الكتاب : مآثر الأبرار
المؤلف : محمد بن علي بن يونس الزحيف الصعدي، بدر الدين، المعروف بابن فند

تصدير
بسم الله الرحمن الرحيم
قد لا نذهب بعيداً إذا زعمنا أن من أبرز ما واجهته النظرية السياسية الإسلامية الحديثة فقدانها لأصول تاريخية، سواءً على مستوى التشريع أو على مستوى التطبيق.
فتشريعياً لا يمكن الاستناد على الرؤية السُّنية التي سادت قروناً من الزمان، وذلك لهيمنة عنصر شرعنة الأمر الواقع مهما فسد على تلك الرؤية، ويكفي دلالة على هذه الشرعنة الحديث المنسوب للنبي صلوات الله عليه وعلى آله -وهو منه براء- والذي فيه يأمر الرسول بطاعة الحاكم ولو كان قلبه قلب شيطان، ولا يستن بالسنة ولا يهتدي بالهدى، ويضرب ظهور رعاياه، ويأخذ أموالهم !! وكذلك لا يمكن الاستناد إلى النظرية الشيعية الإمامية، وذلك لأنها وأَدَتْ نفسها بنفسها حين اشترطت إمامة المعصوم في الوقت الذي قالت بغيبته.
وكما لا يمكن الاستناد اليوم إلى تلك الرؤى لما فيها، فإنها -ولذلك الأمر نفسه- لم تستطع في الماضي أن تفرز تجارب سياسية مستندة عليها، ومستوحاة منها، فالنظرية السنية مع كل ما فيها من مُثل إلا أنها أعاقت أي إمكانية لتنزيلها على الواقع؛ لما شرعت للأمر الواقع، واعتبرته على أي صفة كانت -تقريباً- ممثلاً لإرادة الله تعالى ومحرماً تغييره من أصله؛ وبذلك كان دورها التأريخي الأبرز إضفاء الشرعية على من تربع سدة الحكم على أي صفة كان، وأما النظرية الاثني عشرية فقد عملت عكس ذلك؛ حيث سلبت الشرعية عن كل نظام قائم صلح أو فسد، عدل أو جار، فكل ما سوى إمامة الإمام المعصوم لا يجوز، ولكنها إذ سلبت الأنظمة كل مشروعية لم تتقدم هي برؤية بديلة.

فلم يكن بالإمكان في الماضي -في غالبية الأقطار المسلمة- وجود تجربة متوافقة مع المثال المنشود، وكيف ذلك.. وهناك نظرية تجيز الأمر الواقع، وتأمر بالانصياع له، وأخرى ترى في كل ما هو قائم جوراً وضلالة واغتصاباً لحق الإمام الغائب، حتى وإن حُكم بالعدل، وأقيم القسط!! فكيف والحال هكذا أن يخلق الحافز الكافي لصنع واقع متوافق مع الحالة المثلى التي ينشدها الجميع.
ولذلك نجد أن الإسلام -في أغلبيته السكانية- عاش أكثر زمنه خارج الدولة؛ أي خارج الحياة العامة، واقتصر دوره على التقنين لها، حيث لم يكن مقنن سواه.
ولذلك أيضاً نجد أن علمنة الأنظمة لم تكن عملية ذات جهد كبير؛ حيث أنها كانت قد تعلمنت عملياً منذ زمن بعيد، وما بقي إلا أن تعلمن نظرياً وتشريعياً، وفي كل الأحوال فإنه في ظل هذا الغياب التشريعي والتأريخي نجد أن الحاجة إلى إبراز النظرية والتجربة السياسية الإسلامية للزيدية أمر يتجاوز مجرد التأريخ إلى إيجاد الامتداد التأريخي العميق لأي توجه يسعى إلى عودة الإسلام إلى الحياة العامة للأمة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إلى إبراز أصالة النظرية السياسية المنشودة، وانتمائها إلى الفكر الإسلامي قبل الاصطدام بالحضارات الأخرى التي فرضت علينا فرضاً إعادة النظر في كل شيء، هذا كله على اعتبار أن الاستلهام والاستفادة الفردية أمر مسلم به، ومفروغ من ضرورته.
هذه الحاجة الملحة تجد ما يسوغها في أكثر من أمر، لعل أبرزها:

أولاً: إن التجربة الزيدية بخلاف غيرها كانت في جميع مراحلها منبثقة عن نظرية سياسية إسلامية تسعى لأن تجد لنفسها تجسيداً على واقع الأمة، وكانت على الدوام مع كل ما رافقها من نقص في الأداء، باختلاف مستويات ذلك النقص في سعي متواصل لتحقيق ذاتها وفق تلك النظرية، وبالتالي فإن دراسة تأريخها إنما هو دراسة لتجربة الإسلام السياسي بمختلف ظروفه وأوضاعه، عبر الأربعة عشر قرناً الماضية، أو على الأقل عبر ثلاثة عشر قرناً ولّت، إنها دراسة لفكرة تحركت في الواقع وتفاعلت معه، وليس مجرد دراسة لتأريخ أنظمة حُكم تعاقبت عبر مراحل تأريخية مختلفة.
ونحن اليوم إذ نحاول أن نبلور لنظرية إسلامية سياسية أحوج ما نكون إلى تجارب تأريخية سابقة، خصوصاً تلك التي كان أصحابها وروادها من أهل العلم والديانة بمكان.
ثانياً: إن العناصر الجوهرية للفكر السياسي الإسلامي وفق صياغة الزيدية له ضرورية لتأسيس أي نظام سياسي معاصر من جهة، ومن جهة أخرى مؤسسة على قواعد قرآنية مما يمنحها شرعية كاملة لابد منها في تعزيز الالتزام بها، وأصالة حضارية وتأريخية حيث أنها تنتمي إلى الإسلام الحضاري، وليست مستوردة من حضارات أخرى.
هذه العناصر الجوهرية يمكن اعتبارها ضمن ما يلي:

الأول منها وهو الأهم: أن الله تعالى خلق البشر متساوين في الحقوق الاجتماعية والسياسية، وبالتالي فلا يحق لأحدٍ مهما كان أن يقيد حرية أي مخلوق آخر إلا برضاه، أو بإذن من الله، كما لا يحق لأحدٍ أن يتقدم أو يتصدر غيره من الناس إلا برضاهم، أو بإذن من الله تعالى، وإن الله تعالى إذ يأذن فلا يأذن إلا بما يقره العقل ويؤيده؛ لأن الله تعالى لا يأذن بما يخالف العقل أبداً.
الثاني: أن إقامة نظام سياسي عادل يرعى حقوق الناس، ويؤمنهم من الظلم والخوف والفقر والجهل، هو من أصول الدين، بل إن أصول الدين إنما تنقسم إلى قسمين:
أحدهما: يدور حول معرفة الله والإنسان، وعلاقة الله تعالى به، وموقعه من الله، وسبب وجوده ودوره في الحياة ومآله.
والآخر منهما: يدور حول وجوب إقامة الدولة العادلة القائمة بالقسط، فأصول الدين إنما هي القضايا التي يرتكز عليها الدين وجوداً وحركة في الحياة، والأمران السابقان هما ما لا يمكن للدين بغيره أن تقوم له قائمة، ونقص كل ما سواها يثلم الدين، ولكنه لا يهدم أساسه الفكري، أو وجوده العملي في الحياة، وهذه الرؤية لأصول الدين تنطلق من تصورين واضحين ومحددين له -أي للدين- التصور الأول باعتباره فكرة عن الحياة لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل ظرف تأريخي مناسب، هذا الظرف التأريخي إنما هو مجتمع محكوم بالقسط، وهو أمر لا يتحقق إلا من خلال نظام سياسي عادل.

وأما التصور الثاني فباعتبار أن الدين أساساً ما هو إلا لرعاية مصالح الإنسان؛ فالله تعالى غني عن العالمين، وأهم ما يحقق للناس مصالحهم في الدنيا هي الدولة العادلة، وبالتالي فإن ذهاب الدولة يعني فقدان المسوغ الأساسي للفكرة الدينية.
الثالث: وهو يتفرع بشكل طبيعي عن الثاني، وهو وجوب المشاركة السياسية الفاعلة من جميع أفراد الأمة في تأسيس ذلك النظام، وفي رعايته وحمايته. وهذا يفرض على المجتمع المسلم التواجد الإيجابي والفاعل في الساحة السياسية، مع اختلاف شكل التواجد وآليته باختلاف الظروف الموضوعية، كما يفرض على المجتمع السعي الدؤوب وصولاً لنحو ذلك النظام، حتى لو لزم الأمر التدخل القسري، وبالتالي يخلق لنا مجتمعاً مشاركاً ومراقباً للوضع السياسي في البلاد، إضافة إلى أنه يخلق شعوراً لدى القائمين بالأمر بالمراقبة المستمرة لهم ولأعمالهم.

الرابع : اعتبار أن الدولة تعبر عن مصالح المجتمع بجميع أطيافه واتجاهاته المختلفة وأنه لا يجوز لها أن تكون أبداً طرفاً من أطراف الصراع الاجتماعي بأشكاله المختلفة، وإنما هي مظلة يستظل بها جميع أفراد المجتمع مهما تناقضت هوياتهم، وقد عبر عن شيء من هذا المبدأ الإمام محمد بن عبد الله النفس الزكية(ع) (ت145ه‍) حين قال:(يجب على من قام بهذا لأمر الدعاء لجميع الديانين، وقطع الألقاب التي يدعى بها فرق المصلين، وغلق الأبواب التي في فتح مثلها يكون عليهم التلف، والامساك عما شتت الكلمة، وفرق الجماعة، وأغرى بين الناس فيما اختلفوا فيه وصاروا به أحزاباً، والدعاء لطبقات الناس من حيث يعقلون إلى السبيل الذي لا ينكرون وبه يؤلفون، فيتولى بعضهم بعضاً، ويدينون بذلك، فإن اجتماعهم عليه إثبات للحق وإزالة للباطل).
هذه الأفكار الأربعة تمثل روح النظرية السياسية الاسلامية كما صاغها الزيدية، وهي الأساس في مجمل تجربتها على الواقع، وكل ما سواها من عناصر النظرية السياسية لدى الزيدية فرع عليها، وأغلبها -إن لم يكن جميها- إنما يتناول آلية الوصول إلى الحكم، كما يتناول آلية انتقال الحكم وطريقة حل النزاعات المحتملة حين انتقال الحكم، وهي قضايا على أهميتها لا تعدو أن تكون إجرائية ونسبية بخلاف تلك الأمور التي تحدد دوافع الحركة وأهدافها وشكلها العام، وهذه الأفكار -كما هو واضح- أساس أي مشروع سياسي معاصر يهدف إلى استمرار مسيرة الإسلام في الحياة العامة.

فمما سبق يظهر لنا أن دراسة النظرية والتأريخ السياسيين للزيدية أمر في غاية الأهمية والحيوية للمسلمين اليوم على اختلاف توجهاتهم ومذاهبهم، وهنا لابد لنا من التأكيد والتشديد على أهمية تحديد العناصر الجوهرية للنظرية، والتي تعتبر ثوابت النظرية وغايتها والمحددة لهويتها، وهي التي كانت روح التجربة عبر قرون من العمل والجهاد، ثم تمييزها عن العناصر العرضية التي لها صفة شكلية وآلية في الغالب، وذلك لأن العمل لإعادة التجربة أو استمرارها إنما يكون بإعادة ما هو جوهري منها، وأما ما هو عرضي أو شكلي فأمر يعود إلى الظروف الموضوعية، ثم إن التجربة التأريخية التي نريد أن نستفيد منها إنما هي تجربة تحريك تلك الأفكار الجوهرية في الواقع، وأما تحريك القضايا العرضية، أو الآلية، فأمر ثانوي، إلا إذا كان لتلك القضايا واقع ممكن في ظرفنا المعاصر.
أيضاً فإن تقييم النظرية إنما يكون بتقييم ما هو جوهري فيها أولاً، ثم يأتي بعد ذلك النظر إلى ما هو عرضي، وكذلك فإن تقييم التجربة السياسية للزيدية من حيث نجاحها أو فشلها، إنما يكون بقدر نجاح أو فشل إنزالها لما هو جوهري من النظرية على أرض الواقع، فإن تطبيق ما هو جوهري مع إغفال ما هو عرضي نجاح تام في حين أن تطبيق ما هو عرضي مع إغفال ما هو جوهري فشل ذريع مهما كانت الأسباب.هنا أو هناك.

على ضوء ما سبق نأتي إلى موضوع هذا الكتاب.. فالكتاب يؤرخ -باختصار- للتجربة الساسية للزيدية عبر تسعة قرون -تقريباً- ويقدم لنا بذلك رؤية إجمالية لما كانت عليه تلك الحركة ولنجاحاتها وإخفاقاتها ولأيام صعودها وانخفاضها يضعنا في أول طريق الاستفادة من هذه التجربة الغنية.
وسنجد أنفسنا ونحن نستعرض حركة الفكرة أننا أمام تجربة بشرية لنظرية سامية، والبشر مهما اكتملوا إلا أن فيهم ما فيهم من أسباب النقص والعجز، كما أن للظروف الموضوعية محدداتها الخاصة بها، وبالتالي فلا يمكن خلو تطبيق النظرية مهما اكتملت هي بذاتها من نقص، ولذلك علينا أن لا نستغرب عندما نجد حالات الفشل في التطبيق، وعلينا أن لا نحمل النظرية وزرها، وإنما علينا أن نميز بين النظرية وبين التطبيق من جهة، ثم علينا أن نميز بين التقصير الناشئ عن قصور في القيادات وبين ذلك الناشئ عن الظروف التأريخية التي رافقت التطبيق. هذا التمييز يعيننا على استخلاص الدروس ومعرفة مكامن وأسباب الأخطاء السابقة، ولكن مع ما سنجده من الأخطاء فإننا -أيضاً- سنلحظ أن المسار العام للحركة السياسة للزيدية قد أنتج لنا مجموعة كبيرة من نماذج متميزة من الحكام، جمعوا بين العلم والعمل، والتقوى والعدل، وخشية الله والحكمة في الأمر والنهي، وسنجد أن السمة العامة لحركة الفكرة تدل على أنها ممكنة التطبيق، وتدل على أنها تؤتي ثمارها بشكل فاعل وسريع، كما سنجد أنها فكرة لم يتوقف العمل بها بعد الخلافة الراشدة، فلا نحتاج لأن نعود إلى عصورهم بحثاً عن النموذج فحسب، وإنما سنجد أنه في كل مرحلة تأريخية وجدت

النماذج التي تسعى لأن تُعمل الإسلام.
أيضاً سنجد أن جميع حالات الفشل إنما تعود لأسباب تأريخية أو أهواء أو تقصيرات فردية، يمكن لنا أن نتجنبها ونحتويها، بسبب تطور المواصلات والاتصالات من جهة، ومن جهة أخرى تطور آليات التعبير عن الذات السياسية لدى الأفراد.
فبالأهواء الفردية وصل إلى الحكم من ليس أهلا له، ولكن مع ذلك نجد أنه لم يخل من يقرر عدم شرعية ذلك الأمر وبالتقصيرات الفردية نشبت حالات صراع بين أطراف كلها صالحة للحكم من حيث علمها وتقواها في الظاهر والظروف الزمنية التي صعبت بسط النفوذ على الأقاليم أو المناطق المختلفة التي طبقت فيها النظرية هي التي أعاقت في بعض المراحل سلمية انتقال الحكم وضبط المناطق البعيدة عن المركز في المراحل الانتقالية أو مراحل ضعف الدولة المركزية.
هذا كله مع أن النظرية لم تغفل في تفصيلاتها تلك الأمور، ولكن نعود للقول بأن الفكرة مهما اكتملت إلا أن تنزيلها على الواقع لا بد من أن يعتريه نقص بسبب نقص الإنسان ومحددات الموضوع، ويعيننا في تقدير هذا الأمر دراسة التجارب التأريخية للديمقراطيات الغربية؛ حيث نجد أن استقرار النظام فيها لم يكن نتيجة تلقائية لسلامة أو نضوج أو صحة الفكرة نفسها.

وأخيراً ولعله كان يجب أن يأتي أولاً فإنه يجب أن لا ينظر إلى هذه التجربة على أنها ملك للزيدية، فهذا من الظلم بمكان، وإنما هي تجربة إنسانية إسلامية ينتمي إليها كل من اتفق معها في أهدافها السياسية، مهما كان دينه أو مذهبه، ولذلك نجد أن عبارة الزيدية في أول أمرها لم يكن لها دلالة مذهبية أو فكرية بقدر ما كانت تدل على كل من اتفق مع الإمام زيد بن علي(ع) (ت122ه‍) في دعوته الاصلاحية، والتي كانت تدعو -أساساً- إلى دفع الظالمين، ونصر المستضعفين، ورعاية المال، والحق العام، والحريات السياسية.. فكان من وافقه في تلك المبادئ يسمى زيدياً، وإن اختلف مع الإمام في رؤيته الفكرية أو الفقهية.
إن هذا التأريخ هو لتجربة إنسانية إسلامية تمثلت في مرحلة ما ضمن فئة من المسلمين، ويجب أن تخرج من إطارها الديني والمذهبي؛ لتكون ملكاً لجميع الأمة والإنسانية؛ فالقيم السياسية الأساسية لا دين لها، ولا مذهب لها، ولا حدود لها؛ فالأمن والعدل والعلم والرفاه -وهي من القيم السياسية الأساسية- أمور مطلقة عن كل قيد، فلا يوجد عدل سُنِّي، وآخر شيعي، ولا يوجد فقر على الطريقة الإسلامية وآخر على الطريقة الكفرية، ولا يوجد جهل عربي وآخر عجمي، وبالتالي فأي حركة كان شعارها الأبرز تحقيق تلك القيم ملك للناس جميعاً باختلاف أفكارهم وأصولهم العرقية أو القومية، وأما الشعارات الفرعية لتلك الحركة، فالغالب أن لا يتفق عليها الناس، وهذا أمر طبيعي، ولا يضر أصل القضية في شيء.

تلك بعض النقاط اليسيرة التي أردنا توضيحها، ونترك للقارئ الكريم التعمق في مفرداتها من خلال رحلته عبر هذا الكتاب القيم.
ومن الله سبحانه وتعالى نستمد التوفيق في جميع الأحوال والحمد لله وحده وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله.

مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية

مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، حمداً يليق بجلاله وعظمته، حمداً يكون سبباً لنيل رضوانه ومغفرته، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق العدل المبين، ونشهد أن محمداً عبدالله ورسوله أرسله الله بالدين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ورضي الله عن صحابته المنتجبين الأخيار.
وبعد:
فإن تأريخ الأمة الإسلامية يحمل في صفحاته الكثير والكثير من الصور المشرقة والشخصيات العظيمة، والتي لا زالت بعيدة عن أذهان الكثير من أبناء الأمة بسبب عدم نشر الكتب التي تتحدث عنها، والتي لا زالت في عداد المخطوطات وقابعة في أدراج المكتبات العامة والخاصة، وبسبب عدم الاهتمام من قبل القادرين والمهتمين في هذا الجانب بنشرها وإخراجها لترى النور مع أنها نفائس مكنونة وجواهر ثمينة.
ولأن معرفة المرء المسلم بتأريخه القريب والبعيد ضرورة ملحة لما في ذلك من أثر بالغ في ربط حاضره بماضيه، واستلهام العظات والعبر واستشعار المسؤليات الملقاة على عاتقه، وغير ذلك من الدروس المهمة، ولن يتم ذلك إلا ببذل الجهد المستطاع من قبل أبناء الجيل في تعريف الأمة بتأريخها سواء باللسان أو القلم أو بالإسهام في نشر الكتب التي تتحدث عن ذلك الجانب أو عن غيره.

من أجل ذلك رأينا أن نسهم في مجال تحقيق التراث ونشره مع اعترافنا المسبق بقلة بضاعتنا وقصر باعنا أن نفي الأمر حقه، ولكن حسبنا أن نقول: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} و: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} وكما أشرنا إليه آنفاً بأن نفائس من تراث الأمة الإسلامية لا تزال في عداد المخطوطات ونخص بالذكر تأريخ الزيدية وأئمتها، وتراثها الخصب في شتى ميادين العلم والمعرفة، والذي لا يزال أكثره ومعظمه بعيداً عن النشر والطبع مع ما يمثله من أصالة وقوة فكر ودفاع عن الدين الإسلامي الحنيف، وحمايته من أن تناله أيدي العابثين يكفل للأمة -ومن خلال معرفته وتطبيقه التطبيق السليم- العيش بعزة وحرية وكرامة، ويبصرها الطريق القويم للفوز بخيري الدنيا والآخرة.
وهذا التراث الخصب في شتى العلوم والمعارف ميراث علمي ومعرفي يجدر بالإنسان المؤمن الوقوف عليه ودراسته، والتمعن فيه والغوص في أعماقه، واستخراج الدرر الكامنة من قعره، ومن ذلك ما خلفوه في المجال التاريخي، حيث قد اهتم المؤرخون منهم بتدوين تأريخ الأمة الإسلامية بشكل عام والزيدية وأئمتها وسيرهم على وجه الخصوص، يجد الباحث تلك المدونات وأسماء مؤلفيها في الكتب المتخصصة بتوثيق مؤلفات الزيدية ومؤلفيها.

ومن أهم المدونات التي اهتمت بتأريخ الزيدية وأئمتها وسيرهم وأخبارهم هذا الكتاب الذي بين أيدينا المسمى: (مآثر الأبرار في تفصيل مجملات جواهر الأخبار) ويسمى أيضاً: (اللواحق الندية بالحدائق الوردية) لمؤلفه العلامة محمد بن علي بن يونس الزحيف الصعدي، المتوفى بعد سنة 916هـ، وهو شرح لبسامة السيد صارم الدين الوزير المتوفى سنة 914هـ، والمسماة: (مجملات جواهر الأخبار) وهي منظومة شعرية في التاريخ، ضمنها ذكر أئمة الزيدية وتأريخهم إلى عصره، على منوال بسامة عبدالمجيد بن عبدون، المتوفى سنة 520هـ وقيل: سنة 527هـ وقيل: سنة 529هـ، والتي هي أيضاً في التأريخ (رثى بها ملوك بني الأفطس وذكر فيها من أباده الحدثان في كل زمان) وهي معروفة مشهورة ولها شروح في طيات الكتب مذكورة.
وكذلك بسامة السيد صارم الدين الوزير معروفة مشهورة ولها شروح عدة، أولها شرح الزحيف وهو هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ العزيز.

أهمية الكتاب
يعتبر هذا الكتاب (مآثر الأبرار) من أشهر المراجع التي تتحدث عن تأريخ أئمة الزيدية، ومن أشملها في هذا الجانب إلى عصر المؤلف، وهو أول شروح (البسامة) للسيد صارم الدين الوزير، والتي تقع في نحو مائتين وأربعين بيتاً، والتي توالت بعده شروح وتتمات عدة لها، منها ذيل للعلامة داود بن الهادي المؤيدي، المتوفى سنة1035هـ عشرون بيتاً وشرحها، وهو المطبوع في آخر هذا الكتاب باسم (ملحق البسامة).
ثم ذيل ذيله العلامة أحمد بن محمد الشرفي، المتوفى سنة 1055هـ بثلاثة وثلاثين بيتاً، وشرح الجميع بكتابه (اللآلئ المضيئة) في ثلاث مجلدات ضخمة.
ثم ذيل ذيل الشرفي العلامة مهدي بن محمد المهلا اليمني، المتوفى سنة 1070هـ بنحو خمسة وخمسين بيتاً.
ثم ذيل أصل البسامة العلامة عبد الله بن علي بن محمد الوزير، المتوفى سنة 1144هـ بنحو مائة وثلاثين بيتاً.
ثم ذيل ذلك العلامة محمد بن إسماعيل بن محمد الكبسي، المتوفى سنة1308هـ بزيادة على مائة وعشرين بيتاً، وشرح ذيله بكتاب أسماه (العناية التامة شرح أنوار الإمامة، تكملة أبيات البسامة).
وللعلامة المؤرخ الكبير محمد بن محمد زبارة المتوفى سنة 1380هـ تتمة للبسامة وذيولها بمائتين واثنين وأربعين بيتاً. (وللمزيد حول البسامة وذيولها وشروحها راجع أئمة اليمن لزبارة ص 375-376).

وتظهر أهمية الكتاب الذي بين أيدينا من خلال محتوياته فقد اشتمل على فوائد كثيرة في علوم مختلفة، ليس في التاريخ فحسب بل وفي الفقه وأصول الدين والأدب والشعر والمواعظ، وفضائل أهل البيت -عليهم السلام- وغيرها، إلى جانب موضوعه الرئيسي (التأريخ) اعتمد عليه المؤرخون، وقاموا بالنقل من مادته والاستشهاد بما يحتاجونه منه، وما ذاك إلا لأن مؤلفه عالم خبير في هذا الفن، وله باع طويل فيه، وكما قيل في وصفه: (ألمعي الدراية، أصمعي الرواية، له قريحة منقادة، وفطنة وقادة).
كما يعتبر الكتاب من المراجع التأريخية الأساسية للفترة التي عاشها المؤلف وعاصرها وقام بتدوينها في كتابه هذا.
هذا وقد اهتم الزحيف بتوضيح دوافع تأليف كتابه هذا حيث يقول موضحاً سبب تأليفه: ( فإن أفضل القرب رعاية حقوق أهل الرتب، ولا نعلم رتبة لمخلوق أعلى من رتبة الملائكة، ثم الأنبياء، ثم بعدهم رتبة أهل البيت الأصفياء، وقد استأثر الله بتولي ذكر ملائكته وأنبيائه في كتابه المجيد، بما ليس عليه مزيد، فما عسى أن يقول ذو مقول، وإن أوتي بلاغة قدامة وعبد الحميد.

وأما أهل بيت المصطفى فقد ندبت الشريعة المطهرة إلى ذكرهم ورعاية حقوقهم من وجوه ليس بها خفا، ومن رعاية حقوقهم مدارسة كتب مناقبهم، ومطالعة تواريخ سيرهم، ولما كنت بحمد الله ممن اختار هذا المذهب الشريف له مذهباً، وجعله له ديدناً وأدباً، وآثر أن يكون أهله له حزباً، منذ عقل قوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى}[الشورى:23] وكانت محبتي لهم من أجل النعم التي يستدل بها المؤمن على رشده، وقد قالً: ((إن الله إذا أنعم على عبد أحب أن يرى أثر نعمته على عبده)).
أحببت أن أظهر ما قد عرفته من كثرة مطالعتي لفضائلهم في تأليف، وأجمع متفرقات ما حصل لي من غرر فواضلهم في تصنيف لطيف، ما ذلك جهلاً مني بما وضعه أئمتنا وأشياعهم، وغير أشياعهم في ذلك من الكثير الطيب، بل لأني أحببت أن يكون لي في الخير العميم نصيب، ولأن تخليد الإنسان ذكره في كتب الصالحين هو العمر الثاني.
ويضيف قائلاً وموضحاً السبب أيضاً في تأليف كتابه هذا المسمى (مآثر الأبرار في تفصيل مجملات الأخبار) والذي هو شرح لبسامة السيد صارم الدين الوزير المسماة(جواهر الأخبار) ما لفظه:

(نعم ولما كانت منظومته هذه-أي بسامة السيد صارم الدين الوزير- الفريدة، وسيرته الجامعة المفيدة المسماة بـ(جواهر الأخبار) من أجل ما نظم في عصرنا في هذا الشأن، لما اشتملت عليه من الإحسان والإتقان، على الأسلوب الذي يعرفه من له أدنى عرفان، وسعي في هذا الميدان، ووقفت عليه وقوف شحيح ضارع في الترب خاتمه، أو حائم أوفقته على المنهل قدمه، دعاني الطرب إلى شرحها، وحملني مابي من الجدب على تنوير صبحها)، التزم الزحيف بشرح أبيات السيد صارم الدين فكان يورد شيئاً منها ثم يقوم بشرحه، والملاحظ أنه عند ذكر أئمة الزيدية اقتصر على ذكر أخبارهم وسيرهم على الإجمال، ولم يتعرض لذكر المعارضين وتواريخ دولهم، وقد نبه على ذلك العلامة أحمد بن محمد الشرفي في مقدمة كتاب(اللآلئ المضيئة (خ)) بقوله: (كنت قد وقفت على كتاب اللواحق الندية للحدائق الوردية للفقيه العلامة بدر الدين محمد بن علي الزحيف-رحمه الله-، فوجدته كتاباً جليلاً مفيداً، خلا أنه لم يتسق في ذكر المعارضين ولا تأريخ دولتهم حيناً بعد حين).
ومن المميزات المنهجية للكتاب أن مؤلفه حرص في أغلب شرحه على ذكر المصادر التي استقى منها مادة كتابه، ونبه على ذلك في مقدمته قائلاً: (اعلم أن أكثر المسطور في شرحي هذا من حد قول الناظم):
وكان أول خطبٍ بين أمته
حيف جرى من أبي بكر ومن عمر
إلى أن بلغت به سيرة المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان منقول من كتابه المسمى بـ(الشافي) إلى قوله:

(نعم، وما كان في شرح المنظومة مذكور من بعد الإمام المنصور بالله فإني نقلته من مظان الصحة، وقد عزوته في الأغلب إلى مكانه لفهم من يفهم الإشارة واللمحة، فليكن خاطر الواقف على نقلي هذا طيباً، وليصدق هذا النبأ).
وقد حرصنا على سرد قائمة تتضمن أهم المصادر التي رجع إليها المؤلف، وهي:
الشافي، الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة بن سليمان، المتوفى سنة 614هـ.
شرح نهج البلاغة، أبو حامد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائني، المعروف بابن أبي الحديد، المتوفى سنة 655هـ.
رسالة تحكي جملة مما أصاب أهل البيت وشيعتهم: أبو بكر الخوارزمي، محمد بن العباس، المتوفى سنة 383هـ.
مروج الذهب ومعادن الجوهر: علي بن الحسين المسعودي، المتوفى سنة 346هـ.
…المصابيح في السيرة: الإمام أبو العباس الحسني، أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم، المتوفى سنة 353هـ.
تتمة مصابيح أبي العباس: العلامة علي بن بلال الآملي، من أعلام القرن الخامس الهجري.
الإفادة في تأريخ الأئمة السادة.: الإمام الناطق بالحق أبو طالب، يحيى بن الحسين الهاروني، المتوفى سنة 424هـ.
تيسير المطالب في أمالي أبي طالب: الإمام الناطق بالحق أبو طالب، يحيى بن الحسين الهاروني.
مقاتل الطالبيين: أبو الفرج الأصفهاني علي بن الحسين، المتوفى سنة 356هـ.
شرح عيون المسائل: الحاكم الجشمي، المحسن بن كرامة، المتوفى سنة 494هـ.
الحدائق الوردية في أخبار الأئمة الزيدية: الشهيد حميد بن أحمد المحلي، المتوفى سنة 656هـ.

سيرة الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (ع) المتوفى سنة 298هـ.: علي بن محمد بن عبيدالله العلوي العباسي، المتوفى سنة 297هـ.
الكامل في التاريخ: ابن الأثير، علي بن محمد بن محمد بن عبدالكريم الشيباني الجزري، المتوفى سنة 630هـ.
سيرة الإمام الناصر أحمد بن الإمام الهادي يحيى بن الحسين، المتوفى سنة325هـ: عبدالله بن عمر الهمداني، من أعلام القرن الرابع الهجري.
الرياض المستطابة: يحيى بن أبي بكر العامري الحرضي، المتوفى سنة 893هـ.
الدرة اليتيمة: المنصور بالله عبدالله بن حمزة.
مغازي ابن إسحاق: محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، المتوفى سنة 151هـ.
مغازي الواقدي: محمد بن عمر بن واقد السهمي المدني، المتوفى سنة 207هـ.
مقدمة البحر الزخار: الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، المتوفى سنة 840هـ.
شرح سيرة مقدمة البحر الزخار: الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى.
التحقيق في الإكفار والتفسيق.: أبو القاسم البستي إسماعيل بن علي بن أحمد، المتوفى سنة 420هـ.
وفيات الأعيان: ابن خلكان أحمد بن محمد بن إبراهيم، المتوفى سنة 681هـ.
محاسن الأزهار: الشهيد الفقيه حميد بن أحمد المحلي.
روض الرياحين في مناقب الصالحين: اليافعي عبدالله بن أسعد بن علي، المتوفى سنة 768هـ.
الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ابن عبد البر، يوسف بن عبدالله بن محمد النمري، المتوفى سنة 463هـ.
النجم الثاقب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب: أحمد بن الحسن الرصاص، المتوفى سنة 621هـ.
تأريخ الطبري، المسمى (تأريخ الأمم والملوك): محمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة 310هـ.

العقد الفريد: ابن عبد ربه الأندلسي، أحمد بن محمد، المتوفى سنة 328هـ.
الجمع بين الصحيحين: محمد بن نصر الحميري، المتوفى سنة 488هـ.
كفاية الطالب في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: أبو عبدالله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي، المتوفى سنة 658هـ.
المستدرك على الصحيحين: الحاكم النيسابوري
أطواق الحمامة في شرح البسامة: ابن بدرون الأشبيلي.
كتاب الأنساب: لعله يحيى بن الحسن بن جعفر العقيقي، المتوفى سنة 277هـ.
أنوار اليقين في إمامة أمير المؤمنين: الإمام الحسن بن بدر الدين، المتوفى سنة 670هـ.
كتاب الخشية: الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (ع)، المتوفى سنة 298هـ.
كشف الأسرار وهتك الأستار من محجوب الباطنية الكفار: يحيى بن القاسم الحمزي، المتوفى سنة 677هـ.
سيرة المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني، المتوفى سنة 411هـ.: المرشد بالله يحيى بن الحسين الشجري، المتوفى سنة 479هـ.
العباب شرح أبيات الآداب: الحسن بن علي بن صالح العدوي، المتوفى سنة 840هـ تقريباً.
تاريخ مسلم اللحجي: مسلم بن محمد بن جعفر اللحجي، المتوفى سنة 545هـ.
مشجر في الأنساب: الأمير الحسين بن بدر الدين، المتوفى سنة 663هـ. تقريباً.
سيرة الإمام أحمد بن سليمان، المتوفى سنة 566هـ. سليمان بن يحي بن أحمد الثقفي، من أعلام القرن السادس الهجري.
كاشفة الغمة عن حسن سيرة إمام الأئمة: الهادي بن إبراهيم الوزير، المتوفى سنة 822هـ.
ديوان المنصور بالله عبدالله بن حمزة (ع): المنصور بالله عبد الله بن حمزة.
مشجر في الأنساب: صلاح بن الجلال، المتوفى سنة 810هـ.

ديوان شعر ورسائل المطهر بن محمد بن تريك الصعدي: المطهر بن محمد بن تريك الصعدي، المتوفى سنة 748هـ.
تأريخ الجندي المسمى (السلوك في طبقات العلماء والملوك): محمد بن يوسف بن يعقوب الجندي، المتوفى سنة 732هـ.
رسالة في الجواب على الشتوي: الإمام يحيى بن المحسن بن محفوظ، المتوفى سنة 636هـ.
وصية من جملة أربع وصايا: الإمام يحيى بن حمزة الحسيني، المتوفى سنة 749هـ.
رسالة دعوة الإمام المتوكل المطهر بن يحيى: الإمام المطهر بن يحيى بن المرتضى بن المطهر، المتوفى سنة 697هـ.
الدر المفوف المحفوف بالعلوم: الإمام الواثق المطهر بن محمد بن مطهر، المتوفى سنة 802هـ.
رسالة في أصول الدين: العلامة يحيى بن الحسن القرشي الصعدي، المتوفى سنة 780هـ.
كنز الحكماء وروضة العلماء (سيرة الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، المتوفى سنة 840هـ).: نجل الإمام المهدي الحسن بن أحمد بن يحيى المرتضى، المتوفى سنة 840هـ أيضاً.
العناية التامة في تحقيق مسألة الإمامة: الإمام عزالدين بن الحسن، المتوفى سنة 900هـ.
انقضاء الوطر في مدح سيد البشر (منظومة رائية في مدح النبي ً وذكر معجزاته): الإمام المطهر بن محمد بن سليمان، المتوفى سنة 879هـ.
تنبيه: نلفت عناية القارئ العزيز إلى أن ما ذكرناه في قائمة المصادر والمراجع التي رجع إليها المؤلف لم تشتمل على كل المصادر، وإنما أهمها وأكثرها، وفي الكتاب ذكر المؤلف مصادر أخرى وإحالات يجدها القارئ الكريم خلال تجواله في ساحات الكتاب.

ترجمة المؤلف
تنبيه: قبل أن نطرق الكلام في ترجمة المؤلف-رحمه الله تعالى- نود أن ننبه أنا لم نتعرض في هذه المقدمة إلى ترجمة صاحب (البسامة) السيد صارم الدين الوزير -رحمه الله تعالى-، حيث وقد اكتفينا في ذلك بما ذكره مؤلف هذا الكتاب من ترجمة السيد المذكور، وقد ترجم له ترجمة موسعة في آخر الكتاب نترك للقارئ العزيز مهمة الرجوع إليها.
أما مؤلف هذا الشرح: فهو محمد بن علي بن يونس الزحيف الصعدي، بدر الدين، المعروف بابن فند، عالم، فقيه، فاضل، مؤرخ، شاعر فصيح، وأديب بليغ، من أعيان القرن العاشر الهجري، قال في (الجواهر المضيئة): شارح (البسامة) لابن الوزير، وأجازه إياها صارم الدين، وله إجازة عامة من الإمام المطهر بن محمد، وأخذ في الأصولين عن السيد محمد بن يوسف بن صلاح، كان ألمعي الدراية، أصمعي الرواية، له قريحة منقادة، وفطنة وقادة، وهو باقي سنة 916هـ، وعاصر الإمام عزالدين بن الحسن، وقال في المستطاب: عاصر الإمام محمد بن الناصر والإمام الوشلي، انتهى.
قلنا: وذكره الجنداري في (الجامع الوجيز) في وفيات سنة 916هـ فقال ما لفظه: وإلى هذه السنة انتهى (شرح البسامة) للشيخ المحقق الفاضل محمد بن علي الزحيف المسمى (اللواحق الندية بالحدائق الوردية) وكان هذا الفقيه فصيحاً شاعراً عالماً، كان يقر بفضل ابن الناصر وعلمه، انتهى.
وفي (طبقات الزيدية الكبرى -القسم الثالث-2/1037-1038) ذكر في ترجمة المؤلف أن له إجازة من السيد الهادي بن إبراهيم الوزير في (كريمة العناصر) ثم ذكر أنه كان عيناً من عيون العارفين.

وفي (لوامع الأنوار 2/149) ترجم له بما لفظه: هو الفاضل العلامة، شارح البسامة محمد بن علي، ترجم له السيد الإمام ولم يذكر وفاته. انتهى.
قلنا: ومن مشائخه العلامة المحقق علي بن محمد البكري، المتوفى سنة 882هـ، قرأ عليه في النحو وأصول الدين، ذكر ذلك المؤلف في هذا الكتاب عند ذكر أخبار الإمام عزالدين بن الحسن.
وله مؤلفات منها:
مآثر الأبرار في تفصيل مجملات جواهر الأخبار، وهو هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم، ويسمى أيضاً: (اللواحق الندية بالحدائق الوردية).
الرسالة الناطقة لشرح معاني الترثية الصادقة (شرح لمرثية الإمام عزالدين بن الحسن في والده) قال في (أعلام المؤلفين الزيدية): وقف عليه السيد أحمد الحسيني.
شرح الصادح والباغم لابن الهبارية، طبعته مصوراً على مخطوط وزارة الإعلام اليمنية ضمن مشروع المائة كتاب.
ديوان شعر (ذكره المؤلف في كتابه هذا عند ذكر أخبار الإمام عزالدين بن الحسن).

أسرة المؤلف
من خلال ما بين أيدينا من المصادر التي تحدثت عن المؤلف لم نتمكن من الحصول على تفاصيل تحكي أخبار أسرة المؤلف، سوى أنا وجدنا (طبقات الزيدية الكبرى-القسم الثالث-) في آخر ترجمة المؤلف يذكر نجل المؤلف يونس بن محمد بن علي الزحيف، حيث أفاد أنه فرغ من نساخة هذا الكتاب وهو (مآثر الأبرار) في صفر سنة 920هـ ومن خلال قراءتنا لهذا الكتاب وجدنا المؤلف يحكي فيه بعضاً من أخبار أسرته في سيرة الإمام المهدي علي بن محمد بن علي بن يحيى بن منصور بن المفضل، المتوفى سنة 773هـ، حيث يذكر اضطلاعهم وقيامهم بين أيدي الإمام علي بن محمد وجهادهم معه في سبيل الله، ويشير إلى أنهم من الذين تحملوا نفقات تجهيز العساكر في ذلك الوقت، ومن الذين تعاهدوا عند الإمام على بذل الأموال والأرواح بين يديه، وعلى الصبر على الجهاد في سبيل الله حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده.

كما يستطرد المؤلف في سيرة الإمام المذكور، ويضمنها تمليكاً في عقار من الإمام علي بن محمد كتبه لأحد أفراد أسرته بخطه وعليه علامته، حيث يقول المؤلف ما لفظه: ومما وجدته بخط الإمام علي بن محمد المذكور وعليه علامته وذكر اسمه ما لفظه: هذا الخط الأعظم الأشرف الأكرم، العالي السامي، الغياثي الجوادي، الأفضلي الأوحدي، الأمجدي الأجلي، النبوي الإمامي، الحسني الهدوي المهدي، خلد الله ملك منشئه وأعز نصره وجدد سعده، وكبت حاسده، شهد للفقيه الأجل الأفضل شرف الدين الحسن بن علي بن أحمد بن فند، بأنه عندنا من الإعزاز والإنصاف منظور بعين المودة والإتحاف، مأثور الصبر والجهاد والمودة، ملحوظ بلحظ الكرامة، مستقر على أكرم الحظوظ والاستقامة، مرفوع في أسمى المراتب وأسمى المنازل، وأنه من جملتنا وممن تحوطه شفقتنا وترعاه مودتنا، لا يروع له سرب، ولا يكدر له شرب، وكذلك عمه أحمد بن محمد الزحيف وسائر إخوتهم وبنو عمهم، وأنا قد ملكناه جميع ما تحت يده ويتصرف فيه مما ينقل ويحول ومما لا ينقل ولا يحول، وأجزنا له تسليم ثمن ذلك كله إلى من اشتراه منهم، وأذنا له في التصرف في ذلك بأي وجه من سائر وجوه التصرفات فمن ذلك...إلخ، وتأريخ ذلك التمليك سنة 755هـ، وبآخره ما لفظه: كتب عبدالله بن أحسن الدواري، حكمت بصدور ما صدر من مولانا الإمام المهدي علي بن محمد بن علي إلى حي الفقيه شرف الدين حسين بن علي بن فند، كان ذلك مني بتاريخ شهر شوال من سنة اثنين وثمانين وسبعمائة سنة، انتهى.

وفي مكان آخر من الكتاب يذكر المؤلف أنه وآبائه متمسكون بمذهب أهل البيت، وأن ذلك ظاهر عنهم ومشهور حيث يقول عند ذكر أخبار الإمام المطهر بن محمد بن سليمان ما لفظه: فاعلم أني رغبت إلى شرح هذه المنظومة رغبة كلية، وذلك لما اشتملت عليه من فضائل العترة الزكية، والرعاية لحق خير البرية، في تأدية حق المودة التي هي من الفروض الأولية والأمور الكلية، ولن يتم ذلك إلا بجعلهم من خلوص المودة بالسوية، ولا نفرق بين الحسينية والحسنية ولا الهدوية ولا الحمزية، وهذا وإن كان مذهبي من الصغر إلى الكبر، وجنوحي إليه أنا وآبائي قد ظهر واشتهر، تمسكاً منا بما وردت به السور، وعضده من تواتر الخبر...إلخ.
وله في هذا المعنى أشعار وقصائد، فمنها من قصيدة ذكرها في مقدمة هذا الكتاب:
لآل الحسين وآل الحسن .... سكون العراق ومن باليمن
وداد بقلبي إن تكمن الد .... راري بأفلاكها ما كمن
وداد غذاني به والدي .... ولدتني أمي به في اللبن
وقد جاء في مثل سائرٍ .... تداوله الناس طول الزمن
محال خروج هوى داخلٍ .... زمان اللبا قبل نشر الكفن
فيا عاذلي عن هوى حيدرٍ .... وفاطمة الطهر لا تعذلن
فحبهما وذراريهما .... عتادي ليوم ظهور الغبن
كما جاء عن سيد المرسلين .... قد يحشر المرء في حزب من

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المكان إلى أن المؤلف في كتابه هذا قد ذكر جملة من أحواله وأخباره مع الأئمة الذين عاصرهم كالإمام عزالدين بن الحسن، والإمام محمد بن علي الوشلي، والإمام محمد بن الناصر يجدها المتصفح للكتاب في مواضع متفرقة منه.
مما سبق يتبين لنا أن المؤلف وأسرته من أعوان الأئمة وأنصارهم، ومن أعيان عصورهم والمشار إليهم في وقتهم وزمنهم، ومن المشاركين في أحداث عصرهم، وأنهم من الشيعة ولهم في التشيع قدم راسخة وعقيدة ثابتة، وجهاد دائم في سبيل الله وإعلاء كلمته، وأنهم من أصحاب المبادئ الذين لا تزعزعهم النكبات ولا تميل بهم الأيام، كما يتضح لنا أيضاً أن المؤلف من العلماء الفقهاء الفضلاء، وله في ميدان العلم والمعرفة نصيب باهر وحظ وافر، ونكتفي بهذه الإشارة وكما قيل: ضوء البارق يدل على النوء المطير.

علم المؤلف وأدبه وشعره
المؤلف كان من العلماء الفضلاء، وأكبر شاهد على ذلك مؤلفاته، ومنها هذا الكتاب الذي بين أيدينا بالاضافة إلى أن المراجع التي لدينا والتي ترجمت للمؤلف يشهد أصحابها له بالعلم والمعرفة والتحقيق والدراية والرواية.
أما أدبه فقد كان أديباً بليغاً، وناثراً مجيداً، يجيد صياغة العبارة وانتقاء الكلمات المناسبة لها، ومن خلال التجوال في ساحات هذا الكتاب نعرف مدى صحة هذا القول، ويؤكد ذلك شهادة الأئمة الذين عاصرهم له والذين جرت بينه وبينهم مراسلات ومكاتبات، أوضحوا فيها تمكن المؤلف وقدرته في الأدب والبلاغة وفي النثر والشعر، فمن رسالة بعثها إليه الإمام محمد بن الناصر يطلب منه تأليف هذا الكتاب ويخاطبه قائلاً: (...، فانت ألمعي الدراية، وأصمعي الرواية، ولك قريحة منقادة وفطنة وقادة).
ومن رسالة للإمام عزالدين بن الحسن جواباً على رسالة للمؤلف بعثها إليه ومعها قصيدة شعرية: (السلام الأسنى ورحمة الله الحسنى، على الفقيه الأفضل الأمجد الأكمل، عين أرباب البلاغة، والمزري حقاً ويقيناً بابن المراغة، بدر الدين، خلاصة الإخوان الراشدين والله يمتع بحياته ويسعده في جميع أوقاته وعلى كل حالاته، وبعد:
فورد كتابه الكريم مصحوباً بالنظام الجليل الفهيم، الذي يفوق ويروق الدر النظيم، فلقد وقفنا عليه وقوف ناظرين بعين التأمل إليه فوقع منا موقعاً فوق كل موقع في حسن الرغوبة ومعظم العذوبة، والنسق المستطاب فحكمنا عليه بأنه من أحسن المنظومات وأجل المرقومات...إلخ.

أما شعره فقد كان المؤلف -رحمه الله- شاعراً مجيداً فصيحاً، له في هذا المضمار باع كبير، وقد ذكر في كتابه هذا أن له ديوان شعر، كما سرد في هذا الكتاب عدداً من قصائده الشعرية، ومن خلال قراءتها تعرف أن له موهبة شعرية فذة، وأن شعره يمتاز بعذوبة الألفاظ وسهولتها، ويكشف القناع عن قدرة على النظم وقريحة متوقدة في مجال الشعر.
ومن خلال قراءتنا لبعض قصائده نراها مليئة بالعظة والاعتبار والزهد والتفكر في أحوال الدنيا وتقلباتها، والحث على الاستعداد للآخرة خارجة من أعماقه، مما يدل على أن شخصية قائلها شخصية إيمانية قوية.
وقد قال الشعر ونظمه في مختلف الأغراض الشعرية، من مدح ورثاء ووصف وتوسل، ونصح، وغير ذلك، نقتطف في هذه العجالة نماذج يسيرة من شعره الذي ذكره في هذا الكتاب، فمن قصيدة له لما ملك عامر بن عبدالوهاب حصن ذي مرمر في شهر رمضان سنة 912هـ، مطلعها:
يقول الزحيفي الذي جده الفند .... وأشعاره من دونها الشهد والقند
إلى أن يقول فيها:
ليفتكر الإنسان في الدول التي .... تأتت لها الدنيا وساعدها السعد
وقيلت بها الأشعار فخراً فمثبتٌ .... ونافٍ فكل عند مذهبه يحدو
كفى واعظاً ما أنشدوا في ذمرمرٍ .... وما علموا من ذا سيملكه بعد
تسلطن فيه منذ تسعين حجة .... تزيد قليلاً إن تمادى بنا العد
بنو الأنف أجلاهم وشتت ملكهم .... من العترة المنصور من لا له ند
فخلفه إرثاً لأبناء بنته .... كما لم يعش من بعض ذكرانه فرد
فزحزحهم منه المسمى بعامرٍ .... وقادهم أسرى وما مسهم حد
ومزقهم في الأرض كل ممزق .... ذليلين مقهورين مالهم جهد
إلى أن قال:

فياليت شعري من سيخلف بعدهم .... تعالى الذي يدري بما يجهل العبد
وسبحانه من مالكٍ متصرفٍ .... فليس لما يقضي بسلطانه رد
يولي وينفي من يشا بحكمه .... ويقصي ويدني من يشا فله الحمد
وما ارتاح في الدنيا قلباً وقالباً .... سوى من تغشته القناعة والزهد
وما اغتم في الدارين إلا متوجٌ .... تطيف حواليه العساكر والجند
فذلك أغنى الناس في الناس دائماً .... وهذا فقير لا يقر ولا يهد
فيا رب وفقنا لإصلاح شأننا .... وجمل علينا يا مهيمن يا فرد
فما هذه الدنيا بدار إقامة .... وما الشأن إلا جنة الخلد والخلد
وكيف لنا بالخلد إن لم يكن لنا .... سوابق عند الله عرض ولا نقد
ومن قصيدة بعثها إلى الإمام عزالدين بن الحسن جواباً على قصيدة الإمام التي بعثها إلى المؤلف ورثى فيها أسنانه، مطلعها:
كساك التقى برداً من الفكر ضافيا .... فما زال بالتوفيق فكرك صافيا
ومنها:
تدبرت أطوار ابن آدم إذ غدا .... جنيناً فمولوداً فطفلاً فناشيا
فكهلاً فشيخاً فانياً ثم ميتاً .... فحياً لأهوال القيامة لاقيا
فخبرت عن كل بما يترك الفتى .... بصحبة ذي الدنيا من الدهر قاليا
فيطرحها طرح الكريم لربعه .... إذا خاف فيه سمه والأفاعيا
وينظمها في سلك أحلام نائمٍ .... أطافت فمنَّت في المنام الأماني
وإلا سراب قد تراآى بقيعةٍ .... فيحسبه الظمآن ماءً مدانيا
وإلا كظلٍ زائل وكبارقٍ .... بأفق من الآفاق قد بات ساريا
وإلا كوصل الغانيات فإنه .... يزول إذا حل البياض النواصيا

فتباً لدنيا لا يدوم وصالها .... لحي وإن أمسى عن الخلق عاريا
وطوبى لقومٍ عاملوها كفعلها .... وبتوا عراها عفة وتغانيا
وداروا لزاد للمعاد مُبَلِّغٍ .... إلى جنة تحوي قصوراً أعاليا
أولئك أقوام شروا من إلههم .... لرفضهم الدنيا نفوساً غواليا
كفى واعظاً فيها المشيب فإنه .... يصير لأنوار الشبيبة ناعيا
وسموه في (الذكر) النذير لأنه .... بقرب ممات المرء يصبح قاضيا
إلى أن يقول فيها:
وبعد هجوم الشيب للمرء يبتلى .... بأسنانه ما يعظم الرزء ثانيا
فيتركها ما بين حيٍ وميتٍ .... كثير اعوجاج ليس يبرح وانيا
فحينئذٍ لا عيش يصفو لآكلٍ .... ولا مشرب للمرء يصبح هانيا
فما حر من هذين أو كان بارداً .... فللألم المخشي يصبح داعيا
إلى آخرها، وهي كبيرة وكلها على هذا النسق الجميل العذب.
ومن قصيدة له في رثاء الإمام عزالدين بن الحسن قالها عند ما بلغه موت الإمام:
نقمت الرضا حتى على الروض والقطر .... إذا ضحكت من بعد قاصمة الظهرِ
وأوحشني نور الثريا وقد مضت .... تقهقر نحو الغرب خوفاً من الفجرِ
ويعجبني جنح الظلام لأنه .... يناسب ما قد كان من فادح الأمرِ
أبعد إمام العصر يضحك ضاحكٌ .... ويبسم ثغرٌ بئس ذلك من ثغرِ
وموتك عزالدين أجرى مدامعي .... وأشرقني ريقي وضيق من صدري
وصبرني قد ضاق بي الصبر ساحة .... وقد كنت أوصي الناس قبلك بالصبرِ
ومهما رأيت الشمس في رونق الضحى .... ذكرت أفول الشمس من ذلك القصرِ
وحيث حكوا للنهي والأمر صورة .... ذكرت اختلال النهي بعدك والأمرِ
لأن مناط الأمر بالعلم والحجا .... وقد دفنا مذ غبت عندك في القبرِ
إلى آخرها.

ومن قصيدة له مدح فيها الإمام الحسن بن عزالدين ومناصريه:
لواؤك منصور وبرجك طالعُ .... ووجهك وضاح ونورك ساطعُ
وفضلك مشهورٌ وكعبك معتلي .... وحلمك ممتدٌ وطيشك شاسعُ
وعلمك معروفٌ وجودك شاملٌ .... وعفوك مرجو وصدرك واسعُ
إلى آخرها.
ومن قصيدة له بعثها إلى ابن الناصر يستحثه فيها على استعادة أكثر بلاد الزيدية التي ملكها بنو طاهر ومنها ذمار، وذلك عند ما مات عبدالوهاب سلطان الدولة الطاهرية:
أبجد منك أن تقفا .... وانتشار الملك قد أزفا
وسعود النصر طالعةٌ .... وركام الفتح قد وكفا
والذي كنا نحدثه .... أن سيطوي الأرض قد عرفا
إن هذا وقت ذاك وما .... كذب الهبي إذ وصفا
يا لها من فرصة عرضت .... ما بها للناظرين خفا
من يضعها سوف يطلبها .... حين يضحي الوجه وهو قفا
إلى أن يقول في آخرها:
إن تضييعاً لفرصتها .... ما يراه ذو النهى نصفا
بل يراه كل معتبرٍ .... صارفاً للنجح بل صلفا
وفق الله المؤيد .... للمنجدات الغر أن يكفا
وتولاه وكان له .... ناصراً من دهره كنفا
وعلى الجملة فله عدد آخر من القصائد الشعرية التي ذكرها في كتابه هذا، وذكر سبب نظمها وإنشائها، يجدها القارئ الكريم عند قراءته للكتاب.

وفاة المؤلف
لم تذكر المصادر التي بين أيدينا تأريخ وفاة المؤلف، ولكن ذكر أنه انتهى من تأليف كتابه هذا (مآثر الأبرار) في سنة 916هـ.
قال السيد إبراهيم بن القاسم في الطبقات الكبرى في ترجمة المؤلف: كان تمام تأليفه (مآثر الأبرار) آخر نهار الأربعاء من شهر شعبان سنة ست عشرة وتسعمائة، ويضيف قائلاً: وفرغ ولده يونس بن محمد بن علي من نساخته في صفر سنة عشرين وتسعمائة فيحتمل أن يكون ووالده موجود، ويحتمل أنه قد توفي، والله اعلم، انتهى.

مصادر ترجمة المؤلف
طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث 2/1037-1038، تحقيق عبدالسلام عباس الوجيه.
لوامع الأنوار2/149 للمولى الحجة مجدالدين بن محمد المؤيدي.
الجامع الوجيز (خ) حوادث سنة 916هـ، للقاضي العلامة أحمد بن عبدالله الجنداري.
أعلام المؤلفين الزيدية ص 976-977 للسيد عبدالسلام الوجيه، ومنه:
مصادر الحبشي 330،426.
البدر الطالع 2/232.
فهرس الأوقاف 1805.
معجم المؤلفين 11/53.
إيضاح المكنون 2/418.
الجواهر المضيئة (خ).
مؤلفات الزيدية 2/44،411،407.

ترجمة العلامة داود بن الهادي (مؤلف ملحق البسامة المطبوع آخر هذا الكتاب)
هو داود بن الهادي بن أحمد بن المهدي بن عز الدين بن الحسن المؤيدي، وفي (طبقات الزيدية الكبرى القسم الثالث): داود بن أحمد بن الهادي...إلخ، عالم كبير، من أعيان علماء عصره، مولده سنة 980هـ.
قرأ علىعدة مشائخ من أشهرهم عبد العزيز بن محمد بن يحيى بهران، وتتلمذ عليه أفذاذ علماء عصره، كالقاضي أحمد بن سعد الدين المسوري، وله منه إجازة عامة، والقاضي أحمد بن علي بن أبي الرجال، والقاضي أحمد بن يحيى حابس، ومحمد بن يحيى الكليبي، وخلائق غيرهم، فكان بحق شيخ الشيوخ، وإماماً في العربية وغيرها من العلوم، وحليفاً للقرآن، وشاعراً مجيداً، توفي يوم الأربعاء لست بقين من شهر ربيع الأول سنة 1035هـ في درب الأمير الأعلى من وادي أقر المعروف اليوم بالقابعي جنوبي مدينة شهارة، حيث وصل لزيارة الإمام القاسم(ع) وصلى عليه الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم(ع) وقبره هناك، عليه قبة مشهورة مزورة.
وترجم له في (طبقات الزيدية الكبرى-القسم الثالث 1/233-235) وقال في ترجمته ما لفظه: قال القاضي:هو السيد العلامة، شيخ الشيوخ، كان من فضلاء أهل البيت وعلماؤهم، ومشيختهم، وذوي الأقدار فيهم، لا يتصدر أحد في مجلس هو فيه؛ لكمال علمه وفضله، وكان حليفاً للقرآن، وكان إماماً في العربية وغيرها، وكان كالأصل للعلماء في وقته، فإني أدركت المشائخ وقفوا بين يديه، وله(شرح على الأساس). انتهى.

وترجم له الشوكاني في (البدر الطالع1/246-247) وقال ما لفظه: ولد سنة 980هـ ثمانين وتسعمائة، وهو شيخ الشيوخ الزيدية في زمانه، وكان عالماً بعدة علوم، ومن تلامذته القاضي أحمد بن يحيى حابس، والقاضي أحمد بن سعد الدين وغيرهم ممن في طبقتهم، وله (شرح على أساس الإمام القاسم بن محمد). انتهى.
وقال القاضي أحمد بن عبد الله الجنداري في (الجامع الوجيز(خ) ) في حوادث سنة 1035هـ ما لفظه: فيها توفي السيد العلامة داود بن الهادي المؤيدي، له تصانيف منها: (شرح على الأساس) و(شرح على الفصول) وشرحه على (الأساس) أحسن شروحه، انتهى.
قلنا: ومن مؤلفات صاحب الترجمة:
الكوكب المضيء في الأغلاس المجلي لغوامض كتاب الأساس، شرح فيه كتاب الأساس في أصول الدين للإمام القاسم بن محمد، قال الحبشي: (خ) في مجلد بمكتبته الشخصية.
شرح على الكافل (ذكره السيد إبراهيم بن القاسم في الطبقات) لعله مرقاة الوصول الآتي.
ذيل البسامة وشرحه وهو المطبوع مع كتاب (مآثر الأبرار) هذا، وصل فيه إلى حوادث سنة 1024هـ، وأرخ فيه لسبعة أئمة في نحو عشرين بيتاً، وقام بشرحها بالكتاب المذكور.
مرقاة الوصول شرح معيار العقول في علم الأصول(خ)، ضمن مجموع بمكتبة السيد يحيى بن محمد عباس، وهو باسم (مرقاة الوصول إلى فهم معيار العقول) خط سنة 1033هـ، مصور بمكتبة السيد محمد بن عبد العظيم الهادي، أخرى خطت سنة 1031هـ، عليه قراءة لنجل المؤلف علي بن داود مكتبة العلامة عبد الرحمن شايم، أخرى نفس المكتبة في أولها ترجمة موسعة للمؤلف. رسالة في زكاة الهاشمي (ذكرها علي الفضيل في الأغصان) وغيرها (انظر أعلام المؤلفين الزيدية ص 421-422).

مصادر ترجمته
1- طبقات الزيدية الكبرى -القسم الثالث- 1/433-435.
2- البدر الطالع 1/246-247.
3- الجامع الوجيز (خ) حوادث سنة 1035هـ.
4- أعلام المؤلفين الزيدية ص 421-422، ومنه:
- مصادر الحبشي ص 85.
- المستطاب (خ) 2/165.
- مطلع البدور (خ).
- الجواهر المضيئة (خ).
- ذروة المجد الأثيل (خ) ص 80-82.
- بغية المريد (خ).
- مؤلفات الزيدية 1/500،501، 2/134،397.
- الأغصان في مشجرات أنساب ولد عدنان وقحطان ص 54.
- سيرة الإمام القاسم بن محمد (النبذة المشيرة ص 51).

خطوات التحقيق
قمنا بمقابلة المصفوفة على النسخة التي رمزنا لها (أ) وذلك للتأكد من سلامة النص وتقويمه، وتصحيح الأخطاء المطبعية، ثم قمنا بمقابلتها على النسخة التي رمزنا لها (ب) وأثبتنا ما اختلف بين النسختين في الهامش وأشرنا إلى مواقع الزيادة والنقصان فيهما، وأدرجنا في الهامش معظم وأغلب الحواشي التي كتبت في هامش النسختين من قبل آخرين غير المؤلف.
قمنا بتقطيع النص إلى فقرات، والفقرات إلى جمل، واستخدمنا في ذلك علامات الترقيم المتعارف عليها.
قمنا بعنونة مواضيع الكتاب، ووضعنا كل عنوان بين معقوفين هكذا [ ].
عند ذكر أخبار الأئمة وذكر سيرهم أو ذكر بعض المشاهير والذين لهم ذكر في الكتاب قمنا في الهامش بإثبات المراجع التي ترجمت لهم أو لهم ذكر فيها، كل ذلك بحسب الطاقة والإمكان وحسب المصادر التي بين أيدينا.
قمنا بتوثيق ما أمكننا من روايات الكتاب وعزوها إلى مصادرها.
تم مقارنة الكثير من نصوص الكتاب والتي عزاها المؤلف إلى مصادرها مع تلك المصادر، سواء كانت خطية أو مطبوعة والاشارة إلى مواقع الاختلاف بينها.
خرجنا الآيات القرآنية الشريفة.
خرجنا معظم الآحاديث النبوية الشريفة -على صاحبها وآله أفضل الصلاة والسلام- تخريجاً مختصراً.
ترجمنا لكثير من الشخصيات الواردة في الكتاب بشكل مختصر.

وصف النسخ التي اعتمدنا عليها
توفرت لدينا نسختان مصورتان من المخطوط:
الأولى مصورة على مخطوط بمكتبة آل الهاشمي بصعدة، فرغ من نساختها سنة 1033هـ، وهي بخط نسخي جيد، وعدد صفحاتها (353) صفحة، ومسطرتها تختلف في صفحاتها من 31-34 سطراً، ومقاسها: 28سم×19سم، مكتوب على صفحة العنوان تمليك لإبراهيم بن أحمد الهاشمي سنة 1330هـ، ثم تمليك لعبدالله بن إسماعيل الهاشمي سنة 1363هـ، وفي الصفحة قراءة للكتاب من إبراهيم بن صلاح الفضلي وذلك في شهر رمضان سنة 1163هـ.
قال في آخرها: (وكان الفراغ من تحريره ليلة الأربعاء تاسع من شهر محرم الحرام سنة ثلاث وثلاثين وألف برسم الفقيه، الفاضل الكامل، سليل الفقهاء والنجباء، عماد الدين يحيى بن صلاح الرتوه حببه الله لصالح الأعمال بحق محمد وآله خير آل، وكفاه نوايب الوقت والأهوال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم).
وفي أول المخطوط فوائد عديدة في مواضيع متفرقة وبخطوط مختلفة في صفحات عدة، وفي آخره ملحق البسامة مع شرحه للسيد داود بن الهادي بن أحمد المؤيدي، المتوفى سنة 1035هـ، في (21) صفحة، يلي ذلك فوائد متفرقة في صفحة واحدة، يلي ذلك ملحق البسامة في ذكر الإمامين القاسم بن محمد وولده المؤيد بالله عليهما السلام في صفحتين، للسيد أحمد بن محمد الشرفي، المتوفى سنة 1055هـ، يلي ذلك ملحق البسامة في ذكر الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم (ع) في صفحتين، للعلامة مهدي بن محمد المهلا، المتوفى سنة 1070هـ.

الثانية نسخة مصورة على مخطوط لحسن بن قاسم فاضل خط سنة 1376هـ، بقلم مالكه الفقيه حسن بن قاسم جبران بن محمد بن جبران بن صالح بن فاضل، الملقب الجريب، وهي بخط نسخي ممتاز جداً، عدد صفحاتها (488) صفحة، ومسطرتها تختلف في صفحاتها من 22-28 سطراً، ومقاسها 27سم×19سم، في صفحة العنوان قصيدة شعرية وهي مرثاة في العلامة أحمد بن عبدالله الحشحوش، وقصيدة أخرى وهي مرثاة في العلامة علي بن عبدالله بن حسين الشهاري، والقصيدتان بخط مالك المخطوط كتبهما بخطه الجميل.
قال في آخر النسخة ما لفظه: (وكان الفراغ من زبره وقت العصر يوم الأربعاء ثاني وعشرين جمادى الآخرة سنة 1376هـ ست وسبعين وثلاثمائة وألف، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، بخط مالكه أفقر عباد الله وأحوجهم إليه الراجي عفوه ومغفرته الفقيه حسن بن قاسم بن جبران بن صالح بن فاضل، الملقب الجريب، ساكن قرية السبيع من أوطان جمعة ابن فاضل بلد ولد عياش، الزيدي مذهباً، العياشي ثم الفاضلي بلداً، القحطاني نسباً، غفر الله له ولوالديه ولإخوانه المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وأسكنه وإياهم جنانه جنات تجري من تحتها الأنهار في جوار نبيه المختار، وأهل بيته المصطفين الأبرار بحوله وطوله، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين.
تم الكتاب ولست أحصي شكر من .... أولاني التمكين والإمهالا
وأمدني بلطائف من فضله .... وأعانني سبحانه وتعالى
ونعائم تنمو على طول المدى .... ومكارمٌ أنوارها تتلالا
رب تعالى جده وتقدست .... أسماءه حقاً وفاق كمالا

ثم قال في هامش الصفحة الأخيرة منها ما لفظه: (تم مطالعته ثانياً بعون الله ونسأله العون على الإعادة، وحرر يوم الربوع 13 صفر سنة 1389هـ.
حسن بن قاسم وفقه الله
ثم تم لي مطالعته ثالثاً في سلخ شوال سنة 1390هـ، حسن بن قاسم وفقه الله تعالى، ثم رابعاً في يوم 30شعبان سنة 1394هـ) انتهى. وفي آخرها (ملحق البسامة) للعلامة داود بن الهادي، ويقع في (26) صفحة من ص 489 إلى ص 514 نفس الخط والناسخ المذكورين في وصف النسخة(ب) وكذا تأريخ النسخ.
وفي الختام نسأل الله العلي القدير الحنان المنان ذا الجلال والإكرام، بديع السماوات والأرض أن يجعلنا لديه من المقبولين، وأن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يعتق رقابنا ورقاب والدينا وجميع أهلينا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات من النار بحوله وطوله وكرمه، وصلوات الله وسلامه على سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا نبينا محمد، صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، وسلم تسليماً كثيراً.
المحققان
عبدالسلام عباس الوجيه
خالد قاسم المتوكل

كلمة شكر
نتقدم بجزيل الشكر والتقدير للسيد العلامة المجتهد/ عبد الرحمن بن حسين بن محمد شايم المؤيدي اليحيوي الحسني الذي تكرم بمراجعة هذا الكتاب، ونبه على بعض الأخطاء، وأضاف بعض التعليقات التي نبهنا إليها حيث وجدت باسمه بقولنا: تمت من خط العلامة عبد الرحمن شايم.
كما نتوجه بالشكر والتقدير للأستاذ الفاضل محمد بن قاسم بن محمد المتوكل، والأستاذ الفاضل أحمد محمد عباس إسحاق اللذين بذلا معنا جهوداً كبيرة في المقابلة والتصحيح، وهو كذلك للأخ عبد الحفيظ بن حسن النهاري الذي بذل جهده في الإخراج والتنسيق فجزاهم الله خير الجزاء، ونسأله أن يتقبل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم.
المحققان

المؤرخون الزيديون ومصادر التأريخ الزيدي
لمزيد من الفائدة للقارئ الكريم نورد هنا قائمة بأسماء المؤرخين الزيديين وفهرست مؤلفاتهم في التاريخ والسير والتراجم منتزعة باختصار شديد من كتاب أعلام المؤلفين الزيدية.

حرف الألف
إبان بن تغلب بن رباح الجريري [...-141هـ] (ت/11).
كتاب (صفين)، كتاب (الفضائل)، كتاب (أخبار صفين والعصر الأول).
إبراهيم بن الحكم الفزاري [...- ق3هـ] (ت/9)
كتاب (خطب أمير المؤمنين)، كتاب (الملاحم).
إبراهيم بن زيد بن علي جحاف [1075- 1116هـ] (ت/13)
- اللالئ والمرجان في ذكر جماعة من الأعيان بالزمان (تأريخ وأدب).
- مآثر الآباء والأجداد وسيرهم الحميدة التي هي كنز الرشاد (تراجم).
- زهر الكمائم في محاسن العترة من آل القاسم (تأريخ وتراجم).
- الكواكب الزهرية في شرح كتاب نسمة السحر (تأريخ وتراجم).
إبراهيم بن عبد الله بن إسماعيل الحوثي الصنعاني [1087- 1223هـ] (ت/15)
- نفحات العنبر في تراجم نبلاء اليمن في القرن الثالث عشر.
- قرة النواظر بترجمة شيخ الإسلام عبد القادر بن أحمد وجميع مشائخه ومن أخذ عنه أو كاتبه من الأكابر.
إبراهيم بن عبد الله بن حسين القاسمي [...- ق14هـ]… (ت/16)
- جوهرة الأخبار في سيرة الأئمة الأخيار.
إبراهيم بن القاسم بن المؤيد بالله محمد بن القاسم [...- 1152هـ] (ت/21)
- طبقات الزيدية الكبرى، ويسمى (نسمات الأسحار في طبقات رواة الأخبار)، والثالث منه باسم (بلوغ المراد إلى معرفة الإسناد).
إبراهيم بن محمد بن أحمد المؤيدي (حوريه) [...- 1083هـ] (ت/24)
- الروض الباسم في أنساب آل القاسم الرسي.
- عقود الجوهر في علم أسانيد الأثر من طريق العترة الغرر وسائر أئمة البشر (إجازات وأسانيد).
إبراهيم بن محمد بن سعد الثقفي [...- 283هـ] (ت/28)
- (المغازي)، (السقيفة)، (الردة)، (مقتل عثمان)، (الشورى)، (بيعة أمير المؤمنين)، (الجمل)، (صفين)، (الحكمين)، (النهروان)، (الغارات)، (مقتل أمير المؤمنين)، (رسائل أمير المؤمنين وأخباره وحروبه)، (قيام الحسن بن علي)، (مقتل الحسين)، (التوابين وعين الوردة)، (أخبار المختار)، (فدك)، (أخبار عمر)، (أخبار عثمان)، (أخبار يزيد)، (أخبار ابن الزبير)، (التأريخ)، (الإمام زيد بن علي وأخباره)، (محمد النفس الزكية وإبراهيم)، (من قُتل من آل محمد)، (كتاب الحرورية)، (كتاب الدار)، (فضل الكوفة ومن نزلها من الصحابة).
صارم الدين إبراهيم بن محمد الوزير [ 834- 914هـ] (ت/30)
- البسامة، وتسمى (القصيدة المضيئة في سيرة الأئمة الأخيار) قصيدة عليها شروح كثيرة وذيول.
- الفلك الدوار (علوم الحديث) فيه الكثير من التراجم.
إبراهيم بن محمد بن علي الصنعاني [...- ق 8هـ]…(ت/31)
- إشراق الإصباح في فضائل الخمسة الأشباح (أهل الكساء).
إبراهيم بن ناصر بن إبراهيم الأصفهاني [...- بعد 461هـ] (ت/34)
- كتاب منتقلة الطالبين في ذكر من هاجر من آل أبي طالب ونزل سائر البلدان.
إبراهيم بن يحيى بن محمد السحولي الشجري [ 987- 1060هـ] (ت/39)
- الطراز المذهب في معرفة إسناد المذهب.
أحمد بن إبراهيم بن الحسن (أبو العباس الحسني)[...- 353هـ] (ت/42)
- كتاب (المصابيح) في سيرة الرسول وآل البيت (أتمه علي بن بلال).
أحمد بن أحمد بن محمد المطاع[ 1325- 1367هـ] (ت/48)
- تأريخ اليمن الإسلامي من سنة204هـ- سنة1006هـ (مطبوع).

أحمد بن إسماعيل بن صالح العلفي[...- 1282هـ] (ت/50)
- سلافة المعاصر في نبذة من سيرة الإمام الناصر عبد الله بن الحسن بن أحمد بن المهدي.
أحمد بن الحسن بن محمد الرصاص[...- 621هـ] (ت/62)
- الشهاب الثاقب في مناقب علي بن أبي طالب.
أحمد بن الحسن بن المطهر الجرموزي[ 1075- 1115هـ] (ت/63)
قلائد الجوهر في أنباء بني المطهر، (ترجم فيه جماعة من أهله).
أحمد حسين شرف الدين[ 1347هـ- معاصر] (ت/68)
- اليمن عبر التأريخ (طبع).
- تأريخ الفكر الإسلامي باليمن (طبع).
- تأريخ اليمن الثقافي (طبع).
أحمد بن حميد بن أحمد المحلي[...- 700هـ] (ت/76)
- محاسن الأزهار في مناقب الأئمة الأطهار (شرح قصيدة للإمام عبدالله بن حمزة).
أحمد بن سعد الدين بن الحسين المسوري[ 1007- 1079هـ] …(ت/82)
- مجموع في الإجازات والأسانيد.
- تحفة الأبرار المنتزعة من جلاء الأبصار في أخبار العترة الأطهار.
- الرسالة المنقذة من الغواية.
أحمد بن سهل الرازي[...- ق 4هـ]… (ت/84)
- أخبار فخ ويحيى بن عبد الله وإدريس بن عبد الله عليهم السلام (طبع).
أحمد بن شايع بن محمد اللوزي الدعامي[...- 1080هـ] (ت/86)
- سيرة الإمام الناصر الحسن بن علي بن داود من سنة986هـ-سنة993هـ.
أحمد بن صالح بن محمد بن أبي الرجال[1029- 1092هـ] (ت/88)
- مطلع البدور ومجمع البحور في تراجم الزيدية.
- تيسير الأعلام بتراجم تراجمة التفسير الأعلام.
- تعليق على مشجر صلاح بن الجلال.
- إنباء الأبناء بطريقة سلفهم الحسنى في تراجم أعيان أسرته، ويسمى (نسب آل أبي الرجال).

أحمد بن عبد القادر العجيلي الحفظي[ 1140- 1228هـ] (ت/100)
- ذخيرة المئال شرح جواهر اللآل في فضل الآل.
أحمد بن عبد الله بن أحمد الوزير[ 921- 985هـ] (ت/101)
- تأريخ السادات العلماء الكمل من بني الوزير.
أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الجنداري[ 1279- 1337هـ] (ت/108)
- رحيقة الأنهار في تراجم رجال الأزهار (طبع).
- إتحاف الإخوان بذكر الدعاة من قرناء القرآن.
- الجامع الوجيز بذكر وفيات العلماء ذوي التبريز.
- غاية القبض في ذكر أمان أهل الأرض.
- إظهار النفاق من أهل النصب والشقاق.
- الدرر المنتقاه في سيرة المتوكل على الله يحيى حميد الدين.
أحمد بن عبد الله بن عبد العزيز الضمدي[ 1174- 1222هـ]… (ت/109)
- الذهب المسبوك في ذكر من ظهر في المخلاف السليماني من الملوك.
أحمد بن عبد الله بن عبده حنش[...- 1180هـ تقريباً] (ت/110)
- النور المشرق في فتح المشرق وما به يلحق.
أحمد بن عبد الوهاب الوريث[ 1331- 1359هـ] (ت/113)
- نبذة في تأريخ اليمن قبل الإسلام.
- ترويح الطالب وروض الراغب في بيان فضيلة علي بن أبي طالب.
- كتاب التأريخ الابتدائي.
أحمد بن عبد الله الثقفي [...- 319هـ] (ت/114)
- المبيضة في أخبار مقاتل آل أبي طالب.
- الرسالة في تفضيل بني هاشم ومواليهم وذم بني أمية وأتباعهم.
- أخبار حجر بن عدي.
- أخبار سليمان بن أبي شيخ.
- أخبار أبي نواس.
- أخبار أبي العتاهية ومختار في شعره.
- أخبار عبد الله بن معاوية الجعدي.
- مثالب أبي خراش.
أحمد بن علي بن محمد العقيقي[...- 280هـ] (ت/125)
- كتاب تأريخ الرجال.
أحمد بن قاسم بن أحمد الشمط الأهنومي[ 1288- 1373هـ] (ت/135)
- مختصر الفلك الدوار.
- الأنوار البهية الساطعة من اللآلئ المضيئة مع اللواحق الندية.
أحمد بن أبي القاسم بن صلاح[...- ق 9هـ] … (ت/137)
- سلوة الأحزان في سيرة أهل البيت عليهم السلام وأخبارهم الحسان.
أحمد بن لطف الباري الزبيري[ 1233- 1276هـ] (ت/143)
- نبذة في التراجم مرتبة على حروف المعجم.
أحمد بن محمد بن الحسن الحيمي [1073- 1151هـ] (ت/146)
- طيب السمر في أوقات السحر (أدب وتراجم).
- تحقيق من عرف بالرحلة إلى بلاد الشرف.
أحمد بن محمد بن أحمد الجرافي[ 1280- 1316هـ] (ت/148)
- مختصر طيب السمر.
- المختصر من نفحات العنبر.
- ترجمة العلامة عبد الكريم بن عبد الله أبو طالب.
- حوليات في التأريخ من مطلع سنة1307هـ- سنة1316هـ (طبع).
أحمد بن محمد الذماري[...- ق 13هـ] (ت/154)
- كتاب تأريخ ترجم فيه لعلماء عصره من أهل ذمار وصنعاء وتهامة.
الحافظ البحر أحمد بن محمد بن عقدة الزيدي[ 249- 232هـ] (ت/156)
- كتاب التأريخ الكبير ذكر فيه من روى الحديث من الناس كلهم وأخبارهم ولم يكمله.
- أخبار أبي حنيفة النعمان ومسنده.
- أسماء من روى عن علي بن أبي طالب ومسنده.
- الشيعة من أصحاب الحديث.
- صلح الحسن ومعاوية.
- فضائل علي عليه السلام.
- مسند عبد الله بن بكير بن أعين.
- كتاب من روى عن علي -عليه السلام- أنه قسيم الجنة والنار.
- كتاب من روى عن أبي جعفر محمد الباقر وأخباره.
- كتاب من روى عن علي بن الحسين -عليه السلام- وأخباره.
- كتاب من روى عن الحسن والحسين عليهما السلام.

- كتاب من روى عن زيد بن علي ومسنده.
- كتاب من روى عن فاطمة الزهراء -عليها السلام- من أولادها.
- كتاب من روى عن الإمام الصادق أربعة آلاف رجل يذكر الرجل والحديث الذي رواه.
- كتاب يحيى بن زيد بن علي وأخباره.
- كتاب تسمية من شهد مع أمير المؤمنين حروبه من الصحابة والتابعين.
- كتب في طرق أحاديث (المنزلة)، (الراية)، (الشورى)، (الطائر)، (فضل الكوفة).
- كتاب الولاية ومن روى يوم غدير خم.
- كتاب السنن وغيره.
أحمد بن محمد بن صلاح الشرفي[ 975- 1055هـ] (ت/158)
- اللآلئ المضيئة في أخبار أئمة الزيدية (شرح البسامة وذيلها) ثلاثة مجلدات (تحت الطبع).
أحمد بن محمد الضبوي[...- 1115هـ] (ت/159)
- قلائد الجوهر في سيرة الإمام الناصر (أرجوزة كبيرة في التأريخ) ضمنها سيرة صاحب المواهب في دعوة سنة1097هـ- سنة1107هـ.
أحمد بن محمد بن عبد الله الوزير[ 1335- معاصر] (ت/161)
- كتاب عن الإمام محمد بن عبد الله الوزير (طبع).
- كتاب عن حياة الأمير علي بن عبد الله الوزير (طبع).
أحمد بن محمد بن عبد الهادي قاطن[ 1118- 1199هـ] (ت/162)
- إتحاف الأحباب بدمية القصر الناعتة لمحاسن بعض أهل العصر.
- الأعلام بأسانيد كتب أهل البيت عليهم السلام.
- تحفة الإخوان بسند سنّة سيد ولد عدنان.
- قرّة العيون في أسانيد الفنون.
- النفحات الغوالي بالأسانيد العوالي.
- مختصر الإصابة لابن حجر.
أحمد بن محمد بن محمد الشامي[ 1342هـ- معاصر] (ت/173)
- شعراء اليمن في الجاهلية والإسلام (من اسمه إبراهيم).
- جناية الأكوع على ذخائر الهمداني.
- الإمام أحمد حميد الدين.
- تأريخ اليمن الفكري في العصر العباسي.
- رياح التغيير في اليمن وغيرها (مطبوع).
أحمد بن محمد بن محمد زبارة[ 1325- 1421هـ] (ت/177)
- تكملة نزهة النظر في رجال القرن الرابع عشر لوالده.
أحمد بن يحيى بن أحمد العجري[...- 1347هـ] (ت/191)
- الدرر المضيئة في أنساب العترة المؤيدية.
- ذروة المجد الأثيل فيمن قام ودعا من أولاد المؤيد بن جبريل.
- المشكاة النورانية في المقبورين غربي المقبرة الضحيانية.
أحمد بن يحيى حابس الصعدي[...- 1061هـ] (ت/193)
- مجموع في الإجازات والأسانيد.
- المقصد الحسن والمسلك الواضح السنن.
أحمد بن يحيى ساري الأعضب[...- ق 13 هـ تقريباً] (ت/196)
- الدر المنثور في أنساب السادة والشيعة في حوث.
الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى[ 775- 840هـ] (ت/199)
- كتاب الملل والنحل وشرحه المنية والأمل.
- الجواهر والدرر في سيرة سيد البشر وشرحه يواقيت السير.
- تحفة الأكياس بسيرة آل أمية والعباس.
- ذكر الأمجاد من الآباء والأجداد.
- ضياء القمر في شرح سيرة العترة الزهر.
إدريس بن علي بن عبد الله الحمزي[...- 714هـ] (ت/106)
- كنز الأخيار في معرفة السير والأخبار.
- السبول في فضائل البتول بنت الرسول.
إسحاق بن يوسف بن المتوكل على الله إسماعيل[1111- 1172هـ] (ت/211)
- الثغر الباسم في تراجم أعيان العصر من آل القاسم.
إسماعيل بن أحمد بن علي المتوكل[...- ق 13هـ] (ت/220)
- مختصر طيب الكساء.
- ذيل أنباء الزمن.
إسماعيل بن إسماعيل بن يحيى المروني[ 1293- 1366هـ] (ت/222)
- سلوة الغرباء عن الأوطان (تأريخ لحياته وحوادث القتال مع الأتراك سنة1316هـ إلى سنة1350هـ).
إسماعيل بن الحسن بن الحسن جغمان[ 1212- 1256هـ] (ت/227)
- العقد الذي انتضد بذكر من قام من العترة النبوية لا من قعد.
إسماعيل بن محمد بن الحسن بن القاسم[...- 1080هـ] (ت/243)
- صمد اللآل في شعراء الآل.
إسماعيل بن محمد بن علي فايع[ 1106- 1188هـ] (ت/246)
- ذيل البسامة في التأريخ.

حرف الجيم
جابر بن زيد بن الحارث الجعفي[...- 128هـ] (ت/256)
- كتاب مقتل أمير المؤمنين.
- كتاب الجمل.
- كتاب مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.
- كتاب النهروان.
- كتاب صفين.
جعفر بن محمد بن جعفر الحسني[ 222- 308هـ] (ت/259)
- التأريخ العلوي- الصخرة والبئر.

حرف الحاء
الحسن بن أحمد بن صلاح الحيمي [...- 1070هـ] (ت/274)
- الرحلة إلى الحبشة، ويسمى (حديقة النظر وبهجة الفكر في عجائب السفر).
حسن بن أحمد بن حسن الإرياني[ 1319- 1388هـ] (ت/276)
- صادق التحقيق بما حدث في قبيلتي حاشد والزرانيق.
- سبحة المرجان في تراجم علماء إريان.
الحسن بن أحمد بن عبد الله عاكش الضمدي[ 1221- 1289هـ] (ت/277)
- حدائق الزهر في ذكر أشياخ أعيان العصر والدهر.
- عقود الدرر في تراجم رجال القرن الثالث عشر.
- الديباج الخسرواني في ذكر أعيان المخلاف السليماني.
- الذهب المسبوك في سيرة سيد الملوك (حسن بن علي حيدرة).
- الدر الثمين في ذكر مناقب ووقائع أمير المسلمين (عائض بن محمد وابنه محمد).
- نزهة الظريف بذكر دولة أولاد الشريف (أكمل به حوادث نفح العود لشيخه البهكلي).
الحسن بن الإمام أحمد بن يحيى المرتضى[...- 840هـ] (ت/283)
- كنز الحكماء وروضة العلماء في سيرة والده الإمام المهدي.
الحسن بن بدر الدين بن محمد [ 616- 670هـ] (ت/288)
- أنوار اليقين في إمامة أمير المؤمنين.
الحسن بن الحسن بن حيدرة الذماري[ 1170- 1221هـ] (ت/292)
- مطلع الأقمار ومجمع الأنهار في تراجم المشاهير من علماء ذمار ومن أخذ بها من علماء البوادي والأمصار.
الحسن بن الحسن بن القاسم عدلان[...- 1329هـ] (ت/294)
- الأعلام الرفيعة في أنصار الأئمة ورجال الشيعة.
الحسن بن الحسين العرني الكوفي[...- ق 3هـ] (ت/298)
- كتاب عن الرجال.
الحسن بن عبد الرحمن بن أحمد الكوكباني[ 1179- 1265هـ] (ت/305)
- المواهب السنية والفواكه الجنية من أغصان الشجرة المهدية والمتوكلية (في أولاد الإمام المهدي والإمام شرف الدين).
الإمام الناصر الحسن بن علي الأطروش[ 230- 304هـ] (ت/316)
- (أنساب الأئمة وموالدهم)، (فدك والخمس)، (الشهداء وفضل أهل الفضل منهم)، (فصاحة أبي طالب)، (معاذير بني هاشم فيما نقم عليهم)، (الظلامة الفاطمية).
الحسن بن محمد بن علي الزريقي[ 896- 960هـ] (ت/340)
- الإجازات في تصحيح أسانيد الروايات ويسمى (ثبت الزريقي).
- سيرة الإمام المتوكل شرف الدين.

الحسن بن محمد بن يحيى (ابن أخي أبي الطاهر النسابة)[260-358هـ] (ت/343)
- كتاب المثالب وكتاب النسب.
الحسين بن أحمد بن صالح العرشي [1276- 1329هـ] (ت/356)
- بلوغ المرام في شرح مسك الختام فيمن تولى اليمن من ملك وإمام.
- بهجة السرور في سيرة الإمام المنصور محمد بن يحيى حميد الدين.
- الدر المنتظم فيما كان بين العرب والعجم (الحرب بين الأتراك وأهل اليمن).
الحسين بن أحمد بن يعقوب[...- ق 4هـ] (ت/359)
- سيرة المنصور بالله القاسم بن علي العياني.
الحسين بن الحسين الروسي الأهنومي[...- بعد1161هـ تقريباً] (ت/364)
- البراهين المضيئة في السيرة المنصورية (سيرة الإمام المنصور الحسين بن القاسم).
أبو الحسين الزاهد الناصري[...- ق 4هـ] (ت/366)
- النضائر في سيرة الإمام الناصر.
د. حسين بن عبد الله بن حسين العمري[ 1363هـ- معاصر] (ت/375)
- مائة عام من تأريخ اليمن الحديث.
- المؤرخون اليمنيون في العصر الحديث.
- الأمراء المماليك والعبيد في اليمن.
حسين العلفي[...- ق 10هـ] (ت/378)
- الجزء الأول من سيرة الإمام شرف الدين.
حسين بن علي بن أحمد الويسي [ 1320- 1382هـ] (ت/379)
- كتاب اليمن الكبرى (تأريخ وجغرافيا).
- رحلة سمو ولي العهد أحمد في أنحاء اليمن.

الحسين بن القاسم بن الحسن القاسمي[...- معاصر ] (ت/387)
- تراجم علماء السادة.
- ترتيب نيل الحسنيين.
الحسين بن ناصر بن عبد الحفيظ المهلا[...- 1111هـ] (ت/394)
- حسنة الزمان في أعيان الأوان.
- شرح زهور أغصان الياسمين في فضائل مولانا محمد بن الحسين.
- مطمح الآمال في إيقاظ جهلة العمال.
الحسين بن يحيى بن إبراهيم الديلمي[ 1149- 1249هـ] (ت/395)
- جلاء الأبصار في شمائل النبي المختار.
- نيل المراد في الإسناد.
حمزة بن القاسم العلوي[...- 335هـ] (ت/399)
- كتاب من روى عن جعفر بن محمد من الرجال.
حمود بن محمد بن أحمد الدولة[ 1305- 1385هـ] (ت/403)
- إرشاد الطلب إلى تحقيق المذهب.
- ذيل مطلع الأقمار في علماء ذمار.
- زورق الحلوى في سيرة أمير الجيش وقائد اللواء علي بن عبد الله الوزير (طبع).
حمود بن محمد بن عبد الله شرف الدين[ 1358- 1417هـ] (ت/404)
- الكواكب المضيئة ذيل التحفة السنية (تراجم).
حميد بن أحمد بن محمد المحلي الشهيد[ 582- 652هـ] (ت/408)
- الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية.
- محاسن الأزهار في فضل مناقب العترة الأطهار.

حرف الدال
داود بن الهادي بن أحمد المؤيدي[ 990- 1035هـ] …(ت/417)
- ذيل البسامة ووصل فيه إلى حوادث سنة1024هـ وأضاف إلى الأصل تأريخ سبعة أئمة.
- شرح السيرة، ولعله شرح الذيل السابق.

حرف الزاي
زيد بن صالح بن محمد بن أبي الرجال[...- 1117هـ] (ت/427)
- الروض الزاهر شرح نزهة البصائر في سيرة الإمام الناصر (محمد بن أحمد بن الحسين). ويسمى (النفحات الوردية في السيرة الهادية المهدية) شرح أرجوزة الشاعر المرهبي.

حرف السين
سعد بن محمد بن عبد الله الشرقي[ 1250- 1335هـ] (ت/449)
- قلائد النحور في سيرة إمامنا المتوكل على الله يحيى المنصور.
سليم بن أبي الهذام بن سالم الناصري[...-...] (ت/461)
- الأزهار في مناقب إمام الأبرار وصي النبي المختار.
سليمان بن يحيى الثقفي[...- ق 6هـ] (ت/468)
- سيرة الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان المتوفى سنة566هـ.
سهل بن عبد الله أبو نصر البخاري[...- ق 7هـ] (ت/470)
- سر السلسلة العلوية.

حرف الشين
شهردوير بن بهاء الدين يوسف الديلمي[...- ق 5هـ] (ت/479)
- سير الأئمة.

حرف الصاد
صلاح بن إبراهيم بن تاج الدين[...- بعد سنة702هـ] (ت/496)
- الكواكب الدرية في النصوص على إمامة خير البرية.
صلاح بن جلال بن صلاح الجلال[ 744- 810هـ] (ت/499)
- مشجر في أنساب العترة الطاهرة باليمن.
- مجموع إجازاته وأسانيده.
صلاح بن داود بن علي بن داعر المرهبي[...- ق 10هـ ] (ت/501)
- سيرة الإمام يحيى شرف الدين.
- نبذة في أحوال ملوك اليمن من سنة907-933هـ.

حرف الطاء
أبو طالب الفارسي[ ق 5هـ ] (ت/510)
- سيرة الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني.
- مجلس الغدير في فضائل أمير المؤمنين.

حرف العين
عامر بن محمد بن عبد الله عامر الحسني[ 1062- 1135هـ] (ت/516)
- بغية المريد وأنس الفريد في أنساب ذرية السيد علي بن محمد الأملحي بن علي الرشيد (تأريخ، تراجم).
عباد بن يعقوب الرواجني الأسدي[...- 250هـ] (ت/520)
- مناقب آل البيت.
- أخبار المهدي عليه السلام.
- المعرفة في معرفة الصحابة.
عباس بن أحمد بن محمد الخطيب المتوكل[ 1352هـ- معاصر] (ت/522)
- مشجر أنساب الهاشميين باليمن.
- مجموع تراجم علماء شهارة.
القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني[ 325- 415هـ] (ت/527)
- فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة.
عبد الحفيظ بن عبد الله بن المهلا الشرفي النيسائي[...- 1077هـ] (ت/529)
- تتمة كتاب الأوائل للعسكري.
- علم الإفادة في تأريخ الأئمة السادة.
عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين الخزاعي[...- 510هـ] (ت/533)
- سفينة النجاة في مناقب أهل البيت.
- عيون الأخبار.
عبد الرحمن بن الحسن بن علي البهكلي التهامي[ 1148- 1224هـ] (ت/534)
- خلاصة العسجد في أيام الشريف محمد بن أحمد.
عبد الرحمن بن حسين بن إسماعيل سهيل الصعدي[ 1322- 1359هـ] (ت/535)
- بغية الأماني والأمل في تراجم أولي العلم والعمل.
عبد الرزاق بن محسن بن محمد الرقيحي[ 1266- 1323هـ] (ت/547)
- أنساب السادة الحسنيين والحسينيين باليمن.
- تأريخ الزمان فيما استجد من الحوادث بعد سنة ثمان (أي بعد تولي المنصور محمد بن يحيى سنة1307هـ).
عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر البقال[ 272- 363هـ] (ت/550)
- طبقات الشيعة، ويسمى (إسناد المذهب الزيدي).

عبد الكريم بن إبراهيم الأمير[ 1330- معاصر] (ت/561)
- القسم الأخير من سيرة الإمام يحيى.
عبد الكريم بن أحمد مطهر الصنعاني[ 1304- 1366هـ] (ت/562)
- كتيبة الحكمة في سيرة إمام الأئمة (سيرة الإمام يحيى).
عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الله الضوء[ 1386هـ - معاصر] (ت/564)
- سلسلة أئمة الزيدية تراجم خمسة عشر إماما،ً من الإمام علي إلى الإمام الهادي.
عبد الكريم بن عبد الله بن أحمد العنثري[...- 1329هـ] (ت/565)
- عقد الجمان في تراجم علماء ضحيان وما تفرع عن علمائها إلى سائر البلدان.
عبد الكريم بن عبد الله بن محمد أبو طالب[ 1224- 1309هـ] (ت/566)
- العقد النضيد في بعض ما اتصل من الأسانيد.
- طيب السمر المنتخب من نفحات العنبر.
عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن
أبي طالب[...- ق 3هـ] (ت/568)
- كتاب خروج الإمام محمد بن عبد الله النفس الزكية ومقتله.
- كتاب خروج الإمام الحسين بن علي صاحب فخ ومقتله.
عبد الله بن أحمد العماري[...- ق 13هـ] (ت/578)
- الدرة اللؤلؤية في السيرة المتوكلية (سيرة الإمام المتوكل محمد بن يحيى المتوفى سنة1266هـ).
عبد الله بن الحسن بن أبي عبد الله أبو الغنائم النسابة[...- ق 5 هـ] (ت/582)
- نزهة عيون المشتاقين إلى وصف السادة الغر الميامين (أنساب ومشجرات).
عبد الله بن الحسن بن علي المتوكل[ 1165- 1210هـ] (ت/586)
- أنس الفريد (جمع فيه أنساب أولاد جده المتوكل إسماعيل).
عبد الله بن الحسن بن يحيى القاسمي الضحياني[ 1307- 1375هـ] (ت/588)

- الجداول الصغرى المختصرة من الطبقات الكبرى (تراجم).
- الجواهر المضيئة في تراجم رجال الحديث عند الزيدية (تراجم).
- سيرة الإمام الهادي الحسن بن يحيى القاسمي (سير).
الإمام عبد الله بن حمزة الحسني اليمني[ 561- 614هـ] (ت/592)
- كتاب الشافي (تأريخ وتراجم وغيره).
عبد الله بن عبد الكريم بن محمد الجرافي[ 1319- 1401هـ] (ت/604)
- تحفة الإخوان بحلية علامة الزمان (ترجمة موسعة لشيخه الحسين بن علي العمري) (تراجم).
- أنباء اليمن ونبلائه بعد الألف (تأريخ وتراجم).
- المقتطف من تأريخ اليمن. طبع (تأريخ).
عبد الله بن عبد الوهاب بن محمد الشماحي[ 1325- 1406هـ] (ت/609)
- اليمن الإنسان والحضارة (تأريخ).
عبد الله بن علي بن الحسين (أبو علامة الإمام)[ 935- 1017هـ] (ت/613)
- مشجر جامع في الأنساب.
عبد الله بن علي بن عبد الرحيم العنسي[...- 1301هـ] (ت/614)
- تحفة الفكر ونزهة النظر في سيرة الإمام المجدد على رأس المائة الثالثة عشر (سير).
- سيرة الإمام محمد بن عبد الله الوزير المتوفى سنة1301 (سير).
- سيرة الإمام الهادي شرف الدين محمد (سير).
عبد الله بن علي بن لطف الله الغالبي[...- 1276هـ] (ت/615)
- العسجد المنظوم في أسانيد العلوم ويسمى العسجد المنظوم (إجازات وأسانيد).
عبد الله بن علي بن محمد الوزير[ 1074- 1144هـ] (ت/616)
- جامع المتون في أخبار اليمن الميمون (تأريخ).
- الروض الباسم النظير ذيل على البسامة (تأريخ).
- طبق الحلوى وصحائف المن والسلوى (تأريخ).

- نشر العبير المودع طي نسمات التحرير بفضائل علامة العصر الأخير (علي بن يحيى البرطي) (سير).
عبد الله بن علي بن محمد بن علي الضمدي[...- نحو 1057هـ] (ت/618)
- العقيق اليماني في وفيات وحوادث المخلاف السليماني (تأريخ).
- الوافي بوفيات الأعيان المكمل لغربان الزمان (تراجم).
عبد الله بن عمر الهمداني [...- ق 4هـ] (ت/619)
- سيرة الإمام الناصر للحق أحمد بن الإمام الهادي يحيى بن الحسين (سير).
عبد الله بن عيسى بن محمد شرف الدين[ 1175- 1224هـ] (ت/620)
- ريحان الروح في إملاء محاسن المولى الروح (ترجمة لوالده) (تراجم).
- الحدائق المطلعة من زهور أبناء العصر شقائق (تراجم).
- شمامة الخاطر في ترجمة محمد بن الحسن بن عبد القادر (تراجم).
- اللواحق على الحدائق المطلعة.
عبد الله بن محسن العزب الحيمي[ 1331- 1365هـ] (ت/626)
- تأريخ اليمن الحديث (طبع سنة1400هـ).
عبد الله بن محمد بن أبي القاسم النجري[ 825- 877هـ] (ت/635)
- جلاء قلوب العارفين في حكايات الأولياء والصالحين.
عبد الله بن الهادي بن إبراهيم الوزير[...- 840هـ] (ت/644)
- سيرة أئمة أهل البيت (الهادي وولديه والمختار وأولاد الناصر والداعي يوسف بن الناصر).
- تأريخ بني الوزير (الروض الأغن).
عبد الله بن الهادي بن الإمام يحيى بن حمزة[...- نحو 793هـ] (ت/645)
- أخبار صفين.
- سيرة الإمام يحيى بن حمزة وأولاده (سير).
عبد الله بن الإمام يحيى شرف الدين[ 913- 973هـ] (ت/648)
- تراجم فضلاء الزيدية، ويقال (طبقات الزيدية) (تراجم).

- فتح العلي الحق في شرح قصيدة قصص الحق لوالده (سيرة).
عبد الملك بن أحمد بن قاسم حميد الدين [...- معاصر] (ت/651)
- الروض الأغن في معرفة المؤلفين باليمن ومؤلفاتهم في كل فن (مطبوع).
- سيرة سيف الإسلام أحمد بن قاسم حميد الدين.
- سيرة أئمة اليمن.
عبد الملك بن محمد بن حسين الآنسي [ 1238- 1315هـ] (ت/653)
- إتحاف ذوي الفطن بمختصر أخبار اليمن.
- إنعام الأنعام في الرحلة إلى بيت الله الحرام.
- نبذة في وفيات الأعيان من سنة(1172-1315ه‍).
عبد الواسع بن يحيى الواسعي[ 1295- 1379] (ت/657)
- فرجة الهموم والحزن في تأريخ اليمن (مطبوع).
- الدر الفريد الجامع لمتفرقات الأسانيد (مطبوع).
عببد الله بن أحمد بن أبي زيد ( أبو طالب الأنباري)[...-356] (ت/663)
- أسماء أمير المؤمنين.
- أخبار فاطمة الزهراء عليها السلام.
- فرق الشيعة.
- فدك وغيرها.
عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي الكوفي [ 120- 213هـ] (ت/665)
- المسند على تراجم الرجال (حديث وتراجم).
عثمان بن علي بن محمد الوزير[1052- 1132هـ] (ت/666)
- انتهاز الفرص شرح القصص (قصيدة الإمام شرف الدين) في السيرة.
- أطراف السلسلة التي هي بأكناف النبوة والولاية منوطة ومتصلة (في أنساب الأشراف باليمن).
علي بن إبراهيم بن محمد، أبو الحسن الجواني[ ق 3 هـ] (ت/678)
- أخبار فخ.
- أخبار يحيى بن عبد الله بن الحسن.
علي بن أحمد بن علي العقيقي[ ق 3 هـ] (ت/683)
- رجال العقيقي.
علي بن بلال الآملي، أبو الحسن[ ق 5هـ] (ت/695)
- تتمة كتاب المصابيح في السيرة لأبي العباس الحسني.

علي بن الحسن بن علي الحجازي الصعدي[ ق 14هـ] … (ت/702)
- سيرة الإمام المنصور بالله محمد حميد الدين.
علي بن الحسين بن علي المسعودي[...-346هـ] (ت/707)
- أخبار الأمم من العرب والعجم.
- أخبار الزمان ومن أباده الحدثان.
- أخبار الخوارج.
- مروج الذهب (مطبوع).
علي بن الحسين بن محمد، أبو الفرج الأصبهاني[ 284- 356هـ] (ت/709)
- مقاتل الطالبيين.
- الأغاني.
- الإماء الشواعر.
- أخبار الطفيليين.
- أخبار حجضة البرمكي.
- المماليك الشعراء وغيره.
علي بن حميد بن أحمد الأنف القرشي[...-356هـ] (ت/713)
سيرة والده الشهيد حُميد.
علي بن سليمان بن حمزة الحمزي، ابن الزفوف[...- ق 9هـ] (ت/723)
- سيرة الناصر صلاح الدين محمد بن علي المتوفى سنة793هـ.
علي بن سليمان الكوفي[ق 3هـ] (ت/726)
- مناقب أهل البيت وفضائلهم.
علي بن صلاح الدين بن علي الكوكباني[ 1120- 1191هـ] (ت/730)
- إتحاف الخاصة بتصحيح الخلاصة (خلاصة تهذيب الكمال).
- المختصر المستفاد من تأريخ العماد (مختصر أنباء الزمن).
علي بن عبد الرحمن بن الحسن البهكلي[ 1073- 1114] (ت/735)
- العقد المفصل بالنوادر والغرائب الحادثة في دولة الشريف أحمد بن غالب.
علي بن عبد الله بن أحمد الجلال[ 1169- 1225هـ] (ت/739)
- التأريخ المختصر في التراجم إلى سنة821هـ.
علي بن عبد الله ساري الحوثي[...- 1400هـ] (ت/740)
- التحف السنيات في تشجير من بحوث من السادات.
علي بن عبد الله بن علي الإرياني[ 1271- 1323هـ] (ت/743)
- الدر المنثور في سيرة الإمام المنصور محمد بن يحيى بن حميد الدين (مطبوع).

- الإفادة في ذكر الأئمة السادة (قصيدة في التأريخ).
علي بن عبد الله بن القاسم بن المؤيد الشهاري[...- ق 12هـ] (ت/746)
- دليل المختار على خلفاء المختار.
- المقصد الأقرب إلى معرفة المذهب.
علي بن عبد الكريم بن محمد الفضيل[ 1346هـ- معاصر] (ت/747)
- الأغصان في الأنساب (لمحات من التأريخ).
علي بن عيسى بن لطف الله شرف الدين[...- 1480هـ] (ت/753)
- ذيل كتاب روح الروح في التاريخ إلى حوادث سنة1079هـ.
علي بن قاسم حنش الذيبيني[ 1143- 1219هـ] (ت/754)
- تتمة تأريخ طيب الكساء إلى سنة1189هـ.
- سيرة الإمام المهدي عباس بن الحسين.
علي بن محمد بن أحمد العابد[...- نحو 1189هـ] (ت/758)
- تهذيب الزيادة لتأريخ الأئمة السادة إلى أيام المهدي عباس سنة1184هـ.
علي بن محمد بن أحمد الجرافي[ 1264- 1338هـ] (ت/759)
- نبذة في تأريخ اليمن من سنة1265هـ.

علي بن محمد بن علي العمري الشجري بن الصوفي
النسابة [...- نحو 425هـ] (ت/767)
- المبسوط في الأنساب.
- المجدي في أنساب الطالبيين.
- المشجرات في الأنساب.
علي بن محمد بن يحيى سلامة الصنعاني[...- 1090هـ] (ت/775)
- سيرة الإمام القاسم بن محمد.
علي بن محمد بن يحيى العجري[ 1320- 1407هـ] … (ت/777)
- مجموع في ذكر محدثي الشيعة غالبهم من طبقات الزيدية.
الإمام علي بن المؤيد بن جبريل[ 757- 836هـ] (ت/781)
- اللآلئ المضيئة في مراتب أئمة الزيدية.
علي بن نشوان بن سعيد الحميري[...- نحو 614هـ] (ت/784)
- سيرة الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة.

عمر بن الحسن الشيباني (أبو الحسين الأشناني)[ 259- 339هـ] (ت/799)
- كتاب فضائل أمير المؤمنين.
- كتاب مقتل الحسين.
عمران بن الحسن بن ناصر الشتوي[...- نحو 630هـ] (ت/801)
- التبصرة في التأريخ.
عيسى بن لطف الله بن المطهر شرف الدين[ 986- 1084هـ] (ت/806) …
- الأنفاس اليمانية في الدولة المحمدية (تأريخ اليمن في ظل حكم الوزير التركي محمد باشا من سنة1025هـ إلى سنة1031هـ.
- روح الروح فيما حدث بعد المائة التاسعة من الفتن والفتوح (تأريخ).
غياث بن إبراهيم التميمي[...- 148هـ] (ت/810)
- كتاب مقتل أمير المؤمنين.

حرف الفاء
فاضل بن عباس بن علي بن دعثم[...- ق 7هـ] (ت/811)
- السيرة المنصورية (سيرة الإمام عبد الله بن حمزة).
الفضل بن دكين بن حماد التيمي[ 130- 219هـ] (ت/815)
- تسمية ما انتهى إلينا من الرواة.

حرف القاف
القاسم بن الحسن بن المطهر الجرموزي[ 1080- 1146هـ] (ت/824)
- صفوة العاصر في أدب المعاصر.
- نزهة الفطن في ملوك اليمن.
- عقد الجواهر البهية في معرفة المملكة اليمنية.
القاسم بن الحسين أبو طالب[ 1291- 1380هـ] (ت/827)
- بلوغ غاية الأشواق في ذكر السفر إلى العراق.
- تراجم الثلاثة البدور العلماء (العراسي - الجرافي- الكبسي).
- حديقة النظر في ذكر أحوال السفر.
- محادثة الجليس بصفة العزم إلى ابن إدريس.
- مذاكرة في سند أنوار اليقين.
- نديم إخواني في ذكر أحوال زماني.
أبو القاسم بن محمد الشقيف[...- نحو 760هـ] (ت/835)
- جلاء قلوب العارفين في حكايات الأولياء والصالحين، ونسب إلى غيره.

حرف اللام
لطف الله بن أحمد بن لطف الله جحاف[ 1179- 1243] (ت/851)
- التأريخ الجامع (ذيل أنباء الزمن).
- درر نحور الحور العين بسيرة الإمام المنصور وأعلام دولته الميامين.
- العباب في تراجم الأصحاب.
- قرة العين بالرحلة إلى الحرمين.
لوط بن يحيى بن سعيد (أبو مخنف الأزدي)[...- 157هـ] (ت/855)
- أخبار زياد.
- أخبار المختار.
- أخبار الحجاج.
- أخبار محمد بن أبي بكر.
- أخبار محمد بن الحنفية.
- أخبار يوسف بن عمر وخالد بن عبد الله القسري.
- أخبار شبيب الخارجي وعبد الله بن مسرح.
- أخبار المطرف بن مغيرة بن شعبة.
- أخبار آل مخنف بن سليم.
- أخبار الحريث بن الأسدي وخروجه.
- أهل النهروان والخوارج.
- حديث الأزارقة.
- الحكمين.
- الردة، صفين، الغارات، فتوح الشام، فتوح العراق، مقتل أمير المؤمنين، مقتل الحسين، مقتل الحسن، مقتل حجر بن عدي، كتاب المغازي، كتاب السقيفة، كتاب فتوح الإسلام، كتاب فتوح خراسان، كتاب الشورى، كتاب مقتل عثمان، كتاب النهر، كتاب مقتل محمد بن أبي بكر والأشتر ومحمد بن أبي حذيفة، كتاب الجمل، كتاب المستورد بن علقمة، كتاب وفاة معاوية وولاية ابنه يزيد، ووقعة الحرة، وحصار ابن الزبير، كتاب سليمان بن صرد، وعين الوردة.

- كتاب مرج راهط وبيعة مروان، ومقتل الضحاك بن قيس.
- كتاب مصعب وولاية العراق.
- كتاب عبد الله بن الزبير.
- كتاب مقتل سعيد بن العاص.
- كتاب حديث يا حميراء ومقتل ابن الأشعث.
- كتاب بلال الخارجي.
- كتاب دير الجماجم وعبد الرحمن بن الأشعث.
- كتاب يزيد بن المهلب ومقتله.
- كتاب زيد بن علي.
- كتاب يحيى بن زيد.
- كتاب الضحاك الخارجي.

حرف الميم
محسن الحرازي [...- 1288هـ] (ت/859)
- رياض الرياحين وأنباء الأولين.
الإمام المحسن بن أحمد[...- 1295هـ] (ت/862)
- مجموع إجازات وأسانيد.
محسن أبو طالب[ 1103- 1170هـ] (ت/867)
- أقراط اللجين في سيرة المتوكل القاسم بن الحسين.
- الإشعار بما استجد لأهل عصري من الأخبار والأشعار (ذيل ذوب الذهب).
- ذوب الذهب الجاري بمحاسن من شاهدت من عصري من أهل الأدب (تراجم).
- ذيل طبق الحلوى.
- السحر المبين وفتور ألحاظ العين فيما سنح من أخبار اليمن وأهله الميامين (تأريخ الفترة (1092-1150هـ).
- (رياض العسجد في شرح بسامة إسماعيل بن محمد فايع) وهو ذيل للبسامة.
- (طيب أهل الكساء) تأريخ الدولة القاسمية.
- (الشذور العسجدية في الخلافة الأحمدية) (تأريخ).
- (وشي صنعاء في أخبار القاسم وولده المنصور) وهو القسم الثاني من كتاب (السحر).
- (المختصر المستفاد من تأريخ العماد).
محسن بن عبد الكريم إسحاق[ 1191- 1266هـ] (ت/873)
- (الروض النادي في سيرة الإمام الهادي) محمد بن أحمد المتوفى سنة1259هـ.
الحاكم المحسن بن كرامة الجشمي[ 413- 499هـ] (ت/875)
- (جلاء الأبصار في فنون الأخبار).
- (السفينة الجامعة لأنواع العلوم) ومنها سيرة الأنبياء والأئمة والعترة إلى زمنه.
محمد بن إبراهيم بن المفضل[ 1022- 1085هـ] (ت/882)
- (السلوك الذهبية في خلاصة السيرة المتوكلية) سيرة الإمام شرف الدين.
محمد بن إبراهيم السحولي[...- 1112هـ] (ت/883)
- (أسلاك الدرر) منظومة في نسب الإمام محمد بن الحسن بن القاسم المتوفى سنة 1079هـ.

- (الشمة الشجرية والنسمة السحرية) أرجوزة في مشائخه ومعاصريه.
محمد بن أحمد الجلبي[...- 1268هـ] (ت/888)
- (طبقات العلماء) رتبه على حروف المعجم إلى حرف الزاي.
محمد بن أحمد الحجري[ 1307- 1380هـ] (ت/889)
- (تأريخ مساجد صنعاء).
- (خلاصة من تأريخ اليمن قديماً وحديثاً).
- (مجموع بلدان اليمن وقبائلها).
محمد بن أحمد بن أبي الثلج[...- 325هـ] (ت/890)
- (أخبار النساء الممدوحات).
- (أخبار فاطمة والحسن والحسين).
- (البشرى والزلفى وصفة الشيعة وفضلهم).
- (تأريخ الأئمة عليهم السلام).
- (أسماء أمير المؤمنين في كتاب الله).
- (الاختيار في الأسانيد).
- (من قال بالتفضيل من الصحابة).
محمد بن أحمد العرشي[ 1328- 1410هـ] (ت/896)
- (طوالع الزمان في ذكر ملوك حمير وكهلان ومناقب آل قحطان).
محمد بن أحمد الشامي[...- 1382هـ] (ت/899)
- (الموكب الناصري) شرح رحلة الإمام أحمد إلى روما.
محمد بن أحمد القرشي (أخو حميد الشهيد)[...- ق 7هـ] (ت/901)
- (سيرة الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة).
محمد بن أحمد سهيل الصنعاني[...- 1293هـ] (ت/904)
- (مجموع القاضي محمد بن سهيل) (تأريخ وتراجم) [1251-1285هـ].
محمد بن أحمد بن علي الهبل الصنعاني[...- ق 12هـ] (ت/907)
- (الروض الباسم في سيرة أولاد الإمام القاسم).
محمد بن أحمد الأبنوسي[ 681- 751هـ] (ت/912)
- (مشيخة محمد بن أحمد الأبنوسي).
محمد بن أحمد بن مظفر[...- 926هـ] (ت/919)
- (الترجمان المفتح لثمرات كمائم البستان) (تأريخ وتراجم).

محمد بن إسماعيل الخباني[...- ق 12هـ] (ت/928)
- (سيرة الإمام المنصور بالله أحمد بن هاشم الويسي).
المؤيد محمد بن إسماعيل [ 1044- 1097هـ] (ت/930)
- (مذكرات الإمام المؤيد بالله محمد بن المتوكل إسماعيل).
محمد بن إسماعيل الكبسي[ 1221- 1308هـ] (ت/932)
- (اللطائف السنية في أخبار الممالك اليمنية).
- (العناية التامة بشرح أنوار الإمامة) تكملة ذيل البسامة.
- (تأريخ الزمان وسبب تفرق الناس في البلدان).
- (جواهر الدر المكنون في سيرة الإمام محمد بن عبد الله الوزير) المتوفى سنة1307هـ.
- (النفحات المسكية بالأسانيد القوية والسيرة الإمامية المتوكلية والتراجم المتوكلية) سيرة المحسن بن أحمد(1271-1295هـ).
- (المعتمد في رجال السند فيما اشتملت عليه سيرة المحسن بن أحمد) (إجازات وأسانيد).
- (تأريخ دخول العجم الأتراك إلى اليمن).
محمد بن إسماعيل عشيش[...- 1294هـ] (ت/936)
- (ذيل البسامة في التأريخ) من المهدي أحمد بن الحسين بن القاسم إلى أحمد بن علي السراجي.
محمد بن جعفر التميمي الكوفي المؤدب[ 303- 402هـ] (ت/941)
- (تأريخ الكوفة).
- (روضة الأخبار ونزهة الأبصار).
محمد بن الحسن الشجني الذماري[ 1200- 1268هـ] (ت/949)
- (التقصار في جيد زمان علامة الأقاليم والأمصار) سيرة الشوكاني.
محمد بن الحسين المرهبي[ 1054- 1113هـ] (ت/956)
- (نزهة البصائر في سيرة الإمام الناصر) محمد بن أحمد بن الحسن (منظومة).
محمد بن حسين الجلال[...- معاصر ] (ت/957)
- (الأنوار السنية في إسناد علوم الأمة المحمدية).

محمد بن حسين العمري[ 1300- 1330هـ] (ت/958)
- (مجموع إجازات الحسين على العمري).
محمد بن حسين غمضان[ 1277- 1358هـ] (ت/960)
- مذكرات الرحلة إلى استامبول.
محمد بن حيدر النعمي[...- 1351هـ] (ت/965)
- الجواهر اللطاف في أنساب أشراف صبيا والمخلاف وتراجمهم.
- القصر المشيد فيما اتصل من الأسانيد.
محمد بن زكريا بن دينار[...- 298هـ] (ت/970)
- أخبار زيد بن علي، فضل أمير المؤمنين، أخبار فاطمة ومنشأها ومولدها.
- الجمل الكبير والمختصر.
- صفين الكبير والمختصر.
- مقتل الحسين، النهر، الأجواد الوافدون، الحرة، التوابين وعين الوردة.
محمد بن سعد الشرقي[ 1282- 1352هـ] (ت/972)
- تقييد حوادث إنشاء تجديد الجهاد الثاني.
محمد بن سليمان الكوفي[ 255- 322هـ] (ت/975)
- سيرة الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين.
- مناقب أمير المؤمنين، البراهين والمعجزات في سيرة الرسول ً.
الشهيد محمد بن صالح السماوي[...- 1241هـ] (ت/977)
- توزيع العقال في علم الرجال (تراجم).
- الضعفاء من الطبقات والذيل والتكميل.
- مختصر طبقات الزيدية شرع فيه ولم يتمه.
محمد بن صلاح الحسني[ق 10هـ] (ت/980)
- الدر المنثور في سيرة الملك العادل المشهور (سيرة الإمام عز الدين بن الحسن المتوفى سنة900هـ، ويسمى (الجواهر المضيئة في سيرة الدولة العزية).
محمد بن عبد الرحمن شرف الدين[ 1308- 1362هـ] (ت/983)
- وميض البرق المتألق في رحلة مولانا سيف الإسلام إلى المشرق (في أخبار رحلة الإمام أحمد إلى صعدة ونجران ونواحيهما).
محمد بن عباس الوجيه[ 1335- 1382هـ] (ت/984)

- مجموع في تراجم علماء الأهنوم وشهارة.
محمد بن عبد الله بن علي بن الحسن (أبو علامة)[ 972- 1044هـ] (ت/997)
- التحف العنبرية في المجددين من أبناء خير البرية (تأريخ من الهادي إلى القاسم).
- روضة الألباب في معرفة الأنساب (مشجر أبي علامة).
- تحفة الزمن فيما جرى من النكت في اليمن.
محمد بن عبد الله أبو المفضل الشيباني[ 297- 387هـ] (ت/998)
- فضائل زيد بن علي.
- الشافي في علوم الزيدية.
- من روى عن زيد بن علي بن الحسين.
- من روى غدير خم.
- شرف القربة.
- فضائل العباس بن عبد المطلب.
- فضائل أبي حنيفة.
- أخبار أبي حنيفة.
- الأمالي في الحديث.
محمد بن عبد الله بن علي الغالبي[...- 1334هـ] (ت/1006)
- الإجازات في إسناد الروايات.
محمد بن عبد الله المهلا[ ق 11هـ ] (ت/1010)
- (الفضائل لأشرف القبائل).
محمد بن عز الدين بن صلاح[ ت 973هـ] (ت/1015)
- (سيرة الإمام علي بن المؤيد بن جبريل).
الحافظ محمد بن علي بن الحسن (أبو عبد الله
العلوي)[ 377- 445هـ] (ت/1022)
- (أسماء الرواة التابعين عن الإمام زيد بن علي).
- (كتاب التأريخ).
- (كتاب التعازي).
- (كتاب فضل زيارة الحسين).
محمد بن علي العمراني[ 1194- 1264هـ] (ت/1026)
- (خبر إتحاف النبيه بتأريخ القاسم بن محمد وبنيه).
- (التعريف بما في التهذيب من قوي وضعيف).
محمد بن علي الشرفي[ 1320- 1400هـ] (ت/1028)
- (دليل الإثبات على إثبات ما حوته الفهارس من الأثبات) في الأسانيد والإجازات.
محمد بن علي الشوكاني[ 1173- 1250هـ] (ت/1036)
- (إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر).

- (البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع).
محمد بن علي المؤيدي[...- نحو 1043هـ] (ت/1038)
- (العلم المنشور في سيرة الإمام المنصور وذكر الحزب المقهور) منظومة في التأريخ.
محمد بن علي المنصور[...- معاصر ] (ت/1040)
- (اللآلي في إسناد أمهات العلوم بالطريق العالي).
محمد بن علي النرسي (أبو الغنائم)[ 424- 510هـ] (ت/1044)
- (مجمع الشيوخ).
محمد بن علي بن يونس الزحيف[...- نحو 916هـ] (ت/1047)
- (مآثر الأبرار في تفصيل مجملات جواهر الأخبار) شرح البسامة.
محمد بن عمر الجعابي (الحافظ أبو بكر)[ 284- 355هـ] (ت/1048)
- (أخبار آل أبي طالب).
- (مسند عمر بن علي بن أبي طالب).
- (من روى الحديث).
- (الموالي والأشراف وطبقاتهم).
- (الشيعة من أصحاب الحديث وطبقاتهم).
- (طرق من روى عن أمير المؤمنين إنه لا يحبني إلا مؤمن).
- (طرق حديث المؤاخاة).
- (كتاب من روى الحديث من بني هاشم ومواليهم).
- (كتاب من روى غدير خم).
- (كتاب ذكر من كان يتدين بحب أمير المؤمنين).
- (أخبار علي بن الحسين).
- (أخبار بغداد وطبقات أصحاب الحديث بها).
محمد بن القاسم [ 990- 1054هـ] (ت/1052)
- (أسانيد الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم).
محمد بن لطف الباري قاضي[...- نحو 1289هـ] (ت/1058)
- (الروض البسام فيما شاع في قطر اليمن من الوقائع والاعلام).
محمد بن محمد زبارة[ 1301- 1380هـ] (ت/1061)
- (أئمة اليمن).
- (إتحاف المهتدين بذكر الأئمة المجددين).
- (أنباء اليمن ونبلاءه في الإسلام).
- (جامع المتون في أخبار اليمن الميمون).

- (أئمة اليمن في القرن الرابع عشر).
- (ملحق البدر الطالع).
- (نيل الوطر في نبلاء اليمن في القرن الثالث عشر).
- (تحفة ذوي الفطن بذكر نجوم الأمن في سماء اليمن).
- (ذيل مسك الختام للعرشي).
- (شرح لامية نبلاء اليمن).
- (ملحق كتاب در السحابة).
- (نزهة النظر في أعيان القرن الرابع عشر).
- (نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف) وغيرها.
محمد بن منصور المرادي[ 150- 290هـ] (ت/1071)
- (سيرة الأئمة العادلة).
محمد بن يحيى بهران[...- 957هـ] (ت/1092)
- (ابتسام البرق شرح القصص الحق) للإمام شرف الدين.
مسلم اللحجي[...- 545هـ] (ت/1102)
- (طبقات مسلم اللحجي)، ويسمى (تأريخ مسلم).
- (الأترجة في شعراء اليمن).
المطهر بن عبد الله الضمدي[...- نحو 1050هـ] (ت/1107)
- (العقيق اليماني في وفيات وحوادث المخلاف السليماني).
المطهر بن محمد الجرموزي[ 1003- 1076هـ] (ت/1113)
- (تحفة الأسماع والأبصار بما في السيرة المتوكلية من غرائب الأخبار) سيرة المتوكل إسماعيل.
- (الجوهرة المنيرة في جمل من عيون السيرة) سيرة الإمام المؤيد محمد بن القاسم.
- (النبذة المشيرة إلى جمل من عيون السيرة) سيرة الإمام القاسم بن محمد.
- (عقد الجواهر في معرفة المملكة اليمنية والدولة الفاطمية الحسنية) في تأريخ اليمن، وصل فيه إلى 1007هـ.
مفرح بن أحمد الربعي[ ق 5هـ] (ت/1126)
- (سيرة الأميرين الجليلين القاسم بن جعفر وأخيه ذي الشرفين).
المهدي بن محمد المهلا[...- 1070هـ] (ت/1134)
- (ترجمة العلامة الحسين بن القاسم بن محمد).
- (ذيل على البسامة).
المهدي بن الهادي النوعة[...- 1072هـ] (ت/1135)
- كتاب (الإقبال في التأريخ).

حرف النون
الناصر بن أحمد بن المطهر[...- 802هـ] (ت/1139)
- (سيرة الإمام المطهر بن يحيى وولده المهدي محمد والواثق).
الناصر بن عبد الحفيظ المهلا[...- 1081هـ] (ت/1141)
- (علم الإفادة في تأريخ ذوي الشرف والسيادة).
الناصر بن يحيى بن القاسم[ ق 9هـ] (ت/1147)
- تتمة سيرة الإمام علي بن صلاح ليحيى بن القاسم.
نصر بن مزاحم المنقري[...- 212هـ] (ت/1148)
- كتاب صفين، النهروان، الغارات، المناقب.
- مقتل الحسين.
- أخبار محمد بن إبراهيم وأبي السرايا.
- الجمل.
- عين الوردة.
- المختار بن أبي عبيد.
- مقتل حجر بن عدي.

حرف الهاء
الهادي بن إبراهيم الوزير[ 758- 822هـ] (ت/1149)
- (تأريخ بني الوزير).
- (رياض الأبصار في ذكر الأئمة الأقمار والعلماء الأبرار).
- (كريمة العناصر في الذب عن الإمام الناصر).
- (كاشفة الغمة عن حسن سيرة إمام الأئمة).
- (إجازات وأسانيد).
هشيم بن بشير[ 104- 183هـ] (ت/1156)
- (المغازي).

حرف الياء
يحيى بن أحمد العباسي[ نحو 1110هـ] (ت/1164)
- (نفخ الصور بذكر آل القاسم المنصور) منظومة في 193 بيتاً.
يحيى بن الحسن بن جعفر العقيقي[ 241- 277هـ] (ت/1175)
- (أخبار المدينة).
- (أنساب آل أبي طالب).
الإمام المرشد بالله يحيى بن الحسين بن إسماعيل الجرجاني[ 412- 479هـ] (ت/1183)
- (سيرة الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني).
يحيى بن الحسين بن القاسم[ 1035- 1100هـ] (ت/1187)
- (أنباء الزمن في تأريخ اليمن).
- (بهجة الزمن ذيل أنباء الزمن).
- (التعريف بجملة من أهل العلم والتصنيف).
- (الزهر في أعيان العصر).
- (طبقات الزيدية الصغرى)، وتسمى (المستطاب).
- (العبر في ملوك حمير).
يحيى بن الحسين بن محمد بن القاسم[ 1044- 1090هـ] (ت/1189)
- (رسالة في توثيق أبي خالد الواسطي).
- (عقيلة الدمن المختصر من أنباء الزمن) وهو غاية الأماني.
الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين الهاروني[ 340- 424هـ] (ت/1191)
- (الإفادة في تأريخ الأئمة السادة).
- (الحدائق في أخبار ذوي السوابق).

يحيى بن سليمان بن أبي الحفيظ، ويقال أبو محمد بن يوسف بن
الحفيظ[...- 636هـ] (ت/1196)
- (روضة الأخبار وكنوز الأسرار) المعروف بـ(روضة الحجوري).
يحيى بن علي بن محمد الحبسي القاسمي[ 1053- 1104هـ] (ت/1205)
- (تتمة كتاب الإفادة في تأريخ الأئمة السادة).
يحيى بن القاسم بن يحيى بن القاسم الحمزي[...- ت 677هـ] (ت/1206)
- (سيرة الإمام المهدي أحمد بن الحسين، أبو طير).
يحيى بن القاسم العلوي[ نحو 815هـ] (ت/1208)

- (سيرة الإمام علي بن صلاح الدين بن محمد بن الناصر).
يحيى بن محمد بن الحسن المقرائي[ 908- 990هـ] (ت/1211)
- (كشف السر عن أعلام وادي السر)، ويسمى (مكنون السر في تحرير نحارير أهل السر).
- (نزهة الأنظار وفكاهة الأخبار) في طبقات الزيدية.
يحيى بن محمد بن يحيى الهادي[ 1301- 1372هـ] (ت/1221)
- (تكملة السلوك الذهبية في خلاصة السيرة المتوكلية).
يحيى بن المطهر بن إسماعيل [ 1190- 1268هـ] (ت/1222)
- (العنبر الهندي في سيرة الإمام المهدي عبد الله بن المتوكل أحمد).
يحيى بن المهدي بن القاسم[...- بعد 1093هـ] (ت/1224)
- (صلة الإخوان في حلية بركة أهل الزمان) سيرة الزاهد الشهير إبراهيم الكينعي.
يوسف حاجي الزيدي العراقي[...- ق 9هـ] (ت/1232)
- كتاب في (تأريخ وتراجم علماء الزيدية).
يوسف بن الحسن الجيلاني الديلمي[ ق 7هـ] (ت/1234)
- (سير الأئمة).
يوسف بن يحيى بن الحسين[ 1078- 1121هـ] (ت/1240)
- (نسمة السحر في ذكر من تشيع وشعر).

[مقدمة المؤلف]
رب يسر وأعن يا كريم
الحمد لله الذي شرح صدور أوليائه بمواد العناية، ويسر لهم القيام بتفصيل مجملات أنبائه بتكثير أسباب الهداية، وألهمهم الاعتراف بعدم الإحاطة بحصر نعمائه التي لا تدرك لها غاية، وأعجزهم عن استيعاب شكر آلائه وإن اتسعت الدراية والرواية، أحمده وله الخلق والأمر على أن جعل الدنيا دار تخلية يتغلب فيها وضيع القدر على سلطان من هو كليلة القدر خير من ألف شهر، ولو شاء الله على سبيل القهر، لملَّكها بحذافيرها أهل السوابق والفخر، بحيث يقفون دائماً حلولاً منها في الصدر، ويستمر الطليق بها أبداً مغلولاً تحت حكم الأسر، لكن أبى ربنا جل وعلا لعباده الفضلاء أن ينيلهم في الآخرة الدرجات العلا، حتى يعاملهم في الدنيا معاملة الاختبار والابتلاء: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }[الملك:2].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة منوطة من اليقين بأقوى سلسلة، مشفوعة من التحقيق بأنوار أدلة غير مخجلة، صادرة عن اعتقاد راجٍ أن يبلغ قائلها من كل مأمول، غاية السؤل، حتى يعلم ما يقول في رضى الرسول، والوصي وأولاده وزوجته البتول، ويؤيد بالتوفيق إلى التلفيق بين إقامة حجة الفاضل والاعتذار للمفضول، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، واسطة عقد النبوة المنظوم، ونافحة الألوة التي هي زينة المشموم، المستأثر بمؤاخاة أفضل الصحابة على العموم، علي أبي الأئمة الهداة الذين هم للبرية كالنجوم، صلوات الله عليهم أجمعين صلاة تتصل وتدوم، ما انتصر من ظالم لمظلوم، وسفحت عين عبرة للمستحق المحروم.

أما بعد: فإن أفضل القرب رعاية حقوق أهل الرتب، ولا نعلم رتبة لمخلوق أعلى من رتبة الملائكة ثم الأنبياء، ثم بعدهم رتبة أهل البيت الأصفياء، وقد استأثر الله بتولي ذكر ملائكته، وأنبيائه في كتابه المجيد، بما ليس عليه من مزيد، فما عسى أن يقول ذو مقول، وإن أوتي بلاغة قدامة وعبد الحميد.
وأما أهل بيت المصطفى، فقد ندبت الشريعة المطهرة إلى ذكرهم، ورعاية حقوقهم من وجوه ليس بها خفا، ومن رعاية حقوقهم مدارسة كتب مناقبهم ومطالعة تواريخ سيرهم، ولما كنت بحمد الله ممن اختار هذا المذهب الشريف له مذهباً، وجعله له ديدناً وأدباً، وآثر أن يكون أهله له حزباً منذ عقل قوله تعالى:{ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى }[الشورى:23].
وكانت محبتي لهم من أجل النعم التي يستدل بها المؤمن على رشده، وقد قال ً:((إن الله إذا أنعم على عبد أحب أن يرى أثر نعمته على عبده)) أحببت أن أظهر ما قد عرفته من كثرة مطالعتي لفضائلهم في تأليف، وأجمع متفرقات ماحصل لي من غرر فواضلهم في تصنيف لطيف، ما ذلك جهلاً مني بما وضعه أئمتنا وأشياعهم وغير أشياعهم في ذلك من الكثير الطيب، بل لأني أحببت أن يكون لي في الخير العميم نصيب، ولأن تخليد الإنسان ذكره في كتب الصالحين هو العمر الثاني، وقد عول عليه كثير من أهل هذه المعاني، قال أبو الطيب في ذلك:
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته
ما فاته وضروب العيش أشغال
وقال القاضي العلامة أحمد بن محمد الأرجاني وهو من الأدباء الفضلاء المفلقين:

لا تحسبَّن خلود الدهر ممتنعاً.... من ناط عرفاً بعرفان فقد خلدا
يقاسم الدهر عيشاً لا انقضاء له.... من يقرن الفضل بالإفضال مجتهدا
الفكر والذكر لايتليهما شرف.... إذا اللبيب على ركنيهما اعتمدا
فالفكر في سير الماضين يجعله.... كأنه عاش فيهم تلكم المددا
والذكر في الأمم الباقين يجعله .... كأنه غير مفقود إذا فقدا
وقد أشار مولانا السيد العلامة صارم الدين إلى هذا المعنى في أبيات أرسل بها إليَّ يحثني على تمام هذا الشرح، فقال من جملة ذلك ما هذا لفظه:
فاسمع لذلك يابن فند واعتبر.... بالكائنات ولا علي تفندُ
وأضف إلى العمر الذي أُوتيته.... عمراً من العمر الذي لك أزيدُ
فالعمر يذهب عن قريب أمره.... والذكر عمر آخر لا ينفدُ
وصل المزيد بحبل ما بينته.... في شرح ما هو مطلق ومقيَّدُ
في متن شرحك ذلك الشرح الذي.... شرح الصدور وأنت فيه مجِّودُ
وإذا بدا لك في الفريدة هفوة.... فاستر عليَّ ولا عليَّ تبددُ
فأنا المقصر في القريض ونظمه.... لو أن قلبي لؤلؤ وزبرجدُ
هذا القول من قصيدة له عليه السلام تزيد على أربعين بيتاً أرسل بها إليَّ، وقد وقف على أكثر مسودة شرحي لمنظومته.

نعم، ولما كانت منظومته هذه الفريدة، وسيرته الجامعة المفيدة، المسماة (بجواهر الأخبار) من أجلِّ ما نظم في عصرنا في هذا الشأن لما اشتملت عليه من الإحسان والإتقان، على الأسلوب الذي يعرفه من له أدنى عرفان، وسعي في هذا الميدان، ووقفت عليها وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه، أو حائم أوقفته على المنهل قدمه، دعاني الطرب إلى شرحها، وحملني ما بي من الجدب إلى تنوير صبحها، وفي عرض ذلك، وقد كنت حصلت نسخة منها أبياتها في العدد أقلُّ من هذه، بلغني أنها ظهرت منه في صنعاء نسخة قد زاد فيها وحرر معانيها، فما شعرت إلا ورسول من الحضرة المؤيدة حضرة مولانا السيد الصدر، الحلاحل، والملك الأجل، الأنبل، الفاضل، الكامل، سلالة الأئمة الأكابر: محمد بن الناصر سلَّم إليَّ ذلك الرسول هذه المنظومة المتأخرة التي زيد فيها على المنظومة المتقدمة، وأعطاني الرسول كتاباً مختوماً، وقصيدة أخرى للسيد صارم الدين، [ففضضت] الكتاب، وهو بخط مولانا الملك المؤيد، فيه بعض البسط، يذكر فيه بعد السلام وذكر أعلام عامة وخاصة وفيه ما هذا لفظه:(نعم، صدر إليك أحاطك الله قصيدة عجيبة، نظمها السيد صارم الدين إبراهيم بن محمد في أيام الشبيبة ضاهى بها البسَّامة، وأودع كثيراً من معانيها نظامه، وكثر منه التعويل علينا بأن نتولىَّ فتح مقفلها، وإيضاح مشكلها، وحل رموزها، واستخراج كنوزها، وصدرت إلينا منه قصيدة قالها في هذا المعنى قف عليها، وتفضَّل بالنيابة عنَّا، فأنت ألمعي الدراية، وأصمعي الرواية، ولك قريحة منقادة، وفطنة وقاَّدة).انتهى.

فحينئذٍ صادف قصده إياي، وتوجيهه الرسم إلى قراي، شغفي بهذا الفن وحبي للدخول فيه، فجَّوبت كيف أمكن، ثم اعلم أن منظومة السيد هذه تفوق (البسَّامة) الذي أنشأها ابن عبدون وشرحي هذا بعون الله يأتي أبلغ من (أطواق الحمامة) شرح ابن بدرون وهما عالمان من علماء مغارب مصر، ووجه ترجيحي لكون متن منظومة السيد والشرح عليها يفوقان ما ذكرته هو أنهما انتظما إشادة معالم أهل بيت المصطفى، ونشر مناقب الأئمة منهم والخلفاء، والشيء يشرف بشرف معلومه، والكلام يحسن على قدر من توجه إليه بمنثوره ومنظومه، فجوَّبتُ على السيد صارم الدين، والمؤيد برب العالمين بجواب نثراً ونظماً. وأخبرتهما أني قد امتثلت إشارة من إشارته غنم، وقوله عندي بمنزلة الحكم، إذ صادف ورود ذلك قلباً مني مائلاً إلى الدخول في حفدة الشيعة بأدنى وسيلة وذريعة، وقلت مرتجلاً مخاطباً للملك المؤيد:
أملت هوىً قد كان من قبل مائلاً.... وَهجْتَ غراماً كان من قبل حاصلاً
وأشليت فهداً كي تصيد فلم ترم.... ظبا وجرة حتى ولجن الحبايلا
وكان مطلع قصيدة السيد صارم الدين التي التمس من مولانا المؤيد بها أن يشرح منظومته قوله:
أيا ابن الخلائف من هاشم.... وأولاهم بالفعال الحسن
وعددها ستة وثلاثون بيتاً، فجوَّبت عليه على وزنها وعددها قلت:
لآل الحسين وآل الحسن.... سكون العراق ومن باليمن
وداد بقلبي إن تكمن الد.... راري بأفلاكها ما كمن
وداد غذاني به والدي.... ولدَّتني أمي به في اللبن
وقد جاء في مثل سائر.... تداوله الناس طول الزمن
محال خروح هوى داخل.... زمان اللبا قبل نشر الكفن

فيا عاذلي عن هوى حيدر.... وفاطمة الطهر لا تعذلن
فحبهما وذراريهما.... عتادي ليوم ظهور الغبن
كما جاء عن سيد المرسلين.... قد يحشر المرء في حزب من
ويا مرسلي من ربا صعدة.... مهاجر يحيى إمام اليمن
وهاد العباد سبيل الرشاد.... ونافي الفساد وحصر الدمن
إذا جئت صنعاء وبلغتها.... فعفر جبينك ثم اسجدن
هنالك تلقى المنى والغنى.... وتأمن في حرم المؤتمن
حليف العبادة خدن التقى.... وغيث البرية رب المنن
أويس الأوان وقيس الزمان.... وقس اللسان ومعن الزمن
وقل للمؤيد يا أوحد.... شأوت الأفاضل في كل فن
فكل نبيل أخي درية.... بكفيك مستسلم مرتهن
إذا صرح السيد الأحوذي.... بقية أشياخ آل الحسن
ونبراس علم بني المصطفى.... ومن حل في الحفظ أعلى الفنن
بأنك أعلم هذا الورى.... بهدي الفروض وهدي السنن
وأدرى بأحوال أهل الكساء.... ومن قام في حربهم أو سكن
وما قال إلا الذي أعلن.... النحارير طراً به فاعلمن
فكيف بحقك يا سيدي.... عددت هنا ورمِي كالسِّمن
ونوهت باسمي ورشحتني.... لما أنا فيه قصير الرسن
وما ابن اللبون وأنت الخبير.... قد لز مع بازل في قرن
ويشبه قولك قول امرئ.... لفرخ البغاث أتستنسرن
ولكن رسومك متبوعة.... وذلك من ثقل حاذي ومن
لأبذل وسعي ومن طاقتي.... ومن لم يطعك يبوء بالوهن
على ما أعانيه من ناصب.... الهموم ومن خمدة في الفطن
بقدر اطلاعي وما أمكنن
طويل معاقرتي للوطن
فإن سَدَّ رميي فيما أتيت.... وجئت بشيء عجيب حسن
فمن فضل ربي وتقويمكم.... بني المصطفى لي بأغلى الثمن
وإن غير ذاك فمن خاطر.... كليل ودهر كثير المحن
وملتمس منك إبلاغه.... إذا مرسل منك حوليه عن
جزيل سلامي فشوقي إلى.... دعاء له وبنيه ارجحن

وأما إجازة منظومة.... فذلك رأس القصيد الأغن
عليك السلام سليل الإمام.... كصوت الغمام إذا ما هتن

[تنبيه] : ثم اعلم أن أكثر المسطور في شرحي هذا من حد قول الناظم:
وكان أول خطب بين أمتهِ.... حيفٌ جرى من أبي بكر ومن عمرِ
إلى أن بلغت به سيرة الإمام المنصور بالله: عبد الله بن حمزة بن سليمان منقول من كتابه المسمى (بالشافي) وطريقي في الرواية له حصلت لي من جهة حي مولانا [الإمام العلامة الشامة في العترة الميامين، والعلامة] المتوكل على الله الملك الدَّيان المطهر بن محمد بن سليمان مناولة، وإجازة بحق ما معه في هذا الكتاب -أعني (الشافي) وفي كتاب (البحر الزخَّار) وغيره من كتب أئمتنا عليهم السلام وشيعتهم، لأني وصلته إلى حصنة كوكبان في سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة، فأجاز لي جميع مصنفاته، ومسموعاته أصولها، وفروعها، ومن ذلك كتاب (الكشاف) لجار الله العلامة فخر خوارزم محمود بن عمر الزمخشري رضوان الله عليه، وكذلك (أصول الأحكام في حديث النبي -عليه السلام للإمام المتوكل على الله الرحمن أحمد بن سليمان، وكذلك كتاب (الشفاء في سنة المصطفى) للأمير الكبير فخر الدين الحسين بن محمد الهدوي، والإمام المطهر يروي ما ذكرته لك عن حي الإمام الذي نعش الله به الدين وأحيا المهدي لدين الله: أحمد بن يحيى قدَّس الله روحه في الجنة، بحق ما معه من أخيه السيد الأفضل العلامة: الهادي بن يحيى

ومن شيخه عز الدين لسان المتكلمين: محمد بن يحيى بن محمد المذحجي وكان هذا الشيخ محمد بن يحيى من المتبحرين في علم الكلام، وهما يرويان علومهما عن حي الفقيه العلامة لسان المتكلمين: قاسم بن حميد المحلي وغيره، بحق روايته لذلك عن حي والده الفقيه الشهيد: حميد بن أحمد وهو يروي ذلك عن الإمام المنصور بالله، وهو يروي طرق كتابه (الشافي) وما حواه من العلوم معقولها، ومنقولها إلى مشائخه، الذين هم الفقيه الصدر العلامة: علي بن أحمد الأكوع والشيخ شرف الدين شحاك الملحدين، الحسن بن محمد الرصاص والشيخ الصدر العلامة، محي الدين، دعامة المسلمين، الذي له اسمان: حميد، ومحمد بن أحمد بن الوليد العيثمي القرشي والشيخ الأجل الصدر الأنبل، عفيف الدين حنظلة بن الحسن والفقيه الزاهد العابد، شمس الدين أحمد بن الحسن بن المبارك قرأ عليه وهو ينظر في كتابه كل هؤلاء، قالوا: أخبرنا القاضي العلامة حسنة الزمن، محيي ربوع اليمن، شحاك الملحدين، جمال الملة والدين: جعفر بن أحمد بن عبد السلام بن أبي يحيى رضي الله عنه وأرضاه.

قال: أخبرنا القاضي الإمام أحمد بن الحسن الكني أدام الله توفيقه، والكني هذا ذكر جميع مشائخه وسردهم، وعددهم إلى أن أوصل سند كل كتاب إلى مصنِّفه، ثم المصنِّفون سردوا ذكر أهل طرقهم وعددهم إلى أن أوصلوهم الصحابة -رضي الله عنهم-، وكل من الصحابة رفع حديثه إلى نبي الرحمة، وسراج الظلمة [صلى الله عليه وعلى آله] نحو ما ذكره المنصور بالله -عليه السلام- في مصنفه المسمى بـ(الشافي) وما عينَّه المنصور بالله في كتابه المذكور من كتب الحديث غير ما صنَّفه أئمتنا، وشيعتهم مثل كتاب (الجمع بين الصحاح الستة) لرزين بن معاوية بن محمد بن عمار العبدري الأندلسي و(الجمع بين الصحيحين) لأبي عبد الله محمد بن نصرالحميدي وكذلك(مسند ابن حنبل) يرويه الإمام-عليه السلام- عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه أحمد بن حنبل وكذلك (مفردات الصحاح الستة) وكذلك يروي(مثالب بني العباس) من كتاب (الأغاني) ويذكر فيه من مخازيهم مما يذكره علماؤهم ومواليهم وكذلك(مخازي بني أمية) في (أطواق الحمامة شرح البسَّامة) كتاب و(كفاية الطالب) فلله الحمد الذي أظهر الحق على أعداء آل محمد في فضل آل محمد فلله الحجة البالغة.
قال: وكذلك مسموعات الإمام أبي سعد السمعاني، ومصنفات أبي بكر الفرغاني ومصنفات ابن سلفة.
قلت: واسمه أحمد بن محمد، حافظ الأسكندرية، أصله من أصبهان، نسب إلى جده سِلفَة -بكسر المهملة وفتح اللام-، مات سنة ست وسبعين وخمسمائة.

قال الإمام المنصور بالله -عليه السلام-: وكذلك جميع مصنفات الغزالي له إلى الرواية لما فيها طرق بينة، والذي حمل الإمام على تعيين محفوظاته ومسموعاته، ومسنداته؛ لأن فقيهاً في عصره من شافعية اليمن أنشأ رسالة سماها (الخارقة) قدح فيها على المنصور، وسائر الزيدية، وقال: إنه يتولى الأولين من الزيدية دون المتأخرين؛ لأنه زعم أنهم خالفوا مذهب أسلافهم في العقائد، وفي أمور الصحابة، وصَّرح بأن الزيدية لا معرفة لهم بطرق رواية الحديث عن النبي ً، فأجاب –عليه السلام- بكتاب (الشافي) وهو أربعة مجلدة كبار، احتوى المجلد الأول على ذكر أهل البيت –عليهم السلام- وذكر من عارضهم من بني أمية وبني العباس إلى وقت المنصور بالله؛ لأن فقيه الخارقة اختار الأئتمام بهم دون غيرهم من العترة الكرام، من غير مبالاة ولا احتشام فاحتاج المنصور بالله أن يذكر من تغلب على الملك من لدن معاوية بن أبي سفيان إلى وقت هذا الشافعي، فحقق له المنصور بالله معايبهم، وخروج أكثرهم عن حدود الدين فضلاً عن أن يتسموا بإمرة المؤمنين مما هو موجود في السير، والتواريخ التي يستوي في الإطلاع عليها الموالف، والمخالف، والجاهل، والعارف، وكذلك ذكر أحوال من كان في عصرهم من أقمار العترة الأطهار وعترة النبي المختار، وكان المنصور كلما فرغ من ذكر المتعارضين من الفريقين، قال: فما تقول يا فقيه الخارقة، حلقتك الحالقة؟ فصار هذا النبز لاصقاً بهذا الفقيه؛ لأجل المقال الذي خرج من فيه، ولقد صدق الممثل الأول (رب كلمة تقول لصاحبها: دعني).

نعم، وما كان في شرح المنظومة مذكور من بعد الإمام المنصور بالله فإني نقلته من مظان الصحة، وقد عزوته في الأغلب إلى مكانه لفهم من يفهم الإشارة واللمحة، فليكن خاطر الواقف على نقلي هذا طيباً، وليصدق هذا النبأ، وقد كنت ذاكرت السيد صارم الدين، والمؤيد برب العالمين، وأخبرتهما أن المذكورين في المنظومة إن حاول الشارح استقصاء أخبار كل من ذكر فيها احتاج إلى مجلدات عدة وقطع مدة!!، يالك من مدة، وتطويل ذكر أهل النحل يؤدي إلى الملل، والاختصار يؤدي إلى الخلل، فوقع الإتفاق مني ومنهما على أن خير الأمور أوساطها لا تفريطها ولا إفراطها، فصممت على ذلك مستعيناً بالله على أن يرزقني حسن القصد في سلوك تلك المسالك، ويصلح عملي، ويزكيه ويبارك إنه ولي ذلك، والقادر على ما هنالك، والتزمت أيضاً أن لا أذكر شيئاً من النقائض التي كانت تصدر في بعض الأحيان من بعض العترة إلى بعض، لأني إن فعلت [ذلك] عاد على نشري لمحاسنهم بالنقض، والتزمت أيضاً أن أتابع الناظم في شرح كلامه، فإن بسط بسطت، وإن قبض قبضت، فهذه جملة [مباركة] صالحة، يقال معها: ما أشبه الليلة بالبارحة، والغادية بالرائحة، ويقول من تدبرها ممن يعلم ويفهم: هذا السوار لمثل هذا المعصم، ولم أقل هذا الكلام لافتخار ولا لتعبث، بل لقوله تعالى:{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ }[الضحى:11]، وقد توخيت مع ذلك التسوية في التعظيم؛ لأن أهل هذا البيت الكريم حسنيهم وحسينيهم، وأولهم وآخرهم حسب منازلهم إلى الوقت الذي ختمت فيه هذا الشرح، ولم أتعرض فيه إلى شرح كلمة لغوية، أو نحوية، أو أصولية

كما قد يفعله بعض المصنفين، ولكني لما رأيت هذه المنظومة محتوية على فضائل لأمير المؤمنين علي –عليه السلام- كثيرة، وقد ذكر الفقيه العلامة: حميد بن أحمد -رحمه الله تعالى- في أول كتابه المسمى بـ(بالحدائق الوردية) نكتاً شافية، وبالمقصود وافية، وكان كتابه المذكور متداولاً في أيدي كثير من أهل جهاتنا ومذهبنا، أحببت أن آتي في شرحي هذا بعوضها مما لم يطلع عليه كثير ممن اطلع على ذلك، فعمدت إلى جملة مباركة من تعداد فضائل هذا الإمام، ما وجدت أحسن منها ضمَّنها العلامة: عبد الحميد بن أبي الحديد في أول (شرح نهج البلاغة) هي في هذا الباب البغية المقصودة، والضالة المنشودة، يفهم حسن إيرادها هنا سليم الطبع، ويستمتع بنفعها صحيح البصر والسمع، وأفردت لها فصلاً قدمته قبل الشروع، ثم ثنيت بفصل وجدته لأبي بكر الخوارزمي، حكى فيه جملة مما أصاب جماعة من أهل البيت وشيعتهم، يحسن منَّا لأجله التأسي بهم، وإليه الرجوع، فجاء هذان الفصلان كالشرح لكثير من ألفاظ المنظومة المذكورة، فليتأملها الواقف عليها ويعرف حق أهل البيت عليه ويتبرأ من عقوقهم، وتضييع حقوقهم، وقد فوَّضت جميع من وقف على مجموعي هذا من أفاضل الإخوان، العارفين بأساليب أهل هذا الشأن أن يصلح ما وجد فيه خللاً، فجل من لا عيب فيه وعلا، وسميت هذا الشرح: (مآثر الأبرار في تفصيل مجملات جواهر الأخبار) و(اللواحق الندية للحدائق الوردية) لأنه يأتي جزءاً ثالثاً لذلك الكتاب.

اللهم، أذقني من الأهل والأحباب ثمرتي دعاء يستجاب، وثناء يستطاب، ومنك يا رحمان التقَّبل والغفران، ومجاورة النبي وآله في غرف الجنان، وبتمام هذه الجملة نشرع في الإتيان بالفصلين، ثم نأخذ في شرح المنظومة المباركة شيئاً فشيئاً، وبالله التوفيق والهداية، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

[الفصل الأول]
أما الفصل الأول فاعلم: أن ابن أبي الحديد ذكر نسب أمير المؤمنين ومولده، وموضع قبره، وكثيراً من أحواله، فلما وصل إلى ذكر فضائله، قال ما هذا لفظه: إنها قد بلغت من العظم، والجلالة، والانتشار، والاشتهار مبلغاً يسمج معه التعرض لذكرها، والتصدي لتفصيلها، فصارت كما قال أبو العيناء لعبد الله بن خاقان : رأيتني فيما أتعاطى من وصف فضلك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر، الذي لا يخفى على الناظر، فأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز، مقصر عن الغاية، فانصرفت على الثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.

قال: وما أقول في رجل أقرَّ له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه، ولا كتمان فضائله، فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره[والتحريض عليه] ووضع المعايب والمثالب[له] ولعنوه على جميع المنابر، وتوعدوا مادحيه، بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة، أو يرفع له ذكراً حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلا رفعةً وسمواً [إذ كان] كالمسك كلما استتر انتشر عرفه، وكلما كتم تضوع نشره، وكالشمس لا تستتر بالراح وكضوء النهار إن حجبت عنه عيناً [واحدة] أدركته عيون كثيرة، وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة، وتنتمي إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها وأبو عذرتها وسابق مضمارها، ومجلي حلبتها، كل من برع فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى، وقد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الإلهي؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم، ومن كلامه –عليه السلام- اقتبس، وعنه نقل، وإليه انتهى، ومنه ابتدى، فإن المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل، وأرباب النظر، ومنهم تعلم الناس هذا الفن تلامذته وأصحابه، لأن كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذه -عليه السلام-.

وأما الأشعرية: فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن أبي بشر الأشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي وأبو علي أحد مشائخ المعتزلة، والأشعرية منتمون إلى أستاذ المعتزلة، ومعلمهم وهو علي بن أبي طالب -عليه السلام-.
وأما الإمامية والزيدية: فانتماؤهم إليه الظاهر، ومن العلوم علم الفقه وهو -عليه السلام- أصله وأساسه، وكل فقيه في الإسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه.
أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة[رحمه الله].
وأما الشافعي رحمه الله[تعالى] فقرأ على محمد بن الحسن، فرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة.
وأما أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي، فرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة، وأبو حنيفة قرأ على جعفر الصادق بن محمد الباقر وجعفر قرأ على أبيهعليه السلام وينتهي الأمر إلى علي -عليه السلام-، وأما مالك[بن أنس] فقرأ على ربيعة الرأي وقرأ ربيعة على عكرمة وقرأ عكرمة على ابن عباس وقرأ ابن عباس على علي[بن أبي طالب] -عليه السلام-.
وأما فقه الشيعة فمرجوعه إليه ظاهر، وأيضاً فإن فقهاء الصحابة كانوا عمر بن الخطاب وابن عباس، وكلاهما أخذ عن علي -عليه السلام-.
أما ابن عباس فظاهر، وأما عمر فقد عرف كل واحد[منهم] رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره[من الصحابة] وقوله غير مرة: لولا علي لهلك عمر، وقوله: لا بقيت لمعضلة، وليس بها أبو الحسن.

وقوله: لا يفتين أحد في المسجد، وعلي حاضر، فقد عرف بهذا الوجه أيضاً انتهاء الفقه إليه، وقد روت العامة والخاصة قوله ً: ((أقضاكم علي )) والقضاء: هو الفقه، فهو إذن أفقههم.
وروى الكل أيضاً أنه-عليه السلام- قال [له] وقد بعثه إلى اليمن قاضياً: ((اللهم أهدِ قلبه، وثبت لسانه )) قال: فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين، وهو -عليه السلام- الذي أفتى في الحامل الزانية، وهو الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستة أشهر وهو الذي قال على المنبر صار ثمنها تسعاً وهذه مسألة لو فكر الفرضي فيها فكراً طويلاً لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب، فما ظنك فيمن قاله بديهة واقتضبه ارتجالاً.
ومن العلوم[علم] تفسير القرآن، وعنه أخذوا ومنه انتزع، وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك؛ لأن كثيره عنه، وعن ابن عباس، وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له، وانقطاعه إليه، وأنه تلميذه وخريجه، وقيل له: أين علمك من علم ابن عمك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط.
ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوف، وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون وعنده يقفون، وقد صرَّح بذلك الشبلي والجنيدي وسري [السقطي] وأبو يزيد البسطامي، و[أبو محفوظ] معروف الكرخي وغيرهم، ويكفيك دلالةً[على ذلك] الخرقة التي هي شعارهم إلى اليوم، وكونهم يسندونها بإسناد متصل إليه -عليه السلام-.

ومن العلوم علم العربية والنحو وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه وأنشاه، وأملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه وأصوله، من جملتها الكلام كله ثلاثة أشياء: اسم، وفعل، وحرف [جاء لمعنى] ومن جملتها: تقسيم الكلمة إلى معرفة، ونكرة، وتقسيم وجوه الإعراب إلى: الرفع، والنصب، والجر والجزم، وهذا يكاد يلحق بالمعجزات؛ لأن القوى البشرية لا تفي بهذا الحصر، ولا تنهض لهذا الاستنباط، وإن رجعت إلى الخصائص الخلقية والفضائل النفسانية والدينية وجدته ابن جلاها وطلاع ثنياها.
أما الشجاعة: فإنه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله، ومحى اسم من يأتي بعده، ومقاماته في الحرب مشهورة، يضرب بها المثل إلى يوم القيامة، وهو الشجاع الذي ما فرَّ قط، ولا ارتاع من كتيبة، ولا بارز أحداً إلا قتله، ولا ضرب ضربة قطَّ فاحتاجت الأولى إلى الثانية.
وفي الحديث: كانت ضرباته وتراً، ولما دعى معاوية إلى البراز قال له عمرو : لقد أنصفك، فقال معاويه: ما غششتني منذ صحبتني إلا اليوم، أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنه هو، أراك طمعت في إمارة الشام بعدي، وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنه -عليه السلام- قتلهم أظهر وأكثر، قالت أخت عمرو بن عبد ود ترثيه:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله.... [بكيته أبداً ما دمت في الأبد]
لكن قاتله من لا نظير له.... وكان يدعى أبوه بيضة البلد

وانتبه معاوية يوماً، فرأى عبد الله بن الزبير جالساً تحت رجليه على سريره فقعد، فقال له عبد الله : يا أمير المؤمنين، لو شئت أن أفتك بك لفعلت، فقال: لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر، فقال : وما الذي تنكره من شجاعتي وقد وقفت في الصف بإزاء علي بن أبي طالب؟ قال: لا جرم أنه قتلك وأباك بيسرى يديه، وبقيت اليمنى فارغة تطلب من يُقتل بها، وجملة الأمر أن كل شجاع في الدنيا إليه ينتمي وباسمه يباري في مشارق الأرض ومغاربها، وأما القوة والأيد فبه يضرب المثل فيهما.
قال ابن قتيبة في (المعارف): ما صارع أحداً قط إلا صرعه، وهو الذي قلع باب خيبر، واجتمع عليه عصبة من الناس ليقلوه فلم يقلوه، وهو الذي اقتلع هبل من على الكعبة، وكان عظيماً جداً، فألقاه إلى الأرض، وهو الذي اقتلع الصخرة العظيمة في أيام خلافته عليه السلام بيده بعد عجز الجيش كله عنها فنبع الماء من تحتها.
وأما السخاء والجود: فحاله[فيه] ظاهر، (و) كان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده، وفيه أنزل:{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً } [الإنسان:8].
وروى المفسرون: أنه لم يكن معه إلا أربعة دراهم، فتصدَّق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً، وبدرهم سراً، وبدرهم علانية، فأنزل (الله تعالى) فيه:{الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً } [البقرة:274].

وروي(عنه) : أنه كان يستقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة[حتى مجلت يده] ويتصدق بالأجرة، ويشد على بطنه الحجر قال الشعبي وقد ذكره: كان أسخى الناس[كان على الخلق الذي يحبه الله، السخاء والجود] ما قال لسائل قط: لا، وقال معاوية وهو عدوه ومبغضه لمحقن بن أبي محقن الضبي لما قال له: جئتك من عند أبخل الناس- قال: ويحك!! كيف تقول: إنه أبخل الناس ولو ملك بيتاً من تبن، وبيتاً من تبر، لأنفد تبره قبل تبنه وهو الذي كان يكنس بيوت الأموال ويصلي فيها[شكراً] وهو الذي قال: يا صفراء، ويا بيضاء، غري غيري، وهو الذي لم يخلف ميراثاً، وكانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشام.

وأما الحلم والصفح: فكان أحلم الناس عن ذنب، وأصفحهم عن مسيء، وقد ظهر [من صفحه ما كان] يوم الجمل حين ظفر بمروان بن الحكم وكان أعدى الناس له، وأشدهم بغضاً [له] فصفح عنه، وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس الأشهاد، وخطب يوم البصرة فقال:" قد أتاكم الوغد اللئيم علي بن أبي طالب، وكان [علي] -عليه السلام- يقول: ما زال الزبير منَّا أهل البيت حتى شبَّ [ابنه] عبد الله، فظفر به يوم الجمل، وأخذه أسيراً، وصفح عنه، وقال: إذهب فلا أرينك، ولم يزده على ذلك[وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة وكان له عدواً فأعرض عنه ولم يقل له شيئاً] وقد علمتم ما كان من عائشة في أمره، فلما ظفر بها أكرمها، ونفذ معها إلى المدينة بسبعين امرأة من نساء عبد القيس عممهنَّ بالعمائم وقلدهنَّ بالسيوف، فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به وتأففت وقالت: هتك ستري برجاله وجنده الذين وكلهم بي، فلما وصلت[إلى] المدينة ألقى النساء عمائمهنَّ، وقلن لها: إنما نحن نسوة،
وحاربه أهل البصرة، وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيف وشتموه ولعنوه، فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم، ونادى مناديه[في أقطار العسكر] : ألا لا يتبع مولي، ولا يجهز على جريح، ولا يقتل مستأسر، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن تحيز إلى عسكر الإمام فهو آمن، ولم يأخذ أثقالهم، ولا سبى ذراريهم، ولا غنم شيئاً من أموالهم، ولو شاء أن يفعل ذلك لفعل، ولكنه أبى إلا الصفح والعفو، وتقيَّل سنة رسول الله ً يوم فتح مكة، فإنه عفا والأحقاد لم تبرد، والإساءة لم تنس، ولما ملك عسكر معاوية

عليه الماء، وأحاطوا بشريعة الفرات، وقال رؤساء أهل الشام[له] : أقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشاً، سألهم علي -عليه السلام- وأصحابه أن يسوغوا لهم شرب الماء، فقالوا: لا والله، ولا قطرة حتى تموتوا ظمأ كما مات ابن عفان، فلما رأى -عليه السلام- أنه الموت لا محالة تقدم بأصحابه، وحملوا على مراكز معاوية حملات كثيفة حتى أزالوهم عن مراكزهم بعد قتل ذريع سقطت فيه الرؤوس والأيدي[وملكوا عليهم الماء وصار أصحاب معاوية في الفلاة لا ماء لهم] فقال له أصحابه[وشيعته] : امنعهم الماء -يا أمير المؤمنين- كما منعوك، ولا تسقهم منه قطرة، واقتلهم بسيوف العطش، وخذ هم قبضاً بالأيدي فلا حاجة لك إلى الحرب، فقال:[لا] والله لا أكافيهم بمثل فعلهم أفسحوا لهم عن بعض الشريعة، ففي حد السيف ما يغني عن ذلك.
فهذه إن نسبتها إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالاً وحسناً، وإن نسبتها إلى الدين والورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله -عليه السلام-.
وأما الجهاد في سبيل الله: فمعلوم عند صديقه وعدوه أنه سيد المجاهدين، وهل الجهاد لأحدٍ من الناس إلا له!!، وقد عرفت أن أعظم غزاة غزاها رسول الله ً وأشدها نكاية في المشركين بدر الكبرى، قُتِلَ فيها سبعون من المشركين، قتل علي[-عليه السلام-] نصفهم، وقتل الملائكة، والمسلمون النصف الأخير وإذا رجعت إلى (مغازي الواقدي) و(تأريخ الأشراف) ليحيى بن جابر البلاذري وغيرهما علمت صحة ذلك، دع من قتله في غيرها كأحد والخندق وغيرهما، وهذا الفصل لا معنى للإطناب فيه؛ لأنه من المعلومات الضرورية كالعلم بوجود مكة، ومصر، ونحوهما.

وأما الفصاحة: فهو عليه السلام إمام الفصحاء، وسيد البلغاء، عن كلامه قيل: دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوقين، ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة.
قال عبد الحميد بن يحيى : [و] حفظت تسعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت، ثم فاضت، وقال ابن نباتة : حفظت من الخطابة كنزاً لا يزيده الإنفاق إلا سعة وكثرة، [و] حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب عليه السلام.
ولما قال بعضهم لمعاوية: جئتك من عند أعيا الناس، قال له: ويحك!!كيف يكون أعيا الناس!!، والله ما سنَّ الفصاحة لقريش غيره وحسبك أنه لم يدَّون لأحد من فصحاء الصحابة العشر [ولا نصف العشر] مما دونَّ له كفاك (نهج البلاغة) وقد مدحه الجاحظ في كتاب (البيان والتبين) وفي غيره من كتبه.
وأما سجاحة الأخلاق، وبشر الوجه، وطلاقة المحيا، والتبسم: فهو المضروب به المثل [فيه] حتى عابه بذلك أعداؤه، وقال عمرو بن العاص لأهل الشام: إنه ذو دعابة شديدة، فقال -عليه السلام- في ذلك: عجباً لابن النابغة!! يزعم لأهل الشام أن فيَّ دعابة، وأني امرؤ تلعابة أعافس وأمارس وعمرو بن العاص إنما أخذها من عمر لقوله لما هم باستخلافه: لله أبوك لولا دعابة فيك، إلا أن عمر اقتصر عليها وعمراً أزاد منها وسمجها.

وقال صعصعة بن صوحان وغيره من أصحاب علي وشيعته: كان فينا كأحدنا، لين جانب، وشدة تواضع، وسهولة قياد، وكنَّا نهابه مهابة الأسير المربوط للسيف الواقف على رأسه، وقال معاوية لقيس بن سعد : رحم الله أبا الحسن، فلقد كان هشاً بشاً، ذا فكاهة، فقال قيس: نعم، كان رسول الله ً يمزح ويتبسم إلى أصحابه، وأراك تعيبه بذلك، أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبوتين قد مسه الطوى، تلك هيبة التقوى، ليس كما يهابك طغام الشام.
قال ابن أبي الحديد: وقد بقي هذا الخلق متناقلاً متوارثاً في محبيه، وأوليائه إلى الآن، كما بقي الجفا والخشونة والوعورة في الجانب الآخر، ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك.
وأما الزهد في الدنيا: فهو سيُّد الزهاد، وبدل الأبدال، وإليه تشدُّ الرحال ما شبع من طعام قط، وكان أخشن الناس مأكلاً ولبساً.

قال عبيد الله بن أبي رافع : دخلت إليه يوم عيد، فقرب جراباً مختوماً، فوجدنا فيه خبز شعير [يابساً] مرضوضاً فقدم فأكل [منه] فقلت: يا أمير المؤمنين، وكيف تختمه؟ فقال : خفت هذين الولدين أن يليناه بسمن أو زيت، وكان ثوبه مرقوعاً بجلدٍ تارة وبليف أخرى، ونعلاه من ليف، وكان يلبس الكرابس الغليظ، فإذا وجد كمه طويلاً قطعه بشفرة ولم يخطه، فكان لا يزال متساقطاً على ذراعيه حتى يبقى سدىً لا لحمة له، وكان يأتدم إذا ائتدم بخل أو ملح فإن ترقى عن ذلك فببعض نبات الأرض، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل ولا يأكل اللحم إلا قليلاً، ويقول: لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوان وكان مع ذلك أشد الناس قوة ولم ينقص الجوع قوته وهو الذي طلقَّ الدنيا، وكانت الأموال تجبى إليه من جميع بلاد الإسلام إلا الشام فيفرقها ويمزقها، ثم يقول:
هذا جناي وخياره فيه

ج

إذ كل جان يده إلى فيه

وأما العبادة: فكان أعبد الناس، وأكثرهم صلاة وصوماً، ومنه تعلَّم الناس صلاة الليل، وملازمة الأوراد، وقيام النافلة، وما ظنّك برجل بلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير، فيصلي عليه ورده، والسهام تقع بين يديه، وتمرَّ على صماخيه يميناً وشمالاً، فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته، وما ظنك برجل كانت له كثفنة البعير لطول سجوده! وأنت إذا تأملت دعواته، ومناجاته ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وجلاله، وما يتضمن من الخشوع لعزته، عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص، وفهمت من أي قلب خرجت وعلى أي لسان جرت.

وقيل لعلي بن الحسين عليه السلام وكان الغاية في العبادة: أين عبادتك من عبادة جدك؟ قال: عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [تسليماً].
وأما قراءة القرآن والإشتغال به: فهو المنظور إليه في هذا الباب، اتفق الكل أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله ً ولم يكن غيره يحفظه، ثم هو أول من جمعه، نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة أبي بكر، وأهل الحديث لا يقولون ما قالته الشيعة من أنه تأخر مخالفة للبيعة، بل يقولون: تشاغل بجمع القرآن، فهذا يدل على أنه أول من جمع القرآن، لأنه لو كان مجموعاً على حياة رسول الله ً لما احتاج أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته[صلى الله عليه وآله] وإذا رجعت إلى كتب القراءات وجدت أئمة القراء كلهم يرجعون إليه كأبي عمرو بن العلا، وعاصم بن أبي النجود وغيرهما؛ لأنهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السلمي القارئ وأبو عبد الرحمن كان تلميذه، وعنه أخذ القرآن، وقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه أيضاً مثل كثير مما سبق.

وأما الرأي والتدبير:[فقد كان] من أشد الناس رأياً، وأصحهم تدبيراً، وهو الذي أشار على عمر بن الخطاب لما عزم[على] أن يتوجه بنفسه إلى حرب الروم والفرس بما أشار، وهو الذي أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها ولو قبلهالم يحدث عليه ما حدث، وإنما قال أعداؤه: لا رأي له؛ لأنه كان مقيداً بالشريعة لايرى خلافها، ولا يعمل بما يقتضي الدين تحريمه، وقد قال[هو] –عليه السلام-: ولولا الدين لكنت أدهى العرب، وغيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما يستصلحه، ويستقويه سواء كان مطابقاً للشرع أو لم يكن، ولا ريب أن من يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده، ولا يقف مع ضوابط وقيود يمتنع لأجلها مما يرى الصلاح فيه تكون أحواله الدنيوية إلى الانتظام أقرب، ومن كان بخلاف ذلك تكون أحواله الدنيوية إلى الانتثار أقرب.

وأما السياسة: فإنه كان شديد السياسة في ذات الله لم يراقب ابن عمه في عمل كان ولاَّه إياه، ولا راقب أخاه عقيلا ً في كلام جبهه به، وأحرق قوماً بالنار، ونقض دار مصقلة بن هبيرة، ودار جرير بن عبد الله البجلي، وقطع جماعة، وصلب آخرين، ومن جملة سياسته[حروبه في] أيام خلافته بالجمل، وصفين، والنهروان، وفي أقل القليل منها مقنع، وإن كل سائس في الدنيا لم يبلغ فتكه وبطشه مبلغ العشر مما فعل -عليه السلام- في هذه الحروب بيده وأعوانه فهذه [هي] خصائص البشر ومزاياهم، قد أوضحنا أنه فيها الإمام المتبع فعله والرئيس المقتفى أثره، وما أقول في رجل يحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة، وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملة، وتصور ملوك الفرنج وملوك الروم صورته في بيعها وبيوت عبادتها، حاملاً سيفه، مشمراً لحربه، وتصور ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها، كان على سيف عضد الدولة ابن بويه وسيف أبيه ركن الدولة صورته، وكان على سيف إلب رسلان وأبيه ملك شاه صورته، وكأنهم يتفاءلون به للنصر والظفر، وما أقول في رجل أحب كل أحد أن يتكنى به، وودَّ كل أحد أن يتجَّمل بالإنتساب إليه، حتى الفتوة التي أحسن ما قيل في حدها:أن لا تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك، فإن أربابها نسبوا أنفسهم إليه وصنفوا وقصروه عليه، وسموه سيد الفتيان، وعضدوا [حجة] مذهبهم بالبيت المشهور المروي أنه سمع من السماء يوم أحد:
لا سيف إلا ذو الفقار

ولا فتى إلا علي

وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيد البطحاء، وشيخ قريش، ورئيس مكة، قالوا: قلَّ أن يسود فقير، وساد أبو طالب وهو فقير لا مال له، وكانت قريش تسميه الشيخ، وفي حديث عفيف الكندي لما رأى النبي ً يصلي في مبدأ الدعوة، ومعه غلام وامرأة، قال فقلت للعباس:أي شيء هذا؟ فقال: هذا ابن أخي يزعم أنه رسول الله إلى الناس، ولم يتبعه على قوله إلا هذا الغلام وهو ابن أخي وهذه الإمرأة وهي زوجتهقال فقلت: ما الذي تقولونه أنتم؟
قال: ننتظر ما يفعل الشيخ، قال : يعني أبا طالب، وأبو طالب هو الذي كفل رسول الله ً صغيراً وحماه كبيراً ومنعه من مشركي قريش، ولقي لأجله عناءاً عظيماً، وقاسى بلاءً شديداً، وصبر على نصره والقيام بأمره، وجاء في الخبر: أنه لما توفي أبو طالب أوحي إليهً وقيل له: اخرج منها فقد مات ناصرك وله مع شرف هذه الأبوة أن ابن عمه محمد سيد الأولين والآخرين، وأخاه جعفر ذو الجناحين، الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((أشبهت خلقي وخلقي )) فمر يحجل فرحاً، وزوجته سيدة نساء العالمين، وابنيه سيدا شباب أهل الجنة، فآباؤه آباء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمهاته أمهات رسول الله ً وهو مسوط بلحمه ودمه، ولم يفارقه منذ خلق الله آدم إلى أن مات عبد المطلب بين الأخوين عبد الله وأبي طالب وأمهما واحدة، فكان منهما سيد الناس هذا الأول، وهذا الثاني، وهذا المنذر وهذا الهادي.

وما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى، وآمن بالله وعبده، وكل من في الأرض يعبد الحجر، ويجحد الخالق، لم يسبق إلى التوحيد إلا السابق إلى كل الخير وهو محمد رسول الله ً.
ذهب أكثر أهل الحديث إلى أنه -عليه السلام- أول الناس اتباعاً لرسول الله ً وإيماناً به، ولم يخالف في ذلك إلا الأقلون، وقد قال هو عليه السلام : أنا الصديق الأكبر، وأنا الفاروق الأول، أسلمت قبل إسلام الناس وصليت قبل صلواتهم.
قال ابن أبي الحديد: ومن وقف على كتب أصحاب الحديث تحقق ذلك، وعلمه واضحاً، وإليه ذهب الواقدي، وابن جرير الطبري وهو القول الذي رجَّحه ونصره ابن عبد البر صاحب كتاب (الاستيعاب).
انتهى الفصل الأول.

الفصل الثاني
ما لفظه: قال الشيخ العلامة أبو بكر الخوارزمي -رحمه الله تعالى - في رسالة كتبها إلى أهل طبرستان: سمعت أرشد الله سعيكم، وجمع على التقوى أمركم بما بكتكم به السلطان الذي لا يتحامل إلا على أهل العدل، ولا يميل إلا على جانب الفضل، ولا يبالي إن مزق دينه إذا أزوى بدنياه، ولا يفكر إن أعدم رضى الله إذا وجد رضاه، وأنتم ونحن -أصلحنا الله وإياكم- عصابة لم يرض الله لنا بالدنيا، فادخر لنا الأخرى، ورغب بنا عن ثواب العاجل، فأعدَّ لنا ثواب الآجل، وقسَّمنا قسمين:
قسماً: مات شهيداً، وقسماً: غاب سعيداً، فالحي يحسد الميت على ما صار إليه، ولا يرغب بنفسه على ما جرى عليه.

قال أمير المؤمنين عليه السلام : المحن إلى شيعتنا أسرع من الماء إلى منحدره، وهذه مقالة أسست على المحن، وولد أهلها في طالع الهزاهز والفتن، حياة أهلها كلها نغص، وقلوبهم كلها غصص، والأيام عليهم متحاملة، والدنيا عنهم مائلة، فإذا كنَّا شيعة أئمتنا -عليهم السلام- في الفرائض والسنن، فينبغي أن نتبع آثارهم في كل قبيح وحسن، غصبت فاطمة ميراث أبيها يوم السقيفة، وأخِّر أمير المؤمنين عن الخلافة، وسمَّ الحسن سراً، وقتل الحسين جهراً، وصلب زيد بن علي بالكناسة، وقطع رأس يحيى بن زيد في المعركة، وخنق عبد الله بن الحسن في حبس الدوانيقي وقتل ابناه: محمد، وإبراهيم على يد موسى بن عيسى العباسي ومات موسى بن جعفر شهيداً في حبس هارون، وسم علي بن موسى بيد المأمون وهزم إدريس بفخَّ حتى وقع إلى الأندلس فريداً، ومات عيسى بن زيد في بلد الهند طريداً شريداً، وقتل يحيى بن عبد الله بعد الأمان والأيمان، وبعد تأكيد العهود والضمان.

هذا غير ما فعل يعقوب بن الليث بعلوية طبرستان، وغير قتل محمد بن زيد بن الحسن بن القاسم الداعي على يد آل سامان وغير ما فعله ابن الساج بعلوية المدينة، حملهم بلا غطاء ولا وطاء من الحجاز إلى سامران وهذا بعد قتل قتيبة بن مسلم الباهلي لابن عمر بن علي حين أخذه با مونه وقد ستر نفسه، ووارى شخصه، ولا كما فعل الحسن بن إسماعيل المصعبي في يحيى بن عمر الزيدي خاصة، وما فعله أحمد بن خاقان بعلوية الكوفة، وحسبكم أنه ليس في بيضة الإسلام بلدة إلا وفيها لقتيل طالبي تربة شارك في قتلهم الأموي والعباسي، وأطبق عليهم العدناني والقحطاني، قال الشاعر:
فليس حي من الأحياء نعرفه.... من ذي يمانٍ ولا بكر ولا مضر
إلا وهم شركاء في دمائهم.... كما تشارك أيسار على جزر

قادتهم الحمية إلى المنية، وكرهوا عيش الذلة، فماتوا موت العزة، ووثقوا بمالهم في الدار الباقية، فسخت نفوسهم عن هذه الفانية، ثم لم يشربوا كأساً من الموت إلا شربها شيعتهم وأولياؤهم، ولا قاسوا لوناً من الشدائد إلا قاساه أنصارهم وأتباعهم، داس عثمان بن عفان بطن عمار بن ياسر بالمدينة، ونفى أباذر الغفاري إلى الربذة، وأشخص عمار بن [عبد] قيس التميمي، وغرب الأشتر النخعي وعدي بن حاتم الطائي، وسُيِّر عمر بن زرارة إلى الشام، ونفي كميل بن زياد من العراق، وجفا ابن أبي كعب وأقصاه، وعادى محمد بن أبي حذيفة وناواه، وعمل في ذم محمد بن أبي بكر فأعمل، وفعل مع كعب ذي الحكنة ما فعل، واتبعه في سيرته بنو أمية يقتلون من حاربهم، ويغدرون بمن سالمهم لا يحفظون المهاجري ولا يصونون الأنصاري، ولا يخافون الله، ولا يخشون الناس، قد اتخذوا عباد الله خولاً، ومال الله دولاً، يهدمون الكعبة، ويستعبدون الصحابة، ويعطِّلون الصلاة المؤقتة، ويسيرون في حرم المسلمين سيرتهم في حرم الكفار،وإذا فسق الأموي فلم يأت بالصلاة على كلالة حتى قتل معاوية حجر بن عدي الكندي وعمر بن الحمق الخزاعي بعد الأيمان المؤكدة، والمواثيق المغلظة، وحتى قتل زياد بن سمية الألوف من شيعة البصرة والكوفة صبراً، وأوسعهم حبساً وأسراً حتى قتل الله معاوية على أسوأ أعماله، وختم عمره بشر أحواله، فاتبعه ابنه يجهز على جرحائه، ويقتل ابناء قتلائه إلى أن قتل هانئ بن عروة المرادي ومسلم بن عقيل الهاشمي أولاً، وعقب بالحر بن يزيد الرياحي وبأبي موسى، وبعمر وابن

فرصنة الأنصاري وحرب بن مطهر الأسدي وعبد الله بن عمير الكلبي، ومسلم بن[عوسجة] الأسدي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، ونافع بن هلال الحملي وحنظلة بن أسعد الشاكري وعاشر ابن أبي شبيب الشاكري في نيف وعشرين من جماعة شيعته، وأمر بالحسين يوم كربلاء، ثم سلط عليهم الدعي بن الدعي عبيد الله بن زياد فصلبهم على جذوع النخل، وقتلهم ألوان القتل حتى اجتث الله دابره، فانتبه لنصرة أهل البيت طائفة أراد الله أن يخرجهم من عهدة ما صنعوا، ويغسل عنهم وضرة ما اجترحوا، فصمدوا ضد الفئة الباغية، وطلبوا بدم الشهيد الدِّعي ابن الزانية لا يزيدهم قلة عددهم، وانقطاع مددهم، وكثرة سواد أهل الشام بآرائهم إلا إقداماً على القتل والقتال، وسخاء بالنفوس والأموال، حتى اقتل سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجية الفزاري، وعبد الله بن كامل التميمي في رجال من خيار المؤمنين وعلية التابعين، ومصابيح الأنام وفرسان الإسلام، ثم سلط آل الزبير على الحجاز والعراق، فقتلوا المختار بعد أن شفى غيظ آل محمد، واقتضى لهم الأوتار وأدرك الثأر، وأفنى الأشرار، وطلب بدم المظلوم الغريب فقتل قاتله ونفى خاذله، واتبعوا أبا عمرو بن كيسان، وأحمد بن سميط ورفاعة بن يزيد والسائب بن مالك وعبد الله بن كامل وتلقط [بقايا] الشيعة يمثلون بهم كل مثلة، ويقتلونهم شر قتلة حتى طهر الله من عبد الله بن الزبير البلاد، وأراح من أخيه مصعب العباد، فقتلهما عبد الملك بن مروان:{وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[الأنعام:129].

بعدما حبس ابن الزبير محمد بن الحنفية وأراد إحراقه، ونفى عبد الله بن العباس، وأكثر إرهاقه، فلما خلت البلاد لآل مروان سلطوا الحجاج على الحجازين، ثم على العراقين، فتلعب بالهاشميين، وأخاف الفاطميين، وقتل شيعة علي -عليه السلام-، ومحى آثار أهل بيت النبي، وجرى منه ما جرى على كميل بن زياد النخعي، واتصل البلاء مدة ملك المروانية إلى أيام العباسية حتى أراد الله أن يختم مدتهم بأكثر آثامهم، ويجعل عظم ذنوبهم في آخر أيامهم، فبعث على بقية الحق المهمل والدين المعطل زيد بن علي-عليه السلام-، فخذله منافقوا أهل العراق، وقتله أحزاب أهل الشام، وقتل معه من شيعته نصر بن خزيمة الأسدي ومعاوية بن إسحاق الأنصاري وجماعة ممن شايعه وتابعه وبايعه حتى من زوجَّه وآواه، وحتى من كلمه وماشاه، فلما انتهكوا ذلك الحريم، واقترفوا ذلك الإثم العظيم غضب الله عليهم، وانتزع الملك منهم، فبعث عليهم أبا مجرم لا أبا مسلم فنظر-لا نظر الله إليه- إلى صلابة العلوية وإلى لين العباسية، فترك تقاه واتبع هواه، وباع آخرته بدنياه، وبايع لمحابيه بني العباس، وسلطهم على الناس، وافتتح أعماله لهم بقتل عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وسلط طواغيت خراسان، وخوارج سجستان، وأكراد أصبهان على آل أبي طالب، فداوموا قتلهم في كل سهل وجبل حتى سلطَّ الله عليه أحبَّ الناس إليه، فقتله كما قتل الناس في طاعته، وأخذه بما أخذ به الناس في بيعته، ولم ينفعه أن أسخط الله برضاه، وارتكب ما لا يهواه في هواه، وخلت للدوانيقي الدنيا، يخبط فيها عسفاً، ويقضي جوراً

وحيفاً، إلى أن مات وقد امتلأت سجونه بعد إتلاف من أتلف من أهل بيت النبوة، ومعدن الطيب والطهارة، وقد تتبع غائبهم، وتلقط حاضرهم حتى قتل عبد الله بن محمد بن عبد الله وقد لحق بالسند على يدي هشام بن عمر التغلبي وما ظنك بمن قرب متناوله عليه، ولان مسه على يديه، وهذا قليل في جنب ما فعله هارون بهم، وركبه موسى بمن قتله منهم، فقد عرفتم ما توجه على الحسين بن علي من موسى بن عيسى وما اتفق على ابن الأفطس الحسني من هارون، وما جرى على أحمد بن عيسى الزيدي وعلى القاسم بن علي من حبسه، وعلى ابن غسان حاضر الخزاعي حين أخذ من قتله، وعلى الجملة إن هارون مات، وقد حصد شجرة النبوة، واقتلع غرس الإمامة.
ولستم -أصلحكم الله تعالى- أعظم نصباً في الدين من الأعمش وقد شتموه، ومن شريك وقد غرَّبوه، ومن هشام بن الحكم وقد أخافوه، ومن الحكم بن عيينة وقد أخرجوه، ومن الفضل بن سهل وقد اغتالوه، ومن علي بن يقطين وقد اتهموه.
وأما في الصدر الأول: فقد قتل زيد بن صوحان العبدي، وعون بن عثمان بن حبيب الأنصاري، وخفي حارثة بن قدامة السعدي وضرب زهير الأزدي وشريح بن هانئ الحارثي ومالك بن كعب الأرحبي، ومعقل بن سعيد الرياحي والحارث الأعور الهمداني وأبو الطفيل الكناني.

وما منهم إلا من خرَّ عن معركته قتيلاً، أو عاش أهلا في بيته ذليلاً، يسمع شتيمة الوصي فلا ينكر، ويرى قتلة الأئمة وأولادهم فلا يغير، ولا يخفى عليكم جرح عامتهم وخشونتهم لجابر الجعفي ولرشيد الهجري ولزرارة بن أعين ولفلان، ولأبي فلان. ليس إلا لأنهم -رحمهم الله- كانوا يتولون أولياء الله، ويتبرؤن من أعداء الله، وكفاك به جرماً عظيماً عندهم، وعيباً كبيراً بينهم، وقل في بني العباس فإنك ستجد بحمد الله مقالاً، وجل في عجائبهم فإنك ترى ما شئت مجالاً يجبى فيئهم، فيفرق على الديلمي والتركي، ويحمل إلى الفرغاني والمغربي، ويموت إمام من أئمة الهدى، وسيد من سادات أهل بيت المصطفى، فلاتتبع جنازته، ولا تجصص مقبرته، ويموت شراطَّ لهم ولعابَّ، أو مسخرة أو ضراب، فتحضر جنازته العدول والقضاة، ويعمر مسجد التعزية عنه القواد والولاة، ويسلم عليهم من يعرفونه دهرياً، أو سوفسطائياً، ولا يتعرضون لمن يدرس كتاباً فلسفياً، أو مانوياً، ويقتلون من عرفوه شيعياً، ويسفكون دم من سمى ابنه علياً، ولو لم يقتل من شيعة أهل البيت غير المعلى بن حنين قتله داود بن علي ولو لم يحبس منهم غير أبي تراب المروزي لكان ذلك جرحاً لا يبرى وثائرة لا تطفى، وصدعاً لا يلتئم، وقرحاً لا يلتحم، وكفاكم أن شعراء قيس قالوا في الجاهلية أشعاراً يهجون بها المؤمنين، ويعارضون فيها شعراء المسلمين، فحملت أشعارهم، ورويت أخبارهم، ورواها الرواة مثل الواقدي، ووهب بن منبه اليماني وابن الكلبي والشرق بن القطامي، والهيثم بن عدي وابن دأب الكناني وأن بعض شعراء الشيعة تكلم

في بعض مناقب الوصي، بل في معجزات النبي فقطع لسانه، وتمزق ديوانه كما فعل بعبد الله بن عمار البرقي وكما أريد بالكميت بن زيد الأسدي وكما نبش قبر منصور بن الزبرقان النمري وكما أريد من دعبل بن علي الخزاعي مع رفعهم من مروان بن أبي حفصة الأموي وعلي بن الجهم الشامي ليس إلا لغلوهما في النصب، واستحسانهما مقت الدين حتى أن هارون والمتوكل على الشيطان لا على الرحمن كانا لا يعطيان مالاً، ولا يبذلان نوالاً إلا لمن شتم آل أبي طالب، ونصر مذهب النواصب مثل عبد الله بن مصعب الزبيري ووهب بن وهب البحتري ومن الشعراء مثل مروان بن أبي حفصة الأموي، ومن الأدباء مثل عبد الملك بن قريب الأصمعي.
فأما في أيام جعفر فمثل بكار بن عبد الله الزبيري وأبي السمط ابن أبي الجبوب الأموي وابن أبي الشوارب العبشمي.
ونحن -أرشدكم الله- قد تمسكنا بالعروة الوثقى، وآثرنا الدين على الدنيا فلن يزيدنا بصيرة زيادة من زاد فينا، ولم يخل بنا عقيدة نقصان من نقص منَّا فإن ((الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً)) كلمة من الله ووصية من رسول الله، والعاقبة للمتقين، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين، ومع اليوم غد، ومع السبت أحد.
وقال عمَّار بن ياسر يوم صفين: لو ضربونا حتى نبلغ سعفات هجر لعلمنا أنَّا على الحق، وأنَّهم على الباطل، ولقد هزم عسكر رسول الله ً ثم هزم، ولقد تأخر الإسلام ثم تقدم:{الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ }[العنكبوت:1،2].

ولولا محنة المؤمنين وقلتهم، ودولة الكافرين وكثرتهم، لما امتلأت جهنم حتى تقول هل من مزيد، ولما قال الله تعالى:{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }[الأنعام:37] ولما تبين الجزوع من الصبور، ولا عرف الشكور من الكفور، ولما استحق المطيع الأجر، ولا احتقب العاصي الوزر، فإن أصابتنا نكبة، فذلك ما قد تعودناه، وإن رجعت إلينا دولة فذلك ما انتظرناه، وعندنا لكل حالة آلة، ولكل مقام مقالة فعند المحن الصبر، وعند النعم الشكر، ولقد شُتم أمير المؤمنين على المنابر ألف شهر فما شككنا في وصيته، وكذِّب بمحمد ً بضع عشرة سنة فما اتهمنا في نبوته، وعاش إبليس -لعنه الله- مدة تزيد على المدد مطيعاً فلم نرتب في لعنه، وابتلينا بفترة الحق ونحن مستقيمون بدولته، ودفعنا إلى قتل الإمام بعد الإمام، والوصي بعد الوصي فلا مرية عندنا في صحة إمامته:{وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا }[الأحزاب:38]، و{كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ}[التكاثر:3،4]، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}[الشعراء:227]، واعلموا -رحمكم الله تعالى- أن بني أمية الشجرة الملعونة في القرآن، وأتباع الطاغوت والشيطان، جهدوا في دفن محاسن الوصي، واستأجروا من كذب بالأحاديث على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحولوا الجوار إلى بيت المقدس عن المدينة، والخلافة إلى دمشق عن الكوفة، وبذلوا في طمس الآثار الأموال، وقلدوا عليه الأعمال، واصطنعوا فيه الرجال، فما قدروا على دفع حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

ولا تحريف آية من كتاب الله [تعالى] ولا على دس أِّحد من أعداء الله في أولياء الله.
ولقد كان ينادى على رؤوسهم بفضائل العترة، ويكاتب بعضهم بعضاً بالدليل على الحجة لا تنفع في ذلك هيبة ولا تمنع منه رغبة ولا رهبة، والحق عزيز وإن استذل أهله وكثير وإن قلَّ حزبه، والباطل ذليل وإن رصع بالشبهة وقبيح وإن غطي وجهه بالحيلة.
قال عبد الرحمن الحكم وهو من أنفس بني أمية:
سمية أمسى نسلها عدد الحصى.... وبنت رسول الله ليس لها نسل
وقال كثير السهمي وهو بمكة في ولاية بني أمية:
لعن الله من يسب علياً.... وحسيناً من سوقة وإمام
وقال أبو الهذيل الجحمي في حمة سلطان بني مروان، وولاية أبي سفيان:
تبيت السكارى من أمية نوَّماً.... وبالطف قتلى ما ينام حميمها
وقال سليمان بن قتة :
وإن قتيل الطف من آل هاشم.... أذلَّ رقاب المسلمين فذلت
وقال الكميت، وهو جار خالد بن عبد الله [القسري] بالعراق، وسيف خالد يقطر من دماء الشيعة:
فقل لبني أمية حيث كانوا.... وإن خفت المهند والقطيعا
أجاع الله من اشبعتموه.... وأشبع من بجوركم أجيعا

وما هذا بأعجب من صياح شعراء بني العباس على رؤوسهم بالحق وإن كرهوه، وبتفضيل من تنقصوه وقتلوه، وقال منصور بن الزبرقان النمري، وهو على بساط هارون:
آل النبي ومن يحبهم.... يتطامنون مخافة القتل
أمن النصارى واليهود وهم.... من أمة التوحيد في الأزل
وقال دعبل بن علي[الخزاعي] وهو صنعة بني العباس وشاعرهم:
ألم تر أني مذ ثلاثون حجة.... أروح وأغدو دائم الحسرات
بنات زياد في القصور مصونة.... وبنت رسول الله في الفلوات
أرى فيئهم في غيرهم متقسماً.... وأيديهم من فيئهم صفرات
وقال علي بن العباس الرومي وهو مولى المعتصم:
بآية ألا يبرح المرء منكم.... يتل على حر الجبين فيعفج
لذاك بني العباس يصبر مثلكم.... ويصبر للموت الكمي المدجج
أكل أوان للنبي محمد.... قتيل زكي بالدماء مضرج
وقال إبراهيم بن العباس الصولي وهو كاتب القوم وعاملهم في الري لما قرَّبه المأمون:
يمنُّ عليكم بأموالكم.... ويعطون من مائة واحداً

وكيف لا ينتقص قوم يقتلون بني عمهم جوعاً وسغباً ويملؤن ديار الترك والديلم فضة وذهباً، يقربون المغربي والفرغاني، ويجفون المهاجري والأنصاري، ويولون أنباط السواد وزارتهم، وقلف العجم والطماطمة قيادتهم، ويمنعون آل أبي طالب ميراث أمهم، وفيئ جدهم، ويتمنَّى العلوي الأكلة فيحرمها، ويقترح على الأيام الشهوة فلا يطعمها، وخراج مصر والأهواز وصدقات الحرمين والحجاز، تصرف إلى إبراهيم المدني، وإلى إبراهيم الموصلي وإلى ابن جامع السهمي وإلى زلزل الضارب، وبرصوم الزامر، وأقطاعُ بني بختيشوع النصراني قوت أهل بلد، وحادي جمال بغا التركي، والأفشين الأشروسي كفاية أمة ذات عدد، والمتوكل زعموا أنه تسرى باثني عشرة ألف سرية، والسيد من سادات أهل البيت يتعفف بزنجية أو سندية، وصفوة مال الخراج مقصور على أرزاق الصفاعنة، وعلى موائد المخانثة وعلى طعمة الكلابين ورسوم القرادين، وعلى مخارق وعلوية وعلى زرزرة وعمر بن ماية المهلبي يبخلون على الفاطمي بأكلة أو شربة ويضايقونه في دانق وحبة، ويشترون القردة بالبدر، ويجرون لها ما يفي برزق عسكر، والقوم الذين أحلَّ الله لهم الخمس، وحرمت عليهم الصدقة يتكففون[ضراً] أو يهلكون فقراً يرهن أحدهم سيفه، ويبيع ثوبه، وينظر إلى فيه بعين مريضة، ويتشدد على دهره بنفس ضعيفة، ليس له ذنب إلا أن جده النبي[ً] وأباه الوصي، وأمه فاطمة، وجدته خديجة، ومذهبه الإيمان، وإمامه القرآن، وحقه مصروف إلى القهرمانة والمصراطة، وخمسه مقسوم على نقار الدبكة، وعلى نفقات الدببة والقردة وعلى عرش اللعبة للعبه.

وماذا أقول في قوم حملوا الوحش على النساء المسلمات، وأخروا العبادة، وخربوا تربة الحسين -عليه السلام- في ذلك المكان، ونفوا زواره إلى البلدان، وما أصف من قوم هم نطف السكارى في أرحام القيان، وماذا يقال في أهل بيت منهم نبع البغاء وفيهم راج التخنيث، وبهم عرف اللواط، وكان إبراهيم بن المهدي مغنياً، وكان المتوكل مؤبناً وكان المعتمد مخنثاً وكان ابن زبيدة معتوهاً مفروكاً، وقتل المأمون أخاه، وقتل المستنصر أباه، وسم موسى بن المهدي أمه، وسم المعتضد عمه، ولقد كانت في بني أمية مخازي تذكر، ومعائب تؤثر، كان معاوية قاتل الصحابة والتابعين، وأمه آكلة أكباد الشهداء الطاهرين وابنه يزيد لعنه الله يزيد القرود ويزيد الفهود وهادم الكعبة، ومنتهب المدينة، وقاتل العترة، وصاحب يوم الحرة، وكان مروان الوزغ بن الوزعة لعن النبي ً أباه وهو في صلبه فلحقته لعنة ربه، وكان عبد الملك صاحب الخطيئة التي طبقت الأرض وشملت الخلق وهي تولية الحجاج بن يوسف لعنه الله قاتل العباد، ومبيد الأبدال والأوتاد، ومخرب البلاد، وخبيث الأمة الذي جاءت به النذر وورد فيه الأثر، وكان الوليد من جبابرة بني أمية، ومولي الحجاج على المشرق وقرة بن شريك على المغرب.

