللفظ بحروف هجائه " هو الثاني دون الاول قوله " إذا قصد بها المسمى " أي: حروف التهجى قوله " جيم عين فا را " لا تعرب شيئا من هذه الاسماء وإن كانت مركبة مع العامل كما في قولك: كتبت ماء، وأبصرت جيما، لئلا يظن أنك كتبت كل واحدة من هذه الاحرف الاربعة منفصلة من البواقى، ولم تكتب حروف كل واحدة، فلم تعرب الاسماء ولم تأت بواو العطف نحو اكتب جيم، وعين، وفاء، وراء، بل وصلت في اللفظ بعضها ببعض تنبيها على اتصال مسمياتها بعضها ببعض، لكونها حروف كلمة واحدة
__________
(1) تقدم شرح هذا البيت فانظره في (ج 2 ص 316) (*)

قوله " مسماها خطا " ظاهر، لان المسمى جيم مثلا هذه الصورة ج، لانك إذا أمرت بكتابة جيم كتبت هكذا ج، وكذا هو مسماه لفظا، لانك إذا أمرت بأن تتلفظ بجيم قلت: جه قوله " ولذلك قال الخليل " أي: لكون جعفر مسمى جيم عين فار را لفظا رد الخليل على أصحابه لما سألهم عن جيم جعفر كيف تنطقون به: أي كيف تتلفظون بمسمى هذا اللفظ وهو جيم ؟ وذلك لان المراد بكل لفظ مسماه إذا أمكن إرادته نحو ضربت زيدا: أي مسمى هذا اللفظ، وأما إذا لم يمكن نحو قرأت زيدا وكتبت زيدا فالمراد بأولهما اللفظ وبالثانى حروف هجاء اللفظ قوله " إنما نطقتم بالاسم " لان جيم الذى هو على وزن فعل اسم لهذا المسمى، وهو جه
قوله " فان فإن سمى بها مسمى آخر " أي: سمى بأسماء حروف التهجى، كما لو سمى بدال مثلا شخص قوله " كتبت كغيرها " أي: كتبت ألفاظها بحروف هجائها، فإذا قيل: اكتب دال يكتب هكذا " دال " كما يكتب: زيد قوله " وفى المصحف على أصلها " أي: يكتب مسمى أسماء حروف التهجى، ولا تكتب تلك الاسماء بحروف هجائها قوله " على الوجهين " أي: سواء كانت هذه الفواتح أسماء لحروف التهجى كما قال الزمخشري: " إن المراد بها التنبيه على أن القرآن مركب من هذه الحروف كالفاظكم التى تتلفظون بها فعارضوه إن قدرتم " فهى إذن تحد لهم، أو لم تكن، وذلك بأن تكون أسماء السور كما قال بعضهم، أو أسماء أشخاص كما قيل: إن يس وطه اسمان للنبى صلى الله عليه وسلم، وق اسم جبل، ون اسم للدواة، وغير ذلك أو تكون أبعاض الكلم كما نسب إلى ابن عباس رضى الله

عنه أنه قال في ألم: إن معناه أنا الله أعلم، وغير ذلك مما قيل فيها قال: " والاصل في كل كلمة أن تكتب بصورة لفظها بتقدير الابتداء بها والوقف عليها، فمن ثم كتب نحو ره زيدا، وقه زيدا بالهاء، ومثل مه أنت، ومجئ، مه جئت، بالهاء أيضا، بخلاف الجار، نحو حتام وإلام وعلام، لشدة الاتصال بالحرف، ومن ثم كتبت معها بألفات وكتب مم وعم بغير نون، فإن قصدت إلى الهاء كتبتها ورددت الياء وغيرها إن شئت " أقول: أصل كل كلمة في الكتابة أن ينظر إليها مفردة مستقلة عما قبلها وما بعدها، فلا جرم تكتب بصورتها مبتدأ بها وموقوفا عليها، فكتب
من " ابنك " بهمزة الوصل، لانك لو ابتدأت بها فلا بد من همزة الوصل، وكتب " ره زيدا " و " قه زيدا " بالهاء، لانك إذا وقفت على ره فلا بد من الهاء قوله " ومثل مه أنت ؟ ومجئ مه جئت ؟ " قد ذكرنا في باب الوقف أن ما الاستفهامية المجرورة بالاسم يجب أن تقف عليها بالهاء، وفى المجرورة بالحرف يجوز إلحاق الهاء وتركه، وذلك لان " ما " شديدة الاتصال بالحرف، لعدم استقلال الحرف دون ما يتصل به قله " ومن ثم كتبت " أي: من شدة اتصال " ما " بالحرف كتبت حتى وإلى وعلى بألفات، ولم تكتب بالياء، وذلك لان كتابتها بالياء إنما كانت لانقلاب ألف على وإلى الياء مع الضمير، نحو عليك وإليه، ومع ما الاستفهامية التى هي كالجزء صارتا نحو غلام وكلام، فلا يدخلون الضمير، ولان حتى تمال اسما لكون الالف رابعة طرفا ومع ما الاستفهامية لا تكون طرفا، وكذا إلى اسما أميلت، لكون ألفها طرفا مع الكسرة قبلها وانقلابها ياء مع الضمير ومع " ما " لا تكون طرفا

قوله " وكتب مم وعم بغير نون " أي: من جهة اتصال " ما " بالحرف لم يكتب عن مه ومن مه - بالنون - بل حذفت النون المدغمة خطا كما يحذف كل حرف مدغم في الاخر في كلمة واحدة، نحو همرش وأصله هنمرش (1) وامحى أصله انمحى قوله " فان قصدت إلى الهاء " يعنى أنك إذا قلت: مم جئت ؟ وعم يتساءلون ؟ وقصدت أنك لو وقفت على مم وعم ألحقتهما هاء السكت وجب عليك إلحاق هاء السكت في الكتابة، لانك تكون إذا معتبرا لما الاستفهامية مستقلة بنفسها، فترد نون من وعن، ويكتب هكذا: من مه جئت ؟ وعن
مه يتساءلون ؟ قوله " ورددت الياء " يعنى في " على مه " و " حتى مه " قوله " وغيرها " يعنى النون في " من مه جئت " قوله " إن شئت " يرجع إلى رد الياء وغيرها لا إلى كتابة الهاء، لان كتابتها إذن واجبة، لكن أنت مخير مع كتبة الهاء بين رد النون والياء، وترك ردهما، فإن رددتهما فنظرا إلى الهاء، لانها إنما اتصلت نظرا إلى استقلال " ما " بنفسها، وإن لم ترد فنظرا إلى عدم استقلال حروف الجر دون ما، فيكون " علامه " مثل كيفه، وأينه، كأن الهاء لحقت آخر كلمة واحدة محركة بحركة غير إعرابية ولا مشبهة لها قال: " ومن ثم كتب أنا زيد بالالف، ومنه لكنا هو الله، ومن ثم كتبت تاء التأنيث في نحو رحمة وتخمة هاء، وفيمن وقف بالتاء تاء، بخلاف أخت وبنت وباب قائمات وباب قامت هند "
__________
(1) الهمرش - بزنة جحمرش -: العجوز المضطربة الخلق، أو العجوز المسنة انظر (ح 1 ص 61) ثم انظر (ح 2 ص 364) (*)

أقول: يعنى ومن جهة أن مبنى الكتابة على الوقف قوله " ومنه لكنا " يعنى إذا لم يقرأ بالالف، فإنه يكتب بالالف في تلك القراءة أيضا، لان أصله لكن أنا (1) قوله " وفيمن وقف " مر في باب الوقف أن بعضهم يقف عليها بالتاء نحو كظ الجحفت (2) قوله " بخلاف أخت " أي: ولا يوقف على تاء أخت وبنت بالهاء لانها بدل من لام الكلمة وليست بتاء التأنيث، بل فيها رائحة من التأنيث، بكونها بدلا
من اللام في المؤنث دون المذكر، وكذا تاء قائما ليست للتأنيث صرفا، بل علامة الجمع، لكن خصت بجمع المؤنث لكون التاء مناسبة للتأنيث، ومن قال كيف البنون والبناه - بالهاء - وجب أن يكتبها بالهاء، وهو قليل، ويعنى بباب قائمات جمع سلامة المؤنث، وبباب قامت الفعل الماضي المتصل به تاء التأنيث قال: " ومن ثم كتب المنون المنصوب بالالف، وغيره بالحذف وإذن بالالف على الاكثر، وكذا اضربن، وكان قياس اضربن بواو وألف، واضربن بياء، وهل تضربن بواو ونون، وهل تضربن بياء ونون، ولكنهم كتبوه على لفظه لعسر تبينه أو لعدم تبين قصدها، وقد يجرى اضربن مجراه " أقول: قوله " وغيره " أي: غير المنصوب المنون، وهو إما المرفوع والمجرور
__________
(1) قد مضى بيان ذلك على التفصيل في باب الوقف فارجع إليه في (ح 2 ص 295) (2) هذه كلمة من بيت من بحر الرجز، وهو مع ما قبله: ما ضرها أم ما عليها لو شفت * متيما بنظرة وأسعفت بل جوز تيهاء كظهر الحجفت وانظره مشروحا شرحا وافيا في (ح 2 ص 277 وما بعدها) (*)

المنونان كجاءني زيد ومررت بزيد، أو غير المنون: مرفوعا كان أو منصوبا أو مجرورا، كجاءني الرجل ورأيت الرجل ومررت بالرجل، أو مبنيا قوله " وإذن بالالف على الاكثر " وذلك لما تبين في الوقف أن الاكثر في إذن الوقف عليه بالالف، فلذا كان أكثر ما يكتب بالالف، والمازني يقف عليه بالنون فيكتبه بالنون، وأما اضربن فلا كلام في أن الوقف عليه بالالف، فالاكثر يكتبونه بالالف، ومن كتبه بالنون فلحمله على أخويه: أي اضربن
واضربن، كما يجئ، وإنما كان قياس اضربن بالواو والالف لما تقدم في شرح الكافية أنك إذا وقفت على النون الخفيفة المضموم ما قبلها أو المكسور هو رددت ما حذف لاجل النون: من الواو والياء في نحو اضربوا واضربي، ومن الواو والنون في هل تضربون، ومن الياء والنون في هل تضربين، فكان الحق أن يكتب كذلك بناء للكتابة على الوقف، لكن لم يكتب في الحالين إلا بالنون، لعسر تبينه: أي لانه يعسر معرفة أن الموقوف عليه من اضربن واضربن وهل تضربن وهل تضربن كذلك: أي ترجع في الوقف الحروف المحذوفة، فانه لا يعرف ذلك إلا حاذق بعلم الاعراب، فلما تعسر معرفة ذلك على الكتاب كتبوه على الظاهر، وأما معرفة أن الوقف على اضربن - بفتح الباء - بالالف فليست بمتعسرة، إذ هو في اللفظ كزيدا ورجلا قوله " أو لعدم تبين قصدها " أي: لو كتبت بالواو والياء، والواو والنون، والياء والنون، لم يتبين: أي لم يعلم هل هو مما لحقه نون التوكيد أو مما لم يلحقه ذلك، وأما المفرد المذكر نحو اضربا فلم يلتبس، لان المفرد المذكر لا يلحقه ألف، وبعضهم خاف التباسه بالمثنى فكتبه بالنون، أو يقول: كتبه كذلك حملا على اضربن واضربن، لانه من نوعهما، وهذا معنى قوله " وقد يجرى اضربن مجراه "

قوله " تبين قصدها " أي: المقصود منها: أي من الكلمات المكتوبة، فهو مصدر بمعنى المفعول، أو بمعنى تبين أنك قصدتها: أي قصدت النون، فيكون المصدر بمعناه قال: " ومن ثم كتب باب قاض بغير ياء، وباب القاضى بالياء على الافصح فيهما، ومن ثم كتب نحو بزيد ولزيد وكزيد متصلا، لانه لا يوقف عليه، وكتب نحو منك ومنكم وضربكم متصلا، لانه
لا يبتدأ به " أقول: إنما لم تكتب الباء واللام والكاف غير متصلة لكونها على حرف ولا يوقف عليه، ولو كان لعدم الوقوف عليها لكتب نحو من زيد على زيد متصلا، وإنما لم يبتدأ بالمضمرات المذكورة لكونها متصلة، وأما نحو بكم وبك فقد اجتمع فيه الامران قال: " والنظر بعد ذلك فيما لا صورة له تخصه، وفيما خولف بوصل أو زيادة أو نقص أو بدل، فالاول الهمزة وهو أول ووسط وآخر الاول ألف مطلقا نحو أحد وأحد وإبل، والوسط: إما ساكن فيكتب بحرف حركة ما قبله مثل يأكل ويؤمن وبئس، وإما متحرك قبله ساكن فيكتب بحرف حركته مثل يسأل ويلؤم ويسم، ومنهم من يحذفها إن كان تخفيفها بالنقل أو الادغام، ومنهم من يحذف المفتوحة فقط، والاكثر على حذف المفتوحة بعد الالف، نحو ساءل، ومنهم من يحذفها في الجميع، وإما متحرك وقبله متحرك فيكتب على نحو ما يسهل، فلذلك كتب نحو مؤجل بالواو ونحو فئة بالياء، وكتب نحو سأل ولؤم ويئس ومن مقرئك ورؤوس بحرف حركته، وجاء في سئل ويقرئك القولان، والاخر إن كان ما قبله ساكنا حذف،

نحو خب ء وخب ء وخبئا، وإن كان متحركا كاكتب بحرف حركة ما قبله كيف كان، نحو قرأ ويقرئ وردؤ ولم يقرأ ولم يقرئ ولم يردؤ، والطرف الذى لا يوقف على لاتصال غيره كالوسط نحو جزؤك وجزأك وجزئك، ونحو ردؤك وردأك وردئك، ونحو يقرؤه ويقرئك، إلا في نحو مقروءة وبريئة، بخلاف الاول المتصل به غيره، نحو بأحد
وكأحد ولاحد، بخلاف لئلا، لكثرته، أو لكراهة صورته، وبخلاف لئن، لكثرته، وكل همزة بعدها حرف مد كصورتها تحذف نحو خطئا في النصب ومستهزؤون ومستهزءين، وقد تكتب بالياء، بخلاف قرأا ويقرأ ان للبس، وبخلاف نحو مستهزئين في المثنى لعدم المد، وبخلاف نحو ردائي ونحوه في الاكثر، لمغايرة الصورة، أو للفتح الاصلى، وبخلاف نحو حنائى في الاكثر، للمغايرة والتشديد، وبخلاف لم تقرئي للمغايرة واللبس " أقول: قدم للكتابة أصلا، وهو كونها مبنية على الابتداء والوقف، ثم شرع في التفصيل، فذكر أولا حال، لحرف الذى ليس له صورة مخصوصة، بل له صورة مشتركة، وتستعار له صورة غيره، وهو الهمزة، وذلك أن صورة الالف: أعنى هذه (أ) لما كانت مشتركة في الاصل بين الالف والهمزة - ولفظة الالف كانت مختصة بالهمزة، لان أول الالف همزة، وقياس حروف التهجى أن تكون أول حرف من أسمائها كالتاء والجيم وغيرها، ثم كثر تخفيف الهمزة، ولا سيما في لغة أهل الحجاز، فانهم لا يحققونها ما أمكن التخفيف - استعير للهمزة في الخط وإن لم تخفف صورة ما يقلب إليه إذا خففت، وهى صورة الواو والياء ثم يعلم على تلك الصورة المستعارة بصورة العين البتراء هكذا (ء) ليتعين كونها همزة، وإنما جعلت العين علامة الهمزة لتقارب مخرجيهما، فان لم تكن الهمزة في موضع التخفيف

وذلك إذا كانت مبتدأ بها كتبت بصورتها الاصلية المشتركة أعنى هذه (ا) نحو إبل وأحد وأحد، وكذلك تكتب بهذه الصورة إذا خففت بقلبها ألفا، نحو راس ثم نقول: إذا كانت الهمزة وسطا ساكنة متحركا ما قبلها كتبت بمقتضى حركة ما قبلها نحو يؤمن ويأكل وبئس، لانها تخفف هكذا (ا) إذا خففت
وتكتب الوسط المتحركة المتحرك ما قبلها نحو مؤجل بالواو وفئة بالياء والخمسة بحرف حركته نحو سأل ولؤم ويئس ومن مقرئك ورؤوس، وأما الاثنان الباقيان نحو سئل ويقرئك فعلى مذهب سيبويه بحرف حركته، وعلى مذهب الاخفش بحرف حركة ما قبله، كل ذلك بناء على التخفيف، كما تقدم في باب تخفيف الهمزة وكذا يكتب الوسط الذى قبله ألف باعتبار حركته، لان تخفيفه باعتبارها فيكتب نحو سأل بالالف والتساؤل بالواو وسائل بالياء، والاكثرون على ترك صورة الهمزة المفتوحة بعد الالف استثقالا للالفين، فيكتبون ساءل بألف واحدة وكذا المقروء والنبئ، وكذا يتركون صورة الهمزة التى بعدها الواو إذا كان حق الهمزة أن تكتب واوا لولا ذلك الواو نحو رءوس، وكذا في نحو سئامة ومستهزءين، إلا إذا أدى إلى اللبس، نحو قرأا ويقرأ ان ومستهزئين كما يجئ، ويكتب الاخير المتحرك ما قبله بحرف حركة ما قبله سواء كان متحركا كما في يقرأ ويردؤ ويقرئ، أو ساكنا كما في لم يقرأ ولم يردؤ ولم يقرئ، وذلك لان الحركة تسقط في الوقف، ومبنى الخط على الوقف فتدبر الهمزة بحركة ما قبلها وأما إن كانت الاخيرة في حكم الوسط وهو إذا اتصل بها غير مستقل فهى في حكم المتوسطة، نحو يقرؤه ويقرئه ونحو ذلك، وكان قياس نحو السماء والبناء أن تكتب همزته بالالف لان الاكثر قلب مثلها ألفا في الوقف كما مر في باب

تخفيف الهمزة (1)، لكنه استكره صورة ألفين، ولذا لم تكتب في نحو قولك: علمت نبئا، صورة للهمزة هذا كله حكم كتابتها إذا كانت مما تخفف بالقلب بلا إدغام، فإن كانت
تخفف بالحذف، فإن كانت أخيرا فانها تحذف في الخط أيضا نحو خب ء، وجزء ودف ء، وذلك لان الاخر محل التخفيف بالحذف خطا كما هو محل التخفيف لفظا، وإن كان في الوسط كيسأل ويسئم ويلؤم، أو في حكم الوسط باتصال غير مستقل بها نحو جزأك وجزؤك وجزئك، فالاكثر أنها لا تحذف خطا وإن كان التخفيف بحذفها، وذلك لان حذفك في الخط لما هو ثابت لفظا خلاف القياس اغتفر ذلك في الاخر الذى هو محل التخفيف، فيبقى الوسط ثابتا على أصله فلما لم يحذف ولم تبن كتابتها على التخفيف أعيرت صورة حرف حركتها، لان حركتها أقرب الاشياء إليها فكتبت مسألة ويلؤم ويسم وسوءة وجزأك وجزؤك وجزئك بتدبير حركة الهمزات، وإن كانت تخفف بالقلب مع الادغام حذفت في الخط سواء كانت في الطرف كالمقروء والنبئ، أو في الوسط كالقروآء على وزن البروكاء (2) أو في حكم الوسط كالبرية والمقروة، وذلك لانك في اللفظ تقلبها إلى الحرف الذى قبلها وتجعلها مع ذلك الحرف بالادغام كحرف واحد، فكذا جعلت في الخط هذا، وبعضهم يبنى الكتابة في الوسط أيضا على التخفيف فيحذفها خطا في كل ما يخفف فيه لفظا بالحذف أو الادغام، وبعضهم يحذف المفتوحة فقط لكثرة مجيئها نحو مسلة، ويسل، وإنما لم تكتب الهمزة في أول الكلمة إلا بالالف وإن كانت قد تخفف بالحذف كما في الارض وقد افلح لان مبنى الخط على الوقف
__________
(1) انظر (ص 43، 44 من هذا الجزء) (2) البروكاء: الثبات في الحرب، وانظر (ح 1 ص 248) (*)

والابتداء، وإذا كانت الكلمة التى في أولها الهمزة مبتدأ بها لم تخفف همزتها فتكتب بالصورة التى كانت لها في الاصل وإن كانت مشتركة
فان قيل: إذا اتصل بآخر الكلمة غير مستقل نحو جزؤه ويجزئه تجعل الهمزة التى حقها الحذف كالمتوسطة فهلا تجعل المصدرة التى حقها هذه الصورة (ا) إذا اتصل بها غير مستقل نحو الارض وبأحد ولاحد كالمتوسطة قلت: لانى إذا جعلت الهمز الذى حقه الحذف ذا صورة فقد رددته من الحذف الذى هو أبعد الاشياء من أصله أعنى كونه على هذه الصورة (ا) إلى ما هو قريب من أصله وهو تصوره بصورة ما وإن لم تكن صورته الاصلية، وإذا غيرت ما حقه هذه الصورة أي المصورة بالحذف أو باعارتها صورة الواو والياء فقد أخرجت الشئ عن أصله إلى غيره، فلهذا لم تجعل المصدرة في الخط كالمتوسطة إلا في لئلا كما يجئ قوله " فيما لا صورة له تخصه " إنما قال ذلك لان هذه الصورة (ا) مشتركة في أصل الوضع بين الهمزة والالف كما مضى قوله " فيما خولف ": أي خولف به عن أصل الكتابة الذى كان حق الخط أن يكون عليه قوله " الاول الالف مطلقا ": أي مضمومة كانت أو مفتوحة أو مكسورة، وذلك لما قلنا قوله " يكتب بحرف حركته " إلا أن يكون تخفيفه بالادغام كسؤال على وزن طومار (1) فانه يحذف كما ذكرنا قوله " ومنهم من يحذف المفتوحة " أي: يحذف من جملة ما يخفف بالنقل
__________
(1) الطومار: الصحيفة.
وانظر (ح 1 ص 198، 217) ثم انظر (ص 76 من هذا الجزء) (*)

المفتوحة فقط نحو يسئل ومسألة، ولا يحذف نحو يلؤم ويسئم
قوله " والاكثر على حذف المفتوحة " أي: أن الاكثرين يحذفون المفتوحة فقط بعد الالف نحو ساءل، ولا يحذفونها بعد ساكن آخر، ولا يحذفون غير المفتوحة بعد ساكن قوله " ومنهم من يحذفها في الجميع " أي: يحذف الهمزة المتوسطة الساكن ما قبلها، سواء خففت بالقلب أو بالحذف أو بالادغام قوله " كيف كان " أي: متحركا أو ساكنا قوله " إلا في نحو مقروة وبرية " إذ حقها الادغام كما ذكرنا قوله " لئلا لكثرته " أي لكثرة استعماله صار لام لئلا متصلا بالهمزة وإن كان متصلا بلا، فصارت الثلاثة ككلمة واحدة نحو فئة قوله " أو لكراهة صورته " أي لو كتب هكذا (لا لا) قوله " وكل همزة بعدها حرف مد " في الوسط كانت كرءوف ونئيم وسئال أو في الطرف نحو خطئا في النصب ومستهزؤون ومستهزءين، حذفت إذا لم يلتبس لاجتماع المثلين، والاكثر على أن الياء لا تحذف، لان صورتها ليست مستقلة كنئيم ومستهزئين، وهذا معنى قوله " وقد يكتب الياء " وأما في الطرف فقد يكتب الياءان لاختلاف صورتيهما نحو ردائي قوله " بخلاف قرأا ويقرأ ان " فانهما لو كتبا بألف واحدة لا لتبس قرأا بالمسند إلى ضمير الواحد ويقرأ ان بالمسند إلى ضمير جمع المؤنث قوله " بخلاف مستهزئين في المثنى لعدم المد " ليس بتعليل جيد، لان المد لا تأثير له في الخط، بل إنما كان الحذف لاجتماع المثلين خطا، وهو حاصل: سواء كان الثاني مدا أو غير مد، بل الوجه الصحيح أن يقال: إن الاصل ان لا تحذف الياء كما ذكرنا لخفة كتابتها على الواو كما ذكرنا، بخلاف الواوين والالفين مع

أن أصل مستهزئين وهو مستهزئان ثبت فيه للهمز صورة، فحمل الفرع عليه في ثوبتها، وأما أصل مستهزئين في الجمع فلم يكن للهمز فيه صورة نحو مستهزءون لاجتماع الواوين فحمل الفرع عليه قوله " أو للفتح الاصلى " يعنى لم يكن في الاصل مدا، وقد ذكرنا ما عليه، وكذا قوله " للتشديد " أي: لم يكن مدا قوله " واللبس " أي: يلتبس بلم تقرى من القرى قال: " وأما الوصل فقد وصلوا الحروف وشبهها بما الحرفية، نحو إنما إلهكم إله وأينما تكن أكن وكلما أتيتني أكرمتك، بخلاف إن ما عندي حسن وأين ما وعدتني وكل ما عندي حسن، وكذلك عن ما ومن ما في الوجهين، وقد تكتبان متصلتين مطلقا لوجوب الادغام، ولم يصلوا متى، لما يلزم من تغيير الياء، ووصلوا أن الناصبة للفعل مع لا بخلاف المخففة نحو علمت أن لا يقوم، ووصلوا إن الشرطية بلا وما، نحو إلا تفعلوه وإما تخافن، وحذفت النون في الجميع، لتأكيد الاتصال، ووصلوا نحو يومئذ وحينئذ في مذهب البناء فمن ثم كتبت الهمزة ياء، وكتبوا نحو الرجل على المذهبين متصلا، لان الهمزة كالعدم، أو اختصارا للكثرة ".
أقول: قوله " الحروف وشبهها " أي: الاسماء التى فيها معنى الشرط أو الاستفهام نحو أينما وحيثما وكلما، وكان ينبغى أن يقول: بما الحرفية غير المصدرية، لان " ما " المصدرية حرفيية على الاكثر ومع هذا تكتب منفصلة نحو إن ما صنعت عجب: أي صنعك عجب، وإنما كتب المصدرية منفصلة مع كونها حرفية غير مستقلة أيضا تنبيها على كونها مع ما بعدها كاسم واحد، فهى من تمام ما بعدها لا ما قبلها قوله " في الوجهين " أي: إن كان " ما " حرفا نحو عما قليل ومما خطيئاتهم

وصلت، لان الاولى والثانية حرفان ولهما اتصال آخر من حيث وجوب إدغام آخر الاولى في أول الثانيه، وإن كانت " ما " اسمية نحو بعدت عن ما رأيت، وأخذت من ما أخذت، فصلت لانفصال الاسمية لسبب استقلالها، وقد تكتب الاسمية أيضا متصلة، لكونها كالحرفية لفظا على حرفين، ولمشابهتها لها معنى، ولكثرة الاستعمال، ولاتصالها اللفظى بالادغام، وهو معنى قوله " لوجوب الادغام " وقوله " مطلقا " أي: اسمية كانت أو حرفية قوله " متى " يعنى في قولهم: متى ما تركب أركب قوله " لما يلزم من تغيير الياء " يعنى لو وصلت كتبت الياء ألفا فيكتب متى ما كعلام وإلام وحتام، ولا أدرى أي فساد يلزم من كتب ياء متى ألفا كما كتبت في علام وإلام ؟ والظاهر أنها لم توصل لقلة استعمالها معها، بخلاف علام وإلام قوله " أن الناصبة للفعل " في لئلا، المخففة، لان الناصبة متصلة بما بعدها معنى من حيث كونها مصدرية ولفظا من حيث الادغام، والمخففة وإن كانت كذلك إلا أنها منفصلة تقديرا بدخلوها على ضمير شأن مقدر بخلاف الناصبة.
قوله " ووصلوا إن الشرطية بلا وما دون المخففة والزائدة " نحو أن لا أظنك من الكاذبين، وأن ما قلت حسن، لكثرة استعمال إن الشرطية وتأثيرها في الشرط بخلافهما قوله " وحذفت النون في الجميع " أي: لم يكتب هكذا: منما وعنما ولئنلا وإنلا وإنما، بنون ظاهرة، بل أدغم مع الاتصال المذكور لتأكيد الاتصال، وإنما ذكر هذه لانه لم يذكر قبل إلا الاتصال، والاتصال غير الادغام كما صورنا.
قوله " في مذهب البناء " أي: إذا بنى الظرف المقدم على إذ، لان البناء
دليل شدة اتصال الظرف بإذ، والاكثر كتابتهما متصلين على مذهب الاعراب

أيضا، حملا على البناء، لانه أكثر من الاعراب قوله " فمن ثم " أي: من جهة اتصال الظرف بإذ وكون الهمزة متوسطة كتبت ياء كما في سئم، وإلا فالهمزة في الاول، فكان حقها أن تكتب ألفا كما في بأحد ولابل قوله " على المذهبين " أي: مذهب الخليل وسيبويه: أما على مذهب سيبويه فظاهر، لان اللام وحدها هي المعرفة، فهى لا تستقل حتى تكتب منفصلة، وأما على مذهب الخليل وهو كونها كبل وهل، فإنما كتبت متصلة أيضا لان الهمزة وإن لم تكن للوصل عنده لكنها تحذف في الدرج فصارت كالعدم، أو يقال: الالف واللام كثيرة الاستعمال فخفف خطا بخلاف هل وبل قال: " وأما الزيادة فإنهم زادوا بعد واو الجمع المتطرفة في الفعل ألفا نحو أكلوا وشربوا فرقا بينها في التأكيد بألف، وفى المفعول بغير ألف، ومنهم من يكتبها في نحو شاربوا الماء، ومنهم من يحذفها في الجميع، وزادوا في مائة ألفا فرقا بينها وبين منه، وألحقوا المثنى به، بخلاف الجمع وزادوا في عمرو واوا فرقا بينه وبين عمر مع الكثرة، ومن ثم لم يزيدوه في النصب، وزادوا في أولئك واوا فرقا بينه وبين إليك، وأجرى أولاء عليه، وزادوا في أولى واوا فرقا بينه وبين إلى، وأجرى أولو عليه ".
أقول: قوله " المتطرفة " احتراز عن نحو ضربوهم وضربوك وضربوه، والاصل أن لا تكتب الالف إلا في واو الجمع المنفصلة، نحو مروا، وعبروا إذ المتصلة لا تلتبس بواو العطف، إذ هي لا تكتب إلا منفصلة، لكنه طرد
الحكم في الجميع، كما أنه كتب في نحو عبروا وإن لم يأت بعده ما يمكن أن يكون

معطوفا، لما كان يلبس في بضع المواضع، نحو إن عبروا ضربتهم قوله " بخلاف يدعو ويغزو " لان الواو التى هي اللام لا تنفصل عن الكلمة كواو الجمع حتى لا تلتبس بواو العطف، وهى من تمام الكلمة: متصلة كانت في الخط كيدعو، أو منفصلة كيغزو قوله " في التأكيد بألف " لان الواو إذن متطرفة، بخلاف واو ضربوهم، إذا كان " هم " مفعولا، والاكثرون لا يكتبون الالف في واو الجمع الاسمى نحو شاربو الماء، لكونه أقل استعمالا من الفعل المتصل به واو الجمع، فلم يبال اللبس فيه إن وقع لقلته، ومنهم من يحذف الالف في الفعل والاسم لندور الالتباس فيهما، وإنما ألحق مائتان بمائة في إلحاق الالف دون مئات ومئين وإن لم يحصل اللبس لا في المثنى ولا في المجموع، لان لفظ المفرد باق في المثنى، بخلاف الجمع، إذ تاء المفرد تسقط فيه قال: " وأما النقص فإنهم كتبوا كل مشدد من كلمة حرفا واحدا نحو شد ومد وادكر، وأجرى، نحو قتت مجراه، بخلاف نحو وعدت واجبهه، وبخلاف لام التعريف مطلقا نحو اللحم والرجل، لكونهما كلمتين، ولكثرة اللبس، بخلاف الذى والتى والذين لكونها لا تنفصل، ونحو اللذين في التثنية بلامين للفرق، وحمل اللتين عليه، وكذا اللاءون وأخواته، ونحو عم ومم وإما وإلا ليس بقياس، ونقصوا من بسم الله الرحمن الرحيم الالف لكثرته بخلاف باسم الله وباسم ربك ونحوه، وكذلك الالف من اسم الله والرحمن مطلقا، ونقصوا من نحو للرجل وللرجل وللدار وللدار جرا وابتداء الالف لئلا يلتبس بالنفى، بخلاف بالرجل ونحوه، ونقصوا مع
الالف واللام مما في أوله لام نحو للحم وللبن كراهية اجتماع ثلاث لامات، ونقصوا من نحو أبنك بار في الاستفهام وأصطفى البنات ألف الوصل، وجاء

في آلرجل الامران، ونقصوا من ابن إذا وقع صفة بين علمين ألفه مثل هذا زيد بن عمرو، بخلاف زيد ابن عمرو، وبخلاف المثنى، ونقصوا ألف ها مع اسم الاشارة نحو هذا وهذه وهذان وهؤلاء، بخلاف هاتا وهاتى لقلته، فإن جاءت الكاف ردت، نحو هاذاك وهاذانك، لاتصال الكاف ونقصوا الالف من ذلك وأولئك، ومن الثلث والثلثين، ومن لكن ولكن، ونقص كثير الواو من داود والالف من إبراهيم وإسماعيل وإسحق وبعضهم الالف من عثمان وسليمان ومعاوية " أقول: قوله " كل مشدد من كلمة " احتراز من نحو شكر ربك قوله " شد ومد " مثال لمثلين في كلمة قوله " ادكر " مثال المتقاربين في كلمة وإنما كتب المشدد حرفا في كلمة للزوم جعلهما في اللفظ كحرف بالتشديد، فجعلا في الخط حرفا، وأما إذا كانا في كلمتين فلا يلزم جعلهما كحرف في اللفظ فلم يجعلا أيضا حرف في الخط، وأيضا فإن مبنى الكتابة على الوقف والابتداء، وإذا كان كذا فلا يلتقى إذن مثلان ولا متقاربان حتى يكتبا حرفا قوله " وأجرى قتت " وذلك لكون التاء بكونه فاعلا وضميرا متصلا كجزء الفعل، فجعلا في الخط حرفا، لوجوب الادغام بسبب تماثلهما، وأما في وعدت فلم يكتبا حرفا لعدم لزوم الادغام وعدم تماثلهما في الخط، ولا اجبهه، لانهما وإن كانا مثلين والثانى ضمير متصل لكنه ليس كالجزء من الفعل، لكونه فضلة، إذ هو مفعول
قوله " وبخلاف لام التعريف مطلقا " أي: سواء كان بعدها لام كاللحم، أو غيرها مما تدغم فيه كالرجل، فإنها لا تنقص في الخط في الموضعين، لكون لام التعريف وما دخلته كلمتين، وقد احترز عنه بقوله " في كلمة " وأما

اتصال تاء قتت فهو أشد من اتصال كل اسم متصل باسم، لما ذكرنا من الوجهين، مع أنه قد يكتب قتت بثلاث تاءات قوله " ولكثرة اللبس " يعنى لو كتب هكذا الحم وارجل لا لتبس بالمجرد عن اللام إذا دخل عليه همزة الاستفهام أو حرف النداء، وأما الذى التى واللذين في الجمع فإنه لا لبس فيها، إذ اللام لازمة لها، فلا يلتبس بالمجرد الداخل عليه الهمزة، وإنما يكتب اللذين في التثنية بلام وإن كانت في الاصل لام التعريف أيضا فرقا بين المثنى والمجموع، وحمل اللذان رفعا عليه، وكذا اللتان واللتين، وإن لم يكن ليس، إجراء لباب المثنى مجرى واحدا، وكان إثبات اللام في المثنى أولى منه في الجمع، لكون المثنى أخف معنى من الجمع، فخفف الجمع لفظا دلالة على ثقل معناه قوله " وكذا الاءون وأخواته " أي اللاتى، واللائى، واللواتي، واللواء، وذلك لانها أجريت مجرى اللاء الذى لو كتب بلام واحدة لا لتبس بألا قوله " ليس بقياس " لانهما كلمتان، وكذا لئلا، وكان حق المشدد أن يكتب حرفين، وهذا وإن كان على خلاف القياس إلا أن وجه كتابتهما حرفا واحدا ما تقدم في ذكر الوصل من شدة الاتصال وكثرة الاستعمال قوله " لكثرته " أي حذف ألف اسم إذا كان في البسملة لكثرة استعمالها بخلاف نحو باسم ربك، فإنها ليست كثيرة الاستعمال، وكذا إذا اقتصرت على باسم الله، نحو: باسم الله أصول
قوله " الله والرحمن مطلقا " أي: سواء كانا في البسلمة أولا قوله " جرا وابتداء " أي: سواء كانت اللام جارة أو لام الابتداء قوله " لئلا يلتبس بالنفى " إذ لو كتب هكذا لا لرجل التبس بلا لرجل ولا للنفي، وأما نحو بالرجل وكالرجل فلا يلتبس بشئ

قوله " كراهية اجتماع ثلاث لامات " يعنى لو كتب هكذا اللحم، وفيما قال نظر، لان الاحوط في مثله أن يكتب بثلاث لامات، لئلا يلتبس المعرف بالمنكر قوله " أبنك بار، وأصطفى البنات " يعنى إذا دخلت همزة الاستفهام على همزة وصل مكسورة أو مضمومة فانهم يحذفون همزة الوصل خطا كراهة اجتماع ألفين، ودلالة على وجوب حذفهما لفظا، بخلاف نحو الرجل فإنه يجوز فيه الحذف كراهة اجتماعهما خطا، ويجوز الاثبات دلالة على إثباتهما لفظا قوله " إذا وقع صفة " احتراز من كونه خبر المبتدأ نحو: زيد ابن عمرو، وقوله " بين علمين " احتراز من مثل جاءني زيد ابن أخينا، والرجل ابن زيد، والعالم ابن الفاضل، وذلك لان الابن الجامع للوصفين كثير الاستعمال فحذف ألف ابن خطا كما حذف تنوين موصوفه لفظا.
على ما ذكرنا في باب النداء، ونقص التنوين خطا من كل منون فرقا بين النون الاصلى والنون العارض غير اللازم، وأما نون اضربن فانما كتبت لعسر تبيها، عن ما تقدم، بخلاف التنوين، فانه لازم لكل معرب لا مانع فيه منه، فيعرف إذن ثبوته بعدم المانع، وإن لم يثبت خطا قوله " ونقصوا ألف ها مع اسم الاشارة " لكثرة استعمالها معه وأما هاتا وهاتى فقليلان، فان جاءت الكاف ردت ألف " ها " فيما حذفت منه لقلة استعمال اسم الاشارة المصدر بحرف التنبيه المكسوع بحرف الخطاب
قوله " لاتصال الكاف " يعنى أن الكاف لكونها حرفا وجب اتصالها بالكلمة لفظا، إذ صارت كجزئها فتثاقلت الكلمة فخففت بحذف ألف ها، وفيما قال بعد، لان الكلمة لم تتثاقل خطا، إذ الالف منفصلة، فلم يحصل بكون الكاف حرفا امتزاج في الخط بين ثلاث كلمات، وكلامنا في الخط لا في اللفظ إلا أن يقول: نقصوا في الخط تنبيها على الامتزاج المعنوي.

قوله " نقصوا الالف من ذلك وأولئك ومن الثلث والثلثين " وذلك لكثرة الاستعمال، ونقص كثير من الكتاب الواو من داود، لاجتماع الواوين، وبعضهم يكتبها، ونقص بعضهم الالف من عثمان وسليمان ومعاوية، والقدماء من وراقى الكوفة (كانوا) ينقصون على الاطراد الالف المتوسطة إذا كانت متصلة بما قبلها نحو الكفرون والناصرون وسلطن ونحوه.
قال: " وأما البدل فانهم كتبوا كل ألف رابعة فصاعدا في اسم أو فعل ياء إلا فيما قبلها ياء إلا في نحو يحيى وريى علمين، وأما الثالثة فإن كانت عن ياء كتبت ياء وإلا فبالالف، ومنهم من يكتب الباب كله بالاف وعلى كتبه بالياء فان كان منونا فالمختار أنه كذلك وهو قياس المبرد، وقياس المازنى بالالف، وقياس سيبويه: المنصوب بالالف وما سواه بالياء، ويتعرف الواو من الياء بالتثنية نحو فتيان وعصوان وبالجمع نحو الفتيات والقنوات وبالمرة نحو رمية وغزوة وبالنوع نحو رمية وغزوة، وبرد الفعل إلى نفسك نحو رميت وغزوت: وبالمضارع نحو يرمى ويغزو، وبكون الفاء واوا نحو وعى، وبكون العين واوا نحو شوى إلا ما شذ نحو القوى والصوا، فإن جهلت: فإن أميلت فالياء نحو متى، وإلا فالالف وإنما كتبوا لدى بالياء لقولهم لديك وكلا كتبت على الوجهين
لاحتمالها، وأما الحروف فلم يكتب منها بالياء غير بلى وإلى وعلى وحتى، والله أعلم بالصواب ".
أقول: إنما كتبت الالف الرابعة المذكورة ياء دلالة على الامالة، وعلى انقلابها ياء، نحو يغزيان ويرضيان وأغزيت وأعليان ومصطفيان ونحوها، وإن كان قبلها ياء كتبت ألفا، وإن كانت على الصفة المذكورة أيضا نحو أحيا واستحيا، كراهة لاجتماع ياءين، وإن اختلفا صورة، إلا في نحو يحيى وريى علمين،

وكذا ما أشبههما، فانه يكتب بالياء، فرقا بين العلم وغيره، والعلم بالياء أولى، لكونه أقل فيحتمل فيه الثقل.
قوله " وأما الثالثة " أي: الالف الثالثة.
قوله " ومنهم من يكتب الباب كله " أي: جميع باب المقصورة: ثالثة كانت، أو رابعة، أو فوقها، عن الياء كانت أو عن غيرها، بالالف على الاصل، وقد كتبت الصلاة والزكاة بالواو، دلالة على ألف التفخيم، كما مر قوله " فان كان منونا " أي: اسما مقصورا منونا، لان الذى في آخره ألف وهو منون لا يكون إلا اسما مقصورا قوله " ويتعرف الياء من الواو " لما ذكر في الثلاثي أنه يكتب بياء إن كانت ألفه عن ياء وإلا فبالالف ذكر ما يعرف به الثلاثي الواوى من اليائى قوله " بالتثنية " أي: إن سمعت، وكذا إن سمع الجمع، وغير ذلك قوله " وبالمضارع " كما مر في باب المضارع من أن الناقص الواوى مضموم العين، واليائى مكسورها قوله " وبكون الفاء واوا " كما مر في أول باب الاعلال قوله " وإنما كتبوا لدى " وإن لم تمل بالياء لقولهم لديك
قوله " لاحتمالها " لان قلبها في كلتا تاء مشعر بكون اللام واو كما في أخت، قال المصنف: وإمالتها تدل على الياء، لان الكسرة لاتمال لها ألف ثالثة عن واو، وقد مر الكلام عليه في باب الامالة قوله " غير بلى " وذلك لامالتها قوله " وإلى وعلى " وذلك لقولهم: إليك، وعليك، وأما حتى فللحمل على إلى والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الامي العربي وآله الاطياب، وسلم تسليما كثيرا

قد اعتمدنا في تصحيح هذا الكتاب - سوى جميع النسخ المطبوعة - على نسخة خطية فرغ ناسخها من كتابتها في شهر صفر الخير من عام سبع وخمسين وسبعمائة، وقد وجد بآخر هذه النسخة ما نصه: " والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد وعترته الطاهرين، وسلم تسليما كثيرا، وفق الله تعالى لاتمام تصنيفه في ربيع الاول سنة ثمان وثمانين وستمائة بالحضرة الشريفة المقدسة الغروية على مشرفها أفضل التحية والسلام ".
فنهاية تأليف هذا الشرح هي سنة وفاة الشارح رحمه الله، وبين كتابة النسخة التى اعتمدنا عليها في تصحيح الكتاب ووفاة المؤلف تسعة وستون عاما.
والله الموفق والمستعان، وهو وحده الذى يجزى المحسنين

قد تم - بعون الله تعالى، وحسن توفيقه - مراجعة الجزء الثالث من كتاب " شرح شافية ابن الحاجب " للعلامة رضى الدين الاسترابادي، وتحقيقه، والتعليق عليه، في ستة أشهر آخرها ليلة الاثنين المبارك الموافق 24 من شهر رمضان
قوله " وإلى وعلى " وذلك لقولهم: إليك، وعليك، وأما حتى فللحمل على إلى والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الامي العربي وآله الاطياب، وسلم تسليما كثيرا

قد اعتمدنا في تصحيح هذا الكتاب - سوى جميع النسخ المطبوعة - على نسخة خطية فرغ ناسخها من كتابتها في شهر صفر الخير من عام سبع وخمسين وسبعمائة، وقد وجد بآخر هذه النسخة ما نصه: " والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد وعترته الطاهرين، وسلم تسليما كثيرا، وفق الله تعالى لاتمام تصنيفه في ربيع الاول سنة ثمان وثمانين وستمائة بالحضرة الشريفة المقدسة الغروية على مشرفها أفضل التحية والسلام ".
فنهاية تأليف هذا الشرح هي سنة وفاة الشارح رحمه الله، وبين كتابة النسخة التى اعتمدنا عليها في تصحيح الكتاب ووفاة المؤلف تسعة وستون عاما.
والله الموفق والمستعان، وهو وحده الذى يجزى المحسنين

قد تم - بعون الله تعالى، وحسن توفيقه - مراجعة الجزء الثالث من كتاب " شرح شافية ابن الحاجب " للعلامة رضى الدين الاسترابادي، وتحقيقه، والتعليق عليه، في ستة أشهر آخرها ليلة الاثنين المبارك الموافق 24 من شهر رمضان المبارك عام ثمان وخمسين بعد الثلثمائة والالف من هجرة الرسول الاكرم سيدنا محمد ابن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبه ينتهى هذا الكتاب، وسنلحقه - إن شاء الله تعالى - بشرح شواهده للعلامة عبد القادر البغدادي المتوفى في عام 1093 من الهجرة

شرح شافية ابن الحاجب - رضي الدين الأستراباذي ج 4
شرح شافية ابن الحاجب
رضي الدين الأستراباذي ج 4

شرح شافية ابن الحاجب تأليف الشيخ رضى الدين محمد بن الحسن الاستر اباذي النحوي 686 ه مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الادب المتوفى في عام 1093 من الهجرة حققهما، وضبط غريبهما، وشرح مبهمها، الاساتذة محمد نور الحسن المدرس في تخصيص كلية اللغة العربية محمد الزفزاف المدرس في كلية اللغة العربية محمد محيى الدين عبد الحميد المدرس في تخصص كلية اللغة العربية القسم الثاني وهو خاص بشرح الشواهد دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

[ جميع حق الطبع محفوظ للشراح ] 1395 ه - 1975 م بيروت - لبنان

بسم الله الرحمن الرحيم وبه العون
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد أفضل المرسلين، وعلى آله وأصحابه الطاهرين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين وبعد، فلما فرغت بتوفيق الله من شرح شواهد الكافية لنجم الائمة الشيخ الرضى الاستراباذى (1)، رحمه الله وتجاوز عنه، رأيت أن ألحق به شرح أبيات شواهد الشافية له أيضا، وهى مائة وستة وتسعون بيتا (2)، لكونهما ككتاب واحد متنا وشرحا، فكذلك ينبغى أن يكون شرح أبياتهما وأشار إلى بعض الافاضل بأن أضم إليها أبيات شرح المحقق العلامة أحمد ابن الحسن الجاربردى التى انفرد بها، لمسيس الحاجة إليها لكثرة تداولها تدريسا ومراجعة، حتى يعم النفع، وهى اثنان وخمسون بيتا، فأجبته إلى ذلك وشرعت مسعينا بالله ذى الطول والاعانة، في يوم الخميس الرابع والعشرين من جمادى الاخرة من سنة تسع وسبعين وألف، أسأل الله إتمامه، والنفع به، آمين
__________
(1) الاستراباذى: نسبة إلى مدينة أستراباذ، وهى بفتح الهمزة وسكون السين بعدها تاء مثناة مفتوحة وآخره ذال معجمة: بلدة كبيرة مشهورة من أعمال طبرستان بين سارية وجرجان (2) ترك المؤلف بعض الشواهد فلم يتكلم عليها، ولعل عذره في ذلك اختلاف النسخ، وتجد ذلك موضحا تمام التوضيح في حواشينا على شرح الشافية، فقد نبهنا هناك على الابيات التى لم يشرحها، وذكرنا ما سقط منها من بعض نسخ الشرح (*)

أبنية الاسم أنشد الجاربردى (ص 19) (من الرجز) 1 - فهو ذا، فقد رجا الناس الغير * من أمرهم على يديك والثؤر (1)
من آل صعفوق وأتباع أخر * الطامعين لا يبالون الغمر (2) على أن صعفوقا على فعلول بالفتح نادر، وهو الذى قل وجوده وإن كان على القياس، والشاذ: هو الذى على خلاف القياس، وإن كان كثيرا، والضعيف: هو الذى في ثبوته كلام قال الامام أبو منصور موهوب بن أحمد الجواليقى في كتاب المعربات: صعفوق اسم أعجمى، وقد تكلمت به العرب، يقال: بنو صعفوق خول باليمامة، وقال العجاج: * فهو ذا لقد رجا الناس الغير * إلى آخر الابيات، وقال يخاطب عمر بن عبيد الله بن معمر " هوذا " أي الامر هو الذى ذكرته من مدحى لعمر، " والغير ": أي رجوا أن يتغير أمرهم من فساد إلى صلاح بامارتك ونظرك في أمرهم ودفع الخوارج عنهم، والثؤر: جمع ثؤرة، وهو الثأر، أي أملوا أن تثأر بمن قتلت الخوارج من المسلمين انتهى، ونقله الجاربردى وعمر بن عبيد الله هذا كان عبد الملك بن مروان ولاه حرب أبى فديك الحروري، فأوقع به، وأراد العجاج تحقير أمر الخوارج، فوصفهم بأنهم سوقة
__________
(1) في ديوان العجاج (ص 16) * ها فهو ذا، فقد رجا...* وفى أصول الكتاب *...لقد رجا الناس...* (2) في شرح الجاربردى * الطاعمين...* وفى أصول كتابنا * الطاعنين...* وفى ديوان العجاج * من طامعين...* (*)

وعبيد، وأتباع، اجتمعوا إلى (أبى) فديك، وليسوا ممن يقاتل على حسب ويرجع إلى دين صحيح ومنصب، والرواية هنا " فهو ذا فقد رجا " بسكون هاء (1) فهو، ومعناه خذا أبا فديك، فهو هذا قد أمكنك، والناس قد رجوا أن يغير الله هذه الحال على يديك، ويثأر لهم من الخوارج، والثؤرة بالهمزة كعقدة، وجمعها ثؤر كعقد،
بمعنى الثأر أيضا بالهمز، ويسهل، وهو الحقد، يقال: ثأرت القتيل، وثأرت به، من باب نفع، إذا قتلت قاتله، وقد جمعهما الشاعر فقال (من الطويل): طلبت به ثأري فادركت ثؤرثى * بنى عامر هل كنت في ثؤرتى نكسا (2) والنكس - بالكسر -: الضعيف العاجز، والغير - بكسر ففتح - اسم من قولك: غيرت الشئ تغييرا، ويأتى جمع غيرة أيضا، بمعنى الدية، وليس هذا بمراد هنا، يقال: غارنى الرجل يغيرنى: أي أعطاني الدية، والاسم الغيرة بالكسر وجمعها غير، قال هدبة بن الخشرم (من البسيط): لنجدعن بأيدينا أنوفكم * بنى أمية إن لم تقبلوا الغيرا قال ابن السيد في شرح أدب الكاتب: بنو صعفوق كانوا يخدمون السلطان باليمامة، كان معاوية بن أبى سفيان قد صيرهم بها، وقال الاصمعي: صعفوق قرية باليمامة، كان ينزلها خول السلطان، وقال ابن الاعرابي: يقال هو صعفقى فيهم، والصعافقة: قوم من بقايا الامم الخالية باليمامة ضلت أنسابهم، وقيل: هم الذين يشهدون الاسواق ولا بضائع لهم فيشترون ويبيعون ويأخذون الارباح، انتهى *
__________
(1) أي على حذف حرفين من أول البيت، وهو محتمل عند بعض العروضيين، ومجازه عندهم أنه حذف الثاني الساكن، ثم خرم بحذف الحرف الاول، ومنع ذلك الخليل (2) في اللسان (مادة ث أ ر) * شفيت به نفسي...بنى مالك...* وفيه أيضا * قتلت به ثأري...* على أن الثأر هو الرجل المطلوب بدم حميمك (*)

وفى العباب قال الليث: الصعافقه خول لبنى مروان أنزلهم اليمامة (1)، ومروان بن أبى حفصة منهم، ولا يجئ في الكلام فعلول إلا صعفوق، والصعافقة قوم يشهدون السوق للتجارة وليس لهم رءوس أموال، فإذا اشترى التجار شيئا دخلوا معهم،
الواحد منهم صعفقى وصعفق، وجمعهم صعافقة وصعافيق.
قال: والصعفوق: اللئيم من الرجال، وهم الصعافقة، كان آباؤهم عبيدا فاستعربوا، قال العجاج: * من الصعافيق وأتباع أخر * (و) قال أعرابي: ما هؤلاء الصعافقة حولك ؟ ويقال: هم بالحجاز مسكنهم، وهم رذالة الناس، انتهى ما قاله الليث، وقال غيره: صعفوق: قرية باليمامة قد شق فيها قناة يجرى منا نهر كبير، وبعضهم يقول صعفوق بالهاء، وصعفوق لا ينصرف للعجمة والمعرفة ووزنه نادر، انتهى كلام العباب.
واعلم أن العرب إذا عربت كلمة أعجمية لا تلتزم إلحاقها بأوزانهم، بل قد تلحقها وهو الاكثر، وقد تتركها على حالها فلا تلحقها، قال سيبويه في الاسم المعرب من العجم وهم ما عدا العرب: ربما ألحقوه بأبنية كلامهم، وربما لم يلحقوه، وذكر مما ألحق بأبنيتهم قولهم درهم بهرج، وما لم يلحق نحو آجر وفرند وإبريسم، وتحقيقه أن تلك الكلمة المعربة لا تخلو من أن تكون مغيرة بنوع تصرف من تبديل وتغيير حركة، أولا تكون مغيرة أصلا، وعلى كل من التقديرين لا تخلو من أن تكون ملحقة بأبنيتهم، أولا، فالاقسام أربعة: أحدها ما لم تتغير ولم تكن ملحقة كخراسان، وثانيها ما لم تتغير ولكن كانت ملحقة كخرم، وثالثها ما تغيرت ولكن لم تكن ملحقة بها كآجر، ورابعها ما تغيرت وكانت ملحقة بها كدرهم وصعفوق من القسم الثالث، وليست بكلمة فارسية إذ الصاد والقاف مهجوران في لغة الفرس، إلا إن كانا في كلمة دخيلة في لغتهم.
وفى قوله " من آل صعفوق " إشكال من جهة إضافة " آل " فانهم قالوا:
__________
(1) سبق قريبا عن ابن السيد أن الذى أنزلهم اليمامة معاوية (*)

إنها لا تضاف إلا لمن له شرف وخطر، وصعفوق قد عرفت حاله، ولا يرد هذا على
الرواية الاخرى، وهى * من الصعافيق وأتباع أخر * وأبو فديك المذكور بضم الفاء وفتح الدال، وهو أبو فديك عبد الله بن ثور من بنى قيس بن ثعلبة الخارجي، كان أولا من أتباع نافع بن الازرق رئيس الخوارج، ثم صار أميرا عليهم في مدة ابن الزبير، وكان الخوارج متغلبين على البحرين وما والاها، فلما كانت سنة اثنتين وسبعين من الهجرة بعث خالد بن عبد الله أمير البصرة أخاه أمية بن عبد الله في جند كثيف على أبى فديك إلى البحرين، فهزمه أبو فديك، فكتب إلى عبد الملك بن مروان بذلك، فأمر عبد الملك عمر بن عبيد الله ابن معمر أن يندب الناس مع أهل الكوفة والبصرة ويسير إلى قتاله، فانتدب معه عشرة آلاف، وسار بهم حتى انتهوا إلى البحرين، فالتقوا، واصطفوا للقتال، فحمل أبو فديك وأصحابه حملة رجل واحد فكشفوا الميسرة، ثم رجع أهل الميسرة وقاتلوا واشتد قتالهم حتى دخلوا عسكر الخوارج، وحمل أهل الميمنة حتى استباحوا عسكر الخوارج، وقتلوا أبا فديك وستة آلاف من أصحابه، وأسروا ثمانمائة، وذلك في سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، كذا في تاريخ النويري والعجاج: شاعر راجز إسلامى قد ترجمناه في الشاهد الواحد والعشرين من شواهد شرح الكافية وأنشد الشارح، وهو الشاهد الثاني، للحماسي (من البسيط) (1): 2 - نحو الاميلح من سمنان مبتكرا * بفتية فيهم المرار والحكم على أنه لا دليل في منع صرف سمنان فيه على كونه فعلان، لجواز كونه فعلالا، وامتناع صرفه لكونه علم أرض، وفيه رد على الجار بردى في زعمه أن
__________
(1) في نسخة: وأنشد الشارح وهو للحماسي الشاهد الثاني.
(*)

منع الصرف للتعريف والزيادة، وإنما يدل على كونه فعلان ما سيجئ من أن التضعيف في الرباعي والخماسي لا يكون إلا زائدا، إلا أن يفصل أحد المثلين بحرف أصلى كزلزال.
والحماسي: منسوب إلى كتاب الحماسة، وهو مجموعة أشعار من شعر الجاهلية والاسلام انتقاها واختارها أبو تمام حبيب بن أوس الطائى الشاعر المشهور، وقد وقع الاجماع من النقاد على أنه لم يتفق في اختيار المقطعات أنقي (1) مما جمعه أبو تمام في كتاب الحماسة، ولا في اختيار المقصدات أو في مما دونه المفضل في المفضليات، وقد رتب أبو تمام ما اختاره على ثمانية أبواب: أولها باب الحماسة، وآخرها باب الملح، وقد اشتهر تسميته بالجزء الاول منه، والحماسة: الشجاعة، وقد جرت عادة المصنفين إذا استشهدوا بشئ مما فيه أن يقولوا قال الحماسي، ونحوه، والمراد الشاعر المذكور في كتاب الحماسة، تنويها برفعة ما فيه من الاشعار، فان جميع ما فيه مما يصح به الاستشهاد، ولانه قد يتعذر أولا يحضر معرفة قائله فينسب إليه.
والبيت المذكور من قصيدة طويلة في الحماسة لزياد بن منقذ العدوى (2) التميمي، ولم يقل غير هذه القصيدة، ولم يقل أحد مثلها في جودة جميع أبياتها، وكان قد نزل بصنعاء (اليمن) فاجتواها ولم توافقه فذمها في هذه القصيدة، ومدح بلاده وأهله، وذكر أشتياقه إلى قومه وأهله وإلى وطنه ببطن الرمة (3) وهو واد بنجد، وقبل البيت:
__________
(1) في نسخة " أبقى " ولها وجه (2) في شرح الحماسة (ج 3 ص 180) أنه زياد بن حمل بن سعد بن عميرة بن حريث، ويقال زياد بن منقذ (3) الرمة: بضم الراء، والميم مفتوحة مشددة أو مخففة، وهو قاع عظيم
بنجد تنصب فيه أودية، قاله في القاموس (*)

ياليت شعرى متى أغدوا تعارضني * جرداء سابحة أو سابح قدم (1) تمنى أن يكون في بلاده راكبا ذاهبا إلى الاميلح مع أخويه وأصحابه، والجرداء: الفرس القصيرة الشعر، وقصر الشعر في الخيل محمود، لانه إنما يكون في كرائمها، والفرس السابحة: اللينة الجرى لا تتعب راكبها كأنها تسبح في سيرها وجريها، والقدم - بضمتى القاف والدال - بمعنى المتقدم يوصف به المذكر والمؤنث.
ومعارضة الخيل: أن تخرج عن جادة الطريق فتذهب في عرضها لنشاطها، وقوله " نحو الاميلح الخ " نحو بمعنى جهة وجانب، وهو ظرف متعلق بأغدو، والاميلح على وزن مصغر الاملح.
قال ياقوت في معجم البلدان وتبعه الصاغانى في العباب: هو ماء لبنى ربيعة الجوع (2)، وأنشد هذين البيتين لزياد بن منقذ المذكور، وقالا: (و) المرار والحكم أخواه (3) وسمنان من ديار الشاعر بنجد، وقال الشراح: هو ماء لبنى ربيعة، وليس كما قالوا، بل الماء هو الاميلح، وفى القاموس: سمنان بالفتح موضع، وبالكسر بلد، وبالضم حبل، وليست هذه الكلمة في الصحاح، وقال أبو عبيد البكري في معجم ما استعجم: سمنان كسكران مدينة بين الرى ونيسابور، وسمنان بالضم جبل في ديار بنى أسد، وقال أبو حاتم: في ديار بنى تميم، انتهى.
وهذا الضبط مخالف لشراح الحماسة فانهم ضبطوه بالفتح كما هنا، ومبتكرا: حال من فاعل أغدو: أي ذاهبا في بكرة النهار، وهى أوله، وصلته محذوفة: أي نحو
__________
(1) في الحماسة * بل ليت شعرى...* ومثله في معجم البلدان لياقوت (مادة أميلح)، وفيهما * نحو الاميلح أو سمنان * (2) ربيعة الجوع بالاضافة: من تميم، وفى تميم ربيعتان: إحداهما هذه وهى الكبرى، وأبوها ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، والثانية ربيعة الصغرى (ويقال
الوسطى).
وأبوها ربيعة بن حنظلة بن مالك (3) في شرح الحماسة عن الاصمعي أن المرار أخو الشاعر والحكم ابن عمه (*)

الاميلح، ويجوز أن يكون من " ابتكرت إلى الشئ " أي أسرعت إليه، كما يقال: بكرت إليه تبكيرا، وبكرت إليه بكورا، من باب قعد، والباء في قوله " بفتية " بمعنى (مع) متعلقة بمتبكرا.
والفتية: جمع فتى، على وزن غنى، وهو الشاب القوى، كصبية جمع صبى وعلية جمع على، ويجوز أن يكون جمع فتى كعصا، وهو الشاب، والمرار بفتح الميم وتشديد الراء، والحكم بفتحتين.
و " من سمنان " حال من الاميلح، وقد نسب جماعة هذه القصيدة إلى المرار، وهذا البيت يرد عليهم، وبطن الرمة قال أبو العلاء المعرى: يروى بتشديد الميم وتخفيفها، وهو واد بنجد، وقال ياقوت: الرمة بالتخفيف ذكره أبو منصور في باب ورم وخففه ولم يذكر التشديد، وقال: بطن الرمة واد معروف بعالية نجد وقال السكوني: هو منزل لاهل البصرة إذا أرداوا المدينة، بها يجتمع أهل الكوفة والبصرة، وقد أطال عليه وأطاب وزياد بن منقذ شاعر إسلامى من معاصري الفرزدق وجرير، وقد ترجمناه مع أخيه المرار، وشرحنا أبياتا من هذه القصيدة في الشاهد التاسع والسبعين بعد الثلاثمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده وهو الشاهد الثالث (من الطويل): 3 - جرئ متى يظلم يعاقب بظلمه * سريعا، وإن لا يبد بالظلم يظلم على أن " يبد " أصله يبدأ بالهمز، فقلبت الهمزة ألفا لانفتاح ما قبلها، ثم حذفت للجازم، وهو إن، قال أبو جعفر النحوي في شرح معلقة زهير بن أبى سلمى
ونقله الخطيب التبريزي في شرحه: قوله " وإن لايبد بالظلم " الاصل فيه الهمزة، من بدأ يبدأ، إلا أنه لما اضطر أبدل من الهمزة ألفا، ثم حذفت (1) الالف للجزم
__________
(1) في شرح القصائد العشر للتبريزي (ص 118) الذى نقل المؤلف عنه " ثم حذف الالف " (*)

وهذا من أقبح الضرورات، وحكى (عن) سيبويه أن أبا زيد قال له: من العرب من يقول قريت في قرأت، فقال سيبويه: فكيف أقول في المستقبل ؟ قال: تقول أقرا، فقال سيبويه: كان يجب أن تقول أقرى، حتى يكون مثل رميت أرمى، وإنما أنكر سيبويه هذا لانه إنما يجئ فعلت أفعل إذا كانت لام الفعل أو عينه من حروف الحلق، ولا يكاد يكون هذا في الالف، إلا أنهم قد حكوا أبى يأبى، فجاء على فعل يفعل، قال أبو إسحق (قال إسماعيل بن إسحاق) (1) إنما جاء هذا في الالف لمضارعتها حروف الحلق، فشبهت بالهمزة، يعنى فشبهت بقولهم قرأ يقرأ انتهى و " جرئ " بالجر صفة لاسد في بيت (2) قبله، المراد به حصين بن ضمضم، ويجوز رفعه ونصبه على القطع، و " يظلم " و " يبد " كلاهما بالبناء للمفعول، و " يعاقب " و " يظلم " كلاهما بالبناء للفاعل، والجرئ، ذو الجراءة والشجاعة، يقول: هو شجاع متى ظلم عاقب الظالم بظلمه سريعا، وإن لم يظلمه أحد ظلم الناس إظهارا لعزة نفسه وجراءته، وسريعا حال أو صفة مصدر: أي يعاقب عقابا سريعا وهذا البيت من معلقة زهير المذكور، وقد شرح ما قبله وما بعده وسبب نظمها في الشاهد السادس والخمسين بعد المائة، وفى الشاهد الثاني بعد الخمسمائة وزهير شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته في الشاهد الثامن (والثلاثين بعد المائة) من شرح شواهد شرح الكافية
__________
(1) سقطت هذه العبارة من أصول الكتاب عامة، وهى ثابتة في شرح القصائد العشر للتبريزي، وفى شرح أبى جعفر " قال أبو إسحاق قال إسماعيل بن إسحاق قاضى بغداد " (2) هذا البيت هو قوله: - لدى أسد شاكى السلاح مقذف * له لبد أظفاره لم تقلم (*)

وأنشد بعده وهو الشاهد الرابع من (الطويل) 4 - رأيت الوليد بن اليزيد مباركا * شديدا بأعباء الخلافة كاهله على أن دخول اللام في الدئل علما منقولا من فعل مبنى للمفعول، كدخولها على يزيد من قوله " الوليد بن اليزيد " وقد تكلم الشارح المحقق على لام اليزيد في باب المنادى وفى باب العلم من شرح الكافية والبيت من قصيدة لابن ميادة مدح بها الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان الاموى وترجمة ابن ميادة تقدمت في الشاهد التاسع عشر من أوائل شرح أبيات شرح الكافية وأعباء: جمع عب ء كالحمل وزنا ومعنى، والكاهل: ما بين الكتفين وتقدم شرحه مفصلا في الشاهد التاسع عشر من شرح الكافية وأنشد بعده وهو الشاهد الخامس (من المنسرح): 5 - جاءوا بجيش لو قيس معرسه * ما كان إلا كمعرس الدئل على أن الدئل فيه اسم جنس لدويبة شبيهة بابن عرس، قال الصاغانى في العباب:
دأل يدأل دألا ودألانا ودألى: أي ختل، قال: * وأنا أمشي الدألى حوالكا (1) *
__________
(1) هذا بيت من الرجز ذكر في اللسان أن سيبويه أنشده فيما تضعه العرب على ألسنة البهائم لضب يخاطب ابنه، وقبل هذا البيت: - * أهدموا بيتك لا أبالكا * (*)

وقال أبو زيد: هي مشية شبيهة بالختل ومشى المثقل.
وذكر الاصمعي في صفة مشى الخيل الدألان مشى يقارب فيه الخطو ويبطأ (1) فيه كأنه مثقل، والدئل: دويبة شبيهة بابن عرس، قال كعب بن مالك الانصاري رضى الله تعالى عنه في جيش أبى سفيان الذين وردوا المدينة في غزوة السويق وأحرقوا النخيل ثم انصرفوا (من المنسرح): جاءوا بجيش لوفيس معرسه * ما كان إلا كمعرس الدئل عار من النسل والثراء ومن * أبطال أهل البطحاء والاسل قال ثعلب: لا نعلم اسما جاء على فعل غير هذا، قال الاخفش: وإلى المسمى بهذا الاسم نسب أبو الاسود الدؤلى إلا أنهم فتحوا الهمزة في النسبة استثقالا لتوالى كسرتين مع ياءى النسب، كما ينسب إلى نمر نمري، وربما قالوا أبو الاسود الدولي، بلا همز، قلبوا الهمزة واوا لان الهمزة إذا انفتحت وكانت قبلها ضمة فتخفيفها أن تقلبها واوا محضة، كما قالوا في مؤن مون، انتهى.
وإنما قيل لها غزوة السويق لان أبا سفيان قبل إسلامه رضى الله عنه لما غزا المدينة في مائتي راكب بعد غزوة بدر فحرق بعض نخل المدينة وقتل قوما من الانصار خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى بلغ موضعا يقال له قرقوة الكدر فقر أبو سفيان، وجعل أصحابه يلقون مزاود السويق يتخففون للفرار، فسميت
غزوة السويق وقوله " لو قيس معرسه " هو من القياس والتخمين، والمعرس - بضم الميم وفتح الراء - مكان النزول من آخر الليل، والاشهر فيه معرس - بتشديد الراء
__________
(1) كذا في أصول الكتاب، والذى في الصحاح واللسان عن الاصمعي " ويبغى فيه " وباقى العبارة كما هنا بنصها، وفى عبارة ابن برى تفسير ذلك حيث قال: " والدألان بالدال مشى الذى كأنه يسعى في مشيه من النشاط " اه (*)

المفتوحة - يقال: عرس تعريسا، إذا نزل آخر الليل، وصف جيش أبى سفيان بالقلة والحقارة، يقول: لو قدر مكانهم عند تعريسهم كان كمكان هذه الدابة عند تعريسها.
والنسل: الولد، والثراء: الكثرة، وأهل البطحاء: قريش، وهم الذين ينزلون الشعب بين جبلى مكة، وهم قريش البطاح، وقريش الظواهر: الذين ينزلون خارج الشعب، وقريش البطاح أكرم من قريش الظواهر، والاسل: الرماح وكان أبو سفيان نذر بعد بدر أن لا يمس رأسه ماء حتى يغزو محمدا صلى الله عليه وسلم، قال صاحب الاغانى: قال أبو سفيان وهو يتجهز من مكة المكرمة خارجا إلى المدينة المنورة أبياتا من شعر يحرض فيها قريشا (من المنسرح): كروا عى يثرب وجمعهم * فان ما جمعوا لكم نفل إن يك يوم القليب كان لهم * فان ما بعده لكم دول آليت لا أقرب النساء ولا * يمس رأسي وجلدي الغسل حتي تبيروا قبائل الاوس * والخزرج إن الفؤاد مشتعل فأجابه كعب بن مالك رضى الله عنه (من المنسرح): يا لهف أم المستمحين على * جيش بن حرب بالحرة الفشل
جاءوا بجيش لو قيس معرسه * ما كان إلا كمعرس الدئل عار من النصر والثراء ومن * أبطال أهل النكاء والاسل والنكاء: بمعنى النكاية وكعب بن مالك الانصاري شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدمت ترجمته في الشاهد السادس والستين من شواهد (شرح) الكافية.
وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس (من الطويل): 6 - وحب بها مقتولة حين يقتل

على أن فعل الذى فيه معنى التعجب يقال (فيه) فعل كما هنا، فان حب بضم الحاء أصلها حبب بفتح العين حول فتح عينه إلى الضم للمدح والتعجب، فصار حبب، ثم نقلنا ضمة العين إلى الفاء بعد حذف حركتها فصار حب، بضم الحاء، ويجوز حذف ضمة العين دون نقلها فيصير حب بفتح الحاء، والباء في " بها " زائدة، والضمير فاعل حب، وهو راجع إلى الخمر، و " مقتولة " حال منه، والقتل: مزج الخمر بالماء حتى تذهب حدتها، فكأنها قتلت بالماء، وهذا عجز، وصدره: * فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها * وهو من أبيات في وصف الخمر من قصيدة للاخطل النصراني، وتقدم الكلام عليها مفصلا في الشاهد الواحد والسبعين بعد السبعمائة من شواهد (شرح) الكافية.
وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع، وهو من شواهد سيبويه (من الرجز) 7 - لو عصر منها المسك والبان انعصر على أنه سكن عين الفعل في الفعل المبنى للمجهول كراهة لتوالى الثقيلين في
الثلاثي الخفيف، وكذا قول القطامى (من الوافر) ألم يخز التفرق جند كسرى * ونفخوا من مدائنهم فطاروا قال سيبويه في باب ما يسكن تخفيفا وهو في الاصل عندهم متحرك: وذلك قولهم في فخذ فخذ، وفى كبد كبد، وفى عضد عضد، وفى كرم كرم، وفى علم علم، وهى لغة بنى بكر بن وائل وأناس كثير من بنى تميم، وقالوا في مثل: لم يحرم من فصد له، وقال أبو النجم: * لو عصر منها المسك والبان انعصر * يريد عصر

وإنما حملهم على هذا أنهم كرهوا أن يرفعوا ألسنتهم عن المفتوح إلى المكسور والمفتوح أخف عليهم فكرهوا أن ينتقلوا من الاخف إلى الاثقل، وكرهوا في في عصر الكسرة بعد الضمة كما يكرهون الواو مع الياء في مواضع، ومع هذا إنه بناء ليس من كلامهم إلا في الموضع من الفعل، فكرهوا أن يحولوا ألسنتهم إلى الاستثقال، انتهى كلامه وقال الاعلم في شرح شواهده: الشاهد في تسكين الثاني من عصر طلبا للاستخفاف، وهى لغة فاشية في تغلب بن وائل، وأبو النجم من عجل، وهم من بكر بن وائل، واستعمل لغتهم، ووصف شعرا يتعهد بالبان والمسك ويكثر فيه منهما حتى لو عصرا منه لسالا، انتهى وبهذا يعلم أن في نسبة هذه التفريعات إلى تميم تقصيرا من الشارح المحقق، رحمه الله وقوله " إن أبا النجم تميمي " لا أصل له، فانه من بكر بن وائل، فان أبا النجم شاعر إسلامى، واسمه الفصل بن قدامة بن عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن
عبدة بن الياس بن العوف بن ربيعة بن عجل بن لجيم بن صعب بن على بن بكر ابن وائل، وقد ترجمناه في الشاهد السابع من شواهد شرح الكافية، وهذا البيت من رجز له يصف فيه امرأة بكثرة الطيب، وقبله: كأنما في نشرها إذا نشر * فغمة روضات تردين الزهر هيجها نضح من الطل سحر * وهزت الريح الندى حتى قطر لو عصر منها البان والمسك انعصر النشر: الرائحة الطيبة، " ونشر " بمعنى أنتشر، والفغمة بفتح الفاء وسكون الغين المعجمة بعدها ميم: الرائحة التى تملا الانوف، ولا تكون إلا من الطيب، يقال منه: فغمتني رائحة الطيب، إذا سدت خياشيمك، شبه رائحة المرأة الطيبة برائحة

الروضات، وجملة " تردين الزهر " صفة لروضات: أي لبسن النور كالرداء، وعنده يكون كمال طيب الروضات، والروضة: الموضع المعجب بالزهور، قيل: سميت بذلك لاستراضة المياه السائلة إليها: أي لسكونها بها، والزهر بفتح الهاء وسكونها: النور، قالوا: ولا يسمى النور زهرا حتى يستقيم ويتفتح، وقال ابن قتيبة: حتى يصفر، وقبل التفتح هو برعوم، وأزهر النبت: أخرج زهره، و " هيجها " الضمير للروضات بتقدير مضاف: أي هيج رائحتها، يقال: هاج الشئ يهيج هياجا بالكسر وهيجان: ثار، وهجته، يتعدى ولا يتعدى، وهيجته بالتشديد مبالغة، وهذا من تمام وصف الروضات، فانه يزداد طيبها بما ذكره، و " نضح " فاعل هيجها، والنضح بالحاء المهملة: الرش، والطل: المطر الضعيف، وسحر: منصوب على الظرفية، وسكن على لغة ربيعة، وهزت: حركت، وقوله " لو عصر منها " الضمير للمرأة التى تغزل فيها، وقال الجواليقى في شرح أدب الكاتب: قيل: بل الضمير في منها يعود إلى الروضة، أي المسك ينعصر من
الروضة، هذا ما نقله، وهو بعيد، وروى " لو عصر منه " بتذكير الضمير، كما رواه سيبويه، فالضمير راجع إلى الفرع المذكور قبل في قوله: بيضاء لا يشبع منها من نظر * خود يغطى الفرع منها المؤتزر والخود بفتح الخاء المعجمة: الجارية الناعمة، والجمع خود بالضم، والفرع بفتح الفاء وآخره عين مهملة: شعر الرأس بتمامه، والمؤتزر: محل الازار، وهو الكفل حيث يعقد الازار، وقوله " البان " نائب الفاعل لعصر على تقدير مضاف: أي دهن البان، وقوله " والمسك " الواو بمعنى أو، ولهذا قال " انعصر " بالافراد، ولم يقل انعصرا، بضمير التثنية، ورواه ابن جنى في المنصف وهو شرح تصريف المازنى: * لو عصر البان يوما لا نعصر * وعلى هذا الرواية لا إشكال فيه، والمسك: معروف، معرب مشك بالفارسية، بضم الميم وسكون الشين المعجمة، وانعصر: سال وجرى بالانعصار

وأنشد بعده، وهو الشاهد الثامن (من الطويل) 8 - وما كل مبتاع ولو سلف صفقه * براجع ما قد فاته برداد على أن أصله سلف بفتح اللام، وتسكين العين المفتوحة شاذ ضرورة، قال سيبويه في ذلك الباب: وأما ما توالت فيه الفتحتان فإنهم لا يسكنون منه، لان الفتح أخف عليهم من الضم والكسر، كما أن الالف أخف من الواو والياء، وذلك نحو جمل وحمل ونحو ذلك، انتهى وقد أورده ابن عصفور في كتاب الضرائر، فقال: فأما نقص الحركة فمنه حذفهم الفتحة من عين فعل مبالغة في التخفيف، نحو قول الراجز (من الرجز) على محالات عكسن عكسا * إذا تسداها طلايا غلسا
يريد غلسا، وقول الاخر (من الطويل) * وما كل مغبون ولو سلف صفقه * يريد سلف، وقول الاخر (من الطويل) وقالوا ترابى فقلت صدقتم * أبى من تراب خلقه الله آدم يريد خلقه الله، وقول أبى خراش (من الطويل) ولحم امرئ لم تطعم الطير مثله * عشية أمسى لا يبين من البكم يريد من البكم، انتهى وقد تكلف له ابن جنى في شرح تصريف المازنى فقال: هذا من الشاذ عند أصحابنا، ويحتمل عندي وجها (آخر) (1) وهو أن يكون مخففا من فعل مكسور العين، ولكنه فعل غير مستعمل، إلا أنه في تقدير الاستعمال وإن لم ينطق به، كما أن قولهم تفرقوا عباديد وشماطيط كأنهم قد نطقوا فيه بالواحد من (هذين) (2) الجمعين
__________
(1، 2) الزيادة من شرح تصريف المازنى لابن جنى الذى نقل عنه المؤلف (ورقه رقم 20 من نسخة خطية) (*)

وإن لم يكن مستعملا في اللفظ، وكأنهم استغنوا بسلف هذا المفتوح عن ذلك المكسور أن ينطقوا به غير مسكن، وإذا كانوا قد جاءوا بجموع لم ينطقوا لها بآحاد مع أن الجمع لا يكون إلا عن واحد، فأن يستغنى (بفعل) عن فعل من لفظه ومعناه وليس بينهما إلا فتحة عين هذا وكسرة عين ذلك أجدر، وأرى أنهم استغنوا بالمفتوح عن المكسور لخفة الفتحة، فهذا ما يحتمله القياس، وهو أحسن من أن تحمل الكلمة على الشذوذ ما وجدت لها ضربا من القياس (1) فإن قلت: فإنا لم نسمعهم يقولون يسلف بفتح اللام فما تنكر أن يكون هذا يدل على أنهم لا يريدون سلف على وجه، إذ لو كان مرادا عندهم لقالوا في مضارعه
يسلف، كما أن من يقول قد علم فيسكن عين الفعل لا يقول في مضارعه إلا يعلم فالجواب أنهم (لما) لم ينطقوا بالمكسور على وجه واستغنوا عنه بالمفتوح صار عندهم كالمرفوض الذى لا أصل له، وأجمعوا على مضارع المفتوح (2)، هذا كلامه والبيت من قصيدة للاخطل النصراني، وعدتها ستة عشر بيتا، وهذا أولها، ويليه: أتغضب قيس أن هجوت ابن مسمع * وما قطعوا بالعز باطن وادى وكنا إذا احمر القنا عند معرك * نرى الارض أحلى من ظهور جياد كما ازدحمت شرف نهال لمورد * أبت لا تناهي دونه لذياد وقد ناشدته طلة الشيخ بعدما * مضت حقبة لا ينثنى لنشاد
__________
(1) الذى في شرح تصريف المازنى لابن جنى: " وهو أحسن من أن تحمل الكلمة على الشذوذ مرة ما قد وجدت له ضربا من القياس " ولعل ما في الاصل كتابنا أحسن (2) في الاصول التى بأيدينا " وأجمعوا على المضارع المفتوح " وهو خطا والصواب ما أثبتناه نقلا عن شرح تصريف المازنى وذلك لانهم إنما قالوا يسلف كيضرب وهذا مضارع الماضي المفتوح العين، وليس هو المضارع المفتوح (*)

رأت بارقات بالاكف كأنها * مصابيح سرج أوقدت بمداد وطلته تبكى وتضرب نحرها * وتحسب أن الموت كل عتاد وما كل مغبون ولو سلف صفقه البيت وقوله " أتغضب قيس " الخ ابن مسمع - بكسر الميم الاولى وفتح الثانية، هو مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب أحد بنى قيس بن ثعلبة، وقوله " وما قطعوا " وصفهم بالذل، والواو ضمير قيس باعتبار الحى والقبيلة، وقوله
" وكنا إذا احمر القنا " أي بدم القتلى، وصف قومه بزيادة الشجاعة في أنهم يرغبون في المجالدة بالسيوف وهم مشاة أكثر من التطاعن بالقنا على ظهور الخيل، وقوله " كما ازدحمت شرف - الخ " يقول: نحن نقع على الموت ونزدحم عليه كما تزدحم الابل العطاش على مورد ولا تنتهى عنه بطرد، والشرف بالضم: جمع شارف، وهى الناقة المسنة، والنهال: جمع ناهلة اسم فاعل من النهل بفتحتين، وهو العطش، ويأتى بمعنى الرى أيضا، وليس بمراد هنا، وذياد: مصدر ذاد الراعى إبله عن الماء يذودها ذودا وذيادا، إذا منعها، وقوله " وقد ناشدته - الخ " أي تسأله وتقسم عليه، والطلة بفتح الطاء المهملة: الزوجة، والحقبة بكسر الحاء المهملة: المدة، ولا ينثنى: لا ينزجر، ونشاد: مصدر ناشده مناشدة ونشادا، وقوله " رأت بارقات " أي رأت سيوفا لامعة كالسرج التى أمدت بمداد من الدهن، وقوله " وطلته تبكى " أي زوجته تبكى عليه، والنحر: الصدر، وهو في الاصل موضع القلادة من الصدر، وقوله " وتحسب أن الموت - الخ " قال جامع ديوانه السكرى: يقول: تحسب أن الموت بكل فج وطريق، وكل ما هيأته لشئ وأعددته فهو عتاد بالفتح، وقوله " وما كل مبتاع - الخ " المبتاع: المشترى، ورواية السكرى وابن قتيبة في في أدب الكاتب " وما كل مغبون " من غبنه في البيع والشراء غبنا -

من باب ضرب - مثل غلبه، فانغبن، وغبنه: أي نقصه، وغبن بالبناء للمفعول فهو مغبون: أي منقوص في الثمن أو غيره، كذا في المصباح، وسلف بمعنى مضى ووجب، والهاء في " صفقه " ضمير المبتاع والمغبون، قال السكرى: وصفقه إيجابه البيع، والصفق: مصدر صفق البائع صفقا، إذا ضرب بيده على (يد) صاحبه عند المبايعة بينهما، وقوله " براجع ما قد فاته " رواه السكرى بالباء
فتكون زائدة في خبر ما النافية، وراجع اسم فاعل مضاف إلى " ما " الواقعة على المبيع أو الثمن، ورواه غيره " يراجع " بالمثناة التحتية على أنه مضارع من الرجوع (1)، وما مفعوله، وفاعله ضمير المغبون أو المبتاع، وقوله " برداد " الباء للسببية متعلقة براجع أو بيراجع، والرداد بكسر الراء مصدر راد البائع صاحبه مرادة وردادا، إذا فاسخه البيع قال ابن السيد في شرح أدب الكاتب: ذكر ابن قتيبة أن هذا البيت للاخطل، ولم أجده في ديوان شعره الذى رواه أبو على البغدادي، ولعله قد وقع في رواية أخرى، انتهى والاخطل شاعر نصراني من بنى تغلب، كان معاصرا للفرزدق وجرير، وقد ترجمناه في الشاهد الثاني والسبعين من أوائل شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع (من الرجز) 9 - فبات منتصبا وما تكردسا * إذا أحس نبأة توجسا على أن أصله منتصبا بكسر الصاد فسكنت، وكذا قولهم " أراك منتفخا " أصله منتفخا بكسر الفاء، وهو اسم فاعل من انتصب بمعنى قام ووقف، وأورده الشارح المحقق في باب الابتداء أيضا، وكذا أورده أبو على في كتاب نقض الهاذور، وابن جنى في كتاب الخصائص، قال: ومما أجرى
__________
(1) الصواب " من المراجعة " (*)

فيه بعض الحروف مجرى جميعه قوله: - * فبات منتصبا وما تكردسا * فأجرى منتصبا مجرى فخذ فأسكن ثانيه، وعليه حكاية الكتاب أراك منتفخا انتهى
وتكردس: بمعنى انقبض واجتمع بعضه إلى بعض، يريد ما سقط أعلاه إلى أسفله لانه متوجس خائف لا ينام والبيت من رجز للعجاج (1) في وصف ثور وحشى، ورواه الصاغانى في العباب: فبات منتصا، بتشديد الصاد، على أنه من المنصة: أي مرتفعا، قال في مادته: وانتصت العروس على المنصة لترى من بين النساء: أي ارتفعت، عن الليث (2)، وأنشد هذا البيت، وأورده في باب كردس أيضا، قال: التكردس: الانقباض واجتماع بعضه إلى بعض، قال العجاج يصف ثورا: - * فبات منتصا وما تكردسا * والعجاج راجز إسلامى في الدولة الاموية، وقد ترجمناه في الشاهد الواحد والعشرين من أوائل (شرح) أبيات شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد العاشر، وهو من شواهد سيبويه (من الطويل) 10 - * وذى ولد لم يلده أبوان * على أن أصله " لم يلده " بكسر اللام، فسكنت وفتحت الدال، قال (3) سيبويه: ومما أشبه الاول فيما ليس على ثلاثة أحرف قولهم: أراك متنفخا،
__________
(1) هو في الديوان ص 32 - ورواه * فبات منتصا...* كما ذكر المؤلف عن الصاغانى (2) في نسخة عن اللبس (3) أنظر كتاب سيبويه (1: 340 و 2: 258) (*)

تسكن الفاء، تريد منتفخا، فما بعد النون بمنزلة كبد، ومن ذلك قولهم انطلق فيفتحون (1) القاف لئلا يلتقى ساكنان، كما فعلوه ذلك بأين وأشباهها، حدثنا بذلك الخليل عن العرب، وأنشد (نا) بيتا وهو لرجل من أزد السراة عجبت لمولود وليس له أب * وذى ولد لم يلده أبوان
وسمعناه من العرب كما أنشده الخليل، ففتحوا الدال كيلا يلتقى ساكنان، وحيث أسكنوا موضع العين حركوا الدال، انتهى قال الاعلم (2): أراد يلده فسكن اللام المكسورة تخفيفا كقولهم في علم علم فسكنت لامه قبل ساكن الجزم، وتحركت الدال لالتقاء الساكنين بحركة أقرب المتحركات إليها، وهى الفتحة، إذ الياء مفتوحة، وحمل الدال عليها غير معتد باللام (3) الساكنة، لانها حاجز غير حصين وقوله " عجبت لمولود - الخ " أراد بالمولود عيسى بن مريم عليهما السلام، وأراد بذى ولذ آدم عليه السلام، وبعده: وذى شامة سوداء في حر وجهه * مجللة لا تنقضي لاوان ويكمل في تسع وخمس شبابه * ويهرم في سبع مضت وثمان وأراد من هذين البيتين القمر، وقد شرحنا هذه الابيات بأكثر مما هنا في باب الترخيم من شرح شواهد شرح الكافية الماضي وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادى عشر (من الكامل)
__________
(1) الذى في سيبويه (ج 2 ص 258): " بفتح القاف " (2) الموضع الذى ذكر الاعلم فيه هذا الكلام ليس هو الموضع الذى نهنا عليه في الكلمة السابقة، وإنما ذكره في (ج 1 ص 341).
وقد نقل المؤلف عبارة الاعلم بالمعنى على خلاف عادته في النقل (3) كان في أصول الكتاب " غير مقيد " والصحيح عن عبارة الاعلم (*)

11 - ينباع من ذفرى غضوب جسرة * زيافة مثل الفنيق المكدم على أن أصله ينبع، وتولدت الالف من إشباع فتحة الباء، وفاعل ينباع
ضمير الرب - بضم الراء - وهو شبيه الدبس، وهو في بيت قبله (1) شبه العرق السائل من رأس هذه الناقة وعنقها برب يترشح، وعرق الابل أسود، والذفرى بكسر الذال المعجمة والقصر: الموضع الذى يعرق من الابل خلف الاذن، والغضوب: الناقة الصعبة الشديدة، شبهت بالغضوب من الانسان، والجسرة بفتح الجيم: الناقة الماضية في سيرها، وقيل: الضخمة القوية، والزيافة: المتبخترة في مشيها، مبالغة زائفة، من زاف زيفا - بالزاى المعجمة - إذا تبختر في مشيه، والفنيق، بفتح الفاء وكسر النون: الفحل المكرم الذى لا يؤذى ولا يركب لكرامته، والمكدم: اسم مفعول قياسه أن يكون من أكدمه، لكنهم لم ينقلوا إلا كدمه ثلاثيا من الباب الاول والثانى، قالوا: الكدم العض بأدنى الفم كما يكدم الحمار، وروى المقرم بدله، على وزنه، وهو البعير الذى لا يحمل عليه ولا يذلل وإنما هو للفحلة (2) بكسر الفاء
__________
(1) البيت المشار إليه هو قوله: - وكأن ربا أو كحيلا معقدا * حش الوقود به جوانب قمقم والرب: ذكره المؤلف.
والكحيل: القطران، شبه عرق الناقة بالرب أو القطران، والمعقد: الذى أوقد تحته حتى انعقد وغلظ، والوقود - بفتح الواو - الحطب، وارتفاعه لانه فاعل حش، وجوانب مفعوله، ويجوز أن يكون حش لازما بمعنى احتش فالوقود فاعله وانتصاب " جوانب قمقم " على الظرفية، والقمقم: كما في اللسان ضرب من الاتية (2) يقال: بعير ذو فحلة بكسر فسكون، إذا كان صالحا للافتحال: أي اتخاذه فحلا، والفحلة التلقيح، ويقال: إنه لبين الفحولة - بالضم - والفحالة والفحلة - بكسرها - بالمعنى السابق (*)

وهذا البيت من معلقة عنترة، وقد شرحناه بأوفى من هذا في الشاهد الثاني عشر من أوائل شرح الكافية وأنشد الجار بردى (1) بعده، وهو الشاهد الثاني عشر (من الوافر) 12 - وأنت من العوائل حيث ترمى * ومن ذم الرجال بمتنزاح على أن الالف تولدت من إشباع فتحة ما قبلها قال ابن جنى في سر الصناعة: هكذا أنشدناه أبو على لابن هرمة يرثى ابنه وقال: أراد بمنتزح، فأشبع فتحة الزاى، انتهى وقال الصاغانى في العباب: وانتزح: ابتعد، وأنت بمنتزح من كذا: أي ببعد منه، قال إبراهيم بن على بن محمد بن سلمة بن عامر بن هرمة يمدح بعض القرشيين وكان قاضيا لجعفر بن سليمان بن على: فأنت من الغوائل حيث تنمى (2) * ومن ذم الرجال بمنتزاح إلا أنه أشبع فتحة الزاى فتولدت الالف، هكذا أنشده بعض أهل اللغة، وفى شعره " بمستراح " فلا ضرورة، انتهى والغوائل: جمع غائلة، وهى الفساد والشر، وقال الكسائي: الغوائل: الدواهي، وترمى بالبناء للمفعول مسند إلى ضمير الغوائل، وكذا تنمى يقال: نمى الشئ ينمى، من باب رمى، نماء، بالفتح والمد، أي كثر، وفى لغة ينمو نموا، من باب قعد، ويتعدى بالهمزة والتضعيف وابن هرمة بفتح الهاء وسكون الراء المهملة بعدها ميم: شاعر من مخضرمي الدولتين، وهو آخر من يستشهد بكلامه
__________
(1) أنظر صفحة 41 من شرح الجاربردى على الشافية طبع الاستانة، وفيها...وعن ذم الرجال...(2) في نسخة " حين تنمى " (*)

وقد ترجمناه في الشاهد الثامن والستين من أوائل شواهد شرح الكافية وأنشد الجاربردى (1) أيضا بعده، وهو الشاهد الثالث عشر (من البسيط) والشمس طالعة ليست بكاسفة * تبكى عليك نجوم الليل والقمرا على أن تبكى للمغالبة، ونجوم الليل مفعولة، وهى مغلوبة بالبكاء، فان الشمس غلبت النجوم بكثرة البكاء، ثم حكى قولين آخرين: أحدهما نصب النجوم بكاسفة، ثانيهما نصبها على المفعول معه، بتقدير الواو التى بمعنى مع، والوجه الاول نقله عن الجوهرى، ولم يتعرض له ابن برى في أماليه على صحاحه ولا الصفدى في حاشيته، وقال الصاغانى في العباب: وكسفت الشمس تكسف كسوفا وكسفها الله، يتعدى ولا يتعدى، قال جرير يرثى عمر بن عبد العزيز: فالشمس كاسفة، ليست بطالعة * تبكى عليك نجوم الليل والقمرا هكذا الرواية: أي أن الشمس كاسفة تبكى عليك الدهر، والنحاة يروونه مغيرا، وهو * الشمس طالعة ليست بكاسفة، أي ليست تكسف ضوء النجوم مع طلوعها، لقلة ضوئها وبكائها عليك، انتهى فكاسفة على روايته بمعنى منكسفة، من الفعل اللازم، وجملة " تبكى " خبر بعد خبر، أو صفة لكاسفة، وقوله " الدهر " أي: أبدا أشار به إلى أن نصب النجوم على الظرف كما يأتي بيانه، وأشار إلى أن قوله ليست بطالعة بمعنى كاسفة، إذ المراد من طلوعها إضاءتها، فإذا ذهب نورها فكأنها غير طالعة
__________
(1) أنظر صفحة 42 من شرح الجاربردى على الشافية طبع الاستانة وفيها * فالشمس طالعة ليست بكاسفة * وكذا في العقد الفريد (2: 236 طبع بولاق) وفى الديوان (304) * فالشمس كاسفة ليست بطالعة * وكذا في القاموس مادة
(ك س ف) وفى الصحاح مادة (ب ك ى) * الشمس طالعة ليست بكاسفة * وكذا فيه مادة (ك س ف) (*)

وقد تبعه صاحب القاموس فرواه كروايته، وقال: " أي كاسفة لموتك تبكى أبدا، ووهم الجوهرى فغير الرواية بقوله * فالشمس طالعة ليست بكاسفة * وتكلف لمعناه " انتهى وقوله " تكلف لمعناه " يعنى أنه جعله من باب المغالبة، وتغليط الجوهرى في الرواية المذكورة غير جيد، فإنها رواية البصريين، وما صححه تبعا لصاحب العباب رواية الكوفيين.
قال ابن خلف في شرح شواهد سيبويه: اختلف الرواة في هذا البيت، فرواه البصريون * الشمس طالعة ليست بكاسفة * ورواه الكوفيون * الشمس كاسفة ليست بطالعة * ورواه بعض الرواة بنصب النجوم، وبعض آخر برفعها، وقد اختلف أصحاب المعاني وأهل العلم من الرواة وذوو المعرفة بالاعراب من النحاة في تفسير وجوه هذه الروايات وقياسها في العربية، ومن روى * الشمس طالعة ليست بكاسفة * فإنه استعظم أن تطلع ولا تنكسف مع المصاب به، ومثل هذا قول الاخر (هو لليلى بنت طريف الخارجية ترثى أخاها الوليد) (من الطويل) أيا شجر الخابور مالك مورقا * كأنك لم تجزع على ابن طريف ومعناه عند بعضهم تغلب ببكائها عليك نجوم الليل، وفى هذا التأويل وجهان: أحدهما أن يراد بالنجوم والقمر حقيقتهما ادعاء، ثانيهما أن يراد بهما سادات الناس والاماثل، وقال آخرون: " نجوم " مفعول تبكى من غير اعتبار المغالبة، والمعنى أن الشمس تبكى عليك مدة نجوم الليل والقمر، فنصب على الظرف، وحكى عن العرب لا أكلمك سعد العشيرة: أي زمانه، وقال جماعة: إن نجوم الليل
منصوبة بكاسفة، والقمر معطوف عليها، وهذا أشهر الاجوبة وأقربها مأخذا، والمعنى أن الشمس لم تقو على كسف النجوم والقمر لاظلامها وكسوفها، انتهى كلام ابن خلف

وممن رواه كذلك ابن عبد ربه في العقد الفريد (1)، وقال: يقول إن الشمس طالعة وليست بكاسفة نجوم الليل لشدة الغم والكرب الذى فيه الناس وكذا رواه الاخفش المجاشعى في كتاب المعاياة، وقال: أراد الشمس طالعة ولا ضوء لها، فترى مع طلوعها النجوم بادية لم يكسفها ضوء الشمس، فليست بكاسفة نجوم الليل والقمر وكذا رواه اللبلى في شرح فصيح ثعلب، وقال: يعنى أن الشمس طالعة ليست مغطية نجوم الليل والقمر وهؤلاء الثلاثة جعلوا نجوم الليل منصوبة بكاسفة وكذا رواه السيد المرتضى (2) في أماليه ونقل في نصب النجوم ثلاثة أقوال: أولها نصبهما بكاسفة، وقال: أراد أن الشمس طالعة وليست مع طلوعها كاسفة نجوم الليل والقمر، لان عظم الرزء قد سلبها ضوءها، فلم يناف طلوعها ظهور الكواكب، ثانيها: أن نصبها على الظرف، قال: كأنه أخبر بأن الشمس تبكيه ما طلعت النجوم (وظهر القمر) (3) ثالثها: على المغالبة، وهو أن يكون القمر والنجوم باكين الشمس على هذا المرثى المفقود، فبكتهن أي غلبتهن بالبكاء وكذا رواه المبرد في (4) الكامل " الشمس طالعة " وقال: وأما قوله نجوم
__________
(1) ذكره في (ج 2 ص 336 طبع بولاق) مع البيتين السابقين عليه وسيذكرهما المؤلف، وليس في الموضع الذى أشرنا إليه من العقد الكلام الذى
نقله عنه المؤلف في شرح البيت (2) انظر أمالى المرتضى (ج 1 ص 39) (3) الزيادة التى بين قوسين عن أمالى المرتضى في الموضع المذكور (4) أنظر كامل المبرد (ج 1 ص 402 طبع المطبعة الخيرية سنة 1308) تر أن جميع الزيادات الموجودة بين قوسين مثبتة فيها (*)

الليل والقمر ففيه أقاويل كلها جيد، فمنها أن تنصب (1) نجوم الليل (والقمرا بقوله) بكاسفة، يقول: الشمس طالعة ليست بكاسفة نجوم الليل والقمر، وإنما تكسف النجوم (والقمر) بإفراط ضيائها، فإذا كانت من الحزن عليه قد ذهب ضياؤها ظهرت الكواكب، ويجوز أن يكون نجوم الليل والقمر أراد بهما الظرف، يقول تبكى (الشمس) عليك مدة نجوم الليل والقمر كقولك تبكى عليك الدهر والشهر، وتبكى عليك الليل والنهار يافتى، ويكون (1) تبكى عليك (الشمس) النجوم كقولك: أبكيت زيدا على فلان، وقد قال في هذا المعنى (أحد المحدثين شيئا مليحا وهو) أحمد أخو أشجع السلمى، يقوله لنصر بن شبث العقيلى، وكان أوقع بقوم من بنى تغلب بموضع يعرف بالسواجين (من الكامل): لله سيف في يدى نصر * في حده ماء الردى يجرى أوقع نصر بالسواجين ما * لم يوقع الجحاف بالبشر أبكى بنى بكر على تغلب * وتغلبا أبكى على بكر ويكون تبكى عليك نجوم الليل والقمر على أن تكون الواو في معنى مع، وإذا كانت كذلك فكأن قبل الاسم (الذى يليه أو بعده) فعل، انتصب لانه في المعنى مفعول وصل إليه الفعل فنصبه، ونظير ذلك استوى الماء والخشبة، لانك لم ترد استوى الماء واستوت الخشبة ولو أردت ذلك لم يكن إلا الرفع، ولكن
التقدير ساوى الماء الخشبة، انتهى كلامه، ولم يذكر معنى المغالبة فيه قال ابن السيد فيما كتبه عليه: الوجه الاول (هو) أصح في المعنى، وهو أن ينصب نجوم الليل والقمر بكاسفة، لان في هذا إخبار بأن الشمس قد ذهب نورها
__________
(1) في الاصل " أن نصب " والتصحيح عن الكامل في الموضع المذكور (2) هذا وجه آخر غير نصب نجوم الليل على الظرف، ومفاده أن انتصابها على المفعولية (*)

لفرط الحزن فلم تمنع الدرارى من النجوم أن تظهر، وهذا هو الذى يذكره الشعراء عند تهويل الرزية بالمفقود، انتهى وطالعته في نسختين صحيحتين جدا من الكامل مضبوطة بالرفع على الخبرية، وجملة " ليست بكاسفة " صفة لطالعة، وجملة " تبكى " خبر ثان وزعم الفيومى في المصباح (1) أن طالعة وتبكى حالان، فانه قال: في البيت تقديم وتأخير، والتقدير الشمس في حال طلوعها وبكائها عليك لبست تكسف النجوم والقمر لعدم ضوئها، هذا كلامه وقال ابن خلف: يجوز أن تكون جملة " تبكى " حالا إما من الشمس أو من التاء في ليست (2) كأنه قال: ليست في حال بكاء، وقد تكون سادة مسد خبر ليس، انتهى والوجه الاول مأخوذ من كلام ابن السيد في شرح أبيات المعاني، وهو إنما يتمشى على مذهب سيبويه القائل بجواز مجئ الحال من المبتدأ، والوجه الثاني فاسد، لان بكاءها بيان لكسفها النجوم، والوجه الثالث خطأ معنى وإعرابا (3) وقول المبرد " يجوز أن يكون أراد بهما الظرف " يريد أن الشاعر أقامهما مقام مصدر محذوف هو المراد به معنى الظرف، فكأنه قال: دوام نجوم الليل
والقمر: أي في مدة دوامهما، فحذف المضاف وأعرب المضاف إليه باعرابه، ويكون
__________
(1) أنظر مادة (ك س ف) من المصباح (2) العبارة غير صحيحة فنيا لان التاء حرف دال على التأنيث فلا يجئ منه الحال، وغرضه أن طالعة حال من الضمير المستتر في ليس المدلول على تأنيثه بالتاء (3) أما فساده معنى فلان حاصل تقدير الكلام: ليست الشمس موجودة في حال بكاء عليك، وهذا غير المراد، وأما فساده من جهة الاعراب فلان محل سد الحال مسد الخبر إذا كان المبتدأ مصدرا صريحا أو مؤولا أو كان اسم تفضيل مضافا إلى المصدر وليس هذا واحدا منها (*)

مراده من النجوم الدهر، ومن القمر الشهر ويرد على هذا الوجه وعلى الاوجه الثلاثة الاتية وعلى وجه المغالبة أن كاسفة يكون من الفعل اللازم فلا يصح المعنى به لانه حينئذ يكون نافيا للكسوف عن الشمس في ذاتها، وإذا لم تنكسف الشمس في ذاتها فلا حزن لها على المذكور، وهو ضد ما أراده الشارح، وهذا لايرد على الوجه الاول المتعدى، فانه لم ينف عن الشمس الانكساف في ذاتها، إنما نفى عنها أن تكسف غيرها لذهاب نورها وانكسافها في ذاتها ويجاب بمنع جعله من اللازم، فيكون من المتعدى، ويقدر له مفعول محذوف، وتقديره ليست بكاسفة شيئا، فحذف للتعميم، والمعنى يدل عليه، كما تقول: زيد (غير) ضارب وقول ابن السيد فيما كتبه على الكامل " إن قدر كاسفة بمعنى منكسفة صح الوجه الاول فقط " غير صحيح، فتأمل، ويريد بالوجه الاول النصب على الضرف، وبما ذكرنا ظهر وجه رجحان نصب النجوم بكاسفة على غيره،
وهو منشأ من صوب رواية والشمس كاسفة وقول المبرد " ويكون تبكى عليك النجوم كقولك أبكيت زيدا على فلان " يريد أن تبكى في البيت بضم (1) التاء مضارع أبكاه على فلان بمعنى جعله باكيا عليه ويرد على هذا أيضا أن الا بكاء على الشئ كالبكاء عليه سببهما الحزن، ونفى الكسوف مناقض لذلك، ويجاب بما ذكرنا
__________
(1) ذلك لان بكى المتعدى معناه فيما لو قلت بكيت زيدا أنك بكيت عليه فأما إن أردت معنى هيجت بكاءه على آخر فأنك تقول أبكيته، والذى في الكامل " بكيت زيدا على فلان " فالتاء مفتوحه لانه مضارع الثلاثي (*)

وقول المبرد " ويكون تبكى عليك نجوم الليل والقمرا على أن تكون الواو في معنى مع " يريد رفع النجوم بتبكى والواو بعدها بمعنى مع، ولم يذكر أبو حيان في الارتشاف غير هذا الوجه في البيت، قال فيه: قال الاستاذ أبو على: إذا كان العطف نصا على معنى مع وكان حقيقة في المعنى ضعف النصب، كقولك: قام زيد وعمرو، فهذا لا يقال بالنصب إلا إن سمع، ومنه: - * تبكى عليك نجوم الليل والقمرا * أي مع القمر، انتهى وقال ابن الملا في شرح المغنى: وأما تجويز رفع النجوم على أنها فاعل تبكى ونصب القمر على أنه مفعول معه فانه وإن صح معناه لكنه يؤدى إلى عدم ارتباط المصراع بالاول، وألا يكون للمصراع الاول معنى يناسب المقام إلا على رواية
* فالشمس كاسفة ليست طالعة * هذا كلامه، وهو مختل من وجوه: الاول: كيف جاز له أن يقول " وإن صح معناه " مع قوله " لا يكون للمصراع الاول معنى يناسب المقام " وهل هو إلا تناقض ؟ الثاني قوله " يؤدى إلى عدم ارتباط المصراع الثاني بالاول " لا مانع منه، فان جملته مستأنفة، وكاسفه بمعنى منكسفة، فيكون استعظاما لطلوع الشمس عدم انكسافها مع عظم المصيبة، فيكون أنكر طلوعها كذلك مع أن النجوم مع القمر تبكى عليه، الثالث أن ما أورده على هذا الوجه وارد على وجه المغالبة ونصب النجوم على الظرف أيضا، وقد ذكرهما هو ولم يتنبه له، الرابع: لا ينحصر معنى المصراع الاول على رواية " فالشمس كاسفة " لما ذكرنا آنفا، ولما قدمنا من تقدير المفعول ولم يذكر المبرد نصب النجوم " بتبكى " بفتح التاء لا على وجه المغالبة ولا على

غيرها، وهما قولان آخران، وقد نقلناهما، ولم يذكر أيضا نصب النجوم على حذف واو المفعول معه، وهو قول نقله ابن السيد في شرح أبيات المعاني، قال: " الرابع من الوجوه التى ذكرها النحاة في نصب النجوم، أن يكون أراد التى في معنى مع، فكأنه قال: تبكى عليك ونجوم الليل والقمر: أي مع نجوم الليل والقمر، فيكون مفعولا معه، وقد حذف الواو، وهذا أبعدها " اه، ووجه الابعدية أن هذه الواو لم يثبت حذفها ولا بأس بشرح أصل كاسفة بعد الفراغ من الاعراب، قال القيومى في المصباح: كسفت الشمس من باب ضرب كسوفا، وكذلك القمر، قاله ابن فارس والازهري، وقال ابن القوطية أيضا: كسف القمر والشمس والوجه: تغير، وكسفها الله كسفا، من باب ضرب أيضا، يتعدى ولا يتعدي، والمصدر فارق، ونقل
" انكسف الشمس " فبعضهم يجعله مطاوعا، مثل كسرته فانكسر، وعليه حديث رواه أبو عبيد وغيره " انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " وبعضهم يجعله غلطا فيقول: كسفتها فكسفت هي لا غير، وقيل: الكسوف ذهاب البعض والخسوف ذهاب الكل، وقال أبو زيد: كسفت الشمس كسوفا اسودت بالنهار، وكسفت الشمس النجوم غلب ضوءها على النجوم فلم يبد منها شئ والبيت من أبيات ثلاثة لجرير قالها لما نعى إليه عمر بن عبد العزيز بن مروان رحمه الله تعالى، وهى: نعى النعاة أمير المؤمنين لنا * يا خير من حج بيت الله واعتمرا (1) حملت أمرا عظيما فاضطلعت به * وقمت فيه بأمر الله يا عمرا فالشمس طالعة...البيت
__________
(1) في الديوان: تنعى النعاة...* وفيه: فاصطبرت له، وفى الكامل: حملت أمرا جسيما فاصطبرت له * وفيه: بحق الله...* (*)

في المصباح: " نعيت الميت نعيا، من باب نفع، أخبرت بموته، فهو منعى، واسم الفعل المنعي والمنعاة، بفتح الميم فيهما مع القصر، والفاعل نعى على فعيل، يقال: جاء نعيه أي ناعيه، وهو الذى يخبر بموته، ويكون النعى خبرا أيضا " انتهى، والنعاة: جمع ناع كقضاة جمع قاض، وأراد بأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، ولى الخلافة بعهد ابن عمه سليمان بن عبد الملك في صفر سنة تسع وتسعين، فقدمت إليه مراكب الخلافة فلم يركبها، وركب فرس نفسه، ومنع من سب على كرم الله وجهه آخر الخطبة، وجعل مكانه (إن الله يأمر بالعدل والاحسان) الاية (1)، ومناقبه كثيرة ألف فيها جلدا حافلا الامام ابن الجوزى، ومات بدير سمعان سنة إحدى ومائة، وقوله " يا خير من حج الخ "
أي: فقلت يا خير الخ، وقال ابن الملا: منصوب بتقدير قائلين، وقوله " حملت أمرا " هو بالبناء للمفعول وتشديد الميم، والخطاب، وأراد بالامر العظيم الخلافة، واضطلع بهذا الامر: إذا قدر عليه كأنه قويت ضلوعه بحمله، والالف في " يا عمرا " ألف الندبة، وبه استشهد ابن هشام في المغنى وفى شرح الالفية (2)، قال المبرد في الكامل: قوله " يا عمرا ندبة، أراد يا عمراه، وإنما الالف للندبة وحدها، والهاء تزاد في الوقف لخفاء الالف، فإذا وصلت لم تزدها، تقول: يا عمرا ذا الفضل، فإذا وقفت قلت: يا عمراه، فحذف الهاء في القافية لاستغنائه عنها ".
اه وجوز الاخفش المجاشعى في كتاب المعاياة أن تكون الالف هي المبدلة من ياء المتكلم، وأن يكون عمر منادى منكرا منصوبا وألفه بدل من نون التنوين،
__________
(1) ويقال: بل جعل مكان سب على قوله تعالى: (ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان - الاية) (2) أنظر مغنى اللبيب (حرف الالف) وأنظر أوضح المسالك (2: 128) (*)

وهذه عبارته: وإنما نصب أبو على يا عمراه أضافه إلى نفسه أو لم يضفه، وجعله نكرة، كما قال الاخر (وهو الاحوص) (من الوافر) سلام الله يا مطرا عليها * وليس عليك يا مطر السلام جعل مطرا نكرة فنصب، وقال بعضهم: هو معرفة.
ولكنه لما نونه قام التنوين مقام الاضافة فنصب كما ينصب المضاف، انتهى كلامه.
ونقل هذه الوجوه ابن السيد فيما كتبه على الكامل عن الفارسى، قال: أجاز الفارسى في " يا عمرا " أن يكون أضافه إلى نفسه كما قال " هو لابي النجم) (من الرجز) * يا ابنة عما لا تلومى واهجعي *
وأجاز أن يكون على معنى الندبة، وأجاز أن يكون جعله نكرة، كما قال * سلام الله يا مطرا عليها * قال: وقيل في قوله " يا مطرا " إنها معرفة، ولكنه لما نونه قام التنوين مقام الاضافة فنصبه كما ينصب المضاف، وهو قول عيسى بن عمر، انتهى وقوله " فالشمس طالعة - الخ " أورد المصراع الثاني صاحب الكشاف (1) في سورة الدخان عند قصة مهلك قوم فرعون وتوريث نعمهم، وهو قوله تعالى (كذلك وأورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء والارض) قال: إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيم مهلكه: بكت عليه السماء والارض، وبكته الريح.
وأظلمت له الشمس، وفى الحديث " ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكته (2) السماء والارض " وقال جرير: * تبكى عليك نجوم الليل والقمرا *
__________
(1) أنظر تفسير الكشاف للزمخشري (ج 2 ص 314 بولاق سنة 1281) (2) الذى في الكشاف " إلا بكت عليه السماء والارض، وفيه بعد ذكر قول جرير ذكر بيت ليلى بنت طريف الخارجية الذى تقدم ذكره في هذا الكتاب (*)

وذلك على سبيل التمثيل والتخييل، مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه، وكذلك ما يروى عن ابن عباس رضى الله عنهما من بكاء مصلى المؤمن وآثاره في الارض ومصاعد عمله ومهابط رزقه في السماء تمثيل، ونفى ذلك عنهم في قوله تعالى (فما بكت عليهم السماء والارض) فيه تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده فيقال فيه بكت عليه السماء والارض، وعن الحسن رحمه الله فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين، يعنى فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الارض، انتهى.
وهذا ملخص من أوائل) أمالى الشريف المرتضى، وفيها زيادة، ونحن نلخص ما فيها أيضا، قال (1): في الاية وجوه أربعة من التأويل، أولها: أن المراد أهل السماء والارض، فحذف كقوله تعالى (واسأل القرية)، ثانيها: أنه تعالى أراد المبالغة في وصف القوم بصغر القدر وسقوط المنزلة، لان العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك قالت: كسفت الشمس لفقده، وأظلم القمر، وبكاه الليل والنهار والسماء والارض، يريدون بذلك المبالغة في عظم الامر وشمول ضرره، قال جرير: الشمس طالعة - البيت، وقال يزيد بن مفرغ (من الكامل) الريح تبكى شجوها * والبرق يلمع في الغمامه وهذا صنيعهم في وصف كل أمر جل خطبه وعظم موقعه، فيصفون النهار بالظلام، وأن الكواكب طعت نهارا لفقد نور الشمس وضوئها، قال النابغة (من البسيط) تبدو كواكبه والشمس طالعة * لا النور نور ولا الاظلام إظلام ثالثها: أن يكون معنى الاية الاخبار عن أنه لا أحد أخذ بثأرهم، ولا انتصر لهم، لان العرب كانت لا تبكى على القتيل إلا بعد الاخذ بثأره، فكنى الله تعالى بهذا اللفظ عن فقد الانتصار والاخذ بالثأر، على مذهب القوم الذين خوطبوا
__________
(1) أنظر الامالى (1: 38) (*)

