الجزء الرابع (غ - ي)

 

حرف الغين


992- غالب بن عثمان الهمداني() [78 - 166هـ]

غالب بن عثمان الهمداني المشعاري الناعطي رحمه الله تعالى .  من عيون الشيعة وخيارهم، ولعل نسبته إلى ذي المشعار() الوافد على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم في وفد خارف، وكان ذو المشعار بمكان عظيم من الرئاسة، وكان غالب هذا فصيحاً بليغاً، له في إبراهيم بن عبدالله قتيل باخمرا مرثية مستجادة منها:

وقتيل بَاخَمْرا الذي
قاد الجنود إلى الجنو
بالمرهفات وبالقنا
فدعا لدين محمدٍ

 

نادى فأسمع كلّ شاهدْ
د تَزَحُّفَ الأُسْد الحَوَارِدْ
والمُبْرِقات وبالرواعدْ
ودعوا إلى دين ابن صايد()

 ومن شعره في محمد بن عبد الله النفس الزكية [من الخفيف]:

كيف بعد المهدي أو بعد إبرا
وهم الذائدون عن حرم الإسـ
حاكمُوهم لما تولوا إلى اللـ

 

هيم نومي على الفراش الوثيرِ؟
ـلام والجابرون عظم الكسير
ـه بمصْقُولة الشِّفَار الذُّكُور

 

وأشاحوا للموت مُحْتبسي الأنـ
أفردوني أمشي بأعْضَب مَجْبُو
غِيْل فيها فوارسي ورجالي
ليتني كنت قبل وقعة باخَمْـ
ولياليّ من سِنيَّ البواقي

 

ـفس لله ذي الجلال الكبير
باً سنامي() والحربُ ذاتُ زفير
بعد عزّ وذَلَّ فيها نصيرِ
ـرا توفيت عدتي وشهوري()
وتكملت عدّة التعميرِ

 993- الشيخ الغياث [... - ق 9هـ]

الشيخ العالم الناسك المعروف بالغياث رحمه الله تعالى.

كان من عباد الله الصالحين، ومن العلماء العارفين، تلميذ الإمام المجتهد الصوام [القوام]() أحمد بن يحيى مؤلف الأزهار . وبخط الشيخ الغياث المذكور نسخة الغيث غايةً في الصحة، ولم أتحقق من أحواله السنية ما ينبغي ومسكنه بجهة مسور المنتاب في عرض الجبل وقبره هنالك مزور()، وعنده ما اشتهر عند أهل الجهة وتناقلوا أنه [من]() تكريم الله لهذا العبد الوجيه، وذلك أنه لما مات قبر في محل فنبعت عين ماء فرات عذب كثيرة الماء بحيث يسقى بها الزروع()، ولورثة الغياث أرض تحتها فقالوا للمتوسط بين المنبع وبين أرضهم أنهم يجعلون لأرضهم نصيباً، وقالوا هذا ببركة والدنا. فقال المتوسطون: هذا ماء من الله عز وجل وليس كما ذكرتم من بركة والدكم، فقال أولاده: ننقل والدنا من هذا القبر، فقالوا : لا باس. فنقلوه فيبست تلك العين وثارت من عند قبر الشيخ واستمرت إلى الآن.

قال لي حي الفقيه ناصر بن الهادي الصلاحي رحمه الله : أنه شرب منها للتبرك في العام الذي أخبرني فيه، وأحسبه من العشر السنين التي بعد السبعين وألف، وقد كان أخبرني بذلك السيد العالم العابد الحاكم عز الدين بن() علي بن الحسن الحسني النعمي ولكنه لم يعين الرجل ولا الجهة.

قال الفقيه ناصر بن الهادي: والقصة معروفة في الجهة متناقلة رحمه الله تعالى.

994- أبو الغيث بن جعفر الطائي() [... - ق 4هـ]

الشيخ العالم البليغ الخلاصة سليل العلماء حسام الدين أبو الغيث بن جعفر الطائي رحمه الله تعالى. كان من فضلاء أوانه، ونبلاء زمانه، ولياً للعترة صادقاً في المنشط والمكره، وهو منسوب إلى طي وهو من جماعة العلامة محمد بن الوقار، وسنذكر أول من خرج إلى الهادي عَلَيْه السَّلام لنصرة الحق منهم، ثم لم يزالوا أعمدة للحق مجلين في السبق، ولبعضهم اختصاص بعلم القراءة وحراستها، وأظنه هذا أو ولده() ؛ لأنه رحل إليه للقراءة والتجويد أبو الهيثم يوسف بن أبي العشيرة شحاك أعداء الدين وسنذكر ذلك في محله إن شاء الله تعالى.

ولأبي الغيث المذكور شعر حسن جيد يدل مع البلاغة على إلتفات إلى الله وعلى عناية بأولياء الله، فمما قال في الإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني عَلَيْه السَّلام بعد أن أوقع بأهل نجران وقال قصيدة، أولها:

عجبت ولم أعجب لغير عجيب
ونلت الذي قد كنت أرجو نواله

 

وعُوفيت من سقمي بغير طبيبِ
وأطفأت ناراً أوقدت لحروبِ

 إلى آخرها، فقال أبو الغيث رَضِيَ الله عَنْه:

ما صَبْوتي باللهو بعد مشيبي
شيب الفتى داعي الوقار فمن يجب
إن الفتى ما لم يَرُعْه مشيبه
بُدِّلت شيباً مكرهيّاً لونه
ومن القوى ضعفاً يخون كلاله
ومن الأداني الأقربين بغربة
ليس الغريبُ وإن تجلد واثقاً
إن الإمام ابن الأئمة مِنْ ورى
القاسم المنصور بالله الذي
ابن النبي وصنوه وابنيهما
أهل المفاخر والمآثر والعلا
أرباب مجد أكرمون أعزَّةٌ
أعلام حق يستدل بها إذا
ألفوا منار الدين يلمع فاقتدوا
تقفوا سلوفهم خلوفهم على
إلى آخرها رحمه الله تعالى.

 

إلاَّ لجاجاً بالهوى المعيوبِ
داعي الوقار يفز بخير نصيب
عن كل فاحشة لغير مصيب
من بعد بُردٍ للشباب قشيب
ومن الشبيبة حادثات شحوب
والنقص مقرونٌ بكل غريب
بالمزلف المدني ولا المحجوب()
أسلافه النجباء خير عقيب
ألقى إليه الأمر كل نسيب
آباء كل فتى أغر نجيب
وذوا الطهارة والتقى والطيب
آساد أغيال غيوث جدوب
عرت البرية مشكلات خطوب
في أمرهم بمناره المنصوب
سنن من التأديب والتهذيب()

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حرف الفاء


995- أبو فراس بن دعثم () [..... - بعد 615هـ]

الشيخ المقدم علم الشيعة الأعلام ركن الدين أبو فراس بن دعثم، واسم أبي فراس فاضل بن عباس() بن علي بن محمد بن أبي القاسم بن أبي عمرو، ولا أدري هل دعثم لقب لأبيه العباس أو وقع في المنقول عنه غلط.

كان حاذقاً ماهراً شاعراً فصيحاً عالماً كاتباً من كتاب الإنشاء المجيدين مع الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان عَلَيْهم السَّلام، وهو من خلصان الإمام، وكان سيفاً مسلولاً على المطرفية، وتجرم منه بعض السادة الجانحين إلى الإبقاء على المطرفية من السادة المتأخرين .

وهو من آل أبي عمرو .

قال السيد الهادي بن إبراهيم بن الوزير : آل أبي عمرو بيت كبير بصنعاء يشتهرون بالكتابة والمعرفة أو كما قال . ومنهم محمد بن ذعفان البليغ وغيره.

وله شعر في معان متعددة، فمن مديحه ما أنشده بين يدي الإمام المنصور بالله [بصعدة]() يوم الجمعة من محرم الحرام سنة تسع وتسعين وخمسمائة من جملتها:

جياد تبارى في الشكيم بفرسان
سوامي الهوادي مقربات كأنها
وكل رحيب السَّحْر() عَبْلٍ ذراعه
تثير عجاجاً مثل ليل نهاره
عليها من السرد النسيج مضاعفٌ
وهي طويلة غراء.

 

تُخَال إذا جالت كواسر عقبانِ
هضاب ثبير أو شوامخ ثهلان
له في مغار الخيل إرخاء سرحان
كواكبه لمع بأطراف مُرّان
تموج كما صفت أفانين() ريحان

قلت: وذكر أبو فراس في آخر السيرة التي جمعها ما لفظه:

وعند أن أنجزَ ما تضمنه هذا الجزء من السيرة الشريفة المنصورية، وهو آخرها، في شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة - فاضل بن عباس بن علي بن محمد بن أبي القاسم بن أبي عمرو وقد أجرضته الأحزان، وتكاثفت عليه الأشجان، حتى ودَّ أنه ما كان، للمصيبة التي عمت وأهمت، وخصت الإسلام وعمت، بقبض صاحبها الذي أُلِّفت من فضائله، وحُكي فيها بعض وقعات جنوده وقبائله، فيالها من مصيبة هدت بنيان المكارم، وصغرت مواقع النوازل العظائم، وعمت كافة الإسلام بالفواقر والقواصم، وذُكّر ثَمَّ ما قيل قديماً في قيس بن عاصم:

عليك سلام الله قيس بن عاصم
فما كان قيس هلكه هلك واحد

 

ورحمته ما شاء أن يترحما
ولكنه بنيان قوم تهدّما

 وكان يود عند إكمالها لو نزل به الحين المتاح، والقدر المجتاح، فيقضى نحبه بظباة() الصفاح، ولهاذم الرماح، دون ان يكون خاتمها، وحاكي وفاة صاحبها سلام الله عليه وراقمها، ولكن لن يبلغ كل متعن ما تعنَّى، ولن ينال كل متمن ما تمنى، وقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ(34)} [الأنبياء]، قال() عن قلب مجروح، ودمع مسفوح:

لو كان يومي قبل إكمالها
يكملها غيري ولا أصطلي
بهلك من في ضمنها فضله
تعطر الآفاق من طيبه
وتعتلي الغُلْب نزارٌ به
فليت عمري زِيْد في عمره
أو ليتني مِتّ بأيامه
ولم أكن شاهدَ يومٍ به
مضى فقيداً وغدا سعيه
فيا لها من حسرة حرُّهَا
تبقى بقلبي شائظاً حرها)
فإن يكن ما رمته فاتني
فقد تسنمت لها شامخاً
لكنني أرجو بأن يفتدي
صلى عليه الله من ذي العلا

 

لكان عندي مغنماً مستفاد
بحسرة تشوي سويدا الفؤاد
كالشمس عمّ النور منها البلاد
وترتدي بالحسن كل النّواد
ذروة مجد مشمخر العماد
أو ليتني كنت فدىً لو أفاد
بين الظُّبى البيض وسمر الصّعاد
اختاره للقبض رب العباد
يُحمد في الدنيا ويوم والمعاد
(تقضُّ صم الصخرات الصلاد
حتى أوارى للبلى والنفاد()
من ميتة فوق متون الجياد()
وكم لها فارقَ جفني السهاد()
أوفى شفيع لي يوم التناد
وجاد في مثواه وبل الغواد()

 996- فاطمة بنت الإمام أحمد بن يحيى المرتضى() [... - بعد 825هـ]

الشريفة الفاضلة فاطمة بنت أمير المؤمنين المهدي لدين الله أحمد بن يحيى عَلَيْه السَّلام. قال في تاريخ السادة آل الوزير ما لفظه:

ومن ولد الإمام عَلَيْه السَّلام ؛ فاطمة بنت أمير المؤمنين أحمد بن يحيى ؛ وهي الشريفة الفاضلة العالمة العاملة، راجعها والدها الإمام في مسألة الخضاب بالعصفر، فقال: إن فاطمة ترجع إلى نفسها في استنباط الأحكام، وناهيك بهذا الكلام دليلاً على علو محلها في العلوم جميعها، ولو قال الإمام كذلك في شأن إمام من الأئمة لارتفع محله إلى أعلى محل وأشرف مكان، زوّجها والدها بالإمام المطهر عَلَيْه السَّلام، فكان يرجع إليها في المشكلات، وكان إذا أشكل عليه مسألة وعلى أصحابه خرج يحلها من عندها، فيقول أصحابه: هذا ما هو منك هو من خلف الحجاب.

وإليها وإلى نسائه أشار الإمام المهدي بقوله:

ونساؤنا فاقت أئمة غيرنا

 

في الفضل والتدريس والأخلاق()

 وماتت وهي عنده رحمة الله عليها ورضوانه، واشتد أسفه عليها لما كانت عليه من الكمال في الدين والدنيا، وزوجه الإمام بأختها ليلة موتها.

997- فاطمة بنت الإمام المهدي علي بن محمد() [... - 791هـ]

البضعة النبوية والفلذة العلوية السيدة فاطمة بنت أمير المؤمنين المهدي لدين الله رب العالمين علي بن محمد أخت الإمام الناصر لدين الله عَلَيْهم السَّلام.

قال السيد جمال الإسلام الهادي بن إبراهيم رحمهما الله تعالى:

وأما أخت الإمام وكريمته الشريفة فاطمة بنت الإمام ذات التقى والكمال، والفضل على جميع النساء وأكثر الرجال، فكمُلت كمال الأئمة المعتبرين في المعرفة والدين والتدبير والتوفية والإجازة() والنظر في أحوال الخاصة والعامة. وأقامت بنت أبيها بالمنصورة في زمن أخيها الناصر وهي ناظمة للأمر ، يستمد منها النظر السديد() إلى غير جهتها ، ولها من المعرفة وحسن السياسة ما ليس عليه مزيد، ولها من الدين الصليب وكثرة الخشية لله تعالى وشدة الإقبال على أعمال الخير والطاعة() ما لا يصفه الواصفون؛ ومن ذلك أنها كانت مزوّجة لابن عمها السيد إبراهيم بن يحيى() وكان أمر صعدة من جهة الإمام إليه، فلما وقع موت الأشراف بالسم؛ اتهم بذلك السيد إبراهيم؛ فحلف بطلاقها ما علم بذلك إلا كعلم الطارف من الناس . وقد جعل الزعبري في طرف الناس. فلم تطب نفس الشريفة بعد ذلك، وانقطع ما [بينهما]() من الزواج بذلك السبب.

ويدل على عظم شأنها أن الإمام الناصر أوصى إليها وصية خاصة في النظر في أحواله المختصة به، لمعرفة كمالها الكمال الذي لا وراءه في دينها ودنياها، وماتت قبله واشتد أسفه عليها، وله فيها كلامات بديعة فائقة رائقة، مذكورة في مواضعها.

وقال بعضهم فيها:

أمير المؤمنين أخوكِ فينا

 

وأنت أميرة للمؤمنات

 وأوصافها لا تعد ولا تحصى وأمها بنت الإمام يحيى بن حمزة ؛ لأن الإمام علي بن محمد تزوج بنت الإمام يحيى بن حمزة وهي أم هذه الشريفة فاطمة، وتوفيت فاطمة وقبرت في قبر أبيها الإمام عَلَيْه السَّلام وفي تابوته.

وفي التابوت الكريم() ثلاثة: الإمام المهدي - عَلَيْه السَّلام-، وابنته فاطمة، والقاضي عبد الله رحمة الله عليهم.

وأما أم الإمام الناصر عَلَيْه السَّلام فهي دهماء بنت إدريس بن حمزة من آل المختار الساكنين بمفحق() ونواحيها، وهي أول من قُبِر بقبة الإمام الناصر عَلَيْه السَّلام، ثُمَّ ولدها الإمام الناصر، ثُمَّ السيد محمد بن يحيى، ثُمَّ الإمام المنصور ثُمَّ والدته الحرة فاطمة بنت الأسد بن إبراهيم الأسد من آل أبي الهيجاء، ثم تبعهم من أولادهم بقية من في القبة، انتهى كلام السيد الهادي رحمه الله.

قلت: وفي القبة بعض العلماء آل أبي النجم أيضاً رحمة الله عليهم، وهذه القبة هي التي ينسب إليها مسجد الإمام الناصر في القطيع، فيقال: مسجد القبة().

قال السيد الهادي عند تعداده بمَا عمره الإمام صلاح الدين، قال: من ذلك في ذمار قصرها ومحاسنها العامة، وفي صنعاء المسجد المبارك مسجد القبة وعليه مدار أهلها، وفيه محاسن لا توجد في غيره، ولا يزال ماؤه جديداً ويسنى فيه لكل صلاة حتى لصلاة الليل، وله مستغلات وأموال عظيمة تقم() به وبمن أقام به، وتزيد على ذلك وينتفع بفضلاتها خلق كثير، فجزاه الله خيراً حياً وميتاً . وهو الذي صيّر الجامع بصنعاء على الحال الذي هو عليه الآن، وكان فراشه الحصا وأحدث المطاهر الليلية والنهارية، وأزيلت مواضع الغائط عن الاتصال بالبركة النهارية وجعل موضعها المطاهرات، وأما البركة فهي قديمة عمرها وردسار() على أمر يطول شرحه ؛ روي أن الإمام [الناصر]() صرف في ذلك عشرة آلاف أوقية، وأنه كبس تحت المطاهرات خمسة آلاف حمل.

قلت: وتجدَّد بعد ذلك من الأنظار للإمام شرف الدين عَلَيْه السَّلام جعل طريق الليلية إلى مؤخر الجامع فتح الطريق في مسجد كان عمره الغز، وجعلَ الشراريف على جدار السطح، والسلطان سليم() أصلح في المصفى طرف() الليلية، ثم زِيْدَ في إصلاحه أيام الإمام الأعظم المتوكل على الله إسماعيل بن أمير المؤمنين عَلَيْهما السَّلام.

قال السيد جمال الدين: ومحاسن المدينة كلها من آثاره وآثار زوجته الحرة بنت الأمير الأسد بن إبراهيم فإن لها العناية في مسجد الأبهر وعمرته، وهو من محاسن صنعاء وأكثر مساجدها سُرُجاً، وجعلت له من المستغلات مثل الذي جعل الإمام لمسجده، منها أربع بؤر أو خمس في صنعاء أحدها بئر المسجد ثُمَّ السنا() ثُمَّ علم الدين وغير ذلك من أموال الجهات بصنعاء ورداع وخبان. وحدوث أكثر المساجد بصنعاء بعنايته، وله عَلَيْه السَّلام بأهل صنعاء عناية عظيمة رفع عنهم كثيراً من مطالب الدولة الجائرة، مثل إنفاق الأجناد وغير ذلك، وأمرهم بصرف بعض الحقوق بأيديهم، واستمر ذلك إلى وقتنا.

قلت : يعني وقت السيد الهادي بن إبراهيم بن محمد حفيد صاحب الهداية وشيخ الإمام شرف الدين.

قال السيد: وللإمام عَلَيْه السَّلام عمارة في القصر في أعلاه وأسفله كالمنظرة منظرة السلوان وغيرها من محاسنه، وكذا في() أبوابه وطرقاته، وكالعمارة() بالأحجار المرمر المذاب بينهما الرصاص وسائر ما فيه من المحاسن، وله في عمارة المعقلي() قصر في حصن ظفار منـزل عظيم لا يوجد مثله، سمي باسم قصر بناه الملك المؤيد بثعبات() بقي أهل التمويه والزخرفة بعد فراغه سبع() سنين، ووقف المؤيد بعد فراغه أشهر، فسبحان من له الملك الأبدي. وكان هذا المنزل بقصر ظفار من محاسن ما عَمَر، وهو الذي أراد الإمام المطهر بقوله [من الوافر]:

فما بنت المقاول من() ظفار

 

كما بنت الفواطم في ظفار

 وأما صعدة فقصرها المعروف بالمنصورة من عمارة الإمام المهدي علي بن محمد، وأما زيادة المسجد مسجد الهادي عَلَيْه السَّلام في التنبيه بنفَسها وما حولها من المفاسح والعمارة على المشاهد المقدسة وأصل البئر وكانت بئره ينزع منها باليد فكل هذه المحدثات ولواحقها من الأسباب التي للمسجد المبارك بإشارة الإمام المهدي علي بن محمد وولده الناصر عَلَيْهما السَّلام. والمتصدي لذلك والمعتني به حي القاضي العلامة فخر الدين عبد الله بن الحسن الدواري رحمة الله عليه.

قلت: وكان أصل الجامع اليحيوي بصعدة المؤخر إلا() الجانب الشرقي الذي فيه محراب مستقل من عمارة الناصر بن الهادي، ثم فعل فيه الإمام المهدي ما ذُكر، وكمل محاسنه الإمام شرف الدين بعناية ولده السيد شمس الدين ويسمى الجامع المذكور بذي النورين أعاد الله من بركاتهم.

قلت: وسمُ الأشراف الذين ذكر السيد الهادي أنه اتهم به السيد إبراهيم بن يحيى زوج الشريفة فاطمة بنت الإمام عَلَيْهما السَّلام ؛ هو الذي يضرب به المثل فيقال : قمقوم الزعبري ! والزعبري بالزاي بعدها عين مهملة بعدها باء موحدة من أسفل من أهل صعدة، اتفق أن بعض الأشراف بني حمزة وكانوا قبل() الإمام علي بن محمد ولاة البلاد وسلاطينها، فاتفق أن الأشراف هتكوا حرمة بعض نساء الزعبري فاتخذ هذا السم وجعله في قمقوم، ولزم السيد إبراهيم هؤلاء الأشراف، وكانوا سبعة بالروس من جبل بني عوير، وكانوا متقدمين إلى السلطان الأشرف، ثُمَّ أطعموا طعاماً فيه شيء من هذا السم فهلكوا. وكان بنو حمزة قد طال ملكهم() وتسلطنوا سلطنة غير شرعية، فتقضت دولتهم على يدي الإمام المهدي وولده الناصر قُتِل منهم في أيام حربه خلق كثير ثُمَّ ولده الإمام الناصر، وأهل القمقوم الزعبري في أيامه، وكان ذهابهم على الحقيقة أيام ولد الإمام الناصر الإمام المنصور بالله.

*    *      *

قلت: وقد اتسع القول في ترجمة هذه السيدة والشيء بالشيء يذكر، ومما ينبغي أن يلحق بذلك أنها غير الشريفة الكاملة الملكة فاطمة() بنت الحسن بن الإمام صلاح الدين عَلَيْهم السَّلام، وهي حرية بترجمة مفردة لكمالها، وشرف جلالها وسياستها، وفزع الفضلاء إلى كنفها وجوارها، منهم السيد الإمام الصارم صاحب الهداية والفصول وله أيام رحلته قصيدته المشهورة الحمينية، التي أولها:

بالله يا مرسلي

 

ما حال صنعاء اليمن()

وهي في اللواحق الندية في ترجمة السيد الحسن بن الإمام الناصر صلاح الدين ما لفظه: وأما أخو الإمام المنصور بالله : الحسن بن الإمام صلاح الدين فأمه بنت طاهر بن عامر صاحب المشرق، وكان في ابتداء الشباب، وله همة ونفس طالعة إلى المعالي والاستقلال بأمره، تزوج بكردية بنت الأسد ولم يكن له منها إلا الشريفة فاطمة بنت الحسن، وأراد ريحان الكبير أن يُقَوِّمه على أخيه.

قلت: يعني المنصور بالله علي بن صلاح.

وأن يخرجه إلى ذروان ويظهر الخلاف، فاختار الله له خلاف ذلك، ونقله إلى ما هو خير له من هذه الدار، ولطف به عن تقحم الأخطار الكبار، وتوفي بذمار ودفن() بقبة الإمام يحيى بن حمزة عَلَيْه السَّلام.

وأما ولده الشريفة الطاهرة() المطهرة الكاملة الملكة فزُوّجت() بابن عمها محمد بن علي، ثم لما دعا المهدي صلاح بن علي بن أبي القاسم تزوجها من ابن عمها محمد بن علي() بعد ذهاب نكاح ابن عمها محمد بن علي، وكان للإمام صلاح بن علي منها ولد يسمى علي بن صلاح، توفي بصعدة وهو عروس بابنة الأمير الحسن بن أحمد، ودفن بالقبة الشرقية بمسجد الهادي عَلَيْه السَّلام. ولما توفي زوجها ملكت ممالك أهلها من المداين والحصون من صعدة وصنعاء وذمار وحصون تلك المداين وما بينها، وكان لها همة وقوة وشدة بأس، ثم تقاصرت عليها البلاد حتى استقرت بصعدة مدة طويلة فوق ثلاثين سنة، ثم استولى عليها حي المنصور بالله الناصر بن محمد()، وأخذ المدينة ونقلها إلى صنعاء فأقامت بدار زوجها الدار الكبيرة التي فوق مسجد الأبزر حتى توفيت، وقبرت بالقبة التي فيها أهلها رحمهم الله جميعاً.

قلت: ومما قيل فيها من المراثي:

بلقيس هذا العصر يا من علت
ومُتعت في ملكها مدة
يا بنت مولانا صلاح الهدى
مخيف ذي بغي وذي ريبة
وفاتح الشام بأسيافه
ومنفذ الأحكام في برها
ويابنة المهدي الذي استظهرت
مجاهد الكفار في أرضها
ومن به بشر آباؤه
بأنه يُحيِي رسوم الهدى
لم تسمح الدنيا بمثلٍ له
أنجب في أولاده سابقاً
بيض بهاليل همو ما همو:
ودرة من بعدهم قد مضت
بنت ثمان بهجةً بعدما
بها بَها الآساد في غيلها
كأنها الزهراء في حلمها
معروفها المعروف عمَّ الورى
وكل داع نال من جودها
فاغتالها الموت على أنها
وما رعى قدراً لمن قدرُها
ومنها:

 

قدراً على بلقيس في عصرها
في نهيها الماضي وفي أمرها
وسيد السادات بل صدرها
ومؤمن السكان في قفرها()
واليمن الأعلى إلى شحرها()
ونافذ الأقلام في بحرها
به يد الحق() على غيرها
وقاتل الفساق في عقرها
في الخبر المسطور في جفرها
ويبذل المجهود في نصرها
في البيض والسمر وفي حمرها
فقل من() يقفوا على اثرها
هم خير من يشرب من قطرها
أربت على الشمس مع بدرها
جاوزت التسعين من عمرها
وهي كما العذرا في خدرها()
أو مريم العذراء في صبرها
فكلهم يُطنب في شكرها
وكل قاضٍ نال من برها
أمنع من عنقاء في وكرها
أعلى من الجوزاء في قدرها

يا ناعي الصفوة قم فانعها
ولست بالمُغْرِب عن وصفها

 

واحْكِ الذي قد كان من أمرها
لو كنت كالخنساء في شعرها

 قلتُ وهي طويلة فلنقف على هذا، وشهرتها ظاهرة وآيات مجدها باهرة.

قلت: وتولى لها كتابة الإنشاء السيدة البليغة المنشئة() الشاعرة المجيدة عين() زمانها فاطمة بنت عبد الله بن الهادي بن يحيى بن حمزة عَلَيْهم السَّلام.

والدها مصنف الجوهر الشفاف.

وكانت هذه الشريفة من المفاخر، ومن الحجج على السابقين للأواخر، وتزوجها السيد العلامة محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن الإمام يحيى [بن حمزة]() وقد استغنينا بهذا الذكر عن إفراد ترجمة للسيدة فاطمة بنت عبد الله صاحب الجوهر الشفاف.

998- فاطمة بنت يوسف بن محمد الحسني [... - ...]

السيدة العالمة الفاضلة فاطمة بنت يوسف بن محمد الحسني الهدوي.

رحمها الله تعالى.

كانت من الفضليات() أفادني ذكرها شيخنا رَضِيَ الله عَنْه، ولم يزد في شرح حالها على ما يدل على الفضل جملة، قال: أطلعني مولانا أمير المؤمنين وسيد المسلمين المؤيد بالله محمد بن أمير المؤمنين القاسم بن محمد سلام الله عليهما - يوم الأربعاء ثاني عشر من شهر جمادى الآخرة عام ثماني وأربعين وألف بجوار مشهد الأمير الأعظم مجد الدين يحيى بن الأمير بدر الدين شيخ آل الرسول محمد [بن أحمد] بن يحيى بن يحيى عَلَيْهم السَّلام عند هجرة الخَمُوس ببلاد عذر، وأراني خطها خطاً بيناً واضحاً، كتبت كتاب الجواهر() والمنن المنتقى من كتاب السنن لأبي القاسم بن محمد بن الحسين اليمني المعروف في الحجاز الشُّقَيْفِي بضم الشين المعجمة وفتح القاف وسكون المثناة التحتية ثُمَّ كسر فاء ثم ياء نسب، وكتبت في آخر الجزء الرابع، وهو الذي أطلعني عليه أمير المؤمنين عَلَيْه السَّلام دون سائر الأجزاء، هذين البيتين [من الوافر]:

مرادي أن يُرى بعدي رسومي
فلا تجعل فراغك في فراغ
أعاد الله من بركتها.

 

فتى يدعو فينفعني الدعاءُ
فإنَّ العمر ليس له بقاءُ

999- أبو الفتح بن أبي القاسم النهمي [... - ق 7هـ]

القاضي العلامة السابق في حلبات الفضل المجلي لوجوه العلوم المسمَّى() بنصير الدين أبو الفتح بن أبي القاسم بن أبي عمرو النهمي .

هو من أجلاء العلماء ونبلائهم، مشهود له بالفضل المشهور، وتقدم عصره به على العصور، تولى القضاء للإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة بن رسول الله، ووسع الله في أجله حتى وازر الإمام المهدي أحمد بن الحسين وظاهره، وجاهد معه وناصره، وقد سبقت (ترجمة ولده وأخيه الحسن بن أبي الفتح . وكان الحسن فريد وقته، ونسيج وحده قد سبقت)() ترجمته، ولا أدري هل ذكرت شيئاً من درر كلامه أولا فإنها كلمات در، ونفائس غر، يقول فيها بعد آيات() سردها:

 أما بعد ، يا بني الزمن، ومعاشر أهل اليمن، فقد أظلتكم طخيات الفتن، تبدي ما كمن، وتظهر ما بطن، وتقلقل ما سكن، وتسحب أذيال المحن، ولئن أغدقت سحائب ركامها، وترادفت سدف ظلامها، فما يريد الله إغوائكم ولا إضلالكم، ولا استمراركم فيما لا يرضى وإصراركم، إنما يريد الله ليبلوكم حتى يعلم المجاهدين منكم والصابرين، ويبلو أخباركم، وساق على هذا الأسلوب حتى قال: فنجا امرؤ تليت عليه الآيات فتدبرها، وعرضت عليه الشبهات فأبصر الحجج البينات وآثرها، وعنَّت له الشهوات فنهى نفسه عن الهوى وزجرها، وعرف فئة الحق وإن قلت فصحبها، ورأى سفينة النجاة ولو صعبت فركبها {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ(19)} [الرعد]، ثم ساق من الكلم الجوامع والحِكَم النوافع، رحمه الله تعالى.

1000- أبو الفتح بن مدافع الديلمي [... - ق 7هـ]

الشريف السيد العالم المتكلم فريد الصفات مرجع العلماء في المشكلات ومفزعهم في المعضلات : أبو الفتح بن مدافع .

قال السيد الإمام العلامة يحيى بن القاسم [بن يحيى بن القاسم]() بن يحيى بن حمزة بن أبي هاشم رحمه الله : أنه أخو السيد البليغ محمد بن مدافع .

وظاهر كلامه أن هذا أشهر، وله من العلم ما تميز به على الأقران، وهو من ولد الإمام الناصر للحق صاحب التفسير أبو الفتح بن الحسين بن الناصر بن محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عَلَيْهم السَّلام ؛ مقام هذا الأمير() شهير، ومنـزله في الفضائل خطير، ورد اليمن من الديلم فدعا، ولا يرتاب أحد في علمه ولا نسبه.

1001- أبو الفرج بن هِنْدُو() [... - 420هـ]

الشيخ الموفق مكين الدين أبو الفرج بن هندو().

بارع وقته وإنسان زمانه، كان قد حفظ المعقولات وتعلق بالفلسفيات حتى برع في ذلك، وصار برتبة لا يلحق، ثم تاب واستغفر ورجع إلى مذهب الزيدية كثرهم الله، صحب الإمام الناطق بالحق أبا طالب يحيى بن الحسين الهاروني صاحب التحرير .

ومن شعره فيه:

سرَّ النبوة والنبيا
أن الديالم بايعت
ثم استَرَبْتُ() بعادة ال
آل النبي طلبتم
يا ليت شعري هل أرى
فأكون أول من يهز

 

وزها الوصيَّة والوصيا
يحيى بن هارون الرضيا
أيام إذ عادت عليا
ميراثكم طلباً بطيَّا
نجماً لدولتكم مضيَّا
إلى الهياج المشرفيا

 1002- أبو نعيم، الفضل بن دكين() [130 - 219هـ]

الفضل بن دكين المعروف بأبي نعيم.

قال السيد الصارم إبراهيم بن محمد : إنه حافظ الشيعة وإمام زمانه، عده الحاكم في (العيون) من رجال الزيدية.

قال الذهبي: حافظ حجة، إلا أنه يتشيع من غير غلو ولا سب.

قال ابن معين: إذا ذَكَرَ أبو نعيم إنساناً فقال: هو جيد وأثنى عليه فهو شيعي، وإذا قال : مرجي فهو سُنِّي.

قال في الجامع: دُكين بضم الدال المهملة وفتح الكاف وسكون الياء والنون واسمه عمرو بن حماد بن زهير بن درهم مولى طلحة بن عبيدالله() التميمي.

1003- الفضل بن أبي السعد العصيفري() [... - ق 7هـ]

الشيخ أبو الفضل بن أبي السعد العصيفري رحمه الله تعالى.

قال في نزهة الأنظار للعلامة المقرائي :

هو الشيخ الفضل بن أبي السعد بن العروي بن الحسين بن أحمد العصيفري المعلي الريعي() وكان من المجتهدين الأحبار والعلماء الأخيار، وكان ابن خوّام() وقته، له رسالة في الفرائض والحساب والمساحة وعلم الهيئة وما يتعلق بذلك، وقوله في هذه حجة ومحجة، وهو حذام الفرائض وابن ثابته.

وكان أخوه ابن أبي السعد كذلك .

وكذلك له الفايض في علم الفرايض فوق عشرة أجزاء، والعقد أربعة، وشرحه القاضي الأعلم الأفضل جمال الدين سلالة الأكرمين محمد بن حسن المذحجي، وشرح التركات الفقيه الرضى قاسم [بن محمد بن قاسم]() الأعرج وسماه بـالرياض الزاهرات الكاشف لمعاني التركات، وله شرح على المفتاح، انتهى().

1004- الفضل الدمتي() [... - ق 8هـ]

 الشيخ الفقيه العارف الفضل الدمتي رحمه الله.

هو الشيخ الكامل العلامة الفضل بن أبي الحسين بن أحمد الدمتي بالدال مهملة مفتوحة بعدها ميم ساكنة بعدها تاء بمثناه من أعلى وياء النسب، نسبة إلى دمت المشهور.

قرأ على أبي الغزال المصري القادم من الكوفة والعراق بفقه كثير من فقه الزيدية، وقرأ على الشيخ العارف محمد بن سليمان بن عبد الباعث كتاب الجليل للبطليوسي. وقرأ عليه العلامة إبراهيم بن محمد بن علي بن يحيى بن نزار رحمه الله، وللفضل هذا خلاف في الفروع معروف.

1005- الفضل الدمتي (الصغير) [... - ق 8هـ]

العالم المحقق الفاضل الفضل الدمتي رحمه الله.

هو ابن أخي الفضل بن أبي الحسين() المذكور آنفاً.

عالم كبير، وصنوه أحمد من العلماء أيضاً، وقد اجتمعا في كتاب وجهاه إلى علمي العلم النيرين شيخي الفضل أحمد بن حميد بن سعيد الحارثي والمطهر بن تريك ؛ لأنه بلغ الفضل وأخاه أن هذين الفاضلين بايعا السيد شمس الدين أحمد بن قاسم الحسيني الزيدي في زمن الإمام محمد بن المطهر، فأجابهما ابن تريك بقصيدة فاضلة، من جملتها:

فتوبوا عن ظنونكم الخواطي

 

ليهديكم إلهكم الصراطا

 1006- أبو الفضل، العباس بن شروين() [... - ق 5هـ]

الشيخ الوحيد نادرة زمانه قدوة الفضلاء أبو الفضل العباس بن شروين.

من شيرانا رحمه الله.

قال الحاكم : عالم متكلم أديب فصيح زاهد، قيل: كان يحفظ مائة ألف بيت، وله كتب في الكلام حسان، مواعظه تشبه كلام الحسن قرأ على قاضي القضاة ورجع إلى بلده ودرَّس هنالك وقصر أيامه على العلم والعمل، وكان يدعو إلى التوحيد والعدل بقوله وفعله، حدثني أحمد بن علي بن مخلد قال: اجتمع جماعة كنت فيهم، فأنشأنا أشعاراً فعرضناها على أبي الفضل فحكم لي بالسبق، ثم قال لي: لا تضيع أيامك واشتغل بالعلم ثم أنشد [من الخفيف]:

ضاع عمر الشباب عنّي وأخشى

 

أنّ عمر المشيب أيضاً يضيعُ

 قلت: ومما نقله العلامة محمد بن الوليد الزيدي القرشي عنه من روائع كلمه: ما أكلته راح وما وهبته فاح.

قلت: ومقالات() هذا الفاضل شهيرة، وقد ينقل عنه النقل من الأصول إلى الفروع فينسب() إلى المعتزلة كما ذكره في التذكرة وغيرها في معنى ترك السنن، وهو أحد علمائنا بالعراق رحمه الله.

قال العلامة محمد بن سليمان رحمه الله في كتابه الروضة: الفضل بن شروين من علماء الزيدية().

قلت: وله كتاب يسمى المدخل إلى مذهب الهادي عَلَيْه السَّلام، وقد سمي بهذا الاسم عدة كتب في فنون مختلفة. واسمه كما ترى العباس لكنه إذا طُلب لا يخطر بالبال إلا في هذا المحل لاشتهاره بالكنية، وهذه الكنية الشريفة قد اشتهر بها من أصحابنا العراقيين رحمهم الله جماعة : منهم أبو الفضل الناصر من الأجلاء الأماثل، وقد مر بذهني أنه دعا، وهو مصنف كتاب الوافي ؛ اسمه كاسم كتاب علي بن بلال، وله كتاب كشف الحق، ومنهم أبو الفضل شهراشويه المدفون في مالفجان، صاحب حاشية الإبانة، ومنهم أبو الفضل بن شهردوير صاحب دلائل التوحيد في الكلام وتفسير القرآن، وله أخ اسمه إسماعيل عالم كبير، وذكر المُلاَّ يوسف الحاجي الناصري الزيدي رحمه الله هذا، وذكر قبله شهردوير بن يوسف (بن الحسن بن أبي القاسم)() الديلمي المرقاني صاحب لوائح الاختيار في بحث الروح والنور والقبر، وقال: إن هذا المسمى بأبي الفضل ابنه ولعله حينئذ() شهردوير بن شهردوير [بن يوسف، وقد ذكر في حواشي الإبانة في باب الوقف شهردوير]() بن علي هكذا في حواشي الإبانة.

ولعله شهردبير : بعد الراء المهملة دال مهملة بعدها باء بواحدة من أسفل بعدها تحتية مثناة آخره راء مهملة كما ذكر هذا السيد أحمد بن مير الحسني القادم من العراق في إجازته للشباطي.

قلت: قال بعض العلماء: دبير بمعنى شيخ، وشهر اسم المدينة، أي شيخ البلدة، قدم المضاف إليه على المضاف على عادة العجم.

1007- الفضل بن العباس الأنصاري() [... - ق 4هـ]

الفاضل العلامة بهاء الإسلام الفضل بن العباس الأنصاري.

من أعيان أصحاب الهادي إلى الحق عَلَيْه السَّلام، والملازمين لعلومه وأعلامه، وهو كثير الرواية لأحوال الإمام لكثرة اختصاصه به، وكثيراً ما يروي عنه أبو العباس الحسني تارة بواسطة وتارة بغير واسطة ؛ فمما رواه أبو العباس عنه [قال : حدثني أبو العباس الفضل بن العباس رحمه الله]() قال: حدثني سليم مولى فلان، سماه لي، وكان يلي خدمة الهادي عَلَيْه السَّلام في داره، قال: كنت أتبعه حين يأخذ الناس فرشهم بالمصباح في أكثر لياليه إلى بيت صغير في الدار كان يأوي إليه، فإذا دخله صرفني، فأنصرف، فهجس بقلبي ليلة أن أختنس وأبيت على باب المسجد أنظر ما يصنع، قال: فسهر عَلَيْه السَّلام الليل أجمع، ركوعاً وسجوداً، وكنت اسمع وقع دموعه صلى الله عليه ونشيجاً في حلقه، فلما كان الصبح سمع حسي، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا، فقال: سليم، ما عجل بك في غير حينك؟ قلت: ما برحت من البارحة جعلت فداك. قال: فرأيته اشتد ذلك عليه وحرَّج عليّ أن لا أحدث به في حياته أحداً. فما حَدَّثَنا به سليم إلا بعد وفاة الهادي إلى الحق عَلَيْه السَّلام في أيام المرتضى.

ومما روى السيد أبو العباس عن الفضل المذكور عن عبد الله بن أحمد الطيّب قال: كان يحيى بن الحسين عَلَيْه السَّلام يقول كثيراً: أنا آخذ لنفسي مثل ما أعطي أحدكم وأنه قسم يوماً شيئاً من التمر فحبس منه ضِعْفَي ما أعطى الواحد مِنّا، فداخلني من ذلك شيء لقوله الذي كان يقوله، ورابني ذلك، إلى أن قدم بعض الغُيَّب من أصحابه من وَجْه بعثه فيه، فأخرج إليه نصيبه مما كان حبسه فخنقتني العبرة، وجعلت أُقبِّل أطراف الهادي واعتذر إليه وأخبرته بالأمر، فقال: أنت في حلّ يا أبا العباس وسعةٍ من جهتنا().

1008- الفضل بن عبد الله بن الحسن العباسي [... - ق 8هـ]

السيد العلامة البليغ الفضل بن عبد الله بن الحسن بن محمد العباسي رحمه الله.

كان فصيحاً بليغاً أيام الإمام الواثق المطهر بن محمد، وكان يسكن الجراجيش في ذمار وكان جده الحسن بن محمد رئيساً كبيراً، وللحسن أخ اسمه صلاح، وكان رئيساً سامياً خطيراً، وفي ذلك الصِّفْه() عدد كبير من أولاد العباس بن علي، منهم من يسكن جبل بني الجرادي غربي ذمار، ومنهم من يسكن خبان.

1009- الفضل بن الزبير المسمى بالرسان [... - ق 2هـ]

العلامة المجاهد السابق في الخير الفضل بن الزبير المسمى بالرسان، ويقال: الرساء، وهو عم أبي أحمد الزبيري صاحب دعوة زيد بن علي عَلَيْه السَّلام .

ذكره البغدادي في موضعين، قال: إنه ممن اشتهر بالأخذ عن زيد بن علي، وتأخر موته عن موت الإمام عَلَيْه السَّلام.

1010- الفضل بن الزبير() [... - ق 2هـ]

الفضل بن الزبير.

هو رسول زيد بن علي إلى أبي حنيفة للبيعة.

قال فضل : فأتيته فأبلغته رسالة زيد بن علي فخرس لا يدري ما يرد عليّ، ثم قال: ويحك ما تقول أنت، قلت : لو نصرته فالجهاد معه حق، قال: فمن يأتيه في هذا الباب من فقهاء الناس؟

قلت: سلمة بن كهيل، ويزيد بن أبي زياد، وهارون بن سعد، وأبو هاشم الرّماني، وحجاج بن دينار، وغيرهم.

فعرفهم وقال لي: إذهب اليوم، فإذا كان الغد فأتني لا تكلمني بكلمة إلى أن يجيء فتجلس في ناحية فإني سأقوم معك، فإذا قمت فاقف أثري. فاتيته من الغد، فلما رآني قام فتبعته فقال: أقرئه مني السلام وقل له: أما الخروج معك، فلست أقوى عليه، وذكر مرضاً كان به، ولكن لك عندي معونة وقوة على جهاد عدوك، فاستعن بها أنت وأصحابك في الكراع والسلاح، وبعث بها إلى زيد (فقوى بها أصحابه)()، ويقال: أنه كان ثلاثين ألف درهم، ويقال: دينار.

1011- الفضل بن علي بن المظفر العباسي() [... - ق 7هـ]

الأمير نظام الدين الفضل بن علي بن المظفر العلوي العباسي رحمه الله.

كان أميراً كبيراً متبوعاً حسن الاستقامة، له إجازات في علوم عدة من إمامِه المنصور بالله عبد الله بن حمزة عَلَيْهما السَّلام، تدل على جلالته، وكان شديد الاختصاص بالإمام يقرنه بأولاده في الذكر، وشهد الحروب وحشد القبائل لنصرة الحق، وهو أحد الداخلين إلى الأمير بدر الدين محمد بن أحمد رَضِيَ الله عَنْه بعد موت الإمام المنصور بالله عَلَيْه السَّلام يطلبونه القيام وهو بهجرة قطابر، فاعتذر وجزم بأن المصلحة في عقد الحسبة للأمير الناصر لدين الله محمد بن أمير المؤمنين المنصور بالله عَلَيْهما السَّلام.

والداخل إلى هناك() الأمير نظام الدين هذا، والأمير جعفر بن الحسين بن داود الحمزي، والفقيه العالم الزاهد علي بن أحمد الأكوع .

فقال الأمير بدر الدين: أما أنا فلا أصلح لهذا الأمر لأمور أعرفها() من نفسي ولا أعرف من يصلح لهذا الأمر من إمام سابق، وأنه لا يصلح لهذا الأمر إلاّ من اختاره الإمام المنصور بالله في حياته، وبرز فيما يدينه بعد مماته سلام الله عليه، وعرف شجاعته وبسالته إلى آخر كلام الأمير .

وسيأتي إن شاء الله تعالى لهذا ذكر.

1012- أم الفضل بنت المرتضى() [... - 773هـ]

الشريفة الطاهرة الزكية أم الفضل بنت المرتضى بن المفضل() بن منصور.

هي إحدى الأخوات الفضليات ؛ الكاملة صفية وقد أفردنا لها ترجمة.

وفاطمة، قال السيد جمال الدين الهادي بن الوزير: كانت عابدة زاهدة تتلو القرآن، وتتحلى بطرائق الإيمان، وتحافظ على الصلوات بمعرفة وإتقان، وتمكين الأركان، وخشوع للرحمن، وإقبال على الملك الديان، وكانت لا تُشَاكل (في شرف النفس وفي العبادة على أفضل الحالات، وأجمعها للخيرات من المؤمنات الطاهرات)() الفاضلات القانتات الصالحات، توفيت سنة أربع وستين وسبعمائة.

وهذه أم الفضل هي ثالثتهن.

قال السيد جمال الدين: كانت تلو أختها صفية في العبادة والزهادة والوظائف الحسنة، واختصت بأمور من الفضل، منها ترك الزواج للتخلي للعبادة، فلم تتزوج() قط بعد أن خطبها فضلاء السادة، فرغبت في العبادة المرضية، والطاعة لباري البرية، وكانت قرأت كتاب جملة الإسلام ليحيى بن منصور، ونكت القاضي جعفر بن أحمد، ولم يكن لها في سائر العلوم قراءة إلا مطالعة، وكانت ناقلة للكتاب العزيز مقبلة على تلاوته في الأسحار وآناء الليل وأطراف النهار، وابتليت بالشك، فكانت لا ترضى طعام أحد خشية التساهل في الطهارة، ولا تكتسي إلا من غزل يدها، وكانت لا تخرج إلى النساء الغير المحارم، واللاتي يختلفن في الدور حتى الممات ولم تشتغل بغيرها، وكان لها خفر عظيم ليس لأحدٍ، ولقد() كان محمد بن إبراهيم بن مفضل() ابن عمها وأخاها من الرضاعة فكانت لا تواجهه إلا وعليها ثياب الخفر وخمارها على وجهها من شدة الحياء، وكان راتبها() في شهر رمضان كل يوم ختمة قراءة متقنة، معربة مرضية نقلاً عن ظهر قلبها رحمة الله عليها، فهي كاسمها أم الفضل بلا شك ولا ريب، وأعطاها الإمام محمد بن المطهر شيئاً من الثياب، وكذا الإمام علي في وصولها إليهما فاستطابته وجعلته كفناً، وكان الذي أعطاها الإمام علي درّاعه وشيئاً معها.

قال السيد الهادي الكبير رحمه الله: توفيت في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة.

1013- الفضل بن يحيى بن جعفر [... - ق 7هـ]

العلامة رباني العلوم حافظ علوم العترة الفضل بن يحيى بن جعفر بن أحمد بن أبي يحيى رحمه الله. ترجم له السيد العلامة يحيى بن القاسم الحمزي، وقال: إنه من مشيخة الإمام الشهيد أحمد بن الحسين سلام الله عليه، وأنه ممن تولى تدريسه وتخريجه.

1014- فليتة بن الإمام أحمد بن سليمان() [... - ق 6هـ]

السيد الشهيد ربى حجر الخلافة بهاء الدين فليته بن الإمام أحمد بن سليمان عَلَيْهم السَّلام. قال السيد العلامة صلاح بن الجلال رحمه الله في حقه:

إنه بلغ إلى رتبة الإمام، وأخوه المحسن مثله، ونزلا لغرض إلى تهامة فقتلا، وأمهما بنت السلطان فليتة، وما يحضرني شيء من أحوال السلطان إلا صحبته للإمام ومبايعته، ثم ما جرى منه إلى الإمام في آخر الأمر، وقبضه للإمام في ثاقب.

1015- فليتة بن جعفر القاسمي [... - ق 7هـ]

الشريف الأمير فليتة بن جعفر القاسمي() رحمه الله تعالى.

كان خطيراً علامة شهيراً، من أنصار الدين إماماً في العلوم، فائق النظم والنثر، ومن شعره رحمه الله القصيدة المشهورة التي طالعها:

شجاك من الربع القديم التّذكرُ
وحالت به الحالات حتى تنكرت
منازل كانت بالقطيع فأقفرت
بصنعاء إذ صنعاء للملك منزل
منازل سام لم تزل مذ زمانه
على عهد نوح والخليل وسبطه
وأول أرض قيل فيها محمَّد
بها الخير إما كنت للخير باغياً

 

وهيهات قد مرت ليالٍ واعصرُ
معالمه، واستفهم المتحيرُ()
وقصر لدى غمدان شادته حميرُ
وللساكنيها جنة تتخيرُ
إلى اليوم بالأملاك والملك تُعمرُ
وموسى وعيسى عندها() الدين مظهرُ
نبي له في آل هود مبشرُ
وإما شجاك المشرب المتكدرُ

 إلى آخرها، وهي جيدة().

1016- فَنَّا خُسْرُو بن الحسن بن بويه() [324 - 372هـ]

السلطان الكبير عضد الدولة فُنّاخُسْرو بن الحسن بن بويه: أبو شجاع بن ركن الدولة من بني ساسان الأكبر هذا أظهر الأقوال في نسبهم.

وقال في قلائد الجمان:آل بويه من أولاد يافث، وقيل من بني باسل بن أسور بن سام، وقيل: هم من العرب، وهو قريب مما قبله، إلا أن هذا القائل نسبهم إلى باسل بن طابخة بن الياس بن مضر، وضعفه أبو عبيد.

قال الجلال السيوطي في البغية: أنه أحد العلماء بالعربية والأدب، كان فاضلاً نحوياً شيعياً، له مشاركة في عدة فنون، وله في العربية أبحاث حسنة وأقوال، نقل عنه() ابن هشام الخضراوي في الإفصاح أشياء، وكان كامل العقل، غزير الفضل، حسن السياسة، شديد الهيبة، بعيد الهمة، ذا رأي ثاقب، محباً للفضائل تاركاً للرذائل، نازلاً() في أماكن العطاء، ممسكاً في أماكن الحزم، له في الأدب يد متمكنة ويقول الشعر، تولى ملك فارس ثُمَّ ملك الموصل وبلاد الجزيرة، ودانت له العباد والبلاد . وهو أول من خطب له على المنابر بعد الخليفة، وأول من لقب في الإسلام شاهنشاه، وله صنف أبو علي الفارسي الإيضاح والتكملة، وهو الذي أظهر قبر علي بن أبي طالب رَضِيَ الله عَنْه بالكوفة، وبنى عليه المشهد.

مات يوم الاثنين ثامن شوال سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة بعلّة الصرع ببغداد، ونقل إلى الكوفة، وعاش ثمان وأربعين سنة.

انتهى ما أحببت نقله من كلام السيوطي.

قال عبد الله اليافعي في تاريخه : أنه كتم عن الناس موته إلى أول سنة ثلاث وسبعين وثلثمائة حتى أحضروا ولده صمصام الدولة، فجلس للعزاء فجاء الطائع إلى صمصام فعزاه، ثم ولاه الملك وعقد له لوائين، ولقبه شمس الدولة.

قلت: ذكره في رجال الزيدية الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن رسول الله عَلَيْه السَّلام، وهو الخريت الماهر.

قال الحاكم في (العيون) عند تعداد من قال بالعدل والتوحيد من الولاة ما لفظه: ومنهم آل بويه، أكثرهم يميل إلى التوحيد والعدل ومذهب الزيدية، فمنهم عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه، وركن الدولة أبو علي بن الحسن بن بويه، ومعز الدولة أبو الحسين بن بويه.

وكان أبو الحسين يقيم ببغداد يقدم أهل الكلام، وكان يميل إلى الشيخ أبي عبد الله()، ولما مرض مرض موته دعا الشيخ أبا عبد الله حتى لقنه شرائط التوبة، ولزمه حتى مات، وقال يوماً للإمامية: أين إمامكم؟

فقيل له: وأين إمامك؟

فقال: هذا ؛ وأشار إلى أبي عبد الله بن الداعي().

وتوافقت الرافضة والحشوية على قصد الشيخ أبي عبد الله، وأغرى أبو الحسن بن علي الطيب نقيب العلويين به أهل الكرخ، وبلغ ذلك معز الدولة فاستعظم غاية الاستعظام، وأنكر ذلك عليهم إنكار مثله، وأمر برده إلى مجلسه وأنفذ إليه أكابر دولته تعظيماً له، وكان يعظمه لعلمه واعتقاده، ولأنه أستاذ أبي عبد الله بن الداعي.

فأما عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو بن الحسن فقد اشتهرت أخباره بالسياسة وحسن السيرة وبسط العدل، وله حظ وافر في العلم والأدب وشعر الملوك، وكان زيدياً يقدم أهل العدل، فلما دخل بغداد أحب أن يلقاه الشيخ أبو عبد الله، وكان الشيخ يأبى ذلك حتَّى حمله الأصحاب على المصير إليه، وكان به النقرس فحمله الأشراف، وكان المخالفون ينتظرون دخوله ويقولون : إن مدحه ودعا له ترك مذهبه وإلا أوقع به، فلما دخل داره استقبله عضد الدولة إلى صحن داره، وساله عن حاله فقال: أصلح الله الأمير وزينه بالعدل فإن الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم، ثم سأل عضد الدولة عمن كان معه من أصحابه واحداً واحداً، وأمر لهم بجائزة حسنة.

قال السيد أبو طالب: وكنت ممن حضر ذلك المجلس ووصل إليّ جائزته وانصرف أبو عبد الله.

ومنهم : مؤيد الدولة بويه بن الحسن أبو منصور وهو خليفة عضد الدولة، وزّر له الصاحب.

[ومنهم: فخر الدولة أبو الحسن بن علي بن الحسن بن بويه وزّر له الصاحب مدة]() وفي مؤيد الدولة يقول الصاحب:

مفاخر ما نالها قط أحد
مؤيد الدولة وابن ركنها

 

يحوزها المولى الهمام() المعتمد
وابن أخي مُعزها أخو العضد

 وكان يقدم قاضي القضاة ويعظمه إعظام مثله، وكذلك أمراء آل بويه بعده.

ومنهم : مجد الدولة بن فخر الدولة، وله صنف القاضي كتابه الملقب بالمجدي.

وأما بختيار بن معز الدولة فخلط الرفض بالمذهب، وكان ماجناً وكان المتقدمون منهم يذهبون مذهب العدل ويميلون إلى الزيدية، إلى أن انتهى الأمر إلى أواخرهم فدخلوا في عهد القرامطة فانقطعت دولتهم.

*  *  *

قلت: ومن عجيب أمر عضد الدولة ما حكاه الفاضل التنوخي خريج الأئمة خلاصة العترة في كتاب نشوان() المحاضرة قال: حدث عضد الدولة، قال: حدثتني أمي أنها كانت ولدت لأبي ابناً كنّاه أبا دلف فعاش مدة يسيرة ومات، فحزنت عليه ولحقني جزع كاد أن يأتي على نفسي إشفاقاً من أن ينقطع عقبي من ركن الدولة، ولما في طبع النساء من استنكار المصائب، ثم أن مولاي ركن الدولة سلاّني وأقبل عليّ وتطاولت الأيام فسلوت، وإني بعد ذلك ونحن بأصفهان حملت حملاً فلما عرك() في فؤادي لحقني من الخوف والقلق والجزع أعظم شيء خوفاً من أن ألد بنتاً فتنقطع في الحقيقة رؤيتي لركن الدولة فضلاً عمّا سواها، لشدة كراهيته() في الإناث، وكنت أعزي نفسي بالمنى، إلى أن دخلت في شهري فلم تقرّ بي الأرض خوفاً وجزعاً، وأقبلت على البكاء بين يدي الله عز وجل والصلاة كل ليلة أكثر الليالي، والدعاء أن يجعله ولداً سوياً محظوظاً، فكنت أسهر أكثر الليالي وأصلي وأدعو .

فلما كان [في] بعض الليالي أكثرت [الدعاء] ونُمت على حصير المحراب، وكنت قد نقلت. فرأيت في النوم كأن شيخاً() نظيفاً، عريض اللحية والأكتاف أعين، قد دخل عليّ فلما تَبيّنت صورته علمت أنها صورة غير ركن الدولة فارتعت وقلت : يا جواري، من الذي يتجاسر أن يدخل إليّ غير مولاي ركن الدولة؟ فتساعا الجواري نحوي() فزجرهن وقال: أنا علي بن أبي طالب، فقمت أسعى إليه وقبّلت الأرض بين يديه، فقال: لا، لا. فقلت: يا أمير المؤمنين قد ترى ما أنا فيه فادع الله عز وجل أن يجعل حملي ذكراً سويّاً، فقال: يا فلانة، وسمّى باسمي قد فرغ الله من هذا، إنك ستلدين ولداً ذكراً نجيباً سوياً سعيداً ذكياً عاقلاً، بارعاً في آداب وعلوم، كثير المال، عظيم الذكر، عالي السلطان، عزيز الشأن، شديد البطش جليل الخطر في الملوك، متيقظاً في سياسته يملك هذه البلاد وفارس وكرمان والبحرين وعمان والعراق والحيرة إلى حلب ويكون من حاله كذا، ويملك كذا ويسوس الناس بالرهبة، ويغلب الأعداء، ويكون من أعظم الملوك شأناً، وأكثرهم أموالاً وفتوحاً، وذكر شيئاً طويلاً ووصف أشياء كثيرة، ويعيش كذا وكذا سنة، ويملك بعده ولده، ويكون من حالهم كذا وكذا، ويكون آخر من يملك منهم شيخاً() ينتقل الملك على يده.

قال عضد الدولة: فلما ذكرت هذا المنام وتأملت أمري وجدته كما قال حرفاً بحرف، ومضت السنون وانتقلت إلى فارس لما استدعاني عماد الدولة عمي() واستخلفني عليها ونشأت وصرت رجلاً، ومات أبي، وخدمني أبو الحسين الصوفي المنجم، وكان أبو الحسين قد علم المنام ومضت سنون واعتللت علة صعبة أيس مني فيها الطبيب وآيست من نفسي، وكان تحويل سنتي تلك في النجوم رديّاً جداً، وزادت العلة حتى أمرت أن يحجب الناس كلهم ولا يصل إليّ أحد البتة إلا صاحب النوبة في أوقات، ومنعت الطيب أيضاً فأقمت ثلاثة أيام أو أربعة أيام وأنا أبكي في خلواتي على نفسي، فجاءني صاحب النوبة فقال : أبو الحسين الصوفي منذ الغداة يطلب الوصول وقد جهدنا به في الإنصراف بكل طريق وجميل ورفق فلم ينصرف وقال: لا بد لي من الوصول إليه، وقد عَرّفته أن قد رسم لي أن لا يصل إليه أحد من خلق الله تعالى أجمعين، فقال: الذي حضرت به بشارة لا يجوز تأخيرها، فعرّفه هذا واستأذنه في وصولي، فقلت له بضعف صوت وكلام خفيّ: يريد يقول بلغ الكوكب الفلاني المكان الفلاني ويهذي عليّ من هذا الجنس ما يضيق به صدري، ويزيدني على ما أنا فيه وما أَقدر على سماع كلامه، فانصرف فخرج الحاجب ورجع متعجباً وقال: إما أن يكون أبو الحسين قد جُنّ أو معه أمر عظيم وإنني عرفته ما قال مولانا. فقال: ارجع إليه وقل له: والله لو أَمرت بضرب عنقي ما انصرفت أَو أصل إليك، ووالله ما أكلمك في معنى النجوم بكلمة واحدة، فعجبت من ذلك عجباً شديداً مع علمي بعقل أبي الحسين، وإنه ممن لا يخرق معي في شيء، وتطلعت نفسي إلى ما يقوله فقلت أُدخله، فلما دخل قبل الأرض وبكى وقال: أنت والله في عافية (لا بأس عليك)() واليوم تبرأ، ومعي معجزة بذلك، فقلت: ما هي؟

فقال: رأيت البارحة() علي بن أبي طالب عَلَيْه السَّلام والناس يهرعون إليه يسألونه حوائجهم وكأني قد تقدمت إليه وقلت : يا أمير المؤمنين أنا رجل غريب في هذه البلاد تركت نعمتي بالريّ وتجارتي، وتعلقت بخدمة هذا الأمير الذي أنا معه، وقد بلغ إلى حدّ الياس من العلّة، وقد أشفقت من هلاكه فأهلك بهلاكه فادع الله تعالى بالعافية له فقال: تعني أبا الحسن بن بويه؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: امض إليه غداً وقل له: أنسيت ما أخبرتك به أمك في المنام عنّي وهي حامل، أفليس قد أخبرتها بمدة عمرك، وإنك ستعتل كذا وكذا سنة علّة تيأس منك فيها أطباؤك وأهلك ثم تبرأ، وأنت تصحّ من هذه العلّة غداً، ويتزايد صلاحك، وتركب وتعود عاداتك، ولا قطع عليك قبل الأجل الذي أخبرتك به أمك عني.

قال عضد الدولة: وكنت قد أنسيت المنام، وإن أمي قالت لي في المنام إذا بلغت هذه السنة أمرض، فحين سمعت الحال حدث لي في نفسي - في الحال- قوة ونشاط فقلت: أقعدوني، فجاء الغلمان وأمسكوني وأقعدوني حتى جلست على الفراش، واستعدت حديث أبي الحسين فأعاده، فقوّيت نفسي أيضاً، وتولَّدت لي شهوة الطعام، واستدعيت الأطباء فأشاروا بتناول غذاء وصفوه، وعُمِل في الحال فأكلته، ولم ينفض اليوم الذي قال عنه أبو الحسين حتى نالني من الصلاح أمر عظيم وأقبلت() العافية، فركبت وعاودت عاداتي.

قال : و[كان] عضد الدولة [يقول]: كنت أشتهي أن لا يكون في المنام شيء، وكنت أشتهي أن يكون فيه شيء، أمّا ما كنت أشتهي أن لا يكون فيه فهو أنه وقف على أني أملك حلب ولو كان عنده أني أملك شيئاً وراء حلب لقاله، وكأني أخاف أن يكون هذا حد ملكي من تلك الناحية، حتى() أنه لما جاء الخبر بإقامة سيف الدولة الدعوة لي بحلب وأعمالها ودخوله تحت طاعتي وذَكْر() المنام فتنغص عليّ لأجل هذا الاعتقاد.

وأما ما كنت أشتهي أن يكون فيه فهو أني أعلم من هذا الذي يملك من ولدي وهو شيخ وينتقل الملك على يديه.

فمات عضد الدولة بعد هذا بنحو سنتين.

قلت: هذه الرؤيا دالة على عناية أمير المؤمنين كرم الله وجهه بمحبيه، وإن فقدوا شيئاً من الاستقامة في المعاملة لله، قاموا بأمر ؛ وهو المحبة، إذا زلَّت بصاحبه قدم ثبتته أخرى. وهكذا() قد اتفق لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم فيمن أحب ولده عَلَيْهم السَّلام، وإن كان في الولد جفاء()، واتفق أيضاً منه في المنامات غضب على من أساء إليهم.

وقد أحسن أبو هاشم المعتزلي في قوله: لا يحل سبّ العاصي الهاشمي حشمة لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم.

وأحسن منه قول الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عَلَيْه السَّلام أنه يتبرأ من فعل الفاطمي ولا يتبرأ منه، ومثّله بالآية المنسوخة الحكم فإنه لا حكم لها، وحرمتها باقية لا يحل للجنب مسها.

وكذلك كانت فاطمة عليها السلام تغضب لغضب ولدها، ويُشاهد منها في المنام ما هو أشد في الغضب من اليقظة، وقد كاد يتفق لي جزء مجلد من هذا القبيل، حكى كثيراً منه السخاوي الشافعي، وقد اعتنيت بذكر شيء عند ترجمة الأعمش رحمه الله تعالى، وأذكر هنا كالبرهان لما قلته ما حكاه الشريف ابن عنبة في العمدة ما لفظه: ووجدت عن بعضهم أنه قال: لما قتل زيد بن علي وصلب رأيت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم تلك الليلة مستنداً على خشبة وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون أتفعلون هذا بولدي؟!

وحكى ابن عنبة في العمدة الكبرى أنه حكى شيخ الشرف النسابة وأبو علي النسابة العمري: أن الشريف أبا القاسم بن أبي جعفر الأدرع الحسني() أراد بيع جارية يقال لها فرعان، فرأى أمير المؤمنين كرم الله وجهه في نومه يقول له: لا تبع فرعان فهي حامل، ورأت أخته أم القاسم بنت أبي جعفر الأدرع فاطمة عليها السلام تقول لها ذلك، فأمسكها فولدت سمانه() بنته.

قلت: وكان محب آل محمد أحمد بن موسى سهيل النزاري() من عيون المحبين لعلي وأسرته وهو بذلك مشهور، وقد مضت ترجمته ولَعَلي ذكرت القصة هناك، أخبرنا الثقات أنه بات بمنـزله بصعدة، وقد أشفى على الإنهدام، وهو لا يشعر، فرأى أمير المؤمنين كرم الله وجهه يقول له: قم، منـزلك الآن يخرب، فقام وتفل عن يمينه ويساره وتحوّل عن الشق الذي كان عليه، وظن أن هذا كناية عن نقص في دينه، ثم أغفا فرآه ثانية، ثم فعل كذلك فرآه ثالثة جذبه بيده حتى استقام قائماً وانهدم المنـزل.

*  *  *

قلت: وفي نشوان() المحاضرة عدة من هذا القبيل، منها ما حكاه عن الصولي، قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، قال: لما عاد محمد أخي من مقتل يحيى بن عمر العلوي بعد مديدة دخلت عليه يوماً سحراً وهوكئيب مطأطئ الرأس في أمر عظيم كأنه قد عُرض على السيف، وبعض إخوانه حوله قيام ما يتجاسرون على مسألته وأخته واقفة، فلم أتجاسر على خطابه وأومأتُ إليها ماله؟

فقالت: رأى رؤيا هالته.

فتقدمت إليه وقلت: أيها الأمير، روي عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم أنه قال: (إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فليتحول على جانبه الآخر ويستغفر الله عز وجل ويلعن إبليس، وليستعذ بالله منه ولينم).

 قال: فرفع رأسه وقال: فكيف إذا كانت الطامَّة من جهة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم.

فقلت: أعوذ بالله.

فقال: ألست ذاكراً رؤيا طاهر بن الحسين؟

فقلت: بلى.

قال عبد الله: وكان طاهر وهو ضعيف الحال قد رأى النبي صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم في منامه فقال له: يا طاهر، إنك ستبلغ من الدنيا أمراً عظيماً فاتق الله واحفظني في ولدي، فإنك لا تزال محفوظاً ما حفظتني [في ولدي]()، فما تعرض طاهر قط لقتال علوي، وندب إلى ذلك غير دفعة، فامتنع منه.

قال: ثم قال لي أخي محمد بن عبد الله: إني رأيت البارحة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم في منامي كأنه يقول لي : يا محمد نكثتم، فانتبهت فزعاً وتحولت واستغفرت الله عز وجل واستعذت من إبليس ولعنته ونمت، فرأيته صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم الثانية وهو يقول لي: يا محمد نكثتم، ففعلت كما فعلت ونمت فرأيته صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم وهو يقول: يا محمد نكثتم وقتلتم أولادي والله لا تفلحون بعدها أبداً.

وانتبهت وأنا على هذه الصورة من نصف الليل ما نمت، واندفع يبكي، فما مضت على ذلك مديدة حتى مات محمد ونُكبنا بأسرنا أقبح نكبة، وصُرفنا عن ولايتنا، ولم يزل أمرنا يخمل حتى لم يبق لنا اسم على منبر ولا علم ولا في جيش ولا بإمارة، وحصلنا تحت المحن إلى الآن.

*  *  *

وحكى السيد الشريف النسابة أحمد بن علي بن الحسين بن علي بن مهنى بن عنبة الأصغر صاحب كتاب العمدتين : الكبرى والصغرى عند تكلمه في أنساب أولاد داود بن موسى عَلَيْهم السَّلام قصة . قال: ولبني داود بن موسى حكاية جليلة مشهورة بين النسابين وغيرهم مروية مسندة وهي مذكورة في ديوان ابن عنين، وهي: أن أبا المحاسن نصر الله بن عنين الدمشقي() الشاعر توجه إلى مكة شرفها الله تعالى ومعه مال وأقمشة، فخرج عليه بعض بني داود فأخذوا ما كان معه وسلبوه وجرحوه، فكتب إلى الملك العزيز بن أيوب صاحب اليمن، وكان أخوه الملك الناصر أرسل إليه يطلبه ليقيم بالساحل المفتتح من الإفرنج فزهده ابن عنين في الساحل ورغبه في اليمن وحرضه على الأشراف الذين فعلوا به ما فعلوا، وأول القصيدة شعراً:


 

أعيت صفات نداك المُصْقع اللسنا
وما تريد بجسم لا حياة له
ولا تقل ساحل الإفرنج أفتحه
وإن أردت جهاداً روّ سيفك من
طهِّر بسيفك بيت الله من دنس
ولا تقل إنّهم أولاد فاطمة

 

وحزت في الجود حدّ الحسن والحسنا
من خلص الزبد ما أبقى لك اللّبَنا
فما يساوي إذا قايسته عَدَنا()
قوم أضاعوا فروض الله والسننا
ومن خساسة أقوام به، وخنا()
لو أدركوا آل حرب حاربوا الحسنا

 قال: فلما قال هذه القصيدة رأى في النوم فاطمة الزهراء عليها السلام وهي تطوف بالبيت، فسلم عليها فلم تجبه، فتضرع وتذلل، وسأل عن ذنبه الذي أوجب عدم جواب سلامه، فأنشدت الزهراء عليها السلام:

حاشا بني فاطمة كلهم
وإنما الأيام في غدرها
أإن أسا من ولدي واحد
فتب إلى الله فمن يقترف
واكرم لعين المصطفى جدّهم
فكلّ ما نالك منهم عناً

 

من خسة تعرض أو من خنا
وفعلها السوء أساءت بنا()
جعلت كل السبّ عمداً لنا؟
ذنباً بنا يُغفر له ما جنى()
ولا تهن من آله أعينا
تلقى به في الحشر منّا هنَا

 قال أبو المحاسن نصر الله بن عنين: فانتبهت من منامي فزعاً مرعوباً وقد أكمل الله عافيتي من الجراح والمرض، فكتبت هذه الأبيات وحفظتها() وتبت إلى الله تعالى مما قلت وقطّعت تلك القصيدة، وقلت:

عذراً إلى بنت نبي الهدى
وتوبة تقبلها من أخي
والله لو قطّعني واحد
لم أرَ ما يفعله سيئاً

 

تصفح عن ذنب مسيء جنى
مقالة توقعه في العنا
منهم بسيف الهند أو بالقنا
بل أره في الفعل قد أحسنا

 قال الشريف ابن عنبة: وقد اختصرت ألفاظ هذه القصيدة وهي مشهورة، وقد ذكرها() الشيخ أبو عبد الله محمد بن معية الحسني، وجدي لأمي الشيخ فخر الدين أبو جعفر محمد بن الشيخ الفاضل السعيد زين() الدين حسين بن جديد الأسدي ؛ كلاهما عن السيد السعيد بهاء الدين داود بن أبي الفتوح، عن أبي المحاسن نصر الله بن عنين صاحب الواقعة، وقد ذكرها البادراوي في كتاب (الدر النظيم) وغيره من المصنفين().

*  *  *

وفي كتاب الجليس والأنيس للعلامة المعافى ابن زكريا النهرواني() رحمه الله تعالى، وهو كتاب كاسمه، وصاحبه المعافى من أجل أهل وقته حتى قالوا : من أوصى في زمنه لأعلم الناس صرف في المعافى، ومن أوصى لأفضل() الناس صرف فيه، ومن أوصى لأزهد الناس صرف فيه.

قال بعد إسناد ساقه إلى أحمد بن الخطيب قبل وزارته، قال: كنت كاتباً للسيدة شجاع أم المتوكل، فإني لذات يوم قاعد في مجلس في ديواني إذ خرج عليّ خادم خاصة ومعه كيس، فقال لي : يا أحمد إن السيدة أم أمير المؤمنين تقرئك السلام وتقول لك: هذا ألف دينار من طيب مالي خذها وادفعها() إلى قوم مستحقين تكتب لي أسماءهم وأنسابهم ومنازلهم، فكلما جاءنا من هذه الناحية صرفناه إليهم، فأخذت الكيس وصرت إلى منـزلي ووجهت خلقاً ممن أثق به فعرّفتهم ما أُمرت به وسألتهم أن يسمّوا لي من يعرفون من أهل الستر والحاجة، فسموا لي جماعة ففرقت فيهم ثلاثمائة دينار، وجاء الليل والمال بين يدي لا أصيب محقاً وأنا أفكر في سر من رأى وبُعْد أقطارها وتكاثف أهلها ليس بها محق يأخذ ألف دينار، وبين يدي بعض حرمي، ومضى من الليل ساعة وغلقت الدروب وطاف العسس وأنا مفكر في أمر الدنانير إذ سمعت باب الدرب يدق، وسمعت البواب يكلم رجلاً من ورائه، فقلت لبعض من بين يدي اعرف الخبر، فعاد إليّ فقال: بالباب فلان بن فلان العلوي يسأل الإذن عليك، فقلت: مره بالدخول، وقلت لمن بين يدي: كونوا من وراء هذا الستر فما قصدنا هذا الوقت إلا لحاجة، فدخل وسلم وجلس وقال لي : طرقني في هذا الوقت طارق لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم من ابنةٍ لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم ولا والله ما عندنا ولا أعددنا ما يعد الناس، ولم يكن في جواري من نفزع عليه غيرك، فدفعت إليه من الدنانير ديناراً فشكر وانصرف، وخرجت ربة المنزل فقالت: يا هذا تدفع إليك السيدة ألف دينار لتدفعها إلى مستحق فأي محق أحق من ابن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم في الدنيا مع ما قد شكاه إليك؟ فقلت لها: فأيش السبيل؟ قالت: تدفع الكيس إليه، فقلت: يا غلام رده فرده، فحدثته الحديث ودفعت إليه الكيس فأخذه وشكر وانصرف.

فلما ولىّ جاء إلي إبليس لعنه الله فقال لي: المتوكل وانحرافه على أهل هذا البيت يدفع إليك ألف دينار تدفعها إلى محقين() تكتب أسماءهم وأنسابهم ومنازلهم فبأي شيء تحتج وقد دفعت إلى علوي سبعمائة دينار، فقلت لربة البيت: أوقعتني فيما أكره، فأما سبعمائة دينار أو زوال النعمة وعرّفتها ما عندي، فقالت: اتكل على جدهم، فقلت: دعي هذا عنك المتوكل وانحرافه بأي شيء أحتج أيش أقول؟ قالت: اتكل على جدهم.