وكان سليمان صاحب البطن الذي قتلته كضة، ومات بشماً وتخمة،وكان يزيد صاحب سلامة وحبابة الذي فتح الجهارة بالخمر ورقص أيام خلافته على العود والزمر، وأول من أغلا سعر المغنيات وأعلن بالفاحشات، وماذ ا نقول فيمن أعرق فيه مروان من جانب ويزيد بن معاوية من جانب، فهو ملعون ابن ملعونين، وعريق في الكفر بين كافرين، وكان هشام قاتل زيد بن علي، ومولّي يوسف بن عمر الثقفي، وآسر يحيى بن زيد العلوي.
وكان الوليد بن يزيد خليع بني مروان الكافر بالرحمن، المحرَّق للقرآن، أول من قال الشعر في نفي الإيمان، وجاهر بالفسوق والعصيان، والذي غشي أمهات[أولاد] أبيه، وقُذِفَ بغشيان أخته، وهذه المثالب مع عظمها وكثرتها وقبحها وشنعها صغيرة وقليلة في جنب مثالب بني العباس الذين بنوا مدينة الجبارين، وفرقوا في الملاهي والمعاصي أموال المسلمين.
فأئمتكم -رحمكم الله- الأئمة المهديون، الذين يقضون بالحق وبه يعدلون، بذلك تقوم خطب جمعتهم، وبذلك تقوم صلاة جماعتهم، فإن كسد التشيع بخراسان، فقد نفق بالحجاز والحرمين، وبالشام والعراقين، والجزيرة والثغرين، وبالجيل والغورين، وإن تحامل علينا وزير وأمير، فإنَّا نتوكل على الأمير الذي لا يعزل، وعلى القاضي الذي لا يزال ولم يزل، وعلى الحكم الذي لا يقبل رشوة ولا يطلب سجلاً ولا شهادة، وإياه نحمد على طهارة المولد، وطيب المحتد، ونسأله أن لا يكلنا إلى أنفسنا، ولا يحاسبنا على مقتضى عملنا، وإن يعيذنا من رعونة الحشوية ومن لجاج الحرورية وشك الواقفية وإرجاء الحنفية.

وتخالف أقوال الشافعية ومكابرة البكرية وروايات الكيسانية وجحد العثمانية وتشبيه الحنبلية وكذب الغلاة والخطابية وأن لايحشرنا على نصب أصبهاني، ولا على بغض لأهل البيت طوسي أو شاسي، ولا على إرجاء كوفي ولا على تشبيه قمي، ولا على جهل شامي، ولا على تخَّيل بغدادي، ولا على قول أباظي مغربي، ولا على عشق لأبي حنيفة بلخي، ولا على تناقض في القول حجازي، ولا على مروق سحرتي، ولا على غلو في التشيع كرخي، وأن يحشرنا في زمرة من أحببناه، ويرزقنا شفاعة من توليناه إذا دعي كل أناس بإمامهم، وسار كل فريق تحت لوائهم، إنه سميع قريب، يسمع ويستجيب وهو حسبنا ونعم الوكيل.
انتهى كلام الخوارزمي -رحمه الله تعالى-ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ومن هاهنا يقع الشروع في شرح المنظومة على سبيل الاختصار، لأن استقصاء ما احتوت عليه يحتاج إلى أسفار كبار، والله الموفق للصواب.
بسم الله الرحمن الرحيم. وصلىَّ الله على سيدنا محمَّد وآله وسلَّم.
الدهر ذو عبر عظمى وذو غير.... وصرفه شامل للبدو والحضرِ
أقول: هذا يسمى براعة الاستهلال، والمعنى أن يكون المتكلم مبتدأً بما يناسب المقصود، من برع إذا فاق أصحابه في العلم أو غيره، كقول بعض الشعراء يهني الصاحب بولد لابنته في مطلع قصيدة:
بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا.... وكوكب المجد في أفق السما صعدا
وكقول ابن الفرج الشاوي يرثي فخر الدولة فجعل مطلع قصيدته:
هي الدنيا تقول بملئ فيها.... حذار حذار من بطشي وفتكي

فأتى الشاعران في هذين البيتين بكلام يشتمل عن ما سيق الكلام لأجله، وكذلك السيد صارم الدين، وعبر وغير الأول بعين مهملة، والثاني بغين معجمة، ومعناهما ظاهر، والدهر فهو الزمان.
وأما قوله ً((لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر )) فإن معناه: أن العرب كانوا يقولون عند النوازل من المرض والفقر والجدب والموت: أصابنا الدهر، فقيل لهم: لا تسبوا فاعل ذلك بكم فإن ذلك هو الله سبحانه، والدهريه فرقة من فرق الكفر، يقولون: بقدم العالم، واختلفوا في المؤثر فمنهم من نفاه مطلقاً، ومنهم من أثبته علة قديمه، ومنهم من أثبته صانعاً قديماً، ولأفلاطون قولان:
أحدهما: حدوث العالم، وأجمعوا على حدوث التركيب.
وإن قالوا بقدم العناصر، وهي: الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة على اختلاف بينهم، والنسبة إلى الدهر دهري بالفتح وقد تضم، وهي من تغييرات النسب. قوله عليه السلام:
وخطبه معضل للناس عن كمل.... وحكمه في الورى أمضى من القدرِ
وجدَّه عند أرباب النهي لعب.... وغاية الطول منه غاية القصرِ
ومرهفات مواضيه مناجزة.... وسمره شأنها التفريق للسمرِ
وخيله مضمرات في أعنتها.... شعث النواصي سراع الورد والصدرِ
وبأسه ماله ردَّ لشدته.... وكأسه دائر بالحلو والصبرِ
أجنى على الفرس واليونان قبلهم.... والروم والترك والسودان والخزرِ
هذه ست أمم كبار من بني آدم ذكرها السيد في هذا البيت، ولا بد من الإشارة إلى طرف من شأن كل منهم على وجه الاختصار.

[ذكر نسب الفرس ودولهم وبعض ملوكهم وسبب تسميتهم بالفرس]
فأما الفرس فقد اختلف الناس في أنسابهم، وكم من دولة كانت لهم، فمن الناس من قال: إنهم من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم --صلوات الله عليهم أجمعين -.
ومنهم من زعم أنهم من ولد أرفخشد بن سام بن نوح، وأنه وضع له بضعة عشر رجلاً كلهم كان فارساً شجاعاً، فسموا الفرس بالفروسية.
وأما الاختلاف في دولهم فمن الناس من زعم أنهم أربعة أصناف، وأن :
الصنف الأول: كان من كيومرت إلى أفريدون، وهم الجمرهنانية.
والصنف الثاني: من كنان إلى دار بن دار، وهم الكنانية.
والصنف الثالث: ملوك الطوائف، وهم الأشعانية.
والصنف الرابع: الساسانية، ومن الناس من جعلهم صنفين: فجعل الصنف الأول من كيو مرت إلى دار بن دار.

والصنف الثاني: من أزدشير بن بابك إلى يزدجرد بن شهريان المقتول في زمن عثمان بن عفان، وعدد ملوك هذا الصنف الأخير ثلاثون ملكاً، منهم امرأتان، فأول من ملك منهم: أزدشير بن بابك بن ساسان الأصغر، وبينه وبين الهجرة أربعمائة سنة وأربعون سنة، وهو أول من جمع ملك الفرس بعد أن كان قد تفرق، وذلك أن الإسكندر لما قهر الملوك كلها، ومن جملتهم الفرس كتب إلى معلمه أرسطاطاليس يستشيره في أمر الفرس، فقال له: ولِّ كل رجل من أكابرهم ناحية، فإنهم يتنافسون على الملك، فلا يجتمعون على ملك منهم، فمن خالفك منهم كانت مؤنته عليك خفيفة، ففعل ذلك الإسكندر فلم يزالوا كذلك قدر أربعمائة سنة، ولم يجمعهم ملك، ولما ولي أزدشير بعد أن كابد منهم مشقة[عظيمة] شديدة قال: إن كلمة مزقتنا أربعمائة سنة لكلمة مشؤمة يعني كلمة أرسطاطاليس، ولما استوسق له الأمر، ولم يبق من يخالفه إلا الأسكانية من ملوك الطوائف أقسم إن تمكَّن [منهم] أن لا يبقي منهم رجلاً ولا امرأة، فلما تمكن منهم لم يسلم منهم إلا من أخفى نسبه ونفسه، وكان قد أخذ ابنة ملكهم، وكان حسنها بارعاً، فلما وقعت عينه عليها، قال: أنتِ من بنات ملوكهم؟ فقالت: بل من خدمهم، فاصطفاها لنفسه، فحملت منه، فلما علمت بالحمل شهرت نفسها، وقالت: أنا ابنة ملكهم، فأمر شيخاً من رجاله يودعها بطن الأرض إشارة إلى قتلها، فقالت للشيخ: إني حبلى من الملك، فقال: لا نبطل زرع الملك فأخذها، وعمل لها سرباً تحت الأرض، وجعلها فيه، ثم عمد إلى مذاكيره فجبها، ووضعها في حق وختم عليه، ورجع إلى الملك، وقال: [قد] أودعتها الأرض، ودفع إليه

الحق، وقال: إن فيه وديعة، واستوصاه يرفعها له وأقامت الجارية في ذلك السرب إلى أن وضعت غلاماً، فسماه الشيخ: شاه بور، أي: ولد الملك، فسماه الناس سابور، وبقي أزدشير هذا دهراً لا يولد له ولد، فرآه الشيخ حزيناً، وكان خاصاً به، فقال له: سرَّك الله -أيها الملك- ويعمرَّك ما لي أراك كئيباً؟ فقال: من أجل أن ليس لي ولد يرث ملكي؟ فقال له الشيخ: إن لك عندي ولداً طيباً فادع بالحق فدعا به، ففض خاتمه، فإذا فيه مذاكير الشيخ، وكتاب: إنه لما أمرني الملك بقتل المرأة التي علقت منه لم أر أن أبطل زرع الملك الطيب، فأودعتها بطن الأرض كما أمرني، وتبرأت إليه من نفسي لئلا يجد عائب إليَّ عيباً ولا سبيلاً، فسر أزدشير بذلك سروراً عظيماً كبيراً، وأمر الشيخ بعد ذلك أن يجعل الصبي بين مائة غلام من أشباهه في الهيئة، ثم يدخلهم عليه فعرفه أزدشير من بينهم، وقبلته نفسه، فأمرهم أن يلعبوا في حجرة الإيوان بالصولجان، فدخلت الكرة الإيوان فأحجم الغلمان عن دخوله دونه، فدخل، فأمر أزدشير عند ذلك بعقد التاج له. ومَّما حفظ من وصاياه له عند نصبه إياه للملك أنه قال له: يا بني، إن الملك والديّن أخوان، لا غنى لأحدهما عن صاحبه، والدين رأس الملك، والملك حارسه، وما لم يكن له رأس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع.

ومَّما حفظ من مكاتباته: من أزدشير ملك الملوك إلى الكتَّاب الذين هم حماة الحرب والحراث الذين هم عمارة الأرض، سلام عليكم، ونحن كاتبون إليكم بوصية فاحفظوها: لا تستشعروا الحقد فيدهمكم العدو، ولا تحبوا الاحتكار فيشملكم القحط، وكونوا لأبناء السبيل مأوى تنجوا في المعاد، وتزوجوا من الأقارب فإنه أمسُّ للرحم، وأقرب للنسب، ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها لا تدوم لأحد، ولا تهتموا لها، فلن يكون إلا ما شاء الله، ولا ترفضوها فإن الآخرة لا تنال إلا بها.
وكان مدة ملكه أربع عشرة سنة وستة أشهر، ثم ملك ابنه سابور، وفي أيامه ظهر ماني الثنوي فدخل سابور في مذهبه من القول بإلاهية النور والظلمة، ثم عاد إلى دين المجوس، وترك المانوية.
وكان ملكه ثلاثاً وثلاثين سنة، وقيل غير ذلك.
ومن ملوك الفرس: بهرام بن بهرام وكان ملكه تسع عشرة سنة، وأقبل في أول ملكه على القصف، واللهو، والنُّزه والصيد، لا يفكر في ملكه ولا رعيته حتى خربت البلاد، وقلَّت العمارة، وكان في بعض الأيام ركب للصيد فأجنَّه الليل، وهو يسير نحو المدائن وكانت ليلة قمراء فدعا بالمؤبذ لأمر خطر بباله، فجعل يحادثه، فتوسطوا في مسيرهم بين خرابات كانت من أمهات الضياع، لا أنيس بها إلا البوم، فإذا بوم بها يصيح وآخر يجاوبه.

فقال الملك: أترى أحداً من الناس أعطي فهم هذا الصوت، فقال المؤبذ:أنا -أيها الملك- ممَّن خصَّه الله بذلك، فقال له: فما يقول هذا؟ وما يقول الآخر؟ فقال: هذا بوم ذكر يخاطب بومة أنثى، ويقول لها: أمتعيني من نفسك حتى يخرج بيننا أولاد يسبحون الله، ويبقى لنا في العالم ذكر، وعقب يكثرون الترحم علينا، فأجابته البومة: إن الذي دعوتني إليه هو الحظ الأكبر، والنصيب الأوفر في العاجل والآجل إلا أني أشترط عليك خصالاً إن أنت أعطيتها أجبتك إلى ذلك.
فقال لها الذكر: وما تطلبين مني؟ فقالت: أن تعطيني من خرابات أمهات الديار عشرين قرية مما خرب في دولة هذا الملك السعيد، فقال له الملك: فما قال لها الذكر؟ فقال المؤبذ: كان من قوله لها: إذا دامت أيام هذا الملك السعيد أقطعتك منها ألف قرية، فما تصنعين بها؟ قالت: في اجتماعنا ظهور النسل وكثرة الولد، فنقطع كل واحد من أولادنا قرية من هذه الخرابات، فقال لها الذكر: هذا أسهل أمر سألتيه، وأنا ملي بذلك.

فلما سمع الملك الكلام من المؤبذ عمل في نفسه، واستيقظ من نومه، وأفكر فيما خوطب به، فنزل من ساعته، ونزل الناس وخلا بالمؤبذ، فقال له: أيَّها القيم بأمر الدين، والناصح للملك على ما أغفله من أمور ملكه، وأضاعه من أمور بلاده ورعيته، ما هذا الكلام الذي تخاطبني به؟ فقد حرَّك مني ما كان ساكناً، فقال المؤبذ: صادفت من الملك السعيد جدة وقت سعادة البلاد والعباد فجعلت الكلام مثلاً، وموقظاً على لسان الطائر عند سؤال الملك إياي عمَّا سأل، فقال الملك:أيُّها الناصح، أكشف لي عن هذا العرض ما المراد به؟ فقال: أيُّها الملك، إن الملك لا يتم إلا بالشريعة، والقيام لله بطاعته، ولا قوام للشريعة إلا بالملك، ولا عز للملك إلا بالرجال، ولا قيام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل للمال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل، والعدل هو الميزان المنصوب بين الخليقة، [نصبه الرب] وجعله[الله] قيماً بين عبيده.
فقال الملك: أما ما وصفت فحق، فأبن لي فيما إليه تقصد وأوضح لي في البيان؟
قال: نعم، أيها الملك، عمدت إلى الضياع، وأقطعتها الخدم وأهل البطالة، فعمدوا إلى ما تعجل من غلاتها فاستعجلوا المنفعة، وتركوا العمارة، والنظر في العواقب، وما يصلح للضياع، وسومحوا في الخراج لقربهم من الملك، ووقع الحيف على الرعية، وعمال الأرض، فأجلوا عن ضياعهم، وقلت الأموال، وهلكت الجنود والرعية، وطمع في ملك فارس من طمع من الملوك والأمم لعلمهم بانقطاع المواد التي يستقيم بها دعائم الملك،

فلما سمع الملك ذلك أقام في موضعه ثلاثة أيام، فأحضروا الوزراء، والكتَّاب، وأرباب الدواوين، فاَنَّتُزِعت الضياع من أيدي الخاصة والحاشية وردت إلى أربابها، وحملوا على رسومهم السالفة، وأخذوا بالعمارة، وقوي من ضعف منهم وعمرت البلاد وأخصبت وكثرت الأموال عند الجباة، وقويت الجنود، وانقطعت مواد الأعداء، وأقبل الملك يباشر الأعمال بنفسه، فحسنت وانتظم ملكه حتى كانت أيامه تدعى بعيد الأعياد لما عمَّ الناس من الخصب، وشملهم من العدل، ومن مشاهير ملوك الفرس بهرام بن يزدجرد، وكان نشؤه مع العرب، وكان يقول الشعر بالعربية، ويتكلم بلغات كثيرة، وكان على خاتمه مكتوب: بالأفعال تعظم الأخطار، ومما حفظ من شعره يوم ظفر بخاقان حين أخذه أسيراً ثم قتله:
أقول له لما فضضت جموعه.... كأنك لم تسمع بصولات بهرام
وإني حامي ملك فارس كلها.... وما خير ملك لا يكون له حامي
ومن ذلك قوله:
لقد علم الأنام بكل أرض.... بأنهم قد اضحوا لي عبيداً
ملكت ملوكهم وقهرت منهم.... عزيزهم المسود والمسودا
وكنت إذ تشاوش ملك أرض.... عبئت له الكتائب والجنودا
فيعطيني المقادة أو ألاقي.... برجليه السلاسل والقيودا

وملك وهو ابن عشرين سنة، وغاص هو وفرسه في حمأة في بعض الأيام فجزعت عليه فارس لما كان عمَّها من عدله، وشملها من إحسانه، ثم ملك ابنه يزدجرد، وكان ملكه تسع عشرة سنة، وحين ملك أحضر رجلاً من حكماء عصره، فكان عنده يأخذ من أخلاقه، ويقتبس الرأي منه ليسوس به رعيته، فقال له يوماً: أيُّها[الرجل] الفاضل، ما صلاح الدنيا ؟ فقال: الرفق بالرعية، وأخذ الحقِّ منهم في غير مشقة، والتودد إليهم بالعدل، وأمن السبل، وإنصاف المظلوم من الظالم، فقال: فما صلاح أمر الملك؟ فقال: وزراؤه وأعوانه إن صلحوا صلح وإن فسدوا فسد، قال له يزدجرد: إن الناس قد أعملوا في أسباب الفتن، فصف لي ما الذي يسكنها ويرفعها؟ فقال الحكيم: إن الذي يهيجها جرأة عاميَّة، ويولدها استخفاف خاصيَّة، ويؤكدها انبساط الألسن بضمائر القلوب، وإشفاق موسر، وأمل معسر، وغفلة ملتذٍ، ويقظة محروم، والذي يسكنها أخذ العدة لما يخاف قبل حلوله، وإيثار الجد حين لا ينفع الهزل، والعمل بالحزم [والرضى] ثم تخلل منهم [ملوك منهم:] كسرى أنو شروان، عمل بسيرة أزدشير بن بابك، وكان ملكه ثماني وأربعين سنة، وهو الملك العادل الذي يضرب بسيرته المثل في العدل، ولما بنى إيوانه، وكان قد ورد عليه رسول ملك الروم بهدايا وألطاف، فنظر إلى إيوانه، وحسن بنائه، ورأى إعوجاجاً في ميدانه، فقال: لكان يحتاج هذا الصحن أن يكون مربعاً، فقيل له: إن عجوزاً لها منزل في مكان الاعوجاج، وإن الملك أرادها بيعه،

وأرغبها في الثمن، فأبت، فلم يكرهها، فبقي الاعوجاج من ذلك كما ترى، فقال الرومي: هذا الاعوجاج أحسن من الاستواء.
وأنو شروان هذا هو الذي استغاث به سيف بن ذي يزن على الحبشة كما سيأتي، وهو الذي يسمى: كسرى الخير.
قالوا: وآخر من ملك من الفرس يزدجرد بن شهران بن أبرويز بن هرمز بن أنو شروان بن بهرام بن يزدجرد بن سابور [بن هرمز بن سابور] بن أزدشير، [الذي] هو أول من ملك من الساسانية، وكان ملك هذا إلى أن قتل -بمرو من بلاد خراسان- عشرين سنة، وذلك لتسع سنين خلت من خلافة عثمان بن عفان، وهي سنة إحدى وثلاثين من الهجرة النبوية.

[ذكر اليونان وإلى من ينتمون]
وأما اليونان، فقد اختلف فيهم أيضاً، فذهبت طائفة من الناس إلى أنهم ينتمون إلى الروم، ويضافون إلى ولد إسحاق -عليه السلام-، وقالت طائفة: [إن يونان] هو: ابن يافث بن نوح وذكر المسعودي في (المروج) أنه قد قيل: إن يونان أخو قحطان، وأنه من ولد شالخ بن أرفخشيد، وأنه انفصل عن أخيه إلى العراق فانتشر ولده في العراق، والبلاد الشرقية، وأخرجتهم فارس، فجعلوا يطوفون الأرض حتى نزلوا على جزيرة الأندلس، وليس بها سكن، وكانت كثيرة الأفاعي فاختطوها، وأبادوها بالعمارة، وأول من اختطها أندلس [بن يافث].

قالوا: وكان المعمور بعد الطوفان كطائر: رأسه الشرق، والشمال رجلاه، وما بينهما بطنه، والمغرب ذنبه، فكان يزدرى بنسبته إلى الذنب، وكانت اليونان لا ترى الحرب لضرره، وشغله عن العلوم، فلما نزلوا الأندلس وعمروها حسنت غاية ما يكون، حتى قال قائلهم: إن الطائر هو الطاووس أحسن جماله في ذنبه، وجعلوا دار الملك والحكمة (طليطلة) لتوسطها فنظروا فإذا ليس من يحسدهم على رغد العيش إلا أهل الشقاء، وهم حينئذٍ العرب والبربر، فرصدوا ارصاداً، ولما كان البربر بالقرب منهم، وليس بينهم إلا تعدية البحر، ويرد عليهم منهم طوائف منحرفة الطباع، نفروا منهم، وعلم البربر عداوة الأندلس لهم، فنفروا منهم أيضاً إلا أن البربر أحوج إلى أهل الأندلس من أولئك إليهم لوجود الأشياء بالأندلس، وكان بنواحي أرض الأندلس ملك يوناني، وله ابنة جميلة، فتسامع بها ملوك الأندلس، فخطبها كل منهم، فخشي [أبوها] أن يزوجها أحدهم، فيسخط الثاني فاستشارها، والحكمة مركبة في طباعهم، ولذلك قيل: نزلت الحكمة من السماء على أدمغة اليونان، وأيدي الصين، وألسنة العرب، فقالت: اجعل الأمر إليَّ، فإني أقترح أمراً، فمن فعله تزوجته، وهو أن يكون ملكاً حكيماً، فقال: نعم ما اخترت، فأجاب الخطَّاب بذلك، فسكت من ليس حكيماً، وكان فيهم حكيمان، فكتبا يطلبانها، فقالت: أطلب أمراً من كل واحد، فأيهما فرغ [أولاً] مما أطلب تزوجته، فكتبت إليهما: أريد من أحدكما إدارة رحى بالماء الجاري من ذلك البر، ومن الثاني طلسماً نحصن به أرضنا من البربر، فعمد صاحب الرحى إلى خرز عظام من الحجارة، ونضد بعضها إلى بعض في

البحر المالح الذي بين الجزيرة، والبر الكبير، وجلب الماء العذب من موضع [عالٍ] بالبر الكبير في ساقية وبنى بالجزيرة رحى على الساقية.
وأما صاحب الطلسم فأبطأ عمله؛ لأنه ينتظر الرصد الموافق لعمله غير أنه أحكم أمره فابتنى بناءاً مربعاً من حجر أبيض بالساحل، فلما انتهى البناء إلى حيث اختار صوَّر نحاساً أحمر وحديداً مصفى مخلوطين بإحكام صورة رجل بربري بلحية، وفي رأسه ذؤابة شعر جعد قائم في رأسه بجعودته، متأبط لكساء قد جمع طرفيه على يده اليسرى بأحكم تصوير، وفي رجليه نعل وهو قائم من رأس البناء على مستدق مقدار رجليه فقط، وهو شاهق طوله نيف على ستة أذرع، وهو محدد الأعلى فينتهي إلى ما سعته قدر ذراع، ماداً ليده اليمنى بمفتاح قفل، قابضاً عليه،كأنه يقول: لا عبور، فكان من تأثير هذا الطلسم في هذا البحر الذي تجاهه أنه لم يرَ قط ساكناً، ولا كانت تجري فيه سفينة بربرية حتى سقط المفتاح.

قال الراوي: وفرغت الرحى قبل الطلسم لكن أُخفيت لئلا يبطل [الطلسم] فلما علم صاحب الرحى باليوم الذي فرغ فيه الطلسم، أجرى الماء ودارت الرحى وعلم صاحب الطلسم، وهو في أعلاه، [وعلم] أنه مسبوق سقط من أعلى البناء، وحصل صاحب الرحى على المرأة، والرحى، والطلسم، ثم عمل الملوك مجتمعين طلسمات بأرصاد، وأودعوها تابوتاً رخاماً في بيت بطليطله، وأقفلوا عليه، وأوصو كل من ملك منهم بزيادة قفل، فاستمر ذلك، فلما حان انقراض دولة اليونان، وقد ملك منهم ستة وعشرون ملكاً من يوم عملت الطلسمات، وكان السابع والعشرون منهم ملكاً يقال له: لذريق فغزاه من المسلمين طارق بن زياد غلام موسى بن نصير اللخمي في دولة بني أمية.

قالوا: وقد كان قال لذريق لوزرائه : أريد فتح هذا الباب، قالوا: بل تلقي عليه قفلاً كما فعل آباؤك، فأبى، فقالوا: قدّر أن يكون فيه مال قدره لنا، ونحن نجمعه لك، فأبى، وكان مهيباً، ففتحه فلم يرَ فيه إلا مائدة سليمان بن داود -عليه السلام- وتابوتاً مقفلاً ففتحه، فوجد فيه رقا وفي جانب التابوت صورة فرسان العرب بأصباغ، فأمر بنشر ذلك الرق فإذا فيه: إذا فتح هذا البيت والتابوت المقفلات بالحكمة دخل القوم الذين صورهم في التابوت جزيرة الأندلس، وذهب ملك اليونان، ودرست حكمتهم، فندم لذريق، وتحقق ذلك، ثم سمع بوصول طارق بن زياد فأمر بلقائه مقدماً له، يقال له: تدمير، وإليه تنسب بلاد تدمير بالأندلس، فلما نزل طارق من جبل هنالك بالجيش كتب تدمير إلى لذريق، فكان لذريق مشتغلاً بحرب خوارج خرجوا عليه في نواحي بلدته، وكان في كتاب تدمير إلى لذريق: أنه نزل بأرضنا قوم لا ندري أمن السماء هم، أم من الأرض؟ فوصل لذريق في سبعين ألف فارس، ومعه العَجَل تحمل الأموال والمتاع، وركب سريراً بين دابتين، عليه قبة مكللة بالجواهر، فلما بلغ طارقاً دنوه خطب أصحابه، وحثهم على الجهاد، ووعدهم أنه يحمل على لذريق، فإن هلك قبل وصوله إليه فيخلعوه لذلك، وكان لذريق قد نزل بأرض وسيعة، فأقبل طارق وأصحابه عليهم الزرد، وفوق رؤوسهم العمائم والبيض وبأيدهم القسي العربية، قد تقلدوا السيوف، واعتقلوا الرماح، فأقسم أنهم الصور التي رآها في بيت الحكمة في بلده، فازدادت روعته، وحمل طارق وأصحابه، وضرب لذريق بالسيف فقتله على سريره، ولم تقف هزيمة اليونان على بلد، وكانوا

يسلمون بلداً بلداً، وغنم المسلمون أرضهم، وحمل إلى الوليد بن عبد الملك وهو الخليفة يؤمئذٍ مائدة سليمان بن داود[عليهما السلام] مصنوعة من فضة وذهب، وعليها طوق لؤلؤ، وطوق ياقوت، وطوق زمرد ما يحملها بغل قوي إلا تفسخت قوائمه، وتيجان ملوك اليونان مكللة بالجواهر، وثلاثون ألف فارس من الرق.
قلت: فهذا طرف مختصر من أخبار اليونان، وبه يعلم أنهم كانوا قبل الفرس كما أشار إليه السيد صارم الدين في المنظومة.

[ ذكر الإسكندر ذي القرنين]
ومن ملوكهم الإسكندر وهو ذو القرنين،الذي قتل الملوك، واستولى على الممالك، وسمي ذو القرنين لبلوغه أطراف الأرض، وأن الملك الموكّل بجبل قاف سماه بذلك.
ويحكى هذا عن ابن عباس، وقيل: بل ذلك لأنه كان له ذؤابتان من الذهب،ويعزى هذا إلى أمير المؤمنين، وقيل: غير ذلك، واسمه الصعب وقد ذكره لبيد في شعره فقال:
والصعب ذو القرنين أصبح ثاوياً.... بالخيف في جدث أميم مقيما
وقد اختلف الناس في مدته، فقيل: إنه قبل الهجرة بتسعمائة سنة وثلاث وستين سنة وذكر ابن قتيبة: أن بينه وبين الهجرة أربعمائة سنة، والله أعلم، ولما قهر أملاك الدنيا، ومرض في أرض بابل كتب إلى أمه يعظها، فمن جملة ماذكره لها أن قال: يا أمُّ، مري ببناء مدينة عظيمة حتى يرد عليك موت الإسكندر، وأعديِّ فيها من الطعام والشراب، واحشدي الناس إليها من جميع البلاد بيوم معروف، ثم تقدمي إلى الناس كافة أن يحضروا إليه، ثم لينادي منادٍ: لا يحضر طعام أم الملك أحد قد أصابته مصيبة، ليكون مأتم الملك الإسكندر مخالفاً لمأتم العامة.
قالوا: فلما بلغها موته صنعت الوليمة، ودعت إليه الناس، ثم أمرت مؤذناً أن لا يحضرها من قد أصيب بمصيبة فلم تر أحداً، فقالت: ما بال الناس لم يحضروا؟ فقيل لها: وأي الناس ما قد أصيب؟ فقالت: يا إسكندر، ما أشبه أوائلك بأواخرك وتسلت.
قالوا: وحمل ببابل فوق أعناق الرجال، ودفن بالإسكندرية، وله في العمر نيف وثلاثون سنة، والله أعلم.

[ذكر طرف من أخبار الروم]
وأما الروم فقد ذكر أهل الأخبار أن الله سبحانه لما أراد ذهاب ملك اليونان أيَّد عليهم ملك رومية، وهو أغطيطس، وكان أول من سمي بقيصر، وإليه ينسب القياصرة، وسمي بذلك لأن أمه ماتت وهي حامل به فشق بطنها عنه، ومعنى قيصر: بقر وكان هذا الملك يفتخر بأن النساء لم تلدنه، ولا ثنتين وأربعين سنة من ملكه ولد عيسى المسيح -عليه السلام-،واسم قيصر قد صار يطلق على ملك الروم، كما صار اسم كسرى يطلق على ملك الفرس، وتُبَّع على ملك حمير، وقد أشار إلى ذلك بعض من له عناية بأخبار العالم وملوكهم، فقال:
الدار داران إيوان وغمدان.... والملك ملكان ساسان وقحطانُ
والأرض فارس والإقليم بابل.... والإسلام مكة والدنيا خراسانُ
والجانبان العنيدان اللذا حسنا.... منها بخارى وبلخ الشاه دارانُ
قد أثبت الناس جماً من مراتبهم.... فمرزبانٌ وبطريقٌ وطرخانُ
والفرس كسرى وفي الروم القياصر.... والحبش النجاشي والأتراك خاقانُ
قالوا: ولما قهر أُغطيطس بقية اليونان، وكان آخرهم في عصره ملكة أتفق له معها حديث ظريف؛ لأنه ما زال يعمل الحيلة في أخذها لعلمه بحكمتها فراسلها فعلمت مراده منها، وقد وترها في قتل زوجها، فطلبت الحية التي تكون بين الحجاز ومصر والشام، وهي نوع من الحيات تراعي الإنسان، حتى إذا نظرت إلى عضو منه قفزت أذرعاً نحوه كالريح، فلم تُخْطِ ذلك العضو بعينه فتتفل فيه سماً، فيأتي عليه، ولا يعلم بها لموته فوراً ويتوهم الناس أنه قد مات فجأة حتف أنفه.

قال المسعودي: وقد رأيت نوعاً من هذه الحيات ببلاد خوزستان، ولها رأسان تكون في الرمل، وفي جوف التراب، فإذا أحسّت بإنسان أو غيره من الحيوان، وثبت من موضعها أذرعاً كثيرة فضربت بأحد رأسيها إلى أي موضع الحيوان فمات من حينه.
قالوا: فأمرت تلك الملكة، فحمل لها حية من تلك الحيات، فلما أن كان في اليوم الذي علمت أن أغطيطس يدخل قصرها أمرت بأنواع الرياحين والزهر أن تبسط في مجلسها، وقدام سريرها، وجلست على سريرها، ووضعت تاجها على رأسها، وعليها ثيابها وزينتها، وفرقت حشمها، فاشتغلوا بأنفسهم، وقربت يديها من الإناء الذي فيه الحية، فضربتها فماتت مكانها، وخرجت الحية من الإناء، فلم تجد جحراً، ولا مذهباً تذهب فيه لإتقان ذلك المجلس بالرخام والمرمر، فاستترت بين تلك الرياحين، ودخل أغطيطس حتى انتهى إلى المجلس، فنظر إليها جالسة والتاج على رأسها، فلم يشك أنها تنطق، فدنا منها، فتبين أنها قد ماتت، وأعجب بتلك الرياحين، فمدّ يده إلى كل نوع منها يلتمسه، ولا يدري ما سبب موتها، وهو متأسف على ما فاته منها، فبينا هو كذلك إذ قفزت الحية، فرمته بسمها، فيبس شقه الذي ضربته.
فعجب من قتلها لنفسها، ثم ما كاد ته به من إلقاء الحية بين الرياحين، وملك بعده عدة من ملوك الروم، حذفت ذكرهم ميلاً إلى الاختصار إذ هو مذكور في التواريخ الكبار.

[ذكر أمة الترك]
وأما الترك فهم أيضاً أمة كبيرة من بني آدم، لهم خلوق منكرة، واسم ملكهم خاقان، وبلادهم فيما وراء النهر، وعددهم يجل عن الوصف، ولا يطيعون سلطاناً، وإن قصدهم جمع لا طاقة لهم به دخلوا مغاور، وتحصَّنوا بالرمال، ومنهم ملوك في الإسلام مثل بني سلجوق وغيرهم.

[ذكر أمة السودان]
وأما السوادان: فهم أنواع مختلفة أشهرهم الحبوش، وسلطانهم يسمى النجاشي.
قال المسعودي: إن أرض الحبشة، وسائر السودان كلها مسيرة سبع سنين، وإن أرض مصر جزء واحد من ستين جزءاً من أرض السوادان، وإن أرض السودان جزء واحد من الأرض كلها، [والأرض كلها] مسيرة خمسمائة عام فثلث عمران مسكون[مأهول] وثلث براري غير مسكونة وثلث بحار وتتصل بأقاصي السوادان العراة من أرض المغرب(وهي) بلاد تلمسان [وتاهرت] وبلاد فاس ثم السوس الأولى [وبين السوس الأولى وبين القيروان نحو ألفي ميل، وبين السوس الأولى وبين السوس الأقصى نحو عشرين يوماً].

ذكر أمة الخزر
وأما الخزر، فقال المسعودي: هم أمة عظيمة من الناس، مملكتهم متصلة بمدينة الباب[25]، والأبواب التي عمرها أنو شروان.
قال المسعودي: وأول ما يتصل بالباب والأبواب من مدن الخزر مملكة يقال لها: حيدان.
قال: ولما افتتحت [بلاد] الخزر على يد سلمان بن ربيعة الباهلي ؛ انتقل الملك إلى مدينة (إيله) وبينها وبين الأولى سبعة أيام.
قال: وفي هذه المدينة خلق كثير من المسلمين، والنصارى، واليهود، والجاهلية، فأما اليهود: فهم الملك وحاشيته، والخزر من جيشه، وكان تهود ملك الخزر في خلافة هارون الرشيد، وقد انضاف إليه خلق من اليهود، وردوا عليه من سائر أمصار المسلمين، ومن بلاد الروم؛ وذلك أن ملك الروم نقل من كان في مملكته من اليهود إلى دين النصرانية، وأكرههم [فيها] فتهارب خلق[كثير] [من اليهود] من بلاد الروم إلى أرض الخزر.
قال: والغالب في هذه البلد المسلمون لأنهم جند السلطان، وهم يعرفون في بلاده بالأرسنة، وهم نقيلة من نحو بلاد خوارزم، وكان بعد ظهور الإسلام وقع في بلادهم حرب ووباء، فانتقلوا إلى بلاد الخزر، وهم ذوو بأس وشدة، عليهم يعوِّل ملك الخزر في حروبه، فأقاموا ببلده بشروط:
أحدها: إظهار الدين والمساجد، وأن وزراءه منهم.

قال المسعودي: فالوزير في وقته من المسلمين، [ومن الشروط أنه متى كان لملك الخزر حرب مع المسلمين] وقفوا في عسكره منفردين من غيرهم لا يحاربون أهل ملتهم، ويحاربون معه سائر الناس من الكفار، وتركب معه في هذا الوقت –أعني وقت المسعودي- نحو من ستة آلاف ناشب بالجواشن، والجلود، والدروع، ومنهم رامحة أيضاً على نحو ما في المسلمين من الآلات التي هي السلاح، ولهم قضاة مسلمون، لأن رسم مملكة الخزر أن يكون فيها سبعة قضاة: اثنان للمسلمين، واثنان للخزر يحكمون بحكم التوراة، واثنان لمن بهما من النصارى، والسابع للصقالبة والروسن وسائر الجاهلية، وهي قضايا عقلية، وإذا ورد ما لا علم[لهم] به في التوراة والإنجيل، وكانت نوازل عظاماً اجتمعوا إلى قضاة المسلمين، فتحاكموا إليهم، وانقادوا لما توجبه شريعة الإسلام، وبهذه البلاد خلق كثير من المسلمين تجَّار وصنَّاع وغيرهم طردوا إلى بلاده لعدله وأمنه، وله مسجد جامع، فيه منارة تشرف على قصر الملك، ولهم أيضاً مساجد أخر فيها مكاتب لتعلم الصبيان القرآن، وإذا اتفق المسلمون و من هناك من النصارى لم يكن للملك بهم طاقة.

قال المسعودي: واسم ملك الخزر خاقان، ومن رسمهم أن يكون في يدي ملك آخر هو وغيره في جوف قصر لا يعرف الركوب ولا الظهور للخاصة ولا للعامة، ولا الخروج من مسكنه، ومعه حرمه لا يأمر ولا ينهى، ولا يدير من أمر الملك شيئاً، فإذا ناب أمر الخزر نائب، أو توجه إليهم حرب لغيرهم من الأمم يصعب عليهم دفعه تقدَّمت الخاصَّة والعامَّة إلى ملك الخزر؛ فقالوا له: قد تطيَّرنا بهذا الخاقان وبأيامه فاقتله، أو أسلمه إلينا نقتله، فربما قتله هو أو أسلمه إليهم، فقتلوه، وربما رقَّ له فدافع عنه.
قال: وإنما ينصب خاقان هذا من بيت بأعيانهم أرى أن الملك كان فيهم، -والله أعلم-.
وثل عرش بني هود فليس لهم.... على البسيطة من عين ولا أثرِ
كتبع وبنيه وابن ذي يزن.... وذي رعين وذي بوس وذي بهرِ
ملوك صدق لها التيجان قد عقدت.... وكللت بنفيس التبر والدرر
شادوا ظفاراً وغمداناً وما برحت.... لهم ببينون آثار وفي هكرِ
وناعط ثم صرواح ومأربهم.... وقصر غيمان والبنيان من خمرِ
وفي ذرى تلقم بئر معطلة.... لهم وقصر مشيد الصرح والحجرِ
فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم.... صرعى من الموت لا صرعى من السكرِ
كأن ما سكنوا الدنيا ولا لبسوا.... فيها نفيساً من الديباج والحبرِ

[ذكر طرف من أخبار التبابعة]
المراد بالعرش هنالك الملك، وببني هود يعرب بن يشجب بن قحطان بن عابر، وهو هود نبي الله -عليه السلام-، والتبابعة من ذرية هود كما أشار إليه السيد صارم الدين، فلنشير إلى طرف من ذكرهم على سبيل الاختصار، فنقول: إن تبعاً يطلق على كل واحد من ملوك التبابعة، وتبع هذا المراد به الذي ذكره الله في قوله: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ }[الدخان:37]، وفي قوله تعالى: وقوم تبع (لما كذبوا الرسل أغرقناهم). قالوا: والمراد به هنا أسعد الكامل، ومن هنا اعتقد بعض الناس أنه نبي، لأن الله [تعالى] عده مع الأنبياء عند قصصهم، وقد ذكر قوم كل نبي قبله، ومن الناس من يقول، هو عبد صالح، وكثير من العلماء والصلحاء ترحم عليه، والتبابعة الذين دوخوا بلاد الأعاجم سبعون تبعاً.
يدل على ذلك قول النعمان بن بشير الأنصاري في شعر إلى معاوية بن أبي سفيان:
لنا من بني قحطان سبعون تبعاً.... أطاعت لها بالخرج منها الأعاجم
وقول لَبِيْد أيضاً:
فإن تسألينا فيم نحن فإننا.... غضافير من هذا الأنام المسجر
عبيد لحي حمير أن تملكوا.... ويظلمنا عمال كسرى وقيصر
ونحن وهم ملك لحمير عنوة.... وما لنا من سادة غير حمير
تبابعة سبعون من بعد تبع.... توافوا جميعاً أزهرٌ بعد أزهر
وقال نشوان بن سعيد : هم ثمانون تبعاً، في قصيدته اليائية المشهورة، قال فيها:
أباد الردى منهم ثمانين تبعاً.... تتابع في أقصى البلاد المغازيا
[إلى أن قال] :
فتلك ملوك الأرض بادت وأهلكت.... ولم يبق منها حادث الدهر باقيا
وأضحوا جميعاً بعد عز وقدرة.... تراباً يطاه اليوم من كان واطيا
وزارت ملوك الروم من آل قيصر.... حوادث توهن الجبال الرواسيا

وأما قول النعمان ولبيد سبعون، فلما لم تستقم لهما لفظ ثمانون في شعرهما ولربيع بن ضبع الفزاري، وكان قد عمر ثلاثمائة وخمسين سنة:
وغمدان إذ غمدان لا قصر مثله.... زهاءاً وتشييداً يحاذي الكواكبا
ومأرب إذ كانت وأملاك مأرب.... توافي جباة الصين بالخرج مأ ربا
وأصحاب بينون وأصحاب ناعط.... خلى ملكهم منهم وأصبح غاربا
وقل في ظفار يوم كانت وأهلها.... يدينون قهراً شرقها و المغاربا
لهم كانت الدنيا جميعاً بأسرها.... تؤدي إليهم خرجها الروم دائبا
فمن ذا يرجى الملك من بعد حمير.... ويأمن تكرار الردى والنوائبا
أولئك مأوى للنعيم كفاهم.... ولكن وجدنا الشر للخير صاحبا
وقال نشوان بن سعيد في ذلك:
تتابع الأملاك من حمير.... عدتهم سبعون لا تقصرُ
من ولد الرا ئش جمهورهم.... من حمير الأصغر ما حميرُ
يا أيها السائل عن تبع.... وتبع كالشمس بل أشهرُ
خير بني هود نبي الهدى.... حيث انتهى السؤدد والمفخرُ
وقد ذكرتهم الشعراء بما يطول شرحه، ومن التبابعة: ذو نواس، واسمه زرعة بن عمرو بن زرعة،من ذرية أسعد الكامل، وذو نواس هو صاحب الأخدود، وسمي بهذا الاسم؛ لذؤابتين كانتا على رأسه، وكان السبب في تملكه أن ذاقيفان الملك الذي كان سيف عمرو بن معدي كرب له، وكان اسمه الصمصامة، وفي ذلك يقول عمرو بن معدي كرب:
وسيف لابن ذي قيفان عندي.... تخير نصله من عهد عاد
وكان ملك ذي قيفان تسع عشرة سنة.

قالوا: وكان ملك الروم أهدى لهارون الرشيد جملة سيوف قلعية فأمر الرشيد بإحضار الصمصامة ليحتقر عنده سيوف الروم، فجعل يقطُّ بها السيوف سيفاً سيفاً كما يقطُّ الفجل، ثم أراهم حدَّ الصمصامة فإذا ليس به فل ولا أثر من تقطيع تلك السيوف، فلما هلك ذو قيفان، ولي مملكة التبابعة لخيعة ذوشناتر، ولم يكن من أهل بيت الملك، وأغرى بالأحداث من بني الملوك، فكان يطالبهم بما تطالب به النسوان.
فكان ممن طالبه بهذه الخصلة ذا نواس، فاتفقت له معه قضية كانت السبب في قتله، وهي مشهورة، فلما استراح أهل اليمن من لخيعة على يديه؛ ولوه عليهم، وكان على دين اليهود، فشكى عليه يهود نجران غلبة النصارى لهم، وذلك أنه وقع بين النصارى واليهود فتنة بنجران، فنهض ذو نواس إلى نجران بالجنود فحفر الأخدود، وأضرم فيه النار، وخيَّر النصارى بين الرجوع عن دينهم وأن يحرقهم بالنار فمنهم من رجع ومنهم من لم يرجع، وفيه وفيهم نزلت هذه الآيات:{قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ }[البروج:4] إلى آخرها، فلما صنع ذو نواس بالنصارى ما صنع؛ غضب ذو ثعلبان الأصغر من ولد ذي ثعلبان الأكبر، ومضى إلى ملك الحبشة ودينه دين النصارى فاستنجده، وشكا إليه ما صنع ذو نواس؛ فبعث معه قائداً في ثلاثين ألفاً إلى اليمن، فلقيهم ذو نواس، وقال : نحن سامعون مطيعون فدونكم اليمن فهذه مفاتيحه، فابعثوا من يقبض لكم خزائنه، وأتي بمفاتيح تحملها إبل كثيرة، فكتب بذلك القائد إلى النجاشي يشاوره، فكتب إليه أن اقبل الطاعة منهم، فافترقت الحبشة في مخاليف اليمن.

فلما صاروا بها كتب ذو نواس إلى رؤساء حمير أن يذبحوا كل ثور عندهم أسود ففعلوا ما أراد فوثبوا على الحبشة، فقتلوهم حتى أفنوهم، وبلغ ذلك النجاشي، فعلم أن قد غدربهم؛ فوجه قائدين في جيش عظيم إلى اليمن، يقال لأحدهما: أرياط، والثاني : أبرهة الأشرم، فلقيهم ذو نواس بمن معه فقاتلهم، فلما رأى أنه لا طاقة له بهم اقتحم بنفسه وفرسه البحر فغرق فيه، ثم إن النعمان بن عفير، والنعمان هذا هو أبو سيف جمع جموعاً من أهل اليمن فقاتل الحبشة بالسحول فهزم، وصار إلى حقل شرعه فيمن تبعه من أهل اليمن، فلحقهم الحبشة فقاتلوهم، ولم يكن لهم بهم طاقة، فاستولت الحبشة على اليمن.

فصل: في ذكر سيف بن ذي يزن
قالوا: ولما تمكنت الحبشة على اليمن؛ خرج سيف إلى كسرى يستنصره، فوجد عنده النعمان بن المنذر اللخمي فاستأذن لسيف، ولما دخل قام له النعمان من مجلسه، وعظمه، فقال كسرى للنعمان: هذا ملك سمران يعني العرب، فقال له النعمان: نعم. فقدمه كسرى [أيضاً] وعظمه، وقال له: ما حاجتك؟ فقص عليه قصته، وأن الحبشة غلبته على اليمن وسأله النصرة، وقال: أنا ابن عمك، لوني لونك، فوجه معنا من يأخذ البلاد، وتكون في ملكك، فوعده وأقام عنده، وقد كان بعث إليه بأبغل من مال فقال: ما هذا؟ فقالوا: حباء الملك فأمر بتشقيق العباب فاستنثرت الدراهم، وأنهبها الناس فغضب كسرى، وقال: لم يقبل حبائي فقال سيف: جبال أرضي ذهب وفضة، ولم أرد إلا النصر من الملك، وأن تكون بلادي له، فوعده بالنصرة واستشار مرازبته.

فقال: ما ترون في أمر هذا العربي، وقد وعدته بالنصر وبلاده نائية؟ فقالوا له: أنت ملك وابن ملك والوفاء بك أحسن، فقال له المؤبذ:إن عندي رأياً. قال له: وما هو؟ قال: في سجونك قوم قد استحقوا القتل بجرائمهم، فانظر رجلاً من أساورتك شيخاً فقودهّ عليهم، وقوِّهم بالسلاح ووجههم معه، فإن ظفروا كان باسمك، وإن هلكوا فهو الذي أردت، فأمر كسرى لمن في سجونه فوجههم معه، واختار رجلاً من المسجونين، يقال له: وهرز فقودَّه عليهم، وكانوا في مركبين فغرق أحدهما، وسلم الأخر الذي فيه وهرز، وسيف، فخرجوا إلى ساحل عدن، فلقيهم مسروق بن يكشوم بن إبرهة الأشرم بجموع الحبش فاقتتلوا هنالك ثم أن وهرز قال لهم: على أي شيئ ملكهم يقاتل؟ قيل له: على فرس. فسكت، ثم قال: على ما ملكهم يقاتل؟ فقالوا: على بغل، فقال: على ابن الحمار: انتقل من العز إلى الذل، لقد ذل وذل ملكه، ثم دعا بقوس له وكنانة، ثم استخرج عصابة فعصب بها خفاقيه، وأوتر قوسه، ولم يكن يوترها أحد غيره، ثم استخرج سهماً من كنانته، وقال: أروني ملكهم، فقالوا: هو صاحب الدرة الحمراء التي بين عينيه فرماه وهرز فشق الياقوتة، وتغلغل السهم في دماغه فسقط، وانهزمت الحبشة.

وقد كان اجتمع أهل اليمن في لقاء سيف فحضروا الوقعة معه، فقتلت الحبشة قتلاً عظيماً، وملك من سلم منهم من القتل، وقد كان كسرى عهد إلى وهرز، وأعطاه تاجاً وخلعة من خلعه ومنطقه، وقال له: إذا صرت إلى اليمن فاسأل أهل اليمن عن هذا الرجل يعني سيفاً، فإن كان من الملوك فسلم له الأمر وألبسه التاج والخلعة والمنطقة، وإن لم يكن من الملوك فابعث إليًّ برأسه، واضبط البلاد إلى أن يأتيك أمري، فلما اجتمع أهل اليمن سألهم وهرز عن سيف؟ فقالوا: ملكنا وابن ملكنا، والقائم بثأرنا؛ فألبسه التاج والخلعة والمنطقة، وسُلِم له الأمر، [وسيف هذا هو القائل] :
ولقد سموت إلى الحبوش بعصبة.... أبناء كل غضنفر أسوار
من كل أبيض في الحروب كأنه.... ليث ببيشة شابك الأظفار
خيمت في لجج البحار فلم يكن.... للناس غير تزحم الأخبار
قالوا: ابن ذي يزن يسير إليكم.... فحذار منه ولات حين حذار
والعام عام قدومه ولعله.... نابت عليه نوائب الأقدار
حتى إذا أمنوا المغار عليهم.... وافيت بين كتائب الأحرار
ما زلت أقتل فلهم وشريدهم.... حتى اقتضيت من العبيد بثار
وسيف هذا هو الذي وفد عليه عبد المطلب بن هاشم في وجوه قريش، ووجوه قبائل العرب يهنؤنه بالظفر على العبيد، وبشر سيف عبد المطلب بابن ابنه محمد ً، وكان مولوداً [في وقته] وكان في الوفد أمية بن أبي الصلت الثقفي فقال فيه:
لا ينقم الثأر إلا كابن ذي يزن.... في البحر خيَّم للأعداء أحوالا
أتى هرقل وقد شالت نعامته.... فلم يجد عنده النصر الذي سالا

ثم انثنى نحو كسرى بعد سابعة.... من السنين لقد أيغلت إيغالا
حتى أتى ببني الأحرار يقدمهم.... تخالهم فوق ظهر الأرض أجبالا
من مثل كسرى وإذعان الجنود.... ومثل وهرز يوم الجيش إذ صالا
له لله درهم من عصبة خرجوا.... ما إن رأينا لهم في الناس أمثالا
بيضاً مرازبة غلباً جحاجحة.... أسداً تربت في الغيضات أشبالا
أرسلت أسداً على سود الكلاب فقد.... أمسى شريدهم في الأرض فُلاَّلا
فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتقياً.... في قصر غمدان قصراً منك محلالا
قصراً بناه أبوك القيل ذي يزن.... فهل ترى أحداً نال الذي نالا
منطقاً بالرخام المستزاد له.... ترى على كل ركن منه تمثالا
ثم أطل بالمسك إذ شالت نعامتهم.... وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن.... شيبا بماء فصارت بعد أبوالا

فصل: في ذكر ذي رعين
وهو ذو رعين الأصغر بن عمرو بن شمر، من ذرية ذي رعين الأكبر.
قالت الرواة: إن أسعد [تبع] كان له ولدان أحدهما: حسان، والآخر عمرو، وإن الذي ولي الأمر بعد أسعد هو حسان فدوخَّ البلاد شرقاً، وغرباً، وهو المبيد لجديس باليمامة.
قالوا: ولما فرغ حسان من إهلاك جديس نهض يريد العراق، فصعب ذلك على حمير، وعلموا أنه لا ينتهي في غزوه حتى يبلغ بهم حيث بلغ أبوه وجده، وأنه سيبلغ بهم الصين، وبلاد الروم وغيرها؛ فشق ذلك عليهم فاختلفوا إلى أخيه عمرو بن أسعد، فسألوه أن يرد أخاه عن سفره، فقال لهم عمرو: إنه لا يقبل، فقالوا له: إن أبى فاقتله وتملك علينا، وقد كان حسان قال بعد قتل جديس:
من كان يأمل أن يؤ.... ب فلست من سفري بآيب
فتجهزي وتحملي.... يا يمن يا خير الركائب
فلقد وطئت بها اليمامة.... حاجباً من بعد حاجب
سيري إلى هجر.... لتحوي منهم خير الحقائب
وتوجهي نحو العراق.... بكل سياف وناشب
حتى نبيد ملوكهم.... أهل الأكالك والعصائب
ثم إن حمير حلفت لعمرو، وبقي منهم ذو رعين وهو خال عمرو، ونهاه عن قتل أخيه، وقال: إنك تندم فأبى؛ فأكره خاله على الدخول فيما دخلت فيه حمير، فقال له: على شريطة أنك تحفظ لي وديعة تجعلها عند بعض خدمك، وتشدد عليه في حفظها، فقال [له] : نعم. فكتب ذو رعين هذين البيتين في ورقة فدفعهما إليه، وقال:
ألا من يشتري سهراً بنوم.... قليلاً ما يبيت قرير عين
فإن تك حمير غدرت وخانت.... فمعذرة الإله لذي رعين

فلما قتل عمرو أخاه، ورجع بالجنود إلى اليمن افترقت عليه حمير حتى ضعف عن الغزو، ثم ندم ندامة عظيمة على قتل أخيه، وامتنع منه النوم فشكى ما لقي من السهاد إلى بعض خواصه، فقالوا له: إنك لا تقدر على النوم حتى تقتل الذين أشاروا عليك بقتل أخيك فأمر بكل من أشار عليه بقتل أخيه، أوحالفه عليه أن يأتوا إليه في يوم معلوم، فأتوا إليه في ذلك اليوم، فأمربهم فأدخلوا جماعة بعد جماعة، وأمر بضرب أعناقهم جميعهم، وكان خاله ذو رعين الأصغر ممن أمر له فأدخل، فذكرَّه مشهده ونهيه عن قتل أخيه، وسأله الوديعة التي تركها عنده، فأتى بها الخادم، فوجد فيها البيتين، فخرج منه سالماً مشكوراً، وكان مسكن ذي رعين بحصن (خب).
وأما ذو بوس: فهو الحصن المسمى الآن بيت بوس، وهو قطعة من الجبل، وهو قرب صنعاء.
وأما ذو بهر: فاسمه يعفر ذو بهر بن الحارث، ينسب إلى حمير الأصغر، وهو من أعظم مقاولة اليمن.

قيل: إنه سخر الناس في العمل، وكان في وقته عجوز، ولها ولد فبادر مع الناس إلى العمل، فلزمته أمه لتعمل له غداء قبل مسيره فأبى، وقال: إني أخاف العقوبة. فقالت: لا بأس عليك إني أغدو معك فلما تغدى سارت معه إلى ذي بهر، فأراد عقوبته بتأخره، فقالت العجوز: ترفق بأمرك يا ذا بهر فاليوم لك وغداً لآخر؛ فكفَّ عنه [من] العقوبة، ويقال: إنه اتعظ بكلام العجوز، وقطع ذلك العمل، ومن ذرية ذي بهر: أبو نصر محمد بن عبد الله، وكان عالماً ورعاً، هرب بدينه من قصر جده ذي بهر، وهو بيت حنبص فخلفه ابن ذي الملاحف القرمطي، وأحرق هذا القصر بالنار، فأقامت فيه أربعة أشهر تتبع خشبه، فأقام أبو نصر بصعدة حتى انقضت دولة القرامطة.
قال نشوان بن سعيد: ومن أولاده آل أبي ثور بوقش.

فصل نذكر فيه بعض مصانع حمير
حسبما أشار إليه السيد صارم الدين.
فأما ظفار فهو قرب يريم من الحقل، وإليه ينسب جزع ظفار، وهو الذي قيل فيه: من دخل ظفار حمرَّ، وغمدان قصر صنعاء، وهو من أعجب ما بنى الملوك؛ لأنه أربع عشرة غرفة بعضها فوق بعض، فهدمت الحبشة بعضها، وهدم عثمان بن عفان بعضها.
وكان موضعه قرب الجامع، وشهرته تغني عن التحديد.
وكذلك غيمان، وبينون، وهو أعني بينون من أرض مأرب.
وأما هكر فقد قيل: إنه المراد بقوله تعالى:{وَقَصْرٍ مَشِيدٍ }[الحج:45] وناعط، وصرواح من مآثر حمير المشهورة، قد ذكرتها الشعار ورواة الأخبار.
وأما مأرب: فقد قال بعض العلماء: إنه اسم لقصر في تلك البلاد، فيحتمل أنه مراد السيد صارم الدين؛ لأنه نظمه في سلك عما ئر حمير، واحتج القائل بهذا القول بقول الشاعر:
ألم تروا مأرباً ما كان أحصنه.... وما حواليه من دور وبنيان
وقيل: بل مأرب اسم الملك فسميت البلد باسمه، وقيل: بل هو اسم لتلك الجهة كلها.
قالوا: وكانت العمائر فيها أزيد من مسيرة شهرين للراكب المجد.

وكان يقتبسون النار بعضهم من بعض مسيرة ستة أشهر، وكانت المرأة إذا أرادت أن تجتني من أي ثمارها شاءت، وضعت مكتلها على رأسها وخرجت تمشي تحت الثمار وهي تغزل وتعمل ما شاءت فلا ترجع حتى تملأ مكتلها ممَّا شاءت من الثمار التي يتساقط عليها طيباً، وكان الملك على أرض مأرب يسمى سبأ، وسمي بذلك؛ لأنه أول من أدخل السبي اليمن وإلا فاسمه عبد شمس، وكان له من الأولاد عشرة، سكن الشام منهم أربعة، وهم: لخم، وجذام، وغسان وعاملة، وسكن اليمن منهم ستة وهم: كندة، ومذحج، وطي، والأشعر، وهمدان، [وأنمار].
وقد ذكر الله -تعالى- تمزيقهم في كتابه، حيث قال:{لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ }...الآية [سباء:15] إلى قوله [تعالى] :{وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ }[سباء:19] واختلف في العرم، فقيل: هو السد واحدته عرمة، وقيل: العرم الجرذ.
وكان السد فيما يقال قد بناه لقمان الأكبر، وكان صفة حجارة السد بالرصاص قدر فرسخ طولاً وفرسخ عرضاً، ويقال: إن الذي بناه كان من ملوك حمير.
وقد ذكر ذلك الأعشى وذكر فساده، بقوله:
وفي ذلك للمؤتسى أسوة.... ومأرب عفَّى عليه العرم
رخام بنته لهم حمير.... إذا جاء موَّراه لم يرم
يروي الزروع وأعنابها.... على سعة ماءهم إن قسم
فصاروا أيادي لا يقدرون.... منه على شرب طفل فُطِم
وأما خمر: فهو في هذا التأريخ قرية كبيرة متسعة قد دخلتها، وصار أكثرها خراباً، ولأهلها رئاسة مشهورة في بني صريم.
وأما تلقم: فوقفت أنا على خط السيد صارم الدين يذكر أنه قصر بريدة، وهي مدينة بأعلى البون.

قال : ذكروا أنها ذات البئر المعطلة والقصر المشيد.
ولنعد إلى رقم نظم السيد إلى حيث يومي إلى ذكر أحد باسمه، فنذكر بعض مدته وتأريخ مولده حسبما يتصل بنا خبره على وجه الإيجاز، والله الموفق للتمام والإيجاز، والمرجو للقبول والجواز.
قال السيد صارم الدين:
وغيرهم من ملوك الأرض كم ملك.... أغنى وأقنى بما ضي السيف والبُدُرِ
فكيف يغتر بالدنيا وبهجتها.... زاكي الحجا ثاقب الآراء والنظرِ
دار الفناء بلا ريب ولا كذب.... وربة الخدع بالتسويف والغررِ
ظلالها قالص ماض بلا مهل.... ولبثها لبث طيف زار في سحرِ
وبرقها خُلَّب لا يرتجي طمع.... له ولا سحبه تنهل بالمطرِ
كم أضحكت ثم كم أبكت وكم وهبت.... واسترجعت من عزيز القدر والخطرِ
وكم أذلت عزيزاً كان ممتنعاً.... وزال ذو عظم فيها بمحتقرِ
وقومت بمواضي الهند من عوج.... وعدلت برماح الخط من صعرِ
فليس شمل عليها غير مفترق.... وليس صاف بها ما شيب بالكدرِ
إن شئت تسمع من أنبائها عجباً.... فسوف أغنيك عن بسط بمختصرِ
وسوف أنظم للسادات منتشراً.... نظماً وأوضحه شرحاً بمنتثرِ
وسوف أذكر مما قد جرى نكتاً.... وأودع السمع منها أطيب الخبرِ
في سلك بسامة في الآل قد نظمت.... غراء تبسم من ملفوفه الزهرِ
مما أصاب بني الزهراء وشيعتهم.... وكلم دهرلهم بالناب والظفرِ
[فليس حي من الأحياء نعلمه.... من ذي يمان ولا بكر ولا مُضرِ]
[إلا وهم شركاء في دمائهم.... كما تشارك أنسار على جزرِ]
[قتلاً وأسراً وتشريداً ومنهبة.... فعل الغزاة بأهل الروم والخزرِ]

[قال السيد صارم الدين] : هذه الأبيات الثلاثة[الأخيرة] لدعبل بن علي الخزاعي في أهل البيت -عليهم السلام-، وكان دعبل هذا من جملة شعراء الشيعة المجودين[قال السيد صارم الدين] وأئمتنا كثيراً ما يتمثلون بهذه الأبيات في رسائلهم وكتبهم كالإمام أبي الفتح الديلمي والإمام المنصور بالله.
قلت: فإنه قال -عليه السلام- في (الدرة اليتيمة) : وقد أخذ يتألم لأهل البيت -عليهم السلام-، وما فعل معهم وأن أحوالهم أسست على المحن، ونشأت على الهزاهز والفتن.
قال المنصور بالله : وأول عادية عليهم بيعة السقيفة، ثم تبعها ظلم فاطمة الزهراء الشريفة، ثم سبطها الأكبر، وقتل سبطها الأصغر، وصلب زيد بن علي[بن الحسين بن علي] ومثل بولده يحيى في المعركة، وأتلف عبد الله بن الحسن وإخوته وبنو أخيه في المحابس المظلمة، والمطابق الضيقة، وقتل ابناه النفس الزكية، والنفس الرضية محمد وإبراهيم، ومات موسى بن جعفر شهيداً بأيدي النصارى، وسم علي بن موسى الرضا على يد المأمون، وهزم إدريس بن عبد الله إلى بلاد الأندلس فريداً، ومات عيسى بن زيد في بلاد الهند طريداً، وقتل يحيى بن عبد الله بعد الأمان، ووضوح البرهان، وتجبر يعقوب بن الليث على علوية طبرستان، وقتل محمد بن زيد بن حسن بأيدي آل ساسان، وفعل أبو السياج بعلوية الحجاز ما شاع في البلدان من القتل، والتشريد في هجرة الأمان، حتى قال: وعلى الجملة فليس في بيضة الإسلام بلدة إلا وفيها لقتيل طالبي تربة، ثم قال:
فليس حي من الأحياء نعلمه.... من ذي يمان ولا بكر ولا مُضرِ

الأبيات الثلاثة.. انتهى كلام المنصور -عليه السلام-، ولعله أخذه من رسالة الخوارزمي التي تقدم ذكرها.
ولنرجع إلى رقم كلام السيد صارم الدين بقلم أحمر من غير شرح لظهور ذلك حتى ينتهي بنا السياق إلى ذكر الأئمة السَّباق، والدعاة الذين شدوا مآزرهم في رضا المليك الخلاَّق، شد الحوامل حبك النطاق، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل الجنة مصيرهم ومأواهم.
قال السيد صارم الدين[رحمه الله] :
فقل لمن رام للأسباب معرفة.... وربما تعرف الأسباب بالفطرِ
حب الرئاسة أطغى الناس فافترقوا.... حرصاً عليها وهم منها على صدرِ
والحق أبلج والبرهان متضح.... وبيننا محكم التنزيل والسورِ
مات النبي أجل الخلق مرتبة.... محمد خاتم الأنباء والنذرِ
نبينا المصطفى الهادي الذي ظهرت.... آياته كظهور الشمس والقمرِ
صلى عليه إله العرش ما سجعت.... ورق الحمام على غصن من الشجرِ
وكان ذلك خطباً من حوادثها.... مسهلاً كل خطب بعده عسرِ

[ذكر موت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -]
أقول وبالله التوفيق: إن الشروع في تفسير ما أودعه السيد منظومته من سيرة موت النبي وما تلا ذلك من الوقائع، والحوادث، وقيام الأئمة والمقتصدين من هذا المكان على سبيل الاختصار إذ لا طريق إلى غير ذلك من البسط؛ لأنه كان يؤدي إلى أن شرح هذه المنظومة يفوق مائة مجلد، ودليل ذلك أنه ذكر فيها من ولي الأمر من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا الوقت الذي رقم فيه هذا المختصر، وهو عام سنة تسع وتسعين وثمانمائة، ووقع فترات كثيرة في جمعه حتى كمل في شعبان من سنة ست عشرة وتسعمائة، وكل واحد مَّمن ذكره السيد قد سيرت سيرته منهم من احتوت على مجلدين، ومنهم من احتوت على أكثر وأقل، وعلى هذا فقس.
قال ابن إسحاق : في مغازيه بعد أن استكمل ذكر غزوات النبي وسراياه: وكان آخر سراياه سرية أسامة بن زيد إلى الشام فتجهز أسامة، وأوعب معه المهاجرون الأولون.
قال: فبينا الناس على ذلك ابتدأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشكواه التي قبضه الله فيها إلى ما أراد به من رحمته وكرامته في ليالي بقين من شهر صفر، أو في أول شهر ربيع الأول، فخرج إلى بقيع الغرقد في جوف الليل فاستغفر لهم، ثم رجع إلى أهله فأصبح مريضاً.

وعن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جوف الليل فقال: ((يا أبا مويهبة، قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع، فانطلق معي)) فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم، قال: ((السلام عليكم، يا أهل المقابر، ليهنأ لكم ما أصبحتم فيه مَّما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، فيتبع آخرها أولها، الآخر شر من الأول)) ثم أقبل عليَّ فقال: ((يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة)). قال: فقلت: بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة. قال: ((لا، والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة)) ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف.
قالوا: ولما كان يوم الإثنين الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى الناس وهم يصلون الصبح، وكاد المسلمون يفتنون في صلاتهم فرحاً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،وانفرجوا فأشار إليهم أن اثبتوا في صلاتكم، وتبسَّم مسروراً لما رأى من هيئتهم في صلاتهم، ثم رجع إلى بيته فانصرف الناس وهم يرون أنه قد أفرق من وجعه، ثم توفي[رسول الله] عند اشتداد الضحى لاثني عشر ليلة خلت من ربيع الأول، وقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: أوله، ودفن ليلة الأربعاء، أو قيل: ليلة الثلاثاء، مدة علته اثنا عشر يوماً، وقيل: أربعة عشر يوماً، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين، وقيل: خمس وستين، وقيل: ستين.
قال الإمام المهدي: والأول أصح.

وغسله علي والعباس وابناه الفضل وقثم وأسامة بن زيد، وشقران مولياه، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية منسوبة إلى السحول بلدة باليمن وصلى عليه الناس فرادى لا يؤمهم أحد بأمره ً، ودفن حيث توفي حول فراشه وألحد له، و في ذلك يقول حسان بن ثابت -رضي الله عنه-:
بطيبة قبر للنبي ومعهد.... منير وقد تعفو الرسوم وتهمدُ
[إلى أن قال] :
فبوركت يا قبر النبي وبوركت.... بلاد ثوى فيها الرشيد المُسدَّدُ
لقد غيبوا حلماً وعلماً ورحمة.... عشية يعلوه التراب يوسَّدُ
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم.... وقد وهنت منهم ظهور وأعضدُ
يبكون من أبكى السماوات يومه.... ومن قد بكته الأرض فالناس أكمدُ
وهل عدلت يوماً رزية هالك.... رزية يوم مات فيه محمدُ
وهي هكذا إلى آخرها.
قال ابن إسحاق: ولما قبض ً إنحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فوقع الخلاف بين المهاجرين والأنصار.
قال الشيخ أبو القاسم البلخي : فهو أول خلاف وقع بين الأمة، وقد كان الناس[على] عهده ً على دين واحد، وهو تصديقه فيما جاء به من صفات الباري والبعث والجزاء.
قال الحاكم : ولا عبرة باختلاف الأمة في الفروع لتصويب بعضهم بعضاً، [ولا] بخلاف من ارتد إذ ليس من المسلمين، ثم حدث من بعد يوم السقيفة اختلافهم في الشورى، ثم حدث خلاف أهل الجمل.

فأما حديث محمد بن مسلمة وأسامة، وعبد الله بن عمر [وسعد بن أبي وقاص ] وسعيد بن عمرو فلم يخالفوا علياً -عليه السلام -بل- تواقفوا ثم حدث خلاف معاوية، فكان من أعظم الحوادث، ثم حدث عند التحكيم خلاف الخوارج، ثم ما زالت الحوادث والبدع تحدث شيئاً فشيئاً وقول السيد صارم الدين: فكان ذلك خطباً من حوادثها، إشارة إلى كثرة الحوادث الآتية بعد موت النبي ً.
وقد أشار إلى ذلك في حديث أبي مويهبة، وأشار إلى قوله ً: (( من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنكم لن تصابوا بمثلي أبداً)).

[ذكر طرف من أخبار السقيفة]
وكان أول أمر بين أمته.... حيف جرى من أبي بكر ومن عمرِ
على إمامهما الهادي أبي حسن.... نفس الرسول كما قد جاء في السورِ
وبضعة المصطفى الزهراء فاطمة.... زوج الوصي وأم الأنجم الزهرِ
تقدما حيدراً في الأمر واغتصبا.... بالقهر نحلة ذات الفضل والخفرِ
اعلم أن أول خلاف وقع بين الأمة يوم السقيفة كما تقدم، وفيه ولي أبو بكر الأمر، وللناس في هذه الولاية وصحتها خلاف كثير، وخطب طويل كبير، وأنا أشير إلى طرف من ذلك على وجه الاختصار، ولا أنسب إلى أحد من كبار الصحابة [رضي الله عنهم] ما يوجب التفسيق والإكفار، بل أسلك في توليهم مسلك جل أهل البيت الأطهار.
[وقول سعد بن عبادة] قال أهل السير: لما بويع لأبي بكر بعدقول بعض الأنصار: منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب فكثر اللغط وازدحم الناس هناك، وقد كان الأنصار أرادوا البيعة لسعد بن عبادة، فحضر إلى السقيفة وهو مريض، فقال بعض الناس عند التزاحم بالسقيفة : قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر بن الخطاب:[اقتلوا سعداً] : قتله الله.
وقد كان أمير المؤمنين عليه السلام انحاز إلى بيته في جماعة منهم: الزبير والمقداد وجماعة من الصحابة، ولما بلغهم احتجاج المهاجرين على الأنصار، قال: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة.
وروي أنه قال: واعجباه!! أتكون الخلافة بالصحابة، ولا تكون بالصحابة والقرابة، وقال في ذلك:
فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم.... فكيف بهذا والمشيرون غيبَّ
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم.... فغيرك أولى بالنبي وأقرب

ثم اعلم: أن الناس مختلفون في حكم تقدَّم المشائخ على علي عليه السلام هل هو صواب أم خطأ؟ وكذلك في حكم أبي بكر في فدك، والعوالي؟ فقالت الإمامية، وبعض الزيدية: إنه خطأ يوجب الفسق، وقال بعض الزيدية: هو خطأ قطعي[لمخالفتهم القطعي] ولا يقطع بالفسق؛ لأن التفسيق بالقياس غير معمول به، وإذ لم تفعل الصحابة ذلك تمرداً بل لشبهة.
قال الإمام المهدي في (البحر): فلا تمتنع الترضية عنهم لتقدم القطع بإيمانهم.
قال أبو القاسم البستي في كتاب (التحقيق في الإكفار والتفسيق) ولأن الله قال:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ }[الفتح:18] الآية وكان أبو بكر وعمر من المبايعين، ووضعالنبي شماله على يمينه عن عثمان إذ كان غائباً، فكان يقول: شمال النبي خير من يميني؛ ولأن النبي قال: ((لعلَّ الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اذهبوا فقد عفوت عنكم )). ولأنه لم يتواتر عن علي –عليه السلام- وأولاده البراءة منهم، بل قد روي أنه –عليه السلام- قال يوم مات أبو بكر : أليس النبي ً قد بشرَّك بالجنة؟
وأنه قال: ما في الأرض من أحب أن يلقى الله بصحيفة مثل صحيفة هذا المسجى، وأنه ترحَّم عليه، وعلى عمر بعد الموت، وقال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر.

وروي أن الحسن بن علي -عليهما السلام- كتب إلى أهل البصرة كتاب الدعوة، وترحم عليهما فيه، وقال: إن الله قد بعث محمداً ً وكان الناس على ضلالة فهدى به الخلق ثم قبضه، ونحن أحق الناس بمكانه غير أن قوماً تقدمونا فاجتهدوا في طلب الحق، فكففنا عنهم تحرياً لإطفاء نار الفتنة حتى قام قوم فغيروا وبدلوا فحاربناهم.
وروي عن زين العابدين أنه ترحم عليهما، وروى أبو مخنف عن زيد بن علي أنه سئل عنهما؟ فقال: لا أقول فيهما إلا خيراً؛ فكان ذلك سبب خذلان القوم له؛ فلذلك سماهم روافض في قصة طويلة.
وروي عن الصادق أنه قيل له: ما تقول في أبي بكر؟ فقال: ما أقول في رجل ولدني مرتين يعني من قبل الأمهات.
وكان الناصر الأطروش يترحم عليهما ويثني عليهما في كتبه.
قلت: ونقلت من كتاب (الرياض المستطابة) للفقيه يحيى بن أبي بكر العامري الحرضي المحدث ما لفظه: ومن كلام الإمام المنصور بالله في جواب المسائل التهامية فإنه -رضى الله عنه- يعني المنصور بالله أثنى عليهم يعني كبار الصحابة وعدد من آثارهم على غيرهم، قال فيهم: وهم خير الناس على عهد رسول الله ً وبعده فرضي الله عنهم وجزاهم عن الإسلام خيراً، ثم قال: فهذا مذهبنالم نخرجه غلطة، ولم نكتم سواه تقية، ومن هو دوننا مكاناً وقدرة يسب ويلعن، ويذم ويطعن، ونحن إلى الله تعالى من فعله براء وهذا ما يقضي به علم آبائنا منَّا إلى علي -عليه السلام-، وفي هذه الجهة من يرى محض الولاء سبَّ الصحابة والبراءة منهم فيتبرأ من محمد ً من حيث لا يعلم، وأنشد:
إذا كنت لا أرمي وترمي كنانتي.... تصب جانحات النبل كشحي ومنكبي
انتهى كلام المنصور.

قلت أنا: وهذه حجج أهل البيت.
هذا القول الثاني: أعني الذين يقولون بأن خطأ الصحابة لم يبلغ كفراً ولا فسقاً، وأما البصرية من المعتزلة، والصالحية من الزيدية، وهو مذهب جميع أهل السنة والخوارج، فيقولون: لا خطأ، وتقدم الشيخين على ما هو مفصل في مواضعه.
فهذا الكلام على قوله: حيف جرى من أبي بكر ومن عمر، ويشبه هذا القول، ما روى ابن خلكَّان : أن علي بن يوسف صلاح الدين بن أيوب كان أبوه قد ولاه البلاد قبل موته، فلما مات أبوه وثب عليه أخواه أبو بكر وعثمان فنازعاه الأمر، فكتب إلى الخليفة العباسي الملقب بالناصر فقال:
مولاي إن أبا بكر وصاحبه.... عثمان قد غصبا بالسيف حق علي
فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقى.... من الآواخر ما لاقى من الأول
فجوب عليه الخليفة بقوله:
وافى كتابك يا ابن يوسف معلناً.... بالصدق يخبر أن أصلك طاهر
غصبوا علياً حقه إذ لم يكن.... عد النبي له بيثرب ناصر
فاصبر فإن غداً عليه حسابهم.... وابشر فناصرك الإمام الناصر

[ذكر فدك وخيبر]
وأما قول السيد[رحمه الله] : واغتصبا بالقهر نحلة ذات الفضل والخفر؛ فاعلم أني أولاً أسوق لك بعض ما ذكره البستي في ذلك أيضاً فأقول: إنه ذكر أن الأصل في هذا الباب أن الناس قد اختلفوا في فدك وخيبر فمنهم من قال: كان ذلك في يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن مات، ثم تناوله أبو بكر، وأن فاطمة لم تنازع فيه، وإنما استعلمت عن وجه الحكم، فلما عرفت سكتت وأعرضت وكفت، ومنهم من قال: [إنها] ادعت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد نحلها إياه، ثم إنها طولبت بالبينة؛ فأتت برجل وامرأة فقيل لها: إما مع الرجل رجل وإما مع الإمرأة امرأة، فعدلت إلى الميراث فحاجها أبو بكر بقوله صلى الله عليه وآله وسلم :(( إنَّا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)). فتركت المنازعة عند ذلك.
ومنهم من قال: إنها ادعت أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيام حياته أنحلها إياه، فلما لم يقبل قولها وقول شاهدها؛ عدلت إلى الميراث.
فلما منعت الميراث احتجت وانصرفت راضية بما جرى، غير أنَّا لا نعلم أن القوم هل فسقوا بردَّها أم لا؟
ومنهم من قال: نعلم أن ردها فسق من حيث أن مالها أخذ ظلماً، ومن حيث أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله)). ومن أخذ مالها فقد آذاها لا محالة.

قال البستي: والذي نقول في ذلك:إن فدك وخيبر كانا لها، ومعلوم أنها ادعت وناظرت أبا بكر، وأهل البيت أجمعوا على ذلك عنها، وكذلك أصحاب التواريخ، ومن يحكي أيام أبي بكر وأخبار فاطمة ذكروا مناظرتها في أمر فدك، فمن أنكر ذلك؛ فقد أنكر بيعة أبي بكر، وإمامته وجلوسه مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإذا ثبت دعواها في فدك بهذه الطريقة فالذي نقول: إنها ما ادعت إلا الحق؛ لكونها معصومة؛ ولأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صلى الله عليه وآله وسلم بشرها بالجنة، وعهد إليها أنها أول أهله تلحق به، وأن منزلها ومنزل أمير المؤمنين علي بحذاء منزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولأنه قال: ((سيدات نساء العالمين أربع : آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة ابنة خويلد، وفاطمة بنت محمدً)). فإذا ثبت أنها من أهل ولاية الله سبحانه لزم القطع بأنها كانت محقة في دعواها غير مبطلة.

قال الفقيه حميد : إن الخلاف بين الناس في إقدام أبي بكر على ذلك مترتب على ما تقدم من قول الإمامية، وبعض الزيدية، والقول الثاني، والثالث، وروى الفقيه حميد في كتاب (محاسن الأزهار) أن البخاري روى بسنده، عن عائشة: أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممَّا أفاء الله عليه بالمدينة، وفدك، وما بقي من خمس خيبر، إلى أن قالت: فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منه شيئاً؛ فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك وهجرته، ولم تكلمه حتى توفيت، وقد عاشت بعد النبي ستة أشهر، فلما ماتت دفنها علي –عليه السلام- ليلاً وصلى عليها، ولم يؤذن بها أبا بكر.

قال الفقيه حميد: وروى صاحب (المحيط بالإمامة) : أن أبا بكر أخرج وكيل فاطمة من فدك، وطالبها بالبينة بعد شهر من موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاءها وكيلها، فقال: أخرجني أبو بكر؛ فسارت فاطمة إلى أبي بكر ومعها أم أيمن، ونسوة من قومها فقالت: فدك بيدي أعطانيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعرض صاحبك لوكيلي فقال: يا بنت محمد، أنت عندنا مصدقة إلا أن عليك البينة، فقالت: يشهد [لي] علي بن أبي طالب، وأم أيمن، فقال: هاتي؛ فشهدا وكتب لها صحيفة فختمها ؛ فأخذتها فاطمة فاستقبلها عمر، فقال: يا بنت محمد، هاتي الصحيفة، فأخذها ونظر فيها فتفل فيها، ومزقها، فاستقبلها علي بن أبي طالب –عليه السلام- وقال: مالك -يا بنت محمد غضبى ؛ فذكرت له ما صنع عمر فقال: ما ركبوا من أبيك ومني أعظم من هذا، قال: فمرضت فجاءا يعودانها، فلم تأذن لهما فجاءا من الغد فأقسم علي عليها؛ فأذنت لهما، فدخلا وسلما، فردت عليهما سلاماً ضعيفاً، ثم قالت: سألتكما بالله الذي لا إله إلا هو هل سمعتما من رسول الله ً يقول: ((من آذى فاطمة فقد آذاني )) فقالا: اللهم، نعم. قالت: فأشهد أنكما قد آذيتماني.
قال الفقيه حميد: وقد تقرر في الأخبار أن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها، ومتى كان الخبر مقطوعاً به كان الحال في عصمتها ظاهراً جلياً، لأن النبي ً أخبر بذلك مطلقاً.
قال: وهذا يقتضي أن يكون غضبها من قضية أبي بكر؛ لأنها وقعت خطئاً وإن الله قد غضب لغضبها في ذلك.
قال: وهذا يقتضي أن يكون قضاؤه باطلاً.

قلت: وأما الإمام المهدي فذكر في (البحر) أن قضية أبي بكر صحيحة، وأنها لو كانت باطلة لنقضها علي وبنو هاشم.
وروى أن زيد بن علي سئل عن ذلك؟ فقال: لو كنت إياه ما قضيت إلا بما قضى به أبو بكر.
قال الفقيه حميد: وعلى الجملة فالحال ظاهر عند العترة أن فاطمة ماتت وهي غاضبة من ذلك.
قال: وقد سئل الإمام العلامة القاسم بن إبراهيم -عليه السلام- عن الشيخين؟ فقال: كانت لنا أم صديقة ماتت وهي غضبانة عليهما، ونحن نغضب لغضبها.
وفي [مثل] ذلك يقول بعض أهل البيت -عليهم السلام-:
أتموت البتول غضبى ونرضى.... ما كذا يفعل البنون الكرام
يا أبا حفص الهوينا فما كنت.... ملياً بذاك لولا الحمام
قال بعض أهل السير: إن معاوية بعد موت الحسن بن علي أقطع مروان ثلث فدك، فلم يزل على ذلك حتى خلصت له بعد خلافته، فوهبها لابنه عبد العزيز فوهبها عبد العزيز لابنه عمر، فلما ولي عمر الخلافة كانت أول ظلامة ردَّها دعا الحسن بن الحسن بن علي فدفعها إليه، وكانت بيد أولاد فاطمة مدة ولايته.
فلما ولي يزيد بن عاتكة قبضها منهم، فصارت بأيدي بني مروان، كما كانت يتداولونها حتى انتقلت الخلافة عنهم، فلما ولي السَّفاح ردَّها على عبد الله بن الحسن ثم قبضها أبو جعفر، ثم ردَّها ابنه المهدي على ولد فاطمة، ثم قبضها ابنه موسى، ثم هارون، فلم تزل في أيديهم حتى ولي المأمون فردَّها على الفاطميين.

قالوا: إنه جلس يوماً للمظالم فأول رقعة وقعت في يده نظر فيها فبكى وقال للذي على رأسه: ناد وكيل فاطمة، فقام شيخ عليه دراعة، وعمامة، وخف، وتقدم فجعل يناظره في فدك، والمأمون يحتجُّ عليه، وهو يحتجُّ على المأمون، ثم أمر أن يسجل لهم بها، فقرأ السجل على المأمون فأنفذه؛ فقام دعبل الخزاعي إلى المأمون، فأنشد الأبيات التي أولها:
أصبح وجه الزمان قد ضحكا.... برد مأمون هاشم فدكا
فلم تزل في أيدي الفاطميين إلى أيام المتوكل، فأقطعها بعض عماله، وكان فيها إحدى عشرة نخلة غرسها رسول الله ً بيده، فكان بنو فاطمة يأخذون ثمرها، فإذا قدم الحاج أهدوا لهم منه فيصلونهم فيصير إليهم من ثمن ذلك مال جليل، فصرم ذلك الوالي الذي أقطعه إياه المتوكل ذلك النخل صرمه له بعض وكلائه، فعاد ذلك الوكيل إلى البصرة ففلج وذكر ابن أبي الحديد عقيب ذلك: أن عمر بن عبد العزيز لما ولي ردَّ فدك على ولد فاطمة، وكتب إلى واليه على المدينة وهو أبو بكر بن عمر بن حزم يأمره بذلك، فكتب إليه: إن فاطمة قد ولدت في آل عمر وآل فلان[وفلان] فعلى من أردَّ منهم؟ وكتب إليه: أما بعد: فإني لو كتبت إليك آمرك بذبح شاة لكتبت إليَّ أجماء أم قرناء؟ أو كتبت إليك بذبح بقرة لسألتني ما لونها؟ فإذا ورد إليك كتابي هذا فاقسمها في ولد فاطمة من علي، والسلام.

قال : فنقمت بنو أمية[ذلك] على عمر بن عبد العزيز، وعابوه وقالوا: أهجنت فعل الشيخين، وخرج إليه عمرو بن قيس في جماعة من أهل الكوفة، فلما عاتبوه على فعله قال: إنكم جهلتم وعلمت، ونسيتم وذكرت: إن أبا بكر محمد بن حزم، حدثني عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ً قال: ((فاطمة بضعة مني يسخطني ما أسخطها، ويرضيني ما أرضاها)) وإن فدك كانت صافية على عهد أبي بكر وعمر، ثم صار أمرها إلى مروان فوهبها لعبد العزيز [أبي] فورثتها أنا وإخوتي [عنه] فسألتهم أن يبيعوني حصتهم [منها] فمن بايع وواهب حتى استجمعت لي، فرأيت أن أردَّها على ولد فاطمة، فقالوا : فإن أبيت إلا ذلك فامسك الأصل واقسم الغلة، ففعل.

[ذكر آية وحديث المباهلة]
وقوله: نفس الرسول كما قد جاء في السور، إشارة من السيد إلى ما رواه المحدّثون: أن وفد نجران قدموا على النبي ً فناظرهم، واحتج عليهم بما يدل على أنهم قد خالفوا ما في التوحيد وغيره، فأنكروا ذلك فنزلت آية المباهلة فتوامر الوفد بينهم بعد أن خرج النبيوأخرج علياً، وفاطمة، والحسنين، فقالت النصارى: والله إنَّا لنرى وجوهاً إن باهلناهم لم يبق على وجه الأرض نصراني.. الحديث، وفي الخبر عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت الآية، قوله تعالى:{نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ }...الآية [آل عمران:61] دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة، وحسناً، وحسيناً، وقال: ((اللهم، هؤلاء أهلي )) وفي رواية لسعد أنه قال: لعلي ثلاث، لأن يكون لي واحدة منهنَّ أحبَُّ إليَّ من حمر النعم، لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوحي أدخل علياً، وفاطمة، وابنيهما، ثم قال: ((اللهم، هؤلاء أهل بيتي، فاسترهم من النار كسترتي إياهم)).

[المراد من لفظ الوصي إذا أطلق]
وقوله: زوج الوصي.
إعلم أن الوصي إذا أطلق، فقيل: وصي رسول الله ًفالمراد به علي -عليه السلام- حقيقة دون غيره من الصحابة؛ والحجة على ذلك: ما رواه الفقيه حميد، بإسناده إلى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده علي، أنه قال: لي عشر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أحب أن لي بإحداهنَّ ما طلعت عليه الشمس، قال لي: ((يا علي، أنت أخي في الدنيا والآخرة، وأقرب الخلائق مني في الموقف يوم القيامة، منزلي يواجه منزلك في الجنة كما يتواجه منزل الأخوين في الله، وأنت الولي، والوزير، والوصي والخليفة في الأهل والمال والمسلمين في كل غيبة، وأنت صاحب لوائي في الدنيا [والآخرة] ووليك وليي، ووليي ولي الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله)).
قال الفقيه حميد -رحمه الله-: وقد انعقد الإجماع من الأمة على إطلاق هذه اللفظة -يعني الوصي- على علي -عليه السلام-.
قال: فليت شعري كيف يكون وصياً على الأمة عموماً، والثلاثة المشائخ أئمة قبله، وولايتهم عند من قال بإمامتهم ثابتة عليه، وهل في ذلك إلا المناقضة التي لا تخفى على منصف؟!
رجع إلى قوله :
بعد انقيادهما للحق لو تركا.... رأى المغيرة شيخ المكر والغررِ
لشبهة ما لها أصل لمنتقد.... والشك في صغر الإقدام والكبرِ
الضمير في انقيادهما عائد إلى أبي بكر وعمر وقد تقدم طرف من أمرهما.

[المغيرة بن شعبة]
وأما المغيرة: فهو المغيرة بن شعبة الثقفي، [وهو من المعادين لعلي -عليه السلام-] والمراد بالشبهة: ما رواه[الإمام] المنصور بالله في كتاب (الشافي) عن المغيرة أنه قال: أنا أول من صرف هذا الأمر عن أهل هذا البيت، وذلك أني أتيت يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر لازم للباب، فقلت: ما وقفتك ها هنا؟ فقال: أنتظر علي بن أبي طالب يخرج فنبايعه، فقد سمعنا فيه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما سمعنا، فقلت: أنشدك الله عن الإسلام وأهله، والله لئن فعلتم ذلك لتكونن قيصرية وكسروية، ولينتظرن بها الجنين في بطن أمه،قال : فلم يقبل قولي، فذهبت إلى عمر [فلقيته] فقلت [له] : الله الله في الإسلام[وآله] فإني لقيت أبا بكر وهو ينتظر علياً، وقال: كذا[وكذا] وقلت: كذا[وكذا] والله لئن فعلتم هذا لينتظرن بها الجنين في بطن أمه، ولتكونن قيصرية وكسروية.
قال: فخف معي عمر. وكان أبو بكر لا يخالفه فقال عمر لأبي بكر: ما دعاك إلى ما يقول المغيرة، انظر يا أبا بكر لا تطمع في هذا الأمر بني هاشم فإنّا إن فعلنا ذلك ذهبت الإمرة من قريش إلى آخر أيام الدنيا. انتهى.
قالوا: وكان علي -عليه السلام- يقنت بلعنه.كما سيأتي.

وفي شرح ابن أبي الحديد: أنه ذكر عند أمير المؤمنين وجِدُّه مع معاوية، فقال علي: وأما المغيرة إنما كان [إسلامه] ؛ لفجرة وغدرة غدرها في قومه وقتل منهم، فهرب إلى النبيكالعائذ بالإسلام، والله ما أرى أحَدُّ عليه منذ ادعى الإسلام خضوعاً ولا خشوعاً، ألا وإنه كائن من ثقيف فراعنة قبل يوم القيامة، يجانبون الحق، ويسعرون نيران الحرب، ويؤازرون [الظالمين، ألا إن ثقيفاً قوم غدر لا يوفون بعهد يبغضون] العرب كأنهم ليسوا منهم وكان المغيرة من أهل المكر والغدر، فمن مكره وحيله أن معاوية لما ولاَّه الكوفة وقعد فيها، ندم معاوية على ذلك، وبدا له أن يوليها عبد الله بن عامر ؛ ففرحوا وخرجوا للقاء عبد الله، فلما علم المغيرة بذلك ركب وسار حتى أتى معاوية، فقال له: أي شيء أقدمك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قد كبر سني وضعف قواي، وعجزت عن العمل، وما آسى على شيء إلا على شيء واحد وددت أنه لا يفوتني.
قال: وما هو؟

قال: كنت دعوت أشراف الكوفة إلى البيعة ليزيد فأجابوني إلى ذلك ووجدتهم سراعاً نحوه، فكرهت أن أحدث أمراً دون رأيك؛ فقدمت لأ شافهك بذلك، وأستعفيك عن العمل، فقال له معاوية: يا سبحان الله!! -يا أبا عبد الرحمن- إنما يزيد ابن أخيك، ومثلك إذا شرع في أمر لم يدعه حتى يحكمه، فنشدتك الله، إلا رجعت فتممت هذا، فخرج من عنده، وقال لكاتبه: ارجع بنا إلى الكوفة، فوالله لقد وضعت رجل معاوية في غرز لا يخرجها منه إلا سفك الدماء، وكتب معاوية إلى زياد وهو والي البصرة: إن المغيرة قد عاد إلى الكوفة ليبايع ليزيد بولاية العهد بعدي، وليس المغيرة بأحق منك بابن أخيك، فادع الناس قبله إلى مثل ما دعاهم المغيرة، فلما قرأ زياد الكتاب بعث إلى معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين، ورد كتابك بكذا، فما يقول الناس إذا دعيتهم إلى بيعة يزيد وهو يلعب بالكلاب والقردة، ويلبس المصبغ، ويدمن الشراب؟ وبحضرتهم الحسين بن علي، وعبد الله بن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، ولكن تأمره أن يتخلَّق بأخلاق هؤلاء حولاً أو حولين فعسى أن نموهَّ [على] الناس به، فلما قرأ معاوية كتابه، قال: ويلي على ابن عبيد!! لقد بلغني أن الحادي حدا به أن الأمير بعدي زياد، والله لأردنه إلى أمه سمية وإلى أبيه عبيد؛ فقلت : هذه الحيلة من مكايد المغيرة للإسلام، فإن معاوية لم يكن يجسر على ذلك ولا يخطر له ببال حتى غرَّه المغيرة ليبقى على ولايته، فهذا معنى قول السيد: شيخ المكر والغرر، وكانوا يسمونه أيضاً: الشيخ الزاني؛ لأنه لما كان والياً على البصرة لعمر رآه أبو بكرة وثلاثة معه من دار أبي

بكرة وهو يزني بإمرأة، في قصة طويلة مشهورة في التواريخ، فشكوا ذلك إلى عمر فأرسل إليه وإلى الشهود، فصرَّح ثلاثة عليه بالزنا، وتلكأ زياد في شهادته؛ فدرأ عمر عن المغيرة الحد، وجلد الثلاثة.
قالوا: ولما شهد عليه الأول، قال عمر أوْ علي على اختلاف الروايتين: إذهب عنك مغيرة ذهب ربعك، ولما شهد الثاني، قال: إذهب عنك مغيرة ذهب نصفك، ثم شهد الثالث، قال: إذهب عنك مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك، وجعل المغيرة يبكي إلى المهاجرين فبكوا معه، وبكى إلى أمهات المؤمنين فبكين معه، ولم يكن زياد وهو الرابع حاضراً.
فلما جاء ورأى الكراهة في وجه عمر تلكأ في شهادته، ولم يقطع بها كقطع الثلاثة؛ فدرأ الحد عن المغيرة، وكان عمر بعد ذلك يقول للمغيرة: ما رأيتك إلا خفت أن أرمى بالحجارة من السماء، وكان علي يقول بعد ذلك: إن ظفرت بالمغيرة لأتبعنه أحجاره وقال حسان بن ثابت[رضي الله عنه] في ذلك:
لو أن اللؤم ينسب كان عبداً.... قبيح الوجه أعور من ثقيف
تركت الدين والإسلام لما.... بدت لك غدوة ذات النصيف
وراجعت الصبا وذكرت لهواً.... مع القينات في العمر اللطيف
وروى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب (الأغاني) عن الجاحظ قال: كان المغيرة، والأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله يوماً بكناسة الكوفة في نفر، فطلع عليهم أعرابي، فقال لهم المغيرة: دعوني أحركه.
قالوا : لا تفعل، فإن للأعراب جواباً يؤثر.
فقال: لا بد.
فقالوا: أنت أعلم.
فقال: يا أعرابي، أتعرف المغيرة بن شعبة؟
فقال: نعم، أعرفه أعور زانياً يُرجم ويُجلد.
فقال له: أتعرف الأشعث بن قيس؟

فقال: ذلك رجل لا يعزى إلى قومه.
فقال: وكيف ذلك؟
قال: لأنهم عجوم نسبوا إلى كندة، ثم قال: أتعرف جرير بن عبد الله؟
فقال: كيف لا أعرف رجلاً لولاه لم تعرف قبيلته؛ فقالوا: للمغيرة قبحك الله فإنك شر جليس.
قال المدائني : إن المغيرة بن شعبة كان أزنى الناس في الجاهلية، فلما دخل في الإسلام وبقيت منه بقية ظهرت في أيام ولايته.
قال الطبري: وروى الواقدي قال: لما قدم المغيرة على عمر حين رماه القوم بالزنا تزوج في طريقه إمرأة من بني مرة؛ فقال عمر: إنك لفارغ القلب، شديد الشبق، طويل الغرمول.

[ذكر الخطبة الشقشقية]
رجع الكلام قوله عليه السلام
فأعرض المرتضى والحلق فيه شجا.... والطرف فيه قذى طام على البصرِ
وقال للقوم إذ حجَّوا مخالفهم.... يوم السقيفة ليس العود كالثمرِ
ولم تزن عنده الدنيا وزينتها.... قلامة قدها حي من الظفرِ
في هذه الأبيات إشارة إلى ما ذكر علي -عليه السلام- في خطبته المعروفة بالشقشقية فإنها مصرحة منه بالتجرم العظيم، والتألم الذي هو [عن] الوجد على المشائخ غير سليم، فروى عنه صاحب (نهج البلاغة) أنه قال: أما والله لقد تقمَّصها ابن أبي قحافة أو قال فلان، وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، ولا ترقى إليَّ الطير، فسدلت دونها ثوباً،وطويت عنها كشحاً، وطفقت أرتأي بين أصول بيد جذّاء أو أصبر على طِخْيَة عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلاقي ربه، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى [فصبرت وفي الحلق شجى، وفي العين قذى] أرى تراثي نهباً، حتى إذا مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده، [ثم تمثل بهذا البيت] :
شتان ما يومي على كورها.... ويوم حيان أخي جاير

فيا عجباً!! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عهد إلى آخر بعد وفاته، لشَّد ما تشطرا ضرعيها فصيَّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار[فيها] والاعتذار منها، فراكبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحَّم، فمني الناس -لعمر الله- بخبط وشماس وتلون واعتراض، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة، حتى إذا مضى [الآخر] لسبيله جعلها في جماعة، وزعم أني كأحدهم فيا لله!! و للشورى!! متى اعترض الريب فيَّ مع الأول منهم!! حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر، ولكني أسففت إذا أسفوا وطرت إذا طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه ومال آخر منهم لصهره مع هن وهن إلى أن قام [الثالث من القوم] نافجاً حضنيه، بين نثيله ومعطفه وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبت الربيع، إلى أن انتكث [عليه] فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به مطيته فما راعني إلا والناس [يهرعون] إليَّ كعرف الضبع، ينثالون عليَّ من كل جانب،[حتى] لقد وطىء الحسنان، وشقَّ عطفاي، مجتمعين عليَّ كربيضة الغنم، فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وفسق آخرون، كأنهم لم يسمعوا[كلام] الله إذ يقول:{تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[القصص:83] بلى، والله لقد سمعوها ووعوها، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حصول الحاضر، وقيام الحجة لوجود الناصر، وما أخذ الله علي العلماء أن لا يقروا على كظة ظالم ولا

سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه عندي أزهد من عفطة عنز قلت: وهذا الذي أشار إليه السيد صارم الدين بقوله: ولم تزن عنده الدنيا وزينتها البيت قالوا: وقام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه هذا الموضع من خطبته فناوله كتاباً وأقبل ينظر فيه، فلما فرغ من قراءته، قال له ابن عباس: لو اطردت مقالتك من حيث اقتضبت، فقال: هيهات!! -يا ابن عباس- تلك شقشقة هدرت، ثم قرت.

[تجرم أمير المؤمنين(ع) على من تقدمه]
قال السيد صارم الدين :
وما رأى صرمهم رأياً لأن لهم.... سوابقاً وهو بالصبر الجميل حري
أغضى وجامل فاخترنا مجاملة.... وسامح القوم في أمرٍ أتوه فري
وقد تجرم منهم في الذي فعلوا.... وما تعدى إلى سب ولا هذرِ
قال ابن أبي الحديد: واعلم أنها قد تواترت الأخبار عن علي -عليه السلام- بالتجرم الكبير على المشائخ، نحو قوله: وقال قائل[منهم] : إنك يا ابن أبي طالب على هذا الأمر لحريص. فقلت: أنتم والله أحرص مني وأبعد، وأنا أخصُّ وأقرب، وإنما طلبت حقاً لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه، فلما قرعته بالحجة عن ملأ من الحاضرين بهت لا يدري ما يجيبني[به] اللهم، إني أستعديك على قريش، فإنهم قطعوا رحمي، وصغَّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي فيما هو لي، ثم قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تتركه.
ومن تجرماته قوله: ما زلت مظلوماً صغيراً وكبيراً، فقيل له: قد علمنا ظلمك في كبرك، فما ظلمك في صغرك؟ فقال: إن أخي عقيلاً كان في عينيه وجع، فإذا أرادت الأم أن تذر في عينيه امتنع عليها، وقال: ابدأوا بعلي أولاً، فكانت تذر في عيني من غير وجع بهما.
ومن تجرماته: اللهم اجز قريشاً فإنها منعتني حقي، وغصبتني إرثي.
ومن ذلك قوله: فجزت قريشاً عني الجوازي، فإنهم ظلموني حقي، واغتصبوني سلطان ابن أمي.
وقوله، وقد سمع صارخاً ينادي: أنا مظلوم، فقال: هلم، فلنصرخ معاً، فإنى ما زلت مظلوماً.

ومن ذلك قوله: وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، وقوله: أرى تراثي نهباً، وقوله: إنهما أصغيا إناءنا وحملا الناس على رقابنا، وقوله: إن لنا حقاً إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل وإن طال السرى، وقوله: ما زلت مظلوماً مستأثراً عليَّ مدفوعاً عما استحقه.
قال ابن أبي الحديد: وأصحابنا -يعني المعتزلة- يحملون هذا كله على ادعائه الأمر بالأفضلية [والأحقية].
قال: وهو الحق والصواب، فإن حمله على استحقاقه الخلافة يؤدي إلى تكفير المشائخ أو تفسيقهم.
قال: ولكن الإمامية، وبعض الزيدية حملوا هذه الأقوال على ظواهرها وارتكبوا بها مركباً صعباً.
قال: ولعمري إنها موهمة مغلِّبة على الظن بصحة ما يقوله القوم، لكن تصَّفح الأحوال يبطل ذلك الظن، ويدرأ ذلك الوهم فوجب أن يجرى مجرى الآيات المتشابهة الموهمة ما لا يجوز على الباري، فإنَّا لا نعمل بظواهرها لما تصفحنا أدلة العقل.

وروى ابن أبي الحديد [رواية معناها] : إن رجلاً من أهل السنة شاهد يوم الغدير، وما يجري عند قبر أمير المؤمنين من الأقوال الشنيعة، وسبَّ الصحابة بأصوات مرتفعة، فقال شيخ الحنابلة ببغداد لهذا الحاكي: والله ما جرأهم على ذلك وفتح لهم هذا الباب إلا صاحب هذا القبر[يعني] علي بن أبي طالب، فقال: يا سيدي، هو الذي سنَّ لهم ذلك، وعلمهم إياه وطرقَّهم إليه، فقال: نعم، والله، فقال: يا سيدي، فإن كان محقاً فما لنا نتولى فلاناً وفلاناً، وإن كان مبطلاً فما لنا نتولاه، فينبغي أن نتبرأ منه أو منهما، فقام العالم مسرعاً ولبس نعليه، وقال: لعن الله إسماعيل، وهو اسم لهذا العالم الحنبلي إن كان يعرف جواب هذه المسألة، ثم دخل داره.
قال ابن أبي الحديد: فقمنا نحن أيضاً وانصرفنا انتهى.
فهو كما ترى مصرحاً بالتجرمات.

[الرأي في المشائخ الذين تقدموا علياً( ع)]
قال السيد صارم الدين:
وحين رضى رضينا ما ارتضاه لنا.... تجرماً ورضاً منَّا على الأثرِ
فرضِّ عنهم كما رضَّى أبو حسن.... أو قف عن السب إما كنت ذاحذرِ
فللمشائخ حق ليس نجهله.... وسابقات وإن جاروا فلا تجرِ
قاموا مع المصطفى المختار واجتهدوا.... وآثروه على الآباء والأسرِ
وهاجروا الهجرة الغراء واحتملوا.... ثقل المتاعب والبأساء في الهجرِ
وسل حنيناً وسل بدراً وسل أحداً.... ومؤتة وتبوكاً ثم ذا أمرِ
اعلم أن فضل المشائخ الثلاثة لا يجهله إلا من أعمى الهوى بصره، وأضاع في عدم حمل أعلام الدين على التأويلات المناسبة لسوابقهم عمره، وقد تقدم طرف مما ذكره سباق أئمتنا في حقهم من التصريح بالترضية ولنا بهم أسوة حسنة، إلى الخير مقربة ومدنية، وكفاهم شرفاً ما ذكره السيد في هذه الأبيات المفصحات بسوابقهم التي يستحقون بها المثل الأعلى، والفوز في الدارين بالقدح المعلى، وإنما الشأن في معاوية بن أبي سفيان، وأتباعه من أهل البغي والعدوان، فإنهم الذين لم يألوا الإسلام وأهله غشاً وعناداً، ولا برحوا أيام حنين وبدر وأحد على الإسلام وأهله سيوفاً حداداً، وهذه الثلاثة المواطن مشهورة نطق بذكرها القرآن الكريم، وتواتر أمرها في سنة النبي العظيم، فنشرح ذكرها في هذا المختصر كتعرض لتقويم القويم، وأما مؤتة وتبوكاً وذات أمر، فالإشارة إلى طرف من التنبيه عليها لا بأس به لخفاء أمرها عن كثير ممن لا اعتناء له بمطالعة السير.

[ذكر غزاة مؤتة]
فأقول: إن مؤتة جهة وجه إليها النبي ً طائفة من المسلمين، وأمرَّ عليهم زيد بن حارثة قال: ((فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب فعبد الله بن رواحة الأنصاري )).
قالوا: وكان النعمان بن نهض اليهودي حاضراً، فقال: يا أبا القاسم، إن كنت نبيئاً فسيصاب من سميت قليلاً كانوا أو كثيراً، إن الأنبياء في بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم، ثم قالوا: إن أصيب فلان فلو سموا مائة أصيبوا جميعاً، ثم جعل اليهودي يقول لزيد بن حارثة: اعهد إلى أهلك فلا ترجع إلى محمد أبداً إن كان نبياً. فقال زيد بن حارثة: أشهد أنه نبي صادق.
قال الواقدي: ولما ودَّع عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: مرني بشيء أحفظه عنك، قال : ((إنك قادم غداً بلداً السجود فيه قليل، فأكثر السجود)) فقال عبد الله: زدني -يا رسول الله-، فقال: (( اذكر الله فإنه عون لك على ما تطلب)) فقام من عنده حتى إذا [ما] مضى [ذاهباً] رجع فقال: يا رسول الله، إن الله وتراً يحب الوتر فقال: ((يا ابن رواحة، ما عجزت فلا تعجز إن أسأت عشراً أن تحسن واحدة )). فقال ابن رواحة: لا أسألك عن شيءٍ بعدها.

قال الواقدي: ومضى المسلمون فنزلوا وادي القرى فأقاموا به أياماً فساروا حتى نزلوا بمؤتة، وبلغهم أن هرقل ملك الروم قد نزل بماء من مياه البلقاء[في بكر وبهراء ولخْم وجذام وغيرهم] في مائة ألف مقاتل[وعليهم رجل من بليّ] فأقام المسلمون [ليلتين] ينظرون في أمرهم، فقالوا : نكتب إلى رسول الله ً فنخبره الخبر، فإما أن يرَّدنا أو يزيدنا رجالاً، فبيناهم كذلك[إذ] جاءهم عبد الله بن رواحة فشجعهم، فقال: ما كنا نقاتل بكثرة عدد ولا كثرة سلاح، ولا [كثرة] خيل،[إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به] ولكن بهذا الدين فانطلقوا وقاتلوا.
فقد رأينا والله يوم بدر، ما معنا إلا فرسان إنما هي إحدى الحسنيين إما الظهور عليهم فذلك [ما وعدنا الله ورسوله، وليس لوعده خلف] وإما الشهادة فنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان، فشجع الناس[على قول] ابن رواحة.
وروى أبو هريرة قال: شهدت مؤتة فلما رأينا المشركين رأينا ما لا قِبَل لنا به من العُدد والسلاح، والكراع، والديباج، والحرير، والذهب، والفضة، فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أرقم : مالك يا أبا هريرة؛ كأنك ترى جموعاً كثيرة.
قلت : نعم. فقال: لم تشهدنا ببدر، إنَّا لم نُنُصَرْ بالكثرة.
قال الواقدي: فالتقى القوم فأخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل حتى قتل[طعنوه بالرماح] ثم أخذها جعفر فطاعن ثم نزل عن فرسه فعرقبها فقاتل حتى قتل، فضربه رجل من الروم فقطعه نصفين، فوقع أحد نصفيه في كوته هناك فُوجِدَ فيه ثلاثون، أو بضع وثلاثون جرحاً.

قال الواقدي: وقد روى نافع عن ابن عمر، أنه وُجِدَ في بدن جعفر اثنتان وسبعون طعنة، أو ضربة بسيف وقال البلاذري: قطعت يداه، وكذلك قال رسول الله ً: [((لقد أبدله الله بهما] جناحين يطير بهما في الجنة )) [ولذلك سمي الطيار].
قال الواقدي: ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فنكل يسيراً، ثم حمل فقاتل حتى قتل، فانهزم المسلمون أسوأ هزيمة كانت في كل وجه، ثم تراجعوا فأخذ اللواء خالد بن الوليد وحمل به ساعة، وجعل المشركون يحملون عليه حتى دهمه منهم بشر كثير، وانحاز بالمسلمين، وانكشفوا راجعين.
قال الواقدي : إن النبي ً يوم التقى الناس بمؤتة جلس على المنبر، وكشف له ما بينه وبين الشام[فهو ينظر إلى معركتهم].
فقال : ((أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل [بها] ثم قتل، ثم أخذها جعفر بن أبي طالب فقاتل [بها] فقتل)) وسكت عن عبد الله بن رواحة؛ فتغير وجوه الأنصار، وظنوا أنه قد كان من عبد الله بعض ما يكرهون، ثم قال: ((أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل شهيداً)) ثم قال((لقد رفعوا إلى الجنة في ما يرى النائم، على سرر من ذهب، فرأيت في سرير ابن رواحة إزوراراً عن سريري صاحبيه، فقلت: لم هذا؟ فقيل:لأنهما مضياّ وتردد بعض التردد)).
قال الواقدي: إن خالد بن الوليد انكشف بالناس يومئذٍ حتى عير وعيروا بالفرار، وتشاءم الناس به.
قال: وروى أبو سعيد الخدري قال: أقبل خالد بالناس منهزمين فتلقاهم أهل المدينة يحثون في وجوههم التراب، ويقولون: يا فرَّار، أفررتم في سبيل الله. فقال رسول الله ً: ((ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرُّار )).

قالوا : وما لقي جيش بعثوا مبعثاً ما لقي أصحاب مؤتة من أهل المدينة لقولهم الشر حتى إن الرجل لينصرف إلى بيته وأهله فلا يفتحون له ويقولون: ألا تقدمت مع أصحابك فقتلت.
قال: وجلس الكبراء منهم في بيوتهم حياءً من الناس، حتى أمر إليهم النبي ً واحداً واحداً، يقول لهم: ((أنتم الكرَّار في سبيل الله )) فخرجوا وكانت سن جعفر يوم قتل إحدى وأربعين سنة.
وقال ابن هشام : [ابن] ثلاث وثلاثين،-والله أعلم- أيهما كان.

[ذكر غزوة تبوك]
وأما تبوك قال ابن إسحاق: قال : لما قفل رسول الله -صلى لله عليه وآله وسلم- من غزوة حنين أمر الناس بالتهيؤ لغزوة الروم، وذلك في زمن عسرة من الناس، وشدة من الحرّ، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله ً قلَّ ما يخرج في غزوة إلا كنىَّ عنها، فأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينَّها للناس؛ لبعد الشقة وشدة الزمان؛ وكثرة العدو الذي يصمد إليه، ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم، وقال للجد بن قيس أحد بني سلمة: يا جد، هل لك في جلاد بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجباً بالنساء مني، وإنى أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر، فأعرض عنه رسول الله ً، وقال: ((قد أذنت لك)) فنزلت هذه الآية[فيه] :{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}[التوبة:49].
وقال قوم من المنافقين: لا تنفروا في الحرِّ، فأنزل الله فيهم:{وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}[التوبة:81].

ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجهاز، وجد في سفره، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله؛ فحمل ناس من أهل الغنى وأحسنوا، وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة، لم ينفق أحد مثلها، أنفق ألف دينار، فقال رسول الله: ((اللهم، ارض عنه فإني عنه راضٍ)).
وجاء رجال من المسلمين، وهم البكاؤون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا أهل حاجة، فقال:{لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ}[التوبة:92]، وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا إليه، فلم يعذرهم، وكان نفر من المسلمين أبطت بهم النية عن رسول الله ً حتى تخلفوا عنه من غير شك ولا ارتياب، وهم الثلاثة الذين تخلفوا كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية وأبو خيثمة فأما أبو خيثمة فلحقه ً.
وأما الثلاثة الباقون فندموا، فلما رجع النبي ً ربطوا أنفسهم في المسجد، وقصتهم مشهورة.
ولأمير المؤمنين علي -عليه السلام- في هذه الغزوة قصة مشهورة قضت له بالفضل الذي ما فوقه فضل، وبالاستبداد بالنصَّ بإمامته ما حاز به السبق والخصل وذلك ثابت فيما رواه الفقيه حميد المحلي في (محاسن الأزهار) وقد أخرجه البخاري، ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة رواه عنهم
في (كفاية الطالب).
قال: وأجمع المحدثون على صحته.

قال أنس بن مالك : لما خرج رسول الله ً إلى تبوك استخلف علياً على المدينة وما هناك، فقال المنافقون عند ذلك: إن محمداً قد شنى ابن عمه ومله، فبلغ ذلك علياً فشدَّ رحله وخرج من ساعته، فهبط جبريل -عليه السلام- يخبره بقول المنافقين في علي، وخروج علي للحاق به، فأمر رسول الله ً منادياً فنادى بالتعريس في مكانهم، قال: ففعلوا، ثم جاؤا إليه يسألونه عن نزوله في غير وقت التعريس فأخبرهم بما أتاه به جبريل عن الله، وأخبرهم أن الله عزَّ وجَّل أمره بأن يستخلف علياً بالمدينة. قال: فركب قوم من أصحاب رسول الله ً ليتلقوه فما راموا مواضعهم إلا وقد طلع علي مقبلاً. قال: فتلقاه رسول الله ً ماشياً وتبعه الناس فعانقوه رجل رجل، ثم جلس رسول الله ً وحوله الناس، فقال لعلي: (ما أقبل بك إلينا؟) فقصَّ عليه القصَّة من قول المنافقين، فقال: ((ما خلَّفتك إلا بأمر الله [تعالى] وما كان يصلح لما هناك غيري وغيرك، أما ترضى -يا ابن أبي طالب- أن أكون استخلفتك كما استخلف موسى هارون، أما والله إنك مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي)).
قالوا: فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قسم للناس فرفع إلى علي قسمين، فأنكر ذلك القوم فقال رسول الله ً: ((أيها الناس، هل أحد أصدق مني ))؟ قالوا: لا، يا رسول الله. فقال: ((أما رأيتم صاحب الفرس الأبلق أمام عسكرنا في الميمنة مرة و[في] الميسرة مرة))؟

قالوا: رأيناه يا رسول الله. قال: ((ذلك جبريل-عليه السلام- قال لي: يا محمد، إن لي سهماً ممَّا فتح الله عليك، وقد جعلته لابن عمك فسلمه إليه)). قال أنس: فكنت فيمن بشَّر علياً بقول رسول الله ً. انتهى.

[ذكر غزاة غطفان]
وأما ذات أمر فهي غزوة غطفان، ولم يكن فيها قتال، ويقال فيها: ذات أمر، وذي أمر بالتأنيث والتذكير بالنظر إلى البقعة، أو الجهة والمكان، ووجدت هذه اللفظة في أكثر نسخ (البحر) للإمام المهدي ذات أم ولعله تصحيف من الناسخ،- والله أعلم-.

[الرأي في معاوية وشيعته]
[قال السيد صارم الدين]:
فليس يسمع منَّا في أفاضلهم.... إلا ثناء كنشر المندل العطرِ
وإن جفونا وحالوا عن مودتنا.... ولم يراعوا وصاة الله في العترِ
فالصبر شيمة أهل البيت إن ظلموا.... وهل يكون كريم غير مصطبرِ
والعن معاوية الطاغي وشيعته.... فهم ذوو الفسق والفحشاء والنكرِ
هذه صيغة الأمر، وهي معطوفة على قوله: فرض عنهم، يعني إن لك الترضية عن كبار الصحابة أو التوقف.
وأما معاوية وشيعته فالعنهم، وهل الأمر يقتضي الوجوب أم لا؟ فيه خلاف مشهور وكلام السيد صارم الدين هنا فيه إلمام بقول الصاحب بن عباد:
قالت: معاوية الطاغي أتلعنه.... فقلت: لعنته أحلى من العسل
قالت: أيكفر فيما قد أتى وعتا.... فقلت: إي وإله السهل والجبل
قال ابن أبي الحديد: ومن كبار شيعة معاوية عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومروان بن الحكم، والوليد بن عقبة وحبيب بن مسلمة وبسر بن أرطأة وحوشب وذو الكلاع وشرحبيل بن السمط وأبو الأعور السلمي،[والضحاك بن قيس ] قال: وكان أمير المؤمنين يقنت في الفجر وفي صلاة المغرب ويلعن معاوية، وعمراً،والمغيرة، والوليد،[وحوشب، وذا الكلاع، وشرحبيل بن السمط] وأبا الأعور، والضحاك بن قيس، وبسر بن أرطأة، وأبا موسى الأشعري ومروان بن الحكم.

وروى ابن أبي الحديد بسنده عن نصر بن عاصم الليثي عن أبيه قال: أتيت مسجد رسول الله ً والناس يقولون: نعوذ بالله من غضب الله، وغضب رسوله، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: معاوية قام الساعة، فأخذ بيد أبي سفيان، فخرجا من المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لعن الله التابع والمتبوع، رب يوم لأمتي من معاوية ذو الأستاه)). قال : يعني كبير العجز.
وروي أيضاً أن رسول الله ً قال لمعاوية: ((لتتخذنَّ -يا معاوية- البدعة سنة، والقبيح حسناً، أكلك كثير، وظلمك عظيم)).
واعلم أنه لا خلاف بين الشيعة أجمع والمعتزلة، وأكثر فرق الأمة أن معاوية وعمرو بن العاص من أهل عداوة الله، وأنها تجب البراءة منهما؛ لفسقهما ومحاربتهما أمير المؤمنين حتى قتل بسببهما عدة من المهاجرين والأنصار وغيرهم من مشاهير المسلمين، بل قد ادعى بعض العلماء أن معاوية كافر، وروي عنه أشياء استدل بها على كفره، وهي مذكورة في مواضعها.
قال ابن أبي الحديد: ولا ريب في ظهور ضلاله وبغيه، وكل باغ غاو، وأنه [كان] مهتوك الستر، كثير الهزل والخلاعة، ولا يتستر إلا منذ [خرج] على علي -عليه السلام-، وإلا فقد كان في أيام عثمان شديد التهتك موسوماً بكل قبيح، وكان في أيام عمر يستر نفسه قليلاً خوفاً منه، إلا أنه كان يلبس الحرير والديباج، ويشرب في آنية الذهب والفضة، ويركب البغلات ذوات السروج المحلاة وعليهنَّ جلال الديباج والوشي، ونقل الناس عنه في كتب السير: أنه كان يشرب الخمر في أيام عثمان بالشام.

فأما من بعد وفاة أمير المؤمنين واستقرار الأمر له فقد اختلف فيه، فقيل: أنه شربها في ستر، ولا خلاف أنه سمع الغناء وطرب عليه.
وقد ذكر أهل السير كثيراً من تلعب الرجلين بالدين، واستعمالهما كيد المسلمين على وجه يدل على أنهما لم يكونا يرجعان إلى حدود الشريعة، بل كان همهما إطفاء نور الله؛ لشيء كان عندهما من أمر الجاهلية والحسد لبني هاشم، ولو أمكنهما قلب الإسلام وإعادة الجاهليه لفعلا، لكن أبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

[ذكر أويس القرني]
قوله:
أردوا أويساً وعماراً لشقوتهم.... والسيدين وما أبقوا على حجرِ
أبرأ إلى الله من عمرو وصاحبه.... والأشعري ومروان ومن بُسرِ
أقول: إن السيد صارم الدين قد جمع في هذين البيتين قصصاً، وحوادث كانت بسبب معاوية[عليه اللعنة] وتصدره لما لا يستحقه، وأنا أشير إلى طرف من ذلك على وجه لطيف، فأبدأ بما بدأ به السيد صارم الدين، وهو ذكر سيد السالكين، وعلم الناسكين: أويس[القرني] رحمه الله تعالى ثم أتبعه بذكر علم الصحابة النجباء، المبالغ في تأدية حق ذوي القربى، [قمر الشيعة السامر، ومثلهم السائر] : عمار بن ياسر، ثم أثلث بذكر السيدين الشبيهين بالفرقدين، ثم أربع بذكر حجر بن عدي البريء من الشين والمين، الذي باء قاتله بخسارة الدارين.
فأقول: إن الفقيه حميد المحلي رحمه الله[تعالى] ذكر أن أويس بن عامر ممن حضر صفين، وكذلك الإمام المهدي أحمد بن يحيى -عليه السلام- أشار إلى ذلك في (شرح سيرة البحر) كما أشار إليه السيد صارم الدين هنا، وكذلك رواه اليافعي في (روض الرياحين) لأنه قال.

وفي الحديث، عن أبي هريرة، أن رسول الله ً قال:((إن الله يحب من خلقه الأصفياء، الأخفياء، الأبرياء الشعثة رؤوسهم، المغبرة وجوههم، الخميصة بطونهم، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذنوا)) -إلى أن قال- قالوا: يا رسول الله، كيف لنا برجل منهم؟ فقال: ((ذلك أويس القرني)). قالوا: وما أويس القرني؟ قال: ((أشهل ذو صهوبة بعيد ما بين المنكبين، معتدل القامة، آدم[اللون] شديد الأدمة، ضارب بذقنه، رام بصره إلى موضع سجوده، واضع يمينه على شماله، يبكي على نفسه، ذو طمرين لا يؤبه له، ذو مئزر صوف، ورداء صوف، مجهول في أهل الأرض، معروف في أهل السماء، لو أقسم على الله لأبره، ألا وإن تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء، ألا وإنه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد: ادخلوا الجنة، وقيل لأويس: قف فاشفع ؛ فيشفع في مثل ربيعة ومضر، يا علي ويا عمر إذا أنتما لقيتماه، فاطلبا إليه أن يستغفر لكما)).
قال: فكانا يطلبانه عشر سنين لا يقدران عليه؛ فلما كان في آخر السنة التي هلك فيها عمر، قام على[جبل] أبي قبيس فنادى بأعلى صوته: يا أهل اليمن، أفيكم أويس [القرني] ؟ فقام إليه شيخ كبير، طويل اللحية فقال: إنا لا ندري ما أويس، ولكن ابن أخ لي يقال له: أويس، وهو أخمل ذكراً، وأقل مالاً، وأهون أمراً من أن نرفعه إليك، وإنه يرعى إبلنا، حقير بين أظهرنا، فَعَمَى عليه عمر كأنه لا يريده، فقال: أين ابن أخيك هذا؟ أيخدمنا هو؟ قال: نعم.

قال: وأين يصاب؟ فقال: بأراك عرفات. قال: فركب عمر وعلي –رضى الله عنهما- سراعاً إلى عرفات، فإذا هو قائم يصلي إلى شجرة، والإبل حوله ترعى، فشدا حماريهما، ثم أقبلا عليه، فقالا: السلام عليك ورحمة الله[وبركاته] ؛ فخفف أويس من الصلاة، ثم ردَّ عليهما السلام؛ فقالا: من الرجل؟ فقال: راعي غنم وأجير قوم؛ فقالا: لا نسألك عن الرعاية، ولا عن الإجارة، ما اسمك؟ فقال : عبد الله. قالا: قد علمنا أن أهل السماوات والأرض عبيد الله، فما اسمك الذي سمتك به أمك؟
فقال: يا هذان، ما تريدان إلي؟ فقالا: وصف لنا محمدًأويساً القرني، فقد عرفنا الصهوبة، والشهولة، وقد أخبرنا أن تحت منكبك الأيسر لمعة بيضاء؛ فأوضحها لنا فإن كانت بك؛ فأنت هو، فأوضح منكبه فإذا اللمعة؛ فابتدراه وقالا: نشهد أنك أويس القرني فاستغفر لنا يغفر الله لك؛ فقال: ما أخصُّ باستغفاري نفسي، ولا أحداً من ولد آدم، ولكن من في البر والبحر من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، -يا هذان- فقد شهر الله لكما حالي، وعرفكما أمري، فمن أنتما؟
فقال علي-عليه السلام-: أما هذا فأمير المؤمنين[عمر لأنه في خلافته] وأما أنا فعلي بن أبي طالب؛ فاستوى أويس قائماً، وقال: السلام عليكما ورحمة الله وبركاته فجزاكما الله عن هذه الأمة خيراً؛ فقالا: وأنت جزاك الله عن نفسك خيراً؛ فقال له عمر: مكانك -يرحمك الله- حتى أدخل مكة، فآتيك بنفقة وفضل كسوة من ثيابي، وهذا [المكان] ميعاد بيني وبينك.

فقال: يا أمير المؤمنين، لا ميعاد بيني وبينك، لا أراك بعد اليوم تعرفني، ما أصنع بالكسوة، أما ترى عليَّ إزاراً من صوف، ورداءً من صوف، متى تراني أبليهما؟ أما ترى نعلي مخصوفين، متى تراني أبليهما؟ أما تراني قد أخذت من رعايتي أربعة دراهم، متى تراني آكلها؟ يا أمير المؤمنين، إن بين يدي و يديك عقبة كؤد لا يجاوزها إلا ظامر مخف مهزول، فأخف يرحمك الله؛ فلما سمع عمر ذلك ؛ ضرب بدرته الأرض، ثم نادى بأعلى صوته: ألا ليت عمر لم تلده أمه، يا ليتها كانت عقيماً، لم تعالج حملها، ألا من يأخذها بما فيها [ولها] يعني الخلافة، ثم قال: يا أمير المؤمنين، خذ أنت هاهنا حتى آخذ [أنا] هاهنا، فولى عمر ناحية مكة، وساق أويس الإبل فوافا القوم، فأعطاهم إياها، وخلى الرعاية، وأقبل على العبادة.
قالوا: وكان أويس إذا أمسى، يقول: هذه ليلة الركوع؛ فيركع حتى يصبح، وكان يقول في الليلة الثانية: هذه ليلة السجود؛ فيسجد حتى يصبح، وكان إذا أمسى يتصدق بما [يبقى] في بيته من فضل الطعام والشراب، ثم يقول: اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذني به، ومن مات عرياناً فلا تؤاخذني به.
قالوا: وكان يلتقط الكسر من المزابل فيغسلها، ويتصدق ببعضها، ويأكل بعضها، ويقول: اللهم، إني أبرأ إليك من كل كبد جائع.
وروي عن عبد الله بن سلمة قال: غزونا أذربيجان زمن عمر بن الخطاب، ومعنا أويس القرني، فمرض علينا، فحملناه، فلم يستمسك فمات؛ فنزلنا فإذا قبر محفور، وماء مسكوب، وكفن وحنوط، فغسلناه وكفناه، وصلينا عليه.

قال اليافعي: يعني ودفناه؛ فلما مشينا قال بعضنا لبعض: لو رجعنا فعلمنا قبره فرجعنا، فإذا لا قبر ولا أثر.
قال اليافعي: وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى -رحمه الله[تعالى] - قال: نادى منادٍ بصفين: أفي القوم أويس القرني؟ فوجد في القتلى من أصحاب علي –عليه السلام-، قال قلت: وهذا هو الأشهر؛ لأنه في كتب الشيعة، وهم أعرف بأحوال صفين من غيرهم.

[ذكر طرف من أخبار عمار بن ياسر-رضي الله عنه-]
وأما عمار: فهو عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس العنسي المذحجي، يكنى أبا اليَقْظَان حليف بني مخزوم.
قال ابن عبد البر في كتاب (الاستيعاب): كان والد عمار عربي من قحطان من عنس في مذحج؛ فتقدم مكة مع أخوين له يقال لهما: مالك، والحارث في طلب أخ لهم رابع، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وأقام ياسر بمكة فحالف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، فزوجه أمة له يقال لها: سمية فولدت عماراً، فأعتقه أبو حذيفة.
فمن هاهنا كان عمار مولى بني مخزوم، وهو عربي لا يختلفون في ذلك، وللحلف والولاء الذي بين بني مخزوم وعمار وأبيه ياسر، كان اجتماع بني مخزوم على عثمان حين نال من عمار من الضرب، حتى انفتق له فتق في بطنه وكسروا ضلعاً من أضلاعه؛ فقال بنو مخزوم: والله لئن مات لا قتلنا غير عثمان.
وكان عمار [وأمه] ممن عذِّب في الله، ثم أعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه واطمأن الإيمان بقلبه، فنزلت فيه الآية:{إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ }[النحل:106]، وهذا مما أجمع عليه أهل التفسير، وهاجر إلى الحبشة، وصلى [إلى] القبلتين، وهو من المهاجرين الأولين، ثم شهد بدراً، والمشاهد كلها، وابتلي بلاءً حسناً، ثم شهد اليمامة وقاتل فيها، ويومئذٍ قطعت أذنه.
قال بعضهم : رأيت عماراً يوم اليمامة على صخرة، وقد أشرف عليها يصيح: يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون؟ أنا عمار بن ياسر هلموا إليَّ، وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت وهي تذبذب، وهو يقاتل أشد قتال.

قال ابن عبد البر: وبلغنا أن عماراً قال: كنت ترباً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سنه، لم يكن أحد أقرب إليه مني سناً. قال: وقد قال ابن عباس في قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ }[الأنعام:122]: إنه عمار بن ياسر، {كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا }[الأنعام:122] إنه أبو جهل، وقال رسول الله ً: ((إن عماراً ملىء إيماناً [من قدمه] إلى مشاشه)). ويروى: ((إلى أخمص قدميه)). وروي عن عائشة، أنها قالت: ما من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشاء أن أقول فيه إلا قلت إلا عماراً؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إنه ملىء إيماناً إلى أخمص قدميه )). وقال عبد الرحمن بن البراء : شهدنا مع علي –عليه السلام- ثماني مائة ممن بايع بيعة الرضوان، قتل منَّا ثلاثة وستون. [وفي بعض النسخ: مائة وستون] منهم عمار بن ياسر، ومن حديث خالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من أبغض عماراً أبغضه الله )). فما زلت أحبه من يومئذٍ.
ومن حديث علي -عليه السلام- أن عماراً جاء يستأذن على رسول الله ً يوماً فعرف صوته، فقال: ((مرحباً بالطيِّب المطيَّب ائذنوا له )).
وقال أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( اشتاقت الجنة إلى أربعة: علي، وعمار، وبلال، وسلمان)).

وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: شهدنا مع علي -عليه السلام- صفين فرأيت عمار بن ياسر ما يأخذ في ناحية، ولا [في] وادي من أودية صفين إلا رأيت أصحاب محمد يتبعونه كأنه علم لهم، وسمعته يومئذٍ يقول لهاشم بن عتبة : يا هاشم، تقدم الجنة تحت البارقة اليوم نلقى الأحبة محمداً وحزبه، والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر ؛ لعلمنا أنَّا على الحق وهم على الباطل، ثم قال:
نحن ضربناكم على تنزيله.... واليوم نضربكم على تأويله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله.... ويذهل الخليل عن خليله
أو يرجع الحق إلى سبيله
فلم أر أصحاب محمد قتلوا في موطن ما قتلوا يومئذٍ، وقد قال أبو مسعود البدري وطائفة من الصحابة لحذيفة حين احتضر وقد ذكر الفتنة: إذا اختلف الناس فبمن تأمرنا؟ فقال : عليكم بابن سمية، فإنه لن يفارق الحق حتى يموت، أو قال: فإنه يزول مع الحق حيث زال.
قال ابن عبد البر: استسقى عمار يوم صفين؛ فأوتي بشربة من ماء فشرب فقال: اليوم ألقى الأحبة محمداً وحزبه، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد إليَّ أن آخر شربة أشربها في الدنيا شربة لبن، ثم استسقى ثانية فأتته امرأة طويلة بإناء فيه ضياح من لبن، فقال حين شربه: الحمد الله الجنة تحت الأسنة، والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنَّا على الحق، وأنهم على الباطل، ثم قاتل حتى قتل.
[قالوا] : وكتب عمر إلى أهل الكوفة أما بعد:

فإني بعثت إليكم عماراً أميراً، وعبد الله بن مسعود معلماً ووزيراً، وهما من النجباء، من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ً فاسمعوا لهما، واقتدوا بهما؛ فإني قد آثرتكم بعبد الله على نفسي.
قال ابن عبد البر: وإنما قال عمر: وهما من النجباء؛ لقوله : ((إنه لم يكن نبي إلا أعطي سبعة من أصحابه نجباء وزراء رفقاء، [فقال] وإني أعطيت أربعة عشر: حمزة، وجعفر، وأبا بكر، وعمر، وعلياً، وحسناً، وحسيناً، وعبد الله بن مسعود، وسلمان، وعماراً، وأبا ذر، وحذيفة، والمقداد، وبلالاً)).
قال ابن عبد البر: وتواترت الأخبار عن النبي ً أنه قال: ((تقتل عماراً الفئة الباغية )). وهذا من إخباره بالغيب، وأعلام نبوته، وهو من أصحَّ الأحاديث. انتهى.
وعن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا رسول الله ً أن نقاتل الناكثين[الساكتين والماكثين] والقاسطين، والمارقين؛ فقلنا: يا رسول الله، مع من نقاتل؟ فقال: ((مع علي بن أبي طالب، معه يقتل عمار بن ياسر)).
قال في (النجم الثاقب) : هذا حديث صحيح، متفق على صحته، وقد تواترت الأخبار أن عماراً قتل يوم صفين في عسكر علي، ودفن بالرقة، وقبره يزار.

قال: وقد زرته، ثم قال: إن معاوية أرسل إلى عمار ليرسله إلى علي في الصلح في صفين، فجعل عمار يعاتب معاوية في حرب علي -عليه السلام- ومعاوية يعرض عن حديثه، ويرغبه في فضول الشام؛ فقال عمار: صدق خليلي؛ فقال: من خليلك أعلي أم غيره؟ فقال: بل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كنت أنقل لبن المسجد لبنتين لبنتين، فمسح الغبار عن رأسي، وقال: ((ويح عمار!! يدعوهم إلى الله، ويدعونه إلى النار )).
قال: وأخرجه البخاري في كتاب الجهاد، وترجم عليه باب مسح الغبار عن الرأس. انتهى.
وكانت صفين في ربيع الآخر سنة 37[سبع وثلاثين] ؛ فلما قتل عمار دفنه علي -عليه السلام- في ثيابه، ولم يغسله.
قال ابن عبد البر: وروى أهل الكوفة أنه صلى عليه -وهو مذهبهم في الشهداء يصلى عليهم ولا يغسلون-، وكانت سنه يوم قتل ثلاثاً وتسعين سنة -رحمه الله تعالى-.

[ذكر خبر قثم وعبدالله ابني عبيد الله بن العباس]
وأما السيدان المذكوران فهما: قثم، وعبد الرحمن ابنا عبيد الله بن عباس -رضي الله عنهم-.
قال أهل السير: وفي سنة أربعين من الهجرة وجَّه معاوية بُسر بن أرطأة[لعنهما الله] أحد بني عامر بن لؤي في ثلاثة آلاف مقاتل على السراة ونجران واليمن؛ فلما وصل مدينة النبي، وكان العامل بها لعلي أبو أيوب الأنصاري فخرج منها فاراً، ودخلها بُسر[بن أرطأة] وصعد منبرها، ولم يقاتله أحد، بل بايعوه لمعاوية، ثم بعث إلى بني سلمه: والله ما لكم عندي أمان ولا بيعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله فانطلق جابر إلى أم سلمة زوج النبي فقال لها: إني خشيت أن أقتل إن لم أبايع، وهذه بيعة ضلالة؛ فقالت له: أرى أن تبايع فقد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع، وأمرت ختني ابن زمعة أن يبايع فأتى جابر بسراً فبايعه.
وهدم بُسر دوراً في المدينة، واستخلف أبا هريرة للصلاة، ثم مضى إلى مكة فخافه أبو موسى الأشعري أن يقتله.
قال : ما كنت لأفعل ذلك بصاحب رسول الله ً وخلى عنه، ثم مضى إلى اليمن، وكان العامل لعلي عليها عبيد الله بن العباس، فلما سمع بمجئ بُسر استخلف على اليمن عبد الله بن عبد المدان الحارثي وفرَّ هو إلى الكوفة؛ فجاء بُسر إلى اليمن فقتل عبد الله بن عبد المدان وولده، ولقى في الطريق ثقل عبيد الله بن عباس وفيه ابنان له صغيران، وهما المذكوران؛ فقتلهما بُسر.

وقيل: إنهما كانا عند رجل من أهل البادية، ولما ظفر بُسر بهما وأراد قتلهما، قال له البدوي: علام تقتل هذين الصغيرين ولا ذنب لهما؟ فإن كنت قتلتهما فاقتلني؛ فقال: أفعل، فقتل البدوي، ثم قتلهما.
وقيل: إنه رآهما يمشيان وهما من أجمل الناس وأحسنهم، فقال: من أنتما؟ فقالا: ابنا عبيد الله بن العباس، فقال بُسر: الله أكبر، أنتما ممن أتقرب إلى الله بقتلكما، ثم ذبحهما جميعاً ثم قتل بصنعاء وغيرها من بلاد اليمن من شيعة علي –عليه السلام- وغيرهم من المسلمين خلقاً كثيراً، وكذلك بالطائف، ومكة، واليمامة، والمدينة، فيقال: إنه قتل في هذه الأماكن نيفاً وثلاثين ألفاً، فلما بلغ ذلك علياً اشتد غمه –ولا سيما- من قتل الصغيرين، ودعا على بسر فقال: اللهمَّ، اسلبه دينه، ولا تخرجه من الدنيا حتى تسلبه عقله؛ فأصابه ذلك، وفقد عقله، وكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زق منفوخ فلا يزال يضربه ما شاء. وكانت هذه عادته حتى مات لا رحمه الله.
قالوا: ثم إن علياً بعث جارية بن قدامة في ألفين، و وهب بن مسعود في ألفين، فصار جارية إلى نجران فحرق بها، وقتل جماعة من شيعة بني أمية، وهرب بسر وأصحابه، فاتبعهم إلى مكة فهربوا منه، ودخل مكة فقال: بايعوا لعلي بن أبي طالب فبايعوه، ثم جاء إلى المدينة وأبوهريرة يصلي بهم، فهرب منه أبو هريرة، وقال: والله لو وجدت أبا سنور لضربت عنقه، ثم بايعه أهل المدينة.

[ذكر طرف من أخبار حجر بن عدي - رضي الله عنه -]
وأما حجر بن عدي الكندي: فكان من حديثه أن المغيرة بن شعبة كان لا ينام عن شتم علي -عليه السلام- وشتم أصحابه والعيب لهم، والترحم على عثمان وأصحابه، وكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك يقول: إياكم لعن الله وذم، وأشهد أن من تذمون أحق بالفضل والتقدم، ومن تمدحون أولى بالذم، فلما كان في آخر زمن المغيرة؛ فنال من علي، وقال في عثمان ما كان يقول؛ قام حجر وصاح: إنك لا تدري بمن تولع، مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فقد حبستها عنَّا، وأصبحت مولعاً بذم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ومدح المجرمين وتقريضهم؛ فقام معه نحو ثلاثين ألفاً، يقولون: صدق حجر؛ فدخل المغيرة بيته، فجاءه قومه قائلين له: علام تترك هذا الرجل يجتري عليك في سلطانك؟ ثم إن بلغ معاوية سخط عليك؛ فقال لهم: إني قد قتلته إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به مثل ما صنع بي فيقتله، وأنا فقد اقترب أجلي؛ فلا أقتل خير أهل هذا المصر.
فلما ولىَّ معاوية زياد بن أبيه الكوفة خطب فقال: أما بعد:
فإن غبَّ البغي وخيم، إن هؤلاء حمر فاشروا وأيم الله لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم، ولست بشيء إن لم أحم ناحية الكوفة من حجر بن عدي، وأدعه نكالاً لمن بعده، ويل أمك يا حجر، سقط العشاء بك على سرحان.

قال الطبري في روايته: إن زياداً خطب يوم الجمعة، فأطال الخطبة، وأخرَّ الصلاة؛ فقال له حجر بن عدي: الصلاة. فمضى زياد في خطبته، ثم قال: الصلاة، فمضى في خطبته؛ فأخذ حجر كفاً من حصى، وثار إلى الصلاة وثار الناس معه؛ فنزل زياد وصلى بالناس، وكتب إلى معاوية، فأمر معاوية إليه: اشدده بالحديد واحمله إليَّ؛ فأراد قوم حجر منعه، فقال لهم حجر: لا ولكن نطيع ونسمع؛ فلما دخل على معاوية قال: السلام عليك -يا أمير المؤمنين-؛ فقال له معاوية: والله، لأقتلنَّك ولا أستقيلك، أخرجوه فاضربوا عنقه فأخرجوه، فقال لهم: دعوني أصلي ركعتين فصلاهما وخفف، وقال: لولا أن تظنوا أني غير الذي بي؛ لأطلتهما، ثم قال لمن حضره من أهله: لا تطلقوا مني حديداً، ولا تغسلوا عني دماً فإني لاق معاوية غداً على الجادة ثم ضربت عنقه سادس ستة، أو سابع سبعة أحدهم ولده.
قالت العلماء: فقالت عائشة لمعاوية بمكة أين كان حلمك عن حجر بن عدي؟ فقال: يا أم المؤمنين، لم يكن يحضرني رشيد، فلما حضرت معاوية الوفاة جعل يغرغر بالموت، ويقول: إن يومي منك يا حجر بن عدي لطويل.
هذا ملخص خبر حجر مع معاوية اختصرته تنبيهاً على ما ذكره السيد صارم الدين بالبيت الأول، فلنتبع الإشارة إلى جملة من أحوال المذكورين في البيت الثاني، والله الموفق للصواب.

[أمر عمرو بن العاص وحاله مع أهل البيت - عليهم السلام -]
والمراد بعمرو وصاحبه فيه، هو عمرو بن العاص بن وائل السهمي، وكان شديد العداوة لعلي -عليه السلام- ولأولاده؛ فروى المدائني : أنه لقي الحسن بن علي في الطواف، فقال: يا حسن، زعمت أن الدين لا يقوم إلا بك وبأبيك؛ فقد رأيت الله أقام معاوية فجعل الدين راسياً بعد ميله، وبيناً بعد خفائه، أفرضي الله بقتل عثمان؟ أو من الحق أن تطوف بالبيت كما يدور الجمل بالظعن [عليك ثياب كغرقئ] وأنت قاتل عثمان، والله إنه لألم للشعث، وأسهل للوعث أن يوردك معاوية حياض أبيك.
فقال له الحسن عليه السلام : إن لأهل النار علامات يعرفون بها: الإلحاد لأولياء الله، والموالاة لأعداء الله، والله إنك لتعلم أن علياً لم يرتب في الدين، ولم يشك في الله ساعة واحدة، وآيم الله لتنتهيَّن يا عمرو أو لأقدن خصيتيك بنواقد أشد من الحديد، فإياك من التهجين عليَّ؛ فإني من قد عرفت[لست بضعيف الغمرة ولا هش المشاشة، ولامرئ المأكلة و] إني من قريش كواسطة القلادة، يعرف حسبي، و لا أُدْعىَ لغير أبي، وأنت من تعلم ويعلم الناس، تحاكمت فيك رجال من قريش؛ فغلب عليك جزارها الأمهم حسباً، وأعظمهم لوماً، فإياك عني فإنك رجس، ونحن أهل [بيت] الطهارة أذهب الله عنَّا الرجس، وطهَّرنا تطهيراً؛ فأُفْحِمَ عمرو وانصرف كئيباً.
وأما معاوية فقد تقدم طرف من تبيين عناده الحق، وما قال الناس في دينه، وهل يجري عليه اسم الإسلام أم لا؟ ولا وجه لإعادة ذلك.

[طرف من أخبار أبي موسى الأشعري]
وأما الأشعري: فهو عبد الله بن قيس، وهو الذي جازت عليه الخديعة الكبيرة التي كانت بسببها الفتنة العظيمة بعد تكرير التحذير عليه، وتأكيد الإنذار؛ فلم يغن الحذار حتى نظمت قصته في الأشعار
فقال الحريري :
فإن تك قد ساءتك مني خديعة.... فقبلك شيخ الأشعريين قد خدع
وقال الصاحب بن عباد: ذهب ثلثا الدين بالأشعريين، يعني: أبا موسى، وأبا الحسن المتكلم شيخ الفرقة الأشعرية وكان من حديث تحكيمه على سبيل الاختصار، أنه لما كان أواخر أيام صفين وأيقن معاوية أنه مغلوب، استشار عمرا بن العاص فقال: ترفع المصاحف فإن قبلوها اختلفوا، وإن ردوها اختلفوا، وآل الكلام إلى أن جعل الحكم إلى عمرو[بن العاص] وأبي موسى، بعد أن كره علي -عليه السلام- تحكيم أبي موسى، وقال: لا أرضى به، وإنه غير مرضي، وقد فارقني، وخذَّل الناس عني، ولكن هذا ابن عباس. قالوا : والله ما نبالي أنت كنت أو ابن عباس.
قال: فالأشتر؛ فقال الأشعث: وهل طبق سعة الأرض علينا إلا الأشتر؛ فقال علي -عليه السلام-: فإني أخاف أن يخدعه عمرو، فإن عمراً ليس من الله في شيء؛ فقال الأشعث: هو أحبُّ إلينا فبعثوا إلى أبي موسى فجاء، فقال: الأحنف بن قيس لعلي: يا أمير المؤمنين، إن شئت أن تجعلني حكماً أو ثانياً، أو ثالثاً فإنه لا يعقد عقدة إلا حللتها، ولن يحلَّ إلا عقدت، فأبى عسكر علي عليه السلام إلا أبا موسى الأشعري.
وكان ابن عباس -رحمه الله- يعظ أبا موسى، ويقول: إنه عمرو، فلا تغتر بقوله، وقال النجاشي : شاعر -عليه السلام- في ذلك:

أبا موسى جزاك الله خيراً.... عراقك إن حظك في العراقِ
وإن الشام قد نصبوا إماماً.... من الأحزاب معروف النفاقِ
وإنَّا لا نزال لهم عدواً.... أبا موسى إلى يوم التلاقي
فلا تجعل معاوية بن صخر.... إماماً ما مشى قدم بساقِ
ولا يخدعك عمرو إن عمراً.... أبا موسى لداهية الرفاق
قالوا: وقد كان وقع بين أبي موسى وعمرو بن العاص أن يخلعا علياً ومعاوية، ويجعلاها في عبد الله بن عمر بن الخطاب؛ فبهذا انخدع أبو موسى، فلما كان وقت الخطبة قال عمرو لأبي موسى: اصعد وتكلَّم، فقال له ابن عباس: قدم الرجل قبلك، ثم تكلَّم بعده فإنه غدَّار، فلم يسمع [أبو موسى] وصعد قبل عمرو، وقال: اشهدوا أني قد خلعت علياً ونزع خاتمه، وقال: كما تروني خلعت هذا الخاتم.
وحكى ابن عبد ربه أنه قال: كما خلعت سيفي هذا من غمده وأصلت سيفه، ثم صعد عمرو فحمد الله، وقال: سمعتم خلعه صاحبه وقد خلعته أنا- وبيده خاتم-، وقال: وأثبتُّ صاحبي كما أثبت الخاتم في أصبعي، وفي رواية ابن عبد ربه: كما أثبت سيفي هذا في غمده وكان قد أصلته، ثم أغمده، فقال له أبو موسى: لا وفقك الله، غدرت وخنت، مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، فقال له عمرو: ومثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً، والتمس أصحاب علي أبا موسى فركب ناقته ولحق بمكة، فكان ابن عباس يقول: قبحَّ الله أبا موسى!! فقد حذَّرته فما عقل، وكان أبو موسى يقول: حذَّرني ابن عباس غدرة الفاسق.
فقال بعض أصحاب علي في ذلك شعراً:
لعمرك ما ألفى مدى الدهر خالعاً.... علياً بقول الأشعري ولا عمرو

وقال آخر يعاتبهم إذ لم يحكِّموا ابن عباس[رضي الله عنه] :
لو كان للقوم رأي يعصمون به.... عند الخطاب رموكم بابن عباس
لله درَّ أبيه أيُّما رجل.... ما مثله لقضاء الحكم. في الناس
لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن.... لم يدر ماضرب أخماس بأسداس
قالوا: وتنازع رجل وامرأة إلى بلال بن أبي بردة [بن أبي موسى ] وكان قاضياً فأمر بالفرقة بين الرجل وامرأته، وكانت المرأة محبة للبقاء مع زوجها؛ فقالت: قبحكم الله من أهل بيت ما خلقتم إلا للفرقة بين المسلمين.
قالوا: وأمرَّ بعض الملوك أميرين له أحدهما من ذرية أبي موسى، والآخر من ذرية روح بن روح بن زنباع فجعل ذلك الملك يتوصاهما، ويكثر التوصية ويؤكدها على ابن روح المذكور، فقال: يا أمير المؤمنين: أراك أكثرت عليَّ وأنت تعلم أن جد هذا خدع دون جدي، فكان أحق مني بتأكيد وصيتك فضحك السلطان، وأظنه عبد الملك بن مروان، ووجم الأشعري.

[طرف من أخبار مروان بن الحكم]
قلت: والمراد بمروان في منظومة السيد صارم الدين هو مروان بن الحكم.
قال ابن أبي الحديد في شأنه: وأما مروان فأذم وأقل من أن يذكر في الصحابة؛ لأنه كان مجاهراً بالإلحاد هو وأبوه الحكم بن أبي العاص، وهما الطريدان اللعينان، كان أبوه عدو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحكيه في مشيته ويغمز عليه عينه ويُدْلِع له لسانه، ويتهكم به، ويتهافت عليه، وهو في قبضته، وتحت يده، وفي دار دعوته بالمدينة، وهو يعلم أنه قادر على قتله أي وقت شاء من ليل أو نهار، فهل يكون هذا إلا من شأنئ شديد البغضة، ومستحكم العداوة حتى أفضى أمره إلى أن طرده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المدينة وسيَّره إلى الطائف، ومروان فأخبث عقيدة، وأكثر إلحاداً وكفراً منه وهو الذي خطب يوم وصل إليه رأس الحسين -عليه السلام- إلى المدينة فقد حمل الرأس على يديه، وقال:
يا حبذا بردك في اليدين.... وحمرة تجري على الخدين
كأنما بتُّ بمسجدين
ثم رمى بالرأس إلى قبر رسول الله ً وقال: يا محمد يوم بيوم بدر، وهذا القول مشتق من الشعر الذي قاله يزيد بن معاوية لابن الزبعري يوم وصله برأس الحسين، والخبر مشهور.
وأما بسر المذكور في آخر البيت فقد تقدم ذكره فلا فائدة في إعادته.

[طرف من أخبار الوليد بن عقبة]
لكن نلحق بمن ذكره السيد في هذا البيت الوليد بن عقبة؛ لأنه من كبار أعداء [أمير] المؤمنين، بل من أعداء الدين، وقد سماه الله الفاسق في كتابه المبين؛ لأنه لاحى علياً ونابذه في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال له: أنا أثبت منك جناناً، وأحد لساناً. فقال له علي عليه السلام : اسكت يا فاسق؛ فأنزل الله فيهما: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لاَ يَسْتَوُونَ }[السجدة:18].
وسماه الله فاسقاً في آية أخرى، وهي قوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا …}[الحجرات:6] الآية؛ لأنه كذب على بني المصطلق، وادعى أنهم منعوه الزكاة، وكان الوليد مذموماً معيباً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكرهه ويعرض عنه، وأبوه عقبة بن أبي معيط هو العدو الأزرق بمكة، وكان يؤذي النبيفي نفسه وأهله، وأخباره في ذلك مشهورة.
فلما ظفر به النبي ً يوم بدر ضرب عنقه فورث ابنه الشنآن والبغضاء لمحمد وأهله منه، فلم يزل على ذلك إلى أن مات، وهو أحد الصبية الذين قال أبوه فيهم، وقد قدَّم لضرب عنقه: من للصبية يا محمد؟ فقال: ((النار، اضربوا عنقه )).
وللوليد شعر يقصد فيه الرد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال:((وإن ولوها علياً يجدوه هادياً مهدياً)).
فقال الوليد: من أبيات يذكر فيها يوم قتل، واختلف في [موضع] قبره -عليه السلام-:
فإن يك قد ضل البعير بحمله.... فما كان مهدياً ولا كان هاديا

[ذكر موضع قبر أمير المؤمنين علي - عليه السلام-]
وذلك لأن علياً -عليه السلام- لما قتل قصد بنوه إخفاء قبره؛ خوفاً من بني أمية[لعنهم الله] أن يحدثوا في قبره حدثاً، فأوهموا الناس في موضع قبره تلك الليلة أوهام مختلفة، فشدوا على جمل تابوتاً موثقاً بالحبال تفوح منه روائح الكافور، وأخرجوه من الكوفة في سواد الليل بصحبة ثقاتهم يوهمون أنهم يحملونه إلى المدينة، فيدفنونه عند فاطمة، وأخرجوا بغلاً وعليه جنازة مغطاة يوهمون أنهم يدفنونه بالحيرة، وحفروا حفاير عدة منها بالمسجد، ومنها برحبة القصر قصر الإمارة، ومنها في حجرة من دور آل جعدة بن هبيرة المخزومي، ومنها في أصل دار عبد الله بن يزيد القشيري بخرابات الوراقين مما يلي قبلة المسجد[ومنها في الكناسة، ومنها في الثَّويَّة] فعمي على الناس موضع قبره، ولم يعلم به على الحقيقة إلا بنوه والخواص المخلصون من أصحابه، فإنهم خرجوا به وقت السحر من الليلة الحادية والعشرين من شهر رمضان، فدفنوه بالنجف، بالموضع المعروف بالغري، بوصاة منه –عليه السلام-، وعهد كان عهده إليهم [وعمي موضع قبره على الناس] فاختلف الآراجيف في صبيحة ذلك اليوم[اختلافاً شديداً، وافترقت الأقوال في موضع قبره الشريف، وتشعبت] فادعى قوم [من طي] أن جماعة من طي وقعوا على جمل في تلك الليلة، وقد ضلَّ أصحابه ببلادهم، وعلى ذلك الجمل صندوق فظنوه مالاً؛ فلما رأوا ما فيه خافوا أن يطلبوا به فدفنوا الصندوق بما فيه، ونحروا البعير وأكلوه، وشاع ذلك في بني أمية[وشيعتهم] فاعتقدوه حقاً.
فهذا الذي أشار إليه الوليد الفاسق فاعرفه.

[طرف من أخبار الخوارج]
قوله عليه السلام :
ومن موارق جاءت بالبوائق من.... بين الخلائق وانقادت لكل جري
تعدُّ أشقى مراد من أفاضلها.... وذا الثدي وداعي غيها قطري
الموارق هنا: [هم] الخوارج، وسموا موارق؛ لحديث سيأتي، ويسمون أيضاً: الشراة، والحرورية، والمحكمة، ويرضون بذلك، ولا يرضون بتسميتهم المارقة، ويجمع مذهبهم القول بإكفار علي وعثمان ومن أتى كبيرةً، وأصول مذهبهم خمس: الأزارقة منسوبون إلى نافع بن الأزرق والأباضية إلى عبد الله بن يحيى بن أباض، والصفرية إلى زياد الأصفر، والبيهسية إلى أبي بيهس، والنجدات إلى نجدة بن عامر ثم تشعبوا، وأنشأ مذهبهم عند التحكيم عبد الله بن الكوَّى وعبد الله بن وهب وفارقا علياً، ولهم وقائع في التواريخ.
وأما تسميتهم بالموارق، فلما روى ابن إسحاق، عن النبي ًأنه كان يقسم الغنيمة يوم حنين، فوقف عليه رجل من بني تميم، يقال له: ذو الخويصرة، فقال له: يا محمد، قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم. فقال له النبي: ((أجل، فكيف رأيت؟)) فقال: لم أرك عدلت؛ فغضب النبيوقال: ((ويحك!! إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون ؟)) فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ألا نقتله؟ فقال: ((دعوه، فإنه سيكون له شيعة، يتعمقون في الدين، حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرميَّة، ينظر في السهم فلا يوجد شيء، ثم في القدح فلا يوجد شيء، ثم في الفقو فلا يوجد شيء سبق الفرث والدم)).

وروى الحميدي في جامعه، فيما تفردَّ به مسلم، عن زيد بن وهب : أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي -عليه السلام- يوم سار إلى الخوارج، فقال علي: أيها الناس، إني سمعت رسول الله ً يقول: ((يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليست قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤن القرآن يحسبونه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميَّة)) لو يعلم الجيش الذين يلقونهم ما قضي لهم على لسان نبيه ً لنكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلاً له عضد ليس له ذراع، على عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض، أفتذهبون إلى معاوية وأهل الشام، وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم، والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم [قد] سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على سرح الناس، فسيروا فساروا فلما التقوا وعلى الخوارج عبد الله بن وهب الراسبي، فقال لأصحابه: ألقوا الرماح، وسلوا السيوف من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حررواء، فسلوا سيوفهم، وشجرهم الناس برماحهم فقتل بعضهم على بعض، وما قتل من الناس يعني أصحاب علي -عليه السلام-[يومئذٍ] إلا رجلان.
فقال علي -عليه السلام-: إلتمسوا فيهم المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي بنفسه حتى أتى أناساً قد قتل بعضهم على بعض، فقال: أقلبوهم فوجدوه مما يلي الأرض فكبرَّ، ثم قال: صدق الله وبلغَّ رسوله.

قالوا: فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين، آلله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا الحديث من رسول الله ً؟ فقال: إي، والله الذي لا إله إلا هو حتى استحلفه عبيدة السلماني ثلاثاً وهو يحلف.
ومن الخوارج عبد الرحمن بن مُلجم المرادي، وسيأتي ذكره قريباً.
ومنهم قطري بن الفجاءة المازني، وهو مراد السيد بقوله: وداعي غيها قطري، وكان من أمره أنه خرج أيام مصعب بن الزبير، وقاتل عشرين سنة يسلم عليه بالخلافة، وكان هزم جيشاً بعد جيش للحجاج بن يوسف حتى توجه إليه سفيان بن الأبرد الكلبي فقتله، وسمي أبوه الفجاءة؛ لقدومه من اليمن فجأة، وكان قطري شجاعاً لا يهاب الموت، وله في ذلك أبيات أولها:
أقول لها وقد طارت شعاعاً.... من الأبطال ويحك لن تراعي
قال ابن خلكِّان: وهي تشجع أجبن خلق الله -سبحانه وتعالى-.

[طرف من أخبار النواصب وذكر بعض رجالهم]
قوله عليه السلام :
ومن نواصب ضلت في عقائدها.... وما استقادت لمأثور ولا أثرِ
عادت علياً وعادت بعده حسناً.... ثم الحسين لضغن بالنفوس غري
اعلم أن النواصب: اسم لمن نصب العداوة لآل محمد، فهم أدخل من الخوارج في العموم إذ الخوارج يجمعها تكفير علي وعثمان كما تقدم، وفي النواصب من يتولَّى عثمان، ولأن من النواصب جماعة من الصحابة كعبد الله بن الزبير، وغيره.
قال ابن أبي الحديد: كان ابن الزبير يبغض علياً، وينال منه، وقال مرة وهوفي البصرة وقد أقبل علي -عليه السلام-: جاءكم الوغد اللئيم، ومكث أيام ادعائه الخلافة أربعين جمعة لا يصلي فيها على النبي ً، وقال: لا يمنعني من ذكره إلا أن تشمخ رجال بأنافها، وفي رواية: أن له أهيل سوء ينغضون رؤوسهم عند ذكره.
وروي أنه قال لعبد الله بن عباس: ما حديث أسمعه عنك؟ فقال [ابن عباس] : ما هو؟ فقال: تأنيبي وذمي فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((بئس الرجل المسلم يشبع ويجوع جاره )). فقال ابن الزبير: إني لأكتم بغض أهل هذا البيت منذ أربعين سنة وكان علي -عليه السلام- يقول: ما زال الزبير منَّا -أهل البيت- حتى نشأ ابنه عبد الله فأفسده وهو الذي حمل أباه على الخروج على أمير المؤمنين، وزينَّ لعائشة مسيرها إلى البصرة.

وقد عد ابن أبي الحديد جماعة من الناس كانوا يبغضون علياً عليه السلام وأهله صحابة وغيرهم من التابعين، وعدد أسماءهم، ومن فضيع أعمال النواصب ما روى ابن أبي الحديد: أن الحجاج -لعنه الله- قال يوماً لعبد الله بن هاني: وهو رجل من بني أودحي من قحطان، وكان شريفاً في قومه، وقد شهد مع الحجاج مشاهده كلها،[وكان من أنصاره وشيعته] : والله ما كافأتك بعد ثم أرسل إلى أسماء بن خارجة سيد[بني] فزارة أن زوجَّ عبد الله بن هاني ابنتك ؛ فقال: لا، والله ولا كرامة؛ فدعا [له] بالسياط، فلما رأى الشر زوجَّه ثم بعث إلى سعيد بن قيس الهمداني، رئيس اليمامة أن زوِّج ابنتك من عبد الله بن هاني الأودي ؛ فقال: ومن أود، لا والله ولا كرامة لا أزوجه فقال الحجاج: عليَّ بالسيف؛ فقال: دعني [حتى] أشاور أهلي، [فشاورهم] فقالوا: زوجه، ولا تعرض نفسك لهذا الفاسق؛ فزوجه، فقال الحجاج[بن يوسف] : قد زوَّجتك بنت سيد فزارة، وبنت سيد همدان، وعظيم كهلان، وما أود هناك، فقال: لا تقل ذاك فإن لنا مناقب ليست لأحد من العرب، فقال : وما هي؟ فقال: ما سبَّ أمير المؤمنين عبد الملك في ناد لنا قط.
قال: منقبة والله. قال: وشهدنا صفين مع أمير المؤمنين معاوية سبعين رجلاً، وما شهد مع أبي تراب منَّا إلا رجل واحد، وكان[والله] ما علمته [امرء] سوء، فقال: منقبة والله، قال: ومنَّا نسوة نذرن إن قتل الحسين بن علي أن تنحر كل يوم واحدة عشر قلائص ففعلن.

فقال : منقبة والله،[فقال] : وما منَّا رجل عرض عليه شتم أبي تراب ولعنه إلا فعل وزاد ابنيه حسناً وحسيناً وأمهما فاطمة. فقال: منقبة والله؛ فقال: وما أحد من العرب له من الصباحة والملاحة ما لنا؛ فضحك الحجاج، وقال: أما هذه يا ابن هانئ فدعها؛ لأنه كان ذميماً مشوه الخلقة، شديد الأدمة، مجدوراً، في رأسه عوج مائل الشدق، شديد الحول.
قالوا: وكان جد الأصمعي من النواصب، ففي الرواية أنه جاء إلى الحجاج، فقال: إن أبويَّ عقاني فسمياني علياً، فقال: ما أحسن ما توصلت به فقد وليتك سميك يعني شتمه، وأجريت لك كل يوم دانقين فلوساً فإن تعديتهما قطعت باقي يدك، وإنما قال له ذلك؛ لأنه قد كان سرق.
فقال علي -عليه السلام-: من يشهد عليه أنه أخرجها من الحرز فشهد عليه [بذلك] ؛ فقطع يده من أشاجعه، فقيل: ألا قطعتها من زنده، فقال: سبحان الله!! كيف يتوضأ؟ كيف يأكل؟ كيف يصلي؟
قال ابن خلكَّان: ولما مات عبد الملك الأصمعي.قال أبو قلابة :
لعن الله أعظماً حملوها.... نحو دار البلاء على خشبات
أعظماً تبغض النبي وأهل الـ.... ـبيت والطيبين والطيبات
قلت: وهذا يدل على أنه ورث النصب من جده.

[ذكر انزواء الدنيا عن الإمام علي، وخبر استشهاده-عليه السلام-]
قال السيد صارم الدين[-عليه السلام-] :
هذا ومس من الدنيا أبو حسن.... ما ليس يقنع فيها منه بالعذرِ
إذ أغمدت سيف أشقاها بهامته.... وجللته حساماً قاطع الأثرِ
هذان البيتان لكل بيت منهما معنى، فالأول منهما معناه: أن الدنيا إنزوت عن أمير المؤمنين، ومالت إلى معاوية حتى آل الكلام إلى أن ثلاثة تحالفوا على قتل علي عليه السلام ومعاوية، وعمرو بن العاص فما قتل إلا علي في تلك الليلة.
وقد أشار الإمام المهدي عليه السلام في قصيدته القافية إلى طرف من ميل الدنيا عنه -عليه السلام- وإقبالها على ضده حيث قال:
عاديته فترى ابن هند حازه.... عن أكثر الأمصار والآفاق

ولا كلام أن الدهر والدنيا ينحرفان عن الكملة، ومن ازداد نبلاً ازداد عنهم انحرافاً وميلاً، ومن أحسن ما وجدته من الأمثلة العجيبة، والأعذار المبينة المضيئة ما ذكره ابن أبي الحديد قال: قلت: للنقيب أبي جعفر وكان من سادات العترة، وعلماء الإمامية، وكان لا يذكر المشائخ إلا بخير، وقلت له: ما سبب حب الناس لعلي بن أبي طالب عليه السلام وعشقهم له وتهالكهم عليه [مع أنه كان مزوياً من الدنيا] ودعني عن الجواب من جهة الشجاعة، والعلم، والفصاحة، وغير ذلك من الخصال التي رزقه الله منها الكثير الطيب؟ قال: فضحك [وقال لي:كم تجمع جراميزك علي] ثم قال: هاهنا مقدمة ينبغي أن تعلم، وهي أن أكثر الناس مزويون من الدنيا، أما المستحقون فلا ريب أن أكثرهم محرومون نحو عالم يرى أنه لا حظ له في الدنيا، ويرى جاهلاً [غيره] مرزوقاً وموسعاً عليه، أو شجاع قد أبلي في الحروب وانتفع بموضعه ليس له عطاء يكفيه، ويقوم بضراوته ويرى غيره وهو جبان فشل يفرق من ظله، وهو مالك بحظ عظيم من الدنيا وقطعة وافرة من المال[والرزق] أو عاقل شديد التدبير صحيح العقل، قد قدر عليه رزقه، وهو يرى غيره أحمق مائقاً تدرَّ عليه الخيرات، وتجتلب أخلاف الرزق، أوذي دين قويم وعبادة حسنة وإخلاص وتوحيد وهو محروم ضيق الرزق، وترى غيره يهودياً أو نصرانياً أو زنديقاً كثير المال حسن الحال، حتى أن هذه الطبقة المستحقة يحتاجون في أكثر الأوقات إلى الطبقات التي لا استحقاق لها، وتدعوهم الضرورة إلى الذل لهم والخضوع بين أيديهم، إما لدفع ضرر أو استجلاب نفع، ودون هذه الطبقات

من ذوي الاستحقاق أيضاً [على] ما نشاهده عياناً من نجار حاذق، أو بنَّاء[عالم] أو نقَّاش بارع، أو مصَّور لطيف، [وهم] على غاية ما يكون من ضيق الرزق وقعود الدهر بهم، وقلة الحيلة لهم، وغيرهم ممن ليس يجري مجراهم، ولا يلحق طبقتهم مرزوق مرفوع قدره كثير المكتسب، طيب العيش، واسع الرزق، فهذه أحوال ذوي الاستحقاق، وأما الذين ليسوا من أهل الفضائل فحشو العامة، فإنهم أيضاً لا يخلون من الحقد على الدنيا، والذم لها، والحنق [عليها] والغيظ منها لما يلحقهم من حسد أمثالهم وجيرانهم، ولا نرى أحداً منهم قانعاً بعيشته ولا راضياً بحالته، بل يستزيد ويطلب حالاً فوق حاله.

قال: فإذا عرفت هذه المقدمة فمعلوم أن علياً -عليه السلام- كان مستحقاً محروماً، بل هو أمير المستحقين المحرومين وسيدهم وكبيرهم، ومعلوم أن الذين ينالهم الضيم، وتلحقهم المذلة والقضيمة يتعصب بعضهم لبعض، ويكونون[إلباًو] يداً واحدة على المرزوقين الذين ظفروا من الدنيا، ونالوا منها مآربهم لاشتراكهم في الأمر الذي أهمهم وساءهم، وغصهم ومضهم، واشتراكهم في الأنفة والحمية النفسانية والمنافسة لمن علاهم وقهرهم، وبلغ من الدنيا ما لم يبلغوه، فإذا كان هؤلاء أعني المحرومين متساوين في المنزلة والمرتبة، وبعضهم يتعصب لبعض، فما ظنك بما إذا كان منهم رجل عظيم القدر، جليل الخطر، كامل الشرف، جامع الفضائل محتوي[على] الخصائص والمناقب، وهو مع ذلك محروم[محدود] قد جرعته الدنيا علاقمها وعلتَّه[عللاً] بعد نهل من صبرها وصابها، ولقي منها ترحاً تارحاً وجهداً جاهداً، وعلا عليه من هو دونه، وحكم فيه وفي [بنيه و] أهله ورهطه من لم يكن ما ناله من الأمرة والسلطان في حسابه، ولا دائراً في خلده، ولا خاطراً بباله، ولا كان أحد من الناس يترقب له ذلك، ولا يراه به [في منامه] ثم كان آخر الأمر أن قتل هذا الرجل الجليل في محرابه، وقتل بنوه[بعده] وسبى حريمه ونساؤه، وتتبع أهله وبنو عمه بالقتل والطرد والتشريد[والسجون] مع فضلهم وزهدهم وعبادتهم وشجاعتهم وانتفاع الخلق بهم.

فهل يكون في الممكن إلا أن يتعصب البشر كلهم مع هذا الشخص، وهل تستطيع القلوب إلا أن تحبه[وتهواه] وتذوب فيه، وتفنى في عشقه انتصاراً [له] وحمية [من أجله، وأنفة ممَّا ناله، وامتعاضاً مما جرى عليه] وهذا مركوز في الطباع ومخلوق في الغرائز، كما تشاهد إنساناً قد وقع في ماء عميق وهو لا يحسن السباحة، فإن الناس في الطبع البشري يرقَّون عليه رقة شديدة، وقد يلقي قوم[منهم] أنفسهم[في الماء] نحوه يطلبون تخليصه، لا يتوقعون على ذلك مجازاة بمال منه أوشكر أو ثواب أيضاً في الآخرة، فقد يكون فيهم من لا يعتقد أمر الآخرة، ولكنها رقة بشرية، وكأن الواحد منهم يتخيل في نفسه أنه[ذلك] الغريق.
هذا خلاصة ما ذكره ابن أبي الحديد وهو أمر محسوس تدعو إليه الطبيعة البشرية، أوردته لمناسبته ما ذكره السيد صارم الدين من ميل الدنيا عن علي -عليه السلام-، وقد أحسن مهيار حيث قال في هذا المعنى:
مالي لم أسبق إلى الغنم.... قسم الرجال وأغفلوا قسمي
الجهد لي والحق عندهم.... أظمأ ويروى معشر باسمي
ما هذه أولى معاتبة.... وقضية للدهر في ظلمي

[ذكر استشهاد أمير المؤمنين علي - عليه السلام -]
وأما البيت الثاني في منظومة السيد، فشرحه: أن عبد الرحمن بن مُلجم المرادي اللعين، كان يسمى أشقاها، أي أشقى أمة النبي ً، وذلك لما روي عن النبي أنه قال لعلي -عليه السلام-:((من أشقى الأولين والآخرين))؟ فقال: الله ورسوله أعلم، فقال:((أشقى الأولين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين الذي يضربك يا علي)) وأشار إلى حيث يضرب.
وروي أن علياً -عليه السلام- اشتكى شكوى -أي مرض- فلما شفي، قالوا له: لقد خفنا عليك، قال: ما خفتم عليَّ؟ قالوا: الموت، قال : لعمري ما من الموت أمان، ولكن حدثني الصادق المصدوق : ((أني لن أموت حتى تخضب لحيتي هذه من دم رأسي، يضربني أشقى هذه الأمة، كما عقر ناقة الله أشقى ثمود)).
وروى الحاكم أبو سعيد عن عبد الله بن يشيع، قال: خطبنا أمير المؤمنين، وقال: فيما عهد إليَّ رسول الله ً:((لتخضبَّن هذه من دم هذا )) فقالوا : يا أمير المؤمنين، ألا تخبرنا به لنبيد عترته، قال : أنشد الله امرءاً قتل غير قاتلي.
وروي أنه كان إذا رأى ابن مُلجَم، تمثل بقول عمرو بن معدي كرب:
أريد حياته ويريد موتي.... عذيرك من خليلك من مراد
فيقول له أصحابه: هلا تقتله؟ فيقول: كيف أقتل قاتلي، وتارة يقول: إنه لم يقتلني فكيف أقتل من لم يقتلني.
وروي أنه لما خرج إلى صرح المسجد تصايح البط خلفه فزجرهنَّ بعض الحاضرين، فقال: دعوهنَّ فإنهنَّ نوائح.

وعن أبي الأسود الدؤلي قال سمعت علياً يقول: أتاني عبد الله بن سلام وقد أدخلت رجلي في الغرز، فقال لي: أين تريد؟ فقلت: العراق. فقال: أما إنك لو جئتها ليصيبنَّك [بها] ذباب السيف، ثم قال علي -عليه السلام-: والله لقد سمعت رسول الله ً يقول مثله قال أبو الأسود:فعجبت منه رجل محارب يحدث بمثل هذا عن نفسه.
وروي أنه -عليه السلام- لم ينم تلك الليلة التي قتل في صبيحتها، بل بات يمشي بين باب المسجد والحجرة، وهو يقول: والله إنها الليلة التي وعدت فيها، والله ما كذبت ولا كذبت.
ولما أراد أن يخرج من الدار تعلق مئزره بالباب، فأنشأ يقول:
أشدد حيازيمك للموت.... فإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموت.... إذا حلَّ بواديكا
ثم مضى إلى المسجد، وهو يقول:
خلوا سبيل المؤمن المجاهد.... في الله لا يعبد غير الواحد
ويوقض الناس إلى المساجد
وكان ابن ملجم -لعنه الله- كان قد واعد ثلاثة رجال على أن يقتل كل واحد منهم رجلاً، علياً وعمراً ومعاوية، وجعلوا ذلك ليلة من ليالي رمضان، فقال ابن مُلَجْمَ: أنا أكفيكم علياً، والقصة مشهورة.
قالوا: ولما دخل شهر رمضان كان علي يفطر عند الحسن ليلة، وعند الحسين ليلة، وعند عبد الله بن جعفر ليلة.
وكان لا يزيد على ثلاث لقم، ويقول: أحبُّ أن يأتيني أمر الله وأنا خميص، وإنما بقي ليلة أو ليلتان.
وروي أنه رأى رسول الله ً في المنام، فشكى عليه ما لقي من أهل العراق فوعده بالراحة منهم عن قريب، فما لبث بعد ذلك [إلا] جمعة أو جمعتين.

قالوا: وإن ابن مُلجَم لقي قطاماً، وكان أمير المؤمنين قد قتل أباها وأخاها يوم النهروان، وكانت جميلة فلما رآها أعجبته فخطبها فوعدته بالزواجة على مهر سمته، وعلى قتل علي، والقصة مشهورة.
فلما كان تلك الليلة كمَّن له في المسجد و[كان] معه اثنان: وردان، وشبيب بن بجرة فابتدأه بالضربة شبيب فلم يصبه، وثناه ابن ملجم[لعنه الله] فأصابه في رأسه، فقال علي -عليه السلام-: فزت ورب الكعبة، لا يفوتنَّكم الرجل فأخذ، وقتل، واختلف في كيفية قتله -لعنه الله-.
وأما وردان فهرب إلى بيته فلحقه من قتله، وأما شبيب فلزمه في المسجد فخاف لازمه من سيفه، فأرسله فانسل ساعة الزحمة، وسلم من القتل، وفي قتل ابن ملجم لعلي -عليه السلام- يقول عمران بن حطان وهو من علماء الخوارج وفصحائهم:
يا ضربة من تقي ما أراد بها.... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره حيناً فأحسبه.... أوفى البرية عند الله ميزانا
أخلق بقوم بطون الطير أقبرهم.... لم يخلطوا دينهم كفراً وعدوانا
فأجابه القاضي أبو الطيب الشافعي بهذه الأبيات:
إني لأبرأ مما أنت قائله.... عن ابن مُلْجمَ الملعون بهتانا
يا ضربة من شقي ما أراد بها.... إلا ليهدم للإسلام أركانا
إني لأذكره يوماً فألعنه.... ديناً وألعن عمران بن حطانا
عليه ثم عليه الدهر متصلاً.... لعائن الله إسراراً وإعلانا
فأنتما من كلاب النار جاء به.... نص الشريعة برهاناً وتبيانا
وروى ابن عبد البر في كتاب (الاستيعاب) لبكر بن حماد شعراً:
[قل لابن مُلْجَم والأقدار غالبة.... هدمت ويلك للإسلام أركانا]

قتلت أفضل من يمشي على قدم.... وأول الناس إسلاماً وإيمانا
وأعلم الناس بالقرآن ثم بما.... سنَّ الرسول لنا نوراً وتبيانا
صهر النبي ومولاه وناصره.... أضحت مناقبه نوراً وبرهانا
وكان منه على رغم الحسود له.... مكان هارون من موسى بن عمرانا
وكان في الحرب سيفاً صارماً ذكراً.... ليثاً إذا لقي الأقران أقرانا
ذكرت قاتله والدمع منحدر.... فقلت سبحان رب العرش سبحانا
إني لأحسبه ما كان من بشر.... يخشى المعاد ولكن كان شيطانا
أشقى مراد إذا عدت قبائلها.... وأخسر الناس عند الله ميزانا
[كعاقر الناقة الأولى التي جلبت.... على ثمود بأرض الحجر خسرانا]
قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها.... قبل المنية أزماناً فأزمانا
فلا عفا الله عنه ما تحمله.... ولا سقى قبر عمران بن حطانا
لقوله في شقي ظل مجتهدا.... ونال ما ناله ظلماً وعدوانا
(يا ضربة من تقي ما أراد بها.... مخلداً قد أتى الرحمن غضبانا
في ضربة من غوي أوردته لظى.... فإنه لم يرد قصداً بضربته
إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا).... إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا
وروى في كتاب (كفاية الطالب في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب) لأبي عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي قصة عجيبة عن بعضهم.
قال: كنت أجول في بعض الفلوات إذ أبصرت ديراً فإذا في الدير صومعة، وفيها راهب فأشرف عليَّ فقلت له: من أين تأتيك الميرة ؟ فقال: من مسيرة شهر، فقلت له: حدثني بأعجب ما رأيت في هذا الموضع.

فقال: نعم، بينا أنا ذات يوم أدير نظري في هذه البرية، وأتفكرُّ في عظمة الله وقدرته إذ رأيت طائراً أبيض مثل النعامة قد وقع على تلك الصخرة، وأومأ إلى صخرة بيضاء فتقيأَ رأساً ثم رجلاً، ثم ساقاً فإذا هو كل ما تقيأَ عضواً من تلك الأعضاء التأم بعضها إلى بعض أسرع من البرق الخاطف بقدرة الله سبحانه حتى استوى رجلاً جالساً فإذا هم بالنهوض نقره الطائر نقرة فقطعه أعضاء ثم رجع يبتلعه، فلم يزل على ذلك أياماً، فكثر والله تعجبي منه، وازددت يقيناً، وعلمت أن لهذه الأجساد حياة بعد الموت، ولم يزل على ذلك أياماً، والتفت إليه يوماً.
فقلت: أيُّها الطائر، سألتك بالذي خلقك إلا أمسكت عنه حتى أساله، فيخبرني بقصته.
فأجابه الطائر بصوت عربي طليق : لربي الملك والبقاء، الذي يفنى كل شيء ويبقى، أنا ملك من ملائكة الله موكَّل بهذا الجسد لما أجرم، وأمرني الله عز وجل أن آتي هذا المكان، لتسأله وتخاطبه فيخبرك بما كان منه.
فقلت: يا هذا الرجل المسيء إلى نفسه، ما قصتك؟ ومن أنت؟ فقال: أنا عبد الرحمن بن مُلْجَم قاتل علي بن أبي طالب فإني لما قتلته، وسارت روحي بين يدي الله، ناولني صحيفة، فيها مكتوب ما عملت من الخير والشر، منذ ولدت إلى أن قتلت علياً، فأمر الله هذا الملك يعذبني إلى يوم القيامة فهو يفعل بي ما قد رأيت، ثم سكت فنقره الطائر [نقرة] فتفرقت أعضائه، ثم ابتلعه عضواً عضواً.
فلما فرغ منه قال: يا آدمي، إني ماضٍ عنك بهذا الجسد إلى جزيرة من البحر الأسود، التي تخرج منها هوامَّ أهل النار إلى يوم القيامة.

[ذكرطرف من أخبار أبي محمد الحسن بن علي، وأخيه أبي عبدالله الحسين بن علي - عليهما السلام - ]
[قال السيد صارم الدين]:
وفي ابن هند وفي ابن المصطفى حسن.... أتت بمعضلة الألباب والفكرِ
سقته سم ابن حرب حين سالمه.... وأمكنت من حسين راحتي شمرِ
[ونكت ابن زياد بالقضيب له.... ما كان يلثم منه خاتم النذرِ]
نفسي فداء قتيل الطف ما فعلت.... به البغاة وما لاقاه من ضررِ

البيت الأول استعاره كله السيد صارم الدين وهو من أبيات (البسامَّة) وكذلك عجز البيت الثاني، وابن هند هو معاوية بن أبي سفيان وقد تقدَّم طرف من ذكره.

وأما الحسن بن علي فمناقبه وفضائله أشهر من أن تذكر في هذا المختصر، لكن أذكر مولده ومدة خلافته ووفاته حسبما جرت به عوائد أهل السير للتبرك بذكره -عليه السلام-، فأقول: هو أبو محمد الحسن بن علي، وأمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، روي أنه لما أخذها الطلق، أخبر بذلك رسولً، فأرسل إلى أسماء بنت عميس وإلى عائشة، وقال: ((انطلقا إلى فاطمة فإذا وضعت ما في بطنها فاقرآي فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وقل هو الله أحد، والمعوذتين، وأعلماني بما وضعت))؛ ففعلتا ذلك وبعثتا إليه؛ فأذنَّ في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى، ولثَّاه بريقه فحنَّكه، وقال: ((اللهمَّ، إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم )) وجاء علي عليه السلام فقال: ((ما سميته))؟ فقال: حرب، يا رسول الله، فقال: ((هو حسن، ومن بعده حسين، وأنت أبو الحسن القرم)) ثم جاءت به أمه تحمله بعد ذلك، فقالت:[يا رسول الله] أنحل ابني. فقال: ((قد نحلته المهابة والحياء، ونحلت حسيناً الشجاعة والجود، وهما سيدا شباب أهل الجنة، ومن أحبهما فبحبي أحبهما، ومن أبغضهما وبغى عليهما فببغضي أبغضهما)).
وولد الحسن للنصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة عام بدر بعد الوقعة، وعق عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اليوم السابع كبشاً، وحلقت رأسه أمه فاطمة، وتصدقت بوزنه فضة على المساكين.

ومما ورد فيه وفي أخيه وفي أبيه وفي أمه من التفضيل: ما روي أنه قال لهمً جميعاً: ((أنا حرب لمن حاربتم سلم لمن سالمتم )). وقالً:((لما أسري بي رأيت على باب الجنة مكتوباً بالذهب: لا إله إلا الله، محمد حبيب الله صلى الله عليه وآله وسلم علي ولي الله، فاطمة أمة الله، الحسن والحسين صفوة الله، على باغضهم لعنة الله)).
وعنه ً أنه قال للحسن: ((اللهم، أحبَّهُ وأحبَّ من يحبَّه )). وعنه ً أنه قال: ((إن ابنيَّ هذا سيد، ومن أحبنَّي فليحبَّ هذا في حجري )).
وعن سلمان -رضى الله عنه- قال: قال: رسول الله ً: ((الحسن والحسين من أحببهما أحببته، ومن أبغضهما أبغضته، ومن أحببته أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله الجنة جنة النعيم، ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار نار جهنم خالداً فيها وله عذاب مقيم)).
وبويع له -عليه السلام- [من] بعد موت أبيه يوم الإثنين، لثمان بقين من شهر رمضان سنة أربعين، وكان من كلامه -عليه السلام- بعد خطبة البيعة أن ذكر علياً، وقال: خاتم الوصيين، ووصي خاتم الأنبياء، وأمير الصديقين والشهداء والصالحين.
ثم قال: أيها الناس، لقد فارقكم رجل ما سبقه الأولون، ولا يدركه الآخرون، لقد كان رسول الله يعطيه الراية فيقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فما يرجع حتى يفتح الله عليه، ما ترك ذهباً ولا فضة إلا شيئاً [كان] على صبي له.

وما ترك في [بيت] المال إلا سبعمائة درهم فضلة عن عطائه أراد أن يشتري بها خادمًا لأم كلثوم. ثم قال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن [بن علي، و] ابن محمد ً.
ثم تلا قول يوسف -عليه السلام-:{وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ }[يوسف:38] أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله [بإذنه] السراج المنير، أنا من بيت كان جبريل ينزل عليهم، وعنهم كان يعرج، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
وأنا ابن الذي أُرسل رحمة للعالمين، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم وولايتهم، فقال فيما أنزل على محمد:{قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً} [الشورى:23] واقتراف الحسنة مودتنا.
قالوا: وكان عماله عمال أبيه ولما تجهز للمسير إلى معاوية، وقد كان أحسَّ من أكثر جنده الملل من الحروب، وخشي على نفسه وأهل بيته الهلاك فاضطر إلى صلح معاوية على شرائط، والقصة مشهورة.
فلم يَفِ له معاوية بشيء من تلك الشروط بل استثقل حياته فاحتال في سمه على يدي امرأته أم الحسن جعدة ابنة الأشعث بن قيس، وبذل لها مائة ألف درهم وتزويج ابنه يزيد، فلما سقته السم وفى لها بالمال دون التزويج، فتزوجت بعده في أولاد طلحة، فكان أولادها إذا جرى بينهم وبين غيرهم شيء قالوا: يا ابن مسممة الأزواج.

فلما احتضر الحسن -عليه السلام- قال: لقد سقيت السم ثلاث مرات، ما منهنَّ واحدة بلغت مني ما بلغت هذه، لقد تقطعت كبدي وقد أحسن من قال:
تعزَّ فكم لك من أسوة.... تفرج عنك كروب الحزن
بموت النبي وقتل الوصي.... وقتل الحسين وسم الحسن
وتوفي -عليه السلام- بالمدينة وله سبع وأربعون سنة، ومدة خلافته ستة أشهر [وقليل].
وقيل: ست، وقيل: خمس واختلفوا في موته[على] حسب اختلافهم في مبلغ عمره، وكان قد أوصى أن يدفن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن يخاف أن تراق محجمة دم.
قالوا: فلما سمعت عائشة بذلك: ركبت بغلاً واستنفرت بني أمية، فقال القائل: فيوماً على بغل ويوماً على جمل، فجمع مروان من هناك من بني أمية وأتباعهم.
وبلغ ذلك الحسين -عليه السلام- فجاء[هو] ومن معه في السلاح ليدفنوا حسناً مع النبي وأقبل مروان وأصحابه، وهو يقول: يا رب هيجاء هي خير من دعة. أيدفن عثمان في البقيع، ويدفن الحسن في بيت النبي، والله لا يكون ذلك وأنا أحمل السيف.
فلما كادت الفتنة تستعر، قام عبد الله بن جعفر ومسور بن مخرمة وقال عبدالله بن جعفر للحسين: إنه عهد إليَّ أن أدفنه في البقيع بحقي عليك أن لا تخالفني في ذلك، فدفن في البقيع، وقبره مشهور مع أمه فاطمة -عليهما السلام.

وللحسين -عليه السلام- فيه من أبيات يرثيه بها:
أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي.... وخدك معفور وأنت سليب
أأستمتع الدنيا بشيء أحبه.... ألا كل ما يدني إليك حبيب
أشرب ماء المزن أم غير مائه.... وما لدموعي في الإناء غروب
أفلا زلت أبكي ما تغنت حمامة.... وما هب في الدنيا صبا وجنوب
بكائي طويل والدموع غزيرة.... وأنت بعيد والمزار قريب
ولما مضى عني أخي ذقت حرقة.... به لم يذقنيها سواه غريب
وليس حزيناً من أصيب بماله.... ولكن من وارى أخاه حريب
وما قطرت عيني من الماء قطرة.... وما اخضر في دوح الحجاز قضيب

فصل في ذكر الحسين [بن علي] - عليه السلام-.
هو أبو عبد الله الحسين بن علي -عليهما السلام-، وأمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان بين ولادتها للحسن، وعلوقها بالحسين خمسون ليلة، ولد -عليه السلام- لخمس ليال خلون من شهر شعبان سنة أربع من الهجرة وأذنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أذنه عند ولادته، وعقَّ عنه في اليوم السابع، وحلقت أمه -عليها السلام - رأسه، وتصدقت بوزنه فضة على المساكين.
وروي أن فاطمة لما ولدت الحسن، قالت لعلي: سمه. قال علي -عليه السلام-: وكنت رجلاً أحب الحرب، فأحببت أن أسمه حرباً، ثم قلت: ما كنت لأسبق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باسمه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقيل له: سمه، فقال: ((ما كنت لأسبق ربي عزَّ وجلَّ )) فأوحى الله إلى جبريل أنه ولد لمحمد ابن فاهبط وأقرئه السلام، وهنئه، وقل له: إن علياً منك بمنزلة هارون من موسى، فسمه باسم ابن هارون، فهبط جبريل –عليه السلام- فهنَّأه من الله تعالى، ثم قال: إن الله يأمرك أن تسميه باسم ابن هارون، فقال: وما كان اسمه؟ قال : شبر، قال : لساني عربي. قال: فسمه الحسن؛ فسماه الحسن.
فلما ولد الحسين أوحى الله إلى جبريل: قد ولد لمحمد ابن فاهبط وهنئه، وقل له: إن علياً منك بمنزلة هارون من موسى، فسمه باسم ابن هارون؛ فلما نزل وهنأه وبلغه الرسالة. قال: وما كان اسم ابن هارون؟ فقال: شبير. قال: لساني عربي. قال: فسمه الحسين. قال: فسماه الحسين.

وكان يشبه النبي ً من سرته إلى قدمه، وكان شديد البياض حتى أنه [كان] يهتدى إلى موضعه في الليل المدلهم؛ لشدة بياض وجهه ونحره وكيف لا وهو ابن محمد المصطفى، وعلي المرتضى، وفاطمة الزهراء، وخامس أهل الكساء، الذين شهد بتطهيرهم التنزيل، وأثنى عليهم الملك الجليل. قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً }[الأحزاب:33] فهم المطهرون من الأدناس، ومفضلون على جميع الجنة والناس، ولله القائل:
بأبي خمسة هم جنبوا الرجـ.... ـس كرام وطهروا تطهيرا
أحمد المصطفى وفاطم أعني.... وعلياً وشبرا وشبيرا
من تولاهم تولاه ذو العر.... ش ولقَّاه نظرة وسرورا
وعلى مبغضيهم لعنة اللـ.... ـه ولقاهم المليك سعيرا
وعن النبي ً أنه قال: ((حسين مني وأنا من حسين، أحبَّ الله من أحبَّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط)). وبويع -عليه السلام- وانتصب للأمر عند ورود نعي معاوية إلى المدينة، وطلب أن يبايع ليزيد، فخرج ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة ستين، فدخل مكة ليلة الجمعة لثلاث خلون من شعبان، ووردت عليه كتب أهل الكوفة كتاب بعد كتاب إلى مكة بالبيعة له في ذي الحجة من هذه السنة.

قال أهل السير: إن معاوية قد كان قال ليزيد فيما أوصاه: قد كفيتك الحل والترحال، وطابت لك البلاد والرجال، وإني لا أتخوف عليك أن ينازعك هذا الأمر إلا أربعة من قريش الحسين، وابن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر فأما ابن عمر فرجل قد وقرته العبادة، وإن لم يبق غيره بايعك، وأما الحسين فإن أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه، فإن خرج عليك وظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحماً ماسة وحقاً عظيماً، وأما ابن أبي بكر فليست له همة إلا في النساء واللهو فإن رأى أصحابه قد صنعوا شيئاً صنع مثلهم، وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد، ويطرق إطراق الأفعوان، ويراوغك مراوغة الثعلب فذاك ابن الزبير، فإن وثب عليك وأمكنتك الفرصة منه فقطعه إرباً إرباً. فلما مات معاوية، وكان على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وعلى مكة عمرو بن سعيد بن العاص وعلى الكوفة النعمان بن بشير، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، فلم يكن ليزيدهم بعد موت أبيه إلا بيعة النفر الذين سماهم أبوه، فكتب إلى الوليد بن عتبة أن يأخذهم بالبيعة أخذاً شديداً ليس فيه رخصة.

فلما وقف على كتاب يزيد بعث إلى مروان فأوقفه على الكتاب واستشاره، فقال: أرى أن تبعث إليهم الساعة فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة، فإن لم يفعلوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإن علموا وثب كل واحد في ناحية، ودعا إلى نفسه، فأرسل الوليد عمرو بن عثمان إلى الحسين، وإلى ابن الزبير، فوجدهما في المسجد، فقال: أجيبا الأمير؛ فقالا: انصرف فالآن نأتيه، ثم قال ابن الزبير للحسين: أظن [أنه] ما بعث إلينا في هذه الساعة التي ما جرت له عادة بالجلوس فيها إلا لأمر، فقال الحسين: أظن طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا؛ ليأخذ البيعة علينا ليزيد قبل أن يفشو الأمر.
قال ابن الزبير: هو ذاك، فما تريد أن نفعل؟ قال: إمضِ إليه فجمع أهله وفتيانه، ثم قال: إذا دعوتكم فاجتمعوا، فدخل على الوليد ومروان عنده، فأقرأه كتاب يزيد، ودعاه إلى البيعة، فقال: مثلي لا يبايع سراً، بل على رؤوس الناس وهو أحبُّ إليكم، وكان الوليد يحبُّ العافية، فقال: انصرف إلى دعة الله حتى تأتينا مع الناس، فقال له مروان: والله لئن فارقك الساعة، ولم يبايعك لا قدرت عليه أبداً حتى يكثر القتل بينكما، احبس الرجل عندك حتى يبايعك، أو تضرب عنقه؛ فوثب الحسين قائماً، وقال: يا ابن الزرقاء، هو يقتلني كذبت ومنت، ثم خرج فقال الوليد: والله يا مروان، ما أحبُّ أن لي ما طلعت عليه الشمس، وأني قتلت حسيناً.

وأما ابن الزبير فإنه قال: الآن آتيكم، ثم خرج في الليل إلى مكة، وخرج الحسين في الليلة الآتية، وهو يقول:{فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ }[القصص:21]، فلما دخل مكة {قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ }[القصص:22]، فلما وصل مكة وردت عليه كتب أهل الكوفة أن صل إلينا، وإلا فأنت آثم؛ فلما عزم على المسير جاءه ابن عباس ونهاه عن ذلك، وقال: يا ابن عم، إن أهل الكوفة قوم غدر قتلوا أباك، وخذلوا أخاك، وطعنوه وسلبوه، وسلموه إلى عدوه؛ فأبى الحسين، وعزم على المسير؛ فقال له ابن عباس: إن كرهت المقام بمكة خوفاً على نفسك فسر إلى اليمن فإن بها عزلة ولنا بها أنصار، وبها قلاع وشعاب، واكتب إلى أهل الكوفة، فإن أخرجوا أميرهم وسلموها إلى نائبك فسر إليهم، فإنك إذا سرت إليهم على هذه لم آمن عليك منهم، وإن عصيتني فأنزل أولادك وأهلك هاهنا، فوالله إني لخائف عليك أن تقتل كما قتل عثمان، ونساؤه وأهله ينظرون إليه.
ولما بلغ ابن الحنفية مسيره، وكان يتوضأ وبين يديه طشت فبكى حتى ملأه بدموعه، ولم يبق بمكة إلا من حزن لمسيره، فلما كثروا عليه أنشد :
سأمضي وما في الموت عارعلى الفتى.... إذا ما نوى خيراً وجاهد مسلما
وآسى الرجال الصالحين بنفسه.... وفارق مثبوراً وخالف مجرما
فإن عشت لم أذمم وإن مت لم ألم.... كفى بك ذلاً أن تعيش وترغما
ثم قرأ {وكان أمر الله قدراً مقدوراً}[الأحزاب:38].
وروي أنهم سمعوه مرة في زمن معاوية، وقد أراد أخذ العهد ليزيد في حياته، فسمعوا الحسين ينشد بيتين لابن مفرغ الحميري :

لا دعوت السوام في غسق الصبح.... مغتراً ولا دعوت يزيدا
يوم أعطي على المهابة ضيماً.... والمنايا يرصدنني أن أحيدا
فعرفوا أنه سوف يخرج على يزيد.
قالوا: فلما خرج من مكة سابع ذي الحجة وصل إلى بستان بني عامر، فلقيه الفرزدق الشاعر، وقد كان ذلك اليوم يوم التروية، فقال له: إلى أين يا ابن رسول الله، ما أعجلك عن الموسم؟ فقال [له] : لو لم أعجل لأخذت أخذاً، فأخبرني عن ما وراءك يا فرزدق؟ فقال: تركت الناس بالعراق قلوبهم معك وسيوفهم مع بني أمية.
وكان الوالي على الكوفة يومئذٍ النعمان بن بشير، فكتب إليه يزيد بن معاوية بتسليم الأمر لعبيد الله بن زياد، فجهزَّ عمر بن سعد بن أبي وقاص لقتال الحسين في أربعة آلاف، وقال له: اكفني هذا الأمر، وكان عمر يكره قتال الحسين. فقال: اعفني، وقد كان ولاه الري وخراسان، فقال: قاتلهم وإلا عزلتك، فقال: أمهلني الليلة فنظر، فاختار ولاية الري على قتل الحسين فلما أصبح غدا إليه، وقال: أنا أقاتله.
قال ابن سيرين : وقد ظهرت كرامات علي بن أبي طالب في هذا، فإنه لقي عمر بن سعد يوماً وهو شاب، فقال له: ويحك يا ابن سعد!!، كيف بك إذا قمت مقاماً تخيَّر فيه بين الجنة والنار فتختار النار.

