الكتاب : الجامع الكافي

قال محمد: وإذا أرسل الرجل كلبه، فأخذ صيداً، فليسرع السير إليه وليتخلصه منه في أقرب ما يقدر عليه، فإن تخلصه حيّاً فليذبحه، وإن أدرك الصيد في فم كلبه فأراد أخذه فلم يتخلصه منه ولم يفرط في ذلك حتى مات في فمه أكل وهو ذكي، وإن أدرك الصيد في فم الكلب أو في مخلب الصقر فتركه قليلاً أو كثيراً وهو يقدر على أخذه أو اشتغل بغيره فمات في فم الكلب أو في مخلب الصقر فلا يؤكل، وهو ميتة، وإن أدركه على هذه الحال وليس معه حديدة فتركه في فمه أو في مخلبه حتى مات مجتزياً بتذكيته له، فلا يؤكل، وإذا أرسل كلبه على صيد فقطعه حتى بلغ منه ما لا يعيش أبداً ثم أدركه قبل أن يموت فلم يذكر مجتزياً بما بلغ الكلب منه، فإنا نكره أكله.
بلغنا عن عطاء، وعن محمد بن الحسن أنهما كرهاه.
وقال أبو يوسف: لا بأس به.
مسألة:
قال القاسم عليه السلام ـ في الرجل يأخذ الصيد من كلبه وبه رمق، ثم يموت ـ: إذا أدركه وفيه حياة فليذكيه، فإن لم تدركه ذكاته فلا يأكله.
وقال محمد: إذا أدرك الرجل الصيد في فم الكلب أو مخلب الصقر وبه جراحة فيف مقتله أو في غير مقتله فليخلصه حيّاً يريد أن يذكيه فسبقه بنفسه فمات في يده قبل أن يذبحه وهو يقدر على ذبحه أو لا يقدر على ذبحه لسرعة ذلك، فلا يؤكل، فهو ميتة.
مسألة: فيمن ترك التسمية مع إرسال الكلب
وعلى قول أحمد، والقاسم، والحسن، ومحمد ـ فيمن ترك التسمية في الذبيحة ناسياً ـ: إذا ترك الرجل التسمية مع إرساله كلبه ناسياً فليأكل ما قتل كلبه، وإن ترك التسمية متعمداً فلا يأكل ما قتل كلبه. وإن ترك التسمية معتمداً فلا يأكل مما قتل كلبه.

قال محمد: وإذا أرسل الرجل كلبه المعلم فليسم مع إرساله إياه، يقول: بسم الله، فإن ترك التسمية ناسياً فليأكل ما قتل كلبه، ولا يضره ذلك. وإن نسي التسمية ثم سمى بعد إرساله، فلا بأس بأكل ما قتل. وإن ترك التسمية وهو يعلم أن التسمية واجبة عليه أو لا يعلم فلا يأكل ما قتل كلبه، وإن ترك التسمية متعمداً مع إرساله ثم سمى بعد ذلك قبل أن يأخذ كلبه الصيد فلا يأكل أيضاً ما قتل، فإن كان سمى بعد إرساله وزجر الكلب، فانزجر لزجره وأخذ صيداً فقتله فهو ذكي ويؤكل.
وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يؤكل.
قال محمد: وإذا فلت كلب المسلم بغير إرسال منه إياه فأخذ صيداً وقتله لم يحل أكله، إلا أن يدرك ذكاته، وإن كان لما أفلت زجره صاحبه أو غير صاحبه فانزجر لزجره وأخذ الصيد فقتله فإنه يؤكل، وكذلك قال أصحاب أبي حنيفة.
قال محمد: ولو أن امرأة أو صبياً يعقل أرسل كلباً ونسي التسمية، فصاد وقتل فهو ذكي بمنزلهما لو نسيا التسمية عند الذبيحة.
مسألة:
قال محمد: وإذا أرسل رجل كلبه فتبع الكلب صيداً حتى دخل دار قوم، فأخذ الصيد في دارهم فالصيد لصاحب الكلب، وليس لصاحب الدار فيه شيء. لا نعلم فيه خلافاً. وكذلك لو نصب حبالة أوفخه في أرض غيره فأصاب صيداً فهو للذي نصب، وليس لصاحب الأرض منه شيء.
باب صيد الماء
مسألة: في الطافي من السمك
قال محمد: عرضت على أحمد بن عيسى عليه السلام هذه المسألة وجوابها فأعجبه السؤال والجواب.
قلت: ما تقول في الحظيرة تحظر للسمك فيموت فيها؟
قال: لا بأس بأكله.
وقال القاسم عليه السلام: لا يؤكل من السمك ما وجد طافياً أو قذف به البحر أو قذف الحيتان بعضه بعضاً، وهذا كله ميت لا يحب أكله.
وقد جاء عن علي صلى الله عليه أنه نهى عن الطافي ـ وهو الميت من السمك ـ، وكذلك كل ميت مما أحل الله من بهيمة الأنعام، ومن صيد البر والبحر.

وقال الحسن بن يحيى عليه السلام: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على كراهة الطافي من السمك.
وقال الحسن ـ أيضاً فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ: وإذا حسر الماء عن السمك ورأيت بعينك ما حسر عنه فلا بأس بأكله.
وقال محمد: ذكاة السمك أخذه من الماء، إلا أن يكون طافياً، فالطافي يكره أكله، بلغنا عن علي صلى الله عليه أنه كرهه.
وعن ابن عمر أنه نهى عنه. والطافي ما مات في الماء.
وقال أصحاب أبي حنيفة: الطافي ما مات وطفي على الماء.
قال محمد: وإذا حبس السمك في الماء بحظيرة أو غيرها حتى لم يستطع السمك أن يذهب ومن أراد أخذه بغير صيد لم يمتنع من أخذه فما مات منه على هذه الحال، فهو ذكي وليس بطاف، وإذا مات السمك في شبكة أو شص أو غيره مما يصاد به وهو في الماء قبل أن يصل إلى صاحبه فهو ذكي بعد أن يكون السمك لا يستطيع أن يمتنع من أخذه وما قذف به الماء على الساحل وفي سفينة ورأيته حين قذفه فهو لك ذكي حلال [البحر]، سواء أخذته وبه حياة أو بعد ما مات، وإن علمت أنه قذفه طافياً فلا تأكل، وما نضب عنه الماء أو وجد في ساحل فكراهيته أحب إليَّ؛ لما روي عن علي صلى الله عليه من الكراهية ولا أحرم أكله؛ لما روى جابر، عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من الرخصة، وكان بعضهم لم يثبت في حديث جابر أنهم أصابوه ميتاً، فقال: ((لا تأكل إلا أن يعلم أنه حسر عنه الماء، وهو حي أو قذفه وهو حي، فإن لم يعلم ذلك فلا يأكل )). ولو أن طائراً أو غيره أخذ سمكة، فأخذها ذكاتها، إلا أن يأخذها طافية، و إن بلغ طائر سمكة حية فإنها ذكية، وإن صدت سمكة فوجدت في جوفها سمكة فكلهما جميعاً.

قال محمد: وإذا أُدخل الماء أرض رجل بثبق انثقب والماء جار ماض وليس بمحبس في الأرض فما كان فيه من سمك أو غيره فهو لمن صاده، وصاحب الأرض وغيره فيه سواء، إلا أن لصاحب الأرض أن يمنع من دخول أرضهن وإذا دخل الماء أرض رجل فحبسه بشيء أو حظر عليه فما كان في الماء من سمك فهو لصاحب الأرض، وليس لأحد أن يأخذ إلا بإذنه وما صار في ذلك الماء من غير السمك من طير أو وحش أو غير ذلك فهو لمن صاده، وصاحب الأرض وغيره في ذلك فهو لمن صاده، وصاحب الأرض وغيره في ذلك سواء، إلا أن لصاحب الأرض أن يمنع من دخول أرضه.
مسألة:
قال محمد بن خليد: قال محمد: ولو أن رجلاً أخذ من قصب هذه الأجام المغصوبة أو من سمكها ما كان عليه شيء؛ لأن له فيها نصيباً، قيل: للناس كلهم فيها [نصيب]، فقال: إذا تركوا هم وأخذت أنا كان لي أن آخذ، فإن شاءوا هم أخذوا، وإن شاءوا تركوا.
مسألة: صيد المشرك للسمك والجراد
قال القاسم عليه السلام: لا بأس بما اصطاد المجوسي والمشرك والحارب من السمك إذا غسل من مس أيديهم؛ لأنه ذكي في نفسه، وقد روي عن علي صلى الله عليه أنه كره صيد المجوسي للسمك، وما أظنه بصحيح عنه، وكان ابن عباس لا يرى به بأساً.
وقال الحسن ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ: وسئل عمّا اصطاده المجوسي من السمك والجارد، فقال: يروى عن علي أنه كره ذلك.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح، عنه، وهو قول محمد ـ: يؤكل ما جلب المسلم من السمك في بلاد الشرك ما لم يعلم أنه أخذه طافياً.
قال محمد: يكره صيد المجوسي والمشرك للسمك وغيره، بلغنا ذلك عن علي صلى الله عليه، ورخص فيه غيره، فأما صيد اليهودي والنصراني فلا بأس بصيدهم للسمك وغيره، وجائز ذبائحهم.
مسألة:

قال محمد: وإذا استأجر رجل رجلاً يصيد له من غدوة إلى الليل بأجرة مسماة في ملك المستأجر أو في مباح غير ملك، فالأجرة جائزة، وما صاد يومه فهو للمستأجر وإن لم يصد يومه شيئاً فقد وجب له الأجرة لجلوسه، و إن كان استأجره على أرطال مسماة بأجرة مسماة فله الأجرة إذا صاد ما سمى له، و إن قصر من الصيد عن ما سمى له فله من الأجر بقسط ما صاد، وإن لم يصد شيئاً فلا شيء له، وإن صاد اكثر مما سمى له فليس له إلا ما سمى له من الأجرة هو متطوع بما اصطاده، وهو للمستأجر إن كان في ملكه، وإن كان في غير ملكه فهو للذي اصطاد، ولا شيء للمستأجر من فضل السمك، وإن كانت الشبكة للمستأجر فعابها الأجير في فضل ما اصطاد فهو ضامن لما أفسد.
مسألة:
قال الحسن عليه السلام ـ فيما روى بن صباح، عنه، وهو قول محمد ـ: ولا بأس على الغني والفقير بالصيد في البر والبحر، إلا أنا نكره للمسلم أن يعرض نفسه للهلاك في طلب الرزق.
وسئل محمد عن الرجل يركب البحر في طلب الصيد ولا يقدر عنه ذلك على الصلاة إلا بشدة أو قاعد أو لا يعرف القبلة؟ فقال: يقول إن كان مستغنياً عن ذلك يجد منه بداً فلا ينبغي أن يضيع صلاته في طلب ما هو عنه مستغن، وإن كان إلى ذلك محتاجاً وإليه مضطراً فيتناول من ذلك ما يسد به فورته ويستر به عورته، فأرجو له إن شاء الله.
باب فيما يصطاد بالرمي
قال الحسن: إذا رمى رجل صيداً بسهم وسمى فأصابه فقتله فحلال أكله، وإن أصابه بعرض فقتله فلا يؤكل.
وقال محمد: إذا رمى رجل صيداً بسهم في رأسه حديدة وسمى حين رمى فأصاب الصيد وخرق فقتله فليؤكل ـ والخرق أن يخرق الجلد ويخرج الدم ـ، وإن صاب الصيد بعرضة وقتل فلا يؤكل؛ لأنه وقيذ ـ يعني محمد بذلك أن الصيد إذا مات من وقع السهم به فلم يخرج منه دم فلا يؤكل.
مسألة:
قال الحسن ومحمد: وإذا رمى رجل صيداً بمعراض أو ببندقة فقتله فلا يؤكل إلا أن يدركه حيّاً فليذكه.

قال محمد: وقد روي عن سليمان فيه رخصة، وكره غيره، وقال: البندقة لا تخرق.
مسألة:
قال محمد: وإذا رمى رجل صيداً على جدار فسقط على الأرض حيّاً فاضطرب حتى مات فلا يؤكل.
قال أبو حنيفة وأصحابه: يؤكل، وكذلك إن رماه بسهم فسقط في ماء فمات فلا يؤكل، إلا أن يدرك ذكاته، وإن رماه بسهم وهو على جدار فسقط ميتاً أكل إن كان مات قبل أن يسقط، وإذا رمى صيداً بسهم وسمى فأعانه عليه بعد الرمي تردٍّ من جبل أو من جدار أو أرض أو سقوط في ماء فلا يؤكل إلا أن يدرك ذكاته.
مسألة:
وإذا رمى رجل صيداً بسهم مسموم فقتله، فأعلم أن السم قتله أو أعان على قتله فلا يؤكل.
مسألة:
قال القاسم عليه السلام: وإذا رمى رجل صيداً [بسهم] فأصابه أو أرسل عليه كلباً، ثم غاب عنه ليلة وراء جبل، ثم وجده ميتاً وسهمه فيه ـ يعني وقد أصاب سهمه أو كلبه مقتلاً يموت منه ـ ولم ير فيه أثراً سوى أثر سهمه أو أثر كلبه، وعرف ذلك معرفة يقين فلا بأس بأكله نهاراً صاده أو ليلاً في سهل كان ذلك أو في جبل.
وقال محمد: إذا رمى رجل صيداً بسهم وسمى فأصابه، ثم غاب عن بصره قليلاً أو كثيراً، ثم وجده ميتاً وأصاب سهمه في مقتله أو غير مقتله فلا يؤكل، وإذا عاين الصيد وأصاب السهم فيه وقد مات الصيد وخرق وأخرج الدم أكل، وكذلك القول في الكلب والصقر إذا أرسله صاحبه مثل ذلك.
وإذا رمى صيداً متوارياً عن بصره فأصاب سهمه في مقتله ووجد ميتاً فلا تأكله.
وروى محمد بإسناده، أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أتاه رجل فقال: يا رسول الله، أرمي بسهمي فأضمي وأنمي، فقال: ((كل ما أضميت ولا تأكل ما أنميت)).
قال محمد: أضميت ما لم يتوار عن بصرك، وما أنميت ما توارى عنك فلم تدر لعل الذي قتله غيرك.
مسألة:

قال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ: وإذا رمى رجل ظبياً أو طيراً بسهم وسمى فصرعه ثم رماه آخر بعدما سقط فمات فإنه ينظر، فإن كان الصيد مات من رميه الأول فهو ذكي، والصيد للأول، وإن مات من رميه الأخير فمكروه أكله؛ لأنه روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه كره أن يتخذ الشيء الحي عرضاً ومُثلَة.
مسألة:
قال محمد: عرضت على أحمد بن عيسى عليه السلام هذه المسألة وجوابها، فأعجبه الجواب.
قلت: ما تقول إذا قطع الذئب أو السبع إليه الشاة أو عضواً منها؟
قال: لا يؤكل ما قطع منها، وهو بمنزلة الميتة.
وقال القاسم عليه السلام ـ وهو معنى قول محمد ـ: وإذا غدا الأسد على شاة أو بقرة فأبان منها عضواً، ثم ذكيت فلا يؤكل ذلك العضو الذي بان منها.
قال محمد: وإذا ضرب رجل صيداً فقطع منه عضواً ـ يداً أو رجلاً أو عجزاً ـ وبقي معلقاً أكل الصيد كله المعلق منه وغير المعلق، والضربة ذكاة لجميعه، وإذا ضرب صيداً فأبان منه عضواً ـ يداً أو رجلاً ـ فلا يؤكل ما سقط منه، ويؤكل سائره.
وروي نحو ذلك عن علي صلى الله عليه.
وعن علي، قال: (إن ضربه فقطعه نصفين أكلهما جميعاً). وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
قال محمد: وإذا ضرب صيداً فأبان الثلث مما يلي الرأس أُكل جميع الصيد، وإن أبان منه الثلث مما يلي عجزه لم يأكل ذلك الثلث، وأكل الثلثين مما يلي الرأس.
وفي قول محمد: إن ضرب صيداً فأبان منه رأسه أكل جميعه.
مسألة:
قال القاسم عليه السلام: ولا بأس بالصيد بالليل، وإنما كره أن يطرق الصيد بالليل في مأمنه ومأواه، فإن صار إليه الصيد فلا بأس به؛ لأن الله عز وجل أحل الصيد ولم يؤقت من الليل والنهار له وقتاً.
وقال محمد: لا يصلح صيد الوحش والطير بالليل. بلغنا أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى عن ذلك. ولا بأس بصيد السمك بالليل، وقد كرهه فقط، وليس هو في النهي بمنزلة الطير والوحش.
باب الذبائح

مسألة: في ذبيحة الصبي والمرأة والمجنون والسكران
قال أحمد بن عيسى عليه السلام: إذا أطاق الصبي الذبح وعقل الصلاة فذبيحته جائزة.
وقال محمد: قال زيد بن علي وأحمد بن عيسى عليه السلام وغيره من أهله: إذا كان الصبي يعقل الصلاة فسمى وأرسل كلبه أو صقره أو بازه فما، صادت فهو ذكي.
وقال القاسم ـ فيما روى عبد الله بن الحسن، عن محمد، عن جعفر، عنه ـ: ولا بأس بذبيحة الصبي والمرأة إذا كانا من أهل الملة وكانا عارفين بمكان الذبح والتذكية.
وقال الحسن ـ فيما روى ابن صباح، عنه، وهو قول محمد ـ: لا بأس بذبيحة الصبي والمرأة والعبد والأمة إذا عرفوا مواضع الذكاة وأطاقوا الذبح وقطعوا الحلقوم وأفروا الأوداج.
وعلى قول الحسن ومحمد: إن صيد الصبيان والنساء إذا كانوا يعقلون كصيد الرجال.
قال محمد: ولا توكل ذبيحة مجنون ولا سكران ولا صبي إذا كانوا لا يعقلون الذبح سموا أو لم يسموا، ولا بأس بذبيحة الجنب والحائض.
مسألة: ذبيحة الأخرس
قال محمد: ولا بأس بذبيحة الأخرس إذا كان مسلماً، وتكره ذبيحته إذا كان على غير الإسلام. وهذه المسألة عرضها محمد على أحمد بن عيسى، فأعجبه الجواب فيها.
وكذلك قال القاسم، فيما روى عبد الله، عن محمد، عن جعفر، عنه.
مسألة: في ذبيحة الأغلف والفاسق
قال القاسم ـ فيما روى عبد الله بن الحسين، عن محمد، عنه ـ: ولا باس بذبيحة الأغلف والعبد الآبق إذا كانا من أهل الملة عارفين، وكل من جازت مناكحته جازت ذبيحته.
قال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح، عنه، وهو قول محمد ـ: لا بأس بذبيحة أهل الملة من أهل الإسلام إذا اختلف أهوائهم ومذاهبهم.

قال محمد: وإذا ترك الأغلف الاختتان على جهة الاستخفاف بسنة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لم نر أكل ذبيحته، ويعاقبه الإمام على قدر ما يرى، وإن ترك الاختتان على الاستخفاف منه بالاختتان لا بسنة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو لا يستطيع الاختتان، فقد جاء الأثر عن علي صلى الله عليه وغيره أنه كره أكل ذبيحته. وقد رخص فيها جماعة من العلماء، فإن تقزز متقزز فتصدق بها فلا باس بذلك.
مسألة: ذبيحة اليهود والنصارى والمجوس
قال أحمد بن عيسى، والحسن عليهما السلام ـ في رواية ابن صباح، عنه، وهو قول محمد ـ: لا بأس بذبائح اليهود والنصارى إذا سموا على الذبيحة.
قال محمد: وتؤكل ذبائحهم، وإن لم تسمع تسميتهم.
قال أحمد والحسن ومحمد: ولا تؤكل ذبائح المجوس سموا أو لم يسموا.
قال محمد: لا يختلف آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في حق حكم من الله عز وجل.
وذكر الاختلاف أبي جعفر وزيد بن علي عليهما السلام في نكاح أهل الكتاب وذبائحهم.
قال أبو جعفر: هو حلال.
وقال زيد: هو حرام.
قال أحمد بن عيسى عليه السلام: فلم يحرمه زيد بن علي عليه السلام، على أن تحريمه حكم من الله، ولو كان ذلك كذلك لبرئ ممن خالفه. ويروي كل واحد منهما من صاحبه، ولكنه حرمه من جهة النظر، على أنه عنده كذلك.
وقد روي عن زيد بن علي عليه السلام أنه أهدى إليه يهودي، فأكل من هديته.
وقال القاسم عليه السلام: سئل عن ذبيحة اليهود والنصارى، فقال: يذكر عن زيد بن علي عليه السلام أنه كان يقول: طعام أهل الكتاب الذي يحل لنا إنما هو الحبوب، فأما الذبائح فلا؛ لأنهم ينكرون رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وما جاء به من الآيات عن الله سبحانه، فهم بذلك مشركون بالله عز وجل.
وقال محمد: فأما النسك والأضحية فلا يذبحها يهودي ولا نصراني، لا يذبحها إلا مسلم، روي ذلك عن علي صلى الله عليه، وغيره من أصحاب النبي صلوات الله عليه وآله.

وقال محمد ـ في قول علي ـ: إذا سمعت النصراني يذبح لغير الله فلا تأكل، وإذا لم تسمع فكل، فقد أحل الله ذبائحهم.
قال محمد: هذا ما لم يكن نسكاً ولا أضحية واجبة، وقد نهى علي صلى الله عليه وابن عباس عن نكاح أهل الحرب في ديارهم.
قال: من أجل النسل لا من أجل التحريم.
قال محمد: فجائز ذبائحهم وصيدهم على هذا.
وقال محمد ـ فيما حدثنا الحسين بن الوليد عن سعدان، عنه ـ: ولا بأس بذبيحة المرأة الذمية إذا أطاقت، ولا تؤكل ذبيحة الصبي من أهل الذمة؛ لأنه ليست له ملة.
قال الحسني: وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كان أحد أبويه مجوسياً والآخر نصرانيّاً أكلت ذبيحته.
وقال الشافعي: لا تؤكل ذبيحته.
مسألة:
أشار أحمد إلى كراهية الذبح بالسن والعظم والقرن والظفر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن ذبح بسنه أو بظفره أو ظفر غيره غير منزوع فلا يؤكل، وإن ذبح بسن أو عظم أو قرن أو ظفر ملقاً غير معلق فلا بأس بأكله.
وقال الشافعي: إذا ذكى بسنه أو ظفره وهما ثابتان فيه أو زائلان عنه، أو بظفر سبع أو سنه، أو ظفر طائر، فلا يؤكل.
مسألة: صفة النحر والذبح
قال محمد: عرضت على أحمد عليه السلام هذه المسائل وجوابها فأعجبه السؤال والجواب.
قلت: يذبح بشيء سوى الحديد؟
قال: يذبح بالحديد والشظاظ ـ وهو العود والقصبة ـ، والمروة ـ وهو الحجر.
وقد روي عن بعض العلماء: يذبح بكل شيء ما خلا القرن والظفر والسن والعظم.
قلت: ما الذكاة التي يحل أكلها؟
قال: قطع الحلقوم وإفراء الأوداج. ومعنا إفراء: قطع.
قلت: ما تقول في الشاة تذبح وهي قائمة؟
قال: لا ينبغي ذلك، والسنة أن تضجع وتستقبل بها القبلة، فإذا ذبحت لم ينخع حتى تموت، ومعنا لا ينخع: لا يفصل عنقها.
قلت: فإن نحرت نحراً؟
قال: تؤكل ولا ينبغي أن يتعمد ذلك.
قلت: ما تقول في البقرة تذبح أو تنحر؟
فقال: كل ذلك واسع، وأحب إليّ أن تذبح.
قلت: ما تقول في البعير يُذبح أو يُنحر؟
قال: ينحر.
قلت: كيف تُنحر البدنة؟

قال: تقام حال القبلة وتعقل يدها، ويقوم الذي ينحرها حيال القبلة فيضرب بالشفرة لبتها حتى يقطع ويفري.
قال محمد: السنة في ذبح الشاة أن تضجع ويستقبل بها القبلة، ثم يسمي ويذبح، ولا يذبحها وهي قائمة ولا ينحر، فإن نحرت أكلت ولا ينبغي أن يتعمد ذلك، وإذا ذبحت فلا ينخع حتى تموت ـ والنخاع العرق الأبيض الذي في عظم الرقبة، يعني لا يفصل عنقها.
قال محمد: وإذا ذبح وقطع الحلقوم وأفرى الأوداج أكلت الذبيحة.
قال الحسني: وهذا قول أهل المدينة.
وقال أبو حنيفة: وإذا قطع الحلقوم والمريء وأكثر من نصف الأوداج أُكل، وإن قطع النصف من الأوداج لم يأكل، وإن قطع أكثر من النصف من كل واحد منها لم يأكل.
وقال أبو يوسف: إذا قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين أكل.
وقال الشافعي: يكفي من الذكاة بيان الحلقوم والمريء، ولو قطع الحلقوم والودجين لم يكن ذكاة، وكمال الذكاة قطع الحلقوم والمريء والودجين.
قال محمد: والبقرة تذبح وتنحر، كل ذلك واسع، وأحب إلينا أن تذبح، والبعير ينحر في لبته أو حلقه، أي ذلك شاء فعل، وإذا أراد الرجل أن ينحر البدنة أقامها حيال القبلة وعقل يدها اليمنى، وقام هو حيال القبلة يستقبل بوجهه القبلة، ثم يذكر الله، وتضرب بالشفرة في لبتها حتى يقطع ويفرى {فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها}، وهو سقوطها، قال: وإن نحرها وهي باركة فجائز، وليكن هديك إن قدرت كبشاً سميناً فاستقبل به البيت فاذبحه، وقل حين توجه إلى القبلة: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك على ملة إبراهيم. ثم ضع الشفرة، ثم قل: بسم الله والله أكبر، اللهم تقبل مني. هذا قول محمد في المنسك.
وقال في كتاب أحمد: تقول هذا الكلام وأنت قائم قبل أن تضجعها.

قال: وبلغنا عن علي صلى الله عليه أنه كان يقول حين يضع الشفرة: بسم الله وعلى ملة رسول الله، بسم الله والله أكبر، اللهم تقبل من عبدك فلان.
مسألة:
قال محمد: وإذا ذبح شاة فانفلتت منه فرماها بسيف أو رمح أو شفرة، فإن كانت الرمية قطعت ووصلت إلى الجوف أو أدمت أو وقعت في عنقها وفخذ أو رجل فقطعت وأدمت فإنها تؤكل.
مسألة: فيمن ترك التسمية ناسياً أو عامداً
قال القاسم عليه السلام: وسئل عن التسمية عند الذبيحة والوضوء. فقال: إنما هي الملة والنية، وأحب إلينا أن يسمي عندهما، فإن نسي التسمية عندهما لم تفسد عليه الذبيحة ولا الوضوء، ويكفيه من التسمية الملة والعقد.
وقال أحمد بن عيسى والحسن عليهما السلام ـ في رواية ابن صباح، عنه، وهو قول محمد ـ: إذا ترك الرجل التسمية عند الذبيحة ناسياً أكلت ذبيحته، وإن ترك التسمية متعمداً لم تؤكل ذبيحته.
قال الحسن ومحمد: وهي بمنزلة الميتة.
قال محمد: سواء ترك التسمية متعمداً وهو يعلم أن التسمية واجبة أو لا يعلم بوجوبها.
قال محمد: وكذلك المرأة والصبي الذي يعقل إذا نسيان التسمية عند الذبيحة أكلت ذبيحتهما؛ لأن الذبيحة للملة، وإن نسي الذمي التسمية على ذبيحته أو على إرسال كلبه لم يجز للمسلم أن يأكل ذبيحته ولا صيده؛ لأن الذمي لا ملة له. والمسلم إذا نسي التسمية فله ملة.
قال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز أكل ذلك.
مسألة: فيمن ذبح شاة إلى غير القبلة أو ذبحها من قفاها، أو قطع رأسها
قال محمد: عرضت على أحمد بن عيسى عليه السلام هذه المسائل وجوابها، فأعجبه السؤال والجواب.
قلت: ما تقول فيمن ذبح إلى غير القبلة؟
قال: إن فعل ذلك ناسياً أو جاهلاً بأن سنة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يذبح إلى القبلة أكلت ذبيحته، وإن ذبح إلى غير القبلة عامداً لخلاف سنة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فلا تؤكل ذبيحته.
قال الحسني، وأبو حنيفة، وأصحابه: يؤكل.
قلت: ما تقول في رجل ذبح شاة من قفاها؟

قال: إن لم يتعمد ذلك فلا بأس بأكلها، وإن تعمد ذلك وهو عالم بسنة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فيها فلا تؤكل ذبيحته، ويحسن أدبه. وكذلك القول في سائر البهائم والطير.
قلت: ما تقول فيمن ذبح شاة فقطع رأسها؟
فقال: إن تعمد ذلك لم تؤكل، وإن لم يتعمد ذلك وإنما جاءت الشفرة فلا بأس به.
قال القاسم ـ فيما روى عبد الله، عن محمد، عن جعفر، عنه ـ: ومن ذبح طائراً أو شاة فأبان الرأس فلا بأس بأكله.
وقال الحسن ـ فيما روى ابن صباح، عنه، وهو قول محمد ـ، في رجل ضرب شيئاً من الدواب بسيف وسمى، فقال: لا ينبغي لأحد أن يذكي شيئاً من الدواب التي أحل الله تعالى إلا من موضع التذكية التي سنها رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، فإن فعل خلاف ذلك فهو مثله لا ينبغي أكله.
وقال محمد ـ في وقت آخر ـ: يحل أكلها.
قال محمد: وإذا ذبحت شاة، فلا يفصل عنقها حتى تموت، ومن ذبح شاة وأبان رأسها متعمداً لذلك فلا تؤكل، وإن لم يتعمد ذلك إنما سبقته الشفرة فلا بأس بها.
قال أبو حنيفة: تؤكل وإن تعمد ذلك.
مسألة: إذا شردت بهيمة فلم يقدر على ذبحها
قال محمد: عرضت على أحمد بن عيسى عليه السلام هذه المسائل وجوابها، فأعجبه الجواب.
قلت: ما تقول في بهيمة انفلتت من صاحبها فرماها بسيف أو رمح أو شفرة؟
قال: إن كانت الرمية أدمت وقطعت ووصلت إلى الجوف أو وقعت في عنق أو فخذ أو رجل فقطعت وأدمت فإنها تؤكل، وكذلك القول إن تردت في بئر فلم يوصل إلى تذكيتها إلا بمثل هذا.
قال الحسن ـ فيما روى ابن صباح، عنه، وهو قول محمد ـ: وإذا عصت بهيمة أو شردت فلم يقدر على تذكيتها إلا أن يضربها بسيف في غير موضع التذكية، ففعل ذلك، جائز أكلها، وهي ذكية.
وعلى قول الحسن ومحمد: إذا شردت البهيمة فلم يقدر على تذكيتها فرماها بسهم أو سيف أو شفرة أو طعنها برمح فأدماها وعقرها حتى قتلها فهي ذكية تؤكل، وإن لم يرمها فلا تؤكل.

قال الحسن ومحمد: وإذا تردت بهيمة في بئر أو من جبل فلم يقدر على موضع الذبح أو النحر فَذُكِّي من غير موضع التذكية فذلك جائز، وهي ذكية.
قال الحسني: معنى هذا القول أنه إذا لم يقدر على ذبحها طعنها بحربة أو نحوها في أي موضع أمكنه منها حتى تموت، ثم يأكلها.
قال محمد: وإذا حمل البعير على رجل فدفعه الرجل عن نفسه بسيف أو رمح حتى قتله فلا يؤكل؛ لأن هذا قتل، وليس بذكاة، وليس هذا كالمتردي الذي يتعمد ذكاته برمح أو بغيره، أينما أدرك منه فهذا ذكي، وذاك إنما قتله فليس بذكي.
مسألة:
قال محمد: عرضت على أحمد هذه المسائل، فأعجبه الجواب.
قلت: ما تقول في شيء من البهائم والطير يذبح فيسيل منه الدم ولا يتحرك؟
قال: يؤكل.
قلت: فإن ذبح وهو حي ولم يسل منه دم ولم يتحرك؟
قال: ما يعرف هذا.
مسألة:
قال القاسم ومحمد: وإذا عدا الأسد والذئب على بقرة أو شاة فبتر قصبها ما لو تركها على حالها لماتت فذكيت فلا باس بأكلها، ولا يؤكل منها عضو بان بانتهاش السبع أو قطعه.
قال الحسني: قرأت في كتاب أحمد بن عيسى في نسخة عتيقة مسموعة من ابن منصور، في سنة ست وخمسين ومائتين.
قال محمد: سئل القاسم بن إبراهيم عن المنخنقة والموقوذة والنطيحة وما أكل السبع إذا أدركت وقد أيس من حياتها، لم يحل أكلها.
فقال قاسم: كل ما سألت عنه من ذلك إذا ذكي وفيه عين تطرف أو رجل تركض فكله ذكي، ألم تسمع إلى قول الله في ذلك كله: {إلا ما ذكيتم} وتأويل ذلك إلا ما ذبحتم، والذبح لا يقع إلا على ما كان حيّاً.
قال محمد: إذا افترس السبع شاة أو غيرها من الحيوان فنتر قصبها ـ يعني بطنها ـ فيقول أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام وأصحابه: إذا أدركت عيناً تطرف أو رجلاً تركض أو ذنباً يتحرك فذكه فهو لك ذكي.
قال محمد ـ فيما أخبرنا محمد بن عبد الله، عن ابن عمر، وعنه ـ: وإذا شق السبع بطن الشاة فانتثر حتى صارت لا تعيش أبداً فذكيت، فكل إذا ما طرفت بعينها.

وقال حسن بن صالح، ومحمد بن الحسن: إذا نثر قصبها لم تؤكل، وهي بمنزلة الميتة.
قال حسن: كل شيء يذكى إذا صابه في حال لا يعيش مثله، فأتت ذكاته.
وعلى قول محمد: إن الدابة إذا نُطحت أو تردت من جبل فذبحت فسال منها دم أو تحرك منها بعد الذبح عضو من أعضائها ـ يداً أو رجلاً أو ذنباً ـ أو طرفت بعين حل أكلها، وإن لم يسل دم ولا تحرك منها عضو فلا تؤكل.
مسألة: ذكاة الجنين
قال محمد: عرضت على أحمد هذه المسائل وجوابها، فأعجبه السؤال والجواب.
قلت: ما تقول فيما ذكر ذكاة الجنين ذكاة أمه؟
قال: هو أن يذبح الشاة والبقرة أو تنحر البدنة وفيها جنين أشعر ـ قد نبت شعره ـ فيموت بعدما ذبحت فيخرج ميتاً، فهو ذكي.
يقال: ذبح أمه يجزي من ذبحه ويؤكل لحمه، وإن خرج حيّاً فإنه يذبح ويؤكل، وإن خرج ميتاً فإنه يذبح أيضاً.
وقال القاسم عليه السلام ـ فيما روى عبد الله بن الحسين، عن محمد، عن جعفر، عنه ـ في الحديث الذي جاء: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه))، قال: الجنين يذكى إذا كان حيّاً مع أمه؛ لأن حياتها غير حياته، وموتها غير موته، وقد يمكن أن يموت في بطنها، وقد حرم الله الميتة صغيرها وكبيرها.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح عنه، وهو قول محمد ـ: وإذا ذبحت شاة أو بقرة أو ناقة فوجد في بطنها جنين قد أشعر ـ أي قد نبت شعره ـ أُكلت الأم والجنين جميعاً؛ لأن ذكاة الأم ذكاة الجنين. هو قول أبي يوسف ومحمد.
وقال محمد ـ في وقت آخر ـ: معنى قوله: ذكاة الجنين ذكاة أمه، أن ينحر الأم وفي بطنها جنين، فيموت حين نحرت الأم أو بعد النحر، ثم خرج ميتاً قد أشعر فهو ذكي، يقال: ذبح أمه يجزي من ذبحه ويؤكل، وإن كان لم يشعر فلا يؤكل.
وقال محمد ـ فيما حدثنا ابن غزال، عن ابن عمرو، عنه ـ: وإن كان مات قبل النحر فهو ميتة لا يؤكل، وإن خرج حيّاً فإنه يذبح.

وقال أبو حنيفة: قوله: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه))، معناه كذكاة أمه، وإذا خرج ميتاً لم يؤكل بمنزلة أمه لو ماتت لم تؤكل.
مسألة: ذبيحة اللص
قال محمد ـ فيما حدثنا الحسين، عن ابن الوليد، عن سعدان، عنه، قال ـ: سألته عن ذبيحة اللص، فقال: فيها اختلاف، ثم فكر ساعة، ثم قال: لو أن لصاً شد على بعير ليتيم، فنحره أكان يذهب منه، فرأيت كأنه ينجو نحو الرخصة، يعني في ذبيحة اللص أنها ذكية تؤكل. وذكر أن بعض الناس ينزلها بمنزلة الميتة.
قال الحسني: وقرأت في كتاب أحمد بن عيسى في نسخة عتيقة، قرأت على محمد بن منصور في سنة ست وخمسين ومائتين عن جعفر، عن قاسم بن إبراهيم، في رجل سرق شاة وأخذها فذبحها من غير علم صاحبها. قال: ما نحب أن يأكلها إذا سرقها ولا غيره، ولا يحل له ما حرم الله منها ذبحه لها.
قال محمد: روي عن سعيد بن المسيب أنها لا تؤكل؛ لأنها ذبحت من غير جهة الذبح.
وقال بعض العلماء: يؤكل، هو ضامن قيمتها.
قال محمد: الخوارج كلهم على تكفير من عمل بمعصية الله، ويزعمون أن هذه ميتة.
قال محمد: وأكره أكلها ولا أحرمه.
باب الأضحى
قال أحمد، والقاسم، والحسن، ومحمد: إن الأضحية سنة من رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على الغني دون الفقير، ويضحي الغني على نفسه وعن ولده الأصاغر.
ومسائل محمد تدل على أن الأضحية واجبة من ذلك، أنه قال: يضحي الوصي عن اليتامى من أموالهم، ويعطي عنهم صدقة الفطر، وقد أشار ـ في وقت آخر ـ: أنها غير واجبة؛ لأنه أجاز أن يضحي بالأمصار بالظبي وبقرة الوحش، ولم يجز ذلك للمتمتع والقارن.
مسألة:
قال القاسم ومحمد: ويجزي في الضحايا الجذع من الضان والثني من الإبل والبقر والمعز.
مسألة: عن كم تجزي البدنة والبقرة؟
قال محمد: عرضت على أحمد بن عيسى هذه المسائل وجوابها، فأعجبه السؤال والجواب.
قلت: تنحر البدنة عن واحد واثنين وثلاثة إلى سبعة ـ يعني مضحين؟
قال: نعم.
قلت: تنحر عن أكثر من سبعة؟
قال: لا.

قلت: وكذلك البقرة عن سبعة؟ قال: نعم.
قلت: وكذلك البدنة، تنحر عن سبعة قارنين ومتمتعين؟
قال: كذلك.
قلت: سواء كان السبعة من أهل بيت أو عربا متفرقين؟
قال: سواء.
قلت: فيذبح الكبش عن جماعة؟
قال: ما أحب أن يذبح عن أكثر من واحد.
وقال القاسم: البدنة تجري عن عشرة ـ يعني من المضحين ـ، والبقرة عن سبعة من أهل البيت الواحد.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه، وهو قول محمد ـ: تجزي الجزور والبقرة عن سبعة، روي ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وعن علي صلى اللّه عليه.
قال محمد: جائز أن يشترك في البدنة سبعة قارنين ومتمتعين ومضحين من أهل بيت واحد أو من بيوت شتى، ولا تجزي عن أكثر من سبعة، وهي تجزي عن أقل من سبعة، والرجال والنساء في ذلك سواء، وإن كان بعضهم يريد اللحم لم يجز الهدي عن أحد منهم ولا يجزيهم أن يكون فيهم متطوع؛ لأن نصيبه يصير لحماً، ولا يجزيهم جميعاً.
قال الحسني: قال أبو حنيفة وأصحابه: إذا اشترك سبعة في هدي كلهم يريدون القربة إلى الله أجزاهم، أي قربة كانت تطوعاً أو واجباً.
قال محمد: وإذا أراد جماعة أن يشتركوا في هدي فليشتركوا قبل أن يشتروه ويعتقدوا عنه الشراء أنه هدي لهم، وإذا نحر الجزور عن سبعة أجزاهم إن سمى عنهم الذي ينحرها عنهم عند ذبحها ولا يسميهم، وتجزيهم النية، والجواميس مثل البقرة تجزي عن سبعة.
مسألة: ما يجزي في الأضحية من الأسان
قال محمد: عرضت على أحمد هذه المسائل وجوابها، فاستحسنها وأعجبه الجواب.
قلت: هل يضحى بالخصي؟
قال: جائز، قد ذكر ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((والشاة والبقرة والإبل في ذلك سواء، ويضحى بالعرجاء إن كانت تمشي حتى تبلغ المذبح)).
قال: لا يضحى بعوراء، ولا ثولاء ـ وهي المجنونة ـ، ولا عجفاء ـ وهي المهزولة البين هزالها ـ، ولا جذعاء ـ وهي مقطوعة الأذن.
قلت: ما تفسير قوله: ((لا يضحى بالعضباء))؟

قال: العضباء المكسورة القرن من أصله.
قلت: يضحي بشاة قطع الذئب ألبتها؟
قال: غيرها خير منها.
قال الحسن ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه، وهو قول محمد في رواية ابن عمرو عنه ـ: إذا اشترى الرجل الأضحية فوجدها عوراء فلا يجزي إلا أن يكون أصابها العور بعد ما اشتراها فلا بأس بها.
وقول محمد في الحج يدل على أنه إن شاتراها سليمة ثم أعورت عنده أو قطعت أذنها أو كسرت رجلها فلم تستطع المشي لم تجز عنه، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
وقال محمد: ولا يضحى بشرقاء ولا خرقاء ولا مقابلة ولا مدابرة، سمعنا أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى عن ذلك، ونهى أن يضحى بجدعاء أو عضباء.
فالشرقاء: المشقوق الأذن نصفين. والخرقاء: المثقوبة الأذن في وسطه. والمقابلة: أن يقطع من مقدم الأذن أكثر من الثلث. والمدابرة: أن يقطع من مؤخر الأذن أكثر من الثلث، وإن قطع من مقدم الأذن أو من أصلها مؤخرها دون الثلث فلا بأس بأن يضحى بها. والجدعاء: المقطوعة الأذن من أصلها. والعضباء: المكسورة القرن من أصله.
وقال محمد ـ في المسائل ـ: جائز أن يضحي بمكسورة القرن، بلغنا ذلك عن علي صلى الله عليه، وجائز أن يضحى بالعرجاء إذا مشت إلى المذبح، ولا تجزي العور البيِّن عوارها، فإن كان بعينها بياض زائل عن النظر فلا يضر إن شاء الله، ولا يضر أن يضحي بخصي، ذكر ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، والشاة والبقرة والإبل في ذلك سواء.
مسألة:
قال محمد: وسئل عن إخصاء البقر والشاة، فقال: بلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه نهى عن الإخصاء في البهائم وغيرها.
مسألة: هل يضحى بظبي أو بقرة وحش؟
قال محمد: عرضت على أحمد هذه المسائل وجوابها، فأعجبه الجواب.
قلت: ما تقول في بقرة الوحش تجزي عن سبعة مضحين مثل الأهلية؟
قال: نعم.
قال محمد: يجزي أن يضحى في الأمصار بالظبي وبقرة الوحش.
وقال بعضهم: يجزي عن ثلاثة.

وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تجزي في الأمصار ولا غيرها أن يضحى بظبي ولا بقرة وحش.
وقال حسن بن صالح: يجزي أن يضحى بظبي.
قال محمد: ولا تجزي بقرة الوحش نسيكة لمتمتع ولا قارن.
مسألة: عدة أيام الأضحى
قال القاسم ـ فيما روى داود، عنه، وهو قول الحسن فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه، وهو قول محمد ـ: في المسائل وأيام الأضحى بمنى وفي الأمصار ثلاثة أيام، يوم النحر ويومان بعده.
قال القاسم: هذا أكثر ما يقدر فيه.
وقال الحسن: ولا يضحى في اليوم الرابع.
مسألة:
قال محمد: وكل من رأيت من آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم كانوا لا يضحون يوم النحر حتى تطلع الشمس، وهو عندهم وقت لها.
قال محمد: فإن ذبح رجل أضحيته في مصر يوم النحر قبل طلوع الشمس لم يجزئه وليعد الذبح إذا طلعت الشمس، وإن ذبح في القرى والسواد قبل طلوع الشمس أجزأه، وإن ذبح قبل طلوع الفجر لم يجزئه، وليعد الذبح إذا طلعت الشمس، وجائز للمضحين أن يضحوا في اليومين من بعد يوم النحر قبل طلوع الشمس وبالليل إن شاء.
مسألة:
قال محمد: ويستحب للمضحي أول ما يأكل أن يأكل من كبدها.
مسألة:
قال محمد: وإذا غلط المضحيان فضحى كل واحد منهما بأضحية صاحبه فإنهما يجزيان عنهما ويترادان اللحم إن كان لم يستهلك، وإن كان قد استهلك تراد الفضل.
بلغنا أن جماعة من العلماء أجازوا ذلك، منهم الحسن وقتادة وأبو حنيفة وأصحابه وغيرهم.
مسألة:

وعلى قول محمد: إذا اشترى رجل أضحية فضلت أو سرقت فليشتر بدلها وليضح بها يوم النحر، فإن وجد الأولى قبل أن ينحر الأخرى فليضح بأيهما شاء، وينتفع بالأخرى، فإن ضحى بهما جميعاً فهو أفضل، وإن كان وجد الأولى بعد ما نحر الأخرى فإن كانت الأولى أكثر قيمة من الأخرى تصدق بفضل ما بين القيمتين وانتفع بالأولى، وإن نحرها فهو أفضل؛ لأنه قال في مثل ذلك فيمن ساق هدياً عن قران أو متعة فضلّ أو سرق فأبدَل بدله، فنحره، ثم وجد الأول قبل أن ينحر الثاني أو بعد ما نحره.
مسألة:
قال القاسم ـ فيما روى عبد الله بن الحسين، عن محمد، عن جعفر، عنه ـ: ويجوز أن يحبس المضحي لحم الأضاحي ما شاء، ليس بحبسها وقت محدود؛ لأنه ذكر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه كان نهى أن يحبس لحم الأضاحي فوق ثلاث، ثم قال بعد ذلك: ((إني كنت نهيتكم عن حبس لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فاحبسوا ما بدا لكم))، فوسع لهم ما كان ضيقاً عليهم.
باب العقيقة عن المولود
قال الحسن ومحمد: العقيقة سنة من رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، وهو أن يذبح عن المولود يوم السابع.
قال محمد: فإن لم تيسر العقيقة يوم السابع فيوم أربعة عشر أو يوم إحدى وعشرين، كل ذلك سنة.
قال الحسن: ولا يجوز أن يلطخ رأس الصبي من دم العقيقة، فقد نهى أمير المؤمنين صلى الله عليه عن ذلك، قال: هذا فعل المشركين، ولكن إن لطخ رأسه بخلوق أو زعفران فلا بأس به.
وقال الحسن ـ أيضاً فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه، وهو قول محمد ـ: وجائز لأبوي المولود أن يأكلا من عقيقة ولدهما ويطعما.
قال الحسن: ويحلق رأس المولود في اليوم السابع، ويتصدق بوزن شعره.

قال الحسني: وقرأت في كتاب أحمد بن عيسى في نسخة على محمد بن منصور، عن جعفر، عن قاسم: يعق عليٌّ عن المولود يوم السابع بعقيقة، إن كان غلاماً أو جارية، كذلك جاء عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، ويستحب أن يتصدق بوزن شعر المولود فضة. وكذلك ذكر عن فاطمة بنت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم والغلام والجارية فيها سواء شاة شاة.
وإنما سميت عقيقة؛ لحلق رأس المولود يوم السابع، فسميت الذبيحة عن المولود كذلك، وإنما هو حلق الرأس.
قال محمد: وإنما جعل في العقيقة عن الذكر شاتين. فاطمة عليها السلام عقت عن الحسن [و]عن الحسين شاة شاة، وعق عنهما علي عليه السلام شاة شاة، فمن هذه الجهة قالوا: شاتين، لا لأنهما أوجبا ذلك، إنما يقرب كل واحد منهما بشيء.
كتاب الأطعمة
قال محمد: عرضت على أحمد بن عيسى هذه المسائل وجوابها، فاستحسنها وأعجبه الجواب.
قلت: ما معنى ما ذكر في المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع؟
قال: المنخنقة: هي الشاة تدخل رأسها بين شجرتين أو حجرين، أما أشبه ذلك فتريد أن تخرجه فلا تستطيع فتموت، فهذه المنخنقة. والموقوذة: التي تُضرب فتوقذ فتموت. والمتردية: التي سقط في بئر أومن فوق جبل فتموت. والنطيحة: التي تنطحها الشاة أو البقرة فتموت. وما أكل السبع: ما أصابه الأسد والذئب أو غيرهما من السباع فيبقى منه بقية، فكل ذلك ميتة لا يحل أكله إلا ما أدركت ذكاته من ذلك وهو حي فإنه حلال.
مسألة: في الجري ونحوه
قال أحمد بن عيسى ـ فيما حدثنا علي بن محمد عن أبي هارون عن سعدان، عن محمد، قال: سألت أحمد بن عيسى عن الجري، فلم يحرمه، وقال ـ: أنا أقذره.
وروى عبد الله بن الحسين، عن ابن منصور، عن جعفر، عن قاسم بن إبراهيم أنه كره الجري والمارماهي.
وقال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على كراهة أكل الجري والمارماهي والزمير.

وقال الحسن ـ في رواية ابن صباح عنه، وهو قول محمد ـ: نكره أكل الجري والمارماهي بغير تحريم كتحريم الميتة والدم.
قال محمد: سمعنا عن من مضى من علماء آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، وعن أبي جعفر، وزيد بن علي عليهم السلام، وغيرهما، أنهم سألوا عن أكل الجري والمارماهي وما ليس عليه فلوس من السمك، فكرهوه، ونهوا عن أكله، فنحن نكره ما كرهوا وننهى عما نهوا عنه من غير تحريم كتحريم الميتة والدم.
مسألة: في السلحفاة
قال محمد: يكره أكل الزق والسلحفاة والسرطان والضفدع وكلب الماء، وجميع ما في البحر مكروه أكله سوى السمك.
وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه، وقد ذكر عن أبي جعفر محمد بن علي عليهم السلام رخصة في أكل الزق. وكرهه غيره.
وقال محمد ـ فيما أخبرنا محمد، عن ابن عامر، عنه هو وأبي جعفر في الزق، فأخذوا كره أكل السلحفاة بلا تحريم، والتمساح رديء مكروه، وهو سبع من السباع.
مسألة:
قال محمد: ونهي عن أكل الضب، ونكره أكل اليربوع والصفد، وجميع هوام الأرض.
وقال محمد ـ فيما أخبرنا محمد، عن ابن عامر، عنه ـ: نكره الصفد بلا تحريم.
مسألة:
قال القاسم ـ فيما روى عبد الله بن الحسين، عن محمد بن منصور، عن جعفر، عنه ـ: ويكره الضب والقنفذ وغيره من حرشة الأرض.
مسألة:
قال القاسم عليه السلام ـ فيما حدثنا علي بن هارون، عن أبي سهل، عن عثمان، عن القومسي، عنه ـ: ولا بأس بأكل الأرنب، وقد جاء أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يعافها فلا يأكلها.
وقال القاسم: إنها تحيض.
وقال محمد: بلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه عاف أكل الأرنب لدم رآه بها، وأذن لأصحابه في أكلها.
مسألة:
قال الحسن عليه السلام: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على كراهية أكل الطحال.
وحكى أحمد بن الحسين، عن القاسم أنه كان لا يكره أكل الطحال.
وكذلك روى عبد الله بن الحسين، عن محمد، عن جعفر، عن القاسم.

وقال محمد: أنا أعاف أكل الطحال؛ لأنه روي عن علي صلى الله عليه أنه كرهه.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((أحل لكم ميتتان ودمان، الميتتان: الحوت والجراد، والدمان: الكبد والطحال)).
قال الحسني: في هذا الحديث دلالة على حظر ما في البحر من غير السمك، وحظر ما في البحر مما لا دم له سوى الجراد؛ لأن ذلك لو كان مباحاً كان أكثر من ميتتين.
مسألة:
قال القاسم ـ فيما روى عبد الله بن الحسين، عن ابن منصور، عن جعفر، عنه ـ: ولا بأس بأكل الجراد.
قال الحسن ـ فيما حدثنا محمد وزيد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ: ولا بأس بأكل الجراد.
ويروى عن علي صلى الله عليه أنه كره صيد المجوسي للجراد والسمك.
قال محمد: وقد اختلف في ميت الجراد إذا وجد وهو ميت، فأطلقه قوم وكره قوم، إلا أن يموت بعد أخذه.
وروي عن علي صلى الله عليه أنه قال: (الجراد والحوت ذكي).
قال محمد: وإذا وجد الجراد في صخراً وبين شجرة وقد سقط بعضه على بعض فمات بعضه وبقي بعضه حيّاً فكلّه ذكي، وميتة لا بأس بأكله.
مسألة: في كل ذي ناب من السبع
قال الحسن عليه السلام: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على كراهية أكل كل ذي ناب من السبع، وكل ذي مخلب من الطير.
وروي أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى عن أكله.
قال القاسم ـ فيما روى عبد الله بن الحسن بن علي، عن أبي منصور، عن جعفر الطبري، عنه ـ: وسئل عن أكل الدلدل والضبع، فقال: هما من السبع ذي الناب، ولسنا نحب لأحد أن يأكلهما؛ لنهي رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عن أكل ذي ناب من السبع، وذي مخلب من الطير.
قال: ويكره الهر الأنسي والوحشي؛ لأنه من السبع.

وقال محمد: بلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه نهى عن أكل ذي ناب من السبع، وعن أكل ذي مخلب من الطير، فأما ذوو الناب من السبع فهو الأسد والنمر والذئب والضبع والثعلب والسنور وابن عرس وما أشبه ذلك. وكذلك القرد منهي عنه.
وقيل: إن الفيل يكره منه ما يكره من كل ذي ناب من السبع.
وأما ذو المخلب من الطير فهو الباز والصقر والشاهين والعقاب والباشق وما أشبه ذلك، وما لم يكن له مخلب من الطير فلا بأس بأكله، لا بأس بأكل الغراب الأسود الزرعي والعقعق والسوداني.
بلغنا عن علي صلى اللّه عليه أنه أكل لحم سوداني ولا خير في أكل الغراب إلا بقع.
وروي عن ابن أبي ليلى قال: كل شيء يصيد من الطير فهو من سباع الطير لا خير فيه، لا يؤكل مثل الغراب إلا بقع والعذاف.
وقال مالك: لا بأس بأكل الطير كله، ذا مخلب كان أو غير ذي مخلب.
مسألة: في الخيل والحمير
قال الحسن، ومحمد: لا يجوز أكل الحمير الأهلية والبغال.
قال محمد: وجائز أكل الخيل والبراذين.
وروى محمد بإسناده، عن زيد، عن علي صلى الله عليه قال: (يحل أكل الخيل العراب، وكره رجيعها، ورجيع الحمر وأبوالها.
وقال أبو حنيفة ومالك: يكره لحوم الخيل.
مسألة: في الجلاَّلة
قال القاسم ـ فيما روى عبد الله بن الحسين، عن محمد عن جعفر، عنه ـ: وسئل عن أكل لحم الجلالة من البقر والغنم والطير، فقال: قد جاءت الكراهية فيها، وأرجو إذا كان أكثر علفها ما يحل أن لا يكون بها بأس، وإذا كان الغالب عليها العذرة فتحبس ثلاثة أيام.
قال محمد: وسئل عن بقرة شربت خمراً، أيوكل لحمها؟
قال: قد كرهت الجلالة حتى تستبرأ، فإذا استبرأت هذه البقرة وغسل لحمها فلا بأس به إن شاء الله.
وبلغنا عن محمد بن علي عليه السلام في جديء غذي بلبن خنزير أنه كرهه.
وعن الشعبي قال: لا بأس به.
وروى ابن خليد، عن محمد، قال: إذا غذي جديء بلبن خنزير توقي أكله.
ذكر عن أبي جعفر أنه قال: لا يؤكل.
وعن مجاهد: يوكل.

وقول أبي جعفر أحبّ إلي.
وقال محمد ـ فيما حدثنا الحسين، عن ابن وليد عن سعدان، عنه قال ـ: سمعنا في الإبل الجلالة أنها تستبرأ بأربعين يوماً، وأحسبه قال: في البقرة ثلاثين يوماً، والشاة سبعة أيام، والدجاجة ثلاثة أيام.
مسألة: فيما نبت على العذرة
قال جعفر بن الصيدلاني: سألت أبا جعفر محمد بن منصور عن نخلة يكون أصلها إلى كنيف نسعتها، فلم يرَ بثمرها بأساً.
وسألته عن العذرة يكون فيها حب البطيخ أو غيره فنبتت، فلم ير به بأساً.
مسألة:
وعلى قول محمد: إذا خرجت البيضة من بطن الدجاجة ميتة وهي صلبة فلا بأس بأكلها. وهو قول أبي حنيفة.
مسألة:
قال القاسم، ومحمد: وإذا مات في الإناء ما ليس له نفس سائلة، نحو العقرب والخنفساء والزنبور والذباب والبق وما أشبه ذلك لم يفسد الماء، ولا بأس به.
قال محمد: وإذا وقع في الإناء قمل أو نمل أو براغيث فلا يضره إن شاء الله.
مسألة:
قال محمد: وإذا وقع بعر الشاة والجمل أو ذرق العصفور أو الطير وما أشبه ذلك مما يؤكل لحمه في طعام أو شراب لم يفسده، وإذا انتضح من الأبوال ما يؤكل لحمه في طعام أو شراب فلا بأس به.
مسألة:
وعلى قول القاسم ومحمد: لا بأس بشرب بول ما يؤكل لحمه؛ لأنهما قالا ـ فيما يؤكل لحمه ـ: ليس بنجس بوله ولا زيله.
وروى محمد عن زيد، عن علي صلى الله عليه في الإبل والبقر والغنم وكل شيء يحل أكله، فلا بأس بشرب أبوالها وألبانها ويصيب ثوبك، إلا الخيل العراب فإنه يحل أكل لحومها وكره رجيعها ورجيع الحمر وأبوالها.
مسألة:
قال محمد: وذرق الطير طاهر ما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل لحمه فإن سقط في إناء فيه ماء فأقذفه بمنزلة النخامة، فإن تقشأ ولم يدركه حتى اختلط بالماء، فإن أمكنك غيِّره وإلا فتوضأ به ولا يضرك، وإذا ضربتْ الدجاجة بمنقارها في شراب فلا بأس به ما لم يكن في منقارها عذرة.
مسألة: في الفأرة والدم تقع في الطعام

قال القاسم عليه السلام: ولا يفسد الماء عندنا إلا ما غيره وبيَّن فيه أثره وقذره.
وقال القاسم ـ أيضاً فيما روى داود عنه ـ: وإذا وقع في الإناء قطرة من خمر أو دم أو جيفة فغلب الماء عليه ولم يتغير ولم يبن فيه نتن توضأ به.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا محمد، وزيد، عن زيد، عن أحمد بن يزيد عنه ـ: وإذا طرح في القدر لحم وماء وطبخ، فوقع فيها دم فلا يجوز أكل اللحم.
وقال الحسن ـ أيضاً فيما روى ابن صباح عنه، وهو قول محمد ـ: وإذا وقعت الفأرة في خابية فيما زيت أو سمن فأخرجت منه حية فإنه يؤكل ويباع وينتفع به، وإن خرجت منه ميتة نظر، فإن كان جامداً أخرجت وما حولها فرمى به وأكل ما بقي، وإن كان ذائباً فلا يؤكل ولا يباع، وجائز أن يستصيح به، وإن وقعت الفأرة في خابية نبيذ تمر حلو مما لا يسكر كثيره ولا يخدّر أو ما كان مثل التمر فأخرجت ميتة فقد فسد ويهراق ولا ينتفع به، ولا يباع ولا يؤكل له ثمن، فإن خرجت حية في جميع ما ذكرنا فإنه يؤكل ويباع وينتفع به.
قال محمد: وإذا بالت الفأرة في شراب فإنه يهراق، وإذا أصاب بول الفأرة والخرذ ونحوهما طعاماً خبزاً أو ثديداً غسل ما أمكن غسله، وما لم يمكن غسله توقي أكله.

قال محمد: وإذا تغير طعم الماء الذي في البئر أو رائحة بشيء من النجاسات ثم عجن منه أو خبز أو طبخ فلا ينبغي أن يؤكل شيء من ذلك، ولكن يطعم ما لا يؤكل لحمه من البهائم مثل السنور والكلب والحمار، ويغسل منه الآناء والثياب، وإن كان لم يتغير ريح الماء ولا طعمه فقد رخص فيه جماعة من آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه لا يعاد منه صلاة ولا يغسل منه ثوب، وما عجن منه أو خبز أو طبخ فإنه يؤكل. وأهل الحجاز ـ أيضاً ـ فلا أعلمهم يختلفون في إجازته، وإذا أخذ رجل شعرة فسقطت منه شعرة أو شعرتان أو نحو ذلك في إناء فلا يضر، وإن كانت خصلة كره أن يتوضأ منه أو يشرب، وإن وقعت الخصلة في جب فيه ماء كثير رجوت ألا يضر والتنزه عنه أفضل.
مسألة: إذا أصاب الحنطة بول
قال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ: وإذا أصاب الطعام خمر غسل موضعه.
وقال محمد: إذا بال الفأر في طعام فشربه الطعام فأحب إلي أن يطعم البهائم.
وقال محمد ـ فيما حدثنا حسين، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه ـ في خمر إهراق في حنطة، قال: يغسل ويجفف.
وقال محمد ـ فيما أخبرنا محمد، عن ابن عامر، عنه ـ: وإذا قلبت الحنطة بماء نجس فإنها تكره؛ لأنها تتشرب.
قال فرات: قال محمد، في الفوذج والحنطة والأرز يوجد فيه فأرة ميتة: إن أمكن غسله غسل، وإن لم يمكن غسله مثل الدقيق أخذ ما حوله ورمى به.
قرأت في كتاب علي بن زيد بن أحمد أن بقيه بخطه أخبرني برار بن إبراهيم، قال: سألت محمد بن منصور عن بول الفأر والجرذان وخريّهم يقع في الطعام ما لا يمكن خلاصه منه؟
قال: ليس عندي فيه، ولا أجيبك فيه بشيء، ولكن إن أمكن غسله غسلته بالماء.
فقلت له يا أبا جعفر: ترشدني إلى من أسأله غيرك عن هذه المسألة؟
قال: لا.
مسألة: سؤر المشرك
قال القاسم عليه السلام أكره سؤر اليهودي والنصراني والمجوسي.

قال محمد: يكره سؤر وضوء المشرك، ولا باس بسؤر شربه، إلا أن يراه قد أكل لحم خنزير أو شرب خمراً.
مسألة:
قال محمد: وإذا جلب الجبن من بلاد الشرك فإنه يؤكل ما لم يعلم أنه ميتة.
قال الحسني رضي الله عنه ـ يعني ما لم نعلم ـ: أنهم جعلوا فيه أنافج الميتة أو حلبوه من شاة ميتة، فإن علم ذلك لم يجز أكله؛ لأن اللبن والإنفَحة قد نجى بكونهما في ضرع الشاة الميتة وكرش الجدي، وقرأت في كتاب أحمد بن عيسى في نسخة عتيقة: قد سمعت من ابن منصور في سنة نيف وستين ومائتين، فلا بأس عندنا بطعام المجوس وطبيخهم ما خلا ذبائهم فإنها حرام.
وعن جعفر، عن قاسم بن إبراهيم، في الجبن مما عمله أهل الكتاب والمجوس فقد قيل: إنه يجعل فيه الإنفَحة الميتة. ويذكر قوم أن الإنفَحة لا تموت.
قال القاسم: أما المجوس فلا يؤكل جبنهم؛ لاستحلالهم الميتة في دينهم، وأما اليهود والنصارى فالقول فيه مختلف كالقول في ذبائحهم.
قال القاسم: إنا نكره سمون المجوس وأطعمتهم كما نكره ذبائحهم.
مسألة: سؤر الكلب والسباع
قال القاسم عليه السلام: لا بأس بسؤر الكلب والسباع ما لم يتغير للمطاعم أو تبين فيه نتن أو قذر.
وقال الحسن ـ فيما حدثنا زيد، عن أحمد، عنه، وهو قول محمد ـ: وإذا ولغ الكلب في سمن أو زيت أو لبن أو عسل أو رب فإنا نكره سؤر الكلب.
قال محمد: ولا نحرمه.
قال فُرات: قال محمد: وليس عليك فيه شيء، إلا يك توقاه.
قال الحسن: وإن انتضح منه ففيه رخصة.
قال محمد: ويكره سؤر القرد وكل ذي ناب من السبع؛ لأنه نجس، وكذلك ابن عرس مكروه سؤره، وإنما رخص في سؤر السنور وحدها، إلا أن تراها قد أكلت ميتة، وإن إحتيج إلى شربه فلا بأس به.
وقد قيل: إن الفيل يكره منه ما يكره من كل ذي ناب من السبع.
مسألة: سؤر الفأر
قال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه، وهو قول محمد ـ: ولا بأس بسؤر الفار في الطعام والشراب يؤكل ويشرب.

قال محمد: إن كان لا يمكن غسله مثل لبن أو ثريد، وإن كان خبزاً أو ما يمكن غسله غسل موضع ما أكل.
مسألة: سؤر الفرس والحمار
قال القاسم: لا بأس بسؤر الفرس والبغل والحمار.
وقال محمد: لا بأس بسؤر الفرس والبرذون، وأما الحمار فلا نضيق فضل سؤره، وإذا اضطر المسافر إلى سؤر حمار أو بغل توضأ به ويجزيه.
مسألة: في قدر ما يأكل المضطر من الميتة
قال أحمد بن عيسى والقاسم: إذا اضطر قاطع الطريق إلى أكل المية أكل منها.
قال أحمد بن عيسى ـ فيما روى علي بن دحيم، عن محمد، عنه ـ: ويأكل المضطر من الميتة حاجته وما يقوى به على فرضه وبلوغ حاجته، ولكن لا يعود في أكلها.
قال محمد ـ يعني أبو عبد الله ـ بقوله: ولكن لا يعود إلى أكلها، حتى يصير إلى مثل حالته الأولى من الضرورة.
قال علي بن دحيم: أو لضائع.
قال محمد بن منصور: قلت لأحمد بن عيسى: قال سعيد بن جبير وغيره: ليس للذي يقطع الطريق أن يأكل الميتة وإن خرجت نفسه تناولون غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم.
قال: لست أقول به إذا يقتل نفسه ويصير إلى [ما هو] أعظم من أكل الميتة، وقد أطلق الله له أكل الميتة وأحلها، وعليه ألا يعصي الله.
وقال القاسم ـ فيما روى عبد الله بن الحسين، عن محمد بن جعفر، عنه ـ: ومن اضطر إلى الميتة فليأكل منها ما يكفيه دون الشبع، ولا يفرط في أكلها، وله أن يتزود منها إن خاف ألا يجد ما يغنيه.
قال محمد في قوله عز وجل: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد}، قال: الذي يقطع الطريق لم يرخص له في أكل الميتة ولا في التقصير، إلا أن يخاف على نفسه الموت، فليس له أن يصبر على قتل نفسه، يأكل منها مسكة نفسه.
وعلى هذا القول، إذا اضطر رجل إلى أكل الميتة أو شرب خمر ولم يفعل حتى مات كان آثماً.

وروى محمد بإسناده، عن ابن عباس، قال: أما الباغي العاد فالذي فارق جماعة المسلمين وسفك دماءهم وأخاف سبلهم وسعى في الأرض فساداً، فإذا اضطر إلى شيء مما حرم الله عليه فلا يحل له، إنما يحل لمن اضطر إليه في طاعة الله فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم.
قال محمد: هذا أحب إليّ من قول قاسم بن إبراهيم عليه السلام.
مسألة:
قال محمد: وإذا اضطر المحرم إلى أكل الميتة أو الصيد فليأكل الميتة، فإن خاف أن يضر به أكلها أكل من الصيد وفدى.
وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه.
مسألة:
قال أحمد بن عيسى عليه السلام ـ فيما روى محمد بن فرات، عن محمد، عن علي بن أحمد، عنه ـ: كان عبد الله بن الحسن عليه السلام إذا حظر طعامه أحد قال: كل يا عبد الله، تبرك به.
مسألة:
قال محمد ـ فيما أخبرنا زيد، عن أبي هارون، عن سعدان، عنه ـ: وسئل عن الحامل تشتهي الطين، ما ترى في أكله؟ نرخص في القليل منه. وذكر [حديث] عن علي صلى الله عليه.
مسألة:
قال الحسن ـ فيما روى ابن صباح، عنه، وهو قول محمد ـ: ينبغي لمن أتى المسجد أن يتجنب أكل الثوم والبصل والكراث وأشباه ذلك مما له رائحة من الطعام وغيره، فإن ذلك قد كره ونهي عنه، وأكل الثوم والبصل والكراث عندنا حلال، وإنما كره النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ذلك لمن حضر الجماعات في المسجد؛ لئلا يتأذى به أحد من المسلمين.
قال محمد: ويستحب الرائحة الطيبة لمن أتى المسجد.
قال القاسم ـ في رواية عبد الله بن الحسين، عن جعفر، عن محمد، عنه ـ: ولا بأس بأكل الثوب والبصل والكراث، إلا من دخل مسجد الجماعات فقد جاء من الكراهية في الثوم عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ما جاء.
مسألة:
قال الحسن ـ فيما روى ابن صباح، عنه، وهو قول محمد ـ: ويكره للرجل المستور أن يواكل الكفار ويخالطهم في أمورهم.
وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا تصحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي)).

وقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((اصطف بطعامك لمن يحب الله عز وجل، فإن أكل الكفار أو خالطهم على وجه البقية والمداراة فنرجو أن يهب الله عز وجل ذلك على حسب ما فعل من مضامن الصالحين)).
قال محمد: ولا يحرم على الرجل أن يأكل مع المرأة الأجنبية، وتوقي مثل هذا أحرز لدينه.
مسألة:
قال الحسن: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على الاقتصاد في الطعام، وإن اتسع متسع في النفقة من حله لم يضيق ذلك عليه، وليس بمسرف عندهم، إلا أن ينفق في غير حله فذلك سرف قليله وكثيره.
قال الحسن: وإذا اكتسب الرجل مالاً حلالاً فله أن يأكل من طيبات ما رزقه الله ويلبس وينكح حلالاً ويتلذذ من اللذات في غير محرم ولا إسراف، وإن قلل مما أحل الله له وزهد في الدنيا فهو خير له وأفضل، وما قل من الدنيا خير مما كثر، إلا ما أنفق في طاعة الله فهو خير مما قل.
وقال القاسم ـ فيما روى عبد الله بن الحسين بن علي، عن محمد بن منصور، عن جعفر، عنه، قال ـ: لا بأس بالأكل متكئاً وقاعداً وقائماً ومستلقياً على أي حالة ما لم يكن في ذلك ضرراً.
وقال: إنه يستحب التباعد عن مؤاكلة المجذوم؛ لما ذكر عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم من الأمر بالتباعد عنهم وإدامة النظر إليهم.
مسألة:
قال محمد: حضرت عبد الله بن موسى على مائدته، فأكلوا خبزاً ولحماً وألواناً طبيخاً وشوي وغير ذلك، كل ذلك كان يأكل معهم من الألوان كلها، ثم دعا بالوضوء، فمد يده، وقال: اغسلوا أيديكم منه.
حدثني أبو معمر، عن زيد بن علي عليه السلام قال: ما معاً تختلط دماؤكم، فذكرت قول القاسم بن إبراهيم عليه السلام، فذكر نحوه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وقال قاسم: هو أهون على الخادم.

قال محمد وينبغي لمن أكل شيئاً من الطعام أن يتخلل قبل أن يصلي، ذكر ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وإن تمضمض ولم يتخلل أجزأه، وإن أكل شيئاً مما يبقى له ... أو دسم في أضراسه أو بين أسنانه أو في فمه فيستحب له أن يتخلل ويتمضمض منه قبل الصلاة، ومن لاك شيئاً بلسانه فإن شاء فليفظه وإن شاء فليبلعه ـ يعني ومن تخلل فليفظه ـ، قال: والفرق بينهما أنه ربما كان مع التخلل دم، فلذلك يؤمر بنفظه.
وروى محمد عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((من أكل فليتخلل، ومن تخلل فليفظ، ومن لاكه بلسانه فليبلعه، ومن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج)).
قال محمد: ومن أكل من لحوم الإبل [وألبانها، فقد ذكر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه سئل عن الوضوء من لحوم الإبل] فأمرته وقد ذكر فيه رخصة أنه لا وضوء منها، وكذلك ما مست النار من جميع اللحمان وغيرها فلا وضوء منه.
وروى محمد عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه أكل خبزاً ولحماً وتمضمض ولم يتوضأ.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه أتى بكنف حرور مشوية، فأكل، ثم دعا بلبن إبل فمذق له فشرف.
قال محمد: مذق: خلطهما. ثم دعا بماء، فغسل يد من غمر اللحم ومضمض فاه، ثم تقدم فصلى بنا ولم يحدث طهوراً.
كتاب الأشربة
مسألة: في تحريم المسكر من النبيذ وغيره
قال محمد: قلت لأحمد بن عيسى عليه السلام: المسكر عندك مثل الخمر؟
قال: لا.
قلت: فتحد في قليله، فهاب الحد فيه بم ذكر عن علي صلى الله عليه أنه حد فيه.
وقال محمد ـ في كتاب المشنج ـ: قلت لأحمد بن عيسى يفترق عندك من شنج ومن رأى المشنج ولم يمسيج؟
قال نعم.
قال محمد: كأنه لا يسوي بين من صلى خلف من مشنج وخلف من لم بمشنج، وإن رءاهم المشنج.
قلت: وكذلك النبيذ عندك بهذه المنزلة؟
قال: نعم ـ يعني أنه لا يسوي بين من شربه وبين من يرى شربه ولا يشربه.

وقال القاسم ـ فيما حدثنا علي بن محمد، عن محمد بن هارون، عن ابن سهل، عن عثمان بن محمد، عن القومسي، عنه ـ: المسكر حرام، أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على تحريمه.
وقال الحسن ـ في رواية عبد الله بن الحسين، عن محمد، عن جعفر، عنه ـ: والخمر ما صنع من العنب، ولسنا نزعم أن كل مسكر خمر، بل نقول: كل ما أسكر كثيره فقليله حرام.
وكذلك روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وقال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في الأشربة على أن كل مسكر حرام، وعلى أن كل شراب يسكر كثيره فقليله حرام.
وقالوا: ما خُمِّر من الشراب فأسكر كثيره فهو خمر. وأجمعوا على كراهية الدردي والخميرة في النبيذ والدادي وكل شرب يجود على الترك فيسكر فهو حرام، وكل شراب يفسد على الترك فيحمَّض فيصير خلاً فهو حلال إذا لم يكن فيه عكر، وإنما النبيذ عندهم الذي يجوز شربه ما انتبذ بالغداة وشرب بالعشي أو انتبذ بالعشي وشرب الغداة وإن مكث أكثر من يوم وليلة في الشتاء ولم يعل ولم يسكر فلا بأس بشربه، وكرهوا النبيذ في الإناء الضاري حتى يغسل، فهذا النبيذ الذي يجوز شربه إذا لم يكن فيه عكر ولم يخل.
قال الحسن ـ أيضاً فيما روى ابن صباح عنه، وهو قول محمد ـ: وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((كل مسكر حرام، وكل مسكر خمر))، وليس تحريم النبيذ عندنا كتحريم الخمر، النص في كتاب الله عز وجل، والنبيذ من التمر وغيره سواء حرام بتأويل، والخمر من العنب حرام بتنزيل القرآن، وإجماع الأمة لو أن رجلاً قال الخمر من العنب حلال استتيب، فإن تاب وإلا قتل، ولو قال: إن المسكر من النبيذ حلال لم يكن فيه استتابة؛ لأن فيه اختلافاً.

وروى محمد بإسناده، عن ابن عبد الرحمن، قال: ((كان زياد عاملاً لعمر على الشام، فأتى بقوم قد شربوا الخمر، فقالوا: شربناها وهي لنا حلال، فتلوا عليه: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا..} الآية، فبعث بهم إلى عمر، فقالوا مثل مقالتهم لزياد، فشاور الناس فيهم، فقال علي صلى الله عليه: (أنهم قد ابتدعوا في كتاب الله ما لم يقل، وقالوا فيه ما لم ينزل، فإن شهدوا أنها حلال فاضرب أعناقهم وإن زعموا أنهم شربوها بجهالة وهي عليهم حرام فاضربهم ثمانين ثمانين)، فقال عمر: أشهد أنها حرام، فقالوا: شهد أنها حرام، فضربهم ثمانين ثمانين.
وعن السري: إن قدامة بن مظعون الجمحي شرب الخمر، وكان بدويّاً فرُفع إلى عمر، فقال: قرأته ليس عليّ في شرب الخمر حرج، وأنا من الذين قال الله عز وجل: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات..} الآية، فبعث عمر إلى علي صلى اللّه عليه، فأخبره بمقالتهم، فقال علي صلى الله عليه: (إن الله تعالى لما حرم الخمر، قال المؤمنون: كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ وكيف بصلاتنا التي صليناها ونحن نشربها، هل قبلها الله منا ومنهم، أم لا؟ فأنزل الله تبارك وتعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا}، إذا ما اتقوا ما حرم عليهم وآمنوا وعملوا الصالحات فكان ذلك معذرة للماضين وحجة على الباقين، إن شارب الخمر إذا شربها..)، وذكر الحديث.

قال محمد: وبلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يزوج شارب الخمر، ولا يصدق إذا حدث، ولا يؤمَن على أمانة، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن))، وهذا على التغليظ ووجه النهي والتحذير لتعدي حدود الله، وكذلك نقول: لا ينبغي أن يزوج، ولا يُصدَّق حديثه، ولا يُؤمَن على أمانة، وكذلك كل من أقام على كبيرة أوجب الله فيها الوعيد، وهو عندنا في حال براءة منه حتى يتوب إلى الله عز وجل من ذلك، وقد جاء فيمن زوج حرمته من فاسق فقد قطع رحمه ولم يقل: إن نكاحه باطل، ولكن إن زوج مزوج رجلاً فيه هذه الخصال أو بعضها فالنكاح ثابت، وقد أنشأ من زوجه ومن شرب الخمر وأكل الحرام، فإن الله لا يقبل منه عمله حتى يتوب إليه من ذلك.
وقال محمد: قال الله عز وجل ـ في تحريم الخمر ـ: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون}، وقال سبحانه: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم}، يعني الخمر، وقال:{يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير}. أخبرنا بإثمهما في هذه الآية وحرم الإثم في الآية الأخرى، يعني أن الإثم اسم من أسماء الخمر، قال سبحانه: {ما أتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا}، وقد أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بتحريم الخمر بإجماع أمة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم.
قال محمد: والسكر عندي بمنزلة الخمر، قرأته في كتاب ابن عمر وبخطه.
قال محمد: وسئل عن قوله تعالى: {ومن ثمرات النخيل والأعناب يتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً} يقال ـ والله أعلم ـ: إن هذه الآية نزلت قبل أن ينزل تحريم الخمر ولم يكن بالمدينة أعناب إنما كانت الأعناب بالطائف، وإنما كان شرابهم من التمر وفضيخ البسر، فكانت الثمرات من التمر والأعناب والبسر، وأما سكراً، فهو ما كانوا ينبذونه من التمر والبسر والزبيب.

وروى محمد بأسانيده، عن النعمان بن بشير، قال: سمعت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: ((إن من العنب خمراً، وإن من التمر خمراً، وإن من العسل خمراً، وإن من الحنطة خمراً، وإن من الشعير خمراً، وإني أنهاكم عن كل مسكر)).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن الخمر من هاتين الشجرتين، الكرمة والنخلة)).
وعن أبي موسى قال: بعثني رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى اليمن فقلت: يا رسول الله، إن بها شرابين البتع والمزر ـ فالبتع من العسل، والمزر من الذرة والشعير ـ؟ فقال: ((كل مسكر حرام)).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((كل مسكر حرام، وكل مسكر خمر)). وقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام، وما أسكر الفرق منه فالحسوة منه حرام))، وأنه نهى عن كل مسكر ومفتر.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعرف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير)).
وعن علي صلى اللّه عليه قال: (ما أبالي أخمراً شربت أم مسكراً).
وعن مسعود قال: فضيخ البسر والتمر حرام.
وروى محمد بإسناد عن إبراهيم بن عبد الله عليه السلام، قال: نظرنا في النبيذ فإذا قد اختلف فيه، فكانت شهادة الذين دفعوا بشهادتهم شهواتهم أولى من المقتول من شهادة الذين جروا بشهادتهم شهواتهم.
مسألة: هل يجوز أن يجعل الخمر خلاًّ؟
قال القاسم ـ فيما روى عبد الله، عن محمد، عن جعفر عنه، في الخمر يصنع خلاً ـ: قال آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ولا يرون أن ينتفع به في خل ولا غيره؛ لأن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أمر بإهراقها وحرم ملكها حين حرمت الخمر.
قال محمد: ذكر عن محمد بن الحنفية أنه كره ما كان خمراً فصار خلاً.

وعلى قول الحسن بن يحيى عليه السلام ـ وهو قول محمد ـ: لا يجوز أن يجعل في الخمر شيء حتى تصير خلاً أومربا لأنه قال: إذا كان دن الخمر مما ينسف فمكروه أن يجعل فيه الخل، وإن كان مما لا ينسف فلا بأس أن يغسل وينتفع به، حدثنا بذلك زيد بن حاجب، عن زيد بن محمد، عن أحمد، عنه.
مسألة: في العصير والطلاء والبُخْتَج
قال القاسم ـ فيما روى عبد الله بن الحسين عن محمد عن جعفر الطبري عنه، في الطلاء وغيره من العنب والزبيب والعسل وغير ذلك، قال ـ: ما لم يسكر كثيره فحلال قليله وكثيره، وما أسكر كثيره فقليله حرام، وكذلك المنصف والمثلث ما أسكر كثيره فقليله حرام، وما لم يسكر كثيره فطيب حلال.
قال: والعصير ما لم يسكر فليس به بأس.
قال محمد: ولا بأس بشرب البختج المطبوخ وشراءه وبيعه ـ والبختج هو العصير يطبخ وهو حلو قبل أن يشق وقبل أن يغلي حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه.
قال محمد: حدثنا بكار، عن إسماعيل بن أبان، عن أبي خالد، قال: سألت زيد بن علي عن الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه؟ فقال: لا باس بأكله وشربه وبيعه.
وسألته عن المنصف؟ فقال: لا خير فيه.
قال: حدثنا أبو كريب، عن إسحاق بن منصور، عن حسن، قال: سمعت جعفراً عليه السلام يقول: إذا طبخ الطلاء حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه فلا بأسه به، أو قال: فاشربه.
وعن ابن عمر أنه سئل عن العصير؟ فقال: اشربه ما لم يأخذ شيطانه.
قال: ففي كم يأخذ شيطانه؟ قال: في ثلث.
وعن أبي الجنوب قال: رزقنا علي صلى الله عليه الطلاء فكنا نلعقه مثل الرب.
وعن أبي سعيد عقيصاً، قال: رزقنا علي عليه السلام الطلاء، فصبيناه في جفنه فأقمنا فيه سواكاً، فقام قائماً.
وعن ابن أبي حازم، قال: كان علي ـ صلى الله عليه ـ يرزق أبي الطلاء ما ذهب بلاه وبقي ثلث.
وعن السري، عن رجل قال: رزقنا علي ـ صلى الله عليه ـ الطلاء من شاء جعل منه حبيصاً ومن شاء صب فيه الماء ومن شاء شربه.

وعن زاذان قال: كان علي ـ صلى الله عليه ـ يرزقنا الطلاء، فكنا نصب عليه الماء ونشربه.
وعن أبي عبد الرحمن قال: كان علي صلى الله عليه يرزقنا الطلاء أسود يأخذه أحدنا بأصبعه.
مسألة:
وإذا طبخ العصير وهو حلو حتى غلى أو ذهب منه بالطبخ عشره أو ثلثه إلى ما دون النصف ثم يتركه إلى وقت لو لم يطبخه علي فهو بمنزلة الخمر حرام شربه وشراءه وبيعه، وإن صاب جسداً أو ثوباً فلا يصلى فيه حتى يغسل، وإن صب منه شيء في بئر نزحت، وإن قطرت منه قطرة في جب ماء إهريق وغسل الجب، وإن شرب إنسان قليلاً أو كثيراً فقد شرب حراماً ويؤدب ويدرأ عنه الحد، لا نعلم في دراء الحد عنه خلافاً؛ لأنه خبث طبخه أو لا حتى ذهب منه أقل من النصف ثم تركه إلى وقت يغلي منه فقد صار خمراً، وإذا طبخ العصير حتى ذهب بالطبخ نصفه أو أقل من ثلثه وبقي أكثر من ثلثه فلا خير فيه ولا ينبغي شربه.
مسألة:
وإذا طبخ العصير حتى ذهب بالطبخ منه أقل من النصف، ثم تركه يوماً أو يومين، ثم أعاد عليه الطبيخ حتى ذهب تمام الثلثين وبقي الثلث فلا بأس بشربه، وإذا طبخ العصير حتى ذهب منه بالطبخ ثلثه أو أقل من ثلثيه ثم تركه إلى وقت لو لم يطبخه لاشتد وغلى، ثم أعاد عليه الطبخ حتى ذهب تمام الثلثين، فقد صار فاسداً، ولا ينتفع بطبخه، فإن تركه إلى وقت لو لم يطبخه لم يشتد ولم يغل فلا بأس بشربه.
مسألة:
وإذا طبخ العصير بعد ما غلى ورمي بخبثه حتى ذهب منه ثلثاه وبقي ثلثه فهو خمر لا يحل شربه ولا شراءه ولا بيعه؛ لأنه إنما طبخه بعدما صار خمراً، فإن شرب منه إنسان فعليه الحد، ولو أن عصيراً تغير حوله ولم ينش وهو يعد حلو لا يسكر كثيره ولا يتغير فلا بأس بشربه وطبخه، وإن مكث أياماً ما دام حلواً لم يشتد، وهذا على قول أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام أنه كان يأمر ببيع العصير إذا كان حلواً.
وروي عن عطاء قال: أشرب العصير ما لم يغل.

قال محمد: وإن نشى العصير فإنا نكرهه وإن غلى العصير ورمي بخبثه وحيثه زبدة فهو خر حرام شربه وشراءه وبيعه طبخ أو لم يطبخ، أتى عليه يوم أو أقل أو أكثر، ولو مكث العصير في الدنان وغيرها شهراً وأكثر من شهر لا يغلي ولا يشتد حلواً على حاله ولا يسكر من شربه فلا بأس بشربه وشراءه وبيعه وهو عصير على حاله، وإن اشتد حتى إن شرب نمه أسكر فهو خمر لا يحل شربه ولا شراءه ولا بيعه طبخ أو لم يطبخ.
وروى محمد بإسناده عن ابن عباس في مثل هذا قال: إن النار لا تحل شيئاً ولا تحرمه.
قال محمد: وإذا طبخ العصير حتى ذهب ثلثاه فكان ذلك الباقي سكر كثيره فقد فسد وحرم وصار خمراً.
وروى محمد بإسناده عن ابن عباس أنه سئل عن الباذق، فقال: سبق محمد الباذق، وما أسكر فهو حرام.
قال محمد: الباذق الطلاء إذا اشتد.
وروى محمد عن سعيد بن ذي العورة، قال: إني على بدنان طلاء من عانات الناء فرزقتها الناس، فأتى رجل قد سكر وقيل: إنما سكر مما رزقه الناس، فقال: لم أرزقهم ليسكروا منه.
قال: فأقام عليه الحد.
قال محمد: لم يكن الطلاء الذي رزقهم إياه علي كان يسكر كثيره، ولو مكث عند الرجل بعد ما رزقه علي أيام حتى اشتد وهو مفسد في غير هذا الحديث.
مسألة: صفة عمل العصير والبختج

قال محمد: وإذا أراد الرجل أن يجعل العنب عصيراً فإنه يجيء بالعنب الحمري فيجعله في معصرة مقفزة بالقفز على مثال الحوض، ويجعل لها مثعبا إلى ثغار قد دفن في الأرض حتى ينصب ما سيل من العنب إلى ذلك الثغار، ثم يداس العنب ويوضع عليه شيء ثقيل حتى يعتصر ما بقي في العنب من الماء، ثم ينصب بقدر صير مرصصة مستوية الأسفل والرأس، ثم يغرف ذلك العصير من الثغار بجرة صغيرة، فكلما صب في القدر قدره علم بقصبة مستوية الأسفل تقام في وسط القدر، ثم يخرج فيحرر الموضع الذي يبلغ إليه العصير، وكلما صب جرة علم موضعها من القصبة حتى ينتهي العصير إلى حيث يريد صاحبه ويكون لعدد الجرار التي صبت في القدر ثلاث، ثم ترفع القصبة وتحرر وتوقد تحته وقوداً جيداً، فإذا غلي أدرك علته أخذ رغوته بمغرفة منقبة فرمى بها، ثم أذيب الوقود عليه، وكلما ارتفع على العصير رغوة أخذت حتى لا يبقى من الرغوة شيء، ثم أخذت القصبة فوضعت في القدر حتى ينتهي الوقود إلى ثلثه، وإذا أردت أن تعرف ثلث ما صبيت في القدر من العصير أمسكت عن الوقود وقطعت النار من تحت القدر حتى يسكن فوران العصير، ثم وضعت القصبة فتعرف ثلث ما صبيت من العصير، فإذا انتهى إلى الثلث غرفته من القدر فصبيته في قدر آخر حتى يبرد فيها، ثم يصفا بعد ذلك في الدنان، وحد الطبخ الذي عرف به ذهاب الثلثين وبقاء ثلث، فإنه يؤخذ قدر صغير على قدر ما تريد فتضعها على النار ثم تصب فيها ثلث ما تريد إن تطبخ منها، فإذا أراد أن يطبخ ثلثين رطلاً جعل فيها عشرة أرطال، فإذا سكنت في القدر نظر أين منها ذلك من القدر فلرسمه يرسم فتتبين علامته في القدر، ثم تصب عليه عشرين رطلاً أخرى، ثم تطبخه حتى يبلغ العلامة التي رسم عليها، فإذا بلغ العلامة فقد حل، وإن كان طبخا لم يثبته إلى العلامة، وكان إذا تركه صار منتهاه إلى العلامة فلا بأس بشربه أيضاً، وهو مما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه.
مسألة:

قال محمد: وإذا صب رجل عصيراً في قدر ليطبخه ثم صب مع العصير ماء أو شيرخ تمر، نُظر، فإن كان إذا طبخه لم يذهب بالطبخ من العصير شيء إلا ذهب من الشيرخ والماء مثله فإنه يطبخ الجميع حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه وهو حلال، وإن كان إذا طبخه ذهب الماء والشيرخ بالطبخ أو لا فعليه أن يطبخه حتى يذهب جميع ما زاد من الماء والشيرخ، ثم يطبخ ما بقي حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثيه وهو حلال.
مسألة:
وإذا طبخ العصير حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه ثم صب فيه رطل من عصير أو أكثر أو أقل فينبغي أن يطبخ الجميع حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، وإذا طبخ العصير حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه ثم صب رطل من ماء أو أكثر فإنه حلال إلا أن يكون إذا بقي أسكر كثيره، فإذا صار كذلك فلا خير فيه، وإذا طبخ العصير حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه فكان الثلث الباقي سكُر كثيره ثم يصب فيه رطل عصير أو رطلان فقد فسد ولا ينفع طبخه وقد صار خمراً، وكذلك لو صب رطلاً من عصير في نبيذ يغلي فقد فسد طبخ أو لم يطبخ، ولو صب رطلاً من عصير في نبيذ ساعة نبذ وهو حلو لم يفسده ذلك ولم يحرم إلا أن يشتد النبيذ بعد ذلك ويغلي فيحرم حينئذ.
مسألة: إذا إهراق من العصير شيء بعد ما طبخ بعض الطبخ

قال محمد: وإذا أراد الرجل أن يطبخ ثلاثين رطلاً عصيراً طبخاً يحل له منها عشرة أرطال فطبخها حتى ذهب منها بالطبخ خمسة أرطال وبقي خمسة وعشرون رطلاً، فإنه ينبغي أن يطبخ الخمسة وعشرين رطلاً الباقية حتى يذهب منها ثلاثة أخماسها ـ وهو خمسة عشر رطلاً ـ، وبقي خمساها ـ وهو عشرة أرطال ـ فإن هو لم يطبخ الخمسة وعشرين رطلاً حتى إهراق منها خمسة أرطال وبقي عشرون رطلاً فينبغي أن يطبخ العشرين رطلاً الباقية حتى تذهب بالطبخ ثلاثة أخماسها ـ وهو اثني عشر رطلاً ـ، ويبقى خمساها ـ وهو ثمانية أرطال ـ فإن هو طبخ العشرين رطلاً حتى ذهب بالطبخ رطلان وبقي ثمانية عشر رطلاً فينبغي له أن يطبخ الثمانية عشر رطلاً حتى يذهب بالطبخ منها خمسة أتساعها ـ وهي عشرة أرطال ـ، ويبقى أربعة أتساعها ـ وهو ثمانية أرطال ـ فإن هو لم يطبخ الثمانية عشر رطلاً حتى إهراق منها رطلان وبقي ستة عشر رطلاً فإنه ينبغي أن يطبخ الستة عشر رطلاً الباقية حتى يذهب بالطبخ منها خمسة اتساعها ـ وهو ثمانية أرطال وثمانية أتساع رطل ـ، ويبقى أربعة أتساعها ـ وهو سبعة أرطال وتسع رطل ـ، والأصل الذي يستخرج به معرفة حساب هذه المسألة أنك لما صببت في القدر ثلاثين رطلاً عصيراً فينبغي لك أن تطبخه حتى يذهب ثلثاه ـ وهو عشرون رطلاً ـ وهو حرامه، ويبقى ثلثه ـ وهو عشرة أرطال ـ وهو حلاله، فلما طبخته أولاً فذهب منه بالطبخ منه خمسة أرطال بغير جزء الحلال منه فيما بقي؛ لأنه كان حلاله قبل أن يذهب بالطبخ منه شيء ثلثه، فلما ذهب بالطبخ منه سدسه ـ وهو خمسة أرطال ـ صار جزء الحلال مما بقي خمساه، فلما إهراق منه خمسة أرطال وبقي عشرون رطلاً كان الحلال منها خمساها ـ وهو ثمانية أرطال ـ، فلما طبخت العشرين رطلاً حتى ذهب بالطبخ منها رطلان صار جزء الحلال مما بقي أربعة أتساعه ـ وهو ثمانية أرطال ـ، فلما إهراق من الثمانية عشر رطلاً رطلان وبقي ستة عشر رطلاً فالحلال منها على جزء من الثمانية

عشر قبل أن يهراق منها شيء وهو أربعة أتساعها ـ وهو سبعة أرطال وتسع رطل ـ، وإذا أردت أن تعرف أربعة أتساع الستة عشر رطلاً فإنك تأخذ أربعة أتساع التسعة ـ وهو أربعة ـ، ويبقى من الستة عشر سبعة وليس لها تسع وقد أصبحت إلى معرف أربعة أتساعها فاضرب أربعة في سبعة فيصير معك ثمانية وعشرون سهماً، ثم عد لكل تسعة واحداً ثمانية وعشرون، ثلاثة أسهم وتسع أضيفها إلى الأربعة التي أمسكتها أولاً فصارت سبعة أرطال وتسع رطل، فهذا حلالها وكلما احتجت إليه من حساب العصير فعلى هذا المثال فاحسبه وبالله التوفيق.
وإذا صب لرجل في قدر مائة رطل عصيراً ليطبخها فطبخها حتى ذهب بالطبخ منها عشرة أرطال ثم إهراق من التسعين الباقية عشرة أطال وبقي ثمانون رطلاً فإنه يطبخ الثمانين الباقية حتى يذهب منها بالطبخ خمسة أتساعها وثلثا تسعها ـ وهو خمسون رطلاً وثلاثة أتساع رطل وثلث تسع رطل ـ، ويبقى منها تسعة وعشرون رطلاً وخمسة أتساع رطل وثلثا تسع رطل، وهو حلالها.