بالقرآن، رابعها: أن يكون ذلك كناية عن أنه لم يكن لهم في الارض عمل صالح يرفع إلى السماء، ويطابقه ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما في هذه الاية قيل له: أو تبكيان على أحد ؟ قال: نعم، مصلاه في الارض ومصعد عمله في السماء، وروى عن أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ما من مؤمن إلا وله باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه،
فإذا مات بكيا عليه " ومعنى البكاء هنا الاخبار عن الاختلال بعده، كما يقال: بكى منزل فلان بعده، قال مزاحم (من الطويل) بكت دارهم من أجلهم فتهللت * دموعي، فأى الجازعين ألوم ؟ ويمكن في الاية وجه خامس، وهو أن يكون البكاء كناية عن المطر والسقيا، لان العرب تشبه المطر بالبكاء، ويكون المعنى أن السماء لم تسق قبورهم، ولم تجد على قبورهم، على مذهب العرب، لانهم يستسقون السحاب لقبور من فقدوه من أعزائهم، ويستنبتون لمواقع حفرهم والرياض، قال النابغة (1) (من الطويل) فلا زال قبر بين تبني وجاسم * عليه من الوسمى طل ووابل فينبت حوذانا وعوفا منورا * سأتبعه من خير ما قال قائل وكانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام ومسألة الله لهم الرضوان، والفعل
__________
(1) البيتان للنابغة الذبيانى من قصيدة يرثى فيها النعمان بن الحرث بن أبى شمر الغساني، وأولهما في رواية الاصمعي سقى الغيث قبرا بين بصرى وجاسم * بغيث من الوسمى قطر ووابل وتبنى، وبصرى، وجاسم: مواضع بالشام.
والوسمى: أول المطر، والطل: الخفيف منه، والوابل: الكثير، والحوذان، والعوف: نبتان، وأولها أطيب رائحة (*)

الذى أضيف إلى السماء وإن كان لا تجوز إضافته إلى الارض فقد يصح بتقدير فعل، فيكون المعنى أن السماء لم تسق قبورهم وأن الارض لم تعشب عليها، وكل هذا كناية عن حرمانهم رحمة الله ورضوانه، انتهى.
وجرير شاعر إسلامى، ترجمناه في الشاهد الرابع من أوائل شرح الكافية
وأنشد بعده (من الطويل) 6 - * وحب بها مقتولة حين تقتل * على أن أصل حب حبب بكسر العين، ثم نقل إلى فعل بضم العين للمدح والتعجب، ثم حذفت الضمة وأدغم، فصار " حب " بفتح الحاء، ويجوز نقل الضمة إليها كما تقدم قال الصاغانى في العباب: تقول: ما كنت حبيبا ولقد حببت بالكسر: أي صرت حبيبا، قال الاصمعي: قولهم " حب بفلان إلى " معناه ما أحبه إلى، وقال الفراء: معناه حبب بضم الباء، ثم أسكنت وأدغمت في الثانية، انتهى وقال ابن مالك في التسهيل: وقد يرد حب بضم الحاء بنقل ضم العين إلى الفاء.
قال: وكذا كل فعل حلقي الفاء مراد به مدح أو تعجب: أي نحو حسن الرجل أدبا، فتقول: حسن الرجل أدبا ولم أعرف وجه تقييد الشارح المحقق حب المنقول إلى المدح بكونه من حبب بكسر العين، مع أن أصل المنقول إلى المدح والذم يجوز أن يكون عينه مضموما أو مفتوحا أو مكسورا، سواء كان من فعل لازم أو متعد، وقد جاء حب متعديا من بابين، فإنه يقال: حببته أحبه، من باب ضرب، والقياس أحبه بالضم، لكنه غير مستعمل، ويقال: حببته أحبه من باب تعب، كما في المصباح، فيجوز نقل أحدهما إلى فعل بضم العين للمدح والباء في " بها " زائدة، والضمير فاعل حب، وقد تقدم شرحه في الشاهد السادس

وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع عشر، 14 - بعد ما متأملي وهو قطعة من بيت وهو (من الطويل)
قعدت له وصحبتي بين ضارج * وبين العذيب بعدما متأملي على أنه يجوز على أحد التأويلين أن يكون أصله بعد بضم العين أصالة.
ألحق بفعل المدح والتعجب ثم حذفت الضمة تخفيفا، والتأويل الثاني فيه أن يكون سكون العين أصليا، وتكون بعد ظرفا، لا فعل مدح وتعجب قال الرياشى: بعد هنا روى بفتح الباء، وبعد تحتمل معنيين: أحدهما أن المعنى بعد، ثم حذفت الضمة، ويجوز أن يكون المعنى بعد ما تأملت، انتهى، فما على هذا الوجه زائدة لا غير، " ومتأملي " مضاف إليه بعد، وعلى الوجه الاول يجوز أن تكون زائدة، و " ومتأملي " فاعل بعد وهو مضاف إلى الياء، والرفع فيه مقدر، والمخصوص بالمدح محذوف، ويجوز أن تكون اسما نكرة منصوبة المحل على التمييز للضمير المستتر في بعد، ومتأملي هو المخصوص بالمدح والتعجب، فتكون " ما " فيه كما في قوله تعالى (فنعما هي) وعلى تقدير الفعلية قد روى بضم الباء وفتحها، قال العسكري في كتاب التصحيف: رواه أبو إسحق الزيادي عن الاصمعي " بعد " مضمومة الباء، ومعناه يا بعد ما تأميلت، على التعجب، أي تثبت في النظر أين تسقى، ورواه أبو حاتم بفتح الباء، وقال: خفف بعد فأسكن العين وبقيت الباء مفتوحة، مثل كرم وكرم، انتهى.
وهذا يرد على ابن مالك، فإنه نقل فيه ضمة العين إلى الفاء مع أنها ليست بحرف حلقى، وأما الشارح المحقق فانه لم يقيد في شرح الكافية جواز نقل الضم بكون الفاء حرفا حلقيا، بل أطلق، ومثل بهذا البيت بعينه، والبيت من معلقة امرئ القيس، وقبله: أصاح ترى برقا أريك وميضه * كلمع اليدين في حبى مكلل

يضئ سناه أو مصابيح راهب * أهان السليط بالذبال المفتل والهمزة للنداء، وصاح مرخم صاحب، وحذفت همزة الاستفهام بعده للضرورة،
والوميض: اللمعان، واللمع: التحرك والتحريك جميعا، والحبي بالحاء المهملة وكسر الموحدة: السحاب المتراكم، سمى به لانه حبا بعضه إلى بعض: أي تراكم وجعله مكللا لانه صار كالاكليل لاسفله، ومنه قولهم: كللت الرجل، إذا توجته، ويروى " مكلل " بكسر اللام اسم فاعل من كلل تكليلا، إذا تبسم، يقول لصاحبه: يا صاحبي هل ترى برقا أريك لمعانه في سحاب متراكم صار أعلاه كالاكليل لاسفله أو في سحاب متبسم بالبرق يشبه برقه تحريك اليدين، يريد يتحرك كتحرك اليدين، وتقديره أريك وميضه في حبى مكلل كلمع اليدين شبه لمعان البرق وتحركه بتحرك اليدين، وقوله " يضئ سناه " السنا بالقصر: الضوء والسليط: الزيت، وقيل: الشيرج، والذبال: جمع ذبالة، وهى الفتيلة، ومعنى " أهان السليط " أنه لم يعزه وأكثر الايقاد به، يقول: هذا البرق يتلالا ضوءه فهو يشبه في تحركه لمع اليدين أو مصابيح الرهبان التى أميلت فتائلها بصب الزيت عليها في الاضاءة، يريد أن تحركه يحكى تحرك اليدين، وضوءه يحكى ضوء مصابيح الرهبان، فمصابيح بالجر معطوف على لمع، وقوله " قعدت له - الخ " ضارج والعذيب: مكانان، يقول: قعدت لذلك البرق أنظر من أين يجئ بالمطر، ثم تعجب من بعد تأمله.
وقال الزوزنى: قعدت للنظر إلى السحاب وأصحابي بين هذين الموضعين (وكنت معهم) (1) فبعد متأملي وهو المنظور إليه: أي بعد السحاب الذى كنت أنظر إليه وأرقب مطره وأشيم برقه، يريد أنه نظر إلى هذا السحاب من مكان بعيد فتعجب من بعد نظره.
انتهى وترجمة امرئ القيس تقدمت في الشاهد التاسع والاربعين من شواهد شرح الكافية، وتقدم شرح هذا البيت أيضا في الشاهد السبعين بعد السبعمائة منه
__________
(1) هذه العبارة ليست في شرح الزوزنى (*)

وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس عشر، وهو من شواهد سيبويه (1) (من الطويل) 15 - وقفت على ربع لمية ناقتي * فما زلت أبكى عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كادمما أبثه * تكلمني أحجاره وملاعبه على أن " أسقيه " بمعنى أدعو له بالسقيا، مضارع أسقاه قال سيبويه (1)، وقالوا: أسقيته في معنى سقيته فدخلت على فعلت، ثم أنشد البيتين، قال أبو الحسن الاخفش في شرح (2) نوادر أبى زيد: قالوا في أسقاه الله، إنه في معنى سقاه الله، وأنشدوا قول لبيد (من الوافر) سقى قومي بنى مجد وأسقي * نميرا والقمائل من هلال قال الاصمعي: هما يفترقان، (وهذا الذى أذهب إليه) (3) فمعنى سقيته أعطيته ماء لسقيه، ومعنى أسقيته جعلت جعلت له ماء يشربه أو عرضته لذلك، أو دعوت له، كل هذا يحتمله هذا اللفظ، وأنشد قول ذى الرمة: * وقفت على ربع لمية ناقتي * البيتين قوله " وأسقيه " أدعو له بالسقيا، وهذا أشبه بكلام العرب، وقال ابن الاعرابي: معناه أسقيه من دمعى، وهذا غير بعيد من ذلك المعنى: أي أجعل له سقيا من دمعى على سبيل الاغراق والافراط، كما قال (من الطويل): وصلت دما بالدمع حتى كأنما * يذاب بعينى لؤلؤ وعقيق انتهى
__________
(1) انظر كتاب سيبويه (ج 2 ص 235) (2) انظر نوادر أبى زيد (ص 213)، وفيها في بيت لبيد " بنى نجد " والذى في الاصل كرواية الاعلم في شرح شواهد سيبويه (ج 2 ص 235) (3) الزيادة عن شرح الاخفش لنوادر أبى زيد (ص 213) (*)

وقال الاعلم: قوله " وأسقيه " معناه أدعو له بالسقيا، يقال: سقيته، إذا ناولته الشراب، وأسقيته (إذا جعلت له سقيا يشرب منه، وأسقيته وسقيته) (1) إذا قلت له سقيا لك، وبعضهم يجيز سقيته وأسقيته بمعنى إذا ناولته ماء يشربه، واحتج بقول الشاعر: * سقى قومي بنى مجد - البيت * والاصمعى ينكره ويتهم قائله (2)، انتهى.
وقوله " وقفت على ربع - الخ " هذا مطلع قصيدة طويلة لذى الرمة، ووقفت الدابة وقفا ووقوفا: أي منعتها عن السير، ووقفت هي أيضا، يتعدى ولا يتعدى، ووقفت الدار وقفا: حبستها في سبيل الله، وأوقفت الدار والدابة بالالف لغة تميم، وأنكرها الاصمعي، وقال: الكلام وقفت بغير ألف.
وحكى بعضهم ما يمسك باليد يقال فيه أوقفته بالالف، وما لا يمسك باليد يقال وقفته بغير ألف والفصيح وقفت بغير ألف في جميع الباب، إلا في قولك: ما أوقفك ها هنا، وأنت تريد أي شأن حملك على الوقوف، فان سألت عن شخص قلت: من وقفك، بغير ألف.
كذا في المصباح، والربع: الدار حيث كانت، وأما المربع فالمنزل في الربيع خاصة، ومية: اسم محبوبة ذى الرمة، وقوله " وأسقيه " معطوف على أخاطبه، " وأبثه " بفتح الهمزة وضمها، يقال: بثثته ما في نفسي وأبثثته، إذا أخبرته بما تنطوى عليه وتسره، و " الملاعب " جمع ملعب، وهو الموضع الذى يلعب فيه الصبيان وترجمة ذى الرمة تقدمت في الشاهد الثامن من أول شرح الكافية
__________
(1) الزيادة عن شرح شواهد سيبويه للاعلم (ج 2 ص 235) (2) في الاعلم زيادة " لانه لو كان عربيا مطبوعا لم يجمع بين لغتين لم يعتد
إلا إحداهما " (*)

وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس عشر، وهو من شواهد سيبويه (من البسيط) 16 - ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها * حتى أتيت أبا عمرو بن عمار على أن أفتح وأغلق فيه بمعنى أفتح وأغلق بالتشديد، قال سيبويه في باب افتراق فعلت وأفعلت في الفعل للمعنى ما نصه: " وقالوا أغلقت الباب وغلقت الابواب حين كثروا العمل (1)، وإن قلت أغلقت الابواب كان عربيا جيدا، (و) (2) قال الفرزدق: * ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها * البيت وقال أيضا في الباب الذى يليه وهو باب دخول فعلت على فعلت، الاول بالتشديد والثانى بالتخفيف " نحو كسرته وقطعته فإذا أردت كثرة العمل قلت كسرته وقطعته " إلى أن قال: " واعلم أن التخفيف في هذا حائز كله (3) عربي، إلا أن فعلت إدخالها لتبيين الكثر، وقد يدخل في هذا التخفيف، قال الفرزدق * ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها * البيت وفتحت في هذا أحسن، وقد قال جل ذكره (جنات عدن مفتحة لهم الابواب) انتهى.
فظهر أن كليهما مبالغة، لا في أغلقها فقط، ولهذا نبه عليهما الشارح المحقق وقال الاعلم: " الشاهد في جواز دخول أفعلت على فعلت فيما يراد به التكثير، يقال: فتحت الابواب وأغلقتها، والاكثر فتحتها وغلقتها، لان الابواب جماعة فيكثر الفعل الواقع عليها " انتهى واقتصر ابن السراج في الاصول على التنبيه على أغلقها فقط، قال: " يجئ
__________
(1) في سيبويه (ج 2 ص 237) زيادة قوله: " وستري نظير ذلك في باب
فعلت (بالتشديد) إن شاء الله " (2) الزيادة عن كتاب سيبويه في الموضع السابق (3) في الاصول: " أن التخفيف في هذا كله جائز عربي " والتصحيح عن سيبويه في الموضع السابق (*)

أفعلت في معنى فعلت، كما جاءت فعلت في معناها: أقللت وأكثرت في قللت وكثرت، وقالوا: أغلقت الابواب وغلقت، قال الفرزدق: ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها...البيت، انتهى وأورد سيبويه هذا البيت أيضا في باب ما يذهب التنوين فيه من الاسماء (1) قال: " وتقول هذا أبو عمرو بن العلاء، لان الكنية كالاسم الغالب، ألا ترى أنك تقول: هذا زيد بن أبى عمرو، فتذهب التنوين كما تذهبه في قولك: هذا زيد ابن عمرو، لانه اسم غالب (2)، وقال الفرزدق في أبى عمرو بن العلاء: * ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها * البيت قال الاعلم " الشاهد فيه حذف التنوين من أبى عمرو، لان الكنية في الشهرة والاستعمال بمنزلة الاسم العلم (فيحذف التنوين منها إذا نعتت بابن مضاف إلى علم كما يحذف التنوين من الاسم) (3) وأراد أبا عمرو بن العلاء بن عمار " انتهى.
وزعم ابن السيرافى في شرح أبيات سيبويه أن عمارا جد من أجداده، ورد عليه الاسود أبو محمد الاعرابي في فرحة الاديب بأن عمارا جده الادنى، وليس بجد من أجداده، وهو أبو عمرو زبان بن العلاء بن عمار المازنى، من بنى مازن ابن مالك بن عمرو بن تميم، وأنشد بعد ذلك البيت بيتين آخرين، وهما: حتى أتيت فتى محضا ضريبته * مر المريرة حرا وابن أحرار
ينميه من مازن في فرع نبعتها * أصل كريم وفرع غير خوار
__________
(1) انظر كتاب سيبويه (ج 2 ص 147) وما بعدها (2) في كتاب سيبويه هنا زيادة قوله " وتصديق ذلك قول العرب هذا رجل من بنى أبى بكر بن كنانة " (3) الزيادة عن شرح الاعلم لشواهد سيبويه (ج 2 ص 148) (*)

والضريبة: الطبيعة، يعنى أنه أصل كريم لا يخالط طبعه لؤم، والمحض: الخالص الذى لا يخالطه شئ آخر، والمريرة: العزيمة، يعنى أنه شديد الانفة تعاف نفسه أن يفعل أفعالا غير عالية، وينميه: ينسبه ويرفعه، وفاعله أصل، والفرع: شريف قومه، والفرع الغصن والاعلى من كل شئ، والفرع الشجرة، والنبعة: شجرة، والفرع الثاني مقابل الاصل، وهو مأخوذ من فرع الشجرة، والخوار: الضعيف وقال بعض من كتب على أبيات سيبويه: أراد بقوله " أفتح أبوابا وأغلقها " أنى كشفت عن أحوال الناس وفتشتهم فلم أر فيهم مثل أبى عمرو وقال ابن السيد في شرح أدب الكاتب: " الفتح والاغلاق هنا مثلان لما استغلق عليه من الامور وما انفتح، وأحسب الفرزدق يعنى أبا عمرو بن العلاء " وأقول: كأنهما لم يقفا على ما في طبقات النحاة لابي بكر محمد التاريخي فانه روى بسند إلى الاصمعي أنه قال: حدثنى أبو عمرو بن العلاء قال: دخل على الفرزدق فغلقت أبوابا ثم أبوابا، ثم فتحت أبوابا ثم أبوابا، فأنشأ الفرزدق: * ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها * البيت وقال التاريخي أيضا: حدثنا أحمد بن عبيد، قال: حدثنا الاصمعي، قال: دخل الفرزدق على أبى عمرو بن العلاء وصعد إلى غرف فقال " ما زلت أفتح أبوابا " البيت وقال أبو عبيد البكري في شرح أمالى القالى: إن أبا عمرو بن العلاء كان
هاربا من الحجاج مستترا، فجاء الفرزدق يزوره في تلك الحالة، فكان كلما يفتح له باب يغلق بعد دخوله، إلى أن وصل إليه، فأنشده هذه الابيات وترجمة الفرزدق تقدمت في شرح الشاهد الثلاثين من أوائل شواهد شرح الكافية وأبو عمر بن العلاء هو أحد القراء السبعة، كان رحمه الله من أعلم الناس بالقرآن ولغاته وتفسيره وعربيته، وكان إماما في الشعر والنحو واللغة وأيام العرب

أصله من كازرون، وولد بمكة شرفها الله تعالى سنة ثمان، وقيل تسع وستين، ونشأ بالبصرة، ومات بالكوفة سنة أربع، وقيل خمس وخمسين ومائة، واختلف في اسمه: فقيل زبان بفتح الزاى المعجمة وتشديد الباء الموحدة، وهو الصحيح، وقيل: العريان، وقيل: محبوب، وقيل: يحيى، وقيل: عيينة: وقيل اسمه كنيته، ويرده كلام سيبويه، واشتهر بأبيه العلاء، لان أباه كان على طراز الحجاج (1)، وكان مشهورا معروفا، وجده عمار كان من أصحاب أمير المؤمنين على ابن أبى طالب، وقرأ أبو عمرو على مجاهد وعكرمة وعطاء وأبى العالية ويحيى بن يعمرو سعيد بن جبير، ويروى أنه قرأ على ابن كثير رحمه الله مع أنه في درجته تتمة: قد وقع البيت في أبيات جيمية للراعي النميري وهى (من البسيط): ومرسل ورسول غير متهم * وحاجة غير مزجاة من الحاج طاوعته بعد ما طال النجى بنا * وظن أنى عليه غير منعاج ما زال يفتح أبوابا ويغلقها * دوني وأفتح بابا بعد إرتاج حتى أضاء سراج دونه بقر * حمر الانامل عين طرفها ساج وبعده أبيات أخر أوردها الامدي في ترجمته من المؤلف والمختلف، والمبرد في أوائل الكامل وشرحها، وأراد بالمرسل نفسه، يقول: هي حاجة مكتومة إنما يرسل
إلى امرأة فهو يكتمها، والمزجاة: اليسيرة، والنجى: المناجاة، جاء به على فعيل كالصهيل ومنعاج: منعطف، وأراد بالبقر النساء، والعرب تكنى عن المرأة بالبقرة والنعجة وساج: ساكن، ولا أدرى أيهما أخذه من صاحبه، والله أعلم وأنشد بعده وهو الشاهد السابع عشر (من الكامل): 17 - * إن البغاث بأرضنا يستنسر * على أن يستنسر معناه يصير كالنسر في القوة، قال القالى في أماليه: قال الاصمعي: من أمثال العرب إن البغات الخ، يضرب مثلا للرجل يكون ضعيفا
__________
(1) أي: كان فيما على نسج ثياب الحجاج (*)

ثم يقوى، قال القالى: سمعت هذا المثل من أبى المياس، وفسره لى فقال: يعود الضعيف بأرضنا قويا، ثم سألت عن أصل هذا المثل أبا بكر بن دريد فقال: البغاث ضعاف الطير، والنسر أقوى منها، فيقول: إن الضعيف يصير كالنسر في قوته، انتهى وفى الصحاح: قال ابن السكيت: البغاث طائر أبغث إلى الغبرة دوين الرخمة بطئ الطيران، وفى المثل " إن البغاث بأرضنا يستنسر " أي من جاورنا عزبنا، وقال يونس: فمن جعل البغاث واحدا بغثان، مثل غزال وغزلان ومن قال للذكر والانثي بغاثة فالجمع بغاث، مثل نعامة ونعام، وقال الفراء: بغاث الطير شرارها ومالا يصيد منها، وبغاث وبغاث وبغاث ثلاث لغات وكتب ابن برى على ما نقله عن ابن السكيت: هذا غلط من وجهين: أحدهما أن البغاث اسم جنس واحده بغاثة مثل حمام وحمامة، وأبغث صفة، بدليل قولهم أبغث بين البغثة، كما تقول أحمر بين الحمرة، وجمعه بغث، مثل أحمر وحمر، وقد يجمع على أباغث لما استعل استعمال الاسماء، كما قالوا أبطح وأباطح، والثانى
أن البغاث ما لا يصيد من الطير، وأما الابغت من الطير فهو ما كان لونه أغبر، وقد يكون صائدا وغير صائد، انتهى وهو مصراع من الشعر، ولم أقف على تتمته بعد التتبع وبذل الجهد، والله أعلم وأنشد بعده، وهو الشاهد الثامن عشر (من الرجز) 18 - إنى أرى النعاس يغرندينى * أطرده عنى ويسر ندينى على أن هذين الفعلين قد جاءا متعديين في الظاهر، والاصل يغرندى على، ويسرندى على، أي يغلب ويتسلط، وحمل ابن هشام في المغنى تعديهما على الشذوذ، وقال: ولا ثالث لهما، وقال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: افعليت على ضربين: متعد وغير متعد، فالمتعدى نحو قول الراجز:

قد جعل النعاس يغرندينى * أدفعه عنى ويسرندينى وغير المتعدى نحو قولهم: احر نبى الديك، انتهى.
وتبعه السخاوى في سفر السعادة فقال: السرندى هو الجرئ الشديد، ومنه قولهم: اسرنداه، إذا ركبه، وأنشد الرجز، وكذا في الصحاح، قال: اسرنداه اعتلاه، والاسرنداء: الاغرنداء، والمسرندى: الذى يعلوك ويغلبك، وأنشد الرجز، ولم يتعرض له ابن برى في أماليه عليه بشئ، ولا الصفدى في حاشيته عليه، وقلما خلا عن هذا الرجز كتاب من علم الصرف، ومع ذلك لم يعرف قائله، والله أعلم.
المضارع وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع عشر: 19 - بنت على الكرم هو قطعة من بيت وهو (من المنسرح): نستوقد النبل بالحضيض ونصطاد * نفوسا بنت على الكرم
على أن أصله بنيت، وطئ تفتح قياسا ما قبل الياء إذا تحركت الياء بفتحة غير إعرابية، فتنقلب الياء ألفا، وكانت طرفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار بنات فحذفت الالف لالتقاء الساكنين قال ابن جنى في إعراب الحماسة: هذه لغة طائية، وهو كثير، إلا أنه ينبغى أن تعلم أن الكسرة المبدلة في نحو هذا فتحة مبقاة الحكم غير منسية ولا مطروحة الاعتداد بها، ألا ترى أن من قال في بقى بقا وفى رضى رضا لا يقول في مضارعه إلا يبقى ألبتة، ولو كان الفعل مبنيا على فعل أو منصرفا به عن إرادة فعل معنى كما انصرف به عنه لفظا لوجب أن تقول في رضا: يرضو، كما تقول في غزا: يغزو، وفى فنا يفنو، لانه عندي من الواوى، وذلك أنه من معنى الفناء للدار وغيرها، إلى آخر ما ذكره

وهذا البيت قبله بيت وهو (من المنسرح): نحن حبسنا بنى جديلة في * نار من الحرب جحمة الضرم نستوقد النبل الخ وأوردهما أبو تمام في أوائل الحماسة (1)، ونسبهما إلى بعض بنى بولان من طى، وبولان - بفتح الموحدة وسكون الواو - علم مرتجل من البول.
قال أبو العلاء المعرى: يجوز أن يكون اشتقاقه من البال، وهو الخلد والحال، وجديلة - بفتح الجيم - حى من طى، وهو المراد هنا، وجديلة حى من الازد أيضا، وحى من قيس عيلان أيضا، وجحمة - بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة - مصدر جحمت النار، فهى جاحمة: أي اضطرمت والتهبت، ومنه الجحيم، والضرم - بفتحتين - التهاب النار، وقد ضرمت واضطرمت وتضرمت.
يقول: حبسنا هؤلاء القوم على نار من الحرب شديدة الاضطرام والالتهاب وقوله " نستوقد النبل: الخ " نستوقد بالنون، والنبل - بفتح النون -
السهام مفعولة، يقول: تنفذ سهامنها في الرمية حتى تصل إلى حضيض الجبل فتخرج النار، لشدة رمينا وقوة سواعدنا، ونصيد بها نفوسا مبنية على الكرم، يعنى أنا نقتل الرؤساء، وهذا من فصيح الكلام، كأنه جعل خروج النار من الحجر عند ضربهم النبل له استيقادا منهم لها، والحضيض: قرار الجبل وأسفله، وروى " تستوقد النبل " (2) بالمثناة الفوقية، والنبل فاعله، وروى أبو محمد
__________
(1) انظر شرح الحماسة للتبريزي (ج 1 ص 86) فقد أخذ المؤلف أكثر ما كتبه على هذا الشاهد منه وإن لم يجر ذكره (2) أشار التبريزي في الموضع المذكور إلى هذه الرواية ولكنه جعل فاعل تستوقد ضميرا مستترا عائدا إلى الحرب في البيت السابق وجعل النبل منصوبا على أنه مفعول به (*)

الاعرابي فيما نقض به على أبى عبد الله النمري أول شارح للحماسة هذين البيتين لرجل من بنى القين على وجه لا شاهد فيه، وهو كذا نستوقد النبل بالحضيض ونقتاد * نفوسا صيغت على كرم قال: وهذا البيتان لرجل من بلقين، وسبب ذلك أن القين بن جسر وطيئا كانوا حلفاء، ثم لم تزل كلب بأوس بن حارثة حتى قاتل القين يوم ملكان (1) فحبستهم بنو القين ثلاثة أيام ولياليها، لا يقدرون على الماء، فنزلوا على حكم الحارث بن زهدم أخى بنى كنانة بن (2) القين، فقال شاعر القين يومئذ هذين البيتين، انتهى.
وأنشد بعده، وهو الشاهد العشرون (من الرمل) 20 - ليت شعرى عن خليلي ما الذى * غاله في الحب حتى ودعه على أن ماضى يدع، وهو ودع، لم يستعمل إلا ضرورة، وبالغ سيبويه فقال: (3) " أماتوا ماضى يدع " أي لم يستعملوه، لا في نثر ولا في نظم، وقالوا أيضا:
لم يستعمل مصدره ولا اسم فاعله ولا اسم مفعوله، مع أن الجميع قد ورد، فالاقرب الحكم بالشذوذ، لا بالاماتة، ولا بالضرورة، كما قال ابن جنى في المحتسب، قال: قرأ (ما ودعك ربك) خفيفة النبي صلى الله عليه وسلم، وعروة بن الزبير، وهذه قليلة الاستعمال
__________
(1) ملكان: ضبطه ياقوت بفتحات، وضبطه في القاموس مثله أو بكسر الميم وسكون اللام، وقالا: هو جبل بالطائف، وذكر ياقوت أنه يقال: ملكان، بفتح الميم وكسر اللام، وأنه واد لهذيل على ليلة من مكة وأسفله بكنانة (2) في بعض النسخ " أخى بنى بنانة بن القين " وهو تحريف، والترجيح عن نسخة أخرى وعن شرح الحماسة للتبريزي عند شرحه لهذين البيتين (ج 1 ص 86) (3) عبارة سيبويه (ج 2 ص 256): " كما أن يدع ويذر على ودعت ووذرت وإن لم يستعمل " (*)

وقال الصاغانى في العباب: وقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم أصل هذه اللغة فيما روى ابن عباس رضى الله عنهما أنه قرأ (ما ودعك) مخففة، وكذلك قرأ عروة ومقاتل وأبو حيوة وإبراهيم وابن أبى عبلة ويزيد النحوي، انتهى وقال ابن الاثير في النهاية عند حديث " لينتهين أقوام عن ودعتهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم " أي: عن تركهم إياها والتخلف عنها، يقال: ودع الشئ يدعه ودعا، إذا تركه، والنحاة يقولون " إن العرب أماتوا ماضى يدع ومصدره، واستغنوا عنه بترك " والنبى عليه السلام أفصح، وإنما يحمل قولهم على قلة استعماله، فهو شاذ في الاستعمال فصيح في القياس، وقد جاء في غير حديث، حتى قرئ (به (1)) قوله تعالى (ما ودعك ربك وما قلى) بالتخفيف، انتهى
وكذا في التقريب لنور الدين محمود ابن صاحب المصباح أحمد بن محمد الفيومي، قال: ودعت الشئ ودعا تركته، وقرئ (ما ودعك ربك) مخففا ومنه " من ودعه الناس لشره " و " عن ودعهم الجمعات " وقوله " غير مودع ربنا ولا مكفور (2) " أي غير متروك ولا مفقود، يريد الطعام، أو المراد الله تعالى أي غير متروك الطاعة أو غير متروك الطلب إليه والسؤال منه، كما قال " غير مستغنى عنه "، وبكسر الدال أي غير تارك طاعتك ربنا، وقيل: هو من الوداع، انتهى وقال أبوه في المصباح: ودعته أدعه ودعا، تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثم حذفت الواو، ثم فتح لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدمين: وزعمت النحاة أن العرب أماتت ماضى يدع ومصدره واسم الفاعل، وقد قرأ مجاهد وعروة ومقاتل وابن أبى عبلة ويزيد النحوي (ما ودعك ربك) بالتخفيف،
__________
(1) الزيادة عن النهاية لابن الاثير (2) وقع الحديث هكذا في اللسان وفى النهاية، ولكن لا يتم الاستشهاد به على هذه الرواية (*)

وفى الحديث " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات " أي عن تركهم، فقد رويت هذه الكلمة عن أفصح العرب ونقلت من طريق القراء فكيف يكون إماتة، وقد جاء الماضي في بعض الاشعار، وما هذه سبيله فيجوز القول بقلة الاستعمال، ولا يجوز القول بالاماتة، انتهى وقد روى الماضي (1) في أبيات أخر: قال سويد بن أبى كاهل اليشكرى يصف نفسه (من الرمل) ورث البغضة عن آبائه * حافظ العقل لما كان استمع فسعى مسعاتهم في قومه * ثم لم يظفر ولا عجزا ودع ويروى * ولا شيئا ودع *
وقال آخر (من المنسرح) وكان ما قدموا لانفسهم * أكثر نفعا من الذى ودعوا
__________
(1) قال التبريزي في شرح الحماسة (ج 2 ص 85): " وقوله: أرى ضيعة الاموال أن لا يضمه * إمام، ولا في أهله المال يودع يجوز أن يكون يودع في معنى يترك، وتلك لغة قليلة، وقد حكوا ودع في معنى ترك، فإذا بنى الفعل على ما لم يسم فاعله وجب أن يقال ودع يودع، وقد روى أن بعضهم قرأ (ما ودعك ربك وما قلى)، وروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنشدوا بيتا ينسب إلى أبى الاسود الدؤلى: ليت شعرى عن خليلي ما الذى * غاله في الود حتى ودعه ويجوز أن يكون يودع في البيت المتقدم محمولا على الوديعة كما قال: وما المال والاهلون إلا وديعة * ولابد من أن تسترد الودائع اه كلامه، والبيت الاول الذى أنشده لغالب بن الحر بن ثعلبة الطائى والبيت الاخير في كلامه للبيد بن ربيعة العامري (*)

وأما اسم الفاعل فقد جاء في شعر رواه أبو على (1) في البصريات، وهو (من الطويل) فايهما ما أتبعن فإننى * حزين على ترك الذى أنا وادع وأما اسم المفعول فقد جاء في شعر خفاف بن ندبة الصحابي، وهو (من الطويل) إذا ما استحمت أرضه من سمائه * جرى وهو مودع وواعد مصدق أي: متروك لا يضرب ولا يزجر وهذا البيت من أبيات لانس بن زنيم قالها لعبيد الله بن زياد بن سمية وهى: سل أميرى ما الذى غيره * عن وصالي اليوم حتى ودعه
لا تهنى بعد إكرامك لى * فشديد عادة منتزعه لا يكن وعدك برقا خلبا * إن خير البرق ما الغيث معه كم بجود مقرف نال العلى * وشريف بخله قد وضعه وتقدم شرح هذه الابيات مع ترجمة قائلها في الشاهد التاسع والثمانين بعد الاربعمائة من شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادى والعشرون (من الكامل): 21 - لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة * تدع الصوادى لا يجدن غليلا على أن ضم الجيم من يجد لغة بنى عامر، كما هو في هذا البيت، ومراده هذه اللفظة بخصوصها، ووجه ضعفها الشذوذ بخروجها عن القياس والاستعمال، وكسر الجيم هو القوى فيها، وقد سمع، قال السيرافى: إنهم يقولون ذلك في يجد
__________
(1) في أصول هذا الكتاب كلها " أبو يعلى " وهو تحريف من النساخ، لان صاحب البصريات هو أبو على الفارسى الحسن بن أحمد بن عبد الغفار المتوفى ببغداد في عام 277 ه، ويؤيد هذا قول صاحب اللسان: وقد جاء في بيت أنشده الفارسى في البصريات " اه، ثم ذكر هذا البيت نفسه (*)

من الموجدة والوجدان، وبنو عامر في غير يجد كغيرهم، وكذا قال صاحب الصحاح، وأطلق صاحب العباب وتبعه صاحب القاموس فحكيا الضم في هذه الكلمة، ولم يذكرا بنى عامر، قال السيرافى: وروى " يجدن " بالكسر في البيت، وصرح الفارابى وغيره بقصر لغة بنى عامر بن صعصعة على هذه اللفظة، وكذا جرى عليه أبو الحسن بن عصفور، فقال: وشذ من فعل الذى فاؤه واو لفظة واحدة، فجاءت بالضم، وهى وجد يجد، قال: وأصله يوجد، فحذفت الواو لكون الضمة هنا شاذة، والاصل الكسر، انتهى
وزعم ابن مالك في التسهيل أن لغة بنى عامر فيما فاؤه واو من المثال ضم العين: أي فيقولون: وعد يعد وولد يلد، ونحو ذلك، بضم العين ورده أبو حيان في الارتشاف، قال: ويجد من الموجدة والوجدان بضم الجيم شاذ، وقيل: لغة عامرية في هذا الحرف خاصة، وجعل ابن مالك ذلك قانونا كليا لغة بنى عامر في كل ما فاؤه واو من فعل ليس بصحيح، انتهى وكذا اعترض عليه شراحه كابن عقيل والمرادي، ويشهد لهم قول ابن جنى في سر الصناعة: ضم الجيم من يجد لغة شاذة (غير معتد بها (1)) لضعفها وعدم نظيرها ومخالفتها ما عليه الكافة فما هو بخلاف وضعها، وقال أيضا في شرح تصريف المازنى: فأما قول الشاعر * لا يجدن غليلا * فشاذ، والضمة عارضة، ولذلك حذفت الفاء كما حذفت في يقع ويزع، وإن كانت الفتحة هناك لان الكسرة هي الاصل، وإنما الفتح عارض (2)، انتهى
__________
(1) هذه الكلمة غير موجودة في كتاب سر الصناعة لابن جنى في باب حرف الواو (نسخة خطية محفوظة في مكتبتنا الخاصة) (2) في شرح تصريف المازنى: " لان الكسر هو الاصل " (نسخة خطية محفوظة في مكتبتنا الخاصة) (*)

وهذا التوجيه هو التوجيه الاول من توجيهي الشارح، وأما توجيهه الثاني وهو أن تكون الضمة أصلية - فيرده مجئ الكسر في هذه الكلمة كما نقلنا.
والبيت الذى أنشده الشارح المحقق ليس للبيد العامري، وإنما هو لجرير، وهو تميمي، وهو في هذا تابع للجوهري، قال في صحاحه: وجد مطلوبه يجده وجودا ويجده أيضا بالضم لغة بنى عامر (1)، لا نظير لها في باب المثال، قال لبيد وهو عامري * لو شئت قد نقع الفؤاد - البيت * قال ابن برى في أماليه
على الصحاح: البيت لجرير، وليس للبيد كما زعم، وكذا نسبه الصاغانى في العباب لجرير، وأنشد هذه الابيات الثلاثة له، وهى أول قصيدة هجا بها الفرزدق: لم أر مثلك يا أمام خليلا * أنأى بحاجتنا وأحسن قيلا لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة * تدع الصوادى لا يجدن غليلا (2) بالعذب في رصف القلات مقيله * قض الاباطح لا يزال ظليلا (3) وأمام: مرخم أمامة بضم الهمزة اسم امرأة، والخليل: الصديق، والانثى خليلة، كذا في العباب، وإنما لم يؤنثه هنا للحمل على صديق، فانه يقال: رجل صديق وامرأة صديق، وأنأى: وصف لخليل، وهو أفعل تفضيل من النأى،
__________
(1) في الصحاح: " لغة عامرية " (2) في الديوان، وشرح تصريف المازنى، وسر الصناعة: " تدع الحوائم " والحوائم: العطاش واحدها حائم (3) في أصول الكتاب هنا: " بالعذب من " والتصحيح عن اللسان والديوان، ووقع في اللسان مادة (وج د) رضف القلات (بالضاد المعجمة محركة) وهو تحريف من وجهين لان الرضف بالمعجمة الساكنة الحجارة المحماة تطرح في اللبن ليذهب وخمه ولا يصلح ههنا والتحريك غير موجود (*)

وهو البعد، والباء متعلقة به، والقيل: القول، يريد أنها تقول ما لا تفعل، فقولها قريب حسن مطمع في حصول المراد، وهى أبعد بحصوله له من كل شئ، وزعم العينى أن قوله أنأى بحاجتنا من قولهم: أناءه الحمل، إذا أثقله، ونقله السيوطي في شرح أبيات المغنى، وهو غير صحيح، لان أفعل التفضيل لا يكون إلا من الثلاثي، وكأن المراد من حسن القول قرب المأمول، ويقابله بعده، لا إثقاله، قال
صاحب الصحاح: وأناءه الحمل مثال أناعه: أي أثقله، (وأماله) (1) ويقال أيضا: ناء به الحمل، إذا أثقله، فيتعدى بالباء والهمزة، وهو من ناء ينوء نوءا، إذا نهض بجهد ومشقة، وناء بالحمل: إذا نهض به مثقلا، وقوله " لو شئت - الخ " بكسر التاء خطاب لامامة، وجملة " قد نقع الفؤاد " جواب لو، قال ابن هشام في المغنى: وورد جواب لو الماضي مقرونا بقد، وهو غريب، كقول جرير * لو شئت قد نقع الفؤاد - البيت * ونظيره في الشذوذ اقتران جواب لولا بها، كقول جرير أيضا * لولا رجاؤك قد قتلت أولادي * انتهى.
و " نقع " بالنون والقاف، يقال: نقع زيد بالماء: أي ارتوى منه، وشرب حتى نقع: أي شفى غليله، والغليل - بالغين المعجمة - حرارة العطش، قال ابن برى: يقال نقع الفؤاد روى، ونقع الماء العطش: أذهبه، نقعا ونقوعا فيهما، والماء الناقع: العذب المروى، وقوله " بشربة " متعلق بنقع، والشربة: المرة من الشرب، وأراد به ماء ريقها، وروى بدله " بمشرب " وهو مصدر ميمى، وقوله " تدع الصوادى " فاعل تدع ضمير الشربة، ومعناه تترك، والصوادى: جمع صادية: أي الفرقة الصادية، أو هو جمع صاد.
والصدى: العطش، والصادى: العطشان، يقول: لو ذاقت الفرق الصوادى من تلك الشربة
__________
(1) الزيادة عن صحاح الجوهرى (*)

لتركتهم بلا عطش، وجملة " لا يجدن غليلا " حال من الصوادى، ومن العجيب قول نظام الاعرج في شرحه: الصوادى في البيت النخيل الطوال على ما في الصحاح، وقوله " بالعذب " متعلق بشربة، والباء بمعنى من، أي بشربة من الماء العذب، وهو وصف من عذب الماء - بالضم - عذوبة: أي ساغ
مشربه، و " في رصف " حال منه، والرصف بفتح الراء وسكون الصاد المهملتين (1) الحجارة المرصوف بعضها إلى بعض، والقلات - بكسر القاف - جمع قلت بفتحها وسكون اللام - وهى النقرة في الصخرة أو الجبل يستنقع فيها ماء السماء، ومقيله بالقاف: أي موضع الماء العذب، وهو مبتدأ، وقوله " قض الاباطح " خبره، والقض - بكسر القاف وتشديد الضاد المعجمة - الحصى الصغار والارض ذات الحصى أيضا، وهو مضاف إلى الاباطح جمع أبطح، وهو كل مكان متسع، والماء الموصوف بهذين الوصفين يكون أصفى المياه وأطيبها وترجمة جرير تقدمت في الشاهد الرابع من أول شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والعشرون (من الرجز): 22 - بنيتي سيدة البنات * عيشي ولا نأمن أن تماتى على أنه جاء تمات مضارع مت بكسر الميم كتخاف مضارع خفت، وزاد ابن القطاع حرفين آخرين على ما ذكره الشارح المحقق من الحرفين، وهما كدت تكود وجدت تجود بكسر أول الماضي فيهما، وجاء فيهما تكاد وتجاد وبنيتى: منادى بحرف نداء مقدر، وهو مصغر بنت مضاف إلى ياء المتكلم وسيدة: بالنصب نعت له، ويجوز رفعه، وعيشى: دعاء لها بأن تعيش
__________
(1) الذى في اللسان أنه بفتح الراء والصاد المهملتين (*)

وهذا الرجز كذا أنشده الجوهرى في الصحاح غير معزو إلى قائله، ولم يكتب عليه ابن برى شيئا في أماليه عليه، ولا الصفدى في حاشيته، وقال الصاغانى في العباب: قد مات يموت ويمات أيضا، وأكثر من يتكلم بها طئ وقد تكلم بها سائر العرب، قال: * بنى يا سيدة البنات *
هكذا أنشده ابن دريد، وأنشد غيره بنيتي يا خيرة البنات * عيشي، ولا يؤمن أن تماتى ويروى " ولا يؤمن بأن (1) " ويروى " نأمن أن " وقال يونس في كتاب اللغات: إن يميت لغة فيها، انتهى وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والعشرون: (من الرجز) 23 - فإنه أهل لان يؤ كرما * على أنه شاذ، والقياس يكرم بحذف الهمزة، وهذا المقدار أورده الجوهرى في صحاحه في مادة كرم غير معزو إلى قائله، ولا كتب عليه ابن برى شيئا في أماليه، ولا الصفدى في حاشيته عليه، وهو مشهور في كتب العربية قلما خلا عنه كتاب، وقد بالغت في مراجعة المواد والمظان فلم أجد قائله ولا تتمته، وقال العينى: تقدم الكلام عليه مستوفى في شواهد باب النعت وفى شواهد نونى التوكيد وأقول: لم يذكره فيهما أصلا، فضلا أن عن يستوفى الكلام عليه
__________
(1) كذا في عامة الاصول، وليس بشئ، لان وزن البيت يختل، إلا أن تسكن النون من " يؤمن " ضرورة.
(*)

وقال الجاربردى (1) أوله: * شيخ على كرسيه معمما * وأقول: هذا من قصيدة مرجزة منها: يحسبه الجاهل ما لم يعلما * شيخا على كرسيه معمما لو أنه أبان أو تكلما * لكان إياه ولكن أعجما وقد شرحناها في الشاهد التاسع والاربعين بعد التسعمائة من آخر شواهد
شرح الكافية، وليس في تلك القصيدة * فإنه أهل لان يؤ كرما * وأنشد الجاربردى (2)، وهو الشاهد الرابع والعشرون، وهو من شواهد سيبويه (3) (من السريع): لم يبق من آى بها يحلين * غير رماد وحطام كنفين وغير ود جاذل أو ودين * وصاليات ككما يؤثفين على أن يؤثفين بالهمز شاذ، والقياس يثفين جاء على الاصل المهجور لضرورة الشعر ووزنه يؤفعلن بزيادة الياء والهمزة، وهذا أحد قولين، ومعناه جعلت أثافى جمع أثفية، وعليه فأثفية أفعولة أصلها أثفوية قلبت الواو ياء وأدغمت وكسرت الفاء لتبقى الياء على حالها، واستدلوا على زيادة الهمزة بقول العرب: ثفيت القدر، إذا جعلتها على الاثافي، والقول الثاني - وهو لجماعة - أن وزنه يفعلين، فالهمزة أصل ووزن أثفية على هذا فعلية، واستدلوا بقول النابغة (من البسيط):
__________
(1 و 2) انظر شرح الجار بردى (ص 58) (3) انظره (ج 2 ص 331)، وقد جعلوا الشاهد من بحر الرجز (*)

لا تقذفنى بركن لا كفاء له * وإن تأثفك الاعداء بالرفد (1) فقوله تأثفك وزنه تفعلك لا يصح فيه غيره، ولو كان من ثفيت القدر لقال تثفاك، ومعنى البيت صار أعدائي حولك كالاثافى تظافرا، قال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: ويفعلين أولى من يؤفعلن، لانه لا ضرورة فيه، قال أبو الفتح بن جنى: يقال أثفيت القدر وأثفتها وثفيتها، إذا أصلحت تحتها الاثافي، وقال صاحب الصحاح: ثفيت القدر تثفية، وضعتها على الاثافي، وأثفيتها
جعلت لها أثافى، وأنشد البيت وهذا الشعر لخطام المجاشعى، ونسبه الصقلى شارح أبيات الايضاح للفارسي، والجوهري في الصحاح، إلى هميان بن قحافة، وأوله: حى ديار الحى بين السهبين * وطلحة الدوم وقد تعفين و " حى " أمر من التحية، والحى: القبيلة، والسهبان: موضع، وكذا طلحة الدوم، والنون في تعفين ضمير ديار الحى، وتعفي بمعنى عفا اللازم.
يقال: عفا المنزل يعفو عفوا، إذا درس، والاى: جمع آية بمعنى العلامة.
والتحلية: الوصف يقال: حليت الرجل مثلا، إذا وصفته، يقول: لم يبق من علامات حلولهم في ديارهم تحليها وتصفها غير ما ذكر، ومن: زائدة، وآى فاعل، وغير منصوب على الاستثناء، وجملة يحلين صفة لاى، وبها متعلق به.
والخطام بضم المهملة: ما تكسر من الحطب، والمراد به دق الشجر الذى قطعوه فظلوا به الخيام، ورماد مضاف إلى كنفين ويجوز تنوينه، وكنف بفتح الكاف وسكون النون الناحية والجانب.
وأصله بفتح النون سكنها للضرورة أي رماد من جانبى الموضع.
وقيل الكنف هنا بكسر الكاف وسكون النون، وهو خرج يضع فيه
__________
(1) الرفد - بكسر أوله وفتح ثانيه: جمع رفدة - بكسر فسكون - وهى العصبة من الناس، يقول: لا ترمنى منك بما لا مثل ولا أستطيع دفعه وإن احتوشك الاعداء متعاونين (*)

الراعى أشياءه: فيكون المعنى رماد مل ء كنفين، والجاذل بالجيم والذال المعجمة المنتصب، جذل جذولا: انتصب وثبت، والود: الوتد، وأراد بالصاليات الاثافي الثلاثة التى توضع عليها القدر لانها صليت بالنار أي أحرقت حتى اسودت وهى معطوفة على " حطام " أي وغير أثافى صاليات بالنار، وليست الواو واو رب
كما توهمه ابن يسعون.
وروى بدلها " وغير سفع " جمع أسفع، أراد به الاثافي أيضا لانها قد سفعتها النار أي سودتها وغيرت لونها، وروى أيضا " وما ثلات " أي منتصبات، يقول: إن هذه الاثافي تدل على قرب عهد بالعمارة ببقائها على الحال التى وضعتها عليه أهل العمارة فكانت لذلك أجلب للشوق والتذكار، وقوله " ككما " قيل: الكاف الاولى حرف والثانية اسم بمعنى مثل، وقيل: مؤكدة للاولى، وقيل: زائدة، قال أبو على: " ما " في ككما يجوز أن تكون مصدرية كأنه قال مثل الاثفاء، ويجوز أن تكون موصولة بمنزلة الذى، وقال ابن السيد: الكافان لا يتعلقان بشئ، فإن الاولى زائدة والثانية قد جرت مجرى الاسماء لدخول الجار عليها، ولو سقطت الاولى وجب أن تكون الثانية متعلقة بمحذوف صفة لمصدر مقدر محمول على معنى الصاليات لانها نابت مناب مثفيات فكأنه قال: ومثفيات إثفاء مثل إثفائها حين نصبت للقدر، ولابد من هذا التقدير ليصح اللفظ والمعنى، وقد شرحنا أبياتا أخر من هذه القصيدة وترجمنا قائلها في الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة من شواهد شرح الكافية الصفة المشبهة وأنشد فيها، وهو الشاهد الخامس والعشرون، وهو من شواهد سيبويه (1) (من الرجز) 25 - * ما بال عينى كالشعيب العين *
__________
(1) انظر (ج 2 ص 372) (*)

على أنه لم يأت على فيعل بفتح العين شئ من الصفة المشبهة غير حرف واحد في المعتل وهو عين، قال الاعلم: الشاهد فيه بناء العين على فيعل بالفتح، وهذا شاذ في المعتل لم يسمع إلا في هذه الكلمة وكان قياسها أن تكسر العين فيقال
عين كما قيل سيد وهين ولين، ونحو هذا، وهذا بناء يختص به المعتل ولا يكون في الصحيح كما يختص الصحيح بفيعل مفتوحة العين نحو صيرف وحيدر، وهو كثير، انتهى وقال ابن السيد في شرح أدب الكاتب: وجدت في نسخة من شعر رؤبة بخط أبى يعقوب إسحق بن إبراهيم بن الجنيد قرأها على أبى بكر بن دريد (وعليها خط ابن دريد وإجازته) (1) العين بكسر الياء، وقال: العين الذى قد رق (2) وتهيأ للخرق، انتهى وكذا قال ياقوت في هامش الصحاح، قال: أنشده سيبويه على فيعل بفتح العين، وقال: ولم يجئ غير عين في المعتل، وهو نادر، والقياس فيعل بكسر العين، والذى وجدته في شرح رجز رؤبة العين بكسر الياء ولا يجوز فتحها، انتهى.
والبيت أول أرجوزة بن العجاج، وبعده (3): وبعض أعراض الشجون الشجن * دار كرقم الكاتب المرقن * بين نقا الملقي وبين الاجؤن * قوله " ما بال عينى " ما استفهامية مبتدأ أو خبر مقدم، وبال خبر أو مبتدأ مؤخر، وهو بمعنى الشأن والحال، وقوله " كالشعيب " في موضع الحال، والشعيب - بفتح الشين المعجمة -
__________
(1) الزيادة عن شرح أدب الكاتب لابن السيد البطليوسى (ص 472) (2) في الاصول " تمزق وتهيأ للخرق " والتصويب عن شرح أدب الكاتب (3) انظر أراجيز رؤية (160) (*)

قال ابن دريد في الجمهرة: المزادة الصغيرة.
قال الجواليقى في شرح أدب الكاتب: " هي في الاصل صفة غالبة، فعيل
بمعنى مفعول، والعين: التى فيها عيون، فهى تسيل، وهو يشبهون خروج الدمع من العين بخروج الماء من خرز (1) المزادة، قال: كأنهما مزادتا مستعجل " انتهى وقال الجوهرى " يقال: بالجلد عين، وهى دوائر رقيقة، وذلك عيب.
تقول منه: تعين الجلد، وسقاء عين ومتعين " وأنشد البيت.
وكتب ابن برى في أماليه على صحاحه: العين الجديد في لغة طئ قال الطرماح (من الطويل) قد اخضل منها كل بال وعين * وجف الروايا (2) بالملا المتباطن انتهى.
وقال الاعلم: " الشعيب: القربة، والعين: الخلق البالية، شبه عينه لسيلان دمعها بالقربة الخلق في سيلان مائها من بين خرزها لبلاها وقدمها " اه وقوله " وبعض أعراض الخ " قال ابن السيد: دار خبر بعض، والمرقن: الذى ينقط الكتاب، والملقى والاجؤن مكانان، كذا وجدته الملقي مضموم الميم مفتوح القاف، والاجؤن مضموم الواو مهموزا كأنه جمع جؤن، ووجدته في غيره الاجون مفتوح الواو غير مهموز، انتهى وترجمة رؤبة تقدمت في الشاهد الخامس من أوائل شرح الكافية: المصدر أنشد فيه، وهو الشاهد السادس والعشرون: (من البسيط)
__________
(1) الخرز - بضم أوله وفتح ثانيه: جمع خرزة - كغرفة - وهى كل ثقبة وخيطها (2) الروايا: جمع راوية، وهى المزادة، والملا: موضع، وهو أيضا الصحراء، والمتباطن: المنخفض (*)

26 - إن الخليط أجد والبين فانجردوا * وأخلفوك عدا الامر الذى وعدوا
على أن الفراء قال في قوله تعالى (من بعد غلبهم سيغلبون) يجوز أن يكون في الاصل غلبتهم بالتاء، فحذفت التاء كما حذفت من " عدا الامر " في البيت والاصل عدة الامر، وهذا كلام الجوهرى في الصحاح وأقول: لم يورد الفراء هذا البيت عند هذه الاية، وهذا نصه في تفسيرها " وقوله من بعد غلبهم كلام العرب غلبته غلبة، فإذا أضافا أسقطوا الهاء كما أسقطوها في قوله تعالى (وإقام الصلاة) والكلام إقامة الصلاة " انتهى.
وإنما أورده عند تفسير الاية الاخرى من سورة النور قال: " وأما قوله تعالى (وإقام الصلاة) فان المصدر من ذوات الثلاثة إذا قلت: أفعلت كقولك أقمت وأجبت، يقال فيه: إقامة وإجابة، ولا تسقط منه الهاء، وإنما أدخلت لان الحرف قد سقطت منه العين، كان ينبغى أن يقال: إقواما فلما سكنت الواو (1) وبعدها ألف الافعال فسكنتا فسقطت الاولى منهما فجعلوا الهاء كأنها تكثير للحرف، ومثله مما أسقط منه بعضه فجعلت فيه الهاء، قوله وعدته عدة ووجدت المال جدة ولما أسقطت الواو من أوله كثر من آخره بالهاء وإنما استجيز سقوط الهاء من (وإقام الصلاة) لاضافتهم إياه، وقالوا: الخافض وما خفض بمنزلة الحرف الواحد، فلذلك أسقطوها في الاضافة، وقول الشاعر: * إن الخليط أجدوا البين - الخ * يريد عدة الامر، فاستجاز إسقاط الهاء حين أضافها " انتهى كلامه والبيت للفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب، قال الجوهرى: الخليط: المخالط، كالنديم المنادم والجليس المجالس، وهو واحد وجمع، قال: إن
__________
(1) أي بعد نقل حركتها الى الساكن قيلها

* إن الخليط أجدوا البين فانصرموا *
وقوله " أجدوا " في العباب: وأجده: صيره جديدا، فالبين مفعوله، وهو بمعنى البعد والفراق هنا، وقوله " فانجردوا " بالجيم: أي بعدوا، في العباب: وانجرد بنا السير: أي امتد وطال، وروى بدله " فانصرموا ": أي انقطعوا عنا ببعدهم والفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب، واسمه عبد العزى، ابن عبد المطلب بن هاشم، كان من شعراء الهاشميين وفصحائهم، توفى في زمن الوليد بن عبد الملك حكى أنه كان بالمدينة تاجر يسمى العقرب، وكان أمطل الناس، فعامله الفضل، وكان أشد الناس تقاضيا، فلما حل المال قعد الفضل بباب العقرب يقرع، وعقرب على سجيته في المطل، فلما أعياه قال يهجوه (من السريع): قد تجرت في سوقنا عقرب * لا مرحبا بالعقرب التاجره كل عدو كيده في استه * فغير مخشي ولا ضائره إن عادت العقرب عدنا لها * وكانت النعل لها حاضره وكان الفضل شديد الادمة ولذلك قال (من الرمل): وأنا الاخضر من يعرفني * أخضر الجلدة في بيت العرب من يساجلنى يساجل ماجدا * يملا الدلو إلى عقد الكرب وسمعه الفرزدق ينشد هذا الشعر فنزع ثيابه وقال: أنا أساجله، فقال له: من أنت ؟ فلما انتسب له لبس ثيابه وقال (له): والله لا يساجلك إلا من عض بأير أبيه، وهو هاشمى الابوين، أمه بنت العباس بن عبد المطلب وإنما أتته الادمة من قبل جدته وكانت حبشية وأنشد الجاربردى (1) وهو الشاهد السابع والعشرين (من الوافر):
__________
(1) انظره في ص 63 من شرح الجاربردى (*)

27 - بكت عين وحق لها بكاها *
وما يغني البكاء ولا العويل (1) وهو مطلع قصيدة في رثاء حمزة رضى الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم لما استشهد في غزوة أحد.
واختلف في قائلها، فقيل: هي لحسان بن ثابت رضى الله عنه، وليست في ديوانه، وقال عبد الملك بن هشام في السيرة: " قال ابن إسحاق: هي لعبد الله ابن رواحة، وقد أنشدنيها أبو زيد الانصاري (لكعب بن مالك) (2) وهؤلاء الثلاثة هم شعراء النبي صلى الله عليه وسلم " وقد أورد ابن هشام القصيدة في غزوة أحد وهذه أبيات منها بعده: على أسد الاله غداة قالوا * أحمزة ذاكم الرجل القتيل أصبب المسلمون به جميعا * هناك وقد أصيب به الرسول أيا يعلى لك الاركان هدت * وأنت الماجد البر الوصول عليك سلام ربك في جنان * مخالطها نعيم لا يزول ألا يا هاشم الاخيار صبرا * فكل فعالكم حسن جميل رسول الله مصطبر كريم * بأمر الله ينطق إذ يقول قوله " وحق لها بكاها " أي صار البكاء لها حقا لازما، وحكى الازهرى: ما أغنى فلان شيئا، بالغين والعين، أي: لم ينفع في مهم ولم يكف مؤنة.
فيكون المفعول هنا محذوفا " والعويل " اسم من أعول عليه إعوالا وهو البكاء والصراخ، وقوله " على أسد الاله " متعلق بالبكاء أو العويل على سبيل التنازع،
__________
كذا في الجاربردى وفى اللسان (ب ك ى) وفى سيرة ابن هشام (ح 3 ص 148) ووقع في الاصول محرفا (ولا يغنى) (2) الزيادة عن سيرة ابن هشام (ح 3 ص 148) ولا يتم الكلام إلا بها (*)

وأسد الله: لقب سيدنا حمزة، والالف في قوله " أحمزة " للاستفهام، و " أبو يعلى " كنيته رضى الله عنه، وأنشد الشارح وهو الشاهد الثامن والعشرون (من الرجز): 28 - فهى تنزى دلوها تنزيا كما تنزى شهلة صبيا على أن مجئ المصدر المعتل اللام لفعل على تفعيل ضرورة، والقياس أن على تفعلة كتكرمة، وأورده أبو عبيد القاسم بن سلام في الغريب المصنف في باب نعوت الخرقاء والعجوز كذا * بات ينزى دلوه تنزيا * وقال: هي الشهيرة (1) والشهلة يعنى العجوز، وخص الشهلة لانها أضعف من الشابة فهى تنزى الصبى: أي ترقصه بثقل وضعف، والمعنى هذه المرأة تحرك دلوها في الاستقاء وترفعها وتخفضها عند الاستقاء لتمتلئ تحريكا مثل تحريك عجوز صبيها في ترقيصها إياه وقال ابن يعيش: يقال: امرأة شهلة، إذا كانت نصفا وصار كالاسم لها بالغلبة، ولا يقال ذلك للرجال، وفى المصباح: نزا ينزو من باب قتل، ونزوانا، بمعنى وثب، ويتعدى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أنزاه إنزاء ونزاه تنزية، وهذا الشعر مشهور في كتب اللغة وغيرها، ولم يذكر أحد تتمته ولا قائله والله أعلم وأنشد بعده وهو الشاهد التاسع والعشرون (من الطويل): 29 - بثين الزمى " لا " إن لا إن لزمته * على كثرة الواشين أي معون
__________
(1) الشهبرة والشهربة لغتان بمعنى العجوز الكبيرة، والرجل شهبر وشهربة عن ابن السكيت، وقال الازهرى: ويقال للرجل: شهبر (*)

على أن السيرافى قال: أصله معونة، فحذفت التاء لضرورة الشعر، وأجاز ابن جنى في شرح تعريف المازنى أن يكون كذا وأن يكون جمع معونة، وكذا أجاز الوجهين في مكرم ومألك، وأورده ابن عصفور في كتاب الضرائر في ترخيم الاسم في غير النداء للضرورة والبيت من قصيدة لجميل بن عبد الله بن معمر العذري.
يقول: إن سألك سائل يابثين هل كان بينك وبين جميل وصل فقولي: لا، فإن فها عونا على الواشين (و) دفعا لشرهم، و " بثين " مرخم بثينة منادى وهو اسم محبوبته.
يقول: ردى على الواشين قولهم، وإذا سألوك شيئا فقولي: " لا " فإنهم إذا عرفوا منك ذلك انصرفوا عنك وتركوك، فيكون لزوم كلمة " لا " عونا عليهم، و " أي " دالة على الكمال مرفوعة خبر إن: أي إن " لا " معونة أي معونة، وبعده: ونبئت قوما فيك قد نذروا دمى * فليت الرجال الموعدى لقوني إذا ما رأوني طالعا من ثنية * يقولون من هذا وقد عرفوني وترجمة جميل تقدمت في الشاهد الثاني والستين من أوائل شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده وهو الشاهد الثلاثون (من الرجز): 30 - * ليوم روع أو فعال مكرم * لما تقدم قبله وقال الفراء عند تفسير قوله تعالى (وجعلنا لمهلكهم) من سورة الكهف: فأما قول الشاعر: * ليوم روع أو فعال مكرم * فإنه جمع مكرمة، ومثله قول الاخر:

* على كثرة الواشين أي معون * أراد جمع معونة، وكان الكسائي يقول: هما مفعل نادران لا يقياس عليهما، وقد ذهب مذهبا، إلا أنى أجد الوجه الاول أجمل للعربية مما قال، انتهى قال ابن السيرافى في شرح أبيات إصلاح المنطق، والجواليقي (1) في شرح أبيات أدب الكاتب: قبله * وهو إذا ما هز للتقدم * وقالا: يقول: إذا هز في يوم روع تقدم وقاتل، وكذا إن هز في عطاء وجود أعطى وجاد، يصفه بالشجاعة والجود، انتهى وهز بالبناء للمفعول: من هززته هزا من باب قتل حركته فاهتز، والروع بالفتح: الفزع، الفعال بفتح الفاء: الوصف الحسن والقبيح أيضا، فيقال: هو قبيح الفعال، كما يقال: هو حسن الفعال، ولهذا خصصه بما بعده بالاضافة، ويكون مصدرا أيضا، يقال: فعل فعالا، كذهب ذهابا، والمكرمة - بضم الراء - اسم من الكرم، وفعل الخير مكرمة: أي سبب للكرم أو التكريم، من كرم الشئ إذا نفس وعز وقال ابن السيد في شرح أبيات أدب الكاتب: البيت لابي الاخزر الحمانى، وقبله: * مروان مروان أخو اليوم اليمى * كذا رواه سيبويه، وروى غيره: * مروان يا مروان لليوم اليمى * وقوله " اليمى " صفة لليوم من لفظه، كما قالوا: يوم أيوم، وليل أليل، ووزنه فعل على مثال حذر، وأصله اليوم فنقلت (2) اللام إلى موضع العين فصار اليمو،
فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها
__________
(1) انظره في شرح الجواليقى (ص 400) (2) في نسخة " قلبت " ولها وجه (*)

وقال السيرافى: أصله أخو اليوم اليوم، كما قال الاخر (من الرجز): * إن مع اليوم أخاه غدوا * فقدم الميم بضمتها إلى موضع الواو، فصار اليمو، فوقعت الواو طرفا وقبلها ضمة، فقلبت ياء، وكسر ما قبلها، كما قيل في جمع دلو أدل، فموضع اليمى على قول السيرافى رفع، وموضعه على القول الاول خفض، وهذا التأويل الذى تأوله السيرافى هو الظاهر من مذهب سيبويه، وهو تأويل لا يصح إلا على رواية من روى " أخو اليوم اليمى " وأما من رواه * مروان يا مروان لليوم اليمى * فلا يكون موضع اليمى إلا خفضا على الصفة، وكذلك لا يمتنع أن يكون موضعه خفضا على من روى " أخو اليوم اليمى " ويكون معناه أن مروان أخو اليوم الشديد الذى يفرج غمه ويجلى همه، وهو أشبه بمعنى الشعر، لان البيتين لا يلتئمان على تفسير السيرافى ومذهب سيبويه، وأنشد المبرد في كتاب الازمنة: * نعم أخو الهيجاء في اليوم اليمى * وهذا يدل أيضا على أن اليمى في موضع خفض، وكذلك قال المبرد، وإليه ذهب ابن السكيت، انتهى.
ومروان هو ابن محمد بن مروان بن الحكم بن العاص، وأبو الاخزر راجز إسلامى اسمه قتيبة، والاخزر بالخاء والزاى المعجمتين وآخره راء مهملة، والحمانى منسوب إلى حمان بكسر المهملة وتشديد الميم وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادى والثلاثون (من الوافر) 31 - * كفى بالنأى من أسماء كافى * على أن " كافى " اسم فاعل منصوب على الحالية من النأى، وهو فاعل كفى،
والباء زائدة، وهذه الحال مؤكدة لعاملها وهو كفى، وحذف النصب منه كما حذف من قوله " فلو أن واش " وذلك إما على لغة ربيعة فانهم يسكنون المنصوب، وإما لضرورة الشعر، وقد حذفت الياء منهما لالتقائها ساكنة مع سكون نون التنوين،

والنأى: البعد، ومن: متعلقة به، وأسماء: اسم امرأة أصله وسماء من الوسامة، وهى الحسن وهذا صدر بيت، وعجزه: * وليس لنأيها إذ طال شاف * وشاف: اسم ليس، ولنأيها: متعلق به، وإذ تعليلية، وفاعل طال ضمير النأى، والخبر محذوف أي عندي أو موجود والبيت مطلع قصيدة لبشر بن أبى خازم، وهو جاهلي، وتقدم شرحه وترجمة بشر في الشاهد الثالث والعشرين بعد الثلاثمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والثلاثون (من الطويل) 32 - * فلو أن واش باليمامة داره * تمامه: * ودارى بأعلى حضر موت اهتدى ليا * وتقدم توجيهه والواشى: الذى يزوق الكلام ليفسد بين متحابين، واليمامة: اسم بلد بين نجد والحجاز، وحضرموت - بفتح الميم وضمها -: مدينة باليمن، غير متصرف، واللام في " ليا " بمعنى إلى والبيت من قصيدة لمجنون بنى عامر تقدم الكلام عليه في الشاهد الخامس والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والثلاثون، وهو من شواهد سيبويه (1) (من الطويل)
__________
(1) انظره في كتاب سيبويه (ج 1 ص 173) (*)

33 - ألم ترنى عاهدت ربى وإنني * لبين رتاج قائما ومقام على حلفة لا أشتم الدهر مسلما * ولا خارجا من في زور كلام على أن قوله " خارجا " عند سيبويه مصدر حذف عامله: أي ولا يخرج خروجا، وعند عيسى بن عمر حال معطوف على الجملة الحالية وهى " لا أشتم " وهذا نص سيبويه: وأما قول الفرزدق: على حلفة لا أشتم الدهر مسلما * ولا خارجا من في زور كلام فإنما أراد ولا يخرج فيما أستقبل، كأنه قال: ولا يخرج خروجا، ألا تراه ذكر عاهدت في البيت الذى قبله، فقال " ألم ترنى عاهدت ربى الخ " على حلفة، ولو حمله على أنه نفى شيئا هو فيه ولم يرد أن يحمله على " عاهدت " جاز (1) وإلى هذا الوجه كان يذهب عيسى (بن عمر) فيما نرى، لانه لم يكن يحمله على " عاهدت " انتهى، فجملة " لا أشتم " على قول سيبويه جواب القسم لقوله عاهدت، وقوله " ولا خارجا " بتقدير ولا يخرج خروجا، معطوف على جواب القسم وجعل خارجا في موضع خروجا، كأنه قال حلفت بعهد الله لا أشتم الدهر مسلما ولا يخرج من في زور كلام، فلا أشتم ولا يخرج هما جواب القسم فيما يستقبل من الاوقات قال المبرد في الكامل: (2) وقوله " ولا خارجا " إنما وضع اسم الفاعل في موضع المصدر، أراد لا أشتم الدهر مسلما، ولا يخرج خروجا من في زور كلام، لانه على ذا أقسم، والمصدر يقع في موضع اسم الفاعل، يقال: ماء غور: أي غائر (كما قال الله عز وجل: (إن أصبح ماؤكم غورا) ويقال: رجل عدل: أي عادل،
ويوم غم: أي غام) (3) وهذا كثير جدا، فعلى هذا جاء المصدر على فاعل كما جاء اسم الفاعل على المصدر، قم قائما، فيوضع في موضع (قولك) (3) قم قياما،
__________
(1) في سيبويه " لجاز " (2) انظر كتاب الكامل (1: 71) (3) الزيادة عن الكامل، وسقطت من جميع النسخ (*)

وجاء من المصدر على لفظ فاعل حروف منها فلج فالجا (وعوفى عافية)، انتهى.
وقد قيل: إن الجواب يجوز أن يكون جوابا لقوله " على حلفة " ويكون تقدير الكلام ألم ترنى عاهدت ربى على أنى أحلف لا أشتم ولا يخرج من في كلام قبيح ومعنى قول سيبويه " نفى شيئا هو فيه ": أي نفى ما في الحال، ولم ينف المستقبل.
وفسر المبرد في الكامل قول عيسى بن عمر " إن خارجا حال " قال: وكان عيسى بن عمر يقول: إنما قوله " لا أشتم " حال، فأراد عاهدت ربى في هذه الحال وأنا غير شاتم ولا خارج من في زور كلام، ولم يذكر الذى عاهد عليه، انتهى.
والفعل المستقبل يكون في معنى الحال، كقوله: جاز زيد يضحك، وجعل العامل في الحال على مذهب عيسى بن عمر " عاهدت " كأنه قال: عاهدت ربى لا شاتما الدهر، والمعنى موجبا على نفسي ذلك ومقدار ذلك، كذا شرح المبرد والزجاج قول عيسى بن عمر قال السيرافى: وكلام سيبويه الذى حكاه عن عيسى يخالفه، وهو قوله: لانه لم يكن يحمله على " عاهدت " وإذا لم يكن العامل في الحال " عاهدت " كان
عاملها " ألم ترنى " كأنه قال: ألم ترنى لا شاتما مسلما ولا خارجا من في زور كلام، وهذا الوجه ذكره أبو بكر مبرمان (1)، وهذا يعجبنى، لان " عاهدت " في موضع المفعول الثاني، فقد تم المفعولان بعاهدت، وإما حلفة (2) وهذا أجود منه
__________
(1) في الاصول " مبرجان " وهو تحريف، قال المجد في القاموس: " ومبرمان لقب أبى بكر الازمى " (2) هذا معطوف على قوله " ألم ترنى " في قوله " كان عاملها ألم ترنى " وكان من حق الكلام أن يقول: كان عاملها إما ألم ترنى الخ وإما حلفة.
(*)

كأنه قال: على أن حلفت لا شاتما ولا خارجا، انتهى وذهب الفراء في تفسير سورة القيامة إلى أنهما حالان، والعامل " عاهدت " قال: إنما نصب خارجا لانه أراد عاهدت ربى لا شاتما أحدا ولا خارجا من في زور كلام، وقوله " لا أشتم " في موضع نصب، انتهى وأيد ابن هشام في المغنى (1) قول سيبويه، فقال: والذى عليه المحققون أن خارجا مفعول مطلق، والاصل ولا يخرج خروجا، (ثم حذف الفعل، وأناب الوصف عن المصدر، كما عكس في قوله تعالى: (إن أصبح ماؤكم غورا)) (2) لان المراد أنه حلف بين باب الكعبة وبين مقام إبراهيما أنه لا يشتم (مسلما) (2) في المستقبل ولا يتكلم بزور، لا أنه حلف في حال اتصافه بهذين الوصفين على شئ آخر، انتهى وبهذا أيضا يرد على ما ذهب إليه بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل فانه بعد أن قرر مذهب سيبويه قال: قلت: لا يبعد أن يكون قوله " لا أشتم " بيانا لما عاهد عليه ربه على وجه الاستئناف، كأن قائلا قال: ما الذى عاهدت عليه ربك ؟ فقال: لا أشتم، والمعنى ألم ترنى يعنى رأيتنى عاهدت ربى على أمر هو أنى لا أشتم طول الدهر مسلما ولا يخرج من في زور كلام: أي كونه على حلفة:
أي حالفا بالله على ذلك، فوقع القسم مؤكدا لما عاهد عليه ربه، ويجوز أن يكون المعاهد عليه محذوفا، والتقدير عاهدت ربى على حسن السيرة أو ترك ما لا يعنى، ثم خص عدم الشتم للمسلم وعدم خروج الكلام الزور عن فيه تأكيدا لنفيهما عن نفسه، وقوله " على حلفة " في هذا الوجه يجوز أن يتعلق بمحذوف قدرناه، وأن يتعلق بقوله " لا أشتم " كأنه قال: عاهدت ربى على حسن السيرة حالفا بالله على
__________
(1) في مبحث الجمل التى لا محل لها من الاعراب، في جملة جواب القسم (2) الزيادة عن المغنى في الموضع المذكور (*)

ذلك، أو عاهدت ربى على ذلك حالفا بالله لا أشتم طول الدهر مسلما خصوصا ولا أهجوه ولا يخرج من في كلام زور، هذا كلامه وقوله " وإنني لبين رتاج " بكسر همزة فإن جملتها حالية، وقول " لبين رتاج ومقام " خبر إن، وقائما - وروى بدله " واقفا " - حال من الضمير المستقر في الطرف، وروى بالرفع فهو خبر ثان، أو هو خبر إن والظرف متعلقه كقولك إن زيدا لفى الدار قائم، والرتاج - بكسر الراء وآخره جيم - قال (1) المبرد: الرتاج: غلق الباب، ويقال: باب مرتج: أي مغلق، ويقال: أرتج على فلان: أي غلق عليه الكلام، انتهى.
وقال ابن السيد فيما كتبه على الكامل: الرتاج الغلق، وذكره صاحب العين، وأنشد هذا البيت، وقال: يعنى باب البيت ومقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ويدل على هذا قول أبى شجرة السلمى: * مثل الرتاج إذا ما لزه الغلق * فهذا يدل على أن الرتاج غير الغلق، ومما يقوى قول المبرد في الرتاج قول الحطيئة * إلى عجز كالباب شد رتاجه * انتهى
وفى العباب الرتج بالتحريك - الباب العظيم، وكذلك الرتاج، ومنه رتاج الكعبة، ويقال: الرتاج المغلق (2) وعليه باب صغير، انتهى و " أشتم " جاء من باب ضرب ونصر قال المبرد (1): التقى الحسن والفرزدق في جنازة، فقال الفرزدق للحسن: أتدرى ما يقول الناس يا أبا سعيد ؟ (قال: وما يقولون ؟ قال) (3): يقولون
__________
(1) انظر الكامل (1: 70 و 71) (2) يريد الباب المغلق وعليه باب صغير (3) الزيادة عن الكامل (1: 70) (*)

اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس، فقال الحسن: كلا، لست بخير الناس ولست بشرهم، ولكن ما أعددت لهذا اليوم ؟ فقال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ ستون سنة، وخمس نجائب لا يدركن، يعنى الصلوات الخمس، فتزعم التميمية (1) أن الفرزدق رؤى في النوم فقيل له: ما صنع بك ربك ؟ فقال: غفر لى (فقيل له: بأى شئ ؟ فقال) (3) بالكلمة التى نازعنيها الحسن، وحدثني العباس بن الفرج (الرياشى) في إسناد له ذكره، قال: كان الفرزدق يخرج من منزله فيرى بنى تميم والمصاحف في حجورهم فيسر بذلك ويجذل به، ويقول: إيه فداء (2) لكم أبى وأمى، كذا والله كان آباؤكم، ونظر إليه أبو هريرة الدوسى رضى الله عنه فقال (له): مهما فعلت فقنطك الناس فلا تقنط من رحمة الله، ثم نظر إلى قدميه فقال: إنى أرى لك قدمين لطيفتين فابتغ لهما موقفا صالحا يوم القيامة والفرزدق يقول في آخر عمره حين تعلق بأستار الكعبة وعاهد الله أن لا يكذب ولا يشتم مسلما: ألم ترنى عاهدت ربى وإنني * لبين رتاج قائما ومقام
إلى آخر البيتين.
وقال ابن السيد فيما كتبه على كامله: قوله " والتقى الحسن والفرزدق في جنازة ذكر الهيثم بن عدى بن أبى بكر بن عياش أن الفرزدق لقى الحسن رحمه الله في جنازة عمران بن ملحان أبى رجاء العطاردي، سنة خمس ومائة،
__________
(1) في الكامل " فيزعم بعض التميمية " (2) في الكامل " فدى " مكسورا مقصورا، واستدركه أبو الحسن الاخفش فقال: إنما هو فداء لكم، من فتح قصر لا غير، ومن كسر مده لكنه كسر الممدود على هذه الرواية.
(*)

في أول خلافة هشام بن عبد الملك فكلمه بما ذكره المبرد، ثم انصرف الفرزدق فقال: من (الطويل): ألم تر أن الناس مات كبيرهم * وقد كان قبل البعث بعث محمد ولم يغن عنه عيش سبعين حجة * وستين لما بان غير موسد إلى حفرة غبراء يكره وردها * سوى أنها مثوى وضيع وسيد نروح ونغدو والحتوف أمامنا * يضعن لنا حتف الردى كل مرصد وقد قال لى ماذا تعد لما ترى * فقيه إذا ما قال غير مفند فقلت له أعددت للبعث والذى * أراد به أنى شهيد بأحمد وأن لا إله غير ربى هو الذى * يميت ويحيى يوم بعث وموعد فهذا الذى أعددت لا شئ غيره * وإن قلت لى أكثر من الخير وازدد فقال قد اعتصمت بالخير كله * تمسك بهذا يا فرزدق ترشد وذكر الاصبهاني عن محمد بن سلام أنها كانت جنازة النوار زوج الفرزدق.
وبعده قوله:
أطعتك يا إبليس سبعين حجة (1) * فلما انتهى شيبي وتم تمامى رجعت إلى ربى وأيقنت أننى * ملاق لايام المنون حمامي وهى قصيدة مطولة أنشدها يعقوب بن السكيت، انتهى ما كتبه ابن السيد.
وفى أمالى السيد الشريف (2) المرتضى رحمه الله تعالى روى أن الفرزدق
__________
(1) كذا في الديوان، وفى أمال المرتضى (1: 46) " تسعين حجة " وفيه " فلما قضى عمرى " وفيه " فزعت إلى ربى " وفيه " لايام الحتوف " (2) انظر أمالى المرتضى (1: 46) (*)

تعلق بأستار الكعبة، وعاهد الله على ترك الهجاء والقذف اللذين (كان) ارتكبهما وقال: ألم ترنى عاهدت ربى، إلى آخر الابيات الاربعة.
ثم حدث عن أبى عبيد الله المرزبانى بسند له أن الحسن البصري شهد جنازة النوار امرأة الفرزدق، وكان الفرزدق حاضرا، فقال له الحسن وهو عند القبر: يا أبا فراس، ما أعددت لهذا المضجع ؟ فقال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانون سنة فقال له الحسن: هذا العمود فأين الطنب ؟ وفى رواية أخرى أنه قال: نعم ما أعدت، ثم قال الفرزدق في الحال: أخاف وراء القبر إن لم يعافنى * أشد من الموت التهابا وأضيقا إذا جاءني يوم القيامة قائد * عنيف وسواق يسوق الفرزدقا لقد خاب من أولاد آدم من مشى * إلي النار مغلول القلادة أزرقا يقاد إلى نار الجحيم مسربلا * سرابيل قطران لباسا محرقا قال: فرأيت الحسن يدخل بعضه في بعض، ثم قال: حسبك، ويقال: إن رجلا رأى الفرزدق في منامه (1) بعد موته، فقال: ما فعل الله بك ؟ فقال:
عفى عنى بتلك الابيات، انتهى.
وقال محمد بن حبيب في شرح المناقضات: إن الفرزدق حج فعاهد الله بين الباب والمقام أن لا يهجو أحدا وأن يقيد نفسه حتى يجمع القرآن حفظا، فلما قدم البصرة قيد نفسه وحلف أن لا يطلق قيده عنه حتى يجمع القرآن، وقال * ألم ترنى عاهدت ربى...* الابيات، وبلغ نساء بنى مجاشع فحش البعيث وجرير بهن فأتين الفرزدق مقيدا فقلن: قبح الله قيدك وقدهتك جرير عورات نسائك، فأغضبنه ففض قيده وقال قصيدة يجيبهما، منها:
__________
(1) في أمالى المرتضى " بعد موته في منامه " (*)

فإن يك قيدي كان نذرا نذرته * فما بى عن أحساب قومي من شغل أنا الضامن الراعي عليهم، وإنما * يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلى (1) والقصيدة التى البيت الشاهد منها أوردها الخضر الموصلي في شواهد التفسيرين، عند قوله تعالى (وأرسلناك للناس رسولا) وقد مرت ترجمة الفرزدق في الشاهد الثلاثين من شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع والثلاثون (من الطويل) 34 - لقيت بدرب القلة الفجر لقية * شفت كمدي والليل فيه قتيل على أنه يجوز أن يأتي مصدر لقيته على لقية قياسا كما في البيت وهو من قصيدة للمتنبي مدح فيها سيف الدولة أولها: ليالي بعد الظاعنين شكول * طوال، وليل العاشقين طويل إلى أن قال " لقيت بدرب القلة - الخ " يريد أن الليل انقضى وبدت تباشير
الصبح وقد وافى المكان فشفى لقاء الصبح كمده والليل قتيل في الفجر، لانه ينقضى بطلوعه، وقد أخذ بعضهم هذا المعنى وكشف عنه فقال: ولما رأيت الصبح قد سل سيفه * وولى انهزاما ليله وكواكبه ولاح أحمرار قلت قد ذبح الدجى * وهذا دم قد ضمخ الارض ساكبه كذا في شرح الواحدى، والكمد: الحزن المكتوم، وهو مصدر من باب تعب، وكأنه لقى من الليل سهرا وكآبة وطولا فأكمده ذلك، ثم فرح بلقاء
__________
(1) كذا في النقائض والديوان، ويرويه النحاة " أنا الذائد الحامى الذمار " وانظر معاهد التنصيص (119 بولاق) وانظر دلائل الاعجاز للجرجاني (253 المنار) (*)

الصباح فجعل الفجر قاتلا لليل شافيا له منه، ودرب القلة بضم القاف - موضع فرب ملطية (1) كان سيف الدولة غزا تلك النواحى في سنة اثنين وأربعين وثلثمائة، وذكر المتنبي المواضع التى غزاها في تلك السنة في هذه القصيدة وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والثلاثون (من البسيط): 35 - ها إن تا عذرة إن لم تكن قبلت * فإن صاحبها قد تاه في البلد على أن عذرة - بكسر العين - مصدر للنوع بتقدير صفة معلومة بقرينة الحال: أي عذر بليغ، والوجه أن هذا الوصف مفعوم من التنوين وهذا البيت من قصيدة للنابغة الذبيانى اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر ملك الحيرة بعد أن هرب منه إلى ملوك غسان في الشام لما اتهم بامرأته المتجردة وأراد قتله وأرسل إلى النعمان قصائد يتنصل (بها) عما اتهم به ويعتذر إليه عن هروبه وإقامته عند ملوك غسان، وقد شرحنا حاله في الشاهد الرابع بعد المائة من شواهد شرح الكافية
وقبل هذا البيت: نبئت أن أبا قابوس أوعدنى * ولا قرار على زأر من الاسد (2)
__________
(1) ملطية - بفتح أوله وثانيه وسكون الطاء وتخفيف الياء، والعامة تقوله بتشديد الياء وكسر الطاء -: بلدة من بلاد الروم مشهورة تتاخم الشام وفيها يقول المتنبي: وكرت فمرت في دماء ملطية * ملطية أم للبنين ثكول ويقول أبو فراس: وألهبن لهبي عرقة وملطية * وعاد إلى موزار منهن زائر (2) في الديوان " أنبئت " وفيه " ولا مقام " والبيت الذى ذكره المؤلف ليس متصلا ببيت الشاهد، وبيت الشاهد آخر القصيدة كما قال (*)

وهما آخر القصيدة.
ونبئت - بالبناء للمفعول - بمعنى أخبرت، وأبو قابوس: كنية النعمان، وقابوس معرب كاووس اسم ملك من ملوك العجم، وأوعد - بالالف - لا يكون إلا في الشر، بمعنى هددني، والزأر: مصدر زأر الاسد إذا صوت بحنق، وهو تمثيل لغضبه، وقوله " ها إن تا عذرة " استشهد به الشارح في باب اسم الاشارة وفى هاء التنبيه من شرح الكافية، على أن الفصل بين " ها " وبين اسم الاشارة بغير " أنا " وأخواته قليل، والفاصل هنا " إن "، وتا: اسم إشارة للمؤنث، بمعنى هذه، وروى أيضا " ها إن ذى عذرة "، والاشارة لما ذكر في قصيدته من يمينه على أنه لم يأت بشئ يكرهه، وقيل: الاشارة للقصيدة: أي إن هذه القصيدة ذات عذرة، وقال بعضهم: التقدير أن عذرتي هذه عذرة، والعذرة - بالكسر - اسم للعذر بالضم، قال صاحب الصحاح: يقال: عذرته فيما صنع أعذره عذرا، والاسم المعذرة والعذري، وكذلك العذرة وهى مثل
الركبة والجلسة وأنشد هذا البيت، وفى المصباح عذرته فيما صنع عذرا، من باب ضرب، رفعت عند اللوم فهو معذور: أي غير ملوم وقوله " إن لم تكن نفعت فان صاحبها " المحدث عنه في الجميع العذرة، وأراد بصاحب العذرة نفسه وتاه الانسان يتيه تيها: ضل عن الطريق، وأراد لازمه وهو الهلاك، والمعنى إن لم تقبل عذرى فترضى عنى فانى أضل في البلدة التى أنا فيها لما أنا فيه من عظيم الدهشة الحاصلة من وعيدك والنابغة الذبيانى شاعر جاهلي، وقد ترجمناه هناك:

أسماء الزمان والمكان أنشد الجار بردى فيهما: كأن مجر الرامسات ذيولها * عليه قضيم نمقته الصوانع وسيأتى شرحه إن شاء الله تعالى في أول باب المنسوب الآلة أنشد فيها، وهو الشاهد السادس والثلاثون (من الرجز) 36 - يممن أعدادا بلبني أوأجا * مضفدعات كلها مطحلبه على أنه يقال: مضفدع ومطحلب، بوزن اسم الفاعل، بمعنى كثير الضفادع وكثير الطحالب والبيت أورده الجوهرى في مادة الضفدع، وقال: يريد مياها كثيرة الضفادع وقال الصاغانى في العباب: وضفدع الماء، إذا صارت فيه الضفادع، وأنشد البيت أيضا ويممن بمعنى قصدن، بنون الاناث، والاعداد: جمع عد بكسر العين المهملة،
وهو الماء الذى له مادة لا تنقطع كماء العين وماء البئر، ولبنى - بضم اللام وسكون الموحدة بعدها نون وألف مقصورة - اسم جبل، وروى بدله " سلمى " وهو اسم جبل أيضا لطئ، وكذلك أجأجبل لطى بفتح الهمزة بعدها جيم، والاكثر همز آخره، قال امرؤ القيس: أبت أجأ أن تسلم العام جارها * فمن شاء فلينهض لها من مقاتل (1) وقد لا يهمز، كما في البيت، وكما قال العجاج: * فإن تصر ليلى بسلمى أو أجا *
__________
(1) " من " ههنا ليست للتبعيض، بل هي بيانية، والمعنى من شاء من المقاتلين أن ينهض لمحاربة أهل أجأ فليفعل (*)

وقوله " بلبنى " الجار متعلق بمحذوف صفة لاعداد، وقوله " مضفدعات " صفة ثانية لاعداد، وكلها مبتدأ، والضمير للاعداد، ومطحلبة خبر المبتدأ، والجملة صفة ثالثة، والطحلب - بضم الطاء واللام ويجوز فتح اللام - شئ أخضر لزج يخلق في الماء ويعلوه، يقال: ماء طحل - بفتح فكسر - أي كثير طحلبه، وعين طحلة كذلك، ومطحلب قليل ولبيد رضى الله عنه هو شاعر صحابي من بنى عامر، وقد تقدم ترجمته في الشاهد الثاني والعشرين بعد المائة من شواهد شرح الكافية المصغر أنشد فيه، وهو الشاهد السابع والثلاثون (من البسيط) 37 - يا ما أميلح غزلانا شدن لنا * من هو ليائكن الضال والسمر على أن تصغير أميلح من قبيل تصغير لطيف ونحوه، يريد أن التصغير في فعل التعجب راجع إلى المفعول المتعجب منه، أي هذه الغزلان مليحات، قال
سيبويه (1): أرادوا تصغير الموصوف بالملاحة، كأنهم قالوا مليح، لكنهم عدلوا عن ذلك وهم يعنون الاول، ومن عادتهم أن يلفظوا بالشئ وهم يريدون شيئا آخر، وقد أوردنا ما يتعلق به مفصلا في الشاهد السادس من أوائل شرح الكافية
__________
(1) نقل المؤلف عبارة سيبويه بالمعنى وإليك العتارة نقلا عن سيبويه (2: 135) " وسألت الخليل عن قول العرب ما أميلحه فقال: لم يكن ينبغى أن يكون في القياس لان الفعل لا يحقر، وإنما تحقر الاسماء لانها توصف بما يعظم ويهون، والافعال لا توصف فكرهوا أن تكون الافعال كالاسماء لمخالفتها إياها في أشياء كثيرة ولكنهم حقروا هذا اللفظ، وإنما يعنون الذى تصفه بالملح كأنك قلت مليح شبهوه بالشئ الذى تلفظ به وأنت تعنى شيئا آخر نحو قولك يطؤهم الطريق وصيد عليه يومان ونحو هذا كثير في الكلام، وليس شئ من الفعل ولا شئ مما سمى به الفعل يحقر إلا هذا وحده وما أشبهه من قولك ما أفعله " اه (*)

ويا: حرف نداء، والمنادى محذوف، والتقدير يا صاحبي، وما: استفهامية تعجبية (1)، وأملح: فعل تعجب من الملاحة وهى البهجة وحسن المنظر، وفعله ملح الشئ بالضم ملاحة، وغزلانا: مفعول فعل التعجب، جمع غزال، وهو ولد الظبية، قال أبو حاتم: الظبى أول ما يولد طلى، ثم هو غزال، والانثى غزالة، فإذا قوى وتحرك فهو شادن، فإذا بلغ ستة أشهر أو سبعة أشهر فهو خشف، والرشأ: الفتى من الظباء، فإذا أثنى فهو ظبى، ولا يزال ثنيا حتى يموت والانثى ثنية وظبية، والثنى على فعيل: الذى يلقى ثنيته أي سنه من ذوات الظلف والحافر في السنة الثالثة، وشدن: من شدن الغزال بالفتح يشدن بالضم شدونا، إذا قوى وطلع قرناه واستغنى عن أمه، والنون الثانية ضمير الغزلان، وجملة " شدن " صفة غزلان، ولنا ومن: متعلقان بشدن، وقوله " من هو ليائكن " هو مصغر هؤلاء
شذوذا، وأصله أولاء - بالمد والقصر - وها: للتنبيه، وأولى: اسم إشارة يشار به إلى جمع، سواء كان مذكرا أو مؤنثا، عاقلا أو غير عاقل، والكاف حرف خطاب، والنون حرف أيضا لجمع الاناث، وقد استشهد به النحاة على دخول التنبيه عليه وعلى تصغيره شذوذا، ورواه الجوهرى " من هؤ لياء بين بين الضال والسمر " وقال: لم يصغروا من العل غير هذا، وغير قولهم " ما أحيسنه " والضال: عطف بيان لاسم الاشارة، وهو السدر البرى، جمع ضالة، ولهذا صح إتباعه لاسم الاشارة إلى الجمع، وألفه منقلبة من الياء، والسدر: شجر النبق، والسمر بفتح السين وضم الميم: جمع سمرة، وهو شجر الطلح، وهو شجر عظيم شائك والبيت من جملة أبيات اختلف في قائلها، وعدتها، وقد ذكرنا الكلام عليه مستوفى هناك في الشاهد السادس
__________
(1) في نسخة " تعجيبية " (*)

وأنشد بعده، وهو الشاهد الثامن والثلاثون: 38 - وكل أناس سوف تدخل بينهم * دويهية تصفر منها الانامل على أن تصغير دويهية قريب من التصغير للتعظيم، وحقق الشارح المحقق أن تصغيرها للتحقير، قال: إذ المراد بها الموت: أي يجيئهم ما يحتقرونه مع أنه عظيم في نفسه تصفر منه الانامل، والقول بأن تصغيرها للتعظيم هو قول الكوفيين، وسوف هنا للتحقيق والتأكيد، والداهية: مصيبة الدهر، مشتقة من الدهى بفتح الدال وسكون الهاء، وهو النكر، فان كل واحد ينكرها ولا يقبلها، ودهاه الامر يدهاه إذا أصابه بمكروه، ورواه ابن دريد في الجمهرة " خويخية تصفر - الخ " وقال: الخويخية الداهية، وهو بخاءين معجمتين مصغر الخوخة
بالفتح، وهى الباب الصغير، وكذا روى الطوسى أيضا عن أبى عمرو، وقال: يقول: ينفتح عليهم باب يدخل عليهم منه الشر، وإذا مات الرجل أو قتل اصفرت أنامله واسودت أظافره.
وقيل: المراد من الانامل الاظفار، فإن صفرتها لا تكون إلا بالموت والبيت من قصيدة للبيد، رضى الله عنه، ابن عامر الصحابي، وتقدم شرح أبيات منها مع ترجمته في الشاهد الثالث والعشرين بعد المائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع والثلاثون (من الطويل) 39 - فويق جبيل شاهق الرأس لم تكن * لتبلغه حتى تكل وتعملا على أنه استدل لمجئ التصغير بتصغير جبيل في البيت قال ابن (1): يعيش: للتصغير معان ثلاثة: تحقير ما يتوهم (2) أنه عظيم كرجيل
__________
(1) انظر شرح المفصل لابن يعيش " 5: 113 مصر " (2) في شرح المفصل " ما يجوز أن يتوهم أنه الخ " وكذا في الذى بعده (*)

وتقليل ما يتوهم أنه كثير كدريهمات، وتقريب ما يجوز أن يتوهم أنه بعيد كبعيد العصر وقبيل الفجر، وأضاف الكوفيون قسما رابعا يسمونه تصغير التعظيم، كقول الشاعر: * دويهية تصفر منها الانامل * والمراد التعظيم، إذ لا داهية أعظم من الموت، وقال آخر: * فويق جبيل شاق الرأس - البيت * قال " جبيل " ثم قال " شاهق الرأس " وهو العالي، فدل على أنه أراد تفخيم شأنه، وهذا ليس من أصول البصريين، وجميع ما ذكروه راجع إلى معنى التحقير، فأما قولهم " دويهية " فالمراد أن أصغر الاشياء قد يفسد الامور العظام، فحتف
النفوس قد يكون بصغير الامر الذى لا يؤبه له، وأما " فويق جبيل " فالمراد أنه صغير العرض دقيق الرأس شاق المصعد لطوله وعلوه، انتهى ومن الكوفيين أبو حنيفة الدينورى، قال في كتاب النبات: وإنما صغر الجبل على وجه التعظيم، كما قالوا للداهية: دويهية، ولم يرد التحقير، وكيف قد قال " شاهق الرأس " وكذا قال ابن السكيت في شرحه للبيت، قال: يقول: هو صغير العرض ذاهب في السماء، وفويق جبيل أراد أن يكبره بتصغيره كما قال * وكل أناس سوف...البيت * ويروى " سامق الرأس " و " شاهق الرأس " و " شامخ الرأس " والجميع واحد، انتهى وتبعهم ابن هشام في (1) المغنى، فقال: ونظير رب في إفادة التكثير تارة والتقليل أخرى صيغ التصغير، تقول حجير ورجيل فتكون للتقليل، وقال:
__________
(1) في مباحث " رب " من الباب الاول من كتاب المغنى (*)

* فويق جبيل شامخ لن تناله - البيت (1) * وقال لبيد رضى الله عنه: * وكل أناس سوف - البيت * ولم يتعرض له شراحه بشئ قال الشمنى: تمثيله بجبيل ودويهية للتكثير، وبحجير ورجيل للتقليل، مبنى على عدم الفرق بين التعظيم والتكثير وبين التحقير والتقليل، انتهى.
وقال ابن الملا: والتصغير في كل من فويق وجبيل ليس للتقليل الذى يراد به التحقير، لان وصفه بما ذكر مناف لحقارته، بل هو للتعظيم، وأريد بالدويهية
الموت، ومن ثم قلنا إن تصغيرها للتعظيم إذ لا داهية أعظم من الموت، ومن زعم أن الداهية إذا كانت عظيمة كانت سريعة الوصول فالتصغير لتقليل المدة فقد تكلف، أو أن التصغير على حسب احتقار الناس لها وتهاونهم فيها: أي يجيئهم ما يحتقرونه مع أنه عظيم في نفس الامر فقد تعسف، هذا كلامه وهذا مجرد دعوى من غير بيان للتكلف والتعسف والبيت من قصيدة لاوس بن حجر في وصف قوس، ولابد من نقل أبيات قبله حتى يتضح معناه، قال بعد ستة أبيات من القصيدة: وإنى امرؤ أعددت للحرب بعدما * رأيت لها نابا من الشر أعصلا أصم ردينيا كأن كعوبه * نوى القسب عراصا مزجى منصلا عليه كمصباح العزيز يشبه * لفصح ويحشوه الذبال المفتلا وأبيض هنديا كأن غراره * تلالؤ برق في حبى تكللا إذا سل من غمد تأكل أثره * على مثل مسحاة اللجين تأكلا
__________
(1) تمامه في هذه الرواية: * بقنته حتى تكل وتعملا * (*)

كأن مدب النمل يتبع الربا * ومدرج ذر خاف بردا فأسهلا على صفحتيه بعد حين جلائه * كفي بالذى أبلى وأنعت منصلا ومبضوعة من رأس فرع شظية * بطود تراه بالسحاب مجللا على ظهر صفوان كأن متونه * عللن بدهن يزلق المتنزلا يطيف بها راع يجشم نفسه * ليكلا فيها طرفه متأملا فلاقى امرأ من بيدعان وأسمحت * قرونته باليأس.
منها وعجلا فقال له هل تذكرن مخيرا * يدل على غنم ويقصر معملا
على خير ما أبصرتها من بضاعة * لملتمس بيعا بها أو تبكلا فويق جبيل شامخ الرأس لم تكن * لتبلغه حتى تكل وتعملا فأبصر ألهابا من الطود دونها * يرى بين رأسي كل نيقين مهبلا فأشرط فيها نفسه وهو معصم * وألقى بأسباب له وتوكلا وقد أكلت أظفاره الصخر كلما * تعيا عليه طول مرقى تسهلا فما زال حتى نالها وهو معصم * على موطن لو زل عنه تفصلا فلما نجا من ذلك الكرب لم يزل * يمظعها ماء اللحاء لتذبلا فلما قضى مما يريد قضاءه * وصلبها حرصا عليها فأطولا أمر عليها ذات حد دعالها * رفيقا بأخذ بالمداوس صيقلا فجردها صفراء لا الطول عابها * ولا قصر أزرى بها فتعطلا ثم وصفها بعشرة أبيات وقال: فذاك عتادى في الحروب أذا التظت * وأردف بأس من حروب وأعجلا قوله " وإنى أمرؤ أعددت ": أي هيأت عدة، و " أعصل " بمهملتين أعوج قال ابن السكيت في شرحه: يقول: هي حرب قدمت وأسنت فهو أشد لها وقوله " أصم ردينيا الخ " هو مفعول أعددت: والاصم: المصمت الذى لا جوف له

وموصوفه محذوف أي رمحا أصم، والرمح الردينى منسوب إلى ردينة بالتصغير وهى امرأة كانت تقوم الرماح وكان زوجها سمهر أيضا يقوم الرماح، يقال لرماحه السمهرية، قال ابن السكيت: الكعب الانبوب، ويسمون العقدة كعبا، وهو المراد هنا، والقسب: تمر يابس نواه مر صلب، والعرص - بمهملات - الشديد الاضطراب، والمزجى: الذى جعل له زج بضم الزاى وتشديد الجيم، وهى الحديدة التى في أسفل الرمح تغرز في الارض، والمنصل: الذى جعل له نصل، وهو السنان
وقوله " عليه كمصباح العزيز الخ " المصباح: السراج، والعزيز: الملك، وسراجه أشد ضوءا، ويشبه: يوقده، والفصح بالكسر - يوم فطر النصارى، والذبال بالضم الفتائل، وكل فتيلة ذبالة، ويحشوه: أي يحشو موضع الفتائل، يقول: على ذلك الرمح الاصم سراج كسراج الملك من توقده لارتفاع ناره، ثم وصف الرمح بثلاثة أبيات أخر.
وقال " وأبيض هنديا الخ " هو معطوف على أصم: أي وأعددت أيضا أبيض هنديا وهو السيف، والغرار بكسر المعجمة حد السيف، والحبى: ما حبا من السحاب أي ارتفع وأشرف، وتكلل السحاب: صار بعضه فوق بعض، وهو أشد لاضاءة البرق، وقوله " إذا سل من غمد الخ " سللت السيف من غمده: أي أخرجته من قرابه، وتأكل: توهج واشتد، وأثر السيف بالفتح: جوهره، والمسحاة بالكسر إناء من فضة، وهو القدح، واللجين الفضة، يقول على متن سيف كأنه فضة، وقوله " كأن مدب النمل الخ " المدب الموضع الذى يدب فيه، والربا جمع ربوة وهو ما ارتفع من الارض، والمدرج كالمدب وزنا ومعنى، وإنما يتبع النمل الربا لانه يفر من الندى، يقول: اشتد على النمل البرد في أعلى الوادي فأسهل أي أتى السهل فاستبان أثره، قوله " على صفحتيه " متعلق بمدب النمل، والجلاء: الصقل قال ابن السكيت: أبلى - بضم الهمزة - أشفيك من نعته وأحدثك عنه ويقال أبلنى يمينا أي طيب نفسي، والمنصل - بضم الميم والصاد - السيف.
وقوله ومبضوعة

هو معطوف على أصم أيضا: أي وأعددت قوسا مبضوعة أي مقطوعة، والفرع أعلى الشجرة، والشظية - بفتح الشين وكسر الظاء المعجمتين - الشقة والفلقة، وهى صفة لمبضوعة، والباء في بطود متعلقة بمحذوف حال من رأس فرع، وجملة " تراه الخ " صفه لطود، والرؤية بصرية، ومفعولها الهاء الراجعة إلى طود، ومجللا حال من الهاء، وهو اسم مفعول من جلله بمعنى غطاه وألبسه، وبالسحاب متعلق
به، وقوله " على ظهر صفوان الخ " قال ابن السكيت: يقول: نبتت على حجر يزلق الرجل المتنزل لملاسته، وعللن سقين مرة بعد مرة، وقوله " يطيف بها راع الخ " قال ابن السكيت: يطيف بهذه القوس المبضوعة راع أي حافظ ليجعل طرفه كالئا يحفظ منها منظرا، والكالئ الحافظ، وقوله " فلاقى امرء امن بيدعان الخ " قال ابن السكيت: " فعجل به اليأس: أي لم يتحبس به اليأس، هذا الذى رآها لاقى امرءا من بيدعان وهو حى من اليمن من أزد السراة.
وقد استشعر اليأس منها، فاستشار الاخر فقال: هل تذكر رجلا يصيب الغنم ويقصر العمل: أي يجئ بعمل قصير، أراد أنهما تشاورا فدله على الذى رأى فعجلا، يقول: كان نسى أنه يئس منها فلما دله عليها عجل إلى ما قال، وأسمحت قرونته وقرينته جميعا وهى النفس باليأس: أي تابعته نفسه على اليأس ولم تنازعه، وهذا مثل قولك: لقى فلان فلانا ونسى ما أتى إليه: أي وقد نسى، انتهى كلامه، وقوله " فقال له هل الخ " أي: هل تذكرن رجلا يدل على غنيمة، ويقصر معملا: أي ويقل العمل والعناء: وقوله " على خير ما أبصرتها " قال ابن السكيت: " أي فقال هل تدل على خير ما أبصرتها ؟ أي: خير ما أبصرت من بضائع الناس، والتبكل: التغنم، يقال: تبكل أي تغنم إن أراد بيعا أو غنما، وقال: المتبكل الذى يتأكل بها الناس يقول لهذا سوف أبيعك ولهذا سوف أعيرك " انتهى وقال أبو حنيفة في كتاب النبات: ميدعان حى من أزد السراة، وهم أهل

جبال، شجيرة، يقول: إما لان يبريها وإما لان يتخذها معاشا لصيد أو غزو، والتبكل التكسب من ها هنا وها هنا وأصل البكل الخلط، والقواسون يطلبون هذه العيدان العتق من مظانها من منابتها، حيث كانت من السهول والوعور، ويستدلون عليها الرعاء وقناص الوعول ويجعلون فيها الجعائل وربما أبصروا
الشجرة منها بحيث لا يستطيعه راق ولا نازل فيتدلون عليها بالحبال في المهاوى والمهالك كما يتدلى من يشتار العسل على الوقاب (1) وأخبرني بعض الاعراب: قال يطلب القواسون هذه العيدان العتق فان وجدوها مستحكمة اقتطوها، وإن لم تكن مستحكمة حوضوا حولها وحملوا إليها الماء، فربما ربوها كذلك سنين حتى تستحكم، قال: وإذا وجد الرعاء منها شجرة دلوا عليها القواس وأخذوا على ذلك ثوابا، فقلت له: وكم تبلغ القوس عندكم ؟ فقال: (تبلغ) إذا كانت جيدة خمسمائة درهم، وقد ذكر أوس ابن احجر كل ذلك في وصفه القوس فقال في منعة منبت عودها: ومبضوعة من رأس فرع الى آخر أبيات ثلاثة، ثم قال ثم ذكر استرشاده من عسى أن يدله فقال: فلاقى امرأ من ميدعان إلى آخر أبيات ثلاثة.
ثم قال ثم وصف امتناع منبتها وتدليه عليه بالحبال فويق جبيل شاهق الرأس إلى آخر الابيات، وقوله " فويق " مصغر فوق، وهو ظرف متعلق بأبصرتها من قوله " على خير ما أبصرتها " في البيت المتقدم، والبلوغ: الوصول، وكل يكل من باب ضرب كلالة تعب وأعيا، ويتعدى بالالف، وتعمل: أي تجتهد في العمل، فهو مضمن معنى الاجتهاد ولهذا لم يتعد، وأصله التعدي، يقال: عملته أعمله عملا من باب فرح: أي صنعته، والاجتهاد مقدم في المعنى على الكلال، ولا مانع من تأخره لفظا لان
__________
(1) الوقاب: جمع وقب وهو الكوة والنقرة في الجبل يجتمع فيها الماء (*)

الواو لمطلق الجمع لا تفيد ترتيبا، فقد يكون مدخلوها متقدما على سابقه باللفظ، كقوله تعالى (ومنك ومن نوح) وروى " وتعملا " بضم التاء وكسر الميم، والمعنى وتجهد نفسك أو غيرك فالمفعول محذوف، وأصل أعمل تعديه إلى مفعولين، تقول: أعملته كذا أي جعلته عاملا له، وروى البيت كذا أيضا: فويق جبيل شامخ لن تناله * بقنته حتى تكل وتعملا
والنيل: الاصابة والوصول إلى الشئ، وقنة الجبل - بضم القاف وتشديد النون - أعلاه كقلته، باللام، وقوله " فأبصصر ألهابا - الخ " جمع لهب بكسر اللام وسكون الهاء، قال الجوهرى: هو الفرجة والهواء يكون بين الجبلين، وأنشد هذا البيت، والطود: الجبل، ودونها أي دون المبضوعة، ودون هنا: بمعنى أمام، وفاعل أبضر ضمير الرجل من ميدعان، والنيق - بكسر النون - المشرف من الجبل، والمهبل - بفتح الميم وكسر الموحدة - المهوى والمهلك، قال أبو حنيفة: ثم ذكر تدليه عليها بالحبال ومخاطرته بنفسه فقال " فأشرط فيها نفسه - إلى آخر أبيات ثلاثة " وقال ابن السكيت: أشرط نفسه: جعلها علما للموت، ومنه أشراط الساعة، ويقال: أشرط نفسه في ذلك ذلك الامر: أي خاطر بها، والمعصم والمعتصم واحد، وهو المتعلق: أي متعلقا بالحبل، فذلك الذى ألقى من أسباب حباله، والسبب: الحبل، والجمع أسباب، ويصلح أن يكون الواحد سبا بالكسر، قال أبو ذؤيب * تدلى عليها بين سب وخيطة فالسب: الحبل، والخيطة: الوتد، انتهى.
وتوكل: أي اعتمد على الله، وقوله " وقد أكلت أظفاره " قال ابن السكيت يتوصل من مكان ثم ينزل بعده وروى " طول مرقى توصلا " أي توصل من مكان إلى مكان، كقولك: اجعل هذه وصلة، وقوله " فما زال حتى نالها " قال ابن السكيت: معصم: مشفق،

والموطن: الموضع الذى صار إليه، انتهى، وتفصل: تقطع: وقوله " فأقبل لا يرجو - الخ " قال ابن السكيت يقول: عسى أن أفلت وأنجو، وقوله " فلما نجا من ذلك الكرب " هو الشدة، ويمظعها بالظاء المعجمة والعين المهملة، واللحاء بكسر اللام، قشر العود، وقال ابن السكيت يمظعها: يشربا، يقال: مظع الاديم
الودك: أي شربه، يقول: لم يزل يسقيها ماء لحائها ليكون أجود لها، ولو قشر اللحاء عنها لافسدها، وقوله " فلما قضى مما يريد - الخ " صلبها: يبسها، يقال: ثمرة مصلبة: أي يابسة، وأطول: أطال، وقوله " أمر عليها - الخ " قال ابن السكيت: الرفيق: الحاذق، والمداوس: المصاقل، واحدها مدوس، وهو الذى يصقل به، وقوله " فجردها صفراء - الخ " قال ابن السكيت: يقول: لو كانت قصيرة لتعطلت وكانت أصغر من أن يرمى عنها ولم تعب من طول فتعطل: تترك لا تتخذ قوسا، وقوله " فذاك عتادى - الخ " الاشارة راجعة إلى الرمح والسيف والقوس، والعتاد: العدة، والتظت: التهبت.
ويعجبنى قوله بعد هذا بأربعة أبيات: وإنى وجدت الناس إلا أقلهم * خفاف العهود يسرعون التنقلا بنى أم ذى المال الكثير يرونه * وإن كان عبدا سيد الامر حجفلا وهم لمقل المال أولاد علة * وإن كان محضا في العشيرة مخولا وليس أخوك الدائم العهد بالذى * يذمك إن ولى ويرضيك مقبلا ولكن أخوك الناء ما كنت آمنا * وصاحبك الادنى إذا الامر أعضلا وهذا آخر القصيدة: وأراد التنقل عن المودة، وجحفل: كثير الاتباع، وجيش جحفل: إذا كان كثير الاصوات، وقوله " وهم لمقل المال - الخ " أي: يبغضون من لا مال له وإن كان شريفا، والمحض: الخالص النسب، ومخول - بفتح الواو - كثير الاخوال، والناء: البعيد، حذفت الياء لضرورة الشعر،

وروى النأى على المصدر، قال ابن السكيت: صير المصدر في موضع الصفة، وأعضل الامر: أشتد وأوس بن حجر شاعر جاهلي بفتحتي الحاء المهملة والجيم، وتقدمت ترجمته
في الشاهد الرابع عشر بعد الثلاثمائة من شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الاربعون، وهو من شواهد سيبويه (من الرجز، أو السريع): 40 - ومهمهين قذفين مرتين * ظهراهما مثل ظهور الترسين على أن الشاعر إذا قال قصيدة قبل رويها ياء أو واو ساكنة مفتوح ما قبلها فهى مردفة، ولزمه أن يأتي (بالردف) في جميع القصيدة، كما في هذين البيتين، وتقدم بعض منها في الشاهد الرابع والعشرين * لم يبق من آى بها يحلين * وقوله " ومهمين - الخ " الواو واو رب، والمهمه: القفر المخوف، والقذف - بفتح القاف والذال المعجمة بعدها فاء - البعيد من الارض، والمرت - بفتح الميم وسكون الراء المهملة - الارض التى لا ماء فيها ولا نبات، والظهر: ما ارتفع من الارض، شبهه بظهر ترس في ارتفاعه وتعريه من النبت، وجواب رب المقدرة هو قوله * جبتهما بالنعت لا بالنعتين * من جاب الوادي يجوبه جوبا، إذا قطعه بالسير فيه، وقد نعتا لى مرة واحدة فلم أحتج إلى أن ينعتا لى مرة ثانية، وصف نفسه بالحذق والمهارة، والعرب تفتخر بمعرفة الطرق وتقدم شرحه بأكثر من هذا في الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة، وفى الشاهد الثالث والسبعين بعد الخمسائة، من شواهد الكافية

وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادى والاربعون (من الهزج): 41 - وقد أغدو على أشقر * يغتال الصحاريا على أنه جمع صحراء، فلما قلبت الالف بعد الراء في الجمع ياء قلبت الهمزة التى أصلها ألف التأنيث ياء أيضا، وهذا أصل كل جمع لنحو صحراء، ثم يخفف بحذف
الياء الاولى فيصير صحارى بكسر الراء وتخفيف الياء مثل مدارى، ويجوز أن تبدل الكسرة فتحة فتقلب الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها كما فعلوا في مدارى، وهذان الوجهان هما المستعملان، والاول أصل متروك يوجد في الشعر وقد تقدم الكلام عليه بأبسط من هذا في الشاهد الثاني والخمسين بعد الخمسمائة.
وأغدو: مضارع غدا غدوا إذا ذهب غدوة، وهى ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، والاشقر من الخيل: الذى حمرته صافية، والشقرة في الانسان: حمرة يعلوها بياض، ويغتال: يهلك، يقال: اغتاله أي أهلكه، واستعار يغتال لقطع المسافة بسرعة شديدة، فإن أصل اغتاله بمعنى قتله على غفلة، والصحراء من الارض: الفضاء الواسع، والشعر للوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والاربعون 42 - حمي لا يحل الدهر إلا بأمرنا * ولا نسأل الاقوام عهد المياثق على أنه حكى أن المياثق لغة لبعض العرب، وهو جمع ميثاق، وأصله موثاق قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، فكان القياس في الجمع أن ترجع الواو، لزوال موجب قلبها ياء قال أبو الحسن (1) الاخفش فيما كتبه على أمالى أبى زيد: رواه الفراء
__________
(1) انظر كتاب النوادر لابي زيد (ص 64) (*)

" عقد المياثق " أخبرنا بذلك عنه ثعلب، وهذا شاذ، والرواية " عهد المواثق " وهو أجود وأشهر (1) ورواه الصاغانى في العباب بالياء عن ابن الاعرابي، قال: الميثاق العهد،
وأخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف، وصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع المواثق والمياثيق على اللفظ، وقد جاء في الشعر المياثق، أنشد ابن الاعرابي لعياض ابن درة الطائى: * حمى لا يحل الدهر...البيت * انتهى وراه أبو زيد الانصاري في أماليه على القياس، قال: وقال عياض بن أم درة الطائى، وهو جاهلي: وكنا إذا الدين الغلبى برى لنا * إذا ما حللناه مصاب البوارق حمي لا يحل الدهر إلا بإذننا * ولا نسأل الاقوام عهد المواثق الدين: الطاعة، والغلبي: المغالبة، ويرى لنا: عرض، يبرى بريا، وانبرى ينبرى انبراء، انتهى.
قال أبو الحسن الاخفش: قال أبو سعيد: حفظى عياض بن درة، انتهى فعهد المواثق فيه شذوذ واحد، وهو حذف الياء من مواثيق، وفى عهد المياثق شذوذان: عدم رجوع الواو، وحذف الياء بعد المثلثة، ولا يخفى أن الغلبى - بضم الغين واللام وتشديد الموحدة - ليس مصدرا للمفاعلة، إنما هو أحد مصادر غلبه يغلبه غلبا بسكون اللام وغلبا بتحريكها وغلبة بالحاق الهاء وغلابية كعلانية وغلبة كحزقة وغلبى ومغلبة بفتح اللام، كذا في العباب، والمصاب بفتح الميم: اسم مكان من صابه المطر إذا مطر، والصوب: نزول المطر، والبوارق: جمع بارقة، وهى سحابة ذات برق
__________
(1) عبارة الاخفش " والرواية الاولى أجود وأشهر " (*)

وأنشد بعده وهو الشاهد الثالث والاربعون (من الوافر): 43 - وقاء ما معية من أبيه * لمن أوفى بعهد أو بعقد
على أن معية مصغر معاوية، حذفت ألفه عند التصغير فصار معيوية، فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها فصار معيية بثلاث ياءات، فحذف الياء الثالثة التى هي لام الفعل وفتحت الثانية لاجل الهاء فصار معية، على وزن مفيعة، كذا قال ابن يعيش وفى الجمهرة لابن دريد: وفى يفى وفاء وأوفى يوفى، لغتان فصيحتان، قال الشاعر * وقاء ما معية من أبيه * البيت معية: هو ابن الصمة أخو دريد، وكان الصمة قتل في جوار بيبة (1) بن سفيان بن مجاشع، وكان معية أسيرا في أيديهم، فقال الصمة وهو يكيد بنفسه هذه القصيدة، يقول: أما إذا غدرتم فأطلقوا عن ابني معية، فان فيه وقاء منى، انتهى كلامه والوقاء - بكسر الواو وفتحها بعدها قاف - هو ما وقيت به شيئا، وما زائدة، والعهد: الامان والمواثق (2) والذمة، والعقد: إحكام العهد من عقدت الحبل عقدا والصمة - بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم - فارس شاعر جاهلي من بنى جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، وهو والد دريد بن الصمة الذى قتل في غزوة حنين كافرا
__________
(1) بيبة - بفتح الموحدة بعدها ياء مثناة ساكنة فموحدة - سيد مجاشع، وهو أبو الحارث ابن بيبة الذى خلفه في سيادة قومه (2) لعله " والمواثق " حتى يطابق التفسير المفسر (*)

وأنشد الجاربردى (1)، وهو الشاهد الرابع والاربعون 44 - وهو إذا الحرب هفا عقابه * مرجم حرب تلتظى حرابه
على أن الحرب قد يكون مذكرا كما في البيت، فان الهاء من " عقابه " ضمير الحرب وهذا الرجز أورده الجوهرى في الصحاح (2)، ونقل كلامه الجاربردى برمته، وهو فيه غير منسوب لاحد، ولم يتكلم عليه ابن برى في أماليه بشئ، وقد وقع في بعض نسخ الصحاح " تلتقي " بدل " تلتظى " وقال الصفدى في حاشيته عليه: الذى رواه ابن الاعرابي " تلتظى حرابه " بدل " تلتقي " وكذا هو بخط الجوهرى، والذى وجدته بخط ياقوت " تلتقي " والصواب " تلتظى " كما رواه ابن الاعرابي، انتهى.
" وهو " ضمير الممدوح بالشجاعة، قال الجوهرى: وهفا الطائر بجناحه: أي خفق وطار، وأنشد هذا الرجز، والعقاب - بالضم - من أعظم جوارح الطير، شبه الحرب الشديدة به، والمرجم - بكسر الميم وفتح الجيم - قال الجوهرى: ورجل مرجم: أي شديد كأنه يرجم به معاديه، والرجم الرمى بالحجارة، انتهى.
وأضافه إلى الحر لانه لا يرجم على الاعداء فيها، وتلتظي: تلتهب، جملة حالية، والحراب - بالكسر - جمع حربة، يريد أن لها بريقا كشعلة النار، وصحفه الجار برى بالجيم، فقال: وجراب البئر جوفها من أسفلها إلى أعلاها، انتهى.
والهاء ضمير مرجم، وإذا: ظرف متعلق بمرجم وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والاربعون (من الرجز)
__________
(1) انظر الجاربردى " ص 88 " ووقع فيه (من جم حرب) وهو تحريف ظاهر.
(2) انظر الصحاح (مادة: ح ر ب) و (ه ف ا) (*)

45 - إنا وجدنا عرس الحناط * لئيمة مذمومة الحواط
على أن العرس مؤنثة، بدليل لئيمة ومذمومة، والعرس: بضمتين وبضمة فسكون، قال الجوهرى: والعرس طعام الوليمة، يذكر ويؤنث، قال الراجز: إنا وجدنا عرس الحناط * لئيمة مذمومة الحواط * ندعى مع النساج والخياط * والجمع الاعراس والعرسات، وقد أعرس فلان: أي اتخذ عرسا، وأعرس بأهله إذا بنى بها، وكذلك إذا غشيها، ولا تقل عرس (أي بالتشديد) والعامة تقوله، انتهى.
وكذا قال صاحب العباب وزاد بعد البيت الثالث * وكل علج شخم الاباط * ثم قال: وقال دكين وقد أتى عرسا فحجب، فرجز بهم، فقيل: من أنت ؟ فقال: دكين، فقال (من مشطور الرجز): تجمع الناس وقالوا عرس * إذا قصاع كالاكف خمس ودعيت قيس وجاءت عبس ففقئت عين وفاظت نفس (1) انتهى وأورد ابن السكيت في إصلاح المنطق الرجز الاول، وقال شارح أبياته ابن السيرافى: الحناط: بائع الحنطة، والحواط: الذين أحاطوا بالعرس، وذمها لان المدعوين فيها الحاكة والخياطون، انتهى.
ولم يتكلم عليه ابن برى في أماليه على
__________
(1) روى الجوهرى في مادة " ف ى ظ " البيت الاول والرابع، وترك الثاني والثالث وفيه " اجتمع الناس - الخ ".
وفى بعض نسخ الاصل " وفاضت نفس " بالضاد المعجمة، وكل العلماء يجيزون أن تقول: فاظت نفس فلان، إلا الاصمعي فانه كان ينكرها، وهو تابع لابي عمرو بن العلاء.
(*)

الصحاح بشئ، ولا الصفدى في حاشيته عليه وكتب ياقوت الموصلي الخطاط على هامش الصحاح: الحواط: القوم الذين يقومون على رءوس الناس في الدعوات، والرجز لدكين الراجز، انتهى: وندعى: بضم النون وفتح العين، والعلج - بكسر العين - الرجل من كفار العجم، والشخم - بفتح الشين وكسر الخاء المعجمتين - المنتن ودكين بالتصغير: راجز إسلامى من معاصري الفرزدق وجرير، وهو دكين ابن رجاء من بنى فقيم، ومدح عمر ابن عبد العزيز وهو والى المدينة وله معه حكاية أوردها ابن قتيبة في كتاب (1) الشعراء وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس والاربعون (من المتقارب) 46 - * عليه من اللؤم سروالة * على أن السروالة واحد السراويل، وتمامه * فليس يرق لمستعطف * وقائله مجهول حتى قيل: إنه مصنوع واللؤم بالهمز الشح ودناءة الاباء، وتقدم الكلام عليه في الشاهد الثالث والثلاثين من شرح شواهد الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع والاربعون، وهو من شواهد سيبويه (2) (من الرجز) قد رويت إلا الدهيدهينا * قليصات وأبيكرينا 47 - على أنه كان القياس دهيدهات وأبيكرات قال سيبويه (2) الدهداه
__________
(1) انظر كتاب الشعراء لابن قتيبة (ص 387 طبع أوربة) (2) أنظر الكتاب " 2: 142 " وفيه " قد شربت إلا دهيد هينا " (*)

حاشية الابل، فكأنه حقر دهاده فرده إلى الواحد، وهو دهداه، وأدخل الياء والنون كما تدخل في أرضين وسنين، وذلك حين اضطر في الكلام إلى أن يدخل ياء التصغير، وأما أبيكرينا فانه جمع الا بكر (كما يجمع الجزر والطرق فتقول جزرات وطرقات) (1) ولكنه أدخل الياء والنون كما أدخلها في الدهيدهين.
انتهى كلامه وقال ابن جنى في سر الصناعة عند سرد ما جمع بالواو والنون من كل مؤنث معنوى كأرض أو مؤنث بالتاء محذوف اللام كثبة، ما نصه: " فإن قلت: فما بالهم قالوا: * قد رويت إلا الدهيدهينا * الخ فجمعوا تصغير دهداه، وهو الحاشية من الابل، وأبكرا، وهو جمع بكر بالواو والنون، وليسا من جنس ما ذكر ؟ فالجواب أن أبكرا جمع بكر، وكل جمع فتأنيثه سائغ مستمر لانه جماعة في المعنى، وكأنه قد كان ينبغى أبكرة، وإذا ثبت أن أفعلا من أمثلة الجموع يجوز في الاستعمال والقياس تأنيثه، فصار إذن جمعهم إياها بالواو والنون في قوله " أبيكرونا " إنما هو عوض من الهاء المقدرة، فجرى مجرى أرض في قولهم، وأما " دهيدهينا " فان واحده دهداه فهو نظير الصرمة فكأن الهاء فيها لتأنيث الفرقة، كما أن الهاء في عصبة لتأنيث الجماعة، فكأنه كان في التقدير دهداهة، فجمع الواو والنون تعويضا من الهاء المقدرة، قال أبو على: وحسن أيضا جمعه بالواو والنون أنه قد حذفت ألف دهداه في التحقير، ولو جاء على الاصل لقيل دهيديه، فواحد " دهيدهينا " إنما هو دهيده، وقد حذفت الالف من مكبره، فكان ذلك أيضا مستهلا للواو والنون وداعيا إلى التعويض بهما، انتهى.
__________
(1) الزيادة عن سيبويه في الموضع المذكور (*)

والبيتان من رجز أورده أبو عبيد في الغريب المصنف، قال: الحاشية صغار الابل، والدهداه مثل ذلك، قال الراجز: يا وهب فابدأ ببنى أبينا * ثمت ثن ببنى أخينا وجيرة البيت المجاورينا * قد رويت إلا الدهيدهينا إلا ثلاثين وأربعينا * قليصات وأبيكرينا وقليصات: جمع مصغر قلوص، وهى الناقة الشابة، وأبيكرين: جمع أبيكر مصغر أبكر، وهو جمع بكر بالفتح، وهو في الابل بمنزلة الشاب في الناس.
وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا الشاهد الثالث والثمانين بعد الخمسمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده وهو الشاهد الثامن والاربعون (من السريع): 48 - * في كل يوم ماو كل ليلاوه * على أن " ليلاه " في معنى ليلة، وعليه جاء التصغير في قولهم: لييلية، وجاء الجمع أيضا في قولهم الليالى قال ابن جنى في باب الاستغناء بالشئ عن الشئ من الخصائص (1): " ومن ذلك استغناؤهم بليلة عن ليلاه، وعليها جاءت ليال، على أن ابن الاعرابي قد أنشد: في كل يوم ما وكل ليلاه * حتى يقول كل راء إذ رآه * يا ويحه من جمل ما أشقاه * وهذا شاذ لم يسمع إلا من هذه الجهة وقال في المحتسب أيضا: " فأما أهال فكقولهم ليال، كأن واحدهما أهلات
__________
(1) انظر كتاب الخصائص ": 275 " (*)

وليلاة، وقد مر بنا تصديقا لقول سيبويه فان واحدهما في التقدير ليلاة ما أنشده ابن الاعرابي: في كل يوم ما وكل ليلاه * حتى يقول من رآه إذ رآه وقال السيوطي في شرح أبيات المغنى: ونقل ابن جنى في ذى القد (1) عن أبى على أنه أراد " وكل ليلة " ثم أشبع فتحة اللام، فصارت ليلاة، انتهى: وفى العباب للصاغاني " يقال: كان الاصل ليلاة فحذفت الالف لان تصغيرها لييلية " وقال الفراء: ليلة كانت في الاصل ليلية، ولذلك صغرت لييلية، ومثلها الكيكة البيضة، كانت في الاصل كيكية، وجمعها الكياكى، انتهى.
" في كل يوم ما - الخ " متعلق الجار في بيت قبله لم أقف عليه، والمعنى أعمله في كل يوم وكل ليلة، وأنشد السيوطي بعده البيتين فقال ابن الملا في شرح المغنى: في متعلقة بقوله ما أشقاه، ولم يذكر البيت الاخر، وما زائدة، ورواه ابن الملا " في كل ما يوم " وقال: ما زائدة، وقوله " إذ رآه " بحذف الهمزة، وهى عين الكلمة، والويح: كلمة ترحم تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، ومن " جمل " بيان للضمير في ويحه، " ما أشقاه " تعجب وهذا الرجز لم أقف على قائله، والله أعلم به وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع والاربعون (من البسيط): 49 - أما أقاتل عن دينى على فرس * ولا كذا رجلا إلا بأصحاب على أن رجلا بمعنى راجل، قال ابن يعيش (2): ومن تصغير الشاذ قولهم رويجل في تصغير رجل، وقياسه رجيل، كأنهم صغروا راجلا في معنى رجل وإن لم
__________
(1) كذا في الاصول، وهو تصحيف لم يتضح لنا وجه الصواب فيه، وقد رجعنا الى النسخ المطبوعة والخطية من شرح أبيات المغنى للسيوطي فلم نجد هذا النقل
عند الكلام على هذا الشاهد، وقد مرت عبارة ابن جنى نقلا عن الخصائص (2) انظر شرح المفصل " 5: 133 " وفيه في رواية البيت " أو هكذا رجلا " (*)

لم يظهر به استعمال، كما قالوا: رجل في معنى راجل، وأنشد البيت، ثم قال: فكأنهم صغروا لفظا وهم يريدون آخر والمعنى فيهما واحد، انتهى.
وفى نوادر أبى زيد (1) قال حيى بن وائل وأدرك قطريا (ابن الفجاءة) (2) الخارجي أحد بنى مازن: أما أقاتل عن دينى على فرس * ولا كذا رجلا إلا بأصحاب لقد لقيت إذن شرا وأدركني * ما كنت أزعم في خصمى من العاب قال أبو عمر الجرمى (3): رجل راجل، قال السكرى: قوله رجلا معناه راجل، كما يقول العرب جاءنا فلان حافيا رجلا أي راجلا كأنه قال: أما أقاتل فارسا ولا كما أنا راجلا إلا ومعى أصحاب لقد لقيت إذن شرا لو أنى أقاتل وحدي ويقال راجل ورجال، قال تعالى: (فرجالا أو ركبانا) وكذلك (يأتوك رجالا (وعلى كل ضامر) (4)) وراجل ورجلة ورجل ورجال ورجالى، والعاب العيب انتهى.
والاول: ما بعد الاية على وزن فاعل، والثانى على وزن فعلة: - بفتح الفاء وسكون العين - والثالث: على وزن فعل بفتح الفاء وسكون العين، والرابع: على وزن فعال بضم الفاء وتشديد العين، والخامس: فعالى بضم الفاء وتخفيف العين والقصر، قوله " لقيت إذا شرا لو أنى أقاتل وحدي " كذا رأيته في نسخة قديمة صحيحة، ورواه أبو الحسن الاخفش: أي إنى أقاتل وحدي أي " إنى " موضع " لو " والمعنى عليه كما يظهر بالتأمل، ويؤيده أن غير أبى زيد روى أن حيى بن وائل خرج راجلا يقاتل السلطان، فقيل له: أتخرج راجلا (تقاتل) (4) ؟ فقال: أما أقاتلهم إلا على فرس، كذا قال الاخفش، وقال: قال أبو حاتم: قوله " أما
__________
(1) انظر النوادر " ص 5 " (2) الزيادة عن النوادر في الموضع المذكور (3) هذا الكلام بعينه في نوادر أبى زيد " ص 5 " عن أبى حاتم، وسيأتى التصريح به (4) الزيادة عن تعليقات أبى الحسن الاخفش على نوادر أبى زيد (*)

مخفف الميم مفتوح الالف، واحترز بهذا الضبط عن القراءة بكسر الهمزة وتشديد الميم فتكون أما بالتخفيف استفتاحية وحيى - بضم الحاء المهملة وفتح المثناة التحتانية الاولى وتشديد الثانية -: رجل من الخوارج وفى نسخ الشرح " أو هكذا رجلا إلا بأصحاب " وكذا في شرح الجاربردى في باب الجمع، وقال: معنى البيت الانكار على من يرى أن مقاتلة هذا الشاعر لا تجوز إلا حال مصاحبته مع أصحابه، فقال: لم لا أقاتل منفردا سواء أكون فارسا أو راجلا، انتهى.
وهذا المعنى مراده قطعا، لكن في أخذه من البيت خفاء وفى تركيبه (1) تعقيد وقلاقة وينظر في هذا الاستثناء (2) ثم رأيت في أمالى الصحاح لابن برى قال بعد أن نقل كلام أبى زيد ما نصه: وقال ابن الاعرابي: قوله " ولا كذا ": أي ما ترى رجلا (3)، وقال المفضل: أما خفيفة بمعنى ألا، وألا تنبيه يكون بعدها أمر أو نهى أو أخبار (فالذي بعد أما هنا إخبار) (4) كأنه قال: أما أقاتل فارسا وراجلا، وقال أبو على في الحجة بعد أن حكى عن أبى زيد ما تقدم: فرجل على ما حكى أبو زيد صفة ومثله ندس وفطن وحذر
__________
(1) في نسخ الاصل وفى تركبه، وهو تحريف (2) قد نظرنا في هذا الاستثناء على المعنى الذى ذكره الجاربردى فوجدناه
استثناء مفرغا والمستثنى منه المقدر عموم الاحوال، وكأن في الاستفهام الذى أجاب عنه الشاعر بالبيت الشاهد حذف الواو مع ما عطفت، وكأنهم قالوا له: أتخرج راجلا ومنفردا (3) الذى في اللسان عن ابن الاعرابي: " أي ما ترى رجلا كذا " (4) الزيادة عن اللسان عن المفضل وهى ضرورية (*)

وأحرف نحوها، ومعنى البيت كأنه يقول: اعلموا أنى أقاتل عن دينى وعن حسبى وليس تحتي فرس ولا معى أصحاب، انتهى كلام ابن برى المنسوب أنشد فيه، وهو الشاهد الخمسون (من الطويل): 50 - كأن مجر الرامسات ذيولها * عليه قضيم نمقته الصوانع على أن فيه حذف مضاف، والتقدير كأن أثر مجر أو موضع مجر، ومجر مصدر ميمى مضاف لفاعله، وذيولها: مفعوله، ولا يجوز أن يكون اسم مكان، فانه لا يرفع فضلا عن أن ينصب، وكذا اسم الزمان والالة، وإنما كان بتقدير مضاف لانه إن كان مصدرا فلا يصلح الاخبار عنه بقضيم، وإن كان اسم مكان فلا يصح نصبه المفعول، وروى بجر " ذيولها " فيكون بدلا من الرامسات بدل بعض، وعليه فالمجر اسم مكان ولا حذف وقال ابن برى في شرح أبيات الايضاح لابي على.
قال أبو الحجاج: بل لابد من اعتقاد محذوفات ثلاثة يصح بها المعنى، تقديرها كأن أثر موضع مجر الرامسات ذيولها نقش قضيم، والرامسات: الرياح الشديدة الهبوب، من الرمس وهو الدفن، وذيولها: مآخيرها، وذلك أن أوائلها تجئ بشدة ثم تسكن، والقضيم - بفتح القاف وكسر الضاد المعجمة - حصير منسوج خيوطه سيور،
وقال ابن برى: القضيم الجلد الابيض عن الاصمعي وغيره، وقال يعقوب: الصحيفة البيضاء، وقال أيضا: هو النطع الابيض، وقال صاحب العين: هو الحصير المنسوج تكون خيوطه سيورا بلغة أهل الحجاز، شبه آثار الديار بنقش على ظهر مبناة، انتهى قال شارح ديوان النابغة: شبه آثار هذه الرامسات في هذا الرسم بحصير من

جريد أو أدم برمله الصوانع: أي تعمله وتخرزه، ومن فسر القضيم بجلد أبيض يكتب فيه كالاندلسي وابن يعيش والجاربردى لم يصب، فان الصوانع جمع صانعة، والمعهود في نساء العرب النسيج وما أشبهه لا الكاتبة، والمعنى يقتضيه أيضا، فإن الرمل الذى تمر عليه الريح يشبه الحصير المنسوج، والعرب لا تعرف الكتابة رجالها فضلا عن نسائها، وإنما حدث فيها الخط والكتابة في الاسلام وقال بعض فضلاء العجم في شرح أبيات المفصل: يقول: كأن أثر جر الرياح الرامسات ذيولها على ذلك الربع قضيم: أي خطوط قضيم زينته بالكتابة النساء الحاذقات للكتابة، أو كأن موضع الرامسات قضيم، شبه آثار جر الرياح بالخطوط في القضيم، أو موضعها الذى (1) هبت عليه بالقضيم المنمق، وفى البيت سؤال وجواب، أما السؤال فان المجر اسم مكان، وقد عمل في ذيولها، وبيان كونه اسم مكان أنه أخبر عنه بقضيم، ولا يستقيم المجر بمعنى الجر لانه يؤدى إلى تشبيهه وهو معنى بالرق وهو عين، ولا معنى لذلك، والجواب أن اسم المكان لا يعمل باستقراء لغتهم، وإذا وجدنا ما يخالفه وجب تأويله، وله هنا تأويلان: أحدهما: تقدير مضاف قبل مجر، والمجر مصدر، والتقدير كأن موضع جر الرامسات، وهو خير من تقدير أثر، لئلا يحصل ما هرب عنه من الاخبار بقضيم إذ الاثر يشبه بالكتابة لا بالرق، وغرضنا هنا التشبيه بالرق، ولقائل أن يقول:
لعل من قال إن تقديره كان أثر جر الرامسات قدر قبل قضيم مضافا محذوفا، وهو خطوط قضيم، فيصح المعنى، والثانى: أن يكون مجر موضعا على ظاهره، والمضاف محذوف من الرامسات، كأنه قال: مجرجر الرامسات، هذا كلامه وهو ملخص من شرح المفصل للاندلسي، وقد نقله ابن المستوفى في شرح أبيات المفصل، ورد قوله " تقدير موضع خير من تقدير أثر " بأنه لا فرق بينهما لان أثر الجر وموضع الجر واحد، إلا أن يتوهم متوهم أن أثره ما بقى من فعله، وموضعه مكان فعله، انتهى:
__________
(1) في أصول الكتاب " التى " وهو تحريف (*)

وقوله " والثانى أن يكون مجر موضعا - الخ " قال الاندلسي: والوجه الثاني أن يكون مجر موضعا على ظاهره، والمضاف محذوف من الرامسات، كأنه قال: كأن مجرجر الرامسات، ويتأكد هذا بأمرين: أحدهما: مطابقة المشبه بالمشبه به، لان فيه ذكر الموضع أولا والاثر ثانيا، كما أن المشبه به ذكر فيه الرق أولا والتنميق ثانيا، والاخر أن المحذوف مدلول عليه بمجر لان مجرا معناه الجر، فلم يقدر إلا بما دل عليه، بخلاف التقدير الاول، فان المؤدى إليه امتناع استقامته في الظاهر، وهو موجود بعينه ها هنا مع الوجهين الاخرين، ويضعف من جهة أن " ذيولها " تكون منصوبة بمصدر مقدر، والنصب بالمصدر المقدر لا يكاد يوجد، ومن أجل ذلك قدم التقدير الاول، انتهى.
والبيت من قصيدة للنابغة الذبيانى، قال بعد بيتين من أولها: توهمت آيات لها فعرفتها * لستة أعوام واذ العام سابع رماد ككحل العين ما إن تبينه * ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع كأن مجر الرامسات ذيولها * عليه قضيم نمقته الصوانع على ظهر مبناة جديد سيورها * يطوف بها وسط اللطيمة بائع
توهمت: تفرست، وآيات الدار: علامات دار الحبيبة لا ندراسها، واللام بمعنى بعد، ورماد ونؤى استئناف لتفسير بعض الايات: أي بعض الايات رماد وبعضها نؤى، وإن: زائدة، وتبينه: تظهره، وفاعله إما ضمير ديار الحبيبة وإما ضمير المخاطب، والنؤى - بضم النون وسكون الهمزة - حفيرة تحفر حول الخباء، ويجعل ترابها حاجزا لئلا يدخل المطر، والجذم بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة: الاصل، والباقى.
والخاشع: اللاطئ بالارض قد اطمأن وذهب شخوصه، وقوله " كأن مجر الخ " ضمير عليه راجع إلى النؤى، وقال بعض شراح الشواهد: راجع إلى الربع، وليس الربع مذكورا في الشعر، وإنما قاله على

التخمين، ونمقته: حسنته، والصوانع: جمع صانعة، من الصنع بالضم وهو إجادة الفعل، وليس كل فعل صنعا (1)، ولا يجوز نسبته إلى الحيوان غير الادمى ولا إلى الجمادات وإن كان الفعل ينسب إليها، وقوله " على ظهر مبناة - الخ " المبناة - بكسر الميم وسكون الموحدة بعدها نون - النطع بكسر فسكون وبفتحتين وكعنب بساط من أديم، وقال ابن برى: المبناة هي كالخدر تتخذ للعروس يبنى بها زوجها فيه (2)، ولذلك سميت مبناة، وكانوا ينقشون النطع بالقضيم وهى الصحف البيض تقطع وينقش بها الادم تلزق عليه وتخرز، وقال الاصمعي: كانوا يجعلون الحصير المزين المنقوش على نطع ثم يطوفون به للبيع، قال قطرب: وسمى المسك لطيمة لانه يجعل على الملاطم، وهى الخدود، انتهى.
وقال غيره: واللطيمة بفتح اللام وكسر الطاء سوق فيها بز وطيب، يقول: القضيم الذى هو الحصير على هذا النطع يطوف بها بائع في الموسم، قال الاصمعي: كان من يبيع متاعا يفرش نطعا ويضع عليه متاعه، والنطع يسمى مبناة، فيقول: نشر هذا التاجر حصيرا على نطع، وإنما سميت مبناة لانها كانت تتخذ قبابا، والقبة والبناء سواء،
والانطاع يبنى بها القباب والنابغة الذبيانى شاعر جاهلي ترجمناه في الشاهد بعد المائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادى والخمسون (من الرجز): 51 - * ذكرتني الطعن وكنت ناسيا *
__________
(1) في الاصول " وليس كل صنع فعلا " وهو مخالف لما ذكره من قبل ومن بعد في تفسير الصنع، إذ الصنع فعل وزيادة قيد، فهو أخص مطلقا، والفعل أعم مطلقا، فكل صنع فعل وليس كل فعل صنعا (2) في أصول الكتاب " فيها " والانسب لما قبله ولما بعده ما ذكرناه (*)

على أنه مثل يضرب في الحديث يستذكر به حديث غيره وأول من قاله رهيم ابن حزن الهلالي، وكان انتقل بأهله وماله من بلده يريد بلدا آخر، فاعترضه قوم من بنى تغلب، فعرفوه وهو لا يعرفهم، فقالوا له: خل ما معك وانج بنفسك، قال لهم: دونكم المال ولا تتعرضوا للحرم، فقال له بعضهم: إن أردت أن نفعل ذلك فألق رمحك، فقال: وإن معى لرمحا ؟ فشد عليهم، فجعل يقتل واحدا بعد واحد، وهو يرتجز ويقول: ردوا على أقربها الاقاصيا * إن لها بالمشرفى حاديا * ذكرتني الطعن وكنت ناسيا * وقيل: إن أصله أن رجلا حمل على رجل ليقتله، وكان في يد المحمول عليه رمح فأنساه الدهش ما في يده، فقال له الحامل: ألق الرمح، فقال الاخر: إن معى رمحا لا أشعر به ؟ * ذكرتني الطعن وكنت ناسيا *
فحمل على صاحبه فطعنه حتى قتله أو هزمه، يضرب في تذكر الشئ بغيره، ويقال: إن الحامل صخر بن معاوية السلمى، والمحمول عليه يزيد بن الصعق، كذا في غاية الوسائل إلى معرفة الاوائل تأليف إسماعيل بن هبة الله الموصلي الشافعي، واقتصر الزمخشري في مستقصى الامثال على القول الاول والثالث وقوله " ردوا على أقربها " الضمير للابل، والاقاصى: جمع أقصى وهو البعيد، والمشرفي - بفتح الميم والراء - السيف نسبة إلى مشارف على خلاف القياس (1)، ومشارف - بفتح الميم - اسم قرية يعمل فيها السيوف الجيدة،
__________
(1) اعلم أن العلماء قد اختلفوا في مشارف، أهو اسم لجمع من القرى يقال لكل قرية منها مشرف أم هو اسم لقرية واحدة، وأصله جمع فسمى به، فمن ذهب إلى الاول فان النسب إليه حينئذ بقولهم مشرفى قياس، لانه جمع والجمع (*)

والحادي: السائق، ورهيم: مصغر رهم بضم الراء وسكون الهاء، وروى مكبرا أيضا، وحزن - بفتح الهاء وسكون الزاى - وهو شاعر جاهلي وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والخمسون (من السريع) 52 - وكنت كالساعي إلى مثعب * موائلا من سبل، الراعد ضربه هنا مثلا، وهو كقوله: المستجير بعمره عند كربته * كالمستجير من الرمضاء بالنار والبيت لسعيد بن حسان، وقبله: فررت من معن وإفلاسه إلى اليزيدى أبى وافد ومعن: هو معن بن زائدة الجواد المشهور المضروب (مثلا) في الجود والكرم، وكان من أمراء الدولة الاموية والدولة العباسية، وإنما قال " وإفلاسه " لان الافلاس لازم للكرام في أكثر الايام، واليزيدى: هو أحد أولاد يزيد بن عبد الملك،
والساعى: من سعى الرجل إلى صاحبه: أي ذهب إليها، والمثعب - بفتح الميم وسكون المثلثة وفتح العين المهملة - قال الجوهرى: هو أحد مثاعب الحياض، وانثعب الماء: جرى في المثعب، والموائل: اسم فاعل من واءل منه على وزن فاعل: أي طلب النجاة وهرب، والموئل: الملجأ، وقد وأل يئل وألا، أي لجأ، والسبل بالسين المهملة والباء الموحدة المفتوحتين: هو المطر، والراعد: سحاب ذو رعد، ويقال: رعدت السماء رعدا من باب قتل ورعودا: لاح منها الرعد، يقول أنا في التجائى إليه كالهارب من السحاب ملتجئا إلى الميزاب، فقد وقعت في أشد مما هربت منه، ولم أر هذين البيتين إلا في تاريخ يمين الدولة محمود بن سبكتكين للعتبى، أوردهما تمثيلا، ونسبهما إلى سعيد المذكور.
__________
(1) يرد إلى أصله، ومن ذهب إلى الثاني فالواجب أن ينسب إليه على لفظه فقيال مشار في، ومشرفي شاذ، وهذا هو الذى ذهب إليه المؤلف (*)

وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والخمسون (من الطويل): 53 - ولست بنحوى يلوك لسانه * ولكن سليقى أقول فأعرب على أن السليقى في النسبة لسليقة شاذ قال صاحب العباب: السليقة: الطبيعة، يقال: فلان يتكلم بالسليقة: أي بطبعه لا عن تعلم، وفى حديث أبى الاسود الدؤلى أنه وضع النحو حين اضطرب كلام العرب فغلبت السليقية: أي اللغة التى يسترسل فيها المتكلم بها على سليقته من غير تعهد إعراب ولا تجنب لحن، قال: * ولست بنحوى يلوك لسانه * البيت ولم يتكلم عليه ابن برى في أماليه على الصحاح، ولا الصفدى في حاشيته عليه، وكذا أورده ابن الاثير في النهاية غير منسوب إلى قائله
والنحوى: الرجل المنسوب إلى علم النحو، ويلوك لسانه: من لاك الشئ في فمه، إذا علكه، يريد التكلف والتصنع في الكلام، وسليقى: خبر مبتدأ محذوف: أي أنا سليقى، والقياس سلقى كحنفي في النسبة إلى حنيفة، وأعرب: من الاعراب، وهو القول المفصح عما في الضمير، وجملة " أقول - الخ " صفة كاشفة لسليقى.
ولم أقف على قائله، والله سبحانه أعلم وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع والخمسون (من الوافر) 54 - جرى الدميان بالخبر اليقين على أنه شاذ، والقياس الدمان، لما سيأتي في البيت الذى بعده وقد أوردنا ما قيل فيه مستوفى في الشاهد الخامس والستين بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية

وهذا المصراع من أبيات ثلاثة لعلى بن بدال السلمى، رواها ابن دريد في المجتبى، وهى: لعمرك إننى وأبا رباح * على حال التكاشر منذ حين لا بغضه ويبغضني وأيضا * يرانى دونه وأراه دوني ولو أنا على جحر ذبحنا * جرى الدميان بالخبر اليقين والتكاشر: المباسطة في الكشر وهو التبسم، ورواه ابن دريد في الجمهرة كذا * على طول التجاور منذ حين * والجحر - بضم الجيم وسكون الحاء -: الشق في الارض، وقوله " جرى الدميان الخ " أراد بالخبر اليقين ما اشتهر عند العرب من أنه لا يمتزج دم المتباغضين،
وهذا تلميح، قال ابن الاعرابي: معناه لم يختلط دمى ودمه من بغضى له وبغضه لى، بل يجرى دمى يمنة ودمه يسرة وقد استقصينا الكلام على معناه وإعلاله هناك، فليراجع ثمة وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والخمسون (من الكامل): 55 - يديان بيضاوان عند محلم على أنه شاذ، والقياس يدان بدون رد اللام المحذوفة، لان هذه اللام لم ترد عند الاضافة إذا قلت: يده قال ابن يعيش: وإذا لم يرجع الحرف الساقط في الاضافة لم يرجع في التثنية، ومثاله يد ودم، فانك تقول دمان ويدان، فلا ترد الذاهب، لانه لايرد في الاضافة، فأما قوله: * يديان بيضاوان...البيت *

وقول الاخر: * جرى الدميان...البيت * وحمله (1) أصحابنا على القلة والشذوذ وجعلوه من قبيل الضرور، والذى أراه أن بعض العرب يقول في اليد يدا في الاحوال كلها، يجعله مقصورا كرحى وفتى، وتثنيته على هذه اللغة يديان، مثل رحيان، يقال منقوصا ومقصورا، وعليه قول الشاعر: فلسنا على الاعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا يقطر الدما انتهى: وقد أشبعنا الكلام عليه في الشاهد الرابع والستين بعد الخمسمائة، وتمامه: * قد يمنعانك أن تضام وتهضما *
ومحلم - بكسر اللام -: اسم رجل، وضامه يضيمه بمعنى ظلمه، وكذا، هضمه وفيه روايات أخر ذكرناها هناك وأنشد هنا الجار بردى، وهو الشاهد السادس والخمسون (من الطويل) 56 - فلسنا على الاعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا يقطر الدما على أن دما أصله دمى تحرك الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا فصار دما كما في البيت، وهذا إنما يتم إذا كان فتح الميم قبل حذف اللام، وعلى أن يقطر بالمثناة التحتية، وعلى أن الدما بمعنى الدم، وفى كل منها بحث ذكرناه مفصلا في الشاهد السادس والستين بعد الخمسمائة من شواهد شرح الكافية، والاعقاب:
__________
(1) كذا في الاصول وفى شرح المفصل لابن يعيش (4: 151) وخير من هذا أن يقال " فحمله أصحابنا " على أن يكون ذلك جواب أما، وتوجيه عبارته ان يجعل الجواب محذوفا مقترنا بالفاء والمذكور معطوف عليه (*)

جمع عقب - بفتح فكسر - وهو مؤخر القدم، والكلوم: جمع كلم - بفتح فسكون - وهو الجرح، يقول إذا جرحنا في الحرب كانت الجراحات في مقدمنا لا في مؤخرنا، وسالت الدماء على أقدامنا لا على أعقابنا، وتقدم بقية الكلام هناك وأنشد بعده وهو الشاهد السابع والخمسون (من الطويل): 57 - هما نفثا في في من فمويهما على أنه من قال في التثنية فموان قال في النسبة فموى، وفيه الجمع بين البدل والمبدل منه وهى الميم والواو، وتقدم بسط الكلام عليه في الشاهد السادس والعشرين بعد الثلاثمائة من شرح شواهد شرح الكافية، وتمامه * على النابح العاوى أشد رجام *
وضمير التثنية لا بليس وابن إبليس، ونفثا: القيا على لساني، وأراد بالنابح هنا من تعرض لهجوه من الشعراء، وأصله في الكلب، ومثله العاوى، والرجام: مصدر راجمه بالحجارة: أي راماه، وراجم فلان عن قومه إذا دفع عنهم، جعل الهجاء في مقابلة الهجاء كالمراجعة، لجعله الهاجى كالكلب النابح والبيت آخر قصيدة للفرزدق قالها في آخر عمره تائبا إلى الله تعالى مما فرط منه من مهاجاته الناس، وذم فيها إبليس لاغوائه إياه في شبابه، وقد أوردنا غالب أبيات القصيدة هناك وأنشد بعده وهو الشاهد الثامن والخمسون (من الطويل) 58 - تزوجتها رامية هرمزية * بفضل الذى أعطى الامير من الرزق على أن جاء النسبة إلى الجزأين في رامهرمز، قال أبو حيان في الارتشاف: وتركيب المزج تحذف الجزء الثاني منه، فتقول في بعلبك: بعلى، وأجاز الجرمى

النسب إلى الجزء الثاني مقتصرا عليه، فتقول: بكى، وغير الجرمى كأبى حاتم لا يجيز ذلك إلا منسوبا إليهما قياسا على " رامية هرمزية " أو يقتصر على الاول، انتهى قال ياقوت في معجم البلدان: معنى رام بالفارسية المراد والمقصود، وهرمز أحد الا كاسرة، فكأن هذه اللفظة مركبة معناها المقصود هرمز وقال حمزة: رامهرمز: اسم مختصر من رامهرمز أزدشير، وهى مدينة مشهورة بنواحي خورستان، والعامة يسمونها رامز كسلا مهم من غير تتمة اللفظ، وفى رامهرمز يجتمع النخل والجوز والثلج والاترج، وليس ذلك يجتمع بغيرها من مدن خورستان، وقد ذكرها الشعراء، فقال ورد بن الورد الجعدى:
أمغتربا أصبحت في رامهرمز * ألا كل كعبي هناك غريب إذا راح ركب مصعدون فقلبه * مع المصعدين الرائحين جنيب ولا خير في الدنيا إذا لم تزر بها * حبيبا ولم يطرب إليك حبيب انتهى وقوله " رام بمعنى المقصود " هذا غير معروف في تلك اللغة، وإنما معناها عندهم: المطيع، والمنقاد، واسم يوم من أيام كل شهر.
والفضل: الزيادة، والرزق: ما يعطى الجندي في الشهر أو في السنة من بيت مال المسلمين والبيت أنشده صاحب العباب ولم يعزه إلى أحد، وقال الشاطبي: أنشده السيرافى غفلا، ولم أقف على قائله ولا تتمته، والله أعلم وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع والخمسون (من الطويل) 59 - * طبيب بما أعيا النطاسى حذيما * على أن الاصل " ابن حذيم " فحذف ابن لظهور المراد وشهرته عند المخاطب، وهو بكسر الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة وفتح المثناة التحتية، قال ابن الاثير

في المرصع: ابن حذيم: شاعر في قديم الدهر، يقال: إنه كان طبيبا حاذقا يضرب به المثل في الطب، فيقال: أطب بالكى من ابن حذيم، وسماه أوس حذيما فقال * عليم بما أعيا النطاسى حذيما * انتهى: وقال ابن السكيت في شرح ديوان أوس: حذيم: رجل من تيم الرباب، وكان متطببا عالما، هذا كلامه فعنده أن الطبيب حذيم لا ابن حذيم، وتبعه صاحب القاموس، فلا حذف
فيه ولا شاهد، وبقية الكلام عليه مذكورة في الشاهد الرابع عشر بعد الثلاثمائة وهذا عجز، وصدره: * فهل لكم فيها إلي فإننى * وهو من أبيات لاوس بن حجر قالها لبنى الحارث بن سدوس بن شيبان، وهم أهل القرية باليمامة حيث افتسموا معزاه، وقد شرحت هناك، وقوله " فهل لكم فيها " أي: في ردها، والضمير للمعزى وقوله " بما أعيا " فاعله ضمير ما الموصولة الواقعة على الداء: أي أننى حاذق بالداء الذى أعجز الاطباء في مداواته، والنطاسى بكسر النون - قال ابن السكيت: هو العالم الشديد النظر في الامور وبعده (من الطويل): فأخرجكم من ثوب شمطاء عارك * مشهرة بلت أسافله دما والشمطاء: المرأة في رأسها شمط - بالتحريك - وهو بياض شعر الرأس يخالطه سواد، والعارك: الحائض، ومشهرة: من الشهرة، وهو وضوح الامر، يقول: هل لكم ميل في رد معزاى إلى فأخرجكم من سبة شنعاء تلطخ أعراضكم وتدنسها كما تدنس الحائض ثوبها بالدم فأغسله عنكم، وهذا مثل ضربه

وأنشد بعده، وهو الشاهد الستون (من الطويل) 60 - وما أنا كنتى وما أنا عاجن * وشر الرجال الكنتنى وعاجن على أنه قيل في النسبة إلى كنت " كنتى " بلا نون، " وكنتنى " بنون، في الصحاح: قال أبو عمرو: يقال للرجل إذا شاخ: كنتى، كأنه نسب إلى قوله كنت في شبابى كذا، وأنشد البيت كذا (من الطويل) فأصبحت كنتيا وأصبحت عاجنا * وشر خصال المرء كنت وعاجن وقال في مادة عجن أيضا: وعجن الرجل إذا نهض معتمدا على الارض من
الكبر، أنشد البيت أيضا.
ولم يتعرض له ابن برى بشئ ولا الصفدى فيما كتبا عليه، وكذلك أورده ابن يعيش ثم قال: ومنهم من قال كنتنى فزاد نون الوقاية مع ضمير الفاعل، كأنه حافظ على لفظ كنت ليسلم كنت من الكسرة، قال الشاعر أنشده ثعلب (من الطويل) وما أنا كنتى وما أنا عاجن * وشر الرجال الكنتنى وعاجن وقد أعاب أبو العباس كنتيا (1)، وقال: هو خطأ وقال ابن جنى في سر الصناعة: أنشد أبو زيد (من الوافر) إذا ما كنت ملتمسا لقوت * فلا تصرخ بكنتي كبير وأنشد أحمد بن يحيى (من الطويل) فأصبحت كنتيا وأصبحت عاجنا * وشر خصال المرء كنت وعاجن فقوله " كنتيا " معناه أن يقول: كنت أفعل في شبابى كذا، وكنت في حداثتى أصنع كذا، و " كنت " فعل وفاعله التاء، ومن الاصول المستمرة أنك لو سميت رجلا بجملة مركبة من فعل وفاعل ثم أضفت إليه: أي نسبت لاوقعت الاضافة على الصدر وحذفت الفاعل، وعلى ذلك قالوا في النسبة إلى تأبط شرا: تأبطي، وفى قمت: قومي، حذفوا التاء وحركت الميم بالكسرة التى تجلبها ياء الاضافة، فلما تحركت
__________
(1) الذى في ابن يعيش (ج 6 ص 8): " وما أنت...وقد عاب أبو العباس كنتنيا " (*)

رجعت الواو التى كانت سقطت لسكونها تلك الواو عين الفعل من قام فقلت قومي، وكذا كان القياس أن تقول في كنت: كونى، تحذف التاء لانها الفاعل وتحرك النون فترد الواو التى هي عين الفعل، فقولهم " كنتى " وإقرارهم التاء مع الياء الاضافة يدل على أنهم قد أجروا ضميرا الفاعل مع الفعل مجرى دال زيد من زائه ويائه، وكأنهم نبهوا بهذا على اعتقادهم قوة اتصال الفعل بالفاعل، وأنهما قد
حلا جميعا محل الجزء الواحد، انتهى كلامه ولم أقف على قائله والله أعلم.
وأنشد بعده (من الكامل) 11 - ينباع من ذفرى غضوب جسرة وتقدم شرحه في الشاهد الحادى عشر وأنشد بعده، وهو البيت الحادى والستون (من الطويل) 61 - وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله * ولكن لشعرى فيك من نفسه شعر وهو من قصيدة للمتنبي يمدح بها على بن عامر الانطاكي، قال الواحدى: يقول ما انفردت أنا بإنشاء هذا الشعر، ولكن أعانني شعرى على مدحك لانه أراد مدحك كما أردته، والمعنى من قول أبى تمام (من البسيط) تغاير الشعر فيه إذ سهرت له * حتى تكاد قوافيه ستقتتل انتهى، ومثله للمتنبي أيضا (من الطويل) لك الحمد في الدار الذى لى لفظه * وإنك معطيه وإنى ناظم وقد أكثر الناس تداول هذا المعنى، قال ابن الرومي (من الوافر) ودونك من أقاويلي مديحا * غدا لك دره ولى النظام

وقال أبو إسحق الغزى (من الطويل) معانيك في الاشعار تنظم نفسها * ومن لم يخنه السجل والشطن استقى وله أيضا: (من الطويل) وما أنا في مدحيك إلا كماسح * بكفيه متن السيف وهو صقيل وقال تميم بن المعز (من الطويل)
وسار بمدحى فيك كل مهجر * وغنى به في السهل والوعر من يحدو وصاغت له علياك حسنا وزينة * وحيك بها من حلى الفاظها برد وليس لكل الناس يستحسن الثنا * كما ليس في كل الطلا يحسن العقد وقال الخفاجى (من الطويل) ولى فيك من عز القوافى قصائد * تقبل أفواه الرواة لها رشفا وما أدعى در الكلام لانه * صفاتك إلا أننى لا أحسن الرصفا وقال ابن المعلم (من البسيط) أخذت منك الذى أثنى عليك به * فأنت لا أنا بالنعمى مؤلفه فما أتيت بشعر بت أنظمه * للمدح فيك ولا شعر أصنفه وقال الصفى الحلى: (من الخفيف) ليس لى في صفات مجدك فضل * هي أبدت لنا بديع المعاني كلما بدعت سجاياك معنى * نظمت فكرتي وخط بنانى وقال ابن قلاقس (من الوافر) ومنك وفيك تنتظم القوافى * ومن وجد المقال الرحب قالا وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والستون: (من البسيط) 62 - دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى

على أن الطاعم والكاسي للنسبة: أي ذو كسوة وذو طعام والبيت من قصيدة للحطيئة هجا بها الزبرقان بن بدر، قال شارح ديوانه: أي أنك ترضى بأن تشبع وتلبس، يقال: كسى الرجل يكسى إذا اكتسى، ولما بلغ الزبرقان قول الحطيئة " دع المكارم - البيت " استعدى عليه عمر ابن الخطاب رضى الله عنه، فقال يا أمير المؤمنين، هجاني، قال: أنشدني الذى هجاك
فأنشده الزبرقان قول الحطيئة هذا، فقال عمر: ما أراه هجاك ولكنه مدحك، فقال الزبرقان: اجعل بينى وبينه حسان بن ثابت، فبعث عمر رضى الله عنه إلى حسان، فلما أتاه أنشده قول الحطيئة، فقال حسان: يا أمير المؤمنين ما هجاه ولكن سلح عليه، انتهى.
وقد ذكرنا في الشاهد الرابع عشر بعد المائتين من شواهد شرح الكافية سبب هجو الحطيئة للزبرقان، ومن هذه القصيدة أزمعت يأسا مبينا من نوالكم * ولن ترى طاردا للحر كالياس وما أحسن هذا البيت: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه * لا يذهب العرف بين الله والناس وترجمة الحطيئة تقدمت في الشاهد التاسع والاربعين بعد المائة من شرح شواهد شرح الكافية.
الجمع أنشد فيه، وهو الشاهد الثالث والستون، وهو من شواهد سيبويه: من الكامل) 63 - عن مبرقات بالبرين وتبدو * بالاكف اللامعات سور على أن ضم الواو لضرورة الشعر وهذا نص سيبويه " وأما فعل فإن الواو فيه تسكن لاجتماع الضمتين والواو

فجعلوا الاسكان فيها نظيرا للهمزة في الواو في أدؤر وقؤول، وذلك قولهم: عوان وعون، ونوار ونور، وقوول، وقوم قول، والزموا هذا الاسكان، إذ كانوا يسكنون غير المعتل نحو رسل وعضد ونحو ذلك، ولذلك آثروا الاسكان فيها على الهمزة حيث كان مثالها يسكن للاستثقال، ولم يكن لادؤر وقؤول مثال من غير المعتل
يسكن فيشبه به ويجوز تثقيله في الثعر كما يضعفون فيه مالا يضعف في الكلام، قال الشاعر وهو عدى بن زيد: * وفى الاكف اللامعات سور * انتهى كلامه.
قال الاعلم: الشاهد فيه تحريك الواو من سور بالضم على الاصل تشبيها للمعتل بالصحيح عند الضرورة، فالمستعمل في هذا تسكين الثاني تخفيفا، إذ كان التخفيف جائزا في الصحيح في مثل الحمر والرسل، فلما كان في الصحيح جائزا مع خفته كان في المعتل لازما لثقله، والسور: جمع سور.
وأراد بالاكف المعاصم فسماها باسمها لقربها منها، انتهى.
وقال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: تثقيل مثل هذا إنما يجئ لضرورة الشعر كقوله: (من المتقارب) أغر الثنايا أحم اللثاث * تمنحه سوك الاسحل وحكى أبو زيد رجل جواد وقوم جود وجود، قال: وقالوا رجل قوول من قوم قول، وقولهم سور جمع سوار وسوك جمع سواك، ولم أسمع شيئا من هذا مهموزا وهمزه جائز في القياس لان الضمة في الواو لازمة، فان كانوا قد أجمعوا على ترك همزه فإنما فعلوا ذلك لئلا يكثر تثقيل هذا الضرب في كلامهم فيحتاجوا إلى همزه هربا من الضمة في الواو، فحسموا المادة أصلا بأن ألزموه التخفيف في الامر العام لا غير، انتهى.

والبيت من قصية لعدى بن زيد بن أيوب العبادي أولها: قد حان إن صحوت أن تقصر وقد أتى لما عهدت عصر عن مبرقات بالبرين وتبدو البيت
بيض عليهن الدمقس وفي ال * أعناق من تحت الاكفة ذر كالبيض في الروض المنور قد * أفضى بهن إلى الكثيب نهر بأرج من أردانهن مع المسك * الزكي زنبق وقطر جاريتهن في الشباب وإذ * قلبى بأحكام الحوادث غر قوله " قد حان " أي: قرب، وإن: شرطية، وجوابها محذوف يدل عليه ما قبلها، وصحوت: خطاب لنفسه، والصحو: الافاقة من السكر، وروى " لو صحوت " ولو للتمني، وقيل: شرطية ما قبلها دليل جوابها، وقوله " أن تقصر " بفتح أن وهى مع ما بعدها في تأويل مصدر مرفوع فاعل " حان " وسكن الراء للوقف، وقيل: إنها مهملة هنا، وتقصر مرفوع، وهى لغة لبعض العرب يجرونها مجرى ما، وتقصر من أقصر عن الشئ إذا كف عنه وانزجر، قال الجوهرى: أقصرت عنه كففت ونزعت مع القدرة عليه، فإن عجزت قلت قصرت بلا ألف، وقوله " وقد أتى - الخ " جملة حالية من فاعل تقصر، وقيل: جملة اعتراضية، وعصر فاعل أتى، وهو بضمتين بمعنى العصر بفتح فسكون، واللام بمعنى على، والمعنى أتى زمن الشيوخة على ما عهدت من زمن الشباب، وقوله " عن مبرقات " متعلق بتقصر، قال صاحب العباب: أبرقت المرأة إذا تحسنت وتزينت: ثم قال: وبرقت المرأة إذا تحسنت وتعرضت مثل أبرقت، والبرين: جمع برة - بضم الباء - وهى الخلخال يكون في أرجل النساء، وهذا الجمع على

خلاف القياس (1)، وتبدو: تظهر، وفاعله ضمير المبرقات، والفعل معطوف على مبرقات لانه في معنى يبرقن، والباء في " بالاكف " بمعنى على متعلقة بمحذوف خبر مقدم، وسور: جمع سوار، هو ما تلبسه النساء في سواعدهن، مبتدأ مؤخر، والجملة حال من فاعل تبدو المستتر، والرابط إما محذوف: أي وعلى الاكف منها، وإما
" أل " في الاكف، لانها عوض (2) عن الضمير، والاصل " وبأكفها " والمعنى قد مضى دهر بعد شبابك، فقد حان أن تكف عن النساء التى تتزين بزينتها وتظهر للرجال بها وقد روى الاندلسي - وتبعه بعضهم - هذين البيتين كذا: قد آن لو صحوت أن تقصر * وقد أتى لما عهدت عصر عن مبرقات بالبرى وتذر * وفى الاكف اللامعات سور وقال: البرى بالقصر جمع برة، وهى الحلقة، والمراد هنا الحلى، والباء للتعدية، وقوله " تذر " عطف على " تقصر " وقوله " وفى الاكف " يريد في أذرع الاكف لان السوار إنما يكون في الذراع لا الاكف، هذا كلامه وقوله " بيض " جمع بيضاء: أي حسناء، والدمقس - بكسر الدال وفتح الميم -: الحرير الابيض، والاكفة: جمع كفاف بالكسر، كأسورة جمع سوار، والكفاف: الخياطة الثانية، والشل: الخياطة الاولى، وقوله " كالبيض " بالفتح جمع بيضة النعام، والمنور: بكسر الواو المشددة، و " نهر " بضمتين: جمع نهر بفتحتين، ويأدج: يفوح، " وقطر " بضمتين: العود الذى يتبخر به، وقوله
__________
(1) لانه جمع كما يكون جمع المذكر السالم، مع أن مفرده ليس علما ولا صفة لمذكر عاقل، وأيضا لم يسلم بناء واحده، فهو مخالف للقياس من وجهين: كون مفرده مما لا يجمع هذا الجمع، وكون الجمع لم يسلم فيه بناء الواحد (2) نيابة أل عن الضمير إنما هو مذهب الكوفيين (*)

" جاريتهن " التفات من الخطاب إلى التكلم، " وغر " بكسر العين المعجمة، يقال: رجل غر: أي غير مجرب للامور وعدى بن زيد شاعر جاهلي تقدمت ترجمته في الشاهد الستين من شرح
شواهد شرح الكافية وأنشد الجاربردى هنا (1) (من البسيط) 49 - أما أقاتل عن دينى على فرسى * أو هكذا رجلا إلا بأصحابى وتقدم شرحه في الشاهد التاسع والاربعين وأنشد بعده أيضا، وهو الشاهد الرابع والستون (من الكامل) 64 - ما زلت تحسب كل شئ بعدهم * خيلا تكر عليكم ورجالا على أن " رجالا " فيه بمعنى رجالة بفتح الراء وتشديد الجيم جمع راجل، هذا معناه، وأما لفظه فهو جمع رجل - بفتح فضم - صفة مشبهة بمعنى راجل، وكذا رجال في قول الاخطل.
وبنو غدانة شاخص أبصارهم * يسعون تحت بطونهن رجالا قال السكرى في شرحه الرجال المشاة الرجالة والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الاخطل التغلبي النصراني وكان الاخطل هجا جريرا قبل بقصيدة مطلعها: كذبتك عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا فعارضه جرير بهذه القصيدة، وهى إحدى الملحمات ومطلعها:
__________
(1) انظر شرح الجاربردى (ص 131) (*)

حى الغداة برامة الاطلالا * رسما تقادم عهده فأحالا إلى أن قال: قبح الاله وجوه تغلب إنها * هانت على معاطسا وسبالا عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد * وبجبريل وكذبوا ميكالا
لا تطلبن خؤولة من تغلب * الزنح أكرم منهم أخوالا لو أن تغلب جمعت أحسابها * يوم التفاضل لم تزن مثقالا والتغلبى إذا تنحنح للقرى * حك استه وتمثل الامثالا إلى أن خاطبه وقال: أنسيت قومك بالجزيرة بعدما * كانت عقوبته عليك نكالا ألا سألت غثاء دجلة عنكم * والخامعات تجزر الاوصالا حملت عليك حماة قيس خيلهم * شعثا عوابس تحمل الابطالا ما زلت تحسب كل شئ بعدها * خيلا تشد عليكم ورجالا زفر الرئيس أبو الهذيل أتاكم * فسبا النساء وأحرز الاموالا وأشار بهذه الابيات إلى ما جرى على تغلب بجزيرة ابن عمر (1) من القتل والسبي والنهب وكان سبب هذه الوقيعة بهم أن بنى تغلب لما قتلوا عمير بن الحباب في موضع قرب الثرثار من تكريت أتى أخوه تميم بن الحباب زفر بن الحارث وسأله الاخذ بثأره فكره ذلك، فشجعه ابنه الهذيل بن زفر، فرضى، فتوجه تميم بمن معه من
__________
(1) قوله " ابن عمر " ليس هو ابن عمر بن الخطاب كما يظنه العوام بل هو ابن عمر من بلدة برقعيد، كذا في هامش نسخ الاصل، وفى معجم ياقوت: جريرة ابن عمر بلدة فوق الموصل بينهما ثلاثة أيام وستاق مخصب واسع الخيرات، واحسب أو أول من عمرها الحسن بن عمر بن خطاب التغلبي اه (*)

قيس حتى انتهوا إلى الثرثار، فوجه زفر زيد بن حمران في خيل إلى بنى فدو كس من تغلب فقتل رجالهم واستباح نساءهم، وبعث ابنه الهذيل إلى بنى كعب بن زهير فقتلهم قتلا ذريعا، وبعث مسلم بن ربيعة إلى ناحية أخرى فأسرف في قتلهم،
وبلغ ذلك بنى تغلب فارتحلوا يريدون عبور دجلة، فلحقهم زفر بالكحيل، وهو نهر على أسفل الموصل على عشرة فراسخ، فاقتتلوا قتالا شديدا، وترجل أصحاب زفر أجمعون، وبقى زفر على بغلة له، فقتلوهم من ليلتهم، وبقروا بطون النساء، وكان من غرق في دجلة أكثر ممن قتل بالسيف وقوله " ألا سألت غثاء دجلة " الغثاء - بالضم والمد -: ما يطفو على الماء من حطب وزبد ونحوه، يريد به من قتل من تغلب، والخامعات - بالخاء المعجمة -: الضباع، وتجوز: تقطع، والاوصال: جمع وصل - بالكسر - وهو مفصل العضو، يريد أنها تأكل قتلاهم، وقوله " ما زلت تحسب الخ " خطاب للاخطل، وضمير " بعدها " للجزيرة وروى " بعدهم " فالضمير لقيس ومن معهم، وتكر عليكم: تحمل عليكم، وكذا " نشد " بمعناه، وقد أخذ المتنبي هذا المعنى فقال (من البسيط) وضاقت الارض حتى كان هاربهم * إذا رأى غير شئ ظنه رجلا وقد كرر جرير هذا المعنى فقال في قصيدة أخرى (من الطويل) ولو أنها عصفورة لحسبتها * مسومة تدعو عبيدا وأزنما والمسومة: الخيل المعلمة في الحرب، وعبيد بالتصغير، وأزنم بالزاى والنون: قبيلتان من يربوع، قال صاحب مناقب الشبان - عند هذا البيت - نظيره قول جرير أيضا: * ما زلت تحسب كل شئ بعدهم * البيت ويروى أن الاخطل لما سمع هذا البيت قال: قد استعان عليه بالقرآن، يعنى قوله تعالى: (يحسبون كل صيحة عليهم) والمعنى في الاية بأجل لفظ وأحسن

اختصار، وقريب من هذا البيت وليس مثله قول الاخر (من الطويل) إذا خفق العصفور طار فؤاده * وليث حديد الناب عند الثرائد
انتهى.
وقد أنشده صاحب الكشاف عند تفسير (يحسبون كل صيحة عليهم) قال: ومنه أخذ الاخطل: * ما زلت تحسب كل شئ بعدهم * انتهى، وصوابه ومنه أخذ جرير كما ذكرنا.
وترجمة جرير تقدمت في الشاهد الرابع من شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده أيضا، وهو الشاهد الخامس والستون (من الرجز) 65 - فتستريح النفس من زفراتها على أن إسكان الفاء من زفراتها ضرورة، والقياس فتحها، قال ابن عصفور في كتاب الضرائر في فصل نقص الحركة للضرورة: ومنه قول ذى الرمة (من الطويل).
أبت ذكر عودن أحشاء قلبه * خفوقا ورفضات الهوى في المفاصل حكم لرفضات وهى اسم بحكم الصفة، ألا ترى أن رفضات جمع رفضة، ورفضة اسم، والاسم إذا كان على وزن فعلة، وكان صحيح العين فإنه إذا جمع بالالف والتاء لم يكن بد من تحريك عينه اتباعا لحركة فائه نحو جفنة وجفنات، وإذا كان صفة بقيت العين على سكونها، نحو ضخمة وضخمات، وإنما فعلوا ذلك فرقا بين الاسم والصفة، وكان الاسم أولى بالتحريك لخفته، واحتمل لذلك ثقل الحركة، وأيضا فان الصفة تشبه الفعل لانها ثانية عن الاسم غير الصفة، كما أن الفعل ثان عن الاسم، فكما أن الفعل إذا لحقته علامة جمع نحو ضربوا ويضربون

لم يغير، فكذلك لم تغير الصفة إذا لحقتها علامتا الجمع وهما الالف والتاء، فكان ينبغى على هذا أن يقول: إلا أنه لما اضطر إلى التسكين حكم لها بحكم الصفة
فسكن العين، ومما يبين لك صحة ما ذكرته من أن تسكين العين إنما هو بالحمل على الصفة أن أكثر ما جاء ذلك في الشعر إنما هو مصدر لقوة شبه المصدر باسم الفاعل الذى هو صفة، ألا ترى أن كل واحد منهما قد يقع موقع صاحبه، يقال: رجل عدل: أي عادل، فوقه المصدر موقع اسم الفاعل، وقال تعالى (ليس لوقعتها كاذبة) أي كذب، فوقع كاذبة وهو اسم الفاعل موقع كذب وهو مصدر، انتهى.
وهذا البيت من رجز أوله: عل صروف الدهر أو دولاتها * يدلننا اللمة من لماتها فتستريح النفس من زفراتها * وتنقع الغلة من غلاتها وفيه شواهد: الاول عل بفتح اللام وكسرها، استدل به البصريون على أن عل أصله عل واللام في أولها زائدة، وردوا على الكوفيين في زعمهم أنها أصلية، وقد ذكرنا ما يتعلق به في الحروف المشبهة بالفعل من شرح شواهد شرح الكافية.
الثاني: روى بجر " صروف " واستدل به على أن عل حرف جر، وقد تقدم الكلام عليه هناك.
الثالث: نصب المضارع بأن بعد الفاء في جواب الترجي وهو نصب " تستريح " قال الفراء عند تفسير قوله تعالى (لعلى أبلغ الاسباب أسباب السموات فأطلع) بالرفع يرده على قوله " أبلغ " ومن جعله جوابا للعلى نصبه، وقد قرأ به بعض القراء، قال: وأنشدني بعض العرب * عل صروف الدهر * إلى آخر الابيات الثلاثة الاول، وقال: فنصب على الجواب بلعل، وأنشده أيضا في سورة " عبس " قال: قد اجتمع القراء على (فتنفعه الذكرى) بالرفع، ولو كان نصبا على جواب الفاء للعل كان صوابا، أنشدني بعضهم * عل صروف الدهر * إلى آخر الابيات الاربعة.
ولم يذكر قائل الرجز في الموضعين.

وتبع ابن مالك الفراء لوروده في النظم والكلام الفصيح، كما تقدم.
قال أبو حيان في الارتشاف: وذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن ينتصب الفعل بعد الفاء في جواب الرجاء، وزعموا أن لعل يكون استفهاما، وذهب البصريون إلى منع ذلك، والترجى عندهم في حكم الواجب، قيل: والصحيح مذهب البصريين لوجوده نظما ونثرا، ومنه قوله تعالى (وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى) في قراءة عاصم، وهى (قراءة) من متواتر السبع، ويمكن تأويل النصب، انتهى.
وقد ذكر تأويله ابن هشام في الباب الرابع من المغنى، قال: وقيل في قراءة حفص (لعلى أبلغ الاسباب أسباب السموات فأطلع) بالنصب: إنه عطف على معنى لعلى أبلغ، وهو لعلى أن أبلغ، فإن خبر لعلى يقترن بأن كثيرا، نحو قوله عليه السلام: " فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض " ويحتمل أنه عطف على الاسباب على حد: * ولبس عباءة وتقر عينى * ومع هذين الاحتمالين يندفع قول الكوفى: إن في هذه القراءة حجة على جواز النصب في جواب الترجي حملا له على التمنى، انتهى.
وقوله " عل صروف الدهر " جمع صرف كفلس وفلوس، وهو الحادثة والنائبة المغيرة من حال إلى حال بالتصرف، وضمير " دولاتها " لصروف الدهر، والدولة: بفتح الدال وضمها، قال الازهرى: هي الانتقال من حال الضر والبؤس إلى حال الغبطة والسرور، وقال أبو عبيد: الدولة بالضم: اسم الشئ الذى يتداول به بعينه، والدولة بالفتح: الفعل، وقيل: الدولة في الحرب أن تدال إحدى الفئتين على الاخرى، يقال: كانت لنا عليهم الدولة، والدولة بالضم في المال، يقال: صار الفئ دولة بينهم يتداولونه مرة لهذا ومرة لهذا

كذا في العباب، وقوله " يدلننا " هو مضارع أداله مسند إلى النون ضمير الصروف، أو ضمير الدولات، ونا: مفعوله كما تقول من أقام: إن النساء يقمننا، قال صاحب العباب: الادالة: الغلبة، يقال: اللهم أدلني على فلان وانصرني عليه، وتداولته الايدى: أخذته هذه مرة وهذه مرة، وقوله تعالى (وتلك الايام نداولها بين الناس) أي: نديرها، من دال: أي دار، انتهى: وقال ابن الاثير في النهاية: وفى حديث وفد ثفيف " ندال عليهم ويدالون علينا " الادالة: الغلبة، يقال: أديل لنا على أعدائنا: أي نصرنا عليهم، وكانت الدولة لنا، والدولة: الانتقال من حال الشدة إلى حال الرخاء، ومنه حديث أبى سفيان وهرقل " ندال عليه ويدال علينا " أي: نغلبه مرة ويغلبنا أخرى، ومنه حديث الحجاج " يوشك أن تدال الارض منا " أي تجعل لها الكرة والدولة علينا فتأكل لحومنا كما نأكل ثمارها وتشرب دماءنا كما نشرب مياهها، انتهى كلامه.
فعرف من هذا كله أن الادالة متعدية إلى مفعول واحد صريحا، وإلى الثاني بحرف جر، فضمير المتكلم مع الغير مفعوله وأما اللمة فمنصوبة على نزع الخافض: أي على اللمة، ولم يصب العينى في قوله: " واللمة مفعول ثان ليدلننا " انتهى.
واللمة بفتح اللام، قال الجوهرى: هي الشدة، وأنشد هذا البيت.
وفى النهاية لابن الاثير: وفى حديث ابن مسعود رضى الله عنه " لابن آدم لمتان لمة من الملك ولمة من الشيطان " اللمة: الهمة والخطرة تقطع في القلب، أراد إلمام الملك أو الشيطان به والقرب منه، فما كان من خطرات الخير فهو من الملك، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان، انتهى وهذا المعنى أنسب، وروى في بعض الكتب " يدليننا " بمثناة تحتية بعد اللام، وهو مضارع أدلى دلوه في البئر إدلاء: أي أرسلها، وهذا لا مناسبة له، وهو تحريف من النساخ، وقوله " من لماتها " متعلق بمحذوف حال من اللمة، ويجوز أن يكون وصفا لها لكون اللمة معرفة بلام الجنس فتكون قريبة من النكرة،

وقال العينى صفة للمة تقديره اللمة الكائنة من لماتها، هذا كلامه فتأمله (1) وقوله " فتستريح النفس " نصب تستريح بأن المقدرة بعد الفاء في جواب الرجاء، والنفس فاعل، واللام عوض عن الياء: أي نفسي، والزفرة، الاسم من زفر يزفر من باب ضرب زفيرا، والزفير: اغتراق النفس محركة بالشدة، وأنشد الجوهرى هذا البيت هنا ونبه على أن تسكين الفاء ضرورة، وقوله " وتنقع الغلة " بالنصب معطوف على تستريح، والفاعل ضمير النفس، والغلة مفعوله، ونقع من باب نفع، في الصحاح: ونقع الماء العطش نقعا ونقوعا: أي سكنه، وفى المثل " الرشف أنقع " أي: أن الشراب يتشرف قليلا قليلا للعطش وأنجع وإن كان فيه بطء، والغلة بضم المعجمة وهى حرارة العطش.
وأنشد بعده أيضا، وهو الشاهد السادس والستون (من الطويل): 66 - * أخو بيضات رائح متاوب * بلى أن بيضات بفتح العين جاء على لغة هذيل، فإنهم يفتحون العين في جمع فعلة صحيحا كان أو معتلا.
وهذا صدر، وعجزه: * رفيق بمسح المنكبين سبوح * قال بعض فضلاء العجم في شراح أبيات المفصل: الرائح: الذى يسير، والمتأوب الذى يسير (2)، يصف ظليما، وهو ذكر النعامة، شبه به ناقته، فيقول: ناقتي في سرعة سيرها ظليم له بيضات يسير ليلا ونهارا ليصل إلى بيضاته رفيق يمسح المنكبين
__________
(1) هو صحيح لا غبار عليه، ولا ندرى كيف يلمز العينى في ذلك مع أنه يقرر جواز كون الجار والمجرور صفة للمحلي بأل الجنسية.
(2) كذا، ولعله " الرائح: الذى يسير نهار، والمتأوب: الذى يسير ليلا " (*)

عالم بتحريكهما في السير سبوح حسن الجرى، وإنما جعله أخا بيضات ليدل على زيادة سرعته في السير لانه موصوف بالسرعة، وإذا قصد بيضاته يكون أسرع، انتهى.
وهذا البيت لم أقف على تتمته ولا قائله، والله أعلم، وقد ذكرنا في شرحه ما أمكننا في الشاهد الثالث والتسعين بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية.
وأنشد الشارح المحقق، وهو الشاهد السابع والستون، وهو من شواهد سيبويه (من البسيط): 67 - * في أقواس نازعتها أيمن شملا * على أن شملا بضمتين جمع شمال بالكسر، قال سيبويه: وقالوا أذرع وذراع حيث كان مؤنثة ولا يجاوز بها هذا البناء، وإن عنوا الاكثر كما فعل ذلك بالاكف والارجل، وقالوا شمال وأشمل وقد كسرت على الزيادة التى فيها فقالوا شمائل كما قالوا في الرسالة رسائل إذ كانت مؤنثة مثلها، وقالوا شمل فجاءوا بها على قياس جدد، وقال الازرق العنبري: طرن انقطاعة أوتار محظربة * في أقوس نازعتها أيمن شملا انتهى.
قال الاعلم: " الشاهد في جمعه شمالا على شمل تشبيها بجدار وجدر، لان البناء واحد، والمستعمل أشمل في القليل، لان الشمال مؤنثة، وشمائل في الكثير، وصف طيرا فشبه صوت طيرانها بسرعة بصوت أوتار انقطعت عند الجذب والنزع عن القوس، وأوقع التشبيه على الانقطاع لانه سبب الصوت المشبه به، وأنث الانقطاع لتحديد المرة الواحدة منه، والمحظربة: المحكمة الفتل الشديدة، والاقوس: جمع قوس، وقوله نازعتها أيمن شملا أي جذبت هذه إلى ناحية وهذه إلى ناحية
أخرى لان جاذب الوتر تخالف يمينه شماله في جذبها وتنازعها " انتهى.

والحظربة بالحاء المهملة والظاء المعجمة - كالحضربة بالضاد المعجمة بدلها: شدة الفتل ووتر محظرب ومحضرب، كذا في العباب.
وقوله " نازعتها " الضمير المؤنث ضمير الاوتار، ونازع يتعدى إلى مفعول واحد، يقال: نازعه في كذا، فأيمن فاعله، وشملا مفعوله، فتعديته إلى ضمير الاوتار من قبيل الحذف والايصال، والتقدير نازعت اليمين شمالها في جذب الاوتار: أي غالبت الايمن الاشمل في جذبها ومدها، يقال: نزع الرجل في القوس أو الوتر، إذا مد أحدهما.
والازرق العنبري لم أقف على ترجمته ولا على أصل شعره هذا، والله أعلم وأنشد بعده، وهو الشاهد الثامن والستون (من الرجز) 68 - * حتى رمى مجهوله بالاجنن * على أن جمع جنين على أجنن شاذ، والجنين: الولد ما دام في بطن أمه، لانه جن: أي ستر قال السخاوى في سفر السعادة: أجنن جمع جنين، ويروى قول رؤبة: - * إذا رمى مجهوله بالاجبن * بالباء على أنه جمع جبين، وبالنون على أنه جمع جنين، فمن رواه بالباء فمعناه ينظرون ما قدامهم من بعد الطريق، ومن رواه بالنون فمعناه أنه يسقط الاجنة، وذكر الروايتين العبدى وعيزر، انتهى وعلى الروايتين الجمع شاذ، لان كلا من المفردين مذكر، والقياس في أفعل أن يكون جمع فعيل إذا كان مؤنثا وهذا البيت من أرجوزة طويلة مدح بها بلال بن أبى بردة وذكر فيها قطع المفاوز والقفار حتى وصل إليه، قال: تفتن طول البلد المفنن * إذا رمت مجهوله بالاجبن
وخلطت كل دلاث علجن * غوج البرج الاجر الملبن

بلغن أقوالا مضت لا تنثني * أبقى وأمضى من حداد الاذان وصف إبله بشدة السير قال شارح ديوانه: قوله " تفتن " يقول: تشق هذا الطريق في عرض البلد وقوله: " المفنن " وهو الذى على غير جهة واحدة، انتهى وقوله: " إذا رمت " هكذا رأيته في نسختين صحيحتين من ديوانه، وفاعل " رمت " ضمير الابل، وضمير " مجهوله " للبلد، والطريق المجهول: الذى لا يسلكه أحد لعدم مائه ونباته، فلا يكون فيه علامة يستدل بها و " الاجبن " - بالجيم والموحدة - كذا رأيته، قال شارح ديوانه: هو جمع جبين، يقول: قد استقبلته ثم رمته بوجوهها، ومعناه على رواية " الاجنن " بالنون أن هذه النوق من شدة وخدهن وفرط جهدهن يسقطن أجنتهن بمجهول هذا البلد، ففيه قلب، والاصل حتى رمت أجنتها بمجهوله، والدلاث بالكسر -: هي اللينة الاعطاف والعلجن: الناقة المكتنزة اللحم، والغوج - بفتح الغين المعجمة والجيم - اللينة الصدر، قال شارحه: يقول: كأنها برج من آجر لبن قد طبح، وقوله " بلغن " من التبليغ، وأبقى وأمضى أفعل تفضيل صفة لاقوال، وحداد: جمع حديد بمعنى قاطع، قال شارحه: يقال: أزأن ويزأن وأزني ويزنى، منسوب إلى ذى يزن، و " بلغن " جواب إذا وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع والستون (من الطويل) 69 -...وما لومى أخى من شماليا * على أن شمالا بمعنى الطبع يكون واحدا وجمعا، والمراد هنا الجمع: أي من شمائلي.
قال سيبويه: " وزعم أبو الخطاب أن بعضهم يجعل الشمال جمعا " وقال السيرافى

" هو في هذا البيت جمع " وتبعه ابن جنى، قال في سر الصناعة: " وقالوا أيضا في جمع شمال، وهى الخليقة والطبع: شمال، قال عبد يغوث: * وما لومى أخى من شماليا * أي من شمائلي " انتهى.
وإنما قيدوا الشمال بمعنى الطبع للاحتراز عن الشمال بمعنى الريح المعروفة، فإنها لم يقل أحد إنها تكون جمعا ومفردا، وفى شينها الفتح والكسر، بخلاف معنى الطبع فان شينها مكسورة لا غير، وإنما جعلوه هنا جمعا لاجل من التبعيضية، كما يأتي في البيت الاتى وقد ذكر جمهور اللغويين أنه مفرد، وجمعه شمائل، قال (من الوافر) هم قومي وقد انكرت منهم * شمائل بدلوها من شمالى وأجاز أبو على الفارسى في الايضاح أن يكون ما في البيت مفردا وجمعا، وغلب الافراد، قال أحد الشراح أبياته: ألا ترى أنه يسوغ أن يكون المعنى وما لومى أخى من طبعي، فلذلك لم يجعله نصافى الجمعية، والدليل على أنه قد يكون جمعا قول لبيد رحمه الله: * هم قومي وقد أنكرت منهم * - البيت ومثل شمال " عصام " حكى أبو زيد أنه يكون واحدا وجمعا، والعصام: ما يشد به الدلو والقربة، ومثلهما دلاص وهجان، تقول: ناقة هجان ونوق هجان، وردع دلاص وأدرع دلاص، إلا أن مجئ دلاص وهجان في حال الجمع على صيغة المفرد أحسن من مجئ شمال وعصام في حال الجمع على صيغة المفرد، على أنهما صفتان، وقيل: الصفة تكسر على فعال،
نحو ظريف وظراف، وفعال أحق بفعيل، ألا ترى أن كل واحد منهما ثلاثى

ثالثه حرف لين زائد فحسن تكسيره (تكسيره) لذلك، فأما قولهم رجل جنب ورجال جنب فليس من هذا الباب، وإن كان فعل من أبنية الجمع، بل من قبيل الوصف بالمصدر، لانك تقول: رجلان جنب، فتصف به الاثنين، ولا تقول ناقتان هجان، ولا درعان دلاص، وكذلك ما كان من الاسماء واقعا على الواحد والجمع، ولم يكن على وزن من أوزان الجموع، ليس من باب دلاص نحو حشم، تقول: هم حشم لى، وهذا الغلام حشم لى، وهذا أسد عناش، ومن كلام عمرو بن معدى كرب يوم القادسية " يا معشر المسلمين، كونوا أسدا عناشا " بل نعتقد في حشم أن يكون مفردا، واسم جمع، وأما عناش فالوصف به من قبيل الوصف بالمصدر، يقال: عانشه: أي عانقه، فتقول على هذا: هما أسدان عناش وهذا المصراع من قصيدة طويلة لعبد يغوث الحارثى، وهو جاهلي، وقد شرحناها كاملة في الشاهد الخامس عشر بعد المائة من شرح شواهد شرح الكافية، وقبله: ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا * فمالكما في اللوم خير ولا ليا ألم تعلما أن الملامة نفعها * قليل وما لومى أخى من شماليا وقليل: ضد كثير، ويستعمل بمعنى النفى، وهو المراد هنا، بدليل قوله " فما لكما في اللوم خير ولا ليا " يقول: اللوم على الفائت قليل نفعه لا يجدى إسماعه ولا سمعه شيئا فلذلك طهرت منه شمالى وصنت عنه مقالي، والخطاب لمن أسره، وهو أبو عصمة من تيم الرباب، وقوله " وما لومى إلخ " جملة معطوفة على أن وصلتها، وساغ ذلك
لانها مصدرة بما النافية، والجملة إذا كانت كذلك جاز تعليق فعل القلب الداخل

عليها ووقوعها موقع مفعوليه، كما أن أن وصلتها تقع موقعها، وقد يجوز أن تكون معطوفة على قوله في البيت قبله " فما لكما اللوم خير ولا ليا "، ويكون قوله " ألم تعلما أن الملامة نفعها قليل " جملة اعترض بها بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا ينبغى أن تجعل معطوفة على قوله " ألم تعلما " لان الجملتين ليستا لمقام واحد وأنشد بعده، وهو الشاهد السبعون (من الرجز): 60 - دعها فما النحوي من صديقها * على أن صديقا فيه جمع، لان من للتبعيض، ولا يصح أن يكون النحوي بعض صديق، بل يكون بعض الاصدقاء، كأنه قال: دعها فما النحوي من أصدقائها، كما تقول: دعني فما أنت من أشكالي، وفعيل من صيغ الجمع كالكليب والعبيد، ومثله قول قعنب ابن أم صاحب (من البسيط) ما بال قوم صديق ثم ليس لهم * دين وليس لهم عهد إذا اتمنوا وقول جرير: (من الطويل) دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا * بأعين أعداء وهن صديق وحكى أبو حاتم عن أهل الحجاز أنهم يقولون: حدثنى بعض صديقى والنحوى: العالم بصنعة الاعراب، والنحوى أيضا: المنسوب إلى نحو، بطن من العرب، وهو نحو بن شمس بن عمرو بن غالب بن الازد قال الصاغانى في العباب: قال ابن دريد: أخبرنا أبو عثمان عن التوزى، قال: كان رؤبة يقعد بعد صلاة الجمعة في رحبة بنى تميم فينشد، ويجتمع الناس إليه، فازحموا يوما، فضيقوا الطريق، فأقبلت عجوز معها شئ تحمله، فقال رؤبة:
تنح للعجوز عن طريقها * قد أقبلت رائحة من سوقها

دعها فما النحوي من صديقها أي: من أصدقائها، انتهى وقال أحد شراح أبيات الايضاح للفارسي: ولعل المخاطب على هذه الحكاية رجل من نحو بن شمس، وقيل: إن المخاطب بقوله " دعها " يونس بن حبيب النحوي، وذلك أن رؤبة كان يسير ومعه أمه إذ لقيهما يونس، فجعل يداعب والدة رؤبة ويمنعها الطريق، فخاطبه رؤبة بهذه الابيات، وقيل: هذا الشعر لامرأة من العرب خاطبت به أبا زيد الانصاري، قال ابن الانباري: مرت امرأة من العرب بأبى زيد النحوي وأصحابه، وقد منعوا الطريق، فلم يمكنها أن تجوز، فخاطبته بالابيات: أي أن هؤلاء إنما لازموك لصداقتهم، وأنا لست كذلك، فدعني أسير وينبغى أن يجعل الالف واللام في " النحوي " للجنس، كأنه قال: ما هذا الجنس من صيدقها، لانك إن لم تجعل أل كذلك لزم أن يكون الظاهر واقعا موقع ضمير المخاطب في غير نداء ولا اختصاص، ألا ترى أنه يخاطب النحوي، فكان ينبغى أن يقول: فما أنت من صديقها وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادى والسبعون (من البسيط) 71 - إن من القوم موجودا خليفته * وما خليف أبى وهب بموجود على أن خليفا قد ورد بمعنى خليفة، فيكون جمع خليف على خلفاء وجمع خليفة على خلائف قال أبو حاتم: إنه يقال خليف، وجمعه خلفاء، واستشهد له بهذا البيت، ولم يحفظ سيبويه ولا أبو عمرو خليفا، بل جعلا خلفاء تكسير خليفة من أجل أنه
لا يقع إلا على مذكر، فحمل على المعنى

قال أحد شراح أبيات الايضاح للفارسي: إن كان لم يثبت خليف بمعنى خليفة إلا في هذا البيت، وهو الاظهر، فلا حجة فيه، لانه يحتمل أن يكون مما رخم في غير النداء، ضرورة نحو قوله (من الرجز) * ليوم روع أو فعال مكرم * يريد مكرمة، انتهى والبيت آخر أبيات خمسة لاوس بن حجر التميمي الجاهلي، وهى: يا عين جودى على عمرو بن مسعود * أهل العفاف وأهل الحزم والجود أودى ربيع الصعاليك الالى انتجعوا * وكل ما فوقها من صالح مود المطعم الحى والاموات إن نزلوا * شحم السنام من الكوم المقاحيد والواهب المائة المعكاء يشفعها يوم النضال بأخرى غير مجهود إن من القوم موجودا خليفته البيت وعمرو بن مسعود: ابن عدى الاسدي، وهو المقول فيه وفى خالد بن نضلة الاسدي (من الطويل): ألا بكر الناعي بخيري بنى أسد * بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد قال ابن هشام في السيرة: هما اللذان قتلهما النعمان بن المنذر اللخمى وبنى عليهما الغريين بظهر الكوفة.
وقال القالى في الذيل: إن الذى قتلهما المنذر، ومن أجلهما اتخذ يوم البؤس ويوم النعيم.
وقال ابن السيرافى في شرح إصلاح المنطق: إن الذى قتلهما كسرى.
وأودى: هلك، واسم الفاعل مود، والصعلوك: الفقير، والكوم: جمع

كوماء، وهى الناقة السمينة، والمقاحيد: جمع مقحاد، وهى الناقة العظيمة السنام، والمعكاء - بكسر الميم والمد - الابل الغلاظ الشداد، والنضال: المحاربة بالسهام.
قال ابن حبيب: العرب تقول: فلان خليفة فلان، إذا قام مقامه وفعل فعله، وإن لم يستخلفه، وأنشد هذه الابيات، وأبو وهب: كنية عمرو بن مسعود، يقول الشاعر: إذا مات أحد خلفه من يقوم مقامه ويفعل مثل فعله، إلا أبا وهب، فإنه لم يخلفه أحد في وجوه وشجاعته.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والسبعون (من الرجز): 72 - * أخذت خاتامى بغير حق * على أن خاتا ما لغة في خاتم، وعليه جاء في الجمع خواتيم.
وقال المبرد في الكامل: فاعال نظيره من الكلام ساباط وخاتام، قال الراجز (من الرجز): يا مى ذات الجورب المنشق * أخذت خاتامى بغير حق انتهى وقال أبو الحسن الاخفش فيما كتبه عليه: " يقال خاتم بفتح التاء وكسرها، وخيتام على وزن ديار، وخاتام على وزن ساباط " انتهى.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والسبعون (من الوافر): 73 - * ومثلى في غوائبكم قليل * على أنه جمع غائب، وهو جمع شاذ قال الشاطبي في شرح الالفية: ذكر السيرافى أنه وجد غير ذلك، قال عتيبة بن الحارث لجزء بن سعد (من الوافر):
أحامي عن ذمار بنى أبيكم * ومثلى في غوائبكم قليل

فقال جزء: نعم، وفى شواهدنا، قال: وهذا جمع غائب وشاهد من الناس، انتهى.
وأحامى: من الحماية: وهى الحظ، والذمار: بكسر الذال المعجمة، قال صاحب الصحاح: وقولهم " فلان حامى الذمار " أي إذا ذمر (1) وغضب حمى، و " فلان أمنع ذمارا من فلان " ويقال: الذمار: ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه، لانهم قالوا: حامى الذمار، كما قالوا: حامى الحقيقة، وسمى ذمارا لانه يجب على أهله التذمر له، وسميت حقيقة لانه يحق على أهلها الدفع عنها، " وظل يتذمر على فلان " إذا تنكر له وأوعده.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع والسبعون (من الكامل): 74 - وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم * خضع الرقاب نواكس الابصار على أن جمع ناكس على نواكس مما هو وصف غالب أصل، وأنه في الشعر شائع حسن، قاله المبرد.
أقول: الذى قاله المبرد في الكامل بعد إنشاد هذا البيت إنما هو " وفى هذا البيت شئ يستطرفه النحويون، وهو أنهم لا يجمعون ما كان من فاعل نعتا على فواعل، لئلا يلتبس بالمؤنث، لا يقولون: ضارب وضوارب، لانهم قالوا: ضاربة وضوارب، ولم يأت هذا إلا في حرفين: أحدهما فوارس، لان هذا مما لا يستعمل في النساء، فأمنوا إلالتباس، ويقولون في المثل " هو هالك في الهوالك " فأجروه على أصله لكثرة الاستعمال، لانه مثل، فلما احتاج الفرزدق لضرورة الشعر أجراه على أصله، فقال " نواكس الابصار " ولا يكون
__________
(1) أي: استثير (*)

مثل هذا أبدا إلا ضرورة، انتهى كلامه، فتأمله مع ما نقلوه عنه، وقد ذكرنا في الشاهد الثلاثين من شواهد شرح الكافية أن ما جمع من هذا النمط إحدى عشرة كلمة (1)، وقد ذكرنا هناك - مما يتعلق بشرح البيت مستوفى، وشرح القصيدة، وذكر سببها، مع ترجمة يزيد والفرزدق - ما فيه كفاية، ويزيد هو يزيد بن المهلب بن أبى صفرة أحد الشجعان والكرماء، كان واليا على خراسان من قبل بنى أمية.
وأنشد بعده (من الهزج): لقد أغدو على أشقر يغتال الصحاريا وتقدم شرحه في الشاهد الواحد والاربعين من هذا الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والسبعون (من الوافر): 75 - * فما وجدت بنات بنى نزار * حلائل أسودين وأحمرينا على أنه جمع أسود وأحمر جمع تصحيح لضرورة الشعر.
وحلائل: مفعول وجدت، وهو جمع حليل، وهو زوج المرأة.
والبيت من قصيدة لحكيم الاعور هجا بها قبائل مضر، وتقدم الكلام عليه في الشاهد الرابع والعشرين من أوائل شرح شواهد شرح الكافية
__________
(1) ذكرنا هذه الكلمات في شرحنا على الشافية عند الكلام على هذا البيت (ج 2 ص 154) (*)

وأنشد الجاربردى هنا، وهو الشاهد السادس والسبعون (من الطويل):
76 - أتانى وعيد الحوص من آل جعفر فيا عبد عمرو لو نهيت الاحاوصا على أن الاحوص بالنظر إلى كونه في الاصل وصفا جمع على الحوص، وبالنظر إلى الاسمية جمع على أحاوص والبيت من قصيدة للاعشى ميمون هجا بها علقمة بن علاثة الصحابي، وأراد بالحوص والاحاوص أولاد الاحوص بن جعفر، وهم: عوف بن الاحوص، وعمرو بن الاحوص، وشريح بن الاحوص، وربيعة بن الاحوص والاحوص: اسمه ربيعة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وسمى الاحوص لضيق كان في عينه، قال صاحب الصحاح: والحوص بمهملتين مفتوحتين: ضيق في مؤخر العين، والرجل أحوص وعلقمة هو علقمة بن علاثة بن عوف بن الاحوص المذكور، وعبد عمرو وهو ابن شريح بن الاحوص، فهو ابن عم علقمة وكان سبب هجو الاعشى أن علقمة كان تهدده بالقتل، وقد شرحناه بقدر الكافية في الشاهد السادس والعشرين من شواهد الكافية وأنشد بعده (من الرجز) * ما بال عينى كالشعيب العين * وتقدم شرحه في الشاهد الخامس والعشرين من هذا الكتاب وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع والسبعون (من الطويل) 77 - * جنى النحل في ألبان عوذ مطافل * على أن العرب جوزوا في جمع مفعل المؤنث زيادة الياء وتركها، وعلى الترك

جاء مطافل، فإنه جمع مطفل: أي امرأة ذات طفل، وجاء المطافيل أيضا في جمعه
بزيادة الياء في بيت بعده، فإن المصراع من قصيدة لابي ذؤيب الهذلى، وهذان بيتان منا في التعزل: وإن حديثا منك لو تبذلينه * جني النحل في ألبان عوذ مطافل مطافيل أبكار حديث نتاجها * تشاب بماء مثل ماء المفاصل يقول: إن حلاوة حديثك لو تفضلت به حلاوة العسل مشوبا باللبن والجنى: أصله الثمر المجتنى، فاستعاره، والعوذ: الحديثات النتاج، واحدها عائذ - بالعين المهملة والذال المعجمة - قال السكرى في شرح أشعار الهذليين: " ألبان العوذ أطيب، لانها إذا عتق لبنها تغير، يقول: حديثك كأنه العسل ممزوجا بألبان الابل، وقال الامام المرزوقى في شرحه: مطافل جمع مطفل وهى التى معها طفلها، وإنما انكر قوله حديثا منك ليبين أن موقع كلامها منه على كل وجه ذلك الموقع، ودل بقوله لو تبذلينه على تمنعها وتعذر ذلك من جهتها " انتهى.
وقال ابن هشام في شرح بانت سعاد: " العوذ: جمع عائذ، وهى القريبة العهد بالنتاج من الظباء والابل والخيل، فإذا تجاوزت عشرة أيام من يوم نتاجها أو خمسة عشر فهى مطفل، وسميت بذلك لان معها طفلها، وجمعها مطافل، والمطافيل بالياء إشباع " انتهى.
وقال شارح ديوان الاعشى: " العوذ: الحديثات العهد بالنتاج قبل أن توفى خمس عشرة ليلة، ثم هي مطفل بعده " وقال ابن خلف: " هي الحديثة العهد بالنتاج كان معها ولد أو لم يكن، وهو جمع عائذ، وهو جمع غريب، ونظيره حائل وحول، وفاره وفره "، وقال الاعلم: " وسميت عائذا لان ولدها يعوذ بها لصغره، وبنى على فاعل لانه على نية النسب، لا على ما يوجب التصريف، كما قالوا عيشة راضية " انتهى.
والبكر

- بالكسر - التى ولدت بطنا واحدا، وخصها لان لبنها أطيب الالبان، والحديث: نقيض القديم، والنتاج: اسم يجمع وضع جميع البهائم، وقد خص بعضهم الغنم بالولادة، ويشاب: يخلط، والمفاصل: الحجارة الصلبة المتراصفة، وقيل ما بين الجبلين، وقيل: منفصل الجبل من الرمة يكون بينهما رضراض وحصى صغار يصفو ماؤه، وروى عن الاصمعي، وقيل: ماء المفاصل هنا شئ يسيل من المفصلين إذا قطع أحدهما من الاخر، شبيه بالماء الصافى، قال أحد شراح أبيات الايضاح للفارسي: " شبه ما بخلت به من حديثها بعسل مجعول في ألبان هذه النوق ممزوجا بماء شبيه في الرقة والصفاء بماء المفاصل، واختار ابن يسعون أن يراد بالمفاصل في البيت الحجارة المتراصفة في بطن المسيل لصفاء مائه وبرده، قال: ويؤيده قول ذى الرمة (من الطويل): ونلت سقاطا من حديث كأنه * جنى النخل ممزوجا بماء الوقائع لان الوقائع جمع وقية، وهى منقع ماء في الجبل، وأن يرا بماء المفاصل في البيت ما يسيل من بين المفصلين إذا قطع أحدهما من الاخر أحق وأخلق، ويكون قد شبه الماء في صفائه ورقته بماء المفاصل، إذ لو أراد المعنى الاول لكان الوجه أن يجعله مشوبا بماء المفاصل لا بمثله، لان ما يشبه من المياه بماء المفاصل دونه في الصفاء والرقة، فلما قال " بماء مثل ماء المفاصل " دل على أن المراد ما ذكرته، وقد قيل في قول الشاعر (من الطويل): * عقار كماء النئ ليست بخمطة * إنه شبه الخمر نماء النئ في الصفاء، وقيل: في الحمرة، فيكون على أحد القولين مثل قول أبى ذؤيب الهذلى " إلى هنا كلام شارح أبيات الايضاح، وقوله " مطافيل أبكار...الخ " قال الامام المرزوقى: " مطافيل بدل من قوله عوذ مطافل، وأشبع الكسرة في الفاء للزومها، فحدثت الياء، والابكار: التى

وضعت بطنا واحدا، لان ذلك أول نتاجها: فهى أبكار، وأولادها أبكار، وعلى هذا قالوا: باكورة الربيع، ولبنها أطيب وأشهى، فلذلك خصه وجعله مزاجا وقوله تشاب في موضع الصفة لالبان عوذ: أي مشوبة بماء متناه في الصفاء، وقيل في المفاصل: إنها المواضع التى ينفصل فيها السيل من الجبل حيث يكون الرضراض، فينقطع الماء به ويصفو إذا جرى فيه، وهذا قول الاصمعي وأبى عمرو، واعترض عليه فقيل: هلا قال " بماء من مياه المفاصل " وما له يشبه به ولا يجعله منه ؟ فقيل: هذا كما يقال: مثل فلان لا يفعل كذا، والمراد أنه في نفسه لا يفعل، لا أنه أثبت له مثل ينتفى ذلك عنه، ألا ترى أنه لو جعل ذلك لنظيره لكان المدح لا يعلق به، وقد علم أن القصد إلى مدحه، وعلى هذا قد حمل قوله تعالى: (ليس كمثله شئ) وقال أبو نصر: أراد بالمفاصل مفاصل الجبل حيث يقطر الوشل، وذلك أصفى من مياه المناقع والعيون، وقال بعضهم: أراد تشاب بماء كالدمع صفاء، فالمفاصل شئون الرأس، وهى تسمى مفاصل ومواصل، والدمع منها يخرج، وهذا كما يقال: جئتك بخمرة كماء العين وأصفى من الدمع، فالتشبيه حاصل في هذا الوجه، وهو عندي حسن والمراد بماء العين الدمع لا غير، وقال أبو سعيد: ماء المفاصل الدم، وأراد بالماء الخمر، وشبهها به، وقال ابن الاعرابي: ماء المفاصل ماء اللحم النئ، شبه حمرته بحمرته، وعهدة هذين القولين عليهما دوني " هذا كلام المروزقى، وحديث: بمعنى حادث، والنتاج: الولادة، وتشاب: من الشوب وهو الخلط والمزج، والمفاصل: جمع مفصل - بفتح الاول وكسر الثالث.
وأبو ذؤيب الهذلى شاعر مخضرم إسلامى تقدمت ترجمته في الشاهد السابع والستين من شرح شواهد شرح الكافية

وأنشد بعده، وهو الشاهد الثامن والسبعون (من الطويل): 78 - * مع الصبح ركب من أحاظه مجفل * على أن ركبا لفظه مفرد، بدليل عود الضمير إليه من صفته مفردا، وهو مجفل.
وهذا المصراع عجز، وصدره: * فعبت غشاشا ثم مرت كأنها * وهو بيت منن أبيات لامية العرب للشنفرى، في وصف قطا وردت ماء وأنه سبقها إليه فشربت فضلته.
وقوله " فعبت غشاشا - الخ " العب: شرب الماء بلا مص، قال ثعلب: عب يعب، إذا شرب الماء فصبه في الحلق صبا، وفاعل " عبت " ضمير القطا، و " غشاشا " بكسر الغين المعجمة بعدها شينان معجمتان - قال بعض أهل اللغة: معناه على عجلة، وقال بعض آخر: أي قليلا أو غير مرئ، يقول: وردت القطا على عجل ثم صدرت في بقايا من ظلمة الفجر، وهذا يلد على قوة سرعتها، وقوله " من أحاظة " متعلق بمحذوف على أنه صفة لركب، وأحاظه - بضم الهمزة بعدها حاء مهملة وظاء مشالة معجمة - قبيلة من الازد في اليمن، ومجفل: صفة ثانية لركب، وهو بالجيم اسم فاعل من أجفل بمعنى أسرع، و " الركب " قال ابن قتيبة في أدب الكاتب: أصحاب الابل، وهم العشرة ونحو ذلك، قال شارحه ابن ابن السيد: هذا الذى قاله ابن قتيبة قاله غير واحد، وحكى يعقوب عن عمارة ابن عقيل قال: لا أقول راكب إلا لراكب البعير خاصة، وأقول: فارس وبغال وحمار، ويقوى هذا الذى قاله قول قريط العنبري (من البسيط): فليت لى بهم قوما إذا ركبوا * شنوا الاغارة فرسانا وركبانا
والقياس يوجب أن هذا غلط، والسماع يعضد ذلك، ولو قالوا إن هذا هو

الاكثر في الاستعمال لكان له وجه، وأما القطع على أنه لا يقال راكب ولا ركب إلا لاصحاب الابل خاصة فغير صحيح، لانه لا خلاف بين اللغويين في أنه يقال: ركبت الفرس، وركبت البغل، وركبت الحمار، واسم الفاعل من ذلك راكب، وإذا كثرت الفعل قلت: ركاب وركوب، وقد قال تعالى: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة) فأوقع الركوب على الجميع، وقال امرؤ القيس (من المتقارب): * إذا ركبوا الخيل واستلاموا * وقال زيد الخيل (من الطويل): * ويركب يوم الروع فينا فوارس * وهذا كثير في الشعر وغيره، وقد قال تعالى: (فرجالا أو ركبانا) وهذا اللفظ لا يدل على تخصيص شئ بشئ، بل اقترانه بقوله (فرجالا) يدل على أنه يقع على كل ما يقع على الارض، ونحوه قول الراجز (من الرجز): بنيته بعصبة من ماليا * أخشى ركيبا أو رجيلا عاديا فجعل الركب ضد الرجل، وضد الرجل يدخل فيه راكب الفرس وراكب الحمار وغيرهما، وقول ابن قتيبة أيضا " إن الركب العشرة ونحو ذلك " غلط آخر، لان الله تعالى قال: (والركب أسفل منكم) يعنى مشركي قريش يوم بدر، وكانوا تسعمائة وبضعا وخمسين، والذى قال يعقوب في الركب هم العشرة فما فوقها، وهذا صحيح، وأظن أن ابن قتيبة أراد ذلك فغلط في النقل، انتهى كلام ابن السيد وقد تكلمنا على هذا البيت بأبسط من هذا في الشاهد السابع والخمسين بعد
الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية

وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع والسبعون (من الرجز) 79 - * أخشى ركيبا أو رجيلا عاديا * على أن ركبا اسم جمع، ولفظه مفرد، بدليل تصغيره على لفظه كما تصغر المفردات، قال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: " جميع ما كان اسما للجمع تحقره على لفظه، أخبرنا أبو على أن أبا عثمان أنشده (من الرجز) بنيته بعصبة من ماليا * أخشى ركيبا أو رجيلا عاديا فهذان تحقير ركب ورجل، وهما اسمان للجمع بمنزلة ركاب ورجالة، وكان أبو الحسن يقول في تحقير ركب: رويكبون: لانه جمع كسر عليه راكب، وقولهم " ركيب " يدل على خلاف مذهبه، وهو قول سيبويه، وهو الصواب انتهى.
والشعر لا حيحة بن الجلاح، وهو هكذا: بنيت بعد مستظل ضاحيا * بنيته بعصبة من ماليا والشر مما يتبع القواضيا * أخشى ركيبا أو رجيلا عاديا وأنشد صاحب الكشاف البيت الاخير عند تفسير قوله تعالى: (حرسا شديدا) من سورة الجن، على أن الحرس) اسم مفرد بمعنى الحراس كالخدم بمعنى الخدام وكالرجل والركب في البيت فإنهما بمعنى الرجالة والركاب وقال شارح أبيات التفسيرين خضر الموصلي: هذا البيت كأنه في وصف حصن بناه ليمنعه من الحوادث لم أطلع له على خبر، انتهى أقول: أورد خبره الاصفهانى في الاغانى، قال: كان لاحيحة بن الجلاح أطمأن أطم في قومه يقال له المستظل، وهو الذى تحصن فيه حين قاتل تبعا أبا كرب
الحميرى، وأطمه الضحيان بالعصبة في أرضه التى يقال لها الغيابة، بناه بحجارة سود بنى عليه منارة بيضاء مثل القصة، ثم جعل عليها مثلها، يراها الراكب من مسيرة،

وكانت الاطام عزهم وحصونهم يتحرزون فيها من عدوهم، ويزعمون أنه لما بناه هو وغلام له أشرف ثم قال: لقد بنيت حصنا حصينا ما بنى مثله رجل من العرب أمنع منه، ولقد عرفت موضع حجر منه لو نزع لوقع جميعا، فقال غلامه: أنا أعرفه، قال: فأرنيه يا بنى، قال: هو هذا، وصرف إليه رأسه، فلما رأى أحيحة أنه قد عرفه دفعه من رأس الاطم فوقع على رأسه فمات، حتى لا يعرف ذلك الحجر أحد، ولما بناه قال: * بنيت بعد مستظل ضاحيا * الابيات الاربعة قال: وكان أحيحة سيد قومه الاوس، وكان رجلا صنعا للمال شحيحا عليه يبيع بيع الربا بالمدينة، حتى كاد يحيط بأموالهم، وكانت له تسع وتسعون بئرا كلها ينضح عليها، انتهى.
قال الزمخشري في كتاب الامكنة: عصبة: موضع بقباء، وأنشد الشعر المذكور، انتهى.
وقال السمهودى في تاريخ المدينة المنورة: أطم يقال له مستظل عند بئر غرس كان لاحيحة ثم صار لبنى عبد المنذر، انتهى.
وقال صاحب الصحاح: والاطم (مثل الاجم (1)) يخفف ويثقل، والجمع آطام، وهى حصون لاهل المدينة، والواحدة أطمة بفتحات، انتهى.
و " المستظل " معناه موضع الاستظلال، و " الضحيان " بمعنى الضاحى، وهو البارز غير المستتر، وكأنه سماه بهما، ولما لم يستقم له في الشعر الضحيان جاء بالاخر موضعه، وعصبة بفتح العين وسكون الصاد المهملتين فباء موحدة،
وليس لهذه الكلمات ذكر في معجم ما استعجم لابي عبيد البكري، ولا في
__________
(1) سقطت هذه الكلمة من بعض النسخ، وهى ثابتة في بعض (*)

في الصحاح، ولما لم يقف ابن برى على هذا النقل ظن أن العصبة الرجال، فقال في شرح أبيات الايضاح للفارسي: العصبة من الرجال نحو العشرة، واستعارها للجزء من المال، وعلى هذا تكون من صفة للعصبة متعلقة بمحذوف، ويجوز أن يريد بالعصبة الرجال ومن متعلقة ببنيته: أي بنيته من مالى بعصبة، والباء متعلقة بمحذوف: أي مستعينا بعصبة، ويروى " غاديا " بالغين المعجمة من الاغتداء، هذا كلامه.
وقوله " والشر " هو ضد الخير، أراد أن الشر يتبع الامور المقضية المحتمة وقوله " أخشى ركيبا - إلخ " صغر الركب والرجل للتقليل، وإذا كان يخشاهما مع قلتهما فخشيته مع كثرتهما من باب أولى، والركب: اسم جمع راكب، وقال صاحب المصباح: وراكب الدابة جمعه ركب كصاحب وصحب، وكذا قال في الرجل، قال: الراجل: خلاف الفارس، وجمعه رجل، مثل صاحب وصحب، وكان ينبغى أن يقول: والراجل خلاف الراكب، و " عاديا " صفة رجيلا، وصفة " ركيبا " محذوفة لدلالة الثاني عليه، وهو من عدا عليه يعدو عدوا وعدوانا وعداء، بالفتح والمد، إذا ظلم وتجاوز الحد.
وأحيحة بن الجلاح جاهلي، وأحيحة بضم الهمزة وفتح الحاءين المهملتين بينهما ياء تصغير، والجلاح - بضم الجيم وتخفيف اللام وآخره حاء مهملة - وقد ذكرنا نسبه وترجمته في شرح الشاهد السابع والعشرين بعد المائتين من شرح شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثمانون (من الرجز):
80 - * وفاضح مفتضح في أرهطه * على أن الا رهط مفرد الاراهط، والارهط جمع رهط - بفتح فسكون - قال

الصاغانى في العباب: رهط الرجل: قومه وقبيلته، يقال: هم رهطه دنية، والرهط: ما دون العشرة من الرجال لا تكون فيهم امرأة، وليس له واحد من لفظه، مثل ذود، وقال بعضهم: الرهط عند العرب: عدد يجمع من سبعة إلى عشرة، قال ابن دريد: وربما جاوز ذلك قليلا، وما دون السبعة إلى الثلاثة النفر، وقد يحرك فيقال: الرهط، والجمع أرهط، وأنشد الاصمعي: * وفاضح مفتضح في أرهطه * انتهى.
وقد ورد رجز رؤبة بن العجاج أيضا، قال (من الرجز): * وهو الذليل نفرا في أرهطه * وبهذا يرد على أبى على الفارسى في زعمه أن اسم الجمع كركب ورجل ورهط وطير لا يجمع جمع قلة، وقد قالوا أيضا: قوم وأقوام، قال في المسائل البغدادية: حكى سيبويه أطيار، وحمله على أنه جمع طائر، مثل صاحب وأصحاب، وشاهد وأشهاد، وفلو وأفلاء، لان فلوا مثل فاعل في الزيادة والزنة (1)، فان قال قائل: هلا حمله على أنه جمع طير ؟ قيل له: لا يكون عنده إلا جمع طائر، لان طائرا زعم أنه جمع على طير مثل تاجر وتجر، وإذا كان مثل تجر وركب لم يجز جمعه، ألا ترى أنه لم نجز ذلك (2) في جمع الجمع ؟ ويمتنع جمع هذا أيضا من جهة القياس، لان تجرا وبابه يراد به الكثرة، فحكمه إذا جمع أن يراد به التكثير، وأفعال لا يراد به الكثرة، بل خلافها، فإن قيل: فهلا جاز جمعه على أفعال كما جاز إبلان ؟ قيل له: هذا قليل لا يقاس عليه، فان
قيل: فهلا جاز تكسيره كما جاز تحقيره ؟ حكى سيبويه رجل ورجيل، وكما
__________
(1) يريد في عدد الحروف دون الحركات (2) في نسخة " لم نجز جواز ذلك " (*)

قرأت على أبى بكر عن أبى العباس عن أبى عثمان قال: أنشدني الاصمعي لاحيحة بن الجلاح: * أخشى ركيبا أو رجيلا عاديا * قيل: لا ينبغى أن يجوز التكسير من حيث جاز التصغير، وذاك أن هذا الاسم على بناء الاحاد، والمراد به الكثرة، فلو كسر كما صغر لكان في ذلك إجراؤه مجرى الاحاد وإزالته عما وضع له من الدلالة على الكثرة، إذ كان يكون في ذلك مساواته له من جهة البناء والتكسير والتحقير والحديث عنه كالحديث عن الاحاد، نحو ما أنشده أبو الحسن (من الطويل): * لهم جامل لا يهدأ الليل سامره * وهذا كل جهاته أو عامته، فيجب إذا صغر أن لا يكسر فيكون بتولد تكسيره منفصلا مما يراد به الاحاد دون الكثرة، ومتميزا بها منها، على أن ركيبا في البيت يجوز أن يكون محقرا على حذف الزيادة كباب أزهر وزهير، فان قال قائل: أليس أشياء من باب ركب وتجر وجامل، وقد حدثكم أبو بكر عن أبى عباس قال علماؤنا عن الاصمعي قال: وقف أعرابي على خلف الاحمر، فقال: إن عندك لاشاوى، فكسر أشياء على أشاوى، فما أنكرت أن يجوز جمع طير وبابه ؟ قيل له: هذا أشبه، لانه مكسر على بناء يكون للكثير، وأطيار للقليل، وهذا ردئ لخروجه إلى حيز الاحاد، وهذه حكاية نادرة، لا يجب
القياس عليها فان قيل: أليس ضأن من هذا الباب لانه جمع ضائن، كما أن طيرا جمع طائر، فقد قيل: ضأن وضئين، كما قالوا: عبد وعبيد، وكلب وكليب، فما أنكرت

أن يجوز تكسير طير وركب وبابه كما جاز تكسير ضأن إذ هو مثله ؟ قيل له: ليس ضئين عندنا جمع ضأن، إنما هو جمع ضائن، وليس ضائن بجمع، إنما هو واحد، ألا تراهم قالوا: ضائنة، فأنثوا، وقالوا: ضوائن، فكسروا، ولو كان جمعا لم يكسر كما لا يكسر ركب وجامل ونحوه، هذا كلام أبى على وقول الشاعر " وفاضح مفتضح - إلخ " الفضيحة: العيب، وفضحه فضحا من باب نفع، كشف عيبه، فتقديره: وكاشف عيب رهطه ومنكشف عيبه في رهطه وهذا البيت لم أقف على قائله، ولا على تتمته، والله أعلم وأنشد بعده (من السريع): * في كل يوم ما وكل ليلاه * وتقدم شرحه في الشاهد الثامن والاربعين وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادى والثمانون (من الرجز): 81 * بأعينات لم يخالطها القذى * على أنه يجوز في الشعر أن يجمع الجمع كما هنا، فإن أعينا جمع عين، وقد جمع بالالف والتاء والقذى: ما يسقط في العين أو في الشراب، وقذيت عينه تقذى قذى، إذا سقطت في عينه قذاة، وقذت عينه تقذى قذيا: أخرجت القذى، وأقذيت عينه: رميت فيها القذى، وقذيتها تقذية: إذا أخرجت منها القذى

التقاء الساكنين أنشد فيه، وهو الشاهد الثاني والثمانون (من الرجز): 82 - أقبلت من عند زياد كالخرف * تخط رجلاى بخط مختلف * تكثبان في الطريق لام الف * على أن الشاعر نقل فتحة همزة ألف إلى ميم لام وأورده الشارح المحقق في شرح الكافية على أن مقصوده اللام والهمزة، لا صورة " لا "، فيكون معناه أنه تارة يمشى مستقيما فتخط رجلاه خطا شبيها بالالف، وتارة يمشى معوجا فتخط رجلاه خطا شبيها باللام وقد تقدم الكلام عليه هناك في شرح الشاهد السابع من أوله بمالا مزيد عليه وهذه الابيات الثلاثة لابي النجم، وهو راجز إسلامى، قال الصولى: كان لابي النجم العجلى صديق يسقيه الشراب فينصرف من عنده ثملا، وأنشد له هذه الابيات.
والخرف - بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء - صفة مشبهة من خرف الرجل خرفا من باب تعب، إذ ا فسد عقله لكبره، وخط على الارض خطا: أعلم علامة، و " كتب " بالتخفيف والتثقيل، وتثقيله هنا لتكثير الفعل.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والثمانون (من المتقارب): 83 - لها متنتان خطاتا كما * أكب على ساعديه النمر على أن بعضهم جوز رد الالف مستشهدا بخظاتا، فإنه يقال: خظا يخظو، إذا تحرك، وكان من حقه أن يقول: خضتا، كما يقال: غزتا، تثنية غزت، إلا أنه رد الالف التى كانت سقطت لاجتماع الساكنين في الواحد، ولما تحركت