قالوا: ولما وصل الحسين -عليه السلام- كربلاء وقف ليختار مكاناً لينزل فيه فإذا سواد الخيل قد أقبل كالليل فنزلوا مقابلهم، ومنعوهم الماء ثلاثة أيام، فناداهم بعض عسكر عمر بن سعد: يا حسين، أما تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء، والله ما تذوق منه قطرة حتى تموت عطشاً، وناداه أيضاً عمر بن الحجاج: يا حسين، هذا الماء تلغ منه الكلاب، وتشرب منه خنازير أهل السواد والحمير والذئاب، وما تذوق أنت منه قطرة حتى تذوق الحميم في نار الجحيم، وكان سماع هذا القول على الحسين وأصحابه أشد من منعهم الماء.
قال: فلما اشتد بالحسين وأصحابه العطش؛ بعث إلى عمر بن سعد يطلب الاجتماع به فاجتمع خلوة، فقال له عمر: ما جاء بك؟ فقال: أهل الكوفة.
فقال: أما عرفت ما فعلوا معكم؟ فقال: من خادعنا في الله أنخدعنا، فما ترى دعوني أرجع فأقيم بمكة، أو أذهب إلى بعض الثغور أقيم به، فقال: اكتب إلى ابن زياد بذلك.
فكتب إلى ابن زياد [بما قال] فهم ابن زياد أن يجيبه. فقال شمر بن ذي الجوشن الكلابي: لا تقبل منه حتى يضع يده في يدك، فإنه إن أفلت كان أولى بالقوة منك، وكنت أولى بالضعف منه. قال: نعم.
فكتب إلى ابن سعد: فإني لم أبعثك إلى حسين تمنيه السلامة، وتكون شافعاً له عندي، فإن نزل على حكمي ووضع يده في يدي فابعث به إليَّ وإن أبى فازحف عليه واقتله وأصحابه وأوطء الخيل صدره وظهره، وإن أبيت فاعتزل أمرنا، وسلِّمه إلى شمر بن ذي الجوشن، فقد أمرناه فيك بأمر، وكتب في أسفل الكتاب:
الآن حِين تَغَلْغَلْته حِبالُنا.... يرجو الخلاص ولات حين خلاص

ودفع الكتاب إلى شمر، وقال له: اذهب إليه فإن فعل ما أمرته به، وإلا فاضرب عنقه، وأنت الأمير على الناس.
فلما وصل شمر إلى عمر، ناداه عمر: لا أهلاً ولا سهلاً يا -أبا الأبرص- لا قرَّب الله دارك، ولا أدنى مرادك، وقبَّح ما جئت به، ثم قرأ الكتاب، وقال: والله لقد نهيته عمَّا كان في عزمه، ولقد أذعن ولكنك شيطان، وبعث عمر إلى الحسين فأخبره بما جرى، فقال: والله، لا وضعت يدي في يد ابن مرجانة أبداً، ثم إن عمر نادى: يا خيل الله، اركبي، فزحفوا إليه، وعلم الحسين أنهم قاتلوه، فعرض على أصحابه الانصراف، وكذلك على أهله، وأن يتفرقوا عنه فبكوا، وقالوا: قبح الله العيش بعدك!!، وسعت أخته زينب بنت علي فقامت تجر ذيولها، وتقول:
واثكلاه!! ليت الموت أعدمني الحياة، قبل يموت أخي الحسين خليفة الماضين وثمال الباقين، ثم لطمت وجهها والحسين يعزيها وهي لا تقبل عزاءً، ثم قال الحسين: ما يقال لهذه الأرض؟ فقالوا : كربلاء. فبكى، وقال: أخبرتني أم سلمة، قالت: كان جبريل –عليه السلام- عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكُنْتَ معي فبكيت، فقال النبي: ((دعي ابني)). فأخذك ووضعك في حجره، فقال له جبريل –عليه السلام-: ((أتحبه؟)) فقال: ((نعم)). فقال:((إن أمتك ستقتله، وإن شئت[أن] أريك تربة أرضه التي يقتل فيها)). فقال: ((نعم))؛ فبسط جبريل جناحه على أرض كربلاء.
[فقال: هذه أرض كربلاء] فأراه إياها، فلما قيل للحسين: هذه أرض كربلاء. قال: هذه والله الأرض التي أخبربها جبريل رسول الله ً، وأني أقتل بها.

وكان عسكر الحسين -عليه السلام- خمسة وأربعين فارساً ومائة راجل.
قال المسعودي: قتل منهم ثمانون نفساً، ولم يحضر قتال الحسين أحد من أهل الشام، بل كلهم من أهل الكوفة ممن كاتبه، وكانوا ستة آلاف مقاتل، فأعطى الحسين رايته أخاه العباس وجعل البيوت والحرم خلفه، فأطلق القوم النار ورأى البيوت، فناداه شمر: يا حسين، تعجلت النار في الدنيا، فقال له الحسين: يا ابن راعية المعزى، أتقول لي هذا، أنت والله أولى بها صلياً.

قالوا: وكان أول من رمى عسكر الحسين عمر بن سعد، ثم صاح عمر بالناس: ما تنتظرون به احملوا عليه؟ فقال الحسين: الله أكبر، أخبرني جدي ً قال: ((رأيت كلباً يلغ في دمي )) ولا أراك إلا إياه، فقال شمر: عليَّ كذا وكذا إن كنت أدري ما تقول؛ فالتفت الحسين فإذا بطفل له يتلظى من العطش، فقال: يا قوم، إن لم ترحموني فارحموا هذا الطفل، وقد كان على يده، فرماه رجل من القوم بسهم فذبحه، فجعل الحسين يبكي، ويقول: اللهمَّ، احكم بيننا، وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا، فنودي من الهواء: يا حسين، دعه فإن له مرضعاً في الجنة، ورماه حصين بن تميم بسهم فوقع في شفته؛ فجعل الدم يسيل من شفته وهو يبكي، ويقول: اللهم، إني أشكوا إليك ما يفعل بي وبإخوتي وأهلي، ثم اشتد به العطش، فهمَّ أن يلقي نفسه إلى القوم، ثم شرفت نفسه عن ذلك، فجاء وقت[صلاة] الظهر وصلى بأصحابه صلاة الخوف، فتكالبوا عليهم، فتشدد الحسين ولبس سراويل ضيقاً، فأعجلوه فضربه الحصين بن تميم على رأسه بالسيف فسقط وشاركه شمر بن ذي الجوشن، وكان أبرص، ثم قتل من قتل من آل أبي طالب، والحاصل أنهم إحدى وعشرون نفساً، سبعة أنفس من إخوته، [وهم] : جعفر، والعباس، وعثمان، وأبو بكر، ومحمد الأصغر، وعبيد الله، وعبد الله، ثم أبناء الحسين: علي، وعبد الله، ومن أولاد أخيه الحسن: عبد الله، وأبو بكر، والقاسم، ومن أولاد عبد الله بن جعفر: عون، ومحمد، وعبيد الله، ومسلم بن عقيل قتل بالكوفة، وجعفر بن عقيل، وعبد الرحمن بن عقيل، وعبيد الله بن عقيل، ولمسلم بن عقيل، محمد وعبد الله، ثم أبو سعيد بن عقيل.

هذه رواية (النجم الثاقب في مناقب علي بن أبي طالب) وروي أيضاً في بعض مناقب علي -عليه السلام-. وفيهم يقول سراقة البارقي :
عيني أبكي بعبرة وعويل.... واندبي إن ندبت آل الرسول
سبعة منهم لصلب علي.... قد أبيدوا وسبعة لعقيل
لعن الله حيث حل زياد.... وابنه والعجوز ذات البعول
وهذا الشعر يومي أنهم كلهم من ولد علي وعقيل لا غير، والصحيح ما تقدم أن فيهم من ولد جعفر من ذكر، فقتل الحسين عليه السلام يوم الجمعة[يوم عاشوراء] لعشر مضين من المحرم سنة إحدى وستين سنة وقتل وهو ابن أربع وخمسين سنة.
قيل لرجل شهد كربلاء مع عمر بن سعد: [ويحك!!] أقتلتم ذرية رسول الله ً:يا ويحكم! فقال: عضضت بالجندل إنك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا، ثارت علينا عصابة، أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية تحطم الفرسان يميناً وشمالاً، وتُلقي أنفسها على الموت، لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول [حائل] بينها وبين الورود على [حياض] الموت إلا الاستيلاء على الملوك، ولو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها، فما كنا فاعلين لا أمَّ لك.
وكانت مدة ظهوره وانتصابه للأمر إلى أن قتل شهراً واحداً ويومين، ودفن جسده في كربلاء، ورأسه مختلف في مشهده -عليه السلام- على أقوال، فمنهم من قال: إنه رُدَّ إلى المدينة مع السبايا، ثم رُدَّ إلى الجسد بكربلاء فدفن معه.
قاله هشام وقيل: إنه دفن بالمدينة عند [قبر] أمه فاطمة، قاله ابن سعد كاتب الواقدي.
وقيل: إنه بدمشق، ذكره ابن أبي الدنيا والبلاذري في تأريخه، وابن عساكر.

وقيل: إنه بمسجد الرقة، والقول الخامس: إن خلفاء مصر نقلوه من دمشق إلى عسقلان، ثم نقلوه إلى القاهرة، وله مشهد عظيم.
قال حاكي هذه الأقوال: وعلى الجملة في أي مكان كان رأسه وجسده فهو ساكن في القلوب، قال: وفي المعنى أنشد بعض أشياخنا:
لا تطلبوا المولى الحسيـ.... ـن بأرض شرق أو بغرب
ودعوا الجميع وعرجوا.... نحوي فمشهده بقلبي
قالوا: ولما وصلت السبايا المدينة [لم يبق أحد حتى خرج] وجعلوا يضجون ويبكون، وخرجت زينب بنت عقيل بن أبي طالب كاشفة شعرها تضجُّ: وآحسيناه!!، وآ إخوتاه!! وآ أهلاه!!، ثم قالت:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم.... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقد.... منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم.... أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
في أربعة آلاف، وابن زياد في ثلاثين ألفاً، ثم التقوا[يوماً] وكانت لسليمان في أول النهار، ثم عادت عليه في آخره، فقتل سليمان، وافترق التوَّابون.

قال ابن جرير : فلما فرغ ابن زياد من التوابين جاءه نعي مروان، فوثب عليه المختار بن أبي عبيد وجاءته الإمداد من البصرة، والمدائن، والأمصار، وأقام معه إبراهيم بن الأشتر النخعي، وخرجت الشيعة معه ينادون: يا ثارات الحسين، فقتل المختار من شهد قتل الحسين بأقبح القتلات وأشنعها، فلم يبق من الذين قاتلوا مع عمر بن سعد أحد، وبعث إلى الذي حمل رأس الحسين [إلى زياد] فأحاطوا بداره فاختبأ في الكنيف فأخرجوه ومثلوا به وحرقوه، وقال المختار: لأقتلنَّ رجلاً يرضى بقتله أهل السماوات وأهل الأرض، وكان قد أعطى عمر بن سعد أماناً على أن لا يخرج من الكوفة، فأتى رجل إلى عمر، فقال له: قد قال المختار كذا وكذا، والله ما يريد سواك، فأرسل إليه عمر ولده حفصاً، وقال له: يقول لك أبي أن تفي لنا بالذي وعدتنا وبالذي كان بيننا، فقال له المختار: إجلس، ثم سار رجلان فغابا ثم عادا وبيد أحدهما رأس عمر بن سعد، فقال ولده حفص: أقتلتم أبا حفص؟ فقال[له] المختار: وأنت تطمع في الحياة بعده، لا خير لك فيها، ثم ضرب عنقه، وقال المختار: عمر بالحسين، وحفص بعلي بن الحسين ولا سواء، ثم قال: والله لو قتلت ثلاثة أرباع قريش ما وفوا ولا بأنملة من أنامله، ثم قتل شمراً أقبح قتلة، وقيل: ذبحه كما ذبح الحسين، وواطأ الخيل صدره وظهره، وبعث المختار بالرؤوس إلى محمد بن الحنفية.

قالوا: ثم جاء ابن زياد فنزل الموصل في ثلاثين ألفاً؛ فجهزَّ المختار إليه إبراهيم بن الأشتر في سبعة آلاف، وكان على ميمنة ابن زياد حصين بن نمير السكوني من كندة، وإلى ميسرته عمير بن الحباب السلمي وكان أبو عبيدة يقول: هو فارس الإسلام، فقال حصين بن نمير لابن زياد: إن عمير بن الخباب غير ناس قتلى المرح، وإني لا أثق لك به؛ فقال ابن زياد: أنت لي عدو؛ فقال: ستعلم.
قال ابن الحباب: لما كان في الليلة التي يريد فيها ابن زياد أن يواقع ابن الأشتر في صبيحتها خرجت إليه وكان لي صديقاً، ومعي رجل من قومي، فسرت في عسكره، وكان عليه قميص هروي وملاة، وهو متوشح بسيفه، وهو يأمر في عسكره وينهى، فالتزمته من ورائه، فو الله ما التفت إليَّ ولكن قال: من هذا؟ فقلت: عمير بن الحباب، فقال: مرحباً!! كن بهذا الموضع حتى أعود إليك، فقلت لصاحبي: أرأيت أشجع من هذا قط؟ يحضنه رجل من عسكر عدوه ولا يدري من هو، ولا يلتفت إليه، ثم عاد إلي، وقال: ما الخبر؟ فقلت: القوم كثيرة، والرأي أن تناجزهم فإنه لا صبر لهذه العصابة القليلة على مطاولة الجمع الكثير، وإني متحرك عنك بثلث الناس غداً؛ فلما التقوا كانت على أصحاب إبراهيم أول النهار، ثم تراجع الناس آخر النهار، ونكس عمير بن الحباب رايته، ونادى: يا لثارات المرج، وانخزل بالميسرة كلها، ولم يكن فيها إلا قيس، فلم يعصوه واقتتل الناس فانكشف أصحاب ابن زياد، ووضع السيف فيهم، وكان من غرق منهم أكثر ممن قتل، قال ابن الأشتر: ثم ضربت رجلاً على شاطئ هذا النهر فشممت في سيفي رائحة المسك، فاطلبوه، وانظروا من هو؟ فأتوا

بالنيران فإذا هو عبيد الله بن زياد، فبعث ابن الأشتر برأسه إلى المختار، فجلس بالقصر، وألقيت الرؤوس حوله، فألقاها في المكان الذي وضع رأس الحسين فيه.
قال بعض الرواة: فبينا أنا واقف عند الرؤوس بالكناسة في بعض الأيام، إذ قال الناس: قد جاءت، قد جاءت، فإذا بحية عظيمة تتخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري[عبيد الله] بن زياد، وخرجت فغابت ساعة، ثم عادت، ففعلت كذلك ثلاثة أيام، وفي رواية: ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثاً.
قال الراوي: أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
قلت: ورثي الحسين -عليه السلام- بما لم يرث به [أحد] غيره فيما علمت من الكثرة وفي كل زمان ومكان، وناحت عليه الجن، وذلك مشهور مذكور، أذكر منها ما أنشده الشريف الرضي الموسوي ؛ تبركاً بذكر المرثَّى والمرثي، وتأدية لبعض أجر ذوي القربى، نقلتها من (الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية).

[قصيدة للشريف الرضي في رثاء الحسين بن علي -عليه السلام-]
قال الشريف المذكور:
ولقد حبست على الديار عصابة.... مضمومة الأيدي على أكبادها
حُسُراً أجادت بالبكاء عيونها.... وتغص بالزفرات من إيرادها
وقفوا بها حتى كأن مطيهم.... كانت قوائمهنَّ من أوتادها
هل يطلبون من النواظر بعدكم.... شيئاً سوى عبراتها وسهادها
شغل العيون عن البكاء بكاؤنا.... لبكاء فاطمة على أولادها
أ ترى درت أن الحسين طريدة.... لفتى بني الطرداء عند ولادها
كانت مآتم بالعراق تعدها.... أموية بالشام من أعيادها
ماراقبت غضب النبي وقد غدا.... زرع النبي مطية لحصادها
جعلت رسول الله من خصمائها.... فلبئس ما ذخرت ليوم معادها
نسل النبي على صعاب مطيها.... ودم النبي على رؤوس صعادها
وا لهفتاه!! لعصبة علوية.... تبعت أمية بعد عزَّ قيادها
جعلت عذار الذل في آنافها.... وغلاظ وسم الضيم في أجيادها
استأثرت بالأمر عن غياتها.... وقضت بما شاءت على شهادها

طلبت بثأر الجاهلية عندها.... وشفت قديم الغل من أحقادها
زعمت بأن الدين سوغ قتلها.... أو ليس هذا الدين عن أجدادها
الله سائلكم على أرواحها.... فكسبتم الآثام في أجسادها
أخذت بأطراف الفخار فعاذر.... أن يصبح الثقلان من حسَّادها
يروي مناقب فضلها أعداؤها.... أبداً وتسنده إلى أضدادها
يا عترة. الله. اغضبي. لنبيه.... وتزحزحي بالبيض من أغمادها
قف لي ولو لوث الإزار فإنما.... هي مهجة علق الهوى بفؤادها
بالطف حيث غدا مراق دمائها.... ومناخ أينقها ليوم جلادها
القفر من أوراقها والطير من.... إطراقها والوحش من عوادها
هذا المقال وما بلغت وإنما.... هي حلية خلعوا عذارجوادها
أقول جادكم الربيع وأنتم.... في كل منزلة ربيع بلادها
أغنى ضياء الشمس عن أوصافها.... بضيائها وحلالها وبعادها

[أخبار الإمام الحسن بن الحسن المثنى بن علي - عليهم السلام-]
وبالإمام المثنى بعده فتكت.... فتكاً أقرَّ ابن مروان على السرر
[ونكت ابن زياد بالقضيب له.... ما كان يلثم منه خاتم النذر]
المراد بالإمام المذكور في هذا البيت هو: الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام-، وأمه خولة بنت منظور بن زيان الفزاري عقد بها ابن الزبير للحسن، لأن أباها كان خافياً فخرج منظور فركز رايته بين فزارة فلم يبق قيسي إلا دخل تحتها، وقال: أمثلي يقتات عليه في ابنته، فردَّها له الحسن فسار بها، فقالت له ابنته: ويلك!! إنه الحسن بن علي بن رسول الله ً أمثله يردَّ؟! فندم ووقف، ثم قال: إن كان له رغبة فهو يلحقنا، فلحقه الحسن وردَّها له، فولدت له الحسن فكان مشهوراً فضله، ظاهراً نبله، وكان له مواقف عظيمة بين يدي عمه الحسين بن علي -عليه السلام- في كربلاء، وكان فارساً، له يومئذٍ عشرون سنة، وقتل يومئذٍ من جنود الضلال عدة، وأصابته اثنتا عشرة جراحة حتى أرتث في وسط القتلى، فحمله خاله أسماء بن خارجة الفزاري، وردَّه إلى الكوفة، فداواه حتى عوفي، وانصرف إلى المدينة، وكان السبب في قيامه وبيعته عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ولاَّه الحجاج سجستان، فسار إليها في جيش عظيم قدر ثلاثين ألفاً، فخلع عبد الملك والحجاج، وهمَّ بأن يدعو إلى نفسه، فقال له من معه من علماء الكوفة والبصرة: هذا لا يتمَّ إلا برجل من قريش، فراسلوا علي بن الحسين والحسن هذا، فامتنع علي بن الحسين، وقال الحسن: ما لي رغبة عن القيام بأمر الله، ولكن لا وفاء لكم تبايعوني، ثم

تخذلوني، ولم يزالوا به حتى أجاب، وأخذ عليهم الأيمان المغلظة، وخرج إليه منهم عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبو البختري الطائي والشعبي وأبو وائل شقيق وابن سيرين والحسن البصري وجماعة من الأعيان، وتلقب بالرضى، وفي بيعته عليه السلام يقول بعضهم:
أبلغ أبا الذبان مخلوع الرسن.... أن قد مضت بيعتنا لابن الحسن
ابن الرسول المصطفى والمؤتمن.... من خير فتيان قريش ويمن
والحجة القائم في هذا الزمن
ثم خرج ابن الأشعث ولقيه الحجاج، واشتد القتال بينهم ثلاث سنين، كان بينهم سبعون وقعة كل ذلك على الحجاج سوى وقعتين، وتقوَّى أمر ابن الأشعث، ودخل الكوفة، فخطب للحسن بن الحسن حتى إذا كان [يوم] الجمعة الثانية أسقط اسمه، فلما كانت وقعة [دير الجماجم] انهزم فيها ابن الأشعث وتوارى الحسن بأرض الحجاز وتهامة حتى مات عبد الملك[لعنه الله] فلما ولي الوليد بن عبد الملك[لعنهما الله] اشتد طلبه له حتى دسَّ إليه من سقاه السمَّ، وحمل إلى المدينة ميتاً، وهو في ثلاث وثلاثين سنة وقيل: سبع وثلاثين سنة، ودفن بالبقيع، وله أولاد محمد وبه يكنى، أمه رملة بنت سعيد بن عمر بن نفيل وعبد الله، وإبراهيم، والحسن، وحبيبة، وزينب، وأم كلثوم، وهؤلاءأمهم فاطمة بنت الحسين -عليهم السلام-، ومن أولاده: جعفر، وداود وفاطمة، ومليكة، وأم القاسم، أمهم أم ولد.

[أخبار الإمام الأعظم زيد بن علي(ع) ]
وفي هشام وفي زيد أتت جللاً.... ومن كزيد وزيد خيرة الخيرِ
دعا هشاماً إلى التقوى ونابذه.... لسبِّ آل رسول الله والنذرِ
وصغَّر الأحول الطاغي وحقَّره.... ولم يكن في مقام الخصم بالحصرِ
وبثَّ دعوته في كل ناحية.... وكان مخرجه لله في صفرِ
فقاتلته جنود الشام وانحرفت.... عنه العراق إلى أعدائه الفجرِ
وخاض في غمرة الهيجاء فأثبته.... سهم من القوم أهل البغي والأشرِ
وكان ما كان من قتل الإمام ومن.... صلب له فوق جذع غير مستترِ
(لم يشفهم قتله حتى تعاوره.... قتل وصلب مع التحريق بالشررِ)
هذا البيت الأخير استعاره السيد صارم الدين من أبيات للصاحب الكافي، رثَّى بها زيداً، وسيأتي إن شاء الله تعالى، وفي قافيته تغيير يسير؛ لأن هذه مجرورة، وتلك مرفوعة، وهذه رائية وتلك قافية، لكن إعلم [أولاً] أن فضل زيد بن علي أشهر من أن يحصر في هذا المختصر، فمن طلب الوقوف على ذلك مستوفى فهو في كتاب (الحدائق الوردية) لكن لا بد من ذكر طرف من شأنه؛ تبركاً بفضله وإيمانه وكشفاً لتبريزه على أقرانه، وسعادة شيعته وأعوانه، فأقول: هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، نسب دونه فلق الصباح الأنور، بل شعاع الشمس والقمر، ولله القائل:
آمل أن يعطيني.... ربي أقصى أملي
بحب زيد بن علي.... بن الحسين بن علي
وأمه أم ولد اسمها: (جيداء) واشتراها المختار بن أبي عبيد بثلاثين ألف درهم، وقال: ما أرى أحداً أحق بها من علي بن الحسين، فبعث بها إليه.

[قالوا] : وقد كان رأى تلك الليلة رسول الله ًآخذاً بيده فأدخله الجنة فزوجه حوراء. قال: فواقعتها [فعلقت] فصاح بي رسول الله ً: يا علي، سم المولود منها زيداً، قال: فما قمنا حتى أرسل[لي] المختار بأم زيد، وكانت ولادته -عليه السلام- سنة 75 وكان يشبَّه بأمير المؤمنين في الفصاحة، والبلاغة، والبراعة، وكان يعرف في المدينة: بحليف القرآن.
قال خالد بن صفوان : انتهت الفصاحة، والخطابة، والزهادة، والعبادة من بني هاشم إلى زيد بن علي -عليه السلام-، قال: شهدته عند هشام وقد تضايق به مجلسه وهو يخاطبه وروي أنه دخل عليه يوماً وعنده يهودي، فأخذ اليهودي يسبُّ رسول الله ً ويتبجح، ويتكلم في تلك الحضرة فزجره زيد، فقال هشام: لا تؤذينا في مجلسنا وجليسنا والقصة مشهورة، فخرج زيد مغاضباً مغتاظاً مما شاهد وكان ذلك أحد الأمور الداعية [له] إلى القيام، والدعاء إلى الله، وهذا معنى قول السيد صارم الدين: وصغر الأحول؛ لأن هشاماً كان أحولاً، وقد أشار إلى هذا الفرزدق في قوله:
أيحبسني بين المدينة والتي.... إليها جميع الناس مهوى منيبها
يقلب رأساً لم يكن رأس سيد.... وعيناً له حولاء باد عيوبها

[ذكر الحول وماهيته وما يشبهه من عاهات الملوك]
وإذ قد عرض ذكر الحول، فلنذكر ما هيته، وشيئاً مما قيل فيه، وفيما هو يشبهه من عاهات الملوك، والرؤساء، أما ماهيته فقال بعضهم: إنه تغير في الحدقة، بحيث يرى من هو به الشخص شخصين، وحكي أن بعضهم ذكر هذا المعنى وكان له ولد أحول، فقال: يا أبت، لو كان ذلك صحيحاً لرأيت هذين الديكين أربعة، وما ثم إلا ديك واحد؛ فضحك أبوه والحاضرون، وقال بعضهم: إن الأحول يرى الشيء شيئين ليس على إطلاقه، بل إنما ذلك إذا كان حوله هو اختلاف إحدى الحدقتين بالانخفاض والارتفاع، وأما إذا كان سبب اختلاف العينين يمنة ويسرة فلا.قال: وإنما يؤيد ذلك أن الإنسان إذا غمز إحدى حدقتيه حتى تخالف الأخرى يمنة أو يسرة؛ فإنه يرى الشيء شيئين وقد أحسن بعض الأدباء إذ يقول:
يجىء إلينا بالقليل يظنه.... كثيراً وليس الذنب إلا لعينيه
ومن سوء حظي أن رزقي مقدر.... براحة شخص يبصر الشىء مثليه
والحوَلُ من جملة العاهات.
قالوا: وأصحاب العاهات من الملوك: الأسكندر كان أخنف أنو شروان كان أعور، يزدجر كان أعرج، جذيمة الوضاح كان أبرص، النعمان بن المنذر[كان] أحمر العينين والشعر، عبد الملك بن مروان كان أبخر، يزيد بن عبد الملك كان أفقم أخوه هشام المذكور أحول، مروان الحمار كان أشعر أزرق، عبد الله بن الزبير كوسج موسى الهادي كانت شفته العلياء[كان] فيها تقلص، وكان أبوه المهدي قد رأيت معه خادماً يلازمه متى غفل وفتح فاه. قال: موسى أطبق؛ فجرى عليه هذا النبز موسى أطبق.

[رجع الكلام إلى ذكر الإمام زيد(ع)]
رجع كلامنا إلى ذكر زيد بن علي –عليه السلام-.
روى في (الحدائق الوردية) عن ابن عباس، قال: بينا علي -عليه السلام- بين أصحابه إذ بكى بكاءً شديداً[حتى لثقت لحيته] فقال له الحسن عليه السلام : يا أبتِ، ما لك تبكي؟ قال: يا بني، لأمور خفيت عنك، أنبأني بها رسول ً، فقال: [و] ما أنبأك رسول الله ً؟ فقال : يا بني، لولا أنك سألتني ما أخبرتك؛ لئلا تحزن، ويطول همك، أنبأني رسول الله ً فذكر حديثاً طويلاً، قال فيه: ((يا علي، كيف أنت إذا وليها الأحول اللئيم، الكافر الذميم فخرج عليه خير أهل الأرض[من] طولها والعرض)؟ قلت: يا رسول الله، من هو؟ قال: ((يا علي، رجل أيدَّه الله بالإيمان، وألبسه[الله] قميص البر والإحسان، فيخرج في عصابة يدعون إلى الرحمن، أعوانه [من] خير أعوان، فيقتله الأحول ذو الشنئان، ثم يصلبه على جذع [من] رمان، ثم يحرقه بالنيران، ثم يضربه بالعسبان، حتى يكون رماداً كرماد النيران، ثم يصير[إلى الله عز وجلَّ] روحه وأرواح شيعته إلى الجنان)).

وروي أن علياً -عليه السلام-: خطب خطبة على منبر الكوفة، وذكر أشياءاً وفتناً، حتى قال: يملك هشام تسع عشرة سنة، وتواريه أرضاً رصافة رصفت عليه النار، مالي ولهشام جبَّار عنيد، قاتل ولدي الطيب المطيَّب، لا تأخذه رحمة ولا رأفة، يصلب ولدي بكناسة الكوفة، زيد في الذروة الكبرى من الدرجات العليا فإن يقتل زيد فعلى سنة الله... الحديث واختلف في سبب ظهوره، فقال في (الحدئق الورديه): السبب في ذلك أن هشاماً[لعنه الله] ألزمه الخروج من الشام، وقد وصل إليه إلى هناك هو وخصوم معه ادعى عندهم مالاً، فألزمهم هشام بن عبد الملك الخروج إلى العراق، والوالي بها يومئذٍ يوسف بن عمر بن محمد الثقفي في قصة طويلة، خلاصتها: أنه لما وقع فصل القضية أراد زيد الرجوع إلى المدينة، فأتته الشيعة، وقالوا: أين تخرج عنَّا -يرحمك الله-، ومعك مائة ألف سيف من أهل الكوفة، والبصرة، وخراسان يضربون بها بني أمية دونك، وليس قبلنا من أهل الشام إلا عدة يسيرة، فأبى عليهم، فلم يزالوا يناشدونه، حتى رجع بعد أن أعطوه العهود والمواثيق، فقال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب وقد كان من جملة من خرج معه من عند هشام لتلك الخصيمة : أذكرك الله -أبا الحسين- لما لحقت بأهلك، ولم تقبل قول أحد[من] هؤلاء، فإنهم لا يفون لك، وإنهم أصحاب جدك الحسين، قال: أجل، وهم بالرجوع إلى المدينة، وقيل: بل أصرم على رأيه، وأنشد أبياتاً ستأتي في سياق ذكر من قال: إن السبب في خروجه لا على هذه الصفة.

قالوا: فحين عزم على العودة إلى المدينة أقبلت إليه الشيعة وغيرهم يبايعونه، حتى أحضر إليه ديوان خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة خاصة سوى أهل المدائن، والبصرة، وواسط، والموصل، وخراسان، والري، وجرجان، وأقام بالكوفة سبعة عشر شهراً، وأرسل دعاته إلى الآفاق كما ذكر الناظم، ولما دنا خروجه أمر أصحابه بالاستعداد، فجعل من يريد أن يفي له يستعد، وشاع ذلك فانطلق سراقة البارقي إلى يوسف بن عمر فأخبره [ذلك] فبعث من يطلبه ليلاً فلم يوجد عند الرجلين الذين سعى إليه أنه عندهما، فأتى بهما يوسف، فلما كلمهما استبان له أمر زيد وأصحابه، فأمر بهما يوسف فضربت أعناقهما، فبلغ الخبر زيداً فتخوَّف أن يؤخذ عليه الطريق، فخرج قبل الأجل الذي ضربه لأهل الأمصار، وكان قد وعد أصحابه ليلة الأربعاء أول ليلة من صفر سنة اثنين وعشرين ومائة، فأصبح زيد ومن انضم إليه في تلك الليلة وهم مائتان وثمانية عشر رجلاً، فقال زيد: سبحان الله!!، أين الناس؟ فقيل له:هم محصورون في المسجد، قال: لا، والله ما هذا لمن بايعنا بعذر، ثم بعد ذلك وقع القتال بينه وبين القوم، وأبلي في تلك الوقعة بلاءً ظاهراً حتى إذا كان جنح الليل رمي –عليه السلام- بسهم، فأصاب جبهته اليسرى، فترك السهم على حاله، فرجع ورحل أصحابه، ولا يظن أهل الشام أنه رجع إلا للمساء بالليل، فأمر للطبيب، فقال له: إن نزعتها مت من ساعتك، فقال –عليه السلام-: الموت أهون عليَّ ممَّا أنا فيه، فعهد عهده، وأوصى وصيته، ولما فرغ من ذلك نزعت النشابة منه، فقضى نحبه –سلام الله عليه-، وذلك عشية الجمعة لخمس بقين من المحرم سنة

122 على ما قال الفقيه حميد في (الحدائق الوردية) على الأصح.
قلت: فيكون قول السيد صارم الدين في منظومته: وكان مخرجه لله في صفر، إشارة إلى أنه يعني مخرجه الذي وعد به أصحابه كما تقدم؛ لأن من قتل في محرم كيف يخرج في صفر؟! فافهم.
قال الفقيه حميد: ولما توفي –عليه السلام- اختلف أصحابه في دفنه، ثم اتفقوا على أن عدلَّوا بنهر عن مجراه، ثم حفروا له، ودفنوه، وأجروا الماء على ذلك الموضع، وكان معهم في تلك الليلة غلام سندي، فلما أصبح نادى منادي يوسف بن عمر: من دلَّ على قبر زيد[بن علي] كان له[من المال] كذا وكذا، فدلهم عليه ذلك الغلام فاستخرجوه[عليه السلام من قبره] واحتزوا رأسه، ووجهوا به إلى هشام[بن عبدالملك] وصلبوا جثته بالكناسة، فهذا ما حكاه في (الحدائق) في سبب ظهوره وقال في (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد في فصل ذكر فيه أهل الإباء وعدد جماعة حتى قال: ومن سلك مذهب أسلافه في إباء الضيم، وكراهة الذل، واختيار القتل [وإيثار] أن يموت كريماً: أبو الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي[بن أبي طالب] –عليهم السلام-[أمه أم ولد] وكان السبب في خروجه وخلع طاعة بني مروان أنه كان يخاصم عبد الله بن الحسن بن الحسن في صدقات علي –عليه السلام- هذا يخاصم عن بني حسين، وهذا [يخاصم] عن بني حسن، فتنازعا يوماً عند خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم أمير المدينة، فأغلظ كل واحد منهما لصاحبه؛ فسرَّ بذلك خالد وأعجبه تشاتمهما، وقال لهما حين سكتا : اغدوا عليَّ [غداً] فلست لعبد الملك إن لم أفصل بينكما، فباتت المدينة تغلي

كالمرجل، فمن قائل يقول: قال زيد كذا وكذا، ومن قائل يقول: قال عبد الله كذا وكذا، فلما كان الغد جلس خالد في المسجد، وجمع الناس فمن[بين] شامت ومغموم، ودعا بهما، ورغب أن يتشاتما فذهب عبد الله يتكلم، فقال زيد: لا تعجل[يا] أبا محمد، أعتق زيد ما ملك إن خاصمك إلى خالد أبداً، ثم أقبل على خالد، فقال[له] : أجمعت ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر؟ فقال خالد: أما لهذا السفيه أحد يكلمه؟ فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم، فقال: يا ابن أبي تراب، ويا ابن حسين السفيه، أما ترى عليك لوالٍ حقاً، ولا طاعة؟ فقال زيد: [اسكت] أيها القحطاني، فإنَّا لا نجيب مثلك، فقال الأنصاري: ولِمَ ترغب عني؟ فوالله إني خير منك، وأبي خير من أبيك، وأمي خير من أمك، فتضاحك زيد، وقال: يا معشر قريش، هذا الدين قد ذهب[أفذهبت الأحساب] فتكلم عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال: كذبت أيها القحطاني، والله لهو خير منك نفساً، وأباً، وأماً، ومَحتداً وتناوله بكلام كثير، وأخذ كفين من الحصى فضرب بها الأرض، وقال: إنه والله، ما لنا على هذا من صبر وقام، فقام زيد -أيضاً- من فوره، وشخص إلى هشام بن عبد الملك [بن مروان وهو في الشام] فجعل هشام لا يأذن له، وزيد يرفع إليه القصص، وكلما رفع إليه قصة كتب هشام في أسفلها: ارجع إلى أرضك، فيقول زيد: والله، لا أرجع إلى ابن الحارث أبداً، ثم أذن له [هشام] بعد حبس طويل، وكان في علوٍ له فرقى زيد إليه وقد أمر هشام خادماً له [أن] يتبعه حيث لا يراه ويسمع

ما يقول، فصعد زيد، وكان بادياً فوقف في بعض الدرج فسمعه الخادم[وهو] يقول: ما أحبَّ الحياة إلا من ذلَّ، فأخبر الخادم هشاماً بذلك، فلما قعد بين يدي هشام وتحادثا حلف له [زيد] على شيء، فقال [له] هشام: لا أصدقك، فقال [له] زيد: إن الله لم يرفع أحداً عن أن يرضى بالله، ولم يضع أحداً عن أن يرضى بذلك منه، فقال هشام: إنه بلغني أنك تريد الخلافة، وتتمناها، ولست هناك؛ لأنك ابن أمة، فقال زيد: إن لك لجواباً. قال: تكلم، فقال: إنه ليس أحد أولى بالله ولا أرفع درجة عنده ممن بعثه وهو إسماعيل بن إبراهيم وهو ابن أمة، فاختاره الله لنبوته، وأخرج منه [محمداً] خير البشر. قال هشام: فما صنع أخوك البقرة؟ فغضب زيد حتى كاد يخرج من إهابه، ثم قال: سماه رسول الله ً: ((الباقر)) وتسميه أنت البقرة‍ ؟! لشدَّ ما اختلفتما، [و] لتخالفنَّه في الآخرة كما خالفته في الدنيا، فيرد الجنة وترد النار، فقال هشام: خذوا بيد هذا الأحمق المائق فأخرجوه، فأخذ الغلمان بيده وأقاموه فقال هشام: أحملوا هذا[الخائن] الأهوج إلى عامله، فقال زيد: والله لئن حملتني إليه، لا أجتمع أنا وأنت جنبين وليموتنَّ الأعجل منَّا، فأخرج زيد وأشخص[إلى المدينة] فما فارقوه حتى طردوه عن حدود الشام فلما فارقوه عدل إلى العراق، ودخل الكوفة فبايع لنفسه، فأعطاه البيعة أكثر أهلها، والعامل[عليها] على العراق يومئذٍ يوسف بن عمر الثقفي، وكان بينهما من الحرب ما هو مذكور[في كتب التواريخ].

قال: وخذل أهل الكوفة زيداً، وتخلف معه ممن بايعه نفر يسير، فأبلي فيه بلاءً حسناً، وجاهد جهاداً عظيماً حتى أتاه سهم غرب، فأصاب جانب جبهته اليسرى فثبت في دماغه فحين نزع منه مات عليه السلام.
قال ابن أبي الحديد: و[قد] كان محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام-، عنَّف زيداً لما خرج، وحذرَّه القتل، وقال له: إن أهل العراق قد فعلوا مع أهلك ما تعرف فلم يثن ذلك عزمه، بل تمثَّل [بقول الشاعر] :
بكرت تخوفني الحتوف كأنني.... أصبحت من غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل.... لا بد أن أسقى بذاك المنهل
إن المنية لو تمثل مثلت.... مثلي إذا نزلوا بضيق المنزل
فاقني حياتك لا أبا لك واعلمي.... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل
انتهى ما ذكره ابن أبي الحديد.

فصل نذكر فيه طرفاً من كرامات زيد[بن علي] -عليه السلام-
التي اتفقت له في حال صلبه، ونذكر فيه جماعة ممن صلب في الإسلام، فمن ذلك أن العنكبوت كانت تنسج على عورته ليلاً، فكانوا إذا أصبحوا هتكوا نسجها بالرماح ومنها أن امرأة مؤمنة خرجت فطرحت عليه خمارها فالتاثت بمشيئة الله سبحانه فصعدوا فحلوه، فاسترخت سرته حتى غطت عورته ورأيت في بعض الكتب أنه قتل مع زيد[بن علي] رجل من عدوه فصلبوه مع من صلبوا من شيعته -عليه السلام-، فكان بعض عقلاء المجانين يأتي كل صباح يسلم على زيد وأصحابه، ويترحم عليهم، فإذا وصل إلى خشبة ذلك الرجل، قال: أما أنت -يا هذا- فإن شعر عانتك تخبرني أنك لست من القوم، وإنما أخذت بغير ما أخذوا به؛ لأنهم –رحمهم الله- قد كانوا استحدوا قبل حضور الوقعة، فيتعجب الناس من قوله.

[ذكر جماعة ممن صلب في الإسلام]
قيل: إن أول من صلب في الإسلام عقبة بن أبي معيط قتله رسول الله ً [ثم] أمر بصلبه، ومنهم: خُبيب بن عدي، وابن الدثنة الأنصاري أسرتهما هذيل يوم الرجيع ولهما حديث طويل، ثم صلبوهما، وعقبة بن خثيم بن هلال [النمري] صلبه خالد بن الوليد، وهاني بن عروة المرادي ومسلم بن عقيل بن أبي طالب صلبهما عبيد الله بن زياد بسوق الكوفة، وعبد الله بن الزبير صلبه الحجاج بمكة منكوساً، وقال: لا أنزله حتى تشفع فيه أمه أسماء بنت أبي بكر فلم تتكلم فيه، فيقال: إنه بقي مصلوباً سنة، فمرت به بعد ذلك، فقالت: أما آن لراكب هذه المطية أن يترجل؟ فأنزل، ويقال: إنه أتي إليها بأسلابه فوضعتها في حجرها؛ فحاضت وجرى اللبن في ثديها، فقالت: حنت إليه مواضعه، ودرَّت عليه مراضعه، ومنهم: يزيد بن المهلب بن أبي صفرة صلبه مسلمة بن عبد الملك وعلق معه خنزيراً وزقَ خمر، ومنهم: الإمام الولي زيد بن علي -عليهما السلام- بقي مصلوباً أربعة أعوام.
هذه رواها بعض أهل التواريخ، وهو الذي نقلت منه تعداد المصلوبين، وأما في (الحدائق الوردية) فقال: إنه مكث مصلوباً سنة وشهوراً، وقيل: أياماً، وقيل: سنتين، قال: ذكر ذلك السيد أبو طالب.

قال: وفي المرشد يرفعه إلى رجاله أنه مكث إلى أيام الوليد بن يزيد وهذه الرواية توافق القول الأول نعم. ولما أنزلوه من الخشبة أحرقوه بالنار، ثم حمل رماده فذري في الفرات، فمكَّن الله وزير آل محمد أبا حفص الخلال من صلب هشام وضربه وتحريقه، وذلك أنه لما مات طلوه بالصبر كي لا يبلى فوجدوه بعد ما نبشوه مثل ما دفن.
قال بعض شعراء المنصور بالله عبد الله بن حمزة في كلمة يمدحه بها:
وكم صون جسم كان فيه هلاكه.... كما صين بالتصبير جسم هشام
هكذا في (الحدائق) وقال المسعودي في (مروج الذهب): إن عمر بن هاني الطائي قال: خرجت مع عبد الله بن علي [عم السفاح والمنصور] حتى انتهينا إلى قبر هشام، فاستخرجناه صحيحاً ما فقدنا منه إلا خرمة أنفه، فضربه عبدالله[بن علي] ثمانين سوطاً، ثم أحرقه، ثم استخرجنا سليمان بن عبدالملك[من أرض دابق] فلم نجد منه[شيئاً] إلا صلبه وأضلاعه، ورأسه، فأحرقناه، وفعلنا كذلك بغيرهما من بني أمية، وكانت قبورهم بقنسرين ثم انتهينا إلى دمشق، فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك فما وجدنا في قبره قليلاً ولا كثيراً، وحفرنا عن عبد الملك فما وجدنا منه [إلا شؤن رأسه، ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فما وجدنا فيه] إلا عظماً واحداً، ووجدنا مع لحده خطاً أسود كأنما خط بالرماد بالطول في لحده، ثم تتبعنا قبورهم في جميع البلدان، فأحرقنا ما وجدنا [فيها] منهم.
قال: وكان سبب فعل عبد الله هذا ببني أمية ما فعله هشام بزيد بن علي -عليهما السلام- فانتصر لبني عمه، انتهى.

وممن صلب: الإمام يحيى بن زيد -عليهما السلام- في أيام الوليد بن يزيد بالجوزجان، ولم يزل مصلوباً إلى أن جاء أبو مسلم الخراساني، فأنزله وواراه، وصلى عليه، [وأخذ كل من خرج] إلى قتاله بعد أن تصفح الديوان، فقتل من كان في بعثه إلا من أعجزه، وسَّود أهل خراسان ثيابهم إذ ذلك فصار شعاراً لبني العباس، وأمر أبو مسلم بإقامة المأتم في بلخ ومرو سبعة أيام، وناح عليه النساء، وكان من ولد في تلك السنة من أولاد الأعيان سموه يحيى، وممن صلب: خالد بن عبد الله القسري صلبه مروان الحمار، ومنهم: جعفر بن يحيى البرمكي صلبه هارون، وقطعه ثلاث قطع، ثم أحرقه، ومنهم: الوزير محمد بن بقية صلبه عضد الدولة، فرثاه أبو الحسين محمد بن يعقوب الأنباري بترثية ما قيل مثلها في بابها، أولها:
علو في الحياة وفي الممات.... لحق أنت إحدى المعجزات
كأن الناس حولك حين قاموا.... وفود نداك أيام الصِلات
كأنك قائم فيهم خطيباً.... وكلهم قيام للصلاة
مددت يديك نحوهم احتفالاً.... كذلك كنت أيام الحياة
[حتى قال] :
ركبت مطية من قبل زيد.... علاها في السنين الماضيات
وهي مشهورة، يقال: إن الشاعر هذا كتبها نسخاً، ورماها في شوارع بغداد، فتداولها الأدباء حتى بلغت عضد الدولة بن بويه؛ فتمنى أنه المصلوب، وطلب الأنباري سنة، واتصل الخبر بالصاحب الكافي فكتب له الأمان، فلما سمع الأنباري بالأمان قصد حضرة الصاحب، فقال له الصاحب: أنت القائل الأبيات؟ فأقر له وأنشده إياها، فلما بلغ:
فلم أر قبل جذعك قط جذعاً.... تمكن من عناق المكرمات

فقام الصاحب فعانقه وقبَّل فاه، وأنفذه إلى العضد، فقال: ما حملك على مرثية عدوي؟ فقال: حقوق سبقت، وأيادٍ مضت؛ فجاش الحزن في قلبي فرثيت، فعفا عنه، وأعطاه فرساً وبدرة، ومنهم الفقيه الأديب: عمارة بن علي اليمني صلبه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب سابع سبعة من أعيان مصر، والقصة مشهورة، ومما رثي به الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي -عليهم السلام-،قول الأنباري :
أبا الحسين أثار فقدك لوعة.... من يلق ما لاقيت منها يكمد
فعرى السهاد ولو سواك رمت به.... الأقدار حيث رمت به لم يسهد
[فعبرت بعدك كالسليم وتارة.... أحكي إذا أمسيت فعل الأرمد]
ونقول: لا تبعد وبعدك ذاوياً.... وكذاك من يلق المنية يبعد
كنت المؤمل للعظائم والذي.... يرجى لأمر الأمة المتأود
فقتلت حين نضلت كل مناضل.... وصعدت في العلياء كل مصعد
وطلبت غاية سابقين فنلتها.... بالله في سنَنَ كريم المورد
وأبى إلهك أن تموت ولم تسر.... فيهم بسيرة صادق مستنجد
والقتل في ذات الإله سجية.... منكم وأخذ بالفعال الأمجد
والوحش آمنة وآل محمد.... ما بين مقتول وبين مطرد
[نصباً إذا ألقى الظلام ستوره.... رقد الحمام وليله لم يرقد]
ياليت شعري والخطوب كثيرة.... الأسباب موردها وما لم يورد
ما حجة المستبشرين بقتله.... بالأمس أوما عذر أهل المسجد

وقال الصاحب الكافي:
بدا من الشيب في رأسي تفاريق.... وحان للَّهو تمحيص وتطليق
هذا ولا لهو مع همَّ يعرفني.... بيوم زيد وبعض الهم تعويق
لما رأى أن أمر الدين مطرح.... وقد تقسمه نهب وتمحيق
وأن أمر هشام في تفرعنه.... يزداد شراً وإن الرجس زنديق
قام الإمام بحق الله ينهضه.... محبة الدين إن الدين موموق
[يدعو إلى ما دعا آباؤه زمناً.... إليه وهو بعون الله مرفوق]
[لما تردت حرارتي عليه ولم.... فليس يعسره في الخلق مخلوق]
ابن النبي نعم وابن الوصي نعم.... وابن الشهيد نعم والقول تحقيق
لم يشفهم قتله حتى تعاوره.... قتل وصلب وإحراق وتغريق

[الإمام يحيى بن زيد - عليهما السلام -].
وقام يحيى بن زيد بعد والده.... وهزَّ عاسل عزم غير منكسرِ
فسلمته إلى سلم بن أحوزها.... بالجوزجان بلا ضعف ولا خورِ
صلى الإله على زيد وصفوته.... يحيى وصلى على أشياعه الغررِ
السالكين إلى الأخرى مسالكها.... والمقبلين على أعمالها الأخرِ
ففي النهار جهاد طال عثيرة.... والليل ترجيع آي الذكر في السحرِ
وأشهد الله أن الحق دينهم.... وأنهم صفوة الباري من البشرِ

هو أبو عبد الله، وقيل: أبو طالب يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب- عليهم السلام-، كان مثل أبيه في الشجاعة، وقوة القلب في مبارزة الأقران، وله مقامات مشهورة بخراسان مدة ظهوره بها في حروبه لما استشهد أبوه خرج من الكوفة متنكراً مستتراً مع جماعة من أصحابه فدخل خراسان، ونزل على الحرش بن عبد الرحمن الشيباني، فكتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار يطلبه، فكتب إلى عامله عقيل بن معقل الليثي فطلبه ببلخ، فذكر له أنه في دار الحرش، فطالبه بتسليمه فأنكر أن يكون عالماً به؛ فضرب ستمائة سوط فلم يعترف، فقال: والله، لا أرفع السوط عنك حتى تسلمه أو تموت، فقال حرش –رحمه الله-: والله لو كان تحت قدمي هاتين لا رفعتهما فاصنع ما بدا لك، فلما خشي ابن الحرش على أبيه دسَّ إليه بأنه يدله عليه إن أفرج عن أبيه فدل عليه [وأخذ] وحمل إلى نصر بن سيار، [فقيدَّه وحبسه] وكتب بخبره إلى يوسف بن عمر، فكتب يوسف إلى الوليد، فأمر الوليد: أن افرج عنه، واترك التعرض له ولأصحابه، فكتب يوسف إلى نصر بما أمر به الوليد، فدعاه نصر، وحلَّ قيده، وقال له: لا تثر الفتنة‍‍‍، فقال: وهل في أمة محمد ً أعظم من فتنتكم في سفك الدماء، والشروع فيما لستم له بأهل؟‍‍‍‍ فسكت نصر وخلى سبيله، فخرج من عنده وجاء إلى بيهق وأظهر الدعوة هنالك فبايعه فيها سبعون رجلاً؛ فاجتمع على حربه زهاء عشرة آلاف قائدهم سلم بن أحور عن رأي نصر بن سيار، فخرج عليهم يحيى فقاتلهم وهزمهم، ثم اجتمع عليه بقية العسكر والجيش، فقاتلهم ثلاثة أيام ولياليها أشد قتال حتى قتل أصحابه، وأتته

نشابة في جبهته، ثم حزوا رأسه، وحملوه إلى مروان في رواية (الحدائق) وقال الحاكم في (شرح العيون) : إلى الوليد، وهو المعارض له وكان قتله في شهر رمضان عشية الجمعة سنة ست وعشرين[ومائة] وقيل: سنة خمس وصلب بدنه -عليه السلام- على مدينة الجوزجان، وسنه إذ ذلك ثمان وعشرون سنة، وعرض عليه أن يتزوج، فقال: هيهات!! وأبو الحسين مصلوب بكناسة الكوفة، ولم أطلب بثأره، وكان -عليه السلام- ينشد:
يا ابن زيد أليس قد قال زيد.... من أحبَّ الحياة عاش ذليلا
كن كزيد وأنت مهجة زيد.... تتخذ في الجنان ظلاً ظليلا
يشير إلى قول أبيه لما خرج من عند هشام: من أحب البقاء استدثر الذل إلى الفناء.
[و] روى الإمام المنصور بالله -عليه السلام-: أن قاتل يحيى [بن زيد] كان قد رأى في منامه[قبل قتله ليحيى -عليه السلام-] أنه رمى نبياً فقتله، فلما أصبح أخبر بذلك من أخبره ثم غل يده إلى عنقه، وأقام كذلك مدة من الزمان حتى خرج يحيى -عليه السلام-، واجتمعت الجنود[الأموية] الطالبة لحربه، فقال له بعضهم: قد قام هذا الخارجي ولا غنى لنا عن رميك، فاخرج معنا فإذا انقضت الحرب عدت بحالك [فخرج] فكان هو القاتل ليحيى -عليه السلام- ولا عقب له.

[الإمام محمد بن عبد الله (النفس الزكية) (ع) ].
وفي محمدها المهدي ما حفظت.... حقاً لما كتبت كفاه في السيرِ
زاكي الأصول وزاكي الفرع من حسن.... وخير مؤتزرٍ بالمجد معتجرِ
مالت عليه إلى فرعون معشره.... أبي الدوانيق طاغي عصره الغدرِ
هو: أبو عبد الله، وقيل: أبو القاسم محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام-، [و] كان يسمى المهدي، ويسمى صريح قريش؛ لأنه لم يكن في آبائه من أمه أم ولد إلى أمير المؤمنين، وكذلك جداته من قبل أمه، وكان يسمى بالنفس الزكية؛ لورود الأثر: ((أن النفس الزكية تقتل فيسيل دمه إلى حجار الزيت )) وكان كذلك، وحملت به أمه أربع سنين.
فائدة: ومن حمل به أكثر من تسعة أشهر: الضحاك بن مزاحم ولد لستة عشر شهراً، وشعبة بن الحجاج [ولد] لسنتين، وهرم بن حيان ولد لأربع سنين، ولذلك سمي هرماً، ومالك بن أنس حمل به أكثر من ثلاث سنين، والحجاج بن يوسف ولد لثلاثين شهراً، وكان يقول: أذكر ليلة ميلادي، وعبد الملك بن مروان ولد لسنة، والشافعي حمل به أربع سنين أو أقل، والحنفية يمازحونهم ويقولون: ما جسر إمامكم يظهر أوان الوجود حتى مات أمامنا؛ فتجيبهم الشافعية: بل إمامكم ما تثبت لظهور إمامنا.

عدنا إلى ذكر النفس الزكية
قال السيد ط: كان شجاعاً فارساً، خطيباً بارعاً في الخطبة على تَمَتمَة [فيه] كانت تعتريه إذا تكلم، فإذا عرضت له ضرب صدره بيده فينفصح لسانه، وهو أول من ظهر من آل رسول الله ً، وخوطب بأمير المؤمنين، وبعده محمد بن جعفر بن محمد عليه السلام وكان بين كتفيه شامة تشبه شامة النبي ً، وفيه يقول الشاعر:
وإن الذي يروي الرواة لبين.... إذا ما ابن عبد الله فيهم تجردا
له خاتم لم يعطه الله غيره.... وفيه علامات من البر والهدى
[و] كان [-عليه السلام-] غزير العلم، وافر الفهم، قد سمع من آبائه الحديث، وسمع من نافع، وابن طاووس وله كتاب (السير) المشهور، يقال: إن محمد بن الحسن الشيباني نقل أكثر مسائل السير من هذا الكتاب، وفيه من غرائب الفقه ما يدل على علو منزلته، ويكشف عن عالي مرتبته، وكان -عليه السلام- قوياً جداً.
روى الشيخ أبو الفرج، عن سعيد بن عقبة قال: كنا مع عبد الله بن الحسن بسويقة وبين يديه صخرة، فقام محمد [بن عبد الله] يعالجها ليرفعها فأقلها حتى بلغ ركبتيه، فنهاه أبوه فانتهى،فلما دخل عبد الله عاد إليها فأقلها حتى بلغ بها على منكبيه، ثم ألقاها فحزرت ألف رطل.
قال: ووقف موسى يعني الهادي وهو أخو الرشيد على الصخرة بسويقة، فاجتمع هو ورجل من أصحابه على علاجها وهي على حرفها، فكان جهدهما أن حركاها ومن شعره -عليه السلام-:
متى يرى للعدل نور وقد.... أسلمني ظلم إلى ظلم
أمنية طال عداتي بها.... كأنني فيها أخو حلم

[قالوا] : ولما انتشرت دعوته -عليه السلام- في الآفاق وعقدت من أهل الفضل في الأعناق، اضطر إلى الخروج قبل أوانه، وكان السبب في ذلك أن أبا الدوانيق لما حبس عبد الله بن الحسن وإخوته وشدد عليهم بسبب محمد هذا، وأمر بضرب موسى بن عبد الله فضرب ستمائة سوط، ثم أمره أبو جعفر ابن عمه ليكون [له عيناً] فتقدم موسى بن عبد الله على أن يكون عيناً له على أخيه محمد، فأقام مدة بالمدينة حتى أمر [واليها إلى أبي جعفر] إنك أمرت موسى ليكون عيناً لنا على محمد بن عبد الله وإنه عين له علينا، فأمر أبو جعفر بإحضاره، فلما خرجوا بموسى من المدينة خشي عليه أخوه محمد[من] القتل؛ فشهر نفسه في الحال، وكان ظهوره لليلتين بقيتا من شهر جماد الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة وانضاف إليه في تلك الحال مائتان وخمسون رجلاً حتى وقف على سجن المدينة، وأخرج من فيه ودخل المسجد قبل الفجر، فخطب الناس، وقال في خطبته بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد.. يا أهل المدينة، فإني والله ما خرجت فيكم وبين أظهركم[لأتعززبكم] فغيركم كان أعزَّ لي منكم إلا أني حبوتكم بنفسي مع أنه لم يبق مصر من الأمصار يعبد الله فيه إلا وقد أخذت لي فيه البيعة، وما بقي أحد من مشرق، ولا مغرب إلا وقد أتتني بيعته، وأنا أحق الناس بالقيام بهذا الأمر لأبناء المهاجرين والأنصار، مع ما قد علمتم من سوء مذهب هذا الطاغية الذي قد بلغ من عتوه وطغيانه أن اتخذ لنفسه بيتاً وبوَّبه بالذهب -يعني أبا الدوانيق-، ثم بالغ في ذمه، ثم صلى بالناس وبايعوه طوعاً إلا شرذمة، وهرب والي المدينة لأبي الدوانيق

فلحق وسألوه عن موسى؟ فقال: قد أنفذته إلى المنصور، فبعث جماعة من الفرسان فردوه، ثم خرج –عليه السلام- إلى مكة فبويع هناك، وبعث أخاه إبراهيم إلى البصرة، وأما هو فرجع من مكة إلى المدينة فوجه إليه أبو جعفر عيسى بن موسى في أربعة آلاف رجل، وقال له: إنك سترد على حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجيران قبره، فإن قتلت محمداً أو أخذته أسيراً فلا تقتل أحداً وارفع السيف، وإن طلب محمد الأمان فأعطه، فلما بلغ محمد مسيره خندق على المدينة خندقاً فقاتلهم ساعة، فلما انهزم أصحابه، وتفرقوا رجع إلى دار مروان، فصلى الظهر واغتسل وتحنط، وكان القتال يوم الإثنين للنصف من رمضان.

قال بعضهم: رأيت محمداً وإنه أشبه [ما] خلق الله به لما ذكر من حمزة بن عبد المطلب، يهز الناس بسيفه ما يقاربه أحد إلا قتله، والله ما يلتق شيئاً حتى رماه إنسان بسهم، فوقف إلى ناحية جدار المسجد، وتحاماه الناس، وروي أنه قتل ذلك اليوم اثني عشر رجلاً من جنود الظالمين، وكان انهزام عسكره على ما رواه الإمام المنصور بالله في رواية الفقيه الشهيد حميد المحلي في (الحدائق) بحيلة امرأة عباسية كانت في المدينة، فإنها أمر ت خادماً لها بقناع أسود رفعه في منارة[مسجد] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمرت خادماً لها آخر فصاح في العسكر: الهزيمة الهزيمة، فإن المسودَّة قد جاءوا من خلفكم، فدخلوا المدينة، فرأوا الراية السوداء فلم يشكوا في ذلك فانهزم الناس، وبقي وحده يقاتل حتى ضربه رجل على ذقنه فسقطت لحيته على صدره فرفعها بيده وشدها، ثم رمي بنشابة في صدره فحملوا عليه من كل جانب فقتل، والذي تولى الإجهاز عليه حُمَيد بن قحطبة، وفي بعض الأخبار أنه لما حمي الوطيس خرج النفس الزكية في قبا طاق وهو يقول [شعراً] :
قاتل فما بك إن خشيت بدونه.... في ظل صرفيها إذا لم تخلد
إن امرأً يرضى بأهون سعيه.... قصرت مرؤته إذا لم يزدد

فلما قتل حمل رأسه إلى أبي الدوانيق، وكان قتله بعد العصر يوم الإثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، ذكره أبو الفرج الأصبهاني من سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل: [سنة] ست، وقيل: إنه قتل عن اثنين وخمسين سنة، وكان مدة قيامه شهرين تزيد أياماً قلائل، ولما قتل دخل الجند الظالم المدينة لزيارة قبر النبي، فوقف حميد بن قحطبة على الباب ولم يدخل، فقال له بعضهم: ما رأيت أعجب من أمرك تضرب آباط الإبل لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتصل إلى باب مسجده، ثم لا تزوره؟! فقال: والله، إني لأستحي منه، الآن قتلت ولده، ثم أدخل لزيارته، فقال له عيسى بن موسى: اسكت، ولأخيه إبراهيم ترثية :
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا.... فإن بها ما يدرك الطالب الوترا
وإنَّا أناس لا تفيض دموعنا.... على هالك منَّا وإن قصم الظهرا
ولست كمن يبكي أخاه بعبرة.... يعصرها من جفن مقلته عصرا
ولكنني أشفي فؤادي بغارة.... تلهب في قطري كتائبها الجمرا
ولبعضهم:
رحم الله شباباً.... قتلوا يوم الثنية
قاتلوا عنه بنيا.... ت وأحساب تقية
فرَّ عنه الناس طراً.... غير خيل أسدية
قتل الرحمن عيسى.... قاتل النفس الزكية

[عبد الله بن الحسن بن الحسن - عليهم السلام - ].
وقادت الحَبْر عبد الله كاملنا.... أبو الأئمة بعد الشيب والكبرِ
مغلغلاً في حديد تحته قتب.... وغيبت غرة الديباج في الجدرِ
والفاطميات تبكي بعدهم جزعاً.... وعين صادقنا تجري بمنهمرِ
المراد هنا عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب-عليهم السلام-، المسمى بالكامل، وإنما سمي الكامل؛ لأنهم كانوا إذا قالوا: من أعلم الناس؟ من أفصح الناس؟ من أكرم الناس؟ من كذا؟ من كذا؟ قيل: عبد الله بن الحسن وهو أبو الأئمة محمد، وإبراهيم، وإدريس، ويحيى، ومعنى قول الناظم: وقادة الحبر.. يعني الدنيا لأن الكلام مسوق فيها من أوله إلى آخره، وهو يشير إلى ما ذكرته الرواة نقلته أنا في شرحي على كتاب (الصادح والباغم) ونقل المذكور من كتاب (العقد) لابن عبد ربه؛ لأن ابن الهبارية في (الصادح والباغم) قال ما لفظه:
وإن هو استخفى عن المبارزة.... وكنت أحظى منه بالمناجزة
فأخدعه كي يضجر للقاء.... إن الخداع غاية الدهاء
كذلك المنصور كاد ابني حسن.... فظهرا بعد اختفاء المحن

قال في (العقد): لما ولي أبو العبَّاس السفَّاح الخلافة قدم عليه بنو الحسن بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام- فأعطاهم الأموال، وقطع لهم القطائع، وقال لعبد الله بن الحسن: احتكم عليَّ، فقال: يا أمير المؤمنين، ألف ألف درهم فإني لم أرها قط، فاستقرضها له من صيرفي وأمر له بها ثم أتي إليه بجواهر مروان فجعل يقلبها وعنده عبد الله بن الحسن؛ فبكى عبد الله، فقال له: ما يبكيك يا أبا محمد؟ فقال : هذا عند بنات مروان وما رأت بنات عمك مثله، فحباه به، ثم أمر الصيرفي أن يبتاعه منه بثمانين ألف درهم، ثم خرج بنو حسن فبعث معهم رجلاً من ثقاته، فقال له: قم بإزائهم ولا تأل في إلطافهم، وكلما خلوت معهم فأظهر الميل عنَّا والتحامل علينا وعلى ناحيتنا، وأنهم أولى بالأمر منَّا، وأحص[واحفظ] ما يقولون وما يكون منهم، فلما قدم عبد الله بن الحسن ومن معه المدينة اجتمع إليه الفاطميون، فجعل يفرَّق فيهم الأموال تلك فعظم بها سرورهم، فقال لهم عبد الله بن الحسن: أفرحتم ؟ فقالوا: وما لنا لا نفرح بما كان محجوباً عنَّا، بأيدي بني مروان، حتى آتا الله لقرابتنا وبني عمنا فأصاروه إلينا، فقال: أفرحتم أن تناولوا هذا بأيدي قوم آخرين؟ فخرج الرجل الذي كان وكلَّه السفَّاح بأخبارهم، فأخبره بما سمع من قولهم، وأخبر أبو العبَّاس أخاه المنصور فعدوها حنة، ثم مات السفَّاح، وقام بعده المنصور فبعث بعطاء أهل المدينة، وكتب إلى عامله بها أن أعط الناس في أيديهم، ولا تبعث إلى أحد بعطائه، وتفقَّد بني هاشم، ومن تخلَّف منهم ممَّن حضر، وتحفظ بإبراهيم ومحمد

ابني عبد الله، ففعل، وكتب إليه : لم يتخلَّف أحد من العطاء إلا محمد وإبراهيم فإنهما لم يحضرا، فكتب أبو جعفر إلى أبيهما يسأله عنهما ويأمره بإظهارهما، ويخبره أنه غير عاذره فكتب إليه: أنه لا يدري أين هما؟ ولا أين توجها؟ فلم يلبث المنصور، [وكان قد] أذكى العيون، ووضع الأرصاد حتى جاءه كتاب من بعض ثقاته أن رسولاً لعبد الله بن الحسن وولديه خرج بكتب إلى خراسان بالاستدعاء لهم، فأمر أبو جعفر لرسولهم فأتي به وبكتبَه، فردَّها إلى عبد الله بن الحسن [مع الرسول] بطوابعها لم يفتحها وكتب إليه: إني أُتِيْتُ برسولك، والكتب معه فرددتها إليك بطوابعها كراهة أن أطلع لك منها [على] ما يغير عليك قلبي، فلا تدع إلى التقاطع بعد التواصل، ولا إلى الفرقة بعد الاجتماع، وأظهر لي ابنيك فإنهما يصيران إلى ما تحبَّ من الولاية والقرابة والشرف، فكتب إليه عبد الله يعتذر، ويعلمه أن ذلك فعل عدو يريد تشتيت ما بينهم بعد التئامه، فبينا هو كذلك إذ جاءه كتاب من بعض ثقاته يخبره أن الرسول [لبنيه] خرج بالكتب بأعيانها على طريق البصرة، وأنه نازل على فلان المهلبي، فوضع أبو جعفر عليه رصدة، فأتي به إليه ومعه الكتب، فحبس الرسول، وأمضى الكتب إلى خراسان مع رسول من عنده من ثقاته، فقدم عليه في الجوابات بما يكره واستبان له الأمر، فكتب إلى عبد الله بن الحسن [بن الحسن بن علي -عليهم السلام-] :
أريد حياته ويريد موتي.... عذيرك من خليلك من مراد

أما بعد.. فقد قرأت كتبك[وكتب ابنيك] [التي مع رسلك] فأنفذتها إلى خراسان، وجاء الفتى بجواباتها بتصديقها، فقد تقرر عندي أنك مغيَّب لابنيك، [وأنك] تعرف مكانهما فأظهرهما، فإن لك [عليَّ] أن أعظم صلتهما، وأضعهما بحيث وضعتهما، فتدارك الأمور قبل تفاقمها، فكتب إليه عبد الله بن الحسن[قوله] :
وكيف أريد ذاك وأنت مني.... وزندك حين يقدح من زنادي
وكيف أريد ذاك وأنت مني.... بمنزلة النياط من الفؤاد
وكتب إليه أنه لا يدري أين توجها، وأنه لا يعرف الكتب، ولا شك أنها مفتعلة، فلما اختلفت الأمور على أبي جعفر بعث بسلم بن قتيبة الباهلي، وبعث معه بمال، وقال له: إني إنما أدخلتك بين لحمي وعظمي، فلا تخف عني أمراً تعلمه، فخرج سلم حتى قدم المدينة، وكان عبد الله بن الحسن يجلس بين الروضة والمنبر فجلس إليه سلم وأظهر له المحبة والميل إلى ناحيته، ثم قال له بعدما أنس به: إن ناساً من أهل خراسان وهم فلان وفلان، وسمى له رجالاً يعرفهم ممن كان يكاتب بعثوني إليك بمال معي، وكتبوا إليك كتباً فقبل الكتب و المال، وكان عشرة آلاف درهم ثم أقام معه ما شاء الله حتى ازداد به أنساً، [وإليه استئمانه] ثم قال له: إني قد بُعِثَ إليَّ بكتب إلى أمير المؤمنين محمد وإلى ولي عهده إبراهيم، وأمرت أن لا أوصل ذلك إلا إلى أيديهما فإن أوصلتني إليهما أوصلت إليهما المال والكتابين، ورحلت إلى القوم بما يثلج صدورهم، وتقبله قلوبهم، فأنا عندهم بموضع الصدق والأمانة، وإن كان أمرهما مظلماً ولم يكن يعرف مكانهما لم يخاطروا بدمهم وأموالهم، فلما رأى

عبد الله أن الأمور تفسد عليه من حيث يرجو إصلاحها إلا بإظهارهما له أوصله إليهما ودفع الكتابين وأربعين ألف درهم معه، ثم قال: هذا محمد، وهذا إبراهيم، فقال لهم: إن من ورائي[من] لم يبعثوني ولهم بعدي غائب، وليس مثلي ينصرف إلى القوم إلا بجملة ما يحتاجون إليه، ومحمد إنما صار إلى هذه الحظة ووجبت له هذه الدعوة لقرابته من رسول الله ً، وهاهنا من هو أقرب منه إليه رحماً، وأوجب حقاً، قال: ومن هو؟ قال: أنت إلا أن يكون معك في ابنك أثر ليس عندك في نفسك، قال: الأمر كذلك عندي، قال: فإن القوم يقتدون بك في جميع أمورهم، ولا يريدون أن يبذلوا دمهم وأموالهم، وأنفسهم إلا بحجة يرجون بها لمن قتل منهم الشهادة، فإن أنت خلعت أبا جعفر وبايعت محمداً اقتدوا بك، وإن أبيت اقتدوا بك أيضاً في ترك ذلك ثقة بك، فقال: إني أفعل، فبايع محمداً وخلع أبا جعفر، وبايعه سلم من بعده، وأخذ كتبه وكتب محمد وإبراهيم وخرج، فقدم إلى أبي جعفر وقد حضر الموسم، وأخبره بالكلام كله فسار أبو جعفر، فلما دخل المدينة أرسل إلى بني الحسن فجمعهم، وقال لسلم : إذا رأيت عبد الله عندي فقم على رأسي، وأشر إليَّ بالسلام، ففعل، فلما رآه عبد الله سقط في يده وتغيَّر وجهه، فقال له أبو جعفر: مالك [يا] أبا محمد؟ أتعرفه؟ فقال: نعم، يا أمير المؤمنين، أقلني وصلتك رحم، فقال له أبو جعفر: قد عرفت أنك تعرف موضع ولديك، وقد باح السر، فأظهرهما لي، ولك أن أصل رحمك ورحمهما، وأن أعظِّم ولايتهما، وأعطي كل واحد منهما ألف ألف درهم، فتراجع وهو وعبد الله حتى قبضه في اثني عشر رجلاً من

بني الحسن، فأمر بحبسهم جميعاً، [ثم سار بهم نحو العراق، وارتجت المدينة بالبكاء من كل دار].
هذه رواية ابن عبد ربه وقال الحاكم: إنهم فوق عشرين نفراً، فسار بهم، وحبسهم في العراق في أضيق حبس، فبعضهم مات، وبعضهم نجا وهم القليل، ولما خرجوا بهم من المدينة خرج جعفر الصادق وجعل ينظر إليهم من حيث لا يبصر ودموعه جارية على خده، وقتلهم الدوانيقي على صفات مختلفة.
قالوا: وممن مات في الحبس: إسماعيل بن إبراهيم، وكان يسمى الديباج ؛ لأنه كان مثل سبيكة الذهب كلما اشتد الوقد عليها ازدادت حسناً، وممن كان في الحبس: محمد بن إبراهيم أخو إسماعيل، وكان محمد يسمى الديباج الأصفر، وإسماعيل الديباج مطلقاً، فقال أبو جعفر لمحمد لما حبسهم: أنت الديباج الأصفر؟ فقال: نعم، فقال: إذن، والله لأ قتلنك قتلة ما قتلها أحد من أهل بيتك، فأمر بإسطوانة فلما فرغت أدخل فيها فبنى عليه وهو حي. رواه ابن جرير الطبري.

وروي: أن إسماعيل هذا قبل حبسه قد [كان] أتي له من مصر بألفي دينار ورزمتي ثياب، فسايره رجل من[باب] المسجد إلى البيت، فقال: ألك حاجة؟ فقال: لا، إنما أحببت أن أصل جناحك، فأمر له بإحدى الرزمتين وبعض المال، ومن المحبوسين: علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وكان كثير التلاوة، وكانوا في ذلك المطبق لا يهتدون إلى أوقات الصلاة إلا بقراءته لما كان قد اعتاده من قبل، ولما اشتد عليهم البلاء، وعظم الأمر، قال له عبد الله بن الحسن: يا بني، قد ترى ما نحن فيه فادع الله تعالى، وكان مجاب الدعوة، ففكرَّ، ثم قال: يا عم، إن لأبي الدوانيق في النار منزلة لم يكن ليبلغها إلا بما فعل بنا، وإن لنا منزلة في الجنه لم نكن لنبلغها إلا بما نحن فيه، فإن شئت أن أدعو الله أن يقصر بنا في منزلتنا في الجنة، ويقصر به في منزلته في النار فعلت، فقال: لا، يا بني، وكان على هذا يعرف هو وامرأته بالزوج الصالح، وكان يسمى: علي الخير، وعلي الأغر، وهو والد الحسين الفخي الآتي ذكره، وروي أن جعفر الصادق- عليه السلام- لم يزل يبكي منذ أخرجهم أبو الدوانيق وفي الرواية: أنه لما قتل منهم من قتل ومات في حبسه من مات، أمر شيبة بن عقال إلى الموسم لينال من آل أبي طالب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن علي بن أبي طالب شقَّ عصا المسلمين، وخالف أمير المؤمنين، وأراد [هذا] الأمر لنفسه؛ فحرمه الله أمنيته، وأماته بغصته ثم هؤلاء [ولده] يقتلون، وبالدماء يخضبون فقام إليه رجل، فقال: الحمد لله رب العالمين، ونصلي على محمد الأمين، وسائر النبيين أما ما

قلت من خير فنحن أهله، وما قلت من شر فأنت به أولى، وصاحبك به أحرى، يا من ركب غير راحلته، وأكل غير زاده، إرجع مأزوراً، ثم أقبل على الناس، فقال: أخبركم مَنْ ذلك بالأبخس ميزاناً، والأبين خسراناً؟ من باع آخرته بدنيا غيره فهو هذا، ثم جلس، فقال الناس: من هذا؟ فقيل:[هذا] جعفر الصادق -عليه السلام-.
قالوا: ولما خرج بنو الحسن من المدينة كما تقدم، أنشأ بعض شيعتهم يقول:
من لنفس كثيرة الإشفاق.... ولعين كثيرة الإطراق
جمدت للذي دهاها زماناً.... ثم جادت بدمعها المهراق
لفراق الذين راحوا إلى.... الموت عياناً والموت مر المذاق
ثم راحوا يسلمون علينا.... بأكف مشدودة بالوثاق
ما رأينا من البرية طراً.... مثلهم لو وقى من الموت واقِ
كرماً عند ما ألم وصبراً.... ليست المقرمات مثل العتاق
فيهم سيد البرية يشكو.... طول حبس وغص قيد مضاق
غيَّبت وجهه قريش وعا.... دت بمفدَّى مبارك سبَّاق
وروى السيد ط بإسناده إلى محمد بن يحيى الصولي قال: سمعت[محمد بن القاسم] أبا العيناء يقول وقد تذاكرنا ذهاب بصره، قال: كان أبو الدوانيق يثق بجدي، وكان في نهاية الثقة [والعقل] فقال له: قد ندبتك لأمر عظيم عندي موقعه، وأنت عندي كما قال أبو ذؤيب:
الكني إليها وخير الرسو .... ل أعلمهم بنواحي الخير

ثم عرَّفه ما يريد منه، وأطلق له مالاً خطيراً، وقال : مر إلى المدينة وافتح بها دكان عطار، وأظهر أنك من خراسان شيعة عبد الله بن حسن وأنفق على حشمه، وأهد لهم وله ما يقربك عندهم، وكاتبني مع ثقاتك بأنفاسهم، وتعرَّف لي خبر ابنيه محمد، وإبراهيم، فمضى جدي ففعل ذلك، فلما قبض أبو الدوانيق على عبد الله وأهل بيته جعل يوبخَّه على شيء فشيء من فعله وقوله، ويخبره بما ظن أن أحداً لا يعلمه، فقال عبد الله لبعض ثقاته: من أين أُتينا؟ فقال: من جهة العطار، فقال: اللهم، ابتله في نفسه وولده بما يكون نكالاً له، وردعاً لغيره.
قال: فعمي جدي، وعمي بعده أبي وولده، وأنا على ما ترون، وكذلك ولدي، [من دعاء عبدالله بن الحسن إلى يوم القيامة].

[الإمام إبراهيم بن عبد الله بن الحسن عليهم السلام ]
وأوقعت يوم باخمرا يسيدها.... واستخرجت ليث غاب كان في الُحمرِ

باخمرا: اسم مكان الوقعة التي قتل فيها الإمام إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن -عليهم السلام-، وكنيته أبو الحسن، ولهذا قال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة في ولده إبراهيم [يرثيه] :
أبا حسن وإبراهيم يكنى.... أبا حسن بقومك أجمعينا
قالوا: [و] كان الإمام إبراهيم هذا قد نشأ على الديانة والعفاف والعلم والعمل حتى بلغ أشرف خطة، وأعلى درجة، وروي أن إبراهيم بن يحيى الهمداني سئل فقيل له: قد رأيت إبراهيم ومحمداً ابني عبد الله، فأيهما كان أفضل؟ فقال: والله لقد كانا فاضلين شريفين كريمين، عابدين زاهدين، وكان إبراهيم يقدَّم أخاه محمداً ويفضَّله، وكان محمد يعرف لإبراهيم فضله، وقد مضيا شهيدين.
وقال بعضهم: لما قتل إبراهيم وأنا بالكوفة أتيت الأعمش بعد قتله، فقال: هاهنا أحداً تنكرونه فقلت: لا، فقال: أما والله لو أصبح أهل الكوفة على مثل رأيي لسرنا [حتى تنزل لعقوقه يعني أبا جعفر] فإذا قال لي: ما حاجتك يا أعمش؟ قلت: جئت لأبيد خضراءك، أو تبيد خضراءي؛ بما فعلت بابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وأما بيعته -عليه السلام- فإنه قد كان خرج إلى البصرة داعياً إلى أخيه النفس الزكية، فقام متوارياً حتى ظهرت دعوة أخيه بالمدينة، فأظهر هو الدعاء إليه، واستولى على البصرة، وقام بالأمر هناك حتى ورد عليه نعي أخيه وهو يريد أن يصلي صلاة العيد، فصلى [بهم] ثم رقى المنبر، ونعى أخاه إلى الناس، ثم أنشأ يقول متمثلاً:
أبا المنازل يا عين الفوارس من.... يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا
الله يعلم أني لو خشيتهم.... أو أوجس القلب من خوف لهم جزعا
لم يقتلوك ولم أسلم أخي لهم.... حتى نموت جميعاً أو نعيش معا

لما نزل بايعه علماء البصرة، [وعبادها] وزهادها، واختصت به المعتزلة مع الزيدية، ولا زموا مجلسه، وتولوا أعماله، فاستولى على واسط وأعمالها، والأهواز وكورها، وأعمال فارس، وكان أبو حنيفة يدعو إليه سراً، وكاتبه، وكتب إليه: إذا ظفرك الله بآل عيسى بن موسى وأصحابه فلا تسر فيهم سيرة أبيك في أهل الجمل، فإنه لم يقتل المدبر، ولم يجهز على الجريح، ولم يغنم الأموال؛ لأن القوم لم تكن لهم فئة، ولكن سر فيهم سيرة يوم صفين، [فإنه أجهز على الجريح] وأقسم الغنيمة؛ لأن أهل الشام كان لهم فئة، فظفر المنصور بكتابه، فكتب إلى عيسى بن موسى وهو على الكوفة أن يحمل إليه أبا حنفية إلى بغداد، قال أبونعيم راوي هذه القصة: فقدم بغداد فسقي شربة فمات وهو ابن سبعين سنة، وكان مولده سنة90، وكان من أتباع الإمام إبراهيم[بن عبد الله] عليه السلام وأما بشر الرحال ومطر الوراق فيروى أن أبا الدوانيق أمر رجلاً إلى البصرة ليعرف أحوال إبراهيم، فلما رجع، قال: كيف رأيت مطر الوراق، وبشر الرحال؟ قال: رأيتهما يدخلان على إبراهيم، وعليهما السلاح، فقال: ما كنت أظن أن الصوم أبقى لهما ما يحمل السلاح.

قالوا: فلما قويت شوكة إبراهيم جهز أبو الدوانيق عيسى بن موسى وغيره لمحاربته، فلما بلغ ذلك إبراهيم أجمع المسير إليهم فأشار عليه بعض أصحابه بالوقوف بالبصرة، فأبى وسار نحوهم، فالتقوا بباخمرا، وكان عسكره إحدى عشر ألف راجل وسبعمائة فارس، وكانت الهزيمة أولاً في أصحاب أبي جعفر، ثم كانت في أصحاب إبراهيم -عليه السلام-، فثبت حتى[إذا] كان آخر النهار، رفع المغفر عن وجهه من شدة الحر فجاء سهم فوقع في رأسه، فاعتنق فرسه، واحتوشته الزيدية وأنزلوه فأخذه بشر الرحَّال إلى حجره، وهو يقول: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً }[الأحزاب:38]، ثم حمل عليه جند الظلمة فحزوا رأسه، ورأس بشر الرحَّال، وأمروا بهما إلى [أبي] جعفر، ودفنوا جثة إبراهيم بباخمرا.
قالوا: وصرع معه أربعمائة ضاربوا دونه حتى قتلوا، وكان خروجه في رمضان من سنة خمس وأربعين ومائة، فبقي رمضان وشوال وذا القعدة، وقتل في ذي الحجة ومما رثَّي به قول غالب بن عثمان الهمداني الناعطي -رحمه الله- [تعالى] :
وقتيل باخمرا الذي.... نادى فأسمع كل شاهد
أدنى الجنود إلى الجنود.... تزحَّف الأسد الحوارد
بالمرهفات وبالقنا.... والمبرقات وبالرواعد
فدعا لدين محمد.... ودعوا إلى دين ابن صائد
فرماهم بلبان أبـ.... ـلق سابق للخيل قائد
بالسيف يبري مصلتاً.... هاماتهم بأشد ساعد
فأتاه سهم قاصد.... لفؤاده بيمين جاحد
فهوى صريعاً للجبـ.... ين وليس مخلوق بخالد
وتبددت أنصاره.... وثوى بأكرم دار واحد
نفسي فداء لك من صر.... يع غير ممهود الوسائد
وفدتك نفسي من غر.... يب الدار في القوم الأباعد

أي امرئ ظفرت به.... أيمان أبناء الولائد
وأولئك الشهداء والصَّـ.... ـبر الكرام لدى الشدائد
ونجار يثرب والأبـ.... ـاطح حيث معتلج العقائد
أقوت منازل ذي طوى.... فبطاح مكة فالمشاهد
فالخيف منهم والجمار.... فموقف الظعن الرواشد
[فحياض زمزم فالمقام.... فصادر عنها ووارد]
فسويقتان فينبع.... فبقيع يثرب والملاحد
أمست بلاقع من بني.... [حسن بن فاطمة الأراشد]
وكان هذا الشاعر من الرئاسة والعلم [بموضع] ليس لأحد مثله، وجد به الطلب بعد قتل إبراهيم حتى ظفر به أبو الدوانيق فقتله، ولم يقله العثرة، ولما قُدم للقِّتل قال:
هل كان يرتحل البراق أبوكم.... أم كان جبريل عليه ينزل
أمَّ من يقول الله إذ يختاره.... للوحي قم يا أيها المزمل
يبدي المؤذن في الصلاة بذكره.... مع ذكره لله حين يهلل

[الإمام علي بن العباس بن الحسن بن الحسن والإمام الحسين بن علي الفخي عليهما السلام]
وبعده فعلي من علا شرفاً.... وليس للمرء دون الموت من وزرِ
وأسبلت عبرات المؤمنين على.... دم بفخ لآل المصطفى هدرِ
المراد بعلي هذا هو: علي بن العباس بن الحسن بن الحسن، والعباس هذا هو: أخو عبد الله الكامل، وهو ممن حبسه أبو الدوانيق.
قال الإمام المنصور[بالله-عليه السلام-] في كتابه (الشافي): إن [علي بن] العباس هذا دعا إلى نفسه ببغداد، واستجاب له جماعة وافرة من الزيدية، فأمر عليه المهدي الجواسيس، فجاءوه بعلمه، فقبض عليه قبل استحكام أمره، ولم يزل في حبسه إلى أن وفد عليه الحسين[بن علي] الفخي عليه السلام فاستوهبه منه فوهبه له، فدس إليه شربة سم فلم تزل تعمل فيه حتى قدم المدينة، فتفسخ لحمه[وتباينت أعضاءه] بعد دخوله المدينة بثلاثة أيام وأما البيت الثاني فأشار به السيد صارم الدين إلى الحسين صاحب فخ، ومن قتل معه من أهل البيت وهو بعينه من أبيات (البسَّامة)، لكن السيد حرَّفه فذلك قال:
وأسبلت دمعة الروح الأمين على.... دم بفخ لآل المصطفى هدر

واعترضه صاحب (أطواق الحمامة شارح البَّسامة) وقال : إن دمعة الروح الأمين لم تسل إلا على أهل كربلاء يعني الحسين بن علي[بن أبي طالب] وأهل بيته –عليهم السلام-، وصاحب فخ هو: أبو عبد الله الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن المثلث بن علي بن أبي طالب –عليهم السلام-، أمه زينب ابنة عبد الله بن الحسن، وكان أبوه وأمه يعرفان بالزوج الصالح لصلاحهما وفضلهما، ولما زفت إليه ليلة العرس قال لها: هل لك أن نصلي هذه الليلة شكراً لله إذ جمع بيننا، قالت: أفعل، فباتا كذلك، فلما دنا طلوع الفجر، قال لها: هل لك في الصوم هذا اليوم شكراً لله؛ إذ جمع بيننا؟ فصاما يومهما، فأقبلت الليلة الثانية فباتا يصليان، ثم صاما ثانياً حتى أقاما سنة كاملة، فقال له عمه عبد الله بن الحسن: لِمَ رغبت عن سنة جدك؟ أقسمت عليك إلا ما تركت هذا الأمر -أو ما هذا معناه- رواه في (محاسن الأزهار) وقال صاحب (كتاب الأنساب) : كان الفخي قد نشأ على السداد، وطرق الرشاد، جامعاً بين العلم والعمل، وروى العلماء فيه من الأخبار ما يقضي بفضله؛ فمن ذلك مارواه أبو الفرج، عن زيد بن علي –عليهما السلام-، قال: انتهى رسول الله ً إلى موضع فخ، فصلى بأصحابه صلاة الجنائز فقال:((يقتل هاهنا رجل من أهل بيتي في عصابة من المؤمنين يُنّزَل عليهم بأكفان وحنوط من الجنة، تساق أرواحهم إلى الجنة قبل أجسادهم)).

وروى أبو الفرج -أيضاً-، عن محمد بن علي- عليهما السلام- فقال : مر النبيبفخ فصلى ركعة، فلما صلى الثانية بكى وهو في الصلاة فبكى الناس لبكائه، فقال: (ما يبكيكم)؟ وذلك بعد انصرافه؟ فقالوا: رأيناك تبكي فبكينا، فقال: ((نزل عليَّ جبريل لما صليت الركعة الأولى، فقال: يامحمد، إن رجلاً من ذريتك يقتل في هذا المكان، وأجر الشهيد معه كأجر الشهيدين)).
قالوا: وقد كان اشتهر من الجود والكرم بما لم يشتهر به عربي، ولا عجمي في عصره، وروايته في قدومه على المهدي بن المنصور مشهورة حذفتها هاهنا اختصاراً، وأما سبب قيامه فإن موسى الملقب بالهادي لما ولي استخلف على المدينة رجلاً من ولد عمر بن الخطاب، فأساء المعاملة لمن فيها من الطالبيين، وطالبهم بالعرض في كل يوم، وأخذ كل منهم بكفالة قريبه ونسيبه، وجرى في ذلك خطب جسيم خلاصته: أن الطالبيين هجموا على العمري داره بعد أن طلع مؤذنهم وقت الصبح المنارة، وأذن بحي على خير العمل، وصاح العمري: أغلقوا البغلة بالباب، وأطعموني على جبتي ماء، قال الراوي: فولده بالمدينة يعرفون ببني جبتي قال: ثم هرب من داره على وجهه حتى نجا وصلى الحسين بالناس صلاة الصبح، ثم خطب بعد الصلاة، وقال بعد حمد الله والثناء عليه: أنا ابن رسول الله، على منبر رسول الله، في حرم رسول الله أدعوكم إلى سنة رسول الله، أيها الناس، تطلبون آثار رسول الله ًفي الحجر والعود تمسَّحون بذلك، وتدعون بضعة منه ثم استخلف على المدينة، وخرج قاصداً [له] إلى مكة بمن معه من أهله ومواليه وهم زهاء ثلاث مائة، فلما قربوا من مكة وصاروا بفخ

بلغتهم جيوش المسودة، فعرض عليه العباس بن محمد الأمان، والعفو والصلة، فأبى ذلك أشد الإباء، وعن أبي العرجاء جمال موسى بن عيسى قال: لما وصلنا بستان بني عامر، قال لي : إذهب إلى عسكر الحسين حتى تراه فتخبرني بكل ما رأيت قال: فمضيت ودرت فما رأيت خلالاً ولا فلالاً وما رأيت إلا مصلياً ومبتهلاً وناظراً في مصحف، ومعد السلاح، فجئت وقلت: ما أظن القوم إلا منتصرين علينا، فقال: كيف ذاك يا ابن الفاعلة؟ فأخبرته، فضرب يداً على يد فبكى حتى قلت: هو منصرف فقال: هم والله أكرم عند الله منَّا،[وأحق بما في أيدينا منا] ولكن الملك عقيم، والله لوأن صاحب القبر، يعني النبي ً ينازعنا الملك لضربنا خيشومه بالسيف، يا غلام، اضرب طبلك ثم سار إليهم فوالله ما انتهى حتى قتلهم، رواه في (الحدائق) قال: وكان أول من بدأ [منهم] بالقتال موسى بن عيسى، قال: فحملوا عليه فاستطرد لهم حتى أوغلوا في الوادي وحمل عليهم محمد بن سليمان من خلفهم، فطحنهم طحنة واحدة حتى قتل أكثر أصحاب الحسين، وجعلت المسودة تصيح بالحسين: يا حسين، لك الأمان، فيقول: الأمان أريد، فحمل عليهم فقتل، وقتل معه سليمان بن عبد الله بن الحسن وعبد الله بن إسحاق [والحسن بن إبراهيم بن عبد الله] و[إبراهيم بن الحسن] ولما قتل الحسين –عليه السلام- حمل رأسه إلى الهادي موسى، ودفنت جثته الكريمة بفخ، ومشهده هناك مشهور مزور، ولا عقب له، وقتل وهو في إحدى وأربعين سنة، وقبره بفخ عند بستان الديلمي في الزهراء، أمر المنصور عبد الله بن حمزة إلى السيد الحسين بن قتادة بن إدريس بعمارته

فعمر عليه، وعلى الحسن بن محمد قبة حسنة سنة إحدى وستمائة سنة، ولبعضهم يرثي الحسين هذا وأصحابه:
فلأبكين على الحسيـ.... ـن بعولة وعلى الحسنْ
وعلى ابن عاتكة الذي.... أثووه ليس بذي كفنْ
نزلوا بفخ غزوة.... في غير منزلة الوطنْ
كانوا كراماً فانقضوا.... لا طائشين ولاجبنْ
غسلوا المذلة عنهم.... غسل الثياب من الدرنْ
هدي العباد بجدهم.... فلهم على الناس المننْ
رواه الشيخ أبو الفرج الأصبهاني لعيسى بن عبد الله.
وروى عن بعضهم قال: رأيت في النوم رجلاً ينشدني ويسألني أن أنشده هذه الأبيات فأنشدته إياها فقال: زد فيها:
قوم كرام سادة.... من هم ومن هم ثم من

[أخبار الإمام يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام].
وفي الغوي ويحيى البر قائمنا.... أتت بملحمة مسطورة الخبرِ
وخادع الفضل شرويناً فسلمه.... بعد الأمان إليه غير معتذرِ
وكان ماكان من نقض الأمان له.... والغدر ليس لهارون بمنتكرِ
الغوي: هو هارون الملقب بالرشيد الذي نكث الأمان، والبر التقي: يحيى بن عبد الله، [و] قصتهما أشهر من نار على علم، لكن أذكر هاهنا طرفاً من ذلك جرياً على العادة، فأقول: أما أبوه عبد الله الملقب بالكامل فقد مضى طرف من خبره، وكذلك أخواه النفس الزكية محمد، وأبو الحسن إبراهيم، وأما أمه فهي قرشية من ذرية زمعة بن الأسود، وأبوها ابن أخت هند والدة النفس الزكية، وأخويه إبراهيم وموسى، كان يحيى هذا من عيون الأئمة، وفضلاء هذه الأمة، قد روى الحديث عن أهله وعن غيرهم، وأكثر روايته عن جعفر الصادق وكان قد حضر القتال مع الفخي، وقاتل قتالاً عظيماً، وأصيب بنشاب كثير حتى صار كالقنفذ، فلما انقضت الوقعة أقام مستتراً مدة طويلة يطوف في الآفاق خوفاً على نفسه، [و] وصل صنعاء، وأقام[بها] شهوراً، وأخذ عنه علماء صنعاء كثيراً، ثم دخل بلاد الحبشة وخرج منها، ثم دخل بلاد الترك فتلقاه ملكها بالإكرام، وقدَّم [له] التحف العظيمة، ودعاه إلى الإسلام فأسلم على يديه سراً، وبثَّ [يحيى] دعاته في الآفاق، فجاءته كتبهم ببيعة مائة ألف منهم العلماء والفقهاء، فقال يحيى: لا بدَّ من الخروج إلى دار الإسلام فنهاه ملك الترك عن ذلك، وقال: إنهم يخدعونك، قال يحيى: لا أستجيز فيما بيني وبين الله[تعالى] أن أقيم في بلد الترك ومعي

مائة ألف مقاتل من المسلمين، فخرج إلى بلاد الديلم، وقال: إن للديلم، معنا خرجة، وأرجو أن تكون معي فلم تكن معه، وإنما كانت مع الناصر وكان في الذين بايعوه من عيون العلماء ا لمشهورين ابن عبد ربه، [و] ابن علقمة، والشافعي وغيرهما، وجرى على الشافعي -رحمه الله- في ذلك نكبة، وذلك أن الرشيد لما بلغه أنه يدعو ليحيى بن عبد الله أنفذ إليه من أتى به على حمار مقيد مكشوف الرأس، فأدخل بغداد على تلك الحال.
قالوا: ولما استجاب ليحيى من استجاب تغيَّرت أحوال هارون، وقطع الخمر، ولبس الصوف، وافترش اللبود، وتحلَّى بغير ما يعتاده من العبادة والصلاح، وعلم أنه لا يطيق على أخذ يحيى قسراً، فأعمل الحيلة في إخراجه من هناك فوجه الفضل بن يحيى في خمسين ألف مقاتل، وألزمه التوصل في إخراج يحيى بما أمكن من الحيلة واجتهد الفضل في ذلك إزالة للتهمة عن نفسه؛ لأنه كان قد سُعِيَ به إلى هارون، وقيل: إنه يعرف مكانه، وأنه كتب له مسطوراً يعرضه على أهل كل جهة ألاَّ يتعرضوا له بحال، فلما جهزَّ الفضل بن يحيى بالخيل والأموال الجليلة،[و] أمره أن يبذل لجستان ما يحب من الأموال، فلما وصل الفضل إلى هناك عرض على ملك الديلم الأموال الجليلة ليخرج يحيى من بلاده فامتنع جستان من ذلك، وكان الفضل [قد] عرف أن امرأة جستان غالبة عليه فطمع فيه من جهتها، فأنفذ إليها من الألطاف والجواهر والطيب والثياب حتى أرضاها، فأشارت على جستان، فأراد تسليمه في قصة طويلة؛ شهد عليه فيها فوق ألف من علماء الإسلام أنه عبد لهارون، وانخدع جستان، فقال يحيى: إن كان ولابدَّ فاتركني آخذ لي

ولأصحابي الأمان، فكتب له هارون أماناً عرضه يحيى عليه السلام على جميع علماء الإسلام، فكلهم يقول: هذا لا ينقضه ناقض، وهذه نسخة الأمان التي وضعها هارون إلى يحيى بن عبد الله –عليه السلام- :
بسم الله الرحمن الرحيم هذا[كتاب] أمان من أمير المؤمنين هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ليحيى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب[بن عبدالمطلب] وسبعين رجلاً من أصحابه إني أمنتَّك -يا يحيى بن عبد الله -والسبعين رجلاً من أصحابك بأمان الله الذي لا إله إلا هو، الذي يعلم من أسرار العباد ما يعلم من علانيتهم-أماناً صحيحاً، براً صادقاً، ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره، لا يشوبه غل، ولا يخالطه غش بوجه من الوجوه، ولا سبب من الأسباب، فأنت يا يحيى بن عبد الله والسبعون رجلاً من أصحابك آمنون بأمان الله على ما أصبت من مال أو دم أو حدث على أمير المؤمنين هارون بن محمد، وأصحابه [وقواده] وجنوده، وشيعته، [وأهل مملكته] وأتباعه، ومواليه، وأهل بيته، وعلى أن كل من طالبه، أو طالب أصحابه بحدث كان منه أو منهم من الدماء والأموال، بجميع الحقوق كلها، وما استحق الطالب على يحيى بن عبد الله وأصحابه السبعين، فعلى أمير المؤمنين هارون بن محمد ضمان ذلك [جميعه] وخلاصه حتى يوفيهم حقوقهم[أو يرضيهم] بما شاءوا بالغة ما بلغت تلك المطالبة من دم، أو مال، أو حدَّ، أو قصاص، وأنه لا يؤاخذه بشيء كان منه أو منهم ممَّا وصفنا في صدر [كتابنا] هذا، ولا نأخذه [هو] وإياهم بضغن، ولا ترة، ولا

حقد، ولا وغر بشيء ممَّا كان منه من كلام، أو حدث، أو عداوة ظاهرة أو باطنة، [ولا] ممَّا كان منه من المبايعة والدعاء إلى نفسه، وإلى خلع أمير المؤمنين [هارون] وإلى حربه، وأن أمير المؤمنين هارون [بن محمد] أعطى يحيى بن عبد الله والسبعين رجلاً من أصحابه عهداً خالصاً وميثاقاً غليظاً مؤكداً، وذمة الله، وذمة رسوله، وذمة أنبيائه المرسلين، وملائكته المقربين، وأنه جعل له هذه [العهودو] المواثيق والذمم ولأصحابه في عقدة مؤكدة صحيحة، لا براءة له عند الله في دنياه وآخرته إلا بالوفاء بها، وأني قد أنفذت ذلك لك ولهم، ورضيته وسلمته، وأشهدت الله وملائكته على ذلك وكفى بالله شهيداً، وأنت وإياهم آمنون بأمان الله، وليس عليك ولا عليهم عتب، ولا توبيخ، ولا تبكيت، ولا تعريض، ولا أذى مما كان منك ومنهم إذ كنت في مناوأتي وحربي من قتل كان، أو قتال، أو زلة، أو جرم، أو سفك دم، أو جناية عمداً أو خطأ، أو أمر من الأمور سلف منك أو منهم من صغير من الأمور ولا كبير سراً أو علانية ولا سبيل إلى نقض ما جعلته لك من أمان ولا [إلى] نكثه بوجه من الوجوه، ولا سبب من الأسباب، وإني قد أذنت لك بالتقدم أنت وأصحابك أين شئت من بلاد المسلمين، [و] لا تخاف أنت ولاهم غدراً، ولا ختراً، ولا إقفاراً حيث أحببت من الأرض فأنت وهم آمنون بأمان الله الذي لا إله إلا هو لا ينالك أمر تخافه، [أو تحاذره] من ساعات الليل والنهار، ولا أدخل في أماني عليك غشاً ولا خديعةً، ولا مكراً، ولا يكون [ذلك] مني إليك بدسيسة ولا جاسوس، ولا إشارة، ولا معارضة ولا كناية

ولا تصريح، ولا شيء مما تخافه على عذر ولا مطعم، ولا مشرب، ولا ملبس، ولا أضمره لك، ولا ترى مني انقباضاً، ولا مجانبة، ولا ازوراراً فإن أمير المؤمنين هارون بن محمد[بن عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبد المطلب] نقض ما جعل لك ولأصحابك من أمانهذم هذا، ونكث عنه أو خالفه إلى أمر تكرهه، أو أضمر لك في نفسه غيرما أظهره أو أدخل عليك فيما ذكر من أمانه[وتسليمه] لك [ولأصحابك] الخديعة لك، أو المكر بك، أو نوى غير ما جعل لك الوفاء به، فلا قبل الله منه صرفاً، ولا عدلاً، وزبيدة بنت جعفربن أبي جعفر طالق [منه] ثلاثاً بتةَّ، وأن كل مملوك له[من عبد] أو أمة، أو سرية أو أمهات أولاد أحرار، وكل إمرأة ينكحها فيما يستقبل فهي طالق وكل مملوك يملكه فيما يستقبل من ذكر أو أنثى فهم أحرار، وكلما ملكه من مال، أو يستفيده فهو صدقة على الفقراء والمساكين، وإلا فعليه المشي إلى بيت الله الحرام حافياً راجلاً، وعليه المحرمات من الأيمان كلها، وأمير المؤمنين هارون بن محمد [بن عبد الله] خليع من إمرة المؤمنين، والأمة من ولايته براء، ولا طاعة له في أعناقهم، والله عليه فيما أكد، وجعل على نفسه في هذه الأيمان كفيل، وكفى بالله شهيداً.

قالوا: وكتب يحيى -عليه السلام- كتاباً آخراً على الفضل بن يحيى، وأن هارون أمره بإعطائه الكتاب الذي فيه الأمان، وكتب بخطه، وأشهد الألف والثلاثمائة رجل الذي شهدوا عليه بالرق والزور، وأتى كتاب هارون وخطه بيده، فخرج يحيى إلى بغداد، ثم إلى المدينة، [و] وقف بها مدة، فتمالأ جماعة من قريش على كيده، والسعاية به إلى هارون، وأنه يريد الخروج عليه؛ فحبسه الرشيد وجرى له معه ومع الزبيري مناظرات، خلاصتها: أن هارون نقض ذلك العهد، وقد أشار إلى ذلك أبو فراس حيث يقول:
يا جاهداً في مساويهم يكتمها.... غدر الرشيد بيحيى كيف ينكتم
ذاق الزبيري غب الحنث وانقشعت.... عن ابن فاطمة الأحقاد والتهم

ولما احتال الرشيد في نقض العهد قتل يحيى، واختلفوا في قتله كيف كان؟ فروى أبو الفرج بإسناده إلى رجل كان مع يحيى في المطبق قال: كنت [ليلة] قريباً منه، وكان في أضيق البيوت وأظلمها، فبينما نحن ذات ليلة كذلك إذ سمعنا صوت الأقفال[ وقد مضت من الليلة هجعة] فإذا هارون[قد] أقبل[على برذون له ثم وقف] فقال : أين هذا -يعني يحيى بن عبد الله-؟ قالوا: هو بهذا البيت فقال: عليَّ به[فأدني إليه] فجعل هارون يكلمه بشيء لم نفهمه ثم قال: خذوه[فأخذوه] فضرب مائة عصا، ويحيى يناشده الله والرحم والقرابة من رسول الله ً وهو يقول : ما بيني وبينك قرابة، ثم حمل وردَّ إلى موضعه، فقال: كم أجريتم عليه؟ فقالوا : أربعة [أرغفة وثمانية] أرطال ماء، فقال: اجعلوه على النصف، ومكث ليالي ثم سمعنا وقعاً فإذا نحن به حتى دخل ووقف وقفة، ثم قال: عليَّ به، فأخرج وفعل به مثل فعله الأول وضرب مائة عصا أخرى، ويحيى يناشده الله، ثم قال: كم أجريتم عليه؟ فقالوا : رغيفين وأربعة أرطال ماء، قال: اجعلوه على النصف، ثم خرج، وعاد إليه ثالثة وقد مرض يحيى[بن عبد الله] وثقل، فلما دخل قال: عليَّ به، قالوا: هو عليل مدنف لما به، قال: كم أجريتم عليه؟ فقالوا : رغيفاً ورطلين ماء. قال: فاجعلوه على النصف، ثم خرج فلم يلبث[يحيى بن عبد الله] أن مات، فأخرج للناس ودفن[رضي الله عنه وأرضاه].

وقال ابن عمار في روايته: إنه بني عليه إسطوانة[بالرافقة] وهو حي وقيل: بل كان لهارون بركة فيها أسود يرمى بمن سخط عليه فيها، فتكشط لحمه فجوَّعها، ثم رمى بيحيى إليها فبصبصت له وما ضرته [وقيل: سمم له] وقيل: غير ذلك، وليحيى -عليه السلام- عقب بالمغرب، ورثاه بعضهم بقوله:
يا بقعة مات بها سيد.... ما مثله في الأرض من سيدِ
مات الشذى بعده والندى.... وسمي الدهر به معتدي
لا زال غيث الله يا قبره.... عليك منه رائح مغتديِ
فكم حياءً قد حزتُ من وجهه.... وكم ندى يحيى به المجتدي
كان لنا غيثاً به نرتوي.... وكان كالنجم به نهتدي
فإن رمانا الدهر عن قوسه.... وخاننا في منتهى السؤددِ
فعن قليل تبتغى ثأره.... بالحسني الثائر المهتدي
إن ابن عبد الله يحيى ثوى.... والمجد والسؤدد في ملحدِ

[الإمام إدريس بن عبد الله - عليه السلام -].
وسل إدريس غرب العزم منتضياً.... بالغرب وهو من الأشياع في زمرِ
فعاجلته بسهم الحتف وأدرعت.... على سراة بنيه فروة النمرِ
هو: إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، وأمه عاتكة بنت الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي، لما جمع خصال الشرف، ونشأ نشوء آبائه في العلم، والزهد، اللذين كل بذلك أقرَّ واعترف، سار نحو المغرب، فعرفه جماعة من أهل تلك النواحي كانوا قد حجوا في تلك السنة التي قتل فيها الحسين الفخي، وشاهدوه يقاتل، وقد اصطبغ قميصه دماً، فشهر نفسه في نواحي المغرب، ودعا إلى الله هناك، فلبَّاه خلق كثير.
وكان له مواقف كبيرة ومحاربات جمة ظهر فيها على الجنود العباسية، والخوارج، ولما بلغ هارون خروجه وقوة جانبه قلق، حتى هابته حاشيته، واجتنبوا كلامه خوفاً من سطوته، فجاء يحيى بن خالد فأخبروه فجاء من تلقاء وجهه، فقال: يا أمير المؤمنين، مالي أراك كئيباً؟ فإن كان لحدث أوفتق، فلم يزل ذلك يقع على الملوك، ثم يؤول الأمر إلى المحبوب، وإن كان لأمر نفديك فيه بأنفسنا وأموالنا فهي لك [الفداء] وإن كان لأمر لا تكفي فيه نفوسنا وأموالنا سألنا الله كفايته، فقال: إن عاملنا بإفريقية ذكر في كتابه خروج إدريس بن عبد الله، وقد علمت ما بيننا وبين الطالبية ما هو إلا خروجهم، وكان الفنا، فقال: لتطب نفس أمير المؤمنين، فإني أكفيه أمر إدريس، فلا تعرف هلكه إلا مني، فطابت نفس هارون، فاستعمل سماً، وأمر به فسمم له -عليه [السلام] -.

قال بعض الناس: إن السم الذي أرسلوا به كان على يد سليمان بن جرير أحد شيوخ الزيدية ومتكلميها، وهذه الرواية مذكورة في (الحدائق الوردية) ووجدتها -أيضاً- مكتوبة بخط السيد الأمير: الحسين بن محمد صاحب (التقرير) يرويها بسنده، إلى أحمد بن عيسى بن زيد -عليه السلام-، قال: جاء رجل من العراق إلى المغرب، يقال له: سليمان بن جرير، وكان مع إدريس فخالفه في شيء، [وقد] كان أعطاه هارون مائة ألف درهم على أن يقتله له، فدخل إدريس الحمام، فأرسل إليه سليمان بسمكة، فحين أكل منها أنكر نفسه، وقال: بطني أدركوا سليمان، فطلب في منزله فلم يوجد فجروا إثره، فامتنع من المسير معهم، وقاتلهم وضرب في وجهه وفي يده ضربتين، فالتي في يده قطعت إحدى أصابعه، وفاتهم هرباً، وقيل: بل الذي سمه الشماخ مولى لبني العباس خرج إلى هناك، فأظهر أنه متطبب شيعي؛ فشكا إليه إدريس وجعاً في أسنانه، فأعطاه شيئاً أن يستقي به من عند الفجر، وهرب في الليل، وفعل إدريس ما أمره به عند الفجر فقتله من بعد ثلاثة أيام وفي ذلك يقول بعض شعراء العباسيين:
أتظن يا إدريس أنك مفلت.... كيد الخلافة أو يقيك فرار
فليدركنك أو تحل ببلدة.... لا يهتدي فيها إليك نهار
إن السيوف إذا انتضاها شخصه.... طالت فتقصر دونها الأعمار
ملك كأن الموت يتبع أمره.... حتى يقال تطيعه الأقدار

[ذكر إدريس الثاني وإدريس المثلث]
وله ولد اسمه إدريس، وكان من سادات العترة، وولده إدريس المثلث، وله عقب في المغرب، وملك منهم جماعة، وهم مذكورون في التواريخ.
قال ابن أبي الحديد في معرض مفاخرة بين بني هاشم و[بين] بني أمية: فإن افتخرت الأموية بملوكها في الأندلس من ولد هشام بن عبد الملك، واتصال ملكهم، وجعلوهم بإزاء ملوكنا بمصر[وإفريقية] قالوا لهم: إلا أنَّا الذين أزلنا ملكهم بالمغرب كما أزلنا ملكهم بالشام[83] والمشرق كله؛ لأنه لما ملك قرطبة الظافر من بني أمية[وهو سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الملقب بالناصر] خرج عليه علي [بن حمود بن منصور] بن أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن إدريس [بن إدريس] بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام فقتله، وأزال ملكه، وملك [علي بن حمود] [قرطبة] دار ملك بني أمية، وتلقب بالناصر، ثم قام بعده أخوه القاسم بن حمود [وتلقَّب بالمأمون، ثم قام بعده يحيى بن علي بن حمود] وتلقَّب بالمعتلي، فنحن قتلناكم وأزلنا ملككم في المشرق والمغرب انتهى. فإدريس هذا عدَّه الإمام المهدي في (البحر) هو وولده من الأئمة، وهو [ظاهر] كلام السيد هنا.
وأما الحاكم في (شرح العيون) فقال: إن إدريس هذا في الطبقة الذين عدَّ فيها المقتصدين، لأنه ذكر هناك محمد[بن حسن] بن صالح، ومن جرى مجراه.

[الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الله - عليه السلام -]
رجعنا إلى نظم السيد صارم الدين وتفسيره قال:
وفجعت بعد عبدالله بالحسن الـ.... ـمبارك الماجد المأسور بالغررِ
المراد بعبد الله هذا: [هو] عبد الله بن محمد بن عبد الله النفس الزكية، لقبه الأشتر، خرج على أبي الدوانيق في آخر مدة خلافته بالسند، وأرض كابل، وكان السبب في ذلك أن عبد الجبار بن عبد الرحمن صاحب خراسان، كتب إلى النفس الزكية، أن أنفذ إليَّ ولدك أدعو لك؛ لأن أبا الدوانيق هم بعزله بعد أن ضبط له خراسان، فسار إليه عبد الله في أربعين رجلاً أو خمسين إلى مدينة هراة وقبل وصوله إلى عبد الجبار خرج إلى السند، وبقي بها أربع سنين يدعو الناس إلى الإسلام، فأسلم على يديه خلق كثير، وعلى السند من قبل أبي الدوانيق هشام بن عمر التغلبي فوقع بينهم قتال كبير قتل من الفريقين زهاء ثلاثة آلاف رجل، وكان بينهما قدر خمسين وقعة في مقدار سنة، فقتل عبد الله هذا وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وكان فارساً، شجاعاً، ويقاتل أيضاً راجلاً، قتل في سنة إحدى وخمسين ومائة في شعبان، بعد قتل أبيه بخمس سنين.
فلما قتل هناك ردَّ إلى أهله وولده بعد موت أبي الدوانيق إلى الكوفة، فعقبه بها، فقتل هذا بأرض السند، وأخوه علي بن محمد أخذ بمصر، وحمل إلى أبي الدوانيق، فقتله في السجن.

[الحسن بن إبراهيم بن عبد الله - عليه السلام -]
وأما الحسن المذكور في البيت فهو: الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي -عليه السلام - ذكره السيد أبو العباس وقال: إنه دعا، وروى له دعوة عجيبة حذفتها ميلاً إلى الاختصار، قال: فلما بلغت دعوته اجتمعت إليه الشيعة، [وكان] مستتراً بالبصرة، والشيعة يلقى بعضهم بعضاً [بأسبابه] فسعى به قرين بن يعلي الأزدي إلى أبي الدوانيق فأعطاه ثلاثة آلاف درهم، وأرسل معه مرعيد النصراني في جماعة من الأعوان، وكتب إلى صاحب البصرة بالسمع والطاعة له، فأقبلوا حتى نزلوا البصرة، فأقبل مرعيد يظهر العبادة، والتأله، ومذهب الشيعة، ومضى قرين إلى الحسن، فأخبره خبره، وعرفَّ بينه وبين الشيعة، فجعلت الشيعة تصف نسكه للحسن حتى صار الحسن مشتهياً للقائه، ومرعيد مع ذلك لا يترك صلة الحسن بالأموال، ويقول: استعن بها على أمرك، وكلما كتب إليه الحسن كتاباً وضعه على [رأسه و] عينه، وأكل ختمه يريد بذلك في رأي العين التبرك إلى أن قالت له الشيعة يوماً: إن الحسن يشتهي لقاءك، [فقال لهم] : أخشى أن أشهر أمري ولكن أنا في حجرة فلو جاءني مع هذا، وأومى إلى قرين رجوت أن يكون أغبى لأمره، فأجابته الشيعة إلى ذلك، وعمد مرعيد فهيّأ القيود والرجال، فلما وافاه الحسن قيده، وحمل من ساعته إلى أبي جعفر على البريد، فلما وصل[إليه] الحسن أمر بحبسه، وبعث عميراً مولاه، فأخذ قريناً وأخاه، فعذبهما حتى قتلهما، فقال في ذلك بعض الشيعة:
حمدت الله ذا الآلاء لما.... رأيت قرين يحمل في الحديد

ثم إن سليمان بن الجنيد الطحاوي الصيقل عمل في خلاص الحسن بعد موت أبي الدوانيق من السجن، وقد كان الحسن [دفع ابنه وبنته إلى سليمان] فسماهما بغير اسميهما ورباهما، وكان اسم ابنه: عبد الله، و[اسم] ابنته: خديجة.
فلما أفضت الخلافة إلى[الملقب] المهدي أطلق كل من كان في حبوسه غير الحسن ورجل آخر، فقال سليمان للحسن: قد كنت أظن أنك ستطلق، وما أرى القوم مخرجيك ما دمت حياً، فهل لك أن أعمل في خلاصك ؛ فقال: [افعل] على اسم الله، قال سليمان: فأتيت يعقوب بن داود فشاورته في ذلك، فقال لي: اعمل فإنها فرصة يمكن فيها العمل، قال: فخرجت إلى أصحابي الزيدية، وفيهم أبو الجوزاء، وكان فاضلاً، [فإنه صاح] بالمهدي يوماً وهو يخطب:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ }[الصف:2] فأمر به فأدخل عليه، فقال [له] : ما حملك على ما صنعت اليوم ؟ قال[له] : قول الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ }[آل عمران: 187].فاتق الله، قال: ويلك!! من أنت؟

قال: رجل من المسلمين، أمرك بمعروف فاعرفه، ونهاك عن منكر فأنكره، قال فضربه بعمود كان معه حتى غشي عليه عامة النهار، ثم دفعه إلى الربيع، وهؤلاء الذين كانوا من الزيدية، فقال لهم سليمان: كونوا على عدة، فإني أريد أن أنقِّب على هذا الرجل، فأجابوه بأجمعهم[واحتالوا] حتى نقَّبوا المطبق وانفتح الحصن، وخرج الحسن وعليه كساء [شعر] أسود، وقد ضرب شعره منكبيه، وكان علاجهم في النقب نصف النهار لما أراد الله من إطلاقه وتسهيل أمره فخرج من الحبس يمشي ويعتقل لا يستطيع المشي، والناس يستحثونه، فقال: لا أقدر على الخطو، ثم أتي له بحمار فركبه حتى أتى منزلاً في خان فنزل فيه، وأتي إليه بابنه عبد الله وهو لا يعرفه فسلم عليه، واعتنقا جميعاً يبكيان، وسليمان يبكي لبكائهما، ثم تحمل بعد ذلك إلى الحجاز، فأقام في أمان المهدي حتى هلك –عليه السلام-.

[الإمام محمد بن إبراهيم بن إسماعيل(ع)].
وأنزلت بابن إبراهيم داهية.... محمد طاعن اللبَّات والثغر
قاد ابن سهل إليه عسكراً لَجِباً.... والعير يقدم نحو الليث من ذعرَِ
وقام فارس شيبان بدعوته.... أبو السرايا ولم يبخل بمنع سري
المراد بابن إبراهيم هذا هو: محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن، كنيته أبو عبد الله، وقيل: أبو القاسم، ظهر بالمدينة بعد أن أقام مستتراً مدة طويلة، واشتد الطلب عليه من أبي الدوانيق، فلم يقف على خبره، فظهر في خلافة المأمون، وذلك أن نصر بن شبيب قدم حاجاً، وكان متشيعاً حسن المذهب، فكان ينزل الجزيرة، فلما ورد المدينة سأل عن بقايا أهل البيت من المذكور منهم ؟ فذكروا أنه علي بن عبد الله بن الحسين و عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ومحمد بن إبراهيم هذا، فأما علي بن عبد الله فإنه كان مشغولاً بالعبادة لا يصل إليه أحد، ولا يأذن لأحد.

وأما عبد الله بن موسى فكان خائفاً مطلوباً لا يلقاه أحد، وأما محمد بن إبراهيم فإنه كان يقارب الناس، ويكلمهم في هذا الشأن، فأتاه نصر بن شبيب[ودخل إليه] وذاكره مقتل أهل بيته، وغصب الناس إياهم حقوقهم وأكثر القول في هذا المعنى إلى أن أجابه محمد بن إبراهيم، وأوعده أن يلقاه بالجزيرة، وانصرف الحاج، ثم خرج محمد بن إبراهيم إلى الجزيرة، ومعه نفر من أصحابه وشيعته حتى قدم على نصر للوعد فجمع[إليه] نصر أهله وعشيرته، وعرض[ذلك] عليهم، فأجابه بعضهم، وامتنع عليه البعض، وكثر القول فيه والاختلاف حتى تواثبوا وتضاربوا بالنعال والعصي، وانصرفوا على ذلك حتى خلا بنصر بعض بني عمه[وأهله] فقال له: ماذا صنعت بنفسك وأهلك؟ أتراك إن فعلت هذا الأمر ونابذت السلطان يدعك وما تريد؟ لا، والله بل يصرف همه إليك[وكيده] فإن ظفر بك فلا خلاص بعدها، وإن ظفر صاحبك وكان عادلاً كنت عنده رجلاً من أفنى أصحابه، وإن كان غير ذلك، فما حاجتك إلى أن تعرض نفسك وأهلك وأهل بلدك بما لا قوة لك به، وأخرى إن أهل هذه البلد جميعاً أعداء لآل أبي طالب، فإن أجابوك الآن [طائعين] فروا عنك منهزمين إذا احتجت إليهم، على أنك من اختلافهم أقرب منك إلى اجتماعهم، ثم تمثل[شعراً] :
وأبذل لابن العم نصحي ورأفتي.... إذا كان لي بالجهر في الناس مكرما
فإن زل عن نصحي وخالف مذهببي.... قلبت له ظهر المجن ليندما

فثنى نصراً من رأيه، وفتر نيته، فعاد إلى محمد معتذراً بما كان من خلاف أصحابه ورغبتهم عن أهل البيت، وأنه لو ظن ذلك بهم لم يعده نصرهم، وأومى إلى أن[يحمل إليه مالاً و] يقويه بمال خمسة آلاف دينار، فانصرف محمد عنه مغضباً راجعاً إلى الحجاز، فلقى في طريقه أبا السرايا السري بن منصور أحد بني ربيعة من ذهل بن شيبان، وكان قد خالف السلطان ونابذه، وعاث في نواحي السواد وكان علوي المذهب، فدعاه [محمد] إلى نفسه، فأجاب وسر بذلك ثم أدخله الكوفة، فدعاهم إلى بيعة محمد، فأجابوه جميعاً حتى تكابسوا، وازدحموا عليه، وبعث الدعاة من هنالك إلى جميع النواحي، وبايعه الأشراف: محمد بن محمد بن زيد ومحمد بن جعفر بن محمد وعلي بن عبد الله وغيرهم ممن يطول ذكره، ووجه أخاه القاسم بن إبراهيم إلى مصر داعياً وخلاصة الأمر: أن أبا السرايا ما زال يشن الغارات على جنود المسودَّة، وينتصر عليهم، ويغنم أموالهم.
وفي خلال ذلك عرض المرض لمحمد بن إبراهيم، فدخل عليه وهو يجود بنفسه، فرأى في وجهه الموت، فقال له: يا ابن رسول الله، كل حي يموت، وكل جديد بال، فاعهد عهدك؛ فقال: أوصيك بتقوى الله، و[المقام على] الذب عن دينك، ونصرة أهل بيت نبيك، فإن نفوسهم موصولة بنفسك، وول الناس الخيرة فيمن يقوم مقامي من آل علي بن أبي طالب –عليه السلام- فإن اختلفوا، فالأمر إلى علي بن عبيد الله فإني قد بلوت طريقته، ورضيت دينه، ثم اعتقل لسانه، وهدأت جوارحه، فغمضه أبو السرايا، وسجاه، وكتم موته.

فلما كان الليل أخرجه في نفر من الزيدية ودفنه، وكان موته غرة رجب يوم الخميس سنة تسع وتسعين ومائة، ذكره الحاكم في (شرح العيون). فلما دفن كان من الغد، وقام أبو السرايا فخطب الناس، ونعى إليهم محمداً فارتفعت الأصوات بالبكاء [إعظاماً] لوفاته، ثم قال: وقد أوصى إلى علي بن عبيدالله فإن رضيتم به فهو الرضا، وإلا فاختاروا لأنفسكم، فلم ينطق منهم أحد، وتواكلوا.

[استطراد في ذكر الإمام محمد بن محمد بن زيد]
فوثب محمد بن محمد بن زيد وهو غلام حدث السن، فقال : فات الهالك، وبقي الباقي، ودين الله لا ينصر بالفشل، وليست يد هذا -يعني أبا السرايا- عندنا سيئة، وقد شفى الغليل وأدرك الثأر، ثم التفت إلى علي بن عبيدالله، فقال: ما تقول يا أبا الحسن -رضي الله عنك-؟ فقد وصانا بك، أمدد يدك نبايعك، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن أبا عبيدالله-رحمه الله- قد اختار لكم فلم يعدل الثقة في نفسه وما أردَّ وصيته تهاوناً بأمره، [ولا أدع هذا زهداً، ولا رغبة عنه] ولكن أتخوفَّ أن أشتغل به عن غيره مما هو أحمد عاقبة، فامض -رحمك الله- لأمرك، واجمع شمل ابن عمك، فقد قلدناك الرئاسة علينا، فأنت الرضى عندنا، والثقة في أنفسنا فبايعوه، وفرق عماله، وكان من جملة عماله إبراهيم بن محمد بن جعفر الصادق فأذعن له اليمن بالطاعة بعد وقعة كانت، قيل: إنه قتل فيها من جنود العباسية خمسة عشر ألفاً حتى سمي إبراهيم الجزَّار، وكان ينزل هو وشيعته بالقطيع من صنعاء، وكانت سكته تدعى بشارع المبيضة، وخرب سد الخانق بصعدة، وقتل البطون التي تبغض أهل البيت باليمن وهم بنو الحارث بنجران، والسليمانيون بعيان، واللعويون بريدة، والكباريون بأثافث والآبارة بظهر، والحواليون ببيت ذخار، وبنو يافع بالسر، وتواترت الكتب على محمد بن محمد بالفتح، وعظم أمره، وأمر أبي السرايا على الحسن بن سهل وزير المأمون، فقام وقعد في حرب أبي السرايا، ووقعت وقائع أكثرها على العباسية حتى إذا كان بعض الوقعات انكسر عسكر أبي السرايا.

ولم يبق عنده وعند محمد بن محمد إلا شرذمة قليلة، فأسرا، وأتي بهما إلى الحسن بن سهل، فهم بضرب عنق محمد، فنهاه بعض أصحابه، وأشار عليه بالإرسال به إلى المأمون.
وأما أبو السر ايا، فأمر بضرب عنقه، وصلب رأسه في الجانب الشرقي من بغداد، وبدنه في الجانب الغربي.
وحمل محمد بن محمد إلى المأمون إلى خراسان، فأقيم بين يدي المأمون، فجعل يتعجب من حداثة سنه، ثم أمر له بدار فأسكنها، فأقام على ذلك مدة يسيرة مقدارها أربعون يوماً، ثم دست إليه شربة فمات، وهو ابن ثماني عشرة سنة، وقبره بمرو.
قالوا: ونظر في الديوان فوجد من قتل من أصحاب السلطان في وقائع أبي السرايا مائتي ألف.
ومما رثي به محمد بن إبراهيم وأبو السرايا، ومن معهما قول محمد بن علي الأنصاري -رحمه الله تعالى رحمة واسعة- :
أبت السكون فما تجف مدامعي.... عبراً تفيض بدمعها المتتابع
لما تذكرت الحسين وبعده.... زيداً تحرَّك حزن قلب جازع
صلى الإله على الحسين وصحبه.... في كربلاء لما ثووا بمصارع
وعلى قتيل بالكناسة مفرد.... نائي المحل عن الأحبة شاسع
وجزى ابن إبراهيم عن أشياعه.... خيراً وأكرمه بصنع الصانع
نعم الخليفة والإمام المرتضى.... ذي الدين كان ومستقر ودائع
وجزى الإله أبا السرايا خيرما.... يجري وصولاً من مطيع سامع
حاط الإمام بنفسه وبسيفه.... ولسان ذي صدق وقلب خاشع
في فتية جعلوا السيوف حصونهم.... مع كل سلهبة وطرف رايع
فتلقين يابن النبي فما لها.... أحد سواك برغم أنف الطامع
ولقد رأيت بها عليك حلاوة.... وضياء نور في جبينك. صادع

نعم الظاهر أن الإمام محمد بن إبراهيم مات كما تقدم.
و ذكره أيضاً في (شرح العيون) للحاكم، و(الحدائق) للفقيه حميد، وأشار الإمام المهدي في (البحر) و في قصيدته القافية التي عدد فيها الأئمة إلى أنه قتل.
وأما الطبري في تأريخه فذكر أنه مات فجأة، قال: فقيل إن أبا السرايا سمه، والله أعلم أي ذلك كان.
وأما الحسن بن سهل المشار إليه في المنظومة فهو: السرخسي وزير المأمون بعد أخيه الفضل بن سهل فإنه كان حظياً عند المأمون، وزوَّجه ابنته بوران، وقصتها في زواجة المأمون مشهورة قال : إن المأمون خرج يوماً فتبعه الحسن بن سهل، فقال له: ألك حاجة؟ فقال : نعم، تحفظ عليَّ من قلبك ما لا أستطيع حفظه إلا بك، ولم يزل له وزيراً حتى ثارت السودا عليه، وسببها طول حزنه على أخيه الفضل، فإن المأمون قتله في قصة مشهورة.

[الإمام محمد بن سليمان بن داود بن الحسن - عليه السلام -]
ومس منها بلا جرم ولا سبب.... محمد ين عظيم الخوف والضررِ
لعل السيد صارم الدين عنى بالمحمدين هنا محمد بن محمد بن زيد، ومحمد بن جعفر بن محمد المقدم ذكرهما في ذكر من شايع محمد بن إبراهيم من أعيان العترة، ويحتمل وهو الأظهر أنه عنى محمد بن جعفر هذا، ومحمد بن سليمان بن داود بن الحسن، فإن الإمام المهدي عدَّ هذين في (البحر) في جملة من قام ودعا فدعوة محمد بن سليمان كانت في المدينة، فوثب عليه [ابن] الأفطس الحسن بن الحسن، فقاتله فأبلي واجتهد، وكان محمد بن سليمان رجلاً فاضلاً، ناسكاً، فخذله أعوانه بعد أن أظهر رايته، وقاتل أعداءه، وضبط المدينة، ثم مات بعد ذلك، وهو ابن ستين سنة.
قلت: وهذا الاحتمال الأخير أشبه؛ لأن قول السيد صارم الدين: بلا جرم ولا سبب، [و] عظيم الخوف والضرر، يصلح في حق محمد بن سليمان كونهم ذكروا أنه توارى، والتواري فزع الخوف.
وأما محمد بن محمد، ومحمد بن جعفر فلم يتفق عليهما ما أتفق عليه، بل بلغا في النكاية للعدو والظهور على الخصم ما قد عرفته، فذلك لا يناسب أن يكونا مراد السيد، والله أعلم.
وكان دعوة محمد بن سليمان في نيف وثمانين، ومشهده بالمدينة.

[الإمام محمد بن جعفر بن محمد - عليه السلام -]
ومحمد بن جعفر مات بجرجان، ومشهده بها، ولم يعدَّه الحاكم في الأئمة، لكنه تسمى بأمير المؤمنين.
قال الإمام المنصور بالله: إن سبب قيامه أن رجلاً في تلك المدة صنفَّ كتاباً يسبُّ فيه أهل البيت إلى أن اتصل بفاطمة -عليها السلام- فنال منها، فجاء الطالبيون[بالكتاب] إلى محمد بن جعفر عليه السلام فقرأوه عليه، و[قد] كانوا يطلبون منه القيام قبل ذلك فلم يساعد، فلما سمع ذلك لم يرد عليهم جواباً دون دخول منزله، فلبس الدرع، وتقلد السيف، وخرج إليهم، وهو يقول:
لم أكن من جناتها علم اللـ.... ـه وإني لحرها اليوم صالي
وبايعه من وجوه الطالبيين ورجالهم وفضلائهم[منهم] : الحسين بن الحسن بن الأفطس، ومحمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن علي [-عليهم السلام-] ومحمد بن الحسن المعروف بالسباق وعلي بن الحسين بن عيسى بن زيد وعلي بن جعفر بن محمد فبسط يده، فبايعوه، وخاطبوه بأمير المؤمنين، ولم يخاطب بها قبله من أهله إلا علي، والحسن بن علي -عليهما السلام-.
ومن بعدهما يخاطب بالإمام عموماً، ويخاطبه الخواص بأمير المؤمنين، وكان فاضلاً، عابداً، شجاعاً، سخياً عالماً، جمع خصال الكمال.
وكان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، وما علم أنه خرج برداء و رجع به [مدة] حياته، بل يتصدق به أو يهبه.
وروى الحديث، وروى عنه طائفة من نقلة العلم، مثل: محمد بن أبي عمرو وموسى بن سلمة وإسحاق بن موسى الأنصاري واستولى على المدينة ومكة[حرسهما الله تعالى].

قال يحيى بن الحسين : سمعت مؤملاً يقول: رأيت محمد بن جعفر يخرج [في مكة إلى الصلاة] في ثلاثمائة رجل من الجارودية، [و] الزيدية عليهم ثياب الصوف، وسيماء الخير فيهم ظاهر وكان القائم بحربه هارون بن المسيب فهزموه مراراً وقتلوا من عسكر هارون هذا مقتلة عظيمة.
وله بعد ذلك وقعات بينه وبين الجنود العباسية،كانت اليد له فيها على أعدائه، وبعد ذلك تكاثفت عليه الجنود؛ فالتجأ إلى جبل في الحجاز[يقال له: ثبير] وأقام الحرب على ساق، وسألوه الهدنة، فلم يساعد إلى ذلك إلى أن عظم الخطب عليه، وحصر أصحابه واضطروا، وافترقوا عنه، فنزل على القوم فأمَّنوه وتقدم إلى خراسان، فلقيه المأمون بالإنصاف، وكان يركب في ثمانين فارساً من العلويين، فخرج توقيع المأمون لا تركبوا مع محمد بن جعفر، واركبوا مع من شئتم من الطالبيين، فقالوا: لا نركب إلا مع محمد بن جعفر، ولكنَّا نلزم منازلنا.
فأمر المأمون [أن] اركبوا مع من شئتم، فكانوا يركبون معه حافين به، فدسَّ عليه المأمون سماً فقتله.
فلما خرج بجنازته، وثب المأمون فوقع بين العمودين يحمل، فقال له الناس:نكفيك يا أمير المؤمنين، قال لهم: هذه رحم مجفوة منذ مائتي سنة.
ولما وصل قبره نزل فيه وسَّواه في لحده، فلما طلع قال ولده إسماعيل وأخوه: ما ترى نكلمه في دين أبينا، وما نجده أقرب من هذه الساعة؟ فابتدأهما، فقال: كم خلف أبو عبد الله من الدين؟ قالا: خمسة وعشرين ألف مثقال فقال: قد قضى الله دينه، وصكَّ بها إلى الأهواز[أرزاً] وقبضا الآرز فغلي في أسبوع واحد، فباعاه بخمسين ألف مثقال.

[الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي - عليه السلام -].
وترجمان الهدى والدين قاسمنا.... أجل معتصم بالدين مشتهرِ
خليفة بركات فيه ظاهرة.... كأنها بركات إلياس والخضرِ
لما دعاها إلى التقوى وما نظرت.... منه العيون إلى عيش لها نضرِ
أشلت عليه كلاباً لا مرا قبة.... الاً فهاجرها واعتاض بالهجرِ
هو: أبو محمد القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل، فرع دوحة بسقت في أرض الفخار، ونور زيتونة تتوقد لذوي الأبصار، ما في آبائه إلا من فاق وراق، وانتشر فضله في الآفاق، وقد تقدم ذكر آبائه.
فأما أمه فهي: هند ابنة عبد الملك من ذرية سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي.
روى الإمام المنصور بالله عن آبائه: أن شيخاً من شيوخ آل الحسن بن علي كان يدرس عليه فتيان آل الحسن، فكانوا إذا جاءوه قَام في وجوههم وعظمهم، فأقسموا عليه لا فعل، وكان القاسم من شباب أهل ذلك العصر، وكان إذا جاء قام في وجهه وعظمه.
فقالوا له: أيها السيد، قد عذرناك، وهذا الفتى لك أعذر، فقال: لو تعلمون من حقه ما أعلم لاستصغرتم ما أفعل في حقه.
فقالوا له: وما تعلم؟ فقال: هذا الفتى قال فيه رسول الله ً: ((يخرج من ذريتي [رجل] مسروق الرباعيتين لو كان بعدي نبي لكان إياه)). وفيه يقول الشاعر:
ولو أنه نادى المنادي بمكة.... وبطن منى فيمن تضم المواسم
من السيد السباق في كل غاية.... لقال جميع الناس لا شك قاسم
إمام من ابناء الأئمة قدَّمت.... له الشرف المعروف والمجد هاشم
أبوه علي ذو الفضائل والنهى.... وآباؤه والأمهات الفواطم
بنات رسول الله أكرم نسوة.... على الأرض والآباء شم خضارم

إمام من أبناء الأئمة قدمت.... له الشرف المعروف والمجد هاشم
أبوه على ذو الفضائل والنهى.... وآباؤه والأمهات الفواطم
بنات رسول أكرم نسوة.... على الأرض والآباء شم خضارم
وله العلم الغزير، والتصانيف المفيدة في كل فن من العلوم.
وأما زهده وورعه [فما لا] يمتري فيه اثنان، ولا يتردد فيه رجلان:
شهد العدو بفضله والأولياء.... والحق ما شهدت به الأعداء
حكي عن الهادي -عليه السلام- أن المأمون كلفَّ بعض العلوية أن يتوسط بينه وبين القاسم، ويصل ما بينهما على أن يبذل له مالاً عظيماً، فخاطبه في أن يبتديه بكتاب، أو يجوَّب عن كتابه.
فقال -عليه السلام-: لا يراني الله أفعل ذلك أبداً.
وروى الإمام المنصور[بالله-عليه السلام-] : أن المأمون توصل بمن قدر عليه في أن يصافيه، ويأمن جانبه فأبى ذلك أشد الإباء، وأمر إليه بوقر سبعة أبغل دنانير على أن يأخذها، ويجيب عن كتابه، أو يبتديه بكتاب، فكره ذلك وردَّ المال، وقد كان مال إلى حي من البادية[بادية المدينة] يقال لهم: حرب، فحاربوا دونه، ولما ردَّ المال لامه أهله فقال:
تقول التي أنا ردءُ لها.... وقاء الحوادث دون الردى
ألست ترى المال منهلة.... محارم أمواهه باللهى
فقلت لها وهي لوامة.... وفي عيشها لو صحت ما كفى
كفاف امرئ قانع قوته.... ومن يرض بالعيش نال الغنى
فإني وما رمت من نيله.... وقبلك حب الغنى ما ازدهى
كذي الداء هاجت به شهوة.... فخاف عواقبها فاحتمى

قالوا: ولما استشهد أخوه محمد وهو بمصر [فلما عرف ذلك] دعا إلى نفسه، وبثَّ الدعاة وهو على حال الاستتار فأجابه عالم من الناس في بلدان مختلفة كمكة، والمدينة، والري، وقزوين، وطبرستان، وتخوم الديلم، وأقام بمصر نحو عشر سنين، فاشتد الطلب به هناك من عبد الله بن طاهر فلم يمكنه القيام، فعاد إلى الحجاز وتهامة، وخرج جماعة من دعاته إلى بلخ والطالقان والجوزجان فبايعه كثير من أهلها، وسألوه أن يرسل إليهم ولده ليظهروا [له] الدعوة، [فانتثر عليه أمره، وانشر قبل التمكن من ذلك] فوجهت الجيوش في طلبه، فانحاز إلى حي من البدو، واستخفى فيهم.
ثم أراد الخروج بالمدينة في وقت من الأوقات، فأشار إليه أصحابه بأن لا يفعل ذلك، وقالوا: إن المدينة والحجاز تسرع إليها الجيوش ولا تتمكن فيهما من الميرة.
ولم يزل على هذه الطريقة مثابراً على الدعوة، صابراً على التغرب، والتردد في النواحي[والبلدان] متحملاً للشدة[مجتهداً في إظهار دين الله].
ولما اجتمع أمره وقت خروجه بعد وفاة المأمون وتولي المعتصم شدد في طلبه، وأنفذ عساكر عظيمة في تتبع أثره، فأحوج إلى الإنفراد عن أصحابه، وانتقض أمر ظهوره، ذكره السيد أبو طالب قال : فله بيعات كثيرة في أوقات مختلفة، أولها سنة سبع وتسعين ومائة، والبيعة الجامعة لفضلاء أهل البيت كانت سنة عشرين ومائتين في منزل محمد بن منصور المرادي بالكوفة وأنه بايعه هناك: أحمد بن عيسى بن زيد فقيه آل الرسول وعابدهم، وعبد الله بن موسى بن الحسن والحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد.

وكانت فضيلة السبق إلى منابذة الظالمين وانتهت إلى هؤلاء فاتفقوا على القاسم وبايعوه، وكانوا قد امتحنوا على فضلهم المشهور الشديد.
فروى أحمد بن عيسى بن زيد -عليهم السلام- قال: طلبنا هارون أنا والقاسم بن إبراهيم، وعبد الله بن موسى، فتفرقنا في البلاد فوقعت إلى ناحية الري، ووقع عبد الله بن موسى إلى الشام، وخرج القاسم إلى اليمن.
فلما توفي هارون اجتمعنا في الموسم، فتشاكينا ما مرَّ بنا فقال القاسم عليه السلام : أشد ما مرَّ عليَّ أني لما خرجت من مكة أريد اليمن في مفازة لا ماء فيها، ومعي بنت عمي زوجتي وبها حبل، فجاءها المخاض في ذلك الوقت، فحفرت لها حفرة لتتولى أمر نفسها وضربت في الأرض أطلب الماء لها، فرجعت إليها وقد ولدت غلاماً، فأجهدها العطش، فرجعت[إليها] وقد ماتت، والولد حي، فكان بقاء الولد أشد عليَّ من وفاة أمه، فصليت ركعتين، ودعوت الله أن يقبضه، فما فرغت من دعائي حتى مات.
وشكى عبد الله بن موسى أنه خرج من بعض قرى الشام، وقد اشتد عليه الطلب، وأنه صار إلى بعض المشائخ وقد تزيا بزي الفلاحين فسخره بعض الجند وحمل على ظهره شيئاً، فكان إذا أعيا ووضع ما على ظهره للاستراحة ضربه ضرباً شديداً، وقال: لعنك الله، ولعن من أنت منه.

وقال أحمد بن عيسى: وأنا كان من غليظ ما نالني، أني صرت إلى ورزين ومعي ابني محمد، وتزوجت إلى بعض الحاكة هنالك واكتنيت بأبي حفص الجصاص، فكنت أغدو وأقعد مع بعض من أثق به من الشيعة، ثم أروح إلى منزلي كأني قد عملت يومي، وولدت الإمرأة بنتاً، وتزَّوج ابني محمد في بعض موالي عبد القيس هناك، فأظهر مثل ما أظهرت.
فلما صار لابنتي عشر سنين طالبني أخوالها بتزويجها برجل من الحاكة، له فيهم قدر، فضقت ذرعاً بما دفعت إليه، وخفت من إظهار نسبي، وألح عليَّ القوم في تزويجها، ففزعت إلى الله تعالى، وتضرعت إليه في أن يختر لها ويقبضها ويحسن عليَّ الخلف، فأصبحت الصبية عليلة، ثم ماتت من يومها، فخرجت إلى ابني
مبادراً لأبشره فلقيني في الطريق، فأعلمني أنه ولد له ولد فسميته علياً وهو بناحية (ورزين) لا أعرف له خبراً للاستتار الذي أنا فيه.
وروى السيد أبو طالب قال: اشتد الطلب على القاسم[بن إبراهيم] وضاقت عليه المسالك وكان في حانوت إسكاف من خلص الزيدية، فنودي نداء بليغاً: برئت الذمة مما آوى القاسم بن إبراهيم، وممنّ لم يدلّ عليه، ومن دلَّ عليه فله ألف دينار، وكذا كذا من البز، والإسكاف مطرق يسمع ويعمل، لا يرفع رأسه فقالوا للإسكاف: نراك ما ارتعت، فقال: ومن لي بالإرتياع، ولو قرضت بالمقاريض بعد رضى رسول الله ً في وقاية ولده بنفسي.

قال السيد أبو طالب: وانتقل القاسم إلى الرس في آخر أيامه، وهي أرض اشتراها، وهي وراء جبل أسود بالقرب من ذي الحليفة، وبنى هناك لنفسه وولده، وتوفي بها، و[قد] حصل له ثواب المجاهدين من الأئمة السابقين سنة ست وخمسين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة، ودفن هناك يزوره من يريد زيارته في مشهده، فيخرج من المدينة.

[الإمام محمد بن القاسم بن علي بن عمر الأشرف(ع)].
والطالقاني ويحيىوابن يوسف والـ.... ـزيدي جارت عليهم ليت لم تجرِ
الطالقاني هذا: محمد بن القاسم بن علي بن عمر[الأشرف] بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب[عليهم السلام].
قال ابن أبي الحديد: [و] كان يلقب بالصوفي ؛ لأنه ما كان يلبس إلا الصوف الأبيض، وكان عالماً، فقيهاً، أديباً زاهداً، حسن المذهب، يقول بالعدل والتوحيد.
قال المنصور في (الشافي): إنه دعا بخراسان فانطوى ديوانه على أربعين ألف مقاتل من خلصان أهل الأديان، وله وقعات كثيرة مع عبدالله بن طاهر الطاهر [و] كانت له اليد عليهم فيها، وكان يكره سفك الدماء، وكان ظنه بالناس حسناً، فقال : كنت أظن [أني] متى دعوت لم يختلف عليَّ اثنان.
ولما رأى كثرة القتلى من أعدائه، قال لأصحابه: لقد هممت بالتخلي، فقالوا: إن فعلت وقع [من] الفساد في الدين أكثر مما خفت، وتتبعوا أولادكم -معشر أهل البيت- فقتلوهم في كل ناحية على التهمة فلا تفعل، ثم خرج من مرو إلى الطالقان وبينهما أربعون فرسخاً، فنزل بها وفرَّق أصحابه في البلاد لدعوة الناس، وهو يريد أن يخلص جنده صالحين كلهم، فاجتمع له عالم كثير من الناس.
قال الراوي: فقلنا له: إن عزمت على فعلك، وخرجت، ونابذت القوم رجونا أن ينصرك الله عليهم، فإذا ظفرت اخترت حينئذٍ من ترتضيه، وإن فعلت كما أردت أن تفعل بمرو أخذ عبد الله بن طاهر بعنقك، فأتمَّ عزمه، وخرج فوجَّه إليه عبد الله بن طاهر قائداً، يقال له: الحسن بن نوح في جند كثيف.

قال الراوي: فالتقيناهم فقاتلونا قتالاً شديداً، فهزمناهم هزيمة قبيحة، فلما اتصل علمه بعبد الله بن طاهر قامت قيامته، فأنفذ قائد آخر، يقال له: نوح بن حيان في جند كالبحر، فلقيناهم فهزمناهم أقبح من الأولى، فانحاز إلى بعض النواحي، ولم يرجع إلى عبد الله بن طاهر، وكتب إليه يعتذر، وأقسم أنه لا يرجع إليه إلا أن يظفر أو يقتل، فأمر له عبد الله بجيش آخر ضخم، فسار إلينا فلقيناه وقاتلناه، وقد كمَّن كميناً فقاتلناه [ساعة].
ثم انهزم متطارداً واتبعتهم جنودنا، فلما تفرقنا في طلبه خرج الكمناء على أصحابنا من كل وجه، فانهزمنا، وأفلت محمد بن القاسم، وصار إلى نسا مستتراً.
وحكى أبو الفرج في كتابه، رفعه إلى ابن الأزهر أن إبراهيم بن غسان الصوري، صاحب عبد الله بن طاهر قال: دعاني عبد الله بن طاهر يوماً، فدخلت فوجدته قاعداً، وإلى جنبه كرسي عليه كتاب مختوم غير معنون، ويده في لحيته يخللها، وكان ذلك من فعله دليلاً على غضبه، فتعوذت بالله من شره.
ودنوت منه فقال لي: يا إبراهيم، احذر أن تخالف أمري، فتسلطني على نفسك، فلا أبقي لك باقية، فقلت : أعوذ بالله أن أحتاج في طاعتك إلى هذا الوعيد، وأن أتعرض لشيء من سخطك.

فقال : قد جردت لك ألف فارس من نخبة عسكري، وأمرت أن يجعل معك مائة ألف درهم، تصرفها إلى من يحتاج إلى صرفها فيه من أمورك، فاضرب الساعة الطبل والبوق، فإنهم يتبعونك فاخرج واركض وخذ من خاصة خيلي ثلاثة أفراس نُجب معك تنتقل عليها، وخذ بين يديك دليلاً قد رسمته لصحبتك، فادفع إليه من المال ألف درهم، واحمله على فرس من الثلاث وأنزلهنَّ بين يديك فإذا صرت على فرسخ واحد من نسا فافضض [هذا] الكتاب، واقرأه، واعمل[بما] فيه، ولا تغادر منه حرفاً، ولا تخالف فيما رمته شيئاً.
واعلم أن لي عيناً ممن صحبك يخبرني بأنفاسك، فاحذرني، ثم احذر، وأنت أعرف.

قال إبراهيم بن غسان: فخرجت وضربت الطبل ووافى الألف الفارس إلى موضع قرب قصور عبد الله بن طاهر، فأشرف علينا من مستشرف له فعبيت أصحابي، وركضت فرسي، فتبعوني حتى إذا صرنا في اليوم الثالث إلى نسا على فرسخ منها، فضضت الكتاب، فإذا فيه: سر على بركة الله وعونه، فإذا كنت على فرسخ [من نسا] فعبِّ أصحابك تعبية الحرب، وادخل نسا وأنفذ قائداً من قوادك في ثلاثمائة [حتى] يأخذ على صاحب البريد داره، فيحدق بها هو وأصحابه، وأنفذ إلى باب عاملها خمسمائة تحذراً من وقوع حيلة ببيعة في أعناقهم لمحمد بن القاسم، وسر في أصحابك إلى محلة كذا وكذا دار فلان بن فلان، فادخل الدار الأولى، ثم انفذ منها إلى دار ثانية، [فإذا دخلتها، فانفذ] منها إلى دار ثالثة، فإذا دخلتها فاَرْقَ على درجة منها على يمينك، فإنك تصير إلى غرفة فيها محمد بن القاسم العلوي الصوفي، ومعه [91] رجل من أصحابه، يقال له: أبو تراب، فاستوثق منهما بالحديد استيثاقاً شديداً، وأنفذ إليَّ بخاتمك مع خاتم محمد بن القاسم لأعلم ظفرك به قبل كتابك، وأنفذ الخاتمين مع الرسول، ومره فليركض بهما ركضاً حتى يصير إليَّ في اليوم الثالث إن شاء الله [تعالى] ثم اكتب إليَّ بعد ذلك بشرح خبرك، وكن على غاية التحرز والتحفظ والتيقُّظ حتى تصير به، وبصاحبه إلى حضرتي.

قال إبراهيم: فما رأيت خبراً كأنه وحي مثله، فصرت إلى الموضع واستنبئت أمره، فوجدت محمداً على رأس الدرجة متلثماً بعمامة، وقد شد له [محمل] على بغل بسفل الدرجة، وهو يريد الرحيل إلى خوارزم، فقبضت عليه وقلت : هات خاتمك، فأعطاني خاتمه، فأنفذته مع خاتمي إلى عبد الله بن طاهر مع رجل، ودفعت إليه فرساً من تلك [الخيل] وجنيبه بجنبها مخافة أن تفتر فرسه وأمرت بعض أصحابي أن يدخل الغرفة، فقال لي: ما تريد من دخول الغرفة وقد أخذتني [وأنا بغيتك] ؟ [قال:] فلم ألتفت إلى قوله، ففتش أصحابي الغرفة، فوجدوا أبا تراب بجبر نقير، والنقير: شبيه بالحوض [من خشب] يطحن فيه الدقيق، ويعصر فيه [العنب] فأخرجتهما واستوثقت منهما بالقيود الثقال، وكتبت إلى عبد الله بن طاهر بخبرهما، وسرت إلى نيسابور ستة أيام، فصيرت محمد بن القاسم في بيت [واحد من داري] ووكلت به من أثق به من أصحابي، ووكلت بأبي تراب عند رجل آخر، فوضع [محمد] كساءه، وقام يصلي، وعبد الله بن طاهر مطل من غرفة قصره [علينا].
ولما فرغت من الاحتياط عليه سرت إلى عبد الله بن طاهر، فقصصت عليه القصة شفاهاً، فقال لي: لا بد أن أنظر إليه، فسار إليَّ مع المغرب، وعليه قميص وسراويل ونعل ورداء، وهو متنكر فلما نظر إلى محمد بن القاسم، وثقل الحديد [عليه] قال لي: ويحك يا إبراهيم!!ما خفت الله في فعلك، أتقيد هذا الرجل الصالح بهذا القيد الثقيل؟!

فقلت [له] : أيها الأمير، خوفك أنساني خوف الله، ووعيدك الذي قدمته أذهل عقلي عمَّا سواه، فقال لي:خفف هذا الحديد كله عنه، وقيدَّه بقيد خفيف في حلقة رطل بالنيسابوري، فإن النيسابوري مائتا درهم، وليكون عموده طويلاً، وحلقتاه واسعتين ليخطو فيه، ثم مضى وتركه.
فأقام بنيسابور ثلاثة أشهر يريد بذلك أن يخفي خبره على الناس لما كان يخشى من قيام دهماء الناس فيه، وذلك لكثرة من بايعه بكور خراسان.
وكان عبد الله يخرج من إصطبله بغالاً عليها القباب، يوهم الناس أنه قد أخرجه، ثم يردها حتى استتر في نيسابور وحمله في جوف الليل، وخرج به مع إبراهيم بن غسان الذي أسره من نسا، ووافى به الري، وقد أمره عبد الله بن طاهر أن يفعل[به] كما فعل هو، يخرج في كل ثلاثة أيام ومعه بغل عليه قبة، ومعه جيش حتى يجوز الري بفراسخ، ثم يعود إلى أن يمكنه سله في ليلة مظلمة [لا يؤبه له فيها] ففعل ذلك خوفاً من أن يغلب عليه لكثرة من [قد] أجابه حتى أخرجه من الري، ولم يعلم به أحد، ثم أتبعه حتى أورده بغداد على المعتصم.
قال [إبراهيم] بن غسان: وما رأيت قط أشد جهاداً ولا أعف، ولا أكثر ذكراً لله [منه] مع شدة نفس، واجتماع قلب، ما ظهر منه جزع، ولا انكسار، ولا خضوع في الشدائد التي مرت به، وإنهم ما رأوه قط مازحاً إلا مرة واحدة، فإنهم لما انحدروا من عقبة حلوان أراد الركوب، فجاء بعض أصحاب إبراهيم بن غسان، فطأطأ ظهره له حتى ركب المحمل على البغل.

فلما استوى على المحمل، قال للذي حمله على ظهره مازحاً: تأخذ أرزاق بني العباس، وتخدم أولاد علي بن أبي طالب، وتبسَّم فقال له: جعلت فداك، ولد العباس وولد علي عندي سواء.
[قال إبراهيم] : فما سمعناه مزح، ولا رأيناه تبسَّم قبل ذلك ولا بعده، ولا رأيناه أظهر غماً من شيء جرى عليه إلا يوم ورد علينا كتاب المعتصم.
وقد وردنا النهروان، فكتبنا إليه بالخبر واستأذناه في الدخول به، فرد علينا كتابه يأمرنا أن نأخذ خلال القبة، ونسير به مكشوفاً، وإذا وردنا بالنهرين أن نأخذ عمامته، وندخله [بغير عمامة إلى] بغداد[حاسراً] وذلك قبل أن يبني سر من رأى.
فلما أردنا الرحلة من النهروان نزعنا خلال القبة، فسأل عن السبب في ذلك؟ فأخبرناه فاغتمَّ به.
فلما صرنا بالنهرين قلت : يا أبا جعفر، انزع عمامتك فإن الخليفة أمرنا أن تدخل حاسراً فرمى بها إليَّ فدخل يوم النيروز وذلك في سنة تسع عشرة ومائتين وهو في القبة، وهي مكشوفة وعديله شيخ من أصحاب ابن طاهر والجند بين يديه يلعبون ويرقصون، والمعتصم يضحك، وهو في جوسق كان له، ومحمد بن القاسم يسبح ويستغفر، ويدعو عليهم، وهو يحرَّك شفتيه، ويقول: اللهم، إنك تعلم أني لم أزل حريصاً على تغيير هذا وإنكاره.

فلما فرغوا من لعبهم، مروا بمحمد بن القاسم إلى مسرور الكبير، فحبسه في سرداب يشبه البير فكاد أن يموت فيه، فبلغ ذلك المعتصم، وقيل: بل دعا إليهم إن كان صاحبكم يريد قتلي، فالآن أموت الساعة، وإن كان يريد حبسي فاعلموه، فأمر المعتصم بإخراجه، وحبس في بستان موسى مع المعتصم في داره، ووكَّل به مسرور عدة من غلمانه.
وكان في القبة التي هو محبوس فيها عدة روازن وكوى واسعة الضوء، فطلب مقراضاً يكون عنده يقرض أظفاره، فدفع إليه فعمد إلى لبد كان تحته، فقط نصفه وقصصه بالمقراض كهيئة السيور وعمل منه مثل السلم، وطلب منهم سعفة ذكر أنه يريد أن يطرد بها الفأر، فإنه يأكل خبزه، ويسحبه عليه، فأعطوه فقطعها، وحزز حواليها بالمقراض حتى قطعها ثلاث قطع، وقرنها بمسواكه، وجعلها في رأس السلم، وحلق به في أقرب روزنة من تلك الروازن التي عليه، وعلقه فيها، وتسلق عليه وجذبه إليه لما صعد [واستقر] وكانت ليلة الفطر سنة تسع عشرة ومائتين.
وقد أدخلت الفواكه والرياحين وآلة العيد على رؤوس الحمَّالين إلى البستان، وصار الحمَّالون إلى القبة التي فيها محمد بن القاسم، فباتوا حولها، فرمى بنفسه من القبة إلى أسفل، فنام بين الحمالين [ساعة] ثم عجل فذهب يخرج فقال له بعض البوابين : من أنت؟ فقال: [أنا] بعض الحمَّالين أردت الانصراف إلى أهلي، فقال له: نم عندي لا تأخذك العسس فنام عنده.

ولما طلع الفجر خرج الحمَّالون، وخرج معهم، [ففلت ومضى] فلما أصبحوا، وفتحوا الباب لم يجدوه، [و] أعلموا مسروراً بخبره فدخل على المعتصم حافياً متحسراً مستسلماً للقتل، وأخبره الخبر، فقال له: لا بأس عليك، إن كان ذهب فلن يفوت إن ظهر لنا أخذناه، وإن آثر السلامة واستتر تركناه.
فقال[له] مسرور: إنما هذا بفضلك يا أمير المؤمنين، لو جرى هذا في أيام الرشيد قتلني.
نعم:وقد اختلفوا في أمره -عليه السلام، فقيل: رجع إلى الطالقان فمات فيه، وقيل: انحدر إلى واسط، أكثر ما حققة أهل العلم بهذا الشأن.
وقيل: بل سمه المعتصم بعد ذلك باغتيال، وذهبت طائفة إلى أنه حي على ما تذهب إليه الإمامية.
واعلم أن الطالقان: اسم مدينتين أحدهما بخراسان، وهي التي خرج بها هذا الإمام، والمدينة الثانية من أعمال قزوين، وهي بلد الصاحب الكافي إسماعيل بن عباد، الوزير المشهور، الشيعي، المحقق المذكور، الذي جمع بين رئاستي السيف والقلم، والفصاحة البالغة، والكرم، ورزق السعادة حياً وميتاً، وورث الندوة الندامة والوزارة على وجه كمل له به النبل وانتظم، فهو كما قال فيه الرستمي :
ورث الوزراة كابراً عن كابر.... موصولة الإسناد بالإسناد
يروي عن العباس عباد وزا.... رته وإسماعيل عن عباد

وما أحسن قوله :
قالت فما اخترت من دين تفوز به؟.... فقلت: إني شيعي ومعتزلي
وأصح روايته، لقول بعضهم:
أنا وجميع من فوق التراب.... فداء تراب نعل أبي تراب
وقد أجزته أنا بثلاثة أبيات من قولي، وأنا محمد بن علي، مؤلف هذا الشرح، فقلت:
وهذا اسم به سماه طه.... لمنقبة أجاب بها الصحاب
وقد سمع النواصب أوردوه.... على وجه الأذية والسباب
ورب مقالة مرت بسمعي.... كصوت في الهجيرة من ذباب

[الإمام يحيى بن عمر بن علي (ع)]
فصل: وأما يحيى المذكور مع الطالقاني في بيت السيد صارم الدين فالمراد به يحيى بن عمر بن علي بن الحسين بن زيد، صاحب الدعوة.
كان فقيهاً، فاضلاً، ناسكاً، شجاعاً، فصيحاً، شاعراً.
قال ابن أبي الحديد: ويقال: إن الناس ما أحبوا طالبياً دعا إلى نفسه حبهم يحيى، ولا رثي أحد مثل ما رثي به.
وكان شديد البدن، مجتمع القلب، وكان له عمود ثقيل يصحبه في منزله، فإذا سخط على عبد أو أمة من حشمه لواه في عنقه، فلا يقدر أحد أن يحله عنه حتى يحله بنفسه وأمه من ذرية جعفر الطيار.

قال المنصور في (الشافي): إنه لما أراد الخروج فزار قبر الحسين بن علي -عليه السلام-، وأظهر لمن حضره من الزوار ما أراد، فاجتمع إليه جُميَّعة من الأعراب، ومضى وقصد شاهي فأقام بها إلى الليل، ثم دخل الكوفة فجعل أصحابه ينادون [الناس] : أجيبوا داعي الله، حتى اجتمع إليه خلق كثير، فلما كان من الغد مضى إلى بيت المال، فأخذ ما فيه، ووجه إلى قوم من الصيارفة عندهم مال السلطان، فأخذه منهم، وسار إلى بني حيَّان، وقد اجتمع إليه أهله، فجعل بعض أهله يشاوره ويخَّوفه من السلطان، ويكبَّر ما فعله، ويحذِّره من القوم، وقرب دارهم، وكثرة جنودهم، فبينما هم كذلك إذا أقبل عبد الله بن محمد في جند كان معه، فانضم إليه من كان يرى رأي القوم، فصاح به بعض الأعراب: يا يحيى، إنك مخدوع، هذه الخيل قد أقبلت، فوثب يحيى فجال في ظهر فرسه كأنه الأسد، فحمل على عبد الله فضربه ضربة بسيفه على وجهه، فولىَّ هارباً وتبعه أصحابه منهزمين، ثم رجع إلى أصحابه فجلس معهم، ثم خرج وشاع خبره، وانتهى إلى بغداد، فندب له محمد بن عبد الله بن طاهر الحسين بن إسماعيل وضمَّ إليه جماعة من القواد منهم خالد بن عمران، وأبو النساء الغنوي، ووجه الفلس في جنود عظيمة فنفذوا إليه إلى كردة.

وكان هوى أهل بغداد مع يحيى، فلم يروا قط مالوا إلى طالبي خرج غيره، فنفذ الحسين إلى أن دخل الكوفة، فأقام بها أياماً، ثم مضى قاصداً ليحيى حتى وافاه وهو مقيم بنهرف فتقاوما أياماً، ثم ارتحل يحيى فنزل قرية يقال لها البحرية وكان على خراج الناحية أحمد بن علي الإسكافي وعلىحرثها أحمد بن [أبي] الفرج الفزاري، فحصل أحمد بن علي [على] مال الخراج فهرب به، وثبت ابن [أبي] الفرج فناوش يحيى مناوشة يسيرة وولى عنه، ومضى يحيى لوجهه يريد الكوفة، فعارضه وجه الفلس فقاتله قتالاً شديداً، فانهزم عن يحي فلم يتبعه، ومضى وجه الفلس متوجهاً حتى نزل بشاهي فصادف بها الحسين بن إسماعيل، وكان معه رجل يعرف بالهيصم بن المعلى العجلي فوافاه يحيى في عدة من أهل بيته وعشيرته، وقد تعبت خيلهم، ورجالهم، فصاروا إلى عسكر يحيي، فحين التقوا كان أول من انهزم في خيله ورجاله، فقتل ابن الحسين بن إسماعيل عامله في ذلك.

وقيل: بل انهزم لعظم ما لقي، وقد روى علي بن سليمان الكوفي، عن أبيه قال: لقيت الهيصم فذكرنا يحيى بن عمر وهزيمته عنه، فحلف بالطلاق ثلاثاً ما انهزمت لصنيع ولا نفاق، وإنما كان يحيى رجلاً نزقاً في الحرب، فكان يحمل وحده ويرجع، فنهيته عن ذلك فلم يقبل، وحمل مرة كما كان يفعل، فبصرت عيني به في وسط عسكرهم، فلما رأيته قد قتل انصرفت بأصحابي. وعلى الحديث الأول أن يحيى لما رأى هزيمة الهيصم وأصحابه وقف ولم يكترث بذلك، ولم يزل يقاتل حتى قتل -رحمه الله تعالى ونفع به وبآبائه-، بعد أن [قد] أبلى بلاءً شديداً لم ير مثله، ونكَّاهم نكاية عظيمة فاحتزوا رأسه.
وكان بوجهه ضربات فلم يكن يعرف معها، ولم يتحقق أهل الكوفة قتله، فوجَّه إليهم الحسين أبا جعفر الحسني يعلمهم أنه قد قتل، فلم يقبلوا قوله، وشتموه، وهموا به وقتلوا غلاماً كان وجه معه، فوجه أخاً كان ليحيى من أمه يعرف بعلي بن محمد الصوفي من ولد عمر بن علي -عليه السلام- وكان رجلاً رقيباً ديناً، مقبول القول، فعرَّف الناس قتل أخيه، فضجوا بالبكاء والصراخ والعويل، وكانوا ناشبين في القتال.

فلما أيقنوا انصرفوا، ولم يلحقهم الحسين رضاً بما قد نال، وانكفأ راجلاً إلى بغداد برأس يحيى بن عمر -عليه السلام-، فلما دخل بغداد جعل أهل بغداد يضحكون استهزاءً واستبعاداً لما ذكر من قتل يحيى بن عمر، ولما دخل الناس على محمد بن عبد الله بن طاهر يهنئونه بالفتح، ودخل أبوهاشم داود بن القاسم الجعفري، وكان ذا عارضة ولسان، وشدة جنان، لا يبالي بما استقبل به الكبراء من أصحاب السلطان، فقال: أيها الأمير، [قد] جئتك مهنئاً بما لو كان رسول الله ً حياً لعزي به، فلم يجبه محمد بن عبد الله عن هذا بشيء، وأمر محمد بن عبد الله حينئذٍ أخته ونسوة من حرمه بالشخوص إلى خراسان، وقال: إن هذي الرؤوس من قتلى أهل هذا البيت لم تدخل بيت قوم قط إلاخرجت منه النعمة، وزالت عنه الدولة، فتجهزن للخروج، وأدخل الأسارى من أصحاب يحيى -عليه السلام- إلى بغداد.
ولم يكن فيما روي قبل ذلك أحد لحق ما لحقهم من العنف وسوء الحال[و] كانوا يساقون وهم حفاة سوقاً عنيفاً فمن تأخَّر ضربت عنقه، وأمر المستعين بتخلية سبيلهم فخلوا إلا رجلاً يعرف بإسحاق بن جناح كان على شرطة يحيى بن عمر، فحبسوه حتى مات فآذنوا به محمداً، فخرج توقيعه يدفن الرجس النجس إسحاق بن جناح مع اليهود، ولا يدفن مع المسلمين، ولا يصلىَّ عليه، ولا يغسَّل، ولا يكفَّن، فأخرج في ثيابه ملفوفاً في كساء قومسي على نعش حتى وصلوا به البرية فطرح على الأرض، وألقي عليه حائط.

قال الإمام المنصور بالله في (الشافي): وقد أحسنوا في إسائتهم حيث لم يساعدوا أميرهم في قبر عبد مسلم في مقابر اليهود، لا جرم له إلا نصرة آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرثَّ أحد من أهل البيت -عليهم السلام- قبل يحيى ولا بعده مثل ما رثي به، ورثَّاه أهل الإجادة من الشعراء بمراث كثيرة.
قال الإمام المنصور بالله : لو ذكرتها لخرجنا إلى الإسهاب.
قال: وإنما نذكر قصيدة ابن الرومي ؛ لأنه من الشعراء المجيدين، وممن لا يتهم على بني العباس في الحكاية لأنهم مواليه، والمحسنون إليه، فكان قوله فيهم أولى من قول غيره. قال:
أمامك فانظر أي نهجيك تنهج.... طريقان شتى مستقيم وأعوجُ
ألا أيُّهذا الناس طال ضريركم.... بآل رسول الله فاخشوا أو ارتجوا
أفي كل يوم للنبي محمد.... قتيل زكي بالدماء مضرجُ
تبيعون فيه الدين شر أئمة.... فلله دين الله قد كان يمرجُ
لقد ألحجوكم في حبائل فتنة.... وللملحجوكم في الحبايل ألحجُ
بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم.... لبلواكم عما قليل مفرّجُ
أما فيهم راعٍ لحق نبيه.... ولا خائف من ربه متحرجُ
لقد عمهوا ما أنزل الله فيكم.... كأن كتاب الله فيهم ممجمجُ
لقد خاب من أنساه منكم نصيبه.... متاع من الدنيا قليل وزبرجُ
أبعد المكنى بالحسين شهيدكم.... تضيء مصابيح السماء وتسرجُ
لنا وعلينا لا عليه ولا له.... تسجسج أسراب الدموع وتنشجُ
وكيف يُبَكَّى فائز عند ربه.... له في جنان الخلد عيش مُخرفجُ

وإلاَّ يكن حياً لدينا فإنه.... لدى الله حي في الجنان مزوجُ
وقد نال في الدنيا سناء وهيبة.... وقام مقاماً لم يقمه مزلجُ
شوى ما أصابت أسهم الدهر بعده.... هوى ما هوى أومات بالرمل بحرجُ
وكنَّا نرجيه لكشف عظائم.... بأمثاله أمثالها تتبلجُ
فساهمنا ذو العرش في ابن نبيه.... ففاز به والله أعلى وأفلجُ
مضى ومضى الفرَّاط من أهل بيته.... يؤم بهم ورد المنية منهجُ
فأصبحت لاهم أنسئوني بذكره.... كما قال قبلي في البسوء مؤرجُ
ولا هو أنساني أساي عليهم.... بلى هاجه والشجو للشجو أهيجُ
أبيتُ إذا نام الخلي كأنما.... تبطن أجفاني سيال وعوسجُ
أيحيى العلى لهفاً لذكراك لهفة.... يباشر مكواها الفؤاد فينضجُ
أحين تراك العيون جلائها.... وأقذائها ظلت مراثيك تُنْسَجُ
بنفسي وإن فات الفداء بكم الردى.... محاسنك اللاتي تمخ فتبهج
لمن تستجد الأرض بعدك زينة.... فتصبح في أثوابها تتبرجُ
سلام وريحان وروح وروضة.... عليك وممدود من الظل سجسجُ
ولا برح القاع الذي أنت جاره.... يرف عليك الأقحوان المثلجُ
ويا أسفاً ألا ترَّد تحية.... سوى أرج من طي رمس يأرجُ
ألا إنه ناح الحمائم بعدما.... ثويت وكانت قبل ذاك تهزجُ
أذمَّ إليك العين إن دموعها.... تداعى لنار الشوق حين توهجُ
وأحمدها لو كفكفت من غروبها.... عليك وخلت لاعج الشوق يلعجُ

وليس البكاء أن تسفح العين إنما.... أحر البكائين البكاء المولجُ
أتمنعني عيني عليك بعبرةٍ.... وأنت لأذيال الروامس مدرجُ
فإني إلى أن يدفن القلب داؤه.... ليقتلني الداء الدفين لأحوجُ
عناء على دار ظعنت لغيرها.... فليس بها للصالحين مُعرَّجُ
ألا أيها المستبشرون بموته.... أطلت عليكم غمة لا تفرَّجُ
أكلكم أمسى اطمأن مهاده.... بابن رسول الله في القبر مزعجُ
فلا تشمتوا وليخسأ المرء منكم.... بوجه كأن اللون منه اليرندجُ
فلو شهد الهيجا بقلب أبيكم.... غداة التقى الجمعان والخيل تمعجُ
لأعطى يد العاني أو أرمدُّ هارباً.... كما أرمدَّ بالقاع الظليم المهيجُ
ولكنه ما زال يغشى بنحره.... شبا الحرب حتى قال ذو الجهل أهوجُ
وحاشا له من تلكم غير أنه.... أبى خطة الخسف التي هي أسمج
وأنى له عن ذاك لا أين إنه.... إليه بعرقيه الزكيين مُحرجُ
كدأب علي في المواطن قبله.... أبي حسن والغصن من حيث يخرجُ
كأني به كالليث يحمي عرينه.... وأشباله لا يزدريه المهجهجُ
كأني أراه و الرماح تنوشه.... شوارع كالأشطان تُدْلَى وتخلجُ
كأني أراه إذ هوى عن جواده.... وعَفرِّ بالترب الجبين المشججُ
فحبَّ به جسماً إلى الأرض إذ هوى.... وحبَّ بها روحاً إلى الله تعرجُ
أأرديتم يحيى ولم يطو أيطلاً.... طراداً ولم يدبر من الخيل مسحجُ

تأتت لكم فيه مُنَى السوء هنية.... وذاك لكم بالغي أغرى وألهجُ
تمدون في طغيانكم وضلالكم.... ويُستدرج المغرور منكم فيَدْرُجُ
أجنوا بني اللخناء من شنآنكم.... وشدوا على ما في العياب وأسرجوا
وخلو ولاة السوء عنكم وعنهم.... وأحرى بهم أن يغرقوا حيث لججَّوا
نذار لكم أن يرجع الحق راجع.... إلى أهله يوماً فتشجوا كما شجوا
على حين لا عذر لمعتذرلكم.... ولا لكم من حجة الله مخرجُ
فلا تلقحوا الآن الضغائن بينكم.... وبينهم إن اللواقح تُنَتجُ
غررتم لأن صدقتم أن حالة.... تدوم لكم والدهر لونان أخرجُ
لعل لهم في منطوى الغيب ثائراً.... سيسمو لكم والصبح في الليل مولجُ
بمجر تضيق الأرض عن زفراته.... له زجل ينفي الوحوش وهزمجُ
إذا قيس بالأبصار أبرق بيضه.... بوارق لا يسطيعها المتمجمجُ
توامضه شمس الضحى فكأنما.... ترى البحر في أمواجه يتموجُ
له وقدة بين السماء وبينه.... تلم بها الطير العوالي فتهزجُ
يؤيده ركنان ثبتان رجله.... وخيل كأرسال الخراج وأرهجُ
إذا كرَّ في أعراضه الطرف أعرضت.... حراج تحار العين فيها فتحرجُ
عليها رجال كالليوث بسالة.... بأمثالهم يُثْنَى الأبي فيغنجُ
تدانوا فما للنقع فيهم خصاصة.... تنفسه عن خيلهم حين ترهجُ
فلو حصبتهم بالفضاء سحابة.... لظلت على هاماتهم تتدحرجُ
كأن الرماح اللهذميات فيهم.... قتيل بأطراف الرديني تسرجُ

يود الذي لا قوه أن سلاحه.... هنالك خلخال عليه ودمُلجُ
ويظعن خوف الشيء بعد إقامة.... ظعائن لم يضرب عليهنَّ هودجُ
فيدرك ثأر الله أنصار دينه.... ولله أوس آخرون وخزرجُ
ويقضي إمام الحق فيهم قضاؤه.... تماماً وما كل الحوامل تخدجُ
وقد كان في يحيى مذ مَّر خطة.... وناتجها لو كان في الأمر منتج
هنالكم يشقى البغي بسعيه.... إذا ظلت الأوداج بالسيف تودجُ
محضتكم نصحي وإنى بغيرها.... لأعنق فيما ساءكم وأهملجُ
مه!! لا تهادوا غرة البغي بينكم.... كما يتهادى شعلة النار عرفجُ
أفي الحق أن يمسوا خماصاً وأنتم.... يكاد أخوكم بطنةً يتبعجُ
تمشون مختالين في حجراتكم.... ثقال الخطا أكفالكم تترجرج
وليدهم بادي الطوى ووليدكم.... من الريف ريَّانُ الطعام خدلجُ
تذودونهم عن حوضهم بسلاحهم.... ويرتع فيه أرتبيل وأبلجُ
فقد ألجمتهم خيفة القتل منكم.... وبالقوم حاج في الحيازيم أحوجُ
بنفسي الأولى كظتهم حسراتكم.... فقد علزوا قبل الممات وحشرجوا
ولم تقنعوا حتى استثارت قبورهم.... كلابكم منها بهيم وديزجُ
وعيرتموهم بالسواد ولم يزل.... من العرب الأمحاض أخضر أدعجُ
ولكنكم زرق يزين وجوهكم.... بني الروم ألوان من الروم نعجُ
لأن لم يكن للهاشميين عاهةُ.... لما شكلكم تالله إلا المعلهجُ
بآية ألا يبرح المرء منكم.... يتل على حر الجبين فيعفجُ

يبيت إذا الصهباء روَّت مشاشه.... يساوره علج من الروم أعلجُ
فيطعنه في سَبَّة السوء طعنة.... يقوم لها من تحته وهو أفحجُ
لذاك بني العباس يصبر مثلكم.... ويصبر للموت الكمي المدججُ
فهل علة إلا كهذا وإنكم.... لأكذب مسئول من الحق يلهجُ
فلا تجلسوا وسط المجالس حُسَّراً.... ولا تركبوا إلا ركائب تخدجُ
أبى الله إلا أن يطيبوا وتخبثوا.... وأن يسبقوا بالصالحات وتُفْلَجُوا
وإن كنتم منهم وكان أبوهم.... أباكم فإن الصفو بالرنق يمزجُ
أروني امرأً منهم يُزَنُّ بابنةٍ.... ولا تنطقوا البهتان والحق أبلجُ
لعمري لقد أغرى القلوب ابن طاهر.... ببغضكم ما دامت الريح تنأجُ
سعى لكم مسعاة سوء ذميمة.... سعى مثلها مُسْتَكْره الرجل أعرجُ
فلا تعدموا ما حنَّت النيب فتنة.... تحش كما حنشَّ الحريقُ المؤججُ
وقد بدأت لو تُزجَرون بريحها.... بوائجها من كل أوب تبوجُ
بني مصعب ما للنبي وآله.... عدو سواكم أفصحوا أو فلجلجوا
دماء بني عباسهم وعليِّهم.... لكم كدماء الروم والترك تُهْرجُ
يلي سفكها العوران والعرج منكم.... وغو غائكم جهلاً بذلك تبهجُ
وما بكم أن تنصروا أولياءكم.... وتلك هناة في الصدور تخلجُ
ولو أمكنتكم في الفريقين فرصة.... لقد ظهرت أشياء تلْوي وتخلجُ
إذاً لاستفدتم منهم وتر فارس.... وإن وليَّاكم والوشائج توشجُ

أبى أن تحبوهم مدى الدهر ذكركم.... لياليَ لا ينفك منكم متوجُ
وإني على الإسلام منكم لخائف.... بوائق شر بابها اليوم مُرتجُ
وللحزم أن يستدرك الناس أمركم.... وحبلكم مستحكم العقد مُدْمُجُ
نظارِ فإن الله طالب وِتْرِهِ.... بني مصعب لن يسبق الله مُدْلجُ
لعل قلوباً قد أطلتم غليلها.... ستظفر منها بالشفاء فتثلجُ

[ذكر إسماعيل بن يوسف]
فصل: وأما ابن يوسف المذكور في البيت فهو: إسماعيل بن يوسف بن عبد الله [بن محمد] بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن -عليهم السلام-.
قال الحاكم: وله وقائع كثيرة، ولكنه أساء السيرة، وحكي عنه أشياء منكرة، اتفقوا على سقوط عدالته، وأنه ليس بإمام، خرج بمكة وتوفي بها سنة اثنتين وخمسين ومائتين.

[الإمام علي بن زيد]
وأما الزيدي المذكور في البيت، فهو: علي بن زيد، من ولد زيد بن علي -عليهم السلام-، قام في الكوفة في أيام المهتدي العباسي فبايعه نفر قليل من أهلها لما قد أصاب الناس في أيام يحيى بن عمر -عليه السلام-، فوجه إليه المهتدي الشاة بن ميكائل في عسكر ضخم، وذلك قبل خروج علوي البصرة.
حكى علي بن سليمان الكوفي قال:كنا مع علي بن زيد ونحن زهاء مأتي فارس نازلين ناحية من سواد الكوفة، وقد بلغنا خبر الشاه بن ميكائيل فقال لنا علي بن زيد: إن القوم لا يريدون غيري، فاذهبوا وأنتم في حل من بيعتي، فقلنا: لا والله، لا نفعل هذا أبداً، فأقمنا معه، ووافى الشاه بن ميكائيل في جيش عظيم لا يطاق؛ فداخلنا من الرعب أمر عظيم، فلما رأى ما لحقنا قال لنا: اثبتوا وانظروا ما أصنع، فوقفنا ونضى سيفه، وقنع فرسه وحمل في وسطهم يضربهم يميناً وشمالاً وأفرجوا له حتى صار خلفهم، وعلا على تلعة، ولوح سيفه إلينا، ثم حمل من خلفهم فأفرجوا له حتى عاد إلى موقفه ثم قال لنا: لا تجزعوا من مثل هؤلاء، ثم حمل ثانية ففعل مثل ذلك، ثم عاد إلينا وحمل الثالثة، وحملنا معه، فهزمناهم أقبح هزيمة، وقتلنا منهم ما شئنا وكانت هذه قصته -رحمه الله تعالى-.

[أخبار الحسن بن زيد(ع)]
ولابن زيد حديث شأنه عجب.... مع جنود خراسان لمعتبرِ
المراد بابن زيد هذا هو: الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه[في الجنة] -، فإنه قام ودعا بطبرستان.
قال الإمام المنصور بالله في (الشافي) فيما يرويه من أخباره: أنه لقي عدوه في بعض حروبه فانهزم الناس عنه، فثبت في أهل بيته وأنفار من خواصه في وجه عشرين ألف فارس من نجب رجال خراسان، فضاربهم بسيفه حتى تراد جيشه إليه، فجاءوا والسيف في يده، وهو يقول:
أمن الوحدة يستو.... حش من أدرك ثأره
أم بغير الصبر والنجدة.... ينفي المرء عاره
قد محي بالسيف والإسـ.... ـلام ما قال ابن داره
ولما كتب بعض كتّابه عنه كتاباً إلى بني العباس عرضه عليه، قال له: ألْحقْ ما أقول أبياتاً أنشأها على البديهة:
لا ظلم في ديننا ولا أثرة.... بالسيف نعلو جماجم الكفرة
يا قومنا بيعتان واحدة.... هاتا وهاتاك بيعة الشجرة
ردوا علينا تراث والدنا.... خاتمه والقضيب والحَبَرة
وبيت ذي العرش سلموه لنا.... تليه منا عصابة طهرة
فطال ما دنسَّت مناسكه.... وأظهرت فيه فسقها الفجرة
قال المنصور: وأمر بعمارة المشهدين المقدسين مشهد علي، ومشهد الحسين-عليهما السلام-، وأنفق عليه جملة كثيرة من المال، وكان يأمر إلى الحجاز، والعراق كل سنة ألف ألف درهم، تفرق على ضعفة آل الرسولً ورأيت في (البصائر والذخائر) لأبي حيان التوحيدي ما لفظه: أن أبا عاصم، قال في الحسن بن زيد:

له حق وليس عليه حق.... ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقاً.... عليه لغيره وهو الرسول
فطلبه فهرب منه، ثم لم يشعر به يوماً إلا وهو بين يديه يقول:
سيأتي عذري الحسن بن زيد.... وتشهد لي بصفين القبور
قبور لو بأحمد أوعلي.... يكون مجيرها حفظ المجير
هما أبواك من يضعا تضعه.... فأنت برفع من رفعا جدير
فاستحف الحسن كرمه إليه فقام وبسط رداءه وأجلسه عليه وأمنَّه.

[ذكر دعوة الإمام محمد بن زيد]
ثم دعا بعده أخوه محمد بن زيد وكانت لهما وقعات مع جنود خراسان كما أشار إليه السيد صارم الدين، وكان الناصر الأطروش قد قدم عليهما فأنصفاه وحضر معهما في كثير من وقعاتهما، وله قصة مع محمد بن زيد ستأتي في ذكر الناصر -عليه السلام-، وكان محمد هذا من أعيان العترة الكرماء، وأهل المعروف العام، والمحافظة على صلة الأرحام، ففي كتاب (الفرج بعد الشدة) للقاضي المحسن بن علي التنوخي ما لفظه: أن محمد بن زيد العلوي الداعي بطبرستان كان إذا افتتح الخراج نظر ما في بيت المال من خراج السنة الماضية؛ فيصرفه في قبائل قريش، وفي الأنصار، وفي الفقراء، وأهل القرآن، وسائر طبقات الناس، حتى يفرغ جميع ما بقي، فجلس في سنة من السنين وفرق المال كما كان يفعل، فلما بدأ ببني عبد مناف؛ قام إليه رجل فقال له: من أي بني عبد مناف أنت؟
قال: من بني أمية. قال: من أيهم؟ فسكت، فقال: لعلك من ولد معاوية، فقال: نعم.
قال: من أي ولده؟ فأمسك، فقال: لعلك من ولد يزيد؟

قال: نعم. قال: بئس الاختيار اخترت لنفسك من قصدك بلداً ولايتها لآل أبي طالب، وعندك ثأرهم في سيدهم، وقد كانت لك مندوحة بالشام والعراق إلى من يتولى جدك، ويحب برك، فإن كنت جئت بجهل منك فما يكون بعد جهلك شيء، وإن كنت جئت مستخفاً بهم، فقد خاطرت بنفسك، قال: فنظر إليه العلويون نظراً شديداً، فصاح بهم محمد: كفوا كأنكم تظنون أن في قتل هذا دركاً وثأراً بالحسين بن علي -عليهما السلام-، أي جرم لهذا!، إن الله قد حرم أن تطلب نفس بغير ما اكتسبت، واسمعوا حديثاً أخبركم به يكون قدوة لكم فيما تستأنفون.
حدثني أبي، عن أبيه، قال: عرض على المنصور سنة حج جوهر كان لهشام بن عبد الملك، وهذا بغيته قد كان بلغه خبره عند محمد ابنه، وما بقي منهم أحد غيره، ثم قال للربيع :إذا كان غداً وصليت بالناس في المسجد الحرام، وقد حصل الناس فيه؛ فأغلق الأبواب كلها، ووكل بها ثقاتك من الشيعة وأقفلها، وافتح للناس باباً واحداً، وقف عليه، ولا يخرج أحد إلا من قد عرفته.
فلما كان من الغد فعل الربيع ما أمره وتبين محمد بن هشام القصة، وعلم أنه هو المطلوب، وأنه مأخوذ فتغير وتحير، وأقبل محمد بن زيد -عليه السلام- ودخل المسجد فرآه متحيراً وهو لا يعرفه، فقال له : يا هذا، أراك متحيراً فمن أنت ولك الأمان، وأنت في ذمتي حتى أخلصك؟ فقال: أنا محمد بن هشام بن عبد الملك، فمن أنت؟

فقال: أنا محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي-عليهم السلام- فقال: فعند الله أحتسب نفسي إذاً، فقال: لا بأس عليك -يا ابن عم- فلست قاتل زيد، ولا في قتلك إدراك ثأر، وأنا الآن بخلاصك أولى مني بإسلامك للقتل، ولكن تعذرني في مكروه أتناوله منك، وقبيح أخاطبك به يكون فيه خلاصك، فقال: أنت وذاك، فطرح ردأه على رأسه ووجهه، ولببه به وأقبل يجره فلما وقعت عين الربيع عليه لطمه لطمات، وجاء إلى الربيع، وقال: إن هذا الخبيث جمال من أهل الكوفة أكرى مني جماله ذاهباً وراجعاً، وهرب مني في هذا الوقت، وأكرى بعض القواد الخراسانية، ولي عليه بينَّة، فيضم إلي حرسيين يسيرانه معي إلى القاضي ويمنعان الخراساني من فراره فصير إليه حرسيين، وقال: امضيا معه، فلما بعد عن المسجد قال: يا خبيث، تؤدي إليَّ حقي؟
فقال: نعم، يا ابن رسول الله، فقال للحرسيين: انصرفا؛ فانصرفا وأطلقه، فقبَّل محمد بن هشام رأسه، وقال: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله ً {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ }[الأنعام:126]، ثم أخرج جوهراً له قيمة، فدفعه إليه، وقال: شرفني بقبوله، فقال: يا ابن عم، إنَّا أهل بيت لا نقبل على المعروف مكافأة، وقد تركت لك أعظم من ذلك تركت لك دم زيد بن علي فانصرف راشداً ووارِ شخصك حتى يخرج هذا الرجل فإنه مجد في طلبك.

قال: فانصرف وتوارى، ثم أمر محمد بن زيد للأموي بمثل ما أمربه لسائر بني عبد مناف، وضم إليه جماعة من مواليه، وأمرهم أن يخرجوا إلى الري، ويأتوه بكتابه بسلامته، فقام الأموي فقبَّل رأسه ومضى معه القوم حتى أبلغوه مأمنه فجاءوه بكتابه، ذكر هذه القصة في كتاب (الفرج بعد الشدة) عن أبي الفرج الأصبهاني، عن أبي مسلم بن بحر قال: وكان أبو مسلم وزيراً للداعي محمد بن زيد، قال أبو مسلم: وكنت مشاهداً للخبر، وسمعته من لفظ الداعي. انتهى.

قال المنصور بالله في (الشافي): ومحمد هذا كان يضرب به المثل في عدله، فيقال: عدل الداعي وهو الذي أجرى في خراسان رسوم العدل، ونفى رسوم الجور، وأظهر معالم الدين، وعزت الزيدية في أيامه وأيام أخيه الحسن، وانتصف من الأعداء، وقام سوق العدل والتوحيد، وانتفى الجبر والتشبيه، والمذاهب الرديئة من القدر والإرجاء، وكان يحارب جيوش خراسان ويهزمهم، ويقتلهم في أكثر تلك الوقائع، وكان يَهمُّ بسرير الملك في بغداد، فقصدوه بكل جهدهم، وقضهم وقضيضهم فكان في بعض تلك الوقعات وقد انكسرت جنود خراسان، تفرق جند الداعي وانتشروا للغنائم، فلما رأى زعيمهم انتشار الناس؛ نصب رايته على رأسه فثابت إليه المنهزمة، وعطف على الناس في جيشه، فالتقاه محمد بن زيد في عدة يسيرة، وثبت وقاتل حتى أصيب بجراحات كثيرة مثخنة، ولم يعرف، وقد أمر ابنه زيد بن محمد فسئل عن أبيه؟ فقال: عهدته يقاتل، فمر به رجل من الجند وتحته فرس أبيه، فقال: هذه فرس أبي، فسأل الجندي؟ فقال: وجدت عليه شيخاً، جريحاً لاحراك به، فرميت به عنه، وأخذت الفرس، فجاءوا إلى موضعه فوجدوه وبه رمق، فمات،وهو (بجرجان) ومشهده بها مشهور مزور.
قال في (البصائر والذخائر) لأبي حيان التوحيدي، ما لفظه: قال الكني في قتل محمد بن زيد وآله:
آل زيد رماكم الد.... هر فاجتث أصلكم
بدد القتل بالصو.... ارم والسمرشملكم
لا أرى الذنب للذي.... أحدث الآن قتلكم
بل أراه لمعشر.... أسسوا ذاك قبلكم
وذكر المنصور بالله -عليه السلام- في (الشافي) فيه، وفي أخيه مراثي كثيرة للناصر، وغيره.

[الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين - عليه السلام -]. …
وفي إمام الهدى الهادي المتوج بالعلـ.... ـلياء أكرم داعٍ من بني مضرِ
من خص بالجفر من أبناء فاطمة.... وذي الفقار ومن أروى ظما الفقرِ
وصاحب المذهب المذكورفي اليمن المشـ.... ـهور من غير لا إفك ولا نكرِ
سارت بمذهبه الركبان واستلمت.... بقبره الناس مثل الحجر والحجرِ
وفي ابن فضل ومن لبىَّ لدعوته.... وفي مسودَّة تدعو إلى سقرِ
فضيت بتسع مع تسعين معركة.... غر كبدر وأوطاس وكالنهرِ
قضى بها نحبه صيد غطارفة.... مضوا وأشياع صدق من بني الطبري
سائل شباما وصنعاء وصعدة مع.... نجران عنه وسفح القاع من عصرِ
وسل بني يعفر عنه وكندتهم.... وغلب همدان والأخلاف من مضرِ
تخبرك عن ضربات منه قاطعة.... قدت دروعاً وأردت كل ذي صعرِ
اعلم أن الكلام في ذكر الهادي -عليه السلام- يقع في فصول:

الأول منها في ذكر نسبه
فهو: أبو الحسن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن رسول الله ً، نسب تتضاءل عنه النجوم الدراري، ويقصر عن إدراك مداه كل مجاري، وما ظنك بنسب يتردد بين النبي والوصي، محمد وعلي، وهما خيرتا الملك العلي، وهذا النسب القصير الممدوح عند فصحاء العرب وعلماء الأدب.
قال المعري أبو العلاء يرثي الشريف أبا أحمد الموسوي وهو والد المرتضى والرضي:
أنتم ذوو النسب القصير فطولكم.... باد على الكبراء والأشرافِ
والراح إن قيل ابنة العنب اكتفت.... بأب عن الأسماء والأوصافِ
قالوا: أراد بهذا ما حكاه الفرزدق قال: خرجت من البصرة أريد العمرة فرأيت عسكراً في البرية، فقيل لي: هذا عسكر الحسين بن علي -عليهما السلام-.
قال فقلت: لأقضينَّ حق رسول الله ً فيه، فأتيته فسلمت عليه، فقال لي: من الرجل؟ فقلت: الفرزدق بن غالب. فقال: هذا نسب قصير. فقلت: أنت أقصر مني نسباً، أنت ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انتهى.
وأم الهادي -عليه السلام- أم الحسن، وقيل: فاطمة بنت الحسن بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن -عليهم السلام-، ولد بالمدينة سنة خمس وأربعين ومائتين، وحمل حين ولد إلى جده القاسم -عليه السلام-، فوضعه في حجره المبارك، وعوَّذه ودعا له، ثم قال لابنه: ما سميته؟ قال: يحيى. وقد كان للحسين أخ لأبيه وأمه يسمى يحيى توفي قبل ذلك، فبكى القاسم -عليه السلام- حين ذكره، فقال: والله هو يحيى صاحب اليمن.

فصل: فيما ورد فيه من الآثار
قالوا: وإنما قال القاسم ذلك لأخبار رويت بذكره وظهوره باليمن، وكان بين ولادة الهادي وموت جدهالقاسم سنة واحدة، فالهادي هو الذي فقأ عين الضلال وأجرى معين العلم السلسال، وهو المبشر به قبل وجوده فيما رواه آباؤه عن جدوده، أن النبي ً قال:((يخرج في هذا النهج -وأشار بيده إلى اليمن- رجل من ولدي اسمه يحيى الهادي، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يحي به الله الحق ويميت به الباطل)).
وعن علي -عليه السلام- أنه قال: (يا أيها الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، أيها الناس أنا أحلم الناس صغاراً، وأعلمهم كباراً، أيها الناس، إن الله تعالى بنا فتح، وبنا ختم. أيها الناس، ما تمر فتنة إلا وأنا أعرف سائقها وناعقها، ثم ذكر فتنة بين الثمانين ومائتين، قال: فيخرج رجل من عترتي اسمه اسم نبي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، يميز بين الحق والباطل، ويؤلف الله بين قلوب المؤمنين على يديه كما تتألف قزع الخريف، انتظروه في الأربع والثمانين ومائتين في أول سنة واردة وأخرى صادرة).
قال علماؤنا : ومن نظر في الأمور علم أنه -عليه السلام- المراد بالخبر؛ لأن مصنِّف سيرته حكى أن وصوله إلى صعدة كان في المرة الأخيرة التي استقر فيها في الجهات لستة أيام ماضية من شهر صفر سنة أربع وثمانين وهذه الإشارة من قول علي -عليه السلام- مما يروى أنه مذكور في كتاب (الجفر) وهوكتاب مشهور في ألسنة آل الرسول، لا يكاد يظفر به منهم إلا أهل الوصول.

فصل: في ذكر الجفر وذي الفقار
مما وجد بخط الفقيه الأفضل محمد بن ناجي الحملاني -رحمه الله تعالى- ما لفظه في وصية علي -عليه السلام- أن سيفه يدفع إلى قائم حق، وربما أنه تنقل حتى وقع في يد المطهر بن يحيى قال: وقيل: إن ذا الفقار وختمه بخط علي عليه السلام صار إلى بعض آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من مطهر بن محمد بن المطهر بن يحيى انتهى.
ويقال: إن الهادي -عليه السلام- خرج إلى اليمن بثلاثة أشياء: كتاب الجفر، وذي الفقار، والهيكل، وهذه الثلاثة لم تجتمع لغيره من الأئمة.
قلت: وقد ذكر ابن خلكِّان، أن محمد بن تومرت الهرغي -بفتح الهاء وسكون الراء وبعدها غين معجمة- نسبة إلى هرغة قبيلة في أقصى الغرب تنسب إلى الحسين بن علي -عليه السلام- يقال: إنها نزلت بذلك المكان عندما فتح المسلمون البلاد على يد موسى بن نصير.