فما زالت تمثل هذا القول ومثله إلى أن اطمأننت وسكنت وقمت إلى فراشي فما استثقلت نوماً إلا وصوت الفرائق على الباب فقلت لبعض من يقرب مني: من على الباب؟ فعاد إلي فقال : رسول السيدة تأمرك بالركوب إليها الساعة، فخرجت إلى صحن الدار والليل بحالته والنجوم بحالتها، فقالوا: لا بد وأن تركب، فركبت فلم أصل إلى الحوش إلا وأنا في موكب من الرسل، فدخلت الدار فقبض خادم على يدي فأدخلني إلى الموضع الذي كنت أصل، ووقفني وخرج خادم خاصه من داخل فأخذ بيدي وقال لي: يا أحمد إنك تكلم السيدة أم أمير المؤمنين، فقف حيث توقف ولا تكلم حتَّى تُسأل، فأدخلني إلى دار لطيفة فيها بيوت عليها ستور مسبلة وشمعة وسط الدار، فوقفني على باب منها فوقفت لا أتكلم، فصاح بي صائح يا أحمد، فقلت: لبيك يا أم أمير المؤمنين، فقالت: حساب ألف دينار بل ألف مائة() دينار وبكت، فقلت في نفسي بلية علوي أخذ المال ومضى ففتح دكاكين العاميين() وغيرهم واشترى حوائجهم وتحدث فكتب به بعض أصحاب الأخبار فأمر المتوكل بقتلي وهي تبكي رحمة لي، ثُمَّ أمسكت عن الكلام وقالت لي: يا أحمد حساب ألف دينار بل حساب سبعمائة دينار، ثُمَّ بكت ففعلت ذلك ثلاث مرات، ثُمَّ أمسكت وسألتني عن الحساب فصدقتها عن القصة، فلما بلغت إلى ذكر العلوي بكت وقالت: يا أحمد() جزاك الله خيراً، وجزى من في منـزلك خيراً أتدري ما كان من خبري الليلة؟

فقلت: لا.

قالت: كنت نائمة في فراشي فرأيت النبي صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم وهو يقول: جزاك الله خيراً، وجزى أحمد بن الخطيب خيراً، وجزى من في منـزله خيراً فقد فرجتم الليلة عن ثلاثة من ولدي ما كان لهم شيء، خذ هذه الحُلي وهذه الثياب وهذا المال فادفعه إلى زوجتك وقل : يا مباركة جزاك الله عنا خيراً فهذه دلالتك، وخذ هذا يا أحمد لك، فدفعت إلي مالاً وثياباً، () فخرجت تحمل ذلك بين يدي وركبت منصرفاً إلى منـزلي، وكان طريقي على باب العلوي فقلت: أبدأ به إذ كان الله عز وجل رزقنا هذا على يديه، فدققت الباب فقيل لي : من هذا؟

فقلت: أحمد بن الخطيب.

فخرج إلي وقال: يا أحمد هات ما معك.

فقلت : بأبي أنت وما يدريك ما معي؟

فقال لي: انصرفت من عندك بما أخذته منك ولم يكن عندنا شيء فدخلت على بنت عمي فعرفتها الخبر ودفعت إليها المال ففرحت وقالت: ما أريد أن نشتري شيئاً ولا آكل شيئاً، ولكن قم فصل وادع حتى أُأَمِّن على دعائك، فقمت فصليت ودعوت وأمّنَتْ (على دعائي)() ووضعتُ رأسي ونمت فرأيت جدي عَلَيْه السَّلام في النوم وهو يقول لي: قد شكرتهم على ما كان منهم إليك وهم باروك بشيء فاقبله.

فدفعت إليه ما كان معي وانصرفت وصرت إلى منـزلي، فإذا ربة المنـزل قلقة قائمة تصلي وتدعو، فعرفتْ أني قد جئت معافى، فخرجت إليّ وسألتني عن خبري فحدثتها الحديث على وجهه فقالت: ألم أقل لك اتكل على جدهم، فكيف رأيت ما فعل فدفعت إليها ما كان لها، انتهى.

*  *  *

وحكى المعافى بن زكريا في هذا الكتاب بإسناده أن إسحاق بن إبراهيم قال: بينا أنا يوماً قاعد دخل عليّ رجل فقال: أنا رسولُ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم إليك، قال لك: أطلق القاتل المحبوس.

فقلت: ليس عندي قاتل محبوس.

قال: بلى .

قال: فأمرت أن يفتش فذكر لي رجل فأمرت بإحضاره، فرفع في قصته أنه رجل وُجد معه سكين وأنه أُخذ والسكين معه، فقلت: ما قصتك؟

فقال: أنا رجل بتري قد عملت كل بلية من الزنا والفسق والشر، وكنا جماعة في دار فأدخلنا على امرأة فصاحت وقالت : يا قوم اتقوا الله فإني امرأة من ولد الحسين بن علي ومن ولد فاطمة بنت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم.

قال: فدفعتهم عنها.

فقالوا: يا فاسق لما قضيت حاجتك منها تدفعنا عنها، فجاذبتهم وجاذبوني حتى قتلت رجلاً منهم وخلصتها من أيديهم فابتدروني وبيدي السكين وحُبست.

قال: قلت: إن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم جاءني وأمرني بإطلاقك، قال: فقال إني تائب إلى الله عز وجل وإلى رسوله من كل شيء كنت فيه، ولا أعود في شيء منه أبداً. فأطلقته، انتهى.

1017- فوز بنت محمد بن حسن() [... - ...]

السيدة الشريفة المطهرة فوز بنت محمد بن حسن (بن مفضل)() بن يحيى بن علي من ولد العفيف بن منصور . قال السيد الهادي بن إبراهيم بن محمد الوزير رحمه الله:

هي الشريفة العالمة صاحبة الخط البديع، وخطها مشهور معروف في مصاحف ومقدمات معنا ومع غيرنا، وكانت تُقرِي في العربية محارمها من الرجال، قبرها بصنعاء بالمشهد الأحمر القريب من مسجد وهب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حرف القاف


1018- القاسم بن إبراهيم اليوسفي() [... - ق 8هـ]

السيد العلامة الحجة الحافظ الورع الناسك المتعبد رباني العلوم علم الإسلام القاسم بن إبراهيم اليوسفي رحمه الله تعالى.

كان فريد زمانه، ووحيد أوانه، مرجعاً عند الخطوب، مفزعاً عندما تنوب، جالياً للمشكلات، ذكره السيد الحافظ جمال الإسلام الهادي بن إبراهيم في المسائل المذهبة وأثنى عليه، وذكره في تاريخ آل الوزير في موضعين عند ذكر الإمام المهدي محمد بن المطهر، وأنه لما عقد صلحاً بينه ويبن سلطان اليمن اعترض فيه()، فأجاب عن الاعتراض وقال فيه وما فعلت هذا إلا عن رأي السيد الإمام مجد الإسلام المرتضى بن مفضل، وعن رأي السيد علم الدين قاسم بن إبراهيم. والسيد قاسم كان إماماً ورعاً، وسكن الرحا في الشرف، وهو صاحب الأبيات التي يغلط فيها كثير من الناس فينسبونها إلى القاسم بن علي العياني ، وهي: (أصبحت يا مولاي جارك في الثرى).

الأبيات المعروفة ، وقال في الموضع الثاني : كان السيد قاسم بن إبراهيم اليوسفي الهادوي علامة عصره وآية دهره، له علم واسع وفضل باهر، سكن الرحا، وله الأبيات المشهورة التي أولها:

أصبحت يا مولاي جارك في الثرى
مستسلماً للأمر ما لي حيلة
ولها تخميس حسن وقد تقدم ذكر ذلك.

 

متوسداً جنبي اليمين كما ترى
متقطع الأسباب منحل العُرى

فكان هذا السيد ؛ قلت: يعني السيد القاسم ممن عاصر هؤلاء السادة وعاضدهم، وعاضدهم() في تقوية هذا المذهب، وكان سبب() هذه الخلطة دخول من دخل من الأصحاب إلى الشرف، ومخالطة من فيه من العلماء وأهل الصلاح.

قلت: وأراد بهؤلاء السادة الأمير صلاح بن تاج الدين، والسيد الكبير يحيى بن منصور؛ هذا ما ذكره السيد الهادي . ولم يذكر نسب() السيد علم الدين إلا بنسبته له يوسفياً، وذلك صريح أنه من ولد الإمام يوسف الداعي.

وقد ذكر السيد صلاح الدين صلاح بن الجلال أن من ولد القاسم بن يوسف وولد ولده الحسين بن القاسم ساكني الرحا وقلحاح، وقالوا: أن المراد بهجرة قلحاح أيضاً الرحا ؛ فإنه يقال لجميع الشرف شرف قلحاح.

وقلحاح أيضاً، مكان معين فيه كان مستقر السلاطين بني أبي الحفاظ.

وفي الرحا أيضاً أشراف من ولد القاسم بن علي العياني وبيت من الحمزات.

1019- القاسم بن إبراهيم الحسيني() [... - ق 8هـ]

السيد الفاضل الكبير وارث السلف علم الدين القاسم بن إبراهيم الحسيني الزيدي نسباً ومذهباً بن إبراهيم بن المطهر بن أبي طالب يحيى بن الحسن بن يحيى بن القاسم بن الإمام محمد بن القاسم بن الحسين بن محمد بن القاسم بن يحيى بن الحسين بن الإمام الشهيد زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عَلَيْهم السَّلام.

ذكره في تاريخ السادة، وذكره الأمير صلاح الدين.

قال في التاريخ: إنه سكن ملاحاً من أرض المشرق، وذكر أن ولده يحيى بن القاسم كتب إلى الواثق أبياتاً يعيبه على النـزول معيناً على ابن ميكائيل. وكان ابن ميكائيل يدعي أنه شريف من أولاد الحسن بن علي وكان والياً للمجاهد على تهامة، فلما قبض المجاهد تغلب على ما تحت يده، وحاربه الأفضل واستعان عليه بالأشراف فنـزلوا معه.

قال: وكان هذا السيد يعني يحيى ووالده يعني القاسم من عيون أهل البيت المطهرين، وهم من أهل بيت رياسة في الأشراف يسكنون ملاحاً() ويغتبطون بها، قال السيد قاسم في ذلك [من البسيط]:

من أحسن الأرض مصر والعراقان
وله رحمه الله تعالى:

 

أمّا ملاحاً فما فيها لها ثان

يا خليلي بالدعاء
رحم الله قائلاً:

 

شاركاني وقاسِما
رحم الله قاسِما

 1020- القاسم بن إبراهيم بن المفضل() [... - ق 8هـ]

السيد العالم الكامل علم الدين القاسم بن إبراهيم بن المفضل بن منصور .

رحمه الله تعالى.

قال السيد الهادي بن إبراهيم بن محمد فيما أظنه : كان من فضلاء أهل بيته كثير العبادة والإخبات والزهادة، وكان متعلقاً بعمه المرتضى أكثر من تعلقه بأبيه، وزوجه ابنته الشريفة المطهرة فاطمة بنت المرتضى، وكان له انقطاع كلي إلى العبادة لا يكاد يفتر، وكان لكثرة ولعه بعمه المرتضى أنه في أعقاب كل صلاة يستوصي ويسأل الله في حاجة له ولا يفصح بها أبداً، فأصابه ألم الموت فقال: أتدرون ما تلك المطلبة التي لازمت الله تعالى فيها واستعنت بأهل الفضل في سؤال الله؟ قالوا: لا. قال: هي أن يتوفاني الله قبل موت عمي المرتضى، وأظنها قد نفذت، فكان كما قال. وكان من فضله أن قام المرتضى على قبره وصلى عليه وشيع جنازته وقبره بجزع عِناش بالقرب من قبر والده.

قلت: جزع عناش مشهد لأهل هذا البيت الشريف في جبل بني حجاج عند قبر السيد حميدان بن يحيى.

1021- القاسم بن الإمام إبراهيم بن تاج الدين [... - ق 8هـ]

السيد التقي الكامل القاسم بن أمير المؤمنين إبراهيم بن تاج الدين رحمه الله.

قال السيد صلاح بن الجلال: كان معروفاً بالخير() والصلاح والتقى والبصيرة، قبره في المقبرة التي على باب() مسجد الأمير تاج الدين منفرداً، إلا من ناحية المغرب فهو متصل بقبر الأمير الخضر بن الإمام الحسن.

1022- القاسم بن إبراهيم بن محمد بن الهادي [... - 851هـ]

السيد البليغ العالم علم الدين القاسم بن إبراهيم بن محمد بن الهادي بن إبراهيم بن المؤيد عَلَيْهم السَّلام.

قال في المشجَّر المنسوب إلى الأمير صلاح بن الجلال وبعضه من تكميل الإمام الهادي لدين الله عز الدين بن الحسن، وبعضه من إملاء العلامة عبد القادر صاحب السلوك في الفقه ما لفظه: كان عالماً سيما في العربية فصيحاً، ومات بأعلى فلله، ودفن بالمشهد المبارك حول قبة الإمام علي بن المؤيد سنة إحدى وخمسين وثمانمائة.

1023- القاسم بن أحمد بن إسماعيل [... - ق 5هـ]

السيد الكبير العلامة السراج المنير القاسم بن أحمد بن إسماعيل بن أبي البركات بن أحمد [بن القاسم]() بن محمد بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عَلَيْهم السَّلام.

قلت: هو من علماء العترة النبوية، وسادات العصابة العلوية، وهو جد الإمام الشهيد أحمد بن الحسين عادت بركته ؛ لأنه أحمد بن الحسين (بن أحمد)() بن القاسم بن عبد الله بن القاسم هذا صاحب الترجمة.

قال السيد الإمام المتضلع في العلوم يحيى بن القاسم الحمزي: إنه دعا إلى كتاب الله وسنة رسوله بجهة حراز، وتكنى بالمنصور بالله، واستقر ملكه في أكثر اليمن . وقال غير السيد يحيى المذكور ما قاله السيد يحيى على السواء، وزاد فقال: وأعانه أخواله الأمراء() السادة ذو الشرفين والفاضل محمد والقاسم ابنا جعفر بن الإمام القاسم بن علي، وابن عمهم الأمير الحسن بن إبراهيم بن سليمان بن الإمام القاسم الذي حصّن ثلا.

قلت: فما كان من أهل هذا التاريخ ؛ لدعوته غير أنها كانت خفية، وكان الأميران وابن عمهما لا يعينانه على دعوة محققة ؛ لأنهما تركا الدعوة في الظاهر لاعتقادهم حياة الحسين بن القاسم. والأظهر أن تركهما الدعوة لاعتقاد أنصارهما ذلك وشيعتهما، فبكل حال ما تظهر دعوة هذا() الشريف ويراد بها الإمامة ؛ لأنهم مانعون ممتنعون إما للوجه الأول أو الثاني.

1024- القاسم بن أحمد المفضل() [... - ق 8هـ]

السيد الجليل العلامة النبيل القاسم بن أحمد بن() الأمير يحيى بن منصور.

قال في تاريخ السادة رحمهم الله: إنه العالم الكبير والسيد الشهير، ولم يزد على هذا، وهذه كلمات دالة على نجابة وفضل غير أن أعلام علمائنا لم يذكروا هذه الصفات إلا تبعاً لمقاصد من تشجير لأنساب أو مناظرة.

1025- القاسم بن أحمد بن سليمان الجيلي() [... - ق 8هـ تقريباً]

الفقيه العلامة الصدر شمس الدين داعي أمير المؤمنين أبو محمد القاسم بن أحمد بن سليمان الجيلي الزيدي الناصري صاحب بلهجان رحمه الله.

من العلماء الكبار المعول عليهم في العراق وغيره، ووجه [إليه] الإمام المظلل بالغمام رسالته ودعوته التي قال فيها: ونحن نعلمكم أيدكم الله والحمد لله رب العالمين أن فينا من العلماء المبرزين عدداً كثيراً، وجماً غفيراً، من العترة الهادية المهدية، وأتباعهم من الفرقة الناجية الزيدية، فمن العترة شموس علم باهرة، وأقمار فهم() زاهرة، فمنهم من أولاد القاسم بن إبراهيم جماعة وافرة، يرجون للإمامة، ويؤهلون للزعامة، ويحف بهم من علماء الزيدية نجوم علم منيرة، وأقمار فهم مديرة، من عيونهم المشاهير الفقيه العالم ابن العالم جمال الدين حميد بن أحمد محيط بالأصولين إحاطة الهالة بالقمر، ومحتوٍ على الفروع إحتواء الأكمام على الثمر، ضارباً في علم الفرائض بالحظ الوافر، ومن العربية بنصيب غير قاصر، أشبه أباه الشهيد حلماً وعلماً، وماثله خَلقاً وخُلقاً، ومن أشبه أباه فما ظلم، ثم ذكر الإمام جماعةًمن فضلاء الشيعة.

1026- القاسم بن أحمد بن عبد الله الشاكري() [... - بعد 653هـ]

سيف الإسلام ولسان الملة العالم الكبير الفقيه حقاً، البليغ المجاهد المحقق في فنون العلم القاسم بن أحمد بن عبد الله بن أحمد الشاكري، نسبة إلى جبل يسمى شاكر من ظاهر همدان يتصل بجبل الميفاع().

هو لسان البلاغة، والمسور لها بأساوره المصاغة، إمام في العلوم بأسرها، وله صنف القاضي الأجل أحمد بن نسر كتاب الوسيط في الفرائض.

قال في خطبة الوسيط: وبعد، فإنه لما سمع عليّ الفقيه الأجل الأكمل، رفيع القدر والمحل، نظام الدين، ولسان المتكلمين، وقريع الميادين: القاسم بن أحمد الشاكري طول الله عمره وأعلى في الدارين درجته ؛ مذاكرة في الفرائض ألقيتها عليه على وجه الإجمال من غير أن آتي له بمثال، على الحد الذي كنت سمعته من شيخي جزاه الله عني خيراً، فسألني بعد ذلك المساعدة إلى تعليقها، وبيان كل مسألة وتحقيقها، فأجبته إلى ما قال وأسعفت له بالسؤال.

قلت: وأحمد بن نسر بن مسعود بن عبد الله بن عبد الجبار العنسي صاحب الوسيط، لعلها قد سبقت له ترجمة()، وشيخه الذي لمح إليه القاضي العلامة الزاهد علي بن مسعود النويرة تلميذ الفضل بن أبي السعد العصيفري كما أثبت ذلك المقرائي في نزهته رحمه الله.

قلت: والقاسم بن أحمد الشاكري أحد من صحب الإمام المهدي أيام دراسته، وتولى من أمر تدريسه وتهذيبه ما يحسن الله جزاءه، وصحبه في المشاهد، فقاول بلسانه وقاتل بسنانه، وكان يقود العسكر للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى قتل في ناحية الظفير رحمه الله، وقيلت فيه المراثي، وناح عليه الفضلاء، وهو الحاضر لقضية الحشيشيين() الذين سطوا على الإمام أحمد بن الحسين وقبض الشفرة، ودافع رحمه الله أحسن دفاع، وله شعر ووجهه إلى الجيل والديلم، وأرسل هو والعلماء بقصيدة المتوكل أحمد بن المنصور بالله التي امتدح بها الملك المظفر الرسولي، التي منها:

لعلّ الليالي الماضيات تعودُ
عفا منزل ما بين نعمان واللوى
وكانت به العِيْنُ الغواني أوانساً
مجرّ أنابيب الرماح ومُبْتَنى
كأنّ غصون الدَّوح فوق عراصها
فيا دارنا بين العيينة والحمى
فكيف بمن أمسى ظفار محله
هواي بنجد والمنى بتهامة
وإنّ فتىً تبقى مواثيق عهده
ولما شرى البرق الشآمي هاج لي
فهل لجنوب الريح أن تلثم الثرى
على أربعٍ بين الصعيد وصعدة
مشاعر حج الطالبين فلا الأذى
ومنها في مدح السلطان المظفر:

ولما قصدت الملك ذا التاج يوسفاً
دعوت فلباني فتى لا مزيَّدٌ
وما لي لا أرخي الركاب إلى ذرىً

 

فتبدو نجوم الدهر وهي سعودُ
وجُرّت به للرامسات برودُ
فأضحت به العِيْنُ الوحوش ترودُ
قبابُ ظباءٍ ريقهن() برودُ
قنا الخط تهفو فوقهن برود
هل الروض روض، والزرود زرود؟
ومن بات قد حالت عليه زبيدُ
متى يلتقي بالمُتْهمين نجود؟
على مثل ما لاقيته لجليدُ
جوىً واشتياقاً ليس فيه مزيدُ()
بنشر تحيات لهنّ صُعودُ
وبين براش لي بهن عهودُ
قريبٌ، ولا نُجْحُ الرجاء بعيدُ

علمتُ بأن الهم ليس يعودُ
مَلولٌ، ولا واهي اليدين بليدُ
به الشُّهْبُ شهبٌ، والصعيد صعيدُ

 ثم ساق في مدح الملك المذكور وتعقب ذلك الكائنات التي فيها الخطب العظيم من قتل الإمام أحمد بن الحسين . وفي أثناء كتابة هذه إلى الملك فعل المتوكل أحمد بن المنصور رسالة إلى الجيل والديلم وكان بليغاً متكلماً فصيحاً، فتظلم وخشي العلامة الشاكري أن ينخدع أهل الجيل والديلم فكتب قصيدة فائقة رائقة غابت عني عند كتابة هذه القصيدة مع أنها المقصد، لكن حال دونها بعد المحل الذي كتبتها فيه()، ذكر فيها أحوال المتوكل وميله إلى الدنيا، وأنه أوفد نفسه على السلطان وامتدحه بهذه القصيدة.

وكان الشاكري كثير العناية بالدين والشرع وشعره واسع كثير، فمما حضرني ما قاله من قصيدة في حرب سناع مع الإمام المهدي أحمد بن الحسين [من الطويل]:

أشوقاً إذا غنت بأيكٍ حمائمُه
بكت ساريات المزن بالقطر موهناً
ألثّت به الجون المداليج برهةً
إذا نثرت فيها السحائب لؤلؤاً
وإما سرت فيها النسيم تأودت
أشيمُ له البرق اللموح إذا شرى
يسامره ليل التمام متيّمٌ
وما زلت أرعى العهد بيني وبينهم
ومن يك ممذوق المودة ناسياً
تذكرت عصراً في (سناع) مضت به
أقام عليه الجيش ستة أشهر
نلاقي به جيش العدو وننثني
فطوراً نغاديه إلى عقر داره

 

لربع عفت آياته ومعالمُه
عليه فأضحت باسمات كمائمُه
فراقت مغانيه، وراقت() مباسمه
بدا زهره رقماً مشوقاً دراهمُه
غصون روابيه، وفاحت لطائمُه
وهل يشتفى من بارقٍ لاح شائمُه
أخو زفرات موجع القلب هائمُه
إذا ضيعت من حق عهدٍ لوازمُه
فما أنا إلا صادق الودّ دائمُه
مدونةٌ أيامه() وملاحمُه
أسنّتُه مشهورة وصوارمُه
وقد أعْولَتْ في كل حي مآتمُه
وطوراً يغادينا تَبارى صلادمُه

 وهي طويلة غراء رَضِيَ الله عَنْه، وقد اقتصرنا على هذا.

وعارض هذه القصيدة السيد الأمير البليغ يحيى بن القاسم الحمزي جامع سيرة الإمام أحمد بن الحسين، وهو من أخوال الإمام، فقال قصيدة أولها:

هو الصب فاقصد بالذي أنت لايمُه
فلو هصرت غصن الهوى منك لوعة

 

ودعه فيكفيه الذي هو كاتمُه
عذرت ؛ فخل الدمع ينهلّ ساجمُه

 وهي طويلة أيضاً طائلة.

استشهد هذا العلامة الشاكري في تاريخ .................

1027- القاسم بن أحمد المحلي الوادعي() [... - ق 8هـ]

إمام المعقول والمنقول ولسان فروع العلم والأصول علم الدين القاسم بن أحمد بن حميد بن أحمد بن حميد (بن أحمد)() بن محمد بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد الرزاق بن إبراهيم بن أبي القاسم بن علي بن الحسن بن إبراهيم بن محمد بن يزيد اليعيشي المحلي الوادعي الصنعاني الهمداني.

مطلع الخفيات في مطالع الأهلة، والكاشف لظلم الشكوك بشموس الأدلة، كان من أوعية العلم سيما الأصولين، وتكلم وسبق واعترف له الناس بفخره، واغترفوا من بحره، له في علم الكلام على شرح الأصول الخمسة (الغرر والحجول) كتاب فائق، وله على الجوهرة في أصول الفقه تعليق سماه الضامنة أفاد فيه وأجاد، وانتقد غاية الانتقاد.

وسماه بعض العلماء : برازي الزيدية لتبحره في العلوم().

وقد ذكره صاحب النـزهة وذكره السيد الهادي في التاريخ، وحكى عنه() أن السيد محمد بن أبي القاسم كان إمام الصلاة في مسجد حوث، فالتفت بعد الإقامة فأمر بتعديل الصفوف كما جاءت به السنة النبوية، فقال له الفقيه قاسم المذكور : العجب ممن يُعَرّف من هو أعرف منه.

وقبر الفقيه قاسم في مقبرة صنعاء حرسها الله.

1028- أبو القاسم بن أحمد بن الهادي الصنعاني [... - ق 11هـ]

العلامة المحقق أبو القاسم بن أحمد بن الهادي الصنعاني رحمه الله.

شيخ الإمام القاسم في (الكشاف) وشيخ غيره فيه.

كان عالماً فاضلاً خصوصاً في الكشاف، وقبره بجربة الروض.

1029- القاسم بن أرقم [... - ق 2هـ]

العلامة المجاهد السيف المنتضى القاسم بن أرقم رحمه الله تعالى.

من الذين أخذوا عن الإمام الأعظم زيد بن علي عَلَيْهما السَّلام.

ذكره القاسم بن عبد العزيز البغدادي.

1030- أبو القاسم بن أبي الأغر [... - ق 5هـ]

العلامة الكبير أبو القاسم بن أبي الأغر رحمه الله، كان من شيوخ الزيدية وكبارهم، وكانت بينه وبين الإمام المهدي الحسين بن القاسم محاولات ومقاولات.

1031- القاسم بن جعفر المعروف بالشريف الفاضل() [411 - 468هـ]

واسطة عقد الأمراء ورابطة مجد الكبراء سلطان الإسلام وعلم العترة الأعلام المعروف بالفاضل: القاسم بن جعفر بن أمير المؤمنين القاسم بن علي العياني رحمه الله.

السابق الذي لا يبارى، والنير الذي لا يتوارى، الفاضل كاسمه، ترجم له العلماء بالتراجم الطوال بل صنف الشيخ مفرح الربعي كتاباً مبسوطاً في أحواله وأحوال أخيه ذي الشرفين، وقد وسع العلماء في شرح أحوالهما.

قال السيد الهادي() بن إبراهيم : الفاضل، هذا هو الذي يُنسب إليه درب الفاضل بالجوف، وكان إماماً عالماً عاملاً فارساً كاملاً، وكان أهل زمانه يفضلونه على حمزة بن أبي هاشم في كماله، وقتل بالجوف بالوادي، ونقل إلى الحضن من بلاد وادعة.

قلت: وقبره شهير مقصود من النواحي وعنده عمارة ومجامع للناس، وعمل هنالك بركة للماء وسيعة رحيبة عن أمر الإمام أمير المؤمنين المؤيد بالله عَلَيْه السَّلام. وكان هذا الأمير حتفاً لأعداء الله، وكانت في زمانه وقائع منكية لقلوب الأعداء مبكية لعيونهم.

قال الشيخ أبو الغمر مُسلم اللحجي: لم أر() في زمن حمزة بن أبي هاشم والفاضل من آل الرسول أقوم منهما بعبادة الله تعالى فيما بلغني، ولا أشد غضباً لله على المعاصي، وكان القاسم - يعني الفاضل- أعلاهما عند الناس درجة في ذلك.

ثُمَّ قال: إنه وحيد في قرنه وأقرانه، ورجاله وزمانه، معدوم المثل على كل حال، ومما يعرف به القاسم بن جعفر من الغضب لله مع قيامه على الصليحيين مرةً بعد أخرى ؛ أنهم لما صاروا إلى شهارة في شهر رمضان سنة ستين وأربعمائة، وذلك بعد قتل علي بن محمد الصليحي وعجز المكرم ابنه وسائر ملوك الدعوة الصليحية عن الظفر وقَتْلِهم حاشد بن كديس، وجولة بن محمد، وهما من سلاطينهم بالرحبة من نجد الحبلة تحت شهارة، وهزمهم هزيمة بعد أخرى، لبثوا إلى سنة ثلاث وستين .

ودعا جعفر بن الحسن الشمري وخطب للصليحيين على منبر الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عَلَيْهما السَّلام بصعدة ؛ فنهض القاسم بن جعفر بنفسه ولم يرض بنائب عنه حتَّى دخل إلى صعدة فقبض على الشمري ورجع به إلى شهارة، فلبث في سجنها إلى سنة سبعين وأربعمائة، وأظهر النكرة والغضب مما صنع حتى مُدح بذلك، وقد قيل فيه الشعر، قال مفرح بن أحمد الربعي [من الكامل]:

كن يا رسولُ إذا عزمت مشمّراً
واقصص لمولانا الأمير محمدٍ
ومنها:

قُدْنا من الجبل المنيع جيادنا
فمضين شعثاً كالعشار بوادياً()
يتبعن أشمط هاشم وهمامها
فدخلن هجرة جده الهادي بنا
متغضباً لما طغت واستعملت
ومنها :

فدعا المخلع فوق منبر جدنا
ورجعن بالأسرى وكانت عندنا

 

وعلى السفارة بالبشارى عازما
أخبار مخرجنا وأَوِّبْ سالما

لدن الأعنة كالصخور صلادما
وسلكن شرقاً كالظباء سَوَاهِما
نجل الأئمة ذا المهابة قاسما
أكرم بها وبه إليها قادما
سكان صعدة رأيها المتقادما

قُدْنا إليه المأقط المتلاحما
دون الغنائم والإناث عقايما()

 قلت: ولبث الشمري بالسجن بشهارة في بعض الروايات ست سنين إلا شهرين، وفي أخرى سبع سنين، ولم يخرج إلا بعد تسليم ثلاثة آلاف دينار، وسنذكر شيئاً من أحوال هذين الأميرين وما أنفقاه في نكاية الأعداء عند ترجمة الأمير ذي الشرفين ؛ وما لقي منهما الصليحي على مساعدة الأيام مِنْ أحد ما لقي منهما.

وروى القاضي أحمد بن عبد السلام بن أبي يحيى والد القاضي جعفر أن الشريف الفاضل كان يقول: أما إني سأُفْقِرُ بني الصليحي فأمّا القتل لهم فلا أَصِلُ إليه.

فتحرك لذلك بعد أن استقر الأشراف وشيعتهم بشهارة، فصادفت حركته مجاعة شديدة أتت على صنعاء وأعمالها خاصة، وعلى اليمن عامة، فسلم إليه قبائل صنعاء ما في أيديها من الجبال والحصون، وبقي بيت بؤس بأيدي الصليحيين، فلزم أصحاب القاسم بن جعفر جبلاً فوقه يعرف بقرن عنتر . وهو يسمى اليوم ظفار كما قال السيد محمد بن عبد الله الوزير، وهو يحاذي أرتل وسناع، وبناه من بعد الملك المظفر وأخربه من بعد ذلك. فحصرهم من ثمَّة ومن مقطوع كنن، وكانت في طاعته آل أبي الفتوح وخولان العالية، وعسكر بعض أصحابه بجبال تنعمة والسر() والمشرق كله، وبعضهم بناحية ثلا لحصار الزواحيين بشبام وكوكبان، وبنى ابن عمه الحسن بن إبراهيم بن سليمان بن القاسم بن علي جبل ثلا، وهو أول من بناه، فضايقوهم بصنعاء وشبام حتى أداهم ذلك بعد أن طال الحصار إلى الهرب عن صنعاء إلى ذي جبلة، وقد صار في أذان نساء الصليحيين أخراص الصُّفْر، وبيعت الآلات والثياب والمراكب وحلي الأسلحة وغير ذلك.

وكان من سبب ذلك أيضاً أن قبائل مشرق همدان من عذر وذيبان ونحوها كانت قد أقبلت إلى المكرم فحلفت على السمع والطاعة وحرب الأشراف، ولم يكن في خزائنه ما يعطيهم إياه، فضرب لهم قدر صُفرٍ دنانير، واحتيل على تلوينه بما صبغه حتى قبلوه، وكان العطاء أربعة أربعة، فأخذوا عطاهم ورجعوا إلى طاعته حتى أتوا سوق حدقان من الرحبة فتقدم بعض مشائخهم بدينار مما معه لشراء صوف استرخصه فأعطاه البَيّع فرده ثم أعطاه آخر فرده ثم ثالثاً ورابعاً حتى رد ما معه، قال: كيف ترد دنانير مولانا؟ فادنوه من أنفه فشمَّ رائحة الصُّفْر فالتفت إلى أصحابه فأخبرهم، فجعل كل ينظر فيما معه من تلك الدنانير ويرمي به، ثم انصرفوا غضاباً على المكرم، وكانوا بعد من أشد أعوان القاسم عليه.

قال: وإن القاسم ومحمد ابنا جعفر بن القاسم نظرا في أمر البلاد والحصون التي بأيديهما، وكانت نحواً من ثلاثين قلعة، ومما يدخل عليهما من جبايات البلاد، فوجدا النفقة كل يوم سبعين ألف دينار، وما يحصل من جبايات البلاد وما يؤخذ من سائر البلاد وكان قد تؤخذ معونة ثلاثة أرباع المال مع الإعسار، وما يصطفى من الصوافي قدره سبعون ألف دينار في السنة، فسقط في أيديهما وأيقنا بالهلاك لمن معهما، فأَخْفيا الأمر وكتبا في ليلة واحدة إلى جميع النواحي يأمران أصحابهما بالتخلي عن المراكز والعساكر والقلاع والتخلص بالحيلة إليهما. وكانا بمسور المنتاب، فقلّدا أمر البلد المنصور بن الحسين بن المنتاب وأودعاه الحريم وانسلاّ حتى هبطا بطن شِرَس، وأدرك من علم بهزيمتهما من أصحابهما، فنُهب نفر وقُتل آخرون. فصارا إلى جبل شهارة، فأقاما فيه ولحق بهما أصحابهما، وكانت مدة كرتهما هذه ثلاثين شهراً().

قلت: والفاضل عَلَيْه السَّلام قد صابر أهل هذه المملكة الصليحية، وفي ذهني انه في أيام شباب دولتهم دخل الحجاز ومكة، واجتمع بالشريف شكر بن أبي الفتوح الحسني الزيدي رحمه الله.

ورأيت بخطي وأظنه() منقولاً من (اللآلي) عن سيرة مفرح: أنها كانت أيام عمر الفاضل قبل بلوغ الحلم خمس عشرة سنة، وفي سفر الشام سبع سنين، وفي حرب بني الصليحي بعد مراحه من الشام عشر سنين، وفي الدراسة ست عشرة سنة.

وفي أيام حربه للسلطان علي بن محمد بنى الهرابة() وحصّنها، وأجرى إليها وشلاً من موضع عندها، فسار إليه علي بن محمد الصليحي بجميع أهل اليمن وملوكه، فحاصره سبعين ليلة وقاتل عليها قتالاً شديداً، وقطع الماء عن السيد الفاضل حتى قال: والله ما أعلم أحداً بُلي قبلي بمثل ما بليت به، فإن الحسين عَلَيْه السَّلام منع الماء ثلاث ليالٍ أو أربع وأنا منعت الماء سبعين ليلة.

ولما دخل الصليحي الهرابة عقيب استيلائه عليها دخل وهو ضامٌ لأنفه من رائحة جيفة الموتى وأخذ يتعجب من صبر من بها حتى قال: والله لو ملكت رجالاً كرجال الهرابة لأملكن بهم العراق!

ثم إن السيد الفاضل وقف في صنعاء محبوساً نحو عامين، وكانت زوجة الصليحي أسماء محسنة إلى الفاضل في أيام حبسه، ثم أطلقه الصليحي.

قلت: وقد ذكر الأمير صلاح بن الجلال: أن الفاضل وذا الشرفين كانا بالهرابة وحبسا جميعاً، وهكذا حكاه ابن المظفر عن غيره في الترجمان، وأن الشريفين حُبسا جميعاً ثم أطلقهما بشفاعة أبيهما جعفر بن الإمام. والأشهر أنه الفاضل وحده.

وكان الصليحي يعظم جعفر بن الإمام، وإنه في مقامه عنده ما سبقه إلى صباح قط بل يسبقه الصليحي فيُصَبِّحه.

قيل: وكان موت جعفر عند الصليحي وسبب موته فيما ذكر مفرح أن الصليحي جمع ملوك اليمن وحصر الكرنديين ملوك المعافر في حصن السوا() وحصن السَّمَدان()، فنازلهم الصليحي هنالك وجعل وباء البلاد وعفونتها كالسم لملوك اليمن الذين معه، فمرض الملوك وماتوا، وكان الأمير جعفر بن أمير المؤمنين من أجلهم وهو أجلهم، فتوسط بين الصليحي وبين الكرنديين بأمان وضعه الصليحي لهم ثم غدر الصليحي في الأمان، فمات الأمير جعفر من الغيظ.

والشريف الفاضل تستغرق أحواله مجلدات ولكن هذا اللائق بهذا التاريخ، ومن عجيب أمره أنه كان للدولة منجم يسمى بحراً، وهو مشهور، وكان متبحراً في علم الفلك، وكان يسأل في الموالد والقرانات، فعرض عليه رجل مولد الشريف الفاضل ولم يُخَبّره من هو. فلما نظر إليه تأمله وعرف مضمون دلالته، فقال بحر: لمن هذا الولد؟

فقال السائل: لرجل من آحاد الناس.

فقال بحر: فكيف بك إذا خفقت الرايات فوق رأس هذا المولود وملك الناس والبلاد. حكى هذا بعض العلماء آل الوزير رحمهم الله تعالى، أعني ما قاله المنجم.

استشهد الفاضل رحمه الله يوم الثلاثاء لسبع بقين من صفر سنة ثمان وستين وأربعمائة، كان ذلك بالجوف ؛ لأنه أراد عمارة غيل عمران، وكانوا كارهين لذلك فاستجعلوا جعالة من أحمد الصليحي، فلما قتله المستجعلون وهم من قبائل نهم جاءوا إليه للجعالة، فقال: تقتلون ابن رسول الله ثُمَّ تأتون للجعالة! فرجعوا خاسرين للدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين.

1032- القاسم بن جعفر القاسمي() [... - ق 7هـ]

الشريف() الأمير السامي القاسم بن جعفر، من أولاد ذي الشرفين.

فاضل كامل صحب الإمام أحمد بن الحسين، وله فيه قصيدة مديح، ومما قاله في قضية العلامة أحمد بن يحيى الصعدي الذي قتل بسيان من أعمال سنحان بعناية جعدان [من الطويل]:

سيعلم قوم خالفوك وجانبوا
فما كل ما جاءوا بذنب غفرته،
لقد شقيت طراً بجعدان قرية
سطا سطوة عما قليل يروعه

 

سبيل الهدى أَنْ قد ظفرتَ وخابوا
ولا كل ما خاضوا الجهالة تابوا
وحق عليهم أن يَحِلَّ عذابُ
عليها لمولانا الإمام عذابُ

 1033- القاسم بن الحسن بن الأمير شمس الدين [... - ق 7هـ]

السيد الوجيه الصدر الرئيس علم الدين القاسم بن الحسن بن الأمير شمس الدين يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى عَلَيْهم السَّلام.

كان سيداً سرياً كامل الصفات حميد النعوت.

قال الأمير السيد صلاح بن الجلال: كان رجلاً وجيهاً بادياً مسوّداً أسس هجرة الروابي في يسنم ومسجدها، ومات في الضيعة، ضيعة الهادي إلى الحق عَلَيْه السَّلام، وقبره فيها مشهور مزور.

1034- أبو القاسم بن حسين بن شبيب التهامي() [... - بعد 600هـ]

الحسام المشهور وعلم الهداية المنشور صاحب اللسان والسنان، والعلم والبيان أبو القاسم بن حسين بن شبيب الحسني التهامي رحمه الله.

أحد الأعلام وأوحدهم، ومقدم الفضلاء وسيدهم، صاحب البلاغة والفصاحة، والعلم الوسيع والرجاحة، الإمام البارع، الأصولي المنطيق، وصل من تهامة إلى براقش من جهة الجوف إلى الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عَلَيْهما السَّلام . وأقام رَضِيَ الله عَنْه بحضرة الإمام عَلَيْه السَّلام يقرأ عليه ويذاكره ويسأله عن دقائق العلوم، وله حدس وذكاء ودرس وهمة، وكان قد برع في علم() الكلام وأصول الفقه والتوحيد، ونقل القاضي عبد الله بن زيد أن والده كان يرى التطريف ثم رجع عنه بعد وصول البيهقي من العراق، ورجع لرجوعه خلق كثير ؛ لأنه كان إماماً مرجوعاً إليه.

وذكر القاضي علي بن نشوان مجالسته للإمام واستفائه يطلب علم الإمام، واستقائه من معين فوائده، قال: كان يسأل ويستفيد، ويبسط في كل ما يريد، والإمام عَلَيْه السَّلام يجيبه في دقائق العلوم وغوامضها، قال: وارتجل الإمام في ذات يوم ببراقش بيتاً من الشعر، ثُمَّ قال للفقيه أتَمّ عليه شعراً، فأجازه الفقيه بالقصيدة الآتية جميعها على لسان الإمام؛ والبيت الذي ارتجله الإمام هو قوله:

أليَّة بالجياد الجرد ساهمةٌ

 

تردي بكل طويل الباع دفّاعِ

 فقال الفقيه:

وكل مسرودةٍ كالنهر سابغة
ومدلف الأسد نحو الأسد عابسة
والسُّمْر ترعف والأبطال طائشة
لأبعثن على العجمان داهية
شهباء ترفل في الماذي فوارسها
كأنَّما البيض والنقع المُثَار بها
قد طال ما علكت خيلي مساحلها
كم مَعلمٍ لمنار الحق قد طمسوا
فدع ملامي إذا أمسيت مرتفقاً
فما يلذ لنفسي عيشها أبداً
ويصبح العدل في الآفاق قاطبة
وقل إذا ما سمعت الدهر ذا عذلٍ:
يا حبذا الجرد تطغو في أعنتها
على مناسجها أسدٌ جحاجحةٌ
يرى الغنيمة في ثجاج عارضها

 

وكل ماض رقيق العضب قطّاعِ
تحت العجاج وبيض فيه لَمّاع
وكل أزرق للأرواح نزّاع
زحافة في خروم الحزن والقاع
وفي الوشيج إلى الهيجا بأنصاع
بوارق بين وطف ذات تهمَاع
غيظاً عليهم وطالت منه أوجاعي!
وأهطعوا في الخطايا أي إهطاع
أرعى النجوم بطرف غير هجّاع
ولم يحلّ بهم بطشي وإيقاعي
طلق المحيا طويل الزند والباع
اقصِرْ فكل امرئ في شأنه ساعي
إذا دعا لقراع المقنب الداعي
بكل بدر بأفق الحرب طلاّع
والعين إن آذنت يوماً بإقلاع


 

واسمعاني صليل البيض لا نغم ال
وأورداني حياض الموت مترعة
يا قاتل الله من يضحى بعيشته
ولم يكن برفيق العرب مرتقياً
على صُهى شيظم عبل الشوى بَرِقٍ
يكاد من لبده ينسل منزرقا
أرساغه ركبت في جندل شظف
بأعوجيات قد نيطت معارقه
فمن يكن عادلاً يوماً بصهوته
فقد دنت عن بروج المجد همته
أنا ابن من أسمع الواعين حجته
فلا وربّك لا أنفك منصلتاً
ويصبح الحق عالي الكعب مبتهجاً

 

أوتار ؛ إنّى له سمّاع سماع()
بين الخميسين لا أدنان نقّاع
قرير عين أخا لهوٍ وتهجاع
ذوائب العز والعليا بإزماع
قيد الأوابد إذ يعدو بإرجاع
خوف القطيع، ولم يذعر بإنجاع
يفلّق الصخر في عدوٍ وإسراع
فهو الجواد على إحسانها راعي()
حسبته() بين أسجاف وأوصاع
وإنني لعلاه نادب ناعي!
والسيف أسمعها من ليس بالواعي
حتى يعزّ به ديني وأشياعي
وفيه يكثر أشياعي وأتباعي

 أقول: أيدك الله ؛ أيها السامع تدبر هذا النظام العجيب، والأسلوب الغريب، سبحان المانح .

وهذا الفقيه من آيات الله الباهرة، وحسبه ارتجاله لخطبة يقصر عنها القاضي الفاضل، ويكاد أن يقال لا يقاس خُطَب قس، ويسحب عندها ذيل العجز سحبان وائل، وذلك أنه أحس في بعض المجامع الإمامية بتثاقل بعض الشيعة عن البيعة، وذلك بملقى الأهجر فقام وحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم، ثم قال:

يا أمير المؤمنين ؛ لتطب نفسك، وليكثر أنسك، ولينشرح صدرك، ولا يلتبس عليك أمرك، فإن من بايعك من سلاطين العرب وبني عمك وشيعتك، هم أهل الهمم العالية، والعزائم الماضية، والليوث الهصر، والأبطال الجسر، والمصاليت البتر، والمساعير الصّبر، أعلى الناس مقاما، وأثبتهم أقداما، وأكثرهم إقداما، وأقلهم في الحرب إحجاما، يرون طاعتهم لك فرضاً واجبا، ومعصيتهم لك إثماً لازبا، قد دعوتهم فأجابوك، وحضروا فبايعوك، واختبروك فوجدوك خضماً زخورا، وبطلاً جسورا، وليثاً هصورا، وعاينوا منك وجهاً صبيحا، ولساناً فصيحا، وشفيقاً نصيحا، فما عذرهم غداً إن جاثيتهم الخصومة بين يدي ربهم، يسألهم عن بيعتهم لك وعقدهم، إذاً يكونوا محجوجين، وعند ربهم مفلوجين، وكلاّ وحاشا أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسك، وأن يأنسوا بغير أنسك، وفي ذلك أقول وانتضى سيفه من غمده:

كيف فرار المرء عن إمامه
والعز والإجلال في إقدامه
يا حبذا من كان عن حسامه

 

والعار والإذلال عن إحجامه
والفوز بالجنات() في صدامه
يأخذ ما() يهواه عن مرامه

 انتهت هذه الكلمات الغر، والجواهر التي تصغر عندها كبار الدر، وله من هذا القبيل كل فاضل من الكلم نبيل ، بما لا أعلمه لغيره من أهل عصره، ولا من قريب منهم، فلا يعيب عائب على من كانت هذه في حصره، فإنه وجد مكان القول فقال، ولا جرم أن الإنصاف سيد أخلاق الرجال.

ومما اتفق له أنها لما اجتمعت القبائل والعشائر والسلاطين والأمراء بمدع من بلاد حمير وناحية حضور المصانع قام رحمه الله فحيا من حضر ثم حمد الله تعالى وأثنى عليه، وصلى على النبي صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم، ثم قال:

يا معشر القبائل ، ويا أسود الجحافل ، ويا خطباء المحافل ، ويا معشر المسلمين خاصة، دون الناس عامة ؛ إني قائل فاسمعوا، فإذا سمعتم فعوا ؛ إعلموا أن الأمر الذي كنتم تطلبونه، والنور الذي كنتم توقعونه، وتعدّون له الليالي والأيام، والشهور والأعوام، ها هو في عترة نبيئكم صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم قد لمع، وضياؤه قد سطع، وقائمهم للفضائل قد جمع، وفي العلم قد برع، وفارق الطمع، وباشر الورع، وفارق الراحة، وجانب الاستراحة، واشتدت على الظالمين شكيمته، وتقوت عزيمته، وغزرت ديمته، وغلت قيمته، وقام لله تعالى راغبا، ولأعدائه مناصبا، ولصلت جبينيه ناصبا، حين بدّلت الأحكام، وعطلت الشرائع، وشرب المدام، وارتكبت الآثام، واستغني عن الحلال بالحرام، وكثر الفساد بالبلاد، واستطالت أيدي أهل العناد، فبايعه السادة الأجلاء، والكبراء الفضلاء، أهل السؤدد الباذخ، والشرف الشامخ، والعلم البارع، والورع الدامغ من أهل بيت محمد صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم وغيرهم من أولياء الله المتقين، والعلماء المخلصين، وأهل الورع واليقين، بعد الاعتبار والسَّبْر والاختبار، فوجدوه خضماً لا تنـزفه الدلاء، وطوداً لايناله الارتقاء، وليثا لا تهوله الأهوال، ولا تقوم بصولته الأبطال، وحساماً لا تقوم له الجبن، ولا تروعه الفتن، وعزّاماً لا يصاحبه الوسن، وجندلة تدمى منها المحاجم()، وتتحاماها المراجم .

فاقصدوا رحمكم الله ناجم الشك، وتعاونوا على حصاد أولي الأفك، وسابقوا إلى سمعته، وسيروا إلى طاعته، تحيوا سعداء، وتموتوا شهداء، فإن عترة نبيئكم صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم هم السادة القادة، الذادة الحماة، الأناة الكفاة، وسفن النجاة، التي من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى. لله أتوكم() من أي نور بعدهم تقتبسون، وبعد كتاب الله وسنة نبيه تلتمسون، فمن كان منكم ذا شك وارتياب، ومتمسك من الخير بأسباب، فها() هو في معرض الاعتراض واقف نفسه، لا يعبأ عن جواب، ولا يكل عن خطاب، عالم بالسنة والكتاب، وهو الجدير بقول جده عَلَيْه السَّلام:

دبّوا دبيب النمل لا تفوتوا
فإنني قد طال ما عُصِيتُ
ليس لكم ما شئتُم وشئتُ
ثم انتضى سيفه وقال:

 

وأصبحوا في حربكم وبيتوا
قد قلتم : لوجئتنا فجئتُ
بل ما يشاء المحيي المميتُ

ولو لم أكن فيكم خطيباً فإنني
أغوص() به للضرب في كل غمرة

 

بسيفي إذا جد الوغى لخطيبُ
فأثني به عن تلك وهو خضيبُ

 ومن أخبار ابن شبيب رحمه الله أنه ولاه الإمام الخطبة بصنعاء، وتوجه الإمام إلى ذمار لأخذها وفيها رئيس الغز السلطان شهاب، فلما بلغ شهاب الخبر رجح لنفسه ان ترك في ذمار أربعمائة فارس للقيا الإمام، وتقدم في مائتي فارس يخلف الإمام على صنعاء، فلم يشعر أهل صنعاء إلا بالخيل والألوية والبنود، فناداهم أصحابه أنا قد قتلنا الإمام والسلطان سيف الإسلام حكو رحمه الله فافتحوا المدينة، فكاد ينخدع للغز() من في قلبه مرض، وثبت الله الذين آمنوا، فخرج القاضي أبو القاسم الحسني رحمه الله تعالى بتلامذته وجماعة من المسلمين، (قليل إذا عدوا كثير إذا شدوا)، وقد كثر الرهج والاضطراب، فانتضى سيفه وانتضى أصحابه سيوفهم عند باب المدينة، ونادى رحمه الله: يا أهل البيعة يا أهل البيعة، أنا عبد بني حسن أنا عبد بني حسن، ثم ارتجز على البديهة:

 

أنا الهزبر لا براح
حتى تسل بالرماح
وتخضب البيض الصفاح

 

 دون صنعاء والله هذه السيوف، يا أهل آزال، يا معشر الزيدية، كذبت والله الخياطة() وأخذ يجول في الناس طولاً وعرضاً والأنفار الذين معه حتى تراجع إليهم الناس، وقد رد إليهم أرواعهم، وشددهم فقرت قلوبهم، ونزعوا سيوفهم، وأجمع أمرهم على طرد شهاب وأصحابه، فرجموهم وطردوهم، وأغلظوا لهم في القول، ولم يثبت من سحر شهاب شيء، فانقلب صاغراً مخذولاً، حكى هذا جميعه علي بن نشوان.

1035- القاسم بن الحسين الزيدي() [... - 403هـ]

السيد الإمام الكامل السلطان الحلاحل القاسم بن الحسين الزيدي نسباً ومذهباً.

ورد اليمن من الطائف عقيب ورود المنصور بالله القاسم بن علي العياني عَلَيْه السَّلام، فسالمه وعاضده وناصره فولاه القاسم العياني من نقيل عجيب إلى عدن فبقي على ذلك مدة من الزمان، ثم جرى الخلف() بينهما بعد ذلك، وتغلب القاسم الزيدي على أكثر البلاد، وحبس أولاد القاسم عَلَيْه السَّلام جعفراً والحسين وغيرهما، وأمر بهم من صنعاء إلى بيت حنبص، فسكن الإمام القاسم ولم ينـزعج ولا راجعه في ذلك بشيء، فأخرجهم القاسم بعد ذلك على أحسن حال، وأمر بهم إلى والدهم.

وكان القاسم الزيدي من كبراء العلماء أجله الإمام القاسم العياني وسوّده وولاه الجهات المذكورة، واستنبط غيل آلاف عدني صنعاء، وكان بعض الشعراء يدخله في المديح مع القاسم العياني كقول سلامة الحداد:

قسم القاسمان فينا الأمانا

 

فبلغنا من الصلاح رضانا()

 إلى آخر القصيدة، وعظمت الوحشة بينهما لتعرض القاسم الزيدي لرؤساء ناس وسلاطين كانوا أولياء للإمام، ثم طال العتاب، وخرج الإمام القاسم العياني من صعدة إلى ريدة ولقيه القاسم الزيدي مظهراً للرايات الصفر وشعار المملكة فاستغفر في حق الإمام واستعذر إليه، واتفقا مرة أخرى في ورور في دار هارون القرشي العمري، وما زال الأمر بينهما [يمرج]() حتى توفي القاسم العياني في نحو من سنة أربعمائة من الهجرة، فدعا الإمام الحسين بن القاسم العياني وكان صغير السن غزير العلم مصنفاته خمسة وسبعون مصنفاً.

قال السيد صلاح بن الجلال : وزعم أنه المهدي المنتطر الذي بشر به النبي صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم فافتتن الناس به وأقبلوا عليه مهرعين، وزعم أنه أفضل من الأنبياء، وأن كلامه ومصنفاته ورسائله() أفضل من القرآن، وأبهر في ظهور المعنى وقطع كلام الخصم، فنفر الناس عنه فحاز على الناس في صنعاء وغيرها، وطلب منهم الأخماس في كل شيء من الحلية والأموال حتى في العبيد والإماء، والثلث في سائر الأشياء من الحبوب وغيرها، فمن ساعده في ذلك وإلاَّ حكم عليه بحكم اليهود في ضرب الجزية وسلب السلاح، ومن تعذر عن ذلك قتله وصلبه أو حبسه أو نحو ذلك .

فلحق الناس في أيامه ما لا يعلمه إلا الله حتى أنها وصلت رسالة من الإمام الداعي() يوسف الأكبر في هذا المعنى، فجوّب عليه أقبح جواب، وسبه أعظم السب، وسماه الزنيم الأبتر إلى نحو ذلك .

وقد بلغ المؤيد بالله الكبير دعوته إلى هوسم، وهو في الصحراء() والألوية منشورة فطوى الألوية وأرسل رجلين إلى صنعاء ليتحقق صلاحه للإمامة، فصادفا ما ذُكِر فرجعا إلى المؤيد فنشر الألوية ؛ وقد حمله أكثر الشيعة على عروض نقصان العقل.

واتسع الخرق بينه وبين ()القاسم الزيدي فكانت بينهما حروب، ثم جاء القاسم الزيدي بجنود كثيرة من بلاد مدحج ودخل صنعاء وتملكها، فجمع الحسين بن القاسم العياني جميع القبائل من الأبوان والظاهر والمشرق ومأرب وجميع البلاد، ولم يعدهم بجامكية ولا إرصاد وإنما وعدهم بالإباحة لأموال ........() وسبيهم، فتسارع إليه الناس، ووصل إلى صنعاء في عساكر جرارة كالغيوث() المنهمرة، فتصافّ هو والقاسم الزيدي عند طلوع الشمس لثماني بقين من شهر صفر سنة ثلاث وأربعمائة في حقل صنعاء، ووقع القتال واشتد القتام حتى دخل صنعاء من ناحية القطيع عند الزوال، وملكها وانهزم القاسم الزيدي إلى ناحية الفج، وسائر الجنود والرؤساء انهزموا في كل مذهب وتشتتوا تحت كل كوكب، مع أن قد() قتل منهم خلق لا يحصى عددهم في حقل صنعاء وفي جنب القطيع في حال الإنهزام، ولحقت الخيل القاسم الزيدي وهو منهزم نحو الفج حتى أدركوه، [فطعن]() وصرع وقتل عند أذان الظهر، وأمر الحسين بن القاسم أن تطأ الخيل [جثة]() القاسم الزيدي المقتول وسائر القتلى بسنابكها، حتى مزقتهم في التراب كل ممزق . ووصل علم() من صعدة بأن الإمام يوسف الداعي توفي في ذلك اليوم بعينه.

ودانت البلاد للحسين بن القاسم العياني، ثم بعد سنة ثأر عليه أهل ريدة آل الضحاك، وأهل البون وجميع همدان، (وأكثر أهل البلاد)() فجمع الحسين جموع كثيرة من الجوف ومأرب والتقوا بذي عرار عند باب ريدة رابع صفر سنة أربع وأربعمائة، فجعل الحسين يحمل بنفسه مرات كثيرة حتى احتوشوه وقُتِل() بذي عرار قتله رجل من بني زنيح، فزعمت شيعته وقرابته [وجهال شيعته]() أنه لم يقتل وأنه حي منتظر، وشاع هذا الاعتقاد الباطل في الناس وفي جهال الشيعة (نحواً من ثلاثمائة سنة)() إلى نحو من سبعمائة من الهجرة، واضمحل وقل وتلاشى، وقد بقي منه بقية في جهال من الناس وفي عوام الشيعة وغيرهم في الخيام ونواحيها ومغارب صنعاء، وقبره قد برز() بعد ذلك وظهر في ذي عرار (على نحو)() من رأس الثمانمائة، فصح خطأ خيالاتهم.

قال الفقيه حميد الشهيد رحمه الله: وقد كتبنا رسالة في هذا المعنى وسميناها بـ(الرسالة الزاجرة لذوي النهى عن الغلو في ائمة الهدى).

هذا الذي ذكرناه من أن المعارض للحسين بن القاسم العياني هو القاسم الزيدي، وأنه قتله بهذه الكيفية، والذي عند غيره أن المعارض له ولده محمد بن القاسم الزيدي، وقد أومى السيد الأمير صلاح بن الجلال إلى ذلك ؛ فإنه قال: وقد كان قبل ذلك أمر القاسم الزيدي ابناً له يسمى محمد كان سيداً عالماً فاضلاً - أن يدعو للإمامة ويعارض الحسين بن القاسم، فلما وصلت دعوته إلى الحسين أجابها بالمخاصمة واللعن والشتم والكلام القبيح.

وقد وقعت أوهام() في المقبور بجامع ذمار، فالذي ذكره الأمير صلاح بن الجلال أنه قبر الحسين بن القاسم الزيدي المذكور ابن الحسين بن محمد بن القاسم بن يحيى بن الحسين [بن الحسين]() بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عَلَيْهم السَّلام، توفي يوم الأربعاء لست وعشرين ليلة خلت من محرم سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، قيل: قتله الإمام المهدي الحسين بن القاسم العياني ؛ لأنه نازعه الأمر وخالف عليه، قتله في الهان، وحمله شيعته إلى ذمار، ودفن في جامعها.

[قال المؤلف : في ترجمة السيد الكبير الحسين بن القاسم بن الحسين بن محمد بن القاسم بن يحيى بن الحسين بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عَلَيْهم السَّلام . المذكور هنا، ما لفظه: وقد استشكل بعض المؤرخين هذا وقال: الذي قتله الحسين بن القاسم بن علي هو القاسم الزيدي، وأنه الذي [ملك] ما ذكرناه من البلاد، ووالاه بنو() الضحاك وبنو مروان أهل الهان، وأن القاسم الزيدي حبس أولاد الإمام القاسم بن علي جعفر والحسين() وغيرهما، فكانت بينه وبين الحسين بن القاسم حروب آخرها حرب أجلب فيه الحسين بن القاسم بجموع كثيرة كالسيول المتلاطمة، فوصل صنعاء في صفر سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، فالتقى هو والزيدي في حقل صنعاء واشتد القتال، فدخل الحسين صنعاء من ناحية القطيع وملكها فانهزم الزيدي وتشتت جنده وأُدرك بالفج فقتل.

فقال المستشكل لكون الزيدي الذي قتله الحسين بن القاسم ما لفظه: فصح أن المقبور في جامع ذمار ليس بالذي قتله العياني ؛ لأن تاريخ وفاته سنة أربع وتسعين وثلاثمائة.

قلت: وما ذكره المؤرخ يعظم إشكاله إذا تحققت عمر الحسين بن القاسم العياني فإنه نيف وعشرون سنة، وبين قتل الحسين المذكور المقبور بذمار وبين قتل الزيدي الذي قتل بالفج ثمانية عشر سنة، ومقتل الحسين بن القاسم العياني في سنة أربع عشرة وأربعمائة بريدة ؛ فلا كلام أن الحسين بن القاسم المقبور بذمار لم يقتله الحسين بن القاسم العياني. قال بعض مشائخنا: الذي قتله الحسين بن القاسم هو محمد بن القاسم، قتله بقاع صنعاء عند الظهر يوم الخميس لسبع بقين من صفر سنة ثلاث وأربعمائة، وذلك أن محمد بن القاسم الزيدي المذكور دعا إلى نفسه .

والقاسم الزيدي والد محمد [هو] الذي خرج من الطائف مناصراً للقاسم العياني توفي يوم الأربعاء لست وعشرين ليلة من محرم سنة اربع وتسعين وثلاثمائة، قال: وهو المقبور في عدني جامع ذمار، وأشراف بيت نعامة من بلاد بني شهاب من نسبه، وفي صنعاء وجهران وهجرة أوزر في وادي الحار من جهة مُقْري]().

قال الأمير صلاح الدين: والتواريخ شاهدة بغير ذلك وهو أن القاسم بن الحسين الزيدي كان سيداً رئيساً كبيراً ذا مملكة بذمار وبلاد مدحج إلى جهران() والهان، وانه كان يملك صنعاء وبلادها أكثر الأحوال، وكان يقود عساكر بلاد مدحج لكثرة ..........، فيبلغ بهم إلى ما يريد، وتارة يسالمه ابن أبي الفتوح الأموي صاحب مشارق صنعاء وبلاد خولان وآل الضحاك أهل ريدة، وبنو مروان كان لهم في صنعاء رائجة وهم مستولون على أكثر بلاد الهان وحصن أشيح وما والاها من النواحي، وكانت صنعاء وأعمالها كالخرقة الحمراء بين الأخذي لها، في كل سنة أو شهر سلطان غالب عليها حتى ضعف أهلها، وانتجعوا إلى كل صقع وتوالى عليها الخراب، وقلة العمارة في كمال أربعمائة من الهجرة حتى انتهى عدد دورها إلى نحو نيف والف دار فقط، بعد أن كانت دورها في كمال المائتين من الهجرة في زمن هارون وابنه المأمون نحواً من [مائة]() ألف دار وعشرين ألف دار، ثم ساق الأمير صلاح الدين ما قدمنا ذكره من الكائن بين القاسم الزيدي والحسين بن القاسم العياني، وأن القاسم الزيدي هو المقتول لا ولده()، ثم قال : فصح الآن أن المقبور في جامع ذمار هو الحسين بن القاسم الزيدي يكون إما أبا للقاسم الزيدي ؛ لأن تاريخ وفاته في سنة أربع وتسعين وثلاثمائة أو ابناً له، فكل هذا منقول بالمعنى والتاريخ المحقق في كتاب تاريخ صنعاء، فليعلم ذلك.

قلت: كونه أباً للقاسم الزيدي خفي، فقد سبق ذكر نسبه من كتاب الأمير صلاح، ليس فيهم الحسين بن القاسم.

1036- أبو القاسم بن الصديق البيشي() [... - 1074هـ]

العلامة الفقيه الفاضل أبو القاسم بن الصديق البيشي التهامي رحمه الله.

قال سيدنا العلامة محمد بن علي بن صالح العنسي أبقاه الله: نشأ في قرية بيش، وطلب العلم في ابتداء أمره هنالك، ثم بعد أن أدرك نصيباً من الفائدة طلع إلى مدينة صعدة للقراءة عند القاضي سعيد بن صلاح الهبل فوافقه وهو يدرس، فألقى مسألة في الاعتكاف على بعض تلامذة القاضي سعيد فأحصر التلميذ وفسرها القاضي سعيد وأعجب به، واعتنى بترتيب() الفائدة له حتى أنه كان يكتب الحواشي له بيده، وبعد أن ظهرت فائدته ارتحل إلى شهارة إلى حضرة القاضي عامر بن محمد الذماري، واتفق وصوله وهم في قراءة التذكرة وهو معمور بين الدرسة، فلما شرعوا في الدرس أورد مسائل، فالتفت إليه حي القاضي أحمد بن عامر فعرفه، فقال لوالده: يا أبه هذا أبو القاسم، وقد كانوا يسمعون فيه بحسن فائدته، فقال القاضي عامر : وأنا عامر رجلاي على الصفا، ثم قرأ عليه قراءة محكمة. يروى أن سادن الجامع كان يعلق() السراج في الصباح من عنده لأنه كان يقضي ليله درساً، ثم ارتحل بعد ذلك إلى سيدي شرف الدين الحسين بن أمير المؤمنين، وقرأ عليه البيان بمحروس البستان، وحضر قراءته تلك جماعة من الأعيان، منهم السيد العلامة أحمد بن علي الشامي، والقاضي عبد الرحمن بن المنتصر العشبي وغير هؤلاء من الأعيان.

وقرأ عليه بعد ذلك السيد العلامة الحسين بن محمد المفتي التهامي.

وكان أعجوبة في حفظه لقواعد الفقه وسرعة بادرته، وكان يحفظ القرآن غيباً محكماً، وكان حسن التعبير، وتولى في آخر مدته قضاء مدينة زبيد رحمه الله.

1037- القاسم بن صلاح بن الهادي تاج الدين() [... - ق 8هـ]

السيد العارف البليغ القاسم بن صلاح بن الهادي بن الإمام إبراهيم بن تاج الدين عَلَيْهم السَّلام، قال السيد صلاح الدين بن الجلال رحمه الله: كان كريماً بادياً مسوّداً شاعراً كليماً. ولا أدري هل هو الذي كان في زمن الإمام الناصر لدين الله صلاح بن علي ؛ فإنه كان في زمنه سيد كامل فاضل مما كتبه إلى الإمام صلاح الدين:

أنت العظيم ولم تزل
وجمعت ما في الناس ياابـ
يتغنم الأموال أقوا
حرصاً، ومولانا يعد
وله فيه أيضاً:

 

تجلى بِحليتك() العظائم
ـن الأكرمين من المكارم
م يحبون الغنائم
فراق مغنمه غنائم

هو الناس في المعنى وإن كان واحداً
تفرد فيهم بالزعامة يافعاً
فماتت به الآثام والغي والردى
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
لئن كنت في ريعان ربّ أقامةٍ
والأظهر أنه هو.

 

فلله ذاك الواحد المتفردُ
أتاه بها إرثاً أبوه محمد
وحيّت به دنيا ودين وسؤدد
كما قال قبلي() صادق الوصف أمجد
فقلبي في نادي الإمام مقيد

قال السيد العلامة الهادي بن إبراهيم في الكاشفة : إنه عم السيد المهدي بن أحمد بن صلاح.

قلت: يعني خال السيد صاحب الكاشفة للغمة().

وهذا يفيد اليقين انه القاسم بن صلاح بن الهادي بن الإمام إبراهيم() ؛ لأن السيد المهدي() الذي قال السيد الهادي: أن القاسم عمه هو المهدي بن أحمد بن صلاح بن الهادي بن الإمام إبراهيم بن تاج الدين عَلَيْهم السَّلام.

وقد أثنى السيد الهادي في الكاشفة على هذا السيد القاسم، قال :

لكلامه من السلاسة، وفيه من العذوبة، وعليه من الطلاوة ما إذا لز إليه كلام سواه (يجذ الحبل أو يقصِ القرينا). وله في الإمام الناصر عَلَيْه السَّلام من فرائد القصائد ومحاسن النثر ما يشهد له بصحة البراعة، والمباراة في هذه الصناعة، ولم أرَ أعذب من شعره ولا أغرب، أذكر هاهنا ما كتبه إلى مولانا عَلَيْه السَّلام، وكان ذلك عقيب موافقته لمولانا بمحروس المنصورة، وكان عظيم المحبة لمولانا شديد التولع به، فكتب هذا الكتاب وهو في حال مرض طال به في آخر عمره وكانت وفاته رحمه الله تعالى بعد حذف البسملة وما يتصل بها:

يقبّل الأرض ويشكو إلى
يوم الثلاثاء سار من صعدة
كان الوفاق() العذب ايامه
وانشقّ من بعد ثمانٍ له
واتسق الشوق فذابت له

 

سيده المالك صنع الفراق
والقلب من لوعته ذو احتراق
قليلة يا حبّهُ من وفاق
عود وما في شقّه من شقاق
جوانح أودى بها الاتساق()

 ومنها:

أفدي إمام الحق من زائر
بعد عصير ثم بعد العشاء
يُصْحِبني عند المزار الدعا
ومنها:

 

في عرض حمائي، ولا زال باق
والفجر بدر لا يجيه المحاق
ومسح كفّ قاد برءاً وساق

أنا امرؤ مَلَّكتك النفس تَمـ
عليك يا مولى الورى عن يد

 

ـليكاً فما أرضى لها بالعتاق
صلاة من أعطى أباك البُراق

 1038- قاسم بن صلاح [... - ...]

السيد الاكمل الأفضل علم الدين قاسم بن صلاح من جهات الشرف من الوعلية.

من تلامذة السيد العلامة أحمد بن علي خضير .

ذكره السيد العلامة مجد الدين المرتضى بن أحمد بن عاهم.

1039- القاسم بن الإمام عبد الله بن حمزة [... - ق 7هـ]

الأمير الخطير الهمام الأسد الباسل الضرغام علم الدين القاسم بن أمير المؤمنين المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان بن رسول الله.

كان أميراً خطيراً بديع النظم فائقه، وكان محباً للفضلاء محبباً إليهم، أديباً لبيباً، فمن جملة ما دار بينه وبين الأدباء في عصره أنه كتب القاضي مسعود بن عمر العنسي المسمى بركن الدين في جدار مسجد الإمام القاسم بن علي عَلَيْه السَّلام هذين البيتين:

عذنا ببيتك والثاوي بتربته
علماً بأنا متى نقصدك في أمل

 

مجدّدين لعهد الحب تجديدا
لا نلف() بابك دون الخير مسدودا

 فاطلع على ذلك السيد الأمير الجواد القاسم المذكور فكتب:

يا من يجيب دعا الداعي ويسمعه
قد عاذ عبدك خوفاً منك معترفاً

 

سراً تعاليت مرجواً ومقصودا
فارحم إله السما والأرض مسعودا

 وأودع البيتين رسولاً إلى القاضي مع تحية ووصف للشوق، وكان اسم الرسول فريج فقال القاضي:

فريج فرجت عني الهم لا علقت
أطفأت عني بذكراك التي ملأت
ذكرت قاسم فانشق الدجا وبدا
وجئتني بنجوم الليل قد نظمت
بالله كيف نجت كفٌّ لمست بها
وكيف لم يُعشِك النور الذي نظرت
يا آل حمزة ما لي لا أصوغ لكم
ولم تزل لي ذكرى في نديّكم
ونفثة من دعاء قد علمت بها
ألم يشد لي شمس الدين مرتبةً
إنصاف من ليس نسعى في غوايله،
حللت منه بصدر الدست حيث يُرى

 

بك الخطوب ولا أودى بك الكمدُ
أفق البسيطة نوراً بعض ما أجدُ
من نوره لمصابيح السما مددُ
عقداً، وفوقك نور البشر يتّقدُ
غوارب البحر يطفو فوقه الزبدُ؟
إليه عيناك ؛ لا أغشاهما الرمدُ؟
شوارد السحر ما أرسى لنا أحد
يفوح مسكاً، وبرٌّ ما به نكدُ
إني غداة غد في حوضكم أردُ
تبنى على كاهل الشعرى لها عمد؟
وجود من ليس مثلي عنده أحدُ
غُلْب الملوك فخاراً كلما سجدوا

 ومما كتب من شعره وهو حسن لطيف، وكتبه السيد إبراهيم الوزير بخطه:

إن لذات الفتى في عمره :

 

ذات دل ، وكتاب ، وفرس

 وله وأظنها في ابنة عمه الأمير عماد الدين يحيى بن حمزة:

إن يحيى بن حمزة بن سليما
تخجل الشمس نورها ويجلّي
إن لله حمزة بن سليما
طاب أصلٌ لها وطاب نجارٌ

 

ن إلى كاهل الفخار نماها
غسق الليل حين جنّ سناها
ن، ويحيى العماد إذ أنْجَباها
فزكى فرعها وطاب ثراها()

وله أيضاً رحمه الله، وقد تزوج بنجران:

خبَّروها لما نزلت بوادي النخـ
فتصدت منهم وظلت كمن ظل
ثم قالت تصبراً : ليته زا
وأسرّت إلى بنات أبيها
أخبرتهن أنها حازت الهم
فتباكين من بكائها وأعنيـ

 

ـل أني نكحت فيها عروسا
يسقّى من السموم كؤوسا
دَ إليها عشراً وكنّ شموسا
بالذي عندها فظلن عبوسا
جميعاً ؛ ودونها أم موسى
ـن نفوساً نفسي لهن نفوسا

 1040- القاسم بن عبد الرحمن الصهباني() [... - 122هـ]

العلامة الكبير المجاهد العابد القاسم بن عبد الرحمن الصهباني رحمه الله.

أحد تلامذة الإمام الأعظم وأصحابه عَلَيْه السَّلام.

ذكره البغدادي في رسالته.

1041- القاسم بن عبد العزيز البغدادي() [... - ق 4هـ]

العلامة الكبير الفاضل الشهير الشيخ العالم الزاهد السعيد ولي آل محمد: القاسم بن عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر البغدادي، قدس الله روحه.

كان رأساً في العلوم، مهيمناً على المظنون منها والمعلوم، له كتاب في إسناد مذهب الزيدية وتعدادهم، وذكر تلامذة زيد بن علي عَلَيْه السَّلام وأصحابه الذين أخذوا عنه العلم وشاركوه في العمل.

روى عنه الإمام أبو طالب عَلَيْه السَّلام فاكثر بواسطة شيخه أحمد بن محمد البغدادي المعروف بالأبنوسي، وروى عنه بواسطة شيخه الإمام الأعظم أحمد بن إبراهيم الحسني رحمه الله تعالى.

1042- القاسم بن علي الذروي() [... - بعد 660هـ]

الأمير الشريف الغطارف صاحب العوارف والمعارف، علم الأعلام والصارم الذي ليس بالكهام: القاسم بن علي الذروي صاحب المخلاف وسلطانه وواحده بلا خلاف وإنسانه. كان جليلاً نبيلاً، مفضالاً ممدوحاً بالشعر موفوداً إليه، ولعل ما في ديوان القاسم بن علي بن هتيمل من المدح فيمن هذا اسمه موجه إليه من جملته القصيدة التي أولها:

الله أكبر هذا منتهى أملي

 

هذا الجروب، وهذا قاسم بن علي

 وهي قصيدة غراء يحكى أنه أنشدها بين يدي الشريف المذكور والبقر تعمل في الجروب - بالجيم بعدها راء مهملة- وكانت نحو المائتين، فأعطاه المقبل منها إلى وجهه ثم أعطاه المدبر منها، وأحسبه لما تم القصيدة أعطاه الجروب أيضاً.

واتفق لهذا الشريف أن الملك المظفر الرسولي لما أراد الحج كتب إلى شريف مكة وسلطانها أن يتلقاه إلى حلي فأنفت نفوس الأشراف من ذلك، وكان ممن تكلم هذا الشريف وأفضى الأمر إلى الشقاق، وقال الشريف أشعاراً، وقيلت فيه أشعار، فأسره السلطان المظفر وحبسه بزبيد فبقي في سجنه مدة حتى أيس من الخروج.