وإذا صب الرجل في قدر مائة رطل عصيراً ليطبخها حتى ذهب بالطبخ منها عشرون رطلاً ويبقى ثمانون رطلاً، ثم إهراق من الثمانين الباقية عشرون رطلاً وبقي ستون رطلاً، فأراد أن يطبخها حتى ذهب تمام الثلثين طبخها حتى ذهب من هذه الستين الباقية ثلاثة أسداسها ونصف سدس ـ وهو خمسة وثلاثون رطلاً ـ، ويبقى منها سدسها ونصف سدسها ـ وهو خمس وعشرون رطلاً ـ، وهو حلالها، وإذا طبخ سبعة أرطال عصير حتى ذهب منها رطل ثم إهراق منها رطل وبقي خمسة أرطال فإن حلالها رطل وثمانية أتساع رطل ونصف تسع رطل؛ لأن حلال السبعة أرطال ثلثها ـ وهو رطلان وثلث رطل ـ، فلما ذهب بالطبخ منها رطل؛ لأن حلال السبعة أرطال ثلثها ـ وهو رطلان وثلث ـ فلما ذهب بالطبخ منها رطل وبقي ستة، فالحلال منها ثلثها وسدس ثلثها، فلما إهراق منها رطل وبقي خمسة أرطال فحلال الخمسة سدسها، فقد أصبحت إلى شيء لسدسه ثلث وأقل مال لسدسه ثلث ثمانية عشر، فاضرب ثمانية عشر في خمسة فصارت تسعين جزءاً ـ وهي الخمسة ـ كل ثمانية عشر جزءاً منها رطل، فخذ من التسعين جزءاً ثلثها وسدس ثلثها ـ وهو خمسة وثلاثون جزءاً ـ وهو حلالها، فذلك رطل وهو ثمانية أتساع رطل ونصف تسع رطل، وإذا طبخ رجل ستة أرطال عصير فذهب منها بالطبخ رطل وبقي خمسة أرطال، ثم إهراق منها رطل وبقي أربعة أرطال فحلالها خمساها ـ وهو رطل وثلاثة أخماس رطل ـ، فإن طبخ ستة أرطال عصير غير هذه في قدر آخر فذهب منها بالطبخ رطلان وبقي أربعة أرطال ثم إهراق منها رطل وبقي ثلاثة أرطال فحلالها نصفها ـ وهو رطل ونصف رطل ـ فإن لم يطبخ واحداً منهما بعد ذلك وينتهي به إلى مبلغ حلاله حتى اختلطا جميعاً أربعة أرطال وثلاثة فحلال هذه السبعة الأرطال خمساها ـ وهو رطلان وأربعة أخماس رطل ـ؛ لأنهما لما اختلطا وجزء الحلال من كل واحد منهما مباين لجزء الحلال من صاحبه وجب أن يطبخهما جميعاً حتى ينتهي بهما إلى أقل الجزأين، والحلال من الأربعة خمساها،

والحلال من الثلاثة نصفها، والخمسان أقل من النصف.
وإذا طبخ الرجل عشرة أرطال عصير فذهب منها بالطبخ رطل وبقي تسعة أرطال ثم إهراق منها رطل وبقي ثمانية أرطال، وطبخ عشرة أرطال عصير غير هذه في قدر آخر، فذهب منه بالطبخ رطلان وبقي ثمانية أرطال، ثم إهراق منها رطل وبقي سبعة أرطال، ثم اختلط السبعة والثمانية، فحلال هذه الخمسة عشر رطلاً ثلاثة أتساعاها وثلث تسعها ـ وهو خمسة أرطال وخمسة أتساع رطل.
مسألة:
ويكره أن يباع العنب والعصير ممن يعلم أنه يصنعه خمراً، ويكره أن يباع التمر ممن يجعله سكْراً، ولا ينبغي أن تباع الشاة ممن يعلم أنه يذبحها لصنمه.
وروى محمد بإسناده عن زيد بن علي عليه السلام، أنه سئل عن بيع العنب والعصير من النصراني يصنعه خمراً، قال: إذا بعته حلالاً فلا عليك ما صنع به.
وعن سفيان نحو ذلك.
وعن شريك قال: لا بأس بالعنب، وكره العصير، وكان حسن يكرههما جميعاً.
قال محمد ـ فيما روى محمد بن فرات، عن محمد، عن علي بن أحمد، عن أبيه ـ: ولا بأس بفصد العرق، وبشرب الدّواء.
قال أحمد: قال أبو جعفر: لا بأس بشرب الدواء ما لم يكن معنتاً.
قال: والمعنت الذي إذا بقي في الجوف قتل.
مسألة: الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة
قال القاسم ـ فيما روى عبد الله بن الحسين، عن محمد، عن جعفر عنه ـ: يكره الشرب في الآنية الذهب والفضة والآنية المفضضة والمذهبة.
وعلى قول محمد: يكره للرجل والمرأة الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، وكذلك استعمالاته، والذهب والفضة من المداهن والمجامر والمكاحل وما أشبه ذلك؛ لأن سعدان روى عنه أنه سئل عن رجل دعا إلى مثل موضع فيه آنية من فضة، فقال: لا نجيب، قيل له: فإن كانت من عاج؟ فذكر عن علي صلى الله عليه أنه قال: ما اشغل عليّاً عن حجله.
وذكر عن سليمان نحواً من ذلك في كراهة النجد.

وروى ابن عبد الجبار، عن محمد أنه سئل عن الاكتحال بالميل الفضة، وعن المجمرة الفضة والمدهن، فكره هذا كله إذا كان من فضة.
مسألة: في استعمال آنية النحاس
قال محمد: كان أحمد بن عيسى عليه السلام توضأ في آنية الشبة ولا يرى بذلك بأساً.
قال محمد: ولا بأس بالوضوء في آنية الصفد والشبة وما أشبه ذلك إن احتاج إليه، والوضوء في الخزف أحب إلي وفيه اتباع.
قال القاسم ـ فيما روى عبد الله بن الحسين، عن محمد، عن جعفر، عنه ـ: ولا بأس بالشرب في الرصاص والنحاس والصفد والشبه وفي كل آنية سوى الذهب والفضة، ولا بأس ببيع أواني الذهب والفضة.
كتاب اللباس
مسألة: في اللباس الحرير
قال أحمد بن عيسى عليه السلام ـ فيما روى محمد بن فرات، عن محمد، عن علي بن أحمد، عن أبيه ـ: أنه سئل عن الحرير، فقال: إن كان مصمتاً فلا، وإن كان سداً أو دون ذلك فلا بأس به.
وقال القاسم ـ فيما روى عبد الله بن الحسين، عن محمد، عن جعفر، عنه ـ: يكره لبس الحرير، الثوب الذي فيه الحرير إذا كان الحرير هو الأكثر ـ الأغلب ـ دون ما فيه من غيره، ولا بأس إن كان دون ذلك، وإن ترك لبس ذلك فهو أفضل لما فيه جاء عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، قال: في النمارق والمقارين من الحرير والقز والوسائد يحشى ببقاية القز فلا بأس بها.
وقال الحسن بن يحيى: وسئل عن لبس الذهب والحرير، فهو من المنهي عنه، يعني وإن كان الأقل من الحرير فقد رخص في لبسه، والصلاة فيه جائزة، وأما النساء فجائز لهن لبس الحرير والذهب والفضة والصلاة فيهما.
وعلى قول الحسن: إن افتراش الديباج والحرير يكره؛ لأنه قال ـ فيما حدثنا زيد عن ابن وليد عن الصيدلاني عنه ـ: وسئل عن الرجل لكونه له قرابة فدعوه إلى طعام وفي بيته من هذه الحمال البدعة قال: لا نحبه.

قال الحسن ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد عنه ـ: وسئل عن لبس الطيلسان فيه ديباج والبرز كان عليه حرير؟ فقال: قد روي أنه قد رخص في العلم من الديباج قدر إصبعين أو ثلاثة أصابع.
قال محمد: روينا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وعن كثير من الصحابة وعن العلماء من آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أنهم قالوا: إن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((الذهب والديباج والحرير حرام على ذكور أمتي، حلال لإناثهم))، وهذا المعمول عليه، إلا عند الضرورات، فقد أذن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم للزبير بن العوام في لبس الحرير تحت الدرع في الحرب، وأذن لعبد الرحمن بن عوف في لبس قميص حرير أبيض على جلده لجرب كان به وقمل، ولا بأس على النساء في لبس الحرير، والأمة وأم الولد والمدبرة والمكاتبة بمنزلة الحرة في لباس الحرير ونحوه.
قال الحسني: قرأت في كتاب أحمد بن عيسى بخط عتيق مسموع من ابن منصور في سنة نيف وستين ومائتين.
قال محمد: وإذا كان الحرير أقل الثوب فلا بأس به سدى ودون السدى، وإن كان الحرير أكثر فلا خير فيه.
وقال محمد: ويكره للخياط أن يخيط للرجال ما لا يحل لهم لبسه من الحرير وغيره؛ لأنه قال: ولا بأس أن يخيط الخياط للنساء ما يحل لهن لبسه من حرير أو غيره.
مسألة:
قال محمد: ولا ينبغي للرجل أن يصلي في الحرير ولا الديباج، إلا أن يكون في الحرب، فقد رُخص في ذلك، وكذلك الصبيان الذين يؤمرون بالصلاة سبيلهم في ذلك سبيل الرجال، وكذلك الخدم.
مسألة:
قال محمد: ولا بأس عندنا بلبس الخز، ثبت لنا عن الحسين بن علي وعلي بن الحسين عليهما السلام أنهما لبسا الخز.

قال القاسم عليه السلام ـ فيما روى عبد الله بن الحسين، عن محمد، عن جعفر، عنه ـ: ولا يلبس الرجل المقدم من الثياب ـ وهو المشبع بالحمرة ـ، ويكره لبس المشهر إلا في الحرب، ولا بأس بلبس العمائم السود ما لم يفحش صبغها، ولا بأس للرجل بلبس الخاتم إذا لم يكن ذهباً، ويلبسه في أي يديه شاء، والذي عليه أهل البيت لبس الخاتم في اليمين، ولا بأس للنساء بلبس السابري والشطوي والحصير إذا لم يشف ولم يطهر منها شيء مما يكره كشفه، وما شف من ذلك وسخف حتى يرى منه ما لا يحل رؤيته لم يحل لبسه.
مسألة:
وقول محمد يدل على أنه يكره للرجال لبس الثياب المصبوغة بالعصفر والزعفران؛ لأنه قال: نها أن يصلي الرجل في ثوب المرأة إذا كان مصبوغاً مشبعاً بالعصفر.
قال ابن خليد: قال محمد: وإن كان مورد أو نحوه فلا بأس.
مسألة:
قال محمد: ولا بأس للنساء بلبس الثياب المصبوغة بالورس والزعفران والعصفر وما أشبه ذلك مما يحل الصلاة فيه، وقد كان عمر هَمَّ أن ينهى الناس عن العصب الذي يجاء به من اليمن، وقيل: إنه يصبغ بالبول، فقال له علي صلى الله عليه: (لا تنههم عن ذلك ولا تمنعهم منه، فقد كنا نلبسه ونطوف به على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فقال له عمر: صدقت، وقبلَ منه، وذلك لأنهم كانوا يغسلونه بالماء.
مسألة:
قال القاسم ـ فيما روى عبد الله بن الحسين، عن محمد، عن جعفر، عن قاسم ـ: ولا بأس بلبس الأكسية المصبوغة بالبول والصلاة فيها إذا غسل حتى ينقى ولم يستبن فيه أثر.
قال محمد: وإذا صبغ الثوب بالبول ثم غسل بالماء فلا بأس بلبسه، وأما الأكسية التي تصبغ بالدم فإنها مكروهة لا خير فيها؛ لأن البول أسلس خروجاً من الدم.
مسألة:
قال القاسم ـ في رواية عبد الله بن الحسين، عن محمد، عن جعفر، عنه قال ـ: فيما وطئ من الثياب وافترش وفيه تصاوير، قال: تطلس منها التصاوير ولا يترك فيها؛ للأثر الذي ذكر عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم.

قال محمد: ويكره تعليق الستر الذي فيه التماثيل، ولم ير بوطئه بأساً.
قال محمد: حدثني أبو طاهر، قال: حدثني أبي، عن أبيه، قال: دخلت على أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام وتحته بساط فيه تماثيل قيمته ألف أو ألفان، قلت له: ما هذا؟ قال: السنة أن توطأ.
قال محمد: وبلغني عن ابن عباس أنه رخص في الصور في الثوب وغيره ما لم يكن صورة فيها روح، مثل الأشجار وغيرها.
قال سعدان: قال محمد: ولا خير في الصور التي فيها الروح.
مسألة:
قال أحمد بن عيسى لا أرَ بأساً في الصلاة في جلود الثعالب وغيرها من السباع إذا دبغت، وأر دباغها طهورها؛ للحديث عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وقال القاسم عليه السلام ـ فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن أحمد، عن عثمان، عن القومسي، عنه ـ: يكره جلود الميتة كما يكره عظمها؛ لأن الذكاة تلزم جلدها كما تلزم غيره من أعظائها.
وقال: جلود الثعالب مكروهة.
وكذلك جاء عن علي صلى الله عليه.
وقال القاسم ـ فيما روى عبد الله بن الحسين، عن محمد، عن جعفر، عنه، في لبس جلود الثعالب والسمود والفنك والنمور والسحاب، قال ـ: كل ما حرم أكله وكره فلا يحل لبس جلده وفي فرو الميتة وجلد الميتة إذا دبغ.
قال: لا يحل من الميتة جلد ولا عصب ولا عظم ولا قرن، وقد جاء عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من النهي في كتابه إلى مزنية: ((ألاَّ تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)).
ولا خير في لبس الخف والنعل من جلود الميتة وإن دبغت، ولا بأس بشعر الميتة وصوفها ووبرها إذا غسل ونقي؛ لأنه ليس مما يلزم تذكيته ولا يجب عليه ذكاته وهي توجد في ذواتها وهي حية سوية.
وقال في شعر الخنزير: تحرز به الأساكفة تركه أفضل، وإن حرز به فأرجو ألا يكون به بأس، ونكره له أن يدخله فمه ليبله.

وقال الحسن بن يحيى عليه السلام ـ فيما حدثنا الحسين، عن زيد، عن أحمد عنه ـ: ولا أرى أن يلبس شيء من جلود السباع ولا أر أن يصلي فيها وإن دبغ، وسائر الجلود إذا دبغت صلي فيها، ولا تسأل عنها.
وقال محمد: تكره الصلاة في جلود السباع والركوب عليها؛ لما روي في ذلك من الكراهية، وتكره الصلاة في جلود الميتة وإن دبغت؛ لأنه روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في كتابه إلى مزنية: ((ألاَّ تنتفع من الميتة بإهاب ولا عصب))، وإن صلى في سيف عليه كيمخة من الميتة أعاد الصلاة.
وقد روي عن علي صلى الله عليه أنه صلى في سيفه وعليه كيمخة ولم يذكر أنه ميتة، وإذا لم يجد المسافر إلا ماء في سقاء من جلد ميتة مدبوغ مما أحل الله أكله، ففيه اختلاف.
قيل: دباغه طهوره.
وقيل: لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب، فيأخذ بالرخصة يتوضأ به.
وإن كان جلد خنزير أو غيره مما حرم الله أكله دبغ أو لم يدبغ فيتيمم ولا يتوضأ به. وجائز لبس جلود الثعالب، ولا يصلى فيها، ولا بأس بالفرو إذا كان طاهراً.
وقال محمد ـ في رواية عبد الله بن الحسين عنه ـ: جائز لباس الخف والنعل من جلود الميتة إذا دبغت، وتكره الصلاة فيه، وإن صلى فيه لم نأمره بالإعادة، وصوف الميتة وشعرها بمنزلة الجلد منه.
مسألة:
قال الحسن ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ: ويكره بيع الجلود إذا اختلط الذكي منها بالميت، ولكن يدبغها وينتفع بها، وذلك رخصة، والاحتياط ألا يبيعها ولا يأكل ثمنها؛ لأنها شبهة.
قال محمد ـ في رواية عبد الله بن الحسين ـ: رأيت عبد الله بن موسى وأحمد بن عيسى وقاسم بن إبراهيم لا أدر على أحد منهم خضاب برأسه ولا لحيته، وقد بلغني أن عبد الله بن موسى مس شيئاً من ظفره ولم أره، ورأيت الطاهر يخضب يده بالحناء.
حدثنا جعفر عن قاسم قال: لا بأس بالخضاب بالسواد.
وكان محمد بن الحنفية يخضب بالوشمة.

وذكر عن علي عليه السلام أنه قيل له بعد ما شاب: يا أمير المؤمنين لو غيرت لحيتك؟ فقال: (إني لأكره أن أغير لباساً ألبسنيه الله). وقد كان الحسن والحسين يخضبان.
قال محمد بن منصور: كرهه علي؛ لما قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يخضب هذا من هذا)) يريد هامته.
قال محمد: جائز الخضاب بالوشمة والحناء والكستم.
مسألة:
وعلى قول محمد: لا ينبغي للمرأة أن تصل شعرها بشعر الناس، ولا باس أن تصل شعرها بصوف الضأن أو شعر الغنم؛ لأن أحمد قال ـ فيما روى محمد بن فرات، عن محمد، عن علي بن أحمد، عن أبيه ـ: أنه كان لا يرى بأساً بشعر البز ـ وهي الشاة ـ وبكل شعر ما خلا شعور الناس فإنه ميتة، وكان أهله يفعلون ذلك بعلمه ولا ينهاهم ـ يعني أن أهله كن يصلن شعرهن بشعر الغنم أو صوف الضأن، فلا ينهاهن.
قال محمد: لا بأس به.
وقال محمد: إذا سقطت خصلة من شعر في إناء كره أن يتوضأ به أو يشرب.
مسألة:
قال الحسن ومحمد: يكره للرجل أن يتختم بالذهب ولا لباس المرأة، ولا بأس بخاتم الفضة للرجل والمرأة.
مسألة:
حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن وليد، قال: حدثنا سعدان، قال: سمعت أبا جعفر بن منصور يقول: عمِل والٍ لأهل المدينة وليمة أو دعوة ودعا فيها الطالبين، فأول من دخل من الطالبين نظر إليه وخاتمه في يمنه، فقال له: أيش تروي في هذا؟ فلم يكن عنده فيه شيء، ثم دخل بعده أبو الطاهر أحمد بن عيسى وخاتمه في يمينه، فقال له: يا أبا الطاهر أيش تروي في هذا؟ فروى له سبعة أحاديث، فقال له: مثلك يلبس الخاتم في يمينه.
مسألة:
قال القاسم ـ فيما روى داود عنه ـ: ولا بأس في الاغتسال في النهر وفي الفضاء بغير إزار إذا كان خالياً لا يراه أحد.
وقال محمد: لا يضيق على الرجل أن يقع في الماء بلا مئزر إذا لم ير أحد عورته، والاستتار أفضل إن أمكن، ويستحب للرجل إذا اغتسل وحده وهو مفضٍ إلى السماء أن يكون مستور العورة، وكذلك المرأة.
مسألة:

قال محمد: ولا بأس أن يدخل الرجل الحمام مستور العورة إذا كان الحمام لا يوقد بعذرة ويدخل بميازر.
مسألة: في كراهيَّة كشف العورة
قال الحسن بن يحيى عليه السلام: عورة الرجل التي يستحب سترها من السرة إلى الركبة، والعورة التي يحرم النظر إليها الفرج، ولا ينبغي أن يرى الرجل من الرجل ولا المرأة من المرأة السرة إلى الركبة.
وقال الحسن ـ أيضاً فيما حدثنا حسين، عن زيد، عن أحمد ـ: وإن انكسرت يد المرأة ولم تجد امرأة تجبرها وخيف عليها العطب جبرها الرجل وغطى عينيه إن أمكنه.
وقال محمد: عورة المسلم على المسلم حرام.
وروي ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وعن علي صلى الله عليه قال: (إن العبد إذا بدت عورته أعرض عنه الملك).
قال: والعورة التي يجب أن يسترها المصلي ما بين السرة إلى الركبة، والركبة منها، والسرة ليست منها، ويكره للمسلمة أن تنظر إلى عورة المسلمة، وليس هو من التغليظ بمنزلته في الرجال، وعلى المسلم أن يتحرز من أن يرى أحد عورته، وعلى المرأة من المرأة مثل ذلك من التحرز، وهو في الرجل من الرجل أغلظ منه من المرأة على المرأة. ولا بأس أن تنظر المرأة إلى عورة المرأة عند الحاجة إلى ذلك، وليس يلزم المسلم في النظر إلى عورة الذمي، والمسلمة في النظر إلى عورة الذمية ما يلزمها من المسلمين، إلا أن يكون نظره يهواها القلب، ويستحب للرجل أن يستر من ركبته إلى سرته، ويغلظ ذلك في المسجد؛ بذكر: (إن الفخذ في المسجد من العورة).
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((الفخذ من العورة))، ويكره للرجل أن يتجرد وإن كان وحده الله أحق أن يُستحيا منه، والمرأة مثل ذلك.

ذكر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((نهيت أن أمشي وأنا عريان))، ويكره لكل واحد من الرجل وامرأته أن يتعمد النظر إلى فرج صاحبه، وليس نضيق، وقد ذكر عن بعض أزواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنها قالت: ما رأيت فرج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قط.
ويكره لهما أن يتجردا عند الجماع، وقد نهي عن ذلك.
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((إذا أتى أحدكم أهله فليستترا ولا يتجردا تجرد العيرين)).
ونهى أن يجامع الرجل مقبل القبلة.
وروي عن عكرمة قال: كلما ذكر في القرآن حفظ الفرج، فإنما عني به الزنا، إلا الحرف الذي في النور: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} أن يراها أحد.
مسألة: ما يجب على المرأة من إخفاء الزينة
قال الحسن: ولا ينبغي أن ترى المرأة من المرأة ولا الرجل من الرجل من السرة إلى تحت الركبة، ولا بأس أن ترى المجوسية شعر المسلمة وجسدها إلا من السرة إلى الركبة.
وقال ـ في وقت آخر ـ: ويكره أن ترى المجوسية أو المشركة محاسن المرأة المسلمة.
وقال محمد في قوله عز وجل: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}: وما ظهر منها فهو الثياب والوجه والكف والقدم، وموضع الزينة من الوجه الكحل في العينين يعني، ومن الكفين موضع الخاتم، وظهر القدم موضع الخواتيم التي تكون في أصابع القدمين، هذا معنى قول محمد في المسائل.
وقال في الطهارة: يقال: {إلا ما ظهر منها} الوجه من أجل الكحل والكف من أجل الخاتم، فلا يحل للمرأة أن تري الرجل الغريب من زينتها إلا ما استثنى عز وجل من ظاهر الزينة التي سمينا ـ يعني الوجه والكفين والقدم والكحل والخواتيم في أصابع اليد والرجلين.

قال محمد: وما خفي من الزينة التي سمى الله عز وجل: {لبعولتهن وأبائهن..} إلى آخر الآية، فالرأس وشعر الرأس؛ لأن التاج والإكليل يوضعان على الرأس والنحر والصدر حيث تدلي القلادة والذراع موضع السوار، والعضد موضع الدملوج وموضع الخلخال من الساق، فهذا ما خفي من الزينة التي سمّى الله عز وجل واستثناها {لبعولتهن وأبائهن} إلى آخره، لا يحل لغير من سمى الله أن يرى من ذلك شيئاً.
وعلى قول محمد في هذا: لا بأس أن ينظر الرجل من أمة وابنته ومن كل ذات رحم محرم ومن كل ذات محرم غير رحم من رضاع أو نكاح أو وطء إلى شعرها وصدرها وعضدها وساقها.
قال محمد في كتاب التفسير: ويكره للأخ من الرضاع أن يرى شعر أخته من الرضاع أو شعر أمه من الرضاع، وليس بحرام.
قال محمد: ويكره للرجل أن ينظر إلى بطن أمه وأخته وكل ذات محرم منه، وليس يحرم ذلك عليه. وعلى قول القاسم، فيما روى محمد بن علي، عن أبيه، عن محمد، عنه.
وقال محمد في التفسير: وقال بعض علماء آل رسول الله: إنما كره النظر إلى بطن أمه على الإجلال.
وعلى قول محمد: إنه يكره أن ينظر إلى ما بين سرتها إلى ما فوق ركبتها؛ لأنه ذكر أن الركبة من العورة، وأن السرة ليس منها.
ويجب على قول محمد أن يكون كل شيء ذكر أنه لا بأس بالنظر إليه من أمة أو من ذات محرم فلا بأس بأن يمسه منها، وكل شيء كره له أن ينظر إليه منها فإنه يكره أن يمسه منها إذا كان مجرداً ولا يحل للرجل المسلم أن يتأمل وجه المسلمة نظرة يهواها القلب.
قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعلي صلى الله عليه: ((لا تتبع النظرة النظرة النظرة، فإنما لك أول نظرة)).
وقوله: {أو نسائهن} يعني المسلمات، لا يحل للمسلمة أن تكشف شيئاً مما خفي من زينتها التي ذكرناها من الشعر وغير ذلك لمشركة ولا ذميّة.

وقوله عز وجل: {أو ما ملكت أيمانهن} يقال: هو الطفل مما ملك أيمانهم، ويكره للملوك إذا كان مدركاً أن يرى شعر مولاته أو شيئاً مما خفي من زينتها.
{أو التابعين غير أولي الإربة}، وهو المعتوه الذي لا يدري ما فيه الناس، وقيل: إنه العنين أو الطفل.
{الذين لم يظهروا على عورات النساء} هو الصبي الصغير الذي لا يجد النغوظ ـ أيضاً ـ ولا تقع عليه الشهوة، له ما بين خمس سنين إلى سبع سنين.
وأما قوله: {إلا لبعولتن} فهم الأزواج.
{وأباهن} فالجد بمنزلة الأب وأبناؤهن وبنو الأبناء بمنزلة الأبناء.
{أو أبناء بعولتهن} أبناء أزواجهن من غيرهن.
{أو أخواتهن} هم الأخوة.
{أو أبناء أخواتهن} هم بمنزلة الأخوة سواء كانوا لأم أو لأب، وأبناءهم بمنزلتهم، وإذا سلم على أمه أو ابنته فلزمته، أو قبلته فلا يحرم ذلك عليه.
وقد ذكره بعضهم: أن تلزمه، وما كان من الرضاع من أخت أو بنت أو أم أو نحوهن مما يحرم نكاحها فلا ينبغي له أن يلتزما أو تلزمه ولا يقبلها ولا تقبله ويتوقى النظر إلى شعرها وما خفي من زينتها، وإن هو نظر لم يضيق ذلك عليه، ولا بأس أن يسافر بها إذا كان رضي هو وليها في سفرها، وإذا كان بالمرأة علة في جسدها فكان الرجال أرفق بعلاجها من النساء ولم يجدوا من ذلك بدّاً فلا بأس به ويستتر ذلك الموضع بما أمكن من ثوب أو غيره وينقب حذاء الجرح.

وعلى قول محمد ـ في هذه المسألة ـ: إن المرأة إذا كان بها علة باطنة أو أرادت الولادة فلا بأس أن تنظر المرأة منها إلى موضع الفرج وغيره، وكذلك الرجل إذا كانت به علة أو أراد أن يختتن فلا بأس أن يختنه رجل ويداويه؛ لأن هذا موضع عذر؛ لأنه قال: إذا شهد أربعة على امرأة بالزنى فنظر إليها النساء فوجدنها عذراء درئ عنها الحد وعن الشهود، ألا ترى أنه لا نر بأساً أن ينظر إليها النساء في هذه الحال؛ لأنها حال عذر، وكذلك قوله في الصبي إذا شك في بلوغه ولم يعرف سنه أنه ينظر إليه أنبت أم لم ينبت؟ لأن هذه حال عذر.
وقال القاسم ـ فيما روى داود عنه، وهو قول محمد ـ: وإذا أراد الرجل أن يتزوج امرأة فلا باس أن ينظر إليها قبل ذلك ما لم ينظر منها إلى عورة.
قال محمد: ولا بأس أن ينظر الرجل إلى وجه المرأة الأجنبية عند الحاجة إليه، ما لم يكن نظره يهواها القلب، مثل أن يخطبها لنفسه أو لغيره ويشهد عليها أو تشهد عنده بشهادة، وإذا أراد الرجل شراء الجارية لنفسه أو لغيره فلا بأس أن ينظر منها إلى ما شاء ما خلا السرة إلى ما فوق الركبة، وأما التقليب بيده فلا بأس أن يقلب منها ما احتاج إليه من ذلك، فإن لم يرد شراءها فلا ينبغي له أن يلمسها ولا ينظر إليها نظرة يهواها قلبه.
ذكر عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام أنه قال: لا بأس أن يقلب الرجل الجارية إذا كان أراد شراءها، وإذا رَبَّى رجل صبيّة ليست له بمحرم فكبرت عنده فإنه يتوقى منها ما يتوقى من الأجنبية التي لم ير بها إلا أن يكون أرضعتها امرأته بلبنه أو بلبن غيره، وكذلك المرأة إذا ربت صبيّاً ثم كبر فينبغي أن توقى منه ما توقى من مثله ممن لم تربيه.
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا حرمة لنساء أهل الذمة أن تنظر إلى شعورهن وثديهن)).

قال محمد: ما لم يكن نظره يهواها القلب فذاك لا يحل من مخلوق إلا أن يكون من ملك يمين، وينبغي للرجل أن يمنع زوجته وحرمته من أن تخرج إلى السوق مكشوفة الشعر والوجه.
مسألة:
قال الحسن: وسألت عن الرجل من أهل بيت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يريد لامرأة أن تبرك بأن تقبل رأسه فإن المرأة العجوز في ذلك ليست كالشابة جائز عند ذلك للعجوز الكبيرة ومكروه ذلك للشابة.
سمعنا عن عبد الله بن حسن عليه السلام أنه أتته عجوز من الحاجة فقالت: إعطني رأسك أقبله فناولها رأسه فقبلته.
وجائز عندنا أن يقبل الرجل رأس الرجل من آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ير بذلك التبرك والقربة إلى الله لقرابته من رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وصلاحه وفضله، وكذلك إن قبل بين عينيه فجائز، وكذلك جائز أن يقبل الرجل رأس الرجل من إخوانه يوده في الله أو بين عينيه، لا يضيق ذلك عليه، ولا يقبّل أحد أحداً على فمه وخده فإن ذلك يكره.
وعلى قول القاسم: يكره للرجل أن يمس وجه الأجنبية أو يدها أو يصافحها بيده.
وعلى قول الحسن: لا بأس بذلك إذا كانت المرأة عجوزاً؛ لأنه أجاز للعجوز الكبيرة أن تقبل رأس الرجل الصالح من آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم تبركاً به، ويكره ذلك للشابة.
قال القاسم: ولا تبايع الإمام المرأة إلا وبين يده ويدها ثوب.
قال محمد: وإذا ماتت المرأة في السفر فلا ييممها الأجنبي إلا وفي يده خرقة و لا يباشرها بيده.
مسألة:
قال الحسن بن يحيى عليه السلام: ولباس الصوف مباح من شاء لبسه ومن شاء تركه، ولا خير في لباس الشهرة من القطن والصوف وغير ذلك من اللباس.

وروي أن المشهورين من اللباس محرمان، وهما المرتفع والمنخفض، فالمرتفع الديباج والحرير، والمنخفض ما كان من المسوح والمخطط، وإنما لبس الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم الصوف والشعر ليتأسى بهم الفقير ولا يزدري نعمة الله عليه في فقره، ولأن يشكر ما أعطاه الله إياه وفضله في دينه.
قال: والطيب والدهن الطيب والكحل من السنة، قد كان رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يكتحل ويدهن ويتطيب.
ويروى عنه عليه السلام: ((ما نلنا من دنياكم إلا النساء والطيب)).
وقال الحسن عليه السلام ـ أيضاً فيما روى ابن صباح عنه، وقول محمد ـ: وكلما أباحه الله عز وجل من أكل الطيب من الطعام ولبس اللين من الثياب فلا بأس به أن يستعمل من حله ما لم يخالط ذلك سرف أو رياء أو سمعة.
وقال محمد: لا بأس بأن يلبس الثياب المرقعة ويصلي فيها.
بلغنا عن علي صلى الله عليه أنه كان يرقع ثيابه ويصلي فيها، وعدة من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كانوا يرقعون ثيابهم.
قال محمد: ويكره للرجل أن يصلي في ثوب رقيق يصف أو يشف.
قال أبو عبد الجبار: وسئل محمد عن لبس الثياب الرقاق فكرهها.
مسألة:
قال الحسن ومحمد في الثوب والفراش يصيبه بول أو جنابة: يستحب أن يغسل موضع النجاسة لئلا يعرق فيه.
قال الحسن: وأحب إلينا أن يفيق العريقي إن كان كثير الصوف ويغسل موضع البول وما أصاب من الصوف.
قال محمد: ولا بأس أن ينام في ذلك الثوب أو على ذلك الفراش إذا كان يابساً.
مسألة:
قال محمد ـ فيما حدثنا علي، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه ـ: ويكره أن يصلي الرجل وعمامته كلها على رأسه ليست تحت حلقِه منها شيء.
بابٌ: في تحريم الملاهي
قال القاسم عليه السلام: وحرم الله عز وجل على كل مسلم أن يملك خمراً أو طنبوراً أو عوداً.
وقال القاسم ـ أيضاً فيما روى داود عنه ـ: وسئل عن ضرب الدف واللهو في العرس؟ فقال: كل ذلك لهو أو لعب وبطالة لا يرضى الله بها من أهلها، فلا يحل فعلها.

وسئل عن قوله: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} فقال: هو كل باطل يحدث به أهله أو لهو اجتمع من غنى أو عزف أو مزمار أو دف أو مقال قبيح.
وحدثا الحسين بن محمد، قال: حدثنا محمد بن وليد، قال: حدثنا سعدان، عن محمد بن منصور، قال: سألت أحمد بن عيسى، وعبد الله بن موسى، والقاسم بن إبراهيم، وأبا الطاهر عليهم السلام.
قلت: من تجيز الملاهي؟
فقالوا: المجّان.
قال محمد: وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((بعثت بكسر المزمار وتحريم الخمر)).
وقال الحسن بن يحيى عليه السلام: وسألت عن النزد والشطرنج والملاهي وما نهي عنه من ذلك فإنا سمعنا عن أمير المؤمنين عل بن أبي طالب صلى الله عليه أنه قال: (النزد والشطرنج هي من الميسر).
وسمعنا عن أمير المؤمنين صلى الله عليه أنه مر على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون)؟ وكان لا يرى أن يسلم على من لعب بالشطرنج، وكل شيء ألهى عن ذكر الله مثل الطنبور والعود والطبل والدف والصنج والنرد والشطرنج والثهادة وجميع الملاهي من هذه التي يعصى الله بها وتشغل عن طاعة الله، فكل ذلك عندنا معصية لا يحل فعله ولا رضي به، قال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون}، فكل شيء يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة وإلقاء العداوة والبغضاء فهي معصية منهي عنه.
وقال الحسن ـ أيضاً فيما حدثنا زيد بن حاجب، عن محمد بن وليد، عن جعفر الصيدلاني، عنه ـ: وسألناه عن الرجل يمر في الطريق فيسمع صوت الطبل أو الطنبور أيتحسس عنه ويأمرهم؟
فقال: سدّ أذنيك وجز هذا دهر بغافل.
وقال الحسن ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ: وسئل عن الغنى أيصلح في الفطر والأضحى والفرح؟
فقال: يكره الغنى في كل حال.

وقال محمد: لا خير في بيع الدفوف.
بلغنا عن ابن عباس أنه قال: بيع الدفوف حرام.
قال محمد: والطبول أغلظ في النهي والتحريم ـ يعني من الدفوف.
وروى محمد بأسانيده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: كره الله لكم أشياء: ((الخمر والميسر والمعزاف والمزمار والكوبة والدف)).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((بعثت بكسر المعزاف والمزمار)).
وعن علي صلى الله عليه أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون)؟ ثم أفسدها، فقالوا: يا أمير المؤمنين تقضي علينا النهار ونلهو بها؟ فقال: (وهل أهلك من كان قبلكم إلا باللهو واللعب)؟!
وفي حديث آخر: أنه أمر بها فأحرقت، وأحرق الجلد، فقال رجل: يا أمير المؤمنين لا نعود، فقال: (إن عدتم عدنا).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه نهى أن يسلم على السكران في حال سكره وعلى المتفكهين بأمهاتهم.
وعن علي صلى الله عليه قال: (ستة لا يسلَّم عليهم: اليهودي، والنصراني، والمجوسي، والمتفكهون بالأمهات، والذين بين يديهم الخمر، واللاعب بالشطرنج).
وعن علي صلى الله عليه أنه مر بقوم يلعبون بالنرد، فضربهم بدرته حتى فرق بينهم، ثم قال: (اللعب بها قمار).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((من لعب بالكعبتين فقد عصى الله ورسوله)).
وعن ابن مسعود قال: اتقوا هاتين الكعبتين والموسومتين التين يزجران زجراً، فإنها من الميسر.
وعن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله يقفون على أبواب السكك ويحرقون الدفوف.
وعن سويد بن غفلة أنه مر بصبية معها دف، فأمر رجلاً معه فحرقه.
وعن حسن بن صالح أنه كان يعجبه تحريق الدفوف.

وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((بعثت بكسر المعزاف والمزمار، وأقسم ربي لا يشرب عبد في الدنيا خمراً إلا سقاه الله يوم القيامة حميماً))، ثم قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((كسب المغنية مسحت، وكسب المغني مسحت، وكسب الزاني مسحت، وحقاً على الله لا يدخل الجنة لحماً نبت من سحت)).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يكون في هذه الأمة خسف ومسح وقذف))، فقال بعض القوم: متى ذاك يا رسول الله؟ قال: ((إذا أظهروا المعازف وكثرت المغنيات وشربت الخمور)).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((نبتت طائفة من أمتي على أكل وشرب ولهو ولعب ثم يصحبون قردة وخنازير، وبعث على أحياء من أحيائهم ريح فتنسفهم كما نسفت من كان قبلهم؛ باستحلالهم الخمور وضربهم بالدفوف واتخاذهم القينات)).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((تعذب هذه الأمة بخمسة أصناف من العذاب: قذف، ومسخ، وخسف، وريح حمراء كريح عاد، وحيّات لها أجنحة تطير بين السماء والأرض تبتلعهم ))، قالوا: متى ذاك يا رسول الله؟ قال: ((إذا شربوا الخمور وغنتهم القينات وافترشوا الخنزير )).
وقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا يحل بيع المغنيات ولا شرائهن ولا التجارة فيهن، وأكل أثمانهن حرام، وفيهن أنزل الله عليّ هذه الآية: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث})).
وعن ابن عباس {ومن الناس من يشتري لهو الحديث}، قال: الغنى ونحوه.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((النظر إلى المغنية حرام، وغناؤها حرام، وثمنها مثل ثمن الكلب، وثمن الكلب سحت، ومن نبت لحمه من سحت فإلى النار)).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من يغني أو غني له أو ناح أو نيح له أو أنشد شعراً أو قرضه وهو فيه كاذب أتاه شيطانان فجلسا على منكبيه يضربان صدره بأعقابهما حتى يكون هو الساكت)).

وعن علي صلى الله عليه قال: (بئس البنت بنت لا تعرف إلا بالغنى، وبئس البنت بنت لا تعرف إلا بالفسق والنياحة).
وقال: قال رسول الله صلى اللّه عليهما وآله وسلم: ((إن أول من يفنى إبليس، ثم زمر، ثم حدا، ثم ناح )).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إياكم والغنى فإنه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الشجر)).
وعن علي صلى الله عليه أنه أتاه رجل فقال: إن عندي جارية أصبتها وقد علِّمَت النوح، فقال: (ويحك، انطلق وعلمها القرآن، فإني سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: ((لا تعلموهن النوح ولا الغنى، فإن كسبهما حرام))).
عن كعب أن في الكتاب الذي أنزله الله على موسى عليه السلام في التوراة: ((إنا أنزلنا الحق ليذهب به الباطل ويبطل اللعب والزنى والمزامير والمزاهير والكنارات والشعر والخمر مرة لمن شربها)).
وعن ابن عباس قال: الدف حرام، والكوبة حرام، والمعزاف حرام، والمزمار حرام.
مسألة: في الخضاب في الجسد
قال محمد بن خليد: وسئل محمد عن الرجل يكون في جسده الخضاب كيف يصنع به؟ قال: يتركه لا يعذب نفسه ولا يضرها إن شاء الله تعالى.
روى بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه لعن الواشمة والمتوشمة.
وقال: يعني اللاتي يشمن أيديهن بالنار.
والنامصة والموتمصة، يعني التي تحلق الشعر عن وجهها.
والواصلة والموتصلة، والمحلل والمحلل له.
والمغيِّرات خلق الله، يعني التي تسلخ وجهها حتى يخرج جلد آخر.
مسألة: في القزع في الرأس
قال سعدان: قال محمد: والقزع الذي نهي عنه، هو أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعضه، وإنما سمي قزعاً تشبيهاً بقزع الخريف، وقزع الخريف الذي ذكر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم هو الغيم المتقطع هاهنا قطعة وهاهنا قطعة، فيؤلف الله بينه حتى يجتمع فيكون كما قال الله عز وجل فتأتي بمطر البركة.
كتاب السيرة
باب الجهاد

قال أحمد بن عيسى ـ فيما حدثنا علي بن محمد، عن محمد بن هارون، عن سعدان بن محمد، عن محمد بن منصور قال ـ: قلت لأحمد بن عيسى عليه السلام: تخاف عليّ من هذا الأمر شيئاً إن أدركني الموت على هذا، أعني تركنا الجهاد؟ قال: لا، إذا كنت مرصداً.
وسمعت رجلاً يناظره في جلوسه عن هذا الأمر فكان من حجته أنه قال: أليس قد صبر علي صلى الله عليه على الجور حتى وجد القوة؟ قيل له: على أي جور صبر؟ قال: على عثمان.
وقال أحمد ـ فيما حدثنا علي بن محمد بن الحسين الهمداني، قال: حدثنا علي بن أحمد بن حاتم، قال: حدثنا محمد بن سندان، قال: حدثنا محمد بن جبلة، عن أحمد بن عيسى، قال ـ: قال الله عز وجل في ابتلاء الناس بالطاعة والمعصية: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، فجعل الطاعة فريضة وصل بها طاعة ولاة أمره بطاعة رسوله، وطاعة رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم بطاعته، فولاة الأمر هم القوامون بدين الله في حلقة الذابون عن حرم الله وحقه، الداعون إليه من أدبر عنه، اصطفاهم لذلك فرضيهم له وشرفهم بذلك وكرمهم به؛ إذ جعل طاعتهم فريضة من فرائضه ومعصيتهم مقرونة بمعصيته، ثم أخلصهم بالتطهير فاختصهم بالتخيير، وقدمهم في النعمة وفضلهم بالفكرة واصطفاهم بالأمانة التي هي أعظم الدرجات بعد النبوة، وفرض عليهم القيام بالكتاب والسنة، وفرض لهم على العباد حقوقاً اختصهم بها، وجعل هذه الحقوق موصولة بحقه مطوقة على جميع خلقه، ثم ضاعف لهم الثواب وضاعف عليهم العقاب بقدر من ولوا وما ولوا من أمر العباد فعظمت الخطوب في تضاعف الحساب والذنوب، وذلك أن المخصوص بالنعمة المقدم بالتكرمة متظاهرة عليه الحجة، وإن كانت لكل أحد لازمة ليس للإمام أن ينتقص الرعية حقها ولا للرعية أن تنقص حق إمامها، فإن خالف كتاب الله وسنة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ولم يعدل بينهم وبسط عليهم بالبرية والتكبر عليهم فمنعهم حقوقهم واستأثر عليهم

بفيهم وأظهر الفساد والمنكر فلا طاعة له عليهم في معصية خالقهم، وحرمت عليه إمامتهم وولاتهم، وحرمت عليهم طاعته ومعاونته، وكان حق الله عليهم مجاهدته حتى يفيء إلى أمر الله أو يعتزل ولاية أمره، فإنه لا ولاية لمن لم يحكم بما أنزل الله؛ لقول الله عز وجل: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}، و{من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}، و{من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، ولا يحل للمؤمنين الإقرار بحكم الكافرين ولا الظالمين ولا الفاسقين ولا الرضى به، فيكونوا شركاءهم في مآثمه، فإنه من أقر ورضي بمعصية الله فقد عصى، ومن عصى الله فقد استحق سخطه، ومن سخط الله عليه كانت النار أولى به، نعوذ بالله من سخطه ونعوذ به من الإقرار بمعصيته والرضى بفعال الظلمة من عباده، ونستعين بالله على تأدية حقه في مجاهدة من أوجب علينا جهاده فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

وقد عظم الله ثواب الجهاد في سبيله، وسبيله إحياء كتاب الله وسنة نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقال: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون..}إلى قوله: {وبشر المؤمنين}، وقال الله عز وجل: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم..} الآية، وقال: {والذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم..} الآية، وقال: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة..} إلى قوله: {غفوراً رحيماً}، وقال: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر}، فسماهم أئمة الكفر بنكثهم أيمانهم، وأمركم بقتالهم، ثم كرر ذلك عليهم فقال: {إلا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم}، إلا تبين فألاّ يكون عدوكم هؤلاء الذين يحصرونكم هم المخصوصين بهذه الآية فإنهم إخوان من مضى قبلكم في نكثهم وكفرهم وجريمتهم على الله وفجورهم وحجة الله في الماضين كحجته في الباقين وأمره فيهم واحد له بلا تغيير ولا تبديل.
قال محمد: سمعت القاسم بن إبراهيم عليه السلام يقول في قوله {ولذكر الله أكبر} قال: ذكر الله الدعاء إلى الله عز وجل.
وقال القاسم ـ فيما روى أحمد بن بشار الثوري، عن من حدث عن محمد بن منصور، عنه ـ: والكافر من لم يحكم بما أنزل الله وأقام على ما نهى الله عنه؛ لقوله سبحانه: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، وهذا مما لا اختلاف فيه عن آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وما لا يجهله منهم إلا كل جهول.

وقال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على الخاصة والعامة بقدر الطاقة. وأجمعوا على أن جهاد أهل البغي واجب بقدر الطاقة، وقال الله عز وجل: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}، وقال: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}.
قال الحسن: وجهاد العدو القريب الدار أوجب من جهاد العدو البعيد الدار.
وقال الحسن في قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أربع من كن فيه فقد استكمل الإيمان: من غضب في الله، ورضي في الله، وأعطى لله، ومنع لله)).
قال: أما معنى من غضب في الله، فذلك عندنا أن يكون من ينكر المنكر بغضب لله في ذلك لا لنفسه ولا لما ينال منه من مكروه إلا غضباً على أهل المعاصي لتركهم أمر الله، ولا يكون غضبه لحقه ولا لعداوة متقدمة حتى يكون الجهاد والأمر والنهي والمجانبة والعداوة لله خالصة، وفيه لا يكون في ذلك شيء من غرض الدنيا، فإذا كان كذلك فنطق لله كما أمر وبطش لله كما أمر نطق معه سبعون لساناً وبطش معه سبعون يداً، كذلك سمعنا.
وأما قوله: ((فرضي في الله))، فإن ذلك عندنا بالموالاة في الله، والرضى بأن تطاع حتى يحب في الله ويبغض في الله ويتولى في الله ويعادي فيه لا لقرابة على قربة ولا لدنيا تنال ولا لثناء ولا تبجيل، فهذا عندنا الرضى في الله والموالاة على أمر الله.
وأما قوله: ((وأعطى لله ومنع لله))، فذلك يجب على المؤمن أن يعطي لله وفي طاعته، ويمنع بيده أهل معصيته، ولذلك أصل في كتاب الله سبحانه: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب}، فهذه الخصال هي طريق المعاملة لله كما أمر.

حدثنا زيد بن حاجب، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن وليد، قال: حدثنا جعفر بن الصيدلاني، قال: سأل بعض أصحابنا الحسن بن يحيى وأنا أسمع، وقد ذهبنا إليه جماعة من أصحابنا، منهم قاسم بن يحيى الخواص، وحسين بن شقير، وحسين بن عبد الملك، وحسن بن علي(1) الخلال، ومحمد بن سليمان الخزان، سألناه عن الأمر بالمعروف والنهي، وذكرنا اتساع الشيء وكثرته، أتضيق علينا القعود؟ فذكر قصة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وكفه عمّن كان معه، وذكر عليّاً وكفه بعد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وقعوده حتى كان ما كان من أمر عثمان وأنهم أرادوا أن يحرقوا باب علي، فلولا أنه اتسع لعلي القعود لم يقعد.
وذكر الحسين: ووسع في القعود.
وقال: مروا وانهوا طاقتكم، ومن قعد فموسع عليه غير مضيق.
ثم قال: استبقوا أنفسكم لهذا الأمر فأنتم أهل الحق أو أنتم على الدين الشك من جعفر ـ يعني الزيدية.
وقال: لو أمر رجل وحده إماماً جائراً فقتله مات شهيداً.
قال: ولما أردنا أن نخرج من عنده؟
قال: إذا خرجتم فاخرجوا واحداً واحداً واحداً أو اثنين اثنين لا تخرجوا جملة.
وقال: أبشروا معشر الزيدية، فلو نفض رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم رأسه من التراب ما حط رجله إلا فيكم أو بينكم.
وقال ماضر: من فات ينوي هذا الأمر أن يكون مختبياً بسيفه في قسطاط المهدي بل في قسطاط رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وسألنا عن الأمر والنهي، فريضة؟
قال: نعم، وقد رخص فيه.
قال الحسني: حدثنا أبو الحسن بن عبد الصمد، عن سعدان، قال: قلت للحسن بن يحيى: يا أبا محمد، أمرُّ في الطريق فاسمع صوت الطبل، فيجب عليّ أن أنظر إلى أي باب هو، فآمرهم، قال: لأمر في طريقك.
قال محمد: الجهاد مع الإمام العادل سنة مؤكدة.
قال محمد ـ فيما أخبرنا زيد عن ابن هارون، عن سعدان، عنه قال ـ: من أمر بالمعروف فهو خليفة الله وخليفة كتابه وخليفة رسوله.
__________
(1) ـ في نسخة: بن عبد.

وروي: لا تسبوا الآمرين بالمعروف، فإن الله يغضب لغضبهم كما يغضب للرسل، ويستجيب لهم كما يستجيب للرسل.
وسمعنا أن جميع أعمال البر من الصلاة والصيام والحج والصدقة وجميع أعمال البر في الجهاد في سبل الله كنفلة في يم ـ يعني البحر ـ، وجميع أعمال البر والجهاد في سبيل الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتفلة في يم.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن بني إسرائيل لما عملوا بالمعاصي نهاهم قراؤهم وعلماؤهم عما كانوا يعملون، فعصوهم، فخالطوهم في معاشهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم))، ثم قال: ((كلا والذي نفسي بيده حتى تأخذوا على يدي الظالم وتأطروه على الحق أطراً))، يعني قهراً.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن الله أوحى إليه: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو لتدعني فلا أستجيب، أو لتسألني فلا أعطيكم، أو لتستنصرني فلا أنصركم)).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر)).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إذا هابت أمتي أن تقول للظالم أنت ظالم فقد تودع منهم)).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((أيما رجل كان بين ظهراني قوم يعمل بينهم بالمعاصي فقد رأوا أن ينهوه فلم ينهوه، إلا عمهم الله بعقابه)).
وقال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إنه سيكون في آخر أمتي قوم لهم مثل أجوركم))، قالوا: من هم؟ قال: ((قوم يقاتلون أهل الفتن وينكرون المنكر ))، وقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((سيكون بعدي أمراء يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ولا إيمان بعد ذلك)).

وقال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن أفضل الشهداء عند الله بعد حمزة رجل خرج على إمام جائر فقاتله فاستشهد))، وقال علي صلى الله عليه: (خير الناس رجل دخل على إمام جائز فقال: إنك جائز، فقتله أو تركه).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((لا تحل لعين تؤمن بالله واليوم الآخر ترى الله يعصى فتطرف حتى تغيره)).
قال محمد: إذا أنكره قلبه فقد غيره.
وقال محمد: حدثني حسن بن حسين قال: جاءني عبد الله بن علي ـ جد أبي هؤلاء الأكبر ـ فقال: يا أبا علي ما نمت البارحة، قال: قلت له: هو هكذا المؤمن ساعة يرى المنكر فينكره بقلبه فقد غيره، فقال لي: فرجت عني فرج الله عنك.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون مال أخيه فهو شهيد)).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ولا تكونوا مثل قوم ركبوا سفينة فأعطي كل إنسان منهم مجلسه، وكان مع رجل منهم قدّوم فأخذ ينقب به السفينة فقالوا: ما تصنع؟ قال: مجلسي وحقي، فإن نهوه نجا ونجوا جميعاً، وإن تركوه غرق وغرقوا جميعاً)).
وعن ثوبان قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((تستقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا لكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم فاجتزوا خضراهم ولا تكونوا أشقياء حراثين يأكلون من كسب أيديكم)).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((إن لله ريحاً، يقال لها ريح الحيوان، إذا هبت أحيت القلوب في الأجساد))، قيل يا رسول الله، وما حياتها؟ قال: ((يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولله ريح يقال لها ريح الموت، إذا هبت أماتت القلوب في الأجساد))، قيل: وما موتها؟ قال: ((لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر)).
وعن أبي جعفر محمد بن علي قال: من حبس نفسه لداعينا وكان منتظراً لقائمنا كان المشحط بين سيفه وترسه في سبيل الله.
مسألة: المحدث الذي تجوز فيه الإمامة

قال محمد: قال أحمد بن عيسى عليه السلام: الدعوة إلى الرضى من آل محمد. في رواية سعدان، عن محمد، عنه.
قلت له: من ولد الحسن والحسين؟
قال نعم.
قال محمد: وسألته عن الإمامة، هل تجوز في رجل من ولد علي صلى الله عليه من غير ولد فاطمة عليها السلام من ولد محمد بن علي، أو عمر بن علي، أو العباس بن علي، أو من ولد جعفر بن أبي طالب، أو العباس بن عبد المطلب عليهم السلام؟
قال: نعم، إذا كان يدعوا إلى الرضى.
قال: وأنا أرخص. ثم قال: الذي يقوم هو الرضى، ولكنها دعوة جامعة.
وقال الحسن بن يحيى: الإمامة في ولد الحسن والحسين.
وقال محمد: بلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((الأئمة من قريش ما إذا حكموا عدلوا وإذا قسموا أقسطوا، فإذا استرحموا رحموا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)).
وروي عن علي صلى الله عليه أنه قال: (قريش أئمة هذه الأمة، أبرارها أبرارها، وفجارها أئمة فجارها).
قال: وليس بين ولد الحسن والحسين عندنا فرق في الإمامة، فمن قام منهم يستحق مقامه بالعلم والورع والعقل فهو عندنا موضع لما قام به، وعلى ذلك رأينا آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ممن مضى منهم، وممن أدركنا، منهم أحمد بن عيسى، وعبد الله بن موسى، والقاسم بن إبراهيم علهم السلام، وغيرهم ممن أدركنا من علمائهم.
قال: وقد ثبت لنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به له تضلوا من بعدي، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي)).
مسألة: هل للناس بدّ من إمام؟

قال أحمد بن عيسى ـ فيما حدثنا محمد بن جعفر، عن علي بن عمرو، عن محمد بن منصور، عنه قال ـ: ولا بد لهذه الأمة من والإمام عدل يحكم بالكتاب والسنة، بجمعهم عليه يصلي بهم ويقيم لهم أعيادهم ويأخذ لمظلومهم من ظالمهم ويقوي ضعيفهم، ويقيم حدود الله فيهم، ويحيي زكواتهم ويعطيها فقرائهم، ويغري ثغورهم ويحيي فيئهم، ويقسمه بينهم، وليس للأمة أن يؤثروا رجلاً فيولوه فيجعلوه إماماً قبل أن ينظروا في الكتاب والسنة، فإن وجدوا الكتاب والسنة يدلان على تولية رجل باسمه وفعله ولّوه عليهم بفضله عليهم في الكتاب والسنة، فإن لم يجدوا الكتاب والسنة يدلان على تولية رجل باسمه وفعله كانت لهم الشورى من بعد ذلك بما وافق الكتاب والسنة.
وقال الحسن: لا يصلح الناس إلا بمقوم يقوم أمر اعوجاجهم إذا كان الاعوجاج من صفتهم في جبلة خلقهم.
وقال محمد: بلغنا عن علي صلى الله عليه قال: (من مات وليس عليه إمام عامة مات ميتة الجاهلية إذا كان عدلاً بريّاً).
فإذا كان رجل من آل محمد إمام ظاهر موجود عدل تقي فعلى الناس طاعته ومؤازرته.
مسألة: هل يجوز إمامان في زمان؟
قال محمد: قلت لأحمد بن عيسى عليه السلام: ما تقول في رجل منكم يرضى به بويع فلم يظهر حتى بويع لآخر منكم يُرضى به، ثم ظهر الثاني قبل الذي بويع له أولاً؟. فعلى الذي بويع له أولاً أن يتبع الأخير.
وقال: إنما بويع له لوقت القيام.
قال محمد: وسألت القاسم بن إبراهيم عليه السلام عن مثل ذلك، فقال: على الأول أن يتبع الأخير، وإن لم يتبعه فهو عاص لله عز وجل.
وقال القاسم ـ أيضاً فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن سعدان، عن محمد بن منصور قال: أخبرني رجل أنه سمع هذا من القاسم ـ: سألتُ ـ حفظك الله ـ هل تثبت الإمامة للإمام إلا برضى المسلمين وإن كان عن غير عقد متقدم بالاثنين ولا أكثر كما ذكر ذلك لعمر بن الخطاب بالرضى لا بعقد ولا شورى.

فاعلم أن الإمامة إنما تثبت لمن تثبت له تأييد وحدة، وبما جعلها تجب به من كمال الكامل المطيق لها بالعلم غير الجاهل، فمن كان في العلم كاملاً ولم يكن بما يحتاج إليه في الدين جاهلاً فإن على المسلمين العقد له والرضى به، فإن اشتبه رجلان في الكمال وحسن الحال فالعقد لمن بدئ بالعقد له منهما، وليس لأحد أذا كملا جميعاً أن يتخير فيهما، إلا أن يتفاوت بهما حال في الكمال أو يتفاضلا في الكفاءة، فأما إذا استوت حالهما فكانت واحدة فليس لأحد منهما اختيار ولا نظر وأيهما قدم في العقد وجبت له الإمامة ولو لم يكن العاقد له إلا واحداً كان عقده عقداً؛ لأن العقد إنما يجب له بنفسه وكماله وبما وصفنا من حاله، فإذا تمت حاله ورضيت أفعاله فعلى كل واحد التسليم له والرضى به.
فإن قال قائل: لم أوجبت للمبتدأ بعقده من الإمامة ما لم توجبه للآخر وحالهما مستوية؟
قيل: للمتقدم في العقد والابتداء، وأنه ليس لصاحبه نقض إمامته المعقود له بعد استحقاقه للعقد بكماله.
وقال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه جائز أن يدعوا جماعة متفرقون أو مجتمعون ويعقد في كل ناحية هذا العقد على النصرة والقيام بأمر الله عز وجل، وعلى كل من حضر قائماً بأمر الله أن ينصره بقدر الطاقة، فإذا ظهر أمر الله فآل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم الأتقياء العلماء أعلم بالرضى منهم.
قال الحسن عليه السلام: فإن زعم زاعم أنه لا يصلح أن يكون الإمام إلا واحداً فإن النبوة أعظم قدراً عند الله تعالى من الإمامة قال الله عز وجل: {إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث}، وقال عز وجل: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث}، وقال لموسى وهارون: {اذهبا إلى فرعون}، وكان إبراهيم وإسماعيل ولوط في زمن واحد يدعون إلى الله، فإذا استقام أن يكون الداعي إلى الله من الرسل في زمن واحد اثنان وثلاثة فذلك فيما دون النبوة أجوز.

وسألت: إذا خرج منهم خارج فرضي به بعض ولم يرض به بعض فإذا رضي به؟ وسألت: إذا خرج منكم خارج فرضي به بعضكم؟ فإنه إذا رضي به الصالحون فعليك أن تتبعه إن أهل بيت النبي المتمسكون بالكتاب العالمين بسنة الرسول لا يرفعون راية إلا وهم يريدون الله بها لا يدعون فيها إلى ضلالة أبداً.
مسألة: صفة الإمام الذي إذا دعا وجبت نصرته
قال محمد: سألت أحمد بن عيسى عليه السلام.
قلت: قد عرفت أهلك، فصف الرجل منكم الذي إذا دعا وجبت علينا وعلى الأمة إجابته وبيعته ومعاونته؟
فقال: الورِع، العاقل، الشديد العقدة، العالم بما يجب من الأمور والأحكام، العالم باختلاف الناس، وإن كان دون هذه الصفة كبعض الأسلاف جاز.
وقال أحمد ـ أيضاً فيما حدثنا علي بن محمد، عن علي بن الحسن، عن علي بن حاتم عن محمد بن ميدان، عن محمد بن حبلة، عنه ـ: والإمام منا أهل البيت الواجب طاعته وإجابته من أطاع الله ربه، وأشعر تقوى الله قلبه، وشمر في الله ثوبه، وأطال في الله خوفه، واشتدت بأمور المسلمين عنايته، فيتحنن عليهم برأفته، ويعطف عليهم برحمته، ويتفقد أمورهم بنظره، وكلا صغيرهم وكبيرهم بعينه فيهم، وأحاطت عليهم شفقته، وأتبع فيهم آثار نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فخلفه فيهم بعده، وسلك فيهم قصده، وأحيى فيهم سنته، وأظهر فيهم شريعته، وسار فيهم بسيرته، فواساهم بنفسه، وعدل بينهم بقسمة الموثوق بعقله ودينه وفهمه وعلمه المأمون عليه عندهم عيبه، المؤدي حق الله فيما استحفظه، فإذا كان كذلك فقد استوجب منهم الطاعة واستحق منهم الإجابة. وقد تقدم قول القاسم عليه السلام في المسألة التي قبل هذه.

وقال الحسن بن يحيى عليه السلام: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على أن الداعي منهم إلى أمر الله ينبغي أن يكون عالماً بما يدعو إليه عاملاً به، فإذا كان كذلك وجب معاونته على أمر الله، والشرائط التي توجب لهم أن يستحقوا بها مقام الرسول ويستوحون بها أن يكونوا متبوعين غير تابعين، العالم بالكتاب والسنة، والجهاد في سبيل الله، والعدل، والزهد، والتقوى، وأداء الأمانات إلى أهلها، فمن كانت فيه هذه الخصال من أهل بيت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقد وجب على أهل بيته وعلى المسلمين إتباعه وتقدمته وطاعته ومعاونته على البر والتقوى، فقد استكمل الشريطة من رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، وكان على الناس أن يقتبسوا من علمه وأن يهتدوا بهديه، ومن كان فيه التقوى والزهد والعلم فعلى العباد أن يهتدوا بهديه ويقتدوا بأعماله الصالحة، و يستوحشوا معه إلى غيره. وقد أجمعت الأمة على أنهم من الأمة الذين ورثوا الكتاب إذا علموا بالكتاب، ولم يجمعوا على أن لغيرهم فيها تأويلاً.
قال الحسن: ويحق على من أراد الله والانتصار للدين أن لا يظهر نفسه ولا يغرر بسفك دمه ودماء المسلمين وإباحة الحريم إلا ومعه فيه من المتدينين من يوثق بطاعتهم ووفاءهم إذا كان يعلم من نفسه أنه لا يميل إلى هوى ولا رياسة ولا دنيا، وأن يعدل على القريب والبعيد، ويعمل فيهم ـ بما عرفه الله ـ من كتاب الله وسنة نبيه.
وقد أنتهى إلينا في الخبر المشهور أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وقف على باب بيت فيه جماعة من قريش، فأخذ بعضادتي الباب ثم قال: ((إن الأئمة من قريش، الذين إذا حكموا عدلوا، وإذا قسموا أقسطوا، وإذا استرحموا رحموا، فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)).

وبلغني عن محمد بن علي عليه السلام: (وما يصنع المتسرع إلى هذا الأمر، فوالله ما هو إلا لبس الخشن وأكل الجشب وسيرة علي بن أبي طالب صلى الله عليه أو معالجة الأغلال في النار).
وقال الحسن ـ أيضاً فيما أخبرنا محمد بن علي بن أبي الجراح، عن محمد بن الحسين بن هارون، عن سعدان، عن أحمد بن يحيى العلافي، عنه قال ـ: لو أن رجلاً مستوراً عالماً بالكاب والسنة عالماً بظاهر الأحكام التي يحتاج الناس إليها من الفرائض والطلاق والإيلاء وغير ذلك من الحدود صلح هذا الأمر له؛ لأن هذه الأحكام تحتاج إليها في السيرة في أول خروجه.
وقال محمد: بلغنا عن زيد بن علي أنه قال: (الإمام منا أهل البيت الموثوق بدينه، الموثوق بعقله وفهمه، الموثوق بعلمه).
وروي عن علي صلى الله عليه قال: (لا تسمعوا إلى قولنا معشر قريش، ولكن انظروا إلى فعلنا، فمن أطاع الله ورسوله فاسمعوا له وأطيعوا).
قال محمد: قال سعيد بن مدرك: يصلح لأئمة المسلمين من علم من حمل الدين ما ينفي عنه اسم الجهل ويقع عليه اسم العلم مع شدة عقله، وبعدت من الغرة تحريته، حسن الفهم، لا يعرف بميل لهوى، ولا بإعظام لصاحب دنيا، معروف عند أولي النهى بما هو عندهم مأمون على ما أسند إليه من أمور المسلمين، فمن كان هكذا صلح لإمامتهم.
مسألة: هل تكون دعوة الداعي إلى نفسه أو إلى الرضى؟
قال محمد: سألت أحمد بن عيسى عليه السلام عن الدعوة، هل إلى الرضى من آل محمد؟
فقال: نعم، الدعوة إلى الرضى. ثم قال: الذي يقوم هو الرضى، ولكنها دعوة جامعة.
وذكر عن عبد الله بن موسى، عن زيد بن علي عليه السلام، وعن جماعة ممن قام من أهل بيته، أنهم دعوا إلى الرضى من آل محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وقال القاسم: إن كان الرضى معلوماً فدعا عن أمره وإلا دعا إلى نفسه إذا كان موضعاً لذلك.

حدثنا علي بن محمد، عن ابن هارون، عن سعدان، عن محمد قال: قلت لأحمد بن عيسى عليه السلام: حدثني عبد الله بن موسى أن زيد بن علي ومحمد بن عبد الله وحسين بن علي صاحب فخ عليهم السلام دعوا إلى الرضى، فقال: صدق، دعا الحسين صاحب فخ إلى الرضى وهو كان الرضى.
وقال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على أن الدعوة تكون إلى كتابه وسنة نبيه، والرضى من آل رسول الله صلى اللّه عليه وعليهم.
مسألة: العدل الذي يجب معه التغيير
قال محمد: سألت عبد الله بن موسى عليه السلام، متى يجب على الإمام التغيير؟
قال: إذا كان معه ثلاثمائة وثلاثة عشر، عدة أهل بدر.
وسألت أحمد بن عيسى عن ذلك، فقال: لست أوقت في ذلك وقتاً، قلّوا أو كثروا، القائم بذلك أعلم.
ثم قال: قد قام الحسين بن علي صلى الله عليه في نفر يسير.
قال السيد الشريف أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي رضي الله عنه: أخبرنا أبي رضي الله عنه، وحسين البجلي قراءة، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن سفيان، قال: حدثنا علي بن عمرو الختان، قال: سمعت محمد بن منصور يقول: كنت يوماً عند أحمد بن عيسى، فقال له رجل: أنت أطوع في الناس من علي بن أبي طالب وما أرى أحداً أعظم حرماً ممن أمكنه من هذا الأمر شيئاً، فجلس عنه.
فقال أحمد: قد نظرت في هذا الأمر فوجدت صاحبه يحتاج إلى أربعة ليس به عنهم غناء في حال من الأحوال،
يحتاج إلى: وزير عالم يرد عليه مأمون على ذلك. وإلى رجل عالم بالقضاء واختلاف الناس. ورجل عالم بالحرب وتدبيرها، مأمون عليها. ورجل مأمون على بيت المال. فما وجدت الأربعة، فقطع الرجل.

وقال الحسن بن يحيى: قد أعلم الله نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم كيف يقاتل، وأخبره بالعدة التي يجوز بها القتال، فقال: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا}، ثم علم ضعفهم عن ذلك فقال: {إن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين}، ثم قال: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}، فلم يضيق على من حضرته النية في الدين الدفع عن دينه ونفسه وماله وحريمه أن يقاتل في فئة لا حد لها.
ثم أخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن من أكثر الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر، فإن قُتل المتكلم بها كان شهيد)) أو ((كمال الطاعة في جهاد العدو أن يقاتلوا في الفئة والعدة))، وقال لنبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوَّ الله وعدوكم}.
وقال محمد: اختلف أهل العلم في عدة ما يجب به التغيير إذا كثر العدو.
فقال قوم: لا يجب، إلا(1) إذا كان أهل العدل على النصف من أهل البغي؛ لقول الله عز وجل: {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله}.
وبلغنا عن علي صلى الله عليه أنه قال: (لا يغلب عشرة ألف من قلة).
وقال قوم: الكثرة عشرة آلاف إذا اجتمعوا وأنفقت كلمتهم، وجب عليهم التغيير وإن كثر العدو فكانوا أكثر من الضعف.
وقال قوم: الكثرة اثني عشر ألفاً؛ لقول الله سبحانه وتعالى: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم}، وكان عددهم اثنى عشر ألفاً، فقالوا: إذا اجتمعوا كذلك وجب عليهم التغيير، وإن كان العدو أكثر من الضعف.
وروى محمد بإسناده عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام قال: يجب على أهل الأرض التغيير إذا كانوا ثلاث مائة وثلاثة عشر.
وعن أبي حنيفة مثل ذلك.
وعن زفر قال: إذا كانوا أربعين وجب عليهم التغيير.
__________
(1) ـ في نسخة: حتى يكون.

وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربع مائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، وما غلب قوم قط بلغوا اثني عشر ألفاً إذا اجتمعت كلمتهم)).
وعن سعيد بن مدرك قال: لا تعقد الإمامة إلا وقد علم أن في أهل إجابته نفراً يتفقهون في الدين ويؤمنون على ما أسند إليهم من أمور المسلمين يشركهم الإمام في إمامته ويستعين بهم على أمره؛ لأنه لا يسع الأشياء كلها ولا يسعه أن يأتمن على شيء من أمور المسلمين من ليس بمأمون؛ ولأن لا مولى حكماً من لم يفقه في الدين، ولا يعقد الإمامة إلا والذين هم عنده أهل الطاعة والإجابة في عددهم وعدتهم وحالهم يقوي بمثلهم على أهل الخلاف والضلالة؛ لأنه لا يتقلد القيام بالأحكام، فمن لا يقدر على أن يقيم تمثلهم حكماً.
مسألة: العدة التي ثبتت بهم عقد الإمامة
قال القاسم عليه السلام ـ فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن سعدان، عن محمد، عن من سمع القاسم يقول ـ: اعلم أن الإمامة إنما تثبت لمن ثبتت له بالله وحده وبما جعلها تجب به من كمال الكامل المطيق لها بالعلم غير الجاهل، فمن كان في العلم كاملاً ولم يكن بما يحتاج إليه في الدين جاهلاً فعلى المسلمين العقد له والرضى به، ولو لم يكن العاقد به إلا واحداً كان عقده عقد، إلا أن العقد إنما يجب له بنفسه وكماله وبما وصفنا من حاله، فإذا تمت حاله ورضيت أفعاله فعلى كل واحد التسليم له والرضى به.
قال محمد: وقال سعيد بن مدرك: لا تثبت عقد الإمامة بأقل من رجلين؛ لأن الواحد لا يثبت به دعوى ولا يلزم به حكم، ويثبت عقد الإمام برجلين إذا كانا فقيهين في الدين معروفين بالأمانة في نظرهما للمسلمين؛ لأن بمثلهما تثبت الدعوى ويوجب الحكم، وقد قال الله عز وجل: {يحكم به ذوى عدل منكم}، وقال: {وأشهدوا ذوي عدل منكم}.
مسألة: كيف تكون البيعة؟

قال القاسم عليه السلام ـ فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن ابن سهل، عن عثمان بن حبان، عن القومسي عنه قال ـ: بيعة النساء كبيعة الرجل، إلا أنه يكون بين يده ويدها ثوب.
وقال الحسن: بايع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الأنصار على العقبة، وشرط عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا في المنشط والمكره وأن يمنعوه وذريته من بعده ما يمنعون منه أنفسهم وذراريهم. وبايع الناس عليّاً صلى الله عليه على أن يسير فيهم بكتاب الله وسنة نبيه طاقته وجهده.
قال محمد: بلغنا عن علي صلى الله عليه أنه قال في بيعته حين بويع: (أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم).
قال محمد: جعلها سنة لمن بعده.
قال محمد: حدثنا محمد بن جميل، عن أبي معمر قال: أتيت زيد بن علي صلى الله عليه فقلت له: أبسط يدك أبايعك، فقال لي: لا. قلت: ولم؟ قال: إنك حدث أخاف أن أحملك ما لا تطيق فتأثم.
قال: قلت: أسألك بحق الله وحق رسوله ألا بايعتني، قال: أبسط يدك فبسطت يدي فقال: عليك عهد الله وميثاقه وذمته وكفالته وما أخذ الله على النبيين من عهد أو ميثاق أو ذمة أو كفالة لتصبرن معنا على الموت على قتال عدونا لا تولي دبراً حتى يحكم الله بيننا ويبن عدونا وهو خير الحاكمين، قال: قلت: نعم، فقال لي زيد بن علي: ولك علينا مثل ذلك، أن نصبر معك على الموت على قتال عدونا، لا نولي دبراً حتى يحكم الله بيننا وبين عدونا وهو خير الحاكمين.
وروى محمد بإسناده، عن سهل بن سعد أن عبد الرحمن قال لعلي صلى الله عليه في البيعة، فقال علي: (عليّ عهد الله وميثاقه وأشد ما أخذ على النبيين من عهد وعقد لأعملنّ فيكم بكتاب الله وسنة نبيه طاقتي وجهد رأيي).
وعن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على السمع والطاعة في العسر والمنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول ونقوم بالحق حيث كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم.

وعن أنس قال: بايعت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بيدي هذه على السمع والطاعة فيما استطعت.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه بايع حسناً، وحسيناً، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس عليهم السلام، وهم صغار ولم يبايع صغيراً قط غير هؤلاء.
حدثنا محمد بن الحسين بن عبد الصمد، قال: حدثنا علي بن عمرو، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال: حدثني حسين بن علي ابن أخي ليث أنه حضر يحيى بن آدم عند محمد بن إبراهيم في وقت البيعة فقال له محمد: تبايع على كذا وكذا فتشرط، قال يحيى: أبايعك على ما بايع عليه أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عثمان.
وقال له محمد: إن شئت فبايع على ما أقول لك، وإن شئت على ما تقول، وإن شئت فلا تبايع، فبايعه يحيى واشترط عليه محمد، فقال له يحيى: ما استطعت، فقال له محمد: هذا قد استثناه لك القرآن.
مسألة: هل للعامة إن لم يجدوا من يصلح للإمامة أن يجاهدوا أهل البغي؟
قال محمد: سألت أحمد بن عيسى عليه السلام عن جماعة اجتمعوا ليس بحضرتهم رجل من أهل البيت يصلح للإمامة فأمَّروا عليهم أحدهم وخرجوا ينكرون المنكر؟
قال: جائز.
قلت: فإن ظفروا؟
قال: إلى أهل البيت.
قلت: فإن قتلوا؟
قال: شهداء.
قال محمد: وذكرت للقاسم نحو ذلك فرأى أن رجلاً لو رأى منكراً فخرج بأمر بتقوى الله ويدعو إلى الله كان محموداً.
وحدثنا علي، عن ابن هارون، عن سعدان، عن محمد قال: قلت لأبي عبد الله: ما تقول في جماعة من العامة اجتمعوا يأمرون وينهون؟
قال: جائز.
قلت: فإن قتلوا؟
قال: شهداء.
قلت: فإن ظفروا؟
قال: فإلى أهل البيت.
ثم قال: لو أن رجلاً خرج يأمر وينهى فقُتل كان شهيداً.
وقد قيل: أفضل الشهادة كلمة عدل عند إمام جائز.
وسمعت رجلاً يقول في رجل قام وحده يأمر وينهى ويحارب من أراده، أن ذلك جائز، وأنه محمود عند الله عز وجل.

وقال الحسن بن يحيى: وسألت عن رجل في طرف من أطراف الأرض أمكنه أن يزيل المنكر عن موضعه أيجوز له أن يدعو إلى رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ويأمر وينهى وليس معه منهم أحد ولم يتقدم بالإذن منهم؟
فالجواب عن ذلك: أن هذا الأمر يحتاج إلى الذي يقوم به إلى أن يحكم حين يبتدئ به، وإنما جعل الله الحكم لأهله يتم الحكم في الأمور أو بمن ولوه الحكم، فإذا كان هذا القائم بهذا رجلاً صالحاً مأموناً عالماً بما يدعو إليه من إزالة المنكر وإقامة الحق عالماً بالأحكام والحلال والحرام والسنن ودعى إلى ذلك بإذن رجل من آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عالم فاضل موضع لذلك جاز له أن يحكم ويدعوا إلى هذا، وإن لم تكن هذه الشروط في الرجل الداعي والآمر لم أر ذلك له ولم آمر به، وخفت أن يكونوا أرادوا إزالة منكر فصاروا إلى منكر أو إلى بدعة وخلاف سنة، وإنما قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))، فقد أخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن الحجة التي أمرهم بها وأعلمهم أن الهدى فيها هي التمسك بالكتاب وبالعترة، فمن لم يقم بهذا الأمر معهم أو عن أمرهم فلم يتمسك بما أمر به، وليس لأحد أن يتقدم ما حده رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وأمر به ولا يتأخر عنه.
وقال أمير المؤمنين صلى الله عليه: (عليكم بأهل بيت نبيكم، فإن أيدَوا فأيِّدوا، وإن استنصروكم فانصروهم، لا تصرعكم البلية).
وقال الحسن بن يحيى ـ فيما أخبرنا محمد بن أبي الجراح، عن أبي العباس بن هارون، عن سعدان، عن أحمد بن يحيى العلاف عنه ـ: سئل عن قوم من أهل الخير والستر خرجوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟

فقال: جائز، فإذا انتهى لهم عما نهو عنه لم يجاوزه إلى غيره، فإن قَتلوا أو قُتلوا شهداء، ثم قال: إن هذا الأمر لا ينبغي لأحد أن يتقدم فيه أهل البيت إلا أن يخرج داعية لهم بإذنهم.
وروي عن محمد بإسناده، عن علي صلى الله عليه أنه ذكر عنده الخوارج فسبوهم، فقال: (لا تسبوهم، إن قاتلوا إماماً عادلاً فقاتلوهم، وإن قاتلوا إماماً جائراً فلا تقاتلوهم، فإن لهم بذلك مقالاً).
مسألة: العمل الذي يُخرج إمام الحق عن إمامته
قال محمد: قلت لأحمد بن عيسى عليه السلام: ما الذي يخرج إمام العدل من إمامته؟
قال حدث يحدثه بمعصية كبيرة.
قلت: فإذا فعل ذلك زالت إمامته وفسد عقده؟
قال: تزول عنه إمامة الهدى ويبقى العقد الذي به ثبتت من أحكامه ما وافق الحق إلى وقت ما يتنحى، مثل حد السارق والزاني وما أشبه ذلك، لو أن رجلاً لم يبايع له ولم يعقد له أتى بسارق فقطعه، فما أتى بزان فحده فمات، أو أتى بمن عليه دم فأقاد منه، أليس هو ضامن لجميع ما فعل؟ وأن هذا الإمام الجائر الذي زالت عنه إمامة الهدى، إذا فعل مثل هذه الأشياء لم يضمن ولم يتبع بشيء. وقد أحدث عثمان فاستتيب وأظهر التوبة فلم يجدد عليه العقد، يعني أن أحكامه قد كانت تجوز.
قال محمد: بلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((الأئمة من قريش، ما إذا حكموا عدلوا، وإذا قسموا أقسطوا، وإذا استرحموا رحموا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)).
وبلغنا عن علي صلى اللّه عليه أنه قال في بيعته حين بويع: (أطيعوني ما أطعت الله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم).
قال محمد: جعلها سنة لمن بعده.

قال محمد: ولو أن إمام المسلمين ذهب عقله وبصره ذهاباً لا يطمع في رجوعه وعوده بطلت إمامته؛ لأنه إذا أصابه شيء من هذا لم يجر حكمه، وكذلك إذا أتى أمراً يبطل بإتيائه إياه شهادته بطلت إمامته، وكل من بطلت إمامته لزمه أن يسلّم للمسلمين أمورهم، فإن هو أبى أن يسلم للحكم إذا لزمه صار غاصباً، ومن غصب المسلمين أمورهم حل جهاده.
وقال محمد ـ فيما روى ابن خليد عنه ـ: وإذا اعتل الإمام علة يرجو برأها استخلف، وإن اعتل علة لا يرجو برأها ولا يمكنه إقامة الحكم مثل العمى ونحوه بطلت إمامته فليرتضى رجلاً غيره.
وقال أبو حنيفة: ليس لهم أن يعقدوا لغيره حتى يحتاجوا إلى حكم مثل صلاة جمعة وما أشبه ذلك.
قال أبو جعفر محمد بن منصور: فإن تخلص من يدي العدو وصار إلى دار الإسلام قبل أن يعقدوا غيره كان إماماً على حاله، وإن صار إلى دار الإسلام بعدما عقدوا فالإمام للناس المستخلف، وليست للذي كان أسر إمامه.
مسألة: في مباينة الظالمين والبعد عنهم

حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا بن هارون قال: سعدان قال: قال محمد بن منصور: قلت لأحمد بن عيسى: حدثني أحمد بن خيرويه، عن حفص بن جناح، ووثقه أحمد، قال: خرج عيسى بن زيد، وحسن بن صالح إلى مكة فخرجت معهما، فلما صرنا بمكة فنادى منادي: هؤلاء ـ يعني السلطان ـ في عيسى بن زيد ببدل له من المال، ويعطي من العهود والمواثيق ما لو أعطيته الطير لأخذت من جو السماء، فقيل لعيسى: لو أخذته منهم فاستعنت به عليهم، فقال عيسى: ما يسرني أنهم باتوا آمنين مني ليلة، وإن لي ما طلعت عليه الشمس، ولا يسرني إني بت ليلة آمناً منهم، وإن لي ما طلعت عليه الشمس، ولا يسرني أني وثقت بعهدهم أو ركنت أو هممت، وأني لي ما طلعت عليه الشمس، فقال أبو عبد الله: قد بلغني، فقلت لأبي عبد الله: سرك أنهم باتوا ليلة آمنين منك وأن لك الدنيا؟ قال: لا والله، قلت: فيسرك أنك بت ليلة آمناً منهم وأن لك الدنيا؟ قال: لا والله، وما أصنع بالدنيا. ثم ذكر معاناته لهذا الأمر من كان جدياً وما وجد فيه من الرجال وما مر عليه من الأمور إلى أن بلغ حاله هذه، وسمعته يبرم بالبقاء، وقال: ما أعرف أحد أتمنى معه الحياة، وقال: ما أصنع بالدنيا ما أئمنا إلا التوبة وأن يرضى وأن لا يؤاخذني بسوء السريرة وحب الدنيا، وربما مكثت أشهر لا أرى ولدي، ذكر ثمانية أشهر ونحوها.
قال محمد: وحدثني سليمان بن ميمون مولىً لمحمد بن عبد الله، عن عبد الله بن موسى أنه سمعه يقول: ما من مؤمن يبت ليلاً مخيفاً لهم أو خائفاً منهم إلا وجبت له الجنة.
قال: وسمعت عبد الله بن موسى يذكر أمر الأمة وما فيه المسلمون، فسمعته يقول: ما من في السجن بأغم مني، ثم وضع يده على رأسه فقال: ما أعرف أحداً أظلم لنفسه من عبد الله إلا أن يتغمدني الله، ثم قال: انظروا وجب عليّ لقاء الناس ودعائهم، وقال: قولوا لهم: قد وجدنا واحداً، قلت: يسألونا من هو؟ قال: أنا.

قال: وسمعته يقول لواحد: من يساعدني إن لم يمكني هذا الأمر حتى أسيح في الأرض وآوي إلى جزيرة من جزائر البحر كما كان أصحاب الكهف.
قال محمد: وسمعت القاسم بن إبراهيم يقول: والله لو كان يجزيني أن أسيح في الأرض أو أكون في صومعة لفعلت لو كان ينجيني، ولكن لا بد من النظر في فريضة الله.
قال محمد: وسمعته يقول: والله لولا كرامة الله ما نظرت في هذا الأمر، وذكر ما لقي من الناس.
وسمعته يقول: والله لو صلح هذا الأمر في حبشي عجمي لقلدته إياه، وما راحة رجل في أن يتقلد أمر الأمة.
وقال لي: ما تقول لو أن رجلاً ظهر في الأمة يسوي بينهم وبين نفسه؟
قلت: إذا كانوا يفعلون ويفعلون.
قال: فما تقول إن فضلهم على نفسه؟
فقلت: هذا أكبر إذا كانوا يفعلون.
قال: فلهم علينا ذلك. أخبرني قاسم أن ابن أبي رباح كلمه في أن يكتب إلى المأمون برد جوابه، قال ذلك، فذكر من المال ما لا أحصيه.
قال: فقلت له: لا والله لا يراني الله أفعل ذلك.
وقال لي القاسم ـ وقد أردت التوجه من عنده إلى أبي عبد الله عليه السلام ـ: قل إن عمك يقرئك السلام، ويقول لك تقلد هذا الأمر، وأنا أكفيك أنا وولدي وأفعل وأفعل.
قال: وسمعت القاسم يقول فيمن قام من أهل البيت فعمل بغير ما ينبغي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسليم يقول الله عز وجل لجبريل عليه السلام: ((يا جبريل ارفع البصر عنهم فإني لا أرضى هذا الفعل في ذرع هذا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم )).
قال محمد: حدثني يحيى بن محمد، عن يحيى بن فضيل قال: قلت لحسن بن صالح لو نظر قوم في هذا الأمر فقد ذهب أهله فلم يبق منهم إلا يسير فيسعون.
فقال: من يعرفون بهذا أو من يصلح لهذا؟

ثم قال: لو أعلم أنه أرضى لله أن أمشي حتى أجرح أنا ـ وقال بيد ـ لفعلت، ولكن ما يبلغ من رجل يتلاعب به لا يغني عن دين الله شيئاً. ثم قال: انظروا في هذا الأمر ولا تدعوا النظر فيه، فإنه هو الأمر، فلما كان من الغد أتى عيسى بن زيد فأخبره بالذي كان فيه بالأمس، فاضطرب طويلاً ثم قال: لقد بلوت الناس فما رأيت عندهم خيراً لو وجدت خمسمائة يريدون الله لخرجت عليه في مدينته.
قال محمد: قال سعد(1): لا يجوز لأحد أن يصير إلى إمام أهل البغي في إقامة حد؛ لأنه لا يجوز له أن يحكم في الحدود إلا من أوجب له المسلمون في رقابهم ولاية بعقد، ولا يجوز لأحد أن يصير إليه لتحكم له بما لم يكن له إلا بالحكم؛ لأن ما لم يكن إلا بالحكم لا يجوز أن يحكم فيه إلا من أوجب له المسلمون في رقابهم ولاية بعقد، وقيام إمام أهل البغي بالحكم امتناع منه من الحكم، ومن امتنع من الحكم حل جهاده، ومن غصب المسلمين أمورهم لزمه الحكم بالرجوع عن غصبهم وتسليم أمورهم إليهم، فإذا امتنع مما لزمه به الحكم حل جهاده ووجب عليهم أن يحولوا بينه وبين القيام بالحكم، فلا يجوز لهم أن يصيروا لفعل مما يجب عليهم أن يحولوا بينه وبين فعله والرخصة أن تأتيه فيما لم يخف فيه تعديه إذا لم يجد غيره يستعين به على استخراج ما كان لك من حق ثابت بغير حكمه، ومن ذلك أن يكون لك مال ثابت على رجل أو حق لك في دار في يد رجل؛ لأنك إنما تحاكم إليه من هذا فيما قد يحاكم فيه إلى من ليس له أن يحكم، فإذا حكم فيه بشيء لزم فليس إتيانك إمام أهل البغي ليحكم في هذا يثبت منك له بأن له أن يحكم؛ لأنه قد يحكم في هذا من ليس بحكَم، ومن زعم أن لإمام البغي أن يحكم زعم أن من حال بينه وبين القيام بماله هو ظالم له، وأن لإمام البغي أن يجاهده ليمتنع من ظلمه ويلزم المقابلين أن يقاتلوا هذا معه حتى يردوه عن ظلمه.
__________
(1) ـ في نسخة: سعيد.