قال: وكان محمد بن تومرت هذا قد اطلع على كتاب يسمى (الجفر) وأنه رأى فيه صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى بمكان يسمى السوس، والرجل من ذرية رسول الله ً يدعو إليه يكون مقامه بموضع من المغرب يسمى اسم هجاء حروفه ت، ي، ن، م، ل ورأى في ذلك الكتاب أن استقامة ذلك الأمر واستيلاءه وتمكنه يكون على يد رجل من أصحابه هجاء اسمه ع، ب، د، م، و، م، ن وتجاوز في وقته المائة الخامسة للهجرة، فأوقع الله في نفسه أنه القائم بأولي الأمر، وأن أوانه قد أزف، فما كان محمد يمر بموضع إلا سأل عنه، ولا يرى أحداً إلا أخذ اسمه، وتفقد حليته، وكانت حلية عبد المؤمن معه فلما وافقه على هذه الصفة صحبه، واستوليا على أكثر المغرب، وبقية السيرة مذكورة في تأريخ ابن خلكِّان.
قال: وقد كان ابن تومرت في ابتداء أمره قد وصل إلى المشرق طالباً للعلم، فوافق الغزالي وغيره في العراق وأخذ منهم.
قال: وكان أول ظهوره ودعائه إلى الأمر سنة أربع عشرة وخمسمائة، وكان رجلاً ربعة، قضيفاً أسمر، عظيم الهامة، حديد النظر.
قال صاحب كتاب (المغرب في أخبار أهل المغرب) في حقه شعراً:
آثاره تنبيك عن أخباره.... حتى كأنك بالعيان تراه
قدم في الثرى وهمة في الثريا، ومهجه ترى إراقة ماء الحياة دون إراقة ماء المحيا، أغفل المرء يطول حله وربطه حتى دب دبيب الفلق في الغسق، وترك في الدماء دوياً، وأنشأ دولة لو شاهدها أبو مسلم لما كان لعزمه غير مسلم، وكان قوته من غزل أخته رغيفاً في كل يوم بقليل سمن أو زيت، ولم ينتقل عن هذا حين كثرت عليه الدنيا.

ورأى أصحابه يوماً وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه فأمر بضم جميعه وأحرقه، وقال: من كان يسعى إلى الدنيا فليس له عندي إلا ما رأى، ومن كان يسعى للآخرة فجزاؤه عند الله، وكان على خمول زيه وبسط وجهه مهيباً منيع الحجاب إلا عند مظلمة، وله رجل مختص بخدمته والإذن عليه، وكان له شعر جيد فمنه:
أخذت بأعضادهم إذ نأوا.... وخلفك القوم إذ ودعوا
فكم أنت تنهى ولا تنتهي.... وتسمع وعظاً ولاتسمع
فيا حجر الشحذة حتى متى.... تسن الحديد فلا يقطع
وكان أكثر ما ينشد:
تجرد من الدنيا فإنك إنما.... خرجت إلى الدنيا وأنت مجردُ
وكان يتمثل أيضاً بقول المتنبي:
إذا غامرت في أمر مروم.... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير.... كطعم الموت في أمر عظيم
وبقوله أيضاً:
ومن عرف الأيام معرفتي بها.... وبالناس روى رمحه غير راحم
فليس بمرحوم إذا ظفروا به.... ولا في الردى الجاري عليهم بآثم
[وبقوله أيضاً] :
وما أنا منهم بالعيش فيهم.... ولكن معدن الذهب الرغام
قلت: وإنما استطردت ذكر ابن تومرت لسبب ذكر كتاب (الجفر) ولأن شأنه كان إحياء معالم الدين كما كان ذلك شأن يحيى بن الحسين -عليه السلام- ولله القائل:
تعرض مختاراً وما كان ذاكراً.... لعهد اللوى والشيء بالشيء يذكر
[و] قال ابن خلِّكان، في ترجمة يزيد بن مزيد الشيباني : إن هارون أعطاه ذا الفقار يوم وجه لحرب الوليد بن ظريف الشيباني الخارجي وقال له: هذا ذو القفار سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خذه، فإنك ستنصر على عدوك، فأخذه فنصر، فقال مسلم بن الوليد:
أذكرت سيف رسول الله سنته.... وبأس أول من صلى ومن صاما

يعني علياً -عليه السلام-، قيل: إنه أخذه يوم بدر من نبيه بن الحجاج لما قتله، وكان له، وقيل: أعطاه إياه رسول الله ً، وسبب مصيره إلى هارون أن النفس الزكية -عليه السلام -لما علم أنه مقتول يوم خرج عليه بنو العباس إلى المدينة، وكان عليه أربعمائة دينار لتاجر، فلما أحسَّ بالموت قال للتاجر: خذ هذا فإنك لا تلقى طالبياً إلا أخذه بحقك، فأخذه منه جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس وأعطاه الدنانير، ثم صار إلى المهدي، ثم إلى الهادي، ثم إلى هارون.
قال الأصمعي: قال لي هارون: ألا أريك ذا الفقار؟ قلت: بلى، قال استله وكان متقلداً به فرأيت [فيه] ثماني عشرة فقرة. انتهى.
وقال في (محاسن الأزهار): بعد أن روى أنه سمع ملك يوم بدر ينادي من السماء، وقيل: هو يوم أحد:
لا سيف إلا ذو الفقا.... ر ولا فتى إلا علي
اختلفوا في ذي الفقار، فقال بعضهم: إنه سعف نخل نفث فيه رسول الله ً فصار سيفاً، وقيل: هو من صنم كان باليمن فأهدي لرسول الله ً، وقيل:إنه نزل من السماء نزل به جبريل -عليه السلام- وفيه نزل:{وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ }[الحديد:25] الآية.
وقيل: إنه من الغنائم يوم بدر، وكان للعاص بن أمية بن الحجاج فأعطاه إياه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان معه إلى أن توفي ثم صار إلى الحسن، ثم إلى الحسين، ثم إلى زيد بن علي.
وروي أنه صار بعد ذلك إلى الهادي يحيى بن الحسين- عليه السلام-، وفيه يقول: الخيل تشهد لي… الأبيات الآتية.

قلت: وهذه خاصية عظيمة في الهادي -عليه السلام-، فإنه أشبه أمير المؤمنين [علياً -عليه السلام-] في علمه، وشجاعته، [وسخائه] وورعه وغير ذلك من خصاله المحمودة، ومقاماته المشهودة ثم في كثرة نسله، فإن ذرية الهادي -عليه السلام- كادت أن تملأ الأرض طولها والعرض[103].

فصل: في ذكر علمه ومذهبه -عليه لسلام-
قال علماؤنا : إن الشرور قد [كانت] عظمت بين أهل صعد ة على كثرتهم وقوتهم في ذلك الأوان، واشتجر القتل بينهم، فلما وصل إليهم، وعظهم وذكرهم، وانتظم الصلح بينهم في الحال بعد أن كان قائد آل يعفر وصل إلى ناحيتهم يريد الصلح بينهم فما ساعدوه إلى ذلك، بل كانوا يقتتلون وهو واقف في ناحيتهم، فقتل عشرون قتيلاً، فلما أصلح بينهم الهادي -عليه السلام- قبلوا الصلح في الحال ببركته، وامتلأ اليمن ببركته وعدله عدلاً بعد أن كان فيه في الوقت الذي وافاه من القبائح ما تعظم فيه الحال من مذهب القرامطة، والجبرية [وسائر الأفعال] الرديئة الرذلة فطار مذهبه وفقهه في الآفاق، حتى صارت أقواله في أقصى بلاد العجم يأنسون بها أكثر من أنس أهل اليمن بها وعليها يعتمدون، وبها يفتون ويقضون.

وروى ولده المرتضى أنه -عليه السلام-، بلغ من العلم مبلغاً يختار ويصنف وله سبع عشرة سنة، ومصنفاته مشهورة في كل فن مثل كتاب (الأحكام) و(المنتخب) و(الفنون) وكتاب (المسائل) وكتاب (محمد بن سعيد) وكتاب (الرضاع) وكتاب (المزراعة) وكتاب (أمهات الأولاد) وكتاب (الولاء) وكتاب (القياس) وفي التوحيد كتب جليلة القدر، نحو كتاب (التوحيد) وكتاب (المسترشد) وكتاب (الرد على أهل الزيغ) وكتاب (الإرادة والمشيئة) وكتاب (الرد على ابن الحنفية في الكلام على الجبرية) وكتاب (بوار القرامطة) وكتاب (أصول الدين) وكتاب (الإمامة) و(إثبات النبوة والوصية) وكتاب (الرد على الإمامية) وكتاب (البالغ المدرك) وهو قطعة لطيفة فيها كلامه كأنه الروض ملاحة، والسحر لطافة ورقة وكتاب (تفسير خطايا الأنبياء -عليهم السلام-) وكتاب (الرد على ابن جرير) وكتاب (تفسير ستة أجزاء) و(معاني القرآن) سبعة أجزاء، وكتاب (الفوائد) جزءان، وكتب سوى ذلك كثيرة ما يقرب من عشرين كتاباً.
قال الفقيه حميد: وهي ظاهرة قال: وله الحكايات العجيبة في هذا المعنى.
قال الإمام المنصور: إنه لما افتتح صنعاء وافق علماء المجبرة فأرادوا مراجعته، فقالوا: ما تقول يا سيدنا في المعاصي؟ فقال: ومن العاصي؟ فبقوا متحيرين في الفكر إن قالوا: العاصي الباري كفروا، وإن قالوا: العاصي [من] المخلوقين وافقوا كلام الهادي –عليه السلام-، فلما لم يجدوا جواباً دخلوا في مذهبه المنور بتسعة أحرف حكى ذلك في (أنوار اليقين).

وروى السيد أبو طالب عن علي بن العباس الحسني : أنه سمع أبا بكر بن يعقوب عالم أهل الري وحافظهم حين ورد عليه اليمن، يقول : قد ضل فكري في هذا الرجل يعني الهادي فإني كنت لا أعترف لأحد بمثل حفظي لأصول أصحابنا، وأنا الآن إلى جنبه جذع بينا [أنا] أجاريه في الفقه وأحكي عن أصحابنا قولاً، فيقول : ليس هذا -يا أبا بكر- قولكم، فأرادده فيخرج إليَّ المسألة من كتبنا على ما حكى وادعى، فقد صرت إذا ادعى شيئاً عنَّا أو عن غيرنا لا أطلب منه أثراً إلى غير ذلك من شهرة علمه ومذهبه، -عليه السلام-.

فصل: في ذكر زهده وورعه
كان -عليه السلام- في الورع، والزهد، والعبادة إلى حدٍّ تقصر العبارة دونه،وظهور ذلك يغني عن تكلُّف بيانه، إلا أنَّا نحكي قليلاً من كثير، فنوء الماطر يشير إلى الغيث الغزير.
روى مصنف سيرته عن من سمعه يقول: والله الذي لا إله إلاهو ما أكلت مما جبيت من اليمن شيئاً، ولا شربت منه الماء، وروى عن من سمعه يقول : إلا من شيء جئت به من الحجاز وهذا ورع شحيح؛ لأنه تعفف عن الحلال إذ كان يحوز له أن يتناول من الجزية وأخماس الغنائم.
وروي عن ابنه محمد قال: وجهت غلاماً لي إلى [أبي] يحيى بن الحسين أطلب منه قرطاساً أكتب فيه كتاباً، فقال يحيى: القرطاس لا يحل له، فدفع إلى الغلام ورقة قطن.
وروي أيضاً، عن بعضهم أنه -عليه السلام- قال له: اشتر لي قرطاساً على حدة مما يحل لي الكتب فيه، فاشترى له.
وروى مصنف سيرته، عن عبيد الله بن حبيب وكان يقوم للهادي بأمره قال: قال لي يحيى بن الحسين -عليه السلام-: اشترِ لي تبناً أعلفه دوابي، قال: فقلت له: ليس نجد إلا تبن الأعشار، فقال: لا تشترِ لنا منه شيئاً وأنت تقدر على غيره.

قال عبيد الله: فلم أجد غيره، فأمرت بعض الغلمان ممن يقوم على الخيل يأخذ منه كيلاً معروفاً حتى نشتري ونرد ما أخذنا، فعلم يحيى بن الحسين، فوجه إلى عبيد الله فكلمه بكلام غليظ، فقال [له] عبيد الله: أنا آخذ منه كيلاً معروفاً حتى نرد مكانه، فقال: لست أريد منه شيئاً، مالنا وللعشر خذوا هذا التبن، فاعزلوه حتى يعلفه من يحل له، ولم يعلف منه خيله تلك الليلة شيئاً، وأمر أن يطرح للخيل قصب بلا تبن ليلتين، ثم قال: اللهم، إني أشهدك أني قد أخرجت هذا من عنقي، وجعلته في أعناقهم.
وروي أنه صاح بغلام له، فسأله عن خرقة؟ فقال له الغلام: قد رقَّعتها فقال للغلام: أخرجها إليَّ، فأخرجها من بين ثياب يحيى بن الحسين –عليه السلام-، وقال له: ويلك!! أنت قليل دين تضع خرقة من الأعشار بين ثيابي! ودخل يوماً وقد تطهرَّ للصلاة، فأخذ خرقة فمسح بها وجهه، ثم قال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون هذه الخرقة من العشر، فذكرت له ذلك، فقال: ما يحل لنا أن نمسح به وجوهنا، ولا أن نستظل به من الشمس وكان صوَّاماً قوَّاماً، يصوم أكثر أيامه، ويحيى أكثر لياليه تهجداً وصلاة.

روى السيد أبو طالب، عن سليم، وكان يخدم الهادي في داره قال: كنت أتبعه -حين يأخذ الناس فرشهم- في أكثر الليالي بالمصباح إلى بيت صغير في داره كان يأوي إليه، فإذا دخله صرفني فأنصرف، فهجس [ليلة بقلبي أني] أحتبس [على باب البيت] أنظر ما يصنع، قال: فسهر -عليه السلام- ركوعاً وسجوداً وكنت أسمع وقع دموعه ونشيجاً في حلقه، فلما كان الصبح قمت، فسمع حسي، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا، فقال: سليم، ما عجل بك في غير حينك؟
قلت : ما برحت البارحة جعلت فداك، قال: فرأيته اشتد عليه ذلك، وحرج عليَّ [على] أن لا أحدِّث به في حياته أحداً، فما حدَّث به سليم إلا بعد وفاة الهادي –عليه السلام-.

فصل: في ذكر بعض خصائصه -عليه السلام-
كان له خصائص وكرامات تكشف عن علو منزلته عند الله تعالى، فمن ذلك ما رواه مصنِّف سيرته [-عليه السلام-] عن بعضهم قال: كان لي ابن صغير لم يتكلم، وطلبت الدواء له بكل حيلة فأعياني، فعزمت على حمله إلى مكة، فكنت على ذلك إذ أتى كتاب الهادي، فأخذنا خاتمه، فوضعناه [في ماء] فسقيناه الصبي فأفصح بالكلام، فحدَّث بذلك الناس، وشاهدوا الغلام وهو يتكلم، وقد كان شاهده بعضهم قبل ذلك وهو لا يتكلم.
قلت[و] أنا: وقد جرى لي قصة وقد مرض ولدي فتوسلت بالهادي -عليه السلام- فعوفي، وسأذكرها قريباً فإنها من مشبهات المعجزات، وليس الخبر كالعيان.
وروى مصنِّف سيرته عن بعضهم، قال: سمعت رجلاً يقع في الهادي، وينتقصه في أصله، فما مكث[إلا] أياماً حتى أخذه الله ببلاء، فانقطعت رجله قبل أن يموت، ثم مات بعد ذلك.
قال: وسمعت أيضاً أن امرأة تكلمت بكلام سوءٍ، فقامت سحراً فأخذتها النار فاحترقت.
وروي أيضاً : أنه كان بنجران فأتي بصبي قد ذهب بصره بجدري فأمر يده على بصره ودعا له؛ فأبصر الصبي.
وروي أيضاً أنه –عليه السلام- كان في أرض لا ظلال بها ولا شجر، وكان يوماً شديد الحر، كثير السموم، فأنشأ الله سبحانه سحابة فركدت فوق رأس الهادي –عليه السلام- وأصحابه فأظلهم الله بها في ذلك اليوم وما زالت مظلة حتى راح وكانت السماء مصحية ما فيها سحابة غيرها، فتعجَّب الناس مما رأوا.

وروي أيضاً: أن رجلاً من بني ربيعة كان يكثر الرمي لأصحاب الهادي في يوم مْينَاِس فدعا عليه أن الله[تعالى] يقطع يده ؛ فتناصلت أصابعه إلى الرسغين فمات مما نزل به.

فصل في حسن أخلاقه وطيب نفسه
فإنه -عليه السلام- كان حسن الفكاهة، طيب العشرة من صغره إلى كبره، لأنه لا نزق بغيض، ولا فظ غليظ، كان في حال صباه يدخل السوق، فيقول: ما طعامكم [هذا] ؟ فيقولون: حنطة؛ فيدخل يده في الوعاء، فيأخذ منه في كفه ويطحنه بيده، ثم يخرجه فيقول: هذا دقيق، وكان يأخذ الدينار فيؤثر في سكته بأصبعه ويمحوها، وكان على رجل له حق قبل قيامه فامتنع عليه، فأهوى إلى عمود حديد فلواه في عنقه، ثم سواه وأخرج عنقه منه.
قالوا : وكان وهو غلام صغير بالمدينة وكان طبيب نصراني يختلف إلى أبيه الحسين على حمار له يعالجه من مرض أصابه، فنزل عن الحمار يوماً وتركه على الباب، فأخذ يحيى الحمار وأصعده[إلى] السطح، فلما خرج الطبيب لم يجد الحمار، فقيل له: صعد به يحيى السطح، فسأله أن ينزله- فمن المثل السائر: إنما ينزل الحمار من صعد به-، فأنزله وقد دميت بنانه، فبلغ ذلك أباه فزجره، لأنه خاف عليه أن ترميه العيون.
قالوا : وكان قوياً يأخذ قوائم البعير المسن القوي، فلا يقدر البعير على النهوض، وكان يضرب بسيفه عنق البعير البازل الغليظ، فيبينه عن جسده.

فصل: في شجاعته -عليه السلام-
اعلم أن شجاعته أشهر من أن تذكر في هذا المختصر، وأكثر من أن تصدر في دفتر وتحرر، فإنه كان إذا التقت الأبطال، وتداعت نزال، ألفيته القطب التي يدور عليها رحى القتال، وكم له من يوم أغر عاود فيه الكر، واستحيا من الفر، إذا حمي الوطيس كان أمام جنوده يضرب كبش الكتيبة، ويشاهد له كل حملة عجيبة.
ولقد صدق -عليه السلام- حيث يقول:
أنا ابن رسول الله وابن وصيه.... ومن ليس يحصى فضله ووقائعه
وقدماً ليوث الحرب فاقدت بينها.... بطعن وضرب ما تغب وعاوعه
وكان -عليه السلام- يضرب ضرب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليه السلام-، ففي الرواية : أنه ضرب رجلاً في باب مِيْنَاس فحذف السيف من بين رجليه، فلما نظر إليه ابن حميد قال: استروا ضربة هذا العلوي، فوالله لئن رآها الناس لا تناصروا قلت: وهو الذي أشار إليه السيد بقوله:
نخبرك عن ضربات منه.... (البيت)
وفي الرواية: أنه أوقع -عليه السلام- بالباطنية نيفاً وسبعين وقعة حضر فيها القتال بنفسه.
وقد أشار إلى ذلك السيد صارم الدين، وفي الهادي -عليه السلام- يقول الشاعر الخيواني :
لو كان سيفك قبل سجدة آدم.... قد كان جُرّد ما عصى إبليس

وطعن -عليه السلام- رجلاً فأمرقه، وانكسر الرمح، وبرز له رجل ذات يوم في بعض حروبه، فرفع الرجل يده بالسيف ليضربه، فأهوى عليه بيده فقبض بها على يد الرجل على مقبض السيف، فهشم أصابعه، ولما هزم جيشه يوم إتوة بأسباب خيانة من بعض من كان معه بقي في آخر الناس فلحقته فرسانهم، فكان من عرفه قل طمعه فيه، فجعلوا يطعنونه، وهو ينَّحي الرماح بسوطه، قال بعض أصحابه: يا سيدي، سل سيفك، فقال: ما كنت لأسله إلا أن أضرب به، فعاجله رجل برمحه، فلما ثبت فيه ثنَّى يده وكسر السنان، ورمى به في وجه الرجل.
وروى مصنَّف سيرته: أنه كان في بعض أيامه مع بني الحارث، وانتقوا من خيلهم ما يدنو من أربعين فارساً مدججة في السلاح، وأمروهم أن لا يقاتلوا ويقفوا، حتى إذا رأوا الهادي -عليه السلام- حملوا عليه، فبلغ الهادي خبرهم فلم يعبأ بهم، ولما رآهم قصدهم بنفسه، وحمل عليهم فما وقف له منهم فارس واحد، وأدرك منهم فارساً فطعنه، وألقاه هو وفرسه في أراكة، وانهزم القوم وعطف عسكره، وقتل من القوم بيده جماعة كثيرة لم يثبت عددها هو ولا غيره، غير أنه كسر ثلاثة رماح، وضرب بسيفه حتى امتلأ قائم سيفه علقاً، ولصقت أنامله على قائم سيفه بالدم، وفي ذلك يقول -عليه السلام- من قصيدة:
طرقت لعمرك زاهر مولاها
وستأتي في فصل شعره، وفي أخباره أنه انهزم عنه أصحابه في ريدة، فثبت في وجه عدوه في عدة يسيرة حتى عاد أصحابه، فقتلوا من القوم مقتلة عظيمة.
وقال في ذلك اليوم:
الخيل تشهد لي وكل مثقف.... بالصبر والإبلاء والإقدام

وستأتي وفي الحكاية أنه لما بايعه أبو العتاهية واستقر في صنعاء كره الخواتيم وغيرهم دخوله صنعاء، واصطفوا قدام داره وهو في مجلس مشرف عليهم، فأتاه أبو العتاهية فقال: يا ابن رسول الله، لا تعجل فإني أرجو أن يؤول الأمر إلى المحبوب، فقال له: أنفذ إليهم فاصرفهم عن موضعهم، فوالله لئن برزت إليهم لأنظمهم في رمحي كما تنظم الجراد في العود، وخرج أبو العتاهية إليهم فناشدهم الله، فلم يقبلوا ورموه بالحجارة والنبل، فاجتمع منهم من الغوغاء وأهل الباطل عشرة آلاف راجل وستمائة فارس ثم وقع القتال بالقرب من دار الهادي -عليه السلام- وجعلوا يرمون كوى في مجلس الهادي بالنشاب، والحجارة فأتى أبو العتاهية إلى الهادي، وقال : اركب جعلت فداك، فركب وأمر ابنه المرتضى فركب، وكذلك أصحابه وخرجوا من داره فلما عاينهم القوم وقد كانوا هزموا أصحابه حتى أدخلوهم الدار، ثم رجعوا إلى موضعهم فحمل عليهم الهادي- عليه السلام- وحده ومعه رجل من أصحابه، فلما قارب القوم وقف عنه صاحبه، ومضى الهادي فطعن أول من لقيه من القوم فقتله، ثم طعن آخر ثم آخر حتى طعن منهم ثلاثة من خيارهم، ثم لحق الخيل فطعن فارساً منهم فطرحه، وكان طعنه لهؤلاء القوم في حملته التي حمل عليهم، فصدق قوله، فنظمهم في رمحه كما وعدهم.
قال الراوي: فسمعته يقول بعد ذلك: ما ندمت على شيء قلته إلا قولي لأبي العتاهية (إن خرجت إلى هؤلاء الكلاب نظمتهم….) الخبر.

وفي آخره: وقد آليت أن لا أتكلم بمثل ذلك أبداً، فانهزم الخصوم حتى خرجوا من صنعاء وهو في آثارهم يطردهم، وقتل عسكره منهم جماعة في الجبانة.
وفي الرواية أنه كان -عليه السلام- قد بعث عاملاً له إلى برط، فمنعه بعض أهلها من صلاة الجمعة، فخرج الهادي إلى برط فدخله، وليس له إلا ثلاث طرق وأهله دهمه فوقف العسكر في مكانٍ وتقدم في ثمانية فوارس وستة وعشرين راجلاً، فقال للقوم: بيننا وبينكم كتاب الله، فإن لم تطيعوا فخلوا بيننا وبين الماء، فأبوا ورموهم ؛ فحمل عليهم، وقتل ثلاثة، وأسر جماعة، وانهزم القوم، فسلبهم العسكر وهموا بقتلهم، فصاح: من قتل قتيلاً فهو به، فسئل عن ذلك؟ فقال: ليس لهم فئة أي أمير، فطلب القوم الأمان والبيعة، فقبل منهم، وجمع عسكره، وقال: السلب لكم حلال، لكن هبوه لي أتألفهم به، وأرجو أن أعوضَّكم به ففعلوا، وأقام ثلاثاً لم ينزل على أحد حتى أكلت خيل عسكره العوسج، حتى أن جملاً لبعض عسكره دخل زرع رجل، فقال: لأخبرنَّ الهادي، فقال صاحبه: ليس لي، فأخذه وذهب، فناداه الرجل: خذ جملك ثم رجع إلى صعدة، فحاربه الأكيليون وبنو كليب والمهاذر، والعويرات، والبحريون، وكذا بعض بني جماعة، وانحازوا إلى حصنين بعلاف والثور فأمر بهدم منازل الأكيليين، وقطع أعنابهم، فصرخ ابن عباد بالربيعة فتحصنوا بالحصنين، ثم خرج بعد أيام إلى فروة وقطع أعناب الأكيليين، ثم خرج إلى علاف فهربوا عنه وتحصنوا بموضع يقال له: أفقين ثم قاتلهم بعد أيام وأمر برؤوس القتلى، ثم علم بدواب للمهاذر بأفقين فأمر بالغارة عليها، فأخذت فخمَّسها، ثم قسمت فاستأمن

المهاذر، فرد عليهم الخمس، ثم قصدهم مرة أخرى، فقيل له: إنهم بمكان لا قتال فيه، فقال للطبريين: هبوا لي أنفسكم ساعة فانعموا، فقيل له: إنك تحمل أصحابك على الهلكة، قال : سوف نسركم بعد قليل إن شاء الله تعالى، فطلع عليهم الجبل هو والطبريون، فهزموهم إلى حصن النميص فلما نظر الأكيليون الأمر خرجوا من علاف ونزل عليهم إلى بطن وادي علاف فأمر بهدم قرية النميص فحرقت، ونهبت، وقطعت الأعناب، وأمر بني كليب بإخراج الأكيليين، وكانوا في جبل يسمى العدنة ثم حلف له الأكيليون على الحق، وأن لا يتركوا كليباً في بلدهم.
ومن فرط شجاعته -عليه السلام-: أنه قال لأصحابه -في بعض أيام حربه لعلي بن فضل القرمطي- قد لزمنا الفرض في قتال هذا الرجل، فجبن أصاحبه عن قتالهم واعتذروا بقلة عددهم، وكثرة عدد أولئك، وكان المقاتلة من أصحابه ألف رجل، فقال: أنتم ألف، وأنا أقوم مقام ألف، وأكفي كفايتهم، فقال له أبو العشائر من أصحابه -وكان يقاتل راجلاً-: ما في الرجال أشجع مني، ولا في الفرسان أشجع منك، فانتخب من الجميع ثلاثمائة وسلحهم سلاح الباقي حتى نبيَّتهم، فإنا لا نفي بهم إلا هكذا، فاستصوب رأيه، فأوقعوا بهم ليلاً وهم ينادون بشعاره -عليه السلام- {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }[الحج:40] ومنحوه أكتافهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغنم منهم شيئاً كثيراً.
وله -عليه السلام-: ليلة تشبه ليلة الهرير لأمير المؤمنين علي -عليه السلام- في وادي المعمة.

روي أنه قتل فيها بنفسه مائة قتيل، وقتل ولده المرتضى ما يدنو من ذلك، وقد كان معه جماعة من الطبريين خرجوا معه من طبرستان، ومنهم فضلاء وعلماء، وشهداء، ولهم معه جهاد عظيم.

[ذكر العلامة أحمد بن موسى الطبري]
منهم الشيخ العلامة: أبو الحسين الطبري.
وعلى يده انتشر مذهب الهادي في اليمن، وبينه وبين علماء المذاهب مراجعات ومناظرات، وكان سكونه في آخر مدته بصنعاء.
تنبيه
وإذا قد عرض ذكر الشيخ أبو الحسين الطبري فلنذكر ها هنا نبذة من شأنه وشأن أصحابه.
قال بعض العلماء: إن جماعة من الطبريين خرجوا مع الهادي -عليه السلام- من طبرستان كما تقدم للجهاد بين يديه، فقتل منهم من قتل شهيداً، ورجع منهم من رجع إلى بلاده بعد سقوط فرض الجهاد، وبعد موت ابني الهادي. وكان ممن بقي منهم باليمن الشيخ الصدر العلامة شيخ الإسلام، وعماد العدل والتوحيد: أبو الحسين أحمد بن موسى الطبري، فكان له من العناية بإحياء الدين باليمن أضعاف ما كان منه في حياة الهادي وولديه المرتضى والناصر -عليهما السلام-.
قال: وقد كان همَّ بالرجوع من اليمن إلى بلاده إذ كانت دار آبائه ومنزل قومه، وبها نشأ فرأى في ذلك رؤيا زجرته عما همَّ به؛ وذلك أنه ساء ظنه بشيء من أمور أهل اليمن، فهمَّ بالخروج عنها فهبط تهامة، يريد الاستعانة على سفره بنائل[من] سلطان زبيد، وهو يومئذٍ الحسين بن سلامة مولى آل زياد، فلما قدم تلك البلاد أمسى ليلة من لياليه في بعض دورها، فرأى في نومه كأن الهادي إلى الحق –عليه السلام- قد وقف عليه يقول له:" يا أبا الحسين، تخرج وتترك التعليم بأصول الدين باليمن، اتق الله، ودع عنك هذا " فانتبه مذعوراً لذلك، وكرَّ راجعاً إلى صنعاء وصعدة وأعمالها ولم يدخل على الملك.

قالوا: ولما همَّ بالرجوع، قال: (فكرت في نفسي في إقامتي باليمن، فقلت: الناس منهم أسد، ومنهم ذئب، ومنهم ثعلب، ومنهم شاة، فنظرت فيهم فإذا أحكمهم عليهم، وأقومهم هو الأسد، فكان أحبهم إليَّ جواراً، فنزلت صنعاء فجاورت ابن الضحاك، فقال لي: ادع إلى مذهبك، وأظهر حب أهل بيت نبيك، وتكلم بما تريد، ولا تخف من هذه العامة الجبرية).
قالوا: فدخل جامع صنعاء وتكلم ودعا إلى مذهب الهادي فاستجيب له فلم يلبث أن صار له حزب وشيعة يصلي بهم في المسجد.انتهى.

فصل: في ذكر طرف من سيرته -عليه السلام -
في الرواية أن أبا العتاهية صاحب صنعاء عطش يوماً فأتاه وزيره بماء، فقال له: لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها؟ فقال: بنصف مملكتي. فشربها.
وقال له: لو لم تخرج من جسدك بكم كنت تشتري خروجها؟ قال : بالنصف الآخر، فقال: ما ملكت لا يساوي شربة فانتبه، وقال : فما نصنع؟ فقال: نبعث إلى شريف ينزل بالرس يقال له: يحيى فلعل الله ينجيك به فراسله، فخرج الهادي -عليه السلام- فبايعه هو وعشائره، وأهل ناحيته، وقاتل بين يديه مختلعاً من الأمر.
وروي أنه لما دخل الهادي عليه السلام صعدة فأقام فيها آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، وولى ولاته الجهات، ورسم لهم الرسوم، ثم افتتح نجران وأقام فيها مدة وعاود إلى صعدة، وكان يتولى كثيراً من الأمور بنفسه سالكاً في ذلك طريق المتواضعين، حسن الانصاف للمظلومين من الظالمين.
قال مصِّنف سيرته: رأيته ليلة وقد جاء رجل ضعيف في السحر يستعدي على قوم فدقَّ الباب، فقال: من هذا يدقُّ الباب في هذا الوقت؟
فقال له رجل كان على الباب: هذا رجل يستعدي، فقال: أدخله. فاستعدى فوجه معه في ذلك الوقت ثلاثة رجال يحضرون معه خصومه، فقال لي: يا أبا جعفر، الحمد الله الذي خصَّنا بنعمته وجعلنا رحمة على خلقه، هذا رجل يستعدي إلينا في هذا الوقت لو كان واحداً من هؤلاء الظلمة ما دنا إلى بابه في هذا الوقت مشتكٍ ثم قال: ليس الإمام منَّا من احتجب عن الضعيف في وقت حاجة ماسة.

وروى السيد أبو طالب بإسناده، عن علي بن العباس أنه قال: كنَّا عنده يوماً وقد حمى النهار وتعالى وهو يخفق رأسه فقمنا، فقال: أدخل وأغفو غفوة، وخرجت لحاجتي، وانصرفت سريعاً إلى المجلس الذي يجلس فيه الناس، فإذا أنا به في ذلك الموضع، فقلت له: في ذلك، فقال: لم أجسر أن أنام ولعل بالباب مظلوماً فيؤاخذني الله بحقه.
وروى السيد أبو طالب بإسناده عن أبي الحسين الهمداني وكان رجلاً فقيهاً على مذهب الشافعي، يجمع بين الفقه والتجارة، قال: قصدت اليمن وحملت ما أتجر فيه هناك ابتغاءاً لرؤية الهادي -عليه السلام- لما كان يتصل بي من أخباره فلما وصلت صعدة قلت لمن لقيت من أهلها: كيف أصل إليه؟ وبم أصل؟ وبمن أتوسل؟ فقيل لي: الأمر أهون مما تقدَّر، ستراه الساعة إذا دخل الجامع للصلاة بالناس، فإنه يصلي بهم الصلوات كلها، فانتظرته حتى خرج للصلاة فصلى بالناس وصليت خلفه.
فلما فرغ من صلاته تأملته فإذا هو قد مشى في المسجد نحو قوم أعِلاء في ناحية منه فعادهم، وتفقد أحوالهم بنفسه، ثم مشى في السوق وأنا أتبعه فغيرَّ شيئاً أنكره، ووعظ قوماً وزجرهم عن بعض المناكير، ثم عاد إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه من داره للناس، فتقدمت إليه فسلمت فرحبَّ بي، وأجلسني وسألني عن حالي ومقدمي؟ فعرفته أني تاجر، وأني وردت هذا المكان تبركاً بالنظر إليه، وعرف أني من أهل العلم فأنس بي.

وكان يكرمني إذا دخلت إليه إلى أن قيل لي [في] يوم من الأيام هذا يوم الظلامات وإنه يقعد فيه للنظر بين الناس فحضرت فشاهدت هيبة عظيمة ورأيت الأمراء والقواد والرحالة وقوفاً بين يديه على مراتبهم.
وهو ينظر في القصص ويسمع الظلامات، ويفصل الأمور فكأني شاهدت رجلاً غير من كنت شاهدته، وبهرتني هيبته، فادعى رجل على رجل حقاً فأنكره المدَّعى عليه وسأله البينة، فأتى بها فحلَّف الشهود؛ فعجبت من ذلك.
فلما تفرَّق الناس دنوت منه، وقلت له: أيها الإمام، رأيتك حلَّفت الشهود. فقال : هذا رأي آبائي تحليف الشهود احتياطاً عند التهمة، وما تنكر من هذا، وهو قول طاووس من التابعين، وقد قال الله تعالى:{فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا }[المائدة:107].
قال: فاستفدت في تلك الحال منه مذهبه، وقول من قال به من التابعين والدليل عليه، وما كنت قد عرفت شيئاً من ذلك قال: وأنفذ إليَّ يوماً من الأيام يقول: إن كان في مالك حق زكاة فأخرجه إلينا، فقلت: سمعاً وطاعة من لي بأن أخرج زكاتي إليه.
فلما كان بعد يومين بعث إليَّ واستدعاني، وإذا هو يوم العطاء قد جلس [له] والمال يوزن ويخرج إلى الناس، فقال : أحضرتك لتشهد إخراج زكاتك إلى المستحقين.
فقمت وقلت: الله الله أيها الإمام أتظنني أرتاب بشيء من فعلك؟ فتبسم وقال: ما ذهبت إلى ما ظننت، ولكن أردت أن تشهد إخراج زكاتك.

قال: وقلت له يوماً من الأيام: أول ما رأيتك وأنت تطوف على المرضى في المسجد تعودهم، وتمشي في السوق، فقال: هكذا كان آبائي،كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وأنت إنما عهدت الجبابرة والظلمة.
قالوا: وكانت هذه عادته حتى طمع فيه الفسقة فتبايعوا على غيلته فرموه من الصومعة[بسهم] فدخل المسجد وأخطأه السهم.
فلما صلى بالناس واستقرأ خبرهم فخرجوا فلقطوا النبل من باب المسجد. فقال: اللهم، إني أملت أن أسير فيهم سيرة الاختلاط، وأن أتولى أمرهم بنفسي ولا أكلهم إلى غيري، فبدأوا بالمكيدة فيَّ فإني ضارب الحجاب، ومتحرز حتى يحكم الله بيننا.

فصل: في ذكر طرف من حكمته[-عليه السلام-]
من ذلك قوله : " أصل الخشية لله سبحانه العلم، وفرعها الورع، وفرع الورع الدين، ونظام الدين محاسبة النفس، وآفة الورع تجويز المرء لنفسه الصغيرة من فعله، وأصل التدبير هو التمييز، وأصل التمييز الفكرة، ومن لم يجد فكره لم يجد تمييزه ومن لم يجد تمييزه [بما ركب من عقله] لم يستحكم[له] تدبيره، والعقل كمال الإنسان، والتجربة لقاح العقل، ومن لم ينتفع بتجربته لم ينتفع بما ركب فيه من عقله، وشكر المنة زيادة في النعمة، والنعمة لا تتم لمن رزقها إلا بشكر موليها، ومن أغفل شكر الإحسان؛ فقد استدعى لنفسه الحرمان، ومن أراد أن لا تفارقه نعمة الله فلا يفارق شكر الله، وحسن الرأي التأني، وآفته العجلة إلا عند بيان الفرصة، ومن علم ما لله عنده لم يكد يهلك، ومن أراد ينظر ماله عند الله فلينظر ما لله عنده، ثم ليعلم أن له عند الله مثل ما لله عنده قال الله سبحانه :{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }.. الآية [الأنعام:160].
وجودة اللسان زين الإنسان، وحياة القلب أصل البيان، ومن نظر في عواقب فعله نجا من موبقات علمه، وصاحب الدين مرهوب، وصاحب السخاء محبوب، وصاحب العلم مرغوب إليه، وذو النصفة مثنى عليه، ومن كفى الناس مؤنة نفسه كفاه الله مؤنة غيره.
ومن خضع وتذلل لله فقد لبس ثوب الإيمان، ومن لبس ثوب الإيمان فقد لبس ثوب العزة من الرحمن، قال الله سبحانه :{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }[المنافقون:8].

ومن رزق نزاهة النفس فقد أعطى عوضاً عن العبادة، ومن وفق للصبرعند البلاء؛ فقد خفت عليه المحنة العظماء، ومن أراد من الله التسديد والتوفيق فليعمل لله بالإخلاص والتحقيق، والعلم والحكمة لا ينموان مع العصبية والجهل والحيرة؛لا يقيمان مع الطاعة، ومن وفق أمن من الزلل، ومن خذل لم يتم له عمل، ولم يبلغ غاية من الأمل، ومن قوي باطن قلبه لم يضره ضعف بصره، قال الله تعالى:{فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ }[الحج:46] إلى آخر ما ذكره -عليه السلام-.
فله في هذا المعنى اليد الطولى وإنما أردنا التبرك بكلامه.

فصل: في نبذة من أشعاره
فمن ذلك ما تقدم الوعد به، وهو قوله:
طرقت لعمرك زاهر مولاها.... والحرب مسعرة يشب لظاها
طرقت تبختر في الحلي وفي الكسى.... إن الخريدة همها وهواها
تكسو مناكب زانها أعجازها.... عند التعانق حلة ورداها
أقني حيأكِ فحلتي يوم الوغى.... درع أعانق جيبها وعراها
نحن الفواطم لهونا طعن القنا.... ومدامنا حرب تدور رحاها
هلا سألتِ فتخبري إن لم تري.... إذ صار يطلب مهجتي أعداها
لاح الصباح وأبرقوا بكتيبة.... شهماء تدفق خيلها وقناها
والجيش في أيديه كل عقيقة.... القين أحكم سنها وجلاها
والمشرفية في أكف حماتها.... تحكي البوارق لمعها وسناها
والخيل تنحط بالفوارس والقنا.... فوق الفوارس في الوغى أجراها
ومنها :
غربت أنامل راحتي بصفيحتي.... لله در خبثعنٍ أغراها
ما كان إلا بطحة فتراكبت.... أولى كتائبها على أخراها
وانقض جمع خميسهم عن وقعة.... فيها النيار تأججت أحشاها
ومن ذلك قوله -عليه السلام-:
الخيل تشهد لي وكل مثقف.... بالصبر والإبلاء والإقدام
حقاً ويشهد ذو الفقار بأنني.... أرويت حدَّيه نجيع طغامي
علاً ونهلاً في المواقف كلها.... طلباً بثأر الدين والإسلام
حتى تذكر ذو الفقار مواقفاً.... من ذي الأيادي السيد القمقام
جدي علي ذي الفضائل والنهى.... سيف الإله وكاسر الأصنام
صنو النبي وخير من وارى الثرى.... بعد النبي إمام كل إمام
وقال -عليه السلام- وأمر بها إلى بني الحارث بنجران، مع كتاب:
خذوا حذركم مني فإني مسير.... إليكم جنود الله والله غالب

يسيرون للباغين حرب محمد.... عساكر يملا الأرض منها المقانب
على شزب تعدوا بكل سميدع.... بأيديهم البيض الرقاق القواضب
وخطية زرق العوالي جنابها.... مخوف لدى الأبطال ما أن يقارب
بأيدي رجال أهل بأس بخوفهم.... تشيب لذي الحرب العوان الذوائب
[وما حبسها إلا فراق لأرضكم.... وتجلب حولي للمسير الكتائب]
وتلفونني مستنصراً في جهادكم.... وعندكم مني لعمري التجارب
فلم أر مثل الحرب أوقد نارها.... أخو عزة دارت عليه المصائب
قوي على تأجيجها بدو أمره.... ضعيف إذا اشتدت عليه العواقب
يعنف من يأبى عليه اجتلابها.... ويسلبه إن كان يوماً يقارب
يضرمها حتى إذا ما تأججت.... وعاينني ضاقت عليه المذاهب
فيطلب سلمي حين لا سلم والذي.... إلى بيته بالركب تهوى الرغائب
أراد خلاصاً بعدما غص بالذي.... جنت يده فهو الشقي المطالب
فلا تحسديه أكلة إن غذى بها.... تُقيَّيْه إياها الرماح الزواغب
فويل لمن أمسى يهم بحربنا.... وويل لمن لم يدرِ من ذا يحارب
يحارب ضرغاماً يحامي على شبل.... له صولة مخشية ومخالب
قروس لمن أدناه حتف لقاؤه.... له حملات قرنه منه خائب
يدانيه جهال الرجال بحربه.... ومن كان ذا علم به فهو هارب
ومن شعره -عليه السلام- [قوله] :
فما العز إلا الصبر في حومة الوغى.... إذا برقت فيه السيوف اللوامع
هل الملك إلا الأمر والعز والغنى.... وأفضلكم من هذبته الطبائع
ومن لم يزل يحمي وينقم ثأره.... ومن هو في الحالات يقظان هاجع
يقلب بطن الرأي فيه لظهره.... ويمضي إذا ما أمكنته المقاطع

ونحن بقايا المرهفات وسورها.... إذا كان يوماً ثائر النقع ساطع
يموت الفتى منَّا بكل مهند.... واسمر مسنون الشبا وهو دارع
فتلك منايانا وإنَّا لمعشر.... من الناس في الدنيا البدور الطوالع
أبونا أمير المؤمنين وجدنا الر.... سول الذي منه تتم الصنائع
نهضت ولم أعجز وقلت مواعظاً.... ذخائر علم إن وعاهنَّ سامع
فكم قائل في نفسه وضميره.... أيا قائلاً في ذا كلامك ضائع
فكيف غناء الكف عند اجتهادها.... إذا لم تعنها بالفعال الأصابع
بنيت لهم بيتاً من المجد سمكه.... دوين الثريا فخره متتابع
وأضحى لهم عز به ومفاخر.... وذكرٌ ومجدٌ شامخ الفضل نافع
نعشت كتاب الله بعد هلاكه.... فليس بغير الحق يزمع زامع
أليس عجيباً أن يُسالم ظالم.... ظلوم لأهل الحق والحق خاضع
قتيل ذليل أهله ومضيع.... فساحته قفر قواء بلاقع
وعطله أنصاره وحماته.... فقد درست أعلامه والشرائع
وآل رسول الله قد شغلتهم.... عيون وأموال لهم ومزارع
[ومنها] :
وحقد وإحياء الضغائن بينهم.... ولم يجمعوا فيه وقل التطاوع
أرى الطالبيين الأسود تخاذلوا.... فمنهم مدان للعدى ومصانع
ولم يطلبوا إرث النبوة بالقنا.... ولم يمنعوه والرماح شوارع
أرى حقهم مستودعاً عند غيرهم.... ولا بد يوماً أن ترد الودائع
ولكنهم أمسوا وأضحوا كآيس.... يداري ويعطي تافهاً وهو قانع
شديد عظيم أن تصيروا أذلة.... وأنتم ليوث حين تخشى الزعازع
وأعداؤكم في غبطة وغضارة.... وعيش على حافاته الملك ذائع

[ومنها] :
وإني لأحمي أن أبيت بغبطة.... بطيناً وجاري مقتر وهو جائع
فلا تسرعوا بالظن فيَّ بأنني.... ذخرت كنوزاً والظنون تسارع
فلست إذا أعطيت أبقي بقية.... ولست إلى ما لا يحل أطالع
تظنون أن المال عندي مراكم.... وأني به عنكم ضنيناً ممانع
فلست بني عمي أخا تلك فاعلموا.... وليس عن الأموال مثلي يدافع
لقد عشت فيكم أعصراً بعد أعصر.... بذولاً لمالي إن حوى المال جامع
فلو أن أرض الله طراً بأسرها.... وأمثالها أضحت حوتها الأشاجع
لجدت بها والله حلفة صادق.... لبعضكم صدري لذلك واسع
بني العم إني في بلاد ضريرة.... قليل وداها شرها متتابع
وليس بها مال يقوم ببعضها.... وساكنها عريان غرثان جائع
سلوا الناس عنها تعلموا ما جهلتم.... بأخبارها خير الرجال المطالع
نسيتم محاماتي عليكم ودونكم.... وذلك معلوم لدى الخلق شائع
فإن لم تكافوني بفعلي فتحسنوا.... فلا يأتني منكم هديتم قطائع
ولا تيأسوا منَّا فعلَّ أمورنا.... سيسعفها دهر موات متابع
وله -عليه السلام-:
مل أيها السفر نطوي الأرض منشمراً.... نحو الحجاز على المهرية النجب
أبلغ بني حسن المختار مالكه.... عن ناصح لهم ذي منطق ذرب
عن الخليل الذي لم تخش نوبته.... يوماً ولم يرم بالتقصير في العرب
أهل النبوة ما بالي وبالكم.... وكيف حفتم على مثلي بلا سبب

حتى إذا قمت أدعو بالكتاب على.... حذو النبي وقد أمعنت بالطلب
حالفتم الخفض واللذات وانغمدت.... عني سيوفكم في ساعة التعب
ثم أدعيتم أموراً غير واضحة.... قبل البراهين هذا أعجب العجب
قبلتم قول ملعون أخي دنس.... إلف الخمور إلى الطنبور والطرب
سبَّاع لا سلم الرحمن مهجته.... فلم يكن صادقاً في سالف الحقب
بل لو رأيت لكم عوراء واضحة.... سترتها بوقار غير مجتلب
تحنناً وحفاظاً ثابتاً أبداً.... إذ أنتم عندنا في موضع القطب
[من الرجا وحقوقاً حق واجبة.... وما لكم من قرابات ومن نسب]
الستر شيمتنا إذا زلة ظهرت.... من الصديق فعال السادة النجب
وإن تعتَّب يوماً كنت معتبة.... والفضل فعل ذوي الأخطاروالحسب
إن نلت خيراً فذاك الخير يبلغكم.... أو كان شراً فأنتم عنه بالجنب
أقيكم كل مكروه ونازلة.... وأبذل النفس للهندية القضب
من دونكم أن تصابوا يا بني حسن.... أهل الديانة والإفضال والأدب
فكيف ترضون أن تضحى ولايتكم.... تُركاً ويدعى لهم بالرشد في الخطب
فأجمعوا فلكم عز ومكرمة.... وأنتم الأسد يوم الروع والسغب
فقد سمعتم حبيباً في مقالته.... (السيف أصدق أنباء من الكتب)
هذا أحق من التعنيف لي عبثاً.... ومن مقال لذي الأموال والطنب
القصيدة بطولها.

وله -عليه السلام-:
ألا لله عبنا من رآنا.... وأشباه الكلاب لدى النزال
وقد سرنا إليهم في جيوش.... مظفرة تدف إلى القتال
بأيديهم بواتر قاطعات.... يزاح بهن أقحاف القلال
إذا ما حكمت في القوم يوماً.... أطاع لحكمها غلب الرجال
وسمر ركبت فيها المنايا.... فحل الموت في روس العوالي
وزرق عكفت للحرب صقر.... على أكبادها زرق النصال
إذا ما قابلت جيشاً أحلت.... بهم من وقعها أنكى النكال
ترنم في الصفوف إذا تدانت.... ويذهب وقعها كذب المقال
[إلى قوله -عليه السلام-]
أنا الموت الذي لا بد منه.... على من رام خدعي واغتيالي
وغيث للولي إذا أتاني.... ومنتجع لمن يبغي نوالي
وله -عليه السلام-:
ولست بقائل ما دمت حياً.... كما قد قال في الحرب الوقودُ
أخو الفسق الدوانيقي لما.... تداخل قلبه الرعب الشديدُ
تفرقت الضباء على خداش.... فلا تدري خداش ما تصيدُ
وشعره -عليه السلام- كثير مذكور في سيرته وغيرها.

فصل: نذكر فيه علي بن الفضل القِرْمِطِي
فإنه ظهر في اليمن في سنة ثلاث وستين ومائتين وتقَّوت شوكته، وأعلن بالكفر، حتى روي أنه كان في عنوان كتبه إلى أسعد بن يعفر : من باسط الأرض وداحيها، ومزلزل الجبال ومرسيها علي بن الفضل إلى عبده أسعد بن أبي يعفر، وتظهر بمذهب المجوس، وأمرهم بنكاح الأمهات والأخوات، وشرب الخمر وأمر من كان معه أن يسلموا إليه الأموال والحرم، فيخرجوا إليه من جميع ما في أيديهم فهرب منه جماعة، ولحقوا ببلدانهم، وثبت هو ومن أقام معه على الكفر.
وكان يجمع بين عدة من النساء في دار، فإذا كانت ليلة الجمعة جمع الرجال فأرسلهم على النساء، وقد تقع الأم للابن والأخت للأخ فيفجرون بهنَّ ليلتهم فمن امتنع من ذلك قتله وأباح دمه، وروي أنه تسمى برب العالمين.
وروي أنه كان يؤذن المؤذن في عسكره أشهد أن علي بن الفضل رسول الله، وكان ذلك في المذيخرة مدينة لهم باليمن، وتقوت أمورهم، واستحكمت في كثير من نواحي اليمن، وغلبوا على صنعاء، وجرى للهادي - عليه السلام وأولاده -عليهم السلام- في حربهم وقعات كثيرة قتل فيها من قواد القرامطة خلق كثير.
تنبيه: وإذا قد عنَّ ذكر القرامطة هنا، فلنذكر ما حكي في ابتداء ظهورهم، فإن عزالدين بن الأثير ذكر في تأريخه المسمى (بالكامل): أن أول أمرهم كان في سنة ثمان وستين ومائتين.
قال: وفي هذه السنة خرج قوم من سواد الكوفة يعرفون بالقرامطة، جمع قِرْمِطي بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم وبعدها طاء مهملة.

والْقَرْمَطَة في اللغة: تقارب الشيء بعضه من بعض، يقال: خط مقرمط إذا كان كذلك، و[كان] أولهم أبو سعيد الآتي ذكره، مجتمع الخلق أسمر، كريه المنظر، فلذلك قيل له: القرمطي ونسب أتباعه إليه.
وذلك أن رجلاً أظهر العبادة، والزهد والتقشف، وكان يصنع الخوص ويأكل من كسبه، وكان يدعو إلى إمام من أهل البيت -عليهم السلام-.
وأقام على ذلك مدة، فاستجاب له خلق كثير، وحدث له أحوال أوجب له حسن الاعتقاد فيه، وانتشر ذكرهم بسواد الكوفة.
ثم قال ابن الأثير: وبعد هذا في سنة ست وثمانين ومائتين ظهر رجل منهم يعرف بأبي سعيد الجنابي بالبحرين، واجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة، وقوي أمره فقتل من حوله من أهل تلك القرى، وقد كان أولاً يبيع للناس الطعام، ويحسب لهم بيعهم، ثم عظم أمره، وقربوا من نواحي البصرة؛ فجهز إليهم المعتضد جيشاً، يقدمهم العباس بن عمر الغنوي فأتقعوا وقعة شديدة أنهزم فيها أصحاب العباس وأسر العباس، وقتل أبو سعيد الأسرى، وأحرقهم، وأطلق العباس، فحضر إلى بين يدي المعتضد فخلع عليه، ثم دخل القرامطة بلاد الشام في سنة تسع وثمانين ومأتين، فجرت بين الطائفتين وقعات يطول شرحها.
ثم قتل أبو سعيد في سنة[إحدى وتسعين ومائتين] في الحمام قتله خادمه، وقام مقامه [ولده] أبو طاهر سليمان فقصد البصرة، فملكها بغير قتال بل صعدوا إليها ليلاً على سلاليم الشعر، فقتلوا والي البلد ووضعوا السيف في الناس.
وأقام أبو طاهر سبعة عشر يوماً يحمل منها الأموال، ثم عاد إلى بلده وقد كان ملك أبوه هجر والقطيف والطائف وسائر بلاد البحرين.

وما زال أبو طاهر يعبث في البلاد، ويقتل ويأسر إلى سنة سبعة عشر وثلاثمائة فحج الناس وسلموا في طريقهم، ثم وافى يوم التروية بمكة فنهب الناس، وقتلهم حتى في المسجد الحرام، وفي نفس البيت، وقلع الحجر الأسود، وأنفذه إلى هجر وخرج إليه أمير مكة في جماعة من الأشراف، فقتلهم جميعاً، وقلع باب الكعبة، وأصعد رجلاً ليقلع الميزاب فسقط ذلك الرجل ومات، وطرح القتلى في زمزم، ودفن الباقين في المسجد الحرام من غير كفن ولا غسل ولا صلاة، وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكة.
فلما بلغ ذلك المهدي عبيد الله صاحب إفريقية كتب إليه ينكر عليه ويلومه، ويلعنه، ويقيم عليه القيامة، ويقول له : حققت علينا الكفر واسم الإلحاد بما فعلت، وإن لم ترد على أهل مكة والحاج، وغيرهم ما أخذت منهم، وترد الحجر الأسود إلى مكانه، وترد كسوة الكعبة، وإلا فأنا بريء منك في الدنيا والآخرة.
فلما وصله هذا أعاد الحجر إلى مكانه واستعاد ما أمكنه من أموال أهل مكة فرده، وقال: أخذناه بأمر، وأعدناه بأمر.
وقد كان أمير بغداد والعراق بذل لهم في رده ألف دينار فلم يردوه، ثم ردوه الآن، ولما أخذه تفسخ تحته ثلاثة جمال قوية من ثقله، ولما ردوه أعاده على جمل واحد [و] وصل به سالماً.
قال ابن خلكِّان: ولعل الكاتب إلى القرمطي برده ولد عبيد الله المهدي، لأنه توفي في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وكان ردُّ الحجر في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.

قال ابن الأثير: ولما عزموا على رده حملوه إلى الكوفة، وعلقوه بجامعها حتى رآه الناس، ثم حملوه إلى مكة، فكان مكثه عندهم اثنتين وعشرين سنة.
قال ابن الأثير: وعلى الجملة فالذي فعلوه في الإسلام لم يفعله أحد قبلهم ولا بعدهم من المسلمين، وملكوا كثيراً من العراق والحجاز، وبلاد الشرق والشام إلى باب مصر.
ثم قتل أبو طاهر في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
والجنَّابي -بفتح الجيم وتشديد النون وبعد الألف باء موحدة - نسبة إلى جنَّابة بلد من أعمال فارس، متصلة بالبحرين، والقرامطة منها.
رجع الكلام إلى بقية ذكر علي بن الفضل
قال السيد يحيى بن القاسم الحمزي من أولاد الحمزة بن أبي هاشم في كتاب (كشف الأسرار وهتك الأستار من محجوب الباطنية الكفار) ما معناه:أن علي بن الفضل كان ممن يتهم في نفسه بالأبنة.
وروي عنه أشياء فظيعة، ثم حكى أن سبب موته كان على يدي السيد الشهيد علي بن محمد الحسني -رحمه الله تعالى-.
فإنه باع نفسه من الله لما رأى أفعال عدو الله فأعمل الحيلة، وتهيأ تهيئة طبيب عارف، وأوهمه أن به علة إن لم يفعل فيها بما أمره به هلك فأمره بفصد عرقين في رجليه وفصده بمبضع مسموم بسم قاتل، فما مضى عليه إلا قليل حتى بلغ الألم شغاف قلبه وهرب السيد بعد فصده حتى بلغ نقيل صيد فقتل هنالك شهيداً، ثم مات ابن فضل عقيب ذلك يوم الأربعاء للنصف من ربيع الآخر من سنة ثلاث وثلاثمائة.

وأقام بعده ولده، فقام أسعد بن [أبي] يعفر في حربه فحاصره مدة، ثم قتله وأخاه وجماعه من أتباعه قدر نيف وعشرين رجلاً، وبعث برؤوسهم إلى العراق والخليفة إذ ذلك المعتضد في ذي القعدة سنة أربع وثلاثمائة سنة.

فصل: في وفاة الهادي -عليه السلام-
قال علماؤنا: إنه لما قهر الأعداء، وقرر قواعد المذهب الشريف والدين المنيف.
وقد كان في اليمن مذاهب مختلفة قرامطة، وأباضية قوم من الخوارج، وجبرية فاستأصل الله بحميد سعيه أكثر أهل تلك المذاهب الردية، وأظهر مذهب العترة الزكية، فامتلأ اليمن عدلا، وتوحيداً، وإرشاداً، وتسديداً ومهدَّ قواعد السياسة النبوية تمهيداً، وأفنى المفسدين قتلاً وصلباً وتشريداً.
عرض له مرض شديد، قيل: إنه سم على يدي بعض خواصه، فقال له: هل استجدت الجعل؟
وكان مع هذه المرضة الشديدة لم تتغير جلسته، فمات يوم الأحد لعشر باقية من ذي الحجة آخر سنة ثمان وتسعين ومائتين ودفن يوم ثاني، وهو يوم الإثنين قبل الزوال عن ثلاث وخمسين سنة، ودفن في غربي المسجد الجامع بصعدة هكذا في (الحدائق الوردية).
ولعل صفة المسجد قد كانت مغايرة لصفته الآن، لأن قبة الهادي عليه السلام- في هذا التأريخ يمانية الجامع.
وقد رأيت بعض من يزور من الهادي عليه السلام لا يدنو من القبة قليلاً بزعمه أن جسده الطاهر مدفون بقرب عتبة الباب، والظاهر خلاف هذا الوهم فإن صعدة في أيدي العترة منذ مات الهادي، وإن تخلل ملك غيرهم لها فمدة يسيرة لا يلتبس في قدرها موضع قبره.

وعلى الجملة فأينما كان [موضع] قبره تقدم قليلاً أو تأخر يسيراً، فقد ملئ من اليمن والإيمان، واشتهرت بركته في جميع الأزمان، وافتخرت به الزيدية على جميع المذاهب والأديان، وأختص أهل صعدة بمشاهدته، والتمسح بزيارته في كل أوان، فهو لهم جنة من طوارق الحدثان، وملجئاً عند تراكم المحن، وهجوم الظلم والطغيان، وفيه، وفي قبر الناصر الأطروش، يقول بعض الشعراء:
عرَّج على قبر بصعدة.... وابكِ مرموساً بآمل
واعلم بأن المقتدي بهما.... سيبلغ حيث يأمل

فصل:وهذه خاتمة مناسبة لما تقدم
وقد وعدت بها، وهي أنه كان في شهر شعبان سنة خمس وتسعين وثمانمائة وقع مع الناس مرض كاد يعم، وهو من قبيل السابع يمرض الإنسان قدر سبع أو أربع عشرة، [يوماً] ثم يصح.
ولم يمت منه إلا القليل، وكثير وقوعه مع النساء والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، ومرض عدة من أصحابنا ونحن صحاح إلى نهار عيد الإفطار، وشرع بابنتين لنا في ساعة واحدة، ولهما في العمر من العشر فما دون، فقلنا: هذا نصيبنا وحمدنا الله على سلامة أخيهما يونس؛ لأنه عندنا في منزلة عظيمة، ولم يكن لنا غيره من الذكور، ولم يزل ذلك الوباء يرتفع وينقطع، ونحن نستبشر بانقطاعه شحاً على هذا الولد.
والوالد كما قيل شقي، فلما كان أول يوم من العشر في ذي الحجة في تلك السنة شرعت به الحمى، وقد كنا كالقاطعين بأن قد تعداه الشر، فبقي طول تلك العشر يجاهد والحمى فاترة.
فلما كان يوم العيد اشتد عليه المرض، وذهل عقله بعد ذلك، وقلت متعته وقلنا: هو يعرف في السبع الأول، أو في السبع الثانية، أو في السبع الثالثة، أو في السبع الرابعة والأمر يزداد.
وعلى الجملة فما زال سراجنا يقد وشجننا يكثر، اثنتين وثلاثين ليلة، يمضي علينا اليومان ما نطعم الزاد لا نحن ولا هو لما به من شدة المرض، وأعيتنا الحيل في أمره، وعاده جميع قراباتنا وأصحابنا، وأشجنوا كشجننا.

فكان في بعض الأيام ضاقت بي جوانب البيت، فخرجت المقبرة [فما وسعني وما دريت ما أدعوا به أهل المقبرة] وداخلني اليأس والقنط، فلم ألق حيلة إلا قصد مسجد الهادي أول الظهر فصليت فيه الظهر، وما تيسر في صرح المسجد قريباً من القبة فلقيني بعض الإخوان ممن قد علم بمرضه فسألني عنه فخنقتني العبرة، وأجهشت بالبكاء حتى سمعني من كان بالمصلى والقبة، ثم دخلتها باكياً، ولازمت التابوت فقلت: يا هادياه، [يا هادياه] بصوت مرتفع بقيت على ذلك ساعة، ثم سلمت أجرة [قراءة] ختمة إلى يد أحد العميان المجاورين للهادي، وهو من أهل الصلاح، وقلت له: اقرأ لي بهذه اليوم وغداً ختمة، ووصيتك الدعاء، فرَّق لي؛ لأنه كان يسمع ابتهالي.
ثم خرجت من القبة، وقد برد ذلك التلهب الذي كان بقلبي، واستروحت نفسي.
فلما وصلت البيت ودخل الليل استقبلنا ما كنَّا نستقبله من معاناة مرضه، فاعتراه في تلك الليلة نافض خالف أضلاعه، وصاك أسنانه كما يعلم الله ونشهد أنه شيء ما عهدناه منذ مرض، فقلت في نفسي هذه المحقوقة ما هذا إلا من طلائع الموت؛ فبتنا بأسوأ حال باته مخلوق، فلما [كان] قرب الفجر أخذتني سنة خفيفة، فرأيت فيها أن محمداً على باب مسجد الهادي [الشرقي وجملاً باركاً تحته، والمحمل] مغطى بتغطية لها نور عال، وهي ثياب بيض كلها، عرفت في المنام منها ثوب لي للعيد، وهو رفيع أبيض، فدقني الذهن، وتلك الحال بين عيني، فلم يسبق ذهني إلا إلى أن تلك أمارة موت أو جنازة فازداد غمي.

فلما كان وقت الغداء وأنا عنده عرض عليَّ الغداء وفيه قطعة من سمك وقطعة شوى فعرضت عليه بعض ذلك تبختاً وهو زايل العقل كعادته ففتح فاه وازدرد من تلك القطع واحدة صغيرة ثم فتح فاه، وأومأ إلي أن زد، ثم ثنى الإيماء فنتفت له شيئاً يسيراً من النوعين، فأخذ منهما ومن طرف رغيف ما كتب الله، ونحن حوله فازداد فرحنا، واستقر بنا الفرج، واستمر من تلك الساعة ما أتى عونه إلا وأكل منها فوق ما أكل من الأولى وجاءت العافية وكنا منتظرين العرق أو رعاف فلم يكن شيء من ذلك إلا بعد أن تعافى بقدر نصف شهر، ثم استمر به العرق فعجبنا من هذه الكرامة، واعتقدنا أن ذلك المحمل غارة من الهادي -عليه السلام-، فنظمت هذا الشعر الآتي ذكره، وأنشدته في مسجد الهادي وغيره، وتناقله عدة من الأصحاب.
ثم رأيت بعد ذلك في النوم بعض فضلاء أهل البيت، يقول لي: [يا محمد، أنت] في جاه رسول الله ً.
فقلت: لِمَ؟ فقال: بسبب الشعر الذي أنشدته في الهادي -عليه السلام-.
فهذا [مضمون] ما كان من مرض الولد، وما وقع فيه من الغارة الهادوية الخارقة للعادة.
[وهي] هذه القصيدة نفع الله بها وبمن قيلت فيه:
إن كنت ترغب في غوث وإمداد.... لكل خاف من المكروه أو بادي
أو ترتجي النفع في مال وفي سكن.... أو تدفع الضر عن أهل وأولادِ
فلذ بمشهد يحيى بن الحسين وقل.... برفع صوتك يا غوثاه يا هادي
يا هادياه، ويا من حل ساحته.... من كل داعٍ إلى حقٍ وإرشادِ
ومن شهيد ومن علاَّمة علم.... ككوكب في ظلام الليل وقَّادِ
قوموا بنصري وجدوا في معاونتي.... وسارعوا في تخلاصي وإنجادي

فهم يجيبون من يدعوهم طمعاً.... في جاههم ما وفى حر بميعادِ
ويسمعون دعا العاني الأسير إذا.... ما صار في ضيق أغلال وأصفادِ
قوم بهاليل لا يخشي النزيل بهم.... من حادثات الليالي حزَّ أو رادي
وجارهم لا يخاف الضيم محترم.... وأعز من لبدة الضرغام في الوادي
دعوتهم لمهم قد برى جسدي.... وفت من عظمه عظمي وأعضادي
وقلت يا سادتي ابني ومعتمدي.... ومن أعدَّ لإصداري وإيرادي
والنور من ناظري والروح من جسدي.... ومن لرؤيته تهتز أكبادي
قد أطبقت فوقه الحمى مسىً وضحى.... فما له غير شرب الماء من زادي
فاستنقذوه سريعاً من مخالبها.... يا سادتي وأجيبوني بإسعادي
وبادروا واشفعوا لي عند خالقه.... يبقيه لي عمري شفعاً لإفرادي
فرحت من مسجد الهادي وقد نفثت.... بشرى الإجابة في روعي بإبرادي
مصداق ما روت الأثبات في خبر.... عن النبي بإرسال وإسنادِ
إن الأمارة في قبلان كل دعا.... سكينة مثل برد الماء للصادي
وبعد ذلك لم تبرح تكرر لي.... بشائر في تصاريفي وتردادي
حتى إذا ليلة واشتد بي قلقي.... من طول مرضة شبلي أي إشدادِ
رأيت في النوم نوراً صادعاً وإذا.... من تحته محمل يحدوا به الحادي
مجللاً بثياب نورها بهج.... بيض ولم يك فيها ثوب إحدادي
بل كان فيها رديف كنت أذخره.... لجمعتي ومسراتي وأعيادي
وكان من ريشة الشرقي مخرجه.... وكان من جهة المطراق إصعادي
ثم انتبهت وتلك الحال راسمة.... في خاطري مثل طي الوجه بالحادي
فداخلتني لهذا روعة حذراً.... من أن يكون مناماً عكس مرتادي

فما أضا الصبح والحمى لها أثر.... ولا طريق إلى شبلي بإفسادِ
وسار من ذلك الإصباح منشرحاً.... مستعلياًكل يوم أي مزدادِ
من غير ما عرق تجري هواطله.... ولا رعاف لهذا الجنس معتادِ
فقلت حمداً لربي قد أتى فرجي.... وما على عرق تعويل قصادِ
وذا دليل ليحيى بن الحسين على.... فضائل لم تكن تحصى بتعدادِ
وإن ربي قد أعطاه في ولدي.... ما يخرق المسلك المعهود والمعادِ
[وذا قليل إلى الهادي وعترته.... وكل جيرانه روحي لهم فادي]
أفديك يا صاحب التابوت من علم.... يحلو بتأبينه شعري وإنشادي
يا درة التاج في أبناء فاطمة.... ويا إمام لأبدال وأوتادِ
ويا مقيم عثار الدين ينعشه.... وناقم الثأر من شانٍ وأضدادِ
وناشر العلم في شام وفي يمن.... وحارس الشرع من كفر وإلحادِ
مفني القرامطة الطاغين مهلكهم.... لما وقفت لباغيهم بمرصادِ
طمست رسم علي بن الفضل فانعصفت.... رياحه بعد إبراق وإرعادِ
وكان قد طبق الآفاق مذهبه.... واشتد فيها بأطناب وأوتادِ
وطال ما ملئت رعباً لهيبته.... وما اشتكت منه من عبث وإفسادِ
كان المؤذن في أثناء موكبه.... يدعو ابن فضلٍ رسول الله يا غاد
بل ادعى أنه رب العباد فهل.... وراء ذا القول يا للناس من هادِ
فقمت تمعن في استيصال شأفته.... إمعان هودٍ على عادٍ وشدادَ
فالله يجزيك عن مسعاك أفضل ما.... جزى إماماً على تقيم ميَّادِ

ما زلت للمذهب الزيدي تظهره.... وقد بغوه بإطفاء وإخمادِ
وزيفوه بأرض الشام واتخذوا.... تلك المقامات عن بغض وأحقادِ
وما على التبر عار حين تطرحه.... في النار آلة أغمارٍ وأوغادِ
والبدر ليس نباح الكلب ينقصه.... ولا خلا سيدُ من كًيِد حسَّادِ
فكل أشياع زيد من ربا يمن.... إلى مساقط جيلان فسندادِ
صنائع لك في أعناقهم مننٌ.... عقدتها عقد تأسيس وإيجادِ
يكفيك في الأرض فخراً أنما رجل.... من شيعة الآل في عصرٍ ولا بادِ
ألا وأنت أساس في انتشارهم.... في الأرض من بعد تشريدٍ واظهادِ
لا سيما في ثوى صعدة وهم.... رق لقبرك عاليهم مع الشادِ
صلىَّ عليك إله العرش خالقنا.... ما دام في مكتب تهجي أبو حادِ
وقدَّس الله روحاً منك طاهرة.... تقديس بادٍ بفعل الخير عوادِ
هذا آخر القصيدة المباركة، مجربة الخير، ميمونة الطير، نفع الله بمن كان السبب في إنشائها وأعاد علينا وعلى آبائنا وأمهاتنا وذريتنا من بركاته، وحشرنا في زمرته. آمين. آمين.

[أخبار الإمام الناصر الأطروش -عليه السلام]
وصاحب الجيل من لله محتسباً.... شدَّ الإزار وباع النوم بالسهرِ
الناصر الطاهر الميمون طائره.... مطهر الجيل من شرك ومن قذرِ
دعا عقيب ابن زيد دعوة صدعت.... أنوارها فسناها غير مستترِ
وكان إسلام جستان على يده.... في ألف ألف من العباد للشجرِ
صالت ضفادع أمواه بدعوته.... على الأفاعي فذادتها عن النهرِ
هو: أبو محمد الحسن بن علي [بن الحسن بن علي ] بن عمر الأشرف بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أحساب وافرة، ووجوه ناظرة، وآباء أخيار، أفاضل أبرار:
قوم بهم وبجدهم.... نرجو النجاح مع الصلاح
وصلوا السيوف بخطوهم.... فإذا الممنع كالمباح
جبريل خادم جدهم.... أولاد حي على الفلاح
وأمه أم ولد، مجلوبة من خراسان، وولد بالمدينة على ساكنها أفضل -الصلاة والسلام، وكان -عليه السلام- طويل القامة، يضرب إلى الأدمة، [به] طرش من ضربة أصابت أذنه لحادثة اتفقت عليه بنيسابور، وقيل: بناحية جرجان، والقصة مشهورة، وفيه ورد الأثر عن النبي ً لما سأله أنس، عن علامات الساعة قال: ((من علاماتها خروج الشيخ الأصم من ولد أخي، مع قوم شعورهم كشعور النساء بأيدهم المزاريق))، وهذه كانت صفته وصفة أصحابه.

وورد فيه عن علي -عليه السلام- في خطبته، أنه قال: يخرج من نحو الديلم من جبال طبرستان فتى صبيح الوجه، يسمى باسم فرخ النبي الأكبر -يعني الحسن بن علي-. وكان -عليه السلام- قد نشأ على طريقة آبائه الأكرمين، وبرز في فنون العلم حتى كان في كل فن منها سابقاً لا يجارى،وفاضلاً لا يبارى، وله تصانيف كثيرة، عدتها أربع عشرة كتاباً، وكان قد قرأ من كتب الله [سبحانه] ستة عشر كتاباً منها: التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، وباقيها من الصحف.
وكان يقول: حفظت من كتب الله ثلاثة عشر كتاباً، فما انتفعت منها كانتفاعي بكتابين، أحدهما: الفرقان؛ لما فيه من التسلية لأبينا محمد ً بما كابده السلف الصالحون من الأنبياء المتقدمين.
والثاني: كتاب دانيال، لما فيه: أن الشيخ الأصم يخرج في بلد يقال لها ديلمان، ويكايد من أصحابه، وأعدائه ما لا يقادر قدره، ولكن عاقبته محمودة.
قال الفقيه حميد في (الحدائق): وهذا يشهد بشرفه حيث ذكر الله في كتاب دانيال قال: ويحق له ذلك فإنه انتشر على يديه من الإسلام في تلك الجهات ما شهرته تغني عن ذكره، وقد يقال : إن الذي أسلم على يديه مائتا ألف، وقيل: ألف ألف نسمة.
وروي أنه أسلم على يديه في يوم واحد أربعة عشر ألف نسمة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من أسلم على يديه رجل وجبت له الجنة )).

واستقر الإسلام ببركته في تلك النواحي، وكان أكثرها لا يعرف فيها اسم الله، بل هي باقية على الجاهلية، والمجوسية، كان ملكها جستان متزوجاً بجدته فأسلموا، وذلك بحميد سعيه، وحسن دعائه -عليه السلام-، لأنه كان في نهاية الرفق واللين حتى عظم تأثيره في الدعاء إلى الله وقد شهد لذلك ما روي عنه، فإنه قال في بعض مقاماته، وقد دخل آمل وازدحم الناس عليه في مجلسه، فقال: أيها الناس، إني دخلت بلاد الديلم وهم يعبدون الشجر والحجر، ولا يعرفون خالقاً فلم أزل أدعوهم إلى الإسلام، وأتلطف بالعطف بهم حتى دخلوا فيه أرسالاً، وأقبلوا إليه إقبالاً، وظهر لهم الحق، وعرفوا التوحيد والعدل، فهدى الله بي منهم زهاء مائتي ألف رجل وامرأة، فهم الآن يتكلمون في العدل والتوحيد، ويناظرون عليهما، ويقيمون حدود الصلاة المكتوبة، والفرائض المفروضة، وفيهم من لو وجد ألف دينار ملقاة في الطريق لم يأخذ [ذلك] لنفسه، وينصبه على رأس مزراقة ينشده ويعرفه، ثم قاموا بنصرتي، وناصبوا آبائهم وأبنائهم وأكابرهم للحرب في هواي، لا يولي أحد منهم عن عدوه، ولا يعرفون غير الإقدام، فلو لقيت منهم ألف جريح لم تر مجروحاً في قفاه [وظهره] وإنما جراحاتهم في وجوههم [وأقدامهم]، يرون الفرار من الزحف إذا كانوا معي كفراً، والقتل شهادة وغنماً، إلى آخر ما ذكره -عليه السلام-.
وروي عنه -عليه السلام- أنه قال: ليس لي شبر أرض ولا يكون إن شاء الله تعالى، ومهما رأيتموني أقتني ذلك، فاعلموا أني قد خنتكم فيما دعوتكم إليه.

وروي أن بعض عماله ممن رضيه من عمال آل طاهر: ذكر أقاليم الأموال المستخرجة من كل واد، فامتنع الناصر من أخذها، فقال الرافع: كان آل طاهر عدولاً، والناس بذلك راضون.
قالوا: وكان مبلغها ستمائة ألف درهم، فقال: أنا ابن رسول الله لا ابن طاهر، ومن شعره -عليه السلام- قوله:
واهاً لنفسي من حياتي واها.... كلفتها الصبر على بلواها
وسوغ مر الحق مذ صباها.... ولا أرى إعطائها هواها
أريد تبليغاً بها علياها.... في هذه الدنيا وفي أخراها
بكل ما أعلم يرضي اللهَ
وكان في الشجاعة وثبات القلب بحيث لا تهوله الجنود، ولا يروعه العسكر المحشود، وكان يبرز بين الصفين متقلداً مصحفه وسيفه، ويقول: قال أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي)) ثم يقول: فهذا كتاب الله، وأنا عترة رسول الله، لمن أجاب هذا وإلا فهذا، ويقول:
شيخ شرى مهجته بالجنة.... واستن ما كان أبوه سنه
ولم يزل علم الكتاب فنه.... يجاهد الكفار والأظنه
بالمشرفيات وبالأسنة
وله -عليه السلام-:
خشيت أن ألقى الإله وما.... أبليت في أعدائه عذري
أو أن أموت على الفراش ضناً.... موت النساء أجر في قبري
وعلمت أني لا أزاد بما.... آتي وينقص من مدى عمري
فشريت للرحمن محتسباً.... نفساً عليَّ عظيمة القدرِ
أجري إلى غايات كل علا.... مثلي إلى أمثالها يجري
لأنال رضوان الإله وما.... فيه الشفاء لغلة الصدرِ
في فتية باعوا نفوسهم.... لله بالباقي من الأجرِ
صبروا على عفر الخدود وما.... لاقوا من البأسآ والضرِ
يا رب فاحشر أعظمي كرماً.... من بطن أم فراغل غبرِ
أوثعلب أو جوف ثعلبة.... أو قضب ذيب أو مِعَا نسر

وكانت مناقبه الشاهدة بفضله جمة كثيرة، فمن ذلك أنه قصد [ذات يوم] بعض المساجد، وكان منفرداً من الأصحاب، ولا سلاح معه، فرآه بعض أعدائه فطمع فيه وعمده، فلم يجد شيئاً يدافع به عن نفسه، فعمد إلى صخرة صماء فسخرها الله له فقبض منها شيئاً فرمى بها وجه عدوه، فبقيت آثار أصابعه يزارذلك ويتبرك به.
ومن ذلك أن رجلاً كان يتحَّرب في الطرقات ومعه كلب قد عوده أنه إذا شاهد من يطمع فيه أرسله، فيعمد الكلب إلى موضع العورة من الرجل، ثم يأتي صاحبه، وقد كفاه المؤنة، فيأخذ ماله، فأقبل الناصر ذات يوم منفرداً، وقعد يأكل شيئاً من الطعام، فأرسل الرجل كلبه عليه كجاري عادته، فلما وصل الناصر قعد بالقرب منه، ولم يتعرض له، ورمى له الناصر بشيء من الطعام، وأقبل الرجل، فدعا الناصر الله سبحانه أن يسلط عليه كلبه، فسلط عليه فقتله، وانصرف الكلب مع الناصر، وأقام مدة، وكان ربما يحضر معه في شيء من حروبه، فيؤثر في الأعداء حتى كان في بعض الأيام وعمل رجل مائدة للناصر، فتقدم والكلب خلفه فلما استقر الطعام بين يدي الناصر نبح الكلب نباحاً عظيماً بخلاف العادة، وهم بالطلوع، فمنع من ذلك، وكانوا قد طلعوا إلى موضع بسلم، فأمرهم الناصر أن يخلوا بين الكلب وبين الطلوع، فطلع ووقف بين يدي الناصر، وأكل شيئاً من الطعام قبل الناصر فمات من حينه، وكان الطعام مسموماً، فسلم الناصر وأصحابه، ومن ذلك أن الناصر وقف ذات يوم بالقرب من ماء، وفيه ضفادع كثيرة وحيات، فخرجت

منه ضفدع، فقصدتها حية، فدخلت الضفدع خلف الناصر كالمستجيرة به، فدعا الله أن يسلط الضفدع على الحية، فاستجاب الله دعاءه، وغدت الضفدع على الحية فقتلتها.
قلت: وإلى هذا أشار السيد، بقوله:
صالت ضفادع أمواه بدعوته.. (البيت)
ويقال: إن الضفادع من تلك المدة تقتل الحيات مستمراً من بركات هذا الإمام عند الله تعالى.
وأما قول السيد صارم الدين: دعا عقيب ابن زيد.. فهو يعني به محمد بن زيد المقدم ذكره.
ففي الرواية أنه لما قتل محمد بن زيد بجرجان، وقد كان الناصر حضر معه الوقعة، فانهزم في جملة المنهزمين، امتد إلى الري على طريق الدامغان، ثم خرج إلى جيلان، وابتدأ يعرض الإسلام على الجيل الذين هم على جانب الديلم، فأسلموا كلهم على يديه، وذلك في سنة سبع وثمانين [ومائتين] بعد ظهور الهادي -عليه السلام- باليمن الخرجة الأولى بسبع سنين، وقد كان أيام قدم على الحسن بن زيد إلى طبرستان جرى له بعد موته مع أخيه محمد بن زيد قصة عجيبة، وهو أن محمد بن زيد كان يتهمه بأنه منطوٍ على طلب الأمر والدعاء إلى نفسه، ومستشعر الفزع منه لمعرفته لفضله وعلمه إلا أنه كان لا يعدل به عن طريق الإكرام والاحتشام.
قال الشيخ أبو القاسم البلخي: كنَّا في مجلس الداعي محمد بن زيد بجرجان، وأبو مسلم بن بحر حاضر، وكنَّا جميعاً ممن يذب عن الناصر في تكذيب من ينسب إليه طلب الأمر، فدخل يوماً والتفت إلى أبي مسلم، وقال: يا أبا مسلم، من القائل:
وفتيان صدق كالأسنة عرسوا.... على مثلها والليل تغشى غياهبه
لأمر عليهم أن يتم صدوره.... وليس عليهم أن تتم عواقبه

قال: فعلم أبو مسلم أنه قد أخطأ في إنشاد ذلك، لأنه يستدل به على أنه معتقد للخروج وإظهار الدعوة، فأطرق كالخجل، وعلمت أنا مثل ما علمه، فأطرقت وفطن الناصر لخطابه، فخجل وأطرق ساعة وانصرف، فلما انصرف التفت الداعي محمد بن زيد إلى أبي مسلم، فقال : ما الذي أنشده أبو محمد؟ فقال: أنشد -أطال الله بقاء الداعي-:
إذا نحن أُبْنَا سالمين بأنفسٍ.... كرامٍ رجت أمراً فخاب رجاؤها
فأنفسنا خير الغنيمة إنها.... تؤب وفيها ماؤها وحياؤها
فقال الداعي محمد بن زيد: أو غير ذلك إنه يشتم رائحة الخلافة من جبينه. انتهى.
قالوا: وكان الناصر -عليه السلام- لما دخل آمل و صار إماماً، ولىَّ الداعي الحسن بن القاسم [بن الحسن] بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن أمَّر جيشه الجميع لشهامته، وحسن بلائه بين يديه، وورعه، ودينه، ولأنه لم يكن من أولاد الناصر من يعتمد عليه في ذلك لأن أبا الحسن كان مع فضله في الأدب على غير طريقة السداد، وكان الناصر معرضاً عنه، منكراً لفعله، وأبو القاسم وأبو الحسين كانا صغيرين، فلما ترعرعا كان يستعين بهما فيما يجوز أن يستعان فيه من الشباب، ثم وقع بين الناصر وبين الحسن هذا وحشة، سببها أنه قدم ولده أبو القاسم، والقصة مشهورة خلاصتها:
أنه لزم الناصر واعتقله مدة، ثم أخرج عليه كرهاً، ولم يؤاخذه الناصر -عليه السلام- بل لما مرض استؤمر فيمن يقوم مقامه.

وقيل له: يعهد إلى أحد أولاده، فقال: وددت أن يكون فيهم من يصلح، ولكن لا أستحل فيما بيني وبين الله [تعالى] أن أولَّي أحداً منهم أمر المسلمين والحسن بن القاسم أحقُّ بالقيام بهذا الأمر ثم توفي بآمل ليلة الجمعة لخمس بقين من شعبان سنة أربع وثلاثمائة، وله -عليه السلام- أربعة وسبعون سنة، وكان آخر شعره قصيدة أولها:
أناف على السبعين ذو الحول رابع.... ولا بد لي أني إلى الله راجع
وصرت أبا جدٍ تقومني العصا.... أدبُّ كأني كلما قمت راكع

[من أخبار الإمام الداعي الحسن بن القاسم]
قال السيد أبو طالب: ثم قدم الداعي آمل في شهر رمضان يوم الثلاثاء لأربع عشرة خلت منه، فبدأ بقبر الناصر زاره، ثم بويع له ثانية، وهو يوم الأربعاء، وأظهر حسن السيرة في الأمور كلها من بسط العدل والإحسان إلى الأشراف، وأهل العلم والتشدد على أهل العبث والفساد على ما يضرب به المثل بطبرستان، فيقال: (عدل الداعي). وبقي في الأمر بعد الناصر اثنتي عشرة سنة وأشهراً، واستشهد سنة ست عشرة وثلاثمائة في شهر رمضان، وقد بلغ عمره اثنيتن وخمسين سنة.
قلت: وهو والد أبي عبد الله الداعي الآتي ذكره، فهذا الذي يضرب المثل بعدله، وقد ذكر السيد صارم الدين: أنه ولده، ولعلهما اتفقا في السيرة والمثل، والله أعلم.

[أخبار الإمام المرتضى بن الهادي -عليهما السلام-]
وما ارتضت مرتضانا حين طلقها.... لعلم مكنون ما في الجفر من أثرِ
وَسَلَّم الأمر مختاراً وقلده.... أخاه أحمد مغني كل مفتقرِ
عن رأي سادات أهل البيت عن كمل.... وكل قيل من الأذواء معتبرِ
هو: أبو القاسم محمد بن يحيى بن الحسين، غصن من أغصان الخلافة الناظرة، وبدر من بدور العترة الطاهرة، ورضيع ثدي الإيمان، وحليف السنة والقرآن، وأمه فاطمة بنت الحسن بن القاسم بن إبراهيم، فهو كريم الطرفين، متناسب الأبوين، وله العلوم الحسنة، والتصانيف المستحسنة في أصول الدين، وفروع الفقه، وعلوم القرآن.
وكان في الزهد والورع بحيث لا يختلف فيه اثنان، ولا يحتاج إلى إقامة برهان، وله في الشجاعة المقامات المحمودة، والمواقف المشهودة بين يدي أبيه، فكان قطب رحى الحرب إذا دارت، ومسعر نارها إذا التهبت وطارت، انتهت به الحال إلى أن أخذ أسيراً في بعض الحروب، وأقام مدة في ناحية بيت بوس حتى خلصه الله سبحانه، وله في ذلك أشعار كثيرة، وهي موجودة في سيرته -عليه السلام-، منها قوله:
أمير المؤمنين تعز عني.... ولا تحفل ببعدي واغترابي
وهبني كنت في القتلى صريعاً.... بأطراف الأسنة والحرابِ
وقم لله مجتهداً مجدَّاً.... فمثلك لا يعلَّم بالصواب
وكيف وأنت أفضل من عليها.... وأبصر بالعلوم وبالكتاب
هذا بعضها وإلا فقدرها أربعة وعشرون بيتاً، حتى قال في آخرها -عليه السلام:
فلا تخضع لأهل الكفر وانصب.... رماح الخط واجعلها حراب

واعلم أن هذه القصيدة جواب على أبيه في قصيدة أرسل بها إليه، وهو محبوس مع القرامطة -لعنهم الله تعالى-، وهي قدر تسعين بيتاً -عليهم السلام ورحمة الله تعالى-.
ولما توفي الهادي -عليه السلام- وعظم الخطب بوفاته لكثرة القرامطة بأرض اليمن، وتُقُوي أمرهم اجتمع الناس إلى المرتضى، وقد كربهم الأمر، فأجهشوا بالبكاء، فلما سكتوا، وسكتت أصواتهم قال لهم: جزاكم الله من أهل محبة وولاية خيراً، ونعم الإمام كان لكم الهادي -عليه السلام- الناصح لكم، الحدب عليكم، إلى آخر ما ذكره، [ٍعليه السلام] ثم أنشأ يقول:
يسهل ما ألقى إلى الوجد أنني.... مجاوره في داره اليوم أو غدا

فارتجت البلد بالبكاء، وتكلم كل واحد بمبلغ علمه ورأيه، ثم زاد تكلم المرتضى -عليه السلام- ووعظهم كثيراً، ثم بايعه الناس غرة المحرم سنة تسع وتسعين ومائتين، وأقام بصعدة، وفي يده بلد همدان، وخولان، ونجران، وأقام على ذلك مديدة، وسير جنوده لقتال القرامطة، فقتلوهم في كل فج، واستقامت له الأمور حتى إذا دخل شهر ذي القعدة من السنة المذكورة، وجمع وجوه العشائر قبله، وعاب عليهم أشياء كرهها منهم، وعزم على الاعتزال والتخلي من الأمر، وقال في خطبة خطبها عند ذلك: ثم إنكم -معاشر المسلمين- أقبلتم إليَّ عند وفاة الهادي رضي الله عنه [وأرضاه]، وأردتموني أقبل بيعتكم، فامتنعت ودافعت، ولم أسلم من إجابتكم إلى ما طلبتم مني خوفاً من استيلاء القرمطي -لعنه الله- على بلادكم، وتعرضه للضعفاء والأيتام والأرامل منكم، فأجريت أموركم على ما كان الهادي يجريها، ولم ألتبس بشيء من عرض دنياكم، ولا تناولت قليلاً ولا كثيراً من أموالكم، فلما أخزى الله القرمطي، {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً}[الأحزاب:25] تدبرت أمري وأمركم، ونظرت فيما أتعرفه من أخلاقكم، فوجدت أموركم تجري على غير سننها، وألفيتكم تميلون إلى الباطل، وتنفرون عن الحق، إلى أن قال: وذلك بعد رجوعي إلى كتاب الله سبحانه، واشتغال خاطري بتدبير آياته، وإعمال فكري ونظري في أوامره، وزواجره، ومحكمه، ومتشابهه، وخاصه، وعامه، وأمره ونهيه، وناسخه ومنسوخه، فوجدته يوجب عليَّ التبري من هذا الأمر إيجاباً محكماً، ويلزمني تركه إلزاماً قطعاً، فاتبعت

عند ذلك أمر الله، ونزلت عند حكمه فإن تقم لله عز وجل علَّي بعد ذلك حجة، ووجدت على الحق أعواناً، وفي الدين إخواناً، قمت لأمر الله طالباً لثوابه، حاكماً بكتابه، وإن لم أجد على ذلك أعواناً صالحين، وإخواناً لأمر الله متبعين، لم أدخل بعد اليقين في الشبهة، ولم أتلبس بما ليس لي عند الله [فيه] حجة، وكنت في ذلك كما قال الله تعالى:{فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ }[الذاريات:54] إلى آخرها، ثم اعتزل الأمر وخلا بربه، وآثر عبادته على كل شيء، وصرف عماله من بلد همدان وخولان وغيرهما،ولزم منزله في صعدة، وأقام بعض بني عمه يصلح بين الناس، وكان أخوه الناصر في الحجاز، فقدم بعد ذلك، وأشار المرتضى عليه بالقيام [بالأمر] فقام به.
قال مصنف سيرة الناصر : كنت أتصل بالإمام المرتضى، وأتكلم بما أحب بين يديه، وكنت أشرح له أخبار الناس وأحوالهم، وما قد يداخلهم من السرور؛ لأجل توقفه، فيقول: أبشر أظلك [الله] الذي تطلب، ودنا منك ما فيه مرغب.

فكنت أرى أنه يذكر بذلك قيامه لكثرة عرض الناس أنفسهم عليه، وهو في ذلك يعيد لهم القول الأول، ويدافعهم عن نفسه، فسألت عبد الله بن محمد بن السعدي، وكان من أفاضل أصحاب الهادي -عليه السلام- وأخيارهم، وأهل البصائر منهم، وذوي السابقة في الهجرة إليه، والمشاهد الشريفة معه، وهو من بني سعد بن بكر بن هوازن، وكانت له المنزلة الرفيعة عند المرتضى، فسألته عن قوله لي: أبشر بالذي تريد؟ فقال: نعم، هو أبو الحسن أحمد بن الهادي قادم إلى البلد، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحمدت الله سبحانه وانصرفت، فلما كان في شهر محرم [في] سنة إحدى وثلاثمائة قدم الناصر بن الهادي من الحجاز، فأقبل الناس إليه، وسألوا المرتضى إن كان غير قائم بأمرهم أن يعينهم على أخيه في القيام بذلك والبيعة منهم له، ولم يبعدهم عن ذلك، ودافعهم الناصر أيضاً، فكان هو والمرتضى أيامهما تلك في خلوة، ولا شك أنهما ينظران فيما يستقيم به أمر الرعية، ثم إن الناصر استدعى نفراً من أهل بيته [وأصحاب أبيه]، فعرَّفهم بما طلب منه الناس من إقامة أحكام الشريعة، وأن ذلك واجب إذ قد وجد عليه أعواناً، وشاروهم في الأمر، فتكلم أهل بيته، ثم تكلم وجوه من حضر من أصحاب أبيه، فكلهم أوجب له الطاعة والرضا بقيامه، ولم يلبث أن جاء رسول المرتضى بالمصير إليه، ودخل الناس عليهما، فوجدناه قاعداً عن يمين المرتضى، [فتكلم المرتضى] وذكر ما طلب الناس من القيام بالأمر، وبايع أخاه أحمد، ثم بايعه الناس أولاً فأولاً.

وفي بعض الروايات أن رجلاً من شيعة الهادي كان له محل عند الهادي، قال له: من الخليفة بعدك، والقائم بالأمر من آل رسول الله ً بعد وفاتك؟ فأبطأ عليه الجواب، ثم أعاد السؤال، فقال له: يا أخي، أحمد يعني ابنه، ثم قال له: ثم من؟ فقال: حسبك إن عمرت عمر ثلاثة أئمة في كلام من نحو هذا.
قلت: ولعل هذا يعني ما أشار إليه السيد صارم الدين بقوله:
يعلم مكنون ما في الجفر من أثر... والله أعلم.
رجع [الكلام] قالوا: وتوفي المرتضى -عليه السلام- بصعدة سنةعشرة وثلاثمائة وله اثنتان وثلاثون سنة، ذكره السيد أبو طالب، ودفن إلى جنب أبيه، وله من الأولاد: أبو محمد القاسم، وإسماعيل، وإبراهيم، وعلي، وعبد الله، وموسى، ويحيى أبو الحسين وهو الخارج بالديلم الملقب بالهادي -الذي روى عن عمه كتاب (الأحكام) وروى (المنتخب)-، والحسن، والحسين، ومن البنات: أسماء، وخديجة.
ومن ذرية المرتضى: الشريفة الفاضلة العابدة: صاحبة السنام، وإنما سميت صاحبة السنام، لأنه يروى أنه كان ينبت في موضع ظهرها مثل سنام الجمل ملحاً كلما أزيل عاد كما كان، وذلك من بركتها، واسمها: حنة بنت عبد الله بن الحسين، وتوفيت سنة خمسمائة وقبرها بمقبرة دار الغزال من مقابر صعدة، وهو مشهور مزور.
والعقب للإمام المرتضى، في جهات اليمن هو من ذرية عبد الله بن المرتضى، والذين في العراق من ذرية يحيى، وهو أبو الحسين الخارج بالديلم كما تقدم ذكره، والله أعلم.

[أخبار الإمام الناصر أحمد بن الإمام الهادي بن الحسين -عليهما السلام-]
فدَّوخ اليمن الأقصى إلى عدن.... مع الجبال كبعدان وكالشعرِ
وكان يوم (نغاش) منه ملحمة.... مع القرامط لم يبق ولم يذرِ
وعد سبعة آلاف مضوا عجلاً.... حصائداً بين مرمي ومجتزرِ
وبالمصانع أخرى منه تشبهها.... حلت عرى الشرك من كوني ومن قدرِ
الضمير في قوله: فدَّوخ اليمن الأقصى.. عائداً إلى أحمد المذكور فيما تقدم، وكنيته الناصر لدين الله، واسمه أحمد بن يحيى بن الحسين، وأمه أم أخيه المرتضى -عليهم السلام- [وكان] قد نشأ على الزهادة، وتربى على النسك والعبادة، حتى كان ذلك له ديدناً وعادة، واقتبس من نور والده الوَّقاد، وكرع في علم السلف والأجداد، حتى ارتوى من معين علمهم، واستمطر ربابات فهمهم، فله التصانيف المفيدة، والكتب العتيدة، وهي مشهورة، وفي الكتب مذكورة.
وقول السيد صارم الدين:
حلت عرى الشرك من كوني ومن قدر
إشارة إلى [أن] القرامطة الأولى، كانوا يقولون بمعبودين السابق (كوني) والثاني يسمونه قدراً ويستدلون على إثبات قدر بقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }[القمر:49].
وقد أشار إلى ذمهم بذلك شاعر الناصر الآتي ذكره.

قال مصِّنف سيرة الناصر: ولما قدم -عليه السلام- من الحجاز في آخر ذي الحجة من سنة ثلاثمائة اجتمع إليه وجوه خولان، فاستعانوا به على أخيه المرتضى أن يقوم فيهم، فكره المرتضى ذلك، فسألوا الناصر القيام فيهم على ما كان والده فأجابهم، فأعطوه العهود والمواثيق على القيام معه على كل من ناوأه، وكانت بيعته يوم الجمعة في مسجد الهادي الذي فيه قبره عليه السلام، ثم ركب إلى صعدة القديمة في ذلك اليوم، فاجتمع خلق كثير.
قيل: إنهم ملأوا ما بين صعدة والغيل، وأنشده شاعره إبراهيم بن محمد التميمي في ذلك قصيدة [طويلة] أولها:
عادات قلبك يوم البين أن يجبا.... وأن تراجع فيه الشوق والطربا
ثم خرج إلى المدح فقال:
قوم أبوهم رسول الله حسبهم.... بأن يكون لهم دون الأنام أبا
من ذا يفاخر أولاد النبي ومن.... هذا يداني إلى أنسابهم نسبا
وهي قصيدة جيدة، ومنها قوله في القرامطة:
وصيروا (قدراً) رباً وسابقه.... (كوني)وقد قسما الأرزاق واحتسبا
وهو الذي أشار إليه السيد صارم الدين.
قالوا: ثم شاور الناصر خولان في نهوضه إلى الحجاز لأهله، فجددوا بيعتهم له، ولأخيه المرتضى على نصرتهما وأولادهما ما بقوا على الأرض، فقدم من الحجاز بعمه عبد الله وغيره من أهله.

وكانت له -عليه السلام- حروب أكثرها مع الباطنية، وقد كانت شوكتهم قوية في عصره، وأظهروا المنكرات كلها، وشربوا الخمر في شهر رمضان استخفافاً بحرمته، وسجعوا سجعاً زعموا أنه قرآن نزل على رأسهم في الإلحاد علي بن الفضل، فكانت جنود الناصر في كل وقت تأخذ منهم بالثأر، وتنقم الأوتار، وكان آخر الوقعات وأعظمها وقعة نغاش، وقد كان اجتمع من الباطنية خلق كثير من المغارب، وناحية تهامة، وقائدهم يومئذٍ عبد الحميد بن محمد صاحب مسور، وندب الناصر عليه السلام عليه قواده، وهم: إبراهيم بن المحسن العلوي وأحمد بن محمد الضحاك وعبد الله بن عمر وغيرهم من الرؤساء، وكان عدة جنود الحق إلى ألف وسبعمائة، والباطنية إلى سبعة آلاف.
قالوا: فلما كان يوم الثلاثاء غرة شهر رمضان من سنة سبع وثلاثمائة نهض جند الناصر -عليه السلام- قاصدين للقرامطة في نغاش وصاح شعيب بن محمد السبيعي الأرحبي، فقال: يا معشر همدان، اسمعوا قولي، وعوا كلامي، والله، لئن لم أر هذه المضارب خرقاً في أيديكم في يومكم هذا ليحلن بكم البوار، ولتكوننَّ للقرامطة بمنزلة حمير عليها براذعها في أيامكم، ولتهتكنَّ حرمتكم، وليذهبنَّ عزكم، فقدموا فدتكم نفسي بالضرب قدماً، ولا تنظروا إلى تهويل القرامطة المشركين، فليسوا لكم بنظراء، وما بينكم وبين أن تنالوا من عدوكم ما تريدون إلا صبر ساعة يسيرة، ثم تفوزون بالنصر [والظفر]، وبفخر هذا اليوم باقي الأيام.

قال مصنِّف سيرة الناصر -عليه السلام-: ولقد رأيت من سمعه من العسكر اهتزوا بقوله اهتزاز العرب، وحركتهم الحرية والنشاط، فصمموا قدماً وعبأت القرامطة عساكرهم على رأس جبل [نغاش]، وكان قائدهم عبد الحميد في القلب بأهل لاعة، وما يليها من بني شاور ومن تابعهم، وفي الميمنة القائد الآخر وهو محمد بن إسماعيل الجوبي، وعبد الله بن [أبي] الملاحف الصنعاني وكانوا في حجور، وعيان، وأهل حفاش، وملحان، والضلع، ومسور، والأعرار، وفي الميسرة يوسف بن يعقوب الوردي وهم أصحاب ركاب القرمطي وأهل الثقة عنده فسار كل واحد من الفريقين حتى تناظروا وتدانوا فاقتتل الناس حتى زالت الشمس، وطلع إبراهيم بن المحسن وكان ردءاً للقوم فاقتلعوا مضارب القرامطة، ودخلوا معسكرهم، وولت القرامطة منهزمين لا يلوي أحد منهم على أحد حتى قتل منهم بشرعظيم وأفلت عبد الحميد والرماح في قفاه، وكان تحته فرس جواد ونجى عليه بعد أن كان قد دنا عطبه، وتغنم الناس من السلاح والدواب ما يكثر ويعظم، وانصرفوا عنه، وإذ مضاربهم تحرق في أيديهم علىما حرَّض عليه شعيب بن محمد وقال عبد الله بن أحمد التميمي أرجوزة أولها:
عوجا خليلي أوان الموسم
ثم خرج إلى ذكر الوقعة فقال:
القرمطي ذي الضلال المرزم
عبد الحميد ذي الفعال المؤثم
إذ فر لا يقصر عن حلملم

وخلف الدعاة لحم الوضم

إياك يا أبا حسن لم نعدم
وسيد لسيد معمم
وباذخ لباذخ عرمرم

من خضرم سلالة لخضرم
وملك بملك عشمشم
ومقول لمقول لم يخضم

وصمد لصمد لم يرغم
من معدن أركانه لم تهدم
بعزة مشكورة لم تذمم

وماجد لماجد لم يبرم
يلقى الوفود غير كاني الميسم
وأنت نور في الظلام الأقتم
قالوا: فاستقر عبد الحميد في حلملم وتبدد عسكره، وانحل نظام جمعه، وأقام المسلمون في قصر الحمراء يوم الأربعاء، فلما كان يوم الخميس كتبوا إلى الناصر [-عليه السلام-] يعلمونه بما كان من النصر المبين، وأمروا بأخماس الغنائم، وجمع من رؤوس القتلى، وعاد كل من القواد إلى مركزه وموضعه، فعاد جواب الناصر [-عليه السلام-] يحضهم على جهاد القرامطة، وقصدهم إلى أوطانهم، فنهض الجند إلى حلملم، فهرب عبد الحميد وخلف في حلملم رجل من أصحابه، فقصدهم عبد الله بن محمد السعدي في عسكره.
فلما أيقن به [من] في حلملم ولوَّا هاربين إلى جبل ميتك فدخل السعدي حلملم، فأحرقها بالنار واستولى على ما فيها من الطعام، وطلع عبد الحميد إلى جبل مدع، ثم نهض العسكر كله إلى المصانع، فلما علم بهم هرب إلى مسور.
قال مصنِّف سيرة الناصر -عليه السلام-: وفتتت هذه الوقعة أعضاد الملحدين.
قال: ولقد شهدت الحروب، وعاينتها منذ بلغت الحلم، فما رأيت يوماً كيوم (نغاش) قتلاً من أعداء الله.

قال: ولقد أقمت فرسي في موضع كثر فيه القتل، فسمعت للدماء دوياً كدوي الماء إذا هبط من صعود، [قال -رحمه الله-] ولقد رأيت ظبياً مقتولاً، [قد سقط بين قبيلتين] وحدثني بعض أصحابنا أنه رأى ظبيين مقتولين في موضع آخر، وذلك أنه لما وقعت الهزيمة في القرامطة مع كثرتهم طلعوا الجبل، فدخلت الوحش [بينهم] فقتلت معهم. ودخل كثير من القرامطة بين القتلى وتضمخوا بالدماء، فلما جنَّ عليهم الليل فلتوا.
قال: ولقد بان لي من ذلك أني أشرفت على موضع من البون، يقال له: باهرة حين رجع المتبع من أصحابنا، فرأينا الجبل أنها كالسيل من القرامطة عراة يسعون هرباً ممن كان مندساً في الجبال والشعاب، وتحت الأعناب، وذلك أن كثيراً من عسكرنا مل القتل فسلب وخلاهم، ولقد كررت راجعاً على شعب فيه قتلى كثيرة قد ركب بعضهم بعضاً، فقلت لمن معي: احفظوا هذا المكان حتى ننظر غداً، فلما كان من الغد نظرت إليه فوجدته رقيقاً بخلاف ما كان، فعلمت أنه كان فيهم أحياء دخلوا بين القتلى، ثم صحَّ لنا الخبر بعد ذلك.
قال: ولقد اجتهدنا أن نعلم عدد القتلى فما قدرنا على ذلك لتباعد الشعاب وافتراق الأمكنة. قال: وفقد من دعاتهم وأهل الرئاسة فيهم ثمانية وأربعون داعياً، ولقد وجدنا بعد ذلك قتلى كثيرة في شعاب نغاش بسلاحهم وثيابهم ما سلبوا.
قال: وما قتل من أصحابنا سوى رجل من أهل البون أخطأ به بعض أصحابنا، وقال شاعر من جند الناصر يمدح أبا جعفر أحمد بن محمد الضحاك الهمداني:

إن الهمام البطل المعيدى.... رمى رجال مسور بالكيد
يوم نغاش فرقوا بالأيدي.... ورمحه خلفهم كالصيد
وهم عناديد كفريق الذود.... قيدهم صارمه بقيد
قالوا: ولما استقر عبد الحميد بمسور قصدته جنود الناصر [لدين الله -عليه السلام-]، فأحاطت به من جميع جوانبه، وضايقوه أشد المضايقة، وقتلوا فيهم في وقعات كثيرة فما أنقذهم من سطوة الحق إلا جنود المسودة وصلت من العراق إلى زبيد، ووصلوا من هناك قاصدين إلى جنود الناصر -عليه السلام-، وكان مجيئهم بمراسلة من القرامطة ولم يزل الناصر -عليه السلام- ساعياً في إقامة الدين حتى توفي رحمه الله سنة خمس وعشرين وثلاثمائة والمعارض له ولأخيه المقتدر العباسي، ودفن الناصر -عليه السلام- إلى جنب أبيه. قال الحاكم: وبعض الزيدية لا تقول بإمامة المرتضى والناصر. قال: وقد كانا جامعين للشروط، وخصل الانتصاب، ولا بد من القول بإمامتهما، وخلف الناصر أولاداً، وهم: القاسم أبو محمد، وفاطمة أمهما رقية بنت إبراهيم بن محمدبن القاسم، وإسماعيل، والحسن، وجعفر، ويحيى، وعلي لأمهات أولاد.وكانت مدة ولايته فيما ذكر الفقيه حميد -رحمه الله- في كتاب (الحدائق) ثلاث عشرة سنة، وملك -عليه السلام- الجوفين، وكانت له زراعة قوية في الجوف، وبلغ عدد البقر السود على حدها دون ما عداها ثلاثمائة ثور أسود، كانت تقوم على زراعته -عليه السلام- بشط معين ومشهده عند أبيه وأخيه مشهور مزور.

ومن خطبة [له] -عليه السلام-: ألا وإني إنما دعوت إلى ما دعا إليه من كان قبلي من الأئمة الصالحين والعباد المخلصين، أنا عبد الله وابن نبيه، صلى الله عليه وآله وسلم الشاري نفسه لله [سبحانه]، الغضبان لله جل ثناؤه إذا عصي في أرضه واستخف بفرضه، وقلت الدعاة إلى دينه، فلو أسعفني الأعوان، وعاضدني الأنصار، وصبر على دعوتي أهل الأديان، لعلوت فرسي، واعتضدت رمحي، وتقلدت نجاد سيفي، ولبست درعي، وقصدت أعداء الله عز وجل، [وكافحت الأقران، وعاطيتهم كؤوس الطعان]، صابراً محتسباً، مسروراً جذلاً، إذا أشرعت الأسنة، واختلفت الأعنة، ودعيت نزال لمعانقة الأبطال، وسالت الدماء، وكثرت الصرعى، ورضي الرب الأعلى، فيا لها!! خطة مرضية لله عز و جل ثناؤه، وما أشرفها!!، فأنا أشهد الله لوددت أني أجد إلى حيلة سبيلاً يعز فيها الدين، ويصلح على يدي أمر هذه الأمة، وإني أجوع يوماً وأطعم يوماً حتى تنقضي أيامي، وألاقي حمامي، ولو أمكن ذلك ما نزلت عن فرسي إلا لوقت صلاة، والصفان قائمان، والجمعان يقتتلان، والخيلان يتجاولان، فأكون في ذلك كما قال شاعر أمير المؤمنين بصفين:
أيمنعنا القوم ماء الفرات.... وفينا السيوف وفينا الحجف
وفينا الشوازب مثل الوشيج.... وفينا الرماح وفينا الزعف
وفينا علي له سورة.... إذا خوفوه الردى لم يخف

وكان كما قال جدي القاسم [بن إبراهيم] -عليه السلام-:
دنياي ما زال همي فيك متصلاً.... وإن جنابك كان المزهر الخضرا
إذا انقضت حاجة لي منك أعقبها.... هم بأخرى فما أنفك مفتقرا
متى أراني إلى الرحمن مبتكراً.... في ظل رمحي ورزقي قل أو كثرا
ثم قال الناصر -عليه السلام- عقيب هذه الخطبة: لكن قلَّ المعين على هذا الدين، فأنا وحيد دهري، وغريب في أمة جدي، وقد شغل بذلك قلبي وضعف عزمي، انتهى ذلك.
ومن شعره -عليه السلام- قوله:
أبعد الأربعين رجوت خلداً.... وشيبك في المفارق قد أتاك
كأني بالذي لا بد منه.... من أمر الله ويحك قد دهاك

[ذكر ثلاثة أئمة آخرين]
ولابنه الماجد المنصور ما سمحت.... بقود ذي لجب كالبحر معتكرِ
واستعبرت من بني الضحاك إذ فتكوا.... ظلماً بأفضل مختار من الخيرِ
فعاجلتهم رزاياها بمنتصر.... لغدرهم ثابت الأقدام في الغدرِ
ذكر السيد صارم الدين في هذه الأبيات الثلاثة ثلاثة أئمة من أهل البيت [-عليهم السلام-] لم يذكرهم الإمام المهدي -عليه السلام- في (البحر) ولا الحاكم في (شرح العيون).

[الأول الإمام المنصور بن الناصر]
الأول منهم: المنصور يحيى بن أحمد بن الهادي إلى الحق -عليه السلام- مات في شهر محرم سنة ست وستين وثلاثمائة، وقبره في مشهد الهادي بصعدة.قال السيد: وكان من أعلام الأئمة، وهداة هذه الأمة، وله علم باهر، ومعرفة تامة، يعرفها الخابر، قال: وله مسائل، وقف عليها، يذكر فيها عن أبيه [وجده]، ويكثر الرواية عن عمه المرتضى، وعارضه أخوه القاسم، وهو المسمى بالمختار، وأخوه الحسن بن الناصر وكان خراب صعدة القديمة على يدي الحسن هذا، وأخيه المختار سنة تسع وأربعين وثلاثمائة ثم توفي الحسن بعد ذلك في شوال من هذه السنة، وأسر أخوه المختار في سنة 45، ذكر ذلك في (تأريخ صنعاء الصغير).

[الثاني: الإمام المختار بن الناصر]
الثاني: الإمام المختار، واسمه القاسم بن الناصر، استشهد بريدة، ونقله ابن أخيه الإمام يوسف الداعي إلى صعدة، وقبره في المشهد المقدس، وكان الضحاك الهمداني قد أسره وحبسه بالقصر من ريدة، ثم قتله بعد ذلك. قالوا: وكان قد ألزمه تأديب أولادهم، وتعليمهم القرآن، فكان ذلك مما نفع الله به الدين، فإنه علَّم قيس بن الضحاك، فنشأ قيس على محبته، وولايته، وكانت له ديانة حسنة، فكان أهل بيته يزدرونه، فربما مر بهم، ومعه مشعِل طهوره، فيسخرون منه، فلم يلبث قيس أن نهض بالرئاسة، وجمع عساكر وجنوداً شتى من نجران، ونجد، والسراة، فأقبل بتلك العساكر حتى أوقع بقومه بخيوان، فكان ممن قتل أبوه، ووطئ بلاد همدان، واستولى على الأمر.
قالوا: وقد كان أيام المختار في الحبس يدخل عليه فُسَّاق همدان بالخمر فينجسونه، ويقولون: اشرب، أو شُمَّ يا مولانا هذه الروائح، فيدخل عليه بعض شيعته، وهو يبكي كل جمعة، فيقلع ذلك الشيعي طين المسجد الذي قد نجسوه، ويطَّينه بطين جديد، ويغسل له ثياب صلاته، وما قد نجسه القوم مما يتعلق به، فكان هذا دأبهم ودأبه حتى قتلوه، فانتصر له قيس هذا، ويقال: إن أكثر الأسباب في ظهور مذهب الهادي في اليمن قيس [هذا]؛ لأنه قوى شيعة الهادي –عليه السلام- بتعصبه لهم.

[الثالث: الإمام المنتصر محمد بن المختار]
الثالث: الإمام المنتصر [لدين الله] محمد بن المختار، وهو الذي قتل قاتلي أبيه، وقصدهم إلى عقر ديارهم، وأمكنه الله منهم، فنقم بثأر الإسلام هو وقيس الفارس الضرغام، ولما قتلهم قال هذه الأبيات:
علام أُلام يا سلمى علامَ.... عداني اللوم فاطرحي الملاما
فدتك العدل أروع هاشمياً.... هزبراً ضيغماً بطلاً هماما
ألما تعلمي فتكي جهاراً.... عشية لم تهب نفسي الحماما
وطعني غير ما وكلٍ وضربي.... كِلاً وطلاً وأحشاءاً وهاما
بردت الغل ثم شفيت نفسي.... بقتلي للأولى قتلوا الإماما
فتى في السلم كان هدى ونوراً.... وسيفاً في الوغى ذكراً حساما
به امتثلوا فعال بني زياد.... غداة الطف واتبعوا هشاما
وهم جنبوا الجوار وحاولوا من.... بني الزهراء قسراً واهتضاما
فألفونا ضراغمة كراماً.... وألفيناهم جبناً لئاما
وأكرعناهم حو ض المنايا.... وأسقيناهم كأساً سماما
وقلنا أي بني الزهراء حاموا.... عن الأحساب أو موتوا كراما
ويا سعد الحماة ويا أزالاً.... أجدوا في عدوكم انتقاما
جلونا حين ما صلنا إليهم.... بأجمعنا عن اوجهنا القتاما
وأفطر سيف ثأر بني علي.... ومنهم طالما قد كان صاما
وكلمنا البواتر في طلاهم.... فخرت هامهم فلقاً تراما
وحزنا خيلهم والبيض عنها.... وأوسعنا أسارهم ذماما
رأينا قتلهم إذ ذاك أحرى.... بنا من أن نذل وأن نضاما

فصلنا صولة شعواء أضحت.... أنوف الكاشحين لها رغاما
أبي الهادي الذي قسر البرايا.... وذاد عن الهدى قدماً وحاما
وكان له وللدنيا جميعاً.... إذا انتظما لأمته نظاما
وجدي خير من ركب المطايا.... رسول الله واتخذ المقاما
وقومي في الأولى بدعوا العطايا.... وهم يدعوا المنايا والزحاما
بدعنا كل مكرمة ولما.... نزل للمجد مذ كنا سناما
وما إن زال أولنا نبياً.... وما ينفك آخرنا إماما
يدين الناس كلهم جميعاً.... لمرضعنا وما بلغ الفطاما
ملأنا الأرض إسلاماً وعدلاً.... وملكنا الورى يمناً وشاما
هديناهم صراطاً مستقيماً.... وأصبحنا لدينهم قواما
جعلنا من حرامهم حلالاً.... لهم وحلال ما اتبعوا حراما
ولولا نحن ما خروا سجوداً.... ولا مثلوا إلى نفل قياما
ولا حجوا ولا شرعوا جهاداً.... ولا زكوا ولا فرضوا صياما
يصلي كل من صلى علينا.... إذا صلَّى ويتبعنا سلاما
وحسبك مفخراً أنا جعلنا.... لنفلٍ أو لمفترض لما ما
وقوله: ثابت الأقدام في الغدَرِ… وهو بتحريك الغين المعجمة والدال المهملة بفتحتين عبارة عن المواضع الخشنة، كثيرة الحجارة يقال ذلك لثابت القلب والرأي في الشدائد.

[أخبار الإمام يوسف الداعي - عليه السلام -]
ويوسف العترة الداعي الذي شرفت.... منه المناسب زاكي الأصل والثمرِ
والقاسم القائم المنصور من شرفت.... به عيان على ما شيد من مدرِ
جرت بأعجب أمر كان بينهما.... كأمر يوسف والأسباط فاعتبرِ
ونازلا كل طاغٍ في زمانهما.... وصاولا كل ذي جور وذي بطرِ
وسائل السور من صنعاء ما صنعت.... به الجنود وقاضي الجبر والقدرِ
قال السيد صارم الدين فيما وجدته مكتوباً بخطه: إن هذين الإمامين تعاصرا، وحكى أن كل واحد منهما كان يكتب إلى الآخر: يا أخي، جعلت فداك.
قال السيد صارم الدين: ولما دخل الداعي يوسف صنعاء عنوة، صادر القاضي سلمة بن يحيى بن عبد الله بن كليب النقوي، وله قصة مشهورة، جرت له مع بعض المنجمين، وهذا القاضي المشار إليه بقول السيد [صارم الدين] : قاضي الجبر والقدر.
فلتقع الإشارة إلى ذكر كل واحد من الإمامين المذكورين على وجه الاختصار:
أما الأول فهو: يوسف بن يحيى، وهو المنصور بن الناصر بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين -عليهم السلام-.

قال الأمير شرف الدين الحسين بن محمد، مصنِّف (الشفاء) و(التقرير) فيما نقلته عن خط يده المباركة ما لفظه: إن يوسف هذا قام في سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وأقام بريدة أياماً، ثم سار إلى صنعاء في هذه السنة، وخطب لنفسه، ثم خرج اليوم الثاني فهدم ما كان قد بني في درب صنعاء، وهي أول هدمة هدمها في درب صنعاء، وأقام بصنعاء أياماً، وعاد إلى ريدة، وكان معه عسكر عظيم زهاء ألف فارس من حمير، وهمدان وغيرهم، ووقع بينه وبين قيس الهمداني وقعة، وكان قيس قد بنى الدرب، فلما دخل الإمام صنعاء الدخلة الثانية أمر بهدم هذا الدرب، وخلاصة الأمر: أنه زاد هدمه كرة ثانية في سنة تسع وستين وثلاثمائة، وخرب ما كان حول صنعاء، وقطع في ظهر، ومن كلام للإمام المنصور [بالله] ذكره في معرض ما يجوز للإمام أن يفعله، حتى قال: ولما دخل الإمام يوسف بن يحيى بن الناصر صنعاء عنوة من ناحية الجنوب، وقتل سلمة بن محمد الشهابي في أربعين رجلاً، وسبى من دار ابن خلف ودار أبي جعفر نساء كثيرة، قال: فهل يظنه يستجيز السبي من غير دار كفر.
قال: وكذلك الحسين بن القاسم وهب أموال قوم من أهل البون لآخرين، ووهب الرقاب أيضاً، فهل يجوز هبة رقبة من لا يجري عليه الرق؟ قال: وما ذلك إلا لجعله الدار دار حرب.

قلت: وإذ قد جرى ذكر النقوي، فلنذكر هنا قصة له أو لبعض أهله مع مطرف بن شهاب وذلك أنه مرض هذا الشيعي مرضة شديدة، فلما عوفي تذكر ما بقي عليه مما يحيي به دين الله، وهو يمكنه أن يعمل فيه، فذكر إحياء الحكم بصنعاء بمذهب الهادي –عليه السلام-، فنظر كيف يصنع في ذلك، والشوكة للجبرية، فلم ير أنه يتم [له] ذلك إلا بمشاورة محمد بن سلمة الشهابي، وهو السلطان يومئذٍ ببيت بوس، فأتاه وشاوره هو ويحيى بن حاشد الضحاك سلطان همدان، وكان إليه وإلى قومه أمر صنعاء، وكان بظهر فلم يتعد عن ذلك، لكنه قال: إنما يتم هذا على العامة بمناظرة تكون لقاضي صنعاء، وكان القاضي أحد النقويين فسر بذلك مطرف وتواعدوا ليوم معروف، فحضر فيه السلطانان، وكبار الناس، واجتمعوا إلى بيت بوس، فلما كان ذلك اليوم أتى مطرف إلى بيت بوس في أوله، وقعد هو ومحمد بن سلمة ينتظران يحيى بن حاشد، [والقاضي النقوي والصنعانيين] فلما أقبلوا أقبلوا على الدواب، وعليهم نفيس الثياب، ومعهم من يركب الخيل، وتهيئوا بما أمكنهم من الهيئة الحسنة، فقال محمد بن سلمة لمطرف: انظر ما في القاع –يريد من العدد والزينة-، فقال مطرف: إن كان الدين الثياب، والخيل، والبغال، فقد ظهر قوة ما هم عليه، فلما دخلوا بيت بوس، وكان فيهم من كبار همدان، والغالب على همدان التشيع، فلما استقر بهم المجلس، وصلح الكلام، قال مطرف: ابتدأت بسؤال النقوي، فقلت: أخبرني أيها القاضي عن فعل قوم لوط الذي هو الفاحشة، أكان منهم باختيارهم؟ أم بقضاء الله وقدره؟

فتحير وعظم عليه الأمر، ورأى أنه إن قال: فعلوا باختيارهم خرج عن مذهبه في الجبر، وإن قال: فعلوا بقضاء الله وقدره قبح عند الناس، وأرجف بذلك عليه العامة، فطال سكوته، فقالوا: أجب، فسكت، فلما ضايقوه بكى، فقال له بعض رؤساء همدان: دَمَعْكْ، أي: دمعت، وهي لغة أهل البون في ذلك الزمان، فلم يزدهم على البكاء، فقيل له في ذلك، فقال: أتوب وأنا على هذه السن.
وفي رواية أنه قال له: قول رسول الله ً: ((أنا مدينة العلم وعلي بابها )) هل يصح؟ فقال: نعم، فقال: فمن أين دخل أبو بكر؟ فقال غلام كان على رأسه: من الكوة يا مولاي.
قال: فاشتد بكاء النقوي، ثم افترق الناس، وثبتت الكلمة على النقوي أنه يحكم بمذهب الهادي –عليه السلام- في صنعاء فيما ظهر له يقطع، وما خفي عليه أنهاه إلى مطرف، وشاوره فيه، فكان ذلك أحد أسباب ظهور مذهب الهادي –عليه السلام- بصنعاء مع ما كان من الطبري -رحمه الله- وفي أيامه، وقد تقدمت الإشارة إليه.
كانت وفاة الإمام يوسف الداعي بصعدة في [شهر] صفر سنة ثلاث وأربعمائة وقبره إلى جنب أبيه يحيى، بمسجد الهادي -عليهم السلام-، وله عقب كثير، منهم الأئمة اليوسفيون [نذكرهم في مواضع من هذا الشرح إن شاء الله تعالى].

[الإمام القاسم بن علي العياني -عليه السلام-]
وأما القاسم القائم فيعني به: القاسم بن علي بن عبد الله بن محمد بن [الإمام] القاسم بن إبراهيم، نسب يحكي سناء تلألؤه أنوار الصباح ويعذب ذكره في الأفواه كعذوبة الماء القراح.
[قد] كان نشأ -عليه السلام- على طريقة سلفه الأكرمين، وآبائه الغر الميامين، وكانت جهة منشأته بلاد تزح، من أرض خثعم، فوصل إلى اليمن من تلك الجهة باستدعاء أهل اليمن لوصوله لما تتابعت الجراد عليهم، وأكلت ثمارهم وزروعهم، فعند وصوله صرفها الله عنهم، فلم تكد ترى في أيامه.

وكان مشهور البركة فلذلك قصدوه، ثم عاد إلى تزح فأقام بها، وولاته يتصرفون فيما يليه من الجهات والنواحي خاصة من أرض سنحان، وجنب كلها وبلد يام، ثم بعث رسله إلى اليمن في شهر شوال سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة لاستنهاض الناس إلى بين يديه، وحمل ما حصل من الأعشار وأصحبهم كتاباً إلى الناس عموماً، فوصلت الرسل إليهم، فقام في ذلك رجال من المسلمين من البونيين والخشب، والمغرب، والصيد، وجمعوا من البر والزكاة عشرة آلاف درهم، واجتمعوا في البون لعشر باقية من شهر ذي الحجة من السنة المذكورة، وساروا حتى انتهوا إلى صعدة، فانضاف إليهم جماعة من الناس، ثم ساروا حتى وصلوا [إلى] الإمام القاسم عليه السلام، وهو يومئذٍ في أسفل وادي بيشة، فلقيهم أولاده في رؤساء خثعم وغيرها ثم قدموا على الإمام في حصن له، وقد كان مريضاً مرضاً منعه عن اللقاء لهم، وأقبل إليه خلق كثير من خثعم عند قدوم أهل اليمن أقاموا عنده مدة ثم نهض حتى وصل بالقرب من صعدة، فأقام بها أياماً، ثم نهض بعد أن تقررت أوامره في صعدة، ونجران، ثم دخل صنعاء، واستحكمت أوامره أيضاً في صنعاء ومخاليفها، ودوَّخ كثيراً من الأعداء، وكان يقود الجيوش الكثيرة، فإن في الرواية: أنه حدث عليه خلاف من بعض أهل نجران، فأمر إلى واليه بصنعاء وأعمالها، فجمع له جنوداً كثيرة، ثم نهض إلى نجران بذلك العسكر الضخم، بلغ عدد الخيل فيه ألف فارس سوى نيف وثلاثين فارساً، وعدد الرجل ثلاثة آلاف ومائتان وأربعون راجلاً، فلما استقر في نجران دمر أضداده، ثم عاد بجنده المنصور إلى صعدة ثم أمر

بدراهم قد كانت اجتمعت له من نجران، وضَّم إليها شيئاً كان في صعدة من خراجها، فأمر بأن يقسط ذلك على جميع العسكر، فحصل للفارس مائة درهم، وللراجل ثلاثون درهماً، فقبض من ذلك بعض العسكر، وكرهه الأكثر استقلالاً له، فلما علم بذلك -عليه السلام- خرج وجمع له الناس، فتكلم معهم بأن قال: يا جميع شيعتي وجنودي، وأهل طاعتي، قد دعوتكم فأجبتم، وانتصرت بكم فنصرتم، وأنا كثير الشكر لكم والثناء عليكم عند الله ندباً، وعند كافة بني آدم، ثم قال في آخره: وأمَّا ظنكم أني بخلت عليكم بشيء سوى ما أمرت [فيكم] بقسمته فلا والله وحق جدي رسول الله ً ما دخرته عنكم، فاعذروا ابن [بنت] نبيكم، ولا تطلبوه ما لا يطيق فيحبط أجركم.
قال الراوي: فلقد رأيت أعين كثير ممن حضر تفيض بالدمع، ثم عاد -عليه السلام- إلى منزله، وعاد جنده وولاته إلى كل ناحية وخطب له في نواحي مخلاف جعفر، وكحلان، وما يليه، ولم يزل دأبه [-عليه السلام-] إقامة قناة الدين، وإخماد نار الملحدين، وكان إذا حضر معركة نازل الأقران، وأنزل القران، وكان راعياً لأرباب العلم، وازعاً لأرباب الظلم، كثير اللطف واللين، معروفاً بتقريب المساكين، دمث الشمائل، جزل النائل، يؤثر على نفسه مع الحاجة.
وله رسائل ومكاتبات: مشحونة بالحكم والمواعظ، وهي مذكورة في كتب السير.

[ومن رسالة له] -عليه السلام-، قوله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يرتبطان بغير زمام، ولايؤدى فرضهما بغير إمام، الإقرار بالنبوة لا يصح إلا مع الإقرار بالذرية، الإقرار بالكتاب لا يصح بغير نصاب، مقلد الناس كالباني بغير أساس، [طالب العلم من غير أهله كمشتري الدر بغير خبرة]، والمؤتم بغير العترة كالأعمى يتبع الأعمى.
ومن هذه الرسالة:قوله -عليه السلام-: أما تعلمون -رحمكم الله وهداكم- أن أصل الهلكة منذ بعث الله [سبحانه] آدم [-عليه السلام-] إلى هذه الغاية لم تكن إلا باحتقار الأنبياء -صلوات الله عليهم- في أيامهم، وبالذرية من بعدهم إلى أن تقوم الساعة، وعنوان هذه الرسالة: (من الإمام القاسم بن علي إلى جميع الشيعة الطبريين العارفين بفضل محمد خاتم النبيين).
كانت وفاته عليه السلام: يوم الأحد لتسع خلون من شهر رمضان في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، ومشهده بعيان مزور مشهور، مجرب البركة.
قال الفقيه حميد: أخبره شيخه أحمد بن الحسن الرصاص: أنه كان معه وجع، فمسحه بتربته، فرفعه الله عنه.
[و] أولاده -عليه السلام- ستة: وهم يحيى، وجعفر، وعلي، وسليمان، وعبد الله، والحسين، وسيأتي طرف تفصيل من ذكر [من] أولاده -عليهم السلام-.

[أخبار الإمام المهدي لدين الله محمد بن الحسن بن القاسم عليه السلام]
قوله :
والسيد العلم الداعي الذي ضربت.... بعدله سائر الأمثال في السيرِ
هو: أبو عبد الله محمد بن الداعي إلى الله الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبد الرحمن من ذرية زيد بن الحسن بن علي- عليهم السلام-.
وأمه جرجر بنت فيروز الديلمي، كل آبائه سادة قادة، وأبوه الأدنى الذي يضرب بعدله المثل في البلاد الذي ظهر فيها أمره، وقد تقدم ذكره، فقول السيد هنا: بعدله تضرب الأمثال في السير. فيه إبهام.
واعلم أنه: انطلق لفظ الداعي على جماعة من أهل البيت [عليهم السلام] منهم: أبو عبد الله هذا، وأبوه، والحسن بن زيد، وأخوه، ومنهم: الداعي يحي بن المحسن، الآتي ذكره، فهؤلاء اشتهروا بهذا الاسم، وإن كان كل إمام فهو داع.
وأما صفة هذا الإمام، فقالوا: إنه كان منور الوجه، حسن الشبيبة، إلى السمن أقرب، كثير البكاء من خشية الله [تعالى] غزير الدمعة، مقرباً للصالحين وأهل الخير، شديداً على الفسَّاق، معروفاً بسلامة الصدر، حسن الرجوع على حدة مفرطة كانت به، ثم يرجع أحسن رجوع، وجمع بين العلم والعمل، وقد ذكر بعضهم: أنه لو مادت الأرض لعظم شيء لمادت بعلم أبي عبد الله.

وكان في علم الكلام بحراً تياراً، وشيخه فيه أبو عبد الله البصري الذي قال: كنت أملي بعض (الموجز) لا[بن] أبي بشر الأشعري وكان الداعي يستملي ذلك بنفسه، ويكتبه مع سائر أصحابنا، وكان يحتاج إلى أن يكتب في كل يوم نحو ثلاثين ورقة، أو أقل، أو أكثر، وكنت أتأمله وهو يكتب ذلك، وقد عرق من شدة الحر، وتعب تعباً كثيراً، وهو شيخ سمين، فقلت: أيها السيد، لا تتعب نفسك فيما يمكنك أن تستنب فيه، فقال: إني أحبُّ أن لا أتأخر عن أصحابنا في الاستملاء؛ كما لا أتاخر عنهم في الدرس.
وكان أبو عبد الله البصري يقول لأصحابه: لا تتكلموا في مجلس الشريف أبي عبد الله في مسألتين: في مسألة الإمامة، وسهم ذوي القربى، فإنه لا يحتمل ما يسمع منكم فيهما.
وروي أنه سمع فقه الحنفية على الشيخ أبي الحسن الكرخي حتى بلغ فيه مبلغاً عظيماً كان يضرب به في حفظه المثل ولذلك كان بعض الناصرية يقول: إنه -عليه السلام- حنفي، وتارة يقولون: معتزلي.
قال السيد أبو طالب: سمعت كافي الكفاة يذكر: أنه لقيه ببغداد، وأنه كان يحضر داره كثيراً، وأنه أول ما لقي شيخنا أبا عبد الله البصري لقيه في داره.
قال: وكناَّ نجرب حفظه بفقه أبي حنيفة بأن نكتب له مسائل غامضة، ننسخها من الكتب، وكان يقترح علينا أن نفعل كذلك، فكان ينظر فيها ويكتب أجوبتها تحتها، ولا يغلط في شيء منها على المذهب.

وكان قد خرج إلى فارس، فأكرمه عماد الدولة وعرف له مكانه من الأبوة، والفضل، وأن عماد الدولة كان أحد قواد الداعي، ثم انتقل الداعي إلى بغداد في أيام معز الدولة أحمد بن بويه فزاده إعظاماً؛ لأنه كان هو وأخوه من خواص الداعي.
قال السيد أبو طالب: وكان معز الدولة حين تمكن من بغداد، ولىّ نقابة العلوية أبا محمد [علي] الكوكبي القمي لخدمة قديمة سلفت له، وكان فيه زعارة وعنف، فشكاه العلوية إلى معز الدولة مرة بعد أخرى، فقال لهم: قد عزلته عنكم فاختاروا لأنفسكم من ترضونه، فأجمع العلوية على أبي عبد الله الداعي فقال معز الدولة: أنا أعظمه عن هذا العمل وأجله أن أخاطبه فيه، فإني أعتقد أن مكان المطيع هو مكانه، وهذا المستحق له دونه، ولكن إن سألتموه، واستشفعتم إليه، وأجابكم إلى ما تريدونه [منه] فهو منية المتمني، فاجتمعوا، وسألوا الداعي ذلك، فامتنع منه، وأنف من الدخول فيه.
هذا مع جلالة هذا الأمر في ذلك الوقت ببغداد، فأعادوا المسألة حالاً بعد حال، واستعانوا فيه بالشيخ أبي عبد الله البصري، فإنه كان يحب دخوله في الأمر أيضاً ليتمكن بجاهه فسأله ففعل، وشرط على معز الدولة في ذلك شرائط، منها: أن لا يدخل على المطيع، ولا يقبل له الخلعة التي جرت العادة بإخراجها من داره إلى كل من تولى ببغداد [من] الأعمال الجليلة؛ لأنها تكون سواداً، فامتنع من السواد إلى شرائط أخرى شرطها.
فأجابه معز الدولة إلى جميعها، وأنفذ إليه خلعة بياض، ولم يدخل على المطيع طول مقامه ببغداد.

قال أبو عبد الله البصري: ما رأيت يوماً أحسن من يوم ركوبه حين ولي النقابة، وعليه الخلع، وحوله أشراف بغداد كلهم، وبين يديه حجاب السلطان.
قال: صعدت بعض الغرف المشرفة على الطريق حتى رأيته، ورأيت موكبه، قال: فولى أبا الحسين [بن] عبد الله نقابة الكوفة، وأبا أحمد الموسوي نقابة البصرة، وأبا الحسين الموسوي نقابة واسط، وأبا القاسم الزيدي نقابة الأهواز وأعمالها، وكان معز الدولة يكبره الإكبار الذي لا مزيد عليه حتى أنه كان بين يديه يوماً جماعة من أكابر حاشيته، وكانوا إمامية، وفي جملتهم الحولي القمي، فكان معز الدولة يناظرهم، ويقول لهم: يا إمامية، أين إمامكم ؟ ومتى يظهر؟ فقالوا له: أيها الأمير، وأين إمامك ؟ أنت أيضاً بلا إمام، فقال: أنا أريكم إمامي فلما دخل أبو عبد الله الداعي، قال: هذا إمامي، وكتب إليه الرضى الموسوي حين ولي النقابة أبياتاً مطبوعة ظريفة:
الحمد لله على عدله.... قد رجع الحق إلى أهله
كم بين من يختاره والياً.... وبين من يرغب في عزله
يا سيداً يجمع آرائنا.... مع كثرة الخلق على فضله
ومن غدا يشبه أسلافه.... في قوله الحق وفي فعله
لو قيل من خير بني المصطفى.... وأفضل الأمة من نسله
أشار بالأيدي إليك الورى.... إشارة الفرع إلى أصله
يا ابن علي بن أبي طالب.... مثلك من دلَّ على مثله
لو لم أقل بالنصِّ في مذهبي.... وكنت كالقاطع من حبله
لقلت: قد قام إمام الهدى.... واجتمع العالم في ظله
نيلك في الأمر الذي نلته.... يزيد والله على نيله

ولم يزل -عليه السلام- ببغداد مقيماً حتى ارتفع صيته، وعلا ذكره في الآفاق، فكاتبه أهل الصلاح من أعيان الديلم بأنهم يبايعونه، وينصرونه إن خرج إليهم، فوصل إليه نفر منهم، فخرج من بغداد مستتراً لا يقف على خروجه إلا خواص من أهل العلم، الذين بايعوه ببغداد سراً، وكان معز الدولة غائباً عنها، وكان قد اجتمع للعلوية [من أوقافهم] مال كثير، أراد تفريقه فيهم، وكان مودعاً لم يكن يقف عليه أحد، فحين خرج من بغداد كتب رقعة وذكر فيها مبلغ المال والموضع الذي هو فيه، وأن سبيله أن يفرق فيهم، ودفع الرقعة إلى بعض الثقات، ففعل ذلك الثقة، وفرَّق المال فيهم، وهم يبكون أسفاً على أمانته وعليه إذ فارقهم مثله، فوصل الديلم في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وبايعه المسلمون من سهل الديلم وجبلها، ومن الجيل، وطبرستان.
قيل : إن الذين بايعوه أربعة آلاف رجل من علماء الأمة، ثم جرى له أن تصاف هو وابن الثائر محمد فقبضه واعتقله على تكرمة، ثم أفرج عنه، واتحدت كلمتهما، وخرج من هوسم، واستخلف عليها ابن الثائر، ووثق به وسكن إليه، وزالت الوحشة بينهما، ثم وقع تخليط في عسكره، وخيانة من بعض أقاربه، فلم يتمكن من الإمداد إلى طبرستان، وأقام بهوسم على ضجر كثير من قلة وفاء الناس له بما كانوا بذلوه له أيام مقامه ببغداد.

قال السيد أبو طالب: ومن تأثيره العظيم في باب الدين أن الديلم كانوا يعتقدون أن من خالف القاسم [-عليه السلام-] في فتاويه فهو ضال [ومضل]، وكل قول يخالف قوله ضلالة، والجيل يعتقدون مثل هذا في قول الناصر [-رضي الله عنه ]، ولم يكن يسمع قبل دخوله إلى تلك البلاد إذ كل واحد من القولين حق، فأظهر -رضي الله عنه- هذا المذهب بعد أن لقي منهم بسبب تأسيسه غماً طويلاً، ثم صلح الأمر بحميد سعيه، والقصة بطولها مشهورة مذكورة وأقام بهوسم إلى أن مضى لسبيله سنةستين وثلاثمائة ودفن فيه، وقبره هناك مشهور مزور، وأنفق الصاحب الكافي للانفاق على مشهده صدراً من المال.

[أخبار الإمامين الأخوين المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني، وأخيه الناطق بالحق يحيى بن الحسين -عليهما السلام-]
والسيدان إماما الجيل من لهما.... في آل أحمد فضل غير منحصرِ
لم يبلغوا من ظهور العدل مأربة.... فيها مع مد باع غير ذي قصرِ
المراد هنا : السيد المؤيد بالله، وأخوه السيد أبو طالب، والضمير في قوله:لم يبلغوا ضمير جمع، فهو عائد إليهما، وإلى السيد الداعي المقدم ذكره.

[أخبار المؤيد بالله(ع)]
الكلام في طرف من ذكر المؤيد بالله -عليه السلام-: [و] اسمه: أحمد بن الحسين بن هارون بن الحسين بن محمد بن هارون من ذرية زيد بن الحسن
-عليهم السلام-، كانت ولادته بآمل طبرستان سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة فنشأ على السداد، وأحوال الكرام الأباء الأمجاد، وتأدب في عنفوان شبابه حتى برع في الأدب، واختلف إلى السيد أبي العباس أحمد بن إبراهيم وهو من ذرية داود بن الحسن بن الحسن، وكان أبو العباس هذا وحيد عصره، وعالم دهره، والحافظ لعلوم العترة، والناصر لفقه الزيدية، فأخذ عنه المؤيد بالله مذهب الزيدية، وقرأ -عليه السلام- [علم] الكلام على طريقة البغدادية وكان في الأصل إمامياً، فوضح له الحق، فانقاد إليه أحسن الانقياد، واختلف إلى أبي الحسين علي بن إسماعيل بن إدريس وقرأ عليه فقه الزيدية والحنفية، وروى عنه الحديث عن الناصر للحق، وكان المؤيد بالله عليه السلام في الورع والتقشف، والاحتياط، والتقزز إلى حد تقصر عنه العبارة، وتصوَّف في عنفوان شبابه حتى بلغ في علمهم مبلغاً عظيماً، وصنَّف في ذلك (سياسة المريدين) وكان يحمل السمك من السوق إلى داره، فكانت الشيعة يقولون: دعنا نتبرك بحمله، فيقول: أنا أحمله قسراً للهوى، وتركاً للتكبر لا للإعواز إلى حمله،.
وكان يجالس الفقراء وأهل المسكنة، وكان يرقع قميصه بيده، ويشتمل بإزار إلى أن يفرغه، وكان لا يتقوت ولا يطعم عياله إلا من ماله، ويرد الهدايا، والوصايا إلى بيت المال.

وكان يكثر ذكر الصالحين، وإذا خلا بنفسه يتلو القرآن بصوت شجي حزين، وكان غزير الدمع كثير البكاء، دائم الفكر، وكان يمسك بيت المال بيده، ويحفظه بنفسه، ولا يثق فيه بأحد، ويفرق على الخدم بيده، ويوقع الخطوط بيده.
واشتهى يوماً لحم حوت، فبعث الوكيل إلى السماكين، فلم يجد إلا حوتاً لم يقطع، وقالوا: لم نرد أن نقطعه اليوم، فعاد إليه، فأخبره بامتناعهم من قطعه، فوجه ثانياً، وقال: مرهم عني بقطعه، فأبوا من قطعه، فلما عاد إليه، وأخبره حمد الله على أن رعيته لا تحذر جنبته وأنه عندهم ورعاياه سواء.
وكان كثير الحلم، عظيم الصفح.
حكي أنه دخل المتوضأ ليجدد الطهارة، فرأى فيه رجلاً متغير اللون يرتعد فزعاً، فقال له: ما دهاك؟ فقال له: إني بعثت لقتلك، فقال: وما الذي وعدوك [به]؟ قال: بقرة، قال: مالنا [من] بقرة، وأدخل يده في جيبه، وناوله خمسة دنانير، وقال: اشترِ بها بقرة، ولا تعد إلى مثل ذلك.
وله في الزهد والورع الحكايات الجمة.

وأما علمه فلم يختلف فيه اثنان، [و] لم يبق فنٌّ إلا وقد بلغ فيه الغاية، وأدرك النهاية، وكفى بما حكاه عن نفسه، حيث قال: عزمت أن أسافر [إلى] الأهواز للقاء القاضي أبي أحمد بن أبي علان وسماع (مختصر الكرخي) عنه، فأخبرت الصاحب بما وقع في قلبي، وكتب [لي] كتاباً بخط يده، فأطنب في وصفي، ورفع من قدري حتى كنت أستحيي من إيصال ذلك الكتاب، فوصل إلى القاضي المذكور، فقال: مرحباً بالشريف !! [فإذا افتتح المختصر فلتحضر] ولم يزد على ذلك، ولا زارني بنفسه مع تقاعدي عنه من الغد ولا أزارني أحداً من أصحابه، فعلمت أنه اعتقد في كتاب الصاحب أنه صدر لا عن عناية صادقة، فقعدت عنه حتى كان يوم الجمعة، فحضرت الجامع بعد الظهر، ومجلسه غاص بكبار العلماء؛ لأنه قد كان مقصوداً من الآفاق، فسئل [القاضي أبو أحمد] عن مسألة كلامية.
و[قد] كان لقي أبا هاشم، فقلت لما توسَّط في الكلام: إنَّ لي في هذا الوادي مسلكاً، فقال: تكلَّم فأخذت في الكلام، وحققت عليه المطالب ثم أوردت أسئلة عرق فيها جبينه فامتدت الأعين نحوي.
فقلت بعد أن ظهرت المسألة: يقف على فصلي القاضي، وسئل شيخ إلى جنبه عن مسألة في أصول الفقه، فلما أنهى السائل ما عنده، قلت: إنَّ لي في هذا الجو منفساً فقال القاضي: والأصول أيضاً، فحققت تلك المسألة على ذلك الشيخ، فظهر ضعفه فسامحته، وسئل شيخ عن يساره عن مسألة في الفقه، فقلت: لي في هذا القطيع شاة، فقال : والفقه أيضاً، فأوفيت الكلام في تلك المسألة حتى تعجَّب الفقهاء من تحقيقي وتدقيقي.

فلما ظهرت المسألة كان المجلس قد انتهى، فقام القاضي من صدره، وجاء إلى جنبي، فقال: أيها السيد، نحن ظننا أن الصدر حيث جلسنا، فإذا الصدر حيث جلست، فجئنا إليك نعتذر من تقصيرنا في حقك فقلت: لا عذر للقاضي مع استخفافه بي مع شهادة الصاحب بخطه، فقال: صدقت لا عذر لي، ثم عادني من الغد في داري مع جميع أصحابه، وبالغ في التواضع، فحضرته فقرأت عليه الأخبار المودعة في المختصر، فسمعتها بقراءته، وأمدني بأموال من عنده فرددتها، ولم أقبل شيئاً منها، وقلت: ما جئتك [عانياً] مستمنحاً، فقد كانت حضرة الصاحب أوفى حالاً، وأسهل منالاً، ولم يكن هناك تقصير في لفظ، ولا تفريط في لحظ، ففارقته، فشيعني مع أصحابه مسافة بعيدة، وأسفوا على مفارقتي.
وذكر من صنَّف بعض أخباره أن الصاحب قال ذات ليلة: ليذكر كل واحد منكم أمنيته، فذكر فقال: أما أنا فأتمنى أن يكون السيد أبو الحسين حاضراً وأنا أسأله عن المشكلات، وهو يبينها بألفاظه الفصيحة، وعباراته المليحة، وكان فارقه إلى الديلم، وله -عليه السلام- المصنفات الباهرة، فمنها في الأصول: كتاب (النبوات) يدل على غزارة علمه في الأصول، ثم في الآداب، فإنه بيَّن المعارضات التي عورض بها القرآن الكريم، وكشف أدحاضها، وأبان عوارها بكل وجه، وله في الأصول (التبصرة) كتاب لطيف، وله في فقه الهادي -عليه السلام- (التجريد وشرحه) أربعة مجلدة و(البلغة) أيضاً في فقه الهادي -عليه السلام-.

وله في فقه نفسه (الإفادة) مجلد، و(الزيادات) مجلد، علقه عنه أصحابه، فيه كل مسألة غريبة، وفتوى عجيبة، ولهذين الكتابين شروح وتعاليق عدة، ولما توفي، وأقبل الناس على أخيه أبي طالب يسألونه، فقال له قائل: فأين كان هذا العلم في حياة السيد أبي الحسين؟ فقال: وهل كان يحسن بي أن أتكلم وهو في الحياة؟! وقيل له: أتقول بإمامة أخيك المؤيد؟ فقال: إن قلنا بإمامة زيد فما المانع أن نقول بإمامة أخي.
وقال الشيخ أبو الفضل بن شروين : دع أئمة زماننا، إنما الشك في الأئمة المتقدمين من أهل البيت وغيرهم، هل كانوا مثل هذا السيد في التحقيق في العلوم كلها أم لا؟
ومقالاته في كل فنٌِّ مذكورة، ومقاماته أيضاً في الحروب مدوَّنة مشهورة، وله خرجتان أحدهما: في أيام الصاحب الكافي في سنة ثمانين وثلاثمائة سنة، وبين الخرجة الأولى والثانية سنون وفترات.

وفي خلال وقعاته أسر بعد أن قتل من عسكره ثمانون مسلماً ممن لا يرى الفرار عن العدو مع عدة من الفساق، وبقي أسيراً في قرية من قرى جيلان، وفي الرواية أنه كان في اليوم الذي أسر فيه لطمه رجل من الجيل، فدعا عليه وسأل ربه أن يسلط عليه الأكلة في يديه، فعن قريب اسودَّت يداه، ووقعت فيهما الأكلة حتى ذهبتا، وبقي المؤيد بعد أسره حتى أطلق بدراهم سلمت عنه مبلغها خمسة وعشرون ألف درهم، ثم اتفقت له بعد ذلك وقعات عظيمة، وأحوال جسمية، لم يزل فيها مشجياً للظالمين، معلناً بالدين، حتى توفاه الله حميداً رشيداً، وكانت وفاته يوم عرفة في سنة إحدى عشرة وأربعمائة سنة ودفن يوم الأضحى، وصلى عليه السيد ما نكديم الأعرابي القزويني الخارج بعده بلنجا الملقب بالمستظهر بالله، وقرئ على قبره من يوم دفنه إلى تمام شهر وعليه مشهد مزور، وفيه يقول القائل:
عرّج على قبر بصعدة.... وابك مرموساً بلنجا
واعلم بأن المقتدي بهما.... سيبلغ ما ترجا
وخلف من الأولاد: الأمير أبا القاسم وحده، واسمه الحسين، وبه يكنى، أولد الحسين أحمد، وأولد أحمد الإمام أبا طالب الأخير يحيى وعقبه كثير، منهم: الإمام القائم في عشر التسعين وخمسمائة [سنة] في بلاد جيلان، وكان للمؤيد [بالله] أصحاب فضلاء نجباء من أهل البيت وغيرهم.

فمنهم: السيد أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل [بن زيد] بن الحسن الجرجاني، والقاضي زيد بن علي الزيدي وكان من بيت العلم والرئاسة، ومنهم [السيد] مانكديم أحمد بن أبي هاشم، من ولد الحسين بن علي عليه السلام، وهو الخارج بعد المؤيد بلنجا كما تقدم، والشريف أبو القاسم بن زيد بن صالح الزيدي.
ومن أصحابه في الزهد الشريف أبو جعفر الزيدي، ومن أصحابه الفقيه أبو القاسم بن تال وهو الذي هذَّب مذهبه، وجمع (الإفادة) و(الزيادات) وهو الأستاذ.
ومنهم: القاضي يوسف الخطيب ومنهم المؤيد والد أبي مضر شريح.
ومنهم: الشيخ محمد بن أبي الفوارس ومن أتباع المؤيد: الشيخ علي بن محمد [بن] الخليل والقاضي زيد بن محمد الكلاري والقاضي شريح وهو أبو مضر بن المؤيد والكني والنيروسي الأخير.
ومن عيون أصحابه -عليه السلام-:

الصاحب الكافي إسماعيل بن عباد
فإن في الرواية أنه كان يلازم مجلسه زماناً، وكان الصاحب يقول: الناس يشرفون بالعلم والشرف، والعلم شرف بقاضي القضاة، والشرف ازداد شرفاً بالشريف أبي الحسين [أحمد] يعني المؤيد بالله -عليه السلام-، وللمؤيد فيه القصيدة اللامية، وهي من أفصح القصائد، وأولها:
سقى عهدها صوب من المزن هاطل
حتى قال في آخرها:
ألا أيهذا الصاحب الماجد الذي.... أنامله العلياء غيوث هواطل
أنامل لو كانت تشير إلى الصفا.... تفجر للعافين منها جداول
لأغنيت حتى ليس في الأرض معدم.... وأعطيت حتى ليس في الأرض آمل
وكم لك في أبناء أحمد من يدٍ.... لها معلم يوم القيامة ماثل
إليك عقيد الملك سارت ركابهم.... وليس لها إلا علاك وسائل
وأعطيتهم حتى لقد سئموا اللهى.... وعاد من العذال من هو سائل
وأسعدتهم والنحس لولاك ناجم.... وأعززتهم والذل لولاك شامل
وكل زمان لم تزينه عاطل.... وكل مديح غير مدحك باطل

فصل: في ذكر أخيه السيد الناطق بالله :
الظافر بتأييد الله أبي طالب هو : يحيى بن الحسين، وأمه أم أخيه، وهي أم الحسن بنت علي بن عبد الله الحسيني العقيقي.
ولد سنة أربعين وثلاثمائة سنة قرأ على السيد أبي العباس فقه العترة -عليهم السلام- حتى لجج في غماره، ووصل قعر بحاره، وقرأ الكلام على الشيخ أبي عبد الله البصري، وكذلك قرأ [عليه] في أصول الفقه، ولقي غيره من الشيوخ، وأخذ عنهم، وله التصانيف المرموقة، والكتب الموموقة، فمن كتب أصول الفقه: (المجزي) مجلدان، وفيه من التفصيل البليغ ما لايكاد يوجد إلا فيه من كتب هذا الفن، وله في فقه الهادي -عليه السلام- (التحرير) و(شرحه) مجلدات عدة، تبلغ ستة عشر كتاباً، ورجح مذهب الهادي -عليه السلام- حتى ظهر ترجيحه، وتوقدت مصابيحه.
قال الحاكم: عليه مسحة من العلم الإلهي، وجذوة من الكلام النبوي، وكان في الورع والزهد والعبادة على أبلغ الوجوه.
وكان الصاحب الكافي يقول: ليس تحت الفرقدين مثل السيدين، بويع له بعد أخيه، ولم يتخلف عنه أحد ممن يرجع إلى دين وفضل لعلمهم بظهور علمه، وغزارة فهمه، وفي بيعته يقول أبو الفرج بن هندو وقد كان أبو الفرج بلغ الغاية القصوى، والمرتبة العليا في مذهب الفلاسفة، ثم تاب وصار من عيون الزيدية، ومن شيعة السيد أبي طالب فقال:
سر النبوة والنبيا.... وزهى الوصية والوصيا
إن الديالم بايعت.... يحيى بن هارون الرضيا
ثم استربت بعادة الأيـ.... ـيام إذ عادت عليا
آل النبي طلبتم.... ميراثكم طلباً بطيا
يا ليت شعري هل أرى.... نجماً لدولتكم مضيا
فأكون أول من يهـ.... ـز إلى الهياج المشرفيا

قام آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، وكان يدرس بجرجان مرة، [وبأسرانادين مرة] وبالديلم مرة، فكثر الانتفاع به على طريقة آبائه الأطهار، حتى مضى لسبيله وهو ابن نيف وثمانين سنة.
وكانت وفاته بالديلم سنة أربع وعشرين وأربعمائة سنة.
قال في (الحدائق): وهذا هو الأقرب، وإن ذكر دونه في بعض المواضع، وله ولد واحد، [وهو أبو هاشم محمد] أمه أم الحسن بنت يحيى الداعي الحسيني وقبر أبي طالب بآمل.
ولما خرجت الترك على الملك محمد بن نكش شاه، في سنة عشرين وستمائة، وجاسوا خلال الديار في بلاد الإسلام، وقتلوا النساء والذراري، وخربوا المشاهد إلى القواعد.
وفي جملة ما هدموا المشهدين الشريفين [القبر الأحمر] قبر محمد بن جعفر [بن محمد] بن علي بجرجان وقبر ابن أخيه علي بن موسى الرضا بطوس، جاءت كتب علمائنا من الجيل والديلم بكون هذه الحادثة ويذكرون إنما سلم منهم إلا بلاد الزيدية، ومشاهد أئمتهم مثل مشهد الناصر [للحق] بآمل، وقبري السيدين: أبي العباس، وأبي طالب، وأنهم كانوا يهمون بالوصول إليها، فدفع الله في قلوبهم الرعب، وأن الموالف والمخالف اعترف بفضل هؤلاء الأئمة.
قلت أنا: وهؤلاء الترك هم التتر، وسيأتي طرف من ذكرهم في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى.

[ذكر عدد من أئمة الزيدية في الجيل]
ولا دعاة دعوا في الجيل بعدهم.... مثل النجوم هدى للخلق في السفرِ
من كل أبلج بالعلياء متوج بالرا.... يات أدلج ماضي الجيش في البكرِ
له قضاة وأشياع تناصره.... كزيد الحبر والقاضي أبي مضرِ
قد ذكرت أنا عدة من أعيان شيعة المؤيد، وأخيه قبيل هذا الكلام فخذه من هناك.

[1- الإمام مانكديم (ع)]
وأما الدعاة الذين أجملهم السيد صارم الدين، ولم يسمهم بأعيانهم فهم: السيد مانكديم وقد تقدم طرف من شرح حاله، وأنه دعا بلنجا عقيب موت المؤيد بالله، وكان من أعيان العترة الكرام، ومن المتبحرين في علم الكلام، وله كتاب (شرح الأصول) وهو من أجل الكتب المرجوع إليها، والمعتمد عليها.

[2- الإمام الهادي الحقيني (ع)]
ومنهم: الإمام الهادي الحقيني، وهو أبو الحسن علي بن جعفر، من ذرية زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام وكان جامعاً للعلوم، ترشح للإمامة في أرض الديلم، وأقبل العلماء إلى بيعته لتكامل شروط الإمامة فيه.
وقد عدَّه الإمام المهدي في (البحر) في زمرة الأئمة، وأشار إلى ذلك الحاكم.
قالوا: وكان الحقيني متشدداً في الإنكار على الباطنية، وعلى من يرى أنهم صلحاء، وإباحة دمه، واغتنام ماله دون سبيه واسترقاقه، حتى بلغه ذات يوم أن القاضي مروان بلغته رقعة من الملاحدة على يدي رسول أرسلوه إليه.
والقاضي مروان هذا كان من علماء النحاة، وكان يعتذر على الإمام الهادي بعدم تنفيذ مراده عليه لقصور يده في موضعه، فقال: اللهم، إن كان هذا صدقاً فأحضره عندي ها هنا لأصلبنه فيك ولك، فلم تمض أيام إلا مقدار مسافة ما بينه وبين القاضي، فحضر القاضي مروان، فلم يؤجله بل صلبه من ساعته.
وللحقيني -عليه السلام- وصية عجيبة فيها ألفاظ دقيقة ومعان في هذا الشأن وبه حقيقة، فالله تعالى يرزقني العمل بمقتضاها، ويتوب علي توبة يرضاها، ولم يزل قائماً في إقامة قناة الدين حتى وثب عليه بغتة حشيشي من الملاحدة الباطنية، فاستشهد في يوم الإثنين في شهر رجب من شهور سنة تسعين وأربعمائة سنة.

[3- الإمام أبو الرضى الكيسمي (ع)]
ومنهم: أبو الرضا الكيسمي الحسني، كان جامعاً لشرائط الإمامة، مؤهلاً للزعامة، دعا بعد الهادي الحقيني، فاستولى على جميع أقطار جيلان، وديلمان إلى حدود طبرستان، وكانت المملكة الجائرة إذ ذلك في ديلمان لآل حوى فنابذهم الإمام منابذة علوية حسينية حتى طال عليهم الأمد.
قال راوي أخباره: فحدث أنه -عليه السلام- ذات يوم كان جالساً في مسجد من مساجد جيلان فأراد بعض آل حوى الهجوم عليه، فبكى، وقال: اليوم أفقأ عينه، فهجم المسجد [عليه] بغتة بقضه وقضيضه، فوثب الإمام وأصحابه، فكان في أصحابه رجل يقرأ في (إصلاح المنطق) رماه الظالم بمزراق فاتقاه بالكتاب، ثم عطف على الظالم بالمزراق فضربه على عينه ففقأها بعزة الله وإعانته، كذا فرس للظالم على فقو عينه بأن دنا من جدار المسجد حتى توكأ ذباب المزراق بالجدار ونجا الإمام -عليه السلام- وأصحابه، وقصته في دعائه على الديك، وعلى ولده -عليه السلام- مشهورة.
ولم يعش بعد الحقيني إلا قليلاً، ثم قبضه الله إليه.

[4- الإمام أبو طالب الأخير(ع)]
ومنهم السيد أبو طالب الأخير: هو أبو طالب يحيى بن أحمد بن الحسين بن المؤيد بالله -عليهم السلام-، عده في (البحر) من أئمة الهدى، وكان حافظاً لمذاهب أهل البيت عليهم السلام متونها وتعاليقها.
وكان خروجه بجيلان سنة اثنتين وخمسمائة، ودانت له أكثر بلاد الجيل، واتصل أمره إلى هوسم، وسرى [أمره] إلى جبال ديلمان، فعارضه شريف حسني، وطرده من هوسم، ثم انتهى الحال [بعد ذلك] إلى أن قويت شوكته، فطرد هذا الشريف من جيلان وديلمان، وكانت أكثر حروبه مع الباطنية قتل في يوم واحد ألفاً وأربعمائة، وأخذ من قلاعهم ثمان وثلاثين قلعة.
وافتتح من البلاد مسير اثنتي عشرة ليلة من كل جهة، وأقام أربع عشرة سنة ما يخرج وحده من الجوشق إلا لصلاة خوفاً من مكر الباطنية، وكان لا يقبل لهم توبة، ويأخذ أموالهم، ويسبي ذراريهم،وكان يقتل من خالطهم مختاراً حتى أمر بقتل سبعة أنفس فيهم رجل رأى ملحداً صلحاً، ولم يتميز عن الستة.
قال القائل: والستة في الجنة، والواحد في النار، وصلب ثلاثة أحياء، ومذهبه أن الصلب للحي [جائز] وهو مذهب كثير من العلماء وكاتبه صاحب عمان، وكان زيدياً محباً مناصراً له، وكان حاشيته وغلمانه ومن أجابه اثني عشر ألفاً على مذهب الهادي -عليه السلام-، وخدامه كلهم كانوا يصلون، ولم يكن يستعين من الفاسقين إلا بمن يصلي، وكان له من الهيبة ما لم يكن لأحد قبله.

وكان يركب الفرس من الأرض، وكانت له غاشية على سرجه يركب بها خشية من سم الباطنية، ووصل إلى صعدة من جهته: أبو طالب نصر بن أبي طالب بن أبي جعفر، فقيه الزيدية في عصره وعالمهم، اجتمع في خزائنه من فنون العلم اثنا عشر ألف كتاب، [وقيل: أربعة عشر].
ووصلت أيضاً دعوة هذا الإمام إلى اليمن سنة إحدى عشرة وخمسمائة سنة إلى الأمير المحسن بن الحسن بن الناصر بن الحسن بن عبد الله بن محمد بن المختار بن الناصر بن الهادي -عليه السلام- هكذا نسبه في كتاب (الحدائق) ونقلت أنا نسبه من كتاب يسمي (العباب) للعدوي، فقال: هو المحسن بن محمد بن المختار، ثم قال: ثم بويع له بالخلافة، ويلقب بالمعيد لدين الله.
قال: وكان فقيهاً خطيباً شاعراً.
قال في (العباب): وقتله الحدادون من أهل صعدة، وقتلوا ولده وجماعة من شيعته في منزله، وهو آمن، وأحرقوه، واستصبحوا شحمه بسبب أنه قتل باطنياً كان ضيفاً لبعضهم، فلما قتلوا المحسن أمروا بيده إلى الباطنية فطيبوها، وكفنوها، وردوها إلى بني الهادي، فخرج رجل من شيعته، يقال له: ابن عليان من سناع، فاستنصر بخولان وهمدان، فنفوا أهل صعدة وبقيت خراباً مدة، انتهى كلام العدوي،وسيأتي كلام خلاف هذا القول مما نقلته من (الحدائق) عند ذكر المحسن من منظومة السيد صارم الدين.
عاد الكلام إلى ذكر الإمام أبي طالب، قالوا: ومن محاسن كتبه العهد الذي كتبه للسيد شرف الدين أبي عبد الله الحسين بن عبد الله بن المهدي بن عبد الله بن المرتضى بن الهادي -عليهم السلام -، وهو عهد عجيب طويل مذكور في (الحدائق).

قال في آخره: فليعلم إخوانناَ حفظهم الله تعالى أن مولدنا في ديلمان ومنشؤنا بين جيلان وطبرستان، والعراق وخراسان، وأهل هؤلاء البلدان ليسوا من أهل اللسان والبيان، بل عجم بكم عن العربية، ولسان العجم لا شك عجم وأدنى العجم، وإن بلغوا من الفصاحة الثريا فلا تلحق فرسهم فرساً للعرب العرباء إلى آخر ما ذكر ه -عليه السلام-، ثم توفي في سنة عشرين وخمسمائة بالديلم، وأوصى أن يدفن سراً ليخفى موضع قبره على الباطنية، فهو لا يعلم على التعيين، وإنما يظن ذلك، والله أعلم.

[أخبار الإمام الحسين بن القاسم العياني -عليهما السلام-]
وأنزلت ساحة المهدي قارعة.... بذي عرار ونقع الخيل لم يثرِ
وقال قوم: هو المهدي منتظراً.... قلنا: كذبتم حسين غير منتظرِ
كيف انتظاركم نفساً مطهرةً.... سالت على السمر والصمصامة الذكرِ
وللخيالات أوهام مسلطة.... على العقول التي ضلت عن الفكرِ
يعني: أن الدنيا أنزلت منزلة المهدي.
والمراد هنا : أبو عبد الله الحسين بن القاسم بن علي العياني، كما فعَلتُ بغيره من أهل البيت الأطهار، وقد كان من أعيان الأئمة في تلك الأعصار، ومن المبرزين الكبار، في كل علم حوته المصنَّفات والأسفار، والسابقين في ذلك المضمار، فله التصانيف الرائقة في علم الكلام، والكتب الفائقة على مخالفي العترة -عليهم السلام-، وهي كثيرة.
قيل: إنها تبلغ إلى ثلاثة وتسعين مصنفاً، منها تفسير كامل سلك فيه الطريقة الوسطى.
وكانت شجاعته معروفة، ومواقفه موصوفة، لا تفتقر إلى شاهد، ولا يطمع في جحدها جاحد، كما قال الإمام المنصور بالله -عليه السلام-:
وهل أحد يقول أبي علي.... يقهقر عن مناطحة الشفار
قام بعد موت أبيه، وملك من إلهان إلى صعدة وصنعاء، ولم يزل ناعشاً للحق، داعياً إلى الصدق إلى أن قتله بنو حماد في بعض حروبه في نواحي البون، قتله رجل من بني زينج سنة أربع وأربعمائة، وعمره نيف وعشرون سنة، واعقب ابنتين لا غير، ومات قطيعاً من الذكور.
وروي أن قاتله قربت إليه نار ليتبخر بها فاحترق، وذلك دلالة على كرامته -عليه السلام-.

قال الفقيه حميد: وقد بقي جماعة من أشياعه يعتقدون أنه حي [إلى الآن] وأنه المهدي المنتظر، الذي بشر به النبي ً قال: وقد كتبنا رسالة في هذا المعنى، وسميناها بـ(الرسالة الزاجرة لذوي النهى عن الغلو في أئمة الهدى).
قال الفقيه حميد: ولقد اقتصرنا من سيرته على هذا القدر؛ لأنها لم تتصل بنا، وإلا فله وقائع جمة.
قلت: [و] أنا أعلم أن ناساً من شيعته ضلوا فيه، وذهبوا إلى أن كلامه أفصح من القرآن، بل قد رأيت من المصنفات ما نسب إليه، وفيه ما يقتضي بهذا المعنى، وتأوله بعضهم بأنه قاله وهو ذاهب العقل لسبب كثرة تتبعه أنوار العلوم، وقال أصحابه فيه أقاويل هائلة، ولما ظهرت منهم هذه المقالات ونحوها.
قال الفقيه جعيد بن الحجاج الوادعي -وهو صهر لنشوان بن سعيد-:
أما الحسين فقد حواه الملحد.... واغتاله الزمن الخؤن الأنكدُ
فتبصروا يا غافلين فإنه.... في ذي عرار ويحكم مستشهدُ
قال الراوي: فغضب الشرفاء القاسميون من ذلك غاية الغضب، وتوهموا أن نشوان هو الذي قال الشعر، فهجوه، فقال فيه عبد الله بن القاسم بن جعفر:
أما الصحيح فإن أصلك فاسد.... وجزاك منا ذابل ومهندُ
فأجابه نشوان بقصيدة طويلة أولها:
من أين يأتيني الفساد وليس لي.... نسب خبيث في الأعاجم يوجدُ
لافي علوج الروم جد أزرق.... أبداً ولا في السود خال أسودُ
أبي من العرب الصميم إذا امرؤ.... غلبت عليه العجم فهو مولدُ
فدع السفاهة إنها مذمومة.... والكف عنها في العواقب أحمدُ
والله ما مني نظام جاءكم.... فيه يقول حوى الحسين الملحدُ

ولقد أتيت به فقمت مبادراً.... عجلاً أمزق طرسه وأقددُ
فأشاعه من ظن أن ظهوره.... في الناس مكرمة عليها يحسدُ
أغضبتم أن قيل مات إمامكم.... ليس الإمام ولا سواه يخلدُ
لا عار في قتل الإمام عليكم.... القتل للكرماء حوض يوردُ
إلى أن قال[في آخرها ]:
إن النبوة بالنبي محمد.... ختمت وقد مات النبي محمدُ
فدع التهدد بالحسام جهالة.... فحسامك القطَّاع ليس له يدُ
من قد تركت به قتيلاً أنبني.... ممن توعده ومن تتهددُ
إن لم أمت إلا بسيفك إنني.... لقرير عين بالبقاء مخلدُ
أسكت فلولا الحلم جاءك منطق.... لامين فيه يذوب منه الجلمدُ
ينبي بأسرار لديك عجيبة.... لكن جميل الصفح عنه أعودُ
ثم آل الكلام بين الأشراف هؤلاء، وبين نشوان إلى الصفح، وتهادي الثناء الحسن، كما أشير إلى ذلك في ذكر الإمام أحمد بن سليمان -عليه السلام-.
وقد حكى مسلم اللحجي في تأريخه عن الإمام المهدي، وعن والده القاسم بن علي -عليه السلام- بما يشوش خاطر المعزب عن معرفة فضلهما، فإنه حكى أشياء كثيرة تقضي بمخالفتهما لمذاهب أسلافهما، وأنهما ربما يسترجحان شيئاً من مذاهب العبيديين الذين ملكوا مصر والمغرب وغيرهما من بلاد الإسلام، وكان الصليحيون يدعون لهم، وذلك لا يسلم للشيخ مسلم.

[الإمام محمد بن القاسم بن الحسين الزيدي]
وكان منها على الزيدي ملحمة.... بحقل صنعاء تجري مدمع النظرِ
هو:محمد بن القاسم بن الحسين الزيدي، من ذرية زيد بن علي-عليه السلام-، قتل بقاع صنعاء عند الظهر يوم الخميس، لسبع بقين من صفر سنة ثلاث وأربعمائة، قتله هذا الإمام المذكور قبله ؛لأنه نازعه [في] الأمر، وخالف عليه؛ لأن أباه كان من أعوان القاسم العياني على صنعاء، فلما مات القاسم دعا هذا الزيدي إلى نفسه، وبلغ ذلك الحسين بن القاسم، فكتب إلى الناس يأمرهم بأن ينظروا في صفات هذا الداعي لهم إلى البيعة، فإن كان أحق بالأمر بايعوا له، وبايع هو له، ثم لم يلبث أن وثب عليه فقتله.
قال مسلم اللحجي: فهذه الأخبار توجد في سيرة الإمام الحسين مستوفاة، فلا وجه للتطويل في شرحها. انتهى.
قالوا: وأما أبوه فهو مقبور في جامع ذمار في عدنيه، توفي يوم الأربعاء، لست وعشرين ليلة خلت من محرم، سنة أربعة وتسعين وثلاثمائة.
قال بعض نسَّاب العترة: وأظن [أن] من أولاد الزيدي هذا، أو من بني عمه أشراف بيت نعامة من بلاد بني شهاب، ومنهم في صنعاء، وفي جهران، وفي هجرة وزل بوادي عهان، وفي مقري، والله أعلم.

[ذكر الشريف الفاضل وأخيه ذي الشرفين]
قوله:
وفي الهُرابة أيام لفاضلنا.... وصنوه ذي المعالي خير منتصرِ
حط الصليحي حوليها بعسكره.... سبعين ألفاً وما فيها سوى قطرِ
وفي شهارة أيام تعقبها.... قتل القرامطة الأشرار في أقرِ
رَّد المكرم مكسور الجناح وقد.... وافى بجيش كعدَّ الطبس منتشرِ
وحاصراه بصنعاء محاصرة.... تعضُّ منها بنان النادم الحصرِ
الفاضل هذا هو: القاسم بن جعفر بن القاسم بن علي العياني، وأخوه ذو الشرفين، متوفى في شهارة [محمد بن جعفر] كانا رجلي أهل البيت في زمانهما، كان الفاضل في درجة الإمامة، ولم يدع إلى نفسه؛ لأنه كان يعتقد أن عمه الحسين حي وأنه المنتظر.
وكان الفاضل قد بنى الهرُابة في الظاهر من بلاد وادعة وحصنها، وأجرى إليها وشُلاً من موضع عندها، فسار إليه علي بن محمد الصليحي بجميع أهل اليمن وملوكها، فحاصره سبعين ليلة، وقاتل عليها قتالاً شديداً، وقطع الماء عن السيد الفاضل وأصحابه حتى بلغت الشربة ألف دينار، وهلكت البهائم برمتها وبعض بني آدم عطشاً.

وقال السيد الفاضل: والله، ما أعلم أحداً قبلي بلي بمثل ما بليت به، فإن جدي الحسين -عليه السلام- منع الماء ثلاث ليال أو أربع، وأنا منعت الماء سبعين ليلة، ولما دخل الصليحي الهُرابة عقيب استيلائه عليها دخل وهو ضام لأنفه من رائحة جيفة الموتى، وأخذ يتعجب من صبر من بها، حتى قال: والله لو ملكت رجالاً كرجال الهُرابة لأملك بهم العراق، ثم اعتقل السيد الفاضل بصنعاء، وقف في حبسه نحو عامين، وكانت زوجة الصليحي الحرة أسماء محسنة إلى الفاضل [في] أيام حبسه، ثم أطلقه الصليحي، ورأيت أنا في بعض الكتب أنه أسروه وأخاه ذا الشرفين، ثم أطلقهما بشفاعة أبيهما جعفر بن الإمام، ثم عمرا شهارة في بلاد الأهنوم وحصَّناها، فأما الفاضل فقتل في الجوف وهو ابن سبع وخمسين سنة، وذلك في شهر صفر من سنة ثمان وستين وأربعمائة على غيل أحدثه هناك، قتله أهل الجوف بعناية من الصليحي أحمد بن المظفر وأصحابه، فإنهم منَّوا النهميين جعلاً في قتله؛ لأنه أراد عمارة غيل عمران، وكانوا كارهين لذلك، فلما قتلوه جاءوا إليه للجعل فأنكر عليهم، وقال: تقتلون ابن رسول الله ً وتطلبون عليه المكافأة! فذهبوا وقد ندموا، ومات ولا عقب له، وبقي أخوه ذو الشرفين، فحط عليه المكرم أحمد بن علي الصليحي على شهارة بنفسه، ثم رتَّب عليه جماعة من أقاربه، وكانت الجنود تطلع من اليمن وغيره من البلاد، ويتداولون المكث في المحطة، فبيتهم ذو الشرفين ليلة، فقتلهم قتلاً ذريعاً، وانتهبت خيلهم وبغالهم، وقيل في ذلك أشعار، وقد كانت المغازي من ذي الشرفين لا تزال تعاهد صنعاء.

قال مسلم اللحجي: كان الأشراف آل القاسم قد حصروا بني الصليحي، وبني الزواحي وأعوانهم بصنعاء وشبام، وأخذوا عليهم أقطار البلاد، فكان بعضهم في قلعة ثلا يحصر من في كوكبان وشبام، وبعضهم في سناع وحضور، وبعضهم بالمعلل، ثم بقرن عنين يحصر بيت بوس وصنعاء وبعضهم بمشارق صنعاء يحصرونها.
فكان منهم من هو بالمفظوع من جبل كنن، ومنهم من هو بغيره، فضايقوا الصليحيين بالحصار حتى لم يوجد إلى الطعام سبيل ولا وجه، واعتقدوا أن هلاكهم يستباح معه كل محظور، وضايقوا أيضاً من تحت أيديهم ومملكتهم من القبائل في الجبال حتى أخذوا سبعة أعشار أموالهم.
قالوا: فلم يزل ذلك كذلك حتى نظر الشريفان القاسم، ومحمد ابنا القاسم في ديوان دخلهما وخرجهما، فوجدوا ما يدخل نحواً من تسعين ألفاً، وما يخرج نحواً من ألف ألف وأربعين ألفاً أو أكثر، فأيقنا بتعذر الأمر واختلاف الحال، فانصرف من كان منهما بمسور إلى شهارة، وكتبا إلى أهل حضور والقلاع، والعمال في البلاد بالانصراف، فانصرفوا في ليلة واحدة من ثلاثين حصناً، فاسترخى خناق الصليحيين بعد انقضاء الحصار، فانفصلوا إلى مخلاف جعفر، ونزلوا إلى مدينة جبلة.
فروي عن السيدة الصليحية أنها قالت: ما خرجت يومئذٍ صليحية من صنعاء وفي آذانها إلا الصفر من شدة ما احتاجوا إليه من النفقة، وعظيم ما نزل بهم من الفاقة في تلك المدة.

قالوا: وكان السبب في جرأة الأشراف بشهارة على الصليحيين أنهم بعد أن صاروا بشهارة قصدهم المكرم في ملوك الدعوة الصليحية وجيوشها، فأقبل حتى نزل بموضع تحت شهارة، ونزل أحمد بن المظفر بمكان آخر قباله، ونزل عامر [بن] الزواحي ناحية أخرى، ونزل حاشد بن اللديس وآخر معه منهم بموضع آخر، وأحاطوا بشهارة من كل موضع، فقسم الأمير ذو الشرفين الأشراف والشيعة ثلاثة أقسام مائة مائة، وأصحب كل مائة ريحاً من طبل وبوق وغيره، فصَّبحت كل طائفة منهم طائفة من الصليحيين، فقتل حاشد وأصحابه وكثير من جيشه، فانهزم باقيهم، وانهزم سائر الملوك والعساكر أكبر هزيمة، وقتل من لحق منهم.
فلما مضى لذلك سنة أو نحوها جهز المكرم جيشاً، وقصد شهارة وانتهى إلى موضع تحتها، يقال له: أقر، فلم يلبث أن انصرف، وفي السنة الثالثة أقبل كذلك فانتهى إلى ظاهر بني صريم، فحاده الأشراف، وكان حده وحد أهل دعوته من أسفل عجيب من ناحية ريدة البون الأسفل فيمناً، وحد الأشراف وشيعتهم من أعلى عجيب فشاماً، وقد كان ذو الشرفين قال: أما إني سأفرق بين الصليحي، فأما القتل لهم فلا، ولا أصل إليه، فسار إليهم إلى صنعاء، وحصرهم كما تقدم.
قالوا: وبنى ابن عمه الحسن بن إبراهيم في تلك المدة جبل ثلا، فهو أول من بناه.
ومما أعان على الصليحيين أن قبائل همدان قد كانت أقبلت إلى المكرم فحلفت له على الطاعة وحرب الأشراف، ولم يكن في خزائنه ما يعطيهم إياه، فضرب لهم قدر صفر دنانير، واحتال على تلوينه بما صبغه حتى قلبه.

وكان العطاء أربعة أربعة فأخذوا عطائهم ورجعوا، فأخذ بعض مشائخهم ديناراً معه، فأعطاه البيع فرده، ثم آخر ثم آخر [وهم يردونه] فغضب، وقال: كيف تردون دينار مولانا؟ فأدناه البيع من أنفه فشم رائحة الصفر فالتفت إلى أصحابه فأخبرهم، فرموا بتلك الدنانير وانصرفوا غضاباً، وكانوا بعد ذلك من أشد الناس عداوة له ومحبة لآل القاسم.
ومن فضائل هذا الأمير وغاراته على الدين وأهله وحميته على المذهب اليحيوي، والمنصب النبوي: أنه كان في سنة ثلاث وستين وأربعمائة خطب جعفر بن الحسن الشمري بصعدة للصليحيين على منبر الهادي -عليه السلام- بصعدة فنهض الفاضل بنفسه، ولم يرض بنائب غيره حتى دخل صعدة فقبض على الشمري، ورجع به إلى شهارة فلبث في سجنها إلى سنة سبعين وأربعمائة، فمدح بذلك وأثني عليه، فمما قيل فيه من الشعر:
قدنا من الجبل المنيع جيادنا.... لدن الأعنة كالصخور صلادماً
فمضين شعثاً كالعشار بواطناً.... وسلكن شرقاً كالظباء سواهما
يتبعن أشمط هاشم وهمامها.... نجل الأئمة ذا المهابة قاسما
الماجد الورع التقي الزاهد البـ.... ـر الكمي الأريحي العالما
يقصدن هجرة جده الهادي بها.... أكرم بها وبه إليها قادماً
متغضباً لما طغت واستعملت.... سكان صعدة رأيها المتقادما
ودعا المخلع فوق منبر جدنا.... قدنا إليه الماقط المتلاحما
فرجعنا بالأسرى وكان مرادنا.... دون الغنائم والإياب غنائما

قالوا: ومن كماله ودهائه أنه كتب إلى أحمد بن المظفر الصليحي وهو بصنعاء وأعطى الكتاب رسولاً له أيام حدوثه بصنعاء، فقال له الرسول: أين أجدك عند رجوعي بالجواب؟ فقال: إسأل أحمد بن المظفر عني.
وكان أحمد هذا كبير الصليحيين في دولة المكرم، ومجربهم للأمور، والخبير بأمور الناس. فلما قدم الرسول صنعاء وأخذ الجواب وأراد الرجوع، فقال لأحمد بن المظفر: أين أجد الشريف القاسم ؟ فقال: ولِمَ سألتني عنه؟ قال: أخبرني بذلك، فضحك وقال: إنه لشيطان.
وقال أتاني الثقة بأنه نفذ أمس من بني فلان، وأمسى البارحة بمكان كذا، وهو اليوم بناحية كذا، وتجده غداً إن شاء الله عند بني فلان بمكان كذا، فانصرف الرسول فوجده حيث كان.
قال: وهذا يدل على دهاء الرجلين جميعاً، وقد ألمَّ السيد صارم الدين في البيت المتقدم بقول الشاعر:
عهدت قومي كعديد الطيسي.... إذ ذهب القوم الكرام ليسي
والطيس: هو الكثير من الرمل، وبقول الحريري :
وأقبلت يوم حد البين في حلل.... سود تعضَّ بنان النادم الحصر

[أخبار حمزة بن أبي هاشم]
وحمزة روت المنوى له بدم.... وفرقت منه بين الرأس والقصرِ
سر الزواحي والأصلوح مصرعه.... وقد ثأرنا به منهم على الأثرِ
بعامر وبمنصور وأسرته.... فما التقى رايح منهم بمبتكرِ
المراد بحمزة هنا هو: حمزة بن أبي هاشم الحسن، وكنيته النفس الزكية بن عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم -عليهم السلام-
قام محتسباً وليس بإمام، شهد بفضله الموالف والمخالف، وقد ذكره الإمام المتوكل [على الله] أحمد بن سليمان في بعض رسائله على المطرفية في جملة من ذكر من أهل البيت الذين أنكروا على المطرفية، وكانت لحمزة هذا مع بني الصليحي وقعات مشهورة، وكان في بعض أيامه بمسجد حلملم، وقد اجتمع إليه أهل الطرق، وأراد الصلح بينهم في أمور كانت، فأحدث واحد بالقرب من المسجد صوتاً يريد به تفريق الناس حتى ينصرفوا بغير صلح.
فقال حمزة: من هذا الذي غيَّر محضرنا، غير الله لونه؟ فأنزل الله بذلك الرجل البرص في مجلسه، عقيب دعائه -عليه السلام-، وصار آية شاهدة بفضله، ولم يزل مجاهداً حتى قتل في المعركة في المنوى موضع بالخشب معروف، وذلك في سنة تسع وخمسين وأربعمائة، في أيام علي بن محمد الصليحي.
وكان يقاتل يوم قتل، وهو يقول:
أطعن طعناً ثائراً غباره
طعن غلام بعدت أنصاره
وانتزحت عن قومه دياره
وفيه يقول شاعر المكرم علي بن محمد الصليحي:
فصرعن بالمنوى منكم سيداً.... قرماً ولم يسمح به أن يصرعا
ملك لو ان بني سليمان معاً.... وزنوه يوماً لم يوازن إصبعا

قالوا: وكان جيشه ألفاً وخمسمائة فارس وخمسة عشر ألف راجل.
ووقف عنده تسعون شيخاً من همدان يجالدون دونه حتى هلكوا.
وقتل معه عشرة من رؤساء همدان، لكل واحد منهم من الأولاد عشرة ذكور وعشر بنات، فعجل الله انتقام قاتله علي بن محمد الصليحي، فلم يحل عليه الحول حتى قتله سعيد بن نجاح الأحول، وقتل معه أخاه عبد الله وجماعة من أهله، وسبيت حريمه، وقد أشار إلى ذلك الإمام المنصور بالله [عبد الله بن حمزة] -عليه السلام- حيث يقول:
كم بين قولي عن أبي عن جده.... وأبو أبي فهو النبي الهادي
وفتى يقول: حكى لنا أشياخنا.... ما ذلك الإسناد من إسنادي
ما أحسن النظر البليغ لمنصف.... في مقتضى الإصدار والإيرادِ
أفليس جدي حمزة نعش الهدى.... بحسامه وبعزمه الوقَّادِ
خمساً إلى أن ذاق كأس حمامه.... وسط العجاجة والخيول غوادي
لم يرتدع في حربه عن عامر.... عن فرط إبراق ولا إرعادِ
يعني عامر بن سليمان الزواحي الذي قتله الأمير المحسن بن الحسن بين ثلا وشبام، وثأر بحمزة بن أبي هاشم، وحمل السلطان عامر بن سليمان على الأمير المحسن فتطارد له، ثم لقاه الرمح في هزمته، فوقع في نحره، فعطف عليه ولده، فنشل شيعي من خلصان الزيدية كنانته ورماه بسهم كان فيه حمام ولده، فقال شاعر الزيدية:
إنَّا قتلنا عامراً وابنه.... يحيى وكانا ملكي حمير
لله در محسن من طاعن.... والخيل بين عجاجة وستور
جادت له كف الأمير بطعنة.... ضمنت له منها بموت أحمر

وفي الرواية : أن حمزة لما دفن وأراد أولاده نقله من الموضع الذي دفن فيه أقاموا مدة يطوفون قبره ليلاً حتى أمكنتهم الفرصة، فحملوه في شملة [ليلاً] وله نور [ساطع] يرى منه أهداب تلك الشملة.
وحمزة هذا هو جد بني حمزة كافة.

[الإمام أبو هاشم النفس الزكية(ع)]
وأبوه أبو هاشم النفس الزكية دعا إلى الإمامة، وكان من فضلاء العترة، وله كتاب (سياسة النفس) في الزهد والوعظ، ولم تطل أيامه، و[إن] كان قد دخل صنعاء واستقام أمره حتى عارضه الشقي الحسين المرواني.
وتوفي أبو هاشم في ناعط من بلاد حاشد، ومشهده هناك مزور مذكور، ولم يذكره السيد صارم الدين، وقد ذكره الفقيه حميد، وغيره.
[وقبر حمزة في بيت الجالد أخبرني بعض الناس أن من قال: يا ناعطاه، يا بيت الجالداه، عند أن يحمل عليه جيش فإنه يرجع عنه ببركة هذين الرجلين].
تنبيه: اعلم أ نه ذكر في (تأريخ مسلم اللحجي) ما يشعر أن عامر بن سليمان الزواحي قاتل حمزة بن أبي هاشم مات حتف أنفه، وذلك أنه قال:لما بلغه خروج حمزة سار من ناحية يريم حتى دخل صنعاء، وكان المكرم يومئذٍ غائباً عنها فخرج عامر فقتل حمزة بالمنوى.
قال مسلم: وقد أخبرني كثير ممن أدركت من شيوخ الناس [من أهل بلاد شتى] يذكرون أن عامراً مات بأكلة أصابته في دبره، ويروون أن هذا أصابه بقتل حمزة، وآخرون يرون أن ذلك لخطيئة أخرى، وهي أن رجلاً من أهل شبام، ثم من فضلائهم قال: حججت بعد موت عامر الزواحي فأتيت مكة فاستقبل الحاج رجل، فسألهم: من فيهم من أهل شبام؟ فقلت: أنا من أهل شبام، فقال : أخبرني عن عامر الزواحي.

قلت: نعم، قال: فأخبرني عن سبب موته؟ قلت: أكلت الدود دبره حتى لاحت عظامه، قال: فسجد لله، وقال: اللهم، لك الحمد، اللهم، فإنك عدل، فأعجبني أمره فسألته عن شأنه، وعمَّا صنع، ولماذا كان منه ما كان؟ فقال: أخبرك أني كنت مرة بصعدة فأتيت مسجدها فقعدت خلف أسطوانة منه، وكان في البلد ملوك الصليحيين والزواحيين فدخلوا المسجد، ثم انصرفوا وبقي عامر بن سليمان وغلامان له، فأمرهما فاحتملاه حتى قعد على قبر الإمام الهادي -عليه السلام- ثم كشف عن دبره وتغوَّط عليه وانصرف.
فقلت: إن كان الله عدلاً لم يمت هذا حتى يصاب في دبره بمصيبة، فهذا خبري وسببه ما رأيت. انتهى.
قلت: وما ذكره مسلم خلاف ما عليه جميع الزيدية المخترعة من أن سبب موته قتل الأمير المحسن [له] كما تقدم، والمحسن هذا من بني الهادي -عليه السلام-، وقد افتخر به الإمام الداعي يحيى بن المحسن حيث قال في جوابه على عز الدين بن المنصور -عليه السلام-:
ألم ننقم بثأركم قديماً.... بحمزة يوم أهلكه الزاوحي
قتلنا عامراً فيه انتقاماً.... ومنصوراً بأطراف الرماح
إذا ملكت يداك مسير يوم.... فأرض الله واسعة النواحي
والمحسن هذا هو: الذي قتله أهل صعدة، وسيأتي طرف من خبره قريباً بمعونة الله و[حسن] توفيقه.

[الإمام الناصر أبو الفتح الديلمي -عليه السلام-]
والناصر الديلمي المنتقى سفكت.... له دماً يوم نجد الجاح ذي الحفرِ
هو: أبو الفتح بن ناصر بن الحسين بن محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله [بن علي] بن الحسين بن محمد بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام-.
كان قيامه في أرض اليمن بعد وصوله من ناحية الديلم في سني الثلاثين وأربعمائة سنة، وملك صعدة والظاهر، واختط ظفار وهوحصن الإمام المنصور بالله -عليه السلام-.
وكان غزير الفهم وافر العلم، له تصانيف تكشف عن علو منزلته وارتفاع درجته، منها (تفسير القرآن الكريم) جمع فيه أنواع المحاسن، وهو كتاب جليل القدر، أودع فيه من الغرائب المستحسنات والعلوم المبتكرات، ما قضى له بالتبريز والإصابة، ودل علىالكمال والنجابة، وهو أربعة أجزاء، ومنها (الرسالة المتبهجة في الرد على الفرقة الضالة المتلجلجة) يعني المطرفية، احتوت على علم رائق وكلام فائق، وله أيضاً دعوة حسنة طويلة ذكرها الفقيه حميد في (الحدائق) ومن شعره -عليه السلام-:
ألا يا لهمدان بن زيد تعاونوا.... على نصرنا فالدين سرب مضيع
ونادوا بكيلاً ثم وادعة التي.... لها المشهد المشهور ساعة تجمع
ولا بد من يوم يكون قتامه.... بوقع القنا والمشرفية أدرع
سينقاد لي من كان بالأمس عاصياً.... ويقرب مني النازح المتمنع
أنا الناصر المنصور والملك الذي.... تراه طوال الدهر لا يتضعضع
سنملأ دنيانا من العدل بعدما.... مضت حقب بالظلم والجور تنزع

وكان مما وليه صعدة والظاهر، وحارب الصليحي في بلاد مذحج، وقتل من خولان بمجز من أعلى صعيد صعدة مقتلة عظيمة.
وله حروب على أثافت من قبل الصليحي وهي سجال له وعليه، ولم يزل شجىً في حلوقهم، حتى قتله الصليحي في نيف وأربعين بنجد الجاح، وقبره بردمان من بلاد عنس، وله عقب، والضمير في قوله: سفكت.. راجع إلى الدنيا، لأنه في معرض ذكرها من أول المنظومة، يعني أنها معاندة لأهل البيت -عليهم السلام- وزويت عنهم، وقد أحسن السيد الرضي حيث يقول:
عتبت على الدنيا فقلت: إلى متى.... أكابد فقراً همه ليس ينجلي
أكل شريف من علي جدوده.... حرام عليه الرزق غير محلل
فقالت: نعم، يا ابن الحسين رميتكم.... بسهم عناد منذ طلقني علي

[أخبار المحسن بن الحسن]
ثم المحسن ذا الإحسان قد فتكت.... به بأيدي ذوي البغضاء والأشرِ
المحسن هذا قد تقدم ذكر طرف من خبره، ونزيد هاهنا طرفاً ذكره في (الحدائق) فقال: إنه -عليه السلام- لما وصلت دعوة الإمام أبي طالب الأخير -عليه السلام- قام بها أحسن قيام، ونفذت أوامره في صعدة ونجران، والجوفين، والظاهر، و [في] مصانع حمير.
وفي مشجر الأمير الحسين بن بدر الدين، أن المحسن هذا ملك حصن ثلا وغيره من الحصون، وهو الذي قتل الزواحي قاتل الإمام حمزة بن أبي هاشم جد المنصور بالله عليه السلام-، ثم قتله أهل صعدة وولده غدراً، فقام بثأره السيد الشريف الواصل من الديلم من جهة الإمام أبي طالب المقدم ذكره في ترجمة أبي طالب، وأخرب صعدة، وأعانه على ذلك شيخ الشيعة في وقته محمد بن عليان بن سعد البحيري وأمدهم الأمير غانم بن يحيى بن حمزة السليماني بمال كثير، وقال محمد بن عليان شعراً [أوله] :
تألبت الأوغاد من أهل صعدة
قال الفقيه حميد -رحمه الله تعالى-: وهي إلى خمسين بيتاً، انتهى كلامه.

ووجدت بخط الأمير الكبير العلامة الحسين بن بدر الدين -رحمه الله- [تعالى] مصنِّف (الشفاء) و(التقرير) ما لفظه: إن قتل المحسن وولده كان بدرب الغز بصعدة، فعند ذلك خرجت ابنته إلى خولان فنكفت القبائل، وعاضدها محمد بن عليان، وأمدهم الأمير غانم المذكور بعشرة آلاف دينار، وكتب إليهم يعتذر أن الخيل لا صبر لها في جهتكم، فعند ذلك [أجمعت القبائل على خراب صعدة وحاصروهم مدة، وضيقوا عليهم] حتى انتهى أمرهم إلى أنهم أمنوهم يحيزون أموالهم ثمانية أيام، وقالوا لهم: نحن نرعى لكم حرمة الهادي -عليه السلام- وأما خراب صعدة فلا بد منه، واشترط ابن عليان أن يلعب بفرسه في درب الغز لما كان قتل[حي] الأمير المحسن فيه.
فلما حيزوا هذه الأيام بقي من أموالهم شيء لم يحيزوه فنهبته القبائل، وأخربوا صعدة، وبالغوا في خراب درب الغز حتى لعب فيه محمد بن عليان، وحرف فيه جواده، وقد كان وعد القبائل بشيء من المال؛ لأنه قد كان أفنى المال الذي أمده به الأمير غانم إلا الشيء القليل، جعل عشرة كيزان مملؤة شقوفاً على هيئة الدنانير، وجعل في رأس كل كوز شيئاً من الدنانير التي بقيت عنده، وعدلها لهم عند من ارتضاه من شيوخ تلك القبائل.
فلما قضى وطره من خراب صعدة وقتل من قتل منهم، خشي النشبة مع القبائل فيما كان قد وعدهم [به] فعند ذلك هرب في الليل، واختلف في أمره، فقيل: إنه هرب على جواد يطرده حتى وصل الغفرة.
وقيل: بل خرج في هودج على هيئة امرأة، والله أعلم أي ذلك كان.