ومما دار على الألسنة وسمعناه من فضلاء المخلاف أن السلطان قال للشريف : لا تخرج من سجني حتى يلتئم هذا الصدع الذي في الحجر، وأشار إلى حجر هنالك يريد بذلك إحالة خروجه على نحو قوله تعالى: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} ؛ فالتفت السيد إلى الله، وقال قصيدته الآتية، فأصبح الصدع ملتئماً، وقد لمح السيد إلى ذلك في القصيدة فأفرج عنه السلطان وأخرجه وعاد إلى بلده بعد اليأس منه، والقصيدة هي:

من لِصَبٍّ هاجه نشر الصَّبا
وأسير كلما لاح له
ولطرفٍ أرقٍ إنسانه
لم يزل يشتاق (نخلان) وإن
ما جرى ذكر المغاني في رُبا
حبذا صلب (القعيسا) وطني
وربا (النيرين) من قبليهما
يا أخلاي بـ(صَبْيا) و(اللوى)
هل لنا نحوكم من عودةٍ
فلكم حاولت قلبي جاهداً
فاذكروا صبّاً بكم ذا لوعةٍ
وإذا عنَّ له ذكراكم
وإذا ما سجعت قمرية
هائم القلب كئيبٌ دَنِفٌ
ويرى الحي الذي كنا وهم
ليت شعري بعدنا هل طنّبوا
أو تناءت دارنا عن دارهم
عجباً للدهر ماذا سنّه
ما طلبت السهل إلا صعبا
ولقد حل بقلبي نُوّب

 

لم يزده البين إلاّ نصَبَا
بارقُ القبلة من (صَبْيا) صبا
دون من يشتاقه قد حجبا
قدم العهد ويهوى الطّنبا
(صبرات الشط) إلا انتحبا
ولُيَيْلات بها ما أطيبا
وزلال بهما ما أعذبا
وأحبائي بتيّاك الربا
ونرى سدركم والكثبا؟
يتسلّى عن هواكم فأبى
بان عنكم كارهاً مغتصبا
في أعيصار الشباب انتحبا
صاح من فرط الأسى واحربا
لم ير السلوان عنكم مذهبا
جيرة بالشام أيام الصِّبا
بربا (نخلان) بعدي طنبا؟
أو سبتهم بعدنا أيدي سبا؟
ولأحداث الليالي عجبا
أو طلبت السلم إلاّ أحربا()
مصميات تستهل النُّوبا

وبلائي من زماني محن
فلعمري ما نبت إلا صفا
غير لا أنكر معروفاً ولا
لا ولا مكتئباً لو أنه
وأشد الناس بأساً لو على
أخوتي بالشام ؛ بل يا سادتي
ومساعير الوغى من حسنٍ
الشناخيب الذرى من معشرٍ
إن قضيتم من هوانا أرباً
أوتناءت دارنا عنكم ولم
لا تناسونا وإن طال المدى
فإذا ريح جنوب جنّبت
فلديها من تناهي لوعتي
حبذا لو أنني من دونكم
وجياد الخيل ينثرن على
لحق الأقراب شعثاً شُزَّبا
أيها الرائح بالشام على
أو كسهمٍ طار من مجنبة
قل لمن كان لنا دون القضا
والذي أوقد نيران الغضا
واستلب ما شئت عمداً فعسى
إن يكن سرك ما ساء فعش
أو أمنت الدهر يوماً واحداً
رب صدع كان أعيا شعبه
كم سرور بعد يأس قد أتى
فلكم فتحٌ من الله أتى
فجلى همّاً وطفّى حُرَقاً
وأعادت رحمة الباري على
إن خبوني عنك في مستودع
أو ملا جفنيك لذّات الكرى
رب ليل بِتَّهُ مرتقباً
أرقب النسر هزيعاً طالعاً
لنهار تنقط السُّمْر به
والمذاكي في لظى معركة
رب إن يقضي به ذو أرب
وينال المرتجي من ربه
وصلاة الله تغشى دائماً
أحمد المختار محمود الثنا

 

بلغ الضد بها ما طلبا
وانتضى الا حساماً خشبا()
عابس الوجه إذا الدهر كبا
نهب الحوباء فيما نهبا
غارب المكروه يوماً ركبا
وأعز الناس أماً وأبا
وبني الحرب إذا ضاق القبا
الصناديد الكرام النجبا
ما قضينا من هواكم أربا
يأتكم منا على البعد نبا
كم نوىً بعد بعاد قربا
فاسألوها كيف حال الغُرَبَا؟
وغرامي ما يحط الشهبا
خائضاً سمر العوالي والظُّبا
متنات الدّارعين العذبا
نتعاطى() بالعوالي شُزّبا
قلق السير كهبّات الصبا
ذات ذروين() إذا ما ركبا
ولأحداث الليالي سببا
زد على نارك يا ذا حطبا
عن قليل تستحط السلبا
كي ترى من بعد هذا عجبا
فلقد حاولت ظناً كذبا
أدركته رحمة فانشعبا
وزمان بعد بؤس أعشبا
حيث لا يدرك ساع هربا
وشفى غِلاّ() وجلّى كربا
مؤيس من حاله ما ذهبا
فشهاب العزم مني ما خبا
فجفوني والكرى ما اصطحبا
لطلاب الثأر أرعى الشهبا
وأراعي الغفر مهما غربا
في الوغى ما شكّلت بيض الظبا
مجنبيات يثرن الغيهبا
موجع القلب أسيرٌ أربا()
في أعاديه الذي قد طلبا
أحمد المختار ما هبَّ الصبا
من رقى السبع السما والحجبا

 قلت: وهذه القصيدة تدل على عذوبة ناشية، ورقة حاشية، وقلَّ ما يكون ذلك فيمن كان مثل هذا الشريف من أحلاس الخيل وسراة الليل.

وروي أن السيد الحافظ شمس الدين أحمد بن عبد الله بن الوزير() رحمه الله في عام حجّه لما نزل مدينة صبيا صبا إليه كل أديب، وألمَّ بمنـزله كل نجيب، يتروون من معينه، ويروون من علومه، ولما خرج متوجهاً شيّعه الفضلاء فاستقام عند جمله الذي ركب عليه العلامة محمد المجلوي الشافعي والد إسماعيل شارح الملحة، فاستودع السيد شمس الدين فقال له السيد: أنتم في حفظ الله،

إن قضيتم من هوانا أرباً

 

ما قضينا من هواكم أربا

1043- القاسم بن علي القاسمي [... - ق 7هـ]

السيد الشريف البليغ مقدم الرؤساء علم الدين القاسم بن علي القاسمي رحمه الله.

كان من عيون زمانه، والسبق لأهل قرنه وأقرانه، وله أشعار تدل على فضل، من ذلك ما قاله بعد قضية الإمام أحمد بن الحسين عَلَيْهما السَّلام بعد قضية حضور التي زلزلت أركان البغي فقال [من الوافر]:

شجىً للكاشحين ولا سرورا
علا الإسلام واطردت قناهُ
وهي طويلة.

 

ونصراً للإمام ولا ثبورا
وهزّ لواءهُ وازداد نورا

1044- القاسم بن علي هتيمل() [.... - نحو 696هـ]

البليغ الذي يعد في البلغاء بالخنصر، والسابق الذي يطول على كل شاعر ولا يقصر تصبو له المعاني إذا دعاها أجابه كاعبات ومعصر: القاسم بن علي بن هتيمل() الضَّمدي الزيدي الفصيح رحمه الله تعالى .

هو أحد مفاخر اليمن على الشام، والمغني بوميضه على كل بارق فما أحد لبارق من بعد لائحه() شام، روي أنه لما وصل ديوانه إلى مكة المشرفة اتفق أدباؤها على تفضيله على مشاهير الشعراء . وقال قائلهم: قد جاء من اليمن ديوان يغني عن كل هذه الدواوين. وقد أنشد من شعره العماد الكاتب وهو عصيريه() شيئاً من الشعر ونسبه إلى غيره()، وما أظنه إلا انتحال والانتحال كما قال السعد التفتازاني: أمرٌ يصبو إليه اللبيب، وللأرض من كأس الكرام نصيب، فذكر العماد القصيدة التي طالعها:

أنا من ناظري عليك أغار

 

وارِ عنّي ما حال عنه الخمارُ

 وهي من غرر القصائد وأظن من جملتها في مديحه للإمام أحمد بن الحسين عَلَيْه السَّلام:

طالبيٌّ يكاد من طلب الثا
حسني لوجهه حسن الدَّهـ
قاسمي في كفه يقسم الرز

 

ر تلظى من مقلتيه النارُ
ـر، ولولاه ما أقيل عثارُ
ق، ومنه تستوهب الأعمارُ

 وكان ممدوحه في الجبال الإمام الشهيد أحمد بن الحسين عَلَيْهما السَّلام وأولاد الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة، وفي الغور الأشراف أهل المخلاف وأمراء حلي بن يعقوب، وأخبرني بعض الحفاظ أن له قضية في مديحهم وذلك أنه كان له خصلتان() في المديح غير محمودتين، أحدهما أنه يبالغ في الممدوح حتى يهين من سواه، كقوله في الإمام عَلَيْه السَّلام:

إلى من لو وزنت الخلق طراً

 

بظفرٍ منه ما وزنوا قُلامَه

 والثانية: أنه ما مدح أحد إلا ورثاه لأنه تعمر طويلاً، وقال في قصيدة له في صاحب حلي:

إن الملوك بني يعقوب قاطبة

 

طراً، وكل ملوك غيرهم سُوَقُ

 فبلغت السلطان المظفر الرسولي فأنف وأرسل له جريدة خيل فجاءوا به من بطن تهامة والسلطان يومئذ بزبيد، فباتوا ليلة في محل الشريف سليمان بن وهاس الحسني وكان الشريف في حضرة السلطان، وليس في البيت إلا غلام من أولاده يفعه ما اختط له شارب، فشكا إليه ابن هتيمل فقال الولد للرسل: هذا الرجل قد استجارني والسلطان يحب رعايتنا وأبي في حضرته، فاتركوه وللسلطان في القضية رأيه، فلم يساعده الرسل فكان بينهم بعض الشر، وركب الولد ونكاهم بعض النكاية فتركوا ابن هتيمل وعزموا إلى السلطان، وذكروا أن سليمان بن وهاس لقاهم خيلاً استخلصوه من أيديهم فعاتب السلطان الشريف سليمان، فقال : ما في بيتي إلا ولد ما يصلح لهذا ولا أمرته بشيء فأمره السلطان بإحضاره، فلما حضر أنكر الرسل أنه الذي استخلص ابن هتيمل منفرداً وأن عنده غيره من الفرسان، فقال الولد: هذا الفرس وهذا الميدان يخرج الرسل وأنا أخرج فظهر للسلطان نجابة الولد، فلم يعذر عن حضور ابن هتيمل فحضر وعاتبه فقال: ما قلت وكل ملوك غيرهم سوق ؛ إنما قلت: وكل ملوك غيرهم سبقوا.

فاستحسن ذلك السلطان وتركه للشريف، فقال في الشريف قصيدته السينية، وهي في الديوان، واستمر الشريف في الحضرة السلطانية من وجوه أهلها وأعيانهم، وكان على المظفر إلى مصر مال يُسَلّم في السنة يأتي له رسول من صاحب مصر من جملته دروع فيها أربعة مختاره، فاتفق أن السلطان لم يتيسر له الرابع من الأربعة، ومن صفتها أن يكون في الأرض مرتفعة كالمستقيمة()، فجمع المال في الديوان وأعيان الدولة مجتمعون() والمال في الوسط والسلطان في المخزن، فسأل الشريف ما بال السلطان لم يخرج؟ فقالوا له: إنه مطالب بالدرع الرابع فهو يطلبه، فسل الشريف سيفه وضرب أحد() الأدراع الثلاثة حتى قده() السيف وقال: قل لصاحبك ليس عندنا غير هذا.

فبلغ المظفر فقال وقد أعياه وجود الدرع: نعم ما قاله الشريف، ليس عندنا غير هذه الضربات، فعزم رسول مصر ولم يأت من بعده رسول، وهذا من إملاء بعض الشيوخ رحمه الله، والقضية قد ذُكرت بما هو أخصر من هذا، ولم أتيقن أيضاً سليمان اسم والد الولد أو اسم الولد نفسه، والقصيدة التي من ابن هتيمل أن المخلص له سليمان بن وهاس، فيحتمل أنه الولد والذي في الذهن أنه والده، والله أعلم.

وكان بين ابن هتيمل وبين ابن حمير صاحب الحاج مشاعرات، وكان ابن حمير مجيداً غير أن هذا لا يلحق، وما يناظر شعره() إلا إلى شعر أبي فراس، ولقد امتحنت جماعة من الأدباء بأبيات من شعره ؛ أقول لمن تظنون هذا الشعر؟ فتقع في الغالب أفهامهم على أبي فراس والأبيات هذه:

أراني وإن كنتم مواليَ دِنْيَةٍ
تُقَبَّل كفّي قبل إبراك ناقتي،
ويشتاقني المولى البعيد وسادتي
وأنتم أحق الناس بي لو عرفتم
فما حيلتي والحال لو قمتمُ بها
فما صُنْتُ نفسي عن قتال عدوكم،

 

وأهلي ؛ فلي في دون أرضكم أهلُ
وتنجح حاجاتي وما حُطّ لي رحل
عيونهم عنّي وعن نظري قُبْل()
بحقي ولكن دون معرفتي جهل
على جهة الإنصاف أصعبها سهل
ولا قلت ما لي في أموركم دخل()

 وله شعر غالية الأشعار، وله في الغزليات ما يسترق الطباع، وكان يجاز بالجوائز السنيات الجزلة، ومع ذلك مات وهو من فقراء المسلمين المتربة، وقد سبق ما أجازه به القاسم بن علي الذروي . واشتهر في الناس جائزة الإمام له في قصيدته التي اشتهرت وطارت كل مطار، وهي [من الوافر]:

إذا جئت الغضا ولك السلامة

 

فطارح بالتحية ريم رامه()

 وهي شهيرة فقال الإمام : أجزل عطيته ويذكر الناس قدرا ما رأيته في التاريخ، والله أعلم بالحقيقة، قال بعض الفضلاء يكفي هذه القصيدة قول السيد البليغ الهادي بن إبراهيم رحمهما الله فيما كتبه إلى الإمام المنصور متشفعاً في الإمام المهدي بقصيدة أجاد فيها:

وهاك قصيدة غراء تحكي:

 

إذا جئت الغضا ولك السلامه

وله درر من القصائد وغرر، وأتبرك بمرثية الإمام الشهيد لا لأنها من نخب شعره، بل للتبرك، قال رحمه الله بعد قتل الإمام [من الكامل]:

أقسمت أحلف صادقاً وأنا الذي
إن الشجاعة والسماحة والندى
في الدرب لا برح الغمام يجوده
حيث الإمام ابن الحسين مخيمٌ،
حيث ابن فاطمة الإمام مضمَّخٌ
ذاك الذي أحيا شريعة جده
ونفى الضلالة والجهالة وانثنى
فبغت عليه أمّةٌ ضِلِّيلةٌ
قتلت إماماً كان سيد مجدها
لله كف أبرأ (التنين) إذ
وجرت على الأعمى فعاد سناؤه
ما كان يوم (شوابة) في عصرنا
ما كان أحمد حائداً عن ضده
أغنى الفقير ولم يرد مؤملاً
قد كانت الأيام مشرقة له
فثوى فأظلمت البلاد وعطلت
وتفرقت آراؤهم وتشتت
فعليه مني ألف ألف تحية،
من لم يزر قبر النبي بيثرب

 

ما قط أحلف آثماً بيميني
حلت بقبر في رُبا (ذِيْبِين)
قبر به علم الهدى والدين
يا حبّذا من طاهر وأمين
بدم الشهادة ثاوياً في الطين
بحسامه، وأذل كل قرين()
بجهاد أهل الشرك والتبطين
ظلماً بغير دلالة ويقين
وأعزها من هاضم ومهين()
مسحت أنامله على التنين
ونفت عن المجنون طيف جنون
إلا كيوم الطفّ أو صفين
كلاّ ولا عند الندا بظنين
لما أتاه، خائباً بظنون
وسنينه أزرت بكل سنين
تلك الدسوت، وخان كل أمين
من بعد ذاك وخاب كل مكين
وعدوه المسجون في سجين
فعليه بالمهدي في ذيبين()

 هذا ما حضر من القصيدة أحسن الله جزاءه.

1045- القاسم بن علي بن عمر الأشرف() [... - ق 3هـ]

نخبة السادة ومهجة السيادة البليغ الفاروق القاسم بن علي بن عمر الأشرف بن زين العابدين علي بن الحسين السبط بن علي وفاطمة الزهراء بنت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم.

كان يكنى أبا علي.

وهو شاعر بليغ مفلق عالم اختفى ببغداد أشخصه الرشيد من الحجاز وحبس وأفلت من الحبس، وهو والد الإمام أبي جعفر محمد الصوفي() الصالح الخارج بالطالقان لقب بالصوفي ؛ لأنه كان يلبس ثياب الصوف وظهر بأيام المعتصم في الطالقان، وأقام أربعة أشهر، ثُمَّ حاربه عبد الله بن طاهر، وقبض عليه وأنفذه إلى بغداد فحبسه المعتصم وهرب من حبسه، فأخذه وضرب عنقه صبراً، وصلب بباب الشماسية وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وهو أحد أئمة الزيدية وعلمائهم، وزهادهم.

ذكر هذا الشيخ القاسم البغدادي وابن عنبة.

1046- أبو القاسم بن الإمام علي بن المؤيد() [... - 840هـ]

السيد الأمير البحر الذي لا يساجل والجم الذي لا يحافل أبو القاسم بن أمير المؤمنين علي بن المؤيد بن جبريل سلام الله عليهم.

كان كامل النعوت، جميل المحامد، دثر المكارم.

قال الإمام عز الدين بن الحسن عَلَيْه السَّلام: كان سيداً كاملاً شهيراً يتبرك به وينذر له، وله خط حسن ما يعلم من أولاد الإمام وأولاده() من بلغ من حسن الخط ما بلغ، ولعله لو عاش لعظم شأنه وعلا مكانه، ولم يدركه أقرانه، توفي في ذي القعدة سنة أربعين وثمانمائة في الفناء الكبير.

1047- أبو القاسم بن علي بن غراب [... - ق 8هـ]

الفقيه الفاضل العلامة أبو القاسم بن علي بن غراب() بن سليمان من بني() يزيد بن أبي الخير بن أحمد بن روح بن قرين بن مدرك بن عنس بن مدحج.

عالم كبير فاضل شهير.

ترجم له بعض السادة، وقال: عاصر الإمام محمد بن المطهر، وأهل أبي الخير ينسبون إلى جده أبي الخير المذكور، وأهل هروج ينسبون إلى جده روح.

1048- القاسم بن كثير() [... - 122هـ]

الحجة العالم الفاضل الناسك القاسم بن كثير.

ذكره القاسم بن عبد العزيز البغدادي في أصحاب زيد الذين أخذوا عنه.

1049- القاسم بن محمد بن عبيد الله العلوي [... - ق 4هـ]

السيد الكامل القاسم بن محمد بن عبيد الله العلوي العباسي.

رئيس كبير وعلامة شهير، وهو ابن السيد الهمام محمد بن عبيد الله الشهيد بنجران أيام الهادي إلى الحق ، واستقر هذا الشريف رَضِيَ الله عَنْه بأثافث، وكان محمود السيرة، طيب السريرة، عالماً خاشعاً، أعاد الله من بركته.

1050- أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم() [... - نحو 760هـ]

السيد العالم المحقق الذي أذعن له أهل التحقيق علم الدين وسراج الإسلام أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم من ولد عبد الله بن يحيى بن الناصر بن الهادي عَلَيْهم السَّلام، كان من أجلاء العلماء وكبرائهم، ذكره الأمير صلاح الدين بن الجلال وغيره.

قال السيد صلاح الدين : هو العالم المصقع، توفي في صعدة صغيراً وقد حاز كل العلوم في نحو من سنة ستين وسبعمائة، وله شرح المفصل وغيره، وهذا هو صنو السيد المفسر عالِمُ العالَم علي بن محمد بن أبي القاسم.

1051- القاسم بن محمد بن منصور [... - بعد 887هـ]

السيد العابد المتأله الناسك علم الدين القاسم بن محمد بن منصور بن يحيى بن علي، كان عابداً فاضلاً، ذكره الأمير صلاح الدين بن الجلال، وقال: هو باق في سنة سبع وثمانين وثمانمائة.

1052- القاسم بن محمد الهادوي [... - ...]

السيد العالم الرباني الملكي الإنساني صاحب المقامات علم الدين القاسم بن محمد بن منصور بن محمد بن منصور بن علي بن منصور، من ولد القاسم بن يوسف الداعي ذكره السيد العلامة المرتضى بن عاهم.

وذكره في تاريخ السادة آل الوزير فقال فيه: هو السيد العابد، المتأله الرباني، المتخلي السالك، الناسك الولي، له أنوار فضل زاهرة، وكرامات عند أهل زمانه بينة ظاهرة، أقام بصنعاء، وظهرت كراماته، وأقبل عليه الناس حتى صار عامتهم يقسمون باسمه، والله ييسر به لأهل المدينة عند الأخطار، وركوب البحار، وكذلك أهل المواشي والفلاحة، واتضحت فضائله للخاص والعام، والمأموم من الناس والإمام، وصفات محاسنه كثيرة، وبراهينه وعلاماته عديدة شهيرة.

ورأيت بخط الشيخ العلامة المحدث محمد بن علي بن إبراهيم الشهير بعبد الهادي السودي في نسخة من نسخ النهاية لابن الأثير، ما لفظه: هذا الكتاب الكاشف عن مخدرات الحديث كل نقاب، مِلْك السيد الأفضل، الأكمل الأنبل، النزهة الأكبر، والكبريت الأحمر، والياقوت الأزهر، والزمرد الأخضر، السر المصون، واللؤلؤ المكنون، من فهمه الله أسرار البدايات، وأطلعه على عالم النهايات، بحر الحقائق، وموضح الطرائق، صاحب الأسرار الصمدانية، والدعوة الرحمانية، واللطائف القربانية، والمعارف الفرقانية، والمواعظ اللقمانية، والفتوحات الربانية، شعرا:

ماذا أقول لمن تكامل وصفه

 

فالمدح فيه وإن تكامل قاصرُ

عون الزمان، وقطب الأوان، زكي الأصول، وابن بنت الرسول، فاطمة البتول، الولي المشهور، في البراري والبحور، علم الدين قاسم بن محمد بن منصور نفع الله به، وأمدنا من أسراره وأنواره، وعطرنا بنسائم نفحات أزهاره، بجاه نبيه عليه، ومختاره لديه.

قال السيد المرتضى بن عاهم: إن السيد العلامة الحجة أحمد بن علي خضير صحبه.

قال المرتضى: صحب السيد الفاضل العابد الزاهد صاحب الدين الصحيح، والورع الشحيح وأثنى عليه.

ثم قال: وقبره مشهور مزور في صنعاء، فضائله كثيرة وكراماته جمة غفيرة، وقرأ عليه في التزهد والطريقة، وزوجه شريفة قريبة له من آل المفضل بن الحجاج.

1053- أبو القاسم بن محمد بن حسين الحميري() [... - ق 8هـ]

الفقيه العلامة المحقق المطلع علم الدين أبو القاسم بن محمد بن حسين الحميري.

رحمه الله تعالى.

كان من أعيان الزيدية وكبرائهم، عاصر الإمام المهدي لدين الله علي بن محمد، وهو صاحب روضة المشتاق فيما بين الزيدية والاثني عشرية من الافتراق.

1054- القاسم بن محمد الأعرج الحجي() [... - ...]

الفقيه العلامة الفرضي المحقق علم الدين القاسم بن محمد بن قاسم بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن إسماعيل الأعرج الحجي .

صاحب كتاب المحيط لمعاني الوسيط، وإنما شرح النصف الأخير من الكتاب فقط، قال بعض الشيوخ: يعني انه لم يوجد غير ذلك فيحتمل أنه ما شرح الكتاب جميعه ويحتمل أنه شرح الجميع لكنه لا يوجد إلا الجزء الأخير().

وله شرح على الدرر سماه كتاب رياض الرائض في شرح مسائل درر الفرايض، وله المصباح الجلي فيها، وله كشف الغامض.

1055- أبو القاسم بن محمد الشُّقَيْفِي() [.. - بعد 754هـ]

العلامة الرحلة شحاك الأعادي برهان الملة، علم الدين أبو القاسم بن محمد الشقيفي اليمني، اشتهر بالحجاز بالشقيفي بالشين المعجمة بعدها قاف ثُمَّ ياء باثنتين من أسفل بعدها فاء ثُمَّ ياء النسب وبيته في اليمن شهير.

وقد ذكره المؤرخون للحرم الشريف، وذكر ابن الجزري في ترجمة الشريف رميثه بن أبي نمى أنه لما توفي في سنة ست وأربعين وسبعمائة بمكة وقت صلاة الجمعة والخطيب على المنبر قبل أن يفتتح الخطبة، وسكت الخطيب حتَّى فرغوا من الطواف به، وكان ابنه عجلان يطوف معه، وجعل في مقام إبراهيم وتقدم أبو القاسم بن الشقيف الزيدي للصلاة عليه ومنعه من ذلك قاضي مكة شهاب الدين الطبري وصلى عليه بحضرة عجلان ولم يقل شيئاً.

قلت: لم يبسط ابن الجوزي() في القضية، وقد حكيت وفيها طول، وإن أبا القاسم منع غيره من الصلاة عليه، وقال: الشريف على مذهبي فكادت تكون فتنة، فترك ذلك ابن الشقيف، وفيما ذكروا أن [هذه]() الصلاة في مقام الزيدية واستغرب أن يكون هنالك موضع ينسب إلى الزيدية! وليس بغريب، فقد كان هنالك موضع بين يدي الركن الأسود يصلي فيه الشَّرفاء ووجوه الزيدية، ويعلن فيه بالدعاء لإمام الزيدية محمد بن المطهر عَلَيْهما السَّلام.

قال ابن الجزري: ووصل مرسوم كريم إلى السيد عطيفة بتبطيل مقام الزيدية والإنكار في ذلك، وفي أمور حدثت بمكة، فدخل السيد عطيفة عند وصول المرسوم الكريم وأخرج إمام الزيدية إخراجاً عنيفاً، ثم حكى أو حكى غيره أن إمام() مقام الزيدية الذي أخرجه السيد عطيفة شريف كان يصلي بالزيدية بين الركنين، فإذا صلى الصبح وفرغ من الصلاة دعا بدعاء وجهر به صوته وهو: اللهم صل على محمد() وعلى أهل بيته المصطفين الأطهار، المنتجبين الأخيار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. اللهم انصر الحق والمحقين، واخذل الباطل والمبطلين، ببقاء ظل أمير المؤمنين، ترجمان البيان، وكاشف علوم القرآن، الإمام بن الإمام بن الإمام محمد بن المطهر بن يحيى بن رسول الله الذي للدين أحيا، إمام المتقين، وحجاب الظالمين. اللهم انصره وشعشع أنواره، واقتل حساده، واكبت أضداده، مع زيادات على هذا، وكان إذا صلى صلاة المغرب دعا أيضاً بهذا الدعاء وجهر به صوته في هاتين الصلاتين، وما زال على هذا الأمر إلى أن وصل إلى مكة العسكر المصري المجرد لليمن نصرة للملك المجاهد() صاحب اليمن في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، فعند ذلك خرج هذا الإمام من مكة وأقام بوادي مر() وما رجع إليها إلا وقت الحج، انتهى ما قال ابن الجزري.

وهذا يدل على إخراج الشريف عطيفة لإمام الزيدية غير هذا الإخراج الواقع بهيبة العسكر المصري، ولعله كذلك فقد نقل أن الداعي بهذا الدعاء الفقيه أبو القاسم، فلعله كان هذا.

هذا وجماعة الزيدية المنفردة في الحرم كانت من قبل.

قال الحافظ أبو الطاهر السلفي: أنه حج في سنة سبع وتسعين وأربعمائة، وأن الحنبلي أحد المذاهب الأربعة لم يكن موجوداً في هذه السنة، ورأى فيها محمد بن العرجاء الفروي المقدسي إمام مقام إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذكر أنه أول من يصلي من أئمة الحرم المقدس قبل الحنفية والمالكية والزيدية، انتهى.

 وقد حكى الإمام المهدي أحمد بن يحيى عَلَيْه السَّلام مراجعة أبي القاسم لبعض العلماء بمكة، أظنه من علماء مصر في ......

وله كتاب موازرة الإخوان كتاب نفيس في بابه قليل النظير، فيه المعاملة الربانية والإنسانية، وله كتاب السنام، وله كتاب الجواهر والمنن المنتقى من كتاب السنن وغير هذا.

1056- أبو القاسم بن المطهر الهادوي [... - ...]

أبو القاسم بن المطهر الهادوي.

قال صاحب سيرة المتوكل على الله المطهر بن محمد بن سليمان: كان هذا السيد أبو القاسم ممن في مرتبة الإمامة، سالكاً() لطريقة الزهد والورع الشحيح، انتهى.

قال السيد المفضل عبد الله بن أمير المؤمنين فيما رايته بخط ظننته خط السيد أبي القاسم: كانت أمه أم ولد، وأبوه كان مباركاً، قيل : إنه كان في حياته يدعو إلى الله أن يجنبه القبر إذا مات فسافر فمات فأكلته السباع.

1057- القاسم بن يحيى بن القاسم الحمزي() [... - 634هـ]

السيد الكامل الأمير القاسم بن يحيى بن القاسم بن يحيى بن حمزة بن أبي هاشم رحمه الله تعالى، كان عالماً فاضلاً.

قال في حقه من ترجم له ما لفظه: رفيع القدر() والمنـزلة، راوي لمجد آل محمد بسلسلة الإسناد المتصلة، وهو الذي ترجم لوالد المنصور بالله عَلَيْه السَّلام، فقال: كان رجلاً فاضلاً، ورعاً تقياً، خائفاً لله سبحانه، فربى أولاده أحسن تربية، وهذبهم فما أفصحوا إلا بذكر الله تعالى، والتعظيم والتكبير، والتسبيح والتهليل، انتهى.

1058- القاسم بن يحيى بن المؤيد الفضيلي() [... - ق 9هـ]

الفقيه الفاضل العالم النحرير علم الدين القاسم بن يحيى بن المؤيد الفضيلي().

علامة كبير، ذكره صاحب النـزهة، وهو من مشائخ العلامة إسماعيل بن أحمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عطية رحمهم الله، وكان عصريا() للسيد أبي الحسن علي بن محمد بن أبي القاسم صاحب التجريد.

1059- القاسم بن يوسف بن المرتضى() [... - 775هـ]

السيد العلامة الفاضل علم الدين القاسم بن يوسف بن المرتضى بن المفضل رحمه الله تعالى وأعاد من بركته، قال في تاريخ السادة رحمهم الله:

كان القاسم عالماً كاملاً، أديباً بارعاً في الأدب والمعرفة، وله أشعار جيدة، وهو من أكابر أهل البيت، وأهل الكمال، ومحاسن الأوصاف والخلال، أقامه الإمام الناصر في بلاد آنس وألقى إليه أمرها، فتعدا عليه بنو الروية واغتالوه وقتلوه بين الشرائف المطهرات وهو يتلو كتاب الله تعالى وبيده الختمة الشريفة، فلما فعلوا ذلك وتعدوا طورهم ولم يراعوا حق الله ورسوله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم في حق أهل بيته، وحق إمام الزمان قصدهم الإمام ونكاهم وقتل منهم سبعين رجلاً، وأخذ منهم سبعين دية عقوبة فيما استهانوا به من الله وحق نبيه، بما استحلوه من دم ابن رسول الله وابن وصيه صلى الله عليهما وعلى آلهما.

قلت: وقد سبقت ترجمة ولده أحمد بن القاسم وقصيدته في هذا المعنى التي طالعها:

لا تؤثرن على النهوض مقاما

 

إن الليالي منك والأياما

 

1060- القاسم بن يوسف بن معوضه الهاني() [... - 917هـ]

الفقيه العلامة الفاضل علم الدين القاسم بن يوسف بن معوضه بن ناجي بن مناح الهاني نسبة إلى الهان من بلاد آنس.

علامة فاضل، أحسبه صحب الفقيه العلامة يوسف بن أحمد بن محمد بن عثمان رحمه الله، وقرأ عليه التذكرة عند رجوع الفقيه يوسف رحمه الله من الحج حين قرأ عليه العلامة محمد بن حمزة بن مظفر [بالمشاهد المقدسة بصعدة رحمهم الله] وصحب القاضي يحيى صاحب البيان ووضع له إجازة().

1061- أبو القاسم الأبري العراقي [... - ...]

الشيخ العالم بهاء الدين أبو القاسم الأبري() العراقي رحمه الله.

ذكره يوسف الحاجي ، العلامة المحقق ، وعده من فقهاء المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني عَلَيْه السَّلام.

 

1062- قتادة بن إدريس بن مطاعن() [527 - 617هـ]

سلطان الحرمين الشريف أبو عزيز قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين() بن سليمان بن علي بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

كان من أكابر العلماء الرؤساء القادات، وكان يعرف بالنابغة عند كثير من الناس ؛ لأنه بهمته علا على الأقران، ودوخ البلاد، وأزال مملكة الهواشم واعتصم عن بني العباس مع تطبيقهم على ما قصى ودنا، وكانت أيامه أيام الناصر العباسي وكان يصرح بأنه أحق بمنصب الخلافة منه، وهو كذلك، وكان في الحقيقة أحد أعضاد المنصور بالله عبد الله بن حمزة عَلَيْه السَّلام، واستعان به الإمام وخرج من مواليه وقرابته جماعات استقروا بين يدي الإمام للجهاد والمثاغرة، وأنفذ إليه الإمام أعياناً من أصحابه، منهم العلامة البليغ الحسام المرهف [أبو] القاسم بن شبيب الماضي ذكره، وأهدى له الإمام الفرس الثمينة التي ما ذكر في عصرها ولا بعدها لها ثان في الجودة، وكان من صفاتها أنها تخرج من الصف الذي هي فيه سابقة لأهله الجميع حتى تدخل في الصف الذي قبلها، وتمضي إلى الغاية في المضمار مجلية منفردة، ثم يعود إلى حيث كانت من الصف، فتسبق أخرى جميع أولئك الحاضرين وأصحبها الإمام قصيدة فاخرة ورسالة غراء، ومن شعر الإمام إليه:

أبلغ لديك أبا عزيز مالكاً
الطاعن النجلاء في رهج الوغى
والمخصب العرصات فيض بنانه
أسليل إدريس الفتى بن مطاعن الـ
إني أتتني والديار بعيدةٌ

 

بحر العطا ونظام آل محمدِ
والخيل يغسل بالجميم المزبد
والأفق مدّرع كعين الأرمد
ـطعان في رهج العجاج الأربد
أفعال محمود الشمائل فأردد

 وما أحسن قوله فيه من جملة القصيدة الفائقة التي أولها:

دعا ذكر المنازل في مطار
ولا تستنبحا بالليل() كلباً
وبصّا العيس سامية الهوادي
إلى السادات من سلفي علي
أنيخا بالأباطح وانزلاها
بني حسن نداء من إمامٍ
إلى أن قال عَلَيْه السَّلام:

 

أصابتها الغوادي والسواري
ولا تتنورا إيماض نار
تبارى كالنقانق() في البراري
لباب اللب من سلفي نزار
وقولا لا سبيل إلى السرار
يناديكم على نأي المزار

أتاني منكم نبأ شفاني
طهارة مكةٍ من كل غاوٍ
بعزم الطالبي أبي عزيز
شريف لم تدنسه الدنايا
نشا للمكرمات فأحرزتها

 

كحلِّك للأسير من الإسار
ورحض عراصها من كل عار
أبي الفتكات والهمم الكبار
ولا مرت له بفناء دار
يداه قبل تلويث الإزار

 وهي طويلة، وأمره الإمام عَلَيْه السَّلام ببناء مشهد الإمام الحسين الفخّي عليه وعلى سلفه السلام ففعل ذلك عن رأي الإمام .

وقد ذكر مؤرخوا مكة كيفية تحول المملكة إليه كالشريف الفاسي والقطبي وغيرهما، قال في قلائد الجمان: إنه أول من ملك ينبع والصفراء، ثم ملك اليمن المصاقب لمكة والحجاز وبعض أطراف المدينة وبلاد نجد، ثم ملك مكة.

قلت: صفة ملكه مكة معروفة مما ذكرناه في تواريخها، حاصل ذلك أنه كان من قبله من الأشراف يخرجون من مكة للتنـزه إلى التنعيم أو نحوه، وكانوا يحفلون بالعامة والخاصة ولا يتركون حافظاً لمكة، فدخلها وقت خروجهم وأمسك طرقها وجذب عنانها فطاوعته الخاصة والعامة، وبقيت في يد ولده إلى يومنا هذا، ولم يبق للهواشم الذين كانوا قبله من الأشراف يد، وقتل رئيسهم يومئذ وهو محمد بن مكثر() بن عيسى بن فليتة.

قال ابن عنبة: كان الخليفة الناصر العباسي قد استدعى الأمير قتادة إلى العراق ووعده ومنّاه فأجابه وسار من مكة، فلما صعد من النجف خرج أهل الكوفة لتلقيه، وكان من جملة من خرج في غمار الناس جماعة معهم أسد في سلاسل، فلما رآه قتادة قال: لا أدخل بلاداً تذلّ فيها الأسد، ثم رجع من فوره إلى الحجاز وكتب إلى الناصر الخليفة هذه الأبيات [من الطويل]:

بلادي وإن جارت عليّ عزيزة
ولي كف ضرغام إذا ما بسطتها
معودة لثم الملوك لظهرها
أأتركها تحت الرحى() ثم أبتغي
وما أنا إلا المسك في أرض غيركم

 

ولو أنني أعرى بها وأجوعُ
بها أشتري يوم الوغى وأبيعُ
وفي بطنها للمجدبين ربيعُ
خلاصاً لها إني إذاً لرقيعُ؟
أضوع، وأمّا عندكم فأضيعُ

 توفى الشريف قتادة في سنة سبع عشرة وستمائة بعد موت إمامه المنصور بالله عَلَيْه السَّلام ؛ لأن الإمام مات في سنة أربع عشرة، هذا الذي ذكره بعض مؤرخي أصحابنا، وفي قلائد الجمان غير هذا.

وكان له من الولد: حسن وراجح وعلي.

ولي بعده الحسن() وكان شجاعاً شديد الأيد، فاتكاً ملك مكة، ثم وقع بينه وبين أخيه راجح خلف وافتراق، فكتب في ذلك السيد الأمير الناصر لدين الله محمد بن أمير المؤمنين المنصور بالله عبد الله بن حمزة كتابين أفرد إلى كل واحد كتاباً، ورثى والدهم بمرثية بليغة طالعها:

ألا إن زاد الركب أمسى بملحد

 

لدى بلد خير البقاع بقاعها

 وقال في فصل من كتاب حسن بن قتادة: وقد بلغنا ما كان بينه وبين صنوه الأمير الشريف المنتخب المحمود جمال الدين راجح بن أبي عزيز شيد الله ملك الجميع من الفرقة، وتشتت الكلمة، ولعمر الله إن ذلك() يسوء الصديق، ويغص له كل ولي بالريق، وهم أولى() من ألف الشمل، وحاز في مضمار حسن السياسة وكرم الشمائل شريف الخصل، فهم أطواد الوقار والحلم، وينابيع الفضل والعلم، وإنا لنعيذ تلك الهمم السامية الحميدة، والشيم الكريمة الرشيدة، عن أن يميل بها ريح الطيش في كل جانب، وتذهب بها هدايا عقارب الوشاة إلى مهالك المذاهب:

يا قوم بيضتكم لا تفجعن بها
يا لهف نفسي إن كانت أموركم

 

إني أخاف عليها الأزلم الجذعا
شتى وأحكم أمر البين فاجتمعا

 وما جئنا بشيء من ذلك إلا وقد بينت لنا مكنونه التجارب، وأبدت لنا أحوال الدهر منه العجائب:

وكم من أخ لي قد رأبت على الأذى
مزجت بحلمي جهله فعدلته

 

كما ترأب الباز ابنها وهو أجربُ
وقد يمزج الماء الأجاج فيعذبُ

 والله تعالى يوفقهم في الموارد والمصادر، ويحوطهم من حوادث الدهر وصروف المقادر، ويُعلِي كلمتهم في البادي والحاضر، ويجمع شملهم على أحسن الأحوال، ويشد بهم أمر الدين، ويطمس بهم رسم الضلال.

وفي كتاب راجح : لما بلغنا ما بين المجلس السامي وصنوه الأمير السيد الشريف الكبير المعظم الأعز الأكرم، المحمود المؤيد، الفاضل الأمجد أمير الحرمين شهاب الدين الحسن بن أبي عزيز قتادة بن إدريس ؛ شيد الله مجد الجميع من تشتت الكلمة، وركوب صعاب ركايب الفتنة، واختلاف الأمر وتباين العشيرة، أحببنا تذكر() المجلس السامي بما ليس بغائب عن فطنته السنية، وألمعيته الحسنية، من معرفة ضعف هذا الرأي الذي لا يأتلف() إلا من اختلال التدبير، وسوء القطيعة، وتضيق به مسالك الرئاسة وإن كانت أي وسيعة، وللأواخر عبرة في الأوائل، ولله القائل:

وإني لترَّاك الضغينة قد أرى
مخافة أن يجني عليّ وإنّما

 

ثراها من المولى فما أستثيرها
يهيج كبيرات الأمور صغيرها

 وفي العدو متسع في هذا المجال، وغير ذات البين أولى بهذا الحال، وفي الألفة عز الذليل الحقير، وفي التشتت هوان العزيز الخطير:

وأحسن جهل القوم ما في عدوهم

 

وأقبح أحلام الرجال غريبها

وهو أدام الله معاليه أولى من سد هذا الفتق بما هو ربما يكون أعلم بسده، وكف حد التباين والتضاغن، فقد آن أن يبلغ إلى حده ، والسلام.

فلما وصلت الكتب إليهما لم تفد وتم الحلف بينهما، فاغتنم السلطان يوسف فرصة القوم ونهض من زبيد في جنوده وعظماء مملكته فطوى المراحل إلى أن لقي راجح بن قتادة في السرين، فحلف له السلطان أني مسترجع لك مكة - حرسها الله تعالى- من أخيك ومسلمها إليك، فساروا جميعاً والحسن بن قتادة يومئذ أمير مكة، فلما وافاه الغز افترقت عليه عساكره وأسلمه من معه، وقد أحاطوا بمكة حرسها الله تعالى واستحلوا ما حرم الله، ولم يكن همّ الشريف حسن بن قتادة ومن بقي معه من خواصه إلا أن ركب فرسه وركبوا خيولهم وخرجوا من بعض الأبواب فلم يعوقهم الغز ولموا على رواسبهم واحتوى الغز على ما بقي في دار آل قتادة في مكة، وجرت بينهم وبين الغز وقائع كان فيها عليهم الدوائر، فنعوذ بالله من غضبه وقلة توفيقه، ونسأله التوفيق لما يرضيه، ثم إن السلطان يوسف لم يتم لراجح شرطه بل قصره على السرين وحلي ورضي بذلك حتى ضعف أمر أخيه الحسن، وانتهى به الحال إلى أن أوفد نفسه على الكريدي سلطان دمشق، فلم تفده الوفادة إليه للؤم الطبع، فتوجه بعد ذلك إلى محمد بن خوارزم العجمي فأدركه الموت ببغداد وأرسل السلطان يوسف بن وردسار() في مأتي فارس لقبض راجح، فأجلى من السرين هارباً، وما بسطت هذا إلا عظة لمتعظ وعبرة لمعتبر، فكأنما الشريف أبو نمي قصد هذه الحال بقوله [من الطويل]:

 

بني عمنا من آل موسى وجعفر
بني عمنا إنا كأفنان() دوحة
إذا ما أخ خلّى أخاه لحادث

 

وآل حسين كيف غيبتكم عنا
فلا تتركونا تتخذنا القنا فنّا
تبدى به في الأكل ثم به ثنّى

 1063- قيس بن الربيع() [... - ق 2هـ]

العلامة المجاهد قيس بن الربيع رحمه الله.

كان أحد الأعيان الآخذين عن الإمام الأعظم، وبقي بعدما استشهد الإمام الأعظم عَلَيْه السَّلام ظاهر الفقه تام النفع، ذكره شيخ الإمام أبي طالب عَلَيْه السَّلام وهو العلامة أبو القاسم البغدادي رحمه الله.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حرف الكاف


1064- كثير النوّا [... - ق 2هـ]

الشيخ العلامة مفزع العلماء كثير النوّا.

تلميذ الإمام الأعظم، اشتهر فقهه بعد موت الإمام عَلَيْه السَّلام.

ذكره البغدادي رحمه الله.

1065- كوريكير الديلمي() [... - ...]

الشيخ العلامة رئيس العراق جامع الفروع والأصول وبرهان معلومها والمجهول: أبو ثابت كوريكير الديلمي رحمه الله والد الشيخ العلامة المحقق شهر دبير، وعنه أخذ، وهو تلميذ الأستاذ [صاحب تعليق الإبانة الكبير يعقوب بن أبي جعفر بن محمد بن يعقوب]()، ذكره العلامة أحمد بن مير الحسني رحمهم الله.

1066- كوركة العراقي [... - ...]

الشيخ المفتي العلامة كوركة العراقي رحمه الله تعالى.

هو أحد علماء الجبال المبرزين، ذكره العلامة الشيخ نعمة شارح الإبانة ونقل عنه في عدة مواضع، مما نقل عنه أن الوقف إذا انقطع مصرفه رجع إلى المصالح ملكاً على معنى أنه يجوز تسليمه إلى الفقراء، ويملك الفقراء عينها ويجوز بيعها وهبتها، ونقل الأستاذ هذا القول عن العلامة شهراشويه() وغيره، وأما الشيخ نعمة المذكور فاختار أنه يرجع للمصالح وقفا، وقرره العلامة أحمد الكوكبي الزيدي رحمه الله تعالى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حرف اللام


1067- لطف الله بن محمد الغياث() [... - 1035هـ]

شيخ الشيوخ وإمام أهل الرسوخ الحَرِي بأن يسمى استاذ البشر والعقل الحادي عشر بهاء الدين سلطان المحققين لطف الله بن محمد الغياث بن الشجاع بن الكمال بن داود الظفيري رحمه الله.

ليس عندي عبارة تؤدي بعض صفاته، ولا تأتي بالقليل من سماته في جميع أنواع الفضل، أما الحلم فكان منه بمحل لا يلحق، لا يذكر له سقطة في قول ولا فعل، وكان يحرص العلماء على كلماته لوقوفه في الكلام على ما يقضي به الرجاح، وكان في العلم غاية لا يصل إلى رتبتها في زمنه إلا القليل، قد استجمع العلوم الإسلامية والحكمية، وحققها وعارض أهلها، واستدرك ما استدرك ولم يكن لقائل بعده مقال فيما تكلم به، بل صار حجة إذا ذكر خضع لذكره النحارير، ولقد صار مفخرة لليمن على سائر البلاد، ونقل أهل الأقاليم الشاسعة أقواله، وما وضعه من الكتب هو مرجع الطالبين في اليمن منها : المناهل الصافية كالمختصر للرضي، فيها أبرز الفوائد من الرضي في صور تعشقها الأفهام، وأتى للمنتهي والقاصر بما يريده حتى لم يفتح الطالبون بعدها كتاباً في الفن إلا المتوسع المتبحر، وقد صارت الشروح كالمنسوخة بالمناهل. وكان العلامة أحمد بن يحيى حابس أراد التقريب لنجم الأئمة إلى أفهام الطلبة، فلما رأى هذا الكتاب أعرض عن ذلك وقال: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. وله عليها حاشية، وولع بهذا الكتاب من رآه ولقد جعله شيخنا القيرواني() من فوائد سفره إلى اليمن واعتنى بتملكه.

وله شرح على الكافية، لكنه ما تم له.

ومن أعجب كتبه : الإيجاز في علمي المعاني والبيان() شرحه بشرح مفيد أتى فيه بزبد المقالات لأهل الفن، وله الحاشية المفيدة على شرح التلخيص الصغير، وهي حاشية مفيدة ما تناقل الناس بعدها غيرها، وكان حاشية الخطابي كثيرة الدوران وإن لم تكن كاملة فألغاها الناس، وحاشية ابن المصنف وغيرهما، ولم يسمها الشيخ رحمه الله باسم ؛ فسمّاها السيد الإمام صلاح الدين صلاح بن أحمد بن المهدي المؤيدي رحمه الله : بالوشاح على عروس الأفراح. والسيد رحمه الله اختار هذا الاسم بناءً منه أن الشرح الصغير يسمى بعروس الأفراح، وهو كذلك شائع في الطلبة وليس كذلك إنما عروس الأفراح شرح السبكي، ونعمّا هو، فإنه شرح مفيد جداً.

وللشيخ لطف الله شرح على الفصول اللؤلؤية لم يتم له لعله بلغ فيه إلى العموم، وهو كتاب محقق منقح مفيد، وكان قد اشتغل بكتاب يفك فيه العبارات المبهمة في الأزهار بنحو (غالبا) و(مطلقا)، ونحو ذلك، ومقاصد أخر أرادها ولم يكن قد علم بشرح الفتح لأنه كان يومئذ بالطائف، فلما وصل اليمن اطلع على كتاب يحيى حميد المسمى بفتح الغفار وشرحه المسمى بالشموس والأقمار فاكتفى بذلك لموافقته لما أراد، وله في الطب ملكة عظيمة كان الإمام القاسم عَلَيْه السَّلام وهو من علماء هذا الفن يقول : الشيخ لطف الله طبيب ماهر، ومع ذلك فلم يتظهر بهذا العلم ورعاً، وله في علم الجفر والزيجات وغيرها إدراك كامل، وكان قد أراد إلقاء شيء إلى تلميذه المولى العلامة الحسين بن أمير المؤمنين رحمه الله أرسل إليه قبل وفاته أن يبعث إليه بالقاضي العلامة أحمد بن صالح العنسي رحمه الله ليستودعه شيئاً من مكنون علمه، فوصل القاضي وقد نقله الله إلى جواره.

ومما ينسب إلى الشيخ أرجوزة مثل الأرجوزة المسماة برياضة الصبيان، وكان كابن الخوام() في الفرائض والحساب، إليه النهاية في هذا العلم، وكتب إليه خنفر() بن وبير العيفاوي الحسني أيام إقامته بمكة، فإنه أسلف في مكة أياماً غراء واختلط بالفضلاء واختلط به الفضلاء، وكان مبجلاً مكرماً، فكتب الشريف المذكور كتاباً يلتمس منه تأليف كتاب في الفرائض والفقه، ولفظ الشريف:

أيا شيخ لطف الله إني لقائل
لأني رأيت اللطف منك سجية
سألتك سِفْراً أستعين به على
فتوضح لي يا شيخنا ما أقوله
وأنت لنا في الدين عون وقدوة

 

بلا شك من سمّاك فهو مصيبُ
ولله في كل الأمور حبيبُ
عبادة ربي لا برحتَ تجيبُ
فأنت لداء الجاهلين طبيبُ
بقيت على مر الزمان تصيبُ

 فأجابه الشيخ رَضِيَ الله عَنْه، ونظم له أرجوزة في الفرائض وكتاباً يتعلق بربع العبادة ككتاب أبي شجاع عند الشافعية ولم يخرجا إلى اليمن، وأجابه الشيخ بنظم فقال:

أمولاي يا من فاق مجداً وسؤدداً
أتاني عقد يخجل الدر نظمه،
معان وألفاظ زكت وتنافست
وما كان قدري يقتضي أن أجيبه
وقلتم بأن اسمي بشير بأن لي
أتحسب ما أعطيت من لطف شيمة
تعدى إلى مثلي وأنى وكيف ذا؟
ولكن حويت اللطف أنت جميعه
وأمركم ماض وحظي قبولكم

 

وما أن له في الخافقين ضريبُ
ويعجز عنه أحمدٌ وحبيبُ
فكل لكل في البيان نسيبُ
ومثلي لذاك السمط ليس يجيبُ
نصيباً، وكلا ليس فيه نصيبُ
يقصر عنها شمأل وجنوبُ
واني من أدنى الكمال سليبُ
فقلت على ذا الناس أنت عجيبُ
وإني على قدر القصور مجيبُ

 وكان الشيخ مع سكونه في مكة وأهلها متعلقون باشياء قد استنكرها العلامة ابن حجر وصنف للزجر عنها كتابه المسمى: بكف الرعاع عن تعاطي اللهو والسماع، فقلّ من يسلم من ذلك إلا من توفرت أسباب تقواه، كالشيخ فإنه أعف خلق الله عن كل ريبة، وحكي انه مرض مرضاً آل به إلى السكتة وتغير الحس فقال بعض مهرة الأطباء أنه يفيده السماع، فقال المعتني بشأن الشيخ أنه لا يرضى ذلك، فقال: افعلوا مع غفلة حسه، ففعلوا فتحرك رحمه الله تعالى، ثم استمروا فميز، فلم يكن المهم له غير تسكيتهم أعاد الله من بركته. وله شرح على خطبة الأساس كتاب الإمام القاسم عَلَيْه السَّلام، وأجوبة مسائل منقحة.

وتوفي رحمه الله تعالى في ظفير حجة في شهر رجب سنة خمس وثلاثين وألف.

1068- لقمان بن أحمد بن شمس الدين() [... - ق 10هـ]

السيد الأديب العارف ضياء الدين لقمان بن أحمد بن شمس الدين بن أمير المؤمنين المهدي لدين الله أحمد بن يحيى عَلَيْهم السَّلام.

كان فاضلاً() سيداً كامل الصفات، أديباً لبيباً، عالماً بالعربية، لطيف الطباع والشمائل، أدركه شيخنا السيد العلامة الحسن بن شمس الدين() الجحافي رحمه الله، وصفا بينهما الود، ودارت بينهما مراسلات وأخوانيات()، وكان في ذلك الوقت عيناً من أعيان كوكبان المحروس، وكان أيضاً يتراسل هو والسيد محمد بن عبد الله بن الإمام شرف الدين، وأنشدني السيد الحسن بن شمس الدين قصائد بينهما ولم أعتن في ذلك الوقت بالرقم، ولم يبق في ذهني إلا مطلع قصيدة لأحدهما:

حيّ الديار وحي من ثوى فيها

وأما محمد بن عبد الله فممَّا دار بينهما ما نقلته عن السيد محمد، ولفظه: قال محمد بن عبد الله بن الإمام شرف الدين ما لفظه : إلى سيده() وأخيه لقمان بن أحمد بن شمس الدين بن أمير المؤمنين أبقاه الله، حلياً لعطل الزمن، وسنىً لمحيا اليمن وقد ذهب عني وأنا نائم فانتبهت وقلت وأرسلت بها إليه، وقد طلع إلى محروس ذمرمر حرسه الله تعالى:

من عذيري مولاي منك فقد غا
رحتَ عني في نومتي فتوهمـ
وشجا نفسي الفراق فناجتـ
زعمتني وسنان واجداً ومالت
وأنا الآن لست أدري أيقظا
سكرة من جوى فراقك مولا

 

درت قلبي لما به من غرامِ
ـت بأن اللقاء طيف منامي
ـني أن الفراق في الأحلام
بي لما زخرفت من الأوهام
ن، أنا أم مُهَوّمٌ لهيامي
ي، ولا سكرة الرحيق المدام

 فقال: أمتعني الله بطول محياه، وحياه عني بأشرف التحيات وأبقاه آمين:

سيدي لا ترى عليّ فإني
وثيابي كما علمت() من الرقـ
لو ترى السحب قد أطل لسالت
فابسط العذر يا أخي إن فعلي
ونظامي هذا فقير إلى ستـ

 

بطلوعي بادرت صوب الغمام
ـة قد آذنت بصدق انصرام
فوق متني أتت ليل التمام()
قد تجاوزت فيه حد احتشامي
ـرك فاستر فأنت رب النظام

 ومما كتبه السيد لقمان رحمه الله تعالى إلى محمد بن عبد الله بن الإمام، وهما بيتان قد طارا كل مطار:

واسطة العقد متى تأتنا
وحالنا أضحت بلا صاحب

 

فعقدنا أضحى بلا واسطه
وجملة الوصل بلا رابطه

 1069- لقمان الشريحي المؤيدي() [... - ...]

القاضي العلامة بهاء الدين لقمان الشريحي المؤيدي رحمه الله تعالى.

من علماء العراق الكملة، قرأ على العلامة علي الديشلي()، وقرأ عليه ولده العلامة يحيى بن لقمان الفاضل الكامل، ذكره الشريف أحمد بن مير وقال: إن يحيى قرأ على والده الإبانة وزوائدها والمذاكرة التي زادها وهذبها محمد بن صالح رحمهم الله جميعاً.

1070- أبو الليل الحراني() [... - ق 5هـ]

السيد السري الكامل الهمام عين السادة النجباء فريد الدين: أبو الليل الحراني الحسني رحمه الله، ذكره العلامة الحسين بن يعقوب الجامع لأيام المنصور بالله القاسم العياني سلام الله عليه، قال: كان أبو الليل هذا من علماء آل محمد صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم وفضلائهم، وذكر أنه وفد والإمام في بلاد الظاهر في محل يسمى آل عامر، وكان قدومه إليه من الحجاز ومعه صحابة له من أهل بيته ومن يخدمه، فسلم على الإمام عَلَيْه السَّلام وقال له: أتيتك زائراً يا ابن والدي مؤدياً لحقك لما أحلك الله فيه من المحل الجليل، وشريف المنصب في أهل بيتك، والبراعة في العلم، والفضل المشهور في الأمور، ولما اختصك الله به من المقام المحمود .

فرد الإمام عَلَيْه السَّلام جوابه بالشكر والترحيب بقدومه، وأنزله أكرم منـزلة، وقربه أفضل قربة، ثم رجع الشريف أبو الليل بعد أن شهد بفضل الإمام وراح إلى عيسى بن جعفر وجماعة من بني الحسن في الحجاز فنهاهم عن رفضه، وأوجب عليهم طاعته وحجته، وأنها لازمة لهم.

1071- لِيْلِي بن النعمان الديلمي [... -  309 هـ]

ناصر الشريعة الغراء عضد الخلفاء من بني الزهراء سلطان الإسلام معز الدين ليلي بن النعمان رحمه الله: هو كبير الزيدية ومقدمهم، سلطان الجبال ظهير الأئمة، كان فاضلاً كاملاً، سريا زعيماً، صادعاً بالحق، قائداً للجنود، مناصراً للناصر للحق عَلَيْه السَّلام، ترجم له الأصفهاني فأوسع، وذكره صاحب تاريخ بغداد، ومن جملة ما ذكر أنه أحد أسباب ضعف بغداد، وذكره المنصور بالله في الشافي.

ولما اتفق من الإمام الداعي إلى الله الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عَلَيْهم السَّلام ما اتفق، وذلك أن الداعي رحمه الله كان قائد جيوش الناصر والمستولي على الأمر، لشهامته وحسن بلائه بين يديه، وورعه ودينه، ولأنه لم يكن في أولاده من يُعْتمَد للولاية لأن أبا الحسن كان مع فضله في الأدب على غير طريقة السداد، وكان الناصر رَضِيَ الله عَنْه معرضاً عنه منكراً عليه، وأبو القاسم وأبو الحسين كانا صغيرين فلما ترعرعا كان يستعين بهما فيما يجوز أن يستعان فيه بمثلهما من الشباب()، فينفذهما في بعض السرايا ويوليهما بعض الجيوش، فلما فتح آمل ودخلها تولى أبو القاسم سارية، ووقع بينه وبين الداعي تنافر ونزاع وطال في ذلك.

ولما أوقع الناصر للحق عَلَيْه السَّلام وأنفذ على مقدمته أبا القاسم إلى آمل وكان الداعي رَضِيَ الله عَنْه يطمع في أن يُختار للتقدم، فاستوحش من ذلك ولم يظهره، وكان أول نفوره عنه سراً، فقد كان رَضِيَ الله عَنْه له أثر ظاهر جميل في تحمل المبارزة() بنفسه والتقدم إلى حيث لم يتقدم أحد، وكان أصحاب الناصر الذين هم أهل الدين والورع مثل أبي محمد عبد الله بن أحمد بن سلام رحمه الله، ومن دونه يميلون إلى الداعي رَضِيَ الله عَنْه لدينه وورعه، واستقامة طريقته، ومنحرفون عن أولاد الناصر لسلوكهم لطريقة غير مرضية في الباطن.

واستوحش الداعي ونفر عن الناصر لمكان أولاده وقصدهم إياه، وأدى ذلك النفار إلى الهفوة التي اتفقت منه في القبض عليه، وإنفاذه إلى قلعة اللاّذر() وقد ذكر من اعتذر عنه أنه كان كارهاً لما جرى، وأن الإقدام على ذلك بَدَر من فقهاء الجيل والديلم الذين كانوا وردوا في صحبة الداعي رَضِيَ الله عَنْه.

فعند حصول هذه الحوادث كان ليلى بن النعمان قد قدّمه الناصر إلى ناحية جرجان مع عسكر كثيف، فاتصل الخبر به وهو بساريه، فانصرف بجيشه ودخل على الداعي في مضربه وقال: ماذا صنعت بأبينا؟ يعني الناصر - هذا حقه عليك وعلى الجماعة ؟

فقال: إنه لم يُفْرِج على المال، ولم يطعم العساكر ما لا بد لهم من الخبز.

فقال له : والأب إذا لم يُطْعم الخبز يُحْبَس؟

ثم ركب وعدل برايته إلى جانب وصاح : من كان متبعاً للحق مريداً له فليعدل إلى هذه الراية.

وقد كان أصحاب الداعي ندموا على ما بدر منهم إلا عدداً يسيراً هم خواصه، فعدل الجيش كلهم إليه إلا هذه الطبقة، ففزع الداعي حينئذ، فقال له: هات خاتمك، فأخرجه من يده وسلمه إليه، فأنفذه للوقت مع جماعة من الثقات لإخراجه من القلعة ورده، وهرب الداعي في الوقت مع نفر من خواصه إلى الديلم.

فقال الإمام الناطق بالحق: أخبرني أبي رحمه الله بهذه الجملة وحدثني بأنه شاهده عَلَيْه السَّلام حين رُدَّ من القلعة [يوم دخوله آمل، وقد استقبله أكثر أهل البلد صغيرهم وكبيرهم، وكان على بغلة]() فكاد الناس يقلعون بغلته من الأرض لازدحامهم عليه وخدمتهم له، ورأيته وهو يدفع الناس عن نفسه بطرف مقرعته إذا تكابسوا عليه تمسّحاً به وتقبيلاً لرجليه حتى كادوا يزيلونه عن المركوب، يشير بها وينحيهم عنها.

وحصل الداعي بالديلم.

فلما حانت وفاته عَلَيْه السَّلام استُؤْمِرَ فيمن يقيمونه مقامه إذا حدث به قضاء الله عز وجل، وسأله بعضهم وهو : وهري بن شهريار، أن يعهد إلى بعض أولاده فقال عَلَيْه السَّلام: وددت أن يكون فيهم من يصلح لذلك، ولكن لا أستحل فيما بيني وبين الله عز وجل أن أولِّيَ واحداً منهم أمر المسلمين.

ثم قال : الحسن بن القاسم الأحق بالقيام بهذا الأمر من أولادي وأصلح له منهم فردوه، ولم يمنعه ما كان أسلفه عنده من إيثار الحق في المشورة به.

وقد كان نفر عنه الداعي رَضِيَ الله عَنْه قبل هذه الكائنة مرة أخرى وخرج إلى الديلم ثم توسط المشائخ والأشراف والفقهاء بينهما وعقدوا الصلح وردوه إليه، قال الإمام أبو طالب عَلَيْه السَّلام: وسمعت أبي يحكي عن عبد الله بن أحمد بن سلام رحمه الله أنه قال: أردنا عقيب هذا الصلح أن نتوصل إلى تلقيب الداعي رَضِيَ الله عَنْه، وقلنا للناصر: إن أبا محمد قد شاع في الناس استيحاش الناصر منه، فينبغي أن تنعته بنعت وترسم له لقباً يرفع به عنه.

قال: ففطن لما نريد ولم يكن ممن يذهب عليه مثل هذه الأغراض ويتمكن من مخادعته.

فقال : لقبوه بالتائب إلى الله.

فقلنا: أيها الناصر نريد غير هذا.

فقال: فالراجع إلى الحق.

فقلنا: لا.

فلم نزل به حتى تنجَّزنا منه تلقيبه بالداعي إلى الله.

ثم ورد الداعي رَضِيَ الله عَنْه آمل شهر رمضان يوم الثلاثاء رابع عشر، فبدأ بقبر الناصر ومعه أولاده أبو الحسن وأبو القاسم وأبو الحسين، فألصق خده بالقبر وهو يبكي، فقام أبو الحسن ابنه وأنشد قصيدة في مرثيته أولها:

أيحسن بي أن لا أموت ولا أضنى
وقصيدة أخرى أولها:

 

وقد فقدت عيناي من حسنٍ حُسنا

دمُ الجوف يجري في الحشا متصعدا

 

فينهلُّ دمعاً صافياً متبددا

 وبويع للداعي في ثانيه يوم الأربعاء فعدل واشتهر المثل بعدل الداعي، وخطب له ليلى بن النعمان بنيسابور ونواحيها مدة، وخطب له بالري ونواحيها، وبقي اثني عشرة سنة وأشهر.

قلت: قد اشتملت هذه الترجمة على ذكر جماعة، لعل ذا الهمة يتطلع على شيء من أخبارهم ؛ وأما أولاد الناصر فلهم في العلم والأدب والنجابة الدنياوية ما لو كانوا في غير رجال الزيدية لطار ذكرهم كل مطار، وافتخرت بهم الأسفار غاية الافتخار، فإن كثيراً من أرباب التاريخ يزينوا بها بملح القول، سيما الهزليات والمجونات، وغرائب الماجريات، فتجد الناس يعكفون عليها لذلك، وانظر إلى عناية() العلامة عمران بن الحسن رحمه الله بالسؤال عن أولاد الناصر لظنه أنهم من أهل العلم، فأجابه يوسف بن أبي الحسين الجيلاني أن مثل أولاد الناصر لا يذكر في التواريخ، ثم قال: هم موجودون حقيقة معدومون حكماً، هذا كلامه، وانظر إلى المؤرخين بعد هذا، ذكروهم بالتعظيم كما ترى شيئاً من كلام الثعالبي وغيره وميلنا إلى الاختصار، وقد اشتهر عن الناصر أنه كان يقول: بيتان كبيران معموران بيتي وبيت القاسم بن إبراهيم، فأما بيتي فيخرب على قرب، وأما بيت القاسم فيبقى الدهر أو كما قال.

فلنذكر شيئاً من أحوال أولاد الناصر عَلَيْه السَّلام المذكورين في هذه الترجمة، وأذكر معهم من ظهر من إخوتهم ولا أتجاوز ذلك إلى غيره.

علي بن الناصر الأطروش()

أما أبو الحسن علي بن الناصر الذي ذكر في الترجمة أنه أديب، وكان الناصر معرضاً عنه، فقال ابن عنبة: إنه كان يذهب مذهب الإمامية الإثنى عشرية، ويعاتب أباه بقصائد ومقطعات، وكان يناقض عبد الله بن المعتز في قصائده على العلويين، وكان يضع لسانه حيث شاء من الناس.

قلت: وقد حُكيت عنه حكايات طوينا ذكرها، وأنشد له الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عَلَيْهم السَّلام في الشافي قصيدة يرثي بها محمد بن زيد الداعي، قال المنصور بالله ورويناها بطولها لاستجادتنا لها.

قلت: وترجمة محمد بن زيد أحرى بذكر القصيدة فسنذكرها إن شاء الله تعالى هناك، وطالعها:

نأت دار ليلى بسكانها
وعاقك من وصلها عائق
وهي من غرر القصائد.

 

وأوحش معهد جيرانها
يرد النفوس بأشجانها

أحمد بن الناصر الأطروش

وأما أبو الحسين أحمد بن الناصر فهو كان صاحب جيش أبيه فيما نقله ابن عنبة، ولما مات الناصر عَلَيْه السَّلام التفت الناس إليه للبيعة فامتنع، وهذا دليل كماله ؛ لأنه لم يلتفت إلى غيره ثم أنه امتنع، وكان الحسن الداعي غائباً فاستقدمه أحمد هذا وبايعه.

جعفر بن الناصر الأطروش

وأما أبو القاسم المذكور في الترجمة فاسمه جعفر ناصرك لما كتب أخوه أبو الحسين إلى الداعي وبايعه غضب أبو القاسم هذا وجمع عسكراً وقصد طبرستان، فانهزم الداعي يوم النيروز سنة ست وثلاثمائة، وسمى أبو القاسم نفسه الناصر، وأخذ الداعي بدماوند، وحمله إلى الري إلى علي بن وهسودان() فقيده وحمله إلى قلعة الديلم، فلما قتل علي بن وهسودان خرج الداعي وجمع الخلق وقصد جعفر الناصر فهرب إلى جرجان فتبعه الداعي فهرب ابن الناصر وأجلى إلى الري وملك الداعي الصغير طبرستان إلى سنة ست عشرة وثلاثمائة، ثم قتله مرداوج().

وقد ذكر الثعالبي في يتيمة الدهر شيئاً من أحواله فقال:

هو من نازلي إستراباذ، وأفاضل العلوية، وأعيان أهل الأدب، كتب إلى القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز رقعة تشتمل على النظم والنثر، نسختها : الشيخ - أدام الله عزه- قد أعلقني من مودته ما لا أزال أحرص عليه، وأفادني حظاً كثرت المنافسة مني فيه، إذ هو الأوحد الذي لا يجارى إلى غاية طول وكرم طبع. وإن من اعتلق منه سبباً، واستفاد منه وداً، فقد أحرز الغنيمة الباردة، وفاز بالخير والسعادة، ورجوت أن تكون الحال بيننا زائدة، ومحله عندي المحل الذي لا يتقدمه فيه أحد، وشغل قلبي بانقباضه عني مع الثقة الوكيدة بأني مغمور المحل عنده، وموفور الحظ من رأيه وعنايته، لا أعدمني الله النعمة ببقائه ودوام سلامته، وانهضني بالحق في شكره، وما هو الأولى من قصر النفس على مطلب محمدته، والسعي بها إلى مرضاته، وقد كتبت في هذه الرقعة أبياتاً مع قلة بضاعتي في الشعر، وكثرة معرفتي بأن من أهدى إليه الشعر الجيد المطمع المتمنع، كمن حمل التمر إلى هجر، والقضب إلى اليمن، وهي [من البسيط]:

يا وافر العلم والإنعام والمنن
لقد تذكرت بيت الموصلي لما
يا سرحة الماء قد سدت موارده
إني رأيتك أعلى الناس منزلة
فاسمع شكاة ودود ذي محافظة
أنا بنفسي من لقياك أبخل مِنْ
لقد نمتك ثقيف يا علي إلى
مجد لو أن رسول الله شاهده
صلى الإله على المختار من رجل

 

ووافر العرض غير الشحم والسمن
أراه من لفظك العاري عن الدرن:
أما إليك طريق() يا أبا الحسن
في العلم والشعر والآراء والفطن
يصفي المودة عند السر والعلن
نصيب من وُده سلم على إحن()
مجد سيبقى على الأيام والزمن
لقال : إيه أبا إسحاق للقنن()
ما ناحت الورق فوق الأيك والفنن

 فإن وقع فيها خطأ أو جاء زلل فعلى الشيخ الاعتماد في إقالة العثرة، وصرف الأمر إلى الجميل الذي يوازي فضله، ويشاكل نبله، لأني كنت من قبل أهدي البيت والبيتين إلى الإخوان، وبعد العهد به الآن، فإن رأى - أراه الله محابه- أن يتأمل ما خاطبته به فعل إن شاء الله تعالى().

قلت: وعلي بن عبد العزيز() هذا الذي كتب إليه من رؤساء العدلية ووجوههم، وكان يتفقه للشافعي رحمه الله، وله شعر كله في الذروة، منها ما أنشده الإمام ابن الشجري، وهي [من الطويل]:

يقولون لي فيك انقباض وإنما
وهي طويلة طائلة، ومن شعره:

 

رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما

قالوا توصل بالخضوع إلى الغنى
وبيني وبين المال() بابان حرما
إذا قيل هذا اليسر أبصرت دونه
وله في تهنئة الصاحب رحمه الله بالعافية:

 

وما علموا أن الخضوع هو الفقرُ
علي الغنى : نفسي الأبية، والصبر
مواقف خير من وقوفي بها العسر()

وفي كل يوم للمكارم روعة
تقسمت العلياء جسمك كله
إذا ألمت نفس الوزير تألمت
وله رحمه الله تعالى:

 

لها في قلوب المكرمات وَجِيْبُ
فمن أين للأسقام منك نصيب
لها أنفس تحيى بها، وقلوبُ()

ولا ذنب للأفكار أنت تركتها
سبقت بأفراد المعاني() وألفت
فإن نحن حاولنا اختراع بديعة
وله رحمه الله:

 

إذا احتشدت لم ينتفع باحتشادها
خواطرك الألفاظ بعد شرادها
حصلنا على مسروقها ومُعَادها()

ما تطعمت لذة العيش حتى
ليس عندي شيء أعز من العلـ
إنما الذل في مخالطة النا

 

صرت للبيت والكتاب جليسا
ـم فما أبتغي سواه أنيسا
س ؛ فدعهم وعش عزيزاً رئيسا

 وله كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، أبان فيه عن فضل غزير واطلاع كثير، ومادة متوفرة، توفي سنة ست وستين وثلاثمائة.

 ومن ولد الناصر عَلَيْه السَّلام المشاهير: أبو علي محمد المرتضى وإليه ينسب أبو القاسم عبد الله بن علي المحدث بن أبي علي المذكور، ومنهم زيد وغير هؤلاء فيما أحسب غير أن هؤلاء الذين اشتهروا .

وقد اشتملت الترجمة على ذكر الحسين بن هارون() والد الإمام المؤيد بالله والإمام أبي طالب عَلَيْهما السَّلام، وقد سبقت ترجمته، ولم يكن زيدياً إلا أنه أحد عمدهم في النقل لأخبار الأئمة، فالعذر في ذكره هو ما اعتذر به أبو جعفر الطوسي في ذكر ابن عقدة الزيدي في رجال الإمامية والله الهادي سبحانه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حرف الميم


1072- محمد بن إبراهيم بن محمد الحمزي() [... - ق 7هـ]

الأمير الخطير مجمع الكبراء ومرجع الأمراء حاوي الدراسة والفراسة المعروف بناصر أمير المؤمنين: محمد بن إبراهيم بن محمد بن الحسين بن حمزة بن أبي هاشم .

رحمه الله تعالى.

قال من ترجم له رحمه الله تعالى : هو من أساطين الإسلام، وبراهين العترة الأعلام، له في الفضائل يد طولى وسابقة أولى، وكان يعرف بناصر أمير المؤمنين لنصره لابن عمه المنصور بالله عبد الله بن حمزة عَلَيْهما السَّلام، وكان في الفضل بمحل مكين، وله مقامات حميدة، توفي ......... .

1073- محمد بن إبراهيم بن المفضل() [... - 781هـ]

السيد العلامة الموفق بدر الدين محمد بن إبراهيم بن المفضل بن منصور عَلَيْهما السَّلام.

قال السيد شمس الإسلام أحمد بن عبد الله بن الوزير رحمه الله تعالى:

كان طراز الغلالة، وقمر الهالة، رشيداً صدراً، زاكياً براً، لتقصار الفضل درّة، ولأبصار المجد قرّة، له خَلْق مضي، وخُلُق مرضي، وكمال هيبة، وجمال صورة، ووجه جميل، وفعل نبيل على منهاج سلفه الأطهار في الطهارة والعفة والورع والفضل، وله في العلم مسة مطالعة، وشمة مشارفة، وله في الأدب يد غير قاصرة، وفي الكتابة والبراعة صناعة فائقة باهرة، وكانت إقامته بوقش لم ينتقل عنها، وهو القائم بأمرها أحسن قيام، والمتولي للنقض والإبرام، وكان مرجوعاً إليه لرجاحته وعقله وفضله وسماحته، وكان إذا حدّث منح من المحاسن أزهاراً مؤنقة، وأثماراً مورقة، على كلامه حلاوة، وله رونق وطلاوة، وكان رقيق حواشي الكلام، أنيق نسائخ الأقلام.

وكان له بالإمام الناصر لدين الله محمد بن علي اختصاص وهو ابن خالته ويكثر منه الإدلال عليه والأنس به، حكى السيد المذكور أنه كان عند الإمام بعد الدعوة، وقد قلق للمسير إلى أهله، قال: فأردت موافقته فلم يتيسر للازدحام حوله فاعترضته وسلمت عليه بالإشارة، وأخذت في الهوى أكتب بأنملي وهو يتأمل ذلك ويتبسم، وفهم المقصود ولم يكن إلا وقت يسير حتى صدر لي بجميع ما طلبته.

كانت وفاته رحمه الله بوقش سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، وقبره بالموضع المسمى بالقلع عند قبر ابن عمه مطهر بن أحمد رحمهما الله تعالى.