تاء التأنيث لاجل ألف التثنية رجعت الالف المحذوفة للساكنين، وهذا قول الكسائي.
وقال الفراء: أراد " خضاتان "، فهو مثنى حذفت نونه للضرورة، كما قال أبو داود (من الهزج): ومتناه خطاتان * كز حلوف من الهضب قال ابن قتيبة في أبيات المعاني: يقال: لحمه خظا بظا، إذا كان كثير اللحم صلبه، والزحلوف: الحجر الاملس، وقال امرؤ القيس: * لها متنتان خظاتا * - إلخ ويقال: هو خاظى البضيع، إذا كان كثير اللحم مكتنزه، وقوله " خظاتا " فيه قولان: أحدهما أنه أراد خظاتان كما قال أبو دواد، فحذفت نون الاثنين، يقال: متن خظاة ومتنه خظاة، والاخر أنه أراد خظتا: أي ارتفعتا، فاضطر فزاد ألفا، والقول الاول أجود، وقوله " كما أكب على ساعديه النمر " أراد كان فوق متنها نمرا باركا لكثرة لحم المتن " انتهى كلام ابن قتيبة.
وأيد ابن جنى قول الكسائي، قال في سر الصناعة: وأما قول امرئ القيس: * لها متنتان خظاتا...البيت * فإن الكسائي قال: أراد خظتا، فلما حرك التاء رد الالف التى هي بدل من لام الفعل، لانها إنما كانت حذفت لسكونها وسكون التاء، فلما حركت التاء ردها، فقال: خظاتا، ويلزمه على هذا أن يقول في قضتا وغزتا: قضاتا وغزاتا، إلا أن له أن يقول: إن الشاعر لما اضطر أجرى الحركة العارضة مجرى الحركة اللازمة في نحو قولا وبيعا وخافا، وذهب الفراء إلى أنه أراد خظاتان، فحذف النون، كما قال أبو داود الايادي
* ومتنان خظاتان * كزحلوف من الهضب *

وأنشد الفراء أيضا: (من الرجز) * يا حبذا عينا سليمى والفما * قال: أراد والفمان، يعنى الفم والانف، فثناهما بلفظ الفم للتجاور الذى بينهما، وأجاز الفراء أيضا أن تنصبه على أنه مفعول معه، كأنه قال: مع الفم، ومذهب الكسائي في " خظاتا " أقيس عندي من قول الفراء، لان حذف نون التثنية شئ غير معروف، فأما " والفما " فقد يجوز أن ينصب بفعل مضمر، كأنه قال: وأحب الفم، ويجوز أن يكون الفم في موضع رفع إلا أنه اسم مقصور بمنزلة عصا، وعليه جاء بيت الفرزدق: * هما نفثا في من فمويهما * فاعرفه، ومما يؤيد عندي مذهب الكسائي أنه أراد خظتا فلما حرك التاء وإن كانت الحركة عارضة غير لازمة رد الالف التى هي بدل من الواو التى هي لام الفعل، كقولهم " الحمر " في الاحمر، و " لبيض " في الابيض، ألا ترى أنهم اعتدوا بحركة الهمزة المحذوفة لما ألقوها على اللام المعرفة، فأجروا ما ليس بلازم مجرى اللازم ؟ ونحو من ذلك قراءتهم (لكنا هو الله ربى) وأصلها لكن أنا، فلما حذفت الهمزة للتخفيف وألقيت فتحتها على نون لكن صار التقدير لكننا فلما اجتمع حرفان مثلان متحركان كره ذلك كما كره شدد وجلل، فأسكنوا النون الاولى، وأدغموها في الثانية فصار لكنا، كما أسكنوا الحرف الاول من شدد وجلل، وأدغموه في الثاني فقالوا: شد وجل، أفلا ترى أنهم أجروا المنفصل وهو لكن أنا مجرى المتصل في شد وجل، ولم يقرأ أحد لكننا مظهرا، فهل ذلك إلا لاعتدادهم بالحركة وإن كانت غير لازمة ؟ وعلى هذا قالوا (سل بنى إسرائيل)
وأصله اسال، فلما خففت الهمزة فحذفت وألقيت حركتها على السين قبلها اعتد بها فحذفت همزة الوصل لتحرك الحرف بعدها، ونظائر هذا كثير، ومنها قولهم في تخفيف

رؤيا: ريا، وأصلها رويا، إلا أنهم أجروا الواو في رويا وإن كانت بدلا من الهمزة مجرى الواو اللازمة فأبدلوها ياء وأدغموها في الياء بعدها، فقالوا: ريا، كما قالوا: طويت طيا وشويت شيا، وأصلهما طويا وشويا، ثم أبدلوا الواو ياء وأدغموها في الياء فعلى هذا قالوا: ريا، ومن اعتد بالهمزة المنوية وراعى حكمها - وهو الاكثر والاقيس - لم يدغم فقال: رويا، فهذا كله وغيره مما يطول ذكره، يشهد باجرائهم غير اللازم مجرى اللازم ويقوى مذهب الكسائي، إلا أن للفراء أن يحتج لقوله ببيت أبى داود * ومتنان خظاتان * فهذا يقوى أن خظاتا تقديره خظاتان وأنشدوا بيتا آخر، وهو قوله: (من الطويل) لنا أعنز لبن ثلاث فبعضها * لاولادها ثنتا وما بيننا عنز تقديره ثنتان، فحذف النون " وهذا آخر كلام ابن جنى (1) وبقى في البيت قول ثالث، وهو أن خظاتا مثنى حذفت نونه للاضافة إلى قوله " كما أكب " وهو قول أبى العباس المبرد، نقل عنه ياقوت الحموى في معجم الادباء في ترجمة أبى العباس أحمد الشهير بثعلب رحمه الرب، ونقله عنه أيضا علم الدين السخاوى في سفر السعادة، وعبارتهما واحدة، قالا: قال أحمد بن يحيى ثعلب: دخلت على محمد بن عبد الله فإذا عنده أبو العباس المبرد وجماعة من أصحابه وكتابه، فلما قعدت قال لى محمد بن عبد الله: ما تقول في بيت امرئ القيس * لها متنتان خظاتا...البيت * قال: فقلت: أما الغريب فانه يقال: لحم خظا بظا، إذا كان صلبا مكتنزا، ووصفه بقوله " كما أكب على ساعديه " أي في صلابة النمر إذا اعتمد على يديه،
والمتن: الطريقة من عن يمين الصلب وشماله، وأما الاعراب فإنه خظتا، فلما
__________
(1) لو تصفحت كلام ابن جنى في حرف النون من سر الصناعة لوجدت المؤلف لم ينقله بنصه الكامل بل تصرف فيه بعض التصرف من غير إخلال بالمقصود (*)

تحركت التاء أعاد الالف من أجل الحركة والفتحة، فأقبل بوجهه على المبرد، فقال: أعز الله الامير، إنما أراد في " خظاتا " الاضافة، أضاف خظاتا إلى كما، قال ثعلب فقلت له: ما قال هذا أحد ! ! فقال: بلى سيبويه يقوله، فقلت لمحمد بن عبد الله: ما قال هذا سيبويه قط، وهذا كتابه فليحضر، ثم قلت: وما حاجتنا إلى الكتاب ؟ أيقال: مررت بالزيدين ظريفي عمرو، فيضاف نعت الشئ إلى غيره ؟ فقال محمد لصحة طبعه -: والله ما يقال هذا، ونظر إلى محمد بن يزيد، فأمسك ولم يقل شيئا، ونهض المجلس، وزاد ياقوت في آخر هذه الحكاية " لا أدرى لم لا يجوز هذا، وما أظن أحد ينكرا قول القائل: رأيت الفرسين مركوبي زيد، ولا الغلامين عبدى عمرو، ولا الثوبين دراعتي (1) زيد، ومثله مررت بالزيدين ظريفي عمرو، فيكون مضافا إلى عمرو وهو صفة زيد، وهذا ظاهر لكل متأمل " هذا كلامه وأقول: هذه الامثلة كلها أبدال لا نعوت، لعدم الربط وهذا البيت من جملة أبيات في وصف فرس من قصيدة لامرئ القيس قد شرحناها في الشاهد العشرين بعد السبعمائة من شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده وهو الشاهد الرابع والثمانون: (من المنسرح) 84 - لا تهين الفقير علك أن * تركع يوما والدهر قد رفعه على أن أصله " لا تهينن الفقير " فحذفت نون التوكيد الخفيفة لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة دليلا عليها وهذا آخر أبيات للاضبط بين قريع السعدى، وقبله:
قد يجمع المال غير آكله * ويأكل المال غير من جمعه
__________
(1) الدراعة: ثوب لا يكون إلا من صوف، وهو المدرعة أيضا، ويقال: تمدرع، إذا لبسه (*)

فاقبل من الدهر ما أتاك به * من قر عينا بعيشه نفعه وصل حبال البعيد إن وصل الحبل * وأقص القريب إن قطعه وهى أكثر من هذا، وقد شرحناها في الشاهد الرابع والخمسين بعد التسعمائة من آخر شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والثمانون، وهو من شواهد سيبويه (من الرجز): 85 - يستوعب البوعين من جريره * من لد لحييه إلى منحوره على أن أصله " من لدن " فحذفت النون قال سيبويه: " فأما لدن فالموضع الذى هو أول الغاية، وهو اسم يكون ظرفا، يدلك على أنه اسم قولهم: من لدن، وقد يحذف بعض العرب النون حتى يصير على حرفين، قال الراجز غيلان * يستوعب البوعين...إلى آخر البيتين " * قال الاعلم: " أراد أن لد محذوفة من لدن منوية النون فلذلك بقيت على حركتها، ولو كانت مما بنى على حرفين للزمها السكون كعن ونحوها، وصف بعيرا أو فرسا بطول العنق، فجعله يستوعب من حبله الذى يوثق به، مقدار باعين، فيما بين لحييه ونحره، والمنحور والنحر: الصدر، واللحى: العظم الاسفل من الشدق، وسمى بذلك لقلة لحمه، كأن اللحم لحى عنه: أي قشر، والبوع: مصدر بعت الشئ بوعا إذا ذرعته بباعك، والجرير: الحبل " انتهى كلامه
وقبلهما: يتبعن شهما لان من ضريره * من المهارى رد في حجوره قوله يتبعن إلخ " أي: يتبع الابل جملا " شهما ": أي حديد النفس ذكى

القلب، والضرير - بالضاد المعجمة -: النفس وشدتها، يقال: ناقة ذات ضرير، إذا كانت شديدة النفس بطيئة اللغوب، والضرير من الدواب: الصبور على كل شئ، كذا في العباب: يريد أنه لان شئ من شدة نفسه وامتناعه، ولو كانت نفسه على ما كانت عليه من الصعوبة لشق عليها، وقوله " من المهاوى " أي: من الابل المهارى نسبة إلى مهرة.
قال صاحب العباب: ومهرة بن حيدان أبو قبيلة من اليمن تنسب إليه الابل المهرية، والجمع المهارى، وإن شئت خففت الياء فقلت المهارى كالصحارى والصحارى وقوله " رد في حجوره " أي: في كرم أمهاته، يريد أنه من نسل إبل كرام.
وقوله " يستوعب البوعين الخ " بفتح المواحدة، قال صاحب العباب: قال الليث البوع والباع لغتان.
فلا حاجة إلى ما تكلفه الاعلم، والجرير - بفتح الجيم -: الحبل، يريد أن طويل الحبل الذى هو مقوده من لحيبه إلى موضع نحره مقدار باعين، يريد طول عنقه وقوله " من لد لحييه " مثل لحى - بفتح اللام وسكون الحاء المهملة - وهو العظم الذى ينبت عليه الاسنان، والمنحور: بضم الميم وبعد النون حاء مهملة، كذا في العباب، وهو لغة في النحر لمنحر، ومعناه أعلى الصدر، وهو الموضع الذى تقع عليه القلادة والموضع الذى ينحر فيه الهدى وغيره، وصحفه الجوهرى فرواه بالخاء المعجمة، وقال: المنخور لغة في المنخر، وأنشده، وكذا رواه أيضا في مادة
لدن، ونبه ابن برى في أماليه عليه، قال: " وصواب إنشاده كما أنشده سيبويه " إلى منحوره " بالحاء، والمنحور النحر، وهو المنحر، وصف هذا الشاعر فرسا بطول العنق فجعله يستوعب من حبله مقدار باعين من لحييه إلى نحره " انتهى.
وكذا قال في مادة (ل د ن)، وصوابه يصف كما ذكرنا، وتبعه الصفدى في حاشيته على

الصحاح، وقال: هذا الذى عليه العلماء، ولا معنى فيه لما قاله الجوهرى، ورواه الصاغانى في العباب بالوجهين: بالحاء المهملة، والمعجمة، في المادتين، قال: ويروى منخوره بالخاء المعجمة أيضا، ويروى حنجوره، فزاد رواية ثالثة، وهى بضم الحاء المهملة وبعد النون جيم، لغة في الحنجرة كحيدرة، وهى الحلقوم ونسب ابن برى أيضا هذا الرجز إلى غيلان بن حريث الربعي، وتقدم في الشاهد الثالث والسبعين بعد السبعمائة من شرح شواهد شرح الكافية أنى لم أقف على ترجمة، والله أعلم به وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس والثمانون: (من الرجز) 86 - * وحاتم الطائى وهاب المئى * على أنه حذف التنوين من حاتم لضرورة الشعر، وقبله * حيدة خالي ولقيط وعلى * والبيتان من رجز لامرأة تفتخر بأخوالها من اليمن، وأورده الشارح المحقق في شرح الكافية على أن المئى أصله عند الاخفش المئين، حذفت النون الجمع للضرورة.
وقد شرحناه مفصلا بما لا مزيد عليه مع بقية في الشاهد الرابع والاربعين بعد الخمسمائة هناك فارجع إليه وأنشد بعده: (من الطويل) عجبت لمولود وليس له أب * وذى ولد لم يلده أبوان
وتقدم الكلام عليه في الشاهد العاشر من هذا الكتاب وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع والثمانون، وهو من شواهد سيبويه: (من الوافر) 87 - فغض الطرف إنك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا

على أن يونس سمعهم ينشدونه بفتح الضاد من قوله: فغض، قال سيبويه: " ومنهم من يدعه إذا جاء بالالف واللام على حاله مفتوحا، يجعله في جميع الاشياء كإن، وزعم يونس أنه سمعهم يقولون: * فغض الطرف...البيت * " انتهى ونسب الزمخشري في المفصل الفتح الى بنى اسد، قال: " ومنهم من فتح وهم بنو أسد، قال: فغض الطرف، ونمير بالتصغير: أبو قبيلة، وهو نمير بن عامر ابن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة ابن قيس بن عيلان بن مضر، وكعب وكلاب أخوان، وهما ابنا ربيعة بن عامر ابن صعصعة، فنمير وربيعة أخوان وأمهما رقية بنت جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، قال ابن الكلبى في الجمهرة: ولد ربيعة بن عامر كلابا وإليه البيت، وكعبا وإليه العقد، كان إذا كان في ولد ربيعة جوار تولوا هم ذلك دون ولد أبيه، ومن أولاد ربيعة كليب بالتصغير وعامر والحرث، فهؤلاء الخمسة أولاد ربيعة لا غير و " غض " فعل أمر من غض طرفه وصوته، ومن طرفه وصوته، غضا، من باب قتل، إذا خفضهما، وغض الطرف: إرخاء الجفون، والطرف: نظر العين، يقول: لا تفتح عينيك بتحديق كنظر العزيز، بل انظر الذليل بغض وتغميض: فإن قبيلتك بنى نمير لم يشرفوا كشرف بنى أخى نمير، وأنت خامل،
ولبنى عمك النباهة والذكر، فلا نلت رتبة كعب في السيادة ولا بلغت منزلة كلاب في العز، والتفضيل بين الاقارب عند العرب ممض مؤلم تأثيره أشد من الهجاء المقذع.
والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الراعى النميري مطلعها: أقلى اللوام عاذل والعتابا * وقوله إن أصبت لقد أصابا

وسبب هجوه أن الراعى كان شاعر مضر وذا سنها، ولما قدم البصرة دخل بين جرير والفرزدق، فقال: (من الكامل) يا صاحبي دنا الاصيل فسيرا * غلب الفرزدق في الهجاء جريرا فلقيه جرير، فقال له: إنى وابن عمى الفرزدق نستب صباحا ومساء، وما عليك من غلبة الغالب والمغلوب، فإما أن تكف عنا، وإما أن تغلبني، فقال له الراعى: صدقت، لا أبعدك (الله) من خير، فبينما هما في القول إذ رآهما جندل بن الراعى فأقبل على فرس له فضرب بغلة أبيه وقال له: مالك يراك الناس واقفا على كلب بنى كليب، فصرفه عنه، فقال جرير: أما والله لاثقلن رواحلك، ثم أقبل إلى منزله وقال لروايته: زد في دهن سراجك الليلة وأعدد لوحا ودواة، ثم أقبل على هجاء بنى نمير، فلم يزل يمل حتى ورد عليه قوله: * فغض الطرف إنك من نمير...البيت * فقال: حسبك أطفئ سراجك ونم، فرغت منه ثم إن جريرا أتم القصيدة بعد وسماها الدامغة حتى إذا أصبح ورأى الراعى في سوق الابل أنشده إياها حتى وصل إلى قوله أجندل، ما تقول بنو نمير * إذا ما الاير في است أبيك غابا ؟ فقال الراعى: شرا والله تقول، إلى أن قال:
إذا غضبت عليك بنو تميم * رأيت الناس كلهم غضابا فغض الطرف إنك من نمير *...البيت قال ابن رشيق في العمدة: " وممن وضعه ما قيل فيه من الشعر حتى أنكر نسبه وسقط على رتبته وعيب بفضيلته: بنو نمير، كانوا جمرة (1) من جمرات العرب إذا سئل أحدهم: ممن الرجل ؟ فخم لفظه ومد صوته وقال: من بنى نمير، إلى أن صنع جرير قصيدته التى هجا بها الراعى فسهر لها فطالت ليلته إلى أن قال:
__________
(1) الجمرة: القبيلة التى لا تحالف غيرها اعتدادا بنفسها (*)

* فغض الطرف إنك من نمير البيت * فأطفأ سراجه ونام، وقال: والله قد أخزيتهم آخر الدهر، فلم يرفعوا رأسا بعدها إلا نكس بهذا البيت، حتى إن مولى لبنى باهلة كان يرد سوق البصرة ممتارا، فيصيح به بنو نمير: يا جواذب (1) باهلة، فقص الخبر على مواليه، وقد ضجر من ذلك، فقالوا له: إذا نبزوك فقل لهم * فغض الطرف إنك من نمير * ومر بهم بعد ذلك فنبزوه، وأراد البيت فنسيه، فقال: غض وإلا جاءك ما تكره، فكفوا عنه ولم يعرضوا له بعدها، ومرت امرأة ببعض مجالس بنى نمير، فأداموا النظر إليها فقالت: قبحكم الله يا بنى نمير، ما قبلتم قول الله عز وجل (قل للمؤمنين يغضو من أبصاهم) ولا قول الشاعر: فغض الطرف إنك من نمير...البيت وهذه القصيدة تسميها العرب الفاضحة، وقيل: سماها جرير الدامغة، تركت بنى نمير بالبصرة ينتسبون إلى عامر بن صعصعة ويتجاوزون أباهم نميرا إلى أبيه هربا من ذكر نمير وفرارا مما وسم به من الفضيحة وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا في الشاهد الرابع من أول شرح شواهد
شرح الكافية وقد خبط خبط عشواء في هذا البيت بعض فضلاء العجم في شرح أبيات المفصل، قال: " البيت لجرير يهجو به الفرزدق، لان نميرا أبو قبيلة من قيس وهو نمير بن عامر بن صعصعة، بن مجاشع من أجداد الفرزدق، وكعب وكلاب في قريش " هذا كلامه، وفيه خلل من وجوه: الاول أن المهجو نميري والفرزدق تميمي، الثاني أن صعصعة والد عامر ليس جد الفرزدق، الثالث أن صعصعة جد الفرزدق ليس ابن مجاشع، وإنما هو صعصعة بن ناجية بن عقال ابن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد
__________
(1) في الاصول " يا جؤداب " وهو تصحيف، والجواذب: شسع النعل (*)

مناة بن تميم، أن صعصعة هذا ليس من أجداد الفرزدق، وإنما هو جده الاقرب، لان الفرزدق ابن غالب بن صعصعة، الخامس أن كعبا وكلابا في البيت ليسا من قريش، وإنما هما ابنا ربيعة أخى نمير، والله أعلم وأنشد الجار بردى هنا، وهو الشاهد الثامن والثمانون (من الكامل): 88 - ذم المنازل بعد منزلة اللوى * والعيش بعد أولئك الايام على أنه روى ذم بفتح الميم وكسرها وهو من قصيدة لجرير، مطلعها: سرت الهموم فبتن غير نيام * وأخو الهموم يروم كل مرام وأورده في المفصل في باب الاشارة إيضا، على أن " أولئك " يستعمل في العقلاء وغير العقلاء، كقوله تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) وأورده البيضاوى - بيض الله وجهه يوم تبيض
وجوه - أيضا عند الاية، قال العينى: ويروى " الاقوام " بدل " الايام " وحينئذ لا شاهد فيه، وزعم ابن عطية أن هذه الرواية هي الصواب، وأن الطبري غلط إذ أنشد " الايام " وأن الزجاج اتبعه في هذا الغلط، انتهى و " ذم " فعل أمر، و " العيش " معطوف على المنازل، والمعنى أنه تأسف على منزله باللوى وأيام مضت له فيه، وأنه لم يتهن بعيش بعد تلك الايام، ولا راق له منزل وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع والثمانون (من الرجز): 89 - يا عجبا لقد رأيت عجبا * حمار قبان يسوق أرنبا خاطمها زأمها أن تذهبا * فقلت: أردفني، فقال: مرحبا على أن أبا زيد حكى عن أيوب السختيانى دأبة وشأبة وأنشد هذا الشعر

أقول: لم ينشد أبو زيد هذا الرجز، لا في نوادره، ولا في كتاب الهمز، ولا نقل عن أيوب، وإنما قال في آخر كتاب الهمز: وسمعت رجلا من بنى كلاب يكنى أبا الاصنع يقول: هذه دأبة، وهذه شأبة، وهى امرأة مأدة، وهذا شأب، ومأد، فيهمز الالف في كل هذه الحروف، وذلك أنه ثقل عليه إسكان حرفين معا وإن كان الاصل الاخر منهما التحريك، كما استثقل بعض العرب في الوقف إسكان الحرفين في قولهم: اضربه، أكرمه، احبسه، قال: (من الرجز) * قد قلت للسائل قده أعجله * انتهى.
وهذا آخر كتاب الهمز، ويشهد لما قلنا كلام ابن جنى في أكثر تآليفه، قال في شرح تصريف المازنى ومنه أخذ الشارح هذا الفصل: إن
الالف إذا حركت صارت همزة، كقراءة أيوب السختيانى (ولا الضألين) لما حرك الالف لسكونها وسكون اللام الاولى بعدها انقلبت همزة، وحكى أبو العباس عن أبى عثمان عن أبى زيد أنه قال: سمعت عمرو بن عبيد يهمز (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جأن) فظننته قد لحن إلى أن سمعت العرب يقولون (1) شأبة ودأبة، قال أبو العباس: فقلت لابي عثمان: أتقيس هذا ؟ قال: لا ولا أقبله، وقال الراجز: * خاطمها زأمها أن تذهبا * وجاء في شعر كثير " احمأرت (2) " يريد احمارت، كما أراد الاول
__________
(1) في نسخة " تقول " (2) قد وردت هذه الكلمة في بيت من الشعر لكثير عزة، وذلك قوله: وأنت ابن ليلى خير قومك مشهدا * إذا ما احمارت بالعبيط العوامل (*)

زامها، فهذه الهمزات في هذا الموضع إنما وجبت عن تحريك الالف لسكونها وسكون ما بعدها، انتهى وقال في سر الصناعة: " فأما إبدال الهمزة من الالف فنحو ما حكى عن أيوب السختيانى أنه قرأ (ولا الضألين) فهمز الالف، وذلك أنه كره اجتماع الساكنين الالف واللام الاولى، فحرك الالف لاجتماعهما، فانقلب همزة، لان الالف حرف ضعيف واسع المخرج لا يحمل الحركة، فإذا اضطروا إلى تحريكه قلبوه إلى أقرب الحروف منه وهو الهمزة، وعلى ذلك ما حكاه أبو زيد فيما قرأته على أبى على في كتاب الهمز عنه من قولهم: دأبة وشأبة ومأدة، وأنشدت الكافة: * يا عجبا لقد رأيت عجبا *
إلى آخر الابيات يريد زامها.
وحكى أبو العباس، عن أبى عثمان، عن أبى زيد، قال: سمعت عمرو بن عبيد يقرأ (إنس ولا جأن) فظننته قد لحن، حتى سمعت العرب تقول: دأبة، وشأبة، قال أبو العباس: فقلت لابي عثمان: أتقيس ذلك ؟ قال: لا ولا أقبلها.
وقال آخر (من الطويل) وبعد انتهاض الشيب من كل جانب * على لمتى حتى اشعأل بهيمها
__________
(1) وكان كثير كثيرا ما يهمز، وذلك نحو قوله أيضا: نمت لابي بكر لسان تتابعت * بعارفة منه فخصت وعمت وللارض أما سودها فتجللت * بياضا، وأما بيضها فادهأمت ومن ذلك قوله أيضا: تأرض أخفاف المناخة منهم * مكان التى قد بعدت فاز لامت واز لامت: أي ذهبت فمضت، وقيل: ارتفعت في سيرها (*)

يريد اشعال، من قوله تعالى (واشتعل الرأس شيبا) فهذا لا همز فيه، وقال دكين (من الرجز) راكدة مخلاته ومحلبه * وجله حتى ابيأض ملببه يريد ابياض، فهمز، وقرأت على أن أبى الفرج على بن الحسين لكثير من الطويل) وللارض أما سودها فتجللت * بياضا وأما بيضها فادهأمت يريد ادهامت، وقد كاد يتسع هذا عنهم، وحكى عنهم في الوقف هذه حبلا يريد حبلى، ورأيت رجلا، يريد رجلا، فالهمزة في رجلا إنما هي بدل من الالف التى هي عوض من التنوين في الوقف، ولا ينبغى أن يحمل على أنها بدل
من النون، لقرب ما بين الهمزة والالف وبعد ما بينها وبين النون، ولان حبلى لا تنوين لها، وحكى أيضا هو يضربها، وهذا كله في الوقف، فإذا وصلت قلت: هو يضربها يا هذا، ورأيت حبلى أمس " انتهى كلامه.
وقال في الخصائص في باب شواذ الهمز: وإذا تحركت الالف انقلبت همزة، من ذلك قراءة أيوب السختيانى (ولا الضألين) وحكى أبو العباس عن أبى عثمان عن أبى زيد، قال: سمعت عمرو بن عبيد - إلى آخر الحكاية، وأنشدوا قوله: * يا عجبا لقد رأيت عجبا * إلى آخر الابيات.
وقال أيضا في المحتسب: " ومن ذلك قراءة أيوب السختيانى (ولا الضألين) ذكر بعض أصحابنا أن أيوب سئل عن هذه الهمزة، فقال: هي بدل من المدة لالتقاء الساكنين.
واعلم أن أصل هذا ونحوه الضالين، وهو الفاعلون من ضل يضل، فكره اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد على غير الصور المحتملة في ذلك، فأسكنت اللام الاولى، وأدغمت في الاخرة، فالتقى

ساكنان: الالف، واللام الاولى المدغمة، فزيد في مدة الالف، واعتمدت وطأة المد، فكان ذلك نحوا من تحريك الالف، وذلك أن الحرف يزيد صوتا بحركاته، كما يزيد صوت الالف بإشباع مدته، وحكى أبو العباس عن أبى عثمان عن أبى زيد قال: سمعت عمر بن عبيد - إلى آخر الحكاية، ثم أورد أمثلة كثيرة، ونظائر عديدة، وقال: وفيه أكثر من هذا، ولولا كراهية الاملال لاتينا به، على أنه مثبت في أماكن من تأليفنا، وقد ذكرنا من هذا الضرب في كتابنا الموسوم بالخصائص ما فيه كاف من غيره " وقال صاحب الصحاح: " وحمار قبان دويبة، وهو فعلان، من قب لان
العرب لا تصرفه، وهو معرفة عندهم، ولو كان فعالا لصرفته، تقول: رأيت قطيعا من حمر قبان، وقال: يا عجبا وقد رأيت عجبا * حمار قبان يسوق أرنبا " انتهى ولم يكتب عليه ابن برى شيئا في أماليه، ولا الصفدى في حاشيته وقال السيوطي في ديوان الحيوان وهو مختصر حياة الحيوان: " حمار قبان: دويبة مستديرة تتولد من الاماكن الندية، على ظهرها مثل المجن مرتفعة الظهر، كأن ظهرها قبة، إذا مشت لا يرى منها سوى أطراف رجليها، وهى أقل سوادا من الخنفساء، وأصغر منها، على قدر الدينار، ولها ستة أرجل، تألف أماكن السباخ وذكر الحاحظ في التبيان أن رأسها لا يرى عند المشى، ولا ترى إلا أن تنقلب على وجهها، لان أمام وجهها حاجزا مستديرا، وأكثر ما تظهر بالليل، قال: ومن حمار قبان نوع ضامر البطن غير مستدير، والناس يسمونه أبا شحيمة، والظاهر أنه صغار حمار قبان، وأنه بعد يأخذ في الكبر، قال:

وأهل اليمن يطلقون حمار قبان على دويبة فوق الجرادة من نوع الفراش وفى مفردات ابن البيطار: حمار قبان يسمى حمار البيت أيضا، ومن أمثالهم " هو أذل من حمار قبان " انتهى كلام السيوطي وقال الجوهرى في مادة (زم): تقول زممت النعل وزممت البعير، خطمته وأنشد هذا الرجز ثانيا والخطام: هو الزمام، وخاطمها بالنصب: حال من حمار قبان، والاضافة لفظية، والتقدير خاطما إياها، ويجوز رفعه أنه خبر مبتدأ محذوف: أي
هو خاطمها، وزامها مثل خاطمها، لان تأكيد له، وقوله " أن تذهبا " بتقدير اللام: أي لتذهب معه، أو بتقدير مضاف وهو صلة لخاطمها: أي خوف أن تذهب وتفر منه، وقوله " فقلت أردفني " أي: فقلت لحمار قبان: اجعلني ردفا لك أركب على الارنب خلفك، فقال: اركب مرحبا بك، وقوله " يا عجبا " يا للتنبيه، وعجبا منصوب على المصدرية: أي أعجب عجبا، فهو منون، ويجوز أن يكون يا للنداء، وعجبا منادى، والاصل يا عجبى، فقلبت ياء المتكلم ألفا، وعلى هذا هو غير منون، وهذا يشبه أن يكون من خرافات العرب، ولم أقف على شرح له.
وقد رأيت البيت الشاهد في رجز آخر، قال السيوطي رحمه الله في ديوان الحيوان في الكلام على الضب: " قال أبو عمر الجرمى: سألت أبا عبيد عن قول الراجز: أهدموا بيتك لا أبالكا * وأنا أمشى الدألى حوالكا فقلت: لمن هذا الشعر ؟ قال: تقول العرب: هذا يقوله الضب لولده الحسل أيام كانت الاشياء تتكلم، والعرب تقول: لما كان كل شئ يتكلم خاطر الضب الضفدع أيهما أصبر على الظمأ، وكان للضفدع حينئذ الذنب، وكان الضب ممسوح

الذنب، قالوا: فصبر الضفدع يوما، ثم نادت: يا ضب وردا وردا.
فقال الضب: أصبح قلب صردا * لا يشتهى أن يردا إلا عرادا عردا * وصليانا بردا وعنكثا ملتبدا.
فلما كان اليوم الثالث قالت الضفدع: يا ضب وردا وردا، فلم يجبها، فلما لم يجبها بادرت إلى الماء، وتبعها الضب، فأخذ ذنبها، وأنشد:
خاطمها زأمها أن تذهبا * وجرب الضب فقال جربا ألا أرى لى ذنبا مركبا " انتهى كلامه.
والدألى بفتحات، قال صاحب العباب: " دأل يدأل دألا ودألانا ودألى: أي ختل، قال: * وأنا أمشى الدألى حوالكا * وقال أبو زيد: هي مشية شبيهة بالختل ومشى المثقل، وذكر الاصمعي في صفة مشى الختل الدألان: مشى يقارب فيه الخطو ويبغى فيه، كأنه مثقل من حمل " انتهى وقوله " صردا " بفتح الصاد المهملة وكسر الراء، قال الجوهرى: صرد الرجل بالكسر يصرد صردا فهو صرد ومصراد، يجد البر سريعا، قال: أصبح قلبى صردا * لا يشتهى أن يردا.
انتهى وقوله " إلا عرادا عردا " العراد بفتح العين المهملة وآخره دال: اسم نبت كذا في الصحاح، وأنشد البيت، والعرد: وصف له من لفظه للتوكيد، والمبالغة في كلامهم كقولهم: شعر شاعر: وليلة ليلاء.
وقال خضر الموصلي في شرح أبيات التفسيرين: العرد: الصلب من كل شئ، وقيل: هو الجراد، وهذا

كلامه، وقوله " وصليانا بردا " بكسر الصاد وللام المشددة بعدها مثناة تحتية، قال السخاوى في سفر السعادة: (و) صليان فعليان، والواحدة صليانة، وهى بقلة، وهو مأخوذ من الضمة، والصلة: واحدة الصلال، وهى القطع من الامطار المتفرقة التى يقع منها الشئ بعد الشئ، وقيل للعشب الصليان من ذلك، سمى باسم المطر، وقال الجرمى: الصليان: نبات، ويقولون لمن يسرع في اليمين ولا
يتوقف " لقد جذها جذ الصليانة "، لان العير إذا ارتعى جذ الصليانة واقتلعها من أصلها، وجذ: مصدر مضاف إلى المفعول، ويقولون: الصليان خبز الابل، انتهى.
" وبرد " بمعنى بارد وهذا البيت أورده صاحب الكشاف عند قوله تعالى (وملح أجاج) على قراءة من قرأ (ملح) بفتح الميم وكسر اللام، على أنه تخفيف مالح كبرد في البيت من بارد وقوله " عنكثا ملتبدا " العنكث: بفتح العين المهملة وسكون النون وبعد الكاف ثاء مثلثة، قال صاحب الصحاح: هو اسم نبت، وأنشد البيت، والملتبد: المجتمع بعضه فوق بعض، يقال: التبد الشجر.
إذا كثر ورقه، وفى كل بيت أنشده الجوهرى من هذه الابيات يقول: قال الساجع، بناء على أن الرجز عنده سجع وليس بشعر، وهو مذهب بعض العروضيين، وأورد ابن برى الابيات الخمسة في مادة عنكث، وقال: هذا مما تحكيه العرب على ألسنة البهائم، زعموا أنه اختصم الضب والضفدع، فقالت الضفدع: أنا أصبر منك عن الماء، وقال الضب: أنا أصبر منك، فقال الضفدع: تعالى حتى نرعى فيعلم أينا أصبر، فرعيا يومهما، فاشتد عطش الضفدع، فجعلت تقول: وردا يا ضب، فقال الضب: * أصبح قلبى صردا * إلى آخر الابيات، فبادرت الضفدع إلى الماء، إلى آخر الحكاية

وأنشد بعده، وهو الشاهد التسعون (من الرجز) 90 - يا دار مى بد كاديك البرق * صبرا فقد هيجت شوق المشتئق على أن أصله المشتاق فقلب الالف همزة وحركها بالكسر لان الالف بد
من واو مكسورة، قال ابن جنى في سر الصناعة: " أنشد الفراء: * يا دارمي بد كاديك * إلخ والقول فيه عندي أنه اضطر إلى حكرة الالف التى قبل القاف من المشتاق، لانها تقابل لام مستفعلن، فلما حركها انقلبت همزة، إلا أنه حركها بالكسر لانه أراد الكسرة التى كانت في الواو المنقلبة الالف عنها، وذلك أنه مفتعل من الشوق، وأصله مشتوق ثم قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فلما احتاج إلى حركة الالف حركها بمثل الكسرة التى كانت في الواو التى هي أصل للالف، ونحو هذا ما حكاه الفراء أيضا عنهم من قولهم: رجل مئل، إذا كان كثير المال، وأصلها مول كحذر، يقال: مال الرجل يمال، إذا كثر ماله، وأصلها مول يمول مثل خاف يخاف، من الواو، وقالوا: رجل خاف كقولهم رجل مال وأصلهما خوف ومول، انقلبت الواو ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار خاف ومال، ثم إنهم أتوا بالكسرة التى كانت في واو مول فحركوا بها الالف في مال فانقلبت همزة فقالوا مثل " انتهى كلامه و " مى " اسم امرأة، ودكاديك: جمع دكداك، وهو الرمل المتلبد في الارض ولم يرتفع، والبرق: جمع برقة بالضم وهى غلظ حجارة ورمل، ورواه الجوهرى " بالدكاديك البرق " بالوصف لا بالاضافة، وقوله " صبرا " مفعول مطلق: أي اصبري صبرا، أو مفعول به لفعل محذوف: أي أعطيني صبرا، وروى بدله

" سقيا ": أي سقاك الله سقيا، دعاء لها بالسقى، على عادة العرب في طلب السقى لمنازل أحبابهم.
قال ابن المستوفى هذان البيتان أنشدهما الفراء لرؤبة، ومثله (من الرجز): سقيت من ودق (1) السحاب المنبعق (2) *
يكاد قلبى من هواك يحترق كذا دعاء كل صب مشتئق الابتداء أنشد فيه، وهو الشاهد الحادى والتسعون (من الرجز): 91 - باسم الذى في كل سورة سمه * على أنه يقال: سم بدون همزة وصل قال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: " روى بكسر السين وضمها، والباء من " باسم " متعلق بأرسل في بيت قبله، وهو: أرسل فيها بازلا يقرمه * فهو بها ينحو طريقا يعلمه باسم الذى في كل سورة سمه وهذه الابيات الثلاثة أوردها أبو زيد في نوادره (3).
وقال: " هي لرجل زعموا أنه من كلب " والضمير المستتر " في أرسل " للراعي، والبارز من " فيها " للابل، و " البازل ": البعير الذى انشق نابه، وهو في السنة التاسعة، و " يقرمه " يتركه عن الاستعمال
__________
(1) الودق: المطر: شديده وهينه، والمراد هنا الشديد (2) المنبعق: المندفع بالماء (3) انظر النوادر (ص 166) (*)

ليتقوى للفحلة، والمعنى أرسل هذا الراعى باسم الذى في كل سورة يذكر اسمه هذا الفحل في هذه الابل فهو أي البازل ينحو بها أي يقصد بالابل المذكورة، طريقا يلعمه لاعتياده بتلك الفعلة وقال خضر الموصلي شارح شواهد التفسيرين: البيت من رجز لرؤبة بن
العجاج، أوله * قلت لزير لم تصله مريمه * انتهى.
أقول: قد فتشت (1) هذه الارجوزة مرارا فلم أجد فيها البيت الشاهد، وقد تبعه شيخنا الشهاب الخفاجى في حاشيته على البيضاوى، ونقل ما سطره من غير مراجعة، وأورد أبو زيد بعد تلك الابيات ما نصه، وأنشدني أعرابي (من البسيط) أنا الحباب الذى يكفى سمى نسبي * إذا القميص تعدى وسمه النسب الاصمعي: الوسم: تغير النجار، وقال: فدع عنك ذكر اللهو واعمد لمدحة * لخير يمان كلها حيث إنتمى لاوضحها وجها وأكرمها أبا وأسمحها كفا وأعلنها سما انتهى.
وسمى - بضم السين وكسرها، والياء ضمير المتكلم - والنجار بكسر لنون بعدها جيم: الاصل، وسما في اليبت الثاني - بضم السين والقصر - لغة في الاسم، وهو أعدل شاهد في هذه اللغة، وأنشده ابن جنى في شرح تصريف المازنى، وقال: ويروى " سما " فمن كسر السين فالالف عنده للوصل بمنزلة الالف في قول الاخر (من البسيط)
__________
(1) وقد فتشنا أراجيز رؤبة فلم نجد هذه الابيات في الارجوزة التى ذكر الموصلي أولها (*)

* يا دار عمرة من محتلها الجرعا * (1) ولا يجوز أن تكون لام الفعل، لانا لا نعلمهم قالوا: هذا سمى بوزن رضا، وأما من ضم السين فعندي يحتمل أمرين: أحدهما ما عليه الناس، وهو
أن تكون ألف الوصل، بمنزلتها في قول من يكسر السين، والوجه الاخر: أن تكون لام الفعل، بمنزلة الالف في القافية التى قبلها وهى " انتمى "، ويكون هذا التأويل على قول من قال: هذا سمى، بوزن هدى، إلا أنه حذف اللام لالتقاء الساكنين، يريد أنه منصوب منون حذفت ألفه لالتقاء الساكنين، انتهى.
وأقول: يرد على الوجه الاول أنه يبقى الشعر بلا روى، وهو فاسد، وأما قوله في الوجه الثاني " إلا أنه حذف لالتقاء الساكنين وهذه الالف هي المبدلة من التنوين للوقف " فهذا فاسد أيضا، للزومه (2) عدم الروى، وقد حقق الشارح المحقق فيما يأتي في الشاهد الثالث بعد المائة عن السيرافى أنه استدل على أن الالف لام الكلمة لمجيئها رويا في النصب وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والتسعون (من الطويل) 92 - * وقال اضرب الساقين إمك هابل * على أنه روى بكسر همزة " إمك " إتباعا لكسرة نون الساقين والذى رواه ابن جنى في أول المحتسب على غير (3) هذا، قال عند قراءة
__________
(1) هذا صدر بيت هو مطلع قصيدة * هيجت لى الهم والاحزان والوجعا * (2) كذا، وصوابه " لاستلزامه عدم الورى " (3) لا تنافى بين ما ذكره ابن جنى وما ذكره الشارح المحقق، بل الذى ذكره ابن جنى لا يتحقق إلا بعد أن يتحقق ما ذكره الشارح، وذلك أن الشاعر لم يتبع الميم للهمزة إلا بعد أن أتبع الهمزة للنون، فالبيت شاهد لهما جميعا (*)

من قرأ (الحمد لله) بكسر الدال إتباعا لكسرة اللام: ومثل هذا في إتباع الاعراب البناء ما حكاه صاحب الكتاب في قولهم بعضهم
* وقال اضرب الساقين إمك هابل * كسر الميم لكسرة الهمزة، انتهى كلامه و " هابل " من هبلته أمه: أي ثكلته وعدمته، وفعله كفرح يفرح، وهابل هنا على النسبة: أي ذات هبل، كحائض وطالق، و " اضرب " فعل أمر، و " الساقين " مفعوله، وجملة " إمك هابل " دعائية وهذا المصراع لم أقف على تتمته، ولا على قائله وأنشد الجاربردى، وهو الشاهد الثالث والتسعون (من الكامل): 93 - ولقد لحنت لكم لكيما تفقهوا * واللحن يفهمه ذوو الالباب على أن صاحب الكشاف قال: اللحن أن تلحن بكلامك: أي تميله إلى نحو من الانحاء، ليفطن له صاحبك، وأنشد البيت، وأورده عند تفسير قوله تعالى (ولتعرفنهم في لحن القول) وكذا أورده الجوهرى، قال: " واللحن بالتحريك: الفطنة، وقد لحن بالكسر، وفى الحديث " ولعل أحدكم ألحن بحجته " أي أفطن لها من الاخر، أبو زيد: لحنت بالفتح لحنا، إذا قلت له قولا يفهمه عنك، ويخفى على غيره، ولحنه هو عنى بالكسر يلحنه لحنا: أي فهمه، وألحنته أنا إياه، ولاحنت الناس: فاطنتهم، قال الفزارى (من الخفيف) وحديث ألذه وهو مما * ينعت الناعتون يوزن وزنا منطق رائع وتلحن أحيا * نا وخير الحديث ما كان لحنا يريد أنها تتكلم وهى تريد غيره، وتعرض في حديثها فتزيله عن جهته من فطنتها وذكائها، كما قال تعالى (ولتعرفنهم في لحن القول) أي: في فحواه

ومعناه، وقال القتال الكلابي (من الكامل):
ولقد وحيت لكم لكيما تفهموا * ولحنت لحنا ليس بالمرتاب وكأن اللحن في العربية راجع إلى هذا، لانه من العدول عن الصواب " انتهى كلامه والوحى: الاشارة والكتابة والرسالة والكلام الخفى، ولم يعرف خضر الموصلي شارح أبيات التفسيرين تتمة البيت ومنشأه، ولم يزد على نفس كلام الجوهرى سوى ترجمة قائله وهو من قصيدة أوردها السكرى في كتاب اللصوص قال: " كان عمرو ابن سلمة بن سكن بن قريط بن عبد بن أبى بكر بن كلاب قد أسلم رضى الله عنه، ووفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستقطعه حمى بين الشقراء والسعدية، وهما ماءان تسعة أميال في ستة أميال، فأقطعها إياه فأحماها إياه زمانا، ثم هلك عمرو بن سلمة وقام بعده حجر بن عمرو (1) فأحماها، ثم إن نفرا من بنى جعفر ابن كلاب فيهم أجدر بن بشر بن عامر بن مالك بن جعفر استرعوه خيلهم، فأرعاهم، فأرسلوا نعمهم مع خيلهم بغير إذنه، فغضب حجر وأراد إخراجهم فقاتلوه بالعصى والحجارة، وظهر عليهم حجر، ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح على أن يدع كل قوم ما فيهم من الجراحات، فتواعدوا الصلح بالغداة وكان أخ لحجر يدعى سعيد بن عمرو متنحيا عن الحمى عند امرأة من بنى بكر تداويه من سلعة (2) كانت بحلقة، فبلغه الخبر وأقبل يريد أخاه حتى إذا كان في المنتصف
__________
(1) كان في الاصل " جحوش ابن عمر " والتصويب عن ياقوت في مادة (الشقراء) من معجم البلدان (2) السلعة - بكسر أوله، أو فتحه، مع سكون الثاني فيهما، وبفتح أوله وثانيه، وبكسر أوله وفتح ثانيه -: الخراج، والغدة (*)

ما بين رحلهم والحى غدر الجعفريون فاحتملوا عند المساء فمضوا وخلفوا ثلاثة فوارس: أحدهم قراد بن الاجدر بن بشر، فلقوا سعيد بن عمرو، فحمل قراد بن الاجدر عليه بالرمح فقتله، فبلغ الخبر حجرا وأوقد نار الحرب واجتمع إليه جمع من بنى بكر، فخرج يطلب جعفرا حتى لحقهم، فقال بنو جعفر: ثأركم قراد ابن الاجدر، وقد هرب، وهذا أخوه جنادة بن الاجدر، قال: إنا لحاملون عليكم أو تعطونا وفاء حتى نرى رأينا، فلما عرفوا منهم الجد اتقوهم بجنادة وأمه ميسون بنت سهيل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، فدفعوه إلى حجر، فسار بجنادة قليلا فضرب عنقه بأخيه، وكان القتال أرسل إلى بنى جعفر أن لا تعطوهم رهينة فإنهم يقتلونه، فلم يطيعوه، فقال القتال في ذلك قصيدة، وهذه أبيات منها بعد ثمانية عشر بيتا: ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا * ووحيت وحيا ليس بالمرتاب ولقد بعثت إليكم بصحيفة * عربية منى مع ابن عقاب ومع ابن قاربة السفير كأنما * وثقوا برأى عتيبة بن شهاب أما ابن ميسون المقاد فإنه * رد الرجال به على الاعقاب هلك الذين تمالئوا في قتله * ونجوت منه طاهر الاثواب يسقون ماء المهل كل عشية * يجزون ما كسبوا مع الكتاب هلا قتلتم قاتلا بقتيله * فيكون عند الله أوفق باب بعد الذى ما حلتم عن نفسه * وقتلتموه غير ذي أسباب ويكون أبرأ للصدور من الجوى * وأقل تخزاء غداة عتاب لن تفلحوا أبدا ولو أسمنتم * ورعيتم القفرات في الاعشاب وهذا آخر القصيدة قال السكرى: ابن عقاب - بالضم -: رجل من بنى جعفر بن كلاب، وعقاب

أمه سوداء نوبية، وابن قاربة: مولى لقريش كان وجه به، وعتيبة بن الحرث ابن شهاب اليربوعي كان فارس تميم كلها، وكان ذا رأى في الحرب وشجاعة ويمن نقيبة (1)، وابن ميسون هو جنادة بن أجدر، وتمالئوا: اتفقوا، والتخزاء - بالفتح - مصدر كالخزي بمعنى الفضيحة والقتال هو أحد بنى بكر بن كلاب شاعر إسلامى في الدولة المروانية، وقد ترجمناه في الشاهد الخامس بعد السبعمائة من شرح شواهد شرح الكافية والبيتان اللذان أوردهما الجوهرى هما لمالك ابن أسماء بن خارجة بن حصين ابن حذيفة بن بدر الفزارى، كان الحجاج تزوج أخته هندا وولاه أصفهان، ولهما خبر أورده الاصبهاني في الاغانى قال " أخبرنا يحيى بن على بن يحيى المنجم قال: حدثنى أبى قال: قلت للجاحظ: إنى قرأت في فصل من كتابك البيان والتبيين أن مما يستحسن من النساء اللحن في الكلام فاستشهدت ببيتى مالك بن أسماء، قال: هو كذلك، فقلت: أما سمعت بخبر هند بنت أسماء بن خارجة مع الحجاج حين لحنت كلامها، فعاب ذلك عليها، فاحتجت ببيتى أخيها، فقال لها: إن أخاك أراد أن المرأة فطنة، فهى تلحن بالكلام غير الظاهر المعنى تستر معناه وتورى عنه وتفهمه من أراد تعريفه بالتعريض، كما قال تعالى (ولتعرفنهم في لحن القول) ولم يرد الخطأ من الكلام، والخطأ لا يستحسن من أحد، فوجم الجاحظ ساعة ثم قال: لو وقع لى هذا الخبر لما قلت ما تقدم، فقلت له: فأصلحه، فقال: الان وقد صار الكتاب في الافاق ؟ " انتهى.
وقال العسكري في كتاب التصحيف: " أخبرني محمد بن يحيى قال: حدثنى يحيى بن المنجم قال: حدثنى أبى قال: قلت للجاحظ: مثلك في علمك
__________
(1) النقيبة: النفس، والعقل، والمشورة، ونفاذ الرأى، والاظهر ههنا المشورة
يريد أنه إذا أشار بشئ فاتبعوه عاد عليهم بالخير والبركة (*)

ومقدارك من الادب تقول: يستظرف من الجارية أن تكون غير فصيحة وأن يعترى منطقها اللحن، وتقول: قال مالك بن أسماء في بعض نسائه وكانت لا تصيب وربما لحنت * وخير الكلام ما كان لحنا * ؟ وتفسره على أنه أراد اللحن في الاعراب، وإنما وصفها بالظرف والفطنة وأنها تورى في لفظها عن أشياء قال: قد فطنت لذلك بعد، قلت: فغيره، قال: كيف لى بما سارت به الركبان " انتهى.
ونقل هذا الخبر عن العسكري السيد المرتضى في أول أماليه المسماة بغرر الفرائد ودرر القلائد وقال: " وقد تبع الجاحظ على هذا الغلط ابن قتيبة في كتابه المعروف بعيون الاخبار، وأورد أبيات الفزارى، واعتذر بها من لحن إن أصيب في كتابه " وكذا نقل السهيلي تغليط الجاحظ وابن قتيبة في غزوة الخندق من كتابه الروض الانف وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع والتسعون: (من الطويل) 94 - إذا جاوز الاثنين سر فإنه * بنث وتكثير الوشاة قمين على أن قطع همزة الاثنين شاذ في ضرورة الشعر، قال ابن عصفور في كتاب الضرائر: ومنها قطع همزة الوصل في الدرج إجراء لها مجراها حال الابتداء بها، وأكثر ما يكون ذلك في أول النصف الثاني من البيت، لتعذر الوقف على الانصاف التى هي الصدور، نحو قول حسان رضى الله عنه (من البسيط): لتسمعن وشيكا في دياركم * الله أكبر يا ثارات عثمانا وقال الاخر (من السريع) لا نسب اليوم ولا خلة * إتسع الحرق على الراقع
وقد يقطع في حشو البيت، وذلك قليل، ومنه قول قيس بن الخطيم: إذا جاوز الاثنين سر فإنه...البيت

وقول جميل: (من الطويل) ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة * على حدثان الدهر منى ومن جمل وأنشد قدامة: (من الرجز) يا نفس صبرا كل حى لاق * وكل إثنين إلى افتراق انتهى.
وقد أنشد أبو زيد (1) بيت جميل في نوادره، وكتب عليه أبو الحسن الاخفش: " أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد أنه لا اختلاف بين أصحابه أن الرواية * ألا لا أرى خلين * وهذه هي الرواية والاولى (2) ليست بثبت، وإنما رواها أبو زيد والاخفش (3) على الشذوذ فليسا يعتدان بها، وكذلك أخبرنا في البيت الذى يعزى إلى قيس بن الحطيم وهو: إذا ضيع الاثنان سرا فإنه * بنث وتكثير الوشاة قمين قال: الرواية * إذا جاوز الخلين سر * قال: وهذه أشياء ربما يخطر ببال النحوي أنها تجوز على بعد في القياس، فربما غير الرواية " انتهى.
وهذا غير جيد، فإنه يقتضى عدم الوثوق برواية الثقات، وهم مأمونون فيما ينقلونه وقال ابن المستوفى: " وقال سيبويه في بيت قيس بن الحطيم: إنما هو * إذا جاوز الخلين سر * ولكنه صنع، والذى في شعره الاثنين، وهو أعم من الخلين وأتم في الدعوى " انتهى.
ولا يخفى أن سيبويه لم يورد هذا البيت في كتابه البتة، وليس من دأبه
__________
(1) انظر النوادر (ص 204)
(2) وقع في أصول الكتاب " وهذه الرواية الاولى ليست بثبت " وفى النوادر " وهذه الرواية، والاولى ليست بثبت " (3) المراد به أبو الخطاب الاخفش الكبير شيخ سيبويه ورصيف أبى زيد (*)

الطعن في الرواية كالمبرد، وقدسها قلمه، فنسب إلى سيبويه كلام المبرد ومثله (1) قول الصلتان العبدى: (من المتقارب) وسرك ما كان عند امرئ * وسر الثلاثة غير الخفى ومثله قول الاخر: (من الطويل) فلا تجعلن بينى وبينك ثالثا * وكل حديث جاوز اثنين شائع أقول: قد بالغ في كتم السر، فقال: المراد من الاثنين الشفتان لا شخصان، وقوله " فإنه بنث " - بفتح النون وتشديد المثلثة - مصدر مؤنث الحديث ينثه نثا إذا أفشاه وروى " ببث " - بموحدتين - وعليها اقتصر الجاربردى فقال: يقال بث الخبر: أي نشره، وروى أيضا " فإنه بنشر " وضمير فإنه للسر، والباء متعلقة بقمين بمعنى جدير وخليق وحرى ولائق، وكلها ألفاظ مترادفة وقوله " وتكثير " بالجر معطوف على نث، وهو مصدر مضاف إلى المفعول: أي السر المجاوز اثنين يكثر الاعداء والوشاة، وهو جمع واش، وهو النمام الذى يزوق الكلام ويحسنه عند نقله على جهة الافساد، وقال بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل: هو مصدر مضاف إلى الفاعل، ومفعوله محذوف: أي وتكثير الوشاة ذلك السر والبيت من أبيات لقيس بن الخطيم رواها له القالى في أماليه، وهى: أجود بمضمون التلاد وإنني * بسرك عمن سألني لضنين (2) إذا جاوز الاثنين سر فإنه * بنث وتكثير الوشاة قمين
__________
(1) يريد في هذا البيت والذى بعده أنهما مثل بيت الشاهد في المعنى لا في قطع همزة الوصل (2) سألني مخفف سألني مثل قول حسان: سالت هذيل رسول الله فاحشة * ضلت هذيل بما قالت ولم تصب (*)

وإن ضيع الاخوان سرا فإننى * كتوم لاسرار العشير أمين يكون له عندي إذا ما ضمنته * مكان بسوداء الفؤاد كنين ويروى:...إذا ما ائتمنته * مقر بسوداء الفؤاد كنين سلى من جليسى في الندى ومألفي * ومن هو لى عند الصفاء خدين وأى أخى حرب إذا هي شمرت * ومدره خصم يا نوار أكون وهل يحذر الجار الغريب فجيعتي * وخونى، وبعض المقرفين خئون وما لمعت عينى لغرة جارتي * ولا ودعت بالذم حين تبين (أبا الذم آباء نمتني جدودهم * وفعلى بفعل الصالحين معين فهذا كما قد تعلمين وإنني * لجلد على ريب الخطوب متين) (1) وإنى لاعتام الرجال بخلتى * إلى (2) الرأى في الاحداث حين تحين فأبرى لهم صبرى وأصفى مودتي * وسرك عندي بعد ذاك مصون أمر على الباغى ويغلظ جانبى * وذو الود أحلو لى له وألين هذا ما أورده القالى، وهذا المقدار هو الموجود في ديوانه، والتلاد: كل مال قديم، والمضنون: اسم مفعول من ضن بالشئ يضن من باب تعب ضنا وضنة - بالكسر - إذا بخل به فهو ضنين، وأراد بالتلاد المضنون به، وقوله " سألني "
بالالف وأصلها الهمزة، والعشير: المعاشر، وكنين: مكنون، أي مستور محفوظ،
__________
(1) سقط هذان البيتان من أصل الكتاب، وهما ثابتان في الامالى (ح 2 ص 177 طبع دار الكتب)، وقد شرح المؤلف بعض ألفاظهما (2) كذا في أصول الكتاب، وعليها شرح المؤلف، والثابت في الاولى " أولى الرأى " أي: أصحاب الرأى، فهو من وصف الرجال (*)

والندى: المجلس، والخدين: الصديق، والمدره - بكسر الميم وآخره هاء - من دره عن القوم يدره - بالفتح - إذا تكلم عنهم ودفع فهو مدره، ونوار: اسم امرأة، والفجيعة: المكروه، والخون: الخيانة، والمقرف - بضم الميم وكسر الراء -: من أبوه غير أصيل، ولمعت: نظرت، والغرة - بالكسر -: الغفلة، ونمتنى: رفعتني، و " جدودهم " فاعله، وأعتام: أقصد، وهو من العيمة، وأصله شدة شهوة اللبن، والخلة: - بالضم - الصداقة، و " إلى " بمعنى مع، وأبرى: مضارع أبرأ إبراء بمعنى شفاه، وقلب الهمزة ياء لانكسار ما قبلها، و " أصفى مودتي " أجعلها صافية، وأمر من أمر الشئ: أي صار مرا، وأحلو لى: أصير حلوا وقيس بن الخطيم: شاعر جاهلي تقدمت ترجمته في الشاهد الخامس بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده وهو الشاهد الخامس والتسعون، وهو من شواهد سيبويه (من الكامل): ولا تبادر في الشتاء وليدنا * ألقدر تنزلها بغير جعال على أن قطع ألف " ألقدر " لضرورة الشعر قال سيبويه: وتذهب ألف الوصل إذا كان قبلها كلام، إلا أن تقطع كلامك، وتستأنف به، كما قالت الشعراء في الانصاف، لانها مواضع فصول،
فإنما ابتدأوا بعد قطع، قال الشاعر: * ولا تبادر في الشتاء * البيت * وقبل البيت: يا كنة ما، كنت غير لئيمة * للضيف مثل الروضة المحلال ما إن تبيتنا بصوت صلب * فيبيت منه القوم في بلبال ولا تبادر في الشتاء وليدنا البيت

والكنة - بفتح الكاف وتشديد النون - امرأه الابن، وما: زائدة أو إبهامية، قال الزمخشري في تفسير (مثلا ما بعوضة): ما إبهامية، وهى التى إذا اقترنت بنكرة زاد إبهامها وشياعها، كقولك: أعطني كتابا ما، تريد أي كتاب كان، أو صلة للتأكيد، كالتى في قوله تعالى (فبما نقضهم) انتهى.
والابهامية تؤكد ما أفاده تنكير الاسم قبلها: إما فخامة: أي كنة أي كنة، أو حقارة نحو أعطه شيئا ما، أو نوعية نحو اضربه ما، ويجوز أن تكون استفهامية خبرا لكنت: أي أي شئ كنت، ويكون " غير لئيمة " صفة لكنة، والروضة المحلال: التى تحمل المار بها على الحلول حولها للنظر إلى حسنها وبهجتها، والصوت الصلب: الشديد، بضم الصاد وتشديد اللام، والبلبال: الغم والحزن، وتبادر: من " بادره " أي سبقه، وفاعله ضمير الكنة، و " وليدنا " مفعوله، والمراد بالشتاء زمن القحط، فإن الشتاء زمن الشدة عند العرب لعدم نبات الارض، والوليد: الصبى الصغير، والخادم أيضا، والجعال - بكسر الجيم - الخرقة ينزل بها القدر، يريد أنها لا شره لها للطعام، وهذا أمر ممدوح، ويجوز في القدر رفعها ونصبها ونسب ابن عصفور البيت إلى لبيد العامري الصحابي رضى الله تعالى عنه
وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس والتسعون (من الوافر): 96 - أألخير الذى أنا أبتغيه * أم الشر الذى هو يبتغينى على أن همزة الوصل في الخير بين، وقبله: وما أدرى إذا يممت وجها * أريد الخير أيهما يلينى قال الفراء عند تفسير قوله تعالى (أفمن كان على بينة من ربه) قال: أيهما (1) وأما ذكر الخير وحده فلان المعنى يعرف أن المبتغى للخير متق للشر، انتهى
__________
(1) يريد أي الشخصين أقرب إلى الخير: من كان على بينة من ربه، ومن لم يكن (*)

وسميت: قصدت، والوجه: الجهة، والخير والشر - بالرفع - بدل من قوله " أيهما، ولهذا قرن بحرف الاستفهام والبيتان آخر قصيدة للمثقب العبدى، وقد شرحناهما في شرح الشاهد التاسع والتسعين بعد الثمانمائة من شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع والتسعون (من البسيط): 97 - * أستحدث الركب من أشياعهم خبرا * على أن همزة " أستحدث " للاستفهام، وهمزة الوصل محذوفة، ولا لبس لاختلاف حركتيهما، فإن همزة الاستفهام تكون مفتوحة، وهمزة الوصل تكون مكسورة، فلما فتحت الهمزة من " أستحدث " علم أنها استفهامية لا همزة وصل، والاصل أإستحدث، فحذفت همزة الوصل وهذا الصمراع صدره، وعجزه: * أو راجع القلب من أطرا به طرب * قال الجوهرى: واستحدثت خبرا: أي وجدت خبرا جديدا، وأنشد هذا البيت:
وهو من قصيدة طويلة لذى الرمة مطلعها: ما بال عينك منها الماء ينسكب * (كأنه من كلى مفرية سرب) وبعده أستحدث الركب...البيت قال الاصمعي في شرحه: أستحدث: استفهام، يقول: بكاؤك وحزنك الخبر حدث أم راجع قلبك طرب ؟ والطرب: استخفاف القلب في فرح كان أو في حزن، والاشياع: الاصحاب، والركب والركبان، أصحاب الابل، راكب وركب مثل صاحب وصحب، انتهى

قال ابن رشيق في العمدة: ومن مليح ما رويته في الموازنة والتعديل قول ذى الرمة: أستحدث الركب من أشياعهم خبرا * أم راجع القلب من أطرابه طرب (لان قوله " أستحدث الركب ") (1) موازن لقوله " أم راجع القلب " وقوله " عن أشياعهم خبرا " موازن لقوله، " من أطرابه طرب " وذو الرمة: شاعر في الدولة الاموية، عصرى الفرزدق وجرير وتقدمت ترجمته في الشاهد الثامن من أول شرح شواهد الكافية وأنشد بعده (من الرجز) * فبات منتصبا وما تكردسا * وتقدم شرحه في الشاهد التاسع من هذا الكتاب وأنشد هنا الجاربردى، وهو الشاهد الثامن والتسعون (من البسيط) 98 - وقمت للزور مرتاعا وأرقني * فقلت أهى سرت أم عادني حلم على أن سكون الهاء من " أهى " عارض، ولهذا لم يؤت بألف الوصل،
والاسكان مع همزة الاستفهام قليل، وقيل: ضعيف.
والبيت من قصيدة للمرار العدوى، وقبله: زارت رويقة شعثا بعد ما هجعوا * لدى نواحل في أرساغها الخدم يقول: زار خيال رويقة قوما شعثا غبرا بعد ما ناموا عند إبل ضوامر شدت في أرساغها سيور القد لشدة سيرها وتأثير الكلال فيها.
والزور: مصدر من الزائر المراد به طيفها، يريد أنى قمت لاجل الطيف
__________
(1) سقطت هذه العبارة من أصول الكتاب، وانظر (العمدة لابن رشيق: 2 - 19 طبع المكتبة التجارية) (*)

منتبها مذعورا للقائه، وأرقني لما لم يحصل اجتماع محقق، ثم ارتبت لعدم الاجتماع: هل كان على التحقيق أو كان ذلك في المنام ؟ ويجوز أن يريد فقمت للطيف وأنا في النوم إجلالا في حال كونى مذعورا لاستعظامها، وأرقني ذلك لما انتبهت فلم أجد شيئا محققا، ثم من فرط صبابته شك أهى في التحقيق سرت أم كان ذلك حلما، على عادتهم في مبالغاتهم.
وقد تكلمنا عليه وعلى غالب القصيدة وترجمة قائلها في شرح الشاهد التاسع والسبعين بعد الثلثمائة من شرح شواهد شرح الكافية.
الوقف أنشد فيه، وهو الشاهد التاسع والتسعون (من المتقارب) 99 - * وآخذ من كل حى عصم * على أن أصله عصما، ووقف عليه في لغة ربيعة بالسكون، فإنهم يجيزون تسكين المنصوب المنون في الوقف.
وهذا المصراع من قصيدة للاعشى ميمون مدح بها قيس بن معدى كرب،
وقبله: - ويهماء تعزف جنانها * مناهلها آجنات سدم قطعت برسامة جسرة * عذافرة كالفنيق القطم إلى المرء قيس أطيل السرى * وآخذ من كل حى عصم قوله " ويهماء " الواو واو رب -، واليهماء - بفتح المثناة التحتية -: الفلاة التى لا يهتدى فيها، وتعزف - بالعين المهملة والزاى المعجمة - أي: تصوت، والجنان - بكسر الجيم - جمع جان، والمنهل: المورد، والاجن: الماء التغير المطعم واللون، والسدم - بضم السين والدال المهملتين - وهى البئر المدفونة، وقوله " قطعت " جواب رب المقدرة، وهو العامل في محل يهماء النصب، والرسامة:

الناقة التى تؤثر في الارض من شدة الوطء، والجسرة - بفتح الجيم - الناقة القوية، ومثلها العذافرة، والفنيق - بفتح الفاء وكسر النون - الفحل العظيم الخلق، والقطم - بفتح القاف وكسر الطاء - وصف من قطم الفحل بالكسر: أي هاج للضراب، وهو في هذه الحالة أقوى ما يكون، وقوله " إلى المرء " أراد المرء المستغرق لخصائص أفراد الرجال، وقيس: بدل منه أو عطف بيان، والسرى: السير، وهذه طريقة المتقدمين في التخلص إلى المديح، وهو أنهم يصفون الفيافي وقطعها بسير الابل وذكر ما يقاسون من الشدائد في الوصول إلى الممدوح ليوجبوا عليه ذمة ويجزل لهم الصلة والاكرام، و " آخذ " معطوف على أطيل، والحى: القبيلة، والعصم: مفعول آخذ، قال ابن جنى: هو بضمتين جمع عصام، وعصام القربة، وكاؤها وعروتها أيضا، يعنى عهدا يبلغ به وقال ابن هشام صاحب السيرة النبوية: هو بكسر ففتح جمع عصمة، وهى الحبل والسبب، وإنما كان يأخذ من كل قبيلة إلى أخرى عهدا لان له في كل قبيلة
أعداء ممن هجاهم أو ممن يكره ممدوحه فيخشى القتل أو غيره فيأخذ عهدا ليصل بالسلامة إلى ممدوحه.
وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا في شرح الشاهد الرابع والعشرين بعد الثلاثمائة من شرح شواهد شرح الكافية.
وأنشد هنا قول الشاطبي رحمه الله، وبه توفى المائة.
100 - وفى هاء تأنيث وميم الجميع قل * وعارض شكل لم يكونا ليدخلا وفى الهاء للاضمار قوم أبوهما * ومن قبله ضم أو الكسر مثلا أو اماهما واو وياء، وبعضهم * يرى لهما في كل حال محللا على أن ابن الحاجب ظن أن الشاطبي أراد بقوله " وبعضهم يرى لهما في كل حال

محللا " كل حال من أحوال هاء التأنيث وميم الجمع وعارض الشكل وهاء المذكر، كما وهم بعض شراح كلامه أيضا، فأجاز ابن الحاجب بناء على هذا الوهم الروم والاشمام في الاربعة، وإنما معنى قول " الشاطبي في كل حال " من أحوال هاء الضمير فقط.
أقول: شرح الجعبرى كما ذكره الشارح، ثم نقل أن بعضهم جعله عاما في هذه الثلاثة وغيرها، قال: وتوهم بعضهم في كل حال من أحوال الحرف الموقوف عليه، ومنها النصب، وهذا صرف للكلام إلى غير ما فرض، وغلط في النقل، انتهى وكذا شرح أبو شامة، على ما ذكره الشارح المحقق، وكذا شرح السمين، لكنه عمم في آخر كلامه، وهذه عبارته: قوله " وبعضهم يرى لهما في كل حال محللا " إشارة إلى أن بعض أهل الاراء حلل الروم والاشمام: أي جوزهما: في هاء الاضمار في كل حال، حتى في الحال التى منع فيها، وهى ما إذا كانت الهاء مضمومة بعد ضمة أو واو مكسورة بعد كسرة أو ياء، فيروم ويشم ونحو (يعلمه) و (بمزحزحه) و (عقلوه)
و (لابيه)، وممن ذهب إلى جواز الروم والاشمام مطلقا أبو جعفر النحاس، وليس هو مذهب القراء.
وقد تحصل مما تقدم أن الامر دائر في الروم والاشمام بين ثلاثة أشياء: استثناء هاء التأنيث وميم الجمع والحركة العارضة، وهذا أشهر المذاهب، الثاني استثناء هذه الثلاثة مع هاء الكناية بالشرط المتقدم عند بعض أهل الاراء، الثالث عدم استثناء شئ من ذلك، وهو الذى عبر عنه بقوله " وبعضهم يرى لهما في كل حال محللا " انتهى كلامه.
فقوله " وهذا أشهر المذاهب " يؤكد (1) ما حكاه ابن الحاجب من جوازهما في الثلاثة أيضا، وقول الشارح المحقق " لم أر أحدا من القراء ولا من النحاة ذكر أنهما يجوزان في أحد الثلاثة " وهم، فإن بعض القراء صرح بجوازهما في ميم
__________
(1) في نسخة " يؤيد " (*)

الجمع، قال أبو شامة والسمين: وما ذكره الناظم من منع الروم والاشمام في ميم الجمع هو المشهور، وهو اختيار أبى عمرو الدانى وغيره، وخالف في ذلك مكى فجوزهما فيها، قال (مكى): ميم الجمع أغفل القراء الكلام عليها، والذى يجب فيها على قياس شرطهم أن يجوز فيها الروم والاشمام، لانهم يقولون: لا فرق بين حركة الاعراب وحركة البناء في جواز الروم والاشمام، فالذي يشم ويروم حركة النص غير مفارق له، والذى لا يروم حركة الميم خارج عن النص بغير رواية، اللهم إلا أن يوجد الاستثناء فيها منصوصا، فيجب الرجوع إليه إذا صح، وليس ذلك بموجود، ومما يقوى جواز ذلك فيها نصهم على هاء الكناية بالروم والاشمام، فهى مثل الهاء لانها توصل بحرف بعدها حركة، كما توصل الهاء، وتحذف ذلك الحرف في الوقف كما تحذف مع الهاء، فهى مثلها في هذا، غير أن
الهاء أخفى منها، فلذلك امتنعت الهاء من الروم والاشمام إذا كانت حركتها مثل حركة ما قبلها أو كان قبلها ساكن من جنس حركتها، وهذا لا يكون في الميم، لانها ليست بالخفية، ولو كانت في هذا مثل الهاء لم يجز الاشمام في يقوم ويحكم، وليس في جوازه اختلاف، وليس قول من يمنع ذلك لان الميم من الشفتين بشئ، لاجماع الجميع على الروم والاشمام في الميم التى في أواخر الافعال والاسماء التى ليست للجمع، ولو تم له منع الاشمام فيها لم يتم له منع الروم، إلى آخر ما فصله.
قال السمين: فمكي جوز ذلك فيها لثلاثة أوجه: أحدها الدخول في عموم نص القراء على جوازهما في المتحرك، ولم يستثنوا من ذلك ميم الجمع، فالمتمسك بذلك فيها غير خارج عن النص ولا مفارق له، الثاني القياس على هاء الاضمار، بل جعل الميم أولى بذلك لعدم خفائها، الثالث إفساد علة من علل منعهما فيها بأنها من حروف الشفتين، وقد أغلظ الدانى في الرد على مكى، وفرق بين ميم

الجمع وهاء الكناية، ورد على الدانى في ذلك كما فصله السمين وقول الشاطبي: " وفى هاء تأنيث " قال أبو شامة: هذا مشروع فيما يمتنع فيه الروم والاشمام على رأى القراء، والالف في " يكونا " و " ليدخلا " يرجع إلى الروم والاشمام، أي: لم يقعا في هذه المواضع الثلاثة حيث كانت، انتهى، ومفهومه أنهما يجوزان في الثلاثة عند غير القراء وقوله " وعارض شكل " قال السمين: أي عارض الحركة، وذلك على قسمين: الاول ما عرض تحريكه لالتقاء الساكنين، نحو: (ومن يشاق الله) (وإن امرؤ) و (قالت اخرج) و (قل الله) والثانى ما عرض تحريكه بالنقل، نحو: (من استبرق) و (من أجل ذلك) و (قد افلح) وكلا القسمين ممتنع
فيه الروم والاشمام، ثم قال: واعلم أنهما يمتنعان في حركة التقاء الساكنين، إذا كان الساكنان من كلمتين، نحو (ومن يشاق الله) و (عصوا الرسول) أو من كلمة واحدة وأحدهما التنوين، نحو يومئذ وحينئذ، أما إذا كان الساكنان في كلمة واحدة وليس أحدهما تنوينا فإن الروم والاشمام جائزان في تلك الحركة وإن كانت حركة التقاء الساكنين، لوجود علة الحركة وصلا ووقفا، وذلك نحو (ومن يشاق الله) فالروم فيه غير ممتنع، لان الساكن الذى وجدت الحركة من أجله موجود في الوصل والوقف، بخلاف ما مر، فإن الساكن الذى وجدت الحركة من أجله معدوم في الوقف حيث كان بعضه من كلمة أخرى، وفى بعضه تنوينا، وبهذا يعلم أن إطلاق من أطلق منع دخول الروم والاشمام في حركة التقاء الساكنين ليس بجيد، انتهى وهذا أيضا يرد على الشارح في قوله " لم أرد أحدا من القراء أجازهما في أحد الثلاثة المذكورة " وقول الشاطبي " وفى الهاء للاضمار " إلى آخر البيتين، قال السمين: أخبر

عن قوم من أهل القرآن أنهم أبو أي امتنعوا من الروم والاشمام في هاء الضمير بشرط أن يكون قبلها ضمة أو كسرة أو واو أو ياء ساكنة، وذلك نحو (يعلمه) و (بمزحزه) و (عقلوه) و (لابيه) فكل هذه الامثلة الاربعة وما أشبهها لايدخل فيها روم ولا إشمام.
وقوله " وفى الهاء " الظاهر أنه متعلق بمقدر: أي أعنى في الهاء، ولا يجوز تعلقه بقوله " أبوهما " لان القاعدة تمنع من تقديم المعمول حيث لا يتقدم العامل عندهم، و " أبوهما " لا يجوز تقديمه على " قوم " لانه صفة له أو خبر، وعلى كلا التقديرين تقديمه ممتنع، لان الصفة لا تتقدم على موصوفها والخبر الفعلى لا يتقدم على مبتدئه (1)
وقوله " للاضمار " حال من الهاء أي كائنة للاضمار، وقوله " قوم " مبتدأ، وفى خبره قولان: أحدهما أنه محذوف تقديره ومن القراء قوم، " وأبوهما " على هذا في موضع النعت للمبتدأ، والثانى أنه قوله " أبوهما " وحينئذ يقال: ما المسوغ للابتداء بقوم، وهو نكرة ؟ والجواب أن المسوغ له العطف، وهو معدود من المسوغات، والاباء: الامتناع، وقوله " ومن قبله ضم " مبتدأ مؤخر قدم خبره عليه، والهاء في " قبله " فيها وجهان ذكرهما أبو شامة: أحدهما أنه تعود على الاضمار، وهذا وإن كان مساعدا له من حيث اللفظ إلا أنه غير ظاهر من حيث المعنى إذ الاضمار معنى من المعاني، فلا يتحقق أن يكون قبله ضم، والثانى أنها تعود على الهاء، وهذا واضح: أي ومن قبل الهاء ضم، قال أبو شامة: ولو قال قبلها لجاز على هذا، وكان أحسن
__________
(1) هذا الذى ذكره من أن الخبر الفعلى لايتقدم على المبتدأ ليس على إطلاقه بل هو مخصوص بما إذا كان الفعل مسندا إلى ضمير الواحد نحو قولك " محمد حضر " فأما إذا كان الفعل مسندا إلى ضمير الاثنين نحو " المحمدان حضرا " أو إلى ضمير الجمع نحو " المحمدون حضروا " فانه يجوز التقديم فتقول: حضرا المحمدان، وحضروا المحمدون.
(*)

لانه أوضح، والوزن موات له، والجملة من قوله " ومن قبله " ضم في موضع الحال من الهاء: أي أبوهما في الهاء للاضمار والحال أن قبلها ضما أو كسرا، وقوله " أو الكسر " عطف على " ضم " عطف معرفة على نكرة، وأو للتنويع، وقوله " مثلا " جملة فعلية في موضع الحال أو في موضع رفع، فإن كانت حالا ففى صاحبها ثلاثة أوجه: أحدها أنه الكسر، والثانى أنه الضم، فإن قيل: كيف ساغ مجيئها من نكرة ؟ فجوابه أن سيبويه، يرى ذلك، أو تقول: العطف يسوغه كما سوغ الابتداء، وقد ذكروا أن كل ما سوغ الابتداء بنكرة سوغ مجئ الحال منها، والثالث أنه الضمير
المستتر في الخبر، وهو قوله " ومن قبله "، وهو في الحقيقة راجع لاحد القولين المتقدمين، فإن الضمير المستتر عائد على الضم أو الكسر، وحيث جعلناه حالا من أحدهما فالحال في الاخر مرادة، وإنما استغنى عنها لدلالة المعنى، ولان العطف بأو، وهو يقتضى الافراد، وإن كانت في موضع رفع فهى صفة لقولهم ضم، وحينئذ يكون الحال من قوله " أو الكسر " لدلالة صفة الاول عليها، فإنه لا فرق بين الصفة والحال معنى، والالف في " مثلا " الظاهر أنها للاطلاق، لان العطف بأو، وجوز أبو شامة أن تكون للتثنية، فتعود على قوله ضم أو الكسر، ومعنى مثل شخص من مثل بين يديه: أي شخص، ومنه قول العلماء: مثل له المسألة: أي شخصها له، وقوله " أو اماهما " أو عاطفة على ضم أو كسر، فالضمير في " أماها " للضم والكسر، ويعنى بأميهما الواو والياء، ولذلك بينهما بقوله " واو وياء " أي: أم الضم الواو وأم الكسر الياء، فهو من باب اللف والنشر، لان كل واحد يليق بصاحبه للتجانس المعروف، ونقل حركة همزة " أما هما " إلى واو " أو " فضمها، وأسقط همزة " أما هما " على قاعدة النقل، وأم الشئ: أصله، وقوله " واو وياء " بدل من أما هما، وقوله " أو اماهما " بناء منه على المذهب الصحيح، وهو أن الحرف أصل الحركة، والحركة متولدة منه، وقيل بالعكس

وقد سبق الناظم إلى هذه العبارة الحصرى في قصيدته المشهورة حيث يقول (من الطويل): وأشمم ورم ما لم تقف بعد ضمة * ولا كسرة أو بعد أميهما فادر وقوله " وبعضهم " مبتدأ، والضمير للقراء، للعلم بهم، و " يرى " مبنى للمفعول، ومرفوعه ضمير بعضهم، و " لهما "، و " في كال حال " متعلقا منه بمحللا، ومحللا: مفعول ثان للرؤية، والمحلل: اسم فاعل من حلل الشئ تحليلا: أي
جعله حلالا، ضد حرمه، إذا منعه: أي أن بعضهم أباح ذلك في كل حال والشاطبى: هو القاسم (1) بن فيرة بن خلف بن أحمد الرعينى الشاطبي نسبة إلى شاطبة قرية بجزيرة الاندلس كان إماما في القرآن والحديث والنحو واللغة في شدة ذكاء، وكراماته تلوح منه، ولد آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، فيكون عمره أقل من اثنين وخمسين سنة (2)، وهذه القصيدة في القراءات السبع سماها حرز الامانى ووجه التهانى، ولها شروح تفوت الحصر، وأجلها هذه الشروح الثلاثة، وشرح، الامام علم الدين السخاوى تلميذ المصنف، وهو أول من شرحها، وشرح أبى عبد الله الفاسى، رحمهم الله تعالى ونفعنا بعلومهم وأنشد بعده، وهو الشاهد الواحد بعد المائة (من الرجز) 101 - * بل جوز تيهاء كظهر الحجفت *
__________
(1) في الاصول " هو أبو القاسم " وليس صحيحا، والتصويب عن بغية الوعاة للسيوطي (2) هذه التفريع غير ظاهر، لانه إنما يتم بعد ذكر سنة وفاته، وجميع أصول الكتاب خالية من ذلك، وقد توفى القاسم بن فيرة في جمادى الاولى من عام 590 تسعين وخمسمائة من الهجرة، وانظر ترجمته في البغية (379) (*)

على أنه يجوز الروم والاشمام عند من يقف بالتاء، فيجوز في " الحجفت " الروم دون الاشمام قال السمين في شرح الشاطبية: وفى قول الناظم رحمه الله تعالى " وفى هاء تأنيث " شبهة على أنه لو لم تبدل التاء هاء في الوقف، وذلك كما رسمت بعض التاءات بالتاء دون الهاء، نحو (جنت نعيم) و (رحمت ربك) و (بقيت الله فإن الروم والاشمام بعد خلاف تلك التاء لانتفاء العلتين المانعتين من روم الهاء
وإشمامها، أعنى كون الحركة فيها نفسها وكونها غير مشبهة ألف التأنيث، وقد نص مكى على ذلك، فقال: لم يختلف القراء في هاء التأنيث أنهم يقفون عليها بالاسكان، ولا يجوز الروم والاشمام فيها، لان الوقف على حرف لم يكن عليه إعراب إنما هو بدل من الحرف الذى كان عليه الاعراب، إلا أن تقف على شئ منها بالتاء إتباعا لخط المصحف، فإنك تروم وتشم إذا شئت، لانك تقف على الحرف الذى كانت الحركة لازمة له فيحسن الروم والاشمام، انتهى وقال ابن جنى في سر الصناعة: من العرب من يجرى الوقف مجرى الوصل فيقول في الوقف: هذا طلحت، وعليه السلام والرحمت، وأنشدنا أبو على: * بل جوزتيهاء كظهر الحجفت * انتهى وقال الصاغانى في العباب: ومن العرب من إذا سكت على الهاء جعلها تاء، وهو طيئ، فقال: هذا طلحت، وخبز الذرت وقال ابن المستوفى أيضا: وجدت في كتاب أنها لغة طيئ وقوله " بل جوزتيهاء " قال الصاغانى في " بل ": ربما وضعوا بل موضع رب، قال سؤر الذئب * بل جوزتيهاء كظهر الحجفت *

أي: رب جوزتيهاء، كما يوضع الحرف موضع غيره، والجوز - بفتح الجيم وآخره زاى معجمة - الوسط، وجوز كل شئ: وسطه، والجمع أجواز، والتيهاء - بفتح المثناة الفوقية - المفازة التى يتيه فيها سالكها: أي يتحير، والحجفة - بفتح الحاء المهملة والجيم والفاء - الترس، قال عبد القاهر: يقولون تيهاء كظهر المجن، يريدون الملاسة، وقال ابن المستوفى: شبه التيهاء بظهر
المجن في الملاسة، والشئ قد يشبه بالشئ ويراد منهما معنى فيهما، " كظهر الحجفت " إنما أراد أن التيهاء ملساء لا أعلام فيها كظهر الحجفة ملاسة، ولم يرد أنها مثله في المقدار، انتهى وذكر الوسط ليدل على أنه توسط المفازة ليصف نفسه بالقوة والجلادة، قال صاحب العباب: يقال للترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب: حجفة، ودرقة، وأنشد البيت لسؤر الذئب، وكذا قال الجوهرى، وقال: قال الراجز: ما بال عينى عن كراها قد جفت * مسبلة تستن لما عرفت دارا لليلى بعد حول قد عفت * بل جوزتيهاء كظهر الحجفت انتهى.
قال ابن برى في أماليه على الصحاح: هذا الرجز لسؤر الذئب، وصواب إنشاده: ما بال عينى عن كراها قد جفت * وشفها من حزنها ما كلفت كأن عوارا بها أو طرفت * مسبلة تستن لم عرفت دارا لليلى بعد حول قد عفت * كأنها مهارق قد زخرفت تسمع للحلى إذا ما انصرمت * كزجل الريح إذا ما زفزفت

ما ضرها أم ما عليها لو شفت * منيما بنظرة وأسعفت (1) بل جوزتيهاء كظهر الحجفت * قطعتها إذا المها تجوفت مأزقا إلى ذراها أهدفت (2) انتهى ما أورده وقوله " ما بال عينى " ما استفهامية مبتدأ، وبال: خبره، والبال: الشأن والحال،
وعن: متعلقة بجفت، والكرى: النوم، قال الخوارزمي: جفت أي انقطعت عن كراها، انتهى.
وهو بالجيم، وهو من جفا الشئ عن كذا وتجافى عنه: أي نبا عنه وتباعد، وجملة " قد جفت " حال من العين، و " شفها " من شفه الهم يشفه: أي هزله وأنحله، و " كلفت " بالبناء للمفعول، والعوار - بضم العين وتشديد الواو، وهو ما يسقط في العين فتدمع، يقال: بعينه عوار: أي قذى، ومثله العائر، " وطرفت " بالبناء للمفعول، من طرفت عينه طرفا - من باب ضرب - إذا أصبتها بشئ، فدمعت.
فهى مطروفة، ومسلبة: أي تصب دمعها، من أسبلت الماء: أي صببته، وتستن: تجرى بدمعها، من سننت الماء، إذا أرسلته إرسالا من غير تفريق، وقوله " دارا لليلى " مفعول عرفت، وعفت: ذهبت آثارها وانمحت معالمها، وقوله " كأنها " أي كأن ليلى،
__________
(1) في اللسان (ح ج ف) زيادة بيت بعد هذا البيت وهو * قد تبلت فؤاده وشغفت * (2) في اللسان (ح ج ف - أرن) " مآرنا إلى ذراها - الخ " والمآرن: جمع إران على غير لفظه كمحاسن ومشابه، أو جمع مئران، وهو كناس الوحش، وأصله على هذا الوجه مآرين، كما قال جرير: قد بدلت ساكن الارام بعدهم * والباقر الخنس يبحثن المآرينا فحذف الياء كما حذفت في قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) وكما قال الراجز وجمع عوارا: * وكحل العينين بالعواور * (*)

والمهارق: جمع مهرق، وهى الصحيفة البيضاء يكتب (1) فيها، شبهها بالكاغد لصقالته وبياضه ونعومته، وزخرفت: زينت بالذهب، والزخرف: الذهب،
والحلى - بفتح فسكون - ما تتزين به المرأة كالخلخال والسوار، وانصرفت: ذهبت فمشت، وزجل الريح: صوتها، وهو بفتح الزاى والجيم، وزفزفت - بزاءين معجمتين وفاءين - أي هبت بشدة، وقوله " قطعتها " هو جواب رب المقدرة بعد بل، والمها - بالفتح -: جمع مهاة، وهى البقرة الوحشية، والمآزق: جمع مأزق، وهو المضيق، وذراها - بفتح الذال - أي: ناحيتها، وأهدفت: قربت، قال شمر: الاهداف الدنو من الشئ والاستقبال له وأنشد الجاربردى بعد هذا البيت، وهو الشاهد الثاني بعد المائة (من الرجز) 102 - * بل مهمه قطعت بعد مهمه * على أن رب بعد بل مقدرة، والجر بها والمهمه: المفازة البعيدة الاطراف، ومفعول " قطعت " محذوف، وهو ضمير المهمه: أي قطعتها وتجاوزتها وهذا البيت نسب إلى رؤبة، ورجعت إلى ديوانه فلم أجده فيه، ونسب إلى والده العجاج، قال العينى: لم أجده في ديوانه، والله تعالى أعلم وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث بعد المائة (من الرجز): 103 - ورب ضيف طرق الحى سرى * صادف زادا وحديثا ما اشتهى
__________
(1) هو فارسي معرب، وزنته كزنة اسم المفعول من الرباعي، قال حسان: كم للمنازل من شهر وأحوال * لال أسماء مثل المهرق البالى (*)

* إن الحديث جانب من القرى * على أن السيرافى استدل على كون الاف لام الكلمة في الاحوال أنها
جاءت رويا في النصب، فألف " سرى " لام الكلمة، لا أنها بدل من نون التنوين للوقف، إذ لا يجوز أن تكون رويا مع الالف الاصلية كألف " اشتهى " و " القرى " وبما حقق الشارح المحقق من مذهب سيبويه يرد على ابن هشام اللخمى في شرح المقصورة الدريدية عند قوله (من الرجز) فاستنزل الزباء قسرا وهى من * عقاب لوح الجو أعلى منتمي (1) قال في شرحه: قوله " منتمي " قد غلط فيه، لان العرب لا تقف بالتنوين، ومنتمي هنا منصوب على التمييز، والوقف فيه عند سيبويه على الالف المبدلة من التنوين، هذا كلامه.
وقال أبو حيان في الارتشاف: " والمقصور المنون يوقف عليه بالالف، وفيه مذاهب: أحدها أن الالف بدل من التنوين، واستصحب حذف الالف المنقلبة.
وصلا ووقفا، وهو مذهب أبى الحسن والفراء والمازني وأبى على في التذكرة، والثانى أنها الالف المنقلبة، لما حذف التنوين عادت مطلقا، وهو مروى عن أبى عمرو والكسائي والكوفيين وسيبويه والخليل فيما قال أبو جعفر الباذش، والثالث اعتباره بالصحيح، فالالف في النصب بدل من التنوين، وفى الرفع والجر هي بدل من لام الفعل، وذهب إليه أبو على في أحد قوليه، ونسبه أكثر الناس إلى سيبويه ومعظم النحويين، انتهى.
وهذا من رجز أورده أبو تمام في باب الاضياف والمديح من الحماسة، قال: وقال الشماخ في عبد الله بن جعفر بن أبى طالب أخى أسد الله على كرم الله وجههما.
__________
(1) لوح الجو - بضم اللام - أعلاه (*)

إنك يا ابن جعفر خير فتى * ونعم مأوى طارق إذا أتى
ورب ضيف طرق الحى سرى * صادف زادا وحديثا ما اشتهى إن الحديث طرف من القرى * ثم اللحاف بعد ذاك في الذرى انتهى.
وفى الاغانى أن الشماخ خرج يوما يريد المدينة، فلقيه عرابة بن أوس، وكان سيدا من سادات قومه، وجوادا، فسأله عما أقدمه المدينة، فقال: أردت أن أمتار لاهلي، وكان معه بعيران، فأوقرهما له برا وتمرا، وكساه وبره وأكرمه، فخرج عن المدينة وامتدحه بقصيدته التى يقول فيها (من الوافر) رأيت عرابة الاوسي يسمو * إلى الخيرات منقطع القرين إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين ولما سمع ابن دأب كلام الشماخ في عبد الله بن عبد جعفر بن أبى طالب * إنك يا ابن جعفر نعم الفتى * إلى آخر الابيات، قال: العجب للشماخ، يقول هذا في عبد الله بن جعفر، ويقول في عرابة بن أوس: إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين ابن جعفر كان أحق بهذا من عرابة، انتهى.
قال عبد اللطيف البغدادي في شرح نقد الشعر لقدامة قول الشماخ: * رأيت عرابة الاوسي * البيت - معناه علمته كذا وصح عندي ذلك منه، ويجوز أن يكون هنا بمعنى أبصرته، وهو الامثل عندي، ويكون " يسمو " حالا، وذلك أن المشاهدة أدل شئ على صحة الامر، فلا دليل أقوى منها، والخيرات هي: الافعال المعتدلة المتوسطة بين طرفين هما شر، فكأنه قال: شاهدت منه أفعال الخير والفضائل، وقوله " إذا ما راية رفعت لمجد " هذا استعارة: أي إذا حدث أمر يقتضى فعل مكرمة ويفتقر فيه أن يضطلع به رب فضيلة وشرف تلقاها

عرابة باليمين: أي بقوة وبطش واجتهاد وانشراح صدر، وفى قوله " تلقاها " ما يشعر بهذا المعنى أشد من قوله أخذها، وهذا البيت دل به على الاخلاق العتيدة والفضائل النفسية، وأما البيت الاول فدل به على الافعال الحميدة والخيرات المشاهدة، فصار البيت الاول توطئة للثاني، وكالدال عليه والمثبت له، فإن الافعال المشاهدة سابقة في الاحساس لما في النفس ودالة عليه، فتلمح ذلك وأعجب لشرف طباع هؤلاء كيف تسمو بهم جودة القريحة وصحة الفكرة والروية إلى مثل هذا، انتهى كلامه.
ومثله للمبرد في الكامل قال: قوله " تلقاها عرابة باليمين " قال أصحاب المعاني معناه بالقوة، وقالوا مثل ذلك في قوله تعالى (والسموات مطويات بيمينه) وقال معاوية لعرابة بن أوس الانصاري: بم سدت قومك ؟ قال: لست بسيدهم، ولكني رجل منهم، فعزم عليه، فقال: أعطيت في نائبتهم، وحملت عن سفيههم وشددت على يدى حليمهم، فمن فعل منهم مثل فعلى فهو مثلى، ومن قصر عنه فأنا أفضل منه، ومن تجاوزني فهو أفضل منى، وكان سبب ارتفاع عرابة أنه قدم من سفر فجمعه الطريق والشماخ بن الضرار المرى فتحادثا، فقال له عرابة: ما الذى أقدمك المدينة ؟ قال: قدمت لامتار منها، فملا له عرابة رواحله برا وتمرا وأتحفه بغير ذلك، فقال الشماخ * رأيت عرابة الاوسي يسمو * إلى آخر الابيات انتهى.
وأما عبد الله بن جعفر الطيار بن أبى طالب فقد قال ابن عبد ربه (1) في العقد الفريد: أجواد أهل الاسلام أحد عشر رجلا في عصر واحد لم يكن قبلهم ولا بعدهم مثلهم، فأجواد أهل الحجاز ثلاثة في عصر واحد: عبيد الله بن العباس، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن العاص، إلى أن قال: ومن جود عبد الله بن جعفر أن عبد الرحمن بن
__________
(1) انظر العقد الفريد لابن عبد ربه (1: 112) (*)

عمار (1) دخل على نخاس يعرض قيانا له، فعلق واحدة منهن، فشهر بذكرها حتى مشي إليه عطاء وطاووس ومجاهد يعذولنه، فكان جوابه (من البسيط) يلومني فيك أقوام أجالسهم * فما أبالى أطار اللوم أم وقعا فانتهى خبره إلى عبد الله بن جعفر، فلم يكن له هم غيره، فحج فبعث إلى مولى الجارية، فاشتراها منه بأربعين ألف درهم، وأمر قيمة جواريه أن تزينها وتحليها ففعلت، وبلغ الناس قدومه فدخلوا عليه، فقال: ما لى لا أرى ابن عمار (1) زارنا ؟ فأخبر الشيخ، فأتاه مسلما، فلما أراد أن ينهض استجلسه، ثم قال: ما فعل حب فلانة ؟ قال: في اللحم والمخ والعصب ! قال: أتعرفها لو رأيتها ؟ قال (2) نعم، فأمر بها مباركا لك فيها، فلما ولى قال: يا غلام، احمل معه مائة ألف درهم ينعم بها معها، فبكى عبد الرحمن وقال: يا أهل البيت، لقد خصكم الله بشرف ما خص به أحدا قبلكم من صلب آدم، فهنيئا لكم هذه النعمة وبورك لكم فيها، ومن جوده أيضا أنه أعطى أمرأة سألته مالا عظيما، فقيل له: إنها لا تعرفك، وكان يرضيها اليسير، قال: إن كان يرضيها اليسير فإنى لا أرضى إلا بالكثير، وإن كاتت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي، هذا ما أورده ابن عبد ربه.
وزعم الخطيب التبريزي في شرح الحماسة، وتبعه العينى، أن المخاطب بقوله * إنك يا ابن جعفر * إلى آخر الشعر، هو عبد الله بن جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنه، وهذا لا يصلح، فإن الشماخ صحابي وجعفر كان في زمن هارون الرشيد، والصواب أيضا أن يقول: جعفر الصادق بن محمد الباقر.
وقوله " خير فتى " أي الجامع المروءة، وقوله " ونعم مأوى طارق "
__________
(1) في العقد " بن أبى عمار " (2) في العقد " لو أدخلت الجنة لم أنكرها " (*)

الطارق: الذى يأتي ليلا، والمأوى: اسم مكان من أوى إلى منزله يأوى، من باب ضرب، أويا: أي قام، وهو فاعل " نعم "، وجاء الفاعل هنا منكرا على قلة، والكثير الغالب تعريفه باللام، حكى الاخفش أن ناسا من العرب يرفعون بنعم النكرة مفردة ومضافة، نحو نعم امرؤ زيد، ونعم صاحب قوم عمرو، وقد روى أيضا: إنك يا ابن جعفر نعم الفتى * وخيرهم لطارق إذا أتى وقوله " طرق الحى سرى " الطروق: الاتيان ليلا، والحى: القبيلة، والسرى: جمع سرية (1) بضم السين وفتحها، يقال: سرينا سرية من الليل بالضم والفتح، قال أبو زيد: ويكون السرى أول الليل وأوسطه وآخره، وهو في البيت على حذف: أي طروق سرى، وقال الخطيب التبريزي، وتبعه العينى: سرى أي ليلا، لان السرى لا يكون إلا ليلا، وقوله " صادف " جواب رب، وما: مصدرية ظرفية، والقرى: الضيافة، والذرى - بالفتح: الكنف والناحية.
وأنشد بعده وهو الشاهد الرابع بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه (من الرمل): 104 - وقبيل من لكيز شاهد * رهط مرجوم ورهط ابن المعل على أنه قد يحذف الالف المقصورة في ضرورة الشعر، كما حذف الالف هنا من " المعل "
__________
(1) الذى في اللسان والقاموس أن السرى بمعنى السرية - بضم السين أو فتحها - والذى نراه أنه سرى في هذا البيت منصوب على أنه مفعول مطلق أو على أنه
ظرف مثل قولك: أزورك قدوم الحواج (*)

قال سيبويه لا يقولون في جمل جمل، أي بسكون الميم، لان الفتحة أخف عليهم والالف، فمن ثمة لم تحذف الالف، إن لم يضطر شاعر فيشبهها بالياء، لانها أختها، وهى قد تذهب مع التنوين، قال لبيد رضى الله عنه حيث اضطر: وقبيل من لكيز شاهد * رهط مرجوم ورهط ابن المعل قال الاعلم: الشاهد فيه حذف ألف المعلى في الوقف ضرورة، تشبيها بما يحذف من الياءات في الاسماء المنقوصة، نحو قاض وغاز، وهذا من أقبح الضرورة، لان الالف لا تستثقل كما تستثقل الياء والواو، وكذلك الفتحة، لانها من الالف، انتهى.
وقال أبو على في المسائل العسكرية: ومما حذف في الضرورة مما لا يستحسن حذفه في حال السعة الالف (1) من " المعل " في القيافة تشبيها بالياء في قوله: * وبعض القوم يخلق ثم لا يفر * فكما حذفت الياء في القوافى والفواصل كذلك حذف منه الالف ولم يكن (ليحذف (2) لان من يقول: (ما كنا نبغ) يقول: (والليل إذا يغشى) فلا يحذف، كما أن الذين يقولون: " هذا عمرو " يقولون: رأيت عمرا، إلا أن " المعلى " في الضرورة لا يمتنع، للتشبيه، ويؤكد ذلك أن أبا الحسن قد أنشد (من الوافر): فلست بمدرك ما فات منى * بلهف ولا بليت ولا لواتى فقال " ليت " وهو يريد ليتنى، فحذف النون مع الضمير للضرورة، ثم
__________
(1) في الاصول " حذف الالف " وله وجه بعيد
(2) زيادة لابد منها (*)

أبدل من الياء الالف، ثم حذف، وقد يمكن أن يكون " يا ابن أم " على هذا كأنه محذوف منه مثل قول من قال (من الرجز): * يا ابنة عما لا تلومني واهجعي * فأبدل ثم حذف، وعلى هذا تأويل أبو عثمان قول من قرأ: " يا أبت لم تعبد " انتهى أقول: ألف " يا ابن أم " وألف " يا أبت " كلمة، لانها ضمير المتكلم فهى مستقلة، وليست كألف المعلى، فإنها جزء كلمة، فليست مثلها، واعتبر ابن عصفور في كتاب الضرائر حذف اللام الثانية مع الالف، قال: وقد يحذف المشدد ويحذف حرف بعده، ومن ذلك قول لبيد: * ورهط ابن المعل * يريد المعلى، وقول النابغة: (من الوافر) إذا حاولت في أسد فجورا * فإنى لست منك ولست من يريد منى، انتهى وعد بيت النابغة من الضرورة غير جيد، قال سيبويه في " باب ما يحذف من الاسماء من الياءات في الوقف التى لا تذهب في الوصل (ولا يلحقها تنوين) (1): وتركها في الوقف أقيس وأكثر، لانها في هذه الحال، ولانها ياء لا يلحقها التنوين على كل حال، فشبهوها بياء " قاضى " لانها ياء بعد كسرة ساكنة في اسم وذلك قولك: هذا غلام، وأنت تريد هذا غلامي، (وقد أسقان وأسقن، وأنت تريد أسقاني وأسقنى، لان نى اسم) (1) و (قد) (1) قرأ أبو عمرو (فيقول ربى أكرمن) و (ربى أهانن) على الوقف، وقال النابغة: (من الوافر)
__________
(1) ما بين القوسين ثابت في كلام سيبويه، ولكنه غير موجود في الاصول التى
بأيدينا.
أنظر كتاب سيبويه (ح 2 ص 289) (*)

* فإنى لست منك ولست من * انتهى.
وقال الاعلم: الشاهد فيه حذف الضمير من قوله: " منى " وهو جائز في الكلام، كما قرئ في الوقف (أكرمن) و (أهانن) يقول: هذا لعيينة بن حصن الفزارى، وكان قد دعاه وقومه لمقاطعة بنى أسد ونقضض حلفهم، فأبى عليه وتوعده، وأراد بالفجور: نقض الحلف، انتهى وقال " وقبيل من لكيز إلخ " قبيل: مبتدأ، و " من لكيز " في موضع الصفة له، وشاهد: خبره، والقبيل: العريف والكفيل، وهذا هو المناسب هنا، لانه كما قال الاعلم: " وصف لبيد رضى الله عنه مقاما فاخر فيه قبائل ربيعة بقبيلته من مضر " انتهى ولا يناسبه أن يكون القبيل بمعنى الجماعة تكون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى من الزنج والروم والعرب، وقال العينى: القبيل هنا بمعنى القبيلة، ولم أره كذا في كتب اللغة، ولكيز - بضم اللام وفتح الكاف وآخره زاى معجمة -: أبو قبيلة، وهو لكيز بن أفصى - بالفاء والصاد المهملة والالف - ابن عبد القيس بن أفصى بن دعمى - بضم الدال وسكون المهملة وكسر الميم وتشديد الياء - ابن جديلة - بالجيم - ابن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وكان لكيز عاقا لامه ليلى، وكانت تحبه، وكان شقيقه شن بارا بها، فحملها شن ذات يوم فجعلت تقول: فديت لكيزا، فرمى بها شن من بعيرها، وكانت عجوزا كبيرة، فماتت، فقال شن: دونك لكيز جعرات (1) أمك، وقال: " يحمل شن ويفدى لكيز " فذهبت مثلا، فولد لكيز وديعة
وصباحا - بضم الصاد - ونكرة - بضم النون - وكل منهم بطن، ثم
__________
(1) الجعرات: جمع جعرة، وهو ما ليس من العذرة في الدبر (*)

صار في أولاد كل منهم بطون، كذا في جمهرة الانساب، وشاهد: بمعنى حاضر، وبه روى أيضاض، والرهط: قوم الرجل وقبيلته، والرهط أيضا: ما دون العشرة من الرجال لا تكون فيهم امرأة، ومرجوم: بالجيم، قال ابن دريد في الجمهرة هو لقب رجل من العرب، كان سيدا ففاخر رجلا من قومه إلى بعض ملوك الحيرة، فقال له: " قد رجمتك بالشرف "، فسمى مرجوما، وأنشد هذا البيت، وكذا في التصحيف للعسكري، قال: " وفى فرسان عبد القيس مرجوم بن عبد القيس بعد الراء جيم، قال الشاعر: * رهط مرجوم ورهط ابن المعل * وإنما سمى مرجوما لانه نافر رجلا إلى النعمان فقال له النعمان: " قد رجمك بالشرف " فسمى مرجوما، وإنما ذكرته لان من لا يعرفه يصحفه بمرحوم - بحاء غير معجمة، وأما مرحوم بن عبد العزيز - بالحاء غير المعجمة - فرجل من محدثي البصرة " انتهى ورهط مرجوم: بالرفع خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو رهط مرجوم، ويجوز نصبه بتقدير أعنى، وقال العينى: " رهط مرجوم بالرفع بدل من قبيل أو عطف بيان " هذا كلامه فتأمله (1).
وقال الاعلم: " مرجوم وابن المعل سيدان من لكيز " وهذه نسبة مرجوم من الجمهرة، قال: " مرجوم هو ابن عبد عمرو بن قيس بن شهاب بن زياد بن عبد الله بن زياد بن عصر - بتحريك المهملات - بن عمرو بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز " وأما المعلى فقد قال ابن
دريد في الجمهرة: " هو جد الجارود بشر بن عمرو بن المعلى " انتهى والجارود: اسمه بشر، وسمى الجارود لبيت قاله بعض الشعراء (من الطويل):
__________
(1) الخطأ في تجويزه عطف البيان، لكون الثاني معرفة والاول نكرة، وشرطه التوافق (*)

* كما جردا الجارود بكر بن وائل * (1) وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابنه المنذر بن الجارود استعمله على بن أبى طالب رضى الله عنه على فارس، وعبد الله بن الجارود كان رأس عبد القيس، واجتمعت إلى القبائل من أهل البصرة وأهل الكوفة فقاتلوا الحجاج فظفر بهم، فأخذه الحجاج فصلبه، والحكم بن المنذر بن الجارود سيد عبد القيس (2) مات في حبس الحجاج الذى يعرف بالديماس، وهذه نسبته من الجمهرة: الجارود: هو بشر بن حنش بن المعلى، وهو الحارث بن يزيد بن حارثة بن معاوية بن ثعلبة بن جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز المذكور، ولم أقف على ما قبل البيت وبعده حتى أورده.
ولبيد رضى الله عنه صحابي تقدمت ترجمته في الشاهد الثاني والعشرين بعد المائة من شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده وهو الشاهد الخامس بعد المائة وهو من شواهد سيبويه (من الرجز) 105 - خالي عويف وأبو علج * المطعمان اللحم بالعشج
__________
(1) في اللسان (ج ر د) والجارود العبدى: رجل من الصحابة، واسمه بشر ابن عمرو، وسمى الجارود لانه فر بأبله إلى أخواله من بنى شيبان وبابله داء ففشى ذلك الداء في إبل أخواله فأهلكها، وفيه يقول الشاعر: * لقد جرد الجارود بكر بن وائل *
ومعناه شتم عليهم، وقيل: استأصل ما عندهم، وللجارود حديث، وقد صحب النبي صلى الله عليه وسلم وقتل بفارس في عقبة الطين (2) وهو الذى عناه الشاعر بقوله: يا حكم بن المنذر بن الجارود * سرادق المجد عليك ممدود وهو من شواهد سيبويه (*)

وبالغداة فلق البرنج * يقلع بالود وبالصيصج على أن بعض بنى سعد يبدلون الياء، شديدة كانت أو خفية، جيما في الوقف، كما في قوافى هذه الابيات، فإن الجيم في أواخر ما عدا الاخير بدل من ياء مشددة، وأما الاخير فالجيم فيه بدل من ياء خفيفة، كما يأتي بيانه وإنما حركها الشاعر هنا لانه أجرى الوصل مجرى الوقف، قال سيبويه: " وأما ناس من بنى سعد فإنهم يبدلون الجيم مكان الياء في الوقف، لانها خفية، فأبدلوا من موضعها أبين الحروف، وذلك قولهم: هذا تميمج، يريدون تميمي، وهذا علج، يريدون على، وسمعت بعضهم يقول: عربانج يريدون عربانى، وحدثني من سمعهم يقولون: خالي عويف وأبو علج * المطعمان اللحم بالعشج * وبالغداة فلق البرنج * يريدون بالعشى والبرنى، فزعم أنهم أنشدوه هكذا " انتهى كلامه ولم يذكر إجراء الوصل مجرى الوقف، وذكره الزمخشري في المفصل، وكلام ابن جنى في سر الصناعة وغيره ككلام سيبويه، قال ابن المستوفى في شرح أبيات المفصل: " ومتى خرج هذا الابدال عن هذين الشرطين، وهما الياء المشددة والوقف، عدوه شاذا، ولذلك قال الزمخشري: وقد أجرى الوصل مجرى الوقف "
انتهى.
وهذه الابيات لبدوي، قال ابن جنى في سر الصناعة: " قرأت على أبى بكر، عن بعض أصحاب بن السكيت، عن يعقوب، قال: قال الاصمعي: حدثنى خلف، قال: أنشدني رجل من أهل البادية: * عمى عويف وأبو علج *

إلى آخر الابيات الاربعة يريد أبو على وبالعشي والصيصية، وهى قرن البقرة " انتهى.
وقال شارح شواهد أبى على الفارسى: " جاء به أبو على شاهدا على أن ناسا من العرب يبدلون من الياء جيما، لما كان الوقف على الحرف يخفيه والادغام فيه يقتضى الاظهار ويستدعيه أبدلوا من الياء المشددة في الوقف الجيم، لانها أبين، وهى قريبة من مخرجها، وزعم أبو الفتح أنه احتاج إلى جيم مشددة للقافية، فحذف الياء ثم ألحق ياء النسب كما ألحقوها في الصفات مبالغة، وإن لم يكن منسوبا في المعنى نحو أحمرى في أحمر، ثم أبدل من الياء المشددة جيما، ثم قال: وما علمت أحدا تعرض لتفسيره قبلى، سوى أبى على فيما أظن، قال الشيخ: أقرب من هذا وأشبه بالمعنى أن يكون أراد الصيصاء، وهو ردى التمر الذى لا يعقد نوى، ألحقته بقنديل فقال: صيصئ، ثم أبدل من الياء جيما في الوقف، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف في هذا " انتهى كلامه افتخر بخاله أو بعميه، والمطعمان: صفة لهما، واللحم والشحم: مفعوله، والعشي: قيل: ما بين الزوال إلى الغروب، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: من الزوال إلى الصباح، وقيل: من صلاة المغرب إلى العتمة، كذا في المصباح، والغداة: الضحوة، والفلق - بكسر الفاء وفتح اللام - جمع فلقة، وهى القطعة
وروى " قطع " بدله، وروى أيضا " كتل البرنج " وهو جمع كتلة - بضم الكاف - قال الجوهرى: الكتلة: القطعة المجتمعة من الصمغ وغيره، والبرنى - بفتح الموحدة -: نوع من أجود التمر، ونقل السهيلي أنه عجمى، ومعناه حمل مبارك، قال: " بر " حمل و " نى " جيد، وأدخلته العرب في كلامها وتكلمت به، كذا في المصباح، وأقول: " بر " في لغة ثمرة الشجرة أي شجرة كانت، وأما حملها فهو عندهم " بار " بزيادة ألف، والفرق أن " بر " الثمر الذى يؤكل، وأما " بار " فعام سواء كان مما يؤكل أم لا، فصوابه أن يقول: " بر " ثمر الشجر لا حملها، وأما " نى "

فأصله نيك - بكسر النون، فعند التعريب حذفت الكاف وشددت الياء، و " نيك " في لغة الفرس الجيد، ويقلع بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير البرنج، والجملة حال منه، وقال العينى: صفة له، والود، بفتح الواو لغة في وتد، والصيصية بكسر الصادين وتخفيف الياء: القرن، واحد الصيصى، والجمع الصياصى، وصياصى البقر: قرونها، وكان يقلع التمر المرصوص بالوتد وبالقرن، قال ابن المستوفى: الصيصى: جمع صيصية، وهى القرن، كأنه شدد في الوقف على لغة من يشدد ثم أبدل، وزادها أن أجرى الوقف مجرى الوصل، كما قال (من الرجز): * مثل الحريق وافق القصبا * وقال الزمخشري في الحواشى: " شدد ياء الصيصى في الوقف كما لو وقف على القاضى " انتهى وقال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: " الذى عندي فيه أنه لما اضطر إلى جيم مشددة عدل فيه إلى لفظ النسب، وإن لم يكن منسوبا في المعنى، كما تقول: أحمر وأحمرى، وهو كثير في كلامهم، فإذا كان الامر كذلك جاز أن يراد بالصيصج لفظ النسب، فلما اعتزمت على ذلك حذفت تاء التأنيث، لانها لا تجتمع
مع ياء النسبة، فلما حذفت الهاء بقيت الكلمة في التقدير صيص بمنزلة قاض، فلما ألحقها ياء النسبة حذفت الياء لياء النسبة، كما تقول في النسبة إلى قاض: قاضى، فصارت في التقدير صيصى، ثم إنها أبدلت من الياء المشددة الجيم، كما فعلت في القوافى التى قبلها، فصارت صيصج، كما ترى، فهذا الذى عندي في هذا، وما رأيت أحدا من عرض لتفسيره، إلا أن يكون أبا على فيما أظنه " انتهى وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس بعد المائة (من الرجز): 106 - يا رب إن كنت قبلت حجتج * فلا يزال شاحج يأتيك بج