وذكر الأمير الحسين أن قائل القصيدة محمد بن أحمد الطيش، قالها على لسان محمد بن عليان، وهي هذه:
تألبت الأوغاد من أهل صعدة.... لتهدم دين لله في كل وجهةِ
فحلَّ بها أمر من الله واقع.... بما أسلفت من أمرها واستحلتِ
أتاها من المنصور داعٍ فصدقت.... به ثم عنه بعد ذلك صدتِ
فلما رأى منها المحسن ما رأى.... من الفسق ناداها بصوت فصمتِ
فدَّوخ نجراناً ودمَّر صعدة.... وأضمرت البغضاء له وأسرتِ
وأعلنت الطغيان في الشرب والخنا.... وذلك لما أن عن الرشد ضلتِ
وأرسل نحوي بعد ذاك كتابه.... يعاتبني فيه ويطلب نصرتي
فثرت إليه قاصداً نحو صعدة.... وعقدت بالعزم اعتقادي ونيتي
وسار بسيري عصبة أهل عفة.... وبيعتهم في الدين أعظم بيعة
[ومنها: ]
فلما وصلنا قاصدين محسناً.... وجملة إخواني جميعاً بحضرتي
وناظرته في حضرة الكل منهم.... بكل احتجاج حجة بعد حجتِ
فلما استقام الحق واتضح الهدى.... وبانت لداعي الحق سبل المحجةِ
ولم يبق لي عند المحسن حجة.... مددت يدي طوعاً لتسليم بيعتي
فسلمت من بعد احتجاج مكرر.... لداعي إمامي بعد تسليم إخوتي
وأشعرت نفسي الصبر في كل حالة.... وصار رداء الصبر في الخطب حلتي
وأُبنا جميعاً قافلين لبيعة الإمـ.... ـام الذي نرجو له خير دولتِ
إلى أن نزلنا في ثلا حيث خيمت.... نجوم الثريا بين أرباب منعةِ
ذؤابة قحطان المصاليت حمير.... بهم نلت في الأيام أرفع رتبةِ
أفديهم من كل سوء لأنهم.... هم الذروة القعساء أشرف ذروةِ
وخضت بهم دين الإله ولم أزل.... أجدد فيه غرفةً بعد غرفةِ
فلما أتى داعي الإمام الذي به.... غدا وهو منسوب إلى خير عترةِ

حميد المساعي السيد العالم الذي.... غدا قائماً في كل فرض وسنةِ
هتفت بإخواني الذين عهدتهم.... على بيعة المنصور صحبي وجيرتي
وقلت لهم سيروا لنصر إمامكم.... فأنتم له في الدهر أعظم نصرتِ
فمالوا إلى الخذلان لما دعوتهم.... فكم زفرة تعتادني بعد زفرةِ
فسرت ولم أكشف غطاء عليهم.... رجاءً ولم أضمر لهم غير رحمةِ
وقمت لدين الله لما أتت له.... براهين من هذا الإمام تجلتِ
فيا لائمي فيما صنعت بصعدة.... دع اللوم واسمع حجة القوم واصمتِ
وسل فرقة الطاغوت عن قتل جارها.... وقتل ابنه سهلاً بماذا استحلتِ
توسمت الأوغاد عزاً ونخوة.... بقتل الذي أفنته ظلماً فزلتِ
فدمَّرها داعي الإمام وجنده الحـ.... ـسين الذي طالت به الدهر همتي
فكنت له طوعاً إذا رام معضلاً.... بذلت له في المعضل الصعب مهجتي
وقمت قيام الليث عند قيامه.... دككت بعزمي صعدة خير دكةِ
بخولان قد دمرت صعدة بعدما.... طغت وعتت تدمير أصحاب ليكةِ
ولولا ابن يحيى غانم الملك ما إذا.... شفيت من الباغين في الدهر علتي
ولكنه قام اغتراماً ونخوة.... وديناً فكانت نخوة خير نخوةِ
غدا ناصراً للدين من كل ظالم.... كفور كنصل باتك الحد مصلتِ
وكان أمير الهاشميين عصمة.... لدين بني الزهراء أعظم عصمتي
فقل لجميع الباطنية هل رأت.... دماً طل للمقتول في أرض صعدةِ
ألم أطف حرباً أضرمتها لحربنا.... بصعدة قوم أهل غدر وإحنةِ
أحاط بها داعي الإمام وجنده.... مجيبون للمنصور أفضل دعوةِ
وحاق بها طغيانها وضلالها.... ألا إنها صلَّت إلى غير قبلةِ

انتهى المختار من هذه القصيدة، وحذفت شيئاً منها اختصاراً، وهي قدر ثمانين بيتاً، وقد ذكر في (الحدائق) أنها إلى قدر خمسين بيتاً. فافهم.
تنبيه: ومما وجدته بخط الأمير الحسين بن محمد المقدم ذكره أن ابن عليان لما كثرت عنايته في نصر أهل بيت رسول الله ً نحو ما تقدم، ونحو عنايته في اجتماع الشرف على أنهم ضربوا ملقى إلى مدر من بلاد حاشد في شهر صفر من سنة خمس وأربعين وخمسمائة سنة، فالتقوا، وحضر من ذرية علي –عليه السلام- بشر كثير يزيد على ألف، [و] من كبار الشيعة وعلمائهم، ونظروا فيمن يصلح فيهم للقيام والجهاد ونفي المنكر والفساد، فما وجدوا لذلك مستحقاً، فعزم رأيهم على التقدم إلى الإمام أحمد بن سليمان -عليه السلام-، ورأوا أنه لا يستحق القيام من ذرية علي -عليه السلام- غيره.
قلت: هكذا ذكره الأمير علي بن الحسين، وهذا يدل على أنهم ما قالوا بالإمام أحمد بن سليمان إلا بعد هذه المدة، وهي تأتي قريباً من ثلاث عشرة سنة من دعوته- عليه السلام-.

قال الأمير الحسين: وكان أكثر من حرضهم على ذلك: الشيخ محمد بن عليان المذكور فنهض منهم ثلاثمائة رجل، فبايعوه -عليه السلام- على ما هو مذكور في سيرته، فلما علم السلطان حاتم بن أحمد وسليمان بن الحسن الشهابي بجد ابن عليان واجتهاده في ذلك اجتهدوا في قتله، وأمروا رجلاً من يام، فقتله في سوق سهمان، فاغتَّم الإمام أحمد بن سليمان لذلك غماً شديداً، وحارب حاتم بن أحمد في ثار الشيخ محمد بن عليان المذكور حروباً كثيرة، مذكورة في سيرته -عليه السلام- إلى أن أخذ بثأره يوم القليس، وهو يوم الشرزة وحديثه مشهور.
قلت: و[قد] رأيت في (تأريخ مسلم اللحجي) كلاماً يوهم الطعن على ابن عليان المذكور، وأنه كان يشتهي الشهرة، وتهييج الحروب، ويطلب الرئاسة، وذكر بيتين قال: إنهما وجدا مكتوبين في بعض جدران مسجد بنجران، وقد نزل هناك الشيخ محمد المذكور، وهما:
قل لابن عليان دع عنك النواميسا.... فإن ذلك أمر صار مدروسا
إن كان إبليس أغوى الناس كلهم.... فأنت أنت الذي أغويت إبليسا
فهذه كما ترى توهم الطعن على هذا الرجل، لكن لعل ذلك من أعدائه الباطنية أو المطرفية، لأنهم يعتقدون أن أباه كان من رؤوس أصحاب مطرف بن شهاب، وأما هذا فاختار مذهب الزيدية المخترعة، ولعمري لقد أرادوا
[أن] يذموا فمدحوا، وأن يفضحوا فافتضحوا.
وما على التبر عارٌ.... في النار حين يُقلَّبُ

[الإمام علي بن زيد بن إبراهيم المليح]
وفي ابن زيد لأهل الفكر معتبر.... لما تسنم رأس الطود من شعر
[و] هو: علي بن زيد بن إبراهيم المليح بن الإمام المنتصر بالله محمد بن الإمام المختار لدين الله القاسم بن الناصر أحمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين -عليه السلام-، قام محتسباً وجمع جموعاً، وخرج بها إلى نواحي صنعاء، وكان قيام علي بن زيد من درب يرسم من أعمال صعدة، فلما بلغ الإمام أحمد بن سليمان ذلك وهو بالجوف قبل دعوته سار إليه بمن أمكنه ناصراً له، وقد كان أنشأ قصيدة وهو نشيد منها:
أما إنه لولا الرجاء لدعوة.... مباركة تهدي لدين الفواطم
فلما أنشدت بين يديه في عيد رمضان أنشدها رجل، يقال له: يحيى بن مفضل من أهل عمران، ثم تقدم بها معه إلى صعدة، فأنشدها الشرفاء الأجلاء بني الهادي، وكان فيهم هذا الشريف علي بن زيد فحثه ذلك على القيام والدعاء إلى نفسه، وكان قليل العلم، حتى قيل: إنه لم يكن يحفظ إلا ثلث القرآن أو ربعه، فسار إليه [الإمام] كما تقدم وعاونه هو، وصنوه يحيى بن سليمان، وصنوه الثاني عبد الله بن سليمان وغيرهما، ولقوه بالحقل حقل صعدة في خيل ورجال وافرة، فقام معه الإمام ومن تقدم ذكره، وعاضدوه واجتمع إليهم القبائل من همدان، وخولان، وكهلان، وسائر قحطان، وكان منه أن تقدم إلى شظب، وقد كان أشار عليه الإمام أحمد بتقديم صنعاء أولاً فأبى فجرى عليه من القتل هناك ما جرى، وأسلمه القبائل في جمادى الآخرة من سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وللإمام أحمد بن سليمان -عليه السلام- فيه وفي أصحابه ترثية مليحة، وهي:

حسبي الله في جميع الأمور.... وهو نعم المولى ونعم الوكيل
أيُّ عيشٍ يصفو لصاحب لبٍّ.... وهو في الحبس مبتلى مغلول
مستضر معذَّب آخر الدهـ.... ـر حزين عن فعله مسئول
ليس يدري أموثق في المعاصي.... أم إلى جنة النعيم يؤول
إنَّ دنياك ليس يصفو لها عيـ.... ـش ولا يُهتدَى لها تأويل
فاسل عنها وخذ لنفسك زاداً.... ترتضيه فقد أحمَّ الرحيل
واطلب العلم فهو أفضل زادٍ.... إن شرَّ الرجال عيٌّ جهول
والتمسه وابدأ بمعرفة الله.... تعالى فقد تراه العقول
وبفقه الأصول دينك من بعـ.... ـد ففيه المسموع والمعقول
آه!! من زلة وتشتيت جمع.... ومصاب وذاك خطب جليل
في علي بن زيد الفارس القـ.... ـرم دهانا الزمان وهو عجول
الكريم النبراس في ساعة السـ.... ـلم وفي الحرب الصارم المسلول
وادكاري منبة ابن سليـ.... ـمان اليزيدي حرقة لا تزول
الذي عاش في الزمان حميداً.... وتولى والقول فيه جميل
ويعيش أصابنا الدهر فيه.... والزمان الكؤد دأباً يغول
لو أقال الزمان ميتاً فدينا.... هم جميعاً لكنه ما يقيل
لو تكن تلك نيتي يعلم الـ.... ـَّله وإني عنها بعيد رحول
ما دعوت الإخوان إلا لأمرٍ.... غيره وهو مرتجى مأمول
إن صرف الزمان يلعب بالنـ.... ـاس فميِّتٌ من القضا وقتيل
قد دهى الناس الكل من أول الدهـ.... ـر فمات الرسول ثم البتول
فعليتم يا آل يحيى ويا آ.... ل زيدٍ مهما تغنى الهديل

وذكر -عليه السلام- [منبهاً و]يعيش؛ لأنه الذي وصل بهما وبجماعة من أصحابهما قتلوا ذلك اليوم، فأشار إلى ذلك، ثم قال الإمام-عليه السلام- قصيدة أخرى بعد رجوعه إلى الجوف يذكر فيها علي بن زيد، وأصحابه، وذكر فيها علي بن زيد وأموره، وما ابتدأه من المشورة في ذلك، وهي:
من ضيَّع الحزم لم يرشد ولم يصب.... واغتاله الدهر بالخذلان والنصبِ
ولو أرته الليالي منظراً حسناً.... فسوف توقعه من بعد في العطبِ
دعا ابن زيد فلبيَّنا لدعوته.... وغيره قد دعا جهراً فلم يجبِ
وجاءه الناس من شام ومن يمن.... على الضوامر في ركضٍ وفي خببِ
حتى إذا صار من نجد إلى حرض.... ملك الأمير ومن حقر إلى حلبِ
وصار في موضع عال أرومته.... فوق السماك وفوق السبعة الشهبِ
كاتبته غير وانٍ من شوابة لا.... تبرح بثافت في عز بلا تعبِ
ونحن نكفيك ما يعنيك في بلد.... أكان مقترباً أم غير مقتربِ
فقال هذا صواب الرأي نفعله.... ومن بدأ بصواب الرأي لم يخبِ
ثم انثنى عنه نسياناً فأرسل لي.... وللقبائل من قحطان والعصبِ
فجاءه الناس مثل الغيث منسكباً.... وجئته مسرعاً في عسكر لجبِ
راودته في يشيع حين أعجبني.... جيش أجش كمثل العارض السكبِ
فقلت آثر به صنعاء ودع شظباً.... حتى تعود فليس الرأس كالذنبِ
فلم يجبني إليه لا لمحقرةٍ.... ولم تجد أبداً شيئاً بلا سببِ
فسالت الناس مثل السيل منحدراً.... حتى حططنا برأس الطود من شظب

لما حططنا به صرنا بأجمعنا.... كمثل رَحل بلا شد ولا قتبِ
وباعنا بيعة الخسران مغتنماً.... بالتافه النزر أهل الغدر والريبِ
وما احتيال أسود الغاب إن سجنت.... أو الأفاعي إذ صيرن في الجرُبِ

فحينما صيرونا وسط مفتأدٍ.... هناك جاءوا لنا بالنار والحطبِ
لما تولوا وفروا عن إمامهم.... كان الفرار لنا أعدى من الحربِ
أما بكيل ذوو العليا وشيعتنا.... والغر من مذحج كشَّافة الكربِ
فإنهم شاركونا في الأمور معاً.... وما عليهم لنا بالله من عتبِ
فالله ينصرهم نصراً ويرزقهم.... خيراً ويؤتيهم صبراً على النوبِ
فقل لمن سرَّه هذا المصاب لقد.... أفادك الدهر ما تهوى بلا طلبِ
يا ضاحكاً من مصاب[نالنا] فلقد.... أشجى وأبكى جميع العجم والعربِ
عجبت من قتل قَيْلٍ من بني حسن.... وليس قتل بني الزهراء من العجبِ
لا تحسبن أنَّ هذا الأمر يخملنا.... ولا يزحزحنا عن أرفع الرتبِ
حزنا المفاخر والعلياء عن سلف.... والحلم والعلم إرثاً عن أب فأبِ
ما مات منَّا كريمٌ صابرٌ يقظٌ.... إلا وقام شريف الأصل والحسبِ
به الشهادة إحدى الحسنيين لنا.... والموت في مثلها أحلى من الضربِ
سنقتفي إثر آباءٍ لنا سلفوا.... إلى الهدى من إمامٍ سالفٍ ونبي
وسوف يرضوننا من بعدهم بدلاً.... بالله إن شاء رب العرش والحجبِ

[أخبار الإمام أحمد بن سليمان -عليه السلام-]
وأحمد بن سليمان فما رضيت.... بعلاً به وهو مرضي لدى البشرِ
دعا وكان إماماً سيداً علماً.... براً تقياً ومن كل العيوب بري
وصبحت خيله صنعاء معلمة.... لما غدا النكر فيها غير مستترِ
وحاصرت حاتماً فيها عساكره.... فانقاد للحق بعد الضعف والخورِ
واجتاحه عند شيعان بملحمة.... ألف مضوا بين مأسور ومجتزرِ
اعلم أني في الأغلب أتبع السيد صارم الدين فإن كثَّر الأبيات في ذكر أحد ممن احتوته منظومته فربما أُكثر الشرح، وإن قلل فكذلك، والمراد هنا هو: الإمام أحمد بن سليمان بن محمد بن المطهر بن علي بن الناصر بن الهادي إلى الحق-عليه السلام-، آباؤه من الصفوة الأكارم والخيرة من العرب والأعاجم، مناقبهم كثيرة شهيرة، وفضائلهم ظاهرة منيرة، فهم أحق بقول القائل:
قوم إذا املولح الرجال على.... أفواه من ذاق طعمهم عذبوا
وأمه- عليه السلام- الشريفة الفاضلة مليكة بنت عبد الله بن القاسم بن أحمد بن أبي البركات، واسمه : إسماعيل بن أحمد بن القاسم بن إبراهيم، وكان أبوه سليمان يصلح للإمامة، رأى في المنام في حال حمل زوجته بولده أحمد قائلاً يقول:
بشراك يا بن الطهر من هاشم.... بماجد دولته تحمد
بأحمد المنصور من هاشم.... بورك فيمن اسمه أحمد
وأما جده المطهر بن علي بن الناصر فإنه كان عالماً مصنِّفاً، له التصانيف على مذهب الهادي، وخرَّج على مذهب الهادي شيئاً كثيراً، من جملتها: أن الترتيب بين اليدين والرجلين [في الوضوء] لا يجب، وكان شاعراً فصيحاً، فمن قوله:
لحاني في الهوى لاح نصوح.... فغالب مقودي رأس جموحُ

ومنها :
فسح في الأرض واطَّلب المعالي.... فكم من سيِّدٍ فيها يسيحُ
ولولا أنَّ في من ساح خيراً.... يفوز به لما ساح المسيحُ
توفي علي في ذي جبلة سنة خمس عشرة وأربعمائة كان الإمام أحمد-عليه السلام- قد نشأ على طريقة آبائه الكرام، درس في الأصولين على الفقيه العالم فخر الدين زيد بن الحسن الخراساني البيهقي الوارد إلى اليمن، باستدعاء السيد الإمام علي بن عيسى بن حمزة بن وهَّاس الحسني السليماني وإن هذا الفقيه وصل لما بلغه مذاهب المطرفية وأنهم يعتزون إلى غير أهل البيت فلحقته مشاق شديدة، ونهب أكثر كتبه بين مكة والمدينة، ودرس الإمام أحمد أيضاً على السيد الفاضل، الحسن بن محمد من أولاد المرتضى بن الهادي، كان يستملي من كتاب ينسخه ستة أسطر مرة واحدة، [و] على الفقيه عبد الله بن زيد العنسي اليماني الواصل من جهة الجيل والديلم بعلوم أهل البيت -عليهم السلام- سنة إحدى وخمسمائة سنة، وعلى الشيخ العالم إسحاق بن أحمد بن عبد الباعث الآتي ذكره، وكان إسحاق هذا في نهاية العلم، مصنِّفاً كبيراً، لقي الحاكم أبا سعيد رحمه الله سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وللإمام أحمد كتب كثيرة أكثرها في الردِّ على المطرفية، ومن كتبه البليغة (أصول الأحكام) فإنه متضمن لثلاثة آلاف حديث ويزيد على ذلك قدر ثلاثمائة وكسر.

وكان -عليه السلام- حلو المراجعة، من محاسن كلامه مخاطبة دارت بينه وبين السلطان حاتم بن أحمد؛ لأن حاتماً طلب الدخول في طاعته، وسأذكرها عند شرحي لقول السيد صارم الدين: وكم أجاب على غاوٍ… البيت، وعلم الإمام أشهر من أن يذكر في هذا المختصر، وأما كراماته عليه السلام وفضله فأشهر من نار على علم، فمن ذلك أنه أصبح ذات يوم يريد الوضوء عقيب مطر في الناحية التي هو فيها فلم يجد ماءً يرتضي لعدم المناهل، ولا وجد تراباً فبقى في حيرة، فبينا هو كذلك إذ التفت على يمينه فوجد تراباً مسكوباً ليس من جنس تراب تلك الناحية فتيمم هو وأصحابه من ذلك التراب، وبنى أهل تلك الناحية على موضعه مسجداً، ومنها أنه أتاه رجل أعمى، يقال له: جابر البصير فسلم وجلس بين يديه، وهو يريد أن يستوهب منه جربة وصيه في بلده فظن الإمام أنه أتاه ليمسح على عينيه فدعا له ومسح على عينيه فرَّد الله في عينيه النظر، فنظر الإمام ونظر من حوليه فقال: إني لم آتك لهذا فعادت الظلمة في بصره كما كانت، وأقرَّ بذلك وأخبر به حتى عرفه الموالف والمخالف، وكان هذا البصير من المطرفية فلذلك قلَّ يقينه، فسمرت بقصته السَّمار، ونظمت فيها الأشعار، فمما قيل في ذلك قصيدة القاضي الحميري أولها:
يا ابن بنت النبي كل لسان.... مادح ما يكون مدح لساني
ظهرت فيك معجزات كبار.... لم نخلها تكون في إنسانِ
لم نخبَّر بها سماعاً ولكنَّـ.... ـا رأينا يقينها بالعيانِ
تبرئ الأكمه [العليل] وتشفي.... بشفاء الله أعين العميان
وتسوق الحياءَ إلى حيث ما كنـ.... ـت وتجري الأنهار في الغيطان

غير أن الولي لله لا ينـ.... ـكر حقاً خصائص الرحمن
هبك تشفي القلوب منك بعلم.... فبما ذا تشفي عمى العميان
ومن ذلك أنه لما خرج لحرب صعدة في عسكر عظيم من همدان وخولان لما نكث أهل صعدة عهودهم فقصدهم في ذلك العسكر، وهو قدر عشرين ألفاً من راجل وفارس، فلما علم أهل صعدة بإقباله كبسوا الأبار وطرحوا فيها الجيف، وأشفقت جنود الإمام [-عليه السلام-] من الظمأ، وكان ذلك الوقت في القيظ في شهر حزيران، فهم الإمام أن يأمر بمسنى على بئر الحائط بقرب صعدة فعلم أن ذلك لا يتم ولا يكفي الناس ولا ينفعهم لكثرتهم، وكان الماء معدوماً في الضيعة والقطيع لعدم الدلاء والأرشية، فلما فكر في ذلك وعسر عليه الأمر فزع إلى الله تعالى، وقال: اللهمَّ، سهِّل [لنا] ماءً وسيلاً في حفار صعدة، وهو في ذلك اليوم ببلد الربيعة فتقدم إلى الجَبْجَب، فأتى والناس ملئ البلاد، [و] قد أتعبهم طلب الماء، فبينا هم كذلك إذ أنشأ الله [سبحانه] سحابة على وادي غراز فوقع المطر واستكن الناس في المضارب، وكانت سبعة مضارب مضروبة قبلي سوق الجَبْجَب، واستكنّ قوم منهم في الدروب والحوانيت والسوق، وبقي آخر الناس ما له مكان، والمطر عليهم خفيف، لم يظن أحد أنه ينزل منه سيل، فبينا هم كذلك إذ أتاه البشير يعلمه بوصول سيل عظيم حتى أحاط بنواحي صعدة، وبإزائها حفر عظيمة يجاوز بعضها حد البركة الواسعة، فامتلأت ماء قراحاً، وما وقع مطر في تلك المدة في أي البلاد، وكان في ذلك الماء من البرد الشديد واللذة [العظيمة] ما لم يكن في ماء قبله ولا بعده كأنه الثلج من برده، فتقدم بعسكره

المنصور فأخذ صعدة عنوة وأخربها، وتغنمت الجنود منها أموالاً جليلة وقد ذكر في ذلك شعراً له.
وكانت دعوته عليه السلام: في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وانتظم أمره أولاً في صعدة، وأعمالها، ونجران، ثم الجوف، والظاهر، وانتشر حسن سيرته في أقطار اليمن، وعمد موضعاً يقال له: المقيليد في الجوف من مآثر الجاهلية؛ فأثار العمارة فيه في سنة خمس وأربعين، وكذلك فهو الذي عمر حصن تُلُمُّص؛ لأن في الرواية أنه لما شفى غرضه من حرب صعدة، وقمع المعاندين، وأخرب دورهم، وهم بالنقلة إلى الجوف بزوجته وأولاده، وكره الإقامة بالجَبْجَب لأمور، منها: أنه لما صار فيه السوق، وكان يجمع أخلاط الناس، وغوغأهم من أهل صعدة وغيرها، فسمعهم يقولون ما لا يحب سماعه من أذاهم، وارتفاع أصواتهم، فلم يحب المجاورة لهم؛ فسير أهله إلى مسلت ووقف بعدهم أياماً، فبلغه أن أهل صعدة، وبني مالك والربيعة مستبشرون بانتقاله، ومتوعدون للإشراف، ويرسم بالقليعة بعده، ونقم الثأر منهم، فلحقته الحمية، والرأفة على أقاربه وبني عمه وجيرانه، ونظر فإذا هي لا تمكنه الإقامة بيرسم، ولا بالجَبجَب، فطلع تُلُمُّص، ورتَّب فيه البناء، وتُلُمُّص هذا: حصن عظيم جاهلي، قديم، طود شامخ، منفرد وحده من الجبال، مطل على مخلاف صعدة، حاكم عليه، مبني على جنبه مدينة عظيمة تسمى صعدة القديمة، وكان اسمها في الجاهلية جماع، ومن يمانيها وادي غراز وادي جليل القدر، كثير الفروع والمساقي التي تهريق إليه، وتُلُمُّص هذا كان ممن يسكنه في الجاهلية نَوَّال بن عتيك نازع الأكتاف، والٍ لسيف بن ذي يزن الحميري، وكان

يضرب به المثل.
قال الشاعر:
أصبحت توعدني بأمر معضل.... حتى كأنك نازع الأكتاف
عند ابن ذي يزن برأس تُلُمُّص.... بين الأرائك مسبل الأسجاف
وقال فيه الشاعر:
تلمَّص القباب في تُلمُصَّ
كالبيض من تحت الجلاء المخلص
فيه نوال مثل ثعبان النصي
شر نوال زائد لم ينقص
ودونه الخدام غير نكَّص
فحل لديه كل فحل كالخصي
يخلع أكتاف الرجال إن عصي
يقصون بالأسياف من دون العصي
كم من قتيل لنوال مقعص
وكم قنيص قبلها لم يُقْنَص
يرى بعين من خلال الخصص
فهو كمثل طائر في قفص
ومن جريح بدم مُغَمَّصِ
أصبح تحت المجلس المُجصَصِ
وينثني ببينه والغصصِ
يرجو خلاصه فلم يُخلِّصِ

قال: فطلعه الإمام -عليه السلام-، وأنشأ العمارة فيه والبناء، وأحكم دوائره، وطرقه ومناهله، وقصر دار الإمارة في قبليه، وبنى فيه بالجص والآجر، وأما قول السيد صارم الدين: وصبحت خيله صنعاء معلمة… البيتين، فذلك إشارة إلى ما ذكره مصنف سيرته -عليه السلام-، حيث قال: إن جماعة من رؤساء اليمن وصلوا إليه- عليه السلام- إلى بيت بوس، فلقيهم إلى السهل، فما زالوا يسلمون عليه زمراً زمراً، وفداً بعد وفد حتى اجترحت كفه، وسال منها الدم من كثرتهم، وكثرة سلامهم، [فلما فرغوا] أموُّا من ساعتهم صنعاء، وقد اجتمعت [فيها] همدان مع حاتم بن أحمد، فوقع فيها قتال شديد على جوانبها، وكان مسجد الجامع ملزوماً، ثم إن أهل السرار من أهل صنعاء دخلوا المسجد ولزموه، وأبدوا الخلاف مع الإمام، وأثاروا الفتنة على همدان، فدخلت خيل ورجل من أصحاب الإمام على همدان المدينة حتى صاروا في الميدان، وأغلق بعدهم باب غمدان، وحيل بينهم وبين من بقي من أصحابهم خارجاً، فقاتلوا قتالاً شديداً، وأبلوا بلاءً حسناً، فأنكوا في همدان، وأخذوا القطيع، وقربوا من درب صنعاء، وكان الإمام –عليه السلام- عقد لكبار الناس ورؤوسائهم رايات، وكان ممن أعطاه رجلاً من أهل صنعاء، وكان محباً لحاتم، فقرب برايته فأعطاها رجلاً في الدرب من همدان، فأخذوها ونصبوها معهم في رأس الدرب، وصاحوا بالطاعة والجوار، فكفَّ الناس عنهم بعدما نال الفريقين العناء العظيم، والإمام -عليه السلام- إذ ذاك ببيت بوس فلما بلغ الإمام ما فعله ذلك من إعطائهم الرايةلم يمكنه إلا الرضا بما فعل، ثم إن حاتم بن أحمد طلب

الجوار والصحابة من الإمام، فأصحبه بعض الأشراف الكبار، وجماعة من مشائخ مذحج وخرجوا به من صنعاء إلى الإمام، فلما وصلوا به إلى بيت بوس، ومعه من وجوه همدان، فعند أن قابل حاتم الإمام، أنشد متمثلاً بقول كعب بن زهير :
أنبئت أن رسول الله أوعدني.... والعفو عند رسول الله مأمول
ثم قرب من الإمام -عليه السلام- فسلم عليه هو ووجوه أصحابه، وسأله الأمان والعفو، فعفى عنه، وحلفه هو وأصحابه وبايعهم، وأمسوا تلك الليلة ببيت بوس وساروا من الغد إلى صنعاء، فدخلها على أحسن حال، وأنعم بال، قد مكَّنه الله من الظالمين، وبَّوأه منازل الفاسقين، وفتح له فتحاً مبيناً، ونصره نصراً عزيزاً، وأظهر العدل في الناس، فأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وولىَّ القاضي جعفر بن أحمد على القضاء والصلاة بالناس، وولَّى السوق قوماً آخرين، واستقرت له [الأمور] وخضعت له الرقاب، وأقبل الناس من كل جهة يتوددون ويهنئون ويسلمون ويطيعون، وقامت الشعراء بين يديه بالأشعار، وكان من أحسن ما قيل فيه أبيات لسليمان بن فضل يقول فيها:
يوم صنعاء كيوم مكة بل.... أعظم من يوم مكة أضعافاً
فُتحت بالحسام في طرفة العـ.... ـين كما يخطف الحسام اختطافا
وقعة أفزعت يعوق ونسرا.... ويغوث وأتبعتها أسافا

والأشعار في ذلك كثيرة، حذفتها اختصاراً، وأما قول السيد: واجتاحه يوم شيعان البيت، فإشارة إلى ما ذكره مصنف سيرته -عليه السلام- المذكورة في ذكر يوم الشرزة وهي وقعة مشهورة، فقال: إن الإمام -عليه السلام- نهض من اليمن بقبائل مذحج من جنب، وعبس وزبيد، فاجتمع معه منهم بشر كثير، [وخيل كثيرة] زهاء من ألف وثمانمائة فارس، وذلك في شهر شعبان من سنة اثنتين وخمسين، فحطَّ بهم في جهران، ونهض حاتم بن أحمد من صنعاء بمن معه من همدان، وغيرهم فحطَّ في نجاد الرفاص، وصار العسكران ينظر بعضهم بعضاً، فأقام الإمام -عليه السلام- في محطته أربعة أيام، وعسر على عسكره طلوع النقيل، وقد لزم عليه رأسه، فتقدم الإمام بهم طريق نغيل وكان في ذلك دلالة على صحة ما روي عن أمير المؤمنين –عليه السلام- في ذكر المنصور فقال: اضطرابه في أمره، وشدته في قهره ما بين النقيل إلى نغيل.

قالوا : فسار بالعسكر إلى أن حطَّ بهم بموضع، يقال له: نجد الشرزة، ونجد شيعان وجوب فحطَّ هنالك، ونجد الشرزة هذا: موضع في وادي ضيق بين قرون وحصون، فقال له الناس: ليس هذا موضع محط، فقال لهم: حطوا فيه، فإن الله سبحانه سينصركم، ويظفّركم على عدوكم فحطوا هنالك، وكانت خيل الإمام كثيرة، ورجله قليل، وكانت خيل حاتم بن أحمد تسعمائة فارس معدة كلها، ورجله عشرة آلاف فيهم ثلاثة آلاف قايس وألف فارس: فبينا الإمام وأصحابه غفول، ومعهم منشد ينشدهم، إذ بدى عليهم من أسفل الوادي أول القوم فلم يفزعوا منهم، وظنوهم الأنباء وهم صديق، فلما قرب القوم أيقنوا أنهم من الأعداء فلم يمكنهم لبس السلاح والشد على خيلهم فوقع الطعن بين العسكرين، فابتدروا كالأسود الضارية إلى جهة القوم بذلك الوادي، وكان أول النهار للقوم، فعند ذلك رفع الإمام يديه إلى السماء، وقال:" اللهمَّ، [إنه] لم يبق إلا نصرك، وقال في نفسه: إن ظفر القوم بنا ظهر مذهب الباطنية وهلك الإسلام والمسلمون، فعند ذلك أرسل الله ريحاً عاصفاً من المشرق، فقابلت وجوه القوم، فاستبشر الإمام بالنصر من الله، وقال لأصحابه: احملوا، ثم حمل من نهجه، فانهزم القوم، وأعطى الله النصر عليهم، ومنح القوم أكتافهم، ولم يزد أحد يتبعهم، فانجلت المعركة عن خمسمائة قتيل، وخمسمائة أسير، أوقريب من ذلك، ولم تزل الهزيمة فيهم إلى صنعاء، ثم انهزموا من صنعاء، فتعلقوا بالحصون، ثم أمر الإمام -عليه السلام- بهدم درب غمدان، وهو درب منيع قد كان عني حاتم بتحصينه وبنائه، وقد كان رتَّبه له رجل من مصر، يقال له: القاضي

الرشيد على ترتيب القاهرة بمصر، وذلك أنه حفر بئراً فيه، وهو جبل حتى لحق الماء، ثم بنى درباً مدوراً، وكبسه بالطين الرطب حتى صار قطعة واحدة قياس وطن الرمح منكوساً، ثم بنى عليه دايراً ورفع في وسطه قصراً مربعاً على أربعة سقوف، وبنى أربع غرف في أعلاه، واستوعب فيه دوراً كثيرة من دور أهل صنعاء خربها وأخذ جصتها وآجرها وخشبها، وبنى ثمّ سوراً محيطاً بالدرب، ثم خندقاً من بعده، وصار قاهراً للمسجد والدرب وصنعاء كلها، ولم يبن في اليمن مثله، وفي هذه الوقعة يقول القاضي محمد بن عبد الله الحميري في عيد الفطر، وقد عيد الإمام -عليه السلام-بهجرة سناع:
تُهنَّا بك الأعياد إذ أنت عيدها.... وإذ أنت منها بدرها وسعودها
فخمس مئين حزَّ منها وريدها.... وخمس مئين أثقلتها قيودها
وطاروا إلى روس الجبال شلائلاً.... من الخوف فيها خافقات كبودها
[حتى قال] :
وسرباً لغمدان المنيف فأصبحت.... ذوائبه في الترب ثاوٍ مشيدها
وأضحى ابن عمران المتوج حاتم.... يقول: ألا عفواً فلست أعودها
وآبت بنفس لا يزال نفيسها.... إلى كل مجد ليس يُحصَى عديدها
إذا طلبت همدان منك إقالة.... وسنحان يوماً واستقام أويدها
فعد لهم بالصفح منك وبالرضى.... فلن يبلغ الغايات إلا معيدها
وحاشاك أن تنسى السوابق منهم.... وما فعلته في القديم جدودها
إلى آخرها.
[قال السيد صارم الدين] :
وفي زبيد له فتك بفاتكها.... وما فداه الذي أعطى من الشبرِ

هذا المقام من أعظم مقامات الإمام -عليه السلام-، وله فيه من الآيات العظام والمناقب الجسام ما يتجدد، ولا يبيد على مرور الدهور والأعوام، فلقد قام فيه لله بشدة عزم وأيد، ولا مقام عمرو بن عبيد ولا غره بذل المال من عمرو وزيد، تفادياً لرفع الحد عن ذلك العبيد، وذلك أن في الرواية على وجه الاختصار أن الإمام -عليه السلام- قصد زبيد في سنة ثلاث وخمسين، ولما وصلها أقام بها ثمانية أيام، وكان أميرها يومئذٍ فاتك بن محمد بن جياش أصله حبشي على ما هو مذكور في التواريخ.
قال الراوي: وكان فاسقاً خبيثاً، يغلب عليه الفساد في نفسه، حتى روي أنه كان له بريمان في بطنه كالمرأة، فعنى الإمام في قتله بعد أن بذل له مالاً كثيراً في سلامته، فأقسم بالله لو أعطي ملك زبيد لا فداه، فقتله حداً؛ لقوله ً: ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوه ))، فراوده أصحابه عن أخذ المال وقالوا: إنه لبيت المال، فقال: قد نزهت نفسي عن الطمع عند أهل زبيد وقلت لهم: إني لا أسألكم شيئاً، وتلوت عليهم قوله تعالي:{قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ } [فاطر:47] إلى آخر الآيه، وكان القواد يعطون العساكر نفقاتهم.
قال : وأما أنا فلا أقبض شيئاً، وكان معه ومع أصحابه زاد، فلما فرغ كان يأمر من يشتري له الطعام، ويأمر من يطحنه، وكانت حاشيته مقدار ستين رجلاً، وولَّى على زبيد والياً من جهته، وعاد سالماً منصوراً.

تنبيه: اعلم أن استقصاء أخبار الإمام هنا يخرجنا عن الاختصار إلى حد الإكثار، فلتقع الإشارة إلى ذكر ما وليه من البلاد، وما يتعلق بذلك، وذكر مدته، وما انتهى إليه أمره، وذكر وفاته، وموضع قبره، وكم له من الولد، وبالله نستعين.
فأما ما وليه من البلاد فقد تقدم أنه انتظم أمره أولاً بصعدة ونجران، ثم عرض عليه الخلاف من أهل صعدة كما تقدم.
قالوا : وولي بلاد وادعة وسنحان، وشريف، وولي بلاد خولان، والجوف، والظاهر، وصنعاء وأعمالها، وبلاد مذحج ونواحيها، وخطب له بينبع، وخيبر، ونفذت ولايته إلى الجيل والديلم، وكانت مدة ولايته ثلاثاً وثلاثين سنة، وأصابه العمى في آخر عمره، فأسره فليتة بن قاسم القاسمي، فغضبت رجال همدان عاصيها ومطيعها حتى قرامطتها وأنفوا أشد الأنفة، فنزلوا على فليتة مستشفعين في أمره بشعر، يقول قائلهم:
نحن بني هاشم لكم خدم.... بحبكم نلتوي ونلتزم
أنتم لنا كعبة نلوذ بها.... وسو حكم من جهاتنا حرم
فلا ترد الوجوه عابسة.... عنك وقد قابلتك تبتسم

فنزل إليهم فليتة، فأقسموا لا برح حتى يرسل الإمام [عليهم] عليه السلام فأرسله عن كره منه، وتوفي الإمام -عليه السلام- في شهر ربيع سنة ست وستين وخمسمائة بحيدان من أرض خولان، وقبره هناك مشهور مزور، ومولده سنة خمسمائة وله من الأولاد: مطهر الأكبر، كان من أعيان العترة الأكرمين، وعباد الله الصالحين، وكان من أكبر أعوان أبيه، وملك ناحية في الجهة اليمانية، وقصته في ذلك مشهورة [مذكورة في سيرة أبيه]، ورثي بمراثي كثيرة جيدة في سيرة أبيه، ثم مطهر الأصغر، ويحيى، وسيأتي ذكره، ومحمد، وسليمان، وفليتة، وقاسم، ومحسن، وابنتان.
واعلم أيضاً أنه كما قد عورض غيره من الأئمة، فقد يفهم من سياق ما جرى عليه من لزم فليتة أنه لم يكن ذلك إلا لاعتقاد فليته أنه أهل للإمامة كما وجدت ذلك في جواب من الإمام- عليه السلام- على فليتة المذكور بخط الأمير الحسن بن محمد، مضمونه: إنك يا فليتة.
إن ادعيت الإمامة، فقد نقضت أصلك، وأصول أصحابك الحسينية لاعتقادك أنت وهم في الحسين بن القاسم أنه حي [فنقضت] بهذه الدعوة ما أبرموه، وأفسدت ما أحكموه، إلى آخر الجواب، وكذلك في سيرة الإمام أحمد بن سليمان -عليه السلام-، ما لفظه: إن أهل الحقل يعني بذلك صعدة وأعمالها، قوموا الشريف عبد الله بن محمد البهول وأمروه بالمعارضة، فخرج إلى الربيعة بخزيمة و نحر على مقابرهم فأجابوه وأقاموا معه بالخلاف، وللإمام في ذلك شعر مذكور في سيرته أوله:
ماخرد يزرين بالأنوار.... وكواعب ككواكب الأسحار
إلى آخره.

[ذكر القاضي جعفر بن أحمد بن أبي يحيى-رضي الله عنه-]
ولنعد إلى ذكر، من أشار إليه السيد في أثناء ذكر الإمام، ومن نصره من أعيان العلماء، ومن عارضه من غيرهم، فنقول:
وجعفر ثم إسحاق له نصرا.... في عصبة وزر ناهيك من وزرِ
أراد بجعفر القاضي العلامة جعفر بن أحمد بن [أبي] يحيى بن عبد السلام، عالم الزيدية المخترعة وإمامها، وقد كان أبوه عالم الباطنية، وحاكمها، وخطيبها، والذي إليه يصدرون، وعلى رأيه يعتمدون، وأخوه يحيى شاعرهم، ولسانهم قيل: قتله عبد النبي بن مهدي فهدى الله القاضي جعفر فانقطع إلى الزيدية، ورحل إلى العراق.
قال السيد الهادي -رحمه الله تعالى- في (كاشفة الغمة): إن القاضي جعفر كان من أعظم أعضاد الإمام أحمد بن سليمان وأنصاره، قال: وطالما ذكرهما الإمام المنصور بالله -عليه السلام- واحتج بكلامهما، فيقول: قال الإمام والعالم، ذكر الإمام والعالم، أفتى بذلك الإمام والعالم، وقد قيل: على أهل اليمن نعمتان في الإسلام والإرشاد إلى مذهب الأئمة -عليهم السلام-:
-الأولى: للهادي -عليه السلام-.
-والثانية: للقاضي جعفر -رحمه الله تعالى-.
وكان ابتداء وفقته للإمام -عليه السلام- بذمار وقت مخرجه إلى زبيد، فاعتذر إليه من أمور كانت منه مع المطرفية فيما سبق، ولما وصل العراق تبين له أنه على غير شيء، فعذره الإمام -عليه السلام- وجعله في حل، وقال له: هل علمت يا قاضي أحداً ممن لقيته بالعراق يقول شيئاً مما تقوله المطرفية، أو يعتقده أو يعمل به، أو وجدت ذلك في كتاب؟

قال: لا، قال: فإنه يجب عليك ردهم عن جهلهم، وتنكر عليهم بدعهم، فإن النبي يقول: ((إذا ظهرت البدع من بعدي فليظهر العالم علمه، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله)).
-فقال له القاضي: قد عرفت ما تقول، ولكن القوم كثير، وقد صاروا ملئ يمننا هذا فلو أنكرت عليهم لرموني عن قوس واحدة، وأنت يا مولانا تبعد وتقرب وإني أخافهم ولا طاقة لي بهم، فوقع كلام الإمام في أذن القاضي، وهو ممن علم وعمل، فتقدم وأظهر كتبه التي وصل بها من العراق، وتعرض للتدريس والتعليم في سناع، فلما تسامع به الناس وصلوا إليه من بعيد وقريب، فعند ذلك وقع من أهل وقش من الغم ما لا مزيد عليه لوجهين:
أما أحدهما: فغاروا منه، وعلموا أنه يستميل الناس عنهم، ويأخذ ما يعتادونه منهم.
-و[الوجه] الثاني: أنه يبين للناس ما يكتمونه من مساوئهم، وقبح اعتقادهم، فانصرفوا وعملوا الملاقي، وكتبوا إلى جميع أصحابهم وتكلموا على القاضي بما ليس فيه، وهجوه، وقالوا للناس: هو باطني ابن باطني، فقال: هلموا إلى المناظرة فأظهر ما فيكم، وأظهروا ما فيَّ بين يدي حاكم.
-فقالوا: ومن الحاكم؟
-فقال: إمام الزمان، فأبوا ذلك.
-فقال: فهلموا نتنافس عند العامة، وضرب لهم مثلاً‍‍‍‍‍‍‍.

-فقال: مثلي ومثلكم مثل رجال عشرة صحبهم رجل أجنبي، حتى دخلوا منزل رجل فأضافهم ذلك الرجل، وأكرمهم، وتركهم في منزله آمناً لهم، فوجدوا له صندوقاً فيه ألف دينار، فقام العشرة، وكسروا قفل الصندوق، واستخرجوا الألف واقتسموها، فأخذ كل واحد منهم مائة [فصيرها في ثيابه]، وذلك الأجنبي ينظرهم، فلما جاء صاحب البيت وجد الصندوق قد كسر، وقد أُخذ منه المالُ.
-فقال لهم: إنكم أخذتم من الصندوق ألف دينار، وقد أمنتكم.
-فقال العشرة: أمَا ترضانا شهوداً لك؛ بأن هذا الرجل الأجنبي أخذها ونحن ننظر.
-فقال الرجل الأجنبي: أمَّا أنا لم آخذ شيئاً، ولا [أنا] أقول إنهم الآخذون، ولكن فتشنا فما [قد] قام أحد منَّا بعد، ففتشه فلم يجد معه شيئاً، وفتَّشهم فوجد مع كل واحد منهم مائة [دينار] فضرب القاضي لهم هذا المثل، فلم يسمعوه، ولجوا في جهلهم وطغيانهم، ونزل إليهم إلى وقش، وأراهم كتب الأئمة التي معهم في وقش، وقال لهم: نتدبر ما في هذه الكتب لنعرف الذي خالفها منَّا ومنكم.
-فقال. مصنِّف سيرة الإمام أحمد بن سليمان –عليه السلام-: فلم يسمعوا كلام القاضي جعفر وآذوه، وقام في وجهه رجلان باطنيان، يقال لأحدهما: مسلم اللحجي من أهل شظب.

والآخر يقال له: يحيى بن الحسين، يلقب الفقيه، فآذياه وسباه، فعاد إلى سناع ومعه جماعة من الأشراف، منهم الأمير بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى وغيره من أعيان السادة الهدويين، والحمزيين، والعباسيين، ومن أعيان الشيعة عدة، وكان للقاضي في مسجد سناع مدرسة، فعارضه المطرفية في مدرسة أخرى في جانب المسجد، فقام بعض الأشراف فأطفأ سراجهم، فعادوا فأطفأوا مصباح القاضي جعفر، ووقع بينهم كلام، وارتفع القاضي إلى منزله، فرجموا لهج بيته بالليل، وقد كان القاضي -رحمه الله تعالى- ضرب لهم مثلاً آخر.
-فقال: مثلكم ومثلي كمثل قوم عراة في مسجد في ظلمة، وأصواتهم مرتفعة بالقراءة والصلاة، وهم يصلون عراة إلى غير قبلة، فدخل عليهم رجل بمصباح، فوجدهم على أقبح حال عراة، فأجمعوا على الذي دخل بالمصباح يلعنونه ويسبونه.
-فقال: ليس لي جرم غير أني دخلت بالمصباح.
-فقالوا: بلى، إنك أظهرت ما كنَّا نكتمه، وآل الكلام إلى أن الإمام -عليه السلام- بعد أن بلغه ما لقيَ القاضي من المطرفية، قال: قد وجب علينا نصرته، فلم يزل يطوف البلاد، وهو ينهي الناس عن مذهبهم ويحذرهم منه، حتى أثر ذلك مع أكثر الناس ونفروا منهم إلا القليل، على ماهو مذكور في سيرة الإمام -عليه السلام-.

نعم وللقاضي جعفر مصنفات في كل فن، عليها اعتماد الزيدية، وله قصد صالح ووجاهة فلهذا استفاد عليه جماهير علماء الزيدية في وقته، وصاروا أئمة يضرب بعلمه المثل حتى قيل: هم معتزلة اليمن، وقبره مشهور مزور بسناع من أعمال صنعاء وقد زرته -رحمه الله-، وله عقب مشهورون.
[ذكر القاضي إسحاق بن عبدالباعث - رضي الله عنه -]
فصل في ذكر طرف من أحوال القاضي إسحاق المذكور في بيت السيد المقام صارم الدين
هو الشيخ الصدر العلامة إسحاق بن أحمد بن عبد الباعث، وقد تقدمت الإشارة إلى ذكره، وأنه لقي الشيخ الحاكم أبا سعيد، وكان القاضي إسحاق من علماء الزيدية وعظماء أنصار العترة النبوية، وله في الإمامات تصانيف جمة ورسائل كثيرة، وكانت زيديته خالصة، وهو صنو القاضي جعفر في العلم والبراعة، إلا أن أكثر مصنفاته في الإمامات وأحكامها، ورسائله في سيرها وأغراضها، وله رواية واسعة عن أكابر أئمة العترة النبوية، ومن طالع مصنفاته ورسائله عرف صحة محبته لأهل البيت -عليهم السلام-، وأنه فيها السابق المجلى.

يحكى أن الشيخ الكبير المعظم الخطير، المسمى السعد بن أبي الليل الجابري ثم الخولاني وصل من مغارب صعدة فدخل مسجد الهادي –عليه السلام- قاصداً للقاضي إسحاق المذكور، وكان إمام محراب مسجد الهادي –عليه السلام- والخطيب بصعدة للإمام –عليه السلام-، فقال للقاضي: قد كنت أتمنى أن القاك وحدك وأنا رجل جاهل لا أقرأ ولا أكتب، وقد قمنا مع هذا الإمام وقتلنا وقُتلنا وأعطيناه الزكاة من أموالنا، ولا ندري نحن على صواب، أم على خطأ، وأنت اليوم أكبر علماء بلادنا وقد أردت أن أجعلك بيني وبين الله، وما هديتني إليه فعلته، وإن استكتمتني حديثاً كتمته، وأقسم له على ذلك بأيمان مغلظة من أيمان وطلاق ونذر أن لا يخرج له سراً استكتمه إياه، فغضب عند ذلك القاضي إسحاق، وقال له: أفأكون على هذا السن في هذا المكان الشريف أخطب له في مسجد الهادي على منبر المرتضى والناصر–عليهم السلام- في كل جمعة في مثل هذه المدينة وأدعوا له ويكون عندي غير ما أبدي، أتجعلني منافقاً، وتعب من كلامه تعباً عظيماً فاستعطفه واعتذر إليه، وقال: قد قلت لك في أول كلامي: إني رجل جاهل، فأقبل إليه القاضي وقال له: أنت مصيب في جهادك، وهو الإمام فزد مع جهادك جهاداً، ومع اجتهادك اجتهاداً.
قال. السيد العلامة الهادي بن إبراهيم في (كاشفة الغمة) ومنها نقلت هذا الفصل برمته في ترجمة القاضي المذكور؛ لأنه مناسب لميلي إلى الاختصار، فقال السيد المذكور: وسمع من يروي أن الدعاء عند قبره مستجاب وقد جرب.

قال: وقبره رضي الله عنه تجاه المنصورة بصعدة إلى جهة المغرب، وهو مشهور مزور، توفي -رحمه الله تعالى- سنة خمس وخمسين وخمسمائة، قال: وله تعليق معروف على (الإفادة)، وكان فقيهاً بارعاً فرحمة الله عليه ورضوانه. انتهى.
ولنرجع إلى ذكر من نظمه السيد في ذكر الإمام أحمد بن سليمان -عليه السلام-.

[ذكر القاضي نشوان بن سعيد الحميري]
وكم أجابا علي غاوٍ ومبتدعٍ.... كمثل نشوان واليامي ذوي النكرِ
المراد بنشوان هذا هو القاضي نشوان بن سعيد الحميري، فإنه من جملة علماء الزيدية ولم يكن يقدح عليه إلا بكثرة افتخاره بقحطان على عدنان، وله في ذلك هو والأشراف بني القاسم نقائض كثيرة، وأنا أشير إلى طرف منها على عادتي في الاختصار، إذ حصر ذلك جميعه لا يسعه هذا الشرح، فأول ما أذكره هنا العجب ممن يزعم أنه أخ للإمام أحمد بن سليمان من أمه، وفي هذا غاية الجهل؛ فإن أم الإمام الشريفة الفاضلة مليكة بنت عبد الله كما تقدم، وأم نشوان عربيه من آل أبي عشن، على وزن حسن، وهو بعين مهملة وشين معجمه و بعدهما نون، ذكر معنى ذلك في (شمس العلوم) وفيه يقول الشاعر:
وسيد همدان أبو عشن الذي.... غزا بيشة واجتاحها بعظائم
ثم إنه كان بينه وبين الإمام في ابتداء الأمر عداوة ومهاجاة، أنا أورد طرفاً منها، ثم تلا ذلك التعاطف والتلاطف كما سنراه، فأي دليل يدل على أنهما أخوان، ودليل صفاء الوداد بينهما أنه لما توفي المطهر بن الإمام ووردت التعازي فيه إليه من كثير أهل الإسلام، كان من جملة من كتب إليه يعزيه فيه القاضي نشوان.
-قال راوي سيرته -عليه السلام-: وصدرت مكاتبة للشيخ الجليل نشوان بن سعيد، واعتذر من الشعر، وقال: والله ما أحسنت غير التمثل بقول الشاعر:
كذا فليحل الخطب وليفدح الأمر.... وليس لعين لم يفض ماءها عذر
تكَّدرت الآمال بعد مطهر.... وأصبح مشغولاً عن السفر السفر

قلت: وهذان البيتان في مطلع قصيدة لأبي تمام رثى بها محمد بن حميد الطوسي الطائي فغير القاضي نشوان لفظ محمد بمطهر، وهذه المرثية من جيدات المراثي، ففي الرواية أن أبا تمام لما مدح أبا دلف بالقصيدة الجيدة التي أولها:
على مثلها من أربع وملاعب
استحسنها وأعطاه خمسين ألف درهم، وقال له: والله إنها لدون شعرك، ثم قال: والله ما مثل هذا القول [في الحسن] إلا ما رثيت به محمد بن حميد.
-فقال له أبو تمام: وأي ذلك أراد الأمير؟
-فقال له: قصيدتك الرائية وددت أنها لك فيّ.
-فقال [له] أبو تمام: بل أفدي الأمير بنفسي وأهلي، وأكون المقَّدم قبله.
-فقال: إنه لم يمت من رثيَّ بهذا الشعر. انتهى.
قلت: وقد وقفت على رسالة أظنها لبعض ذرية نشوان بن سعيد، قال فيها: والمشهور من نشوان –رحمه الله تعالى- أنه كان يختار أقوال الهادي –عليه السلام-، على سائر فقهاء الإسلام، ويحكم بها بين الخاص والعام، إلا أن تتقوى عنده دلالة فيخبر المستفتين بالخلاف الواقع من أهل الإسلام، وكان في عصره جملة من العلماء هم نجوم في الأرض كنجوم في السماء، من علماء قحطان ونزار، فلم يزر عليه في مذهبه زارٍ مع كثرة المناظرة في ذلك والمذاكرة، وكان في ذلك العصر مظهراً لمذهبه في أشعاره وكتبه، ولم يقع بينه وبين أحد من أهل عصره جفا سوى الأشعار التي قالها هو والشرفاء.

قال نشوان: انقضت النقائض بيني وبين الشرفاء القاسميين، وذلك قبل طرور الشارب، وبلوغ المآرب، فأما اليوم فقد زدت على الأشد، وصرت من الهزل إلى الجد، وأتاني نذير الشيب، وزايلني كل ريب، وتحليت بحلية الوقار، ونظرت نفسي بعين الاحتقار، ورغبت عن القريض، وملاهي معبد والغريض، وأقمت الشعر بأبخس السعر، واعتضت القرآن بالشعر بدلاً، وتركت الجدال، {وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً }[الكهف:54]، وذهبت في ذلك مذهب لبيد واستبداله الشهد بالهبيد، وجعلت مقاطيع الآيات عوضاً من مصارع الأبيات، وذكر الله عوضاً عن التشبيب، وذكر المعاد بدلا من الربع والحبيب، ولست من الشعراء بل من عباد الله الفقراء، الذين تحل لهم صدقة الدعاء، التي لا تفيض في الوعاء، وزكاة الاستغفار التي تصرف العذاب عن الكفار، ثم قال: والشرفاء أبقاهم الله مما سألت مبرؤون، ومما ظننت مكبرون، فلتشملني بركتهم بهبة أفضل الصدقات إذا ذكروا الله في أفضل الأوقات، وهي صدقة الدعوات عقيب الصلوات، {إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ }[يوسف:88]، ويجعل العاقبة للمتقين، فدعاء الشرفاء المالكين مجاب، وليس بين العبد وربه حجاب، فلعل الله أن يمحو عني موبق الذنوب، ويغسلني من رحمته بِذَنوب، فقد ضقت ذرعاً بما فرطت وأنشبت نفسي في أضيق المسالك وورطت، واصبحت لنفسي ظالماً، ومن ظلم غيرها سالماً، ولكني أستغفر رباً كريماً،{وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً}[النساء:110] قال صاحب الرسالة: هذا من كلام نشوان

بعد كتاب (المسك).
- قلت: ولعله كتاب ديوان أشعاره.
-قال: فهل صاحب هذا الكلام حقيق بسب أو ملام؟
-قال: ثم وصل إلى نشوان شعر من الأمير عبد الله بن القاسم بن محمد بن جعفر، وهو الذي كان يهاجي نشوان، فيه يقول:
فليهن ندباً سيداً شرفت به.... من حمير الأحياء والأموات
إلى آخرها.
فأجابه نشوان بقوله:
أما كتابك يا ابن أوحد هاشم.... فحديقة فيها الكلام نبات
قد أثمرت محض الوداد وفاح لي.... من طيبات نسيمها نفحات
غرس امرئ طابت مغارس أصله.... فزكا وطاب فعاله والذات
فغدا وحيد العصر غير مدافع.... تزهو به الساعات والأوقات
أثنى عليَّ ببعض ما هو أهله.... وله المكارم والندى عادات
ثم أتى إلى نشوان شعر من الأمير الأجل محمد بن محمد القاسمي يمدحه فيه، ويعتذر من الهجو الذي سبق من الأمير عبد الله بن القاسم، الذي أوله: أما الصحيح فإن أصلك فاسد.
وقد تقدم من نشوان [جواب] عليه في ترجمة الحسين بن القاسم، فخذه من هناك، فأجاب: نشوان على الأمير محمد بن محمد عن الاعتذار هذا بقوله:
أعلى الكآبة منكما لي مسعد.... فالخل يأسى للخليل ويكمدُ
إن طاب عيشكما وطاب كراكما.... فأخوكما مر المعاش مسهدُ
في قلبه من عتب ابنا قاسم.... حرقُ تأجّجُ نارها وتوقدُ
قوم لهم شرف ومجد باذخ.... من تحت أخمصه السها والفرقدُ
وعلى محبتهم نشأت ووالدي.... والحب يولد والمحبة تولدُ
حتى سعت بيني الوشاة وبينهم.... فأمال عبد الله عني الحسَّدُ
وأطاع أمرهم وصدَّق قولهم.... فأتى بقافيه تقيم وتقعدُ

فيها مقال منه ليس بجيد.... ما بال عبد الله وهو الجيدُ
فرددت حين بهت غير مبالغ.... في الرد خوفاً من مقال ينقدُ
وغدوت مظلوما كأني ظالم.... إني على ما نابني متجلدُ
يا ابن الأئمة من ذؤابة هاشم.... حيث انتهت علياؤها والسؤددُ
وافا كتابك بالصلاح مبشراً.... لا زلت تصلح أمرنا وتفقدُ
ونظامك الحسن الذي أهديته.... تحي القلوب به إذا ما ينشدُ
حققت فيه مودة لك ضعفها.... عندي ووداً في الحشا يتجددُ
وذكرت آل محمد وودادهم.... فرض علينا في الكتاب مؤكدُ
وذكرت زيداً والحسين ومولداً.... لهما زكي الأصل نعم المولدُ
بأبي وأمي من ذكرت ومن به.... يهدى الجهول ويرشد المسترشدُ
[ومنها قوله] :
واترك جعيداً سوف يلقى ربه.... ويصيب ما زرعت يداه ويحصدُ
وتغمد الخطأ الذي منه جرى.... فالسيد المحمود من يتغمدُ
والعفو منكم عادة مألوفة.... والناس يطلب عندهم ما عودوا
[ومنها] :
وأنا المناضل ضدكم عن دينكم.... والله يشهد والبرية تشهدُ
لا أستعيض بدين زيد غيره.... ليس النحاس به يقاس العسجدُ
إني على العهد القديم محبكم.... كلف الفؤاد بكم وجسمي مبعدُ
ثم أتى من الأمير الحسين بن القاسم بن محمد بن جعفر شعر إلى نشوان يمدحه فيه، فأجابه بهذا الشعر:
والله و الله العظيم أليَّة.... يهتز عرش الله منها الأعظمُ
إني لودك يا حسين لمضمر.... في الله أبديه وحيناً أكتمُ
ولود والدك الذي آثاره.... عنه بحسن حديثه تتبسمُ
ولود عميك اللذين كليهما.... في صالحي آل الرسول مقدمُ
ولود سائر أهل بيت محمد.... و ودادهم فرض لدي ومغنمُ
قوم أدين بدينهم وبحكمهم.... ونصوصهم أفتي الخصوم وأحكمُ
وأنا المحب بن المحب وإن وشى.... واشِ ورجَّم بالظنون مرجمُ
[إن اللسان عن الفؤاد معبر.... والنطق عما في الضمير مترجمُ]
يا طيباً من طيب ومطهراً من.... طاهر ما فيه وصم يعلمُ
شوقي إليك على البعاد مضاعف.... يزداد لاعجه وقلبي مضرمُ

ثم أتى من الأمير الأجل محمد بن عيسى بن محمد بن جعفر، إلى نشوان مديح أوله:
ألا كل ما ناح الحمام المطوق.... بكيت وقد يبكي الحزين المشوقُّ
عدد فيها جدود نشوان، وذكر ملوك حمير من التبابعة وغيرهم، حتى قال في آخرها:
أولئك هم آباؤك الغر كلهم.... أبا حسن والفرع بالأصل ملحقُ
فهم كالنجوم الزهر إن غاب كوكب.... فذا بعده في الجو أزهر مشرقُ
وإني لأرجو أنك الكوكب الذي.... به ذلك الأصل المؤسس يسمقُ
لئن كنت قد أنسيت عقد مودتي.... فقلبي بأشطان المودة موثقُ
هذا آخرها، فأجابها نشوان بقوله:
أثار شجى ذاك الحمام المطوق.... أهيجه بثَّ به أم تشوقُ
به مثل ما بي من جوى غير أننا.... شجيان معكوم وآخر مطلقُ
أسر الذي يخفي الزناد ولم أبح.... به خوف نار منه تبدو فتحرقُ
وهي من جيد الشعر الذي يعمل بالفكر عمل السحر.
-قال الراوي: ثم كثرت الأشعار بين الأشراف ونشوان، والمدائح، ورفضوا الهجو الذي نظمته القرائح، -قال: ولقد تهاجى نشوان هو والإمام أحمد بن سليمان بعد المناظرة، التي وقعت بينهما، حتى [أنه] كان من نشوان أنه أرسل بأبيات يقول في أولها :
هل لك في هجرة تفوز بها.... فالهجر بين الرجال مطرحُ
لاغرو من صلحنا ومر يتنا.... على العلا نمتري ونصطلحُ
إني رأيت النعاج رابضة.... وادعة والكباش تنتطحُ
زعم بنا الحاسدون أنهم.... قد طال يا ابن الكرام ما فرحوا

ثم مدحه نشوان بقوله:
يا ابن الأئمة من بني الزهراء.... وابن الهداة الصفوة النجباءِ
وإمام أهل العصر والنور الذي.... هدي الولي به من الظلماءِ
كم رامت الكفار إطفاء له.... عمداً فما قدروا على إطفاءِ
شمس يراها الحاسدون فلم يطق.... منهم لها أحد على إخفاءِ
يا داعياً تدعو الأنام برشدهم.... وصلاحهم في بكرة وعشاءِ
أسمعتهم فكأنهم لم يسمعوا.... ما جاءهم من دعوة ونداءِ
لبيك ألفاً من صديق وامق.... من بعد خذلان وطول إباءِ
قلت: وهذا البيت ونحوه يشهد بأن الحال من الإمام ونشوان اتحدت آخراً وأنهما ماتا على رعاية الوفاء وسلوك مسلك إخوان الصفاء، فيكون قول السيد صارم الدين مشيراً إلى نشوان في البيت السابق، منصرفاً إلى ما كان بينهما من المناظرة والمنافرة أول المدة، يزيد ما ذكرته وضوحاً قول نشوان في هذه القصيدة، بعد قوله: لبيك ألفاً:
من شك فيك كمن تبدل حيرة.... بهداية وعماية بضياءِ
يا خير من يمشي به قدم على.... وجه البسيطة من بني حواءِ
ما عاينت عيني البرية بعده.... إلا وهم فيها من الأقذاءِ
لم ألف بعدك من أسر بوجهه.... ممن أعضت به من الصدقاءِ
إن غبت عن نظر العيان فلم يغب.... ذكراك بين القلب والأحشاءِ
[يجري ودادك حيث يجري الروح في.... بدني وحيث تحل في أعضائي]
أقصي لبانتي التي أنا طالب.... في الدهر عاجل نظرة ولقاءِ
فأجابه الإمام أحمد بن سليمان بقوله:

يا أوحد الأدباء والشعراءِ.... بل أوحد البلغاءِ والفصحاءِ
يامن له عقل رصين ثاقب.... ويعده العقلاء في العقلاءِ
ويعدهُ الفقهاء في الفقهاء.... وتعده العلماء في العلماءِ
لما زكت أعراقه وأصوله.... جادت له أفعاله بزكاءِ
حاز المكارم والمحامد والعلى.... إرثاً عن الأجداد والآباءِ
من حمير الأملاك خير قبيلة.... في يعرب والشوكة الحجباءِ
وافى الكتاب فكان كالماء الذي.... يُهدَى إلى العطشان في الرمضاءِ
ينبي بما تخفي وما تبدي لنا.... من محض ودٍّ خالص وصفاءِ
ومذَّكراً ما كان قدماً بيننا.... من صحبة ومحبة وإخاءِ
وملبياً لي إذ دعوت إلى الهدى.... كل البرية سامع لدعاءِ
وموازراً ومعاوناً ومساعداً.... ومعاضداً ومصدقاً لرجاءِ
فليبق في عيش هنيّء سالم.... في العز والتوفيق والنعماءِ
قال صاحب الرسالة التي نقلت منها هذه النبذة: فليعلم الواقف على هذا الذي أوردت من شعر الشرفاء، ونشوان أنه كان بعد كتاب (المسك) بمدة من الزمان.
-قال: ولو كان شعر نشوان المتقدم كفراً صريحاً، لكان شعره الأخير إسلاماً صحيحاً.
قال: وقد كان لنشوان عناية واجتهاد في قيام الأمير علي بن زيد، وقيام الإمام أحمد بن سليمان.

-قال: وكذلك لما قام الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة -عليه السلام- خرج معه ابناء نشوان وجدَّوا واجتهدوا في خدمته، انتهى المراد اختصاره من الرسالة المذكورة، وإنما بسطت القول في هذا الفصل محبة مني أن يكون جميع الناس شيعة لأهل البيت، فمهما وجدت إلى جمع شمل الشيعة سبيلاً، أو لقيت إلى ذلك تأويلاً، جنحت إليه وعولت عليه، نعم قد حكى في كتاب (المفيد في أخبار صنعاء وزبيد) أن القاضي نشوان دعا إلى نفسه في بيحان، واجتمع معه قريب من سبعمائة فارس، وهذا إن صح يدل على أنه يصحح الإمامة في غير قريش، وقد روى عنه بعض أصحابنا اختياره لهذا المذهب، وقد وقفت له على كلام؛ يدل على أنه قد ندم على دعوته المذكورة، ووجدته مكتوباً بخط [حي] الفقيه محمد بن ناجي الحملاني -رحمه الله تعالى- ما لفظه: كان من علم الله وصولي إلى المشرق، فكلفني أهلها على أن أُحِمل الذر أحمال العير، وسمحوا بالَميْنِ والأيمان، وشحوا بالصدق والإيمان، فرغبت [وطمعت] في ظاهر كلامهم الذي سمعت حتى أدركني الإملاق بمأرب، فخرجت من الدائرة الرابعة إلى دائرة المتقارب.
فقلت:
ومشارق الأرض مثل الحبس في الضيق.... فمن تغرَّب لا يهمم بتشريق
لم يبق حي بهم حتى صحبتهم.... قد أنزفت بالرقى من أجلهم ريقي

ولبثت بحضرموت كما لبث يونس ببطن الحوت، إلا أن بعض المفسرين قال: لبث [أربعين يوماً، ولبثت] سنتين ونصفاً، أخصف ورق الندامة خصفاً، أتعرض لرزق حلال، وما حصل ما فيه سد بعض الخلة، ثم عدت إلى مأرب، فلقيني من بها، وتعرض سفهاؤوهم للعطية، فقاسمتهم ما على المطية، ثم عولوا على العود إلى المغارب، وحلفوا أيماناً على التمام، وسلموا ذماماً بعد ذمام، فأشار السلطان راشد بن جحاف الجوفي بترك العود فقصدت الجوف، فلحقني من خولان آل قفيل فأخذوا القطار، وكانت الكتب على بعيرين، فسلم أحدهما، واقتدي الثاني، فسلمت ووصلت الجوف متخلياً من الأعوان والأنصار، ولو شئت وصلته بالجيوش الكبار، لكني قلت: {مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى }[القصص:60]، فأنشدت:
وما أنا إلا من غزية إن غوت.... غويت وإن ترشد غزية أرشد

[ذكر اليامي محمد بن أحمد قاضي الاسماعيلية]
وأما قول السيد صارم الدين في منظومته: واليامي ذي النكر.. فوجدت مما نقلت عن خطه أنه عني به قاضي الاسماعيلية في زمانه، وعالمهم، ومنجمهم، وشاعرهم، محمد بن أحمد صنو حاتم بن أحمد، ولم أقف في سيرة الإمام أحمد على شيء دار بينه وبين هذا المذكور، فأذكره هنا، لكن إذا وصفت لك [بعض] ما دار بينه وبين أخيه حاتم بن أحمد كفى ذلك دليلاً على غزارة علم هذا الإمام، وتمكنه من الرد على من ناواه، على أن فيما أسوقه من خبره، إشارة إلى ذكر محمد هذا.
فأقول: إن مصنِّف سيرة الإمام، وكذلك في (الحدائق الوردية) للفقيه العلامة حميد بن أحمد، [ذكر] أن حاتماً لما كاتب الإمام مريداً للدخول في طاعته لم يقبله الإمام؛ لأمور قد عرفها منه، فرد حاتم بن أحمد كلاماً جافياً، وتمثَّل فيه بقول المتنبي:
كدعواك كل يدعي صحة العقل.... ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل
فرد الإمام -عليه السلام-:
إذا كنت لا تدري بما فيك من جهل.... فذاك إذاً جهل مضاف إلى جهل
ولم أنتحل ما ليس فيّ وإنما.... مقالي حق قد يصدقه فعلي
ومن جهل الرحمن والرسل لم يكن.... بمعترف يوماً بحق بني الرسل
وكل عباد الله غيرك عارف.... بما فيّ من أصل شريف ومن فضل
فرد عليه حاتم كلاماً فيه بيتا شعر هما:
لنا النهي فيما حرم الله والزجر.... وليس لكم نهي هناك ولا أمر
فلا زال ذا فينا وذلك فيكم.... مدى الدهر حتى يأتي الحشر والنشر
فأجابه الإمام -عليه السلام- بكتاب تمثل في أوله ببيت شعر يقول فيه:
لا افتخار إلا لمن لا ينام.... مدرك أو محارب لا يضام

بسم الله الرحمن الرحيم
حمدت من أنطق الفيلسوف بذكره وحمده، وإن كان مبطناً من ذلك بخلافه وضده؛ لأنه سلك في مبتدأ كلامه طريقة محمودة، ولو أتمها قدم الجفاء والمشاتمة، ثم عاد إليها فتعدى الحدود المضروبة.
جرى ما جرى حتى إذا قيل سابق.... تلاحقه عرق الحران فبلدا
فرجع إلى عادته من سلاطة اللسان، والسلاطة آفة الإنسان، فكان مثله كمثل [صاحب] المارستان، ولا لوم له فإنه مضى يوم دخلنا عليه صنعاء بعض لب فؤاده، ومضى بعضه يوم الشرزة فبقى بلا لب إلا ما يتكلفه، وأما ما ذكره في الذين كفوه مؤنة الهجاء، فقد هجي رسول الله ً هجاه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث فرد عليه حسان بن ثابت بقوله:
هجوت محمداً فأجبت عنه.... وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفؤ.... فشركما لخيركما الفداء
وما هو مثله وهم إلا مثل البعوضة لا يؤذي الإنسان إلا طنينها مع أذنه، فإذا طلبها لم يجدها، وقد بلغت مكروهه ومكروه غيره بحمد الله [تعالى].
إذا شئت أرغمت العدو ولم أبت.... أقلَّب فكري في وجوه المكايد
وقد هجانا أخوه الذي مات طريداً لنا، فناب عنا بعض شيعتنا فقال:
لو سار ألف مدجج ليحل في.... غمدان غير إمامنا لم يقدر
تلك الشجاعة لا شجاعة معشر.... مثل العجائز في ظلال المنظر

وأما قوله: لهم النهي فيما حرم الله والزجر.. فلعل ذلك على الكلاب، والله ما [قد] عرفت لهم سابقة في جاهلية ولا إسلام، كان أول من تسلطن منهم حاتم بن الغشيم ؛ لأنه سرق السلطنة من آل الصليحي، وذلك أنه أسلفهم مالاً جمعه معهم، فأعطاه المكرم حلقته، فسرق بسبب الحلقة عدن، فتبعه المكرم إلى عدن، فخالفه إلى صنعاء، فهرب منه إلى براش، كما فعل هو كذلك، وكانت صنعاء لآل القتيب، وهو مشتغل في المنظر بالطب والتنجيم، واللعب بالكلاب، ثم افترق آل القتيب، و قتل بعضهم بعضاً، فخالفهم عليها، ولم تكن لأبيه ولا لجده، وأما قوله: لا يحسن بالرجل أن يمدح نفسه، وإن أحسن المدح ما أقر به الضد لضده، فلا يعلم اليوم أكثر منهم عداوة لنا، فقد شهد لنا بالإمامة، والوفاء، والزعامة، وقال فينا:
رأيت إماماً لم ير الناس مثله.... أبر وأوفى للطر يد المشرَّد
عفا ووفى حتى كأني عنده.... أخ أو حميم لست عنه بمبعد
[وقال أخوه أسعد في شعره] :
ملكت فأسجح منعماً يا ابن فاطمٍ.... وشيِّد مباني هاشم ذي المكارم
[إلى قوله] :
فإن كنت قد بلغت عني مقالة.... فقد تبت يامولاي توبة نادم

وعمَّا قليل يقول كما قال أخوه، ويفرح أن يرجع إلى ما كان عليه أبوه، وقوله: ما يحسن بالرجل العاقل أن يمدح نفسه، فقد حكى الله عن يوسف –عليه السلام- أنه قال:{اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ }[يوسف:55]، وقال تعالى:{وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ … الآية}[الشورى:41]، وقوله: إني طالب دنيا.
-وقوله: هذا طار وهذا فلت، ولذتي في الدنيا قتاله وقتال أمثاله من أعداء الله، وقد نغصت عليه وعلى غيره من أهل الدنيا دنياهم في كل ناحية، ولي اليوم نيف وعشرون سنة كلما فرغت من حرب قوم [من] الظالمين، قمت في حرب آخرين من أعداء رب العالمين، وإني لا أبرح كذلك حتى أموت، وأما قوله: إني كفيت ذم نفسي بأني له داء لا دواء له، فليعلم أن الداء الذي لا دواء له هو الموت، وأنا له كذلك –إن شاء الله تعالى-، وقد قال النبي ً: ((نحن السم فمن شاء فليستم، ونحن الشم فمن شاء فليشتم)) وأنا له داء ولضده دواء فليعلم ذلك والسلام، –وصلى الله على [سيدنا] محمد وآله وسلم-.

قلت: وبهذه الجملة يفهم أن حاتماً من رؤساء الباطنية ووجوههم، الذين يعتقدون اعتقادهم، لكن وقفت على رسالة بخط الأمير الحسين بن محمد ملصقة إلى آخر سيرة الإمام أحمد بن سليمان، ذكر أنها من رسائل الإمام أحمد [بن سليمان] أجاب بها على فليتة، وقد اعترض عليه في الاستعانة بهمدان، فرد عليه بكلام قال فيه: فأما السلطان الأجل علي بن حاتم، فإنه مباين للباطنية بالقول والفعل، محارب لهم على ذلك، هو وأبوه وجده أما هو فحربه لهم مشهور ظاهر، وأما أبوه حاتم فكان يمقت الباطنية، ويتبرأ منهم، وله شعر يقول فيه:
بريت من الذويب ومن علي.... ومن ماذون همدان بريتُ
موادين عموا وغووا هداهم.... فإن شايعتهم فلقد عميتُ
ظموا ورويت من ماء معين.... ولو أني صحبتهم ظميتُ
شقوا بخلافهم للدين حقاً.... وخالفت الغواة فما شقيتُ
ولو أني أشا أشهرت منهم.... فضائح لا تواريها البيوتُ
أأخشى الناس في ديني وأعصي.... كأني بعد ذلك لا أموتُ
وقومي مذكر وشبا حسامي.... لسان مثله لولا الصموتُ
فإن ترني وإياهم جميعاً.... فقل كيف التقى ضبَّ وحوتُ
ولو وردوا الفرات لنجسوه.... ولم يك طاهراً حتى يموتُ
وهنا نثني العنان من استقصاء شرح ترجمة الإمام أحمد بن سليمان، وقد أشرنا إلى زبدة مما يتعلق بذلك حسب الإمكان، ونرجو من الله العون والقبلان.

[أخبار الإمام عبد الله بن حمزة -عليه السلام-]
وفي ابن حمزة عبد الله حاز منا.... وخير داعٍ دعا منا ومفتخرِ
جاءت بمعضلة نكدا رائعة.... وصاولت من غدا بالمكرمات حري
وقادت العجم من أقصى ممالكها.... إليه تركض خيل البغي والبطرِ
فحاصرت كوكبانا وهو ساكنه.... وصنوه فارس الهيجاء في بكرِ
حتى قضى نحبه والسيف منصلت.... في كفه ومضى في معشر صُبُرِ
وكان للمال في كفيه أجنحة.... مهما يقع منه شيء فيهما يطرِ
هو: أمير المؤمنين أبو محمد عبد الله بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي بن حمزة القائم بأمر الله، بن الإمام النفس الزكية أبي هاشم الحسن بن عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام-، نسب كأن عليه من شمس الضحى رداء، ومن فلق الصباح برودا.
وأما أمه -عليه السلام- فهي الشريفة الفاضلة زينب بنت إبراهيم بن سليمان، من ولد الإمام الخارج بتاهرت من أرض المغرب، وهو من ولد الإمام يحيى بن عبد الله -عليه السلام-.
كان مولد الإمام المنصور بعيشان من ظاهر همدان، في شهر ربيع الآخر لإحدى وعشرين ليلة خلت منه سنة إحدى وستين وخمسمائة.
وروي أنه عند ولادته وقد ولد ليلاً ازداد ضوء المصباح، وعلا علواً يجاوز المعتاد حتى بلغ دوين السقف.

وكان أبوه قد رأى أنه قد ظهر منه نوراً ملأ الأرض كلها، فعبره على جدة له شريفة فاضلة، فقالت: أكتمه فقد قيل إنه لابد أن يظهر منك، أو من أبيك المنصور، أو من يدل عليه، ثم عبر رؤياه على رجل وهو يتعحب منها، فلما استكملها، فقال : أبشر يا حمزة بإمام من ذريتك، فصدق الله منامه، وكان والده حمزة أتاه قوم من بني صريم يطلبون منه القيام، والمدافعة عنهم، [من] علي بن حاتم بن أحمد لما ملك أرضهم، فقال: لا فرج لكم على يدي، وإنما فرجكم على يدي هذا الصبي وهو بين يديه ابن عشر سنين أو دونها.
وكان حمزة من فضلاء أهل عصره وعيونهم، له معرفة بأنواع العلم.
وكان قد أقام مع القاضي جعفر بن أحمد -رحمه الله تعالى-، وكان يروى عن القاضي جعفر أنه يصلح للإمامة، ويقول: لو دعا لأجبناه، وكان من أهل السخاء الفائض، فمن ذلك أنه لقيه ضيف، ولم يكن معه شيء، فعمد إلى رداءه فشقه، واشترى له طعاماً، وفي ذلك يقول المنصور [بالله] -عليه السلام- :
وإن أبي أوصى بنيه بخطه.... ولست بناسٍ للوصية من أبي
وباع تراثاً من أبيه لضيفه.... وشق فضول البرد غير مكذب
وقالوا في صفة المنصور [بالله] -عليه السلام-: إنه كان طويل القامة، تام الخلق، دري اللون، حديد البصر حدة مفرطة، [أبلج]، كث اللحية؛ كان شيبها لقضيب فضة، مات وقد غلب الشيب على عارضيه خاصة.
[حتى] قال له بعضهم: يخضب عارضيه، فقال بديهاً:

قالوا اخضب الشيب إن الشيب منقصة.... في أعين الراشقيات الرغاديد
فقلت ذاك كما قلتم وهيبته.... نقيض قولكم في أعين الصيد
نحن الذين ضربنا الناس عن عرض.... على البياض فهل نرضى بتسويد
وكان فيه من الفطنة في صغره ما تحير منه العقول، فإنه ختم القرآن صغيراً، وأخذ يتأسف على ضياع عمره، وأطنب في ذلك، فأخبر والده بذلك، فدعاه، وقال له: يا بني، إنه لم يمض لك من المدة إلا القدر الذي يمكنك أن تصل فيه إلى ما قد وصلت، وأنت مستقبل، فشمر في ذلك، وانتقل إلى الدراسة وأنواع العلم، وبدأ بعلم الأدب، فبرز فيه تبريز البلغاء، وكان يحفظ من شواهد اللغة مالا يحفظ أحد من أهل عصره.
-قال عمران بن الحسن بن الناصر : إن بعض من له حظ وافر في حفظ الأشعار للقدماء والمحدثين، قال: أنا أحفظ قدر مائة ألف بيت، وفلان يحفظ مثلها، ونحن لا نعد حفظنا إلى [جنب] حفظ الإمام شيئاً، وكان عارفاً بأيام العرب على ضرب من التفصيل، ثم ارتحل للقراءة على الشيخ حسام الدين الحسن بن محمد الرصاص، وكان عالم الزيدية في عصره، وإليه انتهت رئاسة أصحاب القاضي جعفر، فقرأ على الرصاص الأصولين حتى فاق الأقران، فكان يكتب في لوح معشراً في أصول الدين، ومعشراً في أصول الفقه، فيقرأ هذه ثلاثة أشراف وحفظها وهذه كذلك، وصنَّف في أصول الدين قبل بلوغ عشرين سنة من مولده، فمما صنفه في أيام اشتغاله على شيخه المذكور (جواب الرسالة الطوافة إلى العلماء كافة)، وذلك مشهور، وله كتب في هذا الفن، ورسائل كثيرة، وله في الفقه (الاختيارات المنصورية)، وكتاب (الفتاوي) وكان يقول الشيخ أحمد بن الحسن الرصاص : أخشى أن تكون إمامة الإمام -عليه السلام- صارفة للناس عن إمامة من بعده.

قال الفقيه حميد: قلت له: ولم ذلك؟ فقال: لأن الناس يطلبون من غيره من العلم ما عهد من الإمام، وربما لا يتفق ذلك، ولما صدرت تصانيفه إلى الجيل و الديلم سنة أربع وستمائة، وأطل عليها السادة من أهل البيت وفقهاء الزيدية هناك تزاحموا إلى بيعته تزاحم الإبل العطاش عند الحياض، وقالوا: هو اعلم من الناصر -عليه السلام-، مع أنهم في الجيل خاصة لا يكادون يعدلون بالناصر أحداً.
قال الفقيه حميد في (الحدائق): ومن شاهد تصانيفه علم أن له المرتبة العظمى، وذلك أنه كان لا يصده كثرة الناس حوله من التصانيف، قال: ولقد شهدته في مجلس الصباح، وهو غاص بمن فيه يكتب في تفسير القرآن الكريم كتابة مستمرة، وهو يُسأل في أثناء ذلك عن أمور الدين والدنيا، فيجيب عنها، وإن قلمه لينحدر تحدراً سريعاً.
قال: ورأيت بخط من يوثق به أنه أجاب في بعض تصانيفه بيده من أول النهار إلى عند العصر إلى موضع سماه من التصنيف، فعددت ذلك فوجدته بخط متوسطٍ خمس [كراريس] كوامل، وكان -عليه السلام- في الورع، والاحتياط على ما يليق بسعة علمه، وغزارة فهمه، والحكايات في ذلك كثيرة مذكورة، ونحن نشير هاهنا إلى طرف منها على وجه الاختصار، إذ لا يمكن إحصاء مياه البحار، ووبل الأمطار، فمن ذلك أنه كان يأتيه قوم كثير في أوقات مختلفة بشيء من الدراهم وغيرها، فيقبض ذلك منهم، ثم يشكون شكية، فيرد ذلك إليهم بعد إبلاغهم ما يجب إبلاغه.

قال: الفقيه حميد - رحمه الله تعالى-: ولقد رأيته ذات يوم وهو قابض على درهم يريد صرفه لبيت المال عوضاً عن شيء لا خطر له من بقل تناوله وكان قد جيء به، من قوم فداءً وأمنَّ بعضهم دون بعض، فالتبس ذلك.
وكان معروفاً بالإيثار على نفسه من حال شبابه، كثير الإحسان إلى الوافدين، جم المعروف للطالبين يعطي ما يجد، ويستدين إذا لم يجد.
قال: وهذه أمور تعرف من حاله بالاضطرار.
قلت: وإلى هذا أشار السيد [صارم الدين] بقوله: وكان للمال في كفيه أجنحة.. البيت، وأما شجاعته -عليه السلام-، فكان في ثبات القلب، ومنازلة الأقران، ومجاولة الفرسان بحيث لا يتمارى فيه اثنان، كم [له] من موقف حطَّم فيه الوشيج وثلم فيه الصفائح ونيار الحرب تهيج، يشهد له بذلك يوم عجيب، وقد انهزمت جنوده الجمة، وهو في وجه العدو لا يرغب في التولي عن لقائه، حتى لقد دقه أخوه الأمير عماد الدين بالرمح دقة هائلة، لما تفرقت العساكر بعد أن أحب الصبر طلباً للشهادة، وكذلك يوم صنعاء، فإنه دخل في نفر يسير لا يدفع بهم عن نفسه، وفيها جنود العجم إلى سبعمائة فارس، فدخل المدينة غير هائب، وأذن مؤذنه بالأذان النبوي، وصلى وروعه مجموع، وقلبه غير مصدوع، وكذلك يوم ذمار؛ فإنه كان سابقاً بجنوده يذود جنود الأعاجم على كثرتها بين يديه، كما يذود الراعي غنمه، وبقي منفرداً لا ثاني له في الكرِّ على الأعداء، وقد ذكر ذلك في شعر له، فقال:
وفي ذمار تركت الجيش عن كمل.... خلفي وكافحتها عن دين معبودي

وكذلك له يوم هران مقام محمود، وجهاد مشهور [مشهود]، وأما كراماته فهي كثيرة لا تحصى، وهل يمكن مخلوق تعديد الحصى، فمن أعجبها، وهي رواية مشهورة أن رجلاً من المطرفية أتى ناحية يطلب شيئاً من الزكاة، فأخبروه بتسليمها إلى الإمام -عليه السلام- فأطلق لسانه بالسبِّ [له]، ثم انصرف إلى جانب القرية، فسلط الله عليه كلبة لم يجر لها عادة بمضرة أحد، فوثبت على لسانه، فاستخرجتها، وضربتها بأنيابها، فأقام مدة كذلك حتى نفر عنه الناس، ولم يعتبر، بل بقي على عداوته، فأمر الإمام -عليه السلام- بضرب عنقه، وفي ذلك يقول حسن بن عزوي العصيفرى من قصيدة:
أسمع أمير المؤمنين قضية.... أضحى بفضلك ذكرها مشهورا
أنبئت بالرأسين كلباً مسلماً.... سميته لوداده قطميرا
سمع الذي أطرى عليك بسبِّه.... فجرى فعضَّ لسانه تحذيرا
هاتيك معجزة غدا لك ذكرها.... تحكى بكل صحيفة مسطورا
ومن ذلك ما حصل في أيامه الخير والبركة من ظهور معادن الحديد بجبال بني جماعة من أعمال صعدة وبلاد خولان وكان [قد بلغ] في ولاية الغز نصف رطل بدينار، وصار في دولته رخص إلى أن بلغ خمسة عشر رطلاً بهذا الدينار، بعد أن منع الغز من يشتريه من عدن، إلا من تحت أيديهم فوسَّع الله على خلقه ببركة المنصور [بالله] -عليه السلام-.

ومن ذلك أن ورد سار لما تقدم إلى ناحية حوث، وأخرب دار الإمام وعاد صنعاء، فما تم له أسبوع حتى أنزل الله سيلاًلم يعهد مثله، وقد كان بنى في صنعاء قصراً شامخاً، وتأنَّق فيه، [وتعمق] فهدمه ذلك السيل، واستلب كثيراً من أمواله ونفائسه، ونجى [بنفسه] بعد أن أشفى على الهلاك، وتعفت آثار القصر، وهذه قصة مشهورة، إلى غيرها من كراماته -عليه السلام-، وقد ذكرت في الملاحم، ورويت له منامات صالحة تدل على فضله، يعجز هذا المختصر عن ذكر أكثرها وإنما أوردت هنا ما أوردته تبركاً بذكره -عليه السلام-.

وأما دعوته-عليه السلام- فإنه تقدم من الجوف إلى الحقل في ذي القعدة [في] سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وسار إلى هجرة دار معين من أعمال صعدة، وأقام بها أربعة أشهر إلا قليلاً، واجتمع في هذه المدة إليه [من] العلماء من كل جهة، فوجدوه بحراً زاخراً، وعلماً بالمناقب مستأثراً، ولما كان يوم الجمعة الثالث عشر من ربيع الأول سنة أربع وتسعين وخمسمائة، تقدَّم هو ومن معه إلى المسجد الجامع، فبايعه الناس، وكان أولهم الأميران الكبيران الداعيان إلى الله سبحانه شيخا آل الرسول الآتي ذكرهما، ثم بعدهما الأكابر من فضلاء العترة، ثم سائر العلماء من شيعتهم، ثم استقر في ناحية صعدة -حرسها الله تعالى- بالمشاهد المقدسة، وفرق الدعاة والولاة في النواحي والأقطار، وكان للأمير شمس الدين يحيى بن أحمد في ذلك العناية الأكيدة، والصبر على تحمل مشقة السفر على ضعفه وكبره، حتى روي أنه شوهد وقد ورَّم قدماه، وكثر تعبه ونصبه في بلاد عذر والأهنوم، ووصلت دعوته تهامة ومخلاف بني سليم، فأطاعه الكل، وكذلك أطاعته المطرفية وبايعوه، وناصحوه، ثم نكثوا بيعته بعد ذلك، ثم طلع حصن كوكبان، فأقام به مدة، وفي خلال ذلك بايعه من أمراء العجم عدة قدر مأتي فارس، ثم تقدم إلى صنعاء واثقاً بالله متوكلاً عليه، فلما وصلها وفيها العجم إلى قدر سبعمائة فارس، فتح له أهل المدينة الباب، فدخلها في سبعة أفراس لا غير، وهم إخوته ومن اختص به، وتأخر بقية عسكره خارج المدينة، فدخل الإمام مسجد الجامع، واجتمع العجم، وأحاطوا بالمسجد إحاطة الهالة بالقمر، فوقف [–عليه السلام-] فيه حتى حضر

وقت صلاة المغرب، وأذَّن المؤذن بأذان أهل البيت –عليهم السلام- فقضى صلاته، ووقف ينتظر الفرج من الله سبحانه، فأمر أخاه أن يشرف على العسكر من فوق السطح، فلما أشرف عليهم آذوه وسبّوه، ثم إن الإمام –عليه السلام- أشرف من ذلك الموضع بعينه، فما تكلم أحد منهم إليه بكلمة واحدة مع مشاهدتهم إياه لهيبته، فانتهى الحال إلى أن أهل صنعاء صوَّبوا خروجه من المسجد، فألبسوه شيئاً من ثيابهم، ثم خرجوا به على أنه واحد منهم، وهم يسيرون بين العجم، فسلمه الله تعالى من كيدهم، ثم أقام في بعض البيوت جانباً من الليل، ثم خرج وقصد بعض أبواب المدينة، فجاء وقد اشتدت الحراس في كل ناحية، فعاد هو ومن معه إلى موضعهم واشتوروا، وخاف أهل صنعاء عليه لشدة محبتهم له، فقال بعضهم: يقف في موضع عينوه لا يكاد يصله أحد، فلم يسترجح الإمام ذلك، حتى اتفق الرأي أن يقف في بيت [واحد] غير معروف، واعتنى أعيان أهل المدينة من الزيدية في تفسيد عسكر العجم، فأفسدوا من الرجال مقدار ثلاثة آلاف راجل، فأصبح الصباح، وقد انتظم لهم ما أرادوا، وفتحت أبواب المدينة، فدخل عسكر الإمام –عليه السلام-، فلما رأى ذلك أهل داخل أقبل جند العجم الذي كانوا فيها إلى بين يديه فبايعوه، وإن من كبارهم لمن ترتعد يده عند البيعة رعباً وخوفاً قذفه الله في قلوبهم، ثم أذن لهم بالانصراف، فنزلوا اليمن، فاستقر الإمام –عليه السلام- في المدينة، ثم نهض يريد ذمار ففتحها [–عليه السلام-] في ربيع سنة خمس وتسعين [وخمسمائة] بعد فتح صنعاء بأربعة شهور، فيقال: إن الخبر بلغ صنعاء بفتح ذمار بيومه، وكذلك

ذكروا أن فتح صنعاء اشتهر بمنى يوم العيد، ولم يزل آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، وانتظمت له الأمور في الجوف، وصعدة وأعمالها، ونجران ونواحيه، والجهات الغربية، ونفذت دعوته إلى الحجاز، وأقيمت الجمع في ينبع وخيبر، ثم عمر حصن ظفار في شوال سنة ستمائة، فكان سبباً لانتظام أحواله، وسداد أموره، ووجه دعاته إلى نواحي جيلان، وديلمان، فبايعت له الزيدية هناك، وخطب له في مساجدها، وكتب دعوته إلى ملك خوارزم علاء الدين [بن] شاه على يدي العالم مجد الدين يحيى بن إسماعيل، وكان من فقهاء الأمة، فلما وصلت الدعوة إلى السلطان -مقدم الذكر- قرأها، وهو من المحققين في العدل والتوحيد هو وأهل بلده، فوهب السلطان للسيد عند ذلك مالاً جليلاً ووردت إلى الإمام كتب الظافر غازي بن الملك الناصر صلاح الدين( ) من حلب، سنة إحدى وستمائة، والواصل بها رجل من ولد النفس الزكية، فوصل [إلى] اليمن، فعاقه سلطان العجم عن الإمام، فأجابه -عليه السلام- بالشعر الذي أوله:
أتهجر معتمداً دارها… حتى قال [في آخرها] :
إلى حلب حيث صيد الملو.... ك تحبو وتكرم زوارها
سلالة من شاد دين الإله.... وطهر بالسيف أوزارها
فرحمة ربي على وجهه.... عشايا العصور وأبكارها

ثم دخل صنعاء المرة الثانية في صفر سنة إحدى عشر وستمائة، فأقام بها مدة، ثم تقدم إلى ذمار، فانحاز من بها من العجوم إلى ذي خولان، فصمد لهم الإمام –عليه السلام- بنفسه حتى أظفره الله عليهم، فاستولى على الخيل والسلاح، وأعتق الرقاب، ولم يزل –عليه السلام- على ذلك حتى وصلت جنود العجم من المصرية إلى اليمن، فلما قربوا من صنعاء انتقل منها إلى كوكبان لأحد عشرة ليلة خلت من ربيع سنة اثنتي عشرة وستمائة، وهم مروا ببيت أنعم، فحَّطوا عليه، فأخذوه، ونهضوا إلى بلاد حمير، فحطوا على المصنعة وعزان في رمضان من السنة المذكورة، وأقام لمقاتلتهم في اللطية بجبل الضلع ثلاثة أشهر ونصفاً، حتى وقع الصلح يوم الأربعاء غرة شهر المحرم سنة ثلاث عشرة وستمائة، وأقامت محطة العجم عليه مائة ليلة وسبع ليال، ثم انتقل إلى ظفار، فأقام فيه مدة حتى دنا انقضاء الصلح بينه وبين العجم، وانتقل إلى كوكبان لأربع ليال بقين من ذي الحجة من السنة المذكورة، و[قد] كان المرض ابتدأه في البون، ثم طلع كوكبان والمرض يزداد، وكان من التجلد في حال مرضه والصبر عليه بالمحل العظيم، فكان في حال النزع الشديد، وهو محتب بثوبه، حتى لقد فاضت نفسه –عليه السلام- وهو كذلك، واختار الله تعالى له الانتقال إلى دار كرامته، ومستقر نعمته يوم الخميس لاثنى عشر يوماً من محرم سنة أربع عشرة وستمائة، [ثم] نقل إلى بكر، فأقام فيه مدة، ثم نقل بعد ذلك إلى ظفار، فمشهده هناك مشهور مزور، كثير الصدقات والنذور، ومدة عمره اثنتان وخمسون سنة وثمانية شهور واثنتان وعشرون ليلة، ومدة خلافته تسع عشرة

سنة وتسعة أشهر وعشرون يوماً، وأولاده –عليه السلام-: محمد، وأحمد، وعلي، وحمزة –درج صغيراً-، و إبراهيم، وسليمان، والحسن، وموسى، ويحيى، وإدريس- درج صغيراً- والقاسم، وفضل –درج صغيراً-، وجعفر توفي ولا عقب له، وعيسى توفي ولا عقب له، وداود، وحسين –درج صغيراً-، هذا كلام الفقيه حميد –رحمه الله [تعالى] - في (الحدائق)، ومفهومه أن أكثر أولاده لهم عقب، ولعل ذلك في زمن الفقيه حميد –رحمه الله [تعالى] - وأما في وقتنا وهو سنة تسعمائة [سنة]، فأظهر من يعلم له ذرية من أولاد المنصور هو ولده شمس الدين أحمد، وولده أعني ولد المنصور، وهو قاسم له ذرية وهم آل أبي سلطان، ومسكنهم خيوان، وانتقل منهم في عصري إلى صعدة: صلاح بن عز الدين، وله أولاد موجودون في عصرنا، فهم كثير مشهورون بالشجاعة، وملكوا صعدة في آخر سنة ستة وستين وثماني مائة سنة، وكذلك نجران والجوف، والظاهر والبون، وكانت هذه البلاد في أيدي آبائهم، فغلبهم عليها حي الإمام المهدي علي بن محمد هو وذريته قدر مائة سنة، ثم استعادها الأمير الحسين بن علي بن القاسم الحمزي، وولاها ولده الهادي، فلما قتل الهادي في الجوف، وليها أخوه عز الدين محمد بن الحسين من سنة ثلاث وسبعين، وكتبت هذه الألفاظ، وهي بيده في سنة تسعمائة.

[ذكر الأمير عماد الدين يحيى بن حمزة بن سليمان ]
وأما قول السيد صارم الدين: وصنوه فارس الهيجاء في بكر… فهو يعني به الأمير الكبير عماد الدين ذا الشرفين أبا المظفر يحيى بن حمزة بن سليمان، فإن المنصور ولاَّه ما يلي: ظاهر بني صريم، ثم إلى الظفير وما يتصل به من جهة بلاد حمير ونواحيها، إلى بكر، إلى مساقط حراز، وبقيت هذه البلاد في يده إلى أن توفي المنصور [بالله] –عليه السلام-، وكان له –عليه السلام- عمال وقضاة، فمن عماله: الأمير يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى ولاَّه شامي بلاد خولان، وبني جماعة، وبني بحر، والأهنوم، وولىَّ أخاه الكبير بدر الدين: محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى نجران، وولىَّ الأمير علي بن المحسن صعدة [وأعمالها] هذا في ابتداء ولايتهم، ثم ولىَّ بعد ذلك صعدة وأعمالها ونجران وما يتصل بذلك الأمير مجد الدين حتى استشهد، ووليها أخوه تاج الدين أحمد حتى توفي المنصور–عليه السلام-، وولى الظاهر آخراً الشيخ أمين الدين دحروج بن مقبل وولى عيان وما يليه إلى نواحي الجهات الغربية من بلاد حجور وقحطان الأمير الكبير صفي الدين: محمد بن إبراهيم وتوفي وهي في يده، وولى الأمير علم الدين سليمان بن موسى الحمزي الجوف وأعماله، بقي في يده حتى توفي الإمام –عليه السلام-، وقد تقدمت الإشارة إلى ما وليه أخو [المنصور] يحيى بن حمزة، وولى القاضي ركن الدين يحيى بن القاضي جعفر حقل وحقالية وما يليهما من بلاد جنب ونواحيها، وولاَّه أيضاً القضاء، و[كان] القاضي يحيى هذا غزير الفهم، كثير العلم، بالغاً درجة الاجتهاد، وولى

بلاد مذحج الشيخ عزان بن سعيد، والشيخ مفضل بن أبي رازح -رحمهما الله تعالى-، وكانا من أهل العلم، وممن ولي له الفقيه ركن الدين سليمان بن ناصر وغيره من أهل العلم، وقبضت ولاته الأموال في نواحي الحجاز، وكانت تصل موفرة على أيدي ولاته، واستمر ذلك في نواحي جيلان وديلمان على وفق الأوامر الإمامية، على يدي داعيه محمد بن أسعد المرادي ومحمد بن قاسم بن نصير، وولى القضاء بصعدة وأعمالها القاضي محمد بن عبد الله بن أبي النجم وولده عبد الله بعد أبيه، وفي بلاد وادعة القاضي عبدالله بن معرف والقاضي الفاضل عمرو بن عبد الله العنسي في حوث وأعمالها، وكان في نواحي الحجاز السيد يوسف بن علي الحسني الشهيد بعناية صاحب بغداد الملقب بالناصر أحمد، وهو الذي كان معارضاً للمنصور من العباسيين، ولما مات المنصور [بالله] -عليه السلام- رثي بمراثي كثيرة، فمن مختارها قول ولده عز الدين الناصر لدين الله محمد، وهي:
بفي الشامتين الترب إن يك نالني.... مصاب أبي أو هدَّ من عظمه أزري
على حين أعيا المقرَبات فراقه.... وسنت له أنياب ذي لبد حسرِ
فإن يك نسوان بكينا فقد بكت.... عليه الثريا في كواكبها الزهرِ
وإن شمت الأعداء يوماً فإنني.... على حدثان الدهر كالكوكب الدري
وما مات من أبقى لمن كان بعده.... سجالين من جود ومن نائل غمرِ
أما إنه لولا احتسابي مصابه.... على كبدي كادت تفيض على النحرِ
وهي من المراثي الطنانات، [الطيبات] ولظهورها حذفت أكثرها.
تنبيه:
مما يشبه قول السيد صارم الدين: وكان للمال في كفيه أجنحة.. [البيت] : قول بعضهم:

قالت ظريفة ما تبقي دراهمنا.... وما بنا صُرة منها ولا خِرَقُ
لكن إذا اجتمعت يوماً دراهمنا.... ظلت إلى طرق المعروف تستبقُ
ما يسكن الدرهم المنقوش صرتنا.... لكن يمر عليها وهو منطلقُ
[وقول أبي الطيب] :
وكلما لقي الدينار صاحبه.... في ملكه افترقا من قبل يصطحبا
مال كأن غراب البين يرقبه.... فكلما قيل هذا محتد نعبا
وقول مسلم بن الوليد صريع الغواني:
وما تدنس منها كف منتقد.... يأبي الندور فتفنيها صنائعه
وقال آخر:
لا يعرف المال إلا عند ناقله.... ويوم يجمعه للنهب والبدد
وأحسن من هذا قول سعيد بن المسيب : لا خير فيمن لا يكتسب المال ليكف به وجهه، ويؤدي به أمانته، أو يصون به عرضه، أو يصل به رحمه وقد أحسن ابن الجهم حيث يقول:
وما تُجمَعُ الأموال إلا لبذلها.... كما لا يساق الهدي إلا إلى النحر
وقريب منه قول بعضهم:
المال ما صان عرضاً أو بنى شرفاً.... أوجرَّ أجراً وإلا بئس بالمال
وقول المتنبي:
لمن تجمع الدنيا إذا لم ترد بها.... سرور محب أوإساءة مجرم
وهنا يقع العود إلى شرح منظومة السيد الأمجد، والعود أحمد لأن فضائل المنصور أظهر من أن يوقف لها على حد، أو يأتي عليها حصر أو عد.

[ذكر الأميرين يحيى ومحمد ابني أحمد بن يحيى بن يحيى]
وقوله:
وشيبتا الحمد شيخانا له نصرا.... وفرقا همماً في النظم للبشرِ
هما الأميران الكبيران الداعيان للمنصور بالله، وهما: يحيى، ومحمد أبناء أحمد بن يحيى بن يحيى، وفضلهما أشهر من الشمس، وكانا أسنَّ من المنصور بالله، وشمس الدين أكبر من بدر الدين، وفي الرواية أن الإمام أحمد بن سليمان [-عليه السلام-] [لما] سئل من يصلح للإمامة؟ قال: لايأتيكم الخير إلا من هذا وأشار إلى الأمير شمس الدين، وفي بعض الروايات عنه -عليه السلام- لا يأتيكم الخير إلا من هذا، أو على يديه، وكان الإمام المنصور [بالله] [-عليه السلام-] قبل قيامه محباً لأن يلي الخلافة أحدهما، ويكون هو له من أكبر الأعوان، فمن قوله في الأمير شمس الدين:
أصدق ما قال به القائل.... ما أحوج السيف إلى الحامل
يا ابن علي بن أبي طالب.... قم فانصر الحق على الباطل
ولا تشكك في اتباع الهدى.... ولا تصخ إن عذل العاذل
وادع فعندي أنها دعوة.... كاملة في رجل كامل
فأنت لا أنطقها كاذباً.... عالم أهل البيت والعامل
وأنت في صيد بني أحمد.... لا ساقط الذكر ولا خامل
لو عمل العالم في ظلمةٍ.... لم يخف ربي عمل العامل
والحق لا يترك أعني بها.... نفسي مكان الجمل البازل
ونحن أعوانك فيما جرى.... من كل خطب جلل نازل
كأنني انظر تا الله ذي الـ.... ـطول وعاليهم بها سافل
وهم وبيض الهند عصياننا.... شوارد كالنعم الجافل
فإن أعدَّوا السيف لم ينثلم.... والرمح لا تشكو من الحامل
فلا تسميني بنو أحمدٍ.... فوق سنام المجد والكاهل
يا أهل بيت الذكر حفوا به.... فالبيت محتاج إلى الآهل
وأخلصوا لله سبحانه.... في خارج الأعمال والداخل
كأنني انظرها شزباً.... تحكي قطا كاظمة الناهل
تؤمُّ بدراً من بني هاشم.... في أفق المجد بذي كامل

وله فيه وفي أخيه بدر الدين جواب قصيدة الفقيه شهاب الدين أبي القاسم بن الحسين السليماني :
وهذا شهيد بالذي قلتي حاضر.... مكين عظيم القدر سبط التراجم
أخو العلم شمس الدين يحيى بن أحمد بـ.... ـن يحيى حميد الفضل شيخ الفواطم
وشافعه بدر الهدى صنوه الذي.... دعا لم يخف في الله لومة لائم
فزرهم وقل ما شئت فيما حكيته.... وخذ بكلام الطيبين الأكارم
وله -عليه السلام- إلى الأمير بدر الدين [-عليه السلام-] :
ألا هل يحملنَّ لي البريد.... على خطر المسافة ما أريد
مغلغلة إلي باني المعالي.... ومن هو للعلى ركن شديد
سلالة أحمد مولى البرايا.... وقائدها وهاديها الرشيد
وأعظمها على الأعداء ركناً.... وأصبرها إذا اقترع الحديد
كتبت إليه عن قلب جريح.... تقلبه الخطوب كما تريد
أعزَّ بني النبي أباً ونفساً.... هزبراً لا يصدَّ ولا يحيد
بأن الدين ملبسه دريس.... وثوب الكفر موشي جديد
تغللت السلاسل في هوادي.... بني حسن وأثقلت القيود
وعطلت المساجد للبغايا.... وبالت في جوانبها اليهود
كفى خزياً لذي لب بهذا.... تجول على منابرنا العبيد
وأنت عمود هذا الدين فانهض.... وشمَّر أيها الهادي الرشيد
فقد فعل الأعاجم في البرايا.... فعالاً تقشعرّ له الجلود
ومثلك لا ينام عن المعالي.... ولا يثني عزائمه الوعيد

وله -عليه السلام- إليهما وقد بلغه فساد قوم من يام، فكتبها إليهما مع تراكم الأشغال:
إن النجاة لزوم خوف الباري.... وهو المزحزح عن عذاب النارِ
طال النوى من النفير إلى العدى.... ولقد عهدت و ما يقر قراريِ
كافحت أرباب الضلال عن الهدى.... متجرداَ قبل اخضرار إزاري
حملت أوزاري على عبل الشوى.... شيخ النسا لا حط من أوزاري
يا راكبي متن العناد وسالكي.... سبل الضلالة آذنوا ببوارِ
فالجرد تصنع والصوارم تجتلي.... والأسد تخطر بالقنا الخطارِ
وأنا الذي عرفت مواطن صبره.... في كل يوم حالك الأستارِ
بل أيها الغادي على غيهامة.... سرح النجا شملة محضارِ
بلغ إلى شمس الهدى وشقيقه.... بدر الهدى وبنيهما الأطهارِ
عني رسالة من يروم ببأسهم.... نعش الهدى وإبادة الفجارِ
المانعين الجار عند نزوله.... والرافعين نيارهم للساري
والضاربين الكبش تبرق بيضه.... في عارض كالعارض المطارِ
الجائدين إذا السماء بخيلة.... بالقطر والوافين للغدارِ
السائلين عن النزيل لبره.... والقائضين يداً على الزوار
والرافضي الدنيا الدنية خشية.... والقاطعين تسلط الجبار
شيخين من آل الرسول تسابقا.... وبنوهما سلكوا على الآثار
مدحتهم أم الكتاب فكم عسى.... تعطيهم المداح بالأشعار
هم قادة للمسلمين وسادة.... في دارنا هذي وتلك الدار
وبهم حياة الدين بعد مماته.... وهم ولاة النقض والإقرار
أو ليس يحيى قام قومة جده.... يحيى فشال الدين بعد عثار
ودعا لمنصور تطاول سؤله.... في أن يكون له من الأنصار
ديناً لعمرك خالصاً ودراية.... بمواقع الإيراد والإصدار

وأخوه بدر الدين قاد إلى العدى.... جيشاً كمثل الزاخر التيار
فشفى صدور المؤمنين ولم يدع.... للظالمين بدارهم من دارِ
وله مواقف لم يكن ليقومها.... في الروع إلا كل أغلب ضارِ
وبنوهما السادات أنوار الهدى.... شم الأنوف سلالة الأخيارِ
آل النبي هم النجوم وإنما.... ليس الكواكب كلها بدرارِي
ما للشموس وللبدور مقيمة.... ببروجها وكواكب الأسحارِ
وله مواقف لم يكن ليقومها.... في الروع إلا كل أغلب ضاري
وبنوهما لسادات أنوار الهدى.... شم الأنوف سلالة الأخيار
إن النبي لهم النجوم وإنما.... ليس الكواكب كلها بدراري
ما للشموس والبدور مقيمة.... ببروجها وكواكب الأسحار
والعزم ماض والأنوف حمية.... والظالمون على شفير هارِ
ولكم من الله العظيم جلالة.... في قلب كل منافق ومماري
جاء الحديث بأن ياماً قد عدت.... أطوارها وتعرضت لشفارِ
وتجككت ببني السبيل ضلالة.... وزنادكم في كل خطب واري
إيهاً بني الهادي فأنتم في بني.... الزهراء كالاسماع والأبصارِ
هم كالنهار وأنتم أنواره.... والفضل للأيام بالأنوارِ
لولا أبوكم زار عني روحه.... أزكى صلاة الواحد القهارِ
أحيى معالم دين أحمد جاهداً.... وكساه برديه لأصبح عاري
قد قلت للساعي أصيلاً قدك لا.... تهلك فهم سبقوك وجه نهارِ
مرعى وبعض النبت يفضل بعضه.... أفعندك السعدان كالجرجارِ
ما جل من خطب أتوه جهرة.... جذلين غير مقلمي الأظفارِ
متقلدين صفائحاً هندية.... يقطعن متصلاً من الأعمارِ
شمَّ الأنوف يزيد في إقدامهم.... كلب العدا وتغلب الأشرارِ

إن تلقهم في السلم تلق زواخراً.... أو في الوغى تلق القضاء الجاري
كالماء ليناً للضعيف ورقة.... ولضدهم أقسى من الأحجارِ
شغفوا بكسب المكرمات وبالعلى.... شغف الفرزدق قادماً بنوارِ
إن تلقهم لا تلقى إلا كاتباً.... أو خاطباً أو قانتاً أو قاري
أو مرشداً في العلم أو مسترشداً.... أو قائداً للجحفل الجرارِ
أو كاشفاً خطباً عظيماً باهضاً.... ثقلاً لحيي يعربٍ ونزارِ
أنتم بناة الحق فاحموا سرحه.... من كل أطلس خاترٍ مغوارِ
ومما يدل على تعظيم الإمام المنصور [بالله] -عليه السلام- للأميرين المذكورين [من] إنصافه لهما في جواب عليهما؛ لأنه كان له أمير متولياً على صعدة وهو الأمير سليمان بن موسى الحمزي، فاتفق في أيام ولايته أن أخرب قهرة مزيد، وهو رجل من بني مالك، له تعلق بالأميرين المذكورين، فبلغهما ما اتفق فكتبا إلى المنصور يذكران له ذلك، ويستنكران إثقاله للمغارم على الرعية، وعمله بخلاف السنة النبوية، وأنه فعل أفعالاً لم تفعل في دولة سيف الإسلام، وأنه [قد] أقدم على نقض الذمة في أمر مزيد، ويربوع وخراب القهرة.

هذا مضمون كلامهم في الكتاب، فلما وصل إلى الإمام المنصور [بالله –عليه السلام-] أجاب عليهما، فكان من جملة كلامه: وما ذكراه أدام الله عزهما من التغريم بخلاف السنة النبوية، فلو اعتقدناه خلاف السنة ما أقررنا سليمان عليه، ولا حابيناه في حق الله تعالى، لو كان يملك لنا الأرض، ولكن عندنا أن التغريم للجنود المحقة جائز، وأنتما الشاهدان [المحقان] الصادقان لنا على أهل الحقل بأنَّا كتبنا إليهم، وإلى أهل صعدة أن يرجعوا، ولا يخالطوا الظالمين، فخالفوا الأمر، وكانوا يداً ورجلاً لأعداء الله، وأما الذمة لمزيد ويربوع، فلم يقع في ذمة كبار المسلمين وأمرائهم، فكيف وأنتم في الدين قدوة، ودعاة رسل، وأئمة هدى! وأما أنه لم يفعل هذا في دولة سيف الإسلام –لعنه الله- فإن كان المراد أنه أكثر، فلا يمنع أن يدفع المحق أكثر مما يدفع المبطل، والحديث هل يجوز التغريم أم لا يجوز؟ فأما الفعل في قهرة يربوع، وقهرة مزيد، فما أوجبه شرع النبي ً بحكمكم، أو حكم من نتصوبه على سليمان بن موسى لم يقدر على الامتناع منه في روحه، ولا في عسكره لو كان في ألف فارس لم يمتنع منكم من صاحب العصا، ووجه الحق وقاح لا يستحي من أحد، ولو وجب عليكم حق تحملته ديناً ومنعاً، ولو تعبنا فيه، وتلفت نفوسنا نريد بذلك رضاكم لله تعالى، ولكن لا تعجلوا حتى تتبينوا، انتهىمختصراً، وكانت وفاة الأمير شمس الدين –رحمه الله [تعالى] - عن تسع وسبعين سنة، وقبره في [هجرة] قطابر مشهور مزور، وقد نظم في ذلك بعض أهله فقال:

ألا إن شمس الدين يحيى بن أحمد.... تقضت لياليه بشهر المحرم
لست مئين حجة قد عددتها.... وست سنين بعد ذلك فاعلم
وعاش من الدنيا ثمانين حجة.... سوى حجة والمرء غير مسلم
وتوفي أخوه بدر الدين محمد بن أحمد يوم الخميس، في نصف رجب من سنة 614 [سنة] في هجرة قطابر أيضاً، وقبره بها مشهور مزور عن خمسة وثمانين سنة إلا شهراً، وللإمام المنصور بالله في الأمير شمس الدين ترثية بليغة وهي:
ما خير عيش به التكدير معتلج.... وغايتا منتهاه الموت والهرمُ
يمسي ويصبح والآمال طامحة.... والموت مغترمُ والعمر منهزمُ
الحمد لله لا ندُّ يشابهه.... إذ لا يجوز علية الفوتُ والعدمُ
ما أعجب الأمر للرّآءي بفكرته.... إن لم يخن مشعريه الطمس والصممُ
يا يوم أحمد قد أبقيت في كبدي.... كَلْماً فلم يبره من بعدك الكلمُ
[ومنها] :
لولا المنية حتم لا مرد له.... لكافحت بهما من دونك البُهُمُ
وماتت الخيل والأبطال مقعصة.... بين الخميسين والمزان والخدمُ
وقام نقع وأيدي الخيل سابحة.... والسمهرية مأطور ومحتطمُ
وخضتها وعوالي السيف منصلت.... والخيل يقرعها الخرصان لا اللجمُ
في فتية من بني الهادي وإخوتهم.... من آل حمزة لا ميل ولا قرمُ
ومن بني القاسم الأبطال إن لهم.... مكارم حسرت من دونها الأممُ
ومن بني حيدر غر جحاجحة.... يرون دونك كأس الموت يُغتنمُ
لعا لشمس الهدى والبدر إنهما.... خير البرية منخص ومنهدمُ
شيخان من آل طه كلما نطقا.... تساقط الدر والأمثال والحكمُ

بحرا نوال وعلم كلما وهبا.... مواهب خجلت من وقعها الديمُ
ليثا نزال و سيفا كل ملحمة.... مرهوبة وجباه الخيل تصطدمُ
قد أنجبا نفراً غراً جحا جحة.... لا يسامون العلى إن معشرٌ سئموا
يبنون في المجد ما أبنت أوائلهم.... ولا يصدَّنهم خوف ولا عدمُ
شم العرانين في العلياء همتهم.... وليس همتهم شاء ُولا نعمُ
فرحمة الله زارته مكررة.... ما لاح في الأفق نجم أو جرى قلمُ
[ومنها] :
فقل لأبنا أبينا الصبر شيمتكم.... إذا تبدلت الأخلاق والشيمُ
أنتم سنام بني الزهراء فاطمة.... والرأس إذ في بنيها الرأس والقدمُ
ولاغرو إن مات من ساداتكم رجل.... فما مضى علم إلا بدا علمُ
الموت باب وكل الناس داخله.... وكأسه دائر في الناس كلهمُ
انتهت [فليقع الرجوع إلى الإتيان ببقية ما نظمه السيد]، وهو من تتمة الكلام في أخبار الإمام المنصور بالله -عليه السلام- مع من تقدم، فنحسب جميع ذلك منه بدليل رد الضمير إليه في قوله:

[ذكر المشرقي والعفيف]
وما رعى المشرقي الندب حرمته.... بعد العفيف عفيف الثوب والأُزرِ
المشرقي هو: محمد بن منصور بن مفضل الكبير من آل يوسف، دعا بعد موت عمه العفيف، وعارض [الإمام] المنصور بالله [-عليه السلام-] وإلى هذا أشار السيد صارم الدين بقوله: وما رعى حرمته؛ لأنه صدر منه [وإليه] ما يطول شرحه، ويسوء قبحه، ولا أدري لِمَ سمي المشرقي؟ ومات ولا عقب له، وأما عمه [العفيف] فتكنى بالمنتصر، واسمه محمد بن المفضل الكبير بن الحجاج بن علي بن يحيى بن القاسم بن يوسف الداعي، وكان بين العفيف و[بين] الغز وقعات قبل قيام المنصور بالله[-عليه السلام-]، ولما دعا المنصور بالله والاه، ونصره وأحسن صحبته، ثم توفي في شهر صفر [في] سنة ستمائة في هجرة وقش، وله عقب، منهم السيد صارم الدين ناظم هذه المنظومة، هو وآباؤه -عليهم السلام-، وللإمام المنصور بالله -عليه السلام- في العفيف هذا ترثية عظيمة أحببت الإتيان بها هنا؛ رعاية لحق العترة الكرام -عليهم السلام-، وهي:
أقول وأيام الحياة قليل.... وقد غالت الأحباب بعدك غول
ألا كل حي ماخلا الله هالك.... وليس إلى نيل الخلود سبيل
نظل ونمسي والحمام كأنه.... علينا بإتلاف النفوس كفيل

فلا تجزعن فالكل حي وميت.... وللشمس من بعد الطلوع أفول
لعمري لئن مات العفيف محمد.... لرزؤ فصبر ما علمت جميل
فتى من بني بنت النبي محمد.... أغر كنصل السيف وهو صقيل
سقى جدثا وارى سواد محمد.... أجش هديم الجانبين هطول
ولا زال ريحان ومسك وعنبر.... على القبر تذويه صبا وشمول
لئن قلت غرتنا عليه إحالة.... وطبع مزاج إنني لجهول
ولكن رآه الله أهل جواره.... فحمّ له بعد المقام رحيل
ونحن على حوض المنية شرَّع.... شباب وأشياخ معا وكهول
تقول عقول: شمروا وتأهبوا.... ولا مال إن الظاعنين حلول
خداع حليم القوم يعرف أمرة.... فيرتاع والجهال عنه غفول
لنا في رسول الله أعظم أسوة.... فقد مات خير الخلق وهو رسول
ومات أمير المؤمنين شقيقه.... وصنواه ماتا جعفر وعقيل
وأبنآؤهم صلى الإله عليهم.... غيوث نوال والأنام طلول
فلو كان من حوض المنية ذائد.... لماتت كماة دونه وخيول
وجاش خميس للخميس وقصفت.... رماح لتحمي شخصه وتصول
وهان علينا أن نخوض غمارها.... لأحمي خليلاً في الدفاع جليل
فيا حاملي رضوى عظيماً حملتم.... وزال أجبال الحجاز تزول
………………
أشم طويل الباع من آل هاشم.... له حسب لا يعتريه خمول
فنعم مناخ الركب شافته قرة.... شامية نفاخة وبليل
إذا راح فحل الشول رتكاً وخلفه.... صفايا مطافيل أشاً وأفيل

وقاتل كلب القوم من ثأر أهله.... ليربص فيها والمحاجر حول
هنالك تلقى وجهه وكأنه.... هلال وبشر الماجدين قليل
ويعطي إذا عز العطا كل سيد.... ويبسط بشراً وجهه وينيل
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟......ويبكي جبان فيهما وبخيل
ما من يد في الناس إلا وكفه.... إليها على طول المنال تطول
حليم كريم أريحي مهذب.... قطوع لأسباب العناد وصول
إذا سيل معروفاً يكاد خفيفه.... وإن عظم المطلوب منه يسيل
فيا نفس صبراً كم تعدين مجده.... عريض يبذ الحاسدين طويل
فتى بين يحيى بن الحسين وقاسم.... فروع نبوات له وأصول
فصبراً بني بنت النبي محمد.... وأشياعكم إن العزاء قليل
وهذا ما اتصل بي من خبر هذين الشريفين، فإن ظفرت فيما بعد من خبرهما بما تقر به العين، حسبما قصدته في نشر فضائل أولاد السبطين، ألحقته به ابتغاء إحدى الحسنيين.

[ذكر ما كان بين المنصور بالله عبد الله بن حمزة والأمير يحيى بن أحمد بن سليمان]
[قوله -عليه السلام-] :
وكان من رهطه في ثافت حدثٌ.... إلى ابن أحمد يحيى غير مغتفرِ
[ثافت: بالثاء المثلثة بعدها ألف بعد الفاء تاء مثناة من فوق]، وقد يقال: أثافت بالألف قبل المثلثة، وهو معقل حول كولة أهل أبي الحسين، كان في المدة الماضية، فأخربه محمد بن الإمام أحمد بن سليمان، لما نقم بثأر أخيه نقلت ما نقل عن خط السيد صارم الدين، أن الأمير يحيى بن أحمد بن سليمان كان من الأبطال والفصحاء، ولما دعا [الإمام] المنصورلم يلب دعوته، وخرج إلى الملك المسعود ورجع إلى ثافت، فلزمه المنصور أسيراً، ثم إن أصحاب المنصور قتلوه خنقاً بالعمائم، فنفر بنو الهادي إلا قليلاً، بعد أن حلف لهم المنصور بالأيمان البالغة ما علم ولا أمر.
قال السيد إبراهيم: وكان هذا أول حدث بين هذين البطنين، وقتل أيضاً ولده علي بن يحيى بالجبجب قتله أيضاً بنو المنصور. انتهى.
ونقلت [أنا] أيضاً من ديوان المنصور أبياتاً تدل أنه -عليه السلام- كان كثير التألم من يحيى هذا، وذلك أنه نقل عنه إلى المنصور أنه قال: لولا عبد الله بن حمزة ما ذكر بنو حمزة بشيء من الفضل، فكتب إليه هذه الأبيات:
لا أعدُّ القبيح منك قبيحاً.... بل أرى كل ما فعلت مليحا
و أداوي جراح قلبي فقد.... صيرته بالجفا منك جريحا
ولأهلي نعيت ذماً صريحاً.... ثم أصحبته إليَّ مديحا
ما أرى صنوهم بذلك يرضى.... وهو يحوي ذهناً ولسناً فصيحا
ولعمري لقد نصحتك في كل.... أموري لكن عصيت النصيحا
وإذا ما أبيت نصحي فلا قول.... سوى ما أقوله تصريحا
ليس للأقربين فيك نصيب.... فاستمع من أخيك قولاً صحيحا
وعليك السلام في كل حين.... كل ما صاحب الغمام الريحا
وصلاة الإ له تختص في الدهر.... علياً وأحمدا والمسيحا

[أخبار الإمام الداعي المعتضد بالله يحيى بن المحسن بن محفوظ -عليه السلام-]
وأضرمت بين داعينا وصاحبه.... محمد نار حرب جزلة الشررِ
جدت ظفار وحوث في عداوته.... وقام فيها أبو فتح مع العذرِ
المراد بالداعي هو: الإمام المعتضد بالله يحيى بن المحسن بن محفوظ بن محمد بن يحيى بن يحيى، من ذرية الهادي -عليه السلام-، فإنه دعا بعد المنصور بالله، وحكي عن المنصور بالله أنه قال: مع الداعي علم أربعة أئمة وقال به شيعة صعدة، ومن انضم إليهم من الأشراف، وعاداه شيعة الظاهر جميعهم، كالفقيه حميد المحلي وغيره، وأقاموا عز الدين محمد بن المنصور محتسباً، وكان بين الداعي وبينهم مشاعرات ومراسلات معروفة، وكان مفلقاً، بطلاً، شجاعاً، إلا أنه قليل حظ، وأهله يروون حديثاً عن النبي ً، معناه أنه قال: ((سيخرج من أولادي رجل ينفث بالشعر كنفث الحية بالسم)) أو ما هذا معناه، ويقولون هو المعني بهذا الخبر، لغزر قريحته، وفصاحته، وسهولة الشعر عليه، وأنا أقول: إن صحَّ الخبر فلا نسلم أنه المعني به، فإن أكثر أهل البيت لهم من الفصاحة والانتقال على الشعر أكثر مما لهذا الإمام، ففي الرواية عن ابن خلّكان، وقد ذكر الشريف الرضي الموسوي وغزارة فصاحته، فقال : هو أشعر الطالبيين على كثرة شعرائهم وفصحائهم، قال: فإن قلت: هو أفصح قريش لم أبعد. انتهى كلامه.

ففيه ما يدل على كثرة فصحاء العترة، وهو دليل على ما ذكرته فاعرفه موفقاً، وللداعي هذا مصنَّفات في العربية، وفي أصول الفقه: (كتاب المقنع)جزءان صنف الجزء الأول وعاقه عن تمامه الحمام، فألف الجزء الثاني السيد العلامة محمد بن الهادي بن تاج الدين، وللداعي في كتاب (المقنع) شعر، وهو:
هذا الكتاب كتاب المقنع الشافي.... أزرى على الكتب في مجموع أوصافِ
دحى معان تجلى منه في شهب.... من الكلام درارٍ بين أصدافِ
أدلة كسيوف الهند قاطعة.... صقلتها بصقيل الفكرة الصافي
وما احتذيت مثالاً فيه عن أحد.... إلا طريقة آبائي وأسلافي
وله أيضاً (رسالة جواب على الشتوي) فيها علم جم، أوردت منها أكثرها هنا من خط [حي] الفقيه المرحوم محمد بن ناجي الحملاني، قال في أول خطه: ومن رسالة الأغلب أنها للداعي، وأما حي السيد العلامة الهادي بن إبراهيم فقال في (كاشفة الغمة) : إنها للأمير الكبير [بدر الدين] محمد بن أحمد، قال: إنه جوَّب بها على الشيعة المذكورين عن الداعي؛ لأنه كان قائلاً بإمامته،ولعل رواية السيد في (كاشفة الغمة) هي الصواب، والله اعلم.

قال المجِوِّب: أما قوله سأل المنصور الشيخ محي الدين النجراني عن خمسة آلاف مسألة، فلعلها خمسمائة فيما أحسب، أو أقل من غير نقص في مبلغ علم المنصور، وغزارة فهمه، بل أخبرنا عمَّا كان وشاهدناه، وأما أن مدة البحث كانت أربعة أشهر، فهي كانت دون ذلك، وأما التسرع إلى تحمل هذه الأعباء الثقيلة، أو التحرج عنها، فكلاهما فعله السلف علي –عليه السلام-، قال: أنا لكم مشير خير من أمير، وقال أبو بكر: وليتكم ولست بخيركم، وقال عمر: لو كان سالم حيّاً ما داخلني فيه شك، ونقيض ذلك أن علياً –عليه السلام- لم يسمح بحقه بل عدد فضائله، وهو أجلى من الشمس، وروي أن أحد السيدين المؤيد و أبا طالب بعث أخاه ليختبر له الناس إن دعاهم فدعا لنفسه، أو ليس الغيرة من الإيمان{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ }[الحديد:21] والبدار إلى ذلك بأن تنظم في سلك المناقب والمدائح، أولى من أن تجعل في منثور المعائب والقبائح، قام زيد بعد قتل الحسين ثم ولده يحيى، و إبراهيم بن عبد الله -عليهم السلام- بعد قتل أخيه المهدي، بلغه نعيه وهو في صلاة الجمعة، فدعا إلى نفسه بعد فراغ الصلاة، والناصر جاذب الداعيين[رداهما] مع علو مكانهما، وسمو قدرهما وشأنهما، وأنا قرأت في أصول الدين سبع سنين، ولي في أصول الفقه تصنيف، لم أسبق إلى مثله، وهو (المقنع)، أوضحت فيه الأمثلة وأوردت فيه من الأسئلة مالا يكاد يوجد في غيره، وقرأت الأصولين على الفقيه [الأجل] ترب الإمام المنصور سليمان بن عبد الله السفياني وتغيبت (التحرير) وقرأت على شمس الدين، ومحمد بن أحمد النجراني، وعلى

الأمير علي بن الحسين ومعلوم أن في (التحرير) بفوائده وفصوله ما يزيد على عشرين ألف مسألة، ولم يكن فقه العترة قبل الهادي والقاسم إلا مجموع الفقه في ورقتين أو ثلاث، وهو إنما تحصل أعني الفقه برد الفروع إلى الأصول، مع طرف من الآثار، وزبد من الأخبار، ولي في العربية تصنيف كافٍ، وقد قيل: إن الإمام إذا كان عربي اللسان لم يحتج إلى علم النحو، وقرأت (ضياء الحلوم) و(أصول الأحكام) وفيه ما يزيد على أربعة آلاف خبر، وليس [يحتاج] من الأخبار إلا ما يختص بالشرع، وقد قيل: إن أبا بكر لم يكن يروي من الأخبار إلا أربعة وعشرين خبراً، ولعمر مسائل فيها خطأ كمسألة العدة، ومسألة الحامل، ومسألة دية الأصابع، ومسألة المطلقة المبتوتة، ومسألة المهور و [مسألة] الفروع، أكثرها يستفاد بالقياس والاجتهاد، والنبي ً يقول: ((اختلاف أمتي رحمة)) وكل مجتهد مصيب، وقال علي -عليه السلام-: (إن اجتهدت وأصبت فلك عشرة أجور، وإن أخطأت فلك خمسة)، وفي بعض الأخبار: [فلك] أجران وأجر، وأبو بكر قضى في الجد بسبعين قضية، وابن عباس نفى العول، وقال: من شاء باهلته، واختلاف الصحابة في مسألة الجد، ومسألة الحرام ظاهر، وهو في بطون الصحائف مأثور، ومع ذلك فكان البعض يصوب الآخر، ولعلي – عليه السلام- من القضايا ما لو أجاب به بعض أهل العصر لعد جاهلاً، كقوله: العبد لا يملك من الطلاق إلا اثنتين، ولا يتزوج إلا اثنتين، وقوله في أمة تتابعها ثلاثة في طهر واحد: يقرع بينهم، ويغرم القارع، لكل واحد من الآخرين ثلث القيمة، وقضى في بغل شهد أربعة أنه لفلان، وثلاثة أنه لفلان

بأن يقسم بينهما أسباعاً، وفي الخنثى بالأضلاع، وبيع أمهات الأولاد، وحكي عنه الرجوع في ذلك، وأجاز زيد: نكاح الكتابيات، والمؤيد بالله يقول في مسائل كثيرة: وأخشى أن قول يحيى –عليه السلام- خارق للإجماع، وأما الفقهاء فاختلافاتهم عجيبة حتى أن من العلماء من قال: لو أفتى مفتٍ بغير علم ما أخطأ قول مجتهد.
قال: وصنَّفت في الفرائض كتاب (البلغة) وأما التفسير فهو من هذه العلوم وأما القصص فقد قرأت فيها كتباً من جملتها كتاب (العرائس في المجالس) وطالعت (تفسير الحاكم) وهو لا يحتاج [فيه] إلا إلى مجرد المطالعة بعد فهم هذه الفنون، وقد قال المنصور: مع الداعي علوم لا يحتاج إليها الإمام، وقال: ما نعلم في دار الإسلام اعلم من فلان، وأما السخاء فقد قال بعض العلماء: إذا كان الإمام تقياً حمله ذلك على وضع الحقوق [في] مواضعها، وشجاعته شهد الأمير علي بن الحسين، ولم يثبت هذا إلا في موضعه.
قلت: [و] هذا الكلام الأخير يدل على أن المجوَِّب غير الداعي، ومن هذه الرسالة: وأما الجاحظ فقوله ليس بحجة، وفي الناس من أخرجه عن دائرة الإسلام فضلاً عن غير ذلك.

قال: وأما رجوعنا عن قول إلى خلافه، فليس فيه نقص، والانتقال عن اجتهاد إلى اجتهاد آخر جائز، بل واجب عند وضوح الحجة، ومن العلماء من له قولان في مسألة، ومنهم من له ستة أقوال، علي -عليه السلام- رجع عن بعض قضاياه، والهادي ربما قال في (الفنون) بخلاف قوله في (الأحكام)، وفي (الأحكام) بخلاف قوله في (المنتخب)، وأما قولك: ليس للإمام قوة على تدبير الحروب، وهي أعظم الخصال، ولهذا قَّدم النبي ً عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، والوليد بن عقبة على جلة من المسلمين في الغزوات و[في] الحروب.
فالجواب: أنه إذا حصل برهان بقوه التدبير لزم الرجوع إليه، والذي لا يجوز عليه البدي هو الله تعالى، وأما الخلق فيخفى عنهم من الصلاح ما كان ظاهراً، ويظهر لهم ما كان خافياً، وقد ظهر لنا ما خفى عنك:
ونحن بنو بنت النبي محمد.... ونحن بأطراف الأسنة أذرب
وأما قولك: ليس من الورع نكث بيعة الإمام السابق، وقد علم أهل جهاتكم أنه بايع في حياة [الإمام] المنصور بالله للرضى من آل محمد، وأوهم أن الأمر له، ولما عوتب جحد المبايعة، ثم أقرَّ لتاج الدين وسواه بالبيعة.

والجواب: إن النكث إنما يكون بالمنابذة والمحاربة والتبري، ولم يفعل شيئاً من ذلك، بل توقف وطلب البحث، وقد اجتهد كثير من العلماء [وغيرهم] في أن يعلمهم بمجرد الأسئلة التي سئل عنها المنصور بالله ما هي؟ فامتنع تحرجاً أن ينسب إلى الطعن، وأن تقع الشبهة في قلب [من] لا يمكنه حلها، أو يقع تشنيع من الفرق الضالة، وغيرهم من بعض العترة يأخذون السؤال، ويتركون الجواب، كما فعله أهل عصر هاروت وماروت: نزلا يعلمان الناس السحر وبطلانه فيعلموه لا بطلانه، والذي نعلم أن رحى الحرب [كانت] دائرة بين أصحاب ص بالله في مسور، وبين السلاطين بني عبد الحميد، فلم نكثر سوادهم، ولا نكثنا عهداً، ولا جندنا جنداً، مع التمكن من ذلك، وبذل ما يحتاج إليه من الأموال، فما منعنا من المحاربة إلا الألباب الحاضرة، وأما وقوع البيعة، فالمعلوم أنَّا بايعنا للقائم من آل محمد من غير تعيين، وليس في هذا تناقض؛ لأنه سئل هل بايع لنفسه؟
فقال: لا، وأخبر [آخر] : أنه بايع للقائم من آل محمد، فلم يرجع الكلامان إلى معنى واحد، وقد كان في المدة الماضية تأتي من ص بالله أخبار متناقضة، وهي جنس ما حكاه السائل من أخبار علمنا كذبها، وتحققنا محالها، وأما قوله: لا يجوز دخول مسور وجهاته.

فالجواب: أنها ليست بدار حرب على قول كثير من العلماء والأئمة؛ لأن منهم من يشترط غلبة الكفر، وفيهم من يشترط المتاخمة لدار الحرب، ولأن اليد والقهر إنما هما لأولاد السلطان محمد بن حسين، ولم يحك لنا أن فيهم باطنياً، ولا مطرفياً، ولا جبرياً، فقد صاهر السلطان صعصعة الأمير عماد الدين وهمَّ بها المنصور [بالله] وأما السلطان سليمان فقد وصل إلى المنصور إلى قلحاح وغيره، وتاب على يديه من الظلم؛ ولأنه يجوز دخول دار الحرب لقضاء الحوائج ذكره أئمتنا، وقد روي أن المأمون لما استقر له الأمر لم يبق طالبي إلا وفد عليه حتى النساء والولدان، وكان عقيل بن أبي طالب يفد على معاوية، وكذلك ابن عباس، وعبد الله بن جعفر، وأكابر من فضلاء الصحابة.
ومن هذه الرسالة: وأما قولك: إنه يسب الإمام بشهادة القاضي علي بن أبي السعود، وهو من مقبولي الشهادة.

فالجواب: أنها حكاية باطلة، وقد كذب القاضي بمحضر جامع فعليه التوبة وأما قولك: التوبة وإن كانت مجزية فلا بدَّ من إذاعتها، ولا يقضى بصحتها إلا بعد خبرة سنة، فلا نسلم الإقدام على معصية لعدم الدليل، وإن كان ليس بمعصوم، والتوبة إما عن اعتقاد فيقضى بصحتها في الحال، ذكره أئمتنا -عليهم السلام-، وإما من فعل، فمنهم من قال: لا بد من اختباره بسنة في معرفة العدالة، والمسألة إجتهادية، فأما قوله: بلغنا أنه كان من التدبير القعود عن القيام في صفر، فغير صحيح؛ لأن هذا عمل المنجمين، والدعوة المباركة ما انشرت إلا يوم الثلاثاء آخر صفر، وقد تزوج علي -عليه السلام- فاطمة فيه، وص بالله تزوَّج بنت هديان فيه، فأما ما يروى عن النبي ً(( من بشرني بخروج صفر ضمنت له على الله بالجنة))، فقد حكى الفقيه عمرو بن جميل، عن شيخه فخر الدين الحسني في معناه وجهاً يقرب وهو أن جبريل -عليه السلام- أخبره أنه يقبض في شهر ربيع، فأحب لقاء ربه. انتهى ما اختير من هذه الرسالة، ويتلوها نبذة من شعر الداعي:
ويا شيعة الهادي إلى الحق هل لكم.... إذا سأل الله العباد جوابُ
رجوتكم أن تنصروا وتعاضدوا.... ونصرتكم لي غيبة وسبابُ
أيعجزكم حمل المواضي لنصرتي.... فأثقل من سيف عصاً وجرابُ
وقد كان في غربان يوم عصبصب.... وفي الجبجب المعمور فهو خرابُ
وله أيضاً:
كان منهم ظربيون مضوا بالضُـ.... ـب ضرباً وطعناً بالعوالي
سل بهم نجران والحقل معاً.... وشباماً وذماراً وأزال
وله أيضاً:
وإني لأعفو عن صديقي إذا جفا.... وأملي له حتى يفيء إلى الودِ
نسيبي الذي يصفي ودادي بقلبه.... وإن لم يكن في حالةٍ جَدّهُ جدي

وله أيضاً:
أنا كنز الله في الأرض وما.... قلت في دعواي هذا كَذِبا
وأمين الله في الخلق فهل.... غير هذا أبتغي لي مكسبَا
وإذا صدت مَعْدُّ لم نُلَمْ.... إن دعونا للعلا أبنا سبَا
حمير الشمِّ وكهلان الألى.... كرموا فرعا وطابوا منصبَا
أرجح الناس حلوماً عن يدٍ.... إن رياح الطيش طارت بالخبَا
ركبوا الخيل وراضوها وكم.... حازها غيرهم ما ركبَا
نعلوا الخيل حديداَ وغزوا.... وسبوا بيضاً يكلفن السبَا
ثم شادوا قصر غمدان الذي.... من ديار السعد تأتيه الجبَا
ولهم حظ بإفريقية.... وبوادي الرمل يبدي العجبَا
وله في المنصور [بالله] -عليهما السلام-:
وأحسن منها مدح صفوة أحمد.... إمام الهدى في كفه الحل والعقدُ
تقمَّص بالمعروف واعتَّم وارتدى.... رداء المعالي فالمعالي له بردُ
وله إلى الحسن القاسمي [-رحمه الله تعالى-] :
وفي مكة قام الخطيب لجدنا.... وأدت عمان خرجها وهي تسأمُ
وكان لكم سبعون حصناً مشيداً.... ذُمَرْمَرْ منها دونه الطير حوَّمُ
ومنها ذخار مع ثلا وشهارة.... ومسور منها بالسحاب معممُ
وفي بكر قد كان منكم عصابة.... لهم دون أسباب السماوات سلمُ
وما بالنا يا آل يحيى وقاسم.... نهان ونرمى بالهنات ونهضمُ
وما كان غربان بدار مزلة.... ولا دربنا حتى يُهْدُّ ويهدمُ
وله إلى الأمير المؤيد بالله أحمد بن القاسم:
فلا العيش إلا الوصل والدهر نائم.... ولاعزم إلا مانضاه المؤيدُ
أمير سليمان وتاج فخارها.... وركن علاها في الزمان المشيدُّ
حوى الملك إرثاً عن أبيه وجده.... فما كان في مجد طريف ومتلدُ
فعن قاسم عن غانمٍ عن أبيهما.... وعن حمزة كان الأساس الموطدُ
وما كان إلا نشر أيمن دعوة.... إلى الخلق يهديهم بحق ويرشدُ

فعارضها أبناء حمزة عَنوةٍ.... ومالوا إلى الشتوي جهلاً وقلدوا
أترضى بهذا يا سلالة قاسم.... وكشف حريم جدهن محمدُ
وقتل أمير من بني الحسن الرضى.... إمام الهدى جد له ليس يجحدُ
وإنهاب أموال وغصب صوافي.... على ذمم والله في ذاك يشهدُ
هم حسدونا إرثنا من جدودنا.... ضلالاً وأرباب الرئاسة تحسدُ
ثلاثون منا من إمام نعده.... ومحتسب هل فيهم ذاك يوجدُ
أبونا الرضى الهادي إلى الحق خير من.... تضمنه في باطن الرمس ملحدُ
وسبطاه منا المرتضى وشقيقه.... أبو حسن يثنى عليه ويحمدُ
له قادم أدت عمان خراجها.... وفي مكة قام الخطيب المسددُ
ويحيى ومختار الإمام ويوسف.... ومن ولد المختار قام محمدُ
ومنَّا ابن زيد قام بعد محسن.... وأحمد كم ذا من إمام أعددُ
نقمتم بثأر القاسمين لقاسم.... وشملهم في كل أرض مبددُ
وقد تم إلى جوف المجورة جحفلاً.... كثيفاً كموج البحر والبحر مزبدُ
وله أيضاً:
سقي ربعهم بين اليريم وسيران.... سحائب مزن صادق الوبل هتّانِ
وجاد على تلك الربى من شهارة.... فطود ذري كل أسحم حنَّانِ
إلى صورٍ يرخي الخمول وينثني.... يجود بأحلاف الحياء طود عيشانِ
فشام فأكناف السواد فأفرق.... فأدوار حتى ينتهي صوب جوعانِ
وقالت ذرى خولان أين تيممي.... فقلت إلى الأهنوم ذروة همدانِ
كراث ومكنى فلله حمزة.... و إخوتها أبناء عبيد وسفيانِ
ومن كان من ابناء شام وحاول.... مقيماً على عادات جود وإحسانِ

ولله من أبناء نسر ضراغم.... ونوف وعوف نسل أسياد خفانِ
وإخوتهم أبناء كفيل وفاحش.... وحي جميعاً أي صيد وأعوانِ
وما أنا بالناسي ظليمة بعدما.... عرفت الولي منهم بسر وإعلانِ
قبائل غرّ ينطح النطح فخرهم.... وتسموا معاليهم على برج كيوانِ
وناد بخولان ابن عمرو إمامهم.... فلبت سراعاً نحوه صيد خولانِ
قبائل حلت في قتام ويسنم.... وبين فقيع قد أقاموا وقيوانِ
مآثرهم في الجوف تحكى وحجة.... وفي شظب تروى وفي رأس يونانِ
وهم فتحوا مقراً معاً وسحولها.... وهم عسكر يزهو بهم كل سلطانِ
هذا ما استرجحت نقله من شعره -عليه السلام-، وتركت مافيه [من] المعارضة والمجاوبة لبعض العترة وشيعتهم لمحبتي للجميع، ولما في [ذكر] ذلك من التشنيع الوسيع، على أهل هذا البيت المنيف الرفيع؛ ولأن راوي الشتم له [كان] كالمذيع، وشريك في التوبيخ والتقريع، وكانت وفاته -عليه السلام- في شهر رجب [من] سنة ست وثلاثين وستمائة وقبره في ساقين من بلاد بني بحر مشهور مزور، وله ذرية كثير في نواحي من الجهات الخولانية.

[ذكر عز الدين محمد بن الإمام عبد الله بن حمزة]
وأمكنت من بني المنصور إذ قصدوا.... صنعاء من خيل أهل الشام في زمرِ

قد تقدمت الإشارة إلى أن عز الدين محمد بن الإمام المنصور بالله انتصب محتسباً بعد موت أبيه، واستقرت يده على جميع بلاد أبيه بعده، وعاونه علماء الظاهر وغيرهم، وتقوت شوكته، وساس الأمور، وقاد الجمهور.
قالوا: وكانت له سيرة مشهورة، وأيام منتظمة مذكورة، فمما نقلت أنا من سيرته أنه لما اجتمع له في سنة ثلاث وعشرين عساكر جمة شاور أمراءه ووزرآءه أين يقصد بهم؟ فأشاروا عليه كل من حضر بمبلغ علمه، وانصرم أمرهم على قصد صنعاء، والصيد كل الصيد في جوف الفرا، وكان في صنعاء يومئذ الملك المنصور عمر بن رسول.

قالوا: فسار من صعدة إلى أن وازى حوثاً ومعه إخوته أولاد المنصور والأمير وهاس بن أبي وهاس، ومخلص الدين جابر بن مقبل، وكبار بكيل وحاشد، فبات بها ليلتين، وسار أخوه شمس الدين من طريق الفقع بمن معه من صعدة، فحط بنهمان ينتظر وصول صنوه، ثم سار يطوي المراحل حتى وصل الجنات، وفيها أمير الغز اسمه سنقر في خيل، فسار في الليل إلى صنعاء، وسيب كثيراً من ثقله، وبذل مالاً وعطايا لناس من بني صاع على الرفاقة، فأمر شمس الدين بهدم الجنات، وقدم إليه إلى الجنات عمه عماد الدين يحيى بن حمزة في عساكر جمة، فلما تلاحق العسكر سار بهم عز الدين حتى ضرب خيامه برأس نقيل عصر، وحينئذ أقبل الغز من نهج ذروان، وكان كما قال الله تعالى:{وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً}[الأنفال:42] فترك الأمير عز الدين المحطة موضعها، وكانت خيله أربعمائة فارس أكثرها من أهل الشام، ورَجْله تقارب أربعة آلاف، فصفّ الغز دون مدينة صنعاء ميمنة وميسرة وقلباً، وتركوا الرجال بين أيدي الخيل، وهم عسكر عظيم، وعبّى الأمير عز الدين جنوده، فعمه عماد الدين ميسرة، وشمس الدين ميمنة، وأخوه علي بن المنصور [وهو في القلب]، وأهل ظفار ومن انضاف إليهم ساقة وساروا على هذه التعبئة، حتى قربوا من صنعاء، وصفوف الغز مما يلي مسجد الحرة إلى سور المدينة، فتواقف الناس وبعضهم ينتظر من صاحبه الدنو إليه ليقع التمكن من المراد، فبقوا على ذلك إلى أن قرب الليل، وخاف الناس فوات الفريضة، فأجمع الأمير على الرجوع إلى محطتهم

، فلما آذن للناس بالانصراف رجعوا من غير تعبئة، وارفضوا في القاع، ودخل بعضهم في بعض، فلما عاين الغز ذلك ساروا على تعبئتهم سيراً حثيثاً حتى دنوا من الناس، فصاح الأمير عز الدين بالرجوع، فلم يجبه أحد، وخف الناس للأمر المقدور فثبت مكانه في إخوته وأصحابه، وكبار [أهل] دولته، ودارت عليهم رحى الحرب، واختلطوا واطعنوا بالرماح، ثم اضطربوا بالسيوف، وعقر من خيل الغز أربع وعشرون فرساً زرقاً بالرماح، ولم يرجع إليهم أحد من العسكر، بل تولى القتال الأمير عز الدين بنفسه، وأخذ شمس الدين والأمير مخلص الدين جابر بن مقبل، فرمي فرسه [بسهم] فمات في موضعه، فجال العدو عليه، وقتل شهيداً، وقتل معه جماعة منهم: الشريف سالم بن علي بن محسن العباسي، والقاضي محمد بن عمر بن علي العمراني، ومسعود بن مقبل الزيخي مولى المنصور، وبلنان التركي مولى قتادة بن إدريس الحسني، ويحيى بن مزيد المالكي الخولاني، وأصيب حصان الأمير عز الدين بسهمين، وأصيبت عينه اليسرى بسهم لم يذهب بصره، وأصيب حصان [الأمير] شمس الدين في رجله بضربة وسهم في رأسه، وبطعنة في ساقه، فحينئذ أجفلت الناس و انكسروا، وسار هذا الحصان لا يقدر على فوق السير البطيء، وهو حصانه المعروف بالطرف، لم يعلم في وقته فرس يشاكله ولا يماثله خلقاً وفعلاً، فلما عقر الحصان تولى الدفاع عن شمس الدين أخوه علي بن المنصور، وابن عمه عبد الله بن الحسن بن حمزة، فوقع فيهما طعن كثير بالرماح، وصوائب بالنشاب، وقع في علي بن المنصور سهم في ظهره فبدا من صدره، وما زال يقاتل عن أخيه حتى وقف حصانه وترجل عنه، وركب

رديفاً لرجل من جنده، حتى تعلق بالخيل، ثم ركب فرساً آخر.
قال الراوي: وأبلي أولاد المنصور في ذلك اليوم بلاءً عظيماً، وجرحوا جراحات كثيرة، وهم إبراهيم، والحسن، وموسى، وعبد الله، ويحيى ابنا الحسن بن حمزة، والأمير وهاس، وصنوه جعفر بن أبي وهاس، والشيخ منصور بن محمد، وجماعة من الشرفاء الموسويين، والحمزيين، والعلويين وغيرهم من كبار الجند الهمدانيين والجنبيين.
قال: واستشهد من الرجال أربعون رجلاً، ثم طلع الناس إلى محطتهم فحملوا ما خفَّ مما يعز عليهم، ولم ينتظم للأمير عز الدين اجتماعهم في تلك الليلة، بل مروا حتى توافوا بحصن ثلا، فأقام شهراً ونصفاً، فبدت به الحمى وتعلقت به الأمراض والأوصاب، و في خلال ذلك أذن للناس بالانصراف، ووصل جنده النزاريين والقحطانيين بصلات وزودهم إلى بلادهم، ثم عاد إلى ظفار في شهر رمضان في النصف الأخير منه، من السنة المذكورة أولاً، فأقام به أياماً، ثم نزل إلى حوث، والعلة تزداد عليه قليلاً قليلاً، فأخذ في أحكام وصاياه والتعهد لأموره ظاهراً وباطناً، والدعاء إلى الله والاستغفار، فكان يقول: اللهم، إن كنت قد قبلت عملي فاقبض روحي، وقال في تلك الأيام:
لعمري لئن ضاقت بذنبي فرائصي.... لعفو الذي سوَّا السماوات أوسعُُ
جزعت وأعيتني ذنوب لمثلها.... يراع أخو العلم اللبيب ويفزعُ
وأفزعني أني إلى الله صائر.... وكل امرئ يوماً إلى الله يرجعُ
وكيف اعتذاري يوم ألقى صحيفتي.... مضمنة ما كنت بالأمس أصنعُ
فلا أنا عنها محدث أجنبية.... ولا أنا محبور بها فأشيعُ
حنانيك رب الناس من أن تصيبني.... بذنبي وهل إلا إلى الله يفزعُ

وقال في تلك الأيام أيضاً:
هل لعين تأبى الكرى من هجوع.... أو لهمٍّ ملازم من نزوعِ
ولقلب للدهر فيه صدوع.... وكِلام يدمين كل صدوعِ
ولجسمٍ عليه من وهج الحُمَّـ.... ـى سوارٍ تبريه بري الخليعِ
وضجيعي من الغرام خفي.... وخفي الغرام سر ضجيعي
وليالٍ عَرَّقْنَ جسمي فغادر.... ن سجودي مطابقاً لركوعي
ونفين السهاد عني فأمسـ.... ـيت وبالنيرات أرعى ربوعي
من لعين أليمة في رضى اللـ.... ـَّه أصيبت فزايلت ممنوعِ
ستر الله ذو الجلال عليها.... أي ستر يغطي وأي منيعِ
إن أكن واثقاً بها في رضى اللـ.... ـه فمن لي بقلب سوء جزوعِ
هذه من عطية الله أعطا.... ني وذو الفضل ذو عطاء وسيعِ

قال مصنِّف سيرته: فلما اشتدت علته، ويأس من نفسه، كتب إلى عمه ذي الشرفين يعلمه بحاله، ويأمره بالاحتراز إن حدث عليه حادث، وكتب إلى أخيه شمس الدين إلى نجران [يأمره] بمثل ذلك، وأن لا يقف في نجران عند ورود كتابه، وهي ليلة توفي، ومات تلك الليلة، وهي [ليلة] سابع شهر ذي الحجة من سنة ستمائة وثلاثة وعشرين، وحمل إلى ظفار بليلته، وكتم أمره شهراً حتى اجتمع أصحابه بأخيه إلى ظفار إلا صنوه شمس الدين أحمد، فأقام بصعدة مدة شهر أو أكثر لأمراض كانت معه من شهر شوال، فلم تكن تمكنه الحركة إلى الجهة، فلما مات عز الدين دفن بالهجرة المنصورية، بمشهد تحت مشهد أبيه –عليه السلام-، ولا عقب لعز الدين غير علي ودنيا، ولا عقب لعلي، وكانت البيعة له بالحسبة بكنن أول شهر صفر من سنة أربع عشرة،ومدة ولايته عشر سنين إلا شهراً، وكانت جملة عمره اثنتين وثلاثين سنة، ومولده ببراقش، وقضاته قضاة أبيه، ومما قيل في هذه الوقعة من الأشعار وهي كثيرة إلا أني اخترت منها شعر الشريف حسن بن جعفر القاسمي، لما تضمن من ذكر خيل القبلة وفرارهم، فأذكرني ذلك كثرة ما علمته من فرارهم فيما مضى، وما شاهدته في مدة عمري، فإنهم قد فروا في مدتي ثلاث فرات:
الأولة: كانوا جنداً في صعدة مع حي الشريفة فاطمة بنت الحسن بن أمير المؤمنين، فلما قرب جند صنعاء في دولة المنصور [الناصر] بن محمد هربوا وفروا.
الفرَّة الثانية: في دولة الناصر أيضاً.

والثالثة: انهزموا من الصعيد، وقد جلبهم الإمام عز الدين بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن المؤيد -عليه السلام- على صعدة، ولم يقف منهم أحد البتة، فلما كان شعر هذا الشريف المقدم ذكره متضمناً لذمهم، ومدح أولاد المنصور بالثبات كما هي لهم عادة عكس أولئك المخذول من انتصر بهم أوردته هنا، والشيء بالشيء يذكر، فقال: يخاطب الأمير عز الدين [ابن المنصور -عليه السلام-] :
عاداتك الصبر والخطيُّ مشتجر.... يا خير من قلَّدته أمرها مضرُ
لولا عزائمك اللاتي عُرفت بها.... ما كان للدين عن عاداته وزرُ
لكن حَمَيْتَ ببيض الهند حوزته.... والشاهدان بذاك السمع والبصرُ
أما المديح فلا نأتي بأيسره.... لأن كل مديح فيك مختصرُ
ماذا يقول ذوو الإسهاب في رجل.... آباؤه برسول الله تفتخرُ
أما الزيادة في وصف امرئ نزلت.... في وصفه وعلى آبائه السورُ
تالله ما غاصت الأفكار في طرق.... من غير مدحك إلا غاصت الفكرُ
لكن أردنا نؤدي بعض مفترض.... من التهاني فلا ألوت بك الغيرُ
كل الأنام سليم ما سلمت لهم.... وما بقيت فذنب الدهر مغتفرُ
عليك للمجد أن تبني قواعده.... وما عليك إذا لم يسعد القدرُ
إن النبوة أعلا كل منزلة.... قد شاب رونقها التنغيص والكدرُ
هل كان مثل رسول الله من أحد.... أو كان يبلغ في أوصافه بشرُ
فكان يوم حنين ما علمت به.... من الهزيمة لولا معشر صبرُ
هوِّن عليك وإن نابتك نائبة.... فالجرح مندمل والكسر منجبرُ
والدهر يومان يوم مشرب أسِنٌ.... مرُّ المذاق ويوم مشرب خضرُ
فارفض أحاديث هزاجين لو قصدوا.... إحداث شيء من العلياء ماقدروا
فكم من الناس غالٍ يدَّعي حكماً.... يقول لو كان لي التدبير ما قهروا
وفي الحقيقة لو نابته نائبة.... لم يدر فيها بما يأتي وما يذرُ

وهل أتى النقص إلا من زعانفةٍ.... في السلم تسطو وفي الهيجاء تنكسرُ
ضلوا السبيل فباعوا رشد أنفسهم.... في الغيِّ تلك لعمري بيعة غررُ
أما الرسوس فأهل الصبر ليس لهم.... عن مورد الحرب تعريج ولا صدرُ
راضوا الخطوب فلا ملتام مروتهم.... تهشُّ كلا ولا في عودهم خورُ
لولاهم ما نجا ناجٍ بمهجته.... وكان أقصى مدا ناج بها عُصرُ
في ما قط فيه للإنسان هيقعة.... والجو بالنقع داجي الأفق معتكرُ
وما لقحطان لايروي صنيعهم.... يوماً بصنعاء أوما بالهم غدروا
كانت مجازات قحطان ونصرتها.... نهب الأثاث فيا خذلان من نصروا
قد كان حاول عز الدين عزهم.... فاختاروا الذل بالختر الذي ختروا
لما استعاد إلى ملقا ركائبه.... وافى وليس لهم عين ولا أثرُ
لم تنصف العرب في حكم وتلك لهم.... عادات سوء عليها دلت السيرُ
[انتهى. وأنا أقول: هذا الشعر يدل على أن الهرب لخيل الشام خلة متوارثة، وجبلة مستخبثة، وسجية قديمة، وشنشنة ذميمة، فالله المستعان].

[أخبار الإمام المهدي لدين الله أحمد بن الحسين بن أبي البركات المعروف بأبي طير -عليه السلام-]
وزلزت عضد المهدي أحمدنا.... بأ حمد ورمته منه بالكبرِ
فخضبت شيبة لابن الحسين دماً.... وعفّرت وجهه الوضاح بالعفرِ
وسامت الشيخ من حوث مهاجرهُ.... بعد الولاء على صاع من الفِطَرِ
وكلفت حسناً تحسين أقبح ما.... جرت به من صروف الدهر والعبرِ
دارت رحا حربهم للدين طاحنة.... فليت أن رحاهم تلك لم تدرِ
ضحوا بأبيض يستسقى الغمام به.... قد بايعوه فكانوا أخسر البشرِ
مالوا إلى أحمد عن أحمد وبغوا.... على الإمام وقالوا: جار في السيرِ

المراد بأحمد [الأول] : الإمام المهدي لدين الله أحمد بن الحسين بن أحمد بن القاسم بن عبد الله بن القاسم بن أحمد بن إسماعيل بن أبي البركات بن أحمد بن محمد بن القاسم الرسي، وهو القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام- نسب يخجل النيرات، ويستنزل بتلاوته شآبيب البركات، ويستدفع بحكايته طوارق الحادثات، كان مولده –عليه السلام- في هجرة كومة ببلد شاكر من [بلاد] الظاهر، وأقام فيها حتى بلغ اثنتي عشرة سنة، ثم نقله عمه إلى مدرسة مسلت، وكان فيها عدة من العلماء، فقرأ في أصول الدين حتى تبحر، ثم في أصول الفقه كتباً كثيرة، ثم الفقه، وكتب الحديث، ثم النحو، واللغة، والتفاسير، فلما ظهر فضله، وانتشر ذكره، طالبه العلماء والأمراء والكبراء من أهل زمانه بالقيام، وكان ممن طالبه بذلك الأمير: شمس الدين أحمد بن المنصور، فقوى خاطره الانتقال من ذيبين إلى ثلا لحاجة عرضت له لا لقصد القيام، فتوهم الناس أنه سار للقيام فيها، فصاحبه بشر كثير إلى هنالك، وتلقاه الشيخ منصور بن محمد الضريوة بما يحق له من الإنصاف والتعظيم، فطلبوا منه القيام، فساعدهم، وذلك في شهر صفر سنة ستمائة وستة وأربعين، وكتب دعوته إلى الناس كافة، وأول من صدرت إليه أولاد [الإمام] المنصور بالله، فلم يتلقوها بكل القبول لما كانت من ثلا، وكان غرضهم أن تكون من ظفار، ووصلته العلماء من كل ناحية إلا الشيخ أحمد بن محمد الرصاص ومن تبعه، فإنه وصل إلى ظفار، وجرى بينه وبين الأمير شمس الدين كلام في امتحان الإمام، وتعنته في

دقائق العلم، ثم سار الشيخ إلى ثلا بعد أن كان عاهد الأمير [شمس الدين] أن لا يبايع، فلما وصل بسط له الإمام الجناح في الامتحان، فوجده كاملاً، فلم يستطع أن يمتنع من البيعة، فبايع على المنبر، وتكلم في مناقب [الإمام] بما سمعه الخاص والعام، ثم كتب الإمام دعوة إلى الأمير عماد الدين صنو المنصور بالله -عليه السلام-، فأجاب دعوته، وأمره بإقامة البيعة في بلادهم، ثم نهض الإمام من ثلا إلى حصن حلب، وهو يومئذٍ لسلطان اليمن، وقد رتب فيه خلقاً كثيراً من الباطنية والمجبرة أهل بأس شديد، فوقع بينهم قتال شديد، حتى أنه - عليه السلام- باشر القتال بنفسه، ثم بعد ذلك حدث من الأمير أحمد بن يحيى بن حمزة محالفة للمظفر على حرب الإمام، ونزل حجة، وأوقع بالمسلمين بها، وقتل منهم كثيراً، وكشف حريمهم، وأخرب قراهم، وانتهب أموالهم، وأسر من أسر من كبارهم، فاغتم الإمام وهو في ثلا، فصبر حتى إذا صاروا إلى قارن هجمهم [الإمام]، وقتل منهم ثلاثمائة رجل ونيفاً وثمانين، ولزم الأمير عبد الله بن يحيى بن حمزة أسيراً، وغنم الناس منهم غنيمة عظيمة، و إلى ذلك أشار ابن هتيمل حيث يقول:
قرنت بأهل قارن يوم سوء.... أزحت بها الزعيم من الزعامة

الأبيات.. ثم نهض إلى الجوف، ثم إلى صعدة في ثمان مائة فارس ورجل كثير، فلما انتهى إلى درب الحناجر لقيه الأمير الكبير الحسين بن محمد صاحب (التقرير) وبنو عمه آل يحيى بن يحيى، ومن تبعهم من همدان، وخولان، وقبائل صعدة، وبايعوه فلما استقر بصعدة، وظهر أمره طلب منه أولاد المنصور الصلح، فقبله بعد أن بذلوا ما أحبَّ منهم من النصرة، وكان في خلال ذلك قصة التّنين، وهو رجل مقعد مضت عليه سنون، فمسح عليه فاستوى قائماً بإذن الله [تعالى]، وكان الناس يأتون من البلاد البعيدة ليشاهدوه، وقيلت فيه الأشعار الكثيرة، وقد أشار إلى ذلك ابن هتيمل حيث يقول :
أبعد شهادة التنِّين يعصي.... من الثقلين مأمومُ إمامَه
أتاك كضفدع الغمرات جهراً.... فقام كسمهري الخط قامَه
وما عرف المسيح بغير هذا.... أمعجزة النبوة في الإمامَه
وما انفرد ابن مريم عنك إلا.... بعازر فهو قد أحيا رمامَه
ثم كان الصلح بينه وبين أولاد المنصور على شروط، منها:

تسليم تلمص، وقفل ظفار، ومن جهة عمهم عماد الدين [تسليم] حصن مدع، والمكرام بميتك، والجاهلي، وظفير حجة، وشمسان بالجدم، ومنها: كون الولاة في الجهات من تحت يد الإمام، ومنها: إخراج رهائن حاشد وبكيل، ومنها: أنه يعين من عمالهم من شاء ولا يمنعونه، ورفع أيديهم من الشرف، ويكون البون مقسوماً إلى الجنات وعمران، ومنها: أن يردوا خيل آل دعام ونقائصهم في الفتنة، وأن غربان والحواشد لبني القاسم، وبني عوير لبني الهادي، والجوف بين حدوده للإمام، ثم تزوَّج الإمام بنت الأمير عز الدين، وطابت نفوس الجميع، ثم نهض الإمام من صعده، ومعه الأمير شمس الدين، وكانت الخيل ألف فارس، فقصدوا صنعاء، وفيها الأمير أسد الدين، فعلم أنه لا طاقة له بهم، فارتفع إلى براش فحط الإمام في باب السبحة، والأميرشمس الدين في باب اليمن، فافتتحوا صنعاء، وكان عند الأمير شمس الدين أن أكثر أمور صنعاء تكون إليه، فلم ير الإمام ذلك مصلحة، فضاق صدر الأمير، وظهرت منه الكراهة، وتعمدها الإمام –عليه السلام-، وولاها الأمير الحسن بن محمد القاسمي، وجعل معه القاضي أحمد بن زيدان الصعدي، وولى القضاء أحمد بن سليمان، ثم وصلت اعتراضات من بني الهادي آل يحيى بن يحيى من أجل عقود كانت بينهم وبين الإمام، ويدعون أن تلمص ملكاً لهم فيحبون المحاكمة فيه، فأجابهم الإمام بكتاب فيه طول، قال في آخره: واعلموا أنا ما نلقى الله بظلم أحد من خلقه، وكيف نمتنع من الشرع، ونحن الذين عطفنا الناس إليه، ثم وقع الصلح بينه وبين الملك المظفر على أن للإمام: اليمن الأعلى من الأسلاف، وللسلطان:

اليمن الأسفل، وللإمام ثمانون ألفاً محمولة إلى خزائنه، وتسليم حصن حلب، والظفر للإمام، وأنهم جميعاً محاربون لأسد الدين، وأن كوكبان للإمام –عليه السلام- عند الاستيلاء على براش، ثم إن الإمام اشترى براش من الأسد بخمسمائة ألف درهم مهدية –[وزن] كل درهم ثلثا قفلة بقفلة الإسلام- وعشرين ألفاً غير الخلع والخيل على المتوسطين بينهم، ففرق الإمام هذا المال على أهل بلاده من ذمار إلى صعدة ونجران ومغاربها ومشارقها، فجعل على كل بالغ غني أربعة دراهم مهدية، أو خمسة دراهم منصورية -أي من ضربية المنصور بالله-، حتى من أموال الأيتام والأرامل، وحكم بوجوب ذلك عليهم، رعاية للمصلحة العامة، ولم يظهر من أحد من العلماء في ذلك طعن، ثم نهض الإمام إلى صعدة، فدخل بالشريفة دنيا بنت [الأمير] عز الدين محمد بن المنصور، وقد كان عقد [له] بها في الدخلة الأولى، وأقام هنالك أياماً، ثم بلغه أن الأمير شمس الدين وأسد الدين قد جمعا عسكراً جماً يريدان به صعدة، فخرج في لقائهم، فحط محطته في موضع يسمى العجلة عند العمشية لازماً للطريق، ولما علم الخصوم سلكوا طريقاً أخرى، فلم يشعر الإمام إلا وقد دخلوا صعدة، فعاث عسكرهم في صعدة، وقتلوا القاضي يحيى بن عطية بن أبي النجم، والقاضي زيدان بن مقبل، وكشفوا النساء، وانتهبوا بيوت المدينة، وأسروا منها طائفة، وأقاموا فيها مدة، ولما علم الإمام بذلك نهض إلى الظاهر، ثم وجه أخاه سليمان بن يحيى إلى ناحية الجوف، وقصدوا الأمير موسى بن الإمام المنصور في درب ظالم، فأسروه هو وجماعة من السلاطين، والفقيه الشتوي، وكان

معانداً للإمام مع الأشراف، وغنموا في الدرب غنائم كثيرة، فلما وصلوا بالأمير موسى إلى الإمام وجه به إلى مدع، وأمر بحفظهم حتى يستخرج بهم أسرى صعدة، ثم إن الأمير شمس الدين وأسد الدين نهضا إلى صنعاء خوفاً عليها من الإمام –عليه السلام-، فجهز أخاه سليمان لغزو من بقي من أعوانهم في صعدة، فلما قرب منهم هربوا إلى بلاد خولان، فتبعهم إلى الصعيد، ووقع بينهم قتال كبير، فأسر الأمير محمد بن سليمان بن المنصور وجماعة معه، ثم رجع الأمير سليمان إلى صعدة، وأمر بخراب دور من أفسد، وحبس من أدركه منهم، فكتب الشيخ عطية النجراني إلى الإمام كتاباً يعترضه فيما فعله صنوه الأمير سليمان، وشنع فيه تشنيعاً بليغاً، فأجاب الإمام –عليه السلام- جواباً فيه طول، ثم إن الأمير شمس الدين، وأسد الدين نهضا من صنعاء بعساكر يريدان قتال الإمام، فسارا إلى جبال عيال يزيد، فحطا هنالك، فأمر الإمام الأمير أحمد بن يحيى بن حمزة، فحط قبالتهم، وأمر [معه] الفقيه حميد المحلي، والفقيه أحمد بن موسى [بن مقبل] الصعدي، والفقيه عيسى بن جابر الصعدي، ولما كان يوم الجمعة ثاني شهر رمضان هجم الأميران جند الإمام، فقاتلوهم حتى انكسروا، ثم إن الأميرين حملا بأنفسهما وجنودهما، فانهزم المجاهدون، وقتل الفقيه حميد [رحمه الله تعالى]، والشيعة الذين معه وأسر الأمير أحمد بن يحيى، ثم إن الأمير شمس الدين نزل إلى الملك المظفر إلى زبيد هو وأهله يستنصرونه على الإمام، فأعانهم بأربعين ألف دينار وكساهم، ثم إن المظفر جدَّ في حرب الإمام –عليه السلام- حتى أنه كتب إلى بغداد

وخليفتها يومئذٍ المعتصم يستعينه [على الإمام]، فبعث إليه بحشيشيين أي فدائيين، والفدائيون يبيعون أنفسهم ويخاطرون بها في قتل من يؤمرون بقتله وإن قتلوا بعده، فلما وصلا إلى المظفر أظهر أنه يريد منهما السعي بينه وبين الإمام –عليه السلام- وفي الباطن أمرهما بقتله، ولهما مال يدفعه إلى ورثتهما بعدهما، فتقدما إلى الإمام على هيئة الصليحين، فتلقاهما الإمام بالإنصاف، فدخلا عليه في بعض الأيام لتمام الصلح والوداع، وطلباه الخلوة، فلم يبق عنده إلا الفقيه قاسم بن أحمد الشاكري، والفقيه المعلى بن عبد الله البهلولي، والشيخ عبدالله بن محمد الصعدي، فقال لهما: تكلما بحاجتكما، فتكلم أحدهما بكلام غير مستقيم، ثم قال: إن معي حديثاً سراً فدنا [من] الإمام فاتهمه، فأشار إلى الفقيه قاسم أن يدنو منه، فشاوره الإمام في أذنه اليسرى وعيّنه مع الحشيشي وهو باسط يديه على فخذيه، ثم إن الفقيه أراد الجواب على الإمام، فشاوره في أذنه اليمني، فستر ما بين الإمام والحشيشي، فحصلت له الفرصة فجذب سكيناً كانت في باطن فخذه، وانحط على الإمام [بها]، فلما أحسّ بها الإمام قريباً منه، وثب قائماً، فسقطت عمامته، فوقعت رجله فيها، فسقط على جنبه الأيمن، فوقعت الطعنة في محجمه الأيسر، فدخلت نحواً من ثماني أصابع بعد أن أخذت في العمامة طاقتين، وأراد أن يطعنه الثانية، فوثب الفقيه قاسم [بن أحمد]، فقبض على السكين بيده فقام، وطعنته ترش من خلفه وأمر بقتله، وقد شدَّ الفقيه على يده وسلم الإمام –عليه السلام-، ثم إن الإمام –عليه السلام- وقف مدة فكاتبه [الشيخ]

أحمد بن محمد الرصاص يوليه الظاهر بحيث لا تكون على يده يد، فلم يسترجح الإمام ذلك، فغضب الشيخ، وطلب للإمام الغوائل، فآل الأمر إلى أنه أوهم الحسن بن وهاس أنه أولى بالإمامة منه، فكان من ابن وهاس وشيعة الظاهر أن كاتبوا قبائل الظاهر بالبراءة من الإمام أحمد، وكان الفقيه حميد المحلي يقول: إن اتفق عليَّ أمر، فأشعروا ما ينجم على الإمام من أهل الظاهر، فلما كتب إليه أهل الظاهر بالبراءة لقيوا الأمير شمس الدين بعد خروجه من صنعاء إلى حمدة، فتحدث الرصاص مع الناس من ارتفاع الصبح يحرضهم على حرب الإمام –عليه السلام- إلى نصف النهار، حتى مقته الحاضرون، ثم كتب إلى الإمام كتاباً يطلب منه اللقاء إلى قاعة للمناظرة بشرط أن يكون العسكران مستويين في العدد، فأجابه الإمام بأن هذا طلب معاند لا مهتدي، وأنهم إذا كانوا طالبين الهدى وصلوا إليه، ولهم من الوثائق ما تطيب به أنفسهم، فلم يتفق ذلك منهم، فعزم الإمام على حربهم، وكان زمان شدة وقحط بلغ فيه الصاع النبوي عشرة دراهم قفلة، حتى أكل الناس بعضهم بعضاً بعد أن أكلوا الدواب، والحمير، والأشجار، وانقطعت المناهل، وعدم الطعام، ومات الناس في الشوارع جوعاً تأكلهم الكلاب والسباع، وذلك سنة خمس وخمسين وستمائة، واستمر إلى سنة ثمان وستين، وهلك كثير من العلماء، والفضلاء، ثم بلغ الإمام - عليه السلام - أن ابن وهاس والرصاص ومن تبعهما يريدون أخذ زرع شوابة، وترويع الناس، فأمر الإمام بالتهيؤ للحرب، وركب في أكثر عسكره، وقد كان عسكر ابن وهاس والحمزيين أغاروا وانتهبوا شيئاً من زرع الرعية في غيل شوابة،

فتقدم الإمام حتى أشرف على أقطار الوادي، ورأى محطة القوم، فلما رأوه قصدوه، واستدعى ابن وهاس رجلاً أرسله إلى الإمام يقول له: إن العسكر الذين معه قد اختلَّوا، وأن المصلحة الملقى للمراجعة، ولو على ظهور الخيل، فقال الإمام عليه السلام : هذا حال محاربة لا مناظرة، ورجع إلى محطته، ثم سار للمحاربة، فانكسر إحدى رايتيه في عرض السيرة، ووقع في النفوس في ذلك ما وقع، وراجعوه بترك السيرة، فقال: امضوا على اسم الله {لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا }[التوبة:51]، فلما رآهم القوم قالوا لحسن بن وهاس، وللرصاص: ما عندكما في قتال الإمام؟ فقالا جميعاً: ما لحقكم من الإثم فهو في أعناقنا، وجعل الرصاص يقرأ: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ }[القمر:1]، ولما سار الإمام إلى قريب منهم حملت عليه خيل الحمزيين، فقاتلهم خيل القاسميين من براقش حتى ردوهم، ثم أقبل الأمير شمس الدين بإخوته، ومعهم الرصاص وابن وهاس يحرضانهم، كل واحد في جانب، فأمر الإمام أخاه إبراهيم بن يحيى وجماعة في وجه الأمير شمس الدين فاقتتلوا قتالاً شديداً، وثارت عجاجة عظيمة واختلط الناس، وانهزم أصحاب الإمام، ولم يبق معه إلا نفر قليل، ثم أحاط به القوم فقاتلهم، وجعل يضرب فيهم يميناً وشمالاً حتى أتى رجل من خلفه فعقر فرسه، ولزم آخر بشكيمتها فانصرعت على جنبها، فهاضت رجل الإمام حتى لم يمكنه الركوب، فطعنه رجل من تفاريخ الدرع طعنة في سرته حتى بلغت إلى كبده، ثم أجهز عليه جماعة، فيهم بعض الشيعة فأقعدوه وفيه رمق، ثم أمرهم ذلك الشيعي بضرب عنقه، فضربها رجل

فأبان رأسه، وقد كان ضرب في وجهه ضربتين أو ثلاثاً، ثم حملوا رأسه إلى ظفار، وطافوا به في السكك، ثم حمل جسده الطاهر إلى خيمة الرصاص، فجعل يتكلم ويتبجح بأنه لولا قيامه عليه لما قتل ويظهر ذلك للجهال، ثم دفنت جثته الكريمة في أسفل وادي شوابة، وأقام رأسه الزكي في ظفار ثلاثة أيام، ثم أمر به ودفن مع جسده الطيبة.
قال الإمام المهدي [لدين الله] أحمد بن يحيى –عليه السلام-، وهو الذي نقلت من مصنفه على شرح سيرة (البحر الزخار) هذا الكلام من أوله: ثم إن الأمراء بايعوا لابن وهاس، وكان من جملة من بايعه الأمير الحسين صاحب (التقرير)و(الشفاء)، وكذلك الشيعة الذي رفضوا بيعة الإمام أحمد، وكذلك أولاد المنصور، ولبث ابن وهاس مدة يسيرة، ثم نفرت عنه قلوب الناس، ووقعت مكاتبات إلى السادة آل يحيى بن يحيى مثل الأمير الحسين، وصنوه الحسن الآتي ذكره، فتقدم الأمير الحسين بن محمد لموافقة الشيخ [محمد بن] منصور صاحب عفار بعد مكاتبة وقعت منه، فتلقاه بالإنصاف، وكان ابن وهاس في بلاد الطرف، فلما بلغه ذلك انزعج، وكاتب شيعة الظاهر فوصله من وصل وجرت مكاتبات، وطلب الأمير الحسين المناظرة حيث يأمن فلم تحصل إجابة، فعمل رسالة عامة سماها (النصيحة الصريحة لأهل الأديان الصحيحة)، ثم بلغه دعوة أخيه الحسن، فلما دعا توقف على الظاهر.

هذا زبدة ما نقلته من شرح الإمام المهدي [أحمد بن يحيى] –عليه السلام- على (سيرة البحر)، ويلحق بذلك أشياء نقلتها عن غير صاحب (البحر)، منها: أنه استشهد - عليه السلام - في شهر صفر من سنة ست وخمسين وستمائة، وقبره في ذيبين مشهور مزور، وله نذور لا توجد لغيره من الأئمة البدور، وبقبره ينزل الغيث الدرور، و[به] تستدفع الشرور، ويذهب وحر الصدور، وذلك من كرمه حياً [وميتاً]، فإن في الرواية أنه ما كان يعدّ الدراهم، بل يعطي من غير عدِّ، فهو كريم حياً وميتاً.
قالوا: وأعطى ابن هتيمل الشاعر ثلاثة آلاف درهم وثلاث خيل ومائتي فردة ثياب، قوِّم ذلك مع الدراهم بعشرة آلاف درهم، وفي توقيعه أنه وهب ألف فرس وستمائة فرس وسبعين فرساً، أعطى قتادة صاحب مكة ثمانية عشر فرساً، ومن كلام [الإمام] الناصر صلاح بن علي–عليه السلام- يذكره في معرض كرم المهدي أحمد بن الحسين، وكثرة محاصيله، قال فيه: إن أهل زماننا يذكرون كرم أحمد بن الحسين وعطاياه العظيمة، ويجهلون ما كان عليه أهل زمانه من تسليم الواجبات الشرعية، وغيرها من الأموال التي يتقرب بها إلى الله تعالى من نذور [وبر] وإعانات [وتنفلات] حتى قال: ونحن نروي أن الإمام لم يكن يجومك على أحد من الجند هذه الجوامك التي في زماننا هذا، ولا كان في وجهه من الحصون ما في وجوهنا، فإن حصون المسلمين وعهدهم التي لزمنا القيام بها قدر خمسمائة حصن، لكل حصن رتبة و جوامك.

قال: وروى لنا بعض السادة بسنده أن بعض أهلنا وصل إلى الإمام المهدي أحمد بن الحسين، وطلبه ثوباً درياً، وفوطة حواشيها حرير لبعض مشايخ آنس، قد كان وصل معه إلى الإمام، فأمر من يطلب ذلك في مخزانه الذي للبز.
قال الراوي: فدخلنا في ذلك المخزان، فوجدناه ملاناً بالثياب الدرية وفوط الحرير، وروي: أن رجلاً في وقت الإمام المهدي نزل حجة يعمل فوطة حرير، وأهلها ينسجون هذه الفوط، والثياب الدرية، فكان كل من وصل إليه قال له: ما نفرغ لك، معنا عمل للإمام حتى أحاط بعمال حجة، فما وجد فيها صانعاً يصنع إلا للإمام عليه السلام انتهى.
قالوا: وكانت في الإمام أحمد بن الحسين - عليه السلام - [من] صفات النبي ًخلقاً وخُلقاً، وكان لا يقول الشعر، وحكى الفقيه سعد بن عواض الذماري: أنه حجَّ، وكان يقعد أحياناً في الحرم، فسمع رجلاً من أصبهان يقرأ القرآن، فقال لسعد: من أين أنت؟ فقال: من اليمن، فقال: إنه يقوم في هذه السنة في ربعها الأول عندكم إمام من أرض همدان، فإن تسمى في أول كتابه المهدي فهو المهدي الذي وعد الله الناس به، فرجع سعد إلى اليمن، وقام الإمام في صفر من السنة المذكورة أولاً.

وقال رجل آخر: كناّ بعرفة فإذا برجل محلوق [الرأس] متزر بشيء رقيق، ملتحف بمثله،فسألنا عن بلادنا؟ فقلت: أنا من أهل اليمن [الأسفل]، فقال: هنيئاً لكم!! يا أهل اليمن يقوم في هذه السنة عندكم قائم الحق، فقلت: ليس هناك أحد يومى إليه بالإمامة، فقال: هو خامل الذكر، فرجعنا وقد قام الإمام في صفر، وحكي أنه وجد في كتاب عن النبي ً في المهدي: ((يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم ابني ))، وأشار إلى الحسين -عليه السلام-، وفي (شمس الأخبار) : أنه أقنى الأنف، أجلى الجبهة، يملك سبع سنين أو تسع، وهذه من صفاته-عليه السلام -.
قال منصور بن ورقاء: كنا نقوم بظهر في الليل ونحن جماعة فما يبصر أحد منا وجه صاحبه إلا الإمام المهدي فنبصر وجهه.
قالوا: ولما دخل صنعاء في مدة حكمه ملأها قسطاً وعدلاً، وكان فيها ضدهما، وكثرت في تلك المدة الخيرات، قال بعضهم: كان الحشيش في قاع صنعاء يبلغ سرة الإنسان، ورخص كل شيء، وكان -عليه السلام- كما قيل فيه:
أقام الدين في شرق وغرب.... وأغنى بالعطايا الوافدينا
وجاد وعاد بالمعروف دهراً.... وعشنا في مكارمه سنينا

[ذكر أحمد بن محمد الرصاص]
وأما قول السيد صارم الدين: وسامت الشيخ من حوث مهاجرة.. البيت، فأراد به: أحمد بن محمد الرصاص، فإنه بايع المهدي -عليه السلام- وناصره، وزوَّجه ابنته.
قال السيد فيما نقلته من خطه: ثم إن بعض ولاة الإمام طلب فطرة من رجل يختص بالرصاص، فخرج [منها] مهاجراً إلى جبل الحرام في خمسمائة من الأشراف والشيعة، فيهم حد من اسمه علي سبعون رجلاً، وكان من جملتهم: حسن بن وهاس، نافر الإمام -عليه السلام- لغير سبب إلا أن الإمام أمره إلى الشيخ ومن خرج معه، فاستغروه، وقالوا: نبايعك فأنت بهذا الأمر أحق منه، فبايعهم.
قال السيد: فحكي أنه لما قتل الإمام -عليه السلام- كما تقدم نزل عن جواده، وصلى ركعتين، وقيل: إنه تبرأ مما أجمع عليه الأشراف [من قتل الإمام عليه السلام]، والله اعلم أي ذلك كان، وعلى الجملة فهي زلة كبيرة، فظيعة، وخطة قبيحة شنيعة، ارتكبها من هذا الإمام أولئك الشيعة، فإنَّا لله وإناَّ إليه راجعون.

قالوا: ولما قتل [الإمام] المهدي -عليه السلام- بقيت الحصون في أيدي أهلها حتى دعا ابن وهاس وسلم الظاهر وصعدة، وفي رواية: أنهم قسموا بلاد الإمام المهدي نصفين له نصف، ولأولاد المنصور نصف، وفي خلال ذلك ندم كثير ممن خذل المهدي، وكان كثير من أعدائه يرحم عليه، وعظمت الكراهة لابن وهاس، وخالفه أصحابه، فحلفوا لشمس الدين بن المنصور، فلما مات في ربيع الآخر من هذه السنة، ومات أخوه موسى بعده بشهرين، حلفوا لأخيه موسى، فلما مات حلفوا لأخيه داود، ومات في سنة أربع وثمانين وستمائة، ولم يبق لابن وهاس نهي ولا أمر، وظهرت المنكرات، وقبض أولاد المنصور الزكاة لحصونهم، وعجز ابن وهاس عن منعهم، فلما رأى الأمير شرف الدين الحسين بن محمد، وأخوه الإمام الحسن بن بدر الدين ذلك، وما ظهر من البدع دعواه مراراً للمراجعة في أمور الدين فلم يجب، فدعواه إلى الاعتزال فلم يجب، فدعواه إلى المناظرة فامتنع، فحينئذٍ دعا الإمام الحسن بن محمد كما سيأتي، وكان ابن وهاس يخطب لنفسه في صعدة والظاهر، ثم وقع بينه وبين داود بن المنصور حرب أسر فيها ابن وهاس؛ لأنهما لما افترقا قصده ابن وهاس إلى ظفار ليحاربه، فخرج الأمير داود، فالتقوا بعصافر من بلاد وادعة، فانهزم عسكر ابن وهاس، وثبت ثباتاً حسناً، فلزم وأقام في سجن الأمير داود عشر سنين، ثم أخرجه بعد ذلك حين حط الشعبي على ثلا، وأخذ التعبرة ورتب فيها، وسار موسى بن رسول وغيره مع عز الدين بن شمس الدين، فحطوا على تلمص، وتضايق الأمر فاجتمع الأشراف والعلماء على داود بن المنصور ورجحوا له إخراج ابن وهاس للنصرة به

على رفع هاتين المحطتين، فأخرجه على كره منه، ثم وقع التنفيس على الحصنين المذكورين، وقول السيد صارم الدين:
ضحوا بأشمط يستسقى الغمام به.... قد بايعوه وكانوا أخسر البشر
مأخوذ من قول حسان بن ثابت، في عثمان بن عفان:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به.... يقسم الليل تسبيحاً وقرآنا

وكذلك قول السيد:
فخضبت شيبة لابن الحسين
صدره من قول صاحب البسامة:
فخضبت شيب عثمان دماً
وعجزه من قوله أيضاً:
وألصقت طلحة الفياض بالعفر
ووجدت في بعض التواريخ ما لفظه: وتواترت الأخبار أن التتر من الترك قتلوا خليفة بغداد العباسي في اليوم الذي قتل فيه أحمد بن الحسين، واسم هذا الخليفة: المعتصم بن الناصر العباسي، واستولوا على بغداد، ووضعوا السيف في الناس أياماً، فزال ملك بني العباس بعد مضي خمسمائة سنة، والتتر هؤلاء: قوم من الترك الكفرة، خرجوا من أقصى المشارق، فأهلكوا أكثر بلاد الإسلام، وسيأتي طرف من أخبارهم على وجه الاختصار في آخر هذا الشرح عند ذكر البيت الذي ذكرهم فيه السيد صارم الدين.

[أخبار الإمام الحسن بن بدر الدين -عليه السلام-]
قوله:
ولم تمد بإحسان إلى حسن.... كفًّا وقد رام منها كفّ كل جري
المراد بحسن هنا: هو الإمام المنصور الحسن بن بدر الدين، وقد تقدم ذكر أبيه، كان الحسن هذا من أعيان العترة علماً وفصاحة، وخطابة، وتصنيفاً، وله تصانيف في أصول الدين، وكتب العربية، وأجوبة ورسائل، ومما صنَّفه: كتاب (أنوار اليقين في شرح فضائل أمير المؤمنين)، فإنه من أبلغ المصنَّفات في هذا الشأن، وهو شرح على منظومة له ذكر فيها أشياء عجيبة، ومناقب جمة دالة على تقدم علي -عليه السلام- وأولويته بالخلافة على من تقدمه، وأسلوبه في (أنوار اليقين) يميل إلى ما يسترجحه المرتضى والرضي الموسويان، وغيرهما من الأشراف الحسينيين [من] أن الخطأ من المتقدمين على علي -عليه السلام- كان كبيرة، وأن النصّ على إمامته صريح، وقد قال بذلك جماعة من أوائل الزيدية، فقد تقدمت الإشارة إليهم في أول هذا الشرح، فأما أهل زماننا هذا وأكثر قدماء الزيدية فيقولون: إن الدليل على إمامته -عليه السلام- خفي يحتاج إلى تأمل ونظر، وكانت دعوة هذا الإمام الحسن بعد أن استشهد الإمام المهدي أحمد بن الحسين -عليه السلام-، وبعد أن دعا الحسن بن وهاَّس أيضاً؛ لأن المهدي -عليه السلام- استشهد في صفر من سنة ست وخمسين وستمائة، ودعا ابن وهاس في ربيع من هذه السنة، ودعا الإمام الحسن يوم خامس وعشرين من شهر شوال سنة سبع وخمسين وستمائة، ودعا وهو ابن إحدى وستين سنة، وظاهر الكلام أنه قد كان بايع ابن وهاس ثم عارضه، لأني وقفت على جواب لأخيه الأمير الحسين بن محمد

على ابن وهاس وشيعته، قال فيه: فإن قيل: فإن الإمام المنصور الحسن بن محمد قد بايع ابن وهاس، ثم أبطل إمامته، وادعى الإمامة لنفسه، فالجواب: إنَّا قبل ذلك نتكلم في بطلان إمامة ابن وهاس، وفي بيعة المنصور له، وفيما ادعوه من قوله فيه: حسن بن وهاس يصلح للإمامة، واعتراضهم في دعوته [في خلال ذلك]، فأما بطلان إمامة ابن وهاس، فالأصل في دماء المسلمين وأموالهم الحظر عقلاً وشرعاً، وقد علمنا ومن جرى مجرانا أن ابن وهاس ثلم ورعه قتله للمهدي بغياً؛ لأن المعلوم أنه حين عزم أصحابه على حرب المهدي –عليه السلام- لبس عدته وركب و صف مع أصحابه، وقد قال النبي ً: ((من كثر سواد قوم فهو منهم))، ولما عدل المهدي عن الحرب وأراد أن ينزل حالوا بينه وبين النزول وحاربوه، فلما قتل نزل ابن وهاس عن جواده ووقف بين الصفين وصلّى ركعتين، قال الأمير الحسين: وقد قال وأنا أسمع: أنا قتلت هذا الشريف ولا أكتم، وقال في كتابه إلى العلماء: ومن لكم بإمام كان على يديه قتل من رقَى إلى الخلافة، قال: فقد سقط ورعه إجماعاً ما لم يتب، قال الله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}[آل عمران:21]، والمهدي كان ممن يأمر بالقسط، وقد عطف تعالى قتل الآمرين بالقسط على الكفر، وعلى قتل النبيين، فدل على أن كل واحدة [منهنَّ] محبطة للعمل لولاه لما عطفهنّ، وقد احتج بعض العلماء على أن قتل الإمام كفر، بما جاء في التفسير: أن النفس إمام الحق، في قوله تعالى: {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ

فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}[المائدة:32]، لأن فيهم الأنبياء، وقتلهم كفر بيقين، [وبه] قال البستي، وأما السنة قوله : ((لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً )) ولو لم يكن المهدي إماماً فهو من ذرية النبي ً، وقد قال فيهم: ((وقدموهم… الخبر حتى قال: ولا تشتموهم فتكفروا )) قال الإمام المنصور [بالله] عبد الله بن حمزة: فقضى بالضلال على من خالفنا، والكفر على من شتمنا، وقد قال ً: ((حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وقاتلهم والمعين عليهم ومن سبهم)).
قال المنصور بالله عليه السلام : أتدري من المعين عليهم؟ ألا إنه الخاذل لهم، قال: ومن المعلوم أن من آذى الرجل في بهائمه يكون من أعدائه، فكيف من آذى أولاده؟!
قال الأمير الحسين: وهذه صفة ابن وهاس، فإنه دعا إلى قتال المهدي وكثّر سواد قاتليه وأعانهم، وقد قال علي –عليه السلام- في قتيل: (لو تمالأ على قتله أهل صنعاء لقتلتهم به )، ولم ينكر عليه الصحابة.
قال: وقد تمالأ الحمزيون على قتل المهدي –عليه السلام-.
وأما الإجماع فظاهر في تحريم دماء المسلمين وأموالهم إلا بحقها، فلا أصل لإمامته، وقد فعل هذه الكبيرة، وسار في مدة ولايته أقبح سيرة.
وأما بيعة الحسن بن محمد [له].

فجوابه: أن البيعة لا تدل على الإمامة، بايع علي –عليه السلام- ثلاث بيعات لغير إمام خشية انشقاق العصا، قال تعالى: {لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ }[آل عمران:28] إلى أن قال : {إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً }[آل عمران:28]، فإذا جاز ما ظاهره الموالاة تقية، فالبيعة أجوز، ولا سيما مع عدم الناصر، دليله أن العباس عرض البيعة على علي [–عليه السلام-] فقال: (لو كان حمزة حياً وجعفر لفعلت)، وللإكراه عليها ممن يخشى سيفه وسنانه قال تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ] }[النحل:106]، وأيضاً فإنه إذا كان تحت رجل ممن يمونه نفوس كثيرة، ولا يجد لهم قوتاً إلا من بلد فيها منتصب للإمامة ولا يصلح لها، ولا يمكن الرجل شراء الأقوات إلا بالبيعة للمنتصب جازت، ويدخل تحت قوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً }[آل عمران:28]، وأيضاً فإنها تجوز البيعة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو لكافر، وأما قولكم: هل عقل أو شرع يبيح أن يتخذ ابن المعثور خاصة له؟
فجوابه: أناّ نقول: نعم، فالعقل قد أباح أن ينتصر الإنسان بمحق أو مبطل.
وأما الشرع: فإن الله تعالى ألزم الناس كافة فرض الجهاد كما تدل عليه الظواهر، فتجوز الإعانة بمن استعانه، لاسيما مع إظهار التوبة، وقد استعان النبي ً يوم حنين بالكفار، وتقوّى بالمنافقين.
وأما قولكم: ليس معه درهم حلال ولا مدُّ.

فجوابه: إن ذلك منكم تحكَّم، فقد علمنا أن له شيئاً من الزراعات والتجارات، وقد أخرج زكاة ثمرة واحدة مائة وخمسين مُداًّ من ألف وخمسمائة مدٍّ، ثم إنه صرف كل ماله مراراً من حصن وغيره إلى نائب الإمام المهدي، ثم وهبها له المهدي، وقد أعطانا منها ما أعطى، ومكَّننا من الباقي، وقال: أنفقوها في سبيل الله، فإن تمكنتم فضموني، ثم ما وجه سبِّكم له وكلامكم [عليه]، وقد أحسن إلى كثير منكم، وأطعم الطعام من لاذ به في الشدة كل يوم ستمائة نفس فدون، وأسلف من يليه من ميتك، وبني شاور حباً بحب، وباع على سعر واحد وكان يشترى منه، ثم يباع حينئذٍ بزيادة الثلثين، ورهائنكم عنده وغيرها، فجازيتموه بإحسانه سباًّ، ثم يقال: إن أموال كباركم كسبت بحلال وحرام، ولهذا ترك حسن بن وهاس الأكل من مال أبيه.
وروي أن منكم من أكره الناس على بيع أموالهم منه، حتى أن بائعاً رأى جربة باعها مكرهاً قد أصعفت فسقط ميتاً، ولإنا استنصرنا به وقد تاب، وأنتم تستنصرون بأهل الطنبور والرباب، وإذا وقع تمكين كتب إمامكم: {نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ }[الصف:13]، والله يقول: {لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}[آل عمران:28].

وأما قولهم: إن الإمام الحسن قال: إن ابن وهاس يصلح للإمامة، فقد تعرض للإنسان شبهة فيعمل على صحتها زماناً، ثم ينظر فيها على الوجه الصحيح، فيقع العلم [له] ببطلانها، على أناَّ لا نشترط عصمة غير علي –عليه السلام- وابنيه، ثم إناّ نقول: إن ابن وهاس قد قال بإمامة المهدي زماناً، وأسِرَ في نصرته كرتين:
كرَّة باليمن، وكرَّة بصعدة، وكان يلزم الناس مناصرته، ثم جمع عليه الأشقياء، فقتلوه شرَّ قتلة، ومثَّلوا به أشنع مثلة، فما كان عذركم فهو عذره.
فأما دعاؤه بعد ابن وهاس فما فيه خطأ ولا زلل؛ لأن إمامة ابن وهاس منهدمة الأساس، والخروج عليه جائز، بل واجب؛ لأنه شقّ عصا الإسلام، وفرَّق جمع المسلمين، وقد قال ً : ((من شق عصا المسلمين فقد خلع ربقه الإسلام من عنقه))، وقال ً: ((إذا خرج خارج يريد أن يشقَّ عصا المسلمين وتفريق جمعهم فاقتلوه)).وما استثنى أحداً.
ومن جواب آخر للأمير شرف الدين الحسين على شيعة ابن وهاس.
وأما قولكم: إن في بلاد خولان وفي التهائم مناكير، فلو كان قيامكم لله لبدأتم بإزالتها.