1074- محمد بن إبراهيم بن علي الوزير() [775- 840هـ]

السيد الحافظ خاتمة المحققين محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى المفضلي الشهير بابن الوزير المحيط بالعلوم من خلفها وأمامها، والحري بأن يدعى بإمامها وابن إمامها. كان سباق غايات، وصاحب آيات وعنايات، بلغ من العلوم الأقاصي واقتادها بالنواصي فما أجد على قصوري عبارة عن طوله، ولا أجد في قولي سعة لذكر فعله أو قوله، قد ترجم له الطوائف، وأقر له المخالف والموالف.

ترجم له العلامة الشهاب ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة، وترجم له مصنف سيرة العراقي علامة وقته بمكة، ونسب إليه مخالفة أهله، وله في ذلك شبهة وعذر، أما الشبهة فمخالطة هذا السيد لكتبهم واكلها خبراً، وقتلها تحقيقاً، وإرجاع زائفها إلى الصحيح، وإنهاء خفيّها إلى الصريح حتى أناف على أهلها ؛ وأما العذر فهو إرادة القوم للتكثير بأمثاله.

ولا جرم أن السيد خالط كتب القوم مخالطة أخذت من عزائمه، ووهت قواه في الانتصار لمذهبه، ولا سيما وقد وقع من أهل عصره النكير عليه بالمخالفة، وذكروا لأهل الحديث مثالب، وللأشعرية، فانتصب هذا السيد للذب، وتغلغل في النقل، وجعل الكلمة الواحدة في الرجل الواحد مما يذب به عن الجميع، مثل تهجينه على المعتزلة بنسبة الأشعرية إلى ما لا يليق بجناب الله، ولم يجد بداً من الاستظهار على كلامه الذي تكلم به على المعتزلة بكلام الفرد ويجعله قول الطائفة جميعها، فاستدل على تنـزيه الأشعرية بقول أحمد بن تيمية الحنبلي في كتابه الفرق بين الأحوال الرحمانية والأحوال السلطانية()، وأورد كلامه الذي سوّد وجوه الجبرية وبيض وجه الحق . ولله دره . واستظهر بكلام تلميذه محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية في كتاب الجواب الكافي لمن سأله عن الدواء الشافي، وبكلامه في حادي الأرواح إلى دار الأفراح ؛ وهما كلامان مقنعان دالان على تحقيق وإنصاف. ولكنهما غير الأشعري فما باله يكذِّب من نسب إلى الأشعرية قولاً بمطلق وقوع الإنصاف من الحنابلة. ثُمَّ استدل بكلام إمام الحرمين في مقدمات كتابه البرهان وإنصافه، ولقد أحسن غير أن الجويني فرد من القوم وقد طاح في المسألة طيحة توجب منه الصيحة بعد الصيحة، حتَّى قال الماوردي: وددت لو محوتها بدمي! وذلك أنه قال الجويني : إن الله يعلم الكليات لا الجزئيات، وهذه مقالة من يقول الأمر أنف() وهم القدرية حقاً بذلك فسرهم النووي في شرح مسلم وغيره ؛ فكيف يسوغ للسيد على جلالته تكذيب من نقل عنهم مذهبهم المدروس بمطلق أنه قد يوفق الله للحق بعضهم، كالجويني إذا صح ما نقله عنه السيد، مع أنه قد تجرم السيد في العواصم من هؤلاء وقال في ذكر الرازي : أنه إذا تكلم في المسألة لم يفارق أصحابه فإذا سنحت المسألة في غير بابها تكلم بما يوافق الأدلة.

فهذا الذي ذكرناه هو الذي غر من نسبه إلى الخلاف لأهله، مع أنه دار بينه وبين أهل عصره ما أوحش ثم رجع رجوعاً كلياً، وسننقل ذلك في الترجمة إن شاء الله تعالى.

وكان السيد يتعب من نسبة الخلاف إليه لأسلافه ويذب عن نفسه، وما أحسن قوله في هذا [من الطويل]:

أولئك آبائي على رغم مُنْكر
وحسبي بهم إن رام نقضاً معاند
وأحسن منه قوله [من الكامل]:

 

لكوني على منهاجهم في مذاهبي
شجاً في حلوق الحاسدين النواصب

إني أحب محمداً فوق الورى
فقد انقضى خير القرون ولم يكن
وأحب آل محمد نفسي الفدا
هم باب حطة والسفينة، والهدى
وهم النجوم لخيِّرٍ متعبد
وهم الأمان لكل من تحت السما،
والقوم والقرآن فاعرف قدرهم
وكفى لهم شرفاً ومجداً باذخاً
ولهم فضائل لست أحصر عدها

 

وبه كما فعل الأوائل أقتدي
منهم بغير محمد لم يهتدي
لهمُ فما أحد كآل محمد
فيهم، وهم للظالمين بمرصد
وهم الرجوم لكل من لم يعبد
وجزاء أحمد ودهم فتوددِ
ثقلان للثقلين : نص محمد
شرع الصلاة لهم بكل تشهد
من رام عد الشهب لم تتعدد()

 ثم أخذ على هذا النمط .

وأخبرني شيخي العلامة أحمد بن سعيد بن صلاح الهبل رحمه الله تعالى، أن الفقيه العلامة شحاك الملحدين أحمد بن القاسم الشامي لما قال في هذا السيد الحافظ قصيدته التي أولها:

 

ألمَّ بمحمود السجايا محمَّد
فتقتبس الأنوار من روض علمه()
هو البحر علماً بل هو البدر طلعة
كفاك كتاب الله والسنة التي
ففاضت له من حضرة القدس نكتة()
فأشرق منها طور سينين بهجة
فما شاطئ الوادي المقدس من طوى
ولم يتبع نعمانهم وابن حنبل
وأعلام أهل البيت رد علومهم

 

يعنك وإن ضاقت عليك المسالكُ
وتلتمس الأزهار وهي ضواحكُ
هو القطر جوداً، وهو للمجد مالكُ
أتانا بها من صدقته الملائكُ
من العلم سراً فيضها متداركُ
ونوراً تعاطته النجوم السوامكُ
ولا نوره إلا عليك يباركُ
ولا ما يقول الشافعي ومالكُ
وما زال يحكي ضعفها وهو ضاحكُ()

 وهي قصيدة شهيرة أجاب عنها السيد الحافظ، ولكن لما وصل إلى جواب قول العلامة الشامي : وأعلام أهل البيت رد علومهم...إلخ أجابه بنحو خمسة وثلاثين بيتاً كلها تردد كلام الشامي على أي وجه يصح، يقول: ماذا أردت بردي لها، هل كذا أو كذا ثم تبرأ وأوسع في ذلك، ولم أرَ القصيدة وكنت أظنها في بعض مجامعي.

وقال له العلامة ابن ظهيرة() في مكة: ما أحسن يا مولانا لو انتسبت إلى الإمام الشافعي أو() أبي حنيفة! فغضب ولم يتوقر في حق الشيخ وقال: لو احتجت إلى هذه النسب والتقليدات ما اخترت غير مذهب نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم أو مذهب حفيده الهادي إلى الحق، هكذا أو كما قال.

ولنذكر شيئاً من ترجمته بعد هذا، فقد ترجم له من ذكرناه أولاً، والشريف الفاسي المالكي في تاريخ مكة، وترجم له الفقيه البارع عبد الله() بن أبي بكر العطاب، وترجم له البريهي، وهو حري بأن يدخل في كل الكتب المصنفة للتراجم إذا تعلقت بعلماء الشريعة فهو في اللغة والأدب الإمام السابق، وفي الأصولين وفي التفسير والحديث وفي كل علم ينتسب إلى الشرع.

وقد رأيت أن أكتب هنا ترجمته التي وضعها السيد شمس الإسلام أحمد بن عبد الله بن الوزير لثقته وعدالته، ولأن أهل مكة أعرف بشعابها، وعندي له ترجمة مبسوطة قد اشتملت على تراجم غير أني رجحت هذه.

قال رحمه الله ناقلاً عن السيد الهادي الصغير محمد بن إبراهيم :

أبو عبد الله ، هو أصغر إخوته سناً، وله في علوم الاجتهاد المحل الأعلى والقدح المعلى، وبلغ مبلغ الأوائل بل زاد وألَّف، بل زاد() وصنَّف وأفاد وجمع وقيد، وبنى وشيد، وكان اجتهاده اجتهاداً كاملاً مطلقاً لا كاجتهاد بعض المتأخرين فإن ذلك يسمى ترجيحاً لأدلة بعض الأئمة المستنبطين على بعض، لا ابتداء اجتهاد واستخراج() عما عرف عن غير معرف انتهاض ذلك الدليل عليه بعد معرفته للحكم نفسه وللدليل ولكيفية الدلالة وانتفاء المعارض وشروط الاستدلال في العقليات والسمعيات، والتبحر في علم الرواية، ومعرفة الرجال وأحوالهم في النقد والاعتدال()، والوفيات والأسنان والشيوخ، والتعمق في علم الأصولين والعربية، والتوغل في معرفة الكتاب العزيز والاطلاع الشديد على تفسيره وكلام المفسرين ولم يكن بهذه() الصفة بغير شك ولا مرية، غير السيد الإمام الأكبر، البقية في هذا الشأن، الذي يشهد له بذلك جميع أهل الزمان، من الأقارب والأباعد، والمخالف في الاعتقاد والمساعد، ولقد كان آية في زمانه لم يأت الزمان بمثلها.

ولقد حكي لنا أن() السيد الإمام علي بن أبي القاسم وكان من أحد مشائخه سئل() عنه وكان في نفسه عليه ما يقع في نفوس العلماء فقال: هو أذكى الناس قلباً وأزكاهم لباً كأنَّ فؤاده جذوة نار تتوقد ذكاء، وغيره أكبر منه سناً ومثله وأصغر من علماء زماننا() المصنفين لم يبلغوا هذا المحل إنما غاية اجتهاداتهم أن يقولوا هذا أولى لأنه خاص() وأقدم من الإباحة، أو عام ومعارضه خاص، أو مطلق ومعارضه مقيد ونحو ذلك، وأما تلك المقالات العالية والاستخراجات الأصلية من الأدلة الكلية مثلما وضعه في استخراجاته واختياراته في مسائل الاجتهاد فهم عن ذلك بمراحل، وكيف يكون ذلك وهم يغلطون في أسماء الرجال المشهورين، ويلتبس عليهم أزمانهم، ويصحفون في أسماء كبارهم، ومن جهل الاسم كيف يعرف الحال، وكثيراً ما يضبطون() ألفاظاً في متون الأحاديث مصحفة تصحيفاً يفسد المعنى ولا يعرف منه المراد، ولا يصح معه ظن ولا يصدق عنده اعتقاد، وهو الخبير الخريت الماهر في ذلك المقصد، وبما يدور عليه من معرفة التخصيص والنسخ أعرف وأفقه، والترجيح عند التعارض وغير ذلك من الأحكام المترتبة على ذلك المرام، وله القوة والملكة في تقوية بعض الأدلة بالطريق التي يقويها على اختلاف أنواع ذلك بوجه صريح وتصرف صحيح ولفظ فصيح وحجة لازمة، وأدلة جازمة عقلية ونقلية، وتضعيف في بعض الأدلة مثل ذلك، ولا يتبع في ذلك إلا محض الدليل، ولا يكتفي فيه بمجرد أنه قيل ؛ على ما عليه أكثر الناس تساهلاً، وعدم تمكن واقتدار.

وأمره في التفسير لكتاب لرب العزة كذلك في معرفته نفسه، ثم معرفة قراءته ومعرفة المفسرين والنقل عنهم، ومعرفة أحوال الجميع، ومعرفة أسباب النـزول وزمانه ومكانه، ومعرفة الألفاظ وكثير مما يتعلق بالتفسير وآيات الأحكام، وينبني عليه شرائع الإسلام مما يطول ذكره، وهو مذكور في الكتب المعروفة، وكان في كثرة تصفحه للكتاب لا يقرأ بين الظهر والعصر إلا ربع الجزء فقط ولا يزيد عليه، حتى أنه كان أنسه لمعرفة آيات الأحكام وما نزل منها على الأسباب، وما نسخ منها وما لم ينسخ، والمتكرر منها وغير المتكرر كمعرفة() غيره وأنسه بلفظ فاتحة الكتاب، وإنما الغرض التعريف بأن حال هذا الرجل رحمه الله ليس كحال غيره، وأن اجتهاده كاجتهاد أئمة المذاهب لا كالمخرجين ومجتهدي المذهب، ولا كالمخرجين الذين لا يرجحون بغير المعقول، ويشق عليهم معرفة الآثار النقلية والاطلاع على الإسنادات ومعرفة الرجال، ويعسر عليهم الأخذ من لطائف أدلة الكتاب والسنة ومعرفتها، ومعرفة أنواع الحديث ومراتبه وأقسامه من الصحة والحسن ونحوهما التي عليها مدار الاجتهاد، والترجيح والانتقاد، وليس لغيره مثل هذه الأهلية، ولا أعطاهم الله سبحانه مثل هذه العطية.

وحكي عن السيد العلامة شمس الدين أحمد بن محمد الأزرقي() أنه قال: لا يبلغ أحد في زماننا هذا من الاجتهاد ما بلغ إليه السيد عز الدين محمد بن إبراهيم، وقد أحسنا كل شيء إلا ما بلغ إليه فلم نقدر عليه لتمكنه من معرفة الحديث ورجاله وتبحره في السمعيات.

ويحكى أيضاً أنه سأل عنه() رجل من فقهاء المالكية فقيل له: ما مذهب السيد محمد بن إبراهيم؟ فقال: وراء الدليل.

وروي أن() شيخه الفقيه العلامة علي بن أبي الخير قال له لما استحكم اتقانه في علمي الأصولين : لا تشتغل بعد ذلك إلا بالحديث.

وكان عمدة قراءته التي أفنى فيها عنفوان شبابه علم الأصول والعربية، جوّد() فيها غاية التجويد، وفحص وحقق، وبحث وبلغ الغاية القصوى، واطلع من أقوال أهل الفنين على ما لا يكاد يعرفه إلا مثله، وحكى في مسألة خلق الأفعال خمسة عشر قولاً، ورد على الرازي في مسألة العلم بردود باهرة، ومن أحب معرفة ذلك طالع كتابه العواصم.

وسئل عنه أخوه الهادي فقال له: يا مولانا السيد محمد عالم اليمن، فقال: وعالم الشام.

وقال أخوه صلاح: أخي محمد عارض بأقواله مالكاً والشافعي.

ولما ظهر منه الاختيار وصح منه عدم التقليد كما قال فيه بعض علماء الزيدية الأكابر، الطيبة معارفهم والعناصر : هذا رجلٌ حسده الأكابر وجهله الأصاغر، فأرادوا غمضه() بتشييعات وتشنيعات وإلزامات صورية لا ظنية ولا قطعية ولا مسلمة، وليس لمخلوق قدرة على منع ما وهبه الله تعالى، ولا وضع محل رفعه الله. رحمة الله عليه، أحب كثير() من علماء المذاهب أن يكون من جملتهم وأن يميل إلى مذهبهم، وكوتب في ذلك من النواحي من علماء كل جهة، وكانت الجهات جميعاً مشحونة بالعلماء، وكان جوابه عليهم جواباً واحداً مسكتاً، وممن شافهه القاضي العلامة قاضي القضاة الشافعية بالحرم الشريف محمد بن عبد الله بن ظهيرة وهو أحد مشائخه وقف عنده مدة لسماع الحديث النبوي فلما رأى منه ما لم تره عينه ولا سمعته أذنه عن أحد من أهل الزمان، مع أنه في مكان يجتمع فيه الناس من طوائف المسلمين وأهل المذاهب أجمعين، وذلك أنه قال له ذات يوم: أيها السيد الشريف، لو أنك تممت كمالك بتقليد الإمام محمد بن إدريس، فقال له: سبحان الله أيها القاضي ! إنه لو كان يجوز لي التقليد لم أعدل عن تقليد جدي القاسم والهادي ؛ إذ هما بالتقليد أولى من غيرهما لمكان العناية في أهل البيت الإلهية، والمادة المعصومة السماوية.

وما أحسن قول الوجيه العطاب اليمني في كتابه عند ذكر ترجمة سيدي عز الدين رحمة الله عليه في أثناء كلام له في شأنه : قُلّد وما قَلّد، وألفى جيد الزمان عاطلاً فطوقه بالمحاسن وقلد إلى آخر كلامه. ولإسماعيل المقري وغيره من علماء الشافعية وللعامة فيه وفي مدحه كلام يطول.

ووقف رَضِيَ الله عَنْه في فلله مدة مع حي الإمام علي بن المؤيد على جهة الإختبار، ورافقه إلى بعض بلاد الأهنوم ولم يكن بينه وبينه شيء من المضيقات() إلا شيء يسير وقع فيه عتاب سهل، وكتب فيه حي سيدي عز الإسلام أبياتاً حسنة رقيقة من محاسن الشعر وأجوده، قافية منصوبة الروي أولها:

ولو شئت أبكيت العيون معاتباً

 

وألهبت نيران القلوب() رقائقا

 وهي مذكورة من جملة أشعاره في ديوانه.

ثم دخل إلى ثلا إلى حي الإمام المهدي أحمد بن يحيى ووقف عنده مدة يسأله ويراجعه ويباحثه، ومن جملة ذلك أنه سأله عن خمسة وعشرين سؤالاً في مسألة الإمامة فلم يجبها، فكتب إليه أبياتاً أولها:

أعالمنا هل للسؤال جواب

 

وهل يروي الظمآن منك عبابُ؟

 وكان بينهما مودة أكيدة حتى نزل من عنده وفتر ذلك الأمر.

ووقع بين السيد عز الدين وبين شيخه جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم() منازعة في مسائل، وكان من حي السيد جمال الدين رحمه الله طرف من الحيف في السؤالات، وتحويل لما يرويه عن حي سيدي عز الدين على صفة أنه يأخذ من كلامه مفهوماً لم يقصده أو() صرح بنفيه، والإجماع منعقد على عدم اعتبار مفهوم وقع التصريح بخلافه، وما كان ذلك إلا لمكان دعوى الاجتهاد وفضل الله واسع فكان بينهما ما كان، وترسل السيد جمال الدين برسالة حكى فيها كلام سيدي عز الدين، فأجابه على حسب ما حكاه وطلَّح في مواضع التطليح، وساقه مساقة العلماء وعلى منهاج الاستدلال، وادعى السيد عز الدين أن بعض ما نقله السيد علي بن محمد لا يقتضي ما فهمه من طريق المفهوم المعتبر، فلما بيّن له السيد عز الدين ذلك ولم ينجع ؛ رجع جواب السيد محمد على شيخه بالتظلم منه لنسبته إليه من القول ما لم يقل به، ثم بإبطاله ما أخذه من كلامه على تقدير صدقه، مع كونه حياً يدفع عن نفسه هذه المقالة وينكرها()، وكيف يلزم الأمر من ينكره، ثم بعد ذلك بالمعارضات له بأقوال صدرت عنه لا ينكرها، وأوهام في معان، ونسبة أقوال إلى كتب ورجال لم تصدر عنهم، ثم بحجج() وبراهين واسعة اقتضت التطويل فكان ذلك في كتب مجلدة، ومقالات في بطون الأوراق مجلده، واستدعى ذلك ذكر جمل من المسائل وحكاية ما قال الأواخر والأوائل .

وكان أعظم ما دعا إلى ذلك دعوى اللحوق بأهل السبق من المجتهدين، والانعزال والارتفاع عن رتبة المقلدين، وبعَّد السيد جمال الدين الاجتهاد غاية التبعيد، ومنعه عن أكثر الأمة من أهل التوحيد، واستظهر بكلام الغزالي وحكى في ذلك أقواله وبمن منع من الفقهاء من الاجتهاد بعد محمد بن إدريس، وساق من الحكايات والمقالات ما يعضد ذلك ممن سلك هذه الطريقة، فكان حي الإمام المهدي مع سيدي في رد ذلك، وفي تقوية الدليل والاستظهار على صحة وقوع الاجتهاد وإمكانه وتيسره، وتسهيل طريقه، واستحجوا وأوضحوا الحجة، وأقاموا بالبرهان المحجة، وعارضوا تلك الحكايات بأكثر منها وأوسع عن أكثر الأمة، وألزموا في ذلك إلزامات لا محيص عنها، وفي ارتكابها شناعة وبشاعة .

ولما ظهر لحي الإمام المهدي عَلَيْه السَّلام من سيدي عز الدين الانعزال، وسرى الأمر في المراجعة إلى بعض مسائل الكلام أنجزت بينه وبينه المراسلة، ووقعت بينهما المراماة والمناضلة في المنثور والمنظوم، وكل ذلك موجود في كتبه واشعاره، حتى أزف الرحال، ودنا الانتقال وتحوّل الحال فاعتذر كل من صاحبه وقبل أعذاره، وأوضح اعتذاره.

وكان الساعي بين حي سيدي عز الدين والإمام المهدي الفقيه العلامة العابد الزاهد أحد العلماء العباد المنورين جمال الدين محمد بن علي بن إسماعيل الكناني . وكان من تنويره أنه أُخبر في بلده بفتح حصن ذي مرمر يوم فتحه وقال: فُتِح حصن ذي مرمر في هذا اليوم، فكان ذلك كذلك، وهذا أحد عجائبه وكراماته، وكان صاحباً لهما جميعاً، فذكر لهما ما تقتضيه الحلوم والعلوم، والقرابة والنسبة والنسابة، فرغب كل إلى ما عرض عليه، وكان من كل منهما ما طيب نفس الآخر، وأزال الوحشة الجارية، والحمد لله على كل حال.

وأما السيد جمال الدين فكان بينه وبين سيدي عز الدين() بعد هذا مواطن واجتماعات، وطيبة نفوس ومباراة، كذا نقلته() من خطه، وأمر سيدي جمال الدين ولده صلاح بن علي بن أبي القاسم بالقراءة() عليه في علم المعاني والبيان، وكان يمدحه السيد علي رحمه الله وينصحه، وروينا عنه أنه قال له: يا ولدي اتبعهم يتبعوك فإن لي مذهباً لا أخبر به محمداً ولا صلاحاً، وله إليه معاتبات في أبيات فريدة، منها:

عرفت قدري ثم أنكرته
وكل يوم لك بي موقفٌ
أمس الثنا، واليوم سوء الأذى
يا شيبة العترة في وقته
قد خلع العلم رداء الهدى
فصُن ردَائيْك وطَهِّرهُما

 

فما عدا بالله مما بدا؟
أسرفت في القول بسوء البدا
يا ليت شعري كيف نضحي غدا
ومنصب التعليم والاهتدا
عليك، والشيب رداء الرَّدى
من دنس الإسراف والإعتدا

 ثم أنه رحمه الله اشتغل بالذكر والعبادة وملازمة الخلوات في الأماكن الخالية بمسجد وهب ومسجد نقم، ومسجد الرونة، ومسجد الأخضر، وفي المنازل العالية على سطح الجامع ينقطع في بعض هذه الأماكن ثلاثة أشهر: رجب وشعبان ورمضان، ويعتذر فيها عن موافقة أهله وأرحامه، ويسألهم إسقاط الحق من الزيارة، وله من الكرامات والمنامات الصادقة ما يطول ذكره، وبعض ذلك مذكور في ديوانه، وبعضها مرسوم بخطه بين كتب الأهل رحمهم الله تعالى، وكان إذا اختلى في مسجد نقم وخرج في الليل إلى موضع نهر نازح عن المسجد ؛ لأن المسجد قد يخلو عن الماء يسمع أصوات الجان وبكاء أطفالهم فلا يجد وحشة ولا يدخله رعب .

ومما سمعناه عن بعض سادة الحيمة العلويين وكان رجلاً فاضلاً له به خلطة، أن سيدي عز الدين رحمه الله وقف بمسجد الرونة في بعض خلواته ولم يكن في ذلك الزمان يوجد العنب في مكان قط، فتاقت نفسه إلى شيء من ذلك فلم يلبث أن وجد في ناحية من ناحية المسجد عنباً حسناً كامل الطيب طري القطف، فأكل منه وحمد الله وأثنى عليه.

قلت: ومصنفاته غرر وكلماتها درر، تسفر عن شمس واضحة المعنى أو قمر، منها العواصم في الذب عن سنة أبي القاسم صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم أربعة أجزاء مجلدة، تشتمل على ما لم يشتمل عليه كتاب، ولا يحتاج الناظر فيه إلى غيره فهو قيد بصر، وختمه بأبيات نحو اثنى عشر بيتاً، منها:

جمعت كتابي راجياً لقبوله
ومنها:

 

من الله فالمرجو منه قريبُ

ومهما رأيتم في كتابي قصوره
ولكن عذري واضح وهو أنني

 

فستراً وغفراً فالقصور معيبُ
من الخلق : أخطي تارة وأصيبُ

 ومنها: كتاب ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان كتاب مفيد()، وختمه بعشرة أبيات منها:

منطق الأولياء والأديان
ولأهل اللجاج عند التماري
فإذا ما جمعت علم الفريقيـ

 

منطق الأنبياء والقرآن
منطق الأذكياء واليونان
ـن فكن مائلاً مع الفرقان

 ومنها: كتاب البرهان القاطع في معرفة الصانع وجميع ما جاءت به الشرائع صنفه سنة إحدى وثمانمائة. ومنها تنقيح الأنظار في علوم الآثار صنفه في آخر سنة ثلاث عشرة وثمانمائة. ومنها كتاب التأديب الملكوتي مختصر فيه عجائب وغرايب، قال السيد صلاح الدين صلاح بن أحمد بن عبد الله [الوزير] رحمهم الله: لم أجد هذا الكتاب في الخزانة ولا والدي، وإنّما وجدت منه وريقات يسيرة من مسوّدته زادت الأسف عليه.

وله كتاب في التفسير من الكلام النبوي، ذكره في كتابه إيثار الحق على الخلق قال : جمع ما في جامع الأصول ومجمع الزوائد والمستدرك للحاكم، قال السيد صلاح الدين: ولم يوجد هذا الكتاب أيضاً.

ومنها: كتاب الأمر بالعزلة في آخر الزمان .

ومنها : كتاب قبول البشرى في تيسير اليسرى.

ومنها : كتاب نصر الأعيان على شر العميان جعله رداً على أبي العلا المعري، قال فيه ما لفظه: قد ولع أهل الجهل والغرة، بإنشاد الأبيات المنسوبة إلى ضرير المعرة، وهي أحقر من أن تصدر، وأهون من أن تذكر، ولم يشعر هذا المسكين أن قائلها أراد بها القدح في الإسلام من الرأس، وبهدم الفروع بهدم الأساس، وليس فيها أثارة من علم فيستفاد بيانها، ولا إشارة إلى شبهة فيوضح() بطلانها، وإنما سلك قائلها مسلك سفهاء الفاسقين والزنادقة المارقين، وما لا يعجز عن مثله الأرذال من ذم الأفاضل، بتقبيح ما لهم من الحسنات، وتسميتها بالأسماء المستقبحات، تارة ببعض الشبهات، وتارة بمجرة التهويل في العبارات كما فعل صاحب الأبيات، فصدَّرَ الكتاب المذكور بهذه الأبيات:

ما شأن من لم يدر بالإسلام
لو كنت تدري ما دروا ؛ ما فا
لكن جمعت إلى عماك تعامياً
فاخسا فما لك في العلوم دراية
ما أذكر العميان للأعيان بل
وإذا سخرت بهم فليس بضائر
من لم يكن للأنبياء معظماً
لم تدر تغلب وائل أهجوتها

 

والخوض في متشابه الأحكامِ
ه بالعوراء فوك ولا صممت صمام
وعمومة فجمعت كل ظلام
القول فيها ما تقول حذام
ما أذكر الأنعام للأعلام
إن هرّ كلب في بدور تمام
لم يدر قدر أئمة الإسلام
أم بلت تحت الموج وهي طوامي

 ومن كتبه كتاب إيثار الحق على الخلق صنفه سنة سبع وثلاثين وثمانمائة رأى بعد فراغه من تسويده قوله تعالى، {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد:17]، وقوله تعالى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا(69)} [النساء]، ورأى بعد الفراغ من تبييضه سورة النصر بكمالها، ومن سورة الضحى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ(11)}، ومن سورة يس: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(26)}، مرتين، ومرة ثالثة: {إِنِّي ءَامَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ(25)}، ورأى أنه أعطى فواتح كثيرة من فواتح السور.

قلت: ومن مصنفاته التحفة الصفية في شرح الأبيات الصوفية ؛ والمشروح قصيدة أخيه العلامة الهادي بن إبراهيم رحمه الله التي أولها:

تقدم وعدكم فمتى الوفاء

 

وطال بعادكم فمتى اللقاء

 قال السيد صلاح الدين رحمه الله: وقد كان سمى هذا الشرح بالنسمات النجدية في النعمات الوجدية، وله تصليح نخبة الفكر الذي صنفه العلامة أحمد بن علي العسقلاني الشهير بابن حجر، وله حصر آيات الأحكام، قال: ولم يستقص فيها وكانت جملتها ستة وثلاثين ومائتين. ومنها حصر الآيات الدالة عليه تعالى وعلى صدق أنبيائه() من الخوارق، فذكر العجيب من ذلك المفيد . لله دره . ومنها الأبيات المبينات لقوله تعالى: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [النحل:93]، وفيه أن الإضلال من قبيل العقاب فلا يبتدي به قبل الذنوب، وأجاد في ذلك غاية الإجادة، وكنت() على حقارتي كلفت بهذا المطلب ووددت أن أجمع لنفسي ذلك ولم أشعر بكتاب السيد رحمه الله، فلما رأيته قلت: (إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل).

ومنها: كتاب تحرير الكلام في مسألة الرؤية وتجويده وذكر ما دار بين المعتزلة والأشعرية وتقييده، وهذا الكتاب كان قد سبقه أخوه المحقق جامع العلوم الهادي بن إبراهيم رحمه الله إلى كتابة كتاب رد به على متكلم الأشاعرة محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، ونقض عليه كثيراً مما أودعه كتابه نهاية الإقدام في علم الكلام ؛ فأورد السيد محمد كلامهما جميعاً، ثم جاء بما عنده. وله جزء في قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن]. وله كتاب في تخصيص آية الجمعة بحديث: (واعلموا أن الله فرض عليكم الجمعة). وله كتاب في حمد الله على الإيمان لما وقع في ذلك اختلاف، وله ديوان شعر واسع، منه كتاب() مجمع الحقائق والرقائق في ممادح رب الخلائق ؛ أتى فيه بالإلهيات ومناجات، وفزع وخوف، ورجاء وتوكل، وله مواعظ من النثر بليغة في ديوانه أيضاً، وله جملة كتب تشتمل على الرد على جماعات من الأشعرية والمعتزلة. قال من صنف في أحواله: أن هذا النوع لا ينحصر.

قلت: واستحسنت التقرب إلى الله بذكر جوابه على مروان بن أبي حفصة() القادح على أمير المؤمنين الأنزع البطين صانه الله، تقرب مروان بذلك إلى هارون المسمى بالرشيد وذلك بما كان من خطبة أمير المؤمنين لبنت أبي جهل وتحكيمه الحكمين، وقد أجاب غير السيد على ذلك، وحسب مروان ما أعد الله له، وتكلم السيد بكلام بليغ قبل القصيدة وقد طالت الترجمة فتركته.

قال رَضِيَ الله عَنْه [من الطويل]:

إلى الله أشكو من أذى الآل والرسل
وأين عليٌّ من أذى كل ناصب،
كفاه علاً أن النواصب لم تجد
وأنهم لن ينقموا منه غير ما

 

ولم يحفظ الحمقا على الله من يعلي
هو العالم العُلْوي والناصب السفلي
سوى همّه لا العزم بالطيِّبِ الحل
يجوز، ولا يُقذي العيون من الرسلِ


 

وأن رسول الله بيّن حلّه
وبيّن عن منع الخلائق اعتذاره
يصون عليّ والبتول عن الذي
أراد بذا إن صح إظهار هذه الـ
وقد كان بين المصطفى ونسائه
فخيرها حيناً وطلّق بعضها
وكم آية في الذكر في ذاك أنزلت
وكان القياس أنَّ عترة فاطمٍ
فظن عليٌّ أنها مثل نسوة الر
يجوز على وجه الحياطة صونها
كما صين في الصدر الفؤاد تحلَّة
وريب من أولى الذي لا يطيقه
وكان له في ذاك قوة عدة
ألم تره ؛ من ذا تشقق ظهره
وكان حيياً لم يشافه بهذه ال
لذلك لم يسأله عن حكم ناقض الـ

 

بنص جلي في روايتهم مجلي
بتخصيصه من حكمه خيرة الأهل
عليه مضى كل القرابة والنبل()
ـفضيلة للزهراء فائقة الأصل
أمور على هذا تزيد وتستعلي
وحيناً وهو مرح وحيناً وهو مولي
وفي سورة التحريم ما بعضه يجلي
لتلك السرايا لا تمر ولا تحلي
سول محلاً لا تقايس في الفضل
ببعض النساء المستحقات للبذل
وبالجفن صين الحسن في الأعين النجل()
وضاهى أخيه المصطفى خير من أبلي()
يشاكله، يا حبذا هو من شكلي
وشقَّ عليه الشق من كثرة الغسل
أمور النبي المصطفى سيد الرسل
ـطهارة ؛ إجلالاً يجل عن المثل


 

فهم لذوي الأسباب بالحل همة
فأضرب لمَّا بيّن الله أنها
فظن حمير النصب فيه نقيصة
وذاك بإجماع الهداة خصيصة
ولم يرو نقصاً للوصي وإنَّما
وباقي الحديث عن باهر فضلها
وكنت بسطت القول فيها فخفت أن
وقد وضعوه في مناقبها لذا
وفيها رواه الحاكم الحبر قاصداً
وفي ذاك تعظيم البتول وحقها
لما حاز مما حصره غير ممكن
ومن نصرة المختار في حومة الوغى
كيوم فدى المختار ؛ كنت له الفدا
وما صح فيه من محبة ربه
مناقبه كالوبل طيباً وكثرة
لذا كان ضداً للنفاق وأهله
فطالع شوافي الحافلات بفضله
وأما اعتراض الآل بالصلح فهو من

 

تنزه فيها عن جفاء وعن جهلِ
أجل وأعلى أن تُشَارك في البعلِ
وذلك شأن الأخرسين ذوي الغل
لفاطمة الزهراء كالفطم للنسل
روى خارقاً في فضل باهرة الفضل
له علل لم ينل منها لذي النبل
يعاب بجهل أو بملٍّ من المملي
ومنهم علي بن الحسين: أبو الفضل
لتفضيلها ؛ وهو المحب بلا أَزْلِ
وأعظم منها صاحب الطير والسطل
من السبق في كل المناقب للكل()
وتعريضه للقتل عمداً بلا مطل
وقد بذل النفس النفيسة للقتل
له ومنابيها() إلى الخصف للنعل
وأين غزير الوبل من بله الطل
ويعسوبنا مثل اليعاسيب للنحل
وقم واحتفل إن كان لا بد من حفل
دليلِ خلو القادحين عن العقل


 

وما فعلوا إلا كفعل أبيهم
وذلك في يوم الحديبية الذي
فكيف انتقاص الفاطميين بالذي
وليس عداة الله في الدين أهله
ولا هم بحكم الله أهل لعهده
وضمنت في الذب البراهين عامداً
أنفت من الهجو المجرد إنه
وإن كان أمراً واضحاً ليس محوجاً
فأفحش منه الشرك بالله ربنا
وما قلت إلا قربة ومحبةً
فهم وكتاب الله في قول أحمد
على المصطفى التسليم ثم عليهم

 

لعُمْرَته يوم التنازع في الحل
تواتر حتى لا يفوت ذوي الجهل
تبين أن لا نقص فيه على الرسل؟
فقد أخرج الله ابن نوح عن الأهل
لما علم الله الخليل من العدل
لأُكثر من أجر وأبعد من جهل
نهيق الرجال لا يمر ولا يحلي
إلى ذكر معلوم من السمع والعقل
وقد طال فيه خصمة اللد والرسل
ووصلاً لمن أرجو جزاه على الوصل
لنا ثقلاً خير منج من الثقل
مدى الدهر ما اهتز الأراك على الرمل()

 قلت: وله شيوخ في العلم أما العربية فصنوه السيد جمال الدين الهادي بن إبراهيم والقاضي العلامة جمال الدين محمد بن حمزة بن مظفر رحمه الله وكان المشار إليه في علوم العربية واللغة والتفسير في تلك المدة، وأما علم الأصول فالقاضي العلامة ملك العلماء وقاموس الحكماء عبد الله بن الحسن بن عطية بن محمد بن المؤيد الدواري، والفقيه العلامة جمال الإسلام والمسلمين علي بن عبد الله بن أبي الخير وكان المشار إليه والمتصدر للتدريس بصنعاء اليمن في علمي الأصول، فإنه قرأ عليه شرح الأصول وهو معتمد الزيدية في البلاد اليمنية، والخلاصة، والغياصة، وتذكرة الشيخ المتكلم ابن متوية وغيرها في علم اللطيف، والسيد الإمام علي بن محمد بن أبي القاسم في مختصر المنتهى هكذا قصر بعض المؤرخين تلمذته للسيد علي رحمه الله على مختصر المنتهى، والذي ذكره السيد الهادي الصغير رحمه الله أنه شيخه في علم الأصولين والتفسير، وكذا قال أن أخاه جمال الإسلام الهادي بن إبراهيم أستاذه في جميع العلوم، وأن السيد عز الدين لازمه وانتفع به، وهو الأوجه، وقرأ في الفقه بصعدة على مشائخ منهم القاضي عبد الله بن الحسن وغيره.

ومن شيوخه سيد المحققين العلامة الناصر() بن أحمد بن أمير المؤمنين المطهر عَلَيْهم السَّلام وأجاز له في سنة ثمانمائة ؛ لأن السيد ناصر قدس الله روحه توفي في القعدة سنة اثنتين وثمانمائة، وقد ذكر على وجه التخمين والحسبان أن بين موته والإجازة سنتان()، وكانت الإجازة في مسجد الأجذم بصنعاء اليمن لأن السيد محمد بن إبراهيم أقام به تلك المدة طالباً للعلم إبان حداثته وعنفوان شبابه. ومنهم ابن ظهيرة ونفيس الدين العلوي وخلق أجازوا له.

ومدحه بالشعر الفضلاء من ذلك قول يحيى بن رويك الطويلي الزيدي وهو مقيم بتعز أرسلها إلى السيد [من الوافر]:

أراك تلوم ولا أرعوي

 

فخل الهدير وخل الدوي


 ومنها :

تملك قلبي حب الحبيب
وما زال ينشر فيَّ السقام
وما ضحك البرق إلا بكيت
يلوح فيمطر من أعيني
إلى أن قال :

 

وصار على عرشه مستوي
غرام عليه فؤادي طوي
بكى ما شفا لي قلباً() دوي
دموعاً كوبل السحاب الروي

وساهرني البرق حتى الصباح
ويظهر لي كلما شمتهُ
كأنَّ الذي بي من لوعة
تصوَّب من صوب صنعاء لي
ومنها في المدح:

 

كما سهر الخل خل النوي()
تضرُّب من جُنّ أو من جوي
به، فهو يقلق أو يلتوي
فشبّ الهوى من فؤادي الهوي

وناشر سنة خير الأنام
ومحييها وبإحيائها

 

وقد كان منشورها منطوي
جلا ذهب المذهب اليحيوي

وهي طويلة غراء، سنذكرها إن شاء الله تعالى بفضله وطوله في ترجمة يحيى() رحمه الله تعالى.

مولده رحمه الله في شهر رجب سنة خمس وسبعين وسبعمائة بهجرة الظهراوين من شظب.

وكانت وفاته في اليوم السابع والعشرين من المحرم غرة سنة أربعين وثمانمائة، وهو العام الذي وقع فيه الطاعون وهلك فيه الناس أجمعون .

وفي هذا اليوم الذي مات فيه مات الإمام المنصور بالله رب العالمين علي بن محمد بن علي بن محمد رحمه الله، انتهى ما أردنا نقله والحمد لله، وقد طالت الترجمة مع تركنا لكثير مما تتطلع النفوس إليه.

1075- محمد بن إبراهيم بن محمد الوزير() [865 - 907هـ]

السيد العالم بدر الدين سليل الأكرمين محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم بن علي بن المرتضى المفضلي الوزيري رحمه الله.

قال السيد الهادي رحمه الله في تاريخ أهله: إنه أصغر أولاد الصارم سناً، وفيه نباهة كلية قرأ جميع الكتب المذكورة المعروفة في الفنون، وصنف ودرس، وله شعر جيد وخط يلحق بخط جده محمد بن عبد الله.

مولده رحمه الله في الليلة المسفرة عن يوم الأربعاء الثاني من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثمانمائة.

واستشهد رحمه الله في يوم الاثنين ثاني شهر القعدة أحد شهور سنة [سبع]() وتسعمائة سنة أصابه المدفع في الدار مما يلي قبة بلال، والمحطة حينئذ على صنعاء محطة عامر بن عبد الوهاب.

سمعت سيدي يحيى بن عبد الله يقول: كنا مجتمعين نحن والصنو محمد بن إبراهيم في بيتنا ببئر شميلة إذ سمع لغطاً وأصواتاً عالية تشعر أن بين الفريقين حرباً، فأخذ قوسه ونبله، وكان قايساً، وخرج إلى نوبة من نوب الدائر واجتمع فيها هو والسيد عبد الله بن محمد بن معتق الحمزي فلم نلبث أن سمعنا أصواتاً عالية وصيحة() عظيمة وظهور استبشار من أهل() المحطة، فخرجت مبادراً وفيّ حينئذ حدة الشباب، فعلمت الخبر وقد منَعت الناس المدافع عن الوصول إلى الصنو محمد رحمه الله، فلم أحفل بها، وتقدمت إلى النوبة فرأيته ميتاً، وصائبته خلف أذنه خوّارة موّارة، فسجيته بثوبي وحملناه إلى البيت رحمه الله تعالى، وقبره بمسجد نصير.

وكان والده نفع الله به قد أضرب عن الشعر فلما استشهد ولده هذا وفرقة() ولده الهادي وأحمد وأولادهما استروح بالشعر إليهم، فمن ذلك ما كتبه إلى ولده أحمد وضمنه مرثاة سيدي محمد رحمهم الله جميعاً() [من الخفيف]:

وكفانا المخوف من شرّ حرب
لم أكن من جناتها علم اللـ
قتل ابني بها على غير جرم
رحم الله أعظماً دفنوها
خلفت ابنة وشيخاً كبيراً
ما له ملجأ سوى الله والصبـ
قائلاً في صباحه وعشا
ربما تكره النفوس من الأمـ
هاكها يا بنيَّ من شيخ صدق
لم يُسَوّد لها بياضاً برق

 

لقحت بعد فترة عن خيال
ـه بفعل أتيت أو بمقال
كان منه، وقتله كان غالي
في (نصير) مقطوعة الأوصال
مفرداً عن بنيه ذا أوجال
ـر ؛ وفي الصبر حيلة المحتال
ياه، ووقت الضحى وفي الآصال:
ـر له فرجة كحل العقال
تتلألأ منظومة كاللآلي
إنما كان قولها بارتجال()

 ومما رثاه به والده رحمه الله وأراد بصاحبه السيد عبد الله بن محمد بن معتق رحمه الله:

ذكرت محمداً وفراق بنت
غدت كف المنون على أبيها
بمدفع عامر شلت يداه
أصاب ابني وصاحبه اعتداء
فتلك الدور بعدهما خلاء
فلو كان الحمام يطيع أمري
وكان محمد فينا هلالاً
دعاه لثالث الحالين داع
وقال له: هلم إلى سبيل
سواء فيه محتضر صغير
فقل لمن ارتضى حرباً لقوم
وهم قربى النبي بلا مراء
مخالف أمرهم لله عاصٍ
وليس بمسلم من قد قلاهم

 

له في المهد ما بلغت فطاما
وما بلغت من الأعمار عاما
ولا بلغ المراد ولا المراما
فذاق ابني وصاحبه الحماما
ومن فيها من الأبنا يتامى
طلبت من الحمام له ذماما
فأكسف قبل ما بلغ التماما()
سميع فاستجاب له وقاما
ترى المأموم فيها والإماما
وشيخ عمره تسعون() عاما
ومن في حربهم حسر اللثاما
وإن هو عن مودتهم تعاما()
ومنكر حبهم يلقى أثاما
وعاداهم وإن صلى وصاما

 قلت: ومما كتبه السيد محمد بن إبراهيم بن عبد الله رحمه الله إلى السيد الأمير المفضل عبد الله بن أمير المؤمنين المطهر بن محمد بن سليمان مرثياً لوالدته عقيلة بيت النبوة ذات الحسب الوسيع والنسب الرفيع: بدرة بنت أمير المؤمنين الناصر() الصغير محمد بن علي ابن أمير المؤمنين الناصر لدين الله محمد بن أمير المؤمنين المهدي لدين الله علي بن محمد عَلَيْهم السَّلام، وكانت من أشرف ذوي الشرف وأكمل النساء وأجملهن رحمها الله تعالى [من الوافر]:

دموع في الخدود لها انحدار
ووجد ضل منه اللبّ حقا
وخطب فادح قد راع عقلي
وذلك موت من طابت أصولاً
أرومتها الخلائف من علي
إمام من إمام من إمامٍ

 

وقلب في جوانحه الشرارُ
وجسم لا يقر به قرارُ
وغاب لأجله العقل المطارُ
وطاب الفرع منها والنجارُ
ومن آبائها القوم الخيارُ
خيارٌ لا يقاس بهم خيارُ

 قلت: وقد صرح المحققون أنه إذا اختلف اللفظ بالتعريف والتنكير فليس بإيطاء:

دعوا فأجابهم كل البرايا
وطبق عدلهم يمناً وشاما
وكانوا في بني الزهرا شموساً
لجدهم المفضل كل فضل
أقاموا المذهب الزيدي حتى
وهي طويلة فلنقتصر على هذا القدر.

 

وزان الأمر عقد واختيارُ
وطال بهم من الدين المنارُ
تضيء بها الليالي والنهارُ
فهم في تاج أسرته النضارُ
غدا للدين عز وافتخارُ

وقد رثاها رحمها الله جماعة كولدها المفضل، والعلامة أحمد بن أبي القاسم بن النعمان، والسيد صلاح بن قاسم الشظبي رحمهم الله تعالى.

1076- محمد بن إبراهيم بن أبي الفضائل() [... - 933هـ]

السيد العلامة محمد بن إبراهيم بن يحيى بن صلاح بن محمد بن أبي الفضائل رحمه الله.

قال السيد في تاريخهم: الولد النجيب، والسيد الجليل، درة الأصداف، شريف الأوصاف، توفي والده وهو طفل صغير وتربى في حجر عمه السيد شمس الدين أحمد بن يحيى، وكان اشتغال محمد بدرس العلوم ومعرفة المنطوق منها والمفهوم حتى لاحت عليه أنوار السمات الشريفة، وكملت فيه خصال الرتب المنيفة، من الدين المتين والحلم الرصين والأبهة والجلالة. قرأ علوم العربية فأتقنها على الفقيه عبد الله بن مسعود الحجي، وما زال جاداً في الطلب حتى اقتطعته المنية دون بلوغ الأرب، فتوفي بالطاعون الواقع في سنة ثلاث وثلاثين() رحمه الله ونفع به، شاباً لم يبلغ الثلاثين.

وكان أحسن الناس وجهاً وأجملهم صورة، وله خط حسن أخذ فيه طريقة السيد محمد بن المرتضى البليغ المشهور، ومحمد بن المرتضى أخذ طريقة السيد محمد بن عبد الله ابن الهادي رحمهم الله.

1077- محمد بن إبراهيم بن المفضل() [1022 - 1085هـ]

بحر العلم الخافق في الخافقين وبدره الذي أنار المغربين() والمشرقين، إمام المعقولات والمنقولات، والمبرهن على حدودها وبراهينها والمقولات، السيد العلامة صدر السادة وبدر القادة محمد بن إبراهيم بن المفضل بن إبراهيم بن علي بن أمير المؤمنين المتوكل على الله يحيى شرف الدين سلام الله عليهم.

كان قدس الله سره نسيج وحده، وفريد وقته، وإنسان زمانه، الكامل والقاضي في العلوم على كل فاضل، والحاكم الذي لبه رزين، والواسطة التي بجواهر العقدين تزين، كان رحمه الله ربّاني وقته، معمور الباطن والظاهر، مسعوداً في حالاته، ملحوظاً إليه بعين التكريم أينما توجه، مع كمال في سمته وجلالة باهرة حتى قال بعض الفضلاء: أحسب أنه لو اجتمع الخلق في المحشر وخرج السيد محمد بينهم علم كل واحد أنه عالم، وكان مع تلك الخلال ملاطفاً سهل الأخلاق غير مترفع ولا ينقص ذلك من مقداره شيئاً، وكانت له فكرة سليمة كما قال شيخه وشيخنا الوجيه عبد الرحمن الحيمي في صفته أنه مستغرق الفكرة بالله وهو مع الناس ظاهراً، هكذا ذكره لي شيخنا مشافهة أيام قراءته عليه في الكشاف.

وكانت أحواله أحوال الأمراء وصيته أعلى من ذلك لما حواه من هذه الكمالات، ولما له من النسب الشريف الذي لا يسامى وكان في أهل بيته الكرام كالبدر بين النجوم، ولم يزل مواظباً على العلم من صغره إلى كبره، يستفيد منه الطالبون ويراجعه الفضلاء بالكتب من الآفاق، ويستمطرون ديمة آدابه، ويفجرون معين علمه، فيأتيهم من قِبَله رحمه الله كل عجيب غريب، وقراءته في الفنون جميعها بمدينة صنعاء المحروسة وبلده المحروسة كوكبان وشبام، ورحل إلى الطويلة لسماع شيء من كتب أصول الفقه على السيد العلامة عز الدين بن دريب، وأكثر ما تعلق به في صنعاء علم الأدوات والتفسير، وأما الحديث فأكثر قراءته على شيوخ وردوا إليه إلى محله المقدس فقرأ من كل فن وجوه كتبه، وهيمن على غرائبها، وكان واسع الحفظ نادرة في ذلك سيال الذهن ولا يلقي المسائل إلا على جهة الإجابة، وقد أثبتنا له رحمه الله ذكراً في ترجمة صنوه السيد شمس الدين أحمد بن الحسن بن حميد الدين، وذكرنا شيئاً من شعره وكلمات من إنشائه، وما كنت أحسب أنا نكتبه في التاريخ لكثرة رجائنا في الله أن يطيل عمره، ولكنها خيرة الله العليم الحكيم، فله الحمد على كل حال.

واستوطن في آخر أيامه وادي ضهر وأنس به الناس هنالك، وازداد الوادي به بهجة، وعلق به من لا علاقة له، وكان رحمه الله استشارني لمكان المودة في إنزال أهله الوادي فما رجح لي وظهر له الرجحان فكان الصواب رأيه، وهو الحري بذلك.

ومما كتبته() إلى صديق أتشوق به إلى هذا السيد السري رحمه الله من النوع المسمى عند الأدباء دوبيت():

وادي ضهر أنت وادي صدري
لو كنت تدري كفؤادي يدري

 

جادك وكاف غزير القطر
أي حبيب فيك عظيم القدر

 وله قدس الله روحه أجوبة مسائل، وله نظم الورقات للجويني في غاية الحسن وكان شيخنا الوجيه يتعجب من حسنه، ويسر() الله لي أيام القراءة شرحها بشرح مفيد ولكنه لم يظهر وغاب عني بين الكتب بعد مطالبته رحمه الله لي بإظهاره. وشرحها رجل من بني نزيل()، وله كرامة عجيبة لم أستثبت إلى الآن في نقلها وتحقيقها.

كان مولده رحمه الله في سنة اثنتين وعشرين بعد الألف.

ووفاته في نهار الاثنين غرة رجب سنة خمس وثمانين وألف بمنـزله بشبام، وكان لموته موقع عظيم عند العلماء وغيرهم .

وما أحقه رحمه الله بقول الزمخشري في الإمام ابن سمعان [من البسيط]:

مات الإمام ابن سمعان فلا نظرت
وأي حوباء ما صمت ولا عميت
أين الذي لو شريناه لما أخذت
أين الذي الفقه والآداب إن ذكرت
من للإمامة ضاعت عند قيّمها
من للأحاديث يمليها ويسمعها
سرْد الأسانيد كانت قيد لهجته
خلَّ الأئمة خبراً فقد أعلمها

 

عين البصير إذا ظنت بأدمعها
ولا استفادت بمرآها ومسمعها
ببعضه هذه الدنيا بأجمعها
فهو ابن إدريسها وهو ابن أصمعها
من للبلاغة عيت عند مصقعها
بعد ابن سمعان ممليها ومسمعها()
ككف داود في تسريد أدرعها
على اتفاق، وأزكاها وأورعها()

 قلت: وقد صار عند التاريخ يُعْمَر عليه تربة، ورثاه من يعرفه ومن لا يعرفه، ومن جملة من رثاه القاضي العلامة بدر الدين محمد بن الحسن الحيمي، وجماعة من بلاد كوكبان أجادوا، والشيخ البليغ إبراهيم الهندي، والصنو القاضي جمال الدين علي بن صالح بن أبي الرجال، ولم يحضرني من هذه المراثي غير ما يسره الله لي ولست بكامل الصنعة في الشعر، وقد كتبت ذلك وبعض قصيدة الصنو علي حماه الله، وكان إنشائي لهذه المرثية عقيب سماع الخبر الرائع، قرأت الكتاب من ولده أحمد وكتبت هذه الحقيرة والله يعيد من بركاته:

الله أكبر فلك الصالحات رسا
والمجد هدت على رغم قواعده
ومسمع المجد والعليا به صمم

 

الله أكبر رأد الأفق عاد مسا
كم معلَم بعد عز الملة اندرسا
ونطقه عن فصيحات اللغى خرسا


 

هي المصيبة عمت كل ناحية
فابكوا جميعاً فهذا الهول عمكم
من ذا لعلم رسول الله ينشره
من للأصول ومن ذا للفروع ومن
لهفي عليه وما لهفي شفا كمد
آه وما هي في خطبي بنافعة
مصيبة قد دهت من قد قصا ودنا
قد كان فينا كشمس الرّأد مشرقة
وكان فينا كـ(ثهلان) نلوذ به
وكان فينا فراتاً مروياً فإذا
ماذا أقول وقولي فيه ذو قصر
بلى ، ألوذ بصبر فاز لائذه،
ما لي سوى الصبر في خطبي ألوذ به
يا من نأى عن فؤادي وهو موطنه
نأيت عنا إلى الجنات منتعماً
ونحن نبكي كما تبكي مولعة

 

يا أيها الناس هذا البدر قد طمسا
هدّ القوى من رجال منكم ونسا
يحييه يمليه يبدي منه ما التبسا
بالمنطق الفصل يمليها لمن درسا
شوى فؤادي وأورى في الحشا قبسا
وإن رثى لي منها الضد والجلسا
وأعظم الناس خطباً معشر الرؤسا
ما إن نخاف ظلاماً أو نرى غلسا()
إذا الزمان علينا بالخطوب أسا
يدنس الدينَ أمرٌ() طهّر الدنسا
ومنطقي بعد إفصاحي قد انحبسا()
كم لان بالصبر ما بالنازلات قسا
عسى يخفف من قلبي الهموم عسى
وفي سويداه حبّ منه قد غرسا
مع الأحبة من آل() وأهل كسا
بنجلها إذ رأته صار مُفْتَرسا


 

لكننا قد رضينا حكم خالقنا
وسوف نفزع في ذا الخطب نحو أُساً
مات النبي وأهل الفضل قد عبروا
أين الملوك الأولى حاطوا البلاد معا
ما دافعت عنهم الأبراج موتهم
وأين أهل الثرى والمال قد بخلت
وأين قوم لعز الله قد خضعوا
وحقّروا الدار والدينار ما ذكروا
أهل المحاريب خير الناس قد جعلوا الذ
راضون عن ربهم في كل أمرهم
هم الملوك وإن ذلوا لخالقهم
لا يرهبون بني الدنيا وإن كثروا
جليسهم ليس يشقى طاب ذكرهم
صلى عليهم إلهي كل آونة
وإن عز الهدى هذا رئيسهم
صلى عليه إلهي بعد معشره

 

وإن تجرّع كلٌّ من نواك حسا
كم بردت من حرارات القلوب أسى
انظر هل الموت حاشا سيداً ندسا
وأكثروا الجند والأتباع والحرسا؟
ولا رأوا معقلاً يجدي ولا فرسا
نفوسهم ثم لم يغنوا بما نفسا()
وذلّلوا أنفساً كانت لهم شمسا؟
لغير ما حاجة عشراً ولا خمسا
كر المنير لهم في ليلهم أنسا
فيما يدبر فيما سرّ فيه وسا
ألفيتهم حين يبدو أمره حُمُسا
طوبى لمن بينهم والله قد جلسا
ما زال ذكرهم كالشمس ما انطمسا
ما استنشقت أنف نجدي به نفسا
وفخرهم إن ذكرنا فيهم الرؤسا
مَنْ مجدهم فوق هامات النجوم رسا

 وقال الصنو جمال الدين علي بن صالح() حماه الله مرثياً للسيد قدس الله سره:

ما زالت الأيام من قبل سام
وتزعج المرءَ لترحاله
كم من كريم قد مضى عاجلاً
لو أن للموت دواء بها
واحربا من حكمه إنني
لا يرهب الضرغام فيها ولا
ولا يرى حقاً لذي شيبة
ولا مليك لاح في دسته
وافى سليمان على ملكه
ويوسفاً وافاه في مصره
فما ثناه الحسن عن قصده
وكان إدريس له صاحباً
واختار للمختار أن يرتقي
ولاقت الزهراء من بعده
مصائب صبت عليها فلو
وها هو الآن تخطّى إلى
سما لبدر المجد في أفقه
لهفي لبحر غاض في غرفة
بحر يفيد الناس من علمه
مهذب الأخلاق آدابُه
كم عقدة قد حل إشكالها
وليس للحق بساحاته
لهفي عليه إنه ماجد
مفضل ينبيك عن فضله
مصيبة جلاّء قد أورثت
مصيبة عمت جميع الورى
من أجلها يا صاح قد أصبحت
والشامخات الشم قد زلزلت
حتى خشينا أن يوارى لها
لا برحت تبكي على قبره
وزارت الرحمة من ربه
وليهنه الفوز بما نال من
وعظّم الله لمن بعده

 

تسقى الكرام الغر كاس الحمام
فلا يُرى للناس فيها مقام
والله ما الدنيا محل الكرام
لملّ جالينوس طول الحِمام
أراه ماضٍ في جميع الأنام
يرثي لضعف الطفل عند الفطام
أو ذي شطاط مثل غصن البشام
قد غصّ ناديه بكثر الزحام
فعذّب الجن بطول المقام
وهو كبدر التم عند التمام()
بل أنفذ الأمر وأمضى الكلام
فما رعى للشيخ حق الذمام
من هذه الدار لدار السلام
ما يمنع الناظر طيب المنام
صبت على الأيام عادت ظلام
أعلا محلٍ نيله لا يُرام
حتى ثوى يا قوم بين الرغام
من غرف الجنة بعد الحمام
درّاً فريداً عند رجع الكلام
تفضح زهر الروض وسط() الكمام
لولاه أضحى حلها لا يرام
إذا التقى الخصمان من انكتام
ما جدّ إلا في طريق الكرام
جوانب المحراب جنح الظلام
في كل قلب من لظاها ضرام
ينهدّ منها زمزم والمقام
تنوح في الأغصان ورق الحمام
وكاد أن ينهد منها شمام
معقله الفرد نواحي شبام
في كل يوم هاطلات الغمام
في كل يوم روحه والعظام
جنات عدن عند خير الأنام
فيه جزيل الأجر بعد السلام

 1078- محمد بن إبراهيم [... - ق 10هـ]

الفقيه الفاضل العلامة محمد بن إبراهيم صاحب عرثومان.

علامة كبير، مقدم خطير، ترجم له سيدنا شمس الدين أحمد بن سعد الدين المسوري رحمه الله وغيره، ووصفوه بالعلم الواسع، وأجاز له الإمام عز الدين عَلَيْه السَّلام إجازة عظيمة، وقال الفقيه العلامة أحمد بن مطير الشافعي : إنه انتقل من الحيمة إلى عرثومان وليس من العِرّ، وكان متولياً لأمور كثيرة من مصالح الإسلام، وتتلمذ له أجلاء فضلاء منهم علي ومحمد ابنا داود بن حاتم، ومحمد بن سليمان بن ساس: عالم كبير تولى القضاء للإمام شرف الدين عَلَيْه السَّلام.

ومن عجيب ما روي عن محمد بن إبراهيم أنه كان له ثلاث بنات، وكان صاحب ثروة ومقام عظيم، ففعل طعاماً واسعاً وجمع الناس، ولم يعرف الناس الوجه، فلما تم الطعام وانقضى قال للناس: أريد أن الفقهاء الثلاثة علياً() ومحمداً ابني داود ومحمد بن سليمان يتزوجون بناتي، ففعلوا بعد أن اعتذروا لعلو مقامه، وراموا أن يقبض منهم أموالاً فمنع جزاه الله خيراً.

وقبر محمد بن إبراهيم في رأس الطود من عرثومان.

1079- محمد بن إبراهيم الظفاري() [... - ق 10هـ]

الفقيه الفاضل بدر الدين محمد بن إبراهيم الظفاري رحمه الله.

من وجوه العلماء أيام السيد الإمام العالم إبراهيم بن محمد صاحب الفصول، ذكره بعض المؤرخين، ولم أطلع من فضائله على تحقيق، ولا أدري هو المشهور بعلم القراءة أو غيره، وصاحب علم القراءة هذا علامة محقق له كتاب لا يوجد في علم القراءة أجمع منه. وسكن حدة أعني صاحب هذه الترجمة وصنعاء، ومؤلف الكتاب المذكور سكن حدة المحروسة، وله بها عقب.

1080- محمد بن إبراهيم المتميز() [... - بعد 1054هـ]

الفقيه بدر الدين محمد بن إبراهيم بن يحيى المتميز الصعدي رحمه الله.

كان فقيهاً فاضلاً، درس في الفروع على شيخه العلامة علي القصار وغيره، وكان سهل الأخلاق كثير الخشوع.

1081- محمد بن أحمد الناصر المسمى بالباني() [... - ق 4هـ]

السيد الإمام العلامة مفخر الزيدية ونور هالة العصابة الأحمدية أبو القاسم محمد المسمى بالباني بن أحمد() الناصر بن الهادي إلى الحق عَلَيْهم السَّلام.

ذكره القاضي أبو علي التنوخي في كتاب نشوان المحاضرة، فقال:

ورد من اليمن وأقام بالبصرة سنتين، وما رأيت بعد أبي عبد الله بن الداعي أفضل في العلم والدعاء إلى الله عز وجل من أبي القاسم هذا، وكانت فيه فصاحة وتوئدة، وكَيَس تام، وكان كثير المواعظ يخلط بها كلامه بذكر الله تعالى بأحسن عبارة في مجالس الأمراء والوزراء وغيرهم، ومجالسه في بيته، ولا يخلى مجلساً له() من وعظ وذكر الله تعالى ودعاء إليه، وحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة أولي الأمر وجهاد من ليس بأهل، والأكثر في كلامه المواعظ والتخويف من الله تعالى وذكر الآخرة، وكان مستقيم الطريقة، نظيف الظاهر والباطن والمكسب، حسن الهدى، يلبس الطيلسان، قد درس الكلام على أبي إسحاق بن عباس التستري غلام أبي علي ابن خلاد العسكري غلام أبي هاشم الجبائي، تعلم منه قطعة حسنة، وعرف من الفقه صدراً صالحاً، يخلط بهما كلامه ليبين عن محله فيهما.

قال: وشاهدته يوماً بالأهواز وقد دخلها منصرفاً من حضرة الأمير عضد الدولة في مجلس كان أبو القاسم علي بن الحسين بن إبراهيم الكاتب الشيرازي ابن بنت أبي الفضل العباس بن فناخسر عقده لنفسه في داره للجدل، وهو إذ ذاك يتقلد الأشراف والاستبقاء() على عمال كور الأهواز لمعز الدولة، وقد سئل أبو القاسم عن رؤية العباد لله تعالى في القيامة، فقال: لا يرى الله عز وجل بالأبصار في الدنيا ولا في الآخرة، ثم قص مذاهب المعتزلة في الأصول كلها أحسن قصص وأبلغ كلام، وأشد استيفاء للحجج ثم قال: هذا مذهبي ومذهب آبائي وأجدادي يروونه خلفاً عن سلف وثان عن وأول إلى أمير المؤمنين علي رَضِيَ الله عَنْه، ومن ادعى خلاف هذا فقد كذب. ثم بدأ يستدل على نفي الرؤية بأحسن دليل مما قد ذكره المتكلمون واستولى على المجلس، ونص المسألة إلى آخرها حتى انقطع السائل.

فرأيت أبا القاسم علي بن الحسين وقد بكى استحساناً لما أورده، ثم قال: الحمد لله الذي أحياني حتى أراني في موالي أهل البيت مثلك.

قال القاضي أبو علي: ورأيت ببغداد يوماً أبا القاسم بن الناصر هذا في مجلس أبي عبد الله بن الداعي، وقد جاء رجل بفتوى فطرحها إلى أبي عبد الله، فقرأها فإذا هي في رجل طلق امرأته ثلاثاً في لفظ واحد، فقال له: تريد أن أفتيك بما عندي وعند أهل البيت أو ما يحكيه غيرنا عن() أهل البيت؟

فقال: أريد الجميع.

فقال: أما عندي وعندهم فقد طلقت ولا تحل لك حتَّى تنكح زوجاً غيرك، وأما من روى غير هذا فهذا وأومى إلى أبي القاسم إن شئت أن يفتيك به أو يرويه لك فعل.

فقال الرجل: إن رأى الشريف أن يفتيني.

فقال له أبو القاسم : الذي عندي وأرويه لك عن الهادي الناطق بحجة الحق وعن أبي القاسم بن إبراهيم وأهل البيت رَضِيَ الله عَنْهم فأفتيك به أنها قد طلقت منك واحدة، فإن شئت كانت على طلقتين، وإن شئت راجعتها.

فانصرف الرجل واستعظمت أنا هذا التأكيد من أبي القاسم في الطلاق، فاستثبته فيه وأخذت أناظره عليه، فأورد ما يورده أهل هذه المقالة مستوفى، ثم جنح إلى أنه يرويها عن أهل اليمن عن أهل البيت نقلاً وعملاً، وأن هذا أيضاً مذهب الناصر الطبرستاني وأنه يرويه أيضاً عن أهل البيت رَضِيَ الله عَنْهم.

1082- محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى() [540- 624هـ]

الأمير الخطير الحجة شيخ العترة شيبة الحمد بقية بني الزهراء وسيدهم في عصره بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى بن الناصر بن الحسن بن الأمير العالم المعتضد بالله عبد الله بن الإمام المنتصر لدين الله محمد بن الإمام المختار لدين الله القاسم بن الإمام الناصر لدين الله أحمد بن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم عَلَيْهم السَّلام.

هذا الأمير الذي خضعت له العلوم، ونشر على رأسه ألوية المظنون منها والمعلوم، وعكفت العلماء من الثقلين على بابه، وتشرفت بلثم أعتابه، ومضت به كلمة الشريعة في البلاد، وانخرطت الأمة فيما يقول سلسلة القياد()، رجع الناس إليه مراراً للإمامة العظمى فما طاوع لشيء من ذلك مع أهليته وكماله، وقبول كلمته ونفوذها، ووجد العذر هو وأخوه الأمير شمس الدين رحمهما الله بوجود الإمام المنصور بالله، فاستمرت الشريعة بالجميع، واستقامت القناة أحسن استقامة، وشهر سيفيهما الأميران، وأنفذا الكلمة على كل قاص ودان، ولهما عجائب وغرائب، وفيهما ممادح غراء للعلماء والأئمة، وبالجملة فنظير الأميرين قليل، ولو أسعد الزمان لكانت هذه الترجمة بسيطة حافلة بفرائد ودرر، فقد كنت اطلعت على هذا، ولكنه تراخى الزمان عن الكتابة، فذهب عن الذهن شيء، فالله المستعان.

قال الأمير صلاح بن الجلال: كان الأمير داعياً للمنصور بالله عَلَيْه السَّلام، وعُمّر خمساً وثمانين سنة إلا شهراً، وفي بعض نسخ المشجر: إلا أشهراً بالجمع، وهو في غير المشجر بالإفراد.

وتوفي في منتصف شهر رجب وهو يوم الخميس سنة أربع وعشرين وستمائة، وكانت وفاته ودفنه بهجرة قطابر، وقبره بها مشهور مزور بالقرب من باب المسجد الأعلى منها رحمه الله تعالى.

1083- محمد بن أحمد اليحيوي [... - ...]

الأمير المقدام الرئيس العلامة بدر الدين محمد بن أحمد بن السادة الكرام آل يحيى بن يحيى ، هو من أجلاء الكبراء العلماء، عضد الداعي إلى الله يحيى بن المحسن.

ذكره السيد في الكاشفة() وذكر أن الرسالة التي فيها البسط من الداعي إلى الشيعة هي من صيغة هذا الأمير قدس الله سره ؛ وأظنه محمد بن أحمد() بن مجد الدين يحيى بن الأمير بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى رحمهم الله، ومحمد بن أحمد بن مجد الدين هذا له قصيدة غراء في القاضي العلامة يحيى بن عبد الله بن أبي النجم طالعها:

لورد خدود أو لدر لثاة

 

حنينك أم للضال والأثلات

 1084- محمد بن أحمد بن المفضل() [... - ق 9هـ]

السيد الأديب العارف محمد بن أحمد بن المفضل رحمه الله.

قال السيد جمال الدين في تاريخ أهله: كان سيداً فاضلاً، عالماً عاملاً، أديباً أريباً، لوذعياً مطلعاً على المحاسن والغرائب، حسن المحاضرة، سلس الأخلاق، عذب الشمائل، كثير المحاسن، جم النوادر، له في العلم وطأة حسنة، وفي السير على أنواعها، وكان عابداً زاهداً، نشأ على محبة العلم وطلبه، وحج إلى بيت الله الحرام . وكان فصيحاً شاعراً مجيداً، ومن شعره، وكانت عرضت بينه وبين شريف من بني معتق خصومة في حضيرته المعروفة ببلاد سنحان، فسار إلى ذمار وطلب الدخول على الإمام الناصر عَلَيْه السَّلام، فتعذّر عليه في الوقت الذي أراده، فكتب إليه هذه الأبيات [من البسيط]:

أصبحت كالشمس لا تخفى على أحد
فليت ريح سليمان مسخرة
أو ليت أني كقوم كان حظهم
فإن ظُلمت فأهل الفضل قد ظلموا

 

لكنها وقعت في سرة الفلكِ
إليك تبلغني أو منكبي ملكِ
سهم النجيح() فنالوا أرفع الدركِ
بنت الرسول كما قد صح في فدكِ

 1085- محمد بن الأمير أحمد اليحيوي [... - ...]

الأمير العلامة بدر الدين محمد بن الأمير أحمد رحمه الله.

قال السيد أحمد بن عبد الله في هامش كتابه المقاصد الحسنة : أن له تفسيراً لكتاب الله، وأنه الأمير محمد بن الأمير العلامة البليغ أحمد بن علي اليحيوي، قال: وذكر في تفسيره عن الإمام محمد بن عبد الله النفس الزكية أنه قال : آخر ربوع لا يدور ثقيل علينا أهل البيت . قال السيد شمس الدين: نقلت هذا من خط سيدي صارم الدين رضوان الله عليه، يعني صاحب الفصول.

1086- محمد بن أحمد بن المهدي [... - ...]

الأمير بدر الدين محمد بن أحمد بن المهدي بن الأمير شمس الدين يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى عَلَيْهم السَّلام . قال الأمير ابن الجلال رحمه الله : كان فقيهاً صالحاً ذا بصيرة، وولده الحسن من الأخيار رحمهم الله تعالى.

1087- محمد بن أحمد بن علي بن أبي الفتح [... - ق 9هـ]

السيد الكبير العلامة الخطير محمد بن الداعي أحمد بن علي بن أبي الفتح رحمه الله.

هو من كبار العلماء ووالده الإمام أحمد الديلمي الفتحي، حضر هذا السيد الجليل دعوة الإمام الهادي لدين الله علي بن المؤيد بن جبريل ، وكان عيناً من العيون الحاضرين، أعاد الله من بركته.

قال في (اللآلئ): كان محمد بن الداعي أحمد بن علي بن أبي الفتح آية في زمانه، بلغ أنه كان يحيي الليل كله في ركعتين يتلو فيهما القرآن كله، انتهى.

1088- محمد بن أحمد بن الحسن المؤيدي [... - ق 10هـ]

السيد السامي قدرا، الطالع في سماء المجد بدرا، بدر الدين محمد بن أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن المؤيد سلام الله عليهم.

ذكره الإمام عز الدين بن الحسن عَلَيْه السَّلام، وقال: هو أكبر أولاد أبيه وأنبلهم، له معرفة ونباهة وألمعيّة وفصاحة في الخطاب والكتاب، ولد في سنة خمسين وثمانمائة، وانتقل من الوطن ومكان() المنشأ بعد أن تزوج وأولد إلى القبضة ببلاد بني سويد، وأقام بها مدة ثم عاد إلى وطنه ومسقط رأسه، فأقام بين أولاده رحمه الله تعالى.

1089- محمد بن أحمد بن الإمام المنصور بالله() [... ق 7هـ]

الأمير بن الأمير بدر الدين محمد بن المتوكل على الله أحمد بن أمير المؤمنين المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم.

كان من نُجب الأشراف ونُجب الأيام، سيداً سرياً، مقداماً عارفاً، ترجم له محمد بن السلطان حاتم وذكر أحواله مفرقة وموافقة، وذكر أنه ولي أقاليم وحصون، وكان مرجوعاً إليه، وقد كان أيام الإمام المهدي لدين الله أحمد بن الحسين أحد الأعيان المشار إليهم().

وله قصائد غر، ومن جملة شعره ما وجهه إلى الإمام المهدي عَلَيْه السَّلام أيام المحطة بخدار، وهي [من الكامل]:

حي الطلول ومن بها من حاضر
درست وغيّرها الزمان فأصبحت
ما بين (بلسن) و(الزرود) معاهدٌ

 

إن السلام أقل فرض الزائرِ
كالرق أو كخلال حصن داثر
تغنيك عن ذكر (العقيق) و(حاجر)

 قلت: بلسن بليدة في سواد بني جبر والزرود بوادي هران،

دمنٌ بهنّ جررتُ أذيال الهوى
فسقى ثراها غير مفسد أرضها
من كل داني المزن هطّال الحيا
مسحنفر لجب كأن ربابه
فلقد أراها والجديد إلى بلى
في حيث لا يرميك مقلة أحور
كم قد عهدت بهن من خرعوبةٍ
من كل فاترة اللحاظ كأنها
ريّا الروادف ليّنٌ أعطافها
يا أيها المتحملون تحمّلوا
يشفي الغليل وإن تقادم عهدكم
ما لي أقيم على التهاون مغضياً()
والأرض ذات الطول لي مستوطن

 

مرحاً، وريعان الشباب الناضر
صوب الربيع وكل دجن ماطر
زَجِل الرواعد رائح أو باكر
كوم الهجان صغت لهدر الهادر
لهو الحديث بها وأنس السامر
إلا إذا سفعت بطعنة ثائر
بيضاء كالقمر المنير الباهر
ريمٌ أحسّت نبأةً من زاجر
تصبي الحليم بسحر طرف فاتر
منا السلام لمنجد من غابر
زور الخيال لنا، وذكر الذاكر
مستنقصاً قدري بحظ قاصرِ؟
والناس في كل البلاد معاشري


 

وإذا شددت ففوق كل مطهّم
يختال في نسل الوجيه ولاحق
وإلى الإمام ابن الحسين بعثتها
وهّاب كل طمرة ملبوبة
الطيب ابن الطيبين أرومة
ملك إذا ذكر الملوك فعنده
يغشى الأمور إذا تعاظم خطبها،
تجلى لغرته الغمام ويستقى

 

وإذا ارتحلت ففوق كل عذافر
وتحث() في نسل الجديل وداعر
مثل الجنان لسامع ولآثر
قمّاع صولة كل خِبٍّ فاجر
ومشيد حزب() الطيبين الآمر
غوث اللهيف وذلة المتصاغر
روّاء ذي حنك وغشم مخاطر
ماء الغمام بجوده المتواتر

 1090- محمد بن أحمد الزيدي [... - ...]

السيد العلامة الفاضل العابد الوحيد محمد بن أحمد بن محمد بن المطهر الزيدي نسباً ومذهباً، كان مشتغلاً بالخيرات، مبرزاً في العلوم إلى الغاية القصوى، سكن يناع بالمغرب مهاجراً، وبه توفى رحمه الله.