قال محمد: حدثني أبو الطاهر، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: إذا كان يوم القيامة جعل سرادق من نار ويجعل فيه أعوان الظلمة ويجعل لهم أظافير من حديد يحتكون بها حتى تبدو أفئدتهم، فقال: فيقولون: ربنا ألم نك نعبدك، فيقول: بلى، ولكنكم كنت للظالمين أعوانا.
وحدثني أبو الطاهر، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن أبي جعفر عليهم السلام، قال: المعين لهم كالمعين لفرعون على موسى.
قال محمد: حدثني عبد الله بن موسى، عن أبيه عليهما السلام، قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من تسود علينا فقد أشرك في دمائنا))، يعني من كثر.
باب ما يلزم الإمام للأُمة

قال أحمد بن عيسى ـ فيما حدثني علي بن محمد الشيباني، قال: أخبرنا علي بن الحسين الهمداني، قال: حدثنا علي بن حاتم، قال: حدثنا محمد بن مروان، قال: حدثنا محمد بن مروان، قال: حدثنا محمد بن حبلة، عن أحمد بن عيسى، قال ـ: ليس للإمام أن ينتقص الرعية حقها ولا للرعية أن تنتقص حق إمامها، فمن حق الرعية على إمامها إقامة كتاب الله وسنة نبيه فيها بالعدل في أحكامها والتسوية بينها في قسمها والأخذ لمظلومها من ظالمها ولضعيفها من قويها ولوضيعها من شريفها ولمحقها من مبطلها، والعناية بأمر صغيرها وكبيرها، ولينفذ لمعاشها في دنياها ومصلحتها في دينها وعمومها بالحنين عليها والرأفة والرحمة لها كالأب الرؤوف الرحيم بولده المتعطف عليهم بجهده، الكالي لهم بعينه ونفسه، يجنبهم المراتع الوبية ويوردهم المناهل الروية العذبة، فإن الله سبحانه حمد ذلك من أخلاق نبيه عليه السلام، فقال جل وعلا: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}، فإذا فعل ذلك الوالي برعيته كان حقاً على الرعية كرامته وتعظيمه وإجلاله وتبجيله وبره وتفضيله ومكافأته ومعاونته وطاعته وموازرته والاستقامة ما استقام على كتاب الله وسنة نبيه، فإن خالف ذلك إلى غيره من التسلط بالجبرتة والتكبر عليهم فمنعهم حقهم واستأثر عليهم يفتنهم فلا طاعة له عليهم في معصية خالقهم وحرمت عليه إمامتهم وولايتهم، وحرمت عليهم طاعته ومعاونته، وكان حق الله عليهم مجاهدته حتى يفيء إلى أمر الله أو يعتزل ولاية أمره، فإنه لا ولاية لمن لم يحكم بما أنزل الله.
قال الحسن بن يحيى: قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((كلكم راع، وكلٌّ مسئول))، فالإمام يسأل عن رعيته، وولي الإمام يسأل عما استرعى من دون ذلك عن ما استرعى حتى من ولي عشرة ودون ذلك.

وكذلك سئل عمن يرعى من أهله وغير أهله، وكذلك سئل عما المرأة استرعاها عليه زوجها، وكذلك تسأل الخادمة عما استرعت عليه حتى عن الشاة في البيت ونحوها، فعليهم جميعاً العدل حتى يقوموا بالأمانة والنصيحة والحياطة عليهم، فإذا سئلوا عن ذلك كانوا قد قاموا منه بما يجب عليهم.
وسئل عن معنى حديث النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه دخل على امرأة أبي رافع فرأى في بيتها هرة، فقال: ((أحسني إليها فإنك مسئولة عنها ))، قال: ومعناه عندنا: أن الله تبارك وتعالى فرض على المؤمنين الإحسان إلى ما حولهم ولا يتعدوا عليه بإضرار ولا مثله.
مسألة: هل للإمام أن يقيم الحدود أول ما يظهر؟
قال أحمد بن عيسى ـ فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن سعدان، عن محمد قال: قلت لأحمد بن عيسى: ما يقول في إمام عدل بويع، أيجوز له أن يحكم قبل أن يظهر يقطع سارقاً أو يحد زانياً أو أشبه ذلك؟
قال: لا.
قلت: فإذا ظهر أيجوز له أن يفعل ذلك في أول ظهوره؟
فقال: إني أحب التأني.
قلت: إن وافق يوم جمعة؟
قال: إن وافق جمعة في أول يوم. وقد صلى بهم علي صلى الله عليه الجمعة ركعتين وعثمان محصور في الدار.
وروى محمد بإسناده عن زيد بن علي عليهم السلام أنه كره أن يجيء خراجان حتى يثخن في الأرض ويمنعهم، فإن كانوا قد جبوا في تلك السنة لم يجبوا فيها شيئاً، وإن كانوا لم يجبوا سن بهم السنة.
حدثنا أبو الحسن بن عبد الصمد، قال: حدثنا علي بن أحمد بن عمرو، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال: حدثنا يحيى بن حسن الحريري، قال: كنا مع محمد بن إبراهيم حين خرج إلى الجزيرة، قال: فلقينا أحمال مال على حمير السلطان، فقيل لمحمد: لو أخذت هذا المال فاستعنت به، فقال: أكره أن أنسب(1) إلى أنا نقطع الطريق.
قال أبو جعفر: يعني بذلك أنه لم يجر أحكامه.
مسألة: في ولاة الإمام
__________
(1) ـ في نسخة: ينسب.

قال محمد: ذكرت لأحمد بن عيسى تولية الإمام للرجل الذي ليس له علم وليس بمستوفي كل أموره. وفي رواية سعدان كأبي السرايا، هل يصلى خلفه؟ قال: تعال نوليه الإمام له رضى به، وكأني رأيته متوقفاً في ذلك.
قال محمد: ينبغي للإمام أن لا يولي على القضاء، إلا رجلاً ورعاً عفيفاً عن أموال المسلمين، حليماً إذا استجهل، عاقلاً فطناً. وقد تقدم ذكر صفة القاضي في كتاب القضاء.
مسألة: هل للإمام أن يستعين بالنساء والصبيان؟
قال محمد: ولا ينبغي لأهل العدل أن يستعينوا بالنساء والصبيان؛ لأن الله عز وجل قد وضع ذلك عنهم بقوله: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان}.
وروى محمد بإسناده عن أبي اليقطان عمار بن قيس قال: عرضت على علي عليه السلام وأنا أرجو أن يجيزني في البعث، فاستصغرني، فقال: ما هذا الغلام، فلم يخرجني.
وعن علي بن ربيعة قال: قلت لعلي: إن عمي لقيطاً(1) قد كبر وأنا شاب مكانه، فقال: (رأي الشيخ خير من شهب الغلام).
مسألة: هل له أن يستعين بالعبيد؟
قال محمد: ولا ينبغي للإمام أن يستعين على القتال بمملوك ولا مدبر، إلا بإذن مواليهم؛ لأنهم أموال لهم.
وروى محمد بإسناده عن علي أنه أتاه عبد فقال: أبايعك على أن أقاتل معك بيدي وأدعوا لك بلساني وأنصح لك بقلبي، فكف علي عليه السلام يده، فقال العبد: أبايعك على أن أدعو لك بلساني وأنصح لك بقلبي. قال: فبايعه.
قال محمد: ووجه هذا عندنا: أن العبد ليس له أن يقاتل إلا بإذن سيده، إلا أن يأتي حال ضرورة وحاجة شديدة إلى قتال العبيد فللعبد حينئذٍ أن يقاتل بغير إذن سيده، وليس لسيده أن يمتنع ولا يمنع عبده في حال الضرورة من عون إمام العدل والقتال معه متى استطاع.
وقد بلغنا أن محمد بن عبد الله بايع عبداً في حال الضرورة، وقال: نلتقي نحن ومولاك يوم القيامة.
مسألة: هل للإمام أن يستعين بالفاسق والكافر؟
__________
(1) ـ في نسخة: إن عمي لحظت.

قال محمد: سمعت القاسم يقول: ويستعان في محاربة الباغين بالفاسقين من المسلمين، ثم لا سيما إذا خضعوا لحكم الحق واستكانوا؛ لأن الله سبحانه فرض عليهم معاونة المحقين وإن كانوا ظلمة فاسقين كما فرض عليهم غير ذلك من الصلاة وغيرها من الفرائض، وفيما فرض الله عليهم من فرائضه، وإن فسقوا دل دليل على جواز الاستعانة بهم، وكيف لا يستعان بالفاسقين على الباغين، والمعاونة واجبة من الله تعالى على الفاسقين فيهم لا يحل لمؤمن ولا فاسق تعطيلها ولا تركها، فقيل له: فكيف بما لا يؤمنون عليه من الظلمة؟ فقال: إن صاروا من ذلك إلى شيء حكم عليهم فيه بما يلزمهم من الحكم، ولو حرمت الاستعانة بهم من أجل ما يخافون عليه من ذلك في الباغين لحرمت الاستعانة بهم على قتال المشركين؛ لأنه قد يخاف في ذلك من فجورهم وغشمهم ما يخاف على الباغين مثله سواء، وقد استنفر الله في سبيله المنافقين وذمهم في كتابه على التخلف عن نبيه وعن المؤمنين، وقاتل بهم رسول الله المشركين، والمنافق أحق وأولى أن يخاف ويبقى من موحد، وإن فسق وتعدى، وقد حرمت على المؤمنين معاونتهم، للزم المؤمنين طردهم ومحاربتهم حتى لو كان في معاونتهم لهم احتياج جميع الظالمين وفي تركهم إياهم هلاك جميع المسلمين لما حلت للمؤمنين منهم معاونة ولا مناصرة ما داموا فاسقين، ويحق على الفاسقين أن لا تكون منهم إجابة ولا مظاهرة للمؤمنين.
قال محمد: ولا يستعين أهل العدل بأهل الشرك على الموحدين، لا ينبغي أن يسلط المشرك على الموحد، إلا أن يقصدوا أهل البغي أهل العدل في مصرهم فلأهل العدل أن يستعينوا بأهل الذمة إن كانوا معهم في المصر فيقاتلوا جميعاً ويعين بعضهم بعضاً.
وكذلك لو أن أهل البغي قصدوا أهل الذمة في مصر المحقين لكان على أهل العدل أن ينصروهم ويدفعوا عنهم ما كان الحكم حكم المسلمين.
قال محمد ـ فيما روى ابن خليد عنه ـ: وأخبرني محمد بن جميل أن اليهود كانوا يقاتلون مع أي السرايا.

وروى محمد، عن حسن بن صالح قال: يجوز لأهل العدل أن يستعينوا بغير أهل الدين إذا كان حكم أهل العدل يحوي عليهم، فأما إن يُبتدأ هذا الأمر بغير أهل الدين ويكون أهل الدين دخلاً مع هؤلاء الذين دخلا مع هؤلاء يجري عليهم حكمهم ولا يجري حكم أهل الدين عليهم فلا.
مسألة: هل للإمام أن يخرج نفسه من الإمامة بعد أن عقدت له؟
قال أحمد بن عيسى: قد سئل الحسين بن علي صلى الله عليه أن يترك ـ يرجع من حيث جاء ـ غير تارك للأمر الذي جاء فيه ولا راغب عن ثواب، ولكن اتباعاً لأمر الله فما أمر به من طلب القوة والاستعداد ولعدوه إلى أن يرى لذلك وجهاً.
قال محمد: وسمعت القاسم يذكر قريباً من هذا المعنى وينفي أن يكون ذلك من الحسين تركاً للأمر الذي دخل فيه.
وقال القاسم: ليس للإمام بعد أن تعقد له الإمامة أن يخرج نفسه مما عقد له إذا خاف قلة أنصاره أو كثرت.
قال محمد: فذكرت له ما يحتج به في ذلك من أمر الحسن بن علي صلى الله عليه، فقال: إنه لم يخرج من إمامته ويرفضها، ولكنه خرج منها ورفض ولم يزل ناصراً لله عز وجل ولم يترك جهادهم إلا أنه تُرك وخُذل، ولو وجد على القوم أنصار لجاهدهم.
وقال الحسن بن يحيى: وقام الحسن بن علي صلى الله عليه بالأمر بعد أبيه صلوات الله عليه ومعه الفئة التي كانت مع أبيه، فلما فسدت عليه طاعة الأكثر من جنده وطعنوه في فخذه وانتهوا ثقله حتى يحصن منهم بالمدائن في أيوان كسرى وهموا أن يدفعوه إلى عدوه أسيراً، عرض عليه معاوية المسالمة والموادعة، فأجاب إلى ذلك وكان ذلك الحق والصواب من فعله عليه السلام، وخرج محمد بن جعفر بن محمد عليه السلام بالمدينة فقاتل حتى قتل عامة أصحابه وأسروا ومعه حرمه، فلما خاف على حرمه استأمن، فسلمت حرمه ووسعه طلب الأمان؛ إذ لم يكن معه فئة ينتصر بها من عدوه.

قال الحسن: ويحق من أراد الله والانتصار للدين أن لا يظهر نفسه ولا يغرر بسفك دمه ودماء المسلمين وإباحة الحريم، إلا ومعه فئة من المتدينين يوثق بطاعتهم ووفائهم.
وقال محمد: إذا بويع إمام من أئمة المسلمين وعقد له فليس له أن يخرج من ذلك العقد ولا يرفضه لجهة من الجهات، وإن خاف عدوه لكثرتهم وقلة أنصاره فأراد أن يتحيز من مكانه إلى مكان ومن بلد إلى بلد ليطلب في ذلك القوة والعدة على عدوه بكثرة الأنصار والخيل الرجال فذلك له، وليس هو في هذه الحال بخارج مما عقد له، والعقد على حاله، وبيعته في رقابهم، وإنما هو في طلبه للعدة والقوة على عدوه مشدد للأمر الذي دخل فيه.
بلغنا أن الحسين بن علي صلى الله عليه قال يوم كربلاء ـ وهو مواقف لعدوه ـ: دعوني أرجع من حيث جئت، ولم يكن ذلك نقضاً منه للبيعة وعقدة، ولا فرار من عدوه، ولكن طلباً للأمر الذي أمر الله به من الاستعداد لعدوه؛ لقول الله سبحانه: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}.
مسألة: هل للإمام أن يترك القتال بعد أن يلبس السلاح؟
قال محمد: بلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قيل له يوم أحد وقد لبس السلاح: لو جلست؟ فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((ما كان للنبي أن يلبس لامته ثم يجلس حتى يقاتل )).
قال محمد: واللامة الدرع وغيره من السلاح.
وروى محمد بإسناده إلى محمد بن الحنفية أنه بويع له، ثم دعا بسيف فوضعه على فخذه فقيل له: لو تقلدته، فقال: لو تقلدته لوجب القتال.
قال محمد: فأخبرت عن محمد بن إبراهيم أنه قيل له يوم ظهر بالكوفة: ما بعد تقلد السيف ولبس السلاح لو جلست؟ ـ يعنون لانتظار رجل كان بينه وبينه موعد وهو أبو السرايا ـ، فقال: ذلك لو كان قبل أن أتقلد السيف، ليس إلى الجلوس سبيل.
مسألة: هل للرجل أن يستأسر؟

روى القاسم، عن أبيه، عن الحسين صاحب فخ عليهم السلام أنه قيل له حين أحدق به العدو وأصابته الجراحة: أنت في هذه الحال، لو تنحيت؟ فقال الحسين: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن الله يبغض العبد يستأسر إلا من جراحه مثخنة )).
قال محمد: ليس للإمام ولا لأحد من أنصاره أن يستأسر ولا يسالم عدوه وهو يجد السبيل إلى ترك ذلك.
مسألة: هل للوالي أن يقبل الهدايا؟
روى محمد بإسناد عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه بعث مصدقاً إلى اليمن قاتل بسواد كثير فجعل يقول: هذا لي وهذا لكم، فقيل له: من أين هو لك؟ قال: أهدي إلي، فأخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فخطب الناس فقال: ((مالي أبعث الناس إلى الصدقة فيجئ أحدهم فيقول هذا لي وهذا لكم، فإن كان صادقاً فهل أهدي إليه وهو في بيت أبيه)).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((هدايا الأمراء غلول، من بعثناه على عمل فغل شيئاً أتى به يوم القيامة على عنقه، فاتقوا أن يأتي أحدكم ببعير يرغوا وبقرة تخور أو شاة تثغو)).
وعن علي صلى الله عليه أنه عزل بعض عماله، فجاء بسليف من دراهم فحمله حتى طرحه بين يدي علي، فقال: يا أمير المؤمنين هذا أهداه إلي أهل عملي حين استعملتني، ولم يهدوه لي قبل أن تستعملني ولا بعد ما قد نزعتني، فإن كان لي أخذته وإلا فشأنك؟ فقال علي: (أحسنت، لو أمسكته كان غلولاً)، وأمر به إلى بيت المال.
مسألة: هل على الإمام إذا ظهر أن يعرض من في السجون؟

قال محمد: وينبغي للإمام إذا ظهر على أهل البغي أن يعرض أهل السجون، فمن كان منهم له خصم جمع بينه وبين خصمه، فإن كان يستحق الحبس حبسه وإن كان لا يستحق الحبس خلى سبيله، وإن كان حكمه أن يكفل كفله، ومن كان منهم لا خصم له سئل عنه عدول المسلمين، فإن كان لا يستحق الحبس خلى سبيله، وإن كان يستحق الحبس حبسه حتى يظهر منه قومه ويونس منه رشد، فإنه بلغنا أن عليّاَ صلى الله عليه كان يحبس الداعر ويقول: (كفوا كلبه عن المسلمين وأنفقوا عليه من بيت مالهم).
وروى محمد بإسناده عن علي صلى الله عليه أنه كان يعرض أهل السجون كل جمعة.
وعن علي أنه كان له قيود بأقفال يفتحها عن أهل السجون في كل أوقات الصلاة.
وعن علي قال: (من خلد في السجن رزق من بيت المال ما يقوته).
وعن علي صلى الله عليه أنه دخل السجن فقال: (منكم من لم يتغد حتى نغديه، منكم من قد تغدى يحتاج أن نعيد عليه، منكم من قد ضاق به السجن)، قال: فوثب عليه شاب فقال: يا أمير المؤمنين، قد ضاق بي السجن، فإن رأيت أن تخرجني يا أمير المؤمنين؟ قال: (فأرسل إلى أبيك وإلى أخيك وإلى جارك حتى يكفل بك لنا فنخرجك، فإن أسأت ردك علنا حتى نحبسك).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه كان إذا حضر شهر رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل.
مسألة: في احتجاب الإمام عن رعيته
وروى محمد بإسناده، عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((أيما والٍ احتجب من حوائج الناس احتجب الله عنه يوم القيامة ))، وقال عليه السلام: ((من ولي أمراً من أمور الناس، ثم أغلق بابه دون المسكين والضعيف وذي الحاجة أغلق الله دونه أبواب رحمته عند فقره إليه وحاجته أحوج ما يكون إليها)).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((اللهم من رفق بأمتي فارفق به ومن شق عليهم فشق عليه )). وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يوم من أيام عادل أفضل من عبادة ستين سنة، وحد يقام بحقه أزكى من مطر أربعين يوماً )).

وعن علي صلى الله عليه أنه قال: (لإن تثبت قدماي لا أدع أهل بيت من العرب يبلغون عشرة أنفس فصاعداً إلا بعثت فيهم مؤدباً يحكم فيهم بكتاب الله وسنته، فإنهم يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله).
باب ما يلزم الأمة للإمام
قال أحمد بن عيسى ـ فيما حدثنا علي بن محمد، عن علي بن الحسين الهمداني، عن علي بن حاتم، عن محمد بن مروان، عن محمد بن خليد، عنه قال ـ: وعلى الرعية طاعة الإمام العادل فيما أطاع الله وإعظام حقه وإجلاله وكرامته وتبجيله وبره وتفضيله ومكافأته وموازرته وحسن معونته والتسرع إلى مرضاته ومحبته والاستقامة له ما استقام على كتاب الله وسنة نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فالإمام موكل بإصلاح رعيته، والرعية موكلة بطاعته.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((الدين النصيحة ))، فقيل: لمن، يا رسول الله؟ قال: ((لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المؤمنين عامةً)).
وعن مصعب بن سعيد قال: قال علي عليه السلام: (حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يعدل في الرعية، فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا له وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذا دعا).
مسألة: في الرخصة لمن كان نائياً عن الإمام في إتيانه
قال محمد: سألت أحمد بن عيسى: ما تقول في إمام عدل بويع له بخراسان، وجب علينا الخروج إليه من هاهنا؟
قال: لا.
قلت: فالحديث الذي روي: ((من سمع داعيتنا ثم لم يجبها كان حقاً على الله أن يكبه في النار في منخريه))؟
قال: ذلك إذا كان بالقرب أو قصده أو بعث إليه.
وذكر قول الحسين بن علي صلى الله عليه لعبيد بن الحر: (أنت معنا أم علينا)؟ فقال له: لا معك ولا عليك. فقال له: (أما لا فغب عنا فإنه لا يرانا أحد فلا يعيننا إلا أكبه الله في النار على منخريه).
قال محمد: وسألت عبيد الله بن علي بن عبيد الله بن الحسين عليه السلام سنة خرج محمد بن القاسم بالطائفان، قلت: يجب الخروج إليه؟
قال: لا.

قلت: فالحديث الذي روي: ((من سمع داعيتنا ثم لم يجب كان حقاً على الله أن يكبه في النار ))؟
قال: إذا كان ـ وأومى بيده ـ بالقرب.
وقال الحسن بن يحيى: وسألت: لو خرج منكم خارج وليس لنا نفقة توصلنا إليه؟
قال: فليس عليك شيء، قال الله عز وجل: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم}.
مسألة: فيمن امتنع من بيعة الإمام
قال محمد: سألت أحمد بن عيسى عمن امتنع من بيعة إمام عدل، فذكر أن عليّاً صلى الله عليه كف عمن تخلف عنه من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وسألت القاسم عن ذلك، فقال: أيسر ما يناله أنه يحرم نصيبه من الفيء ولا تقبل شهادته.
وقال القاسم ـ أيضاً فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن سعدان، عن محمد عنه ـ في قول الله سبحانه: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة..} إلى قوله: {تقتيلاً}، قال: المرجفون في المدينة هم الذين يثبطون عن إمام عدل، ثم قال: {سنة الله في الذين خلو من قبل}، قال: فأخبر أن هذه سنة الله في الذين خلوا من قبل.
قال محمد: وكان هذا عند القاسم خاصة في النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عاماً في أئمة الهدى.
قال محمد: بلغنا أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم تخلفوا من بيعة علي بن أبي طالب صلى الله عليه ولم يخرجوا معه في خروجه، منهم سعد بن مالك، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، فلم يبلغنا أن عليّاً عاقبهم بشيء أكثر من منعهم العطاء.
وبلغنا أن رجلاً ممن تخلف عن علي صلى الله عليه بعث إلى علي: شككتَ في عطاءي؟ فقال علي: (شككتَ في حربنا فشككنا في عطائك).
وأما أسامة بن زيد فإن تخلفه عن علي لعله كان في وقت رسول الله صلى الله عليه عاهد الله ألا يقاتل موحداً أبداً لدم كان أصابه عتقه فيه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، وقد اختلف في عطاء أسامة،

فقال بعضهم: لم يعطه علي شيئاً من العطاء، وقال: (إنما هذا الفيء لمن قاتل عليه).
وقال قوم: إن عليّاً أعطاه.
وقيل: عذره في تخلفه عنه، وعرف نصيحته له ولم يخلفه شكاً في حربه ولا رغبة عنه.
مسألة:
قال محمد: ولو أن تاجراً أو رجلاً ممن قعد عن الإمام أو رجلاً من أهل البغي دخل بأمان دل على عورة لأهل العدل أو كاتب أهل البغي شيء من أسرار أهل العدل مما فيه رهن على أهل العدل كان للإمام أن يؤدبه ويحبسه بقدر ما يرى، وليس له أن يقتله ولا يسلبه ولا يغنم شيئاً من ماله.
مسألة:
قال محمد: وإذا فر رجل من رجلين كان فاراً، لو فر رجل من رجلين ـ كأبي السرايا أو دونه ـ لم يكن فاراً، وإنما ذلك على قدر ما يعرف الناس من التكافي، ولو أن رجلاً فر من ثلاثة أو أربعة وهو يرى أنه يفيء بهم ويعرف من نفسه مثل ذلك كان فاراً.
وروي عن ابن عباس قال: من فر من رجلين كان فاراً، ومن فر من ثلاثة فلم يفر.
قال محمد: قلت لأحمد بن عيسى: روي عن علي صلى الله عليه أنه قال: (من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية). قال: وذاك الذكي النقي.
قلت: فإذا لم يكن إمام مثل عصرنا هذا؟
قال: كتاب الله وسنة نبيه.
حدثنا علي، عن بن هارون، عن سعدان، عن محمد قال: سألت أحمد بن عيسى عمّا روي: (من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية). قال: قد روي، وليس له أصل.
قلت: فما تقول فيه؟
قال: ذاك إذا كان زكياً تقيّاً.
قلت: فإذا لم يكن مثل حالنا؟
قال: النبي والقرآن.
قال محمد: أراه عني من لم يتخذ القرآن إماماً فيتبعه.
قال محمد: حدثنا هارون بن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن عبد الوهاب، عن سفيان الثوري، عن أبي الجحاف، عن عبد الرحيم، عن علي بن ربيعة الوالي، عن علي صلى الله عليه قال: (من مات وليس عليه إمام عامة مات ميتة جاهلية إذا كان عدلاً براً تقيّاً).
باب وصية الإمام لسراياه

قال محمد: حدثنا محمد بن عبيد، عن الحكم بن ظهير، قال: حدثنا علقمة بن يزيد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: كان نبي الله صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا بعث سرية أو جيشاً أوصى أميرها في خاصة نفسه تقوى الله، وقال: ((إذا نزلتم بحصن فادعوهم إلى ثلاث خصال أو ثلاث خلال، فإن هم أجابوا إليها فاقبلوا منهم وكفوا عنهم، ادعوهم إلى الله وإلى الإسلام، فإن فعلوا فأقبلوا منهم، ثم ادعوهم إلى التحويل من ديارهم إلى دار المهاجرين، فإن أبو فاجتازوا دارهم، فأعلموهم أنهم بمنزلة أعراب المسلمين ليس لهم من الغنيمة شيء، ويجري عليهم حكم الله الذي يجري على المسلمين، فإن أبو فادعوهم إلى إعطاء الجزية، فإن فعلوا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم، فإن أبو فاستعينوا عليهم بالله، ثم قاتلوهم))، وقال: ((إذا حضرتم أهل حصن فأرادوا أن تجعلوا لهم ذمة الله وذمة رسوله، ولكن اجعلوا لهم ذمتكم وذمم أبائكم فإنكم إن تحضروا ذمتكم وذمم أبائكم خير من أن تحضروا ذمة الله وذمة رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم، فإذا نزلتم بأهل حصن فسألوكم أن تنزلوا على حكم الله ورسوله فلا تنزلوهم على حكم الله وحكم رسوله فإنكم لا تدرون أتصيبون فيهم حكم الله وحكم رسوله أم لا)).

قال محمد: وحدثني أحمد بن صبيح، عن حسين، عن أبي خالد، عن زيد، عن أبائه، عن علي صلى الله عليه قال: كان رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا بعث جيشاً إلى المشركين قال: ((انطلقوا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله، لا تقاتلوا القوم حتى تحتجوا عليهم، وادعوهم إلى شهادة ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من الله عز وجل، فإن أجابوكم فإخوانكم، وإن أبوا فناصبوهم حرباً، واستعينوا بالله، لا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً لا يطيق قتالكم، لا تعوروا عينا ولا تعقروا شجراً إلا شجراً يضركم أو يمنعكم من شيء، ولا تمثلوا بآدمي ولا بهيمة، ولا تغلوا، ولا تعتدوا، وأيما رجل من أقصاكم أو أدناكم أشار إلى رجل من المشركين بيده فأقبل إليه بإشارته فله الأمان حتى يسمع كلام الله ـ أي كتاب الله ـ فإن قبل فأخوكم، وإن أبى فردوه إلى مأمنه واستعينوا بالله، ولا تعطوا القوم ذمتي ولا ذمة الله، المحضر لذمة الله لاقي الله وهو عليه ساخط، أعطوا القوم ذمتكم وأوفوا لهم )).

روى محمد بإسناد عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه أوصى معاذاً حين بعثه إلى اليمن، فقال: ((يا معاذ أوصيك أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه فإنه يراك، يا معاذ اذكر الله عند كل شجر وحجر، وأحدث لكل توبة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية، لا تؤخر من عمل اليوم لغد فإنك مسئول عن كل يوم وليلة ما وليت فيها من الحسنات والسيئات، يا معاذ إذا قدمت اليمن فابعث إلى الجند ثم إلزم صحن المسجد ـ يعني لا تنزل على أحد في داره ـ وادعوا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فمن فعل ذلك فله ما لنا وعليه ما علينا، ومن أنكر فمن كل محتلم في السنة يطيق العمل دينار حين لزمه وحط من وراثه، يا معاذ رزقك كل يوم درهمان، درهم تأكله في قصعتك ومن غشيك من أصحابك، ودرهم لناقبك، يا معاذ يبّس كعكك وأخفه خلفك، فإذا امتنعت من أكله فبله بالماء البارد، وإياك وظلم أهل العهد فإنك مسئول عنهم يوم القيامة )). فلما قدم البلد قالت له امرأة: هل لك أن تجاورنا؟ فقال: أمرني رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أن ألزم صحن المسجد.
وفي حدث آخر عن معاذ: لما بعثني رسول الله إلى اليمن مشى معي ميلاً ثم قال في وصيته: ((أنهاك أن تشتم مسلماً أو تفسد أرضاً أو تغرق نحلاً أو تحرق نخلاً أو تذبح بهيمة إلا لأكل )).
وعن علي صلى الله عليه أنه شيع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في غزوة تبوك ولم يتلقه.
بابٌ في محاربة أهل الحرب
مسألة: الجهاد مع أهل البغي
قال أحمد بن عيسى ـ فيما روى محمد بن فرات، عن محمد بن منصور، عنه قال ـ: ما أحب الابتداء بالغزو والجهاد مع أهل البغي، ولكن إن دفعا عن بيضة المسلمين فله أن يفعل ذلك.

قال محمد: حدثني أبو طاهر، قال: حدثنا حسين بن زيد، عن عبد الله بن حسن وحسين بن حسن أنهما دخلا على عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عليه السلام وهو يتجهز يريد الغزو في زمن أبي جعفر، فقالا له: مع هذا وهو يفعل ويفعل؟ فقال: حدثتني أمي خديجة بنت علي بن الحسين، عن أبيها، قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((الجهاد حلو حضر، لا يزيده عدل عادل ولا ينقصه جور جائر إلى آخر عصابة تقاتل الدجال)).
مسألة: وجوه الجهاد
قال محمد: يحل الجهاد في سبيل الله على أربعة أوجه، جهاد أهل الحرب من المشركين حتى يدخلوا في الإسلام.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((يدعون إلى الله وإلى الإسلام، فإن أبو فادعوهم إلى إعطاء الجزية، فإن أبو فاستعينوا بالله عليهم وقاتلوهم )).
وعن حسن بن صالح، ويحيى بن آدم قال: لا تقبل من العرب الجزية ولا تقبل منهم إلا الإسلام أو القتل.
قال يحيى: ولا يسترق من أسر من رجالهم، ولكن قد يجري السبي على نسائهم وذراريهم، وأما غير العرب من عبدة الأوثان والمجوس فإنه يقبل منهم الجزية ويوضع على أرضهم الخراج، وهو قول أصحاب أبي حنيفة.
وعن سعيد بن مدرك: يقاتل أهل الأوثان على الإسلام، ويقاتل أهل الكتاب على الجزية، ومن عرض منهم الجزية لم يسع الإمام إلا يقبل منهم. وذكر ذلك عن حسن.
قال محمد: وأخبرت عن سفيان أنه قال: إذا استأسر المشرك المسلم لم يقتله حتى يرفعه إلى الإمام.
قال محمد: والوجه الثاني: جهاد أهل العهد من اليهود والنصارى والمجوس إذا منعوا الجزية حتى يقتلوا أو يسلموا، ولو أذعنوا للمسلمين ورجعوا عن ذلك وسألوا أن يردوا إلى عهدهم وإعطاء الجزية لم يقبل ذلك منهم بعد نقض العهد والمحاربة، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل.
وروي عن حسن بن صالح مثل ذلك، وهو قول أصاحب أبي حنيفة.
وقال قوم: وتسبى النساء والذاراي.

وكذلك روي عن ابن عباس وغيره من الصحابة: من بدل دينه فلا يقتلوا إلا عنقه.
وقال قوم: إذا منعوا الجزية وحاربوا فالإمام فيهم بالخيار إن شاء لم يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل، وإن شاء ردهم إلى عهدهم وإعطاء الجزية إذا رأى ذلك أصلح لأهل الإسلام، وأما إذا ارتد قوم فحاربوا وصارت أحكام الشرك ظاهرة عليهم فظفر بهم الإمام فإنه لا يقبل من الرجال إلا الإسلام أو القتل ـ يعني ولا يسترقّون ـ وأما النساء والصبيان والأموال والأرضون فذلك كله فيء يسترقون، ويجبر النساء والصبيان على الإسلام.
قال محمد: وقال سعيد بن مدرك: إن قال رجل منهم أو امرأة: لم أكن ارتددت وأنا على الإسلام، فالقول قوله ولا سبيل عليه ولا على ولده الصغار ولا على ماله، إلا أن يقوم عليه بينة بالارتداد فيكون هو وولده غنيمة.
وروى محمد بإسناده عن عروة بن الزبير: أن أول ردة كانت في الإسلام مسيلمة بن حبيب، والأسود بن كعب العنسي، فقبض رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قبل أن يبعث لقتالهما، وكان قد ارتدا على عهد رسول الله، فلما قبض رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ارتد معهما ناس من العرب، فمنهم من ارتد فترك الدين، ومنهم من ثبت على شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ومنعوا الزكاة أن يؤدوها، فبعث أبو بكر يقاتلهم، فكان أول من بعث إليهم طلحة في بني أسد وبني فزارة، وعهد إليهم أبو بكر ألا يدخلوا دار قوم لا يسمعون الأذان إلا قتلوا وحرقوا وسبوا، فأنزل دارهم التي كانوا فيها بمنزلة دار الشرك فقتلوا مع طلحة من الرجال حتى هربوا وغنموا الأموال وسبوا، ثم إلى بني حنيفة، وفيهم المرتد والمشرك، فزعم ابن إسحاق أنه قد كان فيهم رجل يقال له رحال بن مسلم، فقيل: مسيلمة، وغنم المسلمون ما كان لهم من مال، ومصالحهم(1) خالد بن الوليد على ربع السبي، فهذا يصدق أن دارهم بمنزلة دار الشرك.
__________
(1) ـ في نسخة: صالحهم.

قال محمد: والوجه الثالث: جهاد اللصوص وقطاع الطريق إذا ما بغوا(1)، كما روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، ذكَّر اللص بالله وخوفه، وقال عليه السلام: ((من قُتل دون ماله فهو شهيد ))، فإذا حارب اللصوص فقاتلوا فقَتَلُوا قُتِلوا وصلبوا، وإن قاتلوا وأخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا السبل ولم يقتلوا ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض.
والوجه الرابع: جهاد أهل البغي الموحدين من الخوارج وغيرهم حتى يعطوا إحدى حلتين فإنهما أعطوا حرم بها قتالهم ودماءهم وأموالهم أن يدخلوا في السلم مع إمام العدل ويكونوا له أنصاراً وأعواناً يجري عليهم حكمه، أو أن يكفوا عن محاربة أهل العدل ويكونوا لهم سلماً، وإن أقاموا على ضلالهم وانتحالهم عداوة أهل العدل ما لم يمتنعوا من أحكام أهل العدل.
وكذلك قال أمير المؤمنين صلى الله عليه: (لا يمنعكم ثلاثاً ما كانت فيكم ثلاث، لا يمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نبدأكم بقتال حتى تبدأونا، ولا نمنعكم فيئكم ما كانت أيدكم مع أيدينا، وقد علم أمير المؤمنين صلوات الله عليه عداوتهم له وبراءتهم منه والخلاف منهم عليه، وأظهر له ذلك بألسنتهم، فأوجب لهم أن يقسم بينهم الفيء كما يقسمه على غيرهم من أهل ولايته، ومن هو مسلم لحكمه إذا كانت أيديهم أيدي أهل ولايته وهم كغيرهم من المسلمين فيما يجب لهم وعليهم في جميع الحقوق والأحكام والقصاص والدماء والجراحات وغير ذلك، ولم يبلغنا أن عليّاً صلى الله عليه استثنى بهم في قتالهم قبل أن ينصبوا له حرباً، فإذا نصبوا لإمام العدل حرباً وكانوا بدار تبوؤها لحربهم كانت دار ضلال يجب بذلك على أهل العدل محاربتهم بعد أن يدعوهم إلى الله عز وجل، فإن أبوا إلا المحاربة حاربهم.
مسألة: في الدعوة قبل القتال
__________
(1) ـ في نسخة: منعوا.

حكى أحمد بن الحسين أن القاسم قال: يجوز أن يُقَاتَل المشركون وإن لم تُجدَّد عليهم الدعوة قبل القتال إذا علم أن الدعوة قد شملتهم.
وقال محمد: قد اختلف أهل العلم في الدعوى قبل القتال.
فقال قوم: الدعوة غير واجبة؛ لأن القوم قد علموا ما يدعون إليه. واحتجوا في ذلك بفعل عبد الله بن رواحة وأصحابه، قاتلوا بمؤتة كلما قتل واحد منهم قاتل الآخر بعده بغير دعوة يجددها، اكتفوا في ذلك بدعوة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم. وبذلك قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال قوم: إذا رفعت راية الهدى فقد علم الباقون إلى ما يدعون، ولكن الدعوة أجمع للأقاويل وأقطع للعذر.
وقال قوم: إن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يقاتل أحداً من المشركين إلا بعد دعوة عن أمر الله عز وجل، وبذلك أمر عليّاً صلى الله عليه وقد بعثه مبعثاً، فقال له: ((لإن يهدي الله بك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت )).
وقال محمد بن علي الباقر: وسئل عن قتال المشركين بغير دعوة، فقال: قد علموا إلى ما يدعون إليه.
وروي عن حسن البصري وإبراهيم النخعي نحو ذلك.
قال محمد: وذلك عندنا إلى الإمام يفعل من ذلك بقدر ما يرى ويمكن ـ يعني أن للإمام أن يقاتلهم بغير دعوة ـ، وله أن يدعوهم إلى الإسلام وشهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فإن أجابوا فهم مسلمون، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وإن أبوا قوتلوا، وإن انهزموا قتلوا مدبرين ومقبلين، وأسروا، وغنم ما في عسكرهم وما في دورهم.
وروى محمد بإسناده عن سلمان الفارسي أنه حاصر فقال: دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يدعوهم، فدعاهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع قاتلهم، ففتح الله على المسلمين.

وعن عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث عليّاً مبعثاً، فقال: (يا رسول الله، كيف أصنع بهم؟)، فقال: ((إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك، والله لإن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت )).
مسألة: في غنيمة أهل دار الحرب
قال محمد ـ فيما حدثنا محمد بن أحمد الخزاز، عن محمد بن هارون، عن علي بن عمر عنه ـ: قال علي صلى الله عليه: (إن دار الحرب يحل ما فيها، وإن دار الهجرة يحرم ما فيها).
قال محمد: معناه أن دار الحرب المشركين إذا ظهر عليها فسبيل عسكرهم وسبيل دورهم واحد، وأن ما خلفوه في دورهم ووارته حيطانهم وأغلقوا عليه أبوابهم فسبيلهم سبيل ما أجلبوا عليه للقتال في عسكرهم، وكذلك الحكم في أراضيهم.
ومعنى قوله: (إن دار الهجرة يحرم ما فيها)، أراد أن دار الهجرة غير عسكرهم يحرم ما خلفوه في دورهم، ويحل ما احتلوا به عليه في عسكرهم.
وقال سعيد بن مدرك: وإن أصاب المسلمون في أرض العدو متاعاً فلم يقدروا على حمله أحرقوه وإن كانت ما شية فلم يقدروا على إخراجها(1) ذبحوها، ثم أحرقوها، والإمام مخير فيما سبوا من الرجال، إن رأى أن يقتلهم قتلهم، وإن رأى أن يدعهم غنيمة تركهم. وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه بعث جيشاً، فأوصاهم: ((ألا تعوروا عيناً، ولا تعقروا شجراً إلا شجراً يضركم، ولا تمثلوا بآدمي ولا بهيمة))، وفي وصيته لمعاذ: ((أنهاك أن تفسد أرضاً أو تغرق نحلاً أو تحرق نخلاً أو تذبح بهيمة إلا لأكل)).
مسألة:
__________
(1) ـ في نسخة: إخراجها معهم.

قال محمد ـ في كتاب السيرة الصغيرة ـ: وأي أرض غلب عليها المسلمون عنوة، فإن قسمها الإمام بين الجند الذين غلبوا عليها ـ كما صنع رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بخيبر ـ فهي ملك لهم وهي أرض عشر، وإن لم يقسمها بينهم وتركها فهي أرض خراج، وقد قسم رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وترك، وكل ذلك إلى الإمام يفعل من ذلك ما هو أصلح للمسلمين وأرفق بهم.
وروى محمد عن حسن البصري قال: إذا خرجت سرية بغير إذن الإمام فما أصابت فهو بينها وبين المسلمين.
مسألة: في أهل الحرب ينزلون على حكم الله وحكم رسوله وحكم رجل من المسلمين
سئل أحمد بن عيسى عن قوم من العدو نزلوا على حكم رجل من المسلمين، فمات الرجل قبل أن يحكم فيهم بشيء، هل يرجعون إلى أرض العدو أو يحكم الإمام فيهم بحكم الله؟
فقال: هذا مكروه، أن يدعو الرجل إلى أن ينزل على حكمه.
قيل له: فكيف نزل اليهود على حكم سعد؟
فقال: إن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قد علم أن سعداً يحكم بحكم الله عز وجل.

قال محمد: وإذا قال أهل الحرب أو أهل موادعة عند انقضاء مدتهم للإمام أو لولٍ من ولاة الإمام أو لمن خاطبهم عن أمر إمامة أو أميره: نحن ننزل على حكم الله، فأحب إلينا ألا يجيبهم إلى ذلك؛ لأنه لا يدري يصيب فيهم حكم الله أم لا، كما روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وأن تنزلوا على حكم الإمام أو على حكم رجل من المسلمين بأمر الإمام، فذلك جائز، وقد تقدم بذلك فعلٌ وسنةٌ من رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم الذي نزلوا على حكمه بحكم يجوز في أحكام المسلمين فحكمه جائز، وذلك نحو أن يحكم فيهم بأن يقتل مقاتلهم وتسبى ذريتهم وتغنم أموالهم، أو يحكم فيهم بأن يكونوا ذمة للمسلمين يؤدون الخراج، أو يحكم فيهم بأن يسبوا فيكونوا فيّاً فيخمسوا فتقسم الأربعة الأخماس فيمن حضر، أو يحكم فيهم بأن يردوا أو يستأنف الأمر فيهم، فإذا حكم فيهم بشيء من هذه الأحكام أو بغيرها مما يجوز في أحكام المسلمين فحكمه جائز، وليس لواحد من الفريقين أن يخرج مما حكم به، وإن حكم فيهم بحكمه لا يجوز في أحكام المسلمين، مثل أن يحكم بأن يكونوا في دار الإسلام آمنين من غير أن يؤدوا خراج رؤسهم، فحكمه باطل ولا يجوز ولا يلزم أحد الفريقين ما حكم به، ويكون القوم على حالتهم الأولى على ما كانا عليه قبل أن ينزلوا على حكمه، وإن نزلوا على حكم الإمام فليس للإمام أن يجعل الحكم إلى غيره إلا برضاهم، فإن جعل الحكم إلى غيره بغير رضاهم فحكم فيهم فحكمه باطل.

بلغنا أن بني قريضة نزلوا على حكم رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((ألا ترضون أن يحكم فيكم رجل منكم))، فجعل الحكم إلى سعد بن معاذ، فلما أراد سعد أن يحكم فيهم قال: عليكم عهد الله وميثاقه أن الحكم فيكم ما حكمت؟ قالوا: نعم. فقال سعد ـ للناحية التي فيها رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو معرض إجلالاً لرسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ـ: وعلى من هاهنا مثل ذلك، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ومن معه: نعم. فقال سعد: فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال، وتسبى النساء والذرية، وتقسم الأموال. فقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة)).
قال محمد: فقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لبني قريضة: ((ألا ترضون أن يحكم فيكم رجل منكم ))، وقول سعد لهم: عليكم عهد الله وميثاقه أن الحكم فيكم ما حكمت، فقالوا نعم، يوجب لهم إذا نزلوا على حكم الإمام أو على حكم رجل من المسلمين أن لا يكونوا للذي نزلوا على حكمه أن يجعل الحكم فيهم إلى غيره إلا برضاهم، وإذا نزلوا على حكم رجل من المسلمين فمات الرجل قبل أن يحكم فيهم عرض عليهم الإمام أن يجعل الحكم إلى غيره، فإن قبل بذلك فحكم فيهم بحكم يجوز في أحكام المسلمين فحكمه جائز على المسلمين، وإن حكم فيهم بحكم مخالف لحكم المسلمين فحكمه باطل لا يجوز ويردون إلى حصنهم إلا أن يرضى الإمام وهم بحاكم من المسلمين غيره.
قال محمد: وهذا الذي ذكرنا من أن لا يجابوا إن نزلوا على حكم الله تعالى، فإن ينزلوا على حكم الإمام أو حكم رجل من المسلمين على أن الأثر الذي روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم.

قال محمد: وقال سعيد بن مدرك: وإن نزلوا على حكم رجلين من المسلمين فحكم أحدهما أن يقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم وتؤخذ أموالهم، وحكم الآخر أن يتركوا، ولا تعرض لذراريهم ولا أموالهم تركوا ونبذ إليهم عهدهم وعادوا حرباء على حالهم.
مسألة: في من لا يقتل في الحرب
روى محمد بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه بعث جيشاً فأوصاهم: ((ألا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً لا يطيق قتالكم)).
وعن مكحول قال: ستة لا يقتلون في الحرب إلا أن يعينوا في القتال مع العدو، فإن أعانوا في القتال بشيء قتلوا: الشيخ الكبير، والمرأة، والغلام الذي لم يبلغ الحلم، والمريض، والمعتوه، والأعمى.
وعن الحسن البصري قال: كان أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يقتلون من النساء والولدان من أعان عليهم.
وعن جعفر، عن أبيه: أمر رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم(1) بقتل فرتنا وأم سارة، وكانتا يحضان على قتال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم بدر.
وعن عبد الرحمن بن أبي عمرة قال: مر رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بامرأة قد قتلت يوم حنين فقال: ((من قتل هذه ))؟ فقال رجل: يا رسول الله أردفتها فأرادت قتلي فقتلتها، فأمر بدفنها.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه ضرب(2) عنق امرأة من بني قريضة لحدث أحدثته.
مسألة:
قال محمد: وإذا غنم المسلمون في دار الحرب طعاماً أو شراباً أو علفاً للدواب فاحتاج أحد من المسلمين فلا بأس أن يصيب منه، ولا ينبغي له أن يبيع شيئاً من ذلك، ولا يخرجه إلى دار الإسلام، فإن باعه أو أخرجه معه إلى دار الإسلام فليرده في المغنم، يعني إذا كانت الغنيمة لم تقسم.
وروي عن أبي حنيفة قال: إن كانت قد قسمت باعه وتصدق بثمنه، وإن كان أقرضه أو خلاه في دار الحرب فلا يأخذ منه شيئاً.
__________
(1) ـ في نسخة: أمر رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم الفتح.
(2) ـ في نسخة: أنه أمر بضرب.

وعن سعيد بن مدرك قال: له أن يأخذه بما أقرضه ما لم يخرجوا من دار الحرب، فإن خرجوا فلا يأخذه.
مسألة:
وعلى قول محمد ـ في هذه المسألة ـ: إذا دخل مع الجيش إلى دار الحرب تجَّار وأجراء يخدمون الجند، فغنم المسلمون غنائم فيها طعام وشراب أو علف للدواب فلا ينبغي للتجار والأجراء أن يصيبوا من ذلك شيئاً إلا بثمن؛ لأنهم لا نصيب لهم فيه.
وكذلك قال أصحاب أبي حنيفة، قالوا: فإن أصابوا شيئاً من ذلك فليردوه في الغنيمة، فإن كانوا قد استهلكوه فلا ضمان عليهم.
قالوا: وإنما رخص في ذلك لمن كان من أهل العسكر يريد القتال، وكذلك عبيدهم وصبيانهم ونساؤهم إذا دخلوا معهم ليعينوهم على سفرهم. وكذلك النساء اللاتي يداوون الجرحى؛ لأن لهن فيه نصيباً، وكذلك كل من كان له في الغنيمة نصيب إما بسهم وإمّا ترضيخ.
مسألة: في المفاداة بالأسرى
وقول محمد يدل على أن المسلمين إذا أسروا أسارى من أهل الحرب فسألهم أهل الحرب أن يفادوهم بأسرى من المسلمين في أيدي أهل الحرب جاز ذلك؛ لأنه قال: لا يفادى بالصغار من سبي أهل الحرب؛ لأنهم مسلمون بدار الإسلام. وهو قول أصحاب أبي حنيفة.
وقال أبو حنيفة: لا يفادى بالأسير صغيراً كان أو كبيراً.

يليه: باب في أهل دار الحرب يُسلموا أو يقبلوا الذمة. صفحة 68
بسم الله الرحمن الرحيم
باب في أهل دار الحرب يُسلموا أو يقبلوا الذّمة
وعلى قول محمد: إذا أسلم أهل الحرب وفي أيديهم رقيق وأموال غنموها من المسلمين فهم رقيق لهم على ما كانوا في أيديهم قبل أن يسلموا، يعني فإن أعتقوهم جاز عتقهم؛ لأنه قال: وإذا غنم المشركون من المسلمين رقيقاً وأموالاً فقد ملكوا على المسلمين ما غنموه منهم.
قال محمد: قال سعيد بن مدرك: ولو أن المشركين سبوا أمَةً لمسلم ثم سبوا مولاها بعد ذلك فأصاب جاريته في دار الحرب لم يكن له أن يطأها، ولو أعتقها في تلك الحال لم يجز عتقه؛ لأنها صارت مالاً لغيره.

وعلى قول محمد: إن غنم أهل الحرب من المسلمين أم ولد لمسلم ثم غنمها المسلمون منهم فإنها ترد على مولاها؛ لأن أهل الحرب لم يكونوا ملكوها.
مسألة:
قال محمد: وإذا خرج الحربي إلينا مسلماً، ثم خرج عبده بعده كان مملوكاً له، وإن خرج العبد إلينا مسلماً ثم أسلم مولاه وخرج بعده كان العبد حراً ولا سبيل لمولاه عليه.
وروي عن ابن عباس أن عبدين خرجا يوم الطائف فأعتقهما رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، ثم خرج مواليهما بعدهما فما أعطاهما.
وعن أبي سعيد المدني أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان إذا خرج رجل مسلماً، ثم خرج عبيده بعده مسلمين، دفعهم إليه، فإذا خرج الرقيق فأسلموا ثم خرج الموالي بعدهم لم يعطهم، وإذا أسلم الحربي وعبده جميعاً كما في دار الحرب أو أسلم أحدهما قبل صاحبه ثم خرجا معاً أو أحدهما قبل صاحبه، يعني إذا خرج غير مراغم لمولاه، وإن كان العبد أسلم أولاً في دار الحرب ثم هرب إلى دار الإسلام ـ يعني مراغماً لمولاه ـ فهو حر، وكذلك لو قهر مولاه على نفسه فأخرجه إلى دار الإسلام كافراً لكان المولى مملوكاً للعبد وكان العبد حراً، وفي المولى الخمس.
وعلى قول محمد في هذه المسألة: إذا أسلم المملوك في دار الحرب ثم ظهر المسلمون على دار الحرب كان المملوك حراً ولم يدخل في الغنائم.
وإذا أسلم الحربي وعبده معاً في دار الحرب أو أحدهما قبل صاحبه فالعبد مملوك لصاحبه على حاله، فإن ظهر المسلمون على تلك الدار لم يدخلا في الغنائم وكان العبد مملوكاً على حاله.
مسألة:

قال محمد: وإذا أسلم الحربي في دار الحرب ثم لحق بدار الإسلام أو خرج إلى دار الإسلام فأسلم بها وخلف أولاداً صغاراً في دار الحرب لم يكونوا مسلمين بإسلام أبيهم، وحكم دار الحرب يجري عليهم، فإن ظهر المسلمون على تلك الدار دخلوا في الغنائم، ولكن ما حدث له من الولد في دار الحرب بعد إسلامه فإنهم مسلمون، سواء أقام أبوهم بدار الحرب أو لحق بدار الإسلام، فإن ظهر المسلمون على دار الحرب لم يجر عليه ولا على أولاده الذين حدثوا بعد إسلامه ملك ولم يدخلوا في الغنائم، وما كان من أولاده الأصاغر الذين ولدوا قبل إسلامه فإنهم مسلمون وهم غنيمة للمسلمين وما كان من الأولاد الكبار فإنهم يسبون وحكمهم حكم أنفسهم.
مسألة: إذا أسلم الحربيان ثم خرجا في دار الحرب
قال محمد: وإذا أسلم الحربيان في دار الحرب فهما على نكاحهما ما أقاما في دار الحرب، فإن خرجا معاً إلى دار الإسلام فهما على نكاحهما، وإن كان الزوج خرج أولاً ثم خرجت بعده في عدتها منه فهو أحق بها، وإن خرجت بعد انقضاء العدة استقبلا النكاح، وإن كانت المرأة خرجت أولاً إلى دار الإسلام فقد بانت منه بخروجها، فإن خرج بعد ذلك في العدة استقبلا النكاح.
وقال بعضهم: إن كانت من أهل الكتاب ثم خرج الزوج بعدها مسلماً فهو أحق بها ما لم تحض ثلاث حيض.
مسألة:
قال محمد: وإذا أسلم الحربي في دار الحرب ولم تسلم امرأته فهو أحق بها ما لم تحض ثلاث حيض دخل بها أو لم يدخل بها، فإذا حاضت ثلاث حيض فقد بانت منه ـ يعني إن كانت من غير أهل الكتاب ـ، فإن أسلمت بعد ذلك ثم خرجت استقبلا النكاح.
مسألة:
قال محمد: وإذا كان في دار الحرب يهوداً ونصارى من أهل العهد وهم من أهل الحرب فأسلم الزوج قبل امرأته فهي امرأته على حالها حاضت ثلاث حيض أو أكثر، وأيهما خرج إلى دار الإسلام قبل صاحبه فقد بانت منه، فإن خرج الآخر استقبلا النكاح.
مسألة:

وإذا خرجت إلينا امرأة من دار الحرب بإسلام أو بذمة فخلفت زوجها في دار الحرب مسلماً أو كافراً فقد بانت بخروجها إلى دار الإسلام ولا تزوج حتى تنقضي عدتها حاملاً أو غير حامل، وإن خرجت إلينا مسلمة وليست بذات زوج فلا تزوج حتى تحيض حيضة.
مسألة:
وإذا خرج الحربي إلينا بأمان وخلف امرأته على دينه أو خرجت امرأته بأمان وخلفته على دينه فهما على النكاح، فإن أسلم الذي خرج منهما أو صار ذمياً وقعت الفرقة بينهما وانقطعت العصمة، ولكن لا تزوج المرأة حتى تنقضي عدتها، وكذلك أيهما سبي وخرج إلى دار الإسلام وبقي الآخر انقطعت العصمة بينهما.
مسألة:
وإذا أسلم أحد الحربيين وخرج الآخر بأمان لحاجة فهما على النكاح ما لم تحض ثلاث حيض، فإن صار الخارج منهما ذميّاً من قبل أن تحيض ثلاث حيض فهما على نكاحهما، والحكم فيهما كالحكم في أهل الذمة، وإن خرج الحربي إلينا بأمان ثم خرجت امرأته من قبل أن يصير ذميّاً فهي امرأته حتى يعرض عليه الإسلام بمنزلة أهل الذمة.
مسألة: الأسباب التي توجب إسلام الصغار من السبي
قال محمد: ومن سبي من الصغار ومعه أبواه أو أحدهما لم يكن مسلماً بالدار، إلا أن يسلم أبواه أو أحدهما، فإن أسلم أبواه أو أحدهما فهو مسلم بإسلامه، فإن مات أبواه بعد ذلك فهو مسلم على حاله، فإذا سبي الصغير وليس معه أحد أبويه فهو مسلم بالدار، والذي يوجب إسلام الصغير من سبي أهل الحرب إسلام أبويه أو أحدهما أو يملك المسلم إياه أو بدار الإسلام.
قال: ولا يفادى بالصغار؛ لأنهم مسلمون.
مسألة:
وإذا أدرك الصبي وهو لا يعقل فأسلم أبواه أو أحدهما وهو على تلك الحال فهو مسلم بإسلام أبويه أو أحدهما، ولا يكون مسلماً بإسلام جده، فكذلك كل مغلوب على عقله أسلم أحد أبويه وهو على تلك الحال.

قال محمد: أخبرني محمد بن منصور، عن سعيد بن مدرك، قال: لو صار لرجل من المسلمين إذا قسمت الغنيمة رجل وولد له صغار فمات الأب على النصرانية لم يخير ولده إذا كبروا على الإسلام، وإن كان الأب أسلم قبل أن تموت ثم كبر ولده أجبروا على الإسلام بلا قتل؛ لأن كل من جرى عليه الإسلام بإسلام غيره أجبروا بلا قتل، وإذا ظهر المسلمون على أهل الحرب فقال رجل منهم: قد كنت أسلمت قبل أن تظهروا علينا، لم يقبل قوله، وهو وماله غنيمة للمسلمين. ولو أن أهل مدينة ارتدوا وقاتلوا ومنعوا ثم ظهر المسلمون، فقال رجل منهم: لم أكن ارتدت، كان القول قوله ولم يعرض له ولا لماله.
قال محمد: حدثنا حسين بن عاصم، عن نوح قال: إذا أسر رجل من أهل الحرب فادعى الإسلام وقرأ القرآن، فإن أقام البينة أنه مسلم وإلا فهو فيءٌ، فإن ادعى الإسلام وقال: ما كنت مشركاً قط ولا أهل بيتي، كنا مسلمين، ولا يعرف لهم إسلام ولا شرك فهو مسلم ولا سبيل إليه إذا وصف الإسلام وكان معه شيء من القرآن.
قال نوح: حدثني محمد بن إسحاق أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أسر يوم بدر في الأسرى من ادعى أنه كان مسلماً فلم يصدقه، وقال: قد كان ظاهر أمرك علينا.
قال محمد: قال سعيد: ولو أن امرأة من المسلمين سباها المشركون فوطئها رجل منهم فولدت له أولاداً ثم أن المسلمين ظهروا عليها وعلى ولدها وهم صغار فلا سبيل عليها ولا على ولدها، ولو أن امرأة ذمية سباها المشركون فولدت عندهم أولاداً، ثم ظهر المسلمون عليها وعلى ولدها وهم صغار كانت هي وولدها ذمية، ولو استودع مسلم مسلماً مالاً فغنمه المشركون ثم وهبوه للمستودع فالمال للموهوب له وليس للذي استودعه إياه أن يأخذه منه.
مسألة: أخذ الجزية من أهل الذمة

قال محمد: أمر رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بأخذ الجزية من كل حالم ذكر، ولم يوجبها على من سواهم من النساء والصبيان والمملوكين ولا على العجزة على المكتسب مثل الشيخ الفان والأعمى والذين، ومن لا حيلة له في المكسب ـ يعني ولا يقدر على شيء ـ، وخراج رؤوس أهل الذمة إذا تأخر عن وقته بعد الحول لم يطلبوا به. وهو قول أبي حنيفة.
وإذا أعتق النصراني عبداً له نصرانياً وجب على المعتق إخراج رأسه إذا مضى مضى حول منذ وقت ما أعتق.
وروى محمد، عن نوح أنه قال: إذا أصاب أهل العهد جهد لم يكلفوا فوق ما يطيقون.
مسألة:
قال محمد: قال سعيد بن مدرك: يقاتل أهل الأوثان حتى يسلموا، ويقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، فإذا أجابوا إليها لم يسع الإمام إلا يقبل منهم، ومن عرض من الجزية أقل من دينار كان الإمام مخيراً في ذلك إن رأى أن يقبل ذلك منهم قبله، وإن رأى أن لا يقبل ذلك منهم ولو يقاتلهم حتى يصيروا إلى دينار فعل؛ لأنه جاء الأثر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه بعث معاذ إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً.
قال محمد: قال نوح: وليس للإمام أن يوادع أحداً من العرب ويتركه على شركه إلا الإسلام أو السيف، فأما الأعاجم فله أن يوادعهم ويدعهم على شركهم، وقد صالح رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أهل تبوك وأهل آيلة وتلك القرى التي كانت مخالطة العرب.
مسألة: مقدار الجزية
روى محمد بإسناده عن علي صلى الله عليه أنه كان يضع على الدهاقين الذين يركبون البراذين ويتختمون بالذهب على كل رجل منهم ثمانية وأربعين درهماً، وعلى أوساطهم والتجار منهم أربعة وعشرين درهماً، وعلى أسفلهم وفقرائهم اثني عشر درهماً.
وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه. قالوا: وإنما تؤخذ من الفقير إذا كان صحيحاً معتملاً، وإن كان الفقير لا حرفة له ولا عمل فلا شيء عليه.

وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه أمر معاذ حين وجهه إلى اليمن أن يأخذ من كل محتلم ديناراً في كل سنة.
وروى محمد بإسناده عن علي صلى الله عليه أنه كان يأخذ العروض في الجزية من أهل الأبر الأبر، ومن أهل المال المال، ومن أهل الحبال الحبال.
مسألة: سكنى الذميين في بلاد المسلمين
قال القاسم عليه السلام في الشفعة للذمي: يدل على أنه جائز أن يترك أهل الذمة يسكنون في أمصار المسلمين.
وقال محمد: قال جماعة من الفقهاء: لا شفعة لذمي في أمصار المسلمين ولم يذكر خلافاً، وهذا من قول محمد يدل على أن يمنعوا من سكنى أمصار المسلمين.
مسألة: إذا أسلم الذمي أو مات بعدما وجب عليه خراج رأسه
قال محمد: إذا أسلم الذمي بعد الحول لم يطلب بما وجب عليه من الجزية، وكذلك من مات منهم بعد الحول لم يطلب بما وجب عليه من الجزية.
قال: وإنما سقطت الجزية عمن أسلم وهي عليه وعمن مات ولم توجب في ملله ميراثه؛ لأن الجزية إنما هي على قوم منهم خاصة؛ لأن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم إنما أمر أن تؤخذ الجزية من كل حالم ذكر، ولم يوجبها على من سواهم من النساء والصبيان والمملوكين وعلى العجز عن المكتسب، مثل الشيخ الفاني والضرير ومن لا حيلة له في المكتسب.
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((ليس على مسلم جزية ))، ومعناه إذا أسلم بعدما يحول الحول ووجبت عليه الجزية فلا يؤخذ منه جزية.
وقيل: إنما يعوذ بالإسلام، فقال: في الإسلام تعوذ.
وعن سعيد بن مدرك قال: إن غاب الذمي وعليه جزية سنين له لم يؤخذ عنه ما عليه من ماله، لا تؤخذ الجزية إلا منه.

وعن نوح قال: من كان من أهل الذمة يطيق الجزية آخذه الإمام بها وأجبره عليها، وله أن يأخذها من ماله، وله أن يحبسه بها، وليس له أن يضر به عليها، فإن امتنع من الرسل أخذوه، فإن قاتلهم قاتلوه إن لم يستطيعوا أن يأخذوه إلا بقتال أو يستعينوا عليه، وإذا بلغ أهل الذمة إلى حال لا يؤدون الجزية إلا بقتال فقد نقض العهد ويقتلون، وليس على ذراريهم ونسائهم سبيل ما لم يحكموا على الدار، إنما هم بمنزلة اللصوص والأكراد الذين يقطعون السبيل، فإن حكموا على الدار وقالوا: لا نؤدي الجزية قُتلوا وسبيت ذراريهم ونسائهم ومالهم فيء.
مسألة: في قدر ما يؤخذ من أهل الذمّة من أموال التجارة
قال محمد: وتأخذ عشر ما يتردد به التجارة من الأموال التي للتجارة إذا بلغ ما معهم مائتي درهم فصاعداً، ونأخذ من تجار أهل الذمة ضعف ما يؤخذ من تجار المسلمين إذا بلغ ما معهم مائتي درهم فصاعداً، ولا ينبغي للعاشر أن يعشر أحداً معه أقل من مائتي درهم، هذا قول محمد القجيم في كتاب السيرة الصغير.
وروي نحو ذلك عن حسن ويحيى بن آدم.
قال حسن: ولا يؤخذ منه في السنة إلا مرة واحدة.
ثم قال محمد ـ بعد ذلك في كتاب الخمس ـ : وأحب القول إلي وبه آخذ، يعني أن لا عشر على أهل الذمة فيما مروا به على العاشر من أموالهم للتجارة إذا أدوا جزيتهم التي صولحوا عليها وما أخذ منهم العاشر فهو فيء.
وإذا دخل أهل الحرب دار الإسلام فمروا على العاشر بأموالهم عشرهم بحسب ما يعشرون من أموال المسلمين إذا دخلوا بلادهم، وما أخذ منهم فإنه فيء.
وروي بإسناده، عن سفيان، قال: يأخذ العاشر من أهل الذمة من كل مائة خمسة دراهم، فإن نقصت فلا شيء عليهم، وتأخذون من يأخذ من أهل الحرب من كل خمسين درهماً خمسة دراهم، فإن نقصت من خمسين فلا شيء عليهم.

قال يحيى بن آدم: وكل شيء مر به العاشر بغير تجارة من الإبل والبقر والغنم والمتاع فليس فيه شيء، وينبغي للعاشر أن يقبل قول صاحب المال إذا كان مسلماً أو ذميّاً.
وروى محمد بإسناده عن عقبة بن عامر قال: سمعت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: ((لا يدخل الجنة صاحب مكس))، قال: وهو العاشر.
وعن عطاء بن السائب، عن جده أبي مسلم، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((ليس على المسلمين عشر، وإنما العشر على اليهود والنصارى )).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((ليس على المسلمين خراج، إنما الخراج على اليهود والنصارى )) يعني العثور.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((ليس على المسلمين جزية )).
وعن علي صلى الله عليه قال: (لعن الله سهيلاً كان عاشراً باليمن فمسخه الله شهاباً).
وعن ابن عباس: {بكل صراط توعدون}، قال: العشارون. وعن السري مثله.
وعن زياد بن خدير قال: أمرني عمر أن آخذ من أهل الشام ربع العشر، ومن أهل الحرب العشر، وأمرني ألا أفتّش أحداً، وكتب إليّ: ألا تعشر بني تغلب في السنة إلا بها.
وعن زياد بن خدير قال: أنا أول من عشر في الإسلام، ما كنا نعشر مسلماً ولا ذا ذمة نؤدي الخراج. قيل: فيمن كنتم تعشرون؟ قال: تجار العرب ما يعشرونا إذا أتيناهم.
وعن زياد ـ أيضاً ـ قال: أمرني عمر أن آخذ من أهل الإسلام ربع العشر ومن أهل الذمة نصف العشر، ومن أهل الحرب العشر.
وعن أنس بن مالك قال: بعثني عمر وأمرني أن آخذ من المسلمين، فذكر مثل حديث زياد بن خدير.
وعن مسروق أنه كان على العشور في الزمان الأول، فكان لا يعشر أحداً ولا يسأل أحداً عن شيء، ولكنه كان يقول: إن كان لنا معك شيء فيه حق وإلا فامضه.
وعن طاووس لما كان العاشر يرشد السبيل ومن أتاه بشيء أخذه.
باب الأمان

قال محمد: وإذا أمّن رجل من المسلمين رجلاً من المشركين جاز أمانه على جماعة المسلمين، وكذلك إذا أمّن رجل من أهل العدل رجلاً أو قوماً من أهل البغي جاز أمانه على جماعة أهل العدل، سواء كان أمنه بإذن الإمام أو بغير إذن ما لم يكن في أمانه إياه ضرر على المسلمين واحتياج لهم.
وكذلك لو أن تاجراً من تجار أهل العدل أو مكارياً أو أجيراً أو رسولاً أمّن أحداً من أهل البغي كان أمانه جائزاً.
وكذلك لو بعث الإمام سرية إلى أهل البغي فأمّنوا قوماً من أهل البغي على أنفسهم وأموالهم كان أمانهم جائزاً، وكان لك أمان المرأة والعبد المسلم جائز على المسلمين جميعاً.
وكذلك إن كان لرجل ذمي عبد مسلم فأمانه جائز على المسلمين، وإن كان لرجل ذمي عبد مسلم فأمانه جائز على المسلمين، وإن كان لرجل مسلم عبد ذمي فلا أمان له، وكل ما جاز في أهل الشرك من أمان أو صلح أو موادعة فهو في الموحدين من أهل البغي أجوز إذا رأى الإمام ذلك صلاحاً للمسلمين.
وروى بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم )). وفي حديث آخر: ((يجبر عليهم أدناهم )).
وعن علي صلى الله عليه قال: (من قال لأحد من المشركين: لا تخف أو مترس أو لدهل، فقد أمنه).
قال محمد: تفسير مترس ولدهل: لا تخف.
وعن علي صلى الله عليه قال: (من أشار إلى رجل من العدو بإصبعه فقد أمنه فلا يقتله).
قال محمد: حدثنا حسين، عن عاصم، عن نوح، عن محمد بن إسحاق، عن أصحابه، أن عامر بن الطفيل قدم على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بعد ما قتل أهل بئر معونه بغير أمان فلم يعرض له، وكانوا يرون أنه إذا قدم المشرك بغير إيخاف فإنه بمنزلة الأمان.
مسألة: مدة الأمان، ومتى يصير المستأمن آمناً؟

قال محمد: وللإمام أن يؤمِّن أهل البغي إلى مدة معلومة، على أنهم بخيار إن شاءوا دخلوا مع أهل العدل وإن شاءوا عادوا إلى حربهم، وللإمام أن يزيد في الأجل إذا رأى ذلك صلاحاً، فإن أقام الباغي بعد أجله فدمه حلال وما معه غنيمة، والإمام مخير في دمه إن شاء قتله وإن شاء منّ عليه.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه أمّن معاوية بن المغيرة بن أبي العاص ثلاثة أيام، وقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((اللهم عليك بمعاوي ))، فما كان في اليوم الرابع بعث رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في طلبه فوجده عمار وزيد بن حارثة فقتلاه، وان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم دعا على ثمامه فلقيه أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فأخذوه فأتوا به رسول الله، فمنّ عليه وخلى سبيله فأسلم بعدما منَّ عليه.
مسألة:
قال محمد: وينبغي للإمام أن لا يؤمّن أحداً من أهل الحرب يدخل إلى دار الإسلام أكثر من سنة، وينبغي له أن يعلمه أنه ليس له أن يقيم أكثر من سنة، وأنه إن أقام أكثر من سنة من وقت ما أنذره الإمام فقد صار عهديّاً وحيل بينه وبين الرجوع إلى دار الحرب. وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال في النكاح: فإن أقام سنة من وقت ما أنذره الإمام فلا ينبغي للإمام أن يدعه يرجع إلى دار الحرب وقد صار ذميّاً في جميع أحكامه يوضع عليه من الخراج والجزية ما يوضع عليهم، ولو أنه أقام سنة أو سنتين من قبل أن ينذره الإمام كان له أن يلحق بدار الحرب ولم يكن لأحد يمنعه من ذلك إنما يجب أن يكون عهديّاً إذا أقام سنة من وقت ما أنذره الإمام.
مسألة:
قال محمد: قال سعيد بن مدرك: وإن دخلت امرأة من أهل الحرب إلينا بأمان فتزوجت عندنا صارت ذمية، ولم يكن لها أن ترجع إلى دار الحرب.
وإن دخل رجل من أهل الحرب إلينا(1) فتزوج عندنا كان له أن يطلق امرأته ويرجع إلى دار الحرب. وكذلك قال أو حنيفة.
__________
(1) ـ في نسخة: إلينا بالأمان.

قال سعيد: ولو أن رجلين من أهل الحرب دخلا إلينا بأمان ثم ادعى أحدهما على الآخر مالاً أو جناية لم يؤخذ له شيء من ذلك إلا أن يكون جنى عليه وأخذ المال منه بعد دخولهما إلينا.
وروى محمد عن نوح قال: إذا دخل الحربي إلينا بأمان وله امرأة في دار الشرك فهي امرأته، وإن كانت معه فهي عهديّة؛ لأنها لا تستطيع الخروج، وإن كان له مال وولد صغار في دار الشرك فحار عليهم المسلمون فأخذوهم فهم فيء؛ لأنهم مع أهل الشرك وهم على الشرك، وإن اشترى أرض خراج أو أرض عشر فأثمرت فإنه إذا وجب عليه الخراج أو العشر فقد صار ذميّاً.
وكذلك قال أبو حنيفة، إلا أنه قال: إذا اشترى الحربي أرض عشر صارت أرض خراج، ويصير ذميّاً إذا وجب عليه الخراج.
قال محمد: قال سعيد: وإن ارتد رجل من المسلمين ولحق بدار الحرب ثم دخل دار الإسلام بأمان لم يترك يرجع إلى دار الحرب ولم يقبل منه إلا الإسلام أو القتل.
ولو أن المشركين سبوا رجلاً من المسلمين ورقيقاً له، ثم أن رجلاً من المشركين دخل إلينا بأمان ومعه الرجل المسلم ورقيقه حيل بين الرجل المشرك وبين الرجل المسلم وترك الرقيق للمشرك يبيعه، ويمنع من ردهم إلى دار الحرب.
ولو أن رجلاً من أهل الحرب دخل إلينا بأمان ومعه بضائع لمشركين فأسلم عندنا كان ما في يده من ذلك له.
ولو أن رجلاً من المشركين دخل إلينا بأمان فاستودع رجلاً من المسلمين مالاً ثم رجع إلى دار الحرب ثم أن المسلمين ظهروا على أهل مدينته، كان هو وماله المستودع للمسلمين.
مسألة: هل للإمام أن يؤمّن رجلاً على أن يغنم في عسكر أهل البغي مكثراً لهم؟
قال محمد: وليس للإمام ولا لأحد من عسكره ولا لأحد من أصحاب السرايا أن يؤمن رجلاً من أهل البغي على أن يقيم في عسكر أهل البغي مكثراً لجماعتهم، وإن لم يقاتل إلا أن يؤمنه على أن يكون عيناً لأهل العدل ودليلاً لهم على عورات أهل البغي.

وروي أن خزاعة مسلمها ومشركها كانت عيناً لرسول اله صلى اللّه عليه وآله وسلم على أهل مكة، وكانوا في أمان منه منذ هاجر إلى المدينة.
ولو أن رجلاً من أهل البغي معروفاً بالشجاعة والعناء في الحرب سأل إمام العدل أن يؤمنه على أن لا يقاتل غير أنه يقيم في عسكر أهل البغي لم يكن للإمام أن يؤمنه على ذلك، فإن أمنه على ذلك فأمانه باطل لا يؤمنه إلا على مثل ما أمن عليه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم خزاعة.
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((من سود علينا فقد شرك في دمائنا)) يعني بسود كثر.
قال محمد: وهذا الحديث أصل.
مسألة: في أمان من قعد عن الإمام
قال محمد: ولو أن رجلاً قعد عن إمام العدل فلم يبايعه ولم يدخل معه في عقده، ولم يعن أهل البغي عليه، كعبد الله بن عمر وسعيد بن مالك ومحمد بن مسلمة في تخلفهم.
عن علي صلى الله عليه أمن أحداً من أهل البغي لم يجز أمانه على المسلمين، ولو كان تخلفه عن الإمام لعله يعذره الإمام بها ولا يمنعه من عطاء ـ كأسامة بن زيد ـ كان أمانه جائزاً.
مسألة: أمان الصبي والذمي
قال محمد: ولا يجوز أمان الصبي الذي لم يبلغ، ولا الذمي، ولو أن صبياً أو ذمياً حضر عسكر أهل العدل فأمن رجلاً من أهل البغي فلا أمان له، ولو دخل رجل من أهل البغي بأمان الصبي أو الذمي فقتل فلا شيء على قاتله، وإن كان معه مال فهو غنيمة وفيه الخمس، وإن دخل رجل بأمان الصبي أو الذمي إلى عسكر أهل العدل فظفر به فحكمه حكم أسير أهل البغي، وما كان معه من سلاح أو كراع أو مال فهو غنيمة وفيه الخمس. وإن أمن الصبي أو الذمي قوماً من أهل البغي، ثم أدرك الصبي أو أسلم الذمي فادعى أهل البغي أن أمانهما إياهم كان بعد بلوغ الصبي أو إسلام الذمي، وادعى أهل العدل أن الأمان كان قبل البلوغ والإسلام، فالبينة على أهل البغي فيما ادعوا من جواز الأمان، وللإمام أن يتحسن في ذلك ويجيز أمانهم إذا اشتبه ذلك عليه.

قال محمد: والحجة أن أمان الصبي لا يجوز ما لم يبلغ ما: حدثناه حسين بن نصر، عن عاصم، عن نوح، عن ابن إسحاق، عن أصحابه، أن قريشاً لما أعانت بني بكر على خزاعة قدم أبو سفيان المدينة بتشديد العهد ويزيد في المدة، فدخل على فاطمة والحسن عندهما جالس، فقال: يا بنت محمد، هل لك في أن تأمري ابنك هذا فنجيز على الناس فيسود العرب؟ فقالت: والله ما بلغ ابني هذا أن يجيز على رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم الناس.
مسالة: في الباغي يدخل أهل العدل
قال محمد: وإذا دخل أهل البغي إلى أهل العدل بأمان فهو أمن لا سبيل عليه ولا جميع ما دخل معه من ماله مما أجلب به أو لم يجلب به، وإن أدخل معه أموالاً لأهل البغي مما أجلبوا به على أهل العدل من سلاح أو كراع أو رقيق أو غير ذلك أو مرَّ لهم بسرح غنم أو إبل أو بقر مما أجلبوا به فاستاقه ودخل بجميع ذلك إلى عسكر أهل العدل، فجميع ذلك غنيمة لأهل العدل وفيه الخمس، وإن كان المستأمن يده مع أهل العدل يحارب من حاربهم فهو في ذلك كأحدهم، ولو كان حين استأمن على نفسه استأمن على ما يدخل معه من أموال أهل البغي ورقيقهم كان ذلك جائزاً لا سبيل على ما دخل به من أموال الباغين ورقيقهم، وكذلك لو أدخل مماليك لأهل البغي عسكر أهل العدل بأمان ومعهم أموال لسادتهم مما أجلبوا به فلا سبيل عليهم ولا على ما معهم، ويردون وما معهم إلى سادتهم، وإن دخلوا معهم بأموال لغير سادتهم من أهل البغي مما أجلبوا به فجميعه غنيمة لأهل العدل وفيه الخمس، وإن كان مما لم يجلبوا به فلا سبيل عليه ويرد إلى أهله.
مسألة: في الباغي يدخل عسكر أهل العدل بغير أمان

قال محمد: وإذا دخل رجال من أهل البغي إلى أهل العدل بغير أمان وأدخلوا معهم أموالاً لأنفسهم وغيرهم من أهل البغي مما أجلبوا به، فجميع ذلك غنيمة لأهل العدل، وفيه الخمس، وللإمام أن يقتلهم إن كانت الحرب بينهم قائمة، وكذلك إن دخل مماليك لأهل البغي إلى أهل العدل بغير أمان ومعهم أموال لسادتهم ولغير سادتهم مما أجلبوا به، فالمماليك وجميع ما دخلوا به غنيمة لأهل العدل، ولا ينبغي للإمام أن يستعين بهم على قتال أهل البغي إلا من ضرورة؛ لأن للمسلمين فيهم حقاً، وفيهم الخمس، وإن دخل مماليك لأهل البغي عسكر أهل العدل بغير أمان ومعهم أموال لسادتهم مما لم يجلبوا وإنما كانوا خلفوا سادتهم في منازلهم وضياعهم أو في تجارتهم لم يكن عليهم سبيل ولا على ما دخلوا به معهم من أموال سادتهم، ويردون إلى مواضعهم.
مسألة:
ولو أن صبيّاً من أهل البغي أو امرأة أو شيخاً كبيراً لا يعين مثله بقتال دخل عسكر أهل العدل بأمان أو بغير أمان فلا سبيل عليه، وإن كان معه مال لأهل البغي سلاح أو كراع أو غير ذلك مما أجلبوا به فجميع ذلك غنيمة لأهل العدل، وفيه الخمس، وإن كان ما معه مما لم يجلبوا به فلا سبيل عليه، ويرد إلى أهله.
مسالة: في الباغي يدخل عسكر أهل العدل بأمان فقتِل
قال محمد: وإذا دخل(1) من أهل البغي عسكر أهل العدل بأمان فقتله رجل من أهل العدل عمداً وقد علم بأمان الإمام إياه فإنه يقتل به؛ لأنه أخفر ذمة الإمام، وإن كان قتله ولم يعلم بأمانه فعليه الدية في ماله والكفارة.
بلغنا أن رجلاً من أهل مكة دخل إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم برسالة فقتله رجل من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو لا يعلم، فوداه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، وإن كان قتله خطأ فالدية على عاقلته علم بأمان الإمام أو لم يعلم.
__________
(1) ـ في نسخة: وإذا دخل رجل.

عن أبي إسحاق، عن أبي جعفر أن النبي عليه السلام عام الفتح لما دخل مكة أمّن الناس، وأن خالد بن الوليد سلك طريق بني جذيمة وكانوا قد قتلوا القائد بن المغيرة وعوفاً أبا عبد الرحمن بن عوف، فقال لهم: إن الناس قد أسلموا فضعوا أسلاحكم، فوضعوا فجلد أعناقهم، وبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فتبرأ مما صنع خالد، واختلف الناس في ذلك على رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، فادعى خالد أن رسولاً من عند رسول الله أتاه فقال له: اقتلهم، وقال بعض من كان مع خالد: أذَّنّا وأذّنوا وصلينا وصلوا. فدعا رسول الله عليّاً فبعثه إليهم وبعث معه جمالاً وثياباً فودأ قتلاهم ودفع إليهم ما ادعوا من أموالهم حتى ودأ ميلعة الكلب، ولم يبق لهم قليل ولا كثير حتى أبروا رسول الله(1) وفضل مع علي فضله فأعطاهم إياها بما يعلمون بما لا يعلمون وبروا عنه النساء والصبيان، ثم رجع إلى رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فأخبره بما صنع فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه، وقال: ((ما أحب لي بما صنعت حمر النعم )).
قال نوح: وإن أمَّن الإمام أو رجل من المسلمين رجلاً من المشركين فقتله رجل عمداً فعلى قاتله الدية في ماله، فإن كان قاتله معسراً فأحب أن يغرم الذي أمنه ديته ورجع بها على الذي قتله، وعلى القاتل الكفارة بمنزلة أهل العهد، وإذا أمّن مسلم مشركاً فأسلم المشرك فقد خرج من ذمة الذي أمنه، فمن قتله عمداً قُتل به، وإن قتله خطأً فعلى عاقلته الدية.
قال محمد: وإن وجد في عسكر أهل العدل قتيل قد أمّنه الإمام ولا يدري من قتله، فإن المال(2) بدية من بيت مال المسلمين.
مسألة: من دخل إلينا بأمان فقتل أو زنى أو سرق
__________
(1) ـ أبروا ذمة رسول الله.
(2) ـ في نسخة: الإمام.

وإذا دخل رجل من أهل البغي عسكر أهل العدل بأمان فقتل رجلاً عمداً فإن الإمام يقتله به إن شاء الورثة، وإن شاءوا عفوا، فإن لم يكن للمقتول ورثة فعلى الإمام أن يقتل القاتل وليس له أن يعفو عنه.
وعلى قول محمد ـ في هذه المسألة ـ: إن قذف المستأمن رجلاً مسلماً ضرب الحد؛ لأنه من حقوق الناس.
وروى محمد عن نوح أنه قال: إذا زنى المستأمن الحربي أو سرق أقيم عليه الحد، وهذا قول أبي يوسف.
وقال محمد: لا يقام عليه الحد، ولكن يضمن السرقة؛ لأنه لم يستأمن ليجري عليه الحكم.
وروى محمد عن نوح أنه قال في رجل من أهل الشرك دخل إلينا بأمان فقتل رجلاً منا عمداً أو خطأً ثم لحق بدار الشرك ثم دخل إلينا بأمان أو أسلم فدخل إلينا وهو مسلم ـ قال ـ: إن كان قتله عمداً قتل بالذي قتله، وليس له أمان.
حدثني محمد بن إسحاق أن فقعس بن صبابة أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ثم عدا على رجل من الأنصار فقتله ثم لحق بمكة، فلما ظهر رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على مكة قال: ((اقتلوه وإن أدركتموه متعلقاً بأستار الكعبة ))، فقتله رجل من قومه يقال له نميلة، وإن كان القتل خطأ فعليه الدية في ماله في ثلاث سنين.
وروي عن عمر بن عبد العزيز في رجل من المشركين قتل رجلاً من المسلمين ثم أن القاتل قدم بأمان فقتله أخو المقتول فضمنه الدية في ماله وبعث بها إلى ورثته من المشركين وأمر به فحبس وعوقب.
مسألة:

قال محمد: ولو أن تجار أهل البغي وعبيداً من عبيدهم دخلوا عسكر أهل العدل بأمان، ثم ظهر على أنهم دلوا على عورة لأهل العدل أو كتبوا إلى أهل البغي بشيء من أسرار أهل العدل مما فيه وهن، وعلى أهل العدل كان ذلك منهم نقضاً لأمانهم، وللإمام أن يؤدب التجار ويحبسهم بقدر ما يرى، وأما الرقيق فإنهم وجميع ما دخلوا به من أموال البغي التي أجلبوا بها غنيمة لأهل العدل لنقضهم الأمان؛ لأن الأمان وجب لهم على أنفسهم، وعلى ما دخلوا به من الأموال، فلما نقضوا أمانهم كان نقضهم على أنفسهم وصار المال الذي معهم بمنزلة مال أهل البغي وقع في أيدي أهل العدل بغير أمان فهو غنيمة إن كان المال والرقيق مما أجلبوا به، وإن كان مما لم يجلبوا به فلا سبيل عليه.
مسألة:
قال محمد: وإذا دخل إلينا قوم من أهل الحرب بغير أمان فالإمام مخير فيهم إن شاء قتلهم وإن شاء استرقهم، فإن كانوا لما طلبوا ألجئوا إلى الحرم، فإن الإمام يخرجهم من الحرم ثم يمض فيهم ما يلزمهم من الحكم، والإمام مخير فيهم، إن شاء قتلهم، وإن شاء استرقهم.
قال السيد أبو عبد الله: وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس للإمام أن يحبسه ولا يأسره ولا يخرجه من الحرم ولا يقتله، وينبغي ألا يطعم ولا يسقي ولا يؤذي ولا يبايع حتى يخرج من الحرم، فإذا خرج فهو فيء لجماعة المسلمين، ولا خمس فيه في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: هذا فيء لمن أخذه، وفيه الخمس.
مسائل لسعيد بن مدرك:
قال محمد: أخبرني محمد بن منظور الأسدي، عن سعيد بن مدرك قال: إذا دخل الحربي إلينا بأمان ومعه سلاح أو رقيق منع من رده إلى الحربي، وأجبر على بيعه، وإن دخل بسلاح يبدله ترك تسد له بمثله أو دونه.
قال سعيد: وإن استأمن رجل من أهل الحرب لعبد له ليدخل بتجارة له فدخل ثم أسلم العبد رد ما في يده إلى مولاه، ويباع العبد، ويدفع ثمنه إلى مولاه.

وإذا دخل الحربي إلينا بأمان، فاشترى متاع إلى أجل، ثم أراد أن يرجع إلى دار الحرب قبل محل الأجل والمتاع قائم بعينه لم يترك إلا أن يرد المتاع أو يدفع الثمن، وإن كان المتاع قد استهلك صير الثمن عليه حالاً، إلا أن يقيم إلى محل الأجل.
وإذا دخل رجل دار الحرب بأمان فسرق رجل منهم ابن رجل آخر ثم عرضه على المسلم لم يكن له أن يشتريه منه.
ولو أن أهل مدينة أخرى من المشركين غزوا أهل المدينة التي دخلها بأمان فسبوا منهم طائفة، ثم عرضوهم على المسلمين كان له أن يشتريهم منهم، ولو أن سرية من المسلمين حاصروا أهل مدينة حرب فوادعوهم إلى مدة على أن يدفع المسلمون إلى المشركين نفراً من المسلمين رهينة، ودفع المشركون إلى المسلمين نفراً فهم رهينة، فغدر المشركون فقتلوا من في أيديهم من المسلمين لم يكن للمسلمين أن يقتلوا من في أيديهم من المشركين؛ لأنهم قد كان لهم أمان، ولا يؤخذون بفعل غيرهم.
ولو أن رجلاً من المسلمين دخل دار الحرب بأمان فأصيب فيها رجلاً من المسلمين كان له أن يسترقه فيخرجه، ولو أصاب فيها عبداً له أو لغيره من المسلمين كانوا سبوه لم يكن له أن يسترقه ولا يخرجه؛ لأنه قد صار مالاً لهم.
ولو دخل رجل دار الحرب بأمان ومعه ابن له فقتل رجل منهم ابنه عمداً كان له أن يقتل قاتله، وإن غصبه أحد منهم مالاً فقدر على أن يأخذ ماله أو مثله منه أخذه.
مسألة: دخول المسلم إلى دار الحرب بأمان
قال أحمد: إذا دخل رجل دار الحرب بأمان لم يكن له أن يزني في بلادهم، ولا يسرق مالاً ولا سلاحاً، وإن دخل دار الحرب بأمان فبايعته امرأة منهم على أن يخرج بها إلى دار الإسلام لم يجز له أن يخرج بها، وإن دخل بغير أمان جاز له أن يخرج بها، فإن دخلت معه إلى دار الإسلام طائعة على أمان منه فهي حرة، وإن استكرهها وأخرجها بغير أمان منه فهي أمة وهي له، وعليه الخمس.

وقال أحمد ـ أيضاً فيما حدثنا القاضي محمد بن عبد الله، عن علي بن عمرو، عن محمد، عنه ـ: وإذا دخل رجل دار الحرب بأمان لم يحل له أن يتبعهم الخمر والميتة ولا الدرهم بدرهمين.
وإن دخل دار الحرب بأمان فقتل منهم فلا شيء عليه، وأكره له ذلك.
وقال الحسن ـ فيما حدثنا محمد بن عبد الله، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ: وإذا اشترى المسلم أسيراً مشركاً وهو في أرض الشرك، فقال العبد: لا أستطيع المشي، فخاف المسلم أن يلحق العبد بدار الحرب فإنه يكره قتله وقد أمنه باشترائه له، إلا أن يخافه على نفسه.
مسألة:
قال محمد: وإذا دخل رجل من أهل العدل عسكر أهل البغي بأمان فليس ينبغي له أن يستهلك منهم مالاً، ولا يغتال منهم أحداً، فإن هو قتل أحداً منهم بتأويل على أنه من عدوه فقد أخطأ في تأويله وأساء، وعليه الكفارة والدية لورثة المقتول، وإن أخذ لهم مالاً وعروضاً فأدخله إلى عسكر أهل العدل فعلى الإمام أن يأخذه برد ذلك إلى صاحبه إن كان قائماً بعينه، وإن كان قد استهلك ذلك فهو ضامن للمال ولقيمة العروض، وعلى إمام أهل العدل أن يأخذه بذلك ويبعث به إلى صاحبه، وإن كان أخذ لهم جارية مملوكةً بتأويل فوطأها فجاءت بولد درأ عنه الحد؛ للشبهة، والولد ثابت النسب وهو مملوك لصاحب الجارية، وعلى الإمام أن يؤديها وولدها إلى صاحبها، ولو ماتت الجارية في يديه قبل تصل إلى صاحبها كان ضامناً لقيمتها يوم غصبها، وعلى الإمام أن يأخذه بالقيمة ويبعث به إلى صاحبها.
باب الموادعة
قال محمد: جائز لإمام أهل العدل أن يوادع أهل الشرك وأهل البغي إلى مدة معلومة، ولا يجوز له أن يوادع إلا أن يرى في ذلك صلاحاً لأهل الإسلام، وأكثر ما سمعنا من مدة الموادعة عشر سنين. سمعنا ذلك عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم.