أقمر نهات ينزى وفرنج على أنه أبدل الجيم من الياء الخفيفة، وأصله حجتى وبى ووفرتي، بياء المتكلم في الثلاثة وأنشد أبو زيد هذه الابيات الثلاثة في أوائل الجزء الثالث من نوادره، قال: " قال المفضل: أنشدني أبو الغول هذه لبعض أهل اليمن " ولم يخطر ببال أبى على ولا على بال ابن جنى رواية هذه الابيات عن أبى زيد في نوادره، ولهذا نسباها إلى الفراء، وقالا: أنشدها الفراء، ولو خطرت ببالهما لم يعدلا عنه إلى الفراء البتة، لان لهما غراما بالنقل عن نوادره، ولو أمكنها أن لا ينقلا شيئا إلا منها فعلا، قال ابن جنى في سر الصناعة: " وكان شيخنا أبو على يكاد يصلى بنوادر أبى زيد إعظاما لها، وقال لى وقت قراءتى إياها عليه: ليس فيها حرف إلا لابي زيد تحته غرض ما، وهو كذلك، لانها محشوة بالنكت والاسرار " انتهى كلامه رحمه الله ولله در الشارح المحقق في سعة اطلاعه، فإنه لم يشاركه أحد في نقل هذه
الابيات عن أبى زيد إلا ابن المستوفى وقد ذهب ابن عصفور في كتاب الضرائر إلى أن إبدال الياء الخفيفة جيما خاص بالشعر، ولم أره لغيره، قال: " ومنها إبدالهم الجيم من الياء الخفيفة، نحو قول هميان بن قحافة (من الرجز) (1) * يطير عنها الوبر الصهابجا * يريد الصهابى، فحذف إحدى الياءين تخفيفا، وأبدل من الاخرى جيما، لتتفق القوافى، وسهل ذلك كون الجيم والياء متقاربين في المخرج، ومثل ذلك قول الاخر، أنشده الفراء:
__________
(1) انظر سمط الالى في شرح أمالى على القالى (ص 572) (*)

* يا رب إن كنت قبلت حجتج * إلى آخر الابيات يريد حجتى، ويأتيك بى، وينزى وفرتى، فأبدل من الياء جيما، وقول الاخر (من الرجز): * حتى إذا ما أمسحت وأمسجا * يريد أمست وأمسى: لانه ردهما إلى أصلهما وهو أمسيت وأمسيا، ثم أبدل الياء جيما لتقاربهما لما اضطر إلى ذلك " انتهى وجعله ابن المستوفى من الشاذ، قال: " ومن الابدال الشاذ قوله، وهو مما أنشده أبو زيد: * يا رب إن كنت قبلت حجتج * وهذا أسهل من الاول، لانه أورد الشاعر في الوقف، إلا أن الياء غير مشددة " انتهى وقوله " يا ربن إن كنت " أنشده الزمخشري في المفصل " لاهم إن كنت "
وكذا أنشده ابن مالك في شرح الشافية، والحجة - بالكسر -: المرة من الحج، قال القيومى في المصباح: " حج حجا من باب قتل: قصد، فهو حاج، هذا أصله، ثم قصر استعماله في الشرع على قصد الكعبة للحج أو العمرة، يقال: ما حج ولكن دج، فالحج: القصد للنسك، والدج: القصد للتجارة، والاسم الحج بالكسر، والحجة المرة بالكسر، على غير قياس، والجمع حجج، مثل سدرة وسدر، قال ثعلب: قياسه الفتح، ولم يسمع من العرب، وبها سمى الشهر ذو الحجة بالكسر، وبعضهم يفتح في الشهر، وجمعه ذوات الحجة " انتهى والشاحج - بالشين المعجمة والحاء المهملة قبل الجيم -: البغل والحمار، من شحج البغل والحمار والغراب - بالفتح - يشحج - بالفتح والكسر - شحيجا وشحاجا، إذا صوت، وقال بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل: " قال

صدر الافاضل: أراد بشاحج حمارا: أي عيرا، قيل في نسخة الطباخي بخطه: شبه ناقته أو جمله، بالعير " انتهى وروى ابن جنى عن أبى على في سر الصناعة " شامخ " أيضا بالخاء المعجمة بعد الميم، وقال: يعنى بعيرا مستكبرا، انتهى.
وهذا لا يناسبه " أقمر نهات " وقوله " يأتيك " يأتي بيتك بى، والاقمر: الابيض، والنهات: النهاق، يقال: نهت الحمار ينهت - بالكسر - أي نهق، ونهت الاسد أيضا: أي زأر، والنهيت: دون الزئير، وينزى - بالنون والزاى المعجمة -: أي يحرك، والتنزيه: التحريك، والوفرة بالفاء: الشعر إلى شحمة الاذن، قال ابن المستوفى: أي يحرك لسرعة مشيه، وقال بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل قيل: عبر بالوفرة عن نفسه كما يعبر بالناصية تسمية للمحل باسم الخال، يقول: اللهم
إن قبلت حجتى هذه فلا تزال دابتي تأتى بيتك وأنا عليها محرك وفرتى أو جسدي في سيرها إلى بيتك: إى إن علمت أن حجتى هذه مقبولة فأنا أبدا أزور بيتك وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع بعد المائة (من الرجز): 107 - الله نجاك بكفى مسلمت * من بعد ما وبعد ما وبعد مت صارت نفوس القوم عند الغلصمت * وكادت الحرة أن تدعى أمت على أن هاء التأنيث في نحو مسلمت والغلصمت وأمت بعض العرب يقف عليها بالتاء كما هنا، وأبو الخطاب من مشايخ سيبويه، وهذا الكلام نقله عنه سيبويه في كتابه بدون هذا الشعر، وهذا نصه (1): " أما كل اسم منون فإنه
__________
(1) انظر كتاب سيبويه (2: 281) تعلم أنه لم ينقل العبارة بحروفها، ولكنه تصرف فيها (*)

يلحقه في حال النصب في الوقف الالف، كراهية أن يكون التنوين بمنزلة النون اللازمة للحرف، ومثل هذا في الاختلاف الحرف الذى فيه تاء التأنيث، فعلامة التأنيث - إذا وصلته - التاء، وإذا وقفت ألحقت الهاء، أرادوا أن يفرقوا بين هذه التاء والتاء التى هي من نفس الحرف نحو تاء ألقت (1) وما هو بمنزلة ما هو من نفس الحرف نحو تاء سنبتة (2) وتاء عفريت، لانهم أرادوا أن يلحقوها ببناء قحطبة وقنديل، وكذلك التاء في بنت وأخت: لان الاسمين ألحقا بالتاء ببناء عمر وعدل، وفرقوا بينها وبين منطلقات لانها كأنها منفصلة من الاول، وتاء الجميع أقرب إلى التاء التى بمنزلة ما هو من نفس الحرف من تاء طلحة، لان تاء طلحة كأنها منفصلة، وزعم أبو الخطاب أن ناسا من العرب يقولون في الوقف: طلحت، كما قالوا في تاء الجميع قولا واحدا في الوقف والوصل " انتهى كلام
سيبويه وقال ابن جنى في سر الصناعة: " فأما قولهم قائمة وقاعدة فإنما الهاء في الوقف بدل من التاء في الوصل، والتاء هي الاصل، فإن قيل: وما الدليل على أن التاء هي الاصل وأن الهاء بدل منها ؟ فالجواب أن الوصل ما يجرى فيه الاشياء على أصولها، والوقف من مواضع التغيير، ألا ترى أن من قال في الوقف: هذا بكر، ومررت ببكر، فنقل الضمة والكسرة إلى الكاف في الوقف، فإنه إذا وصل أجرى الامر على حقيقته، وكذلك من قال في الوقف هذا خالد، وهو يجعل، فإنه إذا وصل خفف الدال واللام، على أن من العرب من
__________
(1) القت: اسم للكذب، ومنه الحديث " لا يدخل الجنة قتات " هو النمام أو المتسمع أحاديث الناس (2) هذا التمثيل في نص كلام سيبويه، وقد اعترضه أبو سعيد السيرافى بأن هذا المثال مما يوقف عليه بالهاء لا التاء فكان ينبغى أن يمثل بسنبت ونحوه مما يوقف عليه بالتاء (*)

يجرى الوقف مجرى الوصل، فيقول في الوقف: هذا طلحت، وعليه السلام والرحمت، وأنشدنا أبو على (من الرجز): * بل جوزتيهاء كظهر الحجفت * وأخبرنا بعض أصحابنا يرفعه بإسناده إلى قطرب أنه أشد (من الرجز): الله نجاك بكفى مسلمت * من بعدما وبعدما وبعدمت صارت نفوس القوم عند الغلصمت * وكادت الحرة أن تدعى أمت فلما كان الوصل مما يجرى فيه الاشياء على أصولها في غالب الامر، وكان الوقف مما يغير فيه الاشياء عن أصولها، ورأينا علم التأنيث في الوصل تاء نحو قائمتان وقائمتكم، وفى الوقف هاء نحو ضاربه، علمنا أن الهاء في الوقف بدل
من التاء في الوصل، وأما قوله " وبعد مت " فأصله " وبعد ما " فأبدل من الالف في التغيير هاء، فصارت " وبعدمه " كما أبدلها الاخر من الالف فقال فيما أخبرنا به بعض أصحابنا يرفعه بإسناده إلى قطرب (من الرجز المجزوء): قد وردت من أمكنه * من ها هنا ومن هنه يريد " ومن هنا " فأبدل من الالف في الوقف هاء، فصار التقدير على هذا " من بعد ما وبعد ما وبعدمه " ثم أبدل الهاء تاء ليوافق بقية القوافى التى تليها، ولا تختلف، وشجعه على ذلك شبه الهاء المقدرة بهاء التأنيث في طلحة وحمزة، ولما كان يراهم يقولون في بعض المواضع في الوقف: هذا طلحت، قال هو أيضا: " وبعدمت " فأبدل الهاء المبدلة من الالف تاء تشبيها لفظيا، وأما ما قرأته على محمد بن الحسن من قول الاخر (من المتقارب): إذا اعتزلت من مقام القرين * فيا حسن شملتها شملتا فقال فيه: إنه شبه هاء التأنيث في " شملة " بالتاء الاصلية في نحو بيت وصوت، فألحقها في الوقف عليها ألفا، كما تقول: رأيت بيتا، فشملتا على هذا

منصوب على التمييز، كما تقول: يا حسن وجهها وجها: أي من وجه " انتهى كلام ابن جنى باختصار.
فقول الشارح المحقق " والظاهر أن هؤلاء لا يقولون في النصب رأيت أمتا " يريد أنهم لا يقولون في الاختيار، وأما في الضرورة فقد قيل، كما نقله ابن جنى في " شملتا ".
وروى ابن عصفور الشعر في كتاب الضرائر بالهاء على الاصل، قال: " ومنه إبدال ألف " ما " و " ها هنا " هاء في الوقف عند الاضطرار إلى ذلك نحو قوله: الله نجاك بكفى مسلمه * من بعدما وبعدما وبعدمه
يريد " وبعدما " وقوله: قد وردت من أمكنه * من ههنا وههنه يريد " وها هنا " وسهل ذلك كون الالف والهاء من مخرج واحد " انتهى.
وهذا الشعر لم أقف على قائله.
وقوله " الله نجاك - الخ " الله: مبتدأ، وجملة " نجاك " خبره، ونجاه من الهلاك تنجية: أي خلصه، ويقال: أنجاه، أيضا، وبه رواه ابن هشام في شرح الالفية، و " بكفى " الباء متعلقة بنجاك، وكفى: مثنى كف، قال الازهرى: الكف الراحة مع الاصابع، سميت بذلك لانها تكف الاذى عن البدن، وأراد بالكف اليد، من إطلاق الجزء على الكل، واليد: من المنكب إلى أطراف الاصابع، والمراد من اليد هنا الدفع، يقال: مالى بهذا الامر يد، ولا يدان، لان المباشرة والدفاع إنما تكون باليد، فكأن يديه معدومتان لعجزه عن الدفع، وإنما ثنى لان كمال الدفع بهما، قال ابن الاثير في النهاية: " في الحديث " عليكم بالجماعة فإن يد الله عليها " كناية عن الحفظ والدفاع عن أهل الضر، كأنهم خصوا بواقية الله وحسن دفاعه، ومنه الحديث الاخر " يد الله على الجماعة " أي أن الجماعة المتفقة من أهل الاسلام في كنف الله ووقايته "

ومسلمة - بفتح الميم واللام - الظاهر أنه مسلمة بن عبد الملك بن مروان، وقوله " من بعدما " الاصل من بعدما صارت نفوس القوم فكرر " من بعدما " ثلاث مرات للتهويل، وأبدل ألف ما الثالثة هاء فتاء للقافية، وقوله " صارت نفوس القوم " متصل في التقرير ببعدما الاولى، ويقدر للثانية والثالثة مثلها، أولا يقدر، لانهما كررا لمجرد التهويل، و " ما " قيل: هي كافة لبعد عن الاضافة ومهيئتها للدخول على الجملة الفعلية، وقيل: مصدرية، وهو الاولى، لان فيه إبقاء " بعد "
على أصلها من الاضافة، ولانها لو لم تكن مضافة لنونت، كذا قال ابن هشام في المغنى، والنفوس: جمع نفس، وهى الروح، يقال: جاد بنفسه، وخرجت نفسه، وهى مؤنثة، قال تعالى: (خلقكم من نفس واحدة) وإن أريد بها الشخص فمذكرة، كذا في المصباح، والغلصمة - بالفتح: رأس الحلقوم، وهو الموضع الناتئ في الحلق، والجمع غلاصم، كذا فيه أيضا، و " كادت " معطوف على صارت، والحرة: خلاف الامة، والحر: خلاف العبد، وأصل الحر الخالص من الاختلاط بشئ غيره، فالحر والحرة مأخوذان منه، لانهما خلصا من الرق، يقول: كاد الاعداء يسبون فتصير الحرة أمة، و " تدعى " بالبناء للمفعول: أي تسمى، وجاءت أن في خبر كاد على أحد الجائزين وأنشد الجاربردى هنا، وهو الشاهد الثامن بعد المائة (من الرجز) 108 - لو كنت أدرى فعلى بدنه * من كثرة التخليط أنى من أنه على أنه يوقف على " أنا " بالهاء قليلا، كما في البيت قال ابن جنى في سر الصناعة: " فأما قولهم في الوقف على " أن فعلت ": أنا، وأنه، فالوجه أن تكون الهاء في " أنه " بدلا من الالف في " أنا " لان الاكثر في الاستعمال إنما هو أنا بالالف، والهاء قليلة جدا، فهى بدل من الالف، ويجوز

أن تكون الهاء أيضا في " أنه " ألحقت لبيان الحركة كما ألحقت الالف، ولا تكون بدلا منها، بل قائمة بنفسها " انتهى والبدنة: ناقة أو بقرة أو بعير، ولا تقع على الشاة، وقال بعض الائمة: البدنة هي الابل خاصة، وإنما ألحقت البقرة بالابل بالسنة، وقوله " من كثرة " متعلق بالفعل المنفى ضمنا: أي ما أدرى من كثرة التخليط، والتخليط في الامر:
الافساد فيه، و " أنى " بفتح الهمزة، ومن: مبتدأ، وأنه: خبره، وقيل بالعكس، والجملة في محل رفع خبر أنى، وجملة " أنى من أنه " في محل نصب سادة مسد مفعولي أدرى، وروى صدره الشارح المحقق رحمه الله في شرح الكافية " إن كنت أدرى " بإن الشرطية وهذا البيت لم أقف على أثر منه وأنشد هنا، وهو الشاهد التاسع بعد المائة (من الوافر): 109 - أنا سيف العشيرة فاعرفوني * حميدا قد تذريت السناما على أن إثبات ألف " أنا " في الوصل لضرورة الشعر، كما في البيت، والقياس حذفها فيه وتقدم ما يتعلق به في الشاهد الثامن والسبعين بعد الثلاثمائة من شرح شواهد شرح الكافية و " حميدا " روى مصغرا ومكبرا، وهو بدل من الياء في " فاعرفوني " لبيان الاسم، أو هو منصوب على المدح بتقدير أعنى، و " تذريت السنام " بمعنى علوته، وهو من الذروة بالكسر والضم، وهو أعلى السنام، وحقيقته علوت ذروة السنام، وقائله حميد بن بحدل الكلبى، وتقدمت ترجمته هناك

وأنشد بعده، وهو الشاهد العاشر بعد المائة (من الرمل) 110 - يا أبا الاسود لم خليتني * لهموم طارقات وذكر على أنه سكن الميم من " لم " إجراء للوصل مجرى الوقف وتقدم أيضا ما يتعلق به في الشاهد السادس عشر بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية
و " لم " معناه لاجل أي شئ، وخليتني: تركتني، وروى " أسلمتني " وروى أيضا " خذلتني "، والطروق: المجئ ليلا، وإنما جعل الهموم طارقات لان أكثر ما يعترى الانسان في الليل حيث يجمع فكره ويخلو باله فيتذكر ما فيه من الهموم المؤلمة، و " ذكر " بكسر ففتح جمع ذكر على غير قياس وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادس عشر بعد المائة (من الوافر): 111 - على ما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرغ في دمان على أن بع العرب لا يحذف ألف " ما " الاستفهامية المجرورة وتقدم أيضا ما يتعلق به في الشاهد السادس والثلاثين بعد الاربعمائة من شرح شواهد شرح الكافية وصواب العجز: * كخنزير تمرغ في رماد * (1) لان القافية داليه، وهو من أبيات لحسان بن ثابت شرحناها هناك وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاثنى عشر بعد المائة (من الرجز): 112 - * قالت سليمى اشتر لنا سويقا *
__________
(1) هذا هو الموجود في نسخ الشارح التى بأيدينا (*)

على أن الشاعر سكن الراء، وهى عين الفعل، وكان حقها الكسر، كأنه توهم أنها لام الفعل فسكن الامر (1) وأبو الخطاب: من مشايخ سيبويه، وما نقله عنه الشارح هو في كتاب سيبويه، وليس فيه هذا الشعر، وهذا نصه: " وزعم أبو الخطاب أن ناسا من العرب يقولون: ادعه، من دعوت، فيكسرون العين، كأنها لما كانت في موضع الجزم توهموا أنها ساكنة، إذ كانت آخر شئ في الكلمة في موضع
الجزم، فيكسرون حيث كانت الدال ساكنة، لانه لا يلتقى ساكنان، كما قالوا: رديا يا فتى، وهذه لغة رديئة، وإنما هو غلط، كما قال زهير (من الطويل): بدالى أنى لست مدرك ما مضى * ولا سابق شيئا إذا كان حائيا " انتهى.
وأورده ابن عصفور في الضرائر الشعرية، قال: " فإن كانت الضمة والكسرة اللتان في آخر الكلمه علامتى بناء اتفق النحويون على جواز حذفها في الشعر تخفيفا، نحو قول أبى نخيلة (من الرجز): إذا اعوجبن قلت صاحب قوم * بالدو أمثال السفين العوم وقال العذافى الكندى (من الرجز) قالت سليمى اشتر لنا دقيقا * وهات خبر البر أو سويقا وقال الاخر (من الرجز) فاحذ ولا تكتر كريا أهوجا * علجا إذا ساق بنا عفنججا وقال الاخر (من الوافر): ومن يتق فإن الله معه * ورزق الله موتاب وغادى ألا ترى أن الاصل: صاحب قوم، واشتر، ولا تكتر كريا، ومن يتق
__________
(1) في نسخة " فسكن اللام " وما هنا أدق (*)

فإن الله معه، إلا أنه أسكن إجراء للمتصل مجرى المنفصل أو إجراء للوصل مجرى الوقف، كما تقدم في تسكين المرفوع والمخفوض ؟ فأما قراءة من قرأ (ويخش الله ويتقه) فسكن القاف يريد ويتقه بكسرها، فإن التسكين فيها أحسن من التسكين في اشتر لنا وأمثاله، لشدة اتصال الضمير بما قبله " انتهى وقال شارح شواهد أبى على الفارسى: " لما كانت الياء في هذا الفعل حرف
علة، وكانت تحذف في حالتى الجزم والامر وتبقى الكسرة في الراء قبلها دالة عليها، اغتفر هذا الشاعر كونها منتهى الكلمة فحذفها للامر، شبه الوصل بالوقف، أو شبه المتصل بالمنفصل، وهذا أشبه " أشرب (1) "، لانه لم يخل بإعراب، لان اتصال اللام بمتعلقها أشد من اتصال غيره، أو حذف الياء تخفيفا كما حذفها من لا أدر ولا أبال، ثم أدخل الجازم، ولم يعتد بما حذفه فأسكن للجزم كما أسكن لم أبله قبل أن يحرك لالتقاء الساكنين " انتهى كلامه والبيت الاول من الاربعة من شواهد سيبويه قال الاعلم: " الشاهد تسكين باء صاحب ضرورة، وهو يريد يا صاحب - بالضم - وهذا من أقبح الضرورة، والدو: الصحراء، وأراد بأمثال السفين: رواحل محملة تقطع الصحراء كقطع السفن البحر " انتهى.
والبيت الشاهد من رجز أورده أبو زيد في نوادره لرجل من كندة يقال له العذافر، وهو: قالت سليمى اشتر لنا سويقا * وهات بر البخس أو دقيقا واعجل بلحم نتخذ خرديقا * واشتر وعجل خادما لبيقا واصبغ ثيابي صبغا تحقيقا * من جيد العصفر لا تشريفا
__________
(1) يشير إلى قول امرئ القيسي فاليوم أشرب غير مستحقب * إثما من الله ولا واغل (*)

الخرديق: المرقة باللحم، وتشريقا: مشرق قليل الصبغ، واصبغ واصبغ: لغتان " انتهى.
وزاد بعدها أبو محمد الاعرابي ضالة الاديب سبعة أبيات، وهى: يا سلم لو كنت لذا مطيقا
لما جعلت عيشكم ترميقا فارضي بضيح الرائب الممذوقا وارضى بحب الحنظل المدقوقا فبرقت وصفقت تصفيقا ثم غدت تلتحم الطريقا نحو الامير تبتغى التطليقا وقال: هذه الابيات لسكين بن نضرة عبد لبجيلة، وكان تزوج بصرية فكلفته عيش العراق والسويق: ما يجعل من الحنطة والشعير، معروف، والبر - بالضم - الحنطة والقمح، والبخس - بفتح الموحدة وسكون الخاء المعجمة وآخره سين مهملة -: أرض تنبت من غير سقى، ورواه أبو محمد الاعرابي كذا: * وهات خبز البر أو دقيقا * والخرديق - بضم الخاء المعجمة وسكون الراء المهملة - قال أبو الحسن فيما كتبه على نوادر أبى زيد: الخرديق بالفارسية: المرقة مرقة الشحم بالتابل، واللبيق: الحاذق، واللباقة: الحذاقة، واصبغ - بفتح الباء وضمها - من بابى نفع وقتل وفى لغة من باب ضرب، والصبغ - بفتحتين - لغة في سكون الباء، وقوله " يا سلم " هو مرخم سلمى، وكنت - بضم التاء - والترميق: ضيق المعيشة، وفلان مرمق العيش: أي ضيقه، ويروى: ترنيقا - بالنون موضع

الميم - وهو التكدير، قال ابن الاعرابي: رنق الماء ترنيقا: أي كدره، والضيح - بإعجام الاول وإهمال الاخر - وهو اللبن الرقيق من كثرة الماء، والمذق: الخلط، وارضى: أمر بالرضا في الموضعين، وبرقت: أي عبنها، وتلتحم الطريق:
أي تسده بكثرة الناس عليها من صياحها وشرها وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث عشر بعد المائة (من الوافر): 113 - ومن يتق فإن الله معه * ورزق الله مؤتاب وغادى لما تقدم قبله من تسكين الاخر، والقياس كسر القاف، وقد أورده الجوهرى في موضعين من صحاحه: في مادة (أوب) قال: آب رجع، وأتاب مثل آب فعل وافتعل بمعنى، وأنشد البيت، وأورده ثانيا في مادة الوقاية فأصل مؤتاب بهمز الواو، لان الهمزة فاء الكلمة، والالف مبدلة من واو هي عين الكلمة ولم أقف على تتمته، ولا على قائله، ولم يكتب ابن برى ولا الصفدى عليه شيئا في الموضعين.
وأنشد الجاربردى، وهو الشاهد الرابع عشر بعد المائة (من الرجز): 114 - يا رب يا رباه إياك أسل * عفراء يا رباه من قبل الاجل * فإن عفراء من الدنيا الامل * على أن إلحاق هاء السكت في الوصل لضرورة الشعر، وحركها بالكسر، وروى ضمها أيضا.
وقد تكملنا عليه في الشاهد الثاني والثلاثين بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية.

وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس عشر، وهو من شواهد سيبويه: (من الكامل) 115 - ولانت تفرى ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفر على أن أصله يفرى، فحذفت الياء، وسكنت الراء، للوقف على القافية، ولا يبالون بتغير وزن الشعر وانكساره
قال سيبويه: (1) " واعلم أن الياءات والواوات اللاتى هن لامات إذا كان ما قبلها حرف الروى فعل بها ما فعل بالياء والواو اللتين ألحقتا للمد في القوافى، لانها تكون في المدة بمنزلة الملحقة، ويكون ما قبلها رويا، كما كان ما قبل تلك رويا، فلما ساوتها في هذه المنزلة ألقحت بها في المنزلة الاخرى، وذلك قولهم لزهير: * وبعض القوم يخلق ثم لا يفر * وكذلك " يغزو " لو كانت في قافية كنت حاذفها إن شئت، وهذه اللامات لا تحذف في الكلام، وما حذف منهن في الكلام فهو هاهنا أجدر أن يحذف، إذ كنت تحذف هنا مالا يحذف في الكلام انتهى كلامه.
قال الاعلم (1): " الشاهد فيه حذف الياء في الوقف من قوله يفرى فيمن سكن الراء، ولم يطلق القافية للترنم، وإثبات الياء أكثر وأقيس، لانه فعل لا يدخله التنوين ويعاقب ياءه في الوصل، فيحذف لذلك في الوقف كقاض وغاز وما أشبههما " انتهى.
وقال شارح شواهد أبى على الفارسى: " جاء شاهدا على أن مثل هذه الياء في الفواصل والقوافي حذف: حذف الياء لثقلها، ثم أسكن الراء للوقف، كما يفعل ذلك في الفواصل من كتاب الله، ولا يفعلون ذلك في الالف لخفتها إلا في ضرورة الشعر، كما قال (من الرمل):
__________
(1) انظر كتاب سيبويه (2: 289) (*)

رهط مرجوم ورهط ابن المعل أراد المعلى، فحذف، وشبه الالف بالياء ضرورة " انتهى كلامه.
والبيت من قصيدة لزهير بن أبى سلمى مدح بها هرم بن سنان المرى، وقد شرحنا ثلاثة أبيات من أولها في الشاهد السابع والستين بعد الاربعمائة من شرح
شواهد شرح الكافية.
وقوله " ولانت تفرى الخ " هذا مثل ضربه لممدوحه، وهو هرم بن سنان المرى، والمراد العزم، و " تفرى " بالفاء تقطع، يقال: فريت الاديم، إذا قطعته على وجه الاصلاح، وأفريته - بزيادة ألف - إذا قطعته على وجه الافساد، والخلق: أحد معانيه التقدير، وهو المراد هنا، يقال: خلقت الاديم، إذا قدرته لتقطعه، فضربه هنا مثلا لتقدير الامر وتدبيره ثم إمضائه وتنفيذ العزم فيه، والمعنى أنك إذا تهيأت لامر مضيت له وأنفذته ولم تعجز عنه، وبعض القوم يقدر الامر ويتهيأ له ثم لا يعزم عليه ولا يمضيه عجزا وضعف همة: وأنشد بعده * رهط مرجوم ورهط بن المعل * على أن أصله ان المعلى فحذفت الالف، لضرورة الشعر، وهو عجز وصدره: * وقبيل من لكيز شاهد * وتقدم شرحه في الشاهد الثالث بعد المائة من هذا الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس عشر بعد المائة (من الكامل): 116 - ولانت أشجع من أسامة إذ * دعيت نزال ولج في الذعر

على أنه حذف الياء من " لا يفر " في البيت السابق تبعا لحذف الياء من " الذعر " في هذا البيت، والياء في " الذعر " إذا أطلقت القافية ولم تسكن تنشأ من كسرة الراء، فهى زائدة حصلت من الاشباع، بخلاف " يفرى " فإنها لام الكلمة.
وهذا البيت قبل البيت السابق في القصيدة، وليس البيت في شعر زهير
كما أنشده، فإن المصراع الاول أجنبي، وإنما قوله: ولنعم حشو الدرع أنت إذا * دعيت نزال ولج في الذعر وذاك المصراع إنما هو للمسيب بن علس، وهو قوله من قصيدة (من الكامل): ولانت أشجع من أسامة إذ * يقع الصراخ ولج في الدعر فالبيت مركب من شعرين، تبع فيه صاحب الصحاح، وقد حققنا الكلام فيه وفى القصيدتين في الشاهد السابع والستين بعد الاربعمائة.
وأسامة - بضم الهمزة - معرفة علم للاسد، " ودعيت " بالبنال للمفعول، و " نزال " في محل رفع نائب الفاعل، ونزال بالكسر: اسم فعل أمر بمعنى انزل، وقد استدل الشارح المحقق وغيره بهذا البيت على أن فعال الامرى مؤنث، ولهذا أنث لها الفعل المسند إليها، ومعنى دعاء الابطال بعضهم بعضا بنزال أن الحرب إذا اشتدت بهم وتزاحموا فلم يمكنهم التطاعن بالرماح تداعوا بالنزول عن الخيل والتضارب بالسيوف، ومعنى " لج في الذعر " بالبناء للمفعول: تتابع الناس في الفزع، وهو من اللجاج في الشئ، وهو النمادى فيه.
وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع عشر بعد المائة (من الطويل):

117 - وقد كنت من سلمى سنين ثمانيا * على صير أمر ما يمر وما يحل على أنه حذف الواو من " يحل " للوقف، وهى لام الكلمة، كما حذفت واو الاشباع من " الثقل " في البيت الذى هو بعده.
وهو مطلع قصيدة لزهير بن أبى سلمى مدح بها سنان بن أبى حارثة المرى.
وصحا: أفاق: أي رجع عقله إليه، وأقفر: صار قفرا لا أنيس به، والتعانيق:
موضع، وكذا الثقل - بكسر المثلثة وسكون القاف - موضع، يقول أفاق قلبى من حب سلمى لبعدها منه، وقد كان لا يفيق من شدة التباس حبها به، وقوله: و " قد كنت من سلمى - إلخ " الصير - بكسر الصاد المهملة -: الاشراف على الشئ والقرب منه، يقال: أنا من حاجتى على صير: أي على طرف منها، وإشراف من قضائها، وفى الصحاح: " وأمر الشئ: صار مرا، وكذلك مر الشئ يمر بالفتح مرارة، وأمره غيره ومره " انتهى.
وأنشد العسكري هذا البيت في كتاب التصحيف، وقال: " على صير أمر " على منتهاه ويقال: صيره وصيرورته، قال أبو عمرو: أي على شرف أمر، والياء من يمر مضمومة، لان اللغة العليا أمر الشئ يمر إمرارا، وهو مذهب البصريين وابن الاعرابي، وأهل بغداد يقولون: مر الشئ، قالوا: من العرب من يقول: مر الشئ يمر مرارة، انتهى.
و " يحلو " مضارع حلا الشئ: أي صار حلوا، وأما أحلى فمعناه أن يجعله حلوا، يقال: فلان لا يحلو ولا يمر: أي لا يأتي بحلو ولا مر، وقوله " ما يمر وما يحلو " أي: لم يكن الامر الذى بينى وبينهما مرا فأيأس منه، ولا حلوا فأرجوه، وهذا مثل، وإنما يريد أنها كانت لا تصرمه فيحمله ذلك على اليأس والسلو ولا

تواصله كل المواصلة فيهون أمرها عليه، ويشفى قلبه منها، يقول: كنت في هذه السنين بين يأس وطمع، ولم أيئس منها فيمر عيشي ولم أطمع أن تصلنى فيحلو، وأنشد بعده، وهذا الشاهد الثامن عشر بعد المائة (من الطويل) 118 - صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسل * وأقفر من سلمى التعانيق فالثقل على أنه حذفت واو الاطلاق من " الثقل " فسكن اللام للوقف، وهذه
الواو ناشئة من إشباع ضمة اللام، وقد تقدم شرحه وأنشد بعده وهو الشاهد التاسع عشر بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: من الرجز) 119 - داينت أروى والديون تقضى * فمطلت بعضا وأدت بعظا على أن الالف لا يجوز حذفها في الوقف قال سيبويه: " وأما يخشى ويرضى ونحوهما فإنه لا يحذف منهن الالف، لان هذه الالف لما كانت تثبت في الكلام جعلت بمنزلة ألف النصب التى تكون في الوقف بدلا من التنوين، فكما تبين تلك الالف في القوافى فلا تحذف، كذلك لا تحذف هذه، فلو كانت تحذف في الكلام ولا تمد إلا في القوافى لحذفت ألف يخشى كما حذفت ياء يقضى، حيث شبهتها بالياء التى في " الايامى " فإذا ثبتت التى بمنزلة التنوين في القوافى لم تكن التى هي لام أسوأ حالا منها، ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول (من الطويل): *...لم يعلم لنا الناس مصرع * فتحذف الالف ؟ لان هذا لا يكون في الكلام، فهو في القوافى لا يكون،

فإنما فعلوا ذلك بيقضى ويغزو لان بناءهما لا يخرج نظيره إلا في القوافى، وإن شئت حذفته فإنما ألحقتا بما لا يخرج في الكلام، وألحقت تلك بما يثبت على كل حال، ألا ترى أنك تقول: داينت أروى والديون تقضي * فمطلت بعضا وأدت بعضا فكما لا تحذف ألف بعضا كذلك لا تحذف ألف تقضى " (1) انتهى.
وقوله " في الايامى " هو قطعة من بيت لجرير عليه رحمة ربه القدير، وهو:
(من الكامل) أيهات منزلنا بنعف سويقه * كانت مباركة من الايامى وقول: " لم يعلم لنا الناس الخ " فهو أيضا قطعة من بيت ليزيد بن الطثرية (2)، وهو: (من الطويل) فبتنا تحيد الوحش عنا كأننا * قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا
__________
(1) انظر كتاب سيبويه (ح 2 ص 300) (2) في الاغانى (ح 8 ص 155 طبع دار الكتب): " والطثرية أمه فيما أخبرني به على بن سليمان الاخفش عن السكرى عن محمد بن حبيب، امرأه من طثر (بفتح فسكون) وهم حى من اليمن عدادهم في جرم، وقال غيره: إن طثرا من عنز ابن وائل إخوة بكر بن وائل...وزعم بعض البصريين أن الطثرية أم يزيد كانت مولعة باخراج زبد اللبن فسميت الطثرية، وطثرة اللبن: زبدته " اه وفى القاموس (ط ث ر) " والطثرية محركة: أم يزيد بن الطثرية الشاعر القشيرى "، ولم يخالفه المرتضى في شرحه.
وفى ابن خلكان (2: 299) " والطثرية: بفتح الطاء وسكون الثاء وبعدها راء ثم ياء النسب وهاء، وهى أم يزيد ينسب إليها، وهى من بنى طثر بن عنز بن وائل، والطثر: الخصب وكثرة اللبن، يقال: إن أمه كانت مولعة بأخراج زبد اللبن " اه

و " أروى " بالقصر اسم امرأة.
يقول: أسلفتها محبة وودا توجب المكافأة عليها فلم تجازنى على فعلى وهذا مطلع أرجوزة لرؤبة بن العجاج، إنما هي غزل وافتخار، قال الاصمعي: هي من رجز رؤبة القديم، وبعدهما:
وهى ترى ذا حاجة مؤتضا * ذا معض لولا ترد المعضا فقلت قولا عربيا غضا * لو كان خرزا في الكلا مابضا (1) قال الجوهرى: يقال أضنى إليك كذا وكذا يؤضنى ويئضنى: أي ألجأنى واضطرنى، وائتضنى إليه ائتضاضا: أي اضطرني إليه، قال الراجز: * وهى ترى ذا حاجة مؤتضا * انتهى.
وقوله " ذا معض الخ " هو بالعين المهملة، قال الجوهرى: معضت من ذلك الامر أمعض معضا.
وامتعضت منه، إذا غضبت وشق عليك، قال الراجز: * ذا معض لولا ترد المعضا * انتهى.
يريد أن فعله من باب فرح، وجاء في مصدره تسكين العين أيضا، كما في البيت، وترد بالبناء للفاعل، والغض - بالغين المعجمة -: الطرى.
وقوله: " لو كان خرزا في الكلا " مراده ما بض منها بلل: أي لم يسل لاحكامه تتمه: لم يذكر الشارح المحقق حكم ألف الاطلاق التى لم يلحقها التنوين، وحكمها جواز حذفها سواء كانت في اسم أم فعل، وقد ذكرها سيبويه، قال: " إذا أنشدوا ولم يترنموا فعلى ثلاثة أوجه: ثالثها أن يجروا القوافى مجراها لو كانت
__________
(1) انظر هذه الابيات في ديوان رؤبة (ص 79) (*)

في الكلام ولم تكن قوافى شعر، جعلوه كالكلام حيث لم يترنموا وتركوا المدة (لعلمهم أنها في أصل البناء) (1)، سمعناهم يقولون لجرير: (من الوافر) * أقلى اللوم عاذل والعتاب *
وللاخطل: (من البسيط) * واسأل بمصقلة البكري ما فعل * وكان هذا أخف عليهم، ويقولون: (من الرجز) * قد رابنى حفص فحرك حفصا * يثبتون الالف، لانها كذلك في الكلام " انتهى.
قال الاعلم: " الشاهد فيه حذف الالف من " ما فعلا " حيث لم يرد الترنم، وهذا في المنصوب غير المنون جائز حسن، مثله في الكلام، ولا فرق بينه وبين المخفوض والمرفوع في الحذف والسكون، ما لم يريدوا التغني، وقوله " قد رابنى حفص الخ ": " الشاهد فيه إثبات الالف في قوله " حفصا " لانه منون ولا يحذف في الكلام إلا على ضعف كالمعل " انتهى.
وأنشد بعده، وهو الشاهد العشرون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من البسيط) 120 - لا يبعد الله إخوانا تركتهم * لم أدر بعد غداة العين ما صنع على أن أصله " صنعوا " فحذفت واو الضمير للوقف، وإن كان ينكسر الشعر بحذفها، فإنهم لا يبالون للوقف.
قال سيبويه: " وزعم الخليل أن ياء يقضى وواو إذا كانت واحدة منهما
__________
(1) الزيادة من كتاب سيبويه (ح 2 ص 299) (*)

حرف الروى (لم تحذف، لانها ليست بوصل حينئذ، وهى حرف روى) كما أن القاف في: * وقاتم الاعماق خاوى المخترق *
(حرف الروى)، وكما لا تحذف هذه القاف لا تحذف واحدة منهما، وقد دعاهم حذف ياء يقضى إلى أن حذف ناس كثير من قيس وأسد الواو والياء اللتين هما علامة المضمر، ولم تكثر واحدة منهما في الحذف ككثرة ياء يقضى، لانهما تجيئان لمعنى الاسماء، وليستا حرفين بنيا على ما قبلهما، فهما بمنزلة الهاء في قوله: (من الطويل) * يا عجبا للدهر شتى طرائقه * سمعت ممن يروى هذا الشعر من العرب ينشده (من البسيط): لا يبعد الله أصحابا تركتهم * لم أدر بعد غداة البين ما صنع يريد ما صنعوا.
وقال (من الكامل) * يا دار عبلة بالجواء تكلم * يريد تكلمي ".
مع أبيات أخر قال الاعلم: " الشاهد فيه حذف واو الجماعة من صنعوا، كما تحذف الواو الزائدة، إذا لم يريدوا الترنم، وهذا قبيح لما تقدم من العلة " (1) انتهى.
والبيت من قصيدة لتميم بن أبى بن مقبل، وقبله: ناط الفؤاد مناطا لا يلائمه * حيان داع لاصعاد ومندفع حى محاضرهم شتى ويجمعهم * دوم الايادي وفاثور إذا انتجعوا لا يبعد الله أصحابا تركتهم *...البيت
__________
(1) يريد بالذى تقدم أن الواو اسم جاء لمعنى فلا يحسن حذفه كما تحذف حروف الترنم إذا كانت زائدة

ناط الشئ ينوط نوطا: أي علقه، فالفؤاد مفعوله، وحيان: فاعله، والحى: القبيلة، وداع ومندفع: بدل من حيان، وأصعد من بلد بكذا إلى بلد كذا إصعادا،
إذا سافر من بلد سفلى إلى بلد عليا، وأصعد إصعادا، إذا ارتقى شرفا، كذا في المصباح، ومندفع: منحدر إلى أسفل، والمحاضر: الذين يحضرن المياه، في الصحاح " يقال: على الماء حاضر، وقوم حضار إذا حضروا المياه، ومحاضر " وشتى: جمع شتيت بمعنى متفرق، ودوم الايادي: موضع، وهو فاعل يجمعهم، وفاثور - بالفاء والمثلثة - معطوف على دوم، قال ياقوت في معجم البلدان: فاثور: موضع أو واد بنجد، وأنشد هذا البيت، وإذا: ظرف ليجمعهم، وانتجع القوم: إذا ذهبوا لطلب الكلا في موضعه وقوله " لا يبعد الله الخ " لفظه إخبار ومعناه دعاء، ويجوز أن يقرأ بالجزم على أنه دعاء صورة النهى، و " يبعد " مضارع أبعده بمعنى أهلكه، ويجوز أن يكون بمعنى بعده تبعيدا: أي جعله بعيدا، و " إخوانا " مفعلوله، وتركتهم: فارقتهم، والبين: الفراق، وما: استفهامية وتميم: شاعر إسلامى معاصر للفرزدق وجرير وقد ترجمناه في الشاهد الثاني والثلاثين من شرح شواهد شرك الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الواحد والعشرون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الكامل) 121 - يا دار عبلة بالجواء تكلم * وعمى صباحا دار عبلة واسلم على أن أصله تكلمي، واسلمى، حذف ضمير المخاطبة منهما - وهو الياء - للوقف والبيت من أوائل معلقة عنترة بن شداد العبسي، وعبلة - بالعين المهملة

والموحدة -: اسم امرأة، والجواء - بكسر الجيم والمد -: اسم موضع، قال يونس: سئل أبو عمرو بن العلاء عن قول عنتره: وعمى صباحا، فقال: هو
من قولهم: يعم المطر ويعم البحر إذا كثر زبده، وكأن يدعو لدارها بكثرة الاستسقاء والخير، وقال الاصمعي: عم وانعم واحد: أي كن ذا نعمة وأهل إلا أن عم أكثر في كلام العرب، وأنشد بيت امرئ القيس (من الطويل): الأعم صباحا أيها الطلل البالى * وهل يعمن من كان في العصر الخالى وقد استقصينا ما قيل في هذه الكلمة في الشاهد الثالث من أول شرح شواهد شرح الكافية.
و " دار عبلة " منادى، وحرف النداء محذوف، يقول: يا دار حبيبتي بهذا الموضع تكلمي، وأخبريني عن أهلك ما فعلوا، ثم أضرب عن استخبارها إلى تحيتها فقال: طاب عيشك في صباحك، وسلمت يادار حبيبتي.
وقد ترجمنا عنترة مع شرح شئ من هذه القصيدة، وبيان التسمية وعدد المعلقات في الشاهد الثاني عشر من أوائل شرح شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والعشرون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه (من الطويل) 122 - * خليلي طيرا بالتفرق أوقعا * على أنه لا يجوز حذف الالف من " قعا " للوقف لانه ضمير مثنى، قال سيبويه: " وأنشدنا الخليل: * خليلي طيرا بالتفرق أوقعا * فلم يحذف الالف كما لم يحذفها من تقضى "، قال الاعلم: " أراد أن الالف من قوله " قعا " لا تحذف كما لا تحذف ألف تقضى، يقال: وقع الطائر، إذا نزل بالارض، والوقوع: ضد الطيران " انتهى.

وخليلي: مثنى خليل مضاف إلى ياء المتكلم، و " طيرا " فعل أمر الطيران
مسند إلى ضمير الخليلين، و " قعا " فعل أمر من الوقوع مسند إلى ضميرهما، ومعموله محذوف، بدليل ما قبله: أي به ولم أقف على تتمته ولا على قائله والله تعالى أعلم وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والعشرون بعد المائة (من البسيط): 123 - تعثرت به في الافواه ألسنها * والبرد في الطرق والاقلام في الكتب على أنه إذا كان قبل هاء الضمير متحرك فلا بد من الصلة، إلا أن يضطر شاعر فيحذفها، كما حذفها المتنبي من قوله " به "، قال ابن جنى في سر الصناعة: " ومن حذف الواو في نحو: (من الوافر) له رجل كأنه صوت حاد * إذا طلب الوسيقة أو زئير وقول الاخر: (من البسيط) وأشرب الماء ما بى نحوه عطش * إلا لان عيونه سيل واديها لم يقل في نحو " رأيتها " و " نظرتها " إلا بإثبات الالف، وذلك لخفة الالف وثقل الواو، إلا أنا قد روينا عن قطرب بيتا حذفت فيه هذه الالف تشبيها بالواو والياء لما بينهما وبينها من الشبه، وهو قوله: (من البسيط) أعلقت بالذيب حبلا ثم قلت له * الحق بأهلك واسلم أيها الذيب أما تقود به شاة فتأكلها * أو أن تبيعه في بعض الاراكيب يريد تبيعها، فحذفت الالف، وهذا شاذ " انتهى.
وقافيه البيت الثاني مقواة.

والبيت من قصيدة للمتنبي نظمها في الكوفة بعد رجوعه إليها من مصر رثى
بها خولة أخت سيف الدولة بن حمدان البكري، وتوفيت بميا فارقين، من ديار بكر، لثلاث بقين من جمادى الاخرة من سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة ورد خبر موتها العراق، فرثاها بهذه القصيدة في شعبان وأرسلها إليه، وقبله: طوى الجزيرة حتى جاءني خبر * فزعت فيه بآمالى إلى الكذب حتى إذا لم يدع لى صدقه أملا * شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بى تعثرت به في الافواه ألسنها...البيت طى البلاد: قطعها بالسير، والجزيرة: بلد يتصل بأرض الموصل، والفزع إلى الشئ: الاعتصام به والالتجاء إليه، والشرق: الغصص، وتعثر الالسن: توقفها عن الابانة، مستعار من عثار الرجل، والبرد - بالضم - رجال يحملون الرسائل على دواب تتخذ لهم، الواحد منها يريد، يقول: طوى أرض الجزيرة خبر هذه المتوفاة مسرعا غير متوقف حتى طرقني بغتة، وورد على فجأة، ففزعت بآمالى فيه إلى تكذيب صدقه ومخادعة نفسي في أمره، ثم قال: حتى إذا لم يدع لى صدقه أملا أتعلل بانتظاره ورجاء أخدع نفسي بارتقابه أعلنت بالحزن، واستشفيت بالدمع فأذريت منه ما أشرقني تتابعه، وأدهشني ترادفه، حتى كدت أولمه كتألمي به وأشرقه كشرقي به، ثم قال: تعثرت الالسن بذلك الخبر في الافواه فلم تظهره لشنعته، ولم تفصح به لجلالته، وكذلك تعثرت به البرد في الطرق استعظاما لحمله، والاقلام في الكتب استكراها لذكره وقد أوردنا ما يتعلق به بأبسط من هذا في الشاهد السادس والثمانين بعد الاربعمائة من شرح شواهد شرح الكافية

وأنشد بعده: (من الرمل)
* رهط مرجوم ورهط ابن المعل * وتقدم شرحه في الشاهد الثالث بعد المائة وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع والعشرون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الطويل) 124 - * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * على أن حرف الاطلاق لا يلحق الكلمة في الوقف إلا في الشعر إذا أريد التغني والترنم، كما ألحقت الياء لام منزل، ولولا الشعر لكانت اللام ساكنة، قال سيبويه في باب وجوه القوافى في الانشاد: " أما إذا ترنموا فإنهم يلحقون الالف والياء والواو ما ينون وما لا ينون، لانهم أرادوا مد الصوت، وذلك قولهم لامرئ القيس: * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * وقال في النصب ليزيد بن الطثرية: (من الطويل) فبتنا تحيد الوحش عنا كأننا * قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا وقال في الرفع للاعشى: (من الطويل) * هريرة ودعها وإن لام لائم * هذا ما ينون فيه، وما لا ينون فيه قولهم لجرير: (من الوافر) * أقلى اللوم عاذل والعتابا * وقال في الرفع لجرير أيضا: (من الوافر) * سقيت الغيث أيتها الخيام * وقال في الجر لجرير أيضا: (من الكامل) * كانت مباركة من الايام *

وإنما ألحقوا هذه المدة في حروف الروى لان الشعر وضع للغناء والترنم، فألحقوا كل حرف الذى حركته منه، فإذا أنشدوا ولم يترنموا فعلى ثلاثة أوجه: أما أهل الحجاز فيدعون هذه القوافى: ما نون منها، وما لم ينون، على حالها في الترنم، ليفرقوا بينه وبين الكلام الذى لم يوضع للغناء، وأما ناس كثير من بنى تميم فإنهم يبدلون مكان المدة النون فيما ينون وفيما لم ينون لما لم يريدوا الترنم أبدلوا مكان المدة نونا، ولفظوا بتمام البناء وما هو منه، كما فعل أهل الحجاز ذلك بحروف المد، سمعناهم يقولون للعجاج: (من الرجز) * يا أبتا علك أو عساكن * و * يا صاح ما هاج الدموع الذرفن * وقال العجاج: * من طلل كالاتحمى أنهجن * وكذلك الجر والرفع، والمكسور والمفتوح والمضموم في جميع هذا كالمجرور والمنصوب والمرفوع، وأما الثالث فأن يجروا القوافى مجراها لو كانت في الكلام ولم تكن قوافى شعر، جعلوه كالكلام حيث لم يترنموا وتركوا المدة (لعلمهم أنها في أصل البناء) (1)، سمعناهم يقولون لجرير: (من الوافر) * أقلى اللوم عاذل والعتاب * وللاخطل: (من البسيط) * واسأل بمصقلة البكري ما فعل * وكان هذا أخف عليهم.
ويقولون: (من الرجز) * قد رابنى حفص فحرك حفصا *
__________
(1) هذه الزيادة عن سيبويه (2: 299) (*)

يثبتون الالف لانها كذلك في الكلام " انتهى كلام سيبويه، ونقلناه برمته، لان الشارح المحقق لم يورد مسائله بتمامها والمصراع صدره، وعجزه * بسقط اللوى بين الدخول فحومل * والبيت مطلع معلقة امرئ القيس، وقد شرحناه شرحا وافيا في الشاهد السابع والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والعشرون بعد المائة: (من الخفيف) 125 - * آذنتنا ببينها أسماءو * على أن واو الاطلاق لحقت الهمزة من " أسماء " في الوقف لارادة الترنم، ولو كان في نثر لكنت الهمزة ولما جاز إلحاق الواو لها والمصراع صدر، وعجزه: * رب ثاو يمل منه الثواء * والبيت مطلع معلقة الحارث بن حلزة اليشكرى، وبعده: آذنتنا ببينها ثم ولت * ليت شعرى متى يكون اللقاء و " آذنتنا " أعلمتنا، قال تعالى: (فقل آذنتكم على سواء) قال ابن السكيت: يقال: آذن يؤذن إيذانا، وأذن يؤذن تأذينا، والاسم الاذان، بمعنى الاعلام، والبين: الفراق، مصدر بان يبين بينا وبينونة، وأسماء: اسم امرأة، لا ينصرف للعلمية والتأنيث، وأصله وسماء، أبدلت الواو همزة، ووزنه فعلاء، من الوسم والوسامة: أي الحسن والجمال، ولم يصب النحاس في شرح المعلقة في زعمه أنه قبل العلمية جمع اسم (1) قال: ولو سميت به رجلا
__________
(1) عدم تصويب أبى جعفر النحاس في ذلك غير سديد، فان هذا مذهب (*)

لكان الاكثر فيه الصرف، لانه جمع اسم، وقد قال: إنه لا ينصرف إذا سميت به رجلا لان الاصل أن يكون اسما لمؤنث فقد صار بمنزلة زينب " انتهى وقوله " رب ثاو - الخ " أرسله مثلا، والتقدير رب شخص ثاو، وجواب رب العامل في محل مجرورها هو يمل بالبناء للمفعول، بمعنى يسأم، يقال: مللته أمله ورجل ملول وملولة، والهاء للمبالغة، والثاوى: المقيم، يقال: ثوى يثوى ثواء وثواية، إذا أقام، يقول: أعلمتنا أسماء بمفارقتها إيانا: أي بعزمها على فراقنا، ورب مقيم تمل إقامته، ولم تكن أسماء ممن يمل وإن طال إقامتها.
وتقدم ترجمته مع شرح أبيات من هذه المعلقة وذكر سببها في الشاهد الثامن والاربعين من شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس والعشرون بعد المائة (من الطويل) 126 - ومستلئم كشفت بالرمح ذيله * أقمت بعضب ذى شقاشق ميله لما تقدم قبله والواو واو رب، والمستلئم: اسم فاعل من استلام الرجل: أي لبس اللامة، واللامة بالهمز: الدرع، وكشفت - بالتشديد - للمبالغة، وذيله: مفعوله، يعنى طعنته بالرمح فسقط عن فرسه وانكشف ذيله، وأقمت: بمعنى عدلت تعديلا، والعضب - بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة -: السيف القاطع، وهنا مستعار للسان (1)، شبه به للتأثير والايلام، والشقاشق: جمع شقشقة
__________
(1) للفراء، نعم الاول مذهب سيبويه، وهو أرجح المذهبين، لكون النقل إلى العلمية من الصفة أكثر من النقل من الجمع.
(1) دعاه إلى ذلك التصحيف، والرواية " بعضب دى سفاسق " والسفاسق: جمع سفسقة، وهى فرند السيف، وانظر اللسان.
(*)

بكسر الشين، وهى شئ كالرئة يخرجها البعير من فيه إذا هاج، ويشبه الفصيح المنطبق بالفحل الهادر، ولسانه بشقشقته، وميله: اعوجاجه، وهو مفعول أقمت وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع والعشرون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه (من الرجز): 127 - ببازل وجناء أو عيهل على أنهم جوزوا في الشعر تحريك اللام المضعف لاجل حرف الاطلاق مع أن حقه السكون في غير الشعر كما جوزوا فيه أن يحركوا لاجل المجئ بحرف الاطلاق ما حقه السكون في غيره قال سيبويه: " وأما التضعيف فقولك: هذا خالد، وهو يجعل، (وهذا فرج) (1) حدثنا بذلك الخليل عن العرب، ومن ثم قالت العرب (في الشعر) (1) في القوافى سبسبا تريد السبسب، وعيهل تريد العيهل، لان التضعيف لما كان في كلامهم في الوقف أتبعوه الياء في الوصل والواو على ذلك.
كما يلحقون الواو والياء في القوافى فيما لا تدخله واو ولا ياء في الكلام، وأجروا الالف مجراهما، لانها شريكتهما في القوافى، ويمد بها في غير موضع التنوين، (ويلحقونها في غير التنوين) (1)، فألحقوها بها فيما ينون في الكلام، وجعلت سبسب كأنه مما لا تلحقه الالف في النصب، إذا وقفت، قال رجل من بنى أسد (من الرجز) * ببازل وجناء أو عيهل * وقال رؤبة: (من الرجز) لقد خشيت أن أرى جدبا * في عامنا ذا بعد ما أخصبا أراد جدبا، وقال رؤبة: (من الرجز)
__________
(1) هذه الزيادة عن كتاب سيبويه (2: 282) (*)

* بدء يحب الخلق الاضخما * فعلوا هذا إذ كان من كلامهم أن يضعفوا " انتهى كلامه وقوله " ومن ثمة قالت العرب في الشعر سبسبا تريد السبب، وعيهل تريد العيهل " صريح في أنه ضرورة، وكذا صرح الاعلم بقوله: " الشاهد فيه تشديد عيهل في الوصل ضرورة، وأراد جدبا فشدد الباء ضرورة، وحرك الدال بحركة الباء قبل التشديد لالتقاء الساكنين، وكذلك شدد أخصبا للضرورة " انتهى.
فقول الشارح المحقق " وليس في كلام سيبويه ما يدل على كون مثله شاذا أو ضرورة " مخالف لنصه وقد أورده ابن السراج في باب الضرائر الشعرية من كتابه الاصول، قال: " الثاني إجراؤهم الوصل كالوقف، من ذلك قولهم في الشعر للضرورة في نصب) (1) سبسب وكلكل رأيت سبسبا وكلكلا، ولا يجوز مثل هذا في الكلام، إلا أن تخفف، وإنما جاز هذا في الضرورة لانك كنت تقول في الوقف في الرفع والجر: هذا سبسب، ومررت بسبسب، فتثقل على أنه متحرك الاخر في الوصل، لانك إذا ثقلت لم يجز أن يكون الحرف الاخر إلا متحركا، لانه لا يلتقى ساكنان، فلما اضطر إليه في النصب أجراه على حاله في الوقف، وكذلك فعل به في القوافى المرفوعة والمجرورة في الوصل، ثم أنشد أبيات سيبويه، وقال: فهذا أجراء في الوصل على حده في الوقف " انتهى.
وكذلك عده ابن عصفور ضرورة في كتاب الضرائر، وقد نقلنا مثله من المسائل العسكرية لابي على في الشاهد الثاني والاربعين بعد الاربعمائة من شواهد شرح الكافية
__________
(1) سقطت هذه الكلمة من بعض النسخ (*)

وقال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: " التثقيل إنما يكون في الوقف، ليعلم باجتماع الساكنين في الوقف أنه متحرك في الوصل، حرصا على البيان، لانه معلوم أنه لا يجتمع في الوصل ساكنان، وعلى هذا قالوا: خالد وهو يجعل، فإذا وصلوه قالوا: خالد أنى، وهو يجعل لك، فكان سبيله إذا أطلق في الاضخم بالنصب أن يزيل الثقيل، إلا أنه أجراه في الوصل مجراه في الوقف للضرورة، ومثله: (من الرجز) * ببازل وجناء أو عيهل * يريد العيهل، وهذا أكثر من أن أضبطه لك لسعته وكثرته " وقال في المحتسب أيضا: " وقد كان ينبغى - إذ كان إنما شدد عوضا من الاطلاق - أنه إذا أطلق عاد إلى التخفيف إلا أن العرب قد تجرى الوصل مجرى الوقف تارة، وتارة الوقف مجرى الوصل " انتهى.
والبيت من أرجوزة طويلة لمنظور بن مرثد الاسدي، وقيل: لمنظور بن حبة (1) الاسدي، أولها: ليت شبابى (كان) (2) للاول * وغض عيش قد خلا أرغل شدد لام أول، وأرغل كذلك، وهو بالغين المعجمة، قال صاحب العباب " وعيش أرغل وأغرل: أي واسع " * من لى من هجران ليلى من لى * * والحبل من حبالها المنحل *
__________
(1) منظور بن حبة هو بعينه منظور بن مرثد، قال المجد: " ومنظور بن حبة راجز، وحبة أمه، وأبوه مرثد " اه
(2) هذه زيادة يقتضيها الوزن، وقد بحثنا عن هذا البيت في كثير من المظان لنثبت لفظ الشاعر نفسه فلم نجده، فأثبتنا ما يقتضيه المقام (*)

قال أبو على في المسائل العسكرية: " المنحل لا يخلو من أن يكون محمولا على الحبل أو الحبال، وكلا الامرين قبيح " تعرضت لى بمكان حل * تعرض المهرة في الطول * تعرضا لم تعد عن قتلا لى (1) * قال أبو على: قال " أبو الحسن (1): يكون " عن قتلا لى " على الحكاية، ويكون يريد أن، فأبدل منها العين في لغة من يقولون في أن: عن، وتسمى عنعنة تميم " انتهى.
والطول بكسر الطاء وتخفيف اللام، وشددت لما ذكرنا، وهو الحبل الذى يطول للدابة فترعى فيه، ورواه صاحب العباب: * تعرضا لم تأل عن قتل لى * أي: لم تقصر عن قتل، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تأويل: ترى مراد نسعه المدخل * بين رجى الحيزوم والمرحل * مثل الزحاليف بنعف التل * وقال ابن جنى في سر الصناعة: " يريد المدخل والمرحل فشدد "، إلى أن قال: إن تبخلي يا جمل أو تعتلى * أو تصبحي في الظاعن المولى
__________
(1) هذان وجهان ذكرهما ابن المكرم عن ابن برى، وذكر وجها ثالثا عن سيبويه عن الخليل، قال: أراد عن قتلى، فلما أدخل عليه لاما مشددة كما أدخل نونا مشددة في قول دهلب بن قريع جارية ليست من الوخشن * كأن مجرى دمعها المستن
قطنة من أجود القطن * أحب منك موضع القرطن وصار الاعراب فيه - فتح اللام الاولى كما تفتح في قولك مررت بتمر وبتمرة وبرجل وبرجلين " اه (*)

نسل وجد الهائم المغتل * ببازل وجناء أو عيهل كأن مهواها على الكلكل * وموقعا من ثفنات زل موقع كفى راهب يضلى * في غبش الصبح وفى التجلى جمل: اسم امرأة - بضم الجيم - وتعتلى: من الاعتلاال وهو التمارض والتمسك بحجة، ونسل: من التسلية، وهى تطييب النفس، وهو جواب الشرط، والمغتل - بالغين المعجمة -: الذى قد اغتل جوفه من الشوق والحب والحزن، كغلة العطش، و " ببازل " متعلق بنسل، والبازل: الداخل في السنة التاسعة من الابل ذكرا كان أم أنثى، والوجناء: الناقة الشديدة، والعيهل: الناقة الطويلة، ومهواها: مصدر ميمى بمعنى السقوط، والكلكل: الصدر، قال أبو على: " استعمال العيهل والكلكل بتخفيف اللام، قدر الوقف عليه فضاعف إرادة للبيان، وهذا ينبغى أن يكون في الوقف دون الوصل، لان ما يتصل به في الوصل يبين الحرف وحركته، ويضطر الشاعر فيجرى الوصل بهذه الاطلاقات في القوافى مجرى الوقف، وقد جاء ذلك في النصب أيضا، قال: (من الرجز) * مثل الحريق وافق القصبا * وهذا لا ينبغى أن يكون في السعة " انتهى والثفنة - بفتح المثلثة وكسر الفاء بعدها نون - وهو ما يقع على الارض من أعضاء الابل إذا استناخ وغلظ كالركبتين، وزل - بضم الزاى -: جمع
أزل، وهو الخفيف، شبه الاعضاء الخشنة من الناقة بكثرة الاستناخة بكفى راهب قد خشنتا من كثرة اعتماده عليهما في السجود، والغبش - بفتحتين -: بقية الليل، وأراد بالتجلى النهار، قال السخاوى في سفر السعادة: " وهذا الشعر لمنظور بن مرثد الاسدي، وقد روى لغيره، ويزاد فيه:

إن صح عن داعى الهوى المضل * ضحوة ناسى الشوق مستبل أو تعدني عن حاجها حاج لى * نسل وجد الهائم المغتل " انتهى.
ومستبل: من أبل من مرضه، إذا صح وتوجه إلى العافية، وتعدني: تتجاوزنى، وحاج: جمع حاجة وقد تكلمنا على هذه الابيات في شواهد شرح الكافية بأبسط من هذا.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثامن والعشرون بعد المائة: (من الوافر) 128 - * ولا تبقى خمور الاندرينا * على أن (حق) (1) نون الاندرين في الكلام السكون عند الوقف وهذا عجز وصدره: * ألا هبى بصحنك فاصبحينا * وهو مطلع معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي و " ألا " حرف يفتتح به الكلام ومعناه التنبيه، وهبى: فعل أمر مسند إلى ضمير المخاطبة، ومعناه قومي من نومك يقال: هب من نومه يهب - بالضم - هبا، إذا انتبه وقام من موضعه، والصحن: الكبير الواسع، واصبحينا: اسقينا الصبوح، وهو الشرب بالغداة، وهو خلاف الغبوق، يقال: صبحه صبحا - من باب نفع - واصطبح: أي شرب الصبوح، والعرب
تسمى شرب الغداة صبوحا - بفتح الصاد - وشرب نصف النهار قيلا - بفتح القاف - وشرب العشاء غبوقا - بفتح الغين - وشرب الليل فحمة -
__________
(1) كان الاصل " على أن نون الاندرين في الكلام على السكون...الخ " وهو غير ظاهر المعنى فأثبتنا ما ترى ليستقيم الكلام (*)

بفتح الفاء وسكون المهملة - وشرب السحر جاشرية - بالجيم والشين المعجمة - وقد نظمها محمد التوجى (1) فقال: (من الطويل) صبوح وقيل والغبوق وفحمة * لدى العرب العرباء يا صاح تعتبر لشرب غداة والظهيرة والعشا * وليل، وشرب الجاشرية بالسحر وقوله " ولا تبقى الخ " أبقيت الشئ وبقيته بمعنى: أي لا تبقيها لغيرنا وتسقيها سوانا، والمعنى ولا تدخرى خمر هذه القرية.
والاندرين: قرية بالشام، وهى معدن الخمر، وقيل: إنما هي أندر، وجمعها بما حولها، وقيل: إنها أندرون، وفيها لغتان: منهم من يرفعه بالواو ويجره وينصبه بالياء، ويفتح النون في كل ذلك، ولهذا قال " خمور الاندرينا " ومنهم من يجعل الاعراب على النون ويجعل ما قبلها ياء في كل حال، وإنما فتح (2) هنا في موضع الجر لانه لا ينصرف للعلمية والتأنيث، أو للعلمية والعجمة وقال أبو إسحق: " ويجوز أن تأتى بالواو، ويحتمل الاعراب على النون، ويكون مثل زيتون، وخبرنا بهذا أبو العباس المبرد، ولا أعلم أحدا سبقه إليه " وقال أبو عبيد في معجم ما استعجم: " الاندرين: قرية بالشام، وقال الطوسى: قرية من قرى الجزيرة، وأنشد هذا البيت " وقال ياقوت في معجم البلدان: " الاندرين: اسم قرية في جنوبى حلب، بينهما مسيرة يوم للراكب، في طرف البرية ليس بعدها عمارة، وهى الان خراب ليس إلا بقية جدر، وإياها عنى عمرو بن كلثوم بقوله:
* ولا تبقى خمور الاندرينا * وهذا ما لا شك فيه، سألت عنه ذوى المعرفة من أهل حلب فكل وافق
__________
(1) نسبة إلى توج، وهى مدينة بفارس قريبة من كازرون، فتحت في أيام عمر ابن الخطاب، وأمير المسلمين في الموقعة مجاشع بن مسعود (2) غير مستقيم لوجود ال، بل هو على اللغة الاولى لا غير.
(*)

عليه، وقد تكلف جماعة اللغويين لما لم يعرفوا حقيقة اسم هذه القرية، وألجأتهم الحيرة إلى أن شرحوا هذه اللفظة من هذا بضروب الشروح، فقال صاحب الصحاح: الاندر: اسم قرية بالشام، إذا نسبت إليها تقول: هؤلاء الاندريون، وذكر البيت، ثم قال: لما نسب الخمر إلى هذه القرية اجتمعت ثلاث ياءات فخففها للضرورة كما قال الاخر: (من الوافر) * وما علمي بسحر البابلينا * وقال صاحب كتاب العين: الاندرى، ويجمع الاندرين (يقال: هم الفتيان يجتمعون من مواضع شتى، وأنشد البيت وقال الازهرى: الاندر قرية بالشأم فيها كروم، وجمعها الاندرين) (1) فكأنه على هذا المعنى أراد الاندريين فخفف ياء النسبة، كما قال الاشعرين في الاشعريين، وهذا حسن منهم، صحيح القياس، ما لم يعرف حقيقة اسم هذا الموضع، فأما إذا عرفت فلا افتقار بنا إلى هذا التكلف " انتهى باختصار وتقدم ذكر هذه المعلقة مع ترجمة ناظمها في الشاهد الثامن والثمانين بعد المائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده وهو الشاهد التاسع والعشرون بعد المائة: (من الكامل) 129 - لعب الرياح بها وغيرها * بعدى سوافى المور والقطر
على أن تحريك الراء بالكسر لاجل حرف الاطلاق وهو الياء (2)، وليس بشاذ اتفاقا، مع أن حقه السكون في غير الشعر
__________
(1) الزيادة من ياقوت (2) هذا الذى أثبتناه هو الموافق لروى القصيدة التى منها هذا البيت، ووقع في الاصول " على أن تحريك الراء بالضم لاجل حرف الاطلاق وهو الواو " وهو خطأ ظاهر (*)

والبيت من قصيدة لزهير بن أبى سلمى، وقبله وهو مطلع القصيدة لمن الديار بقنة الحجر * أقوين من حجج ومن شهر وهذا الاستفهام تعجب من شدة خرابها حتى كأنها لا تعرف ولا يعرف سكانها، وقنة الشئ - بضم القاف وتشديد النون -: أعلاه، وحجر - بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم -: قصبة اليمامة، وأل فيه زائدة لضرورة الشعر، وقيل: العلم إنما هو الحجر بأل، وأقوين: أقفرن، يقال: أقوت الدار إذا خلت من سكانها، والحجج - بكسر الحاء المهملة وفتح الجيم الاولى -: جمع حجة - بالكسر أيضا - وهى السنة، وأراد بالشهر الشهور فوضع الواحد موضع الجمع اكتفاء به، والسوافى: جمع سافية اسم فاعل من سفت الريح التراب سفيا، إذا ذرته والمور - بضم الميم -: الغبار بالريح، والقطر: المطر قال أبو عبيد: " ليس للقطر سواف، ولكنه أشركه في الجر " أقول: ليس هذا من الجر على الجوار، لانه لا يكون في النسق، ووجهه أن الرياح السوافى تذرى التراب من الارض وتنزل المطر من السحاب وقد شرحنا هذين البيتين شرحا وافيا في الشاهد الرابع والسبعين بعد السبعمائة من شواهد شرح الكافية
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثلاثون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الرجز) 130 - لقد خشيت أن أرى جدبا * في عامنا ذا بعد ما أخصبا إن الدبا فوق المتون دبا * وهبت الريح بمور هبا تترك ما أبقى الدبا سبسبا * كأنه السيل إذا اسلحبا أو الحريق وافق القصبا * والتبن والحلفاء فالتهبا

على أن تحريك المضعف للوقف كثير، وليس ضرورة عند سيبويه تقدم قبله أن هذا النقل خلاف نصه، وهو في هذا تابع لقول المفصل: " وقد يجرى الوصل مجرى الوقف، منه قوله: * مثل الحريف وافق القصبا * ولا يختص بحال الضرورة، يقولون: ثلثهربعة، وفى التنزيل (لكنا هو الله ربى) " أنتهى وقد رد عليه الاندلسي في شرحه قال: " جمع في هذا الفصل بين ما لا يجوز إلا في الضرورة وبين ما يجوز في غيرها، فقوله " ولا يختص هذا بحال الضرورة " ينبغى أن يكون في آخر الفصل حتى يرجع إلى ثلثهر بعة، و (لكنا هو الله ربى) أو يعنى به أن التشديد في الوقف لا يختص بالضرورة، فأما أن يعنى به أن تحريك المشدد لاجل الوقف يجوز في غير الضرورة فمما لا يعرف، فإنه من المشهور أن من جملة المعدود في الضرورات تشديد المخفف، وأصله الوقف، ثم للشاعر أن يجرى الوصل محرى الوقف، بل غير سيبويه لا يجيز التشديد في المنصوب إلا في الشعر، فكيف لا يختص هذا بالضرورة " انتهى.
ونقله ابن المستوفى وسلمه، قال: " إنما أراد الزمخشري بقوله " ولا يختص
بالضرورة " ما ذكره من قوله " وقد يجرى الوصل مجرى الوقف " ولم يرد أن تحريك المشدد لاجل الوقف جائز، ولهذا علله بثلثهربعة، و (لكنا هو الله ربى)، فلا شبهة في أن هذين الموضعين أجرى فيهما الوصل مجرى الوقف، وهما من كلام فصحاء العرب والوارد في الكتاب العزيز، وأما إسناده البيت ليريك صورة إجراء الوصل مجرى الوقف لا أنه ممن يخفى عليك ذلك " انتهى.
وبالغ ابن يعيش في شرحه فعمم، قال: " قد يجرى الوصل مجرى الوقف، وبابه الشعر، ولا يكون في حال الاختيار، من ذلك قولهم: السبسبا والكلكل،

وربما جاء ذلك في غير الشعر تشبيها بالشعر، ومن ذلك ما حكاه سيبويه من قولهم في العدد: ثلثهر بعة، ومنه (لكنا هو الله ربى) في قراءة ابن عامر بإثبات الالف " هذا كلامه وهو غير جيد، والاولى التفصيل، وحرره ابن عصفور بقوله في كتاب الضرائر: " ومنها تضعيف الاخر في الوصل إجراء له مجرى الوقف، نحو قول ربيعة بن صبيح (من الرجز): * تترك ما أبقى الدبا سبسبا * الابيات فشدد آخر سبسبا والقصبا والتهبا في الوصل ضرورة، وكأنه شدد وهو ينوى الوقف على الباء نفسها، ثم وصل القافية بالالف فاجتمع له ساكنان فحرك الباء وأبقى التضعيف، لانه لم يعتد بالحركة لكونها عارضة، بل أجرى الوصل مجرى الوقف، ومثل ذلك قول الاخر: ببازل وجناء أو عيهل * كأن مهواها على الكلكل يريد أو عيهل وعلى الكلكل، فشدد " انتهى.
وقال شارح شواهد أبى على الفارسى: " جلبه شاهدا على أن الشاعر لم
يحدث فيه أكثر من القطع لالف الوصل " (1) وهذه الابيات الثمانية نسبها الشارح المحقق تبعا لابن السيرافى وغيره إلى رؤبة، وقد فتشت ديوانه فلم أجدها فيه (2) وقال أبو محمد الاعرابي في فرحة الاديب: " توهم ابن السيرافى أن الاراجيز
__________
(1) في الاصول " على أن الشاعر إذا لم يحدث فيه الخ " وكلمة (إذا) لم يظهر لنا وجه إثباتها فحذفناها، والظاهر أن مراد شارح شواهد أبى على بقطع همزة الوصل كلمة أخصبا، وكأنه جعلها من باب احمر ونحوه (2) قد فتشنا ديوان أراجيز رؤبة فوجدنا هذه الاحد عشر بيتا مسطورة في زيادات ديوانه (169) التى عثر عليها ناشره في كتب غير الديوان منسوبة إليه (*)

كلها لرؤبة، لاجل أن رؤبة كان راجزا، وهذه عامية، وليست الابيات لرؤبة، بل هي من شوارد الرجز لا يعرف قائلها، والابيات التى جاء بها مختل أكثرها، والصواب: إنى لارجو (1) أن أرى جدبا * في عامكم ذا بعد ما أخصبا إذا الدبا فوق المتون دبا * وهبت الريح بمور هبا تترك ما أبقى الدبا سبسبا * أو كالحريق وافق القصبا والتبن والحلفاء فالتهبا * كأنه السيل إذا اسلحبا وتمام الابيات ولا يتم معنى البيت إلا بها: حتى ترى البويزل الازبا * والسدس الضواضى المحبا من عدم المرعى قد اجلعبا " انتهى.
قلت: بقى بيت آخر لم يورده، وهو:
* تبا لاصحاب الشوى تبا * ونسبها ابن عصفور وابن يسعون نقلا عن الجرمى والسخاوى إلى ربيعة بن صبيح، وكذا قال شارح أبى على الفارسى والله أعلم.
وأورد الابيات ابن هشام اللخمس في شرح أبيات الجمل كرواية الشارح، وقال: أخبر أنه إنما خاف الجدب لاجل الجراد الذى هب في متون الارض، فأكل ما مر عليه، ثم هبت الريح فاقتلعت ما أبقى الدبا ولم تترك شيئا من المرعى
__________
(1) المحفوظ - وهو الموافق لما رواه الشارح المحقق ولما في زيادات الديوان - * لقد خشيت أن أرى جدبا * وفيه " في عامنا " وفى " إن الدبا " وفيه " كأنه الحريق " وفيه " الارزبا " وفيه " قد اقرعبا " (*)

ولا غيره، فشبهها بالسيل في حمله ما يمر عليه، أو بالنار إذا وافقت القصب والتبن والحلفاء، فإنها تحطم جميعها وقوله بعد " ما أخصبا " ما: مهيئة عند المبرد، ومصدرية عند سيبويه " انتهى.
ورواية أبى محمد الاعرابي دعاء على المخاطبين بخلاف الرواية الاولى فإنها إخبار عما وقع، وأرى بصرية، والجدب - بفتح الجيم وسكون الدال -: نقيض الخصب والرخاء، ومكان جذب أيضا وجديب: بين الجدوبة، وأرض جدبة، وأجدب القوم: أصابهم الجدب، وأجدبت أرض كذا: وجدتها جدبة، قال السخاوى في سفر السعادة: " وجدبا أصله جدبا بإسكان الدال، وإنما حركها لالتقاء الساكنين حين شدد الباء، وإنما حركها بالفتح لانها أقرب الحركات إليه " وقال في موضع آخر: " وشدد الباء في الشعر في الوصل تشبيها
بحال الوقف " وقال أبو الفتح: " لا يقال في هذا إنه وقف ولا وصل " وقوله " أخصبا " هو من الخصب - بالكسر - نقيض الجدب، وأخصبت، ومكان مخصب وخصيب وأخصب القوم إذا صاروا إلى الخصب.
قال السخاوى و " أما قوله: أخبا (فإنه) يروى بفتح الهمزة وكسرها، فالفتح على أنه أخصب يخصب إخصابا، وشدد الباء، كما قال: القصبا، ومن رواه بالكسر كان مثل احمر، إلا أنه قطع همزة الوصل " انتهى.
وكل منهما ضرورة إلا أن تشديد الباء أخف من قطع همزة الوصل، فإنه لحن في غير الشعر، وقول العينى: " جدبا بتشد الباء هو نقيض الخصب، وقوله: أخصبا بتشديد الباء ماض من الخصب " لا يعرف منه هل الدال مفتوحة أم لا ولا يعرف هل حركة الهمزة من أخصبا مفتوحة أم مكسورة.
وقوله " إن الدبا الخ " يروى بكسر همزة إن وبفتحها، وعلى رواية " إذ الدبا " إذا شرطية وجوابها

تترك، والدبا - بفتح الدال بعدها موحدة - قال صاحب الصحاح: " هو الجراد قبل أن يطير، الواحدة دباة " والمتون: جمع متن، وهو المكان الذى فيه صلابة وارتفاع، ودب: تحرك، من دب على الارض يدب دبيبا، وكل ماش على الارض دابة ودبيب، والالف للاطلاق، وتشديد الباء أصلى لا للوقف، وفاعل دب ضمير الدبا، وفيه جناس شبه الاشتقاق، وقوله " بمور " الباء متعلقة بهبت، والمور - بضم الميم -: الغبار، والسبسب - كجعفر -: القفر، والمفازة، وتشديد الباء للضرورة، وهو المفعول الثاني لتترك، و " ما " هو المفعول الاول إن كان ترك بمعنى جعل وصير، وإن كان بمعنى خلى المتعدى إلى مفعول واحد وهو " ما " الواقعة على النبات، فسبسب حال من " ما " وفاعل تترك ضمير الريح، والمراد كسبسب، على التشبيه، وأراد تترك الريح المكان
الذى أبقى فيه الدبا شيئا من النبات أجرد لا شئ فيه، لانها جففت النبت وحملته من مكان إلى مكان، ورواه بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل: * تترك ما انتحى الدبا سبسبا * وقال: المراد انتحاه: أي قصده، فحذف الراجع إلى الموصول، وقوله " كأنه " أي كان الدبا، واسلحب اسلحبابا بالسين والحاء المهملتين: أي امتد امتدادا، هذا على الرواية المشهورة، وأما على رواية أبى محمد الاعرابي فهو متأخر عن البيتين بعده، ويكون ضمير " كأنه " للحريق: أي كأن صوت التهاب النار في القصب والحلفاء والتبن صوت السيل وجريه، ويكون على روايته قوله " أو كالحريق " معطوفا على قوله " سبسبا "، فيكون الجار والمجرور في محل نصب، وروى السخاوى الابيات بالرواية المشهورة، وقال: " وأنشده أبو على " مثل الحريق " بدل قوله " أو كالحريق " فيكون منصوبا على الحال من الضمير في اسلحبا: أي اسلحب مثل الحريق، أو على أنه نعت لمصدر محذوف:

أي اسلحبابا مثل اسلحباب الحريق: أي امتد الدبا وانتشر امتداد النار في القصب والتبن والحلفاء " وقال العينى: قوله " مثل الحريق " هكذا هو في رواية سيبويه، وفى رواية أبى على " أو كالحريق ".
أقول: ليس هذا البيت من شواهد سيبويه البتة، وإنما أورد سيبويه البيتين الاولين فقط، والنقل عن أبى على معكوس، وتشديد الباء من القصبا والتهبا ضرورة، والتبن بكسر المثناة وتسكين الموحدة، والحلفاء: نبت في الماء، قال أبو زيد: واحدتها حلفة، مثل قصبة وطرفة، وقال الاصمعي حلفة بكسر اللام، وقوله " حتى ترى البويزل إلخ " هو مصغر البازل من بزل البعير بزولا من باب قعد، إذا فطر نابه بدخوله في السنة التاسعة، فهو بازل، يستوى
فيه المذكر والمؤنث، والازب - بالزاى المعجمة -: وصف من الزبب، وهو طول الشعر وكثرته، وبعير أزب، ولا يكاد يكون الازب إلا نفورا، لانه ينبت على حاجبيه شعيرات، فإذا ضربته الريح نفر، وقال السخاوى: الارزب - بكسر الهمزة وسكون الراء المهملة بعدها زاى - قال الارزب الضخم الشديد، وقوله " والسدس الضواضى الخ " السدس - بفتحتين -: السن التى قبل البازل يستوى فيه المذكر والمؤنث، لان الاناث في الاسنان كلها بالهاء إلا السدس والسديس والبازل، قال صاحب الصحاح، والضواضي: بضادين معجمتين الاولى مضمومة، وهو الجمل الضخم، كذا في القاموس، والمحب - بفتح الحاء -: المحبوب، واجلعب: بالجيم، في الصحاح: " واجلعب الرجل اجلعبابا، إذا اضطجع وامتد وانتصب، واجلعب في السير إذا مضى وجد " انتهى، ورواه السخاوى قد اقرعبا: بالقاف والراء والعين المهملتين، وقال: " اقرعب: اجتمع وتقبض من الضر، أي الهزل " انتهى: وليست هذه المادة في الصحاح، والجملة حال من البويزل والسدس، والالف للتثنية، وترى بصرية، الشوى بفتح الشين

المعجمة وكسر الواو، قال السخاوى: هو الشاء (1) وقال العينى: " تبا: أي خسرانا وهلاكا لاصحاب الشاء، لانها أقل احتمالا للشدة " انتهى.
وفى الصحاح: والشاة من الغنم: تذكر وتؤنث، وأصلها شاهة، وجمعها في القلة شياه بالهاء، وفى الكثرة شاء، وجمع الشاء شوى.
وأنشد بعده وهو الشاهد الحادى والثلاثون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه (من الرجز) 131 - عجبت والدهر كثير عجبه * من عنزي سبنى لم أضربه
على أن ضمة الباء منقولة من الهاء إليها للوقف قال سيبويه: " هذا باب الساكن الذى تحركه في الوقف إذا كان بعده هاء المذكر الذى هو علامة الاضمار ليكون أبين لها كما أردت ذلك في الهمزة، وذلك قولك ضربته واضربه، وقده ومنه وعنه، سمعنا ذلك من العرب، ألقوا عليه حركة الهاء حيث حركوا لتبيانها، قال زياد الاعجم: عجبت والدهر كثير عجبه * من عنزي سبنى لم أضربه وقال أبو النجم: (من الرجز) * فقربن هذا وهذا أزحله " اه * قال الاعلم: " الشاهد فيه نقل حركة الهاء إلى الباء في الاول، وإلى اللام في الثاني ليكون أبين في الوقف، لان مجيئها ساكنة بعد ساكن أخفى لها، وعنزة: قبيلة من ربيعة بن نزار، وهم عنزة بن أسد بن ربيعة، وزياد الاعجم من عبد القيس، وسمى الاعجم للكنة كانت فيه، ومعنى أزحله أبعده " انتهى
__________
(1) في نسخة الشياه (*)

وهو بالزاى المعجمة والحاء المهملة، يقال: زحل عن مكانه زحولا: أي تنحى وتباعد وزحلته تزحيلا: بعدته، و " من عنزي " متعلق بعجبت، وما بينهما اعتراض.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والثلاثون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الرجز) 132 - بالخير خيرات وإن شرافا * ولا أريد الشر إلا أن تا على أنه يوقف على حرف واحد فيوصل بألف كما هنا، والتقدير وإن شرا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء.
ولم يورد سيبويه هذا البيت في باب من أبواب الوقف، وإنما أورده في باب إرادة اللفظ بالحرف الواحد من أبواب التسمية، وهذا نصه: (1) " قال الخليل يوما وسأل أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفضوا بالكاف التى في لك، والكاف التى في مالك، والباء التى في ضرب ؟ فقيل له: تقول: باء، كاف، فقال: إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف، وقال: أقول: كه، وبه، فقلنا: لم ألحقت الهاء ؟ فقال: رأيتهم قالوا عه فألحقوا هاء (حتى صيروها يستطاع الكلام بها)، لانه لا يلفظ بحرف، فإن وصلت قلت " ك وب فاعلم يا فتى "، كما تقول " ع يا فتى " فهذه طريقة كل حرف كان متحركا، وقد يجوز أن تكون الالف هنا بمنزلة الهاء، لقربها منها وشبهها بها، فتقول: " با " و " كا " كما تقول: " أنا " وسمعت من العرب من يقول: " ألا تاء، بلى فا " فإنما أرادوا ألا تفعل وبلى فافعل، ولكنه قطع كما كان قاطعا بالالف في " أنا "،
__________
(1) انظر (ج 2 ص 61 من كتاب سيبويه) (*)

وشركت الالف الهاء كشركتها في قوله " أنا "، بينوها بالالف كبيانهم بالهاء في هية وهنة وبغلتية، قال الراجز: بالخير خيرات وإن شرا فا * ولا أريد الشر إلا أن تا يريد إن شرا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء " انتهى كلامه.
قال الاعلم: " الشاهد في لفظه بالفاء " من قوله " فشر " والتاء من قوله " تشاء " ولما لفظ بهما وفصلهما مما بعدهما ألحقهما الالف للسكت عوضا من الهاء التى يوقف عليها، كما قالوا " أنا " و " حيهلا " في الوقف، والمعنى أجزيك بالخير خيرات، وإن كان منك شر كان منى مثله، ولا أريد الشر إلا ان تشاء، فحذف لعلم السامع " انتهى.
وكذا أورده المبرد في الكامل قال: " حدثنى أصحابنا عن الاصمعي، وذكره سيبويه في كتابه، ولم يذكر قائله، ولكن الاصمعي قال: كان أخوان متجاوران لا يكلم واحد منهما صاحبه سائر سنته حتى يأتي وقت الرعى فيقول أحدهما للاخر " ألا تا " فيقول الاخر " بلى فا " يريد ألا تنهض فيقول الاخر: بلى فانهض، وحكس سيبويه في كتابه * بالخير خيرات وإن شرا فا * الخ يريد إن شرا فشر ولا أريد الشر إلا أن تريد " انتهى.
وهذا على رواية الالف الواحدة، وأما الرواية بألف بعد همزة في البيت فقد قال ابن جنى في سر الصناعة: " أنشدنا أبو على: بالخير خيرات وإن شرا فأا * ولا أريد الشر إلا أن تأا والقول في ذلك أنه يريد " فا " و " تا " ثم زاد على الالف ألفا أخرى توكيدا كما تشبع الفتحة، فتصير ألفا كما تقدم، فلما التقت ألفان حرك الاولى فانقلبت همزة، وقد أنشدنا أيضا " فا " و " تا " بألف واحدة " انتهى.

وفيه أمور: أحدها: ظاهر كلام هؤلاء جوازه، وبه صرح الشارح المحقق تبعا لجماعة منهم الفراء، قال في تفسير سورة (ق): " ويقال: إن (ق) جبل محيط بالارض، فإن يكن كذلك فكأنه في موضع رفع: أي هو قاف، والله أعلم، وكان لرفعه أن يظهر لانه اسم وليس بهجاء، فلعل القاف وحدها ذكرت من اسمه كما قال الشاعر: (من السريع) * قلنا لها قفى فقالت فاف * ذكرت القاف وأرادت القاف من الوقف: أي إنى واقفة " انتهى.
ومنهم أبو إسحق الزجاج رحمه الله، قال في أول سورة البقرة: " وأختار من
هذه الاقوال التى حكينا في (ألم) بعض ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما، وهو أن العرب تنطق بالحرف الواحد تدل على الكلمة التى هو منها، قال الشاعر: قلت لها قفى فقالت قاف * لا تحسبى أنا نسينا الايجاف فنطق بقاف فقط يريد قالت: أقف، وقال الشاعر أيضا: (من السريع) نا دوهم أن الجموا ألا تا * قالوا جميعا كلهم ألافا تفسيره نادوهم أن ألجموا، ألا تركبون ؟ قالوا جميعا ألا فاركبوا، فإنما نطق بتا وفا كما نطق الاول بقاف، وأنشد بعض أهل اللغة للقيم بن أوس: بالخير خيرات وإن شرافا * ولا أريد الشر إلا أن تا أنشده جميع البصريين هكذا " انتهى.
وتبعه الامام البيضاوى فقال: " ويجوز أن تكون إشارة إلى كلمات هي منها، اقتصرت عليها اقتصار الشاعر في قوله: * قلت لها قفى، فقالت: قاف * كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: الالف آلاء الله، واللام لطفه، والميم ملكه، وعنه أنه " ألر " و " حم " و " ن " مجموعها

الرحمن، وعنه أن " ألم " معناه أنا الله أعلم، ونحو ذلك في سائر الفواتح، وعنه أن الالف من الله، واللام من جبريل والميم من محمد: أي القرآن منزل من الله عز وجل بلسان جبريل على محمد صلى الله تعالى عليهما وسلم " انتهى.
ومنهم ابن جنى قاله في باب (شجاعة العربية) (1) من الخصائص، وقال أيضا في المحتسب عند توجيه قراءة (يا حسره على العباد) من سورة يس: " قرأ جماعة (يا حسره) بالهاء ساكنة، وفيه نظر، لان قوله (على العباد) متعلقة بها أو صفة لها، وكلاهما لا يحسن الوقوف عليها دونه، ووجهه عندي أن العرب إذا
أخبرت عن الشئ غير معتمد ولا معتزمة عليه أسرعت فيه، ولم تتأن على اللفظ المعبر به عنه، وذلك كقوله: * قلنا لها قفى، فقالت: قاف * معناه وقفت، فاقتصر من جملة الكلمة على حرف منها تهاونا بالحال وتثاقلا عن الاجابة واعتماد المقال...إلى آخر ما ذكره ".
وذهب جماعة إلى أن هذا ضرورة لا يجوز في فصيح الكلام، قال المبرد بعد ما نقلناه عنه: " وهذا ما تستعمله الحكماء، فانه يقال: إن اللسان إذا كثرت حركته رقت عذبته (2)...إلى آخر ما ذكره " ومنهم أبو الحسن الاخفش، قال فيما كتبه على نوادر أبى زيد: " وهذا الحذف كالايماء والاشارة، يقع من بعض العرب لفهم بعض عن بعض ما يريد، وليس هذا هو البيان، لان البيان ما لم يكن محذوفا وكان مستوفى شائعا، حدثنا أبو العباس المبرد قال: حدثنا أصحابنا عن الاصمعي قال: كان أخوان من العرب يجتمعان في موضع لا يكلم أحدهما الاخر إلا في وقت النجعة (3)، فإنه يقول
__________
(1) كذا، وانظر الخصائص (1: 299) (2) عذبة اللسان طرفه الدقيق، يريد درب على الكلام ومرن عليه (3) النجعة - بالضم -: طلب الكلا من مواضعه، ويتجوز به في غير ذلك (*)

لاخيه " ألا تا " فيقول الاخر " بلى فا " يريد ألا ترحل وألا تنتجع ؟ فيقول الاخر: بلى فارحل، بلى فانتجع، وأما ما رواه أبو زيد * إلا أن تأا * فإن هذا من أقبح الضرورات، وذلك أنه لما اضطر حرك ألف الاطلاق، فخرجت عن حروف المد واللين فصارت همزة " انتهى.
ومنهم المرزبانى، قال في كتاب الموشح: " زعم أبو عبيدة أن حكيم بن
معية التميمي قال: (من الرجز) قد وعدتني أم عمرو أن تا * تدهن رأسي (1) وتفليني وا * وتمسح القنفاء حتى تنتا (2) * وقال آخر: * بالخير خيرات وإن شرافا * إلخ يريد فشر، أو يريد إلا أن تريد، قال: فسألت عن ذلك الاصمعي، فقال: هذا لى بصحيح في كلامهم، وإنما يتكلمون به أحيانا، قال: وكان رجلان من العرب أخوان ربما مكثا عامة يومهما لا يتكلمان، قال: ثم يقول أحدهما " ألاتا " يريد ألا تفعل، فيقول صاحبه " بلى فا " يريد فافعل، وليس هذا بكلام مستعمل في كلامهم " انتهى.
ومنهم ابن عصفور، قال في كتاب الضرائر: " ومنه قول الاخر: نادوهم أن ألجموا ألاتا * قالوا جميعا كلهم ألافا يريد قالوا: ألا تركبون، ألا فاركبوا، فحذف الجملة التى هي اركبوا،
__________
(1) في اللسان " تمسح رأسي " (2) القنفاء: فيشلة الذكر، وقوله " تنتا " ليس بعض كلمة كسابقه ولكن (تنتأ) فخفف الهمزة بقلبها ألفا، وقد ضبطت في موشح المرزبانى بكسر التاء الاولى، وهو خطا، ومعنى " تنتأ " ترتفع وتنتفخ (*)

واكتفى بحرف العطف وهو الفاء، ولولا الضرورة لم يجز ذلك، وكذلك أيضا اكتفاؤه بالتاء من " تركبون "، وحذف سائر الجملة إنما ساغ للضرورة، ومثل ذلك قول الاخر: بالخير خيرات وإن شرا فأا * ولا أريد الشر دلا أن تأا
أراد فأصابك الشر، فاكتفى بالفاء والهمزة وحذف ما بعدهما وأطلق الهمزة بالالف، وأراد بقوله " إلا أن تأا " إلا أن تأبى الخير، فاكتفى بالتاء والهمزة وحذف ما بعدهما وحرك الهمزة بالفتح وأطلقها بالالف، ونحو من ذلك قول الاخر: * قلت لها قفى فقالت قاف * يريد قد وقفت، فاكتفت بالقاف، ومثل ذلك أيضا - إلا أن الدليل على المحذوف متأخر عنه - قوله: قد وعدتني أم عمرو أن تا * تدهن رأسي وتلفيني وا * وتمسح القنفاء حتى تنتا * ألا ترى أنه حذف ما بعد التاء والواو من غير أن يتقدم له دليل على ذلك المحذوف، ثم أعادها مع ما كان قد حذفه ليبين المعنى الذى أراده قبل " انتهى.
والرجز الذى أنشده ابن عصفور مختصر، رواه بتمامه أبو على بن المستنير المعروف بقطرب في كتاب الرد على أهل الالحاد في آى القرآن، قال: " قال غيلان: نادوهم أن ألجموا ألاتا * ثم تنادوا بعد تلك الضوضا * منهم بهاب وهل وبابا * وأنشد قطرب قبله: (من الرجز) ما للظليم عال (1) كيف لا يا * ينقد عنه جلده إذا يا
__________
(1) في الاصول " عال " - بالعين المهملة - والمعنى يحتمل أن يكون من قولهم: عال عولا، بمعنى زاد، والمراد أنه زاد في جريه، فكأنه متعجبا: أي شئ ثبت (*)

* أهبى (1) التراب فوقه إهبايا * قال يا ثم ابتدأ كلامه " انتهى.
الامر الثاني (2) أن الرجز الذى أنشده الشارح وسيبويه إنما هو " فأا "
و " تأا " بهمزة بعدها ألف، كما أنشده أبو زيد في نوادره، قال فيها: " قال لقيم ابن أوس من بنى أبى ربيعة بن مالك: إن شئت أشرفنا كلانا فدعا * ألله جهدا (3) ربه فأسمعا بالخير خيرات وإن شرا فأا * ولا أريد الشر إلا أن تأا أجاب بها امرأته إذ تقول له: قطعك الله الكريم (4) قطعا * فوق الثمام قصدا مرصعا (5) تالله ما عديت إلا ربعا * جمعت فيه مهر بنتى أجمعا وقوله " إن شرا فأا " أراد فالشر، فأقام الالف مقام القافية، وقوله " إلا أن تأا " إلا أن تشائى ذلك، وقولها: " ما عديت إلا ربعا " ما سقت وصرفت إلينا إلا ربعا من مهر ابنتى " انتهى كلام أبى زيد، وكذا أسنده ابن عصفور في
__________
(1) للظليم، وقد جرى حتى لا ينشق عنه جلده إذا يجرى جريا يثير التراب فوقه إثارة ؟ و " يجرى " في كلامنا هو الذى اقتطع منه " يا " في قوله " إذا يا " (1) تقول: أهبى الفرس التراب، إذا أثاره بحوافره (2) هذا هو الامر الثاني من الامور التى ذكر الاول منها قبل ذلك بمرحلة طويلة، فانظر (ص 263) (3) في نسخة " جهرا " بالراء، ولها وجه وما أثبتناه عن نوادر أبى زيد (ص 126) وعن نسخة أخرى في النوادر " المليك " (5) كذا في نسخة من الاصول، وهى التى سيشرح عليها المؤلف، وفى أخرى " موضعا " وهى التى توافق ما في كتاب النوادر (ص 126) (*)

كتاب الضرائر، وأبو حيان في الارتشاف، قال فيه: " وقد يوقف على حرف
واحد كحرف المضارعة يليه ألف نحو قوله: جارية قد وعدتني أن تا * تدهن رأسي وتفليني وا * وتمسح القنفاء حتى تنتا * أو يؤتى بهمزة بعد لحرف بعدها ألف، نحو قوله: بالخير خيرات وإن شرا فأا * ولا أريد الشر إلا أن تأا يريد فشرا وإلا أن تشاء " انتهى.
فلا يستقيم على هذا إلا أن يهمز فأا وتأا لتكون الهمزة بإزاء العين في " دعا " و " أسمعا " قال السيرافى: " وكذا أنشد هذا الشعر، وأراد فأفعل، فحذف وأطلق الهمزة بالالف لانها مفتوحة، وقال أبو زيد أراد فالشر إن أردت الخ، والذى ذكرته (1) آثر في نفسي، لان فيه همزة مفتوحة، والذى ذكره أبو زيد ليس فيه همزة إلا أن تقطع ألف الوصل من الشر، وفيه قبح، وقول أبى زيد في " إلا أن تأا " إنه أراد تشائى: يعنى أنه حذف الشين والالف واكتفى بالتاء والهمزة وأطلقها للقافية، والهمزة مكسورة من تشائى لان الخطاب لمؤنث، والهمزة من تأا مفتوحة، وأحب إلى من قول (1) ما قاله إلا أن تأبى الخير " انتهى.
وتقدير ابن عصفور فأصابك الشر مثل تقدير فأفعل، وعلى هذا التدقيق يضمحل قولهم: قد يوقف على حرف فيوصل بهمزة تليها ألف، وأصل الهمزة ألف قلبت همزة، لانه يكون إنما وقعت على حرفين من الكلمة مع ألف الاطلاق، وفى جعل الهمزة كالعين في " دعا " و " أسمعا " عيب من عيوب القافية، وهو الاكفاء، (2) وسهله قرب مخرج العين والهمزة، وتقدير المبرد في الكامل وتبعه بعضهم
__________
(1) في الاصول " والذى ذكره أثر " وفيها " وأحب إلى من قوله ما قاله " وهو عندنا تحريف صوابه ما ذكرناه (2) الاكفاء: اختلاف الروى بحروف متقاربة المخارج (*)

خطأ، لان الاصل في هذا الباب إذا لفظ بالحرف أن يترك على حركته ويزاد عليه في الوقف هاء السكت أو ألف الوصل، كما أجاز سيبويه أن يوقف بالالف في المفتوحة عوضا من الهاء، والتاء من " تريد " مضمومة فكان يلزم إبقاء ضمتها، ولا يصح ذلك في الشعر، إلا أن تقول: إنه فتحها من أجل ألف الاطلاق بعدها، فيحتاج إلى تعليل آخر.
الامر الثالث أن هذا الشعر خطاب لامرأة، فيجب أن يكون المقدر مؤنثا كما قدره أبو زيد، وتقديره مذكرا غفلة عن سياق الشعر وأصله.
وقوله " إن شئت أشرفنا الخ " بكسر التاء من شئت خطاب لامرأته، وأشرفنا: أي علونا شرفا - بفتحتين - وهو المكان العالي، وكلانا: تأكيد ل " نا " وكلا: مفرد اللفظ مثنى المعنى، ويجوز مراعاة كل منهما، ولهذا أعاد الضمير من دعا إليها مفردا: أي دعا كل منا، ولو أعاد الضمير باعتبار معناه لقال دعوا وقطع همزة الوصل لضرورة الشعر، وربه: بدل منه، وجهدا: منصوب مفعول مطلق بتقدير مضاف: أي دعاء جهد، أو حال بتقدير جاهدا، والجهد - بالفتح -: الوسع والطاقة، و " أسمعا " من أسمعت زيدا: أي أبلغته، فهو سميع، والدعاء يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه، وإلى ثان بحرف جر، يقال: دعوت الله أن يفعل كذا: أي يفعل كذا، ودعوت الله: أي ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده، والتقدير هنا أن يجزى أحدنا بمقابلة الخير خيرات، وإن كان فعله شرا فأصابه بشر، ولا أريد لك الشر إلا أن تأبى الخير ومن هنا تعرف أن تقدير ابن عصفور هو الجيد، لا تقدير السيرافى، وأن شرح الاعلم من قبيل الرجم بالظنون وقوله " قطعك الله الكريم قطعا ".
هو دعاء عليه، والقطع: جمع قطعة،
والثمام - بالثاء المثلثة -: نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص، والقصد: جمع قصدة، وهى القطعة من الشئ إذا انكسر، ككسر جمع كسرة،

والمرصع - بفتح الصاد المهملة المشددة -: الملقى والمطرح، والربع - بضم وفتح الموحدة - هو الفصيل ينتج في الربيع في أول النتاج والانثى ربعة ولقيم بن أوس: شاعر إسلامى وأما الشعر الاخر * قلت لها قفى: فقالت قاف * فهو أول رجز للوليد بن عقبة بن أبى معيط، أورد بقيته أبو الفرج الاصبهاني في الاغانى في ترجمته، قال: " لما شهد على الوليد بن عقبة عند عثمان ابن عفان - رضى الله عنه ربه الملك المنان - بشرب الخمر وكتب إليه يأمره بالشخوص فخرج وخرج معه قوم فيهم عدى بن حاتم رضي الله عنه، فنزل الوليد يوما يسوق بهم، فقال يرتجز: قلت لها قفى فقالت قاف * لا تحسبينا قد نسينا الايجاف والنشوات من معتق صاف (1) * وعزف قينات علينا عزاف فقال له عدى: إلى أين تذهب بنا ؟ أقم وقد تخيل في العصام كعادته في حاشيته القاضى شيئا حتى أخرجه عن موضع الاستشهاد، قال: " ويمكن أن يكون أمرا من قافاه بمعنى قفاه: أي تبعه فإن فاعل يجئ بمعنى فعل، نحو سافر، ويناسب كل المناسبة بما قبله وبما بعده، فيقول: قلت لها قفى حتى تستريحي من نصب السفر والسير، فقالت قاف: أي قافنى واتبعني ولا تصاحبني في السير، فإنكم قد فترت وحصل لك الكلال، فقلت: لا تحسبينا...الخ، بل كان المقصود استراحتك " هذا كلامه.
وفيه أن فاعل بمعنى فعل سماعي، كما نصوا عليه في علم الصرف،
__________
(1) في الاغانى (5: 131 طبع دار) * والنشوات من عتيق أوصاف * (*)

والايجاف: متعدى وجف الفرس والبعير وجيفا، إذا عدا، وأوجفته، إذا أعديته، وهو العنف في السير، وقولهم " ما حصل بإيجاف " أي: بإعمال الخيل والركاب في تحصيله بالسير، ورجل نشوان مثل سكران، و " من معتق " أي: من خمر معتق، والعزف - بالعين المهملة والزاى المعجمة -: مصدر من عزف عزفا من باب ضرب، وإذا لعب بالمعازف، وهى آلات يضرب بها، الواحد عزف كفلس على غير قياس، والمعزف - بكسر الميم -: نوع من الطنابير (1) يتخذه أهل اليمن، وقيل: إنه العود، وقال الجوهرى: المعازف الملاهي، والقينة - بفتح القاف -: الامة البيضاء، مغنية كانت أو غيرها وقيل: تختص بالمغنية، وعزاف - بالضم -: جمع عازفة، وروى أيضا: * وعزف قينات لنا بمعزاف * وأصله معزف، فتولدت الالف من إشباع الفتحة.
والوليد بن عقبة: هو أخو عثمان بن عفان رضى الله عنه لامه، وكان فاسقا، وولى لعثمان رضى الله عنه الكوفة بعد سعد بن أبى وقاص رضى الله تعالى عنه، فشرب الخمر، وشهد عليه بذلك، فحده وعزله.
وأما الشعر الثالث، وهو: * قد وعدتني أم عمرو وأن تا * الخ فقد رواه ابن الاعرابي في نوادره كذا: * جارية قد وعدتني أن تا * الخ
والقنفاء: بفتح القاف وسكون النون بعدها فاء، قال الليث: الاذن القنفاء أذن المعزى إذا كانت غليضة كأنها نعل مخصوفة، ومن الانسان إذا كانت لا أطر لها، والكمرة القنفاء: أي رأس الذكر.
__________
(1) وقع في الاصول محرفا " نوع من الضنابير " (*)

وكان لهمام بن مرة ثلاث بنات آلى أن لا يزوجهن أبدا، فلما طالت بهن العزوبة قالت إحداهن بيتا وأسمعته كأنها لا تعلم أنه يسمع ذلك، فقالت: أهمام بن مرة إن همى * لفى اللائى يكون مع الرجال فأعطاها سيفا، وقال: السيف يكون مع الرجال، فقالت لها التى تليها: ما صنعت شيئا ! ولكني أقول: أهمام بن مرة إن همى * لفى قنفاء مشرفة القذال فقال: وما قنفاء ؟ تريدين معزى ؟ فقالت الصغرى: ما صنعت شيئا ! ولكني أقول: أهمام بن مرة إن همى * لفى عود أسد به مبالى فقال: أخزاكن الله ! ! وزوجهن.
وأنشد غير الليث: وأم مثواى تدرى لمتى * وتغمز القنفاء ذات الفروة و " تنتا " مضارع نتا نتوا، وفى المثل " تحقره وينتا " أي: يرتفع، وكل شئ يرتفع فهو نات، وهو مهموز، وقد سهل الشاعر همزة هنا ألفا، يريد ثمن ذكره فينعط.
وهذا الشعر لحكيم بن معية التميمي، كما قال المرزبانى، وحكيم بالتصغير، ومعية: تصغير معاوية، وهو راجز إسلامي قد ترجمناه في الشاهد الرابع والاربعين
بعد الثلاثمائة، من شواهد شرح الكافية.
وأما الشعر الرابع، وهو * نادوهم ألا الجموا ألاتا * الخ فقد رواه أبو على القالى في كتاب المقصور والممدود، كذا: " قال الراجز: ثم تنادوا بعد تلك الضوضا * منهم بهاب وبهل ويايا ناداهم ألا الجموا ألاتا * قالوا جميعا كلهم ألافا

والضوضا يمد ويقصر، قال الفراء: الضوضاء ممدود جمع ضوضاة " انتهى وفى الصحاح الضوضاة أصوات الناس.
وجلبتهم، يقال: ضوضو بلا همز وضوضيت " انتهى، ولم يذكر لا ممدودا ولا مقصورا وهاب: زجر للابل، وهل: بمعنى هلا، وهى كلمة استعجال وحث، ويايا هي يا حرف الندا كررت للتأكيد وهذا الرجز لم أقف على قائله، والله أعلم وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والثلاثون بعد المائة: (من الرجز) 133 - لما رأى أن لا دعه ولا شبع * مال إلى أرطاة حقف فالطجع على أن تاء التأنيث في دعه هاء في الوصل، لانه أجراه مجرى الوقف لضرورة الشعر، وظاهر كلام الفراء أنه غير ضرورة، قال في تفسير قوله تعالى (أرجه وأخاه) " جاء في التفسير احبسهما عندك ولا تقتلهما، والارجاء: تأخير الامر، وقد جزم الهاء حمزة والاعمش، وهى لغة للعرب، يقفون على الهاء المكنى عنها في الوصل إذا تحرك ما قبلها، أنشدني بعضهم: (من الرجز) أنحى على الدهر رجلا ويدا (1) * يقسم لا يصلح إلا أفسدا فيصلح اليوم ويفسده غدا
__________
(1) هذه الابيات لدويد بن زيد بن نهد أحد المعمرين، وهى في " الشعراء " لابن قتيبة (ص 36) وأمالى المرتضى (ح 1 ص 172).
ووقع فيهما ألقى على الدهر رجلا ويدا * والدهر ما أصلح يوما فسدا والبيت الثالث في الشعراء: * يصلحه اليوم ويفسده غدا * وفى أمالى المرتضى: يصلح ما أفسده اليوم غدا (*)

وكذلكك يفعلون بهاء التأنيث، فيقولون: هذه طلحة قد أقبلت بالجزم، أنشدني بعضهم: * لما رأى أن لادعه ولا شبع * انتهى وقد أورده الزمخشري في المفصل على أن اللام أبدلت من الضاد في " فالطجع " وأصله فاضطجع، وكذلك أورده المرادى وابن هشام في شرح الالفية، قال ابن جنى في سر الصناعة: " وأما قول الراجز: فالطجع فأبدل الضاد لاما وهو شاذ، وقد روى فاضطجع، وروى أيضا فاطجع، ويروى أيضا فاضجع " انتهى.
وهذا البيت قبله يا رب أباز من العفر صدع * تقبض الذئب إليه واجتمع وقد أنشدهما ابن السكيت في باب فعل وفعل من إصلاح المنطق، و " يا " حرف التنبيه، ورب لانشاء التكثير، وأباز - بتشديد الموحدة وآخره زاى معجمة - قال صاحب الصحاح: أبز الظبى يأبز (من باب ضرب): (1) أي قفز في عدوه فهو أباز، وأنشد هذا البيت، وصحفه بعض أفاضل العجم بالابان، فقال في شرح أبيات المفصل: " يا رب المنادى محذوف يريد يا قوم، والابان: الوقت،
والعفر: جمع أعفر، وهو الابيض الذى ليس بشديد البياض، وشاة عفراء يعلو بياضها حمرة، والصدع: الوعل، تقبض إليه: تزوى إليه وانضم، " صدع " مبتدا ومن العفر بيان له، وبهذا صح وقوعه مبتدأ، وتقبض خبره، والجملة صفة إبان والعائد محذوف: أي تقبض فيه " هذا كلامه وهو خبط عشواء، فإن قوله من العفر صفة لمجرور رب، وصدع صفة ثانية، وتقبض جواب رب، قال صاحب الصحاح تبعا لابن السكيت: " ورجل
__________
(1) ولا شاهد فيه فوق أن معناه غير مستقيم مع ما قبله ووقع في الاصول " انحوا على " وهو تحريف (1) هذه الجملة ثابتة في الاصول التى بأيدينا، وبالرجوع الى الصحاح لم نجدها فيه (*)

صدع بالتسكين، وقد يحرك، وهو الخفيف اللحم، وأما الوعل فلا يقال فيه إلا بالتحريك، وهو الوسط منها، ليس بالعظيم ولا بالصغير، ولكنه وعل بين وعلين، وكذلك هو من الظباء والحمر، قال الراجز * يا رب أباز من الوعل صدع * " انتهى وتقبض: جمع قوائمه ليثب على الظبى، وقوله " لما رأى الخ " راى هنا علمية: وفاعله ضمير الذئب وأن مخففة من الثقيلة: واسمها ضمير الشأن، ولا نافية للجنس، وخبرها محذوف: أي له، والجملة خبر أن المخففة، والدعة: الراحة والسكون، قال الجوهرى: " والدعة: الخفض، والهاء عوض من الواو، تقول منه: ودع الرجل - بالضم - فهو وديع: أي ساكن، ووادع أيضا " والشبع - بكسر الشين وفتح الموحدة - نقى الجوع، وأما الشبع - مع تسكين الموحدة - فهو ما أشبعك من شئ ".
قال صاحب الصحاح: " الارطى: شجر من شجر الرمل والواحدة أرطاة، قال الراجز:
مال إلى أرطاة حقف فاضطجع " انتهى والحقف - بكسر الحاء وسكون القاف -: التل المعوج من الرمل، واضطجع: وضع جنبه بالارض، يقول: لما رأى الذئب أنه لا يشبع من الظبى ولا يدركه وقد تعب في طلبه إلى الارطاة فاضطجع عندها، ونسب ياقوت هذه الابيات الاربعة فيما كتبه على هامش الصحاح إلى منظور بن حبة الاسدي، وكذلك نسبها العينى، ولم يتعرض لها ابن برى ولا الصفدى في المواضع الثلاثة من الصحاح.
المقصور أنشد فيه وهو الشاهد الرابع والثلاثون بعد المائة: (من البسيط)

134 - في ليلة من جمادى ذات أندية * لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا على أنه شذ (جمع) (1) ندى على أندية كما في البيت، قال ابن جنى في إعراب الحماسة: " اختلف في أندية هذه، فقال أبو الحسن: كسرندى على نداء كجبل وجبال، ثم كسر نداء على أندية كرداء وأردية، وقال محمد بن يزيد هو جمع ندى كقول سلامة بن جندل: (من البسيط) يومان يوم مقامات وأندية * ويوم سير إلى الاعداء تأويب وذهب غيرهما إلى أنه كسر فعلا على أفعل كزمن وأزمن، وجبل وأجبل فصار أند كأيد، ثم أنث أفعل هذه بالتاء، فصارت أندية كما أنث فحالة، وذكورة، وبعولة، وأندية على هذا أفعلة - بالضم - لا أفعلة - بالكسر - وذهب آخرون إلى أنه كسر فعلا على أفعلة: وركب به مذهب الشذوذ، وهذا وإن كان شاذا فإن له عندي وجها من القياس صالحا، ونظيرا من السماع مؤنسا: أما السماع
فقولهم في تكسير قفا ورحى: أقفية وأرحية، حكاهما الفراء وابن السكيت فيما علمت الان، وأما وجه قياس الجمع فهو أن العرب قد تجرى الفتحة مجرى الالف، ألا تراهم لم يقولوا الاضافة إلى جمزى وبشكى (إلا جمزى، وبشكى) (2) كما لا يقولون في حبارى، إلا حبارى، ومشابهة الحركة للحرف أكثر ما يذهب إليه، فكأن فعلا على هذا فعال، وفعال مما يكسر على أفعلة نحو غزال وأغزلة وشراب وأشربة، وكذلك كسر ندى ورحى وقفا على أندية وأرحية وأقفية، وكما شبهت الحركة بالحرف فكذلك شبه الحرف بالحركة، فقالوا حياء وأحياء، وعزاء وأعزاء، وعراء وأعراء ومن الصحيح جواد وأجواد، فكأن كل واحد من هذه الاحاد فعل (3)
__________
(1) هذه زيادة يقتضيها المقام (2) سقطت هذه من نسخ الاصل وكأن الناسخ حسبهما تكرارا.
(3) في الاصل فعال، وليس له وجه.
(*)