1091- محمد بن أحمد بن عز الدين() [1000 - 1053هـ]

السيد العلامة إمام العباد وسيد الزهاد بدر الدين محمد بن أحمد بن عز الدين بن الحسين بن عز الدين بن الإمام الحسن بن الإمام عز الدين بن الحسن عَلَيْهم السَّلام المعروف في ألسن العامة : بابن العنز لأن أمه رحمه الله ماتت وهو يرضع، فعطف الله عليه عنزاً كانت عند حاجته تنفرد من الغنم من المرعى وتجري حتى تدخل إليه ثم تتفحج له حتى يمكنه الإرتضاع.

كان من عباد الله الصالحين وأهل التقوى والعفة على طريقة أهل الطريقة، كثير الصمت قليل الضحك، لم يسمع له قهقهة، وكان في أيام شبيبته يعتزل الناس، ويمضي في الجبال والشعاب متخلياً متعبداً، ثم يعود إلى مسكنه بربيع ونحوه، وكان له أصحاب صالحون يتبركون بخدمته ولقائه، ويصفون عنه تمكناً في علم الأسماء وأنه كان يأتي من المسجد فيغلق مكانه على صفة الممازحة سويعة لم يفتح وهو متبسم ولا يُعرف الفاتح ولا المغلق ولا يرى، وروي عنه أنه تمكن من الصنعة وأنه استأجر حاجاً لأبيه وأعطاه أجرة من الفضة الخالصة المعدنية.

وكانت له فكرة عجيبة في كل شيء وعمل ناظوراً يدرك به البعيد، فأبصر به الناظرون من صعدة إلى رُبَيْع() أو من ربيع إلى صعدة، والحكم واحد، وشرح قصيدة الإمام الهادي عز الدين بن الحسن عَلَيْه السَّلام الرائية التي طالعها:

اسمع هديت مقالة منظومة

 

فيها فوائد في الحساب غزار

 وفيها معرفة المواقيت، فشرحها السيد وتكلم على مواد نافعة في علم الفلك الإسلامي، وما يحققونه في الكسوف غير متعرض للأحكام صانه الله عنها، وأعمال الربع المجنب.

وحكى بعض الناس أنه صنف كتاباً في الفرائض وأنا أحسبه يريد هذا الكتاب ؛ لأنا مع خلطة السادة لم نعثر على شيء، وأنه رحمه الله صنع البياض بصنعة من نفسه والمداد بصنعة مبتكرة، والتأليف من عنده، وأخرجه بعد إكمال أجزائه من صنعته رحمه الله.

مولده ببيت الوادي ربيع من أعمال صعدة في ثاني ذي القعدة سنة ألف من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام.

ووفاته قدس الله روحه بهجرة فلله مستقر سلفه الكرام في رابع وعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ثلاث وخمسين وألف، وقُبِر في قبة جده العابد العالم جمال الدين عز الدين بن الإمام الحسن إلى جنب السيد الكريم الحسن بن يحيى بن الإمام الحسن إلى جهة اليمن.

صلاح بن أحمد بن عز الدين()

وله أخ نشأ على الأدب والبلاغة، وكان صدراً في مجالس الكبراء مقدماً، حسن التعبير، وهو صلاح بن أحمد، مولده في اليوم الخامس عشر من شهر ربيع الأول من عام خمس عشر بعد الألف بدار الإمام شرف الدين عَلَيْه السَّلام بصنعاء المسمى بدار العلف عند مسجد محمود ؛ لأنه كان قد ملكه السادة الكبراء من أخواله الأمراء آل المؤيد، وله أشعار في كل معنى، ولعلي قد ذكرت له ترجمة إما مفردة أو بالتبع لغيره ؛ لأن الله أمتع به إلى أواخر عشر السبعين بعد الألف، ونتبرك بشيء من شعره وذلك ما وجهه إلى السيد المليك الغطارف محمد بن الحسن بن أمير المؤمنين القاسم بن محمد رحمه الله، نقلتها من خطه [من الطويل]:

بنفسي ومالي خير ملك من الورى
رأى حزن يعقوب تساور مهجتي
فإن منحته شكر داود همتي
فمن حلم إبراهيم حلم محمد
صبور كأيوب خطيب كأنه
كريم كيحي لم يهمّ بريبة
كإدريس صديق عزيز كصالح
فيا ربّ ذي الخُلُق العظيم محمَّد
وزد في بقاه عمر نوح وأَوْلِهِ
وصلّ على مَنْ قد ذكرناه إنهم

 

وأقومهم بالحق في كل موقف
فأعطى لها من فضله حسن يوسف
فما منحت من واجب فعل منصف
ومن طبع إسماعيل علّم أن يفي
شعيب أخو القول البهي المفوّف
طبيب كعيسى كم به مدنف شفي
برهط كرام دافعي() كل مسرفِ
به وبهم نجّ المليك وشرّف
كملك سليمان لجان ومعتفي
همُ خير هادٍ في البرايا ومقتفي

 1092- محمد بن أحمد بن الحسن المؤيدي() [... - 1062هـ]

السيد الباسل الشجاع الحليم عز الإسلام محمد بن أحمد بن أمير المؤمنين الحسن بن علي بن داود بن الحسن بن أمير المؤمنين علي() بن المؤيد عَلَيْهم السَّلام.

هو السيد الفاضل عين الزمان وفخره، بهجة المحافل، صاحب الآراء الثاقبة، والمحامد الداثرة الواسعة، نشأ على الصلاح والعلم بعد موت أبيه الرئيس أحمد بن الحسن، وصبر على مشاق الوقت، وقاسى في عنفوان شبابه أموراً صبر لها حتى أفضت به إلى محل من الخير ما يدرك. قرأ بصعدة وصنعاء، وكان كثير المذاكرة، وحضرته معمورة بالفضلاء ومع ذلك فهو يقود المقانب، ويشارك في المهمات كأحد أولاد المنصور بالله القاسم بن محمد، وكان لا يعد نفسه إلا منهم ولا يعدونه هم إلا من أجلائهم، وتولى في حصار صنعاء حصرها من الروضة، وحَمُد أثره، ولم يزل مع السيد سيف الإسلام الحسن بن أمير المؤمنين في جميع المشاهد، ثم ولاه العدين وهو إقليم متسع، فحسنت حالته واستقامت حال خلائق معه، وعلا صيته بالعلم والجاه والرئاسة، ثم كان أحد أعيان دولة أمير المؤمنين المتوكل على الله إسماعيل بن أمير المؤمنين المنصور بالله، وكان بينه وبين الإمام ود أكيد، وتولى في أيامه مع العدين جهة حيس من تهامة، وبندر المخا، وألقت إليه الدنيا أفلاذ كبدها، وعاش حميداً ولم يشتغل بتكليفه، وشرح كافية ابن الحاجب بشرح سماه: تحفة الطالب وزلفة الراغب إلى معرفة كافية ابن الحاجب، وشرح الهداية في الفقه رأيت مجلداً ولم أعرف إلى أي محل بلغ. وله ديوان شعر فنونات وإخوانيات وغير ذلك وكان يحب الأدب وأهله.

توفي يوم الأربعاء الثامن عشر من ذي الحجة الحرام سنة اثنتين وستين وألف()، وعمره تقريباً من ثلاث وخمسون سنة، بذلك يعرف سنة مولده.

ولما كان الحج الكبير الذي اجتمع فيه أعيان من آل القاسم وغيرهم، من جملتهم السيد الرئيس أحمد بن الحسن()، والسيد عز الإسلام محمد بن الحسين بن القاسم، والسيد الأنبل محمد بن أحمد بن القاسم، وكان فيهم أعيان من الشيعة كالقاضي صفي الدين أحمد بن سعد الدين عادت بركته، وأظنه في ثلاث وخمسين وألف، جعل الإمام المؤيد بالله أمير هؤلاء جميعهم: محمد بن أحمد المذكور.

1093- محمد بن أحمد القرشي() [... - 623هـ]

شيخ الشيعة الحافظ لعلوم آل محمد المحدث الكبير الأصولي شحاك الملحدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن أحمد بن جعفر بن الحسن بن يحيى بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، وإبراهيم هذا هو الذي يعرف بالأنف بن أحمد بن الوليد بن أحمد بن محمد بن عاصم بن الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف رحمه الله.

هو العلامة الرباني المجمع على جلالته وفضله، لم يختلف في ذلك اثنان.

ويعرف بالعبشمي بالعين المهملة بعدها باء موحدة بعدها شين معجمة بعدها ميم ثُمَّ ياء النسب منسوب إلى عبد شمس على الطريقة المعروفة لأهل التصريف.

ولم يكن لهذا العالم نظير ولا مشاكل في فضله وعنايته إلا مشائخه كابن عبد السلام الأبناوي() ومن ضاهاه، قرّب العلوم، واشتغل بتحصيل كتب الأئمة كما فعل القاضي جعفر، وأفاد بذلك وبما تحمل من الإسناد غاية النفع، قد صنف في أخباره وأحواله ولده الشيخ المحدث علي بن محمد مصنف شمس الأخبار، ويقال: علي بن حميد، وذلك لأن لمحمد هذا اسمان كما صحح ، والله أعلم.

وهو شيخ الإمام المنصور بالله، وتلميذ الإمام أحمد بن سليمان، ويعرف أيضاً بالشيخ محيي الدين، وفي أعقابه محمد بن أحمد أيضاً، وهو محمد بن أحمد بن علي بن محمد هذا، وقد يلتبس ذلك، ولهم عقب ظاهر.

وكان يسكن في حوث، وله أولاد بظفار وصنعاء يعرفون ببني الوليد، منهم بطن الآن يعرفون ببني القوّاس، وقد زاد في نسبه بعضهم بعد عاصم حذيفة والله أعلم.

ومصنفاته المشهورة سبعة وعشرون مصنفاً، كلها مفيدة، وهو الذي جوّد صناعة الجواهر والدرر لأبي مضر شريح بن المؤيد، وله تحرير زوائد الإبانة عن الإبانة، وذلك أن زوائد الإبانة في الأصل حواشي وهوامش لجماعة من علماء أهل العراق كمحمد بن صالح وغيره، فلما وصلت نسختها إلى اليمن في زمن الشيخ محمد بن أحمد بن الوليد هذا رحمه الله وجد الحواشي في بعض المواضع قد زادت على الأصل حتى لا يكاد يتميز الأصل في بعض المواضع، فنسخها رحمه الله جميعاً متناً وجعل علامة الإبانة (الأصل)، وعلامة الحواشي (زيادة)، وذلك في شهر رمضان سنة عشر وستمائة، قال: ومبلغ عمره إذ ذاك اثنتان وسبعون سنة، ثم عاش بعد ذلك .

وتوفي وقت صلاة العشاء الآخرة من ليلة الثلاثاء لاثنتين أو ثلاث وعشرين من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وستمائة رحمه الله وجزاه خيراً.

*  *  *

ومن قواعد الزوائد هذه : أنه إذا ذُكر (القاسمية) عنى به القاسم بن إبرهيم عَلَيْه السَّلام ومن رأى رأيه من الأئمة عَلَيْهم السَّلام ومن فقائهم ومحصليهم رَضِيَ الله عَنْهم، وإذا ذكر (السادة) عنى بهم جميع من رأى رأي القاسم عَلَيْه السَّلام من السادات مثل أبي العباس وأبي طالب والمؤيد بالله وغيرهم رَضِيَ الله عَنْهم حتى الهادي وأولاده يدخلهم في هذه العبارة. وإذا أطلق (الشيخ) عنى به صاحب الإبانة الشيخ أبا جعفر. وإذا ذكر (المشائخ) عنى بهم صاحب المسفر محمد بن علي الأبراتي وشيبة بن محمد، وصاحب الهداية، وأبا طالب الفارسي، وأبا الفوارس رزقان بن إسفنجا، وعلي بن بلال، وأبا القاسم البستي. ويعد من جملة المشائخ أيضاً السيدين الإمامين أبا عبد الله صاحب المرشد وأبا الفضل الناصر وهو من أولاد الناصر عَلَيْه السَّلام. وإذ ذكر (المتأخرين) عنى الشيخ الحافظ علي بن أصفهان وابنه الفقيه أبا منصور والفقيه شهراشويه، وشهردبير ابن الشيخ أبي ثابت، وكنيته أبا الفضل، واسم الشيخ أبي ثابت كوراكير.

قلت: وقد سبقت ترجمته في الكاف ؛ لأنه العلَم.

والفقيه جمال الدين واسمه أبو يوسف، والفقيه أبا المحاسن وابنه الفقيه أبا الرضى والفقيه شهردبير [بن علي]() . وبهذا يعرف أن في الأصحاب شهردبير أكثر من واحد. وابن أخيه نور الدين الفقيه مهدي بن أبي طالب، والفقيه باجويه وكنيته أبو جعفر، وابنه الفقيه محمد، وهو شيخ شمس الدين محمد بن صالح، والفقيه مردويه() جوار، والفقيه جمال الدين حزمي دوست بن دمكه، ومن كان في طبقتهم من الفقهاء الناصرية رحمهم الله تعالى. وإذا ذكر (السيدين) عنى بهما أبا العباس وأبا طالب رَضِيَ الله عَنْهما. وإذا ذكر (الأخوين) عنى بهما المؤيد بالله وأبا طالب قدس الله روحهما. وإذا قال : (عندنا) عنى به جميع أهل اليبت عَلَيْهم السَّلام إذا لم يذكر خلاف أحد منهم. وإذا ذكر (الفقهاء) عنى بهم جميع فقهاء() أهل السنة . وإذا ذكر (الفريقين) عنى بهم الشافعية والحنفية. وإذا ذكر (فقهاء الأمصار) عنى بهم الفقهاء الذين لهم أصحاب ومحصلون وناصرون لمذاهبهم مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، انتهى.

*  *  *

وتوفي الشيخ محي الدين في التاريخ السابق بهجرة حوث، ويعاود في تحقيق محل الوفاة، ورثاه الأمير الناصر لدين الله محمد بن المنصور بالله بقصيدة وجهها من صعدة إلى حوث، وهي [من الكامل]:

إنّ الرزية لا رزية مثلها
حيَّت فحيّ بها الهدى، وتضعضعت
يا ليلة القدر التي غادرتنا
لم يلق هذا الناس مثل محمَّد
فالحق أبلج ما حييت معمَّراً
فعليك من صلوات ربك كلما
كنت الشفا لكل من حادثته
ونراك ركناً عند كل ملمة
جبل يعاذ به، وحصناً شامخاً
وكأنّما تلك المحاسن لم تكن
أيلذ بعدك للمسامع مسمعٌ
ويقوم بعدك في مقامك قائم
فجزاك ربك صالحاً ترضى به،
وعليك منا كلما جنح الدجى
إن العيون محلل إحرامها

 

نفسٌ يموت بموتها الإسلامُ
فتضعضعت لمصابها الأعلامُ
فوضى كسلك زال عنه نظامُ
شيخاً يساس به الهدى ويقامُ
فينا، وأصحاب النبي قيامُ
لبّى الحجيج مكبرين وقاموا
يشفى بفضل حديثك الأسقامُ
خرساء يخرس خوفها الأيامُ
من دونه() تتخطف الأقوامُ
وكأنها لمفكر أحلامُ
أم يستلذّ النوم وهو حرامُ
علماً يَؤُم سناءه الحكامُ
وسقى صداك مجلجل سجّامُ
ودنى الأصيل تحية وسلامُ
فليهنَ وابلُ دمعها السجامُ()

1094- محمد بن أحمد الظليمي() [... - نحو 320هـ]

الرئيس الكبير الزعيم الخطير محمد بن أحمد الظليمي الزيدي رحمه الله.

كان من قادات المقانب وسادات القبائل متبوعاً مسموع الكلمة، مشار إليه في النوازل، وكان أول أمره رأساً من رؤوس الإباضية، علماً من أعلامها، لا يرى رأي آل محمد صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم ولا يعتقد عقيدة العدل والتوحيد، ولا يرى للعترة طاعة، وقد كانت الإباضية عزمت على أن تبايعه وتجعله إماماً تدعو إليه ويقتدى به، وكانت الألطاف قد جمعت بينه وبين الإمام الناصر للحق أحمد بن الهادي لدين الله عَلَيْهما السَّلام بمدينة خيوان()، فسمع كلامه ومواعظه وحججه ودعوته إلى نصرة آل محمد صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم، فلما سمع ذلك ووعاه وفهمه، لم يكابر عقله، ولم يخادع نفسه، ولم يقلد سلفه، فتاب وأناب وفارق الإباضية ودخل في الحق واعتقد العدل والتوحيد ودعا ولده وعشيرته إلى ذلك، وبايع الناصر رَضِيَ الله عَنْه على كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم، واستقام على الطاعة غاية الاستقامة، ووفى بما عاهد عليه الله سبحانه حتى مات رحمه الله.

وفي توبته وإجابته للحق يقول عبد الله بن أحمد التميمي رَضِيَ الله عَنْه [من الكامل]:

الآن قمت بدولة الاسلام
ونصرت آل محمد ونصحتهم،
وحفظت قول الله في القربى ولم
مستمسك بعرى الديانة والتقى
شيدت مكرمة سبقت بفضلها
فخراً لأبناء النبي، وطاعة
ومناقباً لسراة حاشد كلها
مشهورة بيضاء ناهية السنا
أبشر إذا عاينت حوض محمَّد
وعليه والدهم يذود عداته
إني أتتني عنك أنباءٌ علت
نبئت أنك دون سيد هاشم
طولوا بنصرتكم لآل محمد
سارت خصالك في البلاد فأصبحت
راموا القرامط محو دين محمد
لما استخفوا كل ساقط همة
خطبوا إليك صحيح عقلك فالْتوت
فطفقت بالتوحيد تأمر معلناً
قد كان دين محمد أشفى على
ودعوا إلى ترك الصلاة وأسقطوا
جعلوا التشارك في النساء ديانة
فاستنقذ الله العباد بلطفه
ذاك ابن يحيى المرتضى من هاشم
مصباح أمة أحمد وجمالها
لن تهلكوا ما دام نسل نبيّكم
يحمي حماكم أن يطور به العدا
فتمسكوا بالناصر الدين الذي
بوركت فينا يا محمد ما دعت

 

ونفيت عنك عماية الاظلام
وتركتهم في العز والإعظام
تتبع ضلالة جاهل متعامي
وبسورة الأنفال والأنعام
وتركتها تبقى على الأيام
لله، حاجزة عن الآثام
تقرى وتنشد عند كل مقام
بدرية الأرواح والأجسام
يوم الخصام، وأيّ يوم خصام
والحق مسقيّ وآخر ظامي
وجرت بذكرك فوق كل كلام
كالسيف جُرّد ساعة الإقدام
فلكم تقر جحاجح الأقوام
غرّا محجّلة المنار سوامي
فمنعتهم عن طاعة الروامي()
وجدوكم من راجح الأحلام
نفس تنزهها عن الإجرام
ونفيت حوب فِعال كل حرام
أن يهتكوه بعودة الأصنام
فرض الصلاة، وحتم كل صيام
كفراً، وما أنفوا على الأرحام()
منا بفرع نبيّه القوّام
عالي الذُّرا، وسنام كل سنامِ
وسمام ظالمها وأي سمام
فيكم يقوم بأمر ذي الإنعام
يوم الكريهة والرماح دوامي
عزت بسطوته عرا الإسلام
فوق الغصون حمامة لحمام

 فأجاب محمد بن أحمد رَضِيَ الله عَنْه:

يا لائمي في حبّ آل محمد
ما للملام وقد عرفتُ فضائلا
بمحمد علم الهدى وشقيقه
فوعيتها وجعلت أقصى همتي
من كان أصبح راغباً في نائل
الله أنقذنا بناصر دينه
لما دعانا الفاطمي لبيعة
فبسطت كفي عند ذاك ولم تكن
وحروب أيام بصفين مضت
أيام ناداهم معاوية اتركوا
ودعا عليّ: يا لهمدان اثبتوا
فكذاك اتبع ما مضى من فعلهم
دون المطهر أحمد علم الهدى
أفديه من عرض الحوادث صادقاً
ووصيتي لبني قبل مغيّبي

 

تباً لرأيك لات حين ملامِ
أرجو النجاة بها من الآثام
قمر الدجى ذي الفضل والإنعام
حفظ القرابة سائر الأيام
قسماً فهم() حظي من الأقسام
من دولة عمياء ذات ظلام
رامت بها الأعداء كل مرام
بُسِطت لبيعة سائر الأقوام
كنا بها أنصار خير إمام
يا عك ما هذا بحين() قيام
نفسي الفداء لكم على الإقدام
في نصرة الهادين غير كهام
الناصر الدين الشريف أحامي
ببنيّ والأخوال والأعمام
أن يمسكوا من حبله بزمام()

 1095- محمد بن أحمد بن أبي الرجال() [... - 730هـ]

العلامة الفقيه المحدث المذاكر بدر الدين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن المعروف بأبي الرجال رحمه الله: هو من أفاضل العلماء وصلحائهم.

ترجم له العلامة المذاكر محمد بن سليمان، وقد ترجم له السيد العلامة يحيى بن القاسم الحمزي وأثنوا عليه بما هو أهله من التقوى والتوقف على الشرع الشريف في مصادره وموارده، ولم يزغ لزيغ غيره في حق الإمام الشهيد أحمد بن الحسين، فإنه دام على عقده وعهده، ونصح وناصح، ولقي هو والإمام المظلل بالغمام المطهر بن يحيى السيدَ الحسن بن وهاس إلى يناعة للمناصحة، وكتب إليهما الإمام المهدي أحمد بن الحسين كتاباً عظيماً، وذلك في أوساط الفتنة التي عمت مصيبتها . وآل أمر هذا العلامة إلى الهجرة، وأحسب أن العلامة محمد بن سليمان رحمهما الله ذكر أنه هاجر إلى راحة بني شريف، ومات هنالك.

وكان تلميذاً للإمام المهدي وشيخاً للإمام المطهر بن يحيى، ويقول: أنا تلميذ إمام وشيخ إمام محدثاً بالنعمة، وإجازة الإمام له() بخط يده الكريمة في نسخة الفقيه المذكور.

وهو الذي عناه السيد الهادي رحمه الله آخر البيت ؛ وهو قوله :

وبالقاضي العنسي والقاضي الذي

 

تخيره المهدي أفضل فيصل

 أراد بالعنسي: عمرو بن مسعود، والقاضي الذي تخيره المهدي، يعني أحمد بن الحسين- هو هذا رحمه الله تعالى .

1096- محمد بن أحمد النجراني() [... - 603هـ]

الشيخ العلامة محيي الدين محمد بن أحمد النجراني .

والد الشيخ عطية، قد مضى ذكر نسبه عند ذكر ولده .

وكان إماماً في العلوم متبحراً متصرفاً تصرف المجتهدين، وله مسائل مفيدة، وله مقالات في أسئلة تختص بالحج يصرح فيها برأيه، وقد وجدت رسالة للناصر محمد بن المنصور بالله عبد الله بن حمزة ظننتها إليه، وفيها تعظيم له وإنصاف يشعر بأن الشيخ اعترض في السيرة، ولكنه أجابه الناصر بجواب العلماء الفحول، وكانت وفاته رحمه الله في سنة مولد الشيخ عطية سنة ثلاث وستمائة رَضِيَ الله عَنْه. ورأيت مكتوباً إلى جنب شرح الشيخ إسماعيل بن عطية النجراني ما يفيد أن في هذا اليبت من اسمه محمد بن أحمد بن إبراهيم (بن عبدالله بن إبراهيم)() بن عطية بن محمد بن أحمد، هذا ووصف حجّه إلى يبت الله وأنه كتب هذه القصيدة، ولا أدري متمثلاً أو من صنعته:

برزت تبختر بالقميص المعلم
فسلت قلوب العاشقين وأضرمت
وجلت محاسنها فما من عاشق
سفرت وأشرق نورها فكأنها
إن لم أَتِه طرباً وقد شاهدتها
يا ربة الأستار وفدك أحرموا
ومنها:

 

وتميس في حلل من الأبريْسم
في القلب لوعة عاشق ومتيم
إلا وقد رشقت حشاه بأسهم
شمس الضحى في ناظر المتوسم
ويحق ذلك لي ؛ فلست بمغرم
فتشبهي بالوافدين وأحرمي

اليوم عهدي بالوصال فقل معي:
طف حولها واغنم لذيذ وصالها
كم من غريق دونها قد مات في
كم من أسير هوى سرى يطوي الفلا
جاز المهامة والقفار وما ونى
سكران من فرط الصبابة والأسى
وإذا ترنَّم ما تراه مزمزماً
وإذا رأى برق الحجاز بطرفه
ويقول من ولهٍ وفرط صبابةٍ
شوقاً إلى هذا العروس فكم لها
هذي الذي تعد الخلائق نحوها
طوبى لمن أضحى لديكِ مخيماً
ومنها:

 

لا عاد عهد صدودها المتقدم
تربت يداك وخِبْتَ إن لم تغنم
لجج البحار بحسرة() وتندم
شوقاً إلى هذا الجناب الأعظم
يفري الفلا بالعيس فري مصمم
ولهان من ألم الغرام المؤلم
إلا بمكة والحطيم وزمزم
فتراه يذرف بالمدامع والدم
آهاً لهذا البارق المتبسم
من عاشق ولكم لها من مغرم
ما بين معتمر وحاج محرم
طوبى له وهناه نيل المغنم

قد أثقلت ظهري الذنوب فليس لي
أنا جارك الثاوي إليك، أنا الذي
يا صاح قد أدركت غايات المنى
واقدم قدوم العيس نحو المصطفى
ذاك النبي الهاشمي المصطفى
من سبّحت في كفه صُمّ الحصى
والجذع حنّ إليه عند فراقه
كم معجزات لا يحيط بوصفها
صلى عليك الله يا خير الورى
وعلى بني المختار ما برقٌ شرى
وإليه لمع السيد جمال الدين بقوله:

 

إلا حماك به ألوذ وأحتمي
طول المدى أغدوا إليك وأنتمي
لم يبق إلا قبر أحمد فاعزم
وبسوحه أنِخ المطي وخيّم
ذاك الشفيع لدى المتاب المحرم
بفصاحة كالناطق المتكلم
والظبي كلّمه كلام المفهم
من ذا يحيط بوصف ما لم يعلم
ورضى الإله عن الصحاب الأنجم
وهَما الرباب على الرياض بمنجم

وبالشيخ محيي الدين وهو محمد بن أحمد ذي المجد العتيد المؤثل
ولمح إلى ولده عطية بقوله:

وبالشيخ محيي الدين أعني عطية

 

وحامي حمى الإسلام من كل مبطل

 وهذا يدل على أنه عرّف كل منهما بمحي الدين.

1097- محمد بن أحمد بن الحسن الدواري [... - ...]

القاضي العلامة عز الإسلام محمد بن أحمد بن الحسن الدواري رحمه الله تعالى.

هو الذي عناه السيد جمال الدين بقوله:

وبالواحد القاضي النهي محمد بن أحـ   *    مد جلّى كل ديجور مذهل()
كان عالماً كبيراً، ذكره الإمام عز الدين بن الحسن عَلَيْهما السَّلام.

1098- محمد بن أحمد النجاري() [... - ...]

العلامة الفقيه الفاضل محمد بن أحمد النجاري الأنصاري رحمه الله.

ذكره الذماري صاحب السلوك، وأثنى عليه بالعلم، وهذا البطن شهير بصعدة وقد قلّوا، وبصنعاء عدد أصل نسبهم من هذا البيت المنيف أنصار المختار صلوات الله عليه، ممن صرح بذلك الإمام الناصر لدين الله صلاح بن علي وولده() عَلَيْهم السَّلام.

1099- محمد بن أحمد بن عمران الجروني() [... - ق 8هـ]

الفقيه العارف المحقق محمد بن أحمد بن عمران [بن سعيد الجروني]() رحمه الله.

أحد العلماء الأجلاء أخذ عن الإمام المهدي لدين الله علي بن محمد، وأخذ عنه الفقيه الفاضل محمد بن يحيى بن أحمد بن حنش رحمهم الله جميعاً.

1100- محمد بن أحمد بن سلامة [... - ق 8هـ]

العلامة الصدر إنسان العلماء محمد بن أحمد بن سلامة بن أبي الحنش().

كان عالماً مشهوراً() كبيراً متبحراً في العلوم مرجوعاً إليه مشهوداً له بالفضل، من مؤلفاته الروضة المشهورة في الفقه، جمعها عن شيخه محمد بن سليمان رحمها الله.

قال العلامة ابن الغزال المصري رحمه الله في صفته: هو العالم العامل الكامل الفاضل المتقن المتفنن، جامع العلوم والآداب، وحافظ اللغة والإعراب، عارف المعقول والمسموع من الأصول والفروع، ركن الإسلام والمسلمين بدر الدين محمد بن أحمد بن سلامة المذحجي رَضِيَ الله عَنْه.

1101- محمد بن أحمد العلماني() [... - ق 8هـ]

الشيخ جمال الدين الفقيه الفاضل محمد بن أحمد العلماني رحمه الله تعالى.

ترجم له بعض العلماء، وذكر أنه من تلامذة الإمام محمد بن المطهر عَلَيْهما السَّلام.

1102- محمد بن أحمد بن محمد مرغم() [836 - 931هـ]

العلامة حامي حمى الإسلام لسان العلماء شحاك الأعداء محمد بن أحمد بن محمد مرغم رحمه الله، أحد شيوخ الإسلام، وإنسان علماء الشريعة الأعلام.

كان عالماً فاضلاً وجيهاً، له حيطة في الدين وعلا صيته، وكان من شيعة() الإمام الناصر لدين الله الحسن بن عز الدين بن الحسن عَلَيْهم السَّلام، ولذلك كان السلطان عامر بن عبد الوهاب يرعى جنابه ويجل محله ويقبل شفاعته لأنه كان بين السلطان وبين الإمام الناصر مباقاة ومسامحة، ولأجل ذلك حفظ ابن مرغم شعارات الإسلام، منها الأذان بحي على خير العمل الذي كاد أن يكون الخلاف فيه، وتعجّب ابن عربي من إجماع أهل المذاهب على إنكاره، وهو عجيب كما قال، لأن الأذان نفسه عند كثير من الفقهاء من السنن لا الفروض، وبعضهم أثبت جملته برؤيا، ولم يتأول كما تأول غيره، فحق ما كان هكذا() المسامحة سيما وقد رويت فيه طرق منها ما في السنن الكبرى للبيهقي الشافعي رحمه الله، وصاحب كتاب السنام، وحكي أنه اتفق على الأذان به في الخندق، وقد حكى في شرح الموطأ أنه أذن به الحسنان جميعاً وابن عمر وبلال وجماعة من الصحابة، وذكر نحو هذا العلامة المحب الطبري في كتاب الأحكام الكبير، وقد قال سعد الدين التفتازاني في حاشيته على العضد أن حي على خير العمل كان ثابتاً على عهد رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم، وأن عمر هو الذي أمر أن يكف عن ذلك مخافة أن يتثبط الناس عن الجهاد .

ولبعض العلماء فيه مصنف مفيد في ثبوته، فما هذا حاله كيف يترك لأمر ليس بثابت عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم باتفاق النقلة الحفاظ حتى إن شارح السنة ركن الإسلام البغوي لما روى الحديث أنه أمر به صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم، قال: إسناده ضعيف، فكان أقل أحوال هذا الذي لم يكن في أركان الإسلام، أو ثبت() أصله برؤيا أن يكون القائل بما قد ثبتت() له رواية عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم، وأجمعت عليه ذريته الذين أمر الله بالتمسك بهم غير مبتدع، سيما والتحريف لهذه اللفظة وقع باجتهاد محض، انتهى.

فمن ما كان من القاضي رحمه الله أنه لما صلى السلطان عامر في جامع صنعاء أول جمعة بعد ملكه لها أمر المؤذن بعض من أراد التقرب إلى السلطان بحذف حي على خير العمل، فاستأذن المؤذن القاضي رحمه الله وذكر ذلك فنهاه عن الحذف، وقال: أذن واللائمة عليّ فيما لحقك من ذلك، فأذن المؤذن حتى بلغ الحيعله فالتفت إليه جميع من في المسجد من أعوان السلطان وهم ألوف مؤلفة وجموع جمة، ونظروا إليه شزرا، ونسبوا إليه حين تكلم بحي على خير العمل قلة الحياء، يعنون من السلطان.

وللقاضي رحمه الله منقبة أخرى في المناظرة لعلنا قد ذكرناها في ترجمة تلميذه صالح الدقم() رحمه الله، وكان له تلامذة جم غفير، فإنه كان مرحولاً() إليه .

من تلامذته عبد الهادي السودي الصوفي() المقبور بتعز العدنية، وهو محمد بن علي السودي بفتح السين . والظاهر أنه نسبه إلى بني سود الفقهاء الذين رجعوا إلى مذهب آل محمد بجهة القناوص وغيرها، بل صرح عبد الهادي بذلك وكان مدرساً بصنعاء، وحصل بينه وبين بعض تلامذته أمر قد اشتهر وتبرأ منه برسالة هي عندنا والحمد لله، وآل أمره إلى أن لبس الخرقة وصاغ رقائق الشعر، وحظي من ذلك بالعجيب، فإنه شعر سائل فتّان في ذروة لا يلحق، وقد سمته بعض الناس: ابن فارض اليمن، فاشتهر شعره وعكف عليه أرباب الهوى، فقيل له في ذلك فقال: لهم المغنَى ولنا المعنى.

قال يحيى حميد: ولما كثرت إقامة القاضي محمد بن أحمد مرغم في الأبناء وترك نزول صنعاء المحمية، وكان الشيخ عبد الهادي أراد أن يسمع عليه الكشاف ولم تسمح نفسه بالخروج إلى ابن مرغم إلى الانباء حرصاً على مجالس العلماء، فكتب عبد الهادي إلى القاضي رحمه الله هذا الشعر:

حاشاك أن تبقى مقيماً() دائماً
يملي عليك حدا بهائمه التي
فأجاب القاضي رحمه الله:

 

ما بين حرّاث وسانٍ ساقي
تملي الدلاء بمائها الدفاق

كلمٌ أتت من طيِّب الأعراق
وأخذ في الجواب حتى قال:

 

صافي الوداد مهذب الأخلاق

أهلي وأولادي ومالي دائماً

 

قد أوثقوني في أشد وثاق

 كان مولد القاضي محمد بن أحمد رحمه الله سنة ست وثلاثين وثمانمائة.

وكان وفاته في وطن مولده في مشهده المقدس بجهة السر في المحل المعروف بالأبناء، وتوفي رحمه الله قبيل فجر يوم السبت الثالث أو الرابع من شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة.

ومن شعر تلميذه العلامة أحمد بن محمد بن حسن() بن عقبة المعروف بالذيبيني:

أذكّر من لم ينس عهداً ولا ينسى
وأكسبها خلقاً جديداً وأهتدي
والبس ريعان الشباب فطال ما
لأني وإياه كمزنٍ وروضة
صفا بيننا من صالح الود جوهر
مكارمه بدعاً إلى جنب معقل
وأورد خمساً كل يوم بمائه
أبا الحسن اشرب قهوة العز وادخر
وخذ بيدي من عثرة قصّرت يدي
رميت لها فضفاضتي ومهندي
ثغور المعالي قابلتك ضواحكاً
وأجيادها مالت عليك نواعما

 

وابسط في أكناف صحبته النفسا
بكل نبيل اغتدي معه الأنسا()
لبست الخطوب السود من دونه ورسا
يباكرني سقياً وأزكو له غرسا
غلبنا به من نور جوهره الشمسا
أرود إذا أضحى وآوي إذا أمسى
وكم لي دهراً قد مضى لم أرد خمسا
ولائي ومن فضل العلوم اسقني كأسا()
وقد كنت ذا بأس فلم يبق لي بأسا
وخطيتي والنبل والقوس والترسا()
فصل لثمها، وامصص مراشفها اللّعسا
كما مالت الأغصان فأنعم لها لمسا

وفي هذا القدر كفاية وهو شعر حسن.


ولما مات العلامة المذكور رثاه تلميذه ابن عقبه هذا، فقال [من الطويل]:

أراني عراني طائف فشجاني
ففاضت جفوني حين بانوا فراغموا
وغاضت جموعي عن ربوعي() فأعلنت
ونبهني ناع مع الصبح كلما()
برزء جميع المسلمين وإنّه
ولا سيما صنعاء لا كان سرها
وفاة طبيب العصر حجته التي
إمام علوم الاجتهاد سميدع الـ
محمد القاضي ابن مرغمٍ الذي
أصولي() ذوي عقل وفقهاً ومنطقاً
وتفسير كشاف وجامع سنة
وأحكام تقويم الحساب لراصدٍ
إلى آخرها رحمهم الله تعالى.

 

بظعن الأُلى اقتعدوا متون هجان
ولوعي ولي منهم بقية شأن
ضلوعي بما كنّت من الولهان
تشاغلت عنه عنّ لي وعناني
لعمري على شاميهم ويماني
وأبناؤه من مورد الحدثان
كنار على علم بغير دخان
ـفريقين من عرب وعجم لسان
أقمت زماناً عنده فحباني:
ونحواً وتصريفاً وفن بيان
وما قد رُوي في المعجم الطبراني
بروجاً وأفلاكاً() مع الدوران

1103- محمد بن أحمد بن محمد السلفي() [... - 1055هـ]

تاج الشيعة وسراج الشريعة إنسان الأسرة ولسان العلوم المدره الشجاع الباسل بدر الدين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عز الدين السلفي رحمه الله .

كان بديع الزمان وقريع الأوان، متبحراً في العلوم الشرعية، محققاً في العلوم العقلية، بليغ الإشارات، فصيح العبارات، مطلعاً على المقالات، له همة سامية، بلغ بها الرتب العالية، وأشير إليه بالأنامل في الفضائل، وكانت له مع هذه الصفات الحميدة سابقة أولى في الجهاد، وكان أحد الشجعان المغامرين في الحرب كما كان أبوه رحمه الله، ولم يزل مسعوداً مقدماً مذ نشأ إلى أن رحل إلى جوار الله .

وكان يقول متمثلاً بشعر زهير بن الحباب:

من كل ما نال الفتى

 

قد نلته إلا التحية

 ويقول : إذا كان هذه التحية ؛ وهي أبيت اللعن تثبت لمن ولي أقليماً واسعاً، وساس جمهوره فلا استثني ذلك.

قلت: وأول هذا الشعر:

أبنيَّ إنْ أهلكْ فقد
وتركتكم أبناء سا
من كلِّ ما نال الفتى
ومن آخرها :

والموتُ خيرٌ للفتى
من أن يرى الشيخ البجا

 

أورثتكم مجداً بَنِيَّه
دات زنادكم وريَّه
قد نلتهُ إلا التحيه

فليهلكنْ وبه بقيه
ل وقد تهادى بالعشيه()

 وكان رفيع المكان صدراً في المحافل خطيباً مفوها جزلاً، وكان أبناء الإمام يعظمونه بلبس الفاخر من الثياب مع بسطة في جسمه، وكان إذا تلى القرآن أسهى الركب حكى بعض الفضلاء أنه رآه في حضرة السيدين الحسنين رحمهما الله متودعاً لهما عند توجهه إلى صنعاء وهما بضوران ففعلا من الإحسان ما يليق بهما وبه، ونشرا عليه الخلع، ()ولما انفصل عنهما وقد رابني ذلك التوسع منه في القبول في الجوائز() على علمه، فلما استوى على بغلته تلا القرآن بتلاوة كأني ما سمعت القرآن قبلها، فقلت في نفسي يحق له كل ذلك واطمأنت نفسي.

وله شيوخ عدة أما الفقه فشيخه في كثير منه العلامة عامر الصباحي وكان يعظمه كثيراً، فاستنكر بعض التلامذة، فقال : يحق له هذا، وأما سائر العلوم فعلى شيوخ عدة، ولما حج لقي شيوخ الحرم وأعطى العلامة ابن علاّن عطية سنية، وكانت بينهما صحبة أكيدة، وكتب له إجازة عظيمة جامعة، وكان يأنس به كل أحد لحفظه كلام الناس، ولقد تاه في مدحه عثمان الشرواني الشافعي حين سمعه يملي لفظ تحفة ابن حجر غيباً في مقام الدرس . وفي آخر أمره كف بصره فأقبل على الصدقات والتلاوة ونفذ وصاياه وعمر في جامع القرية الأكثر منه وتقرب بِقُرب مقربة، وانتقل إلى جوار الله وقبره في خزيمة بتاريخ .........

وكان يستروح للشعر الجزل الفحل ، وتولع بقصيدة ابن دريد اللامية التي أولها:

هل الحرّ إلا من أفاد فأفضلا
دعيني لهذا المجد أرعى سوامه

 

وما المال إلا ما استفيد ليبذلا
وإن لم أعش إلا ملوماً معذلا

 وكان ينشدها مستروحاً بها بصوت جهوري، ونظم على وزانها قصيدته التي نظمها في السيد الكبير سلطان الإسلام الحسن بن القاسم عَلَيْهما السَّلام التي أولها:

كفى المجد فخراً أن غدا لك مرسلا

 

وقد كان للماضين قبلك موئلا

 وكان ينشد هذه القصيدة في الحضرة الحسنية في ليالي الجمع والأنس، وكان لسيدي الصفي مجلس كل ليلة جمعة يجتمع بالناس للأنس والمجابرة، ويمر بهم الطيب ثم تقرى الأشعار ويختم ذلك بتلاوة شيء من القرآن، فكانت هذه القصيدة مما يقرى فيها، وكان في الحضرة الحسنية رجل يحسن إنشاد الشعر بصوته، وكان ينشد والموكب يسير بأبهته الكاملة في أثناء الطريق، فاتفق أن ذلك المنشد أنشدها بين الخيل عند خروج سيدي الشرفي من إب متنـزهاً، والقاضي حاضر، فارعى كل سمعه، والقاضي رحمه الله يزيد في الإستماع فالتفت سيدي الحسن إلى القاضي العلامة يحيى بن علي الفلكي رحمه الله ينبهه على ذلك.

ومن شعره رحمه الله في مولانا العلامة البحر الحسين بن المنصور بالله القاسم بن محمد وأنشدني بعضها من لسانه، وكان تعلقه بسيدي الحسين وهي هذه [من الطويل]:

خلا أنها تسبي العقول وما تدري

 

وما عذرها في ذاك إلا الهوى العذري

 قلت: سمعته من لفظه : على أنها تسبي العقول وما تدري ،

وإلا فما في العالمين نظيرها
سرى طيفها ليلاً فذكرني الأسى
فلولا التسلي من هواها وعهدها
ولكنه أنساني الياس أنسها
عذولي صفحاً عن ملامي وخلّنا
سلا هل سلا قلبي إذا لم أزرهم
هو الحب إن يَملك فغير مدافع
ومن شأنه حمل الهوى مثل مذهبي
عساها يدوم الوصل منها تكرما
وما ليلة يأتيك عنك سفيرها
إذا شُبِّهت بالأنجم الزهر أنفس
وإن أطنبوا في وصف بيضا دمية
ألا لست لولا حبها أعرف الهوى
قفا فلأمرٍ ما أورّي بذكرها
جلا غزلاً فن القوافي وأهلها
فأسحرت في سبك المعاني بواكراً
وما علق التشبيب صدر شبيبتي
ولكن بمدح الطاهر الشيم الذي
وأجرى ينابيع الهدى في الورى معاً
وأروى السيوف المرهفات من العدى
وجرّد فيهم همة نبوية
وأحيا منار الدين بعد خموله
ألا ذاك فامدحه الحسين وما عسى
هو الشرف الأعلى هو الناس جملة
هو السيد المعروف بالحلم والندى
همام كريم همه المجد والعلا
رؤوف بلا عجز ، رحيم بلا ونى ،
إذا نُشرت آراؤه عند مشكل
وسل عنه في الذكر الجميل مشاهداً
فيوم الأعادي لم يزل منه باكيا

 

ويكفيك وصفاً أنها غرة الدهر
وعهداً بليلى حيث ما طيفها يسري
لأحرقت الأهوا بِحرّ الجوى صدري
وقلدت من نعمائها() بحلى التبر
فأذناي عنها فيهما أيّما وقر
أم انطوت الأحشاء مني على جمر
وإن تحتكم أسبابه في الفتى يبري
فليس له غير التجلد والصبر
ففي وصلها بين الورى شرف القدر
ببشرى التلاقي غيرها ليلة القدر()
فما أنصفت إن شبهت هي بالبدر
فلا شك يوماً أنها بيضة الخدر
ولا كنت أدري بالقريض وبالشعر
على عادة التشبيب بالنظم والنثر
كما حلت الغزلان في الحلل الخضر
كما بان لي بعض البيان من السحر()
شمّا ولا ذات الخمار ولا الخمر
كسا الناس ثوب الأمر في البر والبحر
وأورى زناد الملك بالنهي والأمر
أولي الفسق والفحشاء والبغي والنكر
فأفناهم بالجرد والبيض والسمر
ببرهان قول دونه فلق الفجر
يقص ويحصي المادحون من الفخر
إذا قيل فيمن دونه أوحد العصر
وبالعلم والتقوى وبالخيل والبتر
وشيمته عم الخلائق بالوفر
حليم يلاقي المدلهمات بالبِشْر
يحل وإن راياته تأت بالنصر
تريك ثناء طيباً ذاكي العطر
دماً إذ له الأيام ضاحكة الثغر

إليك أبا يحيى أتتك تحية
تجوب الفيافي نحو بابك مثلما
مسربلة برد المعاني قويمة
لها شرف يزهو بتقبيلها الثرى
بكرت لها فكراً ومن وصفك الذي
كما قيل في الباني الذي وحد البنا
وماذا يقول الواصفون وهل أتى
وأثنى عليكم في المثاني دلائلاً
ومن ذا الذي في الله شاد معالماً
وكف الأذى عن ملة الدين كافياً
فلو رام كل العالمين توسماً
ولكنها تأتي بهذا توسلاً
وكيف يكون المدح زيناً لأهله
وأنت الذي في كل أمر يسؤني
وكلفت نفسي في رضى الله أولاً
وسعياً إلى ما عم تكليفه الورى
وجُرْياً على مرمى مرامك إنه
على وضر من ذا الأنام وليتما
ولكن هذا الناس مهما أردتهم
أصابر أيامي لديهم تجرعاً
وأغضي على المكروه منهم ترفقا
وأكثرهم في كل شيء تألفاً
ألية بَرِّ بالذي برأ الورى
وبالقمر المنشق والشمس والضحى
لقد عيل صبري عند قوم قلوبهم
بعيدون عن نهج الرشاد وإنّما
وينسون حق الفضل فيهم تجاهلا
فلا حصلوا طولاً على أي طائل
لبين مسيء في الأنام ومحسن
ألا قيدتني في (حراز) لوازم
لك الخير رشني أنت يا شرف الهدى
فما خيبت آمال من رام فضلكم
ولا انقبضت أيدٍ بأيديك طولها
لعمري ما أخشى وآل محمد
بكم شرفت أنسابنا حين تنتمي
وما كان وصانا بغير اعتصامنا
وأسلافنا من يهتدون بهديكم

 

تضوّع من أرجائها أرج النشر
يأمون نحو البيت والركن والحجر
كما ازدان نظم الدر في الصدر والنحر
لديك، ومن سوح العلى مثلها يثري
يزين القوافي فيك ساعدني فكري
فلا عجب إن طال ما شاد من قصر
لغيركم من هل أتى محكم الذكر
جليات أحكام تجلّ عن الحصر()
وأربى بها فوق السماكين والنسر
كما كفى الكفان بالأنمل العَشْر
لشكر الأيادي منك لم تف بالعُشْر
وبعض وفاء الحر إن فاه بالشكر
إذا قيل أن الشعر بالمرء قد يزري
شددت به أزري وملّكته أمري
أموراً أرى أعيانها() أثقلت ظهري
وأوجبه الرحمن في السر والجهر
على السنن المختار للسادة الغر
إذا لم أجد نفعاً سلمت من الضر
لأنفسهم خيراً يجازون بالشر()
واحملها منهم على المركب الوعر
ويثنون لي صدراً على الغدر والمكر
وليسوا على شيء سوى التيه والكبر
ومن وصف التقوى بالإيمان والبر
وبالفجر والشفع المؤكد بالوتر
لدى سبل التوفيق أقسى من الصخر
تجارتهم كسب المآثم والإصر
ولم يفرقوا ما بين زيد ولا عمرو
ولا وصلوا وصلاً() بعشر ولا نكر
كما بين أهل العدل في القول والجبر
فما اسطعت أمضي قيد شبر ولا فتر
فخير الموالي من يريش ولا يبري
وأنتم لها مستعذب الحوض والنهر
أمان لها طول الزمان من الكسر
هم العروة الوثقى لعمري وما عمري
إلى تبع السامي الذي في العلا يجري
بدوحة خير الخلق من دوحة النضر()
وإنا على آثارهم في الهدى نجري

 1104- محمد بن أحمد بن محمد بن عقبة [... - 772هـ]

الفقيه النبراس الفاضل بدر الدين محمد بن أحمد بن محمد بن حسن بن عقبة رحمه الله.

قال العلامة أحمد بن محمد بن عقبة : كان يسكن هجرة معين()وشهد له علماء زمانه وصرّح به جميع أقرانه أنه جمع وأحرز ودقق وبرز في سائر فنون العلوم الدينية، وأحلوه منـزلة الاجتهاد البالغ الكامل ، والفضل الواسع الشامل ، توفي رحمه الله ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، انتهى.

1105- محمد بن أحمد عقبة (الحفيد) [757- 784هـ]

العلامة الجليل محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن حسن بن عقبة رحمه الله تعالى، هو حفيد صاحب الترجمة التي قبل هذه.

قال الناظم أحمد بن محمد بن عقبة: هو رباني أمته، الشاغل بدرس العلوم ورقم كُتْبها مدة شبيبته، كعبة الكرم والورع، صاحب العلم البديع الفائق، والنظم البليغ الرايق، توفي يوم الأربعاء من شهر [الله] الكريم لعشرين منه سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وكان مولده سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وبلغ الاجتهاد وعمره نيف وعشرون() سنة.

وقرأ محمد - هذا الحفيد- على القاضي عبد الله بن الحسن الدواري، وكان زميله العلامة علي بن عبد الله بن الحسن الدواري ، ولما توفي القاضي علي بن عبد الله بن حسن في حياة والده سنة أربع وسبعين وسبعمائة، رثاه محمد المذكور بقصيدة اشتملت على فوائد وعلوم طالعها:

الدهر للخلق مغتال وخوانُ
ما جاد يوماً على الأحياء بأنعمه
وهي طويلة عددها ثلاثة وأربعون بيتاً.

 

يضمهم بالمنايا فهو فتّان
إلا تعقبه بؤس وأحزان

ومحمد هذا هو الذي أهدى إليه العلامة الخطير علي بن أحمد بن أسعد الحملاني نسخة الكشاف، وهي ستة أجزاء، فشكر له محمد ذلك وكافأه، وكتب إليه رسالة ونظما عدد أبياته تسعة وثلاثون بيتاً طالعها:

برق شرى فرمى الأحشاء بالألم
فمهجتي بنيار الشوق محرقة

 

وضعضع الجسم بالتبريح والسقم
ومدمعي للنوى مغدودقٌ بدم

 ولعلنا قد أتينا بشيء منها في ترجمة العلامة علي بن أحمد بن أسعد الحملاني المذكور رحمه الله تعالى.

1106- محمد بن أحمد بن مظفر() [... - ق 10هـ]

الفقيه العلامة المحقق الفاضل محمد بن أحمد بن مظفر مؤلف البستان والترجمان .

رحمه الله . هو من بيت شهير بالفقه والفضل، نسبهم إلى حارث بن إدريس بن قيس() بن راع بن سبأ بن معاوية بن سيف بن الحارث بن مرهبة الأكبر.

وهذا الفقيه الفاضل خاتمة المصنفين رحل إليه العلماء وانتفع بعلمه ممن ورد إليه كالسيد العلامة أحمد بن علي خضير()، وترجم له الفقيه محمد بن أحمد هذا وأثنى عليه، وكان السيد متبحراً في العلوم إلا أنه قرأ على العلامة محمد بن أحمد في الفقه وهو أحد حفاظه . ألف البستان شرحاً على البيان الذي صنفه العلامة يحيى بن مظفر، وسبب ذلك إنه لطول الدرس اجتمعت حواشي مفيدة في الهوامش فرجَّح جمعها في كراريس، وأضاف إليها ما يجري مجرى الشرح المفيد النافع، اشتمل على الدليل وأجاد، ثم صنف الترجمان فيه فوائد جمة، أعاد الله من بركته.

وكان بينه وبين الإمام شرف الدين بعض الشيء لأنه اتصل زمانه بزمانه، ولاطفه الإمام ملاطفة لم تفد، وله قضية بسطها في ترجمانه مفصلة عنه في نوب الحدثان التي تنوب الفضلاء رحمه الله تعالى.

1107- محمد بن أحمد بن علاّن المعدل() [... - ق 6هـ]

العلامة المسند شيخ الكوفة محمد بن أحمد بن علان المعدل رحمه الله تعالى.

أحد شيوخ زيدية الكوفة رحمهم الله تعالى في أفراد ستمائة، قرأ على أبي طالب محمد بن الصاع()، رحمهم الله.

1108- محمد بن أحمد الدثائي [... - ق 8هـ]

العلامة الفاضل وحيد زمانه محمد بن أحمد الدثاني بالدال المهملة بعدها ثاء مثلثة: هو من فضلاء العلماء العاملين ، وتزوج الكينعي بابنته.

قال في النـزهة: كان من الفضلاء العلماء، وسكن درب أحمد بن حميد بصنعاء المتقدم ذكره، وولده علامة التفسير المحقق علي بن محمد عنده في الدرب . وقراءة علي بن محمد الدثاني على والده، وقرأ علي على فضلاء منهم القاضي محمد النهدي شيخ منصور() بن محمد الزيدي، وهذه سلسلة في الإسناد طيبة، تخرج بإسنادهم حديث في فضل صلاة الجماعة، ذكره في حدائق الياسمين واستحسن ذلك الحديث الإمام الناصر لدين الله صلاح الدين عَلَيْه السَّلام.

1109- محمد بن أحمد بن جناح الضمدي() [... - ق 9هـ تقريباً]

العلامة البليغ المفوه لسان الحق بدر الدين محمد بن أحمد بن جناح الضمدي .

 رحمه الله تعالى .

هو من بيت بالفضل معمور، ومن منار علا ظاهر غير مغمور، لهم في التشيع غرر شادخة، وفي الكمال ذرى() شامخة، وفيهم الأعقاب والبقية الصالحة إلى يومنا هذا. وكان هذا الفاضل لساناً متكلماً كما هو منهاج أهله بل منهاج بلده . فللّه بلدة ضمد ما حوت من كرام وعُمَد. واتفق بين هذا العلامة وبين أهل زمانه من الشافعية في البيع الذي يزاد في ثمن المبيع لأجل النسية أشعار مرت بنا أيام القراءة بصعدة، ولم يبق عندي مما دار غير جواب هذا المنطيق ، ولعله خاتمة ما دار، ومن تحقق هذا عرف ما سبقه من الأشعار، وقد رأيت إثباته لجودته:

أجاب على مقالتنا القوية
أناس حاولوا نيل الثريا
فمن (جازان) جاء إليَّ نظم
ونثر من (أبي دنقور) وافى

 

بتحريم الزيادة في النسيَّه
وطمس شموس مذهبنا المضيه
ونظم من (زبيد) الشافعيه
لنثر سلوك مذهبنا البهيه

 أبو دنقور، بالدال المهملة مفتوحة بعدها نون ثم قاف ثم واو ثم راء مهملة : زقاق() مدينة صبيا،

فكان جوابنا عن ذا وعن ذا
بنثر يسلب الألباب حسناً
إذا أفرغته في سمع واع
فنظم (زبيد) دلَّ على وقار
ولكن شاب صافيه وعفّى
أتى بأدلة لم تجد فيما
أخالك لم تكن يا ذا المعالي
ولم تعلم بقول الله فيها
ألست مُسَلّماً إن الربا في
وإن حصولها لا شك فيه
فقد قال الإله بغير شك
وقال رؤوس أموال خذوها
وقال بأنَّ آكله صريعاً
وقال نبيكم وأجل قول
دعوا هذا الكبائر وهي سبع
كذاك أتى ابن مسعود بلعنٍ
وشبَّه أحمد فعل المرابي
وأخبار مبينة، وفي ذا

 

بما يشفي النفوس اللوذعيه
ونظم كالعقود العسجديه
سرى في ذهنه كالقرقفيه
لناظمه وجودة ألمعيه
محاسنه التعصب والحميه
يروم، ولا أفادت في القضيه
بدارٍ ما أدلتنا الجليه
وقول نبيه خير البريه
مقالتنا الزيادة والمزيه
لمن يعطي الثمينة بالوقيَّه
دعوا هذا الربا وذروا النسيَّه
وخلوا الظلم ظلم الجاهليه
يقوم كذا جنون بالسويَّه()
لمتبع مدى الدنيا نبيّه()
وعدَّد ذا الربا في ذي الخطيه
لمن يعطي الربا ولذي العطيه
بناكح أمه بين البريه
شفاء نفوس أفئدة صديه


 

وأما ما ذكرت عن ابن عمرو
فعارضه حديث النهي فارفض
وعد نحو الأحاديث اللواتي
وقلتَ: وقال بيعوا كيف شئتم
وقولٌ في حديث التمر أعني
فلسنا منكرين . فإنَّ هذا
وأي دلالة فيه على ما
وكل تحيّل فيه انتهاب
وكل تحيّل فيه رضاءٌ
فما حيل الربا إلا انتهاب
فخذ عني رضى الدين نظماً
وكان جوابنا للنثر قُدماً
ونظم لابن جوفر ذو عيوب
فأبلغه السلام، وناد جهراً
فأول عثرة لم تأت فيما
ولم تنصب ولم تذكر دليلاً
ذمَمت مذاهب السادات جهلا

 

وصاحبه المعارض بالبليه()
فذلك ذات ذي النفس الخسيه
تجلت فهي ظاهرة جليه
فآخذه يداً بيدٍ عطيه
هدية خيبر نعم الهديه
من الحيل الصحيحات السنيه
ذكرتَ ونحن في بيع النسيَّه
فدعه فهو من حيل رديَّه
لربك فهو من حيل زكيَّه
لأموال الخلائق بل أذيه
أجبتُ به نظامك عن رويَّه
بألفاظ عذاب سلسليه
يجانبها ذوو الهمم العليه()
عليه : عثرت سبعاً جوفريَّه()
نظمت بغير شتم الهادويه
على تجويزكم بيع النسيَّه
كأنَّ الذم للكملا سجيه


 

وقلتَ بأن أنجمكم مضيه
وقلتَ بأننا مخفون دينا
وتشتم مذهباً لبني علي
فويلكْ استقل من ذا التعامي
إذا أنكرت فضل بني علي
فما تأتي به يوم التنادي
فمن آذى علياً أو بنيه
ألا دع شتم مذهب آل طه
وتب فيما ذكرت فهم أصول
فلولاهم لما كنتم، ولولا
ولولاهم أبا حفص لكنتم
بهم قام الهدى بعد اعوجاج
وهم أرووا قواضب من عداهم
وحاطوا بيضة الإسلام حقاً
فلا تغررك دنيا قد أُميلت
وإن بني أمية أو سواهم
ولا يخفى على الرحمن أمرٌ،
سيعلم ظالموهم يوم حشر
وأن جزاءهم جنات عدن
وثاني عثرة لك لم تحافظ
وثالث عثرة قلت اعتسافاً

 

وأنجمنا مكدرة خفيه
وأنتم في المذاهب ظاهريه
وتذكر آل أحمد بالأذيه
وويلكْ استقل من ذي الخطيه
وحسن مذاهب لهمُ جليه
إلى من عنده فصل القضيه
فقد آذى المهيمن أو نبيّه
إذا ما كنت ذا نفسه حييّه
وكلّ العالمين لهم رعيه
مساعيهم لكانت جاهليه
كسائمة الفلاة بلا مزيه
وذاقوا دونه طعم المنيه
وهم أرووا رماحاً سمهريه
بأطراف الرماح الرَّاعبيه
لغيرهم فذا الدنيا دنيه
أُنيلوا من محاسنها الشهيه
له ابتدع العبابسة الغريه
لكل الخلق ما سبب البليه
وأن لظى جزاءٌ للشقيه
على وزن العروض وتارزيه
بأنَّ الشعر من حِرَفٍ دنيه


 

فما لك يا همام دخلت فيها
ورابع عثرة ما قلت: أني
أمثلي مولع بالذَّم ؛ كلا
وقولي ظاهر فتتبعوه
وخامس عثرة قلت افتخاراً
أفي نص الكتاب رأيت هذا
بحق الله أخبرنا وإلا
إذا ابتدعت أراذلكم مقاماً
كأنَّا سوقةُ الأمصار حتَّى
إذا كانت نفوسكم غبية
وسادس عثرة قلت افتخاراً
متى كان التكاثر فيه فخرٌ
وسابع عثرة ذكر الكفيه
ولفظاً قلته غثاً ركيكاً
نظرنا في الكتاب كتاب عمرو وبالتسهيل كان لنا احتفالٌ

 

كأن دخولكم من غير نيه
ذممت إمامكم يا شافعيه
لعمري إن ساحتنا بريه
بأنظار مهذبة ذكيه
مقامكم أضاء على البريه
أم السنن التي ليست خفيه؟
فسلني إن أخباري سنيه
وسُوْقَتكم فخرتم عجرفيه
تغرونا بأقوالٍ رديه
فإن نفوسنا ليست غبيه
تفاخر() بالتكاثر والمزيه
إذا ما لم يكن فخر التقيه
وتسمية الرواية بالرويه
يدل على غفولك في القضيه()
وطالعنا الطروس الأصمعيه()
فلم نجد الكفية والرويه


 

ومن يظفر ولم يسمع بِحبر
وقلتَ مقالة شنعاء دلت
بأنّا لم نكن أتباع زيد
وقلت : لو اننا أتباع زيد
كأنك منكر أنا رعاةٌ
وحين فخرت جهراً بالجويني
أئمتك الأُلى بهم فخار
لنا زيد إمامٌ من كزيد
نسيت إمامنا يحيى بن زيد
ويحيى ذا العلا سبط ابن يحيى
وأسبل دمعه جبريل وجداً
بهذا أخبر المختار فاحكم
ومنا ابن الحسين القرم يحيى
إمام دوّخ الأضداد طراً
ومنا نجل حمزة خير داع
هو المنصور تعرفه الأعادي
تزعزع خوف سطوته دمشق

 

يسمى دِرْية() العلماء دريه
على نفس خصصت بها جريَّه
فمن أتباعه يا ذا الأذيه
لكنتم أجمعون لنا رعيه
لكم، هذا إباق المارقيه
فخرنا بالليوث الحيدريه
لكم، لأئمتي أبداً رعيه
وإن مثلت به الفئة البغيه()
وإبراهيم ذا النفس الأبيه
كذاك محمد النفس الزكيه
على قتلى أئمتنا الرضيه
لقتلى فخ بالرتب العليه
مبيد ذوي الفساد القرمطيه
وشردهم إلى دمن خليه
أباد بسعيه الفرق الغويه()
وتعرفه متون الأعوجيه
وبغداد وأرض القادسيه


 

وفي (ذيبين) كان لنا إمام
ومنا سبط حمزة ذاك يحيى
ومنا صاحب (البحر) ابن يحيى
إمام العصر مولانا جميعاً
أبو الحسن الذي في الجود أزرى
وكم من سيد منّا وهادٍ
 فلا تفخر علينا بالجويني
عليهم بعد جدهم صلاة
وأصحاب النبي وتابعيهم

 

أخو همم أباد الباطنيه
أخو العليا وبدر الهاشميه
ومنا صاحب النفس السخيه
ومالكنا، ومولى الشافعيه
نوالاً بالهبات الحاتميه
إلى التقوى ، وكم أسد ضريه()
فنفخر بالشموس الفاطميه
مدا الأيام ما غذَّت مطيه
وتابعهم على الطرق الرضيه

 1110- محمد بن أحمد بن أبي حجلان الوادعي [... - ق 7هـ]

العلامة الرئيس بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي حجلان الوادعي رحمه الله، قد سبقت ترجمة أبيه، وهو من العلماء الكبار.

قال السيد يحيى بن القاسم الحمزي: ولي صعدة للإمام أحمد بن الحسين عَلَيْه السَّلام.

1111- محمد بن أحمد بن أسعد الحاشدي [... - بعد 771 هـ]

الفقيه العلامة محمد بن أحمد بن أسعد الحاشدي رحمه الله.

ترجم له بعض العلماء وقال: رأى له نسخة من الزهرة الجامعة لمعاني اللمع، فرغ من زبرها في ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وسبعمائة.

1112- محمد بن أحمد بن محمد الناظري [... - ...]

الفقيه العلامة() الفرضي محمد بن أحمد بن محمد() بن أبي القاسم بن محمد بن محمود بن الناظري، واسم الناظري أحمد، وهو الذي يجمع نسب هذا العلامة ونسب القاضي عبد الله، وهذا المسمى بالناظري هو أحمد بن محمد بن منصور بن محمد بن العثور.

قبر محمد بن أحمد صاحب الترجمة في حرازة() عبس في جهة حجة، وعليه مشهد مزور.

1113- محمد بن أحمد النعمان الضمدي() [... - ق 10هـ]

الفقيه العارف البليغ بدر الدين محمد بن أحمد بن إبراهيم النعمان الضمدي رحمه الله، كان من أهل البلاغة واللسن والأدب والعرفان والفضل والكمال، ولي أعمال ينبع للإمام المتوكل على الله يحيى شرف الدين عَلَيْه السَّلام، ومدح الإمام بجيد من شعره، فمما أنشده ضحوة يوم الأضحى بدار الشكران() السعيدة بقصر غمدان هذه القصيدة:

وحق الهوى العذري ما ليَ من عذر
مثقلة الأرداف مخطفة الخصر

 

إذا لم أمت من حب مخجلة البدر
بعيدة مهوى القرط طيبة النشر

 

فُوَيْترة الألحاظ خمرية الثغر

 

برهرهة رَوْدٌ رُشَيِّقةُ القدِّ
بِملحظها ظَلْمٌ ألذ من الشهد

 

معقربة الأصداغ وردية الخد
ومبسمها الدري أبهى من العقد

 

أذابت فؤادي في الهوى وهي لا تدري

 

أنوح إذا ناح الحمام المطوق
يهيجني بلبالها ويؤرق

 

إلى غادة في خدها الورد مُورق
فمن لي بها إني إليها لشيّقُ

 

تفيض دموعي من غرامي على صدري

 

فرفقاً فدتك النفس بالمغرم الصبّ
فقد كدت أقضي من أليم الهوى نَحبي

 

ومنّاً على الصادي إلى ريقك العذب
وما ليَ لا والله غيرك من طبّ

 

فزوري سمير النجم في حندس الشعر

 

لعل تباريح الصبابة تَبْرح
ويرقى دمع منه جفني مقرّح

 

ويسكن وجد كان في القلب يقدح
فيا ليت شعري هل لي الدهر يسمح

 

بوصلك إني صرت كالقلم المبري

 

عسى ولعل الدهر بالوصل يسعف
شقائق خد بالنضارة ينطف

 

فلم أنس لا والله إذ بت أقطف
كأن ندى مولى البرية يقذف

 

عليه بأمواج تجل عن الحصر

 

إمام الهدى يحيى أجل الورى قدرا
وأبسطهم كفاً وأرفعهم ذكرا

 

وأطولهم باعاً وأعظمهم فخرا
وأربطهم جأشاً وأوسعهم برا

 

وأثبت من قد قام بالنهي والأمر

 

وأعلى بني الدنيا وأوفاهم عهدا
وأرجحهم حلماً وأشرفهم مجدا

 

وأنفذهم رأياً وأوراهم زندا
وأفضلهم طراً وأرحبهم رِفدا()

 

وأولاهم والله بالحمد والشكر

 

 1114- محمد بن أحمد الطبش [... - ...]

الفقيه العالم محمد بن أحمد الطبش رحمه الله.

من العلماء المفيدين المدرسين المحلقين ، قرأ على.............

1115- محمد بن أحمد حنش() [912 - 973هـ]

الفقيه المحقق الفاضل بدر الإسلام محمد بن أحمد المعروف بالحاج بن حنش رحمه الله، كان من الفضلاء الكبار ومن العلماء زاهداً ورعاً متقنعاً محققاً في العلم، بليغاً في النظم والنثر، مولده في الثلث الأخير من ليلة الأربعاء لخمس بقين من جمادى الأخرى من سنة اثنتي عشرة وتسعمائة، ووفاته في ثامن وعشرين من جمادى الأولى من سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة قبيل الشروق يوم الجمعة، وقبره بصرح جامع ذيبين عند الباب الشرقي بجنب الصومعة، وله أشعار كثيرة، منها ما كتبه إلى الإمام الحسن بن حمزة بن علي بن محمد بن سليمان القاسمي المعروف بصاحب اللسان() [من الكامل]:

شرف الهدى شَرّفت عبدك محسنا
وقضيت حاجته فنال مراده
فوقوفه بعناية منكم على الر
ذاك الذي ما زلت مرتقباً له
ومنها:

 

وأنلته السؤل المؤمَّل والمنى
وشفى غليل الصدر فانزاح العنا
وض المجود المشتهى حلو الجنا
فَلَكُم عليّ جميل شكري والثنا

فغدوت من فرحي به متحيراً
وأُرَدِّدُ الطرف الحسير تعجباً
وأقول دام لنا سلالة() حمزة
فهو العليم الحاذق الطب الذي

 

هل أرتوي أو أجتني ما يجتنى
مما حواه، فيكسب الطرف السنا
يبدي لنا ما لم يكن في علمنا
في كل فن قد غدا متفننا

 ونقتصر على هذا القدر، فأجابه الإمام بقصيدة منها:

أنت الفصيح وما عداك مفحم
أرجلت أفراس البيان ، ورضت أفـ
فنفثت في هذا الكتاب بدائعاً
ومنها:

 

وغلبت غيرك من قصى أو من دنا
ـراس البديع ، وصرت عيني دهرنا
أفحمت منها يا جمال الألسنا

لك في البلاغة معجزات جمة
لكن أبوك العالم الفذ الذي
وأخذ على هذا النمط رحمة الله عليهم.

 

لم تجتمع أبداً لغيرك في الدُّنا
خضعت له أشعار من في عصرنا

1116- محمد بن إدريس بن علي الحمزي() [... - 736هـ]

السيد الأمير المحقق الفاضل البحر بدر الدين والإسلام أبو القاسم محمد بن المعتصم بالله إدريس بن الناصر للحق علي بن سيف الإسلام عبد الله بن الحسن بن حمزة بن سليمان، كان شمساً مضيئة الأنوار، وعلماً من أعلام العترة الأطهار.

ترجم له السيد صارم الدين إبراهيم بن محمد رحمه الله ترجمة غير مبسوطة، وهو حري بالبسط ؛ صنف في التفسير كتبا أحدها (التيسير) والآخر (الإكسير الإبريز في تفسير القرآن العزيز)، وله (التحرير)، وله (الحسام المرهف تفسير غريب المصحف)، وله (الدرة المضيئة في الآيات المنسوخة الفقهية)، وله في الفقه (شفاء غلة الصادي في فقه الهادي)، وله (النور الممطور في فقه المنصور)، وله (الذخرة الزاخرة في مناقب العترة الطاهرة)، وله (شرح على اللمع)، وله في التفسير أيضاً (المنهج القويم في تفسير القرآن الكريم)، فرغ منه في عام أربع وثلاثين وسبعمائة بقرية بيت بوس.

قلت: وقد يلتبس بالأمير محمد بن إدريس المسمى سيف الإسلام الملقب بالمعتصم بالله عبد الله بن الحسن الملقب بأبي اليتامى فأعرف هذا.

1117- محمد بن أسعد المذحجي المرادي() [... - بعد 603هـ]

الفقيه الهمام العالم محمد بن أسعد المذحجي المرادي.

داعي الإمام المنصور بالله عَلَيْه السَّلام، كان داعية إلى الحق واعية للعلم وهو المعتني بالمذهب المنصوري أو بأكثره، كان محققاً في الغاية، وأرسله الإمام المنصور بالله إلى عراق العجم وما صاقبه من البلاد، وبلغ وعاد إلى حضرة الإمام.

وبعض الناس ينسب بيتاً من الفقهاء ببلاد آل عابس إليه، ولم أقف على ذلك في كتب الأنساب.

وهذا المحل الذي فيه هذا البيت المنتسبون إليه بقرب جهران. فلعله وقع اللبس بين محمد بن أسعد() هذا وبين الفقيه العارف محمد بن أسعد الحبشي() من جنب جهران وذمار، كان من كبار المطرفية بعد أن كان جندياً، ثم تاب وتاب معه ولده المسلم بن محمد، وكان لمحمد هذا المطرفي عبادة واسعة سكن شظب مدة للهجرة، ثم اعتزل الناس وسكن بأهله في جانب بعيد على مزدرع ليبعد عن العصاة، وكان له مولى حبشي يقال له فرج قد تفقّه وتخلّق بأخلاق العبادة.

ومن عجيب ما يروى عن فرج أنه صحبه مزين فانتفع بفرج في دينه وصلح حاله، وكان المزين يدخل بعض أسواق شظب ليمتهن فمرَّ به يوماً أبو الغمر مسلم اللحجي شيخ المطرفية، فوقعت عين أبي الغمر على رجل من عبّاد الإباضية ومجتهديهم قد نهكته العبادة فصار أسود كأنه خشبة محرقة وهو يمشي في السوق برفق وقد رفع أطراف ثيابه لئلا يصيبها شيء يكرهه، وتواضع وتخشع.

فقال أبو الغمر وكان يومئذ شاباً حدثاً ينخدع لمثل هذا مخاطباً للمزين المذكور، وكان شديد البغضة للخوارج والمجبرة والمشبهة، وكان اسم المزين سليمان بن صبيح، فقال له أبو الغمر:

يا سليمان، أنا أوافقك في ضلال الإباضية إلا هذا الشيخ العفيف الخاشع لله، أما ترى ما هو عليه من الصورة وأنت تزعم أنه هالك.

فقال سليمان: ويحك، أرأيت إن كان هذا يقول بالجبر وينسب إلى الله أفعال خلقه ويعتقد منه خلق الفساد في الأرض ماذا ترى؟

قلت: أرى أنه هالك إذا كان هذا منه.

فقال: أدركه ثُمَّ اسأله عن ذلك.

فأدركه أبو الغمر وكان الرجل من بطن من الحائرين بينهم وبين أبي الغمر رحم فرفق به وقال: يا خال ما تقول في الكفر والإيمان مَنْ خلقهما؟

فقال : اللهُ يا بني.

فأكد عليه أبو الغمر حتَّى تيقن دخيلته وعاد إلى المزين فأوسع المزين في سبه، وكان هناك عبد زنجي يعرف بالحمَّامي لم يفصح كما ينبغي يبول في ناحية السوق غير متستر() بين الخمارين ويعصر لهم الخمر، ويكسح لهم الدور وبيوت الماء، يعيش في أخبث مهنة، ولا يكاد يُلْقى إلا سكران أو حامل نجاسة وعلى أقبح صورة في الدين والدنيا، فقال المزين حالفاً بالله العظيم: إن الزنجي() أقرب إلى الله من هذا الأباضي وأهون عذاباً منه في النار الذي قد أعجبتك هيئته وخشوعه. ثُمَّ التفت المزين إلى الحمامي فوقع بصره عليه سريعاً فدعاه فقال: يا حمامي أخبرني من حملك على ما أنت عليه من شرب الخمر وقطع الصلاة والتمرغ في النجاسات والأوساخ وحمل الأقذار أنت أم الله تعالى، فكأنه ارتاع ثُمَّ رفع صوته : هاشى أنبيلا هاشى أنبيلا يكررها ويرددها. ومعناها : حاشا الله حاشا الله، وأنبيلا عندهم الرب سبحانه. ثُمَّ التفت وقال: يا سليمان هملتني نفسي هملتني نفسي، همامي كيبه همامي كيبه . معناه: حملتني نفسي حملتني نفسي، حمامي خيبة حمامي خيبة، وخيبة يعني خبيث يستعمله العامة.

1118- محمد بن إسماعيل بن أبي النجم() [... - ق 7هـ]

العلامة البليغ سليل الأكابر وبهجة المحافل والمنابر محمد بن إسماعيل بن أبي النجم. رحمه الله تعالى ، من البيت المعمور بالفضل وأهل السبق في الخيرات رحمه الله.

أظن والده إسماعيل بن عبد الله صاحب القصيدة التي في المنتصر داود بن المنصور بالله، وله الشعر إلى أبي نمي محمد بن سعيد صاحب الحرم .