وإن وادعهم الإمام إلى مدة معلومة فرأى أن المدة فساداً على أهل الإسلام ووهناً في الدين فللإمام أن يفسخ الموادعة وينبذ إليهم عهدهم قبل أن يحاربهم، وليس بين المسلمين وبين المحاربين من اللصوص موادعة؛ لأنهم يأتون ما أتوا وهم مجرمون له، وإن سألوا الإمام أو والي الإمام أن يكف عنهم حتى يستسلموا لحكمه فإن ذلك إليه، إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل.
مسألة:
قال محمد: قال سعيد: ولو أن ملك مدينة شرك قال: أنا أصالحكم على أن أحكم في أهل مدينتي بما أرى على عشرة ألف درهم على الموادعة، جاز لنا أن نصالحه على ذلك، إلا أن يكون صالح على أنهم ذمة، فلا يصلح أن يصالح على أن يحكم فيهم بالظلم لهم والتعدي عليهم؛ لأنهم ذمة.
مسألة: هل يلزم المسلمين موادعة الباغين للمشرك (1)؟
قال محمد: وإذا وادع أهل البغي قوماً من المشركين على أن يؤدي المشركون إليهم الخراج ويكونوا لهم ذمة فإن الموادعة جائزة على المسلمين جميعاً، وليس لإمام العدل أن ينقض ذلك، وإذا ظهر أهل العدل على أهل البغي فلا ينبغي لهم أن ينقضوا عهد أهل الشرك حتى ينبذوا إليهم، ولو أن أهل البغي عاهدوا أهل الحرب على مال يأخذونه منهم غير الخراج فذلك إلى إمام العدل، إن رأى إمضاء ذلك صلاحاً أمضاها، وإن رأى أن يفسخ عليهم ولا يرض إلا بالخراج فذلك له، فإن أجابوه إلى إعطاء الخراج جدد عليهم العهد، وإن أبوا أن يستسلموا لحكمه فإنه ينبذ إليهم ويحاربهم، وإن كان أحد منهم صار إلى بلاد الإسلام على عهد أهل البغي فينبغي للإمام أن يبلغه إلى أمانه.
مسألة:
__________
(1) ـ في نسخة: للمشركين.

قال محمد: ولا ينبغي لأهل العدل أن يسالموا أهل البغي على ما لا يجوز في حكم الكتاب والسنة، نحو تعطيل حد أو تغيير حكم أو إظهار بدعة من قول أو فعل أو تغيير سيرة أجمع المسلمون عليها، ولا يسالموا على أن يكونوا هم الذين يخرجون زكاة أموالهم الظاهرة من الإبل والبقر والغنم وما أشبه ذلك من الصدقات التي تلي الإمام أخذها، وإن امتنعوا من أدائها إلى الإمام حوربوا على ذلك. وكذلك فعل أبو بكر بالذين امتنعوا أن يؤدوا إليه زكاة أموالهم الظاهرة، قالوا: نحن نخرجها، فحاربهم على ذلك، وأصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم مجمعون معه على ذلك، وسموا أهل ردة، وقال له علي صلى الله عليه حين شاوره في أمرهم: (إن منعوا عقالاً مما كانوا يعطون رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فضع فيهم السيف، وإن سألوا أن يخفف عنهم من خراج أرضهم أو ما أشبه ذلك فللإمام أن يسالمهم على ذلك إذا رأى ذلك صلاحاً للمسلمين.
مسألة:
قال محمد: وإذا كان بين أهل البغي موادعة، فاغتال الباغون أهل العدل عن أمر إمامهم، فإن ذلك نقض منهم للموادعة، وحل للمسلمين جهادهم، وكذلك لو اغتال مغتال من الباغين أخذ أمن أهل العدل عن غير أمر إمامهم، فمنعهم إمامهم من القصاص كان ذلك نقضاً منه للعهد، وحل جهادهم.
وكذلك إذا كان بين أهل العدل وأهل البغي موادعة فقاتل الباغون أهل ذمة للمسلمين أو أغاروا على قوم من المشركين بينهم وبين المسلمين عهد، فإن ذلك نقض من أهل البغي للموادعة؛ لأن العهد الذي بين أهل العدل والمشركين واجب على جميع المسلمين، وللمسلمين حينئذ أن ينبذوا إليهم عهدهم ثم يقاتلوهم دون أهل عهدهم.
وكذلك إن كان بين أهل العدل وبين الباغين موادعة وبين الباغين وبين المشركين عهد، فغدر المشركون بالباغين فقاتلوهم فإنهم ناقضون للعهد الذي بينهم وبين أهل الإسلام، وينبغي لأهل العدل أن ينبذوا إليهم بالحرب.

وروى محمد عن نوح قال: إذا دخل رجل منا إلى أهل الموادعة فقتله رجل منهم فالإمام بالخيار، إن شاء جعل ذلك نقضاً لعدهم وإن شاء أن يتركهم على موادعتهم تركهم ولا شيء على الذي قتله، وليس أهل العهد إذا قتلوا بمنزلة أهل الموادعة وأهل العهد بمنزلة أهل الإسلام.
قال: ولو أن رجلاً منا قتل رجلاً من أهل الموادعة كان عليه الدية.
مسألة:
قال محمد: لو أن أهل البغي قاتلوا أهل ذمة للمسلمين أو قوماً من المشركين بينهم وبين المسلمين عهد، فظفر أهل البغي فسبوهم وغنموا أموالهم ورقيقهم فإن على أهل العدل أن يستنقذوا ذلك منهم بالقتال إن استطاعوا، أو يردوهم على أهل عهدهم، ولو أن أهل العدل قاتلوا أهل البغي فظفروا منهم بما غنموا من المشركين من الأموال والرقيق والسبي فإن على أهل العدل أن يردوا جميع ذلك على المشركين إن كان قائماً بينه، سواء كان الباغون أقسموا ذلك أم لم يقسموه، وإن كان ذلك من أهل البغي بعد نبذ منهم إليهم فهو سواء؛ لأنهم لم يملكوا بغنيمتهم من المشركين ما أحرزوا منهم؛ لأنهم بمنزلة الغاصبين لا بمنزلة الغانمين، وليسوا بمنزلة المسلمين الذين غنم المشركون أموالهم، ثم غنمها من المشركين قوم آخرون من المسلمين، فإن جاءوا أصحابه الذين غنمه منهم المشركون فأصابوه بعد القسمة أخذوه بالقسمة؛ لأن المشركين في هذه المسألة قد ملكوا على المسلمين ما غنموه منهم، فلما غنمه قوم آخرون من المسلمين(1) فاقتسموا لم يكن لأصحابه أن يأخذوه إلا بقيمته، ولا يحل لأهل العدل أن يشتروا من أهل البغي شيئاً بما غنموه من المشركين الذين لهم عهد من الرقيق والأموال والسبي، فإن اشتروه منهم فعليهم أن يردوه على المشركين بغير ثمن.
__________
(1) ـ في نسخة: من المشركين.

وعلى قول محمد: لو أن قوماً من المشركين وادعهم الإمام ثم أعار عليهم المسلمون ولم يعلموا بموادعة الإمام إياهم فقتلوا وسبوا وغنموا، فإنه يرد ما أخذ منهم ويدي قتلاهم. وكذلك إن كانوا قد أسلموا ولم يعلم الإمام بإسلامهم.
قال محمد: ولو أن المشركين الذين وادعهم المسلمون حين قاتلهم أهل البغي غاروا على أهل البغي فسبوا نساءهم وأموالهم وأولادهم كان على المسلمين أن يدعوهم إلى رد ذلك، فإن أبو نبذوا إليهم الحرب، فقاتلوهم حتى يستنقذوا ذلك من أيديهم، ولا يقاتلوهم على شيء من ذلك حتى ينبذوا إليهم الحرب، وإذا تعدى أهل البغي وغنوا ما معهم فجميع ما معهم هو للمسلمين؛ لأن أهل الذمة في حكم المسلمين، وللإمام أن يرضخ لأهل الذمة من تلك الغنيمة بقدر ما يرى.
مسألة:

قال محمد: وإن كان بين أهل العدل وأهل البغي موادعة إلى مدة فقاتل الباغون قوماً من المشركين فغنم المشركون من الباغين أموالاً ورقيقاً وأحراراً من أحرارهم ثم إن أهل العدل قاتلوا أولئك المشركين فغنموا ما أخذوا من الباغين من الأموال والرقيق والأحرار، وأحرز المسلمون جميع ذلك، ثم جاء الباغون الذي بينهم وبين أهل العدل موادعة، فإن لهم فيما غنم أهل العدل من أموالهم ورقيقهم وأحرارهم ما لغيرهم من المسلمين الذين ليسوا بأهل بغي، أما الأحرار فلا سبيل عليهم، وأما الأموال والرقيق فإن أهل البغي إن جاءوا قبل أن تقسم الغنيمة فلهم أن يأخذوا جميع ذلك بغير شيء، وإن جاءوا بعد القسمة فهم بالخيار، إن شاءوا أخذوا أموالهم ورقيقهم بالقيمة، وإن شاءوا تركوا، وإن جاءوا وقد استهلك أهل العدل شيئاً من رقيقهم بعتق أو غيره فلا سبيل على ما استهلك، ولا يتبع المستهلك بشيء، وإن كان أهل البغي إنما جاءوا بعدما انقضت مدة الموادعة بينهم وبين أهل العدل وعادوا حرباً فلا سبيل لهم على شيء من الأموال والرقيق، وهي لأهل العدل، وأما الأحرار فإن على أهل العدل أن يخلوا سبيلهم، إلا أن يخافوا منهم إن خلوا سبيلهم وأن يعنتوا عليهم ويكثروا، فإن خافوا ذلك فلهم أن يحبسوهم حتى تسكن الحرب بينهم ويأمنوا ذلك منهم، وإن تاب أهل البغي ورجعوا عن رأيهم ودخلوا في حكم أهل العدل أو حدثت بينهم وبين أهل العدل موادعة إلى مدة فإن لأهل البغي من الأموال والرقيق ما ذكرنا في أول المسألة.

وإن غنم المشركون من الباغين الذين بينهم وبين أهل العدل موادعة أموالاً ورقيقاً وأحراراً فإن لأهل العدل أن يشتروا ذلك منهم، فإن جاء الباغون فهم في أموالهم ورقيقهم بالخيار، إن شاءوا أخذوا ذلك بالثمن، وإن شاءوا تركوا، وأما الأحرار الأسرى فلا سبيل عليهم ولا غرم عليهم، إلا أن يكون الأسير قال للمسلم: اشترني وما غرمت، فهو عليّ، فاشتراه وخرجا إلى دار الإسلام فإنه ينبغي للمشتري أن يفي لمن اشتراه بما ضمن له. وكذلك الحكم في الأسير المسلم الذي ليس يباع.
مسألة:
قال محمد: ولو أن البغي استعانوا بأهل الذمة على قتال المحقين فقاتلوا معهم كان ذلك منهم نقضاً لعدهم، وإن كان معهم في عسكرهم نساءهم وأولادهم وكن النساء راضيات بفعل أزواجهن مسلمات لهم كان ذلك نقضاً للعهد من جميعهم، وحل سبي نساءهم وأولادهم بنقضهم للعهد بقتال أهل العدل وخروجهم من ذمتهم، ومن كان من نساء أهل الذمة وأولادهم في مصرهم لم يخرج معهم على قتال أهل العدل لم يجز سبيهم وهم باقون على عهدهم.
مسألة:
روى محمد عن زيد، عن آبائه، عن علي قال: (إنما جعلت الذمة ألا يحقروا مسلماً، فأيما رجل من أهل الذمة حقر مسلماً قتل، ولا ذمة له، وإن دل على عورة من عورات المسلمين قتل ولا ذمة له، وإن استحل من المسلمين قتلاً أو شهر عليهم سلاحاً قتل ولا ذمة له).
قال محمد: وقال أبو حنيفة: يحكم عليه بأحكامنا.
مسائل عن نوح:
روى محمد عن نوح قال: إذا وادع الإمام أهل دار شرك أو صالحهم على فدية فأغار عليهم أهل شرك آخر فليس على الإمام أن ينصرهم ولا يمنعهم، وليس للإمام إذا غار بعضهم على بعص أن يحول بين بعضهم وبين بعض، وإن كان بين المسلمين وبين قوم عقد وكان بينهم وبين أهل شرك آخر موادعة فأغار أهل الشرك على أهل العهد والعقد فللإمام أن ينصرهم إن شاء.

وروي أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لما جرى بينه وبين أهل مكة صلح وموادعة أعانت قريش بني بكر على خزاعة، فغراهم رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ونصر خزاعة، وإن كان أهل الموادعة من المشركين قد أغاروا قبل الموادعة على المسلمين وأحرزوا الأموال والرقيق فللإمام أن يوادعهم وفي أيديهم أموال المسلمين وما أحرزوه من الأموال فهو لهم، وإذا أغار قوم من المشركين على أهل الموادعة فأحرزوا أموالهم وعبيدهم فللمسلمين أن يشتروه منهم، وكذلك لو أعرنا نحن على هؤلاء فأحرزنا منهم الغنيمة الذين أحرزوا من أهل الموادعة كانوا عبيداً لنا.

حدثني الكلبي، عن ابن صالح، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم كان بينه وبين قبائل من العرب مدة، فأمر رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أن ينبذ إليهم، فمن كانت مدته دون أربعة أشهر دفعه إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدته فوق أربعة أشهر جعلها أربعة، وأمرهم أن يسيحوا في الأرض، فإذا انقضت الأربعة أشهر قتلهم حيث أدركهم، وزعم الكلبي أن الله أمره أن يفيء لحي من كنانة إلى مدتهم، وكانت أكثر من ذلك، وإذا وادع الإمام أهل شرك على أن يأخذ منهم رهناً ويعطيهم رهناً فغدروا فقتلوا المسلمين لم يكن للإمام أن يقتلهم من في يده من الرهن، وليس بعض قومهم نقضاً عليهم، وهم آمنون، وليس على الإمام أن يتخذهم عبيداً، ولكن أموالهم التي في دار الشرك هي فيء للمسلمين إن ظفروا بها، ولو أن الإمام وادع المشركين فأعطوه رهناً عروضاً أو متاعاً أو ذهباً أو فضة أو سلاحاً ثم غدروا ونقضوا كان ذلك المتاع للمسلمين، ولو أن المشركين سألوا الإمام أن يوادعهم ويدخلوا في حكمه ولا يكون عليهم جزية كان للإمام أن يفعل ذلك إذا رآه حظاً للمسلمين، فإذا فعل ذلك الإمام فنقضوا إلا الرجل والرجلين والجماعة لم يكن ذلك نقضاً عليه وهم على موادعتهم، وإذا وادع الإمام أهل الشرك ومنهم نفر ليسوا ببلادهم لم يكن الصلح والموادعة على جميعهم جائزاً.

حدثني أبو إسحاق أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وادع بني ضميرة، ومنهم نفر من بني مدلح، فلم تكن الموادعة إلا على الذين وادعوا، وإذا كانت بيننا وبين قوم موادعة فخرج منهم قوم إلى دار شرك أخرى ثم نقض هؤلاء فإن كانوا خرجوا لتجارة أو لحاجة فهي نقض عليهم، وإن كانوا خرجوا تحولاً عن بلادهم لم يكن نقضاً عليهم، وإن كان هؤلاء قد وادعونا في دار شرك أخرى، فإن كانوا خرجوا لتجارة أو لحاجة فهي موادعة عليهم، وإن كانوا خرجوا تحولاً عن بلادهم فلا موادعة عليهم، هم بمنزلة الذين خرجوا إليهم، وإن كان بيننا ويبن الروم موادعة ثم إن قوماً من الترك تحولوا إليهم ثم دخلوا معهم في الموادعة، ثم أن الروم نقضوا، فإن نقض الروم نقض على الذين فيهم من الترك، ولو أن الترك نقضوا فرضي الروم بما صنعوا وحالوا بيننا وبينهم كان نقضاً عليهم، وإن كرهوا ذلك ولم يحولوا بيننا وبينهم لم يكن نقضاً عليهم.
قال نوح: وحدثني ابن إسحاق أن بني قريضة كانوا موادعي النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فلما كان يوم الأحزاب شتموا النبي عليه السلام وأمسكوا عن نصره، فلما صرف الله قريشاً عزّى بني قريضة، وكان ذلك نقضاً منهم، وكان كعب بن الأشرف في الموادعة، فلما قتل الله أهل بدر خرج إلى مكة فرثى أهل القليب، وشبب نساء النبي، ثم قدم المدينة، أنفذ إليه رسول الله عليه السلام محمد بن مسلمة في نفر، فقتلوه.
قال: وإذا نقض رجلا أهل الموادعة كان بعضاً على النساء والصبيان.
حدثني ابن إسحاق أن بني قريضة لما نقضوا العهد عزاهم رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، فنزلوا على حكمه، فولى ذلك سعد بن معاذ ورضوا به، فحكم فيهم أن يقتل الرجال وتسبى الذراري والأموال، ففعل ذلك بهم رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم.
مسألة:

روى محمد بإسناده، عن جعفر بن محمد أن عليّاً عليه السلام قال للمحكمين: (أحكمكما على أن تحكما بكتاب الله، وتحييا ما أحيى القرآن، وتميتا ما أمات القرآن، ولا ترغبا عنه).
وعن عبد الله بن الحسن أن عليّاً قال للمحكمين: (أحكمكما على أن تحكما بكتاب الله، وكتاب الله كله لي، فإن لم تحكما بكتاب الله فلا يحكمون(1) لكما).
باب محاربة أهل البغي
روى محمد بإسناده عن علي صلى الله عليه أنه قال: (أمرني رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين)، فقال: الناكثون أصحاب الجمل، والمارقون: الخوارج، والقاسطون: أهل الشام.
قال القاسم: وإذا أضاف أهل العدل أهل البغي فتقام الصفوف مثل صفوف الصلاة، ويسووا بين مناكبهم ويوقف واقفه خلف الصفوف، يمنعون من تولى عن الصف. في رواية سعدان، عن محمد، عنه: ثم يزفون كما تزف العروس.
وروى محمد بإسناده، عن علي صلى الله عليه أنه عنى أصحابه يوم الجمل ثلاثة صفوف وجعل الحسن عن يمينه والحسين صلى الله عليهما على الميسرة، ومحمد بن علي في القلب، فأخذ علي صلى الله عليه المصحف فبدأ بالمصحف الأول فقال: أنا يا أمير المؤمنين، فمضى فدخل في الصف الثاني فقال: من يتقدم إلى هؤلاء، فيدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول، فعرض له مسلم في الثاني، فخرج علي صلى الله عليه إلى الصف الثالث فقال له مثل ذلك، فعرض له مسلم، فدفع إليه المصحف، فلما رأَوه رشقوه بالنبل وقرأ عليهم ودعاهم إلى ما فيه، فقتل. فلما رأى الحسن بن علي حال القوم قال: يا أمير المؤمنين: هلك الناس، فقال علي صلى الله عليه: (نضرب من أدبر بمن أقبل حتى يُعبَد الله حقاً).
وعن علي صلى الله عليه أنه كان يقاتل إذا زالت الشمس، وفعل ذلك يوم النهروان.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه كان يسافر في يوم الاثنين والخميس ويعقد فيهما الألوية.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: أن لواه كان أبيض.
__________
(1) ـ في نسخة: فلا حكومة.

وعنه عليه السلام: أن رايته كانت سوداء.
وعن علي صلى الله عليه: أن رأيته كانت يوم صفين حمراء.
مسألة: الدعوة قبل القتال
قال القاسم إذا اصطف أهل العدل وأهل البغي فينبغي لإمام أهل العدل أن يكتب كتاب دعوة يصف فيه ما يدعوهم إليه من العدل والعمل بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ثم يدفع الكتاب إلى رجل يقرأه بين الصفين على أهل البغي ويدعوهم إلى ما فيه.
قال محمد: سألت القاسم: هل للإمام العدل أن يقاتل أهل البغي قبل أن يدعوهم، فقال: إذا رفعت رأية الهدى وشهرت فقد علم أهل البغي ما يدعون إليه، ولكن الدعوة أجمع لكلمة الناس، فيعمل لهم إمام العدل بقدر ما يمكنه من ذلك، فقد يأتي حال لا يمكن فيها الدعاء.
وقال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على ألا يقاتلوا أحداً من أهل البغي حتى يدعوهم.
وقال محمد: اختلف أهل العلم في الدعوة قبل القتال، فقال قوم: الدعوة غير واجبة؛ لأن القوم قد علموا ما يدعون إليه، فاحتجوا في ذلك بفعل عبد الله بن رواحة وأصحابه، فإنهم قاتلوا بمؤتة، كلما قتل واحد منهم قاتل الآخر بعده بغير دعوة يجددها، اكتفوا في ذلك بدعوة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، واحتجوا بفعل الحسن بن علي عليه السلام حين وجه قيس بن سعيد على مقدمته في اثني عشر ألفاً يقاتل معاوية على غير دعوة، اكتفى بدعوة أبيه.

وقال قوم: إذا رفعت راية الهدى فقد علم الباغون ما يدعون إليه، ولكن الدعوة أجمع للأقاويل أقطع للعذر، وأما علي بن أبي طالب صلى الله عليه فإنه قال: (أمرت ألا أقاتل أهل التوحيد حتى أدعوهم ثلاثاً)، وكذلك فعل هو في جميع حروبه بالجمل وصفين والنهروان، وإن لم يقاتلهم حتى دعاهم ثلاثة أيام وناظرهم واحتج عليهم، وكذلك فعل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عن أمر الله في حروبه للمشركين لم يقاتل أحداً منهم إلا بعد دعوة، وبذلك أمر عليّاً وقد بعثه مبعثاً، فقال له: ((لإِن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت )).
قال محمد: فإذا نصب الإمام لأهل البغي حرباً فلا يبدأهم بقتال حتى يدعوهم ويحتج عليهم بما يقطع به عذرهم، فقد بلغنا أن عليّاً صلى الله عليه لم يبدأ أهل حروبه بقتال حتى دعاهم ثلاثة أيام.
قال محمد: وينبغي للإمام أن يعم أهل البغي بالدعوة بقدر ما يمكنه، فقد قال علي صلى الله عليه يوم الجمل: (أيها الناس إني لا أستطيع أن أسمعكم كلكم ليبلغ منكم الشاهد الغائب، فإني محتج عليكم)، يعني بهذه الدعوة.
قال محمد: وإن دعا أهل البغي ومن بحظرته من عظمائهم قطع بذلك عذر جماعة أهل البغي وحلت له دماءهم، وإن أرسل إمام العدل رسولاً قبل المصافة يدعوهم أجزأه ذلك، وإن مات إمام أهل البغي أو قتل فجددوا إماماً، فإن جدد أهل العدل له دعوة فحسن، وإن اجتزوا بالدعوة الأولى فهي كافية لهم.
وكان حسن بن صالح يستحب كلما حدث إمام أن يجدد له دعوة.
قال محمد: وإن سالم أهل البغي أهل العدل ووضعوا الحرب فيما بينهم ثم مكثوا بعد ذلك وعاودوا الحرب فينبغي أن تحدد لهم الدعوة.
وقد قال بعضهم: الدعوة الأولى كافية.

وعن أبي ميسرة أن عليّاً عليه السلام نزل صفين في أيام بقين من المحرم وكره القتال فيه، فسمعت منادياً يقول: أما بين المنايا غير سبع بقين من المحرم و ثمان ـ أي نهانا كتاب الله عنكم ـ ولا ينهاكم السبع المثاني، فلما استهل صفر بعث علي منادياً يقول: يا أهل الشام يقول لكم أمير المؤمنين: والله ما كففت عنكم شكا فيكم، ولا بقيا عليكم، وإنما كففت عنكم لآخذ أهبة الحرب، وقد نابذتكم على سواء أن الله لا يحب الخائنين.
مسألة: هل لأحد أن يبدأ بقتال أو يدعو إلى مبارزة أو يجيب إليها أو يخرج من العسكر بغير إذن الإمام؟
قال محمد: وإذا هان أهل العدل أهل البغي بعد دعائهم والاحتجاج عليهم فلا ينبغي لأهل العدل أن يبدؤوهم بقتال إلا بإذن إمامهم أو بإذن صاحب السرية إن كانوا في سرية. وروي عن ابن عباس نحو ذلك.
ولا ينبغي لأحد منهم أن يدعوا إلى مبارزة ولا يجيب من دعا إلى مبارزة إلا بإذن أميره، وإن نزل أحد الباغين يريد قتل أحد المحقين فأمكنه أن يستأذن أميره استأذنه وإلا فله أن يدفعه عن نفسه بما اندفع، وإذا أذن الإمام في المبارزة فبارز رجل رجلاً فخيف أن يظهر الباغي على المحق فلغيره من المحقين أن يعينه على البغي بغير إذن إن لم يمكن الإذن، ولا ينبغي لأحد من عسكر أهل العدل أن يخرج من العسكر إلا بإذن الإمام، وللإمام أن يأذن لمن شاء من أصحابه إن رأى ذلك صلاحاً، ومن أحس من نفسه بجبن فلا يخرج في العزف.
مسألة: في غنيمة أهل البغي
قال محمد: قلت لأحمد بن عيسى: ما تصنع بما في أيديهم لو ظهرت عليهم؟
قال: كما صنع أمير المؤمنين صلى الله عليه يوم الجمل، قسم ما أجلبوا به وما كان في بيت المال بين من كان معه.
وسئل أحمد عما روي عن أمير المؤمنين صلى الله عليه أنه كان يأخذ ما وجد في عسكرهم في حربه، فإذا انقضت رده عليهم أو على دراريهم؟
فقال: مكذوب عليه ذلك.

وقال القاسم: متى حل للمؤمنين بنعي الباغين ما كان محرماً من إصابة الدماء حل معه ما أجلبوا به في الحرب على المحقين من السلاح والكراع وجميع الأشياء، وأما ما أقروه في دورهم من الأموال فحاله في التحريم كالحال في قتل ما في سورهم، لا يغنم منهم قليل ولا كثير.
وقال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على أن يغنموا ما حوى عسكر أهل البغي مما أجلبوا، واستعين به عليهم. وفي رواية: إلا مال امرأة أو مال تاجر.
وقال محمد ـ فيما حدثنا محمد بن أحمد التميمي، عن محمد بن محمد بن هارون، عن علي بن عمرو، عنه ـ: ولا نعلم بين علماء آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم اختلافاً أن علي(1) صلى الله عليه غنم ما أجلب عليه أهل البغي في عساكرهم من مال أو كراع أو سلاح تقوى به عليه في حروبه، وقسم ذلك بين أصحابه، منهم من شهد ذلك معه الحسن والحسين ومحمد بن علي. روي ذلك عنه رواية.
ورواه ـ أيضاً ـ علي بن الحسين، وأبو جعفر محمد بن علي، وعبد الله بن الحسن، وزيد بن علي، ومحمد بن عبد الله عليهم السلام، وحكا به عند ظهورهما، وجعفر بن محمد، ويحيى بن زيد حكم به أيضاً عند ظهوره. وممن شهدنا من علمائهم وأهل الفضل منهم، مثل أحمد بن عيسى، والقاسم بن إبراهيم، وعبد الله بن موسى صلوات الله عليهم ورضوانه.
وروي عن الشعبي، والحكم، أنّ عليّاً عليه السلام خمس ما كان في عسكر الخوارج.
وعن بريدة الأسلمي قال: قسم علي ما في عسكر أهل البصرة بين أصحابه.
وروي عن علي عليه السلام أنه أتي يوم صفين بأسير فقال: لا تقبلني، قال: إن لم أقتلك أفيك خير اتبايع؟ قال: نعم، فقال للذي جاء به: لك سلاحه.
قال محمد: ألا ترى أن عليّاً قد نعل الذي أسره سلاحه وجعله مغنماً بعد أن تاب وصار من حزبه لما كانت التوبة بعد أن أحرز سلاحه.
__________
(1) ـ في نسخة: أن علي بن أبي طالب.

قال محمد: وقد بين أمير المؤمنين صلى الله عليه وهو إمامنا وإمام المسلمين وأعلم المسلمين بغنيمته ما أجلبوا به عليه لحروبه وقتاله وما حوى عسكرهم وقسمت ذلك بين أصحابه الذين ظهروا معه عليهم، وتحريمه ما خلفوه في دورهم ووارته حيطان بيوتهم وأغلقوا عليهم أبوابهم، إن معنى قوله للرجل الذي سأله عن غنيمة نساء أهل البغي وذراريهم: أما علمت أن دار الحرب يحل ما فيها؟ إنما عنى بذلك أن دار حرب المشركين إذا ظهر عليها فسبيل عسكرهم وسبيل دورهم سوى ما خلفوه في دورهم ووارته حيطانهم وأغلقوا عليه أبوابهم فسبيله سبيل ما أجلبوا به عليه للقتال في عسكرهم.
وكذلك الحكم في أرضهم، وأن معنى قوله: إن دار الهجرة، يعني يحرم ما فيها، إنما أراد بذلك أن دار الهجرة غير عسكرهم يحرم ما خلفوه في دورهم ويحل ما أجلبوا به عليه في عسكرهم.
قال محمد: فإذا ظهر إمام العدل على أهل البغي فإنه يغنم جميع ما أجلبوا به عليه لمحاربته من خيل أو سلاح أو مال أو كراع أو رقيق أو غير ذلك، ولا يعرض لما لم يجلبوا به عليه من أموالهم.
قال محمد: حدثنا عباد، عن نوح، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر، أن عليّاً سبى جارية يوم النهروان من الخوارج.

قال محمد: ولا تسبى لهم ذرية من النساء والصبيان ولا يغنم لهم أم ولد ولا يجاز لهم على جريح ولا يرد لهم تائب ولا يتبع لهم مدبر، ليس بمحتاز إلى فئة ولا بمتحرف لقتال، ولا يقبل لهم أسير، ويغنم كل ما أقروه في الفساطيط والأخبية؛ لأنه بمنزلة ما معهم وعلى ظهورهم، وإذا بيّتت السرايا والعساكر في حال تجوز بياتها، فجميع ما أجلبوا به غنيمة بمنزلة السرايا والعساكر الموجهة للقتال، وإن خرج أهل البغي متوجهين لقتال أهل العدل فعسكروا بقرية ولم يتخذوا داراً فقاتلوا فظفر بهم غنم جميع ما في الدور مما شخصوا به وأجلبوا به هو بمنزلة ما في الفساطيط والأخبية، وإن كانوا اتخذوا القرية داراً وقراراً لم يغنم ما أقروه في دورهم وأغلقوا عليه أبوابهم، وإن قاتل أهل البغي في دارهم وعلى أبواب منازلهم فظُفر بهم غنم جميع ما معهم من سلاح أو كراع أوآلة أو مال، ولا يغنم ما أقروه في الدور وأغلقوا عليه الأبواب أو وارته الحيطان وهي أموال لهم ومواريث لورثة من مات منهم أو قتل، وإن دخل أهل البغي على المحقين مدينتهم فقاتلوا فيها غنم جميع ما أجلبوا به عليهم مما أقروه في الدور والخانات والمساجد، وما أجلب به أهل البغي على المحقين ثم أخرجوه العسكر قبل الهزيمة فحووه في الدور فلا غنيمة فيه، وما أجلب به أهل البغي ثم أخرجوه من عسكرهم قبل الهزيمة فكان مع من يحفظه لهم من رجال أو نساء أو صبيان حوالي العسكر لم يقر في دار ولا منزل فظفر بهم وبما معهم من الأموال والسلاح والكراع وغير ذلك فجميع ما معهم غنيمة، والمماليك ـ أيضاً ـ غنيمة، وكذلك إن كانت الأموال وغيرها مع أمهات أولاد أو مدبرين أو مكاتبين يحفظونها لهم حوالي العسكر فظفر بهم وبما معهم، فجميع ما معهم غنيمة، ولا سبيل على أمهات الأولاد والمدبرين والمكاتبين يخلا سبيلهم، وإن كان جميع ما ذكرنا مما أجلب به أهل البغي مع أحرار يحفظونه لهم فمانعوا أهل العدل عليه فالحكم فيهم كالحكم في

المحاربين من القتل والأسر وغير ذلك، وكلما وصفنا من ذلك فهو إذا كان في وقت الحرب، وأما ما أقروه [أقره] على أهل البغي مع أحرار يحفظونه لهم فمانعوا أهل العدل عليه فالحكم فيهم كالحكم في المحاربين من القتل والأسر وغير ذلك، وكلما وصفنا من ذلك فهو إذا كان في وقت الحرب، وأما ما أقروه على أهل البغي في دورهم من مال أو رقيق أو سلاح أو كراع مما كانوا قد أعدوه ليستعينوا به ولم يعدوه فهو لهم لا يجوز فيه غنيمة، ولا يؤخذ منه شيء.
وروي عن علي صلى الله عليه أنه قال يوم البصرة: (ما أجلبوا به عليكم فهو غنيمة، وما أحرزت الدور فهو ميراث لأهله)، ولم يعرض عليه السلام لشيء من أموالهم ورقيقهم إلا ما أجلبوا به عليه للقتال ولم يعرض لشيء من أرضهم ودورهم، ومن قتل من أهل البغي في المحاربة أو مات فجميع ما خلفوه في دورهم مواريث لورثتهم على فرائض الله تعالى، وجميع ما أجلبوا به غنيمة، وليس بميراث.

وبمثل ذلك حديثنا عن محمد بن عبد الله بن الحسن: ومن كان من رقيقهم يختلف إليهم بالميرة والسلاح والأموال وغير ذلك فظفر به فلا سبيل عليه إلا أن يظفر بهم في حال الحرب، فإن ظفر بهم وبما معهم في وقت الحرب كانوا هم وما معهم غنيمة، وإن ظفر بهم وبما معهم قبل أن يصيروا إلى عسكر أهل البغي ودار هجرتهم فلا يعرض لهم ولا لما معهم من الطعام وما أشبه ذلك؛ لأنه لم يصر إلى الحال التي يكون بها مجلباً به، وإنما يكون مجلباً به إذا صار في عسكرهم ودار هجرتهم فيجوز فيه الغنيمة، وما كان معهم من السلاح والكراع فإنه يحبس عنهم ما دامت الحرب قائمة، وإنما ترك الطعام وما أشبهه من مرافقهم لقول أمير المؤمنين صلى الله عليه: (لا نمنع أهل القبلة ميرة طعام ولا شراب)، وإذا أجلب رجال أحرار أو مماليك على أهل العدل بمال أو سلاح أو كراع ثم ظهر عليهم غنم جميع ما معهم من قاتل منهم ومن لم يقاتل، ومن كان نائماً أو مريضاً، ومن أرمل من نساء أهل البغي رقيق فبيع الرقيق، فأصيب معهم ذهب أو فضة فإنه يرد في المغنم ولا يقع عليه البيع.
مسألة:
قال محمد ـ في كتاب السيرة الصغير ـ: سمعت القاسم بن إبراهيم يقول: إذا ظهر إمام العدل في محاربته على مال لأهل البغي وهو في حال ضيقة وضرورة فله أن ينفق منه على أصحابه ولا يقسم بينهم إذا كان ترك القسمة أوفر للمال، وأجمع له على الذين غنموه معه وعلى من يأتي بعدهم ولا يقسمه إذا كان إن قسمه لم يجد ما يستعين به على عدوه حتى يستقر بهم الدار ويظمنون فيقسمه حينئذ على امرة الله.
قال محمد: وقد بلغنا عن محمد الحسن صاحب الرأي مثل هذا القول.
مسألة: هل يغنم ما أجلب به التجار مع الباغين؟

قال القاسم: وكلما أجلب به التجار أو غيرهم من الرجال والنساء في عسكر أهل البغي على أهل العدل فهو غنيمة وفيء، وكل ما كان في عساكر أهل البغي من أموال التجارة وغيره لم يجلب عليه أهله على المحقين فلا يحل أخذه ولا غنيمته، وعلى المحقين أن يسلموه إلى أهله؛ لأن متاجرتهم لأهل البغي في تلك الحال ورفقهم عليهم، إن كان فسقاً فلم يحل الله بغنم أموالهم في تلك الحال؛ لفسقهم، وكذلك ما كان من أموال النساء والصبيان في عسكر أهل البغي لم يجلب به على قتال المحقين فلا سيبل عليه.
قال محمد: كلما أجلب به التجار وغيرهم في عساكر أهل البغي على أهل العدل من مال أو سلاح أو كراع فهو غنيمة، سواء قاتل أصحابه أم لم يقاتلوا، فإن قاتلوا فإنهم كأهل البغي في جميع أحكامهم من القتل والأسر، وإن لم يقاتلوا فلا سبيل عليهم في أنفسهم، ويغنم جميع ما أجلبوا به مع أهل البغي للقتال، وكذلك إن كان مع التاجر سلاح أو كراع لتجارة لم ينوبه الإجلاب على أهل العدل إلا أنه مستحل لقتالهم، فهو مجلب به باستحلاله القتال ويغنم جميع ما معه، وإن كان التاجر غير مستحلاً لقتال أهل العدل، وإنما قصد بالسلاح والكراع للتجارة، فليس بمجلب ولا سبيل عليه إلا أن يدفعه إلى من يقاتل به أو يكر(1) به فيكون حينئذ مجلباً به، وإن لم ينو به ذلك ويغنم جميعه، وأما النساء فيغنم ما أجلبن به على أهل العدل من السلاح والكراع ولا يغنم ما سوى ذلك مما معهن من الأموال والأثاث، قاتلن أم لم يقاتلن.
__________
(1) ـ في نسخة: يكتريه.

قال: والذي يبين به ما أجلب به من لم يقاتل من التجار والنساء والأطفال حتى يعرف المجلب به من غيره، هو أن يدفعوا إلى غيرهم من أهل البغي يقودنهم به على أهل العدل، وإن لم يدفعه إلى غيرهم من أهل البغي وكان معهم في العسكر وهم مستحلون لقتال أهل العدل فإنه يغنم جميع ما كان للتجار مما أجلبوا به من مال أو سلاح أو كراع؛ لأنهم مجلبون به في تلك الحال، وأما النساء فلا يغنم مما معهن إلا ما علم أنهن أقررنه وقصدن به القتال وأجلبن به وهو السلاح والكراع، ولا يغنم ما سوى ذلك من الأموال والأثاث وهو لهن وإن كن مستحلات القتال.
وقال محمد ـ فيما أخبرني أبي رضي الله عنه قال: حدثنا أبو ذر أحمد بن محمد النقال(1)، قال: حدثنا علي بن أحمد بن عمرو، عنه ـ: ولا أعلم بين علماء آل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم ـ اختلافاً في أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام غنم ما أجلبوا به عليه أهل البغي في عساكرهم من مال أو كراع أو سلاح تقووا به في حروبه، وقسم ذلك بين أصحابه، منهم من شهد ذلك معه الحسن، والحسين، ومحمد بن علي. روى ذلك عنه رواية.
وروى ـ أيضاً ـ عنه علي بن الحسن، وأبو جعفر محمد بن علي، وعبد الله بن الحسن، وزيد بن علي، ومحمد بن عبد الله، وحكما به عند ظهورهما، وجعفر بن محمد، ويحيى بن زيد، وحكم به عند ظهوره.
وممن شاهدنا من علمائهم وأهل الفضل، منهم أحمد بن عيسى، والقاسم بن إبراهيم، وعبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن رحمة الله عليهم جميعاً.
مسألة: هل يغنم ما شذ من أموال الباغين؟
__________
(1) ـ في (ط): البتال.

قال محمد: وكل ما شذ من عسكر أهل البغي إلى عسكر أهل العدل في وقت الحرب من مال أو سلاح أو كراع أو رقيق فهو غنيمة لأهل العدل وفيه الخمس؛ لأنه في ذلك بمنزلة ما أوجفوا عليه وما شذ من عسكرهم في غير وقت الحرب مما أوجفوا به فلم يعرف له مستحق، فذلك إلى الإمام يصنع به ما شاء وينفل منه من أراد بعد أن يجهد رأيه ويعتمد به صلاح المسلمين.
مسألة: فيما يجوز الانتفاع به من الغنيمة
قال محمد: وإذا غنم أهل العدل من الباغين طعاماً أو علفاً فاحتاج أحد منهم إليه فلا بأس أن يصيب منه ما لم يبغ شيئاً من ذلك أو يخرج به من العسكر، فإن باع شيئاً منه أو أخرجه معه فإنه يرد في المغنم، فإن باع شيئاً منه واستهلك ثمنه فهو ضامن له.
وروى محمد بإسناده عن مصعب الخراساني، قال: لما انهزم الناس يوم الجمل خرجنا في طلب الطعام ما نريد غيره فجعلنا نمر بالذهب والفضة ولا نعرض له حتى انتهينا إلى الطعام فأصبنا منه.
وعن إبراهيم، والشعبي، وعطاء، والحسن، وسفيان، أنهم أحظروا العلف والطعام في أرض العدو.
وعن الزهري قال: لا يؤخذ ذلك إلا بأمر الإمام.
قال سفيان: يأكلون حتى يبلغوا مأمنهم.
وعن أبي حنيفة قال: إن فضل من العلف بعدما خرج إلى دار الإسلام أعاده في الغنيمة إن كانت لم تقسم، فإن كانت قد قسمت باعه وتصدق بثمنه، فإن كان أقرضه رجلاً في دار الحرب فلا يأخذ منه شيئاً.
وعن سعيد بن مدرك قال: إن أصاب في دار الحرب علفاً فأقرضه رجلاً، فله أن يأخذه بما أقرضه من ذلك ما لم يخرجوا من دار الحرب، فإن خرجوا لم يجز أن يأخذه به.
وعن مكحول قال: من أصاب في سرية ثوراً أو شاة من غير قسم يقسم بين المسلمين فليأكله إن أحب، وإن كان لجلده ثمن فليدفعه إلى القاسم.
مسألة: في قتل المدبر والإجارة على الجريح
قال القاسم: ولا يجوز الإجهاز على الجريح المثخن الذي لا حراك به.
قال محمد: يعني الذي لا يعين مثله ولا يخاف.

قال محمد: إذا كان لأهل البغي فئةٌ يرجعون إليها وهي أمامهم قتل مدبرهم وأجير على جريحهم إذا خيف، كما فعل أمير المؤمنين يوم صفين، فإنه أتبع مدبرهم وأجار على جريحهم، وإن لم يكن لأهل البغي فئة يلجئون إليها لم يبع مدبرهم ولم يجر على جريحهم كما فعل أمير المؤمنين صلى الله عليه يوم الجمل.
روي عنه أنه نادى يومئذ: (لا تتبعوا موالياً ليس بمنحاز إلى فئة، ولا تجيروا على جريح، ولا تفتحوا باباً، ولا تكشفوا ستراً، ومن ألقى سلاحه فهو من سنة يستن بها من بعدي)، وإنما سار أمير المؤمنين صلى الله عليه في أهل صفين بأن يتبع مدبرهم ويجار على جريحهم إذا خيف؛ لأنهم كانت لهم فئة يلجئون إليها وهو معاوية لعنه الله، وسار في أهل الجمل بأن لا يتبع مدبرهم ولا يجار على جريحهم؛ لأنهم لم يكن لهم فئة يلجئون إليها، وإنما قاتلوا في دارهم، وأهل البغي الذين لهم فئة هم الذين لهم إمام يلجئون إليه قرب منهم إمامهم أو بعد.
وروي عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام وغيره من العلماء أن عليّاً صلى الله عليه سار في أهل البصرة يوم الجمل بالمن من القتل، كما سار رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في أهل مكة بالمن من القتل.
وقال آخرون: لم يسر علي صلى الله عليه في أهل البصرة، وإنما سار فيهم بالحكم الذي يجب عليه، لم يكن له أن يفعل غير ذلك، وممن قال بهذا القول سليمان بن جرير وغيره.
قال محمد: فأما الحكم في أموال الباغين الذين لهم فئة وهو كالحكم في أموال الذين لا فئة لهم يغنم من أموالهم ما أجلبوا به لمحاربة أهل العدل، وأما ما لم يجلبوا به للمحاربة فلا يعرض لشيء منه، وما كان في دورهم فهو لورثتهم على فرائض الله عز وجل.

قال محمد: فإذا كانت لأهل البغي فئة، والفئة هي للإمام الأعظم فإن المدبر يتبع إلى أن يجاوز فئته وهو إمامه، فإن أدرك قبل أن يبلغ فئته قتل وغنم جميع ما معه وما خلفه في العسكر فهو غنيمة، وإن جاوز فئته فلا يتبع، فإن أدرك بعد المجاوزة فلا يقتل ولا يغنم ما معه، وما خلفه في العسكر مما أجلب به على المحاربة فهو غنيمة، وإن تاب قبل أن يجاوز فئته أو بعد ما جاوز فئته حرم دمه وماله، وما كان معه في العسكر فسبيلها واحد، وإذا انتهى إلى الجريح ومثله يعين ويقاتل وله فئة فلمن أتى عليه أن يقتله وله أن يستتيبه، فإن تاب فقد حرم دمه وماله، فإن لم يتب وقتل فإن سلبه غنيمة ولا ينبغي أن يعرى حتى تبدوا عورته، وإن كان الجرح مثخناً لا حراك به وليس مثله يعين ولا يخاف وليست له فئة فإنه يذكر بالله ويترك.
وقد ذكر عن زيد بن علي عليه السلام في الجريح المثخن الذي لا حراك به أنه يذكر بالله ويسأل التوبة، فإن أجاب بأني تائب ترك، وإن أجاب بأني غير تائب أجير عليه، وإن لم يجب لشدة الجراحة فلا يعرض له، لعله قد تاب فيما بينه وبين نفسه.
مسألة:
قال محمد: وإن جاوز المدبر فئته هارباً فصار في حال لا يجوز اتباعه فلقيه قوم من أهل العدل فبدأهم بقتال وحاربهم فقتلوه فدمه هدر، وجميع ما معه غنيمة.
وقال قوم: لا يغنم شيء مما معه؛ لأنه بمنزلة اللصوص لا فئة له.
قال محمد: وإن كانوا بدؤوه بقتال فقال: إني تارك لحربكم ولا أريد قتالكم فدفعهم عن فسه فقتلوه فلا يغنم شيء مما معه، وعليه وما خلفه في العسكر فهو غنيمة، وقتله قتل خطأ، عليهم الدية؛ لأنهم تأولوا عليه في القتل، وعلى كل واحد منهم الكفارة لله وعتق رقبة، فمن لم يجد منهم عتق رقبة فعليه صيام شهرين متتابعين.
مسألة:
وإن قتل إمام أهل البغي فأرفض عسكره فلا يجار لهم على جريح ولا يتبع لهم مول؛ لأنه روي عن علي صلى الله عليه أنه أمر يوم الجمل لا يتبع مول ولا يجار على جريح.

وروى محمد بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لابن مسعود: ((يا ابن مسعود، تدري كيف حكم الله في من بغى من هذه الأمة ))؟ قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: ((لا يتبع مدبرهم ولا يجهز أو يجاز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم.
وروى محمد بإسناده عن علي صلى الله عليه أنه قال يوم الجمل: (ولا تقتلوا طفلاً ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً لا يطيق قتالكم ولا تردوا تائباً، ولا تمثلوا بآدمي ولا بهيمة، ولا تسلبوا قتيلاً).
وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه بلغه أن زيد بن علي عليه السلام خلاّ أسراء من أهل الشام فقال: رحم الله عمي ما كنا نأمن إذا خلاهم أن يعودوا يقاتلونه، إنما المن بعد الإثخان.
مسألة: هل يجوز منع الباغين من الطعام والشراب؟
قال محمد: روي عن علي صلى الله عليه أنه قال: (لا ينبغي لأهل القبلة أن يمنعوا من ميرة طعام ولا شراب).
وكذلك كانت سيرة علي صلى الله عليه في أهل صفين؛ لأن أصحاب معاوية كانوا قد غلبوا على الماء، فجاء الأشعث بن قيس في أصحابه فأرحلهم عن الماء حتى صار الماء في حيز علي صلى الله عليه فقال: (لا تمنعوهم من الماء).
وقد رأى بعض العلماء أن يمنعوا الميرة والطعام والشراب إذا خافهم على المسلمين ولم يكن فيهم حرم ولا أطفال ولا أسرى من المسلمين، وبهذا الوجه كان عيسى بن زيد، وأحمد بن عيسى، وقاسم بن إبراهيم يرون ثبات السرية من أهل البغي الخيل المجردة التي قد أمن أن يكون فيها الحرم والأطفال وغيرهم ممن لا يجوز قتله ولم يروا بيان العساكر التي تضم الحرم والأطفال وغيرهم ممن لا يجوز قتله.

وروى محمد بإسناده عن أبي رافع، عن علي صلى الله عليه أنه قيل له: إن عيال عثمان يضحون عطشاً، فقال: (يا حسن خذ البغلة فاحمل عليها راوية ماء وامض بها إلى دار عثمان، فمن منعك من ذلك فاضرب خيشومه بالسيف من كان)، وقد كان محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر حلفا لا يدخل عليه بالماء أحد إلا ضرباه بسيفهما، فلما أتى الحسن عليه السلام بالماء وضع محمد بن أبي بكر كمه على وجهه فلم يره، وأما محمد بن جعفر فضربه بالسيف فأدماه ودخل بالماء، ثم انصرف الحسن عليه السلام إلى أبيه عليه السلام وهو يدمي قال: (من بك)؟ قال: ابن أخيك، فقال: (أنا أفدي الضارب والمضروب)، وقال: سمعت من رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: ((لا حصار في دار هجرة لا يمنعوا من طعام ولا شراب )).
وعن زيد، عن آبائه، عن علي أنه قال: (لا ينبغي لأهل القبلة أن يسبوا ولا يوضع عليهم منجنيق ولا يمنعوا من ميرة طعام ولا شراب.
مسألة: هل يجوز أن يحبس على الباغين أموالهم حتى تنقضي الحرب؟
قال محمد: سألت أحمد بن عيسى عن باغ أودعني سلاحاً ومالاً؟
فقال لي: رده عليه.
قلت: فإن كان الحرب بيننا قائمة، أخاف أن يستعين به عليّ؟
في رواية سعدان: وجاء يطلبه مني؟ قال: فلا ترده.
قلت: فإن مات؟
قال: ادفعه إلى ورثته.
وقال الحسن بن يحيى: اجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على كراهية بيع السلاح في الفتنة، ونهى عن بيع الظالم ما يستعين به على الظلم.

وقال محمد: إذا كان في عسكر أهل العدل قوم من أهل البغي فخاف الإمام أن يعينوا على أهل العدل فللإمام أن يحبسهم وما معهم حتى تنقضي الحرب ثم يخلي سبيلهم، وإذا دخل مماليك لأهل البغي عسكر أهل العدل بأمان ومعهم سلاح وكراع لسادتهم أو لغير سادتهم مما لم يجلب به فلا سبيل عليهم ولا على ما معهم، ويردون إلى سادتهم إلا أن تكون الحرب بينهم قائمة ويخافوا أن يعينوا على أهل العدل فللإمام أن يحبسهم وما معهم حتى تسكن الحرب بينهم ثم يردهم إلى سادتهم.
قال محمد: قال سعيد بن مدرك: ولو كان لرجل من أهل البغي على رجل من أهل العدل مال أو كان له عنده وديعة سلاح أو مال فسأله أن يدفع إليه ذلك وهو في عسكر أهل البغي لم يجز له أن يدفعه إليه حتى يرجع عن تأويله أو يتفرق أهل عسكره؛ لأن دفعه إليه ـ المال والسلاح ـ في تلك الحال يقويه على إمام العدل ولو قدمه في ذلك إلى إمام العدل حكم له بحقه وجعل له وكيلاً يقبضه منه وأمر الوكيل ألا يدفعه إليه حتى يرجع عن تأويله أو يتفرق أهل عسكره.
مسألة: إذا أغار العادل على أهل البغي فسرق منهم
قال محمد: ولو أن رجلاً من أهل العدل أغار في عسكر أهل البغي ليلاً فسرق منهم فرفعه المسروق منه إلى إمام أهل العدل فلا يقطعه الإمام.
وكذلك لو رفع إلى إمام أهل العدل رجل من أهل العدل زنى أو سرق في عسكر أهل البغي من رجل منهم ما يجب فيه القطع، وقامت عليه البينة العادلة بالزنى أو السرق فلا حد عليه؛ لأنه جنى ذلك حيث لا يجري عليه حكم أهل العدل، وهكذا قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال قوم: عليه الحد.

قال محمد: وعلى السارق إذا تاب الباغي المسروق منه أن يرد عليه ما أخذ منه أو على ورثته إن مات أو قتل، وإن صار المتاع إلى إمام العدل فينبغي له أن يسير فيه بهذه السيرة، لا أعلم في هذا خلافاً، وكذلك لو رفع إلى إمام العدل رجل من أهل البغي قد سرق في عسكر أهل البغي من تجار أهل العدل أو من أسارى في أيدي أهل البغي فلا قطع عليه؛ لأنه سرق حيث لا يجري عليه حكم أهل العدل، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه.
ولو أن رجلاً من أهل البغي أغار على عسكر أهل العدل ليلاً فسرق سرقة، فإن الإمام يدرأ عنه الحد؛ لأنه سرق ذلك مستحلاً له، سواء دفع إلى الإمام قبل يرجع إلى عسكره أو بعده.
مسألة: فيمن أسره الباغون فأخذ منهم مالاً وقتل وانفلت
قال محمد ـ فيما حدثنا به ابن غزال، عن ابن عمرو، عن محمد قال ـ: كان أحمد بن عيسى يرى فيما أصاب أسرى المسلمين من أهل الحرب أن يؤدوا منه الخمس.
قال محمد: يستحب ذلك لهم، وليس بواجب.
قال محمد: وإذا أسر أهل البغي أسيراً من أهل العدل فأمكنه الانفلات منهم فما قتل في انفلاته منهم لتخلص نفسه فهو له جائز، وما أمكنه من أخذ مال فذلك له جائز وهو غنيمة ينتهي إلى الإمام بمنزلة المحارب ـ يعني إن كانت الحرب قائمة.
وعلى قول أحمد ومحمد: إذا دخل رجل من المسلمين دار الحرب فصاب من أموالهم فهو غنيمة له، وفيه الخمس في قول أحمد.
وقال أحمد: يستحب ذلك، وليس بواجب.
مسألة: في شراء الأسير
قال محمد: وإذا أسر المشركون أسيراً من المسلمين فقال الأسير لرجل من المسلمين: اشترني وما غرمت، فهو علي، فاشتراه وأخرجه إلى دار الإسلام فالأسير ضامن للمال، وإن كان اشترى الأسير بغير أمره فلا شيء على الأسير، وإن كان أمره بالشراء ولم يضمن له المال فأحب إلينا أن يؤديه إليه.
وقال جماعة من العلماء: المال لازم له وإن لم يضمنه له.
مسألة: هل يجوز قتل الأسير؟

قال أحمد والقاسم ومحمد: إن أسير أهل البغي إذا رُفع إلى الإمام فليس له أن يقتله.
قال محمد: سألت أحمد بن عيسى عن قتل أسير أهل البغي.
فقال: لا يقتل.
قلت: فأيش وجه حديث علي صلى الله عليه في قتله لابن يثربي(1) أسير عمار بن ياسر، فقال: يقولون: ما دامت الحرب قائمة.
قال الحسني: إنما أشار أحمد إلى قتل الأسير ما دامت الحرب قائمة إن كان قد قتل رجلاً، لأن ابن يثربي(2) قد قتل من محمد(3) بن علي في الحرب، منهم(4) زيد بن صوحان وهند الجملي وعلياً وغيرهم(5).
وقد ذكر أحمد في موضع آخر أن الإمام يأخذ أهل البغي بما جنوا من قتل وغيره إذا ظفر بهم والحرب قائمة، وإذا انقضت الحرب لم يؤخذوا بذلك.
وذكر عن أحمد ـ أيضاً ـ رواية أخرى أنه يأخذ منهم بما جنوا بعد انقضاء الحرب.
أيضاً حدثنا محمد بن أحمد التميمي، عن ابن هارون، عن علي بن عمرو، عن محمد بن منصور، قال: حدثني إسماعيل بن إسحاق، قال: سمعت أبا عبد الله وسئل عن الإمام يأخذ الأسير من المسلمين فيقوم عليه بينة أنه قتل رجلاً من المسلمين في الحرب، قال: يقتله به، قال: أتقتله والحرب قائمة؟ قال: نقتله إذا قامت عليه البينة كان الحرب قائمة أم لم تكن.
__________
(1) ـ في شرح النهج: يثري.
(2) ـ في شرح النهج: يثري.
(3) ـ في (ط): من عسكر محمد.
(4) ـ في (ط): رجالاً منهم.
(5) ـ والقصة مستوفاة في شرح نهج البلاغة، فخذه من هناك، في جواب الحمل في قتل علياً، وهند، وزيد، وصوحان.

قال: حدثنا محمد بن أحمد التميمي، عن ابن هارون، عن ابن عمرو، عن محمد بن منصور، عن القاسم ـ زيادة على هذا الكلام ـ قال: وكيف يصح في الحكم إرسال من لا يؤمن على قتل أبر المؤمنين وأعظمهم عند الله في العنا عن دين الله منزلة، وقد رأوا كيف يرسل من يخاف على أن يرهب من ساعته وفوره فيكون أعون ما كان للظالم في ظلمه وفجوره وهم قد يرون حبس الماجن وإن كان غير محارب على مجونه ويخلدونه الحبس ما كان ما جنى، ومَنْ يقول أن عليّاً عليه السلام أو حين(1) إرساله وهو يخاف على المؤمنين قتله أو قتاله وأنه أرسله أو خلاه فأطلقه حتى حسن به ظنه في الكف عن قتال المؤمنين؟ فكيف يرسل أسير الكفر الظالمين مع الخوف له على مشاقة رب العالمين أو لا يحبس أن ساءت به الظنون والله جل وعز يقول: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما منّاً بعد وإما فداء}، ولا يكون مناً أبداً ولا فداء إلا بعد حبس أو وثاق لهم، بذلك جاء الحديث عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فيهم أو ثبتوا ليلة بدر في الديك والوثق، فكان رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يعمه في تلك الليلة القلق والأرق، قال له عمر: مالي أراك يا رسول الله منذ الليلة أرقاً قلقاً؟ فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((ومالي لا أقلق وأنا أسمع منذ الليلة أنين عمي في الأسرى))، فلو كان الحق عنده غير حبس الأسير بعد الأسر لأمر بتخلية عمه، فلو لم يجز حبس الأسير إذا لم يؤمن سنة تامةً لما جاز حبسه ليلة ولا ساعة واحدة، وليس ينبغي للمؤمنين أن يأسروهم حتى يثخنوهم بالقتل منهم والظهور عليهم، فإذا قتلوا وظهروا وغلبوا فقهروا وأثبطوا حينئذ وأسروا، فإن استسلم الظالمون الحكم وأدخلوا في السلم أو فرار عن المحقين أو فرار ألا يحيزون إلى فئة أو رجال ولا يتحرفون فيه لمنازله أو قتال، كف في هذه عن مدبرهم.
__________
(1) ـ في (ط): أحال.

وسئل أحمد عن الأسير يقول للإمام: أنا تائب إلى الله مما كنت فيه ولا قائل معك ولا عليك؟
قال: نخلي سبيله.
قيل: فإن خافه الإمام؟
قال: يحبسه هو، لو خاف غيره كان له أن يحبسه.
قال محمد: وسألت القاسم عن الذين لا يجوز قتلهم من الأسرى؟
قال: هم الذين أثخنهم المحقون بالوثاق والانقياد لهم أسراً.
فقيل له: وما الأسرى؟
قال: هو الوثاق والأطر، وكما قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لتأخذن على أيدي الظالم فلتأطرنه على الحق أطراً)).
فقيل له: وما الأطر؟
قال: هو الرباط والعقد، كما قال الله عز وجل: {وشددنا أسرهم}، تأويله وأوثقنا عقدهم وقطرهم، فجعل سبحانه أسرهم يوثق خلقهم، وكان ذلك هو المعروف من كلام العرب ومنطقهم، فمن أوثق رباطاً وانقاد من عناً لذلة فهو الأسير الذي نهى علي صلى الله عليه عن قتله، ولا ينبغي لمؤمن أن يقدر لأسير أهل البغي على إيثاق الإجابة صاغراً في أسره من حبل أو غيره في رباط ووثاق حتى ينتهي به إلى الإمام فيمن عليه بعد أو يحبسه، ولا ينبغي للإمام إن خاف منه خيانة في الكف عن قتال المحقين أن يخرجه من الحبس ولو ذهبت فيه نفسه.

وقال محمد: إذا استأسر أسير من أهل البغي بلا غلبة ولا حراجة مثخنة فقد حرم دمه وماله وما كان معه أو على ظهره أو ما في عسكره، وإذا أسر وهو محارب مدافع عن نفسه فلمن أسره أن يقتله على مثل الحد الذي قاتل عليه ابن يثرين، فإن عماراً رحمة الله عليه أسره فأتى به علياً عليه السلام فقال لعلي: أدنني منك، فلم يفعل صلى الله عليه. فقال: فقال له: أما لو أدنيتني منك لقطعت أنفك، فأمر علي عماراً فقتله، فهذا هو المحارب المدافع عن نفسه، وكل حال حل بها دم الأسير فماله حلال كدمه يغنم جميع ما أجلب به وما كان بعده، وإذا بارز رجل من أهل العدل رجلاً من أهل البغي فله أن يأسره ثم يقتله، وإن خاف أن يعير الأسير غيره أن يثخنه بعد الأسر عن العسكر ثم يقتله، وإذا أسره فاتخذه أسيراً أو شده بحبل أو غيره ورفعه إلى الإمام فليس له أن يقتله ولا للإمام وهو كالأسير الذي نهى علي صلى الله عليه عن قتله، ولكن يغنم جميع ما معه.
روي عن علي صلى الله عليه أنه كان إذا أتى بأسير من أهل الشام أخذ دابته وسلاحه واستحلفه ألا يعين عليه وخلى سبيله.
قال يحيى: وحرب معاوية قائمة لم تزل.
وعن مجاهد قال: إذا أسلم الأسير حرم دمه، ولا يكون أسير أهل البغي أسوأ حالاً من أسير أهل الشرك إذا تكلم بالإسلام وأعطى التوبة.
قال محمد: أخبرت عن سفيان أنه قال: إذا استأسر المشرك للمسلم لم يقتله حتى يرفعه إلى الإمام.
وقال أصحاب أبي حنيفة: إذا أسر الرجل أميراً فلا بأس أن يقتله، والأفضل إن قوي عليه أن يأتي به إلى الإمام إن شاء قتله وإن شاء قسمه في الغنيمة.
قال محمد: ولا بأس إن كثر أسارى أهل البغي وخاف الإمام أن يكون في تركهم قوة لعدوه ووهن لأمره أن يحبسه حتى تنقضي الحرب بينه وبين أهل البغي.
مسألة:

وإذا قاتل العبيد مع مواليهم فسبيلهم في القتل والأسر والإجارة على الجريح سبيل الأحرار، وإن غنموا فهم أموال، وإذا أسر أهل العدل مملوكاً فادعى أن سيده قد كان أعتقه لم يقبل قوله إلا ببينة ممن يجوز شهادته، وإذا أسر المكاتب فسبيله في الأسر سبل الأحرار وهو مكاتب لسيده على حاله، وإذا أسر المدبر فمن زعم أنه وصية من الثلث يعتق بموت سيده ولم يجز بيعه، وأجاز بيع خدمته، فللإمام أن يستخدم في بعض مصالح المسلمين في عسكره أو بخدمة بعض أصحابه ممن يحتاج إليه إلى أن يموت سيده، فإذا مات سيده عتق بموته.
روي عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام قال: لسيد المدبر أن يبيع خدمته إلى أن يموت السيد.
قال محمد: جائز بيع خدمة المدبر.
وقال قوم: هو مدبر لسيده على حاله، وليس للإمام أن يستخدمه ولا يخدمه أحداً. وهذا قول من قال: ليس للسيد بيع خدمته من نفسه ولا من غيره، ومن زعم أن المدبر يباع كان سبيله في قوله سبيل المملوك.
قال الحسني: وهذا قول القاسم بن إبراهيم.
قال محمد: وإذا أسر أهل العدل امرأة حرة من أهل البغي ردوها وكل ما معها على أهل البغي.
وكذلك إذا أصابوا أحداً من ذراريهم ممن لا ينصب الحرب ولا يقاتل ردوه على أهل البغي وردوا كل ما معه إلا أن يكون الذي معه شيئاً معلوماً لأهل البغي من سلاح أو كراع أو ما أشبه ذلك.
وروى محمد عن عمران قال: كل أسير من المسلمين في أيدي المشركين ففكاكه من بيت مال المسلمين.
مسألة: هل يقتل الجاسوس؟
قال أحمد بن عيسى: إن قتل بدلالة الجاسوس رجل قتل وإلا فلا يقتل.
وروي ذلك عن محمد بن عبد الله، قال: كان إبراهيم بن عبد الله يرى قتله.
وقال القاسم: يقتل الجاسوس. وروي ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وقال محمد: وحدثنا عباد وحرب بن الحسن، عن مخول(1) بن إبراهيم، عن يعقوب بن عربي قال: شهدت يحيى بن زيد بخراسان أتي بعين فضرب عنقه.
__________
(1) ـ في نسخة: مكحول.

قال مخول(1): فذكرت ذلك ليحيى بن عبد الله فقال: لا يقتل حتى يعلم أنه قد قتل بعمره إنسان.
قال محمد: وحدثنا حرب بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: سمعت الحسين صاحب فخ وسئل بمنى عن رجل يكون يغمر بالشيعة، أيقتل؟ قال: لا يقتل حتى يُعلم أنه قد قتل بعمره. ثم قال: هذه مقالة من محمد بن عبد الله.
قال محمد: ووجه قول محمد بن عبد الله، ويحيى بن زيد، وأحمد بن عيسى، ومن قال بقولهم في إطلاق قتل الجاسوس: إن كان قتل بدلالته رجل، وإلا فلا يقتل، أنهم جعلوه في وقت اغتياله وغمزه بأهل العدل بمنزلة المحارب إذا كان في وجهه ذلك وفوره، وإن امتنع في وقته ذلك فلم يصل إلى قتله إلا باغتيال اغتيل، وإن ظفر بالجاسوس ولم يقتل بدلالته أحد وهو مقيم على ما كان عليه من الغلبة(2).
__________
(1) ـ في نسخة: مكحول.
(2) ـ في نسخة: الغيلة.

قال محمد بن عبد الله وأصحابه، قالوا: يضرب أسواطاً ويحبس، وإن كان قد قتل بدلالته رجل ثم ظفر به وهو على رأيه من انتحاله الضلالة وليس بقاصد في وقت ما ظفر به إلى غمز ولا اغتيال فإن للإمام أن يعاقبه، وإن كان قد رجع عن رأيه من انتحاله الضلالة فلا سبيل عليه في الحكم، ولكن عليه أن يتوب فيما بينه وبين الله عز وجل، وإن كان الجاسوس في وقت غيلته وغمزه قتل رجلاً وهو مقيم على غموزه واغتياله فلإمام أهل العدل وجماعتهم أن يقتلوه في فوره ذلك، وإن لم يصِلوا إلى قتله إلا بغيلة فلهم أن يغتالوه؛ لأنه في هذه الحال محارب لجماعة أهل العدل، وإن رجع عن رأيه ذلك وتاب إلى الله سبحانه فليس لأهل العدل يقتلوه ولكن لأولياء المقتول أن يقتلوه، وينبغي لهم أن يرفعوه إلى إمامهم حتى يكون هو الذي يلي الحكم بالقضاء لهم بدمه، وإن لم يمكنهم أن يرفعوه إلى إمامهم ولم يصلوا إلى قتله إلا بغيلة فلهم فيما بينهم وبين الله أن يغتالوه، ولا سبيل عليهم في الحكم، وإذا دخل رجل من أهل البغي عسكر أهل العدل بالسلاح يطلب غيلة أو غرة فعلموا ذلك بإشارة سلاح أو بما يستدل به على ذلك منه فجائز قتله وهو بمنزلة المحارب وما معه فهو غنيمة، وإن أخذوه أسيراً فحكه حكم الأسير يؤخذ ما معه، والإمام مخير في حبسه واستتابته وإطلاقه، وإن لم يشر سلاح وأدلى بحجة بأنه رسول، قُبل ذلك منه، ولا سبيل عليه ولا ما معه، وإن عجل عليه فقُتل وهذه حجته فقتله قتل خطأ، على العاقلة الدية؛ لأنه لم يدخل بأمان.
وكذلك بلغنا أن رجلاً من أهل مكة دخل إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم برسالة فقتله رجل من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو لا يعلم، فوداه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وقال محمد ـ في وقت آخر ـ: وإذا دخل رجل من أهل البغي عسكر أهل العدل بغير أمان فلإمام أهل العدل أن يقتله إن كانت الحرب بينهم قائمة.
مسألة: حبس الرسول

قال أحمد بن عيسى: إذا أتى الإمام رسول من عدوه فخافه على نفسه لم يجز له أن يحبسه إلا بأن تقوم البينة عليه بأنه أراد أن يغتاله وإلا رده من حيث جاء.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه جاءه رسولا مسيلمة بكتابه، فقال لهما رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((وأنتما تقولان كما يقول ))؟ قالا: نعم. قال: ((أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما )).
مسألة: قتال أهل البغي في السفن
قال محمد: وإذا قاتل أهل البغي في السفن فإن أهل العدل يقاتلونهم كذلك في السفن، فإن لم يمكن أهل العدل دفاعهم عن أنفسهم إلا بتغريقهم فذلك لهم، وإن كان معهم حرم وأطفال ومن لا يجوز قتله فلا ينبغي لأهل العدل أن يعتمدوا تغريقهم جهدهم، وإذا ظهر أهل العدل عليهم فجميع ما معهم وجميع ما في سفنهم مما أجلبوا به عليهم للحرب من مال أو سلاح أو كراع وغير ذلك غنيمة لأهل العدل، وكذلك إن خرجوا جميعاً إلى الحد فقاتلوهم على أرجلهم، فظهر أهل العدل عليهم، فجميع ما معهم وما خلفوه في سفنهم مما أجلبوا به غنيمة؛ لأن ما خلفوه في السفن بمنزلة ما وارت العساكر في الأخبية والفساطيط وكله غنيمة، وإذا كان مع بعض أهل العدل خيل قصدوا بها للحرب فلم يمكن ملاقاة الباغين إلا في السفن فقاتلوهم في السفن فخيلهم معهم في سفنهم أو واقفة على الشطء، فإن الغنيمة تقسم على سهام الخيل والرحالة، وإن كانوا جميعاً خرجوا إلى دار الحد فقاتلوهم على أرجلهم فظهروا على أهل البغي فإن الغنيمة بينهم تقسم بالسوية بعد أن يخمس؛ لأنهم جميعاً قاتلوا على أرجلهم.
مسألة: قتال الباغين في الحرم، وهل يتبع مدبرهم ويجار على جريحهم؟
قال محمد: حدثني عبد الله بن زاهر، عن أبيه، عن جعفر عليه السلام، وسئل عن القتال بمكة.

فقال: لا ينبغي. سمعت أبي يقول: قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إني سألت ربي أن يأذن لي في القتال بمكة ساعة من نهار، فأذن لي، ثم لم تزل حراماً منذ خلق الله السماوات والأرض إلى أن تقوم الساعة، فلا يقولن أحد بعدي إن النبي ـ صلى اللّه عليه وآله وسلم ـ استحل القتال بمكة )).
قال محمد: وليس لأحد أن يتبوأ الحرم دار الحرب يبتدئها، ولكن لو أن رجلاً بالحرم تعدى عليه أهل البغي من الخوارج أو غيرهم من المتأولين فأرادوه على نفسه أو ماله أو قصدوا به إلى ظلم أو تعد في حكم من أحكام الله كان له أن يدفعهم عن نفسه بما اندفعوا، ويمنعهم ويمنع منهم من جميع ما أرادوه عليه من التعدي والظلم، فإن لم يندفعوا عنه إلا بالقتل فله أن يقتلهم، فإذا قاتلهم على ذلك فظهر عليهم فجميع ما ظفر به منهم مما أجلبوا به عليه لحربه وقتاله غنيمة وفيه الخمس.
قال محمد: ولا ينبغي له أن يتبع مدبراً في الحرم ولا يجير لهم على جريح ولا يقتل لهم أسيراً سواء كانت لهم فئة في الحرم أو لم تكن؛ لأنه إنما يقتلهم دفاعاً عن البغي والتعدي عليه في أحكام الله، فإذا أدبروا أو أحد منهم إلى فئة أو غير فئة فقد خرجوا من الحد الذي يحتاج فيه إلى دفعهم عن نفسه وماله وصاروا بأدبارهم مندفعين عن ما دفعهم عنه، إلا أن يكون إدبارهم تحرفاً لقتال أو تحيزاً إلى فئة أو مما كره لأهل العدل فإن علم ذلك منهم اتبع مدبرهم في الحرم وغير الحرم.
مسألة:
فإن كان لأهل البغي فئة خارج الحرم وهو إمامهم فكانت السرية منهم فدخل إلى أهل العدل في الحرم فيقاتلهم فيه كيلا يتبع مدبرهم ولا يجار على جريحهم، ثم يلجأون إلى فئتهم خارج الحرم فيتقوا به ويستعينوا بعدته، فلأهل العدل أن يبعثوا سرية أو يكمنوا كميناً خارج الحرم حيث يمكنهم اتباع مدبر أهل البغي والإجارة على جريحهم، فإذا انفصل أهل البغي من الحرم فلأهل العدل الذين خارج الحرم أن يتبعوا مدبرهم ويجيروا على جريحهم.
مسألة:

وإذا كان فئة أهل البغي في الحرم، وأهل العدل خارج الحرم، فكانت الحرب تقع بينهم خارج الحرم، فلأهل العدل أن يتبعوا مدبر أهل البغي ويجيروا على جريحهم ما داموا خارج الحرم، فإذا دخلوا الحرم فليس لهم حينئذ أن يتبعوا مدبرهم ولا يجيروا على جريحهم، وأما غير المتأولين من اللصوص وقطاع الطريق والمحاربين وجميع من جنى جناية في الحرم فإنه يقام عليه الحد في الحرم.
مسألة: حكم الإمام في أموال الظلمة وعقارهم ومماليكهم
قال محمد: قلت لأحمد بن عيسى: ما تقول فيما ظهرت عليه في أيدي البغي من هذه الضياع التي أخذوها؟
فقال: أراد من ذلك ما كان مغصوباً بعينه، ومن ثبت على شيء أخذه.
وقد قيل: إنه يؤخذ ما في أيديهم.
قال محمد: هذه المسألة التي قبّل فيها عثمان بن حكيم رأس أحمد بن عيسى.
قال محمد: وسألته عما في أيديهم من الجوار والمماليك إذا ظهرت عليهم، وإن تناكحوا أو تولدوا؟
فقال: هذا يتفاحش إذا كان أولادهم مماليك ويكونوا أولاد كذا.
قال القاسم بن إبراهيم: إذا ظهر إمام العدل على أهل البغي أخذ جميع ما في أيديهم من الأموال والضياع والجواري وغير ذلك.
قال محمد: قلت له: أرأيت أن يأخذوا جواري، فأولدوهن؟
قال: هذا استهلاك.
قلت: أرأيت إن كانوا قد ورثوا شيئاً من غير هذا أو وهب لهم؟
قال: فما استهلكوا من أموال الله أكثر من ذلك.
قال محمد ـ فيما روى علي بن دحيم الصائغ ـ: قال محمد بن منصور: ليس نأخذ بهذا القول وما عرف من هذا من شيء، إنه لهم دفع إليهم أو إلى ورثتهم.
مسألة: حكم إمام العدل فيما في بيوت أموال الظلمة
قال محمد: قلت لأحمد بن عيسى عليه السلام: ما تصنع بما في أيدهم لو ظهرت عليهم؟
قال: كما صنع أمير المؤمنين صلى الله عليه يوم الجمل، قسم جميع ما أجلبوا به وما كان في بيت المال بين كل من كان معه.
قلت: إذا ظهرت عليهم قسمت جميع ما في بيوت الأموال؟
قال: نعم.
قلت: كيف تقسمه؟

قال: على خمسة خمسة لمن سمى الله، وأربعة أخماس بين كل من قاتل عليه.
قال القاسم: وما أقره الباغون في دورهم من الأموال فحاله في التحريم كالحال في قتل مأسورهم، لا يؤخذ منه قليل ولا كثير ولا يغنم، إلا أن يكون مالاً من أموال الله عز وجل يعرف، فإن كان شيء مما أجلبوا به ـ يعني أو مما أقروه في دورهم ـ يعلم أنه من مال الله فلا غنيمة فيه ولا خمس، وأحكام الله في ذلك كله جائزة ـ يعني إذا كان المال من وجوه الفئ أو الصدقات ـ فعلى الإمام أن يضعه في وجوه الفيء والصدقات.
وقال محمد: إذا ظفر إمام العدل على أهل البغي فأصاب في بيت مالهم أو في دورهم أموالاً جبوها من خراج وعشر وجرن وصدقات وغير ذلك من جميع وجوه الفيء، فذلك كله إلى الإمام يوجهه في وجوهه ومواضعه، وليس هو بغنيمة يقسمها على مقاتلة أهل العسكر على سهام الخيل والرجال، ولا خمس في ذلك، وما حمل أهل البغي من ذلك وأجلبوا به على أهل العدل فإنه يرد إلى مواضعه وحكمه. قال بذلك جماعة من آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وغيرهم.
وقال بعض العلماء: يغنم جميع ما ظهر عليه في بيت مال أهل البغي، وإن كانوا قد قسموه على تأويلهم ثم أجلبوا به على أهل العدل بعد القسمة ثم ظهر عليهم، فكل ذلك غنيمة يقسمه الإمام بين المقاتلة على سهام الخيل والرجال بعد أن يخمسه.
وقد روي عن الحكم، عن علي صلى اللّه عليه أنه أصاب من بيت مال البصرة مالاً كثيراً.
روي أنه كان خمسة ألف ألف، فقسمه بين أصحابه، فأصاب كل رجل خمسمائة درهم.

وروي أنه استأذن أهل البصرة في ذلك؛ لأنه لم يكن ما أجلبوا به عليه، وإنما كان فيّاً يقسم بين جماعة المسلمين بالسوية كما قال علي صلى الله عليه لطلحة والزبير حين استزاداه في القسمة فأبى عليهما وقال: (ما أنا أجتزي هذا في بيت مال المسلمين إلا سواء). فلذلك استأذن علي صلى الله عليه أهل البصرة في أن يقسمه بين أصحابه خاصة دون جماعة المسلمين لحاجته إلى ذلك، ولما فيه من الصلاح للمسلمين والدفاع عنهم. وقد سأله الحسن، والحسين، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر عليهم السلام نصيبهم من الخمس، فقال: (هو لكم، ولكن طيبوه لي لنقوى به على حرب معاوية)، ولذلك قسمه أمير المؤمنين فسوّى بين الفارس والراجل، ولم يفضل فارساً على راجل؛ لأنه ليس مما أجلبوا به.
وقد قال جماعة من العلماء ـ منهم محمد بن الحسن ـ: للإمام أن يستعين بما اجتمع في بيت المال، ولا يقسمه على المسلمين إذا احتاج إلى ذلك وكان فيه صلاح للمسلمين ودفاع عنهم.
مسألة: في قطائع الظلمة وجوائرهم
قال محمد: قلت لأحمد بن عيسى: ما تقول فيما أقطع أهل البغي وأعطوا؟
قال: أجيز من ذلك ما يجيزه إمام عدل(1).
قال: وقد قيل: أخذ الحسن بن علي من معاوية ما لا يجيزه إمام العدل.
قلت: كم قبل الحسن من معاوية؟
قال: ألف ألف.
قال محمد: وفعل الحسن عند أحمد بن عيسى جائز صواب.
وفي قول أحمد دليل على أنه جائز للإمام العدل أن يقطع.
قال القاسم: كل قطيعة أقطعها إمام عدل فهي جائزة، وكل قطيعة أقطعها غير إمام عدل فهي مردودة.
وروى محمد بإسناد عن علي صلى الله عليه أنه نادى حين بايعه الناس: (ألا كل قطيعة أقطعها عثمان فهي مردودة إلى بيت مال المسلمين).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه لما غزا بطن العشيرة فقطع لعلي عليه السلام فيها قطيعة من أرض ينبع.
وروى محمد بإسناده عن بريدة السلمي قال: قسم علي عليه السلام ما في بيت مال البصر بين أصحابه.
__________
(1) ـ في نسخة: العدل.

مسألة: في عطايا الظلمة
قال محمد: قلت لأحمد بن عيسى: ما تقول في عطية السلطان؟
قال: جائز. بلغنا في ذلك الحسن والحسين صلى الله عليهما لسنا نستوحش معهما إلى غيرهما.
وقال: قد قبل الحسن بن علي صلى الله عليه من معاوية ما لا يجوز لإمام عدل أن يجوز مثله.
وقال القاسم: قد كتب الحسن بن علي وعبد الله بن جعفر عليهما السلام إلى معاوية يسألانه مما في يديه، فقال لهما علي صلى الله عليه: (أما استحييتما أن تكتبا إلى عدوكما)؟ فقال له الحسن عليه السلام: أيش نصنع، ليس تعطينا ما تكفينا؟
وقال القاسم ـ أيضاً فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن ابن سهل، عن عثمان بن حيان، عن القومسي، عنه ـ: وسئل عن جوائز العمال ما تقول فيه؟
فقال: إن كان من الجائرين فلا يحل.
وقال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على أن جائزة السلطان وعطيته جائزة لمن قبلها ما لم يعلم حراماً بعينه أو غصباً ما لم يكن المعطي أعطى على المعاونة على الظلم.
وقال الحسن ـ أيضاً فيما حدثنا حسين، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ: ولا بأس بما وصلت إليه من السلطان بغير معاونة لهم.
قال محمد: حدثنا غسان بن محمد، عن بشر بن غياث، قال: القبول من السلطان فرض؛ لأنه لا يخلو ما في يده من أن يكون ما لا له فعمل فيه بمعصية الله، فإذا بذله لك فالفرض عليك أن تأخذه فتعمل فيه بطاعة الله، أو يكون مالاً اغتصبه من قوم بأعيانهم فبذله لك فالفرض عليك أن تأخذه فتدفعه إليهم، أو يكون مالاً اغتصبه من قوم بغير أعيانهم يعمل فيه بمعصية الله فبذله لك فالفرض عليك أن تأخذه عندك بمنزلة الضالة.

قال سفيان بن وكيع لغسان بن محمد: أبى ذلك سفيان والثوري، فقال له غسان: قد قيل من هو خير من سفيان، قال: مَن هو؟ قال: الحسن والحسين قبلا من معاوية، فقال سفيان: أبى ذلك(1) أبو ذر، فقال غسان: أقول لك الحسن والحسين، ويقول أبو ذر. فقال سفيان: أبى ذلك عليك أهل بدر، فقال غسان: ومَن مِن أهل بدر؟ قال: علي بن أبي طالب رد على عثمان، قال: كان بينه وبينه خشكرشة.
قال محمد: قال سعيد بن مدرك: ومن قدر على أن يأخذ شيئاً مما في أيدي الباغين بغير علمهم كان مخيراً في أخذه، فإن رأى ألا يأخذه؛ لأنه لا يعرف له صاحباً بعينه، ولأنه يلزمه حفظه ولا يأمن ألا يسلم فيه، لم يضمن(2) عليه تركه، وإن رأى أن يأخذه أخذه؛ لأنه يخرجه من يدي من هو غير مأمون عليه، ومن يصرفه في غير أهله ويتخذ به العدة لمن أراد دفعه، وأراد بأخذه أن يكون لهم موهناً ويكون بما أخذ محتفظاً حتى يقوم لأهله فيمن معه إليه ليستعين به على أمورهم أو يقسمه بالعدل فيهم، وأخذه على هذا أفضل عندنا من تركه.
وقد بلغنا عن الشعبي أنه أخذ، فيكون ذلك في يد من أخذه بمنزلة اللقطة؛ لأنه لا يعرف له صاحباً بعينه، وإن هو قسمه على جهده بالتحري منه في قسمة كان له ضامناً، فإذا قام للمسلمين إمام فرأى أن يأخذه بجميع ما قسم من ذلك أخذه، وإن رأى أن يأخذ جميع من صار إليه من ذلك شيء أخذه بما صار إليه منه، وإن رأى أن يجيز ذلك لهم ولا يضمنهم منه شيئاً كان ذلك له؛ لأنه لو أخذ منهم كان له أن يرده فيهم، وإجازته لهم أفضل عندنا.
قال محمد: ليس له أن يأخذه ولا يأخذهم بشيء، ولا يحل له.
__________
(1) ـ في نسخة أبى عليك.
(2) ـ في نسخة: لم يضيق.

قال سعيد بن مدرك: ولو أن إمام أهل البغي جمع طرفاً من الفئ لم يكن لأحد أن يسأله من ذلك شيئاً؛ لأن إعطاءه إياه حكم منه، وهو بقيامه بالأحكام ممتنع من الحكم، وبامتناعه من الحكم حل جهاده، فليس لأحد أن يسأله ما هو محرم عليه فعله، وإن هو حكم عليه لأحد منه بشيء مما يكون إمام العدل يحكم مثل ذلك الشيء لمثله أمضى حكمه لمن حكم له به.
مسألة: هل يتبع الباغون بما أصابوا في الحرب من الجنايات؟
قال أحمد بن عيسى ـ فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن سعدان، عن محمد قال: سألت أحمد عن جنايات أهل البغي من القتل وما أشبهه، هل يؤخذون به إذا ظفر بهم؟ قال ـ: يؤخذون به ما دامت الحرب قائمة، وأرى أنه إذا انصرمت الحرب لم يؤخذوا بشيء من ذلك.
وقال محمد: كلما أصاب الباغون والخوارج من أهل العدل في وقت الحرب أو بعد انقضاء الحرب من سفك دم أو جراحة أو استهلاك مال من غير أمان كان بينهم فهو هدر لا يتبعون بشيء منه؛ لأنه ذكر عن علي صلى الله عليه أنه أهدر ما كان في الفتنة حين ظهر على البصرة يوم الجمل وما أصابوا من ذلك من نفس أو جراحة أو مال قبل نصب الحرب بينهم بغير تأوّل أخذوا بجميع ذلك.
وقال محمد ـ في وقت آخر ـ وما أصابوا من ذلك قبل أن يغلبوا على دار ويقهروا أهلها بالعساكر الممتنعة فإنهم يؤخذون بجميع ما أصابوا من ذلك لمن استحقوا، وكذلك طلب علي صلى الله عليه الخوارج بدم عبد الله بن خباب لما قتلوه قبل أن يغلبوا على دار؛ ولأنهم مروا به في طريقهم فقتلوه، فاستحل علي صلى الله عليه قتلهم جميعاً؛ بقتله.

وروى محمد بإسناده عن أبي مجلز، أن الخوارج مروا بعبد الله بن خباب في بعض السواد فقتلوه، فبلغ ذلك عليّاً عليه السلام، فسار إليهم فقال: (أقيدونا من عبد الله بن خباب) فقالوا: كيف نقيدك به وكلنا قتله؟‍! فقال: (كلكم قتله)؟! قالوا: نعم، فقال علي عليه السلام: (الله أكبر) وقال لأصحابه: (قاتلوهم)، فقتلوهم، ومن قاتل المسلمين من المتأولين في غير منعه فإنه يضمن ما أصاب من نفس أو جراحة أو مال، ولا يكون الحكم فيه كالحكم فيمن كان منهم في العساكر الممتنعة بالغلبة على المصر.
وروى محمد عن نوح أنه قال: لا يكونوا خارجه حتى يكون فئة يمتنع، والفئة عشرة فصاعداً؛ لأن أول سرية بعثها رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ـ فيما بلغني ـ عشرة، وقد قيل: تسعة، فإن خرج تسعة على المصر فقتلوا فئة فأخذهم الإمام فهم بمنزلة المحاربين.
قال نوح: وإذا رأت المراة رأي الخوارج ودخلت معهم وتركت زوجها وتزوجت منهم زوجاً غيره فولدت أولاداً فولدها للثاني؛ لأنه نكاح شبهة، فإن تابت ورجعت إلى دار الإسلام بعد ما ولدت فلا يقربها زوجها حتى تحيض ثلاث حيض.
وإن لحقت امرأة بالخلوارج فجاءت بولد، ثم رجعت فقالت لزوجها: هو منك فهو منه إن لم تكن تزوجت منهم، وإن نفاه لاعن.
قال محمد: وإذا غلب أهل البغي على بلد من البلدان فحبوا الخراج والإعشار وصدقات الأموال وما كان إلى الإمام أخذه، ثم ظهر عليهم فإن الإمام يأخذ منهم جميع ذلك إن كان قائماً بعينه، ويصرفه في وجوهه، ومن امتنع من دفع ذلك إليه حاربه الإمام، ولا يبتغوا بشيء مما استهلكوا من جميع ذلك؛ لأنهم استهلكوه بتأويل.

وروى محمد بإسناده، عن معاوية العنوي، عن علي صلى الله عليه أنه لما كان يوم الجمل قام الناس إلى علي يدعون إلى أشياء، فأكثروا عليه الكلام، فقال: (إلا رجل يجمع لي كلامه في خمس كلمات أو ست)، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الكلام ليس بخمس ولا ست، ولكنه كلمتان هضم أو قصاص، فعقد علي صلى الله عليه بيده ثلاثين عقدة، ثم قال قالون: أرايتم ما عدد، ثم فهو يحب قدمي هذه.
وعن نوح أنه قال: أمّن علي صلى الله عليه أهل البصر وقد قتل طلحةُ والزبيرُ السيايحيةَ قبل قدوم علي عليه السلام.
وعن عبد الحميد بن عبد الرحمن أن السيايحية كانوا عشرون رجلاً.
وعن بعضهم: ستين، ثم أنهم بعد ذلك أمروا حكيم بن جلبة أن يتابع ويخلع عليّاً صلى الله عليه، فأبى، فقتلوه يوم الدانوقة وهو في نحو أربعمائة رجل، ثم ظهر عليهم علي عليه السلام، فأمّن الناس على ما أحدثوا.
قال نوح: وما أصاب الخوارج من مال فوجد في أيديهم فإنه يؤخذ، وما كان في أيديهم من مال بعد ما ظفروا بهم واطمأنوا وأمنوا فاستهلكوه بعد ذلك وقامت البينة فإنهم يؤخذون به على ذلك.
قال محمد: وهذا قول محمد بن عبد الله.
قال نوح: وإن أخذوا رقيقاً من رقيق المسلمين فأعقوهم في حال خروجهم وأموالاً فباعوها، ثم ظفر بها صاحبها فإنه يأخذها حيث كانت، والعبيد لا يعتقون.
قال نوح: وإذا قتل الخوارج بعضهم بعضاً ثم جاءوا تائبين مما صنعوا فلا يؤخذون بما صنع بعضهم ببعض إذا استعد بعضهم على بعض أنا أهدر ما صنعوا بغيرهم، فكيف ما صنعوا بأنفسهم، وهم في هذا بمنزلة أهل الشرك، وإن خرج رجل وحده على جماعة في المصر فشد بالسيف يريد رجلاً بعينه فقتله غير الذي أراد قتله.
قال: فلا شيء على من قتله.
وعن إبراهيم النخعي قال: إذا أؤمن الخوارج لم يبتغوا بما أصابوا من دم أو قرح إلا أن يوجد شيء قائم بعينه.
قال: وإن كان المحارب خرج عالماً بأن مالَك عليه حرام فينبغي أن يقام فيه الحكم.

وعن الزهري: وقد سئل عن امرأة فارقت زوجها وشهدت على قومها بالشرك ولحقت بالجرورية فتزوجت فيهم، ثم رجعت تائبة.
قال الزهري: إن الفتنة الأولى ثارت، وأصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم البدريون كثير، فرأوا أن يهدروا أمر الفتنة فلا يقام فيها حد على أحد في فرج ولا قصاص في دم ولا مال استحله بتأويل القرآن، إلا أن يوجد شيء قائم بعينه.
وعن سعيد بن مدرك قال: لو باع رجل من أهل البغي رجلاً منهم متاعاً مما أصابوه بالتأويل ثم رجعا عن تأويلهما لم يرجع بالثمن.
وإن كان المباع قائماً بعينه كان بمنزلة الضالة.
مسألة: فيما يجوز للباغي في وقت الحرب من العتق والصدقة والبيع
قال محمد: وكلما فعله أهل البغي في أموالهم والحرب قائمة قبل أن يجوز أهل العدل ما أجلبوا به ويملكوه من عتق أو تدبير أو كتابة أو هبة أو صدقة أو بيع أو شراء فهو جائز لهم، وإن باع الباغي سلعة أمة أو غيرها فلم يقبضها المشتري حتى حازها أهل العدل فالبيع جائز، والثمن للبائع وترد السلعة إلى المشتري، سواء كانت وقعت في سهم رجل أو لم تقع، فإن كان البائع اشترط الخيار ثلاثاً فوقعت الغنيمة في الثلاثة الأيام قبل أن يختار البيع فالسلعة غنيمة بإجلابه بها؛ لأنها لم تخرج من ملكه، وإن وقعت غنيمة في الغنيمة بعد الثلاثة الأيام ولم يكن فسخ البيع ولا اختار الجارية فالبيع تام بمضي الأجل، فترد على المشتري، والثمن للبائع، وإن مات البائع في الثلاثة الأيام أو قبل بطل البيع والسلعة غنيمة.
قال محمد ـ في وقت آخر ـ: إن مات في الثلاثة الأيام وجب البيع وبطل الخيار، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.