فجوابه: أنه إذا ثبت حصول المنكر في جهاتكم وغيرها، فإزالة المنكر واجبة مع الإمكان، والمنكِّر لها مثاب، ثم نقول: حرب البغاة أفضل من حرب الكفار؛ لأن البغاة في دار الهجرة وتنزيهها أولى من ديار الكفر، وقد ذكر المرتضى والمؤيد والمنصور بالله، والسيد عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن في كتابه إلى المأمون، وقد روي عن إمامكم ابن وهاس هذا مثله، وتحريضه للناس على قتال أصحابه الحمزيين المحاربين للإمام المهدي، وقد جرى في وقتكم هذا ما يوجب البداية بحربكم، وأما إلزامكم بثبوت إمامة صاحبكم عنده بإقراره بالبيعة، فمجرد البيعة لا تدل على صحة الإمامة؛ لأنها تجوز لأمور.
قال الأمير الحسين: وصورة بيعتي لابن وهاس أني قلت: أشترط عليك شروطاً: [العمل] بالكتاب والسنة، ولا يأخذ بنو حمزة أحداً بأغراضهم، وأن يفعل ما يجب على السابق للمسبوق، وأن يفعل ما يجب على المسبوق للسابق، فلم تمض ثلاثة أيام حتى نقض ما شرط.
قال الأمير الحسين: ثم إنه ما يقول بإمامة إمامكم إلا شريك في قتل المهدي كابن فلان وابن فلان، وإلا فأهل الشام لا يخرج منهم غير عطية، ثم هلمَّ جراً إلى مكة والمدينة، وهكذا علماء اليمن كافة، بل يقضون بسقوط عدالتكم.
قال الأمير الحسين: وأما قولكم: بايعنا لابن وهاس فاحتج الناس بنا.
فالجواب: أنّ من بايعه على ما ذكرنا، وأما أناّ دعونا الناس، فهم يعلمون أنا فارقناهم من صعدة، ما دعونا أحداً إلى إمامته، ولم تقم في جهاتنا جمعة منذ قام حتى قام [الإمام] المنصور الحسن بن محمد.

وأما قولكم: إمامكم يدعونا إلى المراجعة، فنحن قد دعوناه فلم يجب، وكيف إمامة من لم يحجزه ورع عن المحرمات، وبلغني أنكم تقولون: إن الحسين بن محمد لا يقول بإمامة أخيه الحسن بن محمد، ولهذا توقف عن نصرته، ولو صحَّ قولكم لأظهرته للناس، والذي أرويه لمن بلغه كتابي هذا والله على ما أقول وكيل وشهيد: إني أعتقد صحة إمامته بالدليل، وأنا أعرض من نفسي المناظرة على صحة إمامته، وبطلان إمامة ابن وهاس، ولولا المرض الحاصل، والعذر الذي يعرفه [من عرف حالي]، لما تخلفت عن الخروج معه، فقد خرجت معه الكرة الأولى، حتى بلغت حيدان، وعلى كل حال فأنا أنصره بما أستطيع، وقد قال الصادق جعفر بن محمد -عليه السلام-: قائمنا لقاعدنا، وقاعدنا لقائمنا، ولو خرجنا جميعاً لقتلنا جميعاً، ولو قتلنا لباد الدين، وبطل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، هكذا رواه عنه العلماء. انتهى.
وهذه أبيات حسنة من شعر الإمام الحسن، وهي:
إنّ الأمور إذا اشتدت مواقعها.... فإنّ شدتها تدني إلى الفرجِ
أما نظرت إلى ما قيل في حِكَمٍ.... وكلما امتحنت ذا فطنة حَجِجَ
من النبوة شدي أزم تنفرجي.... فما عليه إذا ماغم من حرجِ
وكل من سدّت الدنيا مذاهبه.... فاصبر عليها ولو سارت على المهجِ
لكنها حكم يقضي الحكيم بها.... إلا وكانت له في الدهر كالسرجِ
إن الشدائد ما مرت على رجل.... كانت له حججاً ناهيك من حججِ
وكانت وفاته -عليه السلام- سنة خمس وسبعين وستمائة في هجرة تاج الدين برغافة، وقبره الشامي من الثلاثة القبور التي في المسجد.

قال حي السيد العلامة صلاح بن الجلال : وأظن أن عمره يقارب الثمانين.
تنبيه: قد عرض في أثناء ما تقدم ذكر الأمير شرف الدين الحسين بن محمد بن بدر الدين، وذكر ابن وهاس، وذكر ابن المعثور، فلتقع الإشارة إلى ذكر طرف من شأن كل واحد على وجه الاختصار، وكذلك نذكر ثلاث فوائد:

[ذكر الأمير الحسين بن بدر الدين محمد - رضي الله عنه-]
الفائدة الأولى: في ذكر الأمير الحسين بن محمد، فهو من أعلام العترة الميامين، ومن علمائهم المبرزين، وعلمه أكثر من أن يوصف، ومعرفته أشهر من أن تعرف، فله من التصانيف ما يدل على علمه الغزير، حتى قيل: إنه أبو طالب وقته، صنّف في الفقه كتاب (المدخل)، وكتاب (الذريعة)، و(التقرير)، ستة أجزاء، و(شفاء الأوام) أربعة أجزاء، مات وما قد كمل، وكمله الأمير صلاح بن الإمام إبراهيم بن تاج الدين، وللأمير الحسين في أصول الدين كتاب، وأما الرسائل والأجوبة فكثيرة منطوية على علم غزير، وله (ثمرة الأذكار في أحكام حرب البغاة والكفار)، كانت وفاته بعد قيام أخيه، وذلك إما في سنة اثنتين أو ثلاث وستين وستمائة، وعمره نيف وستون سنة.

[ذكر الحسن بن وهاس]
الفائدة الثانية: في ذكر وفاة ابن وهاس بن أبي وهاس بن محمد بن حسين بن حمزة بن أبي هاشم الحسن بن عبد الرحمن، وهو النفس الزكية، وقد تقدم طرف من ذكر النفس الزكية في تدريج نسبه إلى علي –عليه السلام-، وقد تقدم أيضاً طرف من أحوال ابن وهاس هذا، في موضع من ذكر سيرة المهدي أحمد بن الحسين، وأنه عارضه وناصبه، وما آل إليه أمره من بيعة أولاد المنصور وغيرهم له، حتى توفي [في سنة] [بياض في المخطوطة أ ص 199].

[ذكر ابن المعثور]
[الفائدة الثالثة] : وأما ابن المعثور فهو: الذي بنى حصن عفار وغيره، وحصن عفار هذا مشهور في نواحي الغرب قريب من ميتك، وقد تقدم أن أناساً اعترضوا على الإمام الحسن بن بدر الدين بانضوائه إليه لزعمهم أنه من جملة الظلمة، وقد وقعت أنا على شعر للأمير عز الدين بن شمس الدين بن الإمام المنصور بالله يرد في هذا الشعر على الإمام الحسن المذكور، فقال من جملته:
لمال ابن المعثور كان هذا.... وللأحداث ما جمع الغبيُّ
مضى لاغارة شبت بثغر.... ولاكسر القنا أنف حميُّ
ولكن النساء سمنَّ فيه.... وزينها الغلائل والحليُّ
فأجابه الأمير المهدي بن تاج الدين بقصيدة طويلة قال فيها:
ومال ابن المعثور كان فيه.... لنا في حربكم غرض سنيُّ
ولم يبذله سيف الدين إلا.... لنصر الدين وهو الأريحيُّ
ومهما قيل أقصر عن عطاء.... أتى منه العطاء البرمكيُّ
ومن هذه القصيدة يشير فيها إلى أنهم قتلوا يحيى بن الإمام أحمد بن سليمان وولده، وغيرهما من بني الهادي -عليه السلام-:
قتلتم فارس الفرسان يحيى.... ويحيى قد علمت القسوريُّ
وصفوته علي قتلتموه.... وصفوة جعفر دمه طريُّ
ثلاثة أنجم زهر أبوهم.... إذا عدَّ الفخار مطهريَّ
وذكر أبياتاً بعد هذه الأبيات فيها طرف شتم، وأنا أكره حكايات الشتم الذي يجري بين العترة المطهرين؛ لمحبتي لهم أجمعين، وبتمام الكلام على سيرة [الإمام] الحسن بن بدر الدين يقع الشروع في ذكر طرف من أحوال ابن تاج الدين.

[أخبار الإمام إبراهيم بن تاج الدين - عليه السلام-]
وفي ابن تاج الهدى المهدي قد حكمت.... في يوم أفق بما يهوى أبو عمرِ
وخانه من إليه كان مرتكناً.... حتى المظفر منه فاز بالظفرِ
المراد بالمذكور هنا هو: الإمام الأسير، ذو الوجه المنير، والعلم الغزير، المهدي لدين الله: إبراهيم بن تاج الدين أحمد بن بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى، كان قيامه بعد موت عمه الحسن بن بدر الدين، أول يوم من ذي الحجة سنة سبعين وستمائة سنة للهجرة، وانتظم له الأمر بعض الانتظام، وبايعه علماء وقته من أهل البيت و[من] غيرهم.
قالوا: واعترض له الفقيه ابن البناء من أهل الظاهر وسكان ظفار، وجاهره بما يسوءه من القدح والذم والوقيعة في العرض، فحلم عنه الإمام -عليه السلام-، والقصة مشهورة في (كاشفة الغمة) لحي السيد العلامة الهادي بن إبراهيم بن المرتضى، ثم اعترضه أيضاً جماعة من شيعة الظاهر، فتولى جواب الاعتراض الأمير الصدر العلامة المؤيد بن أحمد، وكان قائلاً به ومعظماً له.

قالوا: ولما توفي الإمام بتعز كما سيأتي أوصى إلى المؤيد المذكور، وكان من جملة وصيته: (يا مؤيداه، يا مؤيداه)، فلما بلغ ذلك [الأمير] شَّمر عن ساق الاجتهاد، وخلص الإمام عماّ أوصاه به ونفَّذ وصيته، هكذا حكاه [حي] السيد العلامة الهادي بن إبراهيم في (كاشفة الغمة)، وقد أخبرني بمعنى ذلك مشافهة مولانا أمير المؤمنين عز الدين بن الحسن بن أمير المؤمنين، وزاد بعد لفظه: يا مؤيداه، [يا مؤيداه]، يا مطهراه، يا مطهراه)، يعني بذلك الإمام المطهر بن يحيى –عليه السلام-، ولم يزل –عليه السلام- قائماً بأمر الله أحسن قيام، حتى أسره السلطان المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول (التركماني) [في] يوم الجمعة في نصف شهر جمادى الأولى من سنة أربع وسبعين وستمائة في أفق من مغارب ذمار، على نحو فرسخين أو ثلاثة؛ لأنه لما انهزم عسكره هناك، ونهبت محطته بما فيها، وكان الذي تقدم لحربه أمير يقال له: الشعبي في جماعة من الغز فأحاطوا بالإمام في أفق، وتبعهم السلطان في عساكر كثيرة، فانهزم عسكر الإمام كما تقدم، فثبت الإمام، وثبت معه بعض الأشراف ثباتاً حسناً، وكان جل عسكره أخواله الأشراف بنو سليمان بن موسى الحمزيين، فبذل لهم السلطان مالاً جزيلاً، فيقال: إنهم خدعوا الإمام وخذلوه حتى أسر، والوقعة مشهورة، ومات –عليه السلام- في سجن السلطان بتعز، وقبره هناك مشهور مزور؛ لأنه توفي هناك في شهر صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة سنة، وله عقب، وأمه زينب بنت الإمام المنصور بالله –عليه السلام-، وقد قيل: إن الذين خدعوه وعناهم بشعره الآتي ذكره هم أخواله إخوة أمه،

والله اعلم أي ذلك كان، وهذا الشعر يصف فيه الوقعة التي أسر فيها، ويذكر ما كان منه ومن عسكره، وخديعة من خدعه من أعوانه قال -عليه السلام-:
نوائب الدهر في أفعالها العجب.... والحرب لفظ ومعنى لفظه الحربُ
والدهر إن سر يوماً في تصرفه.... فعن قليل إذا ما سر ينقلبُ
وقد رمتني صروف الدهر عن كثب.... بأسهم ماضيات عندها العطبُ
فلم تجدني جباناً عند تطرقني.... ولا جزوعاً لدى البأساء أنتحبُ
بل صادفتني قوي القلب إن طحنت.... رحى الهياج فإني للرحى قطبُ
ورب يوم تغيب الشمس قسطلة.... فتظلم الشمس حتى يتَّضي القضبُ
صبرت فيه على البأساء محتسباً.... لله إذ كان مثلي فيه يحتسبُ
كيوم حدة والأبطال عابسة.... من الهزاهز والشعبي مضطربُ
حتى إذا خان بعض الأهل موثقه.... وغرَّه فضة السلطان والذهبُ
أبدى شقاقاً وأخفى منه معظمة.... وجاءنا الغدر لا من حيث نحتسبُ
فملت بالكره لا جبناً ولا جزعاً.... إلا لإحياء ما جاءت به الكتبُ
كيوم أفق وقد جاء المظفر في.... عساكر جلها الأتراك والعربُ
فلم أحم عن لقاء الأسد إذ نزلوا.... ولا هربت مع الأبطال إذ هربوا
بل صلت فيه على الآساد منتضياً.... عزماً كعزم هزبر الغيل إذ يثبُ
وتحت سرجي وقاح حين أحفزها.... تخالها كوكباً في الجو ينقضبُ
فما أطاقوا لقائي إذ دلفت لهم.... بعاسلٍ كرشاء البئر يضطربُ
حتى إذا صرت مشغولاً بجمعهم.... وجاء من خلف ظهري عسكر لجبُ

نالوا بأيديهم رمحي على غرر.... فأمسكوه وسيفي بعده جذبوا
ولم أجد عنهم مثنى ومتسعاً.... فأحفز الطرف عنهم ثم أنقلبُ
لكنهم رصدوا لي كل ناحية.... فحين خفَّ اشتغالي عنهم وثبوا
ولو يكون قتال القوم من جهة.... لكان للخلق في أفعالي العجبُ
فإن غلبت فما هذا بمبتدع.... فكم بهاليل غلابون قد غلبوا
وبعد ذلك جاءوا بي إلى ملك.... له المفاخر والعلياء مكتسبُ
أبو الهزبر نقي العرض من دنس.... وباذل المال لا زور ولا كذبُ
فكان منه من الإحسان ما شهدت.... بفضله فيه عجم الناس والعربُ
فمن يبلِّغ عني كل من سكنت.... قلبي محبته أو بيننا نسبُ
أني على خفض عيشٍ في منازله.... لا يسكن الضيم في قلبي ولا التعبُ
فليشكروه فإني اليوم شاكره.... سراً وجهراً وهذا دون ما يجبُ
وقال -عليه السلام- وهو في حبس المظفر، وكتب بها إلى بعض القضاة آل أبي النجم إلى صعدة، ما لفظه:
لآل أبي النجم الكرام مكارم.... تحل محل النيرات الثواقبِ
لهم عادة بذل النوال إذا سطت.... يد الدهر وانسدت وجوه المطالبِ
ونشر فنون العلم في كل مشهد.... إليهم له تحدو قلاص الركائبِ
وإخلاص دين للإله وعفة.... وفعل وقول صادق غير كاذبِ
حتى قال:
وإني إليكم للمظفر شاكر.... عفا وحباني بعده بالمواهبِ
فكل هوى أهواه غير مؤجل.... من الدين والدنيا وكل مطالبِ
سوى رؤية الأحباب والعذر بيِّن.... له ما جرى من أسرتي وأقاربي
هم رهنوا أولادهم وبناتهم.... وقاموا عليه بعد قومة غاضبِ

فلا لوم إن أمسى بنا غير واثق.... ولا عتب في هذا عليه لعاتبِ
وإن كنت عن قومي وأهلي بمعزل.... ولست إلى ما يذهبون بذاهبِ
ولكن قد قدمت كل إساءة.... إليه لتصديق الظنون الكواذبِ
فقاس أموري كلها بأمورهم.... كما كنت فيما سرهم غير راغب
وظن مقالي في التصنع مثلما.... يقولون لا والله ربِّ الأعاربِ
ودمتم بخير ما ترنم طائر.... وما لاح برق في متون السحائبِ
وله وهو في الحبس أيضاً يرثي القاضي إسماعيل بن عبد الله بن أبي النجم، وقد استشهد معه:
خطب ألم فأنساني الخطوب معا.... وصيَّر القلب في أشغافه قطعا
وهاض مني القوى حتى غدوت أخا.... عجز وقد كنت للأعباء مضطلعا
فصرت أظهر صبراً إذ شعرت به.... تجملاً وفؤادي مبطن جزعا
وذاك قتل شجاع الدين أحمد من.... أمسى لكل خصال الفضل قدجمعا
حاز السماحة والعلياء من قدم.... والحلم والعلم والإقدام والورعا
ذو همة لم تزل قعساء سامية.... لو ضمها صدر هذا الدهر [ما] اتسعا
وعزمة مثل حد السيف ماضية.... لو لاقت الصخر يوماً لان وانصدعا
إن عدَّ أهل السخاء فهو السخي بما.... تحوي يداه لنا ما باخل منعا
أو عدَّ أهل الهياج المسعرين لها.... فهو الذي بلبان الحرب قد رضعا
وقتل قاضي أمير المؤمنين صلاح.... الدين من لم يزل للحق متبعا
سمح اليدين كريم الوالدين له.... كف يفرق في العافين ما جمعا
من لم يزل لجميع الخلق معتصما.... عند الخطوب وللعافين مُنْتَجَعا
الصاحب الثقة المأمون جانبه.... والحافظ الودِّ إن دانى وإن شسعا

وقتل نجل سعيد صارمي بيدي.... إذا نبا السيف واستعملته قطعا
كان الهزبر إذا ما الحرب مسعرة.... ولم يكن عندها نكساً ولا ورعا
لهفي عليهم جميعاً لو شهدتهم.... لكنت أول من نحو الحمام سعا
وإنما الكل في بحر يعوم به.... من البلاء وطير الموت قد وقعا
ولم يولوا ولا وليت منهزماً.... وكلهم ذاق من كأس الردى جرعا
ولم أضن بنفسي من مصادمة.... الموت الزؤام ولكن القضا دفعا
بل قد رميت بها في جحفل لجب.... وبالجواد ولم أضمر بها فزعا
فذدتهم عن دخول الباب إذ عزموا.... عن الدخول فكلَّ منهم رجعا
حتى إذا جاء من خلفي ومن قبلي.... عساكر تحمل الأنصاف والقطعا
فأمسكوا الرمح من خلفي مغادرة.... والسيف قد أمسكوه والجواد معا
وكنت في موضع مستعصبٍ حرجٍ.... لم ألق فيه لسعي الطرف متسعا
لم تبق لي حيلة في الدفع عن أحد.... منهم وألقيت فوق الأرض منصرعا
ثم انتهيت إلى سوح به ملك.... يحل بيتاً من العلياء مرتفعا
فجاد بالعفو والإحسان شيمته.... وكان للخير والمعروف مصطنعا
إني أقول ونار الحزن في كبدي.... سقياً ورعياً لعهد منهم ولعا
ورحمة الله لا تفنى مكررة.... عليهم ما خفى برق وما لمعا
هذا عزائي لكل المسلمين فمن.... يبلغه عني فربي حاطه ورعا
ثم الصلاة على المختار من مضر.... وآله السادة المحيين ما شرعا

وهذا جواب الأمير الكبير شرف الدين الحسن بن يحيى الأشل الهدوي أحببت ذكره هنا؛ لما تضمنه من حال تعظيم الإمام إبراهيم بن تاج الدين، ووصف طرف مما جرى له في الوقعة؛ لأن جميع ذلك لا يخلوا من فائدة عائدة، ونكتة زائدة:
نظم ألم فهاج الوجد والجزعا.... وجرَّع النفس من ماء الأسى جرعا
جاءت به نحونا الركبان قاصدة.... بمثله ما روى راوٍ ولا سمعا
أهدي إليّ فطارت مهجتي فرحاً.... شوقاً إلى صاحب (المُلْقَى) وما سجعا
فقلت أهلاً وسهلاً بالنظام ومن.... أهدى النظام ومن أنشاه وابتدعا
حتى تبينت معناه ومعرضه.... فكادت النفس تقضي نحبها جزعا
وخامر الجسم من تلقائه ألم.... حقاً وانسار في أحشائه وجعا
وجاش جيش الأسى في القلب وافترق الـ.... ـصبر الجميل وكان الصبر مجتمعا
وفارق النوم طرفاً كان يألفه.... وصد صداً مبيناً عنه وامتنعا
وكلما بعث التذكار لي شجناً.... أورى الحرارات والأحزان والولعا
وعمت في بحر شوق ماله أمد.... ما قلت تخفض لي أمواجه رفعا
وصرت في حيرة مما أكابده.... كأنني قد سقيت الصاب والسلعا
ألقى من الأمر ما لا أستطيع فلو.... يكون ما بي بصخر لان وانصدعا
من أجل ما نال مولانا وسيدنا.... الألمعي الأبي الطاهر الورعا
العالم العلم المحمود من علقت.... به الأماني والآمال مذ رضعا
محض الشمائل لا يرضى بمنقصة.... ولا يُرى أبداً في عرضه طبعا
إمام حق دليل الخير قائده.... على الشريعة إن أعطى وإن منعا

إناّ لنعرف فيه كل مكرمة.... تؤدَّ كل كريم الخيم مذ يفعا
علماً وحلماً وعقلاً راسخاً ونداً.... وربط جأش إذا داعي الحروب دعا
وإن طغى الحرب لاقاه بعزمة ذي.... بأس يرد جماح الخطب مختضعا
أو شد دهر على أهليه فرّجه.... وكان منتجعاً رحباً لمن نجعا
أو ضاق أمر فلم تعرف مسالكه.... أنحى عليه صليب الرأي فاتسعا
أو عز أمر جسيم فاستغثت به.... يوماً لغمته أو دفعه دفعا
وإن طرت بين أهل العلم مشكلة.... جلَّى وبيَّن معناها لمن سمعا
مهذُّب نبوي ماجد نجد.... مقدم علوي طار أو وقعا
سمت به همة في المجد عالية.... فطاب مرأى على الدنيا ومستمعا
مولاي، مولاي حقاً لا أفوه بها.... زوراً ولا ملقاً يوماً ولا طمعا
يادرة التاج، بابن التاج من شهدت.... بفضله فضلاء العالمين معا
عزّ عليَّ الذي أصبحت فيه ولا.... أستطيع دفعاً ولا ألقى له شفعا
لو كان يقبل مني الروح جدت به.... والآل والمال لا ألقى بذا ضرعا
ولا أراجع حساً في الرجوع إذا.... ذو فدية حاد يوم السؤم أو رجعا
أما الأسار فأمر لا يعاب فلو.... رمت الفرار وجدت النهج متسعا
لكن عملت بما جاء الكتاب به.... حقاً وأحييت ما أحيا وما شرعا
فجدت بالنفس يوم الروع محتسباً.... في (أفق)لم تهب الأنصاف والقطعا
فدافع الله عنك الشر تكرمةً.... ولا فوات لأمر منه قد دفعا
وكان من لطف ربي أن أسرت إلى.... من لم يزل للخصال الغر متبعا

الفاضل الكامل المحمود شيمته.... الأوحد الأكرم الوهَّاب ما جمعا
ما زال يولي ذوي الآمال منه ندا.... جماًّ ومازال للإحسان مدَّرعا
من آل غسان أرباب الملوك فلو.... تلقى إليه أمور الناس لاتسعا
إن قسته بملوك الأرض فاقهم.... فضلاً وكانوا لأدنى فضله تبعا
أولاك ما كان من عفو ومن كرم.... تقبل الله ما أولى وما صنعا
سارت بذاك له في الأرض مكرمة.... ومفخر ما بدا نجم وما طلعا
وتركت من وسطها أبياتاً ميلاً إلى الاختصار، وجئت بآخرها رعاية لحق العترة الأطهار، قال:
هذا جوابي لمن قد قال مخترعا.... خطب ألم فأنساني الخطوب معا
فمن يبلغ نظمي نحو صاحبه.... أعزه الله قاضي حاجة ورعى
وحاطه وتولاه وكان له.... محمد المصطفى من أفضل الشفعا
صلى عليه إله العرش ما طلعت.... شمس ومهما خفى برق وما لمعا
ويتلوها جواب على وزنها لبعض أهل ذلك الوقت:
أهلاً بطرس علينا نوره طلعا.... نظماً ونثراً بطرس واحد جمعا
من أفضل الناس من عرب ومن عجم.... وخير داعٍ إلى الدين الحنيف دعا
خليفة الله من أحيا لنا سنناً.... ومن أمات لدينا سعيه بدعا
مهذباً نجل تاج الدين أشرف من.... أقنى وأفنى ومن أعطى ومن منعا
الباسط الكف للعافين باذله.... إذا السحائب ضنت جاد واندفعا
كهف الطريد إمام العصر سيدنا.... أعز من بالهدى والحق قد صدعا
رثَّى رجالاً أصيبوا فالقلوب على.... ما نالهم ذهبت من أجله قطعا

باعوا من الله أرواحاً فأسكنهم.... في الخلد أشرفها مرأى ومستمعا
سلوا السيوف ولم يخشوا ولا وهنوا.... في حومة الموت لا هول ولا فزعا
فكل عين عليهم أمطرت ديما.... وكل نفس عليهم أشربت جزعا
مالي وللدهر ما تنفك نائبة.... منه تنوب فهلا ارتدَّ واندفعا
وفي سلالة مولانا لنا عوض.... عمن مضى إن تناسى الدهر أو قرعا
وهكذا الحرب مازال الكمي بها.... يغشى المهالك صراعاً ومنصرعا
جاءت إليك من الرحمن عارفة.... كستك أمناً وثوب الأمن قد رفعا
لله ملك أفاد المسلمين معا.... بعفوه عنك مجد طال وارتفعا
أبو الهزبر الذي في ظل دولته.... أضحى نطاق العلا والفخر متسعا
خير الملوك وأعلاهم وأحسنهم.... تصرفاً في الورى إن ضرّ أو نفعا
يا ليت شعري والأوهام طامحة.... تساور اليأس والآمال و الطمعا
هل نشتفي من أمير المؤمنين ولو.... بنظرة تذهب الأوصاب والوجعا
للدين عبرة وجد قطَّ ما رقأت.... وللمكارم طرف قطَّ ما هجعا
وبارق للندى ما انفك مؤتلقاً.... فمذ أسرت خفى نور وما طلعا
عليك منا سلام الله ما و دقت.... وطف وما انهل شؤبوب وما همعا

تنبيه في ذكر تاج الدين والد الإمام [إبراهيم] :
كان من سادات العترة وعلماء الأسرة، إذ كان من المجاهدين في سبيل الله، والبائعين أنفسهم من الله، له كرا مات مشهورة، وله تصانيف في أصول الدين، وتولى للمنصور بالله عبد الله حمزة بصعدة بعد أخيه مجد الدين إلى أن مات الإمام المنصور، ثم تولاها بعده لأولاد المنصور، ثم مات في رمضان من سنة أربع وأربعين وستمائة، وقبره بمسجد الهادي بصعدة.
قلت: ومن فضائل الإمام إبراهيم أنه ولد تاج الدين هذا، وأن جده بدر الدين، وعمه الأمير الكبير شرف الدين الحسين بن محمد، وعمه الثاني الإمام الحسن بن بدر الدين.

[ذكر الأمير مجد الدين يحيى بن محمد]
وعمه الثالث الأمير الشهير الشهيد مجد الدين يحيى بن محمد، فإنه بلغ في العلم مع صغر سنه و[في] الجهاد مبلغاً [عظيماً] لم يبلغه غيره، و[قد] كان يصلح للإمامة، فإن المنصور [بالله] عبد الله بن حمزة سئل في مرضه من يصلح [للإمامة] بعدك؟ فقال: الأمير مجد الدين - أيَّده الله -، وقد بقي عليه شيء من علوم القرآن والأصول أصول الفقه، فإن تمكنت بسطته في ذلك، فالله ييسره كمل واستحق فيما نعلمه، والتوفيق بيد الله تعالى، [و] استشهد في دولة المنصور، وعمره ثمان وعشرون سنة، وقبره في الخموس مشهور مزور، وعم أبيه الأمير الكبير شمس الدين يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى، وللإمام إبراهيم عقب كثير موجودون في هذا التأريخ، ومن نسله: الإمام الداعي علي بن صلاح، المذكور مع الإمام يحيى بن حمزة، فيما سيأتي [إن شاء الله تعالى].

[أخبار الإمام المتوكل على الله المطهر بن يحيى بن المرتضى -عليه السلام-]
وفي المطهر لم تعدل وقد علمت.... أن المطهر زاكي الفعل والأثرِ
من ظللتة السحاب الغرّ حائلةً.... من دونه وغدت ستراً لمستترِ
بيوم تنعم والأبطال عابسة.... وقد تقدم والضُلاَّل في الأثرِ
عنى بهذه الأبيات الثلاثة: الإمام المتوكل على الله المطهر بن يحيى بن المرتضى بن المطهر [بن القاسم] بن المطهر بن محمد بن المطهر بن علي بن الناصر بن الهادي إلى الحق -عليهم السلام-، كان هذا الإمام معروفاً بالعلم، والفضل، والورع، كانت الطهارة بيتاً أهله قواعده، وعقداً نفيساً آباؤه فرائده، وكان-عليه السلام- أحد أنصار الإمام أحمد بن الحسين -عليه السلام-، فلما قتل، قال له الإمام إبراهيم بن تاج الدين: أدع فأنت أولى مني، وأكبر سناً، فقال: أنا غير داع، [أنت] أنفع للمسلمين مني فادع أنت، فلما أسر الإمام إبراهيم [بن تاج الدين] دعا، فساس الأمور أحسن سياسة، ومال إليه سادات العترة، وأفاضل أتباعها، وعيون أشياعها، وكان النهاية في كل خلة شريفة، كرماً، وعلماً، وورعاً.
ومن طرائف كرمه وزهده: أنها وضعت في كفه المطهرة دراهم فسها عنها حتى عرقت عليها كفه، فانتبه من سهوه، فرمى بالدراهم عن يده، وقال: ما هذه بشيمة المتوكل، وفيه يقول بعضهم:
سألت عنه فقالوا ليس نثلمه.... إلا بأمرين مشهورين فاعترف
سخاء كف وإن لم يبق باقية.... وبذل روح وإن أدى إلى التلف

وله –عليه السلام- دعوة أصدرها إلى العترة الكرام، والعلماء المعظمين، والزعماء المقدمين، والكافة من المسلمين، قال فيها عليه السلام :
سلام عليكم، فإناّ نحمد الله إليكم الذي جعل الحق ضياءً منيراً، وجعل الباطل هباءً منثوراً، وآتى آل محمد الحكمة، وآتاهم ملكاً كبيراً، وأيَّدهم بالنصر وتولاهم، وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً، وخذل أعداءهم وأعدَّ لهم جهنَّم وساءت مصيراً، وصلى الله على [سيدنا] محمد وآله الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرَّهم تطهيراً.
أما بعد:

فإن الله بعث في كل أمة رسولاً، وأنزل [معه] كتاباً فصل فيه ما أحلَّ لها تفصيلاً، وبيَّن لها ما حرَّم عليها تصريحاً وتعليلاً، {لئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}[النساء:165]، ولما آذنت الدنيا بالوداع، وأزف من الآخرة الاطلاع، بعث [الله] محمداً سيد المرسلين –صلى الله عليه وعلى آله الأكرمين- ختم به الرسالة، وأوضح به الدلالة؛ {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}[الأنفال:42]، فحين أكمل الله [له] دينه الذي شرع، وشكر سعيه وصنيعه الذي صنع، نقله إلى دار كرامته، [وأكرمه] بجواره، وقد خلف فيكم الثقلين: كتاب ربكم المجيد الذي {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[فصلت:42]، والثقل الثاني: عترتة الطاهرة شموس الدنيا وشفعاء الآخرة، الذين من تمسَّك بهم لم يضل، ومن اعتصم بمودتهم لم يزل، قال فيهم [أبوهم] رسول الله ً: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً : كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض)).

وقال ً: ((ما أحبنا -أهل البيت- أحد وزلت به قدم إلا وثبتته أخرى )) فلم يزل منهم قائم بعد قائم، وآمربالمعروف ناهٍ عن المآثم، [ثم] قال أبوهم ً: ((إن عند كلّ بدعة من بعدي يكاد بها الإسلام قائماً من أهل بيتي، موكلاً بها، ليعلن الحقَّ وينوِّره، ويردَّ كيد الكائدين، [ويبوره] فاعتبروا يا أولي الأبصار، وتوكلوا على الله، وقولوا: {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}[يونس:85،86].

ولما رأيت أهل العصر قد ظهرت فيهم البدع، ونزل فيهم الخوف واتسع، وامتلأت قلوب المؤمنين بالجزع، عقيب أمير المؤمنين المهدي لدين رب العالمين إبراهيم بن أحمد -سلام الله عليه وعلى آبائه الأكرمين-، خشيت استئصال شأفة المسلمين بعلو كلمة الظالمين، فشمَّرت لطلب القائم من أهل البيت عن ساق، حين هدرت شقاشق الشقاق، ونفقت في سوق البغي سلع الظلم والنفاق، و أرجف الظالمون على المسلمين بإرعاد وإبراق، وعقدت للقائم بالإذعان مني مجتهداً، ورضيت بأن أكون [ما بقيت] من ورثة الكتاب مقتصداً، فلم أجد منهم قائماً بذلك أبداً، وانضم إلى ذلك وجود الناصر من العترة الأكابر، ومن شايعهم من ذوي النجدة والبصائر، فتعينت الحجة حينئذ عليَّ، وانتهت نصرة الدين إليَّ، فاستخرت الله تعالى وفزعت إليه، واستعنت به وتوكلت عليه، ونشرت هذه الدعوة الصادقة الجامعة - إن شاء الله تعالى - غير الفارقة، داعياً إلى سبيل ربي [بالحكمة والموعظة الحسنة]، هاجراً في حماية الدين لذيذ النوم والسنة: {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شيئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}[آل عمران:64]، وهلم إلى العمل بالكتاب الكريم، وسنة رسوله -عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم- أجيبوا داعيكم، ولبوا مناديكم، واتبعوا هاديكم:
شيخ شرى مهجته بالجنة.... وسنَّ ما كان أبوه سنَّه
ولم يزل علم الكتاب فنَّه.... يقاتل الكفار والأظنه
بالمشر فيا ت وبالأسنة
……

{يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}[الأحقاف:31]، وقال أبونا ً: ((من سمع واعيتنا أهل البيت فلم يجبها كبه الله على منخريه في نار جهنم ))، فإن أجبتموني حملتكم -إن شاء الله- على المحجة البيضاء لا أعدو بكم سنة جدي ً قيد شعرة، ولا أفارق إن شاء الله منهاج آبائي الكرام البررة، ووجدتموني إن شاء الله [تعالى] عادلاً في الرعية، قاسماً بالسوية، على مطابقة الشريعة النبوية، كافلاً باليتيم كفالة الأب الرحيم، حائطاً لأراملكم حياطة المولى الكبير، متخذاً للكبير أخاً شقيقاً، جاعلاً للصغير ولداً شفيقاً، لا أدخر لنفسي إن شاء الله من فيئكم وفراً، ولا أستأثر [من] دونكم وِرْقاً ولا تبراً، القريب عندي بعيد حتى يوفي ما عليه، والبعيد عندي قريب حتى يصل حقه إليه، فلا تضربوا عن نصرتي صفحاً، ولا تطووا [دون إجابتي] كشحاً: {وَمَنْ لاَ يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}[الأحقاف:32]، ولا تميلنَّ بكم الأهواء، ولا تتفرق بكم الآراء، ولا تغرنَّكم الحياة الدنيا، فإن زينتها تزول وتفنى، ولا تخدعنَّكم زينتها؛ فآمالها سراب، وأمانيها كذاب، وعمرانها خراب، وحلا لها حساب، وحرامها عقاب، وهي مطية الأعمال الصالحة لذوي الألباب، وسوق التجارة الرابحة إلى الرجعة والمآب: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ،

تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}[الصف:10،11]، فشمروا في الجهاد بالجد و الاجتهاد، فإنه أفضل أعمال العباد، وأشرفها في العقبى والمعاد: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[التوبة:111]، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((مثل أعمال البر مع الجهاد كمثل المجة الواحدة في البحر اللجي ))، وقالً: ((لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ))، {انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً [وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] }[التوبة:41]، وأقبلوا إلى إمامكم أرسالاً، ممتثلين ما ألزمكم ربكم تعالى، منتقمين لإمامكم المهدي بثأره، ناعشين دينكم بعد عثاره، موضحين من مذهبكم طامس آثاره، كايلين لعدوكم بصاعه، ذارعين له ما بلغ من ذراعه، فأنتم حزب الله وحزب الله هم الغالبون، أنتم -إن شاء الله - أنجد منهم وأصبر وأشرف وأفخر، وهم أذل وأحقر، وإن كانوا أكثر وأوفر: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ }[آل عمران:139]، {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ

فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}[البقرة:249]، فاصبروا على منابذة الأشرار، واجأروا إلى ربكم بالدعاء والاستغفار، يمدكم بالنصر والاستظهار: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}[البقرة:250]، {هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[يوسف:108]، {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}[آل عمران:20]، {فَقُلْ حَسْبِي اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}[التوبة:129]، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
وكان –عليه السلام- كثير التواضع، حتى كان في أيام إمامته يخرج بجماعة من أصحابه يقرأون عليه في ناحية من جبل، فإذا فرغوا من القراءة، إحتطبوا للإمام، فيأخذ الإمام شيئاً من الحطب فيحمله معهم، فيسألونه ترك ذلك، فيأبى، وكان يقول أنا من الحطب إلى الحطب.

قالوا: وكان في وقته السراجي الشريف الآتي ذكره، وكان يؤذيه بكلام فيه شناعة وبشاعة، فيشمخ الإمام عنه عرنين الفضل، وكذلك شيعة الظاهر صمموا على إنكار فضله، وقالوا: صمّي صمام، لا خلف ولا أمام، وقد أشار إلى ذلك السيد الواثق في نسبة أهل الظاهر إلى شقاق أبيه وجده وتعصبهم عليهما، وكان الواثق هذا قد دعا إلى نفسه كما سيأتي، فكتب إليه بعض الفضلاء يحثه على عدم المعارضة لحيّ الإمام المهدي علي بن محمد، والدخول فيما دخل فيه الناس، ويقول :
يا ابن المطهر والإمام الأبلج.... دع عنك ذا الأمر المريج اللجلج
ودع ا لعدول إلى العدو فإنه.... للسم يكتمه وإن لم يخرج
فافزع إلى المهدي أخيك ولذ به.... أعني الإمام علي أمان الملتجي
فهو الذي شهد الأنام بفضله.... وكذا شهدت فكيف عنه تحتجي
فأجابه السيد الواثق المذكور بقوله:
جاز الرجال على الطريق الأعوج.... ومشوا على الشبهات مشي الأهوجِ
والناس هم صنفان من مستدرجٍ.... صنف وصنف ليس بالمستدرجِ
شقوا عصا الإسلام و اجتاحوا الهدى.... فتراهم في ليل معضلة دجي
شجج الغراب بشقها فتصدعت.... ليت الغراب بشقها لم يشججِ
لما رأوني قائماً مستصحباً.... عزماً يفلّق هام كل مدجج
قالوا: عصيت كما دعوت وأحمد.... داعٍ وليس لأحمد من مخرجِ
قلنا: صدقتم دعوتي مشروطة.... بفساد دعوة أحمد البر النجي
حتى أتت أفواج حوث ثلة.... تختال بين مقمصٍ ومتوجِ
فبما هم نقضوا إمامة أحمد.... هل كان فيه نخلة في المنسج
وبأي شيء زحزحوها عن فتى.... متقمص بردائها متتوجِ

ورث الخلافة عن أبيه وجده.... وافقت عشك يا حمامة فادرجِي
إن يخذلوه فإنه مستنصر.... بسواهم من أوسه والخزرجِ
أو يتركوه فإنما هو واثق.... بالله خالقه غياث الملتجي
فأبوه قد قاموا عليه ولم يبل.... بل قال: شدي أزمة تنفرجي
وكذا المطهر جده من قبله.... قاموا عليه بصولة وتحججِ
قالوا: وكان الإمام المطهر من أفصح أئمة العترة، فإن في الرواية أنها وردت عليه (الرسالة القادحة من الباطنية)، فجوَّب عليها بسرعة، وقال في صدر الكتاب:
أما بعد.. فإن (الرسالة القادحة) وردت إلى المشهد المقدَّس المنصوري - سلام الله على ساكنه - بمحروس ظفار، حاسرة لثامها، عاثرة بزمامها، كاشرة في ابتسامها، ترمي في غير سدد، وتكبو في القاع الجدد، لابسة في ظاهرها ثوب الدين الشريف، يشف من تحتها مذهب منشيها السخيف، قد جمع فيها من أغباش جهالاته، وآجن ماء ضلالاته، ما يدل على باطن إلحاده، ويشهد بعناده وإجحاده، تارة يشير إلى نفي صفات النقص والكمال، ومرة يقدح في عدل الكبير المتعال، حتى قال إلى غير ذلك من الترهات، وزخارف الجهالات، وتصور أن ذلك يخفى على أهل العقول، وأن أحداً عندها لا يحسن أن يقول، ولا في ميدان نقض شبههه يجول.
وإذا ما خلا الجبان بأرض.... طلب الطعن وحده والنزالا
وكان كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفه، [شعراً] :
ومن لم يتق الضحضاح زلت.... به قدماه في البحر العميق

قال حي السيد العلامة صلاح بن [الإمام] إبراهيم بن تاج الدين : وكنت يومئذٍ بين يد الإمام المطهر -عليه السلام-، فأمرني بتولي جوابها، وهتك حجابها، وكشف نقابها، فامتثلت أمره؛ لأنه حتم يجب إسعافه، ولا يجوز خلافه، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء:59]، وهو ولي أمرنا، وخليفة عصرنا، إلى كلام طويل، وممن اعترض على الإمام المطهر أيضاً: الأمير محمد بن الهادي بن تاج الدين، ونقم أموراً في سيرته المرضية، وأنشأ في ذلك رسالة، فتولى جوابها [حي] السيد صلاح بن الإمام إبراهيم بن تاج الدين المقدم ذكره.
قال-رحمه الله تعالى- وقد أخذ في جوابها: ورأيت أن أتولى الجواب عن مولانا أمير المؤمنين لوجوه:
أحدها: أنه طلب الجواب من كافة المسلمين الإمام والمأموم.
الوجه الثاني: أن فيها مسائل تعلق بمولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله رب العالمين، تصورت أني أعرف من غيري بجوابها؛ لكثرة خلطتي له، ولما عرفته منه في ذلك.
الوجه الثالث: أني خشيت أن يتصدى لجوابها غيري ممن يحب طريقة الاعتراضات والتشنيعات ؛ فيؤدي ذلك إلى أمور تقبح أواخرها. انتهى.
[و] كانت دعوته المباركة في سنة ست وسبعين وستمائة سنة، ومات في سنة سبع وتسعين وستمائة سنة، ومشهده في ذروان حجة مشهور مزور.

وأما قول السيد صارم الدين فيه: من ظللته الغمام… البيتين، فما وقفت على تفصيل القصة فيهما، فإن يسهِّل الله لي طيافة صنعاء، ألحقت ما وجدته من ذلك في هذا المكان بعون الله [تعالى] وحسن توفيقه، وأوصيت من تمكن من شيء من ذلك بعد وفاتي أن يلحقه [به] وفوضته، وأجر الجميع على الله تعالى، انتهى.
[تفصيل هذه القصة المباركة المشار إليها، إن الإمام -عليه السلام- كان مرابطاً في جبال التناعم، شاحكاً للملحدين، مرغماً لأنوف المعتدين، وكانت بينه وبين الغز وقعة تنعم في شهر محرم، غرة سنة تسعين وستمائة، وهي قصة مشهورة، أشارت إليها مشاعرة بين ولد الإمام المهدي وبين السلطان المؤيد، ومن الشعر الذي من جهة السلطان قوله:
تنح عن الدست الذي لست له.... سيأتيك فتَّاك يعلمك الضربا
[وكان جواب] الإمام عليه السلام جواباً بليغاً فيه كلام ضخم، [وشعر فخم]، ومن جملته البيت المشهور:
وما في جبال اللوز عار لسيد.... غدت واكفات السحب من دونه دربا

[أشار –عليه السلام- إلى ما أشار إليه الوالد –رحمه الله- وذلك أن الله تعالى أكرم الإمام في حال الوقعة بكرامة عظيمة]، وهي: أن الله [سبحانه] أرسل غماماً عظيما فطبق الآفاق، فلما حصل ذلك من جهة الله سبحانه وتعالى خرج الإمام –عليه السلام- تحت الغمام في جماعة وافرة من أصحابه، وأمعن الأعداء في طلبه وقد حجبه الله عنهم، وإلى هذه الكرامة الإشارة [بقولهم في الدعاء له] في الخطبة: الصوَّام القوَّام المظلل بالغمام. [تم ذلك برواية السيد العلامة شمس الدين أحمد بن عبد الله بن الوزير، عن جده جمال الدين الهادي بن إبراهيم]، تمت.

[أخبار الإمام المهدي محمد بن المتوكل علىالله المطهر بن يحيى (ع)]
وسبطه المنتقى عادته آونة.... وسالمته يسيراً آخر العمرِ
وكان فتح آزالٍ من فضائله.... من بعد يوم شديد الحر مستعرِ
هو: الإمام الأفضل، والطراز المكلل، المهدي لدين الله محمد بن المتوكل على الله المطهر بن يحيى المقدم ذكره [قبله]، كان -عليه السلام- ممن حاز الفضائل بتمامها في ضمن رسوخ أصولها، وسمو أعلامها، نشأ على طريقة سلفه الأبرار، وآبائه الأقمار، لكنه جنح عنه من أهل عصره الجزيل، وما آمن معه إلا قليل، هذا على تبريزه في العلم، وبلوغه فيه درجة الاجتهاد، وحوزه قصبات السبق في مضمار الإصدار والإيراد، فله تصانيف شاهدة له بما ذكرته في الأصول والفروع، ومن محاسنها (المنهاج الجلي في فقه زيد بن علي) أربعة مجلدة، وله (عقود العقيان في الناسخ والمنسوخ من القرآن) ضمنه من علم التفسير والقرآن فرائد ثمينة، وفوائد بالتحقيق قمينة.

وحكي أن الإمام يحيى بن حمزة لما وقف على كتاب (المنهاج) راقه كثيراً، واستجاد تفريعاته؛ لأن طريقة الإمام فيه توسعة التفاريع، ومن نظره بعين الإنصاف علم غزارة علم منشيه ومؤلفه، إذ كان فقه زيد بن علي –عليهما السلام- ليس بالكثير، فوسَّع نطاقه وكثَّر أطواقه، ومدَّ رواقه، وكاثف أوراقه، ثم له –عليه السلام- موضوعات في سائر الفنون، ففي العربية كتاب حسن سماه (الكواكب الدرية في شرح الأبيات البدرية) تكلم في إعرابها، وما تحتمله من وجوه الإعراب، وأورد من أقاويل النحاة ومختارات أكاليم علمائها ما يشهد له بسمو المنزلة في هذا الفن، ثم خاض في شيء من الكلام، ومسائل الإمامة، وله في الكلاميات رسائل وجوابات مسائل، اشتمل عليها المجموع المهدي، منها: (الجواب المنير على مسائل أهل الظفير)، و(فلق الإصباح في جواز الإصلاح)، و(العضب الجزاز في تصحيح الجواز)، و(النفحات المسكية في جواب مسائل الشيخ ابن عطية)، وهي أكثر من أن تحصر، فمن أراد مطالعتها عمد إلى المجموع المذكور، وأعمل نظره في موضوعاته، فإن القليل يدل على الكثير، والبرق يخبر عن النوء المطير، وعلى الجملة فقد كان من عيون أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، ومن نظر آثاره، وأعمل في رسائله أفكاره عرف استحقاقه للإمامة، ولو لم يكن إلا ما أودع كتبه من الحواشي والتصحيحات، وطرق السماعات والإجازات، فذلك يدل على العلم، وإليه انتهى السماع المحقق في كتابين:

أحدهما: (الكشَّاف) فإنه –عليه السلام- أجاد فيه القراءة والتحقيق، على حي الفقيه العلامة محمد بن عبد الله الكوفي، حتى بهرت معرفته فيه، وله: حواشي معروفة في النسخ، وعلامة حواشي الإمام [(م)] مفردة، وكل كتاب في هذه الجهة لم يصحح على كتاب الإمام، فهو عند أهل هذا الفن غير صحيح الصحة المحققة.
والكتاب الثاني: (شفاء الأوام) إسناد الأكثر إلى سماع الإمام، وهكذا في (أصول الأحكام)، وأمهات كتب العترة –عليهم السلام-، وكانت قراءته في الفقه على والده الإمام المتوكل، وسماع أكثر كتب الحديث، وحقق قراءته في الفقه على الأمير العلامة المؤيد بن أحمد، وكان الأمير المؤيد ممن قال بإمامته، وسار تحت ألويته، وفي بعض رسائل الإمام أن الأمير المؤيد كان معه في محطة الحضائر، وهو ابن ثمانين سنة أعني الأمير المؤيد في هذه السن العالية، وهو في محطة الإمام مرابط في الغز وعساكرهم.
وكانت قراءة الإمام في الأصولين على يد الفقيه العلامة شرف الدين محمد بن يحيى بن حنش، وقراءته في العربية على الفقيه الوشاح، وكان الإمام –عليه السلام- كثير الشغف بالعلم، كثير البحث عن سائر العلوم، ووصل إليه الفقيه محمد بن عبد الله الكوفي [مرة] أخرى من العراق، فأعاد عليه القراءة في (الكشَّاف) حين أهداه إليه، وهي النسخة المعتمدة في اليمن، نقلت أكثر ما هنا من (كاشفة الغمة) لحي السيد العلامة الهادي بن إبراهيم [بن علي] المرتضى، وقد أجاز [لي] فيها مولانا الصدر العلامة صارم الدين ناظم هذه المنظومة الذي هذا المختصر شرح عليها.

قال في (الكاشفة) المذكورة: لكن الإمام –عليه السلام- مع حوزه لهذه الخصال الشريفة لم يخل من تحامل علماء الظاهر عليه، وأنكروا فضله إنكاراً لا يليق بمعارفهم الوافرة، وحكي عنهم في المعاندة أشياء كثيرة، منها أن مقعداً أركب دابة، وجيء به للإمام –عليه السلام- فمسح على جسده بكفه الشريفة، ودعا له بالشفاء، فشفاه الله من فوره، وأزال عنه الإقعاد، وهي قصة مشهورة، و[في] كراماته مسطورة، شهد بها جماعة من الفضلاء، فبلغ ذلك أهل الظاهر فساءهم، وأخذوا يقولون: ليس ذلك من دعاء محمد بن المطهر، وتأولوا ذلك على أن هذا الرجل كانت به علة تزول بالهزهزة بهذا اللفظ.
قالوا: فلما ركب الدابة هاضته وهزهزته، فسموها (علة الهزهزة) من هذا الوجه اللطيف، وكان كثير الحلم والصبر، مشهوراً بمكارم الأخلاق، وكثرة الاحتمال، وانثالت عليه الاعتراضات من كل جهة من مسترشد ومتعنِّت، والمتعنِّت أكثر من المسترشد، وكان يقول في بعض رسائله: هذا الفرس وهذا الميدان، فهلموا - رحمكم الله - إلى الامتحان، ومن غرائب ماسئل عنه في المعرفة عن غور علمه أنه سئل عن الجن وصفاتهم ونكاحاتهم، وما لا مدخل له في علوم الإمامة، فأجاب في ذلك أحسن جواب، ومن كلامه في بعض رسائله في معرض التألم من الاعتراضات ما هذا لفظه، وقد وصف المعترض: لم يعض بناجذه على تمييز، ولا فرَّق بين تحليل وتحريم، وإيجاب وتجويز، إعتراضاً بغير تقدير، ولا هدى ولا كتاب منير، والمناقب مثالب، والراكدات سوالب، والإصابات مصائب، والراجح شائلاً، والحالي عاطلاً، بغير برهان ثاقب، بل ركز عيون وتكسير حواجب.

وقال -عليه السلام- في معرض حكاية حاله: أزلنا والمنة لله والحول والقوة والطول، ارتكاب المنكرات، وضرب المعازف على شرب المسكرات، واضطهاد العلماء، والاستخفاف بالفضلاء، والاستهزاء بالآمرين بالمعروف، والرمز بالناهين عن المنكر، في كلام طويل، حتى قال: فأقمنا قناة الحق، وأظهرنا ولا قوة إلا بالله طاعة الحق، وأقيمت الحدود والتعزيرات، وأنلنا من ظهر منه ذلك أنواع التنكيلات، وباد الفسق وأربابه، وغيض المنكر وأحزابه، ورفع من الإيمان مناره، وطمس الفجور وشعاره، والحمد لله على فضله حمداً كثيراً حسب إنعامه، إلا أن المليح في أعين الناظرين لنا قبيح، والكذب عندهم علينا صحيح، إن ذدنا عن الدين، وأظهرنا حكم الإسلام على المسلمين، تكلم الهامز علينا بالمين، ونسب فعلنا وقولنا إلى الشين، وهذا السائل علينا رأسه حراسة لما يرومه لذاته من الرئاسة، وتوهم أنه أحسن منا للعالمين نظماً وسياسة:
إلى الله أشكو عصبة في زماننا.... يسيؤن فينا القول غيباً ومشهدا
قال في (الكاشفة): هذا كلام الإمام -عليه السلام- منقول من خطه. انتهى.
قال في (البحر الزخَّار): إنه -عليه السلام- دعا [في] سنة إحدى وسبعمائة، ودخل صعدة يوم الثلاثاء بواقي خمسة أيام من شهر شعبان سنة ثلاث وسبعمائة، وتمكنت بسطته حتى افتتح عدن أبين، ولم يقل بإمامته أكثر شيعة زمانه.
قالوا: وكان بينه وبين [بني] رسول سلاطين اليمن وقعات معروفة، وملك آخر الأمر صنعاء سنة أربع وعشرين وسبعمائة قدر أربع سنين، ورأيت أنا للسلطان الملك المؤيد بيتين من الشعر وهما:

أيا لورق الطلحي تأخذ أرضنا.... ولم تشتجر تحت العجاج رماحُ
وتأخذ صنعاء وهي كرسي ملكنا.... ونحن بأطراف البلاد شحاحُ
ورأيت له أيضاً أبياتاً وهي:
رويدك لا تعجل فما أنت بعلها.... سيأتيك فتَّاك يعلِّمك الضربا
وإن كنت ذا عزم فلا تضح هارباً.... كعادة من قد صرت من خلفه عقبا
وسائل جبال اللوز عناّ وعنكم.... فأفضلكم ولَّى وخلَّفكم نهبا
فعاملتكم بالصفح إذ هو شيمتي.... وما كنتم تعفون عن واقع ذنبا
فأجابه الإمام -عليه السلام- بقوله:
رويدك إن الله قد شاء حربكم.... وصيَّرنا الرحمن في ملككم حزبا
تأخر عن الدست الذي أنت صدره.... وعد عن الملك الذي نلته غصبا
سأجلبها شعث النواصي شزبا.... ويأتيك فتّاك يعلمك الضربا
عليها رجال من لؤي بن غالب.... بهاليل سبّاقون قد مارسوا الحربا
وادعو بحي من نزار غطارف.... وآتيك من قحطان بالعرب العربا
إذا أقبلت مثل الهضاب مشيحة.... تقل رجالاً من بني هاشم غلبا
أريناكم كيف النزال بعلمنا.... وعلمتكم بالسيف ودّ ذوي القربى
فنحن بضرب السيف أعرف في الوغى.... وأربطهم جأشاً وأثبتهم قلبا
وما في جبال اللوز عار لسيد.... غدت واكفات السحب من فوقه دربا
فتلك على رغم الحسود فضيلة.... بها الفخر في الدنيا والفوز في العقبى
سيعلم ملك الناس من آل جفنة.... أبا الحمد لا زوراً أقول ولا كذبا
إذا أقبلت من كل فج عوابس.... لها ما تشق الشرق نحوك و الغربا
بأني لها كفؤ وبعل وسيد.... أخو سطوة لا أرتضي لكم سبّا

كانت وفاته –عليه السلام- في ذي مرمر قبلي صنعاء لثمان بقين من ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، ونقل إلى صنعاء ومشهده في جامعها مشهور مزور، وله عقب.

[ذكر العلامة يحيى بن الحسين بن علي بن الحسين ]
وإلى جنب قبره قبر السيد الصدر العلامة يحيى بن الحسين بن علي بن الحسين، مصنف (اللمع)، و(القمر المنير)، و(الكوكب) هذه الكتب كلها في فن الفقه، وله في الفرائض (الدرر)، و(هداية البرايا في الفرائض والوصايا) وغير ذلك، وقبره في هجرة قطابر، يلي قبر الأميرين شمس الدين وبدر الدين.
فأما السيد يحيى بن الحسين المذكور، فله من الكتب (الياقوتة) مجلدان، و(الجوهرة) مجلد واحد، وله أجوبة ومسائل،ومات سنة تسع وعشرين وسبعمائة وعمر نيفاً وستين سنة.

[ذكر العلامة الهادي بن يحيى بن الحسين]
وولده السيد العلامة الهادي بن يحيى بن الحسين، كان من العلماء الأعيان، وفرداً في ذلك الزمان، وكان معروفاً بالدهاء، وتجربة الأمور، ولزمه الأمراء بنو حمزة سنة ثمان وخمسين وسبعمائة في خلافة الإمام المهدي علي بن محمد، ووقف في حبسهم ثمانية أشهر إلا نصف شهر، وخلصه الله تعالى، ثم توفي في شهر صفر من سنة أربع وثمانين وسبعمائة وقبره بمشهد بمسجد الهادي بصعدة، وله من العمر سبع وسبعون سنة -رحمه الله تعالى- وجمع بيننا وبينه في الجنة.

[ذكر نبذة من شعر العلامة مطهر بن محمد بن تريك الصعدي]
[و] اعلم أني وقفت على ديوان شعر ورسائل لحي الفقيه النبيه الفصيح المقول العلامة مطهر بن محمد بن تِرِيْك الصعدي بلداً، ذكر فيه ما لفظه: وكان مع الإمام محمد بن المطهر عليه السلام نسخة صحيحة من نسخ (الكشَّاف) جيء له بها من الشام، وكذلك نسخة (المفتاح) للسكاكي، المشتمل على أربعة علوم: منها: علم المعاني، والبيان، قال : وكنت إذ ذاك مغرماً بتصحيح نسخة سماعي التي سمعتها على الفقيه النبيه العلامة محمد بن عبد الله الكوفي، فكتبت إلى الإمام بهذه الأبيات قبل أسمع (الكشَّاف)، وأنا ذلك اليوم بصنعاء، فقلت:
هل يسمحنَّ لنا الإمام المرتضى.... وهو الجواد بعارة (الكشَّافِ)
فلنا إليه تطلع وتشوق.... شوق العطاش إلى الزلال الصافي
أو شوق صبِّ هائم ذي صبوة.... مصدوقة من لؤلؤ الأصدافِ
بل شوق مولانا إلى بذل اللها.... وإغاثة الملهوف والإنصاف
ما نغمة الشادي بأطيب عنده.... من نغمة لمؤملٍ أو عافي
سبحان من جمع المكارم عنده.... وحباه منه بأكرم الأوصافِ
واختصه بولاية هو أهلها.... وبراه براً ليس كداّ جافي
وأمال أفئدة الأنام جميعهم.... طوعاً إليه ومرغم الآنافِ
ويحق ذاك وفوق ذاك لأوحد.... من أوحد من نجل عبد منافِ
فرع النبوة والإمامة ربَّها.... شرف الأئمة خيرة الأشرافِ
صلى عليك الله ما تلا امرؤ.... قافاً وحاطك من أحاط بقافِ
ولنا إلى (المفتاح) أيضاً هزة.... فافتح به مغلاق كل تصافِ
لا زلت أهلاً للجميل وفعله.... متأبداً كتأبد الأوقافِ

قال: وأتيتهم إلى صنعاء وهي للإمام محمد بن المطهر -عليه السلام- أيام سماعنا (للكشَّاف) على الفقيه محمد بن عبد الله الكوفي المذكور في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة سنة للهجرة، فعرض للسيد المطهر الملقب الواثق ولد الإمام محمد بن المطهر مرض، فلم أزره حتى صحّ من مرضه، فكتبت إليه أبياتاً أعتذر فيها عن الزيارة، وفات عليّ أكثر الأبيات، إلا قولي:
فلا تعتبنَّ على خادم.... فمثلي في أمره يعذرُ
وترك الزيارة في وقتها.... لئلا أرى فيك ما أحذرُ
فأولاك مولى الورى صحة.... وعمراً علاك به تعمرُ
قال: حتى خرجت إلى ذكر أبيه الإمام -عليه السلام- فقلت:
ودام ودمت مُمَلاً به.... فإنك عين بها يبصرُ
فلا زال يملك أمر الورى.... وينهى بحق كما يأمرُ
فأجابني الواثق بن الإمام -عليه السلام- فقال:
نظامك أم قهوة تعصر.... أم الراح بالشهد أم سكرُ
أم الدر في جيد خرعوبة.... مهفهفة ريقها يسكرُ
أم الروض تضحك أزهاره.... وحتى الغمام شجى يمطرُ
أم المسك ذلك أم عنبر.... ومن دونه المسك والعنبرُ
ولا غرو إن كت نظّامه.... إذا فاق يا من له المفخرُ
ويا ماجداً للعلا حائزاً.... وقاموس علم غدا يزخرُ
ويا من له في العلا رتبةً.... ويا من هو الأكرم الأكبرُ
ويا من له كل أكرومة.... وبالبر هذا الورى يذكرُ
أتاني قريضك مستعذراً.... فأهدى السرور ولي مخبرُ
بأنك لم تنس عهداً وإن.... بنا ربع ودك مستقمرُ
فأيقنت أنك نعم الصديق.... كُفِيْنا عليك الذي تحذرُ
فلا زلت في نعمة دائماً.... وحظك من دهرك الأوفرُ

قال الفقيه مطهر بن محمد بن تِرِيْكَ في ديوانه المذكور: ولما وصل الأمير مطهر الواثق إلينا إلى صعدة زائراً للمشاهد المقدسة بمشهد الهادي -عليه السلام-، ووقف فيه أياماً، ولم يأت إليه أحد من الإخوان كثَّرهم الله، فكتب إليَّ بهذه الأبيات معاتباً للأصحاب في عدم التلقي له:
أبلغ نظام مطهر بن محمد.... سوح الفقيه مطهر بن محمدِ
وأخضع لطلعته وقبلِّ كفه.... عني بتسليم يزيل صدى الصدي
إنسان عين ذوي النُهى وإمامها.... الأوحد ابن الأوحد ابن الأوحدِ
الخضرم المتغطمط المتلاطم الـ.... ـمتدافق اليم الطموم المزبد
وخلائق كالروض يضحك زهره.... لدموع جفن الفائض المترددِ
ومشمِّر لله يلبس للتقى.... والدين سربال العفاف ويرتدِ
فخر الهدى حتف العدى نائي المدى.... ليث الندا غيث الندى قمر الندي
قل يا خضم العلم يا علم الهدى.... يا كعبة العافين والمسترشدِ
ما بال رفضك للسلام على الذي.... وافى من البلد الشسوع الأبعدِ
حاشا خلائقك الحسان من الذي.... بك لا يليق من اعتزال المشهدِ
لا ميت مناَّ يزار ولا الذي.... وافاك يلقى بالتصافح باليدِ
أنت الذي وافيت معتمداً به.... من بعد ربي في تناول مقصدي
عهدي بخلقك كالرياض تفتحت.... منها الكمائم عن سنا زهر ندي
[إن كان عن سبّ يكدّر صفوها.... مني فعفواً فهو لا يتعمدِ]
قال: فأجبته بهذه الأبيات:

نظم الأمير مطهر بن محمد.... نحو المود مطهر بن محمدِ
يحكي رياض الخزم باكره الندى.... نفحاتها تربى على الندِّ الندي
لو كانت الألفاظ منه تجسدت.... لتصورَّت من لؤلؤ وزبرجد
أو خالط الماء الزعاق مذاقها.... كان الفرات اللذ عذب الموردِ
جادته فكرة أوحديُّ أوحدي.... لله درّ الأحوذي الأمجدِ
نجل الإمام أبو الإمام الأوحد.... سبط الوصي ابن النبي الأمجدِ
رب الفصاحة والرجاحة والحجا.... بحر السماح لرائح ولمغتدي
من لا يماثل في الخلال جميعها.... والمُقْتَدَى بفعاله لا المُقْتَدي
ماذا نقول وقد أتى في مدحه التـ.... ـنزيل أبلغ شاعرٍ أو منشدِ
وافى إليَّ نظامه متنقداً.... فعل الشفيق الناقد المتنقدِ
يثني عليَّ ولست أهلاً للثنا.... لكنه أهل الثنا والسؤددِ
ومعاتباً لي في السلام وتركه.... وعن التخلف عن شهود المشهدِ
ولو أنه كان العليم بعاذري.... كان العذير وعادني في العوَّدِ
طوراً على ظهر الفراش وتارة.... تحت اللحاف مظاهراً للمَسْنَدِ
متألماً إذ ذاك من ألم الكلا.... متزملاً متدثراً في المرقدِ
فإذا شفيت مثلت نحو مقامه.... لأصافح الكف الكريمة باليدِ
وأكرر التقبيل أضعاف الذي.... قد فاتني بالأمس يومي أو غدي
وأعينه وأشدّ منه أزره.... حتى ينال بذاك أكمل مقصدي
والود يا فخر الهدى متأكد.... إني على الود القديم الأوكدِ
لكن قدرك ما قَدْرَنا قدره.... فلتعفُ فالتقصير غير محددِ
ثم السلام عليك يا فخر الهدى.... يا سيد السادات يا فخر الندي
قال الفقيه: فوصل زائراً مبادراً، وكان معي وجع الكلا أيام وصوله، فقلت فيه بيتين لوصوله إلينا وقدومه وتشريفه منزلنا ورفعه منزلتنا، وهما:

آنست منزلنا وشرفت الذرى.... تشريف إبراهيم محجوج الورى
فإذا ارتقيت منازلاً رُقَّيْتهَا.... حتى تكون لها الثريا كالثرى
قال: وكتب إليَّ أبياتاً من جهة طبل خانة، وأعلام كانت وديعة الإمام محمد بن المطهر عند الأمير الكبير عز الدين محمد بن المهدي بن عز الدين، فعول عليّ في مراجعة الأمير في ردها عليه، فأجاب إلى ذلك، والأبيات تتضمن الاستفهام عن جواب الأمير محمد بن المهدي، وهي :
يا جامعاً من فنون العلم ما افترقا.... ومن بمفخره فوق السماك رقا
يا فخر دين الهدى ياليث كل ندى.... ياغيث كل ندى يا غوث من طرقا
ماذا أجاب أبو عبد الإله به.... في رده الكوس والأعلام والخرقا
وقال هذين البيتين في صدر كتاب من أجل ذلك وهما:
يا قمطر العلوم يا جبل الحـ.... ـلم ويا بدر كل ظلامِ
كن شفيعي إلى الذي يهب الخيـ.... ـل ويلقى الوفود بالابتسامِ
فأجبته بهذه الأبيات:
يا ابن بنت الرسول يا ابن الإمام.... يا محامي عن الهُزَبْرِ المحامي
قد أتاك الجواب فاعمل عليه.... حاطك الله من شرور الأنامِ
وسلامي عليك بعد سلامٍ.... زاكياً دائماً دوام الدوامِ
فقال أيضاً في ذلك:
يا قمطر العلوم قد أزف السـ.... ـير بعون الإله يوم العروبَة
فلعل الأمير أصلحه اللـ.... ـه يأتي إلى سبيل المثوبَة
فأجبته بهذه الأبيات:
يا هلالاً نحب منه طلوعاً.... أبداً دائماً ونخشى غروبَهْ
سرَّنا قربه وأوعد نأياً.... ونوى من نحب فيه صعوبَةْ
غير أنَّا نحب ما كان يهـ.... ـواه بيوم الخميس أم في عروبَة

ومن شعر الأديب الفصيح ابن حنكاس في الإمام المهدي محمد بن المطهر، نقلتها من غير ديوان الفقيه محمد بن تريك -رحمة الله عليه- :
أما هوايَ ففيكم ليس ينصرمُ.... وسر حبي فيكم ليس ينكتمُ
فأنتم منتهى سؤلي وحبكمُ.... ديني فلا شبه فيكم ولا تهمُ
لكم بقلبي خيام قد ضربن فلا.... زالت بكم عامرات تلكم الخيمُ
عدتم كسالف عهدي بالغويز فحـ.... ـبل الود متصل والصرم منصرمُ
والسعد لي مقبل والنحس مرتحل.... والشمل ملتئم والصدع منتظمُ
ونحن في دعة مما نحاذره.... من الزمان وباب الصد منسجمُ
أهلاً بعش ابن ابنة البكري إذاقدمت.... من فوقها تحمل الأنوار والظلمُ
من كل فاترة الألحاظ فاتنة.... لها الصباح جبين والإقاح فمُ
هيفاء تنطق منها الحلي إن خطرت.... ويصمت الحجل منها ساقها الفعمُ
في ردفها هيل في عطفها ميل.... في ثغرها عسل في خدها ضرمُ
بدر مشى بقضيب فوق رمل بقا.... من تحته قدم لي منه ريق دمُ
لها من الحسن أعلاه وأحسنه.... وللإمام العلا والمجد والكرمُ
يا ركب حسبكم إن جئتم شظباً.... فهاهنا كعبة المعروف فاستلموا
حطوا بسوح أمير المؤمنين ففي.... جناب ذاك المرجَّى يعدم العدمُ
هذي المكارم لا معن ولا هرم.... وذي المآثر لا عاد ولا إرمُ
وذا محمدنا مهدي الأنام كفى.... عن من سواه فلا عرب ولا عجمُ
هذا الذي سُرَّت الدنيا بطلعته.... وتنجلي بضياه الظلمُ والظُّلمُ

إذا انتضى الخذم الصمصام يوم وغى.... لم تدر أيهما الصمصامة الخذمُ
من المنى عرفات العرف ساحته.... والمشعران معاً والحل والحرمُ
خِرْق ترى الوفد أفواجاً إليه فذا.... ركب يشدُّ وهذا معشرُ قدموا
غيث وغوث لمحتاج ومنتجع.... والعامُ أشعثُ مغبُّر به قدمُ
ما في يديه مشاع من تكرمه.... للطالبين وأما عرضه حرمُ
إن قال قوم رأوا في وقتنا مثلاً.... لابن المطهر في جود فقد ظلموا
بر رؤوف لذي سلمٍ ومرحمةٍ.... لكنه في المغازي ضيغمُ لَحِمُ
بدر ولكن من الفضفاض طلعته.... ليث ولكنه سمر القنا يحمُ
إن صال ظلت أسود الغاب طائشة.... أو قال لانت له الألفاظ والحكمُ
أو شَّن خيلاً فهامات العدى فلق.... أوحط رجلاً فما فوق الثرى طِعَمُ
إيهٍ أبا قاسمٍ بل يا أبا حسنٍ.... يا خير من بيديه الرزق ينقسمُ
يا أصدق الناس ميعاداً إذا وعدوا.... يا أكرم الناس أفعالاً إذا كرموا
حاشاه أن تنطق العوراء بمجلسه.... إلا التلاوة والأخبار والحكمُ
إني بعروتك الوثقى لملتزم.... ولم يضع من بها في الدين يلتزمُ
يسير سيري بفضلٍ منك في عجل.... ودم و أعداك لا داموا ولا سلموا
ومما وجدته من شعر السراجي ترثية رثى بها حي الأمير محمد بن وهاس بن أبي هاشم، وعلم الدين علي بن وهاس [-رحمه الله تعالى-] :
عزاء همت بالحادثات غمائمه.... وخطب جرت بالمعضلات عظائمه
ورزء أصاب المسلمين بأسرهم.... وهدت من المجد الأثيل دعائمه
لصنوين من آل النبي وحيدر.... نوالهما قد طبق الأرض ساجمه
فهذا على العافين فاضت مكارمه.... وهذا لخصمٍ في الجدال مقاومه

وهذا لجبار الملوك مزاحمه
فمن شام ذا يوم الوغى فهو ضارمه
وهذا يسوس الملك يحمي محارمه
وهذا يشب النار للحرب والقِرَى
وذاك رؤوف بالضعيف وراحمه
ومن أمَّ ذا يوم النوال فحاتمه
وهذا يقوم الليل والدهر صائمه
وذا للكفور الجاحد الحق راغمه

فمن للمواضي والمذاكي والتقى.... وللعلم إن شدت لعيٍّ محازمه
ومن يدفع الخطب الملم إذا عرى.... ومن لخصيم في النداء يخاصمه
فقل للمنايا بعد قتل محمد.... وهلك علي أنفذ الحكم حاكمه
أصيب العُلا والجود والدين والتقى.... فأصبح ركن المجد وهناً عزائمه
فإن يك بدر الدين أصبح ثاوياً.... فما دفنت أفعاله ومكارمه
فقد فرح الدين الحنيف بملكه.... وعُطِّل منه رسمه ومعالمه
تولى من الدنيا خميصاً وظهرة.... خفيف ولم تكتب عليه مآثمه
وكان بعين المقت ينظر نحوها.... ويزري بمن يدلي بها ويصارمه
مضى وهو محمود الطريقة سيّد.... وقد أُمِنَت أحقاره وسخائمه
وكان قريع العلم والحلم والتقى.... وأورع من تلوى عليه عمائمه
ومسألة عقما أعيا لقاحها.... عياءً من النظارتبدو هماهمه
تصدى لها والليل ملق جِرَانه.... ولم تَبِتِ الحسنى ليلاً ترائمه
فألقحها فكراً أرقّ من الهوى.... وألطف حتى ثقب الدر ناظمه
فلما أضا الفجر استبانت منيرة.... وقد نتجت من فكرة لا تراغمه
وكم ليلةٍ قد بات يقرع بابه.... لمشكلة حتى جلتها عزائمه
فللَّه من بحر خضم وسيد.... لقد درست أعلامه ومراسمه

وقائلة عاد الرجال ولم يعد.... عليَّ ولم يسبق ببشراه خادمه
وأقبل أهلوه وألفوه بعدهم.... وأفراسه يندبنه وصوارمه
وأمسى طريحاً في بلاد بعيدة.... وحيداً ولم تجمع عليه مآتمه
ولم تمس حوليه بنات ونسوة.... يعددنه في النآئبات كرائمه
فقلت لها إن المنايا شواخص.... إلى كل حي عن قريب تصادمه
ولن يدفع الأهلون عنه منية.... ولو منعته أسده وضراغمه
أبى الله إلا أن يموت بغربة.... شهيداً بسيف الكفر تدما قسائمه
تظل سيوف الملحدين تنوشه.... وراحته ترس لها وبراجمه
وفتك ذوي الإلحاد فيه وبغيهم.... دليل على أن المهيمن راحمه
وقد فاز إذ أعطى مقادة نفسه.... ومهجته فليتق الله لائمه
كفى شرفاً أن لم يُرَب بِرِيْبةٍ.... ويمسي لمن يحسو المدام ينادمه
ولا بدَّ من يوم يعزُّ به الهدى.... يغيث به آساده وأراقمه
بهاليل خطارون بالبيض والقنا.... وبالعذب المرخى عليه وسائمه
عفاء على الدنيا إذا ما رحلتما.... وسحقاً لها كم من خميس تلاحمه
سقى جدثاً مثواكما كل ديمة.... من الغيث منهل الغرابي غمائمه
فيا راكباً عيرانه شدقمية.... خديلية كالصقر حمت قوادمه
تيمم إلى الحصن المبارك أهله.... فأنت على التوفيق واليمن قادمه
إلى ظفر حصن المكارم والعلا.... وأشرف من نيطت عليه تمائمه
إلى الحسن البر الإمام أخي التقى.... سلالة وهاس فتلك مراحمه
إلى السيد المشهور من آل هاشم.... فذاك وحيد العصر حقاً وعالمه
إمام إذا قابلت غرة وجهه.... تهلل بالمعروف وافتد ناسمه
عليه جلال قد كساه مهابة.... فعنوانه في صفحتيه وخاتمه
يبشر راجيه ببشر بشاشة.... ويعطيه ما يحوي وحيناً يقاسمه
وبلغ إليه من لَدُنِّيّ تحيةً.... تفوح كنشر المسك فُضَّت نضائمه

وكالروضة الغناء باكرها الحيا.... ففتح من زهر الرياض تمائمه
وقل يا رضيع المجد قد عز ما جرى.... على أنني فيما عراكم مساهمه
تأس بما نال النبي وحيدراً.... وإن حلَّ من هذا العرى متفاقمه
وأعدد له الصبر الجميل فغبه.... حميد وحوض الموت يكرع حائمه
وأسرتك السادات أهلي ومعشري.... عليهم سلام قد توجه لازمه
كوالدك البر الرحيم محمد.... إذا قيل من للحلم والغيظ كاتمه
وذي الشرف الأعلى علي بن قاسمٍ.... أعزيه في شبل مضى وهو ضائمه
همام لذي الهيجاء قد شهدت له.... أفاضله يوم الوغى وأكارمه
له عوض في سبطه عند ربه.... بما اشتملت حزناً عليه حيازمه
أعزيكم أبناء حسين وأنتم.... بناة عماد الدين والغير هادمه
عيون بني الزهراء أنتم وتاجها.... وكاهل هذا الدين ثم قوادمه
عليكم سلام الله ما هبت الصبا.... وما غردت فوق الأراك حمائمه

[أخبار الإمام السراجي - عليه السلام -، وذكر أمر الشعبي سنجر معه]
وللسراجي والشعبي سَنْجِرَها.... قضية خطها الكتّابُ في الزبرِ
المراد هنا: يحيى بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسن، وهو سراج الدين بن محمد بن عبد الله بن الحسن، وقيل: الحسين بن علي بن محمد بن جعفر بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام-، قام السراجي هذا ودعا إلى نفسه في نواحي حضور، بعد قتل الإمام أحمد بن الحسين[-عليه السلام-] وكان عالماً مبرزاً قرأ في نواحي تهامة على الشيخ أحمد بن عجيل، وقرأ في الحديث بمكة المشرفة، فروي أنه كان يحفظ من أحاديث الرسول ً غيباً ستين ألفاً، سمع ذلك من حي السيد العلامة عبد الله بن يحيى بن مهدي وغيره، في تأريخ الجندي ما لفظه: كان [هذا] السراجي إماماً كبيراً في مذهب الزيدية، وعكفوا مدة يأخذون عنه العلم، حتى قام وادعى الإمامة، ونزل مع قوم في حصن لهم يعرفون ببني فاهم بحضور، وأطبق معهم على إجابته خلق كثير من الناس، فحينئذٍ حسده الأشراف على الترأس عليهم، وكان الشعبي حينئذٍ بصنعاء، فبذل لبني فاهم مالاً جليلاً، حتى قبضوا عليه، وسلموه إليه فكحله بعد حبسه أياماً، فأنزل الله بالذين باعوه الجذام، حتى كان الرجل [منهم] يعتزل في كهف من الكهوف؛ لئلا يجذم أصحابه، فلا يدرون حتى يجذم منهم آخرون، ثم يجيفون جيفة عظيمة بحيث لا يستطيع أحد يقربهم من تغير الرائحة، حتى هلك [منهم] جميع من كان منهم حاضراً ممن صار بالغاً، وما زالوا على حال ضر من قتل بعضهم لبعض في كل وقت

[حتى انتهى] إلى وقتنا هذا، انتهى ما ذكره الجندي.
قالوا: وكان كحَّله عام ستين وستمائة، [فأقام مدة طويلة في صنعاء يدرس]، ويقرأ في العلوم من حفظه إلى أن توفي سنة ست وتسعين وستمائة، قريباً من ثلاثين سنة، فدفن في مسجد الأجذم بصنعاء، وقبره مشهور مزور، وله كرامات مشهورة، فمنها ما جرى لبني فاهم الذين باعوه، ومنها ما يروى أن المظفر لما أمر خادمه سنجر بكحله كان يسمع بعد موته: (مالي ولك يا سراجي، مالي ولك يا ابن تاج الدين)، ومنها ما يروى عن بعض الفضلاء أن ثقة أخبره أنه نام ليلة في قبة هذا الإمام، فرأى في بعض الليل وقد امتلأت القبة نوراً أبلغ من نور السراج والشماع، ومنها أنهم لما أرادوا كحله ذكروا ذلك للمشاعلي فامتنع، فمر عليهم رجل سكران من أهل السائلة غربي صنعاء، فأمروه بكحله، فلما فعل أصابته آفة، فكان لا يولد له ولد إلا أصابته آفة ما تناسلوا.
قال الراوي: وما انقطعت ذريته إلا بقربة، قالوا: وهذا مشهور مع الجيران في السائلة المذكورة. انتهى.

ومات السراجي [هذا] وخلَّف ولدين: محمد، وأحمد، وذريته الآن من نسل أحمد، لا ذرية له من غيره.
قال مولانا السيد الأفضل العلامة محمد بن علي السراجي الموجود بصنعاء يوم تأليفي هذه الجملة، وقد كتب إلي بتدريج نسبه إلى هذا الإمام، فقال: أنا محمد بن علي بن محمد بن أحمد [بن علي بن أحمد] بن يحيى المذكور، لا ذرية له إلا نحن.
قال: لكنَّا نلتقي نحن وجماعة كثير في نواحي ذمار وصنعاء وغيرهما في نسب سراج الدين.
قال: وسراج الدين اطلعت في صغري على كتاب صنَّفه بعض الشافعية من اليمن الأسفل، في نسب الأشراف، وذكر أنه سمي بذلك؛ لأن أمه حال حملها رأت أنه خرج من جوفها نور، فسمي سراج الدين لذلك، وقيل: سمي بذلك لصباحة وجهه وإنارته.

[ذكر الأئمة الأربعة الذين دعوا في عصر واحد وقطر واحد على مذهب واحد]
وفي علي ويحيى والمطهر والفتحي.... جاءت بمنشور من السيرِ
وكان يحيى هو الحبر الذي ظهرت.... علومه كظهور الوشي في الحبرِ
وما ابن حمزة إلاعالم علَمُ.... مخايل اليمن لاحت فيه من صغرِ
ذكر السيد صارم الدين هنا أربعة [أئمة] ممن دعا في عصر واحد، وقطر واحد على مذهب واحد، فمنهم سابق بالخيرات، ومنهم مقتصد، ولا أقول لمحبتي للعترة الأكرمين، ومنهم ظالم لنفسه، وأنا أشير إلى ذكر طرف من سيرة كل واحد حسبما اطلعت عليه، وعلى ما رتَّبه السيد صارم الدين في منظومته أولاً فأولاً؛ لأني بانٍ على تقليده في الترتيب، فلا لوم عليَّ لأنه أعرف مني بهذه الأساليب، وهذه توطئة وتمهيد لما سيأتي عن قريب.

[الأول الإمام علي بن صلاح بن إبراهيم بن تاج الدين ]
فصل: فأولهم في المنظومة: علي بن صلاح بن إبراهيم بن تاج الدين، فإنه قال به جبلان من أهل العلم، وهما السيد يحيى بن الحسين، والفقيه يحيى البحيبح، وقد روي عن [حي] السيد الهادي بن يحيى أن [حي] والده السيد لم يكن يقل بإمامته؛ وإنما عاضده لعل أمور المسلمين تصلح، قالوا: ودعا بعد وفاة الإمام محمد بن المطهر بلا فصل، فبثَّ دعوته في الآفاق، وسيرها إلى علماء الظاهر، ودعاهم إلى إجابة دعوته، وتليبة عروته، والإهراع إلى جمعته وجماعته، ثم قال: إني قد تسنمت غارب هذه الدعوة، مستكملاً شرائطها غير خارج عن استحقاقها، وقد لزمكم الإجابة ولكم البحث والاختبار، والامتحان، فعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، ونحن قادمون إليكم وعارضون عليكم نفوسنا، فإن وجدتم الدعوة صادقة والشرائط متكاملة، فلا غضاضة عليكم في اتباع الحق والالتزام بأهداب هذه الدعوة، بل هو الواجب، وإن وجدتم هذه الدعوة خارجة عن الرسوم الشرعية، منافية للحقائق العلمية، غير ثابتة الأساس، ولا محكمة الأمراس، فأنتم مدركون لما في خواطركم، ولم تعجلوا بشق العصا ومخالفة ما دعونا إليه ودللنا عليه.
هذا الكلام حكاه السيد العلامة الهادي بن إبراهيم في (كاشفة الغمة) عن لفظ الإمام الناصر صلاح بن علي–رحمه الله تعالى-، قال السيد: ثم قال الإمام الناصر عقيب ذلك: وهذه حجة لازمة، ومحجة بينة.

قال: فلما بلغتهم دعوة علي بن صلاح لم ينظروا فيها نظر التحقيق، ولا قابلوها بما يجب [لها] من مراعاة ما ذكره –عليه السلام- أعني الناصر، وقد كان الواجب عليهم اختباره فهو أسبق بالدعوة، وكلامه داعٍ إلى الصواب، سالك منهاج السنة والكتاب.
قالوا : ومن هاهنا ثارت الاعتراضات، وتأججت نار المنازعات.
قال السيد الهادي: وكانت أمور لا حاجة إلى استقصائها، وكانت وفاته بعد موت السيد يحيى بن الحسين بمدة قريبة، وقبره بالجبوب في سودة شظب مشهور مزور، ولا عقب له فيما حكاه [حي] السيد العلامة صلاح بن الجلال.

[الثاني: الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة –عليه السلام-]
فصل: وثانيهم الإمام الصوَّام القوَّام، علم الأعلام وقمطر علوم العترة الكرام، حجة الله على الأنام، المؤيد بالله: يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم بن يوسف بن علي بن إبراهيم بن محمد بن إدريس بن جعفر بن علي التقي بن محمد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –عليهم السلام-، كان الإمام يحيى عليه السلام في غزارة علمه، وانتشار فضله وحلمه، حيث لا يفتقر إلى بيان، ولم يبلغ أحد من الأئمة مبلغه في كثرة التصانيف، فهو من مفاخر أهل البيت، وعلومه الدثرة من مناقب الزيدية، وكان مع الإمام المطهر بن يحيى في أول شبابه يوم قضية تنعم، فقال: في هذا الولد لله ثلاث آيات: علمه، وخلقه، وخطه، وسمع يوم موته هاتف يقول: إمام علم [وهدى، أما الجهاد] فبدأ واتفق له –عليه السلام- زمان مساعد في شبيبته، في خلو البال، وعدم الاشتغال إلا بالتصانيف، والجمع والتأليف، فلما دعا –عليه السلام-، وكانت دعوته -عليه السلام- في يوم ثاني من شهر رجب من سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وقام مناصباً للأعداء لم تسعده الأيام إلى كل المرام، فأكبَّ ثانية على التصنيف، وعكف على التأليف، وكان ذلك من أكبر النعم على المسلمين أن أحيا بعلمه ما أحيا، فله الحمد على ما شاء، فصنَّف في أصول الدين (المعالم الدينية) مجلد، و(التمهيد) مجلدان، و(النهاية) مجلدان، و(الشامل) أربعة مجلدات، و(مشكاة الأنوار في الرد على الباطنية) مجلد،

و(الإفحام للباطنية الطغام) مجلد، و(التحقيق في التكفير والتفسيق) مجلد، وصنَّف في أصول الفقه (المعيار) مجلد، و(القسطاس) مجلدان، و(الحاوي) ثلاثة مجلدات، وصنَّف في الفقه (العمدة)ستة مجلدات، و(الاختيارات) مجلدان، و(الانتصار) ثمانية عشر جزءاً، وصنَّف في النحو (الاقتصار) مجلد، و(الحاصر) مجلد، و(المنهاج) مجلدان، و(الأزهار) مجلدان، و(المحصل) أربعة مجلدات، وصنَّف في المعاني والبيان (الطراز) مجلدان، وله (الأنوار المضيئة في شرح السيلقية)، و(الديباج المضيء) مجلدان شرح نهج البلاغة، و(الإيضاح) مجلد، صنَّفه في علم الفرائض، وصنَّف (التصفية) في الزهد، ومن تصانيفه الرسالة الملقبة بـ(عقد اللآلي في الرد على أبي حامد الغزالي) مختصر، وله (الرسالة الوازعة للأمة عن الاعتراض على الأئمة) مختصر، وله (جواب عن مسائل سأله عنها حي الفقيه أحمد بن سليمان الأوزري )، وله غير ذلك من الوصايا والحكم والآداب، فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام خيراً، فما هو إلا آية في الزيدية، وحجة ظاهرة على جميع البرية.

وما العجب!! إلا ممن كان في زمانه من العلماء، ونحارير [الزيدية] السادة العظماء، كيف جحدوا ما هو كالشمس ضياء، والنجوم رفعة واعتلاء، حتى كابره بعضهم وعانده، ووضع من شأنه ما قلَّت به الفائدة، حتى قال بعض علماء عصره: ما جمع الإمام يحيى كتاباً إلا وأنا أعرف أمه؛ إلا (كتاب التحقيق) فإني وقفت عليه، ولم أعرف له أماً مدة من الزمان، وأخذ يعجَّب الناس، ويقول: هذا مولود لا أم له!! قال: حتى وقفت على كتاب (البستي في التكفير والتفسيق) فرأيته أصلاً لهذا الكتاب، وعرفت أنه الأم، فانظر واعجب من هذا العالم على زعمه وكثرة تحامله وجهله، قل {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ }[البقرة:23]، على أن الإمام –عليه السلام- [قد] كان كثير التواضع، وعديم التبجح بمصنفاته، حتى كان لا يسميها إلا الحواشي ذكر ذلك في وصيته فتسميته لتصانيفه بهذا الاسم شيء لا يفصح به أدنى المؤلفين، ما ذلك إلا لكرم أخلاقه، وطيب أعراقه.
قالوا: وكان -عليه السلام- من جملة من اشتغل بالتصنيف عن الإقراء والتدريس، وهم جماعه مشهورون و كان دأبهم الاقتصار على ذلك، ومنهم من جمع هذا وهذا.

قال في (كاشفة الغمة): وكان مع غزارة علمه لما ناظره السيد يحيى حصره وظهر عليه، حتى قال السيد يحيى وقد علق تلك المسائل التي وقع فيها المراجعة، وهي قدر اثنتي عشرة مسئلة، أجاب الإمام عليها بكذا وهو غلط، وفي هذه بكذا وهو غلط، وغلَّطه في أكثر تلك المسائل، قال: وكان المتولي لا يرادها عن السيد يحيى ولده الهادي بن يحيى، واعلم أن المناظرات سهام تخطي وتصيب، فكم من عالم مبرز إذا جوثي للركب، وطولب البحث تشتت نظره وتقالبت فكرته، وتبلدت عليه قريحته، ورأيته لاحقاً، وإن كان من قبل سابقا، ولهذا قال العلماء في حق الحاكم: إنه يستحضر أهل العلم في حال قضائه؛ إلا أن يكون ذلك يشغله عن استيفاء النظر، ويذهب جودة أفكاره.
قلت: ويؤيده أن الرواة ذكروا أن الحريري صنَّف من (مقاماته) قدر أربعين مقامة، وتقدم بها إلى حضرة الوزير أنو شروان بن خالد، فلم يصدق دعواه جماعة من أدباء بغداد، وقالوا: هي لمغربي مات، ووقعت أوراقه مع الحريري، فأمره الوزير بإنشاء رسالة، فلم يفتح عليه بشيء، وقام خجلاً، فهجاه علي بن أفلح الشاعر بقوله:
شيخ لنا من ربيعة الفرس.... ينتف عثنونه من الهوس
والقصة مشهورة، وكما لم يقدح هذا في غزارة علم الحريري وفصاحته، فكذا إن صحَّ أن الإمام يحيى أحصر، فلم يقدح ذلك في تبحره في العلم، فإن الحريري لما خلى بنفسه أنشأ العشر الآواخر من مقاماته، وأرسل بها إلى الوزير واعتذر أن هيبة الحضرة الوزيرية أدهشته، ففهم الوزير نزاهته مما نسبه أعداؤه إليه؛ لأنها عادة الأضداد والحسَّاد، ولله القائل:

وهبك جعلت هذا الصبح ليلاً.... أيعمى العالمون عن الضياء
وعلى الجملة فمعلوم أن الإمام يحيى وحسن سيرته، و طهارة سريرته، وصيته في الزيدية، ومحله في العترة الزكية أشهر من أن يحصره هذا المختصر، قال :
وليس يصح في الأذهان شيء.... إذا احتاج النهار إلى دليل
وله -عليه السلام- أربع وصايا، من محاسنها الوصية الثانية، قال فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، سبحان من اختص بدوام القيومية وسرمدية في الوجود، المتعالي بالعظمة والاختصاص بصفات الجلال على كل معبود، الجواد الذي إليه الرغبة في نيل المطالب، و المعهود إليه في إحراز كل مقصود، الذي أرغم بالموت أنف كل متكبر فخور مختال، وجعله طياً لما يسطر من صحائف الأعمال، وقصر به ما اتسع من تنفيس طوامح الآمال، وقطع به ما امتد وطال من مرائر حبال الآجال، وأذاقهم مرارة طعمه، وجعله قاطعاً لوصل الوصال، حتمه على جميع الخلائق بحيث لا محيص لهم عنه ولا زوال، وأرغمهم بقضائه عليهم، ولا مدفع له عن أنفسهم، ولا يدفع في صرفهم دفع دافع ولا حيلة محتال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله شهادة أعدها لخروج النفس بالموت وميقاته، وأجعلها ذخراً لإحراز رضوان الله تعالى والفوز برضوانه [وجناته].

وبعد.. فإني أعتذر إلى الله [تعالى] وإلى من وقف على هذه الأحرف من دخولي في هذا الأمر، فما كان لإحراز حطام دنيا، ولا للترفه بشيء من نعيمها ولذاتها، ولكن قصدت لعل الله أن يظهر كلمة الدين على يدي، ويظهر أحكام الإسلام، ويمحو ربوع الظلم ورسومه بعنايتي، وتخمد نار الجور وتركس آثاره، وتحيا معالم الدين بعد اندراسها، فما تراد الإمامة إلا من أجل هذا، ولا تكون مقصودة إلا بحصوله، وإن كان المقصود منها خلاف ذلك، فهي وبال على صاحبها، ووزر على كل داعٍ إليها، وفي الحديث عن النبي ً أنه قال: ((لا تسأل الإمارة؛ فإنها يوم القيامة حسرة وندامة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها))، فنعوذ بالله من خسران النفوس، والتورط في متا لف الأطماع، وأنا أستغفر الله العظيم من تفريط جرى مني في نصرة مظلوم، أو إعانة مسكين، أو إغاثة ملهوف، فما كان ذلك إلا من أجل تقاعد الخلق عن نصرتي، والإعراض عمَّا دعوتهم إليه، والإكباب على تحصيل أغراض حقيرة من الدنيا لا نالوها فينعموا، ولا أعرضوا عنها فيستريحوا، فصبرت على الخذلان والنكوص عن نصرة الدين حتى يقضي الله لي بأمره، و يجيرني بجيرة من عنده على هم وغم من مقامات الظلم، ومعانات الشدائد، وارتكاب الفجور، والتلبس بالفواحش، وكانت لنا الأسوة برسول الله ً في إقامته بمكة على مكابدة وشدة وصعوبة في الأمر حتى فرج الله عليه بإنجاز ما وعده من إظهار الدين بمراغم المشركين، ثم أقول: حق على من كان الموت مصرعه، والتراب مضجعه، والقبر مقره، وبطن الأرض وطنه ومستقره، واللحد

[ضامه]، والدود أنيسه، ونكير ومنكر جليسه، والقيامة موعده، والجنة أو النار مورده، أن لا يزال فكره [إلا] في الموت وأهواله، ولا همة له إلا في انقطاع العمر وزواله، ولا ذكر إلا له، ولا فكر إلا فيه، ولا استعداد إلا لأجله، ولا تدبر إلا لوقوعه، ولا تعريج إلا عليه، ولا اهتمام إلا به، ولا حوم إلا حوله، ولا انتظار إلا لنزوله، ولا تربص إلا لهجومه، وخليق أن يعد نفسه في الموتى، ويراها في أصحاب القبور، وكل ما هو آت قريب، والبعيد ما ليس بآت، ومصداق ذلك ما أثر عن صاحب الشريعة- صلوات الله عليه-((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ))، ثم إن وصيتي إلى أولادي، والأقارب، وسائر الإخوان وأهل الصلاح، وأرباب الديانة، والتقوى، والمسلمين، أن يشركوني في صالح أدعيتهم، بالتجاوز عن الفرطات، وإسبال الستر بمغفرة الخطايا في الأوقات المباركة، والأوراد الصالحة المتقبلة، ومجالس التدريس، وأدبار الصلوات، ثم أقول متضرعاً إلى الله [تعالى] في قبول معذرتي وغفران ما يعلمه من خطيئتي، في سري وعلانيتي: اللهم، يا من هو المتعالي بجلال العظمة والكبرياء، والمستولي بسلطان القدرة على ملكوت الأرض والسماء، والباسط بجناح الرحمة لكل من بعد من خلقه، ومن قرب ودنا، نسألك بكلماتك التامات، ونور وجهك الذي ملأ الأرض والسموات، أن ترحم عن النار وإصلاء الجحيم رؤوساً تطأطأت خضوعا وتصاغراً لهيبتك، وألاَّ تشوي بها وجوهاً قد خشعت من خيفتك، واشتملت على أعين قد بكت من خشيتك، وعلى أسماعٍ قد أصغت إلى سماع ذكرك، وموعظتك، و على خدود قد سالت عليها الدموع وجرت إشفاقاً من

سطوتك، وعلى ألسن قد تحركت بالاستغفار والعذر عن معصيتك، ونطقت بأنواع التقديس وضروب التحميد، وأقرت بمعرفتك، أو تغل بأغلال الحديد رقاباً قد خشعت حذراً من رهبتك، أو تحطم بالنار أصلاباً طالما أنحنت لأداء فرائضك وعبادتك أو تطلع النار على أفئدة مشتملة على العلم بتوحيدك وحقائق صفاتك وكنه معرفتك، أو تقرن مع الشياطين جنوباً قد تجافت عن المضاجع إسراعاً ورغبة في طاعتك، أو تشوي بالنار أكباداً لها تطلع إلى نيل عطائك وتكرمتك، أو تصهر بالحميم بطوناً قد انصرفت عن أكل الحرام والسحت خوفاً من رهبتك، أو تقطع بكلاليب النار معاء قد ضميت بالصيام تقرباً إلى إحراز مغفرتك، أو تحرق بسعير النار ولهبها أبداناً طالما مدت أكفها لنيل عطائك وهبتك، أو تسيل بالصديد فروجاً قد تحصَّنت من حرامك، وانحرفت عن معصيتك، أو تقرن مع النواصي أقداماً طالما مشت إلى المساجد طلباً لإحراز ثوابك ومنتك، أو تمزق بالنار جلوداً قد اقشعرت من خوف وعيدك وعظيم سطوتك، فلا وعزتك ما أسبلت العيون واكفَ العبرات إلا إشفاقاً من غضبك وعقابك، ولا طوَّلت العكوف ببابك إلا طمعاً في مغفرتك وثوابك، ولا بسطت النفوس أكفها إلا رجاء لنيل رحمتك، فقد مددنا إليك أيدي السؤال واستمطرنا الجود من عطائك الواسع وعظيم النوال، فقد سألنا ما عندك واثقين، فلا تردنا بالحرمان خائبين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة قمين.

ثم إن هذه التعاليق التي جمعتها تحفظ وتبسط لمن طلبها بالحفظ والصيانة، لعل الله أن يقسم منها ثواباً، فقد وقعت العناية في تأليفها ليحصل أخذ الفوائد منها، وتكون عوناً لمن وقف عليها على تحصيل مراده، وتسهيل مقصده بالتسهيل والتقريب، وما كان من غيرها من سائر الكتب فهي موقوفة على الأولاد، وعلى المسلمين عموماً للقراءة بالحفظ والصيانة، ثم كتاب (الانتصار)، إن نفس الله بالمهلة فالنية صادقة في إتمامه على النحو الذي قصدته، وإن حالت الآجال دون إتمامه والعياذ بالله وقع الاجتهاد في بعض من خصه الله بإتمامه على الأسلوب الذي اخترته فيه، فالرجوى في الله عز سلطانه أن ينفع به صالح الإخوان الطالبين للعلم المنقطعين في طلبه، الشاغلين أنفسهم في تحصيل الفوائد، ثم إني أوصي الأولاد، وسائر الأرحام والأقارب بتقوى الله تعالى، ومن بلغته وصيتي من سائر الإخوان والمسلمين، فإنما هي الجُنَّة من النار، وبها يحصل الفوز والسلامة من غضب الله وسخطه، وانتظام أموركم تحصل بالألفة والمحبة، وصلاح ذات بينكم بالمواصلة والتوادد والتراحم، فإن الله تعالى يقول:{ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ }[الأنفال:1]، وفي الحديث: ((إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام ))، وإياكم والتقاطع والبغضاء فإن فيها هلاك الدين، وحل نظام الأمر وإفساده، ولا تطلبوا الدنيا فإنما هي السم القاتل، والسناد المائل، ولا تأسفوا على ما فات منها، فإنها منقطعة عن أيديكم وإن حرصتم عليها لا محالة، واعملوا للآخرة، فإن العمل لها من أنفس الذخائر، وكونوا حريصين

على الأمر بالمعروف، وكونوا أول آتٍ به، وانهوا عن المنكر، وكونوا أول من ينتهي عنه، وتخلقوا بأخلاق الصالحين وأهل الدين؛ فإنها من أعظم الخصال وأعلاها، وإياكم والدخول في أمر المسلمين فإن فيه الخطر العظيم، ولقد علم الله [تعالى]، وكفى بالله عليماً لو حصل لي الخلاص بعد دخولي فيه ما كرهت، والله [تعالى] يعلم قصدي في الدخول، ويعلم سريرتي في ذلك، وأسأله التجاوز والصفح وقبول المعذرة، فهذه خصال تجب مراعاتكم لها على جهة الإجمال، فإنها نافعة بإذن الله، فأما على جهة التفصيل فمراعاة خصال:
الخصلة الأولى: المواظبة على الصلوات في الجماعة، وحضور المساجد والأنس بها، فإنها بركة الأعمال.
الثانية: الاشتغال بدرس العلم، والمجالسة لأهل الصلاح والدين، فإن ذلك يجر إلى كل خير.
الثالثة: صلة الأرحام، والأقارب ومواساتهم مما أعطاكم الله، فإن الله يخلف لكم ويزيدكم في الأرزاق.
الرابعة: بذل المعروف القليل والكثير لمن طلب وقصد.
الخامسة: مجانبة أهل الدول الظالمة، والبعد عنهم؛ فإن القرب منهم فيه هلاك الدين، وهكذا البعد عن أهل الفسوق والمعاصي، فإن مخالطتهم تجلب الشر.
الخصلة السادسة: هذه التعاليق لا تمنع ممن طلبها للقراءة والفائدة، والمأخوذ عليهم كلما وجدوا فيها [من] نكتة غريبة أو خلاف غريب أن يحركوا ألسنتهم بالاستغفار لي، والدعاء بالرحمة، والتجاوز عن الفرطات، فالخطر عظيم والرحمة واسعة، والعفو عظيم، هذا آخر لفظ وصيته هذه.

وله وصية [أيضاً] أكبر منها وأكثر فائدة إلا أن تعويلي على الاختصار أوجب الاقتصار على هذه، ومن كلام له –عليه السلام- وقد طالع (تصفية) الديلمي محمد بن الحسن–رحمه الله[تعالى] - قال: [و] لما وقفت على [مجموع كلام] الفقيه الصالح محمد بن الحسن الديلمي في علم المعاملة وجدته قد سلك مسلك من تقدم من مشايخ الطريقة كالجنيد، والشبلي، والبسطامي، وغيرهم، ونقل كلامهم من غير تحريف ولا تبديل، وربما يكون في بعض كلامهم ألفاظ يمكن تنزيلها على أصول الشريعة، ومقاصد الملة، وهم أخوف الناس لله تعالى، وأكثرهم تنزيها لذاته، وأبعدهم عن مقالة أهل الفرق، فلا يظن من وقف على كلامهم الموهم أنهم يقصدون معنى لا يليق بحال الربوبية، ولا يوافق أصول الحكمة، بل همهم تعظيم الخالق، وتطهير قلوبهم عن الرذائل، فهذا ما عندي فيهم إن شاء الله تعالى.

ومما يدلُّ على غزارة علم الإمام يحيى –عليه السلام- وتبحّره في علوم الاجتهاد: أنه كان يفتي في بعض الأوقات بمقتضى النظر، ثم يفتي في مثل تلك القضية بعض الناس بما يقتضي عكس حكمها، حتى لقد سمعت أنه سأله رجل، فأفتاه بفتوى في قضية، ثم سأله آخر في وقت آخر نظير تلك المسألة أو هي بعينها، فأفتاه بغير تلك الصورة، فقيل له في ذلك، فأجاب: بأن هذا مراد الله من المجتهد، أو قال: هذا قسم هذا، وذاك قسم ذاك، أو معناه هذا الكلام، والذي يدل على ذلك مانقلته مما نقل عن بعض كتبه الموضوعة في سيرته أنه قال: كتب عبد الله المؤيد بالله يحيى بن حمزة بن رسول الله ً: [و] لا يحل لأحد من المسلمين مخالفة الإمام فيما أمر به من مصالح المسلمين {النبي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ }[الأحزاب:6]، {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}[الحشر:7]، وفي الحديث: ((ليس للمؤمن إلا ما طابت به نفس إمامه )) نعم، الذي يقضي به الشرع المطهر، ويفتى به، وعليه العمل تصويب المجتهدين في المسائل الاجتهادية، والمضطربات النظرية في الفتاوي الفقهية، والمواقع الخلافية بين العلماء، كيف وما زال الصدر الأول من الصحابة في العصور الخالية، والأزمان المتمادية، متصدرين للفتوى مع جري الخلاف بينهم، من غير نكير ولا تجريح، ولا تأثيم فيما يجري في الفتاوي والأقضية،فهذا دليل واضح.

نعم: مذهب الناصر-عليه السلام- بطلان طلاق البدعة، لا يعمل عليه، ولا يفتى به، ليس لكونه خطأ فمعاذ الله، ولكنه لا يقوى على النظر، وإذا رأى الإمام منع الخلق عن بعض المسائل الخلافية لمصلحة عظيمة، وجب عليهم الانقياد لأمره، ولا يخالفوه فيما أمر واستصلح، وقد حرَّمنا على من وقف على كتابنا هذا من الحكَّام والمدرسين، وأهل التمييز أن يفتوا بهذا المذهب، ومنعنا من الفتوى به، فلا يحل لمفتٍ الفتوى به، ولا يحل لعامي الدخول فيه بعد منعنا عنه، فمن اهتدى فلنفسه ومن عمي فعليها، فالحذر الحذر عن مخالفتنا، فمن أطاعنا فقد أطاع الله، ومن أطاع الله فله الجنة، ومن عصانا فقد عصى الله، ومن عصى الله فله النار، فنعوذ بالله من النار ومن غضب الجبَّار، فيعمل على ذلك من وقف عليه. انتهى.

وقال –عليه السلام- في جواب مسألة التقليد: [وأما مسألة التقليد] فحواشيها ممتدة، وليس يظهر وجوبه، بل لو عبد الله رجل على ظاهر [جملة] الدين من غير تقليد، [جاز ذلك له]، وإن قلَّد جاز له العمل على رأي بعض العلماء والأئمة بترجيح نفسه لما يقرع سمعه من العلم، والورع، والزهادة، وهذا ممكن في حقه، وإن قلَّد جاز له الخروج من مذهب من قلَّده لغرض من الأغراض الدينية، إما لرخصة يعمل عليها، أو اضطر إليها، أو لغير ذلك من الأشياء، أو لأغراض دينية، [ويجوز له أن يقلد إماماً] في مسألة دون مسألة، ولا حرج عليه في ذلك، فإن وجد من يسأله من العلماء جاز له العمل على قوله، [وإن لم يجد عمل على ما يحكى له] من رأي الأئمة الماضين في العمل بأقوالهم، والاهتداء بهديهم، وإن بلغه مذهب من يقلدهم بخبر ثقة جاز له العمل عليه، والرأي المعمول عليه، والنظر الأصوب المقطوع به، وهو تصويب الآراء في المسائل الخلافية، والمجاري الاجتهادية، وكيف لا؟ ! ومجاري المحاورات، ومجالس الاشتوار في الأقضية، والفتاوي، والأحكام افترقت، فأهل الصدر الأول من الصحابة –رضي الله عنهم – بتصويب هذه الآراء من غير تضليل ولا تخطئة، وكل ذلك إمارة على كونها حقاً وصواباً، والأشبه لا معنى له، إذ كل رأي فهو أشبه بالإضافة إلى قائله، ورأي الذي يستنبطه، ولا وجه إذاً له، فمذهب الهادي –عليه السلام- في امرأة طلَّقها زوجها ألف تطليقة من غير مراجعة فهي واحدة حق، ومذهب المؤيد بالله بأنها تبين بثلاث حق، ومذهب الناصر في طلاق البدعة حق، ومذهب أحد الروايتين عن زيد بن علي –عليه

السلام- في نكاح الكتابية حق، ومذهب الناصر أن الحجامة لا تنقض الوضوء حق، إلى غير ذلك من المسائل الخلافية، ولا يفترق الحال بين مذهب إمام وإمام، بل كلها حق وصواب.
وليت شعري!! بأي شيء تقع التفرقة مع بلوغ منصب الاجتهاد، وإحراز البلاغة فيه، بل لو قدَّرنا على زعم المخالف[فيه] في هذه القاعدة أن هناك صواباً،فبأي شيء نعرف كون ذلك حقاً؟ ومع أيهم؟ وما علامته؟ وكل واحد منهم يأخذ من الكتاب والسنة فيما ذهب إليه، فإذاً لا تفرقة هناك، اللهم، إلا أن يكون بسواد اللحية وبياض الوجه، ومثل هذا لا يكون فرقاً بحال، ثم ما حجة من قال: يجوز تقليد الهادي في أن طلاق ألف مرة تطليقة واحدة؟ ولا يقلّد الناصر في عدم وقوع الطلاق البدعي، والطلاق المشروط، وليت شعري!! من يمنع تقليد الناصر، فيما ذهب إليه، فيما حكيناه عنه، إما أن يقول: بأنه ليس مذهباً له، فهذا خطأ؛ لأن مذهب الناصر بلغ إلينا كما بلغ [مذهب] الهادي، والمؤيد بالله، وإما أن يكون مذهباً له، خلا أن الناصر غير بالغ درجة الاجتهاد، فلا ولا كرامة، فإنه لا قائل بهذا، مع أن هذه دعوى باطلة، وإما أن يقول: هو مجتهد، خلا أن الآراء في الاجتهاد الحق فيها واحد، فهذا خطأ أيضاً، بما أسلفنا بتقريره، فقد ظهر بما ذكرنا سلامة الآراء الاجتهادية عن الخطأ، وأنها صائبة كلها، والحمد لله وحده، انتهى جوابه في هذه المسألة.

ومن كلامٍ له عليه السلام أفتى به رجلاً وصل إليه، وقد طلق زوجته، وردَّها إلى نكاحه عملاً بمذهب الناصر عليه السلام، فوصل هذا الرجل، وقد زوج امرأته فقيه من بلاد الأهنوم، يقال له: إسماعيل، فكتب إليه الإمام –عليه السلام-، بأن قال: وصلنا الشيخ فلان، وحكى لنا يا فقيه عفيف الدين أنه طلق زوجته، وردَّها إلى نكاحه اعتقاداً لمذهب الناصر بتأريخ أرَّخه، ثم إنك أنكحتها بعد ذلك، فإن كان قد أبرمت بينهما حكماً، ومعك ولاية من جهتنا وإلا فالحكم مردود، ونظرنا نحن في هذه القضية، والقوي عندنا تصويب الآراء الاجتهادية، وأنت -يا فقيه- فلست من أهل الاجتهاد، ومن لا يحسن السباحة يتعذر عليه الغوص في غدير التمساح، فلا تتعرض بما لا تحويه حوصلتك، ولا تقدر على طحنه معدتك والسلام.

ومن كلام له أفتى به رجلاً آخر في مثل ذلك، فقال: وصلنا فلان وسماه باسمه، وحكى لنا أنه طلق زوجته وردها إلى نكاحه على مذهب الناصر، ونحن لا نفتي به، ليس لكونه خطأ -فمعاذ الله-، والزوجان مهما دخلا في مذهبه –عليه السلام- وعملا به لم يعترضهما المسلمون، إذا أغلقا [على أنفسهما] بابهما، وأرخيا ستر الله عليهما، ولكنهما مهما وقع بينهما تشاجر وترافعا إلينا أو أحد منهما، فعلنا معهما بمقتضى ما تصوبه آراؤنا من رفع أو تقرير، وليت شعري!! ما الفرق بين الأخذ بمذهب الناصر والإمام الهادي، وكلاهما قد بلغ رتبة الاجتهاد، والقوي عندنا تصويب الآراء الاجتهادية، فكل من أخذ بقول واحد منهما، ومن سائر الأئمة من أهل البيت فقد تمسك بحبل غير منفصم، والعجب ممن يخطئ أو يفسق المتمسك بمذهب الناصر، والأخذ بأقواله، وهو في الهداية النجم الزاهر، وفي العلم البحر الزاخر، وقد قال ً: ((أهل بيتي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم))، فعلى هذا الآخذ بمذهبه لا يكفَّر ولا يفسَّق ولا يخطَّأ، بل التخطئة في جنب المخطِّي، وهذه الرخصة رحمة من الله سبحانه لخلقه.
قال صاحب الشريعة: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه))، وفي حديث آخر: ((من لم يقبل الرخصة فعليه من الإثم مثل جبال عرفات ))، فيعلم ذلك الواقف عليه من أهل الإسلام، انتهى كلامه.

وقد رأيت ما أكثر تبحره، وأوسع مجاله، واطلاعه على أسرار العلوم وغوامضها حتى يصدر منه ما يوهم المناقضة في فتاويه، ومن دقق النظر [علم] أن كل أقواله راجعة إلى لفظ واحد لا اختلاف فيها ولا تدافع، كما قد توهمه بعض القاصرين من أهل زمانه -عليه السلام-، كما تقدمت الإشارة في صدر ترجمته إلى ذلك، فاعرفه موفقاً [إن شاء الله تعالى].
كان مولده –عليه السلام- لثلاث بقين من شهر صفر من سنة تسع وستين وستمائة، وكانت وفاته في حصن هران، قبلي ذمار [في] سنة سبع وأربعين وسبعمائة، ثم نقل إلى ذمار، ومشهده بها [مشهور] مزور، ولأهل ذمار فيه اعتقاد [عظيم] بليغ، حتى [لقد] كثرت منهم الرواية أنهم ربما أطفؤا [السراج] سراج القبة، واعتنوا في ذلك، ثم يشاهد السراج بعد ذلك متقداً، ويقولون أيضاً: إنه مذ مات ودفن بذمار قلما وجد الحنشان بها، ويروون هم وغيرهم من كراماته أشياء هائلة لمن كذبها، وسارة لمن أحبها، وله –عليه السلام- عقب مشهور بالفضل والعلم.

[الثالث الإمام الواثق بالله المطهر بن محمد بن المطهر - عليه السلام -]
فصل: وثالثهم السيد الواثق بالله المطهر بن إلإمام المهدي لدين الله محمد بن الإمام المتوكل على الله المطهر بن يحيى المتقدم ذكره، كان هذا الواثق من أعيان العترة، ونحارير الأسرة، وفصحاء الأمة، ونجباء أبناء الأئمة، دعا بعد موت أبيه، فتعارض هو ومن ذكر السيد صارم الدين في قطر واحد [وزمن واحد]، ولكنه بعد ذلك ضرب عن الدعوة صفحاً، وطوى دونها كشحاً، كما ذكره في كلام له سيأتي؛ إلا أنه لم يشعر بأنه لم يضرب إلا بعد أن مات الإمام يحيى بن حمزة؛ لأنه قال في بعض ما وجدته [له] : ليعلم أدنى الأمة وقاصيها القاطنون بسوح البسيطة وصياصيها، بعد السلام عليهم الجزيل ورحمة الله الملك الجليل، أنَّا ما كنَّا تحملنا من الأعباء، إذ عميت عليهم الأنباء [إلا لنلحق السابقين] من الأجداد الآباء، وأكرم بذلك فريقاً، وحسن أولئك رفيقاً، فنُذْكر في الملأ الأعلى، ونفوز من الأجر بالقدح المعلى، فأبى الله أن يجعل [البسط والقبض]، والإبرام والنقض، والرفع والخفض، وإقامة السنة والفرض، إلا في مستودع سره، وترجمان ذكره، وولي نهيه وأمره، ومنفذ تهديده وزجره، علم الشرف الأطول، وطراز العترة الأهول، وصفوة المصطفى، وسبط الأئمة الخلفاء، الخليفة الولي المهدي لدين الله علي بن محمد بن علي –صلوات الله عليه وسلامه وكراماته وإكرامه-.

فقلنا: الخيار للمختار {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ }[القصص:68]، والسعيد من كُفِي، وتخفيف التكليف من اللطف الخفي، فأوصدنا هذا الباب، وطرحنا هذا الجلباب، وسلَّمنا الأمر لوليه، ونطناه بابن رسول الله ً وابن وصيه، [وعلقناه على عاتق منكبه]، فالأمر في فضله غير مشتبه:
إذا نحن بايعنا علياً فحسبنا.... أبو حسن مما نخاف من الفتنِ
وجدناه أولى الناس بالناس عن يدٍ.... واعلم أهل الأرض بالفرض والسننِ
ففيه الذي فينا من الخير كله.... وليس بنا كل الذي فيه من حسنِ

فانقدنا له طائعين، وأتيناه مبايعين، وقلنا له ممتثلين:
رضيناك للدنيا وللدين فارتفع.... على النجم مسموعاً لك النهي والأمرُ
انتهى الموجود من هذه القصة، وهي كما ترى مؤذنة بأنه بقي داعياً إلى أن ولي الأمر الإمام علي [بن محمد] -والله اعلم- أي ذلك كان، وهذا البيت الذي تمثل به هو للأمير شمس الدين أحمد بن المنصور بالله من جملة أبيات مدح بها الإمام أحمد بن الحسين من قبل افتراق الكلمة، والله المستعان على فتن الزمان.
ومن رسائل الواثق البديعة: رسالة وجهها إلى حي الإمام الناصر لدين الله صلاح بن علي، وهي الرسالة المسماة (بالدر المنظوم المفوف بالعلوم) أنشأها بعد قصة خاو وقال فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وصلواته على مولانا ملك الخلفاء، ينهي عبده شكاية منه إلى الرحمن، و إلى خليفته إمام الزمان، من دهر يصابح بالعدوان، ويماسي بالخسران، ويضرب بالخذلان ضرب الكرة بالصولجان، كلبه هرّ، ووجهه اكفهرَّ، يسلبني الحركة كما يسلبها فعل الأمر، وألغاني كما ألغي واو عمرو، ويتلَّون كتلون الغُول، فأنا فيه كالحرف المعلول، إن دخل عليه الجازم بطل، وخلي مكانه من العمل وتعطل، وإن تحرَّك وانفتح ما قبله تبدل، يكلفني إخراج حروف الشفة من مخارج حروف الإطباق، وذلك تكليف مالا يطاق، ويتردد بين السعود والنحوس، كأنه أبو قابوس في النعيم والبؤس، الجفاء نوع من جنسه، والعدوان ملزوم لازم أَنِسْه، يلزمني إيجاد فرع من غير أصل، وتركيب نتيجة من غير جنس، وفصل، وإنشاء نتيجة من غير مقدمتين، والحكم بحق بلا تبيين، فله اختلاف الجد في حالات إرثه، وتلون الحرباء في صدقه، ولكنه جعلني كألف بلى كان ألفاً فكتبوه ياءً، وكان منصوباً فرجع إلى الخفض، وأمالوه فعاد إلى الرفض، وكتاء الافتعال والابدال، طوراً بطاءٍ وطوراً بدال، يحمل الشاق، ويكلف المشاق، راحتي فيه متروكة، وحرمتي [فيه] مهتوكة، كالعموم إذا خُصَّ، والطير إذا قُصَّ، يعارضني بالنقيض، وينقلني من اليفاع إلى الحضيض، كعصى موسى إذا ضرب بها الحجر تَنَبجَّس، وإذا ضرب بها البحر تيبس، فأنا مضطرب في الهوان والهون، إن أظهرت فشجون، وإن أخفيت فغبون كأهل الظهور والكمون، إن ظهرت الحركة كمن السكون، وإن ظهر السكون فالحركة لا تكون، أو كزوائد قالون، تثبت وصلاً مع السكون،

وتحذف وقفاً إن تلاها القارون، يحكم بما يثبت في الأفكار، كما حكم بالسادسة ضرار، يخيب الأمل، وينسخ قبل إمكان العمل، فأنا فيه معرض للفسخ غير آمن للنسخ، أسير غير مفكوك، ومقيد قيده ملكوك، وهو لا يسمع إلى كلام، ولا يصغي لملام، كالجوهر لا يقبل التجزي والانقسام، يبدل الحلو بالمر، ويرد إلى أرذل العمر، ومن وثقت به زادني وها، كما زادوا للسكت ها، رميت فيه بأفوق طائش، بنزول ولدي لاكتساب المعايش، تأليف أوجب صعوبة التفكيك، وسكون طرأ فقهر التحريك، كمضارع دخلت عليه الجوازم، فالسكون له لازم.
عسى جابر العظم الكسير بلطفه.... سيرتاح للعظم الكسير فيجبرا
وساعد مولانا دهري، فعظم عسري، رفع من دوني رفع خبر إن، وخفضني خفض المجرور بمن، فكأني حذام يخفضني اللازم، وكأنه حيث لرفعه الملازم، قطع على المُغَيَّب، وسمع فيَّ كلام العيّب، قبول الشافعي مراسيل ابن المسيب، فَبَعُد الملتقط للدرر من المغاص والبعد، كالعدم مقطعة الاختصاص، مع الحاجة إلى الهبات والفوائد، حاجة الذي وأخواتها إلى الصلات والعوائد، ومن أعظم البلية، رفع يدي من المنبهيّة، أرسلت ابن عمر نهى فيها وأمر، أحال أهل الكلام مقدوراً بين قادرين، وأمراً بين أمرين، فهذا مقدور بين قادرين، وأمر بين أمرين] والوقوع فرع على الصحة، و الإحالة ليس لها صحة، سلبني أطراف بلدي تعميماً، سلب آخر المنادي ترخيماً:
كما سامحوا عمراً بواو مزيدة.... وضويق بسم الله في ألف الوصلِ

فلو نهيت ابن عمر انتهى، وما انتهى إلى ما انتهى، وما ارتفع إلى ما ليس من أهله، {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ }[يونس:16]، فما همَّ بها، ولا لفت لبته لها، واحتملت الإعراض احتمال الجوهر للأعراض، وصرت لطول المدة وعظم الشدة أرى حقي مغصوباً، وعملي مسلوباً، فأنا قلق الوساد، أعدَّ في الأفراد كالصفة لا تعمل على الإنفراد، كأن الولد سوراً على البلد، فلما ذهب الناصر تعدى العدو ولا حاصر، نسيت علياً وتركته نسياً منسياً، وقد اختار في خدمتك الفنا بالبيض والقنا، وخلفته في الأولاد بإقامة أهل العناد، وإمهال البلاد، فأكثروا فيها الفساد، وسينشد لسان حاله يوم يبعث كل حي لسؤاله:
ما كان هذا جزائي إذ أريق دمي.... أمام جيشك بالهندية الخذمِ
أن تتركوني منسياً أصيح صدا.... أو تخلفوني بسوء في ذوي رحمِ
ابناي أما صلاح فهو منتجع.... يطلب الرزق إشفاقاً من العدمِ
وصنوه حلَّ في ذروان منتحباً.... من الجفا جفنه الوكَّاف لم ينمِ
ووالدي رجل في سنه كبر.... بمشقص من صروف الحادثات رمي

أرسل الله على خاو طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، لقد كان طريق فتنتي وسبب محنتي جُعل ذنباً لا يغفر، وحوباً لا يكفر، والتوبة للذنب مسقطة، وإنكار إسقاطها سفسطة، إذا كان الذنب حقاً والجرم صدقاً، كيف وعالم الغيب برأني من العيب برآءة عائشة من الريب، فمن قال سوى هذا، وأعرض عن ذا، ففرية من غير مرية، وذكية من غير مدية، أما أنا فلو وجدت يومئذ الناصر لما فارقت الناصر، ولو تماثلت الاعتقادات، واتفقت الإرادات ما خالف أبو هاشم أباه في الصفة الأخص، ولما جازت الإمامة إلا بالنص، ولكن الخلاف فرقهم ولذلك خلقهم أجازت الأمة المحمدية، أكل الميتة خوف المنية، وشرب المدام إذا أفرط الأوام، وأباح الشرع في القتال، قتل الترس، وإن كان من الأطفال خوف الاستئصال، وأنا خشيت الزوال، ففديت القدم بالنعال، وكنت منذ كنت ناظراً إليّ، ومتعطفاً عليَّ كالواو تدخل للابتداء والحال، وناصبة للاستقبال، وبمعنى أن والعطف والأقسام، والعدد التام وسائر الأقسام، فلما خاب ظني، وأعرضت عني، أصبحت كتاء القسم لا تدخل إلا على الجلالة، بعد أن كان معي كل حالة آلة، أما آن للكسير أن يجبر، ولا للمخذول أن ينصر، ولا للمهجور أن يوصل، ولا للمكلوم أن يدمل، {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ }[آل عمران:134]، {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ[أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ] }[البقرة:177]، المحفوفون بالثناء، والصفات الحسنى، عادات السادات، سادات العادات، وتغشى ساحات أهل

السماحات:
إلى ها هنا أنهي[حديثي] وأنتهي
فما شئت في حقي من الخير فاصنعِ
قلت: هذا آخر [هذه] الرسالة، وقد رأيت براعة هذا السيد وتمكنه من المجال بحسن هذه الأقوال في جميع فنون العلم: فقهها، وكلامها، وأصولها، وفروعها، ونحوها، ولغتها، وغير ذلك، وهذه الرسالة أيضاً جارية على مسلك رسالة القاضي نشوان بن سعيد الحميري، فإنه ذكر فيها فنوناً من العلم كثيرة على هذا النسق، والفضل للمتقدم، إلا أنه لا كلام أن السيد مبرز على الأقران، وسباق غاية في ذلك الميدان، فإن من وقف على استقداره على ارتجال الشعر المتنوع، وسحبه كل مسحب، من جد وهزل، ورقيق وجزل، علم صحة ما ذكرته لك من بلاغة هذا السيد، وحسن اختراعه وإبداعه، ولولا ما شرطته على نفسي من الميل إلى الاختصار لأوردت من شعره هنا ما يسهي ويلهي، ولكني أحلت غيري على ما هو مشهور معروف من ذلك، متداول بين العوام وأرباب الممالك، فلا فائدة في إيراد ما هو ظاهر، ومن جملة شعره البليغ ما ذكره في طراز قبة [حي] الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة عليه السلام أوردته هنا لاحتماله أنه قاله عقيب موت الإمام، إما بلا فصل فيكون قد شعره وهو إمام؛ لأنه وقف داعياً حتى دعا الإمام علي بن محمد كما تقدم، أو يكون السيد الواثق قاله بعد مدة متراخية حسبما اتفق من عمارة القبة، فيكون قاله وقد تنحَّى عن الدعوة، وهو هذا:

نور النبوة والهدى المتهللِ.... أرسى كلاكله ولم يتحولِ
في قبة نصبت على خير الورى.... قدراً وأشرف في الفخار وأفضلِ
وعلى الإمامة والزعامة والندى.... والجود والمجد الأثيل الأكملِ
وعلى السماحة والرجاحة والنهى.... وعلى المليك الأوحد المتطولِ
والعالم المتوحد المترهب ال.... ـمتعبد المتنفل المتبتلِ
يحيى بن حمزة نور آل محمد.... لب اللباب من النبي المرسلِ
كشَّاف كل عظيمة وملاذ كـ.... ـل ملمة ورجاء كل مؤمِّلِ
يا زائراً يرجو النجاة من الردى.... عن قبره وضريحه لا تَعْدِلِ
لذ بالضريح وقف به متضرعاً.... واطلب رضاك من المهيمن واسألِ
تحبى بكل وسيلة وفضيلةٍ.... وتنال خيراً في علو المنزلِ
شرفت ذمار بقبر يحيى مثلما.... شرفت مدينة يثرب بالمرسلِ
فليهن أهل ذمار حسن جواره.... فيما مضى وكذاك في المستقبلِ
انتهى، وقد عرفت طول عمره بمعرفتك لقولنا : إنه دعا بعد موت أبيه، ثم حياته في مدة الإمام الناصر، وشكوا عليه كبر السن وغير ذلك، فينبغي البحث عن الوقت والعام الذي مات فيه، وأين موضع قبره، ليلحق بهذا المكان بعون [الله] الملك الديَّان.

[الرابع الإمام الفتحي - عليه السلام -]
فصل: ورابعهم الفتحي، وهو: أحمد بن علي بن أبي الفتح، داره في هجرة وقش، وكان مع الأشراف بني حمزة في العراقية، وكلام السيد صارم الدين في منظومته هذه قاطع بأنه عارض الإمام يحيى بن حمزة - عليه السلام -، والذي رأيته أنا في بعض الكتب أنه عارض الإمام المهدي علي بن محمد، ويمكن الجمع بين الروايتين؛ بأنه تعمر حتى أدرك دولة الإمامين المذكورين، ويدل على ذلك قول السيد الواثق فيما تقدم [في حكاية تواضع الإمام المطهر] :
قالوا: عصيت كما دعوت وأحمد.... داعٍ وليس لأحمد من مخرجِ
قلنا: صدقتم دعوتي مشروطة.... بفساد دعوة أحمد البر النجي
حتى أتت أفواج حوث ثلة.... تختال بين مقمص ومتوجِ
فبما هم نقضوا إمامة أحمد.... هل كان فيه نحله في المنسجِ
فهذا يدل على أنهم عدلوا عنه، وعن الفتحي إلى الإمام علي.
وكانت وفاة ابن أبي الفتح برغافة، ولعله من ذرية أبي الفتح الديلمي المقدم ذكره، وهو من ذرية زيد بن الحسن بن علي -عليه السلام- وآل أبي الفتح عدة مشهورون في جهات صنعاء وغيرها، ولم أقف على كثير من تفصيل خبر هذا الداعي الفتحي، فإن ظفرت بشيء من ذلك ألحقته في هذا الموضع بعون الله تعالى.

[أخبار الإمام المهدي لدين الله علي بن محمد - عليه السلام -]
وابن المفضل داعينا أبو حسن.... زاكي المساعي حسام العترة الذَّكَرِ
قِيْدِتْ إليه وإن لم ترض جانبه.... لميلها عن بني المختار من مضرِ
وشادت المذهب الزيدي دعوته.... وذللت كل جبَّار من البشرِ
[هذا] هو: الإمام المهدي لدين الله علي بن محمد بن علي بن يحيى بن منصور بن مفضل بن الحجاج بن علي بن يحيى بن القاسم بن يوسف الداعي بن يحيى بن الناصر بن الهادي إلى الحق يحي بن الحسين [عليهم السلام]، نسب يحكي نور الشمس، ولا يمكن ينال ستره بالبنان الخمس، وإذا تلي نعش قوى النفس، وأبرأ من التخبط والمس [أمه غزية].
ولد -عليه السلام - بعد سنة خمس وسبعمائة سنة بقيت له الدولة نيفاً وعشرين سنة، ونشأ على طريقة آبائه الأعلام، في السعي لأسباب الكمال والتمام، حتى برز في كل فن من الفنون وعلوم الإسلام، وصارت تشد إلى عقوته الأكوار لاقتباس الفتاوي وتنفيذ الأحكام، من المغرب والمشرق واليمن والشام، ثم دعا بثلا يوم الخميس آخر شهر ربيع الآخر [من] سنة خمسين وسبعمائة.

قال السيد العلامة الهادي بن إبراهيم في (كاشفة الغمة) في وصفه –عليه السلام- ما هذا لفظه: وأما حي مولانا الإمام [علي بن محمد] –عليه السلام- فكان فضله أشهر من الشمس وضحاها، وأجلى من القمر إذا تلاها، درة تاج العترة ومصطفاها، طراز غلائلها ومجتباها، فاروق أئمتها ومرتضاها، ذاتية صفة مجدها ومقتضاها، الذي خص من الفضائل بمنتهاها، وترقى في درجاتها أشرفها وأعلاها، وهديت به هداة الأمة إذ دعاها، فكشف عنها ليلها وبلواها، وألزمها صلاحها وتقواها، ثم قال: واعلم - أرشدك الله وهداك - أن لكل إمام فضلاً وهدايةً، وجهاداً وعنايةً، وجمع الله للإمام المهدي مفترقات الفضل والفضائل، وأعطاه مالم يعطه أحداً من الأواخر والأوائل، ورزقه قبولاً في القلوب على افتراقها، وتماماً في محبة الجهاد معه على امحاقها، فانقادت له قلوب أهل الزمان، وأحيا الله به ما اندرس من معالم الأديان، وبرقت أسارير دعوته المهدية، فهدج إليها الكبير، ودرج إليها الصغير، وتطلعت لها الكعاب، ونطقت بفضلها آي الكتاب، وكان أهون المسير إليها الوجيف، وانثال إليها العالم ولا انثيال الحجيج بموسم التعريف، وما هي إلا آية سماوية، وخصائص إلهية، والناس في بركة آثاره إلى يومنا هذا، فالحمد لله {ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ}[يوسف:38].

ثم قال: وكانت أحواله –عليه السلام- زكية النما، يتعطَّر بثوابها أهل السماء، زكى علمه، وانتشر فضله، وملأ الأقاليم صيته، وامتد في دار الإسلام صوته، اشتغل في بدء أمره بالعلم، حتى فارق له الأوطان، والأهل والإخوان، ففتح الله له أبوابه، وأجزل [له] ثوابه، ونوّر قلبه، وجعله [الله] للعلوم مصباحاً، وفلقاً وضاحاً، فكان كل فن أدركه يثمر من فوره، ويدرك من وقته، حتى إذا استكمل الفنون ورمقته العيون، وعولت على تحصيله منه العيون، أقام في التدريس أزمنة، لا ينفك عن العلم لا ليلاً ولا نهاراً، ولا يزال مكباً عليه عشاء وأبكاراً، فلما أراد الله إظهار سره المكنون، وقد ألقى عليه محبة منه؛ حرَّك القلوب بألطافه إلى دعوته، وكشف دياجير الفساد بأنوار عزته، وتم ما أراد الله من إظهار أمره، وسمو ذكره، وارتفاع حاله وقدره، وكان يشبَّه بالملائكة بما خصَّه الله به من البهاء، وأتم له من النور، وكان له –عليه السلام-حالات ثلاث :
الحالة الأولى: حالة اقتباس العلم والتحقيق لفنونه، والتحصيل لفوائده والضبط لقوانينه.
[و] الحالة الثانية: حالة التدريس، ونشر ما وهب الله له من حكمته، أقام في محروس صنعاء وغيرها إماماً [في العلم] يرجع فيه إليه، ويعول عند الإشكال عليه، ويقصد له من البلاد السحيقة والأمصار البعيدة، في الفتاوي والإرشاد، والإقامة معه لطلب الهداية والاسترشاد.

[و] الحالة الثالثة: حالة الدعاء إلى الله والجهاد في سبيله، والذب عن حوزة دينه، وكان له من الأثر من الجهاد مالم يكن لغيره ممن تقدمه في اليمن إلا الهادي –عليه السلام- يروى أنه أزال سبع عشرة دولة ظالمة في اليمن.
قال السيد الهادي–رحمه الله تعالى-: وذكر طرف من ذلك يخرجنا عن المقصود، قال: فكان على هذه الحالات في غاية ازدحام لاشتغال كل حالة بما يلائمها ويشاكلها، الأولى طلباً للعلم، والثانية تدريساً فيه ونشراً لألويته، والثالثة دخولاً في الأمر الجليل، فلم يتمكن من البسط في التأليف والتصنيف.
قال: وله –عليه السلام- مختصرات [ورسائل] وأجوبة، لما لا يحصى من المسائل، قال السيد: ومع ذلك فلم يسلم من الاعتراضات، بل ناله ما نال الأئمة الهادين، [و] الخلفاء الراشدين، فروي أنه وصل بعض العلماء وقد كان يطعن في سيرته، ويعترض عليه في كتاب وخطاب، فلما انتهى ذلك العالم إلى باب الإمام وطلب الإذن بالدخول فلم يأذن له، فقيل للإمام: إن فلاناً ذو علم وبصيرة، فهلا أذنت له بالدخول!
فقال –عليه السلام-: ما معه من العلم إلا ما يجهل به [انتهى].

ومما وجدته بخط الإمام علي بن محمد المذكور وعليه علامته وذكر اسمه، ما لفظه: هذا الخط الأعظم، الأشرف، [الأكرم]، العالي، السامي، الغياثي، الجوادي، الأفضلي، الأوحدي، الأمجدي، الأجلي، النبوي، الإمامي، الحسني، الهدوي، المهدي، خلَّد الله ملك منشئه، وأعز نصره، وجدد سعده، وكبت حاسده، يشهد للفقيه [الأجل] الأفضل شرف الدين الحسن بن علي بن أحمد بن فند، بأنه عندنا على الإعزاز والإنصاف، منظور بعين المودة والإتحاف، مأثور الصبر والجهاد والمودة، ملحوظ بلحظ الكرامة، مستقر على أكرم الحظوظ والاستقامة، مرفوع في أسمى المراتب، وأسمى المنازل، وإنه من جملتنا، وممن تحوطه شفقتنا وترعاه مودتنا، لايروع له سرب، ولا يكدر له شرب، وكذلك عمه محمد بن أحمد الزحيف، وسائر إخوتهم، وبنو عمهم، وإنَّا قد ملَّكناه جميع ما تحت يده ويتصرف فيه مما ينقل ويحول، ومما لا ينقل ولا يحول، وأجزنا له [تسليم] ثمن ذلك كله إلى من اشتراه منهم، وأذنّا له في التصرف في ذلك، بأي وجه من سائر وجوه التصرفات، فمن ذلك جميع الدار الكبيرة والسقيف المتصل بها من جهة اليمن، والعلو الذي فوق هذا السقيف، وكذلك الخلف الخارجي للدار وعلوه، يحد الجميع قبلياً دار أخيه أحمد بن علي بن فند، ودار ابن الفهري، ويمانياً الطريق المسلوك، وفيه مفتح باب السقيف، والدار أيضاً، وغربياً الشارع المسلوك مع ما أخذ من دار ابن الفهري، وشرقياً الشارع الذي لا منفذ له، مع ما أخذ من دار لإسماعيل بن قعلان، فهما بين هذه الحدود، وهما بناحية الجربة من صعدة، ومن ذلك جميع الفندق والسمسرة اللذين في

الجيبة، وجميع مفاتحهما، يحدهما جميعاً الحوايا اللاتي بينهما، وبين سمسرة موسى بن يونس، وما أخذه من سمسرة موسى بن يونس [المصانع]، ويمانياً دار عتيق ودار عدية الدلالة، وملك آل عارضة، وغربياً الطريق إلى بلجاء، وفيه باب الفندق، والحوانيت المخرجات منه، [ومن جملة الفندق السقاية وهي من جملته]، وشرقياً الطريق النافذ إلى باب الحديد وغيره، وفيه مفتح باب السمسرة، ومن ذلك الثلاث الحوانيت المقابلات هذا الفندق، يحدهنَّ [جميعاً] شامياً ملك حي الفقيه يحيى بن أحمد النور، ويمانياً دار غانم بن صالح الزوبعي، وغربياً دار ابن الشمري، وشرقياً الطريق، وفيها مفتح أبوابهنَّ، ومن ذلك [ثلثا] البئر المسمى الوكيعية من مزارع صعدة، وجميع ضيعتها التي تحت يده إلا جربة المسجد، وشهرة الجميع ظاهرة، ومن ذلك الحوض والقبة الذين عمرهما على هذه البئر، وكذلك المشرب الذي أحدثه بهذه الضيعة، وكذلك الساقية التي يجري فيها الماء الى موضعيه الذين من ضيعة هذه البئر، وكذلك ملَّكناه القصبة التي من جملة القفلة المنصورة، ومفسحها المتصل بها [أيضاً] وهي [القصبة] التي فيها البئر، يحدها هي ومفسحها المذكور قبلياً خلف هذه المنصورة، ويمانياً الطريق إلى مسجد ابن زيدان، وغربياً مسجد القفلة، وشرقياً الخندق، ملَّكناه هذه القصبة عوضاً عن قصبته العامرة في جانب القفلة، وكذلك ملَّكناه القيراطين الذين في يده من الجربة التي هي قبلي فندقه المذكور أولاً، وقيراطين من مفسحهما، وكذلك جعلنا إليه ولاية جربة المسجد التي من ضيعة الوكيعية، وأمرناه يصرف غلتها في مصرفها،

وقد صار إلينا منه زيادة في ثمن الوكيعية والساقية، وجملة ذلك ألف وخمسمائة درهم وزيادة في ثمن الفندق والجربة، والمفاسح، والقيراطين [الذين] في الجربة الأخرى وفي مفسحها، ومن ذلك خمسمائة درهم زيادة الدار دار الجربة والسقيف المتصل بها وما فوقه، والخلف الخارجي من الدار، وما فوقه، وقد دعونا الله له بالهداية إلى العمل بطاعته واجتناب معصيته، والبركة في ماله وولده، وأن يصلح له شأنه كله، وأذنّا له في التصرف فيما تحت يده، وأن يفعل فيه جميع ما يجلب فيه نفعاً، ويدفع عنه ضراً، وصدر ذلك كله منَّا في شهر ربيع الأول من سنة خمس وخمسين وسبعمائة.
أشهدنا مولانا ومالكنا أمير المؤمنين المهدي لدين رب العالمين –صلوات الله عليه وسلامه–، بما نسب إليه في هذه لمن ذكر، وفوق هذا الخط وتحت هذه البسملة ما لفظه: [كتب عبد الله المهدي لدين الله علي بن محمد بن علي، وتحته ما لفظه] : كتب عبد الله بن أحسن الدواري، حكمت بصدور ما صدر من مولانا الإمام المهدي علي بن محمد [بن علي] إلى حي الفقيه شرف الدين حسن [بن علي] بن فند، كان ذلك مني بتأريخ شهر شوال [من] سنة اثنين وثمانين وسبعمائة سنة. انتهى.

قال بعض العلماء: إنها لما كثرت الفتن، وعظمت المحن في أول دولة الإمام علي بن محمد-عليه السلام- داخل أهل صعدة فتور وملل، وادعى بعضهم على بعض أنه لم ينفق على قدر حاله وماله، فانضربت أمور العسكر، وانقطع عنهم بعض ما يحتاجونه لأنفسهم [وبهائمهم، فاشتغل خاطر الإمام، ولم يتمكن مما يقيم العسكر]، فعوَّل على القاضي جمال الدين علي بن محمد بن هبة الدواري أن ينشئ قصيدة يحرض الناس على الجهاد في سبيل الله، ويحثهم على الإنفاق، فأنشأ قصيدة، وأنشدها في محفل من كبار أهل صعدة، وكبرائهم ورؤسائهم، فبكى عند سماعها جماعة من القوم حتى اخضلت لحاهم، وتعاقدوا في ذلك [الوقت]، وتعاهدوا عنده على بذل الأموال والأرواح بين يدي إمامهم، وعلى الصبر على الجهاد في سبيل الله حتى يأتي الله بالفتح، أو أمر من عنده، وجعلوا ما يحتاجون إليه من ذلك [على] عشرة مقاسم، وألزموا أنفسهم في ذلك مائة ألف درهم، فحمل الفقهاء آل علي بن حسن الهبي النصف خمسين ألف درهم، وحمل علي بن موسى بن جميع الطائي وآل النزاري و آل عليان عشرة آلاف درهم، وحمل أهل درب الإمام والفقيه قاسم بن قرة عشرة آلاف درهم، وحمل آل فند وآل الظاهر، وآل الذويد عشرين ألف درهم، وحمل آل عليس ومن في جانبهم، والحدادون عشرة الآف درهم، وعلى أنهم إذا نجحت المائة الألف أخرجوا بعدها مائة ألف، على هذه المقاسم، وتراضى القوم بذلك، ووطنوا أنفسهم عليه طالت الفتنة أم قصرت، وهذه القصيدة المذكورة:
سرى همه ليلاً وهمُّ الفتى يسري.... فأمسى نجياً للوساوس والفكرِ
وأَرَّقَه خطب عظيم مؤرّقٌ.... لمن كان ذا دين وذا حسب غمرِ

تخاذل أهل الدين عن نصر دينهم.... وأجمع أهل المنكرات على النكرِ
وشدتهم في النائبات وصبرهم.... على البؤس والضراء والقتل والأسرِ
على قلة في مالهم ورجالهم.... وكثرة أهل الدين في البر والبحرِ
فقد أظهروا تيهاً على كل مسلمٍ.... وعجباً على عجبٍ وكبراً على كبرِ
فلِلَّه ما في القلب من لوعة الأسى.... ومن حرقة بين الجوانح والصدرِ
فأين حماة الدين من آل أحمدٍ.... وشيعتهم أهل الفضائل والذكرِ
وأين ليوث الحرب من آل حيدرٍ.... وأبناء قحطان الجحاجحة الزهرِ
وأين رجال الصبر من كل عائدٍ.... ومن بطل شهم ومن عالم حبرِ
وأين ذوو الإفضال والجود والسخاء.... طلاباً لوجه الله في السر والجهرِ
وأين الكرام المنفقون تضرعاً.... لكسب المعالي والمحامد والذكرِ
ألا بائع في طاعة الله نفسه.... فيذهب بالسبق المكرر والفخرِ
ألا آخذ من ماله سهم نفسه.... فيحرزه من قبل حادثة الدهرِ
ألا خائف من لفحة الله راهباً.... لنار تلظى بالشرار وبالجمرِ
ألا راغب في رحمة الله طالب.... جناناً من الياقوت والقصب الدرِ
ألا بايع دار الغرور بجنةٍ.... روائحها تسري وأنهارها تجري
ألا شارياً ملكاً كبيراً ونعمةٍ.... بعيشٍ حقيرٍ لا يسوغ ولا يمري
قصوراً وولداناً وحوراً نواعماً.... معرضة للبيع بالثمن النزرِ
فيا معشر الإسلام مالي أراكم.... غفولاً عن الفضل المضاعف والأجرِ

ألم يأن أن تستيقظوا عن منامكم.... فقد بان جنح الليل عن شفق الفجر
وأن تستجيبوا داعي الله إذ دعا.... فأسمع ذي سمع ومن كان ذا وقرِ
ألم تسمعوا ما جاء في الكتب وارداً.... عن المصطفى المختار من ولد النضرِ
ألم تسمعوا ما جاء في الكتب والذي.... تولى فراراً عن وعيد وعن زجرِ
كأنكم لم تخبروا عن نبيكم.... ولا تقرأوا ما جاء في محكم الذكرِ
أمنتم عقاب المذنبين جهالةً.... إلى أن حسبتم مثل راعية البكرِ
أليس إمام الحق بين ظهوركم.... ينادي ويدعو بالجهاد وبالنفرِ
أفي فضله شكٌّ أفيه تردُّدٌ.... فمن شكَّ فيه شكَّ في الشمس والبدرِ
أفي عصرنا قد كان أو هو كائن.... نظيرٌ له في الحلم والعلم والصبرِ
عكفتم على دنياكم وإمامكم.... يجاهد أرباب الضلالة والكفرِ
حراصاً على أزواجكم وحطامكم.... شحاحاً وشح النفس من أعظم الوزرِ
خلا عصبة من أهل صعدة صابروا.... على البؤس والضراء في العسر واليسرِ
ليوث تباري بالصوارم والقنا.... بحور تطامى باللجين وبالتبرِ
تواصوا على نصر الإمام وجاهدوا.... على الدين واختاروا الوفاء على الغدرِ
فيهنيهم ما أحرزوا من فضيلةٍ.... ومن شرفٍ يعلو على قمة النسرِ
فهلا سعيتم سعيهم ونفرتم.... إلى نصره بالمرهفات وبالسمرِ
أفي الشرع أن يدعوكم فتثاقلوا.... وتستأخروا من غير شغل ولا عذرِ
أفي الدين أن يَصْلَى الأمور بنفسه.... وحيداً وما منكم معين على أمرِ

وأن تبخلوا بالمال عنه وقد سخى.... بمهجته والروح أغلى من الوفرِ
أنيبوا أنيبوا قبل أن تمطر السماء.... عليكم بأنواع المصائب والفقرِ
وينتزع الأرواح والمال عنكم.... علانيةً من غير شكرٍ ولا أجرِ
بخلتم على الله الكريم بفضله.... عليكم ولم تجزوا بحمدٍ ولا شكرِ
وآثرتم الدنيا وعاجل نفعها.... على جنة المأوى فيابيعة الخسرِ
وأحببتم دنياكم ونساءكم.... على الله مولاكم فيالك من وزرِ
كأنكم أرواحكم في حياتكم.... وأرزاقكم من عند أنفسكم تجري
ألا لا ولكن شح نفس نهاكم.... وقد جفت الأقلام بالرزق والعمرِ
ألم تعلموا كم من صحيح منعم.... أتته المنايا بغتة وهو لا يدري
وكم كادحٍ في ليله ونهاره.... يريد الغنى والفقر في سيره يجري
فهل تائب من ذنبه ومراجع.... إلى ربه قبل المصير إلى القبرِ
ومدَّكر يوم الحساب وهو له.... وموقف عدل في القيامة والحشرِ
فذو العرش إما تخذلوه يمدَّه.... على عجل بالفتح منه وبالنصرِ
ولو كان سيف ينصر الدين واحد.... لقمت بسيفي لابساً حلة الصبرِ
ولو كنت ذا مال لأنفقت فضله.... وصدَّق فعلي ما تضمنه شعري
فجردت من غمد القوافي صوارماً.... أحدَّ من البيض المهندة البترِ
ودونكم من فضل قولي مواعظاً.... ومن لم يجد ماءً تيمم بالعفرِ

قالوا: وكان في اليمن[الأسفل] الداخلي رجل فقيه من رعية السلطان الملك الأفضل، فلحقه معرَّة من نوَّاب السلطان، فهرب إلى الجبال، وكاتب الإمام علي بن محمد -عليه السلام-.
قالوا: وكان من جلساء الملك الأفضل رجل، يقال له: ابن الراعي، واسمه محمد، وهو يدعي علماً [وفقهاًٍ]، وكان يحسِّن للسلطان القبائح، ويفتيه بأمور تخالف الشريعة، فوقف هذا المذكور على شعر لذلك الفقيه يشكو على الإمام [فيه] ما يلحقه من المعار، ويحرِّض الإمام على جهاد السلطان، فأحسن [إليه] الإمام ووعده بكل خيرٍ ونوال، وتولَّى الجواب على هذا الشاعر الذي مدح الإمام حي السيد مطهر الواثق بجواب فائق، فعمل الفقيه محمد بن الراعي جواباً يوبِّخ فيه الفقيه الشافعي، ويمدح السلطان، وهو هذا:
قفي قبل التفرق يا أماما.... نطارحك التحية و السلاما
فبي شوق إليك ولي فؤاد.... مذاب قد غدا بك مستهاما
أكلفه التصبر والتعزي.... وليس يزيده إلا غراما
عدمت الصبر عنك فلا سلو.... ولا وصل لها يروي الأواما
ومما أضرم الأحشاء آتٍ.... حكى لي عن أخي حمق كلاما
كلاماً من أجال الفكر فيه.... رآءه عند رؤيته حراما
لمعتوهٍ تخيل من أصاب.... أراد بدينه يعطى حطاما
فلم ينتل بما قد قال شيئاً.... ولم يسلم بما فعل الأثاما
تبصَّر في أمورك واختبرها.... وسل إن شئت ترفدك الكراما
فأما من سألت فغير شيءٍ.... إمام الغي لم يشبع طعاما
أتسأل سائلاً أبداً ملحاً.... ولا نكراً لديه ولا احتشاما
وكيف يجود من عضت عصاه.... كلاب الحي أو يعطي المراما
لعمرك ما حذوت على مثال.... وقد أحرزت في الدارين ذاما
وأعجب منك إذ حرَّكت شخصاً.... يريد لنفسه منَّا ذماما

يحركه بعتمة أو أصاب.... تبلغه أمانيكم سهاما
وكيف يطيق أم من ذاك يقوى.... يمس بكفه منَّا حطاما
وفي أقطارها ملك كريم.... حماها أن تنال وأن تراما
على الأقصى يحامي بالمواضي.... ومن قد رام عنه لا يحاما
وقلت الشافعيين اقتطعهم.... وأوسعهم ذماماً واحتراما
أبى الرحمن إلا أن ترانا.... لأهل السنة البيضا سناما
نوالي من أردناه بخير.... وفينا الله قد وهب الإماما
وفضل الشافعي يذبُّ عنَّا.... ويمنع أن نهان وأن نضاما
وأرضك قلت قد شرّدت عنها.... ودمع العين ينسجم انسجاما
وأنك ترتجي بهم انتصاراً.... لقد أيقظت أمواتاً رماما
فقال مطهر لما أتاه.... جواب بالكلام جرى كلاما
وما عنّا لنصرك صاهلاتٍ.... وعن مضمون شرحك قد تعاما
جهلت فكان نفخك في رمادٍ.... غروت به ولم تنفخ ضراما
ألم تر أن في ثعبات ملكا.... لبيع الشافعية قد أقاما
رسولي له في الملك أصل.... أصيلٌ لا ينال ولا يساما
حمى الدنيا وأهلك معتديها.... وأمَّن أرضها يمناً وشاما
فنحن بملكه في خير عزٍ.... نود له على الدنيا الدواما
أتيناه فأولانا جميلاً.... وإحساناً وإنعاماً تواما
وهبنا من مواهبه مئيناً.... وأغنينا الأرامل واليتاما
ومن مدح الملوك ينال عزاً.... ويلقى الذل من مدح الإماما
وما كالأفضل العباس تلقى.... مليكاً لا وراء ولا أماما
فمن والاه لا يخشى افتقاراً.... ومن عاداه قد لاقى الحماما
وكل متوج وعزيز قوم.... يودُّ بأن يكون له غلاما
تراهم حول ساحته وقوفاً.... يرومون السلامة والذماما
فقل لي للإمام الطهر قولاً.... تكون وراءه الصعب الحساما

عدمنا خيلنا إن لم تروها.... على أبواب صعد تكم قياما
عليها الترك لابسةً دلاصاً.... تعانق في الهياج ولا تراما
تسير أمام ملك شافعي.... تقود الخيل والجيش اللهاما
ينقط بالرماح السمر صدراً.... ويشكل بالمواضي البيض هاما
تخيّركم إذا حامت عليكم.... أطاعته أم الموت الزّؤاما
وكل جدوده لكم استباحوا.... فسوف يكون في هذا لزاما

قالوا : فجوَّب عليه في هذه القصيدة فوق سبعين شاعراً، سيأتي بعضها في ترجمة الإمام صلاح بن علي -عليه السلام-.
وكانت وفاة الإمام علي -عليه السلام- في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، مات وقد لحقه نقص في عقله و تمييزه من وجع أصابه في رأسه، وكان موته بذمار، فنقله ولده إلى صعدة بوصاية من أبيه؛ لأن أهل صعدة أحبوه محبةً مفرطة، فعوّلوا عليه أن لا يخرج من بين أظهرهم، فقال [لهم] : أنا منكم حياً وميتاً، فامتثل ولده بهذه الإشارة وفعل عليها، ودفن في قبته المشهورة بمشهد جده الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين - عليهم السلام -.

[أخبار الإمام الناصر لدين الله صلاح بن علي ـ عليه السلام ـ]
وكان حظ صلاح من إمارتها.... عجالة الراكب الماضي إلى السفرِ
لكنها غرّة في الدهر شادخة.... بيضاء واضحة التحجيل والغررِ
عجَّ الرَّسولي منها في ممالكه.... عجيج حاملة وقراً على دبرِ
هو: الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين صلاح بن أمير المؤمنين علي بن محمد المقدم ذكره قريباً، دعا في ظفار آخر أيام أبيه لما تغيَّر حاله كما تقدم، فلما دعا [أدى من أمر الذب عن الدين] ما افترضه عليه رب العالمين في كتابه المبين، فلذلك أجمع على إمامته أهل القبض والبسط، والحل والربط، من علماء البسيطة، وفضلاء الأقطار المحيطة، و عطَّروا بمدحه المحاضر، وطرَّزوا أوراق الدفاتر، وأجمعوا على أنه لم يسمع بمثله، ولا سمح الدهر [أبداً] بشكله، [ولم يعلم من] أحد من أهل البصائر الثاقبة، والنفوس التقية المراقبة، إلا من دخل في زمرة أتباعه، وانقاد له مضرباً عن نزاعه، لمعرفتهم لما نشر الله به مما قد كان طوته الأيام، من ألوية العدل في الأنام، وما أحيا به الله من ميت الإسلام، وأشاد به ما اندرس من الأحكام، حيث جعله آية صغرت في جنبها الآيات، ونعمة قصرت عن مدحها الغايات، ومد به الدهر باعه المنزوي، ونصر الله به الضعيف على القوي، وحسم بصارمه جيش الغوي، وجمع في ذاته وصفاته مفترقات الفضائل، ونسخ [به] من محاسنه ومحامده ما هو أبهى من الطراز في الغلائل.

فصل: في ابتداء طلبه للعلم
وما يلي ذلك من المعاونة لأبيه في حال سيادته.
اعلم أنه –عليه السلام- كان له في أيام الصبا وقار ذوي الأسنان العالية، وسكينة أرباب الحلوم الزاكية، كان دأبه منذ دبَّ اقتباس العلم والأدب، يكتسب كل يوم فضلاً، ويزداد كل وقت نبلاً، ويعلو في كل شهر درجات في الفضل عَلِيَّة، ويسمو في كل عام ذروات في المجد علوية، تباشير الإمامة من جبينه لائحة، ومثاقيل الزعامة في ميزان اختباره راجحة، يشير إليه كل بنان، ويفصح بمدحه كل إنسان، فلما ترعرع وبرع وعلا المنبر العالي وفرع، وبرزت أقلامه في ميدان البراعة، فأكهمت فيه قواضب البراعة، ونطقت رسائله فاسكتت مساليق البيان، وبرزت مساطيره فبدت فرسان الفصاحة والتبيان، وانتشرت فتواه في البلدان، وسارت بإعلام علومه وتدريسه الركبان، وتظاهرت جواهر كلمه، وفرائد حكمه تارة ببدائع الرسائل، وآونة بمحاسن المسائل، فملأ بها كل يد، ونور بها كل بلد، وصار كعبة للعلم مقصودة، وآية في الفضل مشهودة، وفي خلال ذلك يقطُّ رقاب المارقين، ويقمع رؤوس الفاسقين، ويفتح عنوة ثغور الأمصار، ويملك قهراً معاقل الأقطار، ويجهز السرايا والجنود، ويعيد في نصرة الإسلام خفق الألوية والبنود؛ تارة منحدراً، وآونة مصعداً، حتى خضعت له رقاب جبابرة المتمردين، وخنعت له جباه المعتدين، هذا ووالده يومئذ أمير المؤمنين صاحب البسط والقبض، والإبرام والنقض، فلما أراد الله تمام كرامته، وإمضاء أحكام إمامته، رجع الناس إلى المرتكز في أرواعهم وقلوبهم، المؤمل لكشف كروبهم، إلى المعروف بالكمال، السابق إلى محامد

الخلال، لما قد كانوا رأوا من فضله ما بهر.
وعلموا من فضائله ومناقبه ما ظهر واشتهر، فركب الناس إليه متن الطريق، وأتوه {رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] فلما انتهوا إلى مقامه الكريم، قضوا ما يجب له من التعظيم والتكريم، واختبروه في أمر الإمامة والتقمص بهذه الزعامة، فأوجدهم أشد النفور والإباء عن تحمله بهذه الأعباء حتى أقسموا له بكل يمين، ولم يكن أحد منهم ليمين، لقد وجب عليك القيام، والدعاء إلى ما يدعو إليه الأئمة الكرام.
فلما قامت: أدلة الوجوب عليه ورأى عيون المؤمنين ناظرة إليه، أسعفهم داعياً إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، غير لاوٍ إلى وطن، ولا معرج على سكن، حتى استولى على أكثر مدن اليمن، وأكثر صياصيه، ومعاقله الشامخة ونواصيه.
نعم: وقد تقدم في ترجمة أبيه –عليه السلام- ذكر الفقيه الشافعي الذي من وصاب، وذم بعض [الفقهاء] الشافعية له على مدح الإمام علي وسؤاله لنصرته، ومدح الملك الأفضل، وأن شعراء الزيدية جوَّبوا عليه بفوق سبعين قصيدة.

قال الراوي لذلك: فأما الإمام صلاح [فإنه فعل] الجواب عليهم عساكر، وجحافل، وكتائب، وقبائل، وصوارم، وذوابل، وأكذب قول ذلك الشاعر، وما وصف به سلطانه، ووطي بلادهم سهلها وجبلها، ولم تغن عنهم أتراكهم والأكراد، ولا العساكر والأجناد، وصدق أقوال الشيعة في أشعارهم، وصارت كلمتهم العليا، وكلمة الجبرية وأنصارهم هي السفلى، وكان من جملة من جوَّب شعراً ونثراً حي الفقيه الصدر العلامة لسان المتكلمين، وشحاك الملحدين: يحيى بن حسن القرشي الصعدي بلداً، صاحب (منهاج القرشي) في أصول الدين، و(العقد) في أصول الفقه، وهما مصنفان معتبران معتمدان عند الزيدية، فأنشأ يقول:
أتت تهدي إلى البدر الملاما.... وتستدعي من البحر الخصاما
مثلمة الجوانب حط فيها.... جنون كان في ظني مناما
تدل على وضاعة مبتديها.... وتكشف عن حماقته اللثاما
وتحمل نحونا منه خطاباً.... يقول لسان قاريه سلاما
مناثرة الفضول كتبت فيها.... خيالاً مثل قلبك لا يضاما
تمنى المستحيل بها ضلالا.... وتكذب لاحياء ولا إحتشاما
وما نفع الكلام لقائليه.... إذا لم يتبع الفعل الكلاما
متى سار الثرى نحو الثريا.... [متى قد سامت الخف السناما]
متى أتت الرياح إلى ثبير.... فنالت منه أو هزت شماما
متى أبصرت كلباً أو حماراً.... أخاف بصوته البدر التماما
متى أشبهت يا ابن جهات طي.... بفسقك أو حماقتك الإماما
ومن أين اعتراك الجهل حتى.... حسبت الباز يهتاب الحماما
تفاخر خير أهل الأرض طراً.... وأشرفهم وأعلاهم مقاما
وتنهض كي تساعيه جنوناً.... يجل وحقه من أن يساما

هو البدر المنير بلا محاق.... إذا ما كنت يا غمر الظلاما
هو الملك المحكم في البرايا.... إذا ما كنت للأهواء غلاما
هو الجبل المنيع بنا أماناً.... لمن يهوى بذروته اعتصاما
هو الحتف المتاح على الأعادي.... فلن يجدوا لما صدع التئاما
هو المعطي إذا الأنواء ضنت.... كأن ببطن راحته الغماما
فتى فاق الورى شرفاً وفضلاً.... وسادهم وما بلغ الفطاما
له فضل تقرُّ به الأعادي.... وودُّ لا يرون به انكتاما
له شرف أناف على المعالي.... فقُمَّتها لنعليه تساما
له كفُّ يقسم في البرايا.... كما خلقت عطاء وانتقاما
فيا ابن التركمان بأي فضل.... تحوز الفضل خلفاً أو أماما
ويا ترب الفسالة والمخازي.... متى أمسكت للعليا زماما
تطاولني وباعك في المعالي.... قصير ما بلغت به مراما
[أنا تاج العلا إن كان رأساً.... ومضربه إذا أضحى حساما]
أنا وجه المفاخر حين تبدو.... أنا ساق الهدى حين استقاما
أنا السيف المهند قد علمتم.... إذا طلع الضلال إليَّ هاما
أنا بدر الظلام إذا تعامى.... أنا بحر العلوم إذا تطاما
أنا زوج الرئاسة سقت مهراً.... وسيرك نحوها كان احتلاما
أنا بالمجد والعلياء فخري.... إذا ما كان مفخرك الحطاما
أنا الداعي إلى الحق احتساباً.... يراني الله للتقوى إماما
فإن أحببت تشبه عبد عبدي.... فسر نحو العلى سبعين عاما
لقد أمعنت في الأحلام حتى.... إذا استيقظت أمعنت انهزاما
جهلت حفيظتي فسعيت نحوي.... كما جهل الطَّلا الليث الهماما
وما للشمس في العميان ذنب.... إذا ما أبصروا الدنيا ظلاما
بفيك الترب كيف طمعت فينا.... ويأبى مجدنا من أن يساما
ونحن الضاربون الهام شقا.... وموج الموت يلتطم التطاما
ونحن السابقون إذا نجارى.... ونحن الفائتون إذا نراما

ونحن بنو النبي إذا انتسبنا.... فمن أنتم نظنكم نيامى
ونحن ملوك بيت الله حقا.... بنينا الركن منه والمقاما
ونحن ولاة حوض الحشر نسقي.... موالينا ونمنعه الطغاما
ونحن سفينة فإذا غرقتم.... فلن تجدوا سوى السفن التزاما
وفينا الوحي والخلفاء فينا.... فما في غيرنا تجد الكراما
بنا الغالون والقالون هلكى.... وكنَّا بين ذالكم قواما
ورثنا المجد من حسن المثنى.... فهل عجب إذا فقنا الأناما
لقد وجبت مودتنا عليكم.... فلم ترعوا لواجبها احتراما
وجاءت هل أتى تثني علينا.... ثناءً كنتم عنه نياما
أبانت فضلنا وجحدتموه.... كأنَّ لكم على الحق احتكاما
وفي يوم الغدير لنا ولاء.... على كل الورى ساما وحاما
ومبغضنا المنافق والمرائي.... بهذا النص في الآثار قاما
بنينا مجدنا بالرغم منكم.... وقمنا دونه من أن يضاما
وكنَّا فوق رأس المجد تاجا.... وكنَّا في محياه ابتساما
وكنَّا خير من ركب المطايا.... وكنَّا خير من صلى وصاما
ألم تعطوا الخراج لنا قديماً.... ألم تستوهبوا منا الذماما
ألم نوسعكم أسراً ومناً.... فلا تخفوا أيادينا الجساما
ألم نشبع وحوش الأرض منكم.... وأكلبها ألم نرو الحساما
وقلت نرجي الزكوات منكم.... وما قولاً صدقت ولا كلاما
عن الزكوات نزهنا فكانت.... على حتى موالينا حراما
وبالتشيع تنبزنا انتقاصاً.... ولم يُعلم لهذا الاسم ذاما
به سبعون ألفاً ما عليهم.... حساب يوم ما يولي الحماما
وتفخر إن أتيت الحقل يوماً.... فقد قهقرت لم تسطع مقاما
أتى نحو السما الشيطان سراً.... فأبصر شهبها فيه تراما

فأدبر والفؤاد له وجيف.... ألا يا لهف نفسي لو أقاما
أتتكم من بني الزهراء أسود.... فكنتم بين أيديهم نعاما
مضيتم ليس يلوي ذو احتساب.... ولا يرعى لصاحبه ذماما
لبستم في ظلام الليل درعاً.... مخافة بأسنا لستم كراما
نجوتم من مخالبنا ليوم.... ترون أخفة الموت الزؤاما
تهيوا للَّقاءِ ولا تحيدوا.... فإن لنا بلقياكم غراما
ستصبحكم بها شعث النواصي.... معودة فوارسها الصداما
فنطوي الأرض طياً كيف شئنا.... تهامتكم وتنأمها السناما
فكم من وقعة دارت عليكم.... تركنا المحصنات بها أياما
[وكنتم بين أيديها ظهوراً.... وكنا نحن خلفكم سهاما]
كيوم فشال أيتمنا بنيكم.... وقسَّمنا الخزائن والخياما
ويوم تعرقد صلنا عليكم.... وصلنا وسط حوزتكم قياما
ويوم زبيد خيمنا عليها.... وأقعدنا معاقلها القياما
وأخربنا المساكن حين كنَّا.... بدار الكفر لا نهوى المقاما
دعوا هذا التجلد واستعدوا.... نراكم عن مقاصدنا نياما
سننقض عهد مُلْكِكُم قريباً.... وننثر بالضبا ذاك النظاما
ولن تجدوا لما انحل انعقاداً.... ولن تجدوا لما انتثر انتظاما
وخذها تحمل الأعذار منَّا.... إليكم لا التحية والسلاما

مخبرة تطرق أرض الجبر والتشبيه، منحدرة من سماء العدل والتنزيه، تهادى إلى عدينة كالعروس، وتنزل على أهل الضلالة بالبؤس، قامعة لهم لا يملكون دفعها، وواقعة عليهم لا يستطيعون رفعها، كيف رأيتم صنع الله يا معشر الأحزاب يوم أمعنتم الهرب من إرياب، هل جعل الله كيدكم في تضليل! وردكم مشتملين على غير الجميل! وهل أراكم الأسد في الأغيال، تستكفي بالزئير في طرد البغال! [للغنم] بأوباش حطبت بليل، وفراش جمعت من غثاء السيل، ونزلتم تسحبون ذيول الخزي والعار،:{ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ } [الحج: 72]، غرَّكم عن سموم ا لهواجر نسيم الباكر، ومكرتم والله خير ماكر، وخرجتم من بيوتكم بطراً ورئاء الناس، وتحزبتم لطمس الدين ورفع منار الظالمين الأرجاس، {وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شيئاً وَلَوْ كَثُرَتْ } [الأنفال: 19]، {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} وبذلتم أموالكم للذين يخوضون ويلعبون، وستنفقونها ثم تكون عليكم حسرة ثم تغلبون حسدتمونا الشرف، والحسد شر خيم، وبغيتم علينا والبغي مرتعه وخيم، لا جرم [إذا] اقتطعتم دون بلوغ الأمل، وشر ما رام امرؤ ما لم ينل، قد رجعتم لظهر المخازي الأملس، وفررتم والفرار بقراب أكيس، ذهبتم بين سمع الأرض وبصرها، لا تدرون ما تطأون من حجرها ومدرها، فيا لها من أحدوثة بالخزي والعار ملوثة!! ألبستكم من الذل أي لباس، ووسمتكم بسمة تعرفون بها في الناس، فلئن أفلتم بجريعات الأذقان، لقد بلغت بأفئدتكم الخفقان، ولأن أنجاكم من هذه جواد الركض، فما أنتم بمعجزين في الأرض، كلا

لا وزر يعصمكم من النكال، ولا مخرج لكم من دائرة الوبال، صرح الشموس ناجزاَّ مناجز، فليس لكم والله من بأسنا حاجز، [لندخلن إن شاء الله عليكم الباب]، ولنضربنَّ حول بيوتكم القباب، وليعلمن المترف عند إرغامنا لأنفه أنه كالباحث عن حتفه بظلفه، فلقد غرتكم الأماني والطمع، كما تجشى لقمان من غير شبع، وجاء بكم من جرف الهلاك يسير، كالحادي وليس له بعير، معتمداً على الأموال والفيلة، [عاد بقرمله] غازياً لنا، وأول الغزو أخرق، ومستهيناً بنا، والمستهين بعدوه أحمق، فلئن جاءنا وهو ينغض مدروبه لقد قهقر عنا ترنف روانف أليته، وكان كما قال أهل الأدب في مثله: أفلت و أنحصَّ الذنب، أيها المغتر بالأحلام، لا تغتر، كذا كل مجر في الفلاة يسر، ما خفي عنك، إن الشمس في السماء لكن ترد غداة غب عند أمر من ظمأ، أتحَّكم علينا هوسك برد داود، وستحجل كما حجل في القيود، و تتوقى الذم وأنت كاسبه وصاحبه، وكيف تتوقى ظهر ما أنت راكبه، وتطير بنا في انقلاب الزمان وأنت بذلك على نفسك جان، يداك أوكتا وفوك نفخ، ومركبك في بحر الخذلان رسخ، وقل من يقف عند منزلته ورتبته، كما أبى العبد أن ينام حتى يحتلم بربته، قد سبقكم إلى الحسد لنا معاوية، وخلفه في كل عصر [لنا فيه] باغية، فانخرطتم في سلك النواصب والفجار، فأنتم لنا في الحسد سواسية كأسنان الحمار، ما يضر الشمس طنين الذباب، ولا ينجس عباب البحر بول الكلاب، نحن أقطاب الحق وعلينا يدور لولبه، وإلينا ينتمي المجد وبنا يشرف كوكبه، ونحن أهل السبق في كل فضل وكمال، ولكل مكرمة في الأنام إلينا مآل، قد جعلنا الله لشخص

الفخار قمة، واختارنا للقيام بأمر هذه الأمة، وخصَّنا من المفاخر بالحظ الأسنى، وجعل لنا [من] الشرف لفظاً ومعنى فمبغضنا بالنَّص منافق، والمناوئ لنا على الدين مارق، ليس لأحد صلاة إلا بذكرنا، ولا ورود على الحوض إلا بإذننا، قد جعلنا الله باباً لحطة فمن لم يدخله فإنما أهمل قسطه، لن يضل من تمسَّك بنا أبداً، ولن يجد الغريق عن سفينتنا ملتحدا، أذهب الله عنَّا الرجس وطهَرنا تطهيراً، وجعل منَّا سراجاً وقمراً منيراً، فبنا يميز الهدى من الضلال، وفينا يهلك الغالي والقالي، وبنا هدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ}[الحج: 3] فرقتنا بحمد الله الفرقة الناجية، وعصابتنا العصابة الهادية، وعلماؤنا عدول كل سلف، وأئمتنا الخلفاء في كل خلف، يتصل إسناد مذهبنا بجبريل، ويشهد بصحة عقيدتنا محكم التنزيل، وأنتم [كالغنم] تتبعون كل ناعق، وتهرعون بين يدي كل سائق، تأخذون دينكم في دين الله عن أفواه الرجال، مذبذبين بين يمين وشمال، إنكار المنكر فيكم منكر، والمعروف بين أظهركم لا يذكر، جاهلكم لأمانته خائن، وعالمكم في دين الله مداهن، وأعلى مراتبكم الرقص والتصفيق، وأمثلكم طريقة في بحر الغواية غريق، وإمامكم فيما نسمع مثلوم الجناب، قد آذن من كل خير بذهاب، يصر وأنتم تعلمون على ارتكاب المحرم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة : 206]، وله في مذاهب

الحماقة فنون، [وفيه من حب السفاهة جنون]، وسيعلم متبعوه ذل مقامهم يوم يدعو كل أناس بإمامهم، هذا ولكم في كل بدعة في الدين أمير ممن {يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُنِيرٍ}[الحج:8] قد سلكتم في كل ضلالة منهجا، اتباعاً لقوم يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، لا يصيح بهم إلى الغي صائح إلا استمعوه، (({وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ } [سبأ:20]،{إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ، فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} [الصافات: 69،70]، قلدتم ابن أبي بشر دينكم المدخول، وتركتم سفن النجاة وسلالة الرسول، وتسميتم بأهل السنة والجماعة من الوقاحة وكثرة الخلاعة، وتمسكتم في مخالفتكم بالقرآن، وقد علمتم أنه لا يفارقهم حتى يردوا الجنان، فكيف تمسَّكون [بكتاب الله؟ !] يا أيها الجهال، ومذهبكم يقتضي أن يكذب في المقال، ألستم تجوزون القبيح على الله، فما دليلكم على نبوة أنبياء؟ أليس مذهبكم التجويز والجبر، فاخبرونا ما معنى النهي والأمر، ألستم تدفعون قضايا العقول فأين تذهبون [عنه] عند تعارض المنقول؟ أليس دليل السمع هو المقدم فيما تميزون بين المتشابه والمحكم؟ أليس قد أجبر على فعله العاصي والطائع؟ ! فما الثمر في إرسال الرسل بالشرائع؟ أليس قد فعل الضلالة والاهتداء؟ ! فما معنى قوله: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى }[الليل:12]؟ ! أليس عبادة الأوثان عندكم قضى بها الله؟ ! فما معنى قوله:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ }[الإسراء: 23] أليس لا

تصح من فاعل القبائح؟ ! فما الفائدة في الصلاة ونحوها من المصالح؟ ! أيحسن دعاء المقعد إلى الطيران؟ ! أو تكليف الأعمى ينقط القرآن؟ ! أليس لا قدرة على الطاعة إذا لم تكن معها [إستطاعة]؟ ! فما معنى قوله:{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا }[البقرة: 286] أليس الشرك بالله من القضا؟ ! فَلِم لا يجب عليكم الرضا ((فكل ميسر لما خلق له ))، تتمسكون؟! ففسروا: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }[الذاريات: 56] وأظهروا الفرق بين الصور والألوان، وبين الكفر والإيمان، إذا كان ذلك [كله] فعل الرحمن، ولا فعل فيه لإنسان، وهل الكسب شيء فعلتموه، أو فعل فيكم، والأول عكس ما قلتموه، [والتالي] لايجديكم وزعمتم أن الله يصد عبيده عن فعل الجميل، {ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ}[الأحزاب: 4] وقلتم: يجوز أن يغوي عن الرشد عبده :{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ }[الزمر: 60] فقد حكى الله عن موافقيكم في المعنى : {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا }[الأنعام: 148] ثم بيَّن بطلان قولكم وقولهم، فقال: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ }[الأنعام: 148] ألستم تلهجون بالقدر في كل قضية؟! فلم لا تكونون أنتم القدرية؟! وكيف يكون الاسم للنفي لا للإثبات؟ يا أرباب الغواية والهنات؟! ألستم تقدرون في مخالفة الشيطان، فأنتم شهود الزور و خصماء الرحمن، ألستم تذمون

على مالا تطيقه النفوس ؟ فذلك مذهب إخوانكم المجوس، لقد ثلثت النصارى و ثنيتم، وأجملت المانوية وبينتم فيما تبطلون القديم الثاني، إذ قلتم بقدم المعاني، ولم استغنت صفة الوجود عن المعنى، ولم يشاركها سائر الصفات في الاستغناء؟! وإذا أدرك تعالى [عن ذلك] بإدراك الأشعرية، وسادسه ضرار، فما معنى قوله:{ لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ }[الأنعام: 103]، ولم يجوز عليه الصعود والانحدار، وقولكم إن ذلك غير معقول ليس بمسموع منكم ولا مقبول، ولو جاز أن يرى رؤية غير معقولة، لجاز أن يشتهي شهوة مجهولة، وذهبتم [إلى] أن الله لكل شيء مريد، فبمَ تفرقون بين الأمر والتهديد؟ ! وإذا أراد قبائح العباد التي فعلوها، فما معنى {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً}[الإسراء: 38]؟ ! وإذا أراد عدوان المعتدين وظلم الظالمين فما معنى : {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ }[آل عمران: 108]؟ ! وإذا أراد منكم البغي والعناد، فما معنى [قوله] : {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ }[البقرة: 205]؟ ! ولم لا يكون مطيعاً من فعل ما أراده المطاع، ويستوي في الذم والمدح من عصا وأطاع؟ وإذا جاز أن لا يثيب على الأعمال، فمن أين توجه التكليف على كل حال؟ وإذا كنتم على جواز التعذيب من غير ذنب شهداء، فما معنى قوله: {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً }[الكهف: 49]؟ ! وإذا كان تعذيب من لا ذنب له غير ظلامة، فما معنى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ }[الأنبياء: 47]؟! وإذا أجاز أن نأخذ الأطفال بذنوب آباءهم

والأمهات، فقد ثبت الظلم، ولا تعريج على العبارات، وكيف يعاقب الطفل بمعاصي أبيه، ولا يثيب الأب بطاعات بنيه؟ وإذا كانت الشفاعة للفجرة والفساق فما معنى: {أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ }[الزمر: 19] وإذا لم يكن بين الطائع والعاصي فرقا، فما معنى آخر سورة الفرقان؟ وإذا كان الفاسق بالمؤمنين لاحقاً، فما معنى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً }[السجدة: 18]؟ وإذا جاز أن يخلف الله في الوعيد، ففسروا : {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ}[ق: 29] وإذا لم يكن هذا القرآن هو كلام الله، وجب أن يكون كلام منكم سواه، ولو كان موجوداً في الأزل كما زعمتم، لما كان مرتباً في الوجود كما علمتم، ولو ثبت معنى لقولهم في نفسي كلام، لثبت أيضاً لقولهم في نفسي القيام، فإذا ثبت أنه فيما لم يزل كلاماً، فما الذي يوجه به {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً } [هود: 17]؟ وما معنى [قوله] {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ }[التوبة: 6]؟ ما الذي كان يسمعه المطيعون والعاصون؟ وأخبرونا [يا ذوي البصائر والفكر] ما معنى ((كان الله ولاشيء ثم خلق الذكر))؟ وما معنى آيتي الشعراء والأنبياء ؟ فأنتم تزعمون أنكم في علم التفسير أمراء إكشفوا عن معنى ذلك وحقائقه، وإلا فكلوه إلى خالقه،إذا كانت الإمامة بالعقد والاختيار، فكيف أوقعتم الاختيار على غير المختار؟ أوكانت عندكم بالإجماع، فأي أئمتكم لم يقع فيه نزاع؟ أو كانت بالسابقة في الإسلام والفضل، فنحن في ذلك أهل العقد والحل،

وإذا كانت بالنص من الله والنبي فإلينا يتوجه جليه والخفي، ثم إن من عجائبكم المضحكة النادرة وفضائحكم السيئة الظاهرة، أنكم تنفون ما عدا البرهان والخطاب، ومشائخكم ضعفوا عن البيان، وتسقطون الاستدلال بالاستقراء، [وكل دليل لكم بالعموم معرّى] وتعيبون علينا قياس التمثيل، وتعتمدون على السفسطة والتخييل، تتبعون الموجودات والوهميات، وتسمونها مسلمات أوليات، وتقسمون علم العقل إلى أولي، ومشهور زعمتم ليس بالجلي، مقالات أخذتموها عن أرسطاطاليس، وعقائد شيخكم فيها إبليس، [لتهجمنَّ] بكم طرق الغواية على النار، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار.
وقال الفقيه يحيى بن حسن المذكور [-رحمه الله تعالى-] يهنئ الإمام صلاح بقدومه إلى صعدة [ويمدحه]، ويهنئ أهل صعدة بذلك :
بقطعه يعرف الصمصامة الذكر.... وبالضيا والتسامي فُضِّل القمرُ
وبالبسالة حاز الليث مرتبة.... على النعاج وفاق الثعلبَ النمرُ
والناس يفرق عند الخطب بينهم.... وإن تشابهت الأشكال والصورُ
تراهم العين طف الصاع كلهم.... وإنما يعرف العالي إذا اختبروا
كالألف واحدهم إن نابه خطر.... ودونه الفهم إن ما نابه خطرُ
بالعزم يستوفي الأوتار طالبها.... وباطراح الهوينا يدرك الوطرُ
لا ينثني العز إلا بالسيوف كما.... لا يستقيم بغير الأرجل السررُ
لولا حسامك يا ابن الشم من مضر.... ما كان في عين دين المصطفى نظرُ
بيَّنت منهاجه للسالكين به.... من بعد ما كان لا عين ولا أثرُ
أطاعك الدهر في الأعداء فحل بهم.... من جندك القاطعان السيف والغيرُ

وسقت من مال عمداً بالسيوف كما.... تساق بالسوط نحو الردهة الحمرُ
ودست هامات أهل البغي فانصرعوا.... قتلى ومأواهم من بعد ذا سقرُ
أنهلت حد السيوف المرهفات دماً.... من أنفس غرها من بأسك الغررُ
نعم كذا يدرك الأوتار طالبها.... ويدرك الثأر من فيه له وطرُ
لا عز إلا لمن كانت مضاربه.... لحادث الدهر لا تبقي ولا تذرُ
من جندك الرعب إن حاولت كائنة.... يا ابن الرسول ومن عليائك الظفرُ
قضى لك السعد والأيام شاهدة.... فصار يجري على ما تشتهي القدرُ
شققت بالعزم قلب الدهر من فزع.... فينتهي حين تنهاه ويأتمرُ
جاوزت شأو المعالي غير مكترث.... وأكثر الناس عن آياته قصروا
وقمت لله تبني الدين محتسباً.... حتى استقام ونار الحرب تستعرُ
سللت عزماً كسيف الهند منصلتاً.... لا يستقيم له عود ولاحجرُ
فانحطَّ للحق من في أنفه شمم.... وخَّر للوجه من في خده صعرُ
وانقاد خوفاً ملوك الأرض عن طرف.... ودان كرهاً لك البدوان والحضرُ
نشرت في الأرض ثوب العدل وابتهجت.... وزال بعد العنا عن جفنها السهرُ
فكل دار على الدنيا نزلت بها.... فللعلى حولها حجُّ ومعتمرُ
قد سالمت نوب الأيام جانبنا.... لما قدمت وجاء الدهر يعتذرُ
أهلاً إمام الهدى والعدل لا برحت.... لنا بمقدمك الخيرات تنتشرُ
أنارت الأرض واخضرت لو طأتكم.... كأنك الغيث فوق الأرض ينهمرُ

يا أهل صعدة بشراكم بمنيتكم.... هذا الذي كان في الأزمان ينتظرُ
هذا ابن فاطمة هذا ابن حيدرة.... هذا الفؤاد وهذا السمع والبصرُ
هذا الإمام الذي فزتم بطاعته.... هذا الثمال وهذا الكهف والدررُ
قد جاء ممتطياً ظهر العلا سحراً.... في صورة البدر إلا أنه بشرُ
أغر أبلج مثل الشمس طلعته.... مقابل الأصل ما في عوده خورُ
إمام حق زكي من بنى حسن.... جاءت بمدحته الآيات والسورُ
بالله معتصم بالله منتقم.... لله مصطبر بالله منتصرُ
في تاجه قمر في لفظه درر.... في سيفه ظفر في كفه مطرُ
وشامخ من بني الزهراء ممتنع.... تأوي إليه المعالي وهي تفتخرُ
وبحر علم إذا ما الحجة انعقدت.... وليث صدم إذا ما ابتلت العذرُ
يجل أن تبلغ الأوصاف منه مدى.... وتحتوي شرح مأثوراته الزبرُ
يا حجة الله في الدنيا ونعمته.... ومن به وبحول الله ننتصرُ
جَّرد من الحق سيفاً يستضاء به.... واضرب به فرؤوس البغي قدكثروا
كدأب أهل اللجام إصنع بغيرهم.... منك الشفار ومن أعدائك البقرُ
أنزل بأهل الخنا ما كنت تنذرهم.... وقع السيوف فلم تنفعهم النذرُ
في هذه الأرض من خولان طائفة.... قد طال في الدين من تلقائها الضررُ
وقد جروا في طريق البغي جهدهم.... ولو نظرت إليهم نظرة عثروا
لا يستقم بغير السيف أمرهم.... كالعير ليس بغير العود يزدجرُ
هم خالفوك إلى غير الهدى بطراً.... فلقهم غب ما يأتي به البطرُ

باعوا جميل الوفا بالغدر فاجزهم.... فالمكر بالمكر عند الله مغتفرُ
هم يحسبون بناء الخطم يمنعهم.... هيهات لا ينجين من بأسك الحذرُ
قد جاءهم خبر عن يوم إخوتهم.... لكنه ليس مثل المخبر الخبرُ
فاسطر من الحق والمعروف ما طمسوا.... واطمس من الباطل المذكور ماسطروا
ذكرهم زمن الهادي وصولته.... في زجره الغي والإلحاد يدَّكروا
صيرهم مثلاً يجري الزمان به.... فيه لأهل النهى ذكرى ومعتبرُ
يا طالما طلبوا للدين غائلة.... وحاولوا وضع عاليه فما قدروا
فاصنع لهم من ثبات العزم واقعة.... تطوي من الظلم والعدوان ما نشروا
واعطف بسطوة ليث ليس يعطفه.... عن صيده الناس إن قلوا وإن كثروا
ودم لهذا الورى كهفاً ومعتصماً.... ما هبت الريح أو ما أورق الشجرُ

فصل فيه ذكر مولده ووفاته –عليه السلام- وموضع قبره
[مولده في شهر صفر سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، ودعا في ظفار سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وتوفي في القعدة سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة] ودفن بمسجده [المسمى] القبة بصنعاء، وأمه الشريفة دهماء بنت إدريس من ذرية المختار، من أولاد الهادي [–عليه السلام-].
وأما ما ملك من البلاد فإنه ملك من المدن ذمار وصعدة، ثم افتتح صنعاء في سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وكانت لبعض الأشراف آل يحيى بن حمزة، وقهر أهل بلاد اليمن الأقصى، وغاداهم وراوحهم بالمغازي، فوصل زبيد، وعدن، والمهجم وحرض.

[ذكر بني رسول]
ولهذا قال السيد صارم الدين: عجَّ الرسولي منها في ممالكه.. البيت، والمراد بالرسولي هنا هو: إسماعيل الأشرف بن الأفضل العباس بن المجاهد بن الملك المؤيد داود بن المظفر يوسف بن الملك المنصور عمر بن علي بن رسول محمد بن هارون، يقال: إنهم من التركمان، وأما هم فيدعون أنهم من ذرية جبلة بن الأيهم، من ملوك حمير وغسان، ولم تزل دولتهم في اليمن حتى انقرضت بدولة بني عامر في سنة خمسين وثماني مائة [سنه] آخرهم الملك المسعود مات مشرَّداً في بلاد الحبشة أو غيرها، وكان ابتداء تملكهم لليمن في دولة الملك المسعود يوسف بن الملك الكامل من بني أيوب ملوك مصر، وقد ملك اليمن في صفر من سنة أربع وعشرين وسبعمائة، فعاد إلى مصر في ربيع الأول من هذه السنة، واستخلفهم (في اليمن، فملكوها) من ذلك الوقت، وسمي أبوهم رسولاً؛ لأنه كان أميناً في دولة بني أيوب في الديار المصرية، يختلف في حوائجهم في تلك البلاد، وكان الإمام صلاح، قد دوَّخ بلادهم وأخربها، وحمل من أبواب زبيد وغيرها إلى بلاد الزيدية أشياء كثيرة، حتى روى لي بعض الأصحاب: أن مقدمة من القرآن فاخرة غنمها فقيه من أهل يسنم، وأنها باقية بأيدي ورثته عندهم إلى تأريخ كتابة هذه الأسطر، وكذلك ذكر لي بعضهم: أن الشباك الحديد الذي فوق بيت من بيوت مسجد الهادي، وهو مركب فيه إلى جهة المطراق شامياً من بعض بيوت قرى زبيد، وذكر لي هذا الراوي: من شدة تقوي هذا الإمام وقهره للخاص من الجبرية والعام، ما لو وضع في كتاب كبير لجاء مصنَّفاً مستقلاً فضلاً عمَّا ملكه من بلاد الزيدية، وشاد معالمه

من مذهب الفرقة العدلية، فجزاه الله عن حياطة مذهب آبائه الجزاء الأوفى، فلقد قام بما اشترطوه من صلاح البلاد والعباد ووفى، وما زال على ذلك في أكثر مدة والده وبعدها حتى اختار الله له قرب جواره، بعد أن بلغه من كل شيء خير أوطاره، فقبضه إلى رحمته فقيداً [فعاد] حميداً سعيداً شهيداً، شرع به المرض في بعض غزواته إلى بلاد حجة، فكاد أن يصح من ذلك، ثم عاوده، فتوفي في صنعاء، فكتم أهله موته، واتخذ له تابوت، وجصص عليه بقي فيه قدر شهرين، كما سيأتي في سيرة الإمام المهدي أحمد بن يحيى، وكتب خواصه إلى صعدة إلى القاضي عبد الله بن حسن الدواري كتاباً لطيفاً أبهموا فيه العبارة، بأن قالوا: وبعد.. فقد، وكيف، و ما، ويا، فلما وصله الكتاب خرج إلى صنعاء في جماعة من الأعيان شُرَفاً وعرَباً فكان ممن وصل من صعدة ترجيح نصب ولد الإمام، [وهو] علي بن صلاح كما سيأتي، والذي ظهر لي وبلغني أنه –عليه السلام- خلَّف من الذرية ذكرين:
أحدهما: علي بن صلاح، تولى بعده فلما مات علي سنة أربعين كما سيأتي، خلفه ولده محمد بن علي قدر أربعين يوماً، فتوفي.

والولد الثاني للإمام صلاح اسمه: الحسن أظنه ما خلَّف ذكراً، لكنه خلَّف الشريفة فاطمة بنت الحسن، وكانت من الشرائف الكاملات، ملكت أولاً صنعاء و أعمالها، فما استقام لها أمر هناك، فنقلت إلى ظفار، فملكته مدة، وكذلك صعدة وحصونها، وقامت مقام أبلغ رجل من الملوك، نظمت أمر صعدة، ونجران، والظاهر، وتزَّوجها الإمام صلاح بن علي بن أبي القاسم، رزق منها ولداً ذكراً كما سيأتي، ثم أزالها من صعدة ونواحيها حي الناصر بن محمد، ونقلها إلى صنعاء، فماتت فيها، وقبرها هناك، وانقطع أولاد [الإمام] صلاح بن الإمام المهدي علي بن محمد من الذكور والإناث بموتها، ثم بموت ابنتها، وهي بدرة بنت محمد بن علي بن صلاح [كما سيأتي] فهما ماتا في مدة متقاربة، ولم يبق فيما اعلمه إلا من بقي من أولاد بنات البنات، مثل ورثة بعض أولاد الناصر، وورثة بعض أولاد الإمام المطهر بن محمد بن سليمان، وورثة السيد يحيى بن صلاح، {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }[يس: 83].

[ذكر الأئمة الثلاثة الذين تعارضوا في عصر واحد]
وكان بعد صلاحٍ من حوادثها.... بحر اختلاف عظيم هائل خطرِ
قام الإمام علي بعد والده.... وأحمد بعدُ والهادي على الأثرِ
وذاد عن مذهب الهادي أبو حسن.... وسعي أحمد فيه سعي معتبرِ
هذا إمام جهاد لا امتراء به.... وذا إمام اجتهاد ثاقب النظرِ
[وابن المؤيد نور يستضاء به.... ومنهل للندى أندى من المطرِ]
وكلهم سادة غر غطارفة.... بيض بهاليل فرَّاجون للعكرِ
والله يصفح عن من قد أتى زللاً.... فلن ترَ في البرايا غير مفتقرِ
وكل عبد إلى مولاه مفتقر.... عند الفريقين أهل العدل والقدرِ

معنى هذا البيت الأخير: أن أمة محمد ً مجمعة على أن جميع العباد مفتقرون أي محتاجون إلى الله تعالى؛ لأن جمهور الأمة إما عدلية، أو جبرية، وهم القدرية على الصحيح من مذهبنا، إذا ثبت هذا فاعلم أولاً: أن السيد صارم الدين قد ذكر في هذه الأبيات ثلاثة من أئمة الهدى –عليهم السلام- تعارضوا في زمن واحد، وقطر واحد، ومذهبهم واحد، ورمز إلى أن فيهم من هو مقتصد بقول : والله يصفح عمن قد أتى زللاً، إشارة إلى مضمون الآية الكريمة التي يقول فيها: {وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ }[فاطر: 32]، وإذا قد ذكر السيد أسمائهم جملة فلتقع الإشارة إلى طرف من تفصيل أحوالهم، وقد تردد النظر مني في البداية [بذكر أيهم] ؛ لأن في كل واحد منهم ما يمكن جعله مرجحاً لتقديمه، إما تقدم مولد أو وفاة أو غير ذلك مما لا يخفى وجهه على [من له] أدنى لموح إلى هذه المعاني، فرأيت أن أقلَّد السيد صارم الدين، وأبدأ بما بدأ به في منظومته كما [قد] قلَّدته فيما تقدم من سيرة الإمام يحيى بن حمزة –عليه السلام- وذكر من معه.

[أخبار الإمام المنصور علي بن صلاح بن علي (ع)]
فأقول: أما الإمام علي فمراده به المنصور [بالله] علي بن صلاح بن علي بن محمد المتقدم ذكرهما والمنتشر في الأمة فضلهما، وكان مولده في سنة خمس وسبعين وسبعمائة، وأمه غزية من غز ذمار بنت الأسد بن إبراهيم، فنشأ في حجر الخلافة، وتحلى بحلي العبادة والعفافة، واتسعت مملكته، وعظمت شوكته، وقهر السلاطين، وأباد الملحدين في الدين، وشاد دعائم المذهب الشريف، وأقام أركان الدين الحنيف، واعترف بفضله الموالف والمخالف، واكتسى من حسن الصيت أبهى الحلل والمطارف، وشغف بالصيام والقيام، واكتحل السهر في حنادس الظلام، وعمرت بحسن سيرته أمصار الهدى وبواديها، وأمنت بظهور هيبته السبل، وأنست نواحيها، وأطاعه مطيع الأمة وعاصيها، وانفتح له معاقل البلاد اليمنية وصياصيها، وجبرت زيادته في إحياء معالم الدين، والعدل والجهاد، ما فاته من دقائق علم الاجتهاد، وما أخطأت فراسة المتفرسين فيه وناصبيه بعد موت أبيه، كما أشار إليه مولانا الإمام عز الدين -عليه السلام- في مصنفه وهو (العناية التامة بتحقيق مسائل الإمامة)، وساق ما ذكره أهل مذهبنا وغيرهم في ذكر إمامة من ليس بمجتهد، فقال ما لفظه: [قلت] : والذي يظهر لنا والله يحب الإنصاف أن فراستهم فيه صدقت [في هذا المعنى] -يعني الجماعة الذين نصبوا المنصور علي بن صلاح، وسيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى-.
قال: وأنه بلغ في إحكام السياسة وأحكام الرئاسة والاستقلال بالنظر في الأمور وحسن المباشرة لها مبلغاً عظيماً لا مطمح وراءه.

قال: وقد كانت له العنايات الجليلة في المقامات الجميلة في حرب سلاطين اليمن، ونكاية الاسماعيلية، وإجلائهم من المعاقل العظيمة، وغيرهم من الظلمة مالم يكن لأحد غيره، وكان له من محامد الصفات ومحاسن السمات مالا خفاء به. انتهى.
فهذا كلام هذا الإمام استشهدت به لما كان مطابقاً للمقام، ولأنه كالحجة في موضع النزاع والخصام ؛ لأنه سبط لأحد الثلاثة الذين [تجاذبوا هذا الزمام]، وقد صرَّح بما يدل على حسن خيمه، وإنصافه من غير تلعثام، ولا تعصب كعادة الأغمار الأفدام، فإذا رضي بهذا الحكم المرتضى فبقية اتباع العترة إليه أصخ وبه أرضى.