ولمحمد هذا شعر، منها مرثية في القاضي ركن الدين عبد الله بن علي بن أبي النجم رحمه الله التي أولها:

لعمري لفي المختار أحسن أسوة
وله فيه أخرى طالعها:

 

لمن ضامه الدهر المسيء وروّعا

صفو المعيشة ممزوج به الكدرُ

 

والموت غاية ما الأحياء تنتظر

 وفي هاتين القصيدتين ما يدل على فضل القاضي ركن الدين إلى الغاية، وعلى جلالة محمد هذا، ومن شعر محمد هذا ولله دره [من الطويل]:

أقلاّ من التفنيد بالله واعذرا
دعاه فإن اللوم أوفى بليّة
فكيف تلوما من يبيت مسهداً
يحن لفقد الغائبين عن الحمى
فيا مخبري كيف الحمى بعد أهله
وهل جاده مزن الخريف ووبله
وهل ذلك الروض الأنيق كعهدنا
وهل عادت الأغصان في جنباته
بنفسي حبيب كان فينا مخيّماً
فمن وجهه البدري ينسفر() الضحى

 

ولا تعذلا من ليس يجدي ملامُهُ
وأوفى دليل للحليم سقامه
جفا طرفه سلوانه ومنامه
فما ذُكروا إلا وجدّ غرامه
هل اخضرّ منه رنده وخزامه؟
وهل وكفت بعدي عليه غمامه؟
تعانق منه شيحه وبشامه؟
تغني بها أقماره وحمامه؟
يحاكي وميض منه ابتسامه
ومن شعره ليل الدجى وظلامه


 

فما عرف الأملود قبل تثنياً
بدا لي وقد شد الرحال ظعانهم
وغاب لذيذ العيش عني عشية
وأغور حادينا وحادي ظعانهم

 

ولا الغصن لولا قدّه وقوامه!
وقد جدّ عني بينه وانصرامه
بها قوضت عن حافتيه() خيامه
(زبيد) لعمري قصده و(سهامه)

 ومنها():

أنِخه بسوح فيه عذب لواردٍ
فيحيى عماد الدين أكرم من مشى
وحط به الانساع والثم ترابه،
وعظمه فالتعظيم حق لمثله
فلله من بحر نزلت بسوحه
فتىً شاد من أبناء أبي النجم مفخراً
يجود إذا ضم الكريم ببابه
إمام لمحرابٍ لسان لمنبر

 

ومرعىً خصيباً ليس يحمى ثمامه
وأكرم سوح في الزمان مقامه
فأيسر فرض الزائرين استلامه
كما حق للبيت العتيق احترامه
ومن باسل() أعيا الكماة لزامه
فساد ولم يمرر عليه فطامه
ويروى وما يروى السحاب سجامه()
ومقدام خيل لا يُطاق صدامه

 وهي طويلة وجهها إلى العلامة يحيى بن أبي النجم رحمهم الله تعالى.

1119- محمد بن إسماعيل الحجي() [... - 900هـ]

العالم العامل() الفاضل المفضال محمد بن إسماعيل الحجي رحمه الله .

هو الذي كان مرجع الفضلاء وغوث الطلبة وإنسان الكمال، جمع مع العلم فضائل عدة رحمه الله، وبيتهم شهير، وقد قل المنتسب إليه بعد هذا العالم وأولاده، وكان موته وموت أولاده في سفر الحج في عام واحد بعد أن قضوا الحج والزيارة في أوائل سنة تسعمائة() يوم عاشوراء، وذلك تاريخ وفاة هذا العالم . وموت أولاده لم أظفر بتاريخه. وكانت وفاته بينبع وكذلك ولده الفقيه الفاضل فخر الدين عبد الله بن محمد بن إسماعيل. توفي هنالك، وأما الفقيه جمال الدين علي بن محمد بن إسماعيل فتوفي بالمركب عند اللحية، وكان لموتهم موقع عند الفضلاء، ووجه الإمام شرف الدين مرثية فيهم، وكان عمر الإمام يومئذ ثلاثاً وعشرين سنة، والقصيدة هي هذه:

لا تعذلي فالصبر أَسْمَا عِيْلا
قوم أصيب الدين عند مصابهم
وتهدَّمت أركان ملة أحمد
وبكتهم عين الكمال بمقلة
ما كان همتهم سوى كسب العلا
صاموا نهارهم وقاموا ليلهم
وتفردوا للعلم حتى أنهم
سل عنهم الفرقان هل لم يوضحوا
واسأل أصول الدين عنهم هل غدوا
وكذا أصول الفقه إن عليَّهُم

 

فالموت فرق آل إسماعيلا
والعلم أضحى حده مفلولا
لما أقاموا في القبور حلولا
عبراء تهمل بالدموع همولا
والمجد دأباً بكرة وأصيلا
وغدوا إلى سبل النجاة دليلا
صاروا لأفراس العلوم فحولا
من لفظه الإعجاز والتأويلا
في تاج همة علمه إكليلا
كانت له فيه اليمين الطولا

 هذا تصريح بأنَّ علي بن محمد متقناً لأصول الفقه، وذلك مأثور عنه،

وكذا الفروع فإنهم كانوا به
ثم استتم فخارهم فاستوجبوا
آهٍ() لمصرعهم فقد هدّ القوى،
عمت محاسنهم فعمَّ مصابهم
يا نكبة نفت الرقاد وغادرت
الحزن إلا فيك كان مذمماً
يا هجرة الظهرين ما لبدورك اللا
قد كنت عند محجة ذو حجّة()
من بعد مسعود سليمان تلا
كانوا على الطاعات مجتمعين في الأ
واهاً لهم  ، يا ليت أني بينهم
نشر الإله عليهم من فضله
وأسى لإبراهيم كل رزية
والله إني آخذ مما به
لكننا نرضى بحكم إلهنا

 

للعارفين دعائماً وأصولا
عن هذه الدار الجنان بديلا
وأثار في كل القلوب غليلا
فترى لكلٍّ رنة وعويلا
في الجسم منَّا ما حييت نحولا
والصبر إلا فيك كان جميلا
ئي بك استتمن صرن أفولا
للعالمين ، ومقصداً مأهولا
ومحمد وابناه راحوا جيلا
لى، وفي الأخرى كما في الأولى
فأفوز فوزاً لو ظفرت جليلا
سحباً وظلاً في الجنان ظليلا
وأثابه أجراً يكون جزيلا
حظاً عريضاً بعدهم وطويلا
فيما قضاه طاعة وقبولا

 ثم كتب الإمام عَلَيْه السَّلام بعد هذا كتاباً ما سمحت بترك نقله لما اشتمل عليه من البلاغة والموعظة، وهو : (بسم الله الرحمن الرحيم، وصل الله على سيدنا محمد وآله وسلم، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(34)} [لقمان].

الدهر يومان مشكو ومشكور

 

والعيش يومان معسور وميسور

والعاقل من لم يكن للنعماء غابطاً، ولا للبلوى ساخطاً، أما بعد فإنه لما بلغنا ما قضاه الرحمن، وحكم به العدل الديان، من انتقال أرواح الفقهاء المتقين من دار الهوان إلى غرف الجنان، طرقنا من هذا العلم ما أذهب الصبر()، والهب الصدر، وأسال الدمع، وكاد يصم السمع، وأصاب صميم القلب فأوجع، وسلب اللب والقوى أجمع، فيا لله من هذه الدنيا فإنها سحابة صوبها المصائب، وكنانة نبلها النوائب، عهودها محفوفة بخديعة، ووصلها موصولة() بفجيعه، وهديتها مشفوعة بوقيعة، وعذب مائها كسراب بقيعة، ولكن لنا برسول الله أسوة حسنة، وقدوة مستحسنة، والصبر أليق بالرجل الحليم، والحر الكريم، لأن أمر الله المحكم، وقضاؤه المبرم، لا يرده راد، ولا يصدّ عنه صاد. وإنما تهيج العبرة وتعظم الحسرة، على من فارق الدنيا وهو محزون مكروب من اقتراف السيئات والذنوب، فأما من راح وصحيفة حسناته مملوءة، وصحيفة سيئاته من صدى() السيئات مخلوّة، فلا يصلح للعاقل الجزعُ عليه، وإنما يليق به الأشتياق إليه، والله المسئول() أن يتلقى الهالك بالرحمة والرأفة، ويحسن على الباقي الجزاء والخِلافة، ولولا أشغال عرضت، وأعمال على القلب أزدحمت، لما ناب القلم، عن المشي على القدم، وإن كان لا يعيد فائتاً، ولا يحيى مايتاً، {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ(126)} [الأعراف]، انتهى.

وكان محمد بن إسماعيل هذا كالأب الحدب للإمام أيام قراءته، وكان ينصحه. ومما أجاب الإمام عَلَيْه السَّلام في بعض النصائح، هذه الأبيات()، ولله دره:

شكراً لمن عرّض لي في مقال
ما للفتى بالجد فخر ولا
ولا بقوم سابق أمرهم
ولا بأن صار مليكاً ولو
كلاّ ولو أضحى له ذا الورى
إن كان في مهوى الردا ثاوياً
ولم تكن تصدر أفعاله
وإنّما فخر الفتى إن غدى
يفتض أبكار معان به
ويقسم الساعات من عمره
حتى يحوز السبق من بين من
ويقمر الخصم على قرنه
لو أنه لم يختلج وهمه
ولم يقدر فيَّ ميلاً إلى
ولا ملالاً عن طلاب العلى،
ولا طرا الشك على علمه،
ومن وعى للناس أقوالهم
ولم يدع في دهره صاحباً
يا نسل إسماعيل يا ذا الذي
لا تحسبن أني ممن إذا استميـ
فوالذي أوسعني همة
ما أقبل الدنيا ولو زُخرفت
ولا أُمَنّي النفس بالرزق إن
ولا أرى في العمر خيراً إذا
فهذه سبلي التي أقتفي
لا أنثني عنها ولو عضني
ثم صلاة الله تترى على

 

منظم اللؤلؤ رطب المثال
بثروة المال، ولا بالجمال
ولا بعز باسق الشأو عال
دان له من في مهب الشمال
ما بين مولى وموالٍ ووال
مرتبكاً في لج بحر الضلال
في الحال قصداً لصلاح المآل
جليسه الدفتر في كل حال
عزت على أفكار كل الرجال
في طاعة الحي الذي لا يزال
جاراه في مضمار خير المعال
عند طلاب الفخر يوم النضال
في الفلك في خلجان ظن المحال
جناب أرباب الشقا والضلال
ولا اطراحاً لخصال الكمال
لكنه استهواه قيلٌ وقال
مال به الناس يميناً شمال
إلا لسوء الظن فيه افتعال
جالت به الأوهام كم من مجال
ـل عن علياه بالمال، مال
قعساء تسمو فوق شم الجبال
إن كان في أخراي منها اختلال
لم يحصل الرزق بغير السؤال
لم يك بالطاعات فيه اشتغال
أهلي طراً في القرون الخوال
دهري، وأبدى السوء نحوي ومال
محمَّد وآله خير آل

 1120- محمد بن جابر الراعي() [... - ق 7هـ]

العلامة الفقيه الفاضل الأصولي بدر الدين محمد بن جابر الراعي رحمه الله.

ترجم له السيد الصارم رَضِيَ الله عَنْه فقال :

...........................................................().
وكذا ترجم له صاحب النزهة، وذكر مدرسه في أصول الفقه، وقال : إنه جرى بينه وبين الأمير الحسين في ذبائح أهل الكتاب لما حضرهما طعام مأدوم بلحم من ذبائحهم، وطالت المراجعة حتى رجع الفقيه إلى كلام الأمير من جواز أكلها، وكان هذا الفقيه من فضلاء الشيعة الأتقياء، ومن تلامذة عبد الله بن زيد، انتهى.

1121- محمد بن جبريل بن محمد() [... - 811هـ]

السيد الأمير الكبير الخطير عين أعيان الأمراء محمد بن جبريل بن محمد بن سليمان() ابن علي بن الإمام الداعي يحيى بن المحسن.

قال الإمام عز الدين : هو السيد العلامة الشهير وهو أحد أنصار الإمام علي بن المؤيد، وله مصنف في التفسير، وقبره بالقرب من المغلى في أسفل فللة، وعليه مشهد محاط، توفي في زمان علي بن المؤيد.

وذكره أيضاً صاحب اللآلئ.

1122- محمد بن جحاف القاسمي [... - ...]

السيد العارف عز الدين سليل الأكرمين محمد بن جحاف بن عز الدين بن الحسن القاسمي رحمه الله، كان من أعيان السادة، له معرفة في النحو، وله فصاحة وخط حسن أعاد الله من بركته.

1123- الأمير ذو الشرفين ، محمد بن جعفر بن القاسم() [... - 478هـ]

الأمير الهمام سلطان الإسلام ناصر الحق برهان الدين عز الملة: ذو الشرفين محمد بن جعفر بن أمير المؤمنين المنصور بالله القاسم بن علي سلام الله عليهم.

هو أحد سلاطين() الإسلام وأحد أعلام الدين، أشهر في الفضل من نار على علم، وقد سبق له ذكر عند ترجمة أخيه الفاضل وذكرنا أهلية كل واحد منهما للإمامة العظمى، وأنهما لم يتركا الإمامة إلا لِمَا كان الطبق الأدهم من الشيعة يعتقدونه، وأن هذا القول أعني حياة الحسين بن القاسم لم تكن له بمعتقد، وقدرهما يجل عن هذه الجهالة.

ولعلنا قد ذكرنا في ترجمة الفاضل من أين نشأ هذا المعتقد لأهله، وهو أنه روى الشريف أحمد العباسي المحسني اجتماع الأشراف القاسميين عند طلحة الملك بجراف خمر، ووصول() جعفر بن القاسم والد الأميرين إلى هنالك، وتلقي أهل بيته ووجوه الناس له بالعزاء، وإظهاره لهم الإنكار لقتل أخيه الحسين، ثم أنه خلا بأهله القاسميين وقال لهم: بأمثال هذه العقول تعاشرون الناس، إن همدان وكرنا الذي بضنا وأفرخنا فيه، وبهم نفذت أحكامنا، وذكر همدان بجميل وحسن، ثم قال : والعجب منكم أنكم تدعون أنهم قتلوا إمامكم ؛ إن أهدرتموه أخزيتم وإن قَتلتم به ظلماً أخذتم() وبطلت عدالتكم، ثم ذكر أنه حيّ وأنه مرَّ بمدرك بن إسماعيل بالكساد() وروّج لهم هذه الدعوى لهذا المقصد.

قلت: ويدل على صدق براءة الأميرين من ذلك قصة الضرير الذي كان بشهارة يعرف بالبصير، وكان مولى من أهل درب شاكر بناحية بني صريم، وأنه كان يستعمل حيلاً وأخباراً لا يليق ذكرها، والحاصل أن الناس اعتقدوا فيه، وكان يكثر الزعمات في حياة الحسين، قالوا: فكان الأمير ذو الشرفين يداريه بهذا اللفظ أعني بلفظ يداريه، ومن ذلك قصة الحسين السراج الصنعاني (وقد تقدمت في ترجمة)().

قلت: كان هذا الأمير آية من آيات الله في الكمالات، وكان هو وأخوه الفاضل يمدَّان إلى الصواب يداً واحدة، وكانا شمسين في فلك واحد، ولما استشهد الفاضل رحمه الله قام ذو الشرفين بالأمر وشن الغارات، ونال من أعداء الله منالاً عظيماً يتزين بذكرها التواريخ. وكان رحمه الله حليماً في القول والفعل وله حكم نافعة، وله قصائد. ومن الدلائل على حلمه ما كتبه إلى أبي محمد بن عبد الرزاق وأحمد() بن عبد الباعث وإخوته من الزيدية المخترعة بشبام: وفهمت ما ذكرتم يا إخواني() وسادتي، رفع الله ذكركم، وأصلح بلطفه أمركم ؛ من الخلاف الذي وقع بين من يدعي التشيع في مسائل ذكرتموها في كتابكم، واعلموا أن الإختلاف() لا يؤدي إلى مصلحة ولا رشاد، ولا يسلم من تعلق به من الفساد. والإختلاف في أمور الدنيا لا يصلح لتناقضه وبعده من النصفة وتداحضه فكيف يجوز الإختلاف في دين الحكيم، والصراط المعتدل المستقيم، وقد حرمه الله كما حرم سائر المعاصي تحريماً أوعد من تعلق به عذاباً عظيماً، فقال عز من قائل كريم: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(105)} [آل عمران]، فحكم عليهم رب الأرباب في تفرقهم واختلافهم كما تسمعون بالعذاب()، وقال أيضاً قبل هذه الآية قولاً فيه الشفاء والكفاية لمن اكتفى، وهو قوله جل وعلا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(102)وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(103)} [آل عمران].

فاحرصوا إخواني() على التباعد من الإختلاف، وعلى صلاح ذات البين والائتلاف، فمن قِبَله أتي الأولون والآخرون، وبه هلك المقدمون عليه والمجترون، سلمنا الله وإياكم من المهالك، وسلك بنا وبكم خير المسالك.

وقد نظرت يا إخواني وسادتي في مسائلكم فإذا هي على وجهين، أحدهما ما لا يغني المتعبد عن المراجعة فيه، والاستفادة لمعانيه . والثاني مما يسع المتعبد جهله، ويكفي عن فروعه أصله ؛ فأما ما لا غنى عنه في الدين ولا يسع جهله أحداً من المتعبدين فبيانه من كتب أئمتنا عَلَيْهم السَّلام واضح، ونور برهانه بين لائح، فانظروا في تلك الكتب وقفوا عليها تجدوا() بيان ما تحتاجون إليه لديها، وأنا أسميها لكم ليسهل عليكم في الحال في ابتغائها، وهي: كتاب التفريع للقاسم بن علي عَلَيْه السَّلام، وكتاب المختصر لولده المهدي عَلَيْه السَّلام، وكتاب المسائل التي أجاب عنها الإمام القاسم بن علي رَضِيَ الله عَنْه، وكتاب التثبيت والدلالة أيضاً، وكتاب الاستفهام الذي سأل عنه رزين بن أحمد الخمري() له أيضاً، وجواب مسائل الطبري له عَلَيْه السَّلام، أولها: سألت أيها الأخ، أعطيت سؤلك، وبُلِّغت من السؤل مأمولك. والجامع مِن جمعها واستخراجها ووضعها وجوه : أحدها الإكتفاء بما سطروا، والاستغناء بما قد ذكروا، أعلى الله في عليين درجتهم، وخص بأفضل الصلاة أرواحهم ومهجهم. ومنها: أني أحب أن أكون أمة وسطاً لا منحرفاً إلى بعض دون بعض ولا مخلطا. ومنها : أن أكثر من ألف شيئاً ووافقه لم يكد أبداً أن يفارقه، فالاشتغال به عنى ، والرجاء لعودته() منى.

1124- محمد بن جعفر بن أبي هاشم() [... - ق 8هـ]

السيد الكبير العلامة المجتهد الأمير الخطير محمد بن جعفر بن أبي هاشم الوهاسي رحمه الله. هو البحر الذي لا يساجل، والجم الذي لا يحافل، قال ابن المظفر رحمه الله: كان هذا السيد يشار إليه بالإمامة لكماله بالعلم والعمل، وذكر أن له قصيدة غراء في الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة عَلَيْه السَّلام، مطلعها:

الفكر حار فأي شيء أنظم

 

مدحاً لمن مدح الكتاب المحكم

 وترجم له الإمام عز الدين بن الحسن عَلَيْهما السَّلام، وذكر أن الإمام المهدي لدين الله محمد بن المطهر تزوج ابنته السيدة فاطمة وأولدها أولاده النجباء : المطهر وقاسم وحسن وأحمد.

ومن شعره ما قاله كالجواب للأمير الجمالي المحل الرفيع علي بن عبد الله (بن الحسن بن حمزة لما اطلع محمد بن جعفر على قصيدة علي بن عبدالله)() التي أنشأها في علي بن أبي طالب رَضِيَ الله عَنْه، فأجابها الأمير محمد بن جعفر هذا بقصيدة قرر فيها ما أراده الأمير الجمالي من فضائل أمير المؤمنين عَلَيْه السَّلام وإمامته، ثم شرحها الإمام المهدي لدين الله محمد بن المطهر بالشرح النفيس الحسن المفيد الذي سماه : الكواكب الدرية شرح الأبيات البدرية، وأول قصيدة محمد بن جعفر رَضِيَ الله عَنْه:

هذي مقالة أهل بيت محمد
العالم الصدر النبيه ومن غدا
وهّاب جرد الخيل كل مطهم()

 

حقاً، وإنك بحرها التيارُ
في كفه الإيراد والإصدارُ
لم يثنه عن جوده الإقتارُ

 1125- محمد بن جعفر الطائي [... - ق 4هـ]

العلامة الأوّاه المعاضد لأولياء الله محمد بن جعفر الطائي رحمه الله، والده جعفر المذكور يعرف بالوقار، وأصلهم من ضبّة إلا أنهم نسبوا إلى طي ؛ لأنهم كانوا ينـزلون بجبل طيّ ونسبتهم في بني ضبّة بن أدّ . ولعلها قد مرت ترجمة والده رحمه الله وأنه أول من خرج إلى الهادي إلى الحق عَلَيْه السَّلام . وولده محمد هذا كان من أكابر العلماء، عليه تعويل في رواية المذهب، وكان يختص بعبد الله بن المختار بن الناصر عَلَيْهم السَّلام، وبالحسن بن أحمد الطبري()، والحسن أستاذه.

وروي أنه رحمه الله خرج مع جيوش الناصر للحق عَلَيْه السَّلام يوم نغاش فتشكك، فرآه محمد بن يحيى المرتضى لدين الله عَلَيْهم السَّلام فأنكر ذلك، وقال: مالك لم تخرج في طاعة الإمام؟ فقال الطائي: لم أدر كيف وجه الخروج في ذلك، فأقبل عليه وقال: يا أخي من تخلف عن الناصر فالنار فالنار فالنار، قالها ثلاثاً.

وكان محمد بن الوقار من حملة الأدب وأربابه، له في نظم الشعر إحسان، وروى أبو بكر محمد بن الحسن الكلاعي الزيدي الآتي ذكره إن شاء الله في آخر قصيدته النونية() التي يجيب بها القصيدة المعروفة بأم الذباب() المنسوبة إلى أبي زيد محمد بن الخطاب العدوي الصنعاني، وهو رجل قرشي النسب من رواة الأدب، وذوي() الفضل وقومه العدويون من ولد عمر بن الخطاب منهم العدد بصنعاء وذيبين، وبقرب صنعاء، وهي قصيدة يفخر بها للمعدّية والأعاجم على اليمن وفيها نفي أنساب، وتكلّم على الباطنية، من جملتها فيهم:

ألستم مذعنين لابن فضل
سما فيكم وقال : أنا نبيٌّ
ويسمّيها غير أهل اليمن بالقارعة.

 

ومعطين المقادة أجمعينا
فلبّيتم وقلتم قد رضينا

نعم ؛ فروى الكلاعي أن القارعة المذكورة ليست لأبي زيد المذكور، ونزهه عنها، وجعل نسبتها إلى جماعة من أهل صعدة تجمّعوا على نظمها منهم العلامة هذا محمد بن جعفر الوقار، ومنهم الحسن بن أحمد بن عبد الرحمن الصرار وهو من بني دارم من بني تميم خرج من البصرة إلى اليمن أيام صاحب الزنج، وأكثرها فيما() قال الكلاعي للصرار المذكور، وأعانه الجماعة، منهم أيضاً أبو أحمد بن أبي الأسد وكان ينسب إلى بني سُليم()، ومحمد بن الحسن بن دانه، وقد مضى ذكر الحسن بن دانه ونسبتهم إلى بني عبد الدار بن قصي بن كلاب من قريش، وعلي بن عشام من ثقيف، وعلي بن محمد السحولي، وهذا السحولي جد آل المذاهبي بصعدة وكان أصله يهوديا من يهود بني هارون ثم أسلم وصار عقبه إلى الغيل بصعدة، وأبو عبيد [محمد بن عبيد]() الصنعاني.

وقد استبعد ما قال الكلاعي سيما في ابن الوقار هذا ؛ فإنه كان من أهل العلم والديانة، وشرفه يربأ به ويرفعه عن الخوض في أمثال هذه، ومحمد بن الحسن بن دانه أبعد أيضاً فإنه كان على منهاج أبيه، وكان من أوعية العلم وكتب بخطه كثيراً من علوم الأئمة عَلَيْهم السَّلام وقراءته على الحسن الضهري، والحسن الضهري قراءته على محمد بن الفتح() بن يوسف، ومحمد بن الفتح قرأ على المرتضى عَلَيْه السَّلام. وأما ابن أبي الأسد وابن عشام وأبو عبيد فقد عرفوا بالشعر واشتهروا به سيما ابن عشّام فإنه هاجا النسابة المعروف بابن الحائك وهو الحسن بن أحمد الذي هدم الناصر للحق عَلَيْه السَّلام داره بصعدة، وكانت دخيلته فاسدة ونحلته خبيثة.

ومن عجيب أمر أبي عبيد وابن أبي الأسد المذكورين أنهما كانا يتماريان ويتمازحان، فكان أبو عبيدة يفضل الجبن على الشجاعة، وابن أبي الأسد يناقضه ؛ فحكّما في ذلك الحسن بن الهادي إلى الحق() عَلَيْهما السَّلام، فقضى بفضل الشجاعة على الجبن، فمن شعر أبي عبيد يمازح ابن أبي الأسد ويخاطب زوجته :

دعيني عن السيف الحسام وحمله
فإني رأيت الحرب تودي بأهلها
أبى الله ان أحظى بسيف مهند)
دعيني فما عيـبي قعودي عن الوغى

 

ولا تعذلي في نيل أعلى المراتب
(وتنطح كبش العارض المتراكب
فلا تكثري ما حل عيباً بصاحب()
ولكن عيـبي أن تُرَي في النوادب()
 

 ولما حكم الحسن بن الهادي لابن أبي الأسد بتفضيل الشجاعة، قال:

قضى بيننا بالعدل محض الضرائب
وحاط بها علماً ففضّل() خيرها،
قضى بين هيّاب ذليل وصابر

 

قضية مفتٍ في جميع المذاهب
وصحت له في قدرها والمراتب
عزيز ؛ بما أدلى به في التخاطب

 1126- محمد بن جعفر بن الشبيل() [... - ق 7هـ]

العلامة الفقيه النحرير البليغ أبو عبد الله محمد بن جعفر بن الشبيل() بن عبد الله رحمه الله. هو العالم البليغ المتكلم، كان وجهاً من وجوه زمانه، وعيناً من أعيان أوانه، وله شعر حسن، وكان مثنياً على الإمام المهدي الحسين بن القاسم، ولم يبلغ فيه مبلغ الغلو، ولما اطلع على مصنفات الإمام وعلى ما قاله السيد حميدان فيه، قال:

هذا إمامٌ عالمٌ عاملٌ
ومن موالاةٍ لأعدائه
قف واتق الله إله السما
إن تكُ منه اليوم مستقرضاً
أدينُ أنّ الحق ما قاله
وأنّ مَنْ فضّله قد غلا
فَخَفْ إله الخلق يا مَنْ غلا
مثل ابن غطريف الذي لم يَقُلْ
قال ابن غطريف الذي قاله
وردَّ ما قال ولم يَرْضَهُ
صلّى عليه الله من راحضٍ

 

أبرا إلى الرحمن من بُغْضِهِ()
ومن غُلُوٍّ فيه أو رَفْضِهِ
يا أيها الطاعنُ في عِرضِهِ
فمن غدٍ تندمُ في قرضِهِ
من صفة الباري ومن فرضه
أكبر جرماً من ذوي بُغْضه
في خلط ما قد شيبَ في محضه
في كُلِّه الحقّ ولا بعضه
فشمّر المهديُّ في نقضه
إِذْ أسخط اللهَ ولم يُرْضِهِ
طاب فطاب الدينُ من رحضه

 1127- محمد بن الحجاج البجلي() [... - 122هـ]

محمد بن الحجاج البجلي.

من تلامذة الإمام الأعظم زيد بن علي عَلَيْهم السَّلام.

ذكره البغدادي رحمه الله.

1128- محمد بن الحسن بن عبد الرحمن النعمي() [... - 999هـ]

السيد العارف بالله الحجة والمحجة إلى معرفة الله بدر الدين محمد بن الحسن بن عبد الرحمن بن يحيى بن محمد بن عيسى الحسني النعمي رَضِيَ الله عَنْه.

هذا سيد أهل الطريقة، وإمام الحقيقة على الحقيقة، صاحب ورع وزهد وعفة وصلاح كامل، كان متألهاً ربانياً لا يلوي على شيء من الدنيا، وله مقامات تجل عن الاستقصاء، وتعمَّرَ عادت بركاته عمراً نافعا، وطريقته على السواء في تلك المدة، وهم أهل بيت نبوي طاهر مطهر لا يخلو منهم من هذه صفته، وقد سبقت ترجمة ولده الحسين رحمه الله، ومن شعره رَضِيَ الله عَنْه القصيدة الرحمانية السايرة() في البلاد من أنفع الوسائل إلى الله تعالى، وهي [من الكامل]:

يا حي يا قيوم فرج كربتي
يا خالقي ورازقي ومنجأي
يا سيدي يا سندي يا مُوجدي
يا منتهى سؤلي وأقصى مقصدي
ويا ملاذي عند كل حادث
يا رب يا معطي لكل سائل
أنت غنى فقري وكنزي دائماً
وأنت رب النعمتين، والذي
يا حافظي ماءً مهيناً مُوْدَعاً
ومخرجي من بطن أمي بشراً
وكافلي طفلاً صغيراً مرضعاً
وكم وكم خولتني من نعمة
وكم أعد من أيادٍ جمَّة
حتى بلغت الحلم في معرفة
ولم أقم يا رب يوماً واحداً
علمتني القرآن والنور الذي
ولم تزل يا ذا الجلال محسناً
وكلما أذنبت ذنباً خشناً
تُظْهِر عني كل شيء حسن
وصرت أدعى بين قومي سيداً
ويسأل الناس الدعا من طرف
كأنني (بشر) أو (البصري) أو
وما دروا بأنني مخلط
يا من هو الله الذي لا غيره
بك استجرت رب لا واخذتني
أسأت أسرفت فهل من جذبة
فاز المخفون الذين شمروا
مضى زماني كله سُبَهْللاً
ثم ذكرت بعد فوت العمر ما
فقمت أقفو إثرهم مقهقراً
وفاتني القوم الذين أدلجوا
وليس من أدلج كالمضحي ولا
يا ليتني رفضت دار الإلتوى
وسرت نهج من مضى من سلفي

 

وعافني واغفر جميع زلتي
وملجأي ومفزعي وعدتي
من عدم يا مَدَدي يا جنتي
يا مُسْتَغاثي عند كل شدة
ويا دليلي عند كل حيرة
سؤاله من نيل كل بغية
وحيلتي عند انقطاع حيلتي
برى جميع الخلق والبرية
في ظلمةٍ قبل تمام صورتي
بحسن لطف شاملٍ وحكمة
في حجر أمٍّ برّة مشفقة
يا مالك الملك العظيم جلّت
وأنعم سابغة جزيلة
مقرونة منك بكل نعمة()
بالعُشْر من شكرٍ لتلك المنّة
أنزلته على إمام الحضرة
إليَّ تَحْبُوني بكل منحة
سترت بالصفح الجميل هفوتي
وتستر السيئ من سريرتي
سامٍ عزيز القدر والعشيرة
مني، ويشفى بعضهم بنفثتي
(شقيق) في نسكي وحسن سيرتي
طول زماني ؛ ساهياً في غمرتي
يا من هو الشافي لكل علة
بسوء تدبيري ولا بصيرتي
تصلح مني ما بدا من خلتي()
قبلي وساروا وأنا في نومتي
أرفل في اللذات طول مدتي
بعد ممات العبد من عقوبة
فقصّرت عمن مضى مطيتي
بالليل حتى نزلوا بالجنة
معتسف() كصاحب المحجة
قبل زمان الشيب والكهولة
في فعل كل واجب وسنة


 

أسفت يا صاح على ما قد مضى
كيف خلاصي من جنايات إذا
وأَرَقي وقلقي وحرقتي
شغلت بالدنيا التي قد نقصت
ولم أصب فيها مراداً أبدا
أنا المسيء المذنب العاصي الذي
لكنني تبت إلى الله الذي
أستغفر الله العظيم تائباً
توبةُ عبدٍ ظالم لنفسه
فهو الذي إذا أتاه عبده
يا ربّ يا ذا العرش يا من يستحي
أمهلتني حتى بلغت ما ترى
تلقّني منك بلطف شامل
وجدْ فإني قد لجأت هارباً
فقد علمت ما ثوى في مهجتي
وأنت يا رحمن قد قلت لنا
فعافني يا رب واستر عورتي
وكن بجاه المصطفى وآله
ومُنَّ واختم لي بخيرٍ وقِني

 

من هفوات أحصيت وزلة
ذكرتها طار الكرى من مقلتي
من سوء ما قدمت من خطيئة()
من هونها عن قيمة البعوضة
سوى اكتساب الذنب والخطيئة
مضى زماني كله في غفلة
يقبل عذري كله وتوبتي
إليه مما خُطَّ في صحيفتي
قد زاحم السبعين في الشيخوخة
يمشي أتاه ساعياً بسرعة
عز وجل الله من ذي شيبة
في العمر ؛ فارحم يا إلهي عثرتي
ورأفةٍ مقرونة برحمة
إليك فاقبل يا كريم توبتي
من أسف قد شفني وحرقة
قد وسعت لكل شيء رحمتي
واعطف عليّ واستر عورتي
راض عليَّ مستجيباً دعوتي
عذابك الأكبر يوم رجعتي


 

وقبل موتي أرني منازلي
وإن أتاني ملك الموت وقد
فَمُرْهُ يرفق بي وقل يا سيدي:
وارض وثبت مضجعي يا سيدي
وإن أتاني الملكان يسألا
فاجعل جوابي لهما مثبتاً
حتى أقول الله ربي وحده
والمصطفى المختار ديني دينه
إمامي القرآن ؛ فارحمني وكن
ونجني من ضمة اللحد وما
وداوِ بالريحان والروح الأسى
واملأ علي القبر نوراً ساطعاً
حتى يكون القبر روضاً نشره
وحين تعطيني كتابي بيدي
وكي أرى العفو عن الذنب الذي
وارض وثبت قدمي يا سيدي
حتى أمرَّ سالماً مسلماً
يا أهل كل عادة جميلة
سألتك اللهم بالاسم الذي

 

في جنة الفردوس حقق رؤيتي
جاء أجلي وانقطعت معيشتي
أيَّتُها النفس ادخلي في جنتي
في القبر، وأرحم وحشتي ووحدتي
سؤال رفق لا سؤال غلظة
منك بتوفيق وقوّم حجتي
والكعبة البيت الحرام قبلتي
وملة الإسلام حقاً ملتي
لي قابلاً يا رب يوم أوبتي
في القبر من ضيق وسوء ظلمة
في القبر، وارحم وحدتي وغربتي()
منك وبشرني بفوز الصفقة
من جنة الفردوس يشفي علتي
فباليمين كي أرى مسرّتي
جنيته في الأعصر القديمة
على الصراط وأقلني عثرتي
عليه كالبرق ولمح الطرفة
وأهل كل نعمة سنية
تعطي به السائل كل بغية


 

وكلما أنزلته من صحف
وبالنبي المصطفى وآله
بحرمة السبع المثاني والذي
بكل اسم لك لا يعلمه
بالملأ الأعلى وبالروح الذي
هب خير أيامي الجميع كلها
ولا تحاسبني وقلْ عدّوه من
الطيبين الطاهرين والأُلى
فإنهم أصلي وأهلي وبهم
يا رب فاجعلني سعيداً ناجياً
حاشاك أن أجزى بما جنيته
وحسن ظني فيك لا خيبت لي
ربّ أغثني وأعني واعطني
ووالدي همْ وأهلي كلهم
وكل أولادي وصحبي عافهم
وكن بنا براً رؤوفاً واقياً
ثم الصلاة والسلام دائماً
وآله الغر مصابيح الدجى

 

على جميع الأنبيا وسورة
وكل صدِّيق تقي مخبت
أنزلته من آية كريمة
غيرك يا ذا الكبريا والعزة
رتبتهُ عندك أعلى رتبة
يوم لقاك فهو أقصى منيتي
أهل الكسا في الغرف المبنية
هم سلفي ، وفيهم عقيدتي
أرجو النجاة وهم ذخيرتي()
وسُرّ بالفوز العظيم مهجتي
في سالف الأيام من جريرتي
فيك رجاء ولا هتكت حرمتي()
منك رضاك وأعطني() وسيلتي
اجمع بشملي شملهم في الجنة
من كل مكروه وكل نقمة
يا رب في الدارين كل كربة()
على إمام الأنبياء والحضرة
وصحبه وتابع للسنة

  1129- محمد بن الحسن بن القاسم() [1010 - 1079هـ]

قائد الجحافل وواحد المحافل سلطان الإسلام المسعود، وإنسان الأعلام المحمود، عز الملة محمد بن الحسن بن أمير المؤمنين المنصور بالله القاسم بن محمد عَلَيْهم السَّلام.

كان سرياً حُوَّلا قُلَّباً حنكته التجارب، وعرف الموارد والمصادر، وصحبته السعادة في الصغر والكبر، ولم يزل حميداً في الحالين، واستمرت أيامه على نمط واحد غير ما لا بدّ منه في أوائل العمر من الوقوف في الكتّاب للقراءة .

وأما مذ نيطت عنه التمائم فما هو إلا مسوداً مقدماً محفوداً محفوفاً() بالجنود والبنود، فوَلِي صعدة ونواحيها وما ذر الشعر بعارضيه فحمدت سيرته واتصل به الفضلاء، ووفد إليه الأخيار، ونكأ أعداء الله في ذلك الإقليم على شراستهم وإبائهم، وغزا مغازي محمودة الأثر، وقرأ في أثناء هذه المدة أكثر الكتب المعتمدة على شيوخ كملة كالقاضي شمس الإسلام أحمد بن يحيى حابس رَضِيَ الله عَنْه، والفقيه صديق بن رسام السوادي، وما ترك من مهمات العلوم فناً إلا وأبلغ جهده في الطلب، وقيلت فيه الممادح الغراء أيام إقامته بصعدة، وأجاز الجوائز السنيات .

ولما اختار الله لوالده المولى شرف الإسلام دار الخلد، وكان يومئذ آيباً من زيارة والده بحضرة الإمام الأعظم المؤيد بالله عَلَيْه السَّلام، فلما بلغ الإمام مرضَ صنوه الشرفي أو وقوع الأمر العظيم نفذه إلى جهة ضوران فوقف في الديار اليمنية متردداً بين ضوران وذمار، ثم سكن مدينة إب وذي جبلة، وجمع جنداً جراراً من وجوه العسكر وكبراء الأمراء من أعيان دولة والده المسعودة حتى اختار الله للإمام دار السعادة، فدعا رحمه الله دعوة إلى الرضا من آل محمد، فلما عُرف الرضى وهو الإمام الأعظم مفخر الأئمة المتوكل على الله وسع الله في عمره ومملكته المسعودة ؛ سلم الأمر طوعاً إليه على يدي صنوه سيف الإسلام ناصر الملة أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين حفظه الله، وولاه الإمام ولاية عظمى في أقاليم وحصون ومدن وبحار، فاستمر على حالة حميدة محفوفاً بعساكر يضيق بها الرحب في رفاهية ودعة لِمَا له من الإسعاد، وأعظم أنواعه كونه تحت لواء والده الذي أيد الله به الملة، وأسعد به الإسلام عَلَيْه السَّلام، ولتولي صنوه سيف الإسلام للثغور والزحف بالجنود فاستمرت الحال كذلك على نمو وازدياد من حدود سنة أربع وخمسين وألف إلى عام تسع وسبعين، وكان يجعل شطر الإقامة بذمار واليمن الأسفل، وشطرها بصنعاء المحروسة كما كان يفعل طاووس الفقيه من الإقامة أيام الشتاء بالجند، وأيام الربيع وما وراها بصنعاء.

وقرأ رحمه الله في هذه المدة المتأخرة تذكرة العلامة النحوي على علامة اليمن الفقيه محمد بن صلاح السلامي ، وكمّلها على العلامة أحمد بن سعيد الهبل، وقرأ الفصول اللؤلؤية على العالم الرباني إبراهيم بن يحيى السحولي.

وفي سنة تسع وسبعين طلع من اليمن إلى صنعاء وصادف قدوم إمام الزمان الأمام الأعظم أيده الله من شهارة المحروسة (متوجهاً إلى ضوران فامتلأت الساحات بالخلائق، وامتلأت القلوب بالمسرة، فما كان أسرع من أن أصابه ألم أحسبه من الحميّات ولعله صحبه ألم ذات الجنب، واختار الله له جواره بداره بدرب السلاطين() من أعمال الروضة المحروسة)() في الثلث الأول من الليلة المسفرة عن نهار الخميس لعله ثامن شهر ربيع الأول أحد شهور سنة تسع وسبعين وألف سنة.

فاجتمع السادات إلى داره وأمير المؤمنين هنالك، ودفن بقرب داره المباركة، وكان الخطب جسيماً لولا حضور أمير المؤمنين أيده الله فإنه جبر الخواطر، واشتغل بصلاح شأن أولاده، وعرض عليهم الولاية، وحاول أن المولى صفي الإسلام أحمد بن الحسن يلم الشعث ويحفظ البلاد والجند فعفّ المولى الصفي عن البلاد قبل أن يُعَرّف أمير المؤمنين قدرها فتأخر عن الجميع وبقي أولاد مولانا عز الإسلام محمد بن الحسن ؛ وهما السيدان النجيبان عماد الدين يحيى بن محمد، وإسماعيل بن محمد بعد أن بعُدَ صيتهما، وذُكرا في الناس ذكر آبائهما، وقد كانا توليا ولايات من والدهما، فلذلك كان مقامهما قد كبر. واختار الله ليحيى جواره() وكان قد ناهز الأشد، وكان رحمه الله قد مهر في علم الطب خصوصاً، ولما مات بقي في يد إسماعيل جهة العدين من مخلاف جعفر، فتوجه إليها عن أمر أمير المؤمنين فلم يصل إليها إلا وقد ألم به ألم() ونقله الله إلى جواره() في مذيخرة، وكان ذلك أنكى للقلوب، وأبكى للعيون، وانمحت محاسن، وشرب محبوهم من الآسن، فسبحان من له البقاء والدوام . ولما كان ذلك كذلك أوت العسكر إلى صنوه صفي الإسلام حفظه الله وأعطاه أمير المؤمنين إلى بلاده بلاداً، فاستوسق الأمر وانتظم ببركة سعيه المحمود أدام الله عافية أمير المؤمنين وعافيته.

وقيل فيه المراثي من البلغاء ، ووصلت التعازي من مكة المشرفة، فممن رثاه ولده البليغ العارف الحليم إسماعيل بن محمد وذكر فيها الحال وذكر صنوه العمادي، وما أجد أوقع في القلوب منها ؛ لأنها عين الحقيقة، ولا كلفة فيها، وعليها مسحة الحزن، ورب شاعر يشعر ويجيد ولا يجد على الشعر مسحة ما تضمنه من مرثية أو موعظة أو غزل، وأما هذه فانظر بقلبك وهي [من المديد]:

هل أقال الموت ذا حذره
أو تراخى عن كحيل رنا()
أو رثى يوماً لمرضعةٍ
أو تراه هائباً ملكاً
أو تناسى من له نظرٌ
أو تحامى روح سيدنا
وأبي السبطين حيدرة
بل دهى من كان منتظراً
وسقاه كاس سطوته
ما ترى عز الأنام ثوى
لم يقم في قصره زمناً
بعدما قد كان غرته
وندا كفيه منهمراً
كان طوداً لا يحركه
كان بحراً طالما التقط الـ
شاد ركن الدين ملتمساً
وحوى الدنيا، وديدنه
فسقى الرحمن تربته
وعماد الدين أزعجه
لم ينل في العمر بغيته
لم يذق من دهره أبداً
ما أراه الدهر مطلبةً
رحم الرحمن مصرعه
كيف أنسى شمس مفخرنا
فهما قد أضرما لهباً
وأسالا مدمعاً بخلت
لا أفي يوماً بِحقهما
غير أن الصَّبر شيمة من
لينال الأجر منه إذا
نسأل الرحمن خاتمة

 

ساعة عند انتهى عمره
فاق كل الغيد في حوره
طفلها ما دبّ في حجره
صائلاً قد عز في نفره
تصدر الأشياء عن نظره
مصطفى الرحمن في بشره
وكبار الآل من عتره
قربه أو غير منتظره
مُدْهَقاً من كف مقتدره
حفرة إذ آب من سفره
غير وقت زاد في قصره
ترشد الساري إلى وطره
مذهلاً للروض عن مطره
أيّ خطب جلّ في خطره
ـطالب المحتاج من درره
لرضى الرحمن من صغره
طلب الأخرى إلى كِبَره
صيّباً ينهل في سحره
بعده يغدو على أثره
لا ولا أفضى إلى وطره
صفو عيش صين عن كدره
ليته أخلاه عن غِيَرهْ
ووقاه الحر من سقره
أو أرى السلوان عن قمره
في فؤادي طار من شرره
أعيني دهراً بِمنهمره
لو اسلت الروح عن قطره
صوّب الرحمن في قدره
ذاق طعم الصاب من صبره
برضى للمرء في صدره

 ورثاه الشيخ البليغ صارم الدين إبراهيم الهندي بقصيدة فخيمة، منها:

قضى الفخارُ فلا عين ولا أثر
أمهبط الوحي ما هذا الذي صنعت
وما الذي مادت الدنيا لصدمته
وما الذي ماج منه الكون واضطربت
وما الذي جزر() البحر اللهام له
يا ناعي الجود والمجد الأثيل صهٍ
أفق فإن جناح الجيش منخفض
مهلاً رويدك ؛ فيما قد صدعت به
مات الهمام أبو يحيى وحسبك من
مات الذي كان للورّاد منتجعاً،
مات المليك الذي كانت موارده
هدت مباني المعالي يوم مصرعه
وأقلعت يا لعمري من أنامله
وغاض بحرُ علوم منه كم حفظت
وكان في صدره حلم يحقر ما
من للرعيل ومن للخيل العتاق ومن

 

واحلولك الخطب لا شمس ولا قمرُ
يدُ القضاء وماذا أحدث القدرُ
تفجعاً، وتوارى النجم والشجرُ
له الجبال وريع الرأد والسحرُ
واستشعر الحشر منه البدو والحضرُ
ماذا زعمت بفيك الترب والحجرُ
مما ذكرت، وقلب الملك منكسرُ
دهياء يذهب منها السمع والبصرُ
رزية تتحامى حرَّها سقرُ
وللعفاة إذا ما أخلف المطرُ
للواردين عِذابٌ ما بها كدرُ
ومربع المجد والعلياء مندثرُ
سحب شآبيبها الأبريز والبِدَرُ
مسائل هُنّ في جيد العلى دررُ
يجني المسيء وللزلات يغتفرُ
يزهو لديه بها التحجيلُ والغررُ

 ومنها:

لم أنس نعشاً له أضحت تشيعه ال
ومن دعاء أمير المؤمنين له
طود تحمله ظهر السرير وما
ومنها:

 

أفلاك والشهب والأملاك والبشرُ
وسيلة وهي الزلفاءُ والظفرُ
تحملت جبلاً من قبله السررُ

يا أيها المالك() المولى الخليفة يا
تعزَّ في عز دين الله سيفك من
وآسِ فيه أخاه الأحمدي وقل:
وشد أزر عماد الدين خير فتىً
وآس أيضاً ضياء المكرمات تجدْ
وهي من محاسن الأشعار.

 

من في بقاه لنا المأمول والوطرُ
كانت به تزهو الآصال والبكرُ
يا أحمد القوم أنت الصارم الذكرُ
له مخائل فضل كلها غررُ
مهذباً طاب منه الخُبْر والخَبَرُ

ورثاه الأخ النبيل علي بن صالح بن أبي الرجال، فقال [من الكامل]:

هذا هو القبر الذي قد حلّه
نجل الأئمة من أهيم بحبهم
وأجلّ ملك في الملوك وكاملٍ
من أنجبته أئمة قد طُهّرت
أولاد من حمل الرسول أباهم
صلّى عليه الله بعد نبيه
من ليس يطلب أحمداً أجراً على
إلا مودتهم ؛ وهذا نجلهم
سبقت له الحسنى كما سبقت لهم
وهو الذي ساس البلاد بحلمه
دانت له الدنيا فما أبدت له
وقضت له الأيام عند حياته
وقضت له لما قضى تاريخه:

 

رب المكارم والأيادي والمننْ()
وبه فخاري لا بقعب من لبنْ
دانت لهيبته الشوامخ والقننْ
من كل رجس في البرية أو درنْ
من فوق منكبه لِيَقْتلع الوثنْ
وعلى الأئمة ما سرى سحب وشنْ
ما دل من طرق الهداية والسُّننْ
فالثم() ثراه ليجتلي عنك الحزنْ
وقفا طريقهم وصار على سَنَنْ
وبه لعمر أبيك أخمدت الفتنْ
سوءاً، ولا قلبت له ظهر المجنْ
أن يرتقي هو والسعادة في قرنْ
(بالخلد فاز محمد نجل الحسنْ)
                           1079

 ومن مؤلفاته : سبيل الرشاد إلى معرفة رب العباد مختصر مفيد في علم الكلام، ومن مؤلفاته شرح مرقاة الوصول إلى علم الأصول تأليف جده المنصور بالله عَلَيْه السَّلام وأجاد وأحسن، وله جواب مبسوط في حديث: (ستفترق أمتي) على الشيخ أحمد بن مطير الشافعي، انتهى.

1130- محمد بن الحسن بن المهدي() [640 - 714هـ]

السيد العلامة الكبير الأمير العالم العامل العابد جلال الدين محمد بن الحسن بن المهدي بن علي بن المحسن بن يحيى بن يحيى رحمه الله تعالى.

قال الأمير صلاح الدين بن الجلال: كان معروفاً بالعلم والزهد، والعبادة والفضل والبركة، وحكى لي من أثق به من طريقين أنه رأى ليلة القدر، وحكى لي القاضي حسن بن سليمان المسوري أنه رأى على قبره وقبر الأمير الخضر بن الإمام الحسن رضوان الله عليه نوراً ساطعاً . وقبراهما() في المقبرة التي على باب مسجد تاج الدين الذي بهجرة رغافة، ولد في صفر سنة أربعين وستمائة، ومات في شهر القعدة سنة أربع عشرة وسبعمائة سنة، قدس الله روحه.

1131- محمد بن الحسن بن هبة [... - ...]

السيد الأجل الأكمل محمد بن الحسن بن هبة من آل الهادي عَلَيْه السَّلام، من آل جميل()، قال الإمام عز الدين عَلَيْه السَّلام: وكان ذا بصيرة ودين.

1132- محمد الأصغر بن الإمام الحسن بن بدر الدين [... - ق 7هـ]

الأمير الكبير السامي بدر الملة محمد الأصغر بن أمير المؤمنين الحسن بن بدر الدين عَلَيْهم السَّلام . قال الأمير صلاح بن جلال الدين رحمه الله: كان من الصالحين العارفين المتقين، وقبره في المقبرة التي على باب مسجد تاج الدين في هجرة رغافة.

1133- محمد بن الحسن الحمزي الكحلاني() [... - 1063هـ]

السيد العلامة الزاهد بدر الإسلام محمد بن الحسن بن شرف الدين الحمزي الكحلاني العارف بن العارف الناسك بن الناسك رحمه الله تعالى.

كان أحد أعيان الحضرة المؤيدية، كاتباً من كتاب الإنشاء، فاضلاً سالكاً مشتغلاً بمهمات دينه، جواداً متلافاً على قلة ذات يده، يسع الناس بصدره الرحيب وميسوره من النفقة، فما يُغْلَق له باب عند أكل الطعام مع كثرة الوفد إلى إمامه الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم عَلَيْهما السَّلام، وكان يُقصد للرقي ويستشفي بنفثته الطاهرة.

وكان من عجيب أمره إذا دخل منزله وقد آن نزول الإمام إلى الديوان ولمَّا يحضر الطعام تناول من الفيحة - بالفاء بعدها ياء باثنتين من أسفل ساكنة ثم حاء مهملة- : من مقدمات الطعام المسمى باللحوح يتناول بيده الطاهر منها شيئاً بصفة اللعوق، ثم يحضر حضرة الإمام عَلَيْه السَّلام.

وكان نسابة لآل محمد مطلعاً على البيت الشريف متطلعاً إليه بالسؤال والبحث، وله في الفقه يد حسنة، واشتهرت بركة قراءته فمن افتتح بالعلم عليه بلغ في العلم مبلغاً نافعاً.

توفي رحمه الله في تاريخ ............. وقبر عند والده بقبة ذي الشرفين.

1134- محمد بن الحسن بن علي بن باقي [... - ق 8هـ]

السيد العلامة الحافظ شيخ الشيوخ محمد بن الحسن بن علي بن باقي.

السيد الكبير الخطير .كان مطلعاً على علوم أهله، مرحولاً إليه، من تلامذته شيخ العترة السيد جمال الدين الهادي بن إبراهيم بن الوزير رحمه الله، ومن جملة ما قرأه عليه نهج البلاغة وكان السيد الهادي يرجع إليه رَضِيَ الله عَنْه في حل عقدها، وتبيين مقاصدها، مع أنه قرأها على خاله المحقق السيد صلاح بن المهدي() بن أحمد بن صلاح عَلَيْهم السَّلام، ورأيت بخطي أنه محمد بن الحسن بن إبراهيم بن باقي، فيحقق ذلك.

وإليه لمح السيد جمال الدين رحمه الله بقوله في الرياض:

وبالسيد الحبر ابن باقي فإنه

 

بباع سعى في ساحل العلم أطول

 1135- محمد بن الحسن بن دانه [... - ق 4هـ]

السيد المسند المحقق محمد بن الحسن بن دانه رحمه الله تعالى.

 هو العالم بن العالم أحد رجال الإسناد، وقد سبق كثير من حاله في ترجمة محمد بن جعفر الوقار، فنكتفي بذلك فلتراجع.

1136- محمد بن الحسن الكلاعي() [... - بعد 400هـ]

لسان الزيدية البليغ المنشي الهمام بدر الدين محمد بن الحسن الكلاعي .

رحمه الله تعالى ، كان إحدى عجائب الدنيا في بلاغته ونباهته، وطال عمره، واتصل بالسلطان حسين بن سلامة وكتب له، وقد ذكرنا شيئاً من أحواله في ترجمة الوقار وفي رحلة الطبري عن اليمن أحسبه اجتمع به في تهامة، ورجع الطبري من هنالك كما تراه إن شاء الله في ترجمة أحمد بن موسى.

ولهذا الإنسان أشعار مجيدة ينبغي ذكر شيء منها، ومن أحسنها مساجلته للأمير المطهر بن علي جد الإمام أحمد بن سليمان عَلَيْهم السَّلام، فإنهما اجتمعا في منزل الأمير الحسين() بن محمد بن يحيى بن الناصر بصعدة [وحضر هنالك الأمير زيد() بن إبراهيم بن محمد بن المختار بن الناصر]() وحضر معهم جماعة من أصحابهم منهم محمد الكلاعي هذا فاستدعى الشريف المطهر الدواة والبياض فأحضرا ومدّ يده إلى القاضي محمد بن الحسن الكلاعي، فقال له: قل بيتين فيما شئت حتى أجيزهما، وكان الجو يومئذ لابساً للسحاب، فقال الكلاعي مبتدئاً:

أما ترى الجو وتعبيسه
يحكي لنا تعبيسه أنّه
فقال المطهر :

يوم من الأيام مستطرب
قد طبّق الأرض بأطباقها
فقال الكلاعي:

والرعد في حافاته مزجلٌ
والبرق كالبيض إذا جردت
فقال المطهر :

صَهْصَلِقٌ مؤتلقٌ برقه
مجلجلٌ محتفلٌ مسبلٌ
فقال الكلاعي :

يخبرنا أن سوف يكسو الربا
من فاقع أصفر أو ساطع

 

كأنه من غيظه مغضبُ
عمّا قليل دمعه يسكبُ

بديع لون، طرزه مذهبُ
فليس من أطباقه مهربُ

كأنه ثاكِلَةٌ تندبُ
يوم وغى() يشعله مقنبُ

مغرورق مسحنفرٌ مُلجب
أطباؤه دانية تحلبُ

ثياب نور نسجها معجبُ
أو أخضر يسفه الهيدب

فقال المطهر :

شقائق النعمان من نسجه
كأنها وشي وقد زخرفت،
فقال الكلاعي :

فاشرب على الروض وأنواره
يبدو لها في الكاس من درّها
فقال المطهر :

ومسمع يسبي عقول الورى
يستخرج القلب بأنياطه
فقال الكلاعي :

وأهيف يسعى بها طائفاً
كأنه في لحظه شادن
فقال المطهر :

في وَحْفِه ليلٌ ، وفي وجهه
مهفهف أغيد، ذو غنةٍ،
فقال الكلاعي :

هذا ؛ وقد أغدو وجنح الدجى
يحمل بِدّي أشقر سابحٌ
فقال المطهر :

نهدٌ من الخيل العِراب التي
يختطف الأرض إذا ما مشى
فقال الكلاعي :

يدرك ما شاء إذا ما عدا
كأنه مستقبلاً يرتقي

 

يضحك منها لونها المعربُ
أو درر تزهى ولا تثقبُ

من قهوة أنوارها() تلهبُ
نظم أكاليل إذا تقطبُ

مهفهفٌ ذو أدب يطربُ
إذا انبرى ينشد أو يضرب()

كأنها من خدّه تشربُ
حواه في أُلاّفه سبسبُ

بدر، وفي الثغر له كوكبُ
دعص نقي، من خلفه مكثبُ

قد صوبت أنجمه تغربُ
مبرّزٌ في عنقه سلهبُ()

آباؤها المنجبُ فالمنجبُ
ويملأ العين إذا يُجنب

ويعجز الطالب إذ يطلبُ
إلى كؤود وعرةٍ تصعبُ

 أظن : مستقبلاً لحن ؛ نصبه على الحال أي كأنه حال أن يستقبله يرتقي إلى عقبة كؤود لطول عنقه.

فقال المطهر:

مقارب الصلب قريب القرا
أكرم به حرزاً ليوم الوغى
فقال الكلاعي :

إن مديح الصيد من هاشم
ودّي لهم ذخري ليوم القضا
فقال المطهر :

هم النجوم الطالعات التي
هم البحور الزاخرات التي
فقال الكلاعي :

هم الليوث الضاريات التي
هم الملوك الفصحاء الأُلى
فقال المطهر :

إن سوجلوا طالوا، وإن يذكروا
أصلهم الزاكي كما فرعهم
فقال الكلاعي :

والدهم ذو المفخر المصطفى
من غالب والغُلْب من خندفٍ
فقال المطهر :

أنا ابن ساداتهم والذي
في ذروةٍ من عزهم لم يزل

 

ما حامه السنبك والحوشبُ
وزينة للعين إذ يُرْكبُ

أجدر ما ينعته المطنبُ
لأنني في ذاك لا أكذبُ

يزهو بها المشرق والمغربُ
يحيى بها المقتر والمجدبُ

أسيافها يوم الوغى تخضبُ
مصقعهم يفلق إذ يخطبُ

طابوا، لِمن يذكر أو ينسبُ
هو الزكيّ الأفضل الأطيب

قد أنجبته أمه والأب
تسمو به الأحساب والمنصبُ

منصبه من بينهم أغلبُ
يسمو به الأنجبُ فالأنجبُ

 1137- محمد بن الحسن بن أبي الرجال [... - ق 8هـ]

الفقيه العالم الفصيح المنطيق بدر الدين محمد بن الحسن بن سليمان بن أبي الرجال رحمه الله، هو العالم الفاضل الفصيح الخطيب المصقع رحمه الله، خطب() للإمام يحيى بن حمزة، وكان مشهوراً بجودة الخطب وحسن التأدية، وهو الذي لمح إليه السيد جمال الدين رحمه الله في قصيدته بقوله:

وبالعالم البر الفقيه محمَّد

 

به كل خير في ممادحه قُلِ

 وقبره بصعدة عند قبر محمد بن سليمان صنو أبيه رحمه الله تعالى.

1138- محمد بن الحسن الديلمي() [... - 711هـ]

العلامة المتأله جنيد زمانه وفضيل أوانه محمد بن الحسن الزيدي() الديلمي.

رحمه الله تعالى.

هو العلامة الرحال، العابد المتأله، شيخ الطريقة النبوية، ومعلّم الشرائع السنية السُّنية، ارتحل إلى اليمن من الديلم، وله مصنفات، منها كتاب قواعد عقائد آل محمد وبيان ثبوت إمامتهم وترجيح مذهبهم، وفضل زيد بن علي على سائر الأنام، قال: كان الفراغ من تأليفه وكتابته بصنعاء اليمن في شوال، وهو على ظهر السفر للرجوع إلى وطنه، ولم يبلغ ذلك بل توفي رحمه الله في وادي مر في موضع يسمى أرض حسان شامي مكة حرسها الله تعالى بالإيمان سنة إحدى عشرة وسبعمائة.

وكان وروده إلى اليمن المحروس أيام الإمام المهدي لدين الله محمد بن أمير المؤمنين المتوكل على الله المطهر المظلل بالغمام عَلَيْهما السَّلام.

ومن جملة كلامه في ذكر الباطنية أقماهم الله بعد أن بين مقالاتهم الفسلة، واعتقاداتهم النذلة الرذلة: ومن أراد ذلك فعليه بكتاب الحسام البتار لحميد المحلي ؛ لأنه أخذ من كتبهم المشهورة، مثل كتاب البلاغ الأكبر لأبي القاسم القيرواني، وكتاب الرضاع، وكتاب الجامع، وكتاب المبتدى والمنتهى، وكتاب العلم المكنون والسر المخزون لأبي يعقوب السجستاني، ودعائم الإسلام، والمحصول، وكتاب تأويل الشريعة وغيرها. ثُمَّ قال: وإنما ذكر ذلك، ليطلع على مخازيهم من أراد ذلك.

ومن مصنفاته رحمه الله : كتاب الصراط في علم الطريقة، وكتاب التصفية في الطريقة أيضاً، وهما يتشابهان كثيراً، قال: إنه فرغ من جمع التصفية سنة ثمان وسبعمائة، وهما كتابان جليلان مفيدان في بابهما، عكف عليهما الصالحون بصعدة مدة، وصلح بهما أمة، ولما وقف الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة عَلَيْهما السَّلام على كتاب التصفية هذه قال في مجموعه ما لفظه: لما وقفت على كلام الفقيه الصالح محمد بن الحسن الديلمي في علم المعاملة، وجدته قد سلك مسلكاً من مسالك من تقدم من مشائخ الطريق كالجنيد والشبلي والبسطامي، ونقل كلامهم من غير تحريف ولا تبديل، وربما يكون في بعض كلامهم ألفاظ موهمة، ويقع في بعض إطلاقاتهم كلامات خارجة يتجاسرون بإطلاقها، وإذا سئلوا عن مفهومها أبرزوا معاني معقولة وأموراً مقبولة، يمكن تنزيلها على أمور الشريعة ومقاصد الملة، وهم أخوف الناس لله، وأكثرهم تنـزيهاً لذاته، وأبعدهم عن مقالة ضُلاّل الفرق، فلا يظنن من وقف على شيء من كلامهم الموهم أنهم يقصدون معنى لا يليق بحال الربوبية ولا يوافق أصول الحكمة، بل همهم تعظيم الخالق وتطهير قلوبهم عن الرذائل، فهذا ما عندي فيهم إن شاء الله تعالى.

1139- محمد بن الحسن بن محمد النحوي [... - ....]

العلامة الفقيه الفاضل بدر الدين محمد بن الحسن بن محمد النحوي رحمه الله تعالى.

هو العالم بن العالم (بن العالم بن العالم)() من البيت المبارك رَضِيَ الله عَنْهم، ترجم له العلامة محمد بن علي بن عبد الله بن حسن بن يحيى بن الحسن النحوي رحمه الله ؛ ومحمد بن علي هذا عالم فاضل قد اكتفينا بذكره هنا ؛ ترجم لمحمد هذا وليحيى بن الحسن، ولفظه إلا صدر الترجمة فليس من كلامه : للفقيه حسن بن محمد ولدان نجيبان عالمان عاملان، دارت عليهما حلق التدريس وهما جمال الدين الأكبر محمد بن الحسن كان محلقاً عليه في فقه آل محمد، أنظاره وسجاياه مثل أبيه، وورعه وزهده واجتهاده كأبيه، أقضيته وأحكامه ماضية في مدن الإسلام، وتفد عليه الفتاوى كما كانت تفد على أبيه. والثاني: عماد الدين يحيى بن الحسن من أفاضل وقته وعلماء عصره، كان يحلق عليه في فقه آل محمد، كان ذا ورع وتقوى ودين، محبباً إلى المسلمين كافة، لطيف الشمائل إلى القريب والبعيد، مولعاً بكل عبد منيب، اتخذهما إبراهيم الكينعي من أجل إخوانه، وأحلهما في ديوان أحبابه وخلانه، انتهى.

1140- محمد بن الحسن بن أحمد عقبة [... - 916هـ]

العلامة الفقيه الفاضل محمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عقبة الشهير الذيبيني. رحمه الله . كان عالماً فاضلاً()، ورعاً تقياً، محبوباً في الله عند صلحاء المسلمين.

وهو والد العلامة أحمد بن محمد بن حسن بن عقبة الماضي ذكره، وإلى والده لمح بقوله في قصيدته النونية:

ولما ارتقيت الأربعين شرحت من
بتذكرة النحوي رفواً محرراً
وعاق عن الإتمام صول حوادث
فأزمعت في أثناء ذلك زيارة
بصعدة في القرضين حيّ سميدع

 

غوامض فن الفقه محتجب المعنى
فلا يجد النقاد() في أيّه طعنا
تصم وتعمى القلب والعين والأذنا
رحلت لها حرفاً غريرية وجنا
وحي أبيه قادم الأين() في السكنى

 قلت: أراد بالقرضين مقبرة صعدة الغربية وهي بالقاف بعدها راء مهملة وبالضاد معجمة بصيغة المثنى وقبر هذا الفاضل فيها، ووفاته في آخر نهار الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان الكريم سنة ست عشرة وتسعمائة، ورثاه العلامة الخطيب بصنعاء المحروسة أحمد بن الحسن() بن محمد بن إبراهيم الشاوري بقصيدة غراء ، فقال:

سلام على الدنيا سلامُ وداع
سهام المنايا في مقاتل أهلها
وأيدي الرزايا كل يوم تنالهم
وما برحت أحداثها تَسْتَفِزُّهم
تفرّق منهم كل شمل مؤلف
وتقصي على الأبناء وجه أبيهم
وكم قرعت من مسمع بملمّة

 

فما عيشها إلا قليل متاع
صوائب قد عيُّوا لها بدفاع
بخطب له يرتاع كل شجاع
وتصرع من أمسى شديد صراع
وتُنْزلهم في الوهد بعد يفاع
وما بينهم إلا كقيد ذراع
وقارعة تنسى بيوم() قراع


 

وصالت على أهل الممالك صولة
وألوتْ بمن في الأرض شرقاً ومغرباً
وما الناس بعد الموت إلا كمثل ما
فهل يا عباد الله معتبر بِما
وهل صارف عن هذه الدار وجهه
له من عَقال العقل منها صوارف
فما الناس إلا هالك وابن هالك
وقد صح أن الموت بالغ كلّ من
وأن ليس للأعلين تُعرف رتبة
فلو ذاده فضل عن المرء أو تقى
لجانب سوح الماجد الأكرم الذي
فتىً كان للذكر الحكيم مجالساً
وبالأهل والأرحام براً وقائماً
وفي سبل الإحسان ينفق ماله
فلله من بدر تغيب وجهه
ولله من ركن لبنيان قومه

 

تقود برغم الأنف كل مطاع
وأوْدَت بمرعيّ ومن هو راعي
ترى مَرّ طير في الهواء سراع()
يراه، وبالأخبار عند سماع؟
وساعٍ إلى ما فيه يُحْمد ساع؟
ونحو التي تبقى لديه دواعي
وما بين مَنْعي إليه وناعي
أقام ولو في شامخات قلاع
ولا للذمام() الماضيات تراعي
ونَجّاه مجدٌ() أو تطاول باع
فضائله تروى بغير نزاع
وللوعظ من معناه أحسن واع
قيام شفيق للحقوق مراعي()
لري() ظماءٍ أو لشبع جياع
وقد كان في الدنيا مضيء شعاع
تهدم إذ أمسى بغير سطاع


 

فما هلكه في مجده هلك واحد
ولكنه بحر القراءة والقِرى ؛
دعاه إلى مولاه داعي كرامة
وأصبح في جنات عدن مخلداً
هنالك يهنيه مقيل وروضة
فقابله خلاّقه بقبوله
ولقاه ريحاناً وروحاً وراحة
وأعظم فيه الأجر للأهل كلهم
ولا سيما للأوحد الكامل الذي
حليف التقى شمس الهدى الفذ أحمد
فأبقاه رب العالمين مكرماً
وأوزعهم صبراً وشكراً، فكل من
وصلى على خير البرية ربه
صلاة توالى ما جرت فوق مائها

 

ولا شأنه في فضله بمضاع
ثوى فالمعالي مجدبات مراعي
فأكرم بمدعو هناك، وداعي
وحل رياضاً طيبات بقاع
وربع وصال واتصال رباع
وأوصله بالبر دون قطاع
وضايع مسك في فسيح ضياع
وكال لهم منه بأوفر صاع
غدا لفنون العلم أيُّ جماع
رضيع لبان المجد خير رضاع
وإخوته الساعين خير مساعي
عليها ؛ ففان مؤذن بوداع()
وآلاً وأصحاباً وخير تباع
سفينة بحر أرخيت بشراع

 1141- محمد بن الحسن الحارثي() [... - نحو 840هـ]

العلامة الفاضل مفخر العلماء بدر الدين محمد بن الحسن الحارثي المداني.

رحمه الله تعالى.

قال السيد العلامة الهادي بن إبراهيم الصغير:

القاضي العلامة، فقيه زمانه، والمبرز في ذلك الميدان على أجناسه وأقرانه، جمال الدين حاكم المسلمين بصنعاء محمد بن الحسن الحارثي المداني نسباً، المعروف بالمذحجي.

من تلامذته العلامة حافظ الإسناد السيد محمد بن عبد الله والد السيد الصارم، قرأ عليه في مسجد الزبير كتاب اللمع والتذكرة في جماعة من الأعيان وافرة، وكان القاضي المذكور ينقل التذكرة جميعها غيباً رَضِيَ الله عَنْه.

1142- محمد بن الحسن بن حميد المقرائي() [862 - 910هـ]

العلامة الفاضل المحقق الراسخ محمد بن الحسن بن حميد بن مسعود بن عبد الله المقرائي الحارثي المذحجي نسباً، هو رحمه الله من مشاهير العلماء.

ترجم له صاحب النـزهة، قال: وله شرح على التذكرة موسوم بالمصابيح الظاهرة لالتقاط لآلئ التذكرة الفاخرة.

قلت: لعلها الزاهرة عوضاً عن الظاهرة، حسباناً مني.

وهو جزءان جعله رفواً()، وله السلوان المنتزع من وفيات الأعيان لابن خلكان، وشرح على رسالة الحور العين، وكان قد شرع في شرح على البحر الزخار، فمنعه عن التمام الحمام، ولا يظن الواقف على هذا أنه المذحجي الذي ترجمته قبيله، فالزمان غير الزمان عن تحقيق إن شاء الله تعالى.

1143- محمد بن الحسن النحوي() [... - 932هـ]

العلامة الفقيه المدرس المحرر المقرر محمد بن الحسن النحوي رحمه الله تعالى.

هو أحد شيوخ يحيى بن حميد المقرائي ، ذكره العلامة الحسن بن حنش رحمه الله، وكان من العلماء الجلة الكبار.

1144- محمد بن الحسن السُّوْدي [... - ...]

إنسان العلماء وسيلة الكبراء إلى الله بدر الدين محمد بن الحسن السودي رحمه الله، علامة بن علامة شهير.

وإليه وإلى أبيه لمح السيد الهادي في قصيدته ضياء الأبصار() بقوله:

وبالحسن السودي والحبر ابنه

 

وبالمفرد الإخلاص للواحد العلي

 1145- محمد بن الحسن بن عيسى العُليف() [742 - 815هـ]

ولي آل محمد بليغ البطحاء شمس الأدباء محمد بن الحسن بن عيسى بن محمد بن أحمد بن مسلم بن محيي بضم الميم كمعلي المعروف بالعليف تصغير علف الشراحيلي الحكمي العكي العدناني الحلوي، نسبة إلى مدينة حلي رحمه الله.

مولده سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة بحلي ببلاد بني يعقوب، وتردد لمكة غير مرة، وسمع في بعض() مقدماته على العز بن جماعة، وتعانى() الشعر فمهر فيه وفاق أقرانه، ونظم كثيراً وفيه أشياء مستحسنة إلا أنه كان يستحسن شعر نفسه ويعظمها على المتنبي وأبي تمام ونحوهما، فَيُسْتَهجن بذلك، وامتدح غير واحد من الأعيان، وأجازه عيّاف بن معاسر() الزيدي الحسني على قصيدة امتدحه بها أولها:

 

بروج زاهرات أو معاني

 

بثمانية وعشرون ألف درهم، وانقطع إلى الشريف الحسن بن عجلان نحو اثني عشرة سنة فوصله بصلات سنية، وله فيه قصائد كثيرة حسنة، ومدح أشراف مكة ورؤساء ينبع والإمام الناصر لدين الله صلاح الدين محمد بن علي بن محمد، وقدم إليه إلى صنعاء، وكان بينه وبين النسويجي() شاعر مكة مهاجات أقذع النسق() عليه.

وذكر أنه رأى في النوم وهو صبي قائلاً يقول : أنا نجي البحتري وأنا نجيك، فقال له العليف: الحمد لله [الذي]() ارتحلك جذعاً وارتحلتك بازلاً.

ومما يستحسن من شعره قوله في الإمام صلاح بن علي عَلَيْهما السَّلام:

يا وجه آل محمد في وقته
لو كانت الأبرار آل محمَّد
أو كانت الأسباط آل محمد

 

لم يبق بعدك منهما إلا قفا
كتب العلوم ، لكنت أنت المصحفا
يا ابن الرسول ، لكنت منهم يوسفا

 قال بعض الأدباء المكنين: وهو صاحب اللامية التي أولها:

جادك الغيث من طلول بوالي

 

كبروج من النجوم خوالي

 قال: هي لمحمد هذا لا كما زعم بعضهم لعلي بن محمد.

قلت: وقد ذكرها السخاوي في الضوء اللامع عند اسم محمد هذا، قال: ويحكى أنه لما فرغ من إنشادها قال الإمام: أحسنت! لا كما قال الفاسق أبو نواس:

صدح الديك الصدوح

 

فاسقني طاب الصبوح

 فقال له : ما ينفعني من الإمام هذا، إنما أريد حكمك بتفضيلي على المتنبي.

فقال الإمام: ليس هذا إليّ هذا إلى السيد المطهر صاحب حص() الفص فإنه هو المشار إليه في علم الأدب . فقام إليه وعرض عليه ذلك بإشارة الإمام، وأنشده للمتنبي أبياتاً ذمه بها، منها:

أفي كل يوم تحت ضبني() شويعر

 

ضعيف يقاويني قصير يطاولُ

 والمنشد العليف، فضحك السيد لأن ابن العليف كان قصيراً وقال له: هذا المتنبي يقول في صباه غزلاً أولاً:

أبلى الهوى أسفاً يوم النوى بدني

 

وفرَّق الهجر بين الجفن والوسن

 ثم قال له: يا هذا إن للمتنبي ثلاثمائة وستين مثلاً يتمثل بها الخليفة فمن دونه وهلمَّ جرا ؛ فأْتِنا أنت بثلاثة أمثال لم تُسْبَق إليها.

فقام من عنده ورجع إلى الإمام وقال له: إن السيد له إلمام بالأدب، (ولي إلمام بالأدب)() فحسدني ولم يقض لي بشيء.

فقال له الإمام: لا يفضلك أحد على المتنبي بعده، ولكن أقول لك يا محمد : لو نطقت في أذن حمار لصهل.

ويروى أنه قائل القصيدة الهمزية التي في النسو() شاعر مكة التي أولها:

عزة النفس شيمة الكرماء
وسيأتي ذكرها.

 

والتحلي بحلية الأدباء()

ولمحمد بن الحسن العليف قصائد في أهل البيت واسعة كثيرة، لكني لا أعرف هل الرجل القائل لها هذا أو غيره، فلعله اتفق اسم كل منهما محمد بن الحسن وأهل هذا البيت كلهم يحبون أهل البيت، وسيأتي ذكر ذلك.