قال محمد: وإن كان الخيار للمشتري وهو من أهل البغي فوقعت الغنيمة في الثلاثة الأيام فالجارية من مال المشتري وهي غنيمة، وإن كان اختار إجارة أو لم يكن اختار إجارته ولا فسخه، ولو كان اختار فسخ البيع في الثلاثة الأيام قبل أن تقع الغنيمة كانت من مال البائع إن كان أجلب بها بعد الفسخ، وإن مات المشتري أو قتل في الثلاثة الأيام فهي غنيمة من ماله، وإذا أوصى الباغي بوصية بعد موته ثم قتل أو مات في وقت الحرب فلا ينفذ وصيته في ما أجلب به وينفذه فيما سوى ذلك، وإذا أقر رجل من أهل البغي بمال أو سلاح أو كراع أو غير ذلك مما أجلبوا به على أهل العدل فقال: ليس هذا لي هو عارية أو وديعة أو قرض أو إجارة أو ما أشبه ذلك من الإقرار ثم ظهر أهل العدل على جميع ذلك، فإن قامت على ذلك البينة العادلة رد إلى المقر له إن كان حيّاً وإلا رد على أوليائه، وإن لم يكن بينه وصدقه الإمام بإقراره أنه لغيره فله في الورع أن يدفعه إليه ولا يجب ذلك عليه في الحكم، وإن كان إقرار الباغي بعدما أحرزت الغنيمة وصارت في ملك أهل العدل لم يقبل الإمام إقراره إلا ببينة عادلة، وليس للإمام أن يصدقه ولا يقبل إقراره بعد أن صارت الغنيمة في ملك أهل العدل؛ لأن تصديقه إياه يوجب حكماً على من وجبت له الغنيمة في ملك أهل العدل، وليس له أن يوجب عليه حكماً إلا ببينة عادلة.
مسألة: فيمن أخرجه الباغون معهم كرهاً
قال محمد: ذكرت لأحمد بن عيسى ما روي عن محمد بن الحنفية أنه قيل له: إن هؤلاء السلاطين يخرجونا فنخرج معهم كرهاً، فتلتقي الفئتان كلاهما ظالمة ولا نجد بدّاً من القتال كيف نصنع؟
فقال: تبسط يديك تبايع لله ولرسوله، ثم لا تبالي أي الفئتين ضربت.
فأنكر أحمد هذا الحديث وتعجب منه، كأنه رأى أن في قتاله إحدى الطائفتين قوة للإخرى وهي ظالمة.
قال محمد: ويقوي هذا قول علي صلى الله عليه: (لا تقاتلوا الخوارج مع إمام جائر، فإن قاتلوا إماماً عادلاً فقاتلوهم).

قال محمد: وذكرت للقاسم بن إبراهيم ما روي عن محمد بن الحنفية، فأعجبه، وقال: قد تكلم فيها بحكمه.
وقال محمد: والقول قول أحمد، إلا أن يكون مغلوباً على نفسه، ليس له محيص من التنحي عنهم فيقوم ولا يهوى إلى أحد، فإن أراده أحد دفعه عن نفسه.
مسألة:
قال محمد: وإذا كان مع أهل البغي في عسكرهم قوم مكرهون فلا ينبغي أن يقصدوا لقتال إذا عرفوا بأعيانهم، ومن قتل منهم فقتله خطأ، وعلى قاتله الدية والكفارة، ولا يغنم ما كان معه في العسكر، وهو ميراث لورثته، فإن قاتل المكرة فقد أحل نفسه، وليس هو حينئذ بمكره، والسيرة فيه كالسيرة في غيره.
مسألة:
قال محمد: حدثني محمد بن منظور، عن سعيد بن مدرك، قال: لو أن أهل البغي قاتلوا أهل العدل حتى يصير أهل العدل إلى مدينة أهل الشرك فدخلوها بأمان فعرض أهل الشرك على أهل العدل أن يقاتلوا معهم أهل البغي لم يكن لأهل العدل أن يستعينوا بهم على قتال أهل البغي؛ لأنهم لو ظهروا على أهل البغي لم يقدر أهل العدل أن يصيروا في أهل البغي إلى حكم أهل العدل إن أراد المشركون أن يصيروا فيهم إلى غيره؛ لأن المشركين هم الظاهرون على تلك القرية من أهل العدل.
وكذلك لو أن قوماً آخرين من المشركين غزوا أهل تلك المدينة التي فيها الفرقة من أهل العدل، لم يكن لأهل العدل(1) أن يقاتلوا مع أهل المدينة المشركين الذين جاءوا غازين لأهل المدينة؛ لأنهم لو ظهروا عليهم لم تقدر فرقة أهل العدل أن يصيروا فيهم إلى حكم العدل إذا أراد المشركون أن يصيروا فيهم إلى غير ذلك، إلا أن يجيء من حالهم ما يخافون أن يدخلوا إلى المدينة عليهم وهم مريدون لجماعة من فيها فيقاتلونهم ليدفعوا عن أنفسهم، فإذا دفعوهم عن دخولها رجعوا عنهم ولم يتبعوهم مع أهل المدينة.
مسألة: هل يجوز قتل نساء الباغين وصبيانهم ومجانينهم وغنيمة مالهم؟
__________
(1) ـ في نسخة: لفرقة أهل العدل.

قال أحمد بن عيسى: ولا يقصد بالقتل إلى من قاتل مع أهل البغي من النساء والصبيان والمجانين، ولكن يدفعون، فإن لم يندفعوا إلا بالقتل قتلوا. في رواية سعدان. وقال القاسم مثل ذلك.
وقال القاسم: يقتل كل من نصب للمحق بقتال من النساء والمجانين وغيرهم من العالمين وكل من حرم قتاله وقتله لم يحل أسره ولا ماله.
وقال محمد في كتاب السيرة: سألت أحمد بن عيسى والقاسم بن إبراهيم عمن يقاتل أهل العدل من أهل البغي من النساء والصبيان والمجانين؟
فقالا: لا يقصدوا بقتال، ولكن يدفعون، فإن لم يندفعوا إلا بالقتل قتلوا.
وقال محمد: إذا كان مع أهل البغي في الحرب نساء أو أطفال أحرار أو رجال لا يعينونهم بقتال فلا سبيل عليهم ولا يغنم شيء مما معهم، إلا أن يقاتلوا فإنهم في تلك الحال يدفعون، فإن لم يندفعوا إلا بالقتل فجائز قتلهم.
وقال ـ في موضع آخر ـ: إلا أن يريدوا قتل أحد من المحقين فيدفعهم من نفسه، فإن لم يندفعوا إلا بالقتل قتلهم ويغنم جميع ما كان معهم مما أجلبوا به، وإن كان معهم نساء أو أطفال لا يقاتلون ولا يدفعون، ومعهم سلاح وكراع لأهل البغي يحفظونه عليهم أو غير ذلك مما أجلبوا به فإنه يغنم جميع ذلك ويخلى سبيل النساء والأطفال، ولا يغنم شيء مما كان معهم لأنفسهم، وإن كان مع النساء شيء أجلبن به ليقاتلن به المحقين فظفر بهن ولم يقاتلن ولم يدفعن فإنه يغنم جميع ما معهن وما أجلبن به للحرب ولا يغنم ما سوى ذلك ما معهن ويخلى سبيلهن.
ورى محمد بإساده عن الحسن البصري قال: كان أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم الفتح يقتلون من النساء والولدان من أعان عليهم.
وعن جعفر، عن أبيه قال: أمر رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم الفتح بقتل فرينا وأم سارة كانتا يحضان على قتال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم بدر.

وعن عبد الرحمن بن أبي عمرة قال: مر رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بامرأة قد قُتلت يوم حنين، فقال: ((من قتل هذه))؟ فقال رجل: يا رسول الله أردفتها فأرادت قتلي فقتلتها، فأمر بدفنا. وأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ضرب عنق امرأة من بني قريضة؛ لحدث أحدثته.
مسألة:
قال محمد: ولو أن أهل البغي قلدوا أمرهم امراة وجعلوها لهم إماماً فحالها في ذلك كحال الرجل الرئيس لأهل العسكر، تقتل على كل حال مقاتلةٌ كانت أو مدافعةٌ أو واقفةٌ مكثرةٌ آمرةٌ ناهيةٌ، إلا أن يوجد إلى أسرها سبيل فتؤسر.
مسألة: في بيان العسكر والسرايا
قال أحمد، والقاسم، ومحمد: يكره أن يثبت العساكر التي لا يؤمن أن يكون فيها من لا يجوز قتله مثل امراة أو صبي أو مكره أو مكار أو تاجر أو ابن سبيل، فأما العساكر والسرايا التي قد أمن أن يكون فيها من لا يجوز قتله فلا بأس ببياتها.
قال محمد: سألت أحمد بن عيسى عن بيات أهل البغي؟
فقال: لم يبيت أمير المؤمنين أحدا. فذكرت له ما روي عن أبيه عيسى بن زيد أنه كره بيات العساكر ولم ير ببيات السرايا بأساً.
فقال أحمد: السرايا والعساكر كلها عندي سواء، وإنما يخاف من البيات أن يكون معهم المكاري والمكره أو مارّ الطريق، فإن أمن أن يكون معهم أحد من هؤلاء فلتبيت السرية السرايا والعساكر وليقتلوا على كل حال.
قال محمد: وسألت القاسم عن البيات، فقال نحو قول أحمد.
وذكرت له نحو قول عيسى بن زيد، فقال: أرأيت إن كان العسكر كله سرية ـ يعني أنهم يبيتون ـ والقول عندي كما قالوا.
وسئل أحمد عن أهل العدل إذا وافقوا أهل البغي فذهبت طائفة من أهل العدل إلى إمام أهل البغي وهو نائي عنهم فدخلوا عليه فقتلوه فقال: قد دخلت طائفة يوم الدار على عثمان فقتلوه، فلم ينكر ذلك علي صلى الله عليه ومن معه من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم.
قال محمد: قال لي أحمد: ما تقول في الغيلة؟

قلت: إن كان في حرب فيغتاله ويحتال له، وإن كان في غير حرب فقد نهي عنه، فأمسك أحمد بن عيسى وكان الجواب وافقه.
قال محمد: ولا يثبت عساكر أهل البغي ـ معنى التي فيها من لا يجوز قتله ـ ولا ينصب عليهم المنجنيق ولا يرموا بالنار ولا يغرقوا، إلا أن يخاف أهل العدل ظهور أهل البغي عليهم في حال المصافّة فجائز لأهل العدل حينئذ أن يدفعوهم عن أنفسهم بما اندفعوا من تحريق أو تغريق أو رمي بمنجنيق.
قال محمد ـ في موضع آخر ـ: جائز لأهل العدل إذا خافوا الباغين على أنفسهم أن يمنعوا عليهم الماء حتى يغرقوا أو ينصبوا عليهم المناجيق أو يرموهم بالنفاظات إذا لم يصلوا إلى قتلهم إلا بذلك، وإن كان فيهم نساء أو أطفال أو مرضى فإنما يعتمد بذلك أهل الجناية ومن يحل قتله، فمن أخطأ بقتله منهم في تلك الحال فلا شيء على أهل العدل فيه إلا الكفارة على قاتله والدية على عاقلته، ولا بأس ببيات السرايا الخيل المجردة وقبلها على كل حال إذا شراها أهل البغي لأهل العدل.
حدثني عباد، عن بعض أصحابه، عن عيسى بن زيد أنه يكره بيات العساكر، ولم ير ببيات السرايا بأساً.
وروي عن إبراهيم بن عبد الله أنه كره بيات الفئة الباغية.
فقيل له: أرأيت لو صافت القوم فهاج مطر وريح حال بين القوم وبينك، أكان يحرم عندك أن تنتهز تلك منهم؟
فقال: إن السنة لا تضرب لها المقاييس.
قال محمد: ولا ينبغي أن يغتال أهل البغي في حال عزتهم عند وضعهم السلاح وانصرافهم إلى منازلهم، ولا بأس باغتيالهم في حال محاربتهم ومصافتهم وتكمين الكمين عليهم وإتيانهم عن أيمانهم وعن شمائلهم ومن وراء ظهورهم وقتلهم قياماً وقعدواً ونياماً وعلى كل حال، فإذا وصلوا إلى إمامهم فلهم أن يقتلوه على أي حال كان مدافعاً عن نفسه أو غير مدافع، قائماً كان أو قاعداً. وكذلك الحكم في أمر السرايا والعساكر بهذه المنزلة، يقتلون على كل حال.

وروى محمد بإسناده عن أبي ميسرة أن عليّاً صلى الله عليه نزل بصفين في أيام بقين من المحرم، وكره علي صلى الله عليه القتال فيه، فكأني أسمع منادي أهل صفين يقول: أما بين المنايا غير سبع بقين من المحرم أو ثمان ـ أي نهانا كتاب الله عنكم ـ ولا ينهاكم السبع المثاني.
مسألة: في الكذب في الحرب
قال القاسم ـ فيما حدثنا علي بن هارون، عن أحمد بن سهل، عن عثمان بن محمد، عن القومسي قال ـ: سألت القاسم عن الخديعة والكذب في الحرب، فقال: لا خير في الخديعة والكذب على كل حال.
وكذلك ذكر عن علي صلى الله عليه أنه كان يقول: (يماكرني معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وأبو الأعور السلمي، أما والله لولا أني سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: ((المكر والخديعة في النار )) لكنت أعلم بالمكر والخديعة منهم).

وقال الحسن بن يحيى: سألت عن معنى الحديث الذي روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يصلح الكذب في هزل ولا جد ))، فكذلك هو عندنا لا يصلح ذلك ولا يحل إلا في أشياء قد رخص فيهن ليس هي من الكذب الذي هو معصية لله عز وجل مثل المكر في الحرب، لا بأس بذلك ما لم يعتد على من يحاربه ويظلمه، ومن ذلك أن يقول الرجل القول ليصلح به بين اثنين، فإن عرض في ذلك ووهم ليصلح بينهما ما لم يقل مأثماً فلا بأس بذلك، ومن ذلك إن سئل عن شيء إن صدق فيه أدخل على مؤمن ضرراً أو استحل بسبب صدقه معصية لله عز وجل فلا يسعه هنا أن يعين في الصدق بالخبر على ما لا يحل، ولكن يعرض بقوله فيلحنه ولا يضيق ذلك عليه، ومن ذلك أن يسأل عن خبر رجل إن صدق في خبره عصى الله فيه فلا يسعه في هذا الموضع أن يعين بالصدق على قتله، ومن ذلك أن يستدل على شيء إن دل عليه كان معصية لله فلا يجوز له في هذا الحال أن يخبر فيه مما يعلم، وعليه أن يدفع المعنى ويعرض فيه، قال الله سبحانه يخبر عن قوم إبراهيم عليه السلام: {بل فعله كبيرهم هذا}، ولم يفعله، وإنما أراد إبراهيم إثبات حجة، ورضي الله في ذلك من فعل إبراهيم عليه السلام، وإنما الكذب المحرم هو الذي يكون معصية لله عز وجل وما قمت فيه بأمر الله ودفعت به عن مؤمن فليس ذلك بمعصية ولا حرج فيه.
وقد روي: أنه لا بأس أن يستطيب الرجل نفس امرأته في ثمن الثوب أو نحوه. فالكذب على من تعمد فيه الإثم.
بابٌ في الغنائم وقسمتها
قال أحمد بن عيسى ـ وهو معنى قول محمد ـ: تقسم الغنيمة على خمسة أسهم لمن سمى الله، وأربعة أخماس بين كل من قاتل عليه، ولآل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم الخمس من المغنم، ولمن حضر الحرب من آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بينهم مع المسلمين ثم شركاء الناس في ما سوى ذلك. وذكر الخراج وغيره.
وروى محمد عن ابن عباس نحو ذلك.

قال محمد: والأربعة الأخماس التي جعلها الله للمقاتلة في سبيله لا يجوز للإمام أن يفضل بعضهم على بعض فيها على قدر الغنى.
وقال القاسم: متى ما غنم المؤمنين شيئاً فقد جعله الله لهم فيئاً وغنيمة، وعلى إمامهم فيه أن يحوز خمسه، فيجعله لمن قد جعله الله له، ويلزم الإمام أن يصرف خمس الغنائم في أولى وجوهه به.
قال محمد في السيرة الصغيرة: سمعت القاسم بن إبراهيم يقول في الخمس: يصرفه الإمام فيما رأى أنه أحق وأغنى عن دين الله، واحتج فيه بفعل أمير المؤمنين في الخمس حين استعان به في حرب معاوية.
وقال محمد: إذا ظفر الإمام بأهل الحرب غنم جميع ما أجلبوا به، وجميع ما خلفوه في دورهم ووارته حيطانهم وأغلقوا عليه أبوابهم وسبي صغارهم وكبارهم. وكذلك الحكم في أرضهم، وإذا ظفر إمام العدل بأهل البغي غنم من أموالهم ما أجلبوا به عليه في عسكرهم لقتاله ومحاربته ولا يعترض لشيء من أموالهم التي لم يجلبوا بها عليه، وإذا جمع الغنمائم فليخمسها فيعزل خمس جميعها ويقسم الأربعة الأخماس على الذين ظهروا معه على أهل البغي وحاربوا وأعانوا من الأحرار البالغين المسلمين. وسهم الإمام معهم في الغنيمة كسهم أحدهم.
مسألة:
قال أحمد ـ فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن سعدان، عن محمد عنه، وهو قول محمد ـ: ولا يسهم لصبي ولا امرأة ولا عبد ولا ذمي ولا لتاجر ولا أجير إذا حضروا القتال، ولكن يحدون.
قال محمد: وإن قاتل أحد هؤلاء مع إمام العدل رضخ له الإمام بقدر ما كان منه من العناء والصبر على القتال والمعاونة لأهل العدل، ولا يضرب لهم بسهم، وإن كان مع الرجل عبده أو أجيره فلا يسهم لهما، وإن رأى الإمام أن يرضخ لهما من الغنيمة فذلك له.
روي عن ابن عباس قال: لم يكن يسهم للعبد إلا أن يجد أمن الغنيمة.

أخبرنا جعفر بن محمد بن حاجب ـ إجازة ـ، قال: أخبرنا علي بن أحمد بن عمرو، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال: ذكرت لأبي عبد الله أحمد بن عيسى سواد الكوفة وما قيل فيه وما كان فيه من علي ومن عمر(1)، وما أراد عمر أن يقسم أهله، وما ذكر عن علي من الإباء في ذلك، وسألته عن الوجه في ذلك والحكم فيه، فذكر الاختلاف فيه وذكر أنه يهاب الجواب فيه.
وقال: قد قال علي: لولا كذا لقسمت السواد بينكم.
وقال أبو عبد الله: إذا كان ذلك جمع فيه العلماء.
مسألة: كم يسهم للفارس؟
قال أحمد، ومحمد: ويقسم أربعة أخماس الغنيمة على المقاتلة، للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم.
وذكر أحمد بن الحسين أن هذا قول القاسم.
وروى محمد بإسناده، عن ابن عمر قال: أسهم رسول الله للفرس سهمين(2) وللرجل سهماً.
وعن ابن عباس، عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نحو ذلك.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه أسهم يوم خيبر ويوم بني قريظة للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهماً.
وعن ابن عباس نحو ذلك. وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان، وللراجل سهم.
وقال أحمد، ومحمد: ويسهم لصاحب البرذون كما يسهم لصاحب الفرس، يضرب له ثلاثة أسهم، سهمان للبرذون، وسهم لراكبه.
وروي عن الحسن البصري مثل ذلك.
قال أحمد بن عيسى: وللإمام إذا حضر ـ أيضاً ـ سهم كأحدهم، إن كان فارساً فله ثلاثة أسهم، وهو شريك أصحاب الخمس في خمسهم.
قال محمد: ومن كان معه فرسان فله خمسة أسهم، لكل فرس سهمان، وله سهم، ولا يسهم لأكثر من فرسين.
وذكر أحمد بن الحسين أن القاسم قال مثل ذلك.
وروى محمد بإسناده عن مكحول أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أعطى الزبير يوم خيبر خمسة أسهم، أربعة لفرسيه وسهماً له.
وعن حيوة بن شريح أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يسهم لأكثر من فرسين.
__________
(1) ـ في نسخة: ومن عثمان.
(2) ـ في نسخة: ثلاثة.

وعن ضميرة(1)، عن علي صلى الله عليه، نحو ذلك.
قال أبو حنيفة: لا يسهم لأكثر من فرس.
قال محمد: ولا يسهم للبغل ولا للحمار ولا للبعير، وأصحابها به بمنزلة الرجالة.
وروى مجاهد أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أسهم للبغل سهماً.
مسألة: سلب المقتول لمَن تكون، وهو النفل؟
قال أحمد بن عيسى: وسئل عن رجل من المسلمين قتل رجلاً من المشركين مبارزة، ومع المشرك مال وسلاح، لمن ماله وسلبه؟
فقال: للذي قتله، وإنما ذلك يتوسع من الإمام، وقد فعل ذلك أمير المؤمنين صلى الله عليه، ولكن لا بد من أن يؤخذ خمسه على كل حال.
قال محمد: يعني بقوله: إنما ذلك بتوسع من الإمام، له إذا قال الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه، أو قال لرجل: إن قتلت قتيلاً فلك سلبه، فقتل رجلاً من العدو بعد قول الإمام له ذلك فله سلبه وآلته، وفيه الخمس ـ في قول أحمد ـ كما تخمس الغنيمة، وأربعة أخماس للذي غنمه، وأما إذا لم ينفل الإمام أحداً سلب من قتل من أهل البغي فسلب كل قتيل له مضموم إلى غنيمة أهل العسكر، أربعة أخماس للذين غنموا، وخمس لأهله الذين سماهم الله سبحانه.
__________
(1) ـ في نسخة: ضمرة.

قال القاسم: إذا قال الإمام لرجل: إذا قتلت فلاناً ـ يعني رجلاً محارباً للإسلام ـ فلك سلبه، فقتله فله سلاحه وآلته وفرسه وكل معلوم من سبيه غير مجهول، فإن كان معه جواهر من در أو ياقوت أو لؤلؤ أو غير ذلك أو مال من ذهب أو فضة عظيم القدر فليس له، إنما له ما يظهر ويرى من كل ظاهر من سلبه لا يخفى، مثل ما عليه من لباسه وسلاحه وآلته وفرسه؛ لأن ذلك كله من الإمام له عطية مجعولة، وليس للإمام أن ينقصه شيئاً مما جعل له، ولا لأحد أن يدفعه عنه، وإذا قال الإمام لرجل: إن قتلت فلاناً فلك سلبه، فأعانه على قتله غيره فله سلبه كله، وليس لمن أعانه شيء مما جعله له؛ لأن الناس قد يعين بعضهم بعضاً إحتساباً للأجر منهم، ولا تكون العطية إلا لمن عومل فيها وجوعل دون غيره، وإذا قال الإمام لرجل: إن قتلت فلاناً فلك سلبه، فقتله هو وغيره، لم يكن السلب له ولا لمن قتله معه، وكان السلب في غنيمة العسكر.
قال محمد: فقلت له: لم لا يأخذون سلبه بينهم كلهم وهو لو كان قوداً قيد به جميعهم؟
قال: لأنه لم يجعل الجعل لهم، إنما جعله له دونهم على أن يقتله وحده دونهم لا معهم، فلما قتلوه جميعاً بطلت المجاعلة إذا كانوا كلهم، ولو أمعه قتله، ولو كانوا(1) قوداً قتلوا به كلهم ولزمهم جميعاً من القود ما لزمهم، وكان حكمهم جميعاً في ذلك حكمه.
قال القاسم: ولو قال الإمام قولاً مطلقاً: من قتل فلاناً فله سلبه، ولم يخص بالقول رجلاً بعينه، فقتله هو وغيره فإن السلب بين كل من قتله، وكانوا جميعاً شركاء في سلبه، ألا ترى أن القتل ليس بواقع على واحد منهم دون صاحبه، ولا اشتباههم كلهم في القتل اشتبهوا في العطية والجعل.
قال محمد: لا بأس أن يقول الإمام لأصحابه في وقت القتال: من قتل فلاناً فله سلبه أو من قتل قتيلاً فله سلبه، فإن قتل رجل قتيلاً فله سلبه كما شرط له الإمام، ولا يجوز لأحد أن يحول بينه وبين ذلك.
__________
(1) ـ في نسخة: كان.

وقد اختلف أهل العلم في خمس السلب، فقال قوم: فيه الخمس. فروي ذلك عن عمر، وابن عباس.
وقال قوم: لا خمس فيه. وهو قول أبي حنيفة، وسفيان. وكلا الوجهين فيه رواية. وهو مما يتسع للإمام فيه النظر فينظر الإمام إلى الذي هو أقوى عنده فيعمل عليه.
وروى محمد بإسناده، عن أنس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال يوم حنين: ((من قتل كافراً فله سلبه ))، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم.
وعن أبي قتادة أنه قتل رجلاً من المشركين فنفله رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم درعه وسيفه وسلبه.
وعن أبي قتادة أنه قال يوم حنين: يا رسول الله، إني ضربت رجلاً على حيل العاتق وعليه درع فأجهضت(1) عليه، فقال رجل: أنا آخذ بها فأرض منها وأعطيتها، فقال عمر: والله لا يفئها على أسد من أسده فيعطيكها، فقال رسول الله صدق عمر.
وعن أنس قال: أول سلب خمس في الإسلام سلب البراء بن عازب كان قتل المرزكان وأخذ منطعته وسواريه، فلما قدم قال عمر: إنا كنا لا نخمس الأسلاب، وإن سلب البراء مال، وإنا خامسوه، فكان قيمة السوار والمنطعة ثلاثين ألفاً.
وعن علي عليه السلام أنه أتي بأسير يوم صفين فقال: (أفيك خير تبايع) فقال: نعم، فقال: للذي جاء به لك سلاحه.
وعن أبي جعفر، عن علي أنه كان لا يأخذ سلباً.
وعن مكحول أنه قال: لا سلب إلا لمن أشعر(2) أو قتل، ولا سلب في يوم هزيمة ولا فتح.
قال محمد: وإذا لم ينفل الإمام أحداً سلب من قتل من الباغين، فسلبُ كل قتيل مضموم إلى غنيمة أهل العسكر. وإذا قال الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه، فقتل رجل رجلاً من المشركين في حال موافقة الصفين أو في حال الحرب واللقاء فلم يسلبه في وقت قتله إياه فإنّ سلبه غنيمة وفيه الخمس. وهذا قول أبي حنيفة ومن قال بقوله.
__________
(1) ـ يقال: قتل فلان فأجهض عنه القوم، أي غلبوا حتى أخذ منهم.
(2) ـ شعار القوم في الحرب علامتهم، والله أعلم.

وقال بعضهم: إذا قتله بعد قول الإمام في حال الحرب واللقاء أو قتل حال الحرب واللقاء فسلبه في تلك الحال أو بعدها فله سلبه. هذه المسألة من السيرة وكتاب الخمس.
قال محمد: وليس للإمام أن ينفل ما بعد الغنيمة، إنما له أن ينفل قبل الغنيمة، وهو قول أبي حنيفة وسفيان.
وقال محمد في الإمام يقول: من أخذ أسيراً فهو له، فأخذ رجل أسيراً فهو له، فأخذ رجل أسيراً ومعه دراهم أو دنانير. قال: إن كان معه شيء يسير فهو له. وهذه المسألة في سيرة نوح.
مسألة:
قال القاسم، ومحمد: وإذا قال الإمام: من قتل قتيلاً فله كذا وكذا درهماً أو ديناراً أو غير ذلك ليضربهم بذلك على القتال ويحضهم على جهاد عدوهم، فقتل رجل رجلاً، فعلى الإمام أن يعطيه ذلك من الفيء.
قال محمد: وإذا قتل رجل قتلى كثيرة فله بكل قتيل ما سمي له يعطى ذلك من الفيء الذي بين جماعة المسلمين.
قال القاسم: وكذلك إن قال الإمام من قتل فلاناً ـ لرجل بعينه ـ فله ألف درهم، فقتله رجل، فإن الإمام يعطيه الألف من بيت المال من الفيء، فإن لم يحضره من الفيء ما يعطيه منه أعطاه من الصدقات، فإنما جعلها الله معونات للإسلام وأهله.
مسألة: هل للإمام أن ينفل السرية الربع بما تغنم؟
قال محمد: وإذا غزا الإمام ثم بعث سرية فجائز له أن ينفلها ربع ما يقسم بعد الخمس أو دون الربع، فإذا جاءوا الغنيمة بدأ الإمام فعزل خمس جميع ذلك، ثم يعطي أهل السريّة الربع بعد الخمس، ثم يضم ما بقي بعد الربع إلى غنيمة أهل العسكر فيكون أهل السريّة شركاء أهل العسكر في جميع الغنيمة، وإنما للإمام أن ينفلهم قبل أن يغنموا، وأما إذا غنموا فلا نفل، وإن قاتل مع السرية نساء أو صبيان ومماليك لهم أو لغيرهم فلا نصيب لهم في النفل غير أن أهل السرية يرضخون من نفلهم بقدر ما يرون.

وروى محمد بإسناده عن حبيب بن مسلمة الفهري صاحب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أن رسول الله كان ينفل في البداة الربع وفي الفقلة الثلث، وقال: ((لهم سهم بعد النفل مع الناس كما يأخذون)).
وعن حبيب أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قبل الخمس.
قال محمد: البداة الربع، يعني أن يبعث السرية قبل لقاء العدو وينفلهم الربع مما يغنمون لنصرتهم بذلك على القتال وفي الفقلة الثلث، يعني أن يبعث سرية بعد ما تفرغ من القتال ويهم بالانصراف وينعاهم ثلث ما يغمون، يعني أنه إنما أرادهم في المنصرف؛ لأنهم يرجعون وقد كلَّوا وملّوا وفي البداة يمرون سراعاً بنشاط.
مسألة: هل للإمام يصطفي لنفسه من الغنيمة؟
قال محمد: قد اختلف في الصفي، فقال قوم: لا يجوز للإمام أن يصطفي بعد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وقال قوم: جائز للإمام أن يصطفي بعد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم؛ لأن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فعل ذلك ولم ينه عنه.
وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه اصطفى يوم خيبر صفية لنفسه، ويوم بني قريظة ريحانة بنت عمر، فكانت عيده.
وقال قوم: الصفي من الخمس.
وقال قوم: الصفي من جميع الغنيمة.
ثم اختلف الذين أجازوا للإمام أن يصطفي.
وقال بعضهم: له أن يصطفي، واحتجوا في جوازه بأن عليّاً صلى الله عليه حين بعثه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى اليمن اصطفى لنفسه جارية، وإنما كان صاحب سرية، فلم يعب ذلك رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وقال قوم: كانت الجارية من المغنم.
وقال قوم: كانت من الخمس.
وقال قوم: للإمام أن يصطفي من أهل البغي.
وقال قوم: ليس له أن يصطفي منهم.
وقال محمد: لم يثبت لنا عن علي صلى الله عليه أنه اصطفى من أهل البغي شيئاً في حروبه.
وقال محمد في حديث: إنه سبى امرأة كانت من الخوارج وهبها لرجل، إنما هي عندنا أمة.

وبلغنا عن علي صلى الله عليه أنه قال: (من ولي لنا عملاً ولم يكن له منزل فليتخذ منزلاً، ومن لم يكن له زوجة فليتخذ زوجة، ومن لم يكن له دابة فليتخذ دابة، وما سوى ذلك فهو فيه غال أو سارق).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: ((لا تصيبن شيئاً بغير علم فإنه غلول)).
وروى محمد بإسناده عن الشعبي قال: الصفي من الغنيمة يأخذ رسول الله منها شيئاً واحداً، ثم يسهمه كسهم رجل من المسلمين.
وعن سعيد بن المسيب، كان الناس يعطون النفل من الخمس.
وعن مكحول قال: نفل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم حنين من الخمس.
وعن إبراهيم قال: لأمير السرية أن ينفل من الخمس.
وعن نوح قال: إذا أتى الإمام بالغنيمة فقال لبعضهم أنت حر، فهو من حصته وليس بالصفي، حتى يقول: قد اصطفيته لنفسي.
مسألة: قسمة الفيء، وكم يعطى كل إنسان؟
قال أحمد ـ فيما حدثنا علي، عن ابن سفيان(1)، عن ابن حاتم، عن محمد بن مروان، عن محمد بن حبلة، عنه ـ: ومن حق الرعية على إمامها التسوية بينها في قسمها.
قال محمد: وكل ما اجتمع في بيت مال المسلمين من جميع وجوه الفيء فإنه لجماعة المسلمين، يعطي منه الإمام أرزاق الجند وأجور البرد وأعطيات الذرية وما ينوب الإمام من نائبة، وينفل منه من أراد بعد أن يجهد رأيه، ويتعمد صلاح المسلمين.
وقال ـ في السيرة الصغيرة ـ: وإصلاح سبيل الحج والجهاد وما أشبه ذلك ونفقة الإمام ونفقة عياله ومصالحه، ثم يقسم ما بقي بعد ذلك بين جماعة المسلمين، كلهم فيه سواء.
بلغنا أن عليّاً صلى الله عليه كان لا يفضل أحداً على أحد في العطاء.
وبلغنا عن علي صلى الله عليه أنه كان يقسم ما في بيوت أموال المسلمين كل جمعة، فإذا قسم الإمام الفيء أعطى المسلمين على قدر كثرة عيالاتهم وقتلتهم.
__________
(1) ـ في نسخة: علي بن سفيان.

بلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه كان إذا أتاه فيء قسمه في قومه، فأعطى الأهل حظين وأعطى العرب حظاً واحداً.
وبلغنا أن عليّاً صلى الله عليه كان يكتب في ديوانه كل مولود يولد من المسلمين ويجزي عليهم مائة درهم في كل سنة، الذكر والأنثى في ذلك سواء.
وبلغنا أنه أثبت امرأة في مائة في كل سنة.
وبلغنا أن رجلاً أتاه في الليل فطرق عليه بابه فقال: يا أمير المؤمنين ولد لي مولود في هذه الليلة فأثبته لي، فأثبته له في الديوان في ذلك الوقت.
وبلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك دنيا ضياعاً فإلي وعلي، وهو كل دين لم يعلم أنه أنفقه في معصية الله، وأما الضياع فهم الذرية عيالات المسلمين من النساء والصبيان.
وكذلك يجب في فقراء المسلمين ومحاويجهم من الصغار والكبار الأحرار، وكذلك كل لقيط فهو حر يرزق من بيت المال.
وبلغنا أن عليّاً صلى الله عليه أثبت لقيطاً في مائة درهم كل سنة.
وعن علي أنه أثبت ولد زنى في مائة.
وبلغنا أن عمر كان يجزي على كل واحد من المسلمين من الفيء جزيتين في كل شهر الصغير والكبير والذكر والأنثى والحر والمملوك، ولم يبلغنا أن عليّاً صلى الله عليه غير ذلك حين ولي الأمر.
وقال محمد ـ في السيرة الصغيرة ـ: بلغنا عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام أنه قال: لما قام علي صلى الله عليه أمضى سبيلهما مخافة أن يؤخذ عليه خلافهما، يعني أن عليّاً أمضى السهمين وهما خمسا الخمس سبيل ما أمضاهما أبو بكر وعمر.
وروى محمد بإسناده، عن ابن سيرين أن عقيلاً جاء إلى علي صلى الله عليه فسأله شيئاً من بيت المال، فقال له: اذهب بنا نغير على فلان حاربا اليهوى، فقال: أي شيء يقول؟ قال: يجيء هذا يخاصمني وحده يوم القيامة خير من أن يخاصمني هؤلاء كلهم.
وعن علي صلى الله عليه: (لئن ثبتت وطأتي لأعطينكم في كل أربعة أشهر عطاء، وفي كل شهر رزقين).

وعن أبي بكر أنه لما بويع جعلوا له ألفي درهم أو ألفا وخمسمائة درهم، فخطب فقال: إنكم قد شغلتموني عن التجارة فزادوه خمسمائة، فقال: اذبح شاة فطينوا لي مذارعها، ففعلوا به ذلك.
قال محمد: فأما ما اجتمع من الصدقات في بيت المال من صدقة الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والتمر والزبيب والحنطة والشعير والذرة فليس ذلك من الفيء ولكن توضع في الأصناف الثمانية التي سمى الله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين..} الآية، وفي أي صنف من الثمانية وضع الإمام الصدقة أجزأه بعد أن يتحر الصواب بجهده في النصح لله ولرسوله ولجماعة المسلمين.
وأما المؤلفة قلوبهم فقد اختلف الناس فيهم، فقال قوم: سقطوا من الآية بعد موت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، كان ذلك خاصّاً لرسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فذهبوا من الآية بذهابه، وبذلك كان علي صلى الله عليه يعمل لم يفضل أحداً على أحد في العطاء، ولم يتألف أحداً من بيت مال المسلمين، وبذلك سار في طلحة والزبير حيث قسم ما في بيت المال بينهم بالسويَّة، فأصاب كل إنسان ثلاثة دنانير، فاستزاد طلحة والزبير في ذلك وقالا: ليس هكذا كان عمر يفعل بنا، وذكراه! فضلهما وسابقتهما وهجرتهما وعناهما في الإسلام، واحتج علي صلى الله عليه عليهما بنفسه وسابقته وهجرته وعنائه وقرابته، ثم قال: (ما أنا وأجيري هذا في بيت مال المسلمين إلا سواء).
وقد بلغنا عن محمد بن عبد الله عليه السلام أنه كان يرى أن يتألف الرجل من المسلمين إذا رأى ذلك صلاحاً للدين والإسلام بقدر عشرة آلاف لا يجاوزها.
قال أبو جعفر بن منصور: وكل فيء فعله مصيب فعل علي صلى الله عليه في وقته صواب. ورأى محمد بن عبد الله في وقته صواب.

وروى محمد بإسناده أن عثمان استعمل الأشعث على أذربيجان، فأصاب مائة ألف درهم، فلما ولي علي صلى الله عليه قال للأشعث: (أحضر المال إلى بيت مال المسلمين)، فقال الأشعث: لم أصبها في عملك، فحلف علي صلى الله عليه: (لئن جاء وقت كذا ولم تأتني بالمال لأضربنك بسيفي)، قال: فوافأ بالمال، فقال له علي بعد ذلك: (أعطيك خمسة آلاف درهم وترضى)؟ قال: فأبى، قال: (فعشرة آلاف؟) فأبى، قال: (فخمسة عشر ألفاً)؟ فأبى، قال: (فعشرين ألفاً)؟.
قال محمد ـ في هذا الحديث ـ: إن للإمام أن يسترضي الرجل الواحد بعشرين ألفاً من بيت المال إذا رأى أن ذلك صلاح للمسلمين.
قال محمد: قال سعيد بن مدرك: وليس للإام أن يحبس الفيء على المسلمين، ولا يستأثر به عليهم، وليس هو لجماعتهم، على أن على الإمام أن يحصي جميع عددهم ثم يقسمه بالسوية بينهم، ولكن عليه أن يصيره في أولاهم به عنده لا على أن لكل واحد منهم مثل حصة صاحبه، فإذا حكم لواحد منهم بشيء منه كان ذلك الشيء له دون غيره، وللإمام إن حضر أمر يخافه على المسلمين أن يستعين بما حضره من هذا المال ويدع قسمته.
قال سعيد بن مدرك: ولا يخص الإمام إنساناً من الصدقة بعد قضاء دينه بأكثر من الغناء، والغناء ما لا يحل له الصدقة معه، وللإمام أن يخص الإنسان من غير الصدقة بقدر الدية عشرة آلاف درهم إذا كان ذلك على وجه النظر والنصيحة للإسلام؛ لأن الأثر جاء عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه خص رجلاً بمائة من الإبل.

وعن عمر أنه أعطى رجلاً ألف دينار، وكتب لأزواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لكل واحدة في عشرة آلاف في السنة، وكتب لعائشة اثني عشر ألفاً، وإنما أعطى الاثنان مرة(1) في السنة، يدل على ذلك فعل عمر، ولا يخص الإمام أحد في السنة بأكثر من هذا؛ لأنه لم يجيء عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ولا عن أحد من أئمة العدل أنه جاز هذا إلى غيره، ومما ثبت هذا أن عثمان أعطى مروان من بيت المال مائة ألف، فأنكر المسلمون ذلك عليه، فقال: إنما أخذتها قرضاً، وأنا أردها من مالي. فقوله هذا يدل على أنه لم ينكر إنكارهم هذا عليه، ولكنه احتج بالقرض طلباً للعذر.
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه أعطى رجلاً مائة من الإبل، وأعطى آخر أربعاً من الإبل، فقيل: يا رسول الله، أعطيت فلاناً مائة من الإبل، وأعطيت فلاناً أربعاً! فقال: (( ليس فلان بأخير من فلان، وكلت فلاناً إلى المائة، وتألفت فلاناً على المائة )).
مسألة: في وجوه الأفياء
قال أحمد بن عيسى: الفيء ما جبي أو ظهر عليه بغير قتال، والفيء للمسلمين جميعاً، والغنيمة ما قوتل عليها، يقسم على خمسة، خمس لمن سمى الله، وأربعة أخماس بين أهل العسكر الذين قاتلوا عليه، وليس للإمام أن يفضل بعضاً على بعض في الغنيمة على قدر غنائه.
وقال الحسن بن يحيى: يعطى آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم الخمس، يعني مما أخذ من خراج الأرض.
__________
(1) ـ في نسخة: هذه مرة.

وقال محمد: الفيء عندنا ما أصاب المسلمون من أموال المشركين بغير قتال، من ذلك أموال بني قريظة والنضير وكل قرية ألقت مفاتيحها إلى الإمام فلم تقاتله ولم تمانعه فهي فيء، وكل أرض أو مال خلى عنه أهله من المشركين لغير قتال هرباً من المسلمين فهو فيء، وكل قرية أو أرض صالح أهلها الإمام منها وهم يمتنعون من المسلمين على خراج معلوم فهو فيء، وكذلك كلما فدى به أحد من المشركين نفسه بعد إن أُخذ أسيراً، وكلما شذ عن المشركين إلى المسلمين من خيل أو ما أشبه ذلك، وكلما شذ من عسكر الباغين في غير وقت حرب فلم يعرف له مستحق، وكلما جنى من خراج الأرضين التي فتحت عنوة بالسيف ثم لم يقسم بين الذين افتتحوها، وكلما أخذ الإمام من أهل الذمة مما مروا به من أموالهم للتجارة وما أخذ العاشر من أهل الحرب مما مروا به عليه وما أخذ من بني تغلب من الصدقة المضاعفة عليهم، فذلك كله فيء، ومن مات من المسلمين أو من أهل الذمة ولا وارث له فماله فيء، وخمس ما أخذ من المعادن والركاز، وخمس ما أخرج من البحر من الدر واللؤلؤ والعنبر، فسبيل ذلك كله سبيل الفيء.
وقال محمد بن الحسن: سبيل خمس المعادن والركاز سبيل خمس الغنيمة.
قال محمد: وأحب القول إلي وإنه أخذ أنه لا عشر على أهل الذمة إذا أدوا الجزية التي صولحوا عليها.
مسألة: في خمس المعادن
قال محمد في كتاب الخمس: وما أخذ من المعادن من ذهب أو فضة أو رصاص أو نحاس أو حديد أو صفد ففيه الخمس، لا نعلم في هذا اختلافاً، إلا من ذهب فيه إلى الصدقة مكان الخمس، وأما الزئبق فالأكثر من العلماء قالوا: فيه الخمس، هو بمنزلة الرصاص والصفد.
وقال آخرون: لا شيء فيه، والمعدن فيه الخمس سواء كان في ملك من أصابه أو غير ملكه أو في ملك مسلم أو معاهداً، وفي أرض خراج أو عش، وأربعة أخماس لمن وجده إن كان في ملكه، وإن كان وحده في ملك غيره فالأربعة الأخماس لصاحب الملك.

وفرق أبو جعفر بين ملك الأرض والدار، فقال: إن وجده في داره فهو له ولا خمس فيه، وإن وجده في أرضه فهو له وفيه الخمس.
قال محمد: واختلف أهل العلم في الزكاز وهو الكنز العادي.
فقال بعضهم: هو لمن وجده في ملكه أو ملك غيره وفيه الخمس.
وقال بعضهم: إن وجده في ملك غيره فأربعة أخماسه لصاحب الملك، وخمس إلى الإمام، ولا شيء لمن وجده.
وروى محمد بإسناده عن أنس قال: خرجنا مع رسول الله إلى خيبر فدخل صاحب لنا خزنة ليقضي حاجة فتناول حجراً ليستطيب به فانهار عليه تبر فأخذها، فأتى بها إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقال: ((زنها)) فوزنها، فإذا هي مائتا درهم، فقال: ((هذا ركاز، وفي الركاز الخمس)).
قال محمد: الناس على أن الركاز فيه الخمس قل أو كثر.
وروى محمد بإسناده عن الحسن البصري فيمن وجد لقطة في أرض العدو، قال: فيها الخمس.
قال: وإن كانت في أموال المسلمين فيعرفها.
وعن عطاء في قوله تعالى: {يسألونك عن الأنفال}، قال: هو ما شد من المشركين إلى المسلمين بغير قتال من دابة أو عبد أو متاع فهو للنبي عليه السلام يصنع به ما شاء. وعن الحسن نحوه.
مسألة: هل يجب الخمس في الفيء؟
قال أحمد: الفيء للمسلمين جميعاً.
قال الحسن: يعطى أهل بيت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الخمس، يعني من خمس الغنيمة والفيء.
وقال محمد: أجمع أهل العلم على أن جميع ما أصاب المسلمون من أموال المشركين بالسيف عنوة فإنه غنيمة وفيه الخمس لمن سمى الله سبحانه في قوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول..} الآية.
واختلفوا في الفيء، فقال بعضهم: هو لجماعة المسلمين ولا خمس فيه.
وقال بعضهم: يجب في الفيء الخمس كما يجب في الغنيمة، واحتجوا بقوله سبحانه: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى..} الآية، فأوجب تعالى فيه ما أوجب في الغنيمة. هذا قول محمد في كتاب السيرة الكبيرة.

وقال ـ في السيرة الصغيرة ـ: يحكم في الفيء كما قال الله عز وجل: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى ..} الآية، يصرفه الإمام في من هو أحق وأرضى لله سبحانه.
وقال في كتاب الخمس: وهذه الأخماس التي ذكرنا وما يخمس من الركاز والمعادن وخمس ما يخرج من البحر، فكل ذلك يوضع موضع خمس الغنيمة لتوجهه على أهله وفي وجوهه.
وقال ـ في موضع خر ـ: وكل ما ذكرنا من وجوه الفيء يجمع إلى بيت مال المسلمين، وهو لجماعة المسلمين، فيكون منه نفقة الإمام ونفقة عياله ومصالحه.
قال محمد: قال يحيى بن آدم: ليس في الفيء خمس، ولكنه لجماعة المسلمين كما قال الله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} حتى قال: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} وقال: {والذين تبوّوا الدار والإيمان من قبلهم}، ثم قال: {والذين جاءوا من بعدهم}، فلم يبق أحد من المسلمين إلا دخل في ذلك.
مسألة: هل يغنم سلب اللصوص؟
قال محمد: سألت أحمد بن عيسى عن قوم مسلمين لقيهم اللصوص فقاتلوهم فظهروا على اللصوص فغنموا ما معهم، ما الحكم في غنيمتهم؟
قال: هو غنيمة، وفيه الخمس.
قال محمد: وهذا قول عيسى بن زيد، وابن أبي ليلى، وحسن بن صالح.
وذكر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في الذي عصر سحر المدينة أنه ولى سعداً ذلك ونفله سلبه.
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((سلب اللص حلال)).
وقال القاسم: لا أرى سلب اللصوص غنيمة، ولا أرى فيه الخمس.
قال محمد: وهذا ـ أيضاً ـ قول محمد بن عبد الله فيما أخبرني حسين بن عبد الله، عن حسن بن حسين، عن خالد بن مختار، عن الربيع بن حبيب، عنه.
وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، قالوا: فيرد عليهم ما أخذ منهم أو على ورثتهم إن كانوا قد قتلوا، وما علم أنه سرق من إنسان بعينه رد على المسروق منه.

قال محمد ـ فيما حدثنا علي، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه ـ: واللص ليس له فيه هو، فيه نفسه، وأخذ ماله غنيمة.
وقال محمد ـ فيما أخبرنا زيد، عن ابن هارون، عن سعدان، نه ـ: روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((ما أخذت من اللص فهو غنيمة)).
قال: وجاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: اللص يريدني؟ قال: ((فامنعه))، قال: إن قتلته؟ قال: ((فإلى النار))، قال: فإن قتلني؟ قال: ((فإلى الجنة)).
قرأت في كتاب فرات: وسئل محمد بن منصور عمن سمع الضجيج من اللصوص، فخرج بسيف يغيثهم، فلحق اللص ومعه السرق وهو هارب مولي، قال: يضربه بالسيف حتى يرمي بما معه، قلت: فإن قتله؟ قال: فإلى النار.
مسألة: الحكم فيما فتح من الأرض عنوة
قال محمد: قلت لأحمد بن عيسى: ذكر عن يحيى بن آدم أنه قال: إن شاء الإمام قسم ما ظهر عليه من الأرضين، وإن شاء وقفها، قد قسم رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ما ظهر عليه من الأرضين ووقف بعضاً، فذلك إلى الإمام، فقال أحمد: فهل علم العلة التي لها قسم ولها وقف.
وقال أحمد: قد قسم رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم خيبر.
وقال أحمد ـ أيضاً فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن سعدان، عن محمد قال: ذكرت لأحمد بن عيسى سواد الكوفة وما قيل فيه وما كان فيه من علي صلى الله عليه ومن عمر، وما أراد عمر من قسمة أهله، وما جاء عن علي من الإباء في ذلك وسألته عن الوجه في ذلك والحكم فيه، وذكر الاختلاف فيه، وذكر أنه يهاب الجواب فيه ـ: قال: قد قال علي صلى الله عليه: (لولا كذا لقسمت السواد بينكم).
قال أحمد: إذا كان ذلك جمع فيه العلماء.
وقال محمد: العلة التي من أجلها إن شاء الإمام قسم الأرضين إذا ظهر عليها بين من ظهر عليها، كما تقسم الغنيمة، وإن شاء لم يقسمها بينهم، وجعلها وقفاً إنها فيء توقف لجماعة المسلمين يكون مادة لهم ولمن يجيء بعدهم.

وجاء الأثر عن علي صلى الله عليه أنه قال لعمر حين ظهر على السواد فأراد قسمته بين المسلمين: (لا تقسمه بينهم، ودع الأرضين بعمالها تكون مادة للمسلمين).
وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قسم بعض ما ظهر عليه من الأرضين، ووقف بعضاً.
وبلغنا أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لرجل من أصحابه حضر معه الحرب: ((لو نزعت سهماً من جنبك ما كنت بأحق من أخيك))، يعني من حضر معه الحرب.
وبلغنا أن رجلاً من أصحابه سأله مراراً من الغنيمة، فقال: ما كان لك أن تسألنيه، وما كان لي أن أعطيكه.
وبلغنا أن رجلاً من أصحابه سأله كبة من شعر يأخذها من المغنم يصلح بها بردعة بعيره، فقال له رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((نصيبي منها لك))، فطرحها الرجل في المغنم، وقال: إذا بلغت هذا فلا حاجة لي بها يا رسول الله في أشباه لهذا المعنى كثيرة، فلو كان حكم الأرضين إذا ظهر عليها حكم ما ظهر عليه من الأموال كان سبيلها في القسم سبيل الأموال، ولم يجز أن يوقف منها شيء على غير من غنمها، ولكن حكم الأرضين إلى الإمام إن شاء قسهما بين من غلب عليها إن رأى ذلك، وإن شاء وقفها لجماعة المسلمين تكون مادة لهم ولمن يأتي بعدهم من بعد أن يجهد في ذلك النصيحة لله ولرسوله ولجماعة المسلمين، فإذا وقفها الإمام فجميع ما جيء منها لنوائب المسلمين ومصالحهم، وما قسم من جبايتها فليقسمه بينهم بالسوية، ليس لأحد منهم فيه فضل على أحد، وآل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم داخلون في ذلك بعد أخذهم خمسهم من المغنم.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه افتتح خيبر عنوة وقسمها بين المسلمين، وخمسها.
قال محمد: قال يحيى بن آدم: وقد قال بعضهم لا تخمس الأرض؛ لأنها فيء، وليست بغنيمة؛ لأن الغنيمة لا توقف، والأرض إن شاء الإمام وقفها، وإن شاء قسمها كما يقسم الفيء.

وروى محمد عن ابن أبي ليلى أن الحسن والحسين صلى الله عليهما اشتريا أرضاً من أرض السواد.
وعن ابن أبي ليلى أنه كان لا يرى بشراء أرض الخراج بأساً.
وقال يحيى بن آدم: سألت شريكاً عن شراء أرض الخراج، فقال: لا تجعل في عنقك صغاراً.
وكان حسن بن صالح يكره شراء أرض الخراج التي فتحت عنوة ووضع عليها الخراج، ولم ير بأساً بشراء أرض الصلح مثل الحيرة ونحوها.
مسألة: الحد الذي إذا بلغه الصبي أسهم له
قال القاسم ـ فيما روى داود عنه، والحسن، يعني فيما روى ابن صباح عنه، وهو قول محمد ـ: حد بلوغ الغلام أن يحتلم أو يبلغ خمس عشر سنة.
قال محمد: فإن لم يدرك الغلام ولم تعرف سنوه فإدراكه أن ينبت الشعر الأسود، فإذا بلغ ذلك جاز الحكم له وعليه.
وكذلك بلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في بني قريظة أنه قتل من أنبت منهم.
وروى محمد بإسناده عن ابن عمر قال: عرضت على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني.
مسألة: في أبناء الملوك يغنمهم المسلمون
قال محمد ـ في حديث عمر ـ: إنا لا نخمس أبناء الملوك.
قال محمد: يعني إذا أصاب القوم في غنيمتهم رجلاً من أبناء الملوك لم يعجل للإمام بقسمته وخمسه حتى ينظر، فإن فدوه بمال أكثر من قيمته وقدره في الغنيمة أو فدوه برجال منهم يجعل ذلك في المغنم، ثم خمسه وقسمه على سهام الخيل والرجال، وكذلك إن فدوه برجال أسرى كانوا من المسلمين في أيديهم فذلك جائز لا سبيل على المسلمين المفادي بهم، وقد خرج هذا من المغنم والخمس.
مسألة: ذكر الأصناف الذين يوضع فيهم الخمس وعددهم

قال أحمد بن عيسى: يقسم الخمس على خمسة، خمس الله وخمس الرسول واحد، وخمس لذوي القربى وهم قرابة الرسول الذين حرم لله عليهم الصدقة وهم آل علي صلى الله عليه وآل جعفر وآل عقيل وآل عباس عليهم السلا،ن ويقسم الخمس بينهم بالسوية، صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم فيه سواء، ليس لأحد فيه فضل على أحد.
وذكر أحمد بن عيسى عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام أنه قال: الخمس لغنينا وفقيرنا.
قال محمد: وحدثني أحمد بن عيسى، عن محمد بن بكر، عن أبي الجارود، عن علي بن الحسين عليه السلام أن سهم ذي القربى لجماعتهم لغنيهم وفقيرهم.
وأخبرني أحمد بن عيسى، عن زيد بن علي عليه السلام أنه قال: الخمس لنا ما احتجنا إليه.
قال محمد: وقد روي عن زيد بن علي من وجه آخر أنه قال: الخمس لغنيهم وفقيرهم ذكرهم وأنثاهم.
قال محمد: وسألت أحمد بن عيسى عن الخمس الذي عرضه عمر على علي صلى الله عليه هو الذي أتى به من السويس وجند سائق يرينا عنه غناء وبالمسلمين إليه فاقة.
قلت: خمس ما هو؟
قال: خمس الغنية، كما قال الله عز وجل.
قال: وسمعت أحمد بن عيسى يقول: قد قسم رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم خيبر.
وروى أحمد بن عمرَويه، عن محمد بن منصور، قال: قلت لأحمد بن عيسى: إن بعض الناس يعجز عليّاً صلى الله عليه في تركه الخمس، حيث لم يقبضه من عمر بقول أخرجه منا فاستعظم ذلك أبو عبد الله، وقال: يعجز أمير المؤمنين وهو كان أعلم بالحق.
قال وقد جعله لهم حيث جاءه الحسن والحسين يسألانه الخمس، فقال: هو لكم، ولكن طيبوه لي حتى أستعين به على حرب معاوية، فطيبوه له.

قال محمد: إذا غنم الإمام أموال أهل البغي عزل خمس جميعها وقسم أربعة أخماس الغنيمة على المقاتلة، ثم عمد إلى الخمس الذي عزله أولاً وقسمه على خمسة أسهم، فسهم الله والرسول واحد يأخذه الإمام لنفسه ينفله من أراد ويصرفه فيما يحتاج إليه من مصالحه ونوائبه وأموره وفيما رأى من معاون الإسلام ومصالحه، وفي هذه الأمور كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يصرف هذا السهم من الخمس فيه، وكذلك كان علي صلى اللّه عليه بعده.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه أخذ وبرة من سنام بعير من المغنم، ثم قال: ((والله ما لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس)).

وعن عقيل بن أبي طالب أنه أخذ أبرة من المغنم فأعطاها امرأته، فبعث رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم منادياً: ألا لا يغلن رجل أبرة فما دونها، فقال عقيل لامرأته: ما أرى أبرتك إلا قد فاتتك وسهم لذي القربى، وهم قرابة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الذين حرمت عليهم الصدقة وهم آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل عباس عليهم السلام يقسم الخمس بين هؤلاء الأربعة ... بالسوية حظ الذكر والأنثى فيه سواء، وهو لغنيهم وفقيرهم وصغيرهم وكبيرهم وشاهدهم وغائبهم كلهم فيه شرع سواء، ليس لأحد منهم فيه فضل على أحد، إلا أن يرى الإمام ببعضهم خلة فيخصه منه بقدر ما يرى فيه من الحاجة والفقر والمسكنة، ومن كان منهم مغرماً فللإمام أن يقضي دينه من جميع الخمس، ويفضل بعضهم على بعض على قدر ما يرى من الحاجة إليه، ويتحرى في ذلك الصواب، ويجهد نفسه النصح لله ولرسوله ولا يعمل في ذلك بمجاباة ولا حيف، وسهم ليتامى المسلمين، وسهم لمساكين المسلمين، وسهم لابن سبيل المسلمين يقسمة الإمام عليهم على قدر ما يرى من حاجتهم إليه يعطي المسكين من سهم اليتيم واليتيم من سهم المسكين، وليس هو بمقسوم عليهم بالحصص، ومن خرج من صفة الحال انتقل بها رد باقي سهمه على من كان يشركه في الخمس حتى يستغنوا جميعاً ويتامى آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ومساكينهم وابن سبيلهم داخلون مع يتامى المسلمين ومساكينهم وابن سبيلهم في هذه الثلاثة إلا سهم ما احتاجوا إلى هذا، ومعنى قوله: {فإن لله خمسه}، مفتاح كلام الله الدينا والآخره، ألا ترى إلى قوله: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون}، وإنما دعوا إلى رسول الله ليحكم بينهم فأبوا ذلك، فمعنى قوله: {إلى الله} مفتاح كلام.

وروي عن علي صلى الله عليه أنه قال: (الخمس يعطى منه كل ذي حق حقه، ويلي الإمام خمس الله والرسول)، أفلا ترى أن عليّاً صلى الله عليه لم يجعل سهم الله غير سهم الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم، وهذا يدل على أن قوله: لله، مفتاح كلام.
مسألة:
قال محمد: وإن كان أحد من آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل عباس عليهم السلام معادياً لإمام العدل وأصحابه تاركاً لولايتهم والمعاونة لهم على عدوهم، أو إن كان خارجاً عن طاعة الإمام فلا حق له في الخمس ولا نصيب، إنما الخمس لأهل العدل منهم والولاية.
قال محمد ـ في كتاب الخمس ـ: قال الله تبارك وتعالى لآل نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم من الخمس في كتابه ولمن سمى معهم: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى..} إلى آخر الآية، فأوجب الله لآل النبي عليهم السلام في الخمس بالقرابة التي نسبهم إليها ما أوجب لمن ذكر معهم في الآية بالأسماء التي وصفهم بها وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل، والعلماء مجمعون على أن سهام هؤلاء الأصناف الثلاثة في الخمس ثابتة، وإنما أوجبوا ذلك لهم بعموم أسمائهم؛ لأنه لا يخلو حال من أن يكون فيها يتيم أو مسكين أو ابن سبيل فقرابة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يوجب لقرابته باسم القرابة التي لا تزول عنهم في حال من إثبات سهمهم في الخمس ما يجب لهم لا الأصناف الثلاثة بأسمائهم ونحن نجد التيامى والمساكين وابن السبيل قد ينتقل الصنف منهم بزوال اسمه فيخلو من وجوب السهم له، وإن لم يعم ذلك جماعتهم قد ينتقل اليتيم إلى حال الكبر فيخرج من اسمه وينتقل المسكين إلى حال الغناء فيخرج من اسمه، وقرابة الرسول عليه السلام التي استحقوا سهمهم من الخمس لا ينتقلون فيها من حال إلى حال فهو لهم بقرابتهم أثبت ممن ينتقل أسماؤهم باختلاف أحواله. وذكر أحاديث احتج بها في ذلك.
بابٌ في إيجاب الخمس لآل رسول الله واختلاف الناس في سهم ذي القربى على من يقسم

قال أبو جعفر محمد بن منصور ـ في كتاب الخمس ـ: قال الله عز وجل فيما أوجب لآل نبيه عليهم السلام من الخمس في كتابه ولمن سمى معهم: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل}، فأوجب الله تعالى في الخمس بالقرابة التي نسبهم إليها أوجب لمن ذكر معهم في الآية بالأسماء التي وصفهم بها هم اليتامى والمساكين وابن السبيل، والعلماء مجمعون على أن سهام هؤلاء الأصناف الثلاثة في الخمس ثابتة، وإنما أجبوا ذلك لهم بعموم أسمائهم، وأنة لا يخلو حال من أن يكون فيها يتيم أو مسكين أو ابن سبيل فقرابة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم توجب لقرابته باسم القرابة التي لا تزول عنهم في حال من إثبات سهمهم في الخمس ما يجب لهؤلاء الأصناف الثلاثة بأسمائهم نحن نجد اليتامى والمساكين وابن السبيل قد ينتقل الصنف منهم بزوال اسمه فيخلو من وجوب السهم لهم(1)، وإن لم يعم ذلك جماعتهم قد ينتقل اليتيم إلى حال الكبر فيخرج من اسمه وينتقل المسكين إلى حال الغنى فيخرج من اسمه ويبلغ ابن السبيل بلده فيخرج من اسمه، وقرابة الرسول عليهم السلام التي استحقوا سهم من الخمس لا ينتقلون فيها من حال إلى حال، فهو لهم بقرابتهم لأثبت ممن ينتقل أسماؤه باختلاف أحواله.
وروى بإسناد، عن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى، قال: سمعت عليّاً يقول: (اجتمعت أنا وفاطمة والعباس وزيد بن حارثة عند رسول الله)، فقال العباس: وذكر سؤالهم للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقلت: أنا يا رسول الله إن رأيت أن تولني هذا الحق الذي جعله الله لنا في كتابه من هذا الخمس فأقسمه في حياتك؛ كيلا ينازعنيه أحد بعدك، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((تفعل ذلك ))، فولانيه رسول الله فقسمته في حياته، وولانيه أبو بكر فقسمته في حياته، وولانيه عمر فقسمته حتى كان آخر سنة من سني عمر.
__________
(1) ـ في نسخة: له.

وروى محمد في ذلك أحاديث كثيره. وقال في قول الله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى..} الآية، اختلف أهل العلم في ذوي القربى الذين وجب سهمهم بالخمس على جهات. ورووا في ذلك آثاراً نحن ذاكروها إن شاء الله:
أجمع أهل العلم على أن آل علي وآل العباس وآل جعفر وآل عقيل داخلون في الخمس بقرابتهم من رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، وإن الصدقة محرمة عليهم، فأوجبوا ذلك لهم. فقال قائلون: لا يشركهم فيه أحد هو لهم دون غيرهم.
وقال آخرون: آل أبي لهب داخلون معهم في سهمهم من الخمس، واحتجوا في ذلك بالأثر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن الله حرم الصدقة على بني هاشم))، فعوضهم سهماً من الخمس لما حرم عليهم، وآل أبي لهب من بني هاشم، ولم يرو عن النبي عليه السلام أنه أفرد أحداً من بني هاشم بتحريم الصدقة وإيجاب الخمس فهو لجماعتهم، واحتج عليهم من أوجب الخمس لآل أبي طالب وآل العباس دون غيرهم من بني هاشم بأن آل نوفل وآل لهب لم يكن أحد منهم أسلم في وقت نزول آية الخمس لأهله فيستوجبوا بقرابتهم ما استوجب آل أبي طالب وآل عباس.
فإن قال الذين أوجبوا بقرابتهم ما استوجب آل أبي طالب وآل عباس: أن الخمس إنما وجب لأهله بالقرابة برسول الله فهؤلاء جميعاً في القرابة سواء.
قيل لهم: إنما وجب الخمس بالقرابة برسول الله لمن وجب له حكمه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فهذه حجة من أفرد بالخمس آل أبي طالب وآل عباس دون آل نوفل وآل أبي لهب.
وقال قائلون: بنو المطلب داخلون مع بني هاشم في خمسهم. ورووا في ذلك أثراً عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وقال قائلون: يقسم الخمس على ثلاثة أسهم، لليتامى والمساكين وابن السبيل لاحقٌ لذوي القربى. وهو قول أبي حنيفة ومن قال بقوله.

ورووا في ذلك أن أبا بكر وعمر لم يعطيا ذوي القربى في ولايتهما من الخمس شيئاً، وقالوا: وجدنا ذوي القربى لا يجب لهم في الخمس بالقرابة التي نسبوا إليها ما يجب للأصناف الذين ذكروا معهم في الآية بأسمائهم. من قيل: أن ذوي القربى كانوا في وقت نزول الآية معروفي الجملة يقصدون بأعيانهم في قبلة واحدة وولد أب واحد، فلا يجب لغيرهم بقرابته من الحكم ما يجب لغيرهم بقرابته من حكم وجب لهم ما استحقوه في حال وجودهم، ولكن يزول بزوالهم، واليتامى والمساكين وابن السبيل لم يكونوا في وقت نزول الآية بهذه الصفة من قبيلة واحدة وولد أب واحد، إنما وجب حكم الآية لهم بأسمائهم وأسماؤهم عامة لجميع الأمة، فكل من نسب إلى اسم من أسمائهم دخل في حكم الآية، فيقال لهم: ذوي القربى وإن كانوا معروفي الجملة يقصدون بأعيانهم في وقت نزول الآية على صفتهم في وقت نزول الآية، فلم يجب الخمس لهم في أنفسهم عن غير علة موجبة له، ولا وجب لهم بمعنى خصوا به دون غيرهم، إنما وجب لهم بقرابتهم برسول الله وقرابته بعمهم، وتعم غيرهم في عموم القرابة لهم ولغيرهم ممن يأتي بعدهم كالأصناف الثلاثة في عموم أسمائهم لهم ولمن يأتي بعدهم.
ويقال لهم: أرأيتم لو قال لكم قائل: إن سهام اليتامى والمساكين وابن السبيل إنما وجبت للموجودين منهم في وقت نزول الآية دون غيرهم، وأنهم كانوا معروفي الجملة لعلة من كان يجب له حكم الإسلام في تلك الحال، ما الذي تقولون له؟
فإن قالوا: نحتج بأن حكم الآية إنما وجب لهم بأسمائهم وأسماؤهم عامة لهم ولغيرهم، فكل من نسب إلى اسم من أسمائهم وجب له ما وجب لهم.

قيل لهم: هذه حجتنا عليكم في سهم ذوي القربى؛ لأن الخمس إنما وجب لهم بقرابتهم، وقرابتهم تعمهم وتعم غيرهم، فكل من نسب إلى ما ينسبوا إليه من القرابة وجب له ما وجب لهم، ويقال لهم فيما احتجوا به من الرواية عن أبي بكر وعمر أنهما لم يعطيا ذي القربى سهمهم من الخمس، الرواية عندنا عن أبي بكر وعمر أنهما أعطيا ذا القربى سهمهم، أثبت وأظهر، ولم يكونا ليدعا حكم آية من كتاب الله حكم به رسول الله بل أنفذاه ولم يزالا يحمكان به، وحكم به بعدهما علي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز.
وروى محمد بإسناده، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت عليّاً يقول: (ولا يأتي رسول الله الحق الذي لنا من الخمس، فقسمته في حياته، ثم ولانيه أبو بكر فقسمته في حياته، ثم ولانيه عمر فقسمته في حياته، حتى كانت آخر سنة من سني عمر).
وعن ابن عباس قال: أعطانا أبو بكر إمارته، ثم أعطانا عمر شطراً من إمارت، ثم دهمه الناس فقال: توسعوا به عليّ حتى أقضيكموه.
قال: فلما ولى عثمان ابناه فسألناه، قال: هذا شيء قد قبضه عمر، فما أرى رده.
وعن جعفر، عن أبيه، قال: جاء حسن وحسين وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس إلى علي يسألونه نصيبهم من الخمس، فقال: (هو لكم، فإن شئتم أعطيكموه، وإن شئتم تتركوه أتقوى به على حرب معاوية فعلتم)، فتركوه.

وذكر محمد أحاديث عدة في مثل هذا، ثم قال: فهذه الآثار التي روينا عن أبي بكر وعمر في إعطاء ذوي القربى حقهم من الخمس أثبت وأصلح من رواية من ادعى أنهما منعاهم إياه، وحق القرابة له شواهد في كتاب الله يوجبه لهم، قال الله لا شريك له: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى} إلى قوله: {إن كنتم آمنتم بالله}، وقوله: {وأت ذي القربى حقه}، أمر الله نبيه بذلك أمراً، وقوله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى..} الآية، كل ذلك يؤكذ حقهم مع حكم رسول الله أنه لهم ومن بعده، فإن احتج محتج بما روي عن عبد الله بن عباس فيما أجاب به نجده حين كتب إليه يسأله عن الخمس، لمَن هو؟. فقال: نحن نقول أنه لنا وبنو عمنا يزعمون أنه لهم، قيل له....(1) في هذا من الدلالة على منع أبي بكر وعمر إياهم نصيبهم من الخمس، وقد يحتمل هذا المنع أن يكون من بعد أبي بكر وعمر من الخلفاء، فقد منعهم إياه عثمان، ويحتمل أيضاً أن يكون ممن كان في وقت ما كتب ابن عباس إلى نجده.
__________
(1) ـ في المخطوطة بياض، وفي (ط): ليس.

ومما يدل على ذلك قول ابن عباس في كتابه إلى نجده وقد دعانا عمر إلى أن يخدمنا منه ويزوجنا ويقضي ديننا ويغني عائلنا، فأبينا إلا أن يسلمه لنا، فبين بذلك أن عمر قد كان يوجبه لهم وليس هو الذي عنى ابن عباس بقوله: وزعم بنو عمنا أنه لهم، وقد يحتمل عندنا ـ والله أعلم ـ قول ابن عباس دعانا عمر إلى أن يخدمنا منه ويزوجنا ويقضي ديننا ويغني عائلنا، فأبينا إلا أن يسلمه لنا، أن يكون هذا في وقت ما سمى لهم إياه سلفاً لما ذكر لهم من خلة المسلمين، فأتى عليه العباس وقال: لا في(1) الدين لنا يا عمر، فإن الله أثبته لنا، وقال لعلي بن أبي طالب عند مسألته إياه: لقد نزعت منا شيئاً لا يعود إلينا أبداً. ويحتمل قول ابن عباس: فأبى وأيبنا، أن يكون عنى بذلك العباس ونفسه؛ لأن عليّاً قد سلمه له، وقال للعباس: (نحن أحق من أرفق المسلمين)، وشفع أمير المؤمنين.
قال محمد: وقد روي عن أبي جعفر محمد بن علي حديث في سهم ذوي القربى من الخمس له، عند أهل العلم وجوه وقد اختلف في تفسيره.
حدثنا محمد بن عبيد، عن عبد الله بن المبارك، عن محمد بن إسحاق، قال: سألت أبا جعفر، فقلت: أرايت علي بن أبي طالب حين ولي العراقين وما ولي من أمر الناس كيف صنع في أمر ذي القربى؟ قال: سلك به سبيل أبي بكر وعمر. قلت: كيف، وأنتم تقولون ما تقولون؟ فقال: أمَا والله ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه. قلت: فما منعه؟ قال: كره والله أن يدعى عليه خلاف أبي بكر وعمر.
مسألة: هل سهمٌ للمراعي والدليل والمريض في الغنيمة؟
قال محمد: ويضرب في الغنيمة لراعي إبلهم أو أغنامهم وذواتهم ولدليلهم، وإن لم يحضروا القتال.
قال محمد: قال سعيد بن مدرك: وإذا كان في الغانمين مريض ضرب له سهمه معهم، يعني إن كان فارساً أو راجلاً. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
__________
(1) ـ في (ط): لا في تنعم.

قال سعيد: وإن بعث الإمام من العسكر سرية فغنموا أو غنم أهل العسكر من بعدهم كان بعضهم شركاء بعض في جميع ما غنموا، وإن جاءهم مدد من غيره من بعدما أحرزوا الغنيمة لم يشركهم فيها، وبذلك جاء الأثر.
وروى محمد بإسناده، عن ابن عباس، أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بعث سرية فمكث ضعفاء الناس في العسكر، فأصاب أهل السرية غنائمها فقسمها رسول الله بينهم كلهم، فقال أهل السرية: نحن أصبنا هذا الفيء وتقاسمه هؤلاء الضعفاء وكانوا في العسكر لم يشخصوا معنا؟! فقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((وهل تنصرون إلا بضعفائكم))، وأنزل الله تعالى: {يسألونك عن الأنفال}.
وعن سعدان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)).
مسألة: حكم من لا يعطى من الفيء والغنيمة
قال محمد: ولا حق لمملوك في الفيء ولا لمدبر ولا لمكاتب ولا لأم ولد ولا لولدها من غير سيدها حتى تعتق بموت سيدها ولا حق لأعراب البادية في الفيء ولا في الغنيمة ما أقاموا بالبدو إلا أن يجاهدوا مع المسلمين وتكون أيدهم مع أيديهم.
روى محمد بإسناده عن بريدة قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في أعراب المسلمين: ((ليس لهم من الفيء والغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين)).

قال محمد: لكن ينبغي للمصدق إذا خرج إليهم لأخذ صدقاتهم أن يأخذ صدقات أغنيائهم فيردها في فقرائهم، فإن أصابت أحداً منهم جائحة أذهبت ماله ولم يكن فيهم صدقات ترد عليهم أعطاءهم الإمام من الفيء ما يسد به فقرهم وحاجتهم. وكذلك إن كان بينهم حَمَالة، وهو أن يصيب أحدهم وما خطأ فتجب على عاقلته الدية، فعلى الإمام أن يعينهم على الحمالة حتى يسده ذلك منهم، وعلى الإمام إذا تظالموا فيما بينهم أن يعين مظلومهم على ظالمهم، وكذلك لو هاج عليهم عدو من المشركين كان على الإمام أن يعينهم ويقاتل عنهم، وكذلك أهل القرى والسواد هم بمنزلة أعراب البادية لا حق لهم في الفيء ولا في الغنيمة إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ويكون أيديهم مع أيديهم إلا أن يصيبهم جائحة أو حاجة أو حمالة فيكون سبيلهم سبيل أعراب البادية الذين ذكرنا. وكذلك إن هاج عليهم عدو فعلى الإمام عونهم والدفاع عنهم، وسواد كل مدينة ما نسب إليها وعرف حدود ذلك.
مسألة:
قال محمد: وإذا استأجر رجل فرساً أو استعاره منه فقاتل عليه مع أهل العدل فسهما الفرس للمستأجر والمستعير، ولا شيء لصاحب الفرس، وكذلك لو غصب رجل فرساً فقاتل عليه حتى غنموا فسهما الفرَس للغاصب لا لصاحب الفرس، فإن كان الركوب نقصه شيئاً فالغاصب ضامن لما نقصه بركوبه من قيمته ولو عطب الفرس بركوبه كان ضامناً لقيمته، وإذا اشترى رجل فرساً على أنه بالخيار ثلاثاً فقاتل عليه في الثلاث فغنموا لزمه البيع، وسهما الفرس له.
مسألة:

قال محمد: ولو أن أهل البغي من الخوارج وغيرهم قاتلوا مع أهل العدل أهل بغي مثلهم فغنم أهل العدل فالغنيمة بينهم جميعاً إن كان الخوارج الذين مع أهل العدل مصوبين لحكم أهل العدل، وبذلك جاء الأثر عن علي صلى الله عليه أنه قال للخوارج: (لا يمنعكم فيكم ما كانت أيديكم مع أيدينا)، فإن كانوا قاتلوا مع أهل العدل وهم غير مصوبين لحكمهم وإنما اضطروا إلى القتال معهم فلا حق لهم في الغنيمة؛ لأنهم أصابوها وهم لها محرمون.
مسألة:
قال محمد: ولو أن رجلاً مقيماً في عسكر أهل العدل يجري عليه حكمهم وهو يكفرهم ويستحل دماءهم وأموالهم سرق منهم ما يجب فيه القطع وقامت عليه البينة بذلك، فإنه يقطع؛ لأنه بمنزلة الخوارج الذين كانوا مع علي صلى الله عليه يجري عليهم حكمه، وليس هو كالمحارب الذي قد بان بدار.
مسالة: فيمن لحق المسلمين في دار الحرب قبل أن يخرجوا الغنيمة
قال محمد: وإذا دخل المسلمون دار الحرب فغنموا غنائم فلم يخرجوها إلى دار الإسلام حتى لحق بهم جيش آخر فللإمام أن يسهم لهم معهم ما داموا في دار الحرب، فإن كان الآخرون جاءوا بعد ما أخرج الأولون الغنائم من دار الحرب فلا يسهم لهم.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه لم يقسم لغائب في المغنم لم يشهد إلا يوم خيبر، فإنه أسهم لجعفر وأصحابه منها وكانوا قدموا بعد ولم يشهدوا القتال.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه بعث سرية فأصابوا غنائم فجاء قوم بعدهم فنزلت هذه الآية: {وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم}.
وعن علي صلى الله عليه أنه أتاه قوم يوم الجمل لم يشهدوا الوقعة فقال: (هؤلاء المحرومون، فاقسموا لهم).
وعن أبي حنيفة أنه قال: لا تقسم الغنائم في أرض العدو حتى يخرجوها إلى أرض الإسلام، وإن احتيج إلى الدواب والثياب قسمت بينهم وإلا لم تقسم، وأما السبي فلا يقسم؛ لأن جيشاً لو دخلوا عليهم وقد غنموا في أرض العدو شاركوهم؛ لأنه لم يجوزوه.

وعن سفيان قال: لا تشاركونهم، وليس شيء.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قسم غنائم حنين بالجعرّانة حين انصرف من الطائف.
مسألة: إذا مات رجل في المعركة، هل يسهم له؟
قال محمد: وإذا مات رجل(1) في المعركة بعد الغنيمة قبل أن يجوزوها ـ يعني إلى دار الإسلام ـ فلا سهم له، وإن مات أو قتل بعد أن يحرزوا الغنيمة فسهمه ثابت لورثته.
وروي عن أبي حنيفة مثل ذلك.
وروي عن ابن إسحاق أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قسم غنائم بدر. قال: ولم يبلغنا أنه قسم لمن استشهد شيئاً.
قال محمد: وكذلك إن قاتل على فرس فقتل في المعركة وبقي فرسه فلا يسهم للرجل ولا للفرس، والفرس للورثة.
وعن الأوزاعي وأبي حنيفة في المسلم يؤسر في القتال ثم يصيب المسلمون غنيمة بعد ذلك وهو أسير ثم ينفلت فيلحق المسلمين ثم خرجوا إلى دار الإسلام فإنهم يشركونه في الغنيمة.
وعن أبي حنيفة قال: ومن أسلم ثم لحق بعسكر المسلمين لم يضرب له بسهم إلا أن يقاتل معهم.
وعن أبي حنيفة قال: لا يرضخ لأهل السوق الذين في العسكر.
وقال في التاجر والرجل المسلم في أرض الحرب: يلحقان بعسكر المسلمين بعد ما غنموا، لا يسهم لهم إلا أن يلقوا فيقاتلوا. وكذلك أهل الأسواق.
وعن أبي حنيفة وسفيان قالا: إذا خرجت السرية من العسكر بإذن الإمام وبغير إذنه فغنمت فإن أهل العسكر يشاركونهم.
مسألة: إذا عرف رجل في الغنيمة شيئاً كان المشركون غنموه
__________
(1) ـ في نسخة: مات رجل أو قتل.

قال محمد: وإذا غنم المشركون من المسلمين رقيقاً وأموالاً ثم أن المسلمين غنموا ذلك من المشركين فإن جاء صاحب المال والرقيق قبل قسمة الغنيمة فله أن يأخذ جميع ذلك بغير شيء، وإن جاء بعد القسمة فهو بالخيار، إن شاء أخذه بالقيمة، وإن شاء تركه؛ لأن المشركين قد ملكوا على المسلمين ما غنموه منهم على المسلمين، فلما غنم منهم قوم آخرون من المسلمين فاقتسموه لم يكن لأصحابه أن يأخذوه إلا بالقيمة،و إن غنم المشركون من المسلمين رقيقاً وأموالاً ثم أن المسلمين اشتروا ذلك منهم ثم جاء أصحابه الذين غنم منهم فإنهم بالخيار، إن شاءوا أخذا أموالهم بالثمن الذي أبتيع به، وإن شاءوا تركوا.
وعلى قول محمد: هذا إن لم يكونوا باعوهم إياه، ولكن وهبو للمسلمين وقبضوه منهم، ثم جاء أصحابه الذين غنم منهم فهم بالخيار إن شاءوا أخذوا أموالهم بقيمتها، وإن شاءوا تركوا، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه جميعاً.
قال محمد: وإن جاء صاحب المال والرقيق بعد ما استهلك شيء من ذلك فلا سبيل على ما استهلك ولا يبيع المستهلك بشيء، وإن كانت جارية فوطئها الذي وقعت في سهمه فجاءت بولد فهي مستهلكة ولا سبيل لصاحبها عليها، إلا في قول من رأى بيع أمهات الأولاد فإنه يأخذ الجارية، والولد حر؛ لأنه وطئ بملك.
قال الحسني: وكذلك إن وطئها المشتري أو الموهوب له، فجاءت بولد.
وعلى قول محمد: إذا أسلم المشركون وفي أيديهم رقيق وأموال غنموها من المسلمين فهم رقيق لهم، ولا سبيل لأربابهم عليهم؛ لأنه قال: وإذا غنم المشركون من المسلمين رقيقاً وأموالاً فقد ملكوا على المسلمين ما غنموه منهم.
وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه، قالوا: لا يشبه إسلامهم الشراء منهم وغنيمة ما في أيدهم من أموال المسلمين.
مسألة: إذا عرف رجل في الغنيمة شيئاً كان الباغون غنموه منه
قال القاسم، ومحمد: وإذا غنم الباغون من أهل العدل أمة فوقعت في سهم رجل منهم فأعتقها لم يجز عتقه.

قال محمد: وإن وطئها بتأويل وظهر عليهم أهل العدل فإنها ترد على صاحبها ولا حد على الواطئ.
قال محمد: حدثنا محمد بن أبي عمر، عن عامر السراج، عن حسين ـ صاحب فخ ـ قال: كل مولود أعتقه أهل البغي فهو مردود في الرق.
قال محمد: يعني عندنا أن ما ظهر عليه أهل البغي من أهل العدل من الرقيق فاعتقوه لم يجز عتقه في قوله.
قال محمد: فذكرت هذا القول للقاسم بن إبراهيم، فقال: هذا أصل تمسك(1) به، فإني لم أزل أسمعه.
وروى محمد بإسناده عن محمد بن عبد الله بن الحسن أنه قال: إذا اقتسموا ما غنموا من أهل العدل ثم أعتقوا أو تصدقوا فهو جائز؛ لأنهم أصابوا ذلك على التأويل والعتق والصدقة استهلاك.
قال محمد: وإن غنم أهل البغي من أهل العدل شيئاً ثم غنمه أهل العدل من الباغين، فإن أصابه صاحبه قائماً بعينه قبل أن يقسم فله أن يأخذه بغير ثمن، وإن أصابه بعدما قسم ووقع في سهم رجل من المسلمين فله أن يأخذه بالثمن، وإن شاء تركه، وإذا غنم الباغون من أهل العدل شيئاً فاشتراه منهم مشتر فلصاحبه الذي غنم منه أن يأخذه بالثمن إن شاء، وليس للمشتري أن يمتنع من ذلك.
باب ما روي عن محمد بن عبد الله بن الحسن من السيرة في أهل البغي
قال محمد بن منصور ـ في كتاب السيرة ـ: حدثني الحسن بن عبد الله الخزاز، قال: حدثنا حسن بن حسين العرني، عن خالد بن مختار، عن ربيع بن حبيب أخي عابد بن حبيب، عن محمد بن عبد الله بن الحسن عليه السلام قال: قلت: أرأيت ما تصنع إذا ظهرت على أهل البغي مما وجدت في أيدي الظلمة من أموال المسلمين ومما غيروا منها بعرض سلاح أو غيره من العروض، وما أعطوا على المعاونة على الظلم جعلوه دولة بين الأغنياء.
قال: آخذها جميعاً من أيدي الظلمة ما غيروا منها في عرض وما لم يغيروا، فأرده على المسلمين.
__________
(1) ـ في نسخة: تمسكت.

قال: قلت: هذا جائز لك أخذ ما لم يغيروا، أرأيت ما غيروا بعرض، من أين جاز لك أخذ ذلك العرض، وإنما أصابوه في غير دار الحرب.
قال: من قبل أنهم ظهروا على أصله وأصابوه في الحرب على التأويل فهو في أيديهم يجيبون خراجه ويأخذون جزيته حتى ظهرت عليهم، فجميع ما في أيديهم ما أصابوا أصله على التأويل في الحرب فهو للمسلمين.
قلت: من أين جاز لك أن تأخذ ما غيروا مما أصابوا على التاويل ولم يستعينوا به عليك في الحرب وتترك أموال المسلمين قائمة عند المشتري لا يأخذها أينما وقعت كما تأخذ المغتصب أينهما وقع؟
قال: لأنه ليس مثل المغتصب ضامن لما استهلك أو ثمنه، وليس على المتأول ضمان فيما استهلك مما أصاب على التأول، ولا ما استهلك من ثمنه، ولو كنت آخذ ما استهلكوه على التأويل أينما وقع لغصبت للمشتري بالرجوع على المتأول بما استهلك من تلك الأموال(1)، ولكن ليس على المتأول ضمان فيما استهلك مما أصابه على التأول، ولو ضمنته لجعلت العرض له؛ لأنه لا يكون عليه ضمان، ويكون العرض للمشتري.
قال: قلت: فإن كان مما غيروا في فرج اشترى منه جارية فوطئها؟
قال: نعم، آخذها.
قال أبو جعفر بن منصور: بعض الناس يكره أخذ الفروج، رجع إلى كلام محمد بن عبد الله عليه السلام.
قلت: وإن اشترى بما في يده عبداً أو أمة ثم استدل بالعبد والأمة مثلها أو عرضاً؟
__________
(1) ـ في نسخة: الأمور.

قال: نعم، آخذه إذا كان من الأصل الذي أصاب أخذت ما وجدت في يده من ذلك مما قل أو كثر، ولا آخذ ما وجدت في يد غيره مما باع؛ لأن بيعه استهلاك له وإنما جعلته استهلاكاً لأني لا أقضي لمن هو في يده بالرجوع على التمتأول بالثمن الذي أخذ منه، فلذلك جعلته استهلاكاً، وآخذ ما وجدت في يد من وجدته مما أعطوا على المعاونة على الظلم وقطعوا من مال المسلمين استشاراً عليهم غيّروا ذلك أو لم يغيروه، وهي عندي بمنزلة التأول، وآخذ ما في يده غيّره أو بغيره يؤخذ من الظلمة ما وجد في أيديهم مما غيروا من أموال المسلمين، ولو أتلفوها لم آخذهم بالضمان وأكلهم أثمانها تلف لما غيروا واستهلاك، وليس بتلف ما أصابوا على التأول إلا أن يأكلوها ويأخذوا أثمانها أو يعطوها في أمر فيه دفع على المسلمين أو صلاح لهم فيما خرج من أيدي الظلمة من أموال المسلمين على هذه الوجوه أجزت ذلك فلم أعرض لشيء منه، وما جعلوه بين الأغنياء وأعطوه على المعاونة لهم على الظلم بغيره بعرض أخذت ما وجدت من ذلك في أيدي الظلمة؛ لأنهم أخذوها على ما لا يحل لهم أخذه وغيرها على ما لا يحل لهم تغييره.
قلت: أرأيت إن غيّره هؤلاء الذين أخذوه على المعاونة على الظلم؟
قال: آخذ ما وجدت في أيديهم مما غيروا، كما آخذ ما وجدت في الخزائن مما غيروا زادت أو نقصت؛ لأنهم أخذوه على ما لا يحل لهم أخذه وغيروه على ما لا يحل لهم تغييره.
قلت: فما بال الغاصب لا تأخذ منه ما غيره وتأخذ المغتصب أيما وقع وقد أخذه على ما لا يحل له أخذه وغيره على ما لا يحل له تغييره؟
قال: لأن تغيير المغتصب لا يكون استهلاكاً له؛ لأني آخذ المغتصب أيمنما وقع، وأقضي للمشتري عليه بالرجوع بالثمن؛ لأنه ضامن لثمنه وأضمنه الثمن إذا استهلك المغتصب ولم يوجد، ولست أفعل ذلك بالمتأول لأنه إن استهلكه باعه فأكل ثمنه لم أضمنه أحداً منها، وإنما أخذت ما وجدت منه في يده غيره.