عندهم، وأجود تكسير ندى أنداء، كما قال الشماخ: (من الطويل) إذا سقط الانداء صيغت وأشعرت * حبيرا ولم تدرج عليها المعاوز (1) وقد تقصيت هذا الموضع في كتاب سر الصناعة " انتهى كلامه.
أقول: ذكره في فصل الواو من ذلك الكتاب.
وقال السهيلي في الروض الانف: " أندية، جمع ندى على نداء مثل جمل وجمال، ثم جمع الجمع على أفعلة، وهذا بعيد في القياس، لان الجمع الكثير لا يجمع وفعال من أبنية الجمع الكثير، وقد قيل: إنه جمع ندى، والندى: المجلس، وهذا لا يشبه معنى البيت، ولكنه جاء على مثال أفعلة، لانه في معنى الاهوية والاشتية ونحو ذلك، وأقرب من ذلك أنه في معنى الرذاذ والرشاش، وهما يجمعان على أفعلة " انتهى.
وقريب منه قول الخوارزمي: " ندى وإن كان في نفسه فعلا لكنه بالنظر إلى ما يقابله - وهو الجفاف - فعال، فمن ثم كسروه على أفعلة " وقول السهيلي " لا يشبه معنى البيت " قد يمنع، ويكون معناه في ليلة من ليالى الشتاء ذات مجالس يجلس فيها الاشراف والاغنياء لاطعام الفقراء، فانهم كانوا إذا اشتد الزمان وفشا القحط، وذلك يكون عند العرب في الشتاء، يجلسون في مجالسهم ويلعبون بالميسر، وينحرون الجزر، ويفرقونها على الفقراء.
والبيت من قصيدة لمرة بن محكان، أوردها أبو تمام في باب الاضياف والمديح من الحماسة، وقبله: أقول والضيف مخشى ذمامته * على الكريم وحق الضيف قد وجبا يا ربة البيت قومي غير صاغرة * ضمى إليك رحال القوم والقربا في ليلة من جمادى ذات أندية * لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا
__________
(1) انظر ديوان الشماخ (ص 50) (*)

لا ينبح الكلب فيها غير واحدة * حتى يلف على خيشومه الذنبا وخيريهم أندنيهم إلى سعة * من ساحة الدار أم نبنى لهم قببا ؟ مخشى: اسم مفعول من الخشية، وهى الخوف، وذمامة: نائب الفاعل، وهى بمعنى الذم، وقوله " ياربة البيت " هو مقول القول، وربة البيت: صاحبته، يريد امرأته، و " غير " منصوب على الحال، وصاغرة: من الصغار - بالفتح - وهو الذلة، وضمي: اجمعي، والرحال - بالحاء المهملة -: جمع رحل، وهو كل شئ يعد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن، والقرب - بضمتين -: جمع قراب، وقراب السيف - بالكسر -: جفنه وهو وعاء يكون فيه السيف بغمده وحمالته، وقوله " في ليلة " هو متعلق بقومي، وقيل ب " ضمى " لقربه، وقوله
" من جمادى " متعلق بمحذوف صفة لليلة، ومن للتبعيض، وإن كانت للبيان كانت متعلقة بمحذوف حال من ليلة، كقوله تعالى (من أساور من ذهب) والشاهد في " من " الثانية فإن الاولى ابتدائية، واخطأ العينى في قوله: من جمادى صفة لليلة، ومن للبيان.
قال السهيلي: " أراد بجمادى الشهر، وكان هذا الاسم قد وقع على هذا الشهر في زمن جمود الماء، ثم انتقل بالاهلة، وبقى الاسم عليه وإن كان في الصيف والقيظ، وكذلك أكثر (1) هذه الشهور العربية سميت بأسماء مأخوذة من أحوال السنة الشمسية، ثم لزمتها وإن خرجت تلك الاوقات " انتهى.
وينبغى أن يعتبر أصل الوضع، وإلا فلا فائدة في ذكر اسم شهر لا يدل على شدة البر وجمود الماء، والشاعر إسلامى وليس ممن أدرك زمن وضع الشهور، ويجوز أن يلاحظ في الاعلام أصل وضعها.
قال ابن الانباري: " أسماء الشهور كلها مذكرة إلا جمادى، فهما مؤنثان
__________
(1) كذا في السهيلي (ج 2 ص 155) ووقع في الاصول " أشهر هذه الشهور " (*)

تقول: مضت جمادى بما، فإن جاء تذكير جمادى في شع فهو ذهاب إلى معنى الشهر، وهى غير مصروفة للتأنيث والعلمية، والاولى والاخرة صفة لها، فإن الاخرة بمعنى المتأخرة، ولا يقال: جمادى الاخرى، لان الاخرى بمعنى الواحدة فتتناول المتقدمة والمتأخرة فيخصل اللبس، ويحكى أن العرب حين وضعت الشهور وافق وضع الازمنة فاشتق للشهر معان من تلك الازمنة، ثم كثر حتى استعملوها في الاهلة وإن لم توافق ذلك الزمان، فقالوا: رمضان، لما أرمض الارض من شدة الحر، وشوال، لما شالت الابل بأذنابها للطروق، وذو القعدة لما ذللوا القعدان للركوب، وذو الحجة لما حجوا، والمحرم، لما حرموا القتال والتجارة،
وصفر لما غزوا فتركوا ديار القوم صفرا، وشهر ربيع، لما أربعت الارض وأمرعت، وجمادى، لما جمد الماء، ورجب لما رجبوا الشجر، وشعبان لما أشعبوا العود " وقوله " ذات أندية " بجر ذات بمعنى صاحب صفة لليلة، وأندية جمع ندى، وهو أصل المطر، والندى البلل، وبعضهم يقلو ما سقط آخر الليل فهو ندى، وأما الذى يسقط أوله فهو السدى: - بفتح السين المهملة - على وزنه من باب تعب، فهى ندية مثل تقية، ويعدى بالهمزة والتضعيف، وجملة " لا يبصر الحيوانات الكلب الخ " صفة أخرى لليلة، وخص الكلب المدجج الذى لا يبين إلا عيناه، والطنب - بضمتين، وسكون النون - لغة، وهو الحبل الذى تشد به الخيمة ونحوها، والجمع أطناب كعنق وأعناق، وقول العوام طنب - بفتحتين - لا أصل له، و " في " متعلقة يبصر، وروى بدلها " من " وهى بمعناها وقال العينى: للتعليل، والظلماء هنا بمعنى الظلمة، ويأتى وصفا أيضا يقال: ليلة ظلماء والليلة الظلماء، وقوله لا ينبح الكلب إلخ من باب ضرب، وفى لغة من باب نفع، والنباح - بالضم -: صوته، والخيشوم الانف، وإنما يلف ذنبه

على أنفه لشدة البرد فلا يقدر أن ينبح وقوله " وخيريهم أندنيهم " الهمزة للاستفهام، والادناء التقريب، وروى أيضا: ماذا ترين أندنيهم لارحلنا * من البيت جانب أم نبنى لهم قببا يقال: بنى الخيمة إذا ضربها وأقامها، والقبب: جمع قبة، وهى الخيمة المدورة.
ومرة بن محكان شاعر إسلامى من معاصري الفرزدق وجرير، وهو بضم الميم وتشديد الراء، ومحكان - بفتح الميم وسكون الحاء المهملة - على وزن غضبان: مصدر محك يمحك محكا من باب نفع إذا لج في الامر فهو محك وماحك، ورجل محكان إذا كان لجوجا عسر الخلق، ويقال أيضا: أمحك وامتحك في الغضب:
أي لج، والمماحكة: الملاجة، وضبطه العسكري في كتاب التصحيف بكسر الميم لا غير وهو خلاف ما قالوا والله أعلم.
قال ابن قتيبة في كتاب " الشعراء " مرة بن محكان السعدى هو من سعد بن زيد مناة بن تميم، من بطن يقال لهم: ربيع بالتصغير، وكان مرة سيد بنى ربيع، وكان يقال له: أبو الاضياف، وقتله صاحب شرطة مصعب بن الزبير، ولا عقب له، وهو القائل في الاضياف من تلك القصيدة: (من البسيط) وقلت لما غدوا أوصى قعيدتنا * غذى بنيك فلن تلقيهم حقبا أدعى أباهم ولم أقرب بأمهم * وقد عمرت ولم أعرف لهم نسبا أنا ابن محكان أخوا لى بنو مطر * أنمى إليهم وكانو معشرا نجبا انتهى.
تتمة: قد وقع المصراع الاول من البيت الشاهد في شعر آخر، قال ابن هشام صاحب السيرة النبوية عند ذكر ما قيل من الشعر يوم أحد: قال بن اسحق

" وكان " مما قيل من الشعر يوم أحد قول هبيرة بن أبى وهب (من البسيط) ما بال هم عميد بات يطرقني * بالود هند إذ تعدوا عواديها باتت تعاتبني هند وتغذلنى * والحرب قد شغلت عنى مواليها إلى أن قال بعد خمسة عشر بيتا: وليلة يصطلى بالفرث جازرها * يختص بالنقرى المثرين داعيها في ليلة من جمادى ذات أندية * جربا جمادية قدبت أسريها لا ينبح الكلب فيها غير واحدة * من القريس ولا تسرى أفاعيها ثم بعد أن أتمها وأنشد جوابها لحسان بن ثابت رضى الله عنه قال: وبيت هبيرة الذى يقول فيه * وليلة يصلى بالفرث جازرها * الخ يروى الجنوب أخت
عمرو ذى الكلب الهذلى في أبيات لها في غير يوم أحد " انتهى.
وقال السهيلي في الروض: " قد شرطنا الاضراب عن شرح شعر الكفرة والمفاخرين لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا من آمن منهم، لكنه ذكر في شعر هبيرة الذى بدأ به بيتين ليسا من شعره، فلذلك ذكرتهما، وهما: * وليلة يصطلى بالفرث * البيت و * في ليلة من جمادى...* البيت قوله يصطلى بالفرث: أي يستدفئ به من شدة البرد، و " يختص بالنقرى المثرين ": يختص الاغنياء طلبا لمكافأتهم وليأكل عندهم، يصف شدة الزمان، قال يعقوب في الالفاظ: ونسبها لهذلى، وكذلك قال ابن هشام في هذين البيتين: إنهما ليسا لهبيرة، ونسبهما لجنوب أخت عمرو ذى الكلب الهذلى " انتهى.
وجنوب هذه امرأة من هذيل، جاهلية، قد ترجمناه في الشاهد التاسع والستين بعد السبعمائة من شواهد شرح الكافية، فيكون مرة بن محكان قد أخذ المصراع الاول من شعرها، وكذلك يكون " لا ينبح الكلب فيها غير واحدة "

هذا المصراع ليس له، وقولها " جربا جمادية " أي: لا نجوم تظهر فيها، وجمادية منسوبة إلى جمادى.
أي لشدة البرد، ويروى " حيرى جمادية " يحار السالك فيها من شدة الظلام، والفرث: السرجين الذى يخرج من الكرش، والنقرى - بفتح النون والقاف وبالقصر -: الضيافة الخاصة لافراد، والجفى على وزنها - بالجيم والفاء -: الضيافة العامة، والمثرين: مفعول مقدم، وداعيها فاعل مؤخر، والقريس - بفتح القاف وآخره سين مهملة -: البرد الشديد.
ذو الزيادة أنشد فيه، وهو الشاهد الخامس والثلاثون بعد المائة: (من الرجز)
135 - * تجاوب القوس بترنموتها * على أن " ترنموتا " بمعنى الترنم، فالواو والتاءان زوائد، وصوابه.
* تجاوب الصوت بترنموتها * قال ابن جنى في سر الصناعة: " وزيدت التاء أيضا خامسة في نحو ملكوت وجبروت ورغبوت ورهبوت ورحموت وطاغوت، وسادسة في نحو عنكبوت وترنموت، وهو صوت ترنم القوس عند الانباض، قال الراجز: * تجاوب القوس بترنموتها * أي: بترنمها " انتهى.
وقال أيضا في شرح تصريف المازنى: " وأما ترنموت فيدل على زيادة تائه أيضا أنه بمعنى الترنم، قال الراجز: * تجاوب القوس بترنموتها * أي: بترنمها، ومثال عنكبوت فعللوت، ومثال ترنموت تفعلوت " انتهى.
وقال صاحب الصحاح: " والترنموت: الترنم، زاد فيه الواو والتاء، كما زادوا

في ملكوت، قال أبو تراب: أنشدني الغنوى: في القوس تجاوب الصوت بترنموتها * تستخرج الحبة من تابوتها يعنى حبة القلب من الجوف " انتهى.
فعرف أن الشارح المحقق تبع ابن جنى في ذكر القوس موضع الصوت، والصواب ما أنشده الجوهرى.
قال ابن برى في أماليه عليه: " قبل البيتين: * شريانة ترزم من عنوتها * والشريانة - بكسر الشين المعجمة وفتحها -: شرج تتخذ منه القسى،
قال الدينورى في كتاب النبات: " هو من جيد العيدان، وهو من نبات الجبال، قال أبو زياد: وتصنع القياس من الشريان، قال: وقوس الشريان جيدة إلا أنها سوداء مشربة حمرة، وهى أخف في اليدين من قوس النبع والشوحط، وزعموا أن عود الشريان لا يكاد يعوج، وقال الفراء: هي الشريان بالفتح والكسر ".
اه وترزم - بتقديم المهملة على المعجمة - بمعنى أنت وصوتت (1) من أرزمت الناقة إرزاما، والاسم الرزمة - بالتحريك - وهو صوت تخرجه من حلقها لا تفتح به فاها، وذلك على ولدها حين ترأمه، والحنين أشد من الرزمة، والعنوت (2): جمع عنت - بفتح العين المهملة والنون - وهو الوقوع في أمر شاق، وقوله " تجاوب الصوت " أي: صوت الصيد، يعنى إذا أحست بصوت حيوان أجابته بترنم وترها، والتابوت هنا: القلب، ووزنه فاعول
__________
(1) كذا، والاولى أن يقول " بمعنى تئن وتصوت " (2) هكذا وقع في الاصول كلها، والذى في اللسان " عنتوتها " والعنتوت: الحز في القوس، ولا معنى لما ذكره المؤلف (*)

وزعم الجوهرى أنه فعلوت من التوب، ورد عليه، قال الراغب: التابوت: وعاء يمر قدره، ويسمى القلب تابوت الحكمة، وسفط العلم، وبيته وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس والثلاثون بعد المائة: (من الرجز) 136 - * ربيته حتى إذا تمعددا * على أن وزنه عند عند سيبويه تفعلل، ومعناه غلظ واشتد، قال ابن دريد في الجمهرة: " تمعدد الغلام، إذا صلب واشتد، وبعده: * كان جزائي بالعصا أن أجلدا *
وتقدم الكلام عليه في الشاهد الثاني والاربعين بعد الستمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع والثلاثون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الرجز) 137 - * بشية كشية الممرجل * على أن الممرجل وزنه عند سيبويه مفعلل قال سيبويه: " جعلت المراجل ميمها من نفس الحرف حيث قال العجاج * بشبة كشية الممرجل * الممرجل: ضرب من ثياب الوشى " قال الاعلم: " استشهد به على أن ميم الممرجل أصلية، وهى ضرب من ثياب الوشي تصنع بدرات كالمرجل، وهو القدر، لثباتها في الممرجل، وهو عنده مفعلل، فالميم الثانية فاء الفعل، لان مفعلالا لا يوجد في الكلام، وغيره يزعم أن ممرجلا ممفعل، وأن ميميه زائدتان، ويحتج لمجيئها زائدتين في مثل

هذا بقولهم: تمدرعت الجارية، إذا لبست المدرع، وهو ضرب من الثياب كالدرع، وبقولهم: تمسكن الرجل، إذا صار مسكينا، والمسكين من السكون، وميمه زائدة، وهذا قريب، إلا أن سيبويه حمل الممرجل على الاكثر في الكلام، لقلة ممفعل (وكثرة مفعلل) والشية: هي اللون يخالطه لون آخر، ومنه سمى الوشى لاختلاف ألوانه، كأنه شبه في البيت اختلاف لون الثور الوحشى لما فيه من البياض والسواد بوشى المراجل واختلافه " انتهى وفى العباب للصاغاني: " والمرجل - بالكسر -: قدر من نحاس، وقال الليث: والمراجل: ضرب من برود اليمن، واحدها مرجل - بفتحها -
وثوب مرجل: أي معلم " انتهى ولم يذكر ممرجلا وأنشد بعده، وهو الشاهد الثامن والثلاثون بعد المائة: (من الطويل) 138 - * على إثرنا أذيال مرط مرجل * وهو عجز، وصدره: * فقمت بها أمشى تجر وراءنا * على أن المرجل معناه الذى فيه صورة الرجال أقول: لم يروه شراح المعلقات بالجيم، وإنما رووه بالحاء المهملة، قال أبو جعفر النحوي والخطيب التبريزي: " المرحل الذى فيه صورة الرحال بالوشى، وقال الزوزنى: " المرحل: المنقش بنقوش تشبه رحال (1) الابل، يقال: ثوب مرحل، وفى هذا الثوب ترحيل " وما رواه بالجيم إلا الصاغانى
__________
(1) كان في الاصول " رجال الادب " وهو تحريف واضح، والتصويب عن شرح الزوزنى للمعلقات (*)

في العباب، قال: " روى مرجل بالجيم: أي معلم، بالحاء أي موشى شبيها بالرحال " هذا كلامه وعلى تقدير ثبوت المرجل - بالجيم - يعنى الذى فيه صورة الرجال كيف يكون دليلا لكون الممرجل يعنى الذى فيه نقوش على صورة المراجل، فان تشبيه كل منهما خلاف تشبيه الاخر، ولعل في نسختنا من الشرح كلاما ساقطا، فإن الذى فيها إنما هو " والممرجل: الثوب الذى يكون فيه نقوش على صورة المراجل، كما قال امرؤ القيس * على إثرنا - الخ " ولعل الساقط بعد قوله على صورة المراجل " كما أن المرجل الثوب الذى فيه صورة الرجال كما قال امرؤ القيس - الخ " (1)
والله سبحانه وتعالى أعلم والمرط - بكسر الميم -: كساء من خز، أومر عزى، أو من صوف، وقد تسمى الملاءة مرطا، يقول: أخرجتها من خدرها وهى تمشى تجر مرطها على أثرنا لتعفى به آثار أقدامنا وقد تقدم شرحه بأبسط من هذا مع أبيات أخر من هذه المعلقة في الشاهد الواحد والتسعين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع والثلاثون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الطويل) 139 - فلست لا نسى ولكن لملاك * تنزل من جو السماء يصوب على أن ملكا ملاك، كما في البيت قال سيبويه: " اجتمع أكثرهم على ترك الهمزة في ملك، وأصله الهمز - وأنشد البيت، قال: وقالوا مألكه وملاكة، وإنما يريدون رسالة " انتهى
__________
(1) هذا الكلام ثابت في نسخ الشرح التى بأيدينا

وقال ابن السراج في الاصول: " ومما ألزم حذف الهمزة لكثرة استعمالهم ملك إنما هو ملاك، (فلما) (2) جمعوه ردوه إلى أصله قالوا ملائكة وملائك، وقد قال الشاعر - فرد الواحد إلى أصله حين احتاج - * فلست لانسى...البيت " انتهى.
وقد أخذ هذه من تصريف المازنى، قال ابن جنى في شرحه: " اعلم أنه يريد بالحذف هنا التخفيف، ألا ترى أنهم يحركون اللام من ملك لفتحة الهمزة من ملاك كما تقول في تخفيف مسألة: مسلة، وهذا هو التخفيف، إلا أنهم ألزموه التخفيف في الامر الشائع في الواحد، وصارت ميم مفعل كأنها بدل من إلزامهم إياه
التخفيف، كما أن حرف المضارعة في نرى وترى ويرى وأرى كأنه بدل من إلزامهم إياه التخفيف في الامر الشائع، حتى إن التحقيق وإن كان هو الاصل قد صار مستقبحا لقلة استعماله، وينبغى أن تعلم أن أصل تركيب ملك على أن الفاء لام والعين همزة واللام كاف، لان هذا هو الاكثر وعليه يصرف الفعل، قال الشاعر: (من الطويل) الكنى إلي قومي السلام رسالة * بآية ما كانوا ضعافا ولا عزلا فأصل الكنى ألئكنى فخفف الهمزة بأن طرح كسرتها على اللام، وقال الاخر: (من المتقارب) الكنى إليها وخير الرسول * أعلمهم بنواحي الخبر وعلى هذه اللغة جاء ملك، وأصله ملاك، وعلى هذا جمعوه، فقالوا: ملائك وملائكة، لان جمع مفعل مفاعل، ودخلت الهاء في ملائكة لتأنيث الجمع، وقد قدموا الهمزة على اللام فقالوا: مألك ومألكه للرسالة، قال عدى بن زيد: (من الرمل) أبلغ النعمان عنى مألكا * أنه قد طال حبسي وانتظار
__________
(1) زيادة يقتضيها المقام (*)

وقال لبيد رضى الله عنه: (من الرمل) وغلام أرسلته أمه * بألوك فبذلنا ما سأل ولم نرهم استعملوا الفعل بتقديم الهمزة، فهذا يدل على أن الفاء لام والعين همزة " انتهى.
قال ابن هشام اللخمى في شرح أبيات الجمل: " البيت لعلقمة بن عبدة أحد بنى ربيعة مالك بن زيد مناة بن تميم، وهو علقمة الفحل (1)، من قصيدته التى يقول فيها: (من الطويل)
وفى كل حى قد خبطت بنعمة * فحق لشأس من نداك ذنوب وهو آخر القصيدة " اه.
وقد بحثت (عنه) فلم أجده فيها من رواية المفضل في المفضليات، وكذلك لم أره في ديوانه قال السهيلي: " هذا البيت مجهول، وقد نسبه ابن سيده إلى علقمة، وأنكر ذلك عليه، ثم قال اللخمى: وحكى أبو عبيد أنه لرجل من عبد القيس من كلمة يمدح بها النعمان، وحكى السيرافى: أنه لابي وجرة (2) السلمى المعروف بالسعدي من قصيدة يمدح بها عبد الله بن الزبير رضى الله عنه وقوله " تنزل من جو السماء " (يحتمل وجهين: الاول (3)) أنه ليس بقديم في الارض فتلحقه طباع الادميين، والثانى أن كل ملك قرب عهده بالنزول من السماء فليس بمنزلة من لم يكن قريب العهد، ويصوب: ينحدر إلى أسفل، وقوله " لملاك " في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ مضمر، والتقدير أنت لملاك.
" ولانسى " في موضع خبر ليس والتقدير فلست منسوبا بالانسى، والجواب
__________
(1) انظر (ح 2 ص 346) من القسم الاول من هذا الكتاب.
(2) في القاموس: أبو وجزة يزيد بن عبيد أو أبى عبيد شاعر سعدى (3) زيادة لابد منها ليصح الكلام (*)

بين السماء والارض، و " يصوب " في موضع نصب على الحال من ضمير تنزل، ويجوز أن يكون في موضع الصفة لملاك " انتهى.
وفى الصحاح، صاب الماء يصوب نزل، وأنشد البيت لرجل من عبد القيس جاهلي يمدح بعض الملوك وقال الطيبى: يصوب: بمعنى يميل وهو استئناف على سبيل البيان والتعليل، وفى معناه قول صواحب يوسف (ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك) وأنشده الزمخشري عند قوله تعالى: (وما نتنزل إلا بأمر ربك) على أن التنزل بمعنى
النزول مطلقا، لانه مطاوع نزل، ولا أثر للتدريج في غرض الشاعر وقبله: تعاليت أن تعزى إلى الانس خلة * وللانس من يعزوك فهو كذوب وتعاليت تعاظمت، وتعزى: تنسب، وخلة: تمييز وهو بفتح الخاء المعجمة، وهو بمعنى الخصلة.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الاربعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الرجز) 140 - * دار لسعدى إذه من هو اكا * على أن هوى من " هواكا " مصدر بمعنى اسم المفعول: أي من مهوياتك وأنشده سيبويه في باب ضرائر الشعر من أول كتابه على أن الياء حذفت للضرورة، والاصل إذ هي من هواكا، وقبله: * هل تعرف الدار على تبراكا * بكسر المثناة الفوقية الموحدة: موضع في ديار بنى فقعس، وصف دارا خلت من سعدى هذه المرأة، وبعد عهدها بها فتغيرت بعدها، وذكر أنها كانت لها دارا ومستقرا، إذ كانت مقيمة بها، فكان يهواها بإقامتها فيها، وقد تكلمنا

عليه بأكثر من هذا في الشاهد الثالث والثمانين من أوائل شرح شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الحادى والاربعون بعد المائة -: (من الطويل) 141 - فإن تكن الموسى جرت فوق بظرها * فما ختنت إلا ومصان قاعد على أن الموسى مؤنثة بدليل جرت، فإن المؤنث إذا أسند إلى فعله وجب إلحاق علامة التأنيث لفعله، وأما إذا أسند الفعل إلى ظاهر فيجوز إلحاق العلامة
ويجوز تركها، كما في تكن، وأما تذكيره فلم أر له شاهدا إلا في كلام المولدين، وما أحسن ما كتب بعضهم بمصر إلى الامير موسى بن يغمور وقد أهدى إليه موسى: وأهديت موسى نحو موسى وإن يكن * قد اشتركا في الاسم ما أخطأ العبد فهذا له حد ولا فضل عنده * وهذا له فضل وليس له حد وهذا البيت قبله: لعمرك ما أدرى وإنى لسائل * ابظراء أم مختونة أم خالد وروى أيضا: * لعمرك ما أدرى وإن كنت داريا * والبظراء: المرأة التى لها بظر، والبظر: لحمة بين شفرى المرأة، وهى القلفة التى تقطع في الختان، وبظرت المرأة - بالكسر - فهى بظراء، إذا لم تختن، وأم خالد: مبتدأ، وبظراء: خبر مقدم، وروى مخفوضة بدل مختونة، وخفضت بدل ختنت، والختان مشترك بين الذكر والانثى، يقال: ختن الخاتن الصبى ختنا من باب ضرب، والاسم الختان والختانة، بكسرهما، ويطلق الختان على موضع القطع من الفرج، وفى الحديث (إذا التقى الختانان) وهو كناية لطيفة عن تغييب

الحشفة، فالمراد من التقائهما تقابل موضع قطعهما، فالغلام مختون والجارية مختونة وغلام وجارية ختين أيضا، والخفض خاص بالانثى، يقال: خفضت الخافضة الجارية خفاضا: ختنتها، فالجارية مخفوضة، ولا يقال: الخفض إلا على الجارية دون الغلام، وهو بالخاء والضاد المعجمتين بينهما فاء، قال الجواليقى: وروى أيضا وضعت وبضعت، والكل بمعنى واحد، قال ابن السيرافى في شرح أبيات إصلاح المنطق وتبعه الجواليقى: " يقول أنا في شك أمختونة هي أم لا، ثم قال: وإن كنت
أعلم أنها كذلك، فإن كانت مختونة فما ختنت إلا بعد ما كبر ابنها فختنت بحضرته وعنى بحصان ابنها " انتهى.
وقال ابن السيد في شرح أبيات أدب الكاتب: " وفى معنى البيت قولان: قيل: إنه أراد بالمصان الحجام لانه يمص المحاجم، يقول: إن كانت ختنت فإنما ختنها لتبذلها وقلة حيائها، لان العادة جرت أن يختن النساء النساء، وقيل: أراد بالمصان ابنها خالدا، لان العرب تقول لمن تسبه: يا مصان: أي يا من مص بظر أمه، يقول إن كانت ختنت فإنما ختنت بعد أن بلغ ابنها المصان القعود، فقد مص بظرها على كل حال، وأجرى مصان مجرى الاسماء الاعلام، فلذلك لم يصرفه " انتهى.
ولا يحتاج إلى هذا، فإن مصان وصف له كسلمان فمنع صرفه للوصفية والزيادة (1) وقد اختلف في قائلها والمهجو بهما، قال يعقوب بن السكيت في إصلاح المنطق
__________
(1) هذا كلام غير مستقيم، لانه ليس كل وصف على فعلان يمتنع صرفه، بل ذلك خاص بما كان مؤنثه على فعلى، أو بما لا يكون مؤنثه على فعلانة، وقد قيل: للانثى مصانة، فمطان مصروف، فامتناع صرف مصان في البيت لضرورة الشعر وهو جائز عند الكوفيين (*)

وتبعه الجواليقى في شرح أبيات أدب الكاتب، وابن برى في حاشيته الصحاح وغيرهما: " وأنشد الفراء في تأنيث الموسى لزياد الاعجم يهجو خالد بن العتاب بن ورقاء لما أعطى إليه خالد بدرة من الدراهم وقال له مازحا: أدخلها في حرأمك، وكذا قال أبو عمرو الشيباني، وقيل: قائلها أعشى همدان، واسمه عبد الرحمن بن عبد الله ويكنى أبا المصبح، قالهما في خالد بن عبد الله القسرى، وهذا قول
أبى الفرج الاصبهاني في الاغانى: قال: حدثنا الخراز عن المدائني عن عيسى بن زيد ابن جعدبة قالا: كانت أم خالد القسرى رومية نصرانية: فبنى لها كنيسة في قبلة مسجد الجامع في الكوفة فكان إذا أراد المؤذن بالمسجد أن يؤذن ضرب لها بالناقوس، وإذا قام الخطيب على المنبر رفع النصارى أصواتهم بقراءتهم فقال أعشى همدان يهجوه ويعيره بأمه، وكان الناس إذا ذكروه قالوا: ابن البظراء فأنف من ذلك، فيقال: إنه ختن أمه كارهة فعيره الاعشى بذلك حين يقول: (من الطويل) لعمرك ما أدرى وإنى لسائل * أبظراء أم مختونة أم خالد فإن كانت الموسى جرت فوق بظرها * فما ختنت إلا ومصان قاعد يرى سوأة من حيث أطلع رأسه * تمر عليها مرهفات الحدائد وقال أيضا يرميه باللواط: ألم تر خالدا يختار ميما * ويترك في النكاح مشق صاد ويبغض كل آنسة لعوب * وينكح كل عبد مستقاد وقال أبو عبيدة: حدثنى أبو الهذيل العلاف، قال: صعد خالد القسرى المنبر فقال: إلى كم يغلب باطلنا حقكم، أما آن لربكم أن يغضب لكم، وكان زنديقا وأمه نصرانية، فكان يولى النصارى والمجوس على المسلمين ويأمرهم بضربهم وامتهانهم، وكان أهل الذمة يشترون الجوارى المسلمات ويطئونهن، فيطلق ذلك

لهم ولا يغيره عليهم، وله يقول الفرزدق من أبيات: (من الطويل) وأنت ابن نصرانية طال بظرها * غدتك بأولاد الخنازير والخمر وقال فيه أيضا: (من الطويل) ألا لعن الرحمن ظهر مطية * أتتنا تخطى من بعيد بخالد
وكيف يؤم المسلمين وأمه * تدين بأن الله ليس بواحد وأورد له صاحب الاغانى حكايات كفريات كثيرة صريحة في كفره وزندقته، وروى بسنده عن خالد بن صفوان بن الاهتم أنه قال: " ولم تزل أفعال خالد به حتى عزله هشام وعذبه وقتل ابنه يزيد بن خالد، فرأيت في رجله شريطا قد شد به والصبيان يجرونه، فدخلت إلى هشام فحدثته فأطلت، فتنفس ثم قال: يا خالد، رب خالد كان أحب إلى قربا وألذ عندي حديثا منك، قال: يعنى خالدا القسرى، فانتهزتها ورجوت أن أشفع فيكون لى عند أمير المؤمنين يد، قلت: يا أمير المؤمنين فما يمنعك من استئناف الصنيعة عنده فقد أدبته بما فرط منه، فقال: هيهات، إن خالدا أوجف فأعجف، وأدل فأذل، وأفرط في الاساءة فأفرطنا في المكافأة، فحلم الاديم (1) ونغل (2) الجرح، وبلغ السيل الزبى و (جاوز) الحزام الطبيين (3)، فلم يبق فيه مستصلح، ولا للصنيعة عنده موضع "
__________
(1) يقال: حلم الاديم - بالكسر - أصابته الحلمة، وهى دودة تخرقه فلا ينفع فيه الدباغ (2) في الاصول " بتل الجرح " ولا معنى له والصواب ما أثبتناه، والنغل - بفتحتين -: الفساد، وفى الحديث: ربما نظر الرجل نظرة فنغل قلبه كما ينغل الاديم في الدباغ فيتثقب (3) الزبى: جمع زبية - بالضم - وهى حفرة تحفر للاسد إذا أرادوا صيده والطبيان: مثنى طبى - بالضم أو الكسر - وهو لذى الحافر والسباع كالضرع لغيرها، وهذان مثلان يضربان إذا تجاوز الامر قدره، وفى معناه " بلغ الدم الثنن " (*)

وأعشى همدان شاعر فصيح كوفى من شعراء الدولة الاموية، وكان زوج أخت الشعبى الفقيه، والشعبى زوج أخته، وكان أحد القراء الفقهاء، ثم ترك
ذلك وقال الشعر، وخرج مع ابن الاشعث فأتى به الحجاج فقتله صبرا، وكان الاعشى ممن أغزاه الحجاج الديلم فأسر، فلم يزل أسيرا في أيدى الديلم مدة، ثم إن بنتا للعلج الذى كان أسره هويته، وسارت إليه ليلا ومكنته من نفسها، فواقعها ثمانى مرات، فقالت له: أهكذا تفعلون بنسائكم، فقال لها: نعم، فقالت: بهذا الفعل نصرتم، أفرأيت إن خلصتك أتصطفيني لنفسك ؟ فقال: نعم، وعاهدها، فحلت قيوده وأخذت به طريقا تعرفها حتى خلصته، فقال شاعر من أسراء المسلمين: (من الطويل) ومن كان يفديه من الاسر ماله * فهمدان تفديها الغداة أيورها وكان الاعشى مع خالد بن عتاب بن ورقاء الرياحي بالرى، وأملق الاعشى يوما فأتاه فقال: (من الطويل) رأيت ثناء الناس بالغيب (1) طيبا * عليك وقالوا: ماجد وابن ماجد بنى الحارث السامين للمجد إنكم * بنيتم بناء ذكره غير بائد فإن يك عتاب مضى لسبيله * فما مات من يبقى له مثل خالد وأنشد الجار بردى هنا - وهو الشاهد الثاني والاربعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الوافر) 142 - أتوا نارى فقلت: منون أنتم ؟ * فقالوا: الجن، قلت: عموا ظلاما فقلت: إلى الطعام، فقال منهم فريق: نحسد الانس الطعاما
__________
(1) في الاغانى (ج 6 ص 57) " بالقول " وفى ديوان الاعشى مثل ما هنا (*)

على أن قوله " الانس " يدل على أن همزة إنسان أصل، وأنه مأخوذ من الانس لامن النسيان، وأنشد سيبويه البيت الاول على أن يونس يجوز فيه الحكاية
بمن وصلا، كما في البيت، و " عموا " معناه: انعموا، وهى كلمة تحية عند العرب، يقال: عموا صباحا، وإنما قال لهم: عموا ظلاما، لانهم جن وانتشارهم بالليل، كما يقال لبنى آدم إذا أصبحوا: عموا صباحا وقد شرحناه شرحا وافيا في الشاهد الواحد والخمسين بعد الاربعمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده أيضا، وهو الشاهد الثالث والاربعون بعد الماية: (من الخفيف) 143 - إنما أنفس الانيس سباع * يتفارسن جهرة واغتيالا على أن قوله " الانيس " وهو بمعنى الانس يدل أيضا على إن إنسان أصله كما تقدم قبله والبيت من قصيدة للمتنبي مدح بها سيف الدولة، مطلعها: (من الخفيف) ذى المعالى فليعلون من تعالى * هكذا هكذا وإلا فلالا وبعده وهو آخر القصيدة: من أطاق التماس شئ غلابا * واغتصابا لم يلتمسه سؤالا كل غاد لحاجة يتمنى * أن يكون الغضنفر الرئبالا وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد الرابع والاربعون بعد المائة -: (من الكامل) 144 - إن المنايا يطلعن على الاناس الامنينا

وقد شرحناه مفصلا في الشاهد السابع والعشرين بعد المائة من شواهد شرح الكافية وأنشد أيضا - وهو الشاهد الخامس والاربعون بعد المائة -: (من الكامل) 145 - لا تنسين تلك العهود فإنما * سميت إنسانا لانك ناسى
على أن قوله " سميت إنسانا لانك ناسى " يدل على أن همزة إنسان زائدة من النسيان، فلامه محذوفة، ورد بأنه لم يذهب به مذهب الاشتقاق، وإنما هو تخيل شعر، على أن شعر أبى تمام لا يحتج به، لانه من المولدين والبيت من قصيدة مدح بها أحمد بن المأمون بن هرون الرشيد وقبله - وهو في الغزل -: قالت وقد حم الفراق وكأسه * قد خولط الساقى بها والحاسى لا تنسين تلك العهود *...البيت ومنها: هدأت على تأميل أحمد همتي * وأطاف تقليدي به وقياسي ومنها في المديح - وهو المشهور -: إقدام عمرو في سماحة حاتم * في حلم أحنف في ذكاء إياس لا تنكروا ضربي له من دونه * مثلا شردوا في الندى والباس فالله قد ضرب الاقل لنوره * مثلا من المشكاة والنبراس وزعم بعضهم أن هذه القصيدة في مدح الخليفة، وقال: " لما أنشد * إقدام عمرو في سماحة حاتم *

قال الفيلسوف الكندى: ما قدر هؤلاء حتى تشبه بهم مولانا ومولاهم (1)، فنظر إليه أبو تمام وزاد ارتجالا في القصيدة - وإن لم يقطع إنشاده -: * لا تنكروا ضربي له من دونه مثلا * إلى آخر البيتين وكان من الحاضرين في مجلس الخليفة جبريل بن بختيشوع الطبيب، فقال: والله لقد شممت رائحة كبده لفرط اتقاده، فمات أبو تمام بعد أيام " انتهى، والله أعلم وأنشد بعده أيضا - وهو الشاهد السادس والاربعون بعد المائة -: (من البسيط)
146 - أدعى بأسماء نبزا في قبائلها * كأن أسماء أضحت بعض أسمائي على أن الشاعر لقب بأسماء، لمنا بينه وبين أسماء من الملابسة والشهرة في محبتها و " أدعى " بالبناء للمفعول، بمعنى أسمى، يتعدى إلى المفعول الثاني تارة بنفسه وتارة بالباء، يقال: دعوت الولد زيدا، وبزيد إذا سميته بهذا الاسم، و " أسماء " من أعلام النساء، وأصله وسماء، من الوسامة بمعنى الجمال، " ونبزا " تمييز، والنبز: اللقب تسمية بالمصدر، يقال: نبزه بكذا نبزا - من باب ضرب - إذا لقبه به والبيت من قصيدة لابي محمد خازن كتب الصاحب بن عباد مدحه بها، مطلعها: هذا فؤادك نهبى بين أهواء * وذاك رأيك شورى بين آراء لا تستقر بأرض أو تسير إلى * أخرى بشخص قريب عزمه ناء يوما بحذوى ويوما بالعقيق وبالعذيب * يوما ويوما بالخليصاء كذا تهيم بسعدى برهة وإذا * هويت عزة تبغى وصل عفراء
__________
(1) في الاصول " حتى تشبه به " وهو تحريف (*)

ومن المديح: هو الوزير أدام الله نعمته * وعمره ووقاه كل أسواء لو أن سحبان باراه لاسحبه * على فصاحته أذيال فأفاء ولو رآه زهير لم يزر هرما * ولم يعرج على التنوم والاء أرى الاقاليم أعطته مقالدها * إليه مستلقيات أي إلقاء تساس سبعتها منه بأربعة * أمر ونهى وتثبيت وإمضاء
كذاك توحيده أودى بأربعة * كفر وجبر وتشبيه وإرجاء وقد تجنب " لا " يوم العطاء كما * تجنب ابن عطاء لثغة الراء ياليت أعضاء جسمي كن ألسنة * فصار يثنى على كل أعضائي روى أنه لما أنشدها بين يدى الصاحب (كان) مقبلا عليه حسن الاصغاء إليه حتى عجب الحاضرون، فلما بلغ البيت الشاهد مال الصاحب عن دسته طربا، فلما ختمها قال له: " أحسنت، ولله أنت " وتناول النسخة منه تم أمر له بخلعة من ملابسه، وفرس من مراكبه، وصلة وافرة.
وأبو محمد هذا هو عبد الله بن أحمد الخازن، كان خازنا لكتب الصاحب اسماعيل بن عباد، وزير مؤيد الدولة بن بويه، وكان أو محمد حسنة من حسنات أصبهان وأفرادها في الشعر، ومن خواص الصاحب، وترجمة الثعالبي في اليتيمة، وأورد له أشعارا جيدة وحكايات مفردة.
وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد السابع والاربعون بعد المائة -: (من الطويل) 147 - لقد تركتني منجنيق بن بجدل * أحيد من العصفور حتى يطير على أن المنجنيق مؤنث، ولهذا قال " تركتني " كذا في الصحاح والعباب وغيرهما.

وأحيد: مضارع حاد عن كذا حيد وحيودا، إذا تنحى وبعد عنه، ويتعدى بالحرف والهمزة، فيقال: حدت به، وأحدته، وابن بحدل - بالموحدة والحاء المهملة -: هو حميد بن حريث بن بحدل، من بنى كلب بن وبرة، وينتهى نسبه إلى قضاعة، وكانت عمته ميسون بنت بحدل أم يزيد بن معاوية، ولما مات يزيد وثب زفر بن الحارث على قنسرين فتملكها، وبايع لابن الزبير رضى الله عنه،
وخرج عمير بن الحباب السلمى مغيرا على بنى كلب بالقتل والنهب، فلما رأت كلب ما وقع لهم واجتمعت إلى حميد بن حريث بن بحدل، فقتل حميد بن فزارة قتلا ذريعا وحاصر زفر بن الحارث، وفى ذلك زفر: * لقد تركتني منجنيق بن بحدل * البيت وزفر بن الحارث الكلابي كان سيد قيس في زمانه، في الطبقة الاولى من التابعين من أهل الجزيرة، من أمراء العرب، سمع عائشة وميمونة وشهد وقعة صفين مع معاوية أميرا على أهل قنسرين، وهرب من قنسرين فلحق بقرقيسياء (1)، ولم يزل متحصنا بها حتى مات في مدة عبد الملك بن مروان، في بضع وسبعين من الهجرة وأنشد أيضا - وهو الشاهد الثامن والاربعون بعد المائة -: (من الرجز) 148 - * والقوس فيها وتر عرد * على أن عردا - بضمتين فتشديد - يدل على زيادة النون في عرند - بضمتين فسكون، لانه بمعناه قال الصاغانى في العباب: " ووتر عرد كعتل وعرند كترنج: شديد غليظ
__________
(1) قرقيساء - بفتح فسكون فكسر فياء، وبعد السين المهملة ياء، ومنهم من يرويه بدونها، وآخره همزة -: بلد عند مصب نهر الخابور في الفرات (*)

وكذلك رشاء عرد وعرند، وكذلك من كل شئ، قال حنظلة بن ثعلبة بن يسار يوم ذى قار: ما علتى وأنا شئ إد * والقوس فيها وتر عرد مثل ذراع البكر أو أشد ويروى " مثل ذراع الفيل " (1) وفى نوادر ابن الاعرابي
قد جد أشياعكم فجدوا * والقوس فيها وتر عرد والاد - بكسر الهمزة -: الداهية، والاشياع: جمع مشايع (2)، وهو الصاحب والبكر - بفتح الموحدة -: الفتى من الابل، ويوم ذى قار: يوم للعرب غلبوا فيه جنود كسرى، وكان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنشد بعده - وهو الشاهد التساع والاربعون بعد المائة - (من الرجز) 149 - * أمهتى خندف والياس أبى * على أن الهاء في " أمهتى " زائدة قال ابن جنى في سر الصناعة: " كان أبو العباس يخرج الهاء من حروف الزيادة، ويذهب إلى أنها إنما تلحق في الوقف في نحو " اخشه " " وارمه " و " هنه " (ولكنه، وتأتى بعد تمام الكلمة) (3) وهذه مخالفة منه للجماعة، وغير مرضى (منه) عندنا، وذلك أن الدلالة قد قامت على زيادة الهاء في غير
__________
(1) في اللسان (ع ر د) روايته: * مثل جران الفيل أو أشد * (2) كذا في الاصول، وهو غير مستقيم، والاشياع: جمع شيع - بكسر ففتح - وهوجمع شيعة، وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، واختص في العرف بشيعة على كرم الله وجهه (1) الزيادة من سر الصناعة لابن جنى في باب الهاء والكلام على زيادتها (*)

ما ذكره، فمما زيدت فيه الهاء قولهم " أمهات " ووزنه فعلهات، والها زائدة، لانه بمعنى الام، والواحدة أمهة، قال: * أمهتى خندف والياس أبى * (أي أمي).
قولهم: أم بينة الامومة، قد صح لنا منه أن الهمزة فيه فاء
الفعل، والميم الاولى عين الفعل، والميم الاخرة لام الفعل، فأم بمنزلة در وحر وحب وجل مما جرى على وزن فعل وعينه ولامه من موضع واحد وأجاز أبو بكر في قول من قال أمهة في الواحد أن تكون الهاء أصلية وتكون فعلة، وهى في قول أبى بكر بمنزلة ترهة وأبهة وقبرة، ويقوى هذا الاصل قول صاحب العين: تأمهت أما، (فتأمهت) بين أن تفعلت بمنزلة تفوهت وتنبهت، إلا أن قولهم في المصدر الذى هو الاصل أمومة يقوى زيادة الهاء في أمهة وأن وزنها فعلهة، ويزيد في قوة ذلك قولهم: إذا الامهات قبحن الوجوه *...البيت وقرأتها على أبى سهل أحمد بن القطان * قوال معروف وفعاله * البيت وهذا فيمن أثبت الهاء في غير الادميين، وقال الاخر: لقد ولد الاخيطل أم سوء (على باب أستها صلب وشام) فجاء بلا هاء فيمن يعقل، وقال الراعى: (كانت نجائب منذر ومحرق) * أماتهن وطرقهن فحيلا فجاء بغير هاء، إلا أنه في غالب الامر فيمن يعقل بالهاء، وفيمن لا يعقل بغير هاء زادوا الهاء فرقا بين من يعقل وبين ما لا يعقل، فإن قال قائل: ما الفرق بينك وبين من عكس الامر عليك فقال: ما تنكر أن تكون الهاء إنما حذفت في غالب الامر مما لا يعقل وأثبتت فيمن يعقل، وهى أصل فيه للفرق ؟ فالجواب

أن الهاء أحد (الحروف العشرة التى تسمى) حروف الزيادة لا حروف النقص، وإنما سميت حروف الزيادة لان زيادتها في الكلام هو الباب المعروف وأما الحذف فإنما جاء في بعضها، وقليل ذلك، ألا ترى إلى كثرة زيادة الواو والياء
في الكلام وأن ذلك أضعاف أضعاف حذفهما إذا كانتا أصليتين نحو يد ودم (وغد) وأب وأخ وهن، فهذه ونحوها أسماء يسيرة محدودة محتقرة في جنب الاسماء المزيد فيها الياء والواو (1)، وكذلك الهاء أيضا إنما حذفت في نحو شفة: واست وعضة فيمن قال: عاضه، وسنة فيمن قال: سانهت، وما يقل جدا، وقد تراها تزاد للتأنيث فيما لا يحاط به، نحو جوزة ولوزة، ولبيان الحركة في نحو (ماليه) و (كتابيه) ولبيان حرف المد نحو " وازيداه "، ألا ترى أن من حروف الزيادة ما يزاد ولا يحذف في شئ من الكلام البتة ؟ وذلك اللام والسين والميم، فقد علمت أن الزيادة في هذه الحروف أفشى من الحذف، فعلى هذا القياس ينبغى أن تكون الهاء في أمهة زيادة على أم، فأما قول من قال: تأمهت أما وإثباته، الهاء فنظيره مما يعارضه قولهم: أم بينة الامومة، بحذف الهاء، فرواية برواية، وبقى الذى قدمناه حاكما بين القولين، وقاضيا بأن زيادة الهاء أولى من اعتقاد حذفها، على أن الامومة قد حكاها ثعلب، وحسبك به ثقة، وأما " تأمهت أما " فإنما حكاها صاحب العين، وفى كتاب العين من الخطل والاضطراب مالا يدفعه نظار جلد " إلى آخر ما ذكر من القدح في هذا الكتاب.
وكذا حكم الزمخشري في المفصل بزيادة الهاء في لفظ المفرد والجمع، وقال: تأمهت مسترذل، وأنشد البيت في الكشاف عند قوله تعالى (في بطون أمهاتكم) على أن زيادة الهاء في المفرد شاذة.
والبيت لقصى بن كلاب جد النبي صلى الله عليه وسلم، وقبله:
__________
(1) هنا في سر الصناعة أمثلة والواو الزائدتين (*)

إن لدى الحرب رخى اللبب * عند تناديهم بهال وهب معتزم الصولة عالى النسب * أمهتى خندف والياس أبى
كذا في شرح أمالى القالى لابي عبيد البكري، والروض الانف للسهيلي، وزعم العينى أن بعده: * وحاتم الطائى * وهو خطأ قافية ونسبا، وإنما هذا البيت من أبيات لامرأة من اليمن تقدم شرحه في هذا الكتاب وقوله " إنى لدى الحرب - الخ " الرخى: المرتخى، واللبب: ما يشد على ظهر الدابة ليمنع السرج والرحل عن الاستئخار، والارتخاء إنما يكون عن كثرة جرى الدابة، وهو كناية عن كثرة مبارزته للاقران، ويقال أيضا: فلان في لبب رخى، إذا كان في حالة واسعة، وليس هذا بمراد هنا، والعجب من شارح شواهد التفسيرين في شرحه بهذا، وقوله " عند تناديهم " ظرف متعلق برخى، وهال: اسم فعل زجر للخيل، كذا في العباب، وتنوينه للتنكير، وهب وكذا هبى: اسم فعل دعاء للخيل: أي أقدمي وأقبلي، كذا في القاموس، وقوله " معتزم الصولة " من العزم، وهو عقد القلب على فعل، والصولة: من صال الفحل صولة، إذا وثبت على الابل يقاتلها، وقوله " أمهتى خندف " يريد أم جده مدركة بن إلياس بن مضر، وكذا يريد بقوله " والياس أبى " جدة إلياس بن مضر، وخندف: بكسر الخاء المعجمة وكسر الدال، والنون بينهما ساكنة.
وفى سيرة ابن هشام: " ولد إلياس بن مضر ثلاثة نفر: مدركة بن إلياس، وطابخة ابن إلياس، وقمعة بن إلياس، وأمهم خندف امرأة من اليمن، وهى خندف بنت عمران بن الحارث بن قضاعة، وكان اسم مدركة عامرا واسم طابخة عمرا، وزعموا أنهما كان في إبل لهما يرعيانها، فاقتنصا صيدا، فقعدا عليه يطبخانه، وعدت عادية على إبلهما، فقال عامر لعمرو: أتدرك الابل أو تطبخ هذا الصيد ؟ فقال عمرو: بل أطبخ، فلحق عامر بالابل فجاء بها، فلما رداها على أبيهما حدثاه

شأنهما، فقال لعامر: أنت مدركة، وقال لعمرو: أنت طابخة " انتهى
قال السهيلي: " وفى هذا الخبر زيادة، وهو أن إلياس قال لامهم - واسمها ليلى، وأمها ضرية بنت ربيعة بن نزار التى ينسب إليها حمى ضرية وقد أقبلت تخندف في مشيها -: مالك تخندفين، فسميت خندف، والخندفة في اللغة: سرعة في مشى، وقال لمدركة: وأنت قد أدركت ما طلبت، وقال لطابخة: وأنت قد أنضجت ما طبخت، وقال لقمعة وهو عمير: وأنت قد قعدت وانقمعت، وخندف التى عرف بها بنو إلياس هي التى ضربت الامثال بحزنها على إلياس، وذلك أنها تركت بنيها وساحت في الارض تبكيه حتى ماتت كمدا، وكان مات يوم خميس، فكانت إذا جاء الخميس بكت من أول النهار إلى آخره، فمما قيل من الشعر في ذلك: إذا مؤنس لاحت خراطيم شمسه بكته به حتى ترى الشمس تغرب فما رد بأسا حزنها وعويلها * ولم يغنها حزن ونفس تعذب وكان يسمون يوم الخميس مؤنسا، قال الزبير: وإنما نسب بنو إلياس إلى أمهم لانها حين تركتهم شغلا بحزنها على أبيهم رحمهم الناس، فقالوا: هؤلاء أولاد خندف الذين تركتهم وهم صغار أيتام حتى عرفوا ببنى خندف " انتهى ونقل ابن المستوفى في تسميتها خندف وجها آخر، قال: " فقد هم إلياس يوما، فقال لها: اخرجي في طلب أولادك، فخرجت وعادت بهم، فقالت: ما زلت أخندف في طلبهم حتى ظفرت بهم، فقال لها إلياس: أنت خندف " انتهى وأما إلياس - بنقطتين من تحت - فهو أخو الناس - بالنون - الملقب بعيلان على قول وقول الشارح " يريد بن إلياس - بقطع الهمزة - فوصلها للضرورة " هذا قول ابن الانباري، وجعله غريبا مأخوذا مما يأتي.
ويرد على قوله أن فيه ضرورة أخرى وهو حذف التنوين، ولو جعله أعجميا لم يرد هذا، قال السهيلي في الروض: " قال ابن الانباري: إلياس بكسر الهمزة، وجعله موافقا

لاسم إلياس النبي عليه السلام، وقال في اشتقاقه أقوالا: منها أن يكون فعيالا من الالس، وهى الخديعة والخيانة ومنها، أن الالس اختلاط العقل، وأنشدوا: (من البسيط): * إنى إذا لضعيف العقل مألوس * ومنها أنه إفعال من قولهم: رجل أليس، وهو الشجاع الذى لا يفر، والذى قاله غير ابن الانباري أصح، وهو أنه اليأس، سمى بضد الرجاء، واللام فيه للتعريف، والهمزة همزة وصل، وقاله قاسم بن ثابت في الدلائل، وأنشد أبياتا شواهد، منها قول قصى هذا.
ويقال: إنما سمى السل " داء ياس " و " داء اليأس " لان إلياس مات منه، قال ابن هرمة: (من الوافر) يقول العاذلون إذا رأوني * أصيب بداء يأس فهو مودى وقال ابن أبى عاصية: (من الطويل) فلو كان داء اليأس بى وأغاثني * طبيب بأرواح العقيق شفانيا وقول عروة بن حزام: (من الطويل) بى اليأس أو داء الهيام أصابني * فإياك عنى لا يكن بك ما بيا ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمنا ".
وذكر أنه كان يسمع في صلبه تلبية النبي صلى الله عليه وسلم بالحج، وإلياس أول من أهدى البدن إلى البيت، قال الزبير: وأم إلياس الرباب (1) بنت حيدة بن معد بن عدنان، قاله الطبري، وهو خلاف ما قاله ابن هشام في هذا الكتاب " انتهى والذى قاله ابن هشام أن أم إلياس وعيلان جرهمية وقال أبو عبيد البكري في شرح أمالى القالى: " هذا الرجز حجة من قال إن
__________
(1) في شرح المفضليات لابن الانباري " الرئاب " بالهمز (*)

إلياس بن مضر اللام فيه للتعريف، وألفه ألف وصل، قال المفضل بن سلمة وقد ذكره إلياس النبي عليه السلام: وأما إلياس بن مضر فألفه ألف وصل، واشتقاقه من اليأس، وهو السل، وقال الزبير بن بكار: إلياس بن مضر أول من مات من السل، فسمى السل يأسا، ومن قال إن إلياس بن مضر بقطع الالف على لفظ اسم النبي عليه السلام ينشد: * أمهتى خنف إلياس أبى * يعنى لا واو، ثم قال: واشتقاقه من قولهم: رجل أليس: أي شجاع، والاليس: الذى لا يفر ولا يبرح من مكانه، وقد تليس أشد التليس، وأسود ليس ولبؤة ليساء " انتهى كلامه.
وهذا يقتضى أنه عربي، فيكون حذف التنوين منه للضرورة، وأما حذف التنوين من خندف فللعلمية والتأنيث وقال بعض فضلاء العجم في شرح أبيات المفصل: " إلياس إسم أعجمى، وقد سمت العرب به، وهو إلياس بن مضر، وكان يجب قطع همزته، ألا ترى إلى قوله تعالى (وإن إلياس لمن المرسلين) ؟ لكنه وصلها للضرورة " هذا كلامه وقصى ناظم هذا الرجز هو أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم، قال السهيلي (1): " اسمه زيد، وهو تصغير قصى: أي بعيد، لانه بعد عن عشيرته في بلاد قضاعة حين احتملته أمه فاطمة مع بعلها ربيعة بن حرام، فنشأ ولا يعلم لنفسه (أبا) إلا ربيعة، ولا يدعى إلا له، فلما كان غلاما سابه رجل من قضاعة فعيره بالدعوة، وقال: لست منا، وإنما أنت فينا ملصق، فدخل على أمه وقد وجم لذلك، فقالت له: يا بنى، صدق، إنك لست منهم، ولكن رهطك
خير من رهطه، وآباؤك أشرف من آبائه، وإنما أنت قرشي، واخوك وبنو عمك بمكة، وهم جيران بيت الله الحرام، فدخل في سيارة حتى أتى مكة، ثم
__________
(1) أنظر الروض الانف (ح 1 ص 6، 84) (*)

تزوج فيها، وأخرج منها خزاعة، وقام بأمرها وأنشد بعده - وهو الشاهد الخمسون بعد المائة -: (من المتقارب) 150 - إذا الامهات قبحن الوجوه * فرجت الظلام بأماتكا على أن الاغلب استعمال الامات في البهائم، والامهات في الانسان، وقد جاء العكس كما في البيت، وقبحه يقبحه - بفتح العين فيهما - بمعنى أخزاه وشوهه.
والخزى: انكسار يعترى وجه الانسان بذل.
والوجوه: مفعول قبح، وأما قبح يقبح - بضم العين فيهما - فهو خلاف حسن، وفرجه فرجا من باب ضرب لغة في فرجه تفريجا بمعنى كشفه.
وصف أمهات المخاطب بنقاء الاعراض، وقال: إذا قبحت الامهات بفجورهن وجوه أولادهن عند الناس كشفت الظلام بضياء أفعالهن، والمراد طهارتهن عما يتندس به العرض والبيت لمروان بن الحكم، كذا قاله ابن المستوفى وغيره.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الواحد والخمسون بعد المائة -: (من السريع) 151 - قوال معروف وفعاله * عقار مثنى أمهات الرباع لما تقدم قبله، والبيت من قصيدة للسفاح بن بكير اليربوعي رثى بها يحيى بن ميسرة صاحب مصعب بن الزبير مذكورة في المفضليات، وقبله: يا سيدا ما أنت من سيد * موطأ البنت رحيب الذراع وقد شرحناهما مع أبيات أخر منها في الشاهد الخامس والثلاثين بعد الاربعمائة من شواهد شرح الكافية
وقوله " قوال معروف وفعالة * عقارا " الثلاثة بالجر صفات لسيبد مبالغة قائل، وفاعل، وعاقر من العقر، وهو ضرب قوائم الابل بالسيف، لا يطلق العقر

في غير القوائم، وربما قيل: عقره، إذا نحره فهو عقير، وفعله من باب ضرب، وفى رواية * وهاب مثنى الخ * والرباع - بالكسر -: جمع ربع - بضم ففتح - قال ابن الانباري: " المعنى أنه لا يقول إلا فعل، ولا يعد إلا وفى، ولا يخلف وعدا، والربع واحد الرباع، وهو ما نتج في أول النتاج، وهو أحمد النتاج، وخص أم الرباع لانها أطيب الابل، وقوله " مثنى " أي: واحدة بعد أخرى " انتهى وأنشد بعده: * ما بال عينى كالشعيب العين * وتقدم الكلام عليه في الشاهد الخامس والعشرين من هذا الكتاب وأنشد الجاربردى - وهو الشاهد الثاني والخمسون بعد المائة -: (من الرجز) 152 - أطعمت راعى من اليهير على أن صاحب الصحاح قال: " يهير يفعل، بمعنى صمغ الطلح، وأنشد متصلا به فظل يعوى (1) حبطا بشر * خلف استه مثل نقيق الهر ثم قال بعده: وقال الاحمر: الحجر اليهير: الصلب، ومنه سمى صبغ الطلع يهيرا، وقال أبو بكر بن سراح: ربما زادوا فيه الالف فقالوا يهيرى (2)
__________
(1) كذا في الاصول كلها، وهو موافق لما في اللسان عن أبى عمرو، وفى الصحاح و " يغرى " مضارع أغراه بالشئ إغراء (2) في اللسان: " يقال للرجل إذا سألته عن شئ فأخطأ: ذهبت في اليهيرى، وأين تذهب تذهب في اليهيرى، وأنشد: لما رأت شيخا لها دودرى * في مثل خيط العهن المعرى
ظلت كأن وجهها يحمرا * تربد في الباطل واليهيرى والدودرى: من قولك: فرس درير: أي جواد " اه (*)

قال: وهو من أسماء الباطل، وقولهم: أكذب من اليهيرهو السراب " انتهى.
وقال الصاغانى في العباب بعد ما ذكر: " وقال الليث: اليهير حجارة أمثال الكف، ويقال: دويبة تكون في الصحارى أعظم من الجرز، الواحدة يهيرة، قال: واختلفوا في تقديرها، فقالوا: يفعلة، وقالوا فعللة، وقالوا فعيلة " انتهى.
فحكى ثلاثة أقوال: أصالة الياءين، أصالة الاولى، أصالة الثانية: والطلح الموز، وشجر من شجر العضاه، و " يعوى " من عوى الكلب والذئب وابن آوى يعوى عواء: أي صاح، وحبط - بفتح المهملة وكسر الموحدة - وصف من الحبط - بفتحتين -: وهو أن تأكل الماشية فتكثر حتى ينتفخ لذلك بطنها ولا يخرج عنها ما فيها.
والنقيق: صوت الضفدع والدجاجة، وفى العباب " يقال: نقت الضفدع تنق - بالكسر - نقيقا: أي صاحت، ويقال أيضا: نقت الدجاجة، وربما قيل للهر أيضا " وأنشد هذا الرجز ومراده الصراط، ولم يكتب ابن برى في أماليه على الصحاح هنا شيئا، ولم أقف على قائله، والله تعالى أعلم الامالة أنشد فيها - وهو الشاهد الثالث والخمسون بعد المائة -: (من المنسرح) 153 - * أنى ومن أين آبك الطرب * وهو صدر، وعجزه: * من حيث لا صبوة ولا ريب * على أن " أنى " فيه للاستفهام، بمعنى كيف، أو بمعنى من أين، والجملة
المستفهم عنها محذوفة، لدلالة ما بعده عليها، والتقدير أنى آبك، ومن أين آبك فحذف للعلم به، واكتفى بالثاني.
وأنشده الزمخشري في المفصل في غير باب الامالة على أن فيه " أنى " بمعنى

كيف، كقوله تعالى (فأتوا حرثكم أنى شئتم) قال ابن يعيش: " الشاهد فيه أنى بمعنى كيف، ألا ترى أنه لا يحسن أن تكون بمعنى من أين ؟ لان بعدها من أين، فيكون تكريرا، ويجوز أن تكون بمعنى من أين، وكررت على سبيل التوكيد، وحسن التكرار لاختلاف اللفظين، فاعرفه " انتهى.
وأورده الزجاج في تفسيره عند قوله تعالى: (أنى يكون لى غلام) على أن أنى فيهما بمعنى كيف.
وآبك: جاءك وغشيك، وهو فعل ماضى من الاوب، والطرب: خفة من فرح أو حزن، والمراد الاول.
والصبوة: الصبى، والشوق.
والريب: جمع ريبة وهى الشبهة.
يقول: كيف طربت مع كبر سنك من حيث لا يوجد الطرب ومواضعه ؟ الصبوة للفرح، والريب للحزن، وعدد ما يقع معه الطرب، فقال: لا من طلاب المحجبات إذا * ألقى دون المعاصر الحجب إلى أن انتهى إلى قوله: * فاعتتب الشوق * والعامل في " أنى " آبك المحذوفة والبيت مطلع قصيدة للكميت بن زيد الاسدي، رضى الله عنه، مدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدد بعده ما يقع منه الطرب وأطال، وذكر غيره، فقال: فاعتتب الشوق من فؤادى * والشعر إلى من إليه معتتب إلى السراج المنير أحمد لا * تعدلنى رغبة ولا رهب
عنه إلى غيره ولو رفع * الناس إلى العيون وارتقبوا وقيل: أفرطت، بل قصدت ولو * عنفني القائلون أو ثلبوا إليك يا خير من تضمنت * الارض ولو عاب قولى العيب لج بتفضيلك اللسان واو * أكثر فيك الضجاج والصخب

في الصحاح: " الاعتتاب: الانصراف عن الشئ " وأنشد هذا البيت وثلبه ثلبا، إذا صرح بالعيب وتنقصه، وفيه أيضا: " الصخب: الصياخ والجلبة، تقول منه: صخب - بالكسر - فهو صاخب ".
قال السيد المرتضى في أماليه وابن رشيق في العمدة: " وقد عيب عليه هذا المدح، قالوا: من هذا الذى يقول في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفرطت، أو يعنفه ويثلبه ويعيبه، حتى يكثر الضجاج والصخب، هذا كله خطأ منه وجهل بمواقع المدح " وقال من احتج له: " لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أراد عليا كرم الله وجهه، فورى عنه بذكر النبي صلى الله عليه وسلم خوفا من بنى أمية " وقال السيد: " فوجه القول إليه صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، إذ مراده وإن أكثر في مدح أهل بيته وذريته عليه السلام الضجاج والتقريع والتعنيف " والقصيدة طويلة تزيد على مائة وثلاثين بيتا وأنشد الجار بردى هنا - وهو الشاهد الرابع والخمسون بعد المائة - (من الرجز) 154 - * بين رماحي مالك ونهشل * على أن يجوز تثنية الجمع، لتأويله بالجماعتين واستشهد به صاحب الكشاف عند قوله تعالى: (اثنتى عشرة أسباطا) على جمع الاسباط، مع أن مميز ما عدا العشرة لا يكون مفردا، لان المراد بالاسباط القبيلة، ولو قيل سبطا لاوهم أن المجموع قبيلة واحدة، فوضع
(أسباطا) موضع قبيلة، كما وضع الرماح وهو جمع رمح موضع جماعتين من الرماح، وثنى على تأويل رماح هذه القبيلة ورماح هذه القبيلة، فالمراد لكل فرد من أفراد هذه التثنية جماعة، كما أن لكل فرد من أفراد هذا الجمع - وهو أسباط - قبيلة

والبيت من أرجوزة طويلة لابي النجم العجلى أولها: الحمد لله العلى الاجلل * الواسع الفضل الوهوب المجزل أعطى فلم يبخل ولم يبخل * كرم الذرى من خول المخول تبقلت من أول التبقل * بين رماحي مالك ونهشل والبخل: منع السائل مما يفضل، والمبخل: من بخله - بالتشديد - إذا نسبه إلى البخل، وأما أبخله بالهمزة فمعناه وجده بخيلا، و " كوم الذرى " مفعول أعطى، وهو جمع كوماء - بالفتح والمد - وهى الناقة العظيمة السنام، والذرى بالضم: جمع ذروة - بالكسر والضم -: أعلى السنام، والخول - بفتح المعجمة والواو -: العطية، والمخول: اسم فاعل من خوله تخويلا، إذا أعطاه وملكه، وتبقلت: رعت البقل، وهو كل نبات يأكله الانسان والحيوان، وفاعل " تبقلت " ضمير كوم الذرى، ومالك: قبيلة من هوازن، ونهشل: قبيلة من ربيعة، قال الاصبهاني في الاغانى: " إنما ذكر هاتين القبيلتين لانه كانت دماء وحروب بينهما، فتحامى جميعهم الرعى فيما بين فلج والصمان - وهما موضعان في طريق الحج من البصرة - مخافة الشر، حتى كثر النبت وطال، فجاءت بنو عجل لعزها وقوتها إلى ذينك الموضعين فرعته ولم تخف رماح هذين الحيين، ففخر به أبو النجم ".
وبين: ظرف متعلق بقوله " تبقلت " وقد تكلمنا على هذه الابيات وأبيات أخر من هذه الارجوزة بأبسط
مما هنا مع ترجمة أبى النجم في الشاهد الثامن والاربعين بعد المائة من شواهد شرح الكافية تخفيف الهمزة أنشد فيه - وهو الشاهد الخامس والخمسون بعد المائة -: (من الكامل)

155 - ما شد أنفسهم وأعلمهم بما * يحمى الذمار به الكريم المسلم على أن أصله " ما أشد أنفسهم " فحذفت الالف لضرورة الشعر، وأنشده ابن عصفور في كتاب الضرائر لذلك، وقال المرادى في شرح التسهيل: حذف الالف في هذا البيت نادر، وهو تعجب من شدة أنفسهم، من شد الشئ يشد - من باب ضرب - شدة، إذا قوى، وكذا تعجب من كثرة علمهم بما ذكر، وحميت الشئ من كذا - من باب رمى - إذا منعته عنه وصنته، والذمار مفعوله، والكريم فاعله، والذمار - بكسر الذال المعجمة - قال صاحب الصحاح: وقولهم فلان حامى الذمار: أي إذا ذمر غضب وحمى، وفلان أمنع ذمارا من فلان، ويقال: الذمار ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه، وسمى ذمارا لانه يجب على أهله التذمر له وهو من قولهم: ظل يتذمر على فلان، إذا تنكر له وأوعده.
وأنشد بعده - وهو الشاهد السادس والخمسون بعد المائة -: (من المتقارب) 156 - أريت امرأ كنت لم أبله * أتانى فقال اتخذني خليلا على أن أصله " أرأيت " فحذفت الهمزة، وهى عين الفعل، والهمزة الاولى للاستفهام، ورأيت: بمعنى أخبرني، وفيه تجوز إطلاق الرؤية وإرادة الاخبار،
لان الرؤية سبب الاخبار، وجعل الاستفهام بمعنى الامر بجامع الطلب، والرؤية هنا منقولة من رؤية البصر، ولهذا تعدت إلى مفعول واحد، ولم أبله - بضم اللام والهاء - من بلاه يبلوه بلوا، إذا جربه واختبره، والخليل: الصديق الخالص المودة، وأراد به هنا امرأته

البيت من أبيات لابي الاسود الدؤلى، روى الاصبهاني في الاغانى، قال: كان أبو الاسود يجلس إلى فناء امرأة بالبصرة، فيتحدث إليها، وكانت جميلة، فقالت: يا أبا الاسود، هل لك أن أتزوجك فانى صناع الكف حسنة التدبير قانعة بالميسور ؟ قال: نعم، فجمع أهلها وتزوجته، فوجدها بخلاف ما قالت، وأسرعت في ماله، ومدت يدها إلى جبايته، وأفشت سره، فغدا على من كان حضر تزويجها، فسألهم أن يجتمعوا عنده، ففعلوا، فقال لهم: أريت امرأ كنت لم أبله * أتانى فقال: اتخذني خليلا فخاللته ثم أكرمته * فلم أستفد من لديه فتيلا وألفيته حبن جربته * كذوب الحديث سروقا بخيلا فذكرته ثم عاتبته * عتابا رفيقا وقولا جميلا فالفيته غير مستعتب * ولا ذاكر الله إلا قليلا ألست حقيقا بتوديعه * وإتباع ذلك صرما طويلا فقالوا: بلى والله يا أبا الاسود، فقال: تلك صاحبتكم، وقد طلقتها، وأنا أحب أن أستر ما أنكرته من أمرها، فانصرفت معهم " انتهى وخاللته: اتخذته خليلا، والفتيل: الشئ الحقير، والرفيق: من الرفق، وهو ضد العنف، وألفيته: وجدته، يتعدى إلى مفعولين، ومستعتب: اسم فاعل، وهو الراجع بالعتاب، وحذف التنوين للضرورة من " ذاكر الله "، ولفظ الجلالة
منصوب، وروى بالاضافة، والتوديع: هنا الترك والفراق، والصوم - بالضم -: الهجر.
وقد تكلمنا على هذه الابيات بأبسط مما هنا في الشاهد الثاني والاربعين بعد التسعمائة من شواهد شرح الكافية

وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع والخمسون بعد المائة -: (من الخفيف) 157 - صاح هل ريت أو سمعت براع رد في الضرع ما قرى في العلاب على أن أصله " هل رأيت " فحذفت الهمزة واستشهد به صاحب الكشاف على قراءة الكسائي (أريت الذى يكذب بالدين) وروى: * صاح أبصرت أو سمعت براع * وعلى هذا لا شاهد فيه، ومعناه كقول المتنبي: (من الوافر) وما ماضى الشباب بمسترد * وما يوم يمر بمستعاد وصاح: منادى مرخم صاحب، وهل ريت: استفهام انكاري، ويجوز أن يكون تقريريا، وقوله " براع " متعلق بمسعت، وسمع له استعمالات أربعة ذكرناها في شواهد شرح الكافية: منها أن يتعدى بالباء، ومعناه الاخبار، ويدخل على غير المسموع، ولا يحتاج إلى مصحح من صفة ونحوه، تقول: ما سمعت بأفضل منه، وفى المثل: تسمع بالمعيدى خير من أن تراه، قابله بالرؤية لانه بمعنى الاخبار عنه المتضمن للغيبة، وقال الشاعر (من البسيط) وقد سمعت بقوم يحمدون فلم * أسمع بمثلك لا حلما ولا جودا والراعي: الذى يرعى الماشية، ومن شأنه أن يحلبها، ورده: رجعه، والضرع
لذوات الظلف كالثدي للمرأة، والظلف - بالكسر - من الشاء والبقر ونحوهما كالظفر من الانسان، وما: مفعول رد، وهو اسم موصول: أي اللبن الذى قراه: أي جمعه، والعلاب - بكسر العين المهملة - جمع علبة - بضمها وهى محلب من جلد، وقال ابن دريد في الجمهرة: " العلبة: إناء من جلد جنب بعير، وربما كان من أديم، والجمع علاب، يتخذ كالعس، يحتلب فيه " وأنشد هذا البيت (1)،
__________
(1) قبل أن ينشد البيت قال: " أحسب هذا البيت للربيع بن ضبع الفزارى " (*)

وروى " في الحلاب " بكسر الحاء المهملة، قال صاحب العباب: الاناء الذى يحلب فيه، وأنشد هذا البيت لاسماعيل بن يسار النسائي، ونقل خضر الموصلي من الصحاح أنه لا سماعيل المذكور، وهذا لا أصل له، فانه لم ينشده إلا في مادة الرؤية، ولم ينشده إلا غفلا غير معزو، ولهذا قال ابن برى في أماليه عليه: هذا البيت مجهول لا يعرف قائله، وقد أورده صاحب الاغانى في قصيدة لاسماعيل أولها: ما على رسم منزل بالجناب * لو أبان الغداة رجع الجواب غيرته الصبا وكل ملث * دائم الودق مكفهر السحاب دار هند وهل زماني بهند * عائد بالهوى وصفو الجناب كالذى كان والصفاء مصون * لم تشنه (1) بهجرة واجتناب ذاك منها إذ أنت كالغصن غضا (2) وهى رود كدمية المحراب غادة تستبى العقول بثغر (3) * طيب الطعم بارد الانياب وأثيث من فوق لون نقى * كبياض اللجين في الزرياب فأقل الملام فيها وأقصر *
لج قلبى من لوعتي واكتئابي (4)
__________
(1) في الاغانى (ح 4 ص 411): " لم تشبه " (2) في الاغانى " غض " (3) في الاغانى " بعذب " (4) في الاغانى: " من لوعة واكتئاب " وفى نسخة أخرى من الاغانى: " من عولتى واكتئابي " (*)

صاح أبصرت أو سمعت براع * رد في الضرع ما قرى في الحلاب (1) وقال فيما يفخر على العرب بالعجم: رب خال متوج لى وعم * ماجد المجتدى (2) كريم النصاب إنما سمى الفوارس بالفرس * مضاهاة رفعة الانساب فاتزكى الفخر يا أمام علينا * واتركى الجور وانطقى (3) بالصواب إذ نربى بناتنا وتدسون * سفاها ببالكم في التراب قال صاحب الاغانى: " كان إسماعيل بن يسار النسائي مولى بنى تيم بن مرة تيم قريش، وكان منقطعا إلى ابن الزبير، فلما أفضت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان وفد إليه مع عروة بن الزبير، ومدحه، ومدح الخلفاء من ولده، وعاش عمرا طويلا إلى أن أدرك آخر سلطان بنى أمية، ولم يدرك الدولة العباسية وإنما سمى إسماعيل بن يسار النسائي لان أباه كان يصنع طعام العرس ويبيعه، فيشتره منه من أراد التعريس (من المتجملين و) (4) ممن لا تبلغ حاله اصطناع ذلك، وقيل: إنما سمى به لانه كان يبيع النجد والفرش التى تتخذ
للعرائس، وقيل: إنما لقب به لان أباه كان يكون عنده طعام العرسات مصلحا أبدا، فمن طرقه وجده عنده معدا
__________
(1) في الاغانى: " في العلاب " (2) في الاغانى: " ماجد مجتدى " (3) في الاصول: " وانصفى " والصواب ما أثبتناه (4) الزيادة عن الاغانى (ح 4 ص 408) (*)

وروى المدائني قال: استأذن اسماعيل على الغمر بن يزيد بن عبد الملك يوما فحجبه ساعة، ثم أذن له، فدخل يبكى، فقال له: مالك تبكى ؟ قال: كيف لا أبكى وأنا على مروانيتى ومروانية أبى أحجب عنك ؟ فجعل الغمر يعتذر إليه، وهو يبكى، فما سكت حتى وصله الغمر بحلة لها قدر، وخرج من عنده، فلحقه رجل، فقال له: أخبرني - ويلك يا إسماعيل - أي مروانية كانت لك ولابيك ؟ قال: بغضنا إياهم، امرأته طالق إن لم يكن يلعن مروان وآله كل يوم مكان التسبيح، وإن لم يكن أبوه حضره الموت، فقيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: لعن الله مروان، تقربا بذلك إلى الله، وإقامة له مقام التوحيد وكان إسماعيل يكنى أبا فائد، وكان أخواه محمد وإبراهيم شاعرين أيضا، وهم من سبى فارس، وكان إسماعيل شعوبيا (1) شديد التعصب للعجم، له شعر كثير يفخر بالاعاجم، أنشد يوما في مجلس فيه أشعيب: إذ نربى بناتنا وتدسون * سفاها بناتكم في التراب فقال أشعب: صدقت والله يا أبا فائد، أراد القوم بناتهم لغير ما أردتموهن له، قال: وما ذاك ؟ قال: دفن القوم بناتهم خوفا من العار عليهن، وربيتموهن لتنكحوهن، فضحك القوم حتى استغربوا، وخجل إسماعيل، حتى
لو قدر أن يسيخ في الارض لفعل ومدح إسماعيل رجلا من أهل المدينة يقال له عبد الله بن أنس، وكان قد لحق ببنى مروان، وأصاب منهم خيرا، وكان إسماعيل صديقا له فرحل إليه إلى دمشق، فأنشده مدائح له، ومت إليه بالجوار والصداقة فلم يعطه شيئا، فقال يهجوه (من الوافر)
__________
(1) الشعوبى - بضم الشين -: الرجل الذى يحتقر أمر العرب ويصغر من شأنهم، وهو منسوب إلى شعوب، وهو جمع شعب، والنسب إلى الجمع مما أجازه الكوفيون.
(*)

لعمرك ما إلى حسن رحلنا * ولا زرنا حسينا يا ابن أنس ولا عبدا لعبدهما فنحظى * بحسن الحظ منهم غير بخس ولكن ضب جندلة أتينا * مضبا في مكامنه يفسى فلما أن أتيناه وقلنا * بحاجتنا تلون لون ورس فقلت لاهله: أبه كزاز ؟ * وقلت لصاحبي: أتراه يمسى ؟ فكان الغنم أن قمنا جميعا * مخافة أن نزن بقتل نفس وترجمته في الاغانى طويلة، واكتفينا منها بهذا القدر وقال خضر الموصلي في شرح أبيات التفسيرين: البيت الشاهد لمضاض ابن عمرو الجرهمى، من أبيات أولها: قد قطعت البلاد في طلب الثروة والمجد قالص الاثواب وسريت البلاد قفرا لقفر * بقناتى وقوتى واكتسابي فأصاب الردى بنات فؤادى * بسهام من المنايا صيابى فانقضت شرتى واقصر جهلى * واستراحت عواذلي من عتابي
ودفعت السفاه بالحلم لما * نزل الشيب في محل الشباب صاح هل ريت أو سمعت براع *...البيت وقال السهيلي في الارض الانف (1): " كان عبد الله بن جدعان في ابتداء أمرء صعلوكا وكان مع ذلك شريرا فاتكا لا يزال يجنى الجنايات فيعقل عنه أبوه وقومه حتى أبغضته عشيرته ونفاه أبوه، فخرج في شعاب مكة حائرا يتمنى الموت، فرأى شقا في جبل فظن حية فتعرض للشق يرجو أن يكون فيه ما يقتله، فدخل فيه فإذا به ثعبان عظيم له عينان كالسراجين، فحمل عليه الثعبان فأفرج له فانساب عنه، فوقع في قلبه أنه مصنوع، فأمسكه بيده فإذا هو مصنوع من
__________
(1) أنظر الروض الانف (ح 1 ص 92) (*)

ذهب وعيناه ياقوتتان، فكسره وأخذ عينيه، ودخل البيت فإذا جثث على سرر طوال (1) لم ير مثلهم طولا وعظما، وعند رؤسهم لوح من فضة فيه تاريخهم، وإذا هم رجال من ملوك جرهم، وآخرهم موتا الحارث بن مضاض، وعليهم ثياب لا يمس منها شئ إلا انتثر كالهباء من طول الزمن، وشعر مكتوب (في اللوح) فيه عظات، آخر بيت منه: صاح هل ريت أو سمعت براع...البيت وقال ابن هشام: " كان اللوح من رخام، وفيه: أنا نفيلة بن عبد المدان بن خشرم بن عبد ياليل بن جرهم بن قحطان بن هود نبى الله عليه صلوات الله، عشت خمسمائة عام وقطعت الارض في طلب الثروة والمجد والملك، فلم يكن ذلك ينجيني من الموت، وتحته مكتوب الابيات السابقة: * قد قطعت البلاد...إلى آخرها * وفى ذلك (البيت) كوم عظيم من اليواقيت والزبرجد والذهب والفضة،
فأخذ منه ما أخذ، ثم علم على الشق بعلامة وأغلق بابه بالحجارة وأرسل إلى أبيه بالمال الذى خرج به ليسترضيه، ووصل عشيرته كلهم فسادهم، وجعل ينفق من الكنز ويطعم الناس ويفعل المعروف، حتى ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يستظل في الهاجرة بظل جفنته، وكانت بحيث يأكل منها الراكب على بعيره، وسقط فيها مرة غلام فغرق فيها فمات ومضاض بن عمرو الجرهمى جاهلي، من شعره المشهور من قصيدة: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر " انتهى ما أورده الموصلي باختصار
__________
(1) في الاصول " على سرير طويل " والتصحيح عن الروض الانف (*)

ورأيت هذه الابيات لابي نفيلة وكان من المعمرين وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والخمسون بعد المائة -: (من الطويل) 158 - إذا قام قوم يأسلون مليكهم * عطاء فدهماء الذى أنا سائله على أنه قدم فيه الهمزة التى هي عين الفعل على السين التى هي فاء الفعل، للاستكراه من تخفيفها بالحذف لو أبقيت على حالها و " الذى " مبتدأ، وجملة " أنا سائله " من المبتدأ والخبر صلة الموصول، ودهماء - وهى اسم امرأة - خبر الذى، والجمل جواب إذا، و " دهماء " يحتمل أن يكون اسم امرأة، ويحتمل أن يكون اسم فرس (1) وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع والخمسون بعد المائة -: (من الوافر) 159 - أرى عينى ما لم ترأياه * كلانا عالم بالترهات على أنه جاء لضرورة الشعر إثبات الهمزة في " ترأياه " والقياس نقل
حركتها إلى الراء وحذفها، قال ابن جنى في سر الصناعة: " وقد رواه أبو الحسن " ما لم ترياه " على التخفيف الشائع عنهم في هذا الحرف " انتهى وقال في المحتسب من سورة البقرة: " قرأ أبو عبد الرحمن السلمى (ألم ترأ إلى الملا) ساكنة الراء، وهذا لعمري أصل هذا الحرف، رأى يرأى كرعي يرعى، إلا أن أكثر لغات العرب فيه تخفيف بحذفها وإلقاء حركتها على الراء قبلها، وصار حرف المضارعة كأنه بدل من الهمزة، وكذلك أفعل منه كقوله تعالى (لتحكم بين الناس بما أراك الله " أصله أرأك الله، وحكاها صاحب الكتاب عن أبى الخطاب، ثم إنه قد جاء مع هذا تحقيق هذه الهمزة وإخراجها على أصلها كقوله:
__________
(1) قد اضطرب كلام المؤلف هنا، فتأمله.
(*)

* أرى عينى ما لم ترأياه * فخفف أرى وحقق ترأياه، ورواه أبو الحسن " ترياه " على زحاف الوافر، وأصله " ترأياه " على أن مفاعلتن لحقها العصب بسكون لامها، فنقلت إلى مفاعيلن، ورواية أبى الحسن " يمالت " مفاعيل، فصار الجزء بعد العصب إلى النقص " انتهى.
وقال الزجاجي في أماليه الكبرى (1): " أما قوله ترأياه فإنه إلى أصله، والعرب لم تستعمل يرى وترى ونرى وأرى إلا باسقاط الهمزة تخفيفا، فأما في الماضي فإنها مثبتة، وكان المازنى يقول: الاختيار عند أن أرويه " لم ترياه " بغير همز، لان الزحاف أيسر من رد هذا إلى أصله، وكذلك كان ينشد قول الاخر: (من الطول) ألم تر ما لا قيت والدهر أعصر * ومن يتمل العيش يرأ ويسمع
بتخفيف الهمزة (2) " انتهى.
__________
(1) انظر أمالى أبى القاسم الزجاجي (ص 57) طبع مصر سنة 1324 (2) قوله " بتخفيف الهمزة " كذا في جميع الاصول، والمراد الهمزة التى في " ألم تر " وأصله " ألم ترأ " ووقع في أمالى الزجاجي " بتحقيق الهمزة " وهى صواب أيضا، والمراد الهمزة التى في قوله " يرأ ويسمع "، ويدل لصحة ما ذكرنا - من أن الرواية في عجز البيت بالتحقيق وفى صدره به أو بالتخفيف - قول شيخ هذه الصناعة أبى الفتح بن جنى في سر الصناعة: وقرأت على أبى على في نوادر أبى زيد * ألم تر ما لاقيت...البيت * كذا قرأته عليه مخففا، ورواه غيره ألم ترأ ما لاقيت...* (*)

وقال قبل هذا (1) " أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حمدان البصري وأبو غانم الغنوى قالا: أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب (الجمحى) عن محمد بن سلام، قال: كان سراقة البارقى شاعرا ظريفا زوارا للملوك حلو الحديث، فخرج في جملة من خرج لقتال المختار فوقع أسيرا فأتى به المختار، فلما وقف بين يديه قال: يا أمين آل محمد (2) إنه لم يأسرنى أحد ممن بين يديك، قال: ويحك ! فمن أسرك ؟ قال: رأيت رجالا على خيل بلق يقاتلوننا ما أراهم الساعة: هم الذين أسروني، فقال المختار لاصحابه: إن عدوكم يرى من هذا الامر ما لاترون، ثم أمر بقتله، فقال: يا آمين آل محمد (2): إنك لتعلم أنه ما هذا أوان تقتلني فيه، قال: فمتى أقتلك ؟ قال: إذا فتحت دمشق ونقضتها حجرا ثم جلست على كرسى في أحد أبوابها، فهناك تدعوني فتقتلني وتصلبنى، فقال المختار: صدقت، ثم
التفت إلى صاحب شرطته، فقال: ويحك ! من يخرج سرى إلى الناس، ثم أمر بتخلية سراقة، فلما أفلت أنشأ يقول - وكان المختار يكنى أبا إسحق -: ألا أبلغ أبا إسحق أنى * رأيت البلق دهما مصمتات أرى عينى ما لم ترأياه * كلانا عالم بالترهات
__________
(1) وقرأت عليه أيضا: ثم استمر بها شيخان بمتجح * بالبين منك بما يرآك شنئانا بوزن يرعاك، ووزن " يرأ " يرع، كما أن وزن " ترأياه " ترعياه، هذا كله على التحقيق المرفوض في هذه الكلمة في غالب الامر وشائع الاستعمال " اه (1) انظر أمالى الزجاجي (ص 56) (2) في أمالى الزجاجي " يا أمير آل محمد " وما هنا أوضح (*)

كفرت بوحيكم وجعلت نذرا (1) على قتالكم حتى الممات " انتهى كلام الزجاجي وحديث القتل وفتح دمشق نسبة الجاحظ لغير سراقة، قال في كتاب المحاسن والاضداد في فضل محاسن الدهاء والحيل: " الهيثم بن الحسن بن عمارن، قال: قدم شيخ من خزاعة أيام المختار، فنزل على عبد الرحمن بن أبان الخزاعى، فلما رأى ما يصنع سوقة المختار بالمختار من الاعظام جعل يقول: يا عباد الله، أبا لمختار يصنع هذا ؟ والله لقد رأيته يتبع الاماء بالحجاز (2) فبلغ ذلك المختار، فدعا به وقال: ما هذا الذى بلغني عنك ؟ قال: الباطل، فأمر بضرب عنقه، فقال: لا والله لا تقدر على ذلك، قال: ولم ؟ قال: أما دون أن أنظر إليك وقد هدمت مدينة دمشق حجرا حجرا وقتلت المقاتلة وسبيت الذرية ثم تصلبني على شجرة على
نهر (فلا) (3) والله إنى لاعرف الشجرة الساعة، وأعرف شاطئ ذلك النهر، فالتفت المختار إلى أصحابه فقال لهم: أما إن الرجل قد عرف الشجرة، فحبس، حتى إذا كان الليل بعث إليه فقال: يا أخا خزاعة، أو مزاح عند القتل ؟ قال: أنشدك الله أن أقتل ضياعا، قال: وما تطلب ها هنا ؟ قال: أربعة آلاف درهم أقضى بها دينى، قال: ادفعوا له بذلك، وإياك أن تصبح بالكوفة، فقبضها وخرج، وعنه قال: كان سراقة البارقى من ظرفاء أهل الكوفة، فأسره رجل من أصحاب المختار فأتى به المختار فقال له: أسرك هذا ؟ قال سراقة: كذب، والله ما أسرني إلا رجل على ثياب بيض على فرس أبلق، فقال المختار: أما إن الرجل قد عاين الملائكة، خلوا سبيله، فلما أفلت أنشأ يقول:
__________
(1) في أمالى الزجاجي " ورأيت نذرا " (2) في نسخة " رأيته بالحجاز يتبع الاماء " (3) زيادة لابد منها (*)

* ألا أبلغ أبا إسحق...* إلى آخر الابيات الثلاثة.
وكذا روى هذه الحكاية الاصبهاني في الاغانى من طريق الاعمش عن إبراهيم النخعي.
وفى هذه الروايات اختصار، فإن هذه الابيات قالها بعد ما أسر ثالثا، قال ابن عبد ربه وفى العقد الفريد (1): أبو حاتم قال: حدثنا أبو عبيدة، قال: أخذ سراقة بن مرداس البارقى أسيرا يوم جبانة السبيع (2) فقدم في الاسرى إلى المختار، فقال: (من الرجز) امننن على اليوم يا خير معد * يا خير من لبى وصلى وسجد فعفى عنه المختار وخلى سبيله، ثم خرج مع (إسحق) ابن الاشعث، فأتى به
المختار أسيرا، فقال له: ألم أعف عنك وأمنن عليك ؟ أما والله لاقتلنك، قال: لا، والله لا تفعل إن شاء الله، قال: ولم ؟ قال: لان أبى أخبرني أنك تفتح الشام حتى تهدم مدينة دمشق حجرا حجرا وأنا معكم، ثم أنشده: (من الوافر) ألا أبلغ أبا إسحق أنا * حملنا حملة كانت علينا (3) خرجنا لا نرى الضعفاء شيئا (4) * وكان خروجنا بطرا وحينا (5) نراهم في مصفهم قليلا * وهم مثل الدبا لما التقينا فأسجح إذ قدرت فلو قدرنا * لجرنا في الحكومه واعتدينا تقبل توبة منى، فإنى * سأشكر إن جعلت النقد دينا
__________
(1) انظر العقد (ج 1 ص 183) طبع بولاق (2) جبانة السبيع: محلة بالكوفة، وكانت فيها وقعة المختار بن عبيد الخارجي (3) في عيون الاخبار (ح 1 ص 203): " نزونا نزوة " (4) كذا في الاصل وهو الموافق لما في عيون الاخبار، وفى العقد " منا " وهو تحريف (5) في الاصول " بطرا علينا " وهو خطأ (*)

قال: فخلى سبيله، ثم خرج (إسحق) ابن الاشعث ومعه سراقة فأخذ أسيرا واتى به المختار، فقال: الحمد لله الذى أمكننى منك، يا عدو الله، هذه ثالثة، فقال سراقة: أما والله ما هؤلاء الذين أخذوني، فأين هم ؟ لا أراهم ! إنا لما التقينا رأينا قوما عليهم ثياب بيض وتحتهم خيل بلق تطير بين السماء والارض، فقال المختار: خلوا سبيله ليخبر الناس، ثم عاد (1) لقتاله، فقال: ألا من مبلغ المختار عنى * بأن البلق دهم مضمرات أرى عينى ما لم ترأياه * إلخ الشعر " انتهى
وقوله " رأيت البلق دهما الخ " هو جمع أبلق وبلقاء، وأراد الخيل البلق، وهى ما فيها بياض وسواد، ودهم: جمع أدهم ودهماء، من الدهمة - بالضم - وهى السواد، وأراد أن الخيل البلق التى ذكرت أنها تطير إنما هي خيل دهم نحاربك عليها، والمصمت - بضم الميم الاولى وفتح الثانية - قال الجوهرى: هو من الخيل البهيم: أي لون كان لا يخالط لونه لون آخر، وروى بدله " مضمرات " بوزنه، يقال: أضمرت الفرس، إذا أعددته للسباق، وهو أن تعلقه قوتا بعد السمن (2)، وقوله " أرى عينى الخ " بضم الهمزة، مضارع من الاراءة خفف بحذف الهمزة من آخره، و " ما " نكرة بمعنى شئ مفعول ثان لارى، والاول هو عينى، وكلانا: أي أنا وأنت والبيت كذا أورده أبو زيد بمفرده في نوادره (3) ورواه أبو حاتم عن أبى عبيدة " ما لم تبصراه إلخ " وحينئذ لا شاهد فيه، والترهة: بضم المثناة وتشديد الراء المفتوحة
__________
(1) كذا في عيون الاخبار، وفى العقد " ثم دعا لقتاله " (2) في الصحاح: وتضمير الفرس أن تعلفه حتى يسمن، ثم ترده إلى القوت، وذلك في أربعين يوما وهذه المدة تسمى المضمار، والموضع الذى تضمر فيه الخيل أيضا مضمار (3) انظر (ص 185) من النوادر (*)

قال الاخفش فيما كتبه على النوادر: الترهات الاباطليل، وفى الصحاح قال الاصمعي: الترهات: الطرق الصغار غير الجادة، تتشعب عنها، الواحدة ترهة فارسي معرب، ثم استعير في الباطل وسراقة بن مرداس البارقى بضم السين وآخره قاف، ومرداس بكسر الميم، قال الامدي في المؤتلف والمختلف: بارق اسم جبل نزل به سعد بن على بن حارثة
بن عمرو بن عامر، فنسبوا إلى ذلك الجبل، وبارق: أخو خزاعة، وهذا هو سراقة بن مرداس الاصغر، وهو شاعر مشهور خبيث قال يهجو جريرا من قصيدة: (من الكامل) أبلغ تميما غثها وسمينها * والحكم يقصد مرة ويجور أن الفرزدق برزت حلباته * عفوا وغودر في التراب جرير هذا قضاء البارقى وإنني * بالميل في ميزانهم لبصير فهجاه جرير في القصيدة التى خاطب فيها بشر بن مروان (من الكامل): يا بشر حق لوجهك التبشير (1)...قد كان بالك أن تقول لبارق * يا آل بارق فيم سب جرير وذكر الامدي شاعرين آخرين متقدمين عليه في الزمان، يقال لكل منهما: سراقة بن مرداس البارقى: أحدهما سراقة بن مدارس الاكبر، والاخر هو شاعر فارس له شعر في يوم أوطاس، (2) ثم قال الامدي: " وفى شعراء العرب
__________
(1) هذا صدر بيت ليس أول القصيدة، وتمامه: * هلا غضبت لنا وأنت أمير * (2) قال ياقوت في معجم البلدان: " وأوطاس واد في ديار هوازن، فيه كانت وقعة حنين للنبى صلى الله عليه وسلم ببنى هوازن، ويومئذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: حمى الوطيس، وذلك حين استعرب الحرب، وهو صلى الله عليه وسلم أول من قاله " اه.
(*)

من يقال له سراقة جماعة لم نقصد إلى ذكرهم وإنما ذكرت سراقة بن مرداس لاتفاق الاسم واسم الاب " انتهى، ولم يرفع نسب واحد من الثلاثة إلى قبيلة وأنشد الجاحظ لسراقة صاحب البيت الشاهد (من البسيط):
قالوا سراقة عنين فقلت لهم * الله يعلم أنى غير عنين فإن طلبتم بى الشئ الذى زعموا * فقربوني من بنت ابن يامين وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد الستون بعد الماية -: (من الطويل) 160 - ألم تر ما لاقيت والدهر أعصر * ومن يتمل العيش يرء ويسمع على أنه جاء على الاصل لضرورة الشعر، كما تقدم قبله وقال ابن جنى في سر الصناعة: " قرأت على أبى على في نوادر أبى زيد: * ألم تر ما لاقيت والدهر أعصر * كذا قرأته عليه " تر " مخففا، ورواه غيره، " ترء ما لاقيت " على وزن ترع، وهذا على التحقيق المرفوض في هذه الكلمة في غالب الامر وشائع الاستعمال " انتهى.
ولم يتعرض لما في الصمراع الثاني، لانه لم يتزن إلا بذكر الهمزة، فيكون على غير رواية أبى على في كل من المصراعين ضرورة وهذا البيت والذى قبل كذا في الصحاح، وقد أنشدهما أبو زيد في النوادر وفى كتاب الهمز، قال في كتاب الهمز: " وعامة كلام العرب في يرى ونرى وترى وأرى ونحوه على التخفيف، وبعضهم يحققه وهو قليل في كلام العرب، كقولك زيد يرأى رأيا حسنا، نحو يرعى رعيا حسنا، قال سراقة البارقى: أرى عينى ما لم ترأياه *...البيت.
وقال الاعلم بن جرادة السعدى - وأدرك الاسلام -: ألم ترما لاقيت والدهر أعصر * ومن يتمل العيش يرء ويسمع

بأن عزيزا ظل يرمى بجوزه * إلى وراء الحاجزين ويفرع وأنشدني أعرابي من بنى تميم لنفسه (من البسيط): هل ترجعن ليال قد مضين لنا * والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا
إذ نحن في غرة الدنيا وبهجتها * والدار جامعة أزمان أزمانا لما استمر بها شيحان مبتجح * بالبين عنك بما يرآك شنانا فكل هؤلاء حقق الهمزة من يرى، وهو قليل في الكلام، والتحقيق الاصل " انتهى كلامه.
وقوله " ألم تر " استفهام والرؤيا بصرية، و " ما " مفعولها، ولاقيت بضم التاء، والدهر مبتدأ وأعصر خبره، وهو جمع عصر يريد أن الدهر مختلف أزمانه لا يبقى على حال سرور وصفاء، بل غالبه كدر، وقوله " ومن يتمل العيش الخ " من شرطية، ويتمل: شرط مجزوم بحذف الالف، ويرء: جواب الشرط، ويسمع: معطوف عليه، وكسر للقافية، وقافية البيت الثاني مرفوع فيكون في الاول إقواء، وكذا رواهما أبو زيد في الكتابين، قال ابن برى في أماليه على الصحاح: " ويروى ويسمع بالرفع على الاستئناف، لان القصيدة مرفوعة " وذكر البيت الثاني.
أقول: ليس المعنى على الاستئناف، ولعله أراد بالاستئناف ابتناءه على مبتدأ محذوف، والتقدير وهو يسمع، وإطلاق الاستئناف على هذا شائع، فيكون موضع الجملة جزما بالعطف على يرء، وجازف ياقوت فيما كتبه على الصحاح قال: بخط أبى سهل يرء ويسمع بجزمهما، وهو سهو منه والقصيدة مرفوعة، وصوابه: * ومن يتمل العيش يرأى ويسمع * بالرفع يريد أن " من " فيه موصولة مبتدأ ويتملى: صلته، ويرأى ويسمع: خبره، وتحقيق الهمزة ضرورة أيضا، وهذا صحيح معنى وإعرابا، إلا أنه طعن فيه رواية أبى زيد:

وتملى عيشه: استمتع به ملاوة، والملاوة - مثلثة الميم -: الزمان الواسع، يريد من يعش كثيرا يرو يسمع ما لم يكن رآه وسمعه، والعيش: مصدر عاش،
إذا صار ذا حياة، فهو مصدر عائش، والانثى عائشة، وقوله " بأن عزيزا " خبر أن غير مذكور في هذا البيت، وإنما هو في بيت بعده، وظل: استمر، والجوز: بفتح الجيم وآخره زاى معجمة، ورمى الجوز عبارة عن الاسراع في الذهاب، " وإلى " متعلق بيرمى، وكذلك وراء، والحاجزين: جمع حاجز من حجزه، إذا منعه، يريد أن الاعداء قدامه تمنعه من الوصول إليه، " ويفرع " معطوف على يرمى، وهو مضارع أفرع، قال أبو زيد بعد إنشاده: أي يصير الفرع، ويقال: أفرع إذا أخذ في بطن الوادي خلاف المصعد، قال: (من البسيط) * لا يدركنك إفراعى وتصعيدى * وفرع رأسه بالعصا إذا علاه " انتهى وفى الصحاح: فرعت الجبل صعدته، وأفرعت في الجبل انحدرت وقد أورد أبو تمام البيت الشاهد من أبيات للاعلم في كتاب مختار أشعار القبائل، وليس فيها البيت الثاني الذى أورده أبو زيد، وأبو تمام كذا أوردها (من الطويل): وإنى لاقتاد القرين إلى الهوى * ويقتادني يوما قريني فأتبع وأطمع بما لم يحتضرني يأسه * وأيأس مما لا يرى فيه مطمع وأبغض أصحاب الملاذة والقلى * ويطلب بالمعروف خيرى فأخدع وتزعم هند أننى قاتلي الهوى * إليها وقد أهوى فلا أتوجع الكنى إليها بالسلام فلا يسؤ * بنا ظنها، إن النوى سوف تجمع ولا ترع للواشي الظنون فإنه * بتفريق ما بين الاحبة مولع أل تر مالا قيت...البيت نصحت لهم ما يعملون فضيعوا * لنصحي فلا يحزنك نصح مضيع

هذا ما أورده أبو تمام، وقال: الملاذة: كذب المودة "
وقوله " هل ترجعن ليال...البيت " أورده ابن هشام في بحث إذ من المغنى، قال: " وقد يحذف أحد شطرى الجملة فيظن من لاخبرة له أنها أضيفت إلى المفرد، كهذا البيت، والتقدير إذ ذاك كذلك ".
واسم الاشارة الاول أشير به إلى العيش باعتبار حاله، والثانى المحذوف إلى حال الافنان، وهى الاغصان والاحوال، ونصبه حال من ليال، و " إذ " متعلقة بمنقلب، والمعنى هل ترجع ليالينا حال كونها مثل الاغصان الملتفة في نضارتها وحسنها ؟ أو حال كونها ذات فنون من الحسن وقال أبو زيد بعد إنشاد الابيات في النوادر: الشيحان: الغيور، والمبتجح: المفتخر والذى يعرف (1) " انتهى وأنشد بعده - وهو الشاهد الحادى والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من البسيط) 161 - أان رأت رجلا أعشى أضربه * ريب المنون ودهر متبل خبل ونص سيبويه: " والمخففة فيما ذكرنا بمنزلتها محققة في الزنة، يدلك على ذلك قول الاعشى أان رأت رجلا...البيت
__________
(1) هذه العبارة غير واضحة المراد، والذى وجدناه في النوادر لابي زيد وشرحها لابي حسن الاخفش بعد الابيات هو " أبو حاتم: متبجحا أو مبتجح، وجعل الكاف مخاطبة المذكر.
الرياشى: الذى نعرف شيحان (بكسر الشين) والشيحان: الغيور، والمبتجح: المفتخر، قال أبو الحسن: لا اختلاف بين الرواة أنه يقال: رجل شيحان (كعطشان) والانثى شيحى كعطشي) فسروه تفسيرين: أحدهما أنه الجاد في أمره، والاخر الغيور السيئ الخلق، ولان أنثاه فعلى لم يصرفوه، ولو كان كما حكى عن الرياشى لكان قد ترك صرف ما ينصرف، وهذا لا يجوز عند القياسيين المفسرين، وهذا سهو من الرياشى " اه (*)

فلو لم تكن بزنتها محققة لانكسر البيت " انتهى وقال الاعلم: " استشهد به على تخفيف الهمزة الثانية من قوله: أان، وجعلها بين بين، والاستدلال بها على أن همزة بين بين في حكم المتحركة، ولولا ذلك لانكسر البيت، لان بعد الهمزة نونا ساكنة، فلو كانت الهمزة المخففة في الحكم ساكنة لالتقى ساكنان، وذلك لا يكون في الشعر إلا في القوافى " انتهى والبيت من قصيدة الاعشى المشهورة التى أولها: ودع هريرة، إن الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيها الرجل وهى ملحقة بالقصائد المعلقات، وقد شرحنا غالبها في مواضع متعددة من شواهد شرح الكافية، وقبله: صدت هريرة عنا ما تكلمنا * جهلا بأم خليد، حبل من تصل ؟ وبعده: قالت هريرة لما جئت زائرها * ويلى عليك وويلى منك يا رجل وقوله " صدت هريرة الخ " روى أبو عبيدة: صدت خليدة، وقال: هي هريرة، وهى أم خليد، وخليد: مصغر خالد تصغير الترخيم، وصدت: أعرضت وقوله " جهلا بأم خليد " علة للنفي، والباء للملابسة، وأعاد اسمها للتلذذ به، وحسنه ذكره بغير لفظه الاول و " حبل " مفعول تصل، وقدم وجوبا لاضافته إلى ماله الصدارة، وهو من، فانها للاستفهام التعجبى، يريد: حبل أي رجل تصل إذا لم تصلنا ؟ كذا قال الخطيب التبريزي وغيره، وعليه تبقى الجملة غير مرتبطة بما قبلها، والجيد أن تكون من موصولة " وحبل " مفعول لقوله " جهلا " والحبل هنا مستعار للعلقة.
والوصل: ضد القطع، وقوله " أن رأت رجلا إلخ " الهمزة الاولى للاستفهام.
و " أن " بالفتح هي أن المصدرية.
وهى مع مدخولها مجرورة بلام
العلة، أو من التعليلية، والتقدير أصدت لاجل أن رأت رجلا هذه صفته.
و " رأت " أبصرت، و " رجلا " مفعوله، و " أعشى " صفته.
والاعشى الذى

لا يبصر بالليل، والاجهر - بالجيم -: الذى لا يبصر نهارا، والمؤنث عشواء وجهراء، وجملة " أضربه " حال من أعشى، ويجوز أن تكون صفة ثانية لرجلا.
قال صاحب المصباح: " ضره يضره - من باب قتل - إذا فعل به مكروها، وأضربه يتعدى بنفسه ثلاثيا بالباء باعيا ".
قال الازهرى: " كل ما كان سوء حال وفقر وشدة في بدن فهو ضر - بالضم - وما ضد النفع فهو بفتحها، ورجل ضرير: به ضرر من ذهاب عين أو ضنى " والريب: التردد بين موقعي تهمة، بحيث يمتنع من الطمأنينة على كل منهما، وأصله قلق النفس واضطرابها، ومنه ريب الزمان لنوائب الزوجة ومصائبه المقلقة، كذا في مهمات التعاريف للمناوى.
و " المنون " المنية، قال الاصمعي: هو واحد لاجمع له، وذهب إلى أنه مذكر، وقال الاخفش: هو جمع لا واحد له، ومتبل: اسم فاعل، قال صاحب العباب: " وأتبله الدهر مثل تبله، وأنشد هذا البيت، وقال: أي يذهب بالاهل والولد، وتبله الحب: أي أسقمه، وتبلهم الدهر: أي أفناهم، والتبل، كفلس: الترة والذحل (1) يقال: أصيب بتبل وهو متبول، وروى بدله " مفسد " من الافساد، وروى " مفند " أيضا بمعناه، قال التبريزي: والمفند من الفند وهو الفساد، ويقال: فنده، إذا سفهه، قال تعالى (لولا أن تفندون) وخبل - بفتح المعجمة وكسر الموحدة - قال صاحب العباب: ودهر خبل: أي ملتو على أهله، وأنشد البيت، وقوله " قالت هريرة الخ " قال بعضهم: هذا أخنث بيت قالته العرب، و " زائرها " حال من التاء: أي زائر لها وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني والستون بعد المائة، وهو من شواهد
سيبويه -: (من الكامل)
__________
(1) الذحل: الثأر، أو طلب مكافأة بجناية حنيت عليك (*)

162 - راحت بمسلمة البغال عشية * فارعي فزارة لا هناك المرتع على أن أصله هنأك - بالهمز - فأبدلت ألفا، قال سيبويه: " واعلم أن الهمزة التى يحقق أمثالها أهل التحقيق من بنى تميم وأهل الحجاز وتجعل في لغة أهل التخفيف بين بين تبدل مكانها الالف إذا كان ما قبلها مفتوحا، والياء إذا كان ما قبلها مكسورا، والواو إذا كان ما قبلها مضموما، وليس ذا بقياس متلئب، (1) وإنما يحفظ عن العرب كما يحفظ الشئ الذى تبدل التاء من واوه، نحو أتلجت، فلا يجعل قياسا في كل شئ من هذا الباب، وإنما هي بدل من واو أولجت، فمن ذلك قولهم: منساة، وإنما أصلها منسأة (2)، وقد يجوز في ذاكله البدل حتى يكون قياسا متلئبا إذا اضطر الشاعر، قال الفرزدق: * راحت بمسلمة البغال *..البيت فأبدل الالف مكانها، ولو جعلها بين بين لانكسر البيت، وقال حسان ابن ثابت رضى الله عنه: سالت هذيل رسول الله...البيت الاتى وقال القرشى زيد بن عمرو: سالتانى الطلاق...البيت الاتى فهؤلاء ليس من لغتهم سلت ولا يسال، وبلغنا أن سلت تسال لغة، وقال عبد الرحمن بن حسان: وكنت أذل من وتد...البيت الاتى: يريد الواجئ، وقالوا: نبى وبريه، فألزمها أهل التحقيق البدل، وليس
كل شئ نحوهما يفعل به ذا، إنما يؤخذ بالسمع، وقد بلغنا أن قوما من أهل الحجاز من أهل التحقيق يحققون نبيئا وبريئة، وذلك قليل ردئ، فالبدل ههنا
__________
(1) بهامش الاصل: قوله متلئب " في الصحاح اتلاب الامر اتلئبابا استقام انتهى من خط المؤلف (2) المنسأة: العصا (*)

كالبدل في منساة، وليس بدل التخفيف، وإن كان اللفظ واحدا " انتهى كلام سيبويه قال الاعلم: " الشاهد في إبداله الالف من الهمزة في قوله: هناك، ضرورة وإن كان حقها أن تجعل بين بين لانها متحركة، يقول هذا حين عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق ووليها عمر بن هبيرة الفزارى فهجاهم الفرزق ودعا على قومه أن لا يهنئوا النعمة بولايته، وأراد بغال البريد التى قدمت بمسلمة عند عزله " انتهى.
وكذا قال المبرد في الكامل عند ما أنشد قول العديل بن الفرخ العجلى (من الطويل): فلو كانت في سلمى أجا وشعاثها * لكان لحجاج على دليل قال: أجا وسلمى: جبلا طيئ، وأجأ مهموز، والشاعر إذا احتاج إلى قلب الهمز قلبه على حركة ما قبله، وأنشد هذه الابيات، وقال: أما الفرزدق فانه يقول لما عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق بعد قتله يزيد بن المهلب لحاجة الخليفة إلى قربه وولى عمر بن هبيرة الفزارى فقال: راحت بمسلمة البغال عشية * فارعي فزارة لاهناك المرتع ولقد علمت إذا فزارة امرت * أن سوف تطمع في الامارة أشجع
فأرى الامور تنكرت أعلامها * حتى أمية عن فزارة تنزع ولخلق ربك ماهم ولمثلهم * في مثل ما نالت فزارة يطمع عزل ابن بشر وابن عمر وقبله * وأخو هراة لمثلها يتوقع فلما ولى خالد بن عبد الله القسرى على عمر بن هبيرة قال رجل من بنى أسد يجيب الفرزدق (من الكامل):

عجب الفرزدق من فزارة إذ رأى * عنها أمية في المشارق تنزع فلقد رأى عجبا وأحدث بعده * أمر تضج له القلوب وتفزع بكت المنابر من فزارة شجوها * فاليوم من قسر تذوب وتجزع وملوك خندف أسلمونا للعدى * لله در ملوكنا ما تصنع ! كانوا كتاركة بنيها جانبا * سفها وغيرهم تصون وترضع انتهى.
وفى الاغانى: " كان مسلمة بن عبد الملك على العراق بعد قتل يزيد بن المهلب، فلبث بها غير كثير، ثم عزله يزيد بن عبد الملك واستعمل عمر بن هبيرة على العراق فأساء وعزل قبيحا، فقال الفرزدق: * ولت بمسلمة البغال عشية * إلى آخر الابيات الخمسة ابن بشر: عبد الملك بن بشر بن مروان، كان على البصرة، أمره عليها مسلمة، وابن عمرو: سعيد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط، وأخو هراة: سعيد بن عبد العزيز بن الحكم بن أبى العاص " انتهى.
وقال ابن السيرافى: " ابن عمرو هو سعيد بن عمرو بن الحارث بن الحكم ابن أبى العاص، عزل عن الكوفة، وأخو هراة سعيد بن الحارث بن الحكم " انتهى.
وقوله " راحت بمسلمة الخ " قال صاحب المصباح: راح يروح رواحا - وتروح
مثله - يكون بمعنى الغدو، وبمعنى الرجوع، وقد يتوهم بعض الناس أن الروح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك، بل الرواح والغدو عند العرب يستعملان في المسير أي وقت كان: من ليل أو نهار، قاله الازهرى وغيره، وعليه قوله عليه الصلاة والسلام " من راح إلى الجمعة في أول النهار فله كذا " أي: من ذهب، والعشية: واحدة العشى، قال صاحب المصباح: العشى: قيل: ما بين الزوال إلى الغروب ومنه يقال للظهر والعصر: صلاتا العشى، وقيل: هو آخر

النهار، وقيل: من الزوال إلى الصباح، وقوله " فارعي فزارة " هو أمر من الرعى، من رعت الماشية ترعى إذا سرحت بنفسها إلى المرعى، وهو ما ترعاه الدواب، وفزارة: أبو قبيلة من غطفان، وهو هنا مبنى على الضم، لانه منادى وحرف النداء مقدر، وباعتبار القبيلة (قال) فارعي بالخطاب إلى المؤنث وجعلهم بهائم ترعى، وقوله " لا هناك المرتع " لا: هنا دعائية، دعا عليهم بأن لا يكون مرتعهم هنيئا لهم، وهنأنى الطعام يهنؤني - بفتح العين فيهما - ومهموز الاخر: أي ساغ ولذ بلا مشقة، والكاف مكسورة، والمرتع: مصدر ميمى، يقال: رتعت الماشية رتعا، من باب نفع، ورتوعا: رعت كيف شاءت، والمرتع: موضع الرتوع أيضا، وقد صار هذا المصراع مثلا، قال الميداني في أمثاله: " ارعى فزارة لا هناك المرتع " يضرب لمن يصيب شيئا ينفس به عليه، وقد استشهد بالبيت في التفسيرين في سورة طه على أن طه في قراءة الحسن رحمه الله أمر للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أن يطأ الارض بقدميه معا، فإنه كان عليه السلام يقوم في تهجده على إحدى رجليه.
والاصل " طأ " قلبت الهمزة ألفا كما في لا هناك، ثم بنى الامر عليه، كالامر من يرى " ر " ثم ألحق هاء السكت فصار طه وقد خبط خضر الموصلي خبط عشواء في شرح أبياتهما قال: " الرواح نقيض
الغدو، ومسلمة هذا هو عبد الملك بن بشر، وهو الممدوح، وكان على العراق فعزل عنها، وولى موضعه عمر بن هبيرة، ولا هناك المرتع: دعاء على الناقة أي لاهناك رعى هذا المرتع، والمعنى أن ممدوحك مسلمة قد عزل وراح على البغال عشيه فاقصدي بنى فزارة وارعى مرعاها، وفى بعض الحواشى ارعى يا فزارة فان الخطاب لهم، قال: وكان مسلمة هذا يمنعهم المرعى، فلما عزل خاطبهم بذلك وأمرهم بالمرعى " هذا كلامه.
وخطؤه من وجوه ظاهرة، وقبيح بمثله أن يكتب على العمياء من غير مراجعة

وتنقير، مع أن البيت من أبيات سيبويه والمفصل وغيرهما، والله الموفق للصواب.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه - (من الخفيف) 163 - سالتانى الطلاق أن رأتاما * لى قليلا قد جئتانى بنكر لما تقدم قبله، ونقلنا كلام سيبويه فيه، وقبله.
تلك عرساى تنطقان بهجر * وتقولان قول زور وهتر وقوله " تلك عرساى " مبتدأ وخبر، و " عرساى " مثنى عرس، مضاف إلى الياء، والعرس - بالكسر - الزوجة: أي هما عرساى، ويجوز أن يخالف اسم الاشارة المشار إليه كقوله تعالى: (عوان بين ذلك) والهجر - بالضم - الفحش من الكلام، والهتر: مصدر هتره، من باب نصر، إذا مزق عرضه، وقوله " سالتانى الطلاق " قال الاعلم: هذه لغة معروفة، وعليه قراءة من قرأ (سال سائل بعذاب واقع) وروى " تسألاني الطلاق " فلا شاهد فيه، وقوله " قد جئتماني بنكر " التفات من الغيبة إلى الخطاب، والنكر - بالضم - الامر القبيح، وروى أيضا:
سالتانى الطلاق أن رأتانى * قل مالى قد جئتماني بنكر وهما من أبيات قد شرحناها مفصلة مع ترجمة قائلها، والاختلاف فيه، في الشهر الشاهد الثامن والسبعين بعد الاربعمائة من شواهد شرح الكفاية وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من البسيط) 164 - سالت هذيل رسول الله فاحشة * ضلت هذيل بما قالت ولم تصب

لما تقدم قبله، وتقدم نقل كلام سيبويه فيه قال المبرد في الكامل: " وأما قول حسان: سالت هذيل، فليس من لغته سلت أسال مثل خفت أخاف، وهما يتساولان، هذا من لغة غيره، وكانت هذيل سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل لها الزنا، ويروى أن أسديا وهذليا تفاخرا فرضيا برجل، فقال: إنى ما أقضى بينكما إلا على أن تجعلا لى عقدا وثيقا أن لا تضرباني ولا تشتماني، فانى لست في بلاد قومي، ففعلا، فقال: يا أخا بنى أسد، كيف تفاخر العرب وأنت تعلم أنه ليس حى أحب إلى الجيش ولا أبغض إلى الضيف ولا أقل تحت الرايات منكم ؟ وأما أنت يا أخا هذيل فكيف تظلم الناس وفيكم خلال ثلاث: كان منكم دليل الحبشة على الكعبة، ومنكم خولة ذات النحيين، وسألتم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل لكم الزنا، ولكن إذا أردتم بيتى مضر فعليكم بهذين الحيين من تميم وقيس، قوما في غير حفظ الله " انتهى.
وفى الروض الانف للسهيلي: " قوله: سالت هذيل، ليس على تسهيل الهمزة، ولكنها لغة، بدليل قولهم: تسايل القوم، ولو كان تسهيلا لكانت الهمزة بين بين، ولم يستقم وزن الشعر بها، لانها كالمتحركة، وقد تقلب ألفا ساكنة كما
قالوا: المنساة، لكنه شئ لا يقاس عليه، وإذا كانت سال لغة في سأل فيلزم أن يكون المضارع يسيل، ولكن حكى يونس سلت تسال مثل خفت تخاف، وهو عنده من ذوات وقال الزجاج: الرجلان يتسايلان، وقال النحاس والمبرد: يتساولان، وهو مثل ما حكى يونس وقال صاحب مختصر أسد الغابة: إن أبا كبير الهذلى الشاعر أسلم، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أحل لى الزنا، فقال: أتحب أن يؤتى إليك مثل ذلك ؟ قال: لا، قال: فارض للناس ما ترضى لنفسك، قال: فادع الله أن يذهب ذلك عنى، وقال حسان يذكر ذلك:

سالت هذيل رسول الله فاحشة * ضلت هذيل بما سالت ولم تصب سالوا رسولهم ما ليس معطيهم * حتى الممات وكانوا سبة العرب انتهى.
وزاد ابن هشام في السيرة بعدهما بيتين آخرين، وهما: ولن ترى لهذيل داعيا أبدا * يدعو لمكرمة عن منزل الحرب لقد أرداوا الفحش ويحهم * وأن يحلوا حراما ما كان في الكتب وأنشد بعده - وهو الشاهد الخامس والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الوافر) 165 - وكنت أذل من وتد بقاع * يشجج رأسه بالفهر واجى على أن أصله واجئ - بالهمز - فقلبت الهمزة ياء لضرورة الشعر عند سيبويه كما تقدم نصه واعترض عليه الشارح المحقق تبعا لابن الحاجب بأن هذا القلب جائز في الوقف قياسا، والقلب في مثله إنما يكون ضرورة لو كان في غير الوقف
واعتراض ابن الحاجب في شرح المفصل، قال: " وأصله واجئ، فقلبت الهمزة ياء، وقد أنشده سيبويه أيضا على ذلك، وهو عندي وهم، فان هذه الهمزة موقوف عليها، فالوجه أن تسكن لاجل الوقف، وإذا سكنت جرها حركة ما قبلها، فيجب أن تقلب ياء، فليس لايرادهم لها فيما خرج عن القياس من إبدال الهمزة حرف لين وجه مستقيم، وقد اعتذر لهم عن ذلك بأن القصيدة مطلقة بالياء، وياء الاطلاق لا تكون مبدلة عن همزة، لان المبدل عن الهمزة في حكم الهمزة، فجلعها ياء الاطلاق ضرورة، فصح إيرادهم لها فيما خرج عن القياس في قلب الهمزة حرف لين، والجواب أن ذلك لا يدفع كون التخفيف ياء جائزا على القياس،

لان الضرورة في جعل الياء مبدلة عن الهمزة ياء للاطلاق، لا أن إبدالها على خلاف القياس، لانهما أمران متقاطعان، فتخفيفها إلى الياء أمر، وجعلها ياء للاطلاق أمر آخر، والكلام إنما هو إبدالها ياء، ولا ينفع العدول إلى الكلام في جعلها ياء الاطلاق، فثبت أن قلبها في مثل هذا مثل قياس تخفيف الهمزة، وأن كونها إطلاقا لا يضر في كونها جارية على القياس في التخفيف، نعم يضر في كونه جعل ما لا يصح أن يكون إطلاقا، وتلك قضية ثانية، هذا بعد تسليم أن الياءات والواوات والالفات المنقلبات عن الهمزة لا يصح أن تكون إطلاقا، وهو في التحقيق غير مسلم، إذ لا فرق في حرف الاطلاق بين أن يكون عن همزة وبين أن يكون غير ذلك، كما في حرف الردف وألف التأسيس " هذا آخر كلامه وكأنه لم يقف على ما كتبه الزمخشري هنا من مناهيه على المفصل، وهو قوله: " لا يقال: وقف على الهمزة واجئ ثم قلبها ياء لكسرة ما قبلها، لانه لو وقف لوقف على الجيم الذى هو حرف الروى " انتهى.
وهذا تحقيق منه وشرح لمراد سيبويه، لانه إنما منع الوقوف على الهمزة في
واجئ، لانه كان يصير حرف الروى همزة، فيختلف الرويان اختلافا شديدا، بخلاف الاكفاء في نحو قوله: (من الرجز) بنى إلى البر شئ هين * المنطق اللين والطعيم فلا يجوز أن يقال: وقف على الهمزة، وأنه فعل به بعد الوقف على الجيم ما فعل من إسكان الهمزة وقلبها ياء للضرورة، وإنما يقال: أبدل منها إبدالا محضا ولا يخففها التخفيف القياسي، فإن التخفيف القياسي هو إبدالها إذا سكنت بالحرف الذى منه حركة ما قبلها، نحو راس في رأس، وإذا خففت تخفيفا قياسيا كانت في حكم المحققة، وإذا كانت في حكم المحققة اختلف الرويان، ولذلك أبدلوا في الشعر ولم يحققوا، خوفا من انكساره، ومن اختلاف رويه، وهذا البدل

هو الذى ذكره سيبويه في قوله: " وقد يجوز في ذا كله البدل حتى يكون قياسا إذا اضطر الشاعر " وذكر أن البدل في المفتوحة بالالف وفى المكسورة بالياء وفى المضمومة بالواو ليس بقياس (1)، يريد أن القياس أن تجعل بين بين، وقلبها على وجه البدل شاذ وهو من ضرورة الشعر، وقول الزمخشري: " لانه لو وقف لوقف على الجيم إلخ " يريد أنه إذا أدى الامر إلى أن تقلب الهمزة ياء صار واجى كقاضي، وحكمن الوقف على المنقوص المنون في الرفع والجر في الاختيار حذف الياء والوقف على الحرف الذى قبلها، نحو هذا قاض ومرت بقاض، وإن جاز إثبات الياء فيهما، لكن المختار حذفها هذا، والبيت من قصيدة لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت رضى الله عنه هجا بها عبد الرحمن بن الحكم بن أبى العاص وكان يهاجيه، وقبله: وأما قولك الخلفاء منا * فهم منعوا وريدك من وداجى ولولاهم لكنت كحوت بحر * هوى في مظلم الغمرات داجى
وكنت أذل من وتد بقاع *...البيت افتخر ابن الحكم على ابن حسان بأن الخلفاء منا لا منكم، أن الخلافة في قريش، وبنو أمية منهم، وابن حسان من الانصار، والانصار هم الاوس والخزرج، وهم من أزد غسان من عرب اليمن قحطان.
والوريد: عرق غليظ في العنق، وهما وريدان في صفحتي مقدم العنق، ويقال: له: الودج - بفتحتين - والوداج أيضا بكسر الواو، والودجان: عرقان غليظان يكتنفان نقرة النحر يمينا وشمالا، وقيل: هما عرقان في العنق يتفرعان من الوريدين، ويقال للودج الاخدع أيضا، والاخدعان: الودجان، وقوله " وداجى " كذا جاء بالاضافة إلى الياء، والوداج: مصدر وادج، فاعل،
__________
(1) انظر كتاب سيبويه (ح 2 ص 159) (*)

وليس بمراد، وإنما المراد مصدر وادج كسافر بمعنى سفر، يقال: ودجت الدابة ودجا - من باب وعد - إذا قطعت ودجها، وهو لها كالفصد للانسان، ولو روى وداج، بدون ياء، لحمل على أنه جمع ودج، كجمال جمع جمل، وقدر مضاف: أي صفع وداج، ونحوه، ويكون الجمع باعتبار ما حوله، يقول: لولا أن الخلفاء من قومك وقد احتميت بهم لذبحتك أو لصفعتك على أخدعيك، والغمرات: جمع غمرة: - بالفتح - وهى قطع الماء التى بعضها فوق بعض، وداجى: أسود، من دجا الليل يدجو دجوا إذا أظلم، يريد لولاهم لكنت خاملا لعدم نباهتك مختفيا لا يراك أحد كالحوت في البحر لا يرى لعمقه وتكاثف المياه عليه، ورواه شراح أبيات المفصل * ولولاهم لكنت كعظم حوت * وقالوا: لكنت كعظم سمكة وقع في البحر لا يشعر به.
وقوله " وكنت أذل الخ " الوتد: بفتح الواو وكسر التاء، والقاع
المستوى من الارض، ويشجج: مبالغة يشج رأسه، إذا جرحه وشق لحمه، والفهر - بكسر الفاء -: الحجر مل ء الكف، ويؤنث، والواجى: الذى يدق، اسم فاعل من وجأت عنقه - بالهمز - إذا ضربته، وفى أمثال العرب " أذل من وتد بقاع " لانه يدق ومن أمثالهم " أيضا أذل من حمار مقيد " وقد جمعهما الشاعر فقال: (من البسيط) ولا يقيم بدار الذل يألفها * إلا الاذلان عير الدار والوتد هذا على الخسف مربوط برمته * وذا يشج فلا يرثى له أحد وقال المبرد في الكامل: " كانا يتهاجيان، فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم أن يؤدبها، وكانا تقاذفا، فضرب ابن حسان ثمانين، وضرب أخاه عشرين، فقيل لابن حسان: قد أمكنك في مروان ما تريد، فأشد بذكره وارفعه إلى

معاوية، فقال: والله إذن لا أفعل وقد حدنى حد الرجال الاحرار وجعل أخاه كنصف عبد، فأوجعه بهذا القول: وأنشد الجار بردى هنا - وهو الشاهد السادس والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الرجز) 166 - * وأم أوعال كها أو أقرابا * على أن دخول الكاف على الضمير شاذ في الاستعمال، لا في القياس، إذ القياس أن يدخل الكاف على الاسم، ظاهرا كان أو مضمرا، كسائر حروف الجر، والبيت من أرجوزة للعجاج، وقبله: * خلى الذنابات شمالا كثبا * وهذا في وصف حمار الوحش أراد أن يرد الماء مع أتنه فرأى الصياد، وفاعل " خلى " ضمير، وهو مضمن معنى جعل، والذنابات: مفعوله الاول،
وشمالا: ضرف في موضع المفعول الثاني، والذنابات: جمع ذنابة - بالكسر - وهو آخر الوادي ينتهى إليه السيل، والكثب - بفتح الكافي والمثلثة -: القرب، وأراد القريب، وأ أوعال: قيل بالنصب معطوف على الذنابات، وقيل مرفوع بالابتداء، و " كها " الجار والمجرور في موضع خبر المبتدأ، و " أقرب " معطوف على مدخول الكاف، وأم أوعال: هضبة في ديار بنى تميم، والهضبة: الجبل المنبسط على وجه الارض، وضمير " كها " للذنابات وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا في الشاهد السادس والثلاثين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية.

وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد السابع والستون بعد المائة - (من الطويل): 167 - ويستخرج اليربوع من نافقائه * ومن جحره بالشيحة اليتقصع على أن دخول " أل " على الفعل شاذ مخالف للقياس والاستعمال، إذ هي خاصة بالاسم، وصوابه فيستخرج بالفاء السبيبة، ونصبه بأن مضمرة بعدها، وبالبناء للمفعول، و " اليربوع " نائب الفاعل، وهو دويبة تحفر الارض وله جحران: أحدهما القاصعاء، وهو الذى يدخل فيه، وثانيهما النافقاء، وهو الجحر الذى يكتمه ويظهر غيره، وهو موضع يرققه، فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه، فانتفق: أي خرج، والجحر، - بضم الجيم - يطلق على مأوى اليربوع والضب والحية، وقوله " بالشيحة " رواه أبو عمرو الزاهد وغيره تبعا لابن الاعرابي " ذى الشيحة " وقال: لكل يربوع شيحة عند جحره، ورد عليه أبو محمد الاعرابي في " ضالة الاديب ": صوابه بالشيخة - بالخاء المعجمة - وهى رملة بيضاء في بلاد بنى أسد وحنظلة، وقوله " اليتقطع " رواه الرياشى بالبناء
للمفعول، يقال: تقطع اليربوع دخل في قاصعائه، فيكون صفة للجحر، وصلته محذوفة: أي من جحره الذى يتقطع فيه، وروى بالبناء للفاعل، فيكون صفة اليربوع: ورواه أبو زيد في نوادره " المتقصع " باسم المفعول " فيكون من صفة اليربوع أيضا، لكن فيه حذف الصلة.
والبيت من أبيات شرحناها وافيا في أول شاهد من شواهد شرح الكفاية وأنشدب بعده - وهو الشاهد الثامن والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الطويل)

168 - أيا ضبية الوعساء بين جلاجل * وبين النقا آأنت أم أم سالم على أنه فصل بين الهمزتين بألف قال سيبويه: " ومن العرب ناس يدخلون بين ألف الاستفهام وبين الهمزة ألفا إذا التقتا، وذلك أنهم كرهوا التقاء همزتين ففصلوا، كما قالوا: اخشينان، ففصلوا بالالف كراهية التقاء هذه الحروف المضاعفة، قال ذو الرمة: أيا ضبية الوعساء بين جلاجل...البيت " اه (1) وبزيادة الالف يكون قوله " نقا آأن " مفاعيلين، جزءا سالما، ويجوز أن تحقق الهمزتان بلا زيادة ألف فيكون قوله " نقا أأن " مفاعلن، جزءا مقبوضا، وأورده الشارح والزمخشري في المفصل تبعا لسيبويه بزيادة الالف، لانه معها يمتد الصوت ويكون جزءا سالما، وهو أحسن، وحملا على الاصل، لان الزحاف فرع ومراعاة الاصل أولى، وأما البيت بعده فلا يستقيم إلا بإقحام الالف بين الهمزتين، قال أبو على في كتاب الشعر: فيه حذف خبر المبتدأ، التقدير أأنت هي أم أم سالم، فان قلت: فما وجه هذه المعادلة ؟ وهل يجوز أن يشكل هذا عليه حتى يستفهم عنه،
وهو بندائه، لها قد أثبت أنها ظبية الوعساء ؟ ألا ترى أنه لو نادى رجلا بما يوجب القذف لكان في ندائه بذلك كالخبر عنه ؟ فكذلك إذا قال: يا ظبية الوعساء قد أثبتها ظبية الوعساء، وإذا كان كذلك فلا وجه لمعادلته إياها بأم سالم حتى يصير كأنه قال: أيكما أم سالم ؟ فالقول في ذلك أن المعنى على شدة المشابهة من هذه الظبية لام سالم، فكأنه أراد التبستما على واشتبهتما، حتى لا أفصل بينكما، فالمعنى على هذا الذى ذكرناه شدة المشابهة، لانه ليس ظبية الوعساء من أم سالم...إلى آخر ما ذكره " والبيت من قصيدة طويلة لذى الرمة، وقبله:
__________
(1) انظر كتاب سيبويه (ح 2 ص 168) (*)

أقول لدهناوية عوهج جرت * لنا بين أعلى عرفة فالصرائم وبعده: هي الشبه إلا مدرييها وأذنها * سواء وإلا مشقة في القوائم وقوله " أقول لدهناوية " أي: لظبية منسوبة إلى الدهناء - بالمد وبالقصر وهو موضع في بلاد تميم، والعوهج - بفتح العين المهملة وآخره جيم -: الطويلة العنق، وجرت: سنحت، والعرفة - بضم العين المهملة وبالفاء -: القطعة المشرفة من الرمل، والصرائم: قطع من الرمل، جمع صريمة، وقوله " أيا ظبية الخ " هو مقول القول، ويروى " فيا ظبية " - بالفاء - وليس بالوجيه، والوعساء، الرابية اللينة من الرمل، ويقال: الوعساء: الارض اللينة ذات الرمل، والمكان أوعس، و " جلاجل " بجيمين أولاهما مضمومة، وروى بفتحها أيضا، وروى " حلاحل " - بمهملتين أولاهما مضمومة - وهو اسم مكان، والنقا: التل من الرمل، وأم سالم: هي محبوبته، وقوله " هي الشبه إلخ "
المدرى - بكسر الميم وسكون الدال المهملة -: القرن، والمشقة: الدقة، يقال: فلان ممشوق الجسم: أي دقيق خفيف، يقول: هي أشبه شئ بأم سالم إلا قرنيها وأذنيها، وإلا حموشة (1) في قوائمها، فأما العنق والعين والملاحة فهى شبيهة بها، قال الاصمعي في شرح ديوانه هنا: " يقال: إن مسعودا أخاه وهشاما عابا عليه كثرة تشبيهه المرأة بالظبية، وقيله: إنها دقيقة القوائم، وغير ذلك، فقال هذه القصيدة، واستثنى هذا الكلام فيها " وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع والستون بعد المائة -: (من الطويل)
__________
(1) الحموشة: الدقة، قال الشاعر يصف براغيث: وحمش القوائم حدب الظهور * طرقن بليل فأرقننى

169 - حزق إذا ما الناس أبدوا فكاهة * تفكر آإياه يعنون أم قردا لما تقدم قبله والبيت أورده أبو زيد في كتاب الهمز، وقال: وبعض العرب يقول: يا زيد، آأعطيت فلانا ؟ فيفرق بين الهمزتين بالالف الساكنة، ويحققهما، قال الشاعر: حزق إذا ما القوم أبدوا فكاهة...البيت وأورده ابن جنى في سر الصناعة، والزمخشري في المفصل و " الحزق " بضمتى الحاء المهملة والزاى المعجمة وتشديد القاف، فسره أبو زيد بالقصير، وكذا في العباب.
قال: والحزق والحزقة القصير، قال جامع بن عمرو بن مرخية الكلابي: وليس بجواز لاحلاس رحله * ومزوده كيسا من الرأى أو زهدا حزق إذا ما القوم...البيت وفى حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرقص الحسن أو الحسين رضى
الله عنهما، ويقول: حزقه حزقه ترق عين بقه، فترقى الغلام حتى وضع قدميه على صدره عليه الصلاة والسلام، قال ابن الانباري: حزقه حزقه: معناها المداعبة والترقيص له، وهى في اللغة الضعيف الى يقارب خطوه من ضعف بدنه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لضعف كان فيه ذلك الوقت، قال: والحزقة في غير هذا الضيق (1)، قالها الاصمعي، وقال أبو عبيدة: الحزقة القصير العظيم البطن الذى إذا مشى أدار أليته، ومعنى ترق: أي اصعد، عين بقه: أي
__________
(1) قد أطلق الضيق في عبارة الاصمعي هنا، ولكن قيده صاحب اللسان فقال: " قال الاصمعي: رجل حزقة، وهو الضيق الرأى من الرجال والنساء وأنشد بيت امرئ القيس: وأعجبني مشى الحزقة خالد * كمشى أتان حلئت بالمناهل (*)

يا ضمير العين، لان عين البقة نهاية في الصغر " انتهى وهذان البيتان من قصيدة لجامع المذكور أورد منها أبو محمد الاعرابي في ضالة الاديب ثلاثة عشر بيتا وهى هذه: تعالى بأيد ذارعات وأرجل * منكبة روح يخدن بنا وخدا سعالى ليل ما تنام وكلفت * عشية خمس القوم هاجرة صخدا فجئن بأغباش وما نزل القطا * قراميص مأواه وكان لها وردا وجئن ينازعن الازمة مقدما * محاويق قد لاقت ملاويحها جهدا إلى طاميات فوقها الدمن لم نجد * لهن بأوراد ولا حاضر عهدا فشن عليها في الازاء بسفرة * فتى ماجد تثنى صحاباته حمدا كأنهم أربابه وهو خيرهم * إذا فزعوا يوما وأوراهم زندا وأجدرهم أن يعمل العيس تشتكى * مناسمها في الحج أو قائدا وفدا
خفيف لهم في حاجهم وكأنما * يعدون للابطال ذا لبدة وردا إذا ما دعو للخير أو لحقيقة * دعوا رعشنيا لم يكن خاله عبدا وليس بحواز لاحلاس رحله * ومزوده كيسا من الرأى أو زهدا حزق إذا ما القوم أبدوا فكاهة * تذكر آإياه يعنوم أم قردا ولا هجرع سمج إذا مات لم يجد * به قومه في النائبات له فقدا وقوله " تعالى بأيد " أي: تتعالى وترتفع الابل بأيد، ذارعات: أي مسرعات، والذرع والتذريع: تحريك الذراعين في المشى، و " منكبة " اسم فاعل من نكب تنكبيا، إذا عدل عن الطريق، ويقال: نكب عن الطريق ينكب نكوبا، بالتخفيف أيضا، وروح: جمع أروح، وروحاء، من الروح - بفتحتين ومهملتين - وهو سعه في الرجلين، وهو أن تتباعد صدور القدمين وتتدانى العقبان، والوخد - بالخاء المعجمة -: ضرب من سير الابل، وهو رمى القوائم

كمشى النعام، وقوله " سعالى ليل " أي: كسعالي ليل، شبه الابل بالسعلاة، وهى أنثى الغول وأخبثها، وأضافها إلى الليل لكمال قوتها فيه، و " كلفت " بالبناء للمفعول، والخمس - بالكسر - هو أن ترد الابل الماء يوما ولا ترد بعده إلا في اليوم الخامس، فيكون صبرها عن الماء ثلاثة أيام، والهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر، وأراد سير هاجرة، والصخد - بالصاد المهملة والخاء المعجمة -: مصدر بمعنى اسم الفاعل، يقال: صخدته الشمس، من باب منع: أي أصابته وأحرقته، وقوله " فجئن بأغباش ": أي جاءت الابل بأغباش جمع غبش - بفتحتين - وهو البقية من الليل، ويقال: ظلمة آخر الليل، والقطا أسبق الطير إلى الماء، والقراميص: حفر صغار يستكن فيها الانسان من البرد، الواحد قرموص، والورد - بالكسر -: ورود الماء، يريد أن الابل سبقت
القطا إلى الورد، وقوله " وجئن ينازعن إلخ " أي يجاذبن، والازمة: جمع زمام، والمقدم: اسم فاعل من أقدم إذا جد، وهو المنازع منه، و " محاويق " حال من فاعل ينازعن، وهو جمع محوقة - بالفتح - وهى التى دعكها السفر وأتعبها، اسم مفعول من حاقه يحوقه حوقا، وهو الدلك والتمليس، و " ملاويحها " فاعل لافت، جمع ملواح - بالكسر - وهى الشديدة العطش، من لاح لوحا من باب نصر، إذا عطش، ولاحه السفر: أي غيره، والجهد: المشقة، وقوله " إلى طاميات " أي: جاءت الابل إلى مياه طاسيات: أي مرتفعات في الاحواض، من طما الماء يطمو طموا - بالطاء المهملة - إذا ارتفع وملا النهر، والدمن - بكسر الدال -: البعر، وماء متدمن، إذا سقط فيه أبعار الابل والغنم، وأوراد: جمع ورد - بالكسر - والورد هنا.
القوم الذين يردون الماء، والحاضر: المقيم، يقال: على الماء حاضر، وقوم حضار، إذا حضروا المياه، وقوله " فشن عليها " أي: على الابل، وشن الماء على الشراب: أي فرقه عليه، والازاء - بكسر

الهمزة بعدها زاى معجمة والمد -: مصب الماء في الحوض، قال أبو زيد: هو صخرة، وما جعلت وقاية على مصب الماء حين يفرغ الماء، والسفرة - بالضم - الجلدة التى يؤكل عليها الطعام، و " فتى " فاعل شن، و " تثنى " من الثناء وهو الذكر الجميل، و " أربابه " ساداته، والمناسم: جمع منسم - كمجلس -: طرف خف البعير، وحاج: جمع حاجة، و " يعدون " من أعده لكذا: أي هيأه، و " ذالبدة " مفعوله، أراد به الاسد، واللبدة - بكسر اللام - وهو الشعر المتلبد بين كتفي الاسد، قال صاحب الصحاح: الورد: الذى يشم، وبلونه قيل للاسد ورد، وللفرس ورد، وقوله " إذا ما دعوا إلخ " أراد إذا دعا القوم لبذل الخير أو لحماية حقيقة، وأراد به من يحق عليه حمايته من عشيرة وغيرها، والرعشنى: المسرع،
وقوله " وليس بجواز إلخ " هو مبالغة حائز، من حاز الشئ، إذا جمعه، والاحلاس: جمع حلس - بالكسر -: أثاث البيت، والرحل: المنزل والمأوى، ومزوده معطوف على أحلاس، والمزود - بالكسر -: ما يجعل فيه الزاد، وهو طعام السفر، وكيسا: مفعوله لاجله: أي لا يحوز: إما لكيسه وإما لزهده، والكيس: الكياسة، وهى خلاف الحمق، وقوله " حزق " بالجر صفة لحواز، والفكاهة - بالضم - المزاح وانبساط النفس، يقول: هو ليس ممن إذا تمازح القوم تفكر أيعنونه ويريدونه أم يعنون القرد لشبهه به، فيشتبه عليه الامر، وقوله " ولا هجرع " بالجر معطوف على حزق، والهجرع بكسر الهاء والراء (1) وسكون الجيم بينهما، وهو الطويل، و " سمج " صفته من السماجة، أي: ليس بطويل قبيح، وقوله " إذا مات إلخ " يقول: هو ليس ممن لا يبكى عليه قومه في الشدائد بعد موته، بل يبكون عليه، لانه يدفع عنهم نوائب الدهر.
__________
(1) هجرع: فيها لغتان حكاهما صاحب القاموس: إحداهما كدرهم، والثانية كجعفر، وليس فيها كسر الراء كما يتوهم من عبارة المؤلف (*)

الاعلال أنشد فيه - وهو الشاهد السبعون بعد المائة -: (من الوافر) 170 - * أعارت عينه أم لم تعارا * على أنه قد يعل باب فعل من العيوب، فإن عارت أصله عورت - بكسر الواو - فقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهو قليل، والكثير عور يعور، لانه في معنى اعور يعور، فلما كان اعور لابد له من الصحة لسكون ما قبل الواو صحت العين في عور وحول ونحوهما، لانها قد صحت فيما هو بمعناها، فجعلت
صحة العين في فعل أمارة لانه في معنى افعل قال سيبويه: لم يذهب به مذهب افعل، فكأنه قال: عارت تعور، ومن قال هكذا فالقياس أن يقول: أعار الله عينه، وقد رواه صاحب الصحاح - وتبعه صاحب العباب - بالعين المهملة والغين المعجمة، ومعنى عارت عينه صارت عوراء، وقالا في المعجمة: وغارت عينه تغور غورا وغؤورا: دخلت في الرأس، وغارت تغار لغة فيه، وصدره عنده: * وسائله بظهر الغيب عنى * أي: رب سائلة وأنشده ابن قتيبة في أدب الكاتب: * تسائل بابن احمر من رآه * على أن الباء بمعنى عن قال الجواليقى في شرحه: " عمرو بن أحمر من باهلة، وهو أحد عوران قيس، وهم خمسة شعراء: تميم بن أبى بن مقبل، والراعي، والشماخ، وحميد بن ثور، وابن أحمر، يقول: تسائل هذه المرأة عن ابن أحمر أصارت عينه عوراء أم لم تعور ؟ يقال: عارت العين وعرتها أنا وعورتها، ويروى تعارا - بفتح التاء

وكسرها - وهى لغة فيما كان مثله، وأراد تعارن بالنون الخفيفة - التى للتأكيد فأبدل منها ألفا لينه للوقف " انتهى.
وروى ابن دريد صدره في الجمهرة * وربت سائل عنى حفى * قال: وربما قالوا: في معنى رب، وأنشد البيت و " الحفى " بالحاء المهملة والفاء: المستقصى في السؤال
وقال ابن السيد في شرح أدب الكاتب: " هذا البيت لعمرو بن أحمر، وهذا من الشعر الذى يدل على قائله، ويغنى عن ذكره، ووقع في شعره: وربت سائل عنى حفى، وهو الصحيح، لانه ليس قبل هذا البيت مذكور يعود إليه الضمير من قوله: تسائل، ولعل الذى ذكر ابن قتيبة رواية ثانية مخالفة للرواية التى وقعت إلينا من هذا الشعر، وبعد هذا البيت: فإن تفرح بما لاقيت قومي * لئامهم فلم أكثر حوارا والحوار - بالحاء المهملة -: مصدر حاورته في الامر إذا راجعته فيه، يقول: لم أكثر مراجعة من سر بذلك من قومي، ولا أعنفه في سروره لما أصابني، وكان رماه رجل يقال له مخشى بسهم ففقأ عينه، وفى ذلك بقول: (من البسيط) شلت أنامل مخشى فلا جبرت * ولا استعان بضاحى كفه أبدا أهوى لها مشقصا حشرا فشبرقها * وكنت أدعو قذاها الاثمد القردا أعشو بعين وأخرى قد أضربها * ريب الزمان فأمسى ضوءها خمدا وقوله " أم لم تعارا " قياسه أن يقول: أم لم تعر كلم تخف، ولكنه أراد النون الخفيفة " انتهى كلامه واورده ابن عصفور في الضرائر قال: " ومنها رد حرف العلة المحذوف لا لتقاء

الساكنين اعتدادا بتحريك الساكن الذى حذف من أجله وإن كان تحريكه عارضا، كقوله: * أعارت عينه أم لم تعارا * كان الوجه لم تعر، إلا أنه اضطر فرد حرف العلة المحذوف واعتد بتحريك الاخر وإن كان عارضا، ألا ترى أن الراء من تعارا إنما حركت لاجل النون الخفيفة المبدل منها الالف ؟ والاصل لم تعرن، ولحقت النون الخفيفة الفعل المنفى بلم كما
لحقته في قول الاخر: * يحسبه الجاهل ما لم يعلما * " انتهى ولم يتصل خبر عور عينه بسهم إلى بعض فضلاء العجم فقال في شرح أبيات المفصل: " وأراد بغؤور العين ما هو سببه، وهو الهزل والنحافة، فسألت عنه أنحف جسمه وضعف بعدى أم هو على حاله ؟ " هذا كلامه، وظن أن هذا الكلام من التغزل، وأجحف ابن المستوفى وظن أن عينيه عورتا فحمل عارت عينه على الواحدة وتعارا على العينين، واعتذر للافراد أولا بأن كل شئ لا يخلو عن قرين يجوز أن يعبر (فيه) بالواحد عن الاثنين، فالالف في " تعارا " على قوله ضمير تثنية، والجزم بحذف النون، وتندفع الضرورتان عنه برد الالف والتوكيد مع لم، لكنه خلاف الواقع وعمرو بن أحمر شاعر مخضرم إسلامى قد ترجمناه في الشاهد الستين بعد الاربعمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد الجار بردى هنا - وهو الشاهد الواحد والسبعون بعد المائة -: (من الرجز) 171 - أي قلوص راكب تراها * طاروا علاهن فطر علاها

على أن القياس عليهن وعليها، لكن لغة أهل اليمن قلب الياء الساكنة المفتوح ما قبلها ألفا، وهذا الشعر من كلامهم كذا أوردهما الجوهرى في الصحاح، وهما من رجز أورده أبو زيد في نوادره نقلنا وشرحناه في الشاهد الثامن عشر بعد الخمسمائة من شواهد شرح الكافية وقوله " أي قلوص راكب " باضافة قلوص إلى راكب، و " أي " استفهاميه تعجبية، وقد اكتبست التأنيث من قلوص، ولهذا أعاد الضمير إليها مؤنثا،
و " أي " منصوب، من باب الاشتغال، ويجوز رفعه على الابتداء، والقلوص - بفتح القاف -: الناقة الشابة، وطاروا: أسرعوا وأنشد بعده: (من المنسرح) نستوقد النبل بالحضيض ونصطاد نفوسا على الكرم وتقدم شرحه في الشاهد التاسع عشر من هذا الكتاب وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من مجزوء الكامل) 172 - عيوا بأمرهم كما * عيت ببيضتها الحمامه جعلت لها عودين من * نشم وآخر من ثمامه على أنه أدغم المثلان جوازا في عيوا قال سيبويه: " وقد قال بعضهم: حيوا وعيوا لما رأوها في الواحد والاثنين والمؤنث، إذ قالوا: حيت المرأة، بمنزلة المضاعف من غير الياء، أجروا الجمع على ذلك، قال الشاعر: * غيرا بأمرهم...البيت (1) * "
__________
(1) انظر الكتاب (ح 2 ص 387) (*)

قال الاعلم: " الشاهد فيه إدغام عيوا وجعله كالمضاعف الصحيح السالم من الاعلال والحذف، لادغامه " والبيتان من قصيدة لعبيد بن الابرص الاسدي خاطب بها حجرا أبا امرئ القيس، واستعطفه لبنى أسد، وذلك أن حجرا كان يأخذ منهم إتاوة فمنعوه إياها فأمر بقتلهم بالعصى، فلذلك سموا عبيد العصى، ونفى من نفى منهم إلى تهامة، وأمسك منهم عمرو بن مسعود وعبيد بن الابرص وحلف أن لا يساكنوه،
فلما خاطبه بها رق لهم حجر، وأمر برجوعهم إلى منازلهم، فاضطغنوا عليه ما فعل بهم فقتلوه، وأولها: يا عين ما فابكى بنى أسد * هم أهل الندامة (1) أهل القباب الحمر والنعم المؤبل والمدامه وذوو الجياد الجرد والأسل * المثقفة المقامة (2) حلا أبيت اللعن حللا * إن فيما قلت آمه في كل واد بين يثرب * فالقصور إلى اليمامة تطريب عان أو صيا * ح محرق وزقاء هامه (3) ومنعتهم نجدا فقد * حلوا على وجل تهامه عيوا بأمرهم كما * عيت بيضتها الحمامه (4) جعلت لها عودين من * نشم وآخر من ثمامه
__________
(1) رواية الاغانى " يا عين فابكى ما بنى " (2) رواية الاغانى " وذوى الجياد " (3) رواية الاغانى " أو صوت هامه " (4) رواية الاغانى " برمت بنو أسد كما * برمت ببيضتها الحمامه " (*)

فنمت بها في رأس شا * هقة على فرع البشامه إما ترت تركت عفوا * أو قتلت فلا ملامه أنت المليك عليهم * وهم العبيد إلى القيامة ذلوا وأعطوك القيا * د كذل أدبر ذى حزامه (1) قوله " يا عين ما فابكى " ما: زائدة، والنعم: المال الراعى، وهو جمع لا واحد
له من لفظه، وأكثر ما يقع على الابل، قال أبو عبيد: النعم: الجمال فقط، وقيل: الابل خاصة (2)، يؤنث ويذكر، وهو هنا مذكر لوصفه بالمؤبل، باسم المفعول، ومعناه المقتنى، يقال: أبل الرجل تأبيلا: أي اتخذ إبلا واقتناها، والاسل: القنا، والتثقيف: التعديل، والمقامة: اسم المفعول من أقام الشئ بمعنى عدله وسواه، وفى العباب: يقال: حلا: أي استثن، ويا حالف اذكر حلا، قال عبيد بن الابرص لابي امرئ القيس - وحلف أن لا يساكنوه -: حلا أبيت اللعن...البيت و " آمه " وفيه أيضا في مادة (أوم): الامة العيب، وأنشد البيت أيضا، وطرب تطريبا: أي مد صوته، والعانى: الاسير، والزقاء - بضم الزاى المعجمة بعدها قاف -: صياح الديك ونحوه، و " الهامة " تزعم العرب أن روح القتيل الذى لم يدرك بثأره تصير هامة - وهو من طيور الليل - فتزقو تقول: اسقوني اسقوني (3)، فإذا أدرك بثأره طارت، وقوله " عيوا بأمرهم " الضمير لبنى أسد،
__________
(1) فسر المؤلف الحزامة على أنها بالحاء المهملة مفتوحة، والذى في الاغانى: ذلوا بسوطك مثلما * ذل الاشيقر ذى الخزامه والخزامة - بكسر الخاء المعجمة -: برة تجعل في أنف البعير ليذل ويقاد (2) هذا مقابل لقول لم يذكر، وهو: النعم يطلق على الابل والبقر والغنم (3) قال ذو الاصبع العدواني: يا عمرو إلا تدع شتمى ومنقصتي * أضربك حتى تقول الهامة اسقوني

وفى الصحاح: يقال: عى بأمره وعييى إذا لم يهتد لوجهه، والادغام أكثر، وأنشد البيت، والنشم - بفتح النون والشين المعجمة -: شجر يتخذ منه القسى، والثمام - بضم المثلثة -: نبت ضعيف لو خوص أو شبيه بالخصوص، وربما حشى به وسد به خصاص البيوت، الواحدة ثمامة
قال ابن السيد في شرح أبيات أدب الكاتب: " أصحاب المعاني يقولون: إنه أراد جعلت لها عودين: عودا من نشم، وآخر من ثمامة، فحذف الموصوف وأقام صفته مقامه، فقوله: وآخر، على هذا التأويل ليس معطوفا على عودين، لانك إن عطفته عليهما كانت ثلاثة، وانما هو معطوف على الموصوف الذى حذف وقامت صفته مقامه، فهو مردود على موضع المجرور، وهذا قبيح في العربية، لان إقامة الصفة مقام الموصوف إنما يحسن في الصفات المحضة، فإذا لم تكن محضة وكانت شيئا ينوب مناب الصفة من مجرور أو جملة أو فعل لم يجز إقامتها مقام الموصوف، لا يجوز جاءني من بنى تميم وأنت تريد رجل من بنى تميم، وقد جاء شئ قليل من ذلك في الشعر، وأما تشبيه أمر بنى أسد بأمر الحمامة فتلخيصه أنه ضرب النشم مثلا لذوى الحزم وصحة التدبير، وضرب الثمام مثلا لذوى العجز والتقصير، فأراد أن ذوى العجز منهم شاركوا ذوى الحزم في آرائهم فأفسدوا عليهم تدبيرهم، فلم يقدر الحكماء على إصلاح ما جناه السفهاء، كما أن الثمام لما خالط النشم في بنيان العش فسد العش وسقط، لو هن الثمام وضعفه، ولم يقدر النشم على إمساكه بشدته وقوته " هذا كلامه وفيه نظر من وجهين: أما أولا: فلانه لا ضرورة في تخريجه على الضرورة، ولا مانع في المعنى من عطف " آخر " على عودين، إذ المراد جعلت عشها من هذين الجنسين: النشم، والثمامة: سواء كان أحدهما أكثر من الاخر أم لا، وليس المراد أنها لم تجعله سوى عودين لعدم، إمكانه بديهة، والمراد من العدد القلة لا ظاهره،

وأما ثانيا: فلانه ليس معنى التشبيه على ما ذكره، وإنما المراد من تشبيههم بها عدم الاهتداء لصلاح الحال قال الاعلم: " وصف خرق قومه وعجزهم عن أمرهم، وضرب لهم مثلا
بخرق الحمامة وتفريطها في التمهيد لعشها، لانها لا تتخذ عشها إلا من كسار العيدان، فربما طارت عنها فتفرق عشها وسقطت البيضة فانكسرت، وذلك قالوا في المثل: أخرق من حمامة، وقد بين خرقها في بيت بعده، وهو: جعلت لها عودين...البيت: أي: جعلت لها مهادا من هذين الصنفين من الشجر، ولم يرد عودين فقط ولا ثلاثة كما يتأول بعضهم، لان ذلك غير ممكن " انتهى.
واستدل ابن يسعون والصقلى وجماعة ممن شرح أبيات الايضاح الفارسى على أنه لا بيد من حذف الموصوف بأن العرب فيما زعموا لا تقول: ما رأيت رجلين وآخر، لان آخر إنما يقابل به ما قبله من جنسه: من إفراد أو تثنية أو جمع، فلزم لذلك أن يكون التقدير عودا من نشم وآخر من ثمامة، حتى يكون قد قابل مفردا بمفرد، وهو الذى ذكروا من أنه إنما يكون على وفق ما قبله من إفراد أو تثنية أو جمع، هذا ما قالوه، وهو ليس بصحيح، بدليل قول ربيعة بن مكدم: (من الكامل) * ولقد شفعتهما بآخر ثالث (1) * ألا ترى أنه قابل بآخر اثنين ؟ وقول أبى حية: (من البسيط) وكنت أمشى على رجلين معتدلا * فصرت أمشى على أخرى من الشجر
__________
(1) هذا صدر بيت لربيعة بن مكدم، وعجزه قوله: * وأبى الفرار لى الغداة تكرمي * (*)

وقول امرئ القيس: (من الطويل) فوالى ثلاثا واثنتين وأربعا * وغادرت أخرى في قناة رفيض وقول أبى ذؤيب: (من الطويل)
فأبلغ لديك معقل بن خويلد * مالك تهديها إليه هداتها على إثر أخرى قبل ذلك قد أتت * إلينا فجاءت مقشعرا شواتها المآلك: الرسائل، والشواة: جلدة الرأس، وهى أول ما يقشعر من الانسان إذا فزع، وهذا مثل، ألا ترى أن أخرى في البيت مفردة مع أن ما قبلها ليس كذلك ؟ وأما ما ذكروه من أن آخر إنما يقابل به ما قبله من جنسه فأنهم يعنون به أن يكون الاسم الموصوف بآخر في اللفظ والتقدير يصح وقوعه على التقدير الذى قوبل بآخر على جهة التواطئ، نحو جاءني زيد ورجل آخر، وكذلك جاءني زيد وآخر، لان التقدير ورجل آخر، وكذلك جاءني زيد وأخرى، تريد ونسمة أخرى، فكذلك اشتريت فرسا ومركوبا آخر وأنت تريد بالمركوب جملا، لان المركوب يصح وقوعه على الفرس والجمل على جهة التواطئ، وامتنع رأيت المشترى والمشترى الاخر تريد بأحدهما الكوكب وبالاخر عاقد البيع، وإذا قوبل بآخر ما هو من جنسه فهل يشترط مع صحة وقوعه عليهما اتفاقهما في التذكير ؟ فيه خلاف: ذهب المبرد إلى أنه غير شرط، والصحيح أنه شرط، تقول: أتتنى جاريتك وامرأة أخرى، فإن قلت أتتنى جاريتك ورجل آخر لم يجز، وكذلك لو قلت أتانى أخوك وامرأة أخرى، وإن قلت أتانى أخوك وإنسان آخر جاز إن قصدت بالانسان المرأة، وكذا جاءني أخوك وإنسان آخر إن أريد بالانسان الرجل، وهذا الذى ذكروه من أن آخر يقابل به ما قبله من جنسه هو المختار، وقد يستعملونه من غير أن يتقدمه شئ من جنسه، وزعم أبو الحسن في الكبير له: أن ذلك لا يجوز إلا في الشعر، فقال: لو قلت جاءني

آخر من غير أن يتكلم قبله بشئ لم يجز، ولو قلت: أكلت رغيفا وهذا قميص آخر لم يحسن، ثم قال: وهذا جائز في الشعر كقول، أم الضحاك: (من الطويل)
فقالوا شفاء الحب حب يزيله * من اخر أو نأى طويل على هجر أي من محبوب آخر، ولم يتقدم ذكر المحبوب، وإنما ذكر الحب الدال عليه، وأحسن من ذلك قوله: (من الوافر) إذا نادى مناد باسم أخرى * على اسمك سرنى ذاك النداء لان أخرى، وإن لم يتقدم قبلها في اللفظ شئ من جنسها فقد تقدم في النية، لانه أراد إذا نادى مناد على اسمك باسم أخرى وروى جماعة: جعلت لها عودين من * ضعة وآخر من ثمامه والضعة - بفتح الضاد المعجمة بعدها عين مهملة -: شجر من الحمض، يقال: ناقة واضعة للتى ترعاها، ونوق واضعات، قال ابن حبيب في أمثاله التى على أفعل من كذا: " يقال: هو أخرق من حمامة، وذلك أنها تجئ إلى الغصن في الشجرة فتبنى عليها عشا وتستودعه بيضها، قال عبيد بين الابرص: جعلت لها عودين من * ضعة...الخ والضعة: شبيه بالاسل، والثمام: فوق الذراع شبيه بالاسل وليس به، وروى الخوارزمي: عودين من نشم " هذا كلامه قال ابن المستوفى: رواية ضعة أجود، لضعف شجره وإن جاز النشم، وقالوا: أحمق من حمامة، لانها تعش بثلاثة أعواد في مهب الريح وبيضها أضيع شئ، وقال ابن السيرافى: " وضعت لها عودين من ضعة...الخ يريد أنهم لم يتوجهوا للخلاص مما وقعو فيه، وإنما جعلهم كالحمامة لان فيها خرقا، وهى قليلة الحيلة، ويقال في الامثال: هو أخرق من حمامة، وذلك

لانها تبيض في شر المواضع وأخوفها على البيض، فان اشتدت الريح وتحركت الشجرة سقط بيضها، والضعة: ضرب من الشجر " انتهى.
وقوله " فنمت بها " أي: بالبيضة، والنمو معروف، وأراد في رأس شجرة شاهقة: أي عالية، والفرع: الغصن، والبشامه: شجرة طيبة الريح يستاك بعيدانها، وقوله " كذل ادبر ذى حزامة " الادبر: وصف بمعنى المدبر من الادبار ضد الاقبال، والحزامة - بالفتح -: مصدر حزم الرجل - بالضم - حزامة فهو حازم، والحزم: ضبط الرجل أمره وأخذه بالثقة وعبيد بن الابرص - بفتح العين وكسر الموحدة - شاعر جاهلي ترجمناه في الشاهد السادس عشر بعد المائة من شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الطويل) 173 - وكنا حسبناهم فوارس كهمس * حيوا بعد ما ما توا من الدهر أعصرا على أنه من أظهر في حيى ولم يدغم قال في الجمع حيوا كخشوا مخففا كما في البيت، وأصلهما حييوا وخشيوا، نقلت ضمة الياء الثانية إلى الياء الاولى بعد حذف كسرتها، فاجتمع ساكنان: الياء الثانية والواو فحذفت الياء، فصار حيوا وخشوا قال سيبويه: " فإذا قلت: فعلوا وأفعلوا قلت: حيوا وأحيوا، لانك قد تحذفها في خشوا وأخشوا، قال الشاعر: * وكنا حسبناهم...البيت * " وقال ابن السراج في الاصول: " فإذا قلت: فعلوا وأفعلوا قلت: حيوا كما تقول: خشوا، فتذهب الياء، لان حركتها قد زالت كما زالت في ضربوا، فتحذف لالتقاء الساكنين ولا تحرك بالضم، لثقل الضمة في الياء، واحيوا مثل

اخشوا " وأنشد البيت أيضا.
وقد اشتهر رواية البيت بكنا حسبناهم، واستشهد به جماعة كذا، وصوابه: وحتى حسبناهم، وفيه شاهد آخر وهو جمع فاعل الوصفى على فواعل وهو آخر أبيات أربعة لابي حزابة أوردها الاصبهاني في الاغانى، قال: " أخبرني الحسن بن على قال: حدثنى هارون بن محمد بن عبد الملك قال: حدثنى محمد بن الهيثم الشامي قال: حدثنى عمى أبو فراس عن العذري قال: دخل أبو حزابة على عمارة بن تميم ومحمد بن الحجاج وقد قدما سجستان لحرب عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث، وكان عبد الرحمن لما قدماها هرب ولم يبق بسجستان من أصحابه إلا نحو سبعمائة رجل من بنى تميم كانوا مقيمين بها، فقال لهما أبو حزابة: إن الرجل قد هرب منكما ولم يبق من أصحابه أحد، وإنما بسجستان من كان بها من بنى تميم قبل قدومه، فقالا له: ما لهم عندنا أمان، لانهم قد كانوا مع ابن الاشعث وخلعوا الطاعة، فقال ما خلعوها ولكنه ورد عليهم في جمع عظيم لم يكن لهم بدفعه طاقة، فلم يجيباه إلى ما أراد، وعاد إلى قومه وحاصرهم أهل الشام فاستقتلت بنو تميم، فكانوا يخرجون إليهم في كل يوم فيدافعونهم ويكبسونهم بالليل، وينهبون أطرافهم حتى ضجروا بذلك، فلما رأى عمارة فعلهم صالحم وخرجوا إليه، فلما رأى قلتهم قال: أما كنتم إلا ما أرى ؟ قالوا: لا، فإن شئت أن نقيلك الصلح أقلناك وعدنا للحرب، فقال: أنا غنى عن ذلك، فأمنهم، فقال أبو حزابة في ذلك: فلله عينا من رأى من فوارس * أكر على المكروه منهم وأصبرا وأكرم لو لاقوا سدادا مقاربا * ولكن لقواطما من البحر أخضرا فما برحوا حتى أعضوا سيوفهم * ذرى الهام منهم والحديد المسمرا وحتى حسبناهم فوارس كهمس * حيوا بعد ما ماتوا من الدهر أعصرا " انتهى ما أورده الاصبهاني

و " كهمس " على وزن جعفر، قال صاحب الصحاح: الكهمس: القصير، وكهمس: أبو حى من العرب، وأنشد هذا البيت بلفظ " وكنا حسبناهم "، وكذا قال صاحب العباب، قال ابن برى في أماليه على الصحاح: " البيت لمودود العنبري، وقيل لابي حزابة الوليد بن حنيفة، وكهمس هذا هو كهمس ابن طلق الصريمى، وكان من جملة الخوارج مع بلال بن مرداس، وكانت الخوارج وقعت بأسلم بن زرعة الكلابي، وهم في أربعين رجلا وهو في ألفى رجل، فقتلت قطعة من أصحابه وانهزم إلى البصرة، فقال مودود هذا الشعر في قوم من بنى تميم فيهم شدة، وكانت لهم وقعة بسجستان، فشبههم في شدتهم بالخوارج الذين كان فيهم كهمس ابن طلق، وقوله " حيوا " يعنى الخوارج أصحاب كهمس: أي كأن هؤلاء القوم أصحاب كهمس في شدتهم وقوتهم ونصرتهم، وأنشد الابيات قبله وعلم من هذا أن كهمسا في البيت ليس أبا حى من العرب وإنما هو أحد الخوارج من أصحاب بلال بن مرداس الخارجي قال المبرد في الكامل: " وكان مرداس أبو بلال بن حدير - وهو أحد بنى ربيعة ابن حنظلة - يعظمه الخوارج وكان مجتهدا كثير الصواب في لفظه، وكان مرداس قد شهد صفين مع على بن أبى طالب رضى الله عنه وأنكر التحكيم، وشهد النهروان، ونجا فيمن نجا، وكان حبسه ابن زياد بن أبيه فلما خرج من حبس ابن زياد ورأى جدا ابن زياد في طلب الشراة عزم على الخروج، فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلا، منهم حريث ابن حجل، وكهمس بن طلق الصريمى، فأرادوا أن يولوا أمرهم حريثا فأبى، فولوا أمرهم مرداسا، فلما مضى بأصحابه لقيه عبد الله بن رباح الانصاري - وكان له صديقا - فقال له: يا أخى أين تريد ؟ فقال: أريد أن أهرب بدينى وأديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة، فقال له: أعلم بكم أحد ؟ قال: لا،
قال: فارجع، قال: أو تخاف على مكروها ؟ قال: نعم، وأن يؤتى بك، قال: فلا

تخف، فإنى لا أجرد سيفا ولا أخيف أحدا ولا أقاتل إلا من قاتلني، ثم مضى حتى نزل آسك، وهو ما بين رامهرمز وأرجان، فمر به مال يحمل لابن زياد - وقد قارب أصحابه الاربعين - فحط ذلك المال فأخذ منه عطاءه وأعطية أصحابه ورد الباقي على الرسل، وقال: قولوا لصاحبكم: إنما أخذنا أعطيتنا، فجهز عبيد الله بن زياد أسلم بن زرعة في أسرع وقت، فلما صار إليهم أسلم صاح بهم أبو بلال: اتق الله يا أسلم، فإنا لا نريد قتالا، فما الذى تريده ؟ قال: أريد أن أردكم إلى ابن زياد، قال مرداس: إذا يقتلنا، قال وإن قتلكم ؟ قال تشركه في دمائنا، قال: إنى أدين بأنه محق وأنكم مبطلون، فصاح به حريث ابن حجل: أهو محق وهو يطيع الفجرة - وهو أحدهم - ويقتل بالظنة ويخص بالفئ ويجور في الحكم ؟ ثم حملوا عليه حملة رجل واحد فانهزم هو وأصحابه من غير قتال، فلما ورد على ابن زياد غضب عليه، وقال: ويلك، أتمضى في ألفين فتنهزم لحملة أربعين ؟ ثم ندب ابن زياد لهم الناس فاختار عباد بن أخضر فوجهه في أربعة آلاف والتقوا في يوم جمعة، فلم يزالوا يجتلدون حتى جاء وقت الصلاة، فناداهم أبو بلال: يا قوم هذا وقت الصلاة، فوادعونا حتى نصلى وتصلوا، قالوا: لك ذلك، فرمى القوم أجمعون بأسلحتهم وعمدوا للصلاة، فأسرع عباد ومن معه - والحرورية مبطئون، فهم من بين راكع وساجد وقائم في الصلاة وقاعد - حتى مال عليهم عباد ومن معه فقتلوهم جميعا، وكان فيهم كهمس، روى أنه كان من أبر الناس بأمه فقال لها يوما: يا أمه لولا مكانك لخرجت، فقالت: يا بنى قد وهبتك لله، فخرج مع مرداس فقتل وصلب " هذا ما لخصته من الكامل باختصار
وأبو حزابة: بضم الحاء المهملة بعدها زاى معجمة وبعد الالف موحدة، قال صاحب الاغانى: " أبو حزابة اسمه الوليد بن حنيفة، أحد بنى ربيعة بن حنظلة

ابن مالك بن زياد مناة بن تميم، شاعر من شعراء الدولة الاموية القدماء، بدوى حضرى سكن البصرة، واكتتب في الديوان، وضرب عليه البعث إلى سجستان، فكان بها مدة وعاد إلى البصرة، وخرج مع ابن الاشعث لما خرج على عبد الملك، وأظنه قتل معه، وكان شاعرا راجزا خبيث اللسان هجاء ".
وروى بسنده إلى العذري قال: " دخل أبو حزابة على طلحة الطلحات الخزاعى وقد استعمله يزيد بن معاوية على سجستان، وكان أبو حزابه قد مدحه فابطأت عليه الجائزة من جهته، ورأى ما يعطى غيره، فأنشده: (من الطويل) وأدليت دلوى في دلاء كثيرة * فجئن ملاء غير دلوى كما هيا وأهلكنى أن لا تزال رغيبة * تقصر دوني أو تحل ورائيا أرانى إذا استمطرت منك سحابة * لتمطرني عادت عجاجا وسافيا قال: فرماه طلحة بحق فيه درة، فأصاب صدره، ووقعت في حجره، ويقال: بل أعطاه أربعة أحجار، وقال: لا تخدع عنها، فباعها بأربعين ألفا، وكان هوى طلحة الطلحات أمويا، وكان بنوا أمية يكرمونه، وأنشده أبو حزابة يوما: (من الرجز) يا طلح يأبى مجدك الاخلافا * والبخل لا يعترف اعترافا إن لنا أحمرة عجافا * يأكلن كل ليلة إكافا فأمر له طلحة بإبل ودراهم، وقال له: هذه مكان أحمرتك " وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الرجز)
174 - * لاث به الاشاء والعبرى * على أن فيه قلبا مكانيا، وأصله لائث

وأورده سيبويه في موضعين من كتابه: الاول في باب تحقير ما كان فيه قلب، قال: " اعلم أن كل ما كان فيه قلب لا يرد إلى الاصل، وذلك لانه اسم بنى على ذلك كما بنى قائل على أن يبدل من الواو الهمزة، ولكن الاسم يثبت على القلب في التحقير كما تثبت الهمزة في أدؤر إذا حقرت، وفى قائل، وإنما قلبوا كراهية الواو والياء، كما همزوا كراهية الواو والياء، فمن ذلك قول العجاج: * لاث به الاشاء والعبرى * إنما أراد لائث، ولكنه أخر الواو وقدم الثاء، وقال طريف بن تميم: (من الكامل) فتعرفوني إننى أنا ذاكم * شاك سلاحي في الحوادث معلم فإنما أراد الشائك فقلب " (1) انتهى.
والموضع الثاني في باب ما الهمزة فيه في موضع اللام من ذوات الياء والواو، قال فيه: " وأما الخليل فكان يزعم أن قوله جاء وشاء ونحوهما اللام فيهن مقلوبة، وقال: ألزموا ذلك هذا، واطرد فيه، إذ كانوا يقلبون كراهية الهمزة الواحدة، وذلك نحو قولهم للعجاج: * لاثب به الاشاء والعبرى * وقال: * فتعرفوني إننى...البيت * وأكثر العرب تقول: لاث وشاك سلاحه، فهؤلاء حذفوا الهمزة " انتهى (2).
قال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: " ولا ث من لاث يلوث إذا جمع
__________
(1) هذا تلخيص لكلام سيبويه، انظر الكتاب (ح 2 ص 129) (2) انظر الكتاب (ح 2 ص 378) (*)

ولف، وأصله لائث، فقلبوا العين إلى موضع اللام، فزالت الهمزة التى إنما وجبت لمصاحبة العين ألف فاعل، وحكى أنهم يقولون: شاك ولاث، بحذف العين أصلا، وأنشد: * لاث به الاشاء والعبرى * ووجه هذا أنهم لما قالوا في الماضي: شاك، ولاث، وسكنت العين بانقلابها ألفا وجاءت ألف فاعل التقت ألفان، فحذفت الثانية حذفا، ولم يحركها حتى تنقلب همزة كما فعل من يقول: قائم، وبائع " انتهى.
وفى العباب: " ونبات لائث ولاث، على القلب، إذا التف والتبس بعضه على بعض، قال العجاج: في أيكه فلا هو الضحى * ولا يلوح نبته الشتى لاث به الاشاء والعبرى * فتم من قوامها قومي " انتهى والايكة: غيضة تنبت السدر والاراك ونحوهما من ناعم الشجر، وقال أيضا في مادة (ع ب ر) بالعين المهملة والباء الموحدة: والعبرى - بالضم -: ما نبت من السدر على شطوط الانهار وعظم، وقال عمارة: العبرى من السدر ضخم الورق قليل الشوك، وهو أطول من الضال.
وقال أبو زياد: العبرى ما لا شوك فيه من السدر، وإنما الشوك في الضال من السدر، ولم يقل أبو زياد إن العبرى من السدر ما نبت على الماء، والرواة على أن العبرى منه ما نبت على الماء، قال العجاج يصف البردى:
لاث به الاشاء والعبرى " انتهى والغيضة: الشجر الملتف، وقوله " في أيكة " أي: ذلك البردى في أيكة، والبردى: نبات ضعيف يعمل من الحصر على لفظ المنسوب إلى البرد، و " هو "

ضمير البردى، والضحى: البارز للشمس، وهو فعيل من ضحى للشمس - بكسر الحاء وفتحها - ضحاء بالمد وفى المستقبل بفتحها لا غير: أي برز إليها، والشتى: فعيل المنسوب إلى الشتاء وفى الصحاح " الاشاء بالفتح والمد صغار النخل الواحدة أشاء، والهمزة فيه منقلبة من الياء لان تصغيرها أشى، ولو كانت الهمزه أصلية لقيل أشيئ، و " تم " فعل ماضى من التمام، والقوام - بالفتح -: الاعتدال، والقومي - بالضم -: القامة وحسن الطول " وقال الاعلم: " وصف مكانا مخصبا كثير الشجر، والاشاء: صغار النخل واحدتها أشاءة، والعبرى: ما نبت من الضال على شطوط الانهار، وهو منسوب إلى العبر، وهو شاطئ النهر، واللائث: الكثير الملتف " وأنشد بعده - وهو الشاهد الخامس والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الكامل) 175 - فتعرفوني إننى أنا ذاكم * شاك سلاحي في الحوادى معلم على أن أصله شائك، فقلبت العين إلى موضع اللام، وتقدم نقل كلام سيبويه والبيت ثانى أبيات لطريف بن تميم العنبري وقبله: أو كلما وردت عكاظ قبيلة * بعثوا إلى عريفهم يتوسم وبعده:
تحتي الاغر وفوق جلدى نثرة * زغف ترد السيف وهو مثلم ولكل بكرى لدى عداوة * وأبو ربيعة شانئ ومحرم حولي أسيد والهجيم ومازن * وإذا حللت فحول بيتى خضم

وقوله " أو كلما وردت عكاظ " هو شاهد من شواهد سيبويه، قال: " وقد جاء شئ من هذه الاشياء المتعدية التى هي على فاعل على فعيل حين لم يريدوا به الفعل شبهوه بظريف ونحوه، وقالوا: ضريب قداح، وصريم للصارم، والضريب: الذى يضرب بالقداح بينهم، وأنشد البيت، وقال: يريد عارفهم " انتهى.
وقوله " أو كلما " استفهام، وعكاظ: أعظم أسواق العرب قريبة من عرفات، كانت تقوم في النصف من ذى القعدة إلى هلال ذى الحجة، قال صاحب العباب: " العارف والعريف بمعنى، كالعالم والعليم، وأنشد البيت، ثم قال: والعريف هو النقيب، وهو دون الرئيس، وعرف فلان - بالضم - عرافة - بالفتح - أي: صار عريفا، وإذا أردت أنه عمل ذلك قلت عرف فلان علينا سنين يعرف عرافة مثل كتب يكتب كتابة " انتهى ورواه ابن دريد في الجمهرة " بعثوا إلى قبيلهم " قال: قبيل القوم: عريفهم، يقال: نحن في قبالة فلان: أي في عرافته، وأنشد البيت.
وقال: قالوا: معناه عريفهم، ويتوسم: يتفرس ويتطلب الوسم، وهى العلامة، وهو مشروح بأبسط من هذا في الطويل وقوله " فتعرفوني إلخ " أي: فقلت لهم: تعرفوني، وتعرفه: تطلب معرفته بالعلامات، وقوله " إننى " بالكسر استئناف: أي أنا ذاكم الذى حدثتم حديثه، ورى أيضا " فتوسمونى ": أي تطلبوا سمتى وعلامتي
وقوله " شاك سلاحي " الشاكى: التام السلاح، وقيل: معناه الحاد السلاح، شبه بالشوك، روى بكسر الكاف وضمها، فمن كسر جعله منقوصا مثل (قاض) وفيه قولان: قيل: أصله شائك فقلب، كما قالوا: جرف هار، واشتقاقه على هذا من الشوكة، وقيل: أصله شاكك من الشكة وهى

السلاح، كرهوا اجتماع المثلين فأبدلوا الاخر منهما ياء وأعلوه إعلال قاض، ومن ضم الكاف ففيه قولان أيضا: أحدهما أن أصله شوك - بكسر الواو - قلبت ألفا، وقيل: أصله شائك، فحذفت الهمزة كما قالوا: جرف هار - بضم الراء - وفيه لغة ثالثة لا تجوز في هذا البيت، وهى شاك - بتشديد الكاف - وهذا مشتق من الشكة لا غير و " معلم " اسم فاعل من أعلم نفسه في الحرب بعلامة: أي شهر نفسه بها ليعرف، والاغر: اسم فرسه، ومعناه الفرس الذى له غرة، والنثرة - بفتح النون -: الدرع السابغة، وكذلك الزغف - بفتح الزاى وسكون الغين المعجمتين - ومنه يقال: زغف في الحديث، إذا زاد فيه، وقيل: هي اللينة المجسة، وأسيد والهجيم - بتصغيرهما - ومازن: قبائل من تميم، وخضم - بفتح الخاء وتشديد الضاد المعجمتين -: لقب لبنى العنبر بن عمرو بن تميم وسبب هذا الشعر على ما رواه المفضل بن سلمة في الفاخر ومحمد بن حبيب في كتاب المقتولين، وابن عبد ربه في العقد الفريد.
قالوا: كانت سوق عكاظ يتوافون بها من كل جهة، ولا يأتيها أحد إلا ببرقع، ويعتم على برقعه خشية أن يؤسر فيكثر فداؤه، فكان أول عربي استقبح ذلك وكشف القناع طريف ابن تميم العنبري لما رآهم يتطلعون في وجهه ويتفرسون في شمائله، قال: قبح الله من وطن نفسه على الاسر، وأنشد يقول:
أو كلما وردت...الابيات وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كانت الفرسان إذا وردت عكاظ في الاشهر الحرم أمن بعضهم بعضا فتلثموا أو تقنعوا، لئلا تعرف فيقصد إليها في الحرب، وكان طريف بن تميم لا يتقنع مكا يتقنعون، فوافى عكاظ - وقد حشدت بكر بن وائل، وكان طريف قبل ذلك قتل شراحيل أحد بنى أبى ربيعة بن ذهل بن شيبان

ابن ثعلبة، فقال حمصيصة أحد بنى شيبان: أرونى طريفا، فأروه إياه، فجعل كلما مر به طريف تأمله ونظر إليه حتى فطن له طريف فقال: مالك تنظر، قال: أتوسمك لاعرفك فان لقيتك في حرب فلله على أن أقتلك إلا أن تقتلني، فقال طريف في ذلك: أو كلما وردت عكاظ قبيلة...الابيات فمضت مدة، ثم إن عائذة - وهم يقولون: إنهم من قريش يقال لها: عائذة بن لؤى بن غالب، وهم حلفاء لبنى أبى ربيعة - خرج منهم رجلان يتصيدان فعرض لهما رجل من بنى شيبان فذعر صيدا لهما فقتلاه، فتنادت بنو مر بن ذهل فأرادوا قتلهما بصاحبهم، فمنعهم بنو أبى ربيعة، فقال هانئ بن مسعود: يا بنى أبى ربيعة إن إخوتكم قد أرادوا ظلمكم فامتازوا عنهم، فاعتزلتهم بنو أبى ربيعة وساروا حتى نزلوا ماء لهم يقال له: مبائض، فلما نزلوه هرب عبد منهم فأتى بلاد تميم فأخبرهم أن حيا جريدا من بنى بكر بن وائل قد نزلوا على مبائض وهم بنو أبى ربيعة، فقال: طريف هؤلاء من كنت أبغى، إنما هم أكلة رأس، وهو أول من قال هذا المثل، يراد بذلك القلة، أي: عدتهم عدة يسيرة رأس يشبعها، فأقبل طريف في بنى عمرو بن تميم واستغزى قبائل من بنى تميم فأقبلوا متساندين وتقاتلوا وتشاغلت تميم بالغنائم، وأقبل حمصيصة بن جندل وليس له هم غير
طريف، فلما رآه طعنه فقلته فانهزمت بنو تميم، وقال حمصيصة يرد على طريف: (من الكامل) ولقد دعوت، طريف، دعوة جاهل * سفها وأنت بمنظر قد تعلم فأتيت حيا في الحروب محلهم * والجيش باسم أبيهم يستهزم فوجدت قوما يمنعون ذمارهم * بسلا إذا هاب الفوارس أقدموا

وإذا دعوت بنى ربيعة أقبلوا * بكتائب دون النساء تلملم سلبوك درعا والاغر كليهما * وبنو أسيد أسلموك وخضم وطريف بن تميم شاعر فارس جاهلي، وقيل: هو ابن عمرو، والعنبر: قبيلة من بنى تميم.
وأنشد بعده - وهو الشاهد السادس والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الرجز) 176 - وكحل العينين بالعواور على أن أصله العواوير فحذفت الياء ضرورة وبقيت كسرتها دليلا عليها.
قال الاعلم: " الشاهد فيه تصحيح واو العواور الثانية، لانه ينوى الياء المحذوفة والواو إذا وقعت في هذا الموضع لم تهمز لبعدها من الطريف الذى هو أحق بالتغيير والاعتلال، ولو لم تكن فيه ياء منوية للزم همزها، كما قالوا في جمع أول: أوائل، والاصل أواول، والعواوير، جمع عوار، وهو وجع العين، وهو أيضا ما يسقط في العين، وجعل ذلك كحلا للعين على الاستعارة " انتهى.
والبيت من رجز لجندل بن المثنى الطهوى وقبله: غرك أن تقاربت أباعرى * وأن رأيت الدهر ذا الدوائر
حنى عظامي وأراه ثاغرى * وكحل العينين بالعواور قال ابن السيرافى: " خاطب امرأته وأراد أنه ترك السفر لكبره، وقوله: تقاربت أبا عرى، يريد أنه ترك السفر والرحلة إلى الملوك فإبله مجتمعة لا يفارق بعضها بعضا " ورد عليه أبو محمد الاعرابي في فرحة الاديب بأنه غلط، وإنما معناه قلت: يعنى من قلتها قرب بعضها من بعض، وقال العينى: " معناه قربت من

الدناءة، من قولك: شئ مقارب، إذا كان دونا، وكذلك رجل مقارب " انتهى.
وقوله " غرك " بكسر الكاف، وهو من قولهم: ما غرك بفلان غرا، من باب قتل: أي اجترأت عليه ؟ فيكون التقدير هنا غرك بى، و " أن تقاربت " و " أن رأيت " فاعله، ويمكن أن يكون من قولهم غرته الدنيا، من باب قعد: أي خدعته بزينتها.
فهى غرور، مثل رسول، ولا يجوز أن يكون من قولهم: غر الشخص يغر من باب ضرب غرارة - بالفتح - فهو غار، وغر - بالكسر -: أي جاهل بالامور غافل عنها، لانه فعل لازم، و " أباعر " جمع بعير، قال الازهرى: " البعير مثل الانسان يقع على الذكر والانثى، يقال: حلبت بعيرى، والجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة، والبكر والبكرة، مثل الفتى والفتاة، والقلوص كالجارية، هكذا حكاه جماعة منهم ابن السكيت، وهذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواص أهل العلم باللغة " وكذا قال ابن جنى والدوائر: جمع دائرة وهى المصيبة والنائبة، و " ذا " صفة الدهر، والرؤية بصرية، وجملة " حتى عظامي " حال من الدهر، وحنيت الشئ: عطفته وأملته، و " عظامي " مفعول حنى، وقوله " وأراه ثاغرى " أرى بالبناء للمفعول من أرانى الله زيدا فاضلا، يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، فلما بنى للمفعول ناب
المفعول الاول - وهو هنا ضمير المتكلم - مناب الفاعل، والهاء من أراه ضمير الدهر هو المفعول الثاني، و " ثاغرى " المفعول الثالث، هذا هو الاصل، ولكن غلب على استعمال المبنى للمفعول بمعنى الظن، وثاغرى - بالثاء المثلثة والغين المعجمة - مضاف إلى الياء، قال الجوهرى: ثغرته: أي كسرت ثغره، وفى المصباح: الثغر: المبسم، ثم أطلق على الثنايا، وإذا كسر ثغر الصبى قيل: ثغر ثغورا، بالبناء للمفعول، وثغرته أثغره - من باب نفع - كسرته، وإذا نبتت

بعد السقوط قيل: أثغر إثغارا مثل أكرم إكراما، وإذا ألقى أسنانه قيل: اثغر - على افتعل - قاله ابن فارس، وبعضهم يقول إذا نبتت أسنانه: قيل اثغر - بالتشديد - وقال أبو زيد: ثغر الصبى بالبناء للمفعول يثغر ثغرا، وهو مثغور، إذا سقط ثغره، وكحلت عينه كحلا - من باب قتل -: أي جعلت فيها الكحل، وأما كحلت عينه كحلا - من باب تعب - فهو سواد يعلو جفونها خلقة، والرجل أكحل والمرأة كحلاء، وجملة " كحل " معطوفة على جملة " حنى عظامي " ورواه أبو محمد الاعرابي: " وكاحل " فيكون معطوفا على ثاغرى، والاول أولى، لانه يصف عجزه وضعف بصره، والعوار - بضم العين المهملة وتشديد الواو - قال الجوهرى: هو القذى في العين، وفان ابن جنى: هو الرمد، وقيل: الرمد الشديد، وقيل: هو وخز يجده الانسان في عينه، يريد أن الدهر جعل في عينيه القذى والرمد بدل الكحل وجندل الطهوى: قال أبو عبيد البكري في شرح أمالى القالى: هو شاعر راجز إسلامى مهاج للراعي، وجندل من بنى تميم، وطهية هي بنت عبد شمس بن سعد بن زيد بن تميم غلب نسبة أولادها إليها.
وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد
سيبويه -: (من الرجز) 177 - فيها عيائيل أسود ونمر على أن أصله عيائل بهمزة مكسورة، والياء حصلت من إشباع كسرتها لضرورة الشعر كياء الصياريف (1)، فلم يعتد بها فصارت الياء بعد الالف
__________
(1) وذلك كقول الفرزدق تنفى يداها الحصا في كل هاجرة * نفى الدارهيم تنقاد الصياريف (*)

في الحكم مجاورة للطرف فهمزت لذلك، كذا في المفصل وشروحه وقال السخاوى في سفر السعادة: " والياء الثانية في عيائيل مثل ياء الصياريف للاشباع، لانه جمع عيل، وإنما يجمع عيل على عيائل، فلهذا يهمز ولا يعتد بياء الاشباع، وتكون الياء فيه كأنها قد وليت الطرف، ومن جعل عياييل جمع عيال من عال يعيل، إذا تمايل في مشيه، كما قال في وصف الاسد: (من البسيط) * كالمرزباني عيال بآصال * فالياء على هذا التقدير بعيدة من الطرف، لان الياء الثانية ليست للاشباع فلا تهمز.
فإن قيل: فكيف جمع عيالا على عياييل ؟ قيل: لان فعالا مؤاخ لفعول وفعيل، وهما يجمعان على فعاعيل، والمؤاخاة من أجل وقوع حرف اللين في الثلاثة بين العين واللام " انتهى.
وبهذا فسره ابن السيرافى في شرح أبيات سيبويه، قال: " العيال المتبختر وجمعه عياييل " وكذا في شرحها للاعلم، قال: " العياييل جمع عيال، وهو الذى يتمايل في مشيه لعبا أو تبخترا، يقال: عال في مشيه يعيل، إذا تبختر ".
وتبعهما
ابن برى في حواشى الصحاح.
وحمل الصاغانى في العباب ما في البيت على الاول قال: " وعيال الرجل: من يعوله، وواحد العيال عيل، والجمع عيائل، مثل جيد وجياد وجيائد، وقد جاء عيائيل كما في البيت " وقال ابن السيرافى: " كأنه قال فيها متبخترات أسود، ولم يجعلها جمع عيل، لكن جعلها جمع عيال - بالفتح والتشديد - " انتهى.
وخبط الاندلسي في شرح المفصل خبط عشواء قال: " روى أبو عثمان قال:

سمعت الاصمعي يقول في جمع عيل - بكسر العين - وهو المتبختر: عيائيل، وهو من عال يعيل، إذا افتقر " انتهى وكتب عليه: " عيل: بكسر العين الملفوظ بها عينا المكتوبة صورتها خطا، ولعله أراد بها عين اللفظ التى هي ياء " هذا كلامه.
وقد نسب إليه شيئا ولم يقله، وإنما قال أبو عثمان المازنى في تصريفه ما نصه: " وكذلك إذا جمعت سيدا وعيلا (على هذا المثال (1)) قلت: عيائل وسيائد، شبهوا هذا بأوائل، وسألت الاصمعي عن عيل كيف تكسره العرب ؟ فقال: عيائل، يهمزون كما يهمزون في الواوين " انتهى كلامه.
وأنت ترى أنه لم يقيد عيلا بكسر أوله، ولم يقل: إنه بمعنى المتبختر، وكذا أورده ابن جنى في شرحه عيل وعيائل، والكسر في عيل إنما هو في الياء المشددة، والذى هو بمعنى المتبختر إنما هو العيال، وكذا لم يصب صدر الافاضل على ما نقل عنه بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل في قوله: عيائيل، تكسير، والمراد به المتبختر، وقول الاندلسي: إنه من عال يعيل إذا افتقر لا يصح، لان المتبختر بعيد من المفتقر، وكان الواجب أن يقول: من عال يعيل إذا
تبختر، أو من عال الفرس يعيل إذا تكفأ في مشيه وتمايل، فهو فرس عيال، وذلك لكرمه، وكذلك الرجل إذا تبختر في مشيه وتمايل، وقد زاد في الطنبور نغمة أبو محمد الاعرابي في فرحة الاديب: " صحف ابن السيرافى في قوله: عيائيل إنه بالعين غير المعجمة، فكذب، والصواب غياييل - بالغين المعجمة - جمع غيل على غير قياس " انتهى.
وهذه مجازفة منه، فإن الائمة الثقات نقلوا كما قال ابن السيرافى، وهو تابع
__________
(1) ما بين القوسين زيادة من تصريف المازنى، ويريد بهذا المثال " فواعل " ولم ينقل المؤلف عبارة المازنى هنا بنصها، وإنما لخصها (*)

لهم فيه، ولم يختلفوا فيه، وإنما اختلفوا في مفرده هل هو عيل أم عيال ؟ وحمله على أنه جمع غيل - بكسر المعجمة - وهى الاجمة لم يرد، ولم يقل به أحد هذا، وقد أورد سيبويه في باب جمع التكسير فيما كان على ثلاثة أحرف وتحركت جميع حروفه، أنشده وقال: " فعل به ما فعل بالاسد حين قالوا: أسد " قال الاعلم: " الشاهد فيه جمع نمر على نمر كما جمع أسد على أسد، لانهما متساويان في عدد الحروف وتحرك جميعها، وحرك الميم بالضم إتباعا للنون في الوقف " انتهى.
وحمله الجوهرى على أنه مخفف من نمور، وصحف عيائيل بتماثيل، قال: " النمر سبع، والجمع نمور، وقد جاء في الشعر نمر وهو شاذ، ولعله مقصور منه، قال: * فيها تماثيل أسود ونمر * " وقد نبه على تصحيفه ابن برى في أماليه، والمشهور أن أسودا وما بعده بالرفع، قال الاعلم: والاسود بدل من عيائيل وتبين لها، قال ابن السيرافى:
والذى في شعره أسود مجرورة باضافة عيائيل إليه، وقال صدر الافاضل: " أسود بالرفع عطف بيان لعيائيل، ويروى بالجر بإضافة عيائيل إليه إضافة بيان، وقال العينى: هو من إضافة الصفة إلى موصوفها على قول ابن السيرافى وأقول: هذا جميعه على تقدير عياييل جمع عيال بمعنى المتبختر، ويلزم منه أن يكون عياييل بياءين دون همز، كما تقدم عن سفر السعادة، وأما على قول من جعله جمع عيل واحد العيال فالمراد به أولاد الاسود والنمور إن روى بجر ما بعد عيائيل.
وإن روى بالرفع فالمراد بعيائيل نفس الاسود والنمور، وفيه ركاكة لا تخفى، والجر هي الرواية الجيدة، والاجمة إذا كان فيها أولادها تكون أحمى من غيرها، وضمير " فيها عيائيل " راجع إلى " أشب الغيطان " في بيت

قبله، وروى أيضا " فيه عيائيل " بتذكير الضمير على أنه راجع إلى أشب والبيت من رجز لحكيم بن معية من بنى تميم، وهو: أحمى قناة صلبة ما تنكسر * صماء تمت في نياف مشمخر حفت بأطواد عظام وسمر * في أشب الغيطان ملتف الحظر فيها عيائيل أسود ونمر * خطارة تدمى خياشيم النعر إذا الثقاف عضها لم تناطر وكأن هذه الابيات لم تبلغ الاعلم، زعم أن ضمير " فيها " لفلاة، قال: " وصف فلاة كثرت السباع فيها " هذا كلامه، وقال ابن السيرافى: وصف قناة نبتت في موضع محفوف بالجبال والشجر، وقد أطال لسانه عليه أبو محمد الاعرابي، فقال: قوله " وصف قناة " يهوس الانسان فيتوهم أنه أراد بالقناة رمحا طعن به، وإنما المراد بالقناة هنا العزة القساء والشرف العرد وأقول: هذا بعيد من معنى الشعر، غير دال عليه، وجميع ألفاظه أولى
بالدلالة على ما ذكره ابن السيرافى وغيره من العلماء و " أحمى " من حميت المكان من الناس حميا من باب رمى، وحمية - بالكسر - إذا منعته عنهم، والحماية: اسم منه، وأما على قول أبى محمد فهو من حميت القوم حماية، إذا نصرتهم، والقناة: الرمح، والصلبة - بالضم -: وصف من صلب الشئ - بالضم - صلابة إذا اشتد وقوى، فهو صلب وهى صلبة، والصماء: التى جوفها غير فارغ، وتمت: كملت واستوت في منبته، وقوله " في نياف " أي: في جبل نياف، والنياف - بكسر النون -: العالي المرتفع، قال صاحب العباب: وجمل نياف وناقة نياف: أي طويل وطويلة في ارتفاع، والاصل نواف، وكذلك جبل نياف، ومشمخر: اسم فاعل من اشمخر اشمخرارا: أي ارتفع وعلا،

وقوله " حفت - إلخ " قال ابن السيرافى: " يريد حف موضع هذه القناة التى نبتت فيه بأطواد الجبال، الواحد طود، والسمر - بفتح فضم -: جمع سمرة، وهى شجرة عظيمة، والاشب - بفتح الهمزة وكسر الشين -: الموضع الملتف الذى يتداخل حتى لا يمكن أن يدخل فيه إلا بشدة، والغيطان: جمع غائط، وهو المنخفض من الارض، والحظر - بفتح المهملة وكسر المعجمة -: الموضع الذى حوله الشجر مثل الحظيرة، وقوله " فيه " أي: في هذا الموضع أسود تقيل تذهب وتجئ فيه وتتبختر " انتهى كلام ابن السيرافى وقال العينى: الحظر - بضمتين -: جمع حظيرة، وقوله " خطارة " أي: تلك الاسود والنمر خطارة من خطر يخطر - من باب نصر - خطرانا، إذا اهتز في المشى وتبختر، وتدمى: مضارع أدماه، أي: أخرج دمه بالجرح، والنعر - بفتح النون وكسر العين المهملة -: المتكبر، والثقاف - بكسر المثلثة -: ما تسوى به الرماح، وثقفت الرماح تثقيفا، إذا سويتها، وتنأطر: مطاوع
أطرته: أي حنيته وثنيته وحكيم بن معية راجز إسلامى معاصر للعجاج وحميد الارقط، ومعية: مصغر معاوية وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والسبعون بعد المائة -: (من الطويل) 178 - * فما أرق النيام إلا سلامها * على أن النيام أشذ من صيم، لان ألف فعال لما حجزت بين العين واللام قويت العين، فلم يجز قلبها، وصوم لما كان مع قرب واوه من الطرف الوجه فيه التصحيح كان التصحيح إذا تباعدت الواو من الطرف لا يجوز غيره قال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: " وقد جاء حرف شاذ، وهو قولهم:

فلان في صيابة قومه، يريدون صوابه: أي في صميمهم وخالصهم، وهو من صاب يصوب، إذا نزل، كأن عرقه فيهم قد ساخ وتمكن، وقياسه التصحيح، ولكن هذا مما هرب فيه من الواو إلى الياء لثقل الواو، وليس ذلك بعلة، وأنشد ابن الاعرابي: ألا طرقتنا مية ابنة منذر * فما أرق النيام إلا سلامها وقال: أنشدنيه أبو الغمر هكذا بالياء، وهو شاذ " انتهى وقوله " أنشدنيه أبو الغمر " هو أبو الغمر الكلابي، وفى مثله يحتمل أن يكون أنشده لنفسه وأن يكون أنشده لغيره، وجزم العينى بأنه لو، وهو خلاف الصواب، فإن البيت من قصيدة لذى الرمة، والرواية في ديوانه كذا: ألا خيلت مى وقد نام صحبتي * فما أرق النيام إلا سلامها وروى أيضا: * فما نفر التهويم إلا سلامها *
وهذا لا شاهد فيه، وبعده: طروقا وجلب الرحل مشدودة به * سفينة بر تحت خدى زمامها أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة * قليل بها الاصوات إلا بغامها وقوله " ألا خيلت مى " أي بعثت خيالها، ومية: معشوقة ذى الرمة، وأرقة تأريقا: أسهره، والنيام: جمع نائم، ونفره تنفيرا: شرده تشريدا، والتهويم: هز الرأس من النعاس، والسلام: التحية، والطروق، المجئ في الليل، وجلب الرحل - بكسر الجيم وسكون اللام -: خشبه، وأراد بسفينة البر الناقة، وقوله " أنيخت فألقت إلخ " هذا البيت شرحناه في باب الاستثناء من أبيات شرح الكافية قال بعض فضلاء العجم: " قوله: ألا طرقتنا - إلخ، يجوز أن يريد بطروقها

طروق خيالها، فإنهم يقيمون الخيال مقام صاحبته، واستيقاظهم بسلام الخيال لاستعظامهم إياه، والحمل على ظاهره من إتيانها نفسها ظاهر " انتهى كلامه وقد ظهر لك من الرواية الاخرى أن الطارق خيالها، لا هي، وروى العينى " كلامها " بدل سلامها، وهذا بعيد ساقط.
وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد التاسع والسبعون بعد المائة -: (من الطويل) 179 - وكنت إذا جارى دعا لمضوفة * أشمر حتى ينصف الساق مئزري على أن مضوفة شاذ قال المازنى في التصريف الملوكى (1): أصلها مضيفة، فنقلت الضمة إلى الضاد فانقلبت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها، وهو حرف شاذ، لا يعلم له نظير،
فينبغي أن لا يقاس عليه وقال الزمخشري في المفصل: والمضوفة كالقود والقصوى عند سيبويه، وعند الاخفش قياس قال ابن يعيش: " في مضوفة تقوية لمذهب أبى الحسن الاخفش، لانه جاء على قياسه، وعند سيبويه شاذ في القياس والاستعمال، كالشذوذ في القود والقصوى، والقياس مضيفة، والقاد كباب، والقصيا كالدنيا، ومضوفة هنا من ضفت إذا نزلت عنده ضيفا، والمراد بالمضوفة ما ينزل من حوادث الدهر
__________
(1) كذا، والتصريف الملوكى لابن جنى لا للمازني، وللمازني كتاب التصريف، غير موصوف (*)

ونوائب الزمان: أي إذا جارى دعاني لهذا الامر شمرت عن ساقى وقمت في نصرته " انتهى.
وقال الزمخشري في مناهيه على المفصل: هي من ضاف يضيف، إذا مال والتجأ، وأضافه ألجأه، وفلان يحمى المضاف: أي الملجأ والمحرج، وقال الاصمعي: أضفت من الامر: أي أشفقت وحذرت، ومنه المضوفة، وهو الامر يشفق منه، كقوله: * وكنت إذا جارى...البين * وفلان يضيف من كذا أي يشفق، والاضافة: الشفقة قال أبو سعيد: والبيت يروى عن ثلاثة أوجه: المضوفة، والمضيفة، والمضافة، وكل من تكلم على هذه الكلمة جعلها يائية، إلا الصاغانى، فانه نظر إلى ظاهر فجعلها واوية، قال في مادة (ض وف): المضوفة الهم، ويقال بى إليك مضوفة: أي حاجة، وأنشد البيت، ولم يذكر هذه المادة غيرها، فان ثبت
أنها واوية فهى على القياس كمقولة، من القول والبيت من أبيات لابي جندب بن مرة الهذلى الجاهلي أخى أبى خراش الهذلى الصحابي، وهى: ألا أبلغا سعد بن ليث وجندبا * وكلبا أثيبوا المن غير المكدر ونهنهت أولى القوم عنكم بضربة * تنفس منها كل حشيان مجحر وكنت إذا جار دعا لمضوفة * أشمر حتى ينصف الساق مئزري فلا تحسبن جارى لدى ظل مرخة * ولا تحسبنه فقع قاع بقرقر ولكننى جمر الغضا من ورائه * يخفرنى سيفى إذا لم أخفر أبى الناس إلا الشر منى فذرهم * وإياى ما جاءوا إلى بمنكر

قوله " أثيبوا " من الاثابة، وهى إعطاء الثواب، يقال: أثابه، أي جازاه وكافأه، والمن: الانعام، ونهنهت: كففت، وأولى الناس: أي الجماعة المتقدمة، والحشيان - بفتح المهملة -: الذى قد حشى جوفه من خوف العدو، والمحجر: المنهزم، وهو اسم مفعول من أجحرته - بتقديم الجيم على الحاء المهملة - أي: ألجأته إلى أن دخل جحره: أي تنفس من ضربتي الذى كان لا يقدر أن يتنفس وقوله " وكنت إذا جار " كذا في شعره بالتنكير، وهو أفخر، ونصف الشئ ينصفه - من باب نصر - إذا بلغ نصفه، والساق: مفعول مقدم، ومئزرى: فاعل مؤخر، يقول: إذا دعاني جار للامر الشاق الذى نزل به شمرت حتى يصل مئزري إلى نصف ساقى، جعله مثلا لاجتهاده في كف ما دعاه جاره إليه، قوله " فلا تحسبن " بنون التوكيد الخفيفة، والمرخة - بالخاء المعجمة -: شجرة صغيرة لا تمنع من لاذ بها، والفقع - بفتح الفاء وسكون القاف -: ضرب ردئ من الكمأة، أي لا يمتنع على من أراده، والقرقر: الصلب، أي: لا تحسبه كالكمأة
التى توطأ وتؤخذ ليس عليها ستر فلا شئ أذل منها، وفى شرح إصلاح المنطق: " يقولون: هذا فقع قرقرة، الفقع - بفتح الفاء وكسرها -: الكمأة الابيض، روا أبو زيد والاحمر، والقرقرة: الارض الملساء المستوية، وقيل: القاع من الارض ويقال للذليل: فقع قرقرة، أي أنه بمنزلة الكم ء النابت في السهل، فكلما وطئته القدم شدخته، وإذا نبت في دكادك الرمل لم تكد القدم تأخذه " انتهى وقوله " إلا الشر مني " ويروى " منهم " وما: مصدرية ظرفية وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد الثمانون بعد المائة -: (من الطويل) 180 - تبين لى أن القماءة ذلة * وأن أعزاء الرجال طيالها على أن " طيالها " شاذ قياسا واستعمالا، والقياس طوالها، وهو الكثير

المستعمل، وقوله " لصحتها في المفرد " ليس كذلك، بل لتحركها فيه، ولو كانت ساكنة لاعلت، ولو كانت صحة العين في المفرد سببا لصحتها في الجمع لما أعل نحو حياض وثياب وسياط.
والقماءة - بفتح القاف والمد -: مصدر قمؤ الرجل - بضم الميم مهموز اللام - أي: صار قميئا، على وزن فعيل، وهو الصغير الذليل، ويقال: قماء أيضا، بدون الهاء على وزن فعال وفعالة، كذا في الصحاح في نسخة صحيحة، ولم يورد ابن ولاد في المقصور والممدود إلا فعالة، قال: " والقماءة: الذل والمهانة، يقال: قمؤ فهو قمئ بين القماءة " انتهى.
وذكر أبو بكر بن الانباري في كتاب المقصور والممدود همزه على فعل - بفتحتين -، وأورده مع سبأ ونبأ، ومده على فعالة، قال: والقمأ من القماءة، قال الشاعر: * تبين لى أن القماءة ذلة...البيت * ونقله عنه القالى في كتاب المقصور والممدود، قال: باب ما جاء من المقصور
المهموز على مثال فعل من الاسماء والصفات، وعدد أمثلة إلى أن قال: والقمأ من القماءة، وهو الصغير، كذا قال أبو بكر بن الانباري على فعل، قال الشاعر: * تبين لى أن القماءة ذلة...البيت * وقال أبو زيد: " قمؤ الرجل قماءة، إذا صغر، وقمأت الماشية قموا وقمئا وقموءة وقمؤت قماءة، إذا سمنت " انتهى.
فمصدر قمؤ الرجل على كلام أبى زيد فعالة، ومصدر قمأت الماشية - بفتح الميم - فعول وفعولة - بضم وفعل - بفتح الفاء وسكون العين - ومصدر قمؤت - بضم الميم - فعالة.
والعجب من العين أنه قال بعد أن نقل كلام القالى: " الحاصل أن مصدر قمؤ على قمأ، على وزن فعل - بالتحريك - وقمأة - بالتاء - وإنما مد في الشعر

المذكور للضرورة " هذا كلامه.
وهو ناشئ من قراءته قماءة على وزن فعالة بسكون الميم والهمز على وزن فعلة، ولم يقل به أحد.
قال ابن المستوفى في شرح أبيات المفصل: البيت من قصيدة لانيف بن زبان النهابى من طى، وهو إسلامى، ومطلعها: تذكرت حبى واعتراك خيالها * وهيهات حبى ليس يرجى وصالها وقد أورد أبو تمام منها بيتين (1) في أوائل الحماسة، وهما: فلما أتينا السفح من بطن حائل * بحيث تلاقى صلحها وسيالها دعوا لنزار وانتمينا لطئ * كأسد الشرى إقدامها ونزالها وأنيف - بضم الهمزة وفتح النون -: مصغر أنف، وزبان بالزاى المعجمة
وتشديد الموحدة، ونبهان بفتح النون وسكون الموحدة.
وأنشد الشارح المحقق من (الكامل): عن مبرقات بالبرين وتبدو * بالاكف اللامعات سور وتقدم شرحه في الشاهد الثالث والستين من هذا الكتاب.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الحادى والثمانون بعد المائة -: (من الكامل) 181 - قد كان قومك يحسبونك سيدا * وإخال أنك سيد مغيون
__________
(1) ذكر أبو تمام عشرة أبيات من هذه الكلمة، انظر شرح التبريزي (1: 166) (*)

على أن قوله " مغيون " جاء على لغة تميم، ولغة غيرهم مغين والبيت من أبيات للعباس بن مرداس السلمى، روى صاحب الاغانى بسنده عن أبى عبيدة وأبى عمرو الشيباني: " أن حرب بن أمية لما انصرف من حرب عكاظ هو وإخوته مر بالقرية، وهى غيضة شجر ملتف لا يرام، فقال له مرداس بن أبى عامر: أما ترى هذا الغرس ؟ قال: بلى، فماله ؟ قال: نعم المزدرع هو، فهل لك أن تكون شريكين فيه، ونحرق هذه الغيضة ثم نزدرعه بعد ذلك ؟ فقال: نعم، فأضرما النار في الغيضة، فلما استطارت وعلا لهيبها سمع من الغيضة أنين وصجيج كثير، ثم ظهرت من حيات بيض تطير حيت قطعتها وخرجت منها، وقال مرداس بن أبى عامر: (من البسيط) إنى انتخبت لها حربا وإخوته * إنى بحبل وثيق العهد دساس إنى أقوم قبل الامر حجته * كيما يقال: ولى الامر مرداس قال: فسمعوا هاتفا يقول لما احترقت الغيضة: (من الرجز) ويل لحرب فارسا * مطاعنا مخالسا
ويل لعمرو فارسا * إذ لبسوا القوانسا لنقتلن بقتله * جحاجحا عنابسا ولم يلبث حرب بن أمية ومرداس بن أبى عامر أن ماتا، فأما مرداس فدفن بالقرية، ويقال: إن الجن قتلتهما لاحراقهما شجر القرية وازدراعهما إياها، وهذا شئ قد ذكرته العرب في أشعارهم وتواترت الروايات بذكره فذكرته، ثم إن القرية ادعاها بعد ذلك كليب بن عييمة السلمى ثم الظفرى، فقال في ذلك عباس بن مرداس: أكليب مالك كل يوم ظالما * والظلم أنكد غبه ملعون

قد كان قومك يحسبونك سيدا * وإخال أنك سيد مغيون أتريد قومك ما أراد بوائل * يوم القليب سميك المطعون وأظن أنك سوف ينفذ مثلها * في صفحتيك سنانى المسنون إن القرية قد تبين أمرها * إن كان ينفع عندك التبيين حين انطلقت بحظها لى ظالما * وأبو يزيد بجوها مدفون وأبو يزيد: هو مرداس بن أبى عامر " انتهى.
قال ابن الشجرى في أماليه: عييمة منقول من محقر العيمة، وهى شهوة اللبن، أو محقر العيمة - بكسر العين - وهى خيار المال، ومنه قولهم: اعتام الرجل: أي أخذ العيمة، وقوله " أكليب " الهمزة للنداء، وقوله " مالك " ما: استفهامية مبتدأ، ولك: الخبر، وكل: ظرف، والنكد: العسر، وخروج الشئ إلى طالبه بشدة، وغبه: عاقبته، واللعن: الطرد والابعاد، وأخال - بفتح الهمزة - وهو الاصل، وإخال بالكسر فيه لغة الذين كسروا حرف المضارعة مما جاء على مثال تفعل نحو تعجب وتعلم وتركب، لتدل كسرته على كسرة العين
من عجب وعلم وركب ونحو ذلك، يقولون: أنا إعجب وأنت تعلم ونحن نركب، واستثقلوا الكسرة على الياء فألزموها الفتح، ومغيون - بالغين المعجمة -: اسم مفعول من قولهم: غين على قلبه، أي: غطى عليه، وفى الحديث " إنه ليغان على قلبى " ولكن الناس ينشدونه بالباء، وهو تصحيف، وقد روى بالعين غير المعجمة: أي مصاب بالعين، والاول هو الوجه، وكلاهما مما جاء فيه التصحيح وإن كان الاعتلال فيه أكثر، كقولهم: طعام مزيوت، وبر مكيول، وثوب مخيوط والقياس مغين ومزين ومكيل ومخيط، حملا على غين وزيت وكيل وخيط.
قال أبو على: " ولو جاء التصحيح فيما كان من الواو لم ينكر،

ألا تراهم قد قالوا: الغؤور، فهو مثل مفعول من الواو لو صح " انتهى.
وقد صححوا أحرفا من ذوات الواو، قالوا: مسك مدووف، وثوب مصوون، وفرس مقوود، والغؤور: مصدر غارت عينه تغور غؤورا، وإنما صح اسم المفعول من هذا التركيب فخالف بذلك اسم الفاعل، لان اسم المفعول غير جار على فعله في حركاته وسكونه كما تجرى أسماء الفاعلين على أفعالها، فلما خالف اسم المفعول فعله فيما ذكرناه خالفه في إعلاله.
وقوله " أتريد قومك - إلخ " الهمزة للاستفهام، وأراد بقومك، بدليل ما بعده، ولما حذف الباء ظهر النصب، وفاعل " أراد " سميك، ويوم القليب ويروى يوم الغدير، وهو اليوم الذى قتل فيه كليب وائل، والقليب: البئر وأراد بوائل بكرا وتغلب ابني وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى ابن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وأارد بسميه المطعون كليب بن ربيعة بن مرة بن الحارث بن زهير بن خثيم بن حبيب بن تغلب ابن وائل، طعنه جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة، فقتله، وكانت
العرب تضرب المثل بكليب في العز، فيقولون: أعز من كليب وائل، وكان سيد ربيعة بن نزار في دهره، هو الذى كان ينزلهم في منازلهم، لم يكونوا يظعنون من منزل ولا ينزلون إلا بأمره، فبلغ من عزه وبغيه أنه اتخذ جرو كلب، وكان إذا نزل منزلا ملكئا قذف بذلك الجرو فيه فيعوى، فلا يقرب أحد ذلك الكلا إلا بإذنه، أو أن يؤذن بحرب، وكذلك كان يفعل في الماء، وفى أرض الصيد، وكان إذا ورد الماء قذف بالجرو، وعند الحوض فلا يقرب أحد ذلك الماء حتى تصدر إبله، وكان يحمى الصيد: فيقول: صيد أرض كذا في جواري، فلا يهاج ذلك الصيد، وكان لا يخوض معه أحد في حديث ولا يمر أحد بين يديه وهو جالس، ولا يحتبى في مجلسه غيره، فصار في العز والبغى مثلا.

وكان سبب قتله أن البسوس - وهى امرأة من غنى، وضربت العرب بها المثل في الشؤم، فقالوا: أشأم من البسوس - كانت في جوار جساس بن مرة، فمرت إبل لكليب تريد الماء، فاختلطت بها ناقة للبسوس، فوردت معها الماء، فرآها كليب، فأنكرها، فقال: لمن هذه الناقة ؟ فقال الرعاء: للبسوس جارة جساس، فرماها بسهم، فانتظم ضرعها، فأقبلت الناقة تعج وضرعها يسيل دما ولبنا، فلما رأتها البسوس قذفت خمارها، ثم صاحت: واذلاه ! وجاراه ! فأغضبت جساسا، فركب فرسه، وأخذ رمحه، وتبعه عمرو بن الحارث ابن ذهل بن شيبان على فرسه، ومعه رمح، فركضا نحو الحمى والخباء، فلقيا رجلا فسألاه: من رمى الناقة ؟ فقال: من حلا كما عن برد الماء وسامكما الخسف، فأقررتما به، فزادهما ذلك حمية وغضبا يقال: حلاه عن الماء: إذا طرده عنه، وسام فلان فلانا الخسف: إذا
أولاه الدنية.
فأقبلا حتى وقفا على كليب، فقال له جساس: يا أبا الماجد، أما علمت أنها (ناقة) جارتي ؟ فقال كليب: وإن كانت ناقة جارتك ! فمه ؟ أتراك ما نعى أن أذب عن حماى ؟ فأغضبه ذلك، فحمل عليه، فطعنه وطعنه عمرو، فقتلاه، وفيه هاجت حرب بكر وتغلب ابن وائل أربعين عاما، وقالت الشعراء في بغى كليب، وضربوه مثلا.
وقوله " ينفذ مثلها " أي: مثل الطعنة التى طعنها جساس بن مرة كليب ابن ربيعة، وحسن إضمار الطعنة وإن لم يجر لها ذكر، لان ذكر المطعون دل عليها وتقدمت ترجمة العباس بن مرداس في الشاهد السابع عشر من شواهد شرح الكافية.

وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني والثمانون بعد المائة -: (من الرجز) 182 - ياليت أنا ضمنا سفينه * حتى يعود الوصل كينونه على أن " كينونة " أصلها بياء مشددة، فحذفت الياء الزائدة، وبقيت عين الكلمة، وهى الياء الثانية المنقلبة عن الواو، والاصل كيونونة، فانقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء الساكنة وأدغمت فيها، ثم حذفت الياء الاولى تخفيفا وجوبا، ولا يجوز ذكرها إلا في الشعر، كما في البيت قال أبو العباس المبرد: أنشدني النهشلي: قد فارقت قرينها القرينه * وشحطت عن دارها الظعينه قوله " يا ليت أنا - إلخ " وقرينها: مفعول مقدم، والقرين: زوج المرأة، والقرينة: فاعل، وهى زوجة الرجل، وشحط الرجل - من باب (1)
فرح - إذا بعد، والظعينة: المرأة ما دامت في الهودج، وقوله " يا ليت أنا " بفتح الهمزة - أنا مع اسمها وخبرها في تأويل مصدر ساد مسد معمولي ليت، وضمنا: جمعنا، وسفينة: فاعل، وكينونة: مصدر كان، والمراد به اسم المفعول: أي حتى يعود الوصل موجودا.
والبيتان كذا أنشدهما ابن جنى في شرح تصريف المازنى وابن برى في أماليه على الصحاح.
وأنشد بعده: (من الرجز) * ما بال عينى كالشعيب العين * وتقدم شرحه في الشاهد الخامس والعشرين من هذا الكتاب.
__________
(1) واللغة المشهورة من باب منع (*)

وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد الثالث والثمانون بعد المائة -: (من الخفيف) 183 - كل أنثى وإن بدالك منها * آية الحب حبها خيتعور على أن فيعلولا موجود كخيتعور، وما فسره به هو كلام صاحب الصحاح، وفسره بعضهم بالغرور الذى لا يصح منه شئ.
وقال صاحب العباب: وربما سموا الذئب خيتعورا، لانه لا عهد له، ولا وفاء، والخيتعور: الغول والداهية والدنيا والاسد.
والبيت من أبيات لجد جد امرئ القيس واسمه حجرا آكل المرار، وقبله (1): إن من غره النساء بشئ * بعد هند لجاهل مغرور حلوة القول واللسان ومر * كل شئ أجن منها الضمير
كل أنثى وإن بدا لك منها *...البيت وحجر: بضم الحاء المهملة وسكون الجيم، والمرار - كغراب -: اسم شجر مر، وحجر: هو ابن عمرو بن معاوية بن الحارث، وينتهى نسبه إلى كندة، ومن كندة إلى يعرب بن قحطان، قال الاصبهاني في الاغانى: " أخبرني ابن دريد إجازة عن عمه عن ابن الكلبى عن أبيه عن الشرقي بن القطامى قال: أقبل تبع حين سار إلى العراق فنزل بأرض معد فاستعمل عليهم حجر بن عمرو، وهو آكل المرار، فلم يزل ملكا حتى خرف، ثم إن زياد بن الهبولة بن عمرو بن عوف
__________
(1) روى صاحب الاغانى قبل هذه الابيات بيتين، وهما: لمن النار أوقدت بحفير * لم ينم عند مصطل مقرور أو قدتها إحدى الهنود وقالت * أنت ذا موثق وثاق الاسير

ابن ضجعم، وهو حماطة بن سعد بن سليح القضاعى أغار على حجر آكل المرار وهو غائب فأخذ مالا كثيرا وسبا امرأة حجر، وهى هند بنت ظالم بن وهب ابن الحارث بن معاوية، وأخذ نسوة من نساء بكر بن وائل، فلما بلغ حجرا وبكر ابن وائل مغاره وما أخذ أقبلوا عليه، ومعه أشراف بكر بن وائل منهم عوف ابن محلم بن ذهل بن شيبان، فأقبل حجر في أصحابه حتى إذا كان بمكان يقرب من عين أباغ (1) بعث سد وسا وصليعا (2) يتجسسان له الخبر، فخرجا حتى هجما على عسكره وقد أوقد نارا ونادى مناد (له) من جاء بحزمة من حطب فله فدرة (3) من تمر، وكان ابن الهبولة قد أصاب في عسكر حجر تمرا كثيرا فضرب قبابة وأجج ناره ونثر التمر بين يديه، فاحتطب سدوس وصليع ثم أتيا به ابن الهبولة فطرحاه بين يديه فناولهما من التمر وجلسا قريبا من القبة، فأما صليع فقال: هذه آية، فانصرف إلى حجر فأعلمه بعسكره وأراه التمر، وأما سدوس
فقال: لا أبرح حتى آتيه بخبر جلى، فلما ذهب هزيع من الليل أقبل ناس من أصحابه يحرسونه وقد تفرق أهل العسكر، فقرب سدوس إلى جليس له فقال له: من أنت ؟ مخافة أن يستنكر، فقال: أنا فلان بن فلان، قال: نعم ودنا سدوس من القبة فكان بحيث يسمع الكلام، فدنا ابن الهبولة من هند امرأة حجر فقبلها وداعبها، ثم قال لها: ما ظنك بحجر لو علم بمكانى منك ؟ قالت: ظنى والله أنه لن يدع طلبك حتى يطالع القصور الحمر، وكأني أنظر إليه في فوارس من بنى شيبان وهو شديد الكلب سريع الطلب يزبد شدقاه كأنه بعير آكل مرار، فسمى المرار يومئذ، قال: فرفع يده فلطمها ثم قال: ما قلت هذا إلا
__________
(1) بضم الهمزة وفتحها وكسرها، وهى موضع بين الرقة والكوفة (2) في الاصول " ضبيعا " وهو تحريف والتصحيح عن الاغانى (3) الفدرة: القطعة (*)

من عجبك به وحبك له، فقالت: والله ما أبغضت ذا نسمة قط بغضى له، ولا رأيت رجلا قط أحزم منه نائما ومستيقظا، إن كان لتنام عيناه وبعض أعضائه حى لا ينام، وكان إذا أراد النوم أمرنى أن أجعل عنده عسا (1) مملوءا لبنا، فبينما هو ذات ليلة نائم وأنا قريبة منه أنظر إليه إذ أقبل أسود سالخ (2) فمال إلى العس فشربه ثم مجه، فقلت: يستيقظ فيشرب فأستريح منه، فانتبه من نومه فقال: على بالاناء، فناولته فشمه فاضطربت يداه حتى سقط الاناء فأريق، وكل هذا يسمعه سدوس، فلما نامت الاحراس خرج يسرى ليلته حتى صبح حجرا، فقال: (من الوافر) أتاك المرجفون برجم غيب * على دهش وجئتك باليقين فمن يك قد أتاك بأمر لبس * فقد آتى بأمر مستبين
ثم قص عليه ما سمع، فأسف ونادى في الناس بالرحيل، فساروا حتى انتهوا إلى عسكر ابن الهبولة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم ابن الهبولة وعرفه سدوس فحمل عليه فاعتنقه وصرعه فقتله، وبصر به عمرو بن أبى ربيعة (3) فشد عليه فأخذ رأسه منه وأخذ سدوس سلبه وأخذ حجر هندا فربطها بين فرسين ثم ركضا بها حتى قطعاها قطعا، هذه رواية ابن الكلبى وأما أبو عبيدة فإنه ذكر أن ابن الهبولة لما غنم عسكر حجر غنم مع ذلك زوجته هند بنت ظالم وأم أناس بنت عوف بن محلم الشيباني - وهى أم الحارث بن حجر - وهند بنت حجر، قال: وكان ابن الهبولة بعد أن غنم يسوق ما معه من السبايا والنعم ويتصيد في المسير لا يمر بواد إلا أقام به يوما أو يومين حتى أتى
__________
(1) العس - بالضم -: القدح العظيم، وجمعه عساس (2) الاسود السالخ: الحية العظيمة تخرج عن قشرها (3) في الاغانى عمرو بن معاوية (*)

على ضرية (1) فوجدها معشبة فأعجبته فأقام بها أياما، وقالت له أم أناس: إنى لارى كأنى قد نظرت إلى رجل أسود أدلم (2) كأن مشافره مشافر بعير آكل مرار قد أخذ برقبتك، فسمى حجر آكل المرار بذلك، وذكر باقى القصة نحو ما مضى، وروى أيضا أنه إنما سمى آكل المرار لان سدوسا لما أتاه بخبر ابن الهبولة ومداعبته لهند وأن رأسه كان في حجرها وحدثه بقولها له، جعل يسمع ذلك وهو يعبث بالمرار - وهو نبت شديد المرارة - وكان جالسا في موضع فيه منه شئ كثير، فجعل يأكل من ذلك المرار غضبا وهو يسمع من سدوس وهو لا يعلم أنه يأكله من شدة الغضب، حتى انتهى سدوس إلى آخر الحديث فعلم حينئذ بذلك، ووجد طعمه، فسمى يومئذ آكل المرار، قال ابن الكلبى:
وقال جحر في هند: * إن من غره النساء بشئ...الابيات " انتهى ما ساقه صاحب الاغانى باختصار قليل.
ولا يخفى أن المشهور أن أم أناس زوجة عمرو المقصور بن حجر بن الحارث ابن عمرو (3)، وإنما سميت أم أناس لان أباها عوف بن محلم أمر أمها لما ولدتها أن تئدها، فقالت: قد فعلت، فربتها حتى أدركت فنظر إليها عوف يوما مقبلة فأعجبه شبابها فقال: من هذه يا أمامة ؟ قالت: وصيفة لنا، ثم قالت: أيسرك أنها ابنتك ؟ فقال: كيف لى بذلك ؟ قالت: فانها التى أمرتنى أن أئدها، فقال: دعيها فلعلها أن تلد لنا أناسا، فسميت أم أناس، وهى أم الحارث بن عمرو المقصور بن حجر.
__________
(1) ضرية: بلدة بين البصرة ومكة.
(2) الادلم: الشديد السواد.
(3) يدل على ذلك قول عبيد بن الابرص بعد مقتل حجر: هلا على حجر بن أمم * أناس تبكى لا علينا (*)

وابن الهبولة - بفتح الهاء وضم الموحدة -: هو عمرو بن عوف بن ضجعم، وهو بطن، وهم الضجاعمة، وكانوا الملوك بالشام قبل غسان، وضجعم هو حماطة كما تقدم وأنشد بعده أيضا - وهو الشاهد الرابع والثمانون بعد المائة -: (من الكامل) 184 - درس المنا بتمالع فأبان * فتقادمت بالحبس فالسوبان على أن أبان فيه قيل: وزنه أفعل، وقيل: وزنه فعال والبيت من قصيدة للبيد بن ربيعة الصحابي، وأراد المنازل جمع منزل، وهو حذف قبيح، ودرس يكون فعلا لازما ومتعديا، والمراد هنا الاول، يقال:
درس المنزل يدرس دروسا: أي عفى وانمحى أثره، ودرسته الريح، ومتالع - بضم الميم بعدها مثناة فوقية واللام مكسورة والعين مهملة - قال أبو عبيد في معجم ما استعجم: هو جبل لغنى بالحمى قاله الخليل، وأبان قال ياقوت في معجم البلدان: " أبان الابيض وأبان الاسود: فأبان الابيض شرقي الحاجر فيه نخل وماء يقال له: أكرة - وهو العلم - لبنى فزارة (وعبس، وأبان الاسود: جبل لبنى فزارة) (1) خاصة وبينه وبين الارض ميلان، وقال أبو بكر بن موسى: أبان جبل بين فيد والنبهانية أبيض، وأبان جبل أسود: وهما أبانان وكلاهما محدد الرأس كالسنان، وهما لبنى مناف بن دارم بن تميم بن مر، وقال الاصمعي: وادى الرمة يمر بين أبانين، وهما جبلان يقال لاحدهما: أبان الابيض، وهو لبنى فزارة ثم لبنى جريد منهم، وأبان الاسود لبنى أسد، ثم لبنى والبة بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد، وبينهما ثلاثة أميال، وقال آخرون: أبانان تثنية أبان ومتالع، غلب أحدهما
__________
(1) سقطت العبارة التى بين القوسين من أصول الكتاب ولا يتم الكلام إلا بها، وهى في ياقوت.
(*)

كما قالوا: القمران، في الشمس والقمر، وهما بنواحي البحرين، واستدلوا على ذلك بقول لبيد: * درس المنا بمتالع فأبان * أراد درس المنازل، فحذف بعض الاسم ضرورة، وهو من أقبح الضرورات وقال أبو سعيد السكرى في قوله (1): (من الوافر) تؤم بها الحداة مياه نخل * وفيها عن أبانين ازورار " أبان جبل معروف، وقيل: أبانين، لانه يليه جبل نحو منه يقال له: شرورى، فغلبوا أبانا عليه فقالوا: أبانان " انتهى.
و " الحبس " قال أبو عبيد في معجم ما استعجم: " بكسر الحاء المهملة، وقد نضم، وسكون الباء الموحدة، وبالسين المهملة: موضع في ديار غطفان، قال لبيد: * درس المنا...البيت * وقال لحارث بن حلزة: (من الكامل) لمن الديار عفون بالحبس * آياتها كمهارق الفرس والاعرف في بيت الحارث ضم الحاء، كما أن الاعرف في بيت لبيد كسرها، ولعلهما موضعان " انتهى، والسوبان - بضم السين المهملة وبعد الواو باء موحدة - اسم واد، كذا في الصحاح، وفى بعض نسخه وسوبان اسم واد، وصوبه ياقوت في هامشه باللام كما في البيت.
__________
(1) هو من كلام بشر بن أبى خازم وقبله: ألا بان الخليط ولم يزاروا * وقلبك في الظعائن مستعار أسائل صاحبي ولقد أرانى * بصيرا بالظعائن حيث صاروا (*)

وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد الخامس والثمانون بعد المائة -: (من الرجز) 185 - يا عجبا لهذه الفليقه * هل تغلبن القوباء الريقه على أن القوباء داء يعالج بالريق قال ابن السيد في شرح أبيات الجمل: " هذا الشعر لاعرابي أصابته القوباء فقيل له: اجعل عليها شيئا من ريقك وتعهدها فإنها تذهب، فتعجب من ذلك واستغربه، وروى " هل تذهبن القوباء " قال ابن السيرافى: " عجب هذا الشاعر من تفل الناس على القوباء ورقيتها لتذهب، قال: كيف تغلب الريقة القوباء ؟ ومن روى القوباء بالرفع فقد أفسد المعنى " وقال التبريزي: ورواية الرفع على القلب، وقال التدميرى: هو على جهة المفاعلة
كأن القوباء والريقة يتغالبان، وكل من غالب شيئا فقد غالبه ذلك الشئ، فكل واحد منهما في المعنى فاعل ومفعول، وقال الشمنى: أو على معنى أن الاعرابي كان يعتقد أن الريقة تبرئ من القوباء فسمع قائلا يقول: إن الريقة لا تبرئها، فأنكر ذلك، وفيه نظر، لاقتضائه أن يكون المنكر المتعجب منه أن لا تبرئ، وقال اللخمى في شرح أبيات الجمل: هذا البيتان مجهولا لا يعلم قائلهما والفليقة: الداهية، والريقة: القطعة من الريق، يقول: إن من العجب أن تذهب هذه القوباء الريقة، لانهم يزعمون أن ريقة الصائم إذا نفث بها على القوباء أزالتها وقال الصاغانى في العباب: " الفليق والفليقة: الداهية، والعرب تقول: يا للفليقة: وتقول في مثل هذا: " يا عجبى لهذه الفليقة الخ " ويروى " يا عجبا وهذه الفليقة " قال أبو عمرو: معناه أنه يعجب من تغير العادات، لان الريقة تذهب القوباء على العادة فتفل على قوبائه فما برئب، فتعجب مما تعهده، وجعل القوباء على الفاعلة والريقة على المفعولة " انتهى.
وقال اللخمى: " يروى يا عجبا بالتنوين ويا عجبا بغير تنوين "

أقول: التنوين على وجهين: أحدهما أن يكون عجبا منادى منكرا أو مطولا لطوله بما اتصل به، والثانى أن يكون مفعولا مطلقا والمنادى محذوف، كأنه قال: يا قوم اعجبوا عجبا، وروايته بلا تنوين له أيضا وجهان: أحدهما أن يكون منادى مضافا على لغة من يقول: يا غلاما أقبل، بابدال ياء المتكلم ألفا، وثانيهما أن يريد يا عجباه، واكثر ما يستعمل مثل هذا في الندبة، وقد جاء في غير الندبة، كقول الاخر: (من الرجز) يا مرحباه بحمار ناجيه * إذا أتى قربته للسانيه
وقال ابن هشام في المغنى: " ألف يا عجبا لمد الصوت بالمنادى المتعجب منه، ولا يخفى أن المتعجب منه إنما هو قوله: * هل تغلبن القوباء الريقه * " وأنشد الشارح - وهو الشاهد السادس والثمانون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الطويل) 186 - أنا الليث معديا عليه وعاديا على أن أصله معدوا عليه، وهو القياس، وقلب الواو ياء في مثله نادر، لانه غير جمع، قال الاعلم: " الشاهد فيه قلب معدو إلى معدى استثقالا للضمة والواو تشبيها له بالجمع، وبعض النحويين يجعل معديا جاريا على عدى في القلب والتغيير، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه من شذوذه تشبيها بالجمع، لان مفعولا يجرى على فعلته كما يجرى على فعل، تقول: عدوت عليه فهو معدو عليه كما يقال: عدى عليه فهو معدو عليه، وقد استويا في التغيير مع اختلاف فعليهما فيه " انتهى.
وكذا في شرح تصريف المازنى لابن جنى قال: " وينبغى أن تكون الالف

في آخر أرطى فيمن قال: مرطى منقلبة عن ياء، لانه لو كان من الواو لقالوا: مرطو، وإنما مرطى كمرمى، ولانحمله على قوله: * أنا الليث معديا عليه وعاديا * وهو يريد معدوا عليه، ولا على مسنية، وهم يريدون مسنوة، لان هذا شاذ لا يقاس عليه " انتهى.
وكذا قال في سر الصناعة وجعل الزمخشري في المفصل المفرد والمصدر شيئا واحدا مقابلا للجمع، قال ابن يعيش: " ويجوز القلب في الواحد فيقال: مغزى ومدعى قال:
* أنا الليث معديا عليه وعاديا * أنشده أبو عثمان معدوا بالواو على الاصل، ورواه غير معديا " انتهى.
وفيه أن أبا عثمان إنما أنشده في تصريفه بالياء لا غير والمصراع عجزه، وصدره: * وقد علمت عرسي مليكة أننى * والعرس - بالكسر -: زوجة الرجل، ومليكة بالتصغير والبيت من قصيدة لعبد يغوث الحارثى الجاهلي، قالها لما أسرته تيم الرباب، وقد أوردناها برمتها مع سببها في شواهد المنادى من شواهد شرح الكافية.
وقد وقع هذا المصراع عجزا في شعر لحنظلة بن فاتك، وصدره: * تسائلني ماذا تكون بداهتي * والبداهة - بضم الموحدة -: الفجاءة والمباغتة، والاول هو المشهور، وقد أنشده سيبويه وغيره.

وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع والثمانون بعد المائة -: (من البسيط) 187 - موالى ككباش العوس سحاح على أن تحريك الياء بالرفع شاذ، كذا في المفصل، وفى فرحة الاديب: وروى موالى بالهمز، وفيهما ضرورة أخرى وهى صرف ما لا ينصرف.
قال ابن المستوفى: أنشده أبو بكر السراج في كتابه لجرير رضى الله عنه: قد كاد يذهب بالدنيا ولذتها * موالئ ككباش العوس سحاح ما منهم واحد إلا بحجزته * لبابه من علاج القين مفتاح وقال: أبدل الهمزة في موالئ من الياء في الشعر ضرورة، لانهم يبدلون الحرف من الحرف في الشعر في الموضع الذى لا يبدل مثله في الكلام لمعنى يحاولونه: من
تحريك ساكن، أو تسكين متحرك، ليصح وزن الشعر، أورد شئ إلى أصله أو تشبيه بنظير، لانه لو فعل بها ما فعل بالياء في المنقوص لانكسر البيت.
أقول: يريد لو قال في البيت: موالى، بتسكين الياء، لا نكسر، ولو حركت بالضمة لاستثقلت، قال ابن السيرافى: همزة الياء من موالئ لاستقامة البيت وكذا في الضرائر لان عصفور، قال: " ومنه إبدال الهمزة من الياء حيث لا يجوز ذلك في الكلام نحو قوله: قد كاد يذهب بالدنيا وبهجتها * موالئ ككباش العوس سحاح وقوله: (من الطويل) كمشترئ بالخيل أحمرة بترا وإنما أبدلت الياء من موالى ومشتر للاضطرار إلى التحريك واستثقال الضمة والكسرة في الياء، وكان المبدل همزة إجراء لها في ذلك مجرى الالف لمشابهتها لها في الاعتلال واللين " انتهى.

قوله " قد يذهب إلخ " قال بعض فضلاء العجم: موالى فاعل يذهب وفى كاد ضمير الشأن، و " موالى " جمع مولى، وله معان: المولى السيد والمولى ابن العم، والمولى العصبة، والمولى الناصر، والمولى الحليف وهو الذى يقال له: مولى الموالاة، والمولى المعتق، وهو مولى النعمة، والمولى العتيق، وهم موالى بنى هاشم: أي عتقاؤهم، وكأنه يريد المعنى الاول، يذم رؤساء زمانه، و " كباش " جمع كبش، وهو الفحل من الضأن، و " العوس " بضم العين المهملة، قال الزمخشري في مناهى المفصل: العوس مكان أو قبيلة، يقال: كبش عوسى، وقال أبو سهل الهروي في شرح فصيح ثعلب: يقال كبس عوسى، إذا كان قويا يحمل عليه، وقيل: بل هو منسوب إلى موضع يقال له العوس بناحية الجزيرة، وقيل: بل هو
السمين، وما في البيت لا يوافق المعنى الاخير، وفى الصحاح: العوس بالضم ضرب من الغنم و " سحاح " بالضم جم ساح، يقال: سحت الشاة تسح - بالكسر - سحوحا وسحوحة: أي سمنت، وغنم سحاح: أي سمان، وهو - بالرفع - نعت لموالى، شبههم بهذه الكباش لطول رعيهم في مراتع اللذات، و " بحجزته " جار ومجرور خبر مقدم، ومفتاح مبتدأ مؤخر، والحجزة - بضم الحاء المهملة وسكون الجيم بعدها زاى معجمة -: هي معقد الازار، وحجزة السراويل التى فيها التكة، يريد أنهم يحملون مفاتيح أبوابهم، فهى مقفلة لا يدخلها أحد من الضيوف، والقين - بفتح القاف: الحداد، وأراد بعلاج القين صنيعه، يقال: عالجت الشئ معالجة وعلاجا، إذا زاولته فإذا كان المفتاح مما يزاوله القين بعمله فقفله محكم.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والثمانون بعد المائة -: (من الكامل) 188 - كجواري يلعبن بالصحراء

على أن قوما من العرب يجرون الياء مجرى الحرف الصحيح في الاختيار فيحركها بالجر والرفع، وقال في شرح الكافية: إن هذا ضرورة، وهو المشهور، قال ابن عصفور في كتاب الضرائر: " فيه ضرورتان: إحداهما إثبات الياء وتحريكها وكان حقه أن يحذفها فيقول: كجوار، والثانية أنه صرف ما لا ينصرف، وكان الوجه لما أثبت الياء إجراء لها مجرى الصحيح أن يمنع الصرف، فيقول: كجواري " انتهى.
وهذا المصراع عجز، وصدره: * ما إن رأيت ولا أرى في مدتي * و " إن " زائدة، وجملة " ولا أرى في مدتي " أي في مدة عمرى معترضة
بين أرى البصرية وبين مفعولها، وهو الكاف من قوله كجواري، فانها اسم، ولا يجوز أن تكون هنا حرفا، والجوارى: جمع جارية وهى الشابة، والصحراء: هي البرية والخلاء وقد تكلمنا عليه بأكثر من هذا في الشاهد الواحد والثلاثين بعد الستمائة من شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع والثمانون بعد المائة -: (من الطويل) 189 - أبى الله أن أسمو بأم ولا أب على أن تسكين الواو من أسمو مع الناصب شاذ.
قال ابن عصفور في كتاب الضرائر: حذف الفتحة من آخر أسمو إجراء للنصب مجرى الرفع.
والمصراع عجز وصدره:

وما سودتني عامر عن وراثة والبيت من قصيدة لعدو الله ورسوله عامر بن الطفيل العامري، وقوله: " وما سودتني عامر " أي: ما جعلتني سيد قبيلة بنى عامر بالارث عن آبائهم، بل سدت بأفعالى، وقوله " أبى الله " أبى له معنيان: أحدهما كره، وهو المراد هنا، والثانى امتنع، و " أن أسمو " في موضع المفعول لابي، والسمو: العلو والشرف وقد شرحناه شرحا وافيا في الشاهد الثاني والثلاثين بعد الستمائة هناك.
وأنشد بعده - وهو الشاهد التسعون بعد المائة -: (من الطويل) 190 - ولو أن واش باليمامة داره * ودارى بأعلى حضرموت اهتدى ليا على أن تسكين الياء من واش مع الناصب شاذ، وحذفت لالتقائها ساكنة
مع نون التنوين، وروى " فلو كان واش " فلا شاهد فيه ولا ضرورة، والواشى: النمام الذى يزوق الكلام ليفسد بين شخصين، وأصله من وشى الثوب يشيه وشيا، إذا نقشه وحسنه، واليمامة: بلد في نجد، وحضرموت: مدينة في اليمن، والبيت من قصيدة طويلة لمجنون بنى عامر أوردنا مع هذا البيت بعضا منها في الشاهد الخامس والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده - وهو الشاهد الواحد بعد المائة -: (من الرجز) 191 - كأن أيديهن بالقاع القرق * أيدى جوار (1) يتعاطين الورق
__________
(1) في نسخة " عذارى " بدل جوار، وهى جمع عذراء (*)

على أن تسكين الياء مع الناصب شاذ، كما تقدم.
قال ابن الشجرى: " قال المبرد: هذا من أحسن الضروروات، لانهم ألحقوا حالة بحالتين، يعنى أنهم جعلوا المنصوب كالمجرور والمرفوع، مع أن السكون أخف من الحركات، ولذلك اعتزموا على إسكان الياء في ذوات الياء من المركبات، نحو معدى كرب وقالى قلا " انتهى والبيتان من الرجز نسبهما ابن رشيق في العمدة إلى رؤبة بن العجاج، ولم أرهما في ديوانه (1) وضمير " أيديهن " للابل، والقاع: المكان المستوى، والقرق - بفتح القاف وكسر الراء -: الاملس، وقال الشريف المرتضى: هو الخشن الذى فيه الحصا، وجوار - بفتح الجيم -: جمع جارية، ويتعاطين: يناول بعضهن بعضا، والورق - بكسر الراء -: الدراهم، شبه حذف مناسم الابل للحصى بحذف جوار يلعبن بدراهم، وخص الجوارى لانهن أخف يدا من النساء
وقد شرحناه بأكثر مما هنا في الشاهد الثالث والثلاثين بعد الستماية من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني والتسعون بعد المائة -: (من البسيط) 192 - هجوت زبان ثم جئت معتذرا * من هجو زبان لم تهجو ولم تدع على أنه سكنت الواو من تهجو شذوذا مع وجود المقتضى لحذفها وهو الجازم، قال ابن جنى في سر الصناعة: " يجوز أيضا أن يكون ممن يقول في الرفع: هو
__________
(1) رجعنا إلى ديوان رؤبة فلم نجد هما، ولكننا وجدناهما في زيادات الديوان

يهجو، فيضم الواو ويجريها مجرى الصحيح، فإذا جزم سكنها، فيكون علامة الجزم على هذا القول سكون الواو من يهجو، كما أسكن الاخر ياء يأتي في موضع الجزم، فقال: * ألم يأتيك والانباء تنمى * وكأنه ممن يقول: هو يأتيك، بضم الياء، وقد يتوجه عندي أن يكون على إشباع لاضمة، وكأنه أراد لم تهج فحذف الواو للجزم، ثم أشبع ضمة الجيم فنشأت بعدها واو " انتهى.
و " هجوت " بالخطاب من الهجو، وهو الذم، و " زبان " - بالزاى المعجمة والباء الموحدة -: اسم رجل، واشتقاقه من الزبب وهو كثرة الشعر وطوله، وثم للترتيب وتراخى الزمان، أشار إلى أن اعتذاره من هجوه إنما حصل بعد مدة، و " من " متعلقة بالحال وهو معتذر، وقوله " لم تهجو ولم تدع " مفعلولهما محذوف: أي لم تهجوه ولم تدعه، وتدع مجزوم، وكسرت العين للقافية، والمعنى أنك هجوت واعتذرت فكأنك لم تهج، على أنك لم تدع الهجو، وقال العينى: والجملتان
كاشفتان لما قبلهما، فلذا ترك العاطف بينهما وأراد بهذا الكلام الانكار عليه في هجوه ثم اعتذاره عنه، حيث لم يستمر على حالة واحدة.
والبيت مع شهرته لم يعرف قائله (1) والله أعلم:
__________
(1) ينسبه بعضهم إلى عمرو بن العلاء، واسمه زبان، يقوله للفرزدق الشاعر المعروف، وكان قد هجاه ثم اعتذر إليه، وروى المرتضى في شرح القاموس: * لم أهجو ولم أدع * وهذا يستدعى أن يكون هجوت وما بعده بتاء المتكلم، فيكون القائل هو من هجا أبا عمر.
(*)

وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث والتسعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الوافر) 193 - ألم يأتيك والانباء تنمى * بما لاقت لبون بنى زياد لما تقدم قبله قال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: قدر الشاعر ضمة الواو في " لم تهجو " فأسكنها للجزم كما أسكن الياء في ألم يأتيك للجزم، وهذا في الياء أسهل منه في الواو، لان الواو وفيها الضمة أثقل من الياء وفيها الضمة، و " ما " فاعل يأتي، والباء زيدت فيه ضرورة، والانباء: جمع نبأ، وهو الخبر، وتنمى: تشيع من نمى الشئ ينمى إذا ارتفع وزاد، والجملة معترضة بين الفعل وفاعله، واللبون: الابل ذوات اللبن، وهو اسم مفرد أراد به الجنس، وبنو زياد: هم الربيع، وعمارة، وقيس، وأنس، بنو زياد بن سفيان العبسى، والمراد لبون الربيع ابن زياد، وكان سيد عبس.
والبيت مطلع قصيدة لقيس بن زهير العبسى، وكان سيد قومه، وحصل بينه
وبين الربيع عداوة في شأن درع ساومه فيها، فلما نظر إليها الربيع وهو على ظهر فرسه وضعها على القربوس (1) ثم ركض بها فلم يردها عليه، فنهب قيس بن زهير إبله وإبل إخوته، فقدم بها مكة، فباعها من عبد الله بن جدعان التيمى القرشى معاوضة بأدراع وسيوف، فافتخر بهذا وبما بعده، وهو: ومحبسها على القرشى تشرى * بأدراع وأسياف حداد ومحبسها: معطوف على فاعل يأتيك، وهو - بكسر الباء - مصدر ميمى، والقرشي: هو ابن جدعان
__________
(1) القربوس - بفتح القاف والراء - حنو السرج (*)

وقد شرحناهما مع القصيدة شرحا لا مزيد عليه في الشاهد السادس والثلاثين بعد الستمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع والتسعون، بعد المائة -: (من الرجز) 194 - * ولا ترضاها ولا تملق * لما تقدم، وقبله: * إذا العجوز غضبت فطلق * قال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: " شبهت الالف بالياء في أن ثبتت في موضع الجزم، فإنه قدر الحركة هنا وحذفها للجزم، وهذا بعيد، لان الالف لا يمكن تحريكها أبدا " انتهى.
ويجوز تخريجه على أن " لا " فيه نافيه لا ناهية، والتقدير فطلقها غير مترض لها، ويكون قوله " ولا تملق " معطوفا على قوله فطلق، قاله ابن عصفور في كتاب الضرائر.
وقد شرحناه بأكثر من هذا في الشاهد الخامس والثلاثين بعد الستمائة من
شواهد شرح الكافية.
وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد الخامس والتسعون بعد المائة -: (من الطويل) 195 - * كمشترى بالخيل أحمرة بترا * لما تقدم في قوله: * موالى ككباش العوس سحاح *

والقياس فيهما كمشتر وموال، بحذف الياء والتنوين، ورواهما ابن عصفور في كتاب الضرائر كمشترئ وموالئ، بالهمز والتنوين، كما تقدم، والمعنى كمن أعطى الخيل وأخذ الحمير بدلها، وهو جمع حمار، والبتر: جمع أبتر، وهو المقطوع الذنب وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد السادس والتسعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من البسيط) 196 - يادار هند عفت إلا أثافيها هو صدر، وعجزه: * بين الطوى فصارات فواديها * على أنه كان حق " أثافيها " النصب على الاستنثاء، وسكنت الياء شذوذا قال سيبويه: " وسألت الخليل رحمه الله عن الياءات لم تنصب في موضع النصب، إذا كان الاول مضافا، وذلك قولك: رأيت معدى كرب، واحتملوا أيادى سبا، فقال: شبهوا هذه الياءات بألف مثنى حيث عروها من الجر والرفع، فكما عروا الالف منه عروها من النصب أيضا، فقالت الشعراء حيث اضطروا، قال بعض السعديين:
- * يا دار هند عفت إلا أثافيها * ونحو ذلك، وإنما اختصت هذه الياءات في هذا الموضع بذا لانهم يجعلون الشيئين ههنا اسما واحدا، فتكون الياء غير حرف الاعراب، فيسكنونها بياء زائدة ساكنة، نحو ياء دردبيس " إلى آخر ما ذكره قال الاعلم: " الشاهد فيه تسكين الياء من الاثافي في حال النصب، حملا

لها عند الضرورة على الالف، لانها أختها، والالف لا تتحرك " انتهى.
وقال صدر الافاضل: " يحتمل أن يكون قوله: إلا أثافيها، من باب الحمل على المعنى، كأنه قال: لم يبق إلا أثافيها، وحينئذ لا يكون البيت شاهدا لا سكان الياء، وهذا تحسر على اندراس الدار معنى، وإن كان لفظه خبرا " انتهى.
وكذا قال ابن المستوفى في شرح أبيات المفصل، وقال: " ولو نصب أثافيها على أن يكون البيت غير مصرع لجاز، وهذا على لغة من يقول: أثافى، بتخفيف الياء، وفيها لغتان: تخفيف الياء، وتشديدها، قال الجوهرى: الاثفية للقدر، تقديره أفعولة، والجمع الاثافي، وإن شئت خففت، وثفيت القدر تثفية: أي وضعتها على الاثافي، وأثفيت القدر: جعلت لها أثافى، وقال الاخفش: قولهم أثاف، لم يسمع من العرب بالتثقيل، وقال الكسائي: سمع، وأنشد: (من الطويل) أثافى سفعا في معرس مرجل والطوى: البئر المطوية بالحجارة، والصارة - بالصاد والراء المهملتين -: رأى الجبل والوادى، معروف، و " بين الطوى " نصب على الحال، والعامل فيها ما في النداء من معنى الفعل، مثل قول النابغة: (من البسيط) يا دار مية بالعلياء فالسند وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد السابع والتسعون بعد المائة -: (من البسيط)
197 - يا بارى القوس بريا ليس يحكمه * لا تفسد القوس أعط القوس باريها على أنه سكن ياء " باريها " شذوذا، والقياس فتحها، لان باريها المفعول الثاني لاعط.

قال الزمخشري في أمثاله: " أعط القوس باريها، قيل: إن الرواية عن العرب باريها بسكون الياء لا غير، يضرب في وجوب تفويض الامر من يحسنه ويتمهر فيه " انتهى.
وكذا أورده في المفصل بعد البيت السابق.
وقال الميداني في أمثاله: أي استعن على عملك بأهل المعرفة والحذق فيه، وينشد: يا بارى القوس بريا ليست تحسنها * لا تفسدنها وأعط القوس باريها قال ابن السيرافى: " قرأت هذا البيت على شيخنا أبى الحرم مكى بن زيان في الامثال لابي الفضل أحمد بن محمد الميداني: أعط القوس باريها، بفتح الياء، وكان في الاصل " ليس يحسنه " وجعله " بريا ليست تحسنها "، وهو كذلك في نسخ كتاب الميداني، ولعل الزمخشري إنما أراد بالمثل آخر هذا البيت المذكور فأورده على ما قاله الشاعر، لا على ما ورد من المثل في النثر فانه ليس بمحل ضرورة، ويروى: يا بارى القوس بريا ليس يصلحه * لا تظلم القوس أعط القوس باريها والاول أصح، ويجوز أن يسكن ياء باريها - وإن كان مثلا - برأيه " هذا كلامه.
ولو رأى ما في أمثال الزمخشري لاستغنى عما أورده
وقال المفضل بن سلمة في كتاب الفاخر: يقال: إن أول من قال ذلك المثل هو الحطيئة، وساق حكايته مع سعيد بن العاص أمير المدينة في آخر الفاخر.
وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد الثامن والتسعون بعد المائة -: (من الكامل)

198 - ما أنس لا أنساه آخر عيشتى * مالاح بالمعزاء ريع سراب على أنه أثبت الياء (1) في أنساه شذوذا، كما ثبت الواو في لم تهجو ولم تدع، والقياس لا أنسه ولم تهج، بحذفهما.
و " ما " اسم شرط يجزم فعلين، وهو هنا منصوب بشرطه، والمعنى مهما أنس من شئ من الاشياء لا أنس هذا الميت، وهو كثير في الاشعار وغيرها، قال ابن ميادة: (من الطويل) ما أنس م الاشياء لا أنس قولها * وأدمعها يذرين حشو المكاحل تمتع بذا اليوم القصير فإنه رهين بأيام الشهور الاطاول ومعناه مهما أنس من شئ لا أنس قولها، والمكاحل: مواضع الكحل، وآخر عيشتى: منصوب على الظرف، والعيشة: الحياة، والمعنى إلى آخر عيشتى، وما: مصدرية دوامية، والتقدير: مدة دوام لوح المعزاء، وهو ظرف لقوله: لا أنساه، والمراد التأبيد، وهو أعم من قوله آخر عيشتى، وجوز ابن المستوفى أن يكون بدلا من آخر، والمعزاء - بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها زاى معجمة - الارض الصلبة الكثيرة الحصا، ومكان أمعزبين المعز، بفتح العين، والريع - بمهملتين -: مصدر راع السراب يريع: أي جاء وذهب، وكذلك تريع السراب تريعا.
وقال ابن السيرافى: " وأنشده ابن الاعرابي ريع
- بكسر الراء - والريع: الطريق، وكأنه أراد بريع سراب بياضه، وقال ابن دريد: الريع: العلو في الارض حتى يمتنع أن يسلك، وكذلك هو في التنزيل "
__________
(1) كذا، وصوابه الالف (*)

هذا ما سطره..وأورده ابن الاعرابي في نوادره مع بيت قبله، وهو بكر النعى بخير خندف كلها * بعتيبة بن الحارث بن شهاب وقال: هما لحصين بن قعقاع بن معبد بن زرارة، وبكر هنا: بمعنى بادر وسارع، والنعى فعيل بمعنى الناعي، وهو الذى يأتي بخبر الميت، ويكون النعى بالتشديد أيضا مصدرا كالنعى بسكون العين وهو إشاعة مت الميت، قال الاصمعي: كانت العرب إذا مات فيهم ميت له قدر ركب راكب فرسا وجعل يسير في الناس، ويقول: نعاء فلانا، أي انعه وأظهر خبر وفاته، وهى مبنية مثل نزال، بمعنى أنزل، وعتيبة بالتصغير: فارس من فرسان الجاهلية، وهو ابن الحارث بن شهاب بن عبد قيس بن الكباس بن جعفر بن يربوع، اليربوعي وكان قد رأس بيت بنى يربوع، وقتله ذؤاب بن ربيعة لما قاتل بنى نصر بن قعين، وكانت تحت عتيبة يومئذ فرس فيها مراح واعتراض، فأصاب زج غلام من بنى أسد يقال له: ذؤاب بن ربيعة، أرنبة عتيبة، فنزف حتى مات، فحمل ربيع بن عتيبة على ذؤاب فأخذه من سرجه، وقتلوا ثمانية من بنى نصر وبنى غاضرة، واستنقدوا النعم، وساروا إلى منزلهم فقتلوه، فقال ربيعة أبو ذؤاب: (من الكامل) إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم * بعتيبة بن الحارث بن شهاب بأشدهم ضرار على أعدائهم * وأعزهم فقدا على الاصحاب والحصين بن القعقاع صاحب الشعر من بنى حنظلة بن دارم التميمي.
الابدال أنشد فيه الجاربردى في أوله - وهو الشاهد التاسع والتسعون بعد المائة -: (من الكامل)

199 - تراك أمكنة إذا لم أرضها * أو يرتبط بعض النفوس حمامها على أن أبا عبيدة قال: " بعض " في البيت بمعنى كل، واستدل به لقوله تعالى: (وإن يك صادقا يصبكم بعض الذى يعدكم) ولم يرتضه الزمخشري، قال القاضى: هو مردود، لانه أراد بالبعض نفسه، وقال في الاية: فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، وفيه مبالغة في التحذير وإظهار الانتصاف (1) وعدم التعصب، ولذلك قدم كونه كاذبا، أو يصيبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا، وهو بعض مواعيده كأنه خوفهم بما هو أظهر احتمالا عندهم، وقال الزمخشري في سورة المائدة عند قوله تعالى (فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم): " يعنى بذنب التولى عن حكم الله وإرادة خلافه، فوضع ببعض ذنوبهم موضع ذلك، وأراد أن لهم ذنوبا جمة كثيرة العدد، وأن هذا الذنب مع عظمة بعظها واحد منها، وهذا الابهام لتظيم التولى، ونحو البعض في هذا الكلام ما في قول لبيد: * أو يرتبط بعض النفوس حمامها * أراد نفسه، وإنما قصد تفخييم شأنها بهذا الامام، كأنه قال: نفسا كبيرة ونفسا أي نفس، فكما أن التنكير يعطى معنى التكبير وهو في معنى البعضية فكذلك إذا صرح بالبعض " انتهى.
وكذا قال القاضى والبيت من معلقة لبيد بن ربيعة العامري الصحابي رضى الله عنه، قال الزوزنى في شرحه: " أراد ببعض النفوس هنا نفسه، ومن جعل بعض النفوس
بمعنى كل النفوس فقد أخطأ، لان بعضا لا يفيد العموم والاستيعاب " انتهى.
و " تراك " مبالغة تارك، وأمكنة: جمع مكان، و " إذا " ظرف لتراك لا شرطية - والحمام - بكسر الحاء المهملة - الموت وهو فاعل يرتبط، و " بعض " مفعوله
__________
(1) في نسخة الانصاف (*)

ويرتبط بمعنى يعلق، وأو بمعنى إلا، والفعل بعدها ينتصب بأن، وسكن يرتبط هنا لضرورة الشعر، والمعنى إنى أترك الامكنة إذا رأيت فيها ما أكره، إلا أن يدركنى الموت فيحبسني.
قال ابن عصفور في كتاب الضرائر: " ومنه حذفهم الفتحة التى هي علامة الاعراب من آخر الفعل المضارع كقول لبيد: أو يرتبط، ألا ترى أنه أسكن يرتبط وهو في الاصل منصوب لانه بعد أو التى بمعنى " إلا أن " وإذا كانت بمعنى " إلا أن " لم يكن الفعل الواقع بعدها إلا منصوبا باضمار أن وحذفها من آخر الفعل المعتل أحسن، كقوله: أبى الله أن أسمو بأم ولا أب انتهى وهذا مرضى الزوزنى، قال: " معناه إنى تراك أمكنة إذا لم أرضها إلا أن يرتبط نفسه حمامها، فلا يمكنها البراح، هذا أوجه الاقوال وأحسنها، وتحرير المعنى: إنى لاترك الاماكن التى أجتويها وأقليها إلا أن أموت ".
وقال أبو جعفر النحوي في شرحه: " جزم يرتبط عطفا على قوله إذا لم أرضها، وهذا أجود الاقوال، والمعنى على هذا إذا لم أرضها، وإذا لم يرتبط بعض النفوس حمامها، وقيل: إن يرتبط في موضع رفع إلا أنه أسكنه لانه رد الفعل إلى أصله، لان أصل الافعال أن لا تعرب وإنما أعربت للمضارعة، وقيل: يرتبط في موضع
نصب، ومعنى " أو " معنى " إلا أن " أي: إلا أن يرتبط بعض النفوس حمامها، إلا أنه أسكن، لانه رد الفعل أيضا إلى أصله، وإنما اخترنا القول الاول، وهو أن يكون مجزوما، لان أبا العباس قال: لا يجوز للشاعر أن يسكن الفعل المستقبل لانه قد وجب له الاعراب لمضارعته الاسماء وصار الاعراب فيه يفرق بين المعاني " هذا كلامه وعلى مختاره لا ضرورة فيه، إلا أن علة اختياره واهية، لان تسكين المرفوع

والمنصوب ثابت في أفصح الكلام نثرا ونظما، ومحصل الجزم بالعطف أنى إذا لم يكن أحد الامرين: الرضا والموت، فالترك حاصل، أما إذا رضيت بها بأن رأيت فيها ما أحب فلا، وأما إذا مت فلعدم الامكان، وهذا يدل على شهامة نفسه في أنه لا يقيم في موضع ذل.
وتراك: خبر بعد خبر " لان " في البيت قبله، وهو: أو لم تكن تدرى نوار بأننى * وصال عقد حبائل جذامها الالف للاستفهام، ونوار - بفتح النون - اسم امرأة، و " وصال " خبر أننى، و " جذامها " خبر ثان و " تراك " خبر ثالث، و " وصال " مبالغة واصل، و " وجذامها " بالجيم والذال المعجمة مبالغة جاذم وهو القطع، والحبائل: جمع حبالة، وحبالة: جمع حبل، وهو هنا مستعار للعهد والمودة، يقول: أليست تدرى نوار أنى واصل عقد العهود والمودات وقطاعها ؟ يريد أنه يصل من استحق الوصل ويقطع من استحق القطع.
وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد الموفى المائتين، وهو من شواهد سيبويه -: (من الرجز) 200 - يستن في علقى وفى مكور على أن من رواه علقى - بلا تنوين - جعل ألفه للتأنيث ولم يقل في واحده:
علقاة، ومن نونه جعل ألفه للالحاق وجعل واحده علقاة، وهذا جواب ما استشكله أبو عبيدة.
قال الصاغانى في العباب: " قال سيبويه العلقى نبت يكون واحدا وجمعا وألفه للتأنيث، قال العجاج يصف ثورا:

فحط في علقى وفى مكور * بين تواري الشمس والذروو وقال غيره: ألفه للالحاق وينون، الواحدة علقاة، وقال أبو نصر: العلقى شجرة تدوم خضرتها في القيظ، ومنابت العلقى الرمل والسهول، وقال أبو حنيفة الدينورى: أرانى بعض الاعراب نبتا زعم أنه العلقى له أفنان طوال دقاق وورق لطاف يسمى بالفارسية " خلواه " يتخذ منه المجتلون مكانس الجلة (1)، وعن الاعراب الاوائل: العلقاة.
شجرة تكون في الرمل خضراء ذات ورق، قالوا: ولا خير فيها " انتهى.
والمكور: جمع مكر - بفتح الميم وسكون الكاف - قال الجوهرى والصاغانى: هو ضرب من الشجر، وأورده سيبويه في باب ما لحقته الالف فمنعته من الانصراف، قال الاعلم: " الشاهد فيه ترك صرف علقى، لانها آخره ألف التأنيث، ويجوز صرفه على أن تكون للالحق، ويؤنث واحده بالهاء، فيقال: علقاة وصف ثورا يرتعى في ضروب الشجر، ومعنى يستن يرتعى، وسن الماشية: رعيها، وأصله أن يقام عليها حتى يسمن وتملاس جلودها، فتكون كأنها قد سنت وصقلت كما يسن الحديد " انتهى وهذا خلاف ما فسره الجاربردى (2)، والعجاج وصف ثورا وحشيا شبه جمله به وقوله " حط في علقى وفى مكور "، أي: اعتمدهما في رعيه، قال شارح شواهد أبى على الفارسى: " وسمع علقى في هذا البيت من رؤبة غير منون، وكذا
روى عن أبيه، فدل على أن ألفه للتأنيث، ولو كان للالحاق لنون " انتهى.
وفى رواية الصحاح والعباب " فحط " والفاعل في الروايتين ضمير الثور،
__________
(1) الجلة - بكسر الجيم - البعر، والمجتلون: الذين يلقطونها (2) حيث فسر الاستنان بالقماص فقال: " واستن الفرس وغيره: أي قمص، وهو أن يرفع يديه ويطرحهما معا ويعجن برجليه ".
(*)

وتوارى الشمس: غيبوبتها، وذرورها: طلوعها وإشراقها، يريد أنه يستن من طلوع الشمس إلى غروبها وأول الارجوزة: * جارى لا تسنكرى عذيري * يريد يا جارية، والعجاج تقدمت ترجمته في الشاهد الاول.
وأنشد الشارح - وهو الشاهد الواحد بعد المائتين -: (من الرجز) 201 - تضحك منى أن رأتنى أحترش * ولو حرشت لكشفت عن حرش على أن الشين في حرش شين الكشكشة، وهى بدل من كاف المؤنث، وأصله حرك، وهى لغة بنى عمرو بن تميم، وقوله " أن رأتنى الخ " بدل اشتمال من الياء " في منى " والاحتراش: صيد الضب خاصة، والعرب تأكله، يقال: حرش الضب يحرشه حرشا، من باب ضرب، وكذلك احترشه، وهو أن يحرك الحارش يده على جحره فيظنه حية فيخرج ذنبه ليضربها فيأخذه، وإنما ضحكت منه استخفافا به، لان الصب صيد العجزة والضعفاء، وقوله " ولو حرشت " التفات من الغيبة إلى الخطاب، يعنى لو كنت تصيدين الضب لادخلته في فرجك دون فمك إعجابا به وإعظاما للذته.
وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا في الشاهد السادس والخمسين بعد التسعمائة من آخر شرح شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني بعد المائتين -: (من الرجز)

202 - ينفحن منه لهبا منفوحا * لمعا يرى لا ذاكيا مقدوحا على أنه قد جاء في الشعر شذوذا إبدال الخاء المعجمة حاء مهملة.
قال ابن جنى في سر الصناعة: " الحاء حرف مهموس يكون أصلا لا غير، ولا يكون بدلا ولا زائدا، إلا فيما شد عنهم، أنشد ابن الاعرابي: * ينفحن منه لهبا منفوحا * الخ قال: أراد منفوخا، فأبدل المعجمة حاء، قال: ومثله قول رؤبة: (من الرجز) غمر الاجارى كريم السنح * أبلج لم يولد بنجم الشح قال: يريد السنخ، وأما حثث تحثيثا وحثحث حثحثة فأصلان، قال أبو على: فأما الحاء فبعيدة من الثاء وبينهما تفاوت يمنع من قلب إحداهما إلى أختها.
وإنما حثحثت أصل رباعى، وحثث أصل ثلاثى، وليس واحد منهما من لفظ صاحبه، إلا أن حثحث من مضاعف الاربعة، وحثث من مضاعف الثلاثة، فلما تضارعا بالتضعيف الذى فيهما اشتبه على بعض الناس أمرهما، وهذا هو حقيقة مذهب البصريين.
ألا ترى أن أبا العباس قال: ليس ثرة عند النحويين من لفظ ثرثارة، وإن كانت من معناها، هذا هو الصواب، وهو قول كافة أصحابنا، على أن أبا بكر محمد بن السرى قد كان تابع الكوفيين، وقال في هذا بقولهم، وإنما هذه أصول تقاربت ألفاظها فتوافقت معانيها، وهى مع ذلك مضعفة، ونظيرها من غير التضعيف قولهم: دمث ودمثر، وسبط وسبطر،
ولؤلؤ ولئال، وحية وحواء، ودلاص ودلامص، وله نظائر كثيرة، وإذا قامت الدلالة على أن أصل حثحث ليس من لفظ حثث، فالقول في هذا وفى جميع ما جاء منه واحد، نحو تململ وتملل ورقرق ورقق وصرصر وصر " انتهى كلام ابن جنى.

وينفحن أيضا أصله بالخاء المعجمة، ولهب النار معروف، و " لمعا " بفتح اللام وسكون الميم، و " يرى " بالبناء للمفعول.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث بعد المائتين -: (من الرجز) 203 - غمر الاجارى كريم السنح * أبلج لم يولد بنجم الشح لما تقدم قبله، فإن المعروف السنخ - بكسر السين وسكون النون، وآخره خاء معجمة - ومعناه الاصل، والحاء المهملة بدل من المعجمة.
وجعل الصاغانى في العباب السنخ - بالمهملة - لغة أصلية كالسنخ بالمعجمة من غير إبدال، قال في مادة سنح بالمهملة: " والسنح الاصل، قال رؤبة: * عمر الاجارى كريم السنح * وبعضهم يروى السنخ - بالخاء المعجمة - ويجعله إكفاء، والصحيح أنه ليس باكفاء " انتهى.
وقد أنشده ابن قتيبة في أدب الكاتب في أبيات الاكفاء، قال شارح بياته ابن السيد: " السنخ والسنج - بالخاء والجيم - الاصل، وقد روى السنح بالحاء غير المعجمة " انتهى، ولم أر في الصحاح والعباب السنج - بالجيم - بهذا المعنى وممن أورده في الاكفاء قدامة في فصل عيوب القافية من نقد الشعر، قا شارحه عبد اللطيف البغدادي: " وما كان من هذا التغيير في موضع التصريع فقد يمكن
أن لا يكون عيبا وأن يكون الشاعر لم يقصد التصريع، لكن أتى بما يشبه التصريع " هذا كلامه.
ولا يخفى أن التصريع إنما يكون في أول بيت من القصيدة أو عند الخروج

في القصيدة من معنى إلى معنى غيره، وبيتا رؤبة من آخر القصيدة لم يخرج بهما من معنى إلى غيره هذا، وقد أورد يعقوب بن السكيت اثنى عشر كلمة من هذا النمط في كتاب القلب والابدال، قال (1): " باب الخاء والحاء، قال: الخشى والحشى اليابس، ويقال: خبج وحبج إذا ضرط، وقد فاحت منه رائحة طيبة وفاخت، أبو زيد، قال: ويقال: خمص الجرح يخمص خموصا وحمص يحمص حموصا وانحمص انحماصا إذا ذهب ورمه، أبو عبيدة: المخسول والمحسول المرذول، وقد خسلته وحسلته، أبو عمرو الشيباني: الجحادى والجخادى الضخم، قال: ويقال: طحرور وطخرور للسحابة، قال الاصمعي: الطخارير من السحاب قطع مستدقة رقاق والواحدة طخرورة، والرجل طخرور إذا لم يكن جلدا ولا كثيفا، ولم يعرف بالحاء، وسمعت الكلابي يقول: ليس على السماء طحرور وليس على الرجل طحرور، ولا يتكلم به إلا مع الجحد، والطخارير (من السحاب) شئ قليل في نواحى السماء واحدها طخرور يتكلم به بجحد وبغير جحد، اللحيانى، يقال: شرب حتى اطمحر وحتى اطمخر: أي امتلا، وقد دربح ودربخ إذا حنى ظهره، ويقال: هو يتحوف مالى ويتخوفه: أي يتنقصه ويأخذ من أطرافه، قال تعالى: (أو يأخذهم على تخوف) أي: تنقص، ويقال: قرئ (إن لك في النهار سبحا طويلا) و (سبخا) قرأها يحيى بن يعمر قال الفراء: معناهما واحد، وقال غيره: سبحا: فراغا، وسبخا: نوما، ويقال: قد سبخ
الحر إذا حاد وانكسر، ويقال: اللهم سبح عنه الحمى: أي خففها، ويقال لما يسقط من ريش الطائر: السبيخ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضى الله تعالى عنها حين دعت على سارق سرقها (لا تسبخى عنه) لا تخففى
__________
(1) انظر (ص 30) من كتاب القلب والابدال طبع بيروت سنة 903 (*)

عنه إثمة، ويقال: زاخ عن كذا وزاح " هذا ما أورده ابن السكيت ببعض اختصار وأورد الزجاجي في أماليه الكبرى في باب المعاقبة والابدال كلمات أخر لم يذكرها ابن السكيت، قال: " باب الحاء والخاء: يقال: رحمته ورخمته ومرحوم ومرخوم، ومنه نضحته ونضخته، قال تعالى (فيهما عينان نضاختان) وقال الاعشى: (من الكامل) * ووصال ذى رحم نضحت بلالها * ويروى نضخت، ويقال: صمحته الشمس وصمخته: أي غيرت لونه، وأحرقته، يقال: مخ (1) ومح، ولحم ولخم، وشحم وشخم، ومطر سح وسخ كثير الماء، قال الراجز: (من الرجز) يا هند أسقيت السحاب السخخا * لا تجعلني كهجان أبزخا ويقال: رجل رحوث ورخوث: أي كبير البطن، وأورد كلمتين مما أورده ابن السكيت، وهما فاح ريح المسك يفوح وفاخ يفوخ فيحانا وفيخانا، وفوحانا وفوخانا، وتخوفت الشئ وتحوفته: أي تنقصته " هذا جميع ما أورده الزجاجي.
والبيتان وقعا في أدب الكاتب كذا: أزهر لم يولد بنجم الشح * ميمم البيت كريم السنح وقال شارحه ابن السيد: " هذا الرجز يروى لرؤبة بن العجاج، ولم أجده
في ديوان شعره، والميمم: المقصود لكرمه " هذا كلامه وهذا من قصيدة ثابتة في ديوانه من رواية الاصمعي (2) مدح بها أبان بن
__________
(1) مخ كل شئ: خالصه، وكذا محه، بالخاء والحاء جميعا.
(2) أكثر هذه الابيات غير موجود في ديوان رؤبة بن العجاج المطبوع في لبزج، ولا في زيادات هذا الديوان، ولا في الاصمعيات، ولكن الشاهد موجود (*)

الوليد البجلى، وهى طويلة، إلى أن قال: منه فرات فاض غير ملح * غمر الاجارى كريم السنح إذا فتام الباخلين البلح * أغبر في هيج كذوب اللمح أمطر عصرا مدجن مسح * أبلج لم يولد بنجم الشح وهذا آخر القصيدة، وقوله " غمر الاجارى " الغمر - بفتح الغين المعجمة - الماء الكثير الساتر، والاجاري جمع إجريا - بكسر الهمزة والراء - بمعنى الجرى والقتام - بفتح القاف والمثناة الفوقية -: الغبار، والبلج: جمع أبلح من بلح الرجل بلوحا: أي أعيا، قال الاصمعي: البلح المعيون (2)، وأراد البخل و " أغبر " بالغين المعجمة والموحدة، قال الاصمعي: هو من قولك: أغبر في أمرك فهو مغبر إذا جد، و " الهيج " قال الاصمعي: هو سحاب لا ماء فيه، والكذوب: مبالغة الكاذب، واللمح: مصدر لمح البرق والنجم لمحا: أي لمع، وأمطر: فعل ماض جواب إذا، و " عصرا " فاعله وهو مثنى عصر حذفت نونه للاضافة قال الاصمعي: العصران الغدوة والعشية، و " أبلج " مفعول أمطر، في الصحاح: مطرت السماء وأمطرها الله، والمدجن - بالجيم -: اسم فاعل من أدجنت السماء دام مطرها، وسحابة داجنة ومدجنة، والدجن المطر الكثير، كذا في الصحاح، والمسح - بكسر الميم -: الكثير السح، مفعل من سح المطر سحا: أي سال، والابلج
بالجيم: المشرق المضئ، والشح بالضم البخل مع حرض، والنجم الوقت المعين وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع بعد المائتين: (من الرجز)
__________
(1) في زيادات الديوان مع أبيات سابقة عليه قد ذكرناها في كتابتنا على شرح الرضى (ح 3 ص 200 وما بعدها) (*)

204 - يا ابن الزبير طالما عصيكا * وطالما عنيتنا إليكا * لنضربن بسيفنا قفيكا * على أنه قد جاء الكاف بدلا من التاء كما في عصيكا، والاصل عصيت قال ابن جنى في سر الصناعة: " أبدل الكاف من التاء، لانها أختها في الهمس وكان سحيم إذا أنشد شعرا قال: أحسنك والله، يريد أحسنت " انتهى وسحيم هذا عبد حبشي كانت (1) في لسانه لكنة، وكان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تعرف له صحبة وقد أورد الزجاجي هذا الشعر في أماليه الكبرى في بحث إبدال الحروف بعضها من بعض، قال في باب التاء والكاف في المكنى: " يقال: ما فعلت وما فعلك قال الراجز: يا بن الزبير طالما عصيكا * وطالما عنيكنا إليكا * لنضربن بسيفنا قفيكا * يريد عصيتا وعنيتنا " انتهى.
ولم يذكر ابن السكيت هذا الابدال في كتاب القلب والابدال.
قال الشارح: " ويجوز أن يكون من وضع الضمير المنصوب مقام المرفوع " وكذا جوز الوجهين أبو على في المسائل العسكرية عن الاخفش، قال: إن شئت قلت: أبدل من التاء الكاف لاجتماعهما في الهمس، وإن شئت قلت:
أوقع الكاف - وإن كان في أكثر الاستعمال للمفعول لا للفاعل - (موقع التاء) لاقامة القافية، ألا تراهم يقولون: رأيتك أنت، ومررت به هو، فيجعلون علامات الضمير المختص بها بعض الانواع في أكثر الامر موقع الاخر، ومن ثم
__________
(1) في نسخة " كان " (*)

جاء لولاك، وإنما ذلك لان الاسم لا يصاغ معربا، وإنما يستحق الاعراب بالعامل " انتهى.
ورد ابن هشام في بحث " عسى " من المغنى الوجه الثاني، قال: " إنابة ضمير عن ضمير إنما ثبت في المنفصل (نحو): ما أنا كأنت ولا أنت كأنا، وأما قوله: * يا بن الزبير طالما عصيكا * فالكاف بدل من التاء بدلا تصريفيا، لامن إنابة ضمير عن ضمير كما ظن ابن مالك " ولم يكتب الدمامينى هنا شيئا، وقال ابن المنلا: " قيل: كيف يكون هذا البدل تصريفيا ولم يذكر في كتب الصرف ؟ وأجيب بأن التصريفى ما شأنه أن يذكر في كتب التصريف ذكر أو لم يذكر " هذا ما كتبه، وقد نقلنا لك عن الفارسى وابن جنى وغيرهما أنه بدل تصريفي، وكذا قال الشارح وقول ابن المنلا - بعد قول ابن هشام: لا من إنابة ضمير عن ضمير، ما نصه: إذ لو كان من باب الانابة لم يسكن آخر الفعل، إذ لا تسكين لاتصال الضمير المنصوب " انتهى - ساقط، لان الكاف قامت مقام التاء فأعطيت حكمها.
وقوله: " وطالما عنيتنا إليكا " أي: أتعبتنا بالمسير إليكا، وقوله: " لنضربن " بنون التوكيد الخفيفة، واللام في جواب قسم مقدر، وقوله: " قفيكا " أصله قفاكا، فأبدلت الالف ياء عند الاضافة إلى الكاف، وخصه الشارح في شرح
الكافية في باب الاضافة بالشعر، وإنما كان سبيله الشعر لانه ليس مع ياء المتكلم، فإنها تقلب معه ياء نثرا ونظما في لغة هذيل، يقولون: هوى وقفى في إضافة الهوى والقفا إلى الياء، وإنما قيد بالكاف لان السماع جاء معه.
وقد بسطنا الكلام على هذا في الشاهد الحادى والعشرين بعد الثلثماية من شواهد شرح الكافية.

وهذا الرجز أورده أبو زيد في نوادره ونسبه لراجز من حمير، والله تعالى أعلم.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الخامس بعد المائتين -: (من البسيط) 205 - أعن ترسمت من خرقاء منزلة * ماء الصبابة من عينيك مسجوم على أن الاصل أأن ترسمت، فأبدلت الهمزة المفتوحة عينا في لغة تميم، قال الشارح: " هذه الابدال في الابيات وغيرها جميعها شاذ، ولهذا لم يذكرها ابن الحاجب ".
وأقول: سيأتي إن شاء الله تعالى في شرح قوله: * أباب بحر ضاحك هزوق * أن هذا كثير والبيت من قصيدة لذى الرمة، والهمزة للاستفهام التقريرى، و " عن " حرف مصدري، واللام مقدر قبله علة للمصراع الثاني، وترسمت الدار: تأملت رسمها - بالراء المهملة، والتاء للخطاب - و " خرقاء " اسم معشوقتة، و " منزلة " مفعول ترسمت ء والصبابة: رقة الشوق، و " مسجوم " من سجمت العين الدمع: أي أسالته، والتقدير الاجل ترسمك ونظرك دارها التى نزلت فيها بكت عينك وقد تكلمنا عليه في فصل حروف المصدر من أواخر شرح الكافية
وأنشد بعده: * صبرا فقد هيجت شوق المشتئق * وتقدم شرحه في الشاهد التسعين من هذا الكتاب

وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس بعد المائتين: (من الرجز) 206 - يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي * فخندف هامة هذا العألم على أن العجاج همز العألم، ليكون موافقا لقوافي القصيدة، نحو " اسلمي " في عدم التأسيس، فلو لم يهمز للزم السناد وهو من عيون القافية قال ابن جنى في سر الصناعة: " قد روى عن العجاج أنه كان يهمز الخأتم والعألم، وقد روى عنه في هذا الهمز، وعده ابن عصفور من ضرائر الشعر، وقال: أبدل (1) الاف همزة لتكون القافية غير مؤسسة كأخواتها، وكانت الهمزة المبدلة منها ساكنة، لان التحريك يبطل الوزن، ولانها بدل من ألف زائدة ساكنة في اللفظ والتقدير " انتهى والسناد على خمسة أقسام: أحدها سناد التأسيس، وهو أن يجئ بيت مؤسس مع بيت غير مؤسس.
والتأسيس: ألف قبل حرف الروى (2) بحرف يسمى الدخيل، كاللام في العالم بين الالف والميم.
وقوله " يا درا سلمى يا اسلمي ثم اسلمي " هذا مطلع الارجوزة، دعا لدار سلمى بالسلامة، و " يا " الثانية للتنبيه، واسلمى أمر بمعنى دومي على السلامة، وبعده: * بسمسم وعن يمين سمسم * و " سمسم " بفتح السينين المهملتين: مكان (3)، ثم قال بعد أبيات كثيرة: * فخندف هامة هذا العألم *
__________
(1) في نسخة أخرى " إبدال " (2) في الاصول " قبل حرف التأسيس " وهو خطأ (3) قال ابن السكيت: هي رملة معروفة، وقال الحفصى: سمسم نقى بين القصيبة وبين البحر بالبحرين، وأنشد بيت رؤبة (*)

وإنما جمع الشارح بينهما ليبين القافية غير المؤسسة مع المؤسسة على تقدير عدم الهمز، و " خندف " هي امرأة إلياس بن مضر، وهى أم مدركة وطابخة وقمعة (1) وأبو الثلاثة إلياس، وأراد نسل خندف، وقد ترجمناها بالتفصيل في الشاهد التاسع والاربعين بعد المائة من هذا الكتاب وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع بعد المائتين: (من الوافر) 207 - * أحب المؤقدين إلى مؤسى * تمامه: * وجعدة إذ أضاءهما الوقود * على أنه روى بهمز المؤقدين ومؤسى، حكاه ابن جنى في سر الصناعة عن أبى على، قال: " وروى قنبل عن ابن كثير (بالسؤق) فهمز الواو، ووجه ذلك أن الواو وإن كانت ساكنة فإنها قد جاورت ضمة الميم فصارت الضمة كأنها فيها، فمن حيث همزت الواو في نحو (أقتت) وأجوه وأعد لانضمامها، كذلك كان همز الواو في المؤقدين ومؤسى على ما قدمناه " وقال في المحتسب: " همز الواو في الموضعين جميعا من البيت لانهما جاورتا الميم قبلهما فصارت الضمة كأنها فيهما، والواو إذا انضمت ضما لازما فهمزها جائز، نحو (أقتت) في وقتت، وأجوه في وجوه، ونظائر ذلك كثيرة، وكذلك الفتحة قبل الالف في باز لما جاورتها صارت على ما ذكرنا كائها فيها، والالف إذا حركت همزت على ما ذكرنا في الضألين، وجأن، فهذا وجهه " وكذا قال في الخصائص، وقال
__________
(1) اسمها ليلى بنت حلوان بن عمران، وكلما إلياس خرج في نجعة فنفرت إبله من أرنب فخرج إليها ابنه عمرو فأدركها، وخرج عامر فتصيد الارنب وطبخها، وانقمع عمير في الخباء، وخرجت أمهم تسرع، فقال لها إلياس: أنت تخندفين، فقالت: ما زلت أخندف في إثركم، فلقبوا مدركة وطابخة وقمعة وخندف (*)

في شرح تصريف المازنى بعد إنشاد البيت: " همز الواو الساكنة لانه توهم الضمة قبلها فيها، وإنما يجوز مثل هذا الغلط منهم لما يستهويهم من الشبه، لانهم ليست لهم قياسات يعتصمون بها، وإنما يميلون إلى طبائعهم، فمن أجل ذلك قرأ الحسن البصري (وما تنزلت به الشياطون) لانه توهمه جمع التصحيح نحو الزيدون، وليس منه، وكذلك قراءته (ولا أدرأتكم به) جاء به كأنه من درأته: أي دفعته، وليس منه، إنما هو من دريت الشئ: أي علمت به، وكذلك قراءة من قرأ (عادا لؤلى) فهمز فهو خطأ منه بمنزلة قول الشاعر: * لحب المؤقدان إلى موسى * فهمز الواو الساكنة لانه توهم الضمة قبلها فيها، ولهذا الغلط في كلامهم نظائر، فإذا جاء فاعرفه لتستعمله كما سمعته ولا تقس عليه " انتهى.
وأورد ابن عصفور هذا الابدال في الضرائر، وخصه بالشعر، وقال العصام في حاشية القاضى: " روى سيبويه البيت بهمز مؤقدان ومؤسى " وهذا لا أصل له، فإن سيبويه لم يرو هذا البيت في كتابه، وروى ابن جنى صدره في سر الصناعة، وفى إعراب الحماسة * أحب المؤقدين * بصيغة أفعل التفضيل فيكون أحب مبتدأ مضافا إلى المؤقدين بالجمع، و " مؤسى " خبره - ورواه في الخصائص وفى شرح تصريف المازنى وفى المحتسب * لحب المؤقدان * فيكون اللام في جواب قسم محذوف و " حب " للمدح والتعجب وأصلها حبب - بفتح
العين - فعل متعد كقوله: * فو الله لولا تمره ما حببته (1) *
__________
(1) هذا صدر بيت لغيلان بن شجاع النهشلي وعجزه: * ولا كان أدنى من عبيد ومشرق * (*)

ثم نقل إلى باب فعل بالضم للمدح للالحاق بنعم، ولنا نقل ضمة العين إلى الفاء، ولنا حذفها لاجل الادغام في الصورتين، وقد روى بالوجهين فصارت كنعم فعلا جامدا، ولهذا لم تدخل قد مع اللام عليها كما لم تدخل قد على نعم، و " المؤقدان " فاعل حب، و " مؤسى وجعدة " هو المخصوص بالمدح، و " إلى " بمعنى عندي، و " إذ " ظرف متعلق بحب، و " أضاءهما " بمعنى أنارهما وأظهرهما، ويأتى أضاء لازما، يقال: أضاء الشئ بمعنى أشرق، والاسم الضياء، و " الوقود " بالضم مصدر وقدت النار: أي اشتعلت، والوقود - بالفتح - الحطب الذى يوقد، وقد روى هنا بالوجهين، وأريد به هنا وقود نار القرى كما هو عادة العرب، يوقد الكريم منهم نارا على موع عال ليهتدى بها إليه الغريب والمسافر فيأتى إلى قراه، قال خضر الموصلي: " مدح ابنيه بالكرم والاشتهار به فكنى عن الاول بإيقاد نار القرى، وعن الثاني بإضاءة الوقود إياهما، والمعنى ما أحبهما إلى وقت إضاءة وقودهما، واستعمال الاضاءة شديد الطباق في هذا المقام لترددها بين الحقيقة والمجاز " انتهى.
وقال العصام: " عنى بالاضاءة بالوقود الاشتهار، وصف ابنيه ونفسه بالكرم، حيث جعل محبته لهما من حين اشتهارهما بالكرم، وفى ذلك كمال وصفه بالكرم حتى غلبت محبته الطبيعية لهما المحبة للاشتهار بالكرم، والتحقت في مقابلة المحبة للاشتهار بالعدم إلى أن جعل محبته لهما من وقت الاشتهار "
هذا كلامه وقال السيوطي في شرح أبيات المغنى: " مؤسى وجعدة عطفا بيان للمؤقدان، كانا يوقدان نار القرى، وإذ أضاءهما: بدل اشتمال منهما " انتهى.
وتبعه ابن المنلا في شرح المغنى، وخضر الموصلي في شرح أبيات التفسيرين، وهذا غير جيد، فان حب هنا بمنزلة نعم تطلب فاعلا ومخصوصا بالمدح، وهو إما

مبتدأ أو خبر لمبتدأ، وإذا كان كذلك لا يجوز أن يكون إذ بدلا منهما، لانه ظرف غير متصرف.
والبيت من أول قصيدة لجرير مدح بها هشام بن عبد الملك المروانى، وموسى وجعدة: ولدا جرير، وروى حزرة بدل جعدة، وهو ابنه أيضا، وقال السيوطي رحمه الله: جعدة بنته، وفيه بعد، والبيت مستقل في معناه لا حاجة لنا إلى إيراد شئ من القصيدة.
وأنشد بعده - وهو الشاهد بعد المائتين -: (من الرجز) 208 - أباب بحر ضاحك هزوق على أن أصله " عباب بحر " فأبدلت العين همزة، وهذا أشذ مما قبله، لانه لم يثبت قلب العين همزة في موضع، وما نقله عن ابن جنى قاله في سر الصناعة، وهذه عبارته: " فأما ما أنشده الاصمعي من قول الراجز: أباب بحر ضاحك هزوق فليست الهمزة فيه بدلا من عين عباب، وإن كان بمعناه، وإنما هو فعال من أب إذا تهيأ، قال الاعشى: (من الطويل) * وكان طوى كشحا وأب ليذهبا (1) *
__________
(1) رواه في اللسان:
صرمت ولم أصرمكم وكصارم * أخ قد طوى كشحا وأب ليذهبا وكذلك هو في الديوان (ص 89) وسيأتى للمؤلف الاعتراض بهذه الرواية على ما رواه الرضى تبعا لابن جنى (*)

وذلك أن البحر يتهيأ لما يزخر به، فلهذا كانت الهمزة أصلا غير بدل من عين، ولو قلت: إنها بدل منها فهو وجه، وليس بالقوى " انتهى.
ومفهومه أن إبدال العين همزة ضعيف لقلته، وإليه ذهب ابن مالك قال في التسهيل: " وتبدل الهمزة قليلا من الهاء والعين " ومثل شراحه بالبيت، ولم يقيد الزمخشري في المفصل بقلة، بل قال: " الهمزة أبدلت من حروف اللين ومن الهاء والعين " ثم مثل، إلى أن قال: " فأبدالها من الهاء في ماء وأمواء، ومن العين في قوله: " أباب بحر...البيت " نعم تفهم القلة من ذكره أخيرا بالنسبة إلى ما قبله، ولم يقيد بشئ شارحه ابن يعيش، وإنما قال: " أبدل الهمزة لقرب مخرجيهما كما أبدلت العين من الهمزة في نحو * أعن ترسمت...البيت * " وليس في هذا شذوذ فضلا عن الاشذية، وتوجيه الشارح الاشذية بما قاله تبعا للمصنف ممنوع، فانه جاءت كلمات كثيرة، وقد ذكر له ابن السكيت في كتاب القلب والابدال بابا، وكذا عقدا له فصلا أبو القاسم الزجاجي في أماليه الكبرى، أما ابن السكيت فقد قال: " باب العين والهمزة: قال الاصمعي: يقال: آديته على كذا وكذا وأعديته: أي قويته وأعنته، ويقال: استأديت الامير على فلان في معنى استعديت، ويقال: قد كثأ اللبن وكثع وهى الكثأة والكثعة، وهو أن يعلو دسمه وخثورته على رأسه في الاناء، قال: (من
الطويل) وأنت امرؤ قد كثأت لك لحية * كأنك منها بين تيسين قاعد والعرب تقول: موت زعاف وزؤاف وذعاف وذؤاف، وهو الذى يعجل

القتل، ويقال: عباب الموج وأبابه، ويقال: لاطه بعين ولاطه بسهم ولعطه إذا أصابه به، أبو زيد: يقال: صبأت على القوم أصبأ صبأ وصبعت عليهم أصبع صبعا، وهما واحد، وهو أن تدخل عليهم غيرهم، الفراء: يقال: يوم عك، ويوم أك من شدة الحر، ويقال: ذهب القوم عباديد وأباديد، وعباييد وأبابيد، ويقال: انجأفت النخلة وانجعفت، إذا انقلعت من أصلها، وقال الاصمعي: سمعت أبا الصقر ينشد: (من الطويل) أريني جوادا مات هزلا لالنى * أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا يريد لعلنى، وقال أبو عمرو: سمعت أبا الحصين العبسى يقول: الاسن قديم الشحم، وبعضهم يقول العسن، الاصمعي: يقال: التمئ لونه والتمع لونه، وهو السأف والسعف، وقال الفراء: سمعت بعض بنى نبهان من طيئ يقول: دأنى، يريد دعين، وقال: ثؤاله، يريد ثعاله، فيجعلون مكان العين همزة، كما جعلوا مكان الهمزة عينا في قوله: لعنك قائم، وأشهد عنكم رسول الله، وهى لغة في تميم وقيس كثيرة، ويقال: ذأته وذعته إذا خنقه " هذا ما أورده ابن السكيت.
ولا شك أن هذه الكلمات المشهور فيها بالعين والهمزة بدل منها، وقد أسقطنا من كلامه ما المشهور فيه الهمزة والعين بدل منها، ومنها قال الاصمعي: سمعت أبا ثعلب ينشد بيت طفيل: (من الطويل)
فنحن منعنا يوم حرس (1) نساءكم * غداة دعانا عامر غير معتلى
__________
(1) حرس - بالحاء المهملة مفتوحة -: ماء من مياة بنى عقيل بنجد، وهما ماءان اثنان يسميان حرسين، قال مزاحم العقيلى:

يريد مؤتلى، يعنى غير مقصر، ومنها يقال: ردت أن تفعل كذا، وبعض العرب يقول: أردت عن تفعل، ومنها إن بينهم لعهنة: أي إحنة وأما ما أورده الزجاجي فهو عبد عليه وأبد: أي غضب عليه، وهو عيصك وإيصك، أي أصلك، وهو يوم وأك، وعكيك وأكيك: أي حار، وذكر محمد ابن يحيى العنبري أن رجلا من فصحاء ربيعة أخبره أنه سمع كثيرا من أهل مكة: يا أبد الله، يريدون يا عبد الله، ويقال: الخنأبة والخنعبة، لخنأبة الانف، وهى صفحته، تهمز ولا تهمز، وهى دون المحجر مما يلى الفم، وتكعكع وتكأكأ عن الشئ، قال الاعشى: (من المتقارب) تكأكأ ملاحها فوقها * من الخوف كوثلها يلتزم وهذا ما أورده الزجاجي، وقد أسقطنا منه أيضا ما توافق فيه مع ابن السكيت، وما المشهور فيه الهمزة وأبدلت عينا، وقلب العين همزة أقيس من العكس، لان الهمزة أخف من العين.
ولو استحصر ابن جنى عدة الكلمات لم يقل ما قال، ولاذهب ابن الحاجب إلى ما ذهب، ولله در الزمخشري في صنعه، والله الموفق تبارك وتعالى.
و " الهزوق " فسره الشرح بالمستغرق في الضحك، وهو كذا في سر الصناعة وغيره، وفى العباب للصاغاني: " وأهزق الرجل في الضحك إذا أكثر منه " انتهى.
ولم أر فيه أكثر من هذا، وعليه يكون الهزوق فعولا من أهزق،
والقياس أن يكون من الثلاثي.
__________
نظرت بمفضى سيل حرسين والضحى * يلوح بأطراف المخارم آلها وحرس أيضا واد بنجد، وقيل: جبل، وقالوا في تفسير بيت طفيل الذى أنشده المؤلف: إن حرسا ماء لغنى.
(*)

ووقع في المفصل زهوق - بتقديم الزاى على الهاء - قال بعض أفاضل العجم في شرح أبياته: " الا باب العباب، وهو معظم الماء وكثرته وارتفاعه، أبدل الهمزة من العين، وضحك البحر كناية عن امتلائه، وقال بعض الشارحين: الظاهر أنه كناية عن أمواجه، وقال الجوهرى: البئر البعيدة القعر، وعن المصنف زهوق: مرتفع، يصف بحرا ممتلئا أو ذا أمواج بعيد القعر أو مرتفع الماء " انتهى كلامه.
وقال ابن السيرافى: " عباب البحر: معظم مائه وكثرته وارتفاعه، والضاحك من السحاب كالعارض إلا أنه إذا برق ضحك، وقال الخوارزمي: الزهوق: البئر البعيدة القعر، وقال في الحواشى: ضاحك: أي يضحك بالموج، وزهوق: مرتفع، والزهوق المرتفع أولى بالوصف من البئر البعيدة القعر، لان العباب إذا كان الكثير المرتفع فإنما يكون ذلك لارتفاع ماء البحر " انتهى ولم أقف عليه بأكثر من هذا والله سبحانه وتعالى أعلم وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع بعد المائتين -: (من الطويل) 209 - وكان طوى كشحا وأب ليذهبا هكذا وقع في سر الصناعة، وصوابه كذا: فأبلغ بنى سعد بنى قيس بأننى *
عتبت فلما لم أجد لى معتبا صرمت ولم أصرمكم وكصارم * أخ قد طوى كشحا وأب ليذهبا وهو من قصيدة للاعشى ميمون الجاهلي، قال أبو عبيد القاسم بن سلام

في الغريب المصنف: أببت أؤب أبا، من باب نصر، إذا عزمت على المسير وتهيأت، وأنشد البيت وفى العباب: أبو زيد: أب يؤب أبا وأبابا وأبابة تهيأ للذهاب وتجهز، يقال: هو في أبابه إذا كان في جهازه، وأنشد البيت أيضا، وقال ابن دريد في الجمهرة: طويت كشحى على كذا إذا أضمرته في قلبك وسترته، وأنشد البيت أيضا، وفى الصحاح: طوى كشحه إذا أعرض بوده، يقول لبنى سعد: لما عتبت عليكم لترجعوا عن مساءتى وما أكرهه لم أجد عندكم موضع عتب، يريد أنه لم يجد فيهم من يسمع عتبه ويسعى في إزالة ما يكره، يقول: لما يئست من عودكم إلى ما أحب تركتكم غير صارم (1) لكم بقلبي ولا مفارق فراق بغضة، إنما فارقتكم لاجل ما علتمونى به، ومن طوى كشحه عنكم يرى (2) أنه انصرف، فهو كالذى صرم: أي هجر عن قلى وبغضة، ويجوز أن يكون " معتب " اسم فاعل من أعتبه: أي أزال عتبه، والعتب مصدر عتب عليه: أي وجد عليه وغضب وأنشد بعده - وهو الشاهد العاشر بعد المائتين -: (من الرجز) 210 - وبلدة قالصة أمواؤها * يستن في رأد الضحى أفياؤها على أن الاصل أمواهها فأبدلت الهاء همزة، وهو شاذ قال ابن جنى في سر الصناعة: " وأما إبدال الهمزة عن الهاء فقولهم: ماء،
وأصله موه، لقولهم أمواه، فقلبت الواو ألفا، وقلبت الهاء همزة، وقد قالوا في الجمع
__________
(1) في الاصول " ترك الصارم " وهو غير مستقيم المعنى (2) في الاصول " يريد " ولم يظهر لنا وجهه، والظاهر أنه محرف عما أثبتناه ومن اسم موصول مبتدأ خبره جملة " فهو كالذى صرم " (*)

أيضا: أمواء، فهذه الهمزة أيضا بدل من هاء أمواه، أنشدني أبو على: * وبلدة قالصة أمواؤها * " وقال في شرح تصريف المازنى بعد البيت: " فهذه الهمزة في الجمع إما أن تكون الهمزة التى كانت في الواحد، وإما أن تكون بدلا من الهاء التى تظهر في أمواه، فكأنه لفظ بالهاء في الجمع، ثم أبدل منها الهمزة، كما فعل في الواحد " انتهى وأورد ابن السكيت في كتاب القلب والابدال (1) كلمات أبدلت هاؤها همزة وبالعكس، فالاول قال الاصمعي: يقال للصبا: هير وهير وإير وأير، وأنشد: (من الطويل) وإنا لا يسار إذا هبت الصبا * وإنا لا يسار إذا الاير هبت ويقال للقشور التى في أصول الشعر: إبرية وهبرية، الاصمعي: يقال: إتمأل السنام واتمهل واتمهل، إذا انتصب، ويقال للرجل الحسن القامة، إنه لمتمهل ومتمئل، أبو عبيدة عن يونس: (يقال): دع المتاع كأيأته، يريدون كهيئته، الفراء: ازمأرت عينه وازمهرت، إذا احمرت، وهيهات وأيهات، ويقال: قد أبزت له وهبزت له، وهو الوثب ومما أورده الزجاجي في أماليه: رأيت منه هشاشا وأشاشا، وقد هش إلى وأش إلى، والهزل والازل، وقد أهزلته وأزلته، وهو مهزول ومأزول، وما زال ذلك إجرياه وهجرياه: أي دأبه، وصهل الفرس وصأل، وصهال وصئال
ومما أورده ابن السكيت من الثاني: يقال: أيا فلان وهيا فلان، ويقال: أرقت الماء وهرقته فهو ماء مراق ومهراق، وحكى الفراء: أهرقت الماء فهو مهراق، ويقال: إياك أن تفعل وهياك أن تفعل، وإنما يقولون: هياك في موضع زجر،
__________
(1) انظره (ص 25) (*)

ولا يقولون: هياك أكرمت، الكسائي يقال: أرحت دابتي وهرحتها، وقد أنرت له وهنرت له، يونس: وتقول العرب: أما والله لافعلن وهما والله لافعلن وأيم الله وهيم الله، الاصمعي: ينشد هذا البيت (1): (من المتقارب) وقد كنت في الحرب ذا تدرإ * فلم أعط شيئا ولم أمنع وبعض العرب يقول: ذاتدره ومما أورده الزجاجي: هرشت وأرشت، وهم أهل عبد الله وآل عبد الله، وهم آلى وهالي، وهؤلاء وآؤلاء، انتهى قلت: وفى هل فعلت، يقال: أل فعلت، نقله المرادى في الجنى الدانى عن قطرب، وكذلك ابن هشام في المغنى عنه وبما سقناه يعلم أن قلب الهاء همزة ليس من ضرائر الشعر كما زعمه ابن عصفور وأنشد له هذا الشعر قال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: وأما قولهم الباءة والباهة في النكاح، فقد يمكن أن يكونا أصلين، وقد يجوز أن تكون الهاء بدلا من الهمزة، لانه من لانه من الباءة والبواء، وهو الرجوع والتكافؤ، لان الانسان كأنه يرجع إلى أبيه ويقوم مقامه، فيكون على هذا معتل العين واللام، وإن كانت الهاء فيه أصلا فهو من لفظ بوهة، فالالف فيه منقلبة عن الواو، والبوهة: الاحمق
__________
(1) البيت للعباس بن مرداس السلمى، يقوله لسيدنا رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم، من كلمة أولها: أتجعل نهبى ونهب العبيد * بين عيينة والاقرع وما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في مجمع (*)

العاجز (1) فيكون من هذا، لان النكاح مؤد إلى العجز والهرم، أو لان البوهة لم يكمل ولم يتوفر عقله فكأنه نئ لم ينضج، فهو كالموات على حاله الاولى وقت حصوله في الرحم وقال في سر الصناعة: وأما قولهم: رجل تدرأ وتدره للدافع عن قومه فليس أحد الحرفين فيهما بدلا من صاحبه، بل هما أصلان، يقال: درأ ودره وقوله " وبلدة " بجر واو رب، و " قالصة " صفة بلدة، وأمواؤها: فاعل قالصة، والبلدة في اللغة: مطلق الارض والبقعة، وقالصة: من قلص الماء في البئر إذا ارتفع، فهو ماء قالص، وقليص، ويقال للماء الذى يجم في البئر: أي يكثر ويرتفع: قلصة بفتحات، ويستن: يجرى في السنن - بفتحات - وهو وجه الطريق والارض، وأفياؤها: فاعله، والجملة صفة ثانية لبلدة.
وجواب رب في بيت آخر وهو " قطعتها " أو " جبتها " ورأد الضحى - بالهمز والتسهيل - بمعنى ارتفاعه، والرواية في سر الصناعة والمفصل: ما صحة رأد الضحى، من مصح الظل بمهملتين: أي ذهب، ورأد: منصوب على الظرف، والمعنى أن هذه البلدة كثيرة الفئ لكثرة ظلال أشجارها حتى يذهبه ارتفاع الضحى بارتفاع الشمس، وأفياء: جمع فئ - بالهمز - والمشهور أنه ما نسخته الشمس، والظل: ما نسخ الشمس، من فاء فيئا: أي رجع، لانه كان ظلا فنسخته الشمس فرجع، وقال ابن كيسان: المعروف أن الفئ والظل واحد، كذا قاله اللبلى في شرح أدب الكاتب، وقال
صاحب المقتبس: المعنى أن تلك البلدة قليلة الاشجار لا تدوم ظلالها، بل إذا
__________
(1) ومنه قول امرئ القيس أيا هند لا تنكحي بوهة * عليه عقيقته أحسبا مرسعة بين أرساغه * به عسم يبتغى أرنبا (*)

ارتفع الضحى ذهبت ظلالها، ولم تبق، فتأمل.
وأنشد الجاربردى - وهو الشاهد الحادى عشر بعد المائتين -: (من الطويل) 211 - فآليت لا أملاه حتي يفارقا على أن أصله لا أمله، من مللت الشئ بالكسر ومللت منه أيضا مللا وملالة وملة، إذا سئمته وأنشد الشارح - وهو الشاهد الثاني عشر بعد المائتين، وهو من شواهد سيبويه -: (من الرجز) 212 - ومنهل ليس له حوازق * ولضفادى جمه نقانق على أن أصله ولضفادع، فأبدلت العين ياء ضرورة وأورده سيبويه في باب ما رخمت الشعراء في غير النداء اضطرارا، قال: " وأما قوله وهو رجل من بنى يشكر: (من البسيط) لها أشارير من لحم تتمره * من الثعالى ووخز من أرانيها فزعم أن الشاعر لما اضطر إلى الياء أبدلها مكان الباء، كما يبدلها مكان الهمزة، وقال أيضا: ومنهل ليس له حوازق * ولضفادى جمه نقانق وإنما أراد ضفادع، فلما اضطر إلى أن يقف آخر الاسم كره أن يقف حرفا لا يدخله الوقف في هذا الموضع، فأبدل مكانه حرفا يوقف في الجر والرفع " انتهى
قال الاعلم: " ووجه الابدال أنه لما اضطر إلى إسكان الحرفين لاقامة الوزن، وهما مما لا يسكن في الوصل، أبدل مكان الباء والعين الياء، لانها تسكن في حالة الرفع والخفض، وإنما ذكر سيبويه هذا لئلا يتوهم أنه من باب الترخيم،

وأن الياء زيدت كالعوض، لان المطرد في الترخيم أن لا يعوض من الحرف المحذوف شئ، لان التمام منوى فيه، ولان الترخيم تخفيف، فلو عوض منه لرجع فيه إلى التثقيل، والمنهل: المورد، والحوازق: الجماعات، واحدتها حزيقة، فجمعها جمع فاعلة كأن واحدتها حازقة، لان الجمع قد يبنى على غير واحده: أي هو منهل قفرلا وارد له، والجم: جمع جمة، وهى معظم الماء ومجتمعه، والنقانق: أصوات الضفادع واحدتها نقنقة " انتهى.
فيكون وصف المنهل بالبعد والمخافة، يعنى أن هذا المنهل لا يقدر أحد أن يرده لبعده وهو له، ولكن لاقدامي وجرأتي أرد مثله من المياه، وأراد أنه ليس به إلا الضفادع النقاقة.
ومنهل: مجرور برب المقدرة بعد الواو، وجوابها في بيت آخر، وحوازق - بالحاء المهملة والزاى المعجمة، وهو اسم ليس، وله: خبرها، الجملة صفة لمنهل، ولضفادى جمة: خبر مقدم، وضفادى: مضاف إلى حمه، وجم مضاف إلى ضمير المنهل، ونقانق: مبتدأ مؤخر، والجملة صفة ثانية لمنهل، والجم - بالجيم -: وصف بمعنى الكثير، وأصله المصدر، قال صاحب المصباح: " جم الشئ جما من باب ضرب: كثر، فهو جم تسمية بالمصدر، ومال جم: أي كثير " انتهى، والجم أيضا: ما اجتمع من ماء البئر، وقد ذكر الجوهرى الحازقة بمعنى الجماعة، فيكون جمعه على القياس، والنقنقة - بفتح النونين، وسكون القاف الاولى -: صوت الضفدع إذا ضوعف والدجاجة تنقنق للبيض، ويقال: نقت الضفدعة تنق، بالكسر نقيقا: أي
صاحت قال الشاعر: (من الرجز) تسامر الضفدع في نقيقها وكذلك النقيق للعقرب والدجاجة، قال: (1) (من الطويل)
__________
(1) البيت لجرير (*)

كأن نقيق الحب في حاويائه * فحيح الافاعى أو نقيق العقارب وربما قيل للمهر، قال (1): (من الرجز) * خلف استه مثل نقيق الهر * كذا في العباب وقال بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل: " قال صدر الافاضل الحزق: الشد والحبس، والمراد بالحوازق الجوانب، لانها تمنع الماء أن ينبسط، وقيل: إنه لا يمنع الواردة لسهولة جوانبه، لانها منبسطة، يصف منهلا واسعا فيقول: رب مهل ليس له جوانب تمنع الماء من انبساطه فانبسط ماؤه حوله، إذ ليس (له) موانع وحوابس تمنع الواردين، لانه سهل الورود " هذا كلامه، وتبعه الجاربردى، قال الاعلم: هذا الرجز يقال صنعه خلف الاحمر وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث عشر بعد المائتين، وهو من شواهد سيبويه -: (من البسيط) 213 - لها أشارير من لحم تتمره * من الثعالى ووخز من أرانيها على أن الاصل من الثعالب وأرانبها، فأبدلت الموحدة فيهما ياء لضرورة الشعر، كما تقدم وقال ابن عصفور في كتاب الضرائر: " وقد يمكن أن يكون جمع ثعالة،
فيكون الاصل فيه إذ ذاك الثعائل إلا أنه قلب " انتهى.
__________
(1) قد أنشد أبو عمرو قبله: أطعمت راعى من اليهير * فظل يبكى حبجا بشر (*)

والبيت من قصيدة لابي كاهل اليشكرى، وقبله كأن رحلى على شغواء حادرة * ظمياء قد بل من طل خوافيها لها أشارير من لحم تتمره * من الثعالى ووخز من أرانيها فأبصرت ثعلبا من دونه قطن * فكفتت من ذناباها تواليها ضغا ومخلبها في دفه علق * يا ويحه إذ تفريه أشافيها وأبو كاهل: هو والد سويد بن أبى كاهل، وسويد: شاعر مخضرم، قد ترجمناه في الشاهد التاسع والثلاثين بعد الاربعمائة من شواهد شرح الكافية.
وأبو كاهل شبه ناقته في سرعتها بالعقاب، الموصوفة بما ذكره، والرحل للابل أصغر من القتب، وهو من مراكب الرجال دون النساء، والشغواء - بالشين والغين المعجمتين - العقاب، وروى " كأن رحلى على صقعاء " وهى العقاب التى في وسط رأسها بياض، والاصقع من الخيل والطير: ما كان كذلك، والاسم الصقعة - بالضم - وموضعها: الصوقعة، وحادرة - بمهملات - من الحدور، وهو النزول من عال إلى أسفل كالصبب وقال بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل: " حاذرة - بالذال المعجمة - المتيقظة، وإنما وصف العقاب بأنها حاذرة ليشير إلى حذر فؤاد ناقته، لانه مدح لها قال أبو العلاء: (من البسيط) * فؤاد وجناء مثل الطائر الحذر * ورواه بعض الشارحين بالدال المهملة، وقال: الحادرة المكتنزة الصلبة "
هذا ما سطره قال ابن برى في أماليه على الصحاح: والظمياء العطشى إلى دم الصيد، وقيل: التى تضرب إلى السواد، وبل: فعل مبنى للمجهول من البلل، فإذا بلها المطر

أسرعت إلى وكرها، وكذلك جميع الطير، والطل: المطر الضعيف، والخوافى: جمع خافية، وهى ريشة الجناح القصيرة تلى الابط، والخوافى: أربع ريشات، وسميت خوافى لان الطائر جناحه خفيت، والاشارير: جمع إشرارة - بكسر الهمزة - وهى اللحم القديد، وتتمره: فعل مضارع، والجملة صفة أشارير أو حال منها، وروى متمرة - على وزن اسم المفعول - وبالجر على الصفة، وبالنصب على الحال، والتتمير - بالمثناة الفوقية لا بالمثلثة -: هو تجفيف اللحم والتمر، قال النحاس في شرح أبيات سيبويه: ويقال: إن المبرد صحفه بالثاء المثلثة، وتعجب منه ثعلب، وكان معاصره، فقال: إنما كان يتمر اللحم بالبصرة فكيف غلط في هذا ؟ والوخز - بفتح الواو وسكون الخاء المعجمة بعدها زاى -: الشئ القليل، كذا في الصحاح، وقيل: الوخز قطع اللحم واحدتها وخزة، والمتمرة المقددة، يريد أنه يبقى في وكرها حتى يجف لكثرته.
وقال الاعلم: الوخز: قطع اللحم، وأصله الطعن الخفيف وأراد ما تقطعه بسرعة، يريد أنها قطعته وجففته، وأضاف الارانب إلى ضميرها لكونها صادته، ثم وصف صيدها فقال: فأبصرت ثعلبا - الخ، وقطن بفتحتين - جبل لبنى أسد، وكفتت - بتشديد الفاء للمبالغة، والتاء الثانية للتأنيث، يقال: كفت الشئ كفتا - من باب ضرب - إذا ضمه إلى نفسه، والذنابى: بضم الذال المعجمة بعدها نون وبعد الالف موحدة فألف مقصورة، قال صاحب الصحاح: " وفى جناح الطائر أربع ذنابى بعد الخوافى " ولم يذكرها ابن قتيبة في أدب الكاتب، قال: " قالوا جناح الطائر عشرون ريشة: أربع قوادم، وأربع
مناكب، وأربع أباهر، وأربع خوافى، وأربع كلى " انتهى.
ولم ينبه عليها شرحه، وإنما قال شارحه اللبلى: وقداماه أوله، وذناباه آخره، انتهى.
وتواليها: الضمير للذنابى، والتوالي: جمع تالية، وهى الريشات التى تلى الذنابى، يريد أنها لما انحدرت على الثعلب ضمت جناحها إليها كما تفعل الطيور المنقضة على الصيد، وتواليها: مفعول

كفتت ووجب تأخيره لان الضمير فيها راجع للذنابى، وقوله " ضغا " بالضاد والغين المعجمتين، قال صاحب الصحاح: ضغا الثعلب والسنور يضغو ضغوا: أي صاح، وكذلك صوت كل ذليل مقهور، والمخلب - بالكسر - للطائر والسباع بمنزلة الظفر للانسان، والدف - بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء -: الجنب، وعلق - بفتح العين وكسر اللام - أي: ناشب به، وقوله " يا ويحه " المنادى محذوف وويح: كلمة ترحم وتوجع، والضمير للثعلب، وتفريه: تشققه وتقطعه، مبالغة فرته - بتخفيف الراء - والاشافى: جمع إشفى - بكسر الهمزة وبعد الفاء ألف مقصورة - وهى آلة للاسكاف، قال ابن السكيت: الاشفى: ما كان للاسقية والمزاود وأشباهها، والمخصف للنعال، وأراد هنا المخالب، شبهها بالاشافى وبما شرحنا ظهر أنه شبه راحلته بعقاب ذاهبة إلى وكرها وقد بلها المطر، وهو أشد لسرعتها، ثم وصف صيدها وسرعة انقضاضها عليه من جو السماء وزعم الجوهرى أنه وصف فرخة عقاب تسمى غبة - بضم الغين المعجمة وتشديد الموحدة - وهو اسم فرخ بعينه، لا اسم جنس، وليس في الشعر شئ منه، وتبعه على هذا عبد اللطيف البغدادي في شرح نقد الشعر لقدامة، فقال: يصف فرخة عقاب تسمى عبة كانت لبنى يشكر، ولها حديث، وكذا قال العينى، وأنشده صاحب الصحاح في ثلاثة مواضع: في مادة تمر، ومادة شر، ومادة وخز، وفى هامشه قيل: هو لابي كاهل، وقيل للنمر بن تولب اليشكرى، وجمع بينهما العينى فقال:
قائله هو أبو كاهل النمر بن تولب اليشكرى، وهذا غير جيد منه وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع عشر بعد المائتين -: (من الوافر) 214 - إذا ما عد أربعة فسال * فزوجك خامس وأبوك سادى على أن أصله سادس، فأبدلت السين ياء، وهذا لضرورة الشعر.
(*)

ومثله ما في كتاب القلب والابدال، قال: " كان رجل له امرأة تقارعه ويقارعها أيهما يموت قبل، وكان تزوج نساء قبلها فمتن وتزوجت هي أزواجا قبله فماتوا، فقال: (من الطويل) ومن قبلها أهلكت بالشؤم أربعا * وخامسة أعتدها من نسائيا بويزل أعوام أذاعت بخمسة * وتعتدني إن لم يق الله ساديا وقوله " بو يزل أعوام " أي مسنة، حال من خامسة، مصغر بازل، وهو مستعار من البازل في الابل، وهو الداخل في السنة التاسعة، وهو آخر أسنانه، ويقال في العاشرة: بازل عام، وبازل عامين، وبازل أعوام، ومثله قول الاخر: (من البسيط) خلا ثلاث سنين منذ حل بها * وعام حلت وهذا التابع الخامى وأصلهما سادسا، والخامس، فأبدلت الياء من السين فيهما.
وأما قول الاخر: (من الطويل) ثلاثة أيام كرام ورابع * وما الخام فيهم بالبخيل الملوم فإن لما أبدل السين من الخامس ياء اكتفى بالكسرة منها، كذا قال ابن عصفور في كتاب الضرائر.
وأما البيت الاول فقد أورده الجوهرى في مادة فسل، قال: الفسل من الرجال
الرذل، والمفسول مثله، وقد فسل - بالضم - فسالة وفسولة فهو فسل من قوم فسلاء وأفسال وفسال وفسول، قال الشاعر: إذا ما عد أربعة الخ وروى ابن السكيت حموك بدل أبوك، ولم يكتب ابن برى ولا الصفدى

على المادة شيئا، وقال ياقوت فيما كتبه على هامش الصحاح: البيت يروى للنابغة الجعدى، يهجو به ليلى الاخيلية.
وأما قوله " خلا ثلاث سنين - البيت " فقال ابن السكيت: أنشدنيه القاسم بن معن، ونقل عنه ان المستوفى: أنه للحادرة، ولم أره في ديوانه.
وصريح كلام ابن عصفور أن هذا كله ضرورة، ويرد عليه ما نقله ابن السكيت عن الفراء عن الكسائي أنه قال: العرب تقول: جاء ساتا، وجاء ساتيا، تريد سادسا، فلما ثقل المشدد بدل بالياء، وكانت خلفا من التاء، وأخرجت الدال لانها من الاصل، ومن قال ساتا فعلى لفظ ستة وستين، ومن قال سادسا فعل الاصل، قالوا: جاء سادسهم، وساتهم، وساديهم، وساديتهن، للمرأة، قال: وزعم الكسائي أنه سمع أعراييا يقول: وكانت آخر ناقة نحرها والدى أو جدى سادية وستين، وأنشد بعض العرب: (من البسيط) يا لهف نفسي لهفا غير ما كذب * على فوارس بالبيداء أنجاد كعب وعمرو وعبد الله بينهما * وابناهما خمسة والحارث السادي أي السادس وأنشد بعده - وهو الشاهد الخامس عشر بعد المائتين -: (من الرجز) 215 - يفديك يا زرع أبى وخالى * قد مر يومان وهذا الثالى
وأنت بالهجران لا تبالي على أن الاصل " وهذا الثالث " فأبدل الياء من الثاء.
وخصه ابن عصفور بالضرورة أيضا، ولم يذكره ابن السكيت في كتاب الابدال،

ولا الزجاجي في أماليه، ولا رأيته إلا في كتب التصريف، وقائله مجهول، والله أعلم به، وزرع: مرخم زرعة.
وأنشد بعده: (من الطويل) هما نفثا في في من فمويهما * على النابح العاوى أشد رجام على أن " فما " عند الاخفش أصله فوه، بدليل رجوعها في التثنية وقد تقدم في الشاهد السابع والخمسين من هذا الكتاب.
وأنشد بعده - وهو الشاهد السادس عشر بعد المائتين -: (من الرجز) 216 - لا تقلواها وادلواها دلوا * إن مع اليوم أخاه غدوا على أن " غدا " أصله غدو، بدليل هذا البيت.
وجاء في بيت لبيد الصحابي رضى الله تعالى عنه كذلك، قال من قصيدة: (من الطويل) وما الناس إلا كالديار وأهلها * بها يوم حلوها وغدوا بلاقع واستدل سيبويه بهذا البيت على أن أصله غدو، باسكان الدال، وإذا نسب إلى الاصل فقيل " غدوى " لم تسلب الدال الحركة، لان النسبة جرت على التحرك بعد الحذف، خلافا للاخفش، فانه زعم أن الحركة تحذف عند النسبة إلى الاصل، فيقول: غدوى ويديى، باسكان دالهما.
قال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: " والقول قول سيبويه، ألا ترى

أن الشاعر لما رد الحرف المحذوف بقى الحركة التى أحدثها الحذف بحالها قبل الرد في قوله: يديان بيضاوان عند محلم فتحريك الدال بعد رد الياء دلالة على صحة ما ذهب إليه سيبويه، قال أبو على: فإن قيل: فما تصنع بغدوا في البيتين، فإنه يشهد لصحة قول الاخفش ؟ فالجواب أن الذى قال: غدوا ليس من لغته أن يقول: غد، فيحذف، بل الذى يقول: غد غير الذى يقول: غدوا " انتهى كلامه.
وأنشده صاحب الكشاف عند قوله تعالى (أو كصيب من السماء) على أن التقدير كمثل ذوى صيب، لان التشبيه ليس بين ذات المنافقين والصيب نفسه، بل بين ذواتهم وذوات ذوى الصيب، كما فعل لبيد بإدخاله حرف التشبيه على الديار، مع أنه لم يرد تشبيه الناس بالديار، إذ لا يستقيم ذلك، وإنما شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم وتركهم منازلهم خالية، بحلول أهل الديار فيها ونهوضهم عنها وتركها خالية، فهى بالحلول مأهولة، وبالرحيل خالية، والتقدير: وما الناس إلا كالديار حال كون أهلها بها يوم حلولهم فيها وهى في غد خالية، وأهلها: مبتدأ، وخبره: بها، ويوم: ظرف متعلق بمتعلق الخبر، وغدوا: ظرف لبلاقع، وبلاقع: خبر مبتدأ محذوف: أي وهى خالية غدوا.
والبيت من قصيدة يرثى بها أخاه لامه في الجاهلية، وهو أربد، ومطلعا: بلينا وما تبلى النجوم الطوالع * وتبقى الجبال بعدنا والمصانع ولا جزع أن فرق الدهر بيننا * وكل امرئ يوما له الدهر فاجع وما الناس إلا كالديار وأهلها * بها يوم حلوها وغدوا بلاقع

وما المرء إلا كالشهاب وضوءه * يحور رمادا بعد إذ هو ساطع وأما البيت الاول فقوله " لا تقلواها " نهى: أي لا تسوقا الناقة سوقا عنيفا، من قلا الحمار أتانه يقلوها قلوا، إذا طردها وساقها، وقوله " وادلواها دلوا " هو أمر، والجملة معطوفة على جملة النهى، قال صاحب الصحاح: دلوت الناقة دلوا سيرتها سيرا رويدا، وأنشد هذا الشعر.
وقول الاخر: * لا تعجلا بالسير وادلواها * ولم يذكر قائله، ولا كتب عليه شيئا ابن برى، ولا الصفدى، وقوله " إن مع اليوم - إلخ " قال الزمخشري في مستقصى الامثال: إن مع اليوم غدا، مثل يضربه الراجى للظفر بمراده في عاقبة الامر، وهو في بدئه غير ظافر، وأنشد هذا الشعر.
وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد السابع عشر بعد المائتين -: (من المنسرح) 217 - ذاك خليلي وذو يعاتبني * يرمى ورائي بامسهم وامسلمه على أن إبدال لام " أل " المعرفة ميما ضعيف.
وقال ابن جنى في سر: الصناعة هذا الابدال شاذ لا يسوغ القياس عليه، وفيه نظر، فإنه لغة قوم بأعيانهم، قال صاحب الصحاح: هي لغة لحمير، وقال الرضى رضى الله عنه في شرح الكافية: هي لغة حمير ونفر من طئ، وقال الزمخشري في المفصل: وأهل اليمن يجعلون مكانها الميم، ومنه ليس من امبر امصيام في امسفر، وقال: * يرمى ورائي...البيت * وحينئذ لا يجوز الحكم على لغة قوم بالضعف، ولا بالشذوذ، نعم لا يجوز القياس بابدال كل لام ميما، ولكن يتبع إن سمع،

وقد حكى الزجاجي أربع كلمات وقع التبادل (فيها) بينهما، قال: " غرلة وغرمة، وهى القلفة، وامرأة غرلاء وغرماء ولا يقال قلفاء، وأصابته أزلة وأزمة: أي سنة، وانجبرت يده على عثم وعثل، وشممت ما عنده وشملت ما عنده: أي خبرته " انتهى، ولم يروا ابن السكيت فيهما شيئا.
والبيت من أبيات لبجير بن عنمة الطائى الجاهلي، قال الامدي في المؤتلف والمختلف: " بحير بن عنمة الطائى: أحد بنى بولان بن عمرو بن الغوث بن طئ، وأراه أخا خالد بن غنمة الطائى الشاعر الجاهلي، وبجير القائل في أبيات: وإن مولاى ذو يعاتبني * لا إحنة عنده ولا جرمه ينصرني منك غير معتذر * يرمى ورائي بامسهم وامسلمه " انتهى والمولى: ابن العم، والناصر، والحليف، والمعتق، والعتيق، والظاهر أن المراد هنا إما الاول وإما الثاني، وذو: كلمة طائية بمعنى الذى محلها الرفع خبر إن، ويعاتبني: صلتها، والمعاتبة: مخاطبة الا دلال، والاسم العتاب، قال الشاعر: * ويبقى الود ما بقى العتاب * وروى بدله " يعيريى " وهو غير مناسب، وقوله " لا إحنة " مبتدأ، وعنده الخبر، والجملة حال من فاعل يعاتبني، ويجوز أن تكون خبرا ثانيا لان، وجرمة: معطوف على إحنة - بكسر الهمزة - وهى الضغينة والحقد، والجرمة - بفتح الجيم وكسر الراء - هو الجرم والذنب، كذا في القاموس، وقوله " يرمى ورائي " قال بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل: " وراء: من الاضداد، بمعنى قدام وخلف، ويحتمل المعنيين هنا، والرمى وراءه عبارة عن الذب والمدافعة عنه " اه، والمعنى هذا الرجل يعاتبني ويسلك طريق بقاء الود، يدافع عنى مرة بالسهام ومرة

بالسلام، وقيل: يشكو إعراضه، يقول: إذا غبت رماني بهما، وهذا ليس بصحيح كما هو ظاهر، وورائي بالمد وفتح الياء (1) وقوله " بامسهم " بكسر الميم دون تنوين، لانه معرف باللام لكن الكسرة مشبعة للوزن (2) وقوله " وبامسلمة " بياء الجر بعد الواو، وبها يتزن (3) الشعر، والسلمة - بفتح السين وكسر اللام -: واحدة السلام، رهى الحجارة، كذا روى البيتين الامدي وابن برى في أماليه على الصحاح، ورواه الجوهرى في مادة سلم كذا.
ذاك خليلي وذو يعاتبني * يرمى ورائي بالسهم وامسلمه وقال: يريد والسلمة، وكذا رواه صدر الافاضل، وقال: " الرواية بالسهم - بتشديد السين - على اللغة المشهورة، وامسلمه - بالميم الساكنة بعد الواو - على اللغة اليمانية " انتهى.
ولا يخفى أن هذا غير متزن، إلا إن حركت الهمزة بعد الواو، وتحريكها لحن، قال ابن برى: وصواب الرواية ما ذكرنا، قال ابن هشام في المغنى: " قيل إن هذه اللغة مختصة بالاسماء التى لا تدغم لام التعريف في أولها، نحو: غلام، وكتاب، بخلاف رجل وناس، وحكى لنا بعض طلبة اليمن أنه سمع في بلادهم من يقول: خذ الرمح، واركب امفرس، ولعل ذلك لغة بعضهم، لا لجميعهم، ألا ترى إلى البيت السابق وأنها في الحديث على النوعين ؟ " انتهى.
وقد تابع الناس الجوهرى في ذكر المصراع الاول من هذا البيت، قال ابن هشام في شرح أبيات ابن الناظم: " روى الجوهرى (يعاتبني) بدل يواصلني، وزعم
__________
(1) لا، بل بسكون الياء، والبيتان من المنسرح: يرمى ورا مستفعلن، ئى بامسهم مفعولات، وامسلمه مفتعلن (2) لا، بل بكسرة غير مشبعة، لان الوزن لا يستقيم مع الاشباع (3) لا، بل بدون باء الجر (*)

أن الواو زائدة، وكأن ذلك لانه رأى أن قوله: يرمى، محط الفائدة، فقدره خبرا وقدر خليلي تابعا للاشارة، وذو: صفة لخليلي، فلا يعطف عليه، وتبعية خليلي للاشارة بأنه بدل منها، لانعت، بل ولا بيان، لان البيان بالجامد كالنعت بالمشتق، ونعت الاشارة بما ليست فيه أل ممتنع، وبهذا أبطل أبو الفتح كون بعلى فيمن رفع شيخا بيانا، ولك أن تعرب خليلي خبرا، وذو عطفا عليه، ويرمى حالا منه وإن توقف المعنى عليه، مثل (وهذا بعلى شيخا) " انتهى كلامه أقول: ليس في كلام الجوهرى ما يدل على زيادة الواو، ولعل القائل غيره، وأما الحديث الذى أورده الزمخشري - وهو مشهور في كتب النحو والصرف - فقد قال السخاوى في شرح المفصل: يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بذلك لمن كانت هذه لغته، أو تكون هذه لغة الراوى التى لا ينطق بغيرها، لا أن النبي صلى الله عليه وسلم أبدل اللام ميما، قال الازهرى: الوجه أن لا تثبت الالف في الكتابة، لانها ميم جعلت كالالف واللام، ووجد في خط السيوطي في كتاب الزبرجد رسمه كذا " ليس من ام برام صيام في ام سفر " وقد اشتهر أنها رواية النمر بن تولب، وليس كذلك قال ابن جنى في سر الصناعة: " وأما إبدال الميم من اللام فيروى أن النمر بن تولب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس من امبر امصيام في امسفر، فأبدل اللام المعرفة ميما، ويقال: إن النمر لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث، إلا أنه شاذ لا يسوغ القياس عليه " انتهى.
وتبعه الزمخشري في المفصل، وابن يعيش في شرحه، وابن هشام في المغنى، قال: " تكون أم للتعريف، ونقلت عن طيئ، وعن حمير، وأورد البيت والحديث، وقال: كذا رواه النمر بن تولب " انتهى.
قال السيوطي في حاشيته على المغنى: " هذا الحديث أخرجه أحمد في مسنده،

والطبراني في معجمه الكبير من حديث كعب بن عاصم، ومسنده صحيح، وقوله " كذا رواه النمر بن تولب " وكذا ذكره ابن يعيش والسخاوى: كلاهما في شرح المفصل، وصاحب البسيط، زاد ابن يعيش: ويقال: إن النمر لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث، وكلهم تواردوا على مالا أصل له، أما أولا فلان النمر بن تولب مختلف في إسلامه وصحبته، وأما ثانيا فإن هذا الحديث، قال أبو نعيم في " معرفة الصحابة ": النمر بن تولب الشاعر، كتب له النبي صلى الله عليه وسلم كتابا، وروى من طريق مطرف عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من سره أن يذهب كثير من وحر صدره، فليصم شهر الصبر رمضان وثلاثة أيام من كل شهر " انتهى كلام السيوطي رحمه الله قلت: وكذا قال ابن عبد البر في الاستيعاب، وابن حجر في الاصابة، إن النمر بن تولب لم يرو إلا حديثا واحدا، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وغر الصدر و " بجير " بضم الموحدة وفتح الجيم بعدها ياء ساكنة فراء مهملة، و " عنمة " بفتح العين المهملة والنون بعدها ميم و " بولان " بفتح الموحدة وسكون الواو وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن عشر بعد المائتين -: (من الرجز) 218 - يا هال ذات المنطق التمتام * وكفك المخضب البنام على أن الاصل البنان، فأبدلت النون المتحركة ميما بضعف كما أبدلت في طامه الله على الخير، والاصل طانه، قال ابن جنى في سر الصناعة: " فأما قول رؤبة: * وكفك المخضب البنام *

فإنه أراد البنان، وإنما جاز ذلك لما فيها من الغنة والهوى، وعلى هذا جمعوا بينهما في القوافى فقالوا: (من السريع) يا رب جعد فيهم لو تدرين * يضرب ضربب السبط المقاديم وقال الاخر: يطعنها بخنجر من لحم * دون الذنابى في مكان سخن وهو كثير " انتهى ولم يذكروا إبدال النون من الميم وقد أورد ابن السكيت في كتاب الابدال كلمات كثيرة للقسمين فمن القسم الاول: ماء آجن وآجم للمتغير، ويقال لريح الشمال: نسع ومسع، والحلان والحلام، وهو الجدى الصغير، قال أبو عبيدة (1) في قول مهلهل: (من السريع) كل قتيل في كليب حلام * حتى ينال القتل آل همام ويقال: نجر من الماء ينجر نجرا ومجر يمجر مجرا، إذا أكثر من شربه ولم يكد يروى، وقال اللحيانى: يقال رطب محلقن ومحلقم، وقال الاصمعي: إذا بلغ الترطيب ثلثى البسرة فهى حلقانة، وحلقان للجميع، وهى ملحقنة، والمحلقن للجميع، والحزن والحزم: ما غلظ من الارض، وهى الحزون والحزوم، وقال غير الاصمعي من الاعراب: الحزم أرفع، والحزن أغلظ، يقال: قد أحزنا: أي صرنا إلى الحزونة، ولا يقال أحزمنا، أبو عبيدة يقال: انتطل فلان من الزق
__________
(1) لم يذكر ما قال أبو عبيدة في شرح بين المهلهل، وقوله هو: " أي فرغ، ويقال: الفرغ، للباطل الذى لا يؤدى، يقال: ذهب دمه فرغا: أي باطلا " اه نقلا عن كتاب القلب والابدال لابن السكيت (ص 19).
والفرغ بكسر الفاء
وسكون الراء (*)

نطلة: أي امتص منه شيئا يسيرا، وتقول: امتطل من الزق مطلة، والمعنى واحد ويقال: قد نشنشها الرجل والفحل: أي قد نكحها، وقال بعضهم: مشمشها، في ذلك المعنى، ويقال: إن فلانا لشراب بأنقع، جمع، وقال بعضهم: بأمقع، قال الاصمعي: معناه المعاود لما يكره مرة بعد مرة ومن القسم الثاني: الاصمعي، يقال: للحية أيم وأين، والاصل أيم، فخفف ويقال: الغيم والغين، وقال بعضهم: الغين إلباس الغيم السماء، ومنه: إنه ليغان على قلبى: أي يغطى عليه ويلبس، وسمعت أبا عمرو يقول: الغيم العطش، يقال: غيم وغين، وقد غامت وغانت: أي عطشت، وهى تغيم وتغين، الاصمعي: يقال: امتقع لونه وانتقع لونه، إذا تغير لفزع، وهو ممتقع اللون ومنتقع اللون، الفراء: يقال: مخجت بالدلو ونخجتها، إذا جذبتها لتمتلئ، الاصمعي: المدى والندى للغاية، يقال: بلغ فلان المدى والندى، الكسائي: تمدلت بالمنديل وتندلت، الاصمعي: يقال: امغرت الناقة والشاة وأنغرت، إذا خالطت لبنها حمرة من دم، الاصمعي: يقال للبعير إذا قارب الخطو وأسرع: بعير دهامج وبعير دهانج، وقد دهمج يدهمج دهمجة ودهنج يدهنج دهنجة، ويقال: أسود قاتم وقاتن، أبو عمرو والفراء: يقال: كرزم، " للفأس الثقيلة كرزن، الكسائي يقال: عراهمة وعراهنة، وسمع الفراء حنظل وحمظل، وقال أبو عمرو: الدمدم الصليان المحيل في لغة بنى أسد، وهو في لغة تميم الدندن، الكلابي: يقال: أطم يده وأطنها " هذا ما ذكره ابن السكيت بحذف الشواهد وزاد الزجاجي من الاول: نث جسده من السمن، ينت نثا، ومث يمث مثا، ومن الثاني: تكهم به وتكهن: أي تهزأ به
وأما الشعر فقد نسبه ابن جنى والزمخشري والشارح إلى رؤبة، وليس موجودا في ديوانه، و " هال " مرخم هالة، و " ذات " بالنصب صفة لهالة

تبعه على المحل، والمنطق: هو النطق، و " التمتام " صفة لمنطق، وأصل التمتام الانسان الذى يتردد في التاء عند نطقه، قال ابن المستوفى: عطف " كفك " على المنطق، وكان الواجب أن يقول: والكف المخضب، لان ذا وذات يتوصل بها إلى الوصف بأسماء الاجناس، غير أن المعطوف يجوز فيه ما لا يجوز في المعطوف عليه، وقال بعض فضلاء العجم: " التمتام الذى فيه تمتمة: أي تردد في كلامه، ووصف المنطق بالتمتام مجاز، وتمتمتها في المنطق عبارة عن حيائها، قال صاحب المقتبس: ورأيت في نسخة الطباخي بخطه أن الواو في: وكفك: واو القسم، هذا كلامه، وقيل: يجوز أن يكون جواب القسم محذوفا دل عليه قوله: ذات المنطق، يريد أقسم بكفك أن منطقك تمتام وأنك مستحية، وقال بعض الشارحين: أقسم بكفها، والمقسم عليه في بيت بعده، ولم يذكر ذلك البيت، ويجوز أن يكون (وكفك) معطوفا على المنطق، وإنما قال: المخضب ولم يقل المخضبة، لان المؤنث بغير علامة يجوز تذكيره حملا على اللفظ، أو لانه ذهب بالكف إلى العضو " هذا ما ذكره ذلك الفاضل وقوله " لان المؤنث بغير علامة إلخ " هذا يقتضى جواز (الشمس طلع) مع أنه يحب إلحاق العلامة عند الاسناد إلى ضمير المؤنث المجازى، وفى المصباح المنير: " الكف من الانسان وغيره أنثى، قال ابن الانباري: وزعم من لا يوثق به أن الكف مذكر، ولا يعرف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما قولهم: كف مخضب، فعلى معنى ساعد مخضب، قال الازهرى: الكف الراحة مع الاصابع سميت بذلك لانها تكف الاذى عن البدن " انتهى.
وفيه أن الخضاب لا يوصف به الساعد، وقال العينى: ذات المنطق، يجوز رفعه حملا على اللفظ ونصبه حملا على المحل.
أقول: لا يجوز هنا إلا النصب، فإن المنادى إذا كان موصوفا بمضاف يجب

نصب وصفه، نحو: يا زيد أخا عمرو، وقال أيضا: يجوز أن يكون: كفك، مرفوعا على الابتداء وخبره في البيت الاتى، أو محذوف، أقول: هذا عدول عن واضح إلى خفى مجهول.
وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع عشر بعد المائتين -: (من الطويل) 219 - ألا كل نفس طين منها حياؤها (1) قال ابن السكيت في كتاب الابدال: " قال الاحمر: يقال طانه الله على الخير وطامه: يعنى جبله، وهو يطيمه ويطينه، وأنشد: ألا تلك نفس طين فيها حياؤها وسمعت الكلابي يقول: طانه الله على الخير وعلى الشر " انتهى.
وكذا نقله الجوهرى عنه، قال ابن برى في أماليه على الصحاح: " صواب الشعر: إلى تلك، بإلى الجارة، والشعر يدل على ذلك، أنشد الاحمر: لئن كانت الدنيا له قد تزينت * على الارض حتى ضاق عنها فضاؤها لقد كان حرا يستحى أن تضمه * إلى تلك نفس طين فيها حياؤها يريد أن الحياء من جبلتها وسجيتها " انتهى.
ففى ما في الشرح ثلاث تحريفات، وفى الصحاح تحريف واحد تبعا لابن السكيت، والاحمر: هو خلف بن حيان بن محرز، ويكنى أبا محرز البصري، وهو مولى بلال بن أبى بردة بن أبى موسى الاشعري رضى الله عنه من أبناء
الصغد الذين سباهم قتيبة بن مسلم لبلال، وهو أحد رواة الغريب واللغة والشعر
__________
(1) انظر (ص 20) من كتاب القلب وا