مما روي لمحمد بن الحسن العليف:

أقول قول صادق
سمت علت بي همتي
بالمصطفى محمد
بخمسة ما بعدهم
من طُهّروا وشرفوا
فاحكم بفضلهم على
الماءُ هم وغيرهم
خير ملاذ للورى
في المحل والقحط لنا
في الأزمات لم نزل
أبرُّ بالأمة من

 

لا كاذب ومدَّعي
إلى المحل الأرفع
وبالبطين الأنزع
لطامع من مطمع
على الورى بالأجمع
سواهم، واقطع()
سراب قاعٍ بلقع
وعصمة ومفزع
مثل الغيوث الهُمّع
نستأمهم ونرتعي
أمٍّ، بطفل مرضع


 

عروتي الوثقى هم
وإن سألت خالقي
وإن ذكرت فضلهم
أمنني الله بهم
وأحسن الله بهم
وبرَّد الله بهم
ورفع الله بهم
فليت أهلي كلهم
لكن من منحته
إذا ذكرت طَفَّهُم
كم ظلَّ فيه لهم
رؤوسهم على القنا
بدرهم إمامهم
رؤوس خير سُجَّدٍ
كم فيهم من قائم
لم تغرب الشمس على
وزينب بينهم
قد جردوها لُعِنُوا
تصيح يا أمّ أبصري

 

وعصمتي ومنجعي
شيئاً بهم لم أُمْنَع
دمغت كل مدَّعي
من خوف يوم المفزع()
منقلبي ومرجعي
في وسط قبري مضجعي
منزلتي وموضعي
وليت إخواني معي
نصحي له، لم يسمع
فاضت عليه أدمعي
من مقتل ومصرع
مثل النجوم الطُّلع
رأس الإمام الأرفع
لربهم ورُكّعِ
لربه لم يهجع
مثلهم وتَطْلُع
على قعود جذع
من الرِّدا والمقنع
حالي، ويا أم أسمعي


 

وليس منهم أحد
يا قلب ذُبْ عليهم
إلْحي يزيداً كلما
بعبرة سائلة
ليت أبا موسى أتى
أو ليت عمرو الخبّ إذ
أو ليتهم لم يعجلوا

 

يسمعها ولا يعي
يا كَبِدِي تقطعي
ذكرته، وابن الدعي
مني، وقلب موجع
على البطين الأنزع
خادعه لم يُخْدَع
على الأمير النخعي()

*  *  *

قلت: وقد ذكرت بهذه القصيدة قصيدة الأمير علي بن المقرب() رحمه الله، وقد تطلبت له ترجمة فلم أجد، وفي أشعاره ما يدل على العدل والتوحيد ونفي الرؤية لله تعالى، وفيها ما يدل على التمسك بحبل الله أهل بيت نبيئه عَلَيْهم السَّلام، وقد ذكرت هنا له قصيدتين تدلان على ذلك، ثم أرجع إن شاء الله إلى ذكر ابن العليف.

فقال ابن المقرب رحمه الله تعالى [من الطويل]:

يسود الورى من كلم الله في السما
يرى نور وجه الله لا بعيونه

 

وقام بساق العرش يستمع الوحيا
ولكنه بالقلب أُثْبِتُها رؤيا

 وهي طويلة مشتملة على تقديس الله وتنـزيهه كما يعتقده أهل البيت، والقصيدة التي تدل على محبته للعترة، وهي [من الرجز]:

يا واقفاً بدمنة وأَرْبُع
يكفيك ما عاينت من مصابهم
تحبهُم قلت وتبكي غيرهم
أما علمت أنّ إفراط الأسى
أقوت مغانيهم فهنَّ بالبُكا
يا ليت شعري من أنوحُ منهم
أَلِلْوصي حين في محرابه
أم للبتول فاطم إذ دُفِعَت
وقول من قال لها: يا هذه
أبوك قد قال بأعلى صوته
نحن جميع الأنبياء لا نتركا
وما تركناه يكون مغنماً
قالت: فهاتوا نحلتي من والدي
قالوا: فهل عندك من بينة
فقالت : ابناي وبعلي حيدر
فأبطلوا شهادتهم ولم

 

ابك على آل النبي أو دَعِ
من أن تبكي طللاً بِلَعْلع
إنك فيما قلتهُ لمدعي
عليهمُ علامة التشيع
أحق من وادي الغضا والأجرُع
ومن له ينهل فيضُ أدمعي؟
عُمِّمَ بالسيف ولمّا يركع
عن إرثها الحق بأمر مجمع
لقد طلبت باطلاً فارتدعي
مصرحاً في مجمع فمجمع
أبنائنا لإرثنا بموضع
فأرضي بما قال أبوك واقنعي
خير الأنام الشافع المشفعِ
نسمع معناها جميعاً ونعي
أبوهما أبصر به وأسمع
أيضاً يكونوا عندهم بمقنع


 

والله ما تكذيبهم لفاطم
بل للنبي والكتاب والذي
أم للذي أودت به جعدَتُهُم
وإن حزني لقتيل كربلا
إذا ذكرتُ يَومَهُ تحدَّرت
يا راكباً نحو العراق جُرشعاً
إذا بلغت (نِيْنَوى) فقف بها
والبس إذا بُلِّغتها ثوب أسىً
فإنّ فيها للهدى مصارعاً
واسفح بها دمعك لا متبقياً
فكل دمعٍ ضائعٌ جرى على
لله يوم بالطفوف لم يدع
يومٌ به اعتلت مصابيح الدجى
يومٌ به لم يبقَ من دعامة
يومٌ به لم يبقَ من داعية
يومٌ به لم تبق من غمامة

 

والحسنين والإمام الأنزع
أنزله لوحيه المتبع()
يومئذٍ بكاس سُمّ مُنقع()
ليس على طول البلى بمُقلِعِ
مدامعي بأربع فأربع
ينمى لعبديّ النجار جُرشَع
وقوف محزون الفؤاد مُوجع
وكل ثوب للعزاء المفجع()
هائلة بمثلها لم يُسمَع
في غَرْبِهِ، ونح دواماً واجزع
غير غريب المصطفى المُضيَّع
لمسلم في العيش() من مستمتع
بعارض من الضلال مفزع
تَشُدّ ركن الدين لم تضعضع
تدعو إلى الشيطان لم تُبْتَدع
تحيي ثرى الإسلام لم تُقَشَّع


 

يومٌ به لم تبق قط راية
يومٌ به لم يبق قط مارنٌ
يومٌ به لم تبق قط وصلة
يومٌ به الكلب الدريعُ يعتدي
يومٌ به غودر سبط المصطفى
لهفي له يدعو الطغاة معلناً
يقول يا شر الأنام أنتم
كاتبتمُوني بالمسير نحوكم
فنحن في طوعك لم ننس الذي
حتى إذا جئتُ لم يُصلِحُكُم
لقيتموني بسيوف في الوغى
هل كان هذا في سجلاّتكم
هل لكم إن تفوا ببيعتي
قالوا له : هيهات ذاك إنّه
بايع يزيداً أو ترى سيوفنا
فعندها جرَّدَ سيفاً لم يضع
وصال في أبطالهم حتى اتقى

 

تهدي إلى ضلالة لم تُرْفَع
ومعطس للحق لم يجدّع
حقاً لآل المصطفى لم تقطع
على هزبر الغابة المدرع
للعاسلات والضباع الخُمَّعِ()
دُعاءَ مأمون الفرار أروع
أكفرُ من عاد وقوم تبع
وقلتمُ خُذْ في المسير أو دع
لكم من الودّ ولم نُضيع
من إرث جدي وذراريه معي
مُنتضَيَات، ورماح شُرّع
يا شر مرأى للورى ومسمع
أن تسمحوا لي عنكُمُ بمرجع
ما لك في سلامة من مطمع()
بهامكم يقعن كل موقع
نجاده منه على أي() موضع
من بأسه الحاسر بالمُقَنَّع


 

وحولهُ من صحبه كل فتىً
كم غادرٍ غادرهُ مُجَدَّلاً
حتى رماه الرجسُ شُلت يدُهُ
فخَرَّ والهفا له كأنَّما
من بعد أن لم يبقَ من أنصاره
ثمّتَ مالوا للخيام ميلةً
ضرباً ونهباً وانتهاك حرمةٍ
لقد رأوا في الكفر تعساً لهُمُ
وأين عاقر ناقةٍ مما جنوا
ما مثلها في الدهر من عظيمة
تُسبى ذراري المصطفى محمَّد
يا لهف نفسي للحسين بالعرا
لهفي لمولاي الشهيد ظامياً
لم تسمح القوم له بشربةٍ
لهفي له والشمر فوق صدره
لهفي له ورأسه في ذابل
لهفي لثغر السبط إذ يَقرَعُهُ

 

حامي الذمار بطل سُمَيْدَع
والخيل تردي والكماة تدّعي
عن نازح الرمية صلب المنزَع
عليه ردعٌ أو خلوقٌ أُوْدِع
غير طعام أَنْسُر وأضبُعِ
قالت لركن الدين إِيْهْاً فَقَع
وذبح أطفال وسلب أدرُعِ
رأي قُدار رأيُهُم ومصدعِ()
يا للرجال للفعال الأشنع
لقد غدت بكل أمر مفظع
رضاً لشانيه الزنيم اللكع
وقد أقيم أهله بجعجع
يذادُ عن بحر الفرات المُترع
حتى قضى بغُلّةٍ لم تنقع
لِحزّ أوداج وهشم أضلع
كالبدر يزهى() في أتم مطلع
من سَيَوَدّ() أنه لم يقرع


 

يا لهف نفسي لبنات أحمد
يُسَقْنَ في ذل السِّبا حواسراً
يَقْدُمُهُن الرأس في قناته
يندبن يا جداه لو رأيتنا
نُهدى إلى الطاغي يزيد لعثاً
يحدو بنا حادٍ عنيف سَيرُهُ
يتعبنا السيرُ فيستحثنا
ولو ترى السجاد في كبوله
يعزز عليك جدّنا مُقامُنا
استأصلوا رجالنا وما اكتفوا
ثم يَصِحْنَ يا حسيناه أما
خلّفتنا بعدك وقفاً محجراً
وا عجباً للأرض كيف لم تنح
فلعنة الرحمن تغشى عصبةً
يا آل طه أنتم وسيلتي
واليتُكُم كيما أكون عندكم
وإن منعتم أن يُوالى غيركم
إليكم نفثة مصدورٍ أتت
مقربيٌّ عربيٌ طَبعُهُ
ينمى إلى البيت العُيونيّ إلى
عليكم صلى إلهي وسقى

 

بين عطاش في الفلا وجُوَّع
إلى الشآم فوق حُسَّرَ أضلع
هدية إلى الدعي ابن الدعي
نُسلبُ كل مِعْجَرٍ وبرقع
شعثاً بأسوأ حالة وأبدع
لو قيل إربع ساعة لم يربع
إذا تخلفنا بضرب موجع
يضربُ ضرب النعم المسلع
ومصرعٌ في الطفّ أَيُّ مصرع
بسبي نسوان وذبح رُضع
بعد فراق اليوم من تجمُّع
على الحنين والبكا والجزع
وللسماء كيف لم تزعزع
غرتُهم، وعصبةً لم تدفع
إلى الإله، وإليكم مفزعي
تحت لواء الأمن يوم() الفزع
إن يرد الحوض غداً لم يُمنَعِ()
من مصقع ندب وأي مصقع
ونجرُهُ، وليسَ بالمُدرع
أجل بيتٍ في العلا وأرفع
أجداثكم بكل غيثٍ مُمْرِعِ

 انتهت القصيدة هذه، وهي مكذبة لمن سماه خارجياً من الجهال.

*  *  *

قلت: وحين قد صرح السيد الحافظ الهادي بن إبراهيم بأن بني العليف على مذهب العترة عَلَيْهم السَّلام، فلنذكر من عرفنا اسمه.

قال السيد الهادي عند تعداد من لقيه بمكة ونواحيها ما لفظه: وكمثل الفقهاء بني العليف وغيرهم من أهل تلك الناحية . وبنو() العليف قوم من عك كانوا على مذهب الشافعي فخرجوا إلى مذهب أهل البيت علهيم السلام، وكان لسانهم وبليغهم حسن بن محمد العليف()، وهو القائل [من الطويل]:

إذا ما رأوني من بعيد تغامزوا
ووالله ما بعت الهدى بضلالة
انتهى كلام السيد.

 

عليَّ ، وقالوا شافعي تزيّدا
ولكنني بعت الضلالة بالهدى

قلت: هؤلاء قوم فضلاء جلة علماء، من أولياء آل محمد، ولهم أشعار واسعة في الموالاة تدل على صدق لهجة في ذلك.

منهم : حسين بن محمد بن حسن بن عيسى بن محمد بن أحمد بن مسلم بن محمد بن محي بالميم بعدها حاء مهملة بعدها مثناة كمعلى . يعرف ببدر الدين، وهو أبو علي الجمال الشراحيلي الحكمي العكي العدناني الحلوي، نسبة إلى مدينة حلي، ثم المكي، وهو والد أحمد وعلي، ويعرف بالعليف تصغير علف.

ولد سنة أربع وتسعين وسبعمائة بمكة، ونشأ بها، وحفظ القرآن وقرأ المقامات والنحو واللغة، وتقدم في فنون الأدب، وقال الشعر الجيد، ومدح أمراء مكة بالشعر المفلق، وكان كثير السكون والإنجماع عن الناس، ولقب بشاعر البطحاء، وكان شاعراً من فحول الشعراء الوافدين على الملوك وكبراء العرب.

ذكره الخزرجي ، وقال السخاوي: إنه مات في المحرم سنة ست وخمسين وثمانمائة ودفن بالمغلاة ، لم أطلع له على شعر فأرويه . ومن شعر والده محمد بن الحسن المتقدم في صدر الترجمة القصيدة الهمزية يهجو بها النسق، وقيل: إنها لأحمد بن الحسين بن العليف، فأخرناها عن صميم ترجمته وهي [من الخفيف]:

عزة النفس شيمة الكرماء
وادعاء الكمال بالجهل نقصٌ
وامتهان العزيز بالذل داءٌ
لا يجاري السفيه يجهل حلماً
إنما الحزم في التغاضي وإن كا
رب جانٍ يزيده الحلم جهلاً
لا رعى الله من ينام على الذل
إن خير الكلام ما دل فحوا
يجهل الفضل من مقالي ناس
نافسوني على اكتساب المعالي
حين أَعْيَتهُمُ كرام المساعي
سوّدوا باجتراحهم صحف الخيـ
بذلوا جهدهم لإطفاء نوري

 

والتحلي بحلية الأدباءِ
معرب عن جهالة الأغبياءِ
كامتحان الكريم باللوماءِ
آفة الداء من فساد الدواء
ن أخو الجهل صادقاً في الإخاء
كل شرط لا بده من جزاء
وفي الأرض مذهب والفضاءِ
ه على مقتضاه قبل الأداء
نطقهم بالثناء دون هجائي
واحتفالي بشأنها واعتنائي
عن مدا غايتي وحسن عنائي
ـر، وما زلت ذا يد بيضاءِ
وأبى الله أن يزيل ضيائي



ركبوا شقة الشقاء لحظي
هل يعدون لي على الدَّهر ذنباً
كلما حاولوا خفاء() ظهوري
أين فضلي إن لم أبوأ بالفضـ
أنا في مقلة الكرام جلاء
ما على الغمر إن نظمت على الخز
يقتضيني الجهول غير طباعي
ويرد السفاه حلمي فتأبى
لن يراني على الهضيمة قوم
وإذا المقتضى تعارض والما
ذل من يطرف الجفون على الضيـ
ليس ذل المقام حتماً على الحرّ
لا يقيم الكريم إلا على العز
إن من أعظم المصائب في الدَّهـ
وامتحان الكريم داء عضالٍ
وإذا ما الغصون تبنى على العر
ينزع الفرع منزع الأصل طبعاً
كل داءٍ يرجى له البرءُ حيناً
علة أعيت الدواء وحارت
وبلائي من منكر لست أدري
جعضري معلهج يقتفيني
صوصري هِلْباجة ذا عوارٍ

 

رب سعد يجره ذو شقاء
غير فضلي وهمتي وحيائي
كنت كالشمس في ظهور خفاء
ـل وأسمو له على نظرائي؟
وبعين اللئام مثل القذاء
لآلي قلائدي وثنائي
وصفاتي وسائري وورائي
عزة النفس أن أموت بدائي
شوطهم في الكمال دون خطائي
نع قَدَّمت جانب الإقتضاء
ـم، وفي الأرض مذهبٌ والفضاء
إذا كان غرة في الثناء
وإلا فالدار دار الفناء
ـر مداجاة الحرّ لابن الخناء
باحتمال الأذى من السفهاء
ق كفى في البيان نصح الاباء
ودليل الآباء في الأبناء
غير داء المجنون() والحمقاء
عن كثير الأساة والحكماء
بحلال نزوعه أم زناء
بضروب من الكلام الهزاء
للمخازي يجيب قبل البداء

 وأقتصرُ على هذا القدر من القصيدة لأن في آخرها إقذاعاً.

ومن آل العليف أحمد بن الحسين() هذا، وهو الشهاب البدري المكي، مولده في جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين وثمانمائة بمكة.

قال السخاوي: وكان له شعر حسن، رأيت له في سنة تسعمائة قصيدة فحلة نحو سبعين بيتاً، وأوردها كلها في تاريخه، وأولها:

خذ جانب العليا ودع ما يُتركُ
واجعل سبيل الذل عنك بمعزل
وامنح مودتك الكرام فربَّما
وإذا بدت لك من عدو فرصةٌ
ودع الأماني للغبي فإنَّما
من يقتضي سبباً بغير عزيمة
تعست مدارات العدو فإنها
لا يدرك الغايات إلا من له

 

فرضى البرية غاية لا تدركُ
فالعز أحسن ما به يستمسكُ
عزَّ الكرام، وفات من يستدركُ
فافتك، فإن أخا العلا من يفتكُ
عقبى المنى للحرّ داءٌ منهكُ
ضلت مذاهبه وعز المدركُ
داء تحول به الجسوم وتوعكُ
في كل حي من عداه مسلكُ

 وهي طويلة إلا أن هذه القطعة تدل على ما ورائها.

قال الشيخ جار الله الحنفي في الذيل على الضوء اللامع: إن ابن العليف هذا توفي بمكة بعد طول مرض في يوم الثلاثاء في الساعة الرابعة منه، الثامن من ذي الحجة عام ست وعشرين وتسعمائة، وجهز في ظهره، ودفن بالمغلاه.

ومن آل العليف علي بن محمد بن الحسن بن عيسى اليمني ثم المكي، أخو البدر حسين الماضي ذكره، ويعرف بابن العليف، ولد في سنة ثمانين وسبعمائة تقريباً بحلي من اليمن، وقدم مع أبيه إلى مكة فقطنها وامتدح أهلها وأمراءها بما دل على فضله، فمن ذلك قصيدة أولها:

إن نام بعد فراق الحي إنساني

 

فما أقل مراعاتي وأنساني

 قلت: وما أشبه هذا بقول الإمام المطهر محمد بن سليمان عَلَيْه السَّلام:

على الأحبة إن لم تبك أجفاني

 

فما أقل الوفا مني وأجفاني

 وله قصيدة أخرى يمدح بها مقبلاً صاحب ينبع، وقد آوى إليه:

حملتني والمدح قود المهارى
يقول في مديحها:

 

وامتطينا نطوي عليها القفارا

يا أبا منجد عدتك الليالي
ما تمخضت بين فخذي لكاع

 

وتسقى بك العدو المزارا
من نزار، ولا رضعت الحوارا

 يعرض بمخدومه الشريف بركات بن حسن بن عجلان أمير مكة، فلما بلغه توعده فخاف وهرب إلى فارس، ثم إلى بغداد وخراسان، ثم الهند فأقام بها حتى مات سنة سبع وأربعين وثمانمائة، ومن العجب أنه قال عند مفارقته لمكة أبياتاً منها:

ولما رأيت العرب خانوا عن الوفا
فمات بالهند.

 

ومالوا عن المعروف صاحبت فارسا

والقصيدة التي في الإمام الناصر لدين الله صلاح الدين محمد بن علي بن محمد عَلَيْهم السَّلام التي أولها:

جادك الغيث من طلول بوالي
فقدت بيض أنسها فتساوى
قاسمتني وجدي بها فتساوى
يقول في مديحها:

 

كبروح من النجوم خوالي
بيض أيامها وسود الليالي
حالها بعد من أحب وحالي

وترى الأرض إذ يهمّ بمغزى
قرأت سأل سائل بعذابٍ
قد نُسبت إلى علي بن محمد هذا.

 

هي في رعدة وفي زلزال
واقعٌ منه في سهول الجبال

وقد سبق كلام صاحب الضوء اللامع أنها لمحمد بن الحسن المتقدم ذكره.

وهذا آخر من أحبيت ذكر اسمه من بني العليف لاشتهار المتأخرين بعد الحسن الذي لقيه السيد الهادي بالبريد، وقد ذكر الجندي من متقدميهم في الشافعية أبو الحسن علي بن قاسم بن العليف بن هيس بن سليمان بن عمرو بن نافع الشراحيلي الحكمي من ساكني حرض، قدم زبيد بعد أن تفقه بقرية السويراء على إبراهيم بن زكريا، ودخل مدينة ذي أشرق وانتفع به فقهاء الشافعية، والله أعلم.

1146- الشريف الرضي : محمد بن الحسين() [359 - 406هـ]

السيد الذي هو فلك الفضل الدوار، ونور شمسه وزبرقانه النوار، صاحب الحسبين، مفخر أبناء الحسنين، فريدة التقصار، وزينة الأعصار والأمصار، المشهور بالشريف الرضي أبو الحسن محمد بن أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق عَلَيْهم السَّلام، نسب عالي الأنساب وحسب فائق الأحساب، فما أغناه عن التطويل في الترجمة والإسهاب.

وإذا استقام الشيء قام بذاته

 

وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا

 غير أنه ذكر نعمان() فلا غنية بالدفاتر عن شرف ذكره، وقد ترجم له القريب والبعيد والولي والعنيد، فما ذكروا غير ما يشنف المسامع، وشرفت() به المجامع.

قال الشريف ابن عنبة:

أما محمد بن أبي أحمد الحسن بن موسى الأبرش فهو الشريف الأجل الملقب بالرضي ذو الحسبين يكنى: أبا الحسن() نقيب النقباء ببغداد وهو ذو الفضائل الشائعة والمكارم الرائعة، كانت له هيبة وجلاله وفيه ورع وعفة وتقشف ومراعاة للأهل والعشيرة، ولّي نقابة الطالبيين مراراً، وكانت إليه إمارة الحاج والمظالم كان يتولى ذلك نيابة عن أبيه ذي المناقب، ثم تولى ذلك بعد وفاته مستقلاً وحجّ بالناس مرّات، وهو أوّل طالبي خلع() السواد وكان أحد علماء عصره قرأ على الأجلاء الأفاضل ؛ وله من التصانيف كتاب المتشابه في القرآن، وكتاب مجازاة الآثار النبوية، وكتاب نهج البلاغة، وكتاب تلخيص البيان() عن مجازات القرآن، وكتاب الخصائص، وكتاب سيرة والده الطاهر، وكتاب انتخاب شعر ابن حجاج سماه: الحسن من شعر الحسين، وكتاب أخبار قضاة بغداد، وكتاب رسائله ثلاثة مجلدات، وكتاب ديوان شعره، وهو مشهور.

قال الشيخ أبو الحسن العمري : شاهدت مجلداً في تفسير القرآن منسوباً إليه مليح حسن يكون بالقياس في كبر تفسير أبي جعفر الطوسي أو أكبر.

وشعره مشهور، وهو أشعر قريش، وكان لا يقبل من أحد شيئاً، حكى أبو إسحاق محمد بن إبراهيم بن هلال الصابي الكاتب قال: كنت عند الوزير أبي محمد ذات يوم فدخل الحاجب واستأذن للشريف الرضي()، وكان الوزير قد ابتدأ بكتابة رقعة فألقاها ؛ وقام كالمندهش حتى استقبله من دهليز الدار وأخذ بيده وأعظمه وأجلسه في دسته، ثم جلس بين يديه متواضعاً وأقبل عليه بمجامعه، فلما خرج الرضي خرج معه وشيّعه إلى الباب ثم رجع، فلما خف المجلس قلت: أيأذن لي الوزير أعزه الله تعالى أن أساله عن شيء؟

قال: نعم ، وكأني بك تسأل عن زيادتي في إعظام الرضي على أخيه المرتضى والمرتضى أسن منه وأعلم ؟

قلت: نعم أيد الله الوزير.

فقال: اعلم إنّا أمرنا بحفر النهر الفلاني وللشريف المرتضى على ذلك النهر ضيعة فتوجه عليه من ذلك قدر ستة عشر درهماً أو نحو ذلك فكاتبني بعدّة رقاع يسأل في تخفيف ذلك المقدار عنه، وأما أخوه الرضي فبلغني ذات يوم أنّه ولد له غلام فأرسلت إليه بطبق فيه ألف دينار فردّه وقال: قد علم الوزير أني لا أقبل من أحد شيئاً. فرددته إليه وقلت: إني إنّما أرسلته للقوابل. فردّه ثانية وقال: قد علم الوزير أن نساءنا عربية. فرددته إليه وقلت : يفرّقه الشريف على تلامذته من طلاب العلم. فلما جاء الطبق وحوله طلاب العلم، قال: هاهم حضور، فليأخذ كل واحد ما يريد.

فقام رجل وأخذ ديناراً فقرض من جانبه قطعة فأمسكها ورد الدينار إلى الطبق، فسأله الشريف عن ذلك فقال: احتجت إلى دهن السراج ليلة ولم يكن الخازن حاضراً فاقترضت من فلان البقال دهناً فأخذت هذه القطعة لأدفعها إليه عوض دهنه، وكان طلبة العلم الملازمون للشريف الرضي في دار قد اتخذها لهم سماها: دار العلم وعيّن لهم جميع ما يحتاجون إليه، فلما سمع الرضي ذلك أمر في الحال أن يتخذ للخزانة مفاتيح بعدد الطلبة ويُدفع إلى كل واحد منهم مفتاح ليأخذ ما يحتاج إليه ولا ينتظر خازناً يعطيه، ورد الطبق على هذه الصورة فكيف لا أعظم من هذا حاله.

وكان الرضي مترشحاً للخلافة، وكان أبو إسحاق الصابي يطمّعه فيها ويزعم أن طالعه كان يدل على ذلك، وله في ذلك شعر أرسله إليه ؛ ووجدت في بعض الكتب أن الرضي كان زيدي المذهب وأنّه كان يرى أنه أحق قريش بالإمامة().

انتهى ما أردت نقله من كلام ابن عنبة.

وذكر السيد النسابة أبو فضيل منكراً محمد بن أبي الفتوح الأوسط بن أبي اليمن سليمان بن تاج الملة الشهير بصدر العالم رحمه الله تعالى في كتاب النفحة العنبرية في أنساب خير البرية ؛ الذي صنفه لمحمد بن الناصر أحمد بن المتوكل على الله المطهر بن يحيى بن المرتضى بن المطهر بن القاسم بن المطهر بن علي بن الناصر لدين الله أحمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عَلَيْهم السَّلام، وهو كتاب حسن في بابه، ذكر فيه ما نصه:

قال ابن مهنى: وجدت في بعض الكتب أن الرضي هذا كان زيدي المذهب، وأنه كان يرى أنه أحق قريش بالإمامة . وقد ذكر الإمام المنصور بالله في جوابه الشافي الذي أجاب به أبا القبائل عبد الرحمن بن منصور الأشعري كلاماً معناه: أن الشريف الرضي كان فريد وقته، ونسيج وحده، وكان من خلصان الزيدية، ومثل هذا ذكره الحاكم في العيون.

قال السيد العلامة أحمد بن عبد الله الوزير رحمه الله: ويدل على ذلك أشعاره.

قلت: من ذلك ما أنشده ابن عنبة في ترجمته شعرا:

هذا أمير المؤمنين محمَّد
أوما كفاك بأن أمك فاطم

 

طابت أرومته وطاب المحتدُ
وأبوك حيدرة وجدك أحمدُ

 قال ابن عنبة: وأشعاره مشحونة بذلك، ومدح القادر بالله فقال في تلك القصيدة:

ما بيننا يوم الفخار تفاوت
إلا الخلافة قدَّمتك وإنني

 

الكل منا في المفاخر معرقُ
أنا عاطل منها وأنت مطوقُ

 قال له القادر بالله : على رغم أنف الشريف!

قلت: هكذا قال هؤلاء الكملة()، وأفادنيه بعض شيوخي عن غير هؤلاء فاستشكلت الأبيات التي تروى حين نقله أبو عبد الله الداعي في النقابة، فإن فيها:

لو لم أقل بالنص في مذهبي
لقلت قد قام إمام الهدى

 

وكنت كالصارم من خيله()
فاجتمع العالم في ظلّه

 فأجابني بعض شيوخي الحفاظ أدام الله عزه بأنه قد بحث على هذا فلم تكن هذه للشريف الرضي بعد البحث، وأقام رَضِيَ الله عَنْه على ذلك دليلاً.

مولد الشريف سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.

وتوفي يوم الأحد السادس من محرم سنة ست وأربعمائة ؛ ودفن في داره، ثم نقل إلى مشهد الحسين عَلَيْه السَّلام بكربلاء فدفن عند أبيه، وقبره ظاهر معروف ؛ ولما توفي جزع المرتضى جزعاً شديداً لا أبلغ منه إلى أنه لم يتمكن من الصلاة عليه، ورثاه هو وغيره من شعراء زمانه.

وأمه وأم أخيه المرتضى فاطمة بنت أبي محمد الناصر الصغير، يعرف بناصرك بزيادة الكاف ومعنى هذه الكاف التصغير في لسان العجم، والناصر الصغير هو ابن أبي الحسين أحمد بن الإمام الأعظم أمير المؤمنين أبي محمد الأطروش الماضي ذكره.

ولهما ولها الكرامة المذكورة التي حكاها السيرافي، وذلك أنه رأى أن فاطمة بنت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم جاءت إليه بالحسن والحسين تقربهما، فكان في الغد وجاءت فاطمة بنت أبي محمد بالشريفين على صفة ما رآه ليلاً.

ولم نشتغل بإنشاد شيء من شعره وشعر أمثاله، ممن شعره أشهر من نار على علم إلا ما دعت إليه ضرورة حال، انتهى.

1147- محمد بن الحسين بن محمد المحرابي [... - نحو 1059هـ]

السيد العلامة المتعبد الزاهد بدر الدين محمد بن الحسين بن محمد المحرابي.

رحمه الله تعالى.

كان سيداً فاضلاً، صالحاً مطلعاً، له إشراف كامل على العلوم بطريق المطالعة والقراءة على الشيوخ، إلا أن سعة حفظه على() المطالعة، وكان متكففاً متعففاً لم يخرج من بلده المحراب إلا لزيارة الأئمة بشهارة، وكان يأكل من نذره().

ووالده رحمه الله تعالى سيد فاضل أكبر من ولده قراءة سيما في أصول الدين إلا أن حظه في الحفظ قليل رحمه الله تعالى.

وفاة السيد محمد فيما أظنه في أفراد عشر الخمسين وألف في أواخر سنيها، وهذا تقريب لا تحقيق.

1148- محمد بن الحسين بن القاسم() [... - 1067هـ]

السيد السري الهمام العالم الأديب قائد الجنود عطر الأخلاق محمد بن الحسين بن أمير المؤمنين المنصور بالله القاسم بن محمد سلام الله عليهم.

عالم ابن عالم ابن عالم.

كان من أهل الأدب ورعاته، مطلعاً على مقاصد الأدباء ومناهجهم، ومع ذلك فهو مكين في علوم الأدوات، تعاطى الاستنباط والتكلم في المسائل عن نظره من غير متابعة وذلك في آخر أمره ، واشتغل بشرح آيات الأحكام التي جمعها السيد المحدث الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير، وعددها مائتان آية ونيف وعشرون آية ففسرها واستنبط منها وأظهر عجائب من علمه، وخرج الأحاديث من أمهاتها، وكان من أعيان الدولة المتوكلية من وجوه سادات أهلها في البسطة منهم، وكان بعد موت والده مقيماً بالبستان() غربي صنعاء، يحف به فقهاء وجماعة من الجند .

ولما اختار الله للإمام المؤيد بالله جواره وحصل ما حصل من الاختلاف، قصد حضرة والده المتوكل على الله من البستان() إلى محروس ضوران، وكانت طريقه على أعشار وهي طريقة مسلوكة فأنسه الإمام وأنزله منزلته التي يستحقها، ثم وجهه إلى خدار للقاء العساكر الخارجة من صنعاء من جانب مولانا شمس الإسلام أحمد بن أمير المؤمنين رحمه الله، فاتفقت حروب في خدار، وما زالت الحروب مماسية مصابحة للفريقين حتى طلع مولانا سيف الإسلام أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين من ذمار لحصار صنعاء، فاجتمعا لذلك ثم نفذ إلى ثلا واتفق تسليم مولانا صفي الدين بثلا والأمير الجليل الناصر بن عبد الرب، ثم عاد مكرماً وارتفعت حاله وعلت كلمته، واجتمعت له جنود مثل جنود أبيه، وولي أصقاعاً كثيرة عن أمر إمامه وأبيه عَلَيْهم السَّلام، ثم توجه في جنده مع صنوه سيف الإسلام أحمد بن الحسن إلى نجد السلف لقتال سلاطين المشرق، واقتضت تهيئة الحرب وتعبيئته جعله من جانب مفرد فقضي الأمر، وكان النصر الذي لم يعهد مثله، في ساعة من نهار ذهبت سلاطين المشرق على كثرتهم ونجدتهم بين قتيل وأسير في لمحة الطرف، فلم يصل إلا وقد انجلت المعركة عن الفتح والنصر، فلم يزل حريصاً على أن يظفر بمثلها، فكان في يافع ما كان من الحرب ؛ لأنهم لم يسلموا يومئذ تسليم طاعة، فاجتمعوا وطلع وتلاه مولانا صفي الإسلام وصنوه عز الإسلام محمد (بن أحمد)() بن أمير المؤمنين وهو أحد أقطاب الحرب في نجد السلف وأبلى بلاء حسناً، فطلعوا جبل يافع وتم النصر بإذن الله وفضله()، واستراح قلب مولانا محمد بن الحسين بظفره بنصيب وافر، وعاد هو والمولى سيف الإسلام مرة أخرى إلى هنالك، وكان النصر المبين.

والتفت في آخر عمره() إلى العلم إلتفات أمثاله وكانت الشيوخ تفد إليه إلى منزله واجتمع له من الكتب ما لا يجتمع إلا للعلماء السلاطين، أخبرني في أوساط المدة بل هو أقرب إلى إقبال الكتب عليه إلى أنه يملك من دواوين الشعر مائة كتاب وخمسين كتاباً، وما جاء الكثير إلا من بعد.

توفي بعد عصر الجمعة ثامن شهر شوال سنة سبع وستين و ألف، ودفن بالتربة المشهورة بالبستان بباب صنعاء الغربي.

وبجواره فيها السيد العلامة أحمد بن علي الشامي رحمه الله، وعمه السيد عماد الدين يحيى بن أمير المؤمنين المنصور بالله رَضِيَ الله عَنْهم.

ويحيى بن أمير المؤمنين() هذا.

كان سيداً قد تأهل للرئاسة، وتولى أموراً نيابة عن أخيه الحسين بن أمير المؤمنين، وكانت له مكارم، ومات في ريعان الشباب في عام مات فيه صنوه نجم آل الرسول يوسف بن أمير المؤمنين المنصور بالله، توفي بالحمى ودفن هنالك هو والسيد الرئيس الشهيد الهادي بن علي الشامي أظنهما في تابوت واحد.

وكان يوسف() هذا من كملة أهله، ووجوه آل محمد، من أهل مكارم الأخلاق باسماً ومع ذلك فكان يزاحم اخوته الثلاثة في الصلاحية والرتب العلية ومكافحة الأعداء، وكان محبباً إلى الأمة المحمدية، ولعل ذلك سر محبة والده له، فإنه كان عنده يوسف اخوته وكمّله الله في الخلق اليوسفي.

ومات في عام موتهما السيد النجيب الفارس الهمام الحسن() بن الشهيد علي بن أمير المؤمنين، وكان سيداً تلوح عليه أشعة الرئاسة يحب المعالي، وتمكن من ركوب الخيل تمكناً عجيباً فيه يضرب المثل، وتوفي بضوران، وقبر في المقبرة التي تأخذ من جانب القبلة إلى جانب الغرب عن مدينة الحصين.

وكان يوسف حقيقياً بإفراد ترجمة أعاد الله من بركتهم الجميع.

وكان موتهم في وقت متقارب في حدود سنة خمس وأربعين وألف أو قبلها بعام لم يحضرني ما اعتمده.

وفي هذا المعنى كتب علامة اليمن أحنف الحلم مولانا الحسين بن أمير المؤمنين عادت بركته إلى أخيه شيخ آل الرسول، وسيد أبناء البتول، وإمام الأمة وأمانها مما يهول ويصول المتوكل على الله إسماعيل بن المنصور بالله أعلا الله شأنه، ورفع مكانه، وأمضى على كل سلطان سلطانه، هذا الشعر رحمهم الله جميعاً:

سادة عوجلوا() بكأس المنايا
من فقيدين() سيدين بصنعا
ثم من بالحمى أجل فقيد
يا لها أوجهاً غدت في لحود
ما رعى الموت في علاهم ذماما
أودع القلب فقدها نار حرٍّ

 

عجباً ما أمرَّ كأس المنيّة
وبضوران قبل نفس زكية
يوسف ذو المحاسن اليوسفية
كالنجوم التي تضيء بهية
للمعالي وللخلال السنيَّة
ضاعف الله أجرها من رزيَّة

 

 1149- محمد بن الحسين الأصفهاني() [... - 665هـ]

العلامة المحقق الراسخ الحجة بدر الدين محمد بن الحسين الأصفهاني رحمه الله كان من عيون العلماء محدثاً، قرأ عليه الفقيه المجتهد يوسف بن أحمد() رحمه الله تعالى تيسير المطالب، وهو أحد تلامذة شعلة، وسّع الله في أيامه حتى لحق به الكملاء.

1150- محمد بن حمزة بن المظفر() [... - 808هـ]

إمام المفسرين الحافظ شيخ الأئمة إنسان العلماء وقدوتهم محمد بن حمزة بن المظفر.  

رحمه الله . ترجم له الإمام عز الدين بن الحسن عَلَيْهما السَّلام، ومحمد بن أحمد بن المظفر، وابن فند وغيرهم، واتفق الفضلاء على فضله، ورجع إليه المحققون، وصنف في أنواع العلوم، ومن عجيب تأليفاته : كتاب (البرهان) يشتمل على عشرين علماً أحدها التفسير، وفيه: الأصول، والكلام، والفقه، والفرائض، والحديث، واللغة، والتصريف والنحو، والمعاني، واليبان، والبديع، وسيرة النبي صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم، وابتداء الخلق، والطب، والنجوم، والمنطق، والعروض، والرمل، والسحر.

قلت: يذكر أحكامه وخواصه أعني السحر ليتمكن من حله، وإبطال مكر أهله،

علمت الشر لا للشـ
وهو من مهمات الإسلام.

 

ـر ولكن لتوقيه

وللعلامة أحمد الشامي في هذا القاضي خمس قصائد منها:

يا حبذا قاضياً شاعت فضائله

 

في الشرق والغرب والشامات واليمن

 قال المقرائي رحمه الله: له كتاب تأليف في جميع الفنون.

قلت: وله (المنهاج)() وغيره كـ(شرح الطاهرية) وغيره مما لم آت عليه.

وتوفي بصعدة المحروسة، ودفن قرب الجبان الذي يصلى فيه العيد شامي صعدة في تاريخ .....().

وذكر الإمام عز الدين بن الحسن أنه ممن حضر عقد إمامة الإمام الجليل علي بن المؤيد، وذكره في رسالةٍ له محتجاً بشيء من كلامه، لما ذكر السيد الخطأ اعتراضاً على الإمام في إعطائه لأهل الطبول عطايا سنية، وأنهم لا يستحقون ذلك فذكر في الرسالة علوماً، ومن جملتها أن القاضي هذا لما عقدوا عقد الإمام الهادي لدين الله علي بن المؤيد وانتظم الأمر واجتمعت الجماعة ولزمت الحجة والعقد الوثيق ، قال القاضي: لا أنفصل عن الحضرة إلا وقد سمعت الطبول تضرب ؛ لأنها شعار كامل وبها علو الكلمة، ودفع هامات المفسدين، فلما ضربت انفصل عن الحضرة رحمه الله تعالى.

1151- محمد بن حمزة بن إسماعيل العلوي () [... - 533هـ]

ومن (مرآة الزمان) أيضاً محمد بن حمزة بن إسماعيل بن الحسن بن علي بن الحسين بن الحسن أبو المناقب الحسني العلوي ، من أهل همذان، رحل إلى البلاد وكتب الحديث الكثير، وسمع وجمع، وكان يروي عن جده علي بن الحسين أشعار حسنة منها:

وما لك من دنياك إلا بُلَيْغَة
وما دونها مما جمعت فإنّه
توفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.

 

ترجي بها يوماً وتقضي بها ليلا
لزيد وعمرو أو لأختهما ليلى

1152- محمد بن حميد الزيدي() [... - 520هـ تقريباً]

شحاك الملحدين وأوحد() الموحدين ولسان المتكلمين محمد بن حميد الزيدي .

رحمه الله: هو العالم الكبير، والخضم الزاخر الغزير، كان بحراً من البحار، مطلعاً على العلوم، مستقيم الطريقة مع اعوجاج أهل زمنه بالتطريف، فكان شجى في حلوقهم، وكانت له الغلبة، فما زالت المطرفية تفتري عليه وتقلل كثير() مدحه، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، وأعظم ما قالوا فيه: أنه تصدر في المجالس وتقدم في الكلام وأجلته السلاطين آل() القبيب، وأنه كتب بخطه علوماً من علوم الأوائل .

وقد علمت أن الذي ذكروه من خلطة السلاطين له وجوه ربما وجب ذلك، والمسألة مسألة خلاف بين العلماء رحمهم الله يعني مع عدم المقتضى فأجازها أقوام من العترة، ومنعها الرسيّون عَلَيْهم السَّلام كما حقق ذلك الأمير الحسين في المسائل العقيانية()، وحققه عمران في رسالة له، وأما مع ظهور المصلحة ورجاء النفع فيجب على العلماء ذلك، والأعمال بالنيات.

وأما ما كتبه بخطه فالذي عابوه به لم يعينوا أي شيء هو، وقد زعموا أن مذهب البهشمية والجبائية من علوم الفلاسفة، وسطروا ذلك في أوراقهم، ولذلك وغيره قتلهم الأئمة واستباحوا أموالهم.

ولمحمد بن حميد هذا أرجوزة في ثلب التطريف منها ذم رجال المطرفية، وتكذيبهم في التقول عليه، وكان من المتقولين الآفكين عليه رجلان بمدينة شبام جدليان متكلمان منهم، يقال لأحدهما مبارك الذربان والآخر حسين السراج، وكان منهم شيخ القوم إبراهيم بن أبي الهيثم، فعرّض ابن حميد بصاحبي شبام بقوله:

ومرجف يرجف في شبام

 

يقول للأوباش والطغام

 

ابن حميد عندنا إمامي

 

 وضمن الأرجوزة قول() المؤيد أبي نصر هبة الله بن موسى الرازي الداعي، كان على عهد المنتصر بالله:

يا قوم إنا منهم براءُ

 

هم واليهود عندنا سواءُ

 وعرض بابن أبي الهيثم وقد كان ابن أبي الهيثم يومئذ نزل بمدر من أعمال المشرق بعد خروجه من سناع() هو وجماعته قبل عمارة وقش، فقال معرضاً به:

ومرجف يرجف في سوق مدرْ

 

ما بين ذيبان وما بين عذرْ

 

حجته مخْلاتُه إذا افتخر

 

 وهذه الأرجوزة فائقة، وقد أجابها من المطرفية أبو السعود بن زيد وهو بليغ في الغاية، ثم قامت الزيدية بعد ذلك مجيبة عن أبي السعود، وتكلموا بما ينتصر به ابن حميد رحمه الله، منهم إسماعيل بن عُلا() وجماعات، وقد ذكرنا بعض أرجوزة أبي السعود فيما تقدم، وذكرنا أوائل أرجوزة إسماعيل بن علاء، (ومنها أعني من أرجوزة ابن علا)():

قالت وقد أتت بنو القرية
ليست رجال مذحج السنية
ومنها :

وقلتم لم ينعقد نكاح
زنّيتم ويحكم النبيا

 

خلّوا الطريق أنها عنسية
تدخل في مذاهب الطبعية

إن صح ذا فأنتم سفاح
وحمزة والمرتضى عليّا

 

إلى قوله:

إياهم قد أشركوا مليا

 

وقلتمُ ليس لعاصٍ ملك
توحيده وقت المعاصي شرك
إلى قوله :

وقلتم لا يسمع القرآن
وقلتم الموت المتاح المبرَمُ
سودا وصفرا() قلتم وبلغمُ
إلى قوله :

روى لنا أن صبيّاً ماتا
فقال شيخ حضر الوفاةَ

 

ولا له من بردتيهِ سلكُ
ليست تقول ذا المقال الترك

وهو إلى العالم ترجمان
من الطباع والغذاء والدمُ
ليست من الله عليهم تحتمُ

في ريدة وجاور الأمواتا
وحمل المشعل والمخلاةَ

 

لو أحكمته أمه ما ماتا

 

 وهي طويلة، والمراد ذكر أحوال محمد بن حميد رحمه الله ؛ فإنه كان إنساناً كاملاً فاضلاً، مطلعاً نبيهاً، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، متكلماً على أعداء الله بالحجج النيرات، واستقر آخر أمره بمشرق() حاشد على العبادة والنسك .

وكان يقال: لو صلح أحد للإمامة من غير أبناء فاطمة الزهراء صلح لها محمد بن حميد، وكان ينشد رحمه الله كثيراً:

وللفتى في نفسه إذا عقل

 

شغل بها عن غيرها إذا اشتغل

 

في الاعتقاد والمعاش والعمل

 

 1153- محمد بن خليفة بن سالم الهمداني() [... - 675هـ]

العلامة المجتهد أستاذ العلماء كعبة الطالبين أبو عبد الله محمد بن خليفة بن سالم بن محمد() بن يعقوب بن القاسم بن يعقوب الهمداني رحمه الله.

علامة مفيد رحلة تخرج عليه الناس بمدرسة حوث، ونبل له() الفضلاء، وعنه أخذ الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة عَلَيْه السَّلام، والأمير الكامل إدريس بن علي بن عبد الله الحمزي، والفقيه المحقق المطلع سليمان بن أحمد بن أبي الرجال، وجمعه() والأمير إدريس في إجازة واحدة.

قال الجندي في تاريخه: كان ابن خليفة فقيهاً كبيراً متورعاً، ما قرأ عليه أحد إلا انتفع، وربما بلغ رتبة الاجتهاد أو قريباً منه، يلبس الثياب الفاخرة ويقول: قصدي تعظيم العلم وله ولد عالم اسمه عبد الله ورع زاهد رد على ابن جبر() وأفتى بجوازه() وحل قتاله هكذا فيما نقلته من منقول من كتاب الجندي، ثم نظّرته فيه لأتحقق قوله في أمر عبد الله ولده أنه رد على ابن جبر() إلى آخره، فوجدته هكذا، ولعل قوله: أفتى بجوازه أي بجواز الرد على ابن جبر()، وأظن فيما اطلعت من المنقول والأصل غلط.

قال السيد الصارم : إنه اطلع على خط ابن خليفة وفيه جودة وحسن.

قلت: وخالط الإمام المهدي لدين الله، ونُقل عنه التجرم من ولاته() عَلَيْه السَّلام وقت القراءة، وقال: ما أنكر أن في أهل ولاياتي() من العمال ما لا يوافق الصواب، واتفق بالإمام في ذروة() الحصن المشهور ونقل عنه أن الإمام يومئذ كان جنح إلى ترك الأمر، والله أعلم.

1154- محمد بن داود بن القاسم [... - ق 9هـ]

السيد الفاضل العلامة الكامل بدر الدين محمد بن داود بن القاسم بن صلاح بن أحمد بن صلاح بن أحمد بن علي بن يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى عَلَيْهم السَّلام.

قال الأمير صلاح بن الجلال رحمه الله: هو من فضلاء السادة في عصرنا، وأهل الديانة والورع والذكر.

قلت: وذكر السيد الأمير صلاح الدين أن والده داود كان من فضلاء السادة وكرمائهم. قال: حتى بلغني أنه أُوصى بوصية لأفضل آل يحيى بن يحيى، فأمر الإمام علي بن المؤيد بصرفها إليه.

1155- محمد بن داود النهمي() [... - ق 9هـ]

الفقيه الشيخ المحقق أستاذ المحققين محمد بن داود النهمي رحمه الله تعالى.

ذكره في النـزهة، وذكر أن أستاذه هو الشيخ العالم الكبير إسماعيل بن عطية، ومن تلامذته السيد ابن أبي العطايا رحمهم الله تعالى.

1156- محمد بن داود الحيي() [... - ق 10هـ]

الفقيه المحقق الكامل الناسك محمد بن داود الحيي رحمه الله تعالى.

رأس العلماء ، صاحب الفنون، كان من فضلاء زمانه ونبلاء أوانه، لقي() الإمام عز الدين بن الحسن ، وأحسبه أضاف الإمام في رحلته المشهورة، وكان وحيداً في علم الكلام والفقه والعربية، وأثنى عليه الإمام الهادي عز الدين بن الحسن عَلَيْهم السَّلام، وقبره بعرثومان بقبة مشهورة هنالك، وله عقب فيها.

1157- محمد بن ذعفان الصنعاني() [... - ق 7هـ]

الشيخ() البليغ اللسان مناصر الحق ومعاضده محمد بن ذعفان الصنعاني .

رحمه الله تعالى . هو من آل أبي عمرو الذين كانوا أهل البلاغة والمكانة في الفضل بصنعاء، منهم أبو فراس بن دعثم وغيره .

وكان محمد شاعراً مجيداً، محمود المقاصد، وله في الإمام المنصور بالله عَلَيْه السَّلام فرائد من الشعر، من ذلك قوله يوم فتح صنعاء:

همم الخطير جليلة الأخطار
وتفاضل العزمات في أربابها
والناس مشتبهو الذوات وإنّما
إن اليواقيت الثمينة لم تكن
جاء ابن حمزة في القيام بمعجز
وأتى ابن بنت محمدٍ كمحمد
كنا عن المنصور نرجو مخبراً

 

محمودة الإيراد والإصدار
تجري بحسب تفاضل الأقدار
ليس المعادن كلها بنضار
مما يقاس بسائر الأحجار
من جنس معجز جده المختار
ما أشبه الآثار بالآثار
حتى بدا يغني عن الأخبار

 وهي طويلة، وله قصائد منتخبات أعاد الله من بركته.

1158- محمد بن زياد الماربي() [... - نحو 495هـ]

الشيخ البليغ فخر اليمن إنسان البلاغة والعلوم محمد بن زياد الماربي الزيدي رحمه الله، كان عالماً فصيحاً، جيد النظم يزاحم أبا تمام وأضرابه .

ذكره عمارة وغيره، قرأ العربية وأتقن على العلامتين ابني أبي رزين علي وموسى ابني أحمد وكانا عالمين في العلوم مقدمين في العربية، تشد إليهما الرحال، إلاّ أنهما نُسب إليهما التطريف ففاتتهما الوساطة في الشرف، ولولا ذلك لكانا من مفاخر العصابة، وهما من آل أبي رزين ونسبهم في الأزد فمنهم من سكن صعدة ومنهم من سكن صنعاء وشبام، وأحسب أن نسبهم إلى رزين() السابق ذكره، فصحبهما الماربي وغيره من أفاضل النحاة باليمن كإسماعيل بن علي بن عبد الله الأبار ؛ وكان إسماعيل هذا صاحب أدب وفصاحة، وخط جيد، وشعر حسن وكان قد تعبد مع المطرفية، ثم ولع بمدح الأصلوح والزواحيين وابن وائل الكلاعي وسلاطين الجند وغيرهم، وتظاهر بشرب الخمور، وله أخبار ونوادر لأنه كان سريع البادرة وحيّ النادرة، ولما ولع بهذه النقائص زهد شيخه ابن أبي رزين في التدريس لعلوم العربية، فاحتاج الناس إلى الرحلة من اليمن إلى مصر، فرحل سليمان بن يحيى بن عبد الله البحيري إلى أبي بكر محمد بن عبد الملك الشنتريني.

ولم يزل الماربي مقدماً يتنافس فيه الملوك ويتردد بديار اليمن، وكانت تأتيه الجوائز ألوفاً من الذهب ويفرقها، فإنه كان متلافاً، وهو أحد شيوخ الشريف عُلَي بن عيسى كما قيل، وكان منقطعاً إلى والده عيسى بن حمزة بن وهاس الحسني، فأحسن إليه ورفع منـزلته حتى اشتد حب الماربي له، فلما قتله أخوه يحيى بن حمزة قال الماربي فيه القصيدة النونية السائرة التي أولها:

خنْتَ المودّة وهي ألأم خطّةً
يا طفّ (عثّر) أنت طف آخرٌ
قد كان يشفي بعض ما بي من جوى
هيهات إن يد الحمام قصيرة
أبلغ بني حسن وإن فارقتهم
إني وفيت بعهد عيسى بعده

 

وسلوت عن عيسى بن ذي المجدين
يا يوم عيسى ؛ أنت يوم حسين
لو طاح يوم الروع في الخيلين
لو هزّ مطرد الكعوب رُدَيني
لا عن قلى وحللت باليمنين
لا.. لو وفيت قلعت أسود عيني

 ولشدة جزعه على عيسى رحمه الله كان نذر أن لا يرى الدنيا إلا بعين واحدة، فغطى أحد عينيه إلى أن مات، فقال قرب موته [من الكامل]:

قَرّتْ عيون الشامتين وأسخنت

 

عيني على من كان قُرّة عيني

 فانتهى هذا الشعر إلى يحيى بن حمزة قاتل عيسى، فغضب وقال : جلّدني الله جلدة الماربي لأسفكن دمه، فقال الماربي [من البسيط]:

نبئت أنك قد أقسمت مجتهداً
ولو تجلّدت جلدي ما غدرت ولا

 

لتسفكن على حُر الوفاء دمي
أصبحت ألأم من يمشي على قدم

 قلت: وسبب قتل يحيى بن حمزة لأخيه عيسى والد الشريف عُلَي رَضِيَ الله عَنْه أن الغز أخذت الشريف يحيى بن حمزة بن وهاس الحسني أسيراً إلى العراق، وبقي بعده أخوه أميراً في البلاد حرض وما يليها، فبذل عيسى الأموال لفكاك يحيى حتى افتك من العراق، ورجع وأعمل الحيلة في قتل أخيه.

وعثّر المذكور في الشعر، بالعين المهملة بعدها ثاء مثلثة مشددة : موضع باليمن، والماربي بالراء المهملة نسبة إلى مأرب شرقي صنعاء .

ومن شعر الماربي [من الخفيف]:

ما لقينا من الظباء العواطي
هجَّنتْ بالبدور والدر والور

 

خافقات القرون والأقراط
رِ، وازرت بالرمل والأخواط

 ومن شعره يمدح أبا السعود بن زريع [من الكامل]:

يا ناظري قل لي تراه كما هوَه
ما إن بصرت بزاخرٍ في شامخ

 

إني لأحسبه تقمّص لؤلؤه
حتى رأيتك جالساً في الدملؤه

 1159- محمد بن زيد الداعي صاحب طبرستان() [... - 287هـ]

سلطان آل محمد الكبير الداعي إلى الله الأخير محمد بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عَلَيْهم السَّلام : هو أخو الداعي الكبير الحسن بن زيد، ويسمى الحسن الداعي الأول، والحسن لم أكتب ترجمته لظني حين مررت على موضع رقمه أنه تسمي بالإمامة، والظاهر أنهما قاما ناصرين للحق ومقامهما شهير، بل افتخر السيد العلامة الهادي بن إبراهيم في دامغة دامغة الدامغة بملكهما وسلطانهما، وهو كذلك. وللحسن بن زيد تأليفات في المذهب(): منها (البيان)، ومنها (كتاب الجامع) في الفقه، و(كتاب الحجة) في الإمامة.

ولما مات استولى على الأمر محمد هذا وعارضه بعض العلويين بطبرستان، فزحف إليه محمد بن زيد من جرجان سنة إحدى وسبعين فقتل العلوي وملك طبرستان وأقام بها سبع عشرة سنة وسبعة أشهر، وكان أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني() الكاتب المعتزلي المفسر اللغوي البحري يكتب له ويتولى أمره، واستولى على تلك الديار حتى خطب له رافع بن هرثمة بنيسابور أياماً، ثم قتله محمد بن هارون صاحب إسماعيل بن أحمد الساماني على باب جرجان وحُمِل رأسه إلى مرو مع ابنه زيد بن محمد بن زيد. وزيد المذكور في الأسر()، ثم حمل من هنالك إلى بخارى، ودفن بدنه بجرجان عند قبر الديباج محمد بن جعفر الصادق. وكان محمد هذا كثير الفضل والإفضال، جليل القدر، ذا جود وشجاعة ومروة، قصدته العلماء والشعراء، وأنشده أبو المقاتل نصر بن نصير الحلواني الضرير يوم مهرجان قصيدة أولها:

لا تقل بشرى ولكن بشريان

 

غرة الداعي ويوم المهرجان()

 فأنكر عليه : لا تقل بشرى ! فقال أبو المقاتل : يا ابن رسول الله إن أفضل الكلم() لا إله إلا الله، وأوله لا، فاستحسن ذلك منه، وأحسن جائزته.

ويروى أن أبا المقاتل هذا أنشده أو أنشد أخاه، وفي بعض حواشي المطول أنه أنشد أخاه الحسن، وقد حكى ابن عنبة القولين معاً متشككاً.

 

موعد أحبابك بالفرقة غد

 

 فقال: بل أحبابك يا أعمى، ولك المثل السوء، ثم نهض من مجلسه.

وحكي أنه كان إذا اجتمع الخراج نظر ما في بيت المال من خراج السنة الماضية ففرقه في قبائل قريش، ثم في الأنصار والفقهاء وأهل القرآن وسائر طبقات الناس حتى لا يبقى منه درهم، فجلس في بعض السنين يفرق فبدأ ببني عبد مناف، فلما فرغ من بني هاشم دعا سائر بني عبد مناف، فقام رجل، فقال له محمد بن زيد الداعي: من أي بني عبد مناف أنت؟

فقال: من بني أمية.

قال: من أيها؟ فسكت، قال: لعلك من ولد معاوية؟

قال: نعم.

قال: من أي ولده أنت؟ فأمسك. فقال: لعلك من ولد يزيد؟

قال: نعم.

قال: بئس الاختيار اخترت لنفسك تقصد ولاية آل أبي طالب وعندك ثأرهم، قد كان لك مندوحة عنهم بالشام والعراق عند من يتولى جدك، ويحب برك()، فإن كنت جئت على جهل بهذا فما يكون بعد جهلك جهلا، وإن كنت جئت مستهزءاً بهم فقد خاطرت بنفسك.

قال: فنظر إليه العلويون نظراً شديداً فصاح بهم محمد وقال: كفوا عنه كأنكم تظنون أن في قتل هذا دركاً لثأر الحسين، أي جرم لهذا، إن الله عز وجل قد حرَّم أن تكلف نفس بغير ما اكتسبت، والله لا تعرَّض له أحد بسوء إلا قدته به، واسمعوا حديثاً أحدثكم به تكون لكم قدوة فيما تستأنفون: حدثني أبي عن أبيه قال: عُرض على المنصور جوهر فاخر وهو بمكة فعرفه وقال: هذا جوهر كان لهشام بن عبد الملك، وقد بلغني أنه عند ابنه محمد، ولم يبق منهم غيره، ثم قال للربيع: إذا كان غد وصليت بالناس في المسجد الحرام فاغلق الأبواب كلها ووكل() ثقاتك، ثم افتح باباً واحداً وقف عليه فلا يخرج إلا من تعرفه، ففعل الربيع ذلك وعلم محمد بن هشام أنه هو المطلوب، فتحيز وأقبل محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فرآه متحيزاً وهو لا يعرفه، فقال له: يا هذا أراك متحيزاً، فمن أنت؟

فقال: ولي الأمان؟ قال: لك الأمان، وأنت في ذمتي حتى أخلصك، قال: أنا محمد بن هشام بن عبد الملك، فمن أنت؟ قال: أنا محمد بن زيد بن علي.

فقال محمد: احتسبت نفسي إذاً.

فقال: لا بأس عليك يا ابن عم، فإنك لست بقاتل زيد ولا في قتلك درك بثأره، وأنا الآن بخلاصك أولى مني بإسلامك، ولكن تعذرني في مكروه أنالك به وقبيح أخاطبك به يكون فيه خلاصك.

فقال: أنت وذاك.

وطرح رداءه على رأسه ووجهه ولبته وأقبل يجره، فلما وقف على الربيع لطمه لطمات وقال: يا أبا الفضل إن هذا الخبيث جمّال من أهل الكوفة أكراني جماله ذاهباً وراجعاً، وقد هرب مني في هذا الوقت وأكرى بعض قواد الخراسانيين، ولي عليه بذلك بينة فضم إليه حرسيين فمضيا معه، فلما بعدوا عن المسجد قال له: يا خبيث تؤدي إليّ حقي؟

قال: نعم يا ابن رسول الله.

فقال للحرسين: انصرفا عنه، ثم أطلقه، فقبّل محمد بن هشام رأسه وقال: بأبي أنت وأمي، الله أعلم حيث يجعل رسالاته، ثم أخرج جوهراً له قيمة عظيمة فدفعه إليه وقال: تشرفني بقبول هذا؟

فقال: يا ابن عم، إنا أهل بيت لا نقبل على المعروف شيئاً، وقد تركت لك ما هو أعز وأعظم من هذا دم زيد بن علي عَلَيْه السَّلام، فانصرف راشداً، ووار شخصك حتى يرحل هذا الرجل فإنه مُجِدٌّ في طلبك.

قال: ثم أمر محمد بن زيد الداعي للأموي بمثلما أمر به لسائر بني عبد مناف، وأمر جماعة من مواليه أن يوصلوه إلى الري ويأتوا بكتابه في سلامته ووصوله إلى مقامه، فقام الأموي وقبل رأسه ومضى القوم معه حتى أوصلوه إلى مقامه، وجاءوا بكتابه إلى الداعي محمد بن زيد ، والله أعلم.

ولما قتل رحمه الله رثاه الناصر للحق عَلَيْه السَّلام وبكاه، وقد كان يظن بعض الناس أنه لا يبكيه، وإن في الصدر من الناصر عَلَيْه السَّلام حرج من سلطان محمد، وقد() كان يظهر من نفثات الناصر عَلَيْه السَّلام شيء من هذا، وولاه محمد بن زيد القضاء ثم أعفاه ولما مات ناح عليه نوح الحمام، وممن رثاه أبو الحسن علي بن أمير المؤمنين الحسن الناصر الأطروش، وأما قصائد الناصر() فغابت عني عند الرقم، وأما قصيدة ابنه فقد سبق لها ذكر في ترجمة ليلى بن النعمان، ولعلي وعدت بذكرها هنا، وهي [من المتقارب]:

نأت دار ليلى بسكانها
وعاقك من وصلها عائق
وقد كان يجمعنا للوصال
وعهدي بها وهي تقتادنا
منازل تجمع بين المزور
كأن الربوع يباهى بها
سقتها رواعد من صيّب
نسيم الصبا زعزعت موهناً
فما روضة من رياض الحزون
(بأحسن منها وقد نضدت
(إذا نطقت سفهت حلمنا
(وإن نظرت نشرت في القلوب
نأت دار ليلى فخل الدموع
فدع عنك ليلى وأيامها
فما لك منها سوى غلّة

 

وأوحش معهد جيرانها
يرد النفوس بأشجانها
إحدى مواعيد إحسانها
بألحاظ أعين غزلانها
والزور عامر بنيانها
بِحمرانها وبصفرانها()
بقطقطها وبسفانها
من الروض نوّار حوذانها
تروق العيون ببستانها
على الجيد دراً بعقيانها)
بإعرابها وبتبيانها)
ثواقب من سحر أجفانها)()
تشفي الغليل بتهتانها
وهيهات شأنك من شانها
تقلقل أحشاء ظمآنها


 

تنيلك منزور معروفها
أنا ابن النبوة عند الفخار
نَماني الوصي وجدي النبي
لنا ذروة المجد قد تعلمون
ومنا الفوارس يوم الهياج
ولما أصبنا بشيخ العشير
نصبنا لهم مدرهاً في الخطوب
حلاحلة يستدير الرجال
كأنّ نوافذ آرائه
فبات ينابذ آراءه
يقلب قلباً له همة
فلما تأمل أسبابه
نحا جبل الديلمين المنيف
يبوح بأسراره معلناً
فبايعه منهمُ عصبة
وشمر في نصره، ذو الوفا
فتىً لا يمل حروب العدا
يطيل ويطوي لها نشره

 

على المطل منها بإدْهَانها()
وابن بواهر برهانها
وفاطم أفضل نسوانها
بأعراقها وبأغصانها
والطاعنون بِمُرَّانها
وابن جلاها ومنانها
يرد الأمور لإبَّانها
ويقضي فوادح أديانها
صوائب عن بيض مرّانها
ويبلو مغامز عيدانها
تجوز السماء بأعنانها
وأبصر فرصة امكانها
يدعو إلى الله رحمانها
لأشياخها ولشبّانها
كأسد العرين بخَفَّانها
جستانها وابن جستانها
حتى تملّ بأضغانها
ويدني لها نشر أكفانها

 ومنها:

فسالت عساكرنا كالأتي
كأن الرجال بأرماحها
فقل للأُلى جهلوا حربنا
إلى أن نقيم لكم سوقها
رويدكم إنها وقعة
أتدرون يا زمعات النبيط
بأي المحارم أوقعتمُ
بنفسي قتيلاً بأرض الثغور
شرى نفسه برضى ربّه
فواكبدا إن سلت بعده
أأسى وما في الأسى مطمع
فيا نفس لا تقنطي إنّما
فكم ترحةٍ عندها فرحة

 

تضيق بها رحب قيعانها
نواضح تسقى بأشطانها
أتتكم شماطيط شرعانها()
ونصليكمُ حر نيرانها
تساوي ثواقب أعيانها
وحشو نقاية بلدانها
وخالفتموا دين ديّانها
غُودِرَ رَهْناً بجرجانها
بروح الجنان وريحانها
وهيهات كيف بسلوانها()
وفي القلب لاعج أحزانها()
قنوط النفوس بكفرانها
أتتك كأحسن إتيانها

1160- محمد بن زيد بن داعر [... - ق 8هـ]

العلامة الفاضل الكامل محمد بن زيد بن داعر رحمه الله تعالى.

قال في الصلة: هو الفقيه الإمام العلامة، فخر العصابة الزيدية، وتاج إكليل الفرقة الناجية، وكان محلقاً مجتهداً سيما في أصول الدين، زاهداً عن الدنيا متورعاً، بساماً في وجوه الناس ، انتهى.

1161- محمد بن أبي السعادات [... - ق 7هـ]

العلامة محمد بن أبي السعادات الزيدي الفقيه المتقن رحمه الله.

كان وحيداً في الفقه، درس عليه الفضلاء منهم الإمام أحمد بن الحسين، وكان أحد الأساطين في وقته، ولما اتفق الخلف بين الإمام وبين من خالفه استقام محمد، وهدمت داره بظاهر بني صريم رحمه الله.

1162- محمد بن سعيد اليرسمي [... - ق 4هـ]

الشيخ الفاضل الناسك المجاهد محمد بن سعيد اليرسمي.

صحب إمام الأئمة الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم عَلَيْهم السَّلام وكان من زعماء أصحابه الكرام ووجوههم، وهو أحد من عوَّل الناصر للحق أحمد بن الهادي عليه في المشورة بعد رجوعه من الحجاز، فإنه لما طولب بالإمامة بعد رجوعه جمع أصحاب أبيه الجلة رحمهم الله وهم محمد بن سعيد هذا، وأبو جعفر محمد بن سليمان الكوفي، وإبراهيم بن إسحاق رَضِيَ الله عَنْهم.

1163- محمد بن سليمان بن محمد الحمزي() [730 - 804هـ]

السيد الإمام مفزع الأئمة ومرجع المحققين سلطان العلماء محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن يحيى بن الحسين بن حمزة بن علي بن محمد بن حمزة بن الحسن النفس الزكية بن عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عَلَيْهم السَّلام.

هو الإمام البحر، الحبر المحقق، الحافظ الحجة، زين الملة، سلطان العلماء، رئيس المتكلمين، لسان المتقنين()، وهو والد الإمام المطهر بن محمد، وما أحسن هذا النسب المسرود الذي تغار له الجواهر والزواهر، وما أحراه بقول الإمام المطهر بن محمد هذا، بعد أن تم سرد آبائه الكرام فقال [من الطويل]:

أولئك آباء كرام كأنجم الـ
فلا نسب يعلو على النسب الذي
عليه صلاة الله ثم عليهم

 

ـمجرة في السرد ؛ العوالي الثواقب
يَمُتّ إلى المختار، من كل ناسب
وإخوانه، والخير من كل صاحب

 قال مصنف سيرة الإمام المتوكل على الله المطهر بن محمد عند ذكر آباء الإمام ما لفظه: والده السيد الفاضل ، العالم العامل ، الحبر البحر، المحقق المدقق ، الذي فاق أهل زمانه علماً وفضلا، وإيضاحاً وفصلا . وضّح من العلم كل مشكل ، وسهل منه كل معضل، واعترف له بالكمال، ورمقته العيون من كل مكان وذلك السيد محمد بن سليمان.

ومن أخبار هذا السيد الفاضل أنه لما عزم على الحج فحمل زاده وجاء إلى الإمام الناصر صلاح بن علي عَلَيْهم السَّلام إلى ذمار ليخبره بذلك، ويستأذنه في السفر في تلك السنة فوقع ذلك مع الإمام موقعاً عظيماً لغزارة علم هذا السيد وقلة العلماء في اليمن، فما أذن له في ذلك بل قال له: تقف في هذه الجهات وتأهّل فيها وتحييها بالعلم، فأخبره بأنه قد حمل زاده وقد جد عزمه على ذلك السفر للحج، وهو يعتقد أن اليمن خال عن طلبة العلم المهرة، الراغبين فيه أكمل رغبة.

قال الإمام الناصر عَلَيْه السَّلام: فلا يؤمن أن السيد إذا سافر للحج تعدى إلى الجهات الشامية أو غيرها حيث يعلم بالعلم أو طلبته، لشدة رغبته في إحياء العلم ونشره.

قال الإمام عَلَيْه السَّلام: فالرأي أن نطلب له زوجه ذات منصب وكمال ليكون سبباً في وقوفه.

فقال السيد المطهر الواثق: بنت أخي داود صاحب ذروان، وكان أبوها من بني عمه وهو أخوه من أمه.

فقال الإمام صلاح عَلَيْه السَّلام: فزوِّجني إياها للسيد محمد، فأوجب النكاح السيد المطهر الواثق، وقبل النكاح الإمام الناصر صلاح بن علي عَلَيْه السَّلام للسيد محمد من غير علم السيد بذلك.

ثم إن الإمام عَلَيْه السَّلام طلب وصولها من ذروان لتمام ما فعل، وأهب للسيد وزوجته داراً بجنب بيت السيد المطهر الواثق بجميع ما يحتاج إليه فيها، ثم إن الإمام أخبر السيد بأني قد تزوجت لك زوجة، فقال: من هي؟

قال: بنت صاحب ذروان، وأخبره بأنها على وصول فقال السيد: إلى أين؟ فأخبره الإمام بما قد فعل وأمره بالوصول إلى تلك الدار، فجاء إلى دار عظيمة كاملة الفرش والآلات، ورأى فيها الخبازين والطباخين والذبائح لوليمة عرسه، فقال متعجباً : لمن هذا؟ فقيل : لك.

ثم إن السيد المطهر الواثق رجح وصولها إلى بيته، فاستشار السيد محمد الإمام في ذلك فأشار بمساعدة السيد الواثق، وأمر بنقل الطعام إلى بيته، وأن تغلق تلك الدار على() فيها من الفرش والآلات فكان ذلك أسد رأي وأبلغ فعال لحسن مقصد الإمام الناصر الذي أشار به رحمه الله ونفع به، وما ذلك إلا لأن محل العلم والعلماء عند الإمام الناصر المحل الأعلى، وقدحهم القدح المعلى، وحظهم عنده الحظ الأسنى ؛ لأن بهم حياة الدين وهم شحاك الملحدين .

ومما يروى أن الإمام الناصر صلاح بن علي عَلَيْه السَّلام أراد القدوم إلى صعدة فاختار لمرافقته هذا السيد العالم الفاضل محمد بن سليمان لغزارة علمه وقوة بصيرته، وقد عرف الإمام أن في صعدة من يتعرض للإعتراض على الأئمة إما مستفهماً أو متعنتاً، فاتفق أن الإمام عَلَيْه السَّلام دخل صعدة، وعلى جنده من الحرير والفضة وغيرهما ما يدهش الناظرين ويوجل المعاندين ويكبت الحاسدين، فتحزب جماعة من شيع المدينة ممن يتطلع للقدح على أئمة الهدى جاهلاً أو متجاهلاً، يذكروا للإمام عَلَيْه السَّلام في ذلك، فجرى في كلامهم ما معناه: أن أولئك لبسوا ما يُعلم تحريمه في الشريعة المطهرة استحلالاً وأنتم أيها الأئمة تنكرون ذلك وبكم القدوة في إقامة الشريعة ومخالفة الجبابرة، فقال الإمام عَلَيْه السَّلام : أجب الأصحاب يا سيد عز الدين، فقال السيد محمد بن سليمان: أما قولكم أنهم لبسوا ذلك استحلالاً، فلا يعلم ذلك إلا من اطلع على الضمائر، ثم إن مسألة التهييب لا تجهل، ثم وإن قد سُلِّم أنه قد بلغ من هيبة الإمام عَلَيْه السَّلام ما صدَّع قلوب المخالفين، وأذهل المعاندين لما قد فعل في الجهاد من إهلاك الكافرين وإذلال الجبارين، فأغنى ذلك عن التهيب باللباس، ولبس الحرير لا يستكثر ولا ينكر لوقوع الخلاف في تحريم لبسه.

فذكر أولئك المتعرضون أنهم لا يعرفون الخلاف في ذلك.

فقال السيد عز الدين : إنه خالف في تحريم لبس الحرير أربعة عشر من أكابر الصحابة، وذكروا أن تحريم الحرير قد صار منسوخاً.

قال السيد محمد بن سليمان: حكى الخلاف في شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة، فانقطع أولئك المناظرون حتى قال قائلهم: لولا علي لهلك عمر.

مولده رحمه الله يوم الجمعة آخر يوم في القعدة سنة ثلاثين وسبعمائة، وتوفي بصنعاء يوم الثلاثاء بواقي خمس من صفر سنة أربع وثمانمائة.

1164- محمد بن سليمان بن محمد بن سالم [... - ...]

السيد العلامة المحقق الشريف محمد بن سليمان بن محمد بن سالم رحمه الله.

من أهل المخلاف السليماني ، ذكره الأهدل وعدَّه في العلماء، وعدّ معه ثلاثة أولاد يعني علماء موسى وسليمان وعيسى.

1165- محمد بن سليمان الكوفي() [255- 322هـ تقريباً]

علامة العلماء وسيدهم الفاضل المحدث الجامع للكمالات الربانية محمد بن سليمان الكوفي رحمه الله : هو العلامة حافظ الإسلام صاحب الهادي إلى الحق عَلَيْه السَّلام، ونسبه في أسد بن خزيمة، وتولى القضاء للهادي عَلَيْه السَّلام ولولده الناصر، وهو غير علي بن سليمان الكوفي قاضي الهادي عَلَيْه السَّلام، فهما رجلان شهيران.

ومحمد هو صاحب المنتخب الذي سأل عنه الهادي إلى الحق عَلَيْه السَّلام، وصاحب كتاب الفنون()، وله كتب صنفها في الدين، منها كتاب البراهين في معجزات النبي صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم وفي آياته، وكتاب المناقب في فضائل أمير المؤمنين كرم الله وجهه في الجنة وشواهد إمامته، وكرم منشئه، وحظه من الله ومن رسوله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم، وشريف صحبته وخلافته، وصدق وصيته بالأسانيد الخمسة المعروفة المشهود بفضل رواتها في علماء الحديث، وفقهاء العراقيين والحجاز ومصر والشام واليمن وغيرها من البلدان، وفيها الشهادة بفضل علمه في الفقه وأصول الملة، ونقله() أخبارها، وبعلمه بطرق الاستدلالات على الحق فيما اختلف فيه الناس من أمور الدين، وفضل همته، ورفعة طبقته في العلماء.