فصل: اعلم أن هذا الرجل كان في عصره وحيداً، وفي جهاد الجبرية والباطنية ركناً مشيداً، رزقه الله من الكمال والإقبال ما قرَّبه من الزيدية البال، وحسن من معارضيه إليه الإجمال والاحتمال، لما رأوا تصلبه وتسلطه على من يحاول لمذهبهم النقص والإبطال، فإنه فتح ثلا وهو من الحصون المعتبرة الذي لا تنال، ولا يمكن حصرها، ولا الإستيلاء عليها إلا بعد أعمار طوال، وهلاك أرواح وأموال، وكذلك ذي مرمر فإنه حاصره حتى أخرج [منه] أهله بني الأنف في شهر شعبان من سنة تسع وعشرين وثماني مائة سنة، وأول ما حط عليهم فيه في بواقي ثلاثة أيام [من شوال] من سنة ثماني وعشرين، فتكون مدة المحطة سنة وثلاثة أشهر، وفي أيامه كسفت الشمس كسوفا ما قد عهد، حتى رؤيت النجوم معه نهاراً، وذلك في شهر شوال من سنة سبع وثلاثين، ثم تعقبه برد عظيم في هذه السنة، ولما كانت المحطة على ذي مرمر كما تقدم، وخاف ابن الأنف الاستئصال لقلة شحنة الحصن كتب إلى علي بن صلاح بشعرٍ يستعطفه فيه، أوله:
ألا هل فتى مثل السمؤل يوجد.... يناط به حبل العهاد ويعقد
وقد كان تعب عسكر علي بن صلاح، فهم بعد [سماع] هذا الشعر بعقد ذمة بينه وبين الاسماعيلية أهل الحصن المذكور، ورفع المحطة، فكتب إليه الفقيه أحمد الشامي من صنعاء، وكان شاعراً مفلقاً يكره الاسماعيلية، وغيرهم من أعداء أهل هذا المذهب الشريف، وحثَّه بهذه القصيدة على مداومة الجهاد والحصار لأهل الزيغ والفساد، فقال:

ما أنت أول من أراد رحيلا.... عن فرقة لا يهتدون سبيلا
قد همَّ غيرك بالرحيل فلامه.... قوم وحمل الذم صار ثقيلا
أترى جنود الله قد حشدت إلى.... ذي مرمر يأتون جيلا جيلا
متبادرين إلى الجهاد كأنهم.... أسد قساورة تحل الغيلا
ما فل حد العزم منهم سمكه.... في الحق لما أن رأوه طويلا
ومن الملائكة الكرام طوائف.... قد أكثروا التسبيح والتهليلا
وتخللوا بين الصفوف بشارة.... للمسلمين وقدَّموا جبريلا
لجهاد أكفر فرقة في رأسه.... في الدين واعتذروا بإسماعيلا
قد بدَّلوا دين الهدى تبديلا.... وكذلك التوراة و الإنجيلا
أخذوا عن القداح ما قدحوا به.... رب السموات العذاب وبيلا
ونفوا كلام الله في فرقانه.... كالطور دُكَّ لآل إسرائيلا
لولا خصائص حكمه لأذاقهم.... صاروا بمكة يتبعون الفيلا
ولدكت الغايات من أركانه.... ألقين فوق رؤوسهم سجيلا
ولأشبهوا أبطال أبرهة الأولى.... وأراهم التحريم والتحليلا
فأتتهم الطير الأبابيل التي.... فكفاهم المنصور ذلك عاجلاً
لكنه فرض الجهاد على الورى.... حد الحسام على القيام كفيلا
وأعز دين الله واستعلت به.... سنن الرسول وشرَّف التنزيلا
قد سد ثغر الباطنية وانتضى.... سيفاً على مرَّ الزمان صقيلا
أردى به ناموس كفرهم الذي.... خدعوا به الغوغاء فخرَّ قتيلا
فاليوم أشبهت الليالي صبحها.... فرحاً وطرف الدهر عاد كحيلا
تلك المكارم حازها ثم التقى.... فخراً عريضاً في الأنام طويلا
في ذروة المجد التي ما رامها.... طرف رنا إلا وعاد كليلا

رفع اللواء وجيشه ألوى على.... (ذي مرمر) وأناله التنكيلا
قد أيقنوا بالموت في ذرواته.... لما رأو فيه الطعام قليلا
أعمارهم مقرونة بنفاده.... فإذا انقضى لم يرتجوا تمهيلا
لولا الأماني أنهم يعطونه.... مالاً يُدَّس به إليه جزيلا
ويسلمون حصونهم ليخلصوا.... حصناً عظيماً في النفوس جليلا
ما جادت الدنيا بحصن مثله.... هل تتطلبنَّ على النهار دليلا
قال الخليل الصلح، قلت: خديعة.... يا ليتني لم أتخذك خليلا
أو ليس رأس القوم في يد ضيغم.... لا يرهب الترجيف والتهويلا
هذا وقد بلغ الجزاير فعله.... سيحونها وفراتها والنيلا
ما ذا يقول الناس في الدنيا بمن.... ولىَّ فأعقب فعله تبطيلا
إن لم يسد الجيش جملة أرضهم.... فلها الرواجف بكرة وأصيلا
لو أخلص النيات كل مجاهد.... لله عجَّل نصره تعجيلا
فاصبر فعند الصبر نصر عاجل.... واجعله في كل الأمور جميلا
واصرف زمانك في الجهاد مصمماً.... والله حسبك فاتخذه وكيلا

وكان هذا الفقيه أحمد الشامي، نقمة على الاسماعيلية، لا يكفَّ عن الإغراء بهم، ولما ملك المنصور علي بن صلاح ذي مرمر، كما تقدم، ونوى الخروج إلى بيت غفر، وجربان، من بلاد همدان كتب إليه أيضاً في هذه السنة المذكورة هذه القصيدة الفريدة:
سلا عن أمور الباطنية من يدري.... يحدثكم بالسر منها وبالجهرِ
لقد أظهروا الدين الحنيف وأبطنوا.... من الكفر ما يخلي السحاب عن القطرِ
وكم قائل لي كيف كفَّرت فرقة.... على ملة الإسلام في ظاهر الأمرِ
فقلت له إجماع أمة أحمد.... وإجماع أهل البيت دلاَّ على الكفرِ
وأخبار أعلام الأنام تواترت.... على كفرهم فاعلم إذا كنت لا تدري

ولولا لهم علم التواتر ما دروا.... بوجدان قرن أونبي إلى الحشرِ
هم انتحلوا دين المجوس سفاهة.... وقدجعلوا الإسلام للكفر كالسترِ
ويشهد ما خطوه في كل دفتر.... بهذا فهل للباطنية من عذرِ
فمن كان ينفي الكفر عنهم فإنه.... يغطي على الشمس المنيرة والبدرِ
ألم يهدموا الإسلام حين تمكنوا.... على الملك واستولوا على البحر والبرِ
سآتيك من أنباء تلك بنبذة.... وإن كان في أخبارهم غاية الكثرِ
تظهر ميمون المجوسي بدعوة.... ولُقِّب بالقداح في ذلك العصرِ
وتأريخه سبع وسبعون حجة.... مع مائتي عام تماماً سوى شهرِ
وأولاده كانوا أئمة وقتهم.... وقد ملكوا دست الخلافة في مصرِ
فأما عبيد الله مهديهم فقد.... تملك إفريقية الغرب بالقهرِ
وفي تونس قرت قواعد ملكه.... إلى طنجة القصوى إلى جانب الثغرِ
وكان له في القيروان وقابسٍ.... وقائع في الأعداء أحمى من الجمرِ
أحل دماء المسلمين وسبيهم.... وتحريقهم بالنار والشرب للخمرِ
وأبناؤه في مصر قد ملكوا إلى.... أقاصي خراسان إلى ما ورا النهرِ
وصالوا على أرض العراقين وانتهوا.... إلى مدن الشامات شائعة الذكرِ
حووا مدناً فيها الرياض كأنها.... تلحف فيها الدور بالحلل الخضرِ
فحلوا بها ثم استحلوا عظائماً.... من القتل والتحريق للناس والسكرِ
وقد قلعوا الركن المكرم مرة.... وراحوا به الأحساء من البيت ذي الحجرِ

وهم أحرقوا القرآن عمداً وخرَّبوا.... مساجد كانت للعبادة والذكرِ
فجاهدهم لما تبَّين كفرهم.... ملوك بني العباس من ذلك القطرِ
وثاروا بهم قتلاً بكل مدينة.... فزالوا كما زالت ثمود من الحجر
ولم يبق إلا في قرى الهند منهم.... قليل لتعليم الكهانة والسحرِ
وقد ملكوا صنعاء من بعد صعدة.... إلى عدن قهراً إلى بلد الشحرِ
فلما استقروا أفسدوا في ديارهم.... فناصبهم أهل البصيرة والصبرِ
دعوا وقت يحيى بن الحسين فلم يزل.... يجاهدهم في صعدة مدة العمرِ
له معهم بالسيف سبعون وقعة.... فسائل بها أهل التواريخ والخبرِ
ومن بعد يحيى أحمد الناصر الذي.... له وقعات تصدع القلب في الصدرِ
له في نغاش وقعة ليس مثلها.... وقائع صفين ولا اليوم في بدرِ
وللقاسم الشهم العياني وقعة.... بنجران أفنى شاكراً وبني الصقرِ
وشَّق صفوف الباطنية في الوغى.... كما شق جلباب الدجى فلق الفجر
ولابن سليمان على كبر سنه.... جهادان من قتل ذريع ومن شعرِ
أبادهم في يوم غيل جلاجل.... وفي (سروات القاع) قتلا مع الأسرِ
ومن شيمة المنصور قتل رجالهم.... وملك النساء للعالمين بلا مهرِ
كما اجتثهم بالسيف في أرض صعدة.... وفي (الجوف) و(البونين) قتلاً وفي (نجرِ)
ويكفي صلاحاً في المنقب وقعة.... أباد بها أهل التكاثر والكبرِ
تجلت وقتلاها مئين كثيرة.... قرى الطير لحماً والوحوشات في القفرِ

وقد فتح المنصور بالله أرضهم.... ببيض المواضي والردينية السمرِ
وما زال في أرض القرامط لابساً.... من الله سربال السعادة والنصرِ
إلى أن رقى الشُمَّ الشوامخ وارتقى.... إلى غاية في ذروة المجد والفخرِ
ولكنه قد أسبل العفو عنهم.... وزاد لهم حظاً على الجاه والقدرِ
فقرر في ريعان منهم عصابة.... وفي (ضلع) قوماً كثيراً وفي (ظهرِ)
وما وقفوا في الذل إلا تربصاً.... لأخذ الصياصي بعد حين من الدهرِ
فهلا نفاهم من بلاد كأنها.... رياض من الفردوس أنهارها تجري
ولو قسمت في المسلمين غنيمة.... لكان هو الأولى وأعظم للأجرِ
ولا بد من يوم سعيد مبارك.... له ليلة غراء كما ليلة القدرِ
يسير به الجيش العرمرم لابساً.... سرابيل من نقعِ بألوية حمرِ
فيصدم جرباناً ويقصم أهله.... بني مكرم أهل المكيدة والمكرِ
فهم عمدة الداعي الخبيث وهم له.... سيوف ضباها للعدا أبداً تفري
هم القوم أما حصنهم فهو قرية.... لها جانب سدوه بالطين والصخرِ
وفي رأسه خلق عظيم وما لهم.... طعام سوى ما استوهبوا بيد الفقر
يقولون مكراً إن من رام أرضهم.... يحاصرهم ولَّى قتيلاً إلى القبرِ
وما يعلمون الغيب لكن دهاية.... تنَّجوا بها من صاحب النهي والأمر
وهَبْهُ كبعض الشامخات التي هوت.... إلى قبضة المنصور في ساعة اليسرِ
أبعد ثلا يرجى لحصن سلامة.... و(ذي مرمر)سامي الذرى سامي القصر
وهذا.مان النصر والفرصة التي.... إذا انتهزت آلت إلى الحمد والشكرِ

وقال صاحب ذي مرمر وهو ابن الأنف الداعي، وهو يومئذٍ محصور في حصنه المذكور، قصيدة يمدح بها الأمير الكبير إدريس بن عبد الله بن داود الحمزي، ويمدح الخليفة: علي بن صلاح، فجَّوب عليه الفقيه: أحمد بن قاسم الشامي المذكور يناقض قوله بأنه في الظاهر بمعنى وفي الباطن خلافه، فهذا شعر ابن الأنف:
سلام على الدار التي في عراصها.... منازل قوم لا يذَّم لهم عهدُ
منازل أولاد النبي محمد.... وحيدرة نعم الأبوة والجدُ
فحاتم هذا العصر إدريس ذو الندى.... وأولاده الأملاك ليس لهم ندُ
إذا جئتهم ياصاح فالثم أكفهم.... ولم لا ومن راحاتها يطلب الرفدُ
وهَنِّ لهم بالعيد لازال عائداً.... عليهم بأحقاب وطالعه السعدُ
وقل إن نأى دار وشط بنا النوى.... فودكم لا يستحيل له عهدُ
ولكن عدتنا من لقاكم جحافل.... وهندية بيض وخطية ملدُ
وخيل كأمثال السعالي شزب.... وفرسان هيجاء لباسهم السرد
جنود أمير المؤمنين التي اغتدت.... فضائله في الناس ليس لها عدُ
أحاطوا بنا من كل باب ووجهة.... وصاروا وهم من دون حاجاتنا سَّدُ
ولكننا في شامخ متمنع.... يقصر عنه الشامخ الأبلق الفردُ
ندافعهم بالله جل جلاله.... وجند إلهي جند من لا له جندُ
وصلى إلهي كل يوم وليلة.... على أحمد المختار ما سبَّح الرعدُ

وهذا جواب الشامي المذكور:
أتتحف داراً بالسلام وأهلها.... أحق به إذ فاتك الفهم والرشدُ
كأنك أبصرت المنازل قفرة.... فحييتها لما ألم بك الوجدُ
وكيف وهم فيها حلول وإنما.... تحيا إذا لم يبق منهم بها فردُ
تقرَّ بأولاد النبي محمد.... وتنكرهم سراً وهل ينفع الجحدُ

أينكر ضوء الشمس من هو مبصر.... وقد لا ترى أنوارها الأعين الرمدُ
ووبخت إدريس المتوَّج ذا العلا.... بقولك: قوم لا يذَّم لهم عهدُ
كأنك قلت العهد منكم مضيع.... بإهمالكم لكن سرك لا يبدو
وقلت أمير المؤمنين له اغتدت.... فضائل لا تحصى ولا هي تعتَّدُ
وذا منك إقرار وعلم بأنه.... إمام فَلِمْ عن دينه الحق ترتدُّ
أتزعم أن السر في قائم لكم.... هو الغاية القصوى التي ما لها حدُ
يجيء على ظهر البراق وكفه.... به ذو الفقارالعضب فارقه الغمدُ

ممداً إلى داعيه مستدركاً له.... فيهزم هذا الجيش والنقع مسوُّد
فأنتم إليه أعظم الناس حاجة.... وإن لم يَجِ قلتم لنا: حازه البعدُ
وأخبرتنا عن شامخ متمنعِ.... صدقت ولكن خصمكم أسدجلدُ

أتسمونه حصن السمؤل قبل أن.... يحيط به من كل ناحية جند
تخال بحاراً من حديد وإنما.... مراكبها الخيل المسومة الجردُ
وتنسون هذا الاسم من هولٍ عسكر.... حمته خيول فوق أظهرها الأسدُ
وهب أنه كالأبلق الفرد منعة.... وفيه كنوز ليس يحصى لها عدُّ

وزيدت لكم من ملك مصر وبابل.... جواهر أهدتها إليكم سمرقندُ
وألقت إليكم كورة الصين ماحوت.... من الجوهر الشفاف والهند والسندُ
أترجون إن طال الحصار وعطلت.... مخازينكم تغنيكم الحجر الصلدُ
كلوا ذهباً مما جمعتم وفضة.... وإلا حجاراً حينما الجوع يشتدُّ
فما عسكر المنصور عنكم بزايل.... بقدرة معبود يحق له الحمدُ
ولو وقفوا حوليه عشرين حجة.... وكادت بهم تلك المواقف تنهدُ

ألم ترهم يبنون دوراً كما بنوا.... فخاراً ولكن كل أفعالهم مجدُ
فقد صار هذا الحصن قبضا بكفه.... لسرٍ به قد خصه الملك الفردُ
وفي زحل والمشتري آية له.... على النصر حيث النحس قارنه السعدُ
فأنتم وإن أعطيتموه حصونكم.... فليس له من قبض (ذي مرمر) بدُ
ففي رأسه كل الحصون وما حوت.... من الملك فافهمه فقد نجز الوعدُ
فموتوا لهذا الأمر غيظاً وحسرةً.... على أن أمر الله ليس له ردَُّ
ولما ملك عامر بن عبد الوهاب حصن ذي مرمر في شهر رمضان من سنة اثنتي عشرة وتسعمائة سنة، تدبرت هذا الشعر بعد مضي قدر ثلاث سنين، فخطر ببالي أن أنشئ على وزنه أبياتاً، أومي فيها إلى نوع من موجبات الاعتبار، وعدم الاغترار بهذه الدار، فقلت:
يقول الزحيفي الذي جده الفند.... وأشعاره من دونها الشهد والقند
مؤلف هذا الشرح رجوى دخوله.... بزمرة أهل البيت هذا هو القصدُ
ليفتكر الإنسان في الدول التي.... تأتت لها الدنيا وساعدها السعدُ
وقيلت بها الأشعارفخراً فمثبت.... ونافٍ فكل عند مذهبه يحدو
كفى واعظاً ما أنشدوا في (ذمرمر).... وما علموا من ذا سيملكه بعدُ
تسلطن فيه منذ تسعين حجة.... تزيد قليلاً إن تمادى بنا العدُ
بنو الأنف أجلاهم وشتت ملكهم.... من العترة المنصور من لا له ندُّ
فخلفه إرثاً لأبناء بنته.... كما لم يعش من بعض ذكرانه فردُ
فزحزحهم منه المسمى بعامر.... وقادهم أسراً وما مسهم حدُّ
ومزقهم في الأرض كل ممزق.... ذليلين مقهورين ما لهم جهدُ
وصارت به للشافعية صولة.... لهيبتها يستسلم البرق والرعدُ
فقد حازه إذ قد عرفت مذاهب.... ثلاثة أصناف أبانهم العدُّ

وذا أصله صنعاء فمن حاز ملكها.... فليس له من ملك ما حولها بدُّ
فيا ليت شعري من سيخلف بعدهم.... تعالى الذي يدري بما يجهل العبدُ
وسبحانه من مالك متصرف.... فليس لما يقضي بسلطانه ردُّ
يُولّي ويُنفي من يشاء بحكمه.... ويقصي ويدني من يشاء فله الحمدُ
وما ارتاح في الدنيا قلباً وقالباً.... سوى من تغشته القناعة والزهدُ
وما اغتم في الدارين إلا متوج.... تطيف حواليه العساكر والجندُ
فذلك أغنى الناس في الناس دائماً.... وهذا فقير لا يقرُّ ولا يهدُ
فيا رب وفقنا لإصلاح شأننا.... وجَّمل علينا يا مهيمن يا فردُ
فما هذه الدنيا بدار إقامةٍ.... وما الشأن إلا جنة الخلد والخلدُ
وكيف لنا بالخلد إن لم يكن لنا.... سوابق عند الله عرض ولا نقدُ
أندان أم نعتان أم ينبري لنا.... شفيع كنصل السيف أبرزه الغمدُ
محمد المأمول فيه رجاؤنا.... ومن جاهه يُسْتوهْبُ العفوُ والرفدُ
وسيلتي التوحيد والعدل عنده.... وإني لأهل البيت كلهم عبدُّ
فكيف تذوق النار جسماً غذاؤه.... لعترته الإنصاف والحب والودُّ
عليهم سلام الله ما كتبت يدي.... مناقبهم أو بان لي فيهم الرشدُّ

[أخبار الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى -عليه السلام-]
فصل: وأما أحمد المذكور فهو: الإمام المهدي [لدين الله] أحمد بن يحيى بن المرتضى بن مفضل بن منصور بن المفضل الكبير بن الحجاج بن علي بن يحيى بن القاسم بن يوسف الداعي بن يحيى [المنصور] بن أحمد بن يحيى الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، نسب يحكي النجوم المشرقة، والرياض العبقة، ولله القائل:
نسبة لم تزدك معرفة.... وإنما لذة ذكرناها
لله منها أسامياً عظمت.... وطاب للذاكرين معناها

ذكر مولده ونشؤه، وطرف من أحواله وسيرته، وتصانيفه، وبيعته، [ومدته]، ووفاته، وموضع قبره على وجه الاختصار.
أما مولده -عليه السلام-: فكان في سنة أربع وستين وسبعمائة، وأما نشؤه فذكر مصنف سيرته وهو ولده، فقال: إنه لما ختم القرآن العظيم أدخله أبوه هو وصنوه الهادي في علم العربية، فلبث في قراءة النحو والتصريف والمعاني والبيان قدر سبع سنين، وانتهى في هذه العلوم الثلاثة إلى غاية بالغة لم ينته إليها غيره من أبناء زمانه، [و] عرف فيها بالتحقيق، والتدقيق، والتدريس، وابتدأ يصنف كتاب (الكوكب الزاهر في شرح مقدمة طاهر) قبل أن ينتهي سنه إلى عشرين سنة، فجمع فيه نحواً كثيراً، وعلماً غزيراً، ثم أخذ في علم الكلام ابتدأه على حي أخيه الهادي، وأتمه على حي القاضي العلامة أبي محمد يحيى بن محمد المذحجي وكان من البارعين في هذا الفن، فسمع عليه (الخلاصة)، ونقل (الغياصة) غيباً، ثم (شرح الأصول)، وألقى عليه (الغرر والحجول) الذي صنفه الفقيه قاسم بن حميد، فأتقن حفظهما حتى انتهى إلى أن اختصرهما وجمع معانيهما في كراسين ونصف بالقطع الصغير ليسهل عليه نقله، ثم انتقل إلى علم اللطيف، فقرأ (تذكرة ابن متويه) على القاضي المذكور شرفاً، وما خرج حتى أتقن ذلك إتقاناً عجيباً، وشرع في اختصار التذكرة، فعاقه عن التمام عائق، ثم قرأ (المحيط) على الفقيه المذكور، فلما تم ذلك انتقل إلى أصول الفقه، فسمع (الجوهرة) على الفقيه المذكور، وحققها تحقيقاً عجيباً، ثم اختصرها في منظومة سماها (فائقة الفصول)، وذلك بعد أن أخذ في قراءة (المعتمد في أصول الفقه) لأبي الحسين البصري، فتمت جامعة لأصول الفقه والخلاف فيه مع صغر حجمها وبلاغة نظمها، ثم انتقل إلى كتاب

(منتهى السؤل)، فقرأه على الفقيه المذكور، فبلغ فيه من الإتقان والتحقيق مالم يبلغه غيره، وفي عرض ذلك سمع سيرة رسول الله ً على الفقيه العالم علي بن صلاح العدوي، وسمع من كتب اللغة (نظام الغريب)،و(مقامات الحريري)، فصنَّف شرحاً لمقامات الحريري ذهب يوم معبر، وفي عرض ذلك سمع (سنن أبي داود)، واستجاز كتاب (البخاري) و(مسلم)، و(الترمذي)، و(ابن ماجه) من الشيخ المشهور بالحديث سليمان الكوفي من ثغر العدينة، فكتب [إليه] إجازة في ذلك، وبعد أن ثبتت له اليد الطولى في هذه العلوم، أخذ في سماع (الكشَّاف) على المقري الحائز لقصبات السبق في علوم القرآن: أحمد بن محمد البحيري المعروف بابن النساخ.

فأما علم الفروع: فإنه لما رأى أنه بحر لا ساحل له، وأنه لا ينفع فيه إلا النقل، ولا يحتاج إلى تدقيق نظر ممَّا قد نصَّ عليه الأئمة -عليهم السلام- من المسائل، وإنما يحتاج إلى نقل أقاويلهم إن أراد حكاية النصَّ فيما جاءوا به، ورأى أن قوماً قطعوا في طلبه أعمارهم، ولم ينتهوا منه إلى طائل لسعته، ترجَّح له سلك [غير] ما سلك أولئك من العزلة والنظر في كتبه المشهورة كـ(اللمع)، والعكوف على تكرارها حتى تحفظها؛ لما في ذلك من الإخلال بالفنون التي قد جمعها، فجعل يسمع على حي أخيه بالليل ما قد سمعه على مشائخه، ثم يختصر ما ألقاه عليه صنوه من شروح الكتب التي يقرأ فيها، ونسخها حتى أتمه كتاباً مجلداً مستوفياً للخلاف، وكلام السادة والمذاكرين، وأخذ في نقل ما جمعه، فلما تم ذلك توفي حي صنوه الهادي –رحمه الله [تعالى]- قبل موت [حي] الإمام الناصر صلاح بأيام قليلة، فاشتغل بذلك حتى توفي الناصر، فاتخذ له تابوت، وجصصوا عليه وكتموا موته إلى أواخر ذي الحجة، ثم دفن، وكان بعد موته اضطرب الناس فيمن يقوم بالأمر، وكان الناصر قد أشار إلى حي السيد الفاضل علي بن أبي الفضائل، وأنه أولى بالأمر بعده لمحله في الفضل، وللقرابة منه رفقاً بأولاده؛ لأنه ابن عمه، فطلبه الوزراء، فطلبوا منه القيام بالأمر فأجابهم بأن هذا الأمر يفتقر صاحبه إلى البصيرة الواقعة، والمقصود به وجه الله [سبحانه]، وفينا من هو أوقع مني بصيرة يشير إلى المهدي –عليه السلام-، فلما فهموا من السيد ترجيح جانب المهدي [-عليه السلام-] توقفوا.

قال مصَّنف سيرة المهدي وهو ولده: وكانوا غير طامعين أن أحداً يجيبهم إلى قيام أي أولاد الإمام الناصر؛ لظهور قصورهم عن هذا الأمر، فوصلتهم كتب من حي القاضي عبد الله [بن حسن] الدواري، وغيره كالسيد صلاح بن الجلال، والسيد داود بن يحيى بن الحسين، يأمرونهم بالتوقف حتى يصلوا، قال: وأوهمهم القاضي في كتابه أنهم يريدون إقامة ولد الإمام، فمالت قلوب الوزراء إلى ذلك لأمور حذفتها؛ لأن فيها طرف طعن على الجماعة، مالي بذكره هنا فائدة؛ لبنائي هذا الشرح على عدم أذية أحد من العترة، ولا من شيعتهم حشرني الله في زمرتهم.
قال: فانتظر الناس وصول القاضي والسادة، فلما وصلوا كان الكلام في ذلك منوطاً بالقاضي، فجعل يروِّض ذوي البصائر في صنعاء للمساعدة إلى تقويم ولد الإمام، فأحضرهم وأخذ رأيهم، فأظهروا الامتناع، فلما أيس منهم توقف، ثم حكى المصَّنف: أنهم أعملوا الحيلة، واستمالوا جماعة سماهم، استرجحوا إقامة ابن الإمام.
قال: فلما علم ذلك السادة [النبلاء]، والفقهاء الفضلاء انزعجوا أشد الانزعاج، وفزعوا إلى من يصلح من فضلاء أهل البيت، ولم يكن المشار إليه حينئذٍ للصلاحية في صنعاء إلا ثلاثة، وهم: السيد الناصر أحمد بن محمد بن المطهر بن يحيى المتوكل من آل المطهر، والثاني: السيد الأفضل الأورع علي بن أبي الفضائل.

[قال:] وثالثهم الإمام المهدي أحمد بن يحيى، قال: فاجتمع العلماء واستحضروا هؤلاء الثلاثة في المسجد المعروف بمسجد جمال الدين في صنعاء، وذكَّروا السادة ما قد اجتمع عليه أولئك الجماعة من نصب علي بن صلاح، وقالوا لهم: ما ثمَّ من نعلمه من يصلح لهذا الأمر إلا أنتم، فاختاروا أحدكم.
قال: وكان مولانا -يعني أباه المهدي- أصغرهم سناً، كما يقل الشعر في وجهه، فأجاب عليهم السيد الأفضل الأورع علي بن أبي الفضائل، وكان أكبرهم سناً: أما أنا فمبتلى بالشك في الطهارة والصلاة كما تعرفون حتى تستغرق أكثر وقتي، ومن كان على هذه الصفة، فكيف يصلح لهذا الأمر لاحتياجه؛ إلى تفرغ النظر في أمر الأمة، وافتقاد الأمور، وهذا عذر واضح، وقال السيد الناصر: هذا أمر المقصود به رضوان الله، والقيام بالأحكام [كما] يقتضيه الكتاب والسنة، أصولاً وفروعاً، وذلك لا يتأتى إلا لمن قد استقل بعلوم الاجتهاد، إلى كلام ساقه المصنِّف، ثم قال السيد الناصر: وعندي أني قاصر عن هذه المرتبة، ثم انتظروا ما يجيب به مولانا، فأجاب بأني صغير السن كما ترون، وهذا الأمر لا يصلح إلا ممَن قد جرَّب الأمور، وساس الجمهور، وخاض في تدبير الدنيا وعلاجها، ورَدَّ حيناً ورُدّ عليه، ورجع إلى غيره ورجع إليه، وأنالم يمض علي من العمر ما يتسع لذلك، إلى أن قال: فلست أصلح لذلك في هذه الحال، فلم يقبلوا منه، وأجابوا عليه بأنك ما كنت تحتاج [إليه] من هذه الأمور فنحن عندك بما تحتاج إليه مما لم يتقدم لك فيه تجربة، فيحصل بالمشاورة ما تحتاج إليه من ذلك، ونحن لا نفارقك –إن شاء الله تعالى- في

شدة ولا رخاء، فإن امتنعت بعد بذلنا من أنفسنا السمع [لك] والطاعة، حتى قال السيد علي بن أبي الفضائل: لو أردت مني خدمة في فرسك أو سياسة جملك، لم تأنف نفسي عن القيام بذلك طاعةً لله تعالى، ولمن أوجب طاعته، ولا أبخل بنفسي [عن نفسك] في مواضع الأخطار، فإن امتنعت بعد أن كمل الأعوان لم تجدنا بعدها خلفك، وقد ذكر ذلك -عليه السلام- في قصيدة، من جملتها [قوله] :
لما أتاني أناس في الزمان هم.... أصفى الأنام وأزكاه وأورعه
قالوا: تقدم، فقلت: الآن مختبري.... في الناس ضيق فاعفوني لأوسعه
قالوا: اختبرناك من قدم فأنت لها.... أهل وأنك عن قرب ستوسعه
فقمت لا لعلو أبتغيه ولا.... مالٍ ولا لي ثارقمت أتبعه
إلى آخرها، فلما أجمع رأيهم على إجابته بايعه السيدان المذكوران ثم العلماء [واحداً بعد واحد]، قال بعضهم: إني لا أفرق بين بيعتي إياك وبين بيعة زيد بن علي -عليه السلام-، ولما تمت البيعة، وكانت قبل دفن الإمام الناصر بأيام قليلة، أزمعوا على الخروج تلك الليلة، فلما علم الوزراء باتفاق الفضلاء، وأنهم في إحداث أمر أزمعوا [على] تعجيل البيعة لولد الإمام قبل أن يظهر أمر الإخوان وما أجمعوا عليه، فاجتمع منهم جماعة عددهم وأسماؤهم أضربت عن ذكرهم؛ لما لا يؤمن معه محبة وضع مراتب العظماء، قال: وبايعوا في جوف الليل لولد الإمام، فلما دنا الصباح قام [الأمير] الباقر بن محمد، وأشرف على القصر وصَّيح لعلي بن صلاح، وسَّماه: أمير المؤمنين.
قال: فلما كان الغد خرج أهل البيعة المتقدمة مفترقين غير مجتمعين.

قلت: وهذه الرواية هي من كلام مسير سيرة المهدي، وهو ولده، وهي تقضي بأن دعوة علي بن صلاح متعقبة لدعوة المهدي، والسيد صارم الدين قال: قام الإمام علي بعد والده وأحمد بعد...، البيت، فقضى بعكس هذه الرواية، ويمكن الجمع بين الروايتين بأنهما لما وقعتا في يوم وليلة تسومح في حكاية ترتب بعضها على الآخر، والله اعلم.

فصل: في ذكر مصَّنفاته -عليه السلام- وذكر شيء من أشعاره، وما يتصل بذلك
قال مصَّنف سيرته: له في أصول الدين ثمانية تصانيف:
الأول: (نكت الفرائد).
الثاني: (شرحها).
الثالث : كتاب (القلائد).
[ثم بيض مكان الرابع في المنقول منها، هذه النبذة]، ثم قال: الخامس كتاب (الملل والنحل)، والسادس: كتاب (المنية والأمل، في شرح كتاب الملل [والنحل)، السابع: كتاب (رياضة الأفهام في لطيف الكلام)، الثامن: كتاب (دامغ الأوهام في شرح رياضة الأفهام)، وهو جزءان.
وفي أصول الفقه ثلاثة كتب:
[الأول] كتاب (فائقة الفصول في ضبط معاني جوهرة الأصول).
[الثاني: كتاب (معيار العقول في علم الأصول).]
الثالث: كتاب (منهاج الأصول إلى معرفة معاني شرح معيار العقول).
وفي علم العربية خمسة كتب:
[الأول] كتاب (الكوكب الزاهر في شرح مقدمة طاهر).
الثاني: كتاب (الشافية في شرح معاني الكافية)، لكنه ذهب [منه] كراريس.
الثالث: (المكلَّل)، وهو شرح على (المفصَّل).
الرابع: ( تاج علوم الأدب وقانون كلام العرب).
الخامس: كتاب (إكليل التاج وجوهرة الوهَّاج).
وفي الفقه خمسة كتب أيضاً:

الأول منها: كتاب (الأزهار)، وضعه في الحبس، ولم يوضع بكاغد عدة سنين، وإنما حفظه السيد علي بن الهادي، ومولانا -عليه السلام- يملي عليه ما صححوا لمذهب الهادي -عليه السلام- وكانا يكتبانه في باب المجلس بجص؛ لأنهم لم يمكنوه من كتب ولا مداد، فلما خرج السيد علي بن الهادي وهو متغيب له كله غيباً محققاً صبر حولين كاملين، ثم وضعه بكاغد، وسمي كتاب (الأزهار في فقه الأئمة الأطهار) [أظن الناقل للأم نسي كتاب (البحر الزخار) ].
قلت أنا: وهذا الكتاب مشهور البركة، غير ممنوع الحركة، سار في الأقطار مسير الشموس والأقمار، وطار في الآفاق، واشترك في تغيبه أخلاط الرفاق، وبلغ مصنفه مناه في انتشاره، وانتفاع الخلق به وهو في الحياة كما أشار إليه -عليه السلام- بقوله في قصيدته القافية:
قد صار ما منعوه في حلي.... وفي البيت العتيق وينبع وعراق
وهذه منقبة، [و] لو وازنتها جميع المناقب لرجحتها، أو يزن بها جميع الفضائل لألكجتها، أو رمحتها:
وكم له من يد بيضاء طائلة.... في منهج العلم تعلو أرفع الرتب
الثاني من مصنفاته في الفقه: كتاب (الغيث المدرار المفتح لكمائم الأزهار)، وصَّنفه في السجن إلى أن وصل البيع؛ لأنهم قد كانوا مكنوه من الكتب من بعد خروج (الأزهار).
الثالث: كتاب (الأحكام المتضمن لفقه أئمة الإسلام).
الرابع: كتاب (الانتقاد للآيات المعتبرة في الاجتهاد).
وله في السنة النبوية:
كتاب (الأنوار الناصة على مسائل الأزهار)، الثاني: (القمر النوَّار في الردِّ على المرخصين في الملاهي و الأمزار).
وفي علم الطريقة:

[الأول] كتاب (تكملة الأحكام والتصفية من بواطن الآثام).
الثاني: كتاب (حياة القلوب في عبادة علاَّم الغيوب).
وفي علم الفرائض:
[الأول] كتاب (الفائض).
الثاني: كتاب (القاموس الفائض في علم الفرائض).
وفي المنطق:
كتاب (القسطاس المستقيم في علم الحد والبرهان القويم).
وفي علم التأريخ:
[الأول] كتاب (الجواهر والدرر في سيرة سيد البشر).
الثاني: كتاب (يواقيت السير في شرح كتاب الجواهر والدرر).
وفي معرفة قصص الصالحين:
[الأول] كتاب (تزيين المجالس).
والثاني: كتاب (مكنون العرائس). انتهى.
وما نقلته مما وجدته مختصراً من سيرته –عليه السلام-.
وأقول: اعلم أن هذا الإمام رزق من الحظوة في منافسة طلب العلم من الزيدية على تحصيل علومه أجمع في جميع الفنون، وتدوين فتاويه، وأشعاره ومطولاته، ومقطوعاته شيئاً ما اعلمهم فعلوه بغيره من المتأخرين، فلا تجد جهة من جهات الزيدية خصوصاً في الجهة الغربية إلا وقد استقصى أهلها على رقم جلائل أقواله ودقائقها حتى البيت الواحد، وجبلوا على محبته، وكراهة من يتعرض للإعتراض عليه، في أصول أقواله وفروعها، على وجه من شاهده عجب من ذلك.
واعلم أن هذا عوض من الله لما لحقه من انزواء الدنيا عنه، ولعمري إن هذا هو الملك العقيم، كما أشار إليه في شعره الفصيح الفخيم، ولظهور ذلك في أيدي الناس، وتدوينهم إياه في كل كراس، واشتهار شعره فوق اشتهار شعر أبي فراس؛ لم أودع هذا الشرح منه إلا يسيراً من ذكر ما أوردوه ردّاً على من طعن عليه بأنه في فن الفقه ضعيف الأمراس، حيث يقول:

وكم جاهلِ في الناس[قد قال إنني].... عن الفقه عار وهو عني غافلُ
ووالله ما في الوقت اعلم ناقلاً.... من الفقه غيباً مثلما أنا ناقلُ
فمنه ألوفً صرن غيباً بلفظها.... وفي الذهن بالمعنى سواها مسائلُ
كثير بلا حصر وهذا تحدث.... بما الله من إحسانه لي فاعلُ

ومن ذلك ما أنشأه، وهو في السجن:
سلوا عني الأيام كيف قطعتها.... وكيف تقضَّى عنفوان شبابي
يقلن وما زوراً شهدنَّ به لقد.... رأينا فتىً لا يزدهيه تصابي
رأينا فتىً نيفُ وعشرون عمره.... وفي كل فن قد أتى بعجابِ
بدرس وتدريس وتصنيف دفترٍ.... ومشكلة قد حلها بجوابِ
سلوا عني الأطماع هل كنت مقبلاً.... عليها وهل أفعمن قط وطابي
يقلن وما زوراً شهدن به لقد.... أبانا وقد جئنا بغير طلابِ
سلوا أسرتي عن شيمتي فيهم وعن.... وصائف آداب الكرام ودابي
يقولوا: رأينا ذا حجا متوقراً.... صموتاً بفكرٍ ناطقاً بصوابِ
فتى بشره يلقى الوفود مبشراً.... بفضل قرَى منه وفصل خطابِ
فتى وجهه ينفي الهموم ولفظه.... على الكبد الحرّاء ماء سحابِ

ومن ذلك [في] حث الفاطميين علىالتقى [والدين]، [والذم لهم عن موارد الشقاء] :
إذا ما رأيت الفاطمي تمردا.... أقام على كسب المعاصي وأخلدا
فذاك الذي لما اكتسى ثوب عزة.... تبدَّل أثواب الدناءَة وارتدا
فيا سوأتا للفاطمي إذا أتى.... أسير المعاصي يوم يلقى محمدا
فلو لم يكن إلا الحياء عقوبة.... ولم يخش أن يصلى الجحيم مخلدا
لكان له والله أكبر رادع.... عن النكر والفحشاء كهلاً وأمردا
فقل لبني الزهراء: إن محمداً.... بنى لكم بيت التقاء وشيدا

وإن أباكم حيدر بعده الذي.... حماه وقد قامت إلى هدمه العدا
فلا تهدموا بنيان جدكم وقد.... تحسى أبوكم دونه جرع الردا
فشر فتى في العالمين فتى أتى.... وقد أصلحت كفا أبيه فأفسدا

ومن ذلك أبياتاً قالها جواباً على حي الفقيه أحمد الشامي، وقد عوَّل على الإمام في عارية كتاب (البحر الزخَّار)، وابتدأه الشامي بهذه الأبيات:
يا من غدا للهدى كالروح في البدن.... لا تسترد كتاباً أنت عنه غني
فإن في بحرك الزخَّار ما جمعوا.... في الشرق والغرب والشامات واليمنِ
زدني كميعاد موسى أستفيد به.... بحق سبطيك شمس الدين والحسنِ
فأجابه الإمام المهدي -قدَّس الله روحه في الجنة-، بقوله -عليه السلام-:
نفيس در غلا عن أنفس الثمن.... لو أنه ملك داود وذي يزنِ
أفاضه بحر من حجر المعارف ربـ.... ـاه بأغذية القرآن والسننِ
محيي إياس وسحبان وأحنف والنعـ.... ـمان والفضل والبصري والقرني
واهاً لمن كان هذا حاله ويرى.... أن يستعير كتاباً وهو عنه غني
لكن أهلاً وسهلاً أنت في سعة.... خذ ما التمست من الإمهال في زمنِ
لولاه وقف لمحصور سمحت به.... عطية وهي عندي أيسر المننِ

ولحي السيد العلامة الهادي بن إبراهيم شعر قاله أيام حبس الإمام المهدي [-عليه السلام-] يستعطف فيه [له] علي بن صلاح، ويحثه [فيه] على إطلاقه من القيد، فمنه:
فقلت له: فداك أبي وأمي.... تلطف بالقرابة والرحامة
فإن السيد المهدي منكم.... بمنزلة تحق له الفخامة
ألم يكُ جدك المهدي خالاً.... له وكفى بذلك في الرحامة
فخذ من قومه الطرفين تحكي.... إذا جئت الغضا ولك السلامة
نصيحة وامق خدن شفيق.... محب ليس يحتاج القسامة

فإني والحديث له شجون.... وليس يليق في الدين الحشامة
أخاف إذا استمر القيد فيه.... تجيء مقيداً يوم القيامة
فيسألك الإله بأي جرم.... تقيده وتحبسه ظلامة
ففك القيد عنه كي قر قر يصلي.... بأركان يريد بها الإقامة
وأغلق دونه باباً عظيماً.... وكله إلى الحفاظة والرسامة
ولا تسمع إلى من قال فيه.... بترك القيد واطَّرح الملامة
انتهى الموجود من هذه القصيدة، ثم يقع العود إلى ذكر موته-عليه السلام-: وموضع قبره: أما موته فإنه توفي بالطاعون الكبير الذي مات منه أكثر الأعيان في شهر صفر من سنة أربعين وثمانمائة سنة، عقيب موت علي بن صلاح بدون شهر، كان ذلك في حجة من مغارب صنعاء، ومشهده في حجة مشهور مزور، معروف بالفضل الكثير والصيت الشهير، ويوم توفي -عليه السلام-، وله ولدان، أحدهما: الحسن وهو مصنِّف سيرته -عليه السلام- فمات ولا عقب له، وكان من الفضلاء الأعيان، أهل العلم الكثير والإتقان.
والثاني من أولاد المهدي اسمه: شمس الدين، وهو من عباد الله الصالحين والأخيار المفلحين، جُمعَ هذا الشرح وهو باقٍ، وله أولاد فضلاء، وسكناهم في حجة حول مشهد الإمام المهدي -عليه السلام-، فكان ولايته من يوم دعا إلى أن مات فوق أربعين سنة؛ لأن دعوته عقيب موت الناصر، وقد ذكرت وقت ووقت موت المهدي، فاحسبه

[أخبار الإمام الهادي علي بن المؤيد(ع) ]

[ذكر طرف من أحوال السيد الحسن بن الإمام علي بن المؤيد]
فائدة: وإذ قد انتهى [بنا] الكلام إلى ذكر [السيد ] الحسن بن الإمام، ووالد الإمام فلنذكر طرفاً من أحواله؛ لأنه من أعيان العترة الكرام، وخليق بأن يذكر في هذا المقام.
فأقول: اعلم أن هذا السيد -رحمه الله تعالى - كان في عصره من أعيان السادة، والواسطة من القلادة، والمقصودين بالوفادة، والمعروفين من مكارم الأخلاق بالحسنى وزيادة، كان من البقية المنظور إليهم بعد وفاة أبيه، وحائز قصب الرئاسة فيهم، وهو الذي أتمَّ أساس أبيه للمشهد المقدس.
ولد في شهر صفر من سنة أربع وثمانين فيكون ولد، وأبوه حي خليفة في مدته نيفاً وثلاثين سنة، ومات بين الصلاتين من يوم الخميس رابع وعشرين من شهر محرم سنة إحدى وتسعين وثمانمائة سنة، ويكون قد عاش في مدة خلافة ابنه قريباً من اثنتي عشرة سنة، وكان في مدة حياته متأهلاً في مكانهم لنفع العام والخاص، والداني والقاص، وأقام مدرسة القرآن الكريم، ومدرسة لطالب العلم الشريف والتعليم، وكانت تجبى إليه زكوات كثيرة من الجهات في زمانه، فيصرفها في مستحقها إلى أن دعا ولده، وألقى الأمر إليه في ذلك برمته، وكفاه وشفاه، وقرر بناه، وأحمد مسعاه، وأنشد لسان حاله:
رقدتُ وطاب النوم لي وكفيتني.... وكل فتى يُكْفَى الأمور ينامُ
و[قد] كان السيد -رحمه الله - قد اشتهر بالكرم المفرط، حتى كان يفد عليه كثير من البلغاء، والشعراء، والأدباء، من النواحي والأقطار، وقيلت فيه الأشعار، وكانت فيه مكارم أخلاق جمة.

قال الإمام عز الدين فيما نقلته من خطه: ما رأيت في زماني [من هو] أصدق لهجة منه، وأكثر مجانبة للكذب، حتى في مخاطبات زوجاته، وصغار أولاده، قال: ولا رأيت أقل فحشاً وتفاحشاً، ولا أحلم وأصبر وأوقر، ولا أبر منه بأهله، ولا أشفق وأرفق، وأكثر تغاضياً واحتمالاً، ولا رأيت أحسن منه طهارة وصلاة، وأعدل في ذلك، وله تهجد، وذكر، واستكثار من الصلاة، وحرص على تعهد المسجد والعبادة فيه مع كبر سنه وضعف بدنه وذهاب بصره.

قال: ومن سعادته أنه حظي في زمانه من المناقب، بما لم يحظ به غيره، [و] منها طول عمره في أفعال البر من الصغر إلى الكبر، ومنها كثرة الأولاد وتعددهم، وما رآه بعينه من الكمال، ومحامد الخلال، ومنها سلامته من نكبات الدهر، ومعار أهله الظاهرة، فلم يسلط عليه عدو ولا ظالم ولا أحد من الدول والقبائل مع منابذته لهم في بعض الأحوال، وأقول: صدق الإمام فيما نطق [به]، فإنك إذا تفكرت فيما بلي به عبد الله بن الحسن [بن الحسن] الكامل من أبي الدوانيق، وما أنزله به وبآله من أنواع العذاب علمت أنه قد أصاب في لموحه إلى هذا الباب؛ لأن أهل المناصب العلية قلَّ أن يسلموا من أن يقلب لهم الدهر ظهر المجن، ويجرعهم أفاويق المحن، وانظر أيضاً إلى النقيب أبي أحمد والد المرتضى، والرضي الموسوي، فإنه ما سلم من طوارق الزمان، ونوائب الحدثان، بل لما اشتهرت فضائله ثقل على عضد الدولة وهابه، وكبر في صدره، فاعتقله في بعض قلاع فارس، وبقي محبوساً حتى مات العضد، ولولده الرضي في ذلك أشعار وأخبار، وقد أشرت [أنا] إليها في شرحي للمرثية التي أنشأها الإمام عز الدين بعد موت أبيه، وهي من طنانات المراثي، ولمطابقتها للمقام أحببت الإتيان بها [هنا لتكون لهذا الباب ختام]، وهي:
مصابك هدَّ الشامخات الرواسيا.... وصير طرف الفخر والمجد باكيا
وضعضع بنياناً من المجد والعلا.... له كنت ياصدر الأفاضل بانيا
وسعَّر ناراً للكروب شديدة.... تذيب القلوب المصمتات القواسيا
وفقدك منه اللب أصبح مدهشاً.... كحيران ملقى في قفار مواميا
وروعك جرح ليس جرح كمثله.... عدمنا له طباً يداويه آسيا
وبعدك منه القلب قد صار موحشاً.... كئيباً وصار الدمع في الخد جاريا

وموتك خطب ألبس الأرض ظلمة.... وأكسبها بدر السما والدراريا
عدمنا سلواً حين غيبَّك الثرى.... فأمسيت منَّا غائباً فيه ثاويا
[قريباً ولكن لا تمنُّ بنظرة.... بعيداً سحيقاً في الحقيقة نائيا]
أبا أحمد يا خير حي وميت.... ويا أوحداً في الفضل براً وزاكيا
ويا شرف الدنيا ويا خير أهلها.... وفخر بني الدنيا شيخاً وناشيا
لقد عشت ميمون النقيبة ناصحاً.... لرب السما في مكسب الحمد ساعيا
مصوناً عن الخلق الذميم مبرءاً.... سريعاً إلى الخيرات لا متراخيا
غياثاً لوفَّاد مغيثاً ومنهلاً.... فراتاً لورَّاد تنيل الأمانيا
كريماً جواداً مانحاً متفضلاً.... كسوباً ومتلافاً مضيفاً وكاسيا
فكم جائع أشبعته وهو ساغب.... وكم لابس لولاك أصبح عاريا
وما زلت لله المهيمن خائفاً.... ترى لبهيمات الليالي معانيا
تصلي على ضعف صلاة طويلة.... فلا فاتر عنها ولامتوانيا
شكور على النعماء تقَّدر قدرها.... ذكور لما أوليته لست ناسيا
ورثت الندى والجود والمجد والهدى.... وشيَّدت بنياناً لها كان واهيا
وأسست يا خير الأنام مدارساً.... أفدت بها من كان فيهنَّ قاريا
فكم خاتم للذكر فيها وعالم.... وكم وافد لما أتى كنت قاريا

وربيت في حجر الخلافة راضعاً.... لأخلافها وقتاً من الدهرخاليا

وربيت من أبنائك الشم قائماً.... بأعبائها كل الشرائط حاويا
أبوك إمام للأنام وبعده.... ولدت إماماً للبرية ثانيا
ووالدك الهادي إلى دين ربه.... وصار ابنك الداعي إلى الحق هاديا
توسطت بين الهاديين مباركاً.... كواسطة العقد التي هي ماهيا
[وأدركت هذا ثم هذا معمراً.... وبايعت هذا بعد ذلك باقيا]
فيالك فخراً لافخار كمثله.... على البدر والشمس المنيرة ساميا
خصصت به دون البرايا مفضلاً.... فَصُيِر كل منه غيرك خاليا
وعمرت سبعاً مع ثمانين حجة.... حميداً سعيداً ظاهر الصيت عاليا
وما زلت محمود السجايا محبباً.... لكل البرايا لم نجد لك قاليا
وما مات من أبقى كمثلك سادة.... غطاريف صيداً يكسبون المعاليا
ثلاثين من أبناء صلبك لم يكن.... لهم أحد في الخافقين مساويا
كذا سبعة بعد الثلاثين أنجم.... ترى في سماء المكرمات بواديا
فمنهم إمام طبق الأرض ذكره.... يقود النواصي عنوة والصياصيا
إلى سيد صدر متى قام خاطباً.... على منبر عالٍ يصوغ اللآليا
ومن قائد للجيش أورع ماجد.... يسر الموالي أويسوء المعاديا
[إلى ناشرٍ للعلم فيه مصنف.... يجوب إليه الأرض من كان قاصيا]
ومن عابدٍ لله برٍ مطهرٍ.... وصاحب ذكر ليس ينفك تاليا
إلى طالب في درس علم مسامرٍ.... لدفتره حتى يرى النجم باديا
مكارم ذكراها يزين ونظمها.... يروق من الاسماع ما كان واعيا
وأبقيت من أبنا أبيك مكارماً.... بذكرهم تجلى القلوب الصواديا
كهولاً وشباناً وشيخاً مبجلاً.... فأكرم بهم رهطاً سراةً مواليا
فحزت وأحرزت المحاسن كلها.... فمن فرط تهذيب عدمت المساويا
فيا أبتاه أدعوك دعوة شيق.... وهيهات يوماً أن تجيب المناديا

بكينا فلم يُغْنِ البكاء وإننا.... لنرضى بما كان المهيمن راضيا
لإن كنت لبيَّت المهيب مسارعاً.... إلى غرف حُزنَ الحسان الغوانيا
وغادرتنا في كربة وكآبة.... وقد صرت مسروراً بذلك ساليا
فما أَنْسَ لا أنسى جميلاً صنعته.... إلي وبراً واسعاً وأياديا
فلما أتاني عنك أنك مدنف.... وما كنت بالإدناف من قبل داريا
نهضت من الأهنوم نحوك قاصداً.... ولو فاز قدحي كنت عندك دانيا
وبادرت في تلك المهامه سائراً.... على عجل مني وفي الليل ساريا
ولا علم لي أن الحمام مسابق.... عليك محيل كلما كنت ناويا
فقد جاءني ناع بموتك مؤذن.... ألا ليتني لم أستمع لك ناعيا
ويا ليتني أدركتُ ما كنتُ آملاً.... أرى حاملاً في النعش ثم مواريا
وياليتني كنت المباشر بعدما.... توفيت مرضياً عليك وراضيا
أرى غاسلاً في الغاسلين وبعده.... وياليته مافات ما كنت راجيا
ألا ليس ليتاً نافعاً حرَّ غلة.... ولا لسقام القلب والكرب شافيا
فصبراً فإن الصبر أوسع ساحة.... وخير الأسى والحزن ما كان خافيا
وحمداً على مُرّ القضاء وصرفه.... وإن كانت الأجفان منَّا هواميا
وإن لنا في المصطفى خير أسوةٍ.... وآل النبي الأرفعين مراقيا
عليك سلام الله ما هبت الصبا.... وزارك مني دائماً متواليا
وأسكنك الرحمن جنات عدنه.... تحل إذا ما صرت فيها العلاليا
ونلت الرضا والفوز فيها مخلداً.... ومن ثمرات للفواكه جانيا
ولا نلت مكروهاً ولا ماتخافه.... وكنت من الأهوال في الحشر ناجيا

تمت القصيدة الفريدة، التي تنبئ عن اللوعة الشديدة، أتيت بها هاهنا لما تضمنته من الفوائد العديدة، والتواريخ التي تنخرط في سلك هذا الشرح، [التي تنبي] على فضائل العترة الرشيدة، وليقع الرجوع إلى ذكر ما بقي من أبيات المنظومة [النشيدة].

[ذكر قريس وعلب وعرقب]
قال السيد صارم الدين -رحمه الله تعالى -:
وذا زمانك فانظر في حوادثه.... فالوصف يقبح للمحسوس بالبصرِ
وقد جرت فتن فيه مروعة.... أتت على أنفس الأرواح والذخرِ
منها قريس ويقفوا إثرها علب.... وعرقب وهي دهيا الصم والعبرِ
اعلم: أني قبل الشروع في شرح كلام السيد صارم الدين من هذا المكان إلى آخر المنظومة أقدم قبل ذلك كلاماً يشتمل على مقدمتين:
الأولى: تقرير وتأكيد.
والثانية: توطئة وتمهيد.
أما التقرير والتأكيد، فاعلم أني رغبت إلى شرح هذه المنظومة رغبة كلية، [وذلك] لما اشتملت عليه من فضائل العترة الزكية، والرعاية لحق خير البرية، في تأدية حق المودة التي هي من الفروض الأولية والأمور الكلية، ولن يتم ذلك إلا بجعلهم في خلوص المودة بالسوية، ولا نفرق بين الحسينية، والحسنية، ولا الهدوية، ولا الحمزية، وهذا وإن كان مذهبي من الصغر إلى الكبر، وجنوحي إليه أنا وآبائي قد ظهر واشتهر، تمسكاً منَّا بما وردت به السور، وعضده من تواتر الخبر، فقد أحببت أقرره هنا، وفي خطبة هذا الكتاب ليدكره من ادكر، ويقص عليه ما ذكرته في ضمن الشرح هذا عن أهل البيت من السير، فإن وجدني حكيت عن أحد منهم ما فيه ما يصم، أو ما يقضي بأني بحزبهم وحبهم جميعاً لم أعتصم، أو أني لا أستحسن إنشاد أمثال قول الكميت في محبة حيهم جميعاً والميت، حيث يقول:
وما لي إلا آل أحمد شيعة.... وما لي إلا مشعب الحق مشعبُ
إليكم ذوي آل النبي تطلعت.... نوازع من قلبي ظمآءُ وألببُ
إلى النفر البيض الذين بحبهم.... إلى الله فيما نابني أتقربُ
بني هاشم رهط النبي فإنني.... بهم ولهم أرضى مراراً وأغضبُ

خفضت لهم مني جناحي مودة.... إلى كنف عطفاه أهل ومرحبُ
ومن غيرهم أرضى لنفسي شيعة.... ومن بعدهم لامن أجل وأرهبُ
أناس بهم عزت قريش فأصبحوا.... وفيهم خباء المكرمات المطنبُ

وأمثال قول مهيار في الثناء على العترة الأطهار:
وعلي للرفقاء في طلب العلا.... والجاعلين لها الخطار مراقيا
نفس مذللة لما عزت به.... يعزي شميم الريح زاداً كافيا
ولحيّ آل محمد أطرأ به.... مدحاً وميَّتهم رضاه مراثيا
هذا لهم والقوم لاقومي هم.... جنساً وعقر ديارهم لاداريا
إلا المحبة والكريم نطيعه.... بحدا الكرام الأبعدين أدانيا
بالطالبيين اشتَفي من دائه.... مجدي الذي عدم الدواء الشافيا
وأما وسيدهم علي قوله.... يشجي العدو ويبهج المتواليا
قسماً لقد كرم الغري بضمه.... قبراً يظل البحرفيه ثاويا
من قصيدة لمهيار مدح فيها أهل البيت ينفي عن نفسه وهم من يتوهم أنه مقصَّر في حقهم، فليعلم الواقف على هذا أني إن كنت على غير ما ذكرته في حقهم من المودة الأكيدة، وتصحيح النية والعقيدة، فإني مخل بواجب، ومن زمرة النواصب، وكيف يكون ذلك؟ وقد قال فيهم جدهم: ((وقدموهم.. الخبر)) حتى قال: ((ولا تشتموهم فتكفروا )).
قال الإمام المنصور بالله عقيب روايته لهذا الخبر: فقضى بالضلال على من خالفنا، والكفر على من شتمنا، وقال ً: ((حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وقاتلهم والمعين عليهم ومن سبهم)).

قال المنصور [بالله] أيضاً: أتدري من المعين عليهم؟ ألا إنه الخاذل لهم، قال: و[من] المعلوم أن من آذى الرجل في بهائمه يكون من أعدائه، فكيف بمن آذى أولاده؟ ! انتهى.
وأما التوطئة والتمهيد: فاعلم أن السيد صارم الدين-رحمه الله [تعالى] - قد [كان] نظم أكثر هذه المنظومة في مدة متقدمة واقتصر على ذكر المنصور، والمهدي، والهادي، بلفظ أقل من ذكرهم هذا، ولم يذكر أحداً بعدهم من أهل عصره، بل قال:
وذا زمانك فانظر في حوادثه...البيت

ولم يذكر أمر قريس وعلب وعرقب وغير ذلك، بل اعتذر بقوله:
فالوصف يقبح للمحسوس بالبصر

أي أن معرفة أهل العصر بعضهم لبعض مغنية، أو ظن أنه إن ذكر ذلك أرضى بعضاً، وأغضب بعضاً، وازدرع حباً وبغضاً، ثم استرجح بعد ذلك الزيادة في عدد أبيات المنظومة، والإشارة إلى جمل من أحوال أهل زمانه، وهذا الذي استرجحه هو الصواب عند ذوي الألباب، فإن شارح (البسَّامة) مازال يفكك مقفلها، ويفَّصل مجملها، حتى وصل إلى ذكر [ملوك] بني المظفر الذين كانوا هم السبب في إنشاء (البسَّامة)، ولم يذكرهم في شرحه ببنت شفة ولا أشار إليهم على وجه يحصل لمن لا يعرفهم به المعرفة، فأدى اختصاره لذلك إلى أن كثيراً ممن اطلع على شرحه لامه على عدم ذكرهم، وما قبل عذر من اعتذر له في تركهم بأن أمرهم كان ظاهراً في تلك المدة، بل قالوا: ومن أين لك معرفة جميع الناس لأحوالهم؟ فقد تنقل القصيدة إلى مشرق، ومغرب وشام، ويمن، وكذلك شرحها، وأكثر أهل الجهات لا تعرف أحوالهم، بل من تأخر مُديدة يسيرة بعدهم من أهل بلادهم يجهل ذلك كما قد جُرّب، فإنا قد رأينا أشياء مهمة اتفقت في بلادنا وزماننا، وما دُونِتّ، فما مضت مدة من أعمارنا إلا وقد مست الحاجة منَّا إلى معرفتها، وأما كون ذكر أهل الزمن قد يؤدي في بعض الأحوال إلى إرضاء قوم، وغضب آخرين، فذلك إذا كان الحاكي لأحوال القوم مغراً بذكر المثالب، ومؤثراً للتعصب مع أهل جانب دون جانب، فنعم قد يؤدي تأليف هذه الأشياء إلى ما ذكره وإلى فوقه، وأما إذا كان الداعي للمدون والمؤلف هو رعاية ما يجب للجميع من نظمهم في سلك المودة التي بها يفرق بين المتعصب والمنصف، والمتحامل والمتعفف، فلا كان ما ذكر –عصمنا الله من

التعرض لأذيتهم، وحشرنا في حزب مودتهم- وبتمام هاتين المقدمتين، وتقرير هاتين القاعدتين يقع الشروع في شرح ما ذكره السيد صارم الدين بلطف الله وحسن توفيقه.

[الكلام في قريس وهو موضع بجهران وذكر المتوكل على الله المطهر بن محمد بن سليمان ]
فصل: أما قريس فهو موضع بجهران، ينبغي أن نذكر جملة مما اتفق فيه؛ وذلك أن حي الإمام المتوكل [على الله] المطهر بن محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن يحيى بن الحسين بن حمزة بن علي بن محمد بن حمزة، وحمزة هذا [هو] جد بني حمزة كافة ابن الحسن وهو: النفس الزكية [بن] عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الله أخي الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم، لما دعا المتوكل عقيب موت علي بن صلاح، وتعارض هو وصلاح بن علي بن محمد بن أبي القاسم، وعارضهما الناصر، وهو أصغر منهما سناً، وأقل علماً، لكنه أقبلت له الأيام فلزم المطهر في قريس وقد كان نازلاً إلى سلطان اليمن هو وقاسم الملقب سنقر وهو عبد لحي علي بن صلاح، تملك صنعاء بعد سيده، فكان يُدخل صلاحاً مرة، ومطهراً مرة، والناصر مرة حتى آل [به] الأمر [إلى] أن أسره الناصر، ثم مكَّنه من خنقه، وأما الإمام المطهر فأمر به [الناصر] إلى حصن يسمى الربعة، فأنشأ هناك وسيلة أولها:
ماذا أقول وما آتي وما أذرُ.... في مدح من ضمنت مدحاً له السورُ

وستأتي، فلما أتمها، وبلغت إلى صنعاء، قال رجل وزير للناصر، واسمه محمد بن إبراهيم الساودي : انظروا فإنكم تجدون الرجل قد خرج من الحصن ببركة هذا الشعر، فوجدوا الكلام كما قاله، وما زالت الأحوال تتقلب به منذ خرج من الربعة مرة يتقوى، وأخرى يضعف، وحيناً وجيَّش على صنعاء، وحيناً وفتر، ودخل صعدة مراراً على صفة التبع لفاطمة بنت الحسن، ومرة مع الأشراف بني حمزة لما ملكوها كما سيأتي، وفي خلال ذلك تزوج الشريفة بدرة بنت محمد بن علي بن صلاح، وقد كان تزوجها الناصر، وجاءت له ببنت، فلما غاب الناصر بصنعاء ونواحيها لاتساع ملكه هناك، وصعدة ونواحيها بيد الشريفة فاطمة، وابنتها معها، وقع النظر من بعض أعيان من حضر من الشيعة بصعدة في فسخ نكاح الناصر، وتخلية سبيل زوجته المذكورة؛ تتزوج من شاءت، وأكَّد ذلك بقول بعض الحاضرين: إن الهادي يحيى بن الحسين وغيره من العلماء يشترطون عدالة شهود النكاح، وإن شاهدي نكاح هذه الشريفة كانا فلاناً وفلاناً، وهما مجروحا العدالة، فتلفق من هذه الأمور أن أقدم المطهر على فسخ ذلك النكاح، ثم لما انقضت عدتها عقد بها وتزوجها، فجاءت له بولده عبد الله، وجاء لعبد الله أولاد ذكور وإناث، وللإمام هذا أولاد على غير هذه الشريفة بدرة، ولهم أولاد، وملك كوكبان والعروش وغيرهما، وكان للأشراف بني حمزة إليه ميل، وسلموا له المنصورة؛ لأنه أعانهم على نقم الثأر من أهل سفل الجوف الذين قتلوا الهادي بن الحسين، وقد كان متولياً لصعدة، فسلمها الأمير محمد بن الحسين للإمام، هي وحصن الفائق بالعشة، ثم استردهما الأمير في تلك

السنة بعد أن عاد الإمام إلى كوكبان، وكان الفقيه المعافى بن عمرو والياً في السودة، وكان من جملة أعوان الإمام، ولهما سيرة كبيرة، ومغازي إلى تهامة وغيرها، وملك الإمام كحلان الشرف، وغيره من حصون المغارب، ثم ملك مدينة ذمار من جهة بني طاهر أعطوه إياها، وقد [كان] أخذوها على الناصر بعد أن لزم الناصر في عرقب كما سيأتي، وسلمه أهل عرقب إلى يد الإمام المطهر، فحبسه [الإمام] معه في كوكبان، وضيَّق عليه، وعلى مقدمه، وعبده المسمى عبية، فماتا محبوسين، وكان ثالثهما عبد الله بن محمد بن مداعس من أهل صعدة، فأما هو فخلص من الحبس بفداء جليل صار من أهله إلى الإمام، وعلى أن الأشراف يخرجون السيد يحيى بن صلاح من اللزم، وكانوا قد لزموه في حال وصوله بهم إلى صعدة، وأمه الشريفة بدرة زوجة الإمام المطهر، فضمن بنو مداعس على الأشراف بخروجه، فدفعوا للأشراف أيضاً أموالاً [جليلة] وأخرجوه، وبقيت ذمار بيد الإمام وولده عبد الله من سنة خمس وسبعين، ومات في صفر من سنة تسع وسبعين، فخلفه ولده المذكور بها، ثم تغيَّر ما بينه - أعني عبد الله - وما بين أهل ذمار لأمور كانت تنسب إليه، ثم تغيَّر ما بينه وبين بني طاهر أيضاً، فأخرجه بنو طاهر منها بعد محاط كثيرة في كرار متعددة، ووقع في خلالها إخراب دائر ذمار، وعمارته غير مرة، فلما أزالوه منها، وأخذوا عليه من دروعه وآلة مملكته أشياء كثيرة، فخرج بأهله إلى صنعاء، فلم يمنعه صاحب صنعاء، وهو: محمد بن الناصر الحلال بها، ولا واخذه بما فعله [أبوه مع أبيه]، فعجب الناس من صفح صاحب صنعاء عنه، وعدَّوا ذلك من

مناقبه، فتكون دولة المطهر وولده على ذمار قدر سبع عشرة سنة، وقد كان المطهر من أعيان أئمة الزيدية علماً، وفصاحةً، وكثرة أتباع، شيعة نحارير، وسادة أكابر، من وجوههم [السيد] الصدر، العلامة: الهادي بن المؤيد بن علي بن المؤيد، فإنه تابعه، وشايعه، وجاهد معه وتوجه على راية في عسكر جرَّار غازياً لطرف تهامة، وهناك قبائل طغام، واستولى هو وعسكره على جل مواشيهم إبلاً وبقراً وشاءً، فلما تحققوا ذلك تقدموا قبلهم، فأمسكوا لهم مضيقاً استردوا مالهم، وقتلوا السيد الهادي المذكور في عصابة معه من أعيان المجاهدين، فضاق المسلمون لهذه الكائنة فأنشأ الإمام عليه السلام هذه الترثية، وفيها مضمون ما جرى من بني عبس من استشهاد من ذكر فيها، وهي:
على الأحبة إن لم تبك أجفاني.... فما أقل الوفا مني وأجفاني
وكيف لا وفؤادي بعد فرقتهم.... قد صار خلف صبابات وأحزانِ
فقدت إذ فقد الإسلام بهجته.... لفقدهم طيب لذاتي وسلواني
من هم وقد عرفوا منهم وما جهلوا.... هم الورى فالورى لما فنوا فاني
والدين منهم والدنيا لقد نقصا.... كما بهم قد نقصنا أي نقصانِ
فيا عيوني بأعيان الدموع سخي.... ولاتشحي بها من بعد أعياني
بعد الذي عرفت في الدهر نشأته.... وفي التقى فهما للمرء صنوانِ
رضيع أخلاف أنواع العلوم ومحـ.... ـييها وناشرها حقاً بإتقانِ
الهادي الهادي وابن الإمام ومن.... كان المرام إذا يوماً عنى عاني
مدارس العلم أما بعده درست.... وساب كم دفتر فيها وديوانِ
وقال: أين الذي قد كنت آلفه.... أين الذي كان هجيراه بنيانِ
ومؤمل المعتفي والمكتفي وكفى.... عنا كأن لم يكن بالأمس يلقاني

وطالبون الهدى أكدت مطالبهم.... من بعد هاديهم من ذا له ثاني
كذا سميا رسول الله قد ثويا.... أبنا سمي علي والأميرانِ
كذا صلاح الذي ما زال مبتدراً.... في الصالحات مضى مصحوب عفرانِ
والحيدريان كسَّابا جميل ثناء.... والقاسميون كسَّاع لأقرانِ
تخرمتهم سيوف المبطلين كما.... تخرمت قبلهم سادات عدنانِ
المصطفى سُمَّ والطيار سيط دماً.... وحمزة بقرته أم سفيانِ
كذا علي وسبطاه اللذان هما.... لأحمد المصطفى المختار سبطانِ
وكربلاء كم دم قد طُلَّ فيه من.... الآل الكرام بصبيان وفتيانِ
كجعفر وكعباس ومثلهم.... محمد في أبي بكر وعثمانِ
وابناء علي وعبد الله ثم مساميه.... الذي وضعه والقتل في آنِ
سبط الحسين الذي رقى السما دمه.... والندب ممن هما نعم الصليانِ
ومن بني حسن كم من فتى حسن الأ.... فعال وارٍ زناد هادم باني
كقاسم ثم عبد الله ثم أبي.... بكر الذي فتك الأعداء بعدوانِ
ومن بني جعفر منهم محمدهم.... وعون أبنا جواد خير معوانِ
وجعفر بن عقيل ثم نافلة.... له ومسلمهم وأبناء عيدانِ
كذا بصنعاء استحلوا ذبحهم قثماً.... وصنوه فهما نعم الشهيدانِ
كذا الإمامان زيد وابنه صلبا.... من بعد قتل بأيدي آل مروانِ
والكامل انتابه وانتاب عترته.... يومان من آل عباس عبوسانِ
يوماً بيثرب والثاني بساحة بـ.... ـاخمرى ثوى فيهما ابناه الإمامانِ
محمد ثم إبراهيم بعد جيوش.... كم بها من بني المختار من عاني
ثم الحسين وعبد الله مع حسن.... أودُوا بفخَّ جميعاً مع سليمانِ
كذاك يحيى بن عبد الله أخرجه.... شهادة زورت من أرض جستانِ
فسمه وكذا في الغرب سُمَّ أخاه.... إدريس هارون ذو البغي الغوي الجاني

ونفل زيد سمي المصطفى ابن سمية.... الذي سمم مأمون بأثمانِ
كذاك آل الرضا سمَّوا وليس سوى.... إن عجلوهم إلى روضات رضوان
كذاك يحيى العلاسبط الفتى عمر.... من آل زيد له في المجد سهمانِ
وفي ابن زيد حسين بن الحسين سقي.... مر المنية من أطراف مرانِ
كذلك الحسن الداعي الذي منحت.... بعصره أصبهان جيشها الهاني
ثم ابنه ذي الهدى من بالإصابة في.... الظييَْ أفتى بلا فسق وكفرانِ
والديلمي أبو الفتح الإمام على.... يد الصليحي قد أودى بردمانِ
ثم الأمير الذي لبى لدعوته.... يحيى الحسين الذي من أرض جيلانِ
محسن الهدوي من أهل صعدة.... فيه اعملوا فتكاً بهدرانِ
وسيد عمران الجوف مقتله.... والحصن مشهده قبلي خيرانِ
كذا الحقيني من موت أتاه حشيـ.... شي فعاجله موتاً بكيسانِ
ثم الحسين الذي من بعد مصرعه.... لجنبه انتظروه حقب أزمانِ
وحمزة لصلاح الدين قام وقد.... أفشى الصليحي إفساداً لأديانِ
فأعملوا فيه في المنوى مكايدهم.... فأخرب الله منهم كل بنيانِ
أما بن حمزة إبراهيم صنو أمير المـ.... ـؤمنين العظيم الحال والشانِ
فزاهر الجوف قد أضحى بمشهده.... فيه كمشهده مخضر بستانِ
وفي تهامة مجد الدين أصبح يحيى.... هالكاً بعد إبلاء وإفتانِ
ثم الذي اجتاز فيها غير مختبر.... طرفاً ولم يك في العليا بجيرانِ
وأحمد بن حسين في شوابة شا.... بته شوائب ذي كبر وطغيانِ
من كل متبع طاغوت أمته.... مستبدل بهداه ثوب عصيانِ
كذا الإمام ابن تاج الدين إذ فسـ.... ـدت جنوده اقتاده أملاك غسانِ

حتى أتته المنايا في سجونهم.... فأظهروا فضله من بعد كتمانِ
وسيد في ظفار إذ عرى فثوى.... يحيى فحياه مولاه برضوانِ
كذا علي سليل الواثق الأسد الر.... ئبال في باب صنعاء أي محنانِ
ثم ابنه قتلوه في جهادهم.... في حقل يحصب من أعمال ذروانِ
كم فيهما من ذوي الإلحاد سال دم.... وما الزمان لدى الرحمن سيانِ
كذا محمد المحمود سبط أبي.... الفضائل استمكنوا منه بغدرانِ
كذا فتى الجيل عبد الله فارسها.... ثاوي بصعدة فرداً غدر فرسانِ
كذا تمشت لإبراهيم في قدم.... منية لا بذنب مشي بألآنِ
والسيدان الفتى والكهل قد منحا.... شهادة حلوة في سفح سحمانِ
كذا فتى ناصر الدين المتوج عبد.... الله في باب صنعاء حشو أكفانِ
ما أنس لا أنس ذكرى من غدا علماً.... بقتله بين أتراب وأخدانِ
مستشهداً وكذاك السيد العلوي.... الطاهر العرض من سادات كحلانِ
أعني سليل علي ذا الفضائل.... إيراهيم من دمه في حي سنحانِ
وكم أعد من الأسلاف من ملاءٍ.... عن حرب من ضل لما يثنهم ثاني
وكم نبي وربانين قد قتلوا.... فلم يهن من تبقى إذ فنى الفاني
نقفوهم نحن لا الدنيا نريد ولا.... علو مرتبةٍ فيها بعدوانِ
وشيعة صدقونا في تشيعهم.... و آسوا بخير نفوس غير خوانِ
هم في الموارد أسد غير أنهم.... هم في المساجد من أحبار رهبانِ
من كل مصطبر لله منتصر.... يبغي الرضى لا سوى من عند ديَّانِ
باعوا نفوساً إلى البارئ مقدسة.... فازوا ببيعة ربح غير خُسرانِ
وجدي أنيني عليهم وحشتي لهم.... تأسفي فيض أعياني لو اغنانيِ
تلك الوجوه التي قد طالما سجدت.... لله في الله قد خرت لأذقانِ

وضرَّجت بدماء وهي طائعة.... سالت بأسياف قوم أهل طغيانِ
سقى فروى ثرى أجداثهم أبداً.... من رحمة الله هتان بهتانِ
مما أقاموه من فرض الجهاد وقد.... أضاعه غيرهم من بعد إمكانِ
يا قاتل الآل مع أشياعهم ألهم.... ذنب سوى النصح في سر وإعلانِ
أذا جزآؤكم للناصحين أم الباري.... بذلكم أوصاكم بكتمانِ
قل لي لمن يدعي صدق الإخاء لمن.... فاتوا أعيشكم من بعدهم هاني
إن كان ذاك فدعواكم مكذبة.... أنتم لنا ولهم لستم بإخوانِ
لا أضحك الله سناً بعدهم ضحكت
.... عجباً ولا انفك دمع الشامت الشاني
أو لا يكن ذا فجدوا في نكاية من.... سقى الثرى منهم المثعنجر القاني
بلا توانٍ وهبوا عن منامكم.... فليس ينقم ثاراً عاجز واني
وبالنفوس لإحدى الحسنين وبالـ.... أموال جدوا وكونوا خير إخوانِ
فالنفس والمال لا بُقياً لأيهما.... والذكر نوعاه أبقاه لخزانِ
ما أعجب الموت ما بين الصفاح لـ.... ـحرب المعجبين بصفاح وألحانِ
وإن تروى دماءً من دمائهم.... من المواضي القواضي كل عطشانِ
من كل من لم يكن يحمي محارمه.... عند المجامع من قاصٍ ومن داني
ممن تنشَّا بحمل الطار مصحفه.... وبالسماعات عن ترجيع سبحانِ
والرقص أنساه إخبات السجود فأغـ.... ـواه اللعين يساوي ألف شيطانِ
والله نأمل في أقفار أرضهم.... عنهم ويسكن فيها كل سرحانِ
على لحومهم اللاتي تقسمها.... سيف ورمح لضراب وطعانِ
وماحووا نفلاً فيئاً نقسمه.... على الذي جاء في تنزيل قرآنِ
وتستتم لبانات لنا ونقـ.... ـول الحمد لله مولي كل إحسانِ

هذه القصيدة نقلتها كما وجدتها، ولعله بقي منها بقية إن وجدتها في نسخة كاملة ألحقتها [بها] بعون الله وحسن توفيقه.
ولما وقع تعارض المتوكل هذا وصلاح، وكان لهذا شيعة وأتباع، ولهذا شيعة وأتباع، [و] طال الخصام بينهم، واشتغلوا بهذه المعاني عن أمور الجهاد لبني طاهر، وغيرهم من معاندي المذهب الشريف كا لإسماعلية ونحوهم، أنشأ الفقيه أحمد [بن قاسم] الشامي هذه القصيدة في الحثِّ على اجتماع الكلمة والتعاون على الخصم، فقال:
هلاّ سألت مطهراً وصلاحا.... هل حصَّلا للمسلمين صلاحا
أم جهَّزا جيشاً لبلدة طاهر.... يروي التراب بها دماً سفاحا
ويذيق ساكنها الحمام وتمتلئ.... تلك النواحي والحصون نواحا
أو ليس أملاك المتوج طاهر.... ملكوا رداع وهيوة وصباحا
ورمى علي في خبان بعسكر.... وأصاب دمت ونهرها السفاحا
ورقى شوامخ مذحج وأقرهم.... في أرضهم لا يحملون سلاحا
تلك التي كانت لآل محمد.... صدقاً وهم فيها مساً وصباحا
فسطا عليهم شافعي سالك.... في مذهب لكنَّ فيه فساحا
فيه الغناء مع البراعة جائز.... والطار والشطرنج صار مباحا
وكذا السماع تألفت أصواته.... من مطربات تحدث الأفراحا
وأحل للناس الضياع مآكلاً.... وخيولهم والثعلب الصيَّاحا
هل ربكم قال ارقصوا وتساقطوا.... وأحبه وجداً لكم وأباحا
من شاء طار إلى السماء بزعمه.... شوقاً فلا يحتاج فيه جناحا
ياداعيان دعا العناد وأدِيا.... فرض الجهاد وقدِمّا الأرواحا

وتقمصا زرد الحديد وصافحا.... تحت العجاج صوارماً ورماحا
واستعملا تقوى الإله وخوفه.... وسداد ذات البين والإصلاحا
فعسى نفوسكما تجود بجمعها.... طوعاً وإن كانت بذاك شحاحاً

هذا ما وجدته من هذه القصيدة الفريدة، فأجاب عليه الإمام المطهر -عليه السلام- بشعر على وزن شعره، وهو هذا:
نور النصائح من نظامك لاحا.... وعبيرها من نشر طرسك فاحا
لما ندبت إلى شريعة أحمد.... وبديت منها ما استمات وطاحا
قل لي: فما ذنب الذي لخصومه.... بذل التناصف وابتغى الإصلاحا
قلنا: المصاحف والذي في كتبنا.... قالوا نريد كتائباً وصفاحا
قلنا: نحكِّم من رضينا دينه.... قالوا نحكم أسهماً ورماحا
قلنا: التعاون والمعاقل كلَّها.... نعطي أفاضل عصرنا الصُلاَّحا
قالوا: المعاقل إرثنا فنفوسنا.... صارت بهنَّ عن السماح شحاحا
قلنا: فقد علم الإله فنرتجي.... منه الفتوح فلم يزل فتَّاحا
ونقيم نبذل ما بذلنا أولاً.... ونقيم نيات عقدن صحاحا
أترى بعينك بعد ذا كبراً فيا.... خيبا لمثلك أن يرى قداَّحا
الحق ما قلت الخليفة منهما.... من كان عدلاً مانعاً سماحا
آهاً لذي شجو يستر ما به.... عن عاذل خال فلام ولاحا

وأنا الذي قبل الورى بخيارتي.... علماً فلم أر صادقاً نصَّاحا
لا ذنب لي إلا تمام هدايتي.... لهم وكشف اللبس والإيضاحا
مع حسن إنصاف وصدق وفا ولم.... يكُ مذهبي في ضد ذاك فساحا
عفُّ عن الأموال والأرواح والأ.... عراض لم أكُ جائراً جراحا
أرثي لذي عدم ومهتضم وإن.... أو تى تمكنتم فليس مباحا
طلب الأنام إمامهم مستعملا.... للكيماء والسيمياء متاحا
إن يسألوا أعطى وإن يسألهم.... مالاً يعان به أو الأرواحا
بخلوا بنصرته وقالوا عاجز.... هل طار باز حين قصَّ جناحا
من لي بذي حسب إذا استنصرته.... واسى وناصر صادقاً نصاَّحا
لا أضحك الله الأنام ومدمع الإ.... سلام صار لهضمه سفَّاحا
أيحل عيش أن تباح مشارب.... وحمى عزيز الدين صار مباحا
فيه تحكم من أباح قبائحاً.... ويرى حسان الواجبات قباحا
جهل الأنام فصار ما زكوه لا.... يزكو وأصبحت النساء سفاحا
يامن أتانا من لديه تألم.... للدين آح لما شكوت وآحا
انهض وأنهض من أمامك.... واقصدوا لله في أمر العباد صلاحا
واهتف بأرباب الصلاح فبينوا.... الحق الصراح فأعلنوه صراحا
وتعرفوا مولاه واعترفوا له.... فالأمر عن جد وليس مزاحا
إن أنت لم توضح لذي جهل فمن.... للجاهلين نعدهم إيضاحا
دع عنك قوماً دينهم دنياهم.... ودع الذين تبدلوا ياصاحا
قلها ولو صَعُبَت وصرَّح لاتُبَلْ.... نور الحقيقة لم يزل وضاحا
فازروا على من مال عن نهج الهدى.... لا تلبسوا ليلاً دجىً وصباحا
من راقب الأقوام مات بهمه.... ويفيد منهم من يكون وقاحا
وعليك تسليم وتكريم وتعظـ.... ـيم يزور عشية وصباحا

فصل: اعلم أن فضائل هذا الإمام وفواضله [كثيرة] وعلومه جمة غزيرة، وكانت له سيرة يالك في الكمال من سيرة! وبصيرة في أنواع العلوم يالك من بصيرة! ومن مصنفاته: كتاب الإرشاد كتاب حافل، وله رسائل كوامل، وأشعار ينشدها الركبان في القوافل، والرواة في المحافل، وهي كثيرة مدونة ومحفوظة، ومن أجودها، وأفضلها بركة: قصيدته التي أنشأها وهو أسير في حصن الربعة، وقد تقدم مني الوعد بالإتيان بها، وهذا المكان أكثر ملائمة [لإيراد ما فيها]، فلنوردها تبركاً بها، وبمن اشتملت على ذكره لعل الله يرزقنا من سره وبره، وهي :
ماذا أقول وما آتي وما أذرُ.... في مدح من ضمنت مدحاً له السورُ
عن الثناء لمن جاء الثناء له.... في معجزات المثاني يعجز البشرُ
من كان مادحه الدَّيان في سور القـ.... ـرآن فالمدح إلا ذاك يحتقرُ
لكن شفاء نفوس ذكر أفضل من.... سيقت له بعد ذكر الخالق الذكرُ
من ذكره في مطاوي سمع سامعه.... ألذ مستمع ينفى به الكدرُ
من ذكره كلما أبداه ناشره.... أطلا من العبقري الموشى والحبرُ
من ذكره كلما أفشاه عابره.... طيب المعاطس رياه الشذى العطرُ
من ذكره كلما ثناه ذاكره.... روض المجالس مرآه البهي النضرُ
من ذكره كرم من ذكره عظم.... تكفى به نقم ينفى به عسرُ
من ذكره شرف بل روضة أنُف.... من ذكره زلف من ذكره فكرُ
ذاك النبي الذي من قبل مولده.... لبعثه أنبياء الله قد شهروا
ذاك النبي الذي من قبل مولده.... سألوا أبه فهم في الجاه ما قصروا

في نعته سبقوه وهو سابقهم.... في النعت إن نعتوا والذكر إن ذكروا
بدينه ختمت أديانهم وهم.... إخوانه وسبيلاً واحداً عبروا
أتوا بتصديقه فيما أتى وأُتي.... له بتصديقهم فيما به أمروا
أحبهم وأحبوه فلازم كل.... في المآل به الحسنى إذا حشروا
بدينه ختم الأديان في الثقلـ.... ـين الإنس والجن دين ما به غيرُ
ذا خاتم الرسل ذا من للرسالة منـ.... ـه خاتم علم ذا الخَير والخِيرُ
ذا طيب الذات ذا من طاب عنصره.... وذا الذي منه حقاً طابت العترُ
ذا أحمد المصطفى المختار أحمد من.... في الأرض سار وفيه سُيِّرت سيرُ
هذا أبو القاسم الماحي الضلالة ذا.... محمد المحتبى العاقب الطهرُ
ذا النور ذا الذكر هذا بر قليطس.... بل ذا الحاشرالمرتضى قولاًإذا حشروا
وذا سلالة عبد الله أكرم عبد.... طاب في الله منه الخبر والخبرُ
طلاب مطلب من عبد مطلب.... دفاع ما عنه للمستدفع الحذرُ
من هاشم وهو من للضيف قد هشم.... الطعام مطعامهم إن شقّت الميرُ
من آل عبد مناف من أناف عُلاً.... ومن قُصيّ فأقصى ما به افتخروا
ومن كفاه كلاب من كلا بكفـ.... ـاية الورى ربه منهم متى حذروا
من مرة مرَّ تيم للعدى ولمن.... والاه أري الجنا تشتاره المررُ
من كعب بن لؤي ما لوى أبداً.... له اللوى وهو والي الكوثر إن كثروا
من غالب غالب الأقران خيرهم.... بقهر سؤدده في فهر قد قهروا

ومالك الأمر من أبناء مالك بن.... النضر بل من له في العالم النظرُ
ومن كنانة من كان المكين ومن.... هو المكوَّن سرُّ فيه معتبرُ
ومن خزيمة مَنْ عَنْ عين ذي خزر.... بخرمه مارئياً منه انتفى الخزرُ
ومدرك الفضل من أبناء مدركة.... ورأس إلياس من تزهو به مضرُ
من بذله غير نزر في نزار معـ.... ـد في معد الشفيع إذا حشروا
ذا من سلالة عدنان الذي وجبت.... جنات عدن لمن في طوعه ائتمروا
آباء صدق بهم فخر لمفتخر.... لكن لهم بالنبي الطهر مفتخر
ذا خير من وصفوا بالرحلتين.... وأولو النعمتين وأزكى من له أثر
سبط الذبيحين سرّالذبح فهو أبوالسـ.... ـبطين من ذبحوا أو من به غدروا
العدل في الدين والمبعوث في الثقليـ.... ـن والمسود في الكونين لا نكر
ذو البلدتين وذا ذو الهجرتين وذو الـ.... ـحزبين من هاجروا ثم الأولى نصروا
محرم الحرمين والذي شرع الحجـ.... ـين الأكبر حج النحر والعمرُ
ذا ذو الأذانين ذا ذو القبلتين وهذا.... ذو الصلاتين ذو الطهرين ذو الطهرُ
ذا ذو الطهورين ذا ذو المنبرين.... وذو الأمانتين يحط الوزر والوزرُ
وذو الطعامين والشربين محتضر.... لشربه كل شرب ليس يحتضرُ
ذو الطعمتين وذا ذو الليلتين وذو اليـ.... ـومين ذا ذو مقامي من له خطرُ
ذا ذو الكتابين ذا ذو البيعتين وهذا.... ذو الزكاتين للأموال والفطرُ

كم من مغار لذي الغارين ضاربه.... صدر المغادر عن نهج الهدى يغرُ
وبالخفيفين عند البعد ينتصر.... وبالخفيين عند القرب يقتدرُ
مكرم بمزار بعد تكرمة الـ.... ـشهادتين إليه أمت الزمرُ
قل في نبي كريم صادق نبأً.... في فضل أبنائه ما فيه مزدجرُ
من مرهصات أفادت أنه علم.... للعالمين به الأفراج تنتظرُ
كالفيل ذل وكيد الخصم ضل وطـ.... ـير ظل من رميه السجيل ينحدرُ
ولم تجد أمه في حمله عنتاً.... بل أشعرت أن ذاك السيد الخطرُ
ويوم مولده الأصنام قد نكست.... والنار قد خمدت وانقضت الزهرُ
وفي البحيرة غيض الماء وارتعدت.... أركان إيوان كسرى فهو منكسرُ
وأسعد الله سعداً بالرضاع له.... فاسترجعوه ولما شقَّ ما اصطبروا
وشيد ذكراً وصين الشين من صغر.... وشد إزراً وشدت قومه الأزرُ
وفيه قد عرف الرهبان ما شرحت.... آيات الانجيل والفرقان و الزبرُ
كذا أشار بحيرى حين ظلله الغـ.... ـمام في سفر أن يُتْرَك السفرُ
وكان ما كان للكهان في قصص.... في شأن من شأنه شأن له خطرُ
وفي عمارة بيت الله خصَّ بأن.... كان الذي عن يديه توضع الحجرُ
إذ كان في قومه بالأمن مشتهراً.... والصدق أكرم من في ذين يشتهرُ
وفي حِرى هجر الأحياء وناكر إذ.... للنكر ما نكروا والهجر ما هجروا
حتى اصطفاه تعالى للرسالة أن.... قم أنذر الناس لما أن خلت نذرُ
فقام فيهم مقام النصح مرتقياً.... مرقى أولي العزم صبَّاراً كما صبروا

مؤيداً من كبار المعجزات بما.... له الأكابر ممن كابروا صغروا
نبي مرحمة أقنت وملحمة.... أفنت ومعجزة لم تفنها العصرُ
ذكر لو الثقلان إظاهرا ليقو.... لا مثله ما على مثل له قدروا
إمام كتب إمام في الكتائب أمـ.... ـي الكتابة فيه حارت الفكرُ
أحيا مواتاً وأحياء أمات له.... من سارعن أمره طوعاً له الشجرُ
والشمس إذ غربت عادت بدعوته.... وانشق لمَّا تحدّوه به القمرُ
وأشبع الجيش ما نالت أمينته.... يمناه منه أساروا وهو ما يسرُ
والماء من بين ميمون الأصابع إذ.... مس الضما حين شقَّ الماء ينفجرُ
والعين زيدت ضياء بعد أن برزت.... فردها فجلاها وحدها الحورُ
أعمى بنفثته في الحرب إذ بصروا.... كما بها عاد يوماً للعمى البصرُ
على البراق رقى السبع الطباق بليـ.... ـل ضم فيه له عير العدى السحرُ
وثمَّ وافى أخلاء الوفاء وأخـ.... ـوان الصفاء وبأن وافاهم حبُر
وكلم الله واستعفى لأمته.... من التكاليف ما كانوا به أصروا
بالذكر في كفه الحصباء قد نطقت.... وسبحت إن هذا فيه مدكرُ
والعجم قد ناطقته والفصيح له.... بفضله مسَّه في المنطق العكرُ
والجذع حن له والجن دان له.... منهم وكلمه مسترشداً نفرُ
والأرض ضمت له والماء سيق له.... واللحم نم بما فيه له يذرُ
والقطف زف له واللحم جاء له.... شيّاً وما مسه جمر ولا سعرُ

ويوم هجرته ناموا وهم حرس.... له ومروا بباب الغار ما شعروا
وكان ما فيه يدعو وفق دعوته.... وصح ما عنه أنبا وهو مستترُ
وكان مولاه مما خاف يكلؤه.... فلم ينله من الأعداء ما مكروا
مثل الجهول أبي جهل غداة غدا.... عليه خامره في ليه الخورُ
وأنزل الملك الأعلى ملائكة.... مداً لهم فهم بالنصر قد ظفروا
وطاب في طيبة السكنى به ونفى.... عنها التخبث والأوبآ والقذرُ
وطاب ما بين جنبيها وأذهب عن.... صدور أوسهم والخزرج الوحرُ
وكم له من كرامات ومن كرم.... من رام حصر علاه ليس يقتدرُ
فضائل المصطفى قاست فواضله.... في أن هاتا وهاتا ليس تنحصرُ
فواضل إذ توالت لا ولي ولا.... وسمي فما أن أقاسها المطرُ
كم كفه وكفاً كفت وكم وكفت.... جوداً به قد أفاد الوجد مفتقرُ
بلا سؤال وإن تسأل أراك حياً.... للسائلين فيعطي وهو يعتذرُ
ماقال: لاقط إلا في مُقرَّته.... لولاه قيل على لا ليس يقتدرُ
عاد المريض وما قال القريض ومن.... فرط الحياء غضيض طرفه خفرُ
لم ينتصف من مسيء واستعد لانـ.... ـصاف وحاشاه لم يذهب به الشررُ
لم ينفرد عن أكيل حيث كان ولم.... يظلم أكيلاً ولا المأكول يحتقرُ
يجيب ولو لكراع من دعاه وما.... بالعرض عن أن يجيبوا إن دعا عذرُ
لخادم لم يقل لو كان يفعله.... ولم يكن كهر منه ولا نهرُ
ومان أهلاً ونعلاً كان يخصف والـ.... ـجليس ينصفه من خلقه زهرُ

كم أطفأ الله من نار لغير هدى.... بنار حرب لظاها فيه تستعرُ
وكم ظلام ضلال كم جلا بسناء.... صوارم بشباها يقصر العمر
بيضاً بليل صدام ما دجاه سوى.... عجاج نقع على الأبطال ينعكرُ
بالله ملتزم في الله مغترم.... لله منتقم في الله مغتفرُ
أمضت مواضيه فيمن قد مضى وصبا.... معْ أنه بالصبا والرعب منتصرُ
في فتية لم تفتهم قط منقبة.... لهم بادراك أسنى المجد معتبرُ
إن طالبوا بلغوا أو طولبوا امتنعوا.... أو غالبوا غلبوا أو قوهروا قهروا
أوعوطفوا رحموا أوخوشنوا صدموا.... أو حوكموا حكموا أو كوسروا كسروا
هينون لينون ألاَّفون قد ألفوا.... لا يوصفون ببغي إن هم انتصروا
شوس عوابس عند البأس لا و.... بهم إذا مست البأساء بل صبرُ
أسد ولكن أسد الغاب ما أسرت.... أشباهها وهم كم بيهس أسروا
كالحاسرين بداراً إن هم ادرعوا.... كالدارعين اصطباراً إن هم احتسروا
كأن خيلهم إذ عودت ألفت.... ركض العداء فهي لا بالركض تبتدرُ
كأن أرماحهم إن ثقفت علمت.... لها الخواصر واللبات والثغرُ
كأن كل عذاري مرهف لهم.... مغرا تشق به الهامات والغررُ
من العرانين ممن هاجروا نفروا.... عن المنازل والأوطان قد نفروا
ثم الألى أحسنوا إيوائه وله.... عن المنازل والأوطان ما حجروا
نزيلهم أنزلوه في علا غرف.... لكن منازل من قد نازلوا حفرُ

باعوا النفوس من الرحمن وهي له.... فأربح الله مسعاهم وما خسروا
يرون في طوع وضاح الجبين أجل.... المرسلين يسيراً ما هو العَسِرُ
هم خير أمة مبعوث بذا مدحوا.... من ذي الجلال فهم إذ ذاك قد فخروا
قل في نبيهم ما شئت غير مقا.... ل في ابن مريم فيه قومه كفروا
وكل ما قلت في مدح ابن آمنة.... فغير مين وفيه البسط مختصرُ
سمى عليه سلام الله أمته.... باسم آمنه فلها في ذاك مفتخرُ
فأمة المصطفى إذ ذاك آمنة.... أن ليس يشملها زيغ ولا ضررُ
فخص بالصلوات الطيبات من.... الباري وإخوانه والآل والأسُرُ
مكرر غير منفك تواصلهم.... مهما تكررت الأصال والبكرُ
يارب إني فيما قد أحطت به.... بهم توجهت إذ جاهي به قصرُ
حاشاك لا كان ذنبي كفؤ جاههم.... وفوق ذا عفوك المعروف ينتظرُ
[يارب لي ولكل المسلمين معاً.... فإن جودك جم ليس ينحصرُ]
ومن توسل فيما رام من وطر.... بهم إليك لك الحمد انقضى الوطرُ

هذه الوسيلة أنشأها وهو محبوس في حصن الربعة كما تقدم

وقد كان في خلال حبسه أخذ يعلم ولداً لوالي الحصن القرآن العظيم، فعلمه إياه في مدة يسيرة، ففرح بذلك الولد، وقال له –عليه السلام-: ما جزاؤك يا مولانا مني إلا أن أخرجك، واحتال الولد في فكِّ حلقة من قيده وبقيت [الحلقة الأخرى] في رجله الأخرى، وعصبا بقية حلق القيد، بخرق لئلا يسمع لها وحي، وحمله على ظهره طول ليلته، فأصبحا وقد جاوزا بلاد الدولة، ودخلا طرف بلاد [بني] الجبر، فانتبه أهل الحصن، وتصايحوا، وخرجوا يقصون بالأثر إلى أن وافوهما أول النهار، وقد دخلا طرف بلاد الغز، فتصايح أهل تلك البلاد واجتمعوا ومنعوا الإمام وصاحبه الذي أخرجه، فرجع أهل الحصن، ومن غار معهم خائبين، ونجا الإمام عليه السلام لبركة هذه الوسيلة وهي مجربة الفضيلة، ولم يزل يجاهد من تلك المدة محتسباً صابراً إلى أن ملك ذمار كما تقدم، واستوطنها، وبنى بها مسجداً عظيماً مشهوراً بالبركة، فلما مات في شهر صفر من سنة تسع وسبعين إلى رحمة الله [تعالى]، قبر بجنب مسجده هذا، فعلى هذا تكون مدة خلافته قدر ثمان وثلاثين سنة.

ومات وله أولاد، وأولاد أولاد من مشاهيرهم شجاعة، وفصاحة، وصيتاً: السيد الأفضل عبد الله بن المطهر، وقد ذكرت فيما تقدم أنه خلفه على ولاية ذمار، فانتهت به الحال إلى أن احترب هو وبنو طاهر، وجرت قصص يطول شرحها، فأخرجوه منها، وحلَّ صنعاء حتى ملكها عامر بن عبد الوهاب، فلما سير من بصنعاء من [وجوه] الأشراف، وعيال الأسد، سير عبد الله معهم هو وأولاده، وحللهم الجميع بتعز، وخلت صنعاء من ذرية الناصر بن محمد، ومن ذرية مطهر بن محمد بن سليمان، فسبحان من لا يزول سلطانه، فهذا طرف من ذكر قريس، وما اتفق فيه، أشرت إلى تفسيره على سبيل الاختصار تبعاً لاختصار السيد صارم الدين.

[ذكر الإمام المهدي صلاح بن علي بن محمد بن أبي القاسم ]
وأما قوله: ويقفوا أثرها علب وعرقب
فهما أيضاً: موضعان نشير إلى:
الأول منهما: وهو علب، فنقول: أشار السيد صارم الدين إلى ما وقع بعلب، وهو قرب صنعاء، وذلك أن حي الإمام صلاح بن علي بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن جعفر بن محمد بن الحسين بن جعفر بن الحسين بن أحمد بن يحيى بن عبد الله بن يحيى، وعبد الله هذا هو: أخو الإمام الداعي يوسف بن يحيى بن أحمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين –عليهم السلام-.
قال السيد العلامة الهادي بن إبراهيم صاحب كتاب (كاشفة الغمة)، -وهو أعني السيد الهادي من مشاهير السادة اليوسفيين-: إنهم أقرب بيتاً إليهم، قال: ولا شك عند أهل المعرفة بأنساب أهل البيت أنهم من أولاد الهادي، قال: وهي نسبة ظاهرة، بل متواترة لمن معرفته بعلم النسب غير قاصرة.
قال: فهم أهل بيت في الشرف كبير، وبالعلم الغزير شهير.

قلت: وكنية هذا الإمام المهدي لدين الله، وهو [كان] من أهل المعارف، وله كتاب في العربية شرح على الحاجبية اسمه (النجم الثاقب) انتزعه من شرح [كبير] لوالده عليها، فجاء هذا المنتزع معتمداً في صنعاء ونواحيها، حصَّله عدة من الطلبة لسلاسة ألفاظه، وتقريبه المقاصد من فهم المبتدئين، فلما دعا هذا الإمام كما تقدم، ورأى أن سنقراً واسمه: قاسم بن عبد الله، وهو الذي خلف سيده علي بن صلاح على مملكته بعد وفاته، ووفاة [ولده] محمد بن علي، فإنه توفي بعد والده بأربعين يوماً، فتصدر المملوك هذا على ما يعتاد من الرئاسة في مدة مولاه، فإنه كان من أهل الكمال والهيبة، فرأى الإمام صلاح حال هذا المملوك، وأن الكلام كلامه، أضمر في نفسه أن يلزمه إذا خلا به، فقد كان يواجهه أعني المملوك حيناً ومعه خدمه وحاشيته، وحيناً وهو وحده، فتواطأ صلاح هو وعدة من وجوه من معه بأنهم إذا دخل سنقر هذا، ترسَّم عليه جماعة عيَّنهم في منظرة قد عيَّنها لهم، ففشا سرهم، وعلم سنقر بذلك، فطلع كعادته مصبحاً للإمام عليه السلام، فكان أول كلمة قالها: أنت أيها الخادم الفلاني، أنت وفلان وفلان ناوون تمسكوني، وتترسمون عليّ هذا جزائي لفعلي إليكم المعروف أنتم ومولانا يعني الإمام! ثم أشار إلى خدمه أن اقتلوهم قبل [أن] يقتلوكم، فقتلوا أولئك الثلاثة الذين أوصاهم الإمام بالترسم على سنقر، فلما قتلوا رموا برؤوسهم إلى الميدان، ونصَّروا لسنقر، وأسروا الإمام، بقي ملزوماً مدة حتى احتالت الشريفة فاطمة بنت حسن، وهي زوجته في فكاكه من اللزم، ثم انتقلت هي وهو إلى صعدة، وبعد ذلك

قرب سنقر الإمام مطهر من المغارب، وفي عرض ذلك همَّ سنقر [أيضاً بلزم الناصر]، فخرج [من صنعاء] مختفياً بين سبع نسوة حرائر وإماء، حتى دخل هران فانضاف إليه بقية عبيد علي بن صلاح أنفوا من خدمة سنقر وهو مملوك مثلهم، فاستقوى الناصر بهم، فهم سنقر الأمر واجتمع هو والمطهر وبنيا على نزول اليمن، فظفر بهم الناصر في قريس، فلزم مطهراً كما تقدم، وسنقر قيل: إنه خنق وانقطعت دولته ودولة أولاده، وكان له ولد اسمه زيد، وولد اسمه إبراهيم بن قاسم سنقر.

وأما الإمام صلاح فلما وصل صعدة واختلف إليها مراراً معارضاً للمطهر، وفي بعض تلك المرات تقدم قبله المطهر إلى صعدة فحطَّ عند بير حوجل ومعه [عشرة] أشراف من بني حمزة مشاهير، وقع مع الشريفة وأهل [صعدة] الشجن منهم على صعدة، فسار صلاح بجيشه من صنعاء ليلاً ونهاراً [مغيراً على صعدة]، وبلغ ذلك الإمام المطهر ومن معه فتلقوا لصلاح من حوالي درب الحناجر يريدون مصادمته، واثقين بقدرتهم عليه وأن عسكره لا يطيقون مقاومتهم، فجاء الإمام صلاح وعسكره من طريق جبل بني عوير وبلاد المهاذر، لأنه بلغهم أن بلاد العبديين مملؤة سيلاً لا يحسنون المرور بخيلهم وجمالهم فيها، وفي الباطن أنهم أحبوا عدم المصادمة لخصومهم، فلما دخلوا صعدة علم الإمام المطهر أن قد رتَّبوها، فعطف هو ومن معه راجعين اليمن، فتقرر صلاح في المدينة، وجمع منها أموالاً جمة، وعاقب جماعة من أهل صعدة، وأخذ أموالاً قد كان أوصى بها [بعض] آل زيدان لمسجد الذهب، ومسجد زيدان، يقال: إن فيها من الحرير والحاصل جملة مال، وكان يأمر بحبس من امتنع من العقوبة، حتى قيل له: إن المنصورة قد امتلأت بالمحبّسين.
فقال: احبسوهم في الحصون.
فقيل له: والحصون قد امتلأت.

فقال: البور، أي أنزلوهم البور، فجمع جملة من الأموال والذُخَر والمحاصيل، وتقدم إلى اليمن، فأشار عليه جل وزراءه أن لا يتعرض لصنعاء في سفره هذا [ويتوقع، وأن يعمد ثلا] حتى تلوح لهم الفرصة في صنعاء، [فلم يسعدهم إلى ذلك، واسترجح تقديم صنعاء]، فجاءت طريقهم إلى أن وصلوا علب يماني نقم، فخرجت صنعاء بمن فيها، فوقع طرف قتال انجلت المعركة على أسر الإمام صلاح هناك، ونهب جميع ما معه من الثقل، وتقوى الناصر من تلك الساعة، وبقي صلاح في حبسه، وكان في زمن صلاح في صعدة ونواحيها من رخص الطعام على أنواعه، وكذلك السمن، والسليط، والملح، والحلبة، والغنم الحجازية وغيرها، ما لا يحد ولا يوصف، حتى صارت مدته في رخص هذه الأشياء يضرب بها المثل، فانتهى به حبسه في قبضة الناصر إلى أن توفي في شهر ربيع من سنة تسع وأربعين، ودفن بمسجد موسى من مدينة صنعاء، فتكون مدة خلافته حوالي ثمان سنين ونصف [سنة]، وأمرت الشريفة من صعدة لقبره بلوح كبير، فلما رآه عبد للناصر من كبار مقادمته، اسمه: ريحان بن سعيد كسر ذلك اللوح بدبوسه، فلم يمهله الله بل أخذه أخذ عزيز مقتدر، وعرف هذه الفضيلة لهذا الإمام أهل صنعاء وغيرها فهي متناقلة إلى آخر الدهر، وكان لهذا الإمام ولد اسمه علي بن صلاح، أمه الشريفة فاطمة بنت الحسن، وكانت البلاد الصعدية في يدها، فتوفي هذا الولد في تلك الأيام، فضاقت عليه كثيراً وضاق لضيقها جميع رعيتها، فما أحداً من أهل صعدة في تلك الأيام اشتهر بمس حناء ولا صابون، وأغرب الناس عن التزاويج الكبار مدة، وكان هذا الولد فيه جمال بارع وكبر بين الليل

والنهار، وتزوج أوان بلوغه بشريفة دخل بها ليلة الجمعة، ومات حور تلك الليلة [ليلة] ثامن، ودفن بمسجد الهادي -عليه السلام- بجانب غربي منه بقي فيه أياماً، ثم نقل إلى هذه القبة التي هو فيها الآن، وجاءت من أحسن القباب بأحسن الأمكنة.

[ذكر والد الإمام صلاح بن علي ]
ووالد الإمام صلاح هو السيد العلامة علي بن محمد بن أبي القاسم، كان في زمانه العالم، العامل، فاق في جميع العلوم، له مصنفات كثيرة، من أشهرها كتاب (تجريد الكشاف) ثلاثة مجلدات سابق فائق، وله (التفسير الكبير) مقدار ثمانية مجلدات.
قال السيد الهادي في (كاشفة الغمة): لم يؤلف مثله قبله ولا بعده، جمع كل غريبة، واحتوى على كل مشكلة، ومقدار فتاويه في جميع العلوم مقدار مجلد كبير.
توفي -رحمة الله عليه - في أول سنة سبع وثلاثين، وعمره تسعون سنة ينقص سنتين، ومسكنه صنعاء وبها مات، وأخوه يحيى بن محمد بن أبي القاسم كان رئيساً، ذا همة، ولاَّه الإمام: علي بن محمد حصن ظفار، ولما توفي السيد العلامة: علي بن محمد بن أبي القاسم رثاه الفقيه: أحمد بن قاسم الشامي فقال:
خطب تكاد له الأفلاك تنفطُر.... والشمس تنقض والأملاك تنتثرُ
والأرض ترجف لما مات عالمها.... وكاد يسطو عليها بعده القدرُ
ولىَّ علي وخلَّى في العلى خلفاً.... مثل النجوم هوى من بينها القمرُ
وكان في ذروات المجد مرتفعاً.... تسمو به رتب العليا وتفتخرُ
أحصى العلوم فظنوا أنه ملك.... يمشي على الأرض إلا أنه بشرُ
تزلزل اليمن الأعلى لفرقته.... واستوحشت في الورى من بعده مضرُ
ولم يزل في آزال رنة وبكى.... بحرقة ذاب منها الترب والحجرُ
وكاد ينحط من أقطاره نقم.... على ثرى قبره حزناً وينكسرُ
أحلى مذاقاً من السلوى شمائله.... وحيثما الغيظ منه يقطر الصبرُ

إن صال أوصل أوصال العدى تلفاً.... وجاءه العاضدان النصر والظفرُ
وهل يشاكله الليث الهصور وما.... لليث رمح ولا صمصامة ذكرُ
مثل السحاب يخاف الخلق صعقته.... وترتجي غيثه الأشجار والثمرُ
يروي جميع أحاديث النبي ولم.... يرو الجميع أبو بكر ولا عمرُ
ويكشف اللبس من معنىالكتاب ولم.... يقدر على فهمه الألباب والفكرُ
من للكتاب محلٌّ بعد غيبته.... وللأحاديث في الدنيا فينتظرُ
وللأصولين من ينهي أدلتها.... إلى الضرورة حتى يصدق النظرُ
ومن لعلم المعاني والبيان ومن.... على معاني لطيف النحو يقتدرُ
أمن يرد الفروع الغامضات إلى.... علم الأصول ويحصيها فتنحصرُ
قد حازها منه صدراً كالخضم له.... موج على شبه الفجَّار ينفجرُ
والعلم كالروح للأحيا فإن عدمت.... لم يبق إلا شخوص الناس والصورُ
لئن بكوه بأكباد مقطعة.... وأعين دمعها ما زال ينحدرُ
وأنزفوا الدمع واستكت مسامعهم.... حتى يكاد يزول السمع والبصرُ
فليستعيروا دموعاً للنواظر من.... سحابة من لدنها الماء ينهمرُ
وليجعلن بكاهم والدموع على.... دين الإله إلى أن ينقضي العمرُ
فقد تضعضع دين الله وانهدمت.... أركانه وعفا من رسمه الأثرُ
وليس في الناس من يحيي معالمه.... إلا رجال بني الزهراء وإن قهروا
فهم أجل بني الدنيا وأفضلهم.... بذاك قد نطق القرآن والخبرُ
بنوا على العدل والتوحيد مذهبهم.... ونزَّهوا الله عما يفعل البشرُ

والأرض أكثر من فيها مقالهم.... إن القبيح قضاء الله والقدرُ
وكل فعل فإن الله خالقه.... في العالمين ومنه النفع والضررُ
أما الأصول فأهل الحشو ما فهموا.... معناه لكنها ما تفهم البقرُ
لولاه ما عرف الباري ولا عرفت.... آياته إنها منه ولا السورُ
وفرقة نفت الباري وبعضهم.... ثنَّاه جهلاً فلم يبقوا ولم يذروا
لولا أئمة أهل البيت تدفعهم.... لكان أكثر هذا الخلق قد كفروا
كمثل زيد ويحيى بن الحسين ومن.... آل النبي مصابيح قد اشتهروا
ولم يزل قائم منهم له خطر.... بالحق ملتزم بالله منتصرُ
يحيي الجهاد ويستدعي العباد إلى.... فعل الرشاد كما جائت به النذرُ
ودين جدهم المختار دينهم.... بذا تواترت الأخبار والسيرُ
وأكثر الناس إيماناً لهم سلف.... فكيف يخفى عليهم وهو منتشرُ
خلائف الله من بعد النبي كما.... كان الخليفة موسى قبل والخضرُ
فالحق أولئك إنَّ الدين دينهم.... لا دين من هو بالتقليد يعتذرُ
فهذه نفثة من صدر محترق.... يكاد تصعد من أحشائه الشررُ
كيف المنام وأرض الله مظلمة.... من بعد أبلج يستسقى به المطرُ
بحر جواهره تبدو ولجته.... فيها لسائله الياقوت والدررُ
لولا له فتية من نفس جوهره.... ما أورقت بعده من فقده الشجرُ
زاكي الطريقة في قول وفي عمل.... عذب الخليقة ما في صفوها كدرُ
وكم له من تصانيف محكمة.... تكلُّ عن مثلها الأفكار والفكرُ

أفي المحرم أمر الله صادفه.... ليت المحرم يمحو رسمه صفرُ
لا أشرقت شمس مجد بعد غرته.... ولا استلذ به قلب ولا نظرُ

[ذكر عرقب]
وعرقب اسم موضع بين ذمار وصنعاء من شرقيها، وصله الناصر فاراً من هران، وقد رصد له عدوه في جهران والنقيل رجوى أن يجيها، وهي طريق معتادة، فجاء من طريق عرقب والجربتين، فمن حذره لم ينجُ، وأتيح له أهل عرقب [والجربتين] واسمه هداد المشرق، ويقابله هداد المغرب والجربتين، فرفقوه وعابوا فيه وسلموه إلى يد الإمام المطهر، فحبسه عنده بكوكبان حتى مات هو وعبده المسمى: عبية الطاهري.

[ذكر الإمام المنصور محمد بن الناصر ]
فصل في ذكر نسبه ومدة ملكه وإقبال الدنيا له ثم إقفائها عنه وذكر موته وموضع قبره.
أما اسمه: فهو الناصر، وكنيته المنصور، واسم أبيه محمد بن الناصر بن أحمد بن الإمام المطهر بن يحيى بن المرتضى بن المطهر بن القاسم بن المطهر بن محمد بن المطهر بن علي بن الناصر بن أحمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين [عليهم السلام].
وأم الناصر بن محمد الشريفة مريم بنت علي بن صلاح المقدم ذكرهما، لما تربَّى في قصر غمدان في حجر الخلافة دعته همته العالية إلى أن عارض صلاحاً ومطهراً على صغر سنه من سنهما وقلة علمه، فجاء نادرة عصره.
قاد الجنود، وخفقت فوق رأسه البنود، وأسر معارضَيهِ المذكورين وغيرهما من ملوك زمانه، وملك ذمار وصنعاء وصعدة، وما حول ذلك من بلاد الزيدية، وغزى بلاد بني طاهر مراراً، واستولى على حصون شوامخ، وما كان أحد من الملوك يقوم له إلا وظفر به، وانتشر صيته في جميع النواحي.
ومن إقبال الدنيا له أن ذمياًجاء إليه إلى حصن هران، وما قد ملك من البلاد غيره.
فقال له: قم اقبض صنعاء فهي في يدك، فقد اقتضى الحساب أنك تصلي الفجر بمسجد وهب، والظهر والعصر بجامع صنعاء، والمغرب بقصر غمدان من غير ضربة ولا طعنة.
فقال له: كيف هذا والمدينة وقصورها وحصونها في يد زيد بن قاسم ولد سنقر، وأهل المدينة على رأيه؟
فقال الذمي: أنا هذا في يدك وبين يديك وأسير معك، فإن اختلف من قولي هذا [شيء أقل قليل] فروحي هدر.

قالوا: فسار من ساعته، فلما وصل مسجد وهب آخر الليل صلى به، وارتاع أهل المدينة وداخلهم الفشل ففتحوا له الباب، فجاء وقت صلاة الظهر والعصر وهو وقت المشاركة جمع الصلاتين مشاركة، وخرج متوجهاً نحو القصر وفيه زيد بن قاسم وغيره في عسكر فوق عسكر الناصر، ففشل العبد وارتاع، وراسل الناصر أن يؤمنه هو وحاشيته ففعل ونصَّروا له، فما صلى المغرب إلا بقصر غمدان، فاستولى من تلك الساعة على أكثر بلاد علي بن صلاح جده أبي أمه، وانفتحت له البلاد على هذه الصفة، ثم انعكست عليه أموره آخر مدته، وقد أشار إلى طرف من أمره حي السيد الفصيح المصقع إبراهيم بن يحيى الشاعر المشهور من بني الهادي، وكان من أعيان من يحضر عند الناصر.
فقال: شعراً حمينياً، أوردته هنا وإن كان ملحوناً لما كان فيه شرح بعض أحوال الناصر، فالحكمة ضالة المؤمن، وقد ذيَّلته بأبيات ذكرتها في آخره.
قال مبتدأً:
إن تكن مهجتك والهة محتارة
خذ دوائين من أدوية مختارة
وهمومك على خاطرك كالدارة
ياقريب الفرج يا سريع الغارة
[بيت]
يا إله السما يا مليك الأملاك
جل ملكك فما أقدرك ما أعلاك
يا مدبر بحكمك جواري الأفلاك
تنصب الخلق تارة وتخفض تارة
[بيت]
تحتسب ما ترى من صلاح الأحوال
يكسب الآخرة أهلها بالأعمال
وتحوِّل بحولك جميع الأحوال
وإنما العاجلة مسترده عاره
[بيت]
قد مضى في القصص والسير والأخبار
خدعتهم بآمالها هذي الدار
من ملوك الأعاجم وأهل الأمصار
خادعة فاجعة ماكرة غرارة
[بيت]
في ذمار العبر للذي له معقول
بعد ما كان معلوم عاود مجهول

أوحش القصر وهو الأنيس المأهول
ليس بيت الأسد مثل بيت الفارة
[بيت]
والجراحيش في فرد ساعة طاحت
هجرتها الغواني وعنها راحت
والبواكي عليها وفيها ناحت
لو ترى الرابضة أو ترى المفخارة
[بيت]
وتحرَّى السلامة بقلعة هران
فرأوا كل ما يكرهون بالأعيان
واجتمع به معه رفقته والأعوان
ذا يطُرَّد وذا تخرب داره
[بيت]
هد ركنه هداد الذي به أمسى
وابن آدم لما يعلمه قد ينسى

مركبه على شاطئه قد أرسى
ما خطر في ضميره عطل والقارة

[بيت]
ومضوا به على باب صنعاء مأسور
عز والله علينا المليك المنصور
وهو ينظر إلى قصر صنعاء والسور
واقيوده إذا ما احترك صرارة
[بيت]
طلعوا به إلى كوكبان الشاهق
والقضا والقدر قائده والسائق
ضيقوا محبسه فيه وما كان لائق
أبخل الناس من ليس يكرم جاره
[بيت]
ثم فاجاه فيه الحمام المحتوم
وعبية حواليه مكبل ملزوم

والمداعس تفادى بمال معلوم

وتخلاص سيد نشب في الغارة
[بيت]
بعد هذاك بيعت مدينة صنعاء
قرّ فيها قليلاً وبيَّن الرجعى
فأتى مشتريها مغيراً يسعى
نحو أرضه وعين الفرج نظارة
[بيت]
قفَّلوا أهل صنعاء عليها الأقفال
فأتى الشيخ عامر بشير الأهوال
وحووها بخيلاتها والأموال
قال له يا مضيع رددت العارة
[بيت]
فاستمر ابن طاهر يشن الغارات
وهو يقسم لا ترك رباها حارات
نحو صنعاء ينادي بيا للثارات
ما درى أن قتله بها كفارة
[بيت]
فاجتمع ملك صنعاء لابن الناصر
وخدع به أخيراً خليله عامر
قدر خمسين عاماً بعدل طاهر
خدعة يالها مهلكة ضرارة

[بيت]
حط حوله على باب صنعاء بغتة
بالمدافع فكل يدكدك ثبته
قدر خمسة شهور أو هي ستة
والمؤيد يعد بالفكاك أنصاره
[بيت]
فأغاثه إلهه بغارة شعوى
وابن أبي واصل هو أمير الشجوى
بالسراجي كفاه الإله البلوى
ذاك ابن الحسين ناقمٌ بالثارة
[بيت]
حيزوا عامراً وفلوا حده
ثم دبَّر كسيراً وسيَّب جنده
وانحصر في نقم ليالي عدة
مزَّقتهم سيوفٌ بها بتارة
[بيت]
كل هذا ومولى آزال معتل
وتولى وحرق خيامه والحل
فأراه إلهي خصيمه قد ذل
والمرض بالمؤيد يزن أظفاره
[بيت]
فقضى الله عليه الحمام المحتوم
وهو ظالم لنفسه بصورة مظلوم
وقد ابصر مناويه ولىّ مهزوم
حاملاً من خداعه معه أوزاره
[بيت]
بعد عامين عاد ابن [عبد] الوهاب
وافتتحها وكان في الحساب الغلاب
لحصاره لصنعاء وشد الأطناب
مارقد قط حتى تناول ثاره
[بيت]
أسر أحمد سليل المليك الناصر
وحريمه من كان عنده سامر
وعياله وماله وما كان ذاخر
مثل شارب ورهطه وأهل الداره
[بيت]
بعد أن قد هزم أمير الجوفين
مات في سجنه فأطفى النورين
وفعل بالسراجي ما أبكى العين
وأسر ثم شله وأضرم ناره
[بيت]
ليت عين المؤيد ترى ما صالت
ليت نفسي قبيل المؤيد سالت
آمنه بعده وقد كان قالت
لا أرى دى الحرق لنا مطاره
[بيت]
ففراقي لقصري مصيبة صيبا
ما لهذي الليالي خسيسة عيبا
وهوان العزيز كلمة شيبا
صيرتني وكنت المجيرة جارة
[بيت]
ثم لما تخلت لعامر صنعا
وغدا الذئب مع الشاة فيها يرعى

بسط العدل فيها و سد الصدعا
والرعايا لأملاكها عمَّاره
[بيت]
وتقضت ليالي عيال الناصر
بليال المليك المتوج عامر
وليالي ابن عيسى الشجاع الباهر
جل من هو لمن شاء يملك داره
[بيت]
لا اعتراض على مالك من مملوك
فإذا عمرها انتهى رأيته مفكوك
للولايات عمر بعينه مسلوك
لا ترده عماره ولا أقطاره
[بيت]
ذا نظام لشاعر قديم أنشَاهْ
وعلى قدر لفظه بجهده حشاه
وتلاه أخيرٌ بنحوه وشَّاه
وهو من فك من[ذا] الكتاب إزراه
[بيت]
الفقيه النبيه الزحيفي الفندي
ونطاسيها ووارى الزند
الذي هو لسر الفوائد يبدي
قطبَ له في علوم السير مدراره

وأما ما ملك من النواحي فاعلم أنه ملك ذمار، وأكثر بلاد خبان، وهيوة وصباح، ورداع، وجل بلاد الزيدية يمناً، وما بين ذمار وصنعاء، وما بين صنعاء إلى ظفار الظاهر، ثم من ظفار إلى صعدة، أخذها على فاطمة بنت الحسن واستولى على جميع حصون صعدة، وملك نجران، وجباناً وعذر، وملك ذي مرمر، والفصين، وأطاعه أكثر أهل الجوفين، والبونين، وأسر الأئمة والملوك، والفقيه المعافى بن عمر، والمهدي بن عز الدين، وما بقي عليه من بلاد علي بن صلاح لم يملكه إلا اليسير، وكانت صعدة للشريفة فاطمة بنت الحسن، فأخذها عليها في سنة خمس وأربعين، وبقيت الحصون بيدها، ووقف بصعدة قدر شهرين، وعاد إلى صنعاء في سنة ست وأربعين، ووصل صعدة كرة ثانية في رمضان من سنة ثمان وأربعين، فوقف بها رمضان، وشوال، وذا القعدة، وتزَّوج الشريفة بدرة بنت محمد بن علي بن صلاح، واصطلح هو وأمها فاطمة بنت الحسن، ثم خرج إلى صنعاء، وفي هذه السنة مات الإمام صلاح في حبس الناصر كما تقدم، وفي سنة سبع وخمسين أمرت الشريفة فاطمة خدمها قتلوا حسن بن محمد بن علي بن مداعس خلف باب سويدان، وكان يريد الخروج إلى صنعاء، فبعد ذلك قام أخوه عبد الله بثأره، وجاء بالناصر على صعدة، فأخذها في شوال من سنة ستين، واستولى على الشريفة ووزرائها، وقيدّهم الناصر، ثم أخرجهم الناصر إلى صنعاء، وخرجت ابنتها بدرة بنت محمد، وولدها يحيى بن صلاح إلى الحظائر من بلاد الربيعة، ثم وصل الناصر إلى صعدة مرة أخرى، وخرج على فللة، فأخرب الحرة التي على فللة، وفي هذه السنتين لم يزل الحرب بينه، وبين بني طاهر سجالاً حيناً لهم

وحيناً له، وفي آخرها استقووا عليه ففر منهم [خوفاً من ذمار إلى هران، فغدر به بعض خواصه، فراسلوا بني طاهر، فخرج من هران عامداً] إلى صنعاَء من طريق عرقب، والجربتين، وهداد فقبض [عليه] أهل تلك البلاد، ورجَّح لهم ذلك فقيه مشهور عندهم بالبركة، وهو من شيعة مطهر، وحَسّنَ لهم تسليمه إلى المطهر في آخر رجب من سنة ست وستين، ووقف ملزوماً إلى أول سنة سبع وستين، ومات بكوكبان، ونقل إلى صنعاء، فقبره بمسجد القبة من صنعاء، وفي خلال لزومه استمر عامر بن طاهر يغادي صنعاء بالغوائر ويراوحها حتى أضعفها، فاسترجح ولد الناصر بيعها من عامر في شهر شوال من سنة ست وستين، فملكها قدر سنتين ونصف، فظهر لابن الناصر من المتولي على صنعاء لعامر أنه يريد لزمه بصنعاء، وإنزاله إلى عامر إلى اليمن، فتشجن من ذلك، فأرسل إلى محمد بن عيسى، وهو والٍ على ذي مرمر والفصين أنه يغير عليه خفية، ويخرجه إليه قبل أن يقبض، فتجرد له في بعض الليالي، وذلك الوالي قد خرج ثبت بلاد سنحان، فدخل صنعاء سراً، فلما اتفقا [على الخروج] قال لهما من قال: إن المدينة بأيديكم في هذه الساعة، فانتهزوا الفرصة، ودخلوا على الكراز بيته، وقد كان وزيراً للناصر، ولكنه مال ميلة ابن طاهر، فنهبوا بيت الكراز، والتف أهل صنعاء جماعة عامتهم وعالمهم، وعمدوا قصر غمدان، وبه والٍ لعامر من همدان، فدعا بالرفاقة، فرفقوه ومن معه، وقبضوا صنعاء من تلك الساعة، وبلغ ذلك عامراً، فأصابه من الغم ما قدم وما حدث، وعاود الغارات يشنُّها على صنعاء، كان آخر غزوة غزاها من عدن، فوصل صنعاء على غفلة يوم سادس

خروجه من عدن، وجاء وشارب غائب في بلاد حضور في عدة من الخيل لا تبلغ عشرين فارساً، فأرسل إليه ابن الناصر: يا غارة، يا غارة، فأغار [في] تلك الساعة بمن معه، وهم لا يعلمون أعني من مع شارب بكون ابن طاهر قد حطَّ على صنعاء، وأقبلوا من حضور حتى أشرفوا على قاع صنعاء من عصر، فرأوا من الجيش الكثير ما يشبه الجراد المنتشر، فأحجم بعض من مع شارب، وهو تقدم في قدر سبعة عشر فارساً، غدا في عسكر ابن طاهر وراح مراراً، وسلَّمه الله [سبحانه] من القتل، وفي خلال ذلك، وباب صنعاء مغلوق في وجهه والمفاتيح بيد ابن الناصر، فجاءوا إليه، وقالوا: افتح لنا نغير على شارب وأصحابه، فأرواحنا على روحه صدقة، ولا ننسى صنيعته معنا في استرجاع صنعاء لنا ولك، وكادوا يسطون بابن الناصر، فأعطاهم المفاتيح، وخرجوا منبثين على محطة عامر، فأخذوا أكثر جمالها أدخلوها صنعاء، وجاء من أخبر عامراً أن الجمال قد دخلت صنعاء، ففرح ظناً منه أنها دخلت بقوتها، فقيل له: إنها منهوبة مطموعة، فما زال يقول: من إيش؟ من إيش؟ [من إيش؟ ]،حتى سقط من فوق مركوبه، فقيل: مات غيظاً، وقيل: بل أصابه سهم غرب، وعلى الجملة فما دري ما كان سببه، واستوت الهزيمة في عسكره والقتل الذريع، والسلب لأمواله الجميع، وما سلم إلا من حماه أجله، واستغنى الفليس، وصارت جميلة شارب يضرب بها المثل في المشارق والمغارب، وما زال هو وابن الناصر تقبل لهم البلاد، وتدين لهم العباد، وسيأتي لهذا مزيد إيضاح في ذكر محمد بن الناصر –إن شاء الله تعالى-، ولما قتل عامر قبر بقبة خواجة على باب اليمن، فخشي أهل صنعاء

أن يجيء له من ينقله سراً يتصَّنع به عند بني طاهر فقبر بقبر ثانٍ بجنب الداير، و ما حرس عليه، فمكث أياماً، فجاء من نبش قبره وحمله في ثياب، وسار به بعض يوم، فشعر به من شعر، فلحقوه وردوه بعد تنكيل حامله، فقبر في قبر ثالث، [فسبحانك] من تعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، ومما قيل في الناصر مدحاً: قول السيد الفصيح المقول إبراهيم بن يحيى، وكان من فصحاء صنعاء في وقته، قال :
أيدري ما الشجيُّ به الخليُّ.... أجدُّك يستوي ظمأً وريُّ
يقول العاذلون هواه غيُّ.... وقول العاذلين هو الغويُّ
وأولى من يرق له ويرثى.... إذا اعتلق الغرام به البريُّ
وأرعى النجم من كَلَفٍ بسعدى.... لأرقب طيفها وهو البطيُّ
وأنَّى زار طيف ذا سهادٍ.... له قلبٌ بحرقته صليُّ
يقلبه الهوى ظهراً لبطن.... ويلحق صبره نشر و طيُّ
لجاج اللائمين عليَّ جهل.... وداء الحبِّ لو علموا دويُّ
بسمعي عن سماع اللوم وقرٌ.... وقلبي لاتباعهم عصيُّ
دعاني العاذلون لترك وجدي.... لأحبابي فقلت الرشد غيُّ
أبى لي الحَّبَّ ميلاً عن هواهم.... فقلبي عن إراد تكم أبيُّ
أتدعوني إلى تركي هواهم.... وهل يسلو الهوى إلا دعيُّ
فلما استيأسوا خلصوا نجياً.... وقلبي بالغرام لهم نجيُّ
وماذاك الغرام أردت لكن.... جرى في كتبه القلم الوحيُّ
عزلت الإعتزال إلى ذويه.... فهل شعروا بأني أشعريُّ
أما لو أبصروا قسمات حبي.... لضلوا رشدهم وعموا وغيُّوا

وقالوا عند ذاك بلا مراء.... وقد وضح الجمال اليوسفيُّ
أصاب الشيخ أن لا فعل إلا.... بتقدير وأخطاه الجنيُّ
لعل الله يدركني بلطف.... فمن عاداته اللطف الخفيُّ
أجب داعي الصبابة غير وانٍ.... فذا الوسمي يعقبه الوليُّ
وذر ثوب الحياء خَلقاً سميلاً.... وذا ثوب الربيع العبقريُّ
رباب المزن هامية حمانا.... وخدُّ الأرض من طرب نديُّ
تضاحكت الرياض فثغر هذا.... لجينيُ وهذا عسجديُّ
وشَّق شقيقها الأكمام تيهاً.... وماد الغصن واهتز النديُّ
وغرَّد طيرها شربوا كؤوساً.... فخير العيش صرف صرخديُّ
إذا ما استفَّها هرم أعادت.... له ما يفعل الناشي الصبيُّ
لعمرك ما ارتوى منها بلالاً.... فلم يرجع له خلق وريُّ
وكم محدودب كِبراً حشاها.... فجاءك وهو معتدل سويُّ
وكم من مصمت شرب الحميا.... فأصبح وهو منطيق بذيُّ
أدرها عانساً بكراً عجوزاً.... حصاناً لا يقاربها الغبيُّ
تمشي في المفاصل مشي بُرءٍ.... إلى سقم فتاركها غبيُّ
إذا حُسِيت من الأبريق ليلاً.... أتى الإصباح وانجاب العشيُّ
لها روح سماويُّ بسيطُ.... له جسم زجاجي كريُّ
وريح لو أتى الموتى لحيوا.... بنكهته ولون عندميُّ
عقيق ذائب يطفو عليه.... جمان لؤلؤي جوهريُّ
فلو نظر ابن سَّيار إليها.... لصحَّ الجوهر الفرد الخفيُّ
تعرت عن شوائب كل ذات.... فشاربها عن البأسا عريُّ

أما هي تكسب البخلاء جوداً.... أما الغدَّار يشربها وفيُّ
أما الهيَّاب يأخذها فيسطو.... أما الحاقي بصبغتها حفيُّ
محرمة ولكن عن أناس.... وما يصفونه شيء فريُّ
فلم يسعد بها إلا سعيد.... ولم يشقى بها إلا شقيُّ
فخذها من يدي رشا أغنٍ.... كأنَّ جبينه قمر مضيُّ
وطلعة وجهه صبح ولكن.... أثيث جعيده ليل دجيُّ
تبارك من برى هذا وهذا.... يقلُّهما القوام السمهريُّ
تناول جمرة من وجنتيه.... ومن فيه فطعمهما شهيُّ
ثلاث كلها نشوات خمر.... هنيء شربها أبداً مريُّ
وأفضل شربها من فيه يسبي.... وأفضل ما اغتبطت به السبيُّ
لقد بتنا وقصَّر طول ليلي.... منادمي الغزال العوهجيُّ
له طرف يميت به ويحيي.... وعنق في الرشاقة عيطليُّ
أعاتبه على مطلي فيغظي.... حياءً وهو عن ديني مليُّ
ويعلم كنه فقري واحتياجي.... لما يحويه وهو به غنيُّ
فقال: دع العتاب وغن صوتاً.... أعارضك العريف الجعفريُّ
وجس العود رفقاً بعد ستر.... وأنطقه فناطقه الرويُّ
تعالى الله ذا عربي لفظ.... يخاطب ذا وهذا أعجميُّ
وحرَّك رأسه طرباً وغنَّى.... ألا يا دار مية أين ميُّ
وقلب طرفه بفتور لحظ.... له فتك بعاشقه أريُّ
كأن على نواظره السواجي.... حساماً سله البطل الكميُّ
أمير المؤمنين وخير ملك.... له في الدولة الحظُّ السنيُّ

مليك هاشمُّي طالبيُّ.... إمامٌ فاطميُّ حيدريُّ
هزبر هبزريُّ أصيديُّ.... خُضَمُّ أو حديُّ أمجديُّ
لبيٌُ نابهٌ يقظٌ أريبٌ.... أديبُّ سيدُّ ملكُّ سريُّ
وقورٌ ناهضٌ يمٌّ لهامٌ.... زكيُّ ما جدٌ ندسٌ ذكيُّ
بليغٌ مصقعٌ خرقٌ هضومٌ.... أبيُّ طائعٌ عفُّ جريُّ
له خلقٌ وخلقٌ ذا وضيُّ.... يلين له الجماد وذا رضيُّ
له أيدٍ وأيد في المعالي.... وناهيك الحليم الأخوذيُّ
نقي لا يعاب ولا يعيب الأ.... نام سميدعٌ شهمٌ نقيُّ
يطول وجدَّه المختار فخراً.... و لا يُعْلَى ووالده عليُّ
حكى جديه منذ كنَي وُسمِّي.... وزينٌ ملكه ريَّ وزيُّ
فذا المنصور بالمنصور سمَّي.... لوالده بكنيته سميُّ
هم الشمَّ الأولى سادوا وشادوا.... فنشر فخارهم عبق ذكيُّ
هم خير الأنام بلا مراء.... وأفضل من بهم تُحدَى المطيُّ
تعنعن مجده شأواً بشأوٍ.... وليُّ أو وصيُّ أو نبيُّ
فسلني عن مناقبه بياناً.... فعند جهينة الخبر الجليُّ
له فضلٌ تُقِرُّ به الأعادي.... وكفُّ بالندى سَمِحُّ سخيُّ
وعلمٌ لو تقَّسمه البرايا.... لأصبح كلُّ ميت وهو حيُّ
وبأس ضمَّه كرمٌ تليدٌ.... تُقِرُّ له به عبسٌ وطيُّ
وحلمٌ لو تعلَّمه ابن قيسٍ.... لما قاسته تيمٌ أو عديُّ
وفهم لو تأمله إياسٌ.... لآيس أن يقال له: ذكيُّ
وحَّزٌم خصَّه العبَّاس منه.... بأوفره وعزمٌ موسويُّ

وتدبيرٌ أناف على ابن حرب.... حنيفيُّ حفيُّ أحنفيُّ
وخلقٌ من رسول الله سبطٌ.... وخلقٌ منه معروفٌ بهيُّ
أمير المؤمنين فدتك نفسي.... لما هذا النوال البرمكيُّ
وكم هذا العزائم والسيوف الصـ.... ـوارم والعواسل والقسييُّ
وكم هذا الذوابل والدروع السـ.... ـوايل والخميس اليحصبيُّ
وكم هذا الجواشن والخيول الصـ.... ـوافن منتماها أعوجيُّ
وكم هذا الترائك قد تلتها العـ.... ـواتك والمشاقص والنضيُّ
وكم هذا المغافر والمواضي البـ.... ـواتر والخناجر والمديُّ
وكم هذا البوارق أعقبتها الصـ.... ـواعق ما مقاومها حجيُّ
وكم هذا الصواهل جللَّتها القـ.... ساطل إن ذا أمر بهيُّ
وذي السِيدان بالآساد تسعى.... وهذي العيس رقَّصها الحديُّ
وكيف ترى بغاث الطير مهما.... دنا منها العداة المصرخيُّ
فصعدة تسعى فيرون وهذا.... ضعيف الحال يغلبه القويُّ
فإن يكٌ رأي من فيها عناداً.... فذاك الرأي مسفوه رديُّ
وإن العدل مشرعه زلالٌ.... وإن البغيَّ مرتعه وبيُّ
أجدُّك كل ذا من أجل هذا.... فلا وانٍ يراك ولا ونيُّ
وربتما رغبت لذاك لكن.... ليحمدك المقام الهادويُّ
أزرها مكة فلقد تسامت.... إلى مرآك واشتاقت حليُّ
وجدَّ بجدِّة للقاك وجدُّ.... وهام لك المقام الأ بطحيُّ
وطاب لطيبة منك اقترابُّ.... و أسعفك الجناب اليحيويُّ
ولجت في مجيء منك لَنجَا.... ورجَّى ذاك آمل والغريُّ

وأذعن ما ورا النهرين طوعاً.... فسر والحال فيه أسعديُّ
ودونك خذ مفاتيح الدنى عن.... تداني ذا وأنت بها حريُّ
وإنِّي قائلٌ بك عن يقين.... وإن ضلَّ الكفور الملحديُّ
وإنِّي عارفٌ بصلاح فعلٍ.... وإنِّي عن سواك إذن بريُّ
وخذها بنت ليلتها عروساً.... لها من دُرِّ ألفاظي حليُّ
لها الأقلام أعلام وفكري.... حسام والبحور لها الدويُّ
يُقَصِّر عندها الضلِّيل نظماً.... وهمام المجيد الحنظليُّ
وأعيت جرولاً وكذا جريراً.... ولم ينطق بمشبهها الرضيُّ
وأنست في القريض أبا نواسٍ.... ولم يبلغ بلاغتها الصفيُّ
فللقلب الترقرق والتعَّفي.... وللبحر التدفق والأذيُّ
ودم والوقت زهرٌ فيه زهوٌ.... وعزُّك أقعسيُّ سرمديُّ
ودام لأحمد مني صلاةٌ.... مدى الأيام ما غنىَّ الحديُّ

هذه القصيدة أمر بها السيد إبراهيم المذكور إلى الناصر أيام فتحه لصعده، وتملكه لها من يد الشريفة فاطمة بنت الحسن، فانتشرت هذه القصيدة بصعدة وغيرها، ونقلها الأدباء، وقد كان وفد على الناصر [قبل ذلك] شاعر من بلاد اليمن، ويقال: إن مسكنه [مدينة] إب، يقال له: ابن العطاب، فأنشده قصيدة فريدة، مدحه فيها وأطنب، فاستحسنها الناصر وغيره، فأجازه جائزة جيدة، اختلف الرواة لي، فقائل يقول: إنه أعطاه بكل بيت منها ديناراً ذهباً، والدينار أشرفي، وزاده من العروض والمراكيب بفوق هذا [العدد]،، وزعم لي هذا الرواي أن عددها أحدى وسبعون بيتاً، فأما أنا فما وقفت إلا على قدر نيف وخمسين بيتاً منها، وقد كتبتها هنا كما وجدتها، وقائل يقول: إنه أجازه ببز هنديُّ ثقيل من أنفس البزوز، جاء للناصر هدية يوم إنشاد هذه القصيدة، فأمر بحمل جميع ذلك إلى هذا الشاعر قبل يفتَّش، فقيل للناصر: لو نظرت هذه الهدية، فإنها بثمن وافر، وقطع نفيسة، منها خرق قيمة كل خرقة فوق الخمسين الأشرفي أو نحو ذلك، فقال: اعطوه الجميع فهذا بخته، فحمل ذلك البز بين يدي هذا الشاعر من فوره، وهو جملة مال قلّ من أعطى شاعراً مثله في زماننا، ولكن الأدباء لما سمعوا طالع القصيدة وهو قوله: حلفت بها منكسّة الرؤوس.. وما يليه تطيروا منه للناصر، وقالوا: إنه مشئوم، فكان كما قالوه، فإن الدنيا من بعده ولت على الناصر عكس ما قد أقبلت له، وهي:
حلفت بها منكسَّة الرؤوس.... يبثُّ دموعها ما في النفوسِ
تفلُّ شبا الكتائب وادعات.... وتصدم هامة الجيش الخميسِ

أراقم بل أساود بل أسود.... تروع الأسد وهي ببطن حيسِ
لها لمم إذا خُضبت سواداً.... يشيب لقرعها سود الرؤوسِ
لها حالا رضى يرجى وسخط.... يخاف وأنعم تترى وبؤسِ
ففي حال الرضى والسخط تهمي.... وتمطر بالسعود أو با لنحوس
نلاعبها فتنسينا القذاذا.... ملاعبة الرداح العيطموس
لها حكم على البيض المواضي.... وسمر الخط في حرِّ الوطيسِ
بيوم ترفع الأحكام فيه.... إذا دارت رحى الحرب الضروسِ
بحيث ترى عيون القوم شوساً.... وكانت قبل ذلك غير شوسِ
إليه صادع بالحق راع.... لها متجنب حنث الغموسِ
وإن أمسى العذول لفرط غيظ.... يحاربني ولا حرب البسوسِ
على هجري لعزة واطرَّاحي.... لهند والرباب وتختنوسِ
وميلي عن هوى ريَّا و لبنا.... ولم أحفل بميٍّ أو لميسِ
كواعب كالبدور لها ثغور.... مراشفها ألذّ من الكؤوسِ
سوالب للعقول وشافيات.... لداء المسِّ من جسد المسيسِ
وإني لا أميل إلى تصابٍ.... ولا أصبو لحسو الخندريسِ
رفضت حديثه عني بعيداً.... ولم أجنج إلى رأي خسيسِ
إلى من للخلافة فيه زهو.... يميس به ولا زهو العروسِ
إلى ابن المصطفى وأجل ملك.... يفدَّى بالنفيس وبالنفوسِ
إلى ملك له خلقٌ رضيُّ.... فداه كل ذي خلق بئيسِ
أمير المؤمنين ومن يرجَّى.... لدفع شدائد الدهر العبوسِ
إذا ا عتكرت خطوب الدهر جلىَّ.... غياهب ليلها الداجي العبوسِ

بوجه أزهر كالشمس لا بل.... يفوق بنوره ضوء الشموسِ
أقام دعائم الإسلام لما.... أزال مظالم الظلم الدريسِ
فمدح الناصر بن محمد لي.... شعار وهو ملبوسي لبؤسي
جعلت مديحه سمري وبَّثي.... محاسنه وذكراه لبوسي
إمام طاهر الحسبين زاكي المنـ.... ـاصب والفروع من الغروسِ
إلى الخيرات ليس بذي توان.... ولا طرف عن العلياء نعوسِ
شمائل من رسول الله طابت.... وخلق ليس بالخلق البئيسِ
يسوس العالمين بحسن رأي.... وتدبير وسوس خير سوسِ
فكم يوم له صدم الأعادي.... بداء العنقفير الدردبيسِ
وقاد إليهم جيشاً أجيشاً.... أخامس رب صنديد حَميسِ
فعاد مظفراً منصور جيش.... وراح الضد بالخدِّ التعيسِ
وكم أغنى العفاة بفيض كف.... فأخجل صيِّب الغيث الرجوسِ
نقيس بجوده الأنواء جهلاً.... فيا بُعْدَ المقوس من المقيسِ
يصول على الملوك فتتقيه.... بما يرضاه من ذخر نفيسِ
فيا مَلِكٌ تصوَّر من سعودٍ.... كما خلق المعاند من نحوسِ
إذا مارمت أرض الروم دانت.... وجاءت بالأتاوة والمكوسِ
ولو كلفت حقمق هد فاس.... أتاها بالمعاول والفؤوسِ
ولو وافت طروسك شاه رخّى.... بطرسوس نجا عنها وطوسِ
وإن أزمعت غزو الهند أمست.... خلاءً ليس فيها من أنيسِ
علوت من الخلافة في محل.... على قمم الممالك والرؤوسِ
لبست جديدها ثوباً قشيباً.... ليهنك ما لبست من اللبوسِ
وقد وافاك مدح من محب.... لجود نداك والنعماء غموسِ

ندين بحبكم شرعاً فأنتم.... نجاة الخلق في يوم عبوسِ
لي الأقلام أوردها بحوري.... فتلتقط الجواهر بالنفوسِ
يصوِّب من الشفاه لها لعاب.... برقش عاجه بالأبنؤسِ
فما أنا خدنها إن لم أطرز.... بمدحك والثناء حُلل الطروسِ
[و] قد تقدم ذكر ما ملك من البلاد، وكم عاش إلى أن مات محبوساً بكوكبان، وذكر قبره.
وأما أولاده فهم: المؤيد محمد بن الناصر، وهو أكبرهم، وهو الذي ملك صنعاء بعده، وسيأتي بعض ذكره ومدته.
[و] الثاني من أولاد الناصر أحمد، وهو الذي خلف أخاه [محمداً] على مملكة صنعاء، ولم تطل مدة ولايته بل حطَّ عليه عامر بن عبد الوهاب حتى أسره، وأخرجه من صنعاء بجميع حاشيته وأهله.
والثالث من أولاد الناصر: علي بن الناصر، مات في مدة أخيه محمد، ولا عقب ذكر للناصر إلا من ذرية أحمد فقط.

وأما بنات الناصر: فأكبرهنَّ، وأشهرهنَّ، وأكثرهنَّ بركة، الشريفة: آمنة بنت الناصر، نقلها عامر مع أخيها أحمد إلى مدينة تعز، ونقل السيد صارم الدين إبراهيم بن يحيى بن صلاح وكان ذا منزلة رفيعة عند خاله، صدَّره في أكثر أموره، وأنزله منزلة الولد السار البار؛ لكونه لم يعش له ولد ذكر ولا أنثى، وقد كان تزوَّج آمنة هذه قبل السيد يحيى بن صلاح أب إبراهيم المذكور، السيد العلامة: محمد بن يوسف الآتي ذكره، فلما خرج من صنعاء إلى ثلا، ودعا بها إلى نفسه، وتعذر دخوله إلى صنعاء أمر بطلاقها، فخلفه السيد يحيى بن صلاح، وتربىَّ إبراهيم في حجره مع خالته آمنة المذكورة، فكانت شديدة الحنو عليه؛ لأنها أيضاً لم ترزق ولداً. انتهى. الكلام هنا في ذكر ما تضمنه قول السيد صارم الدين:
منها قريس وتقفو إثرها علب.... وعرقب وهي إحدى الصُّم والعبر
فهذا ما اقتضاه النظر في تفسير هذا البيت على سبيل الاختصار، فلنتبع تفسير بقية أبيات المنظومة، فلنشرع بما تعقَّب موت الإمام المطهر من الحوادث، فنبدأ بذكر من دعا بعد موته، أو في حال حياته، ومن عارضهم من ملوك صنعاء وصعدة.

[الكلام فيمن دعا وقت الإمام المطهر وبعد موته وذكر دعوة الإمام عز الدين بن الحسن]
فاعلم: أن الإمام مطهر لما ملك ذمار وقف بها مدة، ثم عرضت له بها مرضة ممتدة حتى مات في شهر صفر من سنة تسع وسبعين، وقد كان في عرض مرضه ترجح للسيد أحسن بن وهَّاس أن يدعو إلى نفسه في حصنه في الظاهر، وما أجابه أحد مِمَّن يعوّل عليه، بقي على ذلك مدة، فلما مات المطهر.

[دعوة السيد العلامة محمد بن يوسف بن صلاح]
وكان السيد العلامة محمد بن يوسف بن صلاح بن المرتضى بن حسن بن علي بن يحيى بن منصور من آل المفضل الكبير، كان يوم [مات] المطهر بصنعاء مصاهراً لابن الناصر كما تقدم، فلما علم بوفاة المطهر خرج سراً إلى ثلا في ثلاثة جماعة أو أربعة منهم: أخوه صلاح بن يوسف والفقيه محمد بن علي بن حنش، وأظهروا في ثلا أن هذا الرجل قد دعا إلى نفسه بصنعاء في شهر ربيع الأول، الثاني من شهر وفاة الإمام المطهر، وأشهد على ذلك جماعة هناك، فكاد الناس يجيبونه، وبثَّ دعوته إلى صعدة و فللة، وأكثر بلاد الزيدية في اليمن، وفي خلال ذلك أعني قبل ظهور دعوته في صعدة ونواحيهاَ ا هتم الإمام عز الدين بن الحسن بالدعوة في فللة، واجتمع عنده جماعة أعيان مثل أبيه الحسن، وإخوته وجماعة من الشيعة، فخرج إليهم، وقال: إني استخرت الله من الدعوة في هذه المدة، واعتذر بوجوه، فضاق الحاضرون من فعاله وإحجامه، فكان بعد شهر ووردت دعوة ابن يوسف ينكر فيها بيعته، وأنه متقدم وحذَّر من المعارضة لما فيها من تغيير قواعد الدين، وقال: قد أعذرنا إليكم- أيها الأصحاب- قبل أن تصدر من السيد عز الدين معارضة، فمن أعذر قبل الفعل فقد أنذر، وكان ورود دعوته سبباً في تصميم الإمام عز الدين على الدعوة، وشجَّعه على ذلك أن أكثر الناس لازمه، وقالوا له: إن ابن يوسف هذا، وإن كان عالماً كبيراً، ونسبه في أهل البيت شهيراً، فأنت تعرف منه، ومن أخيه ما تعرف من مخالطتهما للملوك ووقوفهما بين أظهرهم، وقبضهما لجوائزهم، ونحو هذه الأمور، فصمم على

الدعوة، وأجابه أكثر الناس إلا الأمراء بني حمزة بصعدة، فإنهم رجَّحوا لابن يوسف البقاء على دعوته، وخطبوا له بصعدة، فاستمرت خطبته بها من يوم الجمعة رابع وعشرين من ذي الحجة سنة ثمانين إلى آخر جمعة في شهر ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين، فيكون قد خطب له قدر اثنتي عشرة سنة، ولم يملك شيئاً من البلاد، بل وقف في ثلا كالجار، ومالت عنه الشيعة قاطبة مع علمه الغزير، ومنصبه الشهير، والله تعالى يخير، وهو من مشائخي في (البحر الزخَّار)، وكان متبحراً في العلوم، ذا مراجعة حسنة لطالب العلم وإنصاف في حالة الإلقاء، ولا تضجره كثرة المراجعة، كما [كان] يعرض لكثير من شيوخ التدريس، ومات ولا عقب له، ودفن في ثلا، وورثه أخوه صلاح، فعاش بعده مُدَيْدة ثم مات، وورثه ولده أعني ولد أخيه صلاح.

[دعوة الإمام عز الدين بن الحسن]
فلما مات ابن يوسف اجتمعت الكلمة من أكثر الناس لمولانا الإمام الهادي عز الدين بن الحسن بن علي بن المؤيد، فإنه دعا [في يوم] تاسع عشر شهر شوال من السنة المذكورة، فتسلم السودة، وكحلان الشرف، واستولى على الشرفين، وكذلك البلاد الشامية كيسنم، والمثة، وساقين، وما وقع له قدرة على أخذ صعدة، وإن كان الشيعة الذين بها قد أطاعته، وكذلك أكثر شيعة اليمن من الظواهر، والمغارب، وصنعاء، وذمار إلى بلاد خبان ما تخلَّف عن مبايعته ومشايعته أحد إلا من لا ينظر إليه، ولا يعول عليه، وكان صاحب صنعاء وهو محمد بن الناصر يعلم بدخول ولاته إلى صنعاء لقبض واجب من أحب الخلاص من رعية صنعاء إلى ولاته، فلا ينكر على أحد شيئاً من ذلك، فتوفر له من صنعاء وبلادها مصالح كثيرة، وعلى الجملة فكانت واجبات بلاد الزيدية من حد ينبع، والصفراء، وتلك البلاد، وكذلك أشراف مكة فإن محمد بن بركات، ثم ولده بعده، ومن قال بقولهما من بني الحسن كانت واجباتهم تصير إلى يده، ويشتهروا بموالاته، وأحبوا من أحبه، ومن قدم من الشيعة إليهم بكتاب بخطه أحبوه وآنسوه، وكان قد اشتهرت عندهم بركته في أموالهم وأولادهم ومملكتهم.

[أخبار الإمام عز الدين بن الحسن -عليه السلام-]
فصل: في ذكر مولده ونشأته [ومدته].
ومدة طلبه للعلم الشريف، ومدة ولايته، وما يلحق بذلك من ذكر أولاده، ووالدته، [ووفاته]، وموضع قبره -عليه السلام-، وغير ذلك من أحواله، وذكر مصنفاته، ورسائله، وبعض أشعاره على سبيل الاختصار إذ استيفاء جميع أموره يستغرق مجلدات عدة.
فنقول: إنه -عليه السلام- ولد بأعلى فللة في درب ابن الباب لعشر ليال بقين من شهر شوال من سنة خمس وأربعين وثمانمائة، وكانت دعوته في شوال كما تقدم، وهذا من النوادر، ووقوع الحافر على الحافر، وأمه الشريفة، المكرَّمة، المعظَّمة، ذات المنصب الشريف، والحسب المنيف اسمها: ماريه بنت محمد بن يحيى بن عيشان من آل عيشان، ثم من آل زيد بن المليح من بني الهادي -عليه السلام-، وهي من المنجبات، فإنها أمه وأم أخيه الهادي عليه السلام بن المؤيد الذي تقدم ذكره، فيمن استشهد مع الإمام مطهر في رتبة عبس من أرض تهامة، ولله القائل، وهو مهيار بن مرزويه:
إذا رأيت كريماً صحَّ مذهبه.... فاقطع بخير على أبنائه النجب
نشأ هذا الإمام منشأ آبائه الكرام، وقفا منهاج أسلافه الأعلام، فهو كما قال [الإمام] المنصور -عليه السلام-:
نشأته طاهرة إذ نشأ.... يقفو على نهج أبيه علي

لم يزل منذ عقل إلى أن كمل مُولِعاً بالعلم وتحصيله حتى فاز منه بالأبكار والعون، فأتى منه بما تقرُّ به العيون، ابتدأ طلب العلم في وطنه ثم قصد صعدة، فقرأ فيها على شيوخ عدة، رئيسهم وأشهرهم القاضي العلامة: علي بن موسى الدواري أخذ عنه أكثر الفنون، وصنَّف فيها، وما قد تمَّ له من السنين عشرون، ثم ارتحل إلى حرض من تهامة لسماع الحديث على حي الفقيه، العالم، المحدِّث، شيخ السنة النبوية في وقته: يحيى بن أبي بكر العامري، فسمع عليه (سنن أبي داود) وغيره، واستجاز منه أكثر مسموعاته، فلمَّا قَفَلَ من سفره وقد انتهى إلى غاية وطره، لم يزل يترقى في العلوم، ويدمغ هامة الموهوم والمعلوم، حتى برع في كل فن خصوصاً علم التوحيد والعدل، فإنه كان فيه أوحد زمانه، برز فيه على أقرانه، وصنَّف فيه شرحاً على منهاج القرشي سماه (المعراج على المنهاج)، أتى فيه بما يشهد له بالتحقيق والتدقيق، واعترف له بالإجادة القريب والسحيق، أكبَّ على قراءته عليه بعد نسخه وتحصيله أعيان الزمان، وجاءه لسماعه جماعة من نواحي جهران وذمار وخبان، فحدث بذكر هذا المصنف الركبان، حتى بلغ الصفراء وينبع، وتلك البلدان، وله مصنَّفات غيره في سائر الفنون، وفي آخر مدته أخذ في جمع شرح على (البحر الزخار)، ثم أقبل على جمعه والاشتغال به الليل والنهار، واستحضر لذلك عدة كتب مما يتعلق بذلك من فقه، [وأصول فقه]، وأصول دين، ولغة، وتفاسير، و(جامع الأصول) لابن الأثير، وغير ذلك مما يستدعيه كتاب (البحر)، وسلك في ذلك أسلوباً عجيباً، لو مدَّ الله [له] في العمر لجاء هذا الشرح من

أبلغ كتب الزيدية وأجمعها، وأكثرها ضبطاً وتصحيحاً، ولكنه -عليه السلام- توفي وقد بلغ إلى بعض كتاب الحج، وقد صار ذلك في قدر مجلدين، فعلى هذا كان يأتي بعد كماله ثمانية مجلدات فما حولها، قال لي بعض من روى أحواله في مدة قراءته من الوظائف ما يبهر السامع، ويروق الواصف، فإنه وزَّع أوقاته على الطاعات توزيعاً غير مخالف، ففي بعضها ينسخ الأسفار بخطه ونسخه، ثم يصححها سماعاً على شيخه، فكان له خط رائق فائق، وضبط موافق، وبأمثاله لائق، وفي بعض أوقاته يقرئ تلامذته، وفي بعضها ينقل شيئاً من القرآن غيباً ويتهَّجد به.

قلت: ومن أعجب ما رأيته بخطه في جنب مصحف رأيته بمسجدهم المقدس بفللة، وقد طلعت إلى ثمَّ للزيارة في شهر رمضان من سنة تسعمائة واثنتي عشرة ما لفظه: اتفق والحمد لله الفراغ من نقل القرآن الكريم، وتمام حفظه كله غيباً بين صلاة الظهر والعصر من يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر جمادى الأولى [من] سنة سبع وتسعين وثمانمائة، بالدار الميمونة بأعلى فللة في المجلس الأوسط من مجالسها ذي الباب الغربي، آخر سورة منه نقلت غيباً سورة الشعراء في هذا الجزء، وكان نقله متفرقاً، فالثلث الأول منه نقل حال المدارسة بصعدة إبان الشبيبة، والسدس الآخر منه نقل بعد ذلك بمدة مديدة، وأعوام عديدة في فللة، وبقيتَّه نقل متفرقاً فشيء منه في الديار اليمنية، وشيء في الديار الشامية، وأكثر ما نقلناه غيباً في المدة المتأخرة كثيراً ما كان يقع نقله في حال السفر، وحال السير على ظهر المركوب والمنة لله تعالى، والحمد لله على ذلك، وعلى سائر نعمه، ونحن نَعُدُّ ما يسره [الله] لنا من ذلك من أجل نعمه، وأبلغ قسمه، جعله الله لنا هادياً، وشافعاً، ونافعاً، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، رجعنا إلى تمام توزيعه لأوقاته، وفي بعضها يشتغل بأمور أهله، وكان إحرازه للعلوم في مقدار عشر سنين{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ }[النمل:16]، ولقد روى لي هو أنه كتب إلى والده كتاباً فيه من البلاغة، والكمال، ومطابقة مقتضى الحال ما يبهر أرباب المقال، فلماَّ تأمله والده وتصفَّحه، استجاده واستملحه، كتب فيه بخطه العجب: إن صاحب هذا الكتاب ابن سبع عشرة سنة، ولما قضى من

طلب العلم حاجته تفرغ للدرس والتدريس في وطنه، فصار رحلة للقاصدين، ومنتجعاً للوافدين يأمَّه طلبة العلم من أكثر الأمصار، والبوادي والحضار، فممن قرأ عليه مدة مديدة [وأسمع عليه كتباً عديدة] حي الإمام الو شلي: محمد بن علي في عصابة من أهل بلاده أعيان، فسافروا بسفره، وأقاموا بإقامته، وتوجهت إليه المسائل والرسائل من كل جهة، ورمقته الأعين، ونطقت بفضله الألسن، وحظي من الإقبال عليه بما لم يحظ به غيره، وكثرت أرزاقه ونذوره، وازدادت رئاسة عشيرته، وأشرق فيهم نوره، وكان الناس في أيام سيادته يتحدثون بأنه الصالح للإمامة، [والقيام بأعباء الرئاسة والزعامة]، وأنشدت فيه الأشعار، قبيل التلبس بدثارها والشعار، وأشادوا بذكره أبلغ إشادة، وأظهر قوم إمامته في حال السيادة، ورأوا بذلك لهم الحسنى وزيادة، فلحي الفقيه، [النبيه]، المنطيق، الفصيح: علي بن يحيى الهذلي ثم الضمدي فيه شعر، منه:
و إنَّا لنرجو عاجلاً أن يقيمه يعيد نصاب الملك في مستقره
إله به قامت سماواته السبعُ.... ويخلع عنه من يحقُّ له الخلعُ
وللفقيه، الأفضل، الأديب، اللبيب: عبد القادر بن محمد بن أحسن الذماري شعر ابتدأه في مدح حي والده السيد شرف الدين والد الإمام عز الدين، وختمه بمدح ولده المذكور، وكان إنشاء هذا الكلام قبل دعوة الإمام بأيام، قال:
فيا عز دين الله بادر بدعوة.... فكل لها من نحوكم متوقعُ
فإنَّا لنرجو أن تجاب وإنها.... يكون لها من حين تظهر موقعُ

فكان الأمر بحمد لله كما رجى، ووقع لها موقع في قلوب أهل الحجا، [ولقد تحيرت في فضله وعلمه ومكارمه العقول، فلله القائل فيه حيث يقول في مدحه -عليه السلام-:
لو كانت الأشجار أقلاماً ولو.... أن البحار جميعهنَّ مدادُ
لم تبلغ الكتَّابُ عشر صفاته.... بل ما لعشر العشر فيه نفادُ]

فلما دعا فرح الناس بدعوته غاية الفرح، فكان أول من بايعه والده المبارك، شرف الدين: الحسن بن أمير المؤمنين، وسائر إخوته، وبني عمه، ثم من حضر من العلماء، ثم القبائل، قرئت عليهم دعوته الكبرى، العامة لكل الورى، وفيها من البلاغة الرائعة، والحجج القاطعة، والمواعظ الحسنة، والفضائل المستحسنة، والاعتذارات من القيام أولاً، ثم توفر الدواعي والبواعث أخرا ما يشهد بتقدمه وصدقه، وإصابته، وأن إحجامه وإقدامه كانا نظراً للدين والأخذ بحقه، وتفادياً للمذهب من الغشم ورقته، فلما وصلت دعوته إلى الجهات اليمنية مثل صنعاء ومشارقها، ومثل ذمار وما حولها يمناً وشرقاً وغرباً، ومثل المغارب من حجة وبلادها، ومثل شظب وبلاد الأهنوم، والشرفين إلى حدود تهامة، ومثل جازان، وضمد، ودساع، وتلك النواحي، واجتمع بهم في بلاد الأهنوم وسايروه إلى السودة، وما بقي أحد ممن له يد في العلم إلا وصله في هذا المخرج المبارك، فأوردوا عليه من الأسئلة في كل فن ما ملأ الطروس، وشافهوه بجميع ما يعرض في النفوس، فجاوبهم بما شفى الأوام، وجلَّى دياجير الظلام، فلما صحَّت لهم الحجة ودلَّهم على المحجة بايعوه وشايعوه، وعاضدوه ونافعوه، وكان هذا الملقى بعد مضي نصف سنة من يوم دعا، وكان فيه من أعيان شيعة

صعدة: الفقيه علي بن عبد الله الرقيمي، وبقيتهم أطاعوا الإمام، وما حصل لهم الخروج من صعدة؛ لأن الأمير [محمد بن الحسين ] أخافهم، فما خرج منهم إلا من خاطر بنفسه، وكنت أنا من [الحاضرين] المخاطرين، فسلم الله، ورجعت صعدة ما حصل لي أذية بحمد الله، فأما القاضي العلامة: محمد بن يحيى بن مرغم، وغيره من أعيان شيعة صعدة وساداتها، فإنهم لما تخوَّفوا على أولادهم [وأموالهم] استأذنوا الإمام سراً في الفسح لهم في التقية والبقاء في صعدة، فأذن لهم لمعرفته بصدق عذرهم، فلما التقينا نحن وعلماء صنعاء في بلاد الأهنوم وتقدمنا إلى السودة، وقد طابت خواطر اللاقين لنا من أهل اليمن، باختيار الإمام –عليه السلام- استأذنوه في التقدم إلى جهاتهم، فأذن لهم بعد أن بايعوه، وصارفوه، وأخذوا منه ولايات عامة وخاصة، وكانوا فوق مأتي رجل مشهورين بالعلم والعمل، وسائرهم من ذريتهم، وقبائل بلادهم الأعيان مثلهم أو أكثر، وكان ممن لقي من وجوه علماء صنعاء القاضي، العلامة: محمد بن أحمد بن مرغم، والفقيه: علي بن زيد، والفقيه، الأوحد، الأمجد، شحاك الملحدين، ولسان المتكلمين: علي بن محمد البكري، وهو شيخي في النحو، وأصول الدين، والفقيه، الأفضل، الصدر: يحيى بن صالح العلفي، والفقيه أحمد بن محمد الخالدي ما حضر، لكنه اعتذر بمرض عاقه، فكتب يخبر به ويتأسف على عدم الملقى، لكنه لما صحَّ لقي الإمام في ذلك المخرج، وممن لقيه الفقيهان، الأخوان، العالمان، العاملان: أحمد، ومحمد ابني الفهد الكحلاني، فأحمد لازم الإمام حتى استشهد معه في يوم نسرين، وقبره

[مشهد] مزور مشهور بالقرضين، وممن لقي: جماعة من فقهاء الحيمة، والشاحذية، وآنس، وهجرة عرة ثومان، وأكثر من لقي من الأعيان أهل صنعاء كما تقدم؛ لأن صاحب صنعاء وهو المؤيد برب العالمين أذن لهم، فجسروا على الخروج، فلو منعهم كما منع الأمير شيعة صعدة لاعتذروا كما اعتذرت شيعة صعدة، وكان هذا الملقى من أحسن الملاقي لما وقع فيه من المراجعة والمناصفة والاستظهار بالكتاب والسنة على جمع الكلمة، وقد كان عدة من الناس –أعني من في قلبه ريبة- يظن أن الناس ينفرون ويفترقون وينقلبون، وقد تأكدت الشبه في قلوبهم بسبب تقدم دعوة ابن يوسف، كون صاحب صنعاء يهوى ذلك باطناً، فأبى الله إلا أن يتم نوره ويجمع الكلمة لهذا الإمام، فأطاعه العباد، ودانت له البلاد، ووقع لدعوته من القبول والإقبال مالم يكن يخطر ببال، واعترف له بذلك الموالف والمخالف بالعلم الغزير وجودة التدبير، وكذلك بالكرم الجم الذي يغطي [على] موجات اليم، فلقد سمعت أنا عدة ممن خالط الملوك في صعدة وصنعاء وسائر بلاد اليمن يقولون:إنه لا يوجد لأحد طعام معد لجميع الوافدين في كل حين من ملوك نواحينا مثله، وكذلك من سايره في مخرج أو محطة لا يكاد يجوع، وعادة المحاط بخلاف هذه الصفة، وروى لي هذا الإمام –عليه السلام-: أن رجلاً من أعيان جند صنعاء من بني عم محمد بن عيسى الملقب شارب، وصل إلى الإمام وهو على عزم مخرج، فرآه يخرج ما يحتاج إليه أهل المحطة من مخازينه في أسرع وقت، فقال له: العجب إنا في صنعاء، وهي أم المدن إذا رمنا مخرجاً مثل هذا احتجنا إلى أن نسخر كل أهل حرفة، ونؤذي أهل كل راحلة،

ولا يكاد يتهيأ لنا شيء يقارب هذا إلا في مدة طويلة، وبعد بلشة لكل من إليه شيء من ذلك، ثم إن هذا الإمام انفرد عن أكثر الأئمة بخصال لم تجمع إلا فيه، وهي: الخطابة، والبراعة في العلم، وعدم الملال والكلال لذلك ليلاً ونهاراً، وسحراً وسمراً، وسفراً وحضراً، حتى أنه منذ دعا إلى أن توفي إلى رحمة الله ورضوانه، لا حصر لكتبه ولا نهاية، ولا يفرق أحد بين تراكم أشغاله بالترسل والكتابة بين أول دعوته وآخرها، بل ذلك يستمر، فلو جمع ما قد رقمه بيده مما يزري بالدر المنظم، وزهر الربيع المنمنم، لجاء مجلدات تزيد على ثلاثين مجلداً، فما أحقه بما قيل:
إن هزَّ أقلامه يوماً ليعملها.... أنساك كل كمي هزَّ عامله
وإن أقرَّ على رقّ أنامله.... أقرّ بالرقِّ كُتَّاب الأنام له
وكانت كتبه في أكثر الأحوال تقوم مقام المخارج العظيمة، فكم لعدوه بعد وصولها إليه من هزيمة، فهو أحق بقول من قال:
ولقد تخوِّفك العدو بجهده.... لو كان يقدر أن يردّ مقدَّرا
إن أنت لم تبعث إليه ضُمراً.... جرداً بعثت إليه كيداً مضمرا
خطروا إليك فخاطروا بنفوسهم.... وأمرت كتبك فيهم أن تخطرا
عجبوا لجندك أن يجول بسطوة.... وزلال خلقك كيف عاد مكدِّرا
لا تعجبوا من رقة وقساوة.... فالنار تقدح من قضيب أخضرا

ولقد وقفت على كلام في تصنيف حكي فيه سيرة لبعض بني العباس، بالغ في وصف [حسن] خط ذلك الخليفة، وتعجَّب من إحاطته بقلمه لنظم جميع مملكة العراق، وأن قلمه كفاه عن المخارج الجسام، فقال: فيه أفكاره الكريمة مصروفة إلى عمارة آخرته وعليها موقوفة، وهمته الشريفة بالالتفات إلى تقرير رعيته مشهورة [و] معروفة، لا يضجره منهم كثرة الرغبات، ولا تواتر القصص الواردات من سائر الجهات، ولا يخل مما يرفع إليه بمجالس العرض المقدسة بتأمل قصة واحدة، فيشتغل قلمه الشريف بالإجابة عن كل دقيقة وجليلة وكل رغبة ووسيلة، فكان في عصره الذي هو في جلالة القدر أي عصر كما قيل: "لا يشتغل بالصدر إلا الواسع الصدر"، فما شغله كثرة معاناته للأمور وتفقد أمر الجمهور، وكثرة الأسفار والحركة والتزحزح عن مقر الإمامة العظيم والمملكة، وتفقد أمور الدين، والعكوف على تحصيل مصالح المسلمين وضيق أوقاته العزيزة بالمتجددات، وتوزيعها على النظر في المهمات عن كتابة مقدمة من القرآن العظيم بخط يده الشريفة، أبرزت إلى الديوان العزيز تقرأ في جميع الأوقات، وفي مجالس الجمع والجماعات.
قال مصنف السيرة العباسية: وهذه منقبة مبتكرة من أجلِّ المناقب لم يؤرَّخ مثلها عن الأئمة الماضين، ولا عن غيرهم من الملوك والسلاطين.
قلت: فانظر إلى مضمون هذا الكلام، وقصه على سيرة هذا الإمام تجده قد استوفاه بالكمال والتمام، فإنه نسخ مقدمة تقرأ في كل حين، ويتداولها جميع الصالحين والمفلحين، من غير (ما) كتب في كل فن من العلوم، كأنها الدر المنظوم، فغطى نورها نور النجوم.

تنبيه:ولما دارت السنة بعد دعوته المباركة المستحسنة، ودخل من السنة الثانية محرم، رأى الإمام كثرة من انقاد له من القبائل والشيعة، وافتتاح الجهات التي أهلها غير مدولة وكان دولة صعدة هم الأشراف بنو حمزة، والجهة متقاربة أعني جهة صعدة [وفلله] استرجح دعاءهم إلى طاعته ومبايعته، وتسليم الحقوق إليه وإقامة الجمعة في بلادهم من دون معارضة منه لهم في مملكتهم، فاستثقلوا الأمر وما ظهر له منهم إسعاف، بل عوَّلوا على معارضة ابن يوسف له، وخطبوا له بصعدة كما تقدم، [فكثر] من خولان وغيرهم من الأجناد الوعد للإمام بالنصرة له بالأموال والأرواح وغيرهم، وقد اجتمعوا معه [ما يبلغ] فوق خمسة عشر ألف راجل، ومن خيل القبلة وغيرهم فوق مائة فارس، فعمد صعدة في شهر صفر، فاستقام لهم الأشراف حتى أقبلوا من نسرين كالجراد منتشرين، فما هو إلا أن تراآى الفئتان، فنكص خولان وأهل القبلة منكسرين وولوا مدبرين، وبقي الإمام –عليه السلام- يقول: يا قوم، مقبلين مقبلين، وهيهات الالتفات إلى فرسان الحمزات، فانتهبت محطة الإمام، واستولى عليها الأقوام، فيما تحط الجفون على العيون، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وقتل من الناس ما يقارب السبعين، وسلم الإمام عليه السلام وإخوته وأولاده، وتحيَّر جماعة من مواده في حصن بني حي، وما حوله من القهران، حتى حصل لهم من الأمراء الأمان، ورفع السيف عمَّن بقي بذلك المكان، ونزلوا بأمانه، فسلب من سلب، وعطب من عطب، وكان السلب لمن هناك مستمراً إلى اليوم الثاني، وما قتل من دولة صعدة رجل واحد، ومن تلك الساعة ضعفت شوكة الإمام

وجنده حتى دارت سنة، وناوشهم القتال من فللة ومن جهة الظواهر، فأما فتنة فللة فما أثرت شيئاً، بل رتَّب الأمير عليهم رتباً حصرتهم من داخل، ومن خرج [منهم] إلى الصعيد قتل أو سلب، وأما فتنة الظاهر فأثرت طرف أثر، في خلال ذلك أخذ الإمام عليهم حصن الميقاع والعظيمة ببيعه، واستمَّرا في يده إلى أن مات، وصارا في يد ولده الحسن طول مدته، وكان بعد أخذه للميقاع انبسطت يده على بعض [بلاد الأشراف في الظاهر] كبلاد بني صريم، ووادعة، وبلاد قاعة، واضطر الأمير محمد إلى مخرج بعد مخرج؛ لارتجاع شيء من هذه البلاد، فلم يقدر، بل قتل من عسكره من قتل في مرار متكررة، وفي عرض ذلك، [و] دار من دار بين الإمام والأمير بصلح مدة، فقال الإمام: لابأس بذلك، لكن نلتقي نحن والأمير، فكاد الأمير أن يساعد للقاء، فخَّوفه بعض جلسائه من موافقة الإمام لعلمهم أن الأمير مطواع، كريم طباع، فأشفقوا عليه أن يتفق هو والإمام فيحسن الإمام علاجه، ويستميله إلى طاعة الله وطاعته، ويقع في ذلك معادلة وموافقة على القانون المرضي، وتسقط مراتب جلساء الأمير إذ هم ظلمة قد أكلوا البلاد والعباد، والإمام ما عليه [كبة] كغيره، فلم يكن لهم همُّ إلا المباعدة بين الإمام والأمير من الملقى، وأعملوا في ذلك كم من حيلة، وقالوا للأمير: إن المراسلة بالكتب ومشافهة رسلك للإمام يكفي بما في نفسك فلقد كنت عند الإمام يوماً، وقد جاءه رسول من الأمير يذكر أن الأمير قال يحب يلقاه إلى أي الصعيد، فكتب إليه –عليه السلام- كتاباً على الفور، وهو في مراجعة لعامة الناس، فكان في خلال كتابته

لذلك الكتاب، وهو يصغي إلى كل من دخل ويقضي غرضه، ويده الكريمة مستمرة على جوابه على الأمير، فلما أفرغه ناولنيه، وقال لي: قصه فما يحسن منَّا نأمر به قبل قصاصته، ولا فَرَغتُ لذلك من كثرة ما تراه من المشادة، فلما قرأته إلى آخره، فلم أجد فيه حرفاً زائداً، ولا حرفاً ناقصاً عن المقصود، فحار فكري في استقدار هذا الإمام على إنشاء هذا الكلام في هذا المحضر العام، واستيفائه لجميع المقصود في هذا المحضر المحشود، فقلت [له] :يا مولانا، ما وجدت إلا ما تقرُّ به العيون، ومن الكمال فوق ما تظنُّ به الظنون، ولقد أذكرني كتابك هذا كتاباً حكاه الفقيه الشهيد حميد المحلي في (الحدائق الوردية) عن المنصور بالله أنهم كانوا عنده في محفل مثل هذا، فرأوه يكتب كتاباً طويلاً، فلما أفرغه أوقفهم عليه، فرأوا من جمعه وحسنه واحتوائه على علوم جمة وفوائد مهمة ما أكلف بعض الحاضرين، أن قال للمنصور [بالله: الله] يفعل لك ويصنع، وأطنب في مدحه، ثم قال: والله -يا مولانا- إني أخاف أن تكون دعوتك وكمالك للقيام بها سبباً في عدم القول بمن يدعو بعدك من أهل البيت، فقال المنصور -عليه السلام -: ولِمَ يا فلان؟ فقال له: لأن الناس يطلبون من القائم بعدما قد ألفوه منك من الكمال في جميع الخصال، فلا يجدون منه ذلك، وكان سبباً في عدم القول به، فأعجب المنصور كلام ذلك المتكلم، وأظنه الشيخ أحمد بن الحسن الرصاص، فلما أتممت كلامي للإمام [عز الدين]، قال لي: يا فقيه بدر الدين، الحال قاصر، الحال قاصر [الحال قاصر] ثلاث مرات. انتهى.

وقد ترجَّح لي ذكر هذا الكتاب [هنا] أعني كتاب الإمام عز الدين إلى الأمير، ولفظه بعد البسملة: تحيات الله وسلامه وإنعامه وإكرامه، وتظافر بره وإكرامه، على الأمير الكبير، الخطير الشهير، سيد الأمراء، وبدر بيكار أهل الرئاسة من بني الزهراء: محمد بن عز الدين بن أمير المؤمنين، والله تعالى يقيه كل سوء ومكروه، وينيله من الخيرات والقربات ما يؤمله ويرجوه، ويجعل أيام ولايته وإجابته مسفرة الوجوه، وبعد.. فصدوره وكل علم سار بحمد الله بعد أن وردت كتب كريمة من تلقائه من الأصحاب، ووفد القاضي بدر الدين، وذكروا جميعاً ما دار بينهم وبين المقام من ذكر مكان الإتفاق، وكونكم بسلامتكم ذكرتم أن يكون في الخلاء [و] على الصعيد، وأن دخول الوادي ما يوافق خواطركم الكريمة، -واعلم حفظك الله- أن الله سبحانه قد حبب إليك جانب الحق، وألقى في قلبك ما ألقاه من [المودة و] المحبة وحسن الميل إلى الأخذ بنصيب من عروته الوثقى، فهذا من كمال حظك، وعلو بختك، فإن الدنيا أمرها يسير، والخطر فيما أنتم عليه خطير كبير، والتخلص بغير طريق الإمامة عسير، والموالاة من خير الدنيا والآخرة، ولما عرفنا ذلك منك انشرح الخاطر، وانفتح إلى جنابك، وعظمت منزلتك عندنا، وصرنا ندعو لك كما يعلم الله عالم الغيب والشهادة، وما هذا منَّا لغرض دنيوي فتعويلنا على الدنيا قليل، وما قمنا إلا لله، ولرجوى ما عند الله، لكنَّا نفرح ونسترُّ بما يفتح الله به على أيدينا من الهداية والصلاح والرشاد، والخروج من غضب الله وعذابه حتى إذا فتح الله بهداية واحد من أطراف الناس سرنَّا بذلك، وأما أنت

بسلامتك، فأنت من كبراء الشرفاء وقادة الأمراء، وبصلاح الحال فيما يتعلق بك يصلح على يديك، ويهتدي عالم من الناس، والله سبحانه يصدق الأمل، ويصلح النية والعمل، وقد قضت حكمة الله بأن هذه الدار يكون فيها شياطين الإنس والجن، وأنه يوحي بعضهم إلى بعض كما ذكر [الله] في كتابه الكريم، ولما كان هذا الأمر من أبلغ الأمور في الدين عظم اكتراب الشياطين، وصاروا يعملون الحيل في تبعيده، ويتعاونون في ذلك، ويوحي بعضهم إلى بعض، وإذا عسر عليهم العلاج من وجه دخلوا من وجه آخر، لما لم تسعدهم بسلامتك إلى ترك هذا من أصله، رجعوا إلى هذه الأمور، وحاولوا المحق منها، وأنت تعرف وذويك أنه ما يلتقي إلى الخلاء وتحت الأشجار إلا البدو، ومن في حكمهم يتصارخون ساعة، فإن سدَّوا وإلا ضربوا ميعاداً آخر وتفرقوا عشية يومهم، وأما مثلنا ومثلك، فلا يسعهم إلا الأماكن المأهولة للاجتماع، والمشاورة مرة بعد مرة، وفي ليل و في نهار، ومن معنا ومعك على كرامة، وإضافة، وجميل، وأن تعرف -حفظك الله- أنك تصل إلى وطننا، فهو للمسلمين أجمعين، ونصيبكم فيه الوافر، وأنتم بنو عمنا وإخوتنا وما في ذلك غضاضة بل جمالة، وإن لم يطب لك ذلك فبعض قرى فللة، ففللة لنا ولكم، والهدوي والحمزي، وأنتم فيها أهل مكان ووطن، وأهل الوادي لهم إليكم ميل ومحبة، واختر في وسط الوادي قرية واسعة تختار من بيوتها ما يصلح للالتقاء والإطعام، وأنزلنا إليها من يباشر أمر الطعام، وما ترون من الأمر إلا ما تطيب به النفوس، وتقر العيون إن شاء الله ونحن نذكر ما قد قيل لكم، ونذكر جوابه ربما أنكم مخوفون من

جانبنا، وجواب هذا: أنا أقسم بالله قسماً مبروراً جامعاً لوجوه الأكادة كلها لو وصلتنا بسلامتك إلى حد جهاتنا على غير ميعاد ولا مواطأة ولا مؤامنة ما قابلناك إلا بالجميل، فكيف على مثل هذا الوجه هل يظن في إمام المسلمين أنه يغدر؟! والله لو كان يحصل لنا بذلك ملك الدنيا بين أقطارها شامها ويمنها وشرقها وغربها مالقينا الله بغدرة واحدة، ولا رضينا بأنفسنا أن تسوَّد وجوهنا في الدنيا والآخرة، وتبقى لنا كلمة العيب ونحن في قبورنا، ومع هذا فنفعل ما تطيب به نفوسكم، وما سمتمونا إياه من الوثاقة الأكيدة على كيف ما أحببتم، وكذلك ما سمتم من الوثاقة على المشائخ بني حذيفة ومن اخترتم منهم على طريق الضمان والارتهان، [وربما] تخافون من القبائل، ويقال: إنهم يفعلون ويصنعون، وأنهم لا حكم لنا عليهم، وبالله العظيم لو اجتمع في فللة جميع قبائل خولان، ووصلت بسلامتك وحدك على وجه بيننا وبينك ما تمكنوا من مدَّ يد، ولا خطر لهم [هذا] ببال، وإن منهم من هو قاتل لغيره إلى حد مائة قتيل، فإذا سايره درسي من درسة مشهدنا، أو خادم من أطرف خدمنا سار على باب خصمه ما يخافه، وقد وصل إلينا أولاد العليي قاسم بعد وقعة الصعيد، وهم قاتلون للقبائل وسالبون لهم، وساروا في بلاد خولان طولاً وعرضاً إلى يسنم وغيره [معنا و] وحدهم، فما رفع إليهم رأس، ولا مدت إليهم يد، ووصل من أولادكم بسلامتكم من وصل مرة بعد مرة، فأسألهم عن ذلك ولكن فما يقول لك المغري والمبعَّد، ومع هذا فينزل إليكم من كبار بني بحر وبني جماعة من أردتم، وإن لم يطب للمقام بسلامته دخول وادي فللة

لاعُلاه، ولاوسطه فغيره من الأماكن المتحرزة الموافقة المتسعة للاجتماع ولواحقه من الإطعام وغيره، هذا إن كان للمقام -حفظه الله- رغبة في الإتفاق الذي نرجو أن يكون سبباً للخير الدنيوي والأخروي، وبالله ما نضمر لكم في ذلك غشا ولا يتعلق [لنا] به هوى ولا غرض لأنفسنا، ولا قصدنا إلا صلاح دينكم، ومصلحة المسلمين، ورضى رب العالمين :{إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}[هود: 88]، وما أكثرنا الكلام، والمراجعة قبل الانتقال إلى فللة من قبيل التراخي والبطاء ومحبة المماطلة بالقرب إلا أن تلك الجهات كما تعرفون، [و] مع التقارب يزيد أهل المباعدة فيها، فأردنا إحكام الكلام ونظمه ليقع الوصول، وقد صلح الأمر -إن شاء الله تعالى-، ولئلا يقع وصول إلى فللة بتعذر الالتقاء، فيكون [في] ذلك مزيد قالة، فأجب بما تراه صواباً بعد استخارة الله سبحانه [وتعالى]، واستشارة أهل الخير ومحبي الخير، فما ندم من استشار، ولا خاب من استخار، ونعيذك بالله من شياطين الإنس والجن، ونسأله صلاح الحال والشأن إنه جواد منَّان، بعد السلام.

قلت: فانظر إلى هذا الكتاب كيف جمع ما جمع واتسق على هذا النسق والمواجهة مستمرة، وهو يصغي إلى كل واحد على حدة، ويقضي لكل غرضه، ويده تكتب هذا الدر المنظَّم الموشَّى والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء فهذا أسلوبه من الترسل البديع مع الخط الجيد الذي أقرَّ له فيه كل رفيع، وأما شعره فرائق فائق، حوى ديوانه منه ما اتفق على جودته أعيان الخلائق، والكاشح والوامق، وقد قسم شعره عليه السلام قسمين :
أحدهما: ما قاله وهو سيد.
و[القسم] الثاني: ما قاله بعد الدعوة، وهذا القسم من شعره قلما أنشأ شيئاً منه إلا وراسلني به كله أو بعضه، وحثني على الإنشاء على وزنه وقافيته، طلباً للمفاكهة والمطايبة وتكثير الفائدة في العاجلة والعاقبة، فمن ذلك قصيدة قالها ترثية لأسنانه، وقد أضرَّ به وجعها في آخر زمانه، ولما أكملها أرسل بها إليّ قبل يعلم بها أحد، وعوَّل عليَّ في عراض على وزنها، وعلى نهجها، فامتثلت ما أشار إليه –عليه السلام- وأرسلت به إليه، فعاد إليَّ منه جواب هذا لفظه بعد البسملة، وذكر اسمه - قدَّس الله روحه ونوَّر ضريحه -:
السلام الأسنى، ورحمة الله الحسنى على الفقيه الأفضل، الأمجد الأكمل، عين أرباب البلاغة، [و] المزري حقاًّ ويقيناً بابن المراغة، بدر الدين، خلاصة الإخوان الراشدين، والله يمتع بحياته، ويسعده في جميع أوقاته، وعلى كل حالاته، وبعد..

فورد كتابه الكريم، مصحوباً بالنظام الجليل الفهيم، الذي يفوق ويروق الدر النظيم، فلقد وقفنا عليه وقوف ناظرين بعين التأمل إليه، فوقع مناَّ موقعاً فوق كل موقع في حسن الرغوبة، [ومعظم العذوبة]، والنشق المستطاب، فحكمنا عليه بأنه من أحسن المنظومات، وأجل المرقومات، ومن عجائب الاتفاق أنه دفع إلينا وعندنا أعيان من حوالينا على مأدبة كبيرة، فحملنا الإعجاب به على ذكره والتنويه بقدره، وسلمناه إلى الفقيه وجيه الدين: عبد القادر بن محمد، وعولنا عليه أن يجربه على حلة من الإنشاد نحن نستلذ بها منه غاية، ففعل بتلك الحضرة المباركة، فأعجب منه الحاضرون، ورفعوا من شأنه، وشأن منشيه واستدعوا بالابتداء، فأنشد من بعد، ولعمري أن هاتين القصيدتين، ولا سيما جوابكم جديرتان بأن يدونا في الأوراق، وتداولهما الأيدي في الآفاق، ولكنه والله قَّل في زماننا من يقدّر البلاغة حقَّ قدرها، ويوليها ما ينبغي لها من تعظيم أمرها، وأما أنت بسلامتك فقد ارتقيت منها محلاً عالياً، وأوتيت منها حظاً وافياً، وفُقت بما أوتيت من مجملاتها بالإطلاع على غرائب التواريخ ومستبدعاتها، ومع ذلك فما زلت قائماً بحق ما تنظمه وتبدعه من أنواع النظام، ومحسناً لأجوبتها، ورافعاً من شأنها على مرِّ الأيام، ولقد ترك الأوائل للأواخر، وما خلا زمن عن أهل المقال الفاخر، الله تعالى يتجاوز عناَّ فرطات اللسان، ويتقبل ما وافق مراده في هذا الشأن، ويختم بخير، والسلام، والدعاء مستمد.
وهذه قصيدة الإمام عز الدين -عليه السلام-:
إذا كنت من قرع الحوادث شاكياً.... وأصبحت من خطب ينوبك باكيا

وصرت لميت جلَّ عندك رزؤه.... له نادب بين الأنام وراثيا
وأولى وأحرى بالمراثي وبالبكاء.... إذا صار بعض منك ميتاً وفانيا
فلا خير في عيش وبعضك ميتٌ.... وإن كان بعض منك حياً وباقيا
فيا عين جودي بالدموع لعلها.... تهوِّن وَجْداً في الجوانح خافيا
وبكيّ على بيض عوامل ثنيت.... حداد شداد واضحات صوافيا
بثغر يروق الناظرين رواقه.... ومبتَسَمٍ يجلو لمن كان رائيا
نعمت بها عصر الشباب ممتعاً.... تنيلك في اللذات ما كنت باغيا
لها أثر فيما يرام بقوة.... عظمن بها نفعاً وطبن مساعيا
فأخنى عليها الدهر بعد كهولة.... وبعد اشتعال الرأس شيباً ملاليا
فقد أصبحت نصفين ما بين ميت.... هوى وثوى لا يبعد اليوم ثاويا
تلا آخر منها إلى الموت أولاً.... وتسع أجابت قبلهنّ ثمانيا
فمنها قليعٌ بالدماء مضرجٌ.... فأزعج مقهوراً وما كان راضيا
ومنها صريع موته حتف أنفه.... أهاب به داعي المنون مناديا
وبين سقيم لا دواء لسقمه.... عليل فلا يلقى طبيباً مداويا
فلا ثابت في أصله ومقره.... ولكنه أضحى مريجاً وواهيا
ولا سالم من صفرة وكدارة.... بلى صارعن تلك الإثارة خاليا
ولا نفع فيه عند رطب ويابس.... إذا لم يكن كل الرطوبة حاويا
محاسن كانت فاضمحلت وآذنت.... ببينونة عنها وعادت مساويا
وفيها قوام الروح والجسم عمره.... فأيُّ نماءٍ بعدها صرت راجيا

تسلّ فما الدنيا إذا ما اختبرتها.... وجدت عليها من بني الدهر ساليا
وكن للأسى والحزن والبثِّ والجوى.... إلى الله حقاً لا إلى الناس شاكيا
رويدك بعض الشر أهون موقعاً.... من الكل فاثبت للمقادير لاقيا
تذكَّر إذا ما صرت في القبر ثاوياً.... بعيداً عن الأهلين والولد نائيا
وقد ذهبت تلك المحاسن وامَّحت.... وصار لهنَّ الترب في اللحد ماحيا
وأفردت للديدان من تحت جندل.... ولم تلق من أمر ينوبك حاميا
وصرت رميماً كالتراب مفتتاً.... مقيماً إلى أن يبعث الله داعيا
وذلك أدنى وحشة وكآبة.... من الحشر والأهوال إن كنت داريا
مواقف يسلبن العقول محارةً.... ويصبح عن روعاتها المرء جاثيا
ونشر دواوين حوت كل واقع.... ونا شرها من كان من قبل طاويا
ونصب موازين فيا رُبَّ راجح.... ورُبَّ خفيف صار بالخسر قاضيا
هنالك إن لم يمنح الله فضله.... فتلقاه غفَّاراً لذنبك ماحيا
فلا وَزَرٌ من بطشه وعقابه.... وإن يعفُ فضلاً منه أصبحت ناجيا

وهذا جوابي الصادر مني إلى حي الإمام -عليه السلام-:
كساك التقى بُرداً من الفكر ضافيا.... فما زال بالتوفيق فكرك صافيا
وصرت بحلب الدهر شطريه عالماً.... خبيراً بما يمريه مراً وحاليا
فما الوعظ إلا ما أثرت عيونه.... ولا الحكم إلا ما توخيت حاكيا
تدبرت أطوار ابن آدم إذ غدا.... جنيناً فمولوداً فطفلاً فناشيا
فكهلاً فشيخاً فانياً ثم ميتاً.... فحياًّ لأهوال القيامة لاقيا

فخبّرت عن كل بما يترك الفتى.... بصحبة ذي الدنيا من الدهر قاليا
فيطرحها طرح الكريم لربعه.... إذا خاف فيه سُمَّه والأفاعيا
وينظمها في سلك أحلام نائم.... أطافت فمنَّت في المنام الأمانيا
وإلا سراب قد تراآى بقيعة.... فيحسبه الظمآن ماءً مدانيا
وإلا كظل زائل وكبارق.... بأفقٍ من الآفاق قد بات ساريا
وإلا كوصل الغانيات فإنه.... يزول إذا حلَّ البياض النواصيا
فتباًّ لدنيا لا يدوم وصالها.... لحي وإن أمسى عن الخلق عاريا
وطوبى لقوم عاملوها كفعلها.... وبتوا عراها عفة وتغانيا
وداروا لزاد للمعاد مبلغٍ.... إلى جنة تحوي قصوراً عواليا
أولئك أقوام شروا من إلههم.... لرفضهم الدنيا نفوساً غواليا
كفى واعظاً فيها المشيب فإنه.... يصير لأنوار الشبيبة ناعيا
وسموه في الذكر النذير لأنه.... بقرب ممات المرء يصبح قاضيا
وما بكت الأمجاد شيئاً بكاؤها.... شبيبتها لو ينفع الدمع باكيا
لعلمهم أن ابيضاض شعورهم.... يجئ لمسودِّ من الشعر ما حيا
كما أن مسودّ الثنايا مذكر.... بموت الثنايا البيض من كان ناسيا
وفي موت بعض قبل بعض مخبر.... بكون ممات الكل للبعض تاليا
وما زهرة الدنيا سوى مدة الصبا.... وصحتها أيامها واللياليا
فمهما انقضت يوماً تقضى وراءها.... فيضحي الفتى للضعف فيها مقاسيا
ومن حين ما يبدي المشيب بفوده.... تقعقع منه الشن إذ صار باليا

وتنفر عنه الغانيات تطيراً.... بطلعته ينظمن فيه القوافيا
ويُبدلن منه الحسن قبحاً تجنياً.... ويبخلن عنه بالسلام تعاميا
وكان الشباب الرحب أكبر شافع.... وعن أكثر الداعي إليهنَّ كافيا
فلا خير في عمر يرى المرء عنده.... ببنيته نقصاً يسر الأعاديا
وبعد هجوم الشيب للمرء يُبتلى.... بأسنانه ما يعظم الرزء ثانيا
فيتركها ما بين حي وميت.... كثير اعوجاج ليس يبرح وانيا
وحيئنذٍ لا عيش يصفو لآكل.... ولا مشرب للمرء يصبح هانيا
فما حر من هذين أو كان بارداً.... فللألم المخشي يصبح داعيا
وقدِّر بما زالت جميعاً وغادرت.... أخاها كطفل لا يفك البوازيا
يجنبنه ما كان فيه رداؤه.... ويطعمنه ما خفَّ طبعاً تداريا
وما كل شيخ واجداً من يُرَبِّه.... كما رُبّ طفل يصحب المهد عانيا
فقد تعرض الأسفار للشيخ والنوى.... فيختل قانوناً بعيداً ودانيا
فكيف سكون القلب والحال هذه.... وأي طريق يسلك المرء واديا
وأي أمانٍ والحوادث كُمَّنٍ.... تشنّ على نهب النفوس الأمانيا
فلا لوم للباكي الشباب وعصره.... إذا ما بكى يوماً وأبكى البواكيا
وأفدي الذي قد نبهتني عظاته.... فقلت مقيماً إذ سمعت المناديا
دهاني زماني في جزيل عواملي.... ولقىَّ جميع الناس مثلي الدواهيا
فكم موجع مثلي يبيت مسهداً.... ويضحي بنيران التقلقل صاليا
يحاول بثَّ البعض مما أصابه.... وأحمى كراراً في حشاه المكاويا

فيعذره نظم القريض مرصعاً.... رقيق المعاني عسجداً ولآليا
ويبقى كظيماً ليس يملك قدرة.... يعبِّر عما صار في القلب ثاويا
ولا يستريح المرء من بعض غمه.... بغير انحدار الدمع دراً جمانيا
أو الشعر يمشي حيثما شاء طائعا.... يَبين به ما كان في الصدر خافيا
كما قد تراه في نظام إمامنا.... يوحِّيك أوصاف الأمور كما هيا
ويرمي به عن قوس كل إرادة.... وما كل قوَّال يصيب المعانيا
ولا كل بحر كالفرات حلاوة.... وفيضاً ولا كل النجوم دراريا
ولا كل قار للحواميم نافعاً.... ولا كل داع للبرية هاديا
ولا كإمام العصر تلقى مهيمناً.... بكل مجال في الفصاحة داريا
تصفَّح إذا ما ارتبت ديوان شعره.... تجده لأنواع البلاغة حاويا
ويكفيك عن طول قصير مقاله.... إذا كنت من أمر ينوبك شاكيا
إلى آخر الآبيات تعلم أنها.... حكت لاتساق النظم وشياً يمانيا
معان كنشر الروض يفصح عرفها.... ذكرت دياراً دار سات خواليا
وقد شملت معنى مقالة قائل.... تعزَّ فلا شيء على الأرض باقيا
وأومت إلى شِعْرَي إمامين قدِّسا.... فوعظهما قد كاد يملا النواحيا
يعني بالإماميين: حي الإمام أحمد بن سليمان، فإن له قصيدة على هذا الروي والوزن أولها:
دعيني أطفي عبرة ما بدا ليا.... [وأبكي ذنوبي اليوم إن كنت باكيا]
وعارضها حي القاضي نشوان [بن سعيد]، فقال:
ذكرت دياراً دارسات خو اليا...إلى آخرها.