قال: قلت: هذا تركت ما في يد المشتري بما استهلك المتأول ثمنه، أرأيت ما وجدت ثمنه قائماً بعينه لم تأخذه أينما وقع وترد على المشتري ثمنه القائم بعينه عند المتأول؟
قال: إن ثمنه هذا القائم بعينه لو لم يكن للمسلمين لم يكن لي أن آخذه من أيدي الظلمة ولأخذت العرض المغيّر أينما وقع ونفضت للمشتري على المتأول بالرجوع بالثمن وبالضمان لما أكلها أو لم يأكلها كما أفعل بالغاصب ولكن ليس على المتأول ضمان في ما استهلك من أموال المسلمين كما يكون على الغاصب ولكن آخذ ما وجدت في أيدي الظلمة أو وجدت ثمنه ولا أعرض لما غيروه إذا كان في أيدي غيرهم قد أخذوا أثمانها؛ لأن أخذهم أثمانها استهلاكاً لها.
قلت: إن كان ذلك استهلاكاً لها فأترك أثمانها وأترك ما غيره المتأول؛ لأنك ذكرت أن ذلك استهلاك لها؟
قال: إني إنما جعلت تغيرها وهي قائمة عند المشتري بأعيانها استهلاكاً لها؛ لأن أثمانها صارت للمسلمين إذا لم يكن على المتأول ضمان لما غير منها ولا على المشتري ضمان فيما استهلك أو غير مما وصل إليهم من أموال المسلمين قد أعطى أثمانها فليس هذا مثل المغتصب.
قلت: لم لا يكون الثمن للمتأول إذا لم يكن عليه ضمان لما استهلك من أموال المسلمين بالبيع؟
قال: لأن الثمن ليس يرجع للمشتري على المتأول أكله المتأول أو لم يأكله؛ لأنه لا ضمان على المتأول فيما استهلك، ولا آخذ العرض من يد المشتري؛ لأني لا أقضي له بالرجوع على المتأول.
قلت: لم لا تقضون له بالرجوع بالثمن على المتأول إذا كان الثمن قائماً بعينه؟
قال: لأنه ليس للمشتري فأقضي له على المتأول إن لم يستهلكه، كما ليس هو عليه إن استهلكه، فكذلك ليس عليه وإن لم يستهلكه.
قلت: فنجعل ما استهلك المتأول بالتغيير له؟

قال: إن المتأول لو كان يستهلك أموال المسلمين بالتغيير له لتركته للذين أعطوهم على المعاونة على الظلم وجعلوه دولة بين الأغنياء ولكن لا يكون التغيير استهلاكاً لما لم يأخذوا له ثمناً، وإنما جعلت ما أخذوا ثمنه استهلاكاً له كما لم يكن تغييرهم إياه بإعطائهم على قتل المسلمين استهلاكاً.
قلت: لِم لَم يكن تغيرهم إياه بإعطائهم على قتل المسلمين استهلاكاً له؟
قال: لأنهم تابوا على ما في أيديهم من أموال المسلمين مما أخذوه على قتال المسلمين ثم لم يردوها لم يكن لهم توبة حتى يردوها قبل التوبة أو بعدها، وإن الذين اشتروا وأعطوا الثمن ليسوا بهذه الحال، فمن ثم أخذت ثمن ما غيروا؛ لأني لو وجدت الظلمة قد باعوا التاجر بالخيار أخذت التاجر بالثمن ثم رددته على المسلمين، ولو لم يكن الثمن إذا أخذوه الظلمة كان لهم لجعلته ديناً للظلمة على التجار ولقضيت به للظلمة على التجار، كما لا يجوز لي أن أقضي به للظلمة على التجار؛ لأنها أمول المسلمين، وآخذها من أيدي الظلمة إذا وجدتها قائمة بعينها؛ لأنها أموال المسلمين، ولو لم يكن الثمن للمسلمين لم يكن بيعهم إياها استهلاكاً لها ولأخذها إنما وقعت كما أخذ ما أعطوا معاونة على الظلم وعلى قتل المسلمين.
قلت: أرأيت ما استعان به عليك أهل البغي في حربهم مما جبوا من خراج المسلمين ومما غيروا منها ثم ظهرت عليها في العسكر، أتغنمها أو تردها على المسلمين جميعاً؟
قال: لا، بل أغنمها جميع ما غيروا من ذلك وما لم يغيروا.
قلت: لِم تغنمها وقد زعمت أنها أموال المسلمين تردها عليهم إن ظهرت؟
قال: إنما أرد من ذلك ما لم يستعن به أهل البغي عليّ في الحرب، فأما ما استعانوا به وأجلبوا به في عسكرهم فإني أغنمه ما دام في عسكرهم، وقد يخرج من ملك المسلمين إذ حلت لي غنيمته حتى يخرج من العسكر.
قلت: أرأيت إن ردوها إلى البيوت؟

قال: لا أغنمها؛ لأنه رجع إلى حالته الأولى التي كان لا يحل لي فيها أن أغنمه، ولكن آخذها من أيدي الظلمة فأردها على المسلمين؛ لأنها أموالهم لهم حيث ردت إلى حالها الأولى.
قلت: وكذلك ما استعانوا به عليك مما غنموا من أهل بغي مثلهم تغنمه ما دام في عسكرهم؟
قال: نعم.
قلت: وإن ردوا إلى البيوت وظهرت عليه رددته إلى أصحابه الذين غنم منهم؟
فقال: نعم إذا كانوا مقرين بحكمي وكانت بيني وبينهم موادعة.
قلت: أرأيت ما غيروا مما غنموا من أهل البغي ولم يستعينوا به عليك، أترده أينما ظهرت عليهم على الذين غنم منهم أو ترد العرض أينما وقع وتترك العين في أيدي الظلمة؟
قال: لا، بل آخذ ما وجدت من ذلك في يدي الظلمة وما غيروا، فأرده على أصحابه الذين آخذ منهم إذا قامت البينة، كما أرد على المسلمين ما غيرت الظلمة من أموالهم.
قلت: أرأيت ما غنم أهل البغي من عسكرك مقسوماً أو غير مقسوم، ثم ظهرت عليه وهو في عسكرهم، أتغنمه؟
قال: نعم، أغنم ما كان غير مقسوم، وأرد ما كان مقسوماً إلى أهله إن أدركوه قبل القسمة أو بعدها بالثمن إن شاءوا.
قلت: أتخمسه؟
قال: لا خمس فيما غنم من أهل القبلة.
قال أبو جعفر محمد بن منصور: هذا قول بعض المعتزلة، وقول أبي حنيفة وأصحابه ثم رجع.
قال: قلت: أتقسم ما غنمت من أهل البغي كما تقسم ما غنمت من المشركين للفارس سهمان وللراجل سهم؟
قال: لا، جاءت السنة بغير هذا، ولكن ذلك إلى الإمام يقسمه على ما يرى أن فيه قوة للمسلمين وصلاحاً لهم.
قلت: لِمَ لم تقسمه كما تقسم غنيمة المشركين؟
قال: لأن القوم ليسوا بمشركين، إنما أموالهم غلول من المسلمين.
قلت: أتجيز عتقهم فيما غنموا منك وصدقتهم؟
قال: نعم إذا قسموا ثم أعتقوا أو تصدقوا فهو جائز لهم؛ لأنهم أصابوا ذلك على التأويل والعتق والصدقة استهلاك.
قال أبو جعفر: لا يجوز عتق عندنا.

قلت:ما غنم منك أهل البغي وهو في عسكرهم ثم ردوه إلى البيوت ثم ظهرت عليه قبل أن يقسموه، أتغنمه؟
قال: لا.
قلت: ألهم هو؟
قال: لا، ولكنه للذين غنم منهم أرده عليهم.
قلت: أرأيت إن اقتسموه بعد ما ردوه إلى البيوت، أتغنمه؟
قال: لا، ولكن أراده على أهله الذين غنم منهم.
قلت: أخبرني عما أحرزته منهم ثم قسمته في عسكرك ثم رددته في البيوت، أيكون لك؟
قال: نعم.
قلت: أرأيت إن غنمت منهم شيئاً ثم لم تقسمه في عسكرك حتى رددته إلى البيوت ثم قسمته، أيكون لك؟
قال: نعم.
قلت: فما بال ما غنموه منك ثم ردوه إلى البيوت قبل القسمة ثم اقتسموا، لم يكن لهم؟
قال: لا؛ لأنهم أخرجوه ثم ردوه إلى حاله فلم يكن لهم بملك يجوز غنيمته، وقد ردوه إلى دار لا يجوز لأحد من المسلمين أن يغنم فيها، وإنما جرت القسمة وجعلته لهم غنيمة في دار يملكه صاحبه الذي غنم منه؛ لأنه يجوز للمسلمين أن يغنموه في تلك الحال، فلما أخرجوه إلى دار لا يجوز لأحد من المسلمين أن يغنمه؛ لأنه رده إلى حاله الأولى، فمن ثَم لم أجز لهم فيه القسمة ورددته على أهله، ولو أجزت لهم القسمة إذا ردوه إلى البيوت لم آخذ شيئاً من بيت المال، ولجعت لهم ما اقتسموا منه على المعاونة على الظلم وقتل المسلمين وما جعلوه دولة بين الأغنياء ولجعلته لهم، وإن لم يقتسموه ثم قسمته بينهم إذا ظهرت عليهم، كما أقسم بينهم ما غنموا من أهل الشرك مما لم يستعينوا به عليّ بعد أن أخمسه ولجعلته لهم إن تابوا، كما أجعل لهم ما غنموا من المشركين قبل أن يقتسموه ثم تابوا عليه.
قلت: أخبرني عما كان في يده من ماله الذي كان يملكه وهو في العسكر، أيجوز له فيه العتق والصدقة، ويجوز للمسلمين فيها المغنم، ثم أخرجه إلى داره التي لا يجوز للمسلمين فيها المغنم ويقع لأهله فيها الميراث، أليس هو له؟

قال: بلى؛ لأنه كأنه رده إلى حاله الأولى التي لا يجوز لي فيه غنيمة، وكذلك ذلك المال الذي ردوه إلى البيوت كأنهم ردوه إلى حاله الأولى التي لا يجوز لي فيه غنيمة وهو لصاحبه الذي غنم منه، ألا ترى أنه حين اقتسمه في الغنيمة ثم خرج وتركه في العسكر لم يكن له بمال يقع لأهله فيه الميراث؛ لأنه قد خرج من ملكه بخروجه من العسكر، وكذلك هو إذا خرج به معه إلى البيوت، ألا ترى أنه إن استعان بشيء من ماله ثم خرج وتركه لم يكن له بمال لم يقع لأهله فيه الميراث وإن خرج به معه كان له؛ لأنه رده إلى حاله الأولى التي كان لا يحل لمسلم أن يغنمه، فكذلك هو إذا قسم شيئاً من أموال المسلمين ثم خرج به وتركه لم يكن له، فإن خرج به معه فكأنه رده إلى حاله الأولى التي لم يكن لي أن أغنمه فيها، فهو فيء للمسلمين أرده على المسلمين إن ظهرت عليهم ولا أغنمه.
قلت: فأخبرني عما اقتسموا في عسكرهم من رقيق يجوز فيه عندك عتقهم، أتحل فيه فروجهم؟
قال: لا يحل فرج ولا أكل ما أصابوه من المسلمين.
قلت: فكيف أجزت عتق من لا يحل له فرجها، فإن كان لا يملكها فلا يجوز عتق، وإن كان يملكها فالفرج حلال له بما ملكت يمينه؟
قال: وهو يملكها بملك ما اشترى من أموال اليتامى، والطعام لا يحل أكله له، والفرج لا يحل له وطأه، والعتق فيه جائز؛ لأنه يملكه، وكذلك هو يملك ما غنم من المسلمين إذا اقتسموه في العسكر وهو لا يحل له أكله ولا وطء الفرج؛ لأنه أخذه بغير حله، كما لا ينبغي للمشركين وطء ما غنموه من رقيق المسلمين وهم يملكونهم؛ لأنهم قد خرجوا من ملك المسلمين فهو له إن أسلم عليه؛ لأنه يملكه قبل الإسلام ولا يملك ما في يد غيره ممن أسلم معه، ولو لم يكن له كما ليس له تملكه لم يكن له ما أسلم عليه غيره من أصحابه، والفرج حرام والعتق جائز وإذا أسلموا جميعاً.
قلت: إن تابوا عليه وهو في العسكر، يكون لهم؟
قال: لا.

قلت: فإن تابوا عليه ثم أخرجوه من العسكر قبل القسمة، أيكون لهم؟
قال: لا؛ لأنهم في هذه الحال لا يملكونه.
قلت: أرأيت ما غنموا من المشركين ثم استعانوا به عليك قبل القسمة ثم تابوا عليه، أيكن لهم؟
قال: نعم.
قلت: فلِم لا يجعل ما غنموا منك ثم تابوا عليه قل أن تقتسموه لهم؟
قال: لأنهم حين تابوا عليه خرجوا من عداوة المسلمين إلى ولايتهم التي لا يحل لهم فيها حبس شيء من أموال المسلمين ولا أكلها، ولا يكون لهم توبة إلا برد ما بقي في أيديهم منها فهم حين تابوا خرجوا من عساكر البغي وصار عسكرهم عسكر الإسلام، فكأنهم حين تابوا ردوها إلى عسكر المسلمين ودارهم.
قلت: وكذلك من تاب من المشركين على شيء من أموال المسلمين على هذه الحال؟
فقال: إن عسكر المشركين ودارهم واحد يحل غنيمة ما كان فيها، وإن عسكر أهل البغي غير دارهم يحل غنيمة ما كان في عسكرهم ولا يحل غنيمة ما كان في الدار لم يستعينا به عليك، وهم مقرون في الجملة بأن أموال المسلمين حرام، فقد كانا مقرين بتحريمها، فلا توبة لهم حتى يردوا ما بقي عندهم منها، ولو جعلت لهم ما أصابوا من المسلمين ثم تابوا عليه لجعلت لهم بيوت الأموال والخزائن وجميع ما في أيديهم من أموال المسلمين إن تابوا عليه الساعة، ولكن ليس ذلك لهم.
قلت: أرأيت من أخذ جائزة من أيدي الظلمة؟
قال: إن كان أجيزها على المعاونة على الظلم وقتل المسلمين أخذتها منهم وما غيّروا به من عرض، وإن كان أجيزها رجل من المسلمين على ما يجوز له أخذها على غير معاونة على ظلم ولا قتل وليس إمام عدل يرد إليه أموال المسلمين فلا آخذ منه إلا ما وجدت منه قائماً بعينه لم يغيره، فأما ما أكل وغير قبل ذلك فهو له، إلا أن يكون غيّر شيئاً بعد ظهور إمام عادل فإني آخذه بما غيّر من ذلك؛ لأنه غيّره في حال لا ينبغي له تغييره.
قلت: أرأيت ما أجيز به هذا المسلم أما كان للمسلمين فيه نصيب؟

فقال: أما يوم وصل إليه فلا، إلا كما كان للمسلمين فيما أعطى الإمام العادل لبعض المسلمين وأخر بعضهم حتى تعطيه، فإن لم تعطه لم يكن له فيما أعطى الذي أخذ قبله نصيب؛ لأنه أخذه والآخر يجوز له في تلك الحال حتى ظهر الإمام العادل الذي ينبغي أن يرد إليه أموال المسلمين ثم يقسمها بينهم، فما حبس عند ذلك فهو غلول.
قلت: لم صار ما حبس منها عند ذلك غلولاً؛ لأن للمسلمين فيه نصيب؟
قال: نعم، حين جاء إمام عادل يجب عليهم أن يرفعوا إليه ما كان عندهم من أموال المسلمين، وأما قبل ذلك وليس إمام يؤدي إليه أموال المسلمين فهو أحق بها من غيره؛ لأنه أخذها على ما يجوز للمسلمين أن يأخذوها عليه، وقد كان ينبغي للإمام الجائر أن يعطيه ويعطي سواه من المسلمين.
قلت: أرأيت ما وجدت الإمام الجائر قد أعطاهم على قتال المشركين، أتأخذه منهم؟
قال: لا؛ لأن في ذلك دفعاً عن المسلمين وصلاحاً لهم، وينبغي له أن يدفع عن المسلمين.
قلت: أرأيت إن وجت الإمام الجائر قد أعطى أناساً من رؤسهم على كل رجل منهم مائة ألف، أتأخذها منهم؟
قال: لا أجيز لهم من ذلك إلا ما يجوز للإمام العادل أن يجيز به لبعض المسلمين في جهاد المشركين عشرة آلاف فما دونها، وآخذ ما سوى ذلك.
قلت: أرأيت من تأول عليك بالبراء من علي عليه السلام فسفك دمك وأخذ مالك وسبى الذريَّة، أتأخذه بشيء مما أتى من ذلك؟
قال: إن كان تأول ذلك وهو محارب بعد أن يظهره فهو غير مأخوذ بشيء من ذلك؛ لأنه لا أخذ عليه فيما أعان على التأويل وإن كان ظهر على ذلك وهو محرم لذلك ثم بدأ في ذلك.
قال أبو جعفر: يعني ظهر سفك الدم وأخذ المال وهو محرم لذلك، ثم بدا له بعد التحريم فأحل أخذ المال وسفك الدم.
قال: فأخذه بجميع ذلك أسفك دمه وأضمنه المال وأقيم عليه الحد؛ لأنه لا تأويل إلا في حرب ومباينة.

قلت: أرأيت إن تأول في الحرب فسبى الذرية ونكح النساء وأخذ ما لم تستعينوا عليه به في الحرب ثم استهلكه، أتأخذه وتقيم عليه الحد؟
قال: لا؛ لأن ذلك كان كتأويل أهل الشرك، فأجيز تأويله عليهم إذا سماهم بالشرك في الحرب المباينة.
قلت: أرأيت إن ادعى المتأول أن رجلاً من أصحابه رجع عن امرأة إلى أمر الذي كان يستحل به دمه وماله فقتله وأخذ ماله وسبى ذريته؟
قال: أجوز له دمه وآخذه بما سوى ذلك أضمنه المال وأقيم عليه الحد؛ لأني أستحل ذلك من عدوي إذا رجع وهو مقر بحكمي.
قلت: أرأيت إن ظهر على قوم يقاتلهم بغير الشرك ثم استحلها ما لم يجلبوا به عليه في الحرب مما في البيوت ثم قتل من في البيوت منهم وأخذ أموالهم، أتقيد منه وتضمنه ما أخذ من ماله؟
قال: لا.
قلت: فلِم جوزت له من التأول في الحرب ما لم تستحله أنت من عدوك؟
قال: لأن الرجل لو تأول على رجل في الدار فقتله أقدته منه، ولو فعل ذلك خارجاً أجزت له في التأويل؛ لأنه لا يقع التأول في دار أبداً على من هو مقر بحكمه ولا من أهل الدار بعضهم على بعض، ألا ترى أنه لوكان رجل من الإمامية ظهر على قوم فأقروا له بالحكم ثم بدا له فرأى رأي الأزارقة فتأول عليهم فقتل وسبى بغير مباينة أخذته به ولم يجز ذلك على من هو مقر بحكمه، ولو بدا ذلك منه وهو محارب مباين خارجاً من الدار ثم قتل وسبى لأجزت له ذلك في التأول.
قلت: أخبرني عما استعانوا به عليكم من أموالهم ثم ماتوا عليه وهو في العسكر، أيكون لورثة الميت فيه ميراث؟
قال: لا.
قلت: لِم لا تجعله لورثته وقد مات وهو يملكه؟
قال: لأنه لا يجوز للمسلمين أن يغنموا ما يجوز لهم ولغيرهم فيه الميراث؛ لأنه لا يجتمع ميراث ومغنم في مال واحد ولا سبي قوم تحل مناكحتهم؛ لأنه لا يحل فرج واحد لرجلين في حال واحدة، ألا ترى لو أني قاتلتهم عليهم كان ما تركوا مغنماً ولم يكن لورثتهم منه شيء.

قلت: أرأيت إن قتله في العسكر وأنت وارثه، أترثه ما في البيوت إذا لم يكن لك أن ترثه ما في العسكر مما يستعان به عليك؟
قال: نعم.
قلت: أيحل لك بعضه ولا يحل لك بعضه في الوجهين جميعاً، يحل لك ما في الميراث ولا يحل لك ما في المغنم، وهو لرجل واحد؟
قال: كذلك جاءت السنة بالآثار في بعض السيرة، مال واحد لرجل واحد يضمن بعض ما استهلك، ولا يضمن بعض ما استهلك ما أستعين به عليك منه ثم ظفرت به فاستعنت به عليه فاستهلكته لم يضمنه، وما لم يستعن به عليك فظفرت به عليه ثم استعنت به عليه فاستهلكته ضمنته ورددته عليه، فكذلك استحللت ما أجلب به علي ولم أوقع فيه الميراث، فتركت ما لم يجلب به عليّ، وأوقعت فيه الميراث.
قلت: أرأيت إن قتلته في الحرب ترثه ما في البيوت كما ترثه إن مات ؟
قال: نعم.
قلت: وكذلك إن قتلك يرثك ما في البيوت كما ترثه؟
قال: لا.
قلت: وكيف ترثه ولا يرثك؟
قال: لأني قتلته بحق أمرت به فقتلته، وقتلني بالباطل، وقد نهي عن قتلي، ألا ترى لو أن رجلاً قتل أخاه وهو أخي لم يرثه؛ لأنه قتله ظالماً، وإن أنا قتلته بأخي ورثته؛ لأني قتلته والقتل لي جائز. وكذلك أرث الباغي ولا يرثني.
قلت: هكذا قولك في جميع من حاربك؟
قال: لا.
قلت: لِمَ، أليسوا جميعاً محاربي لله ورسوله؟
قال: بلى، ولكن السيرة والأحكام فيهم تختلف.
قلت: وما الذي فرق بينهم وهم جميعاً محاربون لله ورسوله؟

قال: إن السيرة والحكم فيمن حاربني وهو مستحل لدمي ومالي بالتأويل ليس مثل السيرة فيمن حاربني وهو محرم لدمي ومالي السيرة في المحارب المحرم لدمي وإلى أن آخذه بما أصاب من المسلمين في الحرب من جراحة أو قتل أو مال استهلكه أو فرج حرام وطأه أقيد منه بما أصاب من دم أو جراحة، وأقيم عليه الحد بما أصاب من فرج حرام أو أظمنه ما استهلك من أموال المسلمين في حربه، وأرد عليه إذا جاء ثابتاً أو ظهرت عليه ما بقي في يدي من ماله، والحكم فيه إذا ظهرت عليه أو أسرته أن أقيم فيه الحدود التي في الكتاب إن كان قتل ولم يأخذ المال قتلته، وإن كان قتل وأخذ المال صلبته، وإن كان أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ مالاً نفيته من الأرض، والسيرة والحكم في المتأول المستحل لدمي ومالي إذا جاء تائباً لم آخذه بما أصاب في حربه من دم أو جراحة، ولم أقم عليه الحد فيما أصاب من فرج حرام ولم أضمنه ما استهلك من مال أصابه من المسلمين على التأول إن أسرته أو ظهرت عليه لم أقم عليه الحدود من القتل والصلب والقطع والنفي من الأرض ولم أرد عليه ما بقي في يدي مما أصبت من ماله في الحرب واستعان به عليّ، لأنه كان مستحلاً لدمي وغنيمة مالي ولم ينزل فيه(1) حكم كما نزل في المحارب، ولم يكن في عهد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مستحلاً لدماء المسلمين وأموالهم والشرك قد نزلت فيه أحكام معلومة غير أحكام المحارب، ولم أكون لأجري فيه أحكام المحارب؛ لأنه مستحل، ولا أجري عليه أحكام المشرك؛ لأن ما فيه من التوحيد حال بيني وبين أن أحكم فيه بحكم المشركين، ولكني أجريت عليه إذ لم يكن لي أن أحكم فيه بحكم المشركين المستحلين إلا بحكم المحاربين المحرمين أجريت عليهم حكم ما أمرني الله باتباعه وجعله مع الكتاب لا يفارقه مع إجابة من العصمة من الضلال والطهر في الكتاب كما كان في سيرة علي
__________
(1) ـ في نسخة: ولم ينزل فيه من السماء.

ـ رحمة الله عليه ـ في أهل البغي، وكان أول ما سار فيهم جعل ما جلبوا به في عسكرهم مغانم للمسلمين ولم يسمها على سهام الخيل والرجال، وورث منهم ورثتهم، وجعل ما في بيوتهم ميراثاً لهم مع أن الأمة قد أجمعت على أن يقيموا هذه الأحكام على المحارب المحرم، وأجمعوا جميعاً على أن لا يشترط بها في المحارب المتأول المستحل.
قلت: فما بالك جوزت للمقاتل المستحل ما استهلك مما غنم من ذلك وأخذت منه ما وجدت في يده مما بقي من مالك لم يستهلكه ولم يفعل ذلك به فيما غنمت منه حين ظهرت عليه وأقر بحكمك، أتجوز لنفسك ما استهلكت مما غنمت من ماله ولا يرد عليه من ماله ما لم يستهلكه.؟
قال: من قيل أني أخذته وأخذه يحل لي بذلك أمرت ولم يأمرني الله أن أرد عليه منه شيئاً بعد أن أحله لي وأخذه هو مني قد حرمه الله أن يأكل منه شيئاً في حال من الحال، وأمره أن يرد ما بقي منه في يده عليّ.
وسألته عن أهل العدل، إذا ظهروا على أهل الحرب فغنموا أموالهم وسبوا ذراريهم، ثم أن أهل البغي ظهروا عليه قبل أن يقسموا، ثم أن أهل العدل ظهروا على أهل البغي وذلك المال في أيديهم لم يقتسموه، هل فيه خمس، وهل يقسمونه كما تقسم غنيمة المشركين؟
قال: لا.
قلت: ولِم وقد وجدوه قائماً بعينه؟
قال: من قبل أنهم به لم يكن لهم بمال حتى يقتسموه ويعلم كل رجل منهم ماله بعينه، ومن قبل أن أحدهم لو عتق أو تصدق لم يجز ذلك، ألا ترى أن المشركين لو غلبا عليه من قبل أن يقتسموه ثم أن قوماً آخرين من المسلمين غلبوا عليه بعد كان فيه الخمس، ولو كانوا اقتسموه رد على الأولين ولم يكن لهؤلاء الذين غلبوا عليه بعد شيء.
قلت: فأراك قد جعلتهم بمنزلة المشركين؟
قال: كلا، ألا ترى أني أجعل فيه إذا أحرزه المشركون قبل أن يقسم ثم ظهر عليه المسلمون بعد كان فيه الخمس، وإذا أحرزه أهل البغي قبل أن يقسم ثم ظهر عليه المسلمون لم أجعل فيه الخمس، ولكني أجعلهم كأنهمهم الذين غنموه من المشركين.

قلت: أفلهم هو إن غنموا منك ثم تابوا كما هو للمشركين إن غنموه منك ثم أسلموا؟
قال: لا.
قلت: أرأيت إن كان فيما غنم منك أهل البغي جارية غصبها رجل من أهل البغي نفسها أو من أهل المصر، هل تجد واحداً منهما وهما ليس ممن ظهر عليه منهم؟
قال: لا.
قلت: ولِم ذاك؟
قال: لأن لجميع أهل القبلة دعوى ما لم يتباينوا، وإن تباينوا فليس عليهم في المباينة حدود ولا قصاص.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((أحب الناس إلى الله عز وجل يوم القيامة وأقربهم مجلساً إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى الله عز وجل يوم القيامة وأشدهم عذاباً إمام جائر)).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((الإمام العادل لا ترد له دعوة )).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((يقال للإمام العادل في قبره: أبشر فإنك رفيق محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم)).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((من ولي من أمتي شيئاً من بعدي فعدل فيهم بسيرتي كان معي يوم القيامة، ومن ولي من بعدي شيئاً فعمل بغير ذلك فعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرفاً ولا عدل)).
قال محمد: بلغنا أن الصرف التوبة، والعدل الفدية.
وعن النبي عليه السلام أنه قال: ((المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين العرش ـ وكلتا يديه يمين ـ وهم الذين يعدلون في حكم أهليهم وما ولوا )).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((ما من شيء أعم نفعاً من رفق الإمام وعدله، وما من شيء أعم ضرراً من حرق إمام لفجوره )).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((سيكون من بعدي أمراء يظلمون ويغشون، فمن غشي أبرأ بهم وصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يرد على الحوض، ومن لم يفعل ذلك بهم فإنه مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض)).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((من استرعى رعية فغشها لقي الله وهو عليه غضبان )).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أنكم ستحرصون على الإمارة فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة)).
وعن علقمة قال: قلت لعلي صلى الله عليه: يا أمير المؤمنين، أتجعل بينك وبين أكلت الأكباد حكماً؟ فقال: (كنت كاتب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم سهل بن عمرو فكتبت إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله)، فقال: لا والله لا أقر أنه رسول الله، ولو أقررت لما قاتلته.
قال: قلت: بلى والله إنه رسول الله على رغم أنفك، والله لا أمحوه. فقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يا علي أرنيه))، فأرأيته، فمحاه، ثم قال: ((اكتب هذا: هذا كتاب من محمد بن عبد الله ))، ثم قال: ((أما والله لتدعن إلى مثلها، فلتفعلن وأنت كاره)).

يلي هذا الملف: (كتاب الزيادات) صفحة 132
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الزيادات
بابٌ في التوحيد

قال محمد ـ في كتاب التوحيد والجملة ـ: الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الدائم بلا أمد، الأول قبل كل أول بلا بداية، والآخر بعد كل آخر بلا غاية، المتعالي عن شبه خلقه، الذي لا يبلغ الواصفون وصفه، ولا يدرك الطالبون من نعته إلا ما أخبر به عن نفسه، الظاهر الباطن الذي ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، إن الله ـ جل ثناؤه وتعالى ذكره وتباركت وتقدست أسماؤه ـ ندب جميع خلقه إلى معرفته وتوحيده والإيمان به بما بين من حججه وأوضح من بيناته وأظهر من دلائله في خلقه وآياته، على أنه المالك المبتدع الخالق لجميع الأشياء لا من شيء خلقها، وهو الصانع القدير، فقال سبحانه: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد}، وقال: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء}، وقال: {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالِمين}، وقال: {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنشرون}، وقال: {ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً..} الآية، وقال: {ومن آيياته أن تقوم السماء والأرض بأمره..} الآية، وإنما أجابت الرسل صلوات الله عليهم عندما سئلت عن الله بالدلالة عليه، فشهدت له بالوحدانية ووصفته بالقدرة والتدبير، وأوجبت على من أرسلها الله إليه معرفة الله وتوحيده والإيمان به أنه إله واحد خالق، ليس كمثله شيء، وإنما أجابت الرسل عليهم السلام بغاية الحجة على من سألها بما بين الله لها وأنزل في كتبه إليها لم تَعْد ذلك إلى غيره، ولن تكون حجة أبلغ على الدلالة على الله من حجج أنبياء الله التي أبلغتها عن الله خلقه ولا أهدى لهم إن قبلوها، قال الله تبارك وتعالى: {قالت لهم رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض}.

وقال إبراهيم في محاجته قومه ودعائه إياهم إلى الله وتعريفه إياهم رب العالمين: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدوٌّ لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهديني} إلى قوله: {والذي يميتني ثم يحين}، فدلهم عليه لا شريك له بالقدرة والتدبير.
وقال موسى عند مسألة فرعون إياه إذ يقول: {من ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كُلَّ شيء خَلقه ثم هدى قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى..} الآية، وقال فرعون ـ أيضاً ـ: {وما رب العالمين} قال موسى: {رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين}، وقال: {رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون}، فلم يتعد موسى من الجواب عند مسألة فرعون إياه غير ما أنبأه الله به في الكتاب، وفرعون اللعين أعمى العمين وأعتى العاتين وأخبث المخبثين أجابه موسى عليه السلام: عز الله وعز بالدلالة من خلق الله عليه. وكذلك نبينا محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم حين سأله قومه عن الله سبحانه إذ يقولون: {من يعيدنا}، فأمره الله بالجواب لهم: {قل الذي فطركم أول مرة}، وقال لا شريك له: {أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم}، وقال لنبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم: {قل يحييها الذي أنشأها أو مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون}، فلم يكلف الله نبينا من الحجة والجواب غير ما قال له في الكتاب.

وبلغنا أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال له قومه: أنسب لنا ربك، فأنزل الله جبريل بسورة: {قل هو الله أحد..}، فليس لله شبيه ولا عدل ولا كمثله شيء، وقد أوضح الله حجته على خلقه فيما جعل فيهم من تركيب الخلق وآثار الصنعة والتجزئة والتأليف واختلاف الحواس وقوام بعضها ببعض وإدراك بعضها ما لم يدركه بعض، إذ خلقها سبحانه كذلك، وجعلها تقوم بجزئين متباينين نفس وجسد، ثم ألف بينهما بلطف تدبيره، وأحكم تركيبها بحسن تصويره، فجعلها شخصاً واحداً مكملاً محتملاً للزيادة والنقصان علماً(1) بنفسه عاجزاً عن اجتلاب محابه ودفع مكرهه(2)، فمن كان بهذه الصفة والمنزلة علم علماً يقيناً واجباً اضطراراً أنه مبتدع مصنوع مملوك مملوكةٌ عليه أموره، وإن صانعه غيره، وإن صانعه باين من جميع صفاته فيقر له بالصنعة والتصديق، فكذلك الخالق العليم غير محدود يدرك بالآيات فيوحد.
وقال محمد ـ في المسائل ـ: وإن قال قائل: بأي شيء عرفت الله؟ فقل: عرفته بما دل على نفسه من القدرة وأثر الصنعة وحسن التدبير في خلقه، وأنه ـ جل ثناؤه وتقدست أسماؤه ـ ندب جميع خلقه إلى معرفته وتوحيده والإيمان به بما بين من حججه وأوضح من بيناته وأظهر من دلائله في خلقه وآياته، على أنه الملك المبتدع الخالق لجميع الأشياء لا من شيء خلقها، وهو الصانع القدير، وذكر مثل ما قد تقدم ذكره في الجملة.
__________
(1) ـ في نسخة: عالماً.
(2) ـ في نسخة: مضاره.

وإن قال قائل: بأي شيء عرفت محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ونبوته؟ فقل: عرفته بالآيات التي كان يأتي بها يُبْهِرُ بها عقول العلماء والناس أجمعين، وبإخباره بالغيوب التي يتتبعها أعداؤه، فيجدونها حقاً، وأخباره عن الأمم الماضية السالفة وأتتنا بها، وأحوال الأمم مع أنبيائهم، فيعقب ذلك الأخبار، وأهل الدراسة للكتب، فيجدونها حقاً، وقوله لا شريك له في المنافقين: {تعرفهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول}، كان رجل يظهر الإيمان ويبطن الكفر والنفاق في قلبه، فيخبره النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بما أخفى في قلبه وأسر في نفسه وإن لم يتكلم، وهذا أمر عظيم من آيات الأنبياء، وبإخباره عن الفتوح التي كان يفتتحها قبل أن يفتتحها، فيجدون ذلك حقاً، وقوله لعمه العباس حين أسر: ((أقر نفسك وابن أخيك))، فقال: ما لي شيء أفدي به نفسي وابن أخي فقال له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل)) زوجته، والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بالمدينة، والعباس وأم الفضل بمكة، فلم يجد العباس بداً من تصديقه والإقرار بما قال له رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، مع ما نور الله قلبه فقال: أشهد أنه ما أطلعك على هذا إلا رب السموات، ما اطلع عليه أحد إلا أم الفضل، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فهذه من علامات الأنبياء، ومثل هذا لا يحضى من أخباره عن الغيوب والآيات التي لا يأتي أحد بمثلها، وألزم الله جميع الأمم الإقرار بالرسل وتصديقها وقبول ما جاءت به، ثم أخبرنا الله في القرآن بقصة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم واسمه ونعته، وإلزام قبول ما جاء به، فقال تبارك وتعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}، وقال: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم} وبشارة عيسى عليه السلام به صلى اللّه عليه وآله وسلم إذ يقول: {ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه

أحمد}، وقوله: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح}، وقوله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي جاء به من عند رب العالمين لا يقدر إنس ولا جان أن يأتي بمثله ولا بسورة.
بابٌ في نفي التشبيه والتجسيم
قال محمد ـ في كتاب أحمد بن عيسى ـ: حدثني علي بن أحمد، عن أبيه أنه كان ينفي التشبيه ويقول: هو عز وجل موجود بكل مكان لا كيفية.
قال: وكل شيء في القرآن: {وجاء ربك}، {يأتي ربك} وأشباه هذا المعنى فمعناه جاء: جاء ربك ويأتي أمر ربك.
قال محمد: وسئل أحمد عن العرش، فقال: وما تنكر أن يكون الله عز وجل خلق العرش ليتعبد به الخلق كما تعبدهم بنصره، فقال: {إن تنصروا الله ينصركم}، وقد كان غنياً عن نصرهم، وإنما أمرهم به ليتعبدهم به، فتعبد الخلق بالإيمان بعرشه.
وفي رواية محمد بن فرات: من غير كينونة منه عليه دون غيره، وهو بكل مكان موجود، وعلى كل نفس رقيب، وبكل شيء محيط، و{ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا}، و{هو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون}.
قال محمد: قلت لأحمد: ما معنى قوله: إن الصدقة تقع بيمين الله؟
قال: بقول الله.
وقال محمد ـ في الجملة ـ: سألت أحمد بن عيسى عن هذا الحديث، يعني قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((عشية عرفه أنه إذا كان في هذه العشية هبط الله سبحانه إلى سماء الدنيا )). فقال أحمد: إن الله سبحانه أعظم من أن يزول من مكانه، وهبوطه نظره إلى الشيء.

وحدثنا علي بن محمد، عن ابن هارون، عن سعدان، عن محمد قال: سألت أحمد بن عيسى عما روي: ((وكلتا يديه يمين))، فقال: ملك الله وقدرته، وكان ما روي في هذا ـ يعني من التشبيه ـ لها عنده معاني ووجوه، ليس أنه يكذب بها.
قال محمد: كان أحمد بن عيسى ينفي التشبيه والحدود والنهاية، ويقول: هو عز وجل موجود بكل مكان بلا كيفية.
قال أحمد: وأخبرني حاضر بن إبراهيم أن سليمان بن جرير، وهشام بن الحكم إجتمعا في بيت حاضر، فثبت هشام التشبيه والحدود لله جل وعز، ونفى سليمان حتى قال له سليمان: ذكر هو أو أنثى؟ قال: ذكر. فسأله عن صفات الذكر فجَبُن هشام، فسكت ولم يجب.
قال محمد ـ في كتاب أحمد ـ: قال القاسم بن إبراهيم في قوله جل وعز: {وأشرقت الأرض بنور ربها} قال: بنور عدل ربها.
قال: وقوله: {والسموات مطويات بيمينه}، فإنما يريد سبحانه قدرته عليهن.

قال القاسم: فيما وجدته بخط أحمد بن بشار الثوري ـ وكان ثقة فاضلاً ـ، عن محمد بن منصور، عن القاسم بن إبراهيم أنه قال ـ: كيف يكون بالله موقناً أو عند الله مؤمناً من نسب الله سبحانه بصورة آدم بما فيه من صورة الشعر واللحم والدم، وهم أصحاب هشام وسالم، أم كيف يكون مؤمناً من يقول بقول ابن الحكم وهو يقول: إن الله نور من الأنوار وإنه سبحانه جثة مسدسة المقدار يعلم بالحركات ويخف في الأماكن وينتقل وتبدو له البدوات وتخلو منه السموات؛ لأنهم يزعمون أنه على العرش دون ما سواه، وأنه لا يبصر ما حجبته عنه الحجب ولا يراه ويدنوا لما يدنوا له من الأشياء بالمشاهدة وينأى عما نأى عنه بالمباعدة، والله سبحانه يقول فيما وصف به نفسه لعباده: {والله على كل شيء شهيد}، وقال: {إن الله على كل شيء شهيد}، و{لقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}، وقال سبحانه: {وهو الله في السموات والأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون}، مع ما بين سبحانه في غير هذا من بعده عن شبه الأشياء من النور وغيره من قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}، وقوله: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}، وقوله: {ولم يكن له كفؤاً أحد}، فهو المثل والند، فلو كان سبحانه كما قال هشام وأصحابه: نوراً أو جسماً، أو كما قال ابن سالم: لحماً أو دماً، لكانت أكفاؤه كثيرة؛ لأن الأنوار في نوريتها متكافئة، والأجسام في جسميتها متساوية، وكذلك تكافي اللحم والدم تكافي الجسمية ولو كان كما قال أصحاب النور: نوراً محسوساً لكانت له الظلمة ضداً ملموساً، ولو كان ذلك كذلك لوقع بينهما ما يقع بين الأضداد من التغالب والفساد، فسبحان من ليس له ند يكافئه ولا ضد يناوبه.

وقال الحسن بن يحيى: أجمع علماء آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على نفي التشبيه عن الله سبحانه، وأنه الواحد الذي ليس كمثله شيء، ولا تدركه الأبصار، تعالى عن الصفات والأشباه والأنداد والنظراء.
قال الحسن: وسألت عن صفات الله سبحانه فإن الله لم يزل سميعاً بصيراً عزيزاً حكيماً عالماً قديراً، التام .. بجميع صفاته التي وصف بها نفسه قبل أن يخلق الخلق وبعدما خلقهم، لم يزده خلقه لهم في صفته إلا بتلاوة ما عرفهم من عظمة جلاله، ولم ينقص صفته بعد فناء الخلق، فتبارك الله أحسن الخالقين تبارك وتعالى عن أن يدركه الواصفون إلا بما وصف به نفسه بلا تحديد ولا تشبيه ولا تناهي، فجيمع الأشياء شاهدة له بالوحدانية وخاضعة مستكينة لعز جلاله، فتبارك الله الذي ليس له نعت موجود ولا وقت معدود ولا أجل محدود، وسبحان الذي ليس له أول مبتدأ ولا غاية منتهى ولا آخر يفنى، هو كما وصف نفسه، والواصفون لا يبلغون نعته حَدّ الأشياء كلها عند خلقه إياها إبانة له من شبهها وإبانة لها منه فلم يخلل بها فيقال هو فيها كائن، ولم ينأى عنها فيقال هو منها باين، ولم يخل منها فيقال أين، ولكنه سبحانه أحاط بها علمه وأتقنها صنعه ودللها أمره وأحصاها حفظه، فلم يغرب عنه جعبات غيوب الهواء والأغامض سائر مكنون ظلم الدجا، ولا ما في السماوات العلى والأرضين السابعة السفلى، لكل شيء منها حافظ ورقيب، وكل شيء منها بكل شيء محيط، والمحيط بما أحاط به منها الله الواحد الأحد الصمد.

وقال الحسن بن علي صلى الله عليه ـ في التوحيد ـ: الحمد لله الأول الكون لم يزل، لم يكن له أول معلوم ولا آخر منتهى ولا قبل مدرك ولا بعد محدود ولا أمد بحتّى ولا شخص فيجزى، ولا اختلاف صفة فيناها، التام، فلا تصف العقول وأوهامها ولا الفطن وخطراتها ولا الألباب وأذهانها ولا الألسن وأطنابها دركاً بجهدها لنعته، فنقول لكينونته متى ولا ندى مما ولا ظاهر على ما ولا باطن فيما ولا بارك، فهلا بدأ البدأ وكان بدأنا بديعاً بدأ ما ابتدع وابتدع ما ابتدأ وفعل ما أراد، وأراد ما استزاد، والحمد لله رب العالمين.
قال محمد: وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنه لا يدرك إلا بتصديقه)).
وبلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((ملك من الملائكة رجلاه في الأرض السفلى وعاتقه تحت العرش، بعض زوايا العرش على قرن من قرونه ما بين عاتقه إلى شحمة أذنه مسيرة سبع مائة عام خفقان الطير)).
قال محمد: وحدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا سيار، قال: حدثني جعفر بن سليمان، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: بلغنا أن في بعض السماوات ملائكة كلما سبح منهم ملك وقع من تسبيحته ملك قائم يسبح.
قال: وفي بعض السماوات ملك له من العيون مثل عدد الحصى والثرى وعدد نجوم السماء ما منها عين إلا وتحتها لسان وشفتان يحمد الله بلغة لا يفقهها صاحبها.

قال محمد: فهذه الملائكة في عظم خلقها وبعد أقطارها وكثرة أجزائها ليس من بعوضة أو ذره إلا وفي خلقها معنى، خلق هذه الملائكة، إلا أن الله قلّل أجزاء البعوضة والذرة وكثر ـ بقدرته ولطيف صنعه ـ أجزاء الملائكة، فجزء الذرة أخذ بقسطه من أجزاء الملك الذي عظم الله خلقه في حدة ووزنه وتأليفه وأثر الصنعة فيه، وذلك دليل على أنهما مصنوعان وصانعهما واحد آثار الصنعة والخلق فيهما جميعاً قائمة، والقضاء على كل محدود مجزءاً مؤلف في صفة ذرة أو دون ذرة أو أعظم خلقاً من عظماء الملائكة أنه مبتدع مصنوع لا يجب حكم الإيمان لعبد حتى يؤمن بذلك، وقد وصف الله نفسه بصفات مدائح وأسماء برهان لن تزول عن الله سبحانه في حال يدان فيها بإثبات ما أوجب سبحانه ونفي ما أزال، فقال عز وجل: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم..} إلى آخر السورة، وقال: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن}، وقال: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}، وقال: {الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} والقيوم الدائم الذي لا يزول، وقال: {هل تعلم له سميّاً}، يعني عدلاً وشبيهاً، وقال: {فلا تجعلوا لله أنداداً} يعني أشباهاً، {وأنتم تعلمون}، فهو لا شريك له الأحد الواحد الصمد المتعال بصفاته عن صفات خلقه، الذي لا تدركه الأبصار ولا تبلغه الأوهام والمحيط بعزه بالأماكن والأقطار، لا يزول بعظمته عن حال إلى حال، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وحدثنا سفيان، عن أبي بكر بن عياش، عن ليث، عن مجاهد قال: جاء يهودي إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يا محمد أخبرني عز الله، ألؤلؤ هو أم زبرجد هو؟ فأنزل الله تعالى عليه صاعقة فقتلته، ثم أنزل الله سبحانه: {وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال}.

قال محمد: وسمعت الحسن بن يحيى يذكر عن علي بن أبي طالب صلى الله عليه أنه سأله سائل عن الله تبارك وتعالى فقال: صف لنا ربنا حتى نزداد به معرفة وله حبّاً؟ فقال علي عليه السلام: (عليك يا عبد الله بما دل عليه القرآن من صفته وقدمك فيه لترسل بينك وبين معرفته، فأتم به واستعن بنور هدايته، فإنما هي نعمة وحكمة أتيتها، فخذ ما أوتيت، وكن من الشاكرين)، وذكرنا في الكلام في كتاب الجملة.
وسئل محمد عن قوله: ((خلق الله جنة عدن بيده وغرس شجرة طوبى بيده، ونظر إلى الجنة وتبسم، وينزل في ليلة النصف من شعبان إلى السماء))، وقوله: ((إذا كان يوم القيامة أتي بعرشه إلى بيت المقدس فيجلس عليه ويحكم بين خلقه، ليس بينه وبينهم ترجمان))؟ فقال: أما قوله: ((خلق الله جنة عدن بيده وغرس شجرة طوبى بيده))، فإنما معنى خلق ذلك بقدرته كيف شاء وكما يشاء. وقوله: ((نظر إلى الجنة وتبسم))، جل الله وعلى وتقدس عن شبه خلقه وعن صفات المخلوقين. وقوله: ((ينزل الله سبحانه في ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا))، فبلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال في هذا الحديث: ((الله أعظم من أن يزول، ولكن ينزل أمره))، وأما قولك: ((إنه يؤتى بعرشه إلى بيت المقدس ويحكم بين خلقه))، فالجواب في المسألة التي قبلها كافٍ عن غيره.
قال: وقوله: ((خلق الله آدم بيده))، يعني خلقه بقدرته لا يكيف ذلك. وقوله: {والسماوات مطويات بيمينه} مطويات بقدرته لا شريك له. وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إذا التفت العبد في صلاته أعرض الله عنه))، قال: إعراض الله عنه برحمته ومغفرته. وقوله في الميت: ((فإنكم إذا وجهتموه للقبلة أقبل الله عليه بوجهه))، معناه أقبل الله عليه برحمته.
القول في نفي الرؤية
قال أحمد، والقاسم، والحسن، ومحمد: ليس يُرى الله في الدنيا ولا في الآخرة.

وقال أحمد، ومحمد في قوله: {وجوه يومئذ ناضرة}، قالا: ناعمة، {إلى ربها ناضرة} تنتظر الثواب من ربها.
وقال الحسن: {ناضرة} تنتظر ثواب ربها.
وقال الحسن: إن الله سبحانه مدح نفسه في كتابه بمدحه وهو حقيق ألا ينقطع مدحته في الدنيا ولا في الآخرة، فقال: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}. وقال موسى: {رب أرني أنظر إليك} قال {لن تراني}، وما قال الله فهو كما قال.
وقد روي في الحديث: إن أهل الجنة تبلغ بهم الكرامة إلى أن ينظروا إلى خالقهم كما ينظر بعضهم بعضاً، والله سبحانه أجل وأعظم من أن تدركه الأبصار أو تحيط به العقول أو تقع عليه الأوهام، والأمر في ذلك مردود إلى الله يفعل ما يشاء، ويرى أولياؤه من عظمته ما لم تكن أبصارهم تطيق النظر إليه في الدنيا.
وقد روي عن زيد بن علي عليهما السلام أنه قال: إن بين الله سبحانه يوم القيامة وبين أدنى خلقه من ملك مقرب أو نبي مرسل سبعين ألف حجاب من نور لن يستطيع أدناهم أن يرفع رأسه، إلى أدناها حجاباً من عظمة الله تبارك وتعالى، وقد قال سبحانه: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله}، والصواب إذا تأول الناس شيئاً واختلفوا فيه أن يردوا حكمه إلى الله ولا يتألون برأيهم على أهوائهم، وسبيل هذا رأى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ربه حين عرج به إلى السماء، قال: رأى ربه بقلبه كما يرى الإنسان بقلبه في المنام.
وقال محمد: إن الله تبارك وتعالى لا تدركه الأبصار ولا تلحقه الأوهام.
قال بعض أهل العلم: إن الله يرى في الآخرة، وليس كرؤية المخلوقين للشيء الذي تحويه أبصارهم، ولكن لله حفايا ولطائف يلطف فيها لمن يشاء كما شاء.
وسمعنا في قول موسى عليه السلام: {تبت إليك وأنا أول المؤمنين} فإني تبت إليك من مسألتي الرؤية، وأنا أول المؤمنين بأنك لا يراك أحد من خلقك.
وروى محمد بإسناده، عن مجاهد، وأبي العالية، والسري، نحو ذلك.

وروي عن علي صلى الله عليه في قوله: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}، قال: الزيادة غرفة من لؤلؤ لها أربعة أبواب.
وعن مجاهد: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}، قال: مثلها، والزيادة المغفرة والرضوان وخلود في الجنة في نعيم أبداً.
وعن علقمة قال: الزيادة قوله: {من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها}.
وعن عائشة قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية.
القول في الإيمان وزيادته ونقصانه
قال محمد في المسائل: قال أحمد بن عيسى الإيمان يزيد وينقص، وأصل الإيمان ثابت، يعني الذي تحل به المناكحة والموارثة.
قال محمد: وهو قول من رأينا من علماء آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أحمد بن عيسى، وعبد الله بن موسى، والقاسم بن إبراهيم وغيرهم.
وقال محمد ـ في كتاب أحمد ـ: سألت أحمد بن عيسى عن الإيمان فقال(1): الإيمان قول وعمل. ثم قال: القول عمل.
وقال أحمد: الإيمان المعرفة والإقرار، قال الله عز وجل: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى}، وقوله: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله}.
قلت: الإيمان يزيد وينقص؟
قال: نعم.
قلت: ما معنى زيادته ونقصانه؟ فذكر الأعمال وزيادة الإيمان بأعمال الطاعة من الصوم والصلاة وغيره مما يقرب إلى الله، ونقصانه العمل بالمعصية وما يباعده من الله عز وجل. وقال: بالعون والمن والتوفيق وشرح الصدر. وشرح فيه شرحاً لم أحفظه، وذكر آيات من القرآن.
__________
(1) ـ في نسخة: عن الإيمان، فقلت: الإيمان قول وعمل قال.

قال محمد: وحدثني علي بن أحمد، عن أبيه، أنه سئل عن الإيمان يزيد وينقص، أم هو تام لا ينقص؟ فقال: الإيمان تام في كل الأحوال لا يكون ناقصاً، ولكن يزداد باليقين والإخلاص على قدر ما يخص بذلك منه، ويزداد بالأعمال والفرائض الواجبة عليه، وهو في كل الأحال تام لا ينقص، وهو التصديق بما جاء به محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الله سبحانه، والإسلام إقامة ما شرع من شراع الدين والانقياد له، فهذا معنى الإيمان والإسلام، وهو جملة، ومن الدليل عليه قوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم}، وذلك لما أظهروا من التصديق ولم يكن عليه اعتقاد يقين وإخلاص، فكان ذلك غير مقبول عند الله، والإسلام ما أقاموا به من شرائع الرب.
وقال الحسن، ومحمد: الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
وقال محمد ـ في موضع آخر ـ: الإيمان يزيد بأعمال الطاعة من أداء الفرائض والسنن والنوافق، وينقص بالمعاصي وركوب ما نهى الله عنه.
وقال الحسن ـ أيضاً في رواية ابن صباح عنه، وهو قول محمد في المسائل ـ: والإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح.
ولا نقول بقول المرجئة: إن الإيمان قول بلا عمل.
قال محمد: سمعنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: <لا يقبل الله عز وجل عمل رجل حتى يرضى> ـ قوله يعني ولا يرضى ـ قوله: <حتى يرضى عمله>.
قال الحسن، ومحمد: قال الله سبحانه في زيادة الإيمان ونقصانه: {والذين اهتدوا زادهم هدى}، وقال: {ازدادوا إيماناً مع إيمانهم}.

قال الحسن: وقال الله عز وجل: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون}، وقال: {ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} إلى قوله: {وأولئك هم المفلحون}، وقال: {المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض..} الآية، وقال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} إلى قوله: {ورزق كريم}، وقال: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا..} الآية، وقال: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} إلى قوله: {بنيان مرصوص}، فأخبرنا الله تعالى أنه يمقت الذين يقولون ما لا يفعلون فلم يرض الله عز وجل بالقول دون الفعل، بل ذكر أنه يمقت من فعل المؤمن القول بلا فعل، وأن الإيمان بالله هو الطاعة، ما عمل الناس بطاعة الله أحبهم إليه، وأشد الناس حبّاً أكثرهم إيماناً بالله. وقال فيما شهد به للمؤمنين: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} إلى قوله: {وأولئك هم المفلحون}، وقال: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} [إلى قوله](1): {أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون}، وهذا وصف الله للمؤمنين وما شهد لهم به من وراثة الجنة والفردوس، شهد للمؤمنين الموصوفين بهذه الصفة بالفلاح، وشهد على من خالف هذه الصفات أنهم عادون وسلخهم من اسم الإيمان، فقال: {والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم} يقول: نسوه أن يطيعوه وأن يذكروه كما أمرهم، فنسيهم من ثوابه، النسيان هاهنا الترك، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتقين المطيعين لله ولرسوله برحمته.
__________
(1) ـ ما بين المعكوفين في نسخة.

وقال الحسن ـ في رواية ابن صباح عنه، وهو قول محمد ـ: ويقول: إنه آمن بالله واليوم الآخر وبالرسول وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحج البيت واغتسل من الجابة وأتى بالفرائض كلها واجتنب ما نهى الله عنه في القرآن من الكبائر، ووالى أولياء الله وعادى أعداء الله، فهو عندنا مؤمن حقاً من أهل الجنة، وهو ولي الله.
قال محمد: ولا تجب الولاية من الله إلا بأداء جميع ما افترض الله عليه من فرائض الدين التي يكون بها مع المتقين.
قال الحسن، ومحمد: وقد يكون الرجل مؤمناً حقاً وغيره أكبر إيماناً منه يزداد من المعرفة بالله والعمل بالطاعة، كمعرفة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ومعرفة علي ومعرفة الحسن والحسين صلى الله عليهم، فهؤلاء تفاضل معرفتهم بالله والعمل والطاعة، وكل ٌّ مؤمن حقاً.
وسئل الحسن، ومحمد، عمن يقول: الإيمان بضع وسبعون شعبة أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وإن لم يكمل فيه هذه الخصال فليس بمؤمن؟
فقالا: الجواب في ذلك ما وصفنا من المسألة التي قبلها، لا يكون ناقص الإيمان إلا بترك أداء واجب أو ركوب ذنب أوجب الله فيه الوعيد، والله عز وجل لا يخلف الميعاد، ولكن قد يتفاضل الإيمان ويزيد وينقص على حسب ما شرحنا في المسألة الأولى من المعرفة والزيادة في أعمال الطاعة.
قال الحسن ومحمد: ومن عمل شيئاً من الكبائر مثل الزنا وشرب الخمر والسرقة وأكل مال اليتيم واليمين الفاجرة وعقوق الوالدين وما أشبه ذلك، ولم يحل حلال ما في القرآن فيتبعه ويحرم حرامه فيجتنبه، فإنه فاسق لا تحل ولايته وإن كان مؤمناً به في الجملة.
سمعنا أنه ما آمن بالقرآن من لم يحل حلاله ويحرم حرامه.

وبلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يسرق السارق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر وهو مؤمن، ولا يزني الزاني وهو مؤمن>، ومن عمل بالصغائر من الذنوب، فإن ذلك لا يخرجه من حد الإيمان بقوله جل وعز: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً}، وإذا كان لرجل ولداً ووالد أو جار يعلم أنه ترك الصلاة المفروضة متعمداً من غير علة ولا عذر فينبغي له أن يعظه ويأمره، فإن لم يفعل فليتبرأ منه، وكذلك كل قريب وبعيد، وأما إذا كان يصلي وهو جاهل بحدودها ولا يحسن القراءة فليرفق به وليعلمه حدود الصلاة وما فيها، وليس كالتارك لها المستخف المتعمد لتركها، وليس يجب البراءة من هذا كما تجب البراءة من المستحل التارك.
وقال الحسن ومحمد: ومن كان عليه حقوق للناس ومظالم فعليه أن يؤدي ما استطاع من حقه إلى أهله ويخرج من كل مظلمة لا يجزيه غير ذلك وما لم يستطع من أداء حق ومظلمة فليتب إلى الله وليستحل من أمكنه من أهلها، ويرجوا أن تكون صلاته وأعمال البر مقبولة إن شاء الله.
وقال الحسن: والإسلام شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والإقرار بما جاء به من عند الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، والولاية لعلي، والبراءة من عدوه، وكمال الإسلام والإيمان بالعمل بما دل عليه القرآن من الحلال والحرام.
قال الحسن: ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لزمه اسم الإيمان.

وقال محمد في المسائل ـ وهو معنى قول الحسن ـ: والإيمان والإسلام معنيان مفترقان في اللفظ يعودان إلى معنى واحد لا يقبل من العبد واحد منهما دون الآخر، لا يكون مسلماً حتى يكون مؤمناً ولا يكون مؤمناً حتى يكون مسلماً، قال الله تبارك وتعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه}، وقال: {إن الدين عند الله الإسلام}، وقال: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} وقال إبراهيم وإسماعيل: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}، وقال: {ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل}، يقول: {ملة أبيكم إبراهيم} إلزموها، فالإيمان يزيد وينقص، والأصل ثابت، وهو الذي تحل به المناكحة والموارثة، وهو المعرفة والإقرار بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وما جاء به النبيون، قال الله: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى..} الآية، ثم قال سبحانه: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا}، فهذا أصل الإيمان الذي تحل به المناكحة والموارثة، وما يوجب الولاية من الله عز وجل، فإذا اتبع هذا الإيمان بأداء جميع ما افترض الله عليه واجتنب ما نهى الله عنه، فأصل الإيمان ثابت، وزيادته بأعمال الطاعة، فإن لم يرد جميع ما فرض الله عليه فإيمانه غير مقبول منه، وإن كان قد حقن به دمه ووجب به له حكم الموارثة والمناكحة.

وقد روينا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من وجوه أنه قال: ((من أتى بشهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأقام الصلاة ولم يؤد الزكاة لم يقبل الله منه شهادته وصلاته، ومن أتى بالشهادتين وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يصم رمضان من غير علة ولا عذر لم يقبل الله شهادته ولا صلاته ولا زكاته، ومن أتى بهذه الأربع الفرائض وأدركه فريضة الحج فلم يحج من غير علَّة ولا عذر لم يقبل الله منه ما أدى من الفرائض ))، قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن الله لا يقبل فرائضه بعضها دون بعض، وإنما يكمل الإيمان [ بما يثبت في القلب من معرفة الله والإيمان](1) بما أمر الله أن يؤمن به والإقرار باللسان والعمل بالجوارح وتحليل ما أحل الله وتحريم ما حرم الله )).
قال: وسئل عن الإيمان والإسلام، ما هما؟
__________
(1) ـ ما بين المعكوفين في نسخة.

فقال: بلغنا أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في صورة لم يعرفه فيها فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ فقال رسول الله: ((شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان والغسل من الجنابة))، فقال: يا رسول الله: فإذا فعلت هذه الخصال فأنا مسلم؟ قال: ((نعم ))، قال: صدقت، ثم قال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: ((الإيمان إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والموت والبعث بعد الموت والجنة والنار والقدر خيره وشره وحلوه ومره ))، قال: يا رسول الله، فإذا فعلت هذه الخصال فأنا مؤمن؟ قال: ((نعم ))، قال: صدقت، ثم قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ))، قال يا رسول الله، فإذا فعلت هذه الخصان فأنا محسن؟ قال: ((نعم ))، قال: صدقت، ثم مضى، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((عليَّ بالرجل ))، فطلبناه فلم نلحقه، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((هذا جبريل أتاكم يخبرمك بمعالم دينكم )).
وسئل الحسن ومحمد عمن يقول: أنا مؤمن حقاً، ومن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ومن يقول: أنا مؤمن لا شك في إيماني. ومن يقولك أنا مؤمن بالله وملائكته ورسله.؟
فقال محمد ـ وهو معنى قول الحسن ـ: كل ذلك عندنا صواب كإيمان رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وعلي وحسن وحسين صلى الله عليهم، كلهم مؤمن حقاً وبعضهم أعلا معرفةً من بعض، قال الله: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبوراً}، وكذلك المؤمن قد يكون مؤمناً حقاً وغيره أكمل إيماناً منه.
قال الحسن: فمن قال: أنا مؤمن حقاً، فقد زكى نفسه، وشرطها شديد.

وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه لقي رجلاً، فقال: ((كيف أصبحت يا جار ))؟ فقال:أصبحت مؤمناً حقاً. فقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن لكل إيمان حقيقة، فما حقيقة إيمانك ))؟ فقال: عرفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهاري وأسهرت ليلي وكأني بعرش ربي بارز، وكأني بأهل الجنة في الجنة يتزاورون، وكأني بأهل النار يعذبون، فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يا جار عرفت فالزم )).
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه لقي في سفره قوماً فقال: ((من القوم ))؟ فقالوا: مؤمنون، فقال: ((وما حقيقة إيمانكم ))؟ قالوا: الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضى بالقضاء، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((حلماء علماء كادوا من الفقه أن يكونوا أنبياء، إن كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون ولا تجمعوا ما لا تأكلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون )).
قال محمد: ومن قال: أنا مؤمن إن شاء الله فليس يستثناه لشك، ولكن يقول: أنا مؤمن ولي ذنوب.
قال الحسن، ومحمد: ومن قال: أنا مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد صدق عن نفسه.
قال الحسن: إلا أن الإيمان قول وعمل، فإذا وافق فلا يقول: أنا مستوجب للجنة جزماً؛ لأنه لا يدري بأي شيء يختم عمله، ولكن يقول: إن مت على ذلك فأنا مؤمن مستحق للجنة.
مسألة: الإرجاء

قال الحسن: وسألت عن الإرجاء فإن فرقة من أهل البدع، منهم عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، تخلفوا عن نصرة أمير المؤمنين وضيعوا ما فرض الله عليهم من نصرة إمامهم وأرجوا معاونته على الفئة الباغية، وخالفوا قول الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقالتوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}، فلا هم حضروا كما أمرهم الله حتى يصلحوا بين المؤمنين ويقاتوا الفئة التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فهؤلاء النفر ومن كان قبلهم ممن تقدم على علي وخالف إمرة أئمة المرجئة وزعموا هم ومن اتبعهم لما لزمهم من الحجة في تضييع الفرض أن الإيمان قول بلا عمل، وإن إمامة الفجار جائزة، وإن قتال أئمة الكفر ومن ينتحل الإسلام عنهم ساقطة لما افترض الله عليهم حتى توافت بهم البدع والضلالة إلى أن زعموا أن الرجل من أهل الإسلام لو قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس ونكح أمه وابنته وأخته وسعى في الأرض فساداً وتعدى حدود الله لكان مؤمناً على إيمان جبريل وميكائيل، وهذا القول من شر ما انتحل المبطلون، وهم بهذه المقالة شركاء في دم كل مؤمن قتل على وجه الأرض، وذلك لأنه انهى الخبر إلينا عن علي صلى الله عليه أنه قال: (ألا إن عاقر ناقة ثمود كان واحداً وشرَّكه الباقون في قتلها بالنية، فنزل بهم العذاب جميعاً، قال الله: {فتعاطى فعقر}، {فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها}، ألا ومن زعم أن قاتلي مؤمن فقد قتلني، فعلى الأولين والآخرين منهم غضب الله ولعنته).
القول فيمن مات على كبيرة
قال محمد ـ في كتاب أحمد ـ: سألت أحمد بن عيسى عمن يعمل بمعصية كبيرة مات ولم يتب منها؟
قال: كافر.
قلت: في النار؟
قال: في النار.

قال محمد: قال أحمد: من عمل بالصغائر من الذنوب دون الكبائر وقال: هذه مغفورة لي؛ لقوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} ولم يتب منها ويستغفر فهي كبائر، وهذا مستنكر، وإنما قوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه}، للهفوة وللذي يعمل بالشيء ثم يستغفر ويرجع عنه.
وقال محمد في الجملة: وسمعت القاسم بن إبراهيم يقول نحو ذلك. وقال: من عصى الله فقد استكبر على الله.
وقال: ليس يعصي الله حتى يستكثر على الله.
قال محمد: قلت لأحمد: الرجل يكون مستوراً ولا يعلم منه موافقة ولا غير ذلك يموت، يترحم عليه؟
قال: نعم.
وقال الحسن بن يحيى: وسألت عن قوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، فإن الله عز وجل قد أخبرنا بمشيئته فقال: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً}، وقال: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى}، وقال: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}.
قال: وسألت عن شفاعة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، لمن هي؟ فإن شفاعته لأهل بيته ولمن ودهم، وليس لأحد حاد رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وأهل بيته فيها نصيب.

قال محمد ـ في كتاب الجملة ـ: مرتم منه الإقرار وأتينا فيما سوى ذلك من الأعمال، فما كان من دون الكبائر فقد وعده الله المغفرة لقوله عز وجل: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم}، وما كان من الكبائر فقد وعده الله المغفرة؛ لقوله عز وجل: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم}، وما كان من الكبائر فهو عندهم في الدنيا على معنى ما قال جل وعز: {ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم}، وذلك في الدنيا أن يميته على نفاقه فيستوجب العذاب، أو يمن عليه بقوله: {ثم تاب عليهم ليتوبوا}، فذلك في الدنيا يمن عليه بتوبة، فيستوجب بها المغفرة.
وقال محمد في المسائل: ومن يترك فريضة من فرائض الله متعمداً من غير علة مثل الصلاة والزكاة والحج وصيام شهر رمضان والغسل من الجنابة وما أشبه ذلك من الفرائض ثم مات مصرّاً على ذلك غير تائب منه فهو عندنا في النار.
قال: والمؤمن المذنب لله سبحانه فيه المشيئة إن غفر له فبفضل، وإن عذب فبعدل.

وقال في المسائل: وسئل عن قوله: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم}، فقال: كبائر الإثم كلها وأعد الله عليه النار الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، والزنى، وشرب الخمر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس التي يحلف بها الرجل وهو يعلم أنه فيها كاذب، والفرار من الزحف، وما أشبه ذلك من الكبائر التي جعل الله فيها الوعيد، قال الله عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يشرك به}، وقال: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاءه جهنم خالداً فيها}، وقال في أكل مال اليتيم: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً}ن وقال في اليمين الغموس: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة}، يقول: لا نصيب لهم في الآخرة، من رحمة الله. وقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا يشرب الخمر وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني وهو مؤمن ))، فبرأهم الله من اسم الإيمان، ومن لم يكن مؤمناً لم يدخل الجنة إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى، فأما اللمم فهو ما دون الحدين حد الدنيا وحد الآخرة، فأما حد الآخرة فهو الشرك بالله { إن الله لا يغفر أن يشرك به}، وأما حد الدنيا فهو الحدود التي سميناها حد الزاني والرجم، وقطع السارق، وحد القاذب، وشارب الخمر، وما كان نحو ذلك من الحدود التي يقيمها الإمام في الدينا، وقال الله عز وجل: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، فشاء أن يغفر اللم لمن اجتنب الكبائر وهو الرجل يلم بالذنب على الغفلة والهفوة غير مصر ولا مستحق، فيتبع ذلك الندم والاستغفار.
هل يخرج أهل التوحيد من النار؟
قال محمد في كتاب أحمد: قلت لأحمد بن عيسى: هل يخرج من النار أحد ممن يدخلها؟
فقال: هيهات، وأنى له الخروج، ونعوذ بالله من النار.

وقال ـ هو ـ في القرآن: وذكر آيات من القرآن، منها: {لا يخرجون منها}، وقال: {ولسيت التوب للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار} وذكر أشياء لم أحفظها.
وقال الحسن بن يحيى: وسألت عمن دخل النار، أيخرجه الله من النار، أم لا؟
فالجواب في ذلك: إنا نشهد على أهل النار كما يشهد الله عليهم، فمن قال الله: {خالداً فيها} شهدنا عليه بما شهد الله عليه، وقال الله عز وجل: {فمنهم شقي وسعيد، فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد، وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ}، يعني غير مقطوع، فنحن نشهد عليهم بما شهد الله عليهم في كتابه من الخلود فيها أبداً، والمشيئة مردودة إلى الله كما قال: {إنه فعال لما يريد}.
وقال محمد: وسئل عمن يقول: من دخل النار لم يخرج منها وإن كان ممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، فقال هذا مما يتنازع العلماء فيه. وفي الرواية عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو مما يسعنا أن نرد علمه إلى الله عز وجل، قال الله عز وجل: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله}.
مسألة: في إثبات الوعد والوعيد

قال الحسن: وسئل عن الوعد والوعيد، فقال: الوعد لأهل الجنة، والوعيد لأهل النار، وأنه عز وجل لا يخلف الميعاد حقاً عليه أن يصدق وعده وعيده، وأن يدخل الجنة أهل الجنة، وأهل النار النار، قال الله سبحانه: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وعد الله حقاً ومن أصدق من الله قيلاً}، وقال: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ندخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين}، وقال: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عدداً}، وقال: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً}.
باب القدر والمشية والإرادة
قال محمد ـ في كتاب أحمد ـ: قلت لأبي عبد الله أحمد بن عيسى: هل المعاصي بقضاءٍ وقدر؟
قال: نعم، حكم الله أن سيكون ما سبق في علمه من أفعال العباد. وكان أحمد يثبت القدر خيره وشره، ويقول: الإيمان من منَّة الله على أوليائه وتوفيق وعصمة لتصديق علمه السابق الذي لا يبطل بعد الجهر بصحة العقل وبما مثله يفهم المخاطبة فإن لم يفهم فهو مقطوع العذر لكمال خلقته وسلامتها من الآفات المانعة.
قال محمد: قلت لأحمد بن عيسى: إن قوماً يزعمون أن علم الله لا يضر ولا ينفع؟
فقال: بلى، والله إن علم الله السابق ليضر وينفع، وذكر فيه كلاماً وشرحاً لم أحفظه، وذكر فيه آي من القرآن: {ولقد اخترناهم على علم على العالمين}. وذكر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم واختيار الله إياه.

قال أحمد ـ فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن سعدان، عن محمد، قال: سألت أحمد بن عيسى عن القدر الذي نهى الله عنه، ما هو؟ قال ـ: من زعم أن المشيئة إليه، وقد سئل علي صلى الله عليه عن ذلك فقال: (من زعم أن الله شاء لعباده الطاعة فلم ينفذ مشيئة الله وشاء لهم إبليس المعصية وتنفذت مشيئة إبليس فقد وهن الله في ملكه وجوره في حكمه وبر بنا إلى الله منه يوم القيامة.
وقرأت في كتاب محمد بن إبراهيم، ومحمد بن فرات، وسماعهما من محمد بن منصور، قال: كان أحمد بن عيسى يثبت القدر خيره وشره، ويقول: لا يقال شاء للعباد فيكون شبه اختيار، ولكن يقال: شاء أن يعصوه.
وقال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه من أحسن فلله عليه المنة، ومن أساء فلله عليه الحجة في إساءته وغير معذور في معصيته، ولن يخرج الخلق من قدرة الله وتدبيره وملكه.
وقال الحسن، ومحمد: إن الله سبحانه خلق العباد وعلم ما هم عاملون قبل أن يعملوا وعرفهم طاعته وأمرهم بها وأعانهم عليها وعرفهم معصيته ونهاهم عنها وأغناهم عنها.
قال الحسن: فليس أحد يصير إلى طاعة الله إلا بنعمة الله وفضله ورحمته، وليس أحد يصير إلى المعصية إلا بنعمة الله والحجة لله على المطيع وعلى العاصي.

وقال محمد ـ في موضع آخر ـ: إن الله خلق العباد جميعاً لعبادته وأمرهم بطاعته وأعانهم عليها ومدحهم عليها ونهاهم عن المعصية وأغناهم عنها وذمهم على فعلها، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة والجوارح السليمة من الآفات، وأقام عليهم الحجة وندبهم إلى المحجة بما أنزل في القرآن وجعل فيه من البيان، وركب فيهم من الجوارح التي بها يعملون وبها يحاسبون ويسألون، ثم أخذ بجميع نواصي العباد فلم يدع شيئاً من مشيئتهم وإرادتهم إلا بمشيئته وإرادته استدلالاً على الربوبية وتعبداً للخلائق بالقدرة، فإذا نوى عبد من عبيده خيراً اختار عليه في نيته، فإن شاء أمضاه له بعدله ووتوفيقه، وإن شاء حال بينه وبينه ببعض بلائه وما دعا الله إليه، فقد جعل إليه سبيلاً، وما نهى عنه فقد جعل مه بداً، فمن ثم منه الإقرار وأحسن في الأعمال كان في أهل الجنة، ومن تم منه الإقرار وأساء في الأعمال حكم عليه الديان في فعاله، فإن غفر له فبفضله، وإن عذبه فبذنبه، وما الله بظلام للعبيد.
قال محمد: فمن علم الله منه الطاعة وقبول أمره والإنابة إليه فله من الله الهداية والمن والتوفيق.
وقال محمد ـ في موضع آخر ـ: فمن قبل أمر الله وآثر طاعته وعلم الله منه صدق النية في ذلك كله كان له من الله العون والمن الزائد والتوفيق الزائد، وبذلك سعد، ومن علم الله منه المعصية وركوب ما نهاه عنه وإيثار هواه على طاعة الله استوجب من الله الخذلان والترك، وبذلك شقيَ، ولم يكن له على الله هداية ولا رضى ولا توفيق.

قال: ولله أن يمن على من يشاء من عباده ويتفضل عليه بتوفيقه وبهديه، قال الله عز وجل: {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم}، وقال: {والذين اهتدوا زادهم هداً وآتاهم تقواهم}، وقال: {يختص برحمته من يشاء}، وقال: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين}، وقال: {لولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء}، قال الله عز وجل: {وحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون}، وقال: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبوراً}، وقال: {انظر كيف فضلنا بعض النبيين على بعض}، وقال: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم}، وقال: {ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، فأخبر ـ لا شريك له ـ أنه خلق العباد جميعاً لعبادته، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وقد تقدم الكلام في مثل هذا.
قال الحسن، ومحمد في ـ كتاب الجملة ـ: فليس أحد ينال طاعة الله إلا ببدئ امتنانه وفضله ورحمته، وليس أحد أعلى منزلة من نبيه محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم وأنبيائه عليهم السلام، وقال الله لنبيه محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم: {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله}، وقال: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله}، وقال شعيب: {وما توفيقي إلا بالله}، وقال نوح: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم}، وقال يوسف: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي}، وقال رجل مؤمن من آل فرعون: {وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد}، وقالت الملائكة: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون}، وقال أهل الجنة: {وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله}.

قال الحسن بن يحيى: وقال أهل النار: {ربنا غلبت علينا شقوتنا}، وقال أهل النار: {لو هدانا لهديناكم}، وقال إبليس: {رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين}، وقال الله لإبليس: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}.
وقال محمد: وقد نسب الله الأعمال إلى العباد فقال: {بما كنتم تعملون}، وقد أقدرهم عليها بالآلة والأداة وتسليم الجوارح.
وقال الحسن، ومحمد: وللعباد أفعال وإرادات نسبها إليهم وعلم الله وإرادته ومشيئته محيطة بإرادتهم ومشيئتهم فلا يكون منهم إلا ما أراد وعلم أنه كاين منهم وقد أراد خلقهم، وخلقهم بعد علمه بما هو كائن منهم، وأنه لا يكون منهم إلا الذي كان، وقد سبق في علمه أنه يكون منهم مؤمن وكافر ومطيع وعاص وشقي وسعيد وفريق في الجنة وفريق في السعير. وقد أراد أن يتم كون ما علم أنه كائن وقد أراد تبارك وتعالى أن تكون الدنيا دار بلوى واختبار.
قال محمد: وقد شاء الله أن يسعد أهل طاعته ويشقي أهل معصيته، قال الله تعالى: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى فسنيسره للعسرى}، وليس ما سبق في علم الله بعذر لأحد في ترك ما أمر به وركوب ما نهى عنه.
وقال الحسن، ومحمد: فمن العباد من أوجب الله له الجنة والنار بسبب البلوى والاختبار، ومنهم من أراد أن يدخله الجنة بسابق علمه فيهم بلا بلوى ولا اختبار كمن لم يلزمه من الله حجة، نحو المعاتيه والبله والأطفال.
قال الحسن: وكذلك حور العين مناً منه وفضلاً ورحمةً، فمن منّ الله عليه بالعقل والسمع والبصر والسلامة والفهم لما جاءت به الرسل فقد وجبت عليه الحجة في اتباع ما جاءت به الرسل.

قال محمد: ومن ألزمه الحجة بالعقل والفهم والسمع والبصر والقوة والسلامة من الآفات المانعة لقبول ما جاءت به الرسل فذلك المحجوج لا عذر له في إضاعة شيء مما كلفه الله، قال الله عز وجل: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم..} إلى قوله: {ميثاقاً غليظاً}، وقال: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم..} إلى قوله: {إنا كنا عن هذا غافلين}، معنى لا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، وقال: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون}.
وقال الحسن: وقد أدخل الله النار خزنة النار وولدان المشركين الذي سبق في علمه أنهم لا يؤمنون، فقال لنوح: {إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن}، وقال نوح: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً}، وأهلك الولدان في زمان عاد وثمود بالصيحة ولا ذنب لهم ولم يبلغوا الحلم واختيار، وقتل الخضر الغلام ولم يبلغ الحلم. فبلغنا في الحديث أنه وجد في كتفه مكتوب: كافر، خلقه الله أن يضل من يشاء من عباده ولا يظلمهم؛ لأنهم عبيده وملكه يفعل فيهم ما يشاء بسبب البلوى والاختبار وبغير سبب البلوى والاختبار كما يشاء، ثم لا يكون ذلك ظلماً منه لعبده بل له أن يفعل ما يشاء، وليس لأحد أن يدخل على الله في علمه ولا يسأله عما يفعل وهم يسألون.

وقال محمد ـ في كتاب الجملة ـ: والعباد عباد الله جميعاً في ملكته ومشيئته وقدرته وسلطانه يفضل بعضهم على بعض كما يشاء وكيف يشاء، لا يسئل عما يفعل وهم يسألون، وقال لا شريك له: {أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات}، وقال: {وجعلناهم آية يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يؤقنون}، وقالت الرسل: {إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وقال: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام}، أي يجعل فيه نوراً يقبل به الإسلام ويحببه إليه، {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء}، فمن لم يكن له من الله نور فما له من نور، وقال: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون}، يقال في التفسير: تقلب أفئدتهم وأبصارهم على الكفر عقوبة كما لم يؤمنوا به أول مرة.
وقال محمد ـ في المسائل ـ: إن الله خلق الخلق بقدرته وجعل بينهم التفاضل بعلمه وجعل منهم عباداً اختارهم لنفسه ليحتج بهم على خلقه}، قال الله: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبوراً}، وقال: {ولقد اخترناهم على علم على العالمين}، وقال: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً}، وقال: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء}، وقال: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم}، فكان فضل الله عليهم ورحمته قبل طاعتهم إياه.

وقال الحسن ومحمد ـ في وقت آخر ـ: فـ{من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام}، فيحبب إليه الإيمان ويجعل في قلبه نوراً يقبل به الإسلام، ويخطر على قلبه الخير ويزين في قلبه التقوى مناً منه على عباده ورحمة وفضلاً: {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء، كذلك يجعل الرجس على الذين لا يؤمنون}، فمن لم يكن له من الله نور فما له من نور، قال الله عز وجل: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون}.
قال الحسن: قال سبحانه: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون}.

وقال الحسن ـ في موضع آخر ـ: فإذا أراد الله بعبد خيراً زاده في الامتنان والتوفيق وألهمه التقوى وحبب إليه الإيمان في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، ووفقه للعمل الصالح منّاً من الله ورحمة يختص بها من يشاء من عباده، ويفضل بعضهم على بعض كيف يشاء عن غير استحقاق، فأعطى الأنبياء من خزائن رحمته وبفضله ومنه وتوفيقه، وخصهم برسالته ورفعهم على خلقه مناً منه ورحمةً وفضلاً {ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولله ملك السموات والأرض وما فيهما} فهم في ملكته والقدرة محيطة بهم، يفعل في عبيده ما يشاء، ويملك حنوتهم ومودتهم وأرزاقهم وحركتهم ومنطقهم وشهوتهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، فليس يتحرك متحرك ولا يطرف طارف ولا ينطق ناطق إلا وهو في ملكته والقدرة محيطة بهم، وعلم الله وتقديره ومشيئته سابقة فيهم قبل خلقهم، قال الله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء}، فالحجة من الله على المطيع والعاصي، وما يتفضل الله به على العباد من العفو أكثر من العقوبة، قال الله: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة}، وقال: {ويعفو عن كثير}، والكثير من الله كثير، وليس للعباد على الله سبحانه أن يخلقهم ولا لهم عليه أن يهديهم، فكل خير ناله العباد فإنما هو بمن الله وفضله، وإنما خلق الله العباد عبيداً مماليك يملكهم ويملك جميع ما خولهم، وبالخلق إلى الله الحاجة في كل وقت، والله الغني عنهم، وهم الفقراء إليه، وقال: {ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء}، وقال: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله}، وقال: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}.
وسئل الحسن عن السعيد والشقي، من يكون سعيداً؟ ومن يكون شقياً؟

فقال: السعيد في علم الغيب عند الله سعيد قبل أن يخلق الخلق، ولا يكون من فعل العبد وما يختم له به إلا بعمل السعادة حتى يجعله سعيداً بعمله برحمته له ويكون فعله موافقاً لما سبق من علم الله فيه، والشقي في علم الله شقي قبل أن يخلق ولا يكون من فعله وخاتمة عمله إلا بفعل الأشقياء حتى يكون عمله وما ختم الله به موافقاً لما سبق من علم الله أنه شقي. نسأل الله أن يمن علينا بالسعادة، ولا يجعلنا من الأشقياء برحمته، فإنه ولي ذلك والقادر عليه، قال: {وكان أمر الله مقدوراً}، وقال: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}، وقال: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} للرحمة، وقال: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس}، وقال: {إن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً}، وقال: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً}، وقال: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم}، وقال: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً}، وقال: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}، وقال: {وأما ثمود فهديناهم فاسحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون}، فأخبر الله سبحانه أنه لم يعذب من عصاه إلا بعد البيان والحجة والأعذار إليهم، فكان عذابه لهم عقوبة إذ عصوه.

وقال محمد ـ في المسائلة ـ: وسألت عمن يقول: إن الله لم يخلق شقياً ولا سعيداً، فإنا نقول: إن الله قد خلق الشقي والسعيد، فلن يزول عن الشقي أن يكون شقياً ولن يزول عن السعيد أن يكون سعيداً، وهو الذي سبق في علم الله أن يسعد أولياءه ويشقى أعداءه، قال الله عز وجل: {يوم تأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد، فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك، وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك}.
وقال الحسن ـ فيما رواه ابن صباح عنه، وهو قول محمد في المسائل ـ: وسئلا عن القدر ومن قال: إن الله خلق شقياً وسعيداً وإن القضاء قد سبق، فإنا نقول في ذلك: يحمل من الكتاب وآثار بلغنا عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، لا يجاوز ذلك إلى غيره: <إن الله خلق العباد وعلم أعمالهم قبل أن يعملوها وعلم ما هم إليه صائرون ، وقد عرفهم الطاعة وأمرهم بها، وعرفهم المعصية ونهاهم عنها بعد علمه بما يعملون من ذلك ويختارون، فما كان من العباد من طاعة فلله فيها المنة، وما كان من معصية فلله فيها الحجة))، وهذا ما أجمع عليه المختلفون من أمة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم، وهو مود إلى الله عز وجل، وقد أمر الله بالألفة والإجماع ومدح أهلها عليها، ونهى عن الفرقة والاختلاف وذم أهلها عليها، وقال الله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم}.
وقال الحسن، ومحمد: ومن قال: إن الله لم يقدر في خير ولا شر فإن قوله هذا جرأة على الله وبدعة وجهل، ومن قال بالإجبار وحمل ذنوبه على الله وما تنزّه الله عنه وذمه في الكتاب فإنه جري جاهل ولا يقول في الكبائر بواحدة من المقالتين ـ يعني الجبر ونفي القدر.

قال محمد: ومن قال: إن الله لم يقد في خير ولا شر، فإنا ننسبه إلى الغلو في القدر الذي نهي عنه، ونقول: إن الله الذي قدر الخير والشر على ما أراد، فجعل الخير خيراً وجعل الشر شراً، ومشيئة الله محيطة بمشيئة العباد.
قال الحسن، ومحمد ـ في كتاب الجملة ـ: وبلغنا عن علي صلى الله عليه أن رجلاً سأله عن القدر، فقال: (طريق مظلم فلا تسلكه)، فقال: يا أمير المؤمنين، ما تقول في القدر؟ قال: (بحر عميق فلا تلجه)، قال: فسكت الرجل ساعة ثم قال: يا أمير المؤمنين، ما تقول في القدر؟ قال: (سر الله فلا تفتشه).
قال الحسن بن يحيى: ثم أن أمير المؤمنين صلى الله عليه قام فأحدث طهوراً ثم قال: (أين السائل عن القدر؟) فقال الرجل: أنا يا أمير المؤمنين، فقال أمير المؤمنين: (أخبرني عنك، أخلقك الله كما شاء أن يخلقك أوكما شئت)؟ قال: كما شاء، قال: (فأخبرني عما تأتي به يوم القيامة من عمل بما شاء الله أو بما شئت)؟ قال: بما شاء الله. قال: <فأخبرني عما يصيرك الله إليه يوم القيامة إلى ما شاء الله أو إلى ما شئت)؟ قال: إلى ما شاء، قال: (فهل ترى إلى أحد شيئاً من المشيئة)؟.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((أعمال العباد كلها على مشيئة الله وإرادته )).
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال ـ في خطبته ـ: ((إن الله حد حدوداً فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تنقصوها، وحرم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسياناً، فلا تكلفوها رحمة من الله، فاقبلوها )).
قال الحسن، ومحمد: ومن كان له جار قدري أو مرجي ينادي بذلك ويمتحن عليه الناس ويعادي على ذلك المسلمين فلا حق له كحرمة المسلم، وإن كان إنما يومى إليه بذلك ولا ينادي به فله ما للمسلمين في الجملة.

قال محمد: وحدثنا الحسن بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا عمر أبو حفص القزاز، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، وعن علي صلى الله عليه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((سبق العلم وجفّ القلم ومضى القضاء وتم القدر، تحقيق الكتاب وتصديق الرسل، وما العباد عاملون وبالسعادة من الله لمن آمن واتقى، وبالشقى من الله لمن كذب وكفر، وبالولاية من الله للمؤمنين، وبالبراء من المشركين ))، ثم قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أروي حديثي عن الله سبحانه، قال الله تبارك وتعالى: (بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد، وبفضل نعمتي قويت على معصيتي، وبعصمتي وقوتي وعافيتي أديت إلي فرائضي، أنا أولى بإحسانك منك، وأنت أولى بذنبك مني؛ لأن الخير بما أوليتك مني يداً والشر مني بما جنيت جزءاً، وبكنز من تسليطي انطويت على طاعتي وبسوء ظنك فيّ قنطت من رحمتي، لي الحمد والحجة عليك بالبيان، ولي السبيل عليك بالعصيان ذلك الجزاء الحسن عندي بالإحسان، يا ابن آدم لم أدع تحذيرك، ولم آخذك عند عزتك، ولم أكلفك فوق طاقتك، ولم أحملك من الأمانة إلا ما أقررت به على نفسك ورضاي لنفسي منك ما رضيت لنفسك مني) )).
وروى الحسن بن يحيى بعض هذا الحديث بلا إسناد، وقال: قال أمير المؤمنين: (ألا إن أبغض خلق الله إلى الله عبد وكله إلى نفسه).
وروى محمد عن علي بن الحسين أنه لما حضرته الوفاة بكى فقال له ابنه أبو جعفر عليهم السلام: يا أبتاه تبكي وقد طلبت الله طلباً ما طلبه أحد؟! فقال: يابني إنه لي أحد يشهد القيامة إلا وله زلة ولله فيه المشيئة إن شاء رحمه وإن شاء عذبه.
وسئل محمد عمن يقول: كل شيء بمشيئة الله، ولو مشيئة الله ما قدر أحد أن يفعل شيئاً، يقول: بلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((يقول الله سبحانه: يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء))، وذكر الحديث.

مسألة:
قال محمد ـ في المسائل ـ: سألت القاسم بن إبراهيم، يعني عمن يقول: فمن قتل مات بلا أجل، ولو لم يقتل ما مات، وذكرت له قول من يقول: إنه لما قتله قطع أجله، فعاب القاسم هذا القول وأقدم على من قال به بالمكروه، وسألته عمن يقول به، قال: هالك.
وقال الحسن: وأما ما سألت عنه من قولهم: إن من قتَل إنساناً فلا يكون ملك الموت قابضاً لروحه، فقد ردوا قول الله تبارك وتعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم}، وقال: {كل نفس ذائقة الموت}، وقال: {يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت}، فقد أخبرنا الله أنه يتوفى الأنفس حين موتها وإن ملك الموت يتوفى الأنفس عن أمره، وقال: قال الله عز وجل: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}، وقد قال في يحيى بن زكريا: {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّاً}، وإنما قتل يحيى بن زكريا قتلاً، وقال: {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون}، وإنما كان الموت بالقتل.

وسألت، عمن يقول إن الذئب إذا وثب على الشاة فأخذها إنه هو الذي رزق نفسه وليس خالقه الذي رزقه. فهذا القول رد حكم الكتاب البينة المنصوصة، قال الله: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها}، وقال: {الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون}، وقال: {وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم}، وقال: {هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض}، وقال: {أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات}، فجعل بعضهم أقوى من بعض وبعضهم يحسن صناعة لا يحسنها غيره، حتى أن الكناس وهو أدناهم منزلة في الدنيا ليأخذ رزقه من أعلاهم منزله في الدنيا؛ لأن الله سبحانه جعل ذلك سبباً من أسباب أرزاقهم لا يمتنعون منه، ولو كان اكتساب الرزق إلى العباد لكان الشديد البطش الكامل العقل البارع البيان والحجة أكثر رزقاً من الأحمق الضعيف، ولكن الله سبحانه احتج على عباده أنه المنزل لأرزاقهم المالك لخلقهم وأمورهم، فقال: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين}.
وقال محمد ـ في المسائل ـ: وسألت عمن يقول: من قتل مات بلا أجل، ولو لم يقتل ما مات. وهذا قول سوء سيء رديء، ولكن وافق أجله وقت القتل، ولو لم تقتله مات في ذلك الوقت.
وقد سئل الحسن البصري عن ذلك فقال: يا لكح، فمن تأكل رزقه!.
وسألت عمن يقول: لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يؤمن بالخير والشر. فمعناه حتى يعلم إنما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وسألت عمن يقول: إن الله عز وجل قد خلق الأشياء وفرغ من جميع خلقه واهن علها وأحكمه إن كان يريد بقوله إن الله قد خلق الأشياء وأحكم خلقها يريد أن الله علمها، فهو كما قال، وأما قوله: خلق، فإن الله قد خلق ما أراد خلقه وخالق ما يريد خلقه.

وسألت عمن يقول: إن الله شاء لخلقه أن يكونوا عالمين عاملين بأمر الله، ولكن تركوا ذلك.
يقول: لو شاء الله أن يجعلهم مجبولين على ذلك لفعل ولم يخرجوا من ذلك، ولكن شاء جل وعز أن يأمرهم بعد البيان واتخاذ الحجة أن يكونوا عالمين عاملين بأمر الله والمن والتوفيق من الله لمن قبل أمره، قال الله جل وعز: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}، وقال لا شريك له: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم}، فقد شاء أن يكونوا قوامين بالقسط، وقال سبحانه: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها}، وقال سبحانه: {ولو شاء الله لهدى الناس جميعاً}، [وقال تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً}](1)، وقال: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى}، وهو كما قال الله عز وجل، ولكن الله شاء أن يأمرهم وينهاهم بعد البيان ليتخذ عليهم الحجة، وقال: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}، فشاء الله أن يكرم أهل طاعته ويهين أهل معصيته.
وسئل عن قوله: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده}، فقال: ذلك المطر يغاث به العباد فهو من رحمة الله لا مرسل له غيره، وإن يمسك فلا مرسل له غيره، وكذلك كل ما أنعم الله به على خلقه فعلى هذا السبيل.
وسئل عن قوله تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله}، فقال: هو على حسب ما أجبت به في المسألة التي قبلها.
وسئل عن قوله: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس}، يعني يقول: خلقنا لها كثيراً من الجن والإنس، وهم أهل الكفر والضلال.
وسألت عن قوله تعالى: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله}، بلغنا أنه لما نزلت أن هذه تذكره: {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً}، قال أبو جهل: قد جعل الله المشية إلينا، فنزلت: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله}.
__________
(1) ـ ما بين المعكوفين في نسخة.

وسئل عن قوله: {وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له}، فقال: هو كما قال عز وجل: {إذا أراد الله بقوم سوءاً في الدنيا من نكال أو قتل أو عقوبات فلا راد لأمر الله}، وكذلك في الآخرة إذا أراد الله بأعدائه العذاب والعقاب فلا راد لأمر الله عز وجل.
وسألت عن قوله عز وجل: {وتعز من تشاء وتذل من تشاء}، شاء الله أن يعز أهل طاعته ويذهل أهل معصيته.
وسألت: عن قوله: {تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء}، هذا كما قال الله عز وجل: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك}، هذا على الإقدار والتمكين.
قال محمد: وسئل عن حد الخير والشر، فقال: حد الخير ما كلما قرب من الله، وحد الشر كلما باعد من الله، والحق ما أمر الله به وندب إليه، والباطل ما نهى عنه وذم عليه.
القول في الاستطاعة والجبر والإجبار
قال محمد ـ في كتاب أحمد ـ: وسألت أحمد بن عيسى عن تقدمة الاستطاعة والفعل.
فقال: الفعل بعد الاستطاعة، وليس حيث تذهب المعتزلة بأن الاستطاعة هي الآلة التي خلقها الله الفؤاد والسمع والبصر واليدان والأداة التي خلقها الله عز وجل في الشخص منذ هو صغير فإذا بلغ الحنث كلف العمل والعون والتوفيق من الله عز وجل سبحانه يوفق ويخذل ويعين ويدع، يفعل الله ما يشاء.
قال: والحجة من الله تلزم العباد بما ركب من جوارحهم وسلامتها من الآفات المانعة لهم من الفهم بها والحركات، فمن علم منه الهداية حان من الله المعونة والتوفيق الزائد، ومن علم منه الضلالة خذله فلم يكن له منه هداية، وذلك منٌّ من الله على أوليائه، وأهل طاعته سابق علمه فيهم، وتكلم أحمد بن عيسى في هذا بكلام وشرح لم أحفظه.

وقال محمد ـ في كتاب أحمد ـ: وذكر أحمد بن عيسى الاستطاعة، وهي عنده على وجوه، من ذلك قوله تعالى: {هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء}، وقد علموا أنه يستطيع، وإنما أرادوا هل يفعل ذلك ربك؟ ومن قرأ: {يستطيع ربك}، فقال: هل تستطيع أن تسأل ربك.
وذكر أحمد وجهاً آخر لم أحفظه. وقوله تعالى: {وكانوا لا يستطيعون سمعاً}.
قال سعدان: قال محمد: إن هذا على الكراهية كما يقول القائل: لا أستطيع أن أنظر إلى فلان على كراهيته لذلك.
قال محمد: قلت لأبي عبد الله: كيف تقرأ آية: هل يستطيع ـ بالياء ـ أو هل تستطيع ـ بالتاء ـ، فقال: لست أعدل بقراءة(1) علي صلى الله عليه {هل تستطيع ربك} بالتاء.
قال محمد: وسمعت أحمد يقول في قوله: {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها}، قال: هذا على العيب لهم، وهو مثل قوله: {كانوا لا يستطيعون سمعاً}، إنما هذا على الكراهية والفزع إذا سمعوا الحق وذكر الله جل وعز فزعوا من ذلك.
وقال الحسن ـ في مسائله ـ، ومحمد ـ في الجملة ـ: إن الله تبارك وتعالى أعز وأجل وأكرم وأقدر وأموره أن تنفذ أنفذ في خلقه من أن يجبر عباده على الأفعال، وهو جل وأعز أغنى وأكرم وأعز وأقدر، وعباده إليه أفقر إليه في كل حالاتهم من أن يفوض إليهم أموره، ولكن استوسقت الحالات بهم على ما أراد، فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ويحبب إليه الإيمان ويخطر على قلبه الخير ويزين في قلبه التقوى منّاً منه على عباده وفضلاً ورحمة لهم، فإذا عمل العباد بالطاعة شكر ذلك لهم وتفضل عليهم بالثواب، ومن لم يرد الله أن يهديه وكله إلى نفسه فاتبع هواه وزين الشيطان سوء عمله فيعمل بالمعاصي، فإذا فعل ذلك غضب الله عليه وعذبه، فالحجة لله على المطيع والعاصي.
__________
(1) ـ في نسخة: عن قراءة.

قال محمد: فلا المطيع استغنى عن معونة الله طرفة عين ولا أقل، ولا العاصي خرج من قدرة من طرفة عين ولا أقل، كل ناصية بيد الله يعمل في الكتاب قد سبق مملوك، مملوكة عليه أموره.
قال الحسن، ومحمد: قال الله عز وجل: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}، وقال سبحانه: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذي لا يعقلون}.
قال: ولكن الله أراد أن يكون من العباد مؤمن وكافر، وشقي وسعيد، ومطيع وعاص، وفريق في الجنة وفريق في السعير، بلا إخبار منه لهم، ولا نص منه إليهم.
قال الحسن: وكانوا كما أراد الله أن يكونوا: {تبارك الله أحسن الخالقين}.
قال الحسن: ولا نقول إن الله أخبر العباد على معاصيه ولا فوض الأمور إليهم.
قال الحسن: لأن المجبر لا يجبر على ما يحب ويهوى، فإنما يجبر على ما يكره الدخول فيه فمه ويتعضه، وليس أحد يدخل في المعصية الأولة فيها شهوة ومحبة، ومن زعم أن الأمور مفوضة إليه فقد زعم أن الله قد أعطاه أفضل مما أعطى الأنبياء، وكيف تكون الأمور إلى عبد والرزق والموت والحياة والقلب والسمع والبصر والأجزاء مملوكة عليه والقدرة محيطة به، ولو كانت الأمور إلى العباد لم يكن العاقد الشديد البطش المنطلق اللسان الثابت الحجة تبعاً للجاهل الضعيف، فتبارك الله أحسن الخالقين الذي لا يكون إلا ما شاء كما يشاء على معنى ما شاء.

قال الحسن: ومن زعم أن الله سبحانه جعل المشيئة إليه فإن القرآن يكذبه، قال الله تعالى:{ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}، ولا يبطل قول الله تعالى، وقال: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذي لا يعقلون}، وقال لنبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم: {ولا تقولن لشيء إن فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله}، وقال: {إن هذه تذكرة، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين}، وأمثال ذلك في القرآن كثير.
قال الحسن: والعدل من الله أن يفعل في خلقه ما يشاء ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، لم يجبر الله العباد على الأفعال ولم يفوض إليهم الأمور، ولم يكلفهم إلا ما طوقهم وجعل لهم السبيل إلى فعله. واحتج عليهم بما خولهم فقال: {إنما يتذكر أولو الألباب}، وقال: {فاتقون يا أولي الألباب}، وقال: {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها}، وقال:{هو الذي جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون}، وقال: {ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين}، فلم يحرم على العباد شيئاً إلا أغناهم عنه، حرم عليهم الخمر وأحل لهم العسل واللبن والأشربة الطيبة، وحرم عليهم الزنى وأحل لهم النكاح وحرم عليهم الربى وأحل لهم البيع، وحرم عليهم قتل النفس وأحل لهم الجهاد وقتال كل ممتنع من حكم الله إذا حارب، وإذا سعوا في الأرض فساداً وقتلوا أن يقتلوا بالحق وأشباه ذلك كثيرة مما لم يكره الله العباد على فعله، وقال: {وليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج}، فجعل لهم العذر في البلوى التي يبتليهم بها وهو أرحم الراحمين، نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق إنه رحيم قدير.

وقال الحسن ـ في رواية ابن صباح عنه، وهو قول محمد في المسائل ـ: ومن قال بالإجبار وحمل ذنوبه على الله وما نزه الله عنه وذمه فإنه جريء جاهل، ومن قال: إن الله لم يقدر في خير ولا شر فإن قوله هذا جراءة على الله وجهل وبدعة، ونقول بواحدة من المقالتين.
قال محمد: وأخبرني محمد بن يحيى التميمي، عن جعفر بن محمد، أنه سئل عن العباد، أمجبرون؟
قال: لا.
قال: أفمفوض إليهم؟
قال: لا.
قيل له: فدون ذلك شيء؟
قال نعم، ستر من ستر الله احتجب به دون خلقه.
قال محمد ـ في المسائل قال ـ: بلغنا عن ابن عباس قال: لا تقولوا إن الله أجبر العباد على معاصيه فتظلموه، ولا تقولوا: فوض إليهم، فتضعفوه، ولكنا نقول: إن الله أمر العباد بطاعته أعانهم عليها ومدحهم على فعلها، ونهاهم عن معصيته وذمهم عليها، فما كانت منهم من طاعة فلله فيها المنة، وما كان منهم من معصية فلله فيها الحجة.
قال الحسن: روي عن ابن عباس أنه قال: القدر شرك، والجبر كفر، والأمر بين ذلك.
وروى محمد بإسناده عن ابن عباس أنه قال: الناس في القدر على ثلاث منازل، فمن جعل للعباد في أمر مشيئة فقد ضاد الله في أمره، ومن أضاف إلى الله ما يبرأ منه وتنزه عنه فقد افترى على الله افتراء عظيماً، ورجل قال: إن رحم فبفضل، وإن عذب فبعدل، فذاك الذي سلم الله له دينه ودنياه جميعاً لم يجهله في علمه ولم يظلمه في خلقه.

قال الحسن: وسألت عن معنى القوة والاستطاعة التي جعلها الله تعالى فينا، هل جعلت المشيئة إلينا أن نعمل بالطاعة والمعصية، فإن الله خلق العباد فسواهم وأحسن خلقهم وجعلهم فاعلين للأشياء مريدين الأفعال، فليس يخلوا العبد من أن يكون فاعلاً شيئاً أو مريد الشيء، وجعل فيهم القدرة لما كلفهم من العمل، ومنّ عليهم بالسلامة وجعل مشيئته محيطة بمشيئتهم، فقال: {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً}، وجعل للعباد العقول والأبصار والأسماع والألسن والشفاه والأيدي والأرجل، ثم احتج عليهم بما خولهم من نعمة، فقال: {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيدٍ يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها}، وقال ـ في موضع آخر ـ: {ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين}.
وروي أنه لمعرفة الخير والشر، وقال: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}، قال: معرفة الفجور والتقوى.
وسئل محمد عن قوله سبحانه: {يضل من يشاء ويهدي من يشاء}، قال: يضل من أدبر عنه بالخذلان والترك، قال الله عز وجل: {وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه}، ويهدي الله من أقبل إليه من أهل ولايته بالعون والتوفيق والمن الزائد، قال الله عز وجل: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}.
وسئل عن قوله عز وجل: {طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون}، قال: وهو الخذلان والترك لأهل الكفر والضلالات.

قال الحسني: أخبرنا جعفر بن حاجب ـ إجازة ـ قال: أخبرنا علي بن أحمد بن عمرو قال: قال محمد بن منصور: بلغني عن رجل يجتمع إليه بالكوفة أنه قال: من زعم أن الله جل وعز سلط إبليس على أيوب فقد كفر، وقد غلط هذا القائل على كتاب الله، ووجهه على غير وجهه، ليس التسليط من الله لإبليس ليغوي العباد؛ لأن الله قد نهاه أن يغوي العباد، وليس ذلك كالتسليط من الله لملك الموت على قبض الأرواح، التسليط لملك الموت على الأمر وملك الموت مطيع في ذلك مجهود، والتسليط من الله لإبليس على جهة التخلية خلى على شيء قد نهى عنه أن يفعله إنما هذا على جهة التملك والأقدار، أما تسمع كيف يقول سبحانه: {إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تأزهم أزاً}، إنما معناها خلينا، وإبليس منهي عن المعصية مذموم عليها.
القول في الاستطاعة قبل الفعل
قال محمد: سألت أحمد بن عيسى عن تقدمة الاستطاعة والفعل، فقال: الفعل بعد الاستطاعة، وليس حيث تذهب المعتزلة: أن الاستطاعة هي الآلة التي خلقها الله الفؤاد والسمع والبصر واليدان والآذان التي جعلها الله منذ هو صغير، فإذا بلغ الحنث كلف العمل. وقد تقدم كلام أحمد في ذلك.

وقال الحسن بن يحيى عليه السلام: وسألت عن الاستطاعة قبل الفعل أو بعد الفعل، فإن الله سبحانه خلق العباد فاعلين للأشياء مريدين للأفعال، فلن يخلو العبد من أن يكون فاعلاً لشيء أو مريد الشيء، والاستطاعة هي القوة والسلامة، فما دام الإنسان سليم العقل والجوارح فيه القوة فهو مستطيع لما طوقه وكلفه، فليس يفقد الإنسان القوة حتى يفقد العقل والسلامة والقوة، فالسلامة في الجسم بمنزلة الروح في البدن، فهي مع الفعل الكائن، وقبل الفعل الذي لم يكن، قال الله عز وجل: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين}، وقال: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم}، وقال: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون}، وقال: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}، وقال: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجل على الذين لا يعقلون}.
قول القاسم عليه السلام في ألم الأطفال
قال محمد ـ في كتاب أحمد ـ: أخبرني رجل أثق به أنه سمع هذا من القاسم بن إبراهيم، سألت عما يصيب الأطفال من الألم، كيف كان الله عز وجل فيما يصيبهم به غير ظالم، ولو فعل بهم غيره ذلك لكان ظالماً.

قيل له ـ ولا قوة إلا بالله ـ: الفرق فيه عند من أنصف أبين من كل بيان؛ لأن الله عز وجل ولي كل ما بالأطفال من نعمة، وليس بمأمور ولا منهي في شيء من ذلك، فلله الشكر واجباً فيما بهم من نعمة وحسنة، وليس لهم على الله عز وجل في ذلك من نعمة واجبة، وكل ما وصل إليهم من الله من ألم أو أذى ففيه موعظة وعبرة لأولي النهى، ودليل على قدرة الله، ولو كان يلزم من ذلك شيء من التجوير والظلم للزم فيما هو أكبر من ذلك من موتهم الذي هو ألم الآلام، وكذلك ـ أيضاً ـ كان يلزم في موت الأبرار وهم أكبر من الأطفال، وليس في هذا والحمد لله.
مسألة:
يلزم بها تعنيف ولا يقبل بها الأكل متحير.
القول في أولاد المشركين
قال أحمد بن عيسى ـ فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن سعدان، عن محمد قال: ذكرت لأحمد بن عيسى أطفال المسلمين، فقال: في الجنة.
وسألته عن أطفال المشركين، فقال: قد أختلف فيهم، ولكن قد علمنا أن الله سبحانه لا يعذب أحداً حتى يحتج.
وروى محمد بن فرات، وراق بن محمد بن منصور، عن محمد، قال: قال أحمد بن عيسى: كان زيد بن علي عليه السلام يقول: أطفال المشركين والأبكم والشيخ والفاني يقولون يوم القيامة يا رب بعثت رسولاً وأنزلت كتاباً وأنا طفل لا أعقل، ويقول الشيخ: وأنا فان لا أعقل، ويقول الأبكم: وأنا لا أعقل، فيقول الله جل وعز: صدقتم، أنا باعث إليك رسولاً، فمن أطاعه كان كمن أطاعني في الدنيا ومن عصاه كان كمن عصاني في الدنيا، فيخد الله لهم أخدود من النار ثم يقال لهم: ادخلوها، فمن دخلها منكم كانت عليه برد وسلام. قال: وليس يدخلها أحد منهم لعلم الله فيهم.
وسألت أحمد بن عيسى عن الحديث في الأطفال، أتثبته؟
قال: قد جاء ذلك عن زيد بن علي، وأنا متردد فيه. فلم يثبته.

وقال الحسن بن يحيى: قد أدخل الله النار أولاد المشركين الذين سبق في علمه أنهم لا يؤمنون، قال الله سبحانه لنوح: {إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن}، {وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً}، وأهلك الولدان في زمن عاد وثمود بالصيحة ولا ذنب لهم، ولم يبلغوا الحلم والاختيار، وقتل الخضر الغلام ولم يبلغ الحلم.
فبلغنا في الحديث أنه وجد في كتفه مكتوب: كافر خلقه.
وقال الحسن ـ أيضاً فيما روى ابن صباح، عنه، وهو قول محمد في المسائل ـ: صح لنا عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((أولاد المسلمين في الجنة ))، وأما أولاد المشركين فقد أختلف في الرواية عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فيهم والأمر فيه إلى الله سبحانه؛ لأن الله يقول: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله}، وقد أختلف الرواية في أطفال المشركين، فهذا مما لا نعلم أن العبد يسأل عنه يوم القيامة فيرد حكمه إلى الله، ونحن نعلم أن الله لا يعذب أحداً حتى يحتج عليه، قال الله عز وجل: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}.
وقال محمد: سألت أحمد بن عيسى، فأجابني بنحو هذا الجواب.
الكلام في خلق الأفعال
قال محمد ـ في كتاب أحمد وفي مسائل بعضه ـ: سألت أحمد بن عيسى عن أفعال العباد، أمخلوقة أم غير مخلوقة؟
فقال: أفعال العباد مخلوقة هي من الله خلق ومن العباد فعلاً، لا أن خلق الله يقدم فعل العباد ولا فعل العباد يقدم خلق الله.
قد وسئل علي عليه السلام عن ذلك فقال: (هي من الله خلق، ومن العباد فعل، لا تسأل عنها أحداً بعدي).
قال أحمد: إنما يعذب الله العباد على فعلهم لا على خلقه.
قال محمد: حدثني علي بن أحمد، عن أيبه، قال: سأل رجل أمير المؤمنين صلى الله عليه عن أعمال العباد، أشيء منهم أم من الله؟ فقال: (خلقها الله وعملها العباد، لا تسأل عنها أحداً بعدي).

قال أحمد: ومعنى قوله: (خلقها الله وعملها العباد)، إن العباد هم العاملون لها، والله خالقها عند فعلهم، فالفعل منهم والخلق من الله معاً، لا أن خلق الله يقدم فعل العباد ولا تأخر عن وقت فعلهم، والثواب والعقاب على فعلهم لا خلقه أعمالهم، والحجة تلزمهم بما ركب من جوارحهم وسلامتها من الآفات المانعة لهم من الفهم بها والحركات، فمن علم منه الهداية جاءه من الله المعونة والتوفيق الزائد، ومن علم منه الضلالة خذله فلم يكن منه هداية، وذلك من منّ الله على أوليائه وأهل طاعته لسابق علمه فيهم وقد ألزمهم حجته ويقطع عذرهم فيما كلفهم من طاعته فهم عاملون ما علم لا محالة؛ لأنه لا يحول بينهم وبين طاعته إلا بالخذلان لهم لسابق علمه فيهم وقد قطع عذرهم بأن جعل فيهم بما بمثله يفهم، فمن لم يفهم فهو مقطوع العذر، وذلك أنه تعالى ذكره إذا أمرهم بأمر فقد جعل فيهم بما مثله بمفهمون ذلك الأمر من العقل الذي يكتسب ما يثاب عليه ويعاقب؛ لأن معونة الله إياهم على فعلهم هي غير فعلهم، فعلى فعلهم أثابهم لا على معونته لهم على الفعل، وإنما أعان من علم أنه فاعل الطاعة وخذل من علم أنه فاعل المعصية.
قال محمد ـ في المسائل ـ: وسئل عن أفعال العباد. بلغنا عن علي علي صلى الله عليه أنه قال: (هي من الله خلق ومن العباد فعل).

وقال الحسن: أفعال العباد مخلوقة. أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على أن الله الخالق لجميع الأشياء لا خالق غيره الأفعال وغير ذلك، والحجة في ذلك كتاب الله عز وجل، قال الله سبحانه: {لقد جئتم شيئاً إدّاً تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّاً أن دعوا للرحمن ولداً}، وقال: {وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر}، وقال: {والله خلقكم وما تعملون}، فالمنطق والشهوة والحركة من الإنسان مخلوقة، وقال الله عز وجل: {لقد خلقا الإنسان في أحسن تقويم}، وكل الخلق يقرون بأن الإنسان مخلوق وليس منه شيء إلا وهو مخلوق، فإن زعموا أن أفعال العباد ليست منهم فقد زعموا أن الله عذب العباد على ما ليس منهم وأثابهم على ما ليس منهم، وإن زعموا أن أفعال العباد منهم فقد ألزمهم الحجة أن أفعال العباد مخلوقة، وإن زعموا أنها ليست منهم مخلوقة فقد جحدوا أن الله خلق العباد.
وسألت عن القدر، وعن الخير والشر، فالذي يقول إن الله سبحانه خلق الخير والشر وقدر الأشياء تقديراً، فقال: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}، فقد وصف الله أن فعلهم شيء وهما والله خالق كل شيء والخير والشر شيء مخلوقان، وقال: {ونبلوكم بالخير والشر فتنة}.
الكلام في خلق القرآن
قال محمد ـ في كتاب أحمد ـ: ذاكرت عبد الله بن موسى قول من يقول: القرآن مخلوق.
فقلت: أدركتَ أحداً من آبائك يقول به.
قال: لا.
قال محمد: وكان عبد الله عليه السلام يكره الكلام فيه وفي غيره مما أحدث الناس، وكان عبد الله إذا ذكر له رجل ممن تكلم فيما أحدث الناس من كلام، قال: اللهم أمتنا على الإسلام، ويمسك.
قال محمد ـ في كتاب الجملة ـ: رأيت أحمد بن عيسى يترحم على من يقول بخلق القرآن، ومن لا يقول به، وكان عنده الأخذ بالجمل محمود وترك ما فيه الفرقة، وهو عنده اتباع للسلف.
قال محمد: حدثني علي بن أحمد الباهلي أنه ذاكر أحمد بن عيسى اختلاف الناس في خلق القرآن.

فقال أحمد: كلا الفرقتين مخطيئة في إقدام بعضهم على بعض بالبراةء.
وقال أحمد بن عيسى ـ فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن سعدان، عن محمد، عنه، وذكر اختلاف الناس وتفرقهم في الدين فقال ـ: إني لخائف على إمام الواقع فإنه إن ذهب توهم كل فرقة أنهم على حق كان أول من يهلك نفسه، وإن صار إلى فرقة أفسد الباقين على نفسه.
وأخبرنا محمد بن علي بن أبي الجراح، قال: أخبرنا أبي، قال: حدثنا إسحاق بن محمد، قال: حدثني حمدان بن علي بن أيوب، قال: أخبرني بنين العطار، قال: قدم رجل كان يقدم على أحمد بن عيسى من أصحاب الكلام فيناظره، قال: فقدم البصرة وهو مريض فغمت عليه فلم يزل عندي عليلاً حتى مات، فكتبت إلى أحمد بن عيسى أنه قدم علي فلان وأنه لم يزل عندي عليلاً حتى مات، وكنت أفعل به وأفعل حتى مات رحمه الله وغفر له ورضي عنه.
قال: فكتب إلي أحمد: أما قولك إني قمت عليه وفعلت به، فلعمري إن هذا يجب، وأما قولك رحمه الله وغفر له ورضي عنه، فإنما أردت بذلك ترضيني إن الرجل كان يلقاني فيناظرني وكنت أملُّهُ، فلما مات انقطعت عصمته.
قال: وكان الرجل يقول: القرآن مخلوق.
قال الحسني: حدثنا أبو حازم محمد بن علي الوشاء، قال: حدثنا إسحاق بن محمد المقرئ، قال: أتى علي بن الحسين بن كعب، قال: حدثنا يحيى بن حسين بن فرات، ومحمد بن جميل، ومحمد بن راشد، قالوا: سألنا عبد الله بن موسى بن عبد الله، فقلنا له: ما تقول في القرآن؟
قال: من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر؛ لأن الله عز وجل يقول: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله}.
حدثنا محمد بن جعفر بن النجار وأبو طالب بن الصياغ، وزيد بن مصان، عن علي بن عبد الرحمن بن مالي، عن علي بن الحسين بن كعب بمثله.

حدثنا ميمون بن حميد، قال: حدثنا إسحاق بن محمد، قال: حدثنا عبيد بن كثير، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، ويحيى بن حسن بن فرات، قالا: سمعنا عبد الله بن موسى بن عبد الله يقول: القرآن كلام ليس بمخلوق.
حدثنا الحسين بن محمد البجلي المقرئ، قال: حدثنا علي بن سفيان بن يعقوب، قال: حدثنا سعدان بن محمد بن سعدان، قال: سمعت الحسين بن الحكم بن مسلم يحدث أن القاسم كتب إلى عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن يسأله عن القرآن، فكتب إليه عبد الله: نحن نرى أن الكلام في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له وتكلف المجيب ما ليس عليه، فانته بنفسك، والمختلفون في القرآن إلى أسمائه التي سماه الله بها تكن من المهتدين فلا تسم القرآن بأسماء من عندك فتكون من {الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون}.
حدثنا ميمون بن علي بن حميد، قال: أخبرنا إسحاق بن محمد المقرئ، قال: حدثنا الحسن بن أبي جعفر المقرئ، قال: حدثنا إبراهيم بن مبشر، قال: قلت لعبد الله بن موسى: ما تقول في القرآن؟
قال: كلام الله وكتابه.
فقلت: إن عندنا قوماً يقولون إنه مخلوق، ويقولون: من لم يقل أنه مخلوق فهو كافر؟
قال: هم أولى بالكفر.
قال محمد ـ في كتاب الجملة ـ: وسألت القاسم بن إبراهيم عن القرآن.
فقال: كلام الله ووحيه وتنزيله لا يجاوز هذا إلى غيره، وهكذا كان أسلافنا.
قال محمد: وكان يقول بخلق القرآن بضمن ذلك.
وقال لي القاسم: يقال للذين يقولون: القرآن مخلوق: أليس قد علم الله أنه مخلوق، فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: أليس قد علم الله أنه مخلوق واجتري من الخليقة، إن قال لهم: مجهول، فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فلم لا تجيزون من خلق الله بما أجترى الله به لخلقه؟.
قال محمد: وذلك حث منه على القول بالجملة وترك الاختلاف والفرقة.

حدثنا ميمون بن حميد عن إسحاق بن محمد التمار، عن قاسم بن عبيد، عن بنين بن إبراهيم، قال، قلت لقاسم بن إبراهيم: قال لي ابن منصور عنك أنك قلت من زعم أن القرآن مخلوق، فقد ابتدع؟
فقال: نعم، هما بدعتان، لم يبلغنا أنهم قالوا مخلوق ولا غير مخلوق، ولكنا نقول: كلام الله ووحيه.
حدثنا الحسن بن أحمد القطان، قال: حدثنا زيد بن محمد بن أبي الناس، قال: حدثنا قاسم بن عبيد، قال: حدثنا أحمد بن سلام، قال: سألت القاسم بن إبراهيم عن القرآن وأخبرته بما روي عن زيد بن علي أنا لا نشبه بالله أحداً، ولا نقول لكلام الله مخلوق، فقال: هكذا أقول.
وقال محمد: حدثنا أبو الطاهر، عن ابن أبي فدئك، عن ابن أبي ذيب، عن الزهري، عن علي بن الحسين أنه سئل عن القرآن فقال: كلام الله وكتابه، ولا أقول غير ذلك.
وحدثني حرب بن حسن الطحان، عن أحمد بن مفضل، عن معاوية بن عمار، قال: سألت جعفر بن محمد عليه السلام عن القرآن، خالق أو مخلوق؟
فثقال: لا خالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الخالق.
وقال محمد ـ في كتاب الجملة ـ: وذكر اختلاف الناس وإكفار بعضهم بعضاً وإقدام بعضهم على بعض بالبراءة والتضليل، فقال: رأيت المتفرقين، وعاشرت المختلفين في المقالات من الخاصة والعامة من علماء آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وأهل الفضل منهم وغيرهم من أهل العلم والفضل من الشيعة الموحنين لإنكار المنكر وحياطة الدين فما رأيتهم يكفر بعضهم بعضاً ولا يستحلون ذلك ولا يبرأ بعضهم من بعض بل قد رأيت بعضهم يتولى بعضاً ويترحم عليه بعد المعرفة منه بمخالفة بعضهم لبعض في المقالات.

سمعت القاسم بن إبراهيم، وذكر أخاه محمد بن إبراهيم فقال ـ رحمة الله عليه ورضوانه ـ: إني لا أرجو أن يكون له يوم القيامة موقف يغيظ به على أنه كان يقول بشيء من التشبيه، وذلك عندهم أنه لا يقول بخلق القرآن، وكان يكثر الترحم عليه ما لا أحصيه ورثاه بأبيان كتبها عنه، ومن ذلك أن عبد الله بن موسى ذاكرته هذا الأمر وذكرت له القاسم بن إبراهيم، فقال عبد الله: وددت أنه فعل حتى أكون أول من وضع يده في يده، قال عبد الله: وقد بلغني أنه يقول بخلق القرآن، ولم أسمع منه.
قال محمد وحضرت عبد الله بن موسى عليه السلام وجماعة من أهل بيته مجتمعين عند القاسم بن إبراهيم في منزله، فتذاكروا هذا الأمر وكان منهم فيه جد، أين يكون وكيف الثاني له؟ وكان القاسم أشدهم فيه ذكراً، وكانوا يومون إلى عبد الله بن موسى، فقال عبد الله بن موسى: أنا ليس في شيء، قد ضعفت عنه، ولكن من يقوم بهذا وهذه يدي له، وكأنه أومأ إلى القاسم بن إبراهيم.
قال محمد بن منصور: فكل واحد منهما يتولى صاحبه ويدين له بالطاعة ويؤهله لهذا الأمر الذي ليس فوقه غاية من تقليد الأحكام والحلال والحرام والدماء والمواريث، وهذه غاية الولاية أن جعله بينه وبين الله في دينه يحل به ويحرم، يحل به الجمعة ركعتين ويحرم به الظهر أربعاً في وقت الجمعة.
قال محمد: وكان عمرو بن الهيثم المرادي من كبار أصحاب سليمان بن جرير، وكان يقول: القرآن مخلوق ويشدد في ذلك، وسمعته يقول: لا رحم الله ابن أبي داود، كان الناس على جملة تؤديهم إلى الله عز وجل فطرح بينهم الفرقة، يعني حين أظهر المحنة في القرآن.

قال محمد: وكان عمرو بن الهيثم، وبشر بن الحسن، ومحمد بن يحيى الحجري، دعاة لعبد الله بن موسى ومذهبهم واحد، يعني كانوا يقولون بخلق القرآن، وكان عبد الله بن موسى قد بعث ابنيه أو أحدهما مع بشر بن الحسن إلى طاهر بن الحسين يدعوه إلى هذا الأمر مع معرفة عبد الله بقول بشر ومعرفة بشر بعبد الله وقوله بالجمل، فلم أر أحداً من هؤلاء دان بالبراءة ممن خالفه في المقالة.
قال محمد: وذكر عبد الله بن موسى محمد بن يحيى الحجري فقال: كان أصدق أهل الكوفة لي.
قال محمد: وسمعت القاسم بن إبراهيم يقول: ما رأيت كلمانياً قط له خشوع، ثم قال: الحمل الحمل.
قال محمد: وقال لي محمد بن عبد الله الأسكافي ـ وكان يقول بخلق القرآن ـ: إذا كان هذا الأمر كتبنا على الأعلام لا إله إلا الله محمد رسول الله القرآن كلام الله. يريد بذلك الألفة واجتماع الكلمة وترك الاختلاف والفرقة.
قال محمد: وقد عاشرت رؤساء المعتزلة ومن لا أحصي منهم ممن يقول بهذا القول، منهم: جعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر القصبي، ومحمد بن عبد الله الأسكافي، فما سألني أحد منهم قط عما يختلف الناس فيه من أمر القرآن والاستطاعة ولا كشفوني عن شيء من ذلك، فأخبرني أبو سهل الخراساني أنه كان رسول سهل بن سلامة وهو من كبار المعتزلة وعبادهم إلى عبد الله بن موسى يدعوه أن يتقلد هذا الأمر ويكون سهل عوناً له عليه.

قال محمد: فهذا غير سبيل المستحلين اليوم للدين وغير ما أظهروا وشرعوا من التباين والبراءة والتكفير، وهذا هو الفرقة والاختلاف الذي نهى الله عنه في القرآن بقوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم}، وقوله: {وما اختلف الذين أوتوا الكاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم}، فأخبر الله سبحانه أن اختلافهم بغي من بعضهم على بعض، وأخبر عز وجل أن في الفرقة الضعف والفشل عن العدو، فحذر من ذلك بقوله: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}، يقول له ـ لا شريك له ـ: فتذهب هيبتكم، فهذا ما ندب الله عليه مع ما رأينا عليه السلف الصالح المتقدم الذين يصلح أن يجعلهم بيننا وبين الله؛ لأنهم لا يحلون من أحد منزلتين إما أن يكونوا علموا أن الدنيا به فيما بينهم وبين الله القول ببعض هذه المقالات التي تنازع الناس فيها حق واجب لازم فأجزأهم من ذلك الإضمار، ورأوا الصواب والرشد في الإمساك عن إظهار ما فيه الفرقة والاختلاف الذي نهى الله عنه فرأو الحمل والقول بظاهر القرآن كافياً مؤدياً للعباد إلى الله عز وجل، فتمسكوا بذلك، فينبغي لمن أم الدين وقصد إلى الله الإقتداء بهم والتمسك بسبيلهم أو يكونوا لم يعقدوا في ظاهر الأمر وباطنه إلا القول بظاهر القرآن والجمل المجتمع عليها فقد يجب الإقتداء بهم ـ أيضاً ـ في ذلك.

قال محمد: وهذا أحمد بن عيسى قد اجتمع عليه المختلفون واتخذ من يشركه في أمره جماعة من المتفرقين، وقد كتب إليه عبد الله بن محمد بن سليمان، سأله عن القرآن وغيره باختلاف الناس فيه، فكان فيما كتب إليه أحمد بن عيسى: ذكرت اختلاف الناس في القرآن ولم يختلفوا أنه من عند الله، فهذا من أحمد دليل على أن الأخذ بظاهر القرآن والحمل المجتمع عليها مجزي مؤد إلى الله عز وجل، وقد علمت أن رجال أحمد بن عيسى الذين كان يوجههم في أموره مختلفين، منهم حسن بن هذيل على مذهب أبي الجارود، ومنهم عبد الرحمن بن معمر وهو يظهر القول بالقرآن لا يستتر به، ومخول بن إبراهيم وأمثالهم كثير من المختلفين، فلم نره بأن تفرقه يفارق فيها أخرى، وقد كان ـ رحمة الله عليه ـ عالماً بما يضيق عليه من ذلك وما يتسع له في أمر دينه، ولو ضاق عيله ذلك لم يفعله، وهذا الحسن بن يحيى أنا متصل به منذ أربعين سنة أو قريب من ذلك يعاشر ضروباً من المتدينين مختلفين في المذاهب، فما رأيته مع قوله بالجملة وكراهيته للفرقة امتحن أحداً ولا كشف له عن مذهب بل قد رأيته يعمهم بالنصيحة ويحسن لهم العشرة ويرحم على من مضى من سلفه وأهل بيته ممن يوافقه في المقالة ويخالفه، هذا مع جلالة سِنِّه وكثرة عله ومعرفته بما يلزم في ذلك ويجب عليه.
قال محمد ـ في كتاب الجملة ـ: وأخبرني من أثق به من آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عن محمد بن عبد الله، أنه أوجب على من قام بهذا الأمر الدعاء لجميع الديانين وقطع الألقاب التي يدعا بها فرق المضلين وغلق الأبواب التي في فتح مثلها يكون عليهم التلف والإمساك عما شتت الكلمة وفرق الجماعة وأغرى بين الناس فيما اختلفوا فيه وصاروا به إخواناً، والدعاء لطبقات الناس من حيث يعقلون إلى السبيل التي لا ينكرون، وبه يؤلفون فيتولى بعضهم بعضاً ويدينون بذلك، فإن إجتماعهم عليه إثبات للحق وإزالة للباطل.

قال محمد: وكذلك سمعنا عن إبراهيم بن عبد الله أنه سئل عن بعض ما يختلف الناس فيه من المذاهب، فلم يجب فيه، وقال: أعينوني على ما اجتمعنا عليه حتى نتفرغ لما اختلفنا فيه.
حدثنا أبو الحسن محمد بن جعفر بن محمد النحوي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال لي القاسم بن إبراهيم: أخبرني بعض من أثق به من آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عن محمد، عن عبد الله بن الحسن، أنه قال: يجب على من قام بهذا الأمر الدعا لجميع الناس وقطع الألقاب التي يدعى بها فرق المضلين، وذكر مثل هذا الكلام.
وقال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على أن الله خلق كل شيء والقرآن كلام الله ووحيه وتنزيله يسمى بما سماه الله به في كتابه لا يجاوز ذلك إلى غيره.
وقال الحسن: وسئل عن القرآن قد وجدنا الله سبحانه سما القرآن بأسماء في كتابه لم يرد من خلقه أن يتكلفوا للقرآن اسماً غير ما سماه الله به، وقيل ذلك من أهل الإسلام في عصر نبينا عليه السلام، ومن القرون التي كانت من بعده حتى تكلم المتكلمون بالرأي وترافقوا في دينهم رجماً بالغيب إلى صفة ما لا يدركونه من نعت خالقهم وحتى يخلوا القرآن اسماً برأيهم لم يجدوه منصوصاً في آية محكمة يستغنى بها في التأويل.

واحتجوا بأنهم لم يجدوا للمجعول معنى يصرفونه إليه إلا مخلوقاً، فسموا القرآن برأيهم مخلوق لم يسموه مجعولاً كما قال الله: ومنزلاً، ومحدثاً كما قال الله، ولم يتراقوا رجماً بالغيب إلى تحديد القرآن من ذات الله تبارك وتعالى عن أن يدركه الواصفون إلا بما وصف به نفسه في كتابه بلا تحديد ولا تشبيه ولا تناهي، ومعنى قوله: {إنا جعلناه قرآناً عربياً}، صيرناه، قال الله سبحانه: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض}، يعني أنا صيرناك خليفة في الأرض، ولسنا نقول أن القرآن خالق ولا مخلوق، ولكنا نسميه بالأسماء التي سماه الله بها في محكم كتابه، قال الله تعالى: {وكلم الله موسى تكليماً}، وقال: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء}، وقال: {يا موسى إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري}، فمن زعم أن الداعي لموسى إلى عبادته غير الله فقد ضل، وقال الله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء}، فقد بين الله لنا كيف جهة كلامه، فكلام من كلامه أرسل به جبريل إلى الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم، ومن كلامه وحي بلا رسول، وقوله: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه}، {وأوحى ربك إلى النحل}، فقد أوحى بلا رسول، ومنه الوحي إلى الرسل في النوم، ومن كلامه لموسى عليه السلام بلا كيفية، فليس لنا أن نكيّف ما لم يكيف الله ولا نحد ما لم يحد الله، فمن حد ما لم يحدد الله فقد إجترى على تأويل علم الغيب بلا حجة، والقرآن كلام الله ووحيه وتنزيله وكتابه، وقال: {قرآن مجيد في لوح محفوظ}، وقال: {قرآن كريم في كتاب مكنون}، وقال: {كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد}، وقال: {ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين}، فأحدث في قلوب العباد بالرسل من تنزيل الكتاب ما لم يكونوا يعلمون،

وإنا وجدن الله يقول في كتابه: {قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً}، وقال: {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعد سبعة أبحر ما نفت كلمات الله إن الله عزيز حكيم}، وقال: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}، فإذا كان القرآن يكون يكن ويكون كن يكن فمتى يتناهى علم من رجم بالغيب في معرفة كينونة القرآن من ذات الله، وقد قال علي صلى الله عليه: (يا بردها على الكبد إذا سئل المرء عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم).
حدثنا زيد بن حاجب، عن أبي وليد، عن جعفر بن الصيدلاني، قال: أخبرني يحيى بن أبي عطاء البزاز أنه سمع الحسن بن يحيى يقول: ليس بمخلوق، يعني القرآن.
وقال الحسن ـ فيما رواه ابن صباح عنه، وهو قول محمد في المسائل ـ: وسئلا عمن يقول القرآن مخلوق أو غير مخلوق.
فقالا: القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله بقوله في ذلك ما قال الله ولا يتعدى ذلك إلى غيره، والله خالق كل شيء، الأول قبل كل شيء وخالقه والباقي بعد كل شيء ووارثه، وما كان من دون الله فهو مخلوق.
وقال أبو جعفر محمد بن علي عليه السلام: إلزم ما اجتمع عليه المتفرقون.

قال محمد: فاكتف بما لا اختلاف فيه ولا فرقة من الجملة التي دل عليها الكتاب وما اجتمع عليه من الخبر عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، فإن المحنة عندنا في القرآن بدعة، وأما من يقول: إن الله لم يكلم موسى تكليماً، فإن هذا راد لتنزيل القرآن، بل نقول كما قال الله عز وجل: {وكلم الله موسى تكليماً}، على معنى ما أراد، لسنا نكيف ذلك، وقد علمنا أن الكلام من الله على وجوه شتى، وكذلك الوحي منه على وجوه شتى، قال الله عز وجل: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء}، فهذه حالات الأنبياء، وقوله: {إلا وحياً} في النوم، وكذلك كان أمر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم خمس سنين إنما يرى في النوم الوحي، ثم ظهر له جبريل بعد ذلك، وأما قوله: {أو من وراء حجاب} فكما كلم موسى عليه السلام، وأما قوله: {أو يرسل رسولاً}، فهو جبريل عليه السلام.
وقال محمد: وقد سئل عن قوله: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون}، فقال: نقول في ذلك ما قال الله ولا نكيفه، ويقال ـ والله أعلم ـ: ان لو جاء بين عيني إسرافيل، فإذا أراد الله أمراً قراه إسرافيل في ذلك اللوح.
القول في خلق الجنة والنار
قال محمد ـ في كتاب أحمد ـ: وسألت أحمد عن الجنة والنار.
قلت: خلقتا؟
قال: هما مخلوقتان، قد خلقهما الله تعالى وأسكن آدم الجنة وأخرج إبليس منها.
قال السيد الشريف: حدثنا محمد بن الحسين بن غزال، قال: حدثنا علي بن عبد الجبار، قال: حدثنا محمد بن منصور المقرئ، قال: سألت أحمد بن عيسى، قلت: خلقت الجنة والنار؟
قال: إي والله لقد خلقت الجنة وأسكن فيها آدم وأخرج منها إبليس.
قال الحسن ومحمد: الجنة والنار مخلوقتان قد خلقهما الله، اتصل بنا ذلك عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، وعن علماء أهل البيت عليه السلام.
قال محمد: وهذا عندنا إجماع العلماء، وإنما يدفع ذلك من لا يعلم.

قال الحسن ـ فيما روى ابن صباح عنه، وهو قول محمد في المسائل ـ: ومن قال: إن الله لم يخلق الجنة والنار ولكن يخلقهما بعد، فإنا نقول أن هذا القول يكلف من قائله وجزاءه وقذف بالغيب وبدعة.
قال الحسن: وقد ذكر الله الجنة: {جنتان ذواتا أفنان}، و{جنتان مدهامتان}، و{جنات الفردوس}، و{جنة المأوى}، و{جنة عدن}، و{جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين}، فاخبر أنه قد أعدها للمتقين، وقال لآدم: {اسكن أنت وزوجك الجنة}، وقال: {اهبطا منها جميعاً}، وقال: {عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى}، وقد أجمع المسلمون أن سدرة المنتهى في الجنة التي أعدت للمتقين، وقال في النار: {إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها}، وقال: {أعدت للكافرين}، وقال: {النار يعرضون عليها غدواً وعشياً}، وقال: {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم}، فقد دل على أنه قد خلقها وكونها إذ قال عرضها كذا، وفيها كذا، وقول الله لا يسقط ولا يختلف، وذلك لأنه مقت من قول العباد أن يقولوا ما لا يفعلون، والآثار المشهورة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه دخل الجنة حيث أسري به إلى السماء، وأُري النار ومن فيها فبعث ما فيها، فذلك دليل على إبطال قولهم، ولا سبيل إلى ترك التنزيل بقول التأويل المبطل مع أخبار كثيرة مشهورة منسق بها الخبر، أثبتها العلماء عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في إثبات خلق الجنة والنار.
القول في عذاب القبر
قال محمد: سألت أحمد بن عيسى عن منكر ونكير، فقال: لست أدفعه. وقال: الفَتَّانَين.
وسألت القاسم بن إبراهيم عن منكر ونكير، فقال: إن الحديث فيهما كثير، وأن الله سبحانه يقدر عليه كما يقدر على غيره.

وقال الحسن بن يحيى: وسئل عن منكر ونكير، وما يسأل عنه العبد، فقال: سمعنا عن النبي، وعن علي صلى الله عليهما أنهما قالا: ((القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، ويسأل عن خمس، يسأل من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ وما إمامك؟ ومن وليك؟ فيقول المؤمن: الله ربي، ومحمد نبيي، والقرآن إمامي، والإسلام ديني، وعلي وليي )).
وقال الحسن ـ فيما روى ابن صباح عنه، وهو قول محمد في المسائل ـ: منكر ونكير حق، ومن لم يقر بمنكر ونكير جهلاً فينبغي(1) له أن يتعلم من العلماء، وإن كان لا يقر به إنكاراً لذلك ورداً له فقد ثبت لنا عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه أثبت منكر ونكير أو عذاب القبر، وأجمع على ذلك علماء آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وغيرهم، وقد ثبت لنا عن علي صلى الله عليه أنه قال: (القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار)، فهو كما روي عنه.
وروي عن علي صلى الله عليه أنه قال: (حرام على نفس تخرج من الدنيا حتى تعلم أين(2) مصيرها).
قال محمد: بلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وعن علي، وعن علي بن الحسين، وأبي جعفر، وزيد بن علي عليهم السلام وغيرهم من علماء أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في منكر ونكير أحاديث كثيرة صحيحة، وهو عندنا كما قالوا.
القول في الصراط والميزان
قال الحسن ـ فيما روى ابن صباح عنه وهو قول محمد في المسائل ـ: الصراط والميزان عندنا حق، ومن لم يقر بذلك جهلاً منه فينبغي له أن يتعلم من العلماء، وإن كان لا يقر بذلك إنكاراً له ورداً له فإن الصراط والميزان ثابت عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بالخبر المتسق.
__________
(1) ـ في نسخة: جهلاً منه فينبغي.
(2) ـ في نسخة: تعلم إلى أين.

قال محمد: وقال الله تعالى ـ في كتابه ـ: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة}، فذلك عندنا حق على معنى ما قال الله سبحانه، لسنا نكيف ذلك ولن نسأل العباد إن شاء الله عن تكييف ما لم يكيفه الله، غير أنا نؤمن بذلك على معنى ما قال الله، ونقول ما قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقد قال الله عز وجل: {ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}، ولسنا نكيف ما لم يكيف لنا.
باب القول في الإجماع
قال محمد ـ في كتاب أحمد ـ: سمعت أحمد بن عيسى يقول: لا يختلف آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في حق حكم من الله جل وعز، وذكر اختلاف أبي جعفر وزيد بن علي عليهم السلام في نكاح نساء أهل الذمة، فقال أبو جعفر: هو حلال، وقال زيد: هو حرام.
قال أحمد بن عيسى: فلم يحرمه زيد بن علي، على أن تحريمه حكم من الله، ولو كان كذلك لبرأ كل ممن خالفه وبرأ كل واحد منهما من صاحبه، ولكن حرمه من جهة النظر على أنه عنده كذلك.
قال محمد: حدثنا عباد، عن عمر بن ثابت، عن أبيه، قال: قلت لأبي جعفر: أنكم تختلفون، قال: إنا نختلف ونجتمع، ولم يجمعنا الله على ضلالة.
وقال الحسن: كلما أجمع عليه أبرار العترة أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قاله فقد لزم أهل الإسلام العمل به.
قال الحسن: والحجة من الله عز وجل على الخلق آية محكمة من كتاب الله يحل حلالاً أو يحرم حراماً أو يأمر بأمر أو ينه عن نهي.

وقال الحسن ـ في وقت آخر ـ: الحجة من الله على الخلق آية محكمة تدل على هذا أو ترد عن رديء أو سنة من رسول الله مشهورة متسق بها الخبرعن غير تواطئ أو عن علي أو عن الحسن أو عن الحسين عليهم السلام أو عن أبرار العترة العلماء الأتقياء المتمسكين بالكتاب والسنة الذين دل عليهم رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، وأخبر أن الهدى فيهم وأن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قد أخبرنا أن الهدى في التمسك بالكتاب وبمن تمسك بالكتاب من العترة، فهذا موضع الحق والهدى، وبه تقوم الحجج في كل ما اختلف الناس فيه، وذلك إن أهل الإسلام أجمعوا على التصديق بالله والتصديق بالنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم والتصديق بالكتاب الذي جاء به من عند الله بإجماع الأمة بالأخبار المشهورة عن غير تواطي.
وقال الحسن ـ في وقت آخر ـ: المخرج من الاختلاف في الحلال والحرام اتباع المحكم المنصوص عليه من كتاب الله والأخذ بالأخبار المشهورة المتسق بها الخبر عن غير تواطي عن رسول الله أو عن علي صلى الله عليهم أو عن خيار العترة الموافقة للمحكم من كتاب الله واتباع الأبرار الأتقياء الأخيار من عترة رسول الله، فهذه الحجج الواجبة على المسلمين.

قال الحسن ـ فيما اجتمعت الأمة عليه من الفرائض ـ: فإجماعهم هو الحجة على اختلافهم؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((ما كان الله ليجمع أمتي على ضلالة ))، وما اختلفوا فيه من حلال أو حرام أو حكم أو سنة فدلالة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في ذلك قائمة بقوله: ((إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ))، فهذا موضع الحجة منه عليهم، وهذا خبر مشهور ونقلته الأمة عن غير تواطئ، فأبرار آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم رؤساء الأمة وقادتها وسادتها الذين قال رسول اله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن الهدى في التمسك بهم ))، وإنما هذا خاص لهم دون غيرهم، وهم الذين أورثوا الكتاب وأمر برد الأمور إليهم، فقال: {فاسألوا اهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}.
وقال الحسن ـ في وقت آخر ـ: وفرض الله اتباع العلماء، فقال: {فاسألوا أهل الذكر}، وسمى الله رسوله ذكراً، فقال: {قد أنزل الله ذِكراً رسولاً}، فأهل بيته المصطفون الطاهرون العلماء الذين أوجب الله أن يسألوا، وأن يكونوا متبعوين غير تابعين، وقال الله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله كونوا مع الصادقين}، وقال: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}، فدل عليهم بالعلم أنهم يعلمون ما يجهل العباد معرفته من ظاهر أحكام الله وفرائضه وحدوده، وسننه التي لا يسع العباد جهلها ولا يسوغ لهم الإحراب عنها، فمن ادعى ديناً أو تأول تأويلاً أو ذهب إلى رأي من الآراء من غير الطريق الذي دل عليه الكتاب والرسول وإبرار العترة فقد ضل ضلالاً بعيداً، وقال الله عز وجل: {ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب}، وقال عز وجل: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً}.

وقال محمد بن علي، وزيد بن علي عليهما السلام ـ: وكانا إمامين من أئمة الهدى ـ: ونحن ولد فاطمة ائمتكم في حلالكم وحرامكم.
قال الحسن: فكلما أجمع عليه أبرار علماء العترة أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قاله فقد لزم أهل الإسلام العمل به، فمما أجمع عليه علماء آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم نفي التشبيه عن الله، وأنه ليس كمثله شيء، ولا تدركه الأبصار، تعالى الله عن الصفات والأشباه والأنداد والنظراء، وان الله خالق كل شيء، وأن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله ويسمى(1) بما سماه الله به في كتابه لا نجاوز ذلك إلىغيره، وأجمعوا على كراهية الجدال والأحداث في دين الله والنظر فيما لم يكلف الناس النظر فيه، وأجمعوا أنه من أحسن فلله عليه المنة في إحسانه، ومن أساء فلله عليه الحجة في إساءته، وهو غير معذور في معصيته ولن يخرج الخلق بين قدرة الله وتدبيره وملكه، وأن الله خالق لجميع الأشياء لا خالق غيره، الأفعال وغير ذلك، وأجمعوا على النهي عن الكلام في تفسير القرآن بغير علم، ورووا في ذلك هم والأمة معهم: من فسر القرآن برأيه أو قال فيه بغير علم قولاً عظيماً. ورووه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ومن بعده ممن يجب الأخذ عنه. وأجمعوا هم والأمة [معهم](2) على أن في القرآن ناسخاً ومنسوخاً ومحكماً ومتشابهاً وخاصاً وعاماً، وأنه لا يسع أحداً يتكلم في القرآن إلا من يعلم ذلك، وأن أحداً لا يكون في القرآن حجة بالرأي والاستحسان، بلغنا أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((من فسر آية من كتاب الله برأيه لقي الله وهو عليه ساخط ))، ولو أن تأويل القرآن مباح للناس وأن الله تعبدهم بأن يتأولوا القرآن برأيهم ومبلغ عقولهم ما احتاجوا إلى أنّ الله يبعث إليهم الرسل يعلمونهم السنن، ومن زعم أن التأويل مباح لغيره فقد أكفر نفسه، إذ زعم أن لمن خالفه إذا تأول
__________
(1) ـ في نسخة: ونسميه.
(2) ـ ما بين المعكوفين في نسخة.

القرآن برأيه أن يكون على الصواب، فلمن خالفه أن يكفره ويضلله، وإنما التأويل هو الذي نزل به جبريل على محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم وعلمه إياه عن رب العالمين، ليس يوصل إلى ذلك التأويل إلا بالأخبار المشهورة المتسقة عن غير تواطي أو بنقل صادق عن صادق، وأجمعوا هم وعلماء الأمة على أنه ما كان من فرض من حلال أو حرام أو أمر أو نهي في كتاب الله أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم هو المبين لذلك عن الله، والدال عليه والحجة على الخلق من الله جل وعز فيه لقوله عز وجل: {ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}، وقوله: {أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين}، ونحو ذلك في القرآن كثير، وأجمعوا على أن كل ما فعله النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وحرمه مما ليس له أصل في القرآن مثل الرجم للمحصن والمحصنة، ومثل قوله: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ))، ومثل قوله: ((لا تنكح المراة على عمتها ولا على خالتها ))، وما كان نحو ذلك فإجماع آل الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم وعلماء الأمة على أن ذلك لازم العمل به والحكم به لا يسع أحداً تركه ولا خلافه، ولم ينظروا في ذلك إلى رد الخوارج ومن قال بقولهم في رد الأخبار، وقالوا: ليس الخوارج من علماء الإسلامن وليس لهم مع أهل العلم نظر لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يمزقون من الإسلام كما يمزق السهم من الرمية ))، وتجريهم على تأويل القرآن بلا حجة من رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فهذه الخصال مما اجتمع عليه آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عند الاختلاف، وهي أصول الدين وما يلزم أهل الإسلام العمل عليه والاقتداء به، ثم اختلفت الأمة بعد ذلك في فروع هذه الأصول، فسبيل سنة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم والأخذ بما أمر به النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم والاقتداء بما أجمع عليه علماء آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وترك ما سوى ذلك.

قال محمد ـ في كتاب الجملة ـ: تلزم الحجة في الإجماع بآية محكمة لا تحتمل تأويلاً، أو بسنة قائمة عن رسول الله لا تختلف فيها، أو إجماع الأمة، فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة ))، والإجماع الذي لا اختلاف فيه الذي يقوم مقام القرآن اجتمعت الأمة على أشياء، منها أنه إذا زالت الشمس فقددخل وقت الظهر ووجبت الصلاة، وأجمعوا جميعاً أن الظل وقت زوال الشمس ما كان من(1) نقصان فأنت في صدر النهار، ولم تزل الشمس، وإذا ابتديء الظل في الزيادة فقد زالت الشمس ودخل وقت الظهر، وأجمعت الأمة جميعاً أنه إذا غربت الشمس وأيقنت خروج النهار ودخول الليل فقد أفطر الصائم ووجبت صلاة المغرب، وأجمعت الأمة إذا طلع الفجر فقد حرم الطعام على الصائم وحلت صلاة الفجر، وأجمعوا أن الفجر هو المعترض، واختلفوا فيما قبل ذلك من سائر الفرائض التي تجب أو تزول بطلوع الفجر لاختلافهم في النور الساطع الممتد في أفق السماء.
__________
(1) ـ في نسخة: في.

وقال محمد ـ في كتاب الجملة ـ: وإذا اختلف أهل العلم في الرواية عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في الحلال والحرام نظر في المعنى الذي اختلف فيه، هل له أصل في القرآن، فإن أصاب له أهل العلم له أصلاً في القرآن ردوا المعنى إلى الأصل الذي في القرآن، فإن كان موافقاً له أو قريباً منه أو هو أشبه من غيره في القرآن عمل بالذي هو أشبه بالقرآن(1) فإن لم يعرفوا له أصلاً في القرآن نظروا فيمن حمل ذلك المعنى من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في أقواها إسناداً وأثبتها عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فعمل بذلك، فإن لم تعرفوا فيه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أصلاً ثبتت به حجة، وكان الاختلاف في ذلك بين أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم نظر في أعلم أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بالكتاب والسنة والحلال والحرام وأتقاهم لله وأولاهم أن يجعلوه بينهم وبين الله تبارك وتعالى، فعمل بما صح عنه في ذلك المعنى، فإن حدثت حادثة لم يجدوا لها أصلاً في القرآن ولا خبراً عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ثبتت به حجة عمل فيها بمثل حديث النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لمعاذ، ومثل قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام في هذه المسألة تكون شورى بين العابدين من المؤمنين، فإن اختلف أهل العلم الموثوق بهم في حادثة أخذ بأحوط الأمور وأبعدها من الشبهات؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك )).
وقال محمد ـ في كتاب أحمد ـ: بلغنا عن علي صلى الله عليه أنه قال: (ما ورد علي أمران كلاهما لله رضى إلا أخذت بأشدهما علي بدين أو أبعدهما من هواي).
__________
(1) ـ في نسخة: أشبه من غيره بالقرآن.

وعن النعمان بن بشير، قال: سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: ((الحلال بين والحرام بين وبينهما شبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا إن لكل ملك حمىً ألا إن حمى الله محارمه )).
القول فيما يجب قبوله من الأخبار
قال محمد: سمعت أبا الطاهر أحمد بن عيسى يقول: إذا سمعت بحديثين وثبتا عندي، حديث عن النبي وحديث عن علي صلى الله عليهما، أخذت بالحديث الذي عن علي صلى الله عليه؛ لأنه كان أعلم الناس بآخر ما كان عليه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم.
قال الحسن بن يحيى: وإذا روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم خبر فرواه علماء آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على غير ما روته الأمة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كانت الحجة فيما رواه آل رسول الله وأثبتوه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وكذلك الرواية عن أمير المؤمنين إذا روت الأمة عنه خلاف ما روى خيار آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عليه كانت الحجة وصحته النقل ما رواه علماء آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عن أمير المؤمنين، فإذا اختلفت الأمة بعد أمير المؤمنين في الأحكام والحلال والحرام والسنن كان ما صح عن علماء آل رسول الله أوجب أن يؤخذ به وترك ما سواه، وبذلك أمروا أن يتمسكوا بهم عند الاختلاف والتفرق، فإن جاء عن أبرار العترة ما يختلف الرواية فيه في النقل والأخبار أخذنا من ذلك بأوثق ما جاءنا عنهم وأحوطه للدين وأبعده من الشبهة، فإن حدثت حادثة لم يبلغنا عنهم فيها خبر كان ذلك شورى بين العابدين من المؤمنين، فإذا اجتمعوا على أمر عمل به وإن اختلفوا أخذ في ذلك بالاحتياط فيما حدث بأشق الأمرين على الأبدان وأبعده من الهوى.
وكذلك سمعنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك )).

وسمعنا عن أمير المؤمنين صلى الله عليه أنه قال: (ما ورد علي أمران كلاهما لله رضى إلا أخذت بأشقهما على نفسي وأبعدهما من هواي)، فهذا موضع الحجة والصواب عند اختلاف الأمة وافتراقها.
القول في القياس والرأي
قال الحسن: وسئل عن القياس في الدين، هل يجوز؟
فقال: القياس بالرأي في الدين بالابتداع حرام. والرأي بالخلاف لكتاب الله وسنة نبيه محرم. ومباح لهم أن يتبعوه بالرأي والقياس بكتاب الله وسنة نبيه متبعين غير مبتدعين ولا متبعين للهوى، وإنما جعل الله العقول للعباد ليتدبروا ويتفكروا ويقيسوا الأشياء بعضها ببعض، ويميزوا بعقوهم، فقال: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}، وقال: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}، وقال: {والذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأؤلئك هم أولو الألباب}، وقد سمعنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال لعلي صلى الله عليه: ((اعمل بما في كتاب الله وبما وجدته في سنة رسول الله، واعطف الرأي على الهدى إذا قومك عطفوا الهدى على الرأي )).
وقال محمد ـ في كتاب القاضي ـ: إذا ورد على القاضي أمر لم يجده في الكتاب ولا في السنة ولا في إجماع الأمة فليجتهد رأيه في تمثيله وقياسه بأشبه الأصول به ولنستعن بغيره من أهل العلم ويستشيرهم، فإن أجمع رأيه ورأيهم على شيء فليحكم به.
القول فيمن رد الآثار واستغنى بظاهر القرآن عن الأخبار

قال محمد ـ في كتاب الجملة ـ: ولا بد لمن تأول القرآن في الأحكام والحلال والحرام أن يستعمل الآثار واتباع السنن في تأويل القرآن، قال الله عز وجل: {فدية مسلمة إلى أهله}، ففي أي مكان فسر ذلك من القرآن أثر فيه اتباع سنة أن الدية كذا وكذا في وقت كذا تؤخذ في كذا من الذهب الورق والإبل والغنم وما أشبه ذلك، وعلى من هي، وقال عز وجل: {والجروح قصاص}، فأي مكان قال لك في القرآن في الموضحة كذا، وما الموضحة في الهاشمة كذا وما الهاشمة وفي المنقلة كذا وما المنقلة وفي الآمّة كذا، وما الآمة وكذلك الجائفة وغيرها من الجراحات، وقوله سبحانه: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره}، وقوله: {يحكم به ذوا عدل منكم}، فانظر ـ رحمك الله ـ ما قدر الموسع والمقتر، وما الحكم في ظني أو فوق ذلك أو دونه، وهل يستخرج حكم الله وسنة رسوله في ذلك إلا بالآثار التي رواها المسلمون بعضهم عن بعض، فمن دفع الآثار في ذلك وزعم أنه مستغن بالقرآن لقوله عز وجل: {ما فرطنا في الكتاب من شيء}، فهذا رجل جاهل متهم على الإسلام بعمدٍ أو جهل ليس له أن يتكلم في دين الله، وإنما قوله عز وجل: {ما فرطنا في الكتاب من شي}، يريد الأصول والأمهات، مثل: {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}، {ولله على الناس حج البيت}، وما أشبه ذلك من المسميات التي فسرت بالرواية الصحيحة عن رسول الله وعن العلماء بعده لا يدرك تفسيرها وشرحها إلا بالرجوع إلى الآثار.
القول في سماع العلم من أهل الخلاف

قال الحسن: وسألت عن سماع العلم من أهل الخلاف، وذكرت أن أقواماً يكرهون ذلك، فالجواب في ذلك أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قد بلغ ما أمر به وعلم أمته ما فرض الله عليهم وما سنه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فيهم ولم يقبض إلا عن كمال الدين، فسنة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم منقسمة عند من سمعها من أصحابه، فمنهم من حفظ ومنهم من قدم وأخر ونسي وعقل، ومنهم من بدل وغير وزاد ونقص، فقد ثبتت الحجة من رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على أمته، على إن بلغ إليهم ما أمر به ودلهم على من يحفظ ما نسوا ويعلم ما جهلوا وأمرهم بالتمسك به عند اختلافهم، والأتباع له عند تفرقهم، فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يا علي حربك حربي وسلمك سلمي، وأنت مع الحق والحق معك ))، ثم أعلمهم بموضع الحق والهدى بعد أمير المؤمنين عليه السلام بالدلالة على عترته فما روت العامة من سنن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم المشهورة المتسق بها الخبر عن غير تواطي أخذت وحملت من كل من يؤديها إذا كان يحسن النادية لها مأموناً على الصدق فيها وما جاء من الآثارالتي تخالف ما مضى عليه علماء آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ترك من ذلك ما خالفم وأخذ ما وافقهم ولم نضيق سماع ذلك من كل من نقله من أهل الخلاف إذا كان يعرف بالصدق على هذا التمييز، ولا خير في السماع من أهل الخلاف إذا لم يكن مع المستمع تمييز على ما ذكرنا.
وسألت عن كتاب العلم بأجر، فإن كان فيه اختلاف، فإن ذلك عندنا جائز أن يكتبه لمن يعرفه ويدين منه باتباع أهل الحق، ولا بأس بالأجرة على ذلك، فأما من يكتب له الاختلاف ويدين في ذلك بغير مذهب أهل الحق فأكره الكتاب لذلك والأجرة عليه.

قال: وسألت عمن سمع شيئاً من العلم وسئل عنه أيحل له أن يمنعه؟ فالجواب عندنا أنه يجب على من عنده علم، ولو حديث واحد أن يعلمه من يطلبه منه إذا كان موضعاً لذلك، وينبغي للعالم ألا يعطى العلم غير أهله، وعلى العالم إذا علم أن يعلّم وعلى من لا يعلم أن يتعلم، قال الله عز وجل: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون}، وقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من كتم علماً أُلجم بلجام من نار يوم القيامة )).
وسمعنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((أربع يجبن على كل ذي حجي وعقل من أمتي استماع العلم وحفظه والعمل به ونشره ))، فهذا يجب على أهل العلم، واما المتعلم فقد أوجب الله عليه إذا لم يعلمه أن يتعلم، قال الله عز وجل: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}، وقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم، فعلى الناس أن يعنوا بدينهم، وإنما الناس عالم ومتعلم ولا خير فيما سوى ذلك )).
القول في ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلى الله عليه
قال محمد ـ في كتاب أحمد ـ: سئل أحمد بن عيسى عن الولاية، أفرض كسائر الفرائض؟
قال: نعم، لنداء النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بها.
وسئل عن قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعلي صلى الله عليه يوم غدير خم: ((اللهم وال من والاه وعاد من عاداه))؟ قال: يقول هو في كل حالاته لكم وليّ لا يكون في حال براءة أبداً، ويمكن ذلك في غيره كائناً من كان فنصه لهم علماً عند الاختلاف والفرقة.

قال: فإن جهد الولاية رجل فلم يتوله لم تنقطع بذلك عصمته، وأن تبرأ وقد علم انقطعت منا، وكان منا في حد براءة مما دان(1) به وأنكر من فرض الولاية لا براءة يخرج بها من حد المناكحة والموارثة وغير ذلك مما تجري به أحكام المسلمين بينهم بعضهم في بعض على مثل من وافقنا في الولاية وإيجابها في المناكحة والموارثة غير أن هذا الموافق موافق معتصم بما قد اعتصمنابه من الولاية، ونحن من الآخر في حد براءة من قوله وفعله وقوله على مثل هذه الجهة لا على مثل البراءة منا من أهل الشرك اليهود والنصارى والمجوس، فهذا وجه البراءة عندنا ممن خالفنا.
وقال الحسن بن يحيى: الإسلام شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً، وولاية علي بن أبي طالب، والبراءة من عدوه، والإمام المفترض الطاعة بعد رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب صلى الله عليه.
__________
(1) ـ في نسخة: براءة نقول براءة مما دان.

قال الحسن: كان علي فريضة من فرائض الله عَلَماً نصبه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم؛ لأن الله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، وافرتض الله في الكتاب طاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر، وقال: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}، وقال: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى}، وقال: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين}، ثم دل على أن إمام المؤمنين وسيدهم علي بن أبي طالب، فقال لنبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته والله يعصمك من الناس}، فلما نزل جبريل بهذه الآية وأمره أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه أخذ بيد علي صلى الله عليه فأقامه وأبان ولايته على كل مسلم، فرفع يده حتى رأى الناس بياض إبطاهما، وذلك في آخر عمرة حين رجع من حجة الوداع متوجهاً إلى المدينة، ونادى: ((الصلاة جامعة ))، ولم يقل الصلاة جامعة في شيء من الفرائض إلا يوم غدير خم، ثم قال: ((أيها الناس، ألست أولى بكم من أنفسكم )) ـ يعيد ذلك ثلاثاً يؤكد عليهم الطاعة ويزيدهم في شرح البيان ـ قالوا: بلى. قال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله ))، فأوجب له رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم من الطاعة عليهم ما أوجب لنفسه وجعل عدوه عدوه ووليه وليه، وجعل عليّاً لولاية الله يعرف به أولياء الله من أعدائه، فوجب لعلي على الناس ما وجب لرسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم من الولاية والنص، فمن تولاه وأطاعه فهو لله ولي، ومن عاداه فهو لله عدو، ومن عصاه وخالفه ووضع من عظيم حقه ما رفع الله فقد عصى الله ورسوله ثم أنزل الله في علي عليه السلام: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة

ويؤتون الزكاة وهم راكعون}، فدل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم على علي بصفة، فوجب على أهل الإسلام معرفة علي وولايته وطاعته بإمامته، وأن يكون متبوعاً غير تابع بالأخبار المشهورة عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عن غير تواطي.
وقال الحسن في قول الله سبحانه: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى}، قال: إهتدى إلى ولاية علي وأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال في قوله: {وقفوهم إنهم مسئولون}: عن ولاية علي صلى الله عليه.
وقال محمد: وسئل عن ولاية علي أمير المؤمنين في أنه افترضها الله عز وجل على الأمة، فقال: إن أمير المؤمنين صلى الله عليه تصدق بخاتمه على مسكين وهو راكع في صلاته، فنزلت: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آموا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}.
وسئل محمد عمن آمن بالله ورسوله وعمل ولم يعرف الولاية لعلي صلى الله عليه ولا لغيره، ومات على ذلك. فقال: إن كان هذا الرجل لم يبلغه خبر أمير المؤمنين وما قاله رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فيه وفي غيره ممن يجب عليه ولايته فلا شيء عليه وقد مات مسلماً، وإن كان ترك ذلك عداوة و معاندة فقد مات ضالاً.
القول في إثبات الوصية لأمير المؤمنين صلوات الله عليه
وقال محمد: حدثني علي بن أحمد بن عيسى، عن أبيه، أنه سئل: لِم صارت بغلة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وسلاحه عند علي دون العباس، والعباس أقرب رحماً من علي؟
فقال: لقول رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من يقضي عني عناني وديوني وتكون له تركتي )) فقبضها علي صلى الله عليه، فمن هذا الوجه صارت له تركة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم دون العباس.

وقال أحمد ـ فيما حدثني أبي، عن علي بن شقير، عن ابن حاتم، عن محمد بن مروان، عن إبراهيم بن الحكم، عن سارية بن أبي سارية، عنه قال ـ: أوصى رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى أولى الناس به وأفضلهم عند الله وعنده، وأعلم الناس من بعده علي بن أبي طالب صلى الله عليه.
وقال الحسن بن يحيى: أوصى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى علي صلى الله عليه أول ذلك الخبر المشهور عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن الله سبحانه لما أمر نبيه أن ينذر عشيرته الأقربين جمع بني عبد المطلب، وهم يؤمئذ أربعون رجلاً، وإن منهم من يأكل الجذعة ويشرب المذق، فأمر علياً عليه السلام فعمل لهم طعاماً من فخذ شاة وصاعاً من طعام، ثم جمعهم فمسح بيده على الثريد وسمى الله ثم قال لهم: ((كلوا ))، فأكلوا حتى شبعوا، وما أثروا في ذلك الطعام إلا يسيراً ثم قال لهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يا بني عبد المطلب، كونوا في الإسلام رؤساء ولا تكونوا أذناباً، أدعوكم إلى الإسلام، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، أيكم يجيبني إلى الإسلام على أن يكون أخي ووزيري ووصي وإرثي وخليفتي في أهلي وقومي يقضي ديني وينجز موعدي ))، فقام إليه علي وهو يؤمئذ أصغرهم سناً فأجابه إلى ما دعاه إليه فتفل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في يده ومسح بيده على وجهه ودعا له وضمه إليه، فقال أبو لهب: لبئس ما حبوت ابن عمك إن أجابك إلى ما دعوته إليه من بينهم أن ملأت فمه بصاقاً، فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((بل ملوته فهماً وحكماً وعلماً ))، فهذا أول ولاية علي صلى الله عليه، فاستحق بذلك الوصية من رسول الله، والخصال التي شرطها رسول الله له دون بني عبد 0المطلب، ولما حضر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الوفاة دعا بسيفه ورمحه وسلاحه وبغلته وناقته وكل ما كان له حتى عصابته كان يعتصب بها في الحرب على الدرع فدفع إليه جميع ما كان يملك، ثم دفع إليه خاتمه وبنو

عبد المطلب والمهاجرون والأنصار حضور.
ومن وصايا رسول الله الخاصة لعلي من دون الناس: أنه علمه ألف باب، كل باب منها يفتح ألف باب، ودعا الله له أن يجعل أذنه الواعية، ودعا له حيث وجهه إلى اليمن أن يهدي قلبه ويثبت لسانه، فقال علي صلى الله عليه: (والله ما شككت في قضاء بين اثنين بعد دعوة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وأعلمه بما هو كائن إلى يوم القيامة، والدليل على ذلك قول علي صلى الله عليه: (لا تألوني عن فئة تضل مائة أو تهدي مائة فيما بينكم وبين الساعة، إلا أخبرتكم بناعقها وقائدها وسائقها، فهذه الوصايا الخاصة لعلي صلى الله عليه.
وقال محمد ـ في المسائل ـ: ثبت عندنا أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أوصى إلى علي عليه السلام وهو إجماع أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أوصى إلى علي عليه السلام، وثبت لنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي )).
القول في عصمة أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين صلى الله عليهم
قال محمد ـ في كتاب أحمد بن عيسى ـ: قال أحمد بن عيسى: يتولى أمير المؤمنين في ظاهر الأمر وباطنه ونوجب له العصمة، وليس ذلك لغيره من الأمة، ولو أن رجلاً تبرأ منه لشيء من أعماله أو ترك ولايته لشيء منها تبرأنا منه، ولو أن رجلاً قال: أنا أتولى رجلاً من المسلمين لظاهر عمله وأموره، وأتبرأ منه لشيء قد اطلعت عليه من باطن أمره، لم يجب علينا البراءة ممن قال هذا، ولكنا نقول: إنا نتولاه على ما ظهر من أعماله وأفعاله، وأنت أعلم ما تقول فيه، ولو قال: أتبرأ من علي لوجه من الوجوه لأعماله وأفعاله وغير ذلك، قلنا له: قد تبرأت ممن أمر الله بولايته، وقد أخبرنا بعصمته وتطهيره على لسان نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وقد وجبت البراءة منك، وليس ذلك لغير علي صلى الله عليه.

قال محمد: وسمعت أحمد بن عيسى يقول: وذكر علياً وحسناً وحسيناً، فقال: لا يجوز عليهم حكم.
قلت: مثل أي شيء؟
قال: لا تقبل عليهم دعوى.
قلت: بمثل أي شيء؟
قال: ما لا يجوز في دين، لو أن مدعي ادعى عليهم سرقاً أو ما يشبه ذلك لم يقبل عليهم دعواه، وإن أقام على ذلك بينة، والأفسر قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فيهم، يعني قوله: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا )).
قال محمد: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: سمعت ابن عيسى، وسئل: هل يثبت لك عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن علياً معصوم لا يضل أبداً )).؟
قال: نعم.
فقيل له: قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ذلك في غيره؟
قال: نعم، في الحسن والحسين.
فقيل له: هو قول النبي عليه السلام: ((إنهما سيدا شباب أهل الجنة))؟
قال: ليس بهذا ثبتت العصمة، ولكن قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أنا حرب لمن حاربتماه، سلمٌ لمن سالمتما )).
فقيل له: قال ذلك لأحد غيرهما؟
قال: لا، إلا المنتظر المهدي.
قال إسماعيل: وسمعته، وسئل عن رجل يجوز شهادته وحدة؟
فقال: لا، إلا علياً والحسن والحسين.
فقيل: وكيف ذلك؟
قال: لأنهم معصومون.
قال محمد ـ في كتاب أحمد ـ: حدثني علي بن أحمد بن عيسى، عن أبيه أن رجلاً سأل أمير المؤمنين فقال له: ما تسمي أهل حربنا؟ فقال أمير المؤمنين: (نسميهم بما سماهم الله به، يقول الله عز وجل: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات..} إلى قوله: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جاءتهم البينات، ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر، ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد}، فنحن الذين آمنوا وهم الذين كفروا).
قال محمد: وسئل أحمد بن عيسى، أكان أمير المؤمنين في براءة من أهل حربه أو ولائه؟
فقال: لا تكون براءة أكثر من استحلاله الدماء والقتل، هو وشيعته كان في براءة من أهل حربه.

القول في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه
قال أحمد ـ فيما حدثنا علي بن محمد الشيباني، عن محمد بن محمد بن هارون، عن سعدان، عن محمد قال ـ: ذكرت لأبي عبد الله أمر علي صلى الله عليه ومن تقدمه، فذكر منزلة علي عليه السلام، وما كان من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من القول وتقدمته إياه: ((ومن كنت مولاه فعلي مولاه ))، وقوله: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى ))، وغير ذلك.
قال أحمد: وقد قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن تولوا علياً ولن تفعلوا تجدوه هادياً مهدياً، يسلك بكم الطريق المستقيم )).
وروى ابن عمرو به، عن محمد بن منصور، عن أحمد بن عيسى أنه قال: ليس يخلو أن يكون القوم سمعوا من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ما قال في علي، فعاندوا ولم يسمعوه من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فتأولوا فلم يصيبوا.

وقال أحمد ـ فيما حدثنا محمد بن جعفر التميمي، عن علي بن عمرو ، عن محمد، عنه ـ: الناس فريقان، فريق قالوا: إن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم مضى ولم يستخلف أحداً، وجعل للمسلمين أن يختاروا لأنفسهم، فاختاروا أبا بكر. وفريق قالوا: إن رسول الله استخلف علياً وجعله خليفة إماماً من بعده، وكل فرقة مدعية ليس بينه عدول من غيرها على ما ادعت، وأجمع الفريقان جميعاً على أنه لا بد للناس من والٍ إمامٍ عدل يعمل فيهم بالكتاب والسنة يجمعهم عليه، ويصلي بهم ويقيم لهم أعيادهم، ويأخذ لمظلومهم من ظالمهم، ويقوي ضعيفهم، ويقيم حدود الله فيهم، ويجبي زكواتهم ويعطيها فقرائهم، ويجبي فيهم ويقسمه بينهم، وكان الفرض عليهم أن يضعوا كتاب الله بين أيديهم ويجمعوا عليه علمائهم وفقهاؤهم ويعملوا به ويمضوا لما يأمرهم به القرآن، وليس للأمة أن يورثوا رجلاً فيولوه ويجعلوه إماماً قبل أن ينظروا في الكتاب والسنة، فإن وجدوا الكتاب والسنة يدلان على تولية رجل باسمه وفعله ولوه عليهم بفضله عليهم، وإن لم يجدوا الكتاب والسنة يدلان على تولية رجل باسمه وفعله كانت لهم الشورى بما وافق الكتاب والسنة به، والكتاب يدل على أن لله خيرة وصفوة وحبوة من خلقه، وعلى أن خيرته من خلقه بعد الأنبياء المتقون لقوله سبحانه: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، وخيرة الله من المتقين الخاشون لقوله: {الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون}، والخاشون هم العلماء لقوله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}، والعلماء أفضل المؤمنين لقوله: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر ألو الألباب}، والعلماء أعمل الناس بالعدل وأعمل الناس بالعدل أدل الناس على العدل وأهداهم إلى الحق لقوله: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}، وقوله: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى}، وخيرة الله من العلماء المجاهدون لقوله: {لا يستوي القاعدون من

المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله..} إلى آخر القصة، وخيرته من المجاهدين السابقون إلى الجهاد لقوله: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا..} الآية. وخيرته من السابقين البدريون، وخيرته من البدريين أكثرهم عملاً في الجهاد، وخيرة الله من البدريين علي بن أبي طالب صلى الله عليه؛ لأنه كان أكثر عملاً في الجهاد في سبيل الله وأكثرهم ضرباً وقتلاً وأسر ومبارزة بين يدي رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وأبذلهم لمهجة نفسه، وكان خير هذه الأمة وأتقاها وأخشاها وأعلمها بالسنة وأدلها على العدل وأهداها إلى الحق وأقدمها هجرة وأكثر أعملاً في الجهاد، وأحق الأمة بالإمامة، وأن يكون متبوعاً ولا يكون تابعاً محكوماً عليه؛ لفضله في كتاب الله، أجمع على ذلك علماء الأمة، إلا من دفع ذلك بعد بيان ومعرفة.
قال محمد: سئل أحمد بن عيسى عن أمر عثمان، فقال: ما في أمره شبهة على ذي عقل وعلم، والدليل أن أمير المؤمنين لم يقد منه ولم يده من بيت المال ولو لزمه ذلك ما تركه لشيء، وقال: لا تعدوا الأمر في عثمان أن يكون على واحدة من ثلاثة أوجه، إن كان قتل بحق فلا دية له ولا قود على قاتله، وإن كان قتل مظلوماً وقاتله لا يعرف فالدية من بيت المال، وإن كان قتل مظلوماً وقاتله معروف أقيد به.
قال محمد ـ في كتاب أحمد ـ: سألت القاسم بن إبراهيم عن إمامة علي صلى الله عليه، كيف كانت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
فقال: بالدلالة والإيماء.

وقال الحسن بن يحيى: الإمام المفترض الطاعة بعد رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب صلى الله عليه، ومن لم يعتقد بعد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إمامة علي صلى الله عليه لم يقبل الله له صلاة ولا زكاة ولا حجاً ولا صوماً ولا شيئاً من أعمال البر، وبعده الحسن والحسين صلى الله عليهما، ومن لم يؤمن بأن الإمام بعد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم علي صلى الله عليه كما يؤمن بالقرآن والصلاة والزكاة والصوم والحج لم ينفعه شيء من عمله، إلا أن يكون أعجمياً أو صبياً أو امرأة أو جاهلاً لم يقرأ القرآن ولم يعلم العلم، فإن جملة الإسلام تجزيهم.

وقال الحسن: إن الله سبحانه أكمل لنبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم الدين الذي افترضه على عباده وبيّنه له وافترض عليه إبلاغه، فكان مما افترض الله على عباده طاعته وطاعة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وطاعة ولي الأمر الذي يستحق مقام رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، والإبلاغ عنه، وليس من الفرائض فريضة أكثر قدراً ولا أعظم خطراً من الإمام الذي يقوم مقام نبيه، وقد بين ذلك في محكم كتابه وسنة نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فجعل الله الإمامة في أهل بيت الصفوة والطهارة والهدى والتقوى من ذرية إبراهيم وذرية محمد صلى الله عليهما، ولا تصلح في غيرهم؛ لقول الله سبحانه: {إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم}، ثم قال لإبراهيم: {إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين}، فأخبر الله إبراهيم أنه إمام وأن الإمامة في المتقين من ذريته، وأنها لا تصلح للظالمين، وأخبر أن الإمامة عهده الذي لا يناله ظالم على معنىً من المعاني، ثم أخبر بمن يستحق الإمامة من ذرية إبراهيم فقال: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين}، وقال: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يؤقنون}، فبين لنا أن الإمامة في المتقين والمهتدين الصادقين الموقنين الصابرين من ذرية إبراهيم، ثم بين الله لنا أن الإمامة في أهل بيت الصفوة والطهارة من ذرية إبراهيم، فقال: {إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم}، وقال سبحانه: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها}، وهذه الآية لأهل بيت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم خاصة، فالظالم لنفسه الذي

يقترف من الذنوب ما يقترف الناس ، والمقتصد الرجل الصالح الذي يعبد الله في منزله، والسابق بالخيرات الشاهر سيفه، الداعي إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ثم أخبر الله سبحانه بذرية إبراهيم فقال: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العلم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}، ثم أخبر الله أن الأمة المسلمة هي التي استجاب الله فيها دعوة إبراهيم وجعلهم شهداء على الناس، والشهداء على الناس الأنبياء، ومن يخلف الأنبياء من الذرية التي جنّبها الله عبادة الأصنام وافترض مودتها فقال: {يا أيها الذين آمنا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول عليكم شهيداً وتكونوا شهداء على الناس}، ثم ذكر الله سبحانه الذرية المصطفاة الطاهرة من ذرية إبراهيم التي استجاب فيها دعوته فقال: {رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام}، وقال: {ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدةً من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون}، فاستجاب الله دعوة إبراهيم على لسان محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً إن الله غفور شكور}، وقال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}، فلا تصلح الإمامة إلا في أهل بيت الصفوة والطهارة من ذرية إبراهيم وذرية محمد صلى الله عليهما ومن الشجرة التي خلق الله منها إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما؛ لأن الله يقول: {ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم}، ولا تصلح الإمامة لمن يعبد صنماً لدعوة إبراهيم لبنيه المصطفين الطاهرين، فقد اختص الله علياً

بخصلتين ليستا لأحد من العالمين:
أحدهما: أن الله جعله مع محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم يتقلب معه في الأصلاب الزاكية والأرحام الطاهرة حتى أخرجه الله تعالى ومحمداً من عبد المطلب، وذلك إن أم عبد الله أبي رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وأم أبي طالب واحدة وهي فاطمة بنت عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم، وقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((خرجت من طهر من لدن آدم إلى أن أخرجت من صلب أبي لم يمسسني سفاح الجاهلية ))، فلم يشهد رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لأحد من أهل بيت الطهارة والصفوة أنه خرج من لدن آدم من طهر إلا هو لنسبه الطاهر حتى انتهت الطهارة في المولد إلى عبد الله وأبي طالب، ثم أنزل الله على نبيه آية التطهير: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}، فجعل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم الكساء عليه وعلى علي وفاطة والحسنين، ثم قال: ((هولاء أهل بيتي، اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً )).
والخصلة الأخرى قول الله سبحانه: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وألو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين}، فليس أحد من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ولا من أهل بيته يجتمع له الإيمان والهجرة والقرابة برسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، إلا علي عليه السلام.

وقال الحسن عليه السلام ـ في وقت آخر ـ: ثم أخبر الله نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن أولى الناس برسول الله وبالمؤمنين أول من تبعه فقال: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين}، وكان إسماعيل أول من اتبع إبراهيم، وكان علي أول من اتبع محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم، وقد بين الله تعالى أن علياً أولى الناس برسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لئلا يشك فيه أحد، فقال تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض من المؤنمين والمهاجرين}، فليس يعلم أحداً من المؤمنين والمهاجرين ممن أومى الناس إلى أنه يستحق مقام الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم تجتمع فيه ذه الثلاث الخصال والسبق والإيمان والهجرة والرحم والقرابة إلا علي، فإن الله سبحانه قد جمع له ذلك، فهو أولى الناس برسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في الرحم والإيمان والهجرة وأولى الناس بمقامه من الكتاب والسنة، وأولى الناس برسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أولاهم بالناس؛ لأن أولى الناس بإبراهيم إسماعيل؛ لأنه كان أول من اتبعه وهو ولي المؤمنين وأولى الناس بهم.
وقال الحسن ـ في وقت آخر ـ: ولم يعرف أهل الإسلام مؤمناً مهاجراً له من رسول الله رحم أولى به من علي صلى الله عليه، فكانت الفريضة على الناس أن يأتوه وينقادوا له بالطاعة كما قدمه الله ورسوله، ويجعلوه متبوعاً غير تابع؛ لأنه أقدمهم مسلماً وأكثره علماً وأعظمهم حلماً وقد قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((علي أقضاكم ))، فلم ينقادوا له بالطاعة كما أمرهم الله، واستحل أن يكون المفضول إماماً للفاضل؛ لأن الله قدم الفاضل بفضله، ورسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قد قدم من قدم الله، فمن قدم من أخر الله ورسوله وأخر من قدم الله ورسوله فقد خالف سنة الله التي قد خلت من قبل و{لن تجد لسنة الله تبديلاً}.

وقد روي عن علي صلى اللّه عليه أنه قال على المنبر: (والله لقد قُبض رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وأنا أولى بالناس منه بقميصي هذا).
وروي في الخبر المشهور: أن بريدة وقع في علي عند النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فتغير لون رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وأظهر الغضب، وقال: ((يا بريدة أكفرت بعدي؟ ))، فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسول الله، قال: ((فإن علي مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي )).
وقال علي ـ أيضاً ـ وهو على المنبر: (عهد إلي النبي الأمي أن الأمة تستغدر بي بعده)، وقد سمى الله علياً من نفس رسوله فقال: {قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين}، وذلك حين باهل النصارى، فأحضر علياً وزوجته وابنيه، فأخبر الله في كتابه أنه من نفس رسول الله وأن ابنيه أبناء رسول الله، وأن زوجته بنت رسول الله نساؤه، فضلها الله على نساء العالمين، وكان خبر رسول الله حيز الصادقين فأمر الله العباد أن يكونوا مع الصادقين فقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}، ثم استخلفه بمكة حين عزمت قريش على أن يبيتوه أو يضلوه أو يخرجوه، فخلفه واضطجع على فراشه ووقاه بإدرة الخوف بنفسه، وكان يأتيه بالطعام ليلاً، وأمره أن يؤدي عنه الأمانات التي كانت على يده والودائع التي كانت عنده لما صار إلى الغار، وأن يخرج إليه أهله فينقذ أمره وخرج يمشي مع أهله إلى المدينة مهاجراً على قدميه حتى تفطرت قدماه دماً، ثم قدم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم المدينة فبنى المسجد وبنى فيه لنفسه بيتاً وبنى لعلي بيتاً إلى جانب بيته، وأذن له في سكناه وحرم على جميع العمومة والأقربين والمهاجرين والأنصار أن يبنوا في مسجده رفعةً منه له وإبانةً منه لفضله ورفعاً لقدره، فتكلم في ذلك العمومة وبعض المهاجرين فقال: ((ما أنا أخرجتكم وأدخلته ولكن الله أمرني أن أدخله وأخرجكم

))، كل ذلك يبين الله منزلته لئلا يشك أحداً في مكانة من رسول الله وعظم منزلته، ثم أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بطائر فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر ))، فخص الله علياً وأكرمه بتلك الدعوة، فأكل معه من ذلك الطير فاستوجب بذلك أن يكون أحب خلق الله إلى الله وإلى رسوله وأحب خلق الله إلى الله أرفعهم منزلة عند الله وأوجبهم على المسلمين حقاً خلق الله إلى الله وإلى رسوله، وأحب خلق الله إلى الله أرفعهم منزلة عند الله، وأوجبهم على المسلمين حقاً، وأولى أن يكونوا أشد له حباً من جميع الخلق إذا كان كذلك عند الله عز وجل، وقد أقام في المدينة يعقد الألوية عشر سنين ويأمر الأمراء ويوجه السرايا، فلم يزل رسول الله يوليه ولا يولي عليه، ولم تجز سنة رسول الله صلى الله عليهما أنه جعله تبعاً لأحد من الناس، ثم وجهه إلى اليمن وخالد بن الوليد على جيشين، فقال: إن اجتمع الجيشان فعلي أمير الجيشين، ولما بعث رسول الله عليّاً صلى الله عليهما إلى اليمن فقال: (يا رسول الله، إني حدث السن ولا أعلم بالقضاء)، فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن الله هاد قلبك ومثبت لسانك ))، ثم مسح بيده على صدره ثم قال: ((اللهم اهد قلبه وثبت لسانه ))، فقال علي عليه السلام: (فو الله ما شككت في قضاء بين اثنين بعد دعوة رسول الله) وقال: ((يا علي إني قد دعوت الله أن يجعل أذنك الأذن الواعية ))، وقال الله عز وجل: {وتعيها أذن واعية}، وعلمه ألف باب كل باب منها يفتح ألف باب، وقال عليه السلام لفاطمة حين قالت له: زوجتني عليّاً عديم قريش، فقال: ((ما أنا زوجتُك ولكن الله زوجك أقدمهم سلماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً ))، فالحمد لله الذي خصه بفواضل الكرامة وقربه بالسبق إلى الإيمان ورفعه درجته أعلا درجة المهاجرين والأنصار في سبيل الله وجعله أعلم العلماء وأخشاهم لله؛ لأن الله يقول: {إنما يخشى

الله من عباده العلماء}، وجعله أفقد أصحاب رسول الله في دين الله وأقضاهم بحكم كتاب الله وسنة نبيه عليه السلام، ثم قال لأصحابه: ((إن منكم مَن يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله))، فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله؟ فقال: ((لا ))، وقال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: ((لا، ولكنه خاصف النعل ))، فأخبر علي بذلك فكأنه شيء قد سمعه من رسول الله قبل ذلك، كل ذلك يدل على أنه يستحق مقامه وأنهما لا يستحقان مقامه وليس لهما أن يقاتلا على تأويل القرآن، ثم أمره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فقال علي: (أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين).
وروي عن ابن مسعود قال: أمر علي صلى الله عليه بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.
وعن أبي أيوب قال: قال لنا رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((تقاتلون الناكثين والقاسطين والمارقين ))، قلنا: مع من يا رسول الله؟ قال: ((مع علي )).

وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الخبر المشهور أنه قال: ((يأتي قوم من بعدي يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية))، فإنما مرقوا على علي صلى الله عليه فالإسلام علي ومن كان مع علي، ثم نهض المشركون لمحاربة رسول الله فخص الله علي صلى الله عليه بفضل الجهاد والاحتواء على درجته التي هي أرفع الدرجات عند الله، فكأن له يوم بدر الذي خصه الله به من قتل المشركين الناكثين فيهم ما لم يكن لأحد مثله، وذلك أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أمره يوم بدر بالمبارزة للوليد وشيبة وعتبة، فأيده الله بالنصر ونزل القرآن والشهادة له بالجنة بما من الله عليه من حسن الفعال وطاعة ربه، {هذان خصمان اختصموا في ربهم}، ثم لم يسوّ بينه وبين غيره فقال: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر..} الآية، ثم خصه الله عز وجل يوم أحد فبذل نفسه ووقى رسول الله ظمأ السيوف وأطراف الرماح بنحره، أمره رسول الله بالمبارزة لبني عبد الدار وهم أصحاب الرايات، فتولى قتلهم كما قصد منهم قاصد الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم رمى عليه بنفسه فأيده الله بنصره حتى قتل كل من أراد رسول الله بمكروه حتى قال جبريل عليه السلام: إن هذه لهي المواساة، ثم نادى: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لجبريل: ((إنه مني وأنا منه ))، فقال جبريل: وأنا منكما، ثم حشر الأحزاب لرسول الله فخصه الله بالكرامة والرفعة في الجهاد فقتل عمرو بن عبد ود يوم الخندق وهزم الله المشركين وأعز بقتله الإسلام إلى أن تقوم الساعة وأذل الله الشرك إلى أن تقوم الساعة، وبعث رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم برأيته مع رجلين من المهاجرين فرجعا منهزمين يجبنهما أصحابهما ويجبنان أصحابهما، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، كرار ليس

بفرار ))، فدعا علياً عليه السلام وكان رمد العين، فتفل في عينه ودعا الله أن يذهب عنه الحر والبرد، وأعطاه الراية ففتح الله على يديه، ثم ثبت معه يوم حنين في جماعة من أهل بيته حين فر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم جماعة الناس، فقال الله عز وجل: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم ولّيتُم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين}، فخصه الله ومن كان معه بالسكينة، ثم خرج رسول الله إلى تبوك واستخلفه على المدينة، وقال: ((لا يصلح لخلافتي إلا أنت ))، وفي حديث آخر: ((لا يصلح المدينة إلا أنا وأنت ))، فتكلم أناس في ذلك وقالوا: خلفه لخساسة منزله فلحقه بعد أن سار، فشكا إليه ما تكلم به الناس في تخليفه، فقال: ((يا علي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ))؟ فقال: (بلى، رضيت يا رسول الله)، وقد بين الله سبحانه منزلة هارون من موسى، فقال: {هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري..} الآية، وقال موسى لهارون: {أخلفني في قومي} فلعلى الأخوة والوزارة والشركة في الأمر والخلافة في قومه، فلم يستثن صلى اللّه عليه وآله وسلم غير النبوة، ولو كان مع النبوة غيرها مما لا يحل له لاستثناه كما استثنى النبوة، فقد بين الله تعالى لنا في كتابه وبين لنا رسول الله في سنته أن علي بن أبي طالب خليفة من بعده، ثم بعث رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أبا بكر بعشر آيات من أول براءة إلى أهل مكة، فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال: إنه لا يصلح أن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، فبعث رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم علياً، فرد أبا بكر ومضى علي صلى الله عليه ببراءة عن أمر الله، فكأن المؤذن بها عن رسول الله بأمر الله، وجعله الله الأذان من الله ورسوله، كل ذلك يبين منزلته واستحقاقه لمقامه.

وقال الحسن ـ في كتاب التوحيد ـ إن الله أنزل على نبيه الكتاب وعلمه التنزيل وأخبره بالتأويل، وأنزل عليه الفرائض وشرحها بالسنن، وعمل بها بين أظهرهم حتى عرفوها، وقامت عليهم الحجة، وعلمه الحلال والحرام حتى أكمل له الدين، فقال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}، ثم فرض على نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم إبلاغ الدين الذي أكمله له، فقال: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس}، فبلغ صلى اللّه عليه وآله وسلم ما أمر بتبليغه وبينه حتى لم يبق لأحد عليهم حجة في التأدية عن الله حتى قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((ما تركت شيئاً يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أخبرتكم به ))، واحتج الله علينا بذلك فقال سبحانه: {رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}، فكان أول دعوته أن دعا إلى الشهادتين، فكان أول الفرائض، ثم دعاهم إلى الصلاة وحد لهم ما يجب عليهم فيها، وعمل بذلك بينهم حتى فهموه، ثم دعاهم إلى الصيام وصام معهم شهر رمضان وعلمهم حدود ما يجب عليهم فيه، ثم دعاهم إلى الحج فحج بهم معلماً لهم ما يجب عليهم فيه، فطاف بهم حول البيت، وسعى بين الصفا والمروة، ثم وقف بهم المواقف كلها ونسك بهم المناسك، وذبح الذبائح حتى علمهم حدود الحج وفهموه ولم يبق لهم عليه حجة في البيان، ثم أخبره أنه ميت فقال [تعالى]: {إنك ميت وإنهم ميتون}، فكان مما افترض الله عليه إبلاغه لا كمال دينه وإتمام أمره من يقوم مقامه بعده إذا أعلمه أن الدين لا يتم إلا لمن يقوم مقامه، إذ كان في صفة الحكيم وإحكام صنعته أن الخلق لا يصلحوا إلا بمقوم يقوم إعوجاجهم ويسوي صغرهم إذا كان الاعوجاج من صفتهم، وقد ندبهم إلى أمر واحد لا اختلاف فيه، فقال: {وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}، وعلمنا أنه ليس في

صفة الحكيم أن يخلق خلقاً ليس من طبعهم الاتفاق في الرأي والهوى ثم نبذ بهم إلى خلاف صفتهم بلا مقوم يقيمهم على ما أمر به من الاتفاق ويذودهم عن معصيته ويدعوهم إلى طاعته، فعلمنا أن الأمر ليس بمفوض إلى رأيهم؛ إذ كان ليس في صفتهم ما أمرهم به ولا يصلون إليه إلا بمؤدب تكرههم عليه، وقد أدى ذلك رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وأقام لهم من يقوم مقامه ويحكم فيهم بأحكامه، ويمضي فيهم أمره وينهاهم عن نهيه أذناً واعية وقلباً هادياً ولساناً ناطقاً بالحق يحفظ ما نسوا ويعلمهم ما جهلوا وهو علي بن أبي طالب صلى الله عليه، وقد ندبهم الله إلى ذلك فقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، ثم أكد في ذلك الحجة عليهم فأعلمهم أن ولي الأمر من يعلم ما يجهلون ويحفظ ما ينسون واستحال أن يكون الجاهل إماماً للعالم إذا كان الجاهل مندوباً إلى العالم، فاستحال أن يندب المتبوع إلى التابع، وقد أمر المتبوع بتعليم التابع، والله سبحانه يقول: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون}، فعاب ذلك من حكمهم، وقال تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}، ثم دل عليه فقال: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين}، فأخبر أن للمؤمنين ولياً هو أولى من اتبعه به، فقال: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}، فدل عليه بصفة، وقد أجمع نقلة العلم بالخبر المشهور عن غير تواطءٍ أن علي بن أبي طالب هو الذي آتى الزكاة وهو راكع، ثم بين أنه هو لئلا يدعي مكانه أحد ولا يرتاب مسلم في معرفته، فقال تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً}.

فليس أحد ممن أوما الناس إليه أولى برسول الله في الإيمان والهجرة والرحم من علي بن أبي طالب، ثم قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لن يفتقا حتى يردا علي الحوض، ألا وهما الخليفتان من بعدي ))، فالهدى فيهما والكتاب يدل على العترة، والعترة تدل على الكتاب، فأكثرها به تمسكاً دلالة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على الهدى.
وقالت طائفة من الناس عن غير حجة ولا أمر من الله لا من رسوله أن أبا بكر أولى الناس بمقام رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم.

وقالت طائفة أخرى: إن العباس بن عبد المطلب أولى بمقام رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ولأبي بكر إيمان وهجرة، وليس له برسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم رحم قريبة به يستحق بها المقام، وللعباس إيمان ورحم قريبة، وليست له هجرة يستحق بها أن يكون أولى الناس برسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولن تجتمع هذه الثلاث الخصال التي فيها بيان الفضل إلا في علي بن أبي طالب عليه السلام فهو أولى الناس برسول الله في الإيمان والهجرة والرحم وأولى الناس بمقامه وأفضل الناس فضلاً وأعلمهم علماً وأقدمهم سلماً، قال الله تبارك وتعالى: {السابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم}، ثم شرح رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم هذه الفريضة التي افترضها الله فيمن يستحق مقامه بالسنة في ولي الأمر فأخذ رسول الله بيده يوم غدير خم، فقال: ((يا أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم ))، يقول ذلك ثلاثاً ليفهمه من عمي عن فهمه وليبلغ الشاهد الغائب، قالوا: بلى. قال: ((فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله ))، فعلم الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لن يقول مولى عبوديه، وإنما عني مولاكم في دينكم، وقد عرفوا أنه ابن عمه، فما أسوأ حال من تقدم إمام مولاه في دينه ثم لم يزل رسول الله يدل على علي منذ بعثه الله تعالى إلى أن قبضه الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ويستخلفه ولا يستخلف عليه ويوليه ولا يولي عليه، فكان من أول الدلالات عليه أن الله سبحانه لما أمر نبيه أن ينذر عشيرته جمع بني عبد المطلب وهم يؤمنئذ أربعون رجلاً.
ثم يساق الحسن بن يحيى عليه السلام ذكر الوصية ذكر الوصية والإخوة وآية التطهير والمباهلة، وقد تقدم ذكر ذلك ما استغني عن إعادته هنا.
القول في إمامة الحسن والحسين وأولادهما عليهم السلام

قال الحسن: أجمع علماء آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أن علي بن أبي طالب كان أفضل الناس بعد رسول الله وأعلمهم وأولاهم بمقامه، ثم من بعد أمير المؤمنين الحسن والحسين أولى الناس بمقام أمير المؤمنين ثم من بعد ذلك علماء آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وأتقياؤهم وأبرارهم أئمة المسلمين في حلالهم وحرامهم وسنن بينه، فمن أمر منهم بالمعروف ونهى عن المنكر وجبت على المسلمين معاونته ونصرته، وأن القائم منهم بالمعروف والجهاد أفضل عندهم من القاعد، وكل مصيب قدوة.

قال الحسن: وقد دل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على إمامة علي والحسن والحسين بأعيانهم وأسمائهم، فقال في علي صلى الله عليه ما تقدم ذكره في باب إمامته، وقال في الحسن والحسين صلى الله عليهما: ((هما سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما ))، فجعلهما سيدين، وبيّن فضلهما ودل على إمامتهما ودل أنه لا يحل لأحد أن يقدم من جعله رسول الله سيداً وشهد له بالجنة، وقال: ((اللهم أحب من أحبهما وأبغض من أبغضهما))، وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((تعلموا منهما ولا تعلموهما، فهما علم منكم ))، وقال لأبيهما ولهما: ((أنا مسلم لمن سالمتم وحرب لمن حاربتم ))، فأثبت أن حربهم حربه وسلمهم سلمه، وهذه قضية من رسول الله فيهم، فيمن تمسك بالكتاب من الذرية، وقال: ((إن استنصروكم فانصروهم وإن نبذوا فانبذوا ))، فأوجب على الأمة نصرتهم إذا استنصروهم، ولم يأمرهما بنصر أحد ولا اتباعه، في ذلك دليل على أنهما المتبوعان وليسا بتابعين، وفي إبانة فضلهما في علمهما وأنفسهما على جميع الأمة دليل على أنه لا يجوز أن يكون الفاضل العالم تبعاً للجاهل المفضول، فكيف وقد أمر الله بنصرتهما، وقال: ((النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأمتي ))، وخصهما الله بأبوة رسول الله وسماهما ابنيه في كتابه، فقال: {قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم..} الآية، وخصهما بآية التطهير: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}، فلما نزلت هذه الآية جعل رسول الله الكساء عليه وعلى علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم قال: ((هؤلاء أهل بيتي، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ))، وفرض مودتهما على كل مسلم ومودة علي وذريتهما، وجعل لهما الخمس فريضة في كتاب الله، فلهما آية الصفوة، قوله: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا}، وآية التطهير، وآية المباهلة، وآية الخمس، وآية الفيء، وآية المودة، فدل عليهما بالدلالة التي أبان فضلهما وعظم منزلتهما وقال

سبحانه: {فآتي ذا القربى حقه} فدل عليهما بأعيانهما وأسمائهما وأنسابهما وأفعالهما، فإمامتهما واحدة وحقهما واجب، وهما إمامان في وقت واحد، إن قاما فلهما، وإن قعدا فلهما درجتهما في الجنة واحدة ومنزلتهما في الجنة واحدة، إلا أن الحسن يتقدم الحسين بالسن؛ لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يؤمكم أقرأكم لكتاب الله وأقدمكم هجرة وأعلاكم سناً ))، وقال لأبيهما ولهما ولمن تمسك بالكتاب من ذريتهما: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا أبداً كتاب الله وعترتي هل بيتي ))، فهما أبو العترة وسيداها والموضع الذي أخبر رسول الله أن في التمسك بهما الهدى فلا يحل لمسلم أن يتقدمهما ولا يطلب الهدى في غيرهما ولا في غير أولادهما المتمسكين بالكتاب، ودلالته على أولادهما أن يتمسك العباد بهما وبالمتمسكين بالكتاب من ذريتهما، فمن تمسك بالكتاب وبهم لم يضل أبداً، ثم أخبرنا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كيف الإمامة بعد هؤلاء المسلمين بأعيانهم ـ يعني بعد علي والحسن والحسين ـ، فقال: ((إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ألا وهما الخليفتان من بعدي ))، فبين بهذا الكلام فرض الإمامة كيف هو في كل عصر وزمان إلى الأبد على هذه الشريطة التي شرط، وهي لزوم الكتاب، فإذا كان من آل رسول الله رجل عالم بكتاب الله وسنة نبيه عامل بذلك فهو الإمام الذي دل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل عصر وزمان على المسلمين الأخذ عنه حلالهم وحرامهم وسنن نبيهم، فإذا دعاهم إلى نصرة الحق وجب عليهم نصرته ولن يخلو أهل بيت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في كل عصر وزمان أن يكون فيهم مأمون على كتاب الله وسنة نبيه علمه من علمه وجهله من جهله؛ لقول رسول صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ))، فهذا إجماع من مضى من آل رسول الله الأتقياء الأبرار الذين بهم

نقتدي، فقد بين رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم الإمامة ولم يدع لأحد فيها اختياراً وبينها الله في كتابه فقال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}، وقال: {ولتكن مكم أمة يدعون إلى الخير ويأمون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}، وقال: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية}، وقال: {يا أيها الذين آمنوا هل أدركم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم}...إلى آخر الآيتين، وقال: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل..} الآية، وقال: {وفضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى}..الآيتين، فقد بين الله لذوي العقول والأديان ودلهم على أفضل آل رسول الله وأتقاهم لله، وأعلمهم بكتاب الله وأكثرهم جهاداً في سبيل الله، فأشهد أهل بيت النبي بكتاب الله تمسكاً وأكثرهم به علماً وعملاً أوجبهم على المسلمين حقاً، ثم ذكر رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم المهدي وسماه باسمه واسم أبيه فقال: ((اسمه كاسمي، واسم أبيه كاسم أبي، سخي بالمال، شديد على العمّال، رحيم بالمساكين ))، والشريطة فيمن لم يسمه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في غير وقت دولتهم من كان من العترة فيه العلم والجهاد والعدل وأداء الأمانات إلى أهلها )).
وقال محمد بن علي، وزيد بن علي ـ وكانا إمامين من أئمة الهدى ـ: نحن ولد فاطمة أئمتكم في حلالكم وحرامكم، الإمام منا المفترض الطاعة الشاهر سيفه الداعي إلى سبيل ربه بالحكمة الحسنة، وليس الإمام المفترض الطاعة الجالس في بيته المرخي عليه ستره تجري عليه أحكام الظلمة ولا تجري حكومته على ما وارى بابه، وذلك أنهم لا يحتاجون إلى الطاعة إلا مع الأمر والنهي وإقامة الحدود وأخذ الأفياء والأخماس في مواضعها، ووضعها في أهلها، والأخذ للمظلوم من الظالم.

قال محمد ـ في كتاب المسائل ـ: وليس بين ولد الحسن والحسين عندنا فرق في الإمامة، فمن قام منهم يستحق مقامه بالعلم والورع والعقل فهو عندنا موضع لما قام به، وعلى ذلك رأينا أولاد رسول الله عليه وعليهم السلام من مضى منهم، وممن أدركنا منهم أحمد بن عيسى، وعبد الله بن موسى، وقاسم بن إبراهيم وغيرهم فيمن أدركنا من علمائهم، وقد ثبت لنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي )).
القول في الرافضة
قال محمد ـ في كتاب أحمد بن عيسى عليه السلام ـ: حدثنا قاسم بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يكون قوم يهلكون بادعاء حبَّك، لهم نبز يعرفون به، يقال لهم الرافضة، إن أدركتهم فاقتلهم فإنهم مشركون )).
قال قاسم بن إبراهيم: فكنت أهاب هذا الحديث، ثم نظرت فإذا هم مشركون من وجوه.
قال الحسني: قرأت في كتاب أحمد بن بشار الثوري بخطه وكان ثقة فاضلاً.
قال أبو جعفر محمد بن منصور: قرأت على قاسم بن إبراهيم هذا الكلام:
سألت أبي يوماً ـ رحمة الله عليه ـ لِم سميت الرافضة بالرفض، ولِم نسبت إلى ما نسبت إليه من الشنان لآل رسول الله والبغض؟

فقال: سميت الرافضة لرفضها آل رسول الله كلهم، ولاختيارها برأيها وأهوائها إماماً منهم، وليس بأعلمهم ولا أفضلهم، فهي ـ يا بني ـ كما سميت الرافضة من حق الله في إمامة(1) لما رفضت، المبغضة من أولياء الله القائمين بالقسط لمن أبغضت التي لم تأل الأبرار آل نبيها صلى اللّه عليه وآله وسلم تجهيلاً وتضليلاً وتعويقاً للناس عنهم وتخذيلاً ضد أمنهم عن سبيل الله وتفريقاً عن جهاد أعداء الله وانتصاحاً في ذلك لضدهم وفرحاً في ذلك بمقعدهم عما قام به رسول رب العالمين من جهاد الكفرة المضلين وفي المتخلفين والمعوقين عن ذلك والصادقين يقول الله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض} إلى قوله: {والله على كل شيء قدير}، وقال: {الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً أولئك في ضلال بعيد}، وقال سبحانه فيمن فرح بمقعده عن الجهاد مع تعطيله: {فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله}، وقالوا: {لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حراً} إلى قوله: {يكسبون}، فلعمري لذنبهم في تخلفهم، وإن كان موثقاً وقعودهم، وإن كان عند الله فسقاً أيسر في الهلكة خطباً وأصغر من تكبأ من ذنب من واحة حكم الله في الجهاد يرده مع تعطيله.
__________
(1) ـ في نسخة: الإمامة.

وقال بالتضليل والتجهيل لمن قام بفريضة الله من الجهاد: زعمت الرافضة أنه لم يكن قرن من القرون إلا وفيهم وصي نبي أو وصي من وصي أو حجة من الله عليهم مفروضة عليهم طاعته ومعرفته، فيسألون عن فترات الرسل، هل خلت فترة من أن يكون فيها إمام هاد وحجة الله على العباد؟ فإن قالوا: لا تخلو فترة من أن يكون فيها إمام هاد ليس بأحد معه إلى غيره حاجة، قيل له: فلا حاجة إذاً بعد آدم بأمة خلت إلى أن يبعث فيهم نبي ولا فاقت إليه؛ لأن وصيها كاف في الحجة عليها مستغن به عن التعريف والتكليف، وفي هذا القول عني عن كل نبي أو رسول، وفي هذا من إكذاب كتاب الله ما لا خفاء به، قال الله سبحانه: {رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}، مع ما ذكر سبحانه مما يكثر عن الإحصاء، وقال: {منهم من قصصنا عليك، ومنهم من لم نقصص عليك}، فلم يذكر الله سبحانه في ذلك وصياً ولا شيئاً مما قالت الروافض، هذا إلى ما قرنوا به من الضلال بقولهم في الوصية وما عظموا به على الله ورسوله من الفرية التي ليس لهم بها في العقول حجة ولا برهان، ولم ينزل بها من الله وحي ولا فرقان، وما قالت به الرافضة من الأوصياء فهو قول فرقة كافرة ضالة من أهل الهند يقال: البرهمية، تزعم أنها مكتفية بإمامة آدم عن كل رسول، وأن من ادعى بعده نبوة فقد ادعى دعوة كاذبة، وأنه أوصى إلى وصي من ولده ثم يقودون وصيته بالأوصياء إليهم.
وقال الحسن بن يحيى: وسألت عن قول من يقول بالإمامة، وذكرت أنهم يقولون: إنكم اجتمعتم معنا على أن الإمامة تصلح في ولد الحسين ولم نجتمع معكم على أنها تصلح في ولد الحسن، فنحن على الإجماع في قولنا.

فالجواب في ذلك: أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم دل على علي والحسن والحسين بأعيانهم وأسمائهم بإجماعنا، ثم أخبرنا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كيف الإمامة بعد هؤلاء المسلمين بأعيانهم، فقال: ((إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وهما الخليفتان بعدي ))، فبين بهذا الكلام الإمامة إلى الأبد على هذه الشريطة التي شرط، وهي لزوم الكتاب، واجتمعنا نحن وأنتم على هذا الحديث، وروته الأمة من غير تواطؤ، فلم يسم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فلاناً بعد فلان، ولا رجل بعد رجال، وإنما جعل عليه السلام الخليفة من بعده من أهل بيته من عمل بالكتاب، وذلك قوله: ((وهما الخليفتان من بعدي ))، فتركتم أنتم ما اجتمعت الأمة على روايته وأجمعت الشيعة على استعماله، وقلتم بالرأي في دين الله، فقلتم: الإمامة وصية أوصى بها فلان إلى فلان بالإمامة، فهو حجة الله على خلقه من تقدمه من آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، خطيتموه وكذبتموه وضللتموه، فلا يكون القول منكم بالرأي ناقضاً لإجماعنا وإجماعكم، فنحن على الأصل الذي أمرنا به رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ولا نحدث في دين الله رأياً ولا اختياراً، إلا ما شرط رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم من العمل بالكتاب، فإن كان من آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عالم بكتاب الله وسنة نبيه عالم بذلك فهو الإمام الذي دل عليه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في كل وقت وزمان، على المسلمين الأخذ عنه حلالهم وحرامهم وسنة نيبهم، فإذا دعاهم إلى نصرة الحق وجب عليهم نصرته، ولسنا نقول: إن هذا خاص في بطن دون بطن، وليس لنا ولا لكم أن نحدث في دين الله بالرأي؛ لأن الدين قد أكمل وقد بلغه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ولم يقصر في إبلاغه، فقد بين فرض الإمامة كيف هو في كل عصر وزمان ولن يخلو أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

في كل عصر وزمان أن يكون فيهم المأمون على كتاب الله وسنة نبيه علمه من علمه وجهله من جهله؛ لأن قول رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يسقط لقوله: ((لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ))، فهذا الإجماع من قول من مضى من آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم الأتقياء الأبرار الذين بهم نقتدي.
ويقال لهم ـ أيضاً ـ: أنتم أصل مقالتكم طرح الرأي في دين الله والقياس إذا زعمتم أن من تقدم أمير المؤمنين صلى الله عليه إنما كان ذلك بالرأي ولم يجيزوا ذلك، وزعمتم أن الذين اختاروا غيره إن ذلك رأي منهم، أن الرأي لا يجوز عندكم فيلزمكم ـ أيضاً ـ طرح الرأي في الإمامة وفي غيرها بعد الحسن والحسين واختياركم الإمام بالرأي وإلا تركتم أصل ما ذهبتم إليه أولاً، إلا أن تزعموا أن سول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: إني تارك فيكم فلاناً بعد فلان إلى يوم القيامة، فهذا لا يأتون به أبداً، وقد حرم الله القول عليه بغير علم، فقال سبحانه: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وإن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} فقد حرم الله القول عليه بغير علم، ومن ذلك قولكم إن الله فرض طاعة فلان بعد فلان باسمه نسبه، فأوجبتم على الخلق فرصاً لم يأمر الله به ولم يسنه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، وقد لقيني رجل من متكلمي أصحاب الإمامة يناظرني في مقالته، فقلت له: أخبرني بما ثبتت الإمامة لعلي صلى الله عليه؟ فقال: يقول رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من كنت مولاه فعلي مولاه ))، و((أنت مني بمنزلة هارون من موسى ))، وأشباه ذلك.

فقلت له: فهل تثبت للحسن بن علي صلى الله عليه في أمر الإمامة ما يثبت لعلي من رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم حتى دل عليه كما دل رسول الله على علي صلى الله عليه؟ فسكت، فما أجاب، وانقطع وبيان ما يلزم القوم من ذلك أنهم زعموا أن الإمامة ثبتت بالوصية أن يكون أمرها واحداً في أولها وآخرها، فإذا قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في علي، ودل عليه، فكذلك يلزم في قولهم أن يكون علي قال في الحسن، ودل عليه، وكذلك يقول الحسن في الحسين عليهما السلام، حتى يسوقوا ذلك خبراً مشهوراً متسقاً به النقل عن غير تواطئ من الأمة، كما نقلت الأمة أخبار علي بن أبي طالب صلى الله عليه مشهورة عن غير تواطي؛ لأن الإمامة أكبر الفرائض وأعظمها قدراً، فلم يكن علي والحسن والحسين صلى الله عليهم ومن بعدهم من آل رسول الله ليتركوا أن .... عن فرض الإمام إذا كانت من أعظم الفارض خطراً، وبها تقوم الفرائض حتى يأتي ذلك عنهم مشهوراً معلوماً ينقله الشيعة بإجماع عن غير تواطؤ، والوجه في ذلك عندنا أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لما أوجب الإمامة على أمته بما دلهم عليه من التمسك بعترته على ما شرط من لزوم الكتاب والعمل به لم يحتج أمير المؤمنين ولا الحسن ولا الحسين صلى الله عليهم ولا من بعدهم من أبرار آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى أن يجدوا شيئاً غير ما دل عليه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وأمر به، فهذا أصل القول في الإمامة وما لا يختلف فيه أحد من أهل النقل ولا يختلف فيه أحد من أصناف الشيعة في الاستعمال إذا أنصفوا.

وقال الحسن ـ في وقت آخر ـ: وسئل عن قولهم بإمامة رجل وسموه باسمه، فقال: الحجة من الله على العباد آية محكمة منزلة بينة أو سنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مشهورة متسق بها الخبر عن غير تواطئ، فما بينتهم وما حجتهم على ما ادعوا وكل مدع فعليه البرهان والبينة من غير أهل الدعوى، ولا سبيل لهم على أن يأتوا على ما ادعوا ببرهان من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
القول في الرجعة
قال محمد ـ في كتاب أحمد ـ: سألت أحمد بن عيسى عن الرجعة، فقال: باطل، قد ذكرت لأبي جعفر عليه السلام، فقال: قد تزوج الحسين عليه السلام بعض نساء الحسن صلى الله عليه، فإذا رجعوا، لمن تكون منهما للأول أم للآخر؟
قال محمد: فقلت له: تصلي خلف من يقول بهذا، فقال: لا.
قال محمد: وسألت القاسم بن إبراهيم عن الرجعة، فلم يثبتها، ولم يذكر أنه أدرك أحداً من أهل بيته يثبتها.
وقال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على أن قول من قال بالرجعة باطل، وأنه ند قول ذلك على من مضى من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كانت كذلك ما اقتسمت المواريث ولا نكح النساء إذا مات عنهن أزواجهن.

قال محمد ـ في كتاب أحمد ـ: حدثني علي بن أحمد، عن أبيه، عن حسين بن علوان، عن أبي خالد، قال: كنا عند أبي جعفر عليه السلام فقال له سعد الأنصاري: يا ابن رسول الله، إن قوماً يأتونا من قبل المشرق فيحدثونا بأحاديث، فأما قوم ضللنا وأما قوم كتمنا، والحجة على من كتمنا، فقال: كيف قلت يا سعد؟ فرد عليه المسألة، فقال: ما هي يا سعد؟ قال: هو أعظم من أن أواجهك به، فقال: عزمت عليك لما جئت به، فقال: يزعم قوم أنك تعرف شيعة آل محمد بأسمائهم وأسماء آبائهم وأسماء عشائرهم فيزعم قوم أنك تركب بغلة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم الشهباء فتصلي بهم بالكوفة الجمعة ثم تروح إلينا بالمدينة، ويزعم قوم أنكم سترجعون أنتم وعدوكم إلى الدنيا فيقتصون منهم ما أتوه إليكم قبل الآخرة، قال: أما قولك إني أعرف شيعة آل محمد بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم فليس لي باب سوى هذا الباب، وفيه يكون أهلي، ووالله ما أدري من يدخل إليهم ومن يخرج من عندهم ولا ما يتحدثون به، فكيف أعلم ما هو ناءٍ عني، وأما قولك : إني أركب بغلة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم الشهباء، فأصلي بالكوفة ثم أروح إلى المدينة والله ما رأيت بغلة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قط ولا رأيت الكوفة في نوم ولا يقظة قط، وأما قولك: إنا نرجع نحن وعدونا إلى الدنيا فنقتص منهم ما أتوا إلينا قبل الآخرة فكفى بعقوبة الآخرة نكالاً والله لو نعلم ذلك ما سكنا مساكنهم ولا خلفنا على نسائهم ولا اقتسمنا مواريثهم ولا نكحنا نساءهم غرائب في غيرنا، ووالله إن كانت وصية الحسن للحسين صلى الله عليهما أن قال له: تحتي ثلاث نسوة فقد رضيت لك تَبَعّلَهنّ، فاخلف عليهن، فخلف على امرأتين منهن وأبت الثالثة، فقالت: علّي ألا يجتمع رأس بعد الحسن ورأس أحدٍ أبداً، ويحك يا سعد، فإذا رجع الحسن والحسين صلى الله عليهما لأيهما يكونان، إذاً أرأيت أسماء بنت عميس كانت تحت جعفر، ثم خلف عليها أبو بكر

بعد جعفر ثم خلف عليها علي صلى الله عليه، فإذا رجع القوم فلأي الثلاثة تكون إذاً.
القول في البداء
قال محمد ـ في المسائل ـ: وسئل عن البداء ومن يقول به، البداء عندنا صفة من صفات المخلوقين، والبداء أن يرى الإنسان شيئاً فيعمل به أو يحكم به ثم يبدو له إلى غيره فيدع الأول ويعمل أو يحكم بالآخر، وهذا عندنا في الإنسان؛ لأنه لا يعلم ما يحدث قبل أن يحدث، ومن احتج في البداء بقوله عز وجل: {يمحو الله ما يشاء ويثبت}، فإن معناه يمحو المنسوخ ويثبت الناسخ مثل قوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا}، فجعل الواحد بعشرة، ثم قال لا شريك له: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين}، فأحب لا شريك له أن يعرفهم نعمته ورفقه بهم ليشكروه على ذلك، وقد علم سبحانه قبل أن يخلق السماوات والأرض أن ذلك كذلك يكون، ومثل قوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج}، ثم نسخ ذلك بقوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهم أربعة أشهر وعشراً}، وقد علم عز وجل قبل أن يخلق السماوات والأرض أن ذلك كذلك يكون، ولا يجوز لأحد أن يقول بداء له من شيء إلى شيء ومن علم أنه يعيش عشرين سنة فمحال أن يعيش أقل منها أو أكثر، ولا يكون إلا ما سبق في علمه ولا ينتقل علمه من حال إلى حال، وأما ما روي عن جعفر بن محمد عليه السلام أن الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين فيجعلها الله ثلاثاً وثلاثين سنة، وأن الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاث وثلاثين سنة فيجعلها الله ثلاث سنين فلا يقال إن هذا من البداء، ولكن هذا سبق في علم الله أن الله حكم لمن وصل رحمه بطول العمر لمن يشاء، وحكم لمن قطع رحمه بقصر العمر لمن يشاء، ومحال أن يكون إلا ما سبق في علم الله وعلم الله لا

ينتقل من حال إلى حال، قال الله عز وجل: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين}، وقال عز وجل: {وكل صغير وكبير مستطر}، وقال: {وكل شيء فعلوه في الزبر}، فهذا مثبت قبل أن يفعلوه}.
وقال محمد ـ في وقت آخر من المسائل ـ: العمر لا يزيد ولا ينقص، ولكنه إذا وصل رحمه رزق في ثلاث سنين من العمل ما كان يعمل مثله في ثلاث وثلاثين سنة، وإذا قطع رحمه حرم من أعمال البر ما كان يعمل مثله في ثلاث وثلاثين سنة، وهذا معنى قوله: البر زيادة في العمر.
القول في الناسخ والمنسوخ
قال الحسن: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم والأمة معهم على أن القرآن ناسخاً ومنسوخاً ومحكماً ومتشابهاً وخاصاً وعاماً، وأجمعوا على أنه لا يسع أحداً أن يتكلم في القرآن إلا من يعلم ذلك، أن أحداً لا يكون حجة بالرأي فيه والاستحسان.
قال محمد: وسئل عمن يقول القرآن كله ناسخ وليس منسوخ. فقال: القرآن عندنا ناسخ ومنسوخ، قال الله عز وجل: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها}، يقول لا شريك له: {ننسخها}، فنبدل حكمها، {أو ننسها}، نتركها على حالها، وقال في المتوفى عنها زوجها: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج}، يعني فكانت المرأة إذا توفى زوجها لم تخرج من بيتها سنة ما لم تخرج، ثم نسخ ذلك فقال: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً}، فنسخت هذه الآية الأولى، وآية الصيام كان في بدء الإسلام من شاء صام شهر رمضان ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم نزلت عزيمة الصيام فقال عز وجل: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، فنسَخت هذه الآية الصيام الأول مع آي كثير في القرآن، مثل هذا مبين منسوخ.
وسئل محمد عن قوله عز وجل: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}، فقال: يمحو المنسوخ ويثبت الناسخ، وعنده أم الكتاب، يعني جماعة الكتاب.
القول في تغيير القرآن وزيادته ونقصانه

قال محمد ـ في المسائل ـ: أخبرني قاسم بن إبراهيم قال: قرأت مصحف علي عليه السلام خطه بيده، فهو هذا القرآن الذي في أيدي الناس ليس فيه زيادة حرف ولا نقصان حرف إلا أن يكون حرفاً يقرأ.
قال محمد: وأخبرني حمزة بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب صلى الله عليه قال: قرأت مصحف علي خطه بيده فهو هذا القرآن الذي في أيدي الناس ليس فيه زيادة ولا نقصان، وكان أوله: {اقرأ باسم ربك الذي خلق}.
قال محمد ـ في المسائل ـ: وليس في القرآن زيادة ولا نقصان، ولكن قد ذكر أنه كان فيه فضل تفسير، وذكر أن الأحزاب كانت تقاس بالبقرة، وذلك فيما بلغنا كان تفسيراً وتصديقاً، ذلك أنه كان قرأ القرآن على عهد رسول الله جماعة من أصحابه وبقوا بعد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم حتى اقرؤوه جماعة من المسلمين، فلم يكن فيه زيادة على ما في أيدنا فهذا يبطل دعوى من ادعى أنه قد كان في القرآن زيادة، فذهبت، وكان علي عليه السلام يقرأ القرآن ويصلي به بالناس ويقرئ أصحابه وثقاته، ولم يكن عنده زيادة ولا نقصان، وأما المعوّذتان فهما عندنا من القرآن، ثبت عندنا أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قرا بها في الفريضة.
القول في المتعة
قال محمد: سألت أحمد بن عيسى عليه السلام عن المتعة، فلم يرها.
وحدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثني حاضر بن إبراهيم، عن حسين بن زيد، قال: يحل من النساء ثلاث، امرأة ترث، وامرأة لا ترث، وملك اليمين.
فقلت لأحمد بن عيسى: الامرأة التي لا ترث هي اليهودية والنصرانية نكاحهما حلال ولا يرثان؟
قال: هو وجهه.
قال الحسني رضي الله عنه: الوجه في هذا الخبر أن التي لا ترث الزوجة الأمة؛ لأن نكاحها حلال بإجماع الأمة، وهي لا ترث.

قال محمد: وحدثني جعفر، عن القاسم بن إبراهيم: لا يحل نكاح المتعة؛ لأن المتعة إنما كانت في سفر كان فيه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ثم حرم الله عز وجل ذلك على لسان رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وقد روي عن علي صلى اللّه عليه وآله وسلم بما قد صح أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى عنها، وأما من يحتج بهذه الآية ممن يستحل الفاحشة من الفرقة المارقة في قول الله سبحانه: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن}، والاستمتاع هو: الدخول بهن على وجه النكاح، وإيتاء أجورهن هو: إعطاؤهن مهورهن إلا ما وهبن بطلب أنفسهن والتراضي هو التعاطي، ولا يجوز النكاح إلا بولي وشاهدين؛ لأن في ذلك ترك ما بين الله فيه، وبخروج النساء من أيدي الأولياء وإبطال ما جعل الله للأولياء فيهن، وما حكم به الأولياء عليهن، ألا تسمع كيف يقول لا شريك له: {وأنكحوا الأيامى منكم}، وقال: {ولا تنكحوا المشركين}، وقال: {ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن}، فلو كان الأمر في ذلك إليهن بطل الأمر في هذا كله من أيدي الرجال، ولخرج من أيدي الأولياء أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم وحرماتهم، ولقد كان هذا ومثله في الجاهلية الجهلاء وأنه ليستعظم ويراق فيه بين الناس كثير من الدماء ويكون فيه فساد عظيم بين الأولياء من الرجال والنساء، فكيف في الإسلام الذي جعله الله يصلح ولا يفسد ويؤكد الحقوق بين أهلها ويشددها، ولقد أدركنا مشايخنا من أهل البيت وما ترى هذا منهم أحد حتى كان بآخره أحداث سفهاء رووا الزور والكذب.
وقد حدثني إسماعيل بن أبي أويس، عن حسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي، عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدين )). وأن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى عن نكاح السر، وأن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((أشيدوا النكاح )).
قال محمد: يعني أظهروه.

وقال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على كراهية المتعة والنهي عنها، وقالوا: إنما كانت أطلقت في سفر، ثم نهى رسول الله عنها وحرمها، وقالوا: نسختها العدة والمواريث. وأجمعوا على أنه لا نكاح إلا بولي وشاهدين وصداق بلا شرط في النكاح.
وروى محمد في كتاب المتعة بأسانيده، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي صلى الله علي قال: (نهى رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عن نكاح المتعة يوم خيبر).
وعن الحسن، وعبد الله ابني محمد بن علي، عن أيبهما، عن علي صلى الله عليه أنه قال لابن عباس ـ وهو يعني في المتعة ـ: (أما علمت أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر).
وعن ابن عباس أنه رجع عن متعة النساء، وقال: هي حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير.
وعن الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه، قال: خرجنا مع رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، فلما قضينا عمرتنا قال: ((استمتعوا من هذه النساء ))، واستمتاع يومئذ عندنا التزويج.
قال: فعرنا ذلك على النساء فأبين إلا أن يضرب بيننا وبينهن أجلاً، فذكرنا ذلك للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: ((اجعلوا ))، فخرجت أنا وابن عم لي معي برد ومعه برد أجود من بردي وأنا أشبُّ سناً، فأتينا امرأة فعرضنا ذلك عليها فأعجبها برد ابن عمي، فقالت: برد كبرد، فتزوجتها، وكان الأجل بيني وبينها عشراً، فثبت عندها تلك الليلة، ثم أصبحت غادياً إلى المسجد وإذا رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بين الحجر والباب قائماً يخطب وهو يقول: ((أيها الناس، إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من هذه النساء، ألا وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده من ذلك شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا ما آتيتموهن شيئاً )).
وعن الربيع بن سبرة، عن أبيه، قال: نهى رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عن متعة النساء عام خيبر.

وعن الحسن البصري قال: أمر رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بالمتعة بعد الحديبية بعام، فأمر بها ثلاثة أيام، ثم حرمها، فلم يحل لأحد قبل ولا بعد.
وعن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عن المتعة يوم خيبر. وقال: ((هي حرام ))، وما كنا مسافحين.
وعن كعب بن مالك قال: نهى رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عن نكاح المتعة في غزوة خيبر.
وعن زيد بن علي عليه السلام قال: المتعة مثل الميتة والدم ولحم الخنزير.
وعن عبد الله بن الحسن، ومحمد بن عبد الله، وجعفر بن محمد عليهم السلام، أنهم نهوا عن المتعة.
وعن عمر قال: نسخت آية المتعة العدة والمواريث.
وعن ابن المسيب نحو ذلك.
وعن ابن عباس وعائشة قالا: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا نكاح إلا بولي )).
وعن علي، وأبي جعفر، وزيد بن علي عليهم السلام، مثل ذلك.
وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل )).
وعن أبي جعفر، عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، مثل ذلك.
وعن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام، عن علي صلى الله عليه قال: (لا نكاح إلا بولي وشاهدين، ليس بالدرهم ولا الدرهمين ولا اليوم ولا اليومين شبه السفاح ولا شرط في النكاح).
وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا تنكح المرأة إلا بولي أو إذن ولي، فإن نكحت فهو باطل، فإن نكحت فهو باطل، فإن نكحت فهو باطل )).
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا تزوج المرأةُ المرأةَ ولا المرأةُ نفسَها لا تفعل ذلك إلا زانية )).

قال محمد: فهذه الآثار التي رويناها في كتابنا هذا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وعن أصحابه والعلماء من أهله والتابعين بعده يدل على تحريم المتعة ويوضح نسخها عند من وطَّن العلم أو نصح نفسه، وهي آثار معروفة مشهورة عند أهل العلم والرواية لآثار رسول الله واختيار مع ما يدل على فسادها ويبين إبطالها من كتاب الله عز وجل وأحكامه، وبالله التوفيق، قال الله عز وجل: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}، فأحل الله سبحانه الفروج من هاتين الجهتين لا من غيرهما، وهما الترويج على شرط الله تعالى في كتابه، وأوجب فيه من أحكامه وملك اليمين، وأمر بحفظ الفروج عما سواهما، فقال لا شريك له: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}، يعني يعدون الحلال إلى الحرام، فيقال لمن أجاز المتعة على ما ذكروا من شروطها: هل يحل فرج إلا بتزويج أو ملك يمين؟ فإن قال أحدٌ: لا يحل فرج إلا من إحدى هاتين الجهتين، التزويج وملك اليمين. قيل له: فما تقول في المتعة، أي الجهتين هي؟ فإن قال: التزويج. قيل له: فقد أوجبت لها وعليها ما حكم الله في كتابه بين الرجل وامرأته إذ يقول الله سبحانه: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن}، وقال: {ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم}، فيجب على من أجاب بهذا الجواب عند ابتداء مسألتنا إياه، وقال في المتعة تزويج أن يقول في رجل تزوج امرأته متعة، ثم توفى أحدهما في وقتها أن الباقي منها وارث من صاحبه سهمه الذي فرض الله للزوج من الزوجة وللزوجة من الزوج في كتابه إذا كانا حرين مسلمين ليس بينهما علة مانعة لهما أو لأحدهما من أحكام المسلم مع صاحبه، ويقال له ـ أيضاً ـ: ما تقول في رجل تزوج امرأة متعة ثم آلى منها، هل يكون مولياً، وهل يكون له ما فسخ

الله من الوقت؟ إن قيل: نعم هو مول، قيل له: فإن امرأة المولى موقوفة بين حكمين الفيء والطلاق، وبذلك حكم الله تبارك وتعالى إذ يقول: {للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم}، فهل تقول بذلك، فإن فاء إليها فهي زوجته وإن عزم الطلاق لزمها طلاقه؟، فإن قال: نعم، بذلك أقول، فقد خرج عن المتعة وصفاتها وصار إلى شروط النكاح وأحكامه، وإن قال: لا يكون مولياً، قيل له: فهل يخلو من أحد معنيين، لا يحل الفرج إلا منهما أو من أحدهما تزويج أو ملك يمين، فإن كانت زوجة فقد لزمها الإيلاء وأحكامه، يقول الله سبحانه: {للذين يولون من نسائهم}، وقد أوجبت أنها من نساء الحالف، فإيلاؤه لازم لها واجب عليها، وإن لم تكن زوجة فينبغي ألا يحل لمتزوجها بمتعة؛ لأنها ليست له بملك يمين، وقد أمر الله تعالى بحفظ الفروج عن غير هاتين الجهتين، فقال: {الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين}، ويقال له: ما تقول في رجل تزوج امرأة متعة ثم ظاهر منها، هل يكون مظاهراً، وهل يلزمه حكم الظهار؟ فإن قال: هو مظاهر، فقد أثبت لها شروط الزوجة من الميراث والطلاق والعدة وغير ذلك مما يثبت به الظهار، وإن قال: لا يلزمها ظهاره فقد نفى أن تكون زوجة لقوله عز وجل: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم}، ويقال لهم: قال الله تبارك وتعالى: {الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين}، أرأيتم رجلاً تزوج امرأة متعة، هل حفظ فرجه إلا على زوجة أو ملك يمين كما أمره الله عز وجل، أو هل تعدى ذلك إلى غيره؟ فإن قالوا: لم يعد زوجة إلى غيرها وقد حفظ فرجه كما أمره الله تعالى، قيل لهم: فقد نفيتم عنها ما تقولون به في المتعة وأحكامها من بينونتها في الوقت عند وفاء الأيام بلا طلاق، ومن أن لا ميراث لواحد منهما من صاحبه عند وفاته، وأثبتم لها أحكام

الزوجة من الميراث والطلاق والظهار والإيلاء واللعان والخلع وغير ذلك، فإن الله يقول: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن} ويقول: {ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم}، ويقول لا شريك له: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة} إلى قوله: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} يعني الرجعة، وقال: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا}، كان الرجل يطلق المرأة، فإذا دخلت في الحيضة الثالثة راجعها ثم يطلقها ليحبسها عن الأزواج، والمتزوجة متعة ليست في شيء من هذه الأحكام، وقال: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم..} الآية، وقال: {للذين يولون من نسائهم} إلى قوله: {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم}، وقال: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات} إلى آخر الآيات، لتمام اللعان، إذ رأيتم رجلاً تزوج امرأة متعة ثم قذفها في وقت قبل انقضاء شرطه، هل يكون قاذفاً لزوجته فيلاعنها لقوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله}، أو هل يكون قاذفاً لغير زوجه فيضرب حد القاذف، فإن الله يقول: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون}؟ أرأيتم إن تزوجها متعة إلى أجل معروف فجاءت بولد قبل انقضاء الأجل فنفاه، هل يلاعن؟ فإن قالوا: نعم يلاعن، فقد أثبتوا أنها زوجة وأقروا بأحكامها، وإن قالوا: لا لعان بينهما، فقد نفوا أن تكون زوجته لقول الله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} إلى آخر الآيات، وقال الله سبحانه: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما}، وذلك فيما حكم الله به بين الرجل وزوجته في الخلع، أرأيتم رجلاً تزوج امرأة

متعة ثم نشزت عليه في الوقت، هل توجبون بينهما ما أوجب الله من أخذ الفداء وفرقة الحكم أو الصلح على ما أمر الله به؟ فإن أوجبتم ذلك لهما فقد قضيتم بأحكام الزوجة، وأبطلتم شروط المتعة، فإن قالوا: هي زوجة على الصفة، والشرط الذي شرطوا من أن لا ميراث بينهما وأنها تبين عند انقضاء الوقت من عدد الأيام بلا طلاق، قيل له: قد أقررتم أنها زوجة وادعيتم لها شروطاً وأحكاماً خلاف شروط القرآن وأحكامه للزوجة، وليست لكم بتلك حجة، فشروط القرآن وأحكامه للزوجة أولى أن يدان بها ويحكم من شروطكم وأحكامكم، فإن قالوا: قد اجتمعنا نحن وأنتم أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أحل المتعة وأمر بها، ثم ادعيتم أنتم بعد ذلك أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم حرمها، فما اجتمعنا عليه من تحليلها أولى أن ندين به مما اختلفنا وتفردتم به من تحريمها. قيل لهم: إنا لا نجتمع معكم أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أحل المتعة من الجهة التي تدينون بها في التحليل، وذلك أنكم تزعمون أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أحل المتعة في أمته أحلالاً عاماً مطلقاً ونحن نقول: إنما أحلها صلى اللّه عليه وآله وسلم لنفر من أصحابه أياماً معلومة، فقد اختلفنا نحن وأنتم في جهة تحليلها ولم نجتمع منه على صفة أمر واحد، فإنما تجب هذه الحجة التي ذكرتم من الإجماع عليكم؛ لأنكم قد اجتمعتم معنا أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أحلها لنفر من أصحابه في الثلاثة أيام التي روينا، ثم ادعيتم أنها حل إلى ديننا هذا فتفردتم بالزيادة بالدعوى على ما أقررتم به مما اجتمعنا نحن وأنتم على أنها حل في تلك الأيام أولى أن يدين به مما اختلفنا فيه بعد ذلك، ويقال لهم: أخبرونا عن ما اختلف فيه من الأحكام، هل يرد الاختلاف فيه إلا إلى جهات أصوله من تحليل أو تحريم؟ فإن قالوا: كذلك نقول، قيل لهم: أرأيتم لو لم يأت خبر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بإحلال المتعة فتزوج رجل امرأة متعة ألم

يكن نكاحه باطلاً؛ لأن الله سبحانه أمر بحفظ الفرج إلا عن زوجة أو ملك يمين، ثم قال: {ومن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}، يعني يعدوا الحلال إلى الحرام، فما كانت المتعة في قولنا وقولكم لو لم يأت الخبر عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم حراماً ثم اختلفنا نحن وأنتم في تحليلها لم ثبتت المتعة إلا ما اجتمعنا عليه وعدنا إلى الأصل في حكمها، ويقال لمن أجاز نكاح المتعة: أرأيت رجلاً تزوج امرأة متعة وتحته أربع نسوة، أيحل له أن يطأها، فإن قال: نعم، قيل له: قد أوجبت على نفسك تحريم المتعة بقولك له: أن يطأها؛ لأنها إن كانت زوجة فقد حرم الله نكاحها بعد الأربع، وإن لم يكن له زوجة فقد حرم الله تعالى عليه أن ينكح غير زوجة إلا ما ملكت يمينه، وهذه ليست بملك يمين فتحل له وقد حرم الله عليه أن يتعدى الزوجة أو ملك اليمين إلى غيرهما، فقال: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}، ويقال له: ما تقول في رجل تزوج أخت امرأته متعة أيحل له؟ فإن قال: لا تحل له، فقد أقر بأنها زوجة، وأبطل المتعة وأوجب لها أحكام الزوجة، وإن قال: تحل له، فقد أقر في تحليله بتحريمها؛ لأن الله تعالى لم يحل إلا زوجة أو ملك يمين، وليست بملك يمين، وقد حرم الله تزويج الأخت على أختها، فكيف يجوز لرجل أن يطأ امرأته وأختها تحته، أرأيت رجلاً تزوج أم امرأته متعة أو بنت امرأته وقد دخل بها، أو امرأة ابنه أو امرأة أبيه ثم نحتج عليه بما وصفنا في هذا الباب، ويقال له ـ أيضاً ـ: بأي الجوابين أجاب من تحليلها أو تحريمها، أنت في تحليلك إياها له محل له ما حرم الله عليه؛ لأن الله قد حرم هذا في النكاح، فإن قال: ليس المتعة بنكاح، فيجب فيها أحكامه، قيل له: فقد أحللت له ـ أيضاً ـ بجوابك هذا ما حرم الله عليه؛ لأن الله لم يحل له إلا فرج زوجه أو ملك يمين، وقد أقررت أن المتعة ليست بنكاح، فقد حرمتها في قولك، وإن أجاب بتحريمها عليه، قيل له: هل حرمتها لأنها

زوجة أو غير زوجة؟ فإن قال: لأنها زوجة فقد ترك قوله في المتعة ونفى ما يقولون فيها، فأوجب لها أحكام النكاح وشروطه من الميراث والطلاق واللعان والظهر وغير ذلك، وإن قال: حرمتها عليه؛ لأنها ليست بزوجة، قيل له: فأنت في تحليل المتعة محل ما حرم الله؛ لأن الله لم يحل إلا الزوجة أو ملك يمين، ويقال له: أرأيت رجلاً تزوج امرأة متعة أياماً معلومة(1) فمات الزوج في تلك الأيام قبل انقضاء الأجل ولم يدخل بها أيكون لها المهر الذي سماه لها أو لا مهر لها عليه؟ فإن قال: لها المهر، قيل له: قد أقررت أنها زوجة بإجابك لها المهر، فلها الميراث منه وعليها العدة، وإنما مهر المرأة من زوجها أجرها منه، وهو صداقها، وإن قال: لا مهر لها عليه، قيل له: لم لأنها ليست بزوجة؟ فإن أجاب إلى ذلك فقد أقر بتحريمها لأن الله تعالى لم يحل إلا زوجة أو ملك يمين، ويقال له: لِم أبطلت مهرها عند إصداق هو وجب بتزويج أو أجر وجب بإجارة، فإن قال: صداق وجب بتزويج فقد أقر به لها عليه وأوجب لها جميع أحكام الزوجية من الميراث والعدة وغير ذلك، وإن قال: أجر وجب بالإجارة وليس بصداق تزويج، قيل له: فقد أوجبت على نفسك تحريم المتعة إذا أقررت أنها غير تزويج والله عز وجل لم يحل إلا زوجة و ملك يمين، والأمة مجمعة أن الفروج لا تحل أجارتها إلا من جهة النكاح والتزويج، وكيف يحل فرج بغير نكاح، ولا ملك يمين، أرأيت رجلاً استأجر امرأة على أن ينظر إلى فرجها من غير جماع أياماً مسماة، أيحل له(2)؟ فإن كان هذا لا يحل، فهل يحل إذا شرط معه الجماع أشد من هذا وأحرم، أرأيت إن شرط مع النظر المباشرة، هل يحل له ذلك، فإن كان هذا لا يحل فالجماع أشد وأحرم،و يقال له: هل يحل لرجل أن يتمتع من أمة بغير أمرسيدها، فإن قال: لا يحل له، فقد جعله نكاحاً، وأوجب له أحكامه، وإن أحله له فكيف يحل لرجل أن يطأ
__________
(1) ـ في نسخة: أياماً معلومة بدراهم معلومة.
(2) ـ في نسخة: يحل له ذلك.

جارية لا يملك رقبتها، وليست له بزوجة وفرجها له حلال، وإن قال: لا يحل له أن يتمتع منها إلا بإذن سيدها، أفرأيت إن أذن له السيد، هل تحل لسيدها أن يجامعها، وهذا الرجل يتمتع منها؟ فإن قال: لا يحل، فقد جعله نكاحاً وأوقع عليها أحكام الزوجة من الطلاق والظهار وغيرهما، وإن قال: هي حل لسيدها، وهذا يتمتع منها، فكيف يحل فرج لرجلين أحدهما يملك الرقبة والآخر ليس بزوج ولا مالك، ما أعظم هذا وأشده، وهل يحل للعبد أن يتمتع من مولاته أو من غيرها بغير أمرها، وهل يحل لرجل أن يتمتع من امرأة قد طلقها ثلاثاً؟ أرأيتم رجلاً طلاق امرأته ثلاثاً للسنة، وانقضت عدتها منه فتزوجها رجل متعة أياماً معلومة ودخل بها، ثم بانت منه في قولهم عند انقضاء الوقت بلا طلاق، فهل أحلها هذا النكاح لزوجها الأول، فإن قالوا: قد أحلها له، قيل لهم: قد أقررتم أنها زوجة من قبل أنها لا تحل للأول حتى تنكح زوجاً بعده؛ لقول الله تعالى، والزوجة لا تبين من زوجها إلا بطلاق أو بحكم من أحكام الله التي سمى في القرآن، وإن قلتم: هذا النكاح لا يحلها لزوجها الأول أقررتم أنها ليست بزوجة، وأن نكاحها حرام، إذ خلت من أن تكون زوجة أو ملك يمين.
يقال لهم: أخبرونا عن وجه المتعة عندكم، كيف هو إذا اراد الرجل أن يقاطع المرأة، يقول لها: أتزوجك أو أستأجرك أو أجامعك؟
فإن قالوا: يقول أتزوجك؟ فهذا نكاح صحيح وأحكام الزوجين بينهما واجبة من الميراث وغيره.
وإن قالوا: يقول: أستأجرتك أجامعك، فهل تستأجر الفروج؟ إن كان هذا جائزاً فجائز أن يستأجر الإثنتان والثلاث والأربع في عقدة واحدة يأتيهن كلهن، فأي شيء أعظم من هذا، المتعة على هذا حرام لا تحل ولا تصلح.

ويقال لهم ـ أيضاً ـ: هل يحل للرجل أن يتمتع من أمرأة قد وطئ أمها أو بنتها بنكاح أو متعة أو ملك يمين؟ وهل على المتمتع أن يشهد في المتعة أو لا شهود عليه؟ فإن أوجبوا عليه الشهود فقد أقروا بأنها نكاح، وإن لم يوجبوا عليه الشهود في المتعة فقد أقروا بأنها ليست بنكاح وما لم يكن نكاحاً فهو زنى، والزنى حرام. ويقال لهم: ارأيتم رجلاً تزوج امرأة متعة ما عليها من العدة إذا مضى الأجل ووقعت الفرقة بينهما، إن كانت ممن تحيض او ممن لا تحيض، وهل بين عدة الأمة الحرة في ذلك فرق؟ فإن قالوا: عليها من العدة إذا انقضى أجل المتعة حيضة، قيل: فإن الله تبارك وتعالى يقول في الأزواج: {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} وهي ثلاث حيض مع ثلاثة أطهار، إن كانت ممن تحيض أو ثلاثة أشهر إن كانت آيسة أو صغيرة لم تبلغ بذلك نطق الكتاب عز الله عز وجل. فإن تكن المتزوجة متعة زوجة فأحكامها أحكام الزوجة في العدة وغيرها، وإن لم تكن زوجة فنكاحها حرا، ويقال لهم: أرأيتم رجلاً تزوج امرأة متعة أياماً معلومة، هل يجوز أن يعطيها جعلاً على أن تزيد في الأجل بعد ذلك؟ فهل يتم ذلك إن فعلا، وما حال الولد بينهما، أيثبت نسبه أم لا؟ وكيف الحكم عندكم فيه إن نفاه الزوج في الأجل أو بعد مضيه، أيلاعن المراة بنفيه للولد أو لا يلاعنها؟ وإلى أي وقت يثبت الولد منه؟ وهل يحل للرجل أن يتمتع بالجاية الصغيرة التي لم تبلغ مبلغاً يجامع مثلها بغير إذن وليها، وقد ذكر في تأويل الآية قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم، قال: الولي. وقال أبو جعفر محمد بن علي عليه السلام: الولي في كتاب الله قوله: {ولا تنكحوا المشركين}، وقوله يخاطب الأولياء: {ولا تعظلوهن أن ينكحن أزواجهن}، وقوله: {وأنكحوا الأيامى منكم}، يقولوا: زوِّجوا، ويقال لهم: أرأيتم رجلاً تزوج امرأتين متعة في عقدة واحدة بدراهم مسماة لهما جميعاً، كيف يقسم الدراهم بينهما، لكل واحدة منهما بحساب مهر مثلها إذا اجتمع

مهراهما، أو لكل واحدة مهر آخر مثلها إذا اجتمع أجراهما؟ فإن قالوا: لكل واحدة منهما بحساب مهر مثلها فقد أقروا لها بحكم الزوجة، وما يجب لها؟ وإن قالوا: لكل واحدة منهما بحساب آخر بمثلها، فقد أقروا أنه إنما استأجر كل واحدة منهما، وإجارة الفروج حرام غير جائز عند جميع الأمة، فأي الأمرين أجابوا، فقد تركوا قولهم.
القول في إيقاع الطلاق ثلاثاً في كلمة، وإيقاع الطلاق في المحيض
قد تقدم في كتاب الطلاق قول أحمد بن عيسى، وعبد الله بن موسى، والحسن بن يحيى عليهم السلام، ومحمد، في إيقاع الطلاق ثلاثاً في كلمة، وفي إيقاع الطلاق في المحيض.
وقول الحسن عليه السلام: أجمع آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم على أن من طلق امرأته ثلاثاً في كلمة فقد حرمت عليه، فلا يحل له حتى تنكح زوجاً غيره سواء كان دخل بها أو لم يدخل بها.
وقوله: وأجمعوا على أنه لا ينبغي لأحد أن يطلق إلا للسنة، وأنه إن طلقت لغير السنة إثم ولزمه الطلاق.
وقول الحسن، ومحمد: روينا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وعن علي، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وزيد بن علي، ومحمد بن عمر بن علي، وجعفر بن محمد، وعبد الله بن الحسن، ومحمد بن عبد الله عليهم السلام، وخيار آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، فيمن طلق امرأة ثلاثاً في كلمة أنه قد أخطأ السنة وعصى ربه وطلقت منه امرأته، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
وروى محمد بإسناده عن ابن عباس، وابن مسعود، وأنس، وإبراهيم، والشعبي، نحو ذلك.
وعن علي بن موسى الرضى، ومحمد بن علي بن جعفر، ويحيى بن الحسين بن زيد عليهم السلام، نحو ذلك.
ورى بإسناده، عن عبادة بن الصامت، أن رجلاً طلق امرأته ألفاً، فسأل بنوه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقال: ((إن أباكم لم يتق الله، فيجعل له من أمره مخرجاً، بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسع مائة وسبع وتسعون إثم في عنقه )).

وعن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: (جاء رجلان إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقالا: إن أبانا طلق امرأته مائة تطليقة؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن أباكما عصى ربه فلم يجعل الله له مخرجاً بانت منه بثلاث، وسبع وتسعون معصية)).
وعن زادان عن علي صلى اللّه عليه قال: سمع النبي صلوات الله عليه رجلاً طلق امرأته البتة، فغضب، وقال: ((أتتخذون آيات الله هزواً أو لعباً، من طلق البتة ألزمناه ثلاثاً، لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره)).
وعن فاطمة بنت قيس قالت: طلقني زوجي ثلاثاً، فلم يجعل لي رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم سكنى ولا نفقة.
وعن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: ((مره فليراجعها حتى تطهر وتحتسب بالتطليقة ولا تحتسب بالحيضة، فإن شاء أمسكها وإن شاء طلقها )).
وقال محمد ـ في كتاب إيقاع الطلاق في المحيض ـ: وإيقاع الطلاق ثلاثاً في كلمة اختلف أهل القبلة فيمن طلق امرأته ثلاثاً في كلمة.
فقال أصحاب الإمامة ومن قال بقولهم: لا يقع الثلاث بطلاقه، والنكاح بينهما ثابت على ما كان عليه قبل الطلاق، واحتجوا في ذلك بما تأولوا من الكتاب في مذهبهم، ونحن واصفون لحجهم مثبتون لما يلزمهم إن شاء الله.
وقال فريق من المعتزلة: إذا طلقها ثلاثاً في كلمة لزمها تطليقة واحدة ولم يقع بها الثلاث.
وقال الباقون منهم: القول الأول، ولم يوقعوا طلاقاً.
وقال الأكثر من أهل العلم والروايات وأهل النظر: إذا طلق امرأته ثلاثاً في كلمة، فقد خالف السنة وعصى ربه وبانت عنه امرأته، واحتجوا في ذلك بالكتاب المنزل والسنة العادلة لرواية الثابتة عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، وعن أهل بيته والعلماء من أصحابه والتابعين بعدهم، ونحن موضحون لذلك مبينون به وبالله التوفيق.

قال محمد: يقال لهم: أخبرونا عن قول الله تبارك وتعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن}، أليس في أمر الله بالطلاق للعدة عند إرادة الطلاق نهي عن الطلاق لغير العدة، هل طلقت؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فما تقولون فيمن طلق امرأته لغير العدة، هل طلقت منه لغير العدة كما طلقها؟ فإن قالوا: نعم. تركوا قولهم، وصاروا إلى ما قلنا، وإن قالوا: لم تطلق منه لغير العدة. قيل لهم: فإذا لم يقع بينهما طلاق لغير العدة فهي بمنزلة من لم يطلق لا فرق بينهما في المعنى، وينبغي أن يكون غير آثم في مذهبكم هذا؛ لأنه لم يقع بينه وبين امرأته طلاق لغير العدة، والأمة مجمعة أنه آثم عاص مخالف للسنة، فإن قالوا: هو مطلق بلفظه بالطلاق على غير ما أمر الله به؛ لقول الله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء}، فقد سماه الله نكاحاً، وإن لم يقع به بين الرجل وامرأته طلاق، قيل لهم: النكاح والطلاق متفرقان، والفرق بينهما أن الاسم يقع على معنيين على العقدة التي قد يجب بها الملك ولا يجب، وعلى الجماع، وكلاهما غير الملك، وإذا تزوج الرجل امرأة أبيه فقد وجب اسم النكاح بوجوب العقدة التي بينهما،وإن لم يجب بها الملك؛ لأن اسم النكاح لها لا للملك، ولو كان اسم النكاح إنما يجب للملك لا للعقدة لوجب لكل ملك يحل به المجامعة أن يسمى نكاحاً، وقد يملك الرجل الأمة بالميراث والهبة وغيرهما ملكاً يحل به الجماع ولا سيما نكاحاً؛ لأن اسم النكاح إنما يجب للعقدة، والعقدة هاهنا غير موجودة، وأما الطلاق فهو اسم للحكم الذي يجب بين الرجل وامرأته بلفظه الذي لفظ به، وليس هو اسم للفظ الرجل، ألا ترون أن الطلاق يقع بين الرجل وامرأته بالمعنى الذي وصفت لكم، وإن لم يفصح باسم الطلاق وذلك إن رجلاً لو قال لامرأته وهي في موضع السنة إعتدِّي ـ ينوي به الطلاق ـ [كان طلاقاً](1) بإجماع الأمة، ووجب اسم الطلاق، فهذا دليل بين
__________
(1) ـ ما بين المعكوفين. (ظ).

أن اسم النكاح، إنما يجب للعقدة لا للملك، واسم الطلاق إنما يجب للحكم الذي يوجهه اللفظ لا للفظ، ألا ترون أن الرجل يتزوج المرأة التي لا يحل له نكاحها فيقال قد تزوج فلان فلانة، وإن فرق الحاكم بينهما وأبطل نكاحهما، وإن طلق امرأة أجنبية ليست له في ملك لم يقل: طلق فلان فلانة، ولم يقع اسم الطلاق بينهما، وفرق آخر في النكاح والطلاق، وهو أن عقدة النكاح الحرام لو وجب بها الملك بين الرجل والمرأة لكانت العقدة حلالاً، وإنما اقترف النكاح الحلال والنكاح الحرام؛ لأن الملك يجب بالنكاح الحلال ولا يجب بالنكاح الحرام، وأما الطلاق لغير العدة فلا يجب وقوعه بين الرجل وامرأته أن يكون للعدة من قبل أن الطلاق للعدة وغير العدة، إنما افترقا بغيرهما وهو الوقت الذي يكون فيه الطلاق والحكم الذي يجب بوقوع الثلاث في كلمة واحدة، فإذا طلق لغير العدة فقد وقع الطلاق المنهي عنه، ولم يجب بوقوعه وجود ما أباح الله من طلاق العدة، وكذلك النكاح الحرام فقد وقع النكاح المنهي عنه ولم يجب بوقوعه وجود ما أباح الله من الملك، ويقال لهم: أخبرونا عن اسم الطلاق لا يخلو من أن يكون إنما وجب لأحد معنيين، إما للفظ الذي لفظ الرجل من الطلاق، وإما للحكم الذي وجب باللفظ بين الرجل وامرأته؟ فإن قالوا: لا يخلو من ذلك. قيل لهم: فأي المعنيين تقولون؟ فإن قالوا: هو اسم للحكم الذي وجب باللفظ، لم يجدوا بُدّاً من أن يقولوا فيمن طلق لغير العدة قد وقع الطلاق بينه وبين امرأته؛ لأنه مطلق بوجود الطلاق، وهو آثم عاص، أو يقولوا: لا يقع الطلاق بينهما، ولا يجب الحكم، فينفوا عنه الإثم؛ لأنه لم يطلق لما لم يقع المعنى الذي يلزمه اسم الطلاق، فإن قالوا: اسم الطلاق إنما يجب للفظ الذي يلفظ به الرجل لا للحكم الواجب، قيل لهم: فإذا لفظ الرجل بالطلاق فقد طلقت امرأته ووقع الطلاق بينهما بوجود اللفظ الذي يلزمه الاسم؛ لأنه محال أن يكون المعنى الذي يلزمه اسم الطلاق موجود

أو لا يكون الطلاق واقعاً بينهما ولا حكمه لازماً لهما. ويقال لهم: أخبرونا عن رجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً ـ في كلمة ـ، هل وقع بينه وبينها مخالفة لأمر الله في الأحكام الذي بينهما وهما في جميع أحكامهما على الحال التي كانا عليها قبل هذا القول؟ فإن قالوا: قد وقع بينهما مخالفة لأمر الله في الأحكام التي بينهما، تركوا قولهم، وصاروا إلى ما قلنا من زوال الملك وانتقال الحكم ووقوع الطلاق. وإن قالوا: هما على ما كانا عليه. قيل: هذا القول في جميع أحكامهما. قيل لهم: فإذا كان الحكم في الحالين بينهما واحد فيم أثم وعصى ربه، فإن قالوا: باللفظ الذي لفظ به، قيل لهم: وكيف بإثم يلفظ لم يقع به معنى مخالفة لأمر الله تعالى في حكمه، إنما هذا في قضاكم بمنزلة من طلق أجنبية لا ملك له عليها، فهل تقولون في هذا أنه آثم عاص. فإن قالوا: لا نقول ذلك؛ لأنه لم يقع بينه وبينها مخالفة لأمر الله في المعنى. قيل لهم: فما الفرق بين هذا وبين الذي طلق امرأته ثلاثاً في كلمة لم يجب بقوله: مخالفة لأمر الله في المعنى ما ينبغي أن يكون بينهما في مذهبكم فرق، ويقال لهم: أرأيتم قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع}، ما تقولون فيمن باع في ذلك الوقت، هل يجوز بيعه، وهو آثم، أو لا يجوز بيعه؟ فإن قالوا: بيعه جائز وقد أثم، قيل لهم: فكذلك الطلاق لغير العدة واقع وقد أثم، فإن قالوا: لا يجوز بيعه في ذلك الوقت، تركوا قول أهل العلم المعروف بينهم. وإن قيل لهم: أرأيتم رجلاً اشترى جارية في تلك الساعة فأعتقها أو دبرها أو كاتبها، هل يجوز بشيء من ذلك؟ أرأيتم إن اشترى أباه أو ابنه أو ذا رحم محرم منه، هل يعتق أو يكون رقيقاً على حاله؟ أرأيتم إن اشترى جارية فبوأها بيتاً ووطئها، هل يقوم عليه الحد ويبطل ذلك كله؟ وهذا القول خلاف قول أهل القبلة بأجمعهم، ألا ترون أن رسول الله صلى اللّه

عليه وآله وسلم نهى عن صوم يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق، فمن صامهن كان صائماً، وقد أساء وخالف السنة، وإنما نهى رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم؛ لأنه صوم كما نهى عن الطلاق لغير العدة؛ لأنه طلاق، ولو لم يكن طلاقاً لازماً لم ينه عنه.
ويقال لهم: أرأيتم قول الله عز وجل: {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها}، ما تقولون في رجل باع بيعاً مؤجلاً ليس بحاضر وترك أن يكتبه، هل يجوز بيعه أو لا يجوز؟ فإن قالوا: لا يجوز بيعه، خرجوا من قول الأمة، ولم يكن لقولهم معنى، وإن قالوا: بيعهم جائز، قيل لهم: فبم أجزتموه وقد ترك الكتاب الذي أمره الله به، وإنما أخبر الله سبحانه أنه لا جناح عليهم في ترك الكتاب إذا كانت التجارة حاضرة بينهم. ويقال لهم: فكذلك فقولوا في الطلاق لغير العدة، وهو واقع لازم، وإن كان المطلق مخالفاً لأمر الله في الوقت؛ إذ جمع الثلاث في كلمة، وهذا واجب عليهم فيما وصفنا.
ويقال لهم: ألا ترون إلى قول الله: {وأشهدوا إذا تبايعتم}، فمن باع ولم يشهد، إما يجوز، بيعه جائز في قول الأمة جميعاً، وقد أساء في ترك الأشهاد، فكذلك الطلاق لغير العدة هو واقع لازم، وقد أساء المطلق في ترك السنة وما بين الله سبحانه له من ذلك.
ويقال لهم: {وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}، أخبِرونا إذا كان الطلاق على غير ما أمر الله به غير مانع من جماع أو رجعة، فما معنى قوله عندما أمر به: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}، وهو أن يتبعها نفسه أو تحدث له فيها رغبة فيمكنه الرجعة، فإذا كان الطلاق الذي نهى الله عنه غير مانع من أحكام الطلاق الذي أمر به في الرجعة أو بيان النكاح فلا معنى لقوله في آخر الآية: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}.

ويقال لهم: المطلق لغير العدة في قولكم: أحسن حالاً في الأحكام التي بينه وبين امرأته، من الذي يطلق للعدة؟ فإن قالوا: وكيف ذلك؟ قيل لهم: من قبل أنكم تقولون إذا طقها للعدة كما أمر الله فحاضت ثلاث حيض منذ طلقها إن كانت ممن تحيض أو مكثت ثلاثة أشهر إن كانت صغير أو آيسة، فقد بانت منه وحلت للأزواج، وإن طلقها لغير العدة لم يقع الطلاق في قولكم، ولم يبنها منه ما أتى عليها من شهور أو حيض، فأوجدونا على مذهبكم معنى قوله: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}، عندما أمرته ونهى عنه.
ويقال لهم: أرأيتم رجلاً قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً ـ في كلمة واحدة ـ، أليس إنما أبطل الطلاق عندكم لخلافه أمر الله في ذلك؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: فقد قال الله عز وجل: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر}، وقال: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا}. فما تقولون في رجل ارتد عن الإسلام امرأته(1) مسلمة، أينتقض النكاح بينهما، أم هما على نكاحهما؟ فإن قالوا: النكاح ينتقض، رجعوا عن قولهم؛ لأنه قد نهى عن الكفر وبالكفر المنهي عنه انقطعت العصمة وزال الملك وبطلت العقدة، وإن قالوا: لم ينتقض النكاح زعموا أن مسلمة في عصمة مرتد، وهذا خلاف أهل الصلاة، قال الله تعالى: {لا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن}، وقال: {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثلما أنفقوا}، بدلاً من البضع؛ لعلة الموادعة التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم.
__________
(1) ـ في نسخة وامرأته.

ويقال لهم: أخبرونا عن قول الله سبحانه: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزواً}، أليس إنما نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته تطليقة ثم يدعها حتى إذا طعنت في الحيضة الثالثة راجعها، فإذا طهرت طلقها ليحبسها بذلك عن الأزواج؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: أوليس قد جعل الله الضرار رجعة، وقد نهى وذم من فعلها؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فكذلك الطلاق لغير العدة تقع به بين الرجل وامرأته الفرقة، ويجب حكمه، وإن كان الله قد نهى عنه وذم عليه من فعله.
فإن قال قائل منهم: إنما معنى قوله: {فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف} في الرجل يكون عنده المرأة ليس له فيها رغبة ولا به إليها حاجة، فنهاه الله أن يمسكها على هذه الحال؛ لأنه يضر بها في إمساكه إياها على ما وصفنا، قيل له: هذه الآية على خلاف ما وصفت، وذلك أن الله سبحانه يقول: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا}، فذكر الإمساك والتسريح(1) حد الطلاق، والإمساك بعد الطلاق، إنما هو الرجعة لا غير.
ويقال لهم: قال الله عز وجل في الظهار: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً}، فأخبر الله أن القول المنكر والزور يجب به خلاله تحريم وتنقطع العصمة. ويقال لهم: أخبرونا عن الرجل إذا قذف امرأته لا يخلو من أن يكون صادقاً أو كاذباً، فلو بان لنا صدقه رجمنا امرأته، ولو بان لنا كذبه جلدناه، فلما غاب عنا المعنى، حكم الله فيه باللعان وأوجب الفرقة، وإن كان صادقاً فجحدها الحق وشهادتها بالباطل وجبت الفرقة، وفي هذا دليل أن الفعل الحرام المنهي عنه حكم الله فيه نصاً أن الفرقة تجب به، والدليل في هذا المعنى أكثر من أن يحصى.
__________
(1) ـ في نسخة: أو التسريح.

ويقال لهم: ما تقولون في رجل طلق امرأته وهي حائض، هل يقع الطلاق بها؟ فإن قالوا: لا، كيف يقع الطلاق عليها وهي حائض وهو عاص! قيل لهم: أرأيتم رجلاً قذف امرأته، فلاعن القاضي بينهما وهي حائض، أيفرق بينهما وهي على هذه الحال وينفسخ نكاحهما، أو يدعهما معه إلى أن تطهر؟ وهل يستقيم له ذلك؟ أرأيتم رجلاً لم يصل إلى امرأته فأجَّله القاضي حولاً فانقضى الحول وهي حائض فاختارت الفرقة، هل يمضي لها القاضي ما اختارت من الفرقة وينفسخ النكاح؟ فإن قالوا: نعم، تركوا قولهم، وإن قالوا: لا، يمضي ذلك لها. قيل لهم: فلا معنى للأجل الذي أجلها؛ لأن مضيه لم يوجب لها في هذه الحال غير ما كان لها.
ويقال لهم: أرأيتم مجوسياً أو مرتداً أسلمت امرأته وهي حائض وعرض القاضي على الزوج الإسلام فأبى أن يسلم، هل يفرق القاضي بينهما وهي حائض أو يدعها على حالها فتكون مسلمة في عصمة مرتد، وذلك حرام من الله ورسوله؟ أرأيتم إن كان الزوج هو الذي أسلم وأبت المرأة أن تسلم وهي حائض، أيفرق بينهما أو يدعهما؟ أرأيتم أمة أعتقت وزوجها عبد، فخيرها الإمام، فاختارت نفسها وهي حائض، هل يفرق الإمام بينهما على هذا الحال، أو يدعها معه حتى تطهر؟ أرأيتم نصرانياً طلق امرأته وهي حائض، هل يقع الطلاق عليها أو لا يقع وحكمها عندكم حكم المسلمة؟ أرايتم رجلاً قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت وهي حائض، وقد كان حلف باليمين وهي طاهر، أتطلق أم لا؟ فإن قالوا: تطلق، تركوا قولهم، وإن قالوا: لا تطلق فقد بطلت اليمين؛ لأنها إن لم تطلق بالدخول الذي يلي اليمين لم تطلق لما بعده.

ويقال لهم: أرأيتم رجلاً قال لامرأته، وهي حائض: إذا طهرت من حيضتك فأنت طالق، تطليقة للسنة، فطهرت من حيضها، هل يقع الطلاق بها؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: وكيف يقع الطلاق بها وإنما وقع الطلاق وابتداؤه في حال لا يقع طلاقه عليها ولا تنعقد، إنما ينبغي أن يكون هذا ـ في قولكم ـ بمنزلة رجل طلق امرأة لا يملكها إلى وقت فلا يقع عليها الطلاق إذا أملكها في مذهبكم. وإن قالوا: في مسألتنا هذه لا يقع الطلاق إذا طهرت، قيل لهم: وبم أبطلتم الطلاق وإنما أوقعه عليها في الحال التي أمره الله بها، وإن كان إنما تكلم به في حال غيرها، ألا ترون أنه لم يوقع بكلامه في الحال الأولى على امرأته طلاقاً يلزمها في تلك الحال، إنما تكلم بطلاق يقع ويجب في الحال التي أمر الله بها.
الكلام في الفرقة المحقة من هذه الأمَّة
قال الحسن بن يحيى: سألت عن قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسائرها في النار ))، وما مذهب هذه الفرقة الناجية، فإن الفرقة الناجية هذه الفرقة التي اتبعت كتاب ربها وسنة نبيها وتمسكت بعلي بن أبي طالب وبأهل بيت نبيها المتمسكين بكتاب ربهم العاملين به والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، الذين افترض الله على أهل الإسلام مودتهم ولا يقبل الإسلام إلا بمودتهم، وافترض على أهل الإسلام أن يبذلوا أنفسهم ودماءهم ويقاتلوا على الأفياء والأخماس، وأن يؤدوا إليهم حقهم الذي فرض الله لهم الذي لا يتم الإيمان إلا بأدائه إليهم.

فخبر الفرقة المسلمة التي تود أهل بيت نبيها وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتبذل أموالها وأنفسها دونهم وتنتظر أمرهم، فإذا قام منهم قائم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر نصروه وبذلوا أموالهم وأنفسهم وأعانوه على ما استعانهم عليه من إقامة كتاب الله وسنة نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وهم الذين شهد الله لهم في الكتاب فقال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}، مع آي كثيرة في كتاب الله شهد الله لهم فيهن أنه {فضل المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً}، فعليك ـ رحمك الله ـ بهذه الفرقة فإنها الناجية والمتمسكة بكتاب ربها وسنة نبيها. وأما سائر الفرق التي خالفت هذه الفرقة من الأصناف المنتحلة للتشيع والإرجاء، نسأل الله العصمة والتوفيق.
قال محمد: بلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية )).
وبلغنا أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم سئل عن الفرقة الناجية، فقال: ((من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي )).
وقد بلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ))، فعلي بن أبي طالب كان متمسكاً بالكتاب.
وقد سئل علي بن أبي طالب صلى الله عليه عن الفرقة الناجية، فقال: (أنا ومن تبعني وسائر الناس منها برءاء).

قال الحسن بن يحيى: وسألت من أين نجم الاختلاف ـ يعني من أين بدأ ـ؟ فإن أول ما نجم من الاختلاف أن قعد في مجلس رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم من لا يستحق مجلسه ولا يعرف الحكم الذي أنزل الله في كتابه ودفع عن مجلس الحكم من أمر الله ورسوله بطاعته واتباعه، ومن ذلك أن الجاهل بحكم الله ورسولِه المتقلد لما لم يأذن الله له من مقعد رسول الله حمله الجهل وحب الرياسة على أن أباح الديانة بالرأي والحكم بخلاف ما أنزل الله، فاتخذ الناس الرأي ديناً، وتركوا الأخذ بكتاب ربهم واتباع سنة نبيهم وأهل بيت نبيهم الذين قال لهم رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ألا وإنهما الخليفتان من بعدي ))، فلما لم يتمسكوا بهم اختلفوا وضلوا ضلالاً بعيداً.

قال الحسن: وإنما ادعى المخالفون لآل محمد أن التأويل مطلق؛ ليجيزوا لمن تقدم على علي ولمن نصب له حرباً من أهل الجمل وصفين والحرورية أن لهم أن يتأولوا على علي أمير المؤمنين صلى الله عليه، وأن دمه لهم حلال بالتأويل، وهذا هو الأصل الذي جحدوا به علياً عليه السلام حقه وأجازوا لأنفسهم إزالته عن مقام رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، وإنما(1) عاند أهل الخلاف والمحرومون علياً وأهل بيته من بعده؛ لأنهم زعموا أن الله أطلق لهم أن يتأولوا القرآن برأيهم على أهوائهم وتأولوا الأحاديث التي رويت عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وأنهم إن أخطوا كان لهم أجر، وإن أصابوا كان لهم أجران، وكذلك لقد أنزل الله كتابه على نبيه وعلمه تأويله، فمن تأول القرآن بغير التأويل الذي علمه جبريل محمداً صلى اللّه عليه وآله وسلم فقد ضل ضلالاً بعيداً، قال الله عز وجل: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من زرق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون}، وقال(2): {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} ثم حرم ذلك ـ أيضاً ـ فقال تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}، ثم نهى نبيه عليه السلام عن المتكلفين وقال: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أؤلئك كان عنه مسئولاً}، وقال: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه قليلاً ما تذكرون}.
الكلام في اتِّاع السنة في الجهاد
__________
(1) ـ في نسخة: قال وإنما.
(2) ـ في نسخة: وقال تعالى.

قال الحسن عليه السلام: إن الله سبحانه فرض على العباد طاعته وطاعة رسوله، وأمر باتباع سنة رسول الله فقال: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، وقال تعالى: {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}، وعلم نبيه الفرائض والسنن، وأكمل له الدين ولم يبغ لأحد في دين الله رأياً ولا اختياراً ولم يطلق لأهل الإسلام أن يستخرجوا دين الله من تلقاء أنفسهم، فقال لنبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون الخيرة من أمرهم}، وقال: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة}، ثم علم نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم كيف يقاتل، وأخبره بالعدة التي يجوز بها القتال، فقال: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا} ثم علم ضعفهم عن ذلك فقال: {إن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين} ثم قال: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}، فلم يضيق على من حضرته النية في الدين الدفع عن دينه ونفسه أو ماله وحريمه أن يقاتل في فئة لا حد لها، ثم أخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، إن من أكبر الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر، فإن قيل: المتكلم بها كان شهيداً وكمال الطاعة في جهاد العدو أن يقاتلوا في الفئة والعدة، وقال الله عز وجل: {وأعدوا لهم ما استطعم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوّكم}، وأمره باتختاذ العدة والكراع، وقال سلمان الفارسي: لو أعلم أني أعز ديناً أو أدفع ضيماً لوضت سيفي على عاتقي ثم ضربت به قُدْماً قدماً وأقام نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلم في دار المشركين ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى الإسلام، ثم صار إلى دار تُؤية وتمنعه، وقد أخذ عليهم البيعة، وفي المدينة يومئذ اثني عشر ألف مقاتل من الأوس والخزرج ومن يتبع النبي صلى اللّه

عليه وآله وسلم من المهاجرين وقبائل العرب، فخرج إلى بدر وهو يريد عيراً لقريش جاءت من الشام ولم يكن معه جميع من تابعه بالمدينة، فإنما كان في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار وغيرهم، وجاءت قريش في ألف فارس وراجل، فالتقى هو وعدوه على غير موعد كان بينهم، فأيده الله بالملائكة المسومين ونصره على عدوه، ثم لم يزل يقاتل عدوه في حروبه بالعدة والرجل والسلاح والكراع، ثم كان من بعده علي بن أبي طالب وهو أشجع الناس وأعلمهم وأولاهم برسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بمقامه وأولاهم بالناس، فلما اجتمع القوم على أن يولوا الأمر غيره لزم بيته وأغضى وانقاد مع الناس، فمكث نحواً من أربع وعشرين سنة رغبة حتى قتل عثمان، فأجمع جميع من بالمدينة أن يبايعوه، فأتى ذلك عليهم غضباً منه عليهم، فلما أبو عليه تقلد أمرهم ثم خالفه من خالفه منهم بعد البيعة ونكثوا عقده ونبذوا عهده، فسار إليهم بالفئة التي أطاعته حتى أظهره الله عليهم، ثم توجه إلى معاوية ـ لعنه الله ـ فقاتله ثم خالفته الخوارج فقاتلهم، فلم يزل على تلك الحال يقاتل من عصاه بمن أطاعه حتى مضى لسبيله ـ عليه السلام ـ شهيداً، ثم قام الحسن عليه السلام بالأمر ومعه الفئة التى كانت مع أبيه فلما فسدت عليه طاعة الأكثر من جنده وطعنوه وانتهبوا ثقله وهموا أن يدفعوه إلى معاوية ـ لعنه الله ـ أسيراً أعرض عليه السلام معاية المسالمة والموادعة، فأجاب إلى ذلك وكان ذلك الحق والصواب، ثم خرج الحسين عليه السلام هارباً إلى مكة كراهيّة أن يبايع ليزيد ـ لعنه الله ـ فأتاه حامل كتاب من رؤساء أهل الكوفة يعلمونه أنهم قد اجتمعوا على طاعته ويعلمونه أنه يقدم على بلد ليس له فيها مخالف، فبعث مسلم بن عقيل رائداً له فبايعه أربعة آلاف، فلما بلغ ذلك ابن زياد عاجله، فخرج ومعه أربة آلاف، فلم يمس ومعه منهم أحد، ثم قدم الحسين بن علي ـ عليه السلام ـ في نحو سبعين رجلاً، فحيل بينه

وبين الكوفة وأحاطوا به حتى قتلوه، ثم قام زيد بن علي عليه السلام فأحصى ديوانه خمسة عشر ألفاً، وقيل: ثلاثين ألفاً، فأعجله يوسف بن عمر قبل أن يجتمع إليه أصحابه وعدته، فخرج فوفى له ممن بايعه نحو أربع مائة رجل، فقاتل بالفئة التي أطاعته من عصاه حتى قتل شهيداً صلى اللّه عليه، ثم مضى يحيى بن زيد ومعه ثمانون رجلاً من أصحاب أبيه، فقاتل فئة فيها نحو عشرة آلاف، فنصره الله، وقتل رئيس القوم، ثم احتالوا له بالمآساة، فمكروه عليه فقتلوه وقتلوا أصحابه، رحمة الله عليهم. ثم خرج محمد بن عبد الله عليه السلام وقد بايعه جميع من بالمدينة من المتدينين من قريش والعرب وغيرهم، فقاتل بغيه وتَبعةٍ حتى استشهد رحمة الله عليه. ثم خرج إبراهيم بن عبد الله بالبصرة في نحوٍ من ثلاثين ألفاً، فقاتل حتى استشهد رحمة الله عليه. ثم خرج الحسين بن علي بفخ، ومعه ـ عليه السلام ـ فئة وجماعة قد بايعته، فقاتل حتى استشهد رحمة الله عليه. ثم خرج محمد بن إبراهيم ـ عليه السلام ـ بالكوفة في فئة وعدة، ثم أكره محمد بن زيد بن علي عليه السلام على هذا الأمر، فأيّده الله على حداثة سنه. ثم خرج محمد بن جعفر بن محمد بالمدينة فقاتل هارون بن المسيب حتى قتل عامة أصحابه وأسروا، فاستأمن ووسعه ذلك إذ لم يكن معه فئة ينتصر بها من عدوه. ثم خرج محمد بن القاسم ـ عليه السلام ـ بالطالقان، ثم قدم عبد الله بن موسى ـ عليه السلام ـ إلى الكوفة ومعه فئة قليلة لا ينتصر بهم من عدوه، فقيل له: لو خرجت لم يتخلف عليك أحد، فظهر ومعه ابناه، ثم قدامه ومعه نفر من أوليائه، لو قاتل بهم لرجوت أن يموتوا دونه، فلما لم يستجب له فئة ينتصر بها رجع إلى المنزل الذي كان فيه واختفى، فهؤلاء أهل بيتي ومخرج من خرج منهم وقعود من قعد، فالخارج مصيب، والقاعد مصيب؛ إذ لم تمكنه الفئة والعدة.
وسئل الحسن عن خروج زيد بن علي عليه السلام وقعود جعفر عليه السلام.

فقال: خوج زيد صلى اللّه عليه وقعود جعفر عليه السلام طاعة، وليس للناس أن يحكموا عليهما.
وقد بلغنا عن عبد الله بن الحسن عليه السلام أنه قال: لولا أن لا يبقى للإسلام ثاغية ولا راغية لخرجنا جميع آل محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم بأجمعنا، فأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر ودعونا إلى كتاب الله ربنا وسنة نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلم حتى يحكم الله بيننا وبين عدونا، ولكن يخرج الخارج منا فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حجة على أهل زماننا، ويقعد القاعد بقية لعد.
وقال علي صلى الله عليه: (عليكم بأهل بيت نبيكم صلى اللّه عليه وآله وسلم فإن تبدوا فابدوا، وإن استنصروكم فانصروهم، لا تصرعكم البلية).

تم الكتاب ولست أحصي شكر من
وأمدني بلطائف من فضله

أولاني التمكين والإمهالي
وأعانني سبحانه وتعالى

والحمد لله على ذلك، وهو بعناية سيدي العلامة فخر الدين وبقية علماء الآل الأكرمين عبد الله بن الإمام أمير المؤمنين الهادي إلى الحق الحسن بن يحيى القاسمي حفظه الله آمين، وكان الفرغ قبل الظهر يوم الثلاثاء شهر القعدة والحرام سنة 1353هـ بقلم الحقير إلى مولاه محمد بن حسين شريف غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين.

تم كتاب الجامع الكافي والحمد لله رب العالمين.