قال الشيخ أبو الغمر: وهذه ألفاظه، وكذلك ما رأيت من كتبه التي كانت في ملكه وعليها اسمه وما بخطها الدَّال على أن كاتبها واحد إن شاء الله نحو كتاب فضائل أهل البيت عَلَيْهم السَّلام، من علي وفاطمة والحسن والحسين، وخبر مقتل الحسين عَلَيْه السَّلام بأصح الروايات، وما ينبغي أن يورد، ومن ينبغي أن يورد عنه شيء من ذلك رواية أبي عبد الله محمد بن زكريا بن دينار العلابي البصري رحمه الله، وبروايته أيضاً كتاب صفين، وكتاب الحكمين، وكتاب النهروان، وهي من أصول العلوم الخبرية الجيدة التي يفتقر إليها، وذلك كله مع اختياره لنفسه الهجرة من العراق إلى الهادي عَلَيْه السَّلام، واختياره له عَلَيْه السَّلام لولاية قضاء المسلمين في بلدته وبحضرته. واختيار ولديه لذلك كذلك. ومع ما في أخباره مما يدل على أنه من تلامذة الشيخ الفاضل العبد الصالح محمد بن منصور المرادي رحمه الله صاحب القاسم عَلَيْه السَّلام وواحد الزيدية بالكوفة وعلم() العلماء في عصره ومصره وغير مصره، انتهى.

قلت: وكان محمد بن سليمان رحمه الله خرج مع علي بن زيد الزيدي() رحمه الله بالكوفة، وذلك أنه عَلَيْه السَّلام دعا فلم يجتمع لدعوته الناس بعد يحيى بن عمر عَلَيْهما السَّلام فتوجه() إليه العباسي الشاه بن ميكال() في عسكر ضخم، وذلك قبل خروج علوي البصرة .

قال محمد() بن سليمان رحمه الله: كنا معه عَلَيْه السَّلام نحو مائتي فارس نازلين ناحية من سواد الكوفة، وقد بلغنا خبر الشاة بن ميكال، فقال لنا علي بن زيد : إن القوم لا يريدون غيري، فاذهبوا، وأنتم في حل من بيعتي.

فقلنا : لا والله لا نفعل هذا أبداً. فأقمنا معه، ووافى الشاه بن ميكال في جيش عظيم لا يطاق، فداخلنا من الرعب أمرٌ عظيم، فلما رأى ما لحقنا قال لنا: اثبتوا وانظروا ما أصنع، فوقفنا ونضى سيفه وقنع فرسه وحمل في وسطهم يضرب يميناً وشمالاً، وأفرجوا له حتى صار خلفهم، وعلا على تلعة() ولوّح بسيفه إلينا، ثُمَّ حمل من خلفهم وأفرجوا له حتَّى عاد إلى موقعه، ثم قال: لا تجزعوا من مثل هؤلاء. ثم حمل ثانية ففعل مثل ذلك، ثم عاد إلينا وحمل الثالثة، فحملنا معه فهزمناهم أقبح هزيمة وتنفلنا منهم ما شئنا.

1166- محمد بن سليمان بن أبي الرجال() [... - 730هـ]

الفقيه العلامة المذاكر المجتهد محمد بن سليمان بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن المعروف بأبي الرجال رحمه الله.

هو العبادة المشهور أويس زمانه وسابق أقرانه، امتلأ صدره بتعظيم الله وتجليله، وبالفضائل، فدرس العلوم باليمن ثم رحل إلى مكة المشرفة فلقي الفضلاء من المخالفين والموالفين، فأخذ عنهم وتكمل بهم كماله كالشيخ أحمد بن إبراهيم بن عمر بن فرج القاروي()، وسيد الزيدية في عصره محمد بن المهدي بن الناصر بن الهادي بن الحسين بن الهادي بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن جعفر بن عيسى من ذرية الإمام زيد بن علي عَلَيْهما السَّلام ؛ وكان سيد أهل العراق في عصره ، لقيه بمكة ، وروى له الكشاف بطريق بلغ بها إلى الصدر الخطيب المسكي، وهو أخذ عن صاحب الكشاف أدر الله عليه شآبيب الألطاف، وهذه طريقة لم يظفر بها الكثير من العلماء ؛ لأن مدار الإسناد على زينب الشعرانية، وقد ذكر العلماء أن جار الله اعتذر عن التدريس في الكشاف أولاً ثم أذن، هكذا يقال، ولعل طريق المسكي إن لم يصرح بالسماع هي الإجازة، وهي لدينا بخط يده الكريمة غير أنها لم تحضر عند الرقم.

وأجاز له هذا السيد الجليل جميع فقه العلماء من آل الرسول صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم وعليهم، وذكر السيد محمد طريقه في فقه القاسمية.

قلت: وإجازة أحمد بن إبراهيم القاروي له في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وستمائة.

قلت: ومن شيوخه باليمن : الأمير المؤيد بن أحمد، وعبد الله بن علي الأكوع.

قلت: وعلمه رحمه الله واسع كثير، اشتهر على ألسن المحققين اجتهاده، وصرح به السيد صارم الدين في حواشيه على فصوله، وسماه الفقيه يوسف : بإمام المذاكرين، وكان هجيراه() رحمه الله تلاوة القرآن حتى أنه يقال: أنه أثر في لسانه، وكان ورعاً لم يمس من الدنيا شيئاً مع إمكان ذلك، ولم يقبل من أحد شيئاً، وكان يوصي بذلك، وحرّم قبول هبة العاصي مطلقا، ووصلت إليه رواحل تحمل الحنطة من بعض الأمراء فلم يقبل منها حبة واحدة. وكان متمكناً من تركيب الأوفاق على أكمل صورة وأحسن موافقة، وسكن بجهات متعددة لخفة ظهره عن العلائق إنّما كان إقباله على الله تعالى فكثر سكونه بصعدة المحروسة، وسكن قرية قُمْلا وملك بها بيتاً وأعمره تلميذه وخريجه العلامة أحمد بن هبة رحمه الله.

وكان أحمد بن هبة تلميذاً للقاضي متخرجاً به منقطعاً إليه، وأجازه إجازة كاملة. وذكر بعض العلماء من السادة أنه رحمه الله لم يعقب، وكذا ذكره العلامة أحمد بن علي بن أبي الرجال رحمه الله، ورأيت ما يدل على أنه أعقب ولداً سماه علياً، وكانت بنته تزوج بها والد الإمام عز الدين بن الحسن وأولدها عدة أولاد نجباء، وقبرها بهجرة فلله، وورقة الأمير الحسن() بن علي بن المؤيد في الخطبة لها كانت باقية لدينا.

وكان سكون القاضي محمد بقملا مدة، ولعله لقي ابن معرّف، وسكن أيضاً في المثة ولعلها التي تعرف في الكتب بالمدثاه.

ومما شاع على الألسن أنه نزل إلى الجبّ بالجيم والباء، وهي قرية بيش بالباء بواحدة من أسفل بعدها ياء مثناه تحتية بعدها شين معجمة بوزن قيس عند قرابته الذين هنالك فتغيب اللمع هنالك، وكان يستملى عند الكتابة صدوراً، ثُمَّ يكتبها من حفظه.

قلت: وفي قُمْلا جماعة يذكرون أنهم من ولده أو من ولد أحد إخوته، وذُكر في مشجر الفقهاء المذكورين أولئك بذكر مجمل، كما ذكر أهل الرياضة من قرابتهم بالإجمال، والذي استفدته بالظن المكتسب من التتبع أن أولئك الفقهاء ذرية هذا العالم المسمى بأحمد بن هبة، وأنه لكثرة انقطاعه إلى القاضي رحمه الله نُسبوا إليه، فإنه يقال لهم الآن آل هبة، والله أعلم.

ومن مؤلفاته رحمه الله (الروضة) المشهورة في الفقه، كتبها عنه العلامة محمد بن أحمد بن سلامة بن أبي الحنش المذحجي رحمه الله، وكان من الفضلاء العلماء.

توفي محمد بن سليمان رحمه الله في النصف الأخير من جمادى الآخرة سنة ثلاثين وسبعمائة، وقبر بجبانة العيد المعروف بالمشهد قِبلي صعدة المحروسة.

1167- محمد بن سليمان الحجي [... - ق 9هـ]

العلامة الفقيه الفاضل محمد بن سليمان الحجي.

علامة الفقهاء وفقيه العلماء أستاذ المحققين، قرأ عليه السيد الصارم رحمه الله وغيره.

1168- محمد بن سليمان النحوي [... - ق 9هـ]

العلامة الفاضل إمام المعقول والمنقول محمد بن سليمان النحوي رحمه الله. من أعيان العلماء، كان مدرساً، قرأ عليه جماعات، منهم السيد الصارم، قرأ عليه في المنطق.

1169- محمد بن سليمان بن شاس [... - ق 10هـ]

العلامة الفقيه محمد بن سليمان بن شاس رحمه الله تعالى.

علامة خطير قرأ على محمد بن إبراهيم الحيي ، وتولى القضاء للإمام شرف الدين عَلَيْه السَّلام، وأهل هذا البيت من جهة الحيمة.

1170- محمد بن سليمان بن محمد النسري() [... - 1041هـ]

الفقيه الناسك الفاضل محمد بن سليمان() الروسي الأهنومي النسري رحمه الله.

كان من خيار عباد الله وأهل التقوى والورع والمعاملة لله في السر والجهر، قرأ عليه عدة من الفضلاء منهم القاضي العلامة أحمد بن سعد الدين رحمه الله .

وكان يسكن بهجر ابن المكردم وبها توفي في سلخ رجب أو أول شعبان سنة إحدى وأربعين وألف، ودفن في سوق العرقة إلى جنب السيد حليف القرآن أحمد بن يحيى والقاضي سعد الدين رحمهم الله تعالى.

1171- محمد بن سالم (القصّاب) [... - ق 2هـ]

العلامة محمد بن سالم : من أصحاب الإمام الأعظم زيد بن علي عَلَيْه السَّلام وممن أخذ منه، وله فضائل جمة، ذكره الشيخ العلامة ولي آل محمد القاسم بن عبد العزيز بن إسحاق البغدادي.

1172- محمد بن صالح الجيلاني() [... - ...]

محمد بن صالح الجيلاني والد الحسن والحسين.

كان غاية في التحقيق ، أمة في المتأخرين من الناصرية، ووالده() كذلك، وله آراء وأنظار جيدة، واسمه محمد() صالح، فهذا المحل غير محله لكنا لم نذكره إلا هنا فرقمناه.

1173- محمد بن صالح الأنسي [... - ق 9هـ]

الفقيه الصالح ذو الكرامات محمد بن صالح الآنسي.

وصفه الإمام عز الدين بالكرامات والصلاح، وهو شهير، وقد ذكره غيره، وكان أحد من حضر دعوة الإمام علي بن المؤيد عَلَيْه السَّلام.

1174- محمد بن صالح بن عبد الله حنش() [... - 1068هـ]

القاضي العلامة المتعبد الصالح محمد بن صالح بن عبد الله بن حنش رحمه الله.

كان من أفضل أهل وقته في سمته الحسن وخلقه النبوي وإعراضه عن الدنيا وأهلها، طاهر القلب محسن الظن بالأمة()، قد اتفقت القلوب على محبته والرضى بحكمه وكان حاكم ذيبين في أيام الإمام المؤيد بالله وصدر كثير من ولاية أمير المؤمنين المتوكل على الله حفظه الله تعالى، وكان راضياً بميسور العيشة() مع كمال العبادة .

وتوفي بذيبين قبيل الفجر من الليلة المسفر عنها صباح الأحد، لعله ثامن عشر رجب الفرد أحد شهور سنة ثمان وستين وألف.

وفي أهل هذا البيت الكريم محمد بن صالح بن محمد بن صالح بن حنش.

مولده يوم الخميس تاسع صفر سنة ثمان وتسعين وثمانمائة بهجرة الملاحة، وأحسبني قد رأيت له ما يدل على كمال وفضل ولم يحضرني، والله أعلم.

1175- محمد بن صلاح القطابري() [... - 1016هـ]

السيد العلامة الفاضل عز الإسلام محمد بن صلاح القطابري اليحيوي رحمه الله.

كان من كملاء السادة في عصره ، وهو صنو السيد يحيى بن صلاح() الآتي ذكره، ولوالدهما دعوة دعا في سنة إحدى وتسعين وتسعمائة سنة بعد قتل الأمير أحمد بن الحسين المؤيدي ووفاة الإمام أحمد بن عز الدين عَلَيْه السَّلام . وتوفي والدهما بالحرجة من بلاد قحطان، وهو صلاح بن يحيى بن محمد بن يحيى بن القاسم بن الأمير محمد بن الهادي بن إبراهيم بن المؤيد بن أحمد بن المهدي بن الأمير شمس الدين يحيى بن أحمد بن يحيى العالم بن يحيى الكامل سلام الله عليهم.

ومحمد هذا هو والد السيد العلامة أحمد بن محمد القطابري() الماضي ذكره، وجد السيد العلامة صلاح بن عبد الله القطابري وكان سيداً نجيباً قد حصّل في العلوم وله نظم، ولم أفرده بترجمة لوقوع الغفلة في محله.

وكان للسيد محمد بن صلاح صاحب الترجمة فضل كثير وله شعر، ومما يحسن نقله ما تساجل به هو والسيدان الكاملان يحيى بن صلاح صنوه، والسيد محمد بن عبد الرحمن المؤيدي، قال السيد محمد بن صلاح هذا رحمه الله [من الطويل]:

وقائلة مالي رأيتك فاركاً
وما لك ترضى بالبعاد وغربة
أما أنا ذات المبسم العذب واللما
فقال السيد عماد الدين:

 

لقربي ، أما لي في هواك نصيبُ؟
وترغب عني إن ذا لعجيبُ!
وساجية الطرف الكحيل عَرُوبُ؟

فقلت وقد أشكت() بقلبي حرارة
أما وأبي() ما غيّر الدهر لوعة
وما مغرم بالماء حرّان صادياً
بأبرح من شوقي إلى طلب العلا
وقال محمد بن عبد الرحمن:

 

بِمنطقها فالقلب منه كئيبُ
فحبك شيء لست عنه أتوبُ
يكاد من القيظ() الشديد يذوبُ
ولست وبيت الله عنه أثوبُ

دعاني إليها محتد أيّ محتد
على أنني أدعو العلا فيجيبني
لي المجد إرثاً من عليّ وفاطم،
فإن لم أصن مجدي فما أنا منهما

 

وإني لداعيه المهيب مجيبُ
إجابة محبوب دعاه حبيبُ
ومن أنجبا في الناس فهو نجيبُ
ولا لي فيما خلفاه نصيبُ

 ويروى أن الآخر أتمّ أبياته قبل أن يجف مداد الأول، ولما اطلع على هذا السيد العلامة أحمد بن محمد بن عز الدين بن الحسين بن الإمام عز الدين كتب:

...........................                ..................()

1176- محمد بن صلاح بن مهدي مداعس [... - 962هـ]

الفقيه الفاضل العارف محمد بن صلاح بن مهدي بن يحيى بن علي بن يحيى بن أحمد بن مداعس رحمه الله، ترجم له بعض الفضلاء، وذكر أن وفاته في نهار السبت من جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وتسعمائة، وهو والد العلامة شيخ القراء العابد الصالح يحيى بن محمد المتوفي في شهر جمادى في نهار الأربعاء منه لعشرين ليلة خلت من سنة ست عشرة بعد الألف ولعلنا نذكر ترجمته.

1177- محمد بن صلاح السلامي() [... - 1063هـ]

الفقيه العلامة المحقق المقرر بدر الدين محمد بن صلاح السلامي رحمه الله.

كان فقيهاً حاذقاً ماهراً في الفقه، وله في علم الكلام مسكة حسنة، وأما الفقه فكان محلقاً فيه يقر له الأقران، وكان أكثر قراءته على العلامة إبراهيم بن حثيث الذماري رحمه الله، وكان يملي عنه عجائب وغرائب شيخنا العلامة إبراهيم بن يحيى السحولي الشجري رحمه الله، إذا ذُكِر له القاضي هذا أثنى عليه، ورويت له عنه روايات رواها عن شيخهما إبراهيم بن حثيث. فقال رحمه الله: هذا ما هو على ذهني من رواه لك، فقلت: سيدنا محمد السلامي. فقال: رجل ثبت راجح الرواية.

وكان رحمه الله خشن الملبس غير متأنق فيما يتأنق الناس فيه من الملابس ونحوها قد يلبس الفرو وجلد الضأن ويعتم على ما يشبه القلنسوة من جلد الضأن أيضاً، مع وجاهته عند آل القاسم وتجليله، وصحب مولانا شرف الإسلام الحسين بن أمير المؤمنين عَلَيْهما السَّلام، وما زال يتردد بين وطنه ببني() سلامة وذمار والدامغ .

ولما كانت الدعوة المسعودة المتوكلية التي أعز الله بها الإسلام ورفع بها منار العترة، كان جذيلها المحكك، وأول من وضع يده في يد الإمام للبيعة، فتفاءل الفضلاء بأنها دعوة سلامة إن شاء الله، وكانت كذلك أدام الله ظلالها .

واجتمعت به مراراً منها في حضرة المولى عَلَيْه السَّلام، وسمعته يروي له أن فقهاء ذمار الفضلاء تركوا التوضي من ماء المدرسة الشمسية لأن الذي ينزع الماء إلى المطاهر لم يبلغ بل هو صغير، فقالوا: هذا الماء مباح قد ملكه الولد بالنقل والإحراز، فبأي شيء يخرج عن ملكه، فتحرجوا لذلك، فعارضهم إبراهيم بن حثيث أيام طلبه وقال: هذا لا يملكه الفاعل بل يملكه الآمر لسبق الحق ، وهكذا كل ما قد سبق فيه حق وهي الحيلة لمن أراد التوكيل في الإحياء. فسألوه من أين أخذ ذلك، فنسبه إلى التذكرة أو البيان، فات عني وهي مذكورة فيهما وفي معيار النجري.

واجتمعت به() عند والدي وجماعة من أعيان سيدي الحسن() على ضيافة، وهو على ما وصفت من اللباس، فسمع الأصحاب يذكرون ما يقتضيه الحال من السلاح ونحوه، فقال لي: فأنت يا ولدي هل تريد الفضل فعليك بالعلم أو قد شغل قلبك هذا الذي ليس بشيء أو كما قال رحمه الله تعالى.

توفي ببلده().

وله أولاد نجباء ، ووالده من الفضلاء مقبور في قبة ببلدهم رحمه الله تعالى().

1178- محمد بن صلاح بن محمد الفلكي() [... - 1073هـ]

العلامة المفتي المحقق حاكم المسلمين() إنسان العلم محمد بن صلاح بن محمد الفلكي نسبة إلى الفلكه قرية من قرى ذمار يعرف جده الأعلى بناصر الدين الفرائضي لمهارته في علم الفرائض ، وهذا علم متوارث فيهم لم يترك هذا القاضي لمحقق تحقيقاً إلا من ورائه، فهو الغاية في الفرائض والحساب والجبر والمقابلة وغير ذلك مما يتعلق بالفن ، وكان يتوقد ذكاء سريع البادرة، مقبول الجد والهزل، يضرب الأمثال بكلماته، وكان في الفقه نسيج وحده، جميع الطلبة بذمار آخذون عنه، وكان محبباً إلى الطلبة كثيراً، وتولى القضاء مدة طويلة محمود الأثر، وكان يصدع بالحق().

ومن عجيب [أمره] أنهم رثوه أعيان الشعراء، غابت عني عند الرقم وهي موجودة، فمنها وهي متضمنة لتاريخ وفاته لمولانا السيد العلامة شرف الإسلام الحسن بن الحسين بن أمير المؤمنين المنصور بالله القاسم بن محمد قدس الله روحهما:

يا مبليات الليالي
فقد هدمت علاهم
محمد ذو المعالي
تاريخه قيل فيه:

 

عن الأفاضل كفي
بفقد أشرف إلفي
من حاز أكمل وصف
(شمس العلوم تُوفي)
                          (1073)

 وللسيد العلامة البليغ أحمد بن الحسين بن أمير المؤمنين المنصور بالله عَلَيْه السَّلام متضمنة للتاريخ [من السريع]:

يا دهر مهلاً بنا رويداً
سلبتنا من حوى المعالي
وذاك عين الوجود حقاً
محمد فزت طُيِّبتَ فابشر
تاريخ بدر الهدى وفاةً:

 

فما على أخيارنا مداركْ
كأنَّ في الصالحين ثأركْ
وخير من حازه اختيارك()
فإن فردوسها قراركْ
تَمَّ بدار النعيم داركْ
                         (1073)

 وللفقيه العلامة البليغ محمد بن علي (بن الحسين)() المسوري رحمه الله:

قد قلت لما أذيق الفاضل الفلكي
وأصبح الفقه والأحكام قد لبست
وأودع المسلمون الكل فرط أسى
يا من تأخر كن في الموت معتبراً
وقل لدنيا أصابت غير عالمنا
لله من عالم ندب فجعت به
سقى ثراه من الرحمن غادية
يا دهر رد فاضلاً فرداً يذكرنا

 

كأساً تدور على الصعلوك والملك
لون الحِداد على من بالدماء بُكي
يحيى الكتابين والثاوين() في الدرك
بمن تقدم هل أنجى من الشرك؟
حوّبت كل نفيس فالهناء لكِ
لعد منيته أو حل مشتبك
تهمي بجون من الرضوان منسفك
(تاريخه : إن قضا حقاً قضى الفلكي)
                      سنة 1073

 وللسيد البليغ المفوه البديع شمس الدين أحمد بن محمد الأنسي في جملة جوابه على التعزية في القاضي رحمه الله [من مجزوء الكامل]:

نجم هوى بذمار في
قسماً بموضعه العظيـ
نار على علمٍ خبت
لا مرحباً بالجهل لا أهـ
بين الجهالة والنوا
يا من إليه المشتكى
أجبر لنا هذا المصا
فلك الخزائن لا نفا

 

أفق الثرى قد كان ثاقب
ـم ؛ فهذه أم المصائب
وأورها() نار الحباحب
ـلاً به قد جاء راكب
كة حوله منها مواكب
يا قابلاً من جاء تائب
ب بآيب يضحي كذاهب
د لها وأنت أجل واهب

ولغير هؤلاء غير ذلك تراث وتواريخ.

وللشيخ إبراهيم الهندي :

مات أخو العلم فابك منتحباً
فها نجوم القضاء هاوية()

 

بمدمع في الخدود منسفك
مذ حلّ في اللحد صورة الفلكي

 وكان انتقال روحه الطاهرة إلى دار الآخرة في ضحى يوم الثلاثاء، لعله سادس عشر من شهر جمادى الأولى من شهور سنة ثلاث وسبعين بعد الألف بمحروس ذمار، ودفن رحمه الله في المقبرة المعروفة هنالك بمقبرة المجاهد غربي مدينة ذمار حرسها الله تعالى.

1179- محمد بن عبيد الله العباسي العلوي() [... - 295هـ]

الشريف أبو جعفر محمد بن عبيد الله بن عبيد الله العباسي.

العالم الكبير الفاضل الشهير فارس بني هاشم المفضال، خرج مع الهادي إلى الحق من الحجاز وولي نجران وخربة آل الحارث، فكان له يوم كيوم الطف مع الحسين، وقبره بمدينة الأخدود بنجران يطلع من جهته النور، وعنده جماعة من أهله، ولا يتميز قبر أبي جعفر ويتعين . وحفيده علي بن موسى المقبور بجامع صنعاء غربي الصومعة الكبرى، وقد تقدمت ترجمته في حرف العين.

1180- محمد بن عبد الله بن حمزة بن أبي النجم() [... - بعد 600هـ]

القاضي ركن الدين محمد بن عبد الله بن حمزة بن أبي النجم رَضِيَ الله عَنْه.

قاضي قضاة المسلمين وواحد علمائهم حجة الفضلاء، كان حاكم صعدة أيام المنصور بالله عبد الله بن حمزة، وله مذكرات ومراجعات، وأثنى عليه الإمام المنصور بالله كثيراً، وأظن مما دار بينه وبين الإمام من المراجعة الكلام في وقف المشاع، قال الإمام :

....................................................()

ولما توفي ولّى الإمام عَلَيْه السَّلام قضاء صعدة ولده تقي الدين عبد الله بن محمد بن عبد الله المذكور، وكتب له عهداً، واستمر على القضاء إلى أيام الإمام المهدي أحمد بن الحسين، وولاه القضاء في تاريخ شهر رجب المعظم سنة ست وأربعين وستمائة، وتوفي في نصف شهر رجب سنة سبع وأربعين وستمائة، وولى القضاء بعده ولده ركن الدين محمد بن عبد الله بن محمد بن عبدالله عادت بركاتهم.

1181- محمد بن عبد الله الحميري() [... - ق 6هـ]

القاضي محمد بن عبد الله الحميري: هو القاضي الجليل العلامة.

كان من صدور الزيدية، وبدور كمالهم، وكان له في النظم يد طولى، وله في ذكر يوم الشرزة بين السلطان حاتم بن أحمد والإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان عَلَيْه السَّلام أبيات سيأتي حكاية بعضها، وضمنها ذكر العيد لأن الإمام عَلَيْه السَّلام عيّد بصنعاء المحروسة عيد الإفطار.

وصفة القصة الملموح إليها، هي أن الإمام نهض من اليمن بقبائل مذحج وجنب وعنس وزبيد. والمراد بِجنب هذه قبائل تسكن جهران وما قاربه، وكانوا أهل بطش. وأما عنس فهم وهمدان جمرة العرب . فاجتمع عند الإمام من هذه الأحياء زهاء ألف فارس وثمان مائة فارس في شهر شعبان من سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة فحط بهم في جهران، ونهض حاتم بن أحمد من صنعاء بمن معه من همدان وغيرهم، فحط في نجاد الرفاض() وتراءا العسكران فصعب على جنود الإمام طلوع النقيل لمكان حاتم وجنوده، فتقدم الإمام بجنده طريق ثعيل. وكان ذلك مصداق المروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه في ذكر المنصور من ولده حيث يقول: اضطرابه في أمره وشدته في قهره، ما بين النقيل إلى ثعيل.

فسار الإمام حتى حط بنجد الشرزة ونجد شيعان وجوب بمحل ضيق بين قرون وحصون. فلامه أهل الخبرة، فقال: حطوا هنا، فإن الله سبحانه سينصركم.

وكانت خيل حاتم تسعمائة فارس مكملة العدة، ورجاله عشرة آلاف، فيهم ثلاثة آلاف قايس وألف فارس . فبينا الإمام وأصحابه في إعراض واشتغال بمنشدٍ ينشدهم الشعر إذ بدى عليهم من أسفل الوادي أول القوم فلم يفزعوا منهم وظنوهم الأبناء، وهم أولياء الإمام، فتيقنوا أنهم العدو بعد قربهم، فلم يمكنهم حمل السلاح لكنهم ابتدروا القتال كأنهم الليوث، وكان أول النهار، ورفع الإمام يده حينئذ وقال: اللهم إنه لم يبق() إلا نصرك، وقال في نفسه: إن ظفر القوم بنا ظهر مذهب الباطنية وهلك الإسلام، فعند ذلك أرسل الله ريحاً عاصفاً من المشرق تقابل وجوه القوم فاستبشر الإمام بالنصر وقال لأصحابه: احملوا فولّى الباطنية منهزمين لا يلوون على شيء، فانجلت القضية عن خمسمائة قتيل وخمسمائة أسير، ودخل الإمام صنعاء متوّجاً() محبوراً وعيّد بها عيد الإفطار، فقال القاضي محمد بن عبد الله رحمه الله [من الطويل]:

نهنّي بك الأعياد إذ أنت عيدُها
فخمس مئين حُزَّ منها وريدها،
وطاروا إلى روس الجبال شلايلاً
وسرنا لغمدان المنيف فأصبحت
وأضحى ابن عمران المتوَّج حاتم
وأبت بنفس لا يزال نفيسُها

 

وإذ أنت منها بدرها وسعودُها
وخمس مئين أثقلتها قيودُها
من الخوف منها خافقات كبودُها
ذوائبه في الترب() ثاوٍ مشيدُها
يقول: ألا عفوا فلست أعودُها
إلى كل مجد ليس يحصى عديدها()


 

إذا طلبت همدان منك إقالةً
فعدْ لهم بالصفح منك وبالرضى،
وحاشاك أن تنسى السوابق منهم

 

وسنحان يوماً واستقاد() أويدُها
فلن يبلغ الغايات إلا معيدُها
وما فعلته في القديم جدودها

  وكان الإمام عَلَيْه السَّلام دخل صنعاء عنوة وحصلت فيها بين همدان وجنود الإمام ملحمة، وصدق أهل صنعاء ما عاهدوا الله عليه ولم يسلم حاتم إلا لعناية رجل من أهل صنعاء كان بيده لواء أعطاه إياه الإمام، فلما علم أن الجنود لا محالة ستستأصل السلطان أعطاه الراية أماناً، وخرج السلطان إلى بين يدي الإمام، وقال متمثلاً:

أيقنت أن رسول الله أوعدني
فأجاره الإمام.

 

والعفو عند رسول الله مأمول

وفي ذلك يقول العلامة سليمان بن فضل الزيدي رحمه الله:

يوم بصنعاء كيوم مكّةَ بل
فُتحت بالحسام في طرفة العين
وقعة أفزعت يعوق ونسرا

 

أعظم من يوم مكة أضعافا
كما يخطف الحسام اختطافا
ويغوثاً وأتبعتها أسافا

 1182- محمد بن عبد الله الكوفي() [... - نحو 740هـ]

محمد الغزال : هو محمد بن عبد الله الكوفي المضري بالضاد المعجمة.

شيخ الزيدية ورد اليمن مرتين، في آخرهما أهدى للإمام محمد بن المطهر نسخة الكشاف المشهورة، وصارت من بعد لخزانة الإمام الناصر صلاح الدين.

ذكر ذلك في كاشفة الغمة.

1183- محمد بن عبد الله الرقيمي() [... - نحو 739هـ]

العلامة المجتهد محمد بن عبد الله بن أبي الغيث الرقيمي .

العبد الصالح حجة الله، علّق عن الفقيه محمد بن يحيى بن أحمد بن حنش رحمه الله على اللمع تعليقة أربعة مجلدة، وذكره مستوفاً في الصلة .

وكان محمد بن عبد الله بن أبي الغيث الرقيمي رحمه الله تعالى عالماً مجتهداً مصنفاً عابداً زاهداً، انقطع في طاعة الله النهار صياماً والليل قياماً، روي عن الإمام المهدي علي بن محمد قال: من أحب أن يرى ملكاً يمشي على الأرض فلينظر إلى محمد بن عبد الله الرقمي وإلى حاتم بن منصور.

وله تصانيف: منها كتاب تنبيه الراغبين، وكتاب التحفة في الأخبار النبوية، وكتاب الأدلة من الكتاب والسنة على مراد الله من خلقه، ومواعظ شافية، وحكم بالغة، وله آثار بالخير معروفة، اهتدى على يديه خلق .

ومات بصنعاء المحروسة، وقُبِر قِبْليها بقرب مسجد فروة.

1184- محمد بن عبد الله بن أبي النجم [... - ق 6هـ]

محمد بن عبد الله بن حمزة() بن أبي النجم:

والد قاضي المنصور بالله عبد الله بن حمزة ؛ عبد الله بن محمد بن عبدالله بن حمزة جامع درر الأحاديث النبوية بالأسانيد اليحيوية، وجامع كتاب البيان الناسخ والمنسوخ من القرآن، وجامع كتاب أحكام الحسبة والدور وما يختص بالإمام وغيره من الأمور.

1185- محمد بن عبد الله بن الهادي الوزير() [810- 897هـ]

السيد العلامة محمد بن عبد الله بن الهادي.

قال السيد أحمد بن عبد الله بن الوزير في تاريخ السادة آل الوزير ناقلاً عن السيد الهادي الأصغر حفيد السيد محمد بن عبد الله ما لفظه:

كان رحمة الله عليه ورضوانه من أعيان السادة في زمانه وكبرائهم، وأهل الرئاسة فيهم، له معرفة تامة في العلوم، وبلاغة رائعة في المنثور والمنظوم، وسبقه في ذلك يشهد به الأصدقاء والخصوم، وخط يقضي منه العجب، كأنه سلاسل الذهب، وأُسْمِع عليه كثير من كتب أهل البيت عَلَيْهم السَّلام كأصول الأحكام وشفاء الأوام والأمالي وكثير() من كتب الحديث لابن تيمية وابن حجر وللقاضي عياض وغيرهم، وكذا في التفاسير القرآنية وكلها له سماع وإجازة.

وكان رحمه الله له إلى الله إقبال وقيام في الأسحار وتلاوة مستمرة، وختم الله له بانقطاع ثماني سنين في كسر بيته بسبب إقعاد عرض له، فكان ذلك زيادة في اللطف به وفي ازدياد طاعته وإقباله على التهجد وملازمة الخلوات .

وكان رحمه الله إماماً في علم أنساب الأشراف، والمعرفة بأحوالهم وأيامهم، وأحوال غيرهم مطلعاً على ذلك غاية الاطلاع، حفّاظاً لما سمعه، متقناً لما يرويه، مرجوعاً إليه في ذلك وفيما عرض لهم يرضون قوله ويمتثلون أمره . وكان رحمه الله حسن الخلق والأخلاق، طويل القامة، حسن الهيئة، له وجاهة وجلالة وشاره، وجاه عريض مع الأقارب والأباعد، ونفس() كريمة، وميل إلى فعل المعروف ولو مع مشقة وتكلف، يصل الأرحام، ويحب الأنعام، ويرعى الحقوق، وينهى عن العقوق.

وعلى الجملة، فطرائقه وخلائقه كانت غراء واضحة، وموازين فضله على أبناء جنسه رازنة راجحة، كانت طرائقه على طرائق الأوائل من أسلافه، رحمة الله عليه وعليهم أجمعين، في سلامة قلبه، وسعة أخلاقه، والمسامحة والإغضاء وعدم المؤاخذة.

وكانت ولادته بالهجرة اليحيوية بصعدة المحروسة بالمشاهد المقدسة في شهر شعبان الكريم من سنة عشر وثمانمائة .

ونشأ بصعدة ثم بِمشهد جده القاسم بن علي بعيان، ثم بصنعاء.

وكانت وفاة والدنا عز الدين محمد بن عبد الله رحمة الله عليه ورضوانه بحدة من بلاد بني شهاب وأعمال صنعاء اليمن في ليلة السبت المسفرة عن خامس عشر شهر شعبان الكريم() سنة سبع وتسعين وثمانمائة، وقد بلغ من العمر سبعاً وثمانين سنة .

انتهى من تاريخ السادة باختصار.

1186- محمد بن عبد الله النجاري() [... - 840هـ]

العلامة محمد بن عبد الله النجاري.

قال السيد الشمسي في تاريخ السادة آل الوزير:

محمد بن عبد الله النجاري مفتي صعدة في زمانه ، وقرأ في تفسير السيد جمال الدين، وقرأ في الأصولين، وكان حسن الصوت في تلاوة القرآن فإذا قرأ في محراب أو بعد صلاة هدأت الأصوات له، وكان إماماً في علم العربية، وله في علوم العربية جميعها بسطة، وله شعر، ومن شعره قوله:


 

ما لي مع الناس من() ناصر
وصنوه من بعده حيدر
وغير ذلك من القصائد.

 

إلا النبي المصطفى الهادي
ثم التزامي مذهب الهادي()

وتوفي في الفناء الأعظم في صنعاء اليمن بعد موت جميع أهله رحمة الله عليه.

1187- محمد بن عبد الله الرصافي [... - ق 2هـ]

محمد بن عبد الله الرصافي.

كان فاضلاً نبيلاً.

عده البغدادي من أصحاب الإمام الأعظم زيد بن علي عَلَيْه السَّلام.

1188- محمد بن عبد الله الغشم الآنسي() [... - 1043هـ]

محمد بن عبد الله الغشم الآنسي رحمه الله.

كان فاضلاً عالماً عاملاً عارفاً بالله ، عازفاً نفسه عن هواه، على طريق الزهاد، وأرباب الرياضة العباد، ولقد نفع وتم به النفع وتفقه به خلائق، وكان يرتحل إلى الفضلاء ويقرأ على الشيوخ ويمر على العامة ويعلمهم ويجمع معه خلق من الراغبين في الخير، وكان لا يرفع طرفه إلى أحد رحمه الله تعالى، وله رسائل وكَتَب تفسير بخطه، وهو خط غير قيّم ولا واضح، ولذلك لم ينقل ولم يحضرني من فوائد هذا التفسير إلا ما أملاه لي الأخ محمد بن عبد الله الأنسي الماضي ذكره في ترجمة أحمد بن علي الأعقم وكان من عباد الله علماً وعملاً قال: رأيت في هذا التفسير في التكلم على آية الكرسي ذكر فضائلها وخصائصها، ثم قال: وبالجملة فإنها تغني عن رؤية النار.

ثم ذكر قصة رؤية النار وهو أن العامة من أهل البلاد المغربية الأنسية وغيرها كثرت عندهم الشكوك لما يرون من أكل بعض السفهاء لما حرمه الله بالإجماع من الحيات والحنشان، وقالوا: هؤلاء لا شك أنهم على حق بدليل هذه الكرامة، فإن لم يأت من علمائنا ما يقاومها انتقلنا عن مذهب أهل البيت، فعظمت القضية على العلماء فتكاتب الفقهاء من المغرب الصغير ومقري ومخلاف كبة وآنس وذمار، واجتمعوا وأمروا العامة بجمع حطب فاجتمع كالجبل العظيم ثم أشعلوه، فلم يزل يستعر حتى صار يرمي بشرر كبار فقرَّب الفقهاء بالمصاحف وقرأوا القرآن ولم يزالوا على ذلك مع أدعية أخرجها والد الفقيه محمد المذكور حتى اصفرَّت النار ودخل الفقهاء وحملوا منها في ثيابهم ودخلوا فيها كما يدخل بين الماء والطين.

واشتهرت القصة.

ولما سمعت هذه لم أزل أبحث عنها، فبلغت عندي مبلغ التواتر وليس ذلك بعيداً من فضل الله تكريماً لكتابه العزيز وعلماء الإسلام.

وتوفي رحمه الله بالجهة المغربية في [بني الذواد تحت الرغيل وغربي جبل مسور المنتاب، وقبره في مسجد بناه رجل من أهل تلك البلدة، كان القاضي متزوج لابنته واستثنى مع قبر القاضي في المسجد موضع قبره بجنب قبر القاضي رحمهما الله تعالى]().

1189- محمد بن عبد الله بن محمد [... - ...]

السيد العلامة محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن الهادي بن أمير المؤمنين يحيى بن حمزة عَلَيْه السَّلام، ذكره السيد أحمد بن عبد الله في تاريخ السادة في مشيخة السيد الهادي بن إبراهيم رضوان الله عليه.

1190- محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى() [74 - 148هـ]

محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى صاحب رسالة الإمام زيد بن علي عَلَيْه السَّلام التي كان يدعو إليها، وهو ممن أخذ عنه رحمه الله تعالى.

1191- محمد بن عبدالعزيز بهران [... - ق 11هـ]

محمد بن عبد العزيز بن بهران : من شيوخ أحمد بن يحيى الذويد، قرأ عليه العروض وأجاز له ما يجوز له روايته، قال سيدنا شمس الدين: وكان محمد بن عبد العزيز بن بهران المذكور ذا أدب ومعرفة.

1192- محمد بن عطف الله العبسي() [... - بعد 942هـ]

القاضي العلامة المحقق في المعقول والمنقول محمد بن عطف الله العبسي بالباء الموحدة من أسفل البركي.

كان عالماً متكلماً متمكناً في العلوم سيما المعقولات، له رسائل ومقاولات، وله ما يجري مجرى الرد على قسطاس الإمام الحسن بن عز الدين شرح المعيار، وذلك أن الإمام الحسن شرح المعيار واستقصى وشاحج() وواخذ في ظاهر العبارات، ففعل القاضي شرحاً كالذب عنه .

وله رسائل إلى الإمام مجد الدين بن الحسن ، تدل على علم بالحكمة والمنطق .

وكان مشهوراً بالجدل ووقعت بينه وبين الإمام [البحر واسطة عقد الأئمة الإمام المسعود ملك الإسلام رباني الأئمة المتوكل على الله]() يحيى شرف الدين رحمه الله وأعاد من بركته مناظرة، وذلك في الثالث [والعشرين]() من جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وتسعمائة، وقد ذكرها ابن داعر وغيره، ووصفوا ما دار بينهما من الألفاظ والحجج والنقوض والتعليلات.

ووصف العلامة الزريقي باختصار، فقال:

إن المناظرة حصلت بين الإمام والقاضي والفقيه حسن بن يحيى الجدر القرشي في بيان الفرقة الغوية المتلبّسة بمذهب الصوفية بعد أن ظهر للإمام الجنوح من القاضي المذكور إلى مبتدع هذا المذهب المنكور، وإخلاد الفقيه حسن بن يحيى الجدر المقدم ذكره إلى أهل هذه الطريقة الغريقة في تيار بحر ضلالها، وأي غريقة، الغارقة بجهلها واجترائها على الله سبحانه ما بين الشريعة والحقيقة، وأنصف الإمام - أعلى الله شأنه ورفع في الحق بنيانه- من نفسه الكريمة في المراجعة كل الإنصاف، وانبسط معهم لاستنباط ما هم عليه من هذا المذهب الذي ليس ابتداعه على أحد من أهل الكتاب والسنة بخاف، ولم يفعل ذلك أيده الله إلا لما رأى من ميل القاضي المذكور إليهم، ونصرته لمذهبهم وتقويهم به وتبجحهم لكونه من أعيان الزمان وممن يشار إليه بالبنان، وله تبصر في علوم المعقول وخوض في تفسير الكتاب العزيز وسنة الرسول صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم، خلا أنه ممن غلبته نفسه على المراء، والإدلال على ما لا يعنيه من تمحلات التأويلات الباطلة والاجتراء، فنعوذ بالله من ذلك ومما يوقع من اتباع النفس ومهاوي() الهلاك، فوقع ما حصل منهم من الذب عنهم صورة حجة مقوية، وهي في نفس الأمر شبهة لهم مغوية كلامعة السراب يحسبه الظمآن ماء وما هي لظمائه بمروية، وإلا فقد كان قبل ذلك خمدت نارهم، وقل تظهّرهم بذلك واشتهارهم، ونبأ بحمد الله حدهم وانفل، ودرس منهج سلوكهم واضمحل، إلاّ من تخفّى بذلك الرقص والتصفيق والغنا في البيوت، خفى() من بارز الله سبحانه وتعالى بما هو من المعاصي على هذا الحال المنعوت، وما كان سبب ضعفهم وخذلانهم عن ذلك إلا ما صار يصدر عن الإمام أيده الله من النهي عن ذلك، والزجر عن السلوك في تلك المسالك، من أول دولته السعيدة، المجتاحة لفرق الضلالة والمبيدة، إلا أن عادته أيده الله الإليان قبل الإخشان، والتخفيف قبل التعنيف، رجاء للإكتفاء في النهي عن المنكر بلطائف الأمور، ومحبته عن التباعد() عما يؤدي إلى جرح الصدور، فجزاه الله عن المسلمين أفضل ما جزا راعياً عن رعيته، ما أرأفه بهم وألطف مزاجه، وأوضح من دعائه إياهم إلى الله منهاجه.

وأما حسن بن يحيى الجدر المشار إليه آنفاً فلم يدخل عليه في نفس الإمام أيده الله إلا خير، لعدم رسوخ يده في العلوم، وقرب مساعدته إلى هجر السبيل المذموم، ولحسن خلقه، وظهور قوة محبته لأهل البيت عَلَيْهم السَّلام.

ولما ظهر للإمام أيده الله قوة جدال القاضي محمد بن عطف الله المذكور في الذب عن أهل ذلك المذهب المنكور() أغلظ عليه القول، واشتد عليه النكر لتكلفه لتأويل() ما لا يحتمل غير التأويل الظاهر من الآيات القرآنية والأخبار النبوية ؛ محبة ليستر فضائح ما لا يجوز التأويل له من أهل هذه الطريقة في قوله أو فعله الموجبات للكفر الصريح.

وقد أشار الإمام أيد الله في خطبة كتابه شرح أثمار الأزهار() إلى ما معناه : أن التأويل لا يجب إلا فيما ظاهره يخالف العقل والشرع من كلام الحكيم سبحانه والنبي المعصوم وأما في غيره فهو لا يجب، وأما لمثل هؤلاء القوم المقدِمين على مثل تلك الأفعال الخطيرة كقول بعضهم هو الحق أو قول آخر إنه لا يصل إلا لنفسه بل صلاة() غيره أيضاً لنفسه، أو من يفرق بين الحقيقة والشريعة، ويثبت مقام الولاية ويقدّمه على مقام النبوة والرسالة، وغير هؤلاء من أهل الأقوال الشنيعة فالتأويل لا يجوز أبداً، هذا خلاصة كلامه أيده الله سبحانه.

وفي خلال مراجعة الإمام أيده الله سبحانه للقاضي والفقيه المذكورين بيّن لهم بأدلة واضحة، وإلزمات فاضحة قبح() مقالات هذه الفرقة، وتأدية عقائدها الخبيثة إلى الكفر الصريح، والدخول في النصب بالإيماء إليه والتلويح، كقول بعضهم: إن آل النبي صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم إنما هم من كان من أتباعه يخبر بالمغيبات، إشارة إلى ما يزعمون من أن الولي يخبر بالمغيبات لأخذه عن الله سبحانه بغير واسطة على زعمهم الفاسد. قال: إذ المراد تشبيه آل نبينا صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم بآل إبراهيم صلوات الله عليهم في قوله كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وقد كان آل إبراهيم عَلَيْه السَّلام أنبياء يخبرون بالمغيبات، [فلا يكون آل نبيئنا صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم إلا أولياء يخبرون بالمغيبات]() وهذا هو الوجه الجامع بين المشبه والمشبه به، وأما الذين هم هم على التحقيق على ما يلوح من كلامهم هذا فليسوا بآل النبي صلى الله عليه وعليهم ؛ تعالى الله من أن يُدان بهذا علواً كبيراً، وهذا مأخوذ من معنى كلام حكاه الإمام أيده الله سبحانه في خطبة شرح المقدمة، ذكره لبعضهم وقد بينه هنالك أيده الله بياناً وافياً شافياً.

ثُمَّ أخذ القاضي الزريقي رحمه الله في نقل كلام الإمام في المعنى من أغزر القول ديمة وأكثر قيمة. قال: ثُمَّ إن الإمام أيده الله لما أفحم القاضي المذكور والفقيه رجع كل منهما عما اعتقد إلى إصلاح ما أبطل من دينه وفسد، ثم لاح للإمام أن رجوع القاضي المذكور مداجاه فما قبلته نفسه الكريمة فأعاد عليه المراجعة في موقف آخر، وفي حضرته الشريفة جماعة من العلماء الأعيان وأحبّ حضورهم ليكونوا شهوداً، فلما راجعه لاح له بقاء القاضي على تلك العقيدة الرديّة فصارحه() بمرّ الحق وسمّعه بمنزلته عند الله من الكفر، وأنه لا بد له من الإقلاع، فإن لم يفعل عامله معاملة المرتدين وأمره باعتزال الزوجات له وعدم قربانه المساجد في ترك الحال، وأمهله حتى يراجع نفسه أن ترجع وإلا عُومِلَ بالقتل.

ثم أن القاضي المذكور رجع وأناب، واستغفر ربه وتاب، وكتب رسالة صدرها:

بسم الله الرحمن الرحيم ، وبه نستعين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

الحمد لله الذي جعل الشريعة منهاجاً إلى نيل السعادة الأبدية، فمن تمسك بها استقر على الصراط المستقيم، ولم ترعه() حوادث الأيام وما يطرأ من الشبه الردية، وخاض في بحر الحق لسفن النجاة هداة() الأمة المرضية، أولئك آل الرسول الأطهار غير مغتر بقول كل فرقة غوية. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المختص بصفات الكمال، المنزه عن كل نقص في الذات والصفات الأزلية، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المؤيد بالقرآن لإرشاد البرية، صلى الله عليه وعلى وآله الأبرار المنزهين عن نقائص البشرية، وبعد :

فإن أهم ما تبنى عليه القواعد تحقيق أحوال العقائد، وتمييز الصحيح منها والفاسد، وذلك بميزان البرهان عن السنة المرضية ومحكم القرآن، فمن قال غير ذلك فهو في مركب الغواية خابط، وعن سماء الدراية ساقط، {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153)} [الأنعام]. ثم إن المنهمكين في الضلال، وادعاء الأحوال من غير صدق وفعل قوم من الصوفية جعلوا الإرادة وسيلة إلى نيل أغراضهم الردية، وشبكة يقتنصون بها الأموال السنية، ولذلك اتخذوا الحلول المنـزه عنه القديم صفة من الصفات، وأضافوا أعمالهم الشنيعة إلى الذات، فوقعوا من الباطل على أعلى منار به، ورتعوا في رياض الجهل حاضّين() أفواههم من آثاره، ومع ذلك ...........()

فلما ملك مولانا الأعظم، الجليل الأكرم، إنسان عين الأئمة الهادين المهتدين، وواسطة عقد الخلفاء المصطفين، مولانا ومالك أمرنا، وخليفة عصرنا، الإمام الأواه، الباذل نفسه من الله المتوكل على الله() شرف الدين بن شمس الدين بن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه بلغه الله ما رجاء وأمّل وكفاه كل شر وضير وجلل ؛ صنعاء فنهانا عن ذلك المذهب الردي بعض نهي ولم يبالغ في ذلك، ولما تحقق فساد ذلك المذهب وخلله بعد أن نظر في مجمله ومفصله نظر تدقيق وتحقيق إذ تليت() على ما صح للإمام اعتقاد الحلال والحرام، فنظر في ذلك فإذا هو مبني على غير قواعد الدين الحنيف، وأسّس على أساس من التلبيس والتحريف ؛ نهانا عن الوقوف في الربط على ذلك الأمر، وبين لنا خلل ذلك الأمر وفساده، ونزوله عن الشريعة المحمدية وانحطاطه، وأتى() في ذلك المقام بعلوم جمة وأخبار مهمة، كان ينبغي تدوينها لو حصل من أحد الحاضرين همة، لما اشتملت عليه من الفوائد، ثم تركنا ذلك ومعي في النفس شيء لعدم الاطلاع على ذلك بالكلية، مع ما قد وقع في النفوس من تبيين ما لم يخطر ببال، ولا أبرزه أحد من الرجال.

ثم لما كان في شهر جمادى الآخرة من سنة تسع وثلاثين وتسعمائة حضر الفقيه حسن المذكور في حضرة الإمام عَلَيْه السَّلام فأبان لي في ذلك وللحاضرين في مذهب الصوفية من الخلل ما لا مزيد عليه، ومن الكفر ما لا يقاس به ولا يزاد عليه، وأن بعضهم يدعي أنه متحد بالذات تعالى عن ذلك علوا كبيراً، وبعضهم يدعي أن الولاية أعظم من النبوة تجرياً وكفراً، وقد كنا سمعنا ذلك، وأوّلناه بجهل منا تأويل مردود، وكلام غير محمود، وظننا أن ذلك يُخَلّصنا عند الله وعند رسوله، حتى أبان الإمام وأخبر حفظه الله تعالى أنه لا يقبل الكلام المشتبه، ويأول [كلام]() الآمر الحكيم القادر والنبي المعصوم وأما غيرهما فلا يقبل منه ذلك، ويرد في وجه قائله ما هنالك، وأظهر من المفاسد والمعايب والنقائص والمثالب التي هي فسق واضح، وكفر صريح لا يقر خاطر مؤمن عليها، ولا يرتضيها له مذهباً. وذكر الإمام حفظه الله في مصنفه أنهار الأثمار() - بلغه الله تمامه- من القبائح والشناعة والفضائح ما لا مزيد عليه، ومن أراد أن يقف على ذلك فلينظر في ذلك المصنف.

ولما تيقنت ذلك وتحققته عرفت أني خابط خبط عشواء، وأني في الخطأ والخطل بل الكفر والنفاق والزلل، لولا قد() تداركني الله تعالى ببركة الإمام حفظه الله ونصره، فنعوذ بالله من خفي الكفر وصريحه، وباطنه وظاهره . ولما كانت التوبة تَجُبّ ما قبلها وتحرض ما تقدمها ؛ اشهدت الله وملائكته ورسله وأنبيائه وأئمة الله ومولانا الإمام نصره الله شرف الدين، وكل من بلغه أو سمع ذلك من المسلمين أني أستغفر الله وأتوب إليه من اعتقاد تصويب مذهب الصوفية، ومما تأولت له قبل هذا الموقف وما فعلت من ذلك من فعل أو عمل أو اعتقاد أو نية، وذلك كله بجهل مني، نادماً على ما فعلت من ذلك، مقلع في الحال، عازم() على أن لا أعود إلى شيء من ذلك في المآل، وكفى بالله شهيداً {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة:95]، والله خير الشاهدين.

ثم إني أرجع وأقول، ولا أحيد عن الحق ولا أحول، وإني أبرأ إلى الله تعالى من أهل الحلول الذين يقولون أن الله جل وعلا يحل في الصور، وكذلك من يعتقد في حق الباري تعالى حقيقة الإتيان والمجي والنزول، أو أنه مستو على العرش كاستواء() الجسم في المكان؛ لأن هذه كلها من صفات الأجسام، قال أمير المؤمنين كرم الله وجهه في الجنة: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معلوم، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) إذ الله تعالى مبرأ عن ذلك، منزه عن السلوك في هذه المسالك، لا يوصف بكيفية ولا أينيّة ولا إحاطة. وكذلك أبرأ من أهل الإباحة والخرقة() والمتظهرين بالنواميس، وكذلك ما ينسب من الشعر إلى عبد القادر الجيلاني() فإنه يدل على المعنى القبيح والكفر الصريح، وقد ذكر مولانا الإمام - نصره الله وحفظه- أن عبد القادر منزه عن ذلك ولا ينسب إليه لأجل منصبه من الشرف، ومحله من العلم، وذلك حقيقة، فإن الكلام() المنسوب إليه ضعيف القواعد ملحون لحناً فاحشاً لا يصدر إلا من أضعف الناس وإنما قيل على لسانه ؛ فإن صح عنه فهو كفر.

وأما ما يترجم عن اعتقادي في الذات والصفات في مجمل() القول لا مفصله ؛ فهو أني قد علمت، وأعتقد أن حقيقة التوحيد العلم بأن الله واحد لا ثاني له يشاركه فيما يجب له من الصفات ويستحيل عليه منها نفياً وإثباتاً على الحد الذي يستحقه، وأنه شيء لا كالأشياء، لا تشبه ذاته الذوات، ولا صفاته الصفات، منزه عن الجسمية والعرضية وتوابعهما من الجهة والمكان، والحلول والاجتماع والافتراق، وغيرها من صفات الأجسام، وكلما حكاه الفهم أو تخيله الوهم فإن الله سبحانه بخلافه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

فلما تم هذا مني وصدر عني أمرت بالتوبة جميع من أعرفه إن كان يميل إلى ذلك أو تخالطنا على ما هنالك وحقيقة الأمر ومقتضاه() وعرفتهم بمراد مولانا حفظه الله تعالى إذ ليس له مراد إلا هداية الخلق، وتبيين الحق فتابوا عن ذلك، وأعرضوا عن تلك المسالك، فحصلت التوبة وتقررت من الجميع، ورجعوا عن ذلك الأمر الشنيع، بعد أن عرفت وتيقنت أن ذلك التبيين() والإظهار واجب عليَّ، وأن قبح ذلك وآثامه يعود إلي، مع أنهم لا يعرفون شيئاً من العقائد التي تأول بمعتقدها إلى المفاسد، لجهلهم وعدم معرفتهم وإنما كان يجمعهم الذكر الذي قد علم، فحصل جميع ماطابت به النفس، ولم يبق في قلب أحد منهم زيغ ولا لبس.

فالحمد لله على كل حال وصلى الله على سيدنا محمد وآل خير آل، والشكر لله سبحانه ثم لمولانا الإمام - نصره الله تعالى- على تيسير ذلك الأمر وإظهاره، وتحقيقه لبطلان ذلك الحال وإنكاره، {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ(8)} [آل عمران]، والحمد لله رب العالمين.

فلما ظهرت هذه الرسالة طابت نفس الإمام والعلماء وحملوه على ظاهرها، وهو الذي يجب وفي ألفاظها ما يدل على عدم التصنع.

ولما فتح الإمام صعدة وجد عند بعض متصوفيها() كتاب من الفقيه حسن الجدر فيه التحريض له على البقاء على التصوف، وأنه لا يروعه() الكلام، والزجر من الإمام. فلما رأى الإمام ذلك همّ بقتله، فأشار بعض الحاضرين بحبسه، فأمر الإمام ابنه شمس الدين بحبسه. ثم إن الفقيه حسن حلف الأيمان المغلظة أنه قد خرج عن هذا المعتقد سراً وجهراً، وأن الكتاب كان قبل رسالة ابن عطف الله، فقبل الإمام عذره، واستمرت الحال إلى شهر صفر سنة اثنتين وأربعين ثم ظهر منه البقاء على مذهبه المشوم، وأنه مسر لكفره() أمر الإمام بقتله، فقتل في ضحوة نهار الجمعة الحادي والعشرين من شهر صفر المذكور بحلقة صنعاء.

1193- محمد بن عز الدين المفتي() [... - 973هـ]

السيد العلامة محمد بن عز الدين المفتي جامع الحاشية على الحاجبية رحمه الله.

قال القاضي أحمد بن صلاح الدواري في صفة السيد:

كنت لازمت وأدركت مولانا السيد المقام العلامة عز الدين محمد بن عز الدين بن صلاح بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن المؤيد عَلَيْهم السَّلام منذ ابتداء طلبي إلى حين وفاته رحمه الله، وقرأت عليه الحاجبية وحاشيته عليها، وبعض المفصل وبعض مقدمات البحر والأزهار، ثم شرعنا عليه في قراءة كتاب الأحكام من البحر الزخار إلى أن قطعنا من تمام قراءته عليه عائق الحمام ، فالله المستعان . وكان فارس العلوم في كل فن، مع حسن تأديبه() وتعليمه، ولطفه وترغيبه، وتوسعه وبذله لنفسه لكل طالب وراغب، فجزاه الله أفضل الجزاء في جنات المأوى.

1194- محمد بن عز الدين المفتي (الحفيد)() [.... - 1050هـ]

السيد الإمام العلامة محمد بن عز الدين المفتي بن محمد بن عز الدين المؤيدي.

إمام العلوم المطلق، منتهى المحققين وبقية() المدققين، قرأ على أحمد الضمدي المسمى بالحصب من آل النعمي في الحاجبية، وقرأ المطول على العلامة عبد الله المهلا النيسائي شيخ العربية وإمامها، وقرأ عليه أكثر نجم الدين ، وقرأ بعض نجم الدين على السيد علي ابن بنت الناصر وكان هذا السيد علي إماماً علامة، وازر المطهر بن الإمام. وفي أصول الفقه على والده، وعلى الفقيه صلاح الشظبي، وفي أصول الفقه أيضاً عن السيد صلاح بن أحمد الوزير، وعنه أخذ [طرق]() الحديث. وفي الكشاف على والده، وفي الفروع على صنوه المهدي، وعلى إمام العلم سيد العلماء عبد الله بن أحمد بن الحسين المؤيدي، وقرأ في الحديث على الشيخ الخاص الحنفي، وأجازه فيه وفي غيره، وقرأ على العلامة الصابوني وعلى العلامة محمد شلبي الرومي، وقرأ الشمسية على الشيخ أحمد بن علان البكري المصري . ووالده عز الدين أول من خرج من صعدة إلى صنعاء، أخرجه الأروام قسراً، بقي في الحبس حتى أخرجه بعد أن أخرج الأمراء أولاد الأمير أحمد بن الحسين محمد وأحمد وعبد الله والحسين.

1195- محمد بن علي بن إسماعيل الكتاني [... - ق 9هـ]

الفقيه العلامة العابد الزاهد أحد العلماء العباد المبرزين محمد بن علي بن إسماعيل الكتاني. كان مبرزاً، وهو الساعي برأي الثأي يبن الإمام المهدي والسيد محمد بن إبراهيم بعد أن حصل بينهما التناظر، ثم التناضل، فسعى بينهما المذكور بالصلاح .

رحمه الله تعالى.

1196- محمد بن العفيف() [... - 600هـ]

السيد العلامة محمد بن العفيف.

عالم كبير فاضل شهير، ولما مات رثاه المنصور بالله عَلَيْه السَّلام فقال [من الطويل]:

أقول وأيام الحياة قليل
ألا كل حي ما خلا الله هالك
نظل ونمسي والحمام كأنه
إلى أن قال :

سقى جدثاً وارى سواد محمد
ولا زال ريحان ومسك وعنبر

 

وقد غالت الأحباب بعدي غول()
وليس إلى نيل الخلود سبيلُ
علينا بإتلاف النفوس كفيلُ

أغر كنصل السيف وهو صقيلُ
على القبر تذريه صبا وشمولُ

 1197- محمد بن علي بن المرتضى() [... - ق 8هـ]

السيد محمد بن علي [بن ]المرتضى.

قال السيد أحمد بن عبد الله رحمه الله حاكياً عن السيد الهادي رحمه الله في تاريخ السادة: هو في الفضل والحلم والورع على منهاج آبائه الطاهرين، ولست أذكر إلا دون ما فيه من العلم والفضل والورع والتقوى، كان() رحمه الله معروفاً بالشارة الطاهرة، والفضل الظاهر، والورع الحاجز، والمروَّة الفائضة، والنصرة التامة الحسنة، وعلى الجملة فإنه من أكمل الآباء الطاهرين صلاحاً وفلاحاً، ونسكاً ومعرفة، وورعاً وزهداً، وفضلاً ومجداً، وغضاً للنظر عن المحارم، وقصراً للجوارح عن المآثم، ونشراً لجلباب الزهادة، وتقمصاً لبرود العبادة، وابتذالاً لسربال السماحة، وارتداءً بثياب الرجاحة، حليف العفاف والتقوى، وعدو إتباع الشهوات والأهواء، عرف بذلك من صغره إلى كبره.

وكان رحمه الله تعالى ظاهر الكرامات واضح العلامات، ومما يحكى من كراماته أنه وصل إلى ذمار لزيارة الإمام الناصر عَلَيْه السَّلام، ولما دخلها صادف فيها رجلاً من أهل جبل كبّة من فضلائهم دخل متسوقاً، فلما رأى السيد مال قلبه إليه من غير معرفة، فترك شأنه وأقبل يلازم السيد في مدة إقامته، فظهر له من كراماته وواضح بركاته ما أوجب عليه أن رحل معه بأهله إلى هجرة وقش وسكنها إلى الآن، وهو جد الفقيه قاسم البناء.

ومما حكاه الفقيه عنه رَضِيَ الله عَنْه أنه بلغ معه إلى يكْلَى() واشتهى عنباً في زمان شات، فيسر الله سبحانه في ذلك المكان وفي ذلك الزمان ذلك المطلوب، قال: وأكلنا منه حتى قضينا الوطر الكامل، وهو مشهور البركة والفضل.

وكان رأيه الكف عن الترضية عن المشائخ حتى أنه كان يأمر باعتزال الصلاة جماعة مع ابن أخيه صلاح بن إبراهيم ويقول : إنه يرضي عن الصحابة، وإنما اكتفي بهذه الجملة عن التفصيل تعليلاً للثناء، واستدلالاً باليسير من الثناء.

1198- محمد بن علي بن المنصور [... - ...]

السيد العلامة محمد بن علي بن المنصور بن محمد بن الناصر بن علي بن المهدي.

قال في تاريخ السادة: كان من أهل الفضل والدين، ومن عيون أهل البيت المطهرين، قرأ في اللغة والعربية، والفقه والفرائض، انتهى.

1199- محمد بن علي بن ناجي [... - ...]

الفقيه محمد بن علي بن ناجي: عالم كبير مشهور رحمه الله تعالى.

1200- محمد بن الإمام علي بن موسى الرضا() [195 - 220هـ]

الشريف محمد بن علي بن موسى الرضا: هو أبو جعفر الثاني الملقب بالجواد وبالتقى أيضاً، وأمه أم ولد يقال لها الخيزران من مولدات المدينة .

ولد في النصف من شهر رمضان سنة خمس وتسعين ومائة، وكان في غاية الفضل ونهاية النبل ، وزوّجه المأمون ابنته أم الفضل، وكان الرشيد يجري على موسى بن جعفر في كل سنة ثلاثمائة ألف درهم، وأن له في كل شهر عشرين ألف درهم، فقال المأمون لمحمد بن علي بن موسى: لأزيدنك إلى مرتبة أبيك وجدك. فأجرى له ذلك، ووصله بألف ألف درهم، وتوفي سنة عشرين ومائتين، وقيل: سنة تسع عشرة ومائتين لخمس خلون من ذي الحجة.

قال أبو نصر البخاري : سقاه المعتصم السم، ويقال : أم الفضل بنت المأمون سقته بأمر أبيها، ودفن رَضِيَ الله عَنْه ببغداد في مقابر قريش إلى جنب جده موسى الكاظم.

*  *  *

وأما أبوه علي بن موسى الرضا عَلَيْهم السَّلام فإنه زوجه المأمون ابنته أم حبيب فلا يلتبس على الناظر.

وعلي بن موسى أمه أم ولد أسمها سلامة بالتخفيف، وقيل: تكتم().

وكان أسود اللون يكنى أبا الحسن ويلقب بالرضا.

ولد سنة إحدى وخمسين، وقيل: ثلاث وخمسين ومائة.

كان من العلم والفضل والزهد والعبادة بحيث لم يكن في عصره مثله، وكان الفضل بن سهل وزير المأمون، قد حض المأمون على أن يبايع علي بن موسى بولاية العهد، وقال له: تجمع بهذه البيعة المتفرق، وتؤلف بين القلوب، وتقضي حق آل الرسول صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم وعلي بن أبي طالب رَضِيَ الله عَنْه.

فأرسل المأمون رجاء بن الضحاك وباشر الخادم إلى علي بن موسى لإشخاصه فحمل مكرماً، ووصل إلى المأمون والمأمون بمرو، ولما قرب منه خرج المأمون فتلقاه وأكرمه وحمل بين يديه أموالاً، وأنزله بأحسن منزل، وأمر المأمون بخواص الأولياء فأعلمهم أنه نظر في ولد العباس بن عبد المطلب وولد علي بن أبي طالب رَضِيَ الله عَنْهم، فلم يجد في وقته أفضل ولا أحق بالأمر من علي بن موسى فبايع له بولاية العهد، وضرب اسمه على الدراهم والدنانير، وخطب بعض الخطباء على بعض المنابر العباسية فقال: اللهم وأصلح() ولي عهد المسلمين، علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي :

ستة آباءٍ همُ ما همُ

 

هم خير() من يشرب صوب الغمام

 واختار له المأمون لباس الخضرة وقال: هو لون الجنة ولباس أهلها، فجعلت الأعلام والألوية خضراً وكتب بالتخضير إلى الآفاق، وأعطى الجند رزق سنة، وذلك في يوم الاثنين لتسع خلون من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين، فلما عقد المأمون لعلي بن موسى قلق لذلك العباسيون فخلعوا المأمون، وعادا المأمون قوّاد خراسان والعباس بن المأمون على الخصوص، وعابوا الخضرة وباعوا السواد، فنادى المأمون عند ذلك بالرحيل إلى العراق، وكان الرضا على يقين أن هذا الأمر لا يتم له، ويقال أيضاً: أن المأمون لم يكن مريداً لهذا وإنّما أراده عليه الفضل بن سهل.

وروى أبو بكر الصولي عن عبد الله بن أبي سهل بن بوبخت أنه قال: والله ما أراد المأمون بما فعل إلا أن يستأنس القوم بعد وحشتهم، فيراهم الناس وقد دخلوا مداخلهم ؛ لأن الرشيد أوحشهم في أيامه فاستخفوا وكان الناس يتمسحون بهم إذا رأوهم، فإذا رأى الناس من بعضهم ما ينكرون خف ما كان لهم في قلوبهم، ثم إن الفضل بن سهل قتله غيلة بسرخس في الحمام، فاستعظم المأمون وقتل قتلته، فلما صاروا إلى طوس متوجهين إلى العراق توفي الإمام علي بن موسى الرضا بعنب كان قد أكثر منه، ويقال: إنه كان مسموماً، وذلك في صفر سنة ثلاث ومائتين وصلى عليه المأمون ودفن إلى جنب الرشيد هارون بن محمد، وفي ذلك يقول دعبل بن علي الخزاعي [من البسيط]:

قبران في طوس خير الناس كلهم
ما ينفع الرجس من قرب() الزكي وما

 

وقبر شرهم هذا من العبر
على الزكي بقرب الرجس من ضرر

 1201- محمد بن علي بن المهدي الجحافي [... - ق 10هـ]

السيد محمد بن علي بن المهدي الجحافي رحمه الله، كان عالماً فاضلاً جليلاً، له معرفة في فروع الفقه، تولى القضاء للإمام شرف الدين وأولاده.

1202- محمد بن علي بن عبد الله بن الهادي [... - 1029هـ]

العلامة محمد بن علي بن عبد الله بن الهادي بن يحيى بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن محمد بن الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة.

عالم كبير، مات باللحية، وكان استأجره الإمام المؤيد بالله لتأدية ما أوصى به الإمام القاسم من الحج، وكانت وفاته في ذي القعدة عام تسع وعشرين وألف بساحل اللحية كما ذكرنا.

1203- محمد بن علي بن جعفر الزُّمدي() [... - 1079هـ]

القاضي الزاهد المجتهد الرئيس محمد بن علي بن جعفر الزمدي() بضم الزاي نسبة إلى قرية ببلاد خولان الشام.

كان عالم كبير وفاضل شهير، وهو مصنف مختصر السيرة.

توفي في ثامن عشر شهر رمضان الكريم سنة تسع وسبعين وألف، وقبره بجبل رازح، وقبر في قبة بناها إلى جنب القبة التي فيها الساة العلماء بقلعة غمار، وأمر أن لا تسقف القبة رَضِيَ الله عَنْه().

1204- محمد بن علي الشظبي() [... - ...]

العلامة الفقيه الفاضل محمد بن علي الشظبي صاحب تجريد شرح العمدة.

أمر الإمام المؤيد بالله محمد بن أمير المؤمنين المنصور بالله عَلَيْهما السَّلام أن يكتب للشرح ترجمة، قال : تجريد شرح العمدة مع زيادة بكتب معتمدة، مما جمعه الفقيه الفاضل، الأوحد الكامل، العالم العامل محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن مسعود بن علي الحاشدي الشظبي غفر الله لهم ولجميع المسلمين .

وشرح العمدة الذي هو تجريده من إملاء الشيخ الإمام، العلامة الحبر القدوة، علم العلماء، وناظورة الفضلاء، بقية المجتهدين محمد بن علي بن وهب القشيري، عرف باب دقيق العيد ؛ وهذا الشرح() هو كتاب العمدة في الأحكام عن خير الأنام رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم محمد بن عبد الله عليه وعلى آله أفضل السلام، جمعه الشيخ الإمام العالم تقي الدين أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الحنبلي()، وجملة ما في العمدة من الأحاديث أربعمائة حديث على حسب ما عده المؤلف، وجميعها مما اتفق عليه الإمامان أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج ذكر ذلك مؤلف العمدة.

1205- محمد بن عليان البحيري() [... - 545هـ]

الشيخ الأمجد() محمد بن عليان البحيري .

هو شيخ العصابة الموفق في مراماته ومراميه للإصابة، كان يشبّه بأبي السرايا سري بن منصور الشيباني، ونسبه رحمه الله في بني بحير بن ضياف أرحب .

وكان كما قال السيد العلامة محمد بن عبد الله بن الهادي الوزيري رحمه الله :

من كبار الشيعة، وذوي الجاهات الوسيعة، وكان يخالط الكبراء والأمراء والسلاطين والملوك، وتقدَّم بنفسه إلى ملوك بني زريع، فأخذ الولاية منهم لحاتم بن أحمد بصنعاء ومخالفيها، وإنّما فعل محمد ذلك لأن حاتماً كان محسناً إلى الشيعة، فلما حصلت الولاية لحاتم واستوسق() له الأمر قتل محمد بن عليان غيلة بقاع سهمان، فغضبت الشيعة واجتمعا [فريقا]() الزيدية المخترعة والمطرفية، وقصدوا الإمام أحمد بن سليمان فبايعوه وخرج في عسكر ضخم من همدان وغيرهم فقصد صنعاء وأخرج حاتماً منها.

قلت: وقد عد من تصدر لرقم أخبار الزيدية ما كان محمد بن عليان عليه من الهمة السامية في إعلا الشريعة وإعلانها، وقيامه وقعوده، وإنضائه الرواحل، وقطعه المراحل إلى أبواب الملوك ليزيل الأكثر بالأقل كما جرت الشريعة به، وكما هو شرع الأنبياء والمرسلين بل لا عبادة لهم حقيقة إلا ذلك، ولو جعلناه مثلباً لكان إلى الأنبياء والمرسلين والخلفاء الراشدين أسرع من منحدر السيل صانهم الله، ولقلنا كيف رغب يوسف الصديق فيما رغب، ووصف نفسه بالأمانة عند كفار لِيَلي مصالح الأمة، وكان صلوات الله عليه يعرض نفسه في المواسم ويدعو الناس، ولما امكنته الفرصة نقب النقباء في أول يوم، والله يقول (فيمن قال فيهم)(): {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا(75)خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا(76)} [الفرقان].

[وهذا دليل الرضى عنهم لأوصافهم السابقة التي خاتمتها قوله تعالى: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(74)}]() .

وهذا طلب للعلو لكنه العلو الديني، وما ينبغي لمسلم أن يحط همته عن هذا العلو، وإنما هذا المسلط رجل من المطرفية وهو مُسلم اللحجي هو ابن دايه() المتطلب لأعراض أهل الحق ووصم() الدعاة من الأئمة فضلاً عن محمد بن عليان، وما بغضه للأئمة إلا أنهم كشفوا عن عواره، وأظهروا شيئاً من() شناره، ولقد أثنى على الشريف السيد الحسن بن محمد الحسني المعروف بالقاضي بامتناعه عن القيام بعد أن ذكروا أوصافه وكماله، وجعل مناط المدح امتناعة من القيام بالحق، وأرسل لسانه على الإمام أحمد بن سليمان عَلَيْه السَّلام لما دخل في الفرض الواجب.

ومما ذكره مُسلم في شأن محمد بن عليان قال: رأيت بمسجد آل أبي طاهر بنجران على اسطوانة منه:

قل لابن عليان: دع عنك النواميسا
إن كان إبليسُ أغوى الناسَ كلَّهم

 

فإن ذلك أمرٌ صار مدروسا
فأنت أنتَ الذي أغويت إبليسا

 قال: فسألت فيمن قيلت؟ فقيل لي: فيه. وسألت من القائل فقيل رجل من صنعاء، وقيل: محمد بن حسن الطثير الحضوري . قال: وكان كثير الأهاجي شاعراً فيها.

قلت: يا لله ! العجب كيف انتصرت بهذا الشاعر المفتون، وسطوت على هذا العرض المصون، لا جرم أن الشعراء يتبعهم الغاوون.

وكان مُسلم هذا منحرفاً عن العصابة المطهرة عصابة الزيدية حقاً، وإن كان يزعم أنه هو الزيدي، فإنه اجتمع هو ومحمد بن عليان رحمه الله في دار القاضي أبو الخير أحمد بن عبد السلام بن أبي يحيى والد القاضي جعفر رحمه الله بمدينة صنعاء ليلة من الليالي فصلّى مُسلم العشاء الآخرة ومحمد ينظر صلاته فلم يعدُ عن صلاة الزيدية. فقال له محمد: أراك تصلي صلاتنا، قال: ومن أنتم؟ قال: نحن الزيدية، فقال مُسلم: يا شيخ يا محمد نحن الزيدية! وكثّر من أمثال هذا، وذكر له أن الزيدي حقاً أبوك() عليان بن إبراهيم، وذكر صفاته وسأذكر إن شاء الله شيئاً من أخبار والده عليان، فإنه كان رأساً من المطرفية وإنما احترق عليه مُسلم لذلك.

قلت: ومن مناقب محمد بن عليان رَضِيَ الله عَنْه نقمه بثأر الشريف الأمير مفخر آل يحيى بن الحسين العالم الشجاع المُحَسَّن بن الحسن ....... قاتل الزواحي بين ثلا وشبام، ناقماً بثأر الأمير حمزة بن أبي هاشم رَضِيَ الله عَنْهم.

كان مُحَسّن() المذكور من عيون العترة وكبار الأسرة.