والإمام الثاني هو: [الإمام] المهدي أحمد بن يحيى [بن] المرتضى صاحب (الأزهار)، و(البحر الزخَّار)، و(الغيث المدرار)، فله أيضاً قصيدة على هذا الروي والوزن أولها:
دعيني إذا شاهدتني اليوم باكيا
وهي مشهورة أيضاً. انتهى.
ومن أشعار حي الإمام عز الدين عليه السلام اللاتي عوَّل عليَّ أن أعارضها بما يجانسها: قصيدة فريدة أنشأها يتشوق إلى بلاده، ويذكر أنه لايبرح شوقه مستمراً، إن كان بالشام اشتاق إلى أهله باليمن، وإن كان بأرض اليمن فكذلك فقال:
أفق أين ما وجهت صرت مفارقاً.... ولم تلق فيما بين حاليك فارقا
تسرّ بأن تلقى حبيباً ومنزلاً.... عقيب افتراق صار للقلب غارقا
وما نلته إلا بفرقة منزل.... وأهل ووُلْد وافتقادك وامقا
فتصبح مسروراً هناك وواجداً.... وصدرك مسروراً هناك وضائقا
فيا جامع الضدين والوقت واحد.... لقد جئت شيئاً للعوائد خارقا
ألا هكذا الدنيا مشوب سرورها.... وما منحت صفواً من العيش رائقا
إذا ما حلت مرت وإن هي أحسنت.... أساءت وتعطي السؤل بالسوء لاصقا
نهضنا إلى كحلان والشوق لم يزل.... لنا قائداً وسط الطريق وسائقا
فلما بلغنا ما نريد ولم نجد.... عن القصد عن لقيا الأحبة عائقا
وجدنا التلاقي والتداني وقربنا.... عقيب ابتعاد والوصال الموافقا
أفاد التنائي والتباعد موجباً.... فأمسى الأسى والكرب للقلب طارقا
إذا ما رأينا من لدينا أحبَّة.... محاسنهم زهر تحوز المرافقا

أنسنا وطبنا باللقاء وسرَّنا.... مصير النوى من بعد ذلك زاهقا
وعدنا إلى تذكار من شطَّ داره.... فأضحى بعيداً نازح الدار ساحقا
ومن حجبته أشعب وشواهق.... فسحقاً لها من أشعب وشواهقا
فثارت نيار للجوى وسط الحشا.... بها أصبح القلب المتيم حارقا
فلي في الدجى جفن نؤوم عن اللقاء.... وجفن به يمسي على البعد آرقا
وقلب تراه ساكناً بعض ليله.... وفي بعضه من شدة الوجد خافقا
ألا أيها الساري على ظهر سابح.... يفوق الجياد الصافنات السوابقا
تحمل وُقِيْت السوء نظماً محبراً.... بديعاً بليغاً يفضح الدر فائقا
تبث به الشكوى على الخالق الذي.... تبارك رحماناً رحيماً وخالقا
وأوقف عليه كل راعي مودة.... مصون عن الغش الذي ليس لائقا
يواسي ويأسو ثم يخبر ناظماً.... جواباً لما في النظم هذا مطابقا
وخصَّ به المقصود بالذكر أولاً.... وَمَنْ بُعْدُه أضحى له الدمع دافقا
أحبّتنا ما بين صنو مفضّل.... تراه صديقاً في الأخوة صادقا
هماماً سما جوداً ومجداً ومفخراً.... وأصلاً أصيلاً شامخ الفرع باسقا
ونجل كريم يملأ الأرض صيته.... مغاربها يا مُرسلي والمشارقا
حليف معالٍ لم يزل هو مولعاً.... وما انفك للأسفار خِدْناً معانقا
وولد سراة طيبين أماجد.... زكوا عفة في دينهم وخلائقا
غطاريف أطهار كرام أماثل.... فما أحداً منهم يخاف البوائقا
وأهل بهم صار الفؤاد مولعاً.... مشوقاً إليهم غاية الشوق تائقا
أحنُّ إليهم كلما هبت الصبا.... وتزداد أشواقي إذا شمت بارقا
ومهما تذكرت الشآم ومن به.... أقام تذكرت العذيب وبارقا
وإن ينس لم ينس التي صار فقدها.... له عبرات قد أخذن المخانقا
وهل كبد تمشي على الأرض مثلها.... يهون على أحشائها أن تفارقا
وما أمُّ سَقبٍ فارقته فلم تزل.... تحنُّ حنيناً أسمعته النوائقا

بأشوق مني قاطناً ومسافراً.... وأوجد مني صامتاً ثم ناطقا
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة.... وليس بليت نستفيد الحقائقا
وللشمل جمع ما يشاب بفرقة.... وليس غراب بالتباعد ناغقا
فقل للأسى رفقاً فقد صرت لازماً.... وقل للسِّلو اذهب فقد صرت طالقا
عسى ولعل الله إني بلطفه.... ورحمته ما زلت عمري واثقا
وصلتني هذه القصيدة في شهر رمضان الكريم من سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة، وأشار الإمام -عليه السلام- أن أجوّب عليها، فجوَّبت سريعاً هذه القصيدة الآتية، فلما بلغته، استجادها واستحلاها، وأنشدها للحاضرين وتلاها، فقلَّ منهم من قام من تلك الحضرة حتى استملاها، وهي هذه، مجردة عن تخميس أردفتها [به] بعد مدة، وحصل لي منه بسببها جائزة سنيَّة، وعطية هنيَّة، [وهي] :
صدقت ولم تبرح مدى الدهر صادقاً.... وما زلت عن أمثال لقمان ناطقا
وسابقت أرباب المقال إلى العلا.... فقاموا وجاوزت النهاية سابقا
فمن رام إدراكاً لشوطك لم يكن.... لشقّ غبار من مساعيك لاحقا
بآية ما أبدعت فيما افتتاحه.... أفق أينما وجهت صرت مفارقا
فإنك ألبست الفصاحة حلة.... [تفوق على مغسول في الحسن فائقا]
وأنسيت نظماً للكميت وجرول.... وصيَّرت أرخاخ القريض بياذقا
ا غرو والأشعار أصغر مفخر.... غدوت به جل الأئمة فائقا

وأما فنون العلم فالكل مذعن.... بأنك قد أوضحت منها الدقائقا
كبحر غدا باللؤلؤ الرطب قاذفاً.... وبالعنبر الشحري في البر دافقا
أو الغيث يهدي للسعيد منافعاً.... ويبعث حيناً للشقي الصواعقا
كما حزت أسباب الكمال فلن ترى.... أخا رتبة إلا لحقك سارقا
كأنك ذو القرنين طوفت تبتغي.... مغارب في جمع النُّهى ومشارقا
ليعتبر النظَّار فيما أقوله.... ولا قدَّس الله الكذوب المنافقا
أمثل أمير المؤمينن ورهطه.... يرى الناس أفعالاً زكت ومعارقا
وأربعة هل عُدَّ في أي معشر.... نظير لهم سَرداً كذا متطابقا
توسَّط عز الدين مابين نجله.... وناجله كالورد زان الشقائقا
وبالحسن استكني وبالحسن اعتزى.... وفي المكرمات السيدان توافقا
وإن سبق الهادي القديم حفيده.... فقد لحق الهادي الأخير ووافقا
وإن قلت قد أربى ونيّف لم يكن.... مديحي لبدر التمِّ إذ تمّ ماحقا
ألم يك يحيى من حسين وقاسم.... فهل حطَّ قدراً منهما كان باسقا
لقد فخرت عبس بأن كان منهم.... ثلاثة أنفار سراة بطارقا
وثنوا لأم أنجبتهم بأنها.... سمت كل من زمت عليها المناطقا
ولو عاش منهم من يرى لإمامنا.... بنيناً وإخواناً بدوراً شوارقا
ويكفي من الأسباط سبطان أعجبا.... وفي الرأي والإقدام صنوان طابقا
إذاً لرأى سادات عبس زعانفاً.... وعدَّ بها همَّام مُرَّة لاصقا
فيا أيها الغادي على أرحبيّة.... يباري ذواري الريح بله الأيانقا
تعد بها ماءً بيرسم مصبحاً.... ويمم بها ماء بحيدان غابقا
وطيش عليها في السواد مفاوزاً.... يظل بها الخريت حيران باخقا
نجوداً وأغواراً وحيناً عقنقلا.... ومتسعاً في طرقه ومضايقا

كأن يرابيعاً جعلن ببطنه.... مساكنها من قاصعيها ونافقا
فحين ترى الأهنوم عرِّج تعمَّدا.... على أرض قحطان كفيت العوائقا
إلى الشرف الأعلى وفي ذا إشارة.... إذا كنت للتشريك في اللفظ رامقا
ومن حيد كحلان تكحَّل فإنه.... يزيد الضياء نوراً ويجلو الحمالقا
وإن كنت مكروباً فعفِّر بتربه.... جبينك تستفتح بذاك المغالقا
فإن مكاناً حلّ فيه إمامنا.... جدير بأن يحيي ثراه الخلائقا
وما لكرامات الأئمة منكر.... ومن قدرة الرحمن ينشي الخوارقا
كما خُصَّ مركوب لجبريل إنه.... يؤثر في الأشخاص حساً ملاصقا
ومن بعد ذا سلم عليه وقل له.... فديتك موموقاً فديتك وامقا
أتانا نظام منك يفضح عرفه.... رياض الربيع الزاهرات العوابقا
وفيه من البين المشتِّ شكاية.... وما كان من جمع الأحبة عائقا
وكون التلاقي للتنائي مظنة.... وقربك للمحبوب يدني التفارقا
وعددت من صار الفؤاد مولعاً.... بهم ومشوقاً غاية الشوق تائقا
فقلت وما تنسى التي صار ذكرها.... له عبرات قد أخذن المخانقا
وهل كبد تمشي على الأرض مثلها.... يعز على أحشائها أن يفارقا
فواهاً لها من نفثة وشكاية.... وشقشقة فاحت فهاجت شقاشقا
ويا حسن ما عبرت عن سر خاطري.... وذكرتني رهناً لذي العول عالقا
وهذا الذي أدنى محلي بصعدة.... وصيرني في أبحر الهون غارقا
حرمت ازدياد النيل من شغفي بهم.... فبت وما فضل لذي الجيل نافقا
إذا الحر أضحى والخمول نزيله.... بمنزلة فاهتف به أن يفارقا
وقل: يا أخي فارق ترق كل صاحب.... فلن يقطع الصمصام إلا مفارقا

فلولا أطيفال كزغب من القطا.... لمشهدها تبقى النفوس خوافقا
لما كان ظلي للديار ملازماً.... ولا كان قلبي للمواطن عاشقا
ولا كنت إلا في العراق مزاحماً.... نحاريرها للمنتهين مرافقا
وإلا بأرض القدس صاحب خلوة.... غدا لكؤوس الصحو والمحو ذائقا
ولولا ثلاث هنَّ من لذة الفتى.... وجدك لم أحفل بمن كان حانقا
فمنهنَّ إتحافي عيالي بطرفة.... لفرحتها تبقى الثغور بوارقا
ومنهنَّ خوفي أن يذلوا لقاهر.... يُرى ضارباً هذا وهاتيك دالقا
وتُستَخدمُ الكبرى في كل معنت.... ويقذف بالصغرى ورا الباب داهقا
ومنهنَّ رجواي لهم أن يشابهوا.... أصولهم مهما استقلوا طرائقا
فليس يضر القوم موت سراتهم.... ولكن إذا شبَّ الخلوفة مائقا
ولا الحسب المأروث لادر دره.... بمغنِ وإن أمسى به العز عالقا
ووالله يا مولاي إن بباطني.... بكور شكاً [و] ضعف ذا وعوائقا
وإنك قد حركت داءً مخامراً.... له زمن لم يلق في الطب حاذقا
وإن قد رمى عن قوس فحوي نظمكم.... وقرطس حتى مرَّ في القلب مارقا
فمنّوا على المملوك منكم بدعوة.... فما جاهكم عند المهيمن زاهقا
بتثبيته في قوله وفعاله.... وتبليغه فيما يروم الحقائقا
فأنتم لنا يا أهل بيت محمد.... ملاذاً إذا خفتم علينا البوائقا
عليكم سلام الله ما هبت الصبا.... وما دام مخلوق يسبِّح خالقا

وعلى الجملة: فقد احتوى ديوان شعره -عليه السلام- على الغرر والحجول، فهي كصوافن الخيول في كل مضمار تجول، ولولا ميلي إلى الاختصار، لذكرت منها هاهنا ما يزري بالأزهار تجري من تحتها الأنهار،وذكرت أيضاً ما عوّل عليَّ أن أعارضه من تلك الأشعار، لكن من أحبَّ ذلك فليطالعه في ديوانه، وديواني، فكل مناَّ قد رسم ما وضعه، ورقم من ذلك ما اخترعه.
فصل: نذكر فيه مدة عمره -عليه السلام- وموته، وذكر أولاده، وما أوصاهم [به] قبيل موته من اتخاذ مشهد له، مما يرضى به سائر آل الإمام علي بن المؤيد، فاعلم أني قد ذكرت فيما تقدم: أنه ولد بأعلى فللة في شهر شوال من سنة خمس وأربعين.
وأما وفاته : فإنه -قدَّس الله روحه- كان قليل الأمراض، من أعجب ذلك أنه لما خرج بعد دعوته كما تقدم للقاء العلماء الصنعانيين وغيرهم، فلقوه حول بلاد الأهنوم، وباحثوه في شروط الإمامة، فأجابهم بما طابت به نفوسهم فبايعوه هناك، فواذنهم بالتقدم معه إلى السودة، فاعتذر بعضهم، فلم يعذره، وكانت الطريق إلى السودة طريقين:

أحدهما: تمر في رأس جبل الأهنوم، مرّها من تخوَّف سدم بلاد قحطان، والطريق الأخرى تمر على أكثر بلاد قحطان، وهي بلاد وخيمة، فكان -عليه السلام- ممن مرّ هذه الطريق بخيله وجماله، وجل عساكره، وهناك بلاد اسم بئر عندها بئر الشغف بات الناس حولها ليله واحدة، فمرضوا الجميع إلا الإمام -عليه السلام- ومن يخدمه ساعة ركوبه ونزوله، ويقود فرسه قدر خمسه جماعة أو ستة، وقد كان في مدة وقوفه بالهجر يقف للناس في تلك المحطة ليلاً ونهاراً، وهي بلاد غفصة سدمة، ومن دخل إليه إلى خيمته من أعيان الأصحاب ما قدر يصبر معه على ذلك الغفص، بل كانوا يتنزهون في الأمكنة العالية، وهو صابر على مراجعات الناس على طبقاتهم، وينظم [جميع] أمور تلك المحطة إلى حد الجمَّال، والغلام إلى حد من هو من أولئك العلماء [والسادة] في منزلة الإمام.

نعم. وكان ابتداء مرضه يشبه السدم حمى وعرق، فلم يمنعه عن المواجهة، وتفقد أمر الإمامة ما بَعُدَ عنها وما قرب، بل كان في بعض الأحوال يعالج بخطه [في] تصنيف (شرح البحر) كما ذكرت أولاً، فما برح ذلك الألم يضعفه وينحفه، وهو على جَلَده يقرر قلوب أهله، وخواصه، وأولاده، وأوداده، وامتدَّ مرضه من أول يوم من رجب إلى [يوم] ثاني وعشرين منه، فتزايد عليه إلى نصف النهار من غده وهو يوم الجمعة ثالث وعشرين منه، فتوفي إلى رحمة الله ورضوانه، وقد كنت طلعت لعيادته أول الأسبوع الذي مات فيه، فأخبرني بمرضه، وبشرني أنه إلى خير، وأذن لي بالتقدم إلى صعدة، وكان [قد كان] استصحبت شيئاً يبدو به من يبدو على المريض، فشكر الصنع، واستودعته، وقال لي: إذا جاءك مني كتاب فاعمل على ما فيه، فسرت من حضرته وخاطري طيب غير مشجن عليه، فلما وصلت صعدة بشرت الأصحاب بعافيته، هذا يوم السبت أو يوم الأحد، وما زلنا نستعلم من يأتينا من عنده، وهم يذكرون أنه لابأس عليه، فلما كان آخر الأسبوع يوم الجمعة لقيني بعض خواصه عند الظهر، فناولني [كتاباً] بخطه –عليه السلام- هذا لفظه:

الحمد لله وحده، [وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم] سلام الله وإكرامه على الفقيه، الأفضل، [الأنبل] : بدر الدين محمد بن علي بن يونس، صدورها ونعم الله واسعة، ومن جملتها ازدياد تلك الزيارة وإطباقها حتى قد بلغت في رقة الحال الغاية، والحمد لله على كل حال، فالدعاء مستمد، وصدرت الخرقة التي وصلت فيها بتلك الفاكهة المحبوبة النافعة، فجزاكم الله خيراً، فقد كان لها تأثير، وبها انتفاع، وأوصينا محمد بن علي النجري يسلم إليكم شيئاً من قبيل المواساة من حق الله [تعالى]، فأما ثمن هذه فأنا أدفعه مما يخصني، وقد أوصيت محمداً في ذلك، وحققته له، ولا أرضى بغير ذلك بعد السلام [والدعاء]، فلما قرأت الكتاب ناولني تلك الدراهم المواساة، وهي عطية جزلة، وقال [لي] : هاك الخرقة، وخبّرني كم ثمن تلك الهدية، فقد شدد عليَّ في ذلك؟ فقلت له: والله ما آخذ منك فيها عوضاً وما قال الله فيما هناك، فإني أودُّ له بعافية ولو بروحي، فقال لي: فيكون العذر منك إليه، فإني أخاف منه ينقِّد عليَّ، فقلت له: أنا أعرِّفه اجتهادك معي، فولى عني من بين السكتين، ولا معه ولا معي خبر أبداً، فما وصلت شق سوق الحدادين في تلك الساعة إلا وقد لقيني عدة يستخبر وني، هل علمت للإمام بمرض؟ فقلت: نعم، له أيام مريض، وهو إن شاء الله إلى خير، فسرت من عندهم قليلاً، ولقيني آخرون سألوني كسؤال أولئك ووجوههم متغيرة، فأجبتهم بمثل ذلك الجواب، فسرت إلى أعلى الصرحة، فلقيني آخرون، وقالوا : بلغنا أن الإمام توفي [في] هذا اليوم، هل بلغك شيء من ذلك؟ فنهرتهم، وقلت: هذا كتابه وصلني

من بعض خواصه، فلو كان ثمَّ شجن لأخبرني به فالخبر لا يعديه، ولكن هذا منكم تفاؤل ممن يكره الإمام، فسرت من عندهم قليلاً، فإذا آخرون يتلاكتون، فلما قربت منهم سألني بعضهم، فأجبتهم بجوابي الأول لأولئك مستبعداً لهذه الأقاويل، فإذا بواحد قرب مسجد الذويد يقول إن بريداً دخل المنصورة إلى عند الأمير، واعلم بوفاة الإمام، فما ا ستتم خبره لي إلا [و] وصلني رسول من عند القاضي محمد بن يحيى [بن] مرغم من مسجد التوت يقول لي: أجب القاضي، فإن عنده كتاباً وصله الآن من فللة إليه وإليك، فقلت: من الرسول؟ فذكر لي خادماً من خواص الإمام عرفت به أنه وصل بعلمه، فما ملكت عيني من البكاء، وسرت من فوري إلى مسجد التوت ودموعي تقطر على خدي، ونشيجي يوحي من بعيد، فجئت والقاضي قد انتحب أيضاً من البكاء في محرابه، ومن تلك الساعة إرتجت المدينة بالنواح والصراخ، من النساء والرجال، في كل نواحي المدينة، فخلنا السماء سقطت على الأرض، وبكت عليه المخدَّرات في البيوت، وأهل البوادي، ومن يعرفه ومن لا يعرفه، وخرج الناس إلى فللة معزين على أرجلهم السادة، والقضاة، والشيعة، والأمراء، والخواص، والعوام، فناس وصلوا المشهد بليلتهم، وناس باتوا بأسفل الوادي، وناس جاءوا يوم ثاني، وكثر المعزون من شرق البلاد وغربها، ونحروا عليه من البقر ما لا يحصى، فلما امتلأت [الهجرة بالعقائر]، وتواذن الناس، ورجَّحوا [أن يذكروا] للمعزين استحياء ما جاءوا به، فبقاؤه أنفع من نحره، فامتثل المعزون، فبقي من البقر حياًّ عدة، وتمت الوحشة والروعة بعد موته في الجهات أياماً كثيرة، وذكر

جماعة ممن وصل من صنعاء أنهم سمعوا ناعياً في ذلك اليوم ينعاه -عليه السلام-، ويصرخ باسمه، وتلاقوا يتساءلون من أي جهة سمع الناعي؟ فكل يخبر أنه [سمعه] من الجهة الفلانية بجهة غير جهة الثاني، فلما كان اليوم الثالث بلغهم علم وفاته من الكتب، فقطعوا أن ذلك هاتف من الروحانيين أمرهم الباري بعلمهم بذلك؛ لعظم منزلة هذا الإمام من الله سبحانه وتعالى، فأمر السيد المؤيد محمد بن الناصر بعد وصول الكتب إلى الأعيان من السادة والفقهاء، أن يعلموا الناس، ويحثوهم على الحضور إلى الجامع، فحضروا الكل، وقرءوا على نيته قدر سبعة أيام، وأحضرت الشماع والمسارج، وما تخلف أحد أبداً، وكذلك فعل الناس في مسجد الهادي -عليه السلام-، وعظمت الرزية في البرية، وأنشدت مراثي كثيرة في صعدة وصنعاء وغيرها من فصحاء الزمان، والله المستعان، وعليه التكلان، فكان مما قلته من التأبين، وإثارة القلب الحزين قولي:
نقمتُ الرَّضَى حتى على الروض والقطر.... إذا ضحكت من بعد قاصمة الظهرِ
وأوحشني نور الثريا وقد مضت.... تقهقر نحو الغرب خوفاً من الفجرِ
ويعجبني جنح الظلام لأنه.... يناسب ما قد كان من فادح الأمرِ
أبعد إمام العصر يضحك ضاحك.... ويَبْسُمُ ثغر بئس ذلك من ثغرِ
وموتك عز الدين أجرى مدامعي.... وأشرقني ريقي وضيِّق من صدري
وصيَّرني قد ضاق بي الصبر ساحةً.... وقد كنت أوصي الناس قبلك بالصبرِ
ومهما رأيت الشمس في رونق الضحى.... ذكرت أفول الشمس من ذلك القصرِ
وحيث حكوا للنهي والأمر صورة.... ذكرت اختلال النهي بعدك والأمرِ

لأن مناط الأمر بالعلم والحجا.... وقد دفنا مذ غبت عندك في القبرِ
ولم يبق بين الخلق إلا حثالة.... تضاهي وضير الزيت في أسفل القدرِ
أبا حسن من للمعالي يشيدها.... ومن لبناء المجد بعدك والفخرِ
أبا حسن من للعلوم يفيدها.... ومن لتمام الشرح بعدك للبحرِ
أبا حسن من للأصولين غيركم.... وشرحك للمنهاج بعدك من يقري
أبا حسن من للمنابر قارع.... يساقط وعظاً في المسامع كالدرِّ
أبا حسن من للبراعة مورد.... بكل مقام مورد البيض والسمرِ
أبا حسن من للفصاحة مفلق.... يجيد المعاني الغر في النظم والنثرِ
أبا حسن من للقضايا وفصلها.... يميزُّ محض العرف منها عن النكرِ
أبا حسن من للجيوش وبعثها.... يعود لها حسن السياسة بالنصرِ
أبا حسن من ذا نراه إذا احتبى.... بمجلسه في ذلك القصر كالبدرِ
ومن حوله آل المؤيد من أخ.... ومن ولد في الدار كالأنجم الزهرِ
ومن يلتقي الخلان حين يراهم.... بوجه طليق ظاهر النور والبشرِ
وما أنس لا أنسى مقالك لي وقد.... عهدتك في ذا الشهر لا كان من شهرِ
وذلك قبل الموت في ظن خاطري.... بعشر ليالٍ أو أقل من العشرِ
إذا ناب أمر يا محمد فادعني.... فإني لك الدنيا على نوب الدهرِ
ولم يك هذا من أياديك أولاً.... فكم لأبي بكر عوان ومن بكرِ
فلهفي على ما كان بي إن قصدته.... وأطلعته دون الأنام على سري
حفاً وفيَّاً معطياً ما سألته.... وإن لَم أسلُ أسدى وما أحد يدري
ويطلب مني الرأي والناس كلهم.... بآرائه يستصبحون من الغُدرِ
ولكن لفضل المرء والرتب التي.... تسنمها لا ينقص الجل من قدري
وكم قد حكى علمي وأطرى تأدبي.... وأعجب من حفظي ودوَّن من شعري

فحزني على من كان لي متبححاً....كمثلك عز الدين باق إلى الحشرِ
وما ضرني قول الحسود بأنني....لنسلك لا أرعى الوداد مدى عمري
ولم يدر أني في محبة حيدر....وأولاده قد همت مثل الفتى العذرِ
فمن مبلغ آل المؤيد أنني.... شريكهم والله في الحلو والمرَِ
كذلك من حولي من الصحب كلهم.... فيالك من صحب جحاجحة غرِ
فإنهم في رزئكم قد تشاركوا.... وواسوكم في ذلك الغم والكسرِ
ومدوا بساطاً للمآتم والعزاء.... ولكنه درس المصاحف والذكرِ
فجازاهم الرحمن خير جزائه.... وحاطهم في كل وقت من الشرِ
و يهنيك يا عز الأئمة والهدى.... جوارك بالآباء والفوز بالأجرِ
حميداً سعيداً مثل أهليك رتبة.... وذباً عن الدين الحنيف لذي الكفرِ
وسوف تلاقيهم هناك بجنة.... بها كل نهر بالذي تشتهي يجريِ
وهذا هو الفوز العظيم وإنه.... ليعدل ألفي ألف من ليلة القدرِ
عليك سلام الله ما هبت الصبا.... وما بات برق فوق مشهدكم يسري

ولنقبض عنان القلم على الجري في هذا اللقم، لأن استيفاء جميع ما خط هذا الإمام، وما رقم وما نثر وما نظم، يستغرق منَّا مجلدات ضخمة، يخرجنا إلى خلاف ما بنينا عليه هذا الشرح من اختصار كل حكمة، فلنعد إلى ذكر تعداد أولاده -عليهم السلام-، فأول من ولد له الإمام القمقام، علم الأعلام، وحجة الله على الأنام، شرف الدين، أمير المؤمنين: الحسن بن أمير المؤمنين، ثم السيد الأفضل، طراز المجد الأطول، شرف الدين: الحسين بن أمير المؤمنين، ثم السيد [الأوحد، الأفضل] الأمجد، شمس الدين: أحمد بن أمير المؤمنين ثم السيد الأجل، رفيع القدر والمحل، صلاح الدين: المهدي بن أمير المؤمنين، فهؤلاء الأربعة أمهم وأم أختهم الشريفة، الفاضلة: مريم بنت الإمام عز الدين، الشريفة، المكَّرمة، المعظَّمة: فاطمة بنت عبد الله بن صلاح بن محمد بن الحسن بن زيد، ومن أولاد الإمام السيد، الصدر، فخر الدين عبد الله بن أمير المؤمنين، وأمه وأم أخته، فاطمة بنت أمير المؤمنين الشريفة، المكرمة: بدرة بنت الحسن بن محمد بن صلاح، وهو من أخوال الإمام عز الدين الذين هم آل زيد، ومن أولاد الإمام المذكور الموجودين بعد السيد، النجيب، المهذب، الأديب: صلاح بن أمير المؤمنين أمه شريفة من الشرف، واسمها: وَسنا بنت محمد بن أحمد العلوي، وقد أخبرتك أن أشعار الإمام عز الدين قد ملأت دواوين، وأن منها ترثية لحي والده السيد، الصدر، الأجل، صاحب الرئاسة العامة، والذي كان في عصره الشامة في كرماء أهل البيت والعلامة، وهي من جيدات المراثي، ولما أنشأها الإمام، وتداولها الخاص من شيعته وقرابته والعام.

قال لي: يا فلان، ما نكره شرحها، فقد نظمت [في] ذلك مدة السيد، وأحواله في سيادته، وتعديد قرابته وغير ذلك، فامتثلت رسمه، ونفذت حكمه، وشرحتها شرحاً لطيفاً، وسميته: (الرسالة الناطقة لشرح معاني المرثية الصادقة)، فلما وقف -عليه السلام- على هذا الشرح استجاده، وأمر بنسخه نسخاً متعددة، وكساني وأهل بيتي تكرمةً لائقة، وعلى حسبما يريده منه مطابقة، وقد تقدمت هذه الترثية في هذا الشرح في آخر الكلام على مضمون ترجمة الإمام، الأوحد: علي بن المؤيد، فإني ذكرت ولده الحسن -عليه السلام- هناك، فاعرفه موفقاً. [إنشاء الله تعالى].

[دعوة الإمام الحسن بن عز الدين بن الحسن ]
فلما مات -عليه السلام- وكان ولده الإمام الحسن يومئذٍ غائباً في كحلان تاج الدين سار البريد [إليه] يعلم بموته، فوصله يوم ثالث وهو يوم الإثنين أو الثلاثاء، فحشد أعيان أتباعه، وأهل تلك البلاد، [ومن حضر من أشياعه]، فاعلمهم بذلك، فأصابتهم مصيبة على غفلة [وروعة]، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وأعزوه في تلك الجهات جميعها، ثم عوَّل عليه من عوَّل في القيام، فلما كان يوم الجمعة وهو [يوم] ثامن موت أبيه وهو تاسع وعشرين من رجب المذكور، دعا إلى الله سبحانه في كحلان تاج الدين، وبَّث دعوته في الآفاق، ووصلت دعوته صعدة، وقد كان انعقد الصلح بين الأمير محمد، والإمام عز الدين مضمونه الهدنة من الفتنة قدر عشر سنين، فقام الإمام الحسن وقد [كان] مضى منها قدر خمس سنين، فحين وصلت دعوته صعدة فرح بها الأمير، وقرروا ذلك الصلح، وزاد في مدته خمس سنين، وأثبتوا للإمام الحسن الخطبة في صعدة، ولم يفعلوها لأبيه من قبله، بل كانت لابن يوسف كما تقدم، وأما السكة فهي للأمير في عصر الإمامين المذكورين، وفي خلال ذلك أطاعه جلُّ الشيعة، وواجهه إلى كحلان عدة منهم، فأنصفهم وأعطاهم عطاء جزيلاً، واستمر الناس يفدون إليه من كل جهة، ويرجعون مطيعين سامعين، خلا جماعة من آل المؤيد، فإنهم وصلوا إلى هناك وأنصفهم، ورجى منهم بيعة، فتعنتوه وراوغوه، فعلم بهم جماعة من شيع المغارب، والجهة اليمنية، فراسلوهم ومرضوا الأمر، وكثر ظهور الاختلاف، وأعمل القاضي محمد بن أحمد بن مظفر الحيل في توقيف من علم به إرادة النهوض إلى

الإمام الحسن ومنَّاهم التماني، وقد كان وقع بينه وبين مولانا الإمام معاداة في عصر الإمام عز الدين على زكاة بلاد كانت موجهة للقاضي، فما زال ذلك من قلب القاضي، وقد عوضَّه الإمام في حياته بأكثر مما أخذ عليه، فلم يفد ذلك، بل أضمر العداوة للحسن، فلما دعا عانده، وشوَّش القلوب عليه وأمرضها، فأفسد عليه أجزل أموره، وما زال يضارره ويعانده، حتى كان قيام الوشلي بسبب معاندته كما سيأتي، فأما الجهة الصعدية وبلاد خولان، وأكثر بلاد القبلة، فأطاعه أهلها، وبايعوه، [وشايعوه]، وأقيمت الجمعة بصعدة، وكانت القضاة تصدر وتورد عن ولايته ما اختل عليه خلل إلا معارضة عمه صلاح وأولاده [له] في بلاد خولان و فللة؛ فإنهم آذوه وآذاهم، وما زاد وسعهم المشهد المبارك، بل نزل عمه صلاح إلى الحظيرة حلَّ بها هو وأولاده، واتفقت بينهم فتنة كبيرة، وحلل الإمام [الحسن] دورهم رتباً [بحيث أنه ما زاد أيهم أمن يصل المشهد]، ولما دعا الو شلي بايعوه وقالوا به ووصلوه، وأقطعهم بلاداً من الشرق، وكساهم وركبهم، ومن حين دعا الوشلي قلت محاصيل الإمام الحسن من بلاده تلك، فأفنى ما كان قد جمعه حي والده من بيوت الأموال؛ لأنها بقيت معه حصون أبيه صرف عليها من داخل، وتدارى بها القبائل، والبلاد التي تحت هذا العهد مال أهلها إلى الوشلي؛ فوهب لكل ما تحت يده من الواجبات، وبعضها استكفت به الشيعة المنحرفون عن الحسن، فأتعبه ذلك وأذهب ما في يده، وجاهد مجاهدة كبيرة، وأمر إلى شيعته الذين بصعدة ويسنم وغيرهم، فخرجوا إليه إلى السودة مخرجاً كبيراً، وذكَّروا الناس، وعَّرفوهم

حق الإمام، وأنه السابق، ووعظوهم، وكرروا ذلك، ودخلوا الأسواق، وكتبوا إلى صاحب صنعاء وغيره، فما أثر ذلك كل الأثر، فصبر مولانا –عليه السلام-، ومن صبر قدر، وفي خلال ذلك أخذ عليه بعض الحصون التي كان والده قد قبضها، مثل: حصن يسمى المرخام، وحصن يقال له: الجميمة في بلاد قحطان، وراح عليه السود، وكان قد ولَّى والياً على كحلان الشرف، وهو شريف من أهل غربان يقال له: حمزة بن الباقر، فكتب إلى الإمام يستمده على محطة حوله من عسكر الوشلي، فسار في جماعة واحتال حتى دخل الحصن، ورام نصرة واليه، وطرد المحطة من حوله، والوالي كان منه أن قال [له] : قد اكتسر لي عليك جوامك كثيرة، ولا آمن أن تسَّلِم الحصن وتبيعه، وتقبض ثمنه، وأخرج بلا شيء، فاختر إما سلمت لي ما قد انكسر عليك وشأنك بحصنك، وإلا سلمتك إلى يد خصومك وأخذت ثمنك وثمن الحصن، وتهدده وتوعده، وضمَّره هو ومن معه من النفقة أياماً، وإن أنفقهم فمن شيء يسمى الكناب ما قدروا يسيغونه لقلة الاعتياد لأكله، فاضطر الإمام إلى بيع كحلان [المذكور] بجملة دراهم، واستغرق أكثرها هذا الوالي [في] منكسرة، وخرج من الحصن وقد سلم للوشلي هو وحصن المفتاح، وكان في ذلك أمور كبار، منها: أنه ترَّفق له هو وأصحابه من أولئك القبائل، وممن كان مع الوشلي من جند صنعاء كبعض أولاد شارب؛ فإنه رفقهم حتى أطلعهم حصن مدوم، وأصحابه أحباب للإمام وصهور، فلما أمن معهم أنشأ رسالة هناك وصف فيها ما جرى عليه من واليه الأعيب حمزة بن الباقر نثراً ونظماً، وأمر بها إلى صعدة وغيرها، فنقلت وهي موجودة عندي تركت إيرادها هنا

لطولها، وغرضي الاختصار، فمن أحبَّ مطالعتها فهي موجودة في أيدي جلَّ الإخوان.
ولما رجع الإمام إلى الجهة الشامية بعد تسليمه لكحلان المذكور، استرجح طيافة الجهة الشامية مثل: القبضة، والعرين، والحرجة، وتلك النواحي في آخر ذي الحجة [من] سنة اثنتين وتسعمائة، فعول على عدة من السادة والشيعة في المسايرة له إلى هناك، فسرنا معه فلبثنا من يوم سرنا إلى أن رجعنا قدر أربعين نهاراً، وما وافقنا أحد من أهل تلك النواحي إلا فأطاع وبايع، وصارف دون جماعة أشراف في بلاد راحة، فإنهم قالوا: قد ظهرت المعارضة من الوشلي، ونحن نتوقف حتى تجتمع الكلمة، ولما رأيت اجتماع القبائل في يوم جمعة في سوق الحرجة، أنشدت قصيدة فريدة ذكرت فيها الإمام، ومن أطاعه من أولئك القبائل، ومدحتهم، ومجدتهم، فوقع لها موقع عظيم، وانثال الناس بعد سماعها إلى جانب الإمام -عليه السلام-، وهو من كثرة إعجابه بها أمر بها بريداً طاف بها على أهل يسنم، والمثة، وصعدة، و فللة، وساقين، ثم أمر بها إلى صنعاء فقريت في الجامع، وعاد البريد مخبراً لموقعها في تلك الجهات وتناقلها، وهي [هذه] :
لوائك منصور وبرجك طالع.... ووجهك وضَّاح ونورك ساطع
وفضلك مشهور وكعبك معتل.... وحلمك ممتد وطيشك شاسع
وعلمك معروف وجودك شامل.... وعفوك مرجو وصدرك واسع
وأنت الذي اختبر الرجال سماحة.... وجوداً إذا هبَّ الرياح الزعازع
وأنت الذي لم تنظر العين مثله.... صلاحاً ولم يسمع بمثلك سامع
خرجت على اسم الله من أرض يسنم.... تبادر في نعش الهدى وتسارع

يحفك من آل النبي عصابة.... كرام وأشياع بدور طوالع
وأجناد صدق من بكيل وحاشد.... ومذحج في الهيجاء سيوف لوامع
فوافاك بالترحيب كل قبيلة.... تضيفك أبشاشاً وبعد تبايع
جماعتهم من آل نصر وبعدهم.... رجال سحار كل من هو شاجع
ووادعة الأمجاد من آل مرحب.... وسنحان ما سنحان إلا سمادع
وجاءك تهوي من عبيدة عصبة.... جميعهم للخصم كالسم ناقع
إلى أن حططت الرحل عند قبيلة.... لها كل يوم في الرقاب صنائع
شريف شريف شَّرف الله قدرهم.... وحاطهم من كل سوء بواقع
فهم روس قحطان بن هود وصيتهم.... بكل بلاد ماله قط دافع
وأكرم بجهمين بن داود إنهم.... لشيخ جليل للرئاسة جامع
وفي آل بشر قد نزلت وخيمت.... خيامك حولي من له الله رافع
فإن بني بشر أسود ضراغم.... وأسياف صدق في الحروب قواطع

يحوطون من أضحى نزيلاً بسوحهم.... كما حفظت بين الكرام الودائع
وزانهم من آل زيد عصابة.... كما زينَّت كفَّ الكريم الأصابع
قضاة كأمثال النجوم إنارة.... وهديا إذا زل الغوي المنازع
هم عرفوا حق الإمام وأخلصوا.... ودادهم حتى استفاد المراجع
وما غفلوا عن أخذ أوثق دينهم.... ولا كان منهم في التوثق خاضع
فلما دروا أن الطريق منيرة.... ووجه الهدى ما سترته البراقع
أجابوا النَّدا من غير لومة لائم.... وأحيوا منار الدين قصداً وطاوعوا
فجازاهم الرحمن خير جزائه.... ولازال منهم للإمام مشايع
فطاعته حتمُّ على كل مسلم.... يرى أنه يوماً إلى الله راجع
لأن ابن عز الدين أفضل من مشى.... على الأرض وانظمت عليه الأصابع

[دعوة الإمام محمد بن علي الوشلي]
تنبيه.
ومما يتصل بقول الناظم [-رحمه الله تعالى-] :
وذا زمانك فانظر في حوادثه.... فالوصف يقبح للمحسوس بالبصرِ
منها قريس وتفقو إثرها علب.... وعرقب وهي دهياء الصم والعبرِ
عمَّت بفتنتها خَصَّت بمحنتها.... كل الخلائق من بدوٍ ومن حضرِ
وقد ذكرت طرفاً مما كان في الثلاثة المواضع وتوابع ذلك، ونلحق به خبر دعوة مولانا المنصور بالله: محمد بن علي بن محمد بن أحمد الوشلي من ذرية السراجي، وقد تقدم تدريج نسبه [إليه]، وأنه من ذرية الحسن بن زيد بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليه السلام-، فإن هذا دعا عقيب دعوة الحسن بن عز الدين بقدر ثلاثة شهور في وادي ظهر من بلاد بني الحارث من أعمال صنعاء، وكان مبرزاً في جميع العلوم، ولازم الإمام عز الدين في فللة وصعدة وغيرهما، يحمل العلم الشريف، وله في أصول الدين مصنَّف لطيف، ولما تضلع من العلوم، انتشر ذكره في الآفاق، وغطى في السخاء والكرم على أكثر أهل عصره وفاق، فكان لا يحفظ درهماً ولا ديناراً ولا ملك خزانة لبيت المال، وإنما كان صندوقه بيت مشطه وهو في عمامته، فما أحقه بقول بعضهم:
لا يعرف الدرهم المنقوش صرتنا.... لكن يمر عليها وهو منطلق
وقوله :
وكان للمال في كفيه أجنحة.... فإن يقع منه شيء فيهما يَطِرِ

ومن كثرة سخائه الذي أقلَّ ما في يده أنه لم يعمر له داراً، ولا غرس غراساً، ولا قنى عقاراً، ولا تزوج على أم ولده يحيى غيرها، بحيث أنه في هذه الخصلة أشبه عيسى بن مريم –عليه السلام- إذ لم يضع لبنة على لبنة، ولذلك قال به أكثر الزيدية في جهة اليمن، فلا يستثنى إلا من قد بايع الإمام الحسن من شيعة صعدة، وأرض خولان، وقد كان –عليه السلام- دخل صعدة [في] أيام سيادته وحجّ منها، ثم عاد منها إلى بلاد ذمار أقام بها زماناً يفيد الطلبة العلم الشريف حتى وقع منه في جانب عامر معارضة، ومكاتبة إلى صنعاء، ووقف له على كتاب فيه الأذية لهم، وينسبهم إلى الجبر والتشبيه، فأخافوه، وأهموا بالوقيعة به، فتركوه لمنصبه وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فانتقل إلى صنعاء فازدادت محبته في القلوب لكونه باين بني طاهر عكس مولانا الحسن فإنه والاهم، وحالف عامراً على حرب صنعاء وغيرها، وقد كان الحسن بعد أن دعا تقدم من كحلان تاج الدين إلى فللة، فلما بلغته دعوة الوشلي [رجع] في العشر الأواخر من شوال لما وصلته كتب من أوليائه يحثونه على الوصول، ويخبرونه أن حصن الجميمة قد أخذه أهله، وهم لا يستبعدون تقِّوي الوشلي على تلك البلاد، فرجع إلى السودة، ووقف بها أياماً، ثم كتب إلى من [قد] بايعه من شيعته وغيرهم يستدعيهم إلى عنده، فخرج من صعدة، ويسنم، وساقين وغيرها من نواحي جهاته الشامية جماعة كثير قدر سبعين من أهل العلم، فيهم من بطون الشرف قدر ثلاثين، فوافوا السودة يوم ثامن عشر من محرم، ووقع باجتماعهم أمور معجبة للمحب، وموغرة لصدور المجانب، ثم تعقب وصولهم إليه وصول القاضي العلامة: محمد بن أحمد بن مرغم من صنعاء في عصابة قدر أربعين، أكثرهم أعيان، فوقف الجميع عنده قدر شهر ينصون على أن المعارض مبطل، وأن من اتبعه غاوٍ لسبق غيره عليه بالدعوة، وكتبوا بذلك إلى الجهات، وهيهات!! ما أثَّرت تلك العظات، ولا أحدثت إلا الكلم المحبطات الصادرة من شيع تلك الجهات، وفي خلال ذلك وقعت أشياء من القبائل والعوام المائلين إلى جانب الوشلي، وهَّنت أمر مولانا الحسن، وطرقوا له في البلاد لكراهتهم ولاية آل المؤيد؛ لزعمهم أنهم أقصياء على الزكاة وجمعها، والوشلي نفس لهم في قبضها، وأقطع الشيع جميع تلك المخاليف، فحصلوا على دقيقها وجليلها، فكان ذلك عوناً للوشلي على الاستيلاء على نواحي كثيرة مما قد كان [قد]

تمكن منها الإمام عز الدين، فملك السود، والعدنية، وبقية حصون جميمة سخدا تملكها أهلها لنفوسهم، وكذلك حصن المرخام في بلاد بني شاور، فلما استولى مولانا الوشلي على هذه البلاد عاد إلى ثلا، فلقي في طريقه [أهل] حصن يقال له: حجر سعيد، لبعض الاسماعيلية.
قالوا: وكان صاحبه من قطَّاع الطريق، فأخذه عنوة، وأخربه هو وجنوده، وقتلوا هذا الوالي الظالم، ورجلاً آخر معه، فتقوت هيبة الوشلي في قلوب الناس، وأحبَّه من كان له إليه التفات، وفي أوائل شهر رجب من هذه السنة وقع اتفاق بين الحسن والوشلي في بعض [بلاد] الشرف قريباً من مدوم وقفا يتراجعان في الوجه المسوغ للمعارضة، ويذكران أن الأولى الانقياد للشريعة يحييان ما أحيته، ويميتان ما أماتته قدر نصف نهار، فما وقع من أيهما تسليم للثاني، فرجع كل منهما [إلى مكانه]، فالوشلي بقي حاطاً على كحلان على حاله، وأمره يتقَّوى حتى بلغنا أنه أخذ ثلاثة حصون هناك، ثم بعد ذلك ارتفع بمحطته لأنه قطع بعدم قدرته على أخذه في تلك الحال، وقد وقف عليه قدر ثلاثة أشهر، ثم بعد مدة شراه بمال كثير، وأرسل إلى صنعاء يعلمهم بذلك، وكذلك مولانا الحسن كتب إلى فللة يخبرهم بطرف من ذلك، ويعتذر بأن الملجئ إلى بيعه كثرة مؤنه وجوامك رتبته وعدم المدخول فرأى المصلحة في بيعه، ثم انتقل منه إلى مدوم، ووقف به إلى بين العيدين، ثم انتقل إلى الميقاع وفي شهر ربيع الآخر من سنة خمس وتسعمائة نهض الوشلي من ثلا إلى جهة اليمن، فوصل إلى بلاد سنحان من أعمال صنعاء مريداً لغزو ذمار وهي لعامر، وقد كان بعض جند عامر مراكز للوشلي،

وحاطاً على حصن هداد، وهو لبعض الأشراف الحمزيين، فلم يشعر الوشلي حتى هجم عليه بعض ذلك الجند نصف النهار، فانهزم –عليه السلام- وانتهبت محطته الجميع من خيام، وخيل، وسلاح، وما خرج إلا فاراً على قدميه، وأسر من جيشه قدر سبعين أسيراً، منهم صاحب بُكُر، وبعض أولاد الأمير: عبد الله الحمزي وقتل من جنده حوالي عشرين قتيلاً، وحُزَّت رؤوسهم، ثم رجع مولانا الوشلي إلى ثلا، ثم تقدم منه إلى الشرف، واتفق هو والسيد: صلاح بن الحسن بن علي بن المؤيد على حصار حصن الدير، لأن واليه واسمه: الحاج أحمد تغلب عليه، وكان فيه من أيام الإمام عز الدين فلا هو سلم للحسن، ولا للوشلي، فحاصراه قدر شهرين، فلم يتمكنا منه وارتفعا عنه.

ولما حطَّ عامر بن عبد الوهاب على صنعاء المحطة الأولى أغار الوشلي هو والأمير: محمد بن الحسين عليها، واتفقا حوالي ثلا، وقد اجتمع معهما خيل كثير قدر خمسمائة فارس، ووقع من أكثر الزيدية حمية على صنعاء وأهلها، فلما كان يوم الإثنين سادس محرم من سنة ثمان وتسعمائة [سنة] اتفقت وقعة كبيرة في قاع صنعاء، كان الظفر فيها للزيدية استغنى الفليس من طمع عسكر عامر، وتنفس أهل المدينة بتلك الغارة، فخرج منهم من خرج [في] تلك الساعة، وازدحموا على يدي الإمام والأمير وأرجلهما، يقبلونهما لقطعهم بأنه ما حصل الفرج إلا بغارتهما، وارتفعت كلمة المذهب الزيدي ولاحت أعلام النصر، وقرأ القارئ : {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ }[البقرة :249] فاحتاز عامر وعسكره في جبل نقم، فلم يزل يراسل، ويطلب الأمان، ويترك يرجع بلاده، وغلت عليهم الأسعار حتى بلغ ثمن القرص قفلة فضة، وشربة الماء قريب ثلثي قفلة، بقوا على ذلك من الإثنين إلى الإثنين قدر ثمانية أيام، وقد كان رأي الإمام وأهل صنعاء [على] محاصرته، وأما الأمير: محمد وولده فربما أنهما ما كرها التغافل عنه، وأُخِذَ مال منه كثير ورهائن عرضها وتعديل حصون في هدنة مدة طويلة أو قصيرة فيها يسكن كل في بلاده.

وقيل: إنه عرض أنه يرد بلاد الزيدية التي قد استولى عليها الشوافع كذمار وما حولها، فوقع النزاع في ذلك بين دولة صنعاء، ودولة صعدة، فأما عامر فاستغنم في حال الخوض، وأخذ في إعداد أهبة الفرار، ففرَّ هو وعسكره وتحملوا ما خفَّ وأحرقوا من أموالهم ما ثقل كالغراير، والمنجنيقات، وأكثر الخيام، وأحمال قوة قد كانوا استولوا عليها من أموال تجار صنعاء.
وحكي لنا: إنهم أحرقوا بزاً كثيراً، وكان مهربهم عند طلوع الشمس، وقد باتت نيرانهم تقد طول الليلة، فلحقهم بعض عسكر الإمام وبعض أهل صنعاء، فنهبوهم، وقتلوا جماعة منهم، ولولا الله سبحانه [وتعالى] وعروض مطر جيد وفيه بعض شيء من البرد حال بينهم وبين من لحقهم، وكان ذلك ببلاد سنحان عند قرية يقال لها: الجرداء فوقف اللاحقون لهم، فلما وصل عامر ذمار بعد انكساره أمر بهدم ذمار ما خلا مساجدها وبعض السماسر، وأتعب الزيدية الذين حول ذمار، ومن ذلك اليوم انتقلت العمارة إلى الجراجيش.

وأما الإمام والأمير محمد فإنهما وقفا بصنعاء مديدة على عزَّ وإنصاف، ثم رجع الأمير إلى الزاهر، فأقام الخطبة هناك للوشلي، وأمر بذلك إلى صعدة، فأقيمت له أيضاً بمسجد الهادي –عليه السلام-، وتولى القضاء بصعدة القاضي محمد بن أحمد بن حابس، وعزل عبد الله الذويد، وخطب له أيضاً بصنعاء وتولى القضاء من جهته بعض بني النحوي، وعزل سيداً كان بها حاكماً من جهة [محمد] بن الناصر، وحضر الجمعة بصعدة جميع شيعة صعدة بعضهم رغبة وبعضهم رهبة، فالذين حضروا رهبة بنوا على المنافاة للإمام الحسن؛ لأنهم بايعوه، وفي هذه السنة في شعبان منها نزل الإمام من صنعاء إلى الجوف في عسكره، فيهم أحمد بن الناصر وغيره من الأشراف وعيال أسد يريد الأمير يحرب بهم إخوته عبد الله وحميضة، ومن في جانبهما في معين من شريف وعربي فرجَّح الإمام الخوض بينهم في الصلح، فارتبط الصلح وتحرر، ففرح الناس بذلك، وجاءت البشرى إلى صعدة، ثم تقدم [الإمام] [–عليه السلام-] إلى صعدة بعد أن فسح لأكثر من سايره، ولم يبق معه إلا من يدور عليه أمر المخرج من وزير وخادم شربه وبعض السادة والشيعة الكل مقدار مائة نفر، فدخل صعدة يوم الجمعة سابع وعشرين من شعبان، فلقيه أهل صعدة إلى خلف بلاد العبديين، وكذلك أكثر من حول صعدة من البوادي حتى أن الناس من كثرتهم سقط منهم من سقط، وقام من قام من شدة الزحام، فلم يصله أكثرهم في تلك الساعة، وما منعه من زحمة الناس إلا أهل الخيل على ظهور خيلهم، فلما جاوز بئر جوحل صلى بالناس هناك صلاة الجمعة وتبارك به من لم يكن قد اتصل به، ثم تقدم إلى مسجد الهادي

–عليه السلام- وصلى بالناس فيه العصر، وكان يوماً مشهوداً سعيداً، ثم خرج إلى بيت قد أعدَّه له الأمير: أحمد بن محمد وأضافه تلك الليلة هو وعسكره ضيفة سنية، ثم تلاه غيره ممن بصعدة ووقع بينه وبين أكثر شيعة صعدة اختصاص وصفا [و] وداد، واختلفوا إلى حضرته حتى أتباع [الإمام] : الحسن، وأحبه أهل المدينة حباً مفرطاً رجالهم والنساء، وتبَّركوا بطلعته السعيدة وكثرت نذوره، [ولكنه] ما تصرف منها في قليل ولا كثير بل كان ما دخل يده أخذه الأول، فوقف على ذلك في صعدة إلى يوم الأربعاء رابع عشر ربيع الآخر، ثم سار وسايره خيل كثيرة من أهل القبلة أمر لهم الأمير: محمد، فلما وصلوا هم والأمير الزاهر ذكر له الإمام من جهته تمام الصلح بينه وبين إخوته ففهم أنه قد تغيَّر، فضاق الإمام من ذلك هو وغيره من المسلمين فتوجه إلى اليمن، فكان مدة إقامته بصعدة قريب من ثمانية أشهر، وفي الزاهر [قريباً] من أربعة، ولما حطَّ عامر على صنعاء المحطة الثانية أول شهر جمادى الأولى من سنة عشر [وتسعمائة] بمحطة كبيرة مثل الأولى وأكثر، وانضم إليه أشراف مَعِين، فأما الإمام محمد، والأمير محمد، فقالا: أرواحنا وأموالنا على صنعاء ومن فيها صدقة، إذ أخذها يؤدي إلى هلاك هذا المذهب الشريف، فالتقيا إلى الظاهر في شهر رمضان الكريم، وتقدما نحو صنعاء وانتظرا مجيء مادة تقبل من صعدة يصل بها الأمير أحمد بن محمد أو يأمر بها غيره، وقد كانت عنده في صعدة والمخلاف، [وهي] قدر مائتين وخمسين فارساً، فلما أيسا من المادة تقربا من صنعاء، فأشار عليهما من أشار أن يأتيا من طريق شرقي

نقم، ولا يقربا صنعاء، وتلك الطريق تخرجهما إلى حوالي حصن كبن ليكون لهما ظهراً، ثم يبرزان على محطة عامر من جهة ضِبر حِدَّين وبيت بوس، والطريق هذه [طريق] وعشة على الخيل، فلما نزلا فيما ذكر حوالي حمراء علب يريدان السبق إلى بيت بوس، أقبلت عليهم أوائل عسكر عامر فمنعوهم المضي بمقصدهم، فوقعت هناك الوقعة الكبيرة التي اشتهر فيها [الأمير] محمد بن الحسين، فإنه قاتل أولئك العساكر وحده من وقت الغداء إلى بعد العصر بكثير، وكان ما جاء لمن معه ومع الإمام من العسكر قلوا، وما جاء لعامر [ومن معه] كثروا، وبقي الإمام يقاتل في موضع آخر قتالاً يحق لمثله، فلما عرف الأمير [محمد] قلة من معه أوصاهم بالاجتماع بين يديه معاً، ثم أقفى هو وهم إقفاءة واحدة، ومن مال عنه يميناً أو شمالاً قتل أو سلب، ومن سار بين يديه دافع عنه حتى أبلغهم مأمنهم.

وأما الإمام –عليه السلام- فاستولى عليه عامر لزماً هو وولده، وقتل ممن حواليه قدر أربعة أو خمسة، وأخذت المحطة أجمع: خيامها، وخيلها، وجمالها، يكفيك أنه لم يبق قليلاً ولا كثيراً إلا ما سار به الأمير، ومن سار سيرته من بني حمزة، وأهل الشام، وكانت الهزيمة يوم الثلاثاء خامس عشر شوال من سنة ست عشرة وتسعمائة ووصل الأمير ومن معه الزاهر آخر نهار الجمعة وهو رابع الكسيرة، وبلغ الخبر إلى صعدة يوم السبت لم يعلم [بذلك] إلا الخواص، وانتشر [الخبر] يوم الأحد، فضاق الناس في صعدة ضيقاً كبيراً –خصوصاً- من لزم الإمام، وبكى من بكى، ووقع في المدينة فشيعة عظيمة، وبقينا ننتظر ما يخلف ذلك، فمن الناس من تجلَّد، وبنى على أن صنعاء توثق، فيما يعاود الأمير التجنيد والنصرة لأهل صنعاء، فما حال الأسبوع من يوم الهزيمة حتى وصل من أخبرنا باستيلاء عامر على صنعاء يوم الإثنين سابع يوم الهزيمة، ولما أسروا الإمام حبسوه وقيدوه، وفي خلال ذلك عرض له –عليه السلام- ألم مات منه إلى رحمة الله، فقيل: إنهم سمموا له، وقيل: غير ذلك، وكان بين أسره وموته ثلاثة أشهر، فلما مات –عليه السلام- فقد حميداً، شهيداً، سعيداً، [و] دفن مع جده السراجي بمسجد الأجذم بصنعاء، ووقع مع أكثر الزيدية بل مع أكثر من يعرفه أو يسمع به من موالف أو مخالف وجد عظيم وحزن جسيم، مقعد مقيم، [وولده يحيى خرج من الحبس وسلَّمه الله، ولا عقب له إلا هذا الولد، وأخت]، وما أحد من مشاهير صنعاء أحب أن يتظهر بحزن عليه، ولا حضر جنازته إلا من لا ينظر إليه، فالله حسب متولي لزمه، وأطفي نور فضله

[وبركته] وكرمه، فما أحقه بما قيل:
أرادوا ليخفوا قبره عن محبه.... فطيب ثراء القبر دلَّ على القبر
وهذا دأب أئمتنا،الفضلاء النبلاء، {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } [الملك: 2] وتوفي وقد بلغ من العمر قدر خمس وستين سنة تقريباً، لأنه أخبرني مشافهة أنه من أنداد حي الإمام عز الدين، وعز الدين -عليه السلام- عمرّ خمساً وخمسين سنة، ومات كما تقدم سنة تسعمائة، وعاش من بعده الوشلي قدر عشر سنين، وهذه المدة هي مدة خلافته، وخلَّف من ذكر وهو السيد، الأفضل، [الأنبل] : يحيى [بن أمير المؤمنين]، أُسِرَ مع أبيه، ووقع به جراحة عظيمة سلَّمه الله من الموت منها، وقد كان عامر أطلقه يوم دخل صنعاء، ثم عنَّ له لزمه وأنزله اليمن مع من أنزله من الأشراف المأسورين، وخلَّف الإمام فيما اعلم من البنات واحدة توفي وهي مزوجة، وقد كان -عليه السلام- من أهل الكمال في جميع العلوم، والفصحاء في الأشعار، فمن [ذلك] قوله عليه السلام في شأن محطة عامر الأولى:
أمثلي من يطيب له المنام.... و يهناه الشراب أو الطعام
وصنعاء المدينة في بلاء.... أحاط بسورها القوم الطغام
ذوو الجبر الذين لهم مقال.... تلازمه الشناعة والملام
إلى الباري أضافوا كل فعل.... قبيح لا حياء ولا احتشام
فإن رئيسهم رجل غشوم.... على صنعاء يبنيه المقام
وأقسم أنه لا قام عنها.... بغير الفتح أو يرد الحمام
وحاصرها على الأقطار أرسى.... وفي أرجائها ضُرِبت خيام
وذلك عامر لا طال عمر.... له الطاغي وعاجله انتقام
كعامر الذي هو جد هذا.... بغى قدماً فأدركه الصدام
وقد ساواه في اسم واعتداء.... كذاك القتل يشمل والأثام

ولسنا تاركي صنعاء لكن.... نجيُء بمابه يشفى الأوام
بجيش يطحن الأعداء طحناً.... شبيه السيل يقدمه الإمام
وعز الدين كسَّاب المعالي.... أمير الشام والبدر التمام
أمير حيدريُّ هاشميُّ.... هزبر بيهس بطل همام
شجاع يفرس الأقران فرساً.... له مجد رفيع لايرام
إذا ماراية عقدت عليه.... فلا خوف هناك ولا اهتضام
محمد الذي حمد البرايا.... شجاعته وقال بها الأنام
فياسبط الحسين أتى عدو.... لنا ولكم وأنت لنا حسام
وقد صافى عدوك من قديم.... وأعجبه التشاجر والخصام
إذا صافى صديقك من تعادي.... فقد عاداك وانصرم الكلام
فأسرج خيل عزمك يا همام.... وخذ بالحزم لايرخى الحزام
وحصنها بعدتها اعتماداً.... ولا يُنٌزَع من الرأس اللجام
وخصمك قد توَّرط فاغتنمه.... فهذا ساعة فيها اغتنام
فَصِحّ في الناس وادع إلى جهادٍ.... لرأس الدين وهو له سنام
تجيبك حاشد وكذا بكيل.... وخولان جميعهم ويام
وناد الخيل تأتي من سراة.... سراة قادة نُجبُ كرام
وإني سوف أحشد من عداهم.... وألزم من أتاه الاحتلام
ولا أبقي سوى المعذور شرعاً.... صغيراً أو كبيراً لا يلام
انتهى ما وجدته من هذه القصيدة حال كتابة هذا الكراس، وله -عليه السلام- في هذا المعنى قوله:

جلبنا الخيل من سروات نجد.... على خصم لننقم منه ثارا
نقيم الحرب في غور ونجد.... عليه والعجاج عليه ثارا
بكل مكعب من خير عود.... تخال سنانه في الجو نارا
وكل مهنَّد مشطوب حد.... يحتُّ العظم شدخاً وانكسارا
ونبل متلفاتٍ كل ضدَّ.... فينتثر الذي جمع انتثارا
وأسد ضاربات فوق جرد.... إذا داروا على الخصم استطارا
بني المنصور أفضل كل جد.... يحوطون الحقيقة والذمارا
سأطلب منهم إنجاز وعد.... أصول على أولي هدموا ذمارا
وأقفر ربعها من كل خبِّ.... فلا ديَّار فيه ولا ديارا
وأشفي غلتي من كل وغدٍ.... تجبَّر في رعيته وجارا
وأصرع من خصومي كل خد.... وأغسل سبة وقعت وعارا
فخلوا يا بني المنصور أرضاً.... قد امتلأت نوا حيها غيارا
بلاد هي بلاد بني أبيكم.... لآل المصطفى كانت قرارا
وحلوا أرض يحصب إن فيها.... مقاماً لن ترى فيه غيارا
وكونوا راجعين إلى كبير.... يسوس أموركم ودعوا الصغارا
فما يرجى لقوم قطّ عزُّ.... إذا ناوى صغارهم الكبارا
ولكن الكريم عليه عفو.... إذا رجعوا وساروا حيث سارا
وخلو البغي إن البغي شؤم.... على الدنيا ويعقبكم بوارا
لقد بعتم نفوساً عاليات.... نفيسات بما يلغي احتقارا
فبيعوها من الرحمن تحظوا.... بربح لن تروا فيه خسارا
فما ثمن النفوس سوى جنان.... وهل ثمن يساويها افتخارا
ومن يشري من الرحمن نفساً.... فيا نعم المشاري والمشارا
فلله الذين شروا نفوساً.... فما ضاهت تجارتهم تجارا
فعودوا للصلاح فذاك خير.... حذاراً من تفاوتكم حذارا
فذاك خسارة ديناً ودنيا.... فلا تبقوا على ذاك اغترارا
ولبّوا دعوة الداعي وقولوا.... إليك إلهَناَ نأتي بِدارا
فيا سبط الحسين أبا حسين.... مليك الشام من يحمي القفارا
وإنك ناصر للدين حقاً.... بك الملهوف في الدنيا استجارا
قُدِ الجيش العرمرم وا غتنمه.... وحسبك صيته في الأرض طارا
ليوث من بني المنصور مهما.... يفر القرن ما عرفوا فرارا
وأهل الشام أمجاد كرام.... ذوو الصولات من حازوا افتخارا

شيوخ رُفَيْدَةٍ وشيوخ جنب.... وشهرانٍ ذووا قدر كبارا
وإني ناشد طَلِقَ المحيا.... أبا يحيى الذي جبر انكسارا
مليك آزال لا زال المرجى.... لدفع كريهة تدني التبارا
وذلك أحمد شمس المعالي.... وبدر في الدياجي قد أنارا
هما الملكان ناصر دين حق.... ومنتصر لمن عظم اقتدارا
[انتهى الموجود منها أيضاً، وأظنها أكثر أبياتاً مما هنا، والله اعلم].

[دعوة الإمام شرف الدين بن شمس الدين -عليه السلام-]
ومما يناسب ما هنا أنه وصل إلى صعدة في آخر شهر ربيع الآخر من سنة اثنتي عشرة [سنة، وصل] إلى الأمير محمد بن الحسين، و إلى ولده أحمد بن محمد، و إلى غيرهما من سادة، وقضاة، وفقهاء، ومشائخ: دعوة من أرض حجة من مولانا: شرف الدين بن شمس الدين بن الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى المرتضى مضمونها أنه لما روجع السيد، الفاضل، [الصدر، العلامة جمال الدين] علي بن صلاح بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن المؤيد –عليه السلام- في أن يقوم بأمور المؤمنين منذ توفي حي الإمام [الولي] محمد بن علي الوشلي إلى هذا التأريخ، فلم يفعل.

قال: ولم يكن في شيعة المغارب والظواهر الذين قوَّموا الوشلي وقدموه على غيره حيلة، ولا بقيت لهم رغبة ولا اعتداد بدعوة مولانا الحسن بن أمير المؤمنين، اجتمعوا ونصبوا شرف الدين بن شمس الدين بن المهدي لدين الله أمير المؤمنين يوم حادي عشر من جمادى الأولى من هذه السنة، فلما وصلت هذه الدعوة إلى صعدة، وفيها الأمير محمد بن الحسين لم يعجبه ذلك؛ لأن ميله كان إلى السيد علي بن صلاح، ظهر منه ومن ولده أحمد بن محمد عدم الاكتراث بذلك، بل كانت سبيلاً في أكثر مراودة السيد علي ومعاودته وإشياع الفضل معه مراراً وكراراً، فما أسعف إلى شيء من ذلك، بل أظهر لهما ولغيرهما أنه لو كانت له رغبة إلى أخذ هذه الأمور فلتة من غير اجتماع من المسلمين كافة لفعلت، فإن عندي دعوة أنشأتها في الأسبوع الذي علمت فيه بوفاة حي الإمام محمد بن علي فيها حضور شهود عدول، احترست بها مخافة من مثل هذه المبادرة والمسارعة التي تجلب المنازعة.
قلت أنا: وكتبت هذه الفائدة الملحقة، وما اعلم ما في علم الباري مما سيكون في مستقبل العمر [من هذه الأمور]، فليقع العود إلى ذكر بقية أبيات منظومة السيد صارم الدين، وشرح ما سنح من ألفاظها، وبالله التوفيق.

[الكلام في خروج التتر]
قوله:
وأصبح الناس في رهج وفي هرج.... من دونه هرج بغداد من التتر
يعني أن الناس في صنعاء، وبلاد الزيدية في أيام فتنة قريس، وعلب، وعرقب انزعجوا، واضطربوا، وتقلقلوا، وتقلبت بهم الأحوال كتقلبها بأهل المدن التي خرج عليها التتر، وهم أمة من الترك، وقد يقال لهم: التتار بإثبات الألف.
قال في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: إنهم خرجوا على بلاد الإسلام من أقصى المشرق مما يلي [بلاد] الصين، وكان خروجهم في أثناء سنة خمس أو ست عشرة وستمائة سنة في عصر ابن أبي الحديد، ذكر أنهم من أصبر الناس على القتال، لا يعرفون الفرار، ويعملون ما يحتاجون إليه من السلاح بأيديهم، وخيلهم لا تحتاج إلى الشعير، بل تأكل نبات الأرض وعروق المراعي، أكثر مواشيهم في أرضهم الخيل والبقر، [ومع هذا فهم] يأكلون الميتة والكلاب والخنازير، وهم أصبر خلق الله على الجوع والعطش والشقاء [والتعب]، وثيابهم من أحسن الثياب لمساً، وفيهم من يلبس جلود الكلاب والدواب الميتة والمسافة التي بينهم وبين بخارى، وسمرقند، وجميع ما وراء النهر تزيد على ستة أشهر.

وكان السبب في خروجهم: أن السلطان المسمى خوارزم شاه استولى على البلاد التي بين بلاد الإسلام، وبين بلاد التتر، وقتل ملوك أهل تلك [الممالك]، وكانوا حجاباً على بلاد الإسلام يشغلون التتر، [ويدفعونهم، فلما فتنوا لم يبق من يصبر على دفاع التتر]، وفرّغت لهم الطرق، فأول ما أخذوه من بلاد الإسلام بخارى، ثم سمرقند، ثم مازندران، ثم نَيْشَابور بالشين المعجمة، ثم أذربيجان، وهمذان، وتبريز، وزنجان، وقزوين، والكرخ، ثم المراعشة، ثم أخذوا غيرها من مدن خراسان في دون سنة، ولم يبق عليهم إلا أصبهان، فإنهم نزلوا عليها مراراً في سنة سبع وعشرين، ثم في سنة تسع وعشرين وستمائة، فحاربهم أهلها، وقتل من الفريقين خلق كثير، وما حصل لهم من أخذها غرض حتى اختلف أهلها الشافعية والحنفية في سنة ثلاث وثلاثين، ووقعت بينهم حروب شديدة وعصبية ظاهرة، فخرج قوم من الشافعية إلى من يقاربهم من ممالك التتر، وقالوا لهم: اقصدوا البلد بالحرب فنحن نسلمه إليكم، فقصدها التتر، وحاصروها، واختلف سيف الشافعية والحنفية في البلد، فقتل منهم خلق كثير، ثم فتحت الشافعية أبواب المدينة، فلما دخل التتر بدأوا بالشافعية، فقتلوهم قتلاً ذريعاً، ولم يفوا لهم بالعهود التي [قد] كانوا أعطوهم إياها، ثم قتلوا الحنفية، ثم سائر الناس، وسبوا النساء، وشقوا بطون الحبالى، ونهبوا الأموال، وصادروا الأغنياء، ثم أضرموا النيار، فأحرقوا أصبهان، فصارت تلالاً من الرماد، ولم يستوعب التتر من البلاد التي دخلوها مثل أصبهان، وكذلك خوارزم، وقد كانت مدينة قوية، وبها عسكر كثير من الخوارزمية

معروفون بالشجاعة، فإنهم حين وصلتهم التتر لقيوهم، واقتتل الفريقان أشد قتال سمعه الناس، ثم انتهت بهم الحال بعد القتال الشديد، والدفاع الذي ما عليه مزيد إلى أن دخل عليهم التتر [البلاد]، فملكوها أجمع، فلما قضوا وطرهم من القتل والنهب والسبي فتحوا طرق الماء التي يدخلها جيحون إلى خوارزم، فدخل البحر البلد، فغرق أهلها، وتهدمت الأبنية، وبقيت المدينة بحراً، فلم يسلم منهم أحد، بل كان من ظهر للتتر أخذوه بالسيف، ومن اختفى أخذه الماء فأغرقه فأصبحت خراباً هباء، ثم إن التتر ساروا إلى مرو، فأخربوه بعض خراب، وسبوا من أهله بعضاً، وقتلوا بعضاً، ثم عمدوا إلى طوس، فنهبوها وقتلوا من أهلها، وأخربوا مشهد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام الذي فيه قبر هارون الرشيد، وأذعن لهم سائر ملوك العجم من فارس وكرمان بالطاعة، وحملوا إليهم الأتاوة، ولم يبق في البلاد الناطقة باللسان العجمي إلا ما حكم فيها سيفهم أو قلمهم، فأكثر البلاد قتل أهلها، وسبق السيف [فيهم] العذل، والباقي أدى لهم الأتاوة رغماً وأعطى الطاعة صاغراً، وكانت للتتر بعد ذلك نهضات وسرايا كبيرة إلى بلاد الشام، فقتلوا فيها وسبوا ونهبوا حتى انتهت خيلهم إلى حلب، فارتعد الناس منهم وصانعهم عنها أهلها وسلطانها، ثم عمدوا إلى بلاد صاحب الروم، فبخع لهم بالطاعة، وأرسل إليهم [يسألهم] قبول المال والمصانعة، فضربوا عليه ضريبة يؤديها كل سنة، ورجعوا عن بلاده، وأقاموا على جملة السكون والموادعة للبلاد الإسلامية كلها إلى أن دخلت سنة ثلاث وأربعين، فلم يشعر الناس في بغداد إلا وهم على

البلد، وذلك في ربيع الآخر من هذه السنة، وقد كان الخليفة المعتصم أخرج عساكره إلى ظاهر بغداد على سبيل الاحتياط، فوصل التتر وقد تهيأ ذلك العسكر، وتأهب لهم فوقع بين الفئتين مناوشة قتال، ومراماة بالنشاب، وعرف التتر عدم القدرة منهم على أخذ بغداد في تلك الحال، فلما أظلم الليل أوقدوا نيارهم، وارتحلوا راجعين إلى بلادهم.
قال ابن أبي الحديد: و إلى أن بلغنا من هذا الشرح إلى هذا الموضع لم يذعر العراق منهم ذاعر.
قال: ولو جرت على بغداد حادثة كما جرى على غيرها من البلدان لانقرضت ملة الإسلام، ولم يبق لها باقية. انتهى كلامه.
قلت: فليت شعري هل عاش ابن أبي الحديد [رحمه الله تعالى] إلى سنة ست وخمسين وستمائة، فإن التتر دخلت بغداد فيها وملكتها، وقتلت الخليفة المعتصم وولدين له مع ستة من الخصيان، ونهبت بغداد سبعة أيام، وقتل فيها خلق كثير، ثم بعد السبع رفع السيف، ووقع السبي في أهلها، وكان دخولهم لها في محرم من السنة المذكورة، ثم انصرفوا عنها، وولوا فيها من تحت أيديهم في شهر صفر، فهذا معنى تفسير كلام السيد صارم الدين في هذا البيت، وقد اقتصر السيد على ذكر بغداد، ولم يقتصر التتر عليها وحدها، بل في غيرها من بلاد الإسلام أكثر مما ذكرته في هذا المختصر، فمن أحب الإطلاع على بسطه، فليطالعه في شرح ابن أبي الحديد، أو غيره من كتب التواريخ.

[الإمام محمد بن الناصر بن محمد بن الناصر ]
[قوله] :
حتى غدت جمرات الحرب هامدة.... وبدَّل الله حال العسر باليسرِ
وقلّد الأمر ملك من بني حسن.... ماض عزائمه من خيرة الخيرِ
مؤيد أيّد الدين الحنيف به.... لواءه خافق بالنصر والظفرِ
سل عنه أخبر به انظر إليه تجدْ.... ملئ المسامع والأفواه والبصرِ
وليس يعلم ما يأتي الزمان به.... سوى عليم قديم الذات مقتدرِ
تكلَّم السيد صارم الدين بهذه الأبيات أيام تمكن ابن الناصر من البلاد وقهر الأضداد، فكأنه خشي تحوُّل الأحوال، فاستدرك بهذا البيت الأخير، {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ }[فاطر: 14]، والمراد به مولانا الخليفة، الأفضل، طراز العترة المكلل، السيد، الصدر، الحلاحل، العالم، العامل، العادل، صاحب المناقب والمفاضل، والفواضل والفضائل، الذي سار خبر رفقه برعيته وعدله فيهم مسير المثل السائر، المؤيد بالعزيز القاهر، محمد بن الناصر بن محمد بن الناصر، وقد تقدم مني تدريج نسبه في ترجمة أبيه، وذكرت هناك أنه من ذرية الإمام المتوكل على الله المطهر بن يحيى، وأنهم من نسل المطهر بن علي بن الناصر أحمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين -عليهم السلام-، ولد في عشر الخمسين وثمانمائة، وتوفي في شعبان سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، وأمه الشريفة من بني المنتصر أشراف حصن ذروان في حقل يحصب، وهم من آل المطهر بن يحيى، وترَّبى في حجر الخلافة بصنعاء حتى بلغ مبالغ الرجال، فتقدم إلى صعدة في أوائل سنة خمس وستين، وقف بها قدر سنة فما فوقها، تزوج بها بنت عمر بن مهدي بن حسن بن زيدان زوَّجه إياها خالها عبد

الله بن محمد بن مداعس، وكان أبوها قد توفي قبل ذلك بمدة، وقد بينت لك بعض ما جرى على أبيه من فوات أكثر حصونه ومدنه، فبنو حمزة ملكوا عليه من نجر إلى نجران، وقد دخل في ذلك [ظفار وحصونه]، وصعدة وحصونها، وبنو طاهر ملكوا ذمار، وما حولها عنوة إلى حد النقيل، وأما صنعاء فشراها عامر الكبير، فلما ملكها، وقف بها ابن الناصر من سائر من وقف بها من السادة أهل المدارس والمساجد، وما يختلف إليه لأمر ولا لنهي أحد من الناس، وتفرق عنه عبيده، ودخلوا في المهن التي يحصل بها النفقة والكسوة، ومنهم من بعد عن صنعاء وأعمالها يطلب المعاش، فاستمر ملك عامر بصنعاء قدر سنتين ونصف، ثم خطر بباله أن وقوف ابن الناصر بصنعاء مفسدة على المملكة، وأن الرأي إنزاله إلى اليمن، وكتب بذلك إلى عامله بصنعاء، وهو النقيب محمد بن عيسى البعداني، وقال [له] : اخبر المؤيد بما استرجحه السلطان عامر، فأخبره بذلك، ووهب له أياماً قليلة ليأخذ في أهبة النقلة، فخاف على نفسه، انما يعقب النقلة إلا الخلود في الحبوس، وكان خادمه محمد بن عيسى بن زيد الأسدي -الملقب شارب- والياً له في ذي مرمر والفصين، وأما حصن براش فكان المتولي له رجلاً من عيال أسد، فأرسل ابن الناصر إلى شارب المذكور في خفية يستدعيه، ويستغيثه في خلاصه، فجَّوب إليه شارب أن كن في أهبة، فخلاصك عليَّ بعون الله [تعالى]، وكان من المقدور أن عامل ابن طاهر على صنعاء خرج إلى بلاد سنحان يقبض زكاتها، وفرغت صنعاء من أكثر الجند، فانتهز شارب الفرصة وجَّرد قليلاً من الخيل والرجل في بعض تلك الليالي، {وَدَخَلَ

الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا }[القصص: 15]، لا يريد إلا المهرب بمخدومه فقط، فلما استخرجه من داره وأركبه متوجهاً به إلى باب المدينة انتشر الخبر، ففرح أكثر أهلها، فتحزبوا وتعَّصبوا، وقالوا: إذاً ولا بد فلا تخرجه حتى نهجم نحن وأنت بيت الكراز، وهو وزير ابن الناصر، ووزير أبيه من قبله، لكن عاب فيهما ومال ميلة عامر، وكان أول من أشار ببيع صنعاء منه، وتقَّرب بذلك إلى عامر، فاصطنعه، وترك أكثر أحوال صنعاء وبلادها تحت يده، ولم يبق أحد يعارضه، وصار من عيون أعيان بني طاهر في صنعاء، فاسترجح ابن الناصر وشارب ما أشار به الحاضرون، فكبسوا على الكراز داره [في] تلك الساعة، فاستولوا على جميع ما فيها من الأموال التي لا يحصيها إلا الله تعالى، فلما انتهبت الدار، وقد اجتمع أكثر أهل صنعاء قالوا لشارب ومخدومه: اغتنموا بقية الفرصة، واعمدوا بنا قصر غمدان، ندخله ضربة بضربة، إما لنا وإلا لمن فيه من الرتبة، ففعلوا على ذلك، وأقبلوا على القصر قضهم بقضيضهم، وأحاطوا به من جميع جوانبه، فلما صحَّ ذلك لرتبة القصر وهم عسكر عظيم من همدان وغيرهم، وهم أيضاً من أشجع من يكون، لم يكن لهم همّ إلا أن صاحوا يطلبون الأمان والرفاقة، وبعضهم فرَّ وقفز من جانب القصر، فما طلع الفجر إلا وقد حازوا صنعاء أجمع، فلما بلغت النقيب ابن عيسى والي عامر كانت همته الشردة إلى ذمار، ومن ذلك اليوم حفظ الله على ابن الناصر رأسه ومملكته، ولما علم عامر بذلك أقامه وأقعده، ولم يزل يشن الغارات [والمغازي] على صنعاء حتى غزاها أربع مرات، وكان في الخامسة

هلكه لا ملكه، وقد تجرَّد لذلك من عدن فوصل صنعاء يوم سادس، وافاها على غفلة وشارب يومئذٍ في حضور، فلما بلغه ذلك، وأن قد صار عامر ملوياً بمحطته على صنعاء نزل عليهم في عدة من الخيل لا تبلغ ثلاثين فارساً، وهم عدد لا يحصيه إلا الله ما تمنَّع منهم أهل صنعاء إلا بالدوائر والأبواب، فعمدهم شارب ببعض أولئك الثلاثين فارساً، فقتل من أصحابه جماعة، ومنحه الله النصر، فاستولى على تلك المحطة التي انجلت عن عامر قتيلاً لا يدرى من قتله، وقتل حوله من عسكره خلق كثير، واستمرت الكسيرة والنهب لجميع ما أجلب به من الأموال والخيول والسلاح، يكفيك أن هذه الوقعة ما قد سمع بمثلها إلا وقعة علي بن محمد الصليحي يوم قتل في المهجم من تهامة، وقد خرج في عساكر لا يعلم بها إلا الله تعالى، فقتله سعيد بن نجاح الحبشي، واستاق ما حوته محطته إلى زبيد، فسبحان القادر على كل قادر، ومن ذلك اليوم تمهدت مملكة ابن الناصر وشارب، ورهبتهم الخصوم، حتى أهل خيل قريباً من مائة فارس رئيسهم الأمير عَبْدل، نزلوا بقرية من أعمال صنعاء تسمى جحنة يريدون حرب أعمال صنعاء، فعمدهم شارب من صنعاء، وكانوا لا يحسبون الخيل قلت أو كثرت، فأحاط بهم عسكر صنعاء، وأرسل الله عليهم الهيبة، فلم تمتد لأحد منهم يد إلى سلاحه ولا إلى فرسه، بل ألقوا بأيديهم إلى القتل والأسر، فأدخلوا الأسرى صنعاء خلَّدوا في الحبوس إلى أن ماتوا، وقد كان بنو حمزة لما ملكوا صعدة، وكان رئيسهم الحسين بن علي بن قاسم ملَّكوه عليهم، فنصب ولده الهادي على صعدة وحصونها ونجران، فساس البلاد سياسة حسنة ـ أعني الهادي ـ،

وأبوه قرّ في الجوف، واستمر الهادي يشنُّ الغارات على صنعاء بعد تمكن ابن الناصر منها، وبعد مهلك عامر، فتقدم الأمير الهادي في بعض غزواته حتى حطَّ ببلاد همدان بقرب القلعة، ولقيه هناك الإمام مطهر والمعافى بن عمر، وعضدهم الداعي صاحب القلعة بمن في جانبه وراموا الحصار لصنعاء، فخرج عليهم ابن الناصر بجنده فالتقوا بموضع يقال له: مقامر فوقعت هناك وقعة كبيرة مشهورة، تعقبها ارتفاع تلك المحطة، وولى الجمع الحمزي بغير غرض، وبعد مُدَيْدة قتل الأمير الهادي في الجوف، وبعد مُدَيْدَة خرج ابن الناصر على الأشراف إلى الزاهر في عسكر كثير، وكاد يقهرهم، فوقع من بعض جنده دهان للأشراف، وفترة [من القتال]، وتشجن ابن الناصر على صنعاء أن يخلفه عليها أحد من جند بني طاهر لاشتغاله بطول محاصرة الزاهر، فحمله ذلك على رفع محطته، وانكفأ راجعاً إلى بلاده، وقد كان كثرت الأراجيف في جميع بلاد الأشراف، وتشجن من بصعدة منهم عليها، فلما تنفَّس الأشراف من تلك المحطة، خرج الأمير محمد بن الحسين إلى صعدة ممداً عليها ومسكناً لقلوب الناس مَّما كان داخلهم من الفشل، ولما قتل الهادي ولم يبق لابن الناصر مشاغر ولا مشاجر، فسح لأكثر الأجناد، ونشر العدل في رعيته، وسار فيهم سيرة حسنة، واقتصر على صنعاء وما حولها، فلم يكن يحتاج من رعيته إلى فرقة ولا معرة فوق أربعين سنة، حتى ضرب بعدله المثل، وقد كان بعد قتل عامر تفرَّد بملك بني طاهر أخوه علي بن طاهر مُدَيْدة يسيرة، ثم مات، وتولى بعده ابن أخيهما عبد الوهاب بن داود، فسار في الناس من أهل اليمن سيرة عمَّيه، في

خلال ذلك واجهه أولاد عامر بن طاهر، وقالوا له: قد وليت الأمر بعد أبينا وعمنا [علي]، وقدمناك علينا، واخترناك وأنت خيار، فقم لنا بنقم الثأر ممن ألحق بنا وبك العار والبوار، وإلا بدأنا بحربك، ولا تجدنا من حزبك، فلم يزل يعدهم ويواعدهم هذه السنة إلى هذه السنة، وفي خلال ذلك عادوه وعارضوه، وخرج عليه منهم من خرج، فقتل منهم من قتل وحبس من حبس، وفي عرض ذلك وهو يهزُّ بالطلوع على صنعاء، فتعرض له عوارض تحول بينه وبين مراده، فاضطر صاحب صنعاء إلى موادعته ومداراته، وتحمل له بأموال وخيول كان يصانعه بها، يستكفي شره لعلمه أنه لا طاقة له بحربه إذ لم يبق له من مملكة أبيه إلا صنعاء وما قرب منها، وخراجها لا يفي بمقاومة ملك اليمن مع مراعاته للرفق بتجار بلاده؛ إذ أكثر مكاسبهم من عدن والهند، فكان هذا النظر منه سبباً في تملك تجارة الأموال الجليلة، فلقد كان يدخل منهم الهند في كل جوشن من مائة تاجر، فبقوا على ذلك إلى أن مات عبد الوهاب في شهر جمادى الأولى من سنة أربع وتسعين وثماني مائة، فلما مات اضطرب أمر اليمن على ولده من حد بيت الفقيه وزبيد وغيرهما، وعارضه في الجبل ومملكته خاله عبد الله بن عامر، فكادت مملكة بني طاهر تختل لهذه المعارضة، وابن الناصر كره تقوّي عبد الله هذا، وأبطن الخوف منه، فأقام خاطره مع عامر، وسكن عنه، وسكنَّ من أراد مناوأته من الزيدية، وأهل ممالكهم، وبالغ في نصرته بالقول والفعل، فكان من ذكر له أو رجَّح له حرب عامر زجره وسكَّته وبكَّته، وقد كان فزع الناس إليه الشرق والغرب، والسادة، والقضاة، والعلماء، والأجناد،

وقالوا له: استوت البلاد فقد اشتغل عنك الخصوم بعضهم ببعض فانتهز الفرصة، وسر بنا نسترد بلاد الزيدية، فما نلقى أحسن من هذه المدة، وقد كنت أنا عنده بقصر غمدان وافداً عليه، وجاء الخبر بوفاة عبد الوهاب، وأنا عنده أشاهد ما يقول له الناس في ذلك وما يرد عليهم حتى لقد جاء إليه أهل ذمار، وقد تغلَّبوا عليها، وقالوا: خذها لك ونحن في يدك، فأرسل معنا من جندك من يقبضها مناَّ لك، ثم نسير بين يديك نطوي لك أرض بني طاهر، فقال لبعض خواصه: سرمعهم واقبض قصر ذمار حتى آمرك فيها بأمري، وأوهم الناس أنه سامع لكلامهم، وأنه على رأيهم في طرد عامر من بلاد الزيدية، فلما قبض واليه ذمار وقصرها أرسل إليه: إنك إن كنت على رأيي، فسلم ما في يدك إلى السلطان صلاح الدين عامر بن عبد الوهاب، فهي بلاده وبلاد أبيه، ومالنا إليها رغبة، فامتثل واليه الأمر، وسلَّم ذمار وقصرها إلى أمير عامر، فمن تلك الفعلة انخدع الناس ورهبوا عامراً، وداهنه أكثر خصومه لفهمهم أن صاحب صنعاء أينما مال يميل، فلما قبض وكيل عامر ذمارا هان وجد عامر وفرغ من جهة الجبل، وركن بصحة نصرة ابن الناصر، وأنه غير قابل فيه عذل عاذل، فعامل من في بلاده من الزيدية بشر معاملة، وابن الناصر يسمع وينظر، فلم يداخله عليهم غيرة ولا حمية، بل كان إذا اشتكى عليه شاكٍ، أو توجه إليه متوجه يجيبه بأن البلاد بلاد ابن عامر مالنا عليه اعتراض، فاكتسع الزيدية لما رأوه يعضده وينصره نصرة ما فعلها له أهل مملكته الشافعية، فأقبل على حرب من حاربه من بلاد بني طاهر وغيرهم، وفرغ لهم فرغةكبيرة، وصابحهم وراوحهم حتى

صفي له جميع مملكة أبيه وأهليه، وكان يكثر الشكر والثناء على ابن الناصر، ويقول: أنا لله ولمحمد بن الناصر لا أحرمني الله جزاءه، فما حفظ لي مملكتي إلا هو، وجاء لي خير من أهلي، ووقع بينهما مراسلة ومكاتبة ومهاداة، وكان كل واحد منهما يحلف برأس صاحبه.
ومن أعجب ما اتفق من ابن الناصر قصتان: أذكرهما هنا ليعرف الواقف عليهما أنه ما حسب أن عامراً يجزيه بالإحسان إساءة.
الأولى: أنه لما مات عبد الوهاب، وبلغ ذلك أهل صنعاء وغيرهم من الزيدية أقبلوا عليه يشيرون بالنهضة واغتنام الفرصة، وبالغوا معه في ذلك، وقد رأوني عنده في قصر غمدان بمنزلة رفيعة، جائني منهم عدة في مواقف مختلفة، وقالوا لي: بالله عليك إلا [ما] أنشدت أبياتاً تحثّه فيها على النهضة، فما عاقبة فعله تعود عليه ولا على الناس بخير، ولا عدو يرجع صديقاً، فرقمت أبياتاً تدلّ على مكاشفات الصوفية، فإناَّ وقعنا من عامر وابن الناصر في مالا يخفى على أهل البصائر، وقلت : قد أعذر من أنذر، ومن حذَّر فكمن بشَّر، ولكن لا حيلة في القدر، وهي هذه:
أبجدٍ منك أن تَقِفا.... وانتشار الملك قد أَزِفا
وسعود النصر طالعة.... وركام الفتح قد وَكَفا
والذي كنَّا نحدثه.... أن سيطوي الأرض قد عُرِفا
إن هذا وقت ذاك وما.... كذب الهبَّي إذا وصفا
يالها من فرصة عرضت.... ما بها للناظرين خفا
من يضعها سوف يطلبها.... حين يضحي الوجه وهو قفا
هذه الأقطار شاغرة.... وحماها انهدَّ وانقصفا

فاشرعوا في عود أرضكم.... واستعيدوا ذلك الطرفا
بل إذا يمممتم عدناً.... وزبيداً موطن الظرفا
لم يقم عمرو لزيدكم.... وغدا الممنوع منصرفا
وطويتم نشر ملكهم.... مثل طي الكاتب الصحفا
وعدلتم ميل ما صنعوا.... بنواحيكم وبالضعفا
فجزاء الغادرين وإن.... كان ضد العفو فهو وفا
وأنت يا منضي القلوص إلى.... يمن تنوى نواً قذفا
أبلغ السكان في جبن.... من ولاة الملك والعرفا
إن مولانا المؤيد قد.... شارك الآباء والسلفا
في تحريه لغزوكم.... كي يخلوكم سَفَا ونَفَا
خفقت أعلامه لكم.... وإليكم جيشه دلفا
عسكر ضخم شعارهم:.... حسبنا ربُّ الورى وكفى
من بني طه مقدّمها.... أو بكيل نصرة الخلفا
أعوجيات خيولهم.... تحمل المران والجحفا
لا تهاب الموت تقحمه.... بل تراه روضة أنفا
يا بني المختار مذهبكم.... لا تهينوه فيختلفا
يا بني المختار ملككم.... فانزعوه من يد الخلفا
نزعة في وقت شغلهم.... وتخشيهم لمن عسفا
واغنموها وهي باردة.... طعمه يحلو لمن خطفا
فعيون الناس شاخصة.... نحوكم ما أن تذوق غفا
إن دهمتم دولة وقفت.... هذه الأيام فوق شفا
دهمتها الخلق قاطبة.... ونكتها جهرة وخفا
إن تراخيتم بهم زمناً.... قدر شهر فارقبوا التلفا
وتقوّت بعد شوكتهم.... وتكلفتم لها الكلفا
قسماً بالله معتمداً.... من محبِّ أكدّ الحلفا
إن تضييعاً لفرصتها.... ما يراه ذو النهى نصفا
بل يراه كل معتبر.... صارفاً للنجح بل صلفا
وفق الله المؤيد.... للمنجدات الغر أن يكفا
وتولاه وكان له.... ناصراً من دهره كنفا
[تمت].

القصة الثانية: أني كتبت إليه من صعدة بعد هذه القصيدة بكتاب وضمَّنته قصيدة عينية عجيبة، أذكرها عقيب هذه القصة، فعاد جوابه بخطه، أكثر مضمونه بعد بالبسملة قوله: وصل كتابكم الكريم، المزري بالدر النظيم، المشاكل لقميص يوسف إذ هبت به النسيم، منطوياً على القصيدة الفريدة المفيدة العينية، المنبية على قديم المودة وحسن العقيدة، فطالعناها وتأملنا لفظها ومعناها، فقلنا: لله درَّ من أنشاها، وبجيد المعنى رصَّعها وحشاها، فلقد أجاد ناظمها في الاختراع، وأبدع في التضمين والانتزاع، بما لو رآه الصاحب الكافي، القائم بحق العترة القيام [الكامل] الوافي، بعدما استحسنه من تمثَّل الحسن العسكري مؤلف كتاب (جمهرة الأمثال)، وقد كتب الصاحب إليه ونظم، منه:
ولما أبيتم أن تزوروا وقلتم.... كبرنا ولم نقدر على الوخذانِ
الأبيات.
فجوَّب عليه بنثر وبيت صخر أخي الخنساء :
أهمَّ بأمر الحزم لو أستطيعه.... وقد حيل بين العير والنَّزوان
والقصة مشهورة مذكورة في ترجمة الحسن هذا من تأريخ ابن خلِّكان، وقد استحسن الصاحب ذلك التضمين غاية الاستحسان، فقال المؤيد: [لو وقف] على نظمك لم يعد ما استحسنه في جنب شغلك هذا حسناً، وقد ضمنت العينية أبياتاً ذكرها الشاعر عبد الله [بن خالد أبو العميثل] يمدح بها مخدومه عبد الله بن طاهر، وقصيدتي العينية هي هذه برمتها، فالذي لي كتبته بقلم أسود، والذي له بقلم أحمر؛ ليعرفه الواقف عليه، ويدري باستحسان من مدحته، وأنه قد أنصف وأتحف وبجَّل، وكرَّم وجلل، وأعلَّ بالجائزة السنية وأنهل :

قم يا سعيد الآن غنِّ ورجَّع.... بمدح مَليكٍ بالفضائل مولعِ
وابعث لمولانا المؤيد سيرة.... في الأرض ذات تأرَّج وتضّوعِ
الأوحد الصمصامة المحيي الندى.... والركن في البيت الشريف الأمنعِ
هو نقطة البيكار في أهل الكسا.... والروح في آل البطين الأنزعِ
مهدي مدتنا المؤرخ ذكره.... في الجفر وهو بذي العلامة قد دعي
حتى لقد قطع الرواة بأنه.... الأولى بقولٍ للفصيح المصقعِ
[يامن يحاول أن تكون صفاته.... كصفات عبد الله أنصت واسمع]ِ
[أصدق وعفّ وبرَّ واصبر واحتمل.... واصفح وكاف ودار واحكم واشجعِ]
[والطف ومَنَّ تأن وارفق واتئد.... واحزم وجد وحام واجمل وازمعِ]
صدقوا وما كذبوا وإن محمداً.... وجدت به هذي الخصال بأجمعِ
إن الصريح الفاطمي أحق.... بالتقريض من متعرِّب متجزّعِ
ولسيرة ابن الناصر بن محمد.... بقلوب أهل الدين أعظم موقعِ
أحيا ربوع العدل فهي بحسنها.... تنسيك أزهار الربيع الممرعِ
وتهجر العقد الثمين وقد ثوى.... من نحر غانية بأرفع موضعِ
عدل يظل الذئب فيه على الطوى.... والشاء حوليه تذود وترتعِ
ما ملك شاه وإن سموه عادلاً.... إلا مجازاً عنده أو مدَّعي
وإذا تصفح منصف سِيَراً مضت.... عن آل ساسان الملوك وتبعِ
لم تختلج فيه الشكوك بأنه.... منهم ألذَّ بمنظر وبمسمعِ
إذ كلهم لم يخل إلا من هوىً.... مطغٍ يدين به بدين أشنعِ
أو سطوة يرتاع من هجماتها.... كم من جنين في البطون ومرضعِ

من لا له أهل فيهلك إثره.... ومن البلية هلك من لم يصنعِ
ولذاك كان يسيح ذو القرنين في.... غزواته في السر فيض الأدمعِ
حذر المعرة أن تصيب جنوده.... من غير قصد منه مهجة يرمعِ
يا أيها الملك الذي سمحت به.... أيامه وبمثله لم تطمعِ
أنت الذي في الرأي قس زمانه.... وإذا عقدت بذمة لم تخدعِ
أنت الذي لو شئت أصبح عامر.... عن ملكه متحيراً في زيلع
لكن رعيت له الوفاء تعمداً.... رعي السمؤل عهده في الأدرعِ
وعصيت فيه كل لومة لائم.... ومرجَّح وموصّل ومفرعِ
علماً بأن عواقب الفتن النوى.... والرأي قبل شجاعة المتشجعِ
فملكت في التحقيق جملة ملكه.... من غير سفك للدماء بمبضعِ
ووعيت ما قال الممثل موصياً.... لسواك إذ كم سامع لم يسمعِ
داء الرئاسة في متابعة الهوى.... ودواءها بالدفع لكن من يعي
وإذا الفتى استقصى لنصرة نفسه.... فاقطع لدولته بسوء المصرعِ
وبذاك أفحمت الخصوم وصرح الـ.... ـصبح المنير عن الظلام المفزعِ
وشأوت أرباب العلو إلى العلا.... وسبقت سابقهم ولما تتبعِ
فليهنك الحكم التي أوتيتها.... وانعم بملك في البسيطة أوسعِ
مع ما احتويت عليه من علم ومن.... حزم ومن أدب عميم ممتعِ
حتى فضحت دراية ورواية.... وفصاحة ذاك الأديب الأصمعي
ورزقت حظاً في العبادة لم تزل.... تحكي به نُسُك الإمام الكينعي
يامن نجعت إليه عاماً أولاً.... فحمدت لقيته بمدة منجعي
وأقمت مغبوطاً بحسن جواره.... وتصدري بإزآئه وتربعي
ما أنس لا أنسى مشاهدتي له.... في دسته كالبدر عند المطلعِ
وتغنمي تكرير لثم أكفه.... وتلذذي بخطابه وتمتعي
مقدار خمسة أشهر ما ينقضي.... حين بها إلا وفائدة معي
إما استفاد فريدة أو حكمة.... لمهذب يأوي إليه ألمعي
جالست منه كابن شور مجلساً.... لم أستمع فيه مقالة مقذعِ
لكنه شاب اللقاء تباعدي.... عن نسوة شعث بداري أربعِ

ما كُنَّ يعتدن انتزاحي ساعة.... ويسؤهنَّ ترحلي عن مربعي
فبقين يحسبن الليالي كلما.... يوم يمرّ عدده بالأصبعِ
وإذا القوافل أقبلت ما راعني.... منهنَّ إلا كل طرس مفزعِ
فتنغصَّت إذ ذاك لذة خاطري.... وتوفّر الشوق المضر بأضلعي
وفرقت صنعاء كارهاً لفراقها.... والدمع من عيني يغرق مدمعي
فسقى أزال نجادها ووهادها.... من كل نوٍ بالحيا متبرعِ
وأدام دولة ملكها عزَّ الهدى.... والدين في عز طويل أمنعِ
وأعاذه فالعيد إن حققت أن.... يبقى ويفديه عداه بأجمعِ
عمراً طويلاً لانحصار لعده.... والله يسمع من دعاه إذا دعي
خذها يزينها مديحك تزدري.... هبطت إليك من المحل الأرفعِ
نعم: وتمام جوابه لما وصلته هذه القصيدة، أنه قال: اعلم أنه لا كلام أن قصيدتك هذه من القصائد الطنانات، وأنك في هذه المعاني سبَّاق غايات، وصاحب آيات، وممن أوتي بلاغة الإنشاء، ولكن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، خلا أن فيها بيتين فيهما طرف جفا في حق السلطان صلاح الدين: أحدهما الذي آخره زيلع، فأبدله كله بقولك:
ووفيت للملك المتوِّج عامر.... ومني عدوكما بسوء المرجع

والبيت الثاني الذي قلت فيه:
وملكت في التحقيق جملة ملكه
فأبدله بما تراه مما ليس فيه جفاء عليه -أطال الله عمره، ولا أراه ما يكره، فإنه ممن صدقت فيه الفراسة، وحاز أسباب الرئاسة، وحسن السياسة، فما أحقه بقول ابن الأشعث:
قهر الملوك وسار تحت لوائه.... أُسْدُ الشرى وقماقم الأملاك
هذا آخر كتابه إليّ.
[قلت] : فانظر أيها الأخ المنصف إلى ما قد جرى بين هذين الرئيسين أولاً من مقتضيات الوداد الخالص، الزائد غير الناقص، وأما مولانا المؤيد فاعتقد ذلك ظاهراً وباطناً، وعصى من حثَّه على التحرز من كيد هذا الرجل، وقد ضربت له الأمثال، نحو قول من قال:
لا تأمنن امرءاً أسكنت مهجته.... ضيماً وتحسب أن الجرح يندمل
فقد يُرى ضاحكاً في وجه ظالمه.... وفي بواطنه النيران تشتعل
وكقولهم:
كل العداوة قد يرجى الزوال لها.... إلا عداوة من عاداك في الدين
وكقولهم: "لا تنسى المرأة أبا عذرها، ولا قاتل بكرها"، وأما عامر فربما أنه في أول أمره عقيب وفاة أبيه، وتقوم أكثر أهل دولته عليه من أهله وغيرهم، واشتغاله بحربهم وعلاجهم ومداراتهم كان يعتقد صداقة ابن الناصر ويحتقن له الصنيع ظاهراً وباطناً، والله اعلم.

وأما من بعد أن تقوَّت شوكته، ودوَّخ أكثر خصومه، وثاب إليه عقله، فما سلم من تذكَّر دجله ودجل أهله عند ابن الناصر ومن في جانبه كشارب وغيره، ما كان يسمعه من شعرائهم، وعلمائهم، وعبيدهم، ومطربيهم من تحريكهم له، وحثَّه على حرب صنعاء والقيام بثأرهم، فإنه قلما اجتمعوا هنالك في موكب، أو عرس، أو مسرة، أو مأتم، يطرقهم عصره في تلك الديار إلا هيَّجوه، وأغروه، وحمزوه، وذكروا أهله، ومن قتل بين أيديهم من أركان دولتهم، وكان يتحرك لذلك، ويضمره سراً، وقد سبقه إلى هذا المعنى غيره من أهل الهمم العالية.
هذا أبو العبَّاس السفّاح لما ملك البلاد بعد بني أمية، وقتل أكثرهم، وأمَّن جماعة من وجوههم، دخل عليه مولى لبني هاشم، وقد جمعهم لضيفة سنية، فأنشده تعزية بأولئك الضيفان:
اذكروا مصرع الحسين وزيد.... وقتيل بجانب المهراس
الأبيات.

وهي مشهورة،، والذي قتل بجانب المهراس: حمزة بن عبد المطلب -عليه السلام-، فما تمالك السفَّاح بأن أمر بضرب أعناق ضيفه الجميع، ثم مد السماط على جثثهم، وأكثرهم يناشط الموت، فما فرغ من طعامه حتى ماتوا وهم ثمانون رجلاً من [أعيان] بني أمية، فافهم ذلك، واعلم: أن الناس مثل الناس، ثم إن عامراً مازال يتقرَّب من صنعاء، ويزيل الشواغل التي بينه وبينها من المعاندين، وكثر لهجه بذكر ثلاء وغيرها من البلاد التي مال أهلها إلى الوشلي من الزيدية الخارجين عن دولة صنعاء، مثل: أهل كوكبان، وشبام، وذيفان، ويوهم أهل صنعاء أن الوشلي هو وجميع من والاه خصوم، وأهل صنعاء لي صديق، ويكاد يواذن صاحب صنعاء في قصدهم، ولو مرَّ إليهم في بلاده، فيجيب عليه بأن ذلك لك مباح أي حين طلبته، فيغرب عن ذلك مدة ويتناساه، ثم يذكره حتى لهج بهذا المعنى، وكثر ذلك منه، فتوهم صاحب صنعاء صدقه، وفي عرض ذلك، وهدايا عامر متواصلة إلى ابن الناصر، ثم بعد مُدَيْدة قلّت المهاداة، وشرع عامر في التألم والتشكي من شارب، وأنه يحب تقوي الوشلي وتمكينه ودخوله في البلاد، ولا يأمن على ذمار منه، وأيضاً فهو - يعني شارباً - متعرض لحرب همدان، وخرج عليهم إلى بلادهم يحاول أخذ معاقلهم وهم حلفاء لعامر، فكتب إلى صاحب صنعاء يتعتَّب عليه، ويطلب منه اقتصار شارب من هذه الأمور، وأكثرها موالاة الوشلي؛ لكونه له خصماً، وكثر منه التجرُّم من هذه المعاني، وهو يكفت ما حوله من بلاد الزيدية، وكان وقع من أهل مغارب ذمار ومغارب صنعاء معاندة له، ومخالفة عليه، وقتلٍ لجماعة من عماله، فما شعر الناس

به حتى طلع إلى ذمار يوم عاشوراء من شهر محرم في جمع كثير قدم بعضهم إلى جمعة الجزع في المغرب، فاستولى عليها وعلى غيرها من تلك الجهات، فلما لم يبق له هناك معاند تقرّب من بلاد صنعاء قليلاً قليلاً بجيوش لا يحصيها إلا الله [تعالى]، ثم دنا من حصن كنن وغيره من البلاد التي كانت متغلبة عليه، ويظهر للناس أنه يريد التقدم إلى ثلاء وأما صنعاء فلا، واعتقد صاحب صنعاء صحة هذا القصد لا غير؛ إذ الأصل الصداقة لاجتهاده معه في تخذيل خصومه من شافعي وزيدي، وأيضاً فإن صنعاء ولو أضمر [محطته] عليها على الفرض والتقدير لم يمكنه ذلك؛ لما فيها من الحصانة، والأجناد، والأموال، والسيرة الحسنة من العدل الشامل لأهلها بحيث أن أمانهم وزمانهم ماقد جرى لغيرهم، وصيانتهم من المعار والمطالب فوق أربعين سنة، وأقل هذه الأمور تحملهم على أن من جاءهم لأخذ بلادهم قاتلوه ولو فنيت رؤوسهم وأموالهم، ولكونهم قد اعتادوا حرب بني طاهر في المدة الماضية، وردوا محاطهم، وقتلوا عامراً الأول وهم في ذلك الزمان أقل عدداً وعُدَداً ومالاً، وأكثر جسارة، فإن كانوا قد ردوا المتقدمين وهم في غاية الضعف و[قتلوا] ملكهم، فهم لردِّ هذا الذي سابقتهم إليه حسنه مع قوتهم الظاهرة وتوفّر أموالهم أقوى، فيكون هذا ونحوه مما يحمل عامراً على عدم التعرض للمحطة عليهم، فلم يزل يتسحلل على صنعاء، فجاءنا الخبر إلى صعدة عاشر من شعبان، أن هذا الرجل قدّم ثلاثة مقادمة إلى حدة، وصل أولهم نصف الليل، والثاني آخر الليل، والثالث نصف نهار ثاني، فملأوا ما بين حدةإلى نقم، [وعامر] وبقية مقادمته

وقفوا مكانهم على ما رواه المخبر، وحكى ما وقع مع الناس [هناك] لهم من الهيبة، وابن الناصر يشدد قلوب أهل بلاده، ويقول: إنما قصد هذا الرجل [إلا] العبور إلى ثلاء وغيرها من البلاد التي لا تعلق لنا به، فلو فتحنا له باب صنعاء ليدخل منه، ويخرج من الباب الثاني لما غيَّر علينا ولا على رعيتنا وزن حبة، وشارب وغيره يحذِّرونه، ويقولون: ذرنا نملأ البلاد بالتحريم ولو جلبنا الخيل من الشام الداخلي؛ ليكونوا عندنا نحتاط بهم، وإن يكن ظاهر عامر وباطنه سواء لم تضرنا الخسارة، وأخذ [لنا] بالحزم، وإن يكن باطنه خبيثاً فالعساكر المتماثلة تتكافأ، فما كان يجيب من عذله، وأشار عليه بالحيطة إلا بأنّ معكم السلامة ما نحن لهذا الرجل بخصوم، وما صدَّق ابن الناصر وهو مريض حتى سمع المدافع والأنفاط، وحتى نصبت على القصر المنجنيقات والعراريد، وفي الأمثلة العامية: ولد الحرِّ ما يُصدِّق حتى يرى، و[قد] كان مريضاً من فالج أصابه في أول السنة، فلم يزل يتزايد، وكان هذا المرض من أكثر ما عزم عامر على قصد صنعاء؛ لأنه لما لزم المرقد، وقل الدخول عليه من الخاصة والعامة أكثر الحسَّاد الإرجاف عليه بأنه قد مات، وأنهم مخفون لموته، فأودعوه صندوقاً [و] قضضوا عليه فيه، وتركوا على سريره شخصاً، ولبَّسوه مثل كسوته، وهو في موضع مظلم، فالذي يرى ذلك الشخص يخرج ويشهد أنه بخير حي سوي، والثاني يقول: [بل] هو غيره ويحلف، فالتبس على الناس الأمر، ووصلت جواسيس عامر إليه إلى بلاده بكتب من ناس في صنعاء يحثونه على مبادرة الفرصة، فعزم وعضد ذلك ما في قلبه من محبة نقم

الثار، ودفع العار، وكان شعاره في ذلك ما أنشده أبو مسلم الخراساني يوم أنزل ببني أمية البوار:
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت.... عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
ما زلت أعمل أفكاري لهلكهم.... في خفية وهم بالشام قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا.... من نومةِ لم يَنُمها قبلهم أحدُ
ومن رعى غنماً في أرض مَسْبَعَةٍ.... ونام عنها تولى رعيها الأسدُ

فلما ضرب عامر بمحطته على صنعاء لم يكن لأهلها حيلة إلا التحصّن بدوائرها، وقد كان بها عمارة حصينة أكيدة، ما فرغت إلا في مدة مديدة، اتخذها ابن الناصر حيطة لهذا المعنى، ونسي قول الشاعر:
عليكم بدربٍ من رجالٍ فإنني.... مررت بدرب من حجار يُهدَّمُ

قد كان أشار عليه الناس أولاً بحرب عامر من يوم موت أبيه عبد الوهاب ليشغله عنه بخلفه فعصاهم، واتخذه ولياً، ثم أشاروا عليه يوم طلع ذمار بالجيوش الكبار، بأن يحترس بتخديم عساكر يأتي بها من أقصى الشام فعصاهم؛ فصار إلى ما صار وانتهى أمر أهله ودولته إلى ما انتهى، و لولا أن شارباً احترس قبل دنو المحطَّة من صنعاء بجند قليل كانوا يخرجون من أبواب صنعاء إلى طرف محطَّة عامر في غفلات، فيفتكون بهم ويقتلون وينهبون، فلما فشى ذلك في المحطّة، وارتاع من بأطرافها من هذا السبب أمر بحيلة هائلة، وهي: اتخاذ دوائر أخر على أبواب صنعاء من جميع جوانبها، فحصل ذلك [الدائر] في أسرع مدة، فبقي منْ بصنعاء في أضيق من حلقة الفأس، وعزم عامر على تطويل اللبث والإقامة بمحطته، وأمر ببناء محالٍّ ودور وحوانيت للبيع والشراء، ومساجد تقام بها الصلاة، فصارت المحطة مدينة تجبى إليها ثمرات كل شيء، وأحدث فيها المطابخ، وجاء إليها التجار من كل فجٍّ عميق، ورخصت الأسعار بها، فكان مدة الإقامة في المحطّة من أول شعبان إلى يوم الإثنين سادس شهر محرم من سنة ثمان وتسعين قدر ستة أشهر، فوقع في هذا اليوم وقعة كبيرة في قاع صنعاء من الإمام الوشلي، والأمير محمد بن الحسين، فإنهما أغارا على صنعاء كما ذكرته في ترجمة الوشلي، وبين عسكر عامر، كان الظفر فيها للزيدية، وفرَّج الله على أهل صنعاء، ودخل الوشلي والأمير في أعيان من معهما على ابن الناصر يهنؤنه بالظفر، وقد كان أُرْجِفَ عليه كما ذكرته، فجوَّب عليهم، وشكرهم على غارتهم، وفرح بهم فرحاً كبيراً على مابه من الضعف من

ذلك المرض الذي نهكته علته وأهانته، وإنما فعل ذلك تجلداً وكثرة مسرة، ولم يزل يتزايد ذلك المرض حتى إذا كان يوم الجمعة من العشر الأول من شعبان سنة تسع وتسعين وثمانمائة قبضه الله تعالى إلى رحمته حميداً فقيداً، فوقع عليه في صنعاء مثل يوم القيامة.
ودفن يوم ثاني موته إلى جنب حي السيد الفاضل، العابد، الزاهد: قاسم شريف من بني الهادي، قبر بمسجد بيت شكر، ووصل الخبر إلى صعدة يوم الأربعاء سادس موته، فامتلأت الجهات ظلمة، وبكى عليه أكثر الناس، وعظم موقع موته على أهل صعدة؛ لأنه [كان] ينصف من وصل إليه منهم مسافراً أو متوفداً، وكذلك ينصف من استوطن صنعاء منهم، فقد كان نقل إليها منهم في مدته أهل حلل كثيرة تقارب من مائة حلِّة، وذلك لعدله وحسن صحبته [لهم]، وقرئ عليه القرآن بمسجد الهادي –عليه السلام- بصعدة قدر ثلاثة أيام، التقى العزاء عليه بها الإمام الوشلي؛ لأن خبر موته وصلها وهو بها، وأقيمت المراثي عليه بالمسجد المذكور، وما تخلَّف أحد عن الحضور للعزاء والقراءة، وبلغنا أن أهل صنعاء وجندها حلفوا لأخيه أحمد؛ لأن محمداً هذا لم يخلف ولداً ذكراً، وأحمد هذا أخوه من أبيه، فولي البلاد إلى أن أخذها عليه عامر، فقبضه وأنزله [معه] إلى بلاده هو وأولاده، وأخته آمنة، فعاش أحمد مأسوراً قدر ثلاث سنين، فمات في الأسر، وله ولدان ذكران توفي الأكبر منهما سنة موت أبيه، وبقى الثاني واسمه : إبراهيم، واسم أخيه المتوفي: يحيى.

نعم وكان ابن الناصر [هذا] من حسنات الدهر، وأفراد العصر، وأهل العلم الغزير، والإطلاع الكثير الشهير، فمن محاسن كتبه إليّ، وقد أهديت له نسخة من شرحي للمنظومة المشهورة الملقبة (بالصادح والباغم)، فقال- بعد تحميد كثير- ما لفظه: وحديث الشرح المبارك هو كتاب صغير حجمه، كثير علمه، فجزى الله من أهداه إلينا خيراً، ودفع عنه ضيراً، والتنبهات التي نبهنا عليها يسيرة، ولم تكد تخلو مؤلفات نحارير العلماء عن مثل ذلك.
هذا الزمخشري على نباهة قدره، وتضلعه من العلوم، وهم في (الكشَّاف) في نسب أيوب النبي –عليه السلام-، وهذا الإمام يحيى بن حمزة وقفنا له على شرح (لنهج البلاغة) [و] يسمى: (الديباج)، وذكر في خطبته: أن جامع النهج: الشريف أبو أحمد والد الشريف الرضي، وهذا وهم ظاهر، وهذا الإمام المنصور بالله وهم في نسب أبي سعيد الخدري، وذكر أنه مولى، ذكر هذا في (حديقة الحكمة شرح الأربعين السيلقية)، وهذه الأوهام غير قادحة في علومهم، وإنما الإنسان يعرض له النسيان، وأما ما حكاه وذكره القاضي شمس الدين أحمد بن خلِّكان في نسب ابن مقلة، وأنه محمد بن الحسين، فكلامك [هذا] هو الصواب، والوهم وقع مناَّ؛ لأن ابن الناصر ذكر في بعض الكتب: أن اسمه علي، فجوَّبت له بكلام ابن خلِّكان، فاعترف بأن الوهم منه.

قال: ومطالعتنا لمجموعكم المبارك كانت أياماً قلائل، وعوَّل علينا السيد المرتضى بن قاسم في عاريته، ووقف معه برهة، يُجَدِّد له كل يوم نزهة، وحديث الخلفاء العبيديين وانحراف النواصب عن أمير المؤمنين، وعن أهل البيت الطاهرين، الأمر في ذلك كما وصفت، والنصب داء دويُّ، ومشرب وبيُّ، وقد أحسن القائل حيث قال:
تداعى لحرب بني المصطفى.... ذوو النصب فيها ومُرَّاقُها
وأحسن الإمام المنصور بالله -عليه السلام-، حيث قال:
لقد مال الأنام معاً علينا.... كأن خروجنا من خلف ردم
قال ابن الناصر في كتابه المذكور: وقد كنت [في] أيام تقدَّمت عنيت في جمع مجموع في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، وصدرت إليك منه قطعة قف عليها وردها، ونبه على ما وجدت فيها من خلل، فالمؤمن مرآة أخيه، والله يوفقنا جميعاً لما يرضيه، ويجعلنا من المتحابين فيه، وبعد السلام، والدعاء مستمد [وطيه وصل ملحق خيراً] إلى الفقيه جمال الدين قد وجهنا لك عشرين أوقية فضة، فتفضَّل بقبولها، وبسط العذر، وصدّر لها من الفقيه محمد بن مهدي الشقري، وإن حصل مناقلة بها من صعدة فهو أصلح، وبعد السلام، فلما جاءني من مصنفه المذكور قدر سبعة عشر كراساً في قطع كامل بخط متقارب، وقفت على كتاب عارف، مطلع على مناقب أهل البيت دقيقها وجليلها، وزهدت أن بقية الكتاب يأتي مِثْلَي ما أرسل به، وأكثر نقله لما فيه من كتب أئمة الحديث، التي وقع الاتفاق مناَّ ومن مخالفينا على ما فيها.

نعم: ولما عرض له [المرض] الذي ذكرته لك، فأصله: أنه دخل المطاهر كعادته للطهور، فسقط في المطاهر لوثبة الفالج عليه فيه، فانزعج من عنده من حشمه، واهتالوا من هذا الحادث الذي مالهم به عهد، فأخبروا بذلك من يليهم،ومن يليهم أخبر من يليه، فذاع ذلك في المدينة ثاني ذلك اليوم، وضاق الناس وبقوا على ذلك أياماً، فطرأ على ذلك [المرض] عود أكثر صحته، ففشى خبر صحته فوق فشو مرضه، وكتب بذلك إلى صعدة، وقدمت به بشرى يحكون ما قيل في ذلك من الأشعار، ونقل إلينا بعضهم بعضها، فمنها للسيد الفصيح، ذي النسب الصريح، [والود الصحيح]، عز الدين محمد بن المرتضى بن محمد بن علي بن أبي الفضائل، قوله:
عمَّ هذا السرور عبداً وحراً.... وأطالوا لمالك الملك شكرا
وزهى الأفق واستنار سناه.... وعلا النور منه بحراً وبرا
وثغور السعود تفتر عجباً.... وغصون الفخار تهتز فخرا
ونسيم الرياح يخطر في الرو.... ض فيهدي لنا من الزهر عطرا
وشموس الكمال تزهر نوراً.... ونجوم السماء تبسم زهرا
وسرى البدر بالسعادة ليلاً.... وبدا نيّراً وباليمن أسرى
فرحاً بالإمام حين رأته.... طيباً حائزاً شفاءً وأجرا
ملكٌ ما لمجده من نظير.... جعل الجود للرئاسة مهرا
وبنى بيت مجده وعلاه.... فسما همة وبأساً وقدرا
لا يدانيه في الزعامة مَلِك.... فهو بالمكرمات أولى وأحرى
وغدا في الأنام ينشر عدلاً.... ويقيم الهدى ويُنْفِذ أمرا
وسعى في إقامة الدين سعياً.... وأتى غيره من الأمر أمرا
ذو حلوم من العلوم بطينٌ.... وسواه يلقى من العلم صفرا
قد حوى صدره من العلم بحراً.... وحوى كفه من الجود بحرا
والذي صدره حوى العلم والكُـ.... ـف حوى الجود كان في المجد صدرا

لست أقوى على معاليه حصراً.... من لرمل الفلاة يقدر حصرا
يعشق العلم لا يريد سواه.... ليس يهوى من النواعم بكرا
عذبة الثغر ذات قَدّ رشيق.... مستطيل من الكواعب عذرا
جيدها الغصن مايساً إن ثناه.... خافق الريح عطَّر الأفق نشرا
وعلى خدها كروضٍ بسيم.... نثرت من زهوره المزن درا
نحن نرضاه هادياً وشفيعاً.... ونرى أن فيه لله سرا
يا إمام الهدى ويا خير داعٍ.... دمت في العلم والسيادة حبرا
نذر الناس يوم برئك صوماً.... غير أني نذرت وحدي فطرا
عالماً أن يوم برئك عيد.... لا أرى صومه وإن كان نذرا
وعليك الصلاة ما لاح برق.... لا ترى يا إمام دهرك ضَرا
وقلت أنا [في ذلك] رعاية لحق هذا الملك المتفضل [المالك] :
يا بشيراً ما مثله من بشير.... حين وافى بموجبات السرورِ
هو فيما أتى به وحكاه.... من مبادئ معثمرات الصدورِ
ثم إسراع غارة الله فوراً.... مثل لمع المهند المطرورِ
محسن منعم على كل حال.... خاتم للعسور بالميسورِ
فجزاه الإله عني جميلاً.... دائماً لا يبيد مر العصورِ
حسبنا الله ربنا وكفانا.... في شحاك العداة صرف الدهورِ
إنما القائم المؤيد روح.... للبرايا صغيرهم والكبيرِ
وإذا اعتلَّ روح جسم توَّلى.... كل عضو منه بسقمٍ ضريرِ
أنت يا ابن المطهرين من الرجس.... ويا ابن البشير وابن النذيرِ

حجة الله في الزمان على الخلق.... كما كان حجةً ذو الزبورِ
أنت عالي في كل فضل عميم.... مثل بدر على الأنام منيرِ
أنت في قصرك الممنع فرد.... وهو فرد ما مثله في القصورِ
فيك حلم وعفة وسماح.... وعلوم غزيرة كالبحورِ
وهو كهف لمستظل وأمن.... من مخوف ومنهل للفقيرِ
أطربتنا أخبار برؤك مالم.... يطرب الركب من مقال المغيرِ
عرّجاني بآل نعم فإني.... دنف مغرم بتلك الخدورِ
نحمد الله فوق حمد البرايا.... وله الشكر فوق شكر الشكورِ
حين لم يفجع الموالين فيمن.... هو نور لهم على كل نورِ
أشرق الكون وانجلى كل بؤس.... وتجلت حنادس الديجورِ
يالها فرحة تعادل وزناً.... لو وزنَّا بيذبل أو ثبيرِ
وتولى الحسود والمظهر الإر.... جاف في الأرض حظّ حر السعيرِ
قدَّرت حق قدرها في أزال.... وسعوا في انتشارها والظهورِ
أيها المعتلي على ظهر حرف.... مثل نوق تمر مرَّ الصقورِ
من نجيبات شدقم أو جديل.... قد رعت ريف عالج أو ثغورِ
تعثر الريح حين تجري وراها.... فتلوّى بجاثمات الصخورِ
سر كفاك الإله كل مخوف.... وتنكبت كل خطب عسيرِ
فإذا ما وصلت أرضاً سقاها.... كل نوٍ من البروج مطيرِ
فاقر عني السلام ملكاً بصنعاء.... لم يزل حبه بأقصى ضميري
كم له من يدٍ لديَّ وفضل.... في خفاءٍ من مقصدي وظهوري
ثم قبَّل كفيه عني ثلاثاً.... في سياق من السلام الكثيرِ
ثم قل إن عبدكم قد تمنّى.... أنه يوم برؤكم في الحضورِ
الذين اغتدوا وراحوا وكل.... منهم من شفائكم في حبورِ
غير أناَّ في صعدة قد فعلنا.... ما أطقناه حين نُطْق البشيرِ
كان منَّا من استجدّ صلاةً.... وصياماً شكراً لرب غفورِ

وأناساً قاموا من الليل بعضاً.... وأناساً وافوا بشرط النذورِ
ثم أناَّ نحميك من كل بأس.... في حمى ربك اللطيف الخبيرِ
أنت جار الإله من كل شر.... فهو والله خير كل مجيرِ
وعليك السلام يترى ويتلى.... ما تلى حزبكم حديث الغديرِ
لا إله إلا الله لا إله إلا الله، الملك لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ما أسرع ما أُبدلت التهاني بالمراثي، فلم تَحُل عليه تلك السنة حتى مات، وأنشدت في مراثيه قصائد مبكيات، ومما قلته أنا في ذلك:
لموت مليك من لؤي بن غالب.... أذيل مصونات الدموع السواكب
وأظلمت الآفاق حتى كأنما الـ.... ـنهار اسوداداً من صنوف الغياهب
وأوحشت الأقطار صار سوادها.... وأمصارها من وحشة كالسباسب
وأقوت ربوع العلم والحلم والحجا.... وأكدى طواف المرتجي للمواهب
وأصبح ركن العدل بعد مقيمه.... ومحييه ميتاً غائباً غير آيب
وقد كان مولانا المؤيد مولعاً.... به نازلاً منه بأعلى المراتب
تراه ملاكاً للسياسة بل هو الـ.... ـسياسة طراً في جميع المذاهب
به تعمر الدنيا فيكثر خصبها.... ويكفي بنوها طارقات النوائب
ولم أرَ ملكاً ضم مثل محمد.... وأحرز أسباب العلا والمناقب
له حكم لقمان وصورة يوسف.... وملك سليمان وعفة راهب
وصدق أبي ذر وبشر حذيفة.... وحدس إياس واتساق المناصب

وكان بغمدان المشيع كعبة.... يطوف بها الوفَّاد من كل جانب
يبثون عنه الحمد والشكر والثنا.... ولو سكتوا أنباك ما في الحقائب
فلهفي على ابن الناصر بن محمد.... محمد المحمود من آل طالب
ووجدي عليه وجد نكدى طوَّحت.... بجيرتها الأدنين أيدي الذواهب
فتى كان بي براً حفياً مقرِّباً.... صديقاً وفياً قاضياً للمآرب
إذا انقطعت كتبي إليه لعارض.... يعاهدني بالكتب في زي عاتب
رسائل أحلى من حياة معادة.... وأكثر ذكراً من دهور الشبائب
أفكِّر في كفِّ أقامت خطوطها.... وكانت محلاً في بروج الكواكب
هل انجاب عنها الترب نعياً أم امحت.... هنا لكم منها خطوط الرواحب
بكته المعالي والعوالي كما بكى.... عدي كليباً يوم دَيْرِ الذباذبِ
وهذا بكت صنعاء عليه وأهلها.... ومن حولها من شرقها والمغاربِ
فصعدة قد عجَّت عليه ومن بها.... بأصواتهم مثل الشريك المثاوب
وقائمنا المنصور حامي ثغورنا.... ومنقذنا من شر تلك النوائب
رأيت له دمعاً عليه كأنه.... سموط لآل في نحور الكواعب
وضجت كرام حوله بات دمعهم.... تفيض انسكاباً كانسكاب الميازب
فيا أيها الموت الذي دقَّ شخصه.... فلم تره عين ثوت تحت حاجب
هبلت لقد أظميتنا في حُلاحل.... على غرة فعل العدو الموارب
فلو كان يحمي عنك حصن مشيد.... به حرس يحمون كل محارب
إذاً لحماه عنك غمدان عنوة.... وذو مرمر سامي الذرى والجوانب
وإخوان صدق من ذؤابة هاشم.... يقودهم الضرغام دامي المخالب
أخوه المسمى أحمد خائض الوغى.... إذا انقدحت بالخيل نار الحباحب
حواليه جند من بكيل وحاشد.... يحامون في الهيجاء أمثال شارب
ولكن بأمر الله فيه غلبتنا.... وأمر إله العرش غير مغالب
ولو كان حي قد فدى من يعزه.... بنفس وإخوان له وأصاحب
إذاً لفداه الأكثرون تبرعاً.... فكم واحد خير لهم من عصائب

وهيهات ما يفدي حميم حميمه.... إذ الموت للإنسان ضربة لازب
كثير حياة المرء مثل قليلها.... تزول وباقي عيشه مثل ذاهب
فيا مرسلي إن جئت صنعاء ضحوة.... حماها إلهي من كثير الشوائب
فقل لي لشمس الدين أحمد والأولى.... حواليه من صدر خليل وصاحب
لكم أسوة في المصطفى وابن عمه.... فإنهما أهل النهى والتجارب
وصبراً جميلاً واحتساباً فإنما الـ.... ـثواب على قدر احتمال النوائب
وقولي لكم صبراً على الرزء سنهُ.... وإلا فلستم تلهمون بصائب
ونسأل من عمَّ الورى بنواله.... وأرخى عليهم مسبلات السحائب
يبل ثرى قبر تضمن جسمه.... ويؤنسه عند انصراف الأقارب
ويرقاه بالرضوان فوراً فلم يكن.... على طاعة الرحمن غير مواظب
بآية ما كان ابتداءُ شكائه.... طهور به ينوي صلاة الرغائب
عليه سلام الله وقفاً فإنني.... رأيت الكريم الحر رهن النوائب
وإني لكل العترة الشم وامقٌ.... فيا لائمي في حبهم لست صاحب

[ذكر من ملك صعدة في عصر المصنف من أولاد الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة -عليه السلام-]
فصل: ومما يحسن ذكره في هذا الموضع الذي ترتب على قوله:
وذا زمانك، إلى آخره.. أني أذكر نبذة ممن ملك صعدة ونواحيها من بني المنصور بالله في عصرنا، فأقول:

[الأمير الحسين بن علي بن قاسم]
أولهم: الأمير الحسين بن علي بن قاسم، ملكها في ذي الحجة [من] سنة ست وستين وثمانمائة [سنة] ؛ لأنه كان من جملة عسكر جمعه السيد يحيى بن صلاح الهادوي، وحطوا على صعدة، فلما كاد يأخذها توالس الأمير هو وأهل صعدة، وأحبوا جانبه، فوعدهم إن سهلوا له الدخول ووعدوه بذلك، فلما فتح السيد صعدة خاف أهل صعدة إن تقوَّت شوكته عليهم يجور عليهم ويأخذهم بذنوب قد أسلفوها إلى جدته الشريفة فاطمة بنت الحسن حال إخراج الناصر لها من صعدة، وأخذ البلاد عليها، فرجحوا للأمير الحسين ولأصحابه بني حمزة أن يلزم السيد يحيى، وقالوا له: سيفان لا يصلحان في غمد، فلزمه وصاح للناس بالأمان والضمان، فلما استقر بالمدينة أصلح البلاد، وقدم ولده الهادي عليها إلى أن مات الحسين في [أول] سنة اثنتين وسبعين في الزاهر من الجوف، وقبره هناك مشهور.

[الأمير الهادي بن الحسين]
فاستمر الهادي والياً للبلاد، ولم يكن قد ملك أبوه تلمص وغيره من الحصون، ولكن ملكها الهادي ما خلا حصن نعمان فقد كان مع والٍ كان فيه لحي عامر بن طاهر، حفظه مدة وانكسر عليهم جوامك كثيرة، فأذن له ابن الطاهر في بيعه، فشراه الهادي بعد أن حط عليه، ثم استمر الهادي يغادي الغارات على صنعاء، ويراوحها وفيها ابن الناصر، فما قدر عليها حتى قتل في ذي القعدة [من] سنة ثلاث وسبعين، قتله بعض عرب الجوف في عدة من عسكره وبني عمه الحمزات.
ودفن عند أبيه في مشهدهم في الجوف.

[الأمير محمد بن الحسين]
وملك البلاد أخوه محمد بن الحسين، فطالت مدته، وتقوَّت على الأعداء شوكته، واشتهرت شجاعته وحميته، وكثرت في عصره بنو عمه وذريته، ونقم بالثأر ممن قتل أخاه وأسرته، وحضر وقائع كثيرة يخذل الفرسان، ويكسع الأقران، إلى أن توفي على فراشه بين إخوته وعترته، في بلد مسقط رأسه، ومنبت شعبته [بالجوف بالزاهر]، وكان ذلك يوم حادي عشر من رجب سنة خمس عشرة وتسعمائة سنة، وبلغ علم وفاته إلى صعدة يوم ثالث موته، فوقع فيها رجة عظيمة بموته، وبكى عليه من يعرفه، ومن لا يعرفه، حتى من كان يتمنى موته دامت عليه حسرته، وجرت دمعته؛ لأنه كان فيه خصال محمودة، منها: نزاهته عن المعاصي التي تدنس عرض الشريف، ومنها:
أنه كان كثير الصفح والعفو، وعدم الحنة على الخصم، فإذا قدر عليه في معركة في الأغلب رفع السيف عنه وغير ذلك من خصال الكمال، فأما شجاعته العظيمة، فأقرَّ له بها الموالف والمخالف، وأقام عليه الناس القراءة في المساجد ثلاثة أيام –سيما- بمسجد الهادي -عليه السلام- وأنشدت فيه المراثي، وعقرت عليه العقائر الكثيرة في الجوف، وفي صعدة، ودفن في الزاهر، وعمل عليه هناك تابوت صنع في صعدة، وأرسل به [إلى ثَمَّ]، وكانت مدة عمره قدر سبعين سنة فما حولها، و ملك البلاد قدر نيف وأربعين سنة، وخلف أولاداً نجباء أهل شجاعة، فولي منهم بعده وقبل موته الأمير شمس الدين: أحمد بن محمد، وكنيته المتوكل على الله [تعالى]، فمات أبوه، وقد تقوت شوكته، وانتشرت في البلاد كلمته وهيبته ورعيته، ومال الأشراف بنو حمزة في الأغلب ميلته.

وأما تدريج نسب محمد بن الحسين إلى المنصور بالله –عليه السلام-، فهو: محمد بن الحسين بن علي بن قاسم بن الهادي بن عز الدين محمد بن شمس الدين أحمد بن الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان، ونسبه من سليمان إلى علي بن أبي طالب، وإلى رسول الله ً ظاهر، وقد تقدم في ترجمة المنصور بالله عليه السلام، وذكر من له النسل من أولاده، والمقصود أن الذرية في عصرنا أشهرهم في أولاد شمس الدين، ومن أولاد قاسم بن المنصور آل أبي سلطان بلادهم خيوان، وقد نقل إلى صعدة بعضهم، وهم أولاد حي صلاح بن عز الدين، فأكثر أولاد شمس الدين بن المنصور من نسل ولده عز الدين محمد، وبعدهم في الكثرة أولاد موسى بن شمس الدين، وهم يسكنون بصعدة، والحسينيات، ومنهم من يسكن في البدو، وأكثر ذرية موسى بن شمس الدين في عصرنا من نسل المهدي بن محمد، وأكبر أولاده: علي بن المهدي، وبعدهم أولاد قاسم بن شمس الدين، وهم أولاد ناصر بن صالح وأخيه علي بن صالح؛ لأنه وقف أمواله في دماج على أولاده وأولادهم، و ما تقسم أبضاعها في عصرنا إلا هؤلاء المذكورين، ثم جاء لعز الدين، وهو محمد بن شمس الدين أولاد نجباء كملاء، وهم:
المهدي بن عز الدين، وأحمد بن عز الدين، والهادي بن عز الدين، فأولاد المهدي بن عز الدين في عصرنا في ذرية ثلاثة من أولاده، وهم:
محمد، وذريته أولاد الهادي بن صلاح.
والثاني: الحسن، وذريته آل سند، وعبد الله بن المهدي.
والثالث: صلاح، وذريته السيد أحمد بن داود وأولاده.

وأما أولاد أحمد بن عز الدين بن محمد، فهم: آل سهيل بن يحيى، يسكنون المسعودة من أعمال صعدة، وآل الخَّباط يسكنون الزاهر من الجوف.
وأما أولاد الهادي بن عز الدين: فهم الجم الغفير في الجوف، وفي صعدة ونواحيها؛ لأن النسل من عياله في سبعة أو ثمانية، وتدريج نسبهم إليه مشهور، فالمملكة في أيدي أولاده آل علي بن قاسم بن الهادي بن عز الدين، وكان الهادي هذا مالكاً لصعدة وغيرها، ويسكن العراقية، واشتهرت نسبة العراقية إليه.
واعلم أن هذا الشريف له في العترة محل رفيع منيف، وكثرة أوصافه وحميد سعيه يستوعب مصنفاً كبيراً غير لطيف، لكني أحببت أن آتي من سيرته هنا بنبذة مختصرة؛ رعاية لحق من عدل في رعيته من العترة الكرام، وحذا حذو الأئمةالكرام، في الإقدام والإحجام، واقتفى مذهب جدهم – عليه الصلاة والسلام –، فاعتمدت على رسالة وجهها [إليه] بعض علماء صعدة الأعلام، وهو الفقيه العلامة، المدره الصمصامة: مطهر بن أحمد بن تريك، وكان من نحارير عصره، وقرأ على الإمامين، العلمين، الأفضلين: يحيى بن حمزة، ومحمد بن المطهر، وظهرت علومه في عصرهما، افتتحها الفقيه بقوله:

[رسالة ابن تريك إلى أمير صعدة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المتعالي عن الأضداد والأنداد، المنَّزه عن ظلم العباد، المبّرأ عن الصاحبة والأولاد، الحكيم فيما قضاه، والعدل فيما أراد، لا إله إلا هو الكريم الجواد، والصلاة على خير الرسل وخير العباد محمد وعلى آله الأكرمين الأمجاد.
وبعد..
فإن الله يشد أعضاد الدين، ويشيدُّ أركانه، ويرفع ذكره، ويعلي مكانه، [ويضاعف أنصاره، ويكثر أعوانه، ويسني قدره العالي]، ويسمي بنيانه بتشيد أعضاد الملك الجواد، سامي المحل، رفيع العماد، شحاك الملحدين، ونصرة الموحدين، جمال الدنيا والدين: الهادي بن محمد بن أمير المؤمنين، ذي الهمم السامية، والعناصر الشريفة الزاكية، والله تعالى يسني له المقاصد، ويلهمه المراشد، ويهديه إلى العمل بطاعته، والمحافظة على مرضاته، ويعينه على القيام بشكره، والامتثال لنهيه وأمره، بحق [جده محمد] المختار، وعترته الطاهرين الأخيار.
نعم: لما لمحت من لمحات ناظره، وفهمت من خطرات خاطره، أنه يحب سلوك طريق النجاة، وتجنب مداحض الخطر والهلكات، وإنه لا يبتغي إلا رضاء ربه في السكون والحركات،أحببت أن أذكرَّ خاطره الكريم، بما إذا أحاط به علماً، واحتوى نظره الثاقب عليه فهماً، كان محركاً لدواعيه إلى ما يكون به سبب النجاة والسلامة من كل مهواة –إن شاء الله [تعالى] –؛ ليعلم مَّد الله مدته: أن أول ما ينبغي أن يختار له وزيراً صالحاً، فقد قال النبي ً: ((من ولي شيئاً من أمور الناس فأراد الله به خيراً جعل له وزيراً صالحاً، فإن نسي ذكَّره، وإن ذكر أعانه)).

وقالً: ((المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل )).
ثم ليختر بعد ذلك جلساء صالحين يعتمدون مجالسته، فقد قال النبي ً: ((مثل الجليس الصالح مثل الداري، إن لم يحبك من طيبه وإلا علقك من ريحه)) فإذا اعتمد على ذلك -أدام الله عزه- لم يصدر منه رأي إلا على وفق الصواب، ولا ينفذ له أمر إلا بعد أن تثقفه الألباب، وإن لم يتيسر له جليس صالح على ما في نفسه لم تفته مجالسة كتاب، قال أبو الطيب:
أعزُّ مكان في الدنى ظهر سابحٍ.... وخير جليس في الزمان كتاب

لا سيما كتب أخبار الأخيار والآثار؛ فإنها جامعة لجميع الأوطار، ناصحة للناظر فيها من الإعلان والإسرار، مهذبة له في أموره من الإيراد والإصدار، ثم ليولِ بعد ذلك الولاة الأمناء المكناء، ثم ليستخدم أولي النجدة والبأس، من أجواد الناس، وليطرح من ليس من الأكياس، ثم لينظر [بهم] في الكفاية لهم، والحاصل من المال والمصروف منه، حتى يحمله ذلك على تخفيف ما زاد على الرعية، وحفظ ما لابد منه، فلا يجد تفاوتاً بين حالتي الجور والعدل إلا بقدر الذي يصرف في غير وجهه، وهو مالا يخل بالدولة تركه ويضر الرعية فعله فإذا عمل على ضبط ما يتحصل من المال وما يصرف منه، وجعل على كل شيء ناظراً، وحافظاً، وصادقاً، كان الأمر أقرب إلى الانتظام، ثم ليكن قبض المال وصرفه على وجه يسوغه الشرع، ويجيزه و على وفق خواطر العقلاء حتى لا يستنكره من له عقل سليم ونظر مستقيم، فلا يكون أخذه على وجه الفرق التي لا استناد لها، بل على طريقة مرضية وسيرة سوية، وإذا التبس كيفية الطريق إلى ما يكون مسوغاً شرعاً راجع في ذلك أهل العلم وذاكرهم من جهته، وما يرآه جائزاً شرعاً وحسناً عقلاً، بحيث لا يشوش خواطر الرعية أخذه وقبضه، ويكون تناوله منهم على وجه اللطف لا العنف والتجبر، بل الرفق ولين الجانب، وطلاقة الوجه، فإن الأمر إذا كان على هذه الصفة خفت فيه مؤنه على الرعية، وسهل عليهم بذله، وتبادروا على إعطائه، وتنافسوا في أدائهَ -إن شاء الله تعالى-.

وليعلم -مدَّ الله ظله-: أنه إذا سلك بالناس هذه الطريقة الحسنة، وسار بهم السيرة المستحسنة، أطاعه الخاص والعام، وكان عندهم في محل الإمام، وخدموه خدمة إكرام وإعظام، وكمل أمره ودام، وكَبَتَ بذلك الأشرار والأعداء، وخاف منه كل من عليه في قلبه داء، وتمَّنى الكل أن يكون له الفداء، وذلك أن الناس إلى الملك العادل أحوج منهم إلى طعامهم وشرابهم ويقظتهم ومنامهم، لما فيه من المصالح العظام، وتملكه للخلق من الانتظام، أنه ينصر المظلوم، ويكفُّ الظالم، ويؤِّمنُ الخائف، ويفكُّ العاني، ويمنع الخلق فيما بينهم من التظالم، وينفي عنهم المآثم، ويعيش في ظله القوي والضعيف والوضيع والشريف إلى غير ذلك من المصالح.

قال النبي ً: ((السلطان العادل ظل الله في أرضه ))،ولعمري أن المتطرق لهذه الطرائق لخليق بهذه الخلائق، فيكون الناس كلهم أعوانه على من ناواه، وأنصاره على من طلبه وخاطاه من غير أن يفتقر إلى طلب خدم وأعوان وعبيد وغلمان، يشهد بذلك العيان،ويعترف به القلب واللسان، ولا يجحده إنس ولا جان، وتحقيقه في سيرة كسرى أنو شروان، ويؤيده قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ }[النحل:90]، ولا يدخل في خاطره أن السيرة المرضية التي يقضي بها العقل والشرع، وتوافق الغريزة والطبع ممتنعة متعذرة بل هي ممكنة متيسرة؛ لأن الله تعالى لا يكلف الملوك إلا ما كان داخلاً في وسعهم؛ قال الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا }[البقرة: 286]، لأنه [تعالى] إذا أمكنهم من البلاد والعباد، وأنفذ أمرهم في الإصدار والإيراد، وجعلهم يقودون الخلق بزمام الطاعة، ويحملونهم على السمع والطاعة، أراد منهم أن ينظروا في عباده وبلاده بما يرضاه، وقد قال تعالى: {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ}[الزمر:7]، وقال تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ }[غافر:31]، وإذا ثبت أنه إذا أمكنهم من الملك إلا ليفعلوا بما هو صلاح الخلق، دلَّ على أنهم قادرون على السيرة التي فيها استقامة أمر الناس، وصلاحهم على قدر وسعهم وطاقتهم، وأنه أمر متيسِّر غير متعسِّر، وأن ثوابهم أكثر وأغزر من ثواب من لم يكلف ذلك لما انطوى تكليفهم عليه من الفوائد والمصالح، وممَّا يَدلُّ على ذلك قوله ً ((الخلق

عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله ))، ولا شكَّ أن الملك العادل للخلق أكثر من منافعهم فيما بينهم، فيكون على ذلك أحب إلى الله من رعيته لأجل نفعه لهم، وذلك إذا فعل ما يفعله منهم لله تعالى وللدار الآخرة وامتثالاً لما أراد الله منه نال عند الله درجة عظيمة، لا يبلغها إلاَّ من ملَّكه الله مثل ما ملَّكه، وعمل مثل ما عمله، وإنما قلنا: إنه إنما ينال هذه المنزلة عند الله إلاَّ بالنية الصالحة، فلقوله ً: ((الأعمال بالنيات ))، ولعمري أن من قصده الله سبحانه بأفعاله ولو قلت طاعته أفلح وأنجح، كيف [إلا] من مكنَّه الله من الملك، وعمل فيه بما أراده الله منه فإنه أكثر فلاحاً ونجاحاً، وسداداً وصلاحاً، وإياك من قائل يقول لك: إنك إذا سرت في الناس السيرة الحسنة، وسلكت بهم الطريق المستحسنة عتوا وتجبَّروا، وخالفوا وتكبَّروا وامتنعوا من أداء الحقوق الواجبة، وسارعوا إلى الشقاق والنزاع، فاحذره فإنه إنما يريد بذلك حطام الدنيا، ولا يراقب الملك الأعلى، وهمته في هم المال، واكتسابه من طرق الحرام لا الحلال، وهو يظهر نصحك، وهو في الحقيقة غاش لك ولنفسه، فالحذار [الحذار] من أن تصغي إليه سمعاً، أو تجعل كلامه مجناً [لك] أو درعاً فإن الأمر بخلاف ما قال، فلا يكون ذلك إلا إذا كان الملك عاجزاً عن ردع الجهال، وقمع أرباب الضلال، وأما إذا كان كالمقام العالي ثابت الجنان، كثير الأعوان، مطاع السلطان، محتني السيف والسنان، قوي الأركان، في كل عنق منه طوق إحسان، فإنه لا يخالف في شأن، وإن خالفه مخالف قام عليه الثقلان، وألحق به الذل والهوان.

فليعمل المقام العالي -أدام الله عزَّه- على سلوك هذه الطريقة؛ فإنها تكون سبباً لنجاته –إن شاء الله تعالى- على الحقيقة، وليجعل ذلك على سبيل التدريج ليكون أقرب إلى مساعدة النفس إلى ذلك وأسهل على الخاطر؛ لأن الأشياء إذا أخذت على سبيل التدريج من رتبة إلى رتبة وحالة إلى حالة قليلاً قليلاً طاوعت النفس وساعدت وانقادت، وإذا كلفت النفس طرح ما تألفه [مرة واحدة] جمحت ونفرت، ولم تساعد إلى ما طلب منها، وشَّق ذلك عليها، وكان [ذلك] سبباً إلى عدم الطاعة والإذعان منها.

قال النبي ً: ((إن هذا [الدين] متين، فأوغل فيه برفق فإن المنبّت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى))،وقال ً: ((يسروا ولا تعسروا، وقاربوا، وسددوا))، ألا ترى أن من اعتاد كثرة الأكل عسر عليه تركه دفعة واحدة، وشق ذلك عليه المشقة العظيمة، فلو ترك من الغداء لقمة يسيرة ثم من العشاء كذلك واعتاد ذلك، وتدرج إلى أكل القليل قليلاً قليلاً سهل ذلك عليه، وقنعت نفسه، وهذا واضح لا يحتاج إلى دليل، وليجتهد بعد ذلك -أمتَّع الله بحياته المسلمين- في القيام بما كلَّفه الله [تعالى] مما يخصَّه في نفسه، فإنه إذا اجتمع له الأمران حصل له أجران، وكان معظماً في كل مكان، ممدوحاً في كل أوان؛ لأن من أحبَّه الله أحبَّه كل الناس، وانتشر عليه كل قلم ولسان، فقد روي عنه ً أنه قال: ((إذا أحبَّ الله عبداً جعل محبته في الماء، فمن شرب منه أحبه))، فهذا ما أردت مذاكرته به [عليه] على طريق الإجمال، ولولا كثرة الاشتغال لأوسعت المجال في ضرب الأمثال، والاحتجاج على صحة ما أوردته والاستدلال، ولكنه ً قال : ((ما قلَّ وكفى خير مما كثر وألهى ))، والمقام أيده الله [تعالى] ممن لا تقرع له العصا، ولا ينبه بطرق الحصى، وهو ممن ذكره أعرف وأدرى، وقدره الشامخ أرفع وأعلى، ألهمه الله [تعالى] وإيانا موجبات الهدى، وجنَّبه وإيانا مداحض الزلل والردى، وسلك بالجميع مسالك الرضى، بحق محمد المصطفى، وعترته الأصفياء، إنه سميع الدعاء، جزيل العطاء، قادر على ما يشاء؛ وهذه أبيات نظمتها ليتأملها المقام العالي بنظره الثاقب، وفكره الصائب، تحتوي على مضمون ما تقدم، وهي:

مديحك أحلى ما رواه لسانُ.... وذكرك أولى ما حواه جنانُ
لأنك ملك فيك حلم ورأفة.... وسوحك للعافي منى وأمانُ
وعدلك منشور اللواء على الورى.... ومن ذا الذي تحت اللواء يهانُ
وأخلاقك الغر الحسان لأنها.... رياض وأنهار فهنَّ جِنَانُ
وجودك منهَّل لكل مؤمِّل.... فليس بخالٍ من نداك مكانُ
وعرضك موفور مصون معظَّمٌ.... ومالك للوفَّاد ليس يصانُ
وأنت لدى الحرب العوان غضنفر.... شجاع ومن خوف الملام جبانُ
جمال الهدى سمعاً لنصحي فإنه.... يدل عليه سنة وقرانُ
عليك بفعل الصالحات وكسبها.... فمن يفعل الخيرات فهو معانُ
وسر سيرة المنصور جدك إنها.... لملكك في الدنيا حمىً وضمان
وتظفر في العقبى بملك مؤبد.... وجنات خلد حورهنَّ حسانُ
فإنك في الأشراف درة تاجهم.... ومن عقدهم وسطاه وهو جُمانُ
ونبراسهم في المعضلات إذا دجت.... وإن نابهم خطب فأنت سنانُ
فعيش الفتى ظل يزول وعمره.... قصير وإن عوفي وطال زمانُ
وحالاته شتى عليه فتارة.... علو ووقتاً ذلة وهوانُ
ويوماً له ضوء الشهاب ونوره.... وحينا وقد غطى عليه دخانُ
وغاياته شيخوخةٌ وزمانةٌ.... وموتٌ وقبرٌ ثم بعد يدانُ
فيا مالك الأشراف يا ابن محمد.... بداراً لما تنوي فأنت معانُ
فمثلك من أحيا شريعة جده.... وقامت صلاة واستقام أذانُ
ودارت رحى الإسلام بعد سكونها.... وصالت به كف له وسنانُ
ألم تر يا نجل الإمام عمارة.... بصعدة لما بان منك أمانُ
وخففت بعضاً من رعاياك أصبحوا.... وهم لك أصحاب عليك ضنانُ

فكيف إذا أسبلت سربال رأفة.... عليها عنت بصرى لها وعمانُ
وأضحت قصوراً شامخات وحولها.... بساتينها يلهو بها الورسانُ
وأصبح من والاك فهو معظم.... عزيز ومن عاداك فهو مهانُ
فيا ابن رسول الله وابن وصيه.... ومن قدره من دونه السَّرطانُ
سماعاً لنصحي إنه نصح وامق.... وقول صحيح واضح وبيانُ
بقيت لأهل الدين كهفاً وملجأً.... يخافك في أوطانه الحدثانُ
ولا زال للإسلام ظلك دائماً.... وجودك فيه للعفاف خوانُ
تمت الرسالة، قال مصُّنفها: إنها أنشئت في جمادى الأولى من سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة [سنة].

[خاتمة شرح أبيات البسامة]
فصل: ولنختم هذا الشرح بإيراد أبيات المنظومة بقلم أحمر إلى آخرها، ثم تفسير ما ينبغي تفسيره.
قال السيد صارم الدين [رحمه الله تعالى] :
فهاك ما قلتُ في داعٍ ومقتصدٍ.... ساعِ إلى طاعة الرحمن منشمرِ
قد باينوا كل ذي لهوٍ وذي لعبٍ.... بالفسق مشتهر للخمر معتصرِ
يدبر الأمر من مصر إلى عدن.... إلى العراقين بين الدن والوترِ
إذا تهجَّد بالأسحار سادتنا.... بمنزل فيه إلهابُ لمزدجرِ
غنَّاهم المطرب الشادي بنغمته :.... يا أشبه الناس كل الناس بالقمرِ
طالوا علينا بدنياهم وخالقهم.... عطاؤه لم يكن فيها بمحتظرِ
فقل لمن شرعة الإسلام شرعته.... أي الفريقين قل لي عنه أنت بري
أجر النبي على إرشاد أمته.... حبُّ القرابة فاغنم أفضل الأجرِ
وكن بعروة أهل البيت ملتزماً.... فالذكر والآل منجاة لمدَّكرِ
ولا يصدك عنهم قول منحرف.... فالناس أميل نحو العاجل الحضرِ
أعلى الوسيلة دار للمحبَّ لهم.... ودار قاليهم المخذول في سقرِ
صلى الإله عليهم كلما طلعت.... شمس وما حفَّت الهالاتُ بالقمرِ
كملت أبيات المنظومة.
قوله:
فهاك ما قلت في داعٍ ومقتصدٍ
الداعي: مثل زيد بن علي وولده، والنفس الزكية، وأخيه إبراهيم، والقاسم، والهادي، والناصر، والمؤيد، وأخيه، وأحمد بن سليمان، والمنصور بالله وأضرابهم.
والمقتصد: مثل أحمد بن عيسى بن زيد، [والكوكبي]، ويحيى بن عمر وأشباههم ممن ذكره الإمام المهدي في (البحر)، وقد ذكرهم غيره.
قوله: إذا تهجد بالأسحار سادتنا، والبيت الذي بعده هو مثل قول أبي فراس يعير بني العباس:
إذا تلوا آية غنى إمامكم.... قف بالطلول التي لم يعفها القدم

وصدر قوله:
يا أشبه الناس كل الناس بالقمر
هو:
كم قد ذكرتك لو أجزى بذكرهم
وقوله: وخالقهم عطاؤه لم يكن فيها،-يعني الدنيا- بمحتظر، فيه إشارة إلى الآية الكريمة:{وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا } [الإسراء:20] يعني: أن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب، وقوله: أي الفريقين قل لي أنت عنه بري، يشبه قول بعضهم [هو الإمام الشافعي -رضي الله عنه-].
إذا كان في الإسلام سبعون فرقة.... ونيف على ما جاء في سالف النقلِ
ولم ينجُ منهم في اللقاء غير فرقة.... فماذا ترى ياذا الرجاحة والعقلِ
أفي الفرق الهلاك آل محمد.... أم الفرقة اللاتي نجت منهم قل لي
[إذا كان مولى القوم منهم فإنني.... رضيت بهم لا زال في ظلهم ظلي]
[فخل علياً لي إماماً ذخرته.... وأنت من الباقين في أوسع الحل]
فإن قلت في الناجين فالقول واحد.... وإن قلت في الهلاك حفت عن العدل
والأربعة الأبيات الباقية تفسيرها ظاهرة.

[ترجمة السيد صارم الدين صاحب البسامة]
ونلحق بهذه الجملة ذكر مصنف هذه المنظومة، ونسبه، وذكر شيء من مصنفاته، وشعره؛ لأنه قال: وذا زمانك فانظر في حوادثه، وهو من أعيان أهل زماننا، وقد جرت عليه من الحوادث السارة والضارة التي عرفناها وشاهدناها ما فيه معتبر.
أما نسبه: فهو السيد صارم الدين: إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن محمد وهو العفيف، وكان العفيف هذا من أعيان العترة، وهو ممن بايع المنصور بالله، وناصره، وقد أشرت إلى ذلك، ورثاه المنصور بالله على ما تقدم، وهؤلاء السادة -أعني الناظم- وآباؤه أهل علم غزير، ومصنفات، ودواوين أشعار مشهورة، ومراتب عند رؤساء العترة [عالية] ؛ والذي حضرني من شعر السيد إبراهيم الفكيهة قصيدة قالها تشوقاً إلى صنعاء من صعدة -لأنها وقعت بينه وبين الناصر وحشة- وهو صاحبها، فمثل الذي هم أشجنوا منه ووصلوا صعدة، فقال شعراً حمينياً وهو:
سل حادي الأضعان
والأهل والجيرانْ
وناشد الركبانْ
ليت النوى ما كانْ
قلبي بهم مشتغلْ
وأنا عليهم وجلْ
يا مرسلي عن حال صنعاء اليمنْ.... والمعهد الخالي بها والدمنْ
عمن رحل منهم وعن من ظعنْ.... ولا افتراق الشمل في ذا الزمنْ
وجمرته مشتعلْ
بالنوم لم أكتحلْ

والبرق من شجانْ
والوابل الهتانْ
إذا لمع هاج الشجى والشجنْ.... مدامعي قطره إذا ما هتنْ
[بيت]
[سعيت في الانتقال]
أحباب لي في آزالْ
لما منعت الحلالْ

وتركي أهلي والوطن والنسيبْ
فارقتهم والقلب مني كئيبْ
ولم يزد لي عيش فيها يطيبْ

( ( (

واغرى بنا السلطانْ
واقسم لهم أيمانْ
أهل العداوة والحسد والإحنْ.... لا زاد أحد منَّا بصنعاء سكنْ

( ( (

خرجت إلى صعده الشامْ
مسير تارك بلد سامْ
حيث الرعاية والاكرامْ
لمن بها الذل.قد سامْ

( ( (

خرجت والأعيانْ
وأنا وجل حيرانْ

منها المدامع جارية في الوجنْ.... حتى جمع شملي إلهي ومنْ

بوالدي والحبيبْ
وعند جزنا عجيبْ

لأريحي النجيبْ
لأمر شأنه عجيبْ

( ( (

أضافنا الاخوانْ
وعمنا الإحسانْ
وقابلونا بالفعال الحسنْ.... ممن له الإحسان نبت الحسنْ

[بيت]
وعز في صعدة
وكان له نجده
وما نسى جده

من ذل في صنعاء ولاقى الهوانْ
وزاد قدره في العلى والمكانْ
وفرقة الأحباب في ذا الزمانْ

( ( (

لكن جزى الأقران
وما ترك إمكان

جزى بلغ مكة وساحل عدنْ.... ياليت شعري من لخصمه غبنْ

( ( (

لكن يا من هواها
ليت النواظر تراها

عذب مؤمل لقاها
مثل القمر في سماها

( ( (

ما كدر السلوانْ
فأسأل المنَّانْ

إلا فراقك فأنت روح البدنْ.... يجمع بكم شملي ويولي المننْ

[بيت]
ياليت ثوبي جناحْ
وما عليَّ جُنَاحْ
ذات التقى والصلاحْ

حتى أحوم فوق تلك الدورْ
إذا فقدت الست شمس الحورْ
من فضلها بين الورى مشهورْ
( ( (

هي درة النسوانْ
فحاطها الرحمنْ

وبهجة العادات في ذا الزمنْ
ربي من الأسوى وكل المحنْ

( ( (

شوقي إليها كثيرْ
كدنا إليها نطير

والبعد شأنه عسيرْ
فالله تعالى يخير

قم يا علي ريحانْ
وردد الألحانْ

أنشد فلي خاطر تشوق وحنْ.... وكن طُفَيِليٌ يا علي مؤتمنْ

انتهى.
ويتلوها قصيدته التي عَّول فيها على الخليفة محمد بن الناصر في تولي شرح منظومته هذه، وقد ذكرت أنا معنى هذا الكلام في خطبة شرحي هذا، وأوردت جوابي عليه هنالك فخذه من ثمَّ موفقاً [إنشاء الله تعالى]، قال السيد صارم الدين:
أيا ابن الخلائف من هاشم

وأولاهم بالفعال الحسنْ

ومن هو في علمه سابق
وقورٌ حليمٌ كريمٌ عظيمٌ
إذا الطيش حل الحياء لم يطش
وإن عجل الناس في حادث
عليك التحيات من عند من
تخصَّك ما هبَّ ريح الصِّبا
فأنت عميد بني أحمد
تفي بالعهود وتعطي الوفود
ويشكرك الوفد بعد الإياب
وتخشى العقوق وترعى الحقوق
وتحمي الثغور بطعن الثغور
وتضرب هامات أعدائها
إليك الشكى من زمان عدا
توالت خطوب علينا به
كفقدان أحبابنا الهالكين
وسيدة قد مضت قبله

وأرجح في علمه من حضنْ
عطاياه واسعة والمننْ
وأظهر من حلمه ما بطنْ
توقر في أمره وامتحنْ
غدوت على خلقه مؤتمنْ
وغنَّت مطوقة في فننْ
وحامي ممالكهم في اليمنْ
خيولاً مسومة في الرسنْ
وحال إقامتهم في الوطنْ
وتفعل مفروضها والسننْ
وكل مغار بعيد يشنْ
كضرب العرائب دون العطنْ
علينا وساق إلينا المحنْ
تحرَّك من وجدنا ما سكنْ
كوالدنا السيد المؤتمنْ
ووالدة أرضعت باللبنْ

وسيدة قد مضت قبلها.... وكانت لعمرك نعم السكنْ
وست الخلائف بنت الإمام.... وبهجة غيد نساء الزمنْ
وأشرف ثاوية في الثرى.... وأكرم مدرجة في الكفنْ
أصبنا بها بعد من قد مضى.... فذا شجن حل فوق الشجنْ
فضاقت أزال بنا بعدهم.... فما اتسعت عرصات الدمنْ
فزال عن القلب معلومه.... وما كان يدري بعلم وظنْ
وقد كنت أنشأت منظومة.... مضمنة حادثات الزمنْ
بلفظ وجيز كنشر الكِنى.... إذا فاح من بعد ما قد كمنْ
وحاولت شرحاً لها مشبهاً.... يبين من رمزها ما بطنْ
فحالت عوائق واستحكمت.... وبدل من قوتي ما وهنْ
وما في الزمان لها شارح.... سوى من تضلع من كل فنْ
ومن عنده علم آبائه.... وعلم وقائعهم والفتنْ
وعلم الأوائل من قبلهم.... كجيش أمدَّ به ذو يزنْ
وذلك عز الهدى المنتقى.... ومن فاق في العلم أهل الفطنْ
فإن تُحظ منه بشرح لها.... فذلك فضل علينا ومنْ
وذاك إلى ربه قربة.... تكون لما يتقى كالمجنْ
لنشر فضائل آل الرسول.... وكبت معاديهم ذي الإحنْ
إذا الناصبي وعاه بكى.... وخرَّ على وجهه والذقنْ
وصلى الإله على جدهم.... مدى الدهر ما بازل العيس حنْ
وكتبت إليه وقد بقي من الشرح هذا أماكن لخمسة أئمة ذكرهم في منظومته، ولم يكن في صعدة فيما علمت شيئاً من سيرهم على التفصيل، وهم: الإمام المتوكل على الله المطهر بن يحيى، وولده محمد بن المطهر، والإمام علي بن محمد، وولده صلاح، وولد ولده علي بن صلاح، فجَّوب عليَّ السيد بكتاب يعتذر بالخوف ممن ملك صنعاء، أعني عامر بن عبد الوهاب.
فكان جوابه رمزاً وإشارات منها قوله:
يا أيها السائل عن حالنا.... أحوالنا ما قالت الضفدعُ
والشمس لا تطلع من مغرب.... إلا إذا كان بها يوشعُ

والجواب الثاني وصلني في السنة التي مات فيها -رحمه الله تعالى-، قصيدة كاملة استرجحت إيرادها هاهنا؛ لحسنها وفصاحتها، وهي:
يا أيها الغادي على عيرانه.... وجْنا تُسهل في الصعيد وتصعدُ
سرح اليدين إذا النواضح حولها.... جلات وحربا الظهيرة أصيدُ
تغدو كغدو السيد في زاد الضحى.... فكأنها سيف يسل ويغمدُ
بَّلغ إلى الندب الزحيف تحية.... منَّا ومن يحويه ذاك المسجدُ
وإلى إمام قد ثوى في تربة.... ما مثله في الفاطمية يوجدُ
يحيى الذي أحيى به رب العلى.... ميت الهدى وبه الضلالة تَخمُدُ
وعلى أفاضل عنده في مشهد.... لابن الحسين له الملائك تشهدُ
وقل المسائل من محمد قد أتت.... تلقي دقائقها عليَّ وتوردُ
وتتابعت كتب لأجل جوابها.... وأنا الجهول وليس مثلي يرشدُ
والعذر مني في التراخي بَّين.... ومبين ما ظاهر لا يحمدُ
وإذا أردت لوجهها كشفاً فقل:.... إني سأرسلها إليك وأسردُ
حتى أجوبها على ضعف القوى.... وتحَّولَ الحال الذي هو يعهدُ
وعوارض عرضت لنا وتحول.... وتقلقل وتزول وتبددُ
أصبحَت تذكرنا بما قد قاله.... من قبلنا في الشعر من هو منشدُ
أودعته للاعتبار قصيدتي.... لما رأيت لها القوافي تسعدُ
لا للتأسي بالذين ذكرتهم.... فسواهم أولى بذاك وأنجدُ
لا يستوي حال المحق ومبطل.... وموفق يبغي الصلاح ومفسدُ
وخصصت منها ما ألم بأرضنا.... وحكى قضاياه سهام وسرددُ
من عصر حي علي بن محمد.... من دان أحمرهم له والأسودُ
ملك الممالك وانقضت أيامه.... وتلاه في دست الإمامة أحمدُ
وتلاهما سبابن أحمد واقتفى.... ما يصنعان وذو السيادة أسعدُ

وتملكوا سهل البلاد وحزنها.... وغدوا بألوية عليهم تعقدُ
وبنو عبيد بالنوال تمدهم.... وهم دعاه للمعز وأعبدُ
والمال لو أعطي أراذل معشر.... لتمجَّسوا وتنصَّروا وتهَّودوا
ومضى لآل زياد عصر قبلهم.... ولهم موالٍ للأمور تُقَلَّدُ
وكذا بنو أيوب لما مُلّكوا.... مصراً أغاروا في البلاد وأنجدوا
وتملَّكوا اَلْيَمنَيْنِ واستولوا على.... ما في زبيد وما حواه السيدُ
وبنو رسول بعدهم قد مُتّعوا.... وبنوا قصوراً في البلاد وشيَّدوا
ثم انقضت تلك السنون وأهلها.... فكأنهم في ظلها ما خُلّدوا
فاسمع لذلك يا ابن فند واعتبر.... بالكائنات ولا عليّ تفنَّدُ
وأضف إلى العمر الذي أوتيته.... عمراً من العمر الذي لك أزيدُ
وصل المزيد بحبل ما بينته.... في شرح ما هو مطلق ومقيدُ
في متن شرحك ذلك الشرح الذي.... شرح الصدور وأنت فيه مّجودُ
وإذا بدا لك في الفريدة هفوة.... فاستر عليّ ولا عليّ تنددُ
فأنا المقَّصر في القريض ونظمه.... لو أن قولي لؤلؤ وزبرجدُ
واصبر على غصص الزمان كصبرنا.... وكصبر من غلبت عليه عرَّدُ
فلكل عصر لا تزال حوادث.... تظمي النفوس يشيب منها الأمردُ
وإذا نسبت إلى التَّزيد لم تقل.... في العصر ذا يتشفع المتزيدُ
ومتى جمعت تديناً وتعففاً.... ما ضر مثلك ما يقول الحسَّدُ
واثبت على قدم التشيع واطَّرح.... قولاً لنشوان خبيثاً يُنشِدُ
[إيهاً قريش فكل حي ميت.... أظننتم أن النبوة سرمدُ]
[منكم نبي قد مضى لسبيله.... وقضى فهل منكم نبي يعبدُ]
وبقيت في نعم لديك مقيمة.... مهما سرى برق وغرَّد هدهدُ
قوله: وخصصت منها ما ألم بأرضنا.. وجدت فوقه بخط السيد صارم الدين أعني ديار اليمن.

وقوله:من عصر علي بن محمد: هو الصليحي الثائر من جبل مسار من أرض حراز، فإنه ملك اليمن بأسره في مدة قليلة من قيامه، فملك من عدن يمناً إلى عقبة عسفان شاماً، مدن هذه البلاد وحصونها وسهلها وجبلها، وخلَّفه ولده أحمد المكرم، ثم عدة من الصليحيين.
وقوله: وبنو عبيد بالنوال تمدهم: يعني ملوك مصر والمغارب، فإن خروجهم كان من بلاد الأندلس، فملكوا تلك البلاد، ثم اتصلت مملكتهم إلى أن ملكوا أكثر الشام والعراق وجميع اليمن، وهم يدعون أنهم أشراف من ولد الحسين بن علي -عليه السلام-، تملك منهم أربعة عشر خليفة حتى أزالهم الترك، وبنو أيوب: أولهم الملك الملقب صلاح الدين واسمه: يوسف بن أيوب، فلما أزالوهم خرجوا على اليمن، فملكهم سيف الإسلام وغيره، وقد ملك البلاد اليمنية غير الصليحيين آل زياد، وهم ينسبون إلى عبيد الله بن زياد قاتل الحسين [بن علي] -عليه السلام-، ولاهم البلاد المأمون في عصره فتمكَّن منهم من تمكَّن.
ومن عبيدهم سعيد بن نجاح، وكان الصليحي قد قتل أباه، وأخذ عليه زبيداً، فقتله سعيد المذكور في قصة طويلة.
وقوله: وبنو رسول بعدهم: أي بعد بني أيوب، واسم رسول هذا: محمد بن هارون، وإنما سمي رسولاً؛ لأنه كان يخدم بني أيوب، ويمضي في حوائجهم كما ذكرت لك في ترجمة الإمام صلاح بن علي.
وقوله:
فاصبر على غصص الزمان كصبرنا.... وكصبر من غلبت عليه عرد
يشير إلى قول قاضيها، وهي قرية من أعمال ذمار:
صبراً على عرد مادمت ساكنها.... صبر الجياد على طول المغاراتِ
قوم إذا حضروا للشرع ما قبلوا.... إلا يميني مع تطليق زوجاتِ

هكذا فسره السيد صارم الدين، ولنرجع إلى ذكر موته، وذكر عياله.
أما موته: فإنه توفي في شهر جمادى الأولى من سنة أربع عشرة وتسعمائة، وأظنه بلغ من العمر قدر الثمانين، وقبر حول صنعاء، وتوفي ولده أحمد بعده بمدة يسيرة في بلاد بني طاهر؛ لأنه كان هناك هو وصنوه الهادي وأما أخوهما محمد بن إبراهيم، فتوفي قبل أبيه، أصابته حجر من حجار المنجنيق الذي نصبه عامر بن عبد الوهاب على صنعاء، أصابه ذلك الحجر وهو معرض في بعض شوارع صنعاء، واعلم أن هذا السيد أعني مولانا إبراهيم [بن محمد] تجرَّع في آخر عمره غصصاً [كثيرة]، بقدر ما قد رأى في نفسه وأهليه من النعم الغزيرة الجليلة الخطيرة أعواماً كثيرة حضيرة، فسبحان من له في هذا صنع وتدبير، يعجز عنه الصغير والكبير، ولما كان السيد المذكور من العلماء المبرزين، ومن المؤرخين المجودين المحسنين، أحببت أن أذكر هنا ما رثَّى به ابن الخشاب النحوي بعض علماء وقته؛ لأن أمره يحكي أمر ذلك المرثي، والشيء يذكر بذكر مشبهه، فلتكن هذه الأبيات ختم هذا الشرح المبارك -إن شاء الله تعالى- وتبارك قال:
بيَّنت علمك تصنيفاً وتقريباً.... وعدت بعد لذيذ العيش مندوبا
مازلت تلهج بالتأريخ تكتبه.... حتى رأيناك في التأريخ مكتوبا
أعربت عن عرب نقَّبت عن نجب.... أضحت مناقبهم في الناس تنقيبا
حجبت عَّنا وما الدنيا بمظهرةٍ.... شخصاً وإن جلَّ إلا عاد محجوبا

وكان الفراغ من تحريره ليلة الأربعاء تاسع وعشرين من شهر محرم الحرام سنة ثلاثة وثلاثين وألف، برسم الفقيه الفاضل، الكامل، سليل الفقهاء النجباء، عماد الدين: يحيى بن صلاح الرتوة حبّبه الله لصالح الأعمال بحق محمد وآله خير آل، وكفاه نوائب الوقت والأهوال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

ذيل البسامة البسامة
تأليف السيد العلامة
داود بن الهادي بن أحمد المؤيدي
[990-1035]
هذا الملحق في البسامة لمولانا السيد المقام الأعظم، والطود الأشم، العلامة العلم الاعلم، صارم الدين، واسطة عقد الفاطميين: داود بن الهادي بن أحمد المؤيدي -لله دره-.
أوله بعد قوله :
وليس يعلم ما يأتي الزمان به.... سوى عليم قديم الذات مقتدرِ
لله درك من علامة عَلَم.... أزرى نظامك بالياقوت والدررِ
ذكرت فيه ملوك الأرض قاطبةً.... من بعد وعظ له التأثير في الحجرِ
ثم اخْتَتَمتَهْمُ بالمصطفى ولنا.... فيه اعتبار وتذكار لمعتبرِ
والصحب والآل طراً معْ مُناصِبهم.... أهل الشقاوة والعدوان والأشرِ
وقد أحطت بصيدالآل عن كمل.... إحاطة الكُمِّ بالأسنى من الثمرِ
وإنني ذاكر من قد علمتُ به.... من الأئمة إيقاضاً لمدَّكر
وليس قصدي في فعلي مناظرةً.... هيهات ليس يقاس الدر بالمدرِ
لكنني أرتجي الغفران جائزة.... من خالقي ودعاءً من أولي النظرِ
دعا الإمام الذي شاعت فضائله.... بين الخلائق من بدو ومن حضرِ
خليفة من بني الزهراء فاطمة.... بحر العلوم سديد الرأي والنظرِ
نعته في أرض صنعاء ملائكة.... حين الوفاة بمدح فيه مشتهرِ
كفى بذلك فخراً في الأنام له.... بِمثله ما روى الراوون في السيرِ
وهو الذي شرع الداعي بحي هلاَ.... إلى الطعام مع الآصال والبكرِ

[الإمام عز الدين بن الحسن]
هو: مولانا الإمام الهادي إلى الحق، أمير المؤمنين: عز الدين بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن المؤيد بن جبريل -صلوات الله عليهم- كل بكرة وأصيل، نشأ منشأ آبائه الجحاجحة الكرام، وقفا منهاج أسلافه الأئمة الأعلام، ولم يزل -علَيه السلامَ- مولعاً بطلب العلم حتى فاز منه بالأبكار والعون، واطلع على سره المكنون، فأتى بما يشرح الصدور ويقر العيون، ابتدأ طلب العلم في وطنه الميمون، ثم قصد صعدة، فقرأ فيها على مشايخ عدة، وأحسنهم ذكاء وحدة، وأكثرهم في العلوم عدة :القاضي العلامة النحرير، بحر العلم الغزير، جمال الملة والدين، عين عيون الشيعة الأمجدين: علي بن موسى الدوَّاري، أخذ عنه أكثر الفنون، وصنَّف فيها وما[قد] تَّم له من السنين عشرون، وله من المصنِّفات العجيبة الرائقة، والتأليفات الغريبة الفائقة، (شرح المعراج على المنهاج) في أصول الدين، وهو جزءان ضخمان، أكبَّ على قراءته وتحصيله أعيان الزمان، وقصده لسماعه عدة من أهل العلم من نواحي جهران، وذمار، وخبان، واتصل بالصفرا وينبع، وتلك البلدان، وله (شرح على البحر الزخار في فقه الأئمةالأطهار)، سلك فيه أسلوباً عجيباً، وطريقاً غريباً لو مدَّ الله له في العمر لجاء هذا الشرح من أبلغ كتب الزيدية، لكنه -عليه السلام- توفي وقد بلغ فيه إلى بعض كتاب الحج، ومصنِّفه إلى هذا القدر قدر مجلدين ضخمين، وله مصنَّف فائق فيما يتعلق بالإمامة سماه: (العناية التامة بتحقيق مسائل الإمامة)، وله في علم الطريقة وفن أهل الحقيقة مختصر يسمى: (كنز الرشاد و[زاد المعاد]) وله

مختصر أيضاً في علم النجوم والحساب مفيد لذوي الألباب، ومنظومة فيه فائقة بليغة رائقة، وله في الفتاوي كتاب مجلد ضخم، معتمد عليه عند ذوي الألباب وأهل المعرفة بعلوم السنة والكتاب، وله في الرسائل المشتملة على جم المسائل كتاب فيه من العلوم المفيدة، والأنظار السديدة، ما لا يحيط بوصفه المقال، ولا يبلغ إلى تصوره كنه الخيال، وجمع من الكتب حول ألف كتاب، منها ما هو بخط يده المباركة قدر نيف وثلاثين مجلداً بخطه المنمنم يزري بالدر المنظم، وله ديوان شعر بليغ من نظمه عليه السلام، ويكفيك أن التعرض لحصر صفاته، وبديع محاسن سماته، يستغرق الأوقات، ويحتاج إلى زبر مجلدات.
وليس يصح في الأذهان شيء.... إذا احتاج النهار إلى دليل

ومن كرمه الجم الذي يغطي على موجات اليم، أنه أسس صائحاً يصيح بالناس إلى الطعام المعد في كل وقت للخاص والعام.

وله من الأولاد ستة ذكور أكبرهم سناً وقدراً وأرفعهم في الأنام ذكراً، الناصر لدين الله أمير المؤمنين الحسن بن أمير المؤمنين، ثم السيد الأفضل طراز العترة الأهول: شرف الدين الحسين بن أمير المؤمنين، ثم السيد الأفضل العلامة، القدوة، المدرة الصمصامة: شمس الدين أحمد بن أمير المؤمنين، ثم السيد الأمجد، الأورع، الأعبد، الأزهد: صلاح الدين المهدي بن أمير المؤمنين، ثم السيد المقام، العلامة، في الآل الكرام، صلاح الملة والإسلام: صلاح بن الإمام، ثم السيد الصدر فخر الدين عبد الله بن أمير المؤمنين، وكانت وفاَته قدَّس الله روحه [ونوَّر ضريحه] يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رجب سنة تسعمائة، وقد ناهز في السن خمساً وخمسين سنة، منها مدة خلافته تسع عشرة سنة وعشرة أشهر إلا أياماً، وكان له من الكرامة الباهرة، والمنقبة الظاهرة أنه نعي عليه السلام بصنعاء في صوامعها الوقت الذي مات فيه بهجرة فللة، وسمع النعي حي الإمامين [الإمام] الوشلي، والإمام شرف الدين، والسيد المرتضى [بن] قاسم وغيرهم، ولفظ الناعي:
رحم [الله] الإمام المؤتمن المحيي لما مات من الفرائض والسنن: أبا الحسن عزالدين بن الحسن، وبلغت هذه الكرامة كل أحد، وخطب بها على المنابر ونوَّه بها الأئمة الأكابر، هذا ما أردت اختصاره من سيرته عليه السلام، ومن أراد يستقصي سيرتهَ -عليه السلام- نظر في (شرح الزحيف) [فيأخذه من هناك]. ولنعد إلى ذكر ولده الناصر لدين الله أمير المؤمنين الحسن بن أمير المؤمنين عليهم صلوات رب العالمين.

[الإمام الحسن بن عز الدين ]
وسبطه الناصر الداعي الذي اجتمعت.... فيه المحامد قبل الشيب والكبرِ
وكان في وقته ما كان من عجب.... من العناد له فاعرفه واعتبرِ
من بعض أسرته اختاروا عداوته.... وقوموا العلم المنصور في الأثرِ
وابن المظفر ناواهْ وُخالفه.... لكنه لم يفز بالخير والظفرِ

المراد بهذا:[هو] مولانا الناصر لدين الله أمير المؤمنين الحسن بن أمير المؤمنين عز الدين بن الحسن عليه السلام، القائل فيه لسان الحال وناطق المقال:
أنت الإمام الذي من بعد والده.... ألقت إليك مقاليد النهى البشر
[ما آثروك بها إذ قدموك لها.... إلا لأنفسهم قد كانت الأثر]

[كان -عليه السلام- مشهوراً بالعزائم القاطعة، والبراهين الساطعة، والأنظار الثاقبة، والآراء الصائبة، والعلوم الزاخرة، والحلوم الباهرة، ولم يزل -عليه السلام- طالباً للعلوم حتى فاز منها بالمنطوق والمفهوم، بلغ رتبة الاجتهاد، وظفر منها بالمراد، وكان دعوته المباركة الميمونة، التي هي بأنواع الصلاح مقرونة، في كحلان تاج الدين تاسع وعشرين من شهر رجب الأصب من سنة تسعمائة، اليوم الثامن من وفاة حي والده -عليه السلام-، وبايعه علماء اليمن عامة مثل: الإمام الوشلي، والسيد مجد الدين المرتضى بن قاسم، والقاضي العلامة عز الدين محمد بن أحمد بن مرغم من صنعاء، وسائر علماء اليمن والشام، ما خلا عمه السيد صلاح الدين، وولده السيد جمال الدين علي بن صلاح، وسائر أخوته والقاضي أحمد بن محمد بن مظفر؛ لأمور كانت بينهم، شرحها يطول ويحتاج إلى أبواب وفصول، وكان سبب معاندة المذكورين أن دعا الإمام الوشلي عن رأيهم، وكاد أن يستظهر في اليمن على الإمام الحسن –عليه السلام- ثم أنه استظهر عليه، وعلى سائر من ناوأه، ودانت له البلاد وأطاعه العباد، وقمع الله بسيوف نقمته أرباب العناد، وله اليد الطولى في جميع العلوم، وله مصنَّف عظيم مفيد في علم أصول الفقه سماه: (القسطاس المقبول على معيار المعقول في علم الأصول)، وله مختصر أيضاً على (الورقات) في أصول الفقه أيضاً، وله رسائل وفتاوي قدر مجلد ضخم، واشتغل في مدته –عليه السلام –بالحروب، وفاته من تصنيف العلوم المطلوب، وكان –عليه السلام-آية باهرة في زمانه، وحكمة ظاهرة في أهل أوانه]، وقد تقدم شرح سيرته –عليه

السلام– في شرح ابن الزحيف، فلا فائدة للتكرير لذلك، فيؤخذ من هناك، وله من الأولاد تسعة: محمد، وعز الدين، ومجد الدين، وداود، وأحمد، وأم هؤلاء الحرة المصونة: بدرة بنت القاضي محمد النحوي، [وكانت تسمى أم البنين]، وصلاح، ويحيى، وتاج الدين درج صغيراً، وأمهم الحرة المكرمة: مريم بنت المعافى، والمؤيد واسمه علي، وأمه الحرة المصونة: حورية بنت حسن بن حسين الشقري –رحمهم الله تعالى جميعاً وأعاد من بركاتهم آمين- وكانت وفاته [رحمة الله و] نور الله ضريحه بعد فراغه من صلاة الفجر[إماماً] يوم الأربعاء لعشر خلون من شعبان سنة تسعة وعشرين وتسعمائة.

[الكلام في أخبار الإمام مجد الدين بن الحسن ]
ثم الخليفة مجد الدين قائمنا.... أجل داعٍ دعا حقاً من البشرِ
لكنه رفض الدنيا وزينتها.... فقابلته صروف الدهر والقدرِ

هذا هو الإمام المشهور فضله وبركته بين الأنام، المعروف ورعه وزهده عند الخاص والعام، الذي أقرَّ له بالسبق في جميع علوم الإسلام، المعروف بالشجاعة عند اقتناص الأسد الضرغام، السابق في مضمار الفصاحة والخطابة والبراعة [واليراعة] جميع علماء الإسلام، الداعي إلى الله أمير المؤمنين مجد الدين بن الناصر لدين الله [أمير المؤمنين] عليهما صلوات رب العالمين، القائل فيه لسان الحال وناطق المقال:
لجدي كان المجد ثم لوالدي.... ولي فيه بعد القوم أشرف مقعد
ثلاثة أيام هم الدهر كله.... وما هي إلا اليوم والأمس والغد
بل كما قال:
خمسة أبآءٍ هم ما هم.... أفضل من يشرب صوب الغمام
ما فيهم إلا فتى ابنه.... إمام حق وأبوه إمام

ولد -عليه السلام- [نهار السبت] لليلتين مضتا من شهر محرم سنة ست وثمانين وثمانمائة، بمشهد الهجرة الهادوية بوادي فللة، وقد تقدم ذكر أمه في آخر سيرة والده -عليه السلام-، نشأ في حجر الخلافة الطاهرة، وسلك في مسالك الرافضين للدنيا إلى الآخرة، واشتغل بالطلب حتى فاز بالعلوم الزاخرة، وأحرز معانيها الغامضة والظاهرة، بأنظار سديدة ثاقبة باهرة، حتى تردَّى بثياب الإمامة الفاخرة، وفاق وراق الأمم الأولة والآخرة، وكانت قراءته -عليه السلام- على مشايخ عدة، وأكثر قراءته على والده الناصر [لدين الله] -عليه السلام-، وعلى حي الفقيه العلامة وجيه الدين عبد القادر بن حسين الذماري، وكان حاله -عليه السلام- في مدة والده وبعد وفاة صنوه السيد العلامة صارم الدين كحال والده -عليه السلام- في مدة الإمام عز الدين في تولي أكثر أعماله، والتزيي بمحاسن خلاله، وكفايته له في جل الأمور، والنظر في أحوال الجمهور، ولم يزل متأهلاً للطالبين، وقائماً بأمور المسلمين، ملحوظاً بعين الكمال من بين أعيان الصالحين والعترة الطاهرين، مرجواً للقيام بأمر الأنام، معروفاً بالسداد في الإقدام والإحجام، مشهوراً بالكرم الجم إذا شَّح الغمام، وكانت دعوته -عليه السلام- عقيب موت والده أعاد الله من بركاته، وذلك أنه كان وقت الوفاة بيسنم، ولما وصل دعا اليوم الثالث من وفاة والده وهو يوم الجمعة ثاني عشر شهر شعبان [الكريم] من سنة تسع وعشرين وتسعمائة، والسبب الباعث على تعجيل نشر الدعوة الميمونة، التي هي بأنواع الصلاح مقرونة، الحاوية لأبكار الخير وعونه، ما ظهر بعد وفاة

والده من انضراب الأمور، وتغير حال الجمهور، وتغَّورَ كواكب الحق بعد الظهور؛ لأنها أظلمت الأرض لوفاة والده وذهابه، وكادت أن تميد لموته ومنتابه، وتغيرت الأحوال لأفوله وانجيابه، وكربت السماء أن تمور كما قال تعالى في كتابه.
فرأى من حوله من الأفاضل والأعيان أنه قد تحتم عليه القيام بأمر الديَّان، ووجوب تحمل أعباء الإمامة عليه دون أبناء الزمان، فتوكل على الله وفوّض الأمر إليه، واعتمد في جميع أموره عليه، ودعا عن نية صادقة ولمراد الله موافقة، فانجبر بدعوته ما صدعت أيدي الخطوب، وطلعت شمس العدل بعد التناهي في الأفول والغروب، وهبت صبا من الأفراج وجنوب، وظهرت له كرامات دالة على فضله وعلامات من ذلك ما أخبر به الفقيه العلامة، القدوة الصمصامة بدر الدنيا والدين، عين عيون العلماء المجتهدين، نقطة بيكار الشيعة الأمجدين: محمد بن يحيى بن بهران البصري التميمي أنه وجد اسمه -عليه السلام- مكتوباً في هرورة عنب، وأظهر على ذلك من حضر عنده من أعيان زمانه وفضلاء وقته وأوانه، فاعلموا بهذه الكرامة كل أحد، وحملت الهرورة إلى كل بلد، وكان لهذه الكرامة محل عظيم، وموقع عند جميع الناس جسيم، وحصل بها في قلوب الناس القرار، والتطف بها أهل البوادي والأمصار، ولما انتهت الدعوة الميمونة الشارحة للصدور، والقاصمة من أعداء الله للظهور، القاضية عليهم بالويل والثبور، إلى علماء صعدة ونواحيها تلقوها بالقبول والإجابة وأظهروا سربال الانشراح وجلبابه، ودخلوا تحت النواهي والأوامر، [و] أخلصوا له المودة، وصفوا السرائر، واتصلت أيضاً بصنعاء، ووصلت كتب

سادتها وشيعتها بالإجابة كالسيد الأفضل، روض الحكمة المخضل، المرجوع إليه فيما أشكل من الأمور وأعضل، مجد الملة والدين المرتضى بن القاسم بن إبراهيم، والقاضي الأجل، الأفضل العلامة، العلم الأكمل، طود العلم الأطول، وطراز الشيعة الأهول: عز الدين محمد بن أحمد بن مرغم، وسائر سادات اليمن وشيعتهم خلا أتباع الإمام الوشلي، وشايعوه وبايعوه، واستقرت بعد ذلك القواعد، وسكن كل مضطرب ومائد، وقام الولد مقام الوالد. [شعراً] :
وهل ينبت الخطي إلا وشيجة.... وتغرس إلا في منابتها النخل

وقيل في وفاة والده وقيامه: بليغات الأشعار، الجامعة بين التهاني والتعازي، وجمع في ذلك الوقت الفرح والترح، وكادت الأرض بعد مَيدَّاَنها أن تختال وتميس من الفرح، وجمع الشعراء بين التهنئة وبليغ التسلية، فمن أحسن ما قيل في هذا المعنى: القصيدة الرائقة، ذات المعاني الفائقة، التي أنشأها حي السيد الأفضل الفصيح المقول شرف الدين الحسن بن عبد الله بن قاسم القطابري، جمع بين أكثر أبياتها، بين التهنئة والتعزية، وسأذكرها إن شاء الله في آخر الكلام، فإن بليغ القول يشفي الأوام، ويهيج الغرام، ولما تقلد القيام بأمر الإمامة، وكشف عنهم دياجير الظلمة، أرسل دعاته إلى جميع الجهات، فسلموا إليهم الواجبات على اختلاف الأجناس والصفات، في الجهات الخولانية والأقطار اليمنية، وواصله صاحب مكة المشرفة، وغيره من الملوك، وأرسل ولاته إلى ينبع والصفراء، وما يليها من الجهات والقرى، فجاءوا بمصالح تترى، وطاف -عليه السلام- [في] الجهات اليمنية، وانتهض لذلك من ساقين في النصف الأول من شهر ذي الحجة سلخ السنة المذكورة آنفاً، سار في طيافتها سيرة ذكية الأعطاف حميدة الأطراف، حاكية لسيرة الآباء والأسلاف، مصاحباً بحسن النية وصفاء الطوية، والعدل في كل قضية، ولما انتهى إلى حول هجر الأهنوم أرسل عمه السيد المقام الأفضل، البر التقي الأكمل: صلاح الدين المهدي بن أمير المؤمنين داعياً لأهل الهجر إلى طاعته والتمسك بأهداب هدايته، فانقادوا إلى تسليم الحقوق فوراً وخشيوا من سطوة جنده، ووقعت في قلوبهم [له] هيبة عظيمة، وراموا منه عدم الدخول [إلى مكانهم] إشفاقاً،

وخوفاً، وفرقاً، فواجهه من كبارهم طائفة، فألان لهم المقال، وقابلهم بكريم الأفعال، وشملهم بعظيم النوال، طلباً منه للرضى بدخوله، فأبوا إلا النفار وعدم القرار، وخرجوا إلى حول ماجل حميد شاهرين لسلاح العصيان، رائمين لمكاشحة إمام الزمان، فنهض بعض إخوته في جماعة، وفرقوا شملهم في تلك الساعة، ودخل مكانهم قهراً، وأقام فيه قسراً، وبسط لهم بعد ذلك بساط الأمان، وأراهم من العدل والرفق ما قرَّبه [منهم] كل جنان، وقبض الحقوق كاملة، وعاملهم أحسن معاملة، ثم نهض قاصداً إلى كحلان تاج الدين، وفيه عن أمره صنوه السيد [المقام] الهمام، الهزبر، الضرغام، جمال الملة والإسلام: عز الدين بن الإمام، وهو من أفاضل الآل، وممن اشتهر بالجود والمجد والنوال، واتسم بحسن الشمائل وصفات الكمال، وكان الخليفة في مدة والده في البلاد اليمنية والمعاقل العلية، وإقامته في أكثر الزمان في كحلان تاج الدين وهو الذي استفتح في مدة والده [أكثر] المعاقل، وخضع لهيبته كل معاند ومناضل، ولم يزل يستفتح المعاقل الرفيعة، والأماكن المنيعة، ويقود الجيوش والجنود، ويستأصل شأفة كل معاند وحسود، حتى عظمت هيبته واشتدت وطأته، وخيفت صولته، وارتفعت كلمته.

نعم: ولما دنا الإمام –عليه السلام- من هذا المعقل المذكور، وصل إليه قبائل بني شاور وبني حبش الأعرام، وأهل كحلان، وبني عشب، والرحبيين، وبني هنان وجنب، وأهل قارن، والأشمور، وسائر أهل تلك الجهات، ودخل كحلان مدخلاً راع قلوب الأضداد، وأرعب أفئدة أهل العناد، وكان بيده هذا الحصن المذكور الحصن الكبير والصغير، والقدمة، وعزات بني عشب ومديخ، ومصنعة العسم، وسيد بن وهاس، والواسط، والقضاضني وغير هذه من الحصون المنيعات، وكانت دعوته والإمام شرف الدين صاحب الولاية على صنعاء وحصونها، فوقع بينهما حروب ووقائع وحوادث عظيمة، وكانت الدائرة غالباً [فيها] على أجناد الإمام شرف الدين مدة إقامة الإمام مجد الدين بالحصن المذكور، والمعقل المشهور، واستراب منه الإمام شرف الدين ريبة عظيمة، وارتاع روعة مقعدة ومقيمة، وطالت المرابطة والمصابرة قدر سنة وشهر منذ وصل الإمام إلى كحلان إلى أن نهض إلى الشرفين، وكان انتهاضه عقيب عيد الأضحى سلخ سنة ثلاثين، وتلقاه أهل الشرف بمحبة ومودة وحسن عقيدة وإجلال وإكرام وإنصاف وإعظام، وكان أهل الشاهل وناشر أحسنهم طاعة، وأميلهم إلى امتثال الأوامر المطاعة، وأقام هنالك أياماً منيرة، وسار فيهم أحمد سيرة، ثم انتهض إلى بلاد الأهنوم وهجره مرة ثانية بعزيمة وهمة سامية، فأقام فيه أياماً مباركة، وسيقت إليه واجبات تلك الجهات على أتم الإرادات وقصد بعد ذلك وطنه المحروس، ومشهد آبائه المأنوس، وقد أقام الحجة الكبرى، ودعا إلى الفوز بنعيم الأخرى، وأوضح المناهج وسكن كل لاعج، وكان دخوله إلى المشهد الفللي دخولاً أنارت

فيه أنوار السعادة غاية الإنارة، وأفاض على العلماء والفضلاء والفقراء من نواله وجزيل إفضاله، وأقام حينئذٍ بين أسرته وآله، ولم يزل يتردد في جهاته الشامية، ويتفقد الحالات، ويقضي الحاجات، وينيل الوفاد والعفاة، وينصف المظلوم من ظالمه، ويحيي من الهدى كل معاهده ومعالمه، وانفتح بينه وبين الأشراف بني المنصور فتنة طويلة وحروب استمرت وقتاً ومدة غير قليلة، فأعانه الله أحسن الإعانات، وأظهره عليهم، ونال منهم مالم ينل من قبله في وقت أبيه وجده عليه السلام، واشتدت وطأته على أكثر الأنام، ودخل تحت طاعته الخاص والعام، إلى سنة خمس وثلاثين وتسعمائة، واستقوت شوكة الإمام شرف الدين بالجهات اليمنية، ولم يزل ينضاف إلى بلاده وتحت بسطته الأول فالأول من بلاد الإمام مجد الدين، وكان السبب في ذلك أنه أطلق من أطلق من رهائن أهل اليمن تحرجاً من الإثم، ولم يستجز تكبيلهم بالحديد، بعد أن شكوا ما نالهم بسبب ذلك من الألم الشديد، وحصلت بينه وبين صنوه [السيد] جمال الدين [المذكور] منافرة سببها إطلاق الرهائن؛ لأنه لم يشر عليه بإطلاق من أطلق منهم نظراً منه إلى ما يحصل من إطلاقهم من فساد الرعية، وبطلان طاعتهم بالكلية، ولما حصل الفساد، وكثرت في جهاته الخذلان له والعناد طلب من صنوه جمال الدين الجهاد فأبى إسعاف الإمام بالمراد، ومال إلى الزهادة والعبادة، وطرح جلباب الرئاسة والرفادة، [و] في خلال ذلك والإمام شرف الدين يطوي الجهات اليمنية بعزمات قاطعة قوية، ولما استولى على جميع اليمن، وسالمته صروف الزمن عبأ الجيوش الواسعة والعساكر النافعة على

التقدم على الإمام مجد الدين ومن بصعدة من الأشراف الحمزيين، فافتتح صعدة يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر صفر سنة أربعين عنوة بجنود واسعة، وهرب من فيها من الأشراف إلى الجوف وإلى طرف المخلاف، البعض منهم، وكانت منه وقعة عظيمة في طرف المخلاف بينه وبين الأمير ناصر بن أحمد المسمى المعترض، ذهب فيها من القتلى من أصحاب الأمير ما يفوت الحصر، ونفر عنه الرعايا جميعاً، لكنه أذاقهم النكال، وحساهم بكأس الوبال، وقد كان الإمام مجد الدين نهض بأولاده قاصداً